موسوعة زینب الکبرى بنت أمیر المؤمنین على بن أبی طالب علیه السلام جلد 5

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسوعة

زینب الکبری علیهاالسلام

بنت أمير المؤمنين

علي بن أبي طالب عليه السلام

جميع حقوق الطبع محفوظة

للناشر

الطبعة الأولى

1429 ه - 2009 م

لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.

دار نظير عبود

هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بيروت لبنان

محرر الرقمي: محمد مهدي فصيحي

اشارة

موسوعة

زینب الکبری علیهاالسلام

بنت أمير المؤمنين

علي بن أبي طالب عليه السلام

زینب في کربلا

جمع واعداد

السيد على عاشور

الجزء الخامس

دام نظير عبود

جميع حقوق الطبع محفوظة

للناشر

الطبعة الأولى

1429 ه - 2009 م

لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.

دار نظير عبود

هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بيروت لبنان

العقيلة زينب بنت علي في كربلاء

مقدمه :

قال المفيد: قال علي بن الحسين علیهاالسلام : إني جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني (1)إذا اعتزل أبي في خباء له، وعنده فلان مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه أبي يقول :

یا دهر أف لك من خليل *** كم لك بالاشراق والأصيل

من صاحب وطالب قتيل *** والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل *** وكل حي سالك سبيلي

فأعادها مرتين ، أو ثلاثا حتى فهمتها وعلمت ما أراد فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فلما سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع ، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه ،وقالت :والكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة، وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي، وثمال الباقي.

فنظر إليها الحسين علیه السلام وقال لها : يا أخته لا يذهبن حلمك الشيطان ! وترقرقت عيناه بالدموع، وقال: لو ترك القطا ليلاً لنام (2).


1) يقال : مرضه - من باب التفعيل إذا أحسن القيام عليه في مرضه وتكفل بمداواته، قال في اللسان: جاءت فعلت هنا للسلب وان كانت في أكثر الأمر إنما تكون للاثبات.

2) القطا: جمع قطاة وهي طائر في حجم الحمام صوته قطاقطا وهذا مثل، قال الميداني : نزل عمرو بن مامة على قوم من مراد، فطرقوه ليلا فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأته طائرة، فنبهت المرأة زوجها فقال: إنما هي القطا، فقالت: لو ترك القطا ليلا لنام. يضرب لمن حمل على مكروه من غير ارادته، وقيل غير ذلك. راجع مجمع الأمثال ج 2 174 تحت الرقم 3231.

فقالت : يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصابا؟(1)فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشية عليها.

فقام إليها الحسين علیه السلام نصب على وجهها الماء وقال لها : يا أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شي هالك إلا وجه الله تعالى ،الذي خلق الخلق بقدرته ،ويبعث الخلق ويعودون وهو فرد وحده، وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة، فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها : يا أختاه إني أقسمت عليك فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي وجها ،ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي.

ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرن بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت فيقبلوا القوم في وجه واحد والبيوت من ورائهم ،وعن أيمانهم، وعن شمائلهم قد حفت بهم، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم، ورجع علیه السلام إلى مكانه فقام ليلته كلها يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع، وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون (2).

وروي في كامل الزيارة للشيخ الفقيه أبي القاسم جعفر بن محمد ابن قولويه طاب ثراه، قال: حدثني نوح بن دراج، قال: حدثني قدامة بن زايدة، عن أبيه ، قال :


1) لا أرى لذكر الاغتصاب وجها والظاهر أنه تصحيف والصحيح: أفتحتسب نفسك احتسابا. يقال : احتسب ولدا له : إذ امات ولده ،كبيرا، ومثله احتسب نفسه : إذا عدها شهيدا في ذات الله ، وقد مر في ص 138 من ج 44 كلام الحسن بن علي عليهما السلام اللهم إني احتسب نفسي عندك فراجع.

2) كتاب الارشاد ص 215 و 216 وبحار الأنوار - العلامة المجلسي : 1/45 - 3.

قال علي بن الحسين علیه السلام : بلغني يا زايدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين علیه السلام أحيانا، فقلت: إن ذلك لكما بلغك، فقال لي : ولماذا تفعل ذلك، ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحدا على محبتنا وتفضيلنا، وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا؟

فقلت : والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله ،ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه ،فقال: والله إن ذلك لكذلك؟

فقلت : والله إن ذلك لكذلك ،يقولها ثلاثا وأقولها ثلاثا، فقال: أبشر ثم أبشر ثم أبشر، فلأخبرتك بخبر كان عندي في النخب المخزون : فإنه لما أصابنا في الطف ما أصابنا ، وقتل أبي علیه السلام ، وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب ،يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا ، فعظم ذلك في صدري، واشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي علیه السلام فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟

فقلت : وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي مصرعين ومضرجين بدمائهم ،مرملين بالعراء ،مسلبين ،لا يكفنون ولا يوارون ،ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر.

فقالت علیه السلام : لا يجزعنك ما ترى ،فو الله إن ذلك لعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون في أهل السماوات، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه ،على كرور الليالي والأيام، وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا.

فقلت : وما هذا العهد، وما هذا الخبر؟

فقالت علیه السلام : نعم حدثتني أم أيمن : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار منزل فاطمة علیهاالسلام في

يوم من الأيام، فعملت له حريرة، وأتاه علي علیه السلام بطبق فيه تمر، ثم قالت أم أيمن : فأتيتهم بعس فيه لبن وزيد ،فأكل رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين من تلك الحريرة، وشرب رسول الله وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكلوا وأكل من ذلك التمر والزبد ،ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم له يده وعلي يصب عليها الماء، فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه، ثم نظر إلى علي علیه السلام وفاطمة والحسن والحسين نظر !عرفنا به السرور في وجهه.

ثم رمق بطرقه نحو السماء مليا ثم وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه يدعو، ثم خر ساجدا، وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الارض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين وحزنت معهم ،لما رأينا من رسول الله وهبناء أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي وقالت له فاطمة ما يبكيك يارسول الله لا أبكى الله عينيك؟ وقد أقرح قلوبنا مانرى من حالك ؟

فقال : يا أخي سررت بكم - وقال مزاحم بن عبدالوارث في حديثه ههنا (1)- فقال يا حبيبي إني سررت بكم سرورا ما سررت مثله قط وإني لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته علي فيكم إذهبط علي جبرئيل فقال : يا محمد إن الله تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك، وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة، وهناك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم : يحيون كما تحيى (2)ويعطون كما تعطى حتى ترضى وفوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ،ومكارة تصيبهم بأيدي اناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من امتك، براء من الله ومنك خبطا خبطا وقتلا ،قتلا شتى مصارعهم نائية قبورهم ،خيرة


1) روی تلميذ ابن قولويه الحسين بن أحمد بن المغيرة هذا الحديث بسندين أحدهما ما ذكره المصنف في المتن والآخر قال : وقد كنت استفدت هذا الحديث بمصر عن شيخي أبي القاسم على بن محمدبن عبدوس الكوفى الله مما نقله عن مزاحم بن عبد الوارث البصري بإسناده عن قدامة بن زائدة عن أبيه ،زائدة عن علي بن الحسين .

2) تحبون كما تحبى، خ ل والحباء هو العطاء بلا من.

من الله لهم ولك فيهم ،فاحمد الله عزوجل على خيرته وارض بقضائه، فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم.

قال لي :جبرائيل يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك، مغلوب على أمتك، متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك ،يقتله أشر الخلق والخليقة وأشقى البرية، يكون نظير عاقر الناقة ،ببلد تكون إليه ،هجرته وهو مغرس شيعته وشيعة ولده، وفيه على كل حال تكثر بلواهم ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا - وأومى بيده إلى الحسين علیه السلام مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك، بضفة الفرات، بأرض يقال لها كربلاء ،من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته ،وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة ،يقتل فيها سبطك وأهله، وأنها من بطحاء الجنة، فإذا كان اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة تزعزعت الأرض من أقطارها، ومادت الجبال وكثر اضطرابها، واصطفقت البحار بأمواجها ، وماجت السماوات بأهلها، غضبا لك يا محمد ولذريتك، واستعظاما لما ينتهك من حرمتك، ولشر ما تكافي به في ذريتك وعترتك، ولا يبقى شي من ذلك إلا استأذن الله عز وجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك، فيوحي الله إلى السماوات والأرض والجبال والبحار ومن فيهم : إني أنا الله الملك القادر الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه ممتنع ،وأنا أقدر فيه على الانتصار والانتقام، وعزتي وجلالي لأعذبن من وتر رسولي وصفي وانتهك حرمته وقتل عترته ونبذ عهده وظلم أهل بيته، عذابا لا أعذبه أحداً من العالمين، فعند ذلك يضج كل شي في السماوات والأرضين بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك.

فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولى الله قبض أرواحهم بيده.

وهبط إلى الارض ملائكة من السماء السابعة ،معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة، وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء، وألبسوها الحلل وحنطوها بذلك الطيب، وصلى الملائكة صفا صفا عليهم ثم يبعث الله قوما من امتك لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول

ولا فعل ولا نية فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء، يكون علما لاهل الحق وسببا للمؤمنين إلى الفوز وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة، ويصلون عليه ،يسبحون الله عنده ويستغفرون الله لزواره، ويكتبون أسماء من يأتيه زائرا من امتك متقربا إلى الله وإليك بذلك، وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله «هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الانبياء »فإذا كان يوم القيامة سطح في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الابصار يدل عليهم ويعرفون به وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا ،ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عدده، ونحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك، لا يريد به غير الله عزوجل، وسيجد أناس ممن حقت عليهم من الله اللعنة والسخط، أن يعفورسم ذلك القبر ويمحو أثره، فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلاً.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهذا أبكاني وأحزنني.

قالت زينب علیهاالسلام :فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي علیه السلام ورأيت عليه أثر الموت منه قلت له: يا أبه ،حدثتني أم أيمن بكذا وكذا، وقد أحببت أن أسمعه منك، فقال : يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن ، وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين ، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبرا صبرا، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لله على ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم.

ولقد قال لنا رسول الله حين أخبرنا بهذا الخبر أن إبليس في ذلك اليوم يطير فرحا فيجول الأرض كلها في شياطينه وعفاريته فيقول : يا معشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا في هلاكهم الغاية، وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم ، وحملهم على عداوتهم، وإغرائهم بهم وأوليائهم، حتى تستحكم ضلالة الخلق وكفرهم ،ولا ينجو منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس وهو كذوب، أنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم وموا لاتكم ذنب غير الكبائر.

قال زائدة : ثم قال الإمام علي بن الحسين علیه السلام بعد أن حدثني بهذا الحديث : خذه إليك ما لو ضربت في طلبه آباط الإبل حولاً لكان قليلاً (1).

قال المجلسي : العس القدح العظيم قولها «رمق بطرفه »أي نظر ونشج الباكي ينشج بالكسر نشيجا إذا غص بالبكاء في حلقه، من غير انتحاب، وخبطه يخبطه ضربه شديدا، والبعير بيده الارض وطئه شديدا والقوم بسيفه جلدهم، وضفة النهر بالكسر جانبه والتزعزع التحرك، وكذلك الميد، والاصطفاق الاضطراب يقال: الريح تصفق الاشجار فتصطفق ،والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه وتره يتره وترا وتره، وضرب آباط الابل كناية عن الركض والاستعجال فان المستعجل يضرب رجليه بإبطي الابل ،ليعدو ،أي لوسافرت سفرا سريعا في طلبه حولاً.

أقول : هذا الجزء والذي يليه فحصص للحوادث التي جرت مع زينب علیهاالسلام اتبداء من بدء مسيرها من المدينة برفقة أخيها الحسين علیه السلام وحتى عودتها إلى المدينة.


1) بحار الأنوار: 179/46 - 184 ، وكامل الزيارات : 257 - 266 ، وكتاب العقيلة والفواطم / للشاكري : 58

بدء المسير إلى كربلاء

خروج زينب من مكة

انطلق موكب العقيلة زينب بنت علي علیهاالسلام مع أخيها الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام من مكة المكرمة يوم التروية يوم الثامن من ذي الحجة عام 60 ه- متوجها إلى العراق(1).

وقد خيم الأسى على أهل مكة فلم يبق أحد إلا حزن لخروج أهل البيت

علیه السلام وأسف على مفارقتهم خاصة محبيهم ومواليهم (2)


1) تاريخ الطبري 293/3 - 211.

2) الصواعق المحرقة .118

زينب علیهاالسلام في منطقة الخزيمية

واصل الإمام الحسين علیه السلام وصحبه وأهل بيته طريقهم حتى وصلوا «الخزيمية» هي احدى منازل الحج فأقام فيها يوما وليلة ليستريح من جهد الطريق وعناء السفر فلما أصبح أقبلت إليه أخته زينب بنت علي بن أبي طالب علیه السلام فقالت : يا أخي! ألا أخبرك بشيء سمعته البارحة ؟

فقال الحسين علیه السلام وما ذاك؟

فقالت بنبرات مشفوعة بالبكاء : إني سمعت هاتفاً يقول :

ألا يا عين فاحتفلي بجهد *** فمن يبكي على الشهداء بعدي

على قوم تسوقهم المنايا *** بمقدار إلى انجاز وعدي

فقال الحسين علیه السلام : يا اختاه كل الذي قضى فهو كائن(1).

ثم تابع الموكب الزينبي مسيره من الخزيمية متوجهاً إلى قرية نينوى والحزن مخيم على النساء والأطفال من مشقة السفر .


1) بحار الأنوار: 372/44، ومناقب آل أبي طالب : 95/4 ..

الركب الزينبي في قرية نينوى

ثم واصل الركب الحسيني مسيره حتى وصل إلى قربة من أرض العراق تدعى « نينوى »والتقى في هذا المكان رسول عبيد الله بن زياد ،والي يزيد بن معاوية على الكوفة، بالحر بن يزيد الرياحي وناوله رسالة من ابن زياد جاء فيها :

«اما بعد .... فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ،ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء وقد أمرت رسولي ان يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بانفاذك أمري والسلام »

عندئذ قال الحسين علیه السلام للحر بن يزيد الرياحي: إذا دعنا ننزل نينوى أو الغاضريات أو شفية .... فمنعهم الحر وقال : لا استطيع.

و انبرى زهير بن القين فقال للإمام الحسين علیه السلام :

انه لايكون بعد ماترون إلا ما هو أشد منه . .. يابن رسول الله ان قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، مما لا قبل لنا به »

فقال الحسين علیه السلام : ما كنت لأبدأهم بقتال.

وتابع زهير حديثه قائلا :

« سر بنا إلى هذه القرية حتى تنزلها فإنها حصينة - وهي على شاطئ الفرات - فان منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجي بعدهم »

وسأل الإمام عن اسم تلك الأرض؟

فقالوا له : انها تسمى العقر، فتشأم منها وراح يقول: اللهم إني أعوذ بك من العقر (1).

وأصر الحر على الإمام الحسين ان ينزل في ذلك المكان ولا يتجاوزه» ولم يجد الإمام بدا من النزول في ذلك المكان والقى ببصره عليه والتفت إلى أصحابه فقال لهم : ما اسم هذا المكان؟.

قالوا : كربلاء.

و دمعت عيناه وراح يقول :

« اللهم اني أعوذ بك من الكرب والبلاء »

ثم حدث أصحابه قائلا :

« هذا موضع كرب وبلاء، ههنا مناخ ركابنا ، ومحط رحالنا وسفك دمائنا » (2)

الاقامة في كربلاء

•

امام الحسين علیه السلام وصحبه البررة في كربلاء يوم الخميس في الثاني من المحرم سنة 61 ه- (3)

•

لما كان من الغد قدم عليه عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف (4).

•

لما نزل القوم بالحسين علیه السلام وأيقن أنهم قاتلوه ،قام في أصحابه خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال :

« أما بعد: فقد نزل ما قد ترون وأن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ،ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، إلا ترون إلى


1) الكامل في التاريخ 52/4.

2) الفتوح، لابن الأعثم 94/5

3) الفتوح لابن الأعثم 94/5

4) وقعة الطف، لابي مخنف 180.

الحق لا يعمل به والى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما »(1).

لما انهى خطابه تقدم إليه أصحابه معلنين له الولاء المطلق واستعدادهم التام على الشهادة، وهم يضربون أروع الأمثلة للتضحية والفداء من أجل العدل والحق وكان أول من تكلم من اصحابه زهير بن القين فقد قال:« سمعنا يابن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالتك، ولو كانت الدنيا لنا باقية ،وكنا فيها مخلدين لأثرنا النهوض معك على الاقامة فيها (2).

• انبرى رجل آخر من الأصحاب وهو برير فخاطب الإمام قائلا :

« يا بن رسول الله لقد من الله بك علينا ان نقاتل بين يديك وتقطع فيك أعضاؤنا ،ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة (3).

وقال نافع بن هلال وهو من أنصار الحسين وأصحابه :

«.....فوالله ما اشفقنا من قدر الله ،ولا كرهنا لقاء ربنا، وانا على نياتنا

وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك » (4).

لما اشتد العطش من الحسين علیه السلام واصحابه وكادوا أن يموتوا عطشا دعا أخاه العباس بن أبي طالب، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلا وبعث معهم عشرين قربة فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات فقال عمرو ابن الحجاج : من هذا؟

فقالوا : رجال من أصحاب الحسين علیه السلام يريدون الماء، فاقتتلوا على الماء قتالا عظيما، فكان قوم يقتتلون وقوم يملؤون القرب حتى ملؤوها فقتل من أصحاب عمر بن


1) حلية الأولياء 39/2

2) اللهوف في قتلى الطفوف، لابن طاووس 34

3) اللهوف في قتلى الطفوف، لابن طاووس 34 - 35.

4) المصدر السابق.

سعد جماعة ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد ثم رجع القوم إلى معسكرهم وشرب الحسين من القرب ومن كان معه (1).

ارسل الحسين علیه السلام إلى عمر بن سعد أني أريد ان أكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه عمر بن سعد في عشرين فارساً وأقبل الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين علیه السلام أصحابه فتنحوا عنه وبقي معه أخوه العباس وابنه علي الأكبر وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك ففاوضه الحسين علیه السلام طويلا، واقنعه بأن يمسك الطرفان عن القتال ويرجع الحسين علیه السلام من حيث أتى أو يذهب الى حيث يريد من بلاد الله ،وكتب عمر ابن سعد بذلك إلى عبيد الله بن زیاد فأبى ابن زیاد ذلك وكتب إليه :

« أما بعد فإني لم أبعثك إلى الحسين علیه السلام لتكف عنه ولا لتطاوله، ولا لتمنحه السلامة والبقاء ولا لتعقد له عندي شافعا، وانظر فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم ، واستسلموا فابعث بهم إلي سلما، وان أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره (2).


1) الفتوح لابن الأعثم ،1025 ، وقعة الطف، لابي مخنف 191 - 192

2) تاريخ الطبري 313 الكامل في التاريخ 55/4

الموكب الزينبي في مكة

وقبل أن يغادر موكب الإمام مكة انطلق إلى البيت الحرام فأدوا له التحية بطوافه وصلاته، وكان ذلك هو الوداع الأخير لهم وأدوا فيه فريضة صلاة الظهر ثم خرجوا تواكبهم الملائكة وتتبارك بهم...

فإنهم البقية من إرث السماء على الأرض.

لم تطلق نفس الحسين علیه السلام ولا أخته زينب علیهاالسلام ولا بقية الأصحاب أن يمروا بالقرب من مكة ولا يعرجوا على بيت الله الحرام والأبواء مدفن فاجدتهم خديجة بنت خويلد علیه السلام .

السلطة تلاحق المكوكب الزينبي

ولم يبعد موكب الإمام كثيراً عن مكة حتى لاحقته مفرزة من الشرطة بقيادة يحيى بن سعيد، فقد بعثها والي مكة عمرو بن سعيد لصد الإمام عن السفر إلى العراق، وجرت بينهما مناوشات ، وقد عجزت الشرطة عن المقاومة وكان ذلك الإجراء فيما نحسب صورياً، فقد خرج الإمام في وضح النهار من دون أية مقاومة تذكر . .. لقد كان الغرض من إرسال هذه المفرزة العسكرية إبعاد الإمام عن مكة، والتحجير عليه في الصحراء حتى يسهل القضاء عليه بسهولة، وأكد ذلك الدكتور عبد المنعم ماجد بقوله : «ويبدو لنا أن عامل بزيد على الحجاز لم يبذل محاولة جدية لمنع الحسين من الخروج من مكة إلى الكوفة بسبب وجود كثير من شيعته في عمله. بل لعله قدر سهولة القضاء عليه في الصحراء بعيداً عن أنصاره ، بحيث إن بني هاشم فيما بعد اتهموا يزيد بأنه هو الذي دس إليه الرجال حتى يخرج (1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 38/3.

حوادث على الطريق الى العراق

فزع السيدة زينب

روي أنه لما سارت قافلة الإمام حتى انتهت إلى (الخزيمية) وهي إحدى منازل الحج فأقام فيها الإمام يوماً وليلة ليستريح من جهد الطريق وعناء السفر، وقد خفت إليه أخته الحوراء عقيلة بني هاشم ،وهي تجر ذيلها وقلبها الزاكي يتقطع من الأسى والحزن، وهي تقول له بنبرات مشفوعة بالبكاء إني سمعت هاتفاً يقول :

الا يا عين فاحتفلي بجهد *** فمن يبكي على الشهداء بعدي

على قوم تسوقهم المنايا *** مقدار إلی دار إلى إنجاز وعدي

فقال لها أبي الضيم :

«يا أختاه كل الذي قضي فهو كائن » .

لقد أراد من شقيقته أن تخلد إلى الصبر، وأن تقابل الخطوب والرزايا برباطة جاش وعزم حتى تقوى على أداء رسالته (1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 44/3.

انتهاء المسير والوصول الى كربلاء

نزول ركب آل الرسول صلى الله عليه وسلم ارض كربلاء

قال السيد مرتضى العسكري :قال : فلما أصبح نزل فصلي الغداة ثم عجل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد ان يعرفهم فيأتيه الحر بن يزيد فيردهم فيرده، فجعل إذا ردهم إلى الكوفة ردا شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا فلم يزالوا يتسايرون حتى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين .

قال: فإذا راكب على نجيب له وعليه السلاح متنكب قوسا مقبل من الكوفة فوقفوا جميعا ينتظرونه فلما انتهى إليهم سلم على الحر بن يزيد وأصحابه ولم يسلم على الحسين علیه السلام وأصحابه فدفع إلى الحر كتابا من عبيد الله بن زياد فإذا فيه اما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء وقد أمرت رسولي ان يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بانفاذك امرى والسلام.

قال: فلما قرأ الكتاب ،قال لهم الحر :هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه ،وهذا رسوله، وقد امره أن لا يفارقني حتى انفذ رأيه وأمره، فنظر إلى رسول عبيد الله، يزيد بن زياد بن المهاصر أبو الشعثاء الكندي ثم الهندي فعن له فقال: أمالك بن النسير البدي؟

قال : نعم، وكان أحد كندة.

فقال له يزيد بن زياد ثكلتك أمك ماذا جئت فيه قال : وما جئت فيه أطعت امامي ووفيت ببيعتي، فقال له أبو الشعثاء : عصيت ربك وأطعت امامك في هلاك

نفسك، كسبت العار ،والنار قال الله عزّ وجلّ: « وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون » فهو إمامك.

قال : واخذ الحر بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية فقالوا دعنا ننزل في هذه القرية يعنون نينوى أو هذه القرية، يعنون الغاضرية أو هذه الأخرى يعنون شفية فقال لا والله ما أستطيع ذلك هذا رجل قد بعث إلى عينا فقال له زهير بن القين يا بن رسول الله ان قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمري ليأتينا من بعد من ترى ما لا قبل لنا به، فقال له الحسين ما كنت لأبدأهم بالقتال.

وفي الاخبار الطوال بعده :فقال له زهير :فههنا قرية بالقرب منا على شط الفرات، وهي في عاقول (1)حصينة، الفرات يحدق بها إلا من وجه واحد.

قال الحسين علیه السلام : وما اسم تلك القرية؟

قال : العقر.

قال الحسين علیه السلام : نعوذ بالله من العقر (2).

فقال الحسين للحر: سر بنا قليلا، ثم ننزل .

فسار معه حتى أتوا كربلاء، فوقف الحر وأصحابه أمام الحسين ومنعوهم من المسير، وقال انزل بهذا المكان فالفرات منك قريب .

قال الحسين : وما اسم هذا المكان؟

قالوا له : كربلاء .

قال : ذات كرب وبلاء، ولقد مر أبى بهذا المكان عند مسيره إلى صفين، وأنا


1) عاقول الوادي ما أعوج منه، والأرض العاقول التي لا يهتدى إليها.

2) مکان قرب كربلاء من نواحي الكوفة.

معه، فوقف، فسأل عنه، فأخبر باسمه، فقال: «ههنا محط ركابهم، وهاهنا مهراق دمائهم» ، فسئل عن ذلك، فقال: «ثقل لآل بيت محمد، ينزلون ههنا » .

وقبض قبضة منها فشمها وقال هذه والله هي الأرض التي أخبر بها جبرئيل رسول الله أنني أقتل فيها ، أخبرتني أم سلمة قالت: كان جبرئيل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معي فبكيت.

فقال رسول الله : دعى ابني، فتركتك فأخذك ووضعك في حجره.

فقال جبرئيل : أتحبه ؟

قال: نعم، قال: فإن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك تربة أرضه التي يقتل فيها، قال: نعم فبسط جبرئيل جناحه على أرض كربلاء فأراه إياها (1).

وفي رواية : لما أحيط بالحسين بن علي ،قال : ما اسم هذه الأرض؟

قيل : كربلاء.

فقال: صدق النبي صلى الله عليه وسلم انها أرض كرب وبلاء (2).

قال المؤرخون : ثم أمر بأثقاله فحطت بذلك المكان يوم الأربعاء غرة محرم سنة 61 ه-(3)

أو يوم الخميس الثاني من المحرم (4).


1) أوردتها بلفظ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة 142، وروى هذه المحاورة الدينوري في الاخبار الطوال 252 - 253 ، وتاريخ الخميس 297/2، .147./4 ص و مجمع الزوائد

2) ترجمة الحسين بمعجم الطبراني ح - 46 ، وكنز العمال 26 - 266 ، ومجمع الزوائد 9/ 192 ذيل الرواية التي أوردناها آنفا بلفظ سبط ابن الجوزي.

3) الدينوري في الاخبار الطوال ص .253

4) الطبري 232/6 ، وابن كثير (174/8 ، وأنساب الأشراف للبلاذري ص 176 ، وارشاد المفيد ص 210.

ولما نزل كربلاء كتب إلى ابن الحنفية وجماعة من بني هاشم : اما بعد: فكأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل (1)

وقد استفاد بعد الإمام الحسين الحسن البصري منه وكتب به إلى عمر بن عبد العزيز كما يبدو، وراجع الأغاني ط. ساسى 105/8.

معالم المدرستين للمسكري : 78/3


1) كامل الزيارة لابن قولويه ص 75 باب 23 .

منع الماء عن عترة الرسول صلى الله عليه وسلم

روى الطبري عن حميد بن مسلم الأزدي قال جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد: اما بعد فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان.

قال : فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء ان يسقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين بثلاث قال : ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي وعداده في بجيلة فقال : يا حسين ! الا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء !والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا.

فقال الحسين علیه السلام : اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبداً!

قال حميد بن مسلم :والله لعدته بعد ذلك في مرضه فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى يبغر ثم يقيء ثم يعود فيشرب حتى يبغرفما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعني نفسه.

موضع الخيام

قال القرشي : ونصبت خيام أهل البيت علیه السلام في البقعة الطاهرة التي لا تزال آثارها باقية إلى اليوم يقول السيد هبة الدين الشهرستاني: «وأقام الإمام في بقعة بعيدة عن الماء تحيط بها سلسلة ممدودة، وربوات تبدأ من الشمال الشرقي متصلة بموضع باب السدرة في الشمال، وهكذا إلى موضع الباب الزينبي إلى جهة الغرب، ثم تنزل إلى موضع الباب القبلي من جهة الجنوب وكانت هذه التلال المتقاربة تشكل للناظرين نصف دائرة، وفي هذه الدائرة الهلالية حوصر ريحانة الرسول صلى الله عليه وسلم ب، ونفى صديقنا الاستاذ السيد محمد حسن الكليدار أن يكون الموضع المعروف بمخيم الحسين هو الموضع الذي حط فيه الإمام اثقاله، وإنما يقع المخيم بمكان ناء بالقرب من المستشفى الحسيني، مستنداً في ذلك إلى أن التخطيط العسكري المتبع في تلك العصور يقضي بالفصل بين القوى المتحاربة بما يقرب من ميلين، وذلك لما تحتاجه العمليات الحربية من جولان الخيل وغيرها من مسافة، كما أن نصب الخيام لا بد أن يكون بعيداً عن رمي السهام والنبال المتبادلة بين المحاربين واستند أيضاً إلى بعض الشواهد التأريخية التي تؤيد ما ذهب إليه.

وأكبر الظن ان المخيم إنما هو في موضعه الحالي، أو يبعد عنه بقليل وذلك لأن الجيش الأموي المكثف الذي زحف لحرب الإمام لم يكن قباله إلا معسكر صغير عبر عنه الحسين بالأسرة، فلم تكن القوى العسكرية متكافئة في العدد حتى يفصل بينها بميلين أو أكثر ..

لقد أحاط الجيش الأموي بمعسكر الإمام حتى إنه لما أطلق ابن سعد السهم الذي أنذر به بداية القتال، وأطلق الرماة من جيشه سهامهم لم يبق أحد من معسكر

الإمام إلا أصابه سهم حتى اخترقت السهام بعض أزر النساء، ولو كانت المسافة بعيدة لما أصيبت نساء أهل البيت بسهامهم. ومما يدهم ما ذكرناه أن الإمام الحسين علیه السلام لما خطب في الجيش الأموي سمعت نساؤه خطابه فارتفعت أصواتهن بالبكاء، ولو كانت المسافة بعيدة لما انتهى خطابه إليهن وهناك كثير من البوادر التي تدل على أن المخيم في وضعه الحالي.

وصول الموكب الزينبي الى كربلاء

وأقام موكب العترة الطاهرة في كربلاء يوم الخميس المصادف اليوم الثاني من المحرم سنة (61 ه-) وقد خيم الرعب على أهل البيت ،وأيقنوا بنزول الرزء القاصم، وعلم الإمام مغبة الأمر، وتجلت له الخطوب المفزعة، والأحداث الرهيبة التي سيعانيها على صعيد كربلاء، ويقول المؤرخون :إنه جمع أهل بيته وأصحابه فألقى عليهم نظرة حنان وعطف وأيقن أنهم عن قريب سوف تنقطع أوصالهم، فأغرق في البكاء، ورفع يديه بالدعاء يناجي ربه، ويشكو إليه ما ألم به من عظيم الرزايا والخطوب قائلاً :

« اللّهم : انا عترة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم قد أخرجنا وطردنا وازعجنا من حرم جدنا ، وتعدت بنو أمية علينا اللهم فخذ لنا بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين».

ثم أقبل على أولئك الأبطال فقال لهم :

« الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء، قل الديانون».

يا لها من كلمات مشرفة حكت واقع الناس في جميع مراحل التاريخ فهم عبيد الدنيا في كل زمان ومكان، واما الدين فلا ظل له في أعماق نفوسهم، فإذا دهمتهم عاصفة من البلاء تنكروا له وابتعدوا منه ... نعم ان الدين بجوهره إنما هو عند الإمام الحسين وعند الصفوة من أهل بيته وأصحابه قد امتزج بمشاعرهم، وتفاعل مع عواطفهم فانبروا إلى ساحات الموت ليرفعوا شأنه، وقد أعطوا بتضحيتهم دروساً لأجيال الدنيا في الولاء الباهر للدين.

وبعد حمد الله والثناء عليه خاطب أصحابه قائلاً :

« أما بعد: فقد نزل بنا ما قد ترون ... وان الدنيا قد تغيرت ،وتنكرت وأدبر معروفها، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ،وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله ،فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً».

لقد أدلى بهذا الخطاب عما نزل به من المحن والبلوى، وأعلمهم أن الظروف مهما تلبدت بالمشاكل والخطوب فإنه لا ينثني عن عزمه الجبار لإقامة الحق الذي خلص له. وقد وجه علیه السلام هذا الخطاب لأصحابه لا ليستدر عواطفهم، ولا ليستجلب نصرهم، فماذا يغنون عنه بعدما أحاطت به القوى المكثفة التي ملأت البيداء، وانما قال ذلك ليشاركونه المسؤولية في إقامة الحق الذي آمن به واختاره قاعدة صلبة لنهضته الخالدة وقد جعل الموت في هذا السبيل هو الأمل الباسم في حياته الذي لا يضارعه أي أمل آخر.

ولما أنهى خطابه هب أصحابه جميعاً، وهم يضربون أروع الأمثلة للتضحية والفداء من أجل العدل والحق ... وكان أول من تكلم من أصحابه زهير بن القين وهو من أفذاذ الدنيا فقد قال:

«اسمعنا يابن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالتك، ولو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها» .

ومثلت هذه الكلمات شرف الإنسان وانطلاقه في سبيل الخير، وبلغ كلام زهير في نفوس الأنصار أقصى الرضا ،وحكى ما صمموا عليه من الولاء للإمام والتفاني في سبيله .. وانبرى بطل آخر من أصحاب الإمام وهو برير الذي ارخص حياته في سبيل الله فخاطب الامام:

« یابن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتقطع فيك أعضاؤنا ، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة».

لقد أيقن برير أن نصرته للإمام فضل من الله عليه، ليفوز بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وقام نافع وهو يقرر نفس المصير الذي اختاره الأبطال من إخوانه قائلاً :

« أنت تعلم أن جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقدر أن يشرب الناس محبته، ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب ،وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر، ويضمرون له الغدر يلقونه بأحلى من العسل ،ويخلفونه بأمر من الحنظل ، حتى قبضه الله إليه، وان أباك علياً كان في مثل ذلك فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه. وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده ،وخلع بيعته فلن يضر إلا نفسه والله مغن عنه فسر بنا راشداً معافى ،مشرقاً إن شئت أو مغرباً، فوالله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك » .

وتكلم أكثر أصحاب الإمام بمثل هذا الكلام، وقد شكرهم الإمام على هذا الاخلاص والتفاني في سبيل الله.

يوم عاشوراء

بداية الحرب

وأصدر ابن زياد أوامره المشددة بحمل أهل الكوفة في الحرب، وإرغامهم على الخوض في قتال الإمام، وقد أصدر مرسوماً - قبل أن يعسكر في النخيلة - جاء فيه «فلا يبقى رجل من العرفاء والمناكب والتجار والسكان إلا خرج فعسكر معي، وأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن المعسكر إلا برئت الذمة منه» وأمر بإذاعة ذلك بين الناس، وقد أوعز إلى كل من كثير بن شهاب الحارثي، ومحمد بن الأشعث، والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمن المنقري، وأسماء بن خارجة الفزاري، أن يطوفوا في الناس يحثونهم على الطاعة، ويحذرونهم من المعصية، ويخوفونهم عواقب الأمور، وقد طافوا بالكوفة وأذاعوا ما أمروا به، ثم لحقوا به في النخيلة إلا كثير بن شهاب فإنه ظل مقيماً بالكوفة يخذل الناس عن نصرة الإمام ويشيع الإرهاب والخوف على المتخلفين عن الحرب وقد ألقت الشرطة القبض على رجل من همدان قدم الكوفة يطلب ميراثاً له ،فأتي به إلى ابن زياد فأمر بقتله، ولما رأى الناس ذلك هرعوا إلى الحرب حتى لم يبق في الكوفة محتلم إلا خرج إلى المعسكر في النخيلة لقد حققت هذه السياسة ما توخاه ابن زياد من حمل الناس على حرب الإمام، وقد سيطر سيطرة تامة على الموقف، فلم يدع لأي أحد حريته ولا اختياره.

وفرض ابن زياد الرقابة الصارمة على الكوفة مخافة أن يخرج منها أحد لنصرة الإمام علیه السلام فقد بث الجواسيس والعيون، وفرض نوعاً من الأحكام العرفية كانت في منتهى القسوة، فإذا اتهم أحد بالعمل ضد سياسة الدولة ألقي عليه القبض وسيق بلا هوادة ولا رحمة إلى الإعدام أو السجون وقد كان عبد الله بن يسار يحفز الناس إلى

نصرة الإمام، وخذلان بني أمية فعلم به ابن زياد فأمر بإلقاء القبض عليه، فأخفى نفسه وأخذت الشرطة تبحث عنه، فظفر به عبيد الله بن الحر فأتى به إلى السبخة فقتله وهو غير عبيد الله بن الحر الجعفي.

وقد وضع ابن زياد المناظر، ورتب المسالح حول الكوفة، وجعل على الحرس زجر بن قيس الجعفي، ورتب بينه وبين عسكر ابن سعد خيلاً مضمرة مقدحة فكانت كل بادرة تحدث تأتيه في الوقت.

وهربت الأكثرية الساحقة من جيش ابن زياد من وحداتها العسكرية وقد لاذ الكثيرون منهم بالانهزام فراراً من حرب سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول البلاذري : إن القائد يكون على ألف مقاتل لا يصل إلى كربلاء إلا ومعه ثلاث مائة أو أربع مائة أو أقل من ذلك، فقد كانوا يفرون كراهة منهم لهذا الوجه لقد كانوا على يقين لا يخامره أدنى شك بضلال هذه الحرب وانهم انما يحاربون الله ورسوله، ويقاتلون من أمروا بمودته وطاعته.

ونزح الطاغية إلى النخيلة فعسكر بها ومعه قطعات كبيرة من الجيش، وقد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث، وقد بلغه أن الرجل والرجلين والثلاثة يتسللون إلى معسكر الإمام عن طريق الفرات، فأمر بضبط الجسر وحراسته فلم يترك أحداً يجوزه .

وحاول البطل الشهم عمار بن أبي سلامة الدالابي أن يغتال ابن زياد في النخيلة إلا أنه لم يتمكن من ذلك نظراً للرقابة الشديدة والحرس المكثف الذي يحرسه، ولما فشل في مهمته توجه إلى الطف حتى لحق بالحسين واستشهد بين يديه.

أمان الشمر لأخوة زينب علیهاالسلام

وظن الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن أن يقنع أخوة الحسين بالعدول عن نصرة أخيهم فحمل لهم أماناً من عبيد الله بن زياد ،وجاء يشتد حتى وقف أمامهم، وهتف منادياً :

« أين بنو اختنا العباس واخوته؟».

وهبت إليه الفتية كالأسود، فقالوا له :

«ما تريد يابن ذي الجوشن؟».

«لكم الأمان» .

وصاحوا به وهم يتميزون من الغيظ قائلين :

«لعنك الله ولعن أمانك ، أتأمننا ، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أمان له» .

وولى الأثيم خائباً، وقد ظن أن أخوة الإمام من طراز أصحابه الممسوخين، ولم يعلم أنهم من أفذاذ الدنيا الذين صاغوا الكرامة الإنسانية وصنعوا الفخر والمجد للإنسان.

منع الامدادات عن أهل البيت علیه السلام

وفرض ابن سعد الحصار على أهل البيت علیه السلام فأحاط بجميع الطرق مخافة أن يصل إليه أي إمداد من الخارج، وقد أحكم هذه الجهة حتى صار من غير الممكن أن يلتحق أي أحد بمعسكر الإمام أو يوصلهم بأي إمداد.

أقول : ومما لا شك فيه أن منع الامدادات عن معسكر الإمام الحسين علیه السلام كان له أثر على سير المعركة ، خاصة وجود النساء والأطفال، وهنا كانت مهمة العقيلة زينب علیهاالسلام في توعية النساء وتعليمهم الصبر على قلة الطعام والشراب، وفي إسكات الأطفال.

احتلال الفرات

وأخطر عملية قام بها ابن سعد احتلاله لنهر الفرات فقد صدرت إليه الأوامر المشددة من ابن مرجانة بمنع الماء عن الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه فلا يذوقوا منه قطرة واحدة، كما صنع بعثمان بن عفان، وأرسل قوة عسكرية تتألف من فارس، وقيل أربعة آلاف فارس بقيادة عمرو بن الحجاج فاحتلوا جميع الشرائع والأنهر المتفرعة من نهر الفرات، وأوصدوا على الحسين وأهل بيته علیه السلام وأصحابه باب الورود إلى الماء.

لقد تنكر أولئك الجفاة لليد البيضاء التي أسداها الإمام على مقدمة جيوشهم التي كانت تتألف من ألف فارس بقيادة الحر لإلقاء القبض على الإمام والحصار عليه في البيداء، وكان قد بلغ بهم العطش كل مبلغ حتى أشرفوا على الهلاك، وكان باستطاعته أن يبيدهم عطشاً فأبت مروءته ورحمته أن يعاملهم بالقسوة فأمر فتيانه وهو معهم فسقاهم عن آخرهم كما أمر بسقي خيولهم وترشيفها على أنه كان في حاجة إلى الماء لأنه في وسط الصحراء اللاهبة، ولم يقدر أولئك الأجلاف هذه النجدة فحرموه من الماء وحرموا من كان في كنفه من سيدات أهل البيت وأحفاد النبي صلى الله عليه وسلم (1)


1) انظر حياة الإمام الحسين للقرشي : 95 .

الطباع اللئيمة

وأخذ أولئك الممسوخون يتباهون ويتفاخرون باستيلائهم على ماء الفرات وحرمان ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم منه مع النساء والأطفال.

وكان لذلك أثر كبير على جيش الإمام وخيوله ،بل على الأطفال والنساء. وعادة المجرمين الذين نزعت الرحمة من قلوبهم أن لا يلتفتوا إلى عطش وجياع الأطفال والنساء والمرضى ،وكيف يشعروا بالحب والحنان تجاه الآخرين وقد ملؤوها بالمعاصي والحقد والغل، لقد زرع الشيطان في قلوبهم كل ما يتنافى مع الإنسانية .

العثور على عين ماء

وأضر العطش بنساء وأطفال أهل البيت علیه السلام تصارخت الأطفال، والعيال،وقام الإمام علیه السلام فأخذ فاساً وحفر حول خيمة النساء فتبعت عين ماء عذب فشربوا منها إلا أنها لم تلبث إلا قليلاً حتى غارت ونقلت الاستخبارات لابن زياد ذلك فتميز غيظاً فأرسل إلى ابن سعد رسالة جاء فيها :

« بلغني ان الحسين يحفر الآبار، ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت، وضيق عليهم غاية التضييق ... ».

وفرض ابن سعد الرقابة الشديدة على حفر الآبار، كما أحاط نهر الفرات بمزيد من الحرس والجنود مخافة أن يأتي أحد منهم فيشرب من الماء (1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 96/3

القتال على الماء

والتاع الإمام كأشد ما تكون اللوعة ألماً ومحنة حينما رأى أطفاله وأهل بيته وهم يستغيثون من الظمأ القاتل ،فندب أخاه وابن والده أبا الفضل العباس لتحصيل الماء فانبرى البطل العظيم، وصحب معه ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وحملوا معهم عشرين قربة، واقتحموا بأجمعهم نهر الفرات ،وقد تقدمهم نافع بن هلال المرادي ،فاستقبله عمرو بن الحجاج الزبيدي ،وكان هو المسؤول عن حراسة الفرات، فقال له :

•

ما جاء بك؟

•

جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلاتمرنا عنه.

•

اشرب هنيئاً.

•

أفأشرب والحسين عطشان ومن ترى من أصحابه .

•

لا سبيل إلى سقي هؤلاء.. إنما وضعنا بهذا المكان لتمنعهم الماء.

ولم يحفل به أصحاب الإمام، فاقتحموا الفرات ليملأوا قربهم فثار عليهم عمرو ابن الحجاج مع مفرزة من جنوده ،والتحم معهم العباس ونافع بن هلال، ودارت بينهم معركة إلا أنه لم يقتل فيها أحد وعاد أصحاب الإمام بعد أن ملأوا قربهم من الماء وقيل إنهم لم يعودوا إلا بشيء يسير منه واروى العباس عطاشى أهل البيت وأنقذهم من الظمأ، ولقب من ذلك اليوم بالسقاء وهو من أشهر القابه ذيوعاً، ومن أحبها عنده (1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 97/3.

زينب في المأساة الكبرى

ولم تشاهد أمة من الأمم محنة أوجع ولا أنجع من كارثة كربلاء، فلم تبق رزية من رزايا الدهر، ولا فاجعة من فواجع الدنيا إلا جرت على سبط رسول الله وریحانته ... وقد ألهبت رزاياه العواطف حزناً وأسى وأثارت اللوعة حتى عند أقل الناس إحساساً وأقساهم قلباً وقد أثرت على الباغي اللئيم عمر بن سعد فراح يبكي من أهوال ما جرى على الإمام من فوادح الخطوب.

لقد انتهكت في كارثة كربلاء حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم في عترته وذريته يقول الإمام الرضا علیه السلام :

« إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأذل عزيزنا ...... »

ونعرض إلى فصول تلك المأساة الخالدة في دنيا الأحزان، وما رافقها من الأحداث الموجعة.

زحف الجيش

و تدافعت القوى الغادرة التي ملئت نفوسها الشريرة بالأحقادوالأضغان على العترة الطاهرة التي تبنت حقوق المظلومين والمضطهدين، وجاهدت من أجل إحقاق الحق.

لقد زحفت طلائع جيش ابن سعد نحو الإمام في عصر الخميس لتسع خلون من شهر محرم، فقد صدرت إلى القيادة العامة الأوامر المشددة من ابن زياد بتعجيل القتال خوفاً من أن يتبلور رأي الجيش ويحدث انقسام في صفوفه، ولما زحف ذلك الجيش كان الحسين جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه إذ خفق برأسه، فسمعت أخته عقيلة بني هاشم زينب علیهاالسلام أصوات الرجال وتدافعهم نحو أخيها فانبرت إليه وهي فزعة مرعوبة فأيقظته فرفع الإمام رأسه فرأى أخته، فقال لها بعزم وثبات :

إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال : إنك تروح إلينا ....».

وذابت نفس العقيلة ، وانهارت قواها فلطمت وجهها وقالت بنبرات حزينة : « يا وليتاه ....»

والتفت أبو الفضل العباس إلى أخيه فقال له :يا أخي أتاك القوم فطلب منه الإمام أن يتعرف على خبرهم قائلا له :

« اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم، فتقول لهم: ما بدا لكم، وما

تريدون؟ .

وأسرع أبو الفضل نحوهم ،ومعه عشرون فارساً من أصحابه، وفيهم زهير ابن القين وحبيب بن مظاهر وسألهم العباس عن زحفهم، فقالوا له :

« جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم » .

وقفل العباس إلى أخيه يعرض عليه الأمر، وأقبل حبيب بن مظاهر على القوم فجعل يعظهم، ويذكرهم الدار الآخرة قائلاً :

« أما والله لبئس القوم يقدمون غداً على الله تعالى وعلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقد قتلوا ذريته وأهل بيته المجتهدين بالأسحار، الذاكرين الله كثيراً بالليل والنهار وشيعته الأتقياء الأبرار ».

فرد عليه عزرة بن قيس قائلاً :

« يا بن مظاهر إنك لتزكي نفسك !!.. »

وانبرى إليه زهير بن القين قائلاً :

« اتق الله يا بن قيس ولا تكن من الذين يعينون على الضلال، ويقتلون النفس الزكية الطاهرة عترة خيرة الأنبياء".

فقال له عزرة :

«كنت عندنا عثمانياً فما بالك؟».

فقال زهير :

« والله ما كتبت إلى الحسين ولا أرسلت إليه رسولاً، ولكن الطريق جمعني وإياه، فلما رأيته ذكرت به رسول الله وعرفت ما تقدمون من غدركم ، ونكثكم ،وسبيلكم إلى الدنيا فرأيت أن أنصره، وأكون في حزبه حفظاً لما ضيعتم من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم .

و عرض أبو الفضل مقالة القوم على أخيه، فقال له :

« ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة ،وندعوه، ونستغفره فهو يعلم أني أحب الصلاة وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار».

ورجع إليهم أبو الفضل العباس، فأخبرهم بكلام أخيه، وعرض ابن سعد الأمر على الشمر خوفاً من وشايته إذا استجاب لطلب الإمام وأخر القتال فقد كان المنافس

الوحيد له على إمارة الجيش كما كان عيناً عليه، أو أنه أراد أن يكون شريكاً له في المسؤولية فيما إذا عاتبه ابن زياد على تأخير الحرب.

وعلى أي حال فإن الشمر لم يبد رأيه في الموضوع، وإنما أحاله لابن سعد، وانبرى عمرو بن الحجاج الزبيدي فأنكر عليهم احجامهم عن إجابة الإمام قائلاً :

« سبحان الله !! والله لو كان من الديلم ثم سألكم هذه المسألة لكان ينبغي تجيبوه .»..

ولم يزد ابن الحجاج على ذلك فلم يقل إنه ابن رسول الله(صلى الله عليه وسلم ) خوفاً من أن تنقل الاستخبارات العسكرية حديثه إلى ابن مرجانة فينال العقاب أو العتاب والحرمان منه ... وأيد ابن الأشعث مقالة ابن الحجاج فقال لابن سعد :

« أجبهم إلى ما سألوا فلعمري ليصحبنك بالقتال غداً».

وإنما قال ابن الأشعث ذلك لأنه حسب أن الإمام يتنازل لابن زياد فلذا رغب في تأخير القتال، إلا أنه لما استبان له أن الإمام مصمم على الحرب ندم على كلامه وراح يقول :

« والله لو أعلم أنهم يفعلون ما أخرتهم ».

لقد اتخذ ابن الأشعث من خلقه وأخلاق أهل الكوفة مقياساً يقيس به قيم الرجال فظن أن الإمام سوف يستجيب للذل والهوان ويتنازل عن أداء رسالته الكبرى، ولم يعلم أن الإمام يستمد واقعه واتجاهاته من جده العظيم (1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 3/ 108.

تأجيل الحرب إلى الصبح

واستجاب ابن سعد إلى تأجيل الحرب بعد أن رضيت به أكثرية القادة من جيشه، وأوعز ابن سعد إلى رجل من أصحابه أن يعلن ذلك فدنا من معسكر الحسين وصاح :«يا أصحاب الحسين بن علي قد أجلناكم يومكم هذا إلى غد فإن استسلمتم ونزلتم على حكم الأمير وجهنا بكم إليه وإن أبيتم ناجزناكم » وأرجى القتال إلى اليوم العاشر من المحرم وظل أصحاب ابن سعد ينتظرون الغد هل يجيبهم الإمام أو يرفض ما دعوه إليه (1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 111/3

أحداث ليلة العاشر من محرم

الحسين علیه السلام ينعى نفسه ويوصي زينب بالصبر

روى الطبري عن علي بن الحسين بن علي علیه السلام ، قال : إني جالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها ، وعمتي زينب عندي تمرضني إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري (1)وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول :

یادهر أف لك من الخلیل *** كم لك بالاشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل *** والدهر لا يقنع لبديل

وإنما الأمر إلى الجليل *** وكل حي سالك السبيل

قال : فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي فرددت دمعي ولزمت السكوت، فعلمت ان البلاء قد نزل، فأما عمني فإنها سمعت ما سمعت وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت ،واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة !اليوم ماتت فاطمة أمي ! وعلي أبي وحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي، فنظر إليها الحسين علیه السلام ، فقال : يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان، قالت: بأبي أنت


1) ورد في مقتل الخوارزمي وغيره في خبر مقتله بلفظ «جون».

وأمي ، يا أبا عبد الله استقتلت ! نفسي فداك فرد غصته وترقرقت عيناه وقال: لو ترك القطا ليلا لنام.

قالت يا ويلنا ! أفتغصب نفسك اغتصابا !فذلك اقرح لقلبي !وأشد على نفسي !ولطمت وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته!وخرت مغشيا عليها ! فقام إليها الحسين، نصب على وجهها الماء! وقال لها : يا أخية !اتقي الله ! وتعزي بعزاء الله ! واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وان أهل السماء لا يبقون، وان كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد وحده، أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة، قال : فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها يا أخية ! إني أقسم عليك فابري قسمي لا تشقي علي جيبا! ولا تخمشي على وجها ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا انا هلكت! قال : ثم جاء بها حتى أجلسها عندي وخرج إلى أصحابه، فأمرهم ان يقربوا بعض بيوتهم من بعض وان يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، وان يكونوا هم بين البيوت ،إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم (1).


1) معالم المدرستين للعسكري : 92/3.

الإمام ينعى نفسه

وروي من طريق آخر: أنه كان في الخيمة الإمام زين العابدين والعقيلة زينب، أما الإمام زين العابدين فلما سمع كلام أبيه عرف ما أراد فخنقته العبرة، ولزم السكوت وعلم أن البلاء قد نزل - حسبما يقول - وأما عقيلة بني هاشم فإنها لما سمعت هذه الأبيات أحست أن شقيقها وبقية أهلها عازمون على الموت ومصممون على الشهادة فأمسكت قلبها في ذعر، ووثبت وهي تجر ذيلها، وقد فاضت عيناها بالدموع، فقالت لأخيها بنبرات لفظت فيها شظايا قلبها.

«واثكلاه !واحزناه !ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه، با سيداه، يا بقية أهل بيتاه، استسلمت ،ويئست من الحياة ،اليوم مات جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمي فاطمة الزهراء وأبي علي وأخي الحسن يا بقية الماضين وثمال الباقين».

فقال الإمام لها بحنان:

« يا أخية لا يذهبن بحلمك الشيطان ».

وانبرت العقيلة إلى أخيها وهي شاحبة اللون قد مزق الأسى قلبها الرقيق المعذب فقالت له بأسى والتباع :

«اتغتصب نفسك اغتصاباً، فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي».

ولم تملك صبرها بعدما أيقنت أن شقيقها مقتول، فعمدت إلى جيبها فشقته، ولطمت وجهها ،وخرت على الأرض فاقدة لوعيها وشاركتها النسوة في المحنة القاسية، وصاحت السيدة أم كلثوم :

« وا محمداه، واعلياه ،وأماه ،واحسيناه، واضيعناه بعدك» .

وأثر المنظر الرهيب في نفس الإمام فذاب قلبه الزاكي أسى وحسرات وتقدم إلى السيدات من بنات الوحي فجعل يأمرهن بالخلود إلى الصبر والتحمل لأعباء هذه المحنة الكبرى قائلاً :

« يا اختاه ،يا أم كلثوم ،يا فاطمة ،يا رباب ،انظرن إذا قتلت فلا تشققن علي جيباً ولا تخمشن وجهاً، ولا تقلن هجراً».

لقد عانى الإمام العظيم ألواناً قاسية ومذهلة من المحن والخطوب كانت بقدر إيمانه بالله فلم يكد يفرغ من محنة حتى يواجهه سيل من المحن الكبرى التي لا يطيقها أي إنسان(1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 116/3.

زينب تحيي الليل بالعبادة

وروى عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال : فلما أمسى الحسين وأهل

بيته علیه السلام وأصحابه، قاموا الليل كله يصلون ،ويستغفرون ، ويدعون، ويتضرعون ،قال: فتمر بنا خيل لهم ،تحرسنا ،وان حسينا ليقرأ :ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا ،فقال: نحن ورب الكعبة الطيبون !ميزنا منكم ! قال: فعرفته فقلت لبرير بن حضير :تدري من هذا؟

قال : لا .

قلت: هذا أبو حرب السبيعي عبد الله بن شهر، وكان مضحاكا بطالا وكان شريفا، شجاعاً فاتكا ،وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية، فقال له برير بن حضير : يا فاسق أنت يجعلك الله في الطيبين؟

فقال له : من أنت؟

قال : أنا برير بن حضير .

قال: إنا لله عز علي! هلكت والله ! هلكت والله يا برير.

قال: يا أبا حرب هل لك ان تتوب إلى الله من ذنوبك العظام؟! فوالله انا لنحن الطيبون ،ولكنكم لأنتم الخبيثون ،قال : وأنا على ذلك من الشاهدين قلت: ويحك ! أفلا ينفعك معرفتك؟

قال : جعلت فداك فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزي من عنز بن وائل، قال: ها هو ذا معي، قال: قبح الله رأيك على كل حال.

أنت سفيه !قال : ثم انصرف عنا وكان الذي يحرسنا بالليل في الخيل عزرة بن قيس الأحمسي وكان على الخيل (1).


1) معالم المدرستين للعسكري : 3/ 88 - 92

فزع عقائل الوحي

وفزعت عقائل الوحي كأشد ما يكون الفزع ،فلم يهدأن في تلك الليلة الخالدة في دنيا الأحزان، وقد طافت بهن تيارات من الهواجس والأفكار، وتمثل أمامهن المستقبل الملبد بالكوارث والخطوب، فماذا سيجري عليهن بعد مفارقة الحماة من أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ ومن في دار غربة قد أحاط بهن الأعداء الجفاة، وخلدن إلى البكاء والعويل والابتهال إلى الله لينقذهن من هذه المحنة التي تقصم الأصلاب.

وأما أعداء أهل البيت فقد باتوا وهم في شوق إلى إراقة تلك الدماء الزكية ليتقربوا بها إلى ابن مرجانة وكانت الخيل تدور وراء معسكر الحسين علیه السلام وعليها عزرة بن قيس الأحمسي خوفاً من أن يفوت الحسين من قبضتهم أو يلتحق بمعسكره أحد من الناس ..(1)


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 120/3.

أحداث يوم عاشوراء من المحرم

وما طلع فجر في سماء الدنيا كفجر اليوم العاشر من المحرم في مآسيه وأحزانه، ولا أشرقت شمس كتلك الشمس في كآبتها وآلامها ... فليس هناك حادث في التاريخ يفوق في كوارثه وآلامه تلك المشاهد الحزينة التي تم تمثيلها يوم عاشوراء على صعيد كربلاء ، فلم تبق محنة من محن الدنيا ولا غصة من غصص الدهر إلا جرت على ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الإمام زين العابدين علیه السلام :

«ما من يوم أشد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم أحد قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله ،وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب، ثم قال : ولا يوم كيوم الحسين از دلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة كل يتقرب إلى الله تعالى بدمه ،وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً».

وبدأ الإمام العظيم في فجر اليوم العاشر بالصلاة، وكان فيما يقول المؤرخون قد تيمم هو وأصحابه للصلاة نظراً لعدم وجود الماء عندهم وقد انتم به أهله وصحبه وقبل أن يتموا تعقيبهم دقت طبول الحرب من معسكر ابن زياد، واتجهت فرق من الجيش وهي مدججة بالسلاح تنادي بالحرب أو النزول على حكم ابن مرجانة.

دعاء الإمام

وخرج أبي الضيم فرأى البيداء قد ملئت خيلاً ورجالاً، وقد شهرت السيوف والرماح، وهم يتعطشون إلى إراقة دمه ودماء البررة من أهل بيته وأصحابه لينالوا الأجر الزهيد من ابن مرجانة فدعا علیهاالسلام بمصحف فنشره على رأسه، وأقبل على الله يتضرع إليه قائلاً :

« اللّهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بی ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق ،ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته وكفيته، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة».

ويلمس في هذا الدعاء مدى إيمانه العميق فقد أناب إلى الله وأخلص له في جميع مهامه فهو وليه ، والملجأ الذي يلجأ إليه في كل نازلة نزلت به(1)


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 121/3.

خطبة الإمام

وقال القرشي : ودعا الإمام براحلته فركبها ، واتجه نحو معسكر ابن سعد، وهو بتلك الهيبة التي تحكي هيبة جده الرسول، فخطب فيهم خطابه التأريخي الذي هو من أبلغ وأروع ما أثر في الكلام العربي، وقد نادى بصوت عال يسمعه جلهم :

« أيها الناس : اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري ،وصدقتم قولي، واعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ان ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى

الصالحين».

بكاء النساء والأطفال

قال القرشي : ونقل الأثير كلماته إلى السيدات من عقائل النبوة وحرائر الوحي فتصارخن بالبكاء، وارتفعت أصواتهن، فبعث إليهن أخاه العباس وابنه علياً، وقال لهما : سكتا هن فلعمري ليكثر بكاؤهن .

ولما سكتن استرسل في خطابه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ولم يسمع لا قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه وقال :

« أيها الناس : إن الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها بعد حال ،فالمغرور من غرته ،والشقي من فتنته ،فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمدصلى الله عليه وسلم ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ،فتباً لكم ولما تريدون ،إنا لله وإنا إليه راجعون ،هولا قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين» .

لقد وعظهم بهذه الكلمات التي تمثل هدي النبوة ،ومحنة الأنبياء في أممهم، فحذرهم من فتنة الدنيا وغرورها ،ودلل على عواقبها الخاسرة وأهاب بهم من الإقدام على قتل عترة نبيهم فإنهم بذلك يخرجون من الإسلام إلى الكفر، ويستوجبون عذاب الله الخالد، وسخطه الدائم، ثم استرسل علیه السلام في خطابه فقال :

« أيها الناس: انسبوني من أنا ؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل

يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟! الست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه؟ وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه ؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الطيار عمي أو لم يبلغكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي: «هذان سیدا شباب أهل الجنة »فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ،ويضر به من اختلقه ،وان كذبتموني فإن فيكم من إذا سألتموه أخبركم .سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لي و لأخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟».

لا أعرف خطاباً أرق ولا أبلغ من هذا الخطاب فأي خطيب مهما كان يتمتع برائع البيان فإنه ليعجز عن الكلام في مثل هذا الموقف الرهيب الذي تخرس فيه الأسود، وتحجم فيه الأبطال... وكان خليقاً بهذا الخطاب أن يرجع إليهم حوازب أحلامهم، ويحدث انقلاباً فكرياً وعملياً في صفوفهم لقد دعاهم لأن يرجعوا إلى نفوسهم وعقولهم لو كانوا يملكونها ليمعنوا النظر في شأنه، فهو حفيد نبيهم وابن وصيه، وألصق الناس وأمسهم رحماً به، وهو سيد شباب أهل الجنة، وفي ذلك سفك دمه وانتهاك حرمته، إلا أن ذلك الجيش لم يع هذا المنطق الفياض فقد خلد إلى الجريمة، واستولى على قلوبهم زيغ قائم من الضلال فأنساهم

حصانة له ذكر الله.

وانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن وهو ممن غرق في الإثم فقال له:

« وهو يعبد الله على حرف ان كان يدري ما تقول؟».

وما كان مثل ذلك الضمير المتحجر الذي ران عليه الباطل أن يعي منطق الإمام أو يفهم مقالته ،وتصدى لجوابه حبيب بن مظاهر فقال له :

«والله إني أراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول : قد طبع الله على قلبك »واستمر الإمام في خطابه فقال :

« فإن كنتم في شك من هذا القول ، أفتشكون أني ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويحكم اتطلبونني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة».

وزلزلت الأرض تحت أقدامهم ،وغدوا حيارى لا يملكون جواباً لرده فهم لا يشكون أنه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته، وانهم لا يطلبونه بقتيل قتله ولا بمال استهلكه منهم. ثم نادى الإمام قادة الجيش الذين دعوه برسائلهم للقدوم إلى الكوفة، فقال :

« يا شبث بن ربعي ،ويا حجار بن ابجر ،ويا قيس بن الأشعث ويا زيد بن الحرث، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجندة».

ولم تخجل تلك النفوس من خيانة العهد ،وحنث الايمان فأجابوه مجمعين على الكذب :

« لم نفعل» .

واستغرب الإمام منهم ذلك فقال لهم :

«سبحان الله ! ! بلى والله لقد فعلتم ».

واعرض الإمام عنهم ووجه خطابه إلى جميع قطعات الجيش فقال لهم : «أيها الناس: إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض».

فانبرى إليه قيس بن الأشعث وهو ممن عرف بالغدر والنفاق، وقد خلع كل شرف وحياء، وحسبه أنه من أسرة لم تنجب شريفاً قط فقال له :

« أو لا تنزل على حكم بني عمك ؟ فإنهم لن بروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه».

فأجابه الإمام :

«أنت أخو أخيك؟ أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا

والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر فرار العبيد عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب».

تزول المماليك وتدول الدول، وهذه الكلمات أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من كل شيء فقد مثلت عزة الحق، ومنعة الأحرار وشرف الاباة.

ومن المؤسف أنه لم تنفذ هذه الكلمات النيرة إلى قلوبهم فقد أقفل الجهل جميع أبواب الفهم في نفوسهم (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ ) (1)(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْذَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْم بَلْ هُمْ أَضَلُّ سبيلا )(2)، لقد أعرضوا اعراضاً تاماً عن دعوة الإمام فلم يحفلوا بها، وصدق الله تعالى إذ يقول : (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَ وَلَا تُتيعُ الهُم الدُّعَاءَ إِذَا وَلَوْا مُدْبِرِينَ )(3)


1) سورة البقرة، الآية : 7.

2) سورة الفرقان الآية: 44

3) سورة النمل، الآية: 88 حياة الإمام الحسين للقرشي : 17/3 - 124 .

خطبة الإمام الحسين في كربلاء

وقال في البحار:كان ذلك اليوم يوم الخميس وهو الثاني من المحرم سنة إحدى وستين فقام الحسين علیه السلام خطيباً في أصحابه وقال : إنّه قد نزل من الأمر ما ترون وأنّ الدُّنيا تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها وإنّي لا أرى الموت إلا سعادة، فقام زهير بن القين وقال: يابن رسول الله لو كانت الدُّنيا لنا باقية لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها وتكلّم أصحابه علیه السلام مثل كلام زهير فساروا مع الحر حتى نزلوا كربلاء في اليوم الثاني من المحرم وقال : هذه أرض كرب وبلاء فبكي ساعة، وقال: اللهم إنا عترة نبيك وقد أخرجنا وطردنا وأزعجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو أميه علينا ثم قال هذه الأرض مناخ ركابنا ومحط رحالنا ومقتل رجالنا وسفك دمائنا، وكتب الحر إلى ابن زياد: إن الحسين نزل كربلاء فأرسل عمر بن سعد في أربعة آلاف فارس فنزل نينوى وأرسل إلى الحسين علیه السلام : ما الذي أتى بك؟

فقال : كتبكم، فإذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم ، ثم إن ابن زياد أرسل إليه الخيل والرجال حتى تكاملت عنده ثلاثون ألفاً فنزلوا على شاطئ الفرات وحالوا بينه وبين الماء وأضر العطش بأصحاب الحسين فأخذ علیه السلام الي فأساً وحفر فنبعت عين من الماء فشربوا بأجمعهم وغارت العين وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى ابن سعد أن امنعهم حفر الآبار ولا تدعهم يذوقوا الماء. فبعث عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء وذلك قبل قتل الحسين علیه السلام بثلاثة أيام ونادى ابن حصين :يا حسين ألا تنظرون إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوقون منه قطرة حتى تموتوا عطشاً.

فقال الحسين علیه السلام : اللّهم اقتله عطشاً، قال حميد بن مسلم: والله لقد رأيته بعد

ذلك يشرب الماء ثم يقيئه ويصيح العطش العطش وهكذا حتى خرجت روحه ولما رأى الحسين علیه السلام نزول العساكر مع ابن سعد أرسل إليه : أريد أن ألقاك فاجتمعا وتناجيا طويلاً ثم رجع ابن سعد إلى مكانه وكتب إلى ابن زياد: هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى أو إلى أحد الثغور فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم.

فلمّا قرأ الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه فقام إليه شمر فقال : لشن رحل الحسين من بلادك ليكونن قوياً وأنت ضعيف فلا تعطه هذه المنزلة ولكن ينزل على حكمك، فقال ابن زياد يعم ما رأيت فكتب إلى ابن سعد: لم أبعثك إلى الحسين لتمنيه السلامة ولا لتكون له عندي شفيعاً أنظر إن نزل حسين على حكمي فابعث به إلي سالماً وإن أبى فاقتله وأصحابه ومثل بهم فإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنّه عات ظلوم فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع وإن أبيت فاعتزل وخل بين شمر وبين العسكر فأقبل شمر بكتاب ابن زياد إلى ابن سعد.

فلما قرأ الكتاب قال: لا قرب الله دارك والله إني لأظنك نهيته عما كتبت به إليه والله لا يبايع الحسين؛ إن نفس أبيه بين جنبيه فقال له الشمر : إن لم تمض لأمر أميرك وإلا فخل بيني وبين الجند ّقال : لا وكرامة لك ولكن أنا أتولى ذلك ودونك فكن على الرجالة، وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقال: أين بنو أختنا فخرج إليه جعفر والعباس وعثمان بنو علي فقال لهم : أنتم يا بني أختي آمنون فقالوا له : لعنك الله ولعن إمامك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له.

ثمّ نادى ابن سعد يا خيل الله اركبي فرجف الناس إليهم بعد العصر والحسين علیه السلام جالس أمام بيته محتب بسيفه فخفق برأسه على ركبتيه وسمعت أخته الصيحة فدنت من أخيها وقالت: يا أخي ما تسمع هذه الأصوات؟

فرفع الحسين علیه السلام رأسه فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة في المنام وهو يقول : إنك تروح إلينا غداً فلطمت وجهها ونادت بالويل ،فقال الحسين علیه السلام للعباس

إمض إليهم وأخرهم إلى غد لعلنا نصلّي لربنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره، فمضى إليهم وأجلوه إلى غد فجمع أصحابه عند المساء فقال لهم: إنّي أذنت لكم فانطلقوا في حل هذا الليل قد غشيكم فقالوا : نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبداً، بدأهم بذلك العباس ثم قام إليه ابن عوسجة فقال : لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أحيا ثم أذرى يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها، وتكلموا مثل كلامه فجزاهم الحسين علیه السلام خيراً وانصرف إلى منزله.

وقيل لبشر بن محمد الحضرمي في تلك الحال قد أسر ابنك بثغر الري فقال عند الله أحتسبه ونفسي فسمع الحسين علیه السلام قوله فقال له: أنت في حل من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال : أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار لفكاك ابنه وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة ولهم دوي كدوي النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد فلمّا كان الغداة أمر الحسين علیه السلام بفسطاط فضرب وأمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة ثم دخل ليطلي وأصحابه بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن الأنصاري فقال له عبد الرحمن: ما هذه ساعة ضحك، فقال: إنّما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه فوالله ما هو إلا تلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثم نعانق الحور العين.

وقال علي بن الحسين علیه السلام : إني جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها فدخل أبي في خباء له يعالج سيفه ويصلحه ويقول شعراً :

يا دهر اف لك من خليل *** كم لك في الإشراق والأصيل

من طالب وصاحب قتیل *** والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل *** وكل حي سالك سبیلی

فعلمت ما أراد فخنقتني العبرة وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي زينب فلم تملك نفسها فمشت تجر ثوبها حتى انتهت إليه وقالت :والكلاء ليت الموت أعدمني

الحياة اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي وثمال الباقي.

فقال لها : يا أختاه لا يذهبن حلمك الشيطان وترقرقت عيناه بالدموع وقال : لو ترك القطا لنام، فقالت : ياويلتاه تغصب نفسك اغتصاباً، ثمّ لطمت وجهها وشقت جيبها وخرّت مغشيّة عليها فصب الحسين علیه السلام على وجهها الماء وقال : يا أختاه اعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وأن كل شيء هالك إلا وجهه ثم قال : أقسم عليك إذا أنا قتلت فلا تشقي علي جيباً ولا تخمشي علي وجهاً ثم خرج إلى أصحابه وأمرهم أن يقربوا بين بيوتهم وأن يشدّوا الأطناب بعضها في بعض ليقاتلوا القوم من وجه واحد، فلمّا كان وقت السحر خفق برأسه خفقة ثم استيقظ فقال : رأيت كان كلاباً شدّت علي لتنهشني وفيها كلب أبقع رايته أشد علي وأظن أن الذي يتولّى قتلي رجل أبرص، ثم رأيت بعد ذلك جدّي في جماعة من أصحابه وهو يقول: يا بني أنت شهيد آل محمد وقد استبشر بك أهل السماوات فليكن إفطارك عندي الليلة عجل ولا تؤخّر فهذا ملك نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء فهذا ما رأيت وقد اقترب الرحيل من هذه الدُّنيا فأصبح فعباً أصحابه بعد صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً.

وفي رواية أخرى اثنان وثمانون راجلاً.

وعن الباقر علیه السلام : كانوا خمسة وأربعين فارساً ومائة راجل فكان زهير بن القين في الميمنة وحبيب بن مظاهر في الميسرة وعلى رايته العباس وأصبح ابن سعد في ذلك اليوم وهو يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت وعباً أصحابه وكان على الميمنة عمرو بن الحجاج وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن.

وعن علي بن الحسين علیه السلام لما أقبلت الخيل على الحسين علیه السلام رفع يديه وقال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كلّ شدّة وأنت لي في كلّ أمر نزل ثقة

وعدة كم من كرب يضعف عنه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت به العدوّ أنزلته لديك وشكوته إليك رغبةً منّي إليك عمن سواك ففرجته وكشفته فأنت ولي

كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة ،فأقبل القوم يجولون حول الحسين علیه السلام وتقدم الحسين علیه السلام إلى القوم فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل وقال: أما بعد فانسبوني وانظروا من أنا ثم راجعوا أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم قتلي الستُ ابن نبيكم وابن وصيه أما بلغكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفي أخي هذان سيدا شباب أهل الجنة، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته؟ ألم تكتبوا إلي؟

فقال له قيس بن الأشعث: ما يقول؟

فقال صلى الله عليه وسلم في خطبة خطبها في ذلك الموقف : اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنيناً كسني يوسف ،وسلط عليهم غلام ثقيف لا يدع أحداً منهم إلا قتله ينتقم لي ولأوليائي، يابن سعد تقتلني تزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان والله لا تهنا بذلك أبداً عهداً معهوداً ولكاني برأسك على قصبة قد نصبت بالكوفة يتراماء الصبيان ويتخذونه هدفاً فاغتاظ من كلامه ثم نادى ما تنتظرون به إحملوا بأجمعكم إنّما هم أكلة واحدة، ثمّ نادى ابن سعد يا دريد أدن رايتك فأدناها ثم وضع سهماً في كبد قوسه ثم رمى وقال : إشهدوا إني أوّل من رمى الحسين وأصحابه.

فرمى أصحابه كلهم فما بقي من أصحاب الحسين أحد إلا أصابه من سهامهم وقتل في هذه الحملة خمسون رجلاً ثم صاح الحسين : أما من مغيث يغيثنا لوجه الله، أما من ذا يذبّ عن حرم رسول الله، ثم تبارزوا وكان كل من خرج من أصحاب الحسين علیه السلام ودعه وقال : السلام عليك يابن رسول الله، فيقول له : وعليك السلام ونحن خلفك ويقرأ : (فَينْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) (1)


1) بحار الأنوار: 12/45 سورة الأحزاب، الآية: 23

الهجوم العام

قال السيد مرتضى العسكري في المعالم : وشنت قوات ابن سعد هجوماً عاماً واسع النطاق على أصحاب الإمام وخاضوا معهم معركة رهيبة، وهذه هي الحملة الأولى التي خاضها أصحاب الإمام وهي حملة جماعية ضاربة اشترك فيها معسكر الكوفة بكامل قطعانه وقد خاض أصحاب الحسين تلك المعركة بعزم يستمد من العقيدة، ويشتق من نفس مفطورة على الإخلاص والتضحية دفاعاً عن الإسلام وجهاداً في سبيل الله ، وقد برزت معنويتهم العسكرية للعيان فكانوا يهزمون الجمع ويخترقون الجيش، وقد اخترقوا جيش ابن سعد عدة مرات بقلوب أقوى من الصخر وقد استشهد نصفهم في هذه الحملة (1).


1) معالم المدرستين : 109/3

محاولة الشمر لإحراق نساء وأطفال حرائر الوحی

وقال العسكري : وحمل الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن على فسطاط الإمام الذي يضم السيدات من عقائل النبوة وحرائر الوحي ونادى الوغد رافعاً عقيرته :

« علي بالنار لأحرقه على أهله».

لقد تردى هذا الإنسان الممسوخ في متاهات سحيقة من الخبث واللوم ومن المؤكد أنه ليس في مجرمي الحروب وشذاذ الآفاق مثل هذا المجرم في خبث الطوية ولوم العنصر وخساسة الطبع.

واختطف الرعب قلوب بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وسرت الرعدة بأوصالهن فخرجن من الخيام مذعورات، وارتفعت أصواتهن بالبكاء، وخلفهن الصبية والأطفال وهم يعجون بالبكاء فكان هول منظرهم مما تذيب له النفوس أسى وحسرات، والتاع الإمام الحسين، فصاح بالخبيث الدنس :« أنت تحرق بيتي على أهلي؟ أحرقك الله

بالنار» .

ولم ينثن الرجس عن عزمه، وظل يهتف بجنوده ليوفوه بقبس من النار ليحرق خيام أهل البيت.

إنكار حميد بن مسلم

وأنكر على الشمر حميد بن مسلم، فقد خف إليه بعدما رأى الذعر والخوف قد استولى على بنات رسول الله فقال له :

« إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين، تعذب بعذاب الله ، وتقتل الولدان والنساء، والله إن في قتل الرجال لما يرضى به أميرك».

فصاح به الشمر :

«من أنت؟».

وخشي حميد بن مسلم أن يعرفه بنفسه فيوشي به عند ابن زياد فقال له :

«لا أخبرك من أنا».

وظل الباغي اللثيم مصراً على فيه ليضيف إلى موبقاته جرائم أخرى.

توبيخ شبث بن ربعي :

وأسرع إليه شبث بن ربعي فوبخه ،ونهاه فاستجاب له الأثيم على كره وولى ليرجع فحمل عليه زهير بن القين مع عشرة من أصحابه فأرغموه على الرجوع، وقد التحموا مع جنده فقتلوا أبا عزرة الضبابي، وهو من أسرة الشمر، وتكاثرت الجيوش على أصحاب الإمام فكان إذا قتل أحد منهم بان ذلك فيهم لقلتهم إلا أنه إذا قتل أحد من أصحاب ابن سعد لا يبين ذلك فيهم لكثرة عددهم.

فزع النساء عند أول حرق للخيام

قال: فأمر بها عمر بن سعد عند ذلك فقال احرقوها بالنار، ولا تدخلوا بيتا ولا نقوضوه، فجاؤوا بالنار فأخذوا يحرقون فقال حسين دعوهم فليحرقوها، فإنهم لو قد حرقوها لم يستطيعوا ان يجوزوا إليكم منها، وكان ذلك كذلك، وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد.

قال : وحمل شمر بن ذي الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى : علي بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله ،قال:فصاح النساء وخرجن من الفسطاط.

قال : وصاح به الحسین يا بن ذي الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي ! حرقك الله بالنار.

وروى عن حميد بن مسلم قال: قلت لشمر بن ذي الجوشن : سبحان الله : أن هذا لا يصلح لك أتريد ان تجمع على نفسك خصلتين تعذب بعذاب الله، وتقتل الولدان والنساء، والله ان في قتلك الرجال لما ترضى به أميرك قال :

فقال : من أنت ؟؟

قال : قلت: لا أخبرك من أنا.

قال: وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرني عند السلطان !

قال : فجاءه رجل كان أطوع له مني شبث بن ربعي ،فقال : ما رأيت مقالا أسوأ من قولك، ولا موقفا أقبح من موقفك! أمرعبا للنساء صرت !

قال : فأشهد انه استحيا فذهب لينصرف، وحمل عليه زهير بن القين في رجال

من أصحابه عشرة فشد على شمر بن ذي الجوشن وأصحابه فكشفهم عن البيوت ، حتى ارتفعوا عنها فصرعوا أبا عزة الضبابي، فقتلوه، فكان من أصحاب شمر ،وتعطف الناس عليهم فكثروهم فلا يزال الرجل من أصحاب الحسين قد قتل، فإذا قتل منهم الرجل والرجلان تبين فيهم، وأولئك كثير لا يتبين فيهم ما يقتل منهم (1).


1) معالم المدرستين العسكري: 111/3

الأمان لأخوة زينب

قال أبو مخنف : عن الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامري قال : لما قبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب قام هو وعبد الله بن أبي المحل وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عند علي بن أبي طالب علیه السلام ، فولدت له العباس وعبد الله وجعفرا وعثمان، فقال عبد الله بن أبي المحل بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب ابن عامر بن كلاب : أصلح الله الأميران بني اختنا مع الحسين فإن رأيت ان تكتب

لهم أمانا فعلت.

قال : نعم ونعمة عين، فأمر كاتبه فكتب لهم امانا فبعث به عبد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له :كزمان، فلما قدم عليهم دعاهم فقال: هذا أمان بعث به خالكم، فقال له الفتية: أقرئ خالنا السلام وقل له : إن لا حاجة لنا في امانكم، امان الله خير من امان ابن سمية.

قال : فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد، فلما قدم به عليه فقرأ قال له عمر: مالك ويلك لاقرب الله دارك وقبح الله ما قدمت به علي، والله إني لاظنك أنت ثنيته ان يقبل ما كتبت به إليه ،أفسدت علينا امرا كنا رجونا ان يصلح، لا يستسلم والله الحسين علیه السلام ان نفساً أبية لبين جنبيه.

فقال له شمر : أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوه وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر.

قال : لا ولا كرامة لك، وأنا أتولى ذلك.

قال : فدونك وكن أنت على الرجال قال: فنهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم.

قال: وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقال : أين بنو أختنا؟

فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو على فقالوا له: مالك وما تريد؟

قال : أنتم يا بني أختي آمنون.

قال له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك لان كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له (1)؟


1) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 106.

زينب عند بدء الحرب

وقال أبو مخنف : عن الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامري قال : ثم إن عمر بن سعد نادى يا خيل الله اركبي وأبشري فركب في الناس ثم زحف نحوهم بعد صلوة العصر، وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته زينب علیه السلام الصبحة فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟

قال: فرفع الحسين رأسه فقال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي : إنك تروح إلينا، قال: فلطمت اخته وجهها وقالت : يا ويلتي، فقال ليس لك الويل يا اخية ،اسكتي رحمك الرحمن وقال العباس بن علي :يا أخي اتاك القوم، قال: فنهض ثم قال: يا عباس اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم : ما لكم وما بدالكم؟ وتسألهم عما جاء بهم، فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر ، فقال لهم العباس ما بدالكم وما تريدون؟

قالوا : جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم ان تنزلوا على حكمه أو ننازلكم، قال : فلا تعجلون حتى ارجع إلى أبي عبد الله فاعرض عليه ما ذكرتم قال : فوقفوا ثم قالوا : الله فاعلمه ذلك، ثم القنا بما يقول : قال فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين يخبره بالخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين : كلم القوم إن شئت وإن شئت كلمتهم ،فقال له زهير أنت بدأت بهذا فكن أنت تكلمهم فقال له حبيب بن مظاهر : أما والله لبئس القوم عند الله غداً قوم

يقدمون عليه، قتلوا ذرية نبيه صلى الله عليه وسلم وعترته وأهل بيته صلى الله عليه وسلم وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالاسحار والذاكرين الله كثيراً فقال له عزرة بن قيس: إنك لتزكي نفسك ما استطعت، فقال له زهير : يا عزرة إن الله قد زكاها وهداها،فاتق الله يا عزرة فإني لك من الناصحين انشدك الله يا عزرة ان تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية، قال: يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت عثمانياً.

قال: أفلست تستدل بموقفي هذا إني منهم؟ أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط، ولا أرسلت إليه رسولاً قط ،ولا وعدته نصرتي قط ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذکرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم فرأيت ان انصره وإن أكون في حزبه وان اجعل نفسي دون نفسه حفظا لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم .

قال : وأقبل العباس بن علي يركض حتى انتهى إليهم فقال : يا هؤلاء أن أبا عبد الله يسئلكم ان تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر في هذا الأمر، فإن هذا أمر لم يجر بينكم وبينه فيه منطق، فإذا أصحبنا التقينا إن شاء الله فأما رضيناه فاتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه اوكرهنا فرددناه وإنما أراد بذلك ان يردهم عنه تلك العشية حتى يأمر بأمره ويوصى أهله ،فلما اتاهم العباس بن علي بذلك قال عمر بن سعد: ماترى یا شمر؟

قال: ما ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك ، قال : قد أردت أن لا أكون، ثم

أقبل على الناس فقال : ماذا ترون؟

فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي : سبحان الله والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها.

وقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة.

فقال : والله لو أعلم أن يفعلوا ما اخرجتهم العشية، قال: وكان العباس بن علي حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال : ارجع إليهم، فإن استطعت ان تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلى لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم إني قد كنت احب الصلوة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار (1).


1) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 107.

دور زينب عند مقتل أهل البيت علیه السلام

مقتل عترة الرسول صلى الله عليه وسلم

قال السيد مرتضى العسكري : لما لم يبق مع الحسين علیه السلام إلا أهل بيته اجتمعوا وودع بعضهم بعضا وعزموا على الحرب (1).

أقول: وسوف نسرد مقتل أهل البيت علیه السلام ومن عدة مصادر ليقف القارىء على تفاصيل هذه الحوادث، وسوف ترى تفاوتاً في بعضها لا يخلوا من فائدة.


1) مقتل الخوارزمي 6/2.

أول شهيد من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الطبري : وكان أول قتيل من بني أبي طالب يومئذ علي الأكبر بن الحسين ابن علي وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي (1)وكانت أم أمه ميمونة بنت أبي سفيان ابن حرب (2)ومن أجل هذا أعطي له الأمان يومذاك، وقالوا له كما ذكره المصعب الزبيري:« ان لك قرابة بأمير المؤمنين - يعنى يزيد بن معاوية - ونريد أن يرعى هذا الرحم، فإن شئت آمناك ».

فقال علي علیه السلام : القرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن ترعى»وحمل وهو يقول(3).

قال الخوارزمي : فلما رآه الحسين رفع شيبته نحو السماء، وقال: اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك محمد صلى الله عليه وسلم وكنا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه، اللهم فامنعهم بركات الأرض، وفرقهم تفريقاً ومزقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا يقاتلونا.

ثم صاح بعمر بن سعد : مالك قطع الله رحمك ،ولا بارك لك في أمرك وسلط عليك من يذبحك على فراشك ،كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابني من رسول الله.

ثم رفع صوته وقرأ: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَعَالَ إِبْرَاهِيمَ وَعَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةٌ بَعضها من بعض والله سميع عليم ).


1) مقاتل الطالبيين ص 80 وتاريخ الطبري، ط/ اروبا 356/2 - 357.

2) مقاتل الطالبيين ص 80 ونسب قريش لمصعب ص 57 والإصابة 178/4 ترجمة أبي مرة.

3) نسب قريش ص 57

وحمل علي بن الحسين وهو يقول:

أنا علي بن الحسين بن علي *** نحن وبيت الله أولى بالنبی

والله لا يحكم فينا ابن الدعي *** اطعنكم بالرمح حتى ينثنی

أضربكم بالسیف حتى يلتوي *** ضرب غلام هاشمي علوي

فلم يزل يقاتل حتى ضج أهل الكوفة، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبة العطش قد قتلني وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الأعداء؟ فبكى الحسين علیه السلام وقال يا بني عز على محمد ،وعلى علي، وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك وتستغيث بهم فلا يغيثونك.

ودفع إليه خاتمه ّوقال له: خذ هذا الخاتم في فيك وارجع إلى قتال عدوك، فإني لأرجو أن لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا، فرجع علي بن الحسين علیه السلام إلى القتال وحمل وهو يقول :

الحرب قد بانت لها حقائق *** وظهرت من بعدها مصادق

والله رب العرش لا نارق *** جموعكم أو تغمد الوارق (1)

قال الطبري : ففعل ذلك مراراً فبصر به مرة بن منقذ بن النعمان العبدي ثم الليثي فقال : علي آثام العرب إن مربي يفعل مثل ما كان يفعل ان لم أشكله أباء فمر يشد على الناس بسيفه فاعترضه مرة بن منقذ فطعنه فصرع واحتوشه الناس فقطعوه بأسيافهم.


1) مقتل الخوارزمي 30/2 - 31.

وقال الخوارزمي: ضربه منقذ بن مرة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعه فيها، وضربه الناس بأسيافهم، فاعتنق الفرس فحمله الفرس إلى عسكر عدوه، فقطعوه بأسيافهم إربا إربا ، فلما بلغت روحه التراقي نادى بأعلى صوته : يا أبتاه! هذا جدي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا وهو يقول لك : العجل فإن لك كأسا مذخورة، فصاح الحسين (1).

وروى الطبري: عن حميد بن مسلم الأزدي قال: سماع أذني يومئذ من الحسين يقول: قتل الله قوما قتلوك يا بني ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفاء.

قال: وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادى با أخياء ويا بن أخاء قال فسألت عنها فقيل: هذه زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله فجاءت حتى أكبت عليه فجاءها الحسين، فأخذ بيدها ،فردها إلى الفسطاط، وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال : احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون امامه (2).


1) مقتل الخوارزمي 31/2

2) معالم المدرستين للعسكري : 124/3.

مقتل إخوة زينب

مقتل إخوة زينب (1)

ابو بكر بن علي علیه السلام

قال: ثم تقدم اخرة الحسين علیه السلام عازمين على أن يقتلوا من دونه فأول من تقدم منهم أبو بكر بن علي، واسمه عبد الله ، وأمة ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي بن مسلم ابن جندل بن نهشل بن دارم التميمية فبرز أبو بكر وهو يقول :

شیخی علی ذو الفخار الأطول *** من هاشم الصدق الكريم المفضل

هذا الحسين ابن النبي المرسل *** نذود عنه بالحسام الفیصل

تفدیه نفسي من أخ مبجل *** يا رب فامنحني الثواب المجزل

فحمل زحر بن قيس النخعي فقتله عمر بن علي علیه السلام ، ثم خرج من بعد أبي بكر ابن علي، أخوه عمر بن علي، فحمل وهو يقول :

أضربكم ولا أرى فيولا أرى فيكم زحر *** ذاك الشقي جي قد كفر

یا زحر یا زحر تدان من عمر *** لعلك اليوم تبوه بسقر


1) إلى آخر هذا الفصل أوردناء بلفظ الخوارزمي 2/ 28 - 29

شر مكان في حريق وسعر *** فإنك الجاحد يا شر البشر

ثم قصد قاتل أخيه فقتله، وجعل يضرب بسيفه ضرباً منكراً

ويقول في حملاته :

خلوا عداة الله خلوا عن عمر *** خلوا من الليث العبوس المكفهر

يضربكم بسيفه ولا يفر *** وليس يغدو كالجبان المنجحر

ولم يزل يقاتل حتى قتل.

عثمان بن علي علیه السلام

قال : ثم خرج من بعده عثمان بن علي وأمه أم البنين بنت حزام بن خالد، من بني كلاب وهو يقول :

إني أنا عثمان ذو المفاخر *** شيخي علي ذو الفعال الطاهر

صنو النبي ذو الرشاد السائر *** ما بين كل غائب وحاضر

ثم قاتل حتى قتل.

جعفر بن علي علیه السلام

ثم خرج أخوه جعفر بن علي وأمه أم البنين أيضاً فحمل وهو يقول:

اني أنا جعفر ذو المعالی *** نجل علی الخير ذو النوال

أحمي حسينا بالقنا العسال *** وبالحام الواضح الصقال

ثم قاتل حتى قتل.

مقتل العباس بن أمير المؤمنين علیه السلام

في مقاتل الطالبين : كان رجلاً وسيما جميلا يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان في الأرض، وكان يقال له :قمر بني هاشم ، وكان لواء الحسين معه يوم قتل، وهو أكبر ولد أم البنين وهو آخر من قتل من أخوته لامه وأبيه (1)

وفي مقتل الخوارزمي ثم خرج العباس وهو السقاء فحمل وهو يقول : أقسمت بالله الأعز الأعظم *** وبالحجون صادقا وزمزم

وبالحطيم والفنا المحرم *** ليخضين اليوم جسمي بدمي

دون الحسين ذي الفخار الأقدم *** امام أهل الفضل والتكرم (2)

وفي الارشاد ومثير الأحزان واللهوف (3): واشتد العطش بالحسين علیه السلام فركب المسناة يريد الفرات وبين يديه العباس أخوه فاعترضه خیل ابن سعد.

وفي مناقب شهر آشوب مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم وهو يقول :

لا أرهب الموت إذا الموت رقي *** حتى أوارى في المصاليت لقا

نفسي لابن المصطفى الطهر وقا *** أني أنا العباس أغدو بالسقا

ولا أخاف الشر يوم الملتقى *** ففرقهم فكمن له


1) مقاتل الطالبيين ص 84

2) مقتل الخوارزمي 29/2 - 30.

3) الارشاد ص 24 ، وإعلام الورى ص 244 ومثير الأحزان ص 53، واللهوف ص 45.

زيد بن الورقاء الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن طفيل السنبسي فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله وحمل عليه وهو يرتجز :

والله ان قطعتموا يميني *** اني أحامي أبدا عن ديني

وعن امام صادق اليقين *** نجل النبي الطاهر الأمين

فقاتل حتى ضعف ،فكمن له الحكيم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله، فقال:

يا نفس لا تخشي من الكفار *** وأبشري برحمة الجبار

مع النبي ال السيد المختار *** قد قطعوا بيبغيهم يساري

فاصلهم يا رب حر النار *** فقتله الملعون بعمود من حديد (1).

وفي مقتل الخوارزمي : فقال الحسين علیه السلام : الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي . . (2).

وقال في البحار :وكان العّباس سقاء الحسين علیه السلام صاحب لوائه وهو أكبر الاخوان مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم فكمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله وقاتل ثم قطعت شماله فقاتل حتى ضربه ملعون بعمود على رأسه، فلما رآه الحسين علیه السلام صريعاً على شاطئ الفرات بكي وقال

شعراً :

تعدیتم یا شر قوم ببغیکم *** وخالفتموا دين النبي محمد

أما كان خير الرسل أوصاكم بنا *** أما نحن من نجل النبي المسدّد

أما كانت الزهراء أمي دونكم *** أما كان من خير البرية أحمد

لعنتم وأخزيتم بما قد جنيتموا *** فسوف تلاقوا حر نار توقد


1) مناقب ابن شهر آشوب 221/2 - 222

2) مقتل الخوارزمي 30/2.

وروي أن العباس لمّا رأى وحدة الحسين علیه السلام أتاه وقال: يا أخي هل من رخصة ،فبكى الحسين وقال : أنت صاحب لوائي وإذا مضيت تفرق عسكري فقال العباس: قد سئمت من الحياة وأريد أن أطلب ثاري من هؤلاء المنافقين فقال له : فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء، فركب وأخذ رمحه والقربة وقصد الفرات فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات ورموه بالنبال فقتل منهم ثمانين رجلاً، فلمّا أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين فرمى بالماء وملا القربة وحملها على كتفه فقطعوا عليه الطريق ثم قطعوا يده اليمنى فحمل القربة باليسرى ثم قطعها نوفل من الزند فحمل القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة فأريق ماؤها ثم أصاب صدره فانقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين : أدركني فأتى إليه جاءه سهم وحمله إلى الخيمة.

ولما قتل العبّاس قال الحسين علیه السلام : الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي (1).


1) معالم المدرستين : 129/3.

فضيلة شهادة العباس علیه السلام

قال السيد الخامئني : وأما وفاء أبي الفضل العباس فقد تجسد لدى بلوغه شريعة الفرات دون أن يشرب قطرة من مائه ؛ فالمشهور على كل الألسنة هو أن الإمام الحسين علیه السلام بعث بأبي الفضل لجلب الماء، إلّا أنّ الذي شاهدته من الروايات المعتبرة الواردة في كتب مثل «الارشاد» للمفيد ،«واللهوف» لابن طاووس فلقد جاء في هذه الكتب المعتبرة أن العطش كان قد اشتد بالصبية والصبايا وبلغ مبلغه من حرم آل البيت، فذهب الإمام الحسين علیه السلام وأبو الفضل معاً في طلب الماء، وتوجها إلى شريعة الفرات لعلهما يحصلان على بعض الماء.

فهذان الاثنان من الأخوة الشجعان والأقوياء كانا معاً دائماً في ساحة القتال، أي الإمام الحسين علیه السلام بعمره الذي يشرف على الستين عاماً ولكنه لا يشق له غبار في البسالة والقوة، وأخوه الشاب أبو الفضل العباس الذي جاوز الثلاثين بقليل من عمره بما يتميز به من خصال يعرفها الجميع. فهذان الأخوان لم يفارق أحدهما الآخر في ساحة الحرب، وكان كل منهما يحمي ظهر الآخر عند اشتداد القتال وتخلل صفوف الأعداء أملاً في الوصول إلى الفرات وجلب الماء.

وخلال هذه الجولة من المعركة شعر الإمام الحسين علیه السلام فجأة بأن العدو قد فصل بينه وبين أخيه العباس لدى اشتداد القتال؛ وفي هذه المعمعة كان أبو الفضل قد اقترب من الماء ووصل إلى شريعة النهر.

وكما جاء في الروايات، فإنه ملا قربةً بالماء للعودة بها إلى الخيام؛ وفي مثل هذه الحالة يعطي كل واحد الحق لنفسه بأن يروي ظمأه، ولكن أبا الفضل العباس أظهر وفاءه في هذا الموقف الصعب. فعندما غرف غرفة من الماء ذكر عطش الإمام

الحسين علیه السلام ، وتذكر صيحات العطش.. العطش.. التي أطلقها الصبية والصبايا ، وربما تذكر بكاء علي الأصغر الظمآن، فلم يشرب وألقى الماء وغادر الشريعة.

وحينئذ وقعت تلك الأحداث عندما سمع الإمام الحسين علیه السلام فجأة صوت أخيه قادماً من وسط جند الأعداء وهو يصيح: «يا أخاه أدرك أخاك(1).


1) أنظر العوالم : 285.

بصيرة العباس

ثم قال السيد الخامئني: فأين تكمن بصيرة أبي الفضل العباس ؟ لقد كان أولئك جميعاً من أولي البصائر، إلا أنه كشف عن بصيرة أكبر؛ ففي يوم تاسوعاء، عندما سنحت له الفرصة للخلاص من هذا البلاء حيث اقترحوا عليه الاستسلام في مقابل إعطائه الأمان، فإنّه كان شهماً لدرجة أفحمت الأعداء، وقال لهم: وهل أتخلى عن الحسين علیه السلام ؟! الويل لكم أنت لكم ولأمانكم هذا !(1)، وفي رواية أنه قال له : بترت يدك ولعن ما جئتنا به من أمانك يا عدو الله ، أتأمرنا أن نترك أخانا وسيدنا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء.

وثمة نموذج آخر لبصيرته، وذلك عندما أمر ثلاثة من إخوته الذين كانوا معهم بالتقدم قبله إلى ميدان الحرب والجهاد حتى بلوغ الشهادة. فإنكم على علم بأنهم كانوا أربعة إخوة من أم واحدة ،وهم : أبو الفضل العباس - الأخ الأكبر - وجعفر وعبد الله وعثمان، فأن يضحي المرء بإخوته الثلاثة أمام عينيه من أجل الحسين ابن علي دون التفكير في أمه المحزونة أو الاكتفاء بواحد منهم حفاظاً على مشاعر أمه والاهتمام بمصير إخوته الصغار ومن سيعولهم في المدينة المنورة، فهذه هي البصيرة.


1) أنظر العوالم : 242 ، ولواعج الأشجان : 116.

شان ومنزلة أبي الفضل العباس

وقال : قد دأب الخطباء وأهل الرثاء على الحديث حول شهادة أبي الفضل العباس. إنّ الذي يبدو من كافة الشواهد والأدلة هو أن أبا الفضل العباس كان آخر من استشهد قبل الإمام الحسين علیه السلام من المجاهدين، باستثناء الطفل البالغ ستة أشهر من عمره أو الصبي البالغ أحد عشر عاماً.

وكانت تلك الشهادة فداءً لعمل عظيم أقدم عليه، ألا وهو جلب الماء للعطاشى في خيام أبي عبد الله الحسين علیه السلام .

وبالنظر في تلك الزيارات والتمعن في تلك الكلمات الواردة عن الأئمة علیه السلام بشأن أبي الفضل العباس علیه السلام ، فإننا نكتشف أنه تم تأكيد خصلتين : الأولى البصيرة، والثانية الوفاء(1).


1) ثورة عاشوراء شمس الشهادة : 276 - 278.

مقتل أطفال آل الرسول صلى الله عليه وسلم

زينب عند قتل الطفل الرضيع

في مقتل الخوارزمي وغيره : تقدم الحسين علیه السلام إلى باب الخيمة وقال : ناولوني عليا الطفل حتى أودعه ،فناولوه الصبي، فجعل يقبله ويقول : ويل لهؤلاء القوم إذ كان خصمهم جدك، فبينا الصبي في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي فذبحه في حجره فتلقى الحسين دمه حتى امتلات كفه ثم رمی به نحو السماء، وقال: اللهم ان حبست عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير لنا ،وانتقم من هؤلاء الظالمين، ثم نزل الحسين عن فرسه وحفر للصبي بجفن سيفه وزمله بدمه وصلى عليه (1).

وقال في البحار : ثم التفت الحسين علیه السلام يميناً وشمالاً فلم ير أحداً من الرجال، فخرج علي بن الحسين زين العابدين وكان مريضاً فقال الحسين : ياأم كلثوم خذيه لثلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّد وتقدّم الحسين إلى باب الخيمة فقال : ناولوني ابني علياً الطفل حتى اودعه.

وقال المفيد: دعى ابنه عبدالله فجعل يقبله والصبي في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه فتلقى الحسين علیه السلام دمه حتى امتلات كفه ثم رمى به إلى السماء ولم يسقط منه قطرة إلى الأرض(2)

والطفل هو عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام ، ولد في المدينة.


1) مقتل الخوارزمي ،322 ، وتاريخ الطبري / اروبا ، 360/2 ، وابن كثير 188/8.

2) بحار الانوار للعلامة المجلسي : 4645 ، وكلمات الامام الحسين: 476.

وقيل : في الطف ولم يصح وأمه الرباب بنت امرىء القيس بن عدي بن اوس بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب بن كلب وامها هند الهنود بنت الربيع بن مسعود بن مصاد بن حصن بن كعب المذكور. وأمها ميسون بنت عمرو بن ثعلبة بن حصين بن ضمضم وامها الرباب بنت أوس بن حارثة ابن لام الطائي وهي التي يقول فيها أبوعبد الله الحسين علیه السلام .

لعمرک اننى لأحب دارا *** تحل بهاسکينة والرباب

احبها وابذل جل مالی *** وليس لعاتب عندي عتاب

وكان امرء القيس زوج ثلاث بناته في المدينة من أمير المؤمنين والحسن والحسين علیه السلام ، وقصته مشهورة فكانت الرباب عند الحسين علیه السلام ، وولدت له سكينة وعبد الله هذا.

قال المسعودي والأصبهاني والطبري وغيرهم : ان الحسين لما آيس من نفسه ذهب إلى فسطاطه فطلب طفلا له ليودعه، فجاءته به اخته زینب، فتناوله من يدها ووضعه في حجره، فبينا هو ينظر إليه اذ إتاه سهم فوقع في نحره فذبحه.

قالوا : فأخذ دمه الحسين علیه السلام بكفه ورمى به إلى السماء وقال: اللهم لا يكن أهون عليك من دم فصيل، اللهم ان حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير لنا، وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين، فلقد هون ما بي انه بعينك يا أرحم الراحمين.

قالوا : فروى عن الباقر علیه السلام انه لم تقع من ذلك الدم قطرة إلى الأرض.

ثم إن الحسين علیه السلام حفر له عند الفسطاط حفيرة في جفن سيفه فدفنه فيها بدمائه ورجع إلى موقفه. وروى أنه أخذ الطفل من يدي اخته زينب فأومى إليه ليقبله، فاتته

نشابة فذبحته، فأعطاه إلى اخته وقال: خذيه إليك، ثم فعل ما فعل بدمائه، وقال ما قال بدعائه. وروى أبو مخنف ان الذي رماه بالسهم حرملة بن الكاهن الأسدي وروى غيره ان الذي رماه عقبة بن بشر الغنوى ،والأول هو المروي عن أبي جعفر محمد الباقر علیه السلام .

بالرضيع إتاه سهم ردي *** حيث أبوه كالقوس من شفق

قد خضبت جسمه الدماء فقل *** بدر سماء قد اکتسی شفقه

الحجر هو بتثليث الحاء المهملة وبعدها الجيم الساكنة حضن الانسان . الكاهن بالنون ويجرى على بعض الالسن ويمضي في بعض الكتب باللام، والمضبوط خلافه. الشفقه الاولى الحذر من جهة المحبة والثانية هي شفق مضاف إلى ضمير البدر، والشفق هو الحمرة الشديدة عند أول الليل بين المغرب والعشاء(1).


1) انظر إبصار العين في أنصار الحسين (ص 24 ط النجف).

مقتل طفل آخر للحسين علیه السلام

قال الطبري: ورمي عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن عليبسهم

فقتله فلذلك يقول الشاعر وهو ابن أبي عقب :

وعند غنی قطرة من دمائنا *** وفي أسد أخرى تعد وتذكر(1)

أقول: يس كل أرباء السير والمقاتل يذكرون مقتل طف غير الطفل الرضيع للإمام الحسين علیه السلام ، فتأمل.


1) معالم المدرستين للعسكري : 131/3.

مقتل طفل الإمام الحسن علیه السلام

قال الطبري: ثم أن شمر بن ذي الجوشن أقبل في الرجالة نحو الحسين فأخذ الحسين يشد عليهم فينكشفون عنه ثم إنهم أحاطوا به إحاطة وأقبل إلى الحسين عبد الله بن الحسن(1)من عند النساء وهو غلام لم يراهق فأخذته أخته زينب ابنة علي لتحبسه، فقال لها الحسين : أحبسيه فأبى الغلام.

وجاء يشتد إلى الحسين فقام إلى جنبه ، قال : وقد أهوى بحر بن كعب بن عبيد الله من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة إلى الحسين بالسيف فقال الغلام: يا ابن الخبيثة أتقتل عمي ؟! فضربه بالسيف فاتقاء الغلام بيده ،فأطنها إلا الجلدة فإذا بده معلقة فنادى الغلام يا أمتاه فاخذه الحسين فضمه إلى صدره وقال: يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وحمزة وجعفر والحسن بن علي صلى الله عليهم أجمعين !

وروى الطبري : قال : ومكث الحسين علیه السلام طويلاً من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه ،وكره ان يتولى قتله وعظيم إثمه عليه قال: وان رجلاً يقال له : مالك بن نسير من بني بداء أناء وضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس له فقطع البرنس وأصاب السيف راسه فأدمى رأسه فامتلا البرنس دما فقال له الحسين : لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين.


1) في الطبري / اروبا ، 363/2 غلام من أهله والتصحيح من ارشاد المفيد ص 225.

قال: فألقى ذلك البرنس ثم دعا بقلنسوة فلبسها واعتم وقد أعيا وبلد وجاء الكندي حتى أخذ البرنس وكان من خز فلما قدم به بعد ذلك على امرأته أم عبد الله ابنة الحر أخت حسين بن الحر البدي أقبل يغسل البرنس من الدم فقالت له امرأته : أسلب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدخل بيتي ،أخرجه عني ، فذكر أصحابه أنه لم يزل فقيراً بشر حتى مات(1).


1) معالم المدرستين للعسكري : 133/3.

جيش الخلافة يهجم على خيم النساء

قال أبو مخنف في حديثه ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو من عشرة من رجالة أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله فمشى نحوه ، فقال الحسين : ويلكم ان لم يكن لكم دين ولا تخافون يوم المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحرارا ذوي أحساب امنعوا رحلي وأهلي من طغامكم وجهالكم! فقال ابن ذي الجوشن : ذلك لك يا ابن فاطمة .

قال : وأقدم عليه بالرجالة منهم أبو الجنوب واسمه عبد الرحمن الجعفي والقشعم بن عمرو بن يزيد الجعفي وصالح بن وهب اليزني وسنان ابن أنس النخعي وخولي بن يزيد الأصبحي، فجعل شمر ابن ذي الجوشن يحرضهم فمر بأبي الجنوب وهو شاك في السلاح فقال له : أقدم عليه قال :وما يمنعك أن تقدم عليه أنت؟

وقال له شمر : الي تقول ذا؟

قال: وأنت لي تقول ذا؟ فاستبا فقال له أبو الجنوب : وكان شجاعاً : والله لهممت أن أخضخض السنان في عينك قال : فانصرف عنه شمر وقال: والله لأن قدرت على أن أضرك لأضرتك (1).


1) معالم المدرستين للعسكري : 134/3.

صرخة زينب عند آخر قتال الحسين علیه السلام

قال السيد مرتضى العسكري وروى الطبري عن أبي مخنف عن الحجاج بن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث البارقي أنه عتب على عبد الله بن عمار مشهده قتل الحسين فقال عبد الله بن عمار : إن لي عند بني هاشم ليدا قلنا له : وما يدك عندهم؟

قال: حملت على الحسين بالرمح فانتهيت إليه فوالله لو شئت لطعنته ثم انصرفت عنه غير بعيد وقلت ما أصنع بأن أتولى قتله يقتله غيري، قال: فشد عليه رجالة ممن عن يمينه وشماله، فحمل على من عن يمينه حتى أذهروا، وعلى من عن شماله حتى أذهروا، وعليه قميص له من خز وهو معتم، قال: فوالله ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جاشا ولا أمضى جنانا منه ولا أجراً مقدماً، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله إن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب.

قال: فوالله انه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته وهي تقول: ليت السماء تطابقت على الأرض ، وقد دنا عمر بن سعد من حسین فقالت : يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟!

قال : فكأني أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خديه ولحيته قال : وصرف بوجهه عنها.

مقتل سبط النبي صلى الله عليه وسلم برواية ابو مخنف

قال أبو مخنف : حدثني الصقعب بن الزبير عن حميد بن مسلم قال: كانت عليه جبة من خز وكان معتما وكان مخضوبا بالوسمة قال : سمعته يقول قبل أن يقتل وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية ويفترص العورة ويشد على الخيل وهو يقول: أعلى قتلي تحالون أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله الله أسخط عليكم لقتله مني ! وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون أما والله ان لو قتلتموني لقد القى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى لكم بذلك حتى يضاعف لكم العذاب الأليم.

قال: ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء.

قال : فنادى شمر في الناس : ويحكم ماذا تنظرون بالرجل ! اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم! قال: فحمل عليه من كل جانب فضربت كفه اليسرى ضربة ضربها شريك التميمي وضرب على عاتقه ثم انصرفوا وهو ينوء ويكبو.

قال: وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع ، ثم قال لخولي بن يزيد الأصبحي احتز رأسه فأراد أن يفعل فضعف فارعد فقال له سنان بن أنس : فت الله عضديك وأبان يديك فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه ثم دفع إلى خولي بن يزيد وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف.

قال أبو مخنف عن جعفر بن محمد بن علي قال: وجد بالحسين علیه السلام حين قتل ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة .

قال: وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الحسين إلا شد عليه مخافة أن يغلب على رأسه حتى أخذ رأس الحسين علیه السلام فدفعه إلى الخولي (1)


1) معالم المدرستين للعسكري : 136/3.

جيش الخلافة يسلب نساء وأطفال الحسين

قال وسلب الحسين علیه السلام ما كان عليه فأخذ سراويله بحر بن كعب وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته وكانت من خز وكان يسمى بعد قيس قطيفة وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له : الأسود وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل .

قال : ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها .

قال : ومال الناس على نساء الحسين وثقله ومتاعه فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها (1).


1) معالم المدرستين للعسكري : 136/3.

وطنى الخيل لجسد الحسين علیه السلام

قال السيد العسكري : ثم إن عمر بن سعد نادى في أصحابه من ينتدب للحسين ويوطئه فرسه فانتدب عشرة منهم إسحاق بن حياة الحضرمي وهو الذي سلب قميص الحسين علیه السلام فبرص بعد وأحبش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرمي فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره فبلغني أن أحبش بن مرثد بعد ذلك بزمان

أتاه سهم غرب وهو واقف في قتال ففلق قلبه فمات (1).

أقول: يشكل البعض بتجرء الأعداد وطنى الجسد الشريف للإمام الحسين علیه السلام وذلك ليس من باب رحمتهم أو عطفهم أو حتى احتشامهم، إنما لما يروه من توهين لشخص الإمامة ومقامها الرفيع .وعلى كل حال نقل الكثير من أرباب السير والمقاتل هذه الحادثة المؤلمة والله أعلم بحقيقة الحال.

ومما لا شك فيه أن وطىء الخيل لو حصل فهو بمرىء زينب علیهاالسلام ولا أدري كيف يمكن للمرىء أن يصف تلك الحالة التي كانت عليها سيدتنا زينب علیهاالسلام .


1) معالم المدرستين للعسكري: 122/3 - 137.

شهادة أبناء زينب بنت علي تت

قال السيد القرشي : وتسابقت الفتية من أبناء عبد الله بن جعفر إلى الجهاد بين يدي ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم :

شهادة عون بن عبد الله

وأمه العقيلة زينب علیهاالسلام بنت الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وقد برز إلى ساحة الجهاد فجعل يقاتل قتال الأبطال وهو يرتجز :

إن تنكروني فأنا ابن جعفر *** شهید صدق في الجنان أزهر

يطير فيها بجناح أخضر *** كفى بهذا شرفاً من معشر

وقد عرف نفسه بأنه ابن جعفر الشهيد الخالد في الإسلام الذي قطعت يداه في سبيل الدعوة الإسلامية، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الفردوس الأعلى حسبما يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ويكفي عوناً شرفاً ومجداً انه حفيد هذا الرجل العظيم.

و جعل يقاتل فحمل عليه عبد الله بن قطبة الطائي فقتله، وقد رثاء سليمان بن قتة بقوله :

واندبي إن بكيت عوناً أخاه *** ليس فيما ينوبهم بخذول

فلعمري لقد أصبت ذوي القر *** بي فبكي على المصاب الطويل(1)


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 176/3.

شهادة محمد بن عبد الله بن جعفر

وبرز إلى حومة الحرب محمد بن عبد الله بن جعفر ،وامه الخوصا من بني بكر ابن وائل وجعل يقاتل وهو يرتجز :

نشكو إلى الله من العدوان *** قتال قوم في الردى عميان

قد بدلوا معالم القرآن *** ومحكم التنزيل والتبيان

وأظهروا الكفر مع الطغيان *** قد شكا إلى الله

بهذا الرجز ما يعانيه أهل البيت علیه السلام من الظلم والاعتداء من تلك العصابة الباغية التي عميت عن الحق وتردت في الضلال وبدلت أحكام القرآن، وأظهرت الكفر والطغيان.

وقاتل الفتى أعنف القتال فحمل عليه عامر بن نهشل التميمي فضربه بالسيف فهوى جسمه الخضيب على رمضاء كربلاء، ولم يلبث أن لفظ أنفاسه الأخيرة وقد رثاء سليمان بن قتة بقوله :

و سمی النبي غودر فيهم *** قد علوه بصارم مصقول

فإذا ما بكيت عيني فجودي *** بدموع تسيل کل مسیل(1)

وقال في البحار :وخرج من بعده محّمد بن عبدالله بن جعفر الطيّار فقتل منهم عشرة ثم قتله عامر التميمي وخرج من بعده أخره عون وقتل ثمانية عشر رجلاً وثلاثة فوارس وقتله ابن بطة ثم خرج القاسم بن الحسن وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم فاستأذن الحسين علیه السلام فأبى أن يأذن له فلم يزل يقبل يديه ورجليه حتى أذن له فخرج ودموعه تسيل على خديه وهو يقول شعراً :

إن تنكروني فأنا ابن الحسن *** سبط النبي المصطفى والمؤتمن فقتل منهم خمسة وثلاثين رجلاً فضربه عمر الأزدي بالسيف على رأسه فوقع الغلام لوجهه ونادى يا عماه فجاءه الحسين علیه السلام كالصفر المنقض فقتل قاتله وحملت


1) حياة الحسين للقرشي : 176/3 .

خيل أهل الكوفة فجرحنه بحوافرها حتى مات الغلام فانجلت الغبرة فإذا الحسين واقف على رأس الغلام وهو يفحص برجله فقال الحسين علیه السلام : يعز والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك فلا يعينك أو يعينك فلا يُغني عنك بعداً لقوم قتلوك، ثم احتمله حتى ألقاء بين القتلى من أهل بيته.

شهادة عبيد الله بن عبد الله جعفر

قال السيد القرشي : وعبيد الله أمه الخوصا بنت حفصة، وقد برز إلى الجهاد فقتل.

موقف لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب عند مقتل بنيه

قال هشام عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن عبدالرحمان بن عبيد أبي الكنود قال : لما بلغ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب مقتل ابنيه مع الحسين علیه السلام دخل عليه بعض مواليه والناس يعزونه، قال: ولا أظن مولاء ذلك إلا أبا اللسلاس ، فقال : هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين .

قال : فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله ثم قال : يا ابن اللخناء اللحسين تقول هذا؟ والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتي أقتل معه، والله إنه لمما يسخي بنفسي عنهما ويهون على المصاب بهما، أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه ثم أقبل على جلساته فقال : الحمد لله عزّ عليّ بمصرع الحسين أن لا یکن است حسيناً يدي فقد أساء وُلْدِي (1).


1) مقتل الحسين لأبي مخنف : 231.

روايات أخرى لمقتل أهل البيت علیه السلام

شهادة اخوة زينب برواية أخرى

قال السيد القرشي : وبعدما استشهدت الصفوة الطيبة من أهل البيت علیه السلام ولم يبق مع الإمام الحسين علیه السلام سوى أخوته من أبيه هبوا للجهاد، ووطنوا نفوسهم على الموت ليفدوا ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفوسهم ومهجهم.

العباس مع اخوته

ولما رأى بطل هاشم وفخر عدنان العباس ابن الإمام أمير المؤمنين كثرة القتلى من أهل بيته التفت إلى اخوته من أبيه وأمه فقال لهم :

« تقدموا يا بني أمي حتى أراكم نصحتم الله ولرسوله فإنه لا ولد لكم...».

وكشفت هذه الكلمات عن مدى إيمانه العميق، فهو يطلب من أخوته أن يكونوا قرابين الله ،ويراهم في جهادهم قد نصحوا لله ورسوله ولم يلحظ في جهادهم أي اعتبار آخر من النسب وغيره ... والتفت أبو الفضل إلى أخيه عبد الله، وكان أكبر اخوانه سناً فقال له :

«تقدم يا أخي حتى أراك قتيلاً واحتسبك».

واستجابت الفتية إلى نداء الحق، فتقدموا إلى الجهاد بعزم وإخلاص.

قول رخيص

قال القرشي :وان من أرخص الأقوال وأهزلها ما ذكره ابن الأثير أن العباس علیه السلام قال لأخوته : « تقدموا حتى ارتكم فإنه لا ولد لكم» لقد قالوا بذلك ليقللوا من أهمية هذا العملاق العظيم الذي هو في طليعة رجال الإسلام بذلاً وتضحية في سبيل الله ، وهل من الممكن أن يفكر العباس علیه السلام في الناحية المادية في تلك الساعة الرهيبة التي كان الموت المحتم منه كقاب قوسين أو أدنى، مضافاً إلى المحن الشاقة التي أحاطت به، فهو يرى الكواكب من أبناء أخوته وعمومته صرعى على الأرض، ويسمع ضجيج حرائر النبوة وكرائم الوحي، ويسمع صراخ الأطفال وهم ينادون العطش العطش، ويرى أخاه قد أحيط به وهو يستغيث فلا يغاث، فقد استوعبت هذه الرزايا التي تذهل الألباب جميع مشاعره وعواطفه ولم يكن يفكر إلا بسرعة الرحيل عن هذه الدنيا، ومضافاً لذلك كله فإن أم البنين أم العباس كانت حية فهي التي تحوز ميراث أبنائها لأنها من الطبقة الأولى، ولعل الوارد حتى أثاركم أي أطلب بثأركم فحرف ذلك.

مصرع عبد الله ابن أمير المؤمنين

وبرز عبد الله ابن أمير المؤمنين وأمه أم البنين إلى ساحة الجهاد والتحم مع الأعداء وهو يرتجز :

شیخ علی ذو الفخار الأطول *** من هاشم الخير الكريم المفضل

هذا حسين ابن النبي المرسل *** عنه نحامي بالحسام المصقل

تفديه نفي من أخ مبجل *** یا رب فامنحني ثواب المنزل

لقد اعتز بهذا الرجز بأبيه الإمام أمير المؤمنين باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وسلم ووصيه كما اعتز بأخيه الإمام الحسين ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانه إنما ينافح عنه لا بدافع الأخوة والرحم، وإنما يبغي بذلك وجه الله والدار الآخرة.

ولم يزل الفتى يقاتل أعنف القتال حتى شد عليه الباغي الأثيم هانىء بن ثبيت الحضرمي فقتله.

مصرع جعفر

وبرز جعفر ابن أمير المؤمنين علیه السلام وأمه أم البنين وكان له من العمر تسع عشرة سنة، فجعل يقاتل قتال الأبطال فشد عليه هاني بن ثبيت فقتله.

مصرع عثمان

وبرز عثمان ابن أمير المؤمنين وامه أم البنين وهو ابن إحدى وعشرين سنة فرماه فأضعفه، وشد عليه رجل من بني دارم فقتله وأخذ رأسه ليتقرب به إلى خولي بسهم سیده ابن مرجانة.

زينب عند مصرع العباس

وليس في تاريخ الإنسانية قديماً ولا حديثاً أخوة أصدق ولا أنبل ولا أوفى من أخوة أبي الفضل لأخيه الإمام الحسين فقد حفلت بجميع القيم الإنسانية والمثل الكريمة.

وكان البارز من مثل تلك الأخوة النادرة الإيثار والمواساة والفداء فقد آثر أبو الفضل أخاه وفداء بروحه ، وراساء في أقسى المحن والخطوب وقد أشاد الإمام زين العابدين علیه السلام بهذه المواساة النادرة من عمه يقول علیه السلام :

« رحم الله عمي العباس فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه، فأبدله الله تعالى بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب .. وان للعباس عند الله تعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة».

وقد أثارت هذه الأخوة الصادقة الإكبار والإعجاب عند جميع الناس، وصارت مضرب المثل في جميع الأحقاب والآباد، وقد اعتز بها حفيده الفضل بن محمد يقول :

أحق الناس أن يبكي عليه *** فتي أبكي الحسين بكربلاء

أخوه وابن والده علي *** أبو الفضل المضرج بالدماء

ومن واساه لا يثنيه شيء *** وجادله على عطش بماء

ويقول الكميت :

وأبو الفضل إن ذكرهم الحلو *** شفاء نفوس من أسقام

قتل الأدعياء إذ قتلوه *** أكرم الشاربين صوب الغمام

لقد كان أبو الفضل يملك طاقات هائلة من التقوى والدين، وكانت أسارير النور بادية على وجهه الكريم حتى لقب بقمر بني هاشم، كما كان من الأبطال البارزين في الإسلام، وكان إذا ركب الفرس المطهم تخطان رجلاء في الأرض وقد ورث صفات أبيه من الشجاعة والنضال .

وأسند إليه الإمام علیه السلام يوم الطف قيادة جيشه ودفع إليه رايته فرفعها عالية خفاقة، وقد قاتل أعنف القتال وأشده، ولما رأى وحدة أخيه وقتل أصحابه وأهل بيته الذين باعوا نفوسهم لله انبرى إليه يطلب منه الرخصة ليلاقي مصيره المشرق، فلم يسمح له الإمام وقال له بصوت خافت حزين النبرات :

« أنت صاحب لوائي ».

لقد كان الإمام يشعر بالقوة والمنعة ما دام أبو الفضل حياً، فهو كجيش إلى جانبه يحميه ويذب عنه ،وا والح عليه أبو الفضل قائلاً :

« لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين ،وأريد أن آخذ ثأري منهم».

لقد ضاق صدره وستم من الحياة حينما رأى الكواكب المشرقة من أخوته وأبناء أخوته وعمومته صرعى مجزرين على رمال كربلاء فتحرق شوقاً للالتحاق بهم والأخذ بثأرهم، وطلب منه الإمام أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش فاندفع الشهم النبيل نحو أولئك الممسوخين فجعل يعظهم ويحذرهم غضب الله ونقمته، وخاطب ابن سعد قائلاً :

« يا بن سعد هذا الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتلتم أصحابه وأهل بيته،وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء، قد أحرق الظمأ قلوبهم، وهو مع ذلك يقول : دعوني أذهب إلى الروم أو الهند وأخلي لكم الحجاز والعراق».

وزلزلت الأرض تحت أقدامهم وودوا أن تخيس بهم، وبكى بعضهم وساد

عليهم صمت رهيب فانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن فرد عليه قائلاً : «يا بن أبي تراب لو كان وجه الأرض كله ماءً وهو تحت أيدينا لما سقيناهم منه قطرة إلا أن تدخلوا في بيعة يزيد».

وقفل أبو الفضل راجعاً إلى أخيه فأخبره بعتو القوم وطغيانهم، وسمع الأبي الشهم صراخ الأطفال وهم يستغيثون وينادون :

العطش العطش. الماء الماء.

فرآهم أبو الفضل العباس - ويا لهول ما رأى - قد ذبلت شفاههم وتغيرت ألوانهم وأشرفوا على الهلاك من شدة الظمأ ، فالتاع كأشد ما يكون الالتیاع، وسرى الألم العاصف في محياه، واندفع ببسالة لإغاثتهم فركب جواده وأخذ معه القربة، فاقتحم الفرات وقد استطاع بقوة بأسه أن يفك الحصار الذي فرض على الماء وقد انهزم الجيش من بين يديه، فقد ذكرهم ببطولات أبيه فاتح خيبر ومحطم فلول الشرك، وقد انتهى إلى الماء وكان قلبه الشريف قد تفتت من العطش ،واغترف من الماء غرفة ليشرب منه إلا أنه تذكر عطش أخيه ومن معه من النساء والأطفال فرمى الماء من يده وامتنع أن يروي غليله وهو يقول:

يا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده لا كنت أن تكوني

هذا الحسين وارد المنون *** وتشربين بارد المعين

تا الله ما هذا فعال ديني

إن الإنسانية بكل إجلال وإكبار لتحيي هذه الروح العظيمة التي تألقت في دنيا الفضيلة والإسلام ،وهي تلقي على الأجيال أروع الدروس عن الكرامة الإنسانية والمثل العليا.

لقد كان هذا الإيثار الذي تجاوز حدود الزمان والمكان من أبرز الذاتيات في خلق أبي الفضل، فلم تمكنه عواطفه المترعة بالولاء والحنان لأخيه أن يشرب من الماء قبله، فأي إيثار أنبل أو أصدق من هذا الإيثار لقد امتزجت نفسه بنفس أخيه، وتفاعلت روحه مع روحه، فلم يعد هناك أي تعدد في الوجود بينهما واتجه فخر هاشم مزهواً نحو المخيم بعدما ملأ القربة وهي عنده أغلى وأثمن من الحياة، والتحم مع الأعداء التحاماً رهيباً فقد أحاطوا به ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى أهل البيت، وأشاع فيهم البطل القتل فأخذ يحصد الرؤوس ويجندل الأبطال وهو يرتجز :

لا أرهب الموت إذا الموت زقا *** حتى أوارى في المصاليت لقى نفسي لسبط المصطفى الظهر وقا *** إني أنا العباس اخدو بالسقا

ولا أخاف الشر يوم الملتقى

لقد أعلن لهم عن شجاعته النادرة وبطولاته العظيمة، فهو لا يرهب الموت، وإنما يستقبله بثغر باسم دفاعاً عن الحق، ودفاعاً عن أخيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض ... وانه لفخور إذ يغدو بالسقاء مملوءاً من الماء ليروي به عطاشى أهل البيت .

وانهزمت جيوش الباطل يطاردها الرعب والفزع، فقد أبدى أبو الفضل من البطولات ما يفوق حد الوصف وقد أيقنوا أنهم عاجزون عن مقاومته، إلا أن الوضر الجبان زيد بن الرقاد الجهني قد كمن له من وراء نخلة، ولم يستقبله بوجهه، فضربه على يمينه فبراها .. لقد قطع تلك اليد التي كانت تفيض سماحاً وبراً على الناس ودفاعاً عن حقوق المظلومين والمضطهدين .

ولم يعن أبو الفضل بيمينه، وإنما راح يرتجز :

والله ان قطعتم يميني *** إني أحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق يقيني *** نجل النبي الطاهر الأمين

ودلل بهذا الرجز على الأهداف العظيمة التي يناضل من أجلها، فهو إنما يناضل دفاعاً عن الدين، ودفاعاً عن إمام المسلمين.

ولم يبعد العباس قليلاً حتى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس البشرية وهو الحكيم بن الطفيل الطائي فضربه على يساره فبراها ، وتنص بعض المقاتل أنه حمل القربة بأسنانه وجعل يركض ليوصل الماء إلى عطاشى أهل البيت، غير حافل بما كان يعانيه من نزف الدماء وألم الجروح وشدة الظمأ .. لقد كان ذلك منتهى وصلت إليه الإنسانية في جميع أدوارها من الوفاء والرحمة والحنان.

وبينما هو يركض وهو بتلك الحالة إذ أصاب القربة سهم غادر فأريق ماؤها ، ووقف البطل الشهم حزيناً، فقد كان إراقة الماء عنده أشد عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح، وشد عليه رجس فعلاء بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته، وهوى إلى الأرض وهو يؤدي تحيته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً :

«عليك مني السلام أبا عبد الله».

وحمل الأثير كلماته إلى أخيه فخرقت قلبه ومزقت أحشاءه، وانطلق وهو خائر القوى منهد الركن فاقتحم بجواده جيوش الأعداء، ووقف على الجثمان المقدس وهو يعاني آلام الاحتضار وألقى بنفسه عليه فجعل يشمه ويضمخه بدموع عينيه وهو يلفظ شظايا قلبه الذي مزقته الكوارث قائلاً :

«الآن انكسر ظهري، وقلت حيلتي ».

وجعل الإمام يطيل النظر إلى جثمان أخيه وهو يذكر أخوته الصادقة ووفاءه النادر وشهامته الفذة... وتبددت جميع آماله، وكان مما يهون عليه أهوال هذه الكارثة سرعة اللحاق به ،وعدم بقائه بعده إلا لحظات ، ولكنها كانت عنده كالسنين فقد ودَّ أن المنية قد وافته قبله.

وقام الشاكل الحزين وقد انهارت قواه ،وهو لا يتمكن أن يقل قدميه، وقد بان عليه الانكسار والحزن، واتجه صوب المخيم وهو يكفكف دموعه، فاستقبلته سكينة قائلة :

« أبن عمي؟» .

فأخبرها بشهادته وهو غارق بالبكاء والشجون ، وذعرت حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم زينب الكبرى علیهاالسلام واستولى عليها الفزع حينما سمعت بمقتل أخيها، ووضعت يدها على قلبها المذاب وهي تصيح :

« والأخاء، واعباساه واضيعتنا بعدك ».

وشارك الإمام شقيقته في النياحة على أخيه البار، واندفع رافعاً عقيرته وهو الصبور :

« واضيعتنا بعدك يا أبا الفضل» .

لقد شعر بالوحدة والضيعة بعد فقده لأخيه الذي لم يترك لوناً من ألوان البر والمواساة إلا قدمها لأخيه.

فسلام على سيرتك وذكراك يا أبا الفضل ،فلقد مضيت إلى مصيرك العظيم وأنت من أعظم الشهداء إشراقاً وتضحية.

وداعاً يا قمر بني هاشم.

وداعاً يا بطل كربلاء.

وسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً.

مصرع محمد الأصغر

قال السيد القرشي في كتابه : وممن استشهد من أخوة الحسين لأبيه محمد الأصغر وأمه أم ولد وقد قاتل قتالاً عنيفاً فشد عليه رجل من تميم فقتله.

مصرع أبو بكر

وهو أخو الإمام لأبيه وأمه ليلى بنت مسعود لم يعرف اسمه ويقول الخوارزمي : إن اسمه عبد الله وقد برز للحرب فقتله رجل من همدان، وقيل لا يُدرى من قتله ويذهب الطبري إلى أنه مشكوك في قتله (1).

وقال في البحار : ثمّ برز أبو بكر بن الحسن وقتله عبدالله بن عقبة ثم تقدمت أخوة الحسين فبرز منهم أبو بكر بن علي ثم عثمان بن علي.

وعن علي علیه السلام قال : إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون.

قيل لعلّ أمير المؤمنين علیه السلام إنما سمّى أولاده بهذه الأسماء مع أنه لا يحبها توسيعاً على شيعته في ميدان التقية مثلاً لو كان رجل من الشيعة في بلاد المخالفين.

وقيل له : أتحب أبا بكر وعمر وعثمان؟

يقول : نعم ويحلف على هذا قاصداً إلى أولاد أمير المؤمنين علیه السلام والله أعلم.


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 184/3

مصرع العباس الأصغر

قال السيد القرشي : هو أخو الإمام لأبيه وأمه لبابة بنت عبيد الله بن العباس استشهد يوم الطف ويقول القاسم بن أصبغ المجاشعي لما أتي بالرؤوس إلى الكوفة رأيت فارساً علق في ساق فرسه رأس غلام أمرد كأنه القمر ليلة البدر فإذا طأطأ الفرس رأسه لحق رأس الغلام بالأرض فسألت عن الفارس فقيل هو حرملة بن كاهل وسألت عن الرأس فقيل هو رأس العباس بن علي وهذا مما يؤكد وجود العباس

الأصغر لأن العباس الأكبر كان عمره يوم قتل اثنين وثلاثين سنة وليس غلاماً أمرد.

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن شهداء أهل البيت علیه السلام وقد انتهكت بقتلهم حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يرع الجيش الأموي قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي أولى بالرعاية والعطف من كل شي(1).


1) المصدر السابق.

زينب عند مصرع الإمام الحسين علیه السلام

قال السيد القرشي : وتتابعت الرزايا والخطوب يتتبع بعضها بعضاً على ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو لم يكد ينتهي من كارثة قاصمة حتى تتواكب عليه أشد الكوارث هولاً وأعظمها محنة.

لقد عانى الإمام في تلك اللحظات الرهيبة من المحن الشاقة ما لم يعانه أي مصلح كان، ومن بينها :

أولاً - إنه كان ينظر إلى مخدرات الرسالة وعقائل الوحي وهن بحالة من الذعر لا يعلمها إلا الله، ففي كل لحظة يستقبلن عزيزاً من نجوم العترة الطاهرة مضمخماً بدمائه الزكية لا يلبث أن يلفظ نفسه الأخير أمامهن ومما زاد في وجلهن أن الجفاة من الأعداء الذين محيت الرحمة من نفوسهم قد أحاطوا بهن ،ولا يعلمن ماذا سيجري عليهن من المحن بعد فقد الأهل والحماة، وكان الإمام ينظر إلى ما ألم بهن من الخوف فيذوب قلبه أسى وحسرات فكان يأمرهن بالتجلد والخلود إلى الصبر، وأن لا يبدين من الجزع ما ينقص قدرهن، واعلمهن أن الله يحفظهن وينجيهن من شر الأعداء.

ثانياً - إن الأطفال قد تعالى صراخهم من ألم الظمأ القاتل، وهو لا يجد مجالاً لإغاثتهم، وقد ذاب قلبه الكبير حناناً ورحمة على أطفاله وعياله الذين يعانون ما لا طاقة لهم به.

ثالثاً . - تعدي السفكة المجرمين بعد قتل أصحابه وأهل بيته إلى قتل الأطفال الأبرياء من أبناء أخوته وعمومته.

رابعاً - مقاساته العطش الأليم، فقد ورد عن شدة ظماء أنه كان لا يبصر السماء

إلا كالدخان وان كبده الشريف قد تفتت من شدة العطش، يقول الشيخ التستري : إن عطش الحسين قد أثر في أربعة أعضاء فالشفة ذابلة من حر الظمأ ، والكبد مفتت لعدم الماء - كما قال علیه السلام - وقد أخبر بذلك حينما يئس من الحياة، وقد علموا أنه لا يعيش بعد ذلك فقال لهم: اسقوني قطرة من الماء فقد تفتت كبدي، واللسان مجروح من شدة اللوك - كما في الحديث - والعين مظلمة من العطش ».

خامساً - فقده للأحبة ،من أهل بيته وأصحابه ،فكان ينظر إلى خيمهم فيراها خالية فجعل يصعد آهاته وأحزانه، ويندبهم بأقسى ندبة.

إن النفس لتذوب حسرات من هذه الخطوب التي ألمت بابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول صفي الدين :«وقد لاقى الحسين من المحن والبلايا ما لا يستطيع مسلم أن يسمعه إلا ويذوب فؤاده ».

استغاثة الإمام

وألقى الإمام الممتحن نظرة مشفوعة بالأسى والحرات على أهل بيته وأصحابه فراهم مجزرين كالأضاحي على رمال كربلاء تصهرهم الشمس، وسمع عياله وقد ارتفعت أصواتهن بالبكاء فأخذ يستغيث ويطلب الناصر والمعين ليحامي عن حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً :

هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هل من موحد يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟.

ولم تنفذ هذه الاستغاثة إلى تلك القلوب التي رأن عليها الباطل وغرقت في الآثام ... ولما سمع زين العابدين استغاثة أبيه وثب من فراشه، وجعل يتوكأ على عصا لشدة مرضه ،فبصر به الحسين فصاح بأخته السيدة أم كلثوم! احبسيه لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمد ، وبادرت إليه فأرجعته إلى فراشه.

مصرع الرضيع

أي صبر كان صبر أبي عبد الله ؟!! كيف استطاع أن يتحمل هذه الكوارث.. إنه صبر تعجز عنه الكائنات، وتميد من هوله الجبال ،وكان من أفجع وأقسى ما نكب به رزينه بولده عبد الله الرضيع فقد كان كالبدر في بهائه، فأخذه وجعل يوسعه تقبيلاً ويودعه الوداع الأخير، وقد رآه مغمى عليه، وقد غارت عيناه وذبلت شفتاه من شدة الظما فحمله إلى القوم ليستدر عواطفهم لعلهم يسقوه جرعة من الماء، وعرضه عليهم وهو يظلل له بردائه من حرارة الشمس، وطلب منهم أن يسعفوه بقليل من الماء، فلم ترق قلوب أولئك الممسوخين، وانبرى الباغي اللتيم حرملة بن كاهل فسده له سهماً، وجعل يضحك ضحكة الدناة وهو يقول مفتخراً أمام اللثام من أصحابه :

« خذ هذا فاسقه ».

واخترق السهم - بالله - رقبة الطفل، ولما أحس بحرارة السهم أخرج يديه من القماط، وجعل يرفرف على صدر أبيه كالطير المذبوح ، وانحنى الطفل رافعاً رأسه إلى السماء فمات على ذراع أبيه ... إنه منظر تتصدع من هوله القلوب، وتلجم الألسن ... ورفع الإمام يديه وكانتا مملوءتين من ذلك الدم الطاهر فرمی به نحو السماء فلم تسقط منه قطرة واحدة إلى الأرض - حسبما يقول الإمام الباقر علیه السلام - وأخذ يناجي ربه قائلاً :

« هون ما نزل بي أنه بعين الله تعالى : اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل، إلهي إن كنت حبست عنا النصر فاجعله لما هو خير منه، وانتقم لنا من الظالمين ،واجعل ما حل بنا في العاجل ذخيرة في الأجل، اللهم أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمد صلى الله عليه وسلم .

ونزل الإمام عن جواده وحفر لطفله بجفن سيفه حفرة ودفنه مرملاً بدمائه الزكية، وقيل إنه ألقاء مع القتلى من أهل بيته لك الله يا أبا عبد الله على هذه الكوارث التي لم يمتحن ببعضها أي نبي من أنبياء الله، ولم تجر على أي مصلح في الأرض.

صمود الإمام

ووقف الإمام وحيداً في الميدان أمام أعدائه، وقد زادته الفجائع المذهلة إيماناً ويقيناً في بشر وطلاقة وثقة بما يصير إليه من منازل الفردوس الأعلى.

لقد وقف ثابت الجنان لم يوهن عزيمته مصارع أولاده وأهل بيته وأصحابه ولا ما كان يعانيه من ألم العطش ونزيف الدماء، انه صمود الأنبياء وأولي العزم الذين ميزهم الله على بقية عباده، وقد روى ولده علي بن الحسين زين العابدين علیه السلام الصور المذهلة عن صبر أبيه وصموده قال :كان كلما يشتد الأمر يشرق لونه، وتطمئن جوارحه، فقال بعضهم : انظروا كيف لا يبالي بالموت ويقول عبد الله بن عمار : رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على من على يمينه حتى انذغروا عنه فوالله ما رأيت مكثوراً قد قتل أولاده وأصحابه أربط جاشاً منه، ولا أمضى جناناً منه، ووالله ما رأيت قبله ولا بعده مثله وكان يتمثل بقول ابن الخطاب الفهري :

مهلاً بني عمناظلامتنا *** إن بسنا سورة من القلق

لمثلكم تحمل السيوف ولا *** تغمز احسابنا من الرفق

إني لانمى إذا انتميت *** إلى عز عزيز ومعشر صدق

بيض سباط كان أعينهم *** تكحل يوم الهياج بالعلق

وحمل على أعداء الله فجعل يقاتلهم أشد قتال رآه الناس، وقد حمل على الميمنة وهو يرتجز :

الموت أولى من ركوب العار *** والعار أولى من دخول النار

وحمل على الميسرة وهو يرتجز :

انا حسين بن علي *** الیت أن لا أن انثنی

احمی عالات أبي *** أمضي على دين النبي

أجل أنت الحسين وأنت ملء فم الدنيا شرفاً ومجداً، وأنت الوحيد في هذه الدنيا لم تنثن عن عزيمتك وإرادتك، فلم تضرع ولم تهن ومضيت في طريق الكفاح تدك حصون الظالمين والماردين.

لقد مضيت على دين جدك الرسول صلى الله عليه وسلم فأنت الباعث المجدد لهذا الدين ولولاك لكان شبحاً مبهماً لا ظل له على واقع الحياة... وروى ابن حجر أن الإمام كان يقاتل وينشد هذه الأبيات:

أنا ابن علي الحر من آل هاشم *** كفاني بهذا مفخراً حين أفخر

وجدي رسول الله أكرم من مشى *** ونحن سراج الله في الناس يزهر وفاطمة أمي سلالة أحمد *** وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر

وفينا كتاب الله أنزل صادقاً *** وفينا الهدى والوحي والخير يذكر

زينب عند الهجوم على الخيم

قال: وتوسط أبي الضيم معسكر الأعداء وجعل يقاتلهم أشد القتال وأعنفه وقد هجموا على خيمه ليسلبوا الحريم والأطفال فصاح بهم:

« يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين ،وكنتم لا تخافون المعاد،

فكونوا أحراراً في دنياكم وارجعوا إلى احسابكم ان كنتم عرباً كما تزعمون ....»

لقد جردهم الإمام بهده الكلمات من الإطار الإسلامي، وأضافهم إلى آل أبي سفيان العدو الأول للإسلام وتزعم من بعده أبناؤه القوى الباغية عليه، وما كارثة كربلاء إلا امتداد لأحقادهم وأضغائهم على نبي الإسلام ... وقد دعاهم علیه السلام إلى الاحتفاظ بالتقاليد العربية التي كانت سائدة في أيام الجاهلية من عدم التعرض للنساء والأطفال بأي أذى أو مكروه.

وانبرى الوغد الخبيث شمر بن ذي الجوشن فقال للإمام:

«اما تقول يابن فاطمة ؟ ».

وحسب الرجس أنه قد انتقص الإمام بنسبته إلى أمه سيدة النساء، ولم يعلم أنه نسبه إلى معدن الطهر والنبوة ،وحسب الحسين فخراً ومجداً أن تكون أمه سيدة نساء العالمين حسبما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم .

فقال له الإمام :

«أنا الذي أقاتلكم، والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا هناتكم من التعرض لحرمي ما دمت حياً».

فأجابه الشمر إلى ذلك، وأحاط به القتلة المجرمون وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح، فجعلت جراحاته تتفجر دماً.

رؤيا الإمام الحسين علیه السلام

و خفق الإمام الحسين خفقة بعدما أعيته الآلام المرهقة، فاستيقظ، والتفت إلى أصحابه وأهل بيته فقال لهم :

•

أتعلمون ما رأيت في منامي؟

•

ما رأيت يابن رسول الله ؟

•

رأيت كأن كلاباً قد شدت علي تناشبني وفيها كلب أبقع أشدها علي، وأظن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من هؤلاء القوم ... ثم إني رأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة من أصحابه، وهو يقول لي: يا بني أنت شهيد آل محمد، وقد استبشرت بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى، فليكن إفطارك عندي الليلة، عجل ولا تؤخر هذا ما رأيت وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا.

وخيم على أهل بيته علیه السلام وأصحابه حزن عميق ،وأيقنوا بنزول الرزء القاصم واقتراب الرحيل عن هذه الحياة(1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 119/3.

الخطاب الأخير

ووجه الإمام علیه السلام وهو بتلك الحالة خطاباً لأعدائه حذرهم فيه من غرور الدنيا وفتنتها، ويقول المؤرخون: إنه لم يلبث بعده إلا قليلاً حتى استشهد، وهذا نصه :

«عباد الله ، اتقوا الله ، وكونوا من الدنيا على حذر فإن الدنيا لو بقيت لأحد، وبقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحق بالبقاء، وأولى بالرضا، وأرضى بالقضاء، غير أن الله تعالى خلق الدنيا للبلاء، وخلق أهلها للفناء فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، و سرورها مكفهر ،والمنزل بلغة ،والدار قلعة فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وأتقوا الله لعلكم تفلحون » .

الإمام يطلب ثوباً خلقاً

وطلب الإمام من أهل بيته أن يأتوه بثوب خلق لا يرغب فيه أحد ليجعله تحت ثيابه لئلا يسلب منه، فأتوه بتبان فلم يرغب فيه وقال ذلك لباس من ضربت عليه الذلة، وأخذ ثوباً فخرقه ،وجعله تحت ثيابه فلما قتل جردوه منه . . (1).

وروي أنه قال علیه السلام لأهله : ابعثوا إلي ثوباً خلقاً اجعله تحت ثيابي لئلا أجرد فأخذ ثوباً خلقاً فخرقه وجعله تحت ثيابه، ثم استدعى بسراويل من حبره ففزرها ولبسها، فلما قتل سلبها بحر بن كعب فكانت يدا بحر بعد ذلك يابسان في الصيف وينضحان الماء في الشتاء إلى أن مات.

ولما أثخن بالجراح طعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته فسقط عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن.

وخرجت زينب من الفسطاط تنادي: وا أخاه وا سيداء ليت السماء أطبقت على الأرض وليت الجبال تدكدكت على السهل وصاح شمر :ما تنتظرون بالرجل فحملوا عليه من كل جانب فضربه رجل ضربة بالسيف كبا منها لوجهه وطعنه سنان في ترقوته ورماء أيضاً بسهم وقع في نحره فنزع علیه السلام السهم من نحره وقرن كفيه جميعاً وكلما امتلانا من دمائه خضب بهما رأسه ولحيته يقول: هكذا ألقى الله مخضباً بدمي.

فقال ابن سعد لرجل : إنزل إلى الحسين وأرحه فبدر إليه خولي الأصبحي ليحتز راسه فارعد ونزل إليه سنان النخعي فضربه بالسيف على حلقه الشريف وهو يقول : والله إني لاحتزّ رأسك وأعلم أنّك ابن رسول الله وخير الناس أباً وأماً ثم احتز رأسه المقدس.


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 192/3.

وروي ان سناناً هذا أخذه المختار فقطع أنامله أنملة أنملة ثم قطع يديه ورجليه وأغلى له قدراً فيها زيت ورماه فيها وهو يضطرب وقيل الذي قطع رأس الحسين هو الشمر لعنه الله وقيل بل جاء إليه شمر وسنان والحسين علیه السلام بآخر رمق يلوك لسانه من العطش ويطلب الماء فرفسه شمر برجله وقال : يابن أبي تراب ألست تزعم أن أباك على حوض النبي يسقي من أحبه فاصبر حتى تأخذ الماء من يده فاحت رأسه.

وروي أن فرس الحسين علیه السلام كان يحامي عنه ويثب على الفارس فيحبطه عن سرجه ويدوسه حتى قتل أربعين رجلاً ثم نزع في دم الحسين وقصد نحو الخيمة وله صهيل عال ويضرب بيديه الأرض (1).

وفي حين قتله ارتفعت في السماء غبرة شديدة وسواد مظلمة فيها ريح حمراء لا يرى فيها عين ولا أثر حتى ظنّ القوم أن العذاب قد جاءهم فلبثوا ساعة ثم انجلت عنهم.

وعن هلال بن نافع قال : إني لواقف مع أصحاب ابن سعد إذ صرخ صارخ ابشر أيها الأمير فهذا شمر قد قتل الحسين فخرجت بين الصفين فوقفت عليه وأنه ليجود بنفسه فوالله ما رأيت قتيلاً مضمخاً بدمه أحسن منه ولا أنور وجهاً ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله فاستسقى في تلك الحال ماءً فقال له رجل: لا تذوق الماء حتى ترد الحامية.

فقال الحسين علیه السلام : بل أرد على جدّي وأسكن معه في داره وأشرب من ماء غير آسن وأشكو إليه ما ارتكبتم مني.

فاحتزوا رأسه وهو يكلمهم فتعجبت من قلة رحمتهم.

فقلت : والله لا أجامعكم على أمر أبداً(2).


1) مناقب آل أبي طالب : 215 ، والبحار : 57/45

2) مدينة المعاجز : 4 77 ، والبحار : 5745/.

توديع الإمام الحسين لأهل بيته علیه السلام

ثم نظر الحسين إلى اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته صرعى فنادى باسكينة يا فاطمة يا زينب يا أم كلثوم عليكن منّي السلام فنادته سكينة يا أبه استسلمت للموت، قال : كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين فقالت :يا أبه ردنا إلى حرم جدنا فقال: هيهات لو ترك القطا لنام، تصارخن النساء ثم ركب الحسين علیه السلام فرسه وبرز إلى القوم وهو يقول، شعراً :

خيرة الله من الخلق أبي *** ثم أمي فأنا ابن الخيرتين

فقة قد خلصت من ذهب *** فأنا الفضة وابن الذهبين

من له جد كجدي في الورى *** أو كشيخي فأنا ابن العلمين

فاطم الزهراء أمي وأبي *** قاصم الكفر ببدر وحنين

عبد الله غلاماً يافعاً *** وقريش يعبدون الوثنين

أبي شمس وأمي قمر *** فأنا الكوكب وابن القمرين

ثم وقف قبالة القوم ولم يزل يقتل كلّ من دنا منه حتى قتل مقتلة عظيمة قال بعضهم : والله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته أربط جاشاً منه وإنه كان يشدّ على الرجال فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان فيهم وقد تكملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين بديه كأنهم الجراد المنتشر ولم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلاً سوى المجروحين.

فقال ابن سعد: الويل لكم أتدرون من تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه من كل جانب وكان الرماة أربعة آلاف فرموه بالسهام وحالوا بينه وبين رحله فكشفهم ثم أخذه العطش فأقحم فرسه الفرات فقال للفرس :

أنا عطشان وأنت عطشان والله لا ذقت الماء حتّى تشرب، فلما سمع الفرس كلام الحسين رفع رأسه ولم يشرب كأنه فهم الكلام.

فقال الحسين علیه السلام : اشرب فأنا أشرب فمد الحسين علیه السلام يده فغرف من الماء.

فقال فارس: يا أبا عبدالله تتلذذ بشرب الماء وقد هتكت خيمة حرمك فنفض الماء من يده وحمل على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة ثم رماه رجل من القوم يقال له أبا الحتوف بسهم وقع في جبهته فنزعه فسال الدم على وجهه ولحيته فقال علیه السلام : اللّهم إنك ترى ما أنا فيه من هؤلاء العصاة، اللهم لا تذر على وجه الأرض منهم أحداً ولا تغفر لهم أبداً ثم حمل عليهم كالليث المغضب والسهام تأخذه من كل ناحية وهو يثقبها بنحره وصدره وهو يقول: يا أمّة السوء أما انكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فنهابوا قتله بل يهون عليكم عند قتلكم إياي وايم الله إني لأرجو أن يكرمني ربي بالشهادة ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ولم يزل يقاتل حتى أصابته اثنتان وسبعون جراحة ما بين طعنة وضربة.

وقال الباقر علیه السلام : أصيب الحسين ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح وضربة بسيف أو رمية بسهم وكان درعه كالقنفذ (1).

وروي أنها كانت كلها في مقدمه فوقف يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب فوقع في صدره فقال: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ورفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي إنّك تعلم إنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره فأخرج السهم من قفاه وانبعث الدم كالميزاب فوضع يده على الجرح ، فلما امتلات رمى به إلى السماء فما رجع من ذلك الدم قطرة وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين بدمه إلى السماء ثم وضع يده ثانياً، فلما امتلات لطخ بها رأسه ولحيته وقال : هكذا ألقى جدي بدمي.

ثمّ ضعف عن القتال فكلما جاءه رجل وانتهى إليه انصرف عنه حتى جاءه رجل


1) أمالي الصدوق : 282 ح 240

من كندة يُقال له مالك بن النسر لعنه الله فضربه بالسيف على رأسه وعليه برنس فامتلا دماً فطرحه واعتم على القلنسوة وكان البرنس من خز فأخذه رجاء الكندي ودخل بعد الواقعة على امرأته فجعل يغسل الدم عنه فقالت له امرأته : تدخل بيتي بسلب ابن رسول الله اخرج عني حشى الله قبرك ناراً ويبست يداه حتى صارتا كالعودين(1).

ثم حمل شمر على فسطاط الحسين فطعنه بالرمح ثم قال: علي بالنار أحرقه على من فيه.

فقال له الحسين علیه السلام : أحرقك الله بالنار (2).

هيهات لو ترك القطا لنام، فتصارخن النساء ثم ركب الحسين علیه السلام فرسه وبرز إلى القوم وهو يقول، شعراً :

خيرة الله من الخلق أبي *** ثم أمي فأنا ابن الخيرتين

فضة قد خلصت من ذهب *** فأنا الفضة وابن الذهبين

له جد كجدي في الورى *** أو كشيخي فأنا ابن العلمين

فاطم الزهراء أمي وأبي *** قاصم الكفر ببدر وحنين

بد الله فلاماً يافعاً *** وقريش يعبدون الوثنين

نابي شمس وأمي قمر *** فأنا الكوكب وابن القمرين

ثم وقف قبالة القوم ولم يزل يقتل كلّ من دنا منه حتى قتل مقتلة عظيمة قال بعضهم: والله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته أربط جاشاً منه وإنه كان يشدّ على الرجال فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان فيهم وقد تكملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كانهم الجراد المنتشر ولم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلاً سوى المجروحين.

فقال ابن سعد : الويل لكم أتدرون من تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين هذا ابن


1) بحار الانوار للعلامة المجلسي : 53/45

2) بحار الانوار للعلامة المجلسي : 54/45

قتال العرب فاحملوا عليه من كلّ جانب وكان الرماة أربعة آلاف فرموه بالسهام وحالوا بينه وبين رحله فكشفهم ثم أخذه العطش فأقحم فرسه الفرات فقال للفرس : أنا عطشان وأنت عطشان والله لا ذقت الماء حتى تشرب ،فلما سمع الفرس كلام الحسين رفع رأسه ولم يشرب كأنه فهم الكلام.

فقال الحسين علیه السلام :اشرب فأنا أشرب فمد الحسين علیه السلام يده فغرف من الماء.

فقال فارس :يا أبا عبدالله تتلذذ بشرب الماء وقد هتكت خيمة حرمك فنفض الماء من يده وحمل على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة ثم رماه رجل من القوم يقال له أبا الحتوف بسهم وقع في جبهته فنزعه فسال الدم على وجهه ولحيته فقال : اللهم إنّك ترى ما أنا فيه من هؤلاء العصاة، اللهم لا تذر على وجه الأرض منهم أحداً ولا تغفر لهم أبداً ثم حمل عليهم كالليث المغضب والسهام تأخذه من كل ناحية وهو يتقيها بنحره وصدره وهو يقول: يا أمة السوء أما انكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فتها بوا قتله بل يهون عليكم عند قتلكم إياي وايم الله إني لأرجو أن يكرمني ربي بالشهادة ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ولم يزل يقاتل حتى أصابته اثنتان وسبعون جراحة ما بين طعنة وضربة.

وقال الباقر علیه السلام : أصيب الحسين ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح وضربة بسيف أو رمية بسهم وكان درعه كالقنفذ (1).

وروي أنها كانت كلها في مقدمه فوقف يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال فأتاه سهم محدّد مسموم له ثلاث شعب فوقع في صدره فقال : بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ورفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي إنّك تعلم إنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره فأخرج السهم من قفاه وانبعث الدم كالميزاب فوضع يده على الجرح، فلما امتلات رمی به إلى السماء فما رجع من ذلك الدم قطرة وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين بدمه إلى السماء ثم وضع يده ثانياً، فلما امتلات لطخ بها رأسه ولحيته وقال : هكذا ألقى جدي بدمي.


1) أمالي الصدوق : 282 ح 240.

ثم ضعف عن القتال فكلما جاءه رجل وانتهى إليه انصرف عنه حتى جاءه رجل من كندة يُقال له مالك بن النسر لعنه الله فضربه بالسيف على رأسه وعليه برنس فامتلا دماً فطرحه واعتم على القلنسوة وكان البرنس من خز فأخذه رجاء الكندي ودخل بعد الواقعة على امرأته فجعل يغسل الدم عنه فقالت له امرأته : تدخل بيتي بسلب ابن رسول الله اخرج عني حتى الله قبرك ناراً ويست يداه حتى صارتا كالعودين

(1) ثم حمل شمر على فسطاط الحسين فطعنه بالرمح ثم قال : علي بالنار أحرقه على من فيه.

فقال له الحسين : أحرقك الله بالنار (2)أمالي الصدوق : 282 ح 240.

وقال السيد محمد باقر القرشي : وقفل الإمام راجعاً إلى عياله ليودعهم الوداع الأخير، وجراحاته تتفجر دماً وقد أوصى حرم الرسالة وعقائل الوحي بلبس الازر والاستعداد للبلاء، وأمرهن بالخلود إلى الصبر والتسليم لقضاء الله قائلاً :

« استعدوا للبلاء ،واعلموا أن الله تعالى حاميكم وحافظكم، وسينجيكم من شر الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ،ويعذب عدوكم بأنواع العذاب، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم ».

تزول الدول، وتذهب الممالك، وتفنى الحضارات ،وهذا الإيمان الذي لا حد له أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من كل كائن في هذه الحياة ،أي نفس تطيق مثل هذه الكوارث، وتستقبلها برباطة جأش ورضا وتسليم لأمر الله ، انه ليس هناك غير الحسين أمل الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وريحانته والصورة الكاملة التي تحكيه.

وذابت أسى أرواح بنات الرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما رأين الإمام بتلك الحالة يتعلقن به يودعنه، وقد وجلت منهن القلوب ، واختطف الرعب ألوانهن، والتاع الإمام حينما نظر إليهن وقد سرت الرعدة بأوصالهن ، يقول الإمام كاشف الغطاء:


1) حار الانوار للعلامة المجلسي : 053/45

2) بحار الانوار للعلامة المجلسي : 54/45

« من ذا الذي يقتدر أن يصور لك الحسين علیه السلام وقد تلاطمت أمواج البلاء حوله، وصبت عليه المصائب من كل جانب، وفي تلك الحال عزم على توديع العيال ومن بقي من الأطفال فاقترب من السرادق المضروب على حرائر النبوة وبنات علي والزهراء علیهاالسلام فخرجت المخدرات كسرب القطا المذعورة فأحطن به وهو سابح بدمائه، فهل تستطيع أن تتصور حالهن وحال الحسين في ذلك الموقف الرهيب ولا يتفطر قلبك ،ولا يطيش لبك، ولا تجري دمعتك».

لقد كانت محنة الإمام في توديعه لعياله من أقسى وأشق ما عاناه من المحن والخطوب، فقد لطمن بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههن، وارتفعت أصواتهن بالبكاء والعويل، وهن يندبن جدهن الرسول صلى الله عليه وسلم والقين بأنفسهن عليه لوداعه، وقد أثر ذلك المنظر المريع في نفس الإمام بما لا يعلم بمداه إلا الله.

ونادى الرجز الخبيث عمر بن سعد بقواته المسلحة يحرضها على الهجوم على الإمام قائلاً :

«اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه، فوالله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم».

وحمل عليه الأخباث فجعلوا يرمونه بالسهام، وتخالفت السهام بين أطناب المخيم، وأصاب بعضها أزر بعض النساء فذعرن ودخلن الخيمة وخرج بقية الله في الأرض كالليث الغضبان على أولئك الممسوخين فجعل يحصد رؤوسهم الخبيثة بسيفه، وكانت السهام تأخذه يميناً وشمالاً، وهو يتقيها بصدره ونحره، ومن بين تلك السهام التي فتكت به.

1 - سهم أصاب فمه الطاهر، فتفجر دمه الشريف فوضع يده تحت الجرح فلما امتلات دماً رفعه إلى السماء وجعل يخاطب الله تعالى قائلاً :

«اللهم إن هذا فيك قليل».

2 - سهم أصاب جبهته الشريفة المشرقة بنور النبوة والإمامة رماه به أبو الحتوف

الجعفي فانتزعه، وقد تفجر دمه الشريف، فرفع يديه بالدعاء على السفكة المجرمين قائلاً :

«اللّهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك العصاة، اللّهم احصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً».

وصاح بالجيش : «يا أمة السوء بتسما خلفتم محمداً في عترته، أما انكم لا تقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إياي ،وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بالشهادة ، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون .... »

لقد كان جزاء الرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنقذهم من حياة البؤس والشقاء أن عدوا على ذريته فسفكوا دماءهم ،واقترفوا منهم ما تقشعر منه الجلود وتندى له الوجوه.. وقد استجاب الله دعاء الإمام فانتقم له من أعدائه المجرمين، فلم يلبثوا قليلاً حتى اجتاحتهم الفتن والعواصف ،فقد هب الثائر العظيم المختار طالباً بدم الإمام فأخذ يطاردهم ويلاحقهم، وقد هربوا في البيداء وشرطة المختار تطاردهم حتى أباد الكثيرين منهم، يقول الزهري لم يبق من قتلة الحسين أحد إلا عوقب أما بالقتل أو العمى أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدة يسيرة.

3 - وهو من أعظم السهام التي فتكت بالإمام. يقول المؤرخون : إن الإمام وقف ليستريح بعدما أعياء نزيف الدماء ،فرماء وغد بحجر أصاب جبهته الشريفة فسالت الدماء على وجهه فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه، فرماه رجس بسهم محدد له ثلاث شعب فوقع على قلبه الشريف الذي يحمل العطف والحنان لجميع الناس، فعند ذلك أيقن بدنو الأجل المحتوم منه فشخص ببصره نحو السماء وهو يقول :

بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري» .

وأخرج السهم من قفاء فانبعث الدم كالميزاب فأخذ يتلقاء بيديه فلما امتلأتا رمی به نحو السماء وهو يقول :

« هون ما نزل بي أنه بعين الله ».

وأخذ الإمام من دمه الشريف فلطخ به وجهه ولحيته ،وهو بتلك الهيبة التي تحكي هيبة الأنبياء واندفع يقول :

«هكذا أكون حتى ألقى الله وجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا مخضب بدمي .....»

4 - رماه الحصين بن نمير بسهم أصاب فمه الشريف فتفجر دماً فجعل يتلقى الدم بيده ويرمي به نحو السماء وهو يدعو على الجناة المجرمين قائلاً :

« اللَّهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على الأرض منهم أحداً».

وتكاثرت عليه السهام حتى صار جسده الشريف قطعة منها .. وقد أجهده نزيف الدماء وأعياء العطش، فجلس على الأرض، وهو ينوء برقبته من شدة الآلام فحمل عليه وهو بتلك الحالة الرجس الخبيث مالك بن النسر فشتمه وعلاه بالسيف، وكان عليه برنس فامتلا دماً، فرمقه الإمام بطرفه، ودعا عليه قائلاً :

«لا أكلت بيمينك ولا شربت وحشرك الله الظالمين ».

وألقى البرنس واعتم على القلنسوة فأسرع الباغي إلى البرنس فأخذه وقد شلت يداه (1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 196/3.

مناجاة الإمام لله تعالى

واتجه الإمام علیه السلام في تلك اللحظات الأخيرة إلى الله فأخذ يناجيه ويتضرع إليه بقلب منيب ويشكو إليه ما ألم به من الكوارث والخطوب قائلاً :

« صبراً على قضائك لا إله سواك ،يا غياث المستغيثين، مالي رب سواك ولا معبود غيرك. صبراً على حكمك ؛يا غياث من لا غياث له ،يا دائماً لا نفاد له يا محيي الموتى، يا قائماً على كل نفس احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين».

إنه الإيمان الذي تفاعل مع جميع ذاتياته فكان من أهم عناصره .. لقد تعلق بالله وصبر على قضائه وفوض إليه جميع ما نزل به وعاناه من الكوارث والخطوب، وقد أنساء هذا الإيمان العميق جميع ما حل به ، يقول الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في رائعته :

يا أبا الطف وازدهى بالضحايا *** من أديم الطفوف روض خيل

نخبة من صحابة وشقيق *** ورضيع مطوق وشبول

والشباب الفينان جف ففاضت *** طلعة حلوة ووجه جميل

وتوغلت تستبين الضحايا *** وزواكي الدماء منها تسيل

ومشت في شفاهك الغر نجوى *** ثم عنها التحميد والتهليل

لك عتبي يا رب إن كان يرضيك *** فهذا إلى رضاك قليل

الهجوم على الإمام وخروج زينب العقيلة

وهجمت على ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العصابة المجرمة التي تحمل رجس الأرض وخبث اللثام فحملوا عليه - يا الله - من كل جانب وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح فضربه زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى، وضربه وغد آخر على عاتقه ، وكان من أحقد أعدائه عليه الخبيث سنان بن أنس، فقد أخذ يضربه تارة بالسيف وأخرى يطعنه بالرمح، وكان يفخر بذلك، وقد حكى للحجاج ما صنعه به باعتزاز قائلاً :

«دعمته بالرمح، وهيرته بالسيف هبراً».

فالتاع الحجاج على قسوته وصاحبه اما انكما لن تجتمعا في دار.

وأحاط به أعداء الله من كل جانب ،وسيوفهم تقطر من دمه الزكي، يقول بعض المؤرخين إنه لم يضرب أحد في الإسلام كما ضرب الحسين فقد وجد به مائة وعشرون جراحة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم.

و مكث الإمام مدة من الوقت على وجه الأرض، وقد ها به الجميع ونكصوا من الإجهاز عليه يقول السيد حيدر :

فما أجلت الحرب عن مثله *** صريعاً يجبن شجعانها

وكانت هيبته تأخذ بمجامع القلوب حتى قال بعض أعدائه: «لقد شغلنا جمال وجهه ونور بهجته عن الفكرة في قتله »وما انتهى إليه رجل إلا انصرف كراهية أن يتولى قتله.

وخرجت حفيدة الرسول الله صلى الله عليه وسلم زينب من خبائها وهي فزعة تندب شقيقها وبقية أهلها وتقول بذوب روحها :

« ليت السماء وقعت على الأرض ».

وأقبل ابن سعد فصاحت زينب علیهاالسلام به: يا عمر أرضيت أن يُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟ فأشاح الخبيث بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته المشومة ولم تعد العقيلة تقوى على النظر إلى أخيها وهو بتلك الحالة التي تميد بالصبر، فانصرفت إلى خبائها لترعى المذاعير من النساء والأطفال.

عبد الله بن علي علیه السلام

ثم خرج من بعده أخوه عبد الله بن علي ، وأمه أم البنين أيضاً، فحمل وهو علیه السلام

أنا ابن ذي النجدة والافضال *** ذاك علي الخير في الفعال

سيف رسول الله ذو النكال *** وكاشف الخطوب والأهوال

فحمل وقاتل حتى قتل (1).

وروى الطبري عن حميد بن مسلم قال: سمعت الحسين يومئذ وهو يقول: اللهم أمسك عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض عنهم الولاة أبدا.

فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا قال : وضارب الرجالة حتى انكشفوا عنه، قال: ولما بقي الحسين في ثلاثة رهط أو أربعة ،دعا بسراويل محققة يلمع فيها البصر يماني محقق ففزره ونكثه لكي لا يسلبه فقال له بعض أصحابه : لو لبست تحته تبانا قال ذلك ثوب مذلة ولا ينبغي لي أن ألبسه قال : فلما قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إياه فتركه مجردا .

قال أبو مخنف : فحدثني عمرو بن شعيب عن محمد بن عبد الرحمن أن يدي بحر بن كعب كانتا في الشتاء تنضحان الماء وفي الصيف تيبسان كأنهما عود.


1) أورد الطبري ومن تبعه خبر مقتل أخوة الحسين بإيجاز، وفي مناقب ابن شهر آشوب أورد ارجاز أخوة العباس لامه وما أوردناه هنا نقلناه من مقتل الخوارزمي 2/ 28 - 29 وبلفظه.

زينب عند الفاجعة الكبرى

ومكث الإمام طويلاً من النهار، وقد أجهدته الجروح وأعياه نزيف الدماء، فصاح بالقتلة المجرمين :

«أعلى قتلي تجتمعون؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ...».

وكان الشقي الأثيم سنان بن أنس قد شهر سيفه فلم يدع أحداً يدنو من الإمام مخافة أن يغلبه على أخذ رأسه فيخسر الجائزة من سيده ابن مرجانة، والتفت الخبيث عمر بن سعد إلى شبث بن ربعي فقال له :

«انزل فجئني براسه».

فأنكر عليه شبث وقال له :

«أنا بايعته ثم غدرت به ثم أنزل فاحتز رأسه لا والله لا أفعل ذلك ...».

والتاع ابن سعد فراح يهدده :

«إذا اكتب إلى ابن زياده ».

«اكتب له» .

وصاح شمر بالأوغاد المجرمين من أصحابه ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم فاندفع خولي بن يزيد إلى الإجهاز عليه إلا أنه ضعف وأرعد فقد أخذته هيبة الإمام فأنكر عليه الرجس سنان بن أنس وصاح به : فت الله في عضدك وأبان يدك، واشتد كالكلب على الإمام فاحتز رأسه الشريف فيما يقول بعض المؤرخين، وسنذكر الأقوال في ذلك.

واحتز رأس الإمام علیه السلام وكانت على شفتيه ابتسامة الرضا والاطمئنان والنصر الذي أحرزه إلى الأبد.

لقد قدم الإمام روحه ثمناً للقرآن الكريم، وثمناً لكل ما تسمو به الإنسانية من شرف وعز وإباء. وقد كان الثمن الذي بذله غالياً وعظيماً فقد قتل مظلوماً مهضوماً غريباً بعد أن رزى بأبنائه وأهل بيته وأصحابه وذبح وهو عطشاناً أمام عائلته، فأي ثمن أغلى من هذا الثمن الذي قدمه الإمام قرباناً خالصاً لوجه الله؟

لقد تاجر الإمام مع الله بما قدمه من عظيم التضحية والفداء، فكانت تجارته هي التجارة الرابحة.

قال الله تعالى:( لَا يَزَالُ بتُهُمُ الَّذى بنوا ريبة في قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ والله عليه حكيم )(1)

والشيء المحقق أن الإمام قد ربح بتجارته وفاز بالفخر الذي لم يفز به أحد غيره، فليس في أسرة شهداء الحق من نال الشرف والمجد والخلود مثل ما ناله الإمام، فها هي الدنيا تعج بذكراه، وها هو حرمه المقدس أصبح أعز حرم وأمنعه في الأرض.

لقد رفع الإمام العظيم راية الإسلام عالية خفاقة وهي ملطخة بدمه ودماء الشهداء من أهل بيته وأصحابه :وهي تضي في رحاب هذا الكون وتفتح الآفاق الكريمة لشعوب العالم وأمم الأرض لحريتهم وكرامتهم.

لقد استشهد الإمام من أجل أن يقيم في ربوع هذا الكون دولة الحق، وينقذ المجتمع من حكم الأمويين الذين كفروا بحقوق الإنسان، وحولوا البلاد إلى مزرعة لهم يصيبون منها حيث ما شاءوا (2).


1) سورة التوبة، الآية : 110.

2) حياة الإمام الحسين للقرشي : 165/3 - 199.

رواية مقتل الحسين حياة الإمام الحسين علیه السلام عن الإمام الصادق علیه السلام

في كتاب الأمالي عن عبدالله بن منصور قال : قلت للصادق علیه السلام : حدثني عن مقتل الحسين علیه السلام .

قال علیه السلام : لما حضرت معاوية الوفاة قال لابنه يزيد لعنه الله : قد ذلّلت لك الرقاب وإنّي أخشى عليك من ثلاث نفر مخالفون عليك وهم عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير والحسين بن علي، فأما ابن عمر فهو معك فالزمه ولا تدعه، وأما ابن الزبير فاقتله إن ظفرت به فإنّه ثعلب ،وأما الحسين فقد عرفت حقله من رسول الله وهو من لحم رسول الله ودمه وقد علمت أن أهل العراق يخرجونه إليهم ثم يخذلونه فإن ظفرت به فلا تؤاخذه بفعله ولا تناله بمكروه.

فلما هلك معاوية وتولى الأمر يزيد بعث عامله على المدينة عمه عتبة بن أبي سفيان فقدم المدينة وبعث إلى الحسين علیه السلام وقال : إن أمير المؤمنين يزيد آمرك أن تبايع له فقال : يا عتبة قد علمت إنا معدن الرسالة وأعلام الحق ولقد سمعت جدي يقول : إن الخلافة محرمة على ولد أبي سفيان فكيف أبايع أهل بيت قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ؟

فكتب عتبة إلى يزيد أنّ الحسين بن علي لا يرى لك خلافة ولا بيعة فرأيك في أمره، فكتب إليه : إذا أتاك كتابي هذا فعجل إلي بإرسال رأس الحسين، فبلغ ذلك الحسين علیه السلام فهم بالخروج من الحجاز إلى العراق فلما أقبل الليل مضى يودع قبر جده علیه السلام فسطع له نور من القبر فعاد إلى موضعه.

فلمّا كانت الليلة الثانية مضى إلى القبر يودعه فصلى ثم سجد ونام فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وهو في منامه فضمه إلى صدره وقبل ما بين عينيه وقال له : بأبي أنت كأني

أراك مرملاً بدمك بين عصابة من هذه الامة يا بني إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك وهم مشتاقون إليك وأنّ لك في الجنّة درجات لا تنالها إلا بالشهاده فانتبه الحسين علیه السلام باكياً فأتى أهله وأخبرهم بالرؤيا وودعهم وحمل أخواته على المحامل وابن أخيه وصار في أحد وعشرين من أهل بيته وأصحابه وسمع عبدالله ابن عمر بخروجه فركب خلفه وأدركه فقال له : ارجع إلى حرم جدك ولا تخرج إلى العراق، فأبى، فقال: إكشف لي عن الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله منك، فكشف الحسين علیه السلام عن سرته فقبلها ابن عمر ثلاثاً وبكى وقال : أستودعك الله يا أبا عبدالله فإنك مقتول في وجهك هذا.

فسار الحسين وأصحابه حتى نزل العذيب فقال فيها قائلة الظهر ثم انتبه من نومه باكياً فقال له ابنه : ما يبكيك يا أبه؟

قال : يا بني إنها ساعة لا تكذب الرؤيا فيها إنّه عرض لي في منامي عارض فقال : تسرعون السير والمطايا تسير بكم إلى الجنّة ثم سار حتى نزل الرهيمية فورد عليه رجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرم فقال : يابن النبي ما الذي أخرجك من المدينة؟

فقال : ويحك يا أبا هرم شتموا عرضي فصبرت وطلبوا مالي فصبرت وطلبوا دمي فهربت وايم الله ليقتلني ثم ليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً، وبلغ عبيدالله این زياد لعنه الله الخبر وأن الحسين نزل الرهيمية فأرسل إليه الحر بن يزيد في ألف فارس، قال الحرّ : فلما خرجت من منزلي متوجهاً نحو الحسين نوديت ثلاثاً : يا حرّ أبشر بالجنة، فالتفت فلم أر أحداً فقلت: ثكلت الحرّ أمة يخرج إلى قتال ابن رسول الله ويُبشِّر بالجنة فبلغه عند صلاة الظهر فأمر الحسين علیه السلام ابنه فأذن وأقام وصلى الحسين علیه السلام بالفريقين جميعاً، فلمّا سلّم وثب الحرّ بن يزيد وسلّم على الحسين فقال له الحسين علیه السلام : من أنت؟

فقال: أنا الحرّ بن يزيد فقال : يا حرّ علينا أم لنا؟

فقال : يابن رسول الله لقد بعثت لقتالك وأعوذ بالله أن أحشر من قبري وناصيتي مشدودة إلى رجلي ، يابن رسول الله أين تذهب إرجع إلى حرم جدك فإنك مقتول، فقال الحسين علیه السلام شعراً :

سأمضي فما بالموت عار على الفتي *** إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما

ثم سار حتى نزل القطقطانية فنظر إلى فسطاط مضروب لعبد الله بن الحر فأرسل إليه الحسين علیه السلام فقال له : إنك مذنب خاطئ وإنّ الله عزوجل أخذك بما أنت صانع إن لم تتب إلى الله فتنصرني ، فقال : يابن رسول الله لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك ولكن هذا فرسي خذه إليك فأعرض عنه الحسين علیه السلام بوجهه وقال : لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك وما كنت متخذ المضلين عضدا، ولكن فرّ فلا لنا ولا علينا فإنّه من سمع واعيتنا أهل البيت ثم لم يجبنا كبه الله على وجهه في نار جهنم ثم سار حتى نزل كربلاء فقال : أي موضع هذا؟

فقيل : هذا كربلاء يابن رسول الله فقال هذا والله يوم كرب وبلاء وهذا الموضع الذي تهرق فيه دماؤنا ويُباح فيه حريمنا فأقبل عبيدالله بن زياد بعسكره حتى نزل النخيلة وبعث إلى الحسين عمر ابن سعد في أربعة آلاف فارس وعبدالله بن الحصين وشبث بن ربعي ومحمد بن الأشعث كلّ واحد في ألف فارس وكتب إلى عمر بن سعد إذا أتاك كتابي هذا فلا تمهلن الحسين بن علي وحل بينه وبين الماء كما حيل بين عثمان وبين الماء يوم الدار ، فلما وصله الكتاب نادى إنا قد أجلنا حسيناً وأصحابه يومهم وليلتهم فشق ذلك على الحسين وأصحابه فقام الحسين في أصحابه خطيباً فقال: اللهم إنّي لا أعرف أهل بيت أبر ولا أزكى من أهل بيتي ولا أصحاباً هم خير من أصحابي وقد نزل بي ما ترون وأنتم في حل من بيعتي وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وتفرّقوا في سواده فإنّ القوم إنّما يطلبوني ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري .

فقام إليه عبدالله بن مسلم بن عقيل فقال : يابن رسول الله ماذا يقول لنا الناس

إن نحن خذلنا سيدنا وابن سيّد الأعمام وابن نبينا لم نضرب معه بسيف ولم تقاتل معه برمح لا والله أو نرد موردك ونجعل دماءنا دون دمك فإذا فعلنا ذلك قضينا ما علينا ، وقام إليه زهير بن القين فقال : وددت أني قتلت ثم نشرت ثمّ قتلت ثم نشرت ثم قتلت ثم نشرت فيك وفي الذين معك مائة قتلة وأن الله دفع بي عنكم أهل البيت، فقال له ولأصحابه : جزيتم خيراً.

ثم إن الحسين علیه السلام أمر بحفيرة حول عسكره شبه الخندق نحشيت حطباً وأرسل علياً ابنه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ليستقوا الماء وهم على وجل شديد وأنشأ الحسين علیه السلام يقول شعراً :

یا دهر اف لك من خلیل *** كم لك في الإشراق والأصيل

من طالب و صاحب قتیل *** والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل *** وكل حي سالك سبيلي

ثم قال لأصحابه : قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم وتوضأوا واغتسلوا واغسلوا ثيابم لتكون أكفانكم ثمّ صلّى بهم الفجر وعباهم تعبئة الحرب وأمر بالحفيرة فأضرمت بالنار ليقاتل القوم من وجه واحد وأقبل رجل من عسكر ابن سعد يُقال له ابن أبي جويرية فقال : يا حسين أبشروا بالنار التي تعجلتموها في الدُّنيا، فقال الحسين علیه السلام : اللهم أذقه عذاب النار في الدُّنيا فنفر به فرسه وألقاه في تلك النار فاحترق.

ثم برز من عسكر عمر بن سعد رجل آخر يُقال له تمیم بن حصین فنادی یا حسين ويا أصحاب حسين ألا ترون إلى ماء الفرات يموج كأنه بطون الحيات والله لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جرعاً.

فقال الحسين علیه السلام : اللهم اقتل هذا عطشاً في هذا اليوم فخنقه العطش حتّى سقط عن فرسه فوطأته الخيل بسنابكها فمات.

ثم أقبل محمد بن أشعث بن قيس الكندي وقال : أية حرمة لك من رسول الله ليست لغيرك؟

فقال : إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، والله ان محمداً لمن آل إبراهيم وأن العترة الهادية لمن آل محمد.

فقال: اللّهم أر محمد بن الأشعث ذلاً في هذا اليوم فخرج من العسكر يتبرز فسلّط الله عليه عقرباً فلدغه فمات بادئ العورة فبلغ العطش من الحسين وأصحابه فدخل عليه رجل من أصحابه يُقال له يزيد الهمداني فقال: ائذن لي فأخرج إليهم فأكلمهم، فأذن له فخرج إليهم.

وقال : يا معشر الناس إنّ الله بعث محمّداً بالحق بشيراً ونذيراً وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها وقد حيل بينه وبين ابنه.

فقالوا : يا يزيد قد أكثرت الكلام فاكفف فوالله ليعطشن الحسين كما عطش من كان قبله، فقال الحسين علیه السلام : أقعد يا يزيد ثم وثب الحسين علیه السلام متوكئاً على سيفه فنادى بأعلى صوته : أنشدكم الله هل تعرفوني؟

قالوا : نعم أنت ابن رسول الله وسبطه .

فقال : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ جدّي رسول الله؟

قالوا : اللهم نعم .

قال : هل تعلمون إن أتي فاطمة بنت محمد؟

قالوا : اللهم نعم .

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب؟

قالوا : اللهم نعم .

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة أوّل نساء هذه الامة إسلاماً؟

قالوا : اللهم نعم .

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن سيد الشهداء حمزة عم أبي؟

قالوا : اللهم نعم .

قال : فأنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيار في الجنة عتي؟

قالوا : اللهم نعم .

قال : فأنشدكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله وأنا متقلده؟

قالوا : اللهم نعم .

قال : فأنشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله أنا لابسها؟

قالوا : اللهم نعم .

قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن علياً كان أولهم إسلاماً وأعلمهم علماً

وأعظمهم حلماً وأنه أوّل كل مؤمن ومؤمنة؟

قالوا : اللهم نعم .

قال : فيم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض غداً يذود عنه رجالاً كما يُذاد البعير الصادر عن الماء ولواء الحمد في يد جدي يوم القيامة؟

قالوا : قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً، فأخذ الحسين علیه السلام بطرف لحيته وهو يومئذ ابن سبع وخمسين سنة .

ثم قال : اشتد غضب الله على اليهود حين قالوا عزير ابن الله واشتد غضب الله على النصارى حين قالوا المسيح ابن الله واشتد غضب الله على المجوس حين عبدوا النار من دون الله واشتد غضب الله على قوم قتلوا نبيهم واشتد غضب الله على هذه العصابة الذين يريدون قتل ابن نبيهم.

قال فضرب الحرّ بن يزيد فرسه إلى عسكر الحسين علیه السلام واضعاً يده على رأسه وهو يقول : اللهم إليك أنيب فتب علي فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك، يابن رسول الله هل من توبة؟

قال : نعم تاب الله عليك.

قال : يابن رسول الله ائذن لي فأقاتل عنك فأذن له فبرز وهو يقول شعراً :

أضرب في في أعناقكم بالسيف *** عن خير من حل بلاد الخيف

فقتل منهم ثمانية عشر رجلاً ثم قتل فأتاه الحسين علیه السلام ودمه يشخب فقال : بخ بخ يا حرّ أنت حر كما سمّيت في الدُّنيا والآخرة ثم أنشأ الحسين علیه السلام يقول شعراً :

لسنعم الحر حر بني رياح *** صبور عند مختلف الرماح

ونعم الحر إذ ساوى حسيناً *** نجاد بنفسه لد الصباح

ثم برز من بعده زهير بن القين وهو يقول مخاطباً للحسين علیه السلام شعراً :

اليوم نلقى جدّك النبيا *** وحسناً والمرتضى عليا

فقتل منهم تسعة عشر رجلاً ثم صرع وخرج من بعده حبيب بن مظاهر وهو يقول شعراً :

أنا حبیب و ابی مظاهر *** لنحن أزكى منكم وأظهر

فقتل منهم واحداً وثلاثين رجلاً ثم قتل وبرز وهب بن وهب وكان نصرانياً أسلم على يدي الحسين علیه السلام هو وأمه وركب فرساً وتناول عمود الفسطاط فقاتل وقتل من

القوم سبعة أو ثمانية ثم استؤسر فأمر ابن سعد بقتله فقتل ورمي برأسه إلى عسكر الحسين علیه السلام فأخذت أنه سيفه وبرزت فقال لها الحسين علیه السلام : يا أم وهب إجلسي فقد وضع الله الجهاد عن النساء إنّك وابنك مع جدي محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة.

وبرز إليهم عبدالله بن مسلم بن عقيل وأنشد شعراً :

لا أقسمت لا حراً *** وإن وجدت الموت شيئاً مراً

أكره أن ادعى جبانا فرا *** إن الجبان من عصى وفرا

فقتل ثلاثة وقتل، وبرز من بعده علي بن الحسين علیه السلام ، فلما برز إليهم دمعت عين الحسين علیه السلام فقال : اللهم كن أنت الشهيد عليهم فقد برز إليهم ابن رسولك وأشبه الناس وجهاً وسمة به فجعل يقول شعراً :

أنا علي بن الحسين بن علي *** نحن ورب بيت الله أولى بالنبي

فقتل عشرة ثم رجع إلى أبيه فقال ؛يا أبه العطش، فقال له الحسين علیه السلام : صبراً يا بني يسقيك جدك بالكأس الأوفى، فرجع وقتل منهم أربعة وأربعين ثم قتل علیه السلام ، ثم برز من بعده القاسم بن الحسن وهو يقول شعراً :

لا تجزعي نفسي فكل فإني *** اليوم تلقين ذرى الجنان

فقتل منهم ثلاثة ثم رمي عن فرسه فنظر الحسين علیه السلام يميناً وشمالاً فلم ير أحداً فقال : اللهم إنك ترى ما يصنع بولد نبيك وحالوا بينه وبين الماء ورمي بسهم فوقع في نحره وخر عن فرسه فأخذ السهم فرمى به وجعل يتلقى الدم بكفّه، فلما امتلات لطخ بها رأسه ولحيته ويقول ألفى الله عزّوجل وأنا مظلوم متلطخ بدمي ثم خر على خده الأيسر صريعاً وأقبل عدو الله سنان وشمر بن ذي الجوشن لعنهما الله تعالى في رجال

من أهل الشام حتى وقفوا على رأسه فقال بعضهم لبعض :ما تنتظرون أريحوا الرجل فنزل سنان وأخذ بلحية الحسين علیه السلام وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول: والله إني لاحتر رأسك وأنا أعلم أنك ابن رسول الله وخير الناس أماً وأباً.

وأقبل فرس الحسين حتى لطخ عرفه وناصيته بدمه وجعل بركض ويصهل وسمعت بنات النبي صهيله فخرجن فإذا الفرس بلا راكب فعرفن أن حسيناً قد قتل وخرجت أم كلثوم بنت الحسين واضعة يدها على رأسها تندب وامحمداه هذا الحسين بالعرا قد سلب العمامة والرداء.

وأقبل سنان لعنه الله حتى أدخل رأس الحسين علیه السلام على ابن زياد وهو يقول شعراً :

املا ركابي فقة أو ذهبا *** إنّي قتلنا الملك المحجبا

قتلت خیر الناس أماً وأبا *** وخيرهم إذ ينسبون نسبا

فقال له ابن زياد : ويحك إذا علمت إنه خير الناس أباً وأماً لم قتلته؟ فأمر به فضربت عنقه وعجل الله بروحه إلى النار، وأرسل ابن زياد قاصداً إلى أم كلثوم بنت الحسين يقول لها : الحمد لله الذي قتل رجالكم فكيف ترون ما فعل بكم؟

فقالت : يابن زياد لئن قرت عينك بقتل الحسين فطالما قرت عين جده به وكان يقبله ويلثم شفتيه يابن زياد أعد لجده جواباً فإنه خصمك غداً.

وقال السيد علي بن طاووس : إن مروان بن الحكم قال للحسين علیه السلام : بايع ليزيد يكن خيراً لك في دينك ودنياك.

فقال الحسين علیه السلام : إنا لله وإنا إليه راجعون وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الامة براع مثل يزيد.

وروى الكليني طاب ثراء في كتاب الوسائل مسنداً إلى حمزة بن حمران عن أبي عبدالله علیه السلام قال : ذكرنا خروج الحسين علیه السلام وتخلف ابن الحنفية فقال أبو عبدالله علیه السلام : يا حمزة إني سأخبرك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك هذا؛ إنّ الحسين علیه السلام لما فصل متوجهاً دعا بقرطاس وكتب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم؛ أما بعد فإنّه من لحق بي منكم استشهد ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام (1).


1) الكليني والكافي : 216 ، وبصائر الدرجات: 501.

زينب ليلة العاشر

قال أبو مخنف : حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك عن علي بن الحسين بن علي قال : إني جالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها وعمتي زينب عندي تمرضني إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له وعنده حوى مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وابي يقول :

یا دهر آف لک من خلیل *** کم لک بالا اشراق والاصیل

من صاحب أو طالب قتيل *** والدهر لا ینقع بالبدیل

وإنما الأمر إلى الجليل *** وكل حي سالك السبيل

قال: فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها فعرفت ما أراد فخنقتني عبرتي فرددت ولزمت السكون فعلمت ان البلاء قد نزل ،فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وانها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت فاطمة أمي، وعلي أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي وثمال الباقي.

قال : فنظر إليها الحسين علیه السلام لم فقال : يا اخية لا يذهبن بحلمك الشيطان، قالت : بابي أنت وأمي يا أبا عبد الله استقتل نفسي فداك ،فرد غصته وترقرقت عيناه وقال : لو ترك القطاء ليلا لنام ،قالت :يا ويلتي افتغصب نفسك اغتصابا فذلك اقرح

لقلبي واشد على نفسي ولطمت وجهها واهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشيا عليها.

فقام إليها الحسين علیه السلام نصب على وجهها الماء وقال لها : يا اخية اتقي الله ، وتعزى بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وإن أهل السماء لا يبقون، وإن كل شي مالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده ، أبي خير مني ، وأمي خير مني ،وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله اسوة.

قال: فعزاها بهذا ونحوه وقال لها : يا اخية إني اقسم عليك فابري قسمى ولا تشقي علي جيبا ،ولا تخمشي علي وجها ،ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت.

قال : ثم جاء بها حتى أجلسها عندي، وخرج إلى أصحابه، فأمرهم ان يقربوا بعض بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا هم بين البيوت إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم (1).


1) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 120.

زينب عند شهادة علي الأكبر

قال أبو مخنف : حدثني زهير بن عبد الرحمن بن زهير الخثعمي قال: كان آخر من بقى مع الحسين من أصحابه سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، قال: وكان أول قتيل من بني أبي طالب يومئذ علي الاكبر ابن الحسين بن علي وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي وذلك انه أخذ يشد على الناس وهو يقول:

أنا علي بن حسين بن علي *** نحن ورب البيت أولى بالنبي

تالله لا يحكم فينا ابن الدعي

قال : ففعل ذلك مرارا، فبصريه مرة بن منقذ بن النعمان العبدي ثم الليثي فقال : على آثام العرب ان مربى يفعل مثل ما كان يفعل ان لم الكله أباه، فمر يشد على الناس بسيفه ،فاعترضه مرة بن منقذ فطعنه فصرع واحتووا له الناس فقطعوهم بأسيافهم.

قال أبو مخنف : حدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم الازري قال : سماع اذنى يومئذ من الحسين يقول : قتل الله قوما قتلوك ، يا بني ما اجرأهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا.

قال : وكأني انظر إلى امرأة خرجت مسرعة كانها الشمس الطالعة تنادى : يا اخياه و یا ابن أخاه فقيل هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءت حتى أكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط. وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال : احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه حتى

وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه (1).

وقال القرشي : أجمع المؤرخون أن علي بن الحسين الأكبر كان يضارع جده الرسول صلى الله عليه وسلم ، في خلقه وأخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين، وأعظم بهذه الثورة التي ملكها سليل هاشم فقد ملك جميع الطاقات الإنسانية والمثل الكريمة التي يسمو بها العظماء والمصلحون .

وكان البارز من معاني أخلاقه الإباء والشمم وعزة النفس والاندفاع الهائل في ميادين الكرامة الإنسانية، فقد آثر الموت واستهان بالحياة في سبيل كرامته، ولا يخضع لحكم الدعي ابن الدعي، وقد بعث عمر بن سعد رجلاً من أصحابه فناداه :

إن لك قرابة بأمير المؤمنين - يعني يزيد - ونريد أن نرعى هذا الرحم، فإن شت آمناك؟؟

فسخر منه علي بن الحسين وصاح به :

«لقرابة رسول الله أحق أن ترعى ».

وكان من أبر أبناء الإمام وأكثرهم مواساة وحرصاً عليه، وهو أول من اندفع بحماس بالغ من الهاشميين إلى الحرب، وكان عمره فيما يقول المؤرخون ثماني عشرة سنة فلما رآه الإمام أخذ يطيل النظر إليه، وقد ذابت نفسه حزناً وأشرف على الاحتضار، لأنه رأى ولده الذي لا ند له قد ساق نفسه إلى الموت، فرفع شيبته الكريمة نحو السماء وراح يقول بحرارة وألم ممض :

« اللّهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم فلام أشبه الناس برسولك محمد صلى الله عليه وسلم خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً، وكنا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيك نظرنا إليه ... . اللهم امنعهم بركات الأرض، وفرقهم تفريقاً، ومزقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا».


1) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 197.

ويلمس في هذه الكلمات الحزينة مدى أساء على ولده الذي استوعب نفسه حباً له، وقد دعا الله - بحرارة - أن ينزل على تلك العصابة المجرمة عذابه الأليم في هذه الدنيا وتقطع قلب الإمام حزناً على ولده فصاح بالمجرم الأثيم عمر بن سعد.

اما لك قطع الله رحمك، ولا بارك لك في أمرك، وسلط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى وَدَمَ رَنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ ) (الذرية بعضها من بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(1).

وشيع الإمام ولده بدموع مشفوعة بالحزن والزفرات، وخلفه نساء أهل البيت وقد علا منهن الصراخ والعويل على شبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ستتناهب شلوه السيوف والرماح.

وانطلق الفتى إلى حومة الحرب مزهواً لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب، وهو يحمل هيبة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وشجاعة أمير المؤمنين وبأس حمزة وإباء الحسين، وتوسط حراب الأعداء وسيوفهم وهو يرتجز بعزة وتصميم محامياً عن دين الله :

أنا علي بن الحسين بن علي *** نحن ورب البيت أولى بالنبي

تا الله لا يحكم فينا ابن الدعي

أجل والله يا فخر هاشم أنت وأبوك أولى بالنبي وأحق بمقامه، فأنتم أقرب الناس إليه والصقهم به ،ولكن الأطماع السياسية التي تغلبت على القوم هي التي دفعتكم عن مقامكم، وسلطت عليكم هذه الطغمة الجائرة فعمدت إلى تقطيع أوصالكم واستئصال شأفتكم ليخلو لها الجو في التآمر على المسلمين بغير الحق.

وأعلن علي بن الحسين في رجزه عن روعة بأسه وشدة ابائه، وانه يؤثر الموت على الخنوع للدعي ابن الدعي.. والتحم مع أعداء الله وقد ملا قلوبهم رعباً وفزعاً


1) سورة آل عمران الآية : 33 - 34

وأبدى من البسالة ما يقصر عنه الوصف، فقد ذكرهم ببطولات جده أمير المؤمنين، وقد قتل فيما يقول بعض المؤرخين مائة وعشرين فارساً سوى المجروحين وألح عليه العطش فقفل راجعاً إلى أبيه يشكو إليه ظماء القاتل ويودعه الوداع الأخير، واستقبله أبوه بحرارة فبادره علي قائلاً :

ديا أبة العطش قد قتلني ،وثقل الحديد قد أجهدني ،فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوى بها على الأعداء؟».

والتاع الإمام كأشد ما تكون اللوعة ألماً ومحنة ،فقال له بصوت خافت وعيناء تفيضان دموعاً :

«واغوثاه ما أسرع الملتقى بجدك، فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها أبداً».

وأخذ لسانه فمصه ليريه ظماء فكان كشقة مبرد من شدة العطش ودفع إليه خاتمه ليضعه في فيه.

لقد كان هذا المنظر الرهيب من أفجع ما رزى به الإمام الحسين لقد رأى فلذة كبده وهو في غضارة العمر وريعان الشباب ،وقد استوعبت الجراحات جسمه الشريف وقد أشرف على الهلاك من شدة العطش وهو لم يستطع أن يسعفه بجرعة ماء ليروي ظماء، يقول الحجة الشيخ عبد الحسين صادق في رائعته :

يشكو لخير أب ظمأه وما اشتكى *** ظمأ الحشا إلا إلى الظامي الصدي

کل حشاشته كصالية الغضا *** ولسانه ظما كشقة مبرد

فانصاع يؤثره عليه بريقه *** لو كان ثمة ريقه لم يجمد

وقفل علي بن الحسين راجعاً إلى حومة الحرب وقد فتكت الجروح بجسمه وقتت العطش كبده، وهو لم يحفل بما هو فيه، وإنما استوعبت فكره وحدة أبيه وتضافر أعداء الله على قتله، وجعل يرتجز :

الحرب قد بانت لها حقائق *** وظهرت من بعدها مصادق

والله رب العرش لا تفارق *** جموعكم أو تغمد البوارق

لقد أعرب فخر هاشم بهذا الرجز بأن الحقائق قد ظهرت في هذه الحرب، وتجلت للجميع الأهداف النبيلة التي ينشدها أهل البيت ،وانهم سيبقون يناضلون عنها حتى تغمد البوارق.

وجعل علي الأكبر يقاتل أشد القتال وأعنفه حتى قتل تمام المئتين وقد ضج العسكر فيما يقول المؤرخون من شدة الخسائر التي مُني بها، فقال الوضر الخبيث مرة بن منقذ العبدي علي آثام العرب إن لم أشكل أباه وأسرع الخبيث إلى شبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه بالرمح في ظهره وضربه ضربة غادرة بالسيف على رأسه ففلق هامته ، واعتنق علي فرسه يظن أنه يرجعه إلى أبيه ليتزود بالنظر إليه، إلا أن الفرس حمله إلى معسكر الأعداء فأحاطوا به من كل جانب ولم يكتفوا بقتله وإنما راحوا يقطعونه بسيوفهم إرباً إرباً تشفياً منه لما ألحقه بهم من الخسائر الفادحة، ونادى علي رافعاً صوته :

« عليك مني السلام أبا عبد الله هذا جدي رسول الله قد سقاني بكأسه شربة لا أظمأ بعدها، وهو يقول : إن لك كأساً مذخورة ».

وحمل الأثير هذه الكلمات إلى أبيه الشاكل الحزين فقطعت قلبه ومزقت أحشاءه ففزع إليه وهو خائر القوى منهد الركن فانكب عليه، ووضع خده على خده، وهو جثة هامدة قد قطعت شلوه السيوف في وحشية قاسية ، فأخذ يذرف أحر دموعه وهو يقول بصوت خافت قد لفظ شظايا قلبه فيه :

«قتل الله قوماً قتلوك ، يا بني ما أجرأهم على الله، وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا» .

وهرعت إليه الفتية من عمومته وأبناء عمومته فألقوا بنفوسهم عليه وهم يوسعونه تقبيلاً ويلثمون جراحاته، ويقسمون على أن يمضوا على ما مضى عليه، وأمرهم الإمام أن يحملوه إلى المخيم.

وهرعت الطاهرة البتول حفيدة النبي صلى الله عليه وسلم زينب علیهاالسلام فانكبت على جثمان ابن أخيها تضمخه بدموعها ،وتندبه بأشجى ما تكون الندبة ،وقد انهارت أمام ابن أخيها

الذي كان قبل ساعة يملا العين اهابه، وأثر منظرها الحزين في نفس الإمام فجعل يعزيها بمصابها الأليم، وهو يردد: «على الدنيا بعدك العفاء ».

لقد كان علي بن الحسين الرائد والزعيم لكل أبي شريف مات عصياً على الضيم في دنيا الإباء والشرف.

وداعاً يا بطل الإسلام .

وداعاً يا فخر هاشم .

وداعاً يا فجر كل ليل.

ونحن نودعك بالأسى والحزن ونردد مع أبيك كلماته الحزينة« على الدنيا بعدك العفاء »(1).


1) حياة الإمام الحسين الي للقرشي : 165/3.

رواية ابن مخنف لمقتل أولاد زينب علیه السلام

قال أبو مخنف : ثم إن عمرو بن صبيح الصدائي رمى عبد الله (1)

قبل بيعت لأمير المؤمنين من سبي اليمامة.

وقيل من سبى عين النمر، فاولدها علي الي عمر الاطرف ورقية. قال السروي: تقدم عبد الله بن مسلم الحرب فحمل على القوم وهو يقول :

اليوم ألقى مسلما وهو أبي وعصبة بادوا على دين النبي حتى قتل ثمانية وتسعين رجلاً بثلاث حملات ثم رماه عمرو ابن صبيح الصدائي بسهم.

قال حميد بن مسلم رمى عمرو عبد الله بسهم وهو مقبل عليه فاراد جبهته، فوضع عبد الله يده على جبهته يتقى بها السهم. قسمر السهم يده على جبهته فاراد تحريكها فلم يستطع، ثم انتحى له بسهم آخر ففلق قلبه، فوقع صريعا وكانت قتلته بعد علي بن الحسين فيما ذكره أبو مخنف والمدائني وأبو الفرج دون غيرهم.

إبصار العين في أنصار الحسين (ص 50 ط النجف).

بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته .

فأخذ لا يستطيع أن يحرك كفيه ثم انتحى له بسهم آخر ففلق قلبه، فاعتورهم الناس من كل جانب فحمل عبد الله بن قطبة الطائي .

ثم النبهاني على عون بن عبد الله (2)بن جعفر بن أبي طالب .


1) هو عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضوان الله عليهم أمه رقيه بنت أمير المؤمنين وامها الصهباء أم حبيب بنت عباد بن ربيعة ابن يحيى بن العبد بن علقمة التغلبية.

2) هو عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أمه زينب العقيلة الكبرى بنت أمير المؤمنين ، وامها فاطمة الزهراء بنت رسول الله .

فقتله وحمل عامر بن نهشل التيمي على محمد بن (1)

قال السروى: نقدم محمد قبل عون إلى الحرب فبرز إليهم.

وهو يقول :

اشكو إلى الله من العدوان *** فعال قوم في الردى عميان

قد بدلوا معالم القرآن *** ومحكم التنزيل والتبيان

فقتل عشرة أنفس، ثم تعاطفوا عليه، فقتله عامر بن نهشل التميمي وفيه يقول سليمان بن قتة من القصيدة المتقدمة على الولاء.

وسمی النبي خودر فيهم *** قد حلوه بصارم مصقول

فإذا ما بكيت عيني فجودي *** بدموع تسيل كلمسیل

إبصار العين في أنصار الحسين (ص 40 ط النجف)

عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله (2)

1) هو محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، أمه الخوصاء بنت حفصة بن ثقيف بن ربيعة بن عائذ بن ثعلبة بن عكاية بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. وامها هند بنت سالم بن عبد العزيز بن محروم ابن سنان بن مولة بن عامر بن مالك بن تيم اللات بن ثعلبة ، وامها ميمونة بنت بشر بن عمرو بن الحرث بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن الحصين بن حكاية بن صعب بن علي.

2) انظر مقتل الحسين لأبي مخلف: 198.

إرسال عبد الله بن جعفر أولاده لنصرة الحسين

وقال أهل السير : انه لما خرج الحسين علیه السلام من مكة كتب إليه عبد الله بن جعفر كتابا يسأله فيه الرجوع عن عزمه، وارسل إليه ابنيه عونا ومحمدا، فاتياء بوادي العقيق قبل أن يصل إلى مسامنة المدينة ، ثم ذهب عبد الله إلى عمرو بن سعيد بن العاص عامل المدينة فساله امانا للحسين ،فكتب وارسله إليه مع اخيه يحيى وخرج معه عبد الله فلقيا الحسين علیه السلام بذات عرق، فأقرأه الكتاب فأبى عليهما وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامى، فامرني بالمسير وإني منته إلى ما أمرني به، وكتب جواب الكتاب إلى عمرو بن سعيد، ففارقاء ورجعا ،وقد أوصى عبد الله ولديه بالحسين واعتذر منه، قالوا :ولما ورد نعى الحسين ونعيهما إلى المدينة كان عبد الله جالسا في بيته، فدخل الناس يعزونه ،فقال غلامه أبو السلاس: هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين، فحذفه عبد الله بنعله وقال: يا بن اللخناء اللحسين تقول هذا، والله لو شهدته لما فارقته حتى أقتل معه، والله انهما لمما يسخ بالنفس عنهما ويهون على المصاب بهما ، انهما اصيبا مع أخي وابن عمى مواسين له صابرين معه، ثم أقبل على الجلساء فقال: الحمد لله اعزز على بمصرع الحسين ان لا أكن نسيت حسيناً بيدى فقد آسیته بولدى.

قال السروي: يرزعون بن عبد الله بن جعفر إلى القوم وهو يقول :

ان تنکرونی فانا بن جعفر *** شهید صدق في الجنان ازهر

يطير فيها بجناح أخضر *** كفى بهذا شرفا في المحشر

فضرب فيهم بسيفه حتى قتل منهم ثلاثة فوارس وثمانية عشر راجلا ثم ضربه

عبد الله بن قطنة الطائي النبهاني بسيفه فقتله. وفيه يقول سليمان ابن قتة التيمي من قصيدته التي يرثى بها الحسين علیه السلام .

عيني جودى بعبرة وعويل *** واندبي ان بكيت آل الرسول

ستة كلهم لصلب علي *** قد اصيبوا وسبعة لعقيل

واندبي ان ندبت عونا اخاهم *** ليس فيما ينوبهم بخذول

فلعمري لقد اصيب ذوو القربي *** فبكى على المصاب الطويل

أبو اللسلاس: باللام المفتوحة والسين المهملة ثم لام وسين بينهما ألف ويمضى في بعض الكتب أبو السلاسل وهو تصحيف .قطنة :بالقاف المضمومة والنون بينهما طاء النبهاني بالنون والباء المفردة منسوب إلى نبهان بطن من بطون طي (1)


1) أبصار العين في أنصار الحسين (ص 39 ط النجف).

زينب عند مقتل عبد الله بن الحسن

قال أبو مخنف : ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في الرجالة نحو الحسين فأخذ الحسين يشد عليهم، فينكشفون عنه ، ثم إنهم أحاطوا به احاطة، وأقبل إلى الحسين (1)غلام من أهله فأخذته اخته زينب ابنة علي علیه السلام لتحبسه، فقال لها الحسين : احبسيه، فأبى الغلام وجاء يشتد إلى الحسين فقام إلى جنبه .

قال : وقد أهوى بحر بن كعب ابن عبيد الله من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام : يا بن الخبيثة أتقتل عمي؟ فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلا الجلدة فإذا يده معلقة، فنادى الغلام يا امتاه، فأخذه الحسين فضمه إلى صدره وقال يا بن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وحمزة وجعفر والحسن بن علي صلى الله عليهم أجمعين.

قال أبو مخنف حدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم قال: سمعت الحسين يومئذ وهو يقول : أللهم أمسك عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا ، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض عنهم الولاة أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا (2).

وقال الشيخ المفيد: لما ضرب مالك بن النسر الكندى بسيفه الحسين على رأسه بعد ان شتمه القى الحسين علیه السلام قلنسوته ودعا بخرقة وقلنسوة، فشد رأسه


1) هو عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب أمه بنت الشليل بن عبد الله البجلي والشليل اخو جرير بن عبد الله كانت لهما صحبة.

2) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 200.

بالخرقة ولبس القلنسوة واعتم عليها : رجع عنه شمر ومن معه إلى مواضعهم فمكث هنيئة ثم عاد وعادوا إليه واحاطوا به ،فخرج عبد الله بن الحسن من عند النساء وهي غلام لم يراهق، فشد حتى وقف إلى جنب عمه الحسين علیه السلام فلحقته زينب علیهاالسلام لتحبسه فأبى، فقال لها الحسين احبسيه يا اخية، فامتنع امتناعا شديداً وقال: والله لا افارق عمى .واهوى بحر بن كعب إلى الحسين بالسيف، فقال له الغلام ويلك يا بن الخبيثة اتقتل عمي ؟ فضربه بحر بالسيف، فاتقاه الغلام بیده ،فاطنها إلى الجلد فإذا هي معلقة .فنادى الغلام :يا اماه، فأخذه الحسين علیه السلام وضمه إليه وقال : يا بن أخي : اصبر على ما نزل بك ، واحتسب في ذلك الخير فإن الله يلحقك بابائك الصالحين. ثم رفع الحسين علیه السلام يديه إلى السماء وقال : اللهم امسك عليهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم بددا واجعلهم طرائق قددا، ولا ترضى الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا.

روى أبو الفرج: ان الذي قتله حرملة بن كاهن الأسدي (1)

بيان القلنسوة : بفتح القاف واللام وتسكين النون وضم السين قبل الوا ولباس في الرأس معروف (لم يراهق) أي لم يقارب (بددا) تفريقا (قددا) أي طرائق متفرقة بحر :بالباء المفردة والحاء المهملة والراء مثلها ابن كعب بن عبيد الله من بني تميم بن ثعلبة بن عكابة. ويمضى في بعض الكتب ويجرى على بعض الالسن ابحر بن كعب وهو غلط وتصحيف.


1) إبصار العين في أنصار الحسين (ص 38 ط النجف).

زينب تُبكي عمر بن سعد

قال أبو مخنف : عن الحجاج بن عبد الله ابن عمار بن عبد يغوث البارقي : وعتب على عبد الله بن عمار بعد ذلك مشهده قتل الحسين فقال عبد الله بن عمار : إن لي عند بني هاشم ليدا ، قلنا : له وما يدك عندهم؟

قال: حملت على حسين بالرمح فانتهيت إليه، فوالله لو شئت لطعنته ثم انصرفت عنه غير بعيد وقلت ما اصنع بأن أتولى قتله يقتله غيري، قال: فشد عليه رجالة ممن عن يمينه وشماله ،فحمل على من عن يمينه حتى ابذ عروا، وعلى من عن شماله حتى أذهروا، وعليه قميص له من خزوهو معتم، قال : فوالله ما رأيت مكسورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جاشاً، ولا أمضى جناناً منه، ولا أجراً مقدما، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله ، إن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب،قال: فوالله إنه لكذلك، إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته وكأني أنظر إلى قرطها يجول بين اذنيها وعاتقها وهي تقول: ليت السماء تطابقت على الأرض ، وقددنا عمر بن سعد من حسين، فقالت : يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟

قال : فكأني أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خديه ولحيته قال: وصرف بوجهه عنها (1).


1) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 200.

سلب النساء

قال أبو مخنف : عن جعفر بن محمد بن علي قال : وجد بالحسين علیه السلام حين قتل ثلاث وثلاثون طعنة ،وأربع وثلاثون ضربة ،قال :وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الحسين الاشد عليه مخافة أن يغلب على رأسه حتى أخذ رأس الحسين فدفعه إلى خولى، قال :وسلب الحسين ما كان عليه ،فأخذ سراويله بحرين كعب، أخذ قيس ابن الأشعث قطيفته وكانت من خز وكان يسمى بعد قيس قطيفة، وأخذ نعليه رجل من بني أو ديقال له : الاسود ،وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل.

قال : ومال الناس على الورس والحلل والابل وانتهبوها .

قال : ومال الناس على نساء الحسين وثقله ومتاعه فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها (1)


1) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 200.

علم الحسين بما يحصل على الأطفال والنساء

وروي أنه لما عزم الحسين علیه السلام على الخروج من المدينة أنته أم سلمة فقالت : يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق فإنّي سمعت جدك يقول : يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلاء.

فقال : يا أماه وأنا والله أعلم ذلك وإنّي مقتول لا محالة وليس لي من هذا بد وإني والله لأعرف اليوم الذي أقتل فيه وأعرف من يقتلني وأعرف البقعة التي أدفن فيها وأعرف من يقتل من أهل بيتي وشيعتي وإن أردتِ يا أماه أريك حفرتي ومضجعي ثم أشارعلیه السلام إلى جهة كربلاء فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره وموقفه ومشهده فبكت أم سلمة بكاء شديداً وسلمت أمره إلى الله.

فقال لها : يا أماه قد شاء الله عزوجل أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً وقد شاء أن يرى حرمي ونسائي مشردين وأطفالي مذبوحين مقيدين.

فقالت أم سلمة : عندي تربة دفعها إلي جدك في قارورة.

فقال : والله إني مقتول كذلك وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضاً. ثم أخذ تربة فجعلها في قارورة وأعطاها إياها وقال: إجعليها مع قارورة جدي فإذا فاضتا دماً فاعلمي أني قد قتلت (1).


1) الخرائج والجرائح: 1/ 253.

زينب عند الهجوم على زين العابدين علیه السلام

قال السيد القرشي : وهجم الفجرة الجفاة على الإمام زين العابدين علیه السلام وكان مريضاً قد أنهكته العلة، ومزق الأسى قلبه فأراد الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن أن يقتله فنهره حميد بن مسلم قائلاً له :

سبحان الله !! أتقتل الصبيان؟ إنما هو مريض.

فلم يعن به الوغد وبادرت إليه العقيلة عمته زينب علیهاالسلام فتعلقت به، وقالت: لا يقتل حتى أقتل دونه فكف اللثام عنه، وقد نجا منهم بأعجوبة، واجتاز على النساء الرجس عمر بن سعد فصحن في وجهه وبكين فمنع الخبيث العسكر من التعرض لهن بسوء (1).


1) حياة الإمام الحسين نية للقرشي : 206/3.

زينب عند جزع الإمام زين العابدين

وجزع الإمام زين العابدين كأشد ما يكون الجزع حينما رأى جثمان أبيه، وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء لم ينبر أحد إلى مواراتها وبصرت به همته زینب علیهاالسلام فبادرت إليه مسلية قائلة :

اما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأخوتي ،فوالله إن هذا لعهد من الله إلى جدك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، انهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة، والجسوم المضرجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام ، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلا علوا.

وأزالت حفيدة الرسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألم بالإمام زين العابدين من الحزن العميق على عدم مواراة أبيه، فقد أخبرته بما سمعته من أبيها وأخيها من قيام جماعة من المؤمنين بمواراة تلك الجثث الطاهرة، وسينصب لها علم لا يمحى أثره، ويبقى خالداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها ... وقد جد ملوك الأمويين والعباسيين على محوها وإزالة آثارها ،وجهدوا نفوسهم وسخروا جميع إمكانياتهم إلا أنهم لم يفلحوا ، ومضى مرقد الإمام شامخاً على الدهر ،ومضت ذكراه تملا رحاب الأرض نوراً وفخراً وشرفاً كأسمى صورة تعتز بها الإنسانية في جميع أدوارها (1).


1) حياة الإمام الحسين ة للقرشي : 220/3.

زينب عند جثمان الإمام

ووقفت حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم وابنة أمير المؤمنين علیه السلام العقيلة زينب عليها السلام على جثمان أخيها العظيم الذي مزقته السيوف، وجعلت تطيل النظر إليه ورفعت بصرها نحو السماء وهي تدعو بحرارة قائلة:

« اللهم تقبل هذا القربان».

إن الإنسانية لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هو السر في خلود تضحية الحسين.

لقد تحملت بطلة كربلاء أعباء تلك المحن الشاقة،وتجرعت خصص تلك الأهوال محتسبة الأجر عند الله، وهي تتضرع بخشوع إلى الله أن يتقبل ذلك القربان. فاي صبر يماثل هذا الصبر؟

لقد تجلت قوة الشخصية في حفيدة الرسول، وبرزت معاني الوراثة النبوية في مواقفها الخالدة التي صانت بها أهداف الإمام، وأظهرت الواقع في تضحيته، وأنارت السبيل في بيان أسرار شهادته (1)


1) حياة الإمام الحسين نية للقرشي : 207/3.

زينب عند رؤية رأس الحسين

قال أبو مخنف : فحدثني أبو زهير العبسى عن قرة بن قيس التميمي قال : نظرت إلى تلك النسوة لما مررت بحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن، قال :فاعترضتهن على فرس فما رأيت منظرا من نسوة قط كان أحسن من منظر رأيته منهن ذلك، والله لهن أحسن من مهى يبرين قال: فما نسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرت باخيها الحسين صريعاً وهي تقول :

یا محمداه ،يا محمداه ،صلى عليك ملائكة السماء ،هذا الحسين بالعراء ، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه وبناتك سبايا ، وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبا قال: فابكت والله كل عدو وصديق.

قال : وقطف رؤس الباقين فسرح باثنين وسبعين رأسا مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمر بن الحجاج وعزرة بن قيس فاقبلوا حتى قدموا بها على عبيد الله بن زياد(1).


1) مقتل الحسين لأبي مخنف : 220.

زينب ليلة الحادي عشر

قال السيد القرشي : قل ما شئت في تصوير المحنة الكبرى التي دهمت عقائل النبوة في ليلة الحادي عشر من المحرم، فإنك لا تستطيع تصويرها ولا استيعاب مأساتها، فلم تبق رزية من رزايا الدنيا، ولا غصة من غصص الدهر إلا جرت عليهن، فالأعداء الجفاة الذين لا يملكون أي شرف أو نبل قد استولوا عليهن، والحماة الأباة من آل الرسول صلى الله عليه وسلم قد تناثرت أشلاؤهم الزكية أمامهن من دون أن ينبري أحد إلى مواراتهم، والخيام قد أحرقت ونهب ما فيها من ثقل ومتاع، وسلب ما عليهن من حلي وحلل ووصف ذلك المنظر الحزين الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في رائعته التي يقول فيها :

وسجى الليل والرجال ضحايا *** والنساء المخدرات ذهول

واليتامى تشرد وضياع *** والشكالى مدامع وعويل

وبقايا مخيم من رماد *** وقيود يشن منها عليل

وزنود قست عليها سياط *** وجسوم يضري بها التمثيل

أما حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم وشقيقة الحسين العقيلة زينب علیهاالسلام فإنها ما وهنت ولا استكانت أمام تلك الأهوال القاصمة فقد أسرعت تلتقط الأطفال الذين هاموا على وجوههم في البيداء، وتجمع العيال في تلك البيداء الموحشة، وهي تسليهم وتصبرهم على تلك الرزايا، وقد أنفقت تلك الليلة ساهرة على حراستهم، وقد هامت في تبارات من الأسى لا يعلم بمداها إلا الله، وقد أدت وردها من صلاة الليل ولكن استولى الضعف عليها فأدتها من جلوس (1)


1) حياة الإمام الحسين علیه السلام للقرشي : 210/3.

زينب عند رجوع القوات المسلحة

قال : ومكثت القوات المسلحة في كربلاء يوم الحادي عشر من المحرم فوارت جيف قتلاها بين مظاهر الإجلال والتعظيم.

وقد فتحت لها كوة من فيح جهنم يؤجج ضرامها ولا يخبو نارها تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون.

أما جثة الإمام العظيم والجثث الزواكي من أهل بيته وأصحابه، فقد عمدوا إلى تركها على صعيد كربلاء تسفي عليها الرياح لا مغسلين ولا مكفنين.

وأمر ابن سعد حميد بن بكر الأحمري، فنادى بالناس الرحيل إلى الكوفة وسارت قوات ابن سعد بعد الزوال من كربلاء وأعلامها رؤوس العترة الطاهرة التي ثارت من أجل إحقاق الحق، وتوطيد أركان العدل، وقد حملوا معهم نساء الحسين وأخواته ونساء الأصحاب فكن عشرين امرأة ما عدا الصبية.

وقد سيروهن على أقتاب الجمال بغير وطاء وساقوهن كما يساق سبي الترك والديلم، ومروا بهن على جثث القتلى من أهل البيت مبالغة في إيذائهن.

وكان العرب في جاهليتهم الأولى يتجنبون مرور النساء على قتلاهن إلا أن جيش ابن سعد لم يلتزم بأي خلق ،ولم تكن عنده أية عاطفة إنسانية.

ولما نظرت عقائل النبوة إلى جثث القتلى من أهل البيت رفعن أصواتهن بالبكاء، وصاحت حفيدة النبي صلى الله عليه وسلم زينب علیهاالسلام بصوت يذيب القلوب :

« يا محمداه هذا حسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا ، وذريتك مقتلة».

ووجم القوم مبهوتين، وفاضت عيونهم دموعاً، وبكى العدو والصديق (1).


1) حياة الإمام الحسين علیه السلام للقرشي : 219/3

خطاب السيدة زينب في الكوفة

قال السيد القرشي : وحينما رأت السيدة زينب علیهاالسلام حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم وشقيقة الإمام الحشود الزاخرة التي ملأت شوارع الكوفة وأزقتها، اندفعت إلى الخطابة لبلورة الموقف، وإظهار المصيبة الكبرى التي جرت على أهل البيت وتحميل الكوفيين مسؤولية هذه الجريمة النكراء ، فهم الذين نقضوا العهد، وخاسوا بالذمة، فقتلوا ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عادوا بعد قتله ينوحون ويبكون كأنهم لم يقترفوا هذا الإثم العظيم، وهذا نص خطابها :

« الحمد لله وصلواته على أبي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطاهرين الأخيار، أما بعد: يا أهل الكوفة يا أهل الختل والخذل أتبكون؟!! فلا رقات لكم دمعة إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم الا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.

اتبكون وتنتحبون !! أي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، كل ذلك بانتهاككم حرمة ابن خاتم الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة ، وملاذ حضرتكم، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجتكم ومدرة سنتكم ، الا ساء ما تزرون ، وبعداً لكم، وسحقاً، فلقد خاب السعي، ونبت الأيدي وخسرت الصفقة وتوليتم بغضب الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة.

أتدرون ويلكم يا أهل الكوفة؟ أي كبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فريتم وأي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئاً اداً تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هداً !!

لقد جئتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض ، ومل السماء، أفعجبتم ان مطرت

السماء دماً ولعذاب الآخرة أخزى، وهم لا ينصرون فلا يستخفنكم المهل فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار وان ربكم لبالمرصاد .....

لقد قرعتهم بطلة كربلاء، بمنطق الصدق وصوت الحق، ودلتهم على نفوسهم الخبيثة، فلم تنخدع بدموعهم الكاذبة، ولم ينطل عليها زورهم وبهتانهم، ونعت عليهم جريمتهم النكراء التي هي أبشع جريمة وقعت في الأرض .. وقد وصفتهم بأخر الصفات التي توصف بها أحط الشعوب، فقد وصفتهم بالختل والغدر، وهما مصدران لانحطاط الإنسان وشقائه.

وعلقت سلام الله عليها على بكائهم فقالت : إن من حقهم أن يبكوا كثيراً ويضحكوا قليلاً على عظيم ما اقترفوه من الإثم، فقد قتلوا سيد شباب أهل الجنة وسليل خاتم النبوة، والمنقذ والمحرر لهم، وفروا كبد رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهكوا حرمته، وسبوا عياله ،فأي جريمة أبشع أو أفظع من هذه الجريمة؟

صدى الخطاب

واضطرب الناس من خطاب سليلة النبوة وأيقنوا بالهلاك، وقد وصف خزيمة الأسدي مدى الأثر البالغ الذي أحدثه خطاب العقيلة يقول : لم أر والله خفرة أنطق منها كأنما تفرغ عن لسان الإمام أمير المؤمنين، ورأيت الناس بعد خطابها حيارى واضعي أيديهم على أفواههم، ورأيت شيخاً قد دنا منها يبكي حتى اخضلت لحيته وهو يقول : بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبداً إلا أن الإمام زين العابدين قطع على عمته خطابها قائلاً :

« اسكتي يا عمة، فأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة ...» .

فأمسكت عن الكلام، وتركت المجتمع يمور بالأسى والحزن(1).


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 229/3

زينب في مجلس ابن زياد

وأدخلت بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن في أسر الذل على ابن مرجانة سليل الأرجاس والخيانة وهو في قصر الإمارة وقد امتلا القصر بالسفكة المجرمين من جنوده و هم يهنئونه بالظفر ويحدثونه ببطولاتهم المفتعلة في يوم الطف وهو جذلان مسرور پهز أعطافه فرحاً، وبين يديه رأس ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل الخبيث يعبث به وينكته بمخصرته وهو يقول متشمتاً :

« ما رأيت مثل هذا الوجه قط !!.».

ولم ينه كلامه حتى سدد له الصحابي أنس بن مالك سهماً من منطقه فقال له :

«إنه كان يشبه النبي».

والتاع الخبيث من كلامه وكان في المجلس رجل من بكر بن وائل يقال له جابر فانتفض وهو يقول :

«لله علي أن لا أصيب عشرة من المسلمين خرجوا عليك إلا خرجت معهم ».

الطاغية مع عقيلة الوحي

ولما روى ابن مرجانة أحقاده من رأس الإمام التفت إلى عائلة الحسين فرأى امرأة منحازة في ناحية من مجلسه وعليها أرذل الثياب وقد حفت بها المهابة والجلال مما حمل ابن زياد على السؤال عنها فقال :

«من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟».

فأعرضت عنه ، وكرر السؤال مرتين فلم تجبه استهانة به واحتقاراً لشأنه، فانبرت إحدى السيدات فقالت له :

«هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ».

فالتاع الخبيث الدنس من احتقارها له واندفع يظهر شماتته بلسانه الألكن قائلاً :

« الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأبطل أحدثونكم».

فثارت حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم بشجاعة محتقرة ذلك الوضر الخبيث وصاحت به : « الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه ،وطهرنا من الرجس تطهيراً، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا يا بن مرجانة ».

لقد قالت هذا القول الصارم وهي والخفرات من آل محمد صلى الله عليه وسلم في قيد الأسر وقد نصبت فوق رؤوسهن حراب الفاتحين ،وشهرت عليهن سيوف الشامتين. وقد أنزلت الطاغية من عرشه إلى قبره ،وأطاحت بغلوائه ، وعرفته أمام خدمه وأتباعه أنه المفتضح والمنهزم .. فقال ابن مرجانة متشفياً بأحط وأخس ما يكون التشفي :

«كيف رأيت فعل الله بأخيك؟».

وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود فأجابته بكلمات الظفر والنصر لها ولأسرتها قائلة :

«ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة».

وفقد الحقير اها به من هذا التبكيت الموجع والتعريض المقذع، وتميز غيظاً وغضباً، وهم أن ينزل بها عقوبته فنهاه عمرو بن حريث، وقال له: إنها امرأة لا تؤاخذ بشي من منطقها، فالتفت إليها قائلاً :

« لقد شفى الله قلبي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك».

وغلب على العقيلة الحزن والأسى من هذا التشفي، والجرأة عليها، وقد تذكرت الصفوة الأبطال من أهل بيتها الذين سقطوا في ميادين الجهاد فأدركتها لوعة الأسى فقالت :

« العمري لقد قتلت كهلي وأبدت أهلي ،وقطعت فرعي، واجتثئت أصلي فإن يشفك هذا فقد اشتفيت» .

وتهافت ابن مرجانة وسكن غيظه وراح يقول :

« هذه سجاعة. لعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً».

فردت عليه زينب : ان لي عن السجاعة لشغلاً ما للمرأة والسجاعة.

ما ألأم هذه الحياة وما أخسها التي جعلت ربيبة الوحي أسيرة عند ابن مرجانة وهو يبالغ في احتقارها وتوهينها.

إن كان عندك يا زمان بقية *** مما يضام به الكرام فهاتها (1)


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 234/3.

قال أبو مخنف : حدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم قال : دعاني عمر ابن سعد فسر حني إلى أهله لا بشرهم بفتح الله عليه وبعافيته فاقبلت حتى أتيت أهله فاعلمتهم ذلك، ثم أقبلت حتى ادخل، فاجد ابن زياد قد جلس للناس واجد الوفد قد قدموا عليه فأدخلهم واذن للناس فدخلت فيمن دخل، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة، فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له : اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما، ثم أنفضح الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، قال: فنهض فخرج فلما خرج سمعت الناس يقولون : والله لقد قال زيد بن أرقم قولا لو سمعه ابن زياد لقتله.

قال : فقلت : ما قال؟

قالوا : مر بنا وهو يقول : ملك عبد عبدا، فاتخذهم تلدا، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة ،فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم ،فرضيتم بالذل ،فبعدا لمن رضى بالذل ، قال: فلما دخل برأس الحسين (حسين) وصبيانه وأخواته ونسائه على عبيد الله بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة ارذل ثيابها، وتنكرت وحف بها .اماءها فلما دخلت جلست .

فقال عبيد الله بن زياد من هذه الجالسة؟ فلم تكلمه، فقال ذلك ثلاثا كل ذلك لا تكلمه .

فقال بعض امائها : هذه زينب ابنة فاطمة، قال: فقال لها عبيد الله : الحمد الذي فضحكم، وقتلكم، وأكذب أحدوثتكم.

فقالت : الحمد لله الذي اكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وطهرنا تطهيرا لا كما تقول أنت، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، قال: فكيف رأيت صنع الله باهل بيتك، قالت: كتب عليهم القتل، فبر زوا إلى مضاجعهم ، فسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجون إليه وتخاصمون عنده.

قال : فغضب ابن زیاد واستشاط ، قال : فقال له عمرو بن حريث أصلح الله الأمير إنما هي امرأة وهل تؤأخذ المرأة بشيء من منطقها؟ انها لا تؤأخذ بقول، ولا تلام على خطل ،فقال لها ابن زياد :قد اشفى الله نفسي من طاغتبك، والعصاة المردة من أهل بيتك.

قال : فبكت ثم قالت : لعمري لقد قتلت كهلي، وابرت أهلي، وقطعت فرعي ،واجت اصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت .

فقال لها عبيد الله : هذه شجاعة قد لعمري (قد) كان أبوك شاهراً شجاعاً .

قالت : ما للمرأة والشجاعة، ان لي عن الشجاعة لشغلا، ولكني نفثى ما أقول.

قال أبو مخنف عن مجالد بن سعيد إن عبيد الله بن زياد لما نظر إلى علي بن الحسين قال لشرطي : انظر هل ادرك هذا ما يدرك الرجال؟ فكشط ازاره عنه فقال : نعم، قال: انطلقوا به فاضربوا عنقه فقال له على إن كان بينك وبين هولاء النسوة قرابة فابعث معهن رجلاً يحافظ عليهن فقال له ابن زياد : تعال أنت فبعثه معهن.

قال أبو مخنف :وأما سليمان بن أبي راشد فحدثني عن حميد بن مسلم قال : إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين فقال له: ما اسمك؟

قال :انا علي بن الحسين ،قال اولم يقتل الله علي بن الحسين؟ فسكت، فقال له ابن زياد :مالك لا تتكلم قال : قد كان في اخ يقال له: أيضاً على فقتله الناس، قال : إن الله قد قتله، قال: فسكت على فقال له : مالك لا تتكلم؟

قال : الله يتوفى الانفس حين موتها وما كان لنفس ان تموت إلا باذن الله.

قال : أنت والله منهم ،ويحك انظروا هل ادرك؟ والله إني لاحسبه رجلا، قال : فكشف عنه مرى بن معاذ الاحمري فقال : نعم قد ادرك ،فقال : اقتله، فقال علي بن الحسين، من توكل بهؤلاء النسوة وتعلقت به زینب همته فقالت: يا بن زياد حسبك منا، أما رويت من دمائنا؟ وهل ابقيت منا أحداً؟

قال : فاعتنقته فقالت اسالك بالله ان كنت مؤمنا ان قتلته لما قتلتني معه ، قال :

و ناداء على فقال : يا بن زياد إن كانت بينك وبينهم قرابة فابعث معهن رجلاً تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام ،قال : فنظر إليها ساعة، ثم نظر إلى القوم فقال : عجبا للرحم، والله إني لأظنها ودت لو إني قتلته إني قتلتها معه، دعوا الغلام، انطلق مع نسائك.

قال حميد بن مسلم : لما دخل عبيد الله القصر ودخل الناس نودى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد الأعظم، فصعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد الله الذي اظهر الحق وأهله ، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته ،فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد بن عفيف الأزدي، ثم الغامدي، ثم أحد بني والبة، وكان من شيعة على كرم الله وجهه، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي ،فلما كان يوم صفين ضرب على راسه ضربة وأخرى على حاجبه فذهبت عينه الأخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف.

قال : فلما سمع مقالة ابن زياد قال يا بن مرجانة ان الكذاب أنت وأبوك ،والذي ولاك وأبوه ،يا بن مرجانة: اتقتلون ابناء النبيين وتكلمون بكلام الصديقين، فقال ابن زیاد علی ،به :قال فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه قال : فنادى بشعار الأزد یا مبرور .

قال : وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس فقال : ويح غيرك أهلكت نفسك وأهلكت قومك، قال : وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمئة مقاتل، قال: فوتب إليه فتية من الأزد فانتزعوه فاتوا به أهله ،فأرسل إليه من أتاه به فقتله وأمر بصلبه في السبخة فصلب هنالك (1).


1) قتل الحسين لأبي مخنف : 225.

زينب في مجلس يزيد

قال : وسر الطاغية سروراً بالغاً بسبايا أهل البيت فأوقفهم موقف السبي بباب المسجد مبالغة في إهانتهم وإذلالهم وعمدت جلاوزته إلى بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصبية فربقوهم بالحبال كما تربق الأغنام فكان الحبل في عنق الإمام زين العابدين إلى عنق عمته زينب وباقي بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا - فيما يقول المؤرخون - كلما قصروا عن المشي أوسعوهم ضرباً بالسياط، وجاؤوا بهم على مثل هذه الحالة التي تتصدع من هولها الجبال ،وهم يكبرون ويهللون فأوقفوهم بين يدي يزيد فالتفت الإمام زين العابدين فقال له :

«ما ظنك بجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يرانا على مثل هذه الحالة؟، فتأثر يزيد ولم يبق أحد في مجلسه إلا بكى وقد تألم الطاغية مما رأى فراح يقول :

«قبح الله ابن مرجانة لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا » ثم أمر بالحبال فقطعت عنهم والتفت إلى علي بن الحسين فقال له :

«ايه يا علي بن الحسين أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني

سلطاني، فصنع الله به ما رأيت».

فأجابه شبل الحسين بكل هدوء وطمأنينة بقوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا في أنفسكم إلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبَرَاهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا اتَنكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (1)


1) سورة الحديد، الآية : 22 - 23.

وتميز الطاغية غضباً وذهبت نشوة أفراحه ،وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَبَكُم مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فقال له الإمام:

«هذا في حق من ظلم لا في حق من ظلم».

وزوى الإمام بوجهه عنه ولم يكلمه احتقاراً له واستهانة بشأنه (1).

وقال أبو مخنف عن الحارث بن كعب عن فاطمة بنت علي قالت: لما اجلسنا بين يدي يزيد ابن معاوية رق لنا ،وأمر لنا بشي والطفنا قالت : ثم إن رجلاً من أهل الشام احمر قام إلى يزيد فقال : يا أمير المؤمنين: هب لي هذه يعنيني، وكنت جارية وضيئة فارعدت وفرقت وظننت ان ذلك جائزلهم وأخذت بثياب اختي زينب، قالت وكانت اختي زينب أكبر مني واعقل ،وكانت تعلم ان ذلك لا يكون فقالت: كذبت والله ولو مت ما ذلك لك وله.

فغضب يزيد فقال : كذبت والله ان ذلك لي ولو شئت ان افعله لفعلت، قالت : كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا، قالت فغضب يزيد واستطار ثم قال اياى تستقبلين بهذا ، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك.

فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدى اهتديت أنت وأبوك وجدك، قال: كذبت يا عدوة الله قالت أنت أمير مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك، قالت فوالله لكانه استحيا فسكت.

ثم عاد الشامي فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، قال: اعزب ،وهب الله لك حتفا قاضيا.

قالت: ثم قال يزيد بن معاوية يا نعمان بن بشير جهزهم بما يصلحهم، وابعث معهم رجلاً من أهل الشام امينا صالحا ،وابعث معه خيلا واعوانا فيسير بهم إلى المدينة، ثم أمر بالنسوة ان ينزلن في دار على حدة ، معهن ما يصلحهن، واخوهن معهن علي بن الحسين في الدار التي من فيها.


1) حياة الإمام الحسين ة للقرشي : 256/3.

قال: فخرجن حتى دخلن دار يزيد، فلم تبق من آل معاوية امرأة إلا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين ،فاقاموا عليه المناحة ثلاثا ،وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين إليه.

قال : فدعاء ذات يوم ودعا عمرو بن الحسن بن علي وهو غلام صغير فقال العمرو بن الحسن : اتقاتل هذا الفتى؟ يعني خالدا ابنه .

قال : لا ولكن أعطنى سكيناً وأعطه سكينا ثم أقاتله، فقال له يزيد، وأخذه وضمه إليه ثم قال: شنشنة اعرفها من اخزم، هل تلد الحية إلا حية.

قال : ولما أرادوا ان يخرجوا دعا يزيد علي بن الحسين ثم قال : لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو إني صاحبه ما سالني خصلة أبداً إلا اعطيتها إياه، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدى ولكن الله قضى ما رأيت، كاتبني وانه كل حاجة تكون لك ، قال : وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول، قال: فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل، فيكونون امامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم بحيث إذا أراد انسان منهم وضوء أو قضاء حاجة لم يحتشم، فلم يزل ينازلهم في الطريق هكذا ويسألهم عن حوائجهم ويلطفهم حتى دخلوا المدينة.

وقال الحارث بن كعب فقالت لي فاطمة بنت علي : قلت لأختي زينب : يا اخية لقد أحسن هذا الرجل الشامي إلينا في صحبتنا فهل لك ان نصله؟

فقالت : والله ما معنا شيء نصله به إلا حلينا ،قالت لها : فنعطيه حلينا .

قالت: فأخذت سواري ودملجي، وأخذت أختي سوارها ودملجها، فبعثنا

بذلك إليه واعتذرنا إليه، وقلنا له :هذا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل،قال: فقال : لو كان الذي صنعت إنما هو للدنيا كان في حليكن ما يرضيني ودونه، ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال هشام :وأما عوانة بن الحكم الكلبي فإنه قال : لما قتل الحسين وجيئ بالاثقال والاسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله فبينا القوم محتبسون إذ وقع

حجر في السجن معه كتاب مربوط وفي الكتاب : خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يوماً وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فايقنوا بالقتل وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان إن شاء الله .

قال : فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقى في السجن ومعه كتاب مربوط وموسى وفي الكتاب اوصوا ،واعهدوا فانما ينتظر البريد يوم كذا وكذا فجاء البريد ولم يسمع التكبير وجاء كتاب بان سرح الاسارى إلى، قال: فدعا عبيد الله بن زياد محفز بن ثعلبة ، وشمر بن ذي الجوشن فقال انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ،قال : فخرجوا حتى قدموا على يزيد، فقام محفز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته : جئنا برأس احمق الناس والأمهم .

فقال يزيد: ما ولدت أم محفز الأم وأحمق ولكنه قاطع ظالم.

قال : فلما نظر يزيد إلى رأس الحسين قال :

ينلقن هاما من رجال أعزة *** علينا وهم كانوا أعق وأظلما

ثم قال: اندرون من أين أتى هذا؟

قال : أبي علي خير من أبيه ،وامي فاطمة خير من أمه، وجدى رسول الله خير من جده، وإنا خير منه وأحق بهذا الأمر منه، فأما قوله : أبوه خير من أبي فقد حاج أبي أباء، وعلم الناس ايهما حكم له، وأما قوله ، امي خير من أمه، فلعمرى فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من امي، وأما قوله جدى خير من جده: فلعمرى ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولاندا، ولكنه إنما أتى من قبل فقهه، ولم يقرأ : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شي قدير.

ثم ادخل نساء الحسين علی یزید ،فصاح نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله وولولن ثم إنهن أدخلن على يزيد ،فقالت فاطمة بنت الحسين وكانت أكبر من سكينة : أبنات رسول الله سبايا يا يزيد؟

فقال يزيد : يا ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره قالت : والله ما ترك لنا خرص،

قال: يا ابنة أخي ما أتى إليك أعظم مما أخذ منك ثم اخرجن فادخلن دار يزيد بن معاوية، فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا انتهن واقمن المآتم.

وأرسل يزيد إلى كل امرأة ماذا أخذ لك، وليس منهن امرأة تدعى شيئاً بالغا ما بلغ إلا قد أضعفه لها، فكانت سكينة تقول ما رأيت رجلاً كافراً بالله خيراً من يزيد بن معاوية.

ثم ادخل الأسارى إليه وفيهم علي بن الحسين فقال له يزيد : إيه يا علي.

فقال علي : ہمَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا مَاتَنكُمْ والله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )(1).

فقال يزيد : ہوَمَا أَصَبَكُم مِّن تُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِير ) (2)

ثم جهزه وأعطاء مالا وسرحه إلى المدينة (3).


1) مقتل الحسين لأبي مخنف : 231.

2) سورة الحديد، الآية : 22 - 23 .

3) سورة الشورى، الآية : 30

خطاب السيدة زينب في مجلس يزيد

وأظهر الطافية فرحه بإبادته للعترة الطاهرة، فقد حسب أنه قد صفا له الملك واستوسقت له الأمور فأخذ يهز أعطافه جذلان مسروراً، وتمنى حضور القتلى من أهل بيته ببدر ليريهم كيف أخذ بثأرهم وانتقم من النبي صلى الله عليه وسلم في ذريته وعترته وراح يترنم بأبيات ابن الزبعرى وهو مزهو :

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل *** لأهلوا واستهلوا فرحاً

ثم قالوا يا يزيد لا تشل *** قد قتلنا القرم من ساداتهم

وعدلناه ببدر فاعتدل *** لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل *** لست من خندف إن لم انتقم

من بني أحمد ما كان فعل

ولما سمعت بطلة كربلاء هذه الأبيات التي نمت عن كفره وسروره بقتل عترة النبي صلى الله عليه وسلم انتقاماً لقتلى بدر وثبت تزجره، وتطعن كبرياءه، غير حافلة بجبروته وطغيانه، فلم يدركها الهول والفزع ،وإنما كانت مثال الشجاعة فكأنها هي الحاكمة والمنتصرة، والطاغية هو المخذول والمغلوب على أمره ، قالت علیه السلام :

«الحمد لله رب العالمين ،وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول : (ثُمَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَحُوا الشواى أَن كَذَّبُوا بِشَايَتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِمُونَ ) (1)أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا


1) سورة الروم، الآية : 10.

نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً لا تعش جهلاً، أنسيت قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَمْ ليزدادوا إِنْمَا وَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (1).

أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ،ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والاضغان ،ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :

لأهلوا واستهلوا فرحاً *** ثم قالوا: يا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك؟ وقد نكأت القرحة ،واستأصلت الشافة بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وسلم ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت اللهم خذلنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا.

فوالله ما فريت إلا جلدك ،ولا حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما تحملت من سفك دماء ذريته ،وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم، ويأخذ بحقوقهم( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا بَلْ أحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (2).

وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد خصيماً، وبحبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سول لك


1) سورة آل عمران الآية: 178

2) سورة آل عمران الآية: 169