أنوار الفقاهة کاشف الغطاء جلد 9

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

العنوان والمؤلّف: أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف: 10ج.

ردمك: -(مسلسل) 0-180-195-600-978

(ج.)6-188-195-600-978

حالة الفهرسة : CIP

ملاحظات المجال المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش

ملاحظات المجال: الفهارس العامّة

المحتويات: ج. 8. كتاب النكاح - الخلع

الموضوع :فقه الإمامية - ق 13هـ.

المدخل الإضافي: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع: 3698114

أنوار الفقاهة

الجزء التاسع

الغصب - الشهادات

مجموعة من المحقّقين

الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

الإعداد والتحقيق مركز إحياء التراث الإسلامي

الطبعة الأولى: 1436 هـ / 2015م

الكمية: 1000 نسخة

العنوان: 301؛ التسلسل: 492

محرّر الرقمي: محمّد رادمرد

أنوار الفقاهة

حَسَن بن جَعْفَرَ كاشف الغَطاء

1201-1262هـ

الجزء التاسع

الغصب - الشهادات

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي

اشارة

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنوار الفقاهة

حسن بن جعفر كاشف الغطاء

(1201 - 1262هـ)

الجزء التاسع

كتاب الغصب، المواريث، القضاء والشهادات

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

مركز إحياء التراث الإسلامي

المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

أنوار الفقاهة

الجزء التاسع: الغصب - الشهادات

مجموعة من المحقّقين

الناشر: المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة

الإعداد والتحقيق مركز إحياء التراث الإسلامي

الطبعة الأولى: 1436 هـ / 2015م

الكمية: 1000 نسخة

العنوان: 301؛ التسلسل: 492

حقوق الطبع محفوظة للناشر

العنوان: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312

التلفون والفاكس: 982166951534+

ص. ب: 37185/3858، الرمز البريدي: 16439 - 37156

الموقع الإلكتروني: www.isca.ac.ir

البريد الالكتروني : nashr@isca.ac.ir

المدخل الرئيسي: کاشف الغطاء، حسن بن جعفر، 1201 - 1262هـ.

العنوان والمؤلّف: أنوار الفقاهة / حسن بن جعفر كاشف الغطاء؛ تحقيق المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة.

مركز إحياء التراث الإسلامي.

بيانات النشر: طهران، شارع الانقلاب مقابل مدخل جامعة طهران، عمارة فروزنده، الطابق الأرضي، الرقم 312، 1436هـ. = 2015م.

بيانات الوصف: 10ج.

ردمك: -. (مسلسل) 0 – 180 – 195 – 600 – 978

(ج. 2) 4 – 182 – 195 – 600 - 978

حالة الفهرسة :CIP

ملاحظات المجال: المصادر: ج. 10. ؛ وأيضاً في الهامش.

ملاحظات المجال : الفهارس العامّة

المحتويات: ج 9. كتاب التجارة والبيع

الموضوع :فقه الإماميّة - ق 13هـ.

المدخل الإضافي المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة. مركز إحياء التراث الإسلامي

تصنيف مكتبة الكونجرس: 1393 8 الف 2 ك /BP183/3

تصنيف ديوي: 297/342

رقم الإيداع: 3698114

فهرس الموضوعات

كتاب الغصب

وفيه أُمور:...33

أحدها: في حرمة الغصب كتاباً وسنّة وإجماعاً وترتّب الضمان عليه...33

اختلاف أهل اللغة والفقهاء في تفسير الغصب...34

في بيان ما يُفهم من تعاريفهم للغصب...35

ثانيها: المقبوض بالبيع الفاسد مغصوب مع العلم بفساده ومع الجهل داخل تحت ضمان اليد...40

ثالثها: حكم ما لو وقعت الأيدي على المغصوب دفعةً وكان الجميع بمنزلة غاصب واحد...41

رابعها: في أنَّه لا يضمن الحرّ ضمان يد ما لم تكن اليد سبباً لإتلافه أو مباشرة له...41

خامسها: في أنّ منفعة المملوك تابعة له في ضمان اليد وضمانها إلى حين التلف...43

سادسها: في أنَّه لا يملك المسلم الخمر والخنزير وكذا كلّ ما لا يملك...47

سابعها: في أنّ من أسباب الضمان الإتلاف مباشرة...48

ثامنها: في تعدّد السبب في التأثير والاستناد عرفاً...53

تاسعها: لو تصرّف المالك بشيءٍ من نارٍ أو ماء في ملكه...فسرى إلى ملك غيره فأتلفه....58

عاشرها: حكم ما لو وضع ما يضعف عن مقاومة السبع بل كلّ حيوان قتال...59

حادي عشرها: في أنّ المقبوض بالبيع الفاسد وبكل عقد فاسد مضمون...61

ثاني عشرها: وجوب ردّ المغصوب فوراً...62

ثالث عشرها: في حكم ما لو غصب شيئاً فعاب عند الغاصب...67

رابع عشرها: في أنَّه يضمن المثلي بمثله...69

تفسير الفقهاء للمثلي....71

حكم المشكوك بين القيميّ والمثليّ...72

خامس عشرها: حكم ما إذا تلف المثلي ولم يوجد مثله حين تلفه...74

سادس عشرها: فيما لو تلف القيمي ضمنه الغاصب بقيمته...77

سابع عشرها: في أن الذهب والفضة والنحاس والرصاص تضمن بمثلها إذا لم تكن مسكوكةً...80

ثامن عشرها : لو عاب المغصوب أو جني عليه ضمن الغاصب الأرش مع ردّ العين...82

تاسع عشرها : حكم ما لو استغرقت الجناية من الغاصب قيمة العبد المغصوب...83

العشرون: يضمن الغاصب ما يجنيه العبد وكلّ ما يطرد عليه من وصف منقص لقيمته...84

الحادي والعشرون: حكم ما لو ذهب المقدَّر من العبد بآفة سماوية وهو في يد الغاصب...86

الثاني والعشرون: حكم ما إذا تعذر عادةً على الغاصب تسليم المغصوب....87

الثالث والعشرون: يضمن الغاصب الهيئة الاجتماعية والهيئة التركيبية لو أنقصا قيمة المغصوب...92

الرابع والعشرون: حكم ما لو غصب مأكولاً فأطعمه المالك...94

الخامس والعشرون: حكم ما لو غصب فحلاً فأنزاه على الأُنثى...95

السادس والعشرون: حكم ما لو غصب زيتاً ومثله فغلاه فنقص وزنه...96

السابع والعشرون: حكم ما إذا غصب رطباً وكانت رطوبته لا تتموّل ولا تنقص قيمته بجفافه...97

الثامن والعشرون: فيما إذا كان المغصوب على صنعة وهيئة كانت مضمونة على الغاصب...97

التاسع والعشرون: حكم ما لو أزاد الغاصب بفعله عيناً كالصبغ....99

الثلاثون: لو خالط الغاصب مال المالك بماله أو بمال غيره مماثلاً له في النوع والوصف...100

كتاب المواريث

الأصل في نوع الإنسان خروج الملك عنه بعد موته...105

الباب الأول: في المقدّمات....108

وفيه مباحث :...108

الأوّل: في الوارث وأن الميراث إما بالنسب أو السبب...108

ثانيها: في بيان مراتب وطبقات ودرجات النسب...108

ثالثها: في أنّ الوارث منه مَنْ يرث بالفرض ومنه من يرث بالقرابة ومنه مَنْ يرث بالفرض مرة وبالقرابة أخرى...110

رابعها: في أن الميراث بالسبب الزوجيّة وولاء العتق وضمان الجريرة وولاء الإمامة...111

خامسها: في موانع الإرث :...112

أحدها: الكفر...112

ثانيها: القتل عمداً...118

وهنا مسائل:...120

المسألة الأولى: المقتول بحد أو قصاص أو دفاع يرثه قاتله وحكم المقتول عمداً وظلماً...120

المسألة الثانية: إذا لم يكن وارث سوى الإمام فليس له العفو عن القصاص والدية معاً...120

المسألة الثالثة: في أنَّه لا يرث أحد الزوجين القصاص....121

المسألة الرابعة في أن الدية في حكم مال المقتول...122

المسألة الخامسة: يجوز للوارث العفو عن القصاص وإن كان الدين زائداً على التركة...122

ثالثها من الحواجب الرقّ...123

فوائد:...124

الفائدة الأولى: في أن المبعض يورث على قدر حريته...124

الفائدة الثانية: في أنّ المبعض يرث على قدر حرّيّته...125

الفائدة الثالثة: فيما لو لم تف التركة بشراء المملوك كلّاً فهل يشترى البعض؟...127

الفائدة الرابعة : في أنَّه يفك جميع الوارث من الأقارب...127

الفائدة الخامسة : هل يجب على البائع الإخبار بمملوكه كي يشترى إذا لم يعلم به؟...129

الفائدة السادسة : حكم ما لو أعتق المدبَّر من الثلث وكان الوارث متعدداً....129

الفائدة السابعة: لزوم شراء المبعض إذا وفى النصيب بشراء بعضه الرقّ...129

رابعها: في أن اللعان حاجب عن الميراث بالنسبة إلى الملاعن...130

خامسها: في أن ولد الزنى لا يرث ولا يورث...130

سادسها: إذا خفيت آثار الغائب والمفقود وانقطعت أخباره لزم انتظاره...131

سابعها: في أنّ الحمل لا يملك ميراثاً ولا غيره ولا يملكه الولي مالاً...134

ثامنها: فى أنّ الغائب والمفقود يرث...135

تاسعها: في أنّ دَيْن الميّت بعد موته يتعلّق بتركته ويؤخذ منها...136

عاشرها: في الحجب وأنواعه وأحكامه...140

حادي عشرها: في حجب الإخوة الأمّ عما زاد على السدس بشروط:...142

أحدها: أن يكون الإخوة اثنين فما فوق ذلك...142

الثاني: أن يكون الإخوة حيّين..142

الثالث: أن يكونا منفصلين...142

الرابع: حياة الأب...142

الخامس: العلم بتقدّم موت الولد على الإخوة فيما لو ماتوا جميعاً فاشتبه اللاحق بالسابق...143

السادس: كونهما مسلمين...143

السابع: كونهما حرّين...143

الثامن: كونهما حلالاً...143

التاسع: كونه غير قاتل عمداً...143

العاشر: كونهما لأب أو لأب وأُم...143

الحادي عشر: أن تباين الأمّ أحد النساء...143

سادسها: في أن السهام المفروضة في الكتاب ستة...143

سابعها: بطلان التعصيب والعول عند الإماميّة والأخذ بهما سحت إن كان الآخذ والمأخوذ منه مؤمنين...145

ثامنها: فيما لو أبقت الفريضة شيئاً وكان مساوياً ولا فرض له فالفاضل له بالقرابة...146

تاسعها: في أن العول لا يكون إلا بمزاحمة الزوج أو الزوجة...147

الباب الثاني: في المقاصد...150

وهي أُمور:...150

الأمر الأوّل: في ميراث الأنساب...150

وفيه مباحث:...150

المبحث الأول: في أنّ أوّل مراتب الأنساب: الأبوان والأولاد وبيان ميراثهم...150

الثاني: أولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم مع فقدهم ويترتبون...152

الثالث: في الحبوة وأحكامها...155

في ذكر أُمور تتعلق بالحبوة...156

هل الحبوة على الوجوب أو على الاستحباب ؟...156

تعيين المحبو به في ثياب البدن والسيف والمصحف والخاتم...157

هل المحبوّ به مخصوص بأعيان التركة؟ فتُعطى العين ويرجع عليه بالقيمة...160

اختصاص الحبوة بتركة الأب النسبي دون الأمّ والجد...161

بيان المراد بالولد الأكبر...161

هل يشترط في الولد الأكبر الإيمان وعدم فساد العقيدة؟...162

هل يشترط وجود غير الحبوة للوارث وإن قل؟...163

هل يشترط عدم الدَّيْن المستغرق ؟...163

اشتراط عدم الوصيّة...163

المبحث الثاني من مراتب الأنساب الإخوة والأجداد...165

حكم ما لو اجتمع المتقرّب بالأبوين مع المتقرّب بالأُمّ...165

حكم ما لو اجتمع الإخوة المتفرّقون...167

حكم ما لو اجتمع قرابة الأمّ مع قرابة الأب مع استوائهم في الدرج...168

حكم ما إذا اجتمع الإخوة مع الأجداد...168

حكم ما لو اجتمع جدّ وجدة للأم وأخ وأخت لها وجد وجدة للأب وأب وأُخت له...169

حكم ما لو اجتمع جدّ أو جدّة للأُم مع الأجداد والإخوة المتعددين من طرف الأب...170

حكم ما لو اجتمع جدّة للأُمّ وجد لأب وأخ لأب...170

حكم ما لو اجتمع أخ أو أخت لأم مع الجدة أو الجدة أو معهما للأب...170

حكم ما لو خلف الجدّ أو الجدة من الأمّ مع الإخوة للأُمّ وجداً وجدةً...170

الأقرب من الأجداد يمنع الأبعد...170

بیان مراتب الأجداد وأحكامها...171

فوائد :...174

الفائدة الأولى: الجدّ القريب يمنع الجدّ البعيد...174

الفائدة الثانية: هل ينزل الجدّ منزلة الأخ في الفرض والردّ عند اختلافهما ؟...174

الفائدة الثالثة: يمنع الجدّ من الأبوين الجدّ من الأب وحده دون الجدّ من الأُمّ...175

الفائدة الرابعة: في أنّه لا يرث الجدّ مع الأبوين شيئاً...175

والكلام في أمور:...176

منها: أن الطعمة لا تخص الأب لأبويه بل تشمل الأمّ لأبويها...176

ومنها : أن الاستحباب يخص كلّاً من الوالدين بالنسبة إلى أبويه...176

ومنها: أن الطعمة لا تخص المكلفين من الأب والأُمّ...176

ومنها: أنّ حدّ الطعمة السدس لا تزيد عليه...176

ومنها: أنّه تختص الطعمة بالأبوين...176

ومنها: أن المطعم الأبوان...176

ومنها: أن المراد بالسدس سدس الأصل لا سدس ما ورثه الأبوان...176

ومنها: اشتراط زيادة نصيب كلّ من الأبوين على السدس...176

ومنها: أنَّه في بنات بنت وجد للجدّ السدس والباقي لبنات البنت...177

الفائدة الخامسة: في حكم ما لو خلّف ابن أخ وبنت لذلك الأخ من الأب ومثلهما من أُخت له وكذا من أخ لأم وكذا من أُخت لأُمّ مع الأجداد الثمانية...177

المبحث الثالث من مراتب الأنساب: الأعمام والأخوال...178

وتفصيل الحال يتوقف على بيان أُمور:...179

أحدها: في أن الأعمام المتقرّب ين للميّت بأبيه أو بأبيه وأُمه يقتسمون المال بينهم عند اجتماع الذكر والأنثى بالتفاوت...179

ثانيها: في المتقرّب بالأبوين من الأعمام يحجب المتقرّب بالأب فقط...179

ثالثها: الأقرب أنَّه لا يرث ابن عم مع عم أو خال ولا ابن خال مع عمّ أو خال...180

أقوال الأصحاب في حكم اجتماع الخال مع ابن العم...181

رابعها: صور ميراث الأعمام والأخوال:...182

إحداها : انفراد العمّ وحده أو العمّة كذلك...182

الثانية: تعدّد الذكور فقط أو الإناث كذلك...182

الثالثة: يتعدّدون كذلك ولكن من وصلتين...182

الرابعة: يختلفون بالذكورة والأنوثة...182

الخامسة: انفراد الخال أو الخالة...183

السادسة: تعدّد الأخوال أو الخالات والوصلة واحدة...183

السابعة: تعدّدهم واختلافهم بالذكورة والأنوثة والوصلة واحدة...183

الثامنة: تعدّدهم مع الاتفاق بالذكورة والأنوثة ولكن مع اختلاف الوصلة...183

التاسعة: تعدّدهم مع الاختلاف بالوصلة والذكورة والأنوثة. العاشرة: اجتماع الأعمام والأخوال...183

الحادية عشر : اجتماع الزوج مع الأخوال المتحدين بالوصلة...183

الثانية عشر : اجتماعهم مع الزوج مع الاختلاف في الوصلة...183

الثالثة عشر : اجتماع الزوج مع الأعمام المتحدين في الوصلة...184

الرابعة عشر : اجتماع الزوج مع الأعمام المختلفين في الوصلة...184

الخامسة عشر : اجتماع الزوج مع الأعمام والأخوال المتحدين في الوصلة...184

خامسها: قيام أبناء الأعمام والأخوال مقامهم...185

سادسها: لو فقد أعمام الميّت وأخواله وأولادهم قام مقامهم أعمام أبيه وأخواله وأعمام أُمه وأخوالها...185

سابعها: في أنَّه قد يجتمع للوارث سببان في الإرث وهما قد يمنع أحدهما الآخر وقد لا يمنع...187

الأمر الثاني : في ميراث الأزواج...187

وفيه مباحث :...187

المبحث الأول: في أن الزوج مع الولد ذكراً أو أننى له الربع...187

المبحث الثاني: في أنّ المطلقة الرجعية ترث وتورث...188

المبحث الثالث: في أنّ الزوج يرث من جميع ما تخلف له المرأة...190

وهنا أمور:...191

أحدها: هل الحكم خاصّ بغير ذات الولد أو يشتمل ذات الولد وغيرها؟...191

ثانيها: فيما قيل من أن الزوجة كالرجل ترث من كلّ شيء...192

ثالثها: في تعيين ماتحرم الزوجة منه عيناً وقيمةٌ...193

رابعها: في تعيين ماترث الزوجة منه قيمةً...194

هل ترث الزوجة من المياه الجارية أو الواقفة؟...195

خامسها: ترث الزوجة من المنقولات المعدة للنقل...196

سادسها: في أن دفع القيمة من الوارث عزيمة عليه...196

سابعها اعتبار القيمة عند موت الزوج...196

ثامنها: النماء تابع للأصل فهو للوارث...196

تاسعها: فيما لو باع الورثة العين مضى البيع إلا أن استقراره موقوف على دفع القيمة للزوجة...197

عاشرها: عدم تعلّق القيمة بذمة الوارث ابتداء ما لم يفرّط...197

حادي عشرها: حكم ما لو تعدّدت الزوجات...197

ثاني عشرها: طريق التقويم عند أخذ الزوجة القيمة...197

ثالث عشرها: توزيع الكفن والدين على مجموع التركة...198

رابع عشرها: في أنَّه يدخل في الدور وآلاتها بيوت القصب والخشب...198

خامس عشرها: في أنَّه لا يدخل في الآلات قدر الحمام، ولا الدولاب...198

المبحث الرابع: في تزويج الولي الإجباري الصبي أو الصبية وتوارث الزوجين...199

الأمر الثالث: في ميراث ولاء المنعم...200

وفيه أمور:...200

أحدها: في بيان شروط إرث المعتق بالولاء...200

ثانيها: في بيان المراد من أن الولاء لحمة كلحمة النسب...205

ثالثها: عدم صحة بيع الولاء...205

رابعها: في أن الولاء يورث به ولا يورث...206

خامسها: في أن الولاء يسري إلى أولاد المعتق وأحفاده ومعتق معتقه...207

سادسها : حكم ما إذا فُقد المنعم...208

سابعها: في انتقال الولاء من مولى الأمّ إلى مولى الأب...209

ثامنها: في أنَّه يشارك الأولاد الأبوان في ميراث العتيق...210

تاسعها: فيما إذا كان المنعم امرأةٌ وفُقدت كان الولاء لعصبتها...211

عاشرها: في عدم دخول الأب ولا الأولاد الذكور في العصبة...212

حادي عشرها: فيما لو فُقد المولى وأقاربه انتقل الولاء إلى مولى المولى وأقاربه وهكذا...213

ثاني عشرها: في أنّ من أحكام ولاء العتق الجرّ. ثالث عشرها فيما لو أُعتق ولد المعتقة من مملوك عبد فولاء العبد لمعتقه...216

رابع عشرها: حكم ما لو اشترت المرأة أباها فانعتق عليها ثمّ أعتق الأب عبده الذي ملكه بعد الانعتقاق ثمّ مات العبد بعد موت الأب...216

خامس عشرها: حكم ما لو اشترت بنتا المعتقة أباهما ثمّ مات الأب...217

سادس عشرها: فيما لو أولد مملوك من معتقه ابناً فولاؤه وولاء إخوته منها لمولى أمه...218

سابع عشرها: حكم ما لو أعتق الأب وأحد ولديه مملوكهما المشترك بينهما ثمّ مات العبد بعد موت الأب...218

ثامن عشرها: فيما لو اعترف المعتق بولده من المعتقة بعد لعانه لم يرثه الأب ولا المنعم عليه...218

تاسع عشرها: اشتراط كون الأب أباً شرعياً في جرّ الولاء...218

الأمر الرابع: في ولاء ضمان الجريرة...219

وفيه أمور:...219

أحدها: فيما لو ضمن جريرة غيره وجنايته كان له ولاؤه وميراثه...219

ثانيها: عقد ضمان الجريرة عقد لازم من الطرفين...220

ثالثها: صحة وقوع العقد من الطرفين...220

رابعها: في أنَّه يشترط في صحته عدم وجود وارث سببي أو منعم للمضمون له....221

خامسها: جواز تولي المسلم المسلم والكافر الكافر...221

سادسها: حكم جريان الإقالة وخيار الشرط في عقد ضمان الجريرة...221

سابعها: في أنّ الإشهاد مندوب في هذا العقد...221

ثامنها: في كفاية ما يدلّ على ضمان الجريرة والحدث بكل لفظ...221

الأمر الخامس: في ولاء الإمام...222

فيما إذا عدم ضامن الجريرة فالولاء للإمام...222

الأمر السادس: في ميراث الخنثى...225

تعريف الخنثى...225

وهنا أمور:...227

أحدها: حكم ما لو تساويا الفرجان في البول أخذاً وانقطاعاً...227

ثانيها: حكم ما لو تساوى البول من كل وجه...228

ثالثها: وجوب الاستعلام عند الاحتياج إليه...228

رابعها: حكم ما لو لم يمكن الاستعلام لفقد العلائم...228

خامسها: في بيان طرق معرفة ميراث الخنثى بعد اختيار أن لها نصف النصيبين:...230

أحدها: طريق التحقيق...230

ثانيها: طريق التنزيل...230

ثالثها: التوريث بالدعوى...232

رابعها: تقسيم التركة على نصفين...323

سادسها: في أنّ فاقد الفرجين يورث بالقرعة...234

سابعها: في بيان علامة أنّ ذا الرأسين والبدنين على حقو واحد اثنان أو واحد...235

والكلام فيه في أمور:...235

منها: أن هذه العلامة هل تخص الميراث؟...235

ومنها: أنَّه بعد البناء على الاثنينية وأنّ له قلبين لا ينافي قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللّه لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوفِهِ)...236

ومنها: أن اشتراكهما في الأسافل هل هو على حدّ شركة المال؟...236

ومنها : أنَّه لو اختصّ أحدهما بالحدث اختصت أعاليه بالحدث...237

القول في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم...238

بیان مقتضى قواعد الإرث...238

فيما لو لم يعلم تقدّم موت الوارث أو الموروث يرث كلا منهما وارث غير هذا المشتبه موته معه...238

في بيان ما اشترط في توريث الغرقى والمهدوم عليهم بعضهم من بعض من أُمور:...240

أحدها: توارثهما مشروط بعدم تقدّم وارث آخر عليه...240

ثانيها: أن يكون لهما أو لأحدهما مال...240

ثالثها: أن لا يعلم تقدّم أحدهما على الآخر أو تقارنهما...241

الأمر السابع: في ميراث المجوس وغيرهم من الكفار...243

مساواة حكم المسلمين والكفّار...243

الباب الثالث: في طريق قسمة السهام...248

في بيان مخارج القسمة وهي خمسة...248

الخاتمة: في المناسخات...253

حكم ما إذا مات أحد الوراث قبل القسمة...253

حكم ما لو اختلف الاستحقاق واتحد الوارث...253

حكم ما لو اختلف الوارث دون جهة الاستحقاق...253

كتاب القضاء

مقدمة كتاب السلاح الماضي في أحكام القاضي...257

تعريف القضاء لغةً و عرفاً و شرعاً...261

والكلام في القضاء يقع في أُمور:...262

أحدها في بيان وظائف الحاكم الشرعي...262

ثانيها: جواز الرجوع في الحكم والفتوى والحقوق والولايات إلى المفضول مع وجود الفاضل...268

ثالثها: في أنّ للفاضل أن ينفّذ حكم المفضول و إن اعتقد خلافه...269

رابعها: في أنّه لابد في القضاء من النصب عموماً أو خصوصاً من اللّه تعالى أو...269

خامسها: في أنّ المجتهد المطلق منصوب نصباً عاماً فهو بمنزلة الوليّ المتصرّف...271

سادسها: في أنَّه لا يشترط في الإفتاء سوى الاجتهاد و استفراغ الوسع من المجتهد لتحصيل الظن بالحكم الشرعي...272

سابعها: حكم ما إذا اختلف المتداعيان في الرجوع إلى أي المجتهدين...274

ثامنها : حكم ما لو رجع المتداعيان إلى غير المجتهد...274

تاسعها: منصوب المجتهد للولاية على الأيتام والأوقاف والغياب ينعزل بموته وجنونه...275

عاشرها: في أن ولاية الحاكم عامة لكلّ ما للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولاية فيه...275

حادى عشرها : فيما إذا كان الحاكم غير عدل فهل له تولي القضاء والغياب العامة والفتوى؟...277

ثاني عشرها: في أنّ حكم المجتهد يمضي على مقلّدته في كلّي ذلك الحكم...277

ثالث عشرها: في أن للمجتهد أن يحكم بحكم مجتهد آخر...278

مسائل:...278

المسألة الأولى: في أن القاضي يحكم بعلمه في الجملة...278

إنما الكلام في تفصيل هذه الجملة فهنا مقامان:...278

المقام الأوّل: في بيان علم الإمام وهل هو عالم بكل شيء فعلاً أم لا؟...278

المقام الثاني: في أنَّه لا يجب على الحاكم الثاني تتبع أحكام الأول...286

المسألة الثانية: في تعريف العدالة...289

المسألة الثالثه: في أن ملكة العدالة تتجزأ فتكون متعلقة ببعض الكبائر دون بعض...290

المسألة الرابعة: الأظهر ثبوت العدالة والفسق مطلقين وعدم احتياجه إلى التفصيل من المعدل...296

المسألة الخامسة : حكم ما لو تعارضت شهادة التزكية والجرح في تعديل أو تفسيق...297

المسألة السادسة: في تفسير الرشوة وحرمتها...298

القول في التداعي مع الحاكم...301

وفيه أمور:...301

أحدها: في أن الحاكم كغيره في غير الحكومة مدعياً ومنكراً...301

وهنا مقدمات:...301

إحداها : حكم الحاكم لا يمضي فيما يعود إلى نفسه...301

الثانية: الأصل في الحكم بعد صدوره صحته...301

الثالثة: للمحكوم عليه له أن يدّعي المحكوم له وله أن يدعي الحاكم...302

الرابعة: لو ادعى المحكوم عليه فساد الحكم بما لا يجري فيه الأصل والظاهر...302

ثانيها: في سماع الدعوى بالمجهول...303

ثالثها: لا يسمع الحاكم دعوى المدّعي لو أبرزها بصورة «أتوهّم» و «أتخيل» و «أشك»...305

رابعها : في أنَّه يلزم المنكر بالجواب إما بالإقرار أو الإنكار...306

خامسها : حكم ما إذا أقر المدّعى عليه بعين...307

سادسها: حكم ما إذا أنكر المدّعى عليه...310

سابعها: للمنكر أن يردّ اليمين على المدّعى...312

ثامنها: سقوط ردّ اليمين على الوصيّ والولي الإجباري والحاكم...314

تاسعها: حكم ما لو امتنع المنكر عن اليمين و عن ردّها لا عن عذرٍ أو عن عذرٍ معلوم...317

عاشرها: في بيان مقتضى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»...323

حادي عشرها : حكم ما إذا قامت البيّنة العادلة عند الحاكم...323

ثاني عشرها: حكم ما لو ادعى مدع على ميت ديناً وكان أصيلاً أو ولياً أو وصيّاً...324

ثالث عشرها: الحاكم يقضي على الغائب و يفي غريمه من ماله...329

رابع عشرها: حكم ما لو سكت المنكر فلم يُجب...329

خامس عشرها: في أنّ الغائب يقضى عليه مطلقاً حضر وكيله أم لا...331

سادس عشرها: في أن يمين المنكر و...لا تكون إلا بالله تعالى...335

سابع عشرها: حكم ما لو علم الحاكم إرادة معنى آخر من لفظ الجلالة أو لم يعلم...336

ثامن عشرها: فيما جوّزه الشيخ من تحليف الذمي...بما هو محترم عنده غير اللّه...337

تاسع عشرها : الحلف بغير اللّه حتّى بنفس الاسم بقصد الالتزام به تشريع وحرام...338

العشرون: في عدم جواز تحليف من يعتقد إلهيّة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو إلهية غيره بما اعتقده...339

الحادي والعشرون: في كراهة اليمين بالله صدقاً وبحرمته كذباً...339

الثاني والعشرون: في كراهة القسم بغير المحترم...340

الثالث والعشرون: التمتام والفأفاء و الألغ و الأليغ يقسمون بما يتمكنون منه...340

الرابع والعشرون: حكم ما لو كان التغليظ في زمان أو مكان أراد المدّعي تحليفه فيه...341

الخامس والعشرون: يلزم على الحالف الحلف على ما يقطع به وأن يكون مخاطباً غيره...341

السادس والعشرون: في أنّه يحلف المدّعي على البت ابتداء وبعد الردّ عليه من الحاكم أو المنكر...344

السابع والعشرون: لو ادعى المدّعي أمراً فجواب المنكر إما عام أو خاصّ أو مساءٍ وبيان أحكامها...345

الثامن والعشرون: في أنَّه يثبت باليمين المردودة أو بالنكول كلّ ما يثبت بشاهدين أو بشاهد ويمين...347

التاسع والعشرون: عدم جواز حلف يمين واحدة عن دعاوي متعدّدة...348

الثلاثون: في حكم ما إذا ادعى مدع على الوصي مالاً...348

الواحد والثلاثون: في حكم ما لو ادعى على العبد...349

الثاني والثلاثون: في أنّه لا يمين في حد...351

الثالث والثلاثون: في حكم ما لو كان عنده بيّنة أو جزء بيّنة فأعرض عنها فطلب يمين المنكر...354

الرابع والثلاثون: في أن الأصل في ثبوت حقّ المدّعي البيّنة...354

في بيان أُمور خارجة عن الأصل المشار إليه...354

الخامس والثلاثون: في أنَّه يعتبر في اليمين نية المحلف من الحاكم أو المدّعي...359

السادس والثلاثون: في حكم ما لو ادعى الوصي أو الحاكم فيمن لا وارث له أو الوارث بدَيْنٍ على رجل علماً أو تهمةً...359

السابع و الثلاثون: في أنّ تركة الميّت مع الدين المستغرق أو ما قابل الدين من تركته في غير المستغرق تبقى على حكم مال الميّت إلى أن يوفّى منها دينه...360

الثامن والثلاثون: في حكم ما لو علم المدّعي عين ماله عند المدّعى عليه...364

التاسع والثلاثون: في أنّ كلّ ما تعلقت به دعوى مسلم من دون معارض فهو له من غير بيّنة ولا يمين...365

الأربعون: في حكم كلّ ما وقع بالبحر من سفينة أو من شخص...366

القول فى الشاهد و اليمين...367

والكلام في أُمور:...367

أحدها: في قضاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالشاهد العدل و اليمين من صاحب الحق...367

ثانيها: في أنَّه لا يثبت بالشاهد واليمين ما كان من حقوق اللّه من الحدّ وغيره...369

ثالثها: اشتراط تقديم شهادة الشاهد قبل اليمين وإقامتها وكذا تعديله...372

رابعها : في أنَّه لا يحلف المدّعي مع الشاهد ليثبت مالاً لغيره...372

خامسها: حكم ما إذا ادعى جماعة مالاً قد اتجد سبب دعواهم به فأقاموا شاهداً على أصل ذلك...373

سادسها: حكم ما لو ادعى جماعة فحَلَفَ بعض ونكل آخر بعد توجه اليمين عليه...373

فيما يتعلق بما لو ادعى الحاكم وقفاً عاماً أو غيره من أهل الجهة الموقوف عليها...374

سابعها : في أنّ كلّ ما يثبت بشاهد ويمين يثبت بامرأتين ويمين الخصم...375

ثامنها: في بيان فوائد:...376

الأولى: لو ادّعى بعض الورثة الوقف من مورّثهم ثمّ من بعدهم على نسلهم...376

الثانية: فيما يتعلّق بما لو ادّعى الوقف عليه وعلى أولاده...376

الثالثة: حكم ما لو ادعى ثلاث بنين تشريك وقف بينهم و بين البطون فحلفوا ثمّ صار لأحدهم ولد...377

الرابعة : حكم ما لو ادعى البطن الأوّل الوقف على الترتيب وحلفوا مع شاهدهم فقال البطن الثاني بعد وجودهم: إنَّه وقف تشريك...378

الخامسة: حكم ما لو ادعى البطن الأوّل الوقف مرتباً ونكلوا عن اليمين مع شاهدهم فوجد البطن الثاني...378

تاسعها: فيما لو كان مورد الدعوى نفياً وإثباتاً مالاً يثبت بالشاهد و اليمين...379

عاشرها: حكم ما لو حلف بعض المدّعين مع شاهدهم ونكل الآخرون...381

حادي عشرها: يجوز لصاحب الحق أن يحلف لإثبات حقه و إن كان المال لغيره...381

ثاني عشرها: لو ادعى على شخص بيده جارية وولد، أن الجارية ملكه وأُمّ ولده هذا فهو ولده وهو حُرّ...382

ثالث عشرها: في أن الناكل عن اليمين مع الشاهد له إعادة اليمين...383

رابع عشرها: إذا حلفت الطبقة الأولى فهل يكفي عن يمين الثانية؟...384

خامس عشرها: فيما لو نكلت الطبقة الأولى كان الوقف ميراثاً يقضى منه الوصايا والديون...384

سادس عشرها: حكم ما لو حلف بعض ونكل بعض آخر...385

سابع عشرها: حكم ما لو ادعى ثلاثة أو أكثر أو أقل من أهل الإرث أو من غيرهم وقفاًتشريكيّاً عليهم وعلى أولاد غيرهم فحلف المدّعون يميناً...386

ثامن عشرها: في أنّه يجوز للقاضي أن ينفذ حكم قاض آخر ويمضيه...388

تاسع عشرها: يلزم في شهادة الشاهدين أن يشهدا على الحكم لا على الثبوت...390

العشرون: للمشهود عليه بحق أن يمتنع من وفائه حتّى يشهد على قبضه...391

الحادي والعشرون: ينفّذ الحاكم حكم حاكم آخر في حال حياته وبعد موته وبعد جنونه وبعد جهله لو صدر الحكم منه جامعاً للشرائط...392

القول في القسمة...393

في أن القسمة ليست ببيع و لا من أحد المعاوضات مطلقاً...393

والكلام في القسمة يقع في مواضع :...396

أحدها: في أنَّه لا أُجرة للقاسم إذا كان متبرّعاً...396

ثانيها: في أنّه لا يقسم ما في الذمم لو كان الدين لشركاء متعددين على غرماء متعدّدين...399

ثالثها: عدم جواز قسمة كلّ ما يحصل بقسمته ضرر على جميع الشركاء...400

رابعها: في أن المثلي يقسم قسمة إجبار مطلقاً...401

خامسها: في بيان الضرر المانع من القسمة...404

وهنا أمور:...405

أحدها: فيما لو ظهر بالقسمة غلط في الزيادة في أحد النصيبين بطلت القسمة...405

ثانيها: في أن الأصل لزوم القسمة...406

ثالثها: لو كان بين الشريكين أرض و زرع فطلب أحدهما قسمة الأرض فقط...408

رابعها: حكم ما لو اقتسما وظهر دين على الميت...408

خامسها: حكم ما لو اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقاً...408

سادسها: في بيان قسمة الحصص إن تساوت قدراً وقيمة...409

سابعها: في أنّ القرعة هي كلّ أمر يستكشف به الأمر المبهم...412

القول في أحكام المدّعي والمنكر...413

وفيه أُمور:...413

أحدها في بيان المدّعي وتعريف الدعوى والمدّعي...413

ثانيها: في أنّ المدّعي عرفاً هو من نسب إليه شيئاً من شأنه أن ينكر ويطالب بإثباته...416

ثالثها: في أنَّه يشترط في المدّعي والمنكر العقل والبلوغ...419

رابعها: حكم ما لو ادّعى المنكر أو المدّعي فسق الحاكم أو جنونه أو...420

فائدة: لو ادّعى أحد الخصمين على الآخر الإقرار بالحق...422

خامسها: في أنّ الدعوى بمنزلة الإقرار...424

سادسها: يشترط في الدعوى إبرازها بصورة أنَّها ملزمة للمدعى عليه بالحق...424

القول في التوصل إلى الحق...426

وفيه أُمور:...426

أحدها: فيما لو كان الحق عقوبة وقف على إذن الحاكم...426

ثانيها: في جواز المقاصة من كلّ شيء...429

ثالثها: فيما ورد من النهي عن المقاصة من كل أمانة...430

رابعها: فيما ورد من أنَّه لو انكسرت سفينة في البحر فما أخرج البحر فهو لأهله...432

القول في دعاوي الأملاك...435

وفيه أُمور:...435

أحدها: حكم ما لو تداعيا فيما بأيديهما...435

ثانيها: حكم ما إذا تعارضت البينات ولا يمكن التوفيق بينهما...439

ثالثها: حكم ما إذا تعارضت البينتان والمال بأيديهما...440

رابعها :حكم ما لو كانت العين في يد واحد منهما...442

خامسها: حكم ما لو قيدت بيّنة الداخل في السبب أو بلازمه أو بملزومه أو بلوازم التصرف... 446

سادسها: حكم ما لو كانت العين في يد ثالث ولم يقرّ بها لأحدهما...449

تذنيب: تحقق التعارض بين الشاهدين والشاهدان ذكوراً أو إناثاً...453

سابعها: حكم ما لو تداعيا ما لا يقبل القسمة وكانا خارجين...454

ثامنها: في أنّ البيّنة المشتملة على قدم الملك يرجح على المشتملة على الملك...455

تاسعها: مورد هذا المرجح في الخارجين قطعاً وفي غيره...456

عاشرها: لو شهدت بيّنة الملك به في مقام التعارض وفي غيره بمطلق الملك أو قيدته...457

حادي عشرها في بيان أسباب الترجيح...460

مسائل:...461

الأولى في أنّ البيّنة مثبتة للملك من حين أدائها على نحوما أدته...461

الثانية: في أن شهادة البيّنة بالسبب لا تضر مع إطلاق الدعوى...463

الثالثة: لو تداعيا على عقد أو إيقاع أو حكم من الأحكام أنَّه صحيح أو فاسد...463

الرابعة: عدم قبول الشهادة بالملكية بمجرّد الشهادة بسبب لا يوجب الملك...464

الخامسة: في أنّ اليد الحالية المقطوع بها تقطعها شهادة الملك مطلقاً أو مقروناً بالسبب...465

السادسة: حكم ما إذا إدعى شيئاً بيد غيره فقال: هو لفلان...466

السابعة: حكم ما لو إدعاه بألف فقال: أبرأتني منها...469

الثامنة: حكم ما لو انتزع أمة بحجةٍ فأحبلها ثمّ اعترف ببطلان دعواه...469

التاسعة: عدم قبول إقرار العبد فيما يوجب القصاص...470

العاشرة: صحة الدعوى فى الدين والمهر والسلم المؤجلة...471

الحادية عشرة: حكم ما لو ادعيا دابَّةٌ في يد آخر فادّعى واحد أنَّه أجرها له وادعى آخر أنّها وديعة عنده منه...471

القول في دعاوي العقود...472

وفيه أمور:...472

أحدها: حكم ما لو تداعى الموجر و المستأجر في قدر الأجرة زيادة ونقصاناً مع اتفاق جنسها...472

ثانيها: حكم ما إذا تداعى اثنان في عين بيد ثالث فادّعى كل منهما أنَّه اشتراها منه وأقبضه ثمنها ولا بيّنة...474

ثالثها: حكم ما إذا تداعيا على عين بيد ثالث...476

رابعها: حكم ما إذا تداعى اثنان في عين فادعى كلُّ منهما أنَّه اشتراها من واحد كان يملكها ودفع له الثمن وذكر كلّ واحدٍ منهما أنّ البائع له غير مَنْ باعه للآخر...477

خامسها: حكم ما لو تداعى مالك العين و ذو اليد فقال المالك: أعرتكها وقال ذو اليد: استأجرتها منك...477

سادسها: حكم ما لو ادعى عبداً في يد سيّده بأنه اشتراه منه وادّعى العبد أن سيّده أعتقه...478

مسائل:...480

الأولى: حكم ما لو تداعيا جداراً بينهما أو ذبيحة...480

الثانية : حكم ما إذا أقام رجل بيّنة على ما في يد آخر فانتزعه منه فظفر الآخر على بيّنة أنَّه له...480

الثالثة: حكم ما إذا تداعى الزوجان على دار خارجة عنهما أو في يديهما أو في يد واحدٍ منهما...481

الرابعة: فيما لو اجتمعت يدان اتبع في الحكم لأحدهما قوة اليد...488

الخامسة: حكم ما لو ادعى صغيراً أنّه مملوكه وكان تحت يده ولا يُعرف له نسب ولا معارض له...489

السادسة: حكم ما لو تداعيا داراً أو غيرها وكانت تحت أيديهما فادعى أحدهما الكل والآخر نصفها...489

السابعة: حكم ما لو تنازع ثلاثة في عين تحت أيديهما فادعى أحدهم الكل والآخر النصف والآخر الثلث ولا بيّنة...491

الثامنة: حكم ما لو تنازع أربعة في عين كانت تحت أيديهم فادعى أحدهم الكل والآخر الثلثين والثالث النصف والرابع الثلث ولا بيّنة...494

مسألتان في النسب:...497

إحداهما : في حكم ما لو تنازع اثنان في ولد كبير أو صغير...497

ثانيتهما: في حكم ما إذا وطئ اثنان امرأةٌ في طهر واحد لشبهة فأتت بولدها...497

مسائل في المواريث:...500

الأولى: لو اتفق وارثان متساويان في الطبقة على تقدّم إسلام أحدهما و اختلفا في الآخر...500

الثانية: لو ادعت الزوجة على الزوج بعد موته عيناً أنَّها صداقها فأنكرها الوارث...501

الثالثة : لو ماتت امرأة وولدها فقال زوجها ماتت بعد الولد ليرث المال وقال أخوها قبله ليرثها مع الزوج...502

الرابعة: لو تنازعا عبدان كلُّ منهما يقول: أعتقني سيدي في المرض وكان الثلث لا يسع إلا عتق واحدٍ...502

الخامسة: حكم ما لو شهدت بيّنة على أنَّه أوصى بعتق سالم وشهد اثنان من الورثة على رجوعه وعتق غيره معيّناً...503

السادسة: لو قامت بيّنة لزيدٍ أنّه قد أوصى له عمر و بسدس ماله وشهدت أُخرى بأنه أوصى لبكر بسدس ماله وشهدت ثالثة بأنه قد رجع عن أحدهما...503

السابعة: لو قامت بيّنة أنّه أوصى لزيد بكذا فشهد الوارثان أنَّه رجع...504

الثامنة : لو ادعى عيناً في يد غيره أنَّها له ولأخيه الغائب وأقام بيّنة...504

كتاب الشهادات

تعريف الشهادة لغةً وشرعاً...509

وهنا أُمور:...511

أحدها: عدم قبول شهادة الصبي غير المميز والمجنون حال جنونه...511

ثانيها: عدم قبول شهادة غير الضابط كالخبل والمؤوف وشديد النسيان...516

ثالثها: في أنّ الإيمان بمعناه الخاصّ هو الإقرار بالاثني عشر (عَلَيهِم السَّلَامُ) واشتراط العدالة في الشهادة...517

رابعها: من شرائط قبول الشهادة: الإسلام...520

خامسها: في حكم شهادة الكفّار على بعضهم بعضاً لبعض أو للمسلمين...523

سادسها: في بيان ما دلّ على اشتراط العدالة في الشهادة من الكتاب والسنّة...525

وهنا أُمور:...530

أحدها: فيما إذا أدّت عقائد المخالف إلى الكفر ردّت شهادته...530

ثانيها: في أن القذف كبيرة من فاعله ومن شاهده ما لم يكونوا أربعة أو...531

ثالثها: في ردّ شهادة اللاعب بآلات القمار مع العلم بتحريمها...535

رابعها: في ردّ شهادة شارب المسكر و لو مرّةً لغير ضرورة أو جهل...535

خامسها: في فسق فاعل الغناء...535

سادسها: في حرمة الهجاء لمؤمن خاصّ أو لصنف من المؤمنين في شعر أو غيره...536

سابعها: في فسق ضارب العود و الصنج و الزمر و القصب و الطبل والدفّ...536

ثامنها : في حرمة لبس الحرير الخالص وفسق فاعله عند الإصرار...537

تاسعها: في حرمة الحسد، وهو تمنّي زوال النعمة عن الغير...537

عاشرها في أن اللعب بالحمام و القمار به كبيرة يفسق فاعله...537

سابعها: اشتراط طهارة المولد في الشهادة...538

ثامنها : العدالة قبل ثبوتها مفتقرة إلى خلطة وصحبة يُعرف بهما ثبوت الملكة...538

في بيان ذنوب يقضي الاحتياط بعدم الحكم بعدالة فاعل أكثرها...539

تاسعها: يشترط في قبول الشهادة أن لا يجر الشاهد نفعاً بشهادته...546

وهنا مسائل:...548

منها: قبول شهادة الشريك لشريكه الغير المقرّ بشركته...548

ومنها: عدم قبول شهادة غريم المفلس للمحجور عليه بمال...550

ومنها: عدم قبول شهادة الوصي والوكيل فيما كانا وصيّاً ووكيلاً فيه...550

ومنها: عدم قبول شهادة السيد لعبده بمال أو جناية خطأ...552

ومنها: عدم قبول شهادة من يدفع بشهادته ضرراً عن نفسه...552

ومنها: ردّ شهادة الوارث بجرح الموروث...553

ومنها: عدم قبول شهادة العدوّ على عدوّه وإن قبلت له...553

ومنها: ردّ شهادة الرفقاء بعضاً لبعض على اللصوص أو على القاطع عليهم الطريق...554

ومنها: قبول شهادة الصديق لصديقه والزوج لزوجته وبالعكس...555

ومنها: قبول شهادة الأرحام بعضهم لبعض...556

ومنها: قبول شهادة الضيف لمضيفه وكذا العكس...558

ويلحق في هذا الباب مسائل:...559

الأولى: في عدم قبول شهادة السائل بكفّه...559

الثانية: كلّ مَنْ تحمّل الشهادة غير قابل لقبولها منه ثمّ عاد قابلاً قبلت شهادته...561

الثالثة في أنَّه هل تقبل شهادة المملوك والمملوكة الغير مبعضين؟...561

الرابعة: في عدم الفرق في العبد بين القن و المكاتب بقسميه...566

الخامسة: في بيان ما يكون به الشاهد متحمّلاً للشهادة بحيث يجب عليه أداؤها عيناً أو كفاية...568

السادسة: التبرع بالشهادة في مجلس الحكم يمنع قبولها في ذلك المجلس...570

السابعة فيما لو تاب الفاسق فهل تقبل شهادته بمجرد توبته؟...573

الثامنة: حكم ما لو تبين عدم قبول شهادة الشهود عند الحاكم...576

التاسعة: في قبول شهادة القروي على البدوي وبالعكس...577

القول فيما يصير به الشاهد شاهداً...579

في أنَّه لا يشهد الشاهد إلا بالجزم المستند إلى الحسّ أو إلى الضرورة أو بالقطع بالأدلّة والبراهين...579

هل تجوز الشهادة على الشيء الثابت شرعاً على الإطلاق؟...579

وتمام الكلام يحتاج إلى بيان أمور:...581

أحدها: عدم جواز الشهادة بما يثبت شرعاً عند الشاهد بالبيّنة العادلة...581

ثانيها: جواز الشهادة بالإعسار و إن كان الاطلاع عليه بالأمارات المفيدة للظنّ القوي العادي...583

ثالثها: لا تجوز الشهادة على أمر قد كتبه بخطه و اسمه ما لم يعلم بوقوعه...583

رابعها جواز الشهادة بنفس اليد وبنفس التصرّف وفيهما معاً...584

وهنا أمور :...584

أحدها: في أنَّه تقبل الشهادة بنفس الاستفاضة المفيدة للعلم والمفيدة للظنّ...584

ثانيها: في أنّ الشهادة بالسبب الظنّي جائزة ومقبولة عند الحاكم...586

ثالثها: في أن الاستفاضة خبر جماعة كثيرة على وجه القطع في وجه...587

رابعها: في أنَّه يثبت بالاستفاضة أشياء معدودة إن أفادت العلم...589

خامسها: في أنّ ذا اليد المتصرّف وكذا اليد المجرّدة عن التصرف وكذا التصرف المجرد عن وضع اليد الحسّية المفيد نفس السلطنة يُحكم له بالملك...592

سادسها: يجوز للشاهد أن يشهد بنفس الملك المستفيض المقرون باليد من دون ذكر السبب...593

كتاب الغصب

كتاب الغصب

وفيه أُمور:

إشارة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين

وبعد، فيقول الأحقر حسن ابن الشيخ جعفر: هذا

كتاب الغصب

(نسأل اللّه إتمامه)

أحدها: في حرمة الغصب كتاباً وسنّة وإجماعاً وترتّب الضمان عليه

إشارة:

أحدها: دلّ الكتاب (1)والسنّة (2)والإجماع بقسميه (3)على تحريم الغصب، ويترتّب الضمان عليه في الجملة، في مقام الضمان وربما يترتب عليه أحكام أُخر خاصة به، كالأخذ بأشق الأحوال فيه، ونحو ذلك، وحينئذٍ فلو علّق حكم عليه ولم يعرف دخوله تحت قاعدة أُخرى احتيج إلى معرفة معناه لترتّب ذلك الحكم المعلّق عليه، وكذا لو حصل الشكّ في دخول شيءٍ تحت اسمه وعدمه نفينا دخوله بالأصل.

ولكنّ الثمرة في ذلك قليلة جداً، وذلك لندرة ما علّق حكمه على لفظ الغصب بحيث توقف بيان حكمه على تحقيق مفهومه لوضوح المحرّمات من الأدلّة كما جاء في تحريم السرقة (4)، وتحريم أكل المال بالباطل (5)والأكل من دون تراض(6)والنهي عن العدوان (7)والنهي


1) البقرة (2): 188.

2) وسائل الشيعة 25: 385 - 386 الباب 1 من أبواب كتاب الغصب.

3) الدروس الشرعيّة :3: 105؛ مسالك الأفهام 12 : 145 و 148.

4) المائدة (5): 38.

5) البقرة (2): 188.

6) النساء (4) : 29.

7) المائدة (5): 2 .

عن الاعتداء (1)والنهي عن الظلم (2)والنهي عن أخذ مال الغير من دون إذنه (3).

وكذا ما دلّ على ضمان المتلف وضمان المتعدّي (4)، وضمان «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» (5)وضمان المباشر (6)وضمان المسبب للتلف (7)ولزوم ردّ الأمانات إلى أهلها (8)، وقوله: «لا يضيع مال امرئ مسلم ولا يحل دمه» (9)إلى غير ذلك، ومع ذلك فيتحقق معناه من اللوازم.

اختلاف أهل اللغة والفقهاء في تفسير الغصب

والظاهر أنَّه ليس معنى شرعي، بل هو باقٍ على المعنى اللغوي والعرفي، إلا أن معناه فيهما أمر غير بديهي، فلذا وقع اختلاف في تفسيره من أهل اللغة والفقهاء، فبعض قال: أخذ الشيء ظلماً (10)، وبعض زاد: جهاراً (11)، وكأنه لإخراج السرقة أو ما أُكل بالحيل والخدع. وبعضُ جعله أخذ مال الغير على جهة التعدي (12)، وبعضُ جعله الاستقلال بإثبات اليد على مال الغير عدواناً (13)، وبعض جعله الاستيلاء على مال الغير، (14)، وبعض جعله الاستيلاء على مال الغير بغير حقّ (15)، وبعض جعله الاستيلاء على حقّ الغير من غير حقّ (16).

والظاهر أن المراد بالمال في حدودهم ما يتموّل، فما لا يتموّل وإن كان مملوكاً كحبة الحنطة على هذه التعاريف ليس من المغصوب وإن حصل فيه التعدّي، وكذا ما لا يملك كالحُرّ


1) البقرة (2) : 190.

2) البقرة (2): 279.

3) وسائل الشيعة 25 : 386 الباب 1 من أبواب كتاب الغصب، ح 4.

4) المصدر : 390 - 391، الباب 7 من أبواب كتاب الغصب.

5) مستدرك الوسائل،17 : 88 الباب 1 من أبواب كتاب الغصب، ح 4.

6) وسائل الشيعة 18 : 421 الباب 1 من أبواب كتاب الضمان، ح 1.

7) المصدر 29: 245، الباب 11 من أبواب موجبات الضمان ح 1.

8) النساء (4) : 58.

9) وسائل الشيعة 5 : 120، الباب 3 من أبواب مكان المصلي، ح 1.

10) الصحاح 1 : 194، «غ ص ب»؛ مسالك الأفهام 12 : 145.

11) كما في مسالك الأفهام 12 : 145.

12) تذكرة الفقهاء 19: 155، المقصد العاشر: في الغصب.

13) شرائع الإسلام 3: 184.

14) كما في تذكرة الفقهاء :19 155 المقصد العاشر: في الغصب.

15) تحرير الأحكام الشرعيّة 4 : 519، الرقم 6134.

16) كفاية الفقه 2 : 632.

بطريق أولى، وكذا ما يملك الانتفاع به ولا يملك نفسه كمنفعة البضع فإنّها ليست مالاً وإن كانت مضمونةً على بعض الوجوه، وليس كل مضمون غصباً، ولا كل غصب يتعقبه ضمان. ويمكن القول بأنّ الغصب لغةً وعرفاً لا يخص المال، بل يعم البضع وكلّ ما يملك وإن لم يتموّل، بل ويعمّ ما لا يملك الانتفاع به دون المنفعة كغصب حقّ الإنسان في مسجد أو طريق عام وغير ذلك.

ومَنْ خصّه بالمال أراد خصوص ما يترتب عليه الضمان من الأموال، لا ما يترتب عليه التحريم ونحوه.

والذي يُفهم من هذه الحدود ويتوقف الحال على بيان الراجح من معناه أُمور:

في بيان ما يُفهم من تعاريفهم للغصب

منها: أنّ الظاهر من تعاريفهم أنّ الغصب هو الأخذ قهراً، وليس هو القهر بالأخذ ونحوه، فهو فرد من أفراد الأخذ لا فرد من أفراد القهر والغلبة، وإن احتمل ذلك من معناه لغةً وشرعاً، ويجوز إرادة كلُّ منهما من قوله تعالى: (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) (1).

ومنها: أنّ الغصب هو الاستيلاء على الشيء بمعنى السلطنة عليه ودخوله تحت يد الغاصب عرفاً، وقدرته على التصرف فيه بعد رفع سلطنة المالك عنه وإزالتها أو مشاركته له في تلك السلطنة فهو قد يجتمع مصداقا مع اسم القبض المراد في المبيع وقد يفترق.

ولو حصل قبض من الغاصب ترتب الضمان كما لو حصل قبض باليد ونحوها.

ولو لم يحصل قبض باليد كما إذا أزعج المالك عن فرسه وأثبتها وهو واقف عليها وإن لم يقبضها بيد، أو أزعج المالك عن أمواله وداره فدخل داره وفيها الأموال، فإنّه عرفاً غاصب لتلك الأموال وإن لم يترتب عليه ضمان مع احتمال الضمان حينئذٍ؛ لإمكان دخول ذلك تحت عموم «على اليد» (2).

ويجيء الكلام أيضاً فيما لو أزعج المالك عن داره فحصلت التخلية بين الغاصب والدار (3).

وقد يحصل قبض من دون استيلاء، كما إذا مس أحد مالاً مغصوباً بيد غاصبة، أو قبضه قبضاً يسيراً لينظر إليه بحيث لم يكن له سلطنة عليه ولا قدرة على أخذه من الغاصب، فإنّه


1) الكهف (18): 79.

2) راجع الهامش (5) من ص 34.

3) سيأتي في ص 38.

لا يبعد عدم الضمان، بخلاف ما لو أخذه بإعارةٍ وإجارة وغصبه منه، فإنه يكون مستولياً عليه وإن أتقى وخاف على نفسه إن لم يرجعه إلى الغاصب حيث إنَّه استولى عليه باختياره.

وبالجملة، فالخوف الرافع للضمان هو الخوف عند القبض وعند الردّ بحيث إنَّه قبضه تقيةً ورده كذلك.

وقد يحصل الانتفاع بالمال ولا يكون المنتفع غاصباً للغير، كما إذا تصرف بشم رائحة مال الغير أو الاستضاءة بناره أو الاستظلال بحائطه، بل قد يحصل التصرف من دون استيلاء على العين فيكون آثماً به، لا بالاستيلاء، كما إذا دخل دار إنسان وفيها حجارة مغصوبة ونحو ذلك.

ومنها : أنّ الغصب مطلقاً والمترتب عليه الضمان يدخل في معناه على بعض الحدود السابقة الاستقلال باليد وعدم المشاركة للمالك في القبض إذا كان في قبضه سلطنة أيضاً مع المالك، كما إذا قبض شيئاً كان المالك قابضه بيده ولم يكن قبض المالك ضعيفاً مستهلكاً بالنسبة إلى الغاصب، بل كان كلُّ من المالك والغاصب مشتركاً في السلطنة، فكان كلُّ منهما سببٍ، أو كان كلُّ منهما لو انفرد لكان مستقلاً في الاستيلاء والسلطنة، أما لو كان قبض الغاصب ضعيفاً مستهلكاً فلا شبهة في عدم الضمان وإن حرم التصرف واللمس باليد للمغصوب، ولكن في هذا كلام، فلقائل أن يقول هنا بالضمان كما يقول بالتحريم.

وقد يظهر من الحدّ عدم مشاركة غاصب آخر لهذا الغاصب، ولكن هذا لا يلتزمه أحد. نعم، في ثبوت الضمان عليهما معاً أو ثبوته على كلِّ منهما مستقلاً، أو الفرق بين ما لو كان لو انفرد أحدهما مستقلاً فالضمان على كل منهما وبين ما اشتركا على الهيئة الاجتماعية فالضمان موزّع عليهما كلام يأتي (1)إن شاء اللّه تعالى.

ومنها: يحتمل القول بخروج لفظ الغصب عن المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي ويكون اختلاف التعاريف لاختلاف أنظارهم في المعنى الموضوع له، ويرشد إلى ذلك أنّ جملة منهم لم يأخذوا قيد العدوان والظلم، وظاهر أهل اللغة أنّ قيد الظلم داخل فيه، وأنّ هذه التعاريف تعاريف باللوازم كالبلاغة تتبع خواص تراكيب البلغاء.

ويحتمل أن له معنى متشرعيّاً لا شرعيّاً، وأنّ هذه الحدود كاشفة عن ذلك المعنى المتشرعى، واختلافهم فيها لاختلاف أنظارهم، وأن ذلك التعريف باللوازم.


1) سيأتي في ص 39.

ويحتمل أن هذه الحدود تعريف باللوازم للكشف عن المعنى اللغوي، ويُحمل كلام أهل اللغة على تعريف الفرد الأظهر.

ويحتمل أن هذه التعاريف تعاريف للغصب الذي يترتب عليه ثمرة فقهية من لسان الفقهاء.

ومنها: أنَّهم أخذوا المال في جملة من التعاريف.

وأورد عليهم خروج غيره فأبدلوه بالحق، وهو أولى؛ لخروج ما لا يتموّل عن الغصب، وخروج البضع عن لفظ الغصب، مع أنَّه قد ورد شرعاً وعرفاً إطلاقه على البضع (1)، وخروج غصب حقّ الانتفاع من الطرق والمدارس والأوقاف العامة، بل ربما يطلق الغصب على غصب الحُرّ الصغير الداخل في ضمان غاصبه وغصب الحيوان المستحق الذي لا يملك.

ومنها: أنَّهم أخذوا قيد أنّه للغير؛ لإخراج مال نفسه المرهون والمحجر عليه لموت أو فلس، فإنّه لا يُسمّى غصباً للمال، ومَنْ أبدل المال بالحق دخل ذلك؛ لأن الراهن لو أخذ الرهن قهراً فقد غصب المرتهن حقه من وضعه تحت يد أو بيد مَنْ يتراضيان عليه.

ومنها: أنّ منهم مَنْ أخذ قيد العدوان، وظاهره العدوان الحقيقي ؛ لأن لفظ العدوان كلفظ الظلم يدخل في مفهومه الإقدام على الحرمة بنظر القادم مع موافقته للواقع، فعلى هذا فلو لم يعلم الغاصب بالحرمة لم يكن غاصباً، فالجاهل والمغرور والناسي ليسوا بغصاب، كما أنّ الوليّ والوصيّ والحاكم الشرعي والقابض حِسْبةً ليسوا بغصاب، وكذا من وضع يده على ماله بزعم أنَّه مال الغير جهلاً فوضعه حراماً فإنّه ليس بغاصب؛ لعدم مطابقته للواقع، ومَنْ أبدل لفظ العدوان بغير حقّ دخل الأوّل في الغصب، إلا أن يراد بغير حقّ عنده والجاهل والناسي لا يرى ذلك، ويخرج الثاني إن أريد بغير حقّ واقعاً، وإن أُريد عنده دخل.

ومنها: أنّ الغصب للمال لا ينفك عن الضمان كما هو المعروف عند الفقهاء، مع احتمال انفكاكه، كمَنْ غصب داراً بالدخول إليها والخروج من دون سلطنةٍ أو استيلاء أو قبض شيئاً كان تحت يد المالك أو غصب ما لا يتموّل أو ما لا يملك أو غصب بضعاً.

والقول بخروج الأول بقيد الاستيلاء والباقي بقيد المال، ممنوع؛ لعدم تسليم انطباق هذا الحدّ على العرف واللغة، وإنّما هو لبعض الفقهاء (2)، فدعوى أن كل مغصوب مضمون


1) وسائل الشيعة 20 : 320 - 321، الباب 8 من أبواب النكاح المحرم... ح 1.

2) راجع ص 34.

ما لم يدخل تحت عموم «على اليد» (1)(و مَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)(2)أو (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (3)أو ما دلّ على ضمان التلف (4)، منظور فيها، وأما الضمان فلا شك أنَّه أعم مورداً من الغصب، والغصب أحد أسبابه وكثير ممّا ذكر في الغصب من الضمانات إنّما ذكر استطراداً، لا لأنَّه غصب.

وبالجملة، فالضمان قد يكون للإتلاف وسببه وليسا من ضمان الغصب، وقد يكون الضمان لليد، وهو قد يجتمع مع الغصب حيث يكون مالاً قد استولت عليه اليد عدواناً، وقد ينفرد ضمان اليد حيث لا يكون عدواناً، وقد ينفرد الغصب عن ضمان اليد من وجه حيث يستولي الغاصب على مال المالك مع إزعاجه ودفعه عنه، ولكنّه لم تستول يده عليه ولم يدخل الدار ولم يتصرّف فيها فهو غصب غير مضمون مع احتمال أنَّه مضمون؛ لأنَّه غصب وإن لم يدخل تحت اليد، واحتمال أنّ هذا الاستيلاء يد أيضاً فيدخل في ضمان اليد.

ومنها: أنّ الظاهر أنّ ضمان الغصب داخل في عموم ضمان اليد؛ إذ لم يرد أنّ كلّ مغصوب مضمون، فما دخل تحت عموم «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (5)كان مضموناً، وما لم يدخل لم يكن مضموناً وإن ترتب عليه ضمان المنفعة والإثم، كما إذا شارك الغاصب في وضع يده على ما وضع المالك عليه يده من منقول أو مقبوض أو دار أو عقار بحيث كانت الدار تحت يد الغاصب والمالك والمال المقبوض لهما والدابة راكبان عليهما معاً أو ركبها المالك وقادها الغاصب أو بالعكس، سواء كانت أيديهما سواء في القوة أو متفاوتة؛ إذ لا عبرة بالضعف والقوة ما لم تكن يد الغاصب ضعيفةً بحيث تخرج عن اسم الاستيلاء فإنّه لا يضمن والحال هذا حتّى لو كان المالك غائباً، وكذا لو كانت ضعيفةً بحيث لا تُعدّ أنّها مستولية في الجملة، فإنّ الضمان كله على الغاصب، وحينئذٍ فتمنع المشاركة، فأقوى الوجوه: عدم ضمان الغاصب؛ لظهور الرواية؛ إذ الضمان مترتب على الأخذ، ورفعه مترتب على التأدية، ومع وضع المالك


1) راجع الهامش (5) من ص 34.

2) البقرة (2) : 194.

3) الشورى (42) : 40.

4) راجع الهامش (4) من ص 34.

5) راجع الهامش (5)من ص 34.

يده على ماله أو سكناه بداره لا يقال: إنّ يد الغاصب أخذت؛ لأنّ الظاهر من لفظ التأدية يكون بعد الانتزاع، ومع بقاء يد المالك فلا أخذ ولا تأدية له. مع احتمال الضمان لجميع المال المستولية يده عليه؛ لأنَّه قد استولاه عدواناً، ولا ينافي استيلاء المالك له أيضاً؛ لأن استيلاء الشخصين على مالٍ واحد بحيث يعد كلُّ منهما مستقلاً بالاستيلاء أمر ممكن وواقع وغير بعيد.

ولكنه ضعيف؛ لما قدمنا من أنّ الضمان تابع هنا لضمان اليد، وظاهر دليل ضمان اليد اختصاصه بالمأخوذ وبما أمكن تأديته، واختار هذا بعض المتأخّرين (1).

واحتمال النصف، ونُسب للشيخ وللأكثر (2)وهو ضعيف خالٍ عن المستند لو كان اجتماع الغاصب والمالك في اليد على أنّ لكلّ منهما يداً استقلالية؛ ضرورة استيلاء الغاصب على الجميع، فلا معنى للنصف.

نعم، يضمن نصف المنفعة؛ لاستيفائه إياها، ويكون عادياً وغاصباً، ولكن تخصيص ضمانه للنصف لا وجه له.

نعم لو كانت شركة المالك للغاصب في اليد على سبيل الاستيلاء بمجموع يديهما بحيث تكون يد الجميع بمنزلة يد واحدة اتجه ضمان النصف على الغاصب؛ لأن يده تختص بنصف مشاع في الجميع، فيختصّ الضمان بالنصف مع أن احتمال عدم الضمان أقوى؛ لنحو ما ذكرناه سابقاً (3).

وربما يُحمل كلام الشيخ في ضمان النصف على الصورة الأخيرة.

وعلى كلام الشيخ فلو تعدّد الغاصب واتحد المالك، أو بالعكس، فهل يضمن الغاصب النصف مطلقاً ولو كان المالك أكثر أو كان أقلّ، أو يضمن على نسبة الرؤوس مطلقاً، أو

يضمن الغاصب النصف وإن تعدّد المالك يضمن على نسبة الرؤوس ولو تعدّد الغاصب دون المالك؟ وجوه، أقواها الضمان على نسبة الرؤوس، مع احتمال أن الضمان على نسبة قدر الاستيلاء، فقد تقوى يد الغاصب الواحد على المُلّاك المتعدّدين وقد تضعف يد الغصاب المتعددين عن يد مالك واحد، وهذا وجه، إلا أنَّه يحتاج إلى نظرٍ وتأمل.


1) مسالك الأفهام 12 : 152.

2) المبسوط 3 : 73؛ ونسبه إليهم الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 12 : 152.

3) تقدّم في ص 36.

وغصب التابع يتحقق باستيلاء اليد على المتبوع كحمل الدابة وثمرة الشجرة وما ثبت في الدار من خشبة أو جذع، ولا يفتقر غصب التابع إلى نية الاستيلاء عليه، بل يكفي الاستيلاء على الأصل فيدخل في ضمان اليد وإن لم يدخل مع عدم العلم به في لفظ الغصب؛ بناءً على أن العدوان داخل مع احتمال ذلك؛ لدخوله في نية الجملة.

والأظهر عدم الافتقار إلى نية الاستيلاء في الغصب، بل هو من الأمور الثابتة واقعاً، فإن تحقق الاستيلاء ثبت الغصب، وإلا فلا، بل لو نوى الاستيلاء وكان عرفاً لا يُعد استيلاء لم يتحقق الغصب، وإن نوى عدمه وعُدّ في العرف استيلاء ثبت الغصب من غير فرق بين الدار والعقار وبين المنقول والمقبوض.

كما أنَّه لا يشترط في غصب الدار إزعاج المالك عنها وإضعاف يده بحيث تخرج عن حدّ اسم اليد عرفاً.

وكذا لا يشترط دخول الغاصب فيها، بل يكفي استيلاؤه بقبض مفاتيحها وإذن غيره في الدخول إليها وإجارتها والبناء فيها، كما يكفي ذلك في قبض البيع.

ثانيها: المقبوض بالبيع الفاسد مغصوب مع العلم بفساده ومع الجهل داخل تحت ضمان اليد

ثانيها: المقبوض بالبيع الفاسد مغصوب مع العلم بفساده ومع الجهل داخل تحت ضمان اليد؛ لعدم الإذن في المقامين لفساد الإذن في القبض التابعة للبيع الفاسد لفساده بفسادها؛ لصدوره على نحو تحقق صحة البيع، فمع عدم صحته ينتفي الإذن في القبض، فصحة البيع من قبيل الشرط في الإذن، لا من قبيل الداعي، وكذا يفسد الإذن بقبض التابع للمبيع كحمل الدابة وثمرة الشجرة؛ لأن الإذن بقبضه تابع للإذن بقبض أُمه؛ لأن الإذن في الشيء إذن في لوازمه، فإذا فسد الإذن بقبض الأمّ فسد الإذن بقبضه، فيشمله ما دلّ على ضمان اليد.

ويحتمل عدم الضمان؛ لأنّ الإذن بقبضه إنما جاء لقبض أُمه باعتبار عدم إمكان انفصاله على كل حال، لا تبعاً للإذن بقبض أُمّه، ونمنع التلازم بين فساد الإذن بقبض الأمّ وفساد الإذن بقبض الحمل، فتأمل.

أما المقبوض بالسوم فلا كلام في عدم ضمان ما يتبعه في القبض إذا لم يكن مقبوضاً بالسوم؛ لأنّه أمانة عارية عن شائبة الضمان.

ثالثها: حكم ما لو وقعت الأيدي على المغصوب دفعةً وكان الجميع بمنزلة غاصب واحد

ثالثها: لو وقعت الأيدي على المغصوب دفعةً وكان الجميع بمنزلة غاصب واحد، ضمن الجميع بالسويّة، إلا إذا زاد أحدهم بقدرٍ،خاص، ولا اعتبار بازدياد القوة والضعف، إلا إذا أدت زيادة القوة إلى زيادة النصيب في الاستيلاء الغصبي، ولو كانت يدكلّ واحدٍ منهم بحيث لو أُسقطت لكانت غاصبةً عرفاً، فالغصب مستند لكلّ واحدٍ منهم للكل، وكان للمالك أن يغرم كلّ واحدٍ منهم الكل، وله أن يزيد وينقص.

نعم، لو غرّم كلّ واحدٍ منهم عاد المغرَّم على الباقي في ما زاد على قدر نصيبه إن كان استقرار التلف في أيديهم جميعاً، وإلا رجع على من استقرّ التلف عنده إن لم يستقر التلف عنده.

وإن تعاقبت الأيدي على المغصوب تعاقباً استقلالياً، كان للمالك الرجوع على كلّ واحدٍ منهم في الكلّ وفي البعض وفي التوزيع مع العلم والجهل؛ لعموم دليل ضمان اليد الشاملة للعلم والجهل، وهي الرواية (1)المعتبرة المنجبرة بفتوى الأصحاب وعملهم من دون ردّ أو نكير، فهي أشبه شيء بالقواعد الشرعيّة المسلمة عند أصحابنا، فمن خصّ رجوع المالك مع تعاقب الأيدي على العالم العادي لمكان غصبه فقد بَعد عن ظواهر الأصحاب وقواعد الباب، والظاهر أنّ الذّمة المشغولة بمال المالك حقيقة بحيث يحال عليها ويضمن عنها ويجوز الاحتساب عليها بخمس أو زكاة أو نذر وتفرغ ذمة الباقي بإبراء من استقر التلف عنده أو مَنْ كان عالماً، دون مَنْ لم يستقر التلف عنده، إلا إذا كانت يد الجاهل يد الضمان.

نعم، لو رجع على غير من استقر التلف عنده، لزمته التأدية عمن استقر، فإذا أدى للمالك عنه عاد مال المالك له بحكم الشارع، فهو من باب المعاوضة القهرية، فيعود المؤدي على من استقر التلف عنده فيأخذ منه مال المالك، والمطالب له يوم القيامة هو ؛ لعودها إليه، ويحتمل عود مال المالك لذمة الجميع كتعلّق الواجب الكفائي بالكلّ ويسقط بفعل البعض. نعم، لو أبرأ غير من استقر التلف عنده لم يبرأ من استقر عنده، وفي جواز الاحتساب على غير من استقر إشكال.

رابعها: في أنَّه لا يضمن الحرّ ضمان يد ما لم تكن اليد سبباً لإتلافه أو مباشرة له

رابعها: لا يضمن الحُرّ ضمان يد صغيراً كان أو كبيراً، عاقلاً أو مجنوناً، ما لم تكن اليد


1) راجع الهامش (5) من ص 34.

سبباً لإتلافه أو مباشرة له وإن اختلف السبب في القرب والبعد، وعموم دليل ضمان اليد يشك في شموله لضمان الحُرّ؛ للشكّ في دخوله تحت «أخذت» (1)وإن كان الأخذ من وليه، ولكنّه خلاف الظاهر.

على أنّ الرواية ظاهرة في الضمان ورفع الدية غير داخلة، فلم يبق إلا لزوم ردّ العين، ونحن لا ننكره.

ولو أخذ الصغير والمجنون والمريض أو النائم من مقرّه فطرحه في مظنة هلكة أو فرط حفظه وكان الصغير بحيث يلزم حفظه لصغره وعدم قدرته على المنع لصغير الحيوان وعدم إمساكه نفسه من وقوع وتردي ضمن؛ لأنَّه السبب في إتلافه عرفاً.

وظاهر كلام بعض الأصحاب (2)نقل الإجماع على ضمان الحرّ ضمان يد وغصب ما لم يدخل تحت دليل الإتلاف سبباً أو مباشرةً من غير فرق بين موته بسبب كلدغ الحية والعقرب أو وقوع حائط، أو بدون سببٍ كموت حتف أنفه؛ لأن إثبات اليد إنما يكون بالأموال، والحر ليس بمال.

ونُقل عن الشيخ أنَّه لو تلف الصغير في يد الغاصب بلا سبب ضمن الغاصب (3).

وظاهر النقل أنّ الضمان من جهة نفس اليد لا من جهة سببيّة الإتلاف، ولهذا عُدّ قولاً. وربما استدلّ له بأن الضمان ممّا يناسب العدوان وبأن سد باب الضمان ربما يؤدي إلى الاحتيال بقتل الأطفال، وبما روي «من استعار حُرّاً صغيراً فعيب ضمن» (4).

والجميع ضعيف لا يقاوم الأصل وفتوى المشهور، بل المجمع عليه، والأول والثاني من المناسبات العقلية فلا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعيّة، وأمّا الرواية فضعيفة سنداً ودلالةً، ولعلّ المراد بها أنّه هلك فيما استعير له من الأعمال فكأنه مات بسبب اليد.

ويظهر من جمع (5)الميل إلى ذلك؛ تنزيلاً لكلام الشيخ على صورة كون الموت مسبباً عن وضع اليد لمكان ضعف الصغير عن دفع المهلكات والتفريط فى حفظه ولم يسترده للكبير.


1) راجع الهامش (5) من ص 34.

2) راجع رياض المسائل 14 : 14.

3) المبسوط 7 : 18.

4) وسائل الشيعة 29: 246، الباب 12 من أبواب موجبات الضمان، ح 2.

5) الخلاف 3 : 421 المسألة 40 مختلف الشيعة 6 : 100، المسألة 97؛ الدروس الشرعيّة 3: 106.

نعم، قد يسري لكلّ ما كان كالصغر من مرض أو جنون ونحوهما، وعلى هذا فيعود النزاع لفظياً.

نعم، للصغر مدخليّة في الضمان زيادة على غيره من جهة الظاهر؛ لأن الظاهر غالباً أنّ موت الصغير بسبب إنما يكون ناشئاً عن التفريط في الحفظ.

خامسها: في أنّ منفعة المملوك تابعة له في ضمان اليد وضمانها إلى حين التلف

خامسها: منفعة المملوك تابعة له في ضمان اليد وضمانها إلى حين التلف.

ولو كانت المنفعة لغير المالك مدةً، فهل لصاحب المنفعة تغريم الغاصب تلك المدة بعد التلف؛ لقيام المنفعة في العين وقبضها بقبضها والمفروض تلف العين في يده فتلف المنفعة كذلك؟

قد يقال ذلك، إلّا أنّ الظاهر أنّ المنافع بمنزلة المعدوم، ولكن تنزل منزلة الموجود، وتُقدّر أنّها القابليّة القائمة في العين ما دامت العين موجودة، ومع تلفها فهي معدومة، فلا يدخل تحت اليد منها إلا ما كان مقارناً لبقاء العين.

وأما منافع الحُرّ فهل تُضمن بالفوات تحت اليد أو تُضمن بالتفويت بمعنى أنَّها تفوت بسبب اليد، ولولا اليد لما فاتت أو تُضمن بالاستيفاء ووصول المنفعة إلى المستوفي بحيث يدخل العمل الصادر من الحُرّ تحت يده ويصل إليه، ولا يضمن بغير ذلك، أو يُفرّق بين المنفعة المنتقلة عنه إلى غيره باستئجار ونحوه فتضمن بالتفويت على المستأجر أو الاستيفاء، وبين غير المنتقلة فلا تُضمن إلا بالاستيفاء، أو يُفرّق بين انتقال المنفعة مطلقةً أو معيّنة إلى نفس الغاصب فيضمنها بالفوات والتفويت والاستيفاء، وبين عدمه فلا يضمنها إلا بالتفويت أو الاستيفاء، أو يُفرّق بين كون الحُرّ صاحب صنعةٍ فتضمن منفعته بالتفويت، وبين غيره فلا تُضمن إلا بالاستيفاء؟

وهل يفرّق بين منفعة البضع وغيرها، أم لا؟

وتحقيق المسألة مبني على أنّ منفعة الحُرّ مال مطلقاً، أو مال إذا انتقلت لغيره دون ما لم تنقل.

وهل هي من المعدوم أو الموجود؟

ومع كونها من الموجود فهل هي القابليّة الكائنة في بدنه أو الأعمال الصادرة عنه المستوفية لغيره ؟

وهل يمكن دخول المنفعة تحت اليد والحال أنّها تابعة لما لا يدخل تحت اليد وهو الحُرّ أم لا يمكن ؟

وبالجملة، فهل المنفعة تابعة للعين في ضمان اليد فما لم يدخل المتبوع لم يدخل التابع، أو ليست بتابعةٍ ؟ وهل منفعة الحُرّ تحت يده فلا يمكن دخولها تحت يد غيره، أم لا؟

وهل ملك المنافع على الحُرّ من قبيل الدين عليه، فيملك عملاً في ذمته كما يملك مالاً عليه، فلا يزول إلا بالوفاء أو الإبراء، أو بمنزلة التمليك لحركات بدنه وسكناتها المكيفة بتلك الكيفية عند الوفاء والاستيفاء؟

وبالجملة، فهل تُملك منافعه، أو تُملك عليه، أو لا تملك منه؟

وتُقسم منافع الحُرّ، فمنه ما لا يُملك لقلته أو لعدم منفعته كالقبلة واللمس بل ليس بمال، ومنه ما يُشكّ في كونه مالاً وكونه مملوكاً كملك الأموال، كالبُضع، فإنّ من آثار البضع ما يقضي بأنه مال كضمانه بالاستيفاء مع الجهل والإكراه وضمانه بالتفويت في نحو الرضاع وشبهه ومن آثاره ما يقضي بعدم كونه مالاً، كعدم ضمانه للزوج عند الاستيفاء مع أنَّه هو العائد إليه وعدم تقدير لقيمته؛ لرجوعه إلى مهر المثل، ومهر المثل ليس من القيمة، فلعله حكم شرعي وحقّ مالي جاء به الدليل عند الوطء بالشبهة ونحوه كما سبب العقد المسمّى في مقابلة البضع لا على وجه المعاوضة، بل على وجه أنّ الربط بين الزوجين كان بذلك، وعلى ذلك فهو من قبيل الشرائط، ولو كان عوضاً عن البضع لأفسد عدم ذكره أو بطلانه لما قابله.

ومنه ما يُعلم بلزوم العوض عليه أنَّه مال، وذلك كالاستخدام للحرّ إمّا قهراً أو التماساً بحيث صدر الفعل منه للملتمس بأمره أو بإذنه، فإنّه يلزم الآمر أُجرة المثل ما لم يعينا مسمّى خاصاً، وهي بمنزلة القيمة للفعل، أما لو صدر من غير أمره كما إذا صدر مجاناً وإن أقره المستوفي وسكت عنه أو صدر بإباحته أو صدر بقول مجمل لم يعلم منه الإرادة، ويشترط أن يكون لذلك العمل أجرة عادةً بدون أن يكون المأمور ممّن يطلب الأجرة على ذلك، فلو قامت القرائن على عدم أخذ المأمور أُجرة كالتماس الإخوان والعلماء على قضاء الحوائج لهم من شفاعة في تزويج أو قضاء حاجةٍ فيعتاد فيها التبرع فيما بينهم، ولزوم الأجرة في هذا المقام إجماعي، سواء قلنا بأنّ العمل مال قد أوصله المأمور للأمر فهو كالمنفعة المستوفاة

فعليه ضمانها، أو قلنا: إنَّه ليس بمال ولكنّه محترم عند الشارع، فمن وصل إليه دفع عوضاً، وكم من مال ترتب لزومه على غير مال.

وأما لو حبس الحُرَّ حابس فعطّله عن المنافع، فإن لم يكن ذا حرفة وصنعة، فالوجه: عدم ضمان منافعه، سيما لو كان من البطالين، أما لو كان ذا صنعةٍ فعطله بحبسه عنها، فالمشهور: عدم الضمان أيضاً؛ للأصل، ولعدم دخول منافع الحُرّ تحت ضمان اليد، ولأن منافع الحر كثيابه لو تلفت وهو في الحبس وهي عليه.

وكذا لو منعه عن العمل خوفاً أو تقيّةً أو التماساً أو حبساً فإنّه لا يضمن مع التفويت بدون حبس؛ للأصل والسيرة بل والإجماع، إنما الكلام في التفويت مع الحبس.

ويظهر من بعض الأصحاب الضمان هنا مع التفويت (1)، وحمل عدم الضمان في عبائر الأكثر على حصول الفوات من دون تفويت بحيث يكون الحبس سبباً فيه؛ استناداً إلى حديث «لا ضرر ولا ضرار» (2)وقوله : (مَنِ اعْتَدى) (3)، (وَجَزَاؤُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) (4).

وفيه: إنّ الحديث الأوّل أصل، لكنه ضعيف سنداً ودلالةً، فلا يؤخذ بعمومه إلا مع اقترانه بدليل خاصّ أو شهرة أو نحو ذلك، والآيات لا تدل على أخذ المال، بل الاعتداء بمثل ما اعتدى. ودعوى أن منافع الحُرّ مال فتفويتها كإتلافها وإتلاف المال مضمون فهي كذلك، باطلة؛ لأن منافع الحُرّ ما لم توجد لم تكن مالاً، وتفويتها ليس بتفويت مال.

ودعوى أن نفس القابليّة الموجودة مال في الحُرّ فعند المنع من ظهور أثرها يكون متلفاً لها. باطلة؛ لمنع كون نفس القابليّة مالاً، ولو سُلّم فلا نسلّم دخولها تحت اليد وبعد كونها تحت يد الحرّ، ولهذا لو أبطل الغاصب جميع منافع الحرّ لم تؤخذ منه سوى دية العضو دون قيمة المنافع. أما المستأجر كالأجير الخاصّ فالظاهر أنَّه في قوة المال المحقق بعد ملك المنافع للغير، وحينئذٍ فلو حبسه المستأجر في المدة الخاصّة أو بذل نفسه للمؤجر وصل إليه العمل، ولو حبسه غيره ضمن للغير أُجرة المثل، ولو امتنع هو عن العمل ضمن أيضاً أُجرة المثل.


1) راجع مسالك الأفهام 12 : 159.

2) وسائل الشيعة 18 : 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 و 4.

3) البقرة (2) : 194.

4) الشورى (42) : 40.

ولو استوفى عمله غير المستأجر، ضمن للمستأجر أُجرة عمله، وذلك لأن منافعه بالعقد خرجت من يده ومن ملكه، فصارت ملك غيره، فتكون مالاً لغيره.

وقد يناقش فيما لو حبسه المستأجر في الزمن الخاصّ مع عدم بذل منافعه للمستأجر، فيقال بعدم ضمان الحابس لشيءٍ؛ لأنّ منافع الحُرّ تحت يده فلا تدخل في ضمان غيره.

نعم، تنفسخ الإجارة؛ لعدم قدرة المحبوس على الوفاء، بل قد يقال بانفساخها لو حبس الأجير الخاصّ غير المستأجر، ولا يضمن الحابس شيئاً، ومثله كمن حبس شخصاً وعليه ثوب لغيره فإنّ الثوب تحت يده ولا يدخل في ضمان الحابس.

ولكن ظاهر الأصحاب أن حبس المستأجر بمنزلة إيصال المنفعة إليه واستيفائها منه.

وأما المستأجر غير الأجير الخاصّ وهو المستأجر لعمل في غير زمان خاصّ فإن بذل نفسه للمستأجر فلم يستعمله من غير عذر فالظاهر استقرار الأجرة وفراغ ذمته من العمل بعد مضي مدّةٍ يتسع العمل، كما قالوا: لو استأجره لقلع ضرسه فبذل نفسه حتّى مضت مدة يمكنه القلع فبرئ الضرس استقرت الأجرة.

والأحوط الرجوع للحاكم وقبوله البذل من المستأجر.

وإن حبسه المستأجر من دون ملاحظة البذل مدةً يمكن استيفاء عمله منه، فهل تستقر الأجرة عليه وتفرغ ذمّة الأجير من العمل لحديث «لا ضرر ولا ضرار» (1)ويكون عمله ساقطاً من ذمته من قبيل المقاصة، ولقوله تعالى: (مَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (2)، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ(3)أو يبقى مشغول الذّمة بالعمل المستأجر عليه ولا يضمن الحابس؛ لما ذكرنا من أنّ منافع الحُرّ تُضمن بالاستيفاء لا بالتفويت (4)، أو يضمن أجرة مثل مدة حبسه ويبقى الأجير مشغول الذّمة بالعمل؟ وجوه، أوجهها الوسط.)وقد بنى بعضهم المسألة على أنّ منافع الحُرّ في عقد الإجارة تمليك للمنافع، أو التزام عمل في ذمة المستأجر؟ فعلى الأوّل يضمن بحبسه، ويبرأ المستأجر من العمل؛ لأنَّه قد استولى


1) راجع الهامش (2) من ص 45.

2) البقرة (2): 194.

3) الشورى (42) : 40.

4) تقدّم في ص 45.

على ملكه ودخل تحت يده فوصل إليه، وعلى الثاني لا يبرأ؛ لأنَّه بمنزلة الدين، ولا يبرأ الدين إلا بالاستيفاء أو الإبراء(1.)وفيه نظر ظاهر؛ لأن صيرورة الحبس للحرّ إيصالاً لمنافعه للحابس بل ضمانها عليه هو أول الكلام.نعم، ظاهر الأصحاب تسليم ذلك في منافع المملوك، كمَنْ حبس عبداً كان مستأجراً أجيراً خاصاً أو عاماً فحبسه بقدر زمان يمكن استيفاء ذلك العمل فيه، ولولا أن ذلك إجماع لأمكن المناقشة في الأخير، بل غايته ضمان المنفعة مدة الحبس بأجرة مثلها، وبقاء العمل مملوكاً للمستأجر بعين المملوك.ودعوى الوفاء قهر من قبيل التهاتر القهري محل كلام، بل قد يناقش في الأول مع عدم بذل المؤجر منفعة الدابة أو العبد، كما إذا حبسهما المستأجر قبل البذل.#### سادسها: في أنَّه لا يملك المسلم الخمر والخنزير وكذا كلّ ما لا يملكسادسها: لا يملك المسلم الخمر ولا الخنزير، وكذا كلّ ما لا يملك من السباع والحشرات وإن تعلق حقّ الاختصاص الذي لا يجوز دفعه ببعض الحيوانات المقبوضة بل ببعض النجاسات العينية بل ببعض المائعات النجسة؛ لأنّ رفع اليد عنهما ظلم وعدوان عرفاً ولغةً، وكذا قد يتعلق بالخمر إذا اتخذت للتخليل حقّ اختصاص، فلا يجوز رفع يد المتخذ لها للتخليل عنها ولو رفعها أثم ولزم إرجاعها، ولكن لا ضمان عليه لو تلفت؛ إذ لا قيمة للخمر عند المسلمين، وكأنه إجماع.خلافاً لما نُقل عن أبي عليّ أنَّه يضمنها بقيمتها خَلاً؛ لأن الخمر لا يملك على المسلم، فلزم الرجوع إلى القيمة، وأقرب القيم الخَلّ لاتخاذها له (2. وهو ضعيف جداً.)وهل هي مملوكة حال اتخاذها للتخليل؛ لأنا لا نريد بالملك إلا السلطان مع الاختصاص وهو حاصل فيها، ويظهر من بعض الفقهاء ذلك (3، ولا ينافي الملك عدم الضمان، كغصب)


1) كما في مسالك الأفهام 12 : 160 وراجع إيضاح الفوائد 2 : 168.

2) نقله عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 6 : 96 - 97، المسألة 86.

3) راجع مسالك الأفهام 12 : 161.

ما لا يتموّل من المملوكات للمالك، أو مجرد اختصاص؛ لأصالة عدم الملك وانتفاء لوازمه؟ والأوّل أوجه.وكذا لا تضمن الخمر لو غُصبت من كافرٍ متظاهر في شربها واتخاذها إجماعاً.ولو غُصبت من كافر متستر في شربها واقتنائها ضُمنت، سواء كان الغاصب مسلماً أو كافراً، إلا أن المسلم يضمنها بالقيمة قولاً واحداً، وهي قيمتها عند مستحلّيها بالبيّنة أو شياع من أهل الخبرة ولو كانوا كفرة، وفى الكافر وجهان من ضمانها بالمثل؛ لأنّها من المثليات ومن أنّ ضمانها بالمثل وإرجاع مثلها ينافي التستر بها فلا يملك المثل حينئذٍ فلا يكون وفاء.وفيه: إنّ إرجاع المثل لا ينافي التستر بها، سيما مع كون المراد بالتستر شربها، لا مجرد قبضها وفاءً، ولهذا لا ينافي التستر أخذ القيمة من المسلم بدلاً عنها.ولولا الإجماع على ضمان المسلم قيمتها لكان القول بعدمه متوجهاً؛ لأن الخمر لا يملكه الكافر واقعاً، وليس من الأموال، وثمنها سحت وأخذ عوضها كذلك، وإلزام الكفّار بما ألزموا به أنفسهم غايته الدلالة على إجرائهم مجرى المُلّاك فيما بينهم وإجراء عقودهم مجرى العقود الصحيحة فيما بينهم، ونحن بعد إجراء ذلك نعاملهم معاملة الصحيح في الثمرات المترتّبة على ذلك، كأكل ثمن الخمر والخنزير الواقع بينهم، وتزويج مطلقتهم، وإجراء حكم الزوجيّة عليهم، ولا يلزم من ذلك ضمان المسلم لما حكم بملكيته ظاهراً فيما بينهم، وجرى عليه حكم الأملاك عليهم؛ لأن أحكام المسلم تدور مدار الواقع في أحكام المسلمين، فعلى ذلك ينبغي أن لا يضمن المسلم ذبائحهم؛ لأنّها ميتة ولا جلودهم ولا كتبهم ولا شحومهم ولا طبلهم ولا آلات لهوهم؛ لأنّ جميع ذلك لا قيمة له في دين الإسلام، ولا يُعد مالاً، ولا يُملك بوجه من الوجوه، فضمانه للتالف خلاف شرع الإسلام، وإجراء حكم الأملاك عليه خاصّ في وقوعه فيما بينهم، ولا يسري لما كان أحد طرفيه مسلماً، ولكن ظاهر الأصحاب الضمان في الخمر والخنزير، وظاهر هم سريانه لكلّ ما يعدّ مالاً ظاهراً لهم من لحوم وجلودٍ وآلات لهو جائزة في شرعهم، بل لو أخذوا مالاً للغير بشرعهم لاستحقاقهم له جاز لنا أخذه منهم، ولم يكن علينا ضمانه وإن كان في شرعنا مغصوباً، وهو مشكل جداً.#### سابعها: في أنّ من أسباب الضمان الإتلاف مباشرةسابعها: من أسباب الضمان الإتلاف مباشرةً، وهو إيجاد علة التلف بحيث يقال عرفاً:

إنه متلف للشيء، سواء دخل تحت يد أو لم يدخل، كما إذا أتلفه من دون قبض أو استيلاء، إجماعاً بقسميه (1، وللقاعدة المسلَّمة «مَنْ أتلف مال غيره فهو له ضامن ولدخوله مع الضمان تحت قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا ضرر ولا ضرار» (2)إذ لو بقي المتلف من دون إجبار بالضمان للزم الضرر المنفي في الشريعة ولما ورد في الموارد الجزئية من الضمان في مقامات يُعلم منها بتنقيح المناط وإلغاء الفارق أو فحوى الخطاب أو الإجماع المركب المساواة بين جميع أنواع الأموال المتلفة.)ومن أسبابه الإتلاف تسبيباً، وهو في الجملة إجماعي تحصيلاً ونقلاً (3، ووروده في خبر السكوني «فيمن أخرج ميزاباً أو كنيفاً أو [ أوتد ] وتداً أو أوثق دابة أو حفر شيئاً في طريقٍ فأصاب [ شيئاً ] فعطب فهو له ضامن» (4)، وفي الصحيح عن الحلبي في الشيء يوضع على الطريق فتمر بها الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره، فقال: «كلّ شيءٍ يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن» (5)وفي آخر: «مَنْ أضرّ بشيءٍ في طريق المسلمين فهو له ضامن» (6)، وفي آخر فيمن حفر بئراً في غير ملكه فوقع فيها رجل، قال: «عليه الضمان؛ لأنّ كلّ مَنْ حفر بئراً في غير ملكه كان عليه الضمان» (7)وفي خامس: «فهو ضامن لما يسقط فيها» (8)دليل على العموم لكلّ ما يشابه الطريق من مشارع وشوارع ومساجد بل وأملاك وأوقاف عادة الناس السلوك فيها، ولكلّ ما شابه الميزاب أو الكنيف أو الوتد أو البئر من أحجار أو أخشاب أو قشور أو ميتات أو مياه مبدوّة أو خرق أو خزف أو بالوعة أو سرداب أو حفيرة إما بتنقيح المناط أو فحوى الخطاب أو عدم القول بالفصل أو فهم الفقهاء أنّه من باب المثال أو التنبيه أو من باب الاستقراء؛ إذ قد يكفي في الاستقراء تتبع قليل من الموارد يقطع فيها أنّ النوع متحد.)


1) رياض المسائل 14 : 19.

2) راجع الهامش (2) من ص 45.

3) رياض المسائل 14 : 19.

4) وسائل الشيعة 29 : 245، الباب 11 من أبواب موجبات الضمان ح 1. وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

5) المصدر : 243، الباب 9 من أبواب موجبات الضمان، ح 1.

6) المصدر : 241، الباب 8 من أبواب موجبات الضمان، ح 2.

7) المصدر، ح 1.

8) المصدر : 241 - 242، ح 3.

وكذا ما دلّ على ضمان شاهد الزور نفساً وطرفاً ومالاً عند تزويره أو عند رجوعه عن شهادته (1، وضمان الحاكم لو تعمّد الباطل أو أخطأ (2)، وضمان المهر لو رجع شاهد الطلاق عن شهادته بعد التزويج (3)، وما دلّ على رجوع المغرور على مَنْ غرّه (4)، ورجوع المكره على مَنْ أكرهه تقيّةً، فإنّ الجميع يدل على ذلك في الجملة.)نعم، الكلام في بيان موضوع ما يتحقق به الضمان؛ إذ ليس في الأخبار له حدّ يُعرف، وليس له اسم أو وصف به يوصف.نعم، يجعل الفقهاء ما أتلف بالتسبيب من أحد أسباب الضمان، واختلفت عباراتهم في تفسيره.فبعضهم قال: هو كل فعل يحصل التلف بسببه، كحفر البئر في غير الملك وكطرح المعاثر في المسالك (5.)قيل: وفيه دور؛ لأخذ السبب في تحديد التسبيب، فكأنه أراد به بواسطته أو عنده أو معه، كما عبّر غيره، مع أنَّه يشمل المباشرة(6.)وبعضهم: إنّ ما له دَخْلُ في هلاك الشيء إمّا أنَّه يضاف إليه هلاك الشيء إضافة حقيقية فهو المباشرة، بل قد يضاف إليه إضافة مجازية، كما يقال: هلك فلان بسعاية فلان، وإما أن لا يكون كذلك، وهذا إما أن يكون من شأنه أن يقصد بتحصيله ما يضاف إليه فهو السبب والإتيان به تسبيباً (7، ولم يذكر الثالث؛ لعدم الغرض به.)وبعضهم: إنَّه إيجاد علة التلف (8، وأراد عليّة الحقيقية التي يضاف لها الفعل على وجه الحقيقة.)وبعضهم: إنَّه ما لولاه لما حصل التلف لكن علّة التلف غيره، كالمحقق في الديات (9.)


1) وسائل الشيعة 27 : 327 - 328 الباب 11 من أبواب كتاب الشهادات.

2) المصدر : 226، الباب 10 من أبواب آداب القاضي، ح 1.

3) المصدر : 330 - 331، الباب 13 من أبواب كتاب الشهادات.

4) راجع المصدر :21 220 الباب 7 من أبواب العيوب والتدليس، ح 1.

5) شرائع الإسلام 3: 186.

6) قاله الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 12: 163.

7) مسالك الأفهام 12: 163.

8) الدروس الشرعيّة 3 : 107.

9) شرائع الإسلام 4 : 237.

وبعضهم - كالعلّامة في القواعد -: إنّه إيجاد ما يحصل التلف عنده إذا كان السبب ممّا يقصد لتوقع تلك العلة كالحافر وفاتح رأس الظرف والمكره على الإتلاف (1.)وذكر في القصاص الشرط والعلة والسبب.فالشرط ما يتوقف عليه تأثير المؤثر ولا مدخل له في العلية، كحفر البئر بالنسبة إلى الوقوع [ إذ الوقوع ] مستند إلى مستند إلى علته وهي التخطي، ولا يجب به قصاص.[وأمّا العلّة فهو ما يستند الفعل إليه كالجراحات القاتلة...].وأما السبب فهو ما له أثر في التوليد كما للعلة لكن يشبه الشرط من وجه، كالإكراه وشهادة الزور وتقديم الطعام المسموم للضيف(2.)وقال أيضاً: السبب كلّ ما يحصل التلف عنده بعلة غيره إلا أنَّه لولاه لما حصل للعلة تأثير كالحفر مع التردي(3.)وتردّد في ضمان ما لو حبس دابةٌ فمات ولدها جوعاً، أو حبس المالك عن حراسة ماشيته فاتفق تلفها، أو غصب دابة فتبعها ولدها (4.)وأبان في الإيضاح وجه التردد في الأوّل من أنَّه مات بسببه لصحة إسناده إليه عرفاً، ولأن السبب فعل ما يحصل الهلاك عنده لعلّة سواه، وزاد آخرون ولولاه لما أثرت العلة فعلى هذا ليس هو السبب، ولأنه يمكن اعتياضه بغيره فهو أعم فليس بسببٍ (5، إلى آخر ما ذكر.)وبعضهم إلى أنَّه - أي السبب - إيجاد ملزوم العلة قاصداً لتوقع تلك العلة(6.)وفي الدروس أنَّه فعل ملزوم العلة (7.)وذكر بعضهم أنّ أخذ القصد لتوقع تلك العلة مضرّ؛ إذ حفر البئر قد لا يقصد الحافر به


1) قواعد الأحكام 2 : 221.

2) المصدر 3 : 589 - 591، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

3) المصدر : 651.

4) المصدر 2 : 223.

5) إيضاح الفوائد 2 : 167.

6) غاية المراد 2 : 391 – 392.

7) الدروس الشرعيّة 3 : 107.

توقع تلك العلة الموجبة للتلف ولا قصدها أكثري مع ضمانه للسببيّة، وحمل ذلك على ما إذا كان حدوث المقتضي للتلف على تقدير ذلك الفعل نادراً فإنّه لا يعد سبباً ولعله أراد بقصده كون شأنه ذلك (1.)وبالجملة، فيظهر من بعض اشتراط إرادة القصد إلى توقع تلك العلة.ويظهر من بعض اشتراط إرادة المنشئية إلى ذلك القصد أو إلى التوقع.ويظهر من بعضهم اشتراط إرادة الأكثرية.ويظهر من بعضهم إرادة صلوح ذلك القصد ولو في بعض الأحيان.والأظهر اشتراط أغلبية وأكثرية ومنشئية ذلك السبب للتأثير في ترتب التلف على وقوع علّته؛ لأكثرية وقوع التلف في ذلك السبب، كحفر البئر، فإنه منشأ هلاك الواقع فيها، وقلّما ينفك الواقع فيها عن الهلاك، لا أنّه منشأ لأن يقع فيها أحد؛ إذ من الممكن صدور الحفر ألف سنة ولا يقع فيها أحد، وكذا البالوعة فقد لا يقع فيها أحد فضلاً عن الغالب، فالمراد بالأغلبية أغلبية التأثير في الهلاك أو في الضرر إذا وقع فيها أحد.فالأظهر حينئذٍ أنّ المراد بالسبب كما هو المفهوم من الأخبار، وهو أنَّه عبارة عن فعل من شأنه أنَّه لو صادفه فعل آخر يقضى للهلاك فيه لو وقع، فالعلة هو الفعل الثاني، والشرط هو الفعل الأول، فإنّه لولاه لما وقع الهلاك بالوقوع والتردّي، فيراد بالسبب ما هو أعم من الشرط والسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن المقتضي ومن المعد لحصول الشيء بحيث يُعدّ في العرف أنّ له تأثيراً في ذلك، فلو لم يعد أنّ له تأثيراً لبغده كآلة الحفر، فإنّ صانعها غير ضامن.وكذا صانع الآجر الذي قد وضع في الطريق فإنّها وإن كانت شرائط في التأثير ولكن لا يقال لها في العرف: إنّها مؤثرة وأسباب.وكذا ما يترتب عليه التأثير نادراً، كمن عثر بالنواة فهلك، فإنّ واضعها لا يضمن؛ لعدم منشئيتها لترتب الهلاك عند العثار بها غالباً، بل وعدم القصد إلى ذلك، بل لو قصد الهلاك لم يكن القصد مؤثراً، فما يُقطع من الأخبار بسببيته لكونه ممّا ذُكر فيها أو مثلها قطعاً يُحكم بضمان فاعله وحكم المشكوك فيه حكم المقطوع بعدمه؛ للأصل.


1) جامع المقاصد 6 : 207.

وكثيراً ما يقع التردد في سببيّة الشيء لضعفه أو الشكّ في فرديته للكلي المقيد من الأخبار وكلام الأصحاب، فلو حبس شاة فمات ولدها جوعاً أو تبعها ولدها فمات، أو حبس المالك فضلت دابته أو تلفت أمواله لعدم الكافل، فإنّه ممّا يقع التردد في كون الحبس سبباً للهلاك والضلال.والظاهر أنّ وضع المعاثر وحفر البئر وإن كانا سببين للهلاك مطلقاً إلا أنهما ليسا سببين للضمان كذلك؛ إذ لو حفر البئر في ملكه المختص أو المشترك مع إعلام شركائه لم يكن ضامناً إلا إذا غرّه أحد فناداه ولم يعلمه، وأما الداخل من غير إذن فدمه هدر، ولو حفر في المشترك من دون إعلام الشركاء، فالظاهر الضمان.ولو حفر في طرق المسلمين لمصالحهم فوضع عليها أبنية وجذوع بحيث لا يترتب على الحفر مع ذلك الهلاك، لم يكن ضامناً.ولو خربت تلك الأبنية والجذوع بعد ذلك، لزم على الحافر إصلاحها، فلو مات الحافر لزم إمام المسلمين ذلك، فلو فرّط فيها إمام المسلمين كان الضمان في بيت مال المسلمين في وجه، واحتمال الضمان في تركة الحافر فما دام له مال يلزم الوارث إصلاحه من ماله بعيد.ولو حفر بعيداً عن الطريق فلا ضمان في أرض مباحة ومثلها، وإن كان ممّا تصله الناس لبعض الأغراض، ففي الضمان وعدمه وجهان.وكذا لو حفر في غير الطرق إذا احتمل وصول أحد إليها.ولو حفر بطريق المسلمين من غير مصلحة لهم، بل بقصد الضرر، لزمه الضمان وإن جعل عليها أبنية وجذوعاً في وجه.#### ثامنها: في تعدّد السبب في التأثير والاستناد عرفاًثامنها: قد يتعدد السبب بحيث يكونان سواء في التأثير والاستناد عرفاً.والظاهر هنا الاشتراك في الضمان مع الوقوع دفعةً.وإن وقعا تدريجاً، احتمل الاشتراك، كمن حفر بئراً ووضع الآخر حجراً أملس على دائرها.واحتمل تضمين فاعل أوّل السببين.واحتمل تضمين المؤثر أوّلاً منهما، كصاحب الحجر من حيث تقدّم جنايته.

واحتمل الاشتراك إن نُسب الفعل إلى المجموع من حيث هو.وإن نُسب لكلِّ منهما مستقلاً، كان له الخيار في تضمين من شاء وإن رجع أحدهما على الآخر بعد ذلك.واحتمل تضمين أقوى السببين.ولو اجتمع المباشر والسبب، كان الضمان على المباشر ما لم يكن ضعيفاً كالمغرور والمكره، كما سيجيء (1إن شاء اللّه تعالى؛ لاستناد الفعل إليه، وللشك في شمول دليل ضمان السبب لمثل ذلك.)واستشكله بعضهم وجعل الضمان على الجميع كتعاقب الأيدي على المغصوب، قال: إلا أن يكون إجماعاً (2.)وفيه: إنّه لا دليل على ضمان السبب بعمومه بحيث يشمل هذا الفرد، فيبقى هذا الفرد مشكوكاً فيه، والأصل عدم الضمان.نعم، لو كان المباشر حيواناً أو جماداً من شمس أو ريح أو غير ذلك، ضمن السبب، كمن دفعه حيوان في بئر حفرها حافر في طريق المسلمين، فإنّ المتجه انفراد الضمان بالسبب؛ لضعف المباشر ؛ لعدم قصده واختياره، وكذا المغرور فإنّه بالنسبة إلى الغار ضعيف المباشرة، فلو قدم المغرور على مالٍ لا يتعقبه ضمان عليه من هبةٍ أو عارية أو وديعةٍ أو إباحة أكل أو إتلاف، كان ضمانه على الغار؛ لقاعدة نفي الضرر ولكلام الأصحاب حتّى أنَّهم جعلوا إيصال مال المغرور إليه لو كان بيد الغار مال له من أمانة أو غصب بنحو الإباحة والهبة ليس إيصالاً مبرئاً للذمة؛ لعدم تسليمه إلى أهله تسليماً تاماً؛ لإقدام المغرور على أنَّه لأهله وأنَّه مباح له، فلو علم أنّه ماله فلربما كان له استعماله بغير ذلك الوجه.وقد يقال: إنّ تسليم الغار إذا لم يكن فيه ضرر على المغرور بوجه وكان عين ماله وقد أعده لتلك الجهة التي أوصله على نحوها كما إذا كان ذهباً فأوصله نفس الذهب أو دسه في ماله، أو كان طعاماً مطبوخاً قد طبخه المغرور ليأكله فقدمه الغار إليه فأكله كان مبرئاً للذمة.


1) سيأتي في ص 60 - 61.

2) رياض المسائل 14 : 20.

وكذا لو دفعه على أنَّه يتصرف به كيف شاء كهبة أو وفاء دين أو نذرٍ أو زكاة أو خمس، فإنّه يبرأ من ضمانه؛ لتمام تسليمه إليه، وكذا لو دفعه إليه مضموناً عليه كالمقبوض بالسوم أو عارية ذهب على إشكال.نعم، لو دفعه إليه على غير صنعته، كما إذا طبخ الحنطة فأطعمها أو صاغ الذهب فوهبه له أو كان الطعام مطبوخاً لجهة غير أكله فأعطاه ليأ كله فأكله، فالأقرب: عدم براءة ذمته، وكذا لو دفعه إليه بعاريةٍ أو إجارة أو وديعة أو مضاربة وإن تلف عنده.نعم، لو أتلفه كان عليه ضمانه، وكذا لو جعله لقطة له.ولو نوى به التملك، كان مبرئاً في وجه.ولو دسه في ماله كان إيصالاً له إذا كان تسليمه تسليماً تاماً.وكذا المكره فإنه إن كان ملجئاً فلا كلام في ضمان مَنْ ألجأه، وإن كان تقيّةً على نفسٍ أو مال يضر بالحال أو مطلقاً، فإنّه يجوز إتلاف المال المكره على إتلافه له للمكره، والضمان على مَنْ أكرهه ما لم يكن الإكراه على نفسٍ، فإنّه لا تقيّة في الدماء، وفي الجرح وجهان، ودليله نفي الضرار (1وإجماع الأصحاب وغير ذلك ممّا يجيء (2)إن شاء اللّه تعالى.)وفي كلا المقامين ينبغي جواز رجوع صاحب المال على المغرور وإن كان له الرجوع على الغار، فيريدون أنّ الضمان على الغار يعني استقراره عليه.وكذا جواز رجوعه على المكره وهو يرجع إلى مَنْ أكرههلكن ظاهرهم في المكره الرجوع إلى مَنْ أكرهه ابتداء، ولا يرجع إلى المكره بوجه.وقد يُحمل ذلك على بيان عدم قدرة المكره على الرجوع إلى مَنْ أكرهه، فإذا لم يتمكن غالباً كان تغريمه المال بمنزلة استقرار ضمانه عليه فيعود الضرر المنفي عليه خاصةً.وقد يقال: إن الحكم تعبّدي نص به كلام الأصحاب.والجاهل بالنسبة إلى العالم مغرور، وكذا الصبي والمجنون والذاهل.نعم، لو قبض الجاهل المغصوب بعقد مضمون كبيع كان ضمان المبيع كلاً أو ما قابل


1) راجع الهامش (2) من ص 45.

2) سيأتي في ص 56.

الثمن عليه، وكان جمع ما غرمه ممّا أقدم عليه مجاناً من منافع ونفقة وزيادة على الثمن في وجه ويرجع به إلى الغار.وكذا لو استأجر مغصوباً جهلاً، كان عليه غرامة المنافع من دون رجوع، وغرامة العين مع الرجوع.أما لو تعدّى بالعين المستأجرة أو فرّط بالعارية أو تصرّف بالمباح له على غير وجه الإباحة، ففي رجوعه حينئذٍ من جهة الغرور أو عدمه لإقدامه على الضمان والتزامه به لو كان الغاصب مالكاً وجهان.وبالجملة، فأدلّة ضمان السبب من إجماع وروايات خاصة في موارد خاصة يسري الحكم إلى غيرها بتنقيح المناط أو الإجماع المركب مشكوك في شمول عمومها، كمن حفر بئراً أو مَنْ نصب ميزاباً أو مَنْ وضع مضراً في طريق المسلمين كما إذا كان المباشر مختاراً قاصداً فأتلف باختياره وأوقع في البئر مَنْ أوقعه بقصده، بل الظاهر قصره على ما إذا كان التلف والتردّي مستنداً إلى المتردي بعمله أو إلى حيوان أو مجنون أو جماد أو نحو ذلك ممّا ينسب التأثير عرفاً إلى السبب، ولا ينسب تأثيره إلى فاعله، وإن صدق أن الحيوان أتلفه وأرداه وقتله؛ لأنّ هذا الإسناد لا يقضى بالضمان، لقوة تأثير السبب، فيريدون بضعف المباشر ضعفه فى التأثير وإن صدق ونسب التلف إليه بحسب اللفظ، احتمال أن إسنادمع الوقوع والتردّي للحيوان والجماد لا يلزم منه إسناد التلف والقتل إليه، فيقال: أرداه وأوقعه الحيوان أو الهواء في البئر، ولا يقال: قتله. والمدار على الأخير.وكذا الحال في المغرور والمكره ولكن الأظهر كونهما خرجا بالدليل، كنفي الضرار (1والقاعدة المجمع عليها، وهو أنّ المغرور يرجع على مَنْ غره، وما دلّ من عدم ضمان المتقي والخائف (2)، ولأنّ الغار هو المتعدي عرفاً، وهو الكاره، وهو المؤثر عرفاً وإن أسند الفعل إلى المغرور والمكره حقيقة.)وقد يقال: إنّ ذا السبب لو تواطأ مع المتلف فقال له: أنصب لك سكيناً في الطريق فادفع فلاناً فيها، أو حفر له بئراً بذلك القصد فلا يبعد كون الضمان عليهما معاً؛ لصدق تأثيرهما عرفاً.


1) راجع الهامش (2) من ص 45.

2) لم نهتدي إليه.

وكذا لو اجتمع السيبان فقال للحافر وأنا أقول للأعمى: امش عليها فلا شيء عليك، فلا يبعد كون الضمان عليهما، مع احتمال اختصاصه بالقائد واحتمال اختصاصه بالحافر.وعلى كل حال فالمتلف إن كان ضعيفاً جداً بحيث يستهلك تأثيره بالنسبة إلى السبب وتوهن نسبة الفعل لم يكن عليه ضمان، وإن كان لا بتلك الحيثية تعلّق به الضمان كالمغرور، إلا أن استقراره على الغار؛ جمعاً بين ما دلّ على ضمان المتلف (1وما دلّ على أن الغار معقد (2)، وهو الحامل للوزر والضمان.)نعم، كان ينبغي أن يكون المكره كذلك، ولكن ظاهر الأصحاب تعلّق الضمان على المباشر خاصة؛ للأصل ما لم يضعف المباشر عن التأثير ضعفاً لا يقاوم قوة تأثير السبب أو يقوم دليل على خلافٍ فيدخل في ذلك صورة التساوي وصورة كون المباشر أقوى وصورة كون السبب أقوى لكن لا بحيث أن يصل المباشر في الضعف إلى ما ذكرنا، مع احتمال الاشتراك في هذه الصورة، أما لو ضعف السبب فلا كلام بعدم ضمان ذي السبب، كمن دلّ السارق أو كذب في أمرٍ على آخر فرتب عليه ما رتب وغرم ما غرم، أو وشى بشخص إلى ظالم فسلّطه عليه، إلى غير ذلك.وقد يقال: إن الغار مع استيلاء يده يجوز عود المالك عليه، ومع عدم الاستيلاء كما إذا غر شخصاً فأباح له طعاماً في الطريق مدعياً ملكيته أو الولاية عليه أو الوكالة فصدقه بناءً على جواز تصديقه فإنّه لا ضمان على الغار من المالك أصلاً وإن كان للمغرور بعد الغرامة الرجوع إليه.ويمكن المناقشة في رجوع المغرور على الغار فيما إذا كان المغرور قد استوفى ما وصل إليه بهبةٍ أكلاً وإتلافاً، فإنّه يمكن أنّ ما وصل نفعه إليه لا يرجع به إلى الغار.نعم، ما لم يصل نفعه إليه كما إذا تلف تحت يده من دون أن يعود نفعه إليه فإنّه يعود به إلى الغار، وهو وجه وجيه.ولا يتفاوت في ذلك العين والمنفعة في باب الإجارة لو ظهرت العين مستحقةً وقد استوفى المنفعة.


1) راجع الهامش (4) من ص 34.

2) لم نعثر عليه.

واعلم أن المكره لو أكره على أخذ مال الغير وأكله بحيث وصل نفعه إليه من عينٍ أو منفعةٍ فإنّه يجيء احتمال جواز رجوع المالك إليه؛ لوصول نفعه إليه وإن جاز له الرجوع بعد ذلك للكاره بل قد يحتمل جواز الرجوع إليه فيما إذا تلف تحت يده.نعم، لو أوصله للكاره كان احتمال رجوع المالك إليه ضعيفاً.ولا يضمن الكاره ولا المكره ما أخذ باسم الخراج من الحكام وعُمّالهم في حياتهم ولا بعد موتهم وكذا ما يؤخذ باسم الزكاة والخمس.وأما ما يؤخذ باسم الظلم العام من الدراهم على الدفن ومن العشور فلا يبعد عدم ضمانها كذلك، وفي ضمانها إذا كانوا أحياء وجه. وأما بعد موتهم فالسيرة قاضية على عدم أخذها من أموالهم بعد تلف العين.وقد يفرّق بين المعين والمجهول، فيؤخذ ما عُلم أهله ويرجع إليهم، ولا يؤخذ المجهول إلا من باب ردّ المظالم.وأما ما يؤخذ جوراً وظلماً فضمانه على الكاره من الحُكّام وغيرهم، ويؤخذ منهم أحياءً وأمواتاً معيناً أو مجهولاً صاحبه.وقد يقال بعدم ضمانه من التركة بعد موتهم إذا عاد مجهولاً صاحبه؛ للسيرة القاضية بعدم أخذ تركة الحُكّام صدقةً بل قسمتها قسمة المواريث.واحتمال إلحاق المعلوم احتمال ضعيف.وهذا الأخير يخص أهل المناصب من الحكام دون غيرهم.ولا يشك في ضمان غيرهم حياً وميتاً مجهولاً أو معلوماً، وكذا لا يشك في لزوم ردّ العين لأهلها مجهولين أو معلومين لا فيما يؤخذ باسم الخراج والمقاسمة.#### تاسعها: لو تصرّف المالك بشيءٍ من نارٍ أو ماء في ملكه...فسرى إلى ملك غيره فأتلفهتاسعها: لو تصرف المالك بشيءٍ من نارٍ أو ماء في ملكه ونحوهما فسرى إلى ملك غيره فأتلفه، فإن تجاوز قدر حاجته أو فَعَله من دون حاجةٍ أو تجاوز قدر الحاجة العرفية ضمن وإن لم يكن له حاجة، والأخير هو الأظهر.وكذا لو علم أو ظنّ ظنّاً معتاد التجاوز إلى غيره فتجاوز فأحرق أو أغرق ضمن، وظاهرهم

الاتفاق عليه؛ لعموم «مَنْ أتلف»(1و «لا ضرر ولا ضرار» (2)لأنَّه متعد.)وإن لم يتجاوز قدر الحاجة ولم يعلم أو يظنّ التجاوز، فلا ضمان؛ للشكّ في شمول دليل الضمان؛ لضعف دليله ما لم يكن مجبوراً بشهرة أو إجماع منقول، وللإذن الشرعي، فلا يستعقب ضماناً غالباً.والمراد بالظنّ المنشأيّة، فلو كان بليداً لا يُعرف اتبع مستوى الإدراك، وكذا القطاع والظنّان. وإن تجاوز ولم يعلم أو يظنّ أو علم وظنّ ولم يتجاوز، ففي الضمان قولان ووجهان: من عموم دليل الضمان، ومن الأصل والشكّ في شمول الإطلاق لمثل ذلك الفرد، والعموم ضعيف.نعم، يقوى مع العلم أو الظنّ الضمان؛ لأنّه لا ضرر ولا ضرار» وتعدى عرفاً ما لم تمس الحاجة إلى إيقاد النار، فلو مست الحاجة جاز وإن كانت مباشرة قريبة، كما إذا تدلّت أغصان شجرة الدار على موقد جاره وإن كانت موضوعةً بحقِّ ولم يمكنه عطفها، وكذا إذا مست حائطه منه.ومَنْ أجج ناراً في أرض مباحة في غير طريق المسلمين أو أسال ماء، لم يضمن ما تؤدي فيه إلا أن يكون ممّا يصل إليه المسلمون لبعض الأمور.ولو سرت من ذلك المباح إلى ملك غيره، فمع تجاوز الحاجة والعلم أو الظنّ عادةً بالتجاوز ضمن، وإن خلا عن الأمرين لم يضمن، وإن حصل أحدهما، ففي الضمان كما تقدّم من عموم «مَنْ أتلف» وشبهه، ومن أصالة البراءة من الضمان والشكّ في اندراج هذا الفرد تحت تلك القواعد والعمومات.وكذا الحكم في بالوعةٍ لو حفرها الجار تنز على جاره، أما لو وضع ميزاباً أو فعل فعلاً ينتقل منه إلى جاره عادة فهو كالمباشر يُمنع منه.#### عاشرها: حكم ما لو وضع ما يضعف عن مقاومة السبع بل كلّ حيوان قتالعاشرها: لو وضع ما يضعف عن مقاومة السبع بل كل حيوان قتال من صغر أو مرض في مسبعة أو في موضع يأوي إليه ذلك الحيوان، ضمن.


1) هي قاعدة مستفادة من مضامين الأخبار.

2) راجع الهامش (2) من ص 45.

ولو وضعه في غير ذلك الموضع فاتفق قتله، احتمل الضمان؛ لإحداث سببه، سيما لو علم أنَّه لو لم يطرح ها هنا لم يقتل، واحتمل عدمه؛ للأصل ولاحتمال الاتفاق.ولو غصب شاةً فمات ولدها جوعاً من جهة عدم الرضاع، احتمل الضمان لمآل التسبيب.ويلحق به كلّ مَنْ منع الأكل أو الشرب عن شخص، وهو قوي سيما لو كان المنع بعد توجه الأكل والشرب إليه بحيث لو جيء به إليه أراقه.واحتمل العدم؛ لإمكان الاتفاق، وعدم تأثير المنع بعلة التلف، وهو ضعيف، وإلا لما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ بنو أُمية بالعطش.)ولو منع الحيوان عن الأكل، فهو مباشر للقتل، وهو أقوى من منع الأكل عنه.ولو حبس المالك عن حفظ ماله فتلف احتمل الضمان إذا كان سبب التلف منع المالك عن الحفظ؛ لتأثيره في علّة التلف.واحتُمل عدمه؛ لضعف التأثير واحتمال الاتفاق، وعدم استناد سببيّة التلف في العرف إلى الحابس.ولو تلف المال بمباشر قوي كالسارق، كان الضمان على المباشر قطعاً.ولو دلّ السارق لم يضمن؛ لضعف السبب.واحتمل العلامة الضمان (1.)وكذا مَنْ شكى إلى ظالم أو وشى، فأخذ الظالم ماله، فإنّ الضمان على الآخذ.نعم، لو كان ذلك مع مَنْ لا يعقل كما إذا أغرى مجنوناً أو كلباً أو حيواناً فأتلف المال، كان ضمانه عليه.ولو غصب شاةً فتبعها ولدها فمات، احتمل الضمان لمكان التسبيب والتأثير في علّة التلف، واحتمل عدمه؛ لضعف التأثير في علّة التلف.ولو حلّ وكاء القربة فسالت، ضمن؛ للمباشرة.ولو حلّ وكاء الظرف فسال بعد ذوبه بالشمس أو الريح، قوي الضمان؛ لمكان التسبيب.واحتمل عدمه؛ لاستناد الفعل إليهما. وهو ضعيف.


1) إرشاد الأذهان 444:1.

ولو كان الذوبان بريح غير معتادة، قوي احتمال عدم الضمان.ولو فك القفص عن طائر فطار، ضمن؛ لمكان قوة السبب، وكذا لو فكه عن مجنون، وكذا لو فتح الباب عن كل حيوان ضمن ولا يتفاوت بين مبادرة الخروج وعدمه.واحتمل عدمه؛ لاستناد الفعل للحيوان.ولو فك القيد عن عبد فأبق، لم يضمن؛ لأن المباشر هو نفسه.واحتمل الضمان؛ لمكان التسبيب في الجملة، ويشعر به ضمان مَنْ أطلق غريماً من يد صاحبه.ومبنى المسألة على ما ذكرنا من المفهوم من الأخبار ومن تنقيح المناط فيها؛ ضرورة إذا ضمن حافر البئر كيف لا يضمن ملقي الضعيف في المسبعة وفاتح قفص الطائر ؟؟ وهل هذا إلا بعيد كل البعد، فالمدار حينئذٍ على تلك الأخبار وعلى حديث الضرار، فما صدق في العرف أنَّه هو الضرر فهو ظالم، وهو المعتدي، وهو المؤثر في إيجاد علة تأثير التلف بحيث لولاه لما عملت علّة التلف عملها ضمن، وإلا فلا، فتأمل.#### حادي عشرها: في أنّ المقبوض بالبيع الفاسد وبكل عقد فاسد مضمونحادي عشرها: المقبوض بالبيع الفاسد وبكلّ عقد مبني على ضمان المعقود عليه كالمنفعة في الإجارة والعين في صلح أو بيع مضمون لو ظهر فساد العقد؛ لعموم «على اليد ما أخذت» (1الشاملة للمأخوذ قهراً، وغيره، وللقاعدة: إنّ ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده، ونقل عليه الإجماع (2)في الإثبات والمراد بها أنّ كلّ عقدٍ يُضمن المعقود عليه بصحيحه يُضمن بفاسده من المعقود عليه، وما لم يكن من المعقود عليه غير مذكور فيها فلا يتوجه عليها إيراد ونقض.)ولا يتفاوت ذلك بين أن يكون المتعاقدان عالمين بالفساد أو جاهلين أو أحدهما عالم دون الآخر.وقد يشكل في صورة ما إذا كان الدافع عالماً والقابض جاهلاً من حيث إنّه كأنّه سلّطه على إتلافه وأباح،قبضه والإذن المالكية رافعة للضمان، بل قد يستشكل في جميع الصور


1) راجع الهامش (5) من ص 34.

2) مسالك الأفهام 12 : 174.

من حيث تسليط الدافع للقابض على ماله وإذنه فيه وكونه كبيع المعاطاة أو الصلح المعاطاة فلا يضمن القابض.وفيه: إنّ الإذن كانت على نحو خاص، وهو كونها على نحو القبض الصحيح المتعقب للعقد الصحيح، فالإذن مقيّدة بوجه الصحّة ومصاحبة للعقد المبني على صحته ومنبعثة عن عقد زاعمين صحته، وليست كالمعاطاة؛ حيث إنّ المعاطاة قادمين فيها على الإذن بنفس المعاطاة، ولهذا لو قدما فيها على إرادة اللزوم من الصيغة ففسدت الصيغة لم تؤثر المعاطاة أثراً.وبالجملة، فالمدفوع بالعقد الفاسد والمقبوض مدفوع على أنَّه دفع ملك وقبض ملك للمدفوع، فهو قبض للملك لا ملك بالقبض فلم يؤثر الدفع ملكاً ولا إذناً بالتصرف؛ لأن العقود تتبع القصود، فليس المقصود الملك بالقبض حتّى ينصرف للمعاطاة بل المقصود التقبيض للملك والمنافع مضمونة بالعقد الصحيح فكذا في العقد الفاسد؛ للقاعدة المتقدمة، وللإجماع على ضمان المنافع المستوفاة، ويمكن دخولها بعد الاستيفاء تحت ضمان اليد؛ حيث إنّها دخلت تحت سلطانه بالاستيفاء، ويمكن إدخالها تحت قاعدة «مَنْ أتلف» لأنَّه بالاستيفاء كأنه أتلف المنفعة.والمناقشة متوجهة في كلا المقامين، فيمكن أن تكون قاعدة ضمان استيفاء المنافع قاعدة مستقلة.ومن جملة ما هو مضمون المقبوض بالسوم معيّناً أو ضمن أشياء يختار أحدهما؛ وهو فتوى المشهور؛ لعموم «على اليد» (1خرج منه الأمانات الغير المقبوضة على ذلك النحو فبقي الباقي، ولأنه قادم على ضمانه، والظاهر أنّ المقبوض هو المقبوض لأن ينتقل إليه بعد القبض، فالمقبوض لأن يراه فإما يشتريه أو لا ممّا قد يشكل دخوله تحت أدلّة المقبوض بالسوم.)#### ثاني عشرها: وجوب ردّ المغصوب فوراًثاني عشرها: يجب وجوباً شرعياً ردّ المغصوب فوراً؛ للإجماع بقسميه (2والكتاب والسنّة الناهيين عن أكل المال ووجوب الردّ وحرمة الظلم (3)إلى يد المالك، ولا يكفي ردّه إلى الموضع الذي غصبه منه ولو كان حرزاً للمالك.)


1) راجع الهامش (5) من ص 34.

2) الدروس الشرعيّة 3 : 109.

3) البقرة (2): 188؛ الزخرف (43) : 65؛ وراجع وسائل الشيعة 25: 385 الباب 1 من أبواب كتاب الغصب، ح 1.

ولو توقف الردّ على دفع مال، لزم الغاصب ذلك.ولو تلف في زمن الردّ، كان مضموناً أيضاً.ولو لم يمكن ردّه لبعد مكان لا يمكن الوصول إليه أو تقيّة، فإن كان الإيصال مرجوّاً لزم حفظه، وإلا فالأقوى لزوم التصدق به عن أهله ولو كان كافراً.ويسقط وجوب الردّ لو خاف على نفسه أو عرضه.ولو خاف على ماله، فالظاهر عدم السقوط؛ لإقدامه على هتك حرمة ماله بجرأته على مال غيره واحتمال سقوط حرمة نفسه لا وجه له.ويجب الردّ للعين ما دام العين باقية متمولة أو منتفعة بها بحيث يبقى للمالك بها ملك وإن زالت المالية أو اختصاص وإن زال الملك، فيجب ردّ الحبّة الواحدة وإن غرم وزنة الحنطة.ويجب ردّ ما يصير رضاضاً بالرد كالآجر أو الخشب فيستحق فيخرج عن المالية، بل يجب ردّ ما يخرج عن الملك والمالية ولكن يبقى فيه حقّ الاختصاص، كما إذا أعاد شيئاً ينتفع به فيختصّ به المالك، أما لو خرج عن الجميع كما إذا استحال عذرة أو عاد بعد أكله ميناً، بناءً على أن الاستحالة لا يخرجه عن حقّ متقدم فلا يجب ردّه قطعاً.ولو تلف في ردّه أصلاً أو اضمحلّ، ففي لزوم إتلافه لو طلبه المالك وجه أيضاً.ونُسب (1للمشهور أنّ المغصوب لو خرج عن التموّل كما إذا عاد رضاضاً أو الماء عاد رطوبة أو علم أنَّه يعود كذلك فإنّه يخرج عن ملك المالك ولا يجب رده، بل يكون ملكاً للغاصب ويعود إليه لمكان بذل قيمته للمالك، فيملكه بالحكم الشرعي ولو قهراً؛ لامتناع الجمع بين العوض والمعوض.)ولكن الأقرب خلافه؛ حيث إنّ الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال، وإن دفع القيمة إنما كان لإتلافها، فيبقى وجوب ردّ العين سليماً عن المعارض، ولاستصحاب ملك الغاصب للعين وإن خرجت عن المالية، ولمشابهة دفع القيمة هنا دفع القيمة عند حيلولة الغاصب بين المالك وماله، حيث إنَّه حال بينه وبين القيمة، ويشعر به ظاهر ما ورد عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ من أنّه قاء البيض بعد أكله (2)، وظهور أنّه من الكسب الحرام أنّ الردّ واجب للعين مع القيمة استصحاباً للملك.)


1) لم نتحقق الناسب.

2) وسائل الشيعة 17 : 165 الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

ويجوز للمالك أخذ ماله وإن أتلف الغاصب من المال ما أتلف، فلو أتلف قنطاراً من الذهب على درهم جاز إذا توقف التوصل إلى حقه على ذلك.بل احتمل بعضهم (1أنَّه لو توقف على إزهاق دم الغاصب والوصول إلى ماله جاز؛ للشكّ في احترام نفس الغاصب والحال ذلك، فيكون حكمه حكم الدفاع.)ولكنه بعيد عن ظاهر الفقاهة والفقهاء، وللدفاع حكم آخر.فعلى ذلك فلو غصب لوحاً فأدخله في سفينة في البحر، فإن خشي بإخراجه ذهاب نفس غير الغاصب حرم عليه قلعه، ولزمه الانتظار، وإن خشي ذهاب نفس حيوان لغير الغاصب فكذلك وإن أمكن ذبحه، وإن خشي ذهاب نفس الغاصب فالأقوى أيضاً لزوم الانتظار، مع احتمال جواز إزهاق نفسه؛ لذهاب حرمتها بالغصب، ولكنّه ضعيف.وإن خشي ذهاب نفس الحيوان للغاصب، فإن أمكن ذبحه فالأقرب: جواز ذبحه، وإن لم يمكن فالأظهر: لزوم الانتظار؛ لاحترام نفس الحيوان، وإن خشي ذهاب مال لغير الغاصب وكان صاحبه غير عالم بالغصب حين وضع ماله فيها لزمه الانتظار، مع احتمال جواز إخراج اللوح، والضمان على الغاصب.وإن خشي ذهاب مال الغاصب، فالأقوى جواز الإخراج، ولا يلزمه الانتظار؛ لسقوط حرمة مال الغاصب بغصبه، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الحجر المغصوب في الدار رهن على خرابها» (2)ولأنّ الضرر أدخله على نفسه.)ونقل عن الشيخ في المبسوط، والتذكرة والسرائر (3عدم جواز قلعها وإتلاف مال الغاصب؛ لأن السفينة لها أمد ينتظر بأن تقرب إلى الساحل فيأخذ لوحه ويأخذ أجرته، وله أن يأخذ قيمته في الحال؛ لمكان الحيلولة، وله الخيار عند قربها للساحل، بخلاف اللوح المثبت في الدار التي لا أمد لها، فإنّه هناك يلزم الغاصب بقلعه وإن خربت الدار. ولو اشتبهت السفينة بسفن للمالك أو الدار بدورٍ ولم يمكن إخراج اللوح وتميزه إلا بخراب الجميع جاز.)


1) لم نتحقّقه.

2) وسائل الشيعة 25 : 386 الباب 1 من أبواب كتاب الغصب، ح 5.

3) المبسوط 3: 86 - 87؛ تذكرة الفقهاء 19: 318 المسألة 1116؛ السرائر 2 : 484.

ولو امتزج مال المالك بمال الغاصب مزجاً يشق تمييزه، لزم الغاصب ذلك. ولو توقف التمييز على إتلاف مال المالك ألزم الغاصب بأرشه.ولو خيط الثوب بخيوط مغصوبة، كان للمالك نزعها ولو تلف الثوب.ولو بقيت الخيوط بعد النزع لا قيمة لها ألزم الغاصب بالقيمة وبما لا قيمة له من الخيوط على الأشبه.وعلى المشهور يكفي دفع قيمة الخيوط، ولا يجب النزع والحال هذه.ولو خيط بها جلد إنسان وتضرر بنزعها، ألزم الغاصب بقيمتها، وحرم النزع ولو كان الإنسان هو الغاصب أو هو العالم بالغصب مع احتمال جواز النزع لو كان هو الغاصب سيما لو كان الضرر يسيراً.ولكن لو خاط بها جلد غيره وكان غيره جاهلاً، فلا يشكّ في استقرار الضمان عليه، وإن كان غيره عالماً ففي كون قرار الضمان على المخيط والمخاط بها وجهان، من أنّ المخيط هو المتلف بخياطته، ومن أن المخاط هو المتلف بقبوله ذلك وببقائه تحت يده و انتفاعه به فكأنه عاد إليه نفعاً وإتلافاً، وهو الأقوى.ولو خیط به جلد حیوان،محترم، فإن كان غير مأكول فحكمه حكم الإنسان على الأظهر، وإن كان مأكولاً، فإن كان لغير الغاصب أو العالم بالغصب فكذلك؛ لحرمة روحه، وجواز ذبحه للأكل لا يجوز ذبحه لغيره، فيضمن الغاصب قيمة الخيط، مع احتمال جواز ذبحه؛ لمنع اختصاص جواز ذبح الحيوان بقصد الأكل، ويضمن الغاصب النقص لمالك الحيوان، وهو تفاوت بين كونه مذبوحاً وغير مذبوح، ولكن ظاهر الفقهاء على عدم الذبح.ولو قيل بجواز الذبح إن رضي المالك وإن لم يرضَ فلا يجوز ولا يجبر لكان وجهاً.ولو كان الحيوان للغاصب وشبهه، ففي جواز ذبحه؛ للأصل، وللشك في بقاء حرمته والحال ذلك فيجمع بين الحقين ذبحه وإرجاع الخيط إلى أهله، نعم، لو لم يمكن ذبحه ردّ قيمة الخيط إلى أهله، وعدم جواز ذبحه؛ لاحترام الحيوان، وللنهي عن ذبح الحيوان لغير أكله (1وحرمة الذبح لغير الأكل فيجمع بين الحقين برد قيمة الخيط وبقاء الحيوان.)


1) أورده الماوردي في الحاوي الكبير 7: 202؛ وابن قدامة في المغني المطبوع مع الشرح الكبير 5: 425، المسألة 3984.

ولو مات المخاط به، فإن كان حيواناً فلا حرمة له، وانتزع الخيط منه، وإن كان إنساناً، فإن أدى به إلى المثلة سواء خيط به حيّاً فمات، أو ميتاً، سقط لزوم النزع، ودفع الغاصب القيمة، وإن لم يؤد إلى ذلك انتزع الخيط منه و ردّه إلى مالكه.وعلى كلّ حالٍ فيملك الغاصب الخيط بعد دفع القيمة، ويجوز له الصلاة به، مع احتمال أنَّه لا يملكه، والدفع لمكان الحيلولة.وقد يقال بجواز إلزام الغاصب بنزع الخيط وإن حصل ضرر ما لم يصل إلى التلف وشبهه؛ لأنَّه يؤخذ بأشق الأحوال.ويجوز إلزام الغاصب بشراء الحيوان من أهله وذبحه؛ بناءً على جواز ذبحه لغير الأكل.ويظهر من ذلك حكم ما لو ابتلع مغصوباً كدينار ودرهم أو جوهرة شخص إنسان محترم كالمسلم، فإنّه لا يشق بطنه، بل يؤخذ منه المثل أو القيمة.ولو بلعه حربي أو كافر مرتد، جاز،شقها، وكذا لو كان عليه قصاص جاز لأهل القصاص.ولو بلعه حيوان غیر محترم شقت بطنه کخنزیر وكلب أو أحد السباع المؤذية.ولو بلعه حيوان محترم غير مأكول، لا تُشق بطنه، وغرمه الغاصب المثل أو القيمة؛ للحيلولة.ولو ابتلعه حيوان مأكول اللحم، فإن كان ملكاً للغاصب قوي القول بوجوب ذبحه وشق بطنه.ويحتمل عدم جواز ذلك؛ بناءً على عدم جواز ذبحه لغير الأكل، فحينئذٍ يغرم الغاصب المثل أو القيمة؛ للحيلولة.ولو كان الحيوان لغير الغاصب، ألزم الغاصب بشرائه وشق بطنه؛ بناء على جواز ذلك، ولا يجب على المالك إجابته على الشراء، فإن لم يجبه المالك غرم الغاصب المثل أو القيمة، وينتظر حينئذٍ موته أو ذبحه.ولو ابتلع حيوان غير مأكول مال شخص من دون تفريط من المالك في حفظ الحيوان، لم يغرم المالك الحيوان ولزم الانتظار إلى موت الحيوان ولا يجبر المالك على شق بطنه.ولو كان مأكولاً، أمكن القول بجواز جبر المالك على ذبحه وإعطاء قيمته وأخذ صاحب المال ماله بعد شق بطنه.والأظهر عدم جواز الإجبار، ولزوم الانتظار إلى ذبحه أو موته، ولا يغرم المالك شيئاً؛ لعدم تفريطه.

ولو ابتلع إنسان محترم مالاً مغصوباً فمات ففي شق بطنه وإخراجه وجه.والوجه الآخر : لزوم دفع المثل أو القيمة من ماله، وعدم شق بطنه إلى صيرورته رميماً، فيعود المال للمالك، ويرجع بما دفع إليه من تركته.ولو كان الإنسان غير محترم شقت بطنه.ولو ابتلع شخص من ماله شيئاً خطيراً فمات فهل للوارث شق بطنه؟ لا يبعد عدم جواز ذلك، مع احتمال الجواز؛ لإسقاط حرمته بإذهاب ماله، ولكن هذا الاحتمال في المغصوب أقوى.ويشتد الإشكال لو مات فدفن؛ لحرمة هتك حرمته بالشق والنبش.وهل لزوم الجرح أو النبش كلزوم الموت في الحكم بسقوط أخذ المال والرجوع إلى المثل والقيمة؟ ظاهر مَنْ رأيناه من الأصحاب ذلك، مع احتمال جواز تحمّل الجرح للغاصب عند دفع المغصوب سيما لو لم يكن الضرر كثيراً؛ للأخذ بأشق الأحوال ومبنى أكثر هذه المسائل على تعارض عموم حرمة القتل والجرح للمسلم، وعلى وجوب ردّ المغصوب، وعلى دخول الفرد في حديث «لا ضرر» (1أو عدم دخوله، وفي ترجيح أحد الفردين على الآخر وعدمه، فتأمل.)#### ثالث عشرها: في حكم ما لو غصب شيئاً فعاب عند الغاصبثالث عشرها: لو غصب شيئاً فعاب عند الغاصب، ردّه مع أرش العيب، وكذا لو تغيرت صفته فنقص لنقصان صفته وتغيّرها، فإنّه يردّه مع قدر ما أنقصه ذهاب الصفة من القيمة على الأظهر، أما نقصان القيمة فلا تُضمن، بل لو بقي بلا قيمةٍ يُعتدّ بها فلا ضمان إجماعاً، ولا خلاف فيه إلا من شاةٌ من المتأخّرين نقلاً (2لا يُعتد به.)وحديث «لا ضرار» (3يُشكّ في شموله لمثل هذا المقام.)نعم، لو خرج عن المالية والتقويم بالكلية، فعلى الغاصب ضمانه بالمثل أو القيمة، وفي لزوم إرجاع العين كذلك قد تقدم (4.)


1) راجع الهامش (2) من ص 45.

2) لم نتحقّقه، ونسبه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام :2 : 182 إلى شذوذ من العامة.

3) راجع الهامش (2) من ص 45.

4) تقدّم في ص 63.

هذا إذا كانت عينه قائمةً وقد ردّها، أما لو تلفت ففي ضمان نقصان القيمة وعدمه كلام يأتي (1إن شاء اللّه تعالى.)ولا يتفاوت في أرش العيب بين كون العيب من قبله أو من آفة سماوية.هذا كله فيما لو كان العيب مستقراً، أما لو كان سارياً يؤدّي إلى تلف العين واضمحلال قيمتها كعفن الحنطة وتعفّن الخضراوات والبقول، فإن أمكن المالك إزالة السراية بطريق معهود من دون علاج ومشقة وبذل مالٍ لم يضمن الغاصب سوى أرش العيب حين الرد؛ لأنّ التقصير من قبله، كمن جرح شخصاً وكان قادراً على شدّ جرحه فلم يشدّ المجروح حتّى مات، فإن الجارح لا يضمن النفس.نعم، لو كان العلاج بالطبيب أو الصدقة أو بذل شيء يشق عليه فتركه المجروح، ضمن الجارح على الأظهر.وإن لم يمكن المالك إزالة السراية ففي ضمان الغاصب أرش النقصان عند الدفع؛ لأنَّه هو الذي فات تحت يده إلى حين الرد، أو ضمان أرش نقصانه إلى حين تلفه لتحقق سببه تحت يده فكان تلفه تحت يده فيضمن الأرش كذلك، أو ضمان الأرش إلى حين الردّ ثمّ ضمان ما ينقص بعد ذلك يوماً فيوماً؛ لعدم تعلّق الضمان قبل حصول سببه، وهو النقص الحادث، أو ضمان المعيب ودفع قيمته للمالك وملك الغاصب للمعيب؛ لعدم إمكان جمعه بين العوض والمعوض وجوه، بل وأقوال.وتحقيق المسألة أن المغصوب إذا عيب حتّى ذهبت ماليته أو ذهبت ماليته عند الغاصب ضمنه الغاصب بالمثل والقيمة، وكذا لو ذهبت قيمته السوقية عند الغاصب بالكلية، فإن الغاصب يضمنه. ومعنى قولهم: إن الغاصب لا يضمن القيمة إجماعاً، هو فيما لو بقيت له قيمة في الجملة ولو من الألف إلى الواحد، فإنّ الغاصب لا يضمنها، أو يراد مع بقائه متموّلاً أنَّه لا يدفع به أحد قيمة؛ لإعراض الناس عنه يومئذ.وإن بقيت للمغصوب قيمة ناقصة وكان سببها عيب أو تغيير حدث عند الغاصب، فلا يبعد لزوم إرجاع العين مع الأرش حين الرد، سواء كان سارياً أم لا.


1) يأتي في ص 74 وما بعدها.

ويدلّ عليه: «حتى تؤدّي» (1فإنّ الظاهر التأدية على نحو الأخذ مع وصف الصحّة وغيرها، ولما لم يكن كان الأقرب إلى التأدية هو الأرش؛ لأنّه قيمة الفائت، وللزوم الضرار مع عدمه.)نعم، لو كان العيب الساري ممّا يفوت القيمة حين الردّ(2.)هذا، مع احتمال ضمان ما تجدّد من السراية، فيدفع أرشه بقدر ما يفوت منه كل يومٍ بيومه؛ حيث إن حدوث العيب كان تحت يده والسراية من مقتضياته، فكأن المتأخّر كان متقدماً؛ لوجود سببه ومادته.ويشترط في هذا أن لا يكون قادراً عادةً بلا مشقة على قطع السراية، وإلا فالسبب أقوى من المباشر.والأوجه أن يقوم صحيحاً ومعيباً بعيبٍ سارٍ فيدفع أرش العيب الساري حين الرد. نعم، لو لم يعرف قدر سرايته، دفع الأرش حين الردّ، وما يتجدد يدفع أرشه عند تجدّده ولو استوعب القيمة.واحتمال ملك الغاصب له بعد دفع قيمته للمالك فيكون بمنزلة التالف، ضعيف.#### رابع عشرها: في أنَّه يضمن المثلي بمثله##### إشارة:رابع عشرها: يُضمن المثلي بمثله إجماعاً؛ لأنَّه الأقرب إلى مصداق التأدية في الرواية المعتبرة (3، ولقوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (4)، (وَجَزَاؤُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (5)و (عاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ)(6)بضميمة الإجماع في الآية على عدم الفرق بین المعتدي وغيره في الضمان.)والدلالة ظاهرة، سواء أريد بـ «ما» نفس الشيء الذي اعتدى به، أو أريد به أُريد به المصدر، وهو الاعتداء، أو أريد عموم الموصول الشامل لجميع ذلك.


1) راجع الهامش (5) من ص 34.

2) كذا قوله : «نعم...الردّ» في الأصل.

3) راجع الهامش (5) من ص 34.

4) البقرة (2): 194.

5) الشورى (42) : 40.

6) النحل (16) : 126.

وبالجملة، فمن اعتدى على أحدٍ يُعتدى عليه بمثل ذلك الاعتداء من نفس المال وكيفية الاعتداء وحاله ووصفه، ولا يراد بالآية من المثلية المثلية الحقيقية من كل وجه؛ للزوم المحال، ولا المماثلة ولو من أحد الوجوه؛ لعدم صحة إطلاق المثل عليه، وفرق بين مطلق المثل والمثل المطلق، بل يراد المماثلة العرفية والمماثلة العرفية مرجعها العرف ومع الشكّ في العرف يرجع بها إلى لسان أهله، وأعرف الناس بلسان أهله الفقهاء، فما عرف أن له مثلاً كان ضمانه بمثله عزيمة لا رخصة، فلا يجوز للمالك جبر الغاصب على غيره، ولا يجوز للغاصب جبر المالك على قبول غيره. وما لم يعرف كان ضمانه بقيمته ؛ للإجماع على مسمّى الضمان واختصاص ما له مثل بالمثل فيبقى ما لم يعلم أنّ له مثلاً ضمانه بالقيمة، ولما ورد من الروايات (1الدالّة على ضمان الحيوان وغيره من القيميات بالقيمة، وليس لها خصوصيّة، بل المراد أن جميع ما ليس له مثل فضمانه بالقيمة، فالقيمة أصل لما لا مثل له، أو يقال بلزوم الصلح أو القرعة عند اشتباه ما في الذّمة، والأصل عدم الاختصاص بشيءٍ؛ لأنهما فردان، فلا يجري فيهما الأصل.)ولا يجوز أن يقال: إنّ الأصل ضمان الشيء بما يصدق على الآخر أنّه مثله من حيوان أو جمادٍ أو عروض أو أراض أو نقود، إلا ما خرج بالدليل، كالحيوان، فإنّه يضمن بقيمته وإن كان له مثل عرفاً.لأنا نقول: إنا لو خُلّينا والآية لأمكن القول بذلك، ولكن فهم الفقهاء بل وإجماعهم منطبق على أنّ ما يُضمن بمثله هو أمر خاصّ ما كان له أمثال وكانت ماهيته من ذوات الأمثال وكان بناء نوعه على المماثلة، لا أن المثلي هو مجرّد ما كان له فرد من نوعه يماثله ظاهراً، كالحيوان والأرض ونحوها، فيكون الإجماع كاشفاً عن أن المثل المراد في الآية هو ذلك النوع المماثل عرفاً، لا كلّ ما صدق أنَّه مثله من الأفراد الخاصّة، بل قد يقال: إن الآية كالمجملة؛ لاحتمال إرادة بيان قدر الاعتداد فيها بالنسبة إلى الفعل من دون زيادة، فالقتل بالقتل من دون مثله والجرح بالجرح والقذف بالقذف وأخذ المال بأخذ المال من تعد للنفس أو المال لا بیان جنس المعتدى به، وحينئذٍ فليس إلا الإجماع؛ لعدم ورود لفظ المثل في الأخبار إلا في القرض، فيقتصر على مورد الإجماع من فهم الفقهاء من المثلي.


1) منها : ما في وسائل الشيعة 25: 390 - 391 الباب 7 من أبواب كتاب الغصب.

وقد يقال: إنَّه لا فرق بين القرض وغيره؛ للإجماع المركب، فما يراد بالمثل في القرض يراد في غيره، ولا يُفهم من المثل إلا المماثلة في الجملة، فلا يراد المماثلة من كل وجه، وإلا لم يبق مثل، والمماثلة في الجملة حاصلة.لأنا نقول: إنّ الكلام في القرض كالكلام في غيره سواء، فالمثل في القرض هو المثل غيره، ويراد بالجميع هو ما فهمه الفقهاء من المثل الخاص، وهو التشابه في أفراده في الجملة وإن اختلفت تلك الأفراد في بعض الأوصاف، كالحنطة والسمسم من لون أو صغر أو كبر أو طراوة أو خشونة.##### تفسير الفقهاء للمثليوبالجملة، فللفقهاء في تفسير المثلي اختلاف:فمنهم من قال: إن المثلي ما تتساوى قيمة أجزائه، أو ما تساوت أجزاؤه (1.)منهم مَنْ قال: إنّه المتساوي الأجزاء والمنفعة المتقاربة الصفات (2.)ومنهم مَنْ قال: إنّه ما تتساوى أجزاؤه بالحقيقة النوعية (3.)ومنهم مَنْ قال: إنّه ما يقدّر بالكيل والوزن (4، وزاد بعضهم بما جاز السلم فيه (5)، وزاد آخرون اشتراط بيع بعضها ببعض (6).)ومنهم من قال: إنَّه ما لو فرق بعد الاجتماع أو جمع بعد التفرّق عاد كالأول من غير علاج(7.)ومنهم مَنْ قال: إنّه ما لا تختلف أجزاء النوع الواحد منه. منه في القيمة (8.)ومنهم مَنْ قال: إنّه ما تشاكل في الخلقة ومعظم المنافع (9.)ومنهم من قال: ما تتساوى أجزاؤه في المنفعة والقيمة من حيث الذات لا من حيث الصفة (10.)وفي جميع هذه الحدود يريدون معنى واحد وهو بيان أن المثلي نوع له أفراد متشابهة بعضها مثل بعض عرفاً، وكذلك أجزاء أفراده متساوية في الصفات غالباً والقيمة، والقيمي


1) شرائع الإسلام 3 : 188.

2) الدروس الشرعيّة 3 : 113.

3) غاية المراد 2 : 398.

4) نقله العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 19: 212 عن بعض العامة، ذيل المسألة 1035.

5) نقله العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 19: 212 عن بعض العامة، ذيل المسألة 1035.

6) نقله العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 19: 212 عن بعض العامة، ذيل المسألة 1035.

7) كما في شرح القواعد 2 : 36.

8) نقله العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 19: 213 عن بعض العامة، ذيل المسألة 1035.

9) نقله العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 19: 213 عن بعض العامة، ذيل المسألة 1035.

10) نقله العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 19: 213 عن بعض العامة، ذيل المسألة 1035.

نوع لو لوحظت أفراده كانت متفاوتةٌ غالباً، فإن حصل فيها تماثل فهو نادر، وكذا أجزاء أفراده مختلفة كالحيوان، فإنّ أجزاء كلّ فردٍ من أفراده لا يماثل أجزاء فردٍ آخر، فالمثلي يُضمن بمثلي من نوعه ولو ماثله مثلي من نوع آخر، والقيمي بقيمته ولو ماثله فرد آخر من نوعه، وهو في المثل موافق لما دلّ على أنّ ضمان الشيء بمثله؛ لأن المماثلة لا تتحقّق غالباً فيه إلا بالمماثل من نوعه، ولأنّ الخروج من عهدة الضمان المتحقق بعد شغل الذّمة به موقوف على دفع ذلك؛ للإجماع على إجزائه بل لزومه، ولتيقن صدق المثل عليه، وأما في القيمي فلزوم القيمة عند وجود المماثل عرفاً فدليله الأخبار في مقامات خاصة، والإجماع على عدم الفصل، أو أنَّه هو المتيقن في الخروج عن العهدة لمشغول الذّمة بضمان المغصوب، أو لكشف كلام الفقهاء عن كون القيمي لا مثل له عرفاً، فعلى ذلك، فالمثل إن أُريد به في الآية (1هو نفس المماثلة كانت الآية مخصوصة بما عدا أمثال القيمي بالإجماع وإن أُريد به هو نفس المثل في المثلي بقرينة كلام الأصحاب، أمكن ذلك، إلا أنَّه يبعده تخصيص المثلي في الضمان والسكوت عن القيمي.)##### حكم المشكوك بين القيميّ والمثليّوبهذا يقرب حمل الآية على إرادة مثل الاعتداء من غير زيادة لا إرادة بيان ضمان المعتدي به. وعلى ما ذكرنا فالمشكوك بأنه مثلي أو قيمي لا بدّ من ضمانه بهما، ولا قائل به، أو ضمانه بالمثل المشكوك فيه مع كونه مثله في القيمة ولو بزيادة فيه؛ جمعاً بينهما بحسب الإمكان، أو الصلح، أو القرعة إما بجبر الحاكم أو مع التراضي أو التخيير بين دفع المثل أو القيمة؛ للإجماع على عدم الجمع وعلى عدمهما، وتخصيصه بفرد ترجيح من غير مرجح، فليس إلا التخيير حينئذٍ.وقد يقال: إنّ الأصل في الغرامة هو القيمة، وهو النقدان؛ لما يُفهم من بعض الأخبار (2والسيرة، والمثلي خرج بالدليل، ولأن المغصوب مثل المثمن، والقيمة بمنزلة الثمن، وهو من النقدين غالباً، غاية ما في الباب أن المالك لو أراد المثل في المثلي لم يمنع؛ لظاهر الكتاب (3).)


1) البقرة (2) : 194.

2) وسائل الشيعة 25 : 389 - 390، الباب 7 من أبواب الغصب، ح 1.

3) البقرة (2) : 194.

وقد يقال في التعاريف إنّها مختلفة معنى، فهي بمنزلة الاختلاف في تفسير لفظه، فيؤخذ بأشهرها، وهو ما تساوت قيمة أجزائه، ولسلامته عمّا يرد على التعاريف في الثوب فإنّ قيمة أجزاء الثوب قد تختلف من الألف إلى الواحد وبالعكس، وغالباً ثياب القطن والقرّ والصوف غير متساوية، فلا يدفع أحدها بدل الآخر، وأما اختلاف أفراد الحنطة علوّاً ودنواً فذلك ليس لذاتها، بل لأوصاف خارجيّة اقتضت ارتفاعها وانخفاضها بخلاف صفات الثوب من الحياكة والسماحة فإنّها داخلة في ذات الثوب، فلهذا إنّ القطن والصوف والإبريسم مثليات والثياب قيمية، والصفر والحديد والذهب مثليّات، والأواني والحلي وما اتخذ منهما قيمي.فظهر بذلك أن المراد بالتساوي في الأجزاء في تعريف المشهور هو التساوي غالباً من حيث الذات من دون ملاحظة وصفٍ أو مكانٍ أو زمان، والتساوي هو التساوي فيما له غالباً دخل في المالية وفي الأوصاف الظاهرة، لا التساوي في كلّ شيءٍ ولا في الجملة، فلا يردّ الثوب ولا الأرض فإنّهما وإن كان لهما مثل عرفاً ولكن لا يُعلم باطنهما ولا أجزاء أفرادهما غالباً كالحيوان، ولو علم فهو نادر ونحن نريد بالمثلي ما يتساوى جميع أفراد نوعه غالباً لولا الصفات الخارجية، ومساواة بعض الأفراد لبعض اتفاقاً لا يصيّره مثليّاً وإن صدق عليه لفظ المثل، واشتمال أفراد المثلي على النوى والقشر والعُجم والنشر واللب مختلفات في القيمة غير منافٍ لتساوي أجزائها في القيمة والمنفعة.ويراد بالأجزاء هي ما تتركب منها أفراد ذلك النوع أو نفس أفراد نوعه بحيث إن النصف يساوي النصف والكلّ يساوي الكلّ؛ لأنّ كلّ جزءٍ يقابله جزء آخر.ولا يراد بالأجزاء هي ما يقع عليها الاسم الواحد حتّى تخرج الدراهم والدنانير عن المثلى لاختلافها بالوزن والسكة والاستدارة.وبالجملة، لا مدخلية لصدق الاسم، على أنّ اختلافها لاختلاف العوارض الخارجية، لا لنفس ذات الأفراد، ألا ترى أنّ أهل العرف يقولون: كم قيمة الحنطة والشعير والقطن والسمسم ؟ فيقال: بكذا، فإذا سألوا عن بعض أوصافها بعد ذلك المعينة لقيمتها أجابوا، ولا يمكن في العرف السؤال عن قيمة البغال والحمير والأواني على وجه الإطلاق، ولو سأل سائل لأعابوا عليه.

#### خامس عشرها: حكم ما إذا تلف المثلي ولم يوجد مثله حين تلفهخامس عشرها: إذا تلف المغصوب المثلي ولم يوجد حين تلفه مثل له، تعلّقت قيمته بذمة الغاصب تعلّقاً متزلزلاً، فإن عاد المثل قبل قبض قيمة المغصوب كان للمالك المثل، وإن قبض القيمة كان ذلك وفاؤه.وإن كان المثل بعد تلفه موجوداً فتعذر بعد وجوده، ضمن الغاصب قيمة مثله.وإن وقع التفاوت بين قيمة العين المغصوبة وقيمة المثل المتعذر، دفع الغاصب التفاوت، مع احتمال عدمه، إلا أن يكون فاحشاً، ومثله لو وجد الغاصب مثلاً للمغصوب بعد تلفه منهفيه تفاوت في القيمة في الجملة، ففيه الوجهان. نعم، لو كان فاحشاً فلا شك في دفع التفاوت من الغاصب أو عدم إجزاء المثل، ويلزم الغاصب دفع القيمة عند مطالبة المالك قطعاً.ولو أمهل المالك فانتظر المثل احتمل أنّ ذلك له؛ لأنّ الحق يعود إليه فالخيار إليه، واحتمل أن للغاصب جبره على القبول؛ لأنّ التأخير ضرر عليه، فالتعجيل حقّ له.ويضمن الغاصب قيمة المثل عند التعذّر أصلاً.وكذا عند البعد المفرط الذي يشق الوصول إلا ببذل أموال كثيرة على الأظهر. بل قد يلحق بالتعذّر علوّ قيمة المثل كثيراً بحيث يضرّ بالحال مع احتمال أن الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال، فيجب عليه بذل المال وتحمّل المشاق وهو الذي أدخل الضرر على نفسه، وحينئذٍ فيختصّ التعذّر بعدم إمكانه وامتناع الوصول إليه لخوف على نفس أو عرض محترمين.والأقرب سقوطه مع المشقة؛ لوجود البدل وهو القيمة، بخلاف ردّ العين ونفس القيمة حيث لا بدل لها، فإنّه قد يلتزم فيها تحمّل المشاق.وفي ضمان قيمة المثل وجوه:أحدها: ضمان قيمته يوم الإقباض والوفاء، أي حين الإقباض والاستيفاء.ثانيها: قيمة يوم الإعواز، وهو فقدان المثل.ثالثها: أقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم تلف المغصوب.رابعها: أقصاها من يوم التلف تلف المغصوب إلى يوم الإعواز.خامسها: أقصاها من يوم الغصب إلى يوم الإعواز.

سادسها: أقصاها من يوم الغصب إلى يوم الأداء والاستيفاء.سابعها: أقصاها من يوم الإعواز إلى يوم المطالبة.ثامنها أقصاها من يوم تلف المغصوب إلى يوم المطالبة.تاسعها: قيمة يوم التلف تلف المغصوب.عاشرها: قيمة يوم المطالبة.حادي عشرها: قيمة يوم الإعواز إذا كان منقطعاً في جميع البلاد وقيمته يوم الحكم بالقيمة إن كان منقطعاً يوم الحكم بالقيمة.ثاني عشرها: التخيير بين الأربع والخمس.ومبنى الأول - وهو اختيار المحقّقين - أنّ الذّمة مشغولة بالمثل، فيستصحب بقاء الشغل إلى حين التأدية عنه، وتعدّر المثل لا يوجب الانتقال إلى قيمته، بل تبقى الذّمة مشغولة بنفس المثل، فمتى وُجد وجب أداؤه.نعم، لو طالب المالك به وكان دفعه تكليفاً بما لا يطاق لزم دفع بدله عند الأداء.لا يقال: شغل الذّمة بغير الممكن محال؛ للزوم الحكم الوضعي للحكم الشرعي فلا تشتغل الذّمة إلا بالقيمة؛ لأنها هي المقدورة. وهذا هو وجه مَنْ جعل القيمة عند إعواز المثل.لأنا نقول: عدم التمكن لا ينافي الحكم الوضعي، وهو شغل الذّمة.نعم، ينافي الحكم الشرعي، وهو وجوب التأدية، ولا يلزم من ثبوت الشغل خطاب الشارع بالتأدية لما اشتغلت به كالمعسر والعبد، فإنّ شغل ذمّتهما لا يلزم منه أمرهما بالوفاء.نعم، يجب عليهما الوفاء عند الإمكان من باب التنجيز أو يجب من باب التعليق.وبالجملة، فالقيمة بدل عن المثل عند المطالبة ورضى المالك حكماً شرعياً جديداً.وقد يقال: إنّ المطالبة هي المعيّنة للقيمة بعد شغل الذّمة بالمثل، وهذا وجه مَنْ قال بها. وكثير من الوجوه منها ما هو مبني على ضمان الغاصب ارتفاع القيمة.ومنها ما هو مبني على أنّ المغصوب يُضمن بقيمته لو تعذر مثله، فيرجع إلى أصله، ولا يُضمن بقيمة مثله.وبالجملة، هناك يوم الغصب ويوم تلف المغصوب ووجود المثل ويوم ويوم المطالبة به ويوم

تعذر مثله مطلقاً أو في بعض البلدان ويوم المطالبة بمثله أو بقيمته ويوم أدائها، فهذه خمسة، وينضم إلى ذلك الأعلى ما بين الأول والثاني والأول والثالث والأول والرابع والأوّل والخامس، فهذه تسعة.ثم ما بين الثاني إلى الأخير ثلاثة، وما بين الثالث إلى الأخير اثنان، وما بين الرابع إلى الأخير واحد، فهذه ستّة تكون مع تلك فتكون الصور خمسة عشر، مع احتمال التخيير بينهما فتكون ستّة عشر.والأقوى هو ما ذكرنا من أنَّه عند تلف المثل يراد منه قيمة المغصوب (1في كل آن حكماً شرعيّاً وكونها بدلاً عن المثل الذي لو وُجد للزم دفعه حكماً وضعيّاً. وهذا مستمر إلى حين الأداء، فيلزمه حين الأداء دفع قيمة المغصوب ذلك الوقت، وليس الخطاب بالقيمة مقيداً بوقت فيستمر حينئذٍ إلى حين الوفاء.)نعم، لو تقيّدت القيمة بوقت لزم أداؤها كذلك، ولكن يوم التلف ظرف للخطاب الشرعي، لا ظرف للقيمة.ولو خرج المثل عن المالية، لزم الغاصب دفع قيمة المغصوب؛ لأنَّه بمنزلة التلف.وكذا لو كان متموّلاً في مكان الغصب كالماء في الحجاز فطالبه به وهو على شاطئ الفرات. ولو قلت قيمة المثل عن قيمة المغصوب ألزمه بالمساوي، فإن لم يمكن فإن لم يكن ربوياً، احتمل إلزامه بالمثل والتفاوت في القيمة، واحتمل لزوم قبول المالك للمثل وإن قلت قيمته مطلقاً، واحتمل إلزامه بالقيمة، وإن كان ربويّاً، فليس له إلا القيمة؛ للزوم الضرر بقبول المثل، ولزوم الربا مع الزيادة واحتمل لزوم قبول المالك على كلّ حالٍ.ولو انعكس الأمر فأتلف الغاصب ماءه في الفرات فأراده منه بالحجاز، فلا يبعد عدم إلزام الغاصب به؛ للزوم الضرار، وقاعدة أنّ الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال لم تثبت.نعم، قد يقال بدفع قيمة ماءٍ في أرض للماء فيها قيمة في الجملة، فيؤخذ منه قيمة مثل في الجملة.ولو غصب منه مثليّاً قيمته بدرهم فأراده منه بمكان قيمته فيه ألف، احتمل لزوم دفع


1) تقدّم في ص 74.

المثل لما اشتهر أنّ الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال، ولإقدامه على ضرر نفسه، واحتمل أن على الغاصب دفع قيمة المغصوب في ذلك المكان، دون المثل.وكذا لو اختلف الزمان فغصبه طعاماً في الرخاء فطالبه به في الغلاء. ويقوى هنا لزوم دفع المثل.ويحتمل في اختلاف الأمكنة إلزام الغاصب والتوكيل في بيعه والإتيان بثمنه مهما أمكن.ولو كان اختلاف المثليات يسيراً في القيم ألزم الغاصب بدفع المساوي في القيمة، فإن لم يمكن وكان ربوياً ألزم بالقيمة في وجه قوي.واحتمال لزوم القبول للمالك وجه قوي.ولو شكّ في التفاضل، فالأصل عدم التفاضل.ولو حكم الحاكم عند تعذر المثل بلزوم القيمة وقدرها فلم يقبض المالك حتّى غلت قيمة المغصوب أخذ المالك القيمة عند الأداء؛ لأنّ حكم الحاكم كان ملزماً بالقدر لمكان كونه ذلك اليوم كذلك، لا أنَّه هو القدر على كلّ حالٍ.#### سادس عشرها: فيما لو تلف القيمي ضمنه الغاصب بقيمتهسادس عشرها: لو تلف القيمي ضمنه الغاصب بقيمته؛ للإجماع والأخبار (1، وهي وإن اختصت مواردها لكن بإلغاء الفارق وبعدم القول بالفصل يتمّ المطلوب.)وبه يُخصص ما دلّ على إلزام الغاصب قيمته يوم الغصب كما عليه طائفة (2، ونُسب إلى الأكثر (3)استناداً إلى أنّه زمان تعلّق الخطاب بها مرتباً، والأصل بقاؤها كذلك إلى زمان الأداء، وإلى صحيحة أبي ولاد، الآتية (4)، إن شاء اللّه تعالى.)أو قيمته يوم التلف، ونُسب للأشهر أو الأكثر (5استناداً إلى أن الرجوع إلى العوض إنما استقر به وقبله لم يجب سوى ردّ العين.)


1) منها ما في وسائل الشيعة 25 : 390 - 391 الباب 7 من أبواب كتاب الغصب، ح 1.

2) كما في شرح القواعد 2 : 108.

3) نسبه إلى الأكثر المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 3 : 189.

4) تأتي في ص 78، الهامش (5).

5) نسبه للأشهر الطباطبائي في رياض المسائل 8: 253؛ وللأكثر الشهيد في الدروس الشرعيّة 3: 113.

قيل: وهو الذي تقتضيه القواعد الشرعيّة، ويُعوّل عليه في الفتوى (1.)أو أعلى القيم من حين القبض إلى حين التلف، ونُسب (2إلى جماعة.)أو أعلاها من حين القبض إلى حين التسليم، ونُسب (3إلى علمائنا.)وقيل: إنَّه الأشهر (4.)واستدل عليه بالاحتياط، وإنّ الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال، وإن يقين البراءة موقوف عليه، ولأنه مخاطب في جميع أحواله بدفع العين أو القيمة، فجميع القيم تعلّق بها الخطاب، فلا بد من قيمة تقع على الجميع.وبصحيحة أبي ولاد، ومحصلها: إنّ رجلاً استأجر بغلاً إلى قصر أبي هبيرة ثمّ خالف وتعدى إلى بغداد، وسأل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: لو تلف البغل ما يلزمني؟ قال: «قيمة البغل يوم خالفت» ثمّ سأله: فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز ؟ فقال: «عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم ترده عليه» ثمّ سأله عن مقدار ما يلزمه من القيمة، فقال في جملة ما قال: «يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى كذا وكذا فيلزمك» (5).)وهذه لا تخلو من نوع إجمالٍ ؛ لأنّ لفظ اليوم في الأوّل إن جعل ظرفاً للوجوب أو جعلت «في» للسببيّة فلا دلالة لها على شيء، وإن عُلّق بالقيمة أفاد قيمة يوم الغصب، وهو أوسع دائرة من حين القبض، إلا أن ينزل عليه.وفي الثاني إن عُلّق بالوجوب فلا دلالة فيه كالأوّل، وإن علّق بالقيمة أفاد قيمة يوم الردّ،فلا دلالة فيه على خصوص شيء، مع أن فهم التعليل غير بعيد.ودعوى أن الجمع بين العبارتين مع التعليق بالقيمة يفيد أعلى القيم بعيدة، فليس في الخبر صراحة في دعوى أعلى القيم.والإجماع ممنوع، والاحتياط في الفراغ بعد شغل الذّمة يعارضه أصل البراءة، والقاعدة غير مسلمة.


1) قاله الشيخ جعفر في شرح القواعد 2 : 109.

2) الناسب هو الشيخ جعفر في شرح القواعد 2 : 107.

3) الناسب هو العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 5: 88، المسألة 48.

4) راجع مختلف الشيعة 6: 81، المسألة 67.

5) وسائل الشيعة 25: 390 - 391 الباب 7 من أبواب كتاب الغصب، ح 1.

والخطاب بالقيمة في جميع الأحوال مسلّم لكن قيمته خاصةً، وهي قيمة يوم التلف.نعم، لو كان النقص بسبب عيب أو نحوه، ضمن الغاصب الأعلى قطعاً، على أنّ في الفقرة الأخيرة في الخبر ما يقتضي التقويم في ابتداء الأمانة، ولا قائل به، فهو شاهد على عدم إرادة تعيين وقت التقويم في الفقرتين الأخيرتين.ويمكن حمل الرواية على التخيير بين الأيام التي فيها، ولا قائل به.ويمكن حملها على الكناية عن يوم التلف في الجميع؛ لأن الغالب مساواة تلك الأيام ليوم التلف وعدم التغير دفعةً.أو يضمن أقل القيم كما ذكره بعضهم (1للأصل، أو الفرق بين التلف فقيمة يوم التلف، أو التعذّر فأعلى القيم أو قيمة يوم الغصب أو التخيير بين قيمة يوم الغصب أو التلف أو الأداء، أو قيمة يوم المطالبة أو الأعلى من يوم الغصب إلى يوم الأداء أو الأعلى إلى يوم المطالبة أو الأعلى إلى يوم التلف أو الأعلى ما بين كلّ واحدٍ وما بعده.)فالأقسام كثيرة، والوجوه عديدة، وضمان قيمة يوم الأداء غير معقول، إلا على وجه أنّ القيمي يُضمن بمثله وكان ذلك القيمي له مثل، ولا نقول به.والسبب في ذلك أن القيمي بعد تلفه لا يمكن فرض قيمةٍ له؛ لأنَّه معدوم لا يؤول إلى الوجود، وما كان كذلك فلا قيمة له، بخلاف المعدوم الذي يؤول إلى الوجود، فإنّه ممّا يتقوّم حال عدمه، كما إذا جوّزنا الصلح على ما تحمله الدابة أو الشجرة، فإنّه يقال ما قيمة الولد الذي تحمله بعد ذلك، وكذا بيع الثمار قبل بروزها، وكذا السَّلَم في حنطةٍ من أرض لم تُزرع بَعْدُ، وتقدير المعدوم موجوداً تقويم خلاف ظاهر القيمة الواجبة إجماعاً ونصاً؛ لأن الظاهر من القيمة هي ما ساوت وجوده والخطاب به، وما لم يكن كذلك يكون حكمه كحكم تقويم الحمار بفرضه بعيراً فيدفع قيمة البعير، فهو مفتقر إلى دليل، ولا دليل على ذلك سوى الرواية، وهي متروكة الظاهر مجملة الدلالة.وبما ذكرنا بطل القول بالأعلى إلى حين الأداء بجميع أقسامه، وكذا التخيير بينه وبين غيره، وكذا قيمة يوم المطالبة أو الأعلى إليه أو التخيير بينه وبين غيره؛ لما ذكرنا من عدم


1) راجع شرح القواعد 2 : 37.

تصوّر قيمة ينصرف إليها لفظ القيمة إجماعاً ونصّاً بعد تلف العين؛ إذ بعد عدمها لا قيمة لها ولا شيء يتعلّق بها، وفرضها موجودةً مفتقر إلى دليل، فلا يكفي فيه الأمر بغرامة القيمة قطعاً، بل هو منصرف إلى غرامة قيمة موجود حال وجوده، لا مع فرض وجوده أو سيوجد ما كان مترقباً وجوده.#### سابع عشرها: في أن الذهب والفضة والنحاس والرصاص تضمن بمثلها إذا لم تكن مسكوكةًسابع عشرها: الذهب والفضة والنحاس والرصاص تُضمن هذه الأجناس بمثلها إذا لم تكن مسكوكةً ولا مصنوعة من غير كلام.ونُسب إلى الشيخ القول بأنّ الذهب والفضة قيميّان (1، وظاهره مطلقاً، إلا أن حمله على المسكوك أو على المصوغ لا بأس به.)ثم إن المسكوك منه إن تساوت سككه ووزنه غالباً ضمن بمثله، ولا يفتقر إلى وزن عند الوفاء مع الجهل؛ لقيام السكة مقام الوزن، وإن كان في غير المسكوك لا يجوز مع الجهل في الزيادة والعلم والجهل سواء، وإن تفاوتت سككه فكلّ سكّة بالنسبة إلى الأخرى بمنزلة القيمي، فلا تدفع إحدى السكتين عن الأخرى، إلا مع التراضي أو مع فقد المثل لتلك السكة.ثم إذا دفعت السكة الأخرى عن التالفة فإن كانت من جنس التالفة - كما إذا كان كلاهما فضةً - لزم اتحادهما في الوزن، حذراً عن الربا؛ لعمومه لجميع المعاوضات التي من جملتها الغرامة للمتلف؛ لأنَّه كقضاء الدين، فعمومات النهي عن الربا (2- وهي الزيادة - شاملة لها، حتّى لو قلنا: إنّ الغرامة من قبيل الأحكام لا المعاوضة، واختصاصها في البيع لا دليل عليه، والآية (3)وإن كانت ظاهرةً في ذلك ولكن ليست بحيث يخصص بها العمومات، فإن لم يمكن اتحادهما في الوزن أُخذت بقيمتها من جنس آخر.)نعم، لو كان ناقصاً جاز دفع الناقص مع الزيادة لمقابلة الجزء الآخر ولو كان أحد النقدين مصوغاً أو مصنوعاً، فإن كانت صنعة محرّمة فلا قيمة لها، وإن كانت محللة احتمل جواز أخذ مثلها وزناً ودفع قيمة الصنعة ولا ربا؛ لأنّهما أمران متغايران. واحتمل هنا لزوم الرجوع إلى القيمة، حذراً من الربا، واحتمل أنّ هذا إذا كان له مثل في الصفة لزم دفعه كالمسكوك،


1) نسبه إليه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 12: 189؛ وراجع المبسوط 3 : 61.

2) البقرة (2) : 275.

3) البقرة (2) : 275.

فإن لم يكن له مثل لزم دفع القيمة من غير الجنس أو من الجنس مع عدم الزيادة؛ لأنّ المتساوي في الجنس المختلف في الوزن لا يكون قيمةً إلا مع المساواة، حذراً من الربا.ولو أتلف الغاصب الصنعة دون المادّة، ضمن قيمتها؛ لأنها كالمنفعة.وهل يشترط في القيمة كونها من جنس المادّة؟ وجهان.وإن كانت الصنعة محرّمةً، لزم إتلافها وحفظ المادّة، إلا إذا توقف إتلافها على إتلاف المادّة.ولزم الاقتصار في إتلافها على ما يذهب به صورة المحرَّم فلو زاد عن ذلك ضمن الهيئة التي لو تبقى لما اجتمعت معها هيئة الحرام على الأظهر مع احتمال أن الهيئة المحرّمة شيء واحد لم يتعقبها ضمان.ويحتمل الفرق بين الدفعي والتدريجي، فيضمن في الأخير بعد ذهاب الصنعة المحرّمة، مع احتمال عدم ضمان المحرّم مادةً وهيئة؛ لعدم ملكه.وبالجملة، فالمثلي قد يخرج بالتركيب عن المثلية، كالمعاجين والمرق والطبيخ والخبز في وجه، وقد يخرج بالعمل - كالنساجة أو الخياطة أو الصياغة عنها، وقد يخرج بالسكة، فإنّ الذهب الصنمي ليس مثلاً للمصري والشامي ليس مثلاً للشوشي والقران، فلا يلزم قبول أحدهما بدل الآخر وإن اتحدا في الوزن على الأظهر.ولا ينافي ذلك لزوم الربا في متحد الجنس؛ لأن اتحاد الجنس في الربا أعم من المثلي والقيمي في القرض والغرامات.فعلى ذلك فالمصوغ إن خرج عن المثلية ألزم الغاصب بالقيمة، فإن كانت من غير الجنس فلا كلام، وإن كانت من الجنس لزم اتحاد الوزن، وكذا لو كانت مثلية فدفع الغاصب المثل من مصوغ أو غيره؛ للزوم الربا مع الزيادة.ولو كان في المصوغ صنعة متقوّمة، لزم دفع غير الجنس أو الرضى بالمساوي على الأظهر.ويظهر من المحقّق (1وجماعة (2)جواز دفع المساوي على سبيل دفع المثل أو القيمة ودفع زائد عليه من جنسه أو غير جنسه في مقابل الصنعة.)


1) شرائع الإسلام 3: 189.

2) كالشيخ الطوسي في المبسوط 3 : 61؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 486 - 487؛ والعلامة الحلّي في تحرير الأحكام الشرعيّة 4 : 530، الرقم 6152.

وهو بعيد لمن لاحظ أدلّة الربا.أما لو كانت الزيادة صفةً فلا كلام في لزوم الربا مع الزيادة، فلا بد من العدول إلى القيمة أو الرضى بالمثل مع نقصان قيمته.#### ثامن عشرها : لو عاب المغصوب أو جني عليه ضمن الغاصب الأرش مع ردّ العينثامن عشرها: المغصوب لو عاب أو جني عليه ضمن الغاصب الأرش مع ردّ العين، سواء في ذلك بهيمة القاضي أو غيره.نعم، لو كانت النسبة إلى المالك تزيد في القيمة والجناية على بعض الملاك تزيد في الأرش بالنسبة إلى المال لا بالنسبة إلى عظم المالك ضمن الغاصب ذلك، فلا فرق حينئذٍبين بقاء المغصوب بعد الجناية صالحاً لمالكه أم لا بعد كونه متقوماً في حدّ ذاته.والمشهور: إن في الجناية على الدابة الأرش في مطلق الدابة ومطلق الجناية.وفي أخبار كثيرة وفيها الصحيح إنّ في عين الدابة ربع ثمنها (1ويراد به القيمة قطعاً.)ولولا إعراض المشهور عنها لكان القول بها متجهاً.ويمكن حملها على أن مقدار الأرش ذلك عرفاً.ونقل عن الشيخ أنّ في عين الدابة نصف قيمتها وفي الكلّ الجميع وكذا كلّ ما كان فيها منه اثنان كالأذن، ونقل عليه الإجماع والأخبار (2.)وحيث إنّ الإجماع محقق عدمه؛ لفتوى المشهور بخلافه، والأخبار لم نعثر عليها فهي مرسلة، كان الركون إلى مذهبه في غاية الضعف.وما ورد أنّ كلّ ما في البدن اثنان ففيه القيمة وفي الواحد نصف القيمة (3وارد في الإنسان لو صحت روايته، فلا يقاس عليه الحيوان وفهم الأصحاب وعملهم دليل على ذلك.)وحمل العلّامة كلام الشيخ على جناية غير الغاصب بشرط نقصان المقدر عن الأرش (4، لا يساعده عليه مساعد.)


1) وسائل الشيعة 29: 355 - 356، الباب 47 من أبواب ديات الأعضاء.

2) الخلاف 3 : 397 المسألة 4.

3) وسائل الشيعة 29 : 283 الباب 1 من أبواب ديات الأعضاء.

4) مختلف الشيعة 6 : 88، ذيل المسألة 73.

وغاصب العبد ضامن لقيمته عند تلفه بالغةً ما بلغت.ولو قتل أو قتله الغاصب ضمن القاتل لقتله قيمته ما لم تتجاوز دية الحر؛ للأخبار (1والإجماع.)ولو تجاوزت فهل يضمن الغاصب لغصبه وكلّ ضامن كالقابض بالسوم والعارية المضمونة والأمانة بعد التقدير والتفريط قدر التجاوز؛ لأنّها قيمته يوم التلف والغاصب يؤخذ بأشق الأحوال، وإطلاق الأدلّة الدالّة على ضمان القيمة ما لم تتجاوز ظاهرة في بيان حكم الجناية لا ضمان اليد؟ فكلّ دليل يدلّ على حكمه المدلول عليه به.#### تاسع عشرها : حكم ما لو استغرقت الجناية من الغاصب قيمة العبد المغصوبتاسع عشرها: لو استغرقت الجناية من الغاصب قيمة العبد المغصوب، فعن الشيخ أنّ حكم الغاصب وغيره سواء في تخيير المالك بين دفع العبد إلى الغاصب وأخذ القيمة منه، وبين إمساكه ولا شيء له (2، وذلك لإطلاق الأخبار (3)وإطلاق الإجماع المنقول (4)وكلام الأصحاب أن الجاني على العبد يدفع قيمته ويأخذ العبد، ومن مفهومها يؤخذ أنّ للمالك أن لا يدفع العبد ويعرض عن القيمة، ولم يفرّقوا بين الغاصب وغيره، وأيضاً يلزم الضرر على الجاني لجمع المالك بين العوض والمعوّض.)والأوجه أن الغاصب ضمانه ضمان يد، فالعبد يجب ردّه بموجب اليد، ولا يجوز أخذه، وجواز أخذه من حيث إنّه جانٍ لا يحكم على لزوم ردّه من حيث إنَّه غاصب، والغاصب يؤخذ بأشق الأحوال، وليس هذا من الجمع بين العوض والمعوض الممنوع؛ لأن المدفوع في الجناية عوض التعدي والجرح وليس عوضاً عن العبد، بل لو جنى عليه غير الغاصب وهو في يد الغاصب كان العبد مضموناً على الغاصب لو ردّه المالك إلى الجاني بعد أخذ الجناية منه، فيؤخذ من الغاصب قيمته؛ لأنّ الجناية من العبد نقص حدث فيه، وهو في يد الغاصب، فهو مضمون عليه، فللمالك حينئذٍ أن يأخذ القيمة من الجاني، بل قيم متعددة منهم، كما إذا قطع أحد يده والآخر أُخرى، ثمّ قطع كلُّ منهما رجله، ثمّ قطع كلُّ منهما أُذنه، ثمّ


1) وسائل الشيعة 29 : 207 - 208 الباب 6 من أبواب ديات النفس.

2) المبسوط 3: 62 الخلاف 3 : 400 - 401. المسألة 9.

3) وسائل الشيعة 29 : 338 - 339، الباب 34 من أبواب ديات الأعضاء.

4) الخلاف 401:3 المسألة 9.

قلع كلّ واحدٍ منهما عينه، ثمّ قتله قاتل، فإنّه يأخذ جميع الجنايات ويرد العين إليهم على النحو الآتي في الجنايات (1إن شاء اللّه تعالى، ثمّ يأخذ قيمة العين من الغاصب.)وهل يأخذها قيمة صحيح؛ لأنَّه غصبةٍ كذلك، أو يأخذها قيمة معيب؛ لأنَّه ردّه بعد أخذ القيمة معيباً؟ وجهان، ولا يبعد الأخير.وللمالك الرجوع ابتداءً على الغاصب، فيأخذ منه القيمة ويأخذ العبد، أو قيمته لو تلف منه.وللغاصب أن يرجع بالقيمة على الجاني فيأخذها منه من غير أن يرد العبد؛ لعدم تمكنه من الرد، كما لو مات.ويحتمل أن عليه ردّ قيمته معيباً على الجاني؛ لأنّ الجاني له أخذ العبد عند دفع قيمته، وقد حال بينه وبين ذلك الغاصب.ويحتمل أنَّه ليس للغاصب الرجوع على الجاني بشيء؛ لأنّ شرط الرجوع دفع العين ولم يتمكن منهوهو ضعيف؛ للزوم الضرر من غير إجبار.#### العشرون: يضمن الغاصب ما يجنيه العبد وكلّ ما يطرد عليه من وصف منقص لقيمتهالعشرون: يضمن الغاصب ما يجنيه العبد وكلّ ما يطرد عليه من وصف منقص لقيمته، فلو ارتد العبد عند الغاصب فرجع إليه ضمن نقص قيمته بالارتداد، فإذا قتل ضمن قيمته ولو قتل بيد المالك على الأظهر.وكذا لو جنى العبد فاقتص منه ولو بيد المالك، ضمن قيمته الغاصب.ولو جنى على طرف فاقتص منه ضمن الغاصب أرش قيمته.ويحتمل ضمان المقدّر لو اقتص منه بما فيه المقدر.ويحتمل ضمان أكثر الأمرين، وهو الأقرب.ولو غصبه الغاصب بعد أن جنى على نفس أو بعد ارتداده فقتل، ضمن قيمته مستحقاً للقتل بردّةٍ أو قصاص، لا مطلقاً، مع احتمال عدم الضمان مطلقاً؛ لأنَّه قد قتل بسبب غير مضمون على الغاصب.


1) يأتي في ص 86.

ولو جنى العبد بما يوجب المال فى رقبته لزم الغاصب فداؤه بأقل الأمرين من قيمته وأرش الجناية.ويحتمل لزوم تفديته بأرش الجناية بالغاً ما بلغ.ولو جنى على سيّده بما يوجب القصاص فاقتص منه السيّد، لزم الغاصب دفع قيمة ما اقتص السيّد منه أو أرش نقصان قيمته أو أكثر الأمرين، وإن عفا السيد على مالٍ فلا يبعد لزوم المال على الغاصب فيفديه بأقل الأمرين من قيمته وأرش الجناية، مع احتمال أنّ السيد لا يثبت له في ذمة عبده مال.وقد يقال: لزوم الفداء على الغاصب إنما جاء مقدّمةً لوجوب الردّ على المالك صحيحاً، ولا يتم ذلك إلا بدفع المال للمولى، وإلا فللمولى تنقيصه أو أخذه ناقصاً، وكلاهما مضمونان على الغاصب.نعم، لو جنى على السيد خطاً، لم يضمن الغاصب شيئاً، ولو أتلف العبد مالاً على أجنبي، احتمل أنّ على الغاصب أداء المال؛ للزوم إرجاعه فارغ الذّمة ولو بعد العتق، والأوجه العدم.ولو زادت جناية العبد عن قيمته فمات فعلى الغاصب قيمته يدفعها إلى سيّده، فإذا أخذها تعلّق بها أرش الجناية، فإذا أخذ وليّ الجناية القيمة من المالك رجع على الغاصب بقيمة أُخرى؛ لأن المأخوذ أولاً استحق بسببٍ وُجد في يده، فكان من ضمانه.أمّا لو كان العبد وديعة فجنى بما استغرق قيمته ثمّ قتله المستودع، وجب عليه قيمته، وتعلّق بها أرش الجناية، فإذا أخذها وليّ الدم لم يرجع المالك على المستودع بشيءٍ؛ لأنَّه غير مضمون عليه.ولو جنى العبد في يد المالك بما يستغرق قيمته ثمّ غصبه غاصب فجنى وهو في يده بالمستغرق كذلك، بيع في الجنايتين وقسم ثمنه بينهما، ورجع المالك على الغاصب بما أخذه الثاني؛ لأن الجناية وهو تحت يده وإن كان للمجني عليه أولاً أخذه دون الثاني وإنّ الذي أخذه المالك من الغاصب هو عوض ما أخذه المجني عليه ثانياً فلا يتعلّق به حقه، بل يتعلّق به حقّ الأوّل؛ لأنَّه بدل عن قيمة الجاني.

ولو مات هذا العبد في يد الغاصب، فعليه قيمته، ويرجع المالك على الغاصب بنصف القيمة؛ لأنَّه ضامن للجناية الثانية، ويكون ذلك للمجني عليه أوّلاً.وقد يناقش في جملةٍ من هذه الفروع وإن ذكرها العلّامة في القواعد (1وغيرها (2).)#### الحادي والعشرون: حكم ما لو ذهب المقدَّر من العبد بآفة سماوية وهو في يد الغاصبالحادي والعشرون: لو ذهب المقدر من العبد بآفةٍ سماوية وهو في يد الغاصب سواء استوعب المقدَّر قيمته كالأنف والعينين والأذنين أو لم يستوعب، ضمن الغاصب الأرش دون المقدر؛ لأنّ أدلته واردة في الجناية لا في الضمان مطلقاً.و احتمال ضمان المقدَّر، فيعامل الغاصب معاملة الجاني [ ضعيف ].ولو عيب العبد بآفة سماوية وكان العبد ممّا تزيد قيمته، لم يضمن الغاصب شيئاً.ولو جنى عليه بما تزيد قيمته فإن لم تكن الجناية مقدّرةً فكذلك، وذلك كالسمن المفرط المرغوب إليه وقطع لحية الأمة ووضع الدواء لقطع شعر العانة، ولا وجه للحكومة هنا؛ للزوم الدور أو شبهه.ولو كانت الجناية مقدرةً، فإن لم تستوعب القيمة دفعها الغاصب ودفع العين، وإن استوعبت فزادت ضعفاً أو أضعافاً فكذلك على الأظهر.ويضعف احتمال لزوم المالك هنا دفع العين للغاصب؛ لأنّ بدفعه يلزم منه ضرر على المالك وإيصال نفع للغاصب.ولولا عمومات الأدلّة للجاني لأمكن المناقشة في لزوم دفع المالك العين للجاني إذا دفع قيمته له بعد فرض زيادة قيمته أضعافاً وكذا تعيّن قبضه وإمساكه بلا شيءٍ يقابل جنايته؛ لأن في التعيين لزوم ضرر في المقامين.والشيخ بعد أن سوّى بين الغاصب وغيره في الجناية في خيار المالك بين الإمساك وبين دفع العين وأخذ القيمة حكم هنا فيما زادت قيمته بالعيب بلزوم ردّ العين والقيمة من الغاصب (3.)


1) قواعد الأحكام 2 : 231 – 232.

2) تحرير الأحكام الشرعيّة 4: 531 - 533، الرقم 6153.

3) المبسوط : 62 - 63 الخلاف :401:3، المسألة 10.

واحتمال أن الغاصب لا شيء عليه مع زيادة القيمة لو كان الجاني غيره أو كان هو كما ذكره العلامة في قطع الإصبع الزائدة بأنه لا شيء عليه (1ضعيف.)ولو اجتمع على عبد جانون دفعةٌ فجنى كلّ واحدٍ بما يساوي قيمته، أخذ من كلّ واحدٍ قيمة تامة، وردّ العبد عليهم.ويحتمل أنَّه يأخذ من كلّ واحدٍ قيمة ناقصة كما إذا جنوا مرتبين، أو يأخذ قيمةً واحدة تامة ويأخذ تفاوت التمام والنقصان من الجميع، ويأخذ من كلّ واحدٍ قيمة ناقصة.وإذا خصاه واحد وغصبه آخر فمات أو جنى عليه، أخذ قيمته وقدر أرش الجناية مع وصف كونه خصياً.#### الثاني والعشرون: حكم ما إذا تعذر عادةً على الغاصب تسليم المغصوبالثاني والعشرون: إذا تعذر عادةً على الغاصب تسليم المغصوب وكان موجوداً يعسر الوصول إليه، سواء تمكن المالك منه أم لا: لخوف أو مرض أو بُعْد أو ضياع أو إباقٍ أو ضلالٍ أو كان في البحر أو مدفوناً تحت الأرض ولا يعلم مكانه - ولو وقع في البحر أو في الطرق بحيث جرى عليه حكم الإعراض كان كحكم التلف - أو تعذر عليه تسليمه حين المطالبة وإن أمكن تسليمه بعد زمان كثير، لزم الغاصب دفع البدل مثلاً أو قيمة.وإن أمكن تسليمه بزمان قليل عرفاً بحيث لا يفوت على المالك شيئاً من المنافع المعتد بها فالظاهر أنّ الغاصب لا يكلّف بالبدل دفعةً، بل ينتظر إلى أن يرد على المالك ماله.وهل يملك كلُّ منهما مال صاحبه فيملك المالك المدفوع إليه عوض العين ويملك الغاصب العين المغصوبة عوض ما دفع، أو لا يملك أحد منهما شيئاً منهما، أو يملك المغصوب منه المدفوع إليه بدلاً دون الغاصب، أو بالعكس؟ ولا قائل بالأخير إجماعاً، والأولان يُذكران وجهاً، وظاهر الأصحاب هو الثالث.وعليه فهل إرجاع العين من الغاصب فسخ من حينه، أو كاشف عن عدم الملك من أصله كما أنّ تلف العين كاشف عن ثبوت الملك من الأصل، أو مملك من حينه ويكون الملك ابتداءً ملكاً ظاهرياً، أو أنّ إرجاع العين يُحدث خياراً في الفسخ للمالك فإن فسخ أرجع مال


1) قواعد الأحكام 2 : 232.

الغاصب وأخذ عينه، وإلا فلا؟ وهو قريب للقواعد بل في القواعد إشارة إليه، وأنها تُحدث خياراً للغاصب في فسخ المدفوع إلى المالك، فإن شاء فسخ وأخذ ما دفع، وإلا بقي على ملکه، ولا قائل بهوكذلك إنَّها تحدث خياراً في تملك غير المالك المالك وعدمه.ومع حصول الافتساخ من المالك أو الفسخ فهل يُلزم بردّ مال الغاصب؛ لأنَّه أخذه منه فيجب إرجاعه إليه، أو لا يجب عليه؛ لأنّه أخذه بحق فلا يلزم بإرجاعه؟وعلى عدم وجوب الإرجاع فهل للغاصب حبس عين المالك إلى أن يرد إليه ماله كالمعاوضة، أو ليس له؟وهل عليه ضمان العين لو حبسها وقلنا: إنّ له حقّ الحبس استصحاباً، أم لا ضمان عليه؛ لأن القبض المتجدد بحقِّ ؟وهل يلتزم الغاصب بأجرة العين إلى حين دفع البدل أو إلى حين ردّ العين؟وهل يضمن النماءات المنفصلة من العين إلى حين ردّ العين، أو إلى حين دفع البدل؟ولو تلفت العين بعد ردّ البدل فهل يضمن الغاصب قيمتها يوم التلف أويوم دفع البدل، أو الأعلى ما بينهما؟ولو كانت أعلى يوم البدل فدفعها ثمّ نقصت يوما التلف، لم يرجع بشيء.وهل يختصّ ضمان الحيلولة بعدم تمكن المالك من أخذه، أو ولو تمكن؛ لأن المخاطب بالرد هو الغاصب؟وهل الامتناع من الغاصب وأخذ المالك مقاصةً من ماله كالدفع؛ لمكان الحيلولة، أو أن الأخذ بنيّة المقاصة مملك دائماً، وهو غير مسألة الحيلولة؟ والظاهر ذلك. والذي يظهر من كلام الأصحاب ومن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا ضرر ولا ضرار» (1)ومن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (2)على معنى أنّ عليها ضمان ما أخذت حتّى تؤدّي العين أن المالك لو قبض بدل العين كان له وملكه إلى أن يؤدي الغاصب العين فليس للمالك شيء، ومقتضاه لزوم إرجاع المالك ما أخذه حين إرجاع الغاصب العين.)


1) راجع الهامش (2) من ص 45.

2) راجع الهامش (5)من ص 34.

واحتمال أن للمالك الجميع من عين ماله ومما دفعه الغاصب؛ لأنَّه ملكه بالحيلولة فلا يزول ملكه عنه والحيلولة سبب للملك لا وقت له كي يزول بزوالها فيملكها دائماً، عيف، بل لم نر أحداً احتمله، وحديث «لا ضرر ولا ضرار» (1كما يدل على لزوم دفع الغاصب البدل؛ لمكان الحيلولة، كذلك يدلّ على جواز الفسخ عند ردّ العين إليه من الغاصب كي لا يحصل الجمع بين العوض والمعوّض؛ لأن الجمع بينهما ضرر.)على أنّ جميع ما ذكر من الأدلّة لا يدلّ على ملك المالك البدل، غايته أنَّه يباح له التصرف فيه وفي نمائه ومنافعه، فلعل ذلك عقوبة للغاصب، كثمن المغصوب لو دفع للبائع من العالم بالغصب والحرمة، فإنّه قد نُقل الإجماع (2على عدم جواز إرجاعه من الدافع عقوبةً.)نعم، قد يقال: إن ظاهر لزوم الدفع من الغاصب إلى المالك أنّه تمليك؛ لأن الأصل فيما أمر بدفعه وقبضه إرادة الملك والتمليك، إلا أن يدل دليل على الإباحة، بل ظاهر التأدية المأمور بها في الرواية (3الشاملة للحيلولة هو التمليك، وظاهر القبض المأذون به كذلك.)وأيضاً [ ظاهر ] ما دلّ على ضمان الأمين لو سرق المال أو ضاع بعد التعدي أو التفريط (4هو ذلك.)وأيضاً خبر الضرار ينبئ عن الملكيّة؛ لأنّ مجرد الإباحة ضرر على المالك في المنع عن بيعه وشرائه وعن التصرف بنمائه وضمان نمائه لو تلف وإبقائه أمانة عنده، وجواز ذلك كله في الإباحة فيترتب عليها أحكام الملك لا حاجة إليه؛ لأن آثار الملك تدلّ على الملك، ولا نعني بالملك سوى ذلك.نعم، قد يستوجه من حديث الضرار أنّ المالك بعد ملكه للبدل وتصرّفه فيه له الخيار بعد رجوع العين بين فسخ ملكه وإرجاع البدل أو مثله أو قيمته، وبين الرضى به فيملكه مستقراً، ويملك الغاصب حينئذٍ العين قهراً حكماً شرعياً أو بولاية المالك لذلك جبراً له عن ضرر غصبه، ولا بعد فيه بعد أن يكون ذلك مقتضى الأدلّة والجمع بينها.


1) راجع الهامش (2) من ص 45.

2) لم نتحقّقه.

3) راجع الهامش (2) من ص 45.

4) وسائل الشيعة :19 81 الباب 5 من أبواب كتاب الوديعة.

وقد يقال: إن المالك لو أخذ البدل عازماً على البدلية عن العين دائماً ملكها دائماً ولا من بعد ردّ الغاصب المغصوب ولا انفساخ ولو أخذها ملكاً موقتاً ما دام الحائل بينه وبين ماله ملكها ملكاً موقتاً، ولا مانع من الملك الموقت أو أخذها عوض الحيلولة لا عوض المال، فإذا زالت الحيلولة زال ملكه عنها قهراً وزال لزوم الملك منه فيبقى له الخيار حينئذٍ، ولا بأس بالقول به.ثم إنا إذا قلنا بملك المالك البدل وعدم ملك الغاصب للعين فعند تلف العين فإما أن يكون التلف مملك للغاصب، وهو بعيد، أو أنَّه مبرئ لذمته بعد شغلها عند التلف بأن ما أدانه يبقى مشغول الذّمة ولكن تحرم مقاصته أو مطالبته، أو يقال: إنّه عند التلف إن تساوت قيمة البدل والعين وكانا تالفين تهاترا، وإن زادت قيمة المغصوب أخذت منه الزيادة، ويضمن الغاصب قيمتها يوم التلف.ويحتمل يوم دفع البدل؛ لانكشاف حصول المعاوضة يومئذ، كما أن زيادة قيمة البدل ونقصها لا اعتبار به بعد دفعه إلى المالك.والأوجه أن يقال: إنّ دفع البدل ليس عوضاً عن نفس المغصوب؛ لعدم تعقل ملك عوض دون آخر في المعاوضة، ولا عن الحيلولة؛ لأنّها ليست ملكاً للمالك فيعاوض عليها، على أنَّها لو كانت ملكاً له للزم دوام ملك المالك على البدل؛ لحصول البدلين معاً، ولا على المنافع الفائتة؛ ضرورة جواز أخذ المالك لأجرتها، فلم يبق إلا أنَّها ملك بحكم الشارع، وليس عوضاً عن شيءٍ يستمرّ عند تلف عينه وينفسخ عند ردّها، فهو من قبيل الغرامة الشرعيّة المسببة عن الحيلولة، وأمّا عينه المغصوبة فيجري عليها أحكام الغصب إلى حين التلف، إلّا أنّها غير مضمونة على الغاصب بعد أداء البدل إذا تلفت منه أو أتلفها بمباشرة أو تسبیب، سواء زادت قيمتها عما أداه عند الحيلولة أو ساوت أو نقصت، مع احتمال ضمان الزيادة؛ للزوم الضرر على المالك.وكأنّ عدم ضمان العين عند تلفها من الغاصب بعد التأدية للمالك مقطوع به في كلام الأصحاب؛ لأنّ المدفوع أوّلاً كأنه عوض عن حيلولة ابتداءً واستدامة تعذراً أو تلفاً، فلا يضمن الغاصب مرّةً أُخرى عند تلف عين المالك، بل هو ضرر أيضاً، بل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «على اليد ما أخذت)

حتّى تؤدّي» (1بمعنى أن عليها ضمان ما أخذت حتّى تؤدّي، فإذا أدت فلا ضمان، بمعنى أنَّه ينفسخ، وإن لم يؤد استمرّ الضمان؛ إذ لا غاية في التلف، لأن امتناع الغاية كتأخرها، وحيث لا غاية لزم الضمان.)بل يظهر من الرواية الملك للمدفوع؛ لأنّ الأمر بالدفع وكونه بجبر المالك وكونه بدلاً أو عقوبة عن ماله وعلى فعله كان الظاهر من المدفوع أنَّه على جهة الملك والتمليك.واحتمال أن معنى الرواية أنّه على اليد العين، بمعنى أنَّه يلزم بها الغاصب حتّى يؤديها خلاف ما فهم الفقهاء، إلا بضميمة أنَّه يلزم بها الغاصب حتّى يؤديها عيناً عند وجودها ومثلاً وقيمةً عند تلفها، وهما نوع تأدية، فلا يكون شاهداً على ما قدمنا، ضعيف؛ لشموله للفرد المتعذر حصوله في قيام المثل والقيمة مقامه ومتى ما قام مقامه فالظاهر ثبوت ملكيته له.ثم إنَّه على ما ذكرنا من بقاء عين المالك على ملكه كان بمقتضى الضوابط أن للغاصب هنا من الأجرة العين والمنافع والنماءات المتصلة والمنفصلة سواء كان بقاؤها عنده على جهة الغصب أو على جهة الحبس لو جاز له أن يحبس العين أن يأخذ البدل من المالك؛ لاستصحاب ضمان يده بل لو تلف المال بعد القدرة عليه وحبسه لزمه ضمانه، ويكون البدل عوضه، فإن نقص البدل عن قيمة يوم تلف عين الغاصب المحبوسة ضمن الزائد مع احتمال عدم ضمان الأجرة مطلقاً بعد دفع البدل؛ لأنّ دفع البدل كان للخلاص من الضمان، ولأنه بمنزلة الوفاء فكان الغاصب قد برئ، ولأنّ دفع البدل إنما كان عن العين والمنفعة بل والنماء، فكل ما يتلف منه فهو غير مضمون على الغاصب.وبنى المحقق على عدم ضمان المنافع من دفع البدل إلى حين الردّ (2، كما ذكرنا.)والأقوى الضمان إلى حين الردّ، بل إلى حين التلف لو تلفت.وقد يُفرّق بين ردّها بعد ذلك فيضمن الأجرة، وبين تلفها فلا يضمن.وقد يُفرّق بين المنافع المستوفاة فتضمن وبين المتلوفة من دون ذلك فلا تضمن؛ لعدم دخولها تحت اليد.


1) راجع الهامش (5) من ص 34.

2) شرائع الإسلام 3: 190 – 191.

وكذا الكلام في النماء، فما دخل منه تحت اليد كان مضموناً بعد دفع البدل، وما لم يكن كذلك فهو غير مضمون؛ لأنّ دفع البدل إنّما كان عن البراءة عن الضمان المتعلّق بالعين.ولا فرق بين المتصل والمنفصل بعد انفصاله.ولو وجد الغاصب عين مال المالك فهل له حبسه مطلقاً إلى أن يقبض البدل سواء امتنع المالك من دفعه أم لم يمتنع؛ لشبه ذلك بالمعاوضة، أو الفرق بين أن يمتنع فله الحبس، وبين أن لا يمتنع فليس له الحبس؟ لدخول الأوّل تحت عموم (مَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (1)ودخول الثاني تحت «مَن ظلم لا يظلم» وعلى تقدير جواز الحبس فهل يبرأ من ضمانها لو تلفت؛ لأنّ الإذن الشرعيّة ظاهرة في رفع الضمان أو لا يبرأ؛ لعموم دليل ضمان اليد (2)، ولا منافاة بين الإذن وبين الضمان ولاستصحاب الضمان السابق ولأنّ اليد السابقة باقية فضمانها باق، والإذن في الأثناء لا يرفع الضمان واليد مستمرة لا تتبدّل.)وقد يُفرّق بين أن يجدّد القبض للحبس فلا يضمن وبين أن لا يجدد القبض فيضمن.وعلى الضمان فإن ساوى هذا المتلوف البدل المدفوع للمالك جنساً ووصفاً كان وفاءه، وإن زاد دفع الزائد مع احتمال عدم لزوم الدفع؛ لرضى المالك بالبدلية، وإن نقص رجع على المالك بما زاد عنده مع احتمال عدم جواز الرجوع؛ لأنّه رضى بما دفعه بدلاً عمّا غصبه بحيث لو تلف لكان بدلاً له.ولو تخالفا جنساً أرجع كلُّ منهم مال صاحبه، وللمالك حبس البدل إلى أن يقبض العين من الغاصب، ولا يجب عليه الردّ وتحمّل مؤونته؛ للأصل، وما دلّ على وجوب ردّ الأمانة إلى أهلها (3يراد به التخلية بينهم وبينها وعدم منعهم عنها.)#### الثالث والعشرون: يضمن الغاصب الهيئة الاجتماعية والهيئة التركيبية لو أنقصا قيمة المغصوبالثالث والعشرون: يضمن الغاصب الهيئة الاجتماعية والهيئة التركيبية لو أنقصا قيمة المغصوب، كما يضمن الصحّة والوصف لو نقصا، وكذا لو أتلفها، فيضمن لو فرق المجتمع أو


1) البقرة (2) : 194.

2) راجع الهامش (5) من ص 34.

3) النساء (4) : 58.

أخل بالهيئة التركيبية، كما لو فرّق أجزاء السرير أو فرّق ما للاجتماع فيه مدخلية كفردتي الميزان أو الخُفّ أو الباب أو غير ذلك، أو شق الثوب.وكذا لو كان للانفراد قيمة يخلّ بها الاجتماع وينقصها فجمع بين المتفرّق بحيث لا يمكن الانفراد، ضمن أيضاً ما فات بالانفراد.وكذا لو سبب فوات الهيئة الاجتماعية أو الوصف الانفرادي إذا كان السبب ممّا يضمن به.ويترتب على ذلك أنَّه لو غصب ما للاجتماع فيه مدخلية فأرجعهما منفردين ليس لهما قابليّة للاجتماع، ضمن تفاوت ما بين كونهما مجتمعين ومنفردين.ولو غصب المجتمع فأرجع واحداً منهما، فالأظهر أنَّه يضمن قيمتهما مجتمعين، ويسقط عنه ما أرجعه منفرداً، فلو كان قيمة الخُفّين مجتمعين عشرة وقيمة كلّ واحدٍ منفرداً ثلاثةً، فأرجع واحداً منفرداً، سقط عنه ثلاثة من عشرة وبقي سبعة.و احتمال ضمان ثلاثة فقط؛ لعدم ضمان الهيئة الاجتماعية وعدم ضمان المردود، بعيد، كاحتمال لزوم ضمان الخمسة؛ لأنَّه أرجع نصف ما غصبه، فعليه نصف القيمة.وكذا لو شق ثوباً قيمته عشرة وأرجع نصفاً منه قيمته ثلاثة، ولو أرجع الشقين كان عليه أربعة، سواء كان قيمة كلّ نصف منفرداً ثلاثة [ أم لا].أما لو غصب واحداً ممّا تدخله الهيئة الاجتماعية وإن لم تدخل تحت يده ولكنها فاتت بسبب فعله وهو من أفراد ضمان السبب، بل قد يقال: إنَّها بمباشرته، وحينئذٍ فيضمن في المثال المذكور سبعة مع احتمال أنَّه لا يضمن إلا ثلاثة؛ لأنّه لم يغصب سوى واحد قيمته ثلاثة. ويحتمل خمسة؛ لأنَّه غصب نصف ما قيمته عشرة، وهو قوي واستوجهه جملة من المحقّقين (1.)ولو غصب اثنان الخُفّين دفعةً، ضمن كلّ منهما النصف مجتمعاً، وله أن يرجع على أحدهما بسبعة، وعلى الآخر بثلاثة، فيرجع غارم السبعة على الآخر باثنين.وإن غصباهما مرتباً، كان ضمان السبعة على الأوّل فقط.ويحتمل التنصيف ملاحظة لما بعد الغصب الابتدائي.ولا يملك الغاصب العين، سواء تغيّرت أو تبدل اسمها أو استحالت إلى حقيقةٍ أُخرى، بل ولا تخرج عن ملك المالك.


1) كالشهيد الثاني في مسالك الأفهام 12 : 203 - 204؛ والسبزواري في كفاية الفقه 2 : 649.

نعم، قد يقال: إنّها في بعض أفراد الاستحالة - كما إذا استحال الحيوان ملحاً - فإنه قد يعود مباحاً، فيملكه من حازه، لا أنّه يملكه الغاصب ولا ملازمة بين تلف العين بانقلابها وخروجها عن ملك المالك وبين تملك الغاصب لها.#### الرابع والعشرون: حكم ما لو غصب مأكولاً فأطعمه المالكالرابع والعشرون: لو غصب مأكولاً فأطعمه المالك، فإن غيّره ثمّ أطعمه إياه لم يبرأ قطعاً إذا سلطه عليه مجاناً بقول أو فعل مدعياً الملكية أو الولاية، أو أظهر من حاله كذلك.وإن لم يغيّره كما إذا قدّم إليه الخبز الذي غصبه منه، فكذلك على الأظهر؛ لعدم تمامية التسليم، فيشك في التأدية المأمور بها، فيشك في فراغ ذمته.ولا فرق في ذلك بين أن يبيح له الأكل فقط، أو يبيح له كلّ شيءٍ.نعم، لو دفعه له بطريق الهبة أو بطريق أنّه ملكه عثر عليه أو مدين له، كان تسليماً تاماً مع عدم التغيّر وإن كذب عليه، ومع التغيّر فالأظهر أنَّه كذلك مع دفع أرش النقصان لو كان.ويحتمل العدم إلا في صورة ما لو كذب عليه في طريق ملكيته له.هذا كله في الحقوق الخاصّة، وأما الحقوق العامة فلا يشك في براءة الدافع وإن لم يُخبر بالحال، بل ولو أظهر الإباحة والهدية.ولو قدم للمالك بنفسه فأكل ماله من دون غرور الغاصب، وصل إليه ماله.وكذا لو دسّ الغاصب المال في أمواله فأكله على أنَّه ماله على الأظهر.ومع تغييره بطبخ وشبهه إشكال.ولو دفع الغاصب المال إليه بعقد معاوضةٍ كبيع وصلح، كان تسليماً تاماً لتمليكه إياه.ولو دفعه أمانةً عنده فأكله المالك أو تعدّى أو فرّط فيه فتلف تحت يده، فالأقرب أنَّه تسليم تام؛ لإقدامه على ضمانه فكان من ضمانه.وكذا لو دفعه إليه بالسوم أو بعارية مضمونة فتصرف فيه على الأقرب.أما لو أجره عبده فتلف أو زوجه أمته، لم يكن تسليماً تاماً.ولو زوجه أمته فبانت كذلك بعد استيلادها، ضمن أرش نقصان الاستيلاء وأرش البكارة والعقر وهو العُشر ونصف العُشر.ولو دفع إلى المالك شاته مع جهله ليذبحها فذبحها، ضمن أرش النقصان.

ولو أباح له الطعام للأكل فباعه أو تصرّف فيه في غير ما أباحه، برئ من ضمانه.ولو زوجه جاريته فلم يعلم حتّى مات فعلم الوارث بعد موته وانعتاقها من جميع قيمتها على الأقرب في جميع ذلك (1.)ولو أطعم طعام المالك غيره إباحةً أو هديّة أو هبةً، وبالجملة بوجه غير مضمون، أو دفع غير الطعام إلى غير المالك بعقد مجاني، فإن تلف تحت يد الغير من غير أن يكون متلفاً له أو آكلاً أو نحو ذلك، تخيّر المالك بين الرجوع على الغاصب فلا يرجع على الغير؛ لجهله وعدم ضمانه، وبين رجوعه على المغرور وإن رجع هو على الغار، كما أنَّه يحتمل اختصاص رجوعه إلى الغاصب فقط.وإن كان الغير متلفاً له، رجع على المتلف ورجع المتلف على الغاصب الغار؛ لضمانه بغروره.وهل له الرجوع على الغاصب ؟ الظاهر ذلك، بل نُقل عن بعض أنَّه لا يرجع على المغرور، بل يتشخص رجوعه على الغاصب فقط (2.)وإن دفعه إلى الغير بقصد ضمانه، أو قبضه الغير بوجه مضمون، فاستقرار الضمان عليه، فإن رجع المالك على المتلف فلا يرجع على أحدٍ، وإن رجع على الغاصب رجع على المتلف أو من استقر التلف عنده.#### الخامس والعشرون: حكم ما لو غصب فحلاً فأنزاه على الأُنثىالخامس والعشرون: لو غصب فحلاً فأنزاه على الأنثى، كان الولد لمالك الأُنثى، وهو إجماعي؛ لأنَّه نماء ملكه.واحتمال أن نطفة الفحل كالبذر فيتبعه النماء لا قائل به منّا، على أنَّه فرق بين النطفة حيث إنّها لا تملك فهي كالماء للبذر، وبين البذر المملوك.وعلى المنزي أجرة ضراب الفحل، وكأنّه إجماع عندنا، بل نقل إليه ابن إدريس أنَّه مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ وأن الشيخ لا يعتقده (3)وإن نقل المحقّق (رَحمهُ اللّه) عنه أنَّه يقول: إنَّه لا يضمن الأجرة (4).)


1) كذا قوله : «ولو زوجه...قيمتها على الأقرب في جميع ذلك» في «أ. ج».

2) كما في مسالك الأفهام 12 : 206.

3) السرائر 2 : 492 وراجع المبسوط 3: 96.

4) شرائع الإسلام 3 : 191.

وبالجملة، فالمذهب هو حليّة أُجرة فحل الضراب، فيضمن المستوفي لها، كما يضمن أرش النقصان لو نقص الفحل بالضراب قيمةً وأمّا إذا لم يستوفها الغاصب فهل يضمن أُجرته، أو تقدر على حسب عادته في الضراب، أو لا يضمن عادته في الضراب، أو لا يضمن مطلقاً؛ لعدم كونه من المنافع المعتادة كالركوب ونحوه، أو يضمن إن أُعد لذلك، دون ما لم يكن معداً لها؟ ولو أُعد للضراب دون الركوب ففي ضمان الركوب وعدمه وجهان، ولا يبعد لزوم ضمانهما معاً.ولو غصب ممّا له أجرة فنقص، ضمن الغاصب أُجرته على حسب ما يعتاد من منافعه، وضمن أرش النقصان ولا يتداخلان للأصل، ولعموم أدلّة الضمان.نعم، كلما نقص منه شيء لوحظت أجرته بحسب زيادته ونقصانه، كما إذا غصب العبد فقطعت يده فاستعمله قبل القطع وبعده، وكما لو استعمل الثوب إلى أن خلق فردّه ناقصاً.واحتمل العلّامة والشهيد (رَحمهُما اللّه دخول أحدهما في الآخر ولزوم الأكثر منهما (1).)وقد عُلّل بأنّ النقصان ينشأ من الاستعمال وقد قوبل بالأجرة فلا يجب له ضمان آخر، ولأن نقص الأجزاء ملحوظ في الأجرة، فلذا لا يضمنها المستأجر ولا المستعير، ولأنه لا ينقص بالاستعمال بغير أُجرة زائدة على ما لا ينقص به فلولا أنَّها ملحوظة لم تتحقّق الزيادة.وهذا كله ممّا يقضي بدخول الأرش في الأجرة، ومع ذلك ففيه أن الأجرة ليست للاستعمال، وإنما هي لفوات المنفعة على المالك فتجب وإن لم يستعمل، كما أنَّها تجب وإن لم يفت شيء من الأجزاء، وأن سقوط ضمان النقصان من المستأجر إنّما كان من مقتضيات العقد الدال على الإذن في الاستعمال، كما إذا أدى إلى تلف جزءٍ أو تلف العين من غير تعد أو تفريط، وليس النقص داخلاً في المنافع المقابلة بالأجرة، وهو ظاهر.#### السادس والعشرون: حكم ما لو غصب زيتاً ومثله فغلاه فنقص وزنهالسادس والعشرون: لو غصب زيتاً ومثله فغلاه فنقص وزنه، ضمن النقصان بمثله، ورده مع الأرش إن نقصت قيمته، وإن زادت فلا يردّ شيئاً لزيادة قيمته، ولا يجبر نقصان عينه بزيادة قيمته لأنّ زيادة القيمة جاءت بحكم الشارع، فلا يُجبر نقص العين، وإن حصل النقصالقيمة دون العين أخذ الأرش، وإن زادا معاً ردّهما، ولا شيء له.


1) قواعد الأحكام 2 : 238؛ الدروس الشرعيّة 3 : 118.

ولو أغلى عصيراً فنقص وزنه، ضمن النقصان أيضاً على الأشهر الأظهر.ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه و عدم ضمان النقصان؛ لأنّ رطوبة العصير لا قيمة لها (1).)وهو ضعيف؛ لأنَّه نقصان عين متمولة وإن كانت مائيّة، على أنَّها مائية فقط غير معلومة. وكذا يضمن لو خلل العصير فنقصت عينه دون قيمته، وكذا لو غصب الرطب فصار تمراً والعنب فصار زبيباً واللبن جبناً أو سمناً أو زبداً، فإنّه يضمن النقصان وإن زادت قيمته، ويعطى عوض ذلك من مثله إن كان مثليّاً، وقيمته إن كان قيميّاً.وقد يختصّ الضمان هنا بالقيمة؛ لعدم المثل للأجزاء التالفة.وهل يجوز أن يدفع عوض الرطب تمراً؛ لمكان النهي عن بيع الرطب بالتمر؟ ويجوز؛ لاختصاص ذلك بالبيع.ولو استلزمت الزيادة في مقام الجبر والوفاء الربا، لزم العدول إلى القيمة؛ لشمول دليل الربا (2لجميع المعاوضات.)#### السابع والعشرون: حكم ما إذا غصب رطباً وكانت رطوبته لا تتموّل ولا تنقص قيمته بجفافهالسابع والعشرون: إذا غصب الغاصب رطباً وكانت رطوبته لا تتموّل ولا تنقص قیمته بجفافه لم يلزمه شيء، كالحنطة الرطبة والخبز الرطب، فهي كالتراب والتبن المخلوطين لو غصبهما مع الحنطة فذهبا.وأما ما كان له قيمة كرطوبة العجين حال كونها قيمة، أو الدبس أو العسل أو الرطب أو المعاجين أو المربيات أو الخبز إذا انتقل إلى اليبوسة، فالغاصب ضامن لهما، فما نقص وكان له مثل دفع إليه المثل، كالرطب والدبس والزبيب، وماكان لا مثل له كرطوبة الخبز والعجين دفع الأرش إن حدث في قيمتها نقص، وإلا دفع قيمة الناقص، بأن يقال: وزن الخبز رطباً كذا فنقص كذا، فيقوم الناقص منه ويدفع له قيمته، ولا يمنع ذلك عدم نقصان قيمته عند الجفاف.#### الثامن والعشرون: فيما إذا كان المغصوب على صنعة وهيئة كانت مضمونة على الغاصبالثامن والعشرون : إذا كان المغصوب على صنعةٍ وهيئةٍ كانت مضمونةً على الغاصب فلو تلفت تلك الهيئة والعين قائمة أخذ المالك منه قيمة الصنعة والهيئة، وللمالك أن يلزمه


1) نقله عنه المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 3: 192؛ وانظر المبسوط 3 : 82.

2) البقرة (2) : 275.

بردّها إلى ما كانت؛ لما دلّ على وجوب ردّ مال الغير كما كان (1، وليس الخيار للغاصب؛ لأنّ الهيئة ممّا تُضمن بمثلها أو بقيمتها، وإن الأصل فيها القيمة.)ولو وصفها الغاصب على هيئةٍ أو صفةٍ ثمّ يدفعها بأجود منها ضمن الهيئة الأولى والثانية لو تلفت بها، وهكذا إلى ما فوق.ولو أمره المالك بإرجاعها من هيئةٍ إلى هيئةٍ متقدّمة ولو بفعل الغاصب، لزمه إرجاعها، ولكن لا يضمن المأمور بها بالرجوع وإن ضمن نقصان ما كانت عليه من المادّة الأُولى أو الهيئة الأولى.والفرق أن نقصان الأولى غير مرادٍ للآمر، بل لا يريد المالك سوى تخريب الثانية، فمتابعة أمره لا تتعقب ضماناً؛ للزوم الضرر على الغاصب من دون مقتض، على أن ظاهر إرادته التخريب إسقاط الضمان عن الهيئة التي أمر بخرابها ومع التصريح بلزوم الضرر، بخلاف نقصان الهيئة الأولى والمادّة التي كانت عليها لا يريد المالك نقصانها وإن استلزم التخريب النقصان فهو مكلّف بإرجاعها وأرش النقصان.ولو أراد المالك إرجاع العين على الحالة الأولى لمجرد تغريم المالك من غير أن يعود إليه نفع، ألزم الغاصب به ولو أدى الإرجاع إلى بقاء أقل ما يتموّل، ولو أدى إلى تلف العين ففي إجابة الغاصب بعد، والأظهر أنَّه لا يجاب.هذا كله إن أمكن الغاصب ردّه، فإن لم يمكن إلا بإتلافه أرجعه، سواء اشتمل على الزيادة في القيمة [ أم لا ] ولا شيء له، وإن نقصت القيمة ردّه مع أرش النقصان عما كان في الهيئة الأولى، ومثل الصنعة كتعليم العبد وقصارة الثوب وتحسين الشيء وصقله فيُلزم الغاصب إن أمكن بتجميل العبد وتوسيخ الثوب وتقبيح الشيء، مع احتمال أن ذلك ممّا لا يمكن ردّه بنفسه، فإن ردّ غير الأوّل لا نفسه والمعدوم لا يعاد في المقامين حقيقةً بالنسبة إلينا ولكن هو في ذلك لا يعاد عرفاً ولا حقيقة.نعم، الأوصاف الحادثة من السمن والهزال لو أمر المالك بإعادتها لزم الغاصب، فلو أمره برد السمن إلى الهزال الأول لزمه.


1) أنظر وسائل الشيعة 25 : 388، الباب 3 من أبواب كتاب الغصب، ح 1.

وأما لو أمره بردّ الدابة السمينة قبل ذلك أو السمينة عند الغاصب ضمن السمن وإن استلزم الردّ الهزال؛ لما ذكرنا من الفرق بين ضمان لوازم ما تلف بأمر المالك، وبين ضمان ما أتلفه بأمره، فإنّه في الأخير لا يضمن، فالفرق معنوي ولفظي فقط كي يدور مدار ظاهر الخطاب.#### التاسع والعشرون: حكم ما لو أزاد الغاصب بفعله عيناً كالصبغالتاسع والعشرون: لو أزاد الغاصب بفعله عيناً كالصبغ، فإن كان لا يحصل منه أثر له فليس للغاصب طلب الإزالة.وهل للمالك ذلك لمجرد التغريم للغاصب ؟ وجهان، وتقدّم (1أن أقواهما أن له ذلك.)ولو كان للإزالة نفع يعود إليه قوي القول به.ولو كان الصبغ مغصوباً فصبغ به المالك فهل لصاحب الصبغ المطالبة بالإزالة وإن تضرّر المالك بنقصان ثوبه؛ لأنّ الصبغ أجزاء منتقلة إلى الثوب فهي مملوكة وإن لم تكن مالاً، والأعراض لا تنتقل بنفسها من انتقال الأجزاء، أو ليس له ذلك، وإنما له مجرد قيمة الصبغ لأنَّه عرض عرفاً قام بجسم مملوك فلا يملكه صاحبه؟وعلى الأوّل فيحتمل أن يكون صاحب الصبغ شريكاً للمالك. وإن حصل له منه أثر، فإن لم يمكن قلعه أصلاً فالغاصب شريك للمالك.وإن أمكن فالمشهور: أنّ للغاصب المطالبة بانتزاع صبغه وإن تضرر المالك بنقصان الثوب، بل وإن تلف ولكن بشرط دفع أرش النقصان ودفع قيمة الثوب.وقيل: إن أدى قلعه إلى استهلاكه لم يجب على الغاصب؛ لاستلزامه التصرف في مال الغير بغير فائدة، مع كونه متعدّياً في أصل الفعل (2.)والأظهر الأوّل؛ للزوم الضرر على الغاصب أيضاً، والتصرّف بماله عدوان أيضاً، كما أن عدم تصرّف المالك في ماله ضرر، فالجمع بين الحقين هو إجابة الغاصب.وقد يقال بأن الغاصب قد أدخل الضرر على نفسه، فيؤخذ بأشق الأحوال.ولو طلب أحدهما ما لصاحبه بالقيمة، لم يجب القبول؛ لأنّه «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (3.)


1) تقدّم في ص 97.

2) كما في مسالك الأفهام 12 : 213.

3) وسائل الشيعة 5 : 120، الباب 3 من أبواب مكان المصلي، ح 1.

ونقل عن ابن الجنيد والعلّامة في المختلف أنّ المالك لو دفع قيمة الصبغ لزم الغاصب القبول (1، وله وجه.)ولا يجب على أحدهما قبول منة الآخر في هبة ونحوها.ولو طلب أحدهما البيع، فإن كان هو المالك أجبر الغاصب، وإن كان هو الغاصب لا يُجبر المالك؛ لأن المالك يعسر ببيعه للثوب منفرداً فلا يمنع لمكان ضرورة، والغاصب متعد فلا يملك إزالة ملك غير المتعدّي، مع احتمال جواز جبر كلّ واحدٍ منهما للآخر، واحتمال عدم جواز جبر كلِّ منهما للآخر؛ تسويةً بينهما.وإن كان الصبغ مغصوباً من غير مالك الثوب ولم يحدث بفعله نقصان، فلا غم على الغاصب، وهما شريكان في الثوب المغصوب.وإن حدث نقصان فإن بقيت قيمة الثوب فهي لصاحب الثوب، ويغرم الغاصب الصبغ للآخر، وإن زادت بما لا يبلغ قيمة الصبغ فالزائد لمالك الصبغ ويغرم الغاصب له الباقي، وإن زادت عنهما فهي بينهما بالسويّة، كذا ذكره الشهيد في المسالك (2.)وفيه: إنّه منافٍ لقواعد الشركة؛ إذ مقتضاها أنّ نقصان الثوب وقيمته عليهما بالنسبة ويرجعان به على الغاصب، وأن الزيادة لهما بالنسبة.نعم، قال: هذا كله إذا لم تنقص القيمة السوقية لأحدهما، وإلا اعتبرت النسبة (3.)ولو أمكن فصله فلهما تكليف الغاصب به ولصاحب الثوب أيضاً، فإن حصل نقص لهما أو لأحدهما كان على الغاصب جميع النقص الحاصل من الصبغ.وإن كان الصبغ من مال المالك للثوب، فإن لم يحدث نقصان في الثوب ولا في الصبغ ء عليه، وإن حدث زيادة فهي للمالك، وللمالك طلب إزالة الصبغ، وعلى الغاصب فلا شيء النقص الحاصل بالصبغ من الثوب والصبغ، وعليه أرش النقصان لو أزال الصبغ بأمر المالك.#### الثلاثون: لو خالط الغاصب مال المالك بماله أو بمال غيره مماثلاً له في النوع والوصفالثلاثون: لو خلط الغاصب مال المالك بماله أو بمال غيره مماثلاً له في النوع والوصف،


1) مختلف الشيعة 6: 83، المسألة 69، وفيه حكاية قول ابن الجنيد أيضاً.

2) مسالك الأفهام 12 : 214.

3) مسالك الأفهام 12 : 214.

صار شريكاً، سواء كان المخلوطان مثليين أو قيمتين، وسواء كانا متساويين جودةً أو رداءة. أو متفاوتين، ولكن بشرط عدم التميز بينهما، سواء كان عدم التميز لحصول الامتزاج كالدهن والزيت والعسل والدبس، أو للاشتباه كالسمسم والحنطة والدخن ونحو ذلك كالدراهم الكثيرة، وبشرط عدم إمكان القرعة، فلو أمكنت القرعة كالحبتين أو الحبّات المختلطات والدرهمين أو الدراهم القليلة أو الحيوانات القليلة والظروف، لم تتحقّق الشركة ولزمت القرعة، بل قد يقال ذلك في غير المثلي في الحيوان والأواني والظروف المتميّزة. بل والمثلي لو تعدّد بتعدد الأواني والظروف والأماكن (1...الموضوعة في أماكن عديدة.)والذي يظهر أن ميزان الشركة الاختلاط عرفاً والجهل بالتميز وعدم إمكان القرعة لاستخراج المشتبه.ثمّ إنّ هذه الشركة هل هي شركة واقعية أو ظاهرية؟ الظاهر أنَّها في الممتزج واقعية، وفي غيره من المختلط ظاهرية، فلو أمكن التميز بعد ذلك أو يتميّز انفسخت الشركة من حينها، مع احتمال انفساخها من أصلها.ونقل (2.)


1) مكان النقاط في «أ ج كلمة غير مقروءة.

2) في «أ» : هذا آخر ما كتبه (رَحمهُ اللّه) في الغصب.

كتاب المواريث

بسم اللّه الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين## كتاب المواريث### الأصل في نوع الإنسان خروج الملك عنه بعد موتهوبعد، فيقول الحقير الأحقر حسن ابن الشيخ جعفر (رَحمهُ اللّه : إن الأصل في نوع الإنسان بل كل مكلّف من إنس وجان خروج الملك عنه بعد موته من ملك عين أو منفعةٍ أو حقّ أو بضع ؛ لعدم قابليّة الميّت للملك.)وما جاء الدليل به من معاملة بعض ما يعود للميّت معاملة الملك فهو بحكم الملك، لا ملكاً حقيقة، وكما أن الأصل في مال الميّت الخروج عن ملكه، فالأصل فيه انتقاله عنه إلى غيره، وأنّ المال لا يبقى بلا مالك وإن كان المالك الحقيقي هو اللّه تعالى، ولكن الأصل عدم بقائه على ملك اللّه.وهذا الأصل مأخوذ من الأدلّة الشرعيّة، وهي الكتاب (1والسنّة (2)والإجماع.)وهذان الأصلان قديمان من لدن خلق آدم إلى يومنا هذا، كما يشعر به الكتاب العزيز في قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ (3).)وقوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (4)، ولكن لم يدر كيف كان كيفية مواريثهم؟ نعم، نقل أنّ الميراث من أوّل الإسلام كان بالحلف والنصرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (5)ثمّ نسخ للميراث بالهجرة، فمن هاجر يرث دون من لم يهاجر)


1) النساء (4) : 11 - 12 و 176.

2) راجع وسائل الشيعة 26 : 63 وما بعدها، الباب 1 من أبواب موجبات الإرث.

3) النمل (27) : 16.

4) مريم (19) : 6.

5) النساء (4) : 33.

ولو كان أقرب؛ لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ (1)ثمّ نسخ بأي الفرائض (وَأُولُوا الأَزحام)(2)و (3).)وفي الكلّ مناقشة، مع احتمال ورود الآية الأولى في ضمان الجريرة.وبعد أن بان أن المال يستحقه بعد موت مالكه غيره من أهل الاستحقاق، وأن استحقاقه على وجه مقدرٍ مبين في الشريعة، وأن المذكور في كتب الفقهاء هو بيان المستحق وقدر ما يستحق وكيفية الاستحقاق، فلا علينا حينئذٍ أن نُعنون هذا الكتاب بملاحظة الاستحقاق بكتاب الإرث، أو الميراث، أو المواريث؛ حيث إنّ «الإرث» لغةً: الاستحقاق (4، و «ألفه» منقلبة عن «واو» ونُقل شرعاً إلى استحقاق خاص، وهو استحقاق الوارث من الموروث على النحو المقدر والكيفية المقدّرة، أو إلى المستحق المقدّر على النحو المعهود، وهو الموروث.)واحتمال بقاء الإرث على المعنى اللغوي بعيد.وكذا احتمال أنّه مأخوذ من الإرث بمعنى البقاء.وكذا منع أن له حقيقة شرعيّةً، وأن حقيقته متشرعيّة.أو تعنونه بكتاب الفرائض، وهو حقيقة شرعيّة في السهام المقدرة في الكتاب المجيد، أو المقدّرة مطلقاً.وعلى الأوّل فالبحث في غيرها على جهة الإلحاق أو نفس تقادير ذلك في الكتاب المجيد أو مطلقاً.وعلى كل حال فهي جمع فريضة مأخوذة من الفرض، وهو المعنى المصدري، ومثله الفروض، وهو التقدير أو القطع أو الإلزام، واختصت شرعاً بما ذكرنا من سهام مقدرة في الكتاب، أو فيه وفي السنة المقطوع بها، أو فيه وفيها مطلقاً، أو بنفس التقدير على ذلك النحو، أو إلى سهام مقطوعة، أو ملزم بها على الطرز الأوّل، أو على نفس القطع الخاص، والإلزام الخاصّ على نحو ما ذكرنا (5.)


1) الأنفال (8) : 72.

2) الأنفال (8) : 75.

3) نقله الشيخ الطوسي في المبسوط 4 : 67.

4) مجمع البحرين 2 : 268، «و رث».

5) تقدّم قبيل هذا في تعريف الفرض.

وقد استعمل لفظ «الفرائض» و «الفريضة» في الكتاب والسنّة كثيراً، وكذا مادة «الإرث» و «المواريث».وقد ورد الحث على تعلم الفرائض (1- والمراد بها السهام المقدرة مطلقاً - حتّى ورد أنَّها نصف العلم (2)، مبالغةً في الحثّ على تعلمها، وبياناً لكثرة أحكامها، وشدة الاهتمام بها، وكونها متعلّقةً بالموت المقابل للحياة، وأنها كثيرة الدقائق والاختلاف.)وعلى كل حال فالمقصود في هذا الكتاب بيان أحكام ما يستحقه الإنسان بموت آخر بنسب أو سبب بالأصالة، وهذا هو المراد بعنوان «الفرائض» و «المواريث».ونريد بـ «الاستحقاق» أعم من استحقاق العين والمنفعة، أو الحق من حقّ مالي، كشفعة أو خيار، أو بدني، كالقصاص وحد القذف.وبالجملة، فالأصل في كلّ ما يكون للميّت أن ينتقل عنه إلى وارثه؛ لعموم (مَا تَرَكتُم(3)وما ترك من حقّ فالمشكوك فيه يكون ميراثاً، سوى ما خرج بالدليل، كملك البضع وحقّ الزوجيّة ونحو ذلك.)وخرج الاستحقاق بالوصيّة بقوله: بنسبٍ أو سبب؛ فإنّ الانتقال بالوصيّة ليس بانتقال بسبب أو نسب.ويخرج الانتقال بالوقف ونحوه بقولنا: بالأصالة؛ بناءً على تلقي طبقة عن طبقة، وبناءً على تلقي الكلّ من الواقف فسبب الوقف نفس العقد، فخروجه ظاهر.ویراد بـ «السبب السبب الخاصّ.وقد يخرج الوقف والوصيّة بقولنا: بموت آخر؛ بناءً على أن سبب الملك في الميراث نفس الموت، فالميراث به لا عنده.وأما الوقف فالملك بالعقد، والموت كاشف عن انتهاء مدة الملك، وكذا الوصيّة المرتّبة.وأما الملك بالوصيّة فالموت إما شرط في التأثير، أو الجزء المتمم لتأثير عقد الوصيّة.وفي هذا الكتاب أبواب:


1) سنن الدارقطني 4 : 321، ح 45/4033؛ سنن الدارمي 1 : 72 - 73.

2) سنن ابن ماجة 2 : 908. ح 2719؛ سنن الدارقطني 4 : 308، ح 1/3989.

3) النساء (4) : 12.

### [الباب ] الأول : في المقدّمات#### وفيه مباحث :##### الأوّل: في الوارث وأن الميراث إما بالنسب أو السببالأول : الميراث المستحق بالموت خاصّ بموت النسبي أو السببي، فالميراث إما بالنسب أو السبب.والنسب هو علاقة بين شخصين؛ لانتهاء أحدهما إلى الآخر، كانتهاء الأولاد إلى آبائهم أو لانتهائهما إلى ثالث وهو بالنسبة إلى الجدّ والجدة والولد وإن نزل قوي، فيرث الجدّ الولد وإن كان بينهما ألف، وبالعكس؛ لتعليق الميراث في الكتاب (1والسنّة (2)على نفس اسم «الولد» و «الجدّ» مع احتمال انصراف «الجدّ» في هذه الأحكام وكذا «الولد» إلى ما يمكن فيه، أو إلى ما لا يتباعد جدّاً.)وأما بالنسبة إلى غيرهما فالمقطوع به هو ملاحظة النسب العرفي؛ لتعلق الميراث على مسمّى القرابة والرحم، وهما في العرف لا يتناولان البعيد جداً، ولئن تناولاه فالفرد المنصرف إليه الإطلاق في هذه الأحكام والذي جرت عليه السيرة هو القريب، بحيث سمّي قرابة ورحماً، ولا يفيد تسمية أنَّه من أبناء الإخوة أو الأعمام أو الأخوال، أو أنَّه من أعمام الأجداد أو الجدات أو أخوالهما.ولا ميراث بالشرط، ولم يذكره أحد من أصحابنا.##### ثانيها: في بيان مراتب وطبقات ودرجات النسبثانيها : للنسب مراتب و طبقات ودرجات لاحقة له من حيثيّة العلقة النسبية.


1) النساء (4) : 12.

2) وسائل الشيعة 26 : 110 - 112 الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 3 و 4، و 149، الباب 1 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 10 و 11.

فالمرتبة الأولى هي التي لا ترث الطبقة الثانية مع واحدٍ منها، وهكذا الثانية مع الثالثة، ويشترك الجميع في عدم الاعتداد بالزنى فولد الزنى لا يرث ولا يورث في جميع طبقات الإرث.فالطبقة الأولى صنفان: الأبوان الأصليّان، والأولاد وإن نزلوا، فباعتبار مشاركة صنف الأولاد للآباء وإن نزلوا، وبمنعهم الطبقة الثانية صاروا طبقةً واحدةً، وباعتبار أنَّهم لا يشاركون الآباء ولا يساوونهم إلا مع عدم وجود الأعلى والأقرب منهم - لأنّ الأقرب يمنع الأبعد - صاروا صنفين.والمرتبة الثانية الإخوة وإن نزلوا، والأجداد وإن علوا، فباعتبار منعهم للطبقة الثالثة صاروا طبقةً مقدمةً عليها، وباعتبار أن البعيد من الأجداد يرث مع القريب من الإخوة، وكذا البعيد من أولادهم يرث مع القريب من الأجداد صاروا صنفين.وكلٌّ من الصنفين يمنع الأقرب من كلّ صنف الأبعد منه، سواء زاحمه في ميراثه أم لا، مع احتمال أنَّه مع عدم المزاحمة يجوز أن يرث الأبعد مع الأقرب من صنفه، مثاله: جدّ لأُمّ مع ابن أخ لها مع أخ للأب أو أخت؛ فإنّ ابن الأخ للأُم يشارك الجدّ في ثلثه ولا يزاحم الأخ، وكذا جدّ لأم بعيد مع إخوة لأم مع جدّ قريب للأب، وكذا جدّ بعيد لأب مع إخوة لأب مع جدّ قريب لأُمّ وإخوة للأُم وغير ذلك، والأوجه: ما قدمنا.والمرتبة الثالثة الأعمام والأخوال وهم المتقرّب ون للميّت بأبيه وأُمّه، وهم اللذون على حاشية النسب في المرتبة الثانية؛ وذلك لأنّ عمود النسب الآباء والأمهات، فمن تولّد منهما فهو أقرب الحواشي، وما تولّد من الأجداد فهم المرتبة الثانية من الحواشي، ويجمعها العمومة والخؤولة، سواء كانت له أو لآبائه أو لأُمّهاته.وهذه المرتبة تترتّب طبقات متصاعدة، فلا ترث الحاشية العليا مع واحدٍ من الحاشية السفلى، فالأعمام والأخوال للجدّ والجدة وأولادهم لا يرثون مع الأعمام والأخوال للأب أو أولادهم، وهكذا جدّ الجدّ وجدة الجدة، وكان ينبغي جعلهم طبقات متعددة، إلا أنَّهم لاحظوا جنس العمومة والخؤولة، واتحاد دليل ميراثهما، وهو آية (أُولُوا الأَرْحامِ (1)فجعلوهما مرتبةً واحدةً.)


1) الأنفال (8) : 75 الأحزاب (33) : 6.

وأمّا عمّ العمّ، وخال الخال فليس من طبقات الإرث من حيث هو؛ لجواز أن يكون عمّ العم أجنبياً، وكذا خال الخال كعم عمك أخي أبيك من أمه.وعلى كلّ حالٍ، فالأقرب من كل طبقةٍ يمنع الأبعد.والخؤولة والعمومة صنف واحد، فقريب العمومة يمنع بعيد الخؤولة، وكذا العكس، فيحجب الخال ابن العم والعم ابن الخال، وهكذا.ونُقل عن الأردبيلي: أنّ الخؤولة والعمومة صنفان فيرث ابن العم مع الخال، والخال مع ابن العمّ (1.)وهو ضعيف جداً، لا مساعد له.وبالجملة، فالأقرب يمنع الأبعد في هذه المرتبة في صنف واحد أو في صنفين، سوى ما استثني من العم للأبوين مع العم للأب.و تتساوى جميع الطبقات في أنّ المتقرّب بالأبوين يمنع المتقرّب بالأب وحده مع اتحاد وصلة القرابة من أُخوّة أو جدودة أو عمومة أو خؤولة، وهما في المرتبتين الأولتين بالنسبة إلى الأصناف، فالأخ من الأبوين يحجب الأخ من الأب وحده، وفي الأخيرة أيضاً بالنسبة إلى كلّ طبقةٍ طبقة، فالعم من الأبوين يحجب العمّ من الأب وحده، ولا يحجب الخال من الأب وحده، وكذا باقي طبقات هذه المرتبة.##### ثالثها: في أنّ الوارث منه مَنْ يرث بالفرض ومنه من يرث بالقرابة ومنه مَنْ يرث بالفرض مرة وبالقرابة أخرىثالثها : الوارث منه : مَنْ لا يرث إلا بالفرض كالزوجة فلها الثمن مع الولد، والربع مع عدمه، ولا ردّ عليها، ويختص الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بالباقي إن لم يكن وارث آخر، وكذا الأمّ إلا من جهة الرد، وكذا الزوج مع وجود وارث غير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).)ومنه: مَنْ لا يرث إلا بالقرابة كالأعمام والأخوال، وكلّ مَنْ لا فرض له.ومنه: من يرث بالفرض مرة، وبالقرابة أخرى كالإخوة من الأمّ منفردين، فميراثهم بالفرض، ومع الجدّ بالقرابة، وكالبنت والبنات والأخت والأخوات؛ فإنّهنّ بالفرض مع عدم وجود الولد والأخ، وبالقرابة مع وجوده، وكالأب يرث بالفرض مع الولد، وبالقرابة مع عدمه،


1) مجمع الفائدة والبرهان 11 : 416.

ومن أهل الفرض ما يرث بالقرابة في حالة الردّ لا أصالة كالأم.ومنه ما يرث بالفرض وبالقرابة وبالردّ مع الفرض كالأبوين والبنت والبنات والأُخت والأخوات.وإذا اجتمعت أهل الفروض وكان الفرض على وفق التركة فلا كلام، كبنتين وأبوين وزوج وأُخت، وإن زادت ردّ على أهل الفروض بنسبة السهام لا الرؤوس، إلا أن يكون أحد أهل الفروض أقرب لأب وأم، فإنّه يختصّ بالردّ عن المتقرّب بالأب فقط، كأُختين للأب والأُمّ وأُختين من الأب فقط، أو واحدة من أب وأم وواحدة من أب فقط على الأقوىوقد يمنع الردّ وجود الحاجب، كحجب الإخوة للأُمّ عمّا زاد من السدس، كما لو خلف أبوين وبنتاً وإخوة للأمّ.وقد تنقص التركة عن الفروض كالأبوين والزوج والبنتين، فإنّ النقص يدخل على البنتين؛ لأنّهما تختصان بالرد عن الزوجين.وبالجملة، فالنقص إنما يكون على مَنْ تقرّب بالأب من البنات والأخوات؛ لعود الزيادة لهن عند الاجتماع.ولو اجتمع ذو فرض مع مَنْ لا فرض له، أخذ ذو الفرض فرضه، وكان للآخر الباقي.وإذا كان الوارث لا فرض له ولم يكن له مشارك، فالمال له بالقرابة، وإن شاركه غيره فالمال لهما على السويّة في بعض، وعلى التفاوت في بعض، للذكر مثل حظّ الأنثيين.هذا إن اتحدت وصلة المشاركة، وإن اختلفت كالأعمام والأخوال - أخذ كلُّ نصيب مَنْ يتقرب به، وكان للأعمام ثلثان، وللأخوال ثلث.ولو دخل نقص بدخول الزوجة أو الزوج، كان النقص على المتقرّب بالأب.وهذا حديث إجمالي.##### رابعها: في أن الميراث بالسبب الزوجيّة وولاء العتق وضمان الجريرة وولاء الإمامةرابعها : الميراث بالسبب الزوجيّة، وولاء العتق وضمان الجريرة، وولاء الإمامة.وزاد بعضهم ولاء مَنْ أسلم على يده كافر (1استناداً إلى رواية ضعيفة (2).)


1) حكاه الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 9: 341 عن المحقق الطوسي.

2) وسائل الشيعة 42:15 - 43 الباب 10 من أبواب جهاد العدو...، ح 1.

وآخرون (1: ولاء العبد المشترى من مال الزكاة. والكل يجيء تفصيله (2).)##### خامسها: في موانع الإرث###### إشارة:وأنهى بعضهم (3الموانع إلى العشرين فما فوق، وأكثرها مدخولة، ولا حاجة لبيانها؛ لمجيء كل في مقامه، وهي أمور:)###### أحدها: الكفرأحدها: الكفر، وهو ما يخرج به معتقده عن سمة الإسلام، سواء الأصلي والعارضي، من الذمي والحربي والكتابي وغيره والمرتد وغيره، والفطري وغيره، وكلّ من جحد أو شكّ فيما جاء عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ضرورةً من أحوال المبدإ أو المعاد، أو في عبادة أو معاملة، أو تحليل حرام أو تحريم. تحریم حلال، فالخوارج والغُلاة والمجسّمة والمشبهة والمجبرة الذين لم يلبسوا هم بشائبة الاختيار، وكذا المفوّضة والنواصب وكلّ مَنْ هتك حرمة من حرم الإسلام بقول أو فعل، كسب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو رمي المصحف في قاذورة، أو سب اللّه تعالى بل والمرسلين بل والملائكة المقربين، أو بال في الكعبة، فجميع ذلك لا يرث المسلم مؤمناً أو مخالفاً، فإن كان في أحد الطبقات مسلم كان هو الوارث وإن قرب إلى الميّت غيره، وإلا كان ميراثه للإمام : كلّ ذلك للإجماع المحصل فضلاً عن المنقول (4)، وللأخبار الدالّة على أن الكافر لا يرث المسلم، وأنّ المسلم يرث الكافر ويحجبه (5).)والقول بأن المسلم لا يرث الكافر للعامة الذين الرشد في خلافهم، وأدلتهم واهية.وأما الكافر فيرثه الكافر مع اتحاد الملّتين ومع اختلافهما مطلقاً على الأظهر الأشهر.ويشترط في إرث الكافر للكافر عدم وجود وارث مسلم في جميع الطبقات، سوى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ؛ لأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير مانع من إرث الكافر للكافر، وإلا لما ورث كافر من كافر.)


1) منهم : المحقق الطوسي على ما في مفتاح الكرامة 8: 9.

2) سيأتي تفصيلها في ص 187 – 225.

3) الشهيد في الدروس الشرعيّة 2 : 342 - 364.

4) مسالك الأفهام 13 : 20؛ كشف اللثام 9 : 346.

5) وسائل الشيعة 26 : 11 وما بعدها الباب 1 من أبواب موانع الإرث... .

والأقوى أن المرتد - فطرياً أو مليّاً - لا يرثه كافر مطلقاً، مثله أو غير مماثل له، سواء ولد له حال كفره الأصلي أو بعد إسلامه أو بعد ارتداده، وسواء في ذلك ما اكتسبه في حال الردّة أو الإسلام؛ كلّ ذلك وفاقاً للمشهور، بل المُجمع عليه في الأول، ولفتوى المشهور ولما دلّ على حجب المسلم للكافر (1على وجه العموم، خرج منه ما خرج، وبقي الباقي المؤيد بفتوى المشهور في الثاني.)وقيل في المرتد الملي: إنّه يرثه ما ورثه للكافر (2استناداً إلى رواية أعرض المشهور عنها، وهي رواية إبراهيم بن عبد الحميد في نصراني أسلم ثمّ رجع إلى النصرانية، قال: «میراثه لولده النصاری» (3).)وهي شاذة محمولة على أن أولاده مسلمون، وأطلق عليهم النصارى مجازاً؛ لخفاء إسلامهم؛ حيث إنّه إما لتولّدهم حين إسلامه، أو لتبعيتهم له في الإسلام حين هم أطفال، فلمّا ارتد لم يتبعوه في الارتداد، وكلاهما فرد خفي في الإسلام.ولو أسلم الكافر على ميراتٍ قبل قسمته إذا كان الميراث ممّا يقسم وكان الوارث متعدّداً، شارك أهله إن كان في طبقتهم واختص إن كان أحق منهم؛ لفتوى الأصحاب، وأخبار الباب، وفيها: «أنّ مَنْ أسلم على ميراث قبل أن يقسم فهو له، وإن أسلم بعد القسمة فلا ميراث له» (4.)وإن قارن إسلامه القسمة فوجهان من تعارض المفهومين.والأظهر كونه وارثاً؛ لقوة أدلّة المواريث خرج منها الكافر لو أسلم بعد القسمة، وبقي الباقي.ولو باع كلُّ من الورثة حصته، أو نقلها بناقل شرعي، ففي كونه كالقسمة وجه، والأوجه: أنَّه كغير المقسوم، فتبقى العقود موقوفةً إلى أن يقسم فتنفذ، وإن أسلم فلا تنفذ.


1) وسائل الشيعة 26 : 11 - 12، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، ح 2.

2) قال به الصدوق في المقنع : 508؛ وابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 9: 121، المسألة 50.

3) وسائل الشيعة 26 : 25 - 26، الباب 6 من أبواب موانع الإرث...، ح 1.

4) المصدر : 21، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، ح 2.

ولو لم يمكن قسمة المال فأسلم عليه وهو مشاع، فالأقوى أنَّه يرث إذا أسلم وهو مشاع؛ لظهور الأدلّة أن الميراث يدور مدار ما يقسم وما لا يقسم، فما لا يمكن له قسمة يبقى على أصالة الحجب، وأصالة انتقال المال إلى الوارث.ولو كان الوارث واحداً، فالأظهر أنَّه لو أسلم لا يرث؛ لتوقف الإرث على الإسلام قبل القسمة، وهي في حقّ الواحد غير ممكنة والسالبة تنتفي بانتفاء موضوعها، فيشمله عموم دليل الحجب.ولو تلفت التركة قبل القسمة وبقي نماؤها، شارك الكافر المسلم بالنماء؛ لصدق أنَّه أسلم على ميراث قبل قسمته.وكذا لو أتلفها مُتلفٌ فيشارك بمثلها أو قيمتها.ولو كان الوارث الواحد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، لزمه عرض الإسلام عليه، فإن أبى الوارث فالأقوى أنّه إن نقل إلى بيت مال الإمام لم يشارك؛ لعموم الأدلّة.)وكذا لو عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ الإسلام على الكافر فأبى فتصرف فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو تلف؛ فإنّه لا يجديه الإسلام بعد ذلك شيئاً، كما يظهر من الرواية (1)، وإلا لزم الضرر بانتظار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) له إلى موته وضمانه لو أتلفه مع أنّه إتلاف مأذون فيه. وهو بعيد.)واحتمال عدم الضمان والرجوع لمجرد النماء لو كان بعيد أيضاً.ولو لم ينقل المال إلى بيت المال، فقولان، أشهرهما أنّه يرث، بل يظهر من كثيرٍ أنَّه يرث وإن نُقل إلى بيت المال.ولكنه بعيد؛ لأن النقل تصرف وتملك.ودليل الإرث ما جاء من الأخبار أن ميراثهم للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ إن لم يسلم أحد قراباته (2)، وأن مسلماً قتل ولا وليّ له من المسلمين قال: «يعرض الإمام على قراباته من أهل بيته الإسلام، فمن أسلم منهم فهو وليه - إلى أن قال -: فإن لم يسلم أحد كان الإمام ولي أمره» (3).)


1) وسائل الشيعة 26 : 21، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، ح 2.

2) المصدر : 20، ح 1.

3) المصدر :29: 124، الباب 60 من أبواب القصاص في النفس، ح 1.

والعمل على فتوى المشهور، وإن كان القول بأنّ الإمام كالوارث الواحد قويّاً.ونماء التركة يلحق الأصل، فإذا أسلم عاد إليه فوائد سهمه ونمائه؛ لأنّ الأظهر من الأدلّة أن الإسلام قبل القسمة كاشف عن إرثه حين موت الموروث، كسائر الشرائط المتأخّرة؛ لأنّ المال انتقل من الوارث الآخر إليه، فكان يملكه ملكاً متزلزلاً، أو أنَّه بقي على حكم مال الميت، أو أنَّه بقى بلا مالك، كالمباحات وشبهها.ولو أسلم على ميراث قد قسم بعضه، فالأظهر المشاركة فيما لم يقسم دون ما قسم، كما هو الظاهر من الأدلّة، مع احتمال المشاركة في الجميع لصدق أنَّه ميراث لم يقسم أي جميعه أو مجموعه، واحتمال المنع في الجميع؛ لصدق أنَّه ميراث تحققت فيه القسمة في الجملة. وهما ضعيفان.ولو أسلم على ميراث قسم بين أصنافه دون أشخاصه، كإخوة وأجداد لأب وإخوة وأجداد لأُمّ فاقتسم الصنفان دون أفرادهما احتمل مشاركته مطلقاً وبطلان تلك القسمة؛ لصدق أنَّه لم يقسم على التحقيق، واحتمل منعه؛ لصدق ذلك في الجملة.والأوجه مشاركته لصنفه فيما قسم لهم دون الآخرين.وكذا يقدم على صنفه لو كان هو المقدم، كما لو كان هو أخ لأب وأُمّ، وقد اقتسم الإخوة من الأب مع الإخوة من الأُمّ.وكذا لو كان عم لأب وأم وقد اقتسم الأعمام للأب مع الأخوال.ولو أسلم ولم يكن سوى الزوج، فالأوجه عدم المشاركة؛ لرجوع الميراث كله له وإن كان منه بالفرض ومنه بالقرابة؛ إذ لا مدخليّة لذلك في عدم كون الوارث واحداً، خلافاً لما يظهر من بعض (1.)وإن لم يكن سوى الزوجة، كما إذا أسلمت بعد موته قبل القسمة، فالأظهر: المشاركة؛ لأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ شريك الزوجة بالميراث، فالمال مشاع حينئذٍ لم يقسم.)والعلّامة (رَحمهُ اللّه جعل الفاضل عن سهم الزوجة للولد الكافر ابتداء، لا للإمام ؛ وذلك لأنّ جب المسلم للكافر فيما يرثه، والزوجة لا ترث الزائد على نصيبها، فيكون الزائد للوارث)


1) النهاية : 664؛ المهذب 2 : 157.

الكافر، كما لو مات الكافر ولا وارث له سوى الكافر ما عدا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، وجعل للزوجة الثمن مع احتمال الربع (1).)وفيه: إن الظاهر من الأدلّة وكلام الأصحاب أنّ المسلم حاجب للكافر زاحمه أو لم يزاحمه، ولأنّها إن ورثت الثمن لزم حجب الكافر لها عمّا زاد، والكافر لا يحجب المسلم، وإن ورثت الربع كان الولد الكافر كعدمه، فيشاركها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ في الباقي ؛ لأنَّه متى انتفى عنه الحجب انتفى الإرث.)واحتمل جمع ميراثها لجميع المال هنا (2، وإن لم يقولوا به مطلقاً مع وجود الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ استناداً إلى أنَّها ترث الربع ؛ لعدم حجب الكافر لها، وهي تحجب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتحجب الكافر عمّا زاد عن الثمن، ومتى حجبته ورثت المال؛ إذ لا حجب إلا للوارث.)وفيه: إنَّه لا منافاة بين حجبها وعدم إرثها كالإخوة من الأمّ فهي تحجبه لتوفّر على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، فلا نسلم أنَّها تحجب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).)والمرتد هو من اتصف بالإسلام أولاً ثمّ أعرب عن الكفر، سواء اتصف بالإسلام؛ لتبعيته أبويه أو أجداده في وجه، وسواء اتصف به؛ لعلوقه حين كان أبواه أو أحدهما مسلماً، أو أسلم أحد أبويه وهو حمل أو طفل ثمّ بلغ فأنكر الإسلام.والأظهر أنَّه لا اعتبار بإنكاره بعد التمييز قبل البلوغ، كما لا عبرة في إسلامه حال التمييز قبل البلوغ ثمّ ارتداده في وجه.وهل إسلام الدار وإسلام السابي من الإسلام الذي إذا تعقبه الكفر يكون ارتداداً؟ لا يبعد ذلك، وفي القول به قوّة.وهو قسمان: فطريّ، وملّيّ.فالأول هو الذي علق وأحد أبويه مسلم؛ لظاهر الأخبار(3، وللاقتصار على المتيقن في أحكامه، وفي الخبر: «المسلم بين المسلمين» (4).)


1) قواعد الأحكام 3 : 344.

2) راجع جواهر الکلام 39 : 22 – 23.

3) وسائل الشيعة 28 : 323 وما بعدها. الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ.

4) المصدر : 324، ح 3.

وكلٌّ من الفطري والملّي يُقتل إذا لم يتب، إلا أن الفرق أن الملّي تقبل توبته فإن أصرّ قتل، والفطري إذا كان رجلاً لا تُقبل توبته بالنسبة إلى قتله واعتداد زوجته وقسمة مواريثه، سواء قتل أم لا، خلافاً لأبي علي فقيلها كالملي (1.)وهل تُقبل باطناً لدخوله الجنّة ؟ قولان: نعم لقرب ذلك من قواعد العدل، وأخبار التوبة (2. ولا ؛ لعموم أنّه لا تقبل له توبة (3)الشاملة للظاهر والباطن.)وهل تقبل بالنسبة إلى طهارة بدنه وصحة عباداته؟ وجهان.وهل تقبل بالنسبة إلى تزويجه بمسلمةٍ، أو إرجاع زوجته إليه؟ وجهان.وهل تقبل بالنسبة إلى ما يتجدد في ملكه فلا يملكه الوارث، وإلى صحة عقوده وحيازته؟ وجه قوي.وهل تقبل فيرجع إليه ماله وزوجته إذا تاب في العدة؟ وجه ضعيف.ولا يبعد عدم قبول توبته مطلقاً حتّى في الآخرة، ولزوم تكليف ما لا يطاق إذا كان وقوعه فيه باختياره غير قبيح.والمرتد الملّي لا تقسم أمواله إلّا أن يُقتل، ولا تبين نساؤه إلا بعد العدة.وإذا كانت المرتدة امرأةً لم تُقتل، بل تُحبس ويُضيَّق عليها في المطعم والمشرب وتُضرب أوقات الصلاة.ثم ليُعلم أن الاعتبار بالقسمة هي قسمة نفس الميراث، لا قسمته مع غيره من وصيّة أو مال مشترك، ويراد بها القسمة الصحيحة.ولو اقتسم الورثة الأعيان بالقيم كانت بمنزلة القسمة.و في إلحاق انتقال المال من وارث إلى وارث آخر بالقسمة وجه.وفي اعتبار استقرارها فيما لو قسموا ففسخوا بعيب أو إقالة وجه.وفي اعتبار قسمة أعواضها لو انتقلت بحث.ولو أنكر المسلم القسمة، فالقول قوله مع اليمين.


1) حكاه عنه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 15 : 24.

2) راجع وسائل الشيعة :28: 327 وما بعدها الباب 3 من أبواب حدّ المرتد.

3) المصدر : 323 - 324، الباب 1 من أبواب حدّ المرتد، ح 2.

وكذا لو ادعى تأخرها عن الإسلام، مع الشكّ في السابق واللاحق، أو مع العلم بتقدّم الإسلام، أما مع العلم بتقدّم القسمة والشكّ في تأخر الإسلام أو مقارنته فالأصل تأخره، مع قوة احتمال تقديم قول من ادعى تأخر الإسلام مطلقاً؛ لأصالة تأخره في نفسه وإن لم يُحكم بتأخره عن القسمة، ولأصالة الإرث، وأصالة عدم انتزاع ما في يد الوارث إلا بالمعلوم، وهو الإسلام قبل القسمة.ولو خلف نصراني أطفالاً صغاراً وخلف ابن أخ وابن أُخت مسلمين كان بمقتضى الضوابط الشرعيّة والقواعد المرعيّة قسمة المال بينهما، ثلثان للابن، وثلث للبنت.وفي رواية : أنَّه ينفق الاثنان بنسبة حقهما على الأولاد ما ورثاه، فإذا بلغ الأولاد مسلمين فهم أحق بالتركة (1، وأفتى بمضمونها جمع من القدماء، كالشيخين والصدوق وغيرهم(2).)وهي رواية مخالفة لجملة من القواعد المقرّرة، غير نقيّة السند، ولم تتحقّق شهرة تجبر سندها، فطرحها أو حملها على الاستحباب أولى.وحملها بعضهم على ما إذا أسلم الأولاد وهم صغار (3.)وفيه: إنّ إسلامهم لا اعتبار به وأنّ في آخر الرواية ما يدلّ على أنَّهم إذا أسلموا وهم صغار رجع مالهم إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، وظاهره التناقض)وبعضهم على الفرق بين الكفر الأصلي والتبعي في الميراث حتّى تسري لكل كافر ولكلّ قرابة (4.)وفيه: إنّه بعد الحكم بمضمون الرواية يلزم الاقتصار على مدلولها.###### ثانيها: القتل عمداً###### إشارة:ثانيها: القتل عمداً ظلماً حاجب لكلّ وارث بعيدٍ أو قريب، بسبب أو نسب، انفرد بالقتل أو شارك، سواء قتل بالسبب أو المباشرة، سواء قتل من استقرت حياته أم لم تستقرّ، كلّ ذلك لإطلاق الأخبار (5ومحكي الإجماع (6).)


1) وسائل الشيعة 26 : 18 الباب 2 من أبواب موانع الإرث...، ح 1.

2) المقنعة : 701: النهاية : 665 الفقيه 4 : 337، ح 5729؛ المهذب :2 : 159 - 160، ومَن عدا الصدوق فرضوا المسألة في إخوة وأخوات من قبل الأب وإخوة وأخوات من قبل الأمّ مسلمين.

3) المحقق الحلي في نكت النهاية 3 : 237.

4) المحقق الحلي في نكت النهاية 3 : 237.

5) وسائل الشيعة 26 : 30 الباب 7 من أبواب موانع الإرث...، ح 1 - 4.

6) الخلاف 4 : 30 المسألة 22.

وأما القاتل خطاً صرفاً أو شبه العمد فيرث؛ لعموم الأدلّة، وفتوى المشهور، وانصراف أدلّة الحجب للعمد، سوى الدية فالأظهر الأشهر نقلاً (1بل تحصيلاً منعه منها؛ للنبوي المصرح به في ميراث الزوجين (2)، بضميمة عدم القائل بالفرق، ولاستبعاد أن يقتل فيأخذ من العاقلة دية قتله، وللجمع بين ما دلّ على منع القاتل من الزوجين مطلقاً (3)وبين ما دلّ على منعه من الدية في الخطإ (4)وإمكان تخصيص الثاني بصورة خطا العمد يدفعه فهم المشهور، وظاهر الإجماع المنقول(5)، وللجمع أيضاً بين ما دلّ على منع القاتل(6)، وبين ما دلّ على توريثه (7)بحمل المنع على الدية وإن ضعف الدليل والجمع، ولأنّ الدية لا ينصرف إليها أدلّة الإرث والميراث؛ لأنّ الميراث فيما ترك، والدية ليست ممّا ترك، فكيفيّة توريثها مفتقر إلى الدليل، فما دلّ على المنع من إرثه لها لا يعارضه عمومات أدلّة الميراث.)وألحق بعضهم (8شبه العمد بالعمد؛ جمعاً بين الأدلّة المانعة والمجوزة، ولعموم أدلّة حجب القاتل (9)، خرج الخطأ المحض، ويبقى الباقي.)هو حسن، إلّا أنّ الأقوى إلحاقه بالخطإ المحض، فلا يرث من الدية، بل يرث الدية مشاركةً في الإرث أو المتأخّر عنه، ولا يبطل الميراث بنسبته مع مشاركة غيره، ولا من أصله بالنسبة إليه لو كان متقدماً، ويرث من غيرها؛ لعموم أدلّة الإرث خرج العمد فيبقى الباقي؛ ولترك التفصيل في الأخبار وكلام جملةٍ من الأصحاب بين الخطئين في مقابلة العمد، وهو قرينة على إرادة جنس الخطإ لا المحض فقط، وما دلّ من الخبرين على عدم إرث القاتل خطأ (10)


1) راجع رياض المسائل 14 : 239؛ والدروس الشرعيّة 2 : 347.

2) سنن ابن ماجة 2 : 914، ح 2736.

3) وسائل الشيعة 26 : 32 - 33، الباب 8 من أبواب موانع الإرث...، ح 2 و 3.

4) راجع الهامش (1).

5) راجع الانتصار : 595، المسألة 327.

6) وسائل الشيعة 26 : 30 الباب 7 من أبواب موانع الإرث...، ح 1.

7) المصدر : 33 - 34 الباب 9 من أبواب موانع الإرث...،ح 1 و 2.

8) ابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 9: 81، المسألة 27.

9) راجع الهامش (5) من ص 118.

10) وسائل الشيعة 26 : 34 - 35 الباب 9 من أبواب موانع الإرث...، ح 3 و 4.

بحمله على الشبيه بالعمد موقوف على قابليّة معارضتهما لما دلّ على إرث القاتل خطأ (1،فيُجمع بينهما بحمل الخطإ فيهما على الشبيه بالعمد، وليس فليس.)###### وهنا مسائل :###### المسألة الأولى: المقتول بحد أو قصاص أو دفاع يرثه قاتله وحكم المقتول عمداً وظلماً[المسألة] الأولى: قد بيّنّا أن المقتول بحدٍّ أو قصاصٍ أو دفاعٍ يرثه قاتله؛ للأخبار (2وفتاوى الأصحاب.)وأما المقتول عمداً وظلماً فإن كان من بالغ عاقل لا يرث وإن كان لا يقاد به، كالوالد والولد، وإن كان عمداً ولكن ليس ظلماً، كعمد المجنون، والصبي المميز فالأظهر الأقوى أنَّه كالخطإ.وأما القتل بالسبب السائغ من فاعله كضرب الولي المولى عليه للتأديب، أو بطء جرحه أو قرحه للإصلاح فيموت فيه فإنّه يرث من غير الدية ولا يرث من الدية؛ بناءً على تعلّق الدية به؛ لأنَّه قتل بخطا، وهو يوجب الدية، وكونه مأذوناً فيه لا ينافي ضمان الدية، مع احتمال عدم تعلق الدية بالفاعل، كما إذا صدر التأديب من الحاكم فمات به؛ فإنه لا ضمان على الحاكم ولو من بيت المال، إلا إذا أخطأ فيما أدب فيه، أو في نفس التأديب، كما إذا أراد خطأ.وأما الضرب الغير المأذون به شرعاً ولم يكن من شأنه القتل فيموت به فإنه يضمن الدية، ولا يرث منها، ويرث من غيرها.وراكب الدابة وسائقها وقائدها يرث لو قتل بها خطاً من غير الدية على الأظهر، وكذا حافر البئر في ملك غيره غير قاصد لقتل مَنْ يقع فيها، وكذا ما كان مثله فإنه يرث ممّا عدا الدية، ولا يرث مع العمد وقصد القتل.وأما المعين على القتل من دون مشاركة كالمعرّف للقاتل والمقوي له والممسك له إلى أن يجيء القاتل فيفكه، أو الحابس له في بيتٍ فيفكه، فإنّه يرث في جميع ذلك مطلقاً على الأظهر.وقد يحتمل منعه من الإرث؛ قضاءً للحكمة المانعة لإرث القاتل عمداً.###### المسألة الثانية: إذا لم يكن وارث سوى الإمام فليس له العفو عن القصاص والدية معاً[ المسألة ] الثانية: لو لم يكن وارث سوى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، فالمشهور نقلاً (3)بل تحصيلاً أنَّه)


1) راجع الهامش (6) من ص 119.

2) وسائل الشيعة 26 : 41 الباب 13 من أبواب موانع الإرث...، ح 1.

3) مسالك الأفهام 13 : 41.

ليس للإمام العفو عن القصاص والدية معاً؛ لصحيحة أبي ولّاد (1الدالّة على ذلك وكأنّ الحكم تعبديّ، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعلم بتكليفه، ولا ثمرة فيه الآن للحاكم الشرعي؛ لأن الحاكم الشرعي لا سبيل له للعفو عن مال الإمام وإبراء الذّمة منه والتصرف فيه كيف كان؛ للشكّ في عموم وكالته في كلّ شيءٍ يعود إليه، وإلا لصح له أن يبرئ عن حقّ الصاحب وعن الأنفال.)نعم، له الولاية عنه في الأمور العامة من القضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقبض أموال المسلمين والتصرف بها وقبض أموال الفقراء والمساكين، وأما أمواله الخاصّة فموقوف التصرّف بها على ما يعلم رضاه به.وعلى كل حال فالقصاص هنا إليه، والدية له لا لكافة المسلمين، بل هو من الأنفال، وما في الرواية: «أنه حقّ لجميع المسلمين» (2لا قائل به ممّن يعتمد على قوله من أصحابنا، كما أن ما فيها من جعل الدية في بيت مال المسلمين (3)يراد به بيت مال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لأنَّه إمامهم وبيته بيتهم، فحينئذٍ فالمانع من العفو هو خصوص الرواية، لا لكونه حقاً لغيره، فلا يعفو عنه، بل لو قلنا: إنّه حقّ للمسلمين فهو أولى بالمسلمين من أنفسهم، فله أن يفعل فيما يعود إليهم عاماً كيف ما شاء.)وجوز ابن إدريس العفو على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ (4)استناداً للقواعد، وإعراضاً عن الرواية، وهو ضعيف.)###### المسألة الثالثة: في أنَّه لا يرث أحد الزوجين القصاص[ المسألة ] الثالثة : لا يرث أحد الزوجين القصاص للإجماع المنقول (5، وفتوى الأصحاب؛ لأن القصاص لتشفّي الأرحام، ويرث من الدية في العمد لو تراضوا عليها للخبر (6)والإجماع المنقول (7)وفتوى الأصحاب، وما دلّ على عدم ميراثهما الدية سكونيٌّ (8)ضعيف.)وأضعف منه التعليل بأنّ الدية عوض حقّ لا يرثانه، فلا يرثان العوض، كما لا يرثان المعوّض.


1) وسائل الشيعة :29 : 124، الباب 60 من أبواب القصاص في النفس، ح 1.

2) راجع الهامش (1).

3) راجع الهامش (1).

4) السرائر 3: 336.

5) مسالك الأفهام 13 : 45.

6) وسائل الشيعة 26 : 38 - 39، الباب 11 من أبواب موانع الإرث...، ح 1 - 3.

7) الخلاف 4 : 114 - 115، المسألة 127.

8) وسائل الشيعة 26 : 39 الباب 11 من أبواب موانع الإرث...، ح 4.

ويرث الدية كلّ مناسب ومسابب عدا المتقرّب بالأم؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول (1، وصحيح ابن سنان الدال على حرمان الإخوة من الأُمّ(2)، والمساواة أو الأولوية بينهم وبين غيرهم مقطوع بها في فتوى المشهور، ولأصالة عدم الإرث.)والقول بإرثها لجميع الورثة - كما عن ابن إدريس والشيخ في الخلاف (3- ضعيف لا يعارض ما قدمنا كضعف القول بمنع المتقرّب بالأب فقط أيضاً.)وأضعف منهما القول باختصاص المنع بالنساء.والمراد بالمتقرّب بالأُمّ المتقرّب بها في المرتبة الأولى، فلا يدخل في ذلك المتقرّب بالأُمّ من طرف الأب.###### المسألة الرابعة: في أن الدية في حكم مال المقتول[ المسألة ] الرابعة: الدية في حكم مال المقتول وإن كان لا يملكه حال حياته، فتمضي فيها وصاياه، وتُوفى منها ديونه، وتُقسم منها مواريثه ولا يتفاوت بين دية العمد والخطإ؛ للأخبار (4، وفتوى الأصحاب.)فما يظهر من بعضهم (5من المنع من لزوم وفاء الدَّين من دية العمد؛ لعدم كونها ممّا ترك، ولأنها عوض حقّ القصاص الذي يختصّ به الوارث، فلا حقّ للديان فيه كله، اجتهاد في مقابلة الفتوى، والنصوص في الدَّين والوصيّة، مع أنّ ما كان عوض نفس الإنسان أولى به في إفراغ ذمته وإنجاز حقوقه ودفع المضارّ عنه.)###### المسألة الخامسة: يجوز للوارث العفو عن القصاص وإن كان الدين زائداً على التركة[ المسألة ] الخامسة : يجوز للوارث العفو عن القصاص وإن كان الدَّين زائداً على التركة، ولهم القصاص أيضاً، ولا يعارضهم الغريم في كلا الأمرين؛ للأصل، ولعدم تعلّق حقّ الديان بالقصاص، ولعموم أدلته من غير معارض.نعم، لو تراضوا على عوض القصاص من ديةٍ أو نحوها تعلق حقّ الديان به، كما تقدّم.وذهب جمع من أصحابنا (6إلى أنَّه ليس للوارث مع الدين القصاص، ولا العفو عنه؛)


1) السرائر 3: 336.

2) وسائل الشيعة 26 : 36 الباب 10 من أبواب موانع الإرث...، ح 2.

3) السرائر 3 : 328؛ الخلاف 4 : 114، المسألة 127.

4) وسائل الشيعة 26: 41 الباب 14 من أبواب موانع الإرث...، ح 1.

5) كابن إدريس الحلّي في السرائر 49:2.

6) منهم الشيخ الطوسي في النهاية : 309؛ والحلبي في الكافي في الفقه : 332.

لبعض الروايات الدالّة على أنَّهم ليس لهم القصاص إلا بإذن الغرماء، وكذا ليس لهم العفو (1، وهي ضعاف متناً وسنداً.)ولو كان للمسلم قاتل مسلم وآخر كافر، كان الميراث للإمام، ولو كان للكافر ذلك ففي حجب القاتل المسلم للكافر وإن لم يرث بحث.###### ثالثها من الحواجب الرقّثالثها - من الحواجب -: الرقّ، فالمملوك لا يرث الحُرّ ولا العبد؛ للإجماع، ولأنه لا يملك، وللنصوص (2، سواء في ذلك القنّ وأُم الولد والمدبَّر والمكاتب، وتلقّي المولى مال العبد بعد موته - إن قلنا بملكية العبد - ليس إرثاً له.)وإذا كان في الطبقات ما عدا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ حقّ حجب المملوك حقّ ضامن الجريرة.)ولو كان مملوك مسلم وكافر وكان الموروث مسلماً، فهو للإمام، وإن كان الموروث كافراً فمحل بحث.ولو كان الولد حُرّاً لم يمنع برق أبيه، كما في الرواية المعتبرة (3.)ولو أُعتق المملوك على ميراث قبل قسمته شارك أو اختص، وإن كان بعد القسمة لم يشارك ولم يختصّ.وكذا لو كان الوارث واحداً ولو كان هو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، حيث يفرض عدم إمكان فكه، نقل إلى بيت المال أو لم ينقل، وتقديم الكافر عليه إنما كان للنصّ (4).)ولو لم يكن سوى المملوك والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ اشتري من التركة وأُعتق وأُعطي الباقي ميراثاً. فلا يرث ما دام عبداً، وثمن الشراء ليس ميراثاً له.)ويشترى بالقيمة العدل، ولو طلب المالك زيادة لا تتحمّل عادةً كفى دفع الثمن المعتاد إليه، وقهره الوصي أو الحاكم على البيع أو تولاه عنه، فإن لم يوجد الحاكم تولاه عدول المسلمين، وإلا فالمسلمون أولياء بعضهم بعضاً، وإلا فالعبد نفسه يتولى الدفع ويشتري نفسه.


1) وسائل الشيعة 18 : 365، الباب 24 من أبواب الدين والقرض، ح 2 و 29 : 122 - 123، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، ح 1.

2) المصدر 26 : 43 وما بعدها، الباب 16 من أبواب موانع الإرث...،ح 1.

3) المصدر : 45 الباب 17 من أبواب موانع الإرث...،ح 1.

4) المصدر : 20، الباب 3 من أبواب موانع الإرث...،ح 1.

ويمكن عدم الحاجة إلى صيغة البيع ونحوه؛ لعدم مالك للعبد بعد الشراء، بل كفاية نفس الدفع إلى المولى، ويكون المراد بلفظ «الشراء» في الخبر (1والفتوى هو نفس الدفع، وفكّ الملك عنه، وصيرورة العبد مالاً للميت، وفي بعضها: «يعطى» (2).)ويقوى كفاية الدفع فقط عند الامتناع.وهل يفتقر العتق إلى صيغة يتولاها الدافع أو غيره من الأولياء؟ وجهان، والأظهر العدم، فيتحرر بمجرّد دفع الثمن، وهو المراد بقولهم: «يشترى ويعتق».ويمكن الفرق بين شراء مَنْ ينعتق على الميّت فلا يفتقر إلى صيغة وبين غيره فيفتقر ولكنّه موقوف على كون ملك الميّت كسائر الأملاك ينعتق بها المملوك الخاصّ.ولو كان المملوك الوارث من جملة التركة لم يفتقر الوصي إلى بيع وشراء وعتق على الأظهر، بل ينعتق هو، ويُدفع له بقية المال.وظاهر الفتوى وبعض النصوص (3أنّ الشراء مشروط بعدم الوارث القريب، فيخص الأرحام.)ويظهر من آخرين (4عمومه لكلّ وارث حتّى مولى النعمة وضامن الجريرة، فمتى كان أحدهم قدّم في الميراث ولم يشتر؛ استناداً إلى عموم إرثهما، وعموم عدم إرث الرق، فيقتصر في الفكّ على القدر المتيقّن، وربما استظهر بعضهم الإجماع على ذلك، فإن كان فلا كلام.)وفي ظاهر رواية عن علىٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ أنَّه اشترى بنتين مملوكتين لمولى له (5).)والظاهر منه أنَّه كان مولى نعمته، ويمكن أن يُحمل على الندب.ولا فرق بين أُمّ الولد وغيرها، إما لأنَّه ليس شراء، أو أنَّه ممّا يستثنى من بيع أُم الولد؛ لتعجيل عتقها بهذا الشراء.###### فوائد:###### الفائدة الأولى: في أن المبعض يورث على قدر حريته[ الفائدة ] الأولى: المبعَّض يورث على قدر ما فيه من الحُرّيّة؛ لأنَّه الذي يملكه لو كسب مالاً، أو نقل إليه مال.


1) وسائل الشيعة 26: 49 وما بعدها، الباب 20 من أبواب موانع الإرث...، ح 1.

2) المصدر : 50 – 51، ح 5.

3) المصدر : 51، ح 6.

4) منهم : العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 347 والطباطبائي في رياض المسائل 14 : 252.

5) وسائل الشيعة 26: 52 الباب 20 من أبواب موانع الإرث...،ح 8.

واحتمال أنّ ما يملكه بنصيب الحُرّية يكون بين الوارث والسيّد؛ لأن سبب الانتقال الجسد الموت، وهو في جميع وجميعه بين السيّد وبين نفسه، بعيد جدّاً.###### الفائدة الثانية: في أنّ المبعض يرث على قدر حرّيّته[ الفائدة ] الثانية: يرث أيضاً على قدر ما فيه من الحرية إن كان كسراً كثيراً أو قليلاً، وإن كان ذا فرض أو غيره، وكذا الردّ يردّ عليه بتلك النسبة، خلافاً لما يظهر من العلّامة (1.)وما زاد من التركة ينتقل منه إلى الوارث الذي بعده في الطبقة الثانية، ولا يحجبه بجزئه الحُرّ.وقد استشكله العلّامة (2، ولكنه خال عن الإشكال.)ثمّ إنّ المنتقل إليه أيضاً يرث على قدر الحرّية لو كان مبعَّضاً.واحتمل العلّامة فيه التكميل لو كان ولد نصفه حُرّ وأخ كذلك، فالتركة بينهما (3.)والأوجه ما ذكرناه، وهكذا.وهذا كله لو كان الوارث واحداً، أما لو تعدّد المبعض وكان في مرتبة واحدة، كابنين أو أخوين كلُّ واحدٍ منهما نصفه حُرٌّ، احتمل فيه التكميل، فيكون مجموع النصفين ابناً كاملاً، فتكون التركة بينهما نصفين.وكذا لو كان البنون أثلاثاً كلُّ منهم فيه ثلث من الحُرّيّة، أو اثنين أحدهما ثلث والآخر ثلثان، وهكذا.ولو لم يستوعب التكميل التركة حجبوا عن الزائد، كابنين في كلِّ منهما ثلث حُرِّيَّةٍ أو ربعها.واحتمل جعل مجموع حصص الحُرّية بمنزلة حصّةٍ واحدة وبمنزلة واحدٍ مبعض، فيؤخذ من التركة بقدر ذلك الكسر من جميعهم فيقسم عليهم، إلا أن يزيد أحدهم على الآخر، فيختصّ الزائد بالزيادة، ويشاركه الآخر في قدر ما ساواه فيه.ففي المثال الأول يُدفع إليهما نصف التركة، فيأخذ كلّ واحدٍ ربعاً منها، ويحجبان عن النصف الآخر، وفي المثال الثاني يشترك الجميع في الثلث، ويحجبون عن الثلثين، وفي المثال الثالث يتشاركان في الثلث فيكون لكلّ واحدٍ،سدس ويختص ذو الثلثين بثلث من التركة. وهذا أقرب لفتوى الفقهاء، وأظهر فيما ورد من أنّ المبعض يرث على قدر ما فيه من الحُرِّيَّة (4.)


1) قواعد الأحكام 3: 349.

2) قواعد الأحكام 3: 349.

3) المصدر : 350.

4) وسائل الشيعة 26 : 47 - 48 الباب 19 من أبواب موانع الإرث...،ح 1 و 3.

واحتمل العلّامة قسمة الثلث أثلاثاً (1، والأوّل أقرب.)ويحتمل أن يكون الميراث تنزيل الأحوال.ففي المثال الأول يرث كلّ واحدٍ ثلاثة أثمان التركة، فيكون المجموع ستّة أثمان، ويحجبان عن اثنين، وطريقه أن يفرضا رقين وحُرّين، وأحدهما معيناً رقاً والآخر حُرّاً. وبالعكس، فهذه أربعة.ويتحصل منها أنّ لكلّ واحدٍ منهما مال ونصف مال، فالمال ثمانية، ونصفه أربعة، فالمجموع اثنا عشر يعطى لكلّ واحدٍ ربعها.ولو كان ابن حُرِّ وآخر نصفه حُرّ، فعلى الأوّل الفريضة بينهما ثلث وثلثين، وعلى الثاني الفريضة أرباعاً، ربع لمن نصفه حُرّ، والباقي لمن كلّه حُرّ.وكذلك على تنزيل الأحوال؛ لأنّ للحُرّ المال في حالٍ، ونصفه في آخر، فله نصفهما، هو ثلاثة أرباع، وللآخر نصفه في حال، فله الربع.وقد يزاد في الطرق طريق الخطاب، وهو هنا كذلك بأن يقال للحرّ: لك مال لو كان أخوك رقاً، ونصفه لو كان حُرّاً، فقد حجبك بحرّيّته عن النصف، فنصفها يحجبك عن الربع، فيبقى لك ثلاثة أرباع، ويقال للآخر لك النصف لو كنت حُرّاً، فإذا كان نصفك حُراً فلك الربع.وفي مثال ما لو كان أحد الابنين ثلثه حُرّ وآخر ثلثاه يحتمل فيه تمام الفريضة.ويحتمل اشتراكهما في الثلث، كما قدمنا (2.)ويحتمل قسمة الثلثين بينهما أثلاثاً؛ لكون الثلثين نصيباً بمنزلة فريضة واحدة فيقتسمانها.وبالخطاب يقال لمن ثلثاه حُرّ: لو كنت وحدك حُرّاً لكان لك المال، ولو كنتما حُرّين لكان لك النصف، فقد حجبك بحُرّيّته عن النصف، فثلثها يحجبك عن سدس يبقى لك خمسة أسداس لو كنت حُرّاً، فلك بثلثي حُرِّيَّةٍ خمسة أتساع، ويقال للآخر: يحجبك أخوك بثلثي حُرّيته عن ثلث النصف، وهو الثلث يبقى لك الثلثان، ولك بثلث الحُرّية ثلث ذلك، وهو التسعان، ويبقى التسعان لباقي الأقارب.


1) قواعد الأحكام 3 : 350.

2) تقدّم قبيل هذا.

ويتحد طريق الخطاب والتنزيل غالباً، فهذه أربعة طرق ينبغي التأمل فيها، والأسهل ما عليه المشهور.###### الفائدة الثالثة: فيما لو لم تف التركة بشراء المملوك كلّاً فهل يشترى البعض؟[ الفائدة ] الثالثة: لو لم تف التركة بشراء المملوك كلّاً - لعلو قيمته أو لقصر المال - فهل يشترى البعض؛ لعموم «لا يسقط» (1و «ما لا يدرك» (2)أو لا يشترى؛ اقتصاراً على مورد اليقين من الفتوى والرواية؟ والمشهور الثاني.)ولو كان الوارث متعدّداً فقصر نصيب كلّ واحدٍ عنه، فعلى المشهور لا يشترك به أحدهم.وكذا لو أمكن شراء معيّن بجميع الحصص، فالظاهر عدم لزوم ذلك، ويسقط حقّ الباقين. وكذا لو أمكن شراء واحدٍ لا بعينه أو أمكن شراء واحد وبعض آخر.وكذا لو وفى نصيب واحد ولم يوف نصيب الباقين وهكذا كلّ ذلك اقتصاراً على مورد اليقين من عدم الإرث وتقديم شراء المملوك على الوارث.وعلى القول الآخر فهل يشترى مع عدم وفاء الحصص بالجميع ووفائها بواحد الجميع مبعضاً أو الواحد؟ وجهان، أو يلزم شراء مَنْ وفى نصيبه دون الآخر، أو شراؤه وشراء بعض الباقين، وهكذا؟###### الفائدة الرابعة : في أنَّه يفك جميع الوارث من الأقارب[الفائدة ] الرابعة: يفك جميع الوارث من الأقارب بعيداً كان أو قريباً؛ لفتوى المشهور نقلاً (3، وللإجماع المنقول (4)، وللمرسل المنجبر بما ذكرنا (5): «إذا مات الميّت ولم يدع وارثاً وله وارث مملوك يشترى من تركته فيعتق» (6).)وفي مرسل آخر: «الجدّ والجدّة والأخ والأخت وجميع ذوي الأرحام» (7.)وخبر عبد اللّه بن طلحة في الأخت والأخ (8، بضميمة الإجماع المركب على عدم الفصل، وخبر إسحاق بن عمّار: «هل تجدون له وارثاً؟» (9).)


1) عوالي اللآلي 4 : 58، ح 205.

2) المصدر، ح 207.

3) نسبه الشهيد الثاني في الروضة البهية 8: 42 إلى الأكثر.

4) راجع رياض المسائل 14 : 260.

5) بما ذكره في الفوائد الثلاثة المتقدمة قبيل هذا.

6) وسائل الشيعة 26 : 50، الباب 20 من أبواب موانع الإرث...،ح 3.

7) رواه مرسلاً ابن حمزة في الوسيلة : 397.

8) وسائل الشيعة 26 : 50 - 51 الباب 20 من أبواب موانع الإرث...، ح 5، وفيه «الأخت» فقط.

9) المصدر : 52، ح 8.

وأما الآباء فإجماع الشيعة عليه.وأما الأولاد فالأخبار (1المتكثّرة، والإجماعات المنقولة (2)دالّة عليها، سواء كان للصلب أم لا.)والأقوى فك الزوج والزوجة؛ لإطلاق بعض الأخبار في الوارث (3، وإطلاق الإجماع المنقول (4)، وخصوص الصحيح في الزوجة أنّها تشترى من ماله وتعتق ثمّ ترث (5)، والزوج أولى، وحمله على الندب بعيد كاحتمال التبرع من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).)والظاهر أن الزوج يردّ عليه مع عدم الوارث فيشترى بالجميع، وإن فضل شيء ردّ عليه، ولا يختصّ شراؤه بالنصف.وأما الزوجة فإن قلنا بالردّ عليها اشتريت بالكلّ، وإن بقي شيء ردّ عليها، وإن قلنا بعدم الردّ احتمل هنا شراؤها بالكل، وإن بقي شيء يردّ عليها - كما هو ظاهر الرواية - وإن لم نقل بالردّ عليها في غير هذا المقام.ويحتمل الاقتصار في شرائها على قدر الربع إن وفى بها كلاً أو بعضاً على القولين.ومع شرائها بالربع فيحتمل دفع ربع من التركة لها ميراثاً ؛ لأن الأول حكم شرعي، لا ميراثاً حقيقياً.ويحتمل أنَّه ليس لها سوى الربع الذي اشتريت به؛ لأنَّه ميراثها لو كانت حُرّةً، ويُحمل دفع الميراث لها في الرواية (6على ما زاد على الربع.)ومع ذلك فالحكم في الزوجة مشكل؛ لأنّ الظاهر من شراء الوارث هو الوارث الذي يعود إليه الميراث لو تحرّر، لا الذي يشاركه غيره فيه، والإطلاقات كلّها منصرفة للأقارب، والرواية كأنّ المشهور أعرض عنها.ولو لم يف النصيب بالقريب ووفى بمَنْ هو أبعد، ففي لزوم شراء بعض القريب أو كل البعيد أو سقوط الشراء وجوه، أقواها على المشهور الأخير.


1) وسائل الشيعة 26 : 50 و 52 و 53 الباب 20 من أبواب موانع الإرث...،ح 4 و 8 و 10.

2) السرائر 3 : 273؛ الروضة البهية 8: 41.

3) راجع ص 127.

4) لم نتحقّقه.

5) وسائل الشيعة 23 : 89 الباب 53 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

6) وسائل الشيعة 23 : 89 الباب 53 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

###### الفائدة الخامسة : هل يجب على البائع الإخبار بمملوكه كي يشترى إذا لم يعلم به؟[ الفائدة ] الخامسة : هل يجب على البائع الإخبار بمملوكه كي يشترى إذا لم يعلم به؟ الظاهر ذلك.وهل إذا بيع فظهر عيب أو غبن يسقط الردّ، أو يرد فيرد، أو يتعين الأرش؟وهل يجوز لمالك العبد بيعه إذا علم أنّه،وارث، أو لا يجوز؟ نعم، يجوز عتقه قطعاً.ولو اشتري ولم يعتق حتّى مات، فهل يكون الباقي للإمام، أو لوارثه؟وهل يتولى ذلك الوصي كما قدمنا، أم يمنع؛ لأنَّه ليس من الثلث ولا من الدين فلا يكون متعلقاً للوصيّة، بل هو من الأحكام الشرعيّة الراجعة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أو نائبه؟)والأقوى أن عموم (مَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ(1)يشمله.)ولو أوصى الميّت بثلث، فالظاهر أنّ المدار في اتساع التركة للفك وعدمه بعد إخراج الثلث، واحتمال أنَّه كالدَّين حكماً شرعياً فيقدم على الثلث وجه.ولو لم يوجد من يعتق العبد عتق نفسه.###### الفائدة السادسة : حكم ما لو أعتق المدبَّر من الثلث وكان الوارث متعدداً[ الفائدة ] السادسة: المدبَّر لو أعتق من الثلث وكان الوارث متعدداً، شارك أو اختصّ؛ لأنَّه بمنزلة من تحرّر على ميراث قبل قسمته.وإن كان الوارث واحداً، ففى مشاركته أو اختصاصه وجهان: من أن العتق مقارن للموت، فيقارن التوريث، فيقعان دفعةً، ومن أنّ العتق متأخر عن ملك الوارث الواحد فيختصّ به الواحد.###### الفائدة السابعة: لزوم شراء المبعض إذا وفى النصيب بشراء بعضه الرقّ[ الفائدة ] السابعة: شراء المبعض إذا وفى النصيب بشراء بعضه الرق لازم وإن لم نقل بلزوم شراء البعض لو لم تف التركة بالكلّ.نعم، لو قصرت التركة عن قيمة المبعض جاء الكلام السابق في المتحد والمتعدّد (2.)ولو لم تف بقيمة هذا المبعض في الطبقة الأولى، انتقل الحكم إلى المبعَّض في المرتبة الثانية لو قلنا بانتقال الحكم في غيره إن لم تف بشراء العبد في الطبقة الأولى، وإن لم نقل هناك لم نقل هنا.


1) البقرة (2) : 181.

2) تقدّم في ص 125.

ولو انتقلت التركة إلى بيت المال أو تصرف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بها فظهر المبعض، ضمن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)ذلك المال.)###### رابعها: في أن اللعان حاجب عن الميراث بالنسبة إلى الملاعنرابعها (1: اللعان حاجب عن الميراث بالنسبة إلى الملاعن وقاطع للنسب بين الأب وابنه، فلا يرث ولد الملاعنة أباه، ولا يرثه أبوه؛ للإجماع، والأخبار (2).)نعم، لو أقر به بعد ذلك ورثه الولد؛ لعموم أدلّة الإقرار (3، ولخصوص الأخبار (4)، ولا يرث هو الولد. وفي إلحاق ميراثه لأقارب أبيه مطلقاً، أو عدمه مطلقاً، أو إلا أن يصدقوا الأب وجوه، أوجهها توقفه على تصديقهم له.)وإذا لا عن في ولدين توارثا من طرف الأُمّ.وإذا مات ولد الملاعنة ولم يكن له وارث من طرف أُمه، ورثه ضامن الجريرة أو الإمام. والزوج والزوجة يرثانه.###### خامسها: في أن ولد الزنى لا يرث ولا يورثخامسها: ولد الزني لا يرث ولا يورث؛ لانقطاع النسب بينه وبين عموديه وأقاربه، ويرثه الزوج والزوجة والمنعم وضامن الجريرة والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ.)نعم، لو اختصّ الزنى بأحد الطرفين اختصّ المنع من الإرث به فقط، وورث وورّث من الطرف الآخر، وحينئذٍ فلو كانت الشبهة من طرف الأمّ ورثها، وورث أقاربها، وورثته، وورثه مَنْ تقرب بها، فلو كان له إخوة من أبيه وأُمه وإخوة من أبيه وإخوة من أُمه، وورثه إخوة الأمّ وإخوة الأب والأُمّ بالسويّة، ولم يرثه إخوة الأب، كولد الملاعنة. ولو لا عن توأمين توارثا من طرف الأمومة، وكذا لو كانا زنى من طرف الأب دون الأُمّ. ولو كانت الشبهة من طرف الأب، ورث إخوة الأب وإخوة الأب والأُمّ سواء، ولا يرث إخوة الأب فقط.


1) أي: الرابع من موانع الإرث.

2) وسائل الشيعة 26 : 259،وما بعدها، الباب 1 من أبواب ميراث ولد الملاعنة وما أشبهه.

3) المصدر 23 : 184، الباب 3 من أبواب كتاب الإقرار، ح 2.

4) المصدر 26 : 262 وما بعدها الباب 2 من أبواب ميراث ولد الملاعنة وما أشبهه.

###### سادسها: إذا خفيت آثار الغائب والمفقود وانقطعت أخباره لزم انتظارهسادسها: الغائب والمفقود في بحرٍ أو برِّ في حضر أو سفرٍ إذا خفيت آثاره وانقطعت أخباره، لزم بمقتضى القواعد انتظاره في ماله وفي نسائه وفي إجراء أحكام الميّت عليه إلى أن يحصل القطع بموته، أو تقوم بيّنة شرعيّة به؛ لعدم جواز نقض اليقين إلا بيقين مثله، إلا أنّ المشهور ألحقوا هنا الظنّ الغالب المتاخم للقطع به إذا كان ناشئاً من طول المدة، كبلوغ الغائب العمر الطبيعي، وهو المائة والعشرون سنة، بل المائة في هذه الأوقات، وكأنّه للزوم الحرج لولا ذلك، وللسيرة القاضية بذلك، ولولا ذلك لأمكن المناقشة في جواز العمل بهذا الظن، مع أنّ الإنسان قد يعيش كنوح وشعيب والخضر مدة طويلةً، وقد يعيش أقصر من ذلك إلى المائة والثمانين كثيراً.ويدلّ على لزوم الانتظار إلى زمن القطع بموته - مضافاً إلى القواعد - ما ورد من لزوم الانتظار في مجهول المالك والوصيّة به ما دام ظهور صاحبه ممكناً إذا لم يعلم له وارث (1، والفرق بين معلوم الصاحب ومجهوله بعد أن يكون الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وارثاً بعيد، فتأمل.)وحكي عن ابن الجنيد لزوم الانتظار بميراث المفقود في عسكر قد شهدت هزيمته فيه وقتل مَنْ كان فيه أو أكثرهم إلى أربع سنين، والانتظار بميراث الغائب الذي لا يعرف مكانه إلى عشر سنين (2.)والظاهر أنّ مَنْ عُرف مكانه ولكن لم يجئ منه خبر مع كثرة المترددين إلى ذلك الإقليم فيسأل عنه ولم يقعوا له على خبرٍ مثله، وأمّا مَنْ عُرف بمكان ولكن لم يسافر أحد إليه ولم يجئ من ذلك الطرف أحد يخبر عنه، فالظاهر أنَّه مع الأصحاب.وكذا المأسور في قيد العدو إذا لم يجئ منه أحد، لا ما إذا جاء ولكن لم يعلم به.وفي الصحيح في امرأةٍ ماتت ولها ابن غائب وبنت حاضرة، فأرادت البنت بيع قطعة من دار الأُمّ، فأجاز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُلبيعها إذا لم يعرف للابن خبر إذا مضى عشر سنين(3).)والظاهر أنَّها من انقطاع خبره لا من غيبته، وقلّ العامل بهذا الصحيح؛ لإمكان حمله على رخصة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ على بيع مال الغائب؛ لولايته عليه مع خوف المفسدة، أو على البيع)


1) وسائل الشيعة 26 : 296 - 297، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى....،ح 1.

2) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 9: 110، المسألة 39.

3) وسائل الشيعة 26 : 299، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى...، ح 7.

فضولاً وضمان البنت له، أو على أنّ الملك للبنت بظاهر اليد، وتأخير الثمن احتياطاً؛ لأن الغائب على حجّته، أو على أنّ ذلك مخصوص بالعقار، كما نُقل عن المفيد، إلا أنّه جوّز قسمة أمواله مع الملاءة والضمان، حتّى نُقل عنه القول بالإطلاق من أنَّه يورث عند انقطاع خبره، ويدفع إلى وارثه المليء، فإن كانوا كلّهم دفع إليهم، وإلا دفع سهم المليء دون غيره (1.)وليس عليه دليل سوى ما قيّدناه بما بعد العشر أو مطلقاً، وليس له إلا رواية إسحاق بن عمار فيمن غاب ففقد: أنّه يقسم ماله بين الملاء من ورثته، فإذا جاء ردّوه (2.)وليست صريحةً في الميراث، بل لعله لحفظ المال على أنَّه غير مقيد بمدةٍ، إلا أنَّه للجمع بين الصحيح الأوّل وبينه يُحكم بالتربّص عشر سنين، وبعدها يدفع للوارث المليء، كما هو الظاهر من،مذهبه، ومع ذلك فدليله غير ظاهر على مدعاه.وقيل: ينتظر إلى أربع سنين من حين فقده وانقطاع خبره (3، ونُقل عليه الإجماع (4)استناداً إلى ما جاء في التربص في زوجة المفقود إلى أربع سنين (5)، فالمال أولى، وإلى الإجماعين المنقولين (6)، وإلى الموثق أنَّه يحبس ماله قدر ما يطلب في الأرض أربع سنين، ثمّ يقسم ماله (7)، والآخر (8)وإن لم يقيد بالطلب ولكنّه مقيد به؛ لمكان حمل مطلقه على المقيد الموثق.)وظاهر هذه الرواية أن قسمة الميراث بعد الطلب - لا بمجرد انقطاع الخبر - أربع سنين، فيمكن حملها على حصول العلم بالموت.وعلى كلّ حالٍ فهذه الأخبار معارضة بالأخبار المتقدّمة، وحمل المال على الزوجة قياس؛ لتضرّر الزوجة بالتأخير، والإجماع مقدوح فيه، والاحتياط يقضي بالقول المتقدم.وعلى كل حال فالظاهر أنّ مورد البحث فيمن غاب عن النظر، سواء كان هو الغائب أو


1) المقنعة : 706.

2) وسائل الشيعة 26 : 300 الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 8.

3) قال به السيد المرتضى في الانتصار : 595 المسألة 326؛ وابن زهرة في غنية النزوع 1: 332.

4) راجع الهامش (3).

5) راجع وسائل الشيعة 22: 156 وما بعدها، الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه.

6) راجع الهامش (3).

7) وسائل الشيعة 26 : 300، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 9.

8) المصدر : 298، ح 5.

هو الذي غيب عنه، وسواء كان في البلد فلم يدر كيف وقع عليه، أو كان في معركة، أو كان في طريق فضل عن الطريق أو تركه رفقاؤه في مهمةٍ أو مسبعة أو مكانٍ مخوف، أو كان في بحرٍ فانكسرت السفينة، واحتمل ركوبه على لوحةٍ أو خروجه إلى البرّ، أو كان غائباً فانتقل من مكان إلى مكان فانقطعت أخباره، أو غاب ولم يدر إلى أين توجه، إلى غير ذلك من النظائر، كلّ ذلك لظاهر الفتوى والنصوص ؛ حيث إنّ فيها الغائب (1، وفيها المفقود (2)، ولتنقيح المناط بين جميع تلك الأفراد.)نعم، يشترط في جميع ذلك أن يقع عنه سؤال وطلب، فلا يكفي مجرّد الغيبة مع السكوت وعدم الفحص، بل يرجع فيه عند ذلك إلى القاعدة.وكذا يشترط أن لا يجيء منه خبر بظلالته، ولم يكن ذلك لانقطاع الطريق إليه لخوف، أو لدوران العدوّ على البلد، أو لأنَّه غير معروف لا يخبر عنه، أو البلد بعيد عن المترددين بحيث إن الرايح إليها لا يصدر منها إلا بعد الأربع سنين أو العشر، أو كانت عادته لا يكتب مكتوباً حتّى يصدر وكان المكان بعيداً، والمقصد طويلاً كثيراً، أو كان بحبس لا يدخله أحد ولا يخبر عنه أحد، ولكن يعلم بوصول مؤونته إليه فيه لو كان حيّاً، أو كان ممّا يعلم أنَّه كان في بلد واحد ولم يصل أحد إلى تلك البلد، كلّ ذلك للاقتصار على مورد اليقين فيما خالف القواعد من العمل بالأربع والعشر.وبالجملة، فالظاهر أنّ محلّ المسألة هو المفقود في غيبته أو غيرها مع السؤال عنه وعدم العثور على خبره، وكان بحيث لو كان حياً لبان أمره؛ لمعروفيته، ولما خفي في الأمكنة والبلدان، ولما انقطعت مراسلته، ولما تأخر مجيؤه، ولما خفي حاله على المترددين، فيحصل الظنّ بموته، فيجيء الكلام فيه أنَّه هل ينتظر إلى مدةٍ يعلم موته أو يكفي الأربع بعد الطلب، أو العشر مطلقاً؟ مع احتمال كفاية الأربع في المفقود، والعشر في الغائب المنقطعة أخباره (3.)ويراد بالمفقود هو مَنْ فقده أهله وأصحابه على غير العادة في طريق أو بلد أو معركة أو بريّة.


1) وسائل الشيعة 26 : 298 و 300 الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 6 و 8.

2) راجع الهامش (5) من ص 132.

3) سيأتي في ص 135.

مالاً.###### سابعها: في أنّ الحمل لا يملك ميراثاً ولا غيره ولا يملكه الولي مالاًسابعها: الحمل - سواء ولجته الروح أم لا - لا يملك ميراثاً ولا غيره، ولا يملكه الولي ببيع ولا شراء، ولا يملك بضعاً؛ لأصالة العدم فهو بمنزلة العدم، سيما قبل ولوج الروح فيه، وظاهر الفتوى والنصوص (1ذلك أيضاً.)نعم، يوقف ميراثه احتياطاً إلى أن يخرج حيّاً، فيرث من حينه، لا أنَّه يكشف عن ميراثه حين الحمل فيكون النماء له، بل النماء يكون لجميع الورثة الذين هو أحدهم، ولا أنَّه يملك ملكاً متزلزلاً يستقر بخروجه حيا وينفسخ بموته، كي يكون نماء المال الموقوف له لوارثه؛ لأنَّه خلاف الفتوى والنصوص.والظاهر من النصّ والفتوى أن شرط ميراثه خروجه حياً، فمع الشكّ في ذلك لا يرث، سواء كان الشكّ لبعد عن الوضع، أو لعدم الاطلاع عليه.واحتمال أن الموت مانع فيرت مع الشكّ، بعيد كل البعد.ولا بد من خروج أجمعه أو أكثره حياً، ولا عبرة بتقلصه أو الحركة التي لا تدل على ولوج الروح فيه.ويوقف له نصيب ذكرين؛ لبعد احتمال الزيادة وإن وقعت حتّى نقل أنَّه وصل للخمس ونقل للعشر، فإن زاد أخذت الزيادة من الورثة، وإن نقص عنهما رُدّت زيادة المال إلى الورثة.وبالجملة، فالصور المحتملة بعد البناء على عدم الزيادة على الاثنين تسعة حاصلة من احتمال ذكر أو أنثى أو خنثى منفرداً، وأحدهما مع غيره مجتمعاً، فهذه تسع يؤخذ بأحوطها، وهو نصيب ذكرين؛ ولأصالة عدم الزائد على الاثنين.نعم، لو علم زيادته على اثنين عزل له نصيب ثلاثة، ولو تلف المعزول فسقط حيّاً شارك الورثة بمالهم؛ لأنّ العزل لا يشخصه له دون غيره، مع احتمال ذلك، وأنَّه كالقسمة.وإيقاف النصيب هنا يقتضيه الاحتياط؛ لأصالة بقاء الحمل حيّاً، فلا يعارضه أصالة عدم ميراثه.والحكم بتعدده قضى به الاحتياط، وظاهر فتوى الأصحاب.


1) وسائل الشيعة 26 : 302 وما بعدها الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه.

واشتراط خروجه حيّاً قضى به كلام الأصحاب، والأخبار المتكثّرة، ففي بعضها: «لا يرث حتّى يتحرك تحرّكاً بيناً» (1، وفي بعضها: «حتى يصيح» (2)وفي بعضها: «حتى يستهل» (3)وفي بعضها: «حتى يتحرك بحركة الأحياء» (4)، إلى غير ذلك.)وأما غير الحمل من الوارث فإن كان محجوباً لم يعط شيئاً، كأخ وحمل، وإن كان زوجاً أو زوجةً أُعطيا نصيبهما الأدنى، وكذا لو كانا أبوين.ولو كان الوارث في مرتبتهما، أعطي الذكر الواحد ثلثاً، والبنت خمساً، وهكذا.ولا يشترط خصوص الاستهلال في توريثه وإن ظهر من بعض الأخبار (5لأنّ الظاهر من كلام الأصحاب ومن غير تلك الأخبار أن المدار على الحياة.)وكذا لا يشترط استقرارها؛ أخذاً بظاهر الأخبار.وكذا لا يشترط حلول الروح فيه عند موت مورّثه؛ لإطلاق الفتوى والرواية.نعم، يشترط العلم بوجوده حال موت المورّث بأن تلده إلى ستّة أشهر فما فوق من حين وطئه لها، فلو ولدته لدون ذلك لم يكن ولده، وكذا لو ولدته لأزيد من تسعة على قول، أو عشرة على قول آخر، أو سنة من وطنه أو موته على قول ثالث من الوطء إلى حين الولادة.ويشترط أن لا يتخلّل بين وطء الأوّل والوضع وطء آخر صحيح يمكن تولّده منه، فإنّه يكون للثاني.###### ثامنها: فى أنّ الغائب والمفقود يرثثامنها: الغائب والمفقود يرث كما يورث، ويحكم أن الإرث له، ويكون على حكم ماله إلى أن يورث، فيورث ماله وميراثه، ولا يرث بعد الحكم بموته ولو بالعشر أو الأربع، ويرثه وارثه ذلك الوقت لا وارثه قبل ذلك.واحتمل بعضهم أنّ ما يرثه لا يورث بوارثه حتّى يتبيّن موته بعد موت وارثه، فلو علم


1) وسائل الشيعة 26 : 303 و 304 الباب 7 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه، ح 4 و 7 و 8.

2) المصدر : 302 و 303، ح 1 و 6.

3) المصدر : 302، ح 2.

4) لم نعثر عليه، وأورده صاحب جواهر الكلام فيها 39: 70.

5) راجع الهامش (3).

أنه مات قبل ذلك أو شكّ فيه لم يرث؛ لأنّ شرط التوارث العلم بالمتقدم والمتأخّر، فإن لم يعلم ورث كلّاً منهما وارثه المحقق فيعود المال إلى ورثة الأوّل (1.)وهو قوي، ويؤيده الأصل.ويحتمل أنَّه يرث إلى العمر الطبيعي، وإن قسمت أمواله بعد العشر والأربع فيقسم ميراثه بعد بلوغه العمر الذي لا يمكن حياته بعده.والظاهر أن القائل بقسمة ميراثه بعد العشر أو الأربع يجري عليه جميع أحكام الموت، فلا يعزل له سهماً من حقّ الفقراء، ولا ينفذ النذر له، ويمضي تدبيره وتنفذ وصيته.###### تاسعها: في أنّ دَيْن الميّت بعد موته يتعلّق بتركته ويؤخذ منهاتاسعها: لا شكّ أنّ دَيْن الميّت بعد موته يتعلّق بتركته، ويؤخذ منها؛ إذ ليس له بعد الموت ذمّة يمكن الوفاء منها سوى تركته.ويدلّ عليه الكتاب (2والسنّة (3).)ولا يتفاوت بين كون الدين خالقيّاً من خمس أو زكاةٍ أو نذرٍ أو كفارات، أو مخلوقيّاً معلوم أهله أو مجهول.نعم، يقوى القول بخروج ما أخذه السلطان وجنده باسم الخراج والزكاة، بل وكلّ ما يأخذه بعنوان الولاية من الأمور الراجعة إلى الحاكم الشرعي وإن لم يصرفها بمصرفها، وكذا ما يأخذه القضاة موافقاً لمذهبهم من رشوةٍ وأُجرةٍ على القضاء، ونحو ذلك، فإنّ ذلك كله لا يؤخذ من تركة الميت.وفي إلحاق ما يأخذه الجائر من المعتاد في الظلم - كأخذ العشار - والأموال التي تؤخذ على الدفن، وجزية الرجال العابرين والزوّار المترددين وجه ضعيف، الأقوى خلافه.وكذا لا شك في أن للوارث تعلّقاً بها أيضاً، وإنّما الكلام في أن الميّت لو كان عليه دين مستغرق، أو دين في الجملة فما حكم التركة أجمع في الأول؟ وما حكم ما قابل الدين في الثاني ؟ فهل تنتقل من الميت، أم لا؟ وهل انتقالها بعد القول به لمن يكون؟


1) راجع كشف اللثام 9: 392.

2) النساء (4) : 11.

3) وسائل الشيعة 19 : 329 وما بعدها، الباب 28 من أبواب كتاب الوصايا.

وعلى الثاني هي باقية على ملك الميّت؛ بناءً على أنّ الميّت له قابليّة الملك، أو على حكم ماله، بمعنى أنَّها لا يملكها أحد، ولكن هي بحكم أمواله، فتعود إلى الوارث بعد ذلك، أو بعد ملك اللّه تعالى لها.وعلى الأوّل فهل يملكها الغريم ملكاً متزلزلاً يستقر بعدم الوفاء والإبراء، وينفسخ بالوفاء والإبراء، أو أنّه يملكها الوارث ملكاً متزلزلاً يستقر بالوفاء والإبراء، وينفسخ بعدم الوفاء والإبراء، أو ملكاً تاماً ولكنّها كالرهن بيد الغرماء، أو ملكاً تاماً ولكنها كالجاني خطأ بيد المجني عليه، فإنّ له تعلقاً بالعين، والخيار بيد المالك إن شاء دفع العين وإن شاء فكها، وإن امتنع كان للمجني عليه أخذها، أو ملكاً تاماً كالجاني عمداً، فالخيار بيد المجني عليه، فإن شاء استرقه، وإن شاء قبل الفدية، وللمالك التصرف في الجاني إلا أن تصرفاته موقوفة، أو ملكاً متزلزلاً على وجه الرهانة، أو أرش الجناية؟ومع ذلك فالظاهر أنّه لا كلام في أنّ الوارث أولى بالعين من الغرماء، فلو أرادوها أو أرادوا بعضها لوفاء دينهم لم يكن لهم ذلك مع وفاء الوارث لهم ما لهم في ذمة الميّت نقداً أو عرضاً قيمةً أو مثلاً، كما أن الظاهر أنّه لا خلاف أنَّه مع وفاء الدين تنتقل إلى الوارث حين موت المديون لا حين الوفاء، إما على الكشف أو على النقل.نعم، يشكل على النقل فيما لو مات المديون عن ولدين فمات أحدهما قبل الوفاء وخلّف ولداً ثمّ حصل الوفاء، فإنّه يشارك ابن الأخ عمّه.ولكن يلزم تمليك أبيه بعد موته، وهو خلاف ما هو مسلَّم عندهم أن الميّت لا يملك ابتداء، أو نلتزم بعدم المشاركة، وكلاهما لا نقول به.والأوجه أنّ القائل: إنّها بحكم مال الميّت يقول بالكشف عن ملك الورثة عند الوفاء من حين موت الموروث.نعم، قد يترتب على الانتقال إلى الورثة، أو بقاؤه موقوفاً على حكم مال الميّت مسألة النماء، فعلى القول بالانتقال ليس للغرماء فيه نصيب، وعلى البقاء فيتعلّق للغرماء به حقّ الوفاء.ويترتب على ذلك تغسيل الأمة بعد موت مولاها، فعلى الانتقال يجوز للوارث تغسيلها، وعلى القول بعدمه لا يجوز ذلك، وكذلك كفنها، وكذلك في وجوب إخراج الزكاة على الوارث في وجه.

وعمدة استدلال أهل الانتقال أنَّه لو لم تنتقل إلى الوارث لزم بقاء الملك بلا مالك؛ لأنّ الميّت لا يملك، والغريم لا يملك إجماعاً، ولو كان ملكاً اللّه تعالى لكان مصبه أوعية المساكين، ولا قائل به.وفيه: منع أن الميّت لا يملك، ومنع أنّ ملك اللّه مصبه أوعية المساكين لا غير، ومنع عدم بقاء الملك بلا مالك.وعمدة استدلال أهل القول بالبقاء ظواهر الكتاب (1والسنّة (2)حيث جعل الإرث المقرون بـ «اللام» الظاهرة في الملك، أو الاستحقاق بعد الوصيّة والدين.)وفي بعض الأخبار (3ما صرّح فيها بذلك، وهي كثيرة.)ومنها يظهر سند المنع المتقدّم؛ حيث إنّ الوارث إذا لم يملك عاد إلى الميت، ونفسه باقية قابلة للملك، أو عاد إلى حكم ماله.نعم، بعد الوفاء أو الإبراء ينكشف أنَّه للوارث من الابتداء.وقد يقال: إنّ ما دلّ على تأخر الميراث عن الدين يراد به الاستقرار وصيرورته ميراثاً غير متزلزل، فلا ينفسخ بالامتناع من الوفاء، أو بعدم تمكن الوارث منه، وهذا استعمال كثير فی المحاورات، فكان الملك المتزلزل بمنزلة العدم، وحينئذٍ فملك الوارث ملك ناقص.وقد يقال: إن التركة تبقى موقوفةً لا يُحكم عليها بشيء، بل مرددة بين ملك الغريم، وملك الوارث، فبعدم الوفاء تكون ملك الأوّل، وبه تكون ملك الثاني، ونمنع انعقاد الإجماع على نفي هذه الصورة، وبها نجمع بين الأدلّة.ثم إن الظاهر من القائلين بملك الوارث لها يقولون بتعلق حقّ الغريم بها، بحيث لو لم يتمكن من الوفاء أخذها من الوارث.إنّما الكلام لو رتب الوارث عليها عقوداً، فهل يطالب الوارث بقيمها وأثمانها، وليس له العين إلا على سبيل المقاصة، فليس له أن ينفسخ العقود المترتّبة، فعلى هذا يكون تعلّق الغريم بها تعلقاً مستقلاً ؟


1) النساء (4) : 11.

2) راجع الهامش (3) من ص 136.

3) راجع الهامش (3) من ص 136.

مع احتمال أن التعلّق كتعلّق الرهانة، فلا يصح تصرّف الوارث إلا مع الإجازة من الغريم، أو الوفاء أو الإبراء، فعقود الوارث حينئذٍ موقوفة على الإجازة، وإلا فهي باطلة.واحتمال أنَّه كتعلّق جناية الخطا، فالعقود من الوارث صحيحة. نعم، للغريم فسخها وأخذ العين، فإن لم يتمكن من العين طالب بالمثل أو القيمة، أو كتعلّق جناية العمد، فتكون العقود متزلزلة.واحتمال أنَّها موقوفة فإن اختار الغريم القيمة تبين صحة العقود السابقة واستمرّت، وإلا فسخها من حينها. ولكن هذا بعيد.وعلى كلّ حالٍ فلا يستحق الغريم سوى العين أو ما قابلها، وتكون رهناً عند الغريم على قدر قيمتها لا أزيد من ذلك، وليست كطرز الرهن المعروف.ولو كانت العين زائدة على الدين، فالكلام فيما قابل الدَّيْن منها كالكلام في المستغرق، مع احتمال أن يقال: إنّ الجميع رهن لا يجوز التصرف فيه قبل وفائه.ويؤيّده أنَّه لو حصل التصرّف فيها أجمع ولم يعرف الدين لم يكن المتزلزل منه معروفاً، كي يتسلّط الغريم على فسخه.واحتمال أن له الخيار احتمال بعيد.وقد يحتمل جواز التصرّف للوارث في الجميع ونفوذه، ويطالب في القيمة بقدر الدين، سيما لو كان الدَّين قليلاً والتركة كثيرة.وقد يحتمل أن يكون ما قابل الدين مشاعاً في جميع التركة بمنزلة الرهن، فعند عدم الوفاء ينفسخ من كلّ عقد بقدر ما فيه من المشاع إلى جميع التركة.والأقوى أنّ الدين إذا لم يستوعب التركة يكون قدراً كلّيّاً منها كالرهن عند الغرماء، بحيث لو تلف من التركة من دون تفريط ما تلف فالباقي يكون للغريم، ولا يتقسّط عليه في وفاء دينه.وكذا لو ترتبت على التركة عقود من الوارث كان للغريم فسخ ما قدر عليه منها، أو مطالبته بالمثل أو القيمة.وعلى كلّ حالٍ فليس للغريم سوى أقل الأمرين من التركة ومن دينه، ولذا قال جماعة بأن حقّ الديان كحق أرش الجناية.

ويمكن القول بالتفصيل بين ما إذا استغرق الدين فحق الديان كحق الرهن في العين بل في منافعها، وبين ما لم يستغرق فتعلّق الغريم في قدر ما قابل الدين كتعلق أرش جناية الخطا في العبد.وبالجملة، فالمقطوع به أنّ الغريم لا يخلو من التعلّق بالعين، بحيث إن الدَّين يعود لذمّة الوارث، وتكون العين،له لا حقّ للغريم فيها بوجه من الوجوه.###### عاشرها: في الحجب وأنواعه وأحكامهعاشرها: في الحجب.وهو في اصطلاحهم منع شخص لآخر قام به سبب الإرث عن كلّ نصيبه أو عن أوفره.والأوّل حجب الحرمان، والثاني حجب النقصان.فالأوّل منع الأقرب في الدرجة الواحدة،الأبعد كمنع الولد ولد الولد، ومنع الإخوة أولادهم، ومنع الجدّ القريب الأبعد، ومنع الأقرب من أولي الأرحام الأبعد، كمنع العم ابن الخال، وكذا العكس، خلافاً لبعض من المتأخّرين (1، ومنع عمومة الميّت عمومة أبيه، وكذا في الخؤولة، ومنع المتقرّب بالأبوين المتقرّب بالأب من أولي الأرحام، إلى غير ذلك ممّا يجيء ء مفصلاً (2). وكذا منع الأرحام المنعم، ومنع المنعم ضامن الجريرة، وضامن الجريرة الإمام.)ووجود مشارك في النصيب، كاشتراك الأولاد مع الأبوين، واشتراك بعضهم بعضاً لا يُسمّى حجباً وإن كان بحيث لو عدم الشريك لكان الميراث له.والدليل على أنّ الأقرب يمنع الأبعد آية أُولي الأرحام (3، فإنها تدل على أن الأقارب تمنع الأباعد منطوقاً صريحاً، وتدلّ على منع الأقرب من الأقارب الأبعد فحوى، والإجماع الدالّ على ذلك أيضاً.)وأما الحجب عن بعض النصيب فحجب الولد الأمّ عمّا زاد عن الثلث، وحجبه للأبوين كذلك، وحجبه للزوج عمّا زاد عن الربع وحجبه للزوجة عمّا زاد عن الثمن، وحجب الإخوة للأُمّ عمّا زاد عن السدس.


1) راجع مفتاح الكرامة 8 : 165.

2) يأتي تفصيله متفرقةً في ص 174 وما بعدها.

3) الأنفال (8) : 75: الأحزاب (33) : 6.

نعم، البنت والبنتان توجبان الرد؛ فإنّ في البنت مع الأبوين يبقى سدس يُردّ على الجميع، ومع واحدٍ يبقى ثلث يُرد كذلك، والبنتان مع أحد الأبوين يبقى السدس يُردّ على الجميع بالنسبة. والزوج يُردّ عليه إذا لم يكن وارث سوى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ؛ للنصوص (1)، والفتاوى.)والزوجة قيل: يردّ عليها (2؛ لروايةٍ غير صريحةٍ في الزوجة؛ لأن فيها: خلف امرأته (3)، وهو أعم من الزوجة، مع احتمال كونها قرابةً له، واحتمال أنّ ذلك إذن من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واحتمال أنَّه صدقة منه عليها.)وقيل: لا يردّ مطلقاً (4استناداً لعموم إرث الزوجة كتاباً(5)، وسنّة (6)، والأصل عدم الرد، وللأخبار (7)الخاصّة الدالّة على رجوع الزائد على الربع إلى الإمام، فإنه أمر بحمل الفاضل عن الربع إليه، والدالّة على التصدق بما زاد على الربع؛ لظهور أن الصدقة به؛ لكونه من الأنفال، فللإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يتصدق بماله، بل الظاهر من الأخبار والاعتبار أن ما للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممّا عدا الخمس أنّه يتصدق به عند عدم إمكان إيصاله إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لأنَّه أقرب الأشياء إلى انتفاع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) به بعد فرض أن حفظه غير ممكن، وإبقاءه مظنة التلف، وإيداعه في الأماكن الخفية مظنة أخذه وهلاكه، بل إذن الفحوى القطعية تشهد بذلك.)والمتولّي لذلك الحاكم الشرعي؛ حيث إنّه نائب عنه فيما هو أولى من ذلك من القضاء والحدود ومال الخمس بل هو مال الغائب، والحاكم الشرعي ولي عليه بالنيابة عنه؛ لما ورد في مال الغائب من الرجوع به إلى الحاكم الشرعي، فإن لم يكن الحاكم الشرعي فعدول المؤمنين.وقيل بالتفصيل بين غيبة الإمام فيرد عليها، وبين حضوره فلا يردّ (8جمعاً بين ما دلّ على الردّ والمنع.)


1) وسائل الشيعة 26 : 197،وما بعدها الباب 3 من أبواب ميراث الأزواج.

2) قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 691.

3) وسائل الشيعة 203:26 و 204، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، ح 6 و 9.

4) قاله به السيد المرتضى في الانتصار : 584، المسألة 318.

5) النساء (4) : 12.

6) وسائل الشيعة 26 : 201،وما بعدها الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج.

7) المصدر : 201 - 203، ح 1 - 1 و 7 و 8.

8) قال به الصدوق في الفقيه 4 : 262 ذيل الحديث :5612 والعلّامة الحلّي في إرشاد الأذهان 2 : 125؛ ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : 502.

وفيه: إن الجمع فرع التكافؤ، والقول بالرد ضعيف في الفتوى والنص، فلا يكافئ ما دلّ على عدمه، على أن ما دلّ على الردّ وارد في الحضور دون الغيبة.ودعوى أن الحضور كالغيبة؛ باعتبار عدم تسلّط الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، فيكون مورد الخبر من موارد الغيبة بعيدة كل البعد.)والأحوط الردّ عليها بنية أنّها مصرف له إذا كانت ممّن يُدفع إليها من ذلك؛ لا تصافها بالفقر وشبهه، بناءً على أن مصرف الأنفال الفقراء والمساكين، أو باقي الصدقات.###### حادي عشرها: في حجب الإخوة الأمّ عما زاد على السدس بشروط:###### أحدها: أن يكون الإخوة اثنين فما فوق ذلكأحدها: أن تكون اثنين فما فوق ذلك، ذكرين، أو أربع إناث أو خناث، ومثله الممسوحون، أو ذكر وأنثيين؛ كلّ ذلك للنصوص (1، وفتوى الأصحاب، وقيام الأُنثيين مقام الذكر دلّ عليه النصّ الخاصّ (2)المعتبر المنجبر بالفتوى والنص، وفحوى ما دلّ على قيام الأربع مقام الاثنين (3).)وما ذكرناه شاهد على إرادة الاثنين فما فوق من صيغة الجمع في الآية (4حقيقةً، فيكون الجمع للقدر المشترك، أو مجازاً، مع احتمال إرادة الجمع، وجاء كفاية الاثنين من الدليل.)###### الثاني: أن يكون الإخوة حيّينالثاني: أن يكون الإخوة حيّين، فلا اعتبار بالميتين؛ لعدم شمول الأدلّة لهما.###### الثالث: أن يكونا منفصلينالثالث: أن يكونا منفصلين، فلا يحجب الحمل قبل انفصاله، ولا بعد انفصاله ولو سقط حيّاً بعد موت الولد بل لا عبرة به ابتداءً عند موت أخيه، ولا يكشف سقوطه حيّاً عن حجبه كما في الميراث. كلّ ذلك لانصراف الأدلّة لغير الحمل، وانصراف لفظ «الأخ» و «الإخوة» إلى المنفصل، ولأصالة الميراث، وأصل عدم الحجب خرج المنفصل للدليل، وبقي الباقي.###### الرابع: حياة الأبالرابع: حياة الأب؛ اقتصاراً في الحجب عن الميراث المقطوع به كتاباً (5وسنّة (6)على مورد اليقين، ولظهور الآية بذلك؛ حيث إنّه جعل الثلث للأُمّ فيمن ورثه أبواه، ثمّ عطفه (فَإِنْ)


1) وسائل الشيعة 26 : 120 وما بعدها الباب 11 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.

2) المصدر، ح 1.

3) المصدر : 120 - 121، ح 3 و 4.

4) النساء (4) : 11.

5) النساء (4) : 11.

6) وسائل الشيعة 26 : 122 - 123، الباب 12 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.

كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (1)، وظاهر ذلك أن الحكم مع وجود الأب، ولما ورد من التعليل أن حجب الإخوة؛ لمكان توفير نصيب الأب للإنفاق عليهم (2)، وما ورد في بعض الأخبار (3)ممّا ينافي ذلك ضعيف مشتمل على ما لا نقول به، فلا يلتفت إليه.)###### الخامس: العلم بتقدّم موت الولد على الإخوة فيما لو ماتوا جميعاً فاشتبه اللاحق بالسابقالخامس: العلم بتقدّم موت الولد على الإخوة فيما لو ماتوا جميعاً فاشتبه اللاحق بالسابق اقتصاراً في الحجب على مورد اليقين.وكذا لو علم اقترانهما في الموت؛ فإنّه لا حجب.###### السادس: كونهما مسلمينالسادس: كونهما،مسلمين، فلا يحجب الكافر المسلم؛ للنصّ (4، والفتوى.)###### السابع: كونهما حرّينالسابع: كونهما حُرّين، فلا يحجب الحُرّ الرق؛ للنصّ (5، والفتوى.)###### الثامن: كونهما حلالاًالثامن: كونهما حلالاً، فلا يحجب ولد الزني، ولا ولد اللعان أُمّه.###### التاسع: كونه غير قاتل عمداًالتاسع: كونه غير قاتل عمداً، وربما يلحق به الخطأ بالنسبة إلى الدية؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول (6بالنسبة إلى قاتل العمد وقاتل الخطإ بالنسبة إلى الدية حكمه حكمه.)###### العاشر: كونهما لأب أو لأب وأُمالعاشر: كونهما لأب، أو لأب وأُم؛ للنصّ (7، والفتوى.)###### الحادي عشر: أن تباين الأمّ أحد النساءالحادي عشر: أن تباين الأمّ أحد النساء، فلو كانت إحداهن لم تؤثر في الحجب، كما إذا تزوّج الرجل ابنته بشبهةٍ.##### سادسها: في أن السهام المفروضة في الكتاب ستةسادسها (8: السهام المفروضة في الكتاب المجيد ستّة (9))وهي: الربع وضعفه ونصفه والثلث وضعفه ونصفه.


1) النساء (4) : 11.

2) وسائل الشيعة 26 : 117، الباب 10 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 3.

3) المصدر : 150، الباب 1 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 12 و 13.

4) المصدر : 124 - 125، الباب 15 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 1.

5) المصدر : 124، الباب 14 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.

6) الخلاف 4 : 33 المسألة 24.

7) وسائل الشيعة 26 : 116 - 117، الباب 10 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 1 و 2.

8) أي السادس من المباحث في المقدّمات.

9) النساء (4) : 11 و 12 و 176.

وبعبارة أخرى: الثلث والربع ونصفهما وضعفهما.وبعبارة أخرى: النصف ونصفه ونصف نصفه والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما.وبعبارة أخرى: الثمن وضعفه وضعف ضعفه والسدس وضعفه وضعف ضعفه.فالنصف: نصيب الزوج مع عدم الولد وإن نزل، وسهم البنت والأخت للأب والأُمّ أو الأب وحده.والربع: سهم الزوج مع الولد وإن نزل، وللزوجة مع عدمه.والثمن: سهم الزوجة مع الولد وإن نزل.والثلثان: سهم البنتين أو الأختين للأب والأم، أو للأب فقط، وكذا ما زاد على الاثنين.والثلث: سهم الأمّ مع عدم الحاجب من الولد وإن نزل، أو الإخوة كما قدمنا، وسهم الاثنين فصاعداً من ولد الأُمّ.والسدس: سهم كلّ واحدٍ من الأبوين مع الولد وإن نزل، وسهم الأمّ مع الإخوة للأب والأم، أو للأب مع وجود الأب، وسهم الواحد من ولد الأمّ ذكراً أو أُنثى.وهذه الفروض منها ما يصح أن يجتمع، ومنها ما يمتنع، وضروبها ستّة وثلاثون ضرباً، حاصلة من ضرب السهام فيها نفسها، ويسقط منها المكرّر، وكذا يسقط ما لا يمكن وقوعه وبقي الباقي.فالنصف يجتمع مع مثله، ومع الربع، ومع الثمن، ولا يجتمع مع الثلثين؛ لبطلان العول وإن وقع صورة بظاهر الخطاب، كما سيجيء في الأختين (1إن شاء اللّه تعالى، بل يكون النقص داخلاً على الأختين، ويجتمع النصف مع الثلث ومع السدس، ولا يجتمع الثمن والربع، ويجتمع الربع مع الثلثين ومع الثلث ومع السدس ويجتمع الثمن مع الثلثين ومع السدس، ولا يجتمع مع الثلث، ولا يجتمع مع الثلث السدس تسمية.)نعم، يجتمع قرابة، كزوج وأب وأم؛ فإن للأب السدس، وللأم الثلث، وأمثلة الجميع ظاهرة بما تقدّم (2ويجيء(3).)


1) يأتي بعيد هذا.

2) تقدّم آنفاً.

3) سيأتي في ص 150 وما بعدها.

##### سابعها: بطلان التعصيب والعول عند الإماميّة والأخذ بهما سحت إن كان الآخذ والمأخوذ منهسابعها : التعصيب عندنا باطل إجماعاً، والأخذ به سحت، وكذلك العول، فمن أخذ المال بأحدهما فَعَل كبيرةً موبقةً.هذا كله لو كان الآخذ والمأخوذ منه،مؤمنين، أمّا لو كان الآخذ مؤمناً، والمأخوذ منه من أهل الخلاف، فإن دفعوه إليه من أنفسهم جاز له أخذه إجراء لهم على مذهبهم، ويكون حلالاً؛ لظاهر الفتوى، وبعض الروايات (1.)وإن لم يدفعوه بأنفسهم فهل له إلزامهم؟ وجهان، أقواهما نعم، وأحوطهما العدم.ولو كان المأخوذ منه مؤمناً، فهل يجب عليه الدفع ؟ الظاهر أنَّه لا يجب الدفع إليهم مهما أمكن.ولو دفعه إليهم قهراً ففي جواز تناوله من المدفوع إليه وشرائه وجهان، ولا يبعد الجواز.أما ما يقع من بعضهم مع بعض من الأخذ بالتعصيب أو العول فلا شك أنا يجوز لنا شراؤه منهم وإن كان سحتاً وباطلاً واقعاً، ويجوز لنا أخذه وأكله؛ إجراء لهم على مذهبهم، وإلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم.والتعرّض لأدلّتهم في التعصيب تطويل من غير طائلٍ، وتضييع في غير حاصل، وغاية ما لهم الرواية الضعيفة، وهي: «ما أبقت الفروض فلأولى عصبة ذكر» (2وهُمْ لا يقولون بمضمونها مطلقاً، بل قد يورثون النساء مع الذكور، ومع ما قالوه من أن الزيادة لو لم تكن للعصبة لما حسن جعل الفرض؛ لأنّ جعله فرضاً يقتضي أن لا يزيد عليه مردود بأن جعل الفرض له منطوق، وهو عدم النقصان، وله مفهومه، وهو عدم الزيادة، وهذا المفهوم لا يعارض آية أُولي الأرحام(3)، التي خصّصت الميراث بهم، فلا بد من حمل آية الفروض (4)على إرادة التقدير مع الزيادة في مقابلة الوارث الآخر، ومع الزيادة يكون الميراث بآية أُولي الأرحام.)نعم، قد يقال لهم في العول: إنّ ظواهر الكتاب والسنّة تقضي بالنقصان على جميع أهل


1) راجع وسائل الشيعة 26 : 157 - 158، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 1 و 2.

2) أورده ابن قدامة في المغني المطبوع مع الشرح الكبير 7: 240، المسألة 4995.

3) الأنفال (8) : 75 الأحزاب (33) : 6.

4) النساء (4) : 7.

الفروض، وذلك لأن القاعدة في الديون والوصايا لو أنَّها قصرت لكان التوزيع على الغرماء والموصى لهم بالنسبة؛ لعدم الترجيح من غير مرجّح.وفيه نظر ظاهر؛ لأنّ التوزيع إنما يجيء فيما أريد به الحقيقة من اللفظ لجهل أو غفلة، كما يوصى بمائة وألف والتركة لم تبلغه أو نقصت بعد الوصيّة، فإنّه لا بد من التوزيع؛ لأنّ المفروض أن قصده قد توجه حقيقةً لإرادة ما أوصى به، ولمّا لم يمكن ذلك فالعدل بل القصد الضمني يقضيان بالتوزيع، وكذلك الغرماء فإنّ كلّ واحدٍ له حقيقة في الذّمة ذلك القدر، ولما كانت العين وفاءً لما في الذّمة فيدفع منها بنسبة الذمم، لا أن الديون متعلقة بالعين على وجه الكلية ابتداءً، بخلاف مسألة العول فإنّها خطاب ابتدائي، ومحال أن يراد حقيقته؛ لأنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً كيف يخفى عليه أنّ الفريضة لا يجتمع فيها ثلثان ونصف !؟ فلا بدّ حينئذٍ من إرادة معنى غير المعنى الحقيقي، فهو إما من باب التخصيص، فيكون لهما الثلثان، إلا مع اجتماعهما مع الزوج، فيكون النقصان عليهما، والدال على التخصيص هو السنّة، وكم من عام خصصته السنة، أو يكون من باب المجاز، فالاستعمال يكون بالنصف والثلثين، وبما دونهما مجاز، وعلى المجازية فعلى مذهبنا أقل مجازاً؛ لأنّ التجوز في النصف والثلثين، وعلى مذهب المخالفين فالتجوّز في الجميع، ولا شكّ أنّ أقلية المجاز أولى من أكثريته وتعين التجوّز أيضاً قضت السنة، وهي من طرقهم وطرقنا.##### ثامنها: فيما لو أبقت الفريضة شيئاً وكان مساوياً ولا فرض له فالفاضل له بالقرابةثامنها: ظهر ممّا ذكرنا أنّ الفريضة إذا أبقت شيئاً فإن كان مساوياً ولا فرض له فالفاضل له بالقرابة، كأبوين وزوج أو زوجة، للأُم ثلث الأصل، وللزوج أو الزوجة نصيبه الأعلى، وللأب الباقي.ولو كان إخوة حاجبون للأُمّ، فلها السدس، وللزوج النصف، وللأب الباقي.وكذا أبوان وابن و زوج فإنّ للزوج الربع، وللأبوين الثلث، وللابن الباقي.وكذا زوج وأخوان لأم وأخ، أو إخوة من أب أو من أب وأم، فإن للزوج النصف، وللأخوين من الأمّ الثلث، والباقي للأخ، أو الإخوة من الأب أو من الأب والأم.وهذا كله لأنّ مَنْ أخذ الباقي لا فرض له.

وإن لم يكن هناك قريب لم يرث، وردّ الفاضل من السهام على ذوي الفروض عدا الزوج والزوجة، كأبوين أو أحدهما وبنت وأخ وعمّ، فإنّ للبنت النصف، وللأبوين الثلث، وبقي سدس يردّ عليهم أخماساً، ويمنع الأخ والعمّ، ولا عصبة بإجماعنا وأخبارنا (1، والقائلون بالعصبة التزموا بأمور شنيعة:)أحدها: كون الابن للصلب أضعف سبباً من ابن العم فلو فرض أن للميّت ابناً وثمانيةً وعشرين بنتاً كان للابن جزءان من ثلاثين، وإن كان مكانه ابن عم فنازلاً كان له الثلث من ثلاثين.ثانيها: كون الأُخت عصبة عندهم مع الأخ دون البنت مع الأب، وتعصيب الأب للبنت أحق من تعصيب الأخ للأخ.ثالثها: توريث وارث بوجود وارث آخر، فيما لو خلف بنتين وابنة ابن وعم، فإنّ للعمّ عندهم ما فضل من البنتين، ولا شيء لبنت الابن، إلا إذا كان معها ذكر في درجتها، فإنّ الثلث يكون بينهم أثلاثاً، ولا شيء للعمّ.إلى غير ذلك ممّا هو مخالف لآية أُولي الأرحام (2ولروايتهم في جعل الميراث للعصبة الذكور (3).)##### تاسعها: في أن العول لا يكون إلا بمزاحمة الزوج أو الزوجةتاسعها : ظهر ممّا ذكرنا أن العول لا يكون إلا بمزاحمة الزوج أو الزوجة، أما مع البنت أو البنتين أو مع الأخت أو الأخوات من قبل الأبوين فإنه يكون النقص على الأب أو البنت أو البنتين، أو من يتقرب بالأب والأُمّ أو بالأب من الأخت والأخوات، دون مَنْ يتقرب بالأُمّ الذي لا يرث إلا بالفرض، بخلاف غيره؛ فإنّه يرث بالفرض تارة، وبالقرابة أُخرى، كالبنت والبنتين اللتين ينقص إذا اجتمعن مع البنين عن النصف أو الثلثين بنص الآية، وهي (لِلذَّكَرِ مِثلُ حظّ الأُنثَيَين (4).)


1) وسائل الشيعة 26 : 72 و 74 الباب 6 من أبواب موجبات الإرث، ح 1 - 3 و 10 و 11.

2) الأنفال (8) : 75 الأحزاب (33) : 6.

3) راجع الهامش (2) من ص 145.

4) النساء (4) : 11.

وكذا الأُخت والأخوات.وعدّ الأب هنا استطراداً؛ لأنّه لا ينقص مع الولد عن السدس، ومع عدمه ليس من أهل الفروض، ولذا ترك عده جماعة.مثاله: زوج وأبوين وبنت فإنه يختصّ النقص بها، فتأخذ الباقي بعد الربع والسدسين، أو زوج وأحد الأبوين وبنتان فصاعداً، فإنّه يختصّ النقص بهما، فتأخذان الباقي بعد الربع والسدس، أو زوجة وأبوان وبنتان فتأخذان الباقي بعد الثمن والسدسين، أو زوج مع كلالة الأمّ وأُخت أو أخوات لأب وأُم أو لأب، فيأخذ الزوج نصيبه الأعلى وهو النصف، وكلالة الأمّ السدس أو الثلث، والباقي للأُخت أو الأخوات من الأب أو الأب والأم.وقد كان ابتداء العول في الإسلام عندهم على ما روي عن عمر أنَّه قال: ماتت امرأة في زمانه عن زوج وأختين، فجمع الصحابة وقال لهم: فرض اللّه تعالى جدّه للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأتُ بالزوج لم يبق للأُختين حقهما، وإن بدأتُ بالأُختين لم يبقَ للزوج حقه، فأشيروا عليَّ، فاتفق رأي أكثرهم على العول (1.)وقد تواتر عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ: «إنّ السهام لا تعول، ولا يكون أكثر من ستّة» (2).)وكان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: «إنّ الذي أحصى رمل عالج يعلم أن السهام لا تعول على ستّة، لو يبصرون وجوهها لم تجز ستّة» (3).)وأوّل مَنْ عال في الفرائض،عمر، كما حكى عنه ابن عبّاس لما سأله عن ذلك زفر بن أوس البصري قال: لما التفت الفرائض عنده ودافع بعضها بعضاً، قال: والله ما أدري أيكم قدّم اللّه وأيكم أخر اللّه، وما أجد شيئاً أوسع من أن أُقسم عليكم هذا المال بالحصص، فما دخل على كلّ حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة، وأيم اللّه أن لو قدّم مَنْ قدّم اللّه وأخر مَنْ أَخَر اللّه ما عالت فريضة، فقال له زفر بن أوس وأيها قدم، وأنها أخر؟ فقال: كل فريضةٍ لم يهبطها اللّه عز وجل عن فريضةٍ إلا إلى فريضةٍ، فهذا ما قدم اللّه، أما ما أخر اللّه فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق


1) تلخيص الحبير 3 : 89.

2) راجع الهامش (1) من ص 147.

3) وسائل الشيعة 26 : 75 الباب 6 من أبواب موجبات الإرث، ح 14.

لها إلا ما بقي، فتلك التي أخر، فأما الذي قدّم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع، لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع، فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن، لا يزيلها عنه شيء، والأُمّ لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس، ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم اللّه، وأما التي أخر اللّه ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهنّ الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلا ما بقي، فتلك التي أخر اللّه، فإذا اجتمع ما قدم اللّه وما أخر اللّه بدئ بما قدم اللّه، فأُعطي حقه كاملاً، فإن بقي شيء كان لمن أخر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له (1.)والأصل في ذلك ما ذكره أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، كما حكاه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قال: الحمد للّه الذي لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، ثمّ ضرب إحدى يديه على الأخرى، ثمّ قال: يا أيتها الأمة المتجبّرة بعد نبيها لو كنتم قدّمتم مَنْ قدّم اللّه وأخر تم مَنْ أخر اللّه وجعلتم الولاية والوراثة لمن جعلها اللّه ما عال وليّ اللّه ولا طاش سهم عن فرائض اللّه، ولا اختلف اثنان في حكم اللّه، ولا تنازعت الأمة في شيء إلا وعند علي حكمه من كتاب اللّه، فذوقوا وبال أمركم وما فرطتم فبما قدمت أيديكم، وما اللّه بظلام للعبيد» (2).)وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول أيضاً: «لا يزاد الزوج على النصف، ولا ينقص من الربع، ولا تزاد على الربع، ولا تنقص عن الثمن، وإن كنّ أربعاً أو دون ذلك فهنّ فيه سواء، ولا تزاد الإخوة من الأمّ على الثلث، ولا ينقصون من السدس، وهم فيه سواء الذكر والأنثى، ولا يحجبهم عن الثلث إلا الولد والوالد» (3).)


1) وسائل الشيعة 26 : 78 - 79 الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، ح 6.

2) المصدر : 77 - 78، ح 5.

3) المصدر : 81 - 82، ح 12.

### الباب الثاني : في المقاصد#### وهي أُمور:##### الأمر الأول في ميراث الأنساب###### وفيه مباحث:###### المبحث الأوّل: أوّل مراتب الأنساب الأبوان والأولاد###### إشارة:فإن انفرد الأب فالمال له وكذا إذا انفردت الأُمّ، إلا أن لها الثلث فرضاً والباقي ردّاً.ولو اجتمع الأبوان فللأم الثلث، والباقي للأب، ولو كان هناك إخوة كان لها السدس، والباقي للأب، ولا يرث الإخوة شيئاً.ولو انفرد الابن فالمال له وكذا لو انفردت البنت، إلا أنّ لها النصف فرضاً والباقي ردّاً، وكذا لو كان بنتان فصاعداً، فلهما الثلثان والباقي ردّاً.ولو تكثرت الأولاد فالمال بينهم بالسويّة، وكذا لو تكثّرت البنات، فلو اجتمع الذكران والإناث كان للذكر مثل حظّ الأنثيين.ولو اجتمع الأبوان أو أحدهما مع الأولاد، فلكلّ واحدٍ منهما السدس، والباقي للأولاد على النحو المتقدم.ولو كان مع الأولاد زوج أو زوجة أخذ كلُّ منهما حصة الدنيا، والباقي للأبوين والأولاد على نحو ما ذكرنا.ولو كان مع الأبوين بنت فللأبوين سدسان، وللبنت النصف، والباقي يردّ عليهم أخماساًعلى نسبة السهام. ويدلّ عليه حسنة محمّد بن مسلم، قال: أقرأني أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ صحيفة كتاب الفرائض)

التي هي إملاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وخطّ عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيده، فوجدتُ فيها: «رجل ترك أبويه وابنته، فللابنة النصف، وللأبوين لكلّ واحدٍ منهما السدس، يقسم المال على خمسة أسهم، فما أصاب ثلاثة فللابنة، وما أصاب سهمين فللأبوين» (1).)هذا إذا لم يكن حاجب للأُمّ، وأما مع الحاجب فالردّ مختص بالأب والبنت اتفاقاً، وتمنع الأُمّ، ويردّ عليهما أرباعاً على حسب سهامهم، كما هو الأشهر الأظهر، خلافاً لما نقل عن الشيخ معين الدين المصري من قسمة الردّ على الأب والبنت أخماساً، للأب سهمان: سهم الأمّ وسهمه؛ لأنّ الأمّ إنّما حجبت لمكان الأب، فسهمها له، وللبنت ثلاثة أسهم (2.)وهو خلاف ظاهر الكتاب والسنّة وفتوى مشهور الأصحاب.ولو دخل معهم زوج كان له النصيب الأدنى، وللأبوين كذلك، والباقي للبنت.ولو كان للميّت زوجة، أخذ كلّ ذي فرض فرضه، والباقي يُردّ على البنت والأبوين دون الزوجة، ومع الإخوة يرد على البنت والأب أرباعاً.ولو انفرد أحد الأبوين مع البنت كان المال بينهما أرباعاً، ولو دخل معهما زوجة أو زوج كان الفاضل ردّاً على البنت وأحد الأبوين، دون الزوج.ولو كان بنتان فصاعداً، كان المال ثلثين للبنتين، وثلثاً للأبوين.ولو كان معهم زوج أو زوجة كان لكلّ واحدٍ منهم نصيبه الأدنى، وللأبوين السدسان، والباقي للبنتين فصاعداً.ولو كان مع البنتين أحد الأبوين، كان له السدس وللبنتين الثلثان، والباقي يُردّ عليهما أخماساً على الأشهر الأظهر، ولقول الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ في رجل ترك ابنته وأُمّه: «إنّ الفريضة من أربعة؛ لأنّ للبنت ثلاثة أسهم، وللأُمّ السدس سهم، وبقى سهمان، فهما أحق بهما بقدر سهامهما» (3)والعلة المذكورة حاصلة فيما نحن فيه، ولأنّ الأب والأُمّ مساوون للبنت في الدرجة، فيعطون على نسبة سهامهم.)وخصّ ابن الجنيد الردّ بالبنتين؛ لدخول النقص عليهما عند دخول الزوجين، فيكون


1) وسائل الشيعة 26: 128 – 129، الباب 17 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 1.

2) نقله عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 9: 131، المسألة 68.

3) وسائل الشيعة 26 : 130، الباب 17 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 6.

الفاضل لهما (1. وفي رواية أبي بصير عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل مات وترك ابنتيه وأباه، قال: «للأب السدس، وللابنتين الباقي» (2).)وهي ضعيفة السند، مخالفة لفتوى المشهور.ولو كان مع الأبوين والبنتين،زوج كان النقص داخلاً على البنتين.ولو كانت زوجة وأحد الأبوين مع البنتين، كان الفاضل ردّاً على أحد الأبوين والبنتين أخماساً.ولو كان مع الأبوين زوج، فله النصف، وللأم ثلث الأصل، والباقي للأب.ولو كان معهما زوجة، فلها الربع، وللأم ثلث الأصل إن لم يكن إخوة، والباقي للأب، ومع الإخوة لها السدس، والباقي للأب.ويمنع الأولاد مَنْ يتقرب بهم من أولاد الأولاد، ومَنْ يتقرب بالأبوين من الإخوة وأولادهم والأجداد وآبائهم والأعمام والأخوال وأولادهم وأعمام الآباء والأجداد وأخوالهم وأولادهم.ويترتّبون الأولاد، فالأقرب يمنع الأبعد، فلا يرث بطن لاحقة مع بطن سابقة.###### الثاني: أولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم مع فقدهم ويترتبونالثاني (3: أولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم مع فقدهم ويترتبون، فالأقرب يمنع الأبعد، فلا يرث ابن ابن ابن مع بنت بنت أو ابن بنت، ولا يرث ابن ابن بنت مع ابن بنت، وهكذا.ويشاركون الآباء كمشاركة الأولاد للصلب إجماعاً، خلافاً للصدوق، حيث المشاركة، وجعل التركة للأبوين أو أحدهما (4.)وفي الخبر المعتبر: «لا يرث أحد من خلق اللّه مع الولد إلا الأبوان والزوج والزوجة، فإن لم يكن ولد وكان ولد الولد - ذكوراً كانوا أو إناثاً - فإنّهم بمنزلة الولد، وولد البنين بمنزلة البنين يرثون ميراث البنين، وولد البنات بمنزلة البنات يرثون ميراث البنات، ويحجبون الأبوين والزوجين عن سهامهم الأكثر، وإن سفلوا ببطنين وثلاثة، وأكثر يرثون ما يرث ولد الصلب، ويحجبون ما يحجب ولد الصلب» (5.)


1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 9: 118، المسألة 43.

2) وسائل الشيعة 26 : 130 – 131، الباب 17 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 7.

3) كذا قوله: «الثاني والظاهر أنَّه سقط من أوّل البحث «الأول».)

4) الفقيه 4 : 269 ذيل الحديث 5622.

5) وسائل الشيعة 26 : 132 - 133، الباب 18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 3.

وعن الدعائم: روينا عن جعفر بن محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أنَّه قال: «بنات الابن إذا لم تكن بنات ولا ابن كُن مكان البنات» (1).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ أنَّه قال في رجل ترك أباً وابن ابن قال: «للأب السدس، وما بقي فلابن الابن؛ لأنَّه ابن مقام أبيه إذا لم يكن أبوه، وكذلك ولد الولد ما تناسلوا إذا لم يكن أقرب منهم من الولد فهم بمنزلة الولد، ومَنْ قرب منهم حجب مَنْ بَعُدَ، وكذلك بنو البنت ولد، فإذا اجتمعوا مع ولد الابن كان لولد الابن سهم أبيهم، ولولد البنت سهم أُمهم ذكوراً وإناثاً؛ لأنّهم صاروا إلى حال التقرب ممّن تقرّبوا به فلو ترك الرجل بنت ابنه وابن ابنته كان لابن البنت الثلث ولابنة الابن الثلثان» (2).)وللصدوق رواية (3متروكة مطرحة لا يعمل عليها.)ولكلِّ من أولاد الأولاد نصيب مَنْ يتقرب به، فلبنت الابن ثلثان واحدة أو أكثر، ولابن البنت ثلث واحد أو أكثر، وفاقاً للمشهور، بل المجمع عليه نقلاً (4، بل تحصيلاً.)والروايات المتقدمة دالة عليه؛ فإنّ ظاهرها أنّ أولاد الأولاد يقومون مقام آبائهم قدراً وكيفية، كما يقومون مقامهم في أصل الإرث وللأخبار المتكترة في غيرهم من الأرحام أنَّهم يرثون نصيب مَنْ يتقربون به.كالخبر عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إن في كتاب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرّ به» (5).)وفي آخر: «إذا التفت القرابات فالسابق أحق بميراث قريبه، فإن استوت قام كلّ واحدٍ منهم مقام قريبه» (6.)خلافاً للمحكي عن المرتضى والحلّي فقالا: إن أولاد الأولاد يقتسمون اقتسام الأولاد للصلب، للذكر مثل حظّ الأنثيين (7من غير اعتبار مَنْ تقرّبوا به، مستندين إلى أنَّهم أولاد)


1) دعائم الإسلام 2 : 369، ح 1333.

2) المصدر : 369 - 370، ح 1335.

3) وسائل الشيعة 26 : 110 الباب 7 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 3.

4) غنية النزوع 1: 323.

5) وسائل الشيعة 26 : 68. الباب 2 من أبواب موجبات الإرث، ح 1.

6) المصدر : 69، ح 3.

7) رسائل الشريف المرتضى 3: 257 - 266 السرائر 3 : 232 - 240.

حقيقة، فيدخلون في عموم الآية (1لأنّ اللّه أدخلهم في الأولاد دون غيرهم، كبنات الأخ والأخت، ولا تحاد حكمهم غالباً معهم.)وفيه: إنّ العرف لا يساعده، والاستعمال أعم، والاتّحاد في الحكم للإجماع، فيقتصر على ما ينعقد عليه ذلك، أو ما لم يكن المشهور على خلافه، غايته أنَّه مجاز مشهور.وكذا الكلام في شمول ولد الولد لولد ولد الولد، وهكذا، ولئن سُلّم فهو مخصوص بما تقدم من الأدلّة.وإلى أنّ الأُنثى لا يزيد نصيبها على الذكر.وفيه منع أن سهم الأنثى لا يزيد على الذكر مطلقاً حتّى لو فرضت ذكراً؛ لأنها قائمة مقامه، وكان المزيد عليه بمنزلة الأنثى، كما هو كذلك هنا، على أن معنى ذلك أنّ الأُنثى لو فُرضت ذكراً لما زاد سهمها على الفرض المذكور، كما يشعر بذلك بعض الأخبار (2.)وكلُّ من أولاد الابن والبنت إذا أخذ نصيب مَنْ يتقرب به يقتسمون المال بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين، وفاقاً للمشهور، والإجماع المنقول (3، ولعموم آية (يُوصِيكُمُ اللّه في أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حظّ الأُنثَيَيْنِ) (4)، بناءً على أن أولاد الأولاد يدخلون في الأولاد على وجه الحقيقة، ولذا إن اللّه أطلق في الأولاد، وأراد ما يشمل أولادهم، بخلاف غيرهم، فإنّه نص على بنات الأخ والأخت أو على أنّ المراد هنا ما يشملهم على وجه المجاز من باب عموم المجاز؛ بقرينة فتوى المشهور وفهمهم ذلك، أو على أن أولاد الأولاد يساوون الأولاد في الحكم بالاستقراء القطعي في سائر الأحكام من نكاح أو تحليل أو تحريم أو انعتاق أو ميرات أو حجب أو غير ذلك.)وقيل: إن أولاد البنات يقتسمون نصيبهم بالسويّة ككلالة الأم (5استناداً إلى أنّ المتقرّب بالأنثى يقتسمون بالسويّة.)


1) النساء (4) : 11.

2) راجع الهامش (4) من ص 152.

3) غنية النزوع 1: 323.

4) النساء (4) : 11.

5) قال به ابن البراج في المهذب 2: 132 - 133.

وفيه: منع عموم ذلك، وإنما يختصّ ذلك بمن تقرب بالأُمّ.وظاهر هذا القول أنَّه لو خلّف ثلاث بنات من بنت وبنتاً من بنت، اقتسمن بالسويّة وكذا لو خلف ابنين من بنت، وبنتاً من بنت اقتسموا بالسويّة أيضاً.ويحتمل أنَّه يريد أنَّه بعد أخذ كلِّ نصيب مَنْ يتقرّب به من البنات يقسم ذلك النصيب بالسويّة.وعلى كلّ حالٍ فأولاد الأولاد كالأولاد، فابن البنت له النصف بالتسمية والباقي بالردّ، ويرد عليه مع الأبوين، كما يردّ على البنت، ولولد الابن جميع المال إذا انفرد ذكراً أو أُنثى، وحكمهم كحكم آبائهم في حجب الزوج وفي حجب الأبوين وفي حجب الإخوة، ومن الفرض ومن الردّ، إلى غير ذلك.###### الثالث: في الحبوة وأحكامها###### إشارة:دلّت الأخبار (1ومعاقد الإجماع على أنّ الولد الأكبر يحبى من مال أبيه، ويختص بأشياء، دون باقي الورثة.)ومن الأخبار: ما رواه في الصحيح عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا هلك الرجل فترك بنين فللأكبر السيف والدرع والخاتم والمصحف، فإن حدث به حدث فللأكبر منهم» (2).)وفي الصحيح الآخر عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا مات الرجل فلأكبر ولده سيفه ومصحفه وخاتمه ودرعه» (3).)وفي الصحيح الآخر عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا مات الرجل فسيفه ومصحفه وخاتمه وكتبه ورحله وراحلته وكسوته لأكبر ولده فإن كان الأكبر بنتاً فللأكبر من الذكور» (4).)وفي الصحيح الآخر عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ: «أنّ الرجل إذا ترك سيفاً وسلاحاً فهو لابنه، وإن كان له بنون فهو لأكبرهم» (5).)


1) وسائل الشيعة 26 : 97 وما بعدها الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.

2) المصدر : 98، ح 3.

3) المصدر : 97 - 98، ح 2.

4) المصدر : 97. ح 1.

5) المصدر : 98. ح 4.

وفى الآخر عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ: «أن الرجل إذا ترك سيفاً أو سلاحاً فهو لابنه، فإن كانوا اثنين فهو لأكبرهما» (1).)وفي الموثق أيضاً عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الميت إذا مات فإنّ لابنه [الأكبر ] السيف والرحل والثياب ثياب جلده» (2).)وفي الصحيح أيضاً عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الميت إذا مات فإنّ لابنه السيف والرحل والثياب: ثياب جلده» (3).)والكلام في أُمور:###### في ذكر أُمور تتعلق بالحبوةمنها: أن الحبوة هل هي على الوجوب؟ لظاهر الأخبار المفيدة للملك أو الاختصاص، كـ«اللام» في آيات المواريث وأخبارها المفيدة للملك أو الاختصاص أو الاستحقاق، كما هو الظاهر من وضع «اللام» ومن فهم الأصحاب منها ذلك، بل فهم سائر علماء الإسلام، ومقتضى الملك وجوب دفع المال إلى مالكه، وللإجماع المنقول عن ابن إدريس (4المؤيد بفتوى المشهور من القدماء نقلاً (5)، بل تحصيلاً، ولاستبعاد أن يُدفع مال لغير مالكه مع حصول الوصيّة، وغير البالغ والعاقل وإن ملكه فلا معنى لاستحباب دفعه إليه، إلا أن يُحمل على استحباب أخذه وهو غير محلّ النزاع، أو على الاستحباب؟؛ تمسكاً بعمومات الكتاب (6)والسنّة (7)، وعدم قابليّة تخصيص أخبار الحبوة لها، وطرحها مستلزم لطرح أخبار متكثّرة قد أفتى الأصحاب بمضمونها، فالجمع بينها وبين العمومات بالحمل على الاستحباب، وهو أولى من طرحها، ولوجود قرائن الاستحباب فيها من اشتمالها على ما لا يقول الأصحاب بوجوبه، من اختلافها قدراً زيادةً ونقصاً، حتّى لا يكاد يوجد خبر مشتمل على ما أفتى به الأصحاب من غير زيادةٍ)


1) وسائل الشيعة 26 : 98 الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 6.

2) المصدر، ح 5.

3) المصدر : 99، ح 7.

4) السرائر 3 : 258.

5) راجع رياض المسائل 14 : 295.

6) النساء (4) : 11.

7) راجع الهامش (1) - (3) والهامش (2 - 5) من ص 155.

ونقصان، ومن أنّها لو كانت واجبةً لاشتهر أمرها كاشتهار باقي المواريث؛ لتوفّر الدواعي إليها، ولكان حكم الولد الأكبر بالنسبة إليها كحكمه بالنسبة إلى باقي مواريثه، ومن اشتمالها على الضرر بباقي الورثة، والإجحاف المنافي للإرفاق بهم، كما هو ظاهر الكتاب والسنّة، وتقييدها بما خلا عن الإجحاف والضرار خالية عنه الأخبار ومن منافاتها لوصايا الميّت وديونه ومنجزاته القاضية عمومات الأدلّة بنفوذها مطلقاً، واشتراط عدم الدين خالية عنه الأخبار، ومن أنّ لفظ «الحبوة» يعطي الاستحباب؛ لأنّ ظاهره النحلة والعطية، وهما ظاهران في الندب، بل ظاهران بأن المال للوارث لا للولد الأكبر، وأنَّه يعطيه عطاء، ومن أنَّه لم يجعل اللّه في الحق المالي واجباً بالأصالة سوى الخمس والزكاة، كما صرحوا به في كتاب الزكاة، وتمسكاً بالأصل القاضي بالاستحباب، والإجماع المنقول عليه (1المنجبر بفتوى الفحول من المتأخّرين، فالاستحباب أقوى.)###### هل الحبوة على الوجوب أو على الاستحباب ؟ومعنى الاستحباب أنّ المال مال الورثة، ولكن يندب لهم دفعه للأكبر، لا بمعنى أن المال له فيندب لهم دفعه، ولهم أن يأخذوه.وأما على القول بالوجوب فالظاهر أنّهم يريدون أنّ المال له، فيلزمهم دفعه إليهم، مع احتمال إرادة أن المال لهم، لكنّهم يجب عليهم دفعه تعبداً لهم.وقد يورد على الاستدلال على الندب باختلاف الأخبار في القدر وباشتمالها على الزيادة والنقصان: أنّ ذلك كما ينفي الوجوب كذلك ينفي الندب؛ لأنّ القائلين بالندب لا يزيدون على ذلك، والاختلاف المنبئ عن الندب هو ما جوّزوه، على أنّ هذا الندب بحكم الواجب، حيث إنّه متعلّق بمال الغير المعلوم حرمة التصرف فيه، فلا تجوز المسامحة فيه كي يستدلّ بها على إرادته.وقد يجاب أولاً: بالتزام استحباب دفع الجميع للورثة، ولا إجماع على نفي ذلك.نعم، الإجماع على ندبيّة الأربعة لا على نفي غيرها.وثانياً : أن نفس اختلافها ممّا يوهنها عن إثبات الحكم مطلقاً، ولكن لما ثبتت الراجحية بضرورة الشيعة اقتصرنا في هذا المختلف على القدر اليقين من الندب، وبقي الباقي.###### تعيين المحبو به في ثياب البدن والسيف والمصحف والخاتمومنها: أن المعروف والمشهور في مذهب أصحابنا أنّ المحبو به ثياب البدن، والسيف، والمصحف، والخاتم، والإجماع منقول عليها (2.)


1) لم نتحقّقه.

2) السرائر 3 : 258.

ويدلّ عليها صحيح حريز، وصحيح ربعي، وتضمنهما للدرع (1.)والمراد بـ «الحدث» في صحيح حريز هو أن يموت الأكبر في حياة أبيه، فتكون الحبوة لأكبر الولد بعد مماته، أو يراد بـ «الحدث» الجنون والسفه والردّة، بناءً على حرمانه منها بذلك، وإعطاؤها لغيره من أكبر الولد، أو يراد بـ «الحدث» أنَّه إذا مات الأكبر بعد انتقال الحبوة إليه تنتقل بعد موته لولد الأكبر، أو يراد بـ «الحدث» الردّة، أو يراد به التكرار، تأكيداً للمطلوب.وعلى كل حال فيراد بـ «الدرع» فيهما القميص، كما ذكره أهل اللغة (2.)وفي الخبر: أنّ عيسى لم يترك سوى مدرعه (3.)وعن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ: «رقعت مدرعتي حتّى استحيت من راقعها» (4).)ويلحق غير القميص من الثياب به بالإجماع المركب.ويمكن أن يراد بـ «الدرع» ما يعم الملابس من «أدرع» إذا لبس، كما نص عليه أهل اللغة (5.)ويمكن أن يكون قرينة ذلك ذكر «الثياب» في جملة من الأخبار (6.)ويمكن أن يراد بـ «الدرع» درع الحديد وإن لم نقل به، واشتمال الرواية على ما لا نقول به لا يقدح في الاستدلال بها على المطلوب، ويكون الدليل على دخول الثياب ذكره في الأخبار الأُخر، وإن اشتملت على ما لا نقول به كالسلاح والكتب والرحل والراحلة وإن أمكن القول باستحبابها، إلا أنّ الأربعة استحبابها مؤكد؛ لقيام الإجماع، بخلاف هذه، فيجعل للاستحباب مراتب.وعلى القول بالوجوب يمكن أن تكون الأربعة واجبة، والباقي محمول على الندب.وقد أدخل ابن الجنيد السلاح (7.)


1) راجع الهامش (2 و 3) من ص 155.

2) الصحاح :3: 1206؛ لسان العرب 8: 82، «د رع».

3) تفسير العياشي 1 : 310، ح 692 / 53.

4) نهج البلاغة : 301، الخطبة 160.

5) راجع الهامش (2).

6) وسائل الشيعة 26 : 98 - 100، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 5 و 7 و 10.

7) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 9 : 39، المسألة 2.

وحكي عن المفيد حذف ثياب البدن (1، وعن الشيخ حذف الخاتم في الخلاف (2)، وعن الحلبي تخصيص الثياب بثياب مصلاه (3)، فلا يدخل فيها ما لا تجوز الصلاة به.)والمراد بـ«الثياب» و «الكسوة» في الأخبار (4، ما يعم السراويل والعمامة والقلنسوة على الأظهر، والعباء والرداء والحزام والمنطقة والكرك والفروة، وكلّ شيءٍ يشتمل على البدن أو بعضه، بحيث يُسمّى كسوةً وثياباً، ويخرج ما وقع الشكّ فيه؛ لعدم صدق اسم «الثوب» و «الكسوة» عليه، كالجورب والخُفّ والحذاء والمنطقة المتخذة من السفائف وملابس اليدين، وغير ذلك. وتختص الثياب بالمضافة إليه المتخذة للباسه على الدوام، أو للزينة في بعض الأيام، فيخرج ما اتخذ للتجارة أو للقُنية، أو اشتراه ولم يستعمله ولم يعلم أنَّه اشتراه للبس أم لغيره، بل الإشكال فيما لم يلبسه حاصل وإن نوى اللبس في الشراء.)ويخرج عن الثوب ما خرقه فجعله لغير اللبس، أو تخرّق لنفسه بحيث لم يبق عليه اسم الكسوة. ولو قطع ثيابه للبس ولم يخطها، فالظاهر عدم دخولها في الثياب والكسوة، إلا إذا اكتفى قطعه في صدق اسم الثوب عليه.ولا تدخل منافع الثياب المستأجرة.ويدخل في السيف جفنه، وسيره، وحليته في وجه قوي في الأخير على الأظهر، ولا يدخل فيه الخنجر، ولا السكين.نعم، الكنتيان ضرب من السيف ويراد به ما اتخذه للبسه أو سلاحاً له، لبسه أم لا على الأظهر، ولا يدخل فيه المتخذ للقُنية أو للزينة أو للتجارة، ولو اتخذه ثمّ عدل عنه لم يدخل في الحبوة على الأظهر، ويدخل المنكسر فيه إلا إذا صار رضاضاً بحيث لا يُسمّى سيفاً.ولو تعدّدت السيوف، كان الخيار في الدفع بيد الوارث، ويلزم الوصي والولي الاقتصارعلى أقلّ المجزئ، وليس الخيار بيد المحبو.ويدخل في الخاتم فصه، وكذا لو كان ذا فصين أو ثلاثة.


1) الإعلام : 53 (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد، ج 9).

2) الخلاف 4 : 115 - 116، المسألة 129.

3) الكافي في الفقه : 371.

4) وسائل الشيعة 26 : 97 - 99، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 1 و 5 و 7.

ويخرج عنه الحلقة في الإصبع ما لم يُسمَّ خاتماً، وكذا جميع ملابس الأصابع ما لم يُسمَّ خاتماً. ويدخل فيه ما اتَّخذ للبس، ويخرج عنه ما اتخذ للقنية أو للتجارة.ولو تعدّد الخاتم إما بلبس كلّ واحدٍ مرّةً، أو بلبس الجميع، فالظاهر أن الحكم يتعلق بواحد منها، والخيار بيد الوارث، ويلزم الوليّ والوصيّ الاقتصار على أدناها قيمة احتياطاً، مع احتمال جواز دفع جميع ما يُسمّى خاتمه وسيفه.ولو كان الخاتم من المحرم - كخاتم الذهب - ففي دخوله، وعدمه وجهان، والأقوى الدخول. والأظهر دخول الجزء المشاع من السيف والمصحف والخاتم في الحبوة.ويدخل في المصحف جلده، ولا يدخل ثوبه أو كرسيه، ولو تعدّد فالكلام فيه كالكلام في السيف، ونصف المصحف ككله، وفي إلحاق السورة المفردة به وجه قوي، وكذا لو تقطع ورقاً صغاراً فبقي منه شيء.ولو كان الميّت يقرأ في البيضاوي ونحوه، ففي دخوله في المصحف مطلقاً، أو خروجه مطلقاً، أو التوزيع بينه وبين الورثة وجوه، وفي الأخير قوة.ولا تدخل في المصحف الكتب الإلهية أو الكتب العلمية، أو الأحاديث القدسية، وإن ورد في بعض الأخبار دخول الكتب (1، وورد في تفسير (وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزُ لَهُما)(2)أنَّه لوح من ذهب، وأن فيه علماً أو موعظةً، وأنّه لأكبر الولدين (3)، فلا نقول به؛ لإعراض الأصحاب عنه.)###### هل المحبوّ به مخصوص بأعيان التركة؟ فتُعطى العين ويرجع عليه بالقيمةومنها: أنّ البحث هل هو مخصوص بأعيان التركة فتُعطى العين ويرجع عليه بالقيمة، أو تدفع له العين بلا رجوع عليه بشيءٍ ويقسم الميراث بعد الحبوة؟ قولان، والمشهور: الأخير، وعليه ظواهر الأخبار (4، وعليه فتاوى الأصحاب.)وذهب المرتضى إلى الأوّل (5جمعاً بين أدلّة الإرث، وبين ما جاء في اختصاص هذه الأعيان بالولد الأكبر.)


1) وسائل الشيعة 26 : 97، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 1.

2) الكهف (18): 82.

3) وسائل الشيعة 26 : 99 الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 8 و 9.

4) راجع الهامش (3 – 5) من ص 155 والهامش (1 - 3) من ص 156.

5) الانتصار : 582، المسألة 316.

وفيه: مع منافاته لأصل البراءة من دفع القيمة، أن الجمع فرع التعارض، ولا معارضة بين العام والخاص المطلق للزوم حمل العام على الخاص، وأنّ هذا الجمع لا شاهد عليه، وأنّ التخصيص خير من المجاز؛ لأنّ ظاهر «اللام» الملك، وهو ظاهر في الملك المجاني دون ما يكون في مقابله عوض، وللزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لخلق الأخبار عن ذكر القيمة، فلو أريد من العين أخذها مع دفع قيمتها للزم الإغراء بالجهل.###### اختصاص الحبوة بتركة الأب النسبي دون الأمّ والجدومنها: أن الحكم مختص بتركة الأب النسبي دون الأمّ ودون الجد، كما أنَّه مختص بالولد الذكر، دون الأُنثى ودون الخنثى والممسوح ودون ولد الولد.و احتمال شمول «الولد» لولد الولد بعيد، كما تقدم.وكذا احتمال أنّ الخنثى يدفع إليها نصف الحبوة بعيد؛ لمعارضته لأصل البراءة، ولتعليق الحكم في الأخبار على الذكر، ولم يثبت أنَّها ذكر.واحتمال الرجوع في الخنثى إلى القرعة كما في غيره لا بأس به.###### بيان المراد بالولد الأكبرويراد بالولد الأكبر سنّاً، وهو مَنْ تقدّمت ولادته، لا مَنْ تقدّم انعقاد نطفته، مع احتمال أن من تقدّم انعقاد نطفته هو الأكبر، وتُشعر به بعض الأخبار (1في مقام آخر، ولكن العرف يأباه، وعلى ذلك فيحتمل الصلح بينهما، والقرعة، والتخيير، وتساويهما.)والأوجه ما قدمناه، وما جاء في بعض الأخبار لا قابليّة له لصرف الأخبار عن العرف.ولو ولدا دفعةً واحدةً، كذي الحقوين ومن امرأتين، احتمل سقوط الحبوة، وتساويهما فيها، والتخيير من الوارث والقرعة، وخير الوجوه الثاني.ولو لم يكن إلا ولد واحد، احتمل السقوط؛ لمكان أفعل التفضيل القاضي بالمشاركة.والأوجه دفعها إليه؛ لصدق أفعل التفضيل على المتحد، واستعماله فيه استعمالاً شائعاً، وفي الأخبار ما يدلّ على دفعها للواحد، وللأكبر مع التعدد، كخبر الفضلاء (2ومرسل ابن أُذينة (3).)ولو اشتبه الأصغر بالأكبر، فالوجه القرعة، واحتمال السقوط أو التخيير بعيد.


1) وسائل الشيعة 21: 497، الباب 99 من أبواب أحكام الأولاد، ح 1.

2) المصدر 26 : 98 الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 6.

3) المصدر، ح 4.

ولو تنازعا في الأكبرية، كان كلُّ منهما مدعياً، وعليه البيّنة، فإن أقاما بينتين قسم بينهما نصفين مع يمين كلّ واحدٍ منهما.ولا تُقبل فيها شهادة النساء مع احتمال قبولها؛ لرجوع أمر الولادة إليهن.وهل يشترط انفصاله قبل موت أبيه فلو مات الأب عن حوامل فهل تكون للمنفصل الأول، أو تسقط ؟ وجهان، أقواهما أن حكمه كحكم الميراث، فتعزل له الحبوة إلى أن ينفصل حيّاً، فإن انفصل حيّاً فهي له، وإلا فللأكبر من بعده، وهكذا، مع احتمال سقوطها؛ لعدم صدق الولد الأكبر عليه حين موت أبيه لو سقط حياً بعد موت أبيه.###### هل يشترط في الولد الأكبر الإيمان وعدم فساد العقيدة؟ومنها: أنّه هل يشترط فيه الإيمان وعدم فساد العقيدة؟؛ اقتصاراً على المتيقن، ولأن فاسد العقيدة لا يرى مشروعيتها، فيُعامل على رأيه ويُلزم على وفق مذهبه، ولأنها كرامة لا يستحقها غير المؤمن، ولأن الحبوة في مقابلة تحمّل الصلاة والصوم عنه، ولا يمكن تحملها لغير المؤمن، أو لا يشترط ؟؛ لإطلاق الأخبار (1من دون تقييد بذلك، وعدم البيان بيان العدم، ويمنع أنّها كرامة، ومنع أنّ كلّ كرامةٍ لا يستحقها غير المؤمن، ولكلّ كبدٍ حرّى أجر، ولمنع أنَّها إنما شرعت في مقابلة قضاء الولد ما فات من أبيه من صلاةٍ أو صيام، بل الأظهر الأشهر موافقاً لإطلاق الأخبار أنّها مشروعة وإن لم يكن على الأب قضاء أصلاً، أو لم يكن الولد ممّن يقضي عصياناً وتهاوناً، بل نمنع مشروعيتها في خصوص مَنْ كان قابلاً للقضاء وإن لم يقضِ، كما هو فتوى المشهور، والموافق لإطلاق الأخبار، فتدفع لغير البالغ، خلافاً لبعضهم (2)، وتُدفع للمجنون والسفيه على الأقوى.)ونُسب (3للمشهور أنّها لا تدفع لفاسد العقيدة على ما تقدم، ولا لفاسد العقل.)واستند في ذلك إلى الشكّ في دخول هذين الفردين في أخبار الحبوة، سيما مع نسبة ذلك إلى المشهور، فتكون الشهرة قرينةً على التخصيص بصالح العقيدة والعقل، وإلى ما تقدّم من أنّها كرامة لا يليق بها السفيه، وأنها في مقابلة القضاء عنه.والمستند ضعيف؛ لمنع تحقق شهرة تصرف العمومات أو الإطلاقات عن مواردها، ومنع


1) راجع الهامش (2 - 5) من ص 155 والهامش (1 - 3) من ص 156.

2) ابن حمزة في الوسيلة : 387.

3) الناسب هو المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 19.

أن الكرامة لا تليق بالسفيه ولو كان مؤمناً، ومنع أنَّها في مقابلة القضاء، أو أنَّها لمن يمكن منه القضاء، على أن المجنون وغير البالغ يتوقع العقل والبلوغ منهما فيقضيان.وبالجملة، فوجوب القضاء لو سُلّم أنّ له مدخليّةً فهو حكمة لا علة، فقد يجب القضاء على الأكبر ولا حبوة، وقد تدفع الحبوة ولا قضاء، فلا ملازمة بينهما بوجه من الوجوه.###### هل يشترط وجود غير الحبوة للوارث وإن قل؟ومنها: أنَّه هل يشترط وجود غيرها للوارث وإن قلّ، أو لا بد من بقاء كثرة المال بحيث يقال عرفاً: إنّها من مال أبيه وتركة أبيه، أو أنَّها دائرة مدار الإجحاف بالوارث وعدمه، أو المدار على عدم زيادتها على جميع التركة لو قوبلت بها، أو المدار على عدم زيادتها على نصيب ذكر مساو للأكبر ؟ وجوه، أقواها البناء على اشتراط عدم استيعابها للتركة؛ لأنّ المفهوم من الأخبار أن الحبوة من التركة والظاهر أنّ «من» للتبعيض لا للبيان.###### هل يشترط عدم الدَّيْن المستغرق ؟ومنها: أنَّه هل يشترط عدم الدين المستغرق؟؛ تمسكاً بأنها إرث وهو بعد الدين، ولعدم انصراف الإطلاق إلى ثبوتها معه.والأوجه العدم، بل هي ثابتة مع الدين.نعم، هي كباقي التركة يملكها الوارث، ولكنّها كالرهن بيد الغريم، فلو لم يعرف الغريم عاد إليها.واحتمال أنّ الدّيّان لا حقّ له بها غير متّجه، والقول به تعسّف.نعم، قد يحتمل ذلك في الدَّين الغير المستوعب إذا كان في التركة ما يفي به، فيأخذ الديان حقه من غيرها، وتُدفع هي للولد الأكبر.ولكنّه أيضاً بعيد؛ لأنّها لا تزيد على الإرث وعلى ما ذكرنا فيتعلّق الدين الغير المستغرق بها على قدر نسبتها إلى التركة.وكذا الكلام في الكفن، فإنّ الظاهر خروجه من التركة، أجمع، فيلحقها بنسبتها إلى التركة، واحتمال خروجه عنها أقوى من احتمال خروج الدين الغير المستغرق عنها، ويؤيد ذلك أنَّه قلما يخلو الميّت من دين في الجملة، أو من كفن أو أسباب تجهيز.###### اشتراط عدم الوصيّةومنها: اشتراط عدم الوصيّة.وتفصيل المسألة أن الوصيّة إما أن تتعلق بها أجمع، أو بعين من أعيانها إذا لم تزد على

الثلث، أو بعين خارجةٍ عنها لا تزيد على الثلث، أو بقدر كلّي كذلك، أو بالثلث من ماله، فإن تعلّقت الوصيّة بها أجمع، فالذي يظهر من قاعدة أنَّها ميراث، وأنَّه بعد الوصيّة: نفوذ الوصيّة، ولا شيء للمحبو عيناً أو قيمةً، بل قد يظهر من خبر سماعة (1أن الحبوة تعود للميت، وأنها تنفذ بها الوصيّة حتّى لو قصرت عن الثلث ومقتضى إطلاق أخبار الحبوة (2)أن الوصيّة لا تنفذ بها، فتزيد على حكم الميراث.)وعلى هذا فلا تنفذ بعين من أعيانها، ولا يخرج منها من القيمة بنسبتها لو أوصى بكلّي، وبالأولى لا يخرج منها شيء لو أوصى بعين خارجةٍ عنها، ولا ينحط منها بنسبة قيمة العين إلى التركة المشتملة على الحبوة.ومقتضى ما قدمنا من القاعدة أن الحبوة بمنزلة الميراث، فيسقط منها الثلث (3لو أوصى بثلث ماله، ويسقط منها بقدر نسبة الموصى به من الكلّي إلى مجموع التركة المشتملة على الحبوة، ويخرج من قيمتها أو عينها قدر ما أوصى به من العين الخارجة بنسبة الحبوة إلى مجموع التركة.)ولو كانت الحبوة مرهونةً من الميت، ففي لزوم فكها من التركة ودفعها للمحبو وجه.والأوجه أنَّه إن فكها المحبو اختصّ بها، وإن فكها غيره رجع بما فك على جميع التركة حتّى الحبوة، وإن فكها الوارث من التركة وزّع ذلك القدر على مجموع التركة حتّى الحبوة.وتخيّل بعضهم أن الوصيّة بالثلث تخرج عنه الحبوة، وأنّ الظاهر أن الوصيّة بغيرها؛ لخبر سماعة (4الدال على أن الحبوة للميت، والظاهر أنّ الوصيّة لا تكون بماله، بل الوصيّة)بثلث مال الوارث، وهو ضعيف. والأقوى أنّ الحبوة ميراث كسائر المواريث، إلا أنَّها يتقدم بها الولد الأكبر على الورثة، وفي الأخبار المتكثّرة ما يدلّ على أن الوارث لا ميراث له ولا مال قبل الدين والوصيّة (5.)


1) وسائل الشيعة 26 : 99 - 100، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 10.

2) راجع الهامش (2 - 5) من ص :155 والهامش (1 - 3) من ص 156.

3) راجع ص 155 - 157 و 163.

4) راجع الهامش (1).

5) وسائل الشيعة 19 : 329 وما بعدها، الباب 28 من أبواب كتاب الوصايا.

ولكن في القول بعدم مزاحمة الدين الغير المستغرق لها، وكذا الوصيّة بالعين الخارجة بل بالكلّي إذا لم يزاحمها، وبعدم مزاحمة الكفن ومؤونة التجهيز لها قوة؛ للسيرة، وخلق الأخبار عن اشتراط ذلك، مع عدم انفكاك الميّت غالباً عن هذه الأمور، ولأن الحبوة بمنزلة العائد نفعه إلى الميت، فهو كالدين؛ لأنّ حكمته قضاء الولد عنه، كما يظهر من جملة من فتاوى الأصحاب.ولكن لما كان الأوّل أقوى فالأحوط المصالحة إذا كان برضاهم، أو رضى أوليائهم.###### المبحث الثاني: من مراتب الأنساب الإخوة والأجداد###### حكم ما لو اجتمع المتقرّب بالأبوين مع المتقرّب بالأُمّالأخ إذا انفرد فالمال له إذا كان من الأبوين.وللأخوين فصاعداً كذلك - أي إذا كانا أو كانوا للأبوين - فإن لهما أو لهم المال كله بالسويّة. وللأخت لهما - أي للأبوين - النصف تسمية، والباقي ردّاً.وللأختين لهما - أي للأبوين - فصاعداً الثلثان تسمية، والباقي رداً، فإن اجتمع الذكر والإناث لهما، فالمال بينهم للذكر مثل ضعف الأُنثى.وللواحد من ولد الأمّ ذكراً كان أو أُنثى السدس بالتسمية.وللزائد من الواحد الثلث بالتسمية، ويقتسمونه بالسويّة وإن كانوا ذكوراً أو إناثاً، والباقي يرد عليه إن كان واحداً، وعليهم إن كان أزيد بالقرابة، ويقتسمونه بينهم بالسويّة أيضاً.ولو اجتمع المتقرّب بالأبوين مع المتقرّب بالأُمّ، فللمتقرّب بالأُمّ السدس إذا كان واحداً، والثلث إن كان أكثر، يقتسمونه بينهم بالسويّة، والباقي من الثلث أو السدس للمتقرّب بهما، ذكراً كان أو أنثى، واحداً كان أو أكثر، ومع تعدد المتقرّب بالأبوين واختلافهم فللذكر ضعف الأُنثى. واختصاص الردّ بالمتقرّب بالأبوين لزيادة الوصلة دون المتقرّب بالأُمّ هو المشهور، وادعى الإجماع عليه جماعة من أصحابنا (1، ويدلّ عليه حسنة بكير بن أعين، حيث قال فيها: «فهم الذين يزادون وينقصون» (2))ولا شيء للمتقرّب بالأب وحده مع المتقرّب بالأبوين، سواء كانت معهم كلالة الأمّ أم


1) كما في رياض المسائل 14 : 327.

2) وسائل الشيعة 26: 154 - 155 الباب 3 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 2.

لا؛ للإجماع المنقول (1بل المحصل، وللأخبار الدالّة على أن بني الأمّ أحق بالميراث من ولد يراث من ولد)العلات، وأن أعيان بني الأمّ والأب يرثون دون بني العلّات (2.)فإن فُقد المتقرّب بالأبوين، قام المتقرّب بالأب مقامه على نحو ما ذكرنا من الانفراد والاجتماع والفرض.وهل يختصّ الردّ بالمتقرّب بالأب، كالمتقرّب بالأبوين، أو يرد على المتقرّب بالأب والمتقرّب بالأم؟ قولان:فقيل بالرد عليهما على نسبة سهامهما (3، فيردّ على الأخت من الأب مع الواحد من كلالة الأمّ الفاضل على النصف الذي هو فرض الأخت من الأب، والسدس الذي هو فرض الواحد من كلالة الأمّ عليهما أرباعاً، ويرد الفاضل من الثلث الذي هو فرض كلالة الأمّ مع التعدد ومن النصف الذي هو فرض الأخت من الأب أخماساً، كلّ ذلك لتساويهما في المرتبة وفقد المخصّص.)وقيل: يختصّ الردّ بالمتقرّب بالأب، وذهب إليه جمع من القدماء وأكثر المتأخّرين (4ونقل عليه الإجماع (5)، وتدلّ عليه الأخبار:)منها: الموثق عن ابن أُخت لأب وابن أُخت لأم. قال: «الابن الأُخت من الأمّ السدس، ولا بن الأُخت من الأب الباقي» (6لاستلزامه كون الأمّ كذلك؛ لأن الولد إنما يرث بواسطتهما.)وفي آخر: «فإذا فضلت التركة عن سهامهم يردّ الفاضل على كلالة الأب والأُمّ أو الأب دون كلالة الأُمّ، فإنّ كلالة الأمّ والزوج والزوجة لا يدخل عليهم النقصان على حال» (7.)وفي ثالث: «و أخوك لأبيك وأُمّك أولى بك من أخيك لأبيك، وأخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأمك» (8.)


1) كشف اللثام 9 : 423 - 424.

2) وسائل الشيعة 26 : 182 - 183، الباب 13 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 2 و 4.

3) ممّن قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 4 : 73؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 260.

4) كما في رياض المسائل 14 : 329؛ ومسالك الأفهام 13 : 147.

5) راجع مسالك الأفهام 13 : 147.

6) وسائل الشيعة 26 : 162، الباب 5 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 11.

7) المصدر : 66 - 67، الباب 1 من أبواب موجبات الإرث، ح 5.

8) المصدر : 63 – 64، ح 1.

وفي رابع: «إذا أردت أن تلقي العول فإنّما يدخل النقصان على الذين لهم الزيادة من الولد والأخوات من الأب والأم، وأما الزوج والإخوة من الأمّ فإنّهم لا ينقصون ممّا سمّى اللّه لهم شيئاً» (1.)###### حكم ما لو اجتمع الإخوة المتفرّقونولو اجتمع الإخوة المتفرّقون فللمتقرّب بالأُمّ السدس إن كان واحداً، والثلث إذا كان أزيد يقتسمون بالسويّة، والباقي للمتقرّب بالأب للذكر مثل حظّ الأنثيين.للجدّ أو الجدّة أولهما للأُمّ الثلث يقتسمونه بالسويّة، والباقي للجدّ أو الجدة، أو لهما للأب يقتسمونه للذكر ضعف الأنثى على المشهور، بل للإجماع المنقول (2بل المحصل.)ولقول الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا لم يترك الميّت إلا جدّه أبا أبيه وجدته أُمّ أُمّه، فإنّ للجدّة الثلث وللجدّ الباقي» قال: «وإذا ترك جدّه من قبل أبيه وجد أبيه وجدته من قِبَل أُمّه وجدّة أُمّه، كان للجدّة من قبل الأمّ الثلث، وسقط جدّة الأُمّ، والباقي للجدّ من قبل الأب، وسقط جدّ الأب» (3).)ولأنّ الثلث سهم الأمّ أصالة، فلمن يتقرب بها كذلك، وخرج الأخ بالدليل، والسدس إنما جعل لها مع الولد.ونقل عن ابن أبي عقيل والفضل بن شاذان القول بأنه لو ترك جدّه لأُمّه وجده لأبيه كان للجدّ من الأمّ السدس، وللجدّ من الأب النصف، والباقي يُردّ عليهما أرباعاً (4.)ونقل عن المقنع من أنَّه للجدّ من الأمّ مع الجدّ للأب، أو الأخ للأب السدس للجدّ للأُمّ. والباقي للجدّ للأب أو الأخ (5.)ونقل عن الحلبي وابن زهرة من أنّ للجدّ أو الجدة للأُم السدس، ولهما الثلث بالسويّة(6.)ولا يخفى أنّ هذه الأقوال نادرة ومخالفة لفتوى المشهور.ويقتسمون الأجداد من قبل الأب للذكر ضعف الأنثى؛ لفتوى الأصحاب، والإجماعات


1) وسائل الشيعة 26 : 131 الباب 18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 1.

2) مسالك الأفهام 13 : 142.

3) وسائل الشيعة 26 : 176، الباب 9 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 2.

4) نقله عنهما الشهيد الأوّل في الدروس الشرعيّة 2 : 369.

5) نقله عنه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13: 143.

6) الكافي في الفقه : 371 - 372 غنية النزوع 1: 324 - 325.

المنقولة في الباب (1، وللمرويّ عن مجمع البيان: «إنّ الجدّ من قِبَل الأب مع الأخ من قبله في درجةٍ، وكذا الجدة مع الأخت ويتقاسمون المال للذكر مثل حظّ الأنثيين» (2).)###### حكم ما لو اجتمع قرابة الأمّ مع قرابة الأب مع استوائهم في الدرجومتى اجتمع قرابة الأمّ مع قرابة الأب مع استوائهم في الدرج كان لقرابة الأمّ الثلث بينهم بالسويّة، والباقي لقرابة الأب للذكر مثل حظّ الأنثيين، ولتصريح النصوص في قسمة الجدّ من قبل الأب مع الأُخت من قبله أنَّها بالتفاوت، فالجدة المنزلة منزلتها كذلك.ففي الصحيح: «إنّ الجدّ مع الإخوة من الأب يصير مثل واحدٍ من الإخوة ما بلغوا» قال: قلت: رجل ترك أخاه لأبيه وأمه وجده، أو أخاه لأبيه، أو قلت: ترك جدّه وأخاه لأبيه وأُمّه، فقال: «المال بينهما، وإن كانا أخوين أو مائة فله مثل نصيب واحد من الإخوة» قال: قلت: رجل ترك جداً وأُخته، فقال: «للذكر مثل حظّ الأنثيين، وإن كانا أُختين فالنصف للجد، والنصف الآخر للأُختين، وإن كُنّ أكثر من ذلك فعلى هذا الحساب، وإن ترك إخوة أو أخوات لأب وأم أو لأب وجداً فالجد أحد الإخوة، والمال بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين» (3.)ولما ورد من تفضيل الرجال على النساء مطلقاً أو في خصوص ميراث الأولاد والإخوة (4.)ولما ورد من تنزيل الأجداد منزلة الإخوة (5، إلى غير ذلك.)ويقتسمون الأجداد من الأمّ بالسويّة؛ لقاعدة المتقرّب بالأم، ولأصالة عدم التفاضل، وللإجماع، وللأخبار المنزلة للجدّ منزلة الأخ(6، ولغير ذلك ممّا تقدّم ويجيء.)###### حكم ما إذا اجتمع الإخوة مع الأجدادوإذا اجتمع الإخوة مع الأجداد، كان الأخ للأم والجد للأُم سواء، ويكون الجدّ كالأخ من الأُمّ، والجدة كالأخت من الأُمّ، وللجد والأخ أو الجدة والأخت أو الجدّ والأخت الثلث لأنهما يكونان بمنزلة المتعدّد من الإخوة؛ للإجماع، وعموم المنزلة في الأخبار الدالّة على أن الجدّ بمنزلة الأخ (7.)


1) كما في رياض المسائل 14 : 331.

2) مجمع البيان :2 18 ذيل الآية 12 من سورة النساء (4).

3) وسائل الشيعة 26 : 165 - 165. الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 9.

4) المصدر : 94 الباب 2 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 2 و 153 - 154، الباب 2 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 5.

5) المصدر : 164 وما بعدها الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد.

6) المصدر : 164 وما بعدها الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد.

7) المصدر : 164 وما بعدها الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد.

ويدلّ عليه أيضاً قول الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أعط الإخوة من الأمّ فريضتهم مع الجد» (1).)والآخر: «أعط الأخوات من الأمّ فريضتهن مع الجدّ» (2.)والثالث: «للإخوة فريضتهم الثلث مع الجدّ» (3.)والرابع في الإخوة من الأمّ مع الجدّ: «نصيبهم الثلث مع الجدّ»(4؛ وكذا الخامس (5).)وما يشعر بخلاف ذلك فهو متروك، وكأنّ الجدّ من الأب كالأخ منه، والجدة منه كالأُخت منه، ويقتسمون بينهم للذكر ضعف الأُنثى؛ للإجماع المحكي (6بل المحصل، ولعموم الأخبار الدالّة على أنّ الجدّ كالأخ (7)، وهي كثيرة، وللأخبار الخاصّة المذكورة في مطاوي هذه المباحث.)وحينئذٍ فللجد أو الجدة أو لهما من الأمّ مع الإخوة للأبوين أو للأب مع عدمهم الثلث.ولو كانا أو أحدهما مع الأخت للأبوين فالثلث لهما، والباقي للأُخت تسميةً ورداً، أما لو كانا أو أحدهما مع الأخت للأب فلا إشكال ولا خلاف في أن النصف للأُخت للأب، ولا إشكال في كون الثلث لهما أو لأحدهما، وإنما الإشكال في الفاضل عن السهمين في أنَّه هل يردّ عليهما بالنسبة، كما عن ابن زهرة والكيذري (8، أو يكون الردّ على الأخت خاصةً، كما عن النهاية والقاضي ونجيب الدين (9)؟ وجهان، أجودهما الأخير؛ لعموم مفهوم الحصر المستفاد من حسنة بكير بن أعين، المروية في التهذيب في باب ميراث الأزواج، من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فهم الذين يزادون وينقصون» (10).)###### حكم ما لو اجتمع جدّ وجدة للأم وأخ وأخت لها وجد وجدة للأب وأب وأُخت لهولو اجتمع جدّ وجدة للأم وأخ وأخت لها وجد وجدة للأب وأخ وأُخت له، فلأقرباء الأمّ الثلث، يقتسمونه بينهم بالسويّة، ولأقرباء الأب الثلثان للذكر مثل حظّ الأنثيين.


1) وسائل الشيعة 26 : 174 الباب 8 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 6.

2) المصدر ذيل الحديث 6.

3) المصدر، ح 7.

4) المصدر : 173، ح 3.

5) المصدر : 172، ح 2.

6) الكافي 7: 115 باب ابن أخ وجد، ذيل الحديث 16؛ الاستبصار 4 : 158، ذيل الحديث 597.

7) وسائل الشيعة 26: 164 الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد.

8) غنية النزوع 1 325: إصباح الشيعة : 367.

9) النهاية : 651: المهذب 2 : 145؛ الجامع للشرائع : 517.

10) تهذيب الأحكام :9 : 290 - 291، ح 1045.

###### حكم ما لو اجتمع جدّ أو جدّة للأُم مع الأجداد والإخوة المتعددين من طرف الأبولو اجتمع جدّ أو جدّة للأُمّ مع الأجداد والإخوة المتعددين من طرف الأب، فللجدّ أو الجدة للأم الثلث، والباقي للإخوة والأجداد للأب بالسويّة مع تساويهم ذكورية وأنونية. وللذكر ضعف الأُنثى مع الاختلاف.###### حكم ما لو اجتمع جدّة للأُمّ وجد لأب وأخ لأبولو اجتمع جدّة للأُمّ وجد لأب وأخ لأب، فلكلّ واحدٍ منهم ثلث المال.ولو كان بدل الجدّ للأب جدّة فلها ثلث الثلثين.وكذا لو كان بدل الأخ أخت، فإنّ لها ثلث الثلثين.###### حكم ما لو اجتمع أخ أو أخت لأم مع الجدة أو الجدة أو معهما للأبولو اجتمع أخ أو أُخت لأم مع الجدّ أو الجدة أو معهما للأب، فللأخ أو الأخت السدس. والباقي لأقرباء الأب.ولو تعدّد الإخوة للأُمّ، فلهم الثلث، وهذا بخلاف الجدّ أو الجدة للأُمّ، فإنّ له الثلث وإن اتّحد، كما مرّ تفصيله. (1)###### حكم ما لو خلف الجدّ أو الجدة من الأمّ مع الإخوة للأُمّ وجداً وجدةًولو خلف الجدّ أو الجدة أو أحدهما من الأمّ مع الإخوة للأُم وجداً أو جدة، فللمتقرّب بالأُمّ من الجدودة والإخوة الثلث وللجد أو الجدة للأب الثلثان، وهكذا.###### الأقرب من الأجداد يمنع الأبعدوالأقرب من الأجداد يمنع يمنع الأبعد، ذكراً كان أو أُنثى، لذكر أو أنثى، ويشارك الأبعد من الأجداد الإخوة، وكذا يشارك أولادهم وإن نزلوا.والدليل على ذلك إجماعنا المنقول (2بل المحصل، وأخبارنا (3)، وبهذا يخصص ما دلّ على أن الجدّ أخ (4)لأنّ الأخ يمنع ابن الأخ.)ونقل عن سلار أنَّه قال: ويلي الجدين والجدّتين والإخوة وولدهم وإن سفل أبو الجدّين والجدّتين وأمهاتهم وولد الجدين والجدّتين، وهم العمومة والعمات والخؤولة والخالات.قال: ثمّ يليهم آباء آباء الجدين والجدّتين وأُمهاتهم أو آباء أُمهات الجدين أو الجدّتين وولد العمومة والعمّات وولد الخؤولة والخالات الأقرب فالأقرب (5.)


1) تقدّم تفصيله في ص 168 - 169.

2) السرائر 3 : 260.

3) وسائل الشيعة 26 : 159 وما بعدها الباب 5 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد.

4) راجع الهامش (7) من ص 169.

5) المراسم : 229.

والمحكي عن الحلبي حيث قيّد حجب الأعلى بالأدنى بما إذا كانوا متساويين، فإن اختلفوا بأن كان بعضهم من جانب الأب وبعضهم من جانب الأُمّ، لم يحجب بعضهم بعضاً، فلا يحجب الجدّ الأدنى من قبل الأمّ أو الأب الأعلى من قبل الأب أو الأُمّ (1.)والفضل بن شاذان حيث ترك ابن الأخ من الأبوين مع الأخ من الأُمّ، وابن ابن الأخ منهما مع ابن الأخ منهما، ونحو ذلك، فجعل السدس للمتقرّب بالأم، والباقي للمتقرّب بالأبوين؛ بناءً على أصله من جعل الإخوة صنفين، واعتبار الأقرب من إخوة الأمّ فالأقرب على حدة، والأقرب من إخوة الأبوين والأب فالأقرب على حدة، وعدم اعتبار قرب أحد الصنفين بالنسبة إلى الآخر، كما في الأخ بالنسبة إلى الجدّ الأعلى (2.)وجميع هذه الأقوال شاذة متروكة.###### بیان مراتب الأجداد وأحكامهاوأوّل مرتبة الأجداد أربعة.والمرتبة الثانية ثمانية، وهي: جدّ وجدة من جهة أب أبيه، وجد وجدة من جهة أُمّ أبيه، وجد وجدة من جهة أُمّ أُمه، وجد وجدة من جهة أب أمه، فالمجموع ثمانية، وإذا فرضتها في الدرجة الرابعة صارت ستّة عشر بضرب الثمانية بالاثنين، وهكذا.وإذا اجتمعت الأجداد الثمانية كان لمن تقرّب بالأب من الأجداد الأربعة الثلثان، ثلثا الثلثين للجدين من قبل أب الأب يقتسمونه للذكر ضعف الأُنثى، وثلث الثلثين للأجداد من قِبَل أُمّ الأب يقتسمونه للذكر ضعف الأُنثى؛ لتقربهم للميّت بالأبوة وإن كان من طرف الأُمّ. وثلث الأصل للأجداد الأربعة من قبل الأمّ يقتسمونه بالسويّة؛ لتقربهم للميّت بالأُمّ وإن تقرّب بعضهم بالأبوة.هذا هو المشهور نقلاً (3بل تحصيلاً.)وخالف المصري في ذلك، فحكم بثلث الثلث لأبوي أُمّ الأمّ بالسويّة، وثلثيه لأبوي أبيهما، وثلث الثلثين لأبوي أمّ الأب على السويّة، وثلث الثلثين لأبوي أبيه بالتفاوت أثلاثاً (4.)


1) الكافي في الفقه : 373.

2) حكاه عنه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13 : 152 - 153.

3) الروضة البهية 8 : 147.

4) حكاه عنه الشهيد الأول في الدروس الشرعيّة 2 : 370.

فخالف المشهور في أبوي أب الأُمّ؛ حيث جعل لهما ثلثي الثلث، والمشهور جعلوا لهما نصفه، وفي أبوي أُم الأب؛ حيث جعل لهما ثلث الثلثين بالسويّة، والمشهور جعلوه لهما بالتفاوت.ونقل عن البرزهي أنَّه جعل ثلث الثلث لأبوي أُمّ الأمّ بالسويّة، وثلثي الثلث لأبوي أبيها بالتفاوت (1.)فخالف المشهور في جعل ثلثي الثلث لأبوي أب الأُمّ، وفي جعله لهما بالتفاوت، وبالأخير خالف المصري، وفي جانب أجداد الأب وافق المشهور، وخالف المصري أيضاً.والقولان شاذان، والعمل بالمشهور أولى.وفريضة الأجداد الحاصلة بالضرب مائة وثمانية، ثلثها ستّة وثلاثون لأجداد الأمّ يقتسمونها بالسويّة، وثلثاهما اثنان وسبعون لأجداد الأب الأربعة، ثلثاه ثمانية وأربعون لجد أب الأب وجدته أثلاثاً، للجدّ اثنان وثلاثون، وللجدّة ستّة عشر وثلثه - وهو أربعة وعشرون - لجد أُمّ الأب وجدته أثلاثاً، للجدّ ستّة عشر، وللجدّة ثمانية.وعلى قول المصري سهام قرابة الأمّ سنّة؛ لأنها أقل عددٍ يخرج منه النصف والثلث، فإنّا نحتاج إلى عددٍ له ثلث، ولثلثه نصف، ونحتاج في جانب أجداد الأب إلى عددٍ له ثلث، ولثلثه نصف، ولثلثيه ثلث، وهو ثمانية عشر فيكتفى بها؛ لدخول الأوّل فيها، وهي تنكسر عليهم، فاضرب السهام الثمانية عشر في مخرج الثلث حتّى يرتفع إلى أربعة وخمسين، فيصح انقسامه على الفريقين؛ لأن ثلثها - وهو ثمانية عشر - لأجداد الأُمّ، اثنا عشر منها لأبوي أبيها بالسويّة، وستة لأبوي أُمها كذلك، والباقي - وهو ستّة وثلاثون - لأجداد الأب، اثنا عشر منها لأبوي أُمّه بالمساواة، وأربعة وعشرون لأبوي أبيها بالتفاوت أثلاثاً.وعلى القول الأخير أيضاً يكون المرتفع أربعة وخمسين، لكن سهام أقرباء الأمّ هنا ثمانية عشر؛ لأنا نطلب فيها أقل عددٍ له ثلث، ولثلثيه،ثلث، ولثلثه بعد ذلك نصف، وهو ثمانية عشر، ونطلب في أقرباء الأب أقلّ عددٍ له ثلث، ولثلثه ثلث، وهو التسعة، وهي تنكسر عليهم، فتحتاج إلى الضرب مرّةً أُخرى، والتسعة والثمانية عشر متداخلان فيكتفى بضرب الأكثر - وهو الثمانية عشر - في أصل الفريضة - وهو الثلاثة - يحصل أربعة وخمسون ويصح سهامهم فيأخذ أقرباء


1) حكاه عنه الشهيد الأوّل فى الدروس الشرعيّة 2 : 371.

الأُمّ ثمانية عشر، فيأخذ أبوا أُمّها ثلثها - وهو الستّة - فيقسمانه بينهما بالسويّة، وأبوا أبيها الثلثين - وهما اثنا عشر - ويقسمانه بينهما أثلاثاً، ويأخذ أقرباء الأب ستّة وثلاثين، فيأخذ ثلثها - وهو اثنا عشر - أبوا أُمّه، فيقسمانه بينهما للذكر ضعف الأُنثى، وثلثيهما - وهما أربعة وعشرون - أبوا أبيه، فيقسمانها بينهما كذلك، فتأخذ الجدة ثمانية والجد ستّة عشر.وإذا اجتمع مع الإخوة والأجداد الزوج والزوجة، أخذ كل منهما نصيبه الأعلى، ودخل النقص على المتقرّب بالأب من الأجداد والإخوة، دون المتقرّب بالأُمّ منهما، فللزوج والزوجة مع الإخوة من الأمّ سهمهما الأعلى، والثلث للإخوة من الأمّ فرضاً، والباقي ردّاً.ولو كان إخوة الأمّ واحداً فله السدس فرضاً، والباقي رداً، وللزوج أو الزوجة مع الأخت من الأب أو الأخت من الأبوين سهمهما الأعلى، وللأخت النصف فرضاً، والباقي رداً، ولأحدهما مع الإخوة المتفرقين نصيبه الأعلى، وللإخوة من الأمّ ثلث الأصل فرضاً، والباقي للمتقرّب بالأبوين، ومع فقدهم فللمتقرّب بالأب، ويدخل النقص عليهم دون المتقرّب بالأم.وإن كان المتقرّب بالأُمّ واحداً فله السدس والباقي للمتقرّب بالأبوين أو بالأب مع عدمهم. وإن كان المتقرّب بالأب أنثى، ردّ الفاضل على المتقرّب بالأُمّ والمتقرّب بالأب على النسبة على قول قد تقدّم.والأقوى اختصاص الردّ على المتقرّب بالأب.ولو فقد الإخوة والأخوات قام أولادهم،مقامهم ولكلِّ نصيب مَنْ تقرب به، فإن كانوا من قبل الأب أو الأبوين فللذكر ضعف الأنثى، وإن كانوا من قبل الأمّ فبالسويّة.وعلى كلّ حالٍ، فيأخذ كلُّ نصيب مَنْ تقرب به، فيأخذ أولاد الأخت وإن تعدّدوا السدس إن كانت الأخت لأُمّ، ويأخذ أولاد الأخت من الأب النصف وإن كانت أُنثى واحدةً، ويقتسم أولاد الأخ أو الأخت للأب للذكر ضعف الأُنثى.وكذا للأب والأُمّ ولأولاد الأخت للأب أولهما النصف بالتفاوت، ويرد عليهما الباقي إن اتحدوا، ولأولاد الأختين الثلثان، لكلّ أولاد أخت ثلث، والباقي يردّ عليهم، فإن اجتمعوا كان لأولاد الأُخت من الأمّ السدس إن كانت واحدة، وإن كانوا أولاد أُختين فلهما الثلث. وكان لأولاد الأخت من الأب أو الأب والأُمّ النصف، وكان الفاضل ردّاً على أولاد الأخت من الأب أو من الأب والأم، دون أولاد الأخت من الأُمّ.

ولو اجتمع أولاد الأختين من الأب أو من الأب والأُمّ مع أولاد الأُخت من الأمّ الواحدة، كان السدس لأولاد الأخت من الأُمّ، والثلثان لأولاد الأُختين من الأب والأُمّ أو من الأب، والفاضل يرد على المتقرّب بالأب.وأولاد المتقرّب بالأبوين يمنع المتقرّب بالأب فقط حتّى لو كان المتقرّب بهما أُنثى وكان المتقرّب بالأب ذكراً.ويقوم المتقرّب بالأب وحده مقام المتقرّب بالأبوين عند فقدهم.ولو دخل الزوج أو الزوجة على أولاد الإخوة، أخذ كلُّ منهما نصيبه الأعلى، ودخل النقص على المتقرّب بالأبوين أو الأب، فلو اجتمع الزوج أو الزوجة مع أولاد الإخوة، كان لأحدهما نصيبه الأعلى، ولأولاد الأخت من الأمّ السدس إن اتحد، والثلث إن تعدد، والباقي لأولاد الإخوة من الأب فرضاً ورداً، ويقاسمون الأجداد مقاسمة آبائهم للأجداد، فولد الأخ مع الجدّ كالأخ، وولد الأُخت مع الجدّ أو الجدة كالأُخت.###### فوائد :###### الفائدة الأولى: الجدّ القريب يمنع الجدّ البعيد[ الفائدة ] الأولى: إنّ الجدّ القريب يمنع الجدّ البعيد، سواء زاحمه في سهمه أم لا على الأظهر فتوى وروايةً (1، مع احتمال أنَّه مع عدم المزاحمة لا يمنعه، كجد قريب من أُم مع إخوة لأُمّ مع جدّ بعيد لأب مع إخوة لأب، وكذا العكس، ولكنه ضعيف.)ومثله لو اجتمع ابن أخ لأم مع جدّ لأم، وأخ من أب مع جدّ لأب، واجتمع ابن أخ لأب مع أجداد الأب، وابن أخ لأم مع أجداد الأُمّ.وفي الجميع الأقرب يمنع الأبعد.###### الفائدة الثانية: هل ينزل الجدّ منزلة الأخ في الفرض والردّ عند اختلافهما ؟[ الفائدة ] الثانية: بعد تنزيل الجدّ منزلة الأخ، والجدة منزلة الأُخت - سواء كانا من طرف الأمّ أو الأب - فهل ينزل منزلته في الفرض والردّ عند اختلافهما، كما إذا خلف أُختاً لأب وجدةً لأُمّ، فهل يردّ عليهما على نسبة السهام، أو يختصّ به الأُخت للأب؟أما لو كانت الأخت للأب والأُمّ فالظاهر أنّه لا إشكال في اختصاصها بالرد.


1) وسائل الشيعة 26 : 176 الباب 9 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، ح 2.

و احتمال أن اختصاصها إنما كان لمكان الأخوة من الأمّ لا الجدودة، ضعيف.وكذا لو خلف جدّة لأب وأُختاً لأُمّ، فهل الخمسة أسداس للجدّة للأب، أو يقسم الفاضل عن النصف والسدس أرباعاً بينهما؟ وكذا لو خلّف جدتين من أب وأُختاً من أُمّ.والأظهر في الجميع : اختصاص ذي الفرض بفرضه والفاضل للجدّ بالقرابة، ولم يثبت عموم التنزيل للجدّ منزلة الأخ.نعم، ثبت أنّه كالأخ عند الاجتماع معه في مساواته بسهمه لسهمه.ويكفي في ذلك فهم الأصحاب وفتوى المشهور بخلاف عموم المنزلة.###### الفائدة الثالثة: يمنع الجدّ من الأبوين الجدّ من الأب وحده دون الجدّ من الأُمّ[ الفائدة ] الثالثة: الجدّ من الأبوين يمنع الجدّ من الأب وحده دون الجدّ من الأُمّ. وتصويره ووقوعه ظاهر؛ ودليل ذلك منع الأقرب للأبعد.###### الفائدة الرابعة: في أنّه لا يرث الجدّ مع الأبوين شيئاً###### إشارة:[ الفائدة ] الرابعة: من المتفق عليه فتوى ورواية (1- سوى ما شدّ عن ظاهر ابن الجنيد نقلاً (2)- أنَّه لا يرث الجدّ مع الأبوين شيئاً.)ويدلّ عليه الكتاب (3أيضاً، والسنّة الدالّة على مساواة الجدّ للأخ (4)، والنافية للميراث عن الجدّ مع الأب (5)، فالحكم لا إشكال فيه.)نعم، يندب للأبوين دفع الطعمة لآبائهما - وهما الجدان - ممّا ورثاه من ابنيهما.والأخبار وإن كان ظاهر أكثرها حكاية فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ (6)، وهو إن لم يدلّ على الوجوب فيدلّ على الندب، والتأسي إنّما يجب فيما يُعلم وجهه من الوجوب، مضافاً إلى الإجماع على الندب نقلاً (7)وتحصيلاً، وهو قرينة للاستحباب، بل لفظ «الطعمة» ظاهر في الندب، وأنها عطية، وفي بعض الأخبار: «إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يفرض للجدّة شيئاً» (8).)


1) وسائل الشيعة 26 : 134 وما بعدها، الباب 19 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.

2) نقله عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 9: 120، المسألة 47.

3) الأنفال (8) : 75.

4) راجع الهامش (7) من ص 169.

5) راجع الهامش (1).

6) وسائل الشيعة 26 : 136 وما بعدها الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد.

7) راجع رياض المسائل 14 : 307.

8) وسائل الشيعة 26 : 137، الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 3.

###### والكلام في أُمور:###### منها: أن الطعمة لا تخص الأب لأبويه بل تشمل الأمّ لأبويهامنها: أنّ الطعمة لا تخص الأب لأبويه بل تشمل الأمّ لأبويها، وفاقاً لفتوى المشهور، وللأخبار المصرحة بطعمة الجدّة أُمّ الأُمّ (1.)والظاهر عدم القائل بالفصل بينها وبين الأب، فالقول باختصاص الطعمة بجدي الأب ضعيف.###### ومنها : أن الاستحباب يخص كلّاً من الوالدين بالنسبة إلى أبويهومنها: أنّ الاستحباب يخص كلّاً من الولدين بالنسبة إلى أبويه، ولا يتعدّى إلى أبوي الآخر؛ اقتصاراً على المقطوع به فتوى وروايةً، بل هو الظاهر من الأخبار وكلام الأصحاب.###### ومنها: أن الطعمة لا تخص المكلفين من الأب والأُمّومنها: أنّ الطعمة لا تخص المكلّفين من الأب والأم، فلو كانا مجنونين جاز لوليهما ذلك، كسائر المندوبات المالية بالنسبة إلى الأطفال والمجانين، مع احتمال أنَّه يدور مدار الخطاب وجوداً وعدماً.###### ومنها: أنّ حدّ الطعمة السدس لا تزيد عليهومنها: أنّ حدّ الطعمة السدس لا تزيد عليه كما هو نص الأخبار (2والفتاوى، ولكن إن كان الجدّ واحداً كان السدس له، وإن كان متعدّداً كان السدس بينهم بالسويّة.)###### ومنها: أنّه تختص الطعمة بالأبوينومنها: أنّه تختص الطعمة بالأبوين، فلا تندب أصالة للأجداد، فلا يندب للأب طعمة جدّه وجدته، اقتصاراً على اليقين فتوى ورواية.###### ومنها: أن المطعم الأبوانومنها: أن المطعم الأبوان، فلا يندب لولد الولد طعمة جدّه وجدته؛ اقتصاراً على المورد اليقين، مع احتمال ندبه؛ لإطلاق بعض الأدلّة أنَّه أطعم الجدّ السدس (3.)وكذا الظاهر الاقتصار على الأجداد القريبة، فلا يتعدّى إلى الأجداد الثمانية ولا البعيدة مطلقاً، مع احتمال ندبه؛ لإطلاق بعض الأخبار (4.)###### ومنها: أن المراد بالسدس سدس الأصل لا سدس ما ورثه الأبوانومنها: أنَّه يراد بالسدس سدس الأصل، لا سدس ما ورثه الأبوان؛ وفاقاً لفهم المشهور، ولصريح بعض الأخبار في أُم وأب وجدة: أن للأُم سدساً، وللجدّة كذلك، والثلثان للأب (5.)###### ومنها: اشتراط زيادة نصيب كلّ من الأبوين على السدسومنها: أنَّه يشترط أن يزيد نصيب كلِّ من الأبوين على السدس حتّى يبقى لهما بعد إطعام أبويهما شيء، فلو لم يبق سقط الخطاب؛ اقتصاراً على مورد اليقين، ولظهور ذلك من


1) وسائل الشيعة 26 : 136 - 137 و 139، الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 1 و 9.

2) المصدر : 136 وما بعدها الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد

3) المصدر : 136 وما بعدها الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد

4) المصدر : 136 وما بعدها الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد

5) المصدر : 140، ح 10.

الأخبار، حيث إنّها دلّت على أنَّها طعمة من ميراثهما، فلو استوعبها لم تكن كذلك، وذلك كما إذا خلف أبوين وبنتين.ولو كان الباقي أقل من سدس، فهل يلزم دفع السدس كزوج وأبويه؛ لإطلاق الأدلّة، أو لا بد من بقاء سدس الأصل، كما اشترطه بعضهم (1، تحرّزاً عن تفضيل الجدّ على الأبوين، أو يرجع إلى سدس ميراثهما؟ والوجه الأول.)نعم، لو لم يكن لهما سوى سدس الأصل احتمل استحباب إطعامهما سدس ذلك السدس.والأظهر الاقتصار على عدم نقصان الأبوين عن السدس بعد الإطعام، كما أن الجدين لا يزيدان عليه، ولهم فيما زاد أقل الأمرين من سدس الأصل إن زاد الميراث على السدسين كأبوين وإخوة لأُمّ - ومن الباقي بعد سدس الأصل للأبوين.###### ومنها: أنَّه في بنات بنت وجد للجدّ السدس والباقي لبنات البنتومنها: في رواية أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ في بنات بنت وجدّ، قال: «للجد السدس، والباقي لبنات البنت» (2).)وهي محمولة على إرادة الجدّ للبنات لا للميت، أو على الندب الغير المؤكد، كتأكيد الطعمة.وحملها على ظاهرها من المشاركة في الميراث بزعم قيام الجدّ مقام الأب كقيام أولاد الأولاد مقام،آبائهم وبأنّ كلّ قريب يمت بمن يتقرب به بعيد لا نقول به، والإفتاء به من شواذ الفتاوى.###### الفائدة الخامسة: في حكم ما لو خلّف ابن أخ وبنت لذلك الأخ من الأب ومثلهما من أُخت له وكذا من أخ لأم وكذا من أُخت لأُمّ مع الأجداد الثمانية[ الفائدة ] الخامسة: لو خلّف ابن أخ وبنت لذلك الأخ من الأب ومثلهما من أُخت له ومثلهما من أخ لأم ومثلهما من أُخت لأُمّ مع الأجداد الثمانية، أخذ الأجداد من قبل الأمّ والأولاد من قبل الأخ والأخت للأُمّ الثلث بينهم أسداساً، للأجداد الأربعة أربعة أسداس، ولأولاد الإخوة سدسان، كلُّ يأخذ نصيب مَنْ تقرّب به، وأخذ الثلثين المتقرّب ون بالأب من الأجداد والإخوة، فيأخذ الأجداد من قبل أب الأب - وهم اثنان - مع أولاد الإخوة من الأب ثلث الثلثين للجدّ وأولاد الأخ ثلثاه، نصفه للجدّ، ونصفه لأولاد الأخ، وثلثه للجدّة وأولاد الأخت يقسم بين الجدة وأولاد الأخت مناصفةً، ويقتسمون أولاد الأُخت أثلاثاً، وثلثهما للجدّ والجدة من قِبَل أُمّ الأب.


1) راجع مسالك الأفهام 13 : 140..

2) وسائل الشيعة 26: 141 الباب 20 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، ح 15.

###### المبحث الثالث من مراتب الأنساب: الأعمام والأخوال###### إشارة:وهي مرتبة أُولي الأرحام الذين دلّ عليهم الكتاب (1، ولا يرثون إلا بعد فقد الإخوة وأولادهم والأجداد فصاعداً؛ للإجماع المنقول (2)بل المحصل، وللأخبار المتواترة (3).)خلافاً لما حكي عن الفضل من أنَّه لو خلف خالاً وجدةً لأُمّ كان المال بينهما نصفين (4. وهو شاذ متروك.)ويترتبون طبقات، فأوّل طبقة: أعمام الميّت وأخواله، ثمّ أعمام أب الميّت وأُمّه وأخوالهما. ثمّ أعمام جدّ الميّت وجدته وأخوالهما، وهكذا.وعلى كلّ حالٍ فالعم إذا انفرد والعمّان إذا انفردا فصاعداً، فالمال لهم بالسويّة، وكذا العمّة والعمّتان والعمّات، وكذا الخال أو الأخوال أو الخالات إذا انفردوا فالمال لهم بالسويّة.ولو اختلف الأعمام ذكورةً وأُنوثةً، كان المال بينهم بالتفاوت للذكر ضعف الأُنثى.ولو اختلف الأخوال ذكورةً وأنوثةً، كان المال بينهم بالسويّة.ولو اجتمع الأعمام والأخوال، فللأخوال الثلث بالسويّة، وللأعمام الثلثان يقتسمونه للذكر ضعف الأنثى، ولا يتفاوت بين وحدة الخال وتعدّده، وذكوريته وأنوثيته، كما أن العمّ له الثلثان مطلقاً من غير تفاوت بين الوحدة والتعدد والذكورة والأنوثة.ويمنع المتقرّب بالأبوين المتقرّب بالأب إذا كانوا من صنف واحد، كما إذا كانوا من العمومة والخؤولة.ولا يمنع المتقرّب بالأبوين المتقرّب بالأب فقط من الأخوال؛ لأنهما صنفان.ولا يرث أولادكل صنف مع آبائه، ولا مع آباء الآخر، فلا يرث ابن عم مع أبيه، ولا ابن خال مع أبيه، ولا ابن عم مع خال، ولا ابن خال مع عم.


1) الأنفال (8) : 75 الأحزاب (33) : 6.

2) غنية النزوع 1: 325 - 326.

3) وسائل الشيعة 26 : 185 - 186 الباب 1 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال.

4) حكاه عنه الصدوق في الفقيه 4 : 292 - 293 ذيل الحديث 5654.

###### وتفصيل الحال يتوقف على بيان أُمور:###### أحدها: في أن الأعمام المتقرّب ين للميّت بأبيه أو بأبيه وأُمه يقتسمون المال بينهم عند اجتماع الذكر والأنثى بالتفاوتأحدها: إنّ الأعمام المتقرّب ين للميّت بأبيه أو بأبيه وأُمه يقتسمون المال بينهم عند اجتماع الذكر والأنثى بالتفاوت للذكر ضعف الأنثى؛ للإجماع المنقول (1بل المحصل، ولقاعدة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث، بل وفي غيره من أبواب الفقه المفضلة للرجال على النساء، وللخبر المنجبر: «للعمّ الثلثان، وللعمّة الثلث» (2).)وأما المتقرّب ون للميّت بأمه فذهب جمع من الأصحاب - ونُقل عليه الإجماع (3- [ إلى ] أنَّهم يقتسمون بالتفاوت كذلك (4)نظراً إلى تقربهم أصالةً بالأب، وإلى القاعدة والحكمة في تفضيل الرجل على المرأة.)وذهب آخرون - ونُقل عليه الإجماع (5والظاهر أنّ الشهرة عليه محصلة - إلى أنّهم يقتسمون بالسويّة (6)لأصالة عدم التفاضل، ولتقربهم بالأُمّ كالإخوة من الأُمّ.)وقيل بالفرق بين انفراد أعمام الأمّ فيقتسمون للذكر ضعف الأُنثى، وبين اجتماعهم مع أعمام الأب فللذكر مثل الأُنثى بالسويّة.وهو ظاهر المحقّقين، والمشهور، والإجماعات (7منقولة عليه.)###### ثانيها: في المتقرّب بالأبوين من الأعمام يحجب المتقرّب بالأب فقطثانيها: المتقرّب بالأبوين من الأعمام يحجب المتقرّب بالأب فقط، وعليه الفتوى، والإجماع المنقول (8، والخبر: «وعمّك أخو أبيك لأبيه وأُمه أولى بك من عمّك أخي أبيك» (9).)


1) غنية النزوع 1: 326.

2) وسائل الشيعة 26 : 189، الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، ح 9.

3) غنية النزوع 1 : 326.

4) الفضل بن شاذان على ما في الكافي :7 120 باب ميراث ذوي الأرحام، ح 8 و ابن زهرة في غنية النزوع 1: 326 والمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 24.

5) كفاية الفقه 2 : 846.

6) العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 369 والشهيد الأوّل في الدروس الشرعيّة 2: 372؛ والشهيد الثاني في الروضة البهية 8 : 153 والفاضل الإصفهاني في كشف اللثام 9 : 445.

7) لم نتحقّقها.

8) غنية النزوع 1: 326.

9) وسائل الشيعة 26 : 63 - 64، الباب 1 من أبواب موجبات الإرث، ح 2.

وعند فقد المتقرّب بالأبوين يقوم المتقرّب بالأب مقامه، ويعطى أحكامه في القسمة والدفع والمنع.###### ثالثها: الأقرب أنَّه لا يرث ابن عم مع عم أو خال ولا ابن خال مع عمّ أو خال###### إشارة:ثالثها: ذكرنا أن الأقرب يمنع الأبعد في الطبقة الواحدة وما في حكم الطبقة الواحدة، كالأعمام والأخوال، فلا يرث ابن عمّ مع عم أو خال، ولا ابن خال مع عم أو خال، إلا في ابن عم لأب وأم مع عمّ لأب؛ فإنه قد نُقل الإجماع على عدم حجب العم له (1، بل الإجماع على حجبه للعم، ونُقل أنّ فيه خبراً صحيحاً (2)، ونُقل أن فيه أخباراً (3)، ولكن لم نعثر إلا على قول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) للحسن بن عمارة: «أيّما أقرب ابن عمّ لأب وأم، أو عمّ لأب؟» فقال: حدثنا أبو إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن أمير المؤمنين أنَّه يقول: «أعيان بني الأمّ أقرب من بني العلات» فاستوى جالساً ثمّ قال: «جئت بها من عين صافية، إنّ عبد اللّه أبا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أخو أبي طالب لأبيه وأُمّه» (4).)و علل أيضاً بأن ابن العم يمت بسببين دون العم، وميراثهما بآية أُولي الأرحام (5، فليقدّم ذو السببين على ذي السبب، بخلاف مَنْ ميراثه بالفرض كالإخوة.)فإنّ ذا السببين - كابن الأخ للأبوين - لا يحجب الأخ.وفي الأخير نظر؛ لمنع تقدّم ذي السببين على ذي السبب إذا كان السبب نفسه ممّا يقضي بالتقدم عليه، وهو ظاهر، ولأنه لو كان الأمر كذلك لسرى في الأخوال وغيرها ولا نقول به، والعمدة في المقام الإجماع.وهذا كله لو كان الواقع ابن عمّ ذكر مع عمّ ذكر مع عدم وارث آخر معهم.فلو تغيرت الصورة إما بتعدد ابن العم أو بتعدد العمّ أو بتعددهما أو بأنوثة ولد العم أو بأنوثة العم أو بأنوثيتهما، أو بدخول زوج أو زوجة معهما، أو ببغد الدرجة، كابن العم لأب


1) السرائر 3 : 262.

2) الفقيه 4 : 292، ذيل الحديث 5654.

3) مفاتيح الشرائع 3 : 302 مفتاح 1201.

4) وسائل الشيعة 26 : 192 الباب 5 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، ح 2.

5) الأنفال (8) : 75: الأحزاب (33) : 6.

للأب والأُمّ مع عم الأب للأب فقط، أو غير ذلك، فالأظهر: التفصيل؛ لأنّ من ذلك ما يُقطع بتنقيح المناط فيه وإلغاء الفارق كالوحدة والتعدّد، ودخول الزوج وعدمه، ومنه ما يُقطع بعدمه، كعلوّ الدرجة، حيث إنّه خارج من النصّ والفتوى، ومنه ما يُشكّ في تسرية الحكم إليه، كالذكورة والأنوثة مع الاختلاف فيهما، أو مع الاتّحاد في الأنوثة.والأوجه فيه: الاقتصار على مورد اليقين؛ لأنّ العمدة في دليل المسألة الإجماع، فيقتصر فيه على مورده.نعم، لو اجتمع مع ابن العم خال، فللأصحاب وجوه وأقوال:أحدها: سقوط ابن العم ومشاركة العمّ والخال؛ لتغيّر الصورة، ولأن الخال يحجب ابن العم؛ لكونه أقرب فتوى وروايةً (1، وابن العم يحجب العمّ لو ورث، ومع الخال لا يرث، ويؤيده الأخبار الدالّة على مشاركة العم والخال عند اجتماعهما (2).)ثانيها اختصاص الخال بالمال لحجب العمّ بابن العم وحجب ابن العم بالخال.وفيه: إنّه يستلزم عدم حجبه للعمّ أيضاً؛ لأنَّه لا يحجب إلا إذا كان وارثاً، وهو لا يقول به.###### أقوال الأصحاب في حكم اجتماع الخال مع ابن العموقيل باختصاص المال بابن العم ؛ لأنّ الخال في مرتبة العم (3، والعم محجوب، فالخال مثله. وضعفه ظاهر، وكأنه مخالف للإجماع.)وقيل بشركة ابن العم للخال وحجب العمّ (4لوجود المقتضي لحرمان العم، وهو ابن العمّ، وانتفاء المانع عنه، وانتفاء المقتضي لحرمان الخال وابن العمّ؛ لأن العم لا يحجب الخال فابن العم أولى، وإن كان هنا أولى من العمّ، والخال إنّما يحجب ابن العم لا يكون أولى من عم، فإنّه إذا لم يحجب العمّ فأولى أن لا يحجب مَنْ هو أدنى منه، بل ربما يدعى اختصاص الحاجب بالوارث، فما لم يرث لم يحجب وإن كان أقرب، لأن آية أُولي الأرحام (5)وحجب القريب إنما المتيقن منه مع الإرث لا بدونه، وهنا ابن العم لا يزاحم الخال.)


1) وسائل الشيعة 26 : 193، الباب 5 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، ح 4.

2) المصدر : 186 ومابعدها، الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال.

3) كما في مسالك الأفهام 13 : 161.

4) قاله قطب الدين الراوندي ومعين الدين المصري على ما في مختلف الشيعة 9 : 45، المسألة 4.

5) الأنفال (8) : 75: الأحزاب (33) : 6.

وبالجملة، فابن العم يزاحم العمّ فيما هو له. وكذا الخال يزاحمه فيما لو انفرد هو وابن العم، بحيث لو منع ابن العم لكان المال له.وهو وجه حسن وقول قويّ لولا أنّ المقتضي لميراث العمّ والخال من كتاب وسنّة متحقق فيهما، وغاية ما خرج بالإجماع عدم ميراث عمّ مع ابن عم غير محجوب بما هو أقرب منه، ومع حجبه بعموم آية أُولي الأرحام يشك في حاجبية العم عن الإرث، فيبقى ميراث العم سليماً عن المعارض.وقد يناقش في هذا بأن يقال: إن ابن العم غير وارث مع الخال، بل الوارث هو العم. ولكن قد جعل اللّه نصيبه لابن العم لمصلحة لا نعقلها، وليس لأنَّه أمس رحماً، ولا فرق في ذلك بين نصيبه كلّاً أو بعضاً.وقد يردّ هذا بأن يقال: المخصص للعمومات هو الإجماع؛ لضعف الرواية، وعند النزاع لا إجماع، فيرجع به إلى القواعد.والأولى والأحوط دفع نصيب الخال إليه، وقسمة ما للعم بين العم وابن أخيه.###### رابعها ميراث الأعمام والأخوال له صُور:###### إحداها : انفراد العمّ وحده أو العمّة كذلكإحداها: ينفرد العمّ وحده أو العمة كذلك، فالمال له من أب أو أُمّ مطلقاً.###### الثانية: تعدّد الذكور فقط أو الإناث كذلكالثانية: يتعدّد الذكور فقط أو الإناث كذلك، فالمال بينهم بالسويّة إن كانوا من صنفٍ واحد، بمعنى أنَّهم من وصلةٍ واحدة.###### الثالثة: يتعدّدون كذلك ولكن من وصلتينالثالثة: يتعدّدون كذلك ولكن من وصلتين، فالميراث لهم، ثلثان لمن تقرب بالأب من الأعمام، وثلث لمن تقرّب بالأُمّ منهم إن كانوا فوق الواحد، وخمسة أسداس لمن تقرب بالأب منهم، وسدس لمن تقرب بالأُمّ إن كان واحداً.نعم، هنا لو اجتمع المتقرّب بالأبوين مع المتقرّب بالأب حجب المتقرّب بالأبوين مَنْ تقرب بالأب فقط، ويقوم المتقرّب بالأب مقام المتقرّب بالأبوين عند عدمه.###### الرابعة: يختلفون بالذكورة والأنوثةالرابعة: يختلفون بالذكورة والأنوثة، وحكمهم الاقتسام بالتفاوت؛ نظراً إلى تقربهم للميّت بالأبوة من غير تفاوت بين المتقرّب به بالأبوة أو الأمومة.

نعم، لو اجتمع المتقرّب بالأب مع المتقرّب بالأُمّ كانت قسمتهم بينهم على النحو المتقدم، واقتسم كلّ صنفٍ منهم مع الاختلاف بالذكورة والأنوثة للذكر ضعف الأُنثى.###### الخامسة: انفراد الخال أو الخالةالخامسة: ينفرد الخال أو الخالة، فالمال لهما.###### السادسة: تعدّد الأخوال أو الخالات والوصلة واحدةالسادسة: أن يتعدّد الأخوال أو الخالات والوصلة واحدة، فالمال لهم بالسويّة.###### السابعة: تعدّدهم واختلافهم بالذكورة والأنوثة والوصلة واحدةالسابعة: أن يتعدّدوا ويختلفوا بالذكورة والأنوثة، والوصلة واحدة، فالمال له- ويقتسمونه بالسويّة بين الذكر والأنثى؛ نظراً إلى تقربهم بالأُمّ.###### الثامنة: تعدّدهم مع الاتفاق بالذكورة والأنوثة ولكن مع اختلاف الوصلةالثامنة: أن يتعدّدوا مع الاتفاق بالذكورة والأنوثة ولكن مع اختلاف الوصلة، فالمال لهم، إلا أنّ مَنْ تقرّب بالأب له ثلثا المال، والمتقرّب بالأُمّ له ثلث المال إن كان فوق الواحد، وخمسة أسداس المال للمتقرّب بالأب، وسدس منه للمتقرّب منهم بالأُمّ إن كان واحداً.###### التاسعة: تعدّدهم مع الاختلاف بالوصلة والذكورة والأنوثةالتاسعة: أن يتعدّدوا مع اختلاف الوصلة والاختلاف بالذكورة والأنوثة، وحكمهم بالقسمة بالنسبة إلى اختلاف الوصلة كما تقدّم، فالمتقرّب بالأبوين يمنع المتقرّب بالأب وحده، وبالنسبة إلى الاختلاف بالذكورة والأنوثة بالسويّة؛ نظراً إلى تقربهم أصالة بالأم.###### العاشرة: اجتماع الأعمام والأخوالالعاشرة: أن يجتمع الأعمام والأخوال والحكم أن العم له سهم الأبوة مع عدم الولد، وللخال الثلث سهم الأمّ بالأصالة حتّى لو كانت الخالة أُنثى وكان العمّ مائة ذكر.نعم، ثلث الأخوال إن اتحدت وصلتهم بينهم بالسويّة، وكذا ثلثا الأعمام، وإن اختلفت الوصلة كان ثلث الثلث - لا ثلث الأصل - للمتقرّب بالأُمّ مع التعدد، وسدس الثلث له إن كان واحداً، وكان ثلث الثلثين للمتقرّب بالأب من الأعمام، وثلث الثلثين للمتقرّب بالأُمّ منهم إن كان فوق الواحد، وسدسه إن كان واحداً، ويقتسمون مع الاختلاف بالذكورة والأنوثة بالاختلاف للذكر ضعف الأنثى، كما تقدم.###### الحادية عشر : اجتماع الزوج مع الأخوال المتحدين بالوصلةالحادية عشر: أن يجتمع الزوج مع الأخوال المتحدين بالوصلة، فالزوج يأخذ نصيبه الأعلى، وكذا الزوجة، والباقي للأخوال، ويقتسمون كما تقدم.###### الثانية عشر : اجتماعهم مع الزوج مع الاختلاف في الوصلةالثانية عشر: أن يجتمع معهم الزوج مع الاختلاف في الوصلة، فللزوج نصيبه الأعلى، والباقي للأخوال، سدسه للمتقرّب بالأُمّ مع الوحدة، وثلثه له مع التعدّد، والباقي من الباقي للمتقرّب بالأب؛ تنزيلاً للباقي منزلة التركة الأصلية، فقسمته كقسمتها.

هذا على قول استضعفه الأكثر من الأصحاب (1، ولكنّه أقرب للعدل، ولأن نصيب الأخوال نصيب الأُمّ، والأُمّ مع الزوج لها النصف، فثلثه أو سدسه للمتقرّب بها.)وقيل - ونُسب للمشهور (2- : إنّ المتقرّب بالأُمّ يأخذ ثلث الأصل، والسدس الباقي للمتقرّب بالأب إن كان أكثر من واحد، أو يأخذ سدس الأصل المتقرّب بالأُمّ إن كان واحداً، والباقي - وهو السدسان - للمتقرّب بالأب، تنزيلاً للزوج منزلة العدم بالنسبة إلى المتقرّب بالأم؛ لأن الزوج لا يزاحم المتقرّب بها، فيرجع إلى أصل التركة، فيأخذ المتقرّب بالأُمّ ثلثها مع التعدد، وسدسها مع الاتّحاد.)وقيل: إنّ المتقرّب بالأُمّ يأخذ ثلث ثلث الأصل مع التعدد، وسدس ثلث الأصل مع الاتّحاد، والباقي للمتقرّب بالأب (3نظراً إلى الأصل في سهم الأخوال، حيث إنّ لهم بالأصالة ثلث المال، فثلثه لقرابة الأمّ مع التعدد، وسدسه مع الاتّحاد.)والأقوى من ظواهر نصوص قسمة المواريث الأصلية وفتاوى الأصحاب: هو الوسط، والصلح أحوط.###### الثالثة عشر : اجتماع الزوج مع الأعمام المتحدين في الوصلةالثالثة عشر: أن يجتمع الزوج مع الأعمام المتحدين في الوصلة، فللزوج نصيبه الأعلى، والباقي لهم على ما تقدّم.###### الرابعة عشر : اجتماع الزوج مع الأعمام المختلفين في الوصلةالرابعة عشر: أن يجتمع مع الأعمام المختلفين في الوصلة، فله نصيبه الأعلى، وثلث أصل التركة للأعمام من الأمّ مع التعدّد، وسدسه للعم أو العمة المتحدة؛ تنزيلاً للزوج منزلة العدم، وهو الظاهر من الفتوى ونصوص قسمة المواريث الأصلية.ويحتمل أيضاً أن للأعمام من الأمّ ثلث الباقي مع التعدّد، وسدسه مع الاتّحاد، وهو أقرب للعدل.ويحتمل أنّ لهم ثلث الثلث من أصل المال مع التعدد، وسدسه مع الاتّحاد.###### الخامسة عشر : اجتماع الزوج مع الأعمام والأخوال المتحدين في الوصلةالخامسة عشر: أن يجتمع الزوج مع الأعمام والأخوال المتحدين في الوصلة، وله نصيبه الأعلى، والباقي ثلث الأصل للأخوال، وثلثه للمتقرّب ين بالأُمّ مع التعدد، وسدسه للمتحد، والباقي من الثلث للأعمام، ثلثه للمتقرّب ين بالأُمّ مع التعدد، وسدسه للواحد منهم.


1) منهم : الطباطبائي في رياض المسائل 14 : 361.

2) راجع التنقيح الرائع 4 : 185.

3) قال به الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13 : 175.

###### خامسها: قيام أبناء الأعمام والأخوال مقامهمخامسها: يقوم مقام الأعمام والأخوال أبناؤهم، ويشتركون، والاقتسام كما تقدم، إلا أن كلاً من الفريقين يأخذ نصيب مَنْ تقرّب به، فبنت العم لها سهم أبيها، ولو كثروا اقتسموه، ولو اختلفوا فللذكر ضعف الأُنثى، وأولاد العمّة ولو كانوا مائةً لهم سهم أمهم، ولو اختلفوا اقتسموه للذكر ضعف الأُنثى، وبنت الخال لها سهم أبيها، وأولاد الخالة وإن كثروا لهم سهم أمهم، ولكن أولاد الخؤولة مع الاختلاف يقتسمون بالسويّة.والمتقرّب بالأبوين يمنع المتقرّب بالأب فقط من صنفه كالأعمام أو الأخوال، ولا يمنع المتقرّب بالأبوين من الأعمام المتقرّب بالأب من الأخوال والأقرب في المرتبة يمنع الأبعد، فابن العم يمنع ابن ابن الخال وكذا العكس.###### سادسها: لو فقد أعمام الميّت وأخواله وأولادهم قام مقامهم أعمام أبيه وأخواله وأعمام أُمه وأخوالهاسادسها: لو فقد أعمام الميّت وأخواله وأولادهم قام مقامهم أعمام أبيه وأخواله وأعمام أُمّه وأخوالها، وهُمْ مراتب وطبقات يترتبون بترتب الأجداد، وكلّ طبقةٍ متقدمةٍ يتبعها أولادها في منع الطبقة التي فوقها، فأولاد عمّ أبي الميّت يمنعون أعمام جدّ الميّت وأولادهم، وكذا أولاد خال الميّت يمنعون أخوال جدّه وأولادهم، وكلّ مَنْ تقرّب بالأبوين للأب أو للأُم أو للجدّ أو للجدّة فإنّه يحجب مَنْ تقرب بالأب وحده.ولو اجتمع عمّ الأب وعمته وخاله وخالته وعمّ الأمّ وعمّتها وخالها وخالتها، فلأعمام الأمّ وأخوالها الثلث؛ لأنَّه نصيب الأمّ ويتقربون بها، ويقتسمونه بينهم بالسويّة؛ لاتحاد وصلتهم، وأصالة عدم التعدّد، والثلثان لقرابة الأب، ثلثه للأخوال من طرفه، وثلثاه للأعمام من طرفه، ويقتسمون الأخوال بالسويّة، والأعمام بالتفاوت للذكر ضعف الأُنثى، وينقسم عليهم من مائة و ثمانين، وهذا هو الأظهر فتوى، ولما دلّ على أن للخال الثلث وللعمّ الثلثان (1على سبيل الإطلاق. وقيل: للأخوال الأربعة الثلث بالسويّة، وللأعمام الأربعة الثلثان (2)لإطلاق النصوص (3)، ثمّ يقتسمون الأعمام، فثلث الثلثين لعمّ الأمّ وعمتها بالسويّة، وثلثاه لعمّ الأب وعمته للذكر ضعف الأُنثى.)


1) وسائل الشيعة 26 : 186 - 187 و 189، الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، ح 1 و 8.

2) نقله الطباطبائي في رياض المسائل 14: 363 عن بعضهم احتمالاً.

3) وسائل الشيعة 26 : 186 وما بعدها، الباب 2 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال

وقيل: إن الثلث ينقسم على قرابة الأمّ أثلاثاً، فللمتقرّب بأمها ثلث الثلث، وهم الأخوال والمتقرّب بأبيها ثلثا الثلث، وينقسم عليهم من أربعة وخمسين (1، وهو جيد.)وعلى ما ذكرناه أولاً لو زاد أعمام الأمّ على أخوالها أو بالعكس، احتمل التنصيف والتسوية، والثاني أقوى، فيقسم على عدد الرؤوس، ولا يلاحظ أنهما صنفان.ولو اجتمع عمّ الأب وعمته من الأبوين ومثلهما من الأمّ وخاله وخالته من الأبوين ومثلهما من الأمّ وعمّ الأمّ وعمّتها من الأبوين ومثلهما من الأمّ وخالها وخالتها من الأبوين ومثلهما من الأُمّ، كان للأعمام والأخوال الثمانية من قبل الأمّ الثلث الذي هو نصيب الأمّ بين القبيلتين أثلاثاً؛ لعموم النصوص بأن للعمّ ضعف ما للخال (2، فيكون ثلثه لأخوالها الأربعة بالسويّة، كما هو المشهور، وثلثاه لأعمامها كذلك؛ لتقربهم بالأم.)ويحتمل قسمته أثماناً؛ للاشتراك في التقرب بالأُمّ.وهذا هو الموافق لما رجحه فيما سبق، وما ذكره هنا أوّلاً يوافق ما احتمله هناك من قول المحقق الطوسي رحمه اللّه تعالى (3.)وعلى الأوّل يحتمل أن يكون ثلث الثلث للأخوال الأربعة لا بالسويّة، بل ثلثه لمن يتقرب بالأم، وثلثاه للمتقرّب بالأبوين؛ لأنَّه ذو سببين، والأوّل ذو سبب واحد، وثلثاه - أي ثلث الثلث - لأعمامها الأربعة لا بالسويّة، بل ثلثهما لمن يتقرب بالأُمّ بالسويّة على المشهور، وثلثاهما لمن يتقرب بهما أثلاثاً؛ لأنّهم وإن اشتركوا في التقرب إلى الميّت بالأُمّ لكن اختلفوا بالنسبة إلى أُمّه.ويحتمل قسمة الثلث نصفين؛ اعتباراً بالسبب دون الرؤوس مع التسوية بين العمّ والخال؛ للاشتراك في التقرب بالأُمّ، نصفه للأخوال إما على التفاوت أو التسوية - على الاحتمالين المتقدمين - ونصفه لأعمامها كذلك على الاحتمالين، ففي الثلث الذي لقرابته ثلاثة احتمالات:أحدها قسمته بينهم على عدد الرؤوس بالسويّة.وثانيها: تنصيفه بين قبيلتين العمومة والخؤولة.


1) قاله المحقق الطوسي على ما في إيضاح الفوائد 4 : 230 - 231.

2) راجع الهامش (1) من ص 185.

3) راجع الهامش (1).

والثالث: قسمته بين القبيلتين أثلاثاً.وكلٌّ من الاحتمالين الأخيرين يحتمل احتمالين:أحدهما: قسمة نصيب كلّ قبيل من النصف أو الثلث أو الثلثين على الرؤوس بالسويّة.والثاني: قسمته عليهم أثلاثاً، والثلثان من الأصل لقرابة الأب بينهم أثلاثاً، فيكون ثلث الثلثين لخؤولة الأب أثلاثاً؛ لتقربهم بالأب، ثلثه للخال والخالة من قبل أمه بالسويّة، وثلثاه لخاله وخالته من الأبوين كذلك على المشهور، وثلثا الثلثين للعمين، وللعمّتين أثلاثاً، ثلثه للعمّ والعمة من قبل الأمّ بالسويّة على المشهور، وثلثاه للعم والعمة من قبل الأب أثلاثاً قولاً واحداً.###### سابعها: في أنَّه قد يجتمع للوارث سببان في الإرث وهما قد يمنع أحدهما الآخر وقد لا يمنعسابعها: قد يجتمع للوارث سببان في الإرث، وهما قد لا يمنع أحدهما الآخر، كعم هو خال، وابن عم هو ابن خال، وزوجة هي بنت عمّ، وغير ذلك، وقد يمنع أحد السببين الآخر، كأخ هو ابن عمّ.وبالجملة، فقد تجتمع الزوجيّة مع القرابة فيرث بهما، وقد تجتمع القرابتان إذا كانا في مرتبة واحدة فيرث بهما، ويشاركه مساووه في السبب الواحد أو في السببين.##### الأمر الثاني : في ميراث الأزواج###### إشارة:[الأمر الثاني ] (1في ميراث الأزواج)###### وفيه مباحث :###### المبحث الأول: في أن الزوج مع الولد ذكراً أو أننى له الربع[المبحث] الأول: الزوج مع الولد ذكراً أو أنثى له الربع بالنص (2والإجماع، وكذا مع ولد الولد وإن نزل بالإجماع، مع احتمال شمول إطلاق نصوص الولد له في الكتاب (3)والسنّة (4)، ومع عدم الأولاد وأولادهم فله النصف مع كلّ وارث يُفرض من غير نقص، والنصف الآخر للوارث القريب، أو لمولى النعمة، أو لضامن الجريرة، فإن فقد ضامن الجريرة ردّ عليه على الأشهر الأقوى.)


1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ: «الرابعة». والصحيح ما أثبتناه.

2) وسائل الشيعة 26 : 195، الباب 1 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1.

3) النساء (4) : 12.

4) وسائل الشيعة 26 : 195، الباب 1 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1.

وقيل: لا يُردّ على الزوج، ويكون النصف الآخر للإمام (1، وهو ضعيف.)وللزوجة مع الولد ذكراً أو أنثى الثمن، وكذا مع ولد الولد؛ للإجماع، مع احتمال شمول إطلاق نصوص الولد له في الكتاب والسنّة، ومع عدم الولد وولد الولد ذكراً كان أو أنثى الربع مع كل وارث كان، والباقي للأقارب، أو لمولى النعمة، أو لضامن الجريرة، فإن فقد فهو للإمام، ولا ردّ عليها على الأشهر الأظهر.ولو تعدّدت الزوجات اشتركن بالربع والثمن بالسويّة إلا إذا تزوّج ببعضهن بالمرض ومات ولم يدخل.وقد يشتركن في الثمن العشرون زوجة، كما إذا طلق أربعاً في المرض، ثمّ تزوّج وطلّق كذلك، وهكذا إلى سنة من طلاقه إلى مرضه.###### المبحث الثاني: في أنّ المطلقة الرجعية ترث وتورث[ المبحث ] الثاني: والمطلّقة في العدة الرجعية كالزوجة ترث وتورث، ولا ميراث في المطلّقة البائنة، ولا في المفسوخ عنها في عدّة الفسخ، ولا في عدة الشبهة؛ للإجماع، والنصوص (2، سوى المطلقة في مرض لم يصح منه، فإنّها ترثه إلى سنة ما لم تتزوّج، كما تقدّم في باب النكاح.)ولو رجعت المختلعة والمباراة في البذل في العدة توارثا على إشكال من ثبوت أحكام البينونة أوّلاً، فيستصحب إلى ظهور المعارض، ومن انقلابه رجعيّاً؛ ولذا كان له الرجوع إذا كان يمكنه الرجوع، بأن لم يكن تزوج بأختها أو بخامسة، ويمكن الفرق بين ما يتزوج أو لم يتزوج بأختها، فيرث في الثاني دون الأول.ولو طلق ذو الأربع إحداهنّ وتزوج غيرها، ثمّ اشتبهت المطلقة، فللأخيرة ربع الثمن مع الولد، أو ربع الربع مع عدمه، والباقي بين الأربعة بالسويّة؛ لتعارض الاحتمالين في كلّ منهن، فهو كما لو تداعاه اثنان خارجان مع تعارض بينتهما، ولأنه كالصلح القهري من الحاكم عند الاشتباه.ولصحيح أبي بصير سأل الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ عن رجل تزوّج أربع نسوة في عقد واحد - أو قال: في مجلس واحد - ومهورهن مختلفة، قال: «جائز له ولهنّ» قال: أرأيت إن هو خرج إلى)


1) حكاه الطباطبائي في رياض المسائل 14 : 368 عن سلّار؛ وراجع المراسم : 222.

2) وسائل الشيعة 26 : 222 وما بعدها، الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج.

بعض البلدان فطلّق واحدةً من الأربعة وأشهد على طلاقها قوماً من أهل تلك البلاد وهُمْ لا يعرفون المرأة، ثمّ تزوج امرأةً من أهل تلك البلاد بعد انقضاء عدة التي طلّق، ثمّ مات بعدما دخل بها، كيف يقسم الميراث؟ قال: «إن كان له ولد فإنّ للمرأة التي تزوّجها أخيراً من أهل تلك البلاد. ربع ثمن ما ترك، وإن عُرفت التي طلّق من الأربع نفسها ونسبها فلا شيء لها من الميراث، وإن لم تُعرف التي طلق من الأربع نسوة اقتسمن الأربع نسوة ثلاثة أرباع ثمن ما ترك بينهن جميعاً، وعليهن العدّة جميعاً» (1.)وأقرع ابن إدريس بينهن (2، وهو حسن.)وهل ينسحب الحكم إلى اشتباه الخامسة، أو اشتباه المطلقة بواحدة أو اثنتين أو ثلاث إحداهنّ الخامسة، وبه تغاير الصورة المنصوصة؟ إشكال من الخروج عن النصّ فيقرع أو يصالح بينهن، ومن التساوي في التعارض فيكون من باب تنقيح المناط.ولو تزوّج المريض ومات في مرضه، ورثت إن دخل، وإلا بطل العقد، ولا ميراث لها ولا مهر على المشهور نقلاً (3.)ولقول أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ في خبر زرارة: «ليس للمريض أن يطلق، وله أن يتزوج، فإن تزوّج ودخل بها جاز، وإن لم يدخل بها حتّى مات في مرضه فنكاحه باطل، ولا مهر ولا ميراث» (4).)وعن التذكرة : وإنما شرطنا الدخول للروايات، ولإجماع علمائنا، أو لأنَّه بدون الدخول يكون قد أدخل في الورثة مَنْ ليس بوارث، ولأنه بدون الدخول يكون قد قصد بالتزويج الإضرار بالورثة، فلا يصح منه (5.)ونقل عن شرح الإيجاز أنّه يراد بالدخول أن يدخل عليها فتخدمه وتضاجعه وتمازحه وإن لم يطأها(6.)


1) وسائل الشيعة 26 : 217، الباب 9 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1.

2) لم نجده في السرائر، وحكاه عنه كلُّ من الشهيد الأول في الدروس الشرعيّة 2: 361؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13 : 179.

3) الدروس الشرعيّة 2 : 358.

4) وسائل الشيعة 26 : 232، الباب 18 من أبواب ميراث الأزواج، ح 3.

5) تذكرة الفقهاء 2 : 518 (الطبعة الحجريّة).

6) كما في مفتاح الكرامة 8: 187.

ولو ماتت هي قبل الدخول، ففي توريثه منها نظر من اجتماع شروط صحة النكاح وارتفاع الموانع، ولذا كان له وطؤها، وإنّما بطل بالنسبة إليها بالإجماع والسنّة، ومن إطلاق الخبر ببطلان النكاح إذا لم يدخل بها حتّى مات في مرضه، والأول أوجه.ولو برئ ثمّ مات توارثا مطلقاً دخل أو لا، تقدّم موته أو موتها؛ للخروج عن صورة الاستثناء مع عموم أدلّة الإرث والنكاح.ولو كان المريض الزوجة، فكالصحيحة؛ لما ذكر (1.)###### المبحث الثالث: في أنّ الزوج يرث من جميع ما تخلف له المرأة###### إشارة:[ المبحث ] الثالث: الزوج يرث من جميع ما تخلّف له المرأة سواء دخل بها أو لا، إذا كان العقد عليها في غير مرض الموت.ولا ترث الزوجة ذات الولد وغيرها من زوجها من رقبة الأرض عيناً ولا قيمة، سواء كانت بيضاً أو مشغولةٌ، داراً أو عقاراً، مشغولةً ببناء أو شجرٍ أو نخل أو زرع؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في حسن الفضلاء: «إنّ المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دارٍ أو أرض، إلا أن يقوم الطوب والخشب قيمةً فتعطى ربعها أو ثمنها إن كان له ولد من قيمة الطوب والجذوع والخشب» (2)وإطلاقها يعمّ نفى الإرث من العين والقيمة.)ولصحيح زرارة: «إنّ المرأة لا ترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئاً، وترث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت ممّا ترك، ويقوم النقض والأبواب والجذوع والقصب فتعطى حقها منه» (3.)واشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب لا يقدح بالرواية؛ إذ هو كالعام المخصوص.ولحسنة محمد بن مسلم: «لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً» (4، على أن المراد من العقار أُصول الأرض.)وقد قيل: إن العقار كلّ ما كان له أصل (5، وإن كان الأشهر في معناه هو الضيعة.)


1) تقدّم في ص 189.

2) وسائل الشيعة 26 : 207 - 208، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، ح 5.

3) المصدر : 205 - 206، ح 1.

4) المصدر : 208. ح. 6.

5) تهذيب اللغة 1 : 217، «ع ق ر».

ولخبرٍ آخر: «أنّ النساء لا يرثن من الدور ولا من الضياع شيئاً، إلا أن يكون أحدث بناء، فيرثن ذلك البناء» (1.)ولخبر محمّد بن مسلم: «ترث المرأة من الطوب ولا ترث من الرباع شيئاً»، قال: قلت: كيف ترث من الفرع ولا ترث من الرباع؟ فقال: «ليس لها منهم نسب ترث به، وإنما هي دخيل عليهم، ترث من الفرع، ولا ترث من الأصل لا يدخل عليهم داخل بسببها» (2.)وبما نصّ على تقويم الشجر والنخل صحيح الأحول: «لا ترث النساء من العقار شيئاً، ولهن قيمة البناء والشجر والنخل» (3.)إلى غير ذلك من الأخبار المتكترة.###### وهنا أمور:###### أحدها: هل الحكم خاصّ بغير ذات الولد أو يشتمل ذات الولد وغيرها؟أحدها: أن الحكم هل هو خاصّ بغير ذات الولد أو يشتمل ذات الولد وغيرها؟ المشهور نقلاً (4: الأوّل؛ لخبر ابن أذينة: «إذا كان لهن ولد أُعطين من الرباع» (5).)وصحيح الفضل وابن أبي يعفور : إنهما سألا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ عن الرجل هل يرث من دار امرأته وأرضها من التربة شيئاً، أو يكون ذلك بمنزلة المرأة، فلا يرث من ذلك شيئاً؟ فقال: «يرثها وترثه من كلّ شيءٍ ترك وتركت» (6).)وللاقتصار على مورد اليقين في تخصيص عمومات الزوجة من الكتاب والسنّة، خرج منها غير ذات الولد بالنص والإجماع، فيبقى الباقي، وللجمع بين هذه الرواية الأخيرة الدالّة على إرثها من كلّ شيءٍ، وبين الروايات المتقدمة الدالّة على منعها من الإرث بالعقار (7بحمل تلك على غير ذات الولد وهذه على ذات الولد.)


1) وسائل الشيعة 26 : 210، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، ح 13.

2) المصدر : 206، ح 2.

3) المصدر : 211، ح 16.

4) قواعد الأحكام 3: 376.

5) وسائل الشيعة 26 : 213، الباب 7 من أبواب ميراث الأزواج، ح 2.

6) المصدر : 212 - 213، ح 1.

7) تقدمت في ص 190.

وفي الجميع نظر.أما الأوّل: فلعدم قابليّة المرسل لتخصيص الروايات الصحيحة، وانجباره بالشهرة غير مفيد له؛ لأنّ إرساله لا يقطع به أنَّه عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، كما صرح به جماعة (1)، والشهرة تجبر المرسل الذي يرسل مع انه لا الهلال، ومع الشكّ فلا عبرة بشهرته.)وبالجملة، فهو من المقطوع الممنوع من الحجية وإن أفتى بمضمونه المشهور، على أنّ الشهرة غير محققة سوى أنَّها منقولة، وانجبار الرواية بالشهرة المنقولة محلّ كلام، بل يظهر من نقل الإجماع - كإجماع ابن إدريس وغيره (2- على المنع في مطلق الزوجة، ومن فتوى الكثير: أنّ الشهرة على عدم التفصيل، وإنّما حدثت بين الأواسط من فقهائنا رضوان اللّه عليهم.)وأما الاقتصار على مورد اليقين فلا معنى له بعد إطلاقات الأخبار المتكثرة بل المتواترة، وتأخير البيان فيها منافٍ للحكمة، والأخبار كثيرة، حتّى ذكر بعضهم أنَّها سبعة عشر خبر خبراً (3، وكذلك بعد إطلاق جملة من الإجماعات المنقولة.)وأما الجمع فهو فرع التكافؤ والرواية الواحدة الموافقة للعامة المعرض عنها الواقع في سؤالها ما يدل على أن حرمانها في الجملة كان معلوماً لا قابليّة لها للمعارضة، كي يجمع بينها.فالأقوى حينئذٍ : عدم الفرق بين ذات الولد وغيرها.###### ثانيها: فيما قيل من أن الزوجة كالرجل ترث من كلّ شيءثانيها: نُقل عن ابن الجنيد أنّ الزوجة كالرجل ترث من كلّ شيءٍ (4، وأيده بعضهم بعدم ذكر جملة من الفقهاء القدماء عدم ميراثها في الجملة، حيث أطلقوا أن للزوجة الربع أو الثمن (5).)ونقل بعضهم عن دعائم الإسلام أنّ من الأمور الدقيقة في الشريعة ما جاء من حرمان الزوجة من الأرض، ويراد به حرمانها من الأرض المفتوحة عنوةً، فاشتبه على الفقهاء ذلك (6.)


1) كالشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13 : 192؛ والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 11 : 444: والسبزواري في كفاية الفقه 2 : 860.

2) السرائر 3 : 259؛ وراجع مفتاح الكرامة 8: 190.

3) راجع كفاية الفقه 2 : 854 - 857.

4) نقله عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 9: 53، المسألة 10.

5) راجع جواهر الکلام 39 : 207 – 208.

6) دعائم الإسلام 2 : 392، ح 1389 و 396 - 397، ح 1394؛ وراجع جواهر الکلام 39 : 208 – 209.

والجميع ضعيف جداً، لا يستأهل ذكراً، كضعف ما عن المرتضى من حرمان الزوجة من العين دون القيمة، وأنّ حكمها حكم الحبوة على ما اختاره (1جمعاً بين الأدلّة، وتقليلاً لتخصيص الكتاب والسنّة القاضيين بتوريث الزوجة.)###### ثالثها: في تعيين ماتحرم الزوجة منه عيناً وقيمةٌثالثها: في تعيين ما تحرم منه عيناً وقيمةً، فالمشهور بل المجمع عليه حرمانها من رقبة الأرض في دارٍ أو عقار أو بستانٍ أو زرع، ولا يختصّ بالدور والمساكن كما عن بعض الفحول (2للتعميم في الأخبار كما ستعرف، وذكر خصوص «الدار» و «المساكن» في بعضها لا يخصص العام في مقام الإثبات كما هو ظاهر.)ويدل عليه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا ترث من تركة زوجها من تربة أو دارٍ أو أرض، إلا أن يقوم الطوب والخشب قيمة، فتعطى ربعها أو ثمنها» (3).)والاستثناء دليل على إرادة الأرض من الدار وجمعهما دليل على أن الأرض غير أرض الدار.والآخر: «لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً» (4.)وهو ظاهر في شمول العقار للأرض؛ لأنَّه الأرض والدار والنخل والضيعة، أو كلّ ما له أصل، وجمعهما دليل على تغايرهما، سيّما بضميمة ما دلّ على تقويم البناء والآلات والطوب.والثالث: «لا ترث من زوجها من القرى والدور»، وفيه: «ويقوم النقض والأبواب والجذوع والقصب، فتعطى حقها منه» (5.)والرابع: «لا ترث النساء من عقار الدور شيئاً، ولكن يقوم البناء والطوب، فتعطى ربعها أو ثمنها» (6وهو ظاهر في إرادة أرض غير الدار.)والخامس: هل يرثن الأرض؟ قال: «لا، ولكن يرثن قيمة البناء» (7.)


1) الانتصار : 585، المسألة 319.

2) كالشيخ المفيد في المقنعة : 687.

3) وسائل الشيعة 26 : 207 - 208، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، ح 5.

4) المصدر : 207، ح 4.

5) المصدر : 205 - 206، ح 1.

6) المصدر : 208، ح 7.

7) المصدر : 208 - 209، ح 8.

والسادس: «لا يرثن من رباع الأرض شيئاً، ولكن لهنّ قيمة الطوب والخشب» (1.)والسابع: «لهنّ قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، فأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيه» (2.)والثامن: «لا ترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور، ويقوم النقض والأجذاع والقصب والأبواب، فتعطى حقها منه» (3.)والتاسع: «لا يرثن من العقار شيئاً، ولهنّ قيمة البناء والشجر والنخل» (4.)والعاشر: «لا ترث ممّا ترك زوجها من تربة دارٍ ولا أرض، إلا أن يقوم البناء والجذوع» إلى تمام الرواية (5.)الحادي عشر: «لا يرثن من الدور ولا من الضياع شيئاً، إلا أن يكون أحدث بناء، فيرثن ذلك البناء» (6.)والثاني عشر : المعلّل بعدم إرثها من العقار إلا قيمة الطوب والنقض (7.)والثالث عشر: «ترث من الطوب، ولا ترث من الرباع» (8.)والربع المنزل مطلقاً، أو المنزل في الربيع.إلى غير ذلك ممّا اشتمل على حرمانها من الأرض تصريحاً أو فحوى بدلالة الإيماء أو الاقتضاء.###### رابعها: في تعيين ماترث الزوجة منه قيمةًرابعها: في تعيين ما ترث منه قيمةً، والظاهر أنَّه كلّ ما أُحكم أساسه في الأرض من بناء أو نخل أو شجرٍ، دون ما كان زواله معتاداً، كالزرع أو الرحى المثبتة، أو الخشب الغير الداخل في البناء، وكذا القصب الغير الداخل، وكذا الأحجار الواقعة ما لم يكن يُسمّى بناءً عرفاً.أما البناء والطوب والجذوع والقصب والخشب والنقض - وهو المنقوض من البناء -


1) وسائل الشيعة 26 : 210، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، ح 11.

2) المصدر : 206 - 207، ح 3.

3) المصدر : 210، ج 12.

4) المصدر : 211، ح 16.

5) المصدر، ح 15.

6) المصدر : 210، ح 13.

7) المصدر : 210 - 211، ح 14.

8) المصدر : 206، ح 2.

فقد دلّ على الجميع النصّ والفتوى، كما تقدّم في الأخبار، سوى النخل والشجر، فقد استظهر بعضهم (1عن جماعة من الفقهاء، ومنهم الشهيد في الروضة (2): أنّها ترث من عينهما كالأثاث وأن الحرمان من العين دون القيمة مخصوص بالبناء والآلات.)والحق إلحاق النخل والشجر بالآلات؛ لتساويهما في المعنى، وفي الحكمة الموجبة لمنعها من الإرث من المذكورات، وهو مخافة أن تتزوّج فتدخل عليهم مَنْ يفسد مواريثهم، ولخبر الأحول الناص على الشجر والنخل(3، وخبر زرارة المشتمل على الجذوع(4)الظاهرة في النخل، أو في دخول النخل فيها، وللأخبار الواردة في العقار (5)الشامل للنخل والشجر، وكذا الواردة في الضياع والقرى (6)، فإنّها مشتملة على ذلك، وكان بمقتضاها أن تحرم منهما عيناً أو قيمةً.)ولكن لما كان القول بحرمانها منهما عيناً وقيمةً لا قائل به ممّن يعتد به اقتصرنا على حرمانها منها عيناً فقط، ولأنّ الجمع بين ما دلّ على حرمانها من العقار والضياع والقرى الظاهر في المنع مطلقاً، وبين ما دلّ على دفع القيمة لها(7قاض بإرادة الحرمان من نفس العين من تلك الأخبار، بل الأخبار الدالّة على دفع القيمة لها صريحة في ذلك.)فالأقوى حينئذٍ والأظهر منعها من الشجر والنخل عيناً، لا قيمة.وأما المياه الجارية في الأرض من الأنهار والسواقي، أو الواقفة، كماء البئر والعين ففيه وجوه:أحدها: منعها منه مطلقاً ؛ لشمول «القرية» و «الضيعة» بل و «الدار» لها وهي ظاهرة في المنع عيناً وقيمةً، خرج من ذلك الآلات والشجر والنخل والخشب ونحوها؛ حيث منعت منها عيناً لا قيمة، وبقي الباقي.ثانيها: إرثها مطلقاً؛ لعموم أدلته، خرج من ذلك الأرض، والماء ليس منه، وكذا ليس من نفس القرية والضيعة؛ لأنّ ظاهرها الأرض وما نبت فيها، فيشمله عموم الإرث عيناً وقيمةً.


1) الطباطبائي في رياض المسائل 14: 383.

2) الروضة البهية 8: 173 – 174.

3) وسائل الشيعة 26 : 211، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، ح 16.

4) المصدر، ح 15.

5) المصدر : 208 و 209، ح 6 و 10.

6) المصدر : 205 - 206، ح 1 و 210، ح 12 و 13.

7) راجع الهامش (5 و 6) من ص193؛ والهامش (3) من ص 194.

ثالثها: إرثها قيمة لا عيناً؛ إلحاقاً لها بالآلات، ولمفهوم العلة في الأخبار، وهو خوف إدخال مَنْ يفسد عليهم (1، ولعموم الإرث، خرج الإرث من العين؛ لما تقدم، وبقيت القيمة.)وقد يفرّق بين مياه الأنهار فيُحكم بأنها كالأرض، وبين مياه الآبار فكالبناء.هذا كله في غير المياه المحصورة في الحياض والأواني، فإنّه لا شك في أن حكمها حكم الأثاث والمتاع.###### خامسها: ترث الزوجة من المنقولات المعدة للنقلخامسها: ترث من المنقولات المُعدّة للنقل كالثمرة والزرع، وكالمنقولات من الأثاث عيناً وقيمةً.ويلزم الوارث إبقاء الثمر في النخل والزرع في الأرض إلى أوان حصاده؛ للأصل، ولزوم الظلم لولاه، ولا يجب على الزوجة الأجرة لبقاء الثمرة أو الزرع في الأرض، مع احتمال أنّ للوارث أخذ الأجرة على بقاء الزرع في الأرض بمقدار حصتها منه؛ جمعاً بين الحقّين.ولو طلبت الزوجة القلع أجيبت، إلا إذا أفسد القلع الأصل، فلا يلزم الوارث الإجابة.ويحتمل لزوم الإجابة إن دفعت الأرش، وإلا فلا، وهو جمع بين الحقّين.###### سادسها: في أن دفع القيمة من الوارث عزيمة عليهسادسها: دفع القيمة من الوارث عزيمة عليه، كما هو الظاهر من الأخبار، إلا مع رضى الزوجة، ولا يجوز للوارث جبرها على دفع العين مع احتمال أن له جبرها، وأن القيمة رخصة له تخفيفاً عليه، كما يشعر به بعض الروايات المبينة لحكمة المنع (2، ولأنّ عموم أدلّة الإرث قاض بالعين، فلنقتصر في جواز دفع القيمة على ما إذا طلبها الوارث لا مطلقاً، ولأنّ الأخبار في دفع القيمة (3)سياقها مساق الأوامر بعد الحظر في إفادتها الإباحة، والأخير جيد، إلا أن الأوّل أقوى من)###### سابعها اعتبار القيمة عند موت الزوجسابعها: تعتبر القيمة عند موت الزوج؛ لأنَّه هو وقت الانتقال إليها، ويعتبر بلد التقويم.###### ثامنها: النماء تابع للأصل فهو للوارثثامنها: النماء تابع للأصل فهو للوارث، وليس للزوجة فيه نصيب؛ لتعلّق حقها بقيمة العين عند الموت، فلا شيء لها بعد استقرار إرثها.ويحتمل على بُعْدٍ أنّ لها تعلقاً بالعين، إلا أنّ الوارث له منعها منها، وحينئذٍ فتشارك في النماء.


1) وسائل الشيعة 26 : 208 و 209 الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، ح 7 و 9.

2) المصدر : 210 - 211، ح 14.

3) راجع الهامش (5 و 6) من ص 193 والهامش (3) من ص 194.

###### تاسعها: فيما لو باع الورثة العين مضى البيع إلا أن استقراره موقوف على دفع القيمة للزوجةتاسعها: لو باع الورثة العين مضى البيع، إلا أن استقراره موقوف على دفع القيمة لها، فإن دفعوا لها القيمة مضى البيع، وإلا فسخت العقود المترتّبة على العين، مع احتمال أنَّه مع عدم دفع العين تتبين عدم نفوذ البيع، فيكون الدفع كاشفاً عن الصحّة، وعدمه عن عدمها.ويحتمل مضي البيع ونفوذه، وجبر الوارث على دفع القيمة، أما لو امتنع الوارث من دفع القيمة والعين بيده أجبر على القيمة، فإن لم يدفع أخذت العين مقاصةً، مع احتمال جواز أخذها؛ لأنّها حقها عند الامتناع.###### عاشرها: عدم تعلّق القيمة بذمة الوارث ابتداء ما لم يفرّطعاشرها: القيمة لا تتعلّق بذمة الوارث ابتداءً ما لم يفرّط أو يغصب أو يبيع. نعم، لو فرّط ضمن القيمة، وعلى ذلك فلو تلفت العين من الوارث من دون تفريط لم تتعلق القيمة بذمته؛ لتعلقها بالتركة تعلّق أرش الجناية برقبة الجاني، إلا أنّ الفرق أن العين هنا لا خيار للزوجة في أخذها قهراً، ولا للورثة في دفعها قهراً.###### حادي عشرها: حكم ما لو تعدّدت الزوجاتحادي عشرها: لو تعدّدت الزوجات وقلنا بالفرق بين ذات الولد وغير ذات الولد، وقد أخذت ذات الولد الثمن من كلّ شيءٍ، وحرّم غيرها من الأرض، فهل ما حرمت منه يعود إلى ذات الولد؛ لأن الثمن للزوجات، وقد خرج عن بقية الورثة، فلما حجبت غير ذات الولد عاد لذات الولد، أو يعود لجميع الورثة غير الزوجة؛ لأنّها حرّمت لأجلهم، ولأنّ غير ذات الولد ليس لها حقّ في الأرض، فيعود للوارث؟ والأول أوجه.وكذا لو أخذت غير ذات الولد من غير الأرض القيمة، فهل تعود العين لذات الولد، أو يشترك فيها جميع الورثة ؟ مع الاحتمال في المقامين في دخول الزوجة ذات الولد معهم وعدمه، ولا بد من التأمل في ذلك.###### ثاني عشرها: طريق التقويم عند أخذ الزوجة القيمةثاني عشرها: طريق التقويم عند أخذها القيمة أن يقوم البناء والأشجار مستحقةً للبقاء في الأرض مجاناً إلى أن تفنى، ويظهر من بعضهم أنَّه هو الذي تدلّ عليه ظواهر الأخبار وأصول المذهب وإطلاق الفتاوى، ولأنّ الموت سبب لاستحقاق القيمة، وقد استحقتها عند الموت على هذه الصفة.قيل (1: ولا تقوم على تقدير أنَّها مقلوعة؛ لأنّها لو كانت مقلوعةً لاستحقت العين إجماعاً)


1) لم نعثر على القائل.

وإنما تستحق القيمة؛ لكونها قائمةً، وإذا علّق الاستحقاق على وصف لم يجز أن يعطى المستحق على تقدير زواله، وإلا لحصلت المناقضة، فتقوم على الصفة التي هي علة الاستحقاق.ولنا في طريق تقويمها طريقان:أحدهما: أن تُقوّم هذه الأرض على تقدير خُلوّها من الأشجار ما تسوى، فإذا قيل: عشرة، مثلاً، قومتها بعد ذلك مضافاً إلى الأشجار، فإذا قيل: عشرون، مثلاً، كانت شريكة في العشرة الزائدة، وكذلك الرباع ونحوها ممّا يُقوم قيمة.ثانيهما: أن تقوم هذه الأشجار مغروسة في الأرض، مستحقة للبقاء إلى حين استقطاعها، وكذلك الأبنية مستحقةً للبقاء إلى حين تهدم من غير التفات إلى قيمة الأرض، ثمّ تأخذ حصتها من هذه القيمة، ولو فرض عدم القيمة للأرض في بعض أنواع الشجر، كالزيتون - على ما قيل (1- لم ينقص من قيمته شيء بسببها.)واحتمل بعضهم (2أن الآلات تقوم باقيةً فيها بالأجرة، بناء على أنَّها لا ترث من الأرض، فيكون في غير ملكها، فيكون بإجارة.)وهو بعيد؛ لمنافاته ظاهر الأخبار.وبالجملة، فتقويم الأرض خاليةً ومشغولةً، وحرمانها من قيمة الأوّل وإعطاؤها ربع الباقي، أو تقويم البناء منفرداً وتقويمه مجتمعاً ودفع ثمن قيمة الأوّل كلٌّ محتمل.###### ثالث عشرها: توزيع الكفن والدين على مجموع التركةثالث عشرها: الأظهر توزيع الكفن والدين على مجموع التركة، فلا يدفع جميعه من غير الأرض كي يلزم الضرر على الزوجة، ولا منها خاصة كي يلزم الضرر على الوارث.###### رابع عشرها: في أنَّه يدخل في الدور وآلاتها بيوت القصب والخشبرابع عشرها: يدخل في الدور وآلاتها بيوت القصب والخشب، وأما بيوت الشعر فالظاهر أنَّها ترث من عينه.###### خامس عشرها: في أنَّه لا يدخل في الآلات قدر الحمام، ولا الدولابخامس عشرها: لا يدخل في الآلات قدر الحمّام، ولا الدولاب، ولا الرحى الكبيرة التي لا تُنقل، ولا معصرة الزيت والسمسم، ولا عرش العنب، ولا قدر تمر المسبك.نعم، ما كان مبنياً - كالحياض - دخل؛ لأنَّه من البناء.


1) القائل هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13 : 194.

2) الشهيد الثاني في ميراث الزوجة، ضمن رسائله 1 : 488.

وكذا لا يدخل في الشجر ما كان في الأرض من الشجر اليابس المستقطع، أو النوى في ابتداء اخضراره، أو الفصيل المعد للقطع، أو السعف اليابس الذي يتخذ للحطب.ولا يبعد إلحاق الجميع بالشجر والنخل، فترث من قيمته الربع.###### المبحث الرابع: في تزويج الولي الإجباري الصبي أو الصبية وتوارث الزوجين[ المبحث ] الرابع : لو زوّج الوليّ الإجباري الصبي أو الصبية بمهر المثل وبالكفء توارثا، لثبوت الزوجيّة بينهما.ولو زوّج الصبية بالكفء ولكن بدون مهر المثل فكذلك، وإن كان لها الخيار على وجهِ قوي، والخيار في المهر لا ينافي الزوجيّة والتوارث.ولو زوجها بغير الكفء بمهر المثل أو بدونه، فالأوجه: أنَّه فضولي، فيجري فيه ما يجري في الفضولي؛ لأن الإفساد لا ولاية للولي الإجباري فيه.ويحتمل صحة العقد وثبوت الخيار، فلا ينافي التوارث.ولو زوّج الصغيرين الفضوليان مع وجود الولي ومع عدمه؛ لأنا لا نشترط وجود مجيز في الحال فإن ماتا قبل البلوغ وقبل إجازة الولي فسد العقد.وكذا لو مات أحدهما قبل البلوغ، سواء بلغ الآخر فأجاز أم لا.وكذا لو بلغ أحدهما فردّ العقد أو ردّاه جميعاً، ولا ميراث؛ لفساد العقد.ولو بلغا فأجازا صح العقد وتوارثا.ولو بلغ أحدهما فأجاز،فمات عُزل من تركته نصيب الآخر، فإن بلغ الآخر وردّ العقد بطل، وإن بلغ فأجاز أحلف على أنَّه لم يدعه إلى الإجازة الرغبة في الميراث، فإن حلف دفع إليه الميراث.وهذا كله موافق للقواعد وفتوى الأصحاب، إلا أنّ توقف الميراث على اليمين هو المشهور، وبه ظاهر صحيح الحذاء عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ، المشتمل على تزويج الوليين، والمراد بهما العرفيين دون الشرعيين؛ بقرينة تنصيصه على الشرعيين في آخر الرواية، وفيه: «أنها تحلف ما دعاها إلى الميراث إلا رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث» (1)، وظاهره توقف الدفع على اليمين حتّى لو نكلت أو ماتت قبله ولو أجازت لاستحق شيئاً، ولو جنّت أو غابت وقف المال.)


1) وسائل الشيعة 26 : 219، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1.

والظاهر أنّ اليمين تعبّدي، فلو انتفت التهمة عنها في الرغبة لم يسقط اليمين؛ أخذاً بظاهر الرواية.وحيث إنّ الرواية منافية لقواعد الفضولي المبنية على أن الإجازة كاشفة فيه لا ناقلة من حيث توقف الميراث على اليمين، وعدم تصديق قولها عمّا لا يُعلم إلا من قبلها إلا بانضمامه من حيث منعها من الميراث لاتهامها، ومقتضى القواعد أنّ الاتهام غير مانع، بل تحققه أيضاً غير مانع، فمن ذلك أشكل سراية الحكم إلى موت الجارية وبلوغ الغلام وإجازته، وإلى الكبيرين أو الكبير مع الصغير، أو إلى صغيرين زوج أحدهما الولي فمات ثمّ بلغ الآخر فأجاز، إلى غير ذلك.والحق: عدم التوقف على اليمين في جميع الصُّوَر الغير المنصوصة، إلا أن يدعى بقضاء الاحتياط لذلك، أو بتنقيح المناط وعدم الفارق، أو بأن الاتهام للمجيز الأول حاصل، ولا ميراث معه؛ لعدم القصد إلى الإجازة الحقيقية، خرج مورد النصّ بكفاية يمين الثاني، فيبقى الباقي، أو بأن الإجازة وإن لم تكن ناقلةً ولكن بقاء عين المجاز إلى حين الإجازة شرط؛ اقتصاراً على المورد اليقين في صحة الفضولي، والجميع كما ترى.##### الأمر الثالث: في ميراث ولاء المنعم###### إشارة:[الأمر الثالث ] (1في ميراث ولاء المنعم)وهو مَنْ أنعم بالعتق، وفيه أمور:###### أحدها: في بيان شروط إرث المعتق بالولاءأحدها: للمعتق الولاء، ويرث بالإجماع المنقول (2والمحصل، والأخبار المستفيضة (3).)ولا يرث إلا بشروط:أحدها: أن يكون المعتق متبرعاً بالعتق.الثاني: أن لا يتبرأ من ضمان جريرته.الثالث: أن لا يكون للمعتق وارث مناسب.


1) بدل ما بين معقوفين في النسخ: «خامسها». والصحيح ما أثبتناه.

2) رياض المسائل 14: 393.

3) وسائل الشيعة 26 : 241 - 242 الباب 3 من أبواب ميراث ولاء العتق.

أمّا الشرط الأوّل: فلا كلام فيه، فلو كان عتقه في واجب - كالكفارة والنذر - لم يثبت لمن أنعم بالعتق ميراث؛ للإجماع المنقول (1بل المحصل، وللأخبار.)وفي خبر إسماعيل بن الفضل: «إذا أُعتق اللّه فهو مولي للذي أعتقه» وسأله الهاشمي عن الرجل إذا أُعتق له أن يضع نفسه حيث شاء ويتولّى مَنْ أحبّ؟ فقال: «إذا عُتق اللّه فهو مولى للذي أعتقه، وإذا عُتق وجعل سائبةً فله أن يضع نفسه ويتولّى مَنْ شاء» (2.)وسأل ابن أبي الأحوص أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ عن السائبة، فقال: «أنظر في القرآن فما كان فيه (تَحرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)فتلك يا عمار السائبة التي لا ولاء لأحدٍ عليها إلا اللّه، فما كان ولاؤه اللّه عزّ وجلّ فهو لرسول اللّه، وما كان ولاؤه لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فإنّ ولاءه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجنايته على الإمام، وميراثه له» (3).)وسأل أيضاً بريد بن معاوية عن رجل كان عليه عتق رقبة، فمات قبل أن يعتق رقبة، فانطلق ابنه فابتاع رجلاً من كيسه فأعتقه عن أبيه، وأن المعتق أصاب بعد ذلك مالاً ثمّ مات وتركه، لمن يكون ميراثه؟ فقال: «إن كانت الرقبة التي كانت على أبيه في ظهار أو شكرٍ واجب عليه فإنّ المعتق سائبة لا سبيل لأحدٍ عليه، وإن كان توالى قبل أن يموت إلى أحدٍ من المسلمين حتّى مات كان ميراثه لإمام المسلمين إن لم يكن له قريب يرثه من المسلمين، وإن كانت الرقبة على أبيه تطوّعاً وقد كان أمره أبوه أن يعتق عنه نسمة فإنّ ولاء المعتق هو ميراث لجميع ولد الميّت من الرجال، ويكون الذي اشتراه وأعتقه عن أبيه كواحد من الورثة إذا لم يكن للمعتق قرابة من المسلمين أحرار يرثونه، وإن كان ابنه الذي اشترى الرقبة فأعتقها عن أبيه تطوّعاً منه من غير أن يكون أبوه أمره بذلك فإنّ ولاءه وميراثه للذي اشتراه من ماله، فأعتقه عن أبيه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابته» (4.)ونقل عن الشيخ في المبسوط ثبوت ميراث المعتق في الكفّارة للمعتق (5، وهو ضعيف.)


1) الانتصار : 371، المسألة 213.

2) وسائل الشيعة 23 : 63، الباب 36 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

3) المصدر : 77 الباب 43 من أبواب كتاب العتق ح 1 ؛ والآية 92 من سورة النساء (4).

4) المصدر : 71 - 72 الباب 40 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

5) المبسوط 6 : 209 ونقله عنه الشهيد في الدروس الشرعيّة 2 : 217.

والصحيح الدال على ذلك: عن الرجل يعتق الرجل في كفارة يمين أو ظهار لمن يكون الولاء؟ قال: «للذي يعتق» (1مطرح، أو محمول على ما إذا تولاه بعد العتق، أو على التقية، أو على مَنْ يتبرع بذلك عن كفّارة غيره إن جعلنا ذلك من المتبرع.)ونقل عن الشيخ وابن حمزة ثبوت الولاء على أُم الولد لورثة مولاها بعد انعتاقها من نصيب ولدها، وأثبتاه لمن ملك أحد قراباته فانعتق عليه، سواء ملكه اختياراً أو اضطراراً (2للموثق في رجل يملك رحمه هل يصلح له أن يبيعه أو يستعبده؟ قال: «لا يصلح أن يبيعه، ولا يتخذه عبداً، وهو مولاه وأخوه في الدين، وأيهما مات ورثه صاحبه» (3).)وكلاهما ضعيف مخالف لفتوى المشهور وإن نُقل على الأوّل الإجماع (4لمصير المشهور إلى خلافه، ولعدم تسميته إعتاقاً في المقامين، والحكم معلّق عليه، ولأنه في أُمّ الولد عتق من دون اختيار المولى، ولأنّه من نصيب ولدها لا من المولى، والموثق محمول على توارثهما بالقرابة دون الإعتاق بقرينة أنّه ورّث كلاً منهما الآخر.)ولو انعتق العبد على مولاه بتنكيله له فلا ولاء للمولى عليه؛ لعدم كونه منعماً ومعتقاً، وللصحيح: «فيمن نكل بمملوكه أنّه حُرٌّ ولا سبيل له عليه، سائبة يذهب ويتولّى إلى مَنْ أحب، فإذا ضمن جريرته فهو يرثه» (5.)وقد يتصوّر الإرث بالولاء مع كون العتق بالقرابة.وقد اشترطنا فيه عدم القريب فيما إذا كان صاحب الولاء غير مناسب للمعتق، مع كونه نازلاً منزلة مَنْ كان العتق سبب قرابته، بأن يكون صاحب الولاء قريباً لذلك القريب مع عدم قريب للمعتق وقد مات ذلك القريب، فصار قريبه الذي ليس من أقرباء المعتق صاحب الولاء، كما إذا اشترى رجل أُمّه فانعتقت عليه فمات الرجل وكان له أخ من أبيه فقط ولا وارث للأُمّ من الأنساب، فإن الولاء يكون للأخ.


1) وسائل الشيعة 23 : 78 - 79، الباب 43 من أبواب كتاب العتق، ح 5.

2) المبسوط 6 : 71؛ الوسيلة : 343 و 344 ونقله عنهما الطباطبائي في رياض المسائل 14 : 395 و 396.

3) وسائل الشيعة 23 : 29 - 30، الباب 13 من أبواب كتاب العتق، ح 5.

4) المبسوط 6 : 71.

5) وسائل الشيعة 26 : 245 الباب 1 من أبواب ولاء ضمان الجريرة...، ح 6.

ويثبت الولاء على المدبّر والموصى بعتقه، وقد نُقل الإجماع على الأوّل (1، ودلّ على الثاني خبر بريد المتقدم (2)، فلو أعتق الوصيّ عن الميّت من ثلثه تطوعاً كان الولاء للميت.)ولا ولاء على المكاتب؛ لعدم التبرع به، ولأصالة عدم الولاء، إلا إذا اشترط المولى ولاءه عليه، فإنّه يصح بالشرط؛ لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» (3ولمرسل أبان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المكاتب قال: «يجوز عليه ما اشترطت»(4).)والخبر الآخر: «وإن اشترط السيّد ولاء المكاتب فأقر الذي كوتب فله ولاؤه» (5.)والثالث: «في مكاتب شُرط عليه ولاؤه إذا أُعتق فنكح وليدة لرجل آخر، فولدت له ولداً، فحرّر ولده، ثمّ توفّي المكاتب فورثه ولده فاختلفوا في ولده مَنْ يرثه، فألحق ولده بموالي أبيه» (6.)وقد يقال بعدم الولاء عليه مطلقاً حتّى مع الشرط؛ لمرسل ابن أبي عمير: لمن كاتب مملوكه وشرط عليه الولاء وأنّ ميراثه له، فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ فأبطل شرطه، فقال: «شرط اللّه قبل شرطك» (7).)ويؤيده الأصل، والعمومات، وفتوى المشهور نقلاً، إلّا أنّ الأقوى اطراحه، أو تأويله؛ لنقل الإجماع على صحة الشرط، والظاهر أنَّه هو المشهور مع صحة رواياته؛ لمعارضة ما تقدّم من الأخبار المعمول عليها بين الأصحاب.ويلحق بالمكاتب مع شرط الولاء العبد إذا اشترى نفسه من مولاه واشترط المولى عليه ولاءه؛ لفحوى الأدلّة السابقة عموماً وخصوصاً.وأما العبد المنذور عتقه خصوصاً فيحتمل إلحاقه بمن نذر العتق فاختار عبداً فأعتقه عن نذره، فلا ولاء له عليه.


1) الدروس الشرعيّة 2 : 216.

2) تقدّم في ص 201، الهامش (4).

3) وسائل الشيعة 21 : 276، الباب 20 من أبواب المهور، ح 4.

4) المصدر 23 : 142 الباب 4 من أبواب المكاتبة، ح 4.

5) المصدر : 159، الباب 16 من أبواب المكاتبة، ح 1.

6) المصدر، ح 2.

7) المصدر : 158، الباب 15 من أبواب المكاتبة، ح 1.

ويحتمل ثبوت الولاء فيه؛ لشبهه بالتبرع، سيما لو انعتق بالنذر وكان النذر لنفس الغاية.ومَنْ تبرع بنفس العتق عن غيره فإن كان مندوباً كان ولاؤه للمتبرع لا للمتبرع عنه، وإن كان واجباً على الغير، ففي ثبوت ولائه للمعتق؛ لأنَّه متبرع، أو عدم ثبوته مطلقاً؛ لأنَّه عتق عن واجب وجهان، ولا يبعد الثاني.ويثبت الولاء للكافر على الكافر وعلى المسلم وولاؤه على المسلم مشروط بإسلامه.ولو مات عتيق الكافر وهو حي والعتيق مسلم كان ولاؤه للإمام.ولو كان للكافر ولد مسلم أو قريب، ففي إرثه للولاء؛ لأنَّه له لحمة كلحمة النسب، أو عدمه؛ لفقد شرط الانتقال - وهو موت المعتق - وجهان ولا يبعد الأوّل؛ تنزيلاً للكافر منزلة الميت.وأما الشرط الثاني: وهو عدم التبري من ضمان جريرته، فيدل عليه الإجماع المنقول (1بل المحصل، وجملة من الأخبار (2).)ولا يتفاوت بين أن يصرح بعدم الميراث في شرط التبري أم لا.وفي الخبر: «الرجل يعتق غلامه ثمّ يقول: اذهب حيث شئت، ليس لي من ميراثك شيء ولا عليَّ من جريرتك شيء، ويشهد على ذلك [ شاهدين ] (3».)وهل يشترط في سقوط الضمان الإشهاد على البراءة؛ لظاهر جملة من الأخبار (4أو لا يشترط؛ لانصراف أوامر الإشهاد في الأخبار إلى الإرشاد؛ لقرينة فتوى المشهور به، وكثرة وقوع الأمر بالإرشاد للإشهاد.)وهل التبري بعد العتق مسقط للولاء، أم لا بد من وقوع التبري حين العتق متصلاً به؟ وجهان: من الاقتصار على المتيقن في الخروج عن الأصل، ولشبهه بالشرط اللاحق، ومن إطلاق التبرّي في النصوص المحتمل لوقوعه حالة العتق وبعده، ولعطف التبرّي بـ«ثم» في بعض الأخبار (5.)


1) رياض المسائل 14 : 397.

2) راجع وسائل الشيعة 23 : 77 الباب 43 من أبواب كتاب العتق.

3) المصدر : 77 - 78، ح 2.

4) المصدر، ج 2 - 4.

5) المصدر : 64. الباب 36 من أبواب كتاب العتق، ح 2.

والأقوى الأوّل ؛ لانصراف الإطلاق للمقارن، ولاستعمال «ثمّ» بالعطف للترتيب الذكري.وأما الشرط الثالث: فلا كلام فيه، ويدلّ عليه الكتاب والسنّة، كآية أُولي الأرحام (1والأخبار (2)المتكثّرة عموماً وخصوصاً.)هذا كله في المناسب. وأما المسابب الزوج والزوجة، فيرثان نصيبهما الأعلى، والباقي للمنعم بالعتق.ولو تعدّد المنعمون بالعتق اشتركوا في الميراث على نسبة حصصهم، ولو اشتبهت الحصص فالصلح أو القرعة.هذا مع العلم بالتفاوت، وإلا فالأصل عدم التفاضل.ولو شك في المعتق أنَّه هل أعتق تبرّعاً أم لا؟ وأنّه سائبة أم لا؟ فالأظهر إن ولاءه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ؛ لأنّ الظاهر اشتراط العلم بحصول الشرط.)###### ثانيها: في بيان المراد من أن الولاء لحمة كلحمة النسبثانيها: من المروي عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «إن الولاء لحمة كلحمة النسب» (3)ونقل عن ابن إدريس أنَّه قال: إنّ هذا الخبر مجمع عليه، متلقى بالقبول عند الخاصّة والعامة، فلا معدل عنه (4)، ويُروى بفتح اللام وضمها.)والمراد به أنّ بينهما انتساباً وتوارثاً وتسبّباً لضمان الجريرة، والاتّحاد والمخالطة، فهو كالنسب في التأثير، إلا ما أخرجه الدليل، وإن كان الخارج هنا أكثر من الداخل، إلا أن الفرق بينه وبين النسب أنّ التوارث هنا من جانب مَنْ له الولاء - وهو المنعم - دون المنعم عليه؛ وذلك لأنَّه هو السبب في إيجاده لنفسه بعد أن كان كله لسيّده، ولأنه صار سلطاناً بعد أن كان مهاناً، ولأنه صار متصرّفاً قادراً بعد أن كان عاجزاً، ومطلقاً بعد أن كان مقيّداً.###### ثالثها: عدم صحة بيع الولاءثالثها: لا يصح بيع الولاء؛ لقوله في بيع الولاء: «لا يحلّ» (5وفي آخر: «لا يباع)


1) الأنفال (8) : 75 الأحزاب (33) : 6.

2) وسائل الشيعة 26 : 233 وما بعدها. الباب 1 من أبواب ميراث ولاء العتق.

3) المصدر 23 : 75، الباب 42 من أبواب كتاب العتق، ح 2.

4) السرائر 3 : 24.

5) وسائل الشيعة 23 : 74 - 75 الباب 41 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

ولا يوهب» (1وفي آخر: «نهى عن بيع الولاء وهبته» (2)وبتنقيح المناط يعم الحكم كل ناقل.)ولا يصح اشتراطه للغير؛ لكونه كالنسب.وللصحيح عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إن بريرة لما اشتَرَتْها عائشة وأعتقتها....وكان مواليها الذين باعوها قد اشترطوا ولاءها على عائشة، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : الولاء لمن أعتق» (3).)وفي آخر: «إنّ عائشة قالت لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: إن أهل بريرة اشترطوا ولاءها، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): الولاء لمن أعتق» (4)وبهذا يخصص أدلّة الشروط.)###### رابعها: في أن الولاء يورث به ولا يورثرابعها: الولاء يورث به، ولا يورث على الأظهر الأشهر؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الولاء لمن أعتق» (5)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الولاء لحمة كلحمة النسب» (6)والنسب يورث به ولا يورث إجماعاً، ولأن الولاء يحصل بإنعام السيد على عبده بالعتق، وهو غير منتقل، فلا ينتقل معلوله، وفي المبسوط و الخلاف نقل الإجماع على ذلك (7).)وقيل: إنّه يورث (8لعموم أدلّة الإرث كتاباً (9)وسنّة (10)الشامل للحقوق وغيرها، وللخبر: «ولاء المعتق هو ميراث لجميع الولد من الرجال» (11)وللقدح في الحصر في قوله: «إنّما الولاء لمن أعتق» (12)لاحتمال إرادة الإضافي منه، وفي قوله: «الولاء لحمة» أنّ في آخره:)


1) وسائل الشيعة 23 : 75 الباب 41 من أبواب كتاب العتق، ح 2.

2) المصدر : 75 - 076 ح 4.

3) المصدر : 65، الباب 37 من أبواب كتاب العتق، ح 2.

4) المصدر : 64 - 65، ح 1.

5) المصدر : 64 - 65 ح 1.

6) راجع الهامش (3) من ص 205.

7) المبسوط 4 : 95 و 6 : 70 الخلاف 4 : 84، المسألة 91.

8) قال به ابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 23.

9) النساء (4) : 11.

10) وسائل الشيعة 26 : 63،وما بعدها الباب 1 من أبواب موجبات الإرث.

11) المصدر 23 : 71 - 72، الباب 40 من أبواب كتاب العتق، ح 2.

12) صحیح مسلم 2 : 1141، ح 1504.

«لا تباع ولا توهب» (1ولأنّه كالمجمل؛ لأنّ خارجه أكثر من داخله، ولاختلاف المعنى في جعل «كلحمة النسب» خبراً ثانياً، أو صفةٌ للحمة، ويختلف المعنى؛ لاختلافها.)وهو ضعيف؛ للزوم تخصيص العام بما تقدم، ولضعف القدح بما ذكر؛ لأن الاحتمال لا يقدح في الظاهر، ولأنه لو كان موروثاً لصح نقله؛ للاستواء.وعلى المختار فلومات المعتق وخلف ولدين ثمّ مات أحدهما عن أولاد ثمّ مات العتيق، ورثه الولد الباقي، ولا يشترك الباقي وورثة الأوّل نصفين، كما هو موجب القول الثاني.###### خامسها: في أن الولاء يسري إلى أولاد المعتق وأحفاده ومعتق معتقهخامسها: يسري الولاء إلى أولاد المعتق - بفتح التاء - وأحفاده، ومعتق معتقه، إلا أن يكون في الأولاد من مسه الرق بأن كان رقاً قبل عتق الأب، أو تزوّج أمة الغير بشرط مملوكية الولد لمولى الأمة لو قلنا به، فلا ولاء عليه إلا لمعتقه أو عصبات معتقه؛ لأنَّه كالنسب فالمعتق كالأب، ومعتق الأب كالجد والأب أولى في الميراث، وأيضاً المعتق أعظم نعمةً عليه من معتق أبيه، وكذا لا يسري الولاء في الأولاد على مَنْ أبوه حُرٌّ أصلي ما مسه الرق أصلاً وإن مسّ الرق أُمّه، فإنّ عتق الجدّ لا يؤثر فيه؛ لانقطاع النسب من الأب، ولأنه إذا اجتمع مولى الأب ومولى الأمّ قدّم مولى الأب، فابتداء حريته يمنع الولاء لمولى الأُمّ. فالاستدامة أولى، أو أن يكون في الأولاد مَنْ أُمه حُرّة أصلية وإن مس الرق أباه، بلا خلاف في شيءٍ من ذلك أجده، بل ظاهرهم الاتفاق عليه، فشرط الولاء أن لا يكون في أحد الطرفين حر أصلي، فالحرية المعتبرة ولادتهم عليها حُريّة عرضية حاصلة بالعتق الأصلي بلا خلاف، كما عن السرائر(2، بل عن المسالك وغيره الاتّفاق(3).)قيل: ولعلّ الوجه في اتفاق الأصحاب أنّ الحرّية الأصلية في أحد الأبوين تستتبع حُرّية الأولاد، فتكون حريتهم من جهتها، لا من جهة العتق والولاء إنّما يكون على مَنْ حصلت له الحرّية به لا بها، فإنّ الولاء من توابع العتق لا الحُرّيّة (4.)


1) راجع الهامش (1) من ص 206.

2) السرائر 3: 263 – 264.

3) كما في رياض المسائل 14 : 408 وراجع مسالك الأفهام 13 : 211.

4) قاله الطباطبائي في رياض المسائل 14 : 408 - 409.

###### سادسها : حكم ما إذا فُقد المنعمسادسها: إذا فقد المنعم، فالمشهور نقلاً (1أنّ الولاء لأولاده الذكور إن كان رجلاً، وإن كان امرأة فلعصبتها.)ويدلّ عليه صحيح العجلي المتضمن لقوله: «فإنّ ولاء المعتق هو ميراث لجميع ولد الميت من الرجال» (2.)والصحيح الآخر: «قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ على امرأةٍ أعتقت رجلاً واشترطت ولاءه ولها ابن فألحق ولاءه بعصبتها الذين يعقلون عنه، دون ولدها» (3).)والثالث: عن امرأة أعتقت مملوكاً ثمّ ماتت، قال: «يرجع الولاء إلى بني أبيها» (4.)والرابع: عن رجل أعتق جاريةً صغيرةً لم تدرك وكانت أمه قبل أن تموت سألته أن يعتق عنها رقبةً من مالها، فاشتراها فأعتقها بعدما ماتت أُمّه، لمن يكون ولاء المعتق؟ فقال: «يكون ولاؤها لأقرباء أُمّه من قبل أبيها - إلى قوله : ولا يكون للذي أعتقها عن أُمه من ولائها شيء» (5.)خلافاً للمحكي عن الصدوق والسرائر، فيرثه أولاد المنعم ذكوراً كانوا أم إناثاً أم متفرقين، ذكراً كان المنعم أم امرأةً(6، مستندين إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الولاء لحمة كلحمة النسب» (7)ولما روي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «مات مولى لحمزة بن عبد المطلب، فدفع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ميراثه إلى بنت حمزة» (8).)وخلافاً للمحكي عن الخلاف فكقول الصدوق إن كان المنعم رجلاً، مستدلاً على استثناء المرأة بالإجماع (9.)وخلافاً للمفيد في المقنعة (10وجماعة، فالولاء لأولاد الذكور، رجلاً كان المنعم أو امرأة؛)


1) غاية المرام 4 : 188.

2) راجع الهامش (4) من ص 201.

3) وسائل الشيعة 23 : 70 الباب 39 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

4) المصدر، ج 2.

5) المصدر : 70 - 71، ح 3.

6) الفقيه 4 : 305 السرائر 3: 263.

7) راجع الهامش (3) من ص 205.

8) وسائل الشيعة 26 : 236 الباب 1 من أبواب ميراث ولاء العتق، ح 10.

9) الخلاف 4 : 79 و 81، المسألتان 84 و 86.

10) المقنعة : 694.

لصحيح بريد المتقدم (1، وللآخر عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قضى في رجل حرّ رجلاً فاشترط ولاءه، فتوفّي الذي أعتق وليس له ولد إلا النساء، ثمّ توفّي المولى وترك مالاً وله عصبة فاحتقّ (2)في ميراثه بنات مولاه والعصبة، فقضى بميراثه للعصبة الذين يعقلون عنه إذا أحدث حدثاً يكون فيه عقل» (3).)والمحكي عن المفيد والشيخ وابن حمزة (4، وجماعة أنّه لا يثبت الولاء لامرأة؛ لصحيح محمد بن قيس المتقدم (5)لظهور إرادة عصبة المنعم من العصبة؛ لمكان اشتراط الإرث من العتيق بفقد المناسب له من غير تفصيل بين العصبة وغيرها، ويعضده صحيح بريد المتقدم(6).)خلافاً للصدوق والحلّي (7لقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب» (8).)والأوّل أرجح، وعليه فلا ترث المرأة بالولاء، إلا إذا باشرت العتق بنفسها، فيكون لها الولاء على العتيق وعلى أولاده وإن نزلوا، وعتيقه وعتيق عتيقه، وهكذا؛ لعموم حديث اللحمة، وللاشتراك في الإنعام والنعمة، ولأنّ كلّاً من الرجل والمرأة سبب لتحريره وإيجاد ملكه لنفسه.###### سابعها: في انتقال الولاء من مولى الأمّ إلى مولى الأبسابعها: ينتقل الولاء من مولى الأمّ إلى مولى الأب؛ لفتوى الأصحاب، والإجماع المنقول (9في الباب.)وللخبر: «يجرّ الأب الولاء إذا أُعتق» (10.)


1) تقدّم في ص 201.

2) احتق : اختصم الصحاح 4 : 1461، «ح ق ق».

3) وسائل الشيعة 23 : 71 الباب 40 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

4) المقنعة : 694 ؛ النهاية : 548؛ الوسيلة : 398.

5) آنفاً؛ وراجع الهامش (3).

6) تقدّم في ص 201.

7) راجع الهامش (6) من ص 208.

8) راجع الهامش (3) من ص 205.

9) رياض المسائل 407:14.

10) وسائل الشيعة 23 : 67، الباب 38 من أبواب كتاب العتق، ح 5.

وللصحيح عن رجل اشترى عبداً وله أولاد من امرأةٍ حُرّة فأعتقه، فقال: «ولاء ولده لمن أعتقه» (1.)والمراد بالحرة الحرّة المملوكة التي أُعتقت، لا الحرّة الأصلية.ولا يعود الولاء بعد انجراره من محلّ إلى آخر، ويصير المنتقل عنه كالمعدوم، والميراث لمن انتقل إليه.###### ثامنها: في أنَّه يشارك الأولاد الأبوان في ميراث العتيقثامنها: يشارك الأولاد الأبوان في ميراث العتيق؛ لحديث اللحمة (2، ولأن الأبوين في)مرتبة واحدة مع الأولاد، ولقول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يرث الولاء من يرث الميراث» (3).)وهذا هو المشهور نقلاً (4، وتحصيلاً في الأب، ونقلاً في الأُمّ (5)، ولكن إن لم يختصّ الميراث بالعصبة.)وولد الولد يقوم مقام الولد مع عدم الولد ويأخذ كلّ واحدٍ من أولاد الأولاد نصيب مَنْ يتقرب به، كما يأخذ بالنسب؛ لحديث اللحمة، والإجماع منقول عليه (6.)وإذا عدم الأولاد، قام مقامهم الإخوة والأجداد.وفي ميراث الأخ من الأبوين مع الأخ من الأب أو الأمّ إشكال: من أنّ له لحمةً كلحمة النسب، فلا يرث؛ لمنع الأقرب الأبعد، ومن أنّ التقرّب بالأُمّ هنا ساقط فلا أثر للتقرب بها. فيكون الأخ للأب مساوياً للأخ من الأب والأم.ويشترك الأجداد مع الإخوة على نحو الإرث المتقدم، وهم يرثون على نحو ميراث المال.فإن فقد الإخوة والأجداد، قام الأعمام والأخوال مقامهم على نحو ما تقدم، والأقرب يمنع الأبعد.


1) وسائل الشيعة 23 : 66، الباب 38 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

2) راجع الهامش (3) من ص 205.

3) دعائم الإسلام 2 : 318، ح 1202.

4) اللمعة الدمشقية : 161.

5) رياض المسائل 403:14.

6) الخلاف 4 : 79 - 80. المسألة 84.

وفي استثناء ميراث العمّ للأب مع ابن العم للأب والأُمّ إشكال: من عموم أنَّه كالنسب فلا يرث العمّ مع ابن العم للأب والأم، ومن أنّ الظاهر اختصاصه في ميراث الأموال.وهل يرث المتقرّب بالأُمّ من الإخوة والأخوال؛ لعموم: «أن الولاء لحمة كلحمة النسب» (1أو لا يرث؛ بناءً على اختصاص الإرث بالعصبة؟ قولان، والأظهر الأخير.)وهل نفي الإرث مخصوص بعدم الأولاد، أو مطلقاً؟ وجهان.والأظهر إنّ المتقرّب بالأُمّ لا يعقل، وكذا الإناث ولو تقربن بالأب.فإن فقد قرابة المنعم فمولى المولى يرثه، فإن عُدم أيضاً فقرابة مولى المولى لأبيه، دون مَنْ يتقرب من قِبَل أُمِّه.والضابط أنَّه يرث الولاء معتق المورّث ولو بواسطة أو وسائط، لكن يقدم المباشر، ثمّ أقاربه على التفصيل السابق، ثمّ معتق المعتق، ثمّ أقاربه على تفصيل أقارب المعتق، ومع عدم ذلك كله فلمعتق معتق المعتق، ثمّ لأقاربه، وهكذا، فإن فقد الجميع انتقل الإرث إلى معتق أبي المعتق، فإن فقد فولده فعصبته على ما مضى، ثمّ معتق هذا المعتق، فإن فقد فولده فعصبته، ثمّ معتق معتق أبي المعتق، وهكذا كالأول.###### تاسعها: فيما إذا كان المنعم امرأةٌ وفُقدت كان الولاء لعصبتهاتاسعها: قد عرفت مفصلاً أنّ الأقوى أنّه مع فقد المنعم إن كان رجلاً كان الولاء لأولاده الذكور، ولو كان امرأةٌ كان الولاء لعصبتها؛ للأخبار المتقدمة (2المشتهرة روايةً وفتوى نقلاً (3)معتبراً، ونُقل عن الشيخ والحلّي على مضمون ذلك الإجماع(4)، وبهذا يخصص عموم خبر اللحمة (5)، بل يبيّن إجماله المحتمل لإرادة بيان الإرث ولبيان عدم بيعه وهبته، كما تضمنه صريح الخبر(6)، وبه يُطرح خبر حمزة (7)لعدم مقاومته له، أو يُحمل على أنَّه للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؛ لأنَّه من العصبة، فدفعه لبنته، أو دفعه برضى العصبة.)


1) راجع الهامش (3) من ص 205.

2) تقدّمت في ص 208.

3) راجع الهامش (1) من ص 208.

4) الخلاف 4 : 81، المسألة 86؛ السرائر 3: 24.

5) راجع الهامش (3) من ص 205.

6) راجع الهامش (3) من ص 205.

7) راجع الهامش (8) من ص 208.

والحق أن الولاء يورث به لا يورث، ولذا كان الوارث في المرأة هم العصبة دون الأرحام.والقاعدة فيما يورث تقديم الأرحام على العصبة، والأقرب يمنع الأبعد.ونُسب إلى المشهور ذلك (1، ويدلّ خبر اللحمة عليه؛ لأنّ النسب يورث به لا يورث، ولأن المعتق بعد موت الموصي ولاؤه للموصي، ولا يُعقل ميراث للميت.)وقد يظهر من حسن بريد (2وبعض الأخبار المتقدمة (3)الدالّة على أنَّه ميراث لجميع الولد من الرجال: إن الولاء للعصبة الظاهرة في مورثيته.)ولكن التعدي عن فهم المشهور وقضيّة القواعد والأصول وأصالة عدم الإرث تقضي بإرادة أنَّه ميراث، وأنَّه ينتقل ويورث بسببه؛ تنزيلاً للسبب منزلة المسبب، وهو كلام شائع الاستعمال، وكذا ما دلّ على أنّه للعصبة بإرادة المعنى الأعم، وهو سببيّة انتقال المال.###### عاشرها: في عدم دخول الأب ولا الأولاد الذكور في العصبةعاشرها: بعد القول بكون الولاء للعصبة إذا كان المنعم امرأة فالظاهر عدم دخول الأولاد الذكور فيها، وعدم دخول الأب، كما هو الظاهر من مقابلة الأقوال.وقد يحتمل دخول الأب لعدم دليل على نفيه، فيراد أن الوارث الأب ومَنْ تقرب به، كالأخ والعم، إلا أنهما يرثان دون الأب؛ لمخالفته للاعتبار.ولكن في الأخبار - كقوله: «بني أبيها»(4و «قرابتها من قبل أبيها» (5)- ممّا ينفي ميراث الأب، إلا أن يُحمل على حالة فقده.)وقد تبنى المسألة على أن العصبة هي العاقلة أو غيرها، وعلى أن العاقلة في العتيق هي التي في غيره أم لا، وعلى أنّ الوارث يدور مدار العقل أم لا.و تحقيق ذلك في باب العتق والديات إن شاء اللّه تعالى.


1) راجع رياض المسائل 14 : 404.

2) راجع الهامش (4) من ص 201.

3) تقدمت في ص 209.

4) راجع الهامش (4) من ص 208.

5) راجع الهامش (5) من ص 208.

وأما إرث الأمّ للولاء فقد نقل بعضهم الشهرة عليه (1، فتكون جابرة لما دلّ على أن الوارث للميراث وارث للولاء (2)، وكذا خبر اللحمة (3).)وهو جيد لولا ما دلّ على اختصاص الولاء بالذكور دون الإناث، وأن البنات حر من منه لذلك، وأن ما دلّ على حرمان البنات مشعر بحرمان الأمهات، بل بحرمان جميع الإناث سواء تقرين بالأُمّ أو الأب، فلا فرق بين الأخوات من الأب أو الأُمّ.وكذا لا فرق بين العمات والخالات، بل لا يرث من تقرب بالأنثى، كولد العمة وولد الخالة، بل مَنْ تقرّب بالأُمّ من الذكور كالخال والأخ؛ لاختصاص العصبة بمَنْ تقرب بالأب، لأنَّه الذي يعقل، والمتقرّب بالأُمّ لا يعقل إذا حَدَثَ حَدَتْ فيه عقل.ويمكن الجمع بين القول بميراث الأُمّ، وبين القول بعدم ميراث الإناث ولو تقرين بالأم. و عدم ميراث مَنْ تقرّب بها ولو كان من الذكور؛ لأصالة عدم الإرث والخارج يكون بحسب الدليل.###### حادي عشرها: فيما لو فُقد المولى وأقاربه انتقل الولاء إلى مولى المولى وأقاربه وهكذاحادي عشرها: قد ذكرنا أنَّه لو فُقد المولى وأقاربه انتقل إلى مولى المولى وأقاربه، وهكذا على التفصيل المتقدم (4.)وبالجملة، ينتقل إلى الأعلى ثمّ الأعلى، لحصول السبب بالإنعام عليه ولو بواسطة.وكأن دليله خبر اللحمة (5، وعليه فتوى الأصحاب.)وفي الخبر: عمّن مات ولا وارث له إلا مواليه الذين أعتقوه، فكتب: «المولاه الأعلى» (6إشارة إلى ذلك على إرادة مولاه الأقرب وهو أولى من حمله على ما لا يقول به أصحابنا.)ولو فقد مولى المولى، كان الميراث لمولى الأب وأقاربه، ويترتب تلك المراتب المتقدمة؛ وكأن دليلهم على ذلك خبر اللحمة؛ لأنّ الإنعام على الأب إنعام عليه، فيكون بمنزلة جده.


1) رياض المسائل 14: 403.

2) وسائل الشيعة 26 : 241 وما بعدها الباب 3 من أبواب ميراث ولاء العتق.

3) راجع الهامش (3) من ص 205.

4) تقدّم في ص 211.

5) راجع الهامش (3) من ص 205.

6) وسائل الشيعة 23 : 62، الباب 35 من أبواب كتاب العتق، ح 4.

ويظهر من كثير من الأصحاب (1البناء عليه.)وأشكل على بعضهم (2الحكم بالولاء فيه من حيث إنّ الولد إن سرى العتق فيه من أبيه فمولى أبيه مولاه، ولا يمكن أن يكون له مولى آخر، وإن لم يَسْرِ، كما لو كان حُرّاً - مثلاً - بشرط أو غيره، أو كان معتقاً وقد انقرض معتقه وأقاربه، لم يكن حينئذٍ لمولى الأب إنعام عليه بوجه من الوجوه، فلا دخل له بميراثه.)وقد يرتفع هذا الإشكال بأنّ المنعم على الأب منعم على الولد؛ ولأنه يصدق على الولد أنَّه ولد معتقه وإن لم يكن أثر فيه تحريراً، وحديث الجر(3قد يشعر بذلك.)###### ثاني عشرها: في أنّ من أحكام ولاء العتق الجرّ.ثاني عشرها: من أحكام ولاء العتق الجرّ، وذلك كما إذا أعتق رجل مملوكته فولدت أولاداً بعد تحريرها، فإنه يُحكم بحريتهم، تبعاً لأمهم لو كان أبوهم عبداً، والولاء لمولى أُمّهم.ولو كان أولاد المعتقة أحرار الأصل سقط عنهم الولاء؛ لأنّ الحرّ الأصلي أشرف، والولد يلحق بأشرف أبويه.ولو كان أبوهم معتقاً كأُمهم، كان الولاء لمعتق أبيهم دون أُمهم؛ تغليباً للأشرف على الأضعف، للحوق الولد بالأب دون الأُمّ، ولا يلحق الولد بالأُمّ إلا مع تمام الشرف، كولد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ، أو الضعة، كولد هند.)ولو أُعتق أبوهم بعد ولادتهم من أُمّهم المعتقة، انجر الولاء من معتق أُمهم إلى معتق أبيهم، وهذا من خواص هذا الباب، بل لو مات الأب مملوكاً فانعتق الجدّ انجر إلى معتق الجد، وهكذا.وإن كان الأب المملوك حيّاً فانعتق الجدّ فانجر الولاء إليه ثمّ انعتق الأب، انجر الولاء من الجدّ إلى الأب.وهكذا كل قريب انعتق بعد عتق الأبعد انجرّ الولاء إلى الأقرب من الأجداد، ويُسمّى ذلك جر الجر.


1) منهم : المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 3: 32؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13 : 207 - 208.

2) راجع جواهر الكلام 39: 241 – 242.

3) راجع الهامش (10) من ص 209.

وعلى جميع ذلك فتوى الأصحاب، والإجماع المنقول (1في الباب، والأخبار.)ففي الصحيح: عن رجل اشترى عبداً وله أولاد من امرأةٍ حُرّة فأعتقه، قال: «ولاء ولده لمن أعتقه» (2.)والمراد بالحرّة المعتقة؛ إذ الحُرّيّة الأصليّة لا ولاء لأحدٍ على ولدها على ظاهر الاتفاق، كما مرّ (3ويجيء (4).)وعن عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ : «يجر الأب الولاء إذا أعتق» (5).)وفي خبر ثالث عن عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ: «في مكاتب اشترط عليه ولاؤه إذا أُعتق، فنكح وليدة لرجل آخر فولدت له ولداً فحرره ولده ثمّ توفّي المكاتب فورثه ولده، فاختلفوا في ولده مَنْ يرثه، فألحق ولده بموالي أبيه» (6).)وما ورد بخلاف ذلك – كالخبر: عن حُرّة زوجتها عبداً لي فولدت منه أولاداً ثمّ صار العبد إلى غيري فأعتقه إلى مَنْ ولاء ولده؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إن كانت الأمّ حُرّةً جرّ الأب الولاء وإن كنت أنت أعتقت فليس لأبيه جرّ الولاء» (7)- مطرح، أو محمول على أنك إذا كنت أعتقت الأمّ فصار عتقها سبباً لحُرّيّة الأولاد الذين حصلوا بعد العتق ثمّ عتق الأب بعد ذلك، انجرّ الولاء، وإن كنت أنت أعتقت الأولاد بأنفسهم فولاؤهم لك، ولا ينجرّ.)وعلى ما ذكرناه لو كان ولد المعتقة رقاً بأن أعتقت بعدما ولدت، أو بعدما حملت على الأقوى، أو اشترط رقيته في وجه، ثمّ أعتق ذلك الولد، فولاؤه لمعتقه، ولا ينجر ولاؤه لغير مَنْ أعتقه؛ لأنّ المعتق أعظم نعمة، وللإجماع المنقول (8.)وإن حملت المعتقة به بعد عتقها، فولاؤه لمعتقها ما دام أبوه رقاً، فإن كان حُرّ الأصل


1) راجع السرائر 3: 263 – 264.

2) وسائل الشيعة 23 : 66، الباب 38 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

3) مرّ في ص 209.

4) سيأتي في ص 216.

5) راجع الهامش (10) من ص 209.

6) المصدر : 66 - 67. ح 3.

7) المصدر : 67، ح 4.

8) الخلاف 4 : 84 - 85، المسألة 92.

فالأولاد أحرار، وليس لأحدٍ نعمة عليهم سوى خالقهم، وكذا لو كانت أُمّهم حُرَّةً أصلية فكذلك لا ولاء لأحدٍ عليهم من موالي أبيهم، كلّ ذلك للأصل، ولفتوى الأصحاب، وللإجماع المنقول (1.)وبالجملة، فالحرّية الأصلية أشرف من العارضية، وهي الغالبة في أحكامها، فلا ولاء لمعتق الأب لو كانت الأمّ حُرّةً أصليّةً، ولا لمعتق الأمّ لو كان الأب حُرّاً أصليّاً.أما لو ولدت المعتقة بعد عتقها أولاداً، فإن كان أبوهم معتقاً كان الولاء لمعتق أبيهم؛ لأنّ معتق الأب مقدّم على معتق الأُمّ، وإن انعتقت أُمّهم فولدت فكان الولاء لمعتق أُمّهم ثمّ بعد ذلك انعتق أبوهم، انجر الولاء من معتق أُمّهم إلى معتق أبيهم.وظهر ممّا ذكرنا أيضاً أنّ أبا المعتق أولى من معتق الأب، ومعتق معتق المعتق أولى من معتق أبي المعتق، وهكذا.###### ثالث عشرها فيما لو أُعتق ولد المعتقة من مملوك عبد فولاء العبد لمعتقهثالث عشرها: لو أُعتق ولد المعتقة من مملوك عبد، فولاء العبد لمعتقه، وهو مقدم على مولى الأُمّ.فإن اشترى هذا المعتق أب الولد المنعم وأعتقه تبرّعاً، كان ولاء هذا الأب لمعتقه، وانجرّ ولاء ولد هذا الأب إلى هذا المعتق؛ لانجرار الولاء إلى مولى الأب، فصار كلّ واحدٍ من الولد والعبد مولى لصاحبه، أما الولد فلمباشرته لعتق هذا العتيق، وأما العتيق: فلمباشرته عتق أبي مولاه، فمن مات منهما ورثه الآخر إن لم يكن أقدم منه في الميراث، وإن ماتا معاً ولا وارث لهما مناسب، ففي عوده لمولى الأمّ لثبوت نعمته، وإنما كان زوالها لعارض، وهو لزوم تقديم المنعم على الأب عليه، فلما زال يرجع الولاء إلى أهله، ومن أصالة عدمه؛ استصحاباً لحالة زواله فلا يعود، وربما يدعى أنَّه المشهور، وهو الأقوى، وحينئذٍ فالوارث ضامن الجريرة ثم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ.)###### رابع عشرها: حكم ما لو اشترت المرأة أباها فانعتق عليها ثمّ أعتق الأب عبده الذي ملكه بعد الانعتقاق ثمّ مات العبد بعد موت الأبرابع عشرها: لو اشترت المرأة أباها فانعتق عليها بنفس الشراء ثمّ أعتق الأب عبده الذي ملكه بعد الانعتاق ثمّ مات العبد بعد موت الأب، ورثته المرأة بالولاء لو قلنا: إن الانعتاق


1) الخلاف 4 : 87، المسألة 96.

بالشراء كالعتق التبرعي، وقلنا: إن الإناث من الأولاد يرثن بالولاء ذكراً كان أو أُنثى، وإلا فلا ميراث على الأوّل، وللعصبة على الثاني، فإن لم يكن عصبة فميراث العتيق للبنت، لا من حيث إنّها بنت المعتق بل لأنها معتقة المعتق ومعتق المعتق يرث عند فقد المعتق وعصباته.###### خامس عشرها: حكم ما لو اشترت بنتا المعتقة أباهما ثمّ مات الأبخامس عشرها: لو اشترت بنتا المعتقة أباهما ثمّ مات الأب، فميراثه لهما بالنسب تسميةً ورداً، ولا يجتمع ميراث الولاء مع النسب، ولأن شراء القريب لا يوجب الولاء، ولو قلنا به ففى ثبوت الولاء لهما هنا وجهان من أنّ عتق الأب يوجب الجرّ أو الولاء من معتق الأمّ إلى معتق الأب، ومن أنّهما تستحقان الميراث بالنسب، فلا يمكن اجتماع الولاء لهما مع النسب، وهذا هو الأقوى.وقيل بإمكان الحكم بانجرار الولاء إليهما؛ لأنّ حكم الولاء غير مختص بالميراث، ومن أحكامه ثبوت العقل على المولى، ولمّا كانت المرأة لا تعقل بالنسب ولا بانتقال الولاء إليها من غيرها فيمكن أن تعقل بمباشرة العتق (1، كما اختاره الشيخ (2).)وفيه منع عقل المرأة بمباشرة العتق؛ للأصل والظاهر أنَّه فتوى المشهور.وربما يبني الخلاف على تفسير الانجرار، فإن فُسّر بانتقال الولاء لم يقع؛ لامتناع اجتماع الولاء والنسب، وإن فُسّر بزوال الولاء عن مولى الأمّ أمكن ذلك؛ لعدم المنافاة.وربما يقال: إنّ ثمرة العتق هنا هو نفس الزوال عن معتق الأمّ وتجرّده عن الولاء.وعلى كلّ حالٍ فلو مات الأب ولا وارث له غيرهما، كان ميراثه لهما تسمية وردّاً.ولو ماتنا أو إحداهما والأب موجود كان الميراث له، ولو لم يكن موجوداً ولا وارث سوى إحداهما للأخرى، كان ميراث السابقة لأختها تسمية ورداً؛ إذ لا ميراث بالولاء مع النسب.فلو ماتت الأخرى ولا وارث لها، فهل يرثها مولى أمها؟ فيه تردّد: من انجرار الولاء إليهما بعتق الأب، فلا ولاء لمولى الأُمّ، ولا يعود إليه، ومن أنّه انعتاق لا عتق فلا جر هنا، ولأنه لا يجتمع ميراث بالنسب والولاء، فلا انجرار ولو قلنا بأن الانعتاق كالعتق.


1) كما في مسالك الأفهام 13 : 219.

2) كما في نفس المصدر؛ وراجع المبسوط 6: 71.

وفيه: إنّه لا يجتمع الإرث بهما لا وجودهما، فلنا أن نقول: إن كل واحدة منهما جرت ف ولاء أُختها إليها؛ لأنّها أعتقت نصف الأب، ولا ينجر الولاء الذي عليها بعتق الأب في وجه، فيبقى نصف ولاء كلّ واحدة منهما لمولى أمها، وإن لم نقل بالجر فالولاء كله له.###### سادس عشرها: فيما لو أولد مملوك من معتقه ابناً فولاؤه وولاء إخوته منها لمولى أمهسادس عشرها: لو أولد مملوك من معتقه ابناً فولاؤه وولاء إخوته منها لمولى أمه، فإن اشترى الولد أباه عتق عليه، وانجرّ ولاء أولاده إليه؛ بناءً على ثبوت الولاء بالانعتاق بالشراء.وهل ينجر ولاء نفسه إليه فيبقى حُرّاً لا ولاء عليه؛ لعموم أدلّة الجر، أو يكون ولاؤه لمولى أمه، وإلا لزم ثبوت الولاء على أبويه دونه مع كونه ولداً لهما، وهما رق في الأصل.###### سابع عشرها: حكم ما لو أعتق الأب وأحد ولديه مملوكهما المشترك بينهما ثمّ مات العبد بعد موت الأبسابع عشرها: لو أعتق الأب وأحد ولديه مملوكهما المشترك بينهما ثمّ مات العبد بعد موت الأب، فللشريك ثلاثة أرباع من تركة العبد المعتق نصفها بالولاء، وربعها بإرث الولاء، وللآخر الربع الباقي بإرث الولاء، وهو ظاهر.###### ثامن عشرها: فيما لو اعترف المعتق بولده من المعتقة بعد لعانه لم يرثه الأب ولا المنعم عليهثامن عشرها: لو اعترف المعتق بولده من المعتقة بعد لعانه، لم يرثه الأب؛ أخذاً له بإقراره حيث نفاه أوّلاً، ولا المنعم عليه؛ لأنّه أضعف من المتقرّب بالنسب، فكما لا يرثه المتقرّب بالنسب لا يرثه المنعم عليه بطريق أولى، وأيضاً استصحاب نفي الولدية محكم، والإقرار يكون إقراراً في حقّ الغير، ويرثه مولى أُمّه؛ لانحصار الولاء فيه بعد نفي الولاء عن الأب للعانه. وقد يشكل الحكم بذلك بأنّ ولاء مولى الأمّ مشروط بكون الأب رقاً حال عتق الأُمّ. فلو كان معتقاً أو حرّ الأصل لم يكن لمولى الأمّ عليه ولاء، وهذا الشرط مفقود هنا؛ لأن الأب ها هنا غير معلوم، والأصل حرّية الإنسان، فكيف يثبت الولاء لمولى الأمّ مع الشكّ في الشرط القاضي في الشكّ بثبوت المشروط !؟وفيه منع اشتراط كونه رقاً، بل يكفي اشتراط عدم العلم بحريته، وأصالة الحرية لا توجب منع ولاية الأمّ الثابتة مع عدم وجود الحرّ المعلوم الحرية.###### تاسع عشرها: اشتراط كون الأب أباً شرعياً في جرّ الولاءتاسع عشرها: يشترط في جرّ الولاء كون الأب أباً شرعياً، فلا يجرّ عتق الأب من

الزنى، بل لو عتق الأب الزاني أو الأمّ الزانية أو كلاهما، لم يشر الولاء لأولادهما؛ لانتفائه عنهما شرعاً.وقد يحتمل أن ولد الزنى من المعتقين يسري الولاء إليه؛ لسريان الحرّية إليه ولو لم يلحق بهما، ولكنهما لو بقيا عبدين كان ابنهما عبداً.ولو اشترى ولد الزنى أباه فأعتقه بناءً على عدم الانعتاق بقرابة الزني، ثبت له الولاء قطعاً، وانجر ولاء الأولاد وولاؤه إليه، فيكون حُرّاً لا ولاء لأحدٍ عليه؛ لانتفاء الأُبوّة الشرعيّة.##### الأمر الرابع: في ولاء ضمان الجريرة###### إشارة:[ الأمر الرابع ] (1ولاء ضمان الجريرة)وفيه أُمور:###### أحدها: فيما لو ضمن جريرة غيره وجنايته كان له ولاؤه وميراثهأحدها: مَنْ ضمن جريرة غيره وجنايته كان له ولاؤه وميراثه إجماعاً منقولاً (2ومحصلاً ولكن في الجملة، والأخبار متكاثرة)ومنها: «إذا ولي الرجل الرجل، فله ميراثه، وعليه معقلته» (3.)ومنها: في الصحيح عن أبي بصير : عن المملوك يعتق سائبة، قال: «يتولّى مَنْ شاء وعلى مَنْ تولّى جريرته، وله ميراثه» قلت: فإن سكت حتّى يموت ولم يتولّ أحداً؟ قال: «يجعل ماله في بيت مال المسلمين» (4.)ومنها: عن السائبة، فقال: «هو الرجل يعتق غلامه، ثمّ يقول له: اذهب حيث شئت» (5.)ومنها: عن الرجل إذا أُعتق له أن يضع نفسه حيث شاء، ويتولّى مَنْ أحبّ؟ فقال: «إذا أُعتق اللّه فهو مولى للذي أعتقه، وإذا أُعتق فجعل سائبةٌ فله أن يضع نفسه حيث شاء، ويتولّى مَنْ شَاء» (6.)


1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ: «الثالث». والظاهر ما أثبتناه.

2) غنية النزوع 1: 328.

3) وسائل الشيعة 26 : 244 - 245. الباب 1 من أبواب ضمان الجريرة...،ح 2 و 4.

4) المصدر 23 : 73، الباب 41 من أبواب كتاب العتق، ح 1.

5) المصدر : 64، الباب 36 من أبواب كتاب العتق، ح 2.

6) المصدر : 63، ح 1.

###### ثانيها: عقد ضمان الجريرة عقد لازم من الطرفينثانيها: عقد ضمان الجريرة عقد لازم من الطرفين؛ لأصالة اللزوم في العقود، وللاستصحاب المؤيدين بفتوى المشهور، ولظاهر الأخبار من حيث إن الميراث فيها مبتن على مجرد العقد، وللإجماع المنقول (1.)ونُسب للخلاف وابن حمزة تجويز الفسخ لكل منهما قبل وقوع العقل (2.)وهما محجوجان بما قدمناه.###### ثالثها: صحة وقوع العقد من الطرفينثالثها: يصح وقوع العقد من الطرفين على الأقوى، فيصح من الضامن، فيقول للمضمون له: «عاقدتك على أن أنصرك، وأدفع عنك، وأعقل عنك، وأرثك» فيقول المضمون له: «قبلت».ويصح من المضمون له، فيقول: «عاقدتك على أن تنصرني، وتدفع عنّي، وتعقل عنّي، وترثني» فيقول الضامن: «قبلت» وهنا لا يرث إلا الضامن في كلا العقدين.وقد يتعاقدان بأن يكون كلُّ منهما ضامناً لجريرة الآخر، فيقول أحدهما للآخر: «تعاقدنا على أن تنصرني وأنصرك، وتدفع عنّي وأدفع عنك، وتعقل عني وأعقل عنك، وترثني وأرثك» فيقول الآخر: «قبلت» وله أن يقول: «تعاقدنا على أن ينصر أحدنا الآخر» إلى آخر الكلام المتقدم.والظاهر عدم اشتراط هذه الصيغة، ولا صيغة خاصة، ولا العربية، ولا عدم الفصل بين الإيجاب والقبول، إلا ما يخرج به عن ظاهر القصد، ولا تقديم الإيجاب.نعم، لا تكفي الإشارة من غير الأخرس، ولا الكتابة.ويكفي مجرّد «ضمنت جريرتك وإرثك» بل قد يقال بكفاية ضمان جريرته من دون ذكر الميراث، ويكون الميراث حكماً من أحكام ضامن الجريرة، وقد تشعر الأخبار بذلك؛ لخلوّها عن ذكر الإرث، بل الظاهر منها أنّه من أحكام التولي؛ بل لا يبعد الاكتفاء بقول المضمون: «تولّيتك» أو «أنت ولتي» مريداً به النصرة والعقل.


1) راجع السرائر 3: 265.

2) الخلاف 4 : 120، المسألة 137؛ الوسيلة : 398.

نعم، لو تعاقدا بلفظ «الميراث» أشكل تبعية العقل له، سواء قصدا الميراث فقط، أو قصدا تبعيّة العقل له.وتجري في هذا العقد الفضولية، ويجوز صدور الإيجاب والقبول من واحد، ويجوز للولي كالحاكم أن يوالي المولّى عليه أحداً من الناس فيقدّم على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بالميراث، كما يجوز للولي أن يجعل المولى عليه ضامناً.)###### رابعها: في أنَّه يشترط في صحته عدم وجود وارث سببي أو منعم للمضمون لهرابعها: يشترط في صحته عدم وجود وارث سببي أو منعم للمضمون له، فلو كان وارث بطل العقد ابتداءً على الأظهر، ولا يبقى موقوفاً.نعم، لو وقع العقد مع الفقد ثمّ وُجد الوارث ثمّ مات فهل يبطل أثره بوجود الوارث، أو يبقى مراعي للاستصحاب، وعدم القطع بناقضية حدوث الوارث؟ وجهان، ولا يبعد أنّ الابتداء كالاستدامة.###### خامسها: جواز تولي المسلم المسلم والكافر الكافرخامسها: يجوز أن يتولّى المسلم المسلم، والكافر الكافر، وأما تولّي المسلم للكافر فغير جائز ؛ لعدم إمكان توريث الكافر للمسلم، واحتمال صحة العقد بمجرد العقل دون الميراث بعيد عن الفتوى والنصوص، وأما العكس فلا بأس به، إلا أن يمنع من حيث كونه موادة للكافر وركوناً إليه.###### سادسها: حكم جريان الإقالة وخيار الشرط في عقد ضمان الجريرةسادسها: في جريان الإقالة في هذا العقد وخيار الشرط وجه، ولكن الأوجه خلافه، سيما وقد تخيّل بعضهم أنّ هذا ليس من العقد، بل هو من قبيل الأسباب الشرعيّة المؤثرة ومن الإيقاعات وإن كانت من الطرفين، ولكنّه خلاف الظاهر من الرواية (1والفتوى؛ لأنا لا نعقل الفرق بين العقد والإيقاع إلا بذلك.)###### سابعها: في أنّ الإشهاد مندوب في هذا العقدسابعها: الإشهاد مندوب في هذا العقد؛ لفهم المشهور، ولقرائن المقام الظاهرة في الأخبار.###### ثامنها: في كفاية ما يدلّ على ضمان الجريرة والحدث بكل لفظثامنها: في خبر ابن سنان: «فليشهد أنَّه ضمن جريرته وكلّ حدث يلزمه، فإذا فعل ذلك فهو يرثه» (2.)وفي آخر: «إن ضمن عقله وجنايته ورثه» (3.)


1) وسائل الشيعة 23 : 142 الباب 4 من أبواب المكاتبة، ح 7.

2) المصدر 26 : 250 - 251، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة...،ح 12.

3) المصدر : 245 الباب 1 من أبواب ولاء ضمان الجريرة...،ح 5.

وفي ثالث: «فإن أحب أن يرثه ولي نعمته أو غيره فليشهد رجلين بضمان ما ينويه لكلّ جريرة جرّها أو حدث» (1.)والمفهوم منها كفاية ما يدلّ على ضمان الجريرة والحدث بكل لفظ، ويثبت الميراث بذلك وإن لم يذكراه، وهو قوي.##### الأمر الخامس: في ولاء الإمام###### فيما إذا عدم ضامن الجريرة فالولاء للإمام[الأمر الخامس ] (2في ولاء الإمامة)وهو ولاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وأوصيائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) إذا عدم ضامن الجريرة، قالولاء للإمام: للإجماع منقوله (3)بل محصله، والنصوص كثيرة:)منها: «مَنْ مات وترك دَيْناً فعلينا دينه، وإلينا عياله، ومَنْ مات وترك مالاً فلورثته، ومَنْ مات وليس له موالي فماله من الأنفال» (4.)ومنها: صحيح محمّد بن مسلم عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ومَنْ مات وليس له وارث من قرابته، ولا مولى عتاقة قد ضمن جريرته فماله من الأنفال» (5).)ومنها: خبر حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الأوّل: «الإمام وارث لمن لا وارث له» (6.)إلى غير ذلك من الأخبار.وفى بعض الأخبار أنّ ميراثه لبيت مال المسلمين (7، وربما ظهر ذلك من بعض فتاوى الأصحاب (8).)وهو محمول على إرادة بيت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ؛ لأنّه سيّد المسلمين، فيعبّر عنه بهم، أو لأنّ هذا)


1) المصدر 23 : 78 الباب 43 من أبواب كتاب العتق، ح 3.

2) في النسختين «ن و ج»: «بسم اللّه الرحمن الرحيم في ولاء الإمامة» والمثبت مطابق للسياق.

3) الخلاف 4 : 22، المسألة 14.

4) وسائل الشيعة 26: 247 - 248، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة...،ح 4.

5) المصدر : 246، ح 1.

6) المصدر : 248، ح 5.

7) المصدر : 253 الباب 4 من أبواب ولاء ضمان الجريرة...، ح 5.

8) نقله العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 9: 113، المسألة 40 عن ابن الجنيد.

المال ليس كسائر أمواله المملوكة له حيث إنّه كان يصرفها كما يصرف مال بيت المسلمين عبّر عنه بذلك.وفي الخبر المتقدّم (1في دية مَنْ لا وارث له أنّه يجعلها في بيت مال المسلمين مع التصريح فيه بأنّ ديته له قرينة على إرادة بيت مال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بيت المسلمين.)ثمّ إنّ هذا المال مع حضور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يفعل فيه كيف شاء، ولا يخص مصرفاً خاصاً، كما هو القاعدة في مَنْ مَلَك مالاً، ولكن الظاهر أنَّه كان يدفعه في فقراء بلده وضعفاء جيرانه ندباً لا على سبيل الاستحقاق.)وفي الخبر: «فيمن ليس له وارث فدفع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ ميراثه إلى همشهريجه» (2)وفي آخر: «همشاریجه» (3).)ومع الغيبة قيل: يُحفظ ويُدفن إلى حين ظهوره (4، وهو الموافق لحرمة التصرف بمال الغير، ونُقل عليه الإجماع (5).)ولكنه بعيد عن مذاق الفقاهة؛ لتعريض المال للتلف، ولتسلّط الحُكّام عليه، ولقضاء العادة بعدم بقائه إلى ظهور صاحبه.وقيل: إنَّه يفعل به كما يفعل بسائر أموال الغير إذا لم يمكن إيصالها إليه، فيتصدق به عنه (6، والصدقة نوع إيصال إليه، ولأن المعلوم من حاله رضاه بالصدقة على شيعته ومواليه، ولأنه يشابه مجهول المالك في جامع عدم إمكان إيصال المال إليه.)وقيل: إنّه يقتصر فيه على فقراء بلد الميّت ومساكينهم (7.)وهو قول لا دليل عليه.ويظهر من بعضهم (8تخصيص الهاشمي به)


1) تقدّم في الهامش (7) من ص 222.

2) وسائل الشيعة 26 : 252 الباب 4 من أبواب ولاء ضمان الجريرة...،ح 3.

3) المصدر، ح 1.

4) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 4 : 23. المسألة 15.

5) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 4 : 23. المسألة 15.

6) قاله المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 34 والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13 : 228.

7) قاله الشهيد في اللمعة الدمشقية : 161.

8) الطباطبائي في رياض المسائل 14 : 418 - 419.

وهو أضعف من سابقه وإن وافقهما الاحتياط.وقيل: يفعل به ما تقتضيه الإذن الفحوائية من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ (1).)وهذا حقّ مع القطع بل الظنّ مع قيام شاهد الحال به أو المقال ممّا جرت السيرة في الأخذ بهما في التصرف بمال الغير.ولكن هذا لا ينضبط، وربما حُبّ الشيء يعمي ويصمّ، فيقول الفقير: لي، ويقول الهاشمي: لي، ويقول العالم: لي، ويقول خادم قبورهم لي، وكلُّ يدعي ليلى بوصل، فلا بد من تهذيب النفس وتصفيتها عن تناول المشتبه، ودفع ذلك إلى الفقيه المأمون الذي لا يقتحم على الأموال بالحِيَل، وبأدنى التفات في الفتوى.وقيل بتحليله للشيعة (2لأخبار التحليل المتكثّرة المحللة للأنفال للشيعة (3).)ولكنّه لم يعمل بها هنا، بل قد أعرضوا عنها في هذا المقام، فالأخذ بها مشكل.وقد يقال: إنّ الأخبار الدالّة على دفع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ تركة من لا وارث له إلى همشهريجه (4)، تدلّ على دفعه إلى فقراء البلد؛ لأنّها فارسيّة معربة، والمراد بها أهل البلد.)وهو جيد، إلا أنَّه معارض بما في بعض النسخ: «همشيريجه» وفسّر بالأخ الرضاعي، وهو ممّا لا يقول به أحد، ولا أقل من الإجمال، فلا يُحكم بخاص من معانيه، على أن الظاهر من الروايات أنَّها حكاية فعل لا عموم فيها، وإلا نسلّم دفعه للسادة الفقراء؛ لأنهم عياله، ونقصهم عليه، وهو المتكفّل بسدّ خلّتهم.وقد تُحمل أخبار الهمشهريج على فقراء قراباته.و على كلّ حالٍ فالظاهر لزوم الرجوع به إلى الحاكم الشرعي؛ لأنّه نائبه في أُموره العامة قطعاً، وفي الخاصّة ظاهراً، ولا أقل أنّه مال غائب فيعود للأُمور اللاحقة للحاكم بالنصب العام، ولا يعطى سلطان الجور من الأنفال مع الأمن ؛ لعوده للإمام، لا للمسلمين كافةً كالخراج.


1) راجع مستند الشيعة 19: 432.

2) لم تظفر على قائله.

3) وسائل الشيعة 9 : 543 وما بعدها الباب 4 من أبواب الأنفال.

4) راجع الهامش (2 و 3) من ص 223.

ومن مات من أهل الحرب ولم يخلف وارثاً كان ميراثه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ.)وكلّ ما يتركه المشركون خوفاً ويفارقونه من غير حرب فهو للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ؛ لأن استحقاقه متيقن واشتراك المسلمين معه مشكوك فيه.)و ما يؤخذ صلحاً أو جزيةً فهو للمجاهدين، ومع عدمهم يُصرف في الفقراء من المسلمين والمصالح.وما يؤخذ من أموالهم حال الحرب للمقاتلة بعد إخراج الخمس.وما تأخذه السرية من دون إذن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ فهو له خاصةً.)وما يؤخذ غيلةً في زمن الهدنة يرجع إليهم، وإن كان في غير زمن الهدنة فهو لأخذه، وفيه الخمس.##### الأمر السادس: في ميراث الخنثى###### تعريف الخنثى[ الأمر السادس ] (1في ميراث الخنثى)الخنثى من له فرجان: فرج رجل، وفرج امرأة، وهو في الواقع لا يخلو من كونه ذكراً أو أُنثى؛ لأن اجتماعهما محال عادةً، وخروجه عنهما مخالف لاستقراء نوع الإنسان، ولظاهر الكتاب (2والسنّة(3)، ولظاهر معاملتها في الأحكام الشرعيّة في موارد الفقه كلّها على صورة الاشتباه دون كونها قسماً ثالثاً، كما يلوح من الفتوى والنصوص، وكذا خلق الحيوانات، جميع وكذا كون الذكر خُلق للذكر، والفرج للأنثى، فلا يمكن التبديل والتغيير، فلا يحتمل فيمن له الذكر أنّه أُنثى معنى، ولا فيمن له الفرج أنَّه ذكر كذلك.)والخنثى إن أمكن استعلامه بالقرائن المفيدة للقطع أو الظنّ الغالب من نبات اللحية وصغر الثديين وغلظ الصوت والرائحة وشمائل الذكر والتولّد منه ونحو ذلك فهو ذكر، ومن الحيض والولادة والحبل ونحو ذلك فهو أنثى، وإن أمكن عقلاً أن يحيض الرجل ويحمل، وتولد الأنثى أُنثى غيرها، ولكن لا اعتبار في الشرع بأمثال تلك الاحتمالات.وإن لم يمكن استعلامه بما قدمنا بحيث يعرف أنَّه رجل فيكون الفرج زائداً، أو امرأة


1) مابين المعقوفين أضفناه لاقتضاء السياق.

2) الشورى (42) : 49: النجم (53) : 45.

3) راجع وسائل الشيعة 26 : 283 وما بعدها الباب 1 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه.

فيكون الذكر زائداً، اختبر حاله في البول، فأي الفرجين بال منه اتبع، فإن بال من الذكر فهو ذكر، وإن بال من الفرج فهو أنثى؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول (1.)وقول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يورث الخنثى حيث يبول» (2).)وفي آخر: «إن كان يبول من ذكره فله ميراث،الذكر، وإن كان يبول من القبل فله ميراث الأنثى» (3.)وإن بال من الفرجين اعتبر الكثير، ولا اعتبار باليسير القليل، فإن كثر كلُّ منهما اعتبر بالأسبق، فأيهما سبق حكم به؛ للإجماع المنقول (4، وفتوى المشهور.)وفي الصحيح: «فإن خرج منهما جميعاً فمن حيث سبق» (5.)والآخر: «يورث من حيث سبق بوله، فإن خرج سواء فمن حيث ينبعث، فإن كانا سواء يرث ميراث الرجال والنساء» (6.)والثالث: «فإن بال منهما جميعاً فمن أيهما سبق البول ورث منه، فإن مات ولم يبل فنصف عقل المرأة ونصف عقل الرجل» (7.)والمراد بالعقل الميراث، بقرينة الأخبار الأُخر.والرابع: «من أيهما سبق» قيل: فإن خرج منهما جميعاً، قال: «فمن أيهما استدر، فإن استدررًا جميعاً فمن أبعدهما» (8.)فإن تساويا بالسبق اعتبر الانقطاع، فأيهما انقطع أخيراً كان عليه المدار؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقولين (9، ولما روي عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مرسلاً : فإن بدر منهما فمما انقطع أخيراً» (10))


1) الانتصار : 593 - 594، المسألة 325.

2) وسائل الشيعة 26 : 283 - 284 الباب 1 من أبواب ميراث الخنثى...، ح 2.

3) المصدر : 283، ح 1.

4) السرائر 3: 277.

5) وسائل الشيعة 26 : 289، الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى...، ح 6.

6) المصدر : 285 - 286، ح 1.

7) المصدر : 286، ح 2.

8) المصدر : 284، الباب 1 من أبواب ميراث الخنثى...، ح 4.

9) كشف اللثام 9 : 482 غاية المرام 4 : 196؛ السرائر 3 : 277.

10) عوالي اللآلي 2 : 341، ح 28.

و لموافقته للاعتبار بالسبق حيث إنَّه دليل على كثرة النزول منه المشعر بأصالته، وربما جعل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فمن حيث ينبعث» وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فإن استدرًا جميعاً فمن أبعدهما» مشعراً بذلك؛ لظهور الانبعاث في القوة والكثرة المتلازمتين للانقطاع أخيراً، وظهور الأبعدية في الزمان المتأخّر.)وفيه نظر ظاهر؛ لضعف هذا الإشعار عن إثبات المطلوب، إلا أن يضم إليه الفتوى، وتكون هي القرينة على إرادة ذلك المعنى منهما.ومن فقهائنا (1مَنْ لم يعتبر الانقطاع أصلاً.)وهو خلاف ما ذكرنا، ويرده الفتوى والنص (2.)ومنهم من اعتبر الانقطاع ابتداء(3، وكأنه استند إلى المرسل : فإن خرج منهما فبالانقطاع(4)، وإلى بعض نُسخ الرواية المتقدمة (5)بتبديل «ينبعث» بـ «ينبت» بناءً على ظهور الانقطاع في الانقطاع الابتدائي. وضعفه ظاهر.)###### وهنا أمور:###### أحدها: حكم ما لو تساويا الفرجان في البول أخذاً وانقطاعاًأحدها: لو تساويا أخذاً وانقطاعاً، احتمل الرجوع إلى أشدهما دفقاً، أو أكثر هما نزولاً؛ لما نفهم من الأخبار من أنّ المدار على البول وصفاته والكثرة والشدّة منها، وهي ممّا تؤثر ظنّاً بالموضوع، وكأنّ المدار عليه فيما يتعلّق بخصوص البول أو مطلقاً.وكذا لو سبق واحد منهما وتأخر الآخر تأخراً كثيراً بحيث يزيد على سبق الأول، بل قد يقال: إن ما يتعلّق بالبول من العلائم يتبع الظنّ الموضوعي - كما يلوح من الأخبار - فلا ترتيب بينها، فلو حصل الظن بتأخر الانقطاع لمصاحبته الشدّة والقوة زيادة على السبق اتبع ذلك الظن، وهكذا.


1) كالسيّد المرتضى في الانتصار : 593 - 594؛ والصدوق في المقنع : 503 وابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 9 : 95، المسألة 33.

2) راجع الهامش (8) من ص 226.

3) ابن البراج في المهذب 2 : 171.

4) راجع الهامش (10) من ص 226.

5) تقدمت في ص 226 الهامش (6).

###### ثانيها: حكم ما لو تساوى البول من كل وجهثانيها: لو تساوى البول من كل وجه، فهل يعتبر الظنّ بغيره، ولا خصوصيّة للبول وإن جاءت به الأخبار؛ لأنّ البول فيها كالمثال، كما لا خصوصيّة لصفات البول المذكورة فيها كما تقدم، أو لا يعتبر، بل لا بد من الرجوع إلى النصّ ؟ وجهان، وفي الأوّل قوة؛ لأنّ المفهوم من الأخبار أنّه من الموضوعات التي يكتفى فيها بالظنّ الغالب، وحينئذٍ فلو حصل الظنّ من نزول مني من أحدهما دون الآخر، أو من نبات شعرٍ على أحدهما دون الآخر، أو من شهوة بأن يطأ بأحدهما لا بأن يوطاً من الآخر، وهكذا اتبع ذلك الظنّ.وكذا لو اجتمعت العلائم المتضادة أُخذ بأرجحها ظنّاً، وأقواها احتمالاً.وبالجملة، فالقول بأنّ العلامات المنصوصة في البول ممّا يلزم الاقتصار عليها وجوداً وترتيباً، وكذا الاقتصار على البول بعيد عن ظاهر الفقاهة.###### ثالثها: وجوب الاستعلام عند الاحتياج إليهثالثها: الاستعلام واجب عند الاحتياج إليه، أو عند احتياجه إلى معرفة نفسه.وطريق استعلامه إن أمكن من دون نظر إليه لزم، وإن توقف الاستعلام على النظر لزم الاقتصار على ما تندفع به الضرورة، وإلا جاز؛ لمكان الضرورة.ويلزم الرجوع إلى الأخيار الدافعين للشهوة بالتقوى، ولا يلزم خصوص الرجال؛ لأنّ الظاهر قبول شهادة النساء في ذلك؛ للرواية الواردة في عد الأضلاع (1، ولكن الأحوط اختصاص الرجال بقبول الشهادة.)ولو دار الأمر بين النظر بغير واسطة أو بواسطة المرآة، أو ماء، فالأوجه: لزوم النظر بواسطة.###### رابعها: حكم ما لو لم يمكن الاستعلام لفقد العلائمرابعها: لو لم يمكن الاستعلام لفقد العلائم أو لتعارضها من دون ترجيح، فالشيخ وجماعة من الأصحاب على القرعة (2لأنّها لكلّ أمرٍ مشتبه، ولما جاء فيمن لا فرج له (3)لاشتراكهما في الإشكال، وكون كلّ منهما مشكلاً، ونقل على ذلك الإجماع (4).)


1) وسائل الشيعة 26 : 286 - 287، الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 3.

2) الخلاف 4: 106، المسألة 116.

3) وسائل الشيعة 26: 293 - 294، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 3 و 4.

4) الخلاف 4 : 106، المسألة 116.

وهو جيد، إلا أنَّه مخالف لما في الأخبار من ميراث نصف النصيبين إذا مات ولم يبل (1.)والظاهر عدم الفرق بين موته قبل،بوله وبين موته قبل استعلام بوله وبين بوله وعدم إمكان معرفة حاله لغرق أو تقية أو بعد، أو غير ذلك.وقد يقال بالفرق بين مَنْ بال ولم يُفد بوله شيئاً، وبين مَنْ بال ولكن لم يمكن استعلامه؛ لموت، أو مانع آخر، فيُحكم بالقرعة للأخير؛ لعموم أدلّة القرعة، ولأنه بمنزلة شخص مات ولم يُعرف أنَّه ذكر أو أنثى الموته ودفنه قبل الاطلاع عليه، فإنه ليس له طريق سوى القرعة. وهو حسن.وحينئذٍ فيكون محل الخلاف هو من استعلم فلم يفد استعلامه فائدةً، أو مَنْ مات ولم يبل؛ لورود الرواية به في الأخير (2، ولأنّه الخنثى المشكل الذي هو محل الخلاف، دون مَنْ علم بوله ولكن امتنع الاطلاع عليه. والأوجه المفهوم من إطلاق كلام الفقهاء والرواية: إنّ مَنْ كان له فرجان وعسرت معرفة ذكوريته أو أنوثيته من أي طريق كان هو محل الخلاف، ومن لم يعرف له فرجان وشك بأنه ذكر أو أُنثى - كما هو العادة الجارية - فإنه هنا يستخرج بالقرعة.)وبالجملة، فالقول بالقرعة جيّد، إلا أنّ الأجود منه ما أفتى به المشهور نقلاً (3وتحصيلاً، ونقل عليه الإجماع (4)، سيّما عند عدم إمكان الاستعلام مع حصول البول منهما؛ لفقد العلائم [ و ] :هو ميراث نصف النصيبين، وهو الذي نطقت به الأخبار من ميراث ما للرجال وما للنساء (5)ضرورة عدم إرادة مجموعهما، والذي صرّحت به الأخبار الأُخر أنّه يرث نصف ميراث الرجل ونصف ميراث المرأة، ونصف عقل المرأة ونصف عقل الرجل (6)، وأيضاً فنصف الأُنثى تستحقه قطعاً، ونصف الرجل يقسم بينها وبين غيرها؛ وفقاً للقاعدة مع الشكّ في مستحق المال المشتبه بين شخصين، أو أنَّه أقرب للعدل في القسمة، وللصلح بين المتنازعين.)


1) وسائل الشيعة 26 : 286 و 289 الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 2 و 6.

2) راجع المصدر.

3) مفتاح الكرامة 8: 219.

4) غنية النزوع 1: 331 - 332.

5) وسائل الشيعة 26 : 285 - 286، الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 1.

6) راجع الهامش (1).

والمفيد وجماعة أرجعوا الحكم في الخنثى بعد إشكالها بما قدمنا إلى عد الأضلاع، فإن استوى جنباه فهو أنثى، وإن اختلفت بأن كانت في اليمين تسعة وفي اليسار ثمانية فهو رجل (1لفعل عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الخنثى التي حبلت وأحبلت(2)، ونُقل على هذه العلامة الإجماع (3)، ونسبها الشيخ (رَحمهُ اللّه) إلى رواية الأصحاب (4)، وعن الحائريات أنّها مشهورة بين أهل النقل من أصحابنا (5)، وادعى الحلّي - نقلاً عنه (6)- تواترها، ونُقل أنّها مروية بطريق صحيح (7)، فالقول بها متجه بعد فقد العلائم المتقدمة، فيُقدّم على القرعة أو على ميراث نصف النصيبين.)وفي بعض الأخبار تكذيب لخلق حوّاء من ضلع آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ، بل من طين فضل من خلقه (8)، وعلى هذا يضعف الاستناد إلى رواية الأضلاع؛ لابتنائها على خلق حوّاء من ضلع آدم، وأنَّه نقص لذلك.)###### خامسها: في بيان طرق معرفة ميراث الخنثى بعد اختيار أن لها نصف النصيبين:###### أحدها: طريق التحقيقأحدها: طريق التحقيق، وهو أن يعطى نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أُنثى، فإذا اجتمع مع الخنثى ابن كان له أربعة، وللخنثى ثلاثة، والفريضة من سبعة، ولو كان معه بنت كان لها اثنان، وله ثلاثة، والفريضة من خمسة، ولو كان معه ابن وبنت فالفريضة من تسعة، أربعة للولد، واثنان للبنت وثلاثة للخنثى.###### ثانيها: طريق التنزيلثانيها: طريق التنزيل، وهو أن يجعل مرّةً ذكراً ومرّةً أُنثى، وتقسم التركة على هذا مرّةً وعلى هذا مرّةً، ثمّ تضرب أحدهما في الآخر مع التباين، أو في وفقهما مع التوافق، ويكتفى


1) الإعلام: 62 (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد 9) والسيّد المرتضى في الانتصار : 593 - 594، المسألة 325؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 3 : 279 - 280؛ وابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 9 : 95، المسألة 33.

2) وسائل الشيعة 26 : 286 - 287، الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 3.

3) الإعلام : 62 (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد 9)؛ الانتصار : 594. المسألة 325.

4) الخلاف 4 : 106. المسألة 116.

5) حكاه عنها ابن إدريس الحلّي في السرائر 3: 282.

6) السرائر 3 : 281.

7) رياض المسائل 14 : 452.

8) مجمع البيان 2: 2، ذيل الآية 1 من سورة النساء (4).

بأحدهما مع التماثل، وبالأكثر مع التداخل، ثمّ تضربها في اثنين، ثمّ تجمع نصيب الخنثى من هذا الحاصل باعتبار المسألتين، ويدفع نصفه إليه.و تفصيل ذلك أنَّه إن كان معه ذكر فرض الخنثى ذكراً تارةً، وأُنثى أُخرى، والفريضة على الأوّل اثنين، وعلى الثاني ثلاثة، وبين الاثنين والثلاث مباينة، فضربت إحدى الفريضتين على أحد التقديرين في الأخرى على التقدير الآخر تبلغ ستةً، فعلى تقدير ذكوريته له ثلاثة من ستة، وأنوثيته لها سهمان، والمجتمع خمسة، فللأنثى نصف الخمسة، والخمسة ليس لها نصف صحيح، فتنكسر في مخرج النصف، ثمّ لتصحيح ذلك ضربت المجتمع - وهو الستّة - في اثنين - وهو مخرج النصف - فيحصل اثنا عشر للخنثى على تقدير الذكورية ستة، والأنوثية أربعة هي ثلث الاثني عشر، فإذا اجتمعت الأربعة مع الستّة صارت عشرة، فله نصفها، وهو الخمسة المجتمع من نصف السهمين - أي الستّة والأربعة - وللذكر الباقي، وهو سبعة أسهم من اثني عشر سهماً.والأخصر في الفرض أن حصة الخنثى هي حصة الأنثى بزيادة الربع، أو حصة الذكر بنقصان السدس.وكذا لو كان معه أنثى، فتفرض الخنثى أُنثى، فالفريضة اثنان، وذكراً فالفريضة ثلاثة، للذكر سهمان، وللأنثى سهم، وبينهما مباينة، فتضرب إحداهما في الأخرى تبلغ ستة، للخنثى على تقدير الذكورية أربعة، والأنوثية ثلاثة، فيصير المجموع سبعة، وليس للسبعة نصف صحیح، فانكسرت في مخرج النصف، فاضرب الستّة في الاثنين تبلغ اثني عشر للخنثى على الذكورية ثمانية، والأنوثية ستّة.وإذا اجتمعتا صار المجموع أربعة عشر، فللخنثى نصفها - وهو السبعة - وللأنثى الباقي - وهو الخمسة - أو كان مع الخنثى هما - أي الذكر والأنثى معاً - فإنه على تقدير كونه ذكراً يكون الفريضة من خمسة، له منها سهمان، وللذكر الآخر سهمان، وللأنثى سهم واثنين من أربعةٍ على تقدير كونه أُنثى، للذكر سهمان، وللأنثى،واحد، وكذا للخنثى على هذا التقدير، والمجتمع من السهمين والسهم الواحد ثلاثة، ونريد أن نعطيه نصفها وليس لها نصف صحيح، فتضرب لو اجتمعا - أي الذكر والأنثى - معه - أي الخنثى كما هو المفروض - أربعة في خمسة يبلغ

عشرين؛ لأنّ بينهما تبايناً، ثمّ تضرب اثنين في المجتمع من الضرب، وهو العشرون؛ لأنّ العشرين لا ينقسم عليهم، فيحصل أربعون فللخنثى ثلاثة عشر ؛ إذ له على تقدير الذكورية ستّة عشر، والأنوثية عشرة ونصف المجتمع ثلاثة عشر وللذكر ثلثا الباقي الذي هو سبعة وعشرون وثمانية عشر، وللأنثى الثلث الباقي، أعني التسعة.والتفاوت بين الطريقين فيما لو اجتمع مع الذكر فقط أنّ له على طريق التحقيق ثلاثة أسباع التركة، وللذكر أربعة أسباعها، وعلى طريق التنزيل ينقص نصيب الخنثي عن ثلاثة أسباعها التي كانت له في الأوّل بسبع من واحدٍ من اثني عشر، فإنه يأخذ على هذا التقدير خمسةً من اثني عشر، وكلّ سبع منه واحد وخمسة أسباع من واحدٍ، فثلاثة أسباعه خمسة وسبع، وأربعة أسباعه سبعة إلا سبع، فزاد له سبع، كما نقص سبع للخنثى، فهذا ما به التفاوت. وفيما لو اجتمع مع الأنثى فقط أن له على التحقيق ثلاثة، ولها اثنان، وعلى التنزيل ينقص خمس واحد من اثني عشر، فإنّ خمسه اثنان وخمسان، فثلاثة أخماسه سبعة وخمس، وقد حصل له في الفرض المذكور سبعة، وللأنثى خمسا الفريضة، وهو خمسة إلا خمس من واحد، وقد كان لها خمسة كاملة، فالخمس من واحد هو التفاوت بينهما.وفيما لو اجتمع معهما أن له على التحقيق ثلث التركة، وهو ثلاثة من تسعة، وعلى التنزيل له ثلاثة عشر من أربعين بعد التنصيف، فهي ناقصة عن ثلث الأصل بثلث من واحد.###### ثالثها: التوريث بالدعوىثالثها: التوريث بالدعوى، وهو أن نورثه بالدعوى فيما بقي بعد اليقين، وهو نصيب الأنثى، كمسألة الابن والبنت والخنثى، ويصح من أربعين، فإنّه على تقدير الذكورية من خمسة، والأنوثية من أربعةٍ، والحاصل بالضرب عشرون، وبعد ضربه في الاثنين للانكسار مخرج النصف يكون أربعين للذكر الخمسان منه بيقين وهو ستّة عشر، وهو يدعي النصف أي العشرين، ويقول: إن الخنثى أنثى، وللبنت الخمس، وهو ثمانية بيقين، وهي تدعي الربع عشرة، وللخنثى الربع بيقين، وهو يدعي الخمسين ستّة عشر، والمختلف فيه ستّة أسهم يدعيها الخنثى، فنعطيه نصفها ثلاثة مع العشرة، فيكون له ثلاثة عشر، والابن يدعي أربعةً نعطيه نصفها يصير ثمانية عشر والبنت تدعي سهمين ندفع لها واحداً، فصار لها تسعة.###### رابعها: تقسيم التركة على نصفينرابعها: أن يقسم التركة على نصفين، فينقسم أحد النصفين على الوارث على تقدير

ذكورية الخنثى، والنصف الآخر عليهم على تقدير الأنوثية، ففي المسألة أصل الفريضة سهمان، يضرب في خمسة، حصة البنت على تقدير الذكورية الخمس، فتصير عشرةً، ثمّ نضربها في أربعة هي مخرج حصتها على تقدير الأنوثية، فتصير أربعين، يقسم نصفها على ذكر وأنثيين، والنصف الآخر على ذكرين وأنثى، فيجتمع للخنثى ثلاثة عشر من أربعين، وللذكر ثمانية عشر منه، وللأُنثى تسعة.ولو كان معهم زوج أو زوجة صحت فريضة الخنائى ومشاركيهم مع قطع النظر عن أحدهما، وضربت مخرج أحد الزوجين في المجتمع، فلو كان زوج ضربت الأربعة فيه، أو زوجة ضربت الثمانية فيه، فتضرب أربعة في أربعين، فيحصل مائة وستون، فللزوج الربع أربعون، وللخنثى تسعة وثلاثون، وهو حاصل جعل نصيب الخنثى ثلاثة أضعاف، وثلثا الباقي للذكر، وهو أربعة وخمسون، وهو حاصل ضرب نصيبه - وهو ثمانية عشر - في المخرج المذكور بعد وضع نصيب الزوج، والمتخلف سبعة وعشرون للأُنثى، وهو حاصل ضرب نصيبها - وهو تسعة - في الأربعة بعد وضع نصيب الزوج.ولو كان هناك زوجة، فاضرب الثمانية في الأربعين، تصير ثلاثمائة وعشرين، أربعون - وهو الثمن - للزوجة، ومائة وستة وعشرون للذكر، حاصلة من ضرب ثمانية عشر في سبعة، وثلاثة وستون،للبنت، حاصلة من ضرب تسعة في سبعةٍ، وللخنثى واحد وتسعون، حاصلة من ضرب ثلاثة عشر في سبعة.ولو كان مع الخنثى أبوان، فلهما السدسان مع فرض الخنثى ذكراً، والخمسان مع فرضه أُنثى، فتضرب خمسة في ستة، تبلغ ثلاثين للأبوين أحد عشر، وللخنثى تسعة عشر.ولو كان مع أحدهما خنثيان، فالفرضان والضرب واحد؛ إذ الفريضة على تقدير ذكوريتهما ستة، وأنوثيتهما خمسة، وتضرب خمسةٌ في سيّةٍ، فيحصل ثلاثون، ومع السلامة من الكسر فاضرب اثنين في ثلاثين يكون الحاصل ستين لأحد الأبوين على تقدير كون الخنثيين الذكرين السدس، وهو عشرة، وعلى تقدير الأنثيين الخمس، وهو اثنا عشر، فالمجتمع اثنان والعشرون، لأحد الأبوين إحدى عشر، وللخنثيين تسعة وأربعون، وهو نصف الأربعة أخماس أربعة وعشرين، والخمسة أسداس، وهو خمسة وعشرون، وهذا حظهما.

وإن أردت أن ينقسم بلاكسر عليهما، فاضرب الستين في اثنين، يحصل مائة وعشرون، لأحد الأبوين اثنان وعشرون، والباقي لهما لكلّ واحدٍ تسعة وأربعون.ولو كان مع الخنثى والأنثى أحد الأبوين فله السدس على فرض ذكورية الخنثى، والخمس على فرض أنوثيتها، فتضرب خمسةٌ في ستّة يبلغ ثلاثين، ثمّ تضرب اثنين في الثلاثين يبلغ الستين.وإن أردتها بلا كسر فاضرب ثلاثة في ستّين، فيحصل مائة وثمانون، فللأب أو الأمّ ثلاثة وثلاثون، وللأنثى إحدى وستون، وللخنثى ستّة وثمانون.ولو كان الأخ أو العمّ خنثى، فكالولد في تقسيم الميراث وإخراج الحصة، فيُفرض تارةً ذكراً، وأُخرى أُنثى، ويُعمل كما تقدم (1.)ونقل عن الشيخ: إنّ الخنثى لو كانت زوجاً أو زوجةً فلها نصف ميراثهما (2.)ولا موافق له؛ لأصالة عدم الزوجيّة، وما دام الاشتباه لم يمكن الحكم بصحة النكاح؛ لتوقفه على العلم بكونه رجلاً أو أنثى، واحتمال الذكرين والأنثيين قائم، فلا تتحقّق الزوجيّة، والأصل عدم الميراث، ولو تزوّجا صورةً وقف الأمر، وحرم الوطء، فلو فرضنا حصول الوطء والحمل انكشف الحال ولا إشكال.###### سادسها: في أنّ فاقد الفرجين يورث بالقرعةسادسها: فاقد الفرجين - بأن تخرج الفضلة من دبره، أو لا دبر ولا قبل ويتقيأ الماء والغذاء، أو تخرج الفضلة من ثقب بينهما، أو لا قبل وتخرج الفضلة من ثقب، أو غير ذلك - يورث بالقرعة؛ للإجماع المنقول (3وفتوى المشهور.)وللخبر: عن مولود ليس له ما للرجال، ولا له ما للنساء، قال: «يقرع الإمام أو المقرع، يكتب على سهم: عبد اللّه، وعلى سهم آخر: أمة اللّه، ثمّ يقول الإمام أو المقرع: اللّهم أنت اللّه لا إله إلا أنت، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، بين لنا


1) تقدّم آنفاً.

2) المبسوط 4 : 117؛ ونقله عنه المحقق الحلي في شرائع الإسلام 41:4.

3) غنية النزوع 1: 331 - 332.

أمر هذا المولود كيف يورث ما فرضت له في الكتاب، ثمّ يطرح السهمان في سهام مبهمة، ثمّ يجال السهام على ما خرج ورّث عليه» (1.)والظاهر أنّ ما في الخبر مثال، وأنّ الدعاء مندوب؛ لأنّ المفهوم من أخبار القرعة أنّ المقصود هو العمل الكاشف عن الأمر المبهم بأمر اللّه تعالى، ولأغلبية الندب في هذه المظان، فيكون حكمها حكم الاستخارة عملاً ودعاء.وعن ابن حمزة أنَّه إن نحى بوله فهو ذكر، وإن كان لا ينحي فهو أُنثى (2لخبر ابن بكي (3).)وهو لا يقاوم ما قدمناه، سيما بعد البناء أن لا واسطة بين نوعي الذكر والأنثى في الواقع، وأن القرعة لكلّ أمرٍ مشكل.###### سابعها: في بيان علامة أنّ ذا الرأسين والبدنين على حقو واحد اثنان أو واحدسابعها: ذو الرأسين والبدنين على حقو واحد - أي معقد الإزار - يوقظ أحدهما، فإن انتبها فواحد، وإلا فاثنان؛ للخبر عن مولود له رأسان وصدران في حقو واحد، فسئل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ يورث ميراث اثنين أو واحد؟ فقال: «يترك حتّى ينام ثمّ يصاح به، فإن انتبها جميعاً معاً كان له ميراث واحدٍ، وإن انتبه واحد وبقي الآخر نائماً يورث ميراث اثنين» (4).)وفي آخر مثله، إلا أن فيه يوقظ أحدهما (5.)وفي روايةٍ أُخرى (6حكم مخالف لهذا، لا عامل بمضمونها.)###### والكلام فيه في أمور:###### منها: أن هذه العلامة هل تخص الميراث؟منها: أنّ هذه العلامة هل تخص الميراث، كما هو موردها ومورد فتوى الأصحاب والعمل بها، أو تعمّ جميع الأحكام المترتّبة على كونه واحداً واثنين؟والذي يظهر أنَّه لا خصوصيّة للميراث بذلك؛ لأنَّه كاشف عن موضوع تترتب عليه أحكامه مطلقاً.


1) وسائل الشيعة 26 : 292 - 293، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى....،ح 2.

2) الوسيلة : 402.

3) وسائل الشيعة 26 294 الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 5.

4) المصدر : 295، الباب 5 من أبواب ميراث الخنثى...،ح 1.

5) المصدر : 296، ح 2.

6) راجع مستدرك الوسائل 17 : 227، الباب 5 من أبواب ميراث الخنثى....،ح 4.

واحتمال أنَّه واحد في الميراث وغيره ولكن الشارع نزل هذا الواحد في بعض الحالات بمنزلة الاثنين؛ لشبهه بهما، بعيد عن ظاهر النصّ والفتوى، وحينئذٍ فمع فقد هذه العلامة فالأصل عدم التعدّد. نعم، قد توجد علائم للاثنينية غير هذه العلامة، فإن أفادت القطع فلا كلام، وإن أفادت الظنّ المتاخم فلا يبعد ذلك؛ للاكتفاء بالظن بالموضوع في أمثال هذه المقامات.ويحتمل الرجوع إلى القرعة عند عدم القطع مطلقاً؛ لأنها لكلّ أمرٍ مشكل، وهو جيد.واحتمال توريثه نصيب ذكرٍ ونصف، أو أُنثى ونصف، بعيد لا يقوله أحد.###### ومنها: أنَّه بعد البناء على الاثنينية وأنّ له قلبين لا ينافي قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللّه لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوفِهِ)ومنها: أنَّه بعد البناء على الاثنينية وأنّ له قلبين لا ينافي قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللّه لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ (1)لأنهما رجلان لا رجل واحد، وله معدتان، وله رأسان وأربع أيدي، وحينئذٍ فمدار الكفر والإسلام كلُّ على قلبه، ومدار الحدث كلُّ على معدته، ولا اعتبار بنفس المخرج، فلا يحدث كلُّ منهما بنفس الخروج من المخرج من الغائط والبول والمني، والطهارة والنجاسة بالنسبة إلى الأسافل كالبدن الواحد.)وكذا بالنسبة إلى اليدين لو كانت اليدان واحدةً، وبالنسبة إلى رأسيهما أو صدريهما بمنزلة الاثنين، فلا يتنجس أحدهما بنجاسة الآخر.ويظهر من العلامة (رَحمهُ اللّه أنَّه يحكم بالاثنينية مع وجود العلامة في الشهادة والحجب، ومع عدمها يحكم بالوحدة، وفي النكاح يحكم بوحدته مطلقاً، وفي التكليف يحكم بالاثنينية مطلقاً (2).)والظاهر أنَّه يريد لو كان امرأة احتسبت بواحدة، فيجوز تزويج ثلاثة غيرها، ويريد بالتكليف الأعضاء، فلا تكفي صلاة أحدهما قبل الآخر، ولا تجزئ أداء الصلاة منهما وغَسْل جميع صلاة أحدهما عن الآخر، ولا يجزئ غسل واحدٍ أعضاءه عن الآخر.ثمّ قال: ولا قصاص على أحدهما وإن تعمّد مطلقاً - يريد به مع وجود العلامة وعدمها - ولو تشاركا ففي الردّ مع الانتباه لا دفعةً إشكال - ويريد به لوجود العلامة المقتضية للتعدّد، ولكن لا على سبيل البت - ودفعه أشكل (3- يريد به من حيث التعدد ظاهراً، ومن حيث)وجود علامة الوحدة المجعولة لها في الرواية.###### ومنها: أن اشتراكهما في الأسافل هل هو على حدّ شركة المال؟ومنها: أنّ اشتراكهما في الأسافل هل هو على حدّ شركة المال، فلا يجوز لأحدهما


1) الأحزاب (33) : 4.

2) قواعد الأحكام 3 : 392.

3) قواعد الأحكام 3 : 392.

التصرف فيه إلا بإذن الآخر، أو كالشركة في الأمر المباح، فكلُّ منهما له التصرف بالمشترك؟ وجهان، والأوّل أقوى.وتزداد الثمرة ظهوراً فيما لو كانا عبداً مملوكاً لاثنين، وكلّ واحدٍ ملَك واحداً، وعلى ذلك فلو أراد أحدهما الصلاة وامتنع الآخر، احتمل سقوطها عنه، واحتمل سقوط حقّ الثاني مطلقاً، واحتمل الرجوع إلى جبر الحاكم الشرعي.وكذا لو أراد أحدهما الوضوء وامتنع الآخر، احتمل جبره بنفسه، أو الرجوع إلى الحاكم، أو تعيين التيمم، فلو امتنع منه كان كفاقد الطهورين.ولو تعدّدت الأيدي في الوضوء فأراد أحدهما التوضؤ وامتنع الآخر، احتمل جواز جبره على المسح على القدمين، واحتمل أنّ حكمه يعود كحكم الأقطع، واحتمل الرجوع إلى التيمم؛ لتعلقه بالأعالي.ولو كان أحدهما كافراً، فهل ينجس محلّ الاشتراك تغليباً للكفر، أو يطهر تغليباً للإسلام؟ وعلى الأوّل ففي سقوط التكليف بالطهارة لبطلان التبعيض، أو ينزل منزلة المقطوع، أو يرجع إلى التيمم وجوه.ولو قلنا بتغليب الإسلام يتعيّن الارتماس بالمعصوم؛ خوفاً من تنجس الماء من المختص. ولو كان أحدهما كافراً حربياً، مَلَكه مَنْ قهره على الاسترقاق، فلو كان صاحبه جرى عليه حكم أمواله، ولو ملكه غيره قسمت الأجرة على وفق العمل بالبدن والأعضاء، فإذا عمل أحدهما بيديه ورجليه، أو بيد ورجل كان له ثلاثة أرباع، وللآخر الربع، أو بيدين ورجل، كان له خمسة أسداس، وللآخر السدس، وإن عمل بإحدى يديه وكلتا رجليه، كان له ثلثان، وللآخر الثلث، كلّ ذلك مع تساوي الأعضاء في العمل.###### ومنها : أنَّه لو اختصّ أحدهما بالحدث اختصت أعاليه بالحدثومنها: أنَّه لو اختصّ أحدهما بالحدث - لنوم أو شبهه، أو مس ميت اختصت أعاليه بالحدث.وأما المشترك فيحتمل الحكم عليه بالحدث؛ لمكان الاشتراك، والطهارة لا تتبعض.ويحتمل الحكم بالطهارة؛ للشكّ في حصول الناقض بالنسبة إلى الأسافل، واحتمل اختلافهما باختلاف المستعملين، فإن استعمل الأسافل المتطهّر بمس المصحف ونحوه جاز، وإن استعملها غيره لم يجز، والفروع كثيرة.وقد ذكر الوالد (قدّس سِرُّه في كشف الغطاء (1)ما يبهر العقول، ويعجز عنه الفحول.)


1) راجع كشف الغطاء 1: 237 وما بعدها.

###### القول في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم###### بیان مقتضى قواعد الإرثالذي تقضي به قواعد الإرث أن الميراث موقوف على العلم بتقدّم موت الموروث على الوارث، فلو مات اثنان ممّن يتحقق بينهم الميراث ولم يعلم تقدّم موت أحدهما، لم يرث أحدهما الآخر، بل يرث كلّاً منهما وارثه غير هذا المشتبه موته معه، سواء كان الغير مساوياً له في الطبقة أو أبعد منه.ولا يتفاوت الحال على الأظهر بين العلم بالسبق واللحوق والشكّ في السابق واللاحق وبين الشكّ في السبق واللحوق بحيث يشمل صورة الاقتران؛ لأصالة عدم الاقتران، كما أنّالأصل عدم سبق كلِّ منهما على الآخر، كذلك الأصل عدم اقترانهما.وقد يقال: إن الاقتران إنّما يثبت بنفي أصالة عدم تقدّم كل منهما على الآخر، فيكون ممّا أثبته الأصلان، فتجري عليه أحكامه.قلنا: أوّلاً لا اعتبار بالأصل المثبت، فلا تجري أحكامه عليه.وثانياً: لو حكمنا بالاقتران لانتفى الميراث؛ لأنّ المتقارنين قطعاً لا يتوارثان، فلا يرث كل منهما الآخر؛ لانتفاء شرط الإرث الذي هو التقدم.وكذا لا يتفاوت بين جهل تأريخ أحد الموتين والعلم بالآخر، وبين الجهل بهما على الأظهر؛ لما قدمناه من أصالة عدم تقدّم أحدهما على الآخر.واحتمال أنّ المعلوم لمّا تقدّم حال زمن العلم كان المجهول متأخراً بنفسه لا عن ذلك المتقدم، فيأخذ كلُّ حكمه، بعيد؛ لأنّ تأخره بنفسه لا يفيد مع أصالة تأخر ذلك عنه.فإن قيل: إن أصالة تأخر المعلوم انقطعت إلى حالة العلم، وبقي أصالة تأخر الآخر إلى آخر الأزمنة.قلنا: ذلك حقّ لو كان انقطاعها بالعلم يفيد في إثبات تأخّر الآخر، والمفروض أنَّه لا يفيد؛ لأن الأصل المثبت لا يترتب عليه حكم، ومجرّد انقطاعه إلى حين العلم لا يفيد فائدة.واحتمال أن كلاً من أصلي تأخر الآخر يعمل عمله، كواجدي المني بالثوب المشترك، لا وجه له بعد أن قدّمنا من الشرطية التي ظاهر الأصحاب الاتفاق عليها.

وفي خبر القداح عن جعفر عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ماتت أُم كلثوم بنت عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابنها زيد بن عمر في ساعةٍ واحدة، لا يدرى أيهما هلك قبل، فلم يورّث أحدهما الآخر، وصلى عليهما جميعاً» (1).)فإذا لم يتوارثا، كان ميراث كلّ واحدٍ لوارثه.فلو ماتت زوجة وولدها وبقي زوجها وأخوها كان ميراث الولد لأبيه، وأُمه كالعدم، وكان ميراث الزوجة لأخيها، وزوجها وابنها كالعدم.ثم إنَّه خرج عن الأصل المتقدم ميراث الغرقى والمهدوم عليهم بالإجماع المنقول (2بل المحصل.)وفي الصحيح: عن قوم يغرقون في السفينة، أو يقع عليهم البيت فيموتون. ولا يعلم أيهم مات قبل صاحبه، قال: «يورث بعضهم من بعض» (3.)والظاهر أن الحكم يدور مدار صدق الغرق عرفاً، وأن يموت في الماء.وهل يخص الماء المطلق، أو يعم المضاف؟ وهل يشمل المائعات كالدبس والعسل؟ وهل يخص الغرق في السفن، أو يعم حتّى سيلان الوادي على أهله، أو انسجام المطر وغير ذلك؟ وكذلك الهدم.وهل يخص البيت، أو يعمّ وقوع التراب الهائل، أو يخص الأرض، أو يعم بيت القصب والشعر والخشب؟وبالجملة، كلّ ما كان محلّ شكٍّ في دخوله تحت الغرق والهدم لم يكن منه، بل سيجيء حكمه (4، إن شاء اللّه تعالى، إلا أن يقطع بتنقيح المناط فيه وإلغاء الفرق، كالسفينة وغيرها، والحياض والأنهار، والمضاف والمطلق، وهدم التراب والخشب، إلى غير ذلك.)وهل يخص الشكّ في السابق واللاحق مع الشكّ في السبق واللحوق والاقتران أو يعمه ولو لم يدخل الشكّ في الاقتران فيه؟ ظاهر الخبر (5هو الصورة الأولى؛ لأنّ الغرقى في السفينة)لم يعلم حالهم، فيقتصر على مورد اليقين، ولا يبعد عدم الفرق بينهما.


1) وسائل الشيعة 26 : 314 الباب 5 من أبواب ميراث الغرقى...،ح 1.

2) مسالك الأفهام 13 : 270.

3) وسائل الشيعة 26 : 307 الباب 1 من أبواب ميراث الغرقى...،ح 1.

4) سيأتي في ص 240.

5) وسائل الشيعة 26 : 307، الباب 1 من أبواب ميراث الغرقى...،ح 1.

وهل يخرج عن هذا الأصل الموتُ بكل سبب ولو كان غير الغرق والهدم من الطاعون والوباء والحرق والقتل والصلب والزلازل والصواعق أو يقتصر فيه على الغرق والهدم؟ قولان فالمشهور الاقتصار فيما خالف القواعد والضوابط على المتيقن المنصوص والمجمع عليه، ويرجع غيره إلى قاعدة عدم إرث كلّ واحدٍ من الآخر، بل يرث كلّاً منهما وارثه، أو يرجع فيه إلى القرعة؛ لأنّها لكلّ أمرٍ مشتبه، وإن كان الأقوى هو الأول؛ للخبر الموافق لفتوى المشهور: إنّ قتلى صفين واليمامة والحرّة لم يورث بعضهم من بعض، بل يرث الأحياء(1.)وقيل: إن حكمه حكم الغرق والهدم سواء (2تنقيحاً للمناط القطعي، وتسرية للعلة القطعية، أو إلغاء الفارق القطعي؛ إما لأنّ العلة اشتباه المتقدّم بالمتأخّر، أو العلة هي الموت بالسبب دون حتف الأنف، وهو مشترك في الجميع، ومن المقطوع به أنّ الغرق والحرق لا يتفاوت حكمهما، وأن الهدم والصدم لا فارق بينهما.)وفي الجميع نظر؛ إذ العلة إذا لم تكن منصوصةً فالقطع بها ممنوع، وإلغاء الفارق على جهة القطع غير مسلّم، واحتمال أن للغرق والهدم خصوصيّة في الحكم قائم، ومعه لا يقطع بسريان العلة.###### في بيان ما اشترط في توريث الغرقى والمهدوم عليهم بعضهم من بعض من أُمور:###### أحدها: توارثهما مشروط بعدم تقدّم وارث آخر عليهأحدها: أن يتوارثا بحيث لا يتقدم وارث آخر عليه، وهو ظاهر.###### ثانيها: أن يكون لهما أو لأحدهما مالالثاني: أن يكون لهما أو لأحدهما مال، وهو ظاهر؛ فإنه حيث لا مال. فلا ميراث.ولو كان لأحدهما مال دون الآخر، كان المال لمن لم يكن له مال وينتقل منه إلى وارثه.وفي الخبر: عن بيت وقع على قوم مجتمعين فلا يدرى أيهم مات قبل؟ فقال: «يورث بعضهم من بعض» قلت: فإنّ أبا حنيفة أدخل فيها شيئاً، قال: «وما أدخل؟» قلت: رجلين أخوين أحدهما مولاي والآخر مولى لرجل لأحدهما مائة ألف درهم، والآخر ليس له شيء ركبا في السفينة فغرقا، فلم يدر أيهما مات أوّلاً كان المال لورثة الذي ليس له شيء، ولم يكن لورثة الذي له المال شيء، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لقد سمعها وهو هكذا» (3).)


1) أورده فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 4 : 277.

2) قاله ابن حمزة في الوسيلة : 400 - 401؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3 : 400.

3) وسائل الشيعة 26 : 309 الباب 2 من أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم، ح 1.

وللصحيح الآخر المروي عن عبد الرحمن بعده (1.)###### ثالثها: أن لا يعلم تقدّم أحدهما على الآخر أو تقارنهماالثالث: أن لا يعلم تقدّم أحدهما على الآخر، أو تقارنهما، وهو ظاهر.وهل يشترط عدم العلم بالسبق كي تدخل صورة الشكّ في الاقتران، أو يكفي الشكّ في السابق واللاحق وإن علم عدم الاقتران؟ وجهان من الاقتصار على المتيقن بدخول صورة الاقتران في إطلاق الأخبار، ومن إطلاق الأخبار الشاملة للصورتين معاً، ولبعد احتمال الاقتران غالباً، ولعلّ الأخير أقوى.وهل يكفي الظن بالتقدم والتأخر وإن لم يكن ظنّاً عن بيّنة وشبهها؛ لأنّ المرء متعبّد بطنه، وللمروي أنَّه (عَلَيهِ السَّلَامُ «قضى في رجل وامرأةٍ ماتا جميعاً في الطاعون، ماتا على فراش واحد ويد الرجل ورجله على المرأة، فجعل الميراث للرجل» وقال: «إنّه مات بعدها» (2)أو لا يكفي؛ لضعف الخبر، أو لحصول القطع بتأخر حياة الرجل؟)ومع تحقق الشرائط يرث بعضهم من بعض من صلب تركته فقط، وفاقاً للمشهور، ونُقل عليه الإجماع (3، مضافاً إلى الأصل، ولتبادر صلب المال من الأخبار، كما تقدّم الإشارة إليه في الأخبار المتقدمة، وهو توريث الأخ الذي لا مال له ممّن له المال من دون عكس (4)وللمروي عن حمران بن أعين عن عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوم غرقوا جميعاً أهل البيت، قال: «يورث هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، ولا يورث هؤلاء ممّا ورثوا من هؤلاء شيئاً، ولا يورث هؤلاء من هؤلاء شيئاً» (5).)وفي الآخر عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ في الرجل يسقط عليه وعلى امرأته بيت، قال: «تورث المرأة من الرجل، ويورث الرجل من المرأة معناه يورث بعضهم من بعض من صلب أموالهم، ولا يورثون ممّا يورث بعضهم بعضاً شيئاً» (6).)


1) وسائل الشيعة 26 : 309 - 310، الباب 2 من أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم، ح 2.

2) المصدر : 314 - 315 الباب 5 من أبواب ميراث الغرقى...،ح 3.

3) غنية النزوع 1: 332.

4) راجع الهامش (3) من ص 240.

5) وسائل الشيعة 26 : 311 الباب 3 من أبواب ميراث الغرقي....،ح 2.

6) المصدر : 310، ح 1.

ويظهر من بعضهم (1أنّ التفسير من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعليه فالخبر هو الحجة، وإلا فهو معاضد.)خلافاً للمحكي عن المفيد في المقنعة، فقال: يورث ما كان ورثه من جهته، وما كان يملكه سوى ذلك إلى وقت وفاته (2.)وهو ضعيف مخالف للمشهور وللاعتبار.وهل يقدم الأضعف في التوريث ندباً لا وجوباً؟ للأصل، ولعدم الثمرة.خلافاً لجماعة فأوجبوا تقديم الأضعف (3لما قاله في السرائر: إنَّه روى أصحابنا أنَّه يقدم أضعفهما نصيباً في الاستحقاق، ويؤخر الأقوى (4).)وللمروي عن عبيد بن زرارة عن رجل سقط عليه وعلى امرأته بيت، فقال: «تورث المرأة من الرجل، ثمّ يورث الرجل من المرأة» (5وعن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) نحوه (6)، و «ثم» فيهما للترتيب، فيكون واجباً، وتُحمل باقي النصوص عليه، حملاً للمطلق على المقيد، والأخصيّة منتفية بعدم القائل بالفرق.)والجميع مخالف لظاهر المشهور ولمذاق الفقاهة، غاية الأمر أن الاستحباب.لا تعلم حكمته كالوجوب، ولكن التسامح فيه ممّا يعين القول به.وعلى اعتبار التقديم مطلقاً فلو غرق زوج وزوجة فُرض موت الزوجة أولاً؛ لأنّها أضعف إرثاً من الزوج، فيُقدّم تعبداً، فللزوجة نصيبها - أي الربع مع عدم الولد، والثمن معه - والباقي من نصيبها لورثته - أي لباقي ورثة الزوج - ثمّ يُفرض موت الزوجة، فللزوج نصيبه من صلب تركتها من النصف والربع، والباقي بعد وضع نصيبه من تركتها وما ورثته من الزوج لورثتها.وكذا إذا فُرض غيرهما، فإنّ مع وجود الضعف في الإرث يُفرض ميتاً، فيرث الضعيف منه، كما فعله هنا.


1) الطباطبائي في رياض المسائل 14 : 469.

2) المقنعة : 699.

3) نفس المصدر : النهاية : 674 السرائر 3 : 300.

4) السرائر 3 : 300.

5) وسائل الشيعة 26 : 315، الباب 6 من أبواب ميراث الغرقى...،ح 2.

6) نفس المصدر، ذيل الحديث 2.

ولو كان كلُّ منهما أولى من ورثة الآخر ولم يكن لغيرهما إرث أصلاً، ورث كلُّ منهما جميع ما تركه الآخر، وانتقلت إلى ورثته، وذلك كابن له إخوة من أم وأب له إخوة فإن الأب أولى بميراث الابن من أخ للابن، والابن أولى بميراث الأب من أخ الأب، فالمال كلاً ينتقل إلى الأب، ومال الأب كلاً ينتقل إلى الابن، فيأخذ إخوة الابن من أمه جميع ما تركه الأب. ويأخذ إخوة الأب جميع ما تركه الابن، وإنما فرضنا من جانب الابن الإخوة من الأمّ فقط لأنَّه لو كان من أبيه أيضاً كان شريكاً مع الابن والفرض عدم وارث آخر لهما غير الفريقين.ولو تساويا في الاستحقاق وقدر النصيب، فلا تقديم قطعاً، كالأخوين لأب أو لأُمّ أو لهما؛ إذ التقديم وجوباً أو استحباباً إنّما يكون للأضعف، وهو مفقود، وينتقل مال كلّ واحدٍ منهما إلى ورثة الآخر.ولو لم يكن لأحدهما وارث، انتقل ما صار إليه من أخيه إلى الإمام؛ لأنَّه وارث مَنْ لا وارث له.ولو كان لأحدهما فقط مال انتقل ذلك المال إلى الآخر الذي ليس له مال؛ لأنَّه وارث تم ينتقل منه إلى ورثته، أي ورثة عديم المال، ولا شيء لورثة ذي المال إن كان الآخر أولى منهم، وإن كان للورثة أيضاً سهم ونصيب معه، فيأخذون مقدار نصيبهم.ولو غرق الأبوان والولد فهو أقوى نصيباً منهما، وعليه فيجب فرض موته أولاً؛ لما علمت من تقديم الأضعف، فيرث الأبوان نصيبهما منه - أي ممّا تركه - ثمّ يُفرض موت الأب؛ لأنّ الأمّ أضعف منه، فيرث الولد والأُمّ نصيبهما من صلب تركته، وترث الأمّ ممّا ورثه الأب من الولد. ولا يرث الولد منه؛ لما عرفت من عدم إرث أحدٍ من أحدٍ ممّا استورثه منه، والأب قد استورث من الولد، فلا يرث الولد ممّا استورثه منه، بخلاف الأُمّ؛ فإنّ الأب لم يستورث منها بعد، فترث من صلب تركته ومما استورثه من الولد للعموم، مع اختصاص المانع بما مرّ، ثمّ يُفرض موت الأُمّ، فيرث الأب والولد نصيبهما من صلب تركتها، ويرث كلُّ منهما - أي من الأب والولد - ممّا ورثته الأمّ من الآخر، فالأب يرث ما ورثته من الولد والولد يرث ما ورثته من الأب؛ لما مرّ.##### الأمر السابع: في ميراث المجوس وغيرهم من الكفار###### مساواة حكم المسلمين والكفّار[الأمر] السابع من المقاصد في ميراث المجوس وغيرهم من الكفار لا شكّ أنّ حكم الكفّاروالمسلمين واحد، ولكن إن لم يترافعوا إلينا نقرّ مَنْ أجاز لنا الشارع

إقراره على دينه، وعاملناهم بدينهم فيما يعود لنا من قبض أموالهم وتزويج نسائهم وإن كانت أموالهم أثماناً للخمر وشبهه ونساؤهم مطلقةً مطلقة بدينهم.نعم، ما صنعوه مخالفاً لديننا ودينهم فهو باطل لا يقرّون عليه، ولا يكون حلالاً، كما أن ما وافق ديننا وإن خالف دينهم هو حكم اللّه في حقهم، يجري عليه ما يجري على ما صدر منّا من الموافق.وعلى كلّ حالٍ فما خالف ديننا سبباً أو نسباً فهو فاسد وإن لم يكن زنى لمكان الشبهة في النكاح فولدهم بالنكاح الفاسد ولد شبهةٍ إذا كان الوطء عن شبهة وتدين، ولو كان لا عن عقد عندهم كان زنى.أما لو وطئ منهم من تدين بدينهم ويعلم بطلانه وبطلان مذهبهم ففي كونه زنئ أو شبهة؛ لأنّ مجرد تدينه بدينهم من كان منهم هو شبهة في حقه وجهان، ولا يبعد الأخير؛ لأن أكثر الكفّار يقطعون ببطلان دينهم ويصرون عليه؛ لأنهم وجدوا آباءهم على ملّةٍ وهُمْ على آثارهم مقتدون (1.)وأما العقود الصادرة عنهم، فهي تجري مجرى الصحيح بالنسبة إلى إقرارهم عليها، ومعاملتهم بها منا معاملة الصحيح.ففي الخبر: قذف رجل مجوسيّاً عند أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مه» فقال الرجل: إنّه ينكح أُمه وأخته، فقال: «ذلك عندهم نكاح في دينهم» (2).)وفي آخر: «يجوز على أهل كلّ ذي دين بما يستحلون» (3.)وفي ثالث: «كلّ قوم دانوا بشيءٍ يلزمهم حكمه» (4.)وفي رابع: «كلّ قومٍ يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز» (5.)وفي خامس: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم» (6.)


1) اقتباس من الآية 23 من سورة الزخرف (43).

2) وسائل الشيعة 26 : 318 - 319 الباب 2 من أبواب ميراث المجوس، ح 1.

3) المصدر : 319 الباب 3 من أبواب ميراث المجوس، ح 1.

4) المصدر : 318، الباب 1 من أبواب ميراث المجوس، ح 3.

5) المصدر 21 : 200 الباب 83 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 3.

6) المصدر 26: 319 - 320 الباب 3 من أبواب ميراث المجوس، ح 2.

ولو ترافعوا عندنا، كان لنا أن نرجعهم إلى دينهم، ولنا أن نحكم عليه بالحق.وهل لنا أن نورثهم بالنسب والسبب الفاسدين؟ أقوال:فقيل : يمنع توريثهم بهما معاً (1لعدم جواز الحكم بغير ما أنزل اللّه، ولا شك أن ما صدر منهم غير ما أنزل اللّه، ولقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) وبعدها ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)(2)ولقوله تعالى: (وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّه) (3).)ونُسب هذا القول إلى جمهور الإماميّة (4، ونقل الإجماع عليه (5).)وهو جيد بالنسبة إلى توريثهم بالسبب الفاسد؛ لعدم ترتب أثر الصحّة عليه، وهو التوارث به، غاية ما في الباب جواز إجرائهم عليه مجرى الصحيح في قبول المهر من الزوجة لو وهبته لمسلم، وجواز تزويجها لو طلقت بطلاقهم.وأما بالنسبة إلى النسب فالجواز أشبه؛ لأنّ النسب صحيح تنزيلاً للشبهة منزلته، فيشمله عموم ميراث الأولاد والإخوة والآباء والأمهات.وبهذا يظهر قوة القول بالحكم بتوريثهم بالنسب الصحيح والفاسد وبالسبب الصحيح لا الفاسد، كما نُسب لجملة من القدماء وأكثر المتأخّرين(6، وهو الأقوى.)وقيل: يرث بهما (7، ونُسب للمفيد وللمشهور (8).)ولما رواه السكوني عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ أنَّه كان يورّث المجوس إذا تزوج بأمه وابنته من جهة أنَّها أُمه وأنها زوجته (9).)


1) ممّن قال به الحلبي في الكافي في الفقه : 376؛ وابن إدريس الحلّي في السرائر 3 : 287 - 288.

2) المائدة (5) : 42.

3) المائدة (5) : 49.

4) نسبه إليهم الشيخ المفيد في الإعلام : 66 (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد، ج 9).

5) رسائل الشريف المرتضى 1 : 266.

6) راجع رياض المسائل 14 : 474 و 476.

7) قال به الفضل بن شاذان على ما في الكافي : : 145، ذيل الحديث 2.

8) نسبه للمفيد المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 46 وللمشهور العلّامة الحلّي في تحرير الأحكام الشرعيّة 5 : 87.

9) وسائل الشيعة 26 : 317 الباب 1 من أبواب ميراث المجوس، ح 1.

والآخر عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ أنَّه كان يورّث المجوسي من وجهين إذا أسلموا من وجهين بالنسب، ولا يورّث على النكاح (1).)وهذا القول قوي بالنسبة إلى المجوس فقط؛ لمكان الرواية والشهرة المنقولة، ولقضاء العدل بذلك، ولجريان جميع أحكام الزوجيّة عليهم، فالميراث بها كذلك.وأما غير المجوس فيبقى على وفق القواعد والضوابط.وعلى القول بميراثهم فلو تزوّج المجوسي بأمه فأولدها بنتاً فلام نصيب الزوجة والأم، وللبنت نصيبها من حيث البنتية، ولا ترث من حيث الأُختيّة؛ لحجبها بالبنت.ولو كان السببان أو النسبان في أحدهما منعاً للآخر، ورث بالمانع دون الممنوع، كبنت هي أخت من أم، أو بنت هي بنت بنته، كما إذا تزوج بنته.ولو تزوج المجوسي وهو ذو ولد بأمه فأولدها بنتاً، فهي عمة ولده؛ لأنها أُخت أبيه من أُمه. وهي أُخت من أب؛ لأنها بنت أبيها، فترث من الجهة الثانية لا الأُولى عند موت الولد، وليس له وارث سواها.ولو تزوج بنته وهو صاحب ولد فأولدها بنتاً، فهي أُخت للولد، وبنت أُخت له، وهي عمة بالنسبة إلى ولد هذا الولد؛ لأنها أُخت أبيه، وهي بنت عمه بالنسبة إليه؛ لأنها بنت أُخت لأبيه، فلا ترث إلا من الجهة الأولى.ولو تزوج ابنته فأولد من ابنته بنتاً ثمّ مات المجوسي، ورثته البنتان: العليا - أي الزوجة - والسفلى - أي بنت البنت - بالبنتية، ولا ترثه السفلى ببنتية،البنت، وترثه العليا بالزوجيّة أيضاً.ولو ماتت البنت العليا فإن كان قبل موت أبيها الذي هو زوجها فقد تركت زوجها وأباها وبنتها وأُختها، فالأب يرثها بالزوجيّة والأبوّة، والبنت ترثها بالبنتية لا الأُختيّة.وإن كان موتها من بعده - أي بعد موت أبيها - فقد خلّفت بنتاً هي أُخت الأب، فترث تلك البنت من جهة البنتية لا من جهة الأُختيّة.ولو ماتت البنت السفلى فإن كان قبل موت الأب فيرثها الأب بالأبوة لا بالجدودة، وترثها العليا بالأُمية لا بالأُختيّة.


1) وسائل الشيعة 26 : 318، الباب 1 من أبواب ميراث المجوس، ح 4.

وإن كان بعده، فقد خلّفت أُمّاً هي أُخت الأب، فترث من جهة الأمومة لا الأُختيّة.ولو تزوّج ذلك المجوسي السفلى وأولدت تلك السفلى بنتاً ثمّ ماتت الوسطى التي هي كانت السفلى، فقد خلّفت زوجاً هو أبوها وجدها وأُماً، وبنتاهما أُختاها من أبيها، فلزوجها الربع والسدس بالزوجيّة والأبوة، وسقطت الجدودة، وللأُم السدس، وللبنت النصف، والباقي يرد عليهما وعلى البنت أخماساً، كما مر تفصيله (1، وسقطت الأُختيّة.)ولو ماتت الوسطى بعده - أي بعد موت الأب - فقد خلّفت أُمّاً وبنتاهما أُختان للأب، فللأُمّ الربع، وللبنت الباقي، وهو ثلاثة الأرباع، إلى غير ما ذكر من الفروض.ويمكن فرض نحوها للمسلمين في الشبهة بأن تشبه أُمه أو بنته بالزوجة، إلى غير ذلك من الفروض.


1) راجع ص 245 - 246.

### الباب الثالث: في طريق قسمة السهام#### في بيان مخارج القسمة وهي خمسةوقد تبيّن أن المخارج خمسة، وهو النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما.ومخرج الثلثين والثلث واحد فمخرج النصف اثنان والربع أربعة، والثمن ثمانية، والثلث والثلثان ثلاثة.والمخرج هو أقل عدد ينقسم، فيخرج منه الكسر صحيحاً.ثم إن الكسر إما أن يقع واحد منه أو أزيد، أو لا يقع شيء.وعلى الأول فالمخرج المأخوذ منه ذلك الكسر هو أصل المسألة، كزوج مع من لا فرض له. فإنّ أصل الفريضة اثنان، نصف للزوج، ونصف لغيره، فإن انقسم على غيره عمل به، كما سيأتي(1.)وعلى الثاني فأصل المسألة أقل عددٍ ينقسم على تلك الكسور الواقعة صحيحاً، وطريقه أن تنسب بعضها إلى بعض، فإن كانا متساويين كالسدسين فاجتزئ بأحدهما فالستّة أصلهما، أو متباينين، وهما اللذان لا يعدّهما سوى الواحد، فاضرب أحدهما في الآخر، فالفريضة ما ارتفع ذلك، كما لو كان فيها نصف وثلث فهي ستة، أو متوافقين وهما اللذان يعدّهما غير الواحد، فإن عدّهما الاثنان خاصةً فهما المتوافقان بالنصف، أو الثلاثة فبالثلث، وهكذا.ولو تعدّد ما يعدّهما من الأعداد فالمعتبر الأكثر، كالاثني عشر، والثمانية عشر، فإنّه يغنيهما الاثنان والثلاثة والستّة، فيتوافقان بالنصف والثلث،والسدس فالمعتبر السدس، ويُسمّى ذلك العدد العاد لهما وفقاً، تضرب وفق أحدهما في مجموع الآخر، كما لو اتفق فيها ربع وسدس، فأصلها اثنا عشر، وقد يُسمّى المتوافقان بالمتشاركين؛ لاشتراكهما في الوفق، وبالمتداخلين إن كان أقلهما لا يزيد عن نصف الأكثر، ويفنى الأكثر ولو مراراً، كالثلاثة والستّة والأربعة


1) يأتي في ص 250.

والاثني عشر، فلك في التداخلين الاجتزاء بالأكثر، وهو أصل المسألة، كما أن لك ضرب أحدهما في الوفق وإن كان اعتبار ما تقلّ به الفريضة أولى، فإذا أردت أن تعلم هل هما متوافقان؟ فأسقط الأقلّ من الأكثر مرّتين فصاعداً، فإن لم يبقَ من الأكثر شيء فهما متداخلان كما مرّ، وإن بقي فأسقط الباقي من الأقل، فإن بقي منه شيء فأسقطه ممّا بقي من الأكثر، وهكذا حتّى يفنى العدد المنقوص منه أخيراً، فإن فنى بواحد فلا موافقة بينهما، وإن فنى بالأكثر فهما متوافقان بالكسر المأخوذ منه، فإن فنى بالاثنين فهما متوافقان بالنصف، وهكذا إلى العشرة، فإن فنى بأحد عشر فبأجزاء أحد عشر وهكذا. مثاله: إحدى وعشرون وسبعة وأربعون يسقط الأقلّ من الأكثر مرّتين تبقى سبعة، فتسقط السبعة من الأقلّ ثلاثاً يفني بهما، فتوافقهما بالسبع وكمائة وعشرين ومائة وخمسة وستين، فتسقط الأوّل من الثاني تبقى خمسة وأربعون تسقطها من المائة والعشرين مرتين تبقى ثلاثون تسقطها من الخمسة والأربعين تبقى خمسة عشر تسقطها من الثلاثين مرّتين تفنى بها الثلاثون، فهما متوافقان بجزء من خمسة عشر.وأما على الثالث فيجعل المال على عدد الرؤوس مع التساوي في الذكورة والأنوثة، ومع الاختلاف حيث يثمر الاختلاف تجعل لكلّ ذكر سهمين، ولكل أنثى سهماً، فما اجتمع فهو أصل المال، فظهر من ذلك أنَّه لو اجتمع السدس والربع فمن اثني عشر؛ لأنّ الأربعة والستّة متوافقان بالنصف، فيحصل من ضرب وفق أحدهما في مجموع الآخر الاثني عشر، فإن اجتمع الثمن والسدس، فأصل الفريضة من أربعة وعشرين؛ لأنَّه الحاصل من ضرب الثمانية في وفق الستّة، أو ضرب الستّة في وفق الثمانية؛ لتوافقهما بالنصف، وبعد ذلك فلا تخلو الفريضة من أن تكون بقدر السهام أو أقل أو أكثر، فإن كانت بقدرها من غير كسر فلا كلام، كأبوين وبنت، فالفريضة من ستّة وثلثها اثنان للأبوين، وثلثاها أربعة للبنت.وإن لم تصح الفريضة بأن لا تنقسم حصص أصحاب الكسور عليهم بلا كسر فلا يخلو إما أن يكون الكسر على فريق واحد، أو على أكثر.فعلى الأوّل ضربت عدد من انكسر نصيبه في أصل الفريضة إن لم يكن بين نصيبهم وعددهم وفق.

وذلك كأبوين وخمس بنات فأصل الفريضة من سنّة نصيب الأبوين اثنان، والبنات أربعة وعددهن خمس، ولا وفق بين الأربعة والخمسة، فتضرب حينئذٍ الخمسة في أصل الفريضة، وهي ستّة تبلغ ثلاثين، فللأبوين عشرة، وللبنات عشرون لكل واحدة أربعة، فالعشرون هي الحاصل من ضرب الأربعة التي هي سهمان قبل الضرب في الخمسة والعشرة هي الحاصلة من ضرب الاثنين اللذين هما سهم الأبوين قبل الضرب في الخمسة.وكأخوين لأب وزوج، فللزوج،النصف، فالفريضة من اثنين، للزوج واحد، ويبقى واحد للأخوين ينكسر عليهما، ولا توافق فاضرب عددهما في أصل الفريضة تبلغ أربعة، ومنها تصح.وإن كان هناك وفق فاضرب الوفق من العدد المنكسر عليه الفريضة - لا الوفق من النصيب - في أصل الفريضة، كأبوين وست،بنات، فإنّ أصل الفريضة من ستة، للأبوين اثنان، وللبنات أربعة، وهي لا تنقسم عليهن، وبين نصيبهن وعددهن توافق بالنصف، فاضرب الوفق من العدد - وهو ثلاثة - في أصل الفريضة - وهو ستّة - تبلغ ثمانية عشر، للأبوين ستة، وللبنات اثنا عشر، لكلّ واحدةٍ سهمان، فإن انكسرت الفريضة على أكثر من فريق فإن كان بين سهام كل فريق وعدده وفق، فرد كل فريق إلى جزء الوفق.فإن كان بينهما توافق بالنصف، فيأخذ بالنصف ويترك النصف الآخر، وبالثلاثة فيأخذ الثلث ويترك الثلثان، وبالربع فيأخذ الربع ويترك الثلاثة أرباع، وهكذا.وإن كان الوفق للبعض خاصة، بأن كان بين سهم بعضهم وعدده وفق دون الآخر، فردّهإلى جزء الوفق واترك الفرقة الأخرى التي لا وفق بين سهمها وعددها بحالها. وإن لم يكن لشيءٍ منها وفق فاترك كلّ عددٍ بحاله، ثمّ يُنظر في عدد دد رؤوس كل فريق. ويُنسب بعضها إلى بعض سواء كان الكل أصلاً، أو كان مغيّراً إلى الوفق، أو البعض مغيّراً إليه دون الآخر، فإن تماثلت الأعداد في الأقسام الثلاثة اقتصرت على أحدها، وضربته في الفريضة، وبه يحصل القسمة صحيحاً، كأربعة إخوة من أب ومثلهم من أُمّ، فالعدد في الطرفين أربعة، فتقتصر على أحدها، فتضربها في أصل الفريضة، وهي الثلاثة، وبحاصلها يحصل المطلوب.وإن تداخلت الأعداد - وهي التي يفني أقلها الأكثر مرّتين أو أكثر - فيكتفى بالأكثر، ثمّ يُضرب الأكثر في الفريضة، مثل ثلاثة إخوة من أُمّ مع ستّة إخوة من أب، فإنّ الثلاثة تفني الستّة.

وإن توافقت الأعداد، وهي التي إذا سقط الأقلّ من الأكثر مرّةً أو مراراً بقي أكثر من واحد، كالعشرة، فإنّها إذا أُسقطت من اثني عشرة مرّةً بقي اثنان، فإن أسقطتها من العشرة مراراً فقد فنيت العشرة بها، فاضرب وفق أحدهما بتمام عدد الآخر، وحاصل المجتمع تضربه في الفريضة، كأربعة زوجات وستة إخوة من الأب، فإنّ الفريضة أربعة، وينكسر نصيب الفريضة عليهم، وبين الأربعة وستة وفق، فضربنا وفق الستّة - وهي الثلاثة - في الأربعة حصل اثنا عشر، وضربنا المجتمع في الفريضة حصل المطلوب، فللزوجات اثنا عشر ربع الحاصل، ولكل واحد من الإخوة ستة.وإن تباينت الأعداد، وهي لو سقط أحدهما من الآخر بقي واحد، فاضرب تمام أحدهما في كل الآخر، وحاصل المجتمع تضربه في الفريضة يحصل المطلوب، كأخوين من أُمّ وخمسة من أب، فإنّ أصل الفريضة من ثلاثة، ونصيب كلّ ينكسر على عدده، وليس بين النصيب والعدد وفق، فتركنا العددين بحالهما، فنظرنا بين الاثنين والخمسة فوجدنا بينهما التباين، فضربنا أحدهما في الآخر، فبلغ عشرة، ثمّ ضربنا العشرة في أصل الفريضة - أعني ثلاثة - فيبلغ الحاصل ثلاثين، للإخوة من الأمّ عشرة لكلّ واحدٍ خمسة، ومن الأب عشرون لكلّ واحدٍ أربعة.ثمّ كلّ ذا إذا كانت الفريضة بقدر السهام، فلو نقصت عنها بدخول الزوج أو الزوجة، فإنّه يدخل النقص على البنت والبنات، أو على مَنْ تقرّب بالأبوين أو بالأب من الأخوات.ثمّ إن انقسمت الفريضة على أرباب السهام من دون كسر فلا كلام، كأبوين وزوج وخمس،بنات، فالفريضة من اثني عشر؛ لأنّ فيه مخرج الربع؛ لمكان الزوج، والسدس؛ لمكان الأبوين، وهما متوافقان بالنصف، فتضرب نصف أحدهما في مجموع الآخر، فيكون الخارج ما ذكر، فللأبوين السدسان أربعة، وللزوج الربع ثلاثة والباقي للبنات الخمس لكلّ واحدة سهم، فدخل النقص عليهنّ بثلاثة؛ لأن فرض البنتين الثلثان.وإن لم يصح انقسام التركة على الورثة إلا بكسر كما إذا كانت البنات في هذا المثال ثلاثاً - فالضابط أن يُضرب عددهنّ الثلاثة في الفريضة - وهي اثنا عشر - تبلغ السهام ستّة وثلاثين، فللزوج الربع تسعة، ولكلّ واحدٍ من الأبوين ستة، والباقي للبنات لكل واحدة خمسة.

ولو كُن أربعاً، فإنّه تبلغ السهام بعد الضرب ثمانية وأربعين، فللزوج اثنا عشر، وثمانية عشر للأبوين، وللبنات ثمانية وعشرون لكل واحدة سبعة.ولو كُنّ ستّاً، تبلغ اثنين وسبعين.ولو كُنّ سبعاً، تبلغ أربعاً وثمانين.ولو كُنّ ثمانية تبلغ ستّة وتسعين.ولو كنّ تسعاً، تبلغ مائة وثمانية.ولو كُن عشراً، وافق عددهن نصيبهن، وهو الخمس بالخمس، فتأخذ خمس الأكثر - وهو اثنان - وتضربهما في الفريضة - وهو اثنا عشر – تبلغ أربعة وعشرين، تبقى للبنات بعد ذوي الفروض عشرة بعددهن.ولو كُن خمسة عشر، وافق عددهن نصيبهنّ بالخمس أيضاً، فترده إلى ثلاثة، فإنّها خمس الخمسة عشر، وتضربها في أصل الفريضة.ولو زادت الفريضة على السهام، كان الردّ على ذوي السهام دون غيرهم، ولا تعصيب على مذهبنا.ولو اجتمع أبوان وبنت، فالفريضة من ستة؛ لاشتمالها على السدس والنصف، ويدخل الأخير في الأوّل، فللأبوين اثنان، وللبنت ثلاثة، فيبقى واحد يرد عليهم أخماساً إن لم يكن للأُمّ حاجب، وإلا فيرد على الأب والبنت أرباعاً، فينكسر على التقديرين، ويصح من ضرب مخرج الردّ - وهو الخمسة أو الأربعة - في أصل الفريضة - وهي الستّة - فما اجتمع بعد الضرب كان هو الفريضة من غير كسرٍ.

### الخاتمة: في المناسخات#### حكم ما إذا مات أحد الوراث قبل القسمةإذا مات أحد الوراث قبل القسمة، صححت فريضة الميّت الأوّل حتّى يستخرج نصيب الميّت الثاني صحيحاً، ويُنظر إن كان وارث الثاني هو وارث الأوّل من غير اختلاف - بأن كانت الجهة الموجبة لاستحقاق الميراث فيها واحدة، كالبنوة والأخوة والزوجيّة ونحوها - فالفريضة واحدة لا تحتاج إلى عمل آخر، كما إذامات أخ عن أخوين وأُختين، ثمّ مات أخ وأُخت عن الباقين، وبقي أخت وأخ فلا يحتاج هنا إلى فريضتين، بل تكفي الأولى، فيقسم ما تركه الأموات بين الأخ والأخت أثلاثاً، للذكر مثل حظّ الأنثيين إن كانا لأب، وبالسويّة إن كانا لأُمّ.#### حكم ما لو اختلف الاستحقاق واتحد الوارثولو اختلف الاستحقاق، كما إذا كانت الجهة الموجبة لاستحقاق الميراث فيها متعدّدة، واتحد الوارث، كما إذا مات رجل عن ثلاثة أولاد، ثمّ مات أحد الأولاد ولم يترك غير أخويه، فإنّ الوارث فيهما واحد، لكن جهة الاستحقاق مختلفة؛ لأنّها في الأوّل البنوة، وفي الثاني الأخوّة، أو اختلف الوارث خاصةً دون جهة الاستحقاق، كما لو ترك الأول ابنين، ثمّ مات أحدهما وترك ابناً، فإنّ جهة الاستحقاق في الفريضتين واحدة، وهي البنوة، ولكن الوارث مختلف، أو هما معاً، كما إذا مات شخص وخلّف زوجة وابناً وبنتاً، ثمّ ماتت الزوجة عن ابن وبنت، فإنّ جهة الاستحقاق في الأولى الزوجيّة، وفي الثانية البنوة، والوارث فيهما أولاد، وفي الأُولى الزوجة والأولاد.#### حكم ما لو اختلف الوارث دون جهة الاستحقاقوينهض بالأقسام الثلاثة النصيب الذي للميّت الثاني بالفريضة الثانية، فيصح قسمة ذلك النصيب على ورثة الثاني من غير كسر، فيأخذ ذلك النصيب، ويجعل الفريضة الثانية، وتقسم على الورثة، كزوجةٍ مع بنت وابن ثمّ ماتت الزوجة وخلّفت ابناً وبنتاً، فإنّ الفريضة الأولى من من أربعة وعشرين مضروب مخرج الثمن في مخرج الثلث والثلثين، وللزوجة منها ثلاثة تنقسم على ابنها وبنتها صحيحة.

وقد لا ينهض النصيب بالفريضة الثانية، فيُضرب وفق الفريضة الثانية - لا وفق نصيب الميّت الثاني - في الفريضة الأُولى إن كان بين نصيب الميّت من الفريضة الأولى والفريضة الثانية وفق، كزوج مع أخوين من أُمّ وأخوين من أب، ثمّ مات الزوج عن ابن وبنتين، فالفريضة الأُولى اثنا عشر لأنّ الستّة أقل عددٍ يتضمن للنصف والثلث، ونصيب أخوي الأب - وهو الواحد - ينكسر عليهما في مخرج النصف، فلا بد من ضرب الستّة في الاثنين، ونصيب الميّت الثاني منهما ستة، وهي لا تنقسم على ورثتهما بلا كسر؛ إذ لا ربع لها صحيحاً، وبين هذا النصيب والفريضة الثانية - وهي الأربعة - توافق بالنصف، فيضرب وفق هذه الفريضة - وهو اثنان - في الفريضة الأُولى - وهي اثنا عشر - تبلغ أربعة وعشرين، ومنها تصح الفريضتان فللزوج اثنا عشر، وهي تنقسم على ورثته بلا كسر، للابن سنّة، ولكلّ واحدة من البنتين ثلاثة، ولأخوي الميّت الأوّل من الأب أربعة، ومن الأمّ ثمانية.ولو تباين النصيب والفريضة، ضربت الفريضة الثانية في الفريضة الأُولى، كزوج وأخوين من أُمّ، وأخ من أب، ثمّ مات عن ابنين وبنت، فالفريضة الأولى ستة؛ لأن مخرج سهم الزوج الاثنان، ومخرج سهم كلالة الأمّ الثلاث، فنضربه في الاثنين يحصل ستة، والثلاثة التي للميّت الثاني لا تنقسم على ورثته من غير كسر، وفريضتهم خمسة؛ لأنها أقل عددٍ له خمس وضعفا خمس، فيُضرب الخمسة في الفريضة الأُولى - أعني ستّة - تبلغ ثلاثين، ومنه تصح الفريضتان، فنصفه - أعني خمسة عشر - بين ورثته للذكر مثل حظّ الأنثيين، فلكل ابن ستة. وللبنت ثلاثة، والنصف الباقي بين الكلالتين، لكلالتي الأمّ عشرة لكلِّ خمسة والخمسة الباقية للأخ.وكذا البحث لو تضاعفت المناسخات فلو كانت أكثر من فريضتين نظرت في الثالثة، فإن انقسم نصيب الثالث على ورثته على صحة، وإلا عملت في فريضته مع الفريضتين ما عملت في فريضة الثاني مع الأول.وكذا لو قرض موت رابع أو ما زاد، فإن العمل واحد.تم كتاب المواريث والحمد للّه وصلّى اللّه على محمد وآله، ويتلوه كتاب القضاء إن شاء اللّه تعالى.

## كتاب القضاء### إشارة:(السلاح الماضي في أحكام القاضي)

بسم اللّه الرحمن الرحيمالحمد للّه الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وصلى اللّه على محمد وآله سادات الأمم. وبعد؛ فيقول الأحقر حسن ابن الشيخ جعفر هذه رسالة وجيزة في أحكام القضاء ينتفع بها المبتدئ والمنتهي بحول اللّه تعالى، وسمّيته بالسلاح الماضي في أحكام القاضي.### مقدمة كتاب السلاح الماضي في أحكام القاضيمقدمة (1خلق اللّه تعالى الخلق لأن يعبدوه، كما نص في الكتاب المجيد، قال: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (2)، ومن المعلوم أنَّه لا يعود نفع العبادة إليه؛ لاستغنائه، بل يعود لعباده، فخلقهم لتكليفهم وتكليفهم لإيصال الثواب إليهم، وإيصاله إليهم محض جودٍ منه ولطف، وتوسط التكليف لهذه الإفاضة ممّا تقتضيه الحكمة ويحكم بحسنه العقل، وإلا فهو الجواد المطلق والفياض الحق.)ولا ينافي كون العلة في الخلق هو العبادة ما ورد إنِّي أحببت أن أعرف فخلقت الخلق


1) ذكرنا في مقدّمة التحقيق أن المصنف (رحمه اللّه) كتب أوّلاً رسالة في أحكام القضاء فقط وسماها بـ«السلاح الماضي في أحكام القاضي» فكتب لها هذه المقدّمة ثمّ بدا له أن يكمّلها فألحق بها باب الشهادات وجعلها تتمة لكتابه أنوار الفقاهة، ذكر ذلك في الخطبة التي كتبها قبل كتاب القضاء. وقد أثبتنا هذه المقدمة تحفّظاً على مسودة المؤلّف رحمه اللّه والسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.)جاء في النسخة (م و (ج) ما يلي :)بسم اللّه الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلّى اللّه على محمد وآله الطاهرين.وبعد فيقول الراجي عفو ربه الأجل الأكبر حسن بن الشيخ جعفر : إنّ هذه رسالة في القضاء والشهادات التمس كتابتها بعض الإخوان، فأجبته مع كثرة التشويش والهموم والأحزان وأسأل اللّه أن يجعلها تتمة لكتابنا الموسوم بأنوار الفقاهة وأن يتتها في يسر وعافية، ولنذكر قبل الشروع في القضاء والشهادات مقدمة.

2) الذاريات (51) : 56.

لكي أُعرف (1لأنّ التكليف مظهر من مظاهر معرفته؛ إذ هي السبب الموصل للنظر في إثبات ذاته وصفاته، فغاية الخلق تكليفهم لإيصال اللطف إليهم، وغاية ذلك هو الوصول إلى معرفته.)وقد تترتب على التكليف غايات أُخَر، كالإهداء إلى المعرفة بمظاهر الصفات الجلالية والكمالية كما أحبّ أن يظهر أنّه العفو والغفور والتواب والمحسن والحليم بواسطة التكليف، حيث إن مَنْ خالف ما أمر به وعصاه تاب عليه وغفر له وعفا عنه وأحسن إليه وحلم عليه في الدنيا، وإظهار الصفات الجلالية صفة جلال وكمال.وبالجملة، فالخلق كلّهم وتكليفهم من مظاهر المعرفة العائدة إلى إثبات تلك الصفات.ثمّ إنّه عزّ وجلّ لمّا كلّف عباده جعل لهم واسطةً منهم، وهو النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ كما تقتضيه الحكمة.)ثمّ إنَّه قرن مع النبيّ كتاباً معجزاً مصدقاً له، ثمّ أمر النبيّ(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بنصب الوصيّ، وأمر الأوصياء بنصب العلماء والقُضاة كى ينتشر العلم في العالم ولا يبقى جهل لبني آدم.)وقد فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ما أمر به، وكذا الأوصياء وإن خالفهم الأشقياء ونقضوا الغرض من بعث الأنبياء.)ثمّ إنّ الأوصياء لم يقصروا في زمن ظهورهم بما تمكنوا منه من نصب العلماء والأمر بالرجوع إليهم، ونصب القاضي العام للرجوع إليه في السياسات والأحكام، ولكنهم يتخفّون بذلك لمكان التقية إلى أن ولد الصاحب - روحي له الفداء - فغاب، فكان الواجب عليه أن يفعل كما فعلوا وينصب كما نصبوا بحسب الإمكان كي تبقى اللّه تعالى طاعة وعبودية ولا ينسى ذكره ولا تعود جاهليّة.وحينئذٍ فالواجب عليه أن ينصب منصوباً عاماً حيث لا يتمكن من المنصوب الخاصّ كما نصبوا، وضرورة التكليف أيضاً قاضية بنصب مرجع للأحكام، مميز بين الحلال والحرام، آمر بالمعروف على حسب الإمكان، قاطع للخصومة بحكمه، وفاصل للدعوى بفصله وقضائه، فنصب المجتهد من إمام العصر ضروري مقطوع به من إمام العصر ولو لم يجئ فيه دليل؛ لعلمنا بوجوب النصب عليه وعلمنا بعدم قابليّة غير المجتهد الجامع للشرائط لهذا المنصب. بل قد يقال: إن بعد غيبة إمام العصر ولزوم الهرج والمرج وضرورة بقاء التكليف ممّا يقضي


1) بحار الأنوار 84: 199 و 344.

العقل القاطع به لزوم الرجوع للعالم الجامع للشرائط في أخذ الأحكام منه وفي قطع الخصومة لديه وفي إرجاع أُمور السياسة إليه.بل قد دلّ الدليل النقلي على تقديم العلماء والرجوع إليهم، قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ(1)، وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (2)، وقال: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّى إِلا أَنْ يُهدى)(3)فيلزم من ذلك لزوم الرجوع للعلماء المجتهدين وإمضاء أحكامهم وإنفاذ قضائهم، ولو لم يجيء دليل على نصب الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) لهم كيف وقد دلّت الأدلّة كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى على نصب الأئمّة للعلماء، بل نصب صاحب الأمر لهم على ما يجيء إن شاء اللّه تعالى.)وبالجملة، فالرجوع إلى المجتهد على ما نحن عليه وعموم ولايته وإنفاذ حكمه دليله العقل والنقل. فهو منصوب نائباً عن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ من قبل اللّه تعالى.)بل يجب تنصيبه وتقديمه على الناس كافّة، ولو لم يقم به الناس لعصوا بذلك كما عصوا في تركهم الرجوع للأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ و عدم نصرتهم وفي تخاذلهم عنهم وعدم الرضى بحكمهم، فيكون هذا من الواجبات على الأمة وإن لم يبلغهم به نص من الأئمّة..)وبالجملة، يجب على الناس تقديم رئيس مستحق للتقديم عليهم في الرجوع إليه في سياساتهم وأحكامهم؛ لاستقامة النظام بذلك، ولتوقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبقاء النوع الإنساني ودوام التكليف عليه وعلى نصبه.وهذه نبذة يجيء تمامها إن شاء اللّه تعالى.


1) النحل (16) : 43.

2) الزمر (39): 9.

3) يونس (10) : 35.

بسم اللّه الرحمن الرحيم وبه نستعينوصلى اللّه على محمد وآله الطاهرينوبعد فيقول الراجي عفو ربِّه الأجل الأكبر حسن بن الشيخ جعفر : إنّ هذه رسالة القضاء والشهادات التمس كتابتها بعض الإخوان فأجبته مع كثرة التشويش والهموم والأحزان، وأسأل اللّه أن يجعلها تتمة لكتابنا الموسوم بأنوار الفقاهة وأن يتمها في يسر وعافية.كتاب القضاء### تعريف القضاء لغةً و عرفاً و شرعاًللقضاء معاني عديدة لغةً ورد استعمالها في الكتاب والسنّة على جهة الحقيقة والمجاز، أو الاشتراك اللفظي في الجميع، أو اللفظي في بعض والمعنوي في آخر، ويُعرف بيانها في كتب اللغة والتفسير.وفي الشرع حقيقة شرعية أو متشرّعة ولاية شرعية على الحكم بين المتخاصمين والفصل بينهما، أو ولاية شرعيّة على ذلك وعلى الحكم على الرعية فيما لم يعلموا ثبوته من الموضوعات العامة، كرؤية الهلال، أو من الموضوعات الخاصّة، كالحكم بالعيب والساترية والترابية للمشكوك بستره وترابيته، أو ولاية شرعيّة على ذلك وعلى المصالح العامة من جبر الممتنع وأخذ المقاصة وإجراء الحدود والتعزيرات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجهيز الجنود وتعظيم أمر السياسة وتربية الأيتام والنظر في الأوقاف العامة وحفظ مال القاصر والغائب وغير ذلك.والأظهر المعنى الثاني، ولا ينصرف الإطلاق عند قول القائل: هذا قضاء فلان، ونصبت فلاناً قاضياً، واجعلوه قاضياً، إلا إلى ذلك.وأما غيره فلا يدخل فيه إلا بنص من الناصب كأن يقول: وجعلتك قيماً على الأطفال، وناظراً على الأوقاف، ومتولّياً على الحدود.وقد يقال: إنّ هذه الأمور وإن لم ينصرف إليها إطلاق لفظ القضاء ولكنها تتبع هذا المنصب عرفاً شرعياً، فكلّ مَنْ نُصب للقضاء لزمه تولّي الأمور العامة من الناصب له، إلا أن ينص

على خلافه، فيكون دلالته على غير ولاية الحكم من باب دلالة ما يدخل في اللفظ تبعاً.أو يقال: إنّه من باب القدر المشترك بين الجميع والبعض لكن بشرط دخول الحكم في ذلك البعض، فلا بد من بيان غير الحكم في النصب والولاية.وعلى كل حال فلو تخلى المنصب عن منصب الحكم لم يُسم المنصوب قاضياً.وكذا الكلام في لفظ الحاكم في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «جعلته حاكماً» (1)فإن الظاهر انصرافه للحكم بين المتخاصمين أو للحكم في الأمور المشتبهة عامة أو خاصة، مع احتمال إرادة الفصل منه بكلّ شيءٍ، بمعنى جعلت فصل الأمور بيده وجعلته والياً لجميعها ومرجعاً فيها.)وقد فهم الفقهاء من ذلك كذلك.وقد يطلق القضاء على نفس الحكم من ذي الولاية ونفس الإلزام منه بجزئي الحكم الشرعي. على أشخاص معينين أو على عامة الخلق في مقام الدعوى أو في مقام الشكّ في موضوع إثباتاً أو نفياً.وبهذا الإطلاق يقابل الفتوى؛ لتعلّق الفتوى ببيان الحكم الشرعي وإظهاره، والإخبار به ظنّاً عن اللّه سبحانه، وتعلّق القضاء بالإلزام بنفس جزئيّ الفتوى وبالمورد الخاصّ على شخص معين أو على عام.واسم القضاء والفتوى يشمل الصحيح والفاسد، فالصادر ممّن له أهلية الولاية يُسمّى قضاء وفتوى صحيحة، وإلا ففاسدان.وكذا القضاء بمعنى الولاية، فالولاية الصحيحة الجامعة للشرائط قضاء صحيح، وإلا ففاسد.### والكلام في القضاء يقع في أُمور:#### أحدها في بيان وظائف الحاكم الشرعيأحدها: كلّ عالم بحكم شرعي أو ظان به ظنّاً فله أن يفتي به ويحكم ويلزم، ولكن لا تكون الفتوى صحيحةً يترتب عليها وجوب العمل لنفسه إلا مع العلم القطعي أو الظن المعتبر، وهو ظنّ المجتهد المطلق أو المتجزّئ في وجه، ولا يترتب عليها وجوب العمل من غيره وتقليده إلا أن يستجمع الصفات الأخر من العدالة والضبط والإيمان واستفراغ الوسع ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل ويحكم بالبيّنة والإقرار وبالشياع ونحو ذلك.


1) وسائل الشيعة 27 : 136 - 137. الباب 11 من أبواب صفات القاضي...،ح 1.

وبالجملة، له الحكم بما أنزل الشارع مطلقاً بين المتداعيين وغيرهم، وفي كلّ أمر كان حكماً بالقسط والعدل إلّا أنّ الحكم لا يكون حكماً نافذاً بحيث لا ينتقض بالاجتهاد الظنّي من الحاكم نفسه أو من غيره، بل ولا بالقطعي النظري من غيره، وإن لم يجز لغيره تنفيذه، فلا يجوز ردّه ولا تنفيذه، وحينئذٍ فلا يكون الحكم حكماً نافذاً وأمراً ملزماً لمن وقع عليه في مقام الخصومة وغيرها في مقام عموم أو خصوص مع البيّنة أو مع الإقرار أو مع النكول أو مع اليمين المردودة أو مع العلم به أو ظنّ يقوم مقامه من شياع أو يد أو تصرف إلا ممّن دلّ الدليل على نفوذ حكمه والإلزام به وعدم إعادة الدعوى بعده.والمقطوع به من الأدلّة نقلاً كتاباً (1وسنّة (2)وإجماعاً وعقلاً هو حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو مَن نص على نصبه عموماً وخصوصاً؛ لأنّ تنفيذ الحكم في نفسه من الولايات والرياسات العامة، فمنصبها يرجع إلى أهل المنصب الحق، فمَنْ نصبوه في زمانهم خصوصاً تقل فائدة البحث فيه من اشتراط الاجتهاد فيه وعدمه بعد القطع بأنه يحكم بحكم الإمام قطعاً أو ظنّاً شرعياً يجوز له العمل به ومن اشتراط عدالته وضبطه لو راعي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكمه.)إنما الكلام في غير المنصوب الخاص، وبعد القطع أنّ الأصل في الحكم عدم نفوذه وعدم ترتب أحكام النصب عليه فلا بد من إثبات أحد أمرين: إما إثبات الإذن في الحكم لكلّ مَنْ يحكم بالحق علماً أو ظنّاً عن اجتهادٍ أو عن تقليد أو عن رواية قطعية أو إجماع مقطوع به أو كتاب نص بحيث يكون حكمه نافذاً، أو إثبات حاكم موصوف بصفات معلومةً ينفذ حكمه ويرجع إليه في حالة الحضور والغيبة.أما الثاني - وهو إثبات حاكم منصوب متصف بصفات خاصة - فهو مقطوع به في حالة الحضور وعدم التمكن وفي حالة الغيبة بل في حالة الحضور والتمكن في زمن الصادقين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وهو نصب المجتهد المطلق الجامع للشرائط، فإنّه منصوب عموماً من أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ) بدليل الإجماع والروايات المتكثرة عن صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو إمام العصر.)كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ فيها: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة [ اللّه ]» (3).)


1) النساء (4) : 105؛ المائدة (5): 49.

2) راجع وسائل الشيعة 27 : 16 وما بعدها، الباب 3 من أبواب صفات القاضي... .

3) المصدر : 140، الباب 11 من أبواب صفات القاضي....،ح 9، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

ورواية وعن غيره (1ممّن تقدمه.)كرواية أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ وقوله: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضياً، فإنّي جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» (2).)ورواية ابن حنظلة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دَيْنٍ أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القُضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: «من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً، لأنَّه أخذ بحكم الطاغوت وقد أُمر أن يكفر به» قلت: كيف يصنعان؟ قال: «انظروا إلى مَنْ كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حاكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما بحكم اللّه استخفّ وعلينا ردّ، والراد علينا الراد على اللّه وهو على حدّ الشرك بالله تعالى» قال: فإن كان كلّ واحدٍ اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال: «الحكم ما حكم أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر» قال: فقلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» قال: قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: «ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامة أخذ به» قال: قلت: جعلت فداك، فإن وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لها بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: «بما يخالف العامة فإنّ فيه الرشاد» قال: قلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعاً؟ قال: «ينظر ما حُكامهم إليه أميل وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر» قلت: فإن وافق حكامهم وقُضاتهم الخبران جميعاً ؟ قال: «إذا كان كذلك فأرجه حتّى تلق إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في الهلكات» (3).)


1) كذا قوله : «ورواية وعن غيره». والظاهر أنّ حرف العطف الثانية زائدة.

2) وسائل الشيعة 27 : 13 - 14 الباب 1 من أبواب صفات القاضي...،ح 5.

3) المصدر: 106 - 107، الباب 9 من أبواب صفات القاضي... ح 1 و 136 - 137، الباب 11 من تلك الأبواب، ح1.

ورواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يا أبا محمد، لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكّام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حُكّام أهل الجور ليقضوا له لكان ممّن حاكم إلى الطاغوت» (1).)ورواية أُخرى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أي رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حقّ فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال اللّه تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ) (2)» (3).)إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على نصبهم العام للعارف بحلالهم وحرامهم وشيئاً من أحكامهم.و من المقطوع به أن مثل هذا المنصب لا ينعزل صاحبه بعد موت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ الناصب له؛ لأنَّه بمنزلة بيان الحكم فيه وبيان أن اللّه عزّ وجلّ جعله منصوباً بسبب الاضطرار إليه، حيث كان الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في زاوية الخمول وأيديهم غير منبسطة، فأذنوا للمجتهدين بذلك عن إذن اللّه تعالى.)والأظهر أن يقال: إن ظاهر الرواية النصب منهم (عَلَيهِم السَّلَامُ لا بيان حكم، ولكنه ظاهر في النصب الدائم، كما فهم الفقهاء، وللإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن ينصب منصوباً على الدوام بحيث تمضى أحكامه من بعده في كلّ زمن مع كل إمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لعلم الإمام الأول بالمصالح والسياسات، والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) حجج اللّه تعالى في أرضه أمواتاً وأحياء.)لا يقال: إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ الآخر لا يجتمع مع المنصوب من الأوّل؛ لصيرورته حاكماً من الإمام الأول، فلا يكون محكوماً عليه والإمام الثاني حاكم مطلقاً.)قلنا: لا بأس بصيرورة المنصوب حاكماً من الأول ومحكوماً عليه وتابعاً للثاني ويكون الإمام الثاني مقرّراً لنصب الأوّل ومنفّذاً له، على أنّ أوّلهم وآخرهم سواء، فمنصوب الأوّل والثاني منصوب واحد.ويؤيد ذلك أنّ الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ من بعد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أقروا على ذلك وجرت السيرة به والطريقة في زمانهم إلى زمن الصاحب (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعلت فداه.)على أنّ في الإجماع وضرورة النظام القاضية بذلك المنصب كفاية.


1) وسائل الشيعة،27 : 12 الباب 1 من أبواب صفات القاضي...، ح 3.

2) النساء (4) : 60.

3) وسائل الشيعة 27 : 11 - 13، الباب 1 من أبواب صفات القاضي...،ح 2.

ويلحق بالمجتهد المطلق المتجزى، فإنّ حكمه نافذ فيما اجتهد فيه؛ لشمول الأدلّة له عموماً وخصوصاً، كمرفوعة أبي خديجة (1، كما أنّ فتواه لنفسه ولغيره جائزة؛ لعموم الأدلّة.)نعم، ليس تلك الرئاسة العامة في الحدود والسياسات والاستيلاء على مال الإمام ورجوع بيت المال إليه ونحو ذلك.وأما الأول - وهو نفوذ حكم كلّ عالم بكلّيّ ذلك قطعاً أو ظناً شرعياً ولو بتقليد مجتهد حي جامع للشرائط - فهو في حدّ ذاته بمعنى كونه حكماً شرعياً من اللّه سبحانه وتعالى لا يقول به أحد، بل الإجماع محصلاً فضلاً عن أن يكون منقولاً عليه وإن ظهر من العمومات جواز الحكم لكلّ أحدٍ بالقسط والعدل والحق ولزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكلّ مَنْ عرف الحقِّ، بل يلزم على سامع البيئة والإقرار الحكم على من قامت عليه البيّنة، فيأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويحكم بموجب إقراره.ولكن الشأن في نفوذ هذا الحكم من غير المجتهد المنصوب وترتب آثاره عليه، وأنّى لنا بنفوذه؟ والإجماع محصلاً فضلاً عن أن يكون منقولاً على عدمه، وبه يخصص عمومات لزوم الحكم بالحق على كلّ أحدٍ والأمر بالحكم بالعدل والقسط، والأدلّة الخالية عن ذكر المجتهد العامة له ولغيره، وحكم هذه العمومات كحكم عمومات البيّنة واليمين والإقرار والحكم بالنكول والحكم بالشاهد واليمين حيث كانت مخصصةً ومقصورة على قيامها وحصولها من المجتهد المطلق كي تكون نافذة ماضية، ولا يجوز تكريرها وإعادتها ولا تجديد الحكم بها. نعم، قد يقال: إن حكم العارف بالحلال والحرام على وجه القطع أو على وجه التقليد من الفرقة الاثني عشرية منصوب عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ نصباً آخر، إما مطلقاً كما هو ظاهر أخبار نصب الحاكم، أو مع الاضطرار عند فقد المجتهد المطلق.)ويناقش في ثبوت الإجماع على عدم نصب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ لغير المجتهد المطلق وإن ثبت الإجماع على عدم جواز الحكم للعامي ابتداء بالعمومات الدالّة على جواز الحكم بالعدل والحق والقسط، فلا يثبت الإجماع على عدم نصب الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) للعامي العارف، كيف! وفي زمن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) كثير من نُوّابهم في الفتوى والقضاء لم يكونوا مجتهدين.)


1) راجع الهامش (2) من ص 264.

نعم، يعرفون الحكم بعينه عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ فيفتي به ويحكم، بل للمجتهد نفسه حيث إنّه منصوب عام أن ينصب قاضياً يقضي بفتاواه المعلومة عند مقلّده، ويحكم بالبيّنة المعلومة القبول عند مجتهده، ويحلف يميناً عنده، ويحكم بالحق، بل ويجوز للمجتهد أن يستنيب عنه مَنْ يقول: حكمت فينشئ الحكومة عنه بعد سماع المجتهد البيّنة أو بعد حلف المدّعي، وحينئذٍ فلا فرق بين أن يقول المقلّد: حكمت بنفسي بفتوى مجتهدي، أو حكمت عنه، عند استنابته له.)ولا فرق في قيام البيّنة عند المجتهد أو المقلّد بعد علمه بمواقع البيّنة تقليداً. وكذا اليمين يمين المنكر أو المردودة، بل لو حكم العامي ولم يعرف وجه حكمه، حملناه على الصحّة وكان نافذاً.هذا كله قد يظهر من ظواهر الأخبار ويُستشعر من مطاوي أحاديث الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ وفعلهم.)ولكنّه خلاف إجماع أصحابنا وطريقتهم خلفاً عن سلف ولا يختلفون في أن المراد من الأخبار هو المجتهد المطلق، وهو العارف بالحلال والحرام، بل وهو العارف شيئاً من القضايا؛ لأنّ العامي لا درية له ولا ينسب إليه المعرفة المطلقة، بل نصوا في قاضي التحكيم أنَّه لا بدّ فيه من وصف الاجتهاد، ولم يكتفوا برضى الخصمين على مجرّد العارف بحكم تلك الواقعة تقليداً أو علماً نظرياً، ولا ينفذ حكم العامي عندهم بوجه من الوجوه.فظهر ممّا قرّرنا أن نفوذ الحكم وفصل النزاع وقطع الخصومة بحيث لا تقبل العود ولا تقبل الردّ ولا تقبل الرجوع إلى آخر في تلك الدعوى.ويكون ردّ ذلك الحكم كالرد على منصب من مناصب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصيّ نبي أو شقي» (1)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اتقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين، كنبيٍّ أو وصيٍّ» (2)ولقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (3)ولما دلّ على أن فصل الخطاب عندهم (4)، وللإجماع، خرج منه تنصيبهم للمجتهد مطلقاً أو متجزئاً؛ لظهور لفظ)


1) وسائل الشيعة 27 : 17، الباب 3 من أبواب صفات القاضي...،ح 2.

2) المصدر، ح 3.

3) النساء (4) : 65.

4) راجع بحار الأنوار 29 : 190، ح 1.

«عرف» و «نظر» فيه، ولوقوعه من الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ في زمانهم، وبقي الحكم من العامي وإن كان بالحق مندرجاً تحت وجوب الحكم، لا تحت لزوم تنفيذه.)ودعوى خروج المتجزئ من إطلاق الأدلّة، ضعيفة؛ لشمول رواية أبي خديجة (1له، بل ورواية ابن حنظلة (2)لأن المقصود من الجمع المضاف فيها مطلق الماهية بقرينة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «روى حديثنا» ولأنّ أكثر نُوّاب الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) لم يثبت لهم الاجتهاد المطلق بل لولا الإجماع لكان ظاهر الرواية جواز الحكم لكلّ مَنْ روى حديثاً وعرف حكماً في تلك الواقعة المتنازع فيها، سواء كان عن اجتهادٍ أو تقليد أو سماع بعلم أو ظنّ شرعي، ويكون حاكماً وحكمه نافذ.)وبالجملة، فرواية ابن حنظلة وإن أشعرت بنصب المجتهد المطلق فليس فيها منافاة لنصب المتجزّئ، إلا على الأخذ بالمفهوم الضعيف، فلا إشكال في نفوذ حكم المتجزّئ.بل قد يقال: إنّه مع تراضي الخصمين بغير المتجزّئ في الحكم المقطوع به عنده الذي لا يحتاج إلى اجتهاد في طريقه ولا في إثباته ولا يتوقف على النظر في عدالة وجرح أو نحوهما فيه فإذا حكم عليهما مضى حكمه.#### ثانيها: جواز الرجوع في الحكم والفتوى والحقوق والولايات إلى المفضول مع وجود الفاضلثانيها: يجوز الرجوع في الحكم والفتوى والحقوق والولايات إلى المفضول مع وجود الفاضل: لدخول كلَّ منهما تحت عموم أدلّة النصب والولاية في الأخبار، سيما المرفوعة (3والمقبولة (4)، وفيهما: «إلى رجل منكم» لا إلى أفقهكم. نعم، ذكر الأفقه بعد ذلك عند الاختلاف.)وللسيرة القطعية من لدن زمن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ والتقريرهم أصحابهم على ذلك.)وللزوم العسر والحرج لولاه لعسر معرفة الفاضل من المفضول على العوام.نعم، لو علم اختلاف الفاضل والمفضول في حكم وعلم المقلّد ذلك الاختلاف، فلا يبعد القول بحرمة الرجوع إليه في الفتوى والحكم؛ لما يظهر من المقبولة في مقام اختلاف الراويين بل قد يخص ذلك فيما لو رجع المترافعان إليهما معاً واختلفا فهناك لا بد من الترجيح، وأمّا


1) راجع الهامش (2) من ص 264.

2) راجع الهامش (3) من ص 264.

3) راجع الهامش (2) من ص 264.

4) راجع الهامش (3) من ص 264.

مع الرجوع لواحد وهو المفضول فإنّه يلتزم بقوله وإن علم أن الفاضل قد خالفه.وعلى كل حال، فلو قلّد فاضلاً أو أخذ حكمه منه فعاد مفضولاً لفاضل آخر، لا يجوز له العدول عنه إليه.ولو قلّد المفضول مع عدم علمه بالخلاف أو حكم له فتبيّن له الخلاف، لم يجز العدول ولم ينتقض الحكم.وكذا لو لم يعلم بالفاضل والمفضول فقلّد المفضول أو أخذ منه الحكم، لزمه ذلك أيضاً.وبالجملة، فلو قلنا بلزوم تقديم الفاضل مع الاختلاف فهو شرط علمي لا وجوديّ، وشرط في الابتداء لا في الاستدامة، كلّ ذلك لعموم الأدلّة، ولم يثبت إجماع على لزوم تقديم الفاضل مطلقاً، والركون إلى القبح العقلي في تقديم المفضول ضعيف، إذ لعلّ المفضول أصاب ما لم يصب الفاضل، ولأنّ الظنّ بكلّيّ جواز الرجوع إلى المفضول أقوى من الظن الحاصل بفتوى الفاضل، على أن القبح في ذلك مخصوص بمنصب الإمامة المبنية على الرئاسة العامة وعلى العلم بالأحكام وعلى سياسات النظام وعلى التأسي بهم أفعالاً وأقوالاً في الأحكام، فالفرق جليّ والأمر غير خفيّ.#### ثالثها: في أنّ للفاضل أن ينفّذ حكم المفضول و إن اعتقد خلافهثالثها: للفاضل أن ينفّذ حكم المفضول وإن كانت فتواه أنّ حكم المفضول لا ينفذ مع وجود الفاضل إذا علم أنّ حكمه وقع على موجب فتواه وموجب ما يفتي به من الجرح والتعديل، بل ولو لم يعلم؛ لأصالة صحة حكمه فيما عدا مانعيّة المفضوليّة.بل للمجتهد أن ينفّذ حكم العامّي إذا علم أنَّه حكم على طريقة ما يفتي به، ويكون من قبيل إجازة الحكم.ولا بأس بإجراء حكم الفضولي في الحكم كمن باع مال غيره لنفسه فأجاز المالك له.#### رابعها: في أنّه لابد في القضاء من النصب عموماً أو خصوصاً من اللّه تعالى أورابعها: لا بد في القضاء من النصب عموماً أو خصوصاً من اللّه سبحانه أو من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أو من الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ). ولا يكفي نصب الرعية لو اجتمعوا على واحد.)نعم، لو تراضى الخصمان على واحدٍ بالتحاكم إليه نفذ حكمه عليهما وإن لم يكن منصوباً

من قبل أهل النصب؛ لفحوى النبوي: «مَنْ حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة اللّه» (1ولعمومات الأخذ بالحكم بما أنزل اللّه وبالقسط وبالعدل.)وظاهر الأصحاب قلة ثمرة هذا في زمن الغيبة. بل في زمن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ كالباقرين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)؛ لحصول النصب منهم لمن عرف حلالهم وحرامهم في زمن حضورهم وغيبتهم، حتّى لو كانوا متمكّنين من الرجوع إليهم جاز الرجوع إلى منصوبهم.)نعم، له ثمرة في زمن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وفي زمن عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).)وقد يقال: إن ثمرته في زمن الغيبة عدم رجوع الخصمين عمّن تراضيا عليه إلى غيره أو ثمرته حصول كونه قاضياً عليهم بالاعتبارين.وظاهر الأصحاب لزوم اشتراط شرائط القاضي الأصلي فيه من الاجتهاد وغيره.وقد يناقش في لزوم الاجتهاد فيه؛ لإطلاق الأدلّة.نعم، لا بد من كونه عارفاً باليقين أو بالظنّ الشرعي الاجتهادي أو التقليدي بكلّي الحكم في الواقعة الخاصّة، وبطريق كيفية الشهادة واليمين والنكول ونحوها فيها، وحينئذٍ فيمكن كون هذه ثمرة قاضي التحكيم في زمن الغيبة، وهو أنَّه لا يشترط فيه الاجتهاد في الحضور والغيبة، بخلاف القاضي المنصوب، ولكن مخالفة ما عليه الأصحاب لا يقتحم عليها فقيه.وعلى طريقة الأصحاب فقاضي التحكيم لا يتصوّر نصبه حال الغيبة، بل حال الحضور و عدم انبساط اليد، بل ومع انبساط اليد في زمن الصادقين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ؛ لأن في نصب المجتهد كفايةً عنه، وكلّ مَنْ تراضى به الخصمان من المجتهدين هو منصوب من قبلهم. نعم، في حال الحضور قبل زمان الصادقين قد تكون ثمرته بيان أن حكمه نافذ حكماً شرعياً أو الإذن في نفوذ الحكم منه بالخصوص وإن كان القاضي المنصوب موجوداً، بل والإمام موجوداً، بل قد يقال: إنَّه نصب مخصوص على جهة مخصوصة، والفرق بينه وبين المنصوب الخاصّ أنَّه لا يتعدّى إلى غير الحكم في الواقعة الخاصّة، ولا ولاية له على حدّ أو تعزير أو قاصر أو غائب.)


1) المغني المطبوع مع الشرح الكبير 11 : 485.

نعم، له أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، كغيره ممّن يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.ونقل عن السيد والشيخ جواز تولي الحدود منه (1لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية حفص: «إقامة الحدود إلى مَنْ إليه الحكم» (2).)وهو ضعيف؛ لظهور «مَنْ إليه الحكم» في الإمام أو منصوبه الخاصّ والعام.وقد استند بعض (3في الاستدلال على قاضي التحكيم برواية أبي خديجة والمقبولة (4).)وفيه ضعف؛ لظهور موردهما - كما فهم الأصحاب - في المنصوب العام، وهو المجتهد المطلق، فالعمدة في الاستدلال على ثبوت قاضي التحكيم الإجماع، وأيضاً قاضي التحكيم لا يحكم على الممتنع ولا على الغائب، بخلاف المنصوب، فإنه يحكم على الجميع، وأيضاً يجوز الردّ على قاضي التحكيم قبل الحكم، ويجوز عزله قبل حكمه من المدّعي والمنكر، بخلاف المنصوب، فإنّه لا يجوز للمنكر عزله ولا الردّ عليه بوجه.#### خامسها: في أنّ المجتهد المطلق منصوب نصباً عاماً فهو بمنزلة الوليّ المتصرّفخامسها: المجتهد المطلق منصوب نصباً عاماً، فمنزلته منزلة الولى المتصرف، ومعناه إعطاؤه هذا المنصب لا من باب الوكالة ولا من باب الإذن فلا ينعزل بموت الناصب؛ لأنّ الظاهر أنّها نصب من اللّه تعالى على لسان الإمام، ولو كانت وكالة صرفة لانعزل بموت الموكل.ويمكن أن يقال: إن المجتهد وكيل عن صاحب الأمر - روحي فداه - ومنصوب من قبل الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ الذين قبله ولا منافاة بينهما.)والفرق بينه وبين المنصوب الخاصّ أنّ نصبه يتبع ما نصب فيه من بلد أو صقع أو أمر خاصّ من حكم أو غيره أو ما يعتهما صريحاً أو فحوى، بخلاف المنصوب العام، فإن ولايته غير مقصورة ولا محصورة.


1) نقله عنهما الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 10 : 16؛ وراجع رسائل الشريف المرتضی 2 : 92 - 93؛ والتبيان 2: 565 – 566.

2) وسائل الشيعة 27 : 299 - 300، الباب 31 من أبواب كيفية الحكم...، ح 1.

3) راجع مسالك الأفهام 13 : 334 - 335.

4) راجع الهامش (2 و 3) من ص 264.

وأيضاً المنصوب الخاصّ ينعزل بموت الناصب، وينعزل إذا طرأ عليه فسق أو جنون. ولا يعود إلا بنصب جديد، بخلاف المنصوب العام، فإنه يدور مدار الوصف المنصوب لأجله، فمتى تحقق الوصف تحقق النصب.#### سادسها: في أنَّه لا يشترط في الإفتاء سوى الاجتهاد و استفراغ الوسع من المجتهد لتحصيل الظن بالحكم الشرعيسادسها: لا يشترط في الإفتاء سوى الاجتهاد واستفراغ الوسع من المجتهد لتحصيل الظن بالحكم الشرعي.ولا يشترط في الاستفتاء من المقلّد سوى ذلك وإحراز عدالته للوثوق بفتواه.نعم، لو كان الغالب عليه السهو والنسيان وعدم الضبط بحيث لا يركن إلى فتواه لم يجز استفتاؤه.وأما الحكم في حال الغيبة فلما كان منصباً من المناصب يقتصر فيه على ما يقطع بثبوته ونصبه.وأيضاً فالأصل عدم نفوذ الحكم إلا ما دلّ الدليل على نفوذه، فالمشكوك في شرطيته لنفوذ الحكم نجعله شرطاً، والمشكوك في مانعيته نجعله مانعاً، إلا أن يقوم إطلاق معتبر ينفى الشرطية والمانعية.ومما انعقد الإجماع على اشتراطه وقضت ظواهر الروايات به هو اشتراط البلوغ والعقل والذكورة والإيمان والعدالة وطهارة المولد والعلم.وكلّ ذلك لا كلام فيه سوى العلم، فالمتيقن منه هو العلم الاجتهادي؛ للاجماع المنقول (1، ولظاهر روايات القضاء، وأنّه منصب للعلماء لا لسائر مَنْ عرف ولو مسألة جزئية يمكنه القضاء بمضمونها، وكذا ظاهر رواية أبي خديجة والمقبولة (2)تدلّ على ذلك.)نعم، هل يكفي الاجتهاد المتجزّئ في القضاء فقط دون باقي الولايات، أو يكفي فيه وفي الولايات المترتّبة على ذلك القضاء، أو لا يكفى مطلقاً؟ وجوه، بل أقوال.ويقوى القول بكفاية القضاء للمجتهد المتجرّئ فيما تجزى فيه؛ لدخوله تحت إطلاق «العالم» و «العارف» وتحت ما دلّ على الحكم بالقسط والعدل، بل قد تشمله الروايتان


1) مسالك الأفهام 13 : 328.

2) راجع الهامش (2 و 3) من ص 264.

المتقدمتان (1سيّما رواية أبي خديجة، فإنّها كالصريحة فيه. ولكن ظواهر الإجماعات المنقولة والاحتياط والأصول العقلية وانصراف «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» (2)إلى المجتهد المطلق ممّا يبعد نفوذ حكم المتجزئ ويقرب اشتراط الاجتهاد المطلق. وتُحمل رواية أبي خديجة على معرفة استخراج الفرع من الأصل، وهو بالحقيقة شيء أو بعض شيء من قضاياهم.)واشترط جمع الحُرّيّة (3. والقول به قويٌّ في المنصوب الخاصّ والعام؛ لانصراف الأدلّة إلى الأحرار، وأصالة عدم النفوذ، ولأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء.)واشترط بعضهم (4البصر، فلا ينفذ قضاء الأعمى؛ لافتقار القاضي إلى التمييز بين الخصوم والكتابة، وللأصل.)والأقرب نفوذه؛ للعمومات والتمييز يكفي فيه غير البصر من الحواس والمعرفين، فلو عرفناه لم يميّز بحكومته لم ينفذ حكمه.واشترط بعضهم الكتابة (5لأصالة عدم النفوذ إلا معها، وهو ضعيف.)واشترط بعضهم الضبط (6، وهو حقّ إذا كان نسيانه غالبيّاً وسهوه أكثرياً، سيما لو لم تكن له تقوى تامة تمنعه عن الشرع في الفتوى. بل لا يمضى حكم بعض المتسرعين في الفتوى المتهجمين عليها قبل النظر التام، وكذا مَنْ كانت له حالة اللجاجة والشجاعة والإقدام على أدنى ظنّ يخطر له بالبال، وكذا مَنْ يرى نفسه أنّ ما يصل إليه لا يصل إليه أحد فيتهوّر ويفتي ولا يبالي، وكذا مَنْ يقوده إلى الفتوى حبّ الشيء يُعمي ويُصمّ.)وكل هذا لا ينافي العدالة؛ لوقوعه من الشخص غالباً من غير اختيار وتأمل وإن كانت مقدماته اختيارية.


1) تقدمتا في ص 264.

2) راجع الهامش (3) من ص 264.

3) المبسوط :8: 101؛ المهذب :2 : 599؛ إصباح الشيعة : 527.

4) كالمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 60 ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : 522.

5) المبسوط :8 120؛ السرائر 2 : 166.

6) شرائع الإسلام 4 : 59 قواعد الأحكام 3 : 421؛ الدروس الشرعيّة 2 : 65.

واشترط بعضهم السلامة من الخرس (1للأصل، والشكّ في نفوذ الحكم، ولظاهر قوله: «وروى حديثنا»(2)؛ وبعضهم السلامة من الصمم كذلك (3).)والأقرب شمول الأدلّة للأخرس والأصم، إلا إذا أدى خرسه وصممه إلى عدم الوثوق بإشارته وعدم الوثوق بفهمه بحيث استرابت النفس بإصابته؛ لخطئه غالباً، ولعدم معرفته كثيراً لقوات المطالب السمعية والنطقية عليه غالباً.وعلى كلّ حالٍ فلو قلنا باشتراط الكتابة والبصر والسمع في المنصوب الخاصّ فلا نقول به في العام ولا في قاضي التحكيم؛ لعموم الأدلّة من غير معارض، ومجرد الشكّ مع الإطلاق لا يكون شكاً معتبراً.#### سابعها: حكم ما إذا اختلف المتداعيان في الرجوع إلى أي المجتهدينسابعها: إذا اختلف المتداعيان في الرجوع إلى أي المجتهدين، لزم اتباع المنكر للمدّعي، أو اتباع مَنْ أراد الأسهل طريقاً والأقرب وصولاً، مع احتمال لزوم اتباع مَنْ طلب الرجوع إلى الفاضل مطلقاً. وهو بعيد، وكذا احتمال القرعة.نعم، لو علم اختلاف الفاضل والمفضول في ذلك الحكم، رجعا إلى الفاضل على الأظهر.ولو اختار كلُّ منهما الرجوع إلى مجتهد وكان أحدهما فاضلاً والآخر مفضولاً فلمّا رجعا إليهما اختلفا في الحكم، فلاشك في لزوم تقديم الأفضل، إلا إذا علم المقلّد أو المتداعيان أنّ حكم الأفضل مخالف للمشهور أو مخالف للكتاب أو موافق للعامة.وبالجملة، عرف ضعف دليل الفاضل بنفسه أو بنقل العارفين المطلعين له، فالأقرب: عدم وجوب الرجوع إليه.#### ثامنها : حكم ما لو رجع المتداعيان إلى غير المجتهدثامنها: لو رجع المتداعيان إلى غير المجتهد أو إلى حُكّام الجور من غير ضرورة، كانا عاصيين قطعاً.


1) قواعد الأحكام 3: 422.

2) راجع الهامش (3) من ص 264.

3) راجع إيضاح الفوائد 4: 299.

ولو أدت الضرورة إلى تخليص مال أحدهما بالرجوع إلى هذين فلا بأس؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولانصراف ما دلّ على المنع من الرجوع إلى غير أهل الحق وأنَّه رجوع إلى الجبت والطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به إلى غير الضرورة، ومن الضرورة الرجوع إليهم تقيّةً.وفي الأخبار أنّ الأخذ بقولهم سحت وأن المال لا يحلّ بحكمهم (1.)وهو في دعوى العين مع التهمة متجه لو أقام بيّنة عليها ولو عادلة عند حاكم الجور فأخذها بحكمه.نعم، له أن يأخذها بمجرّد البيّنة من دون ملاحظة حكم الحاكم الباطل في وجه قوي.أما لو كان قاطعاً بأنّ العين عينه وماله فلا يكون أخذها حراماً.نعم، قد يقال: إن أخذها بهذا العنوان حرام وإن كان التصرف بها حلالاً؛ لأنها ملكه.أما لو كانت الدعوى على دين فأخذه بحكم الجائر، فالظاهر شمول الأخبار له وأنَّه سحت، ولا يكون وفاءً له بذلك الأخذ إلا إذا امتنع الغريم بعد ذلك من الوفاء، فيكون مقاصةً، أو يرضى الدافع بكونه وفاءً له بعد الحكم.ولو كانت دعوى الدَّيْن تهمةً فأخذه بحكم الحاكم الجائر، فلا شك أيضاً أنَّه سحت صرف. نعم، لو أخذه من جهة البيّنة كان له وجه.#### تاسعها: منصوب المجتهد للولاية على الأيتام والأوقاف والغياب ينعزل بموته وجنونهتاسعها: منصوب المجتهد للولاية على الأيتام والأوقاف والغياب ينعزل بموته وجنونه إن كان النصب على جهة الوكالة عنه، وإن كان على جهة الوكالة عن الصاحب (عَلَيهِ السَّلَامُ أو على جهة أنَّه منصوب عن الصاحب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم ينعزل ؛ بناءً على عموم ولاية الحاكم حتّى في النصب عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ).)وقد يقال: إن نصب المجتهد في زمن الأئمّة السابقين إن كان على جهة أنّه منصوب عنهم أو وكيل لهم ينعزل، وإن كان على أنّه منصوب من اللّه تعالى أو منصوب عن كل إمام بعده لم ينعزل، وهذا الذي فهمه الفقهاء من نصب المجتهد المطلق فى أزمنة الأئمّة السابقين (عَلَيهِم السَّلَامُ.)#### عاشرها: في أن ولاية الحاكم عامة لكلّ ما للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ ولاية فيه)عاشرها: ولاية الحاكم عامة لكلّ ما للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ ولاية فيه؛ لقوله : «حجتي عليكم» (2))


1) وسائل الشيعة 27 : 13، الباب 1 من أبواب صفات القاضي...، ح 4.

2) راجع الهامش (3) من ص 263.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فاجعلوه حاكماً» (1)، حيث فهم الفقهاء منه أنَّه بمعنى الولي المتصرف، لا مجرد أنَّه يحكم في القضاء، ولأن الضرورة قاضية بمثل هذا المنصب، ولأن النائب في القضاء الذي هو أعظم كيف لا ينوب فيما هو أقل، ويتولّى المنصوب الخاصّ لجميع ذلك فالعام مثله، ولما ورد في جملة من الأخبار من الإذن في ولاية الأيتام لجملة من أصحابهم (2).)وكذا الحاكم الشرعي وكيل عن الصاحب فيما يعود إليه من أنفاله وأمواله، وقبضه قبضه؛ لمكان الضرورة والإجماع وظواهر أخبار النيابة والولاية، ولعموم (ما على الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (3).)بل لو فقد الحاكم الشرعي قامت عدول المؤمنين مقامه في الولايات وفيما يرجع إلى الحاكم وفيما يختصّ بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ: لمكان الضرورة ولعموم أدلّة الإحسان وعموم (وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (4).)بل قد يقال: إنّه مع الاضطرار ينوب العدل العارف بالحكم الشرعي عن الإمام في الحكم والفصل بين المتنازعين؛ لمكان الضرورة القاضية بلزوم قطع الخصومات ورفع المنازعات.وبالجملة، فرواية أبي خديجة: «فاجعلوه قاضياً فإنّي قد جعلته قاضياً» (5يُفهم منها التسرية إلى كلّ ما يدخل تحت نصب القاضي ذلك اليوم، والمعلوم ذلك اليوم أن مَنْ نُصب قاضياً رجعت إليه جميع الأُمور العامة فيما نصب فيه من البلدان، بل ربما يدعى أن مجرد غيبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وارتفاع سلطنته قاض بمقتضى اللطف بتولّي جميع ما يعود إلى العالم بأحكامه، وإلا لزم الهرج والمرج وتعطيل الحقوق وضياع الأموال وتشتت الأمور العامة، وكما قضت الضرورة بالأخذ بالظنّ بعد انسداد باب العلم وقضت بجواز الاجتهاد والتقليد قضت بتفويض الأمور إلى العالم بالأحكام الشرعيّة الفرعية.)نعم، ما دام موجوداً لا يرجع إلى غيره؛ اقصاراً في الضرورة على قدرها.


1) راجع الهامش (2) من ص 264.

2) راجع وسائل الشيعة 17 : 363، الباب 16 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 2.

3) التوبة (9): 91.

4) التوبة (9): 71.

5) راجع الهامش (2) من ص 264.

#### حادى عشرها : فيما إذا كان الحاكم غير عدل فهل له تولي القضاء والغياب العامة والفتوى؟حادي عشرها: إذا كان الحاكم غير عَدْلٍ، فهل له تولّي القضاء والأمور العامة والفتوى للغير وقبض حقّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ وإن لم يجز للغير الركون إليه في شيء من ذلك، أو ليس له؛ لأنّ المتيقن من نصب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمجتهد هو ما إذا كان واقعاً عَدْلاً بحيث يعرف من نفسه العدالة، وإلا لم يكن منصوباً، وكذا المنصوب الخاصّ لو نصبه الإمام وكان يعرف من نفسه الفسق؟ وجهان، والأظهر في الفتوى والقضاء جوازهما، وأما في غير الفتوى والقضاء: فإن عرف من نفسه الأمانة جاز له تولّي الأموال، وإلا فلا يجوز له، ويكون تصرفه فضوليّاً.)#### ثاني عشرها: في أنّ حكم المجتهد يمضي على مقلّدته في كلّي ذلك الحكمثاني عشرها: حكم المجتهد يمضي على مقلّديه في كلّي ذلك الحكم، وأما على مجتهد آخر يخالفه فيه أو على مقلّد مقلد مجتهد آخر يخالفه فيه بعد تقلّده له فيمضي ظاهراً، ويلزم المجتهد تنفيذه والإذعان به، ولا يجوز له الردّ عليه في الظاهر؛ لعموم الأدلّة، وأما في الباطن فهل يلزمه إمضاؤه وإن كان ظنّه بخلافه ما لم يكن قاطعاً بالخلاف فلا يمضيه مع القطع إجماعاً، أو يلزمه باطناً العمل على اجتهاده؟ وجهان من عموم لزوم الحكم، وعدم جواز الرد، وضعف المعارض؛ لعدم ما يصلح للمعارضة سوى الدليل الظنّي الواجب عليه العمل به، ووجوب العمل به حتّى في معارضة الحكم مشكوك به، والأصل عدم جواز العمل بالظن، ومن أنّ المجتهد لا حكم اللّه في حقه سوى ما أدى إليه اجتهاده.وعموم وجوب العمل بظنّه مقطوع به في الكتاب (1والسنّة (2)، ولا معارض له سوى ما دلّ على عدم جواز الرد، فيجمع بينهما بالأخذ بظنّه باطناً وعدم ردّه ظاهراً.)وعلى هذا فلو حكم على مجتهد بطلاق زوجته أو بحرمة ماله أو بزوجية امرأة وكان المجتهد لا يرى ذلك، نفذ حكمه ظاهراً، وجاز له باطناً الاستمتاع بالزوجة وأخذ المال ونحو ذلك.والأحوط تنفيذه ظاهراً وباطناً.وأما لو خالف المجتهد مجتهداً آخر فى الفتوى وكانت لا تعود إليه، فمن المقطوع به عدم جواز ردّها، ولزوم تنفيذها بمعنى إمضاء صحة حكمه والإلزام بالعمل به، لا بمعنى أن يحكم به.


1) التوبة (9) : 122.

2) راجع وسائل الشيعة 27 : 136 وما بعدها، الباب 11 من أبواب صفات القاضي... .

#### ثالث عشرها: في أن للمجتهد أن يحكم بحكم مجتهد آخرثالث عشرها: للمجتهد أن يحكم بحكم مجتهد آخر إذا علم أن الأوّل قد حكم على طريقة مذهبه وأخذ على نحو ما يأخذ به من البيّنة واليمين، بل يجوز التداعي عند شخص وإقامة البيّنة عنده، ويجوز صدور الحكم من الآخر، ويجوز الحلف من المنكر عند حاكم بل اليمين المردودة والحكم عند آخر إذا علم بصدور اليمين منه عند الحاكم الأول.وكلّ أمرٍ يتعلّق بصحة أو بطلان في عبادة أو معاملة من غير وقوع نزاع أو اختلاف أو نظر إلى شيء خاصّ كـ«حكمت عليك» فهي فتوى لا يلزم المجتهد الآخر ولا مقلّدته اتباعها، فلو ذهب إلى أنّ مَنْ فعل كذا كان كافراً، أو من ترك كذا صح قتله، أو من اعتقد كذا كان نجساً، أو مَنْ باع كذا صح بيعه، كان الجميع فتوى يجوز للمجتهد الآخر نقضها، والأخذ بما أدى إليه نظره فيها.ولو كان ذلك في مقام خصومة أو نظر إلى شيءٍ خاصّ كـ «حكمت على هذه العين بكذا» كما إذا اختلفا في صحة البيع أو النكاح أو الطلاق أو فسادها أو في نجاسة شيءٍ وطهارته عيناً بعد بيعه، أو في جواز قتله وعدمه فحكم بجواز قتله، أو في جواز استرقاقه وعدمه فحكم بجواز استرقاقه، كان ذلك حكماً لا يجوز نقضه وتبديله.### مسائل :#### المسألة الأولى: في أن القاضي يحكم بعلمه في الجملة##### إشارة:المسألة الأولى: القاضي إماماً كان أو غيره يقضي بعلمه في الجملة إجماعاً محصلاً ومنقولاً (1.)##### إنّما الكلام في تفصيل هذه الجملة فهنا مقامان:###### المقام الأوّل: في بيان علم الإمام وهل هو عالم بكل شيء فعلاً أم لا؟[المقام] الأول: في الإمام وكذا مَنْ هو أعلى منه درجة كالنبيّ (عَلَيهِ السَّلَامُ، وخلاصة القول في ذلك أن للإمام علماً ناشئاً من الأسباب العادية على حدّ علم غيره من البشر، وله علم غيبي ناشئ عن أسباب إلهيّة.)وهل هو عالم بكلّ شيءٍ فعلاً؟ في بعض الأخبار (2ما يدلّ على ذلك، وفي بعضها (3)- وهو الأكثر والموجود في كتب السير - أنَّه لا يعلم كلّ شيءٍ فعلاً.)


1) الانتصار : 486، المسألة 271؛ إيضاح الفوائد 4 : 312.

2) الكافي 1 : 260،وما بعدها باب أن الأئمّة يعلمون علم ما كان... .

3) المصدر : 258، باب أنّ الأئمّة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا، ح 1 - 3.

وعلى الأخير فهل يعلم الأحكام كذلك فعلاً فقط، أو أنّ الأحكام كغيرها كذلك أيضاً؟ في بعض الأخبار (1ما يدلّ على الأوّل، وفي بعضها (2)ما يدلّ على الأخير، إلا أنّ الأقوى في الأحكام الأول، وهو المناسب لارتفاع مرتبتهم وعلو شأنهم وأنهم فوق المخلوق ودون مرتبة الخالق وأنكم قولوا فيهم ما شئتم إلا الربوبية.)وما ورد من انتظار الوحي منهم في الأحكام محمول على تأخير البيان بعد العلم به لمصلحة، أو أنّ الانتظار لخوف البداء الذي تقوله الشيعة.ولو قلنا: إنّهم غير عالمين فعلاً بجميع الأشياء أو بجميع الأحكام، فلا بد أن نقول: إنَّهم إذا شاؤوا أن يعلموا علموا في حكم شرعي أو غيره، وطريق علمهم بذلك بإلهام أو بجفرٍ أو بجامعة أو بغير ذلك ممّا يعلمون به.وهل لهم أن يشاؤوا علم جميعا الأشياء دفعةً أو الأحكام، أو ليس لهم ذلك إلا بما شاؤوا من الجزئيات؟ كلام يحتاج إلى البحث في ذلك.ولا يستبعد من فحاوى ما دلّ على مرتبتهم وعلوّ منزلتهم ذلك وإن كان الظاهر أنَّهم ما شاؤوا ذلك.ثم على تقدير توقف علمهم الغيب على المشيئة فما علموه من الغيب بالمشيئة ولم يكن على جهة العلم العادي، فهل يجوز لهم العمل به أو يجب عليهم، أو لا يجوز لهم بمعنى سقوط أثره بالنسبة إليهم؟وكذا غيرهم لو علم بالعلم الغيبي من إخبار إمام أو من مكاشفة أو نحو ذلك جرى فيه الكلام.وهل ينفذ حكمهم بالعلم الغيبي على غيرهم، أو لا ينفذ، أو لا يجوز الحكم به نفذ أم لم ينفذ؟ وجوه.وبالجملة، لو عرف الإمام بالعلم الغيبي أنّ شيئاً مغصوب أو ميتة أو نجس، فهل له أكله أو يحرم عليه؟ وهل له أن يحكم عليه بما علم أو ليس له ؟وهل له أن يحكم بضدّه على ما هو الظاهر من الحل والطهارة والتذكية؟


1) الكافي 1 : 227 - 228، باب أن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) عندهم جميع الكتب... .

2) راجع الهامش (3) من ص 278.

وهل له أن يتزوج الامرأة المعقودة عليها بالعلم الغيبي، وكذا الأمّ والأخت؟وهل له أن يحكم بذلك، أو يحكم بعدمه، أو يتوقف عن الحكم؟وهل ينفذ حكمه، أم لا؟ظاهر سيرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بعده عدم اعتبار العلم الغيبي لمباشرته للمنافقين ومساورته ومناكحته وإجراء أحكام الإسلام عليهم، ومن المعلوم علمهم فعلاً أو بالمشيئة بكفرهم ونفاقهم.)وفي الخبر عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لو كنتُ راجماً من غير بيّنة لرجمتها» (1)ما يدل على عدم اعتبار)العلم الغيبي وعدم جواز العمل والحكم به وكذا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «خمسة يؤخذ فيها بظاهر الإسلام: المناكح والشهادات» (2).)نعم، لو اقتضى الإعجاز الحکم به جری حکمه به.ولو حكم بتنفيذه لزم إنفاذه.واستبعاد أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يأكل الميتة والنجس والمغصوب ويتزوج المحرّمة وهو عالم بها، مردود بأن هذا انقلاب تكليف، فيعود بالنسبة إليه طاهراً حلالاً واقعياً ثانوياً بتبدل الموضوع. أو أنَّه تكليف ثانوي ظاهري بالنسبة إليه، كتكليف العالم والجاهل.)وكذا حكم كلّ من اطلع عليه بالعلم الغيبي غير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ.)وقد يفرّق بين ما كان الجهل عذراً فيه كالطهارة والنجاسة، وبين غيره كالميتة والزني.نعم، لو علم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بالعلم العادي لزمه العمل به، وإنفاذ حكمه فيه إجماعاً وكتاباً وسنّة كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.)ولو قلنا: إن علم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ بالمشيئة، فما لم يشأ يعمل بالظن الشرعي قطعاً.)وهل له أن يعمل بحكم غيره من مناصيبه، كما إذا حكم أحد مناصيبه بالهلال، أو يجب أن يباشره هو ؟ محلّ تأمل.


1) عوالي اللآلي 3: 518، ح 14 سنن ابن ماجة 2 : 855 - 0856 ح 2560.

2) وسائل الشيعة 27 : 289، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1 و 392 - 393، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

وهل تجري على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ الإدراكات الباقية التابعة للجهل من الشكّ والظن والوهم فيعمل بالمشكوك به والمظنون والموهوم علينا في عباداته ومعاملاته ما لم يتقدم ذلك سهو ونسيان، فيصلّي إلى القبلة المظنونة عادة ويعمل بالأصل في مقام الشكّ والوهم، ويصلي بالوقت المظنون في محلّه، أم لا يجري عليه الجهل بالموضوع، كما لا يجري عليه الجهل بالحكم؛ لنقصان الجهل وعلو مرتبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه.)أما لو علم خلاف المظنون عادة وخلاف المشكوك به عادة بالعلم الغيبي فتركه والعمل بما يظن به عادة ممّا يشكل القول به.وكذا غير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ من الحُكّام لو علموا ذلك بالغيب، وسيما لو تعلّق العلم الغيبي بعدم صدور القتل ممّن قامت عليه البيّنة بالقتل وعدم صدور شرب الخمر أو الزنى، فأمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقتله ورجمه مع العلم الغيبي بانتفاء ذلك ظلم.)ولعلّك تقول: لا ظلم لعلم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ بقتله بالطفّ وعلم الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسمّه وعلم عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقتله وعلم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بإفشاء عائشة السرّ ومع ذلك أقدموا على القتل وإفشاء السرّ، ولا يكون ذلك إلا بعدم الاعتبار بالعلم الغيبي.)نعم العلم العادي للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ ينفذ به حكمه ويجب عليه الحكم به، والحكم مثال، بل يجب عليه الحدّ به والقصاص، ولا يجوز العدول عنه، ولا تجوز معارضته، وقد قتل علىٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأعرابي لتكذيبه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و صدق قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من العلم العادي لعليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)وإنكار الصحابة على أبي بكر في ردّ قول فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وشهادة الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) من جهة عدم حكمه بالعلم العادي الحاصل من صدق قول المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ).)ويظهر من ذلك أن المحاريب التي قد صلّى إليها إمام أو الجهة التي دفن فيها لا تدلّ على الكعبة واقعاً وقطعاً.وقد يقال: إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أظهر أحكاماً بالعلم الغيبي فحكم بها كقضية الحبلى (2)وغيرها(3). ونفّذ حكمه فيها.)


1) وسائل الشيعة 27 : 274 - 275، الباب 18 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

2) بحار الأنوار 4 : 242، ح 20.

3) المصدر : 218 وما بعدها.

قلنا: نعم قد نفّذ فنفذ، وكونه نفذ من غير أن ينفذه محلّ كلام.وبالجملة، فالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ لو صدر منه القول الواحد، فإن كان بصورة الخبر أو الشهادة وجب تصديقه، وإن كان بعنوان الإلزام والحكم أو بعنوان العمل بحد أو قصاص، فإن كان حكمه بالعلم الغيبي ففي نفوذه والعمل به كلام، وإن كان بالعلم العادي فلا شك في نفوذه والعمل به.)وأما غيره من الحُكّام فالقول الصادر منه إن كان خبراً أو قصد الخبرية أو شهادة وقصدها كذلك، كان حكمه حكم المخبرين والشاهدين وكذا لو كانت فتوى لزم قبولها، وإن صدر بعنوان الإلزام فهو الحكم المبحوث عنه في أنّه يحكم بعلمه أم لا، بمعنى أنَّه ينفذ حكمه، أم لا؟ ولا ملازمة بين قبول شهادته بعلمه وبين نفوذ حكمه كما لا ملازمة بين قبول حكمه وحده وبين عدم سماع شهادته وحده من دون انضمام شاهد آخر أو يمين في كثير من المقامات.نعم، قد يقال: إنّه يلزم القائل بنفوذ حكمه أنَّه لو حكم بأنّ هذا قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ حيث إنَّه علم به لزم إنفاذه عند جميع الأحكام والعمل به، وهو لا يلتزمه أحد، إلا أن يمنع نفوذ حكمه بالموضوعات مطلقاً أو فيما إذا حكم بعلمه، أو يقال: إن هذا لا ينفك عن الفتوى، فهو فتوى قطعية لا حكم بالعلم.)ومن محلّ المسألة أنّ المجتهد هل يعمل بعلمه من حدّ وقصاص وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ويجب عليه ذلك، أم لا؟ وهل يجب على غيره تسليم ذلك له والإذعان له لو علم بعلمه في حكومته، بل ولو لم يعلم غيره بعلمه لزمه التسليم بمجرد دعواه؟ فلو نهب مال زيد - أو تزوج امرأة - وقتله وقال: حكمت بكفره بعلمي، أو حكمت بأنّ ماله لغيره كذلك، لم ينازعه ولا يحكم بفسقه، ويجوز أخذ المال من يده وتزويج الامرأة لغيره.ومحلّ البحث في العلم العادي وهو المأخوذ من الطرق العادية، لا المأخوذ من طرق المكاشفات والإلهامات؛ لأنّ ذلك من العلم الغيبي.والأقرب عدم نفوذ حكمه به لو صدر منه الحكم بذلك العلم وعلمنا أن مستند حكمه ذلك العلم الغيبي، أما لو لم يُعلم المستند أُخذ بصحة الحكم منه ظاهراً.ولو ادعى المحكوم عليه أنّه حكم عليه بالعلم الغيبي، فهل القول قول المجتهد من دون يمين، أو بيمينه؛ لأصالة صحة الحكم، فينفذ لأصالة الصحّة، أو القول قول المحكوم عليه؛

لأصالة عدم النفوذ فيطلب البيّنة من الحاكم على الحكم بعلمه العادي، أو استناده إلى بيّنة أو شياع؟ وجوه، ولا يبعد الاكتفاء بقول المجتهد بيمينه؛ لأصالة الصحّة وطلب البيّنة من الحاكم أمر صعب غالباً، بل لا يبعد عدم سماع الدعوى من المحكوم عليه؛ لإفضاء سماعها إلى فساد الحكومات غالباً وإدخال المهانة والفضاحة على الحكام.وليس من المسألة قضاء القاضي بعلمه المستند إلى الطرق الشرعيّة، كالبيّنة والشياع؛ لأنها حجّة وإن لم تفده علماً، فكيف ولو أفادته.وللأصحاب في نفوذ الحكم بالعلم العادي من غير الإمام أقوال:النفوذ مطلقاً، وجواز العمل به مطلقاً،، وهو المشهور، بل ظاهر إطلاقهم شموله للعلم الغيبي. ولكنه بعيد.والمنع مطلقاً. وهو المنقول عن المرتضى عن ابن الجنيد (1، وظاهر النقل عدم نفوذ الحكم وعدم العمل بالعلم في حدّ أو حقّ إلهي غير الحدّ أيضاً.)والمنع في حقوق اللّه حداً أو غيره نفوذاً أو عملاً دون حقوق الناس، ونقل ذلك عن ابن إدريس وابن حمزة (2لبناء حقوق اللّه على التخفيف وعلى درئها بالشبهة، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لو كنت راجماً من دون بيّنة لرجمتها» (3).)والمنع في حقوق الناس دون حقوق اللّه، ونقل عن ابن الجنيد في المختصر الأحمدي (4.)والمنع منه إذا لم يحضر الخصم ويجتمع المتداعيان فيعلّمهم بعلمه ويذكرهم بالقضية إن ذكروها، ويقول لهم: هل تحلفون أم لا؟ فإذا أبلى العذر قال لهم: أنا عالم بها، فيحكم بعلمه، وجنح إليه بعض المتأخّرين (5.)وظاهره عدم التفاوت بين حقّ المخلوق والخالق حداً أو غيره، فلا ينفذ حكمه على هذا القول مع غيبة الخصم أو غيبة ذي الحد، أو ابتداءً من دون حضور الخصوم وإبداء الدعوى وشرحها.


1) الانتصار : 488، المسألة 271؛ وحكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 401، المسألة 11.

2) الوسيلة : 218؛ السرائر 2 : 179.

3) راجع الهامش (1) من ص 280.

4) حكاه عنه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13 : 383 - 384.

5) لم نتحقّقه.

واستند لأصالة عدم النفوذ وللزوم التهمة في الحكم ولاختلال النظام بصدور هذه المبادرة من الحكام.وأقصى ما للمانعين مطلقاً الأصل ورواية «لو كنتُ راجماً» (1إلى آخره، وأن فيه تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُوا أَنْفُسَكُمْ) (2)وأن فيه التجسس المنهي عنه (3). ولأن فيه تهمة والحكومة لا تسمع معها كالشهادة.)وقد يستدلّ له بخلق الأخبار عن الحكم بالعلم وأنها إنما علقت القضاء في جميع الأخبار بالبينات والأيمان (4، ولم يذكر معها الحكم بالعلم، وأن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) لم يزالوا يحكمون بالبيّنة واليمين مع علمهم بالحال فعلاً أو بالمشيئة.)ومن المعلوم عدم المطابقة بين علمهم والبيّنة واليمين في جميع أحكام الدعاوي ولم يزالوا يوقفون الحكم والحدّ على وجود البيّنة، ولم ينقل عنهم أنَّهم ردوا بيّنة في حدّ أو قصاص أو قطع خصومة لعلمهم بخلافها، أو حكموا ابتداء على شخص بحقِّ مخلوقي أو خالقي وأسندوا ذلك الحكم إلى علمهم.وقد يردّ جميع ذلك بأن الأصل مقطوع، والرواية ضعيفة، وفي دلالتها إجمال، وأنَّه ليس في الحكم بالعلم تجسّس ولا تزكية نفس، ونمنع التهمة في الحكم بالعلم مطلقاً.نعم، إذا عادت إلى نفسه أو إلى وليه أو إلى ما أوصى به لأمكن ردّ قضائه بها لمكان التهمة، فإذا لم يعد الحكم إليه بوجه فعدالته تمنعه عن وصول التهمة في حقه، وكذا منصبه.وأما دعوى خلوّ الأخبار عن التعرّض للحكم بالعلم فللاتكال على ما هو معلوم من قوّة الحكم به وتقديمه على البيّنة، وكونه أحق به.ومع ذلك فلندرة وقوعه عند القُضاة ولو وقع لم يحتج إلى بيان؛ لأنَّه ما وراء العلم شيء ترك التعرّض له، بل كلّ ما علّق الحكم فيه على الأمر الواقعي من حدّ أو قصاص كان دالاً على لزوم العمل والحكم به عند العلم والقطع من الفقيه فيه.


1) راجع الهامش (1) من ص 280.

2) النجم (53) : 32.

3) راجع الحجرات (49) : 12.

4) وسائل الشيعة 27 : 229 - 230، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم...،ح 2 و 232 - 233، الباب 2 من تلك الأبواب، ح 1 و 3.

وقد يستدلّ على الأوّل بأنّ العمل بالبيّنة المفيدة للظنّ ممّا يستفاد منه العمل باليقين بطريق أولى، وبالاستقراء القطعي في المقامات الفقهية والأحكام الشرعيّة من لزوم العمل بالعلم والقطع، وهذا منها.وبجميع ما دلّ على حدّ السارق والزاني (1، وما دلّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2)، فإنّها كلّها معلّقة على الأمور الواقعية، فإذا أصاب الحاكم الواقع بعلمه لزمه إمضاء ما أمر اللّه تعالى به.)وبالإجماعات المحكية على لسان غير واحدٍ من الأعاظم (3.)وبإنكار الصحابة على أبي بكر حيث إنّه لم يحكم بعلمه في فدك مع إخبار فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ والحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) المعلوم صدقهما عنده.)وبحكم عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ بالناقة أنَّها لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؛ لعلمه بصدق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيث أخبر أنَّها له وقتل الأعرابي لتكذيبه النبيّ(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (4).)وبشهادة ذي الشهادتين بما قاله النبيّ له؛ لعلمه به (5، والشهادة كالحكم.)وبحديث عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ حيث قال لشريح حيث طلب منه شاهداً: «إنّ إمام المسلمين يؤمن على ما هو أعظم من ذلك» (6).)وبأن عدم القضاء بالعلم يؤدّي إلى إيقاف الحكم أو الفسق من الحاكم كما إذا طلق أحد ثلاثاً بحضرته فأنكر، فلو لم يحكم بعلمه للزم إمّا تسليمها إليه فهو فسق وإعانة على الإثم والعدوان، وإما ترك الحكم وقد قال سبحانه وتعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ(7)و «إذا حكمت فاحكم بالعدل» (8)ولا ريب أن الحكم بالحق)


1) المائدة (5): 38؛ النور (24) : 2 .

2) آل عمران (3) : 104 و 110 و 114؛ لقمان (31) : 17.

3) الانتصار : 486 - 488، المسألة 271؛ الخلاف 6 : 242 - 244 المسألة 41؛ غنية النزوع 1: 436؛ نهج الحق : 563 / 3.

4) راجع الهامش (1) من ص 281.

5) وسائل الشيعة 27 : 276 الباب 18 من أبواب كيفية الحكم...، ح 3.

6) المصدر : 265 - 267، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم...، ح 6.

7) سورة ص (38): 26.

8) الآية 42 من سورة المائدة (5) هكذا : (إنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ).

والعدل هما الواقعيان والطريق إلى الواقعي العلم ضرورةً وبديهة، ولم يكلفنا بغيره، بل ما دلّ على النهي عن غيره دليل على التعبد به بل ما دلّ على نصب المجتهد حاكماً و «أنه حجتي عليكم وأنا حجة اللّه» (1دليل على جواز حكمه بعلمه، كالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنَّه بمنزلته، وحكمه حكمه، وعمله عمله، وإذا جاز العمل عليه بما عمل جاز له الحكم؛ لعدم القائل بالفرق بل العمل حكم وزيادة.)###### المقام الثاني: في أنَّه لا يجب على الحاكم الثاني تتبع أحكام الأولالمقام الثاني: لا يجب على الحاكم الثاني تتبع أحكام الأول، بل ولا أحكام نفسه؛ لأصالة الصحّة والنهي عن التجسّس (2ربما يمنعه في بعض المقامات.)نعم، لو اقتضى المقام التتبع جاز، كما إذا ادعى على الحاكم أو التمس منه مخافة لزوم فسادٍ أو نحوه.وكذا المفتي لا يجب عليه تتبع فتاوى غيره ولا فتاوى نفسه، ولا يلزمه تجديد النظر وإن كان في بعض المقامات أحوط.ولو وقع التتبع في المقامين فوجد الحكم أو الفتوى قطعاً عنده لا ظنّاً مخالفتان للقطعي، وبالجملة قطعي البطلان، نقضهما، سواء كانت الفتوى مبنيّةً على الدوام كالعقود والطلاق والعتق، أو التجدّد كالعبادات وأعاد مقلّدوه وأمر مقلّدى غيره بذلك ونقض أثر الفتوى المبنية على الدوام، وكذا الحكم؛ لظهور أنَّه حكم بغير ما أنزل اللّه، والتصويب ليس من مذهبنا.ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه في المبسوط أن الحكم المخالف للقاطع إن كان في حقوق اللّه نقض، وإن كان في حقوق الناس لم ينقض (3)لاحتمال إسقاط صاحب الحق حقه. وفي القواعد (4)ميل إليه، وهو ضعيف ويلزمه الفتوى كذلك.)ونقل عن الشيخ وابن حمزة جواز نقض الحكم عند تبيّن المخالفة للقطعي أو الظنّي بالقطع أو الظن المعتبر شرعاً (5على الأظهر.)


1) راجع الهامش (3) من ص 263.

2) الحجرات (49) : 12.

3) المبسوط 102:8.

4) قواعد الأحكام 3: 433.

5) المبسوط :8 : 101؛ الوسيلة : 210.

وتردّه السيرة القطعية في الظنّي في الجملة والاستصحاب.ومنهم - كالشهيد - فصل في الظنّ، فإن كان قطعي السند كنص الكتاب أو السنة المتواترة أو خبر صحيح أو مفهوم موافقة في الكتاب أو السنة المتواترة أو منصوص العلة وظهر مخالفة الحكم له - والظاهر أن الفتوى مثله - جاز نقضه (1.)وإن كان ظنياً قد تغيّر فيه اجتهاد المجتهد الأوّل أو اختاره الثاني، جاز نقضه، كأنواع التراجيح في الأخبار ومسائل الدوران وتقديم الصحيح أو المشهور وتقديم التخيير أو الترجيح أو غير ذلك، جاز نقضه (2.)ثم إذا نقض مجتهد حكم آخر، لزم على مقلديه النقض.وهل يلزم على المجتهد الآخر ومقلّديه أم لا؟ وإذا سمع الآخر بنقضه فحكم بنقض النقض، فهل يتبع أو يبطل نقض كل منهما نقض الآخر ؟ثم إن نقض الحكم قد يكون لخلل في الحاكم حين الحكم، أو المفتي حين الفتوى بجنون أو فسق أو غيرهما ممّا هو شرط في القضاء أو الفتوى، أو لخلل في استنباطه وإن كان حكمه موافقاً للأدلة إلا أنّه لم يأخذه عن دليل، أو لخلل في دليله، كما إذا ركن إلى الشاذ وترك الصحيح المشهور على نحو ما تقدم (3.)وفي جميع هذه الصور لو كان الحكم موافقاً لرأي المجتهد الثاني هل له إمضاؤه وإجازته؟ والظاهر أنّ الحكم ممّا لا يجري فيه الإجازة لنفسه أو لغيره.ولو ترتب على الحكم والفتوى عمل موافق كبيع مال الطفل أو إعطاء الخمس أو الزكاة لأهله، أو طلاق جبر ما يجوز للحاكم أو بيع كراهة له تولّيه أو أخذ مال من حقّ الميّت للفقراء والمساكين، فهل له إجازة ذلك؟ الظاهر أن له ذلك.وبالجملة، فالعدالة هل هي شرط في إنفاذ الحكم على الغير وأخذ الفتوى منه وتسليم الحقوق ونحو ذلك، أو هي شرط له في نفسه وفي نصبه من حيث هو فلا يجوز أن يحكم


1) الدروس الشرعيّة 2 : 76.

2) قوله : «جاز نقضه» وقع مكرّراً، ويحتمل أن في العبارة زيادة.

3) تقدّم آنفاً.

ولا يقبض حقاً ولا يبيع مال غائب أو يتيم ولا يطلق كرهاً في مقامه ولا يجبر أحداً، وتصرفاته كلها فضولية؟ والثاني قريب فيما عدا الفتوى، فإنّ له العمل بنفسه قطعاً.ولو تغير رأي المجتهد من ظنّي إلى آخر في العبادات، عدل هو ومقلدوه؛ للإجماع، ولولاه لأمكن المناقشة في وجوب العدول. ولا يجب عليهم القضاء مع المخالفة، سواء كان تغيّر الاجتهاد في الشرائط الواقعية أم العلمية؛ للإجماع، ولولاه لأمكن المناقشة؛ لصدق الفوت.ولو تغير اجتهاد المجتهد في العقود أو الإيقاعات أو الأحكام وقد عمل برأيه الأوّل السبب لكن بقي مسببه أو عمل حكماً لكن بقي أثره كما إذا باع واشترى معاطاةً أو أخذ المارة فباعها أو صالح على مجهولٍ أو زارع بشرط شيء معين أو استعبد بشرط الرقية أو نكح أمه من دون خوف العنت أو تزوج المطلقة ثلاثاً مرسلة أو طلق زوجته ثلاثاً مرسلة أو أخذ الحبوة عيناً أو صاد السمك بالخروج لا بالإخراج أو ذكى بغير حديد أو غير ذلك، فعدل عن الجميع وعيّن الثمن والمثمن عنده وكذا الزوجة واللحم والعبد - فهل يحرم عليه الجميع ويجب عليه الردّ مطلقاً، أو لا مطلقاً، أو يفرّق بين العدول في الأسباب من العقود والإيقاعات فيمضى عليه وبين الأحكام كالذبح والمواريث مع بقائها والتحليل والتحريم المضافان للأعيان مع بقائها فلا يمضى أو بين ما تصرّف فيه فنقله كالعبد باعه والسمكة نقلها والميراث أتلفه، وبين ما لم يتصرّف فيه فيمضى أثره؟ فلا بد من التأمل.وأما اختلاف فتوى المجتهدين، أما في العبادات فكل منهما يبني على صحة عمله، ولا أستبعد جواز ائتمام أحدهما بالآخر سوى ترك القراءة وجواز استئجاره ونيابته، والأحوط ترك الائتمام مع فقد الشرائط الواقعية.وأما في غيرها كالفتاوى العامة، فما كان الاختلاف فيه في السبب جاز للآخر أخذ أثره، فيجوز لمن لا يرى بيع المعاطاة أن يأخذ ثمن من يرى جوازها وقد باع معاطاةً وقبض الثمن، ولا يجوز معاملته لمن لم ير جوازها؛ لأنّ العقد لا يصح من جانب دون آخر.وقد يحتمل الصحّة، فيكون مجموع العقد صحيحاً لمن يرى جوازها، ومجموعه فاسداًلمن يرى فسادها، وهو قوي، فتأمل. وأما اختلافهما بالأحكام فالظاهر أنّه لا يجوز أكل صيد من يرى أن صيد السمك

بالخروج لمن يرى أنَّه بالإخراج، ولا يجوز أكل العصير الزبيبي لمن يرى حرمته، ولا أكل مَنْ فقد شيئاً من التذكية عنده وإن ذكاه مَنْ يرى جوازه، ولا يجوز تزويج المطلقة ثلاثاً مرسلةً لو طلقها المجيز لذلك لمن لا يرى ذلك، ولا استخدام مَنْ شرطت رقيته لمن لا يرى ذلك.وكذا لو اختلفا في الحكم بكون هذه مطلقةً أو مزوّجةً، أو أن هذا نجس أو طاهر، أو أنّ هذا مال زيد أو مال عمرو أو أنّ هذا مذكّى أو ميتة.وبالجملة، فاختلافهم في الفتوى المتعلقة بالعقود أو الإيقاعات أو آثارهما أو في نفس الأحكام أو اختلافهم في الحكم الصادر عنهم ممّا يوجب العمل لكل منهما بما أدى إليه نظره، ولا يجوز له متابعة الآخر، ولا استعمال ما يستعمله، سوى آثار العقود والإيقاعات فيما عدا الفروج، فلا يبعد جواز استعماله للآخر، للسيرة، ولليسر وعدم العسر.ويجب على كلِّ منهما الإذعان للآخر وعدم الردّ عليه، فلو حكم حاكم بالهلال لزم حكمه على جميع الحكام إذا لم يكن بنظرهم واجتهادهم أنَّه خطأ، أما لو كان بنظرهم أنَّه خطأ كما لو حكم بشاهد واحد وكان عندهم أنّ الشاهد لا يحكم به الحاكم، لزمهم الإذعان به ظاهراً وتسليمه، ولكن لا يجوز لهم الإفطار بحكمه؛ لظنّهم خطأه في طريق الحكم.وخيال أنَّه يجب عليهم الإفطار تعبداً بعيد.#### المسألة الثانية: في تعريف العدالةالمسألة الثانية: العدالة ملكة، أو فعل ناشئ عن ملكة، أو فعل يصدر متكرّراً من الشخص من فعل الواجبات واجتناب المحرمات من دون نظر إلى أمرٍ آخر، أو أمر عدميّ، وهو عدم الفسق عمّا من شأنه الفسق.والذي يظهر من المتأخّرين الأول، واتباعهم حسن؛ لأنّ العدالة من الموضوعات الشرعيّة فلا يقصرون فيها عن أهل اللغة في بيان معاني الألفاظ.والذي يظهر من الأخبار هو الثالث، ولا تخلو الأخبار عن الإشارة إلى الملكة؛ لأن فيها: «بما تُعرف» و «تُعرف» (1ولأن الغالب صدور هذا الفعل المتكرر عن الملكة.)ودعوى أن العدالة هي نفس حسن الظاهر، أو أنَّها ظاهر الإسلام، ضعيفة لا يساعد عليها ظاهر الأخبار.


1) وسائل الشيعة 27: 391 الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

نعم، الطريق إلى الملكة قد يكون الصحبة المتكرّرة والخلطة المتأكدة الواصلة إلى حدّ العلم أو الظنّ بالملكة لمكان تعسّر العلم غالباً، فيؤخذ بالأقرب فالأقرب.وهل يكون الطريق حسن الظاهر ؟ وجه قريب؛ للزوم العسر والحرج لولاه وتعطل الأحكام، ولكن ليس كلّ ظاهر حسن، بل ما أنبأ عن حسن الباطن من الإقدام على الطاعات واجتناب المحرمات ونحو ذلك.وهل يكفي الظاهر من الإسلام ولو كان محكوماً به للتبعية أو الدار؟ ذهب الشيخ إلى ذلك، وجعل الأصل في المسلم العدالة حتّى يقوم دليل على خلافها، واستدل بالإجماع وظواهر جملة من الأخبار (1.)والأصل مقلوب، والإجماع ممنوع؛ لضعفه عن مقاومة الإجماع أو المشهور حتّى كاد أن يكون إجماعاً على خلافه، والأخبار ضعيفة محمولة على التقية، والصحيح منها يمكن حمله على الأخبار المصرحة باشتراط الاطلاع على أعماله ومعرفته بالستر والعفاف والتجنّب عن المعاصي والملازمة على الجماعة، كصحيحة ابن أبي يعفور. (2.)وأضعف من قول الشيخ قول مَنْ مَنع اشتراط العدالة في الشهادة وجعل الفسق مانعاً، ومع الشكّ في الفسق جعل الأصل عدمه؛ لمخالفته الإجماع وأصالة عدم العمل بالظنّ وأصالة عدم نفوذ الحكم، ومخالفته ظاهر الكتاب (3والسنّة (4)، على أنّ الأمر تعلّق بوجوب التثبت عند خبر الفاسق (5)، ولا يتم إلا بالعلم به، على أن خبر الفاسق منهي عنه.)ويجب في مقدمة الحرام الاجتناب كمقدمة الواجب على الأظهر.#### المسألة الثالثه: في أن ملكة العدالة تتجزأ فتكون متعلقة ببعض الكبائر دون بعضالمسألة الثالثة: تتجزأ ملكة العدالة، فتكون متعلقة ببعض الكبائر دون بعض، وبعدم الإصرار على بعض الصغائر دون بعض، وعلى اجتناب بعض منافيات المروءة دون بعض.


1) الخلاف 6 : 217 - 218، المسألة 10.

2) راجع الهامش (1) من ص 289.

3) البقرة (2) : 282؛ الطلاق (65) : 2.

4) وسائل الشيعة 27 : 391 الباب 41 وما بعدها من أبواب كتاب الشهادات.

5) الحجرات (49) : 6.

ولكن الفرد الكامل الذي هو شرط في القبول هو المتعلّق باجتناب جميع الكبائر وبعدم الإصرار على جميع الصغائر وباجتناب جميع منافيات المروءة أو بعدم الإصرار عليها في وجه آخر.وقد تترقى الملكة فتتعلّق باجتناب جميع الصغائر، فهي مرتبة المتقين، بل قد تترقى فتتعلّق باجتناب جميع الشبهات، وهي مرتبة الورعين، وقد تتعلّق باجتناب المكروهات وفعل جميع المندوبات، وهي مرتبة المقدسين، بل قد تترقى فتتعلق باجتناب جميع المباحات وفعل جميع الطاعات، وهي مرتبة الأبرار، بل قد تترقى فيكون صارفاً كلّ زمانه وحركاته وسكونه في العبادة مع الخشية والخضوع وهي مرتبة الأولياء والمقربين، إلى غير ذلك.ولكن الشرط في قبول الشهادة المعنى المعروف بل هو كاف في كلّ ما يشترط فيه العدالة.نعم، قد يقال في منصب القضاء والإفتاء والولايات: إنّه لابد من الزيادة على العدالة من ورع وخشوع ومواظبة على كثير من المندوبات والقيام بالمواعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والزهد في الجملة وتجنّب الشبهات إلى غير ذلك، كما يفهم ذلك من طريقة نصب أمير المؤمنين ونصب الأئمّة لأبان بن تغلب (1، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هذا مقام نبي أو ولي» (2)ولظهور جملةٍ من الأخبار (3)في ذلك، ولولا أنّ الفقهاء على خلافه لكان القول به متجهاً.)وهل يخلّ بالعدالة ترك جميع المندوبات عمداً؟ المندوبات عمداً؟ وجه قوي، بل ربما يؤذن بمنافاته للمروءة وعدم مبالاته بالطاعات والاكتراث في الدين سيما ترك الجماعة؛ لأنّه منصوص (4،وتاركها يستراب فيه.)ويراد باجتناب الكبائر اجتنابها بعد التفطن لها والقدرة عليها، لا مجرد الاتفاق.وقد يشكل أنّ اجتناب الكبائر لا يكون إلا للعارف بها، ومعرفتها ممّا يشكل على العامي، فلا بد من التزام أن يعرف باجتناب كل ذنب حتّى تدخل في اجتنابه الكبائر أو لا تقبل شهادة غير العارف بالكبائر.وقد يقال بكفاية معرفة أنّه عنده ملكة لو عرف الكبيرة لاجتنبها.


1) رجال النجاشي : 10، الرقم 7.

2) وسائل الشيعة :27 : 17 الباب 3 من أبواب صفات القاضي....،ح 2.

3) المصدر : 391 - 392، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1 و 2.

4) المصدر : 391 - 392، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1 و 2.

والكل محتاج إلى التأمل.والكبيرة قد تُحد، فيقال فيها: هي ما وعد اللّه عليها النار، كما في صحيحة ابن أبي يعفور، حيث قال: «ويُعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار» (1بناء على أن الصفة موضحة لا مخصصة، ويراد بالوعد عليها بالخصوص، كما هو الظاهر، وإلا فقد توعد اللّه العصاة (2).)وقيل: ما توعد اللّه عليها العقاب في الكتاب أو على لسان نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.):وقيل: ما قام على حرمته قاطعوقيل: كل معصية تؤذن بقلة المبالاة في الدين(3.)وقيل: ما سُمّي عند أهل الشرع بالكبيرة (4.)وقيل: كلّ ذنب كبيرة إلا أنَّها تختلف بحسب الإضافة (5.)وهؤلاء عندهم كلّ ذنبٍ مُخل بالعدالة إلا أن يتوب عنها، وعندهم لا يخلّ بالعدالة إلّا الكبائر المتوعد عليها، أو أنّه عندهم يخلّ كلّ ذنب عند ظهوره، ومع عدم ظهوره بل ظهور الصلاح منه تقبل شهادته.وأهل هذا القول جعلوا الكبائر والصغائر إضافيّةً، فالقُبلة صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها من الزني، وكبيرة بالنسبة إلى النظر إلى أن تنتهي إلى أصغر ما لا أصغر منه.والظاهر أنَّه لو تحقق هذا عندهم كان صغيرةً.ويحتمل أنّ المُخلّ بالعدالة عندهم هو خروج الشخص عرفاً عن سمة التقوى والورع بحيث يقال عند أهل الشرع: ليس من أهل الديانة والتقوى.وهذا القول محكي عن الشيخ المفيد وابن البرّاج وأبي الصلاح وابن الجنيد وابن إدريس(6.)


1) وسائل الشيعة 27 : 391 الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

2) الجن (72) : 23.

3) أشار إلى هذه الأقوال السبزواري في كفاية الفقه 1 : 138.

4) حكاه العاملي في مفتاح الكرامة 3 : 90 عن شيخه.

5) يأتي الهامش (6).

6) أوائل المقالات : 3 - 84 (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد، ج 4)؛ المهذب 2 : 556؛ الكافي في الفقه : 435؛ السرائر 2 : 118؛ وحكاه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 499، المسألة 77 عن ابن الجنيد.

ونقل عليه الإجماع (1، واستدلوا لهم بما جاء من الأخبار أنّ كل معصية عظيمة، وكل ذنب يوجب النار (2)، وما جاء من التحذير عن استحقار الذنب واستصغاره، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا تستحقروا شيئاً من الشر وإن صغر، ولا تستحقرن صغيرة فربما كمن فيها غضب اللّه تعالى» (3).)وهو ضعيف؛ لمنع الإجماع، وللزوم القول به إلى انتفاء العدالة غالباً، ولقوله تعالى: (إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ (4)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ)(5)وفي الخبر: إنّ الأعمال الصالحة تكفّر الصغائر (6)، وأيضاً: «من اجتنب الكبائر كفّر اللّه عنه جميع ذنوبه» (7)وورد في بعض الأعمال: «إنّها تكفّر الذنوب إلا الكبائر» (8)، وأيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (9)من الكبائر (10)، وما ورد في تعدادها وحصرها أقوى شاهد، وكذا ما هو المشهور عند الإماميّة أنّ الصغائر تقع مكفّرةً، وهو التكفير.)وقيل: إنَّها سبع الشرك، وقتل النفس، وقذف المحصنة وأكل مال اليتيم، والزني، والفرار من الزحف، والعقوق.وقيل: تسع بزيادة: السحر، والظلم في بيت اللّه.وقيل: عشر بزيادة الربا.وقيل: اثنا عشر بزيادة: شرب الخمر، والسرقة (11.)وقيل: عشرون، السبع الأوّل واللواط والسحر والربا والغيبة والنميمة واليمين الغموس


1) رياض المسائل 15 : 255.

2) وسائل الشيعة 15: 299، الباب 40 من أبواب جهاد النفس...،ح 2 و 3 و 322، الباب 46 من تلك الأبواب، ح 5.

3) المصدر : 312 الباب 43 من أبواب جهاد النفس....،ح 8 و 1 : 116 الباب 28 من أبواب مقدمة العبادات، ح 6.

4) النساء (4) : 31.

5) الشورى (42): 37.

6) لم نعثر على هذا النصّ؛ وأورده الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14 : 167.

7) وسائل الشيعة 15 : 316 الباب 45 من أبواب جهاد النفس...،ح 4.

8) المصدر 1 : 375 - 377 الباب 8 من أبواب الوضوء، ح 1، 2 و 4.

9) النساء (4) : 48.

10) وسائل الشيعة 15 : 333 الباب 47 من أبواب جهاد النفس...،ح 1.

11) أشار إلى هذه الأقوال السبزواري في كفاية الفقه 1 : 138.

وشهادة الزور وشرب الخمر واستحلال الكعبة والسرقة ونكث الصفقة والتعرب بعد الهجرة واليأس من روح اللّه والأمن من مكر اللّه (1.)وقيل: مع ذلك زيادة أربعة عشر: أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ به لغير اللّه، والسحت والقمار، والبخس في الكيل والوزن، ومعونة الظالمين وحبس الحقوق من غير عسر، والإسراف والتبذير والخيانة، والاشتغال بالملاهي، والإصرار على الذنوب (2.)وقيل بعد ذلك: القيادة، والدياثة، والغصب والنميمة، وقطيعة الرحم، وتأخير الصلاة عن وقتها المفورض، والكذب على اللّه ورسوله، وضرب المسلم ظلماً، وكتمان الشهادة، والسعاية إلى الظالم ومنع الزكاة، وترك الحج، والظهار، والمحاربة، وقطع الطريق (3.)وعن ابن عباس أنَّها إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع (4.)وفي الخبر: إنّه كلّ ما عُد كبيرة، قال: لأنّ اللّه تعالى يقول، وذكر ما جاء فيها من الوعيد في الكتاب (5، وهو ظاهر في المعنى المتقدم (6)، وكذا الخبر المتقدم، وهما ظاهران في أنَّها ما توعد اللّه عليها في الكتاب.)والظاهر أنّ هذه أكبر الكبائر، وإلا فالكبائر معرفتها موكولة لنظر أهل الشرع، ولما جاء في الأخبار من عظم الذنب (7، ومن المعلوم بديهةً أنّ هنا كبائر كالحكم جوراً والفتوى كذباً اللتان تؤديان إلى تحليل الفروج المحرّمة والأموال المعصومة، والفتنة، والمكر، وتشييع الفاحشة، وإهداء الكفّار على المسلمين، إلى غير ذلك.)وقد تصير الصغيرة كبيرةً مع عدم المبالاة بالمعصية وعدم الاكتراث بالطاعة اللّه تعالى، بل قد يكون كفراً.وهل تجب الشهادة على من كان فاسقاً؟ وجه.


1) كما في كفاية الفقه 138 – 139.

2) كما في المصدر : 139.

3) كما في المصدر : 139.

4) مجمع البيان 3 - 4 : 63.

5) راجع وسائل الشيعة 15 : 326 الباب 46 من أبواب جهاد النفس...، ح 21.

6) تقدّم في ص 292، الهامش (1).

7) وسائل الشيعة 15 : 322 الباب 46 من أبواب جهاد النفس...، ح 5.

وهل يجوز للفاسق التقدم للجماعة والقضاء وتولّي أموال الأيتام؟ وجهان:الأوّل: الجواز؛ لأنّ النهي تعلّق بالانتمام به ونصبه قيماً وتقبضه الحق والترافع إليه دون فعله لذلك، فتبقى العمومات شاملة.والثاني: المنع؛ لظهور التلازم بين النهي عن الاقتداء وبين تقدمه للقدوة، وبين دفع الحق إليه وبين قبضه له؛ لما نرى كثيراً من أحكام الشرع يتبين منها أحد المتلازمين ويوكل بيان الآخر إليه، ويجري ذلك في شرائط الإمامة، وربما كان في تقدمه وقضائه إغراء بالجهل، ولاستبعاد أن يقول الشارع: لا ترافعوا إلى الفاسق، ويقول للفاسق: اقض بينهما.وقد يفرّق بين حالة العلم من المترافعين بفسقه فيحرم عليهما وعليه، وبين الجهل فينفذ ولا يحرم على أحدٍ منهما أو يحرم عليه خاصة.والمراد بعدم الإصرار هو الإكثار من نوع أو أنواع من الصغائر فعلاً أو تركاً أو ملفقاً، سواء تخلّلت بينها التوبة أم لا. ويحتمل مع تخلّل التوبة لا إكثار.والمراد بالإكثار العرفي، سواء كان في يوم أو أيّام، وتشتد في اليوم أو المجلس الواحد.ويحتمل حصول الإصرار بالفعل مرّةً مع العزم على العود إليها مرّات بل مرّةً واحدة في وجه.ويحتمل أنّها الإكثار مع العزم على العود.والظاهر أنَّه يكفي الإكثار ولو مع عدم العزم على شيء، ولا ينافي الإكثار مع تخلل التوبة إلا إذا خرج عن حدّ التائبين بحيث تكون توبته كلا توبة.والمقتحم على الذنب مع جهله بصغره وكبره تسقط عدالته في وجه، ويحتمل العدم.ولو فعلها صغيرةً فبانت كبيرة، احتمل الإخلال وعدمه، وكذا العكس.والمراد بمنافيات المروءة هي اتباع محاسن العادات واجتناب مساويها، وهو يختلف باختلاف الزمان والبلدان والأغراض الصحيحة.وقد تجامع الكبيرة والصغيرة وقد تنفك عنهما.ولا بد في الإخلال بها من معرفة أنّه ممّا ينافي المروءة عند الفاعل.وهل حكمها كالكبيرة يقدح فيها المرّة، أو كالصغيرة شرطها الإصرار، أو لا حدّ لها بل ما يؤذن فعلها بدناءة النفس والهمّة وخساستهما وعدم المبالاة بشيء؟

وفي الأخبار (1: المروءة غير ما في كلام الأصحاب.)والأخذ بالجميع حسن؛ لأنّ كلامهم منبئ عن تعريف العدالة في لسان الشارع، والظن في الموضوعات الشرعيّة الراجعة للوضع كاف.كيف، وقد كاد أن يكون إجماعاً، ولأن الإعراض عن الأخبار بغير داع لا وجه له.نعم، يمكن حمل جملة من الأخبار المصرحة بأنّ المروءة كذا وكذا [ على ] أن ذلك طريق لمعرفة حصول ملكة اجتناب المروءة العرفية من صاحبها إذا ظهر منه ذلك.#### المسألة الرابعة: الأظهر ثبوت العدالة والفسق مطلقين وعدم احتياجه إلى التفصيل من المعدلالمسألة الرابعة: الأظهر ثبوت العدالة والفسق مطلقين، ولا يحتاج إلى التفصيل من المعدل. نعم، لا يجوز له أن يطلق ويريد المقيّد من مذهبه أو مذهب مجتهده؛ للإغراء بالجهل؛ لأن الظنّ من الإطلاق إرادة المطلق على جميع المذاهب، ومثله الشهادة في رضاع أو طهارةٍ أو نجاسة.ولا يجب على الحاكم الاستفسار عن السبب؛ حملاً لظاهر قوله على الظاهر.نعم، يجوز له استظهاراً، بل لا يبعد لزوم الاستفسار عند التعارض؛ لضعف الظاهر حينئذٍ، كما إذا تعارضت بيّنة الجارح والمعدل.و من القريب لزوم الاستفسار عن بيان الجرح؛ لحصول الخلاف والاختلاف فيه مع عدم عسر البيان فيه بخلاف العدالة فإنّه ممّا يعسر ضبطها فالاستفسار عنها ممّا يؤدّي إلى تعطيل الأحكام، وبذلك حكم المشهور مع احتمال لزوم الاستفسار عنها دون الجرح؛ لشدة الاختلاف والخلاف فيها مع لزوم التدقيق فيها وصعوبة العلم بها؛ لافتقارها إلى المعاشرة والمخالطة، دون الجرح، فإنّه وإن حصل فيه الاختلاف والخلاف كالعدالة لأنهما متقابلان إلا أنَّه لا يحتاج إلى زيادة خلطة وتكرار صحبة، بل يكفي فيه المعاينة.والأحوط الاستفسار فيهما معاً؛ لضعف الظهور، وللاحتياط في الشهادة، وطريقة أهل الرجال ذكر سبب الجرح غالباً دون العدالة؛ لعسر ذلك عليهم، ولكن مع ذكر سبب الجرح غالباً يكتفون بالإطلاق مع إرادة اختلاف المذاهب فيما يجرحون به.


1) راجع وسائل الشيعة 11: 432 وما بعدها، الباب 49 من أبواب آداب السفر.

ولو علم المعدل اتفاق مذهبه مع مذهب الحاكم جاز الإطلاق مع إرادة مذهبه، وكذا لو علم الحاكم ذلك بطل حكم الاستفسار في حقه.وهذا كله فيما لو كان المعدل عارفاً بالمذاهب، أما لو كان جاهلاً لا يعرف معنى العدالة والجرح إلا بكلام العوام والسماع من الناس ومع ذلك كان فاقد البصيرة وعرف الحاكم منه ذلك، لزم الاستفسار منه في التعديل والجرح قطعاً.وهل يجب على الحاكم بعد تعديل الشهود طلب تزكيتهم في أنَّهم مقبولون في الشهادة وليس فيهم ما يمنع القبول من نسب أو شرك أو عداوة؟ الظاهر عدم الوجوب، إلا إذا جرحهم المدّعى عليه وقف عن الحكم حتّى يأتي بالجارح، فلو لم يثبت الجرح لم يسمع جرحه، مع احتمال لزوم طلب الحاكم التزكية في ذلك كلّه، سيما لو طلبها المدّعى عليه، ويقوى ذلك في النسب، كما لو قام احتمال أن الشاهدين أولاد للمدعى عليه أو أن المعدلين كذلك.#### المسألة الخامسة : حكم ما لو تعارضت شهادة التزكية والجرح في تعديل أو تفسيقالمسألة الخامسة: لو تعارضت شهادة التزكية والجرح في تعديل أو تفسيق أو في كونه مقبول الشهادة أم لا لنسب أو غيره أو نحو ذلك، فإن كانتا مطلقتين، كما تقول إحداهما: هو عدل، والأخرى: إنّه فاسق، أو تقول إحداهما: إنَّه مقبول الشهادة، وتقول الأخرى: مردودها، أو فيه ما يمنع قبولها، سأل الحاكم عن تاريخهما، فإن أرّخا متقدماً أو متأخراً عمل على المتأخّر إذا أمكن أن يكون ناسخاً للأوّل كطروء الفسق بعد العدالة، أو العدالة بعد فعل الكبيرة بمجرد التوبة أو بعد إصلاح العمل.وإن ذكرا الوقوع والسبق واللحوق ولم يعلما السابق من اللاحق، رُدّت شهادته؛ ترجيحاً لجانب الفسق، أو لتساقط الأمرين، فيبقى مجهول الحال. وإن دخل معه الشكّ في الاقتران رجح جانب الفسق.وقد يجعل مثل معلوم التاريخ فيهما ما إذا علم تاريخ أحدهما وشك في الآخر، فيكون المجهول متأخراً.وإن أرخاهما في وقت واحد أو أطلقا ولم يمكن السؤال، قدم الجارح؛ لأنَّه بمنزلة المثبت، دون المعدل، ولأنه بيّنة كبينة الخارج، ولأنّه كالرواية المؤسسة دون المؤكدة، مع احتمال تقديم المعدل؛ بناء على تقديم الموافق للأصل وتقديم المقرّر دون المؤسس.

وقد يلحق بعلم التاريخ والأخذ بالمتأخّر ما إذا ظهر تأخير وتقديم يمكن الجمع به بين المتعارضين، كما إذا جرحه أهل بلده فسافر فعدله أصحابه في سفره، أو العكس، والجمع مهما أمكن أولى من الطرح.وإن كانتا مقيّدتين مع الإطلاق أو ابتداء، فإن أرخاهما مقدماً ومؤخراً عمل على المتأخّر.ومثله ما لو كان أحدهما معلوم التاريخ.ومثله ما لو كانا كالمؤرّخين، كما إذا ذكر أهل بلده سبباً وأهل سفره سبباً.وإن أرخاهما في وقت واحد، أو جهل تاريخهما فحكم بتأخرهما معاً أو لم يعلم السابق من اللاحق، قوي القول بتساقطهما، فيعود مجهول الحال، فلا تقبل شهادته، ولا يُحكم بفسقه، مع احتمال أنَّه لو كان عدلاً عند الحاكم فجرحه الجارح فقال: رأيته يوم الجمعة هذه يلعب بالعود في بغداد، فقال الآخر : هذا اليوم معتكفاً معي بمسجد الكوفة، تساقطت البينتان فعاد عدلاً.ويحتمل ترجيح الجارح مطلقاً؛ لأنَّه مثبت وخارج أو متشبث بهما.ويحتمل تقديم المعدل ؛ لموافقته الأصل وحسن الظن.ويحتمل تقديم قول المعدل؛ لاحتمال وقوع الجرح خطأ أو نسياناً، واحتمال ترجيح إحدى البينتين بالأعدليّة والأكثرية والأعلمية، واحتمال القرعة بعيد.هذا كله إن لم يكن قيد الخارج نفياً، كما يقول: ما صلّى اليوم الفلاني، فقال الآخر : صلّى معي.وإن أطلقت إحداهما وقيدت الأخرى، فكما تقدّم مع تقدّم إحداهما وتأخر الأخرى، أو ما كان بحكم ذلك من معلوم التاريخ ومجهوله.وإن كان تاريخهما واحداً، فإن كان سبب الجرح مقيداً به قدم على المعدل، وإن كان سبب العدالة مقيداً بها فإن لم يناف الجرح قدم الجرح عليه.ولو كانا مقيدين بذكر السبب ولكن تؤول شهادة الجرح إلى النفي قدم المعدل، كما يقول المعدل: يصلّي الفرائض معي جماعة، فيقول الجارح: لا يصلّي فريضة. أو يقول المعدل: يزكي، فيقول الجارح: ترك الزكاة.#### المسألة السادسة: في تفسير الرشوة وحرمتهاالمسألة السادسة: الرشوة محرمة ؛ لأنّها أكل مال بالباطل إجماعاً، وكتاباً (1على)


1) البقرة (2) : 188.

العموم وسنّة: «لعن اللّه الراشي والمرتشي» (1وورد: إنّها كفر (2)، وضرورة مذهب الشيعة.)وهي في اللغة: الجُعل (3، وشرعاً بل لغةً: دفع المال إلى الحاكم ليحكم له بالباطل، كما عن النهاية (4)، أو ليحكم له مطلقاً حقاً أو باطلاً، كما يظهر عن القاموس والمجمع (5).)أما لو دفع له ليحكم له حقاً كما إذا كان من علماء الباطل فخشي منه فدفع له للحكم بالحق، فالظاهر أنّها رشوة أيضاً.نعم، يجوز دفعها للراشي توصلاً إلى تخليص حقه، كما يجوز الترافع لتخليص الحق عيناً، بل وديناً - في وجه - إلى غير أهله.نعم، يحرم أخذها على المرتشي.والفرق بينها وبين الهدية وبين الإجارة على الحكم والجعالة والصلح على الحكم والهبة المعوّضة يحتاج إلى بيان.أما الهدية فيحتمل في الفرق بينهما، أنّ الرشوة ما شرط باذلها الحكم بالباطل، كما يظهر من بعض (6، وهو بعيد كما قدمنا، أو ما جعل الحكم فيها مطلقاً شرطاً، بخلاف الهدية، فإنّها استجلاب وتمييل لقلب الحاكم، أو أن الهدية ما بذلت للتحبّب والتودد أو العلم ونحو ذلك، بخلاف الرشوة فإنّها ما بذلت للحكم.)والفرق بينها وبين الجُعل والإجارة: إنّ الرشوة ما صدرت ممّن يريد الحكم له، فهي من معين، ومثله ما لو صدرت ممّن لا يريد الحكم، ويريد دفعه خوفاً أن يقع عليه، وهذا منها اسماً أو حكماً، بخلاف الجعالة أو الإجارة، فإنّها ما يشترطها الحاكم على مَنْ يقع الحكم لهأو عليه أو عليهما، فهي شرط على غير المعين بعد صدور الحكم منه.


1) مسند أحمد 2: 387.

2) وسائل الشيعة 17 : 92 و 94 - 96، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، ج 1، 2، 8، 12 و 16؛ و 27 : 222 – 223، الباب 8 من أبواب آداب القاضي، ح 3 و 8.

3) القاموس المحيط 4 : 483، «رش و».

4) النهاية في غريب الحديث والأثر 2 : 226، «ر ش ا».

5) القاموس المحيط 4 : 483 «رش و»؛ مجمع البحرين 1 : 184، «رش ا».

6) روضة الطالبين 8: 128.

و تحقيق المسألة يتوقف على بيان أمر، وهو: إنّ الحكم والإفتاء من الواجبات الكفائية وكذا مقدماتهما من سماع كلام المستفتي وكلام المدّعي والشهود والتزكية، وكذا استفراغ الوسع لهما، فدفع المال إلى الحاكم والمفتي إن كان على وجه المعاوضة، فإن كان على باطل بطل العوض والمعوض، وصار سحتاً وأكل المال بالباطل، وإن كان على حقّ فدفع المال على الواجب الكفائي إجارة أو جعالة أو هبة معوضة باطل أيضاً؛ للإجماع المحكي (1، والفتوى المشهورة، ولا يتفاوت بين كون الإجارة من المتخاصمين أو من أحدهما أو من متبرع أو من بيت المال.)نعم، لا بأس بالارتزاق من بيت المال؛ لأنَّه معدود لمصالح المسلمين، كالجهاد ونحوه، ولا يتفاوت بين كونه محتاجاً لذلك أو عدمه؛ لأنّ بيت المال من المصالح، ولا يشترط فيه الفقر، والإجماع منقول على عدم جواز أخذ الأجرة ونحوها على الواجب كفاية (2.)ويكفي الشكّ في شمول الأدلّة من الإجارة والجعالة لمثل ذلك.هذا كله فيما علم فيه إطلاق الوجوب كفاية وفيما شكّ في إطلاقه وشرطيته؛ لأصالة الإطلاق.وأما ما ظهر أنّ وجوبه مشروط بالعوض فذلك لا يجب إلا بالعوض؛ لا أنَّه يجب فيعاوض عليه.وقد يستدلّ على منع الاستئجار على الواجب كفاية بمنافاته القربة.وفيه: إن الاستئجار يؤكدها.وقد يستدلّ بأنّها مملوكة اللّه تعالى أو للعامل ولو بعد الاستئجار، ولا يتوارد مالكان على مملوك واحد.وفيه: إنّه ملك اللّه، وملك العامل غير حقيقي.وقد يستدلّ على أنّها لو مُلكت لجاز الإبراء ونحوه.وفيه: إنّه يصح الإبراء بالنسبة إلى ملكه، لا بالنسبة إلى أصل العمل.وقد يستدلّ بعدم قبولية النيابة فلا يصح الاستئجار.وفيه: إن العمل ذو،جهتين، فإن لاحظ صدوره عن العامل نفسه سقط عن المؤجر وانفسخت الإجارة، وإن لاحظ أنَّه عن المؤجر صح عن المؤجر، وسقط عنه الوجوب.


1) جامع المقاصد 36:4.

2) مجمع الفائدة والبرهان : 89 رياض المسائل 8: 180.

### القول في التداعي مع الحاكم#### وفيه أمور:##### أحدها: في أن الحاكم كغيره في غير الحكومة مدعياً ومنكراً###### إشارة:أحدها: لا شكّ أنّ الحاكم كغيره في غير الحكومة مدعياً ومنكراً، سوى أنَّه لا يستدعى قبل بيان الدعوى احتراماً له، كذا قالوا، وهو جيد.###### وأما فيها فهنا مقدمات:###### إحداها : حكم الحاكم لا يمضي فيما يعود إلى نفسهإحداها : إنّ الحاكم لا تمضي حكومته فيما يعود إلى نفسه لا بعلمه ولا ببينة، فلا يصح حكمه بمال لنفسه ولا لولده المولى عليه، ولا ليتيم هو وصي عنه، ولا لثلث هو وصيه ولا لمجنون هو وليه، ولا على مال يرثه، ولا على نفس قصاصها إليه أو ديتها له، وكذا لا يصح الحكم على والده ولا على خصمه ولا على مولى له.نعم، لو كانت عنده بيّنة رفعها إلى حاكم آخر.وأما الحقوق العامة كحكمه على آخر بزكاة أو خمس، أو مجهول مالك أو وقف عام أو وصيّة تعود لحاكم الشرع، فالأظهر نفوذ حكمه؛ لعموم الأدلّة وبعد التهمة.والأولى أن ينصب قيماً من قبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ لا وكيلاً من نفسه، فيدعي ويقيم البيّنة فيحكم له، بل لا يبعد هنا أن ينفذ حكمه بعلمه أيضاً بعد دعوى القيم.)###### الثانية: الأصل في الحكم بعد صدوره صحتهالثانية: الأصل في الحكم بعد صدوره صحته، وكذا الظاهر؛ لأن الظاهر استظهار الحكام في الأحكام، فلو ادعى فساده المحكوم عليه لخلل في الحاكم من جنون أو جهل أو فسق، أو لخلل في مدركه دليلاً أو استنباطاً أو سهواً أو غفلة، أو أنَّه وقع جوراً أو ظلماً، لم يسمع كلام المدّعي إلا بالبيّنة العادلة العارفة.ولو لم تكن بيّنة، فهل يصدّق الحاكم بقوله ؟ لأنَّه أمر يرجع إليه وهو أبصر به، ولأن الحكومة منصب نبوة أو إمامة وقد جعله الإمام حاكماً وأميناً، ومقتضى ذلك تنفيذ حكمه لو أخبر بصحته

ووقوعه، وكيف يمضى إنشاؤه الحكم من غير ردّ - وهو محتمل لجميع ذلك - ويكون ردّه كفراً، ولا يصدق مع دعوى المدّعى عليه !؟ والحال أن المحكوم عليه متهم بالعدوان والغضاضة كما نراه اليوم، فدعوى افتقار الحاكم إلى البيّنة على صحة حكمه ضعيفة جداً.نعم، هل يفتقر معها إلى اليمين؛ لأنَّه كالأمين واليمين على مَنْ أنكر؟ وجه توافقه القواعد. والأوجه عدمه؛ لعلوّ منصبه في الحكومة عن طلب اليمين منه فيما كان حاكماً به ومفوضاً عليه وموكولاً أمره إليه، ولأنّ في اليمين امتهاناً للحاكم المنصوب لقطع الخصومات والدعاوي. هذا كله إن كان الحاكم المدّعى عليه حاضراً مجلس الدعوى، وإن كان غائباً فقد ذكر الأصحاب: أنّه لا يُلزم بالحضور مع المدّعي، إلا أن يبيّن دعواه خوفاً من إحضاره فيبين دعوى غير مسموعة فيلزم منه الامتهان.بل قال :جمع: إنّه لا يُلزم بالإحضار إلا أن يقول المدّعي عندي بيّنة على فساد حكمه، وإلا فلا تسمع دعواه من غير بيّنة (1.)وهو قوي، إلا أنّ الأقوى سماعها؛ لأنَّه لعله يقرّ بفساد حكمه فيلزمه الضمان في مقام يلزمه لاستيلاء يده أو لعدم تحصيل المال من المباشر فيضمن مع العمد في ماله، ومع الخطأ من بيت المال.###### الثالثة: للمحكوم عليه له أن يدّعي المحكوم له وله أن يدعي الحاكمالثالثة: المحكوم عليه له أن يدعي المحكوم له، وله أن يدعي الحاكم لو كان الحاكم ممّن يضمن المال لو ثبت خطؤه، وإلا ليس له أن يدعي الحاكم حتّى لو كانت عنده بيّنة؛ لعدم الفائدة، بل لو أقرّ الحاكم بفساد حكمه لم يثبت بإقراره حقّ على المحكوم له؛ لأنّه إقرار في حقّ الغير.نعم، لو قامت بيّنة على فساد الحكم، حكم الحاكم الآخر على المحكوم له إذا أُحضر للدعوى، وأخذ منه المال لو كان هو المباشر وكان عالماً بفساد الحكم أو غير عالم في وجه.###### الرابعة: لو ادعى المحكوم عليه فساد الحكم بما لا يجري فيه الأصل والظاهرالرابعة: لو ادعى المحكوم عليه فساد الحكم بما لا يجري فيه الأصل والظاهر، كما إذا ادعى أن الحكم قبل اجتهاد الحاكم، أو قبل بلوغ الحاكم، أو قبل تمييزه أو رشده، افتقر الحاكم إلى بيّنة فيما إذا كانت الدعوى مسموعة.


1) وهو قول العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام :3 424؛ وإرشاد الأذهان 2: 142 والسيد عميد الدين في كنز الفوائد 452 – 453.

ويحتمل أن أصل الصحّة يثبت الشرائط العائدة للحاكم كما يثبت رفع الموانع، ويثبت شرائط المحكوم به كما يثبت موانعه فكما يحكم بصحة الحكم من جهة الاستنباط وعدم الجور وعدم الخطأ والسهو والنسيان، فكذا يثبت البلوغ والعقل والرشد والاجتهاد.وكذا لو جنّ الحاكم بعد عقله وشكّ في صدور الحكم حال عقله أو حال جنونه، حكم به في حال عقله وإن كان الأصل تأخر الحكم إلى حال الجنون المتأخّر، فأصالة الصحّة تحكم على أصل تأخر الحادث، وتحكم على المشكوك في صدوره وحال الصغر أو بعده أو الاجتهاد أو بعده، مع تعارض أصلي تأخر البلوغ أو الاجتهاد عن الحكم وتأخر الحكم عنهما.##### ثانيها: في سماع الدعوى بالمجهولثانيها: في سماع الدعوى بالمجهول الأوجه في المسألة أن يقال: إن الدعوى بالمجهول إن آل أمرها إلى حصول العلم بالمدّعى به في الجملة بعد الحكم سمعت الدعوى به، كما إذا ادعاء بحيوان أو أحد الحيوانين ولكنّه ذكر أنَّه موجود في بيته، أو طعام مردّد بقدرٍ خاصّ أو لا بقدرٍ وذكر أنَّه في حجرته، أو أحد الثياب أو ثوباً وذكر أنَّه في داره، أو قال: صالحني على شيءٍ متموّل وهو الآن في كُمّه، أو أطلبه مالاً موجوداً قدره في دفتره، أو قال: صالحني على ما تثمر شجرته أو تحمل دابته أو تزرع أرضه، أو ورثت معه مالاً بقدر ما ورثه أخوه منه، إلى غير ذلك، ففي الجميع تسمع الدعوى؛ لحصول الفائدة الكلية المترتّبة على سماعها عند قيام البيّنة على المدّعى عليه، أو نكوله عند توجه اليمين عليه.ومثله في سماعها ما لو ادعى الوصيّة بالمجهول المنصرف إلى المعلوم شرعاً، أو الوصيّة بالمبهم الجائزة، فيجعل الخيار للوارث في الدفع كالوصيّة بأحد العبدين أو السيفين، أو الوصيّة بسيف أو ثوب أو بعبدٍ من سيوفه أو ثيابه أو عبيده، أو بما يقع عليه اسمه عرفاً.وكذا لو ادعت الامرأة بمهر المثل، أو بالمتعة في المفوضة، أو ادعى الواهب بعوض الهبة لو وهبه بعوض ولم يبين، فينصرف إلى قدر الموهوب، أو ادّعى عليه أرش عيب يعلم قدره بمعرفة العيب والمعيب، أو غبن يعرف بمعرفة القيمة السوقية، أو ادّعي عليه قيمة حيوان أو ثوب موصوفين يعلم قيمتهما بعد معرفة وصفهما، وهكذا، فهذه كلها وما شابهها تسمع فيها الدعوى، ويُلزم بالإحضار، ويطلب من المدّعي البيّنة، ويتوجه على المنكر اليمين، ويعرف قدر المدّعى به بعد ذلك.وأما ما كان من الدعاوى التي لا تؤول إلى العلم فتثبت مجهولة فيلزم المدّعى عليه بعد

الحكم بالقدر المتيقن ويكون الغرض من الدعوى إثبات شيء مجهول إلى ما بعد الحكم وتصير فائدة الحكم الأخذ بالمتيقن، فالذي يظهر عدم لزوم سماع الحاكم لها، بل عدم نفوذ الحكم بها؛ للشكّ في شمول أدلّة الأمر بالحكم على الحاكم لها، والشكّ في شمول أدلّة نصب الحاكم للحكومة لمثلها، وكذا ما دلّ على أن البيّنة على المدّعي واليمين على مَنْ أنكر (1.)وقياسه على سماع الإقرار المجهول فيلزم بتفسيره أو يؤخذ بالمتيقن ليس من القياس القطعي. فعلى هذا لا تسمع دعوى أن لي عنده مالاً، ما لم يبيّن جنسه وقدره، أو حيواناً ما لم يبين نوعه ووصفه إن كان قائماً، أو قيمته إن كان تالفاً، أو ثوباً ما لم يبين كذلك، أو طعاماً ما لم يبين جنسه وقدره؛ لتردّد هذه الأمور بين أفراد لا يسوغ للحاكم أن يحكم بدفع أحدها معيّناً، فأخذ المدّعي لواحدٍ مُعيّن،ظلم، وأخذ غير المعين غير ممكن، والصلح القهري لا دليل عليه، والقرعة لا تمكن؛ لتكثر الأفراد، وإلزام المحكوم عليه بالتفسير تخليد في السجن وعقوبة لم يثبت موجبها، وكون موجبها حكم الحاكم موقوف على نفوذه في المجهول، وهو أوّل المسألة؛ لأصالة عدم نفوذ حكم الحاكم.وكذا الكلام في مجهول القدر لتردّده بين أقل ما يتموّل وأكثره، والحكم بأقل ما يتموّل موقوف على نفوذ حكم الحاكم، والأصل عدمه للشكّ في دخوله تحت العمومات باعتبار قلة فائدته لتردد المدّعى به فيما لو ادعاه بحنطة أو دخن أو ذهب أو قيمة شيءٍ بين الحبة فما فوقها، بل وأقل من ذلك، فتخلو الدعوى عن الثمرة، وسيما لو احتمل فيها دخول ما لا يتموّل من الحبّات الصغار ونحوها.ويلحق بدعوى المجهول ما لو تداعيا على قدرٍ من القروش الرائجة كما يتعامل بها اليوم؛ لعدم وجودها في الخارج، فيتردد بين أفراد وأنواع يعسر على الحاكم الحكم بنوع منها، إلا إذا اتفقا على قدرٍ من القيمة فأبرز الدعوى على تلك القيمة.ويلحق بالدعوى على المجهول الدعوى على الإقرار بالمجهول الذي لا يؤول إلى العلم لولا دعوى الشيخ (رَحمهُ اللّه الإجماع على جواز سماع الدعوى على الإقرار بالمجهول (2)، فإن ثبت الإجماع قلنا به، وإلا فلا.)وقد يقال: إنّ فائدته إلزام المحكوم عليه به بالتفسير، لا الأخذ بالمتيقن؛ فتأمل.


1) وسائل الشيعة 27 : 233 وما بعدها، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم... .

2) راجع المبسوط 8: 156.

##### ثالثها: لا يسمع الحاكم دعوى المدّعي لو أبرزها بصورة «أتوهّم» و «أتخيل» و «أشك»ثالثها: لا يسمع الحاكم الدعوى لو أبرزها المدّعي بصورة «أتوهم» أو «أتخيل» أو «أشكّ» ولو مع التهمة، إلا أن يكون مع المدّعي،بينة، أو يقرّ المدّعى عليه، فيسمعها ويحكم للمدّعي؛ لمكان البيّنة أو الإقرار.ولو خلت الدعوى من ذلك رُدّت، ولا يتوجّه يمين على المنكر، ولا يردّها على المدّعى.وهل تسمع لو قال المدّعي: «أظنّ» إذا لم تكن له بيّنة أو إقرار من المدّعى عليه مطلقاً. أو لا تسمع مطلقاً، فلا يتوجه اليمين على المنكر حينئذٍ للشكّ في شمول الأدلّة المدّعي والمنكر لها، والشكّ في شمول أدلّة لزوم الحكم ونصب الحاكم لها، حيث إنّ ظاهرها الجزم، وظاهر إطلاق الحكم والحاكم هو ما كان لقطع الخصومة والنزاع، ولا يكون إلا مع الجزم؛ لأن الظنّ لا يغني عن الحق شيئاً، والرمي بالمظنة منهي عنه (1، أو تسمع في مقام التهمة، وهي الدعوى فيما يخفي كالقتل والسرقة وكان المتهم قابلاً للاتهام؟ أقوال أقواها الثالث لمكان الضرورة إليها غالباً، ووقوعها بين الناس كثيراً، فتدخل تحت إطلاق الأدلّة.)وربما جاء في الأخبار (2في دعاوي الوصي عن الميت، وفي الدعوى على الأمين على ما ذكر ما يؤذن بسماعها.)نعم، لا ترد اليمين على المدّعي، وماكل دعوى يلزمها جواز الرد، بل جواز الردّ من آثار الدعوى الجازمة، فلا يلزم من عدمه عدم سماعها مطلقاً.وكذا الحكم بالنكول لا يلزم من عدمه عدم سماعها مع احتمال جواز القضاء بالنكول هنا، وجعله بمنزلة الإقرار، ولكنه بعيد.ولو أبرز المدّعي الظانّ دعواه بصورة الجزم، سمعها الحاكم وإن علم أنَّه ظان، بل ولو علم أنَّه شالاً؛ لدخوله تحت المدّعي على إشكال فيطلب منه البيّنة، فإن لم تكن وجه اليمين على المنكر، فإن نكل قضى عليه بالنكول على الأظهر.فإذا ردّ اليمين على المنكر، فهل للحاكم أن يحلّفه؛ أخذاً بالظاهر وإثمه عليه، أو ليس له؛ لأنَّه إعانة على الإثم فيقف عن الحكومة حينئذٍ؟ وجهان، والأخير أوجه.


1) الحجرات (49) : 12.

2) راجع وسائل الشيعة 19 : 144 - 146، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، ح 11، 16 و 17.

بل قد يقال: إن الحاكم في غير مقام التهمة لا يسمع دعوى الظان والشاك ولو أبرزها بصورة الجزم؛ لأنَّه كاذب مدلّس، حيث إن ظاهر الجزم القطع، والمفروض أنَّه ظان أو شاد.ودعوى الظنّ والشكّ غير مسموعةٍ، وإبرازها بصورة الجزم ما أفاد إلا الكذب والتزوير.واحتمال أنّ هذا الكذب مغتفر لتخليص الحق المظنون، أو أن الدعوى إنشاء فلا تتصف بالكذب لا وجه لهما.نعم، قد يحتمل الجواز لو قال المدّعي : أنا أدعي على فلان بألف، ولا يقول: لي عليه ألف؛ لاحتمال الصيغة الأولى للإنشاء وشبهه.##### رابعها : في أنَّه يلزم المنكر بالجواب إما بالإقرار أو الإنكاررابعها: يلزم المنكر بالجواب إما بالإقرار أو الإنكار على الأقوى، ولا يكتفى منه بالسكوت، فيحكم عليه بالنكول به، كما اختاره الشيخ (1.)ولا بد من الجزم بالإقرار أو الإنكار، فلو قال: «أظنّ أنّ لك عندي» أو «أتوهم» لم يكن إقراراً.ولو قال: «أظنّ» أو «أتوهم أن ليس لك عندي» أو «لا أعلم أن لك عندي» لم يكن إنكاراً.فلو أجاب بذلك احتمل أن يلزمه بالجزم بالعدم، ولا كذب عليه؛ لموافقة قوله لأصل البراءة، والموافق للأصل يجوز إظهاره بالجزم، بل يجوز الحلف عليه مُورّياً بأنه ليس لك شيء شرعاً.واحتمل أن يكتفى منه بقول: «لا أعلم فيحلّفه على نفي العلم، ولا شيء عليه.وهو قوي فيما إذا كان المدّعى به خفياً، كدعوى سبق العيب الخفي، أو الذي يستبعد اطلاع البائع عليه أو اختباره.ويحتمل أن يلزمه برد اليمين على المدّعي، فإن حلف أخذ، وإلا سقط حقه.ويحتمل أن يقضى عليه بدفع الحقِّ تنزيلاً له منزلة الساكت الممتنع عن الجواب أو منزلة الممتنع عن اليمين، ولأنّ المدّعي مسلم يدعي دعوى من غير معارض، فيؤخذ حقه منه؛ لعدم صلاحية قول «لا أعلم» لمعارضة دعوى المسلم.وخير الوجوه ردّ اليمين على المدّعي، فإذا لم يمكن كدعوى التهمة أو دعوى الوصي، ألزم بالجزم أو أخذ الحق منه.


1) المبسوط 8 : 160.

واحتمال سقوط الدعوى قريب.واحتمال الفرق بين ما إذا كان ممّا لا يطلع عليه المدّعي غالباً فيقبل منه نفي العلم وبين غيره فيلزم بالجزم، وجيه.وإذا أقرّ المدّعى عليه الزم بالحق، ولا يحتاج إلى حكم الحاكم، فيجوز أخذ المقرّ به منه وإن كان المدّعي ظانا بكون الحق عليه، بل ولو كان شاكاً أو ظاناً بالعدم.ويجوز لكل من سمع الإقرار أن يلزمه الحق ويأمره بأدائه من غير توقف على حكم الحاكم.نعم، لو طلب المدّعي الحكم من الحاكم لقطع مادة الخصومة والمرافعة بعد ذلك، وجب على الحاكم إجابته على الأظهر؛ لكونه منصوباً لذلك.ولو طلب من الحاكم كتابةً وختماً على الحكم، فإن توقفت على بذل مال من الحاكم لم يجب عليه.وإن بذل المال - كالقرطاس ونحوه - المدّعي، ففي لزوم إجابة الحاكم له وجهان والإجابة أحوط.ولا بد في الحكم من اللفظ، فلا تكفي الإشارة والكتابة إلا للأخرس، ولا بدّ من لفظ يدلّ على الحكم صريحاً، كـ «حكمت» أو مع القرينة كـ «ادفع ماله إليه».وحكم الفقهاء أنّ أخذ المدّعي بالبيّنة مع ظنّه أو إلزام سامع البيّنة للمدّعي بالحق موقوف على حكم الحاكم، ولا تستقلّ البيّنة بإثبات الحق من دون حكم الحاكم.وللمناقشة - إن لم يكن إجماع - فيه مجال، بل لا يبعد جواز الأخذ بالبيّنة وجواز الأمر بالحق لمن سمعها وإلزامه به؛ لعموم دليلها.نعم، فائدة حكم الحاكم عدم جواز تجديد المرافعة من المدّعى عليه مع المدّعي مرّةً أُخرى، ولزوم إنفاذ حكم الحاكم لدى كل حاكم، وغير ذلك، فتأمل.##### خامسها : حكم ما إذا أقر المدّعى عليه بعينخامسها: إذا أقر المدّعى عليه بعين، ألزم بأدائها، فإن امتنع حبس حتّى يؤدي؛ للأخبار (1وكلام الأصحاب.)


1) راجع وسائل الشيعة 18 : 418 - 419، الباب 7 من أبواب كتاب الحجر، ح 1 و 3.

وإن كانت الدعوى دَيناً، حُبس أيضاً إن علم أنّ له مالاً، وأخذ الحاكم منه الوفاء قهراً، وجبره على بيع ماله، أو باع عنه الحاكم ولا يتفاوت بين مستثنيات الديون وغيرها.وإن لم يعلم أنّ له مالاً، فإن علم أنَّه كان له مال ولو ما تداعيا عليه، كما إذا كانت الدعوى على مالٍ فادعى تلفه، أو قرض فادعى الإعسار حبس على ما يراه الحاكم من كيفية الحبس حتّى يؤدي أو يثبت إعساره، فإن ثبت إعساره خلى سبيله، وإلا خلد في السجن؛ للأخبار الدالّة على أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ كان يحبس في الدين فإن تبين إعساره خلى سبيله (1)، وهي مشهورة الفتوى والعمل.)واكتفى المحقق الأردبيلي بتحليفه على الإعسار (2استناداً لأمور احتياطية وتعليلات تقريبية لا تصلح لمعارضة ما ذكرنا.)نعم، في الصحيح أنَّه كان عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ لا يحبس في السجن إلا ثلاثة: الغاصب، ومَنْ أكل مال اليتيم ظلماً، ومن ائتمن على أمانة فذهب بها (3).)وهي لا تعارض ما قدّمنا؛ لعدم القائل بهذا التفصيل، فيُحمل على عدم الحبس في السجن لا مطلقاً، كما هو منطوقها، أو عدم الحبس عقوبةً أو دواماً.وإن لم يعلم أنّ له أصل،مال، اكتفي منه باليمين على عدمه، وتصديق قوله من غير يمين بعيد.ويخلّى سبيل المعسر إذا لم يملك سوى المستثنيات، وهي الدار اللائقة بحاله، والجارية أو العبد المحتاج إليهما، وثيابه اللائقة بحاله، وثياب عياله الواجبي النفقة عليه، وقوت يومه وليلته، وكذا قوت عياله الواجبي النفقة عليه أو ما كانوا كالواجبين، وهو ما يخشى من ترك الإنفاق من حدوث ما يسوؤه، ويلحق بقوت يومه وليلته ما يحتاج القوت إليه، من آنيةٍ وقِدْرٍ وحطبٍ وماء؛ للأخبار الدالّة على تخلية سبيله مطلقاً (4، من دون بيان لأمرٍ آخر، ولقوله عزّ وجلّ: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) (5)بناءً على أن المعسر مَنْ لا مال له، وإن كان)


1) وسائل الشيعة 18 : 418 الباب 7 من أبواب كتاب الحجر، ح 1.

2) مجمع الفائدة والبرهان 12 : 135.

3) وسائل الشيعة 27 : 248 الباب 11 من أبواب كيفية الحكم...،ح 2.

4) المصدر 16 : 320، الباب 12 من أبواب فعل المعروف، ح 3 و 18 : 418، الباب 7 من أبواب كتاب الحجر، ح 2.

5) البقرة (2) : 280.

قادراً بالقوة على المال إما باكتساب أو بحرفةٍ أو بصنعةٍ حتّى لو كان غنياً بهما بحيث يدفع زكاة الفطرة والخمس ولا يأخذ الزكاة، فلا منافاة بين المعسر والغني؛ لأن المعسر مَنْ لا يملك المال بالفعل.وذهب الشيخ إلى أن المعسر يسلم إلى الغرماء ليؤاجروه أو يستعملوه (1لرواية السكوني (2).)وهي ضعيفة مخالفة للقواعد.ودعوى أن وفاء الدَّيْن واجب مطلقاً فيجب من باب المقدّمة وفاؤه ولو بالكسب ولو ببذل منافعه؛ لأنّ منافع الحُرّ مال مردودة بمنع أنّ وفاء الدين واجب مطلقاً، بل هو مشروط بوجود المال، فلا يجب التكسب له، ولا بذل البضع من الزوجة لوفاء الدين، ولا قبول الهبة ولا الاصطياد، ولا الاحتشاش. والدليل عليه الآية (3والرواية (4)الدالّة على تخلية السبيل، وبمنع أنّ منافع الحُرِّ مال عرفاً، فلا تدخل في اسم مالك المال على أنَّه لو وجب الوفاء لكان واجباً عليه التكسب والوفاء ويجبره الحاكم على ذلك، لا أنّه يُدفع إلى الغرماء ليستعملوه أو يؤاجروه.)وذهب ابن حمزة إلى أن صاحب الحرفة والصنعة يُدفع إلى الغرماء؛ لأنَّه غني بصنعته وحرفته فيستعملوه أو يؤاجروه (5.)وهو ضعيف؛ لعدم الدليل عليه.نعم، غاية ما يقال: إنّ صاحب الصنعة غني فيجب عليه وفاء الدين، لأن مطل الغني ظلم(6، ووفاء الدين واجب مطلقاً، وهذا غير ما ذهب إليه، على أنا قلنا: إنّ الغنى لا ينافي الإعسار، فيراد بالغني في الرواية غير هذا، وهو مَنْ كان عنده مال.)أو يقال: إنّه يجب عليه الوفاء؛ لأنّه قادر وغني ولكن لا تجوز مطالبته ولا يباح استعماله ومؤاجرته، ولا منافاة بين عدم جواز مطالبته وبين وجوب الوفاء عليه، ولكن كأن ظاهر الأصحاب الملازمة، فتأمل.


1) النهاية : 352.

2) وسائل الشيعة 18 : 418 - 419 الباب 7 من أبواب كتاب الحجر، ح 3.

3) البقرة (2) : 280.

4) راجع الهامش (4) من ص 308.

5) الوسيلة : 212.

6) كما في وسائل الشيعة 18 : 333، الباب 8 من أبواب الدين والفرض، ح 3.

##### سادسها: حكم ما إذا أنكر المدّعى عليهسادسها: إذا أنكر المدّعى عليه، كان للحاكم أن يقول للمدّعي : إذا أردت إثبات حقك فأتِ ببيّنةٍ، ويعرّفه إذا كان جاهلاً بأنّ عليه البيّنة، وليس له إلزامه بإتيان البيّنة؛ لأن الحق يعود إليه.وللحاكم أن يسكت، إلا إذا أدى سكوته إلى الإضرار بالمنكر لطول حضوره وجلوسه، فيقول له: إما أن تأذن له بالقيام أو تأتي بالبيّنة.ولو أصر المدّعي على السكوت مع الإضرار، سقط حقه في هذا المجلس، بل لو عاود إلى ذلك مراراً يلزم فيها الإضرار على المدّعى عليه بحيث يحضره مراراً ثمّ يؤخر دعواه؛ سقط حقه من الدعوى؛ لظهور قصد الإضرار منه والاستهزاء، فلا يسمعه الحاكم بعد ذلك. فإن لم توجد عند المدّعي بيّنة أو وُجدت وأعرض عنها أو نسيها أو جهلها ولم يتمكن من شاهد ويمين في مقام يصح ذلك، عرفه أنّ لك اليمين عليه، فإذا طلب اليمين أجابه الحاكم وأمر به المنكر لزوماً؛ لأن اليمين على مَنْ أنكر.وليس للحاكم أن يستبد به، بمعنى أنَّه لا يؤثر في قطع الخصومة حتّى يسأله المدّعي ويأذن له؛ لأنّ الحق له، فلعله أراد تأخير يمينه لمصلحة تعود إليه، كما أنَّه ليس للمدّعي تحليفه من دون إذن الحاكم، بل من دون حضوره مع الإمكان؛ لانصراف الأخبار المطلقة - ولو بضميمة فتوى الأصحاب الآمرة باليمين - إلى اليمين المأذون بها من الحاكم، بل إليها مع حضوره مهما أمكن حضور المدّعى عليه عنده؛ لعدم مرض أو عدم تقيّة أو حياء.وبالجملة، فلا يؤثر في رفع الخصومة لو صدرت اليمين تبرّعاً من المدّعى عليه، أو صدرت بإذن المدّعي فقط، أو صدرت بإذن المدّعي والحاكم من دون حضوره مع الإمكان، على كلام في الأخير، فإذا حلف المنكر على البت لا على نفي العلم في مقامه، برى ظاهراً، وسقطت عنه الدعوى عند الحاكم المحلوف عنده وعند غيره.ولا يجوز للمدّعي تجديدها، وسقطت مقاصته مطلقاً، سواء كانت الدعوى على عين أو منفعةٍ أو دَيْنٍ.نعم، لو تمكن من أخذ العين نفسها، فالأظهر جواز أخذها منه من غير دعوى منه بها ولا إثبات؛ للنهي عن الدعوى بعد اليمين (1.)


1) راجع وسائل الشيعة 27 : 244 - 245، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم... .

وفي الأخبار (1ما يشعر بعدم جواز أخذ العين المدّعى بها نفسها.)ولكنّه مخالف للضوابط والقواعد، ولا يسقط ما فى ذمته واقعاً؛ للاستصحاب، وظاهر كلام الأصحاب، فيجوز إبراؤه، ويجوز احتسابه عليه زكاة أو خُمْساً، ويجوز ضمانه عنه.وفي جواز بيعه عليه أو على غيره فيطالب بثمنه، أو الصلح عليه له أو لغيره، أو جعله عوضاً لأحد العقود من إجارة أو مهر وجه قوي.ولو أقر المنكر بعد اليمين بالحق للمدّعي وجاء بالمال، جاز الأخذ منه؛ للرواية المعتبرة (2.)وكذا لو أقرّ له ولم يأتِ بالمال كلّاً أو بعضاً، فالأظهر جواز مقاصته أيضاً؛ لعدم القول بالفصل، ولظاهر اتفاقهم على إبطال الإقرار حقّ اليمين مطلقاً، أتى بالمال أم لا.أما لو أقرّ عند غير المدّعي فعلم بإقراره المدّعي أو قامت عنده بيّنة، فالأظهر إنَّه كذلك، ولكن على إشكال.ولو ادعاه المدّعي بعد الحلف أنّه أقرّ بالحق، سمع الحاكم دعواه على الأظهر؛ لأنّها لیست دعوى على أصل المال.ويحتمل عدم سماعها؛ لإطلاق صحيحة ابن يعفور أنَّه لا تسمع دعواه ولو أتى بخمسين قسامة (3، خرج من ذلك ما إذا سمع المدّعي إقراره بالنسبة إلى المقاصة فقط، وما إذا سمع الحاكم إقراره ثمّ تداعيا بعد ذلك عنده في صحة الإقرار وفساده، أو نحو ذلك.)ولا فرق في عدم سماع دعواه وعدم قبول بينته بعد تحليف المنكر بين ما كانت عندهبينة فأعرض عنها وطلب يمين المنكر، وبين ما كانت عنده بيّنة فجهلها أو نسيها فأحلفه وبين ما اشترط المنكر سقوط الحق أو سقوط البيّنة،بيمينه وبين عدم ذلك كله؛ تمسكاً بإطلاق الفتوى والنصوص الدالّة على أنَّه ذهبت اليمين بما فيها مطلقاً في بعض (4، ومقيداً بأنه ولو أتي ببينة في آخره (5).)


1) وسائل الشيعة 27 : 246 - 247، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1 و 2.

2) المصدر 23 : 286، الباب 48 من أبواب كتاب الأيمان، ح 3.

3) المصدر 27 : 244 - 245 الباب 9 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

4) المصدر : 245، ح 2.

5) راجع الهامش (3).

خلافاً للشيخ فتسمع البيّنة مطلقاً في بعض فتاويه (1، أو تسمع مع الجهل بها أو نسيانها في بعض آخر (2)، وقواه جملة من الأصحاب (3).)وخلافاً لما عن المفيد وابن حمزة والقاضي، حيث ذهبوا إلى سماعها ما لم يشترط الحالف سقوط حقّ المدّعي بيمينه (4.)وعلى كل حال فذهاب اليمين بما فيها حكم مخالف للقواعد، فيقتصر فيه على يمين الحاكم، دون اليمين المصالح بها على إسقاط دعوى المدّعي، فإن المدّعي لو علم بكذبه جاز له عند عثوره على بيّنة مطالبته، ويجوز له مطلقاً مقاصته، ودون اليمين الصادرة على نفي العلم، ودون اليمين المردودة لو أقسم بها المدّعي كاذباً فأخذ المال ظلماً، فإنّه لا يبعد جواز مقاصته لو علم ببطلان يمينه ودون اليمين المنضمة مع الشاهد.ويجوز للمدّعي بعد يمين المنكر أن يقيم بيّنة على مجرد شغل ذمّته لأمرٍ من الأمور، وإن لم تسمع على نحو يترتب عليها أثر البيّنة من أخذ المال بها وجواز المقاصة وجبره على الأداء، ونحو ذلك.ولو وجه الحاكم اليمين على المنكر فادّعى أن المدّعي حلّفه، سمعت دعواه، وتوجهت اليمين على المدّعي قبل يمينه، فلو ادّعى المدّعي أنَّه حلّفني على أني ما حلّفته، توجهت اليمين على المنكر، ولو عرف الحاكم تسلسل هذه الدعوى طرحها وأبطلها ولم يسمعها.ولو حلف المنكر على نفي العلم لم تذهب بما فيها؛ للشكّ في شمول الأدلّة الدالّة على ذلك لها، فيجوز للمدّعي إقامة البيّنة بعد ذلك والمقاصة.##### سابعها: للمنكر أن يردّ اليمين على المدّعىسابعها: للمنكر أن يرد اليمين على المدّعي. ولو لم يعرف عرفه الحاكم لزوماً في وجه قوي.


1) المبسوط 8: 158.

2) المصدر : 210.

3) منهم العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 416، ذيل المسألة 15.

4) المقنعة : 733؛ الوسيلة : 213؛ وحكاه عنهما وعن ابن البراج في الكامل العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 414. المسألة 15.

ولو عرف المدّعي ذلك دون المنكر، لم يلزم المدّعي تعريفه، وإذا ردّه عليه فحلف ثبت حقه.ويلزم أن يكون حلفه عند الحاكم، وأن يكون بإذنه وإذن المنكر، ويكفي في إذن المنكر نفس الرد، وإن لم يحلف سقط في ذلك المجلس حقه من الدعوى والمطالبة عند الحاكم، ولا تسمع بينته ولو كانت حاضرةً فأعرض عنها، وليس له أن يلزم المنكر بَعْدُ بيمين لو جدد الدعوى، ولا أن يحلف يميناً، كلّ ذلك للأخبار المعتبرة الدالّة على أنّ المدّعى إذا لم يحلف لا حقّ له (1.)نعم، لا تسقط مقاصته للمنكر وأخذ عينه منه؛ اقتصاراً على المورد اليقيني من الرواية والفتوى.والرواية وإن كانت عامةً ولكن لا ينكر ظهورها في نفي حقّ الدعوى وتوابعها، ويعين الحمل على هذا الظاهر فهم الفقهاء ذلك على الظاهر.وكذا لا تسقط جواز مطالبته بالحق عند غير الحاكم أو بينه وبينه في وجه قوي.وهل يسقط حقه في كلّ مجلس دائماً إلى أن يموت؟ الظاهر ذلك؛ لإطلاق الأخبار (2، والظاهر من المشهور ذلك أيضاً.)وهل يسري حكمه لوارثه؟ وجه لا بأس به.ولو امتنع لعذر مانع عن اليمين، بقي حقه.ولو امتنع لعذر تعود مصلحته إليه - كما إذا ادعى تذكر البيّنة، أو النظر في الحساب، أو سؤال الفقهاء، أو نحو ذلك - ففي سقوط حقه وعدمه وجهان، ولا يبعد عدم السقوط؛ لانصراف السقوط لغير هذا الفرض، وللزوم الضرر والضرار، ولأنّ الظاهر من الامتناع هو ما كانأدلّة لغير عذر.وهل يتقدر إمهاله بقدرٍ أم لا؟ وجهان: من لزوم ضرر ثقل الدعوى على المنكر، ومن عموم الأخبار (3، خرج المقطوع به من سماع عذره فيبقى الباقي، ومن أصالة عدم لزوم التقدير عليه، وأن الحق له، بخلاف يمين المنكر، فإنّ الحق عليه.)والأوجه: أن يتقدر بقدر زمان يسع تأدية ما اعتذر به عرفاً.ولا يفتقر سقوط حقّ المدّعي بعد نكوله عن اليمين المردودة إلى حكم الحاكم.


1) وسائل الشيعة 27 : 243، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم...،ح 2.

2) راجع المصدر : 244 - 245، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم... .

3) راجع المصدر : 241 - 242 الباب 7 من أبواب كيفية الحكم... .

##### ثامنها: سقوط ردّ اليمين على الوصيّ والولي الإجباري والحاكمثامنها: ويسقط ردّ اليمين على الوصي، والوليّ الإجباري والحاكم الشرعي والمدّعي حسبة؛ للشكّ في شمول الأدلّة الردّ لهم، وعدم انصرافها إلا لمالك الحق، ويعين على ذلك فهم الفقهاء وعملهم.فلو ادعى الوصي على شخص دَيْناً أو على الوارث أنّ الميّت أوصى بخمس أو زكاة أو صدقة للفقراء، أو ادعى الوليّ عن المولى عليه مالاً، أو ادعى الحاكم الشرعي ميراثاً لمن لا وارث له، أو ادّعى خُمْساً أو زكاة أو حقاً ممّا يعود للحاكم، أو ادعى أحد عدول المؤمنين زكاةً أو حقاً لهم إلى غير ذلك، لم يكن للمنكر ردّ اليمين، بل لا بد من إلزام المدّعى عليه باليمين أو دفع الحق، بل للحاكم أن يحبسه على الأظهر، والحبس وإن كان عقوبة ولكنه جاز لمكان المماطلة عن الحق.وقد يقال: إن سقوط اليمين عن الوصي رخصة لا عزيمة، بمعنى أنَّه لا يلزم به ولا يسقط بنكوله عنه، وإلا فلو رضي باليمين جاز للمنكر ردّه، وجرى عليه حكم اليمين المردودة؛ لعموم ولايته، فيمينه يمين المولى عليه، وعموم ما دلّ على ردّ اليمين على المدّعي (1من غير تفصيل واستثناء، وكذا لو كان المدّعي وكيلاً.)ولو طلب المنكر نفس الموكل ليرد عليه ألزم بالحضور للردّ، مع احتمال سقوط الردّ مع غيبة الموكل فيلزم المنكر بالحلف أو التأدية.أما المنكر فلا بد من حضوره لو توجه عليه اليمين، إلا أن يوكل على الردّ عند توجه اليمين عليه من المدّعى، فيسقط لزوم حضوره.فلو كان للمدّعي وكيل وللمنكر كذلك، فطلب وكيل المدّعي اليمين من موكل المنكر ألزم إحضاره، أو يرد وكيل المنكر على المدّعي اليمين فيلزم إحضاره، أو تسقط هذه الدعوى بين الوكيلين إذا لم يحضر المدّعي.وفي لزوم إحضاره وجه.ويسقط الردّ مع دعوى التهمة.ولو كان المدّعي متهماً والمنكر لا يعلم، سقطت الدعوى، إلا إذا قلنا بكفاية الحلف على نفي العلم، أو قلنا بأخذ الحق ما لم يحلف المنكر على الجزم.


1) راجع الهامش (3) من ص 313.

وهل يجوز للوصي والوليّ والحاكم الشرعي أن يردّ اليمين على المدّعي بمال على الميّت أو على المولّى عليه فيدفعه إليه؟ الظاهر لا؛ للشكّ في شمول أدلّة الردّ لمثل ذلك. وللاحتياط في مال الغير.نعم، لو رأى المصلحة جاز له ذلك؛ لعموم الولاية في وجه قوي.نعم، يلزم الوصيّ الحلف على نفي العلم إذا لم يكن للمدّعي بيّنة، أو يؤخر المدّعي دعواه إلى بلوغ الطفل وإفاقة المجنون.وكذا المدّعي على الوصي إذا لم يحلف الوصيّ، فإنّ له تأخير الدعوى إلى بلوغ اليتيم فيرد عليه اليتيم.ولا يوقف المال في هذه المقامات إلى بلوغ الطفل؛ للزوم الضرر والضرار.وهل اليمين المردودة بمنزلة الإقرار ؛ لرضى المنكر بها وحدوث سببها باختياره، ولإشعار امتناعه من الحلف أن الحق ثابت عليه، أو بمنزلة البيّنة للمدّعي في حقّ المدّعي؛ لأنّ الأصل في حجة المدّعي البيّنة، ولمنع دلالة ما ذكر على الإقرار، أو أنَّها حجة مستقلة يثبت بها حقّ المدّعي ؟ وجوه، أوجهها الأخير؛ لعدم دليل على عموم المنزلة لأحدٍ من القسمين.فعلى ما ذكرنا لا يفتقر ثبوت الحق بعد اليمين إلى حكم الحاكم؛ لا لكونه بمنزلة الإقرار بل لعموم الأدلّة الدالّة على الثبوت من غير بيان توقفه على أمرٍ آخر.ويحتمل قوياً التوقف؛ لأصالة عدم ثبوت الحق بحيث تنقطع الدعوى والخصومة إلا بحكم الحاكم، ويكون إطلاق الأخبار كإطلاق أخبار البيّنة ونحوها في توقفها على حكم الحاكم.ويحتمل أن حكم اليمين المردودة حكم يمين المنكر لا يفتقر معها إلى حكم الحاكم.وكذا الحال فيما إذا حلف المدّعي على ثبوت الحق، ثمّ بعد يمينه أقام المنكر بيّنة على الإبراء أو الإيصال، فإنّ الظاهر سماع بيّنته؛ لعموم دليلها، وعلى جعلها بمنزلة الإقرار لا تسمع؛ لتكذيب بينته بإقراره، وعلى جعلها بمنزلة البيّنة يكون من تعارض البينتين.نعم، لو قلنا: إن اليمين المردودة بمنزلة يمين المنكر تذهب بما فيها، لم تسمع بيّنة المنكر ولا دعواه بعد ذلك، ولا مقاصة المدّعي لو كان كاذباً بما أخذه بدعواه.ولكن القول بذلك لا دليل عليه سوى بعض العمومات ك «مَنْ حلف لكم فصدقوه» (1)


1) وسائل الشيعة 27 : 245 الباب 9 من أبواب كيفية الحكم...،ح 2.

و «من حلف له بالله فليرض» (1وهي ضعيفة السند والدلالة، وغيرهما من الأخبار ظاهرة في خصوص يمين المنكر.)أما لو كانت الدعوى بأصل القرض فنفاه المنكر فطلب منه اليمين فرد اليمين عليه فحلف، فادعى بعد ذلك بالإيصال سمعت دعواه وبيّنته قطعاً؛ لأنها دعوى جديدة.ولو ادعى أحد على عبدٍ دعوى مالٍ أو قصاص، فرد العبد اليمين على المدّعي، لم يثبت على العبد شيء؛ لأنَّه يعود إلى غيره، ولم يثبت أن اليمين المردودة تُثبت حقاً متعلقاً بغير الراد نفسه، والمفروض أن الراد لغيره حقّ فيه.ودعوى أنَّها كالبيّنة غير ثابتة، وأولى لو كانت بمنزلة الإقرار.نعم، قد يثبت المال في ذمته بعد العتق، لا حين كونه مملوكاً.وكذا لو ادعى أحد على السيد قصاصاً على العبد، فردّ السيد اليمين على المدّعي، فإن العبد لا يقتص منه؛ للشكّ في ثبوت القصاص عليه بردّ يمين السيد على مدعيه، وأمر الدماء عظيم.نعم، يثبت المال في رقبة السيد؛ لأنّ العبد،مال، فإذا ردّ اليمين على المدّعي في جناية، استرق العبد؛ لأنّ اليمين حجّة على مال الراد والعبد من ماله، وإذا كانت الدعوى على مالٍ تعلق بذمة العبد بعد العتق بعد حلف المدّعي اليمين المردودة من السيّد.وهل اليمين المردودة تذهب بما فيها كيمين المنكر ؟ وجه الأوجه خلافه.وهل للمنكر بعد الردّ أن يعود؟ الظاهر ذلك؛ لأنَّه تفويض لا إسقاط، وهو أحد فردي الواجب المخيّر فيه، فيجوز العدول عن واحدٍ إلى الآخر قبل فعله.وهل نكول المدّعي عن اليمين مع الشاهد بمنزلة نكوله عن اليمين المردودة؟ وجه، والأوجه خلافه؛ للأصل، وعموم الأدلّة.والدليل الدال على سقوط الحق بالنكول، هو ما إذا كان النكول عن اليمين المردودة - دون كلّ يمين - على المدّعي، خلافاً لما نُقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه في المبسوط (2).)وعلى القول بأن اليمين المردودة بمنزلة البيّنة يراد منها البيّنة في حقّ المدّعي، لا مطلقاً،


1) وسائل الشيعة 23 : 211 - 212، الباب 6 من أبواب كتاب الأيمان، ح 1 و 3.

2) راجع المبسوط 8: 190.

فلو ردّ الشريك على مدعيه اليمين فحلف على الشركة، لم تثبت على جميع الشركاء، وكذا لو ادعى أُخوة شخص ليرث معه فردّ عليه اليمين، لم تثبت أُخوته مطلقاً لجميع إخوته، وهكذا.ولو رجع المنكر عن ردّه قبل حلف المدّعي، فالأقرب: جوازه، إلا إذا أدى إلى التسلسل فيمنعه الحاكم من الرجوع.##### تاسعها: حكم ما لو امتنع المنكر عن اليمين و عن ردّها لا عن عذرٍ أو عن عذرٍ معلومتاسعها: لو امتنع المنكر عن اليمين وعن ردّها اعتباطاً لا عن عذر، لم يمهل.ولو امتنع عن عذر معلوم كتأمل في حساب ونحوه وأراد منه المدّعي الحلف على البت، أُمهل على الأظهر - خلافاً لكثير من الإطلاقات - ما لم يلزم ضرر على المدّعي، وأُجل إمهاله، ولم يعتبر امتناعه قطعاً.وهل الجهل بحكم النكول عذر فلو ادعى الجهل سمع؟ وجه لا بأس به.ولكن هل يُحكم عليه بالحق بمجرد النكول ولا يحتاج معه إلى أمرٍ آخر، بمعنى يقول له: خلفت أو رددت وإلا جعلتك ناكلاً وحكمت عليك بالحق ثلاثاً أو اثنتين أو واحدة، ولا يجب التكرار؟ نعم، يندب للاستظهار.وهل يجب قولها مرّةً، أم يكفي أنَّه لو امتنع حكم عليه بالنكول؟ ظاهر بعض العبارات: الوجوب (1، سيما لو كان جاهلاً بأن الممتنع يحكم عليه بالنكول، بل ربما يدعى أن الجهل عذر، أو يحكم عليه بالحق بعد ردّ اليمين من الحاكم على المدّعى فيحلف المدّعي فيثبت له الحق بيمينه، فلو لم يحلف سقط حقه؛ لأنّها بمنزلة اليمين المردودة، أو لا يسقط حقه بالامتناع، اقتصاراً في محلّ السقوط على المورد اليقيني، وهو اليمين المردودة من المدّعي نفسه؟ وجهان على هذا القول.)وهل له بعد ردّ الحاكم اليمين أن يرجع المنكر إلى يمينه؟ وجهان: العدم؛ لحكم الحاكم عليه بالنكول وجعل الحق عليه وتحويل حقّ اليمين منه إلى المدّعي فلا يعود، ومن الشكّ في كونه حكماً؛ لأن جعله ناكلاً أعم من الحكم عليه برفع الحق عنه من اليمين، ولا يبعد الأخير، إلا إذا تعدد بعد ذلك، فإنّه لا شكّ بسقوط حقه من الرجوع بيمينه.


1) راجع المبسوط 8: 159.

ولو لم يمكن ردّ اليمين على المدّعي على هذا القول كدعواه التهمة أو كونه وصيّاً، أو أمكن ولكن لا يلزم به على وجه، فالظاهر أنَّه يلزم بالحق بمجرد النكول؛ لأن الردكان احتياطاً، فحيث لا يمكن سقط عن المدّعي، وبامتناع المنكر عن اليمين يثبت الحق هنا؛ لأن اليمين على مَنْ أنكر في رفع الحق عنه، وحيث لم يحلف لم يرتفع الحق عنه فيؤديه.وهل للمنكر الرجوع بعد نكوله إلى يمين النفي؟ الظاهر أن له ذلك ما لم يحلف المدّعي، سواء حكم الحاكم بثبوت الحق له بعد يمينه أم لا.وهل يفتقر ثبوت الحق بعد يمينه إلى حكم الحاكم ؟ وجهان، على ما تقدم.والأوجه هنا: إنّ يمين المنكر أقرب إلى البيّنة من الإقرار، والأقرب: التوقف.وكذا ليس له الرجوع إلى يمينه إذا حكم الحاكم عليه بالحق بعد نكوله.وأما بعد امتناعه فقط أو بعد حكم الحاكم بنفس النكول أو بعد ردّ اليمين قبل حلف المدّعي لو قلنا بتوقف الحكم عليها فالأوجه: جواز رجوعه وإن كان الحكم بجواز الرجوع بعد حكم الحاكم بنفس النكول أو بعد ردّ اليمين لا يخلو من إشكال.ويظهر من كثير من الفقهاء أنَّه يسقط حقّ رجوعه بمجرد حكم الحاكم عليه بالنكول؛ تنزيلاً له منزلة الحكم بالحق، سيّما لو قال للمنكر،احلف، فكأنه انتزعه منه إلى غيره، بل ربما يظهر من قوله: جعلتك ناكلاً، يعني حکمت عليك بسقوط حقّ اليمين وانتزعته منك لامتناعك عنه، فتأمل.استدل القائلون بجواز الحكم عليه بالحق بمجرد النكول: بأصالة عدم لزوم ردّ الحاكم، وأصالة براءة ذمة الحاكم من الردّ، وأصالة براءة ذمة المدّعي من لزوم اليمين، وأصالة عدم كونها حجةً للمدّعي، وأصالة عدم كون النكول عنها مبطلاً للحق، وأصالة عدم توجه اليمين على غير المنكر، وأصالة عدم صحة تولّي الحاكم الردّ بعد كونه من وظائف المنكر.وبقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» (1)حيث حصر البيّنة في المدّعي، فلا تلزم على المنكر، وحصر اليمين في المنكر، فلا يلزم به المدّعي، وقضية التعاكس تؤدّي إلى حصر المدّعي على البيّنة وحصر المنكر على اليمين وحيث لا يمين على المدّعي وكان)


1) السنن الكبرى البيهقي 10: 427، ح 21201.

اليمين على المنكر فعند نكوله يلزم بالحق؛ لأنّ اليمين عليه في دفع الحق، فما لم يحلف ثبت الحق عليه؛ لأنّ دفعه موقوف على اليمين، كما أن إثبات الحق موقوف على البيّنة بالنسبة إلى المدّعي، وإلزام المدّعي بالبيّنة على سبيل الوجوب الشرطي في ثبوت حقه، وإلزام المنكر باليمين على جهة الوجوب الشرطي في دفع الحق عنه.وهل يجب على المنكر اليمين وجوباً شرعياً تخييريّاً بينه وبين الردّ فما لم يفعل أحدهما عصى ؟ وجه لا يبعد من سياق الرواية.ولكن ظاهر الأصحاب عدم الوجوب الشرعي، وعدم جواز عقوبته وحبسه.نعم، لو ترك الجواب عوقب وحُبس، ولا ملازمة بين جواز العقوبة على ترك الجواب، وعدم جوازها على ترك اليمين والنكول.نعم، يجب عليه حين لا يمكن ردّ اليمين على المدّعي لا منه ولا من الحاكم، فحينئذٍ يجب عليه مخيّراً بين دفع الحق وبين اليمين عليه، ويجوز حبسه على ذلك.وقد يحتمل هنا أيضاً جواز القضاء بالنكول من دون حبسه وإلزامه باليمين؛ لأن الحبس عقوبة لم يثبت موجبها.واحتمال سقوط الدعوى هنا احتمال بعيد.وبرواية الأخرس عن عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ حيث كتب له اليمين، وأمره بشربها فامتنع فألزمه الدَّين (1)، الظاهرة في ترتب إلزامه الدين على الامتناع، وتعقيبه له لمكان الفاء، وهو ينافي تخلّل اليمين على أنَّه لو كان هناك يمين لنقل، ولا يجوز عدم بيانه؛ للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة.)والردّ عليه: إن التقدير لازم في الخبر؛ لأنّ مجرّد الامتناع عن اليمين لا يثبت الحق إلا بالامتناع عن الردّ إلى المدّعي أيضاً، فحينئذٍ لا بد من التقدير، وتقدير هذا ليس بأولى من تقدير الردّ على المدّعي بمعنى فامتنع فرد اليمين فألزمه الحقّ.وإن البيان متأخر عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة؛ لأن الحاجة إلى كيفية بيان حلف الأخرس، لا بيان حكم امتناعه.


1) وسائل الشيعة :27: 302 الباب 33 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

وإن الرواية حكاية حال فلا عموم فيها.وإنّ ما اشتملت عليه الرواية من طريق حلف الأخرس لا يقول به الأصحاب، فيضعف الاستناد إليها.وإن مضمونها مخالف لما أطبق عليه الجمهور من نسبة ردّ اليمين إلى عليٍّ (1ضعيف؛ لظهور الامتناع في الامتناع عن اليمين وردّها، بل كان الامتناع عن ردّها مفروغاً منه، وإلا لم يحتج إلى تحمّل مؤونة كتابة اليمين وغسلها وأمره بشربها، وكان يكفي دون ذلك من البيان والتغليظ، ولمنع القول بالفصل بين الأخرس وغيره، وكونها حكاية حال لا تنافي لزوم التأسي، ولأن ورودها مورد بيان الكيفية في اليمين ظاهر في إرادة كيفية اليمين المترتب عليه أداء الحق بقرينة ترتبه عليه، على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة والخطاب کلاهما ممنوع، ولمنع كونه غير الكيفية التي عند الفقهاء من تحليف الأخرس، بل هو فرد منه عند إرادة التغليظ.)ولمنع الاعتماد على رواية الجمهور خلافه عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ بعد ورود الرواية الصحيحة فيه، وبالرواية الأخرى المعتبرة في الرجل يدعي الرجل ولا بيّنة له، قال: «فيمين المدّعى عليه، فإن حلف فلا حقّ له، وإن لم يحلف فعليه» (2)وليس في طريقها سوى ياسين، وهو من أهل الأصول.)والرد عليه بوجود نسخة أُخرى في الفقيه بدل محل الشاهد: «وإن ردّ اليمين على المدّعي فلم يحلف فلا حقّ له» (3ضعيف؛ لأنّ تعدّد النسخة كتعدد الرواية حجة في المقامين، وبأن ضمير «علیه» مجمل؛ لاحتمال عوده إلى المدّعي وخبره اليمين.)واحتمال عوده إلى المنكر ومبتدؤه غير الحق، بل بقاء الدعوى وشبهها ومنه بقاء اليمين المردودة لإثبات حقّ المدّعي.وهو بعيد؛ لأن الاحتمال لا ينافي الظاهر.


1) سنن الدارقطني 3: 456. ح 35/4411؛ المغني المطبوع مع الشرح الكبير 12 : 125.

2) وسائل الشيعة 27: 236 الباب 4 من أبواب كيفية الحكم....،ح 1.

3) الفقيه 3: 63 - 64. ح 3346.

وبأن في ذيل الرواية ما يؤذن بلزوم ردّ الحاكم اليمين؛ لقوله: «ولو كان المدّعى عليه حياً ألزم باليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه»(1بصيغة المجهول، والعدول عن المعلوم إليها أمارة على أنّ الراد ليس خاصاً بالمنكر، وليس غيره إلا الحاكم.)وفيه المنع من ثبوت صيغة المجهول، ولئن سُلّم فالمنع من انحصار الفائدة فيما ذكر. وبأن مضمونها موافق لفتوى العامة، فيضعف بها الاستدلال.وفيه: إنّه موافق للحنفي (2مخالف للشافعي وغيره (3)ومنا.)واستدل الموجبون لردّ اليمين من الحاكم بأصالة عدم نفوذ الحكم بدونه، وبالاحتياط، وبأن الحاكم وليّ الممتنع، وقد امتنع المنكر من الحق الذي عليه فيتولاه الحاكم، وبالإجماع المنقول (4، وبفتوى مشهور المتأخّرين (5)، وبأنّ هذا القول موافق لفتوى الشافعي(6)، وهو موافق لمذهب الإماميّة غالباً، وبأن العامة نسبوا هذا القول لعليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7)، ومن البعيد كذبهم وتخطئتهم، وبقوله «يمين المطلوب أولى من طالب الحق» (8)وبأنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ردّ اليمين على طالب الحقّ (9).)وفي الجميع نظر ؛ لانقطاع الأصل بالدليل، ومعارضة الاحتياط بالاحتياط فيما لو نكل المدّعي عن اليمين فإنه يذهب حقه، وبأن ولاية الحاكم يكفي فيها الحكم بالنكول عند الامتناع عن اليمين وردّه؛ لأنّ مشروعية اليمين لرفع الحق عنه، ولضعف الإجماع المنقول بمصير الكثير من الفحول إلى خلافه، وفتوى المشهور غير حجّة في معارضة الروايات المتقدمة، وقول العامة لا اعتماد عليه، وكذا الموافقة لفتوى الشافعي، والروايات ضعيفة ومنها حكاية حال لا تفيد العموم في المقام، ويمين المطلوب لا شكّ أولى إن أُريد به اللزوم، وأولى أيضاً إن أُريد به الندب بالنسبة إلى الرد.


1) راجع الهامش (2) من ص 320.

2) المغني المطبوع مع الشرح الكبير 12 : 125.

3) المغني المطبوع مع الشرح الكبير 12 : 125.

4) كما في رياض المسائل 15 : 92.

5) كما في رياض المسائل 15 : 92.

6) راجع الهامش (2 و 3).

7) راجع الهامش (1) من ص 320.

8) سنن الدارقطني 3 : 462. ح 57/4433 بتفاوت.

9) المصدر : 0456 ح 34/4410.

والحق: إن الأدلّة من الجانبين لا تخلو من وَهْنٍ، سيّما أدلّة القول الأخير، ومما يخرج عن موضع النزاع هو ما إذا لم يمكن المنكر الردّ ولا الحاكم؛ لعدم كون المدّعي مالكاً إذا كان دعوى تهمة، أو كان وصيّاً وشبهه، فإنّ الظاهر هنا الحكم بمجرد النكول، أو حبس المنكر، فإما أن يحلف، أو يؤدّي، وكون الحبس عقوبة لا بأس به عند استحقاقها.و احتمال سقوط الدعوى ضعيف.وإطلاق رواية الأخرس وغيرها يدل على أنّ النكول بمجرد الامتناع من اليمين، وليس فيها أن يقول الحاكم: حلفت وإلا جعلتك ناكلاً، فوجوب الواحدة لا دليل عليه.بل قد يقال: إن تحليف الوصي والولي للمنكر إذا هم المنكر بالحلف لا مصلحة فيه، فلعل الطفل يبلغ ويصل إلى حقه بيمين مردودة أو بيّنة أو نكول.نعم، إلا إذا قلنا: إن اليمين هنا لا تذهب بما فيها؛ لأنّ المتيقن من ذلك ما إذا رضي المالك بيمينه لا غيره من وليّ أو وصيّ جاز اليمين لهما.وقد يخرج عن محلّ المسألة ما إذا كان المدّعى عليه وليّاً أو وصيّاً وشبههما، فإنّه يلزم على الحلف على نفي العلم، ولا يجوز له ردّ اليمين على المدّعي ولا الحاكم مع نكوله؛ لعدم الغبطة بمال الطفل.فلو فرضنا أنَّه أصرّ على نكوله، لزم الحاكم تحليف المدّعي احتياطاً وتسليمه ما ادعى به، ويبقى الطفل على حجته بعد بلوغه، فإن أنكر وحلف على الجزم أخذ ماله من الوصي؛ لتفريطه، أو من المدّعي؛ لمباشرته، كما يمضى فعل الوكيل عن الغائب في ردّ اليمين أو في ثبوت الحق بالبيّنة مع يمين الاستظهار أو بدونه.ويحتمل مضيّ فعل الوليّ على المولّى عليه، وليس له تجديد الدعوى.ويحتمل الفرق بين الولي الإجباري فيمضى عليه فعله، وبين غيره فيضمن؛ لتفريطه بردّ اليمين على المدّعي أو نكوله عن الحلف على نفي العلم.وقد يستدلّ على الحكم بمجرد النكول بما جاء في مفاهيم أخبار المنكر، مثل: «مَنْ حلف له فليرضَ» (1و «مَنْ حلف فصدقوه» (2)فمفهومه: لا تصدقوه ولا ترضوا، ومفهوم)


1) راجع الهامش (1) من ص 316.

2) راجع الهامش (1) من ص 315.

«ذهبت اليمين بما فيها، وذهبت بحق المدّعي» (1أنَّه إذا لم تكن يمين فلا تذهب، بل يبقى الحق، ومفهوم أنّ المدّعي في اليمين المردودة إذا نكل سقط حقه، فهنا يثبت الحق عليه، ولأن صحة دعوى المسلم لا ينقضها - كما هو المفهوم من الأخبار - إلا اليمين، ولا يكفي فيها مجرد الإنكار، فالقول بالحكم بمجرد النكول أقوى.)##### عاشرها: في بيان مقتضى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»)عاشرها: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» (2)مقتض بحسب منطوق الأولى أن البيّنة تختص بالمدّعي، وبحسب مفهوم الثانية - حيث حصر اليمين في رفع الحق عن المنكر باليمين - أنّ المدّعي مقصور على البيّنة ليس له في اليمين نصيب. وكذا حصر اليمين بالمنكر من منطوق الثانية ومفهوم الأولى، وكان بمقتضى الرواية أن الفقرتين بينهما عموم من وجه؛ لاقتضاء الأولى أن البيّنة مثبتة للحق، سواء جامعها يمين المنكر أم لا، واقتضاء الثانية أن اليمين رافعة لدعوى المدّعي، سواء جامعتها بيّنة المدّعي أم لا، إلا أن الأخبار والإجماع خصص الثانية - وهي رافعية يمين المنكر لدعوى المدّعي - بالأُولى، وهي فيما لو لم تكن بيّنة، وأبقى الأولى - لقوة البيّنة - على حالها.)ومن ذلك يُفهم أن المدّعي يثبت حقه فيما لو امتنع المنكر عن اليمين؛ لتوقف ارتفاع الحق عن المنكر على اليمين فما لم يحلف يلزم بالحق، ولا ينافيه ما ذكرناه من حصر المدّعي على البيّنة؛ لأن ذلك حصر بالنسبة إلى اليمين، لا بالنسبة إلى كلّ مُثبت يأخذ المدّعي به حقه. وما ظهر من بعض الأخبار من الأمر بانضمام اليمين إلى البيّنة (3، محمولة على الندب عند استرابة الحاكم من أحد الشاهدين، أو على التقية، أو شبهها.)##### حادي عشرها : حكم ما إذا قامت البيّنة العادلة عند الحاكمحادي عشرها: إذا قامت البيئة العادلة عند الحاكم توقف عن الحكم إلى أن يسأله المدّعي، مع احتمال أنَّه لا يتوقف، إما لشاهد حال المدّعي بالإذن، أو لأن الحكم من وظائف الحاكم ما لم يعرض المدّعي عن دعواه، أو يقول للحاكم: اترك الحكومة.


1) راجع الهامش (1) من ص 315.

2) راجع الهامش (1) من ص 318.

3) وسائل الشيعة 27 : 211 - 212، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، ح 1.

وهل يجوز للحاكم الحكم قبل قوله للمنكر: أعندك جرح ؟ الظاهر ذلك، سواء علم المنكر بأن له الجرح أم لم يعلم، ولا يجب عليه تعليمه وإن كان الأحوط ذلك.وإذا قال المنكر: عندي جرح،حاضر أمهله إلى ثلاثة أيام ولا دليل عليه سوى كلام الفقهاء.ويحتمل إمهاله إلى قدر التمكن من الإتيان به، وإلا فيكون مماطلاً.وإن قال: الجارح غائب في مسافة بعيدة، احتمل لزوم،إمهاله، ويقف عن الحكم إلى مدةٍ يمكن إحضاره فيها.ويحتمل جواز الحكم بل لزومه من الحاكم، فإذا جاء الجارح بعد مدة انتقض الحكم وسمع بيّنة الجرح.ويحتمل نفوذ الحكم وعدم سماعها بعد ذلك.وإن قال المنكر أمهلني أنظر لعلّ لي جارحاً، فالأظهر إنّ له إمهاله، لكن لا يزيد على ثلاثة أيام، كما هو فتوى الفقهاء.ويحتمل عدم إمهاله في هذه الصورة مطلقاً، بل يحكم عليه.وهل ينتقض الحكم لو أتى بالجارح بعد ذلك؟ وجه وجيه.##### ثاني عشرها: حكم ما لو ادعى مدع على ميت ديناً وكان أصيلاً أو ولياً أو وصيّاًثاني عشرها: لو ادعى مدع على ميّتٍ دَيناً وكان أصيلاً في دعواه، لزمه مع البيّنة يمين للاستظهار على بقاء الحق في ذمّة الميّت إلى الموت أو إلى حين المطالبة في وجه قوي، وإنّ حقه لعليه ما أبرأه ولا وفاه ولا قاصه وما ضاهى تلك المعاني ؛ للأخبار المعتبرة (1، والإجماع المنقول (2)، والشهرة البالغة حدّ الإجماع.)ولكن المتيقن من الأدلّة هو ما إذا كان المدّعى أصيلاً عن نفسه، فلو كان وليّاً أو وصيّاً بحيث لا يتوجه عليه اليمين أو لا يمكنه كدعوى التهمة، احتمل هنا تحليفه على نفي العلم بالإبراء أو الوفاء، واحتمل تكليف الوصي والولي الحلف على الجزم، ويُمنع عدم توجه مثل هذا اليمين يمين الاستظهار عليهم، بل وكذا دعوى التهمة يحلف على الجزم للبينة المثبتة؛ للأصل، وللاستصحاب، فيؤدى بالجزم الشرعي، وكذا الأوّلان إذا لم يجزما.


1) وسائل الشيعة 27 : 236 - 237 الباب 4 من أبواب كيفية الحكم....ح 1.

2) الروضة البهية 104:3.

ويحتمل سقوط الدعوى؛ لأن اليمين جزء منها أو شرط فيها فبانتفائه ينتفى المدّعى به. ويحتمل - وهو الأقوى - سماع بيّنته من دون يمين؛ لعموم حجية البيّنة، واشتراط اليمين منصرف إلى المدّعي جزماً لنفسه، وأما المدّعي لغيره فلا يمين عليه، فيبقى دليل سماع البيّنة خال عن المعارض، وكذا المتيقن من الأدلّة أيضاً لزوم اليمين على بقاء الحق، لا على أصل الدين الذي قامت به البيّنة.وهل بقاؤه إلى الموت أو إلى حين المطالبة ؟ ظاهر الروايات (1: الأول؛ لظاهر التعليل فيها بعدم لسان له يدعي فيه.)وفيها ما يظهر منها إلى حين المطالبة؛ لقوله فيها: «ويحلف أنّ حقه لعَلَيه» (2وظاهره إلى حين المطالبة، وهو الأقرب والأحوط.)ويظهر من ذلك أنَّه لو علم الوصي ببقاء الدين إلى حين الموت، فهل يلزم المدّعي باليمين على عدم الاستيفاء والإبراء بعده أم لا؟ والظاهر لزوم ذلك، مع احتمال عدم تكليف المدّعي هنا باليمين؛ لمكان الاستصحاب.والمتيقن من اليمين انضمامه إلى البيّنة، لا إلى الأمر المعلوم عند الوارث أو الوصي.بل قد يدعى أنَّه مع علم الوارث أو الوصي بالدين ابتداء يلزمهما الوفاء؛ للاستصحاب، ولا حاجة إلى ضم اليمين؛ لورودها فيمن أقام بيّنة.والأوجه: إنّه لو علم الوصيّ بالدَّيْن شهد للمدّعي وضمّ المدّعي معه يميناً.والأقرب: إنّه لا يجوز له الدفع من دون ذلك، إلّا إذا علم ببقاء الحق إلى حين المطالبة.وقد يقال: إن البيّنة لو قامت بالدَّيْن وببقائه إلى حين المطالبة سقط اليمين؛ لأنها أقوى منه في الإثبات.بل قد يقال على الوجه المتقدّم: إنَّه لو قامت البيّنة على بقاء الدين إلى الموت سقط اليمين.وهل يلزم في يمين الاستظهار تأخره عن البيّنة، أو لا يشترط تقدّم البيّنة عليه؟ وجهان، أوجههما الأول.وهل يسري يمين الاستظهار لدعوى العين أو يختصّ بالدين، أو يسري إن كانت العين مضمونةً عليه فقط؟ وجوه، أوجهها: الأخير.


1) راجع الهامش (1) من ص 324.

2) راجع الهامش (1) من ص 324.

وهل يسري يمين الاستظهار في الدعوى على الطفل أو المجنون أو الغائب مطلقاً، أو لا يسري مطلقاً ؟ أو يسري إذا لم يحضر الوليّ أو وكيل الغائب، ولا يسري إذا حضر الولي أو الوكيل؛ لقيامهما مقام المولى عليه والموكل؟ وجوه، أوجهها: لزوم اليمين؛ لمكان التعليل في الرواية (1، ولاحتمال أنَّه لو كان لهما لسان لادعياه بالإبراء أو الاستيفاء أو المقاصة، وكانت دعوى مسموعة يتوجه عليه اليمين فيها ولو دعوى تهمة.)بل قد يقال : إن أصل فائدة يمين الاستظهار هو لقطع دعوى الوفاء والإبراء من المدّعى عليه لو كان حيّاً؛ ضرورة أنّ المدّعي للدين لو أثبته جاز لمن ثبت عليه دعوى الوفاء والإبراء، فيتوجه اليمين حينئذٍ على المدّعي وينقلب المدّعى منكراً والمنكر مدعياً.أما لو كانت الدعوى حقاً كحق خيار ونحوه، فالظاهر شمول الرواية له (2، ولو كانت عيناً فإن شهدت بالملك المطلق لم تُسمع ما لم تشهد إلى الآن لمعارضتها باليد اللاحقة، وأن الشهادة بالسبب ليست كالشهادة بالملك المطلق.)وإن شهدت بأصل السبب وقلنا بالاكتفاء بتلك الشهادة للاستمرار إلى حين الشهادة، افتقر إلى ضم اليمين؛ لسريان العلة باعتبار احتمال الردّ إليه أو تملك الميّت لها.وإن قلنا: لا بد من الشهادة على بقائها على ملك المدّعي إلى حين الشهادة علماً، قوي القول بسقوط اليمين حينئذٍ؛ لارتفاع الاحتمال بالبيّنة مع احتمال الاحتياج إليه؛ لأنّ الميّت بمنزلة المدّعي والمدّعي بمنزلة المنكر وبينة المنكر غير مسموعة، أما لو شهدت بالبقاء استناداً للاستصحاب، فالوجه: لزوم اليمين.نعم، لو تلفت العين قبل الموت عادت ديناً، وكذا بعد الموت في وجه قوي.ولو كانت الدعوى على طفلٍ أو مجنون أو غائب لم يحضر وكيله، افتقر إلى اليمين في وجه قوي؛ تسريةً للعلة، حيث لا لسان لهم ينطق بالدعوى فلا يدري الحاكم بالوفاء أو الإبراء، وبقي الغائب على حجّته مع اليمين في وجه قوي مع احتمال أن المدّعي لو حلف يميناً سقطت حجة الغائب، وكذا الطفل والمجنون على حجّتهما على الأظهر حتّى مع اليمين، أما بدونه فحجتهما باقية.


1) راجع الهامش (1) من ص 324.

2) راجع الهامش (1) من ص 324.

هذا إذا لم يحضر وليهما، ومع حضوره يحتمل سقوط حجتهما؛ لقيام الولي مقامهما، واحتمل العدم، والأوّل أوجه.والقول بسقوط اليمين مع الدعوى على الطفل أو المجنون أو الغائب وجيه؛ لاختلاف العلة التي في الأصل الذي هو الميّت لعدم رجاء عود لسانه مع العلة التي في الفرع لرجاء بلوغ الطفل وإفاقة المجنون وقدوم الغائب.وقد ورد في الغائب أخبار (1ظاهرها في مقام البيان ثبوت الحق عليه من دون يمين، فالفرق بين الغائب وبين المجنون والطفل أيضاً وجيه جداً.)ولو كان للمدّعي شاهد واحد ضم إليه يمينين، يمين لأصل إثبات الحق، ويمين على بقائه ولا تكفي واحدة - خلافاً لما يظهر من العلّامة (رَحمهُ اللّه (2)- لأصالة عدم التداخل، ولتباين المحلوف عليه مع الشاهد والمحلوف على بقائه.)نعم، لو شهد الشاهد ببقاء الحق فحلف على طبقه احتمل الاجتزاء، والأظهر عدمه.وهل يجوز أن يقيم بيّنة عند حاكم ويمين استظهار عند آخر؟ الظاهر ذلك إذا علم الحاكم الآخر بقيام البيّنة عند الأوّل، أو قامت عنده بيّنة بالبيّنة، ولكل منهما أن يحكم إذا علم بوقوع الأمرين أو سمعها، وكذا الحاكم الثالث أن يحكم بعد علمه بوقوع الأمرين.ولو أقام أحد الشركاء بيّنة، جاز لغير مَنْ أقامها اليمين للاستظهار على الأظهر، ويكفي يمين واحد من الشركاء مع البيّنة لتمام البيّنة باليمين فيثبت الحق، مع احتمال لزوم اليمين على جميع المدّعين.ويجوز توكيل الحاكم غيره في يمين الاستظهار، سيما لو كانت امرأةً أو مريضاً يعسر عليه الإتيان إلى مجلس الحاكم.ونكول المدّعي عن يمين الاستظهار لا يُسقط حقه.ولا يشترط مطابقة اليمين للشهادة، فله أن يشهد على ألف ويحلف على خمسمائة.ولو حلف المدّعي يميناً مردودة من الوارث على الدين، افتقر معها إلى يمين الاستظهار، مع احتمال عدمه؛ لورودها مع البيّنة، والأولوية ممنوعة.


1) وسائل الشيعة 27 : 294 - 296، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم... .

2) إرشاد الأذهان 2 : 145.

وفي رواية عبد الرحمن أنَّه لا تُسمع الدعوى على الميّت من دون بيّنة وأنَّه لو كان حياً لرد اليمين (1، فيُفهم منها أن لا ردّ في الدعوى على الميت، ولكنها محمولة على الردّ من الوصي أو من الحاكم، لا من الوارث أو منهما مع الغرامة للمولى عليه.)ويدفع الحاكم بعد ثبوت الحق على الغائب من ماله للمدّعي؛ لولايته عليه، وللرواية (2، سواء قلنا بوجوب يمين الاستظهار أم لم نقل، إذا لم يكن للغائب وكيل على ماله.)ويلزم المدفوع له المال بكفيل أي ضامن للمال لو خرج غير مستحقه، وليس من ضمان ما لم يجب، بل ممّا وجب؛ لأن الغائب إذا قدم وادّعى الوفاء أو الإبراء أو جرح في الشهود تبين أن المال ماله.ويقوم الحاكم مقام الغائب في قبول الضمان حكماً شرعياً أو قيامياً فضولياً؛ لأن رضى المضمون له شرط.وفي بعض الأخبار: إن الإلزام بالكفيل لو لم يكن ملياً، ولو كان ملياً فلا يلزم به (3ولا بأس به.)وقد يراد بالكفيل كفيل النفس، بمعنى إحضار المدّعي عند مجيء الغائب ليترافع الغائب معه. ويظهر من الشهيد أنّ المدّعي لو حلف يمين الاستظهار كفى عن الإلزام بالكفيل (4.)وهو مشكل؛ لأنّ الغائب على حجته مع يمين الاستظهار على الأقوى، فلا معنى لترك الكفيل.ويجري الحكم في المجنون والطفل كذلك؛ للأولوية القاضية بلزوم الكفيل أيضاً، ولكونهما على حجتهما مع اليمين وعدمه.بل قد يقال: إن الدعوى لو كانت على الوارث بدَيْنٍ على الميّت وحلف المدّعي يمين الاستظهار وحكم الحاكم ومن بعد ذلك وجد الوارث بيّنة على الإبراء والوفاء، جاز تجديد الدعوى وإثبات الإبراء والوفاء، ولا تذهب يمين الاستظهار بما فيها، فلا خصوصيّة للغائب والطفل.وكذا الحكم لو وجد الحاضر جارحاً بعد الحكم للشاهدين حين الشهادة، فلا بأس بإعادة الدعوى وجرحهما.


1) راجع الهامش (1) من ص 326.

2) وسائل الشيعة 27: 294 الباب 26 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

3) المصدر : 295، ذيل الحديث 1.

4) راجع مسالك الأفهام 13 : 464.

وهذا كله ليس من الردّ للحكم ولا من تجديد الدعوى؛ لأنّ التجديد المنهي عنه (1، هو ما لم يكن عن بيّنة، ولم يكن الجرح ونحوه.)وبالجملة، فالأظهر إنّ الغائب ونحوه له تجديد الدعوى الأولى إذا أراد جرحاً أو كانت عنده بيّنة على الإيصال، بل دعوى الإيصال والإبراء دعوى جديدة وإن كانت هي في ضمن الدعوى الأُولى، والتي له تجديدها، أو ليس له هي دعوى أصل الدين، لا دعوى الإبراء ونحوه، ولذا احتجنا إلى يمين الاستظهار مع البيّنة، فتسمع من الغائب ونحوه، سواء كان الوكيل أو الولي حاضرين أم لا.أما لو أراد الغائب ونحوه تجديد الدعوى لمجرد تحليف المدّعي، فالظاهر أنَّه لا يُسمع؛ لأن الحاكم قام مقام الغائب ونحوه في هذه الدعوى، وقد وجه يمين الاستظهار على المدّعي نائباً عن الميّت لاحتمال دعواه، فلا حاجة إلى تجديدها.واليمين المردودة من الوارث لا تكفي عن يمين الاستظهار، بل لا بد من اليمينين، كما لا تغني اليمين المضمومة مع الشاهد عن يمين الاستظهار.##### ثالث عشرها: الحاكم يقضي على الغائب و يفي غريمه من مالهثالث عشرها في الخبر: إنّ الغائب يقضي الحاكم عليه ويفي غريمه من ماله، ويلزم المدّعي بالكفيل مع عدم ظهور الملاءة، ومع ظهور الملاءة فلا يلزم بالكفيل؛ جمعاً بين ما دلّ على لزوم الكفيل مطلقاً، وبين ما دلّ عليه مع الملاءة (2.)ولولا الرواية لأمكن المناقشة في تولية الحاكم على الغائب بحيث يقضي عنه دينه مع رجاء قدومه، وفي إلزام المدّعي بالكفيل بعد ثبوت حقه؛ لأصالة البراءة، وفي صحة ضمان الأعيان خوفاً من خروجها مستحقةً، وفي ضمان ما لم يثبت أنَّه للمضمون له، وفي قيام الحاكم مقام المضمون له في القبول والحمل على الفضولية بعيد.##### رابع عشرها: حكم ما لو سكت المنكر فلم يُجبرابع عشرها: لو سكت المنكر فلم يُجب، فإن كان لعذرٍ أُمهل إذا رجي زواله، فإن كان


1) وسائل الشيعة 27 : 244 - 245 الباب 9 من أبواب كيفية الحكم... .

2) المصدر : 294 - 295، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1 وذيله.

لدهش انتظر زواله، وإن كان لجهل أو غباوة فهم وعُلّم، وإن كان لطرش وصمم ترجم له أو ترجم عنه بالإشارة أو القرائن ونحوهما بمترجمين عدلين، فإن استمر به زماناً كثيراً أو كان لا يرجى زواله، جاز الحكم عليه كما يحكم على الغائب والميت، ويضمّ لبينة المدّعي يمين الاستظهار.فإن صحا بعد ذلك فهو على حجّته.وإن سكت عناداً، قيل: يُحبس حتّى يجيب أو يموت (1.)وفيه: إنّه يلزم تخليده في السجن لو أصر فيفوت حقّ المدّعي.وقيل: يُضرب ويُجبر على الجواب إلى أن يجيب أو يؤدي الحق، ولا يأخذ الحاكم من ماله شيئاً (2.)وقيل : يُحكم عليه بالنكول (3، فيثبت الحق به أو به وباليمين المردودة من الحاكم.)والقول الوسط لم يُعلم قائله، بل ربما يلزم الإضرار بالمدّعي لخوف موته فيذهب حقه، وبالمنكر لشدّة العقوبة من غير دليل.والأوّل نُسب (4إلى رواية مرسلة، ونُسب (5)إلى عموم «ليّ الواجد يُحلّ عقوبته وعرضه» (6)أو حبسه (7)، ونُسب (8)إلى فتوى مشهور المتأخّرين.)والجميع ضعيف، والأقوى القول الثالث؛ لشمول الروايات الدالّة على الحكم على المنكر عند عدم حلفه بالنكول (9لمن لم يحلف ساكتاً عن الجواب، ونسبة الشيخ له إلى مذهبنا (10)،)


1) ممّن قال به الشيخ المفيد في المقنعة : 725؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 342؛ والخلاف 6 : 238، المسألة 37؛ وابن حمزة في الوسيلة : 211 - 212؛ والعلامة الحلّي في تحرير الأحكام الشرعيّة 5 : 146، الرقم 6470.

2) كما في شرائع الإسلام 4 : 77؛ وتحرير الأحكام الشرعيّة 5 : 146، الرقم 6470.

3) ممّن قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 8: 160.

4) الناسب هو المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 77.

5) الناسب هو الفاضل الإصبهاني في كشف اللثام 10 : 102.

6) وسائل الشيعة 18 : 333 - 334 الباب 8 من أبواب الدين والفرض، ح 4.

7) كلمة «أو حبسه» لم ترد في الحديث المزبور.

8) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 15 : 99.

9) راجع وسائل الشيعة 27 : 236 - 237، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

10) المبسوط 8 : 160.

وكذا في المهذب (1، فيشعر أنَّه المشهور عندهم إن لم يكن مجمعاً عليه، ولأن أخذه مع الإنكار وعدم الحلف يقضي بالأولوية بأخذه مع السكوت وعدمه، ولأن السكوت ترك الحلف والجواب معاً، وفي الإنكار ترك الحلف فقط، فأخذ الحق فيه أولى، ولأن الساكت في الواقع إما منكر أو مقر أو لا يعلم، وفي الأوّل يؤخذ منه الحق مع عدم الحلف، وكذا الثاني وكذا الثالث؛ لأنَّه إما أن يكلف بالحلف على الجزم أو بردّ اليمين أو الحلف على نفي العلم، فإن لم يفعل أُخذ منه لنكوله، أو يؤخذ منه الحق مطلقاً.)وعلى كلّ حالٍ فإذا لم يفعل شيئاً من ذلك ساكتاً، توجه عليه أخذ الحق والحكم بالنكول. نعم، لو سكت عن الجواب أو أجاب على غير طبق السؤال ولكنه أذن في أخذ المال، فقال: خذوا ما تدعون به، ولكنّي لا أُقرّ ولا أنكر، فهل يكتفى منه بذلك، أو لا بد من حيسه ولا بد من حكم الحاكم عليه بالنكول لو طلبه المدّعي ؟ وجهان، أوجههما: الأخير.##### خامس عشرها: في أنّ الغائب يقضى عليه مطلقاً حضر وكيله أم لاخامس عشرها الغائب يُقضى عليه مطلقاً، حضر وكيله أم لا، أمكن حضوره أم لا، كان غائباً قدر المسافة أم لا؛ للأخبار (2والإجماع بقسميه (3)على الظاهر، سوى ما يُنقل عن صاحب الجامع من اعتباره في الغيبة المسافة (4)، وهو وإن قرب لظهور لفظها ولكنه بعيد عن ظواهر مجموع الأدلّة وعن إطلاق الفقهاء وإجماعاتهم المحكية (5)وشهرتهم المحصّلة.)نعم، الغائب على حجّته إذا قدم، أو أرسل وكيلاً على جرح أو تعديل أو كانت له بيّنة في معارضة بيّنة أو كانت عنده بيّنة إبراء أو وفاءٍ أو أراد تحليف المدّعي على ذلك ما لم يكن له وكيل على ذلك فادعى عليه فحلفه.ولو كان له وكيل على الجرح فعجز الوكيل فلا يبعد جواز التجديد له أيضاً.ولو حضر الغائب فأراد جرح الشهود فقال له الحاكم لا أعرفهم، فهل يمضي الحكم عليه، أو ينقضه؛ لعدم تمامه بالنسبة إليه؟ وجهان، والأوّل أقرب.


1) المهذب 2 : 586.

2) وسائل الشيعة 27 : 294 - 296، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1 - 3.

3) غاية المراد 4 : 53؛ مسالك الأفهام 13 : 467: كفاية الفقه 2 : 697.

4) الجامع للشرائع : 527.

5) راجع الهامش (3).

وأما مَنْ غاب عن مجلس الحكم وهو الحاضر في البلد ونحوه، فإن امتنع من الحضور حكم عليه؛ لامتناعه، وليس له تجديد الدعوى الأولى وإن كان له أن يدعي دعوى جديدة بجرح أو فسقٍ.وإن لم يكن ممتنعاً، فإن تعذر عليه الحضور حكم عليه أيضاً عند التعذّر، وهو على حجته لظاهر الأخبار (1وكلام الأصحاب.)وإن لم يتعذر عليه الحضور، فهل يجوز الحكم عليه؟ كما هو فتوى المشهور، نقلاً (2بل تحصيلاً على الأظهر، ولأنه إن كان منكراً فقد قامت عليه البيّنة، وإن كان مقراً فقد تأكدت عليه، وللنبوية في زوجة أبي سفيان: «خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (3)، ولقول أبي موسى الأشعري: كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا حضر عنده خصمان فتواعدا الموعد فوفى أحدهما ولم يف الآخر، قضى للذي وفى على الذي لم يف (4)، وللعمومات الدالّة على الحكم في مقام الدعوى لأنَّه حكم بما أنزل اللّه ولعمومات ما دلّ على الحكم بالبيّنة، والحكم بالشاهد واليمين، والحكم باليمين المردودة لو ردّها فغاب أو نكل فغاب (5).)وقد يقال أيضاً: إن الممتنع لو امتنع من حضور مجلس الحكم وكان حاضراً غير معذورٍ ولم تكن عند المدّعي بيّنة جاز للحاكم أن يرسل له تأتي وإلا جعلتك ناكلاً ورددت اليمين على المدّعي، فيردّها فيثبت على الممتنع الحق باليمين المردودة.لكن كأني أرى الأصحاب على خلافه.ويجوز للحاكم أن يوكل وكيلاً عن الدعوى على الطفل والمجنون والغائب وعلى الدعوى عليه، فيقوم بوظائف الجرح والتعديل ونحوها.وهل للغائب تجديد الدعوى؟ وجهان فله أن يجرح ويعدل أو لا؟ وجهان والأقوى الأول. وله أن يدعي الوفاء والإبراء قطعاً؛ لأنها دعوى جديدة تصح من الحاضر فضلاً عن الغائب.


1) راجع الهامش (2) من ص 331.

2) مسالك الأفهام 13 : 468.

3) سنن ابن ماجة 2 : 769، ح 2293.

4) الحاوي الكبير 16 : 298.

5) وسائل الشيعة 27 : 229 و 241 و 264، الأبواب 1 و 7 و 14 من أبواب كيفية الحكم... .

وهل تجديد الدعوى للغائب بمعنى نقض الحكم الأوّل فيجرح الشاهد من حينه لو أعادها ولو كان عدلاً في الحكم الأول، أو إبقائه إلا ينتقض بناقض، مثل أن يثبت جرحهم عند الشهادة في الحكم الأوّل ؟ وجهان، والثاني أظهر، فيبقى الحكم الأول، إلا أن يجرح الشاهد، أو يأتي ببينة تعادل الأُولى.ولا يشترط في إثبات الدعوى على الغائب جحوده أو إظهاره عند الحاكم، بل للمدّعي أن يدعي الغائب بمال وإن لم يثبت جحوده ولم يدعه، بل لو كان مقراً ولم ينكر جاز إثباته عند الحاكم مخافة الإنكار.ولا يشترط أيضاً في الدعوى على الغائب أن يكون غرض المدّعي المال، بل لو أراد تأخيره إلى قدوم الغائب، وإنما كان غرضه مجرّد إثبات ماله، جاز مع الجحود وعدمه.وذهب الشيخ (1إلى عدم جواز الحكم على الغائب؛ استناداً لأصالة عدم نفوذ الحكم إلا بالمقطوع به.)وفيه: إن العمومات والإطلاقات قطعت الأصل.واستناداً إلى لزوم الضرر إن دفع المال للمدّعي لخوف ذهابه أو إعسار المدّعي، ولو كان بالمال كفيل أيضاً لخيف من إعساره وموته، فلو رجع الغائب وكانت له حجة على استرجاعه لم يتمكن منه، وكذا لو لم يدفع المال، فإنّ في نفس الحكم ضرراً به؛ لأن بقاء الحكم عليه وعدم نقضه ربما أدّى إلى أخذ المال منه ظلماً، لخوف عدم تمكنه بعد مجيئه من حجته أو موته وعدم تمكن وارثه.وفيه: إن هذا الضرر يقابل ضرر المدّعي بتأخير الحكومة مع وجود حجته الشرعيّة، بل قد لا ينجبر ضرر المدّعي عند ذهاب الشهود أو ذهاب ماله، وينجبر ضرر الغائب بالكفيل الملي أو بعزل المال له أو بالحكم مع تأخير الدفع.ولو حضر المتداعيان في المجلس، فهل يلزم الحاكم بسؤال المنكر وطلب الجواب منه قبل الحكم، أو يصح الحكم من دون سؤالٍ ؟ لأنّه إما مقر فبينة المدّعي مؤكدة، وإما منكر فالبيّنة شاهدة عليه.


1) المبسوط 8: 162.

نعم، للحاكم أن يعرف المنكر طريق الجرح، بل قد لا يلزم ذلك، فللحاكم أن يحكم وللمنكر أن يجرح بعد ذلك إذا جهل الجرح فينتقض الحكم.أما لو كان عالماً بالجرح فلم يجرح فليس له بعد الحكم الجرح، إلا إذا أبرز الدعوى مع الحاكم بأنه حكم عليه شهود فسقة بحيث تكون دعوى أُخرى، فلا بأس.وشرط الحكم على الغائب هو أن يتعلق دعوى المدّعي بحق مخلوقي مال أو غيره، عقد أو غيره، حكم أو غيره.نعم، قد يشكل العتق من حيث إنَّه حقّ اللّه أو حقّ للناس، وكذا الوقف العام، والظاهر جواز الحكم فيهما، فالمراد بالحق المخلوقي في مقابلة الحدّ والتعزير؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ادرأوا الحدود بالشبهات» (1)كما إذا ادّعى عليه زنىً أو لواطاً أو سحقاً أو قذفاً.)ولو اشتمل الحق على الأمرين كالسرقة، جاز إثبات أصلها، ولكن تجري ثمرتها بالمال دون الحد؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ادرأوا الحدود بالشبهة» (2)مع احتمال سماعها مطلقاً؛ لبعد احتمال التبعيض.)وقد يتوجه من ذلك احتمال عدم سماعها مطلقاً.والأوجه الأوّل، وعليه أكثر الأصحاب، وبه تجتمع عمومات روايات الباب.ودعوى أن الغرامة والقطع كلّ منهما معلول للسرقة، وثبوت أحد المعلولين من دون الآخر محال، ممنوعة؛ لأنا نمنع كون مطلق السرقة الثابتة علةً للقطع، بل علته السرقة الثابتة بالإقرار أو البيّنة الحاضرة، كما نمنع كون علّة الغرامة هو مطلق السرقة الثابتة ولو بالإقرار حال التحجير، فإنّ المقرّ بالسرقة حال كونه محجوراً عليه يثبت عليه القطع دون المال، على أن علل الشرع معرّفات.ويراد بالشبهة ها هنا الشبهة في الحكم، لا في الموضوع، وهو شبهة كون هذا الحكم مثبتاً للحد، أو كون هذه البيّنة مسموعةً على الغائب مثبتةٌ لأثرها الذي شهدت به، أو شبهة عدم استقراره؛ لأن الغائب على حجّته، فيقع الحكم باطلاً ابتداء، حتّى لو حضر الغائب ولم يجدد الدعوى ولم يجرح بل لو رضي بالحكم الأول لم يثبت حدّاً.وأيضاً لو ثبت حده وهو غائب لما أمكن تدارك فائته، بخلاف المال.


1) وسائل الشيعة 28 : 47 الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود...،ح 4.

2) وسائل الشيعة 28 : 47 الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود...،ح 4.

أما غير المال من اللوازم لو شهدت البيّنة بالزنى أو اللواط، فهل يثبت تحريم المزني بها في العدة الرجعية أو حال الزوجيّة؟ وهل يثبت تحريم أُخت الملوط فيه وأُمّه؟وكذا لو شهدت بكفر شخص لإثبات قتله بسب نبي وشبهه؛ بناءً على أنَّه حد، فهل يحكم بنجاسته وبينونة زوجته وقسمة ميراثه؟##### سادس عشرها: في أن يمين المنكر و...لا تكون إلا بالله تعالىسادس عشرها: يمين المنكر ويمين المدّعي المردودة ويمين الاستظهار واليمين المثبتة للمدّعي حقه في مقام يثبت بها ذلك وغير ذلك كلّها - ما عدا يمين الصلح في وجهِ قوي - لا تكون إلا بالله - تعالى اللّه عزّ وجلّ – للأخبار (1.)ومعنى ذلك أنَّها لا تنعقد يميناً يسقط بها أو يثبت بها إلا به؛ للأخبار (2المتواترة وكلام الأصحاب، سواء كان كافراً الحالف أو مسلماً، وسواء كان المحلف كافراً أو مسلماً.)وفي الموثق: هل يصلح لأحد أن يحلّف أحداً من اليهود والنصارى والمجوس بآلهتهم؟ فقال: «لا يصلح لأحد أن يحلف إلا باللّه» (3.)وفي الصحيح: «إنّ اللّه عزّ وجلّ أن يقسم من خلقه ما يشاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به» (4.)وظاهر الأخبار أنّ القسم بالمسمّى لا بنفس الاسم لظهور إرادة المسمّى من هذا اللفظ في مقام التركيب، فيكفي حينئذٍ لفظ الجلالة والأسماء العلميّة الخاصّة به، أو المنصرفة إليه عند الإطلاق من الصفات أو المركبات التي لا تصلح لغيره كـ «مَنْ فلق الحبة وبرأ النسمة» أو «الذي نفسي بيده» أو «مَنْ له يوم المعاد».هذا إذا كان الحالف ممّن لا يرى أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ الأمر إليه، ويوم المعاد له، وأنّه الخالق والرازق، وأنَّه هو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وإن كان ممّن يرى ذلك احتاج إلى نصب قرينة تدلّ على إرادة الواجب، كـ «خالق عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومصوّره» مع احتمال أن النية نية الحالف.)وقد يقال : إن القسم يختصّ بنفس الاسم والقسم بنفس الاسم لا بمسماه أو بنفس الاسم مع مسمّاه، وذلك لاشتراك اللفظ الاسمي بين نفسه وبين مسماه، كما تقول: زيد ثلاثي وزيد قائم.


1) وسائل الشيعة 23: 233 و 259، الباب 15 و 30 من أبواب كتاب الأيمان.

2) وسائل الشيعة 23: 233 و 259، الباب 15 و 30 من أبواب كتاب الأيمان.

3) المصدر : 267، الباب 32 من أبواب كتاب الأيمان، ح 5.

4) المصدر : 259 - 260، الباب 30 من أبواب كتاب الأيمان، ح 1 و 3.

قلنا: هذا خلاف ظاهر الخطاب، والأظهر في هذا المشترك انصرافه للمسمّى، إلا مع نصب قرينة دالة على إرادة الاسم ك« زيد ثلاثي» ومع ذلك فلو كان الحلف بنفس الاسم، فالظاهر الإجزاء وإن لم يقصد المسمّى.نعم، يشترط قصد كون هذا الاسم لهذا المسمّى، لا لغيره، كما يقصد باسم اللّه ذاتاً أُخرى، أو يقصد بلفظ «اللّه» معنى اللاهي، أو غير ذلك، مع احتمال أن العبرة بقصد المحلّف.##### سابع عشرها: حكم ما لو علم الحاكم إرادة معنى آخر من لفظ الجلالة أو لم يعلمسابع عشرها: لو علم الحاكم إرادة معنى آخر من لفظ الجلالة بنية الحالف لم يعتد بها، وإن لم يعلم اعتد بها، ونفذ اليمين، وكانت النية نية الحالف، حتّى لو علم المدّعي أو الحاكم بعد ذلك خلاف نيتهما نفّذ الحكم. ولا يُعاد، ومضت اليمين بما فيها.ومثله ما لو علم الحاكم تورية الحالف بعدم القصد إلى الإنشاء، كما إذا قصد الإخبار، أو توريته بمعنى القسم، أو توريته بنفس الحق، كما إذا قال: «والله ما له عندي شيء» غير قاصد النفي، بل كان قاصداً لإثبات، أو غير ذلك من التوريات، بل لا يبعد نفوذ اليمين ولو علم الحاكم التورية عند عدم قدرة الحاكم على عدمها إذا علم أنّه كلّما يحلف يوري، ولا مندوحة عن اليمين حينئذٍ.نعم، على الحاكم أن يصرح له بالمقسوم به بحيث لا يشتبه بغيره، ويكون نصاً في ظاهر الخطاب بما أراد المدّعي اليمين به أو عليه، وذلك كافٍ.وعلى ذلك فالكافر الذي يعتقد أنّ لفظ اللّه غير الذات المقدّسة، لا حاجة مع جهل الحاكم إلى ضمّ ما يُزيل احتمال إرادة غير الذات المقدّسة، بل يكفي تحليفه بلفظ الجلالة.والأحوط ضمّ ما يزيل الاحتمال، كتحليف مَنْ يعتقد أن النور إله له، فيطلق عليه اللفظ المعرّف بأن يقال له: بالله خالق النور.نعم، لو علم إرادته منه فلا يبعد إلزامه بما يصرفه عن قصده ظاهراً إلى ما يختصّ بالواجب سبحانه وتعالى ظاهراً، وإن لم يعتقد الواجب ويقرّ به، ولكن يكفي في ترتب آثار اليمين والعقوبة عليه نفس قصد هذا المعبود وإن كان باطلاً عنده.وبالجملة، فالدهرية والوثنية والمعطلة وأهل النور كلّهم يُجتزاً بحلفهم بالله بهذا الاسم؛

فإن قصدوا الاسم كفى، وإن كان الاسم عندهم مشتركاً احتاج إلى التمييز بحيث يظهر عندهم أن القسم بالذات، وإن لم يكن مشتركاً اكتفي بالقسم باسم اللّه تعالى وإن احتمل منهم إرادة غيره، ولا حاجة إلى ضمّ ما يرفع الاحتمال، كما ذهب إليه الشيخ (رَحمهُ اللّه (1).)وإن علم من الكافر إرادة غير الواجب اكتفي منه بما يخص الذات المقدّسة من الألفاظ، وإثمه عليه؛ لأن تغيير نيته غير ممكن وقلبها متعسّر.وفهم الفاضل الهندي أنّ الشيخ يريد ضمّ ما يزيل الاحتمال إلى الكافر (2، وهو ضم ما يزيل احتمال إرادة الظلمة لأنّ لهم إلهين، بمعنى أنَّه يحمله على إرادة معبوده الباطل، لأنَّه أردع له، لاعتقاده أنَّه الحق، فلا يحلف به كاذباً.)وهذا خلاف ما فهمه الفقهاء.ونقل عنه أنَّه يجوز تحليف الملحد والوثني بما يعتقده أنَّه إله(3.)وهو خلاف ظاهر الأخبار وكلمات الأصحاب.##### ثامن عشرها: فيما جوّزه الشيخ من تحليف الذمي...بما هو محترم عنده غير اللّهثامن عشرها: جوّز الشيخ تحليف الذمّي بل مطلق الكافر بغير اللّه من المحترمات عنده - كالتوراة والإنجيل - إذا كان الحلف بها أردع في دينه من الحلف باللّه (4لرواية السكوني أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) استحلف يهودياً بالتوراة التي أنزلت على موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5)، وأُخرى: قضى عليٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيمن استحلف أهل الكتاب بيمين صبر: أن ي صبر: أن يستحلف بكتابه وملته(6)، وثالثة (7)مشعرة بذلك.)وفي الجميع نظر؛ للضعف سنداً ودلالة وعملاً وفتوى، فلا تعارض الأقوى من كل وجه فتحمل على الضمّ للتغليظ، أو على اختصاص الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ به، أو تطرح للمعارضة بما هو أقوى منه.)


1) المبسوط 8: 205.

2) کشف اللثام 10 : 110.

3) المصدر؛ وراجع المبسوط 8: 205.

4) النهاية : 347.

5) وسائل الشيعة 23 : 266 الباب 32 من أبواب كتاب الأيمان، ح 4.

6) المصدر : 267 - 268، ح 8.

7) المصدر : 268. 2، ح 9.

هذا إذا كان المحترم عنده من المحترمات حقيقة، أما لو كان المحترم عنده غير محترم بل مهاناً واقعاً، فالظاهر أنّ الشيخ لا يقول به، ولا يجوز التغليظ به ولو كان على حدّ الأشياء مجرّداً عن الإهانة وغيرها، فدخوله في كلام الشيخ بعيد.##### تاسع عشرها : الحلف بغير اللّه حتّى بنفس الاسم بقصد الالتزام به تشريع وحرامتاسع عشرها: الحلف بغير اللّه تعالى حتّى بنفس الاسم مجرّداً عن المعنى بقصد الالتزام به أو بقصد انقطاع الدعوى به تشريع وحرام لا يترتب عليه أثر، بل في بعض الأخبار: إنّ الحلف بغير اللّه شرك أو كفر (1، وأظهر أفراده ما ذكرناه.)وبالجملة، فهو منهي عنه حتّى لو اعتقد أنّ الحلف بغير اللّه كالحلف بالله في التعظيم والالتزام كان كفراً وشبهه.وأما الحلف بغير اللّه في غير مقام الدعوى والالتزام بل بقصد التوكيد للفعل المستقبل أو لوقوع الفعل الماضي، فإن كان من المحترمات - كالكعبة والقرآن واسم اللّه تعالى والأنبياء والعلماء - فالظاهر جوازه؛ للسيرة القطعية وتقرير المعصوم (عَلَيهِم السَّلَامُ عليه مع صدوره قطعاً في زمنه من غير إنكار، بل صدوره من حواشيهم وأتباعهم، بل منهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) لمصلحة فيه، ولكن على كراهية؛ للأخبار الناهية عن اليمين بغير اللّه مطلقاً (2)المحمولة على الكراهة؛ جمعاً؛ لعدم القائل بالتحريم فيها، وترتفع عند حصول المصلحة فيها، وعلى ذلك يُحمل ما وقع من العلماء بل ومن أهل العصمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).)هذا إن كان صدقاً، وإن كان الحالف كاذباً، احتمل التحريم في حقه؛ لأنّ الاجتراء على القسم بالمحترم كذباً هتك لحرمة المقسوم به.ويُحتمل وقوعه لغواً لا يترتب عليه حكم من الأحكام.ويحتمل إلحاقه بالمقسوم به من إجراء حرمة الكذب عليه وإن كان المقسوم به مهاناً، كالقسم بالشيطان وفرعون، فإن كان على كذب فهو لغو، وإن كان على صدق فالظاهر تحريمه لاستلزامه احترام المهان.


1) مستدرك الوسائل 16 : 65 الباب 24 من أبواب كتاب الأيمان، ح 3.

2) راجع وسائل الشيعة 23 : 259 وما بعدها، الباب 30 من أبواب كتاب الأيمان.

ولو كان القسم بفاقد الاحترام والإهانة، فالظاهر أنَّه مكروه.ويُحتمل أنَّه محرم؛ لورود النهي عن القسم بالآباء (1.)##### العشرون: في عدم جواز تحليف من يعتقد إلهيّة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ أو إلهية غيره بما اعتقده)العشرون: لا يجوز تحليف مَنْ يعتقد إلهيّة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ أو إلهية غيره بما اعتقده سيما لو كان وضيعاً، كالأصنام؛ للزوم الإغراء بالجهل والتشريع، وللنواهي (2)المقطوع بها الدالّة على ذلك.)نعم، لو علم الحاكم أنّ كلّ تعبير يعبره عن الذات المقدّسة يصرفه الحالف لما اعتقد أنَّه ربه ولا ينفع فيه التوجه إلى ما ألزمه الحاكم به كفى الحاكم ذكر الصفات الخاصّة بالواجب، وتكون النية نية المحلّف، ومهما أمكن المحلّف أن يحلّفه على ما نواه وزعمه المحلف لزمه ذلك، ويكون يمينه على نحو الحقيقة الزعميّة، فيحلف بالله الذي زعمه المحلف أنَّه هو وإن اعتقد الحالف أنّ اللّه هو ما اعتقده وأنّه هو لا غيره، ولا منافاة بينهما.ولا يجوز الصلح على الحلف بما كان باطلاً أو بما كان غير محترم؛ لأنَّه من المعاوضة السفهية. ويجوز الصلح على إسقاط الدعوى على الحلف بالمحترمات من قرآن أو إمام أو الكعبة، بل وكذا العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ وسائر الشهداء (عَلَيهِم السَّلَامُ)، بل والعلماء.)##### الحادي والعشرون: في كراهة اليمين بالله صدقاً وبحرمته كذباًالحادي والعشرون: يكره اليمين بالله سبحانه وتعالى صدقاً، كما يحرم كذباً، إلا إذا اضطرّ فيجوز الكذب مع التورية مهما أمكن؛ لمكان الاضطرار.ويجوز القسم الصادق من غير كراهة.والظاهر أن لزوم الإجحاف بالمال يرفع حكم الكراهة، ولو لم يلزم الإجحاف فالأولى دفع المال وعدم اليمين احتراماً لمعطي المال وواهبه.وقد ورد عن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ دفع المال تفصياً عن اليمين الصادقة (3).)ولو نذر المنكر على عدم التغليط لزم النذر في حقه؛ لرجحان تركه بالنسبة إليه وإن


1) سنن أبي داود 3 : 222، ح 3248.

2) راجع وسائل الشيعة 23 : 265،وما بعدها الباب 32 من أبواب كتاب الأيمان.

3) المصدر : 200 - 201، الباب 2 من أبواب كتاب الأيمان، ح 1.

التمسه المدّعي بل وإن التمسه الحاكم، إلا أن ينقلب راجحاً، كما إذا كان فيه دفع مفسدة يراها الحاكم أو مصلحة كلية.نعم، مجرد التماس المؤمن يحلّ النذر في غير الراجح شرعاً، كالتماسه على قضاء حاجة دنيوية قد نذر على تركها وكانت مرجوحةً بحسب دنياه، بخلاف النذر على مثل هذا المرجوح المذموم شرعاً كتاباً وسنّة، بل عقلاً.ومع ذلك فاحتمال الانحلال مع الالتماس لا يخلو من وجه.ولو نذر المنكر على عدم اليمين أصلاً جاز، ولزمه الردّ، فإن لم يمكن الردّ كدعوى الوصي والتهمة، لزمه دفع المال ما لم يجحف بالحال.ولو نذر المدّعي أن لا يحلف، فردّ المنكر عليه اليمين، ففي سقوط حقه مطلقاً؛ لأنَّه لم يحلف، أو بقاء حقّ الدعوى؛ لمكان العذر، أو انحلال اليمين مطلقاً أو مع الإجحاف وجوه.##### الثاني والعشرون: في كراهة القسم بغير المحترمالثاني والعشرون: لا شك في كراهة القسم بغير المحترم من الآباء والأمهات، والحلف بنفس المخاطب والمتكلم والقبور والإخوة وغير ذلك، إلا أن يلاحظ إيمانهم وكلّ مؤمن محترم وإن كان ظالماً، بل لا يبعد أنّ القسم بغير المحترم ممّا يقضي بالإهانة كالحلف بالمخالفين محرّم ما لم يكن لخوف ضررٍ على نفس أو مال أو نحو ذلك.والظاهر جواز ذلك مع المخالف للأمر بالتودد إليهم والتحبّب معهم (1.)##### الثالث والعشرون: التمتام والفأفاء و الألغ و الأليغ يقسمون بما يتمكنون منهالثالث والعشرون: التمتام (2والفأفاء (3)والألثغ (4)والأليغ (5)يقسمون بما يتمكنون منه من تأدية اللفظ.)والأخرس إن كان عارضاً يزول بسرعةٍ انتظر في وجه، واكتفي منه بالإشارة في وجه آخر.


1) راجع وسائل الشيعة 12 : 6 الباب 1 من أبواب أحكام العشرة، ح 3 و 51، الباب 29 من تلك الأبواب.

2) التمتام : هو الذي يتردّد في التاء الصحاح 5 : 1878، «ت م م».

3) الفأفاء : هو الذي يتردّد في الفاء إذا تكلّم. الصحاح 1: 62، «ف أف أ».

4) اللثغة في اللسان : هو أن يصيّر الراء غيناً أو لاماً، والسين ثاء الصحاح 3: 1325، «ل ث غ».

5) الأليغ : هو الذي يرجع كلامه ولسانه إلى الياء، أو هو الذي لا يبيّن الكلام لسان العرب 8: 448 « ل ي غ».

والأخرس الأصلي يكتفى منه بالإشارة المفهمة لإنشاء القسم ولكونه بالله تعالى بأيّ إشارةٍ كانت ولو بنحو الكناية أو وضع اليد على اسم اللّه تعالى أو على القرآن، بل ولو كان بغسل لفظ الجلالة وشربه.وما ورد في حلف الأخرس من غسل لفظ الجلالة وشربه في رواية عليٍّ (1وأفتى بها بعض الأصحاب (2)، محمول على أنَّه من طرق الإشارة في اليمين، أو على التغليظ فيه، أو أنَّه قضيّة في واقعةٍ، أو أنَّها خاصة في الإمام المصلحة خفية، أو نحو ذلك، أو خاصة في أخرس لا يعرف الإشارة وإن كان في ظاهر الرواية ما ينافي ذلك.)والأوجه أن يقال: إنّ صحة الرواية وعدم شذوذها واشتمالها على ما يشعر بصحتها موجب للعمل بها في الجملة، ولا منافاة بين العمل بها وبين العمل على فتوى المشهور من الحلف بالإشارة؛ لأنها ليست حاصرة لحلف الأخرس في ذلك، فيُحكم بالتخيير؛ جمعاً بينها وبين ما دلّ على أنّ حلف الأخرس بالإشارة من الاستقراء ومن إشعار ما جاء في تشهده وتلبيته وتكبيره المشتملة على لفظ الجلالة، مضافاً إلى ما جاء في عقوده وإيقاعاته.##### الرابع والعشرون: حكم ما لو كان التغليظ في زمان أو مكان أراد المدّعي تحليفه فيهالرابع والعشرون: لو كان التغليظ في زمان أراد المدّعي تحليفه به كيوم الجمعة، أو مكانٍ طلب المدّعي إحلافه فيه كما إذا كان هو مكان الدعوى، وذلك لعدم جواز تأخير حقّ المدّعي.نعم، ذلك لا يمكن في حقّ المدّعي لو طلبه المنكر ؛ لجواز تأخيره اليمين وإسقاط دعواه. والتغليظ يكون بالقول وتكريره والتعمّق بالأوصاف والزمان والمكان واللباس، كما إذا لبس شيئاً شريفاً أو وضع على يديه مصحفاً، وبالأحوال وبغيرها، وبابه واسع بنظر الفقيه النبيّه. ولا يجوز الحكم بالتغليظ بالمال إذا كان أقل من نصاب القطع، وعليه الفتوى والرواية (3.)##### الخامس والعشرون: يلزم على الحالف الحلف على ما يقطع به وأن يكون مخاطباً غيرهالخامس والعشرون: يلزم على الحالف الحلف على ما يقطع به إن وقع الحلف على الجملة الخبرية بلفظ دون الكتابة والإشارة، وأن يكون مخاطباً غيره، فلو خاطب نفسه


1) وسائل الشيعة 27 : 302 الباب 33 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

2) كابن حمزة في الوسيلة : 228.

3) وسائل الشيعة 27 : 298 الباب 29 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

لم يشترط ذلك، كما أنّ الشهادة كذلك، فلا يبرز المظنون أو الموهوم بصورة الخبر الجازم، ولا يجعل الظنّ كالجزم فيحلف عليه في الجزم.ولا يكفي العلم الشرعي كالمشهود به بشهادة عدلين، أو الذي قضت به اليد، أو ما اكتفي فيه بالظنّ مع احتمال الاكتفاء به في مقام الجزم في وجه قوي.ولو ورّى فحلف على ما ورّى لم تكن يمين غموس وإن أثم.نعم، له أن يحلف على نفس الإدراك من الظنّ والوهم فيحلف عليه، فيقول: والله أظنّ أو أتوهم، وهو حلف على البت والجزم، أو ينصب قرينةً على أنّ هذا الخبر مظنون، فيقول: والله كان كذا يظنّي أو وهمي.ولا يكتفي الحاكم في مقام الدعوى في الحلف على نفي أو إثبات من منكرٍ أو مدّع إلا بالجزم بما حلف عليه، حتّى لو كان المدّعى به إثبات ظنّه أو نفيه حلف على الجزم في إثباته ونفيه.وكذا لو كان المدّعى به إثبات العلم وعدمه، كان الحلف من المدّعي على إثباته، ومن المنكر على نفيه، كما إذا ادعى المدّعي مالاً على الوصي من طرف الموصي أو على الوارث من طرف الموروث وادّعى عليه العلم به، حلف المنكر على نفى العلم على الجزم، فلو ردّ عليه اليمين فهل يلزمه الحلف على إثبات علمه به، أم على إثبات المال؟ وجهان، ولا يبعد يبعد الأخير.وقد يقال: إن الدعوى على الوصيّ أو الوارث لا يلزم فيها دعوى العلم، بل يكفي فيها الدعوى على المال ولكن يجتزاً فيها بالحلف على نفي العلم؛ لمكان العسر والحرج، ولعدم الطريق إلى الجزم بنفي فعل الغير، وهذا الذي يظهر من كلام القدماء، فيقوم الحلف عندهم على نفي العلم مقام الحلف على الجزم بنفي المدّعى به.وعلى هذا لو ردّ الوصي اليمين لزم المردود عليه الحلف على إثبات الحق لا على العلم به، بل ربما يدعى أن الحلف على إثبات العلم لا يفيد فائدة.وبما ذكرنا يظهر معنى قولهم: إن الحلف يكون على الجزم في إثبات فعله أو فعل غيره نفي فعله، ولا يكون على الجزم في نفي فعل غيره؛ لبنائهم على تعسّر الجزم بنفي فعل الغير؛لعدم القطع به غالباً. نعم، لو كان الفعل مشتركاً بين المدّعي والمنكر كالنكاح والبيع، صح للمنكر أن يقول:

والله ما بعتني، كما يصح أن يقول : والله ما اشتريت منك، وينحل بالحقيقة إلى الحلف على نفي فعل نفسه؛ لمكان التلازم الشرعي أو العرفي؛ لاستناد الحكم به غالباً إلى أصالة العدم والبراءة الأصلية، وهما لا يفيدان الجزم ولو فرضنا حصول الجزم به - كما لو كان النفي مقطوعاً به؛ لانحصاره في زمان أو مكان - جاز الحلف على القطع بنفيه بطريق أولى، ولزم قبوله.ولو علم الحاكم بقطع الوصي أو الوارث بالنفي، فهل يلزمهما بالحلف على البت والقطع؛ لأنَّه الأصل، أو لا يلزمهما؛ لانقلاب حكمهما إلى الحلف على نفي العلم؟ كما عليه ظاهر الإجماع، فلا يكلفان أزيد من ذلك إلا برضاهما، فعلى هذا يكون تعسّر العلم عليهما غالباً حكمة لا علة يدور مدارها الحكم وجوداً وعدماً.ويظهر ممّا ذكرناه أن المدّعى عليه لو تعلّقت الدعوى بنفسه لا يكتفى منه بالحلف على نفي العلم، بل يكلف بالحلف على الجزم، أو يردّ اليمين على المدّعي، مع احتمال الاكتفاء منه بالحلف على نفي العلم؛ للزوم العسر والحرج، أو الاكتفاء منه بذلك في مقام عدم إمكان الرد؛ لعدم القطع من المدّعي، كما إذا كان المدّعي متهماً أو وصيّاً أو نحوهما.هذا، وقد وقع اشتباه لأصحابنا في مواضع كثيرة أنّ الحلف فيها على البت أو على نفي العلم؛ للاشتباه فيها أنّ المحلوف على نفيه فعل المدّعى عليه أو فعل غيره، كإتلاف البهيمة مالاً: من عودها إلى إتلافه لأنّها ماله، ومن عدم مباشرة التلف وعدم وقوعه منه، ولعسر العلم.والأوجه هنا: الحلف على نفي الفعل على البت؛ لأنَّه الأصل في اليمين، والاطلاع على فعل البهيمة غير عزيز، وإتلافها يعود إليه.وكذا الدعوى على المولى في جناية العبد نفساً أو طرفاً لو كانت الدعوى على مولاه دونه، فيحتمل الحلف على نفيها من المولى على البت؛ لأنَّه الأصل في اليمين، والاطلاع على نفي فعل الغير غير متعسّر سيّما ممّن تعود أفعاله إليه لتملكه إياه.والأقوى الاكتفاء باليمين على عدم العلم؛ لخروج أفعال العبد عن أفعال المالك شرعاً وعرفاً، ولا فرق بين فعل العبد والأجنبي، فلا يكلف المولى باليمين الباتة على نفي فعله.وقد تُبنى المسألة على أن فعل العبد المتعقب ضماناً يعود إلى رقبته فقط، أو إلى رقبته وذمة العبد بعد العتق ؟ فإن قلنا بالأوّل، حلف المولى على البت، وعلى الثاني يحلف على نفي العلم.

وكذا الدعوى على شخص بأنه أخوه تزوّج أبوه أُمه في بلاد غربة، فأنكر المدّعى عليه، فإنّه يحتمل التحليف على نفي العلم؛ لعدم كون التزويج من فعله، وهو الأقوى.ويحتمل التحليف على البت؛ لأنّ الأخوة المدعاة أمر نسبي بين المتداعيين، وهو وجه لو أبرز الدعوى أنّي أخوك فأنكر.وكذا لو نصب البائع وكيلاً لقبض الثمن وتسليم المبيع، فادعى المشتري على الموكل أنّ الوكيل قبض الثمن وأبطل حقّ حبس المبيع، فأنكر الموكل ذلك، فهل يحلف على نفي العلم؛ لأنّ فعل الوكيل غير فعل الموكل، أو يحلف على البتّ؛ لأنّ الموكل يثبت استحقاق الحبس على مال المشتري والمشتري يدعيه بارتفاع حقّ الحبس عمّا اشتراه، فيحلفه على البت لرجوع النفي إليه؟والحق: إنّ الموكل يحلف على نفي العلم عن قبض الوكيل للثمن قطعاً، فإذا حلف لزم المشتري إبقاء حقّ الحبس عليه، فحينئذٍ إن كانت الدعوى على ارتفاع حقّ الحبس وعدمه، اتجه الحلف على البت من الموكل، وإن كانت على القبض وعدمه، اتجه الحلف على نفي العلم، ولما كانت الدعوى غالباً على الأوّل وإن لزمها الثاني فالحلف على نفي العلم.وكذا لو ادعى البائع ظهور عجزه عن تسليم المبيع وعلمه به، فيحتمل هنا الحلف على نفي العلم بعجزه؛ لأنَّه متعلق بالغير.ويحتمل الحلف على البت؛ لعوده إليه؛ لأنَّه يثبت بنفسه وجوب تسليم المبيع إليه.##### السادس والعشرون: في أنّه يحلف المدّعي على البت ابتداء وبعد الردّ عليه من الحاكم أو المنكرالسادس والعشرون: يحلف المدّعي على البت ابتداءً، وبعد الردّ عليه من الحاكم أو من المنكر.ولو ردّ المنكر اليمين على المدّعي ثمّ بذله كان له ذلك، وعاد الحق إليه وإن لم يرض به المدّعي.ولو وقع منه ذلك مراراً، قوي حينئذٍ إلغاء رجوعه، فيكون بمنزلة الناكل.و احتمال أنَّه بمجرّد الردّ ينتفى عنه جواز العدول؛ لأنّ ردّ اليمين عليه إسقاط لحقه وهبته لغيره فلا يجوز بذله بعد ردّه إلا برضاه بعيد؛ لمنع كونه إسقاطاً وكونه هبة، بل هو رضى منه بقيامه مقامه في أخذ الحق منه بيمينه فهو بمنزلة التفويض والإذعان والتسليم لقوله وفعله، فإذا أراد نقض هذا الإذعان والتفويض والتسليم جاز.

نعم، قد يقال: إنّ الردّ بمنزلة الإقرار المعلّق على يمينه فلا يجوز له نقضه.أيضاً بعيد؛ لمنع لزوم الإقرار المعلّق لو صح أنَّه كذلك.أو أنّ الردّ بمنزلة الصلح على دفع الحق باليمين.وهو بعيد كذلك؛ لمنع كونه صلحاً.##### السابع والعشرون: لو ادعى المدّعي أمراً فجواب المنكر إما عام أو خاصّ أو مساءٍ وبيان أحكامهاالسابع والعشرون: المدّعي لو ادعى أمراً فالجواب من المنكر إما عام أو خاصّ أو مساو. وعلى كل حال فاليمين إما على طبق الدعوى أو على طبق الإنكار أو مخالف لهما.أما مع المساواة فلا إشكال، كما إذا ادعى قرضاً فأجاب بنفيه وحلف كذلك.وأما مع الاختلاف فإن أجاب بما يعمّ الدعوى وحلف كذلك جاز، كما يقول له: أقرضتك، فيقول: ليس لك قبلي شيء ولا تستحق عليَّ شيئاً فيحلف على ذلك.وإن أجاب بالأخص إذا كان الأخص مساوياً للدعوى، فهل يكفيه الحلف على الأعم؟ قيل: نعم (1، وهو المشهور؛ لحصول اليمين المطلوبة، وأصالة البراءة من الزائد، ولكفاية الجواب بالأعم، فيكفي اليمين عليه؛ لأنّه جواب وزيادة، ولأنه ربما أقرضه ثمّ وفاه أو أبراه المدّعي فيتحاشى عن الحلف على الخاص؛ لحصول الكذب، وعن الإقرار؛ لخوف الإلزام، ولشمول اليمين على مَنْ أنكر للحلف على العام.)وقيل: لا (2، ونُسب للمشهور (3)، وظاهره - نقلاً (4)- التردد فيه.)ويستند له إلى أصالة بقاء الحق إلا مع يقين المخرج، ولا يقين مع الحلف على العام والجواب بالخاص وإلى أنّ الظاهر من أدلّة اليمين أن تكون على طبق الدعوى كالشهادة، ولأن اليمين حقّ للمدّعي فيلزم اتباعه في حقه، ولأنّ اليمين رافعة للاسترابة عن المنكر،


1) مسالك الأفهام 13 : 488؛ كفاية الفقه 2 : 706 کشف اللثام 10 : 119؛ رياض المسائل 15 : 117.

2) نسب إلى الشيخ راجع المبسوط :8 207 و 211 ذکر وجهين من دون ترجيح لأحدهما ولذا قال المصنف «وظاهره...التردّد فيه».

3) لم نعثر عليه صريحاً ولكن يمكن أن يستفاد من كلام صاحب الرياض 15 : 117 بقوله: «أقربهما وأشهرهما نعم» لأن في مقابل قول الأشهر، قول المشهور.

4) كشف اللثام 10 : 119.

ومع حلفه على العموم لا ترتفع الاسترابة، ولأنّ الخوف من الكذب حاصل عند الجواب بالأخص، فلو كان خائفاً من الكذب لما أجاب به، ولأن جوابه بالأخص مشعر بقدرته على الحلف عليه.ويمكن المناقشة في هذا بأن التسامح بالإخبار غير التسامح باليمين، كما نرى أن الإنسان يقدم على الكذب في إخباره لأدنى مصلحة، ولا يقدم على اليمين إلا مع الضرر الكلي، وأيضاً لو كان اليمين حقاً للمدّعي فيتبع إرادته لجاء مثله في الجواب، وظاهرهم عدمه فيه، والمدرك واحد.والأظهر بالنظر إلى الفقاهة الأوّل، وبالنظر إلى ظواهر الأدلّة الواردة في يمين المنكر وأنَّه حقّ له وبالنظر إلى الاحتياط في الخروج عن عهدة حقّ المدّعي الثاني.وينبغي للحاكم التأمل في جواب المنكر ومطابقته لدعوى المدّعي وعدمها، وفي اليمين على إنكاره ومطابقته لجوابه ودعوى المدّعي وعدمها؛ إذ ربّ جواب لا ينطبق على الدعوى ظاهراً لا بالعموم ولا بالخصوص، كما يقول له: أقرضتك، فيقول له: ما لك مال عندي، فإنّه ظاهر بنفي العين، أو يقول له: غصبتني، فيقول: ما لك في ذمتي شيء، فإنّه ظاهر في الذّمة، أو يقول: لي عليك عشرة، فيقول: ما لك عندي عشرة مريداً به نفي العموم ويحلف على ذلك، فإنّ ظاهر المدّعي إثبات كلّ واحدٍ من العشرة، وظاهر المنكر نفي المجموع، وهما مختلفان. نعم، لو كانت الدعوى على نفس قدر العشرة جاز ذلك.وهل الجواب بالأخص ينفي الأخص لو حلف عليه وتبقى دعوى المدّعي في الباقي، أو يقع الجواب واليمين باطلين من أصلهما؟ وجهان فلو قال المدّعي: أطلبك عشرة، فقال المنكر: ما أقرضتني، فحلف فهل تنتفي دعوى القرض ويبقى غيرها؟ أو يسقط هذا الجواب ويمينه وتبقى الدعوى بحالها؟والأوجه سقوط الجواب ويمينه.ولو أجاب بمحتمل الأمرين من العموم والخصوص أو بمجمل الدلالة الزم بالبيان.ولو ادعى عليه بيعاً أو عقداً أو إيقاعاً، فهل يصح في الجواب أن يقول: ما وقع مني بيع صحيح، ويحلف عليه؟ أو لا بد من الحلف على أصل البيع وأصل العقد؟ وجهان: من حصول

البراءة بيمينه؛ لأنّ غير الصحيح لا يعتد به، ولأنّ المقصود من دعوى العقد العقد الصحيح، و من لزوم مطابقة الجواب للدعوى ومطابقة القسم للجواب ولحصول الفائدة بالإقرار بالبيع الفاسد فينقلب مدعياً؟والأوجه الأول، إلا إذا أراد المدّعي إثبات أصل العقد ولو كان فاسداً ليترتب عليه غرامة الفاسد من ضمان وشبهه.ولو أقام المدّعي بيّنة على دينه فادعى المنكر الإبراء أو الوفاء، سمعت دعواه؛ لعدم منافاتها للبينة السابقة؛ لأنها دعوى جديدة، فإن أقام بيّنة على دعواه فلا كلام، وإلا كان له اليمين على المنكر، وللمنكر الحلف على نفي خصوص ما ادعاه به وله الحلف على نفي العموم، كأن يقول: والله ما وقع ما يزيل شغل ذمّتك، وله أن يحلف على مثبت بمنزلة النفي، كأن يقول: والله إنّ حقي لباق عليك، وجاز الحلف على الإثبات؛ لأنَّه بمنزلة النفي، ولا يُلزم بالحلف على النفي بالخصوص؛ لإمكان أنَّه وقع إبراء فاسد يخشى من الإقرار به أن ينقلب مدعياً.##### الثامن والعشرون: في أنَّه يثبت باليمين المردودة أو بالنكول كلّ ما يثبت بشاهدين أو بشاهد ويمينالثامن والعشرون: يثبت باليمين المردودة أو بالنكول كلّ ما يثبت بشاهدين أو بشاهد ويمين، إلا في دعوى الحد، فإنّه لا يكتفى فيه بيمين المدّعي؛ لعدم توجه الدعوى من المدّعي فيه على المدّعى عليه، ولا يلزم المدّعى عليه بيمين النفي أيضاً؛ لعدم توجه الدعوى عليه؛ لبنائه على التخفيف، والأمر بالإعراض عن التجسس عنه.وقد يمنع القضاء بالنكول أو به مع اليمين المردودة من الحاكم، أو القضاء باليمين المردودة من المدّعي فيما لا يثبت بشاهد ويمين من القصاص والطلاق والعتق؛ لإلغاء الشارع يمين المدّعي فيه مع الشاهد فكيف يثبت بمجرده فيلزم المنكر باليمين.وربما ظهر ذلك من بعض عبارات الأصحاب.والحق ثبوت الجميع باليمين المردودة، بل بمجرد النكول؛ لعموم أدلّة ثبوت الحق بها من دون تفصيل بينهما.ويدل على ذلك بالخصوص رواية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ الواردة في الطلاق (1)حيث إنّها دلّت على أنَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) استحلف في الطلاق.)


1) سنن أبي داؤد 2 : 263، ح 2206 وما بعدها؛ سنن الدارقطني 3 : 284 و 285، ح 88/3912، و 89/3913.

##### التاسع والعشرون: عدم جواز حلف يمين واحدة عن دعاوي متعدّدةالتاسع والعشرون: لا يجوز حلف يمين واحدة عن دعاوي متعددة من مدع واحد أو من مدعين متعددين؛ لأصالة عدم تداخل الأسباب، وأصالة عدم نفوذ الحكم إلا بالمتيقن، والمتيقن والمنصرف إليه أدلّة اليمين هو انفراد كل دعوى بيمينها.ولا تتوجه الدعوى على الوارث بحيث يطلب منه اليمين، وعلى الوصي أيضاً، إلا إذا ادعى عليه العلم بموت الموروث وإن لم يبرزه بصورة العلم والعلم بالحق أو بنفس الحق وإن لم يبرزه بصورة العلم، وأن في يده مالاً من موروثه، ويحلف في الأولين على نفي العلم، وفي الأخير على البت مع احتمال جواز حلفه على نفي العلم إذا كان المقام مقام اشتباه؛ لبعد دار الموروث عن الوارث، ولعدم معرفة أحواله.وهل يكفي الحلف بیمین واحدة على الجميع مطلقاً، أو لا يكفي مطلقاً، أو يكفي عن الأولتين دون الأخيرة، أو يكفي إذا رضي المدّعي بيمين واحدة وإلا فلا يكفي؟ وجوه، أقربها: الاكتفاء بیمین واحدة مطلقاً، وذلك لأنّ هذه الدعاوي بالحقيقة دعوى واحدة لا دعاوي متعددة؛ لأنّ جميعها يؤول إلى دعوى المال على الميّت نفياً وإثباتاً، ولهذا لو صادقه المدّعي علمه عدم العلم بالحق أو على عدم العلم بالموت ولم تكن له بيّنة على ذلك سقطت دعواه وكذا لو أقر له بعدم وجود المال أو بعدم تمكنه منه.نعم، لو أثبت عليه الأولين ألزم بالحلف على البت على نفي المال على الأظهر.وفيه ما تقدّم من الاحتمال.##### الثلاثون: في حكم ما إذا ادعى مدع على الوصي مالاًالثلاثون: إذا ادّعى مدّع على الوصيّ مالا افتقر إلى إثبات وصايته أو يحلفه على نفي العلم بأنه وصيّ أو على البت بأنه غير وصي، وافتقر إلى إثبات موت الموصى أو يحلفه كذلك، وإلى إثبات المال على الموصي أو يحلّفه كذلك، وإلى إثبات المال تحت يد الوصي أو يحلّفه على البت بعدم استيلائه ولا يفتقر إلى إثبات بقائه.نعم، يكفي فيه يمين الاستظهار مع البيّنة أو مع إقرار الوصي بثبوت أصل الدين مع احتمال عدم الاحتياج إلى يمين الاستظهار عند علم الوصي بأصل الدين.وكذا الكلام في الوارث، فإن الوارث لو علم جميع ما ادعاه به سوى بقاء دينه إلى حين المطالبة، فهل يجب عليه الدفع من دون يمين، أو لا بد من يمين الاستظهار لإثبات بقائه؟

ولكن ظاهر كلام الأصحاب كفاية الإقرار بالثلاثة وهي موت الموروث، وشغل ذمّته، ووجود المال عنده في لزوم الوفاء وإثبات طلبه.وعلى كلّ حالٍ فيكفي الوصي أو الوارث الجواب بنفي العلم بأحد الأمرين والحلف عليه، ولا يكلّف الجواب عنهما معاً والحلف عليهما، ويكفيه الجواب عن الثالث فقط والحلف عليه على البت، ويكفيه الحلف على الجميع بيمين واحدة على الأظهر، كما تقدم.ولو ادعى على الوصيّ تهمةً فأجاب بنفي العلم، ألزم الحلف على نفيه، وليس له الردّ على المدّعي بأن يحلف أنّي أظنّ فيؤخذ الحق؛ إذ الحق لا يؤخذ بالظن.نعم للوارث المتحد أن يفعل ذلك احتراماً لليمين، فيبذل ماله على كلّ وجه.وكذا الحال لو ادعى على الوكيل المطلق، فلا بد من إثبات وكالته، وإثبات الدين على موكله، وإثبات إذنه في الوفاء، وإثبات أن عنده مالاً للموكل، فلو لم يكن عنده بيّنة لا تتوجه الدعوى عليه وتُسمع إلا أن يدعيه لجميع تلك الأمور، وإلا فهي دعوى على الغير فلا يُصغى إليها، فيحلف على البت في نفي الوكالة وفي نفي أن عنده مالاً وعلى نفي العلم في ثبوت طلبه له، وهكذا.والحلف على نفي العلم لا ينافي ثبوت الحق من المدّعي بعد ذلك بالبيّنة، ولا تذهب بما فيها.نعم، لو شرط الحالف عليه ذلك، ففي سقوط حكم البيّنة وجه.ولو تكثرت الدعاوي على شخص كلَّ يريد منه الحلف على نفي العلم، ففي الاجتزاء بيمين واحدة عند رضاهم به وجه قوي، أما مع عدم رضاهم فالأوجه: عدمه.##### الواحد والثلاثون: في حكم ما لو ادعى على العبدالواحد والثلاثون: لو ادعى على العبد، قيل: فالغريم مولاه في المال والجناية (1.)وقيل: إن الغريم العبد (2.)وقيل: إن كانت قصاصاً فالغريم العبد، وإلا فالمولى (3)


1) شرائع الإسلام 4 : 81 - 82؛ قواعد الأحكام 3: 445.

2) راجع قواعد الأحكام 2 : 415.

3) المبسوط 8: 215.

وللفقهاء كلام واضطراب.وفقه المسألة أن يقال: إنّ الدعوى إما على مالٍ معين، أو على ما في الذّمة، أو على جناية خطاً، أو على قصاص، أو على حقّ نكاح أو طلاق وشبههما، أو على مال تجارة قد أُذن له فيها، ثمّ العبد إما أن يكون مكاتباً أو لا، مبعضاً أم لا، قلنا بملكه أم لا، ثمّ إنّ المدّعي حُرٌّ أو عبد مثله مجانس له أو مغاير، فالصُّور كثيرة.أما لو كان المدّعي حُرّاً، فإن ادعى [ على ] العبد ومولاه معاً، وجب إحضارهما معاً، ولا يكفي حضور مولاه فقط؛ لجواز تعلّق الحق به ولو بعد العتق، ويكفي ذلك في لزوم حضوره، أو لجواز ملكه مالاً لكنّه محجور عليه من التصرّف إلا بإذن المولى، فلا بد من اتفاقهما.وكذا لو كانت الدعوى قصاصاً، فإنّه لا بد من اجتماعهما، فإن حضرا وأقرا لزمهما الحق، وإن أنكرا ورداً اليمين معاً لزمهما أيضاً كذلك.وكذا لو نكلا على ما تقدم.وإن حضر أحدهما، فإن حضر المولى فقط وكانت الدعوى قصاصاً، فإن كانت للمدّعي بيّنة سمعت وإن لم يحضر العبد، إلا أن يقوم احتمال جرح للبينة منه فلا بد من إحضاره، بل لا يبعد لزوم إحضاره عند حكم الحاكم بالقصاص بموجب البيّنة؛ للشكّ في نفوذ الحكم مع عدم حضوره.وإن لم تكن عنده بيّنة، فإن أقر له المولى لم ينفذ إقراره على عبده في القصاص؛ لأنَّه ظلم، وأمر النفوس عظيم، ونفوذ الإقرار مشكوك به؛ لأنَّه إقرار يعود إلى الغير وإن عاد إليه في الجملة، فإن أقرّ له العبد مع المولى ثبت القصاص عليه.نعم، يثبت ملك العبد على قدر الجناية للمقرّ له بالقصاص؛ لأنَّه ماله وقد أقر بانتقاله، ولا حاجة إلى إقرار العبد معه في ثبوت كونه مالاً لغيره.وكذا الحكم فيما لو ردّ المولى اليمين أو نكل عنها.وإن كانت الدعوى جنايةً توجب الاسترقاق، سمعت الدعوى على المولى فقط، ويقضى عليه باسترقاق العبد بإقراره ورده اليمين وبنكوله.وكذا لو كانت الدعوى على مالٍ معيّن في يده وقلنا: إن العبد لا يملك شيئاً.

وإن قلنا: إنّه يملك لكنّه محجور عليه، فلا يمضي إقرار المولى وشبهه لتعلّق حقه بالمال، بل لا بد من إقراره أيضاً أو التداعي معه.ولو كانت الدعوى على مالٍ في الذّمة، فلا تسمع الدعوى مع المولى؛ لعدم الفائدة حتّى لو أقام بيّنة من دون حضور العبد؛ لأنّ المولى لا يضمن جناية العبد في المال لا في نفس العبد ولا في ماله، إلا إذا قلنا: إنّ العبد يملك لكنّه محجور عليه، فإنّه لا بد من حضور المولى لمكان الحجر وحضور العبد لمكان الملك، وتُسمع الدعوى على العبد، ويحكم الحاكم بالبيّنة أو بإقراره على العبد، ولكنه يتبع بالمال عند عود نفسه إليه، كما إذا أُعتق أو انعتق، فالسيد حينئذٍ ليس مالكاً لذمة العبد الآن فلا منافاة بين مملوكيته للمولى ومملوكيّة ذمته للغريم.و احتمال تجدد اشتغال ذمته بعد العتق بعيد جداً؛ لأنّ الظاهر أن ما بعد العتق ظرف للأداء والمطالبة له، لا لشغل ذمته.ولو كانت الدعوى نكاحاً أو طلاقاً، كانت الدعوى مع العبد، فيمضي إقراره، وتمضي عليه البيّنة واليمين المردودة والنكول إلا ما يعود من ثبوتها ثبوت غرامة على المولى، كالإنفاق على زوجته وشبهه من ماله أو مال المولى، فإنّه لا بدّ من إثبات ذلك على المولى أيضاً.ولو ادعى على العبد قصاصاً فأقرّ وأنكر المولى لم يمض إقراره وكذا بينته على المولى؛ لتعلّق حقّ المولى برقبته حيث إنَّه ملك له.نعم، لو أعتق مضى عليه إقراره بالقصاص وقت مملوكيته، وليس من الإقرار في حقّ الغير مجرّداً حال المملوكية، بل هو إقرار على نفسه وقد منع من نفوذه مانع حال العبودية، وبعدها يبقى الإقرار سليماً عن المعارض.وكذا لو ادعى على العبد ضمان مال أو ادعى عليه ما يعود للمال من نكاح أو خلع مأذون بهما.##### الثاني والثلاثون: في أنّه لا يمين في حدالثاني والثلاثون: ممّا اشتهر فتوى واعتبر روايةٌ (1: إنَّه لا يمين في حد، وهو نكرة في سياق العموم فيعم يمين النفي واليمين المردودة والمنضمة مع الشاهد ويمين الاستظهار)


1) وسائل الشيعة 28 : 46 و 47، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود...،ح 1 و 4.

وغيرها، ويشمل الحدّ الإلهي المجرد والمتعلّق به حقّ آدمي، كحق القذف والزني لو ادعى به المقذوف والمزني به.وظاهر النفي سقوط اعتباره أصلاً؛ لسقوط الدعوى به من أصلها، فلا يترتب الفرع عليها؛ لأنها مبنيّة على التخفيف والمطالب بالحد أسقط اعتباره من دون بيّنة، فلا معنى لسماع ما لم يعتبر حينئذٍ، ولأنّ الحدّ مبني على درئه بالشبهة، وترتب أحكام اليمين فيه شبهة في الحكم والموضوع، ولانصراف «اليمين على مَنْ أنكر» (1لمن أنكر في الحقوق المالية ونحوها ممّا يعود للمدّعي فيها حقٌّ، وظاهر بعض الأصحاب (2)نقل الإجماع على ذلك، على أن أمر الحدّ عظيم وقد أمر بالستر وعدم التجسس والنهي عن الغيبة (3).)ويُلحق بالحد التعزير على ما يقتضيه عموم الأدلّة.ونقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه أنَّه ذهب إلى أن الحدّ لو تعلّق للمخلوق به حقّ كحد الزنى والقذف لو ادعى بهما المزني به والمقذوف سمع (4)لعموم الأدلّة، ولحديث «لا ضرر ولا ضرار» (5)ولتأديته إلى ضياع الحق والمخلوق.)وفرّع على ذلك أنّ القاذف لو ادعى على المقذوف أنّه زنى لزمته الإجابة، فإن حلف على عدم الزنى حدّ القاذف، وإن نكل رُدّت اليمين على القاذف فيحلف ويسقط عنه الحد، ولكن لا يثبت بيمينه حدّ على الزاني(6.)وكأن ثمرة ذلك تكون الدفاع عن نفسه، حيث إنّه قذف فتوجه عليه الحد، فإما أن يلقى الزاني بوبال اليمين الكاذبة أو بالإقرار فيترتب عليه الحدّ أو بالرد فيسقط الحدّ عن القاذف.ويرد الأوّل أنّ العموم منصرف لغير الحدود؛ لابتنائها على التخفيف والمسامحة، وحديث لا ضرر ولا ضرار» معارض بمثله لو ثبت الحدّ باليمين المردودة أو بالنكول، ولا يضيع


1) السنن الكبرى البيهقي 10 : 427. ح 21201.

2) كفاية الفقه 2 : 707.

3) الحجرات (49) : 12.

4) المبسوط 8: 215.

5) وسائل الشيعة 18 : 32 الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 - 5.

6) المبسوط 8 : 216.

حق المخلوق بعد ترتب العقوبة عليه كالغيبة والاستهزاء، والجميع لا يعارض الروايات المرسلة كمرسلة ابن أبي عمير والبزنطي (1المنزلة منزلة الصحاح المؤيَّدة بالشهرة المقاربة للإجماع، وبظاهر الكتاب الآمر بالجلد للقاذف (2)على وجه الإطلاق.)نعم، يتوجه ما فرعه الشيخ دفعاً للضرر والضرار، والحديث نفي الحرج (3؛ حيث إن القاذف لما قذف صادقاً فتوجه عليه الحدّ جاز رفعه بيمين إثبات زناه لرفع الحدّ لا لإثبات حد.)ولا بأس بالقول بجواز رفع اليمين الحدّ الثابت تخفيفاً على القاذف، بخلاف الحدّ الغير الثابت، فإنّه مرفوع بتخفيف اللّه سبحانه وتعالى، فلا حاجة إلى تحليف المدّعى عليه.وقد يقال بجواز سماع اليمين لو كان الغرض منه غير الحد، كما إذا ادعت امرأة على زوجها أنَّه لاط بأخيها وزنى بأمها قبل تزويجها أو زنى بها وهي ذات بعل، فإنّه يتوجه عليه اليمين لرفع التحريم لا لإسقاط الحد، فإن لم يحلف حلفت هي وبانت منه.ولو اجتمع حقّ المخلوق الصرف مع الحق الخالقي، جاز اليمين مراعاة للحق المخلوقي؛ إذ لا يمين في حدّ أو فيما يترتب عليه حد، واليمين هنا على أمر قد يترتب على ثبوته حد.وبالجملة، فهنا أمر واحد يترتب عليه أمران: مخلوقي وخالقي، فثبوته بالنسبة إلى أمرٍ لا ينافي عدمه بالنسبة إلى آخر، وكونهما معلولي علّةٍ واحدة ممنوع؛ لعدم تسليم أن العلة في رفع اليمين هو كلّي الزنى، بل هو المترتب عليه الحدّدون ما لم يترتب، أو أن هذه معرّفات غير علل عقليّة، أو أنّه كتبعيض الصفقة يؤثر في القابل دون غيره.ومثل السرقة ما لو ادعت أنَّه زنى بها كرهاً لاستحقاقها مهر المثل.والفرق بين السرقة والقذف وإن كان كلُّ منهما تعلّق به حقان: إن السرقة تشتمل على دعويين إحداهما: المال، وهو راجع للمخلوق، فجاز اليمين عليه، والأخرى: نفس الفعل والإقدام على معصية الجبّار بخلاف القذف، فإنّه لا ضمان فيه، بل هو أمر واحد، وهو الحدّ


1) وسائل الشيعة 28 : 46 الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود...،ح 1 وذيله.

2) النور (24) : 4.

3) راجع وسائل الشيعة 1: 152 و 154، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 5 و 11، و 163، الباب 9 من تلك الأبواب، ح 14.

قد أقدم على موجبه جرأة، فكلُّ من الخالق عزّ وجلّ ومن عبده يدعيه، فهو أمر يدعيه اثنان، وذلك أمران كلُّ يدعى شيئاً، فالحدّ يدعيه السلطان، والمال يدعيه صاحبه.##### الثالث والثلاثون: في حكم ما لو كان عنده بيّنة أو جزء بيّنة فأعرض عنها فطلب يمين المنكرالثالث والثلاثون: لو كانت عنده بيّنة أو جزء بيّنة فأعرض عنها فطلب يمين المنكر جاز، فإن حلف المنكر ذهبت اليمين بما فيها، وإلّا جاز رجوعه إلى البيّنة حتّى لو قال: أسقطتُ حقّى من البيّنة أو أعرضتُ عنها؛ للشكّ في سقوط حقه بعد استصحابه بمثل ذلك، وغاية الأمر أنّ الحقوق المالية تسقط بالإسقاط ؛ لشبه إسقاطها بالإبراء، دون غيرها.وبالجملة، فالإعراض لم يثبت به سقوط الحق كما ثبت التملك به في الأشياء الحقيرة الواقعة في الطرق من الحطب والتبن والحبّ القليل، أو فيما لا يمكن الوصول إليه، كالواقع في البحر الذي لا يرجى لصاحبه إخراجه، وكذلك الإسقاط لم يثبت في غير الحقوق المالية السقوط به لتنزيله منزلة الإبراء؛ لكونه حقاً راجعاً للمسقط، فإذا أسقطه ارتفع المانع عن عمل مقتضى البيع عمله، بخلاف البيّنة، فإنّها مثبتة بنفسها حتّى لو أسقط إثباتها لم يتمكن، وأما إقامتها فهو وإن كان حقاً له لكن يتبع نفس الدعوى، فهي كحق الأبوة والزوجيّة لا تسقط بالإسقاط.##### الرابع والثلاثون: في أن الأصل في ثبوت حقّ المدّعي البيّنة###### إشارة:الرابع والثلاثون: الأصل في ثبوت حقّ المدّعي البيّنة؛ لأصالة عدم ثبوت دعواه، سواء في ذلك الخصومة وغيرها وإن كان الأظهر في سياق الروايات تقام الخصومة، خرج من ذلك أمور:###### في بيان أُمور خارجة عن الأصل المشار إليهمنها: ما يقوم اليمين مقام البيّنة فيها كمدّعي ردّ الوديعة، فإنّه يُقبل قوله في الردّ مع مخالفته الأصل، ولأنه لو ترك دعوى الردّ لترك وأخذت منه الوديعة بإقراره، كل ذلك لأنَّه محسن وما على المحسنين من سبيل، وللزوم الحرج على الناس في عدم القبول إلا بالبيّنة؛ لتأديته إلى الامتناع من قبول الوديعة غالباً.وربما قيل: إنَّه منكر في دعوى الرد؛ لموافقته للظاهر من الاستئمان، فمنكر الردّ مدع؛ لأن قوله مخالف للظاهر، ولأنّ المودع لو ترك إنكار الردّ لترك، فهو مدع بهذا المعنى.وهو بعيد كما ترى.

وكذا الوصي لو ادعى الإنفاق بالمعروف أو نفس المعروف وكان على المعتاد، وكذا الوكيل لو ادعى فعل ما وُكّل عليه عند اتهامه بعدمه، أو ادّعى التصرّف فيما وكل على التصرف به.ومنها: منكر القذف فإنّه يُصدَّق من غير يمين.ومنها: لو ادّعى أحد على عبدٍ في يد سيّده أنَّه اشتراه، وادّعى العبد من أنَّه أعتقه فصدق السيد أحدهما، لم يحلف؛ لأنَّه إن صدق المشتري لم يحلف للعبد؛ لعدم نفوذ إقراره بعتقه بعد إقراره أنَّه باعه؛ لأنَّه إقرار في حقّ الغير، وإن صدق العبد لم يحلف للمشتري؛ لأنَّه لو صدقه بعد ذلك لم يُسمع؛ لأنَّه قد اعترف بإتلافه قبل قبضه؛ لأنّ العتق إتلاف، فلا ثمرة لليمين، إلى غير ذلك من المواضع الواردة في أبواب الفقه يعثر عليها من استقرأها.ومنها ما يُقبل فيه دعوى المدّعي من غير شاهد ولا يمين، وهي كثيرة:منها: دعوى المالك إبدال النصاب في أثناء الحول لينفي عنه الزكاة، وكذا دعوى تلفه، وكذا دعوى هبته وإرجاعه، وكذا كلّ دعوى تؤدّي إلى رفع الوجوب عنه من تعلّق حقّ به، أو عدم التمكن منه، وكذا الكلام في الخمس فيما إذا ادعى تلف المال أو ازدياد المؤونة أو الخسارة.ومنها: دعوى حسب أو نسب يستحق به من الحقوق العامة، كدعوى الهاشمية، أو دعوى الفقر، أو كونه ابن سبيل أو من الغارمين أو من أهل سبيل اللّه، إلى غير ذلك.والأحوط توقف الأوّل على البيّنة، ولا أقلّ تصديقه مع يمينه، وكذا في الثاني إن علم أنَّه ذو مالٍ سابقاً أيضاً إما البيّنة أو اليمين، وإن لم يعلم أنّه ذو مال فالأحوط اليمين على ما ادعاه من الفقر مطلقاً.ومنها: مدعي بنوّة الصغير.ومنها: مدعي الوكالة أو الولاية على ما كان تحت يده.ومنها مدعي تطهير أو تحليل ما كان بيده.ومنها: مدعي فعل الواجب الكفائي، فإنّه يسقط عن غيره بدعواه مطلقاً.ومنها: دعوى دفع الحق العام إلى أهله من خمس أو زكاة.ومنها: دعوى نقصان الخرص لينقص ما قرّر له من الزكاة على موجب نقصان الخرص و تسميته مدعياً لمخالفته الظاهر، وتصديقه لأنَّه أمر يرجع إليه.

ومنها: دعوى ما لا يُعلم إلا من قبله كدعوى فراغ العدة من حيض أو طهر. ومنها: دعوى الظئر أنَّه الولد الذي دفع إليها.ومنها: منكر السرقة بعد إقراره مرّةً وإن خالف الظاهر، فإنّه يسلم من القطع، وكذا منكر الزني بعد إقراره ما لم يبلغ النصاب.ومنها: دعوى السارق هبة المالك له ليسلم من القطع.ومنها: دعوى الإكراه على موجب الحدّ أو على الإقرار به، فإنّه يُصدق وإن خالف الظاهر، فيسقط عنه الحد؛ للشبهة.ومنها: دعوى الجهالة مع إمكانها في حقه، كدعوى الغريب الغبن وهو مدع؛ لأنَّه يترك لو تُرك، ولكنّه منكر ؛ لموافقته للأصل والظاهر.ومنها: دعوى المجرّدين في ثوب واحد الاضطرار إلى الاجتماع في إزار واحد ليرتفع موجبه الشرعي. ومنها: دعوى تقدّم العيب مع شهادة الحال به، وهو مدع، إلا بموافقته الظاهر فإنه منكر.ومنها: دعوى مَنْ رُمي بالاحتكار أنَّه أحرزه للقوت.ومنها: دعوى الغلط.ومنها: دفع زيادة عن الحق دون التبرع، فإنّه مدع؛ لمخالفته للظاهر، ولأنه لا يترك لو ترك.والأوجه أن يقال: إنّ مدّعي التبرع هو المدّعي؛ لمخالفته الأصل بل والظاهر؛ لبعد التبرع في مقام الوفاء والمعاوضة، فإن أظهر دعواه بدعوى الجزم لزم مدعي الغلط اليمين، بل ولو أبرزها بصورة التهمة فقبول قوله بمجرد دعواه الغلط مع حصول الدفع والقبض من المدفوع إليه مشكل.ومنها: لو كان لأحدٍ على آخَر دَيْنٌ فدفع إليه مالاً وادعى أنَّه وفاء، وقال القابض: إنّه هبة، فإنّه يُصدق قوله من غير يمين؛ لأنَّه أبصر بنيته.وفيه أيضاً إشكال؛ لأنّ تصديقه مع شكّ المدفوع إليه لا بأس به، ويلزمه ذلك، وأمّا مع قطعه بالهبة والتبرع فإنّه مدع، ويكون هو منكراً لما ادعاه؛ لموافقته الظاهر، فاليمين عليه حينئذٍ.

ومنها: دعوى الكافر أنّه من أهل الكتاب لتؤخذ منه الجزية ويعصم دمه وماله، فإنّه يُقبل بلا بيّنة ولا يمين؛ لأنَّه أمر لا يُعلم إلا من قبله، ولأنه يُدرأ الحدّ بقوله.ومنها: دعوى تقدّم الإسلام على الزنى بالمسلمة، فإنّه وإن خالف الأصل ولكنّه دارئ للقتل عنه.ومنها: دعوى الصوم والصلاة وجميع العبادات ليدفع عنه التعزير، وهذا لا كلام فيه.ومنها : دعوى صحة العمل المستأجر عليه المشروط بالنية؛ لأنّها أمر لا يُعلم إلا من قبله، وأما أصل تأدية العمل فيُصدق العدل الثقة في إخباره بتأدية ما استؤجر عليه من العبادات الصرفة؛ لرجوع صحتها أو فسادها إلى نفسه، فلا عبرة برؤيته كالصوم والصلاة ونحوهما، والسيرة على ذلك، وفي تصديق غير العدل وجه قوي، والسيرة أيضاً قاضية به.ومنها: دعوى مالك الدار ما دفن فيها لو نازعه المستأجر والمستعير، على المشهور نقلاً (1. وفيه: إشكال.)بل قد يقال: لا بد فيه من اليمين إن لم نقل بالاحتياج إلى البيّنة أو القسمة بين المتنازعين.والأوجه أن يقال: إن الأيدي المترتّبة بين المُلاك والمترتّبة بين المستأجرين والمستعيرين يُحكم فيها لصاحب اليد الحالية - وهي المتأخّرة - مع يمينه، وعلى المتقدم البيّنة أنّ المدفون له، إلا أن تقوم قرينة ظاهرة على التقدّم، فيكون مدعي التقدم موافقاً قوله للظاهر، فيُسمع قوله بيمينه.وإن كانت الأيدي المترتّبة بين يد مالك سابقة ومستعير لاحقة، فهنا يقوم احتمال تقديم اليد المالكة؛ لقوتها، واحتمال اليد اللاحقة؛ لتأخرها، وحينئذٍ فلا بد لليد المالكة إما من بيّنة أو من يمين على ما ادعاه.وللأصحاب في ذلك قولان.ومنها: دعوى الذمّي الإسلام قبل الحول ليتخلّص من الجزية، فإنّه لا يفتقر إلى يمين وإن خالف الأصل؛ لأنّه أمر من حقوق اللّه ولا يُعلم إلا من قِبَله.ومنها: دعوى الولد البلوغ بالاحتلام، فإنّه يُصدَّق من دون بيّنة ولا يمين؛ لمكان الضرورة


1) مسالك الأفهام 13 : 502.

وإن كان الأصل،عدمه، وأيضاً تصديق قوله موقوف على بلوغه فيدور، والظاهر أن الحكم بذلك من قبيل المسلّمات.ويمكن القول بالاحتياج إلى اليمين؛ لأنّ الضرورة تقدر بقدرها، وكان اللازم الافتقار إلى البيّنة كادعاء الإنبات والعدد، ولمّا عسر الاطلاع على الاحتلام اكتفي فيه باليمين.ودعوى أن الاحتياج إلى اليمين موقوف على ثبوت بلوغه حتّى يظنّ عدم جرأته على الكذب فلو ثبت بيمينه البلوغ،دار مردودة بحصول الظنّ على عدم الإقدام من كثير من المميزين على اليمين الفاجرة، فيقوى الظن بصدق قوله.ومنها: دعوى الحربي النابت على عانته شعر أنّه أنبته بعلاج، فإنّه يُصدَّق قوله من دون يمين ولا بيّنة وإن كان مخالفاً للظاهر والأصل؛ لأنها دعوى تدرأ عنه القتل لمكان الشبهة، ولا مطالب بها سوى اللّه تعالى، فيُصدَّق قوله ويؤسر وإن لم يقرّ بالشهادتين، ولا يثبت عليه قتل بالكلية.ومنع المحقق من قبول قوله إلا بالبيّنة (1لمخالفة قوله للظاهر، وهو قوي.)ورجح بعض توجه اليمين عليه (2اقتصاراً فيما خالف الأصل على القدر الضروري.)ولا بأس بتحليفه، فإذا امتنع قتل.واحتمال تأدية اليمين إلى ما يلزم من وجوده عدمه بتحليفه فلا يثمر تحليفه ثمرةً، سيما هذه الثمرة العظيمة، وهي ترتب القتل، قد تقدّم وجه ضعفه.ومنها: ما ذكره بعضهم أنّ مدّعي البلوغ يُقبل قوله مطلقاً (3. وهو بعيد.)والأوجه الافتقار إلى البيّنة في غير دعوى الاحتلام.والشهيد (رَحمهُ اللّه ضبطها عن بعضهم بأنّ كلّ ما كان بين العبد وبين اللّه تعالى ولا يُعلم إلا منه ولا ضرورة (4)، فيه على الغير أو ما تعلّق بحد أو تعزير (5).)


1) شرائع الإسلام 4 : 82 - 83.

2) قواعد الأحكام 3: 445.

3) مسالك الأفهام 13 : 501.

4) في المصدر : «ولا ضرر».

5) مسالك الأفهام 13: 503.

ولا بد من التأمل في الضابط وفيما ذكرناه؛ لإمكان المناقشة في جملة منها بعدم افتقاره إلى البيّنة أو إلى اليمين أو إليهما معاً وغير ذلك.وهل المراد بالتصديق لزومه على مَنْ سمع، أو جواز إمضائه، وإلا فلو نازعه منازع فيه لزمته البيّنة في موضع واليمين في آخر؟ وجهان، والثاني هو الأوفق بالقواعد وعمومات الأدلّة حتّى أنّ في بعضها: لو استراب الحاكم كان له تحليفه (1.)##### الخامس والثلاثون: في أنَّه يعتبر في اليمين نية المحلف من الحاكم أو المدّعيالخامس والثلاثون: يعتبر في اليمين نية المحلّف من الحاكم أو المدّعي بمعنى أن ما حلفه على نفيه بظاهر الخطاب كان هو المجزئ وهو يمين الغموس الذي يذر الديار بلاقع (2وإرادة الحالف غير الظاهر مورّياً بقوله ويمينه لا تجديه.)ويدلّ على ذلك الروايات الدالّة على أن الحالف إذا كان مظلوماً تكون اليمين على نيته وبالعكس على نية المحلف (3، وكذا كلام الأصحاب.)ولا يتفاوت بين علم الحاكم أو المدّعي بتوريته حين اليمين أو علمهما بعده أو عدمه، مع احتمال أن الحاكم إذا علم التورية من الحالف لم يقنع بيمينه حتّى يكرّره إلى أن يجهل كونه مورياً أم لا.هذا كله في يمين المنكر، أما اليمين المردودة فيقوى أيضاً فيها أن النية نية الراد لها، فثبت حقّ المدّعي وإن علم الحاكم،توريته وكذا يمين الاستظهار والمضمومة مع الشاهد إلا أن الأولى أن يكرّر الحاكم عليه اليمين عند العلم بتورية الحالف بقصد غير لفظ الجلالة أو بقصد غير المعنى المقسوم عليه إلى أن لا يعلم أنَّه مورّ حين اليمين، أما لو علمت التورية بعد صدور اليمين أو بعد الحكم ففي جواز تجديد الدعوى وقيام البيّنة ونقض الحكم إشكال.##### السادس والثلاثون: في حكم ما لو ادعى الوصي أو الحاكم فيمن لا وارث له أو الوارث بدَيْنٍ على رجل علماً أو تهمةًالسادس والثلاثون: لو ادعى الوصي أو الحاكم فيمن لا وارث له أو الوارث بدَيْنٍ


1) راجع وسائل الشيعة 27 211 - 212، الباب 1 من أبواب القاضي، و 244، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم...،ح 4.

2) بلاقع، جمع بَلْقَع : الأرض القفر التي لا شيء بها الصحاح 3 : 1188، «ب ل ق ع».

3) وسائل الشيعة 23 : 245 الباب 20 من أبواب كتاب الأيمان، ح 1.

على رجل علماً أو تهمة سواء كان معه شاهد واحد أم لم يكن، ألزم المدّعى عليه باليمين وحبس حتّى يحلف أو يُقرّ؛ لعدم إمكان اليمين من المدّعي مع الشاهد وبدونه مع التهمة قطعاً، ومع العلم لا عبرة بيمينه كما قدمناه، ويلزم من ذلك جواز الحكم بتضييع الحق، وهو بعيد.وقد يقال: إنّ الحبس عقوبة لم يثبت موجبها فيقضى عليه بالنكول من غير حاجة إلى رد يمين.وهو قوي؛ لدوران الأمر بين تضييع الحق على المدّعي أو تكليفه باليمين، والأول بعيد، والثاني يلزم منه أن يحلف الإنسان لإثبات مال غيره، وهو خلاف القواعد.نعم، يمكن ذلك في الوارث؛ لعود المال إليه، فإذا قطع بالدين حلف عليه؛ لأوّله إليه.ويظهر من المحقق وقوف الدعوى بل عدم سماعها (1، وهو بعيد.)ولو كان المدّعي وصيّ اليتيم، ففي إلزام المنكر باليمين أو لزوم تأخير الدعوى إلى أن يبلغ فلعله يحلف، أو تحليفه ثمّ بعد بلوغ الطفل يحلّفه مرّةً أُخرى، وجوه، أوجهها: الوسط مع الغبطة، ولو رأى الغبطة بغير ذلك جاز.##### السابع و الثلاثون: في أنّ تركة الميّت مع الدين المستغرق أو ما قابل الدين من تركته في غير المستغرق تبقى على حكم مال الميّت إلى أن يوفّى منها دينهالسابع والثلاثون: تركة الميّت مع الدين المستغرق أو ما قابل الدين من تركته في غير المستغرق تبقى على حكم مال الميّت إلى أن يوفّى منها دينه وإن جاز للوارث الوفاء منها أو من غيرها، وفاقاً للأكثر (2.)وقيل: تنتقل إلى الورثة ولكن لا يجوز له التصرف فيها إلا بعد الوفاء أو الإبراء أو إذن الغرماء(3.)والأظهر الأوّل؛ لظواهر الأدلّة من الكتاب (4والسنّة (5)حيث جعلت ملك التركة بعد الموت القاضي به اللام الظاهرة في الملك أو الاستحقاق بعد الوصيّة والدين.)


1) راجع شرائع الإسلام 4 : 83.

2) كما في مسالك الأفهام 13 : 61؛ وهو اختيار المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 10 و 83.

3) كما في المصدر : 61 - 62 وقواه الشهيد الثاني فيه وبه قال الشيخ الطوسي في المبسوط 8: 192؛ والعلّامة الحلي في قواعد الأحكام 3: 446.

4) النساء (4): 11 و 12.

5) وسائل الشيعة 19 : 329 وما بعدها، الباب 28 من أبواب كتاب الوصايا.

ودعوى أن اللام مستعملة في الملك المستقرّ دون المتزلزل، بعيد عن ظاهر الاستعمال وصَرفُ للفظ عن ظاهره من غير موجب له.وفي الموثق: فيمن عليه حقّ الزكاة، قال: «يخرج ذلك من جميع المال، إنما هو بمنزلة دين لو كان عليه ليس للورثة شيء حتّى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة» (1فالمشبه به - وهو الدين - أقوى في الحكم حينئذٍ.)وأيضاً فاقتران الدين بالوصيّة يقتضي تساويهما بمعنى اللام، ولا ملك للورثة مع الوصيّة، فكذا الدين.والمراد بـ «أو» ها هنا الإباحة، لا التخيير المانع من الجمع، فهي بمنزلة الواو.وما استدلّ به القائلون بالانتقال إلى الورثة من لزوم بقاء ملك بلا مالك، مردود:أولاً : بإمكان ملك الميّت كالملك عليه، ولا نعني بالملك سوى انتساب مال إلى شخص لا يتمكن غيره من التصرّف فيه بغير ما يعود إليه من وفاء دينه ونفوذ وصاياه، ونحو ذلك، وهذا شيء لا ينافي الموت، كما لا ينافيه في ديته وفيما تحوزه آلة صيده بعد موته، بل قد يلتزم بالملك الحقيقي للميّت لبقاء نفسه في غير جسمه، كما ورد في الأخبار (2.)وثانياً : نلتزم بقاء المال من غير مالك؛ للأدلة الصارفة عن ملك الوارث، وعدم الدليل على غيره، ولا لزوم شرعي أو عقليّ بين المال وبين حصول المالك.نعم، تجري عليه أحكام الميّت شرعاً، وهو لا يدلّ على الملك، بل غايته يكون بحكم مال الميّت لا ملكه، والله هو مالك الأشياء.وقد ورد في الصحيح: في دية المقتول «أنّه يرثها الورثة على كتاب اللّه وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دَيْن» (3.)وفي الأخبار المطلقة في باب الفلس الدالّة على أنّ مَنْ وجد عين ماله فهو أحق به(4، ما يشعر به، على أن دعوى انتقال ما أوصى به الميّت من حج أو صدقةٍ أو هبة أو وصيّة لغيره)


1) وسائل الشيعة 19: 357، الباب 40 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) راجع الكافي 3 : 243 وما بعدها، باب في أرواح المؤمنين.

3) وسائل الشيعة 26 : 35، الباب 10 من أبواب موانع الإرث...، ح 1.

4) المصدر 18 : 414 - 415 الباب 5 من أبواب كتاب الحجر.

قبل قبولها، وكذا مؤن تجهيزه وما أوصى بوقفه أو ببقاء عينه وإخراج منفعته للوارث في جميع ما ذكرناه ممّا يستبعده العقل والشرع فلئن قلت إن الميّت لا يملك، قلنا: لا يملك التركة في جميع ذلك أحد، ولكنّه يجري عليه حكم الأملاك العائدة إليه.وبالجملة، فالظواهر نافية رجوع الملك للورثة.وتظهر الثمرة بين القولين في النماء، فعلى القول بانتقال التركة إلى الوارث كان النماء ملكاً له، وعلى القول بعدمه يبقى على حكم مال الميّت فيوفّى منه ديونه وتنفّذ وصاياه كاملة.ثمّ على أي تقدير وسيما على القول بانتقالها إلى الورثة فهل تعلق حقّ الغرماء فيها قبل وفاء الدين تعلق مستقل؛ الانفراده عن تعلّق غيره مرةً وكونه مثله أُخرى، أو كتعلق الرهن بيد المرتهن، أو كتعلّق أرش الجناية برقبة الجاني؟وتظهر الثمرة فيما لو أعتق الوارث أو باع، فإنّه لا ينفذ على الأول؛ لمكان الحجر عليه، دون الثاني.وقد يعين الأول دعوى الإجماع على منع الوارث من التصرف في التركة، فلو كان التعلّق به كجناية الخطأ لجاز للوارث التصرّف.والظاهر أنَّه على القول ببقاء التركة على حكم مال الميّت تكون بمنزلة الرهن؛ لبقاء ذمة الميّت مشغولةً فى الباقى، فلا يمكن أن تكون كتعلّق أرش الجناية.نعم، يمكن حصول الثمرتين بالنسبة إلى الوارث وإن كانت التركة في حكم مال الميت. وعلى كل حال لو ظهر منه الامتناع عن الوفاء بطل تصرّفه إما كشفاً من أصله، أو بطلاناً من حينه.ولو كان الدين غير مستغرق، كان ما قابل الدين بمنزلة الرهن أو أرش الجناية.ويحتمل صيرورة جميع التركة رهناً بيد الديان، وهو قوي، ويوافق ظواهر الأدلّة كتاباً (1وسنّة (2).)وعلى كلا القولين فالمقطوع به في كلامهم أنّ المحاكمة للوارث ابتداء، سواء ملك أم لا؛ لأنّ الملك يعود إليه فعلاً أو قوّةً لو كان الميّت هو المالك؛ لأنّ ملك الميّت يعود إليه، فهو قائم مقامه، ولأنه لو أبرئ الميّت عاد إليه الملك، وقد يؤخذ كون المحاكمة إلى الوارث دليلاً على


1) راجع الهامش (4 و 5) من ص 360.

2) راجع الهامش (4 و 5) من ص 360.

ملكه، وقد يخص بالإجماع، فلو كان للميّت دَيْنٌ طالب به الوارث وأقام بيّنة، فإن كانت الدعوى على ميّتٍ آخر حلف الوارث يمين الاستظهار إن قلنا: إنّ على الوارث يمين الاستظهار في مقام علمه؛ لعود المال إليه، فإذا حلف المنكر يمين النفي ذهبت اليمين بما فيها، وليس للديان مطالبته بعد ذلك أو تحليفه، بل ولا تجوز مقاصته للغريم؛ لذهاب حقه بيمين النفي الذي استوفاه الوارث، مع احتمال أن للديّان مطالبته ومقاصته؛ لتعلّق حقه بالدين فلا يزول بتحليف الوارث.نعم، لو ترك الوارث الدعوى مع الغريم، فللدّيان أن يدعيه؛ لتعلّق حقه به وإن كان مال غيره.ولو قلنا ببقائها على حكم مال الميت، جاز لغرماء الميّت أن يدعوا غرماءه وأن يحلفوهم وأن يقيموا بيّنة على دين الميّت ليستوفوه لهم، وإذا حلفوا للوارث لم تذهب اليمين بما فيها، بل للغرماء تجديد الدعوى، كما إذا حلفوا للغرماء كان للوارث تجديد الدعوى، ولا تذهب اليمين بما فيها.ويجوز للوارث أن يحلف اليمين المردودة ويثبت بها الحق لو قلنا بانتقال التركة إليه، وإن لم نقل فوجهانوالأظهر في كلامهم بل المقطوع به جوازه.وأما الغرماء: فعلى القول بانتقال التركة إلى الوارث ليس لهم اليمين؛ لأنَّه لا يجوز الحلف عن غير المالك، ولا يجوز للإنسان أن يحلف على إثبات مال لغيره، وإن لم نقل بانتقالها إلى الوارث، ففي جوازها؛ لعود النفع إليهم وإن كانت على حكم مال الميت، أو عدمه؛ لعدم كونه ملكاً لهم فيكون اليمين لإثبات مال الغير وجهان.ولو امتنع الوارث من الدعوى على الدَّيْن فهل للدّيّان إجباره على الدعوى وتحليف المنكر وردّ اليمين عليه لو كان عالماً، أو ليس له ذلك، بل له الاستبداد بالدعوى ابتداء لكونها من الأمور الحسّية ومن الأمور المتعلقة به العائد نفعها إليه؟ وجهان، والأخير أقوى.ولو ثبت الدين فامتنع الوارث من استيفائه، جاز للديان المطالبة به بإذن الحاكم أو مطلقاً والأحوط الأول.ولو حلف غريم الميّت لغريمه على النفي في مقام لا يدّعيه الوارث ثمّ بعد ذلك ادعاه الوارث فردّ على الوارث اليمين فحلف الوارث باليمين المردودة، جاز للغريم الأخذ من يد الوارث.

وفى جواز أخذه من غريم الميّت وجهان: من ثبوت رجوعه إليه، ومن أنّه قد ذهبت يمينه بما فيها.والأوجه الأوّل؛ لأنّ الذي ذهبت اليمين به غير الذي أثبتته اليمين المردودة؛ لأنَّه حقّ جديد صار له.##### الثامن والثلاثون: في حكم ما لو علم المدّعي عين ماله عند المدّعى عليهالثامن والثلاثون: لو علم المدّعي بعين ماله عند المدّعى عليه، طالبه، فإن امتنع من أدائها، جاز للمدّعي أخذها قهراً ولو بمعونة الظالم ولو ظلمه الحاكم بأخذ غيرها، ولكن لا تجوز مساعدته على ظلمه له.ولو توقف على كسر قفل أو تخريب معمور، جاز للمدّعي وإن أجحف الضرر وقلت قيمة العين؛ لأنَّه هو الذي أدخل الضرر على نفسه.ولو توقف على قتل نفس محترمة أو إثارة فتنة، حرم عليه أخذها؛ ترجيحاً للنفس على المال. ولو توقف تخليصها على كذب، جاز.وكذا لو توقف على التداعي عند قضاة الجور، جاز، والنهي (1عن الرجوع إليهم محمول على عدم الاضطرار لتخليص الحق.)ولو كان حقّ المدّعي قصاصاً، اقتص منه، ولو كان حداً، توقف على حكم الحاكم؛ لعدم جواز استبداد غيره بالحدود.ولو كانت الدعوى ديناً فإن بذل المدّعى عليه الدين، توقف الاستيفاء على إذنه؛ لتخييره بجهات الوفاء؛ لأنَّه مخيّر في تعيين المدفوع وفاء.وإن امتنع، فإن لم يمكن إثباته عند الحاكم؛ لعدم البيّنة أو إقرار الخصم، أو أمكن ولكن لا يقدر الحاكم على الاستيفاء ولا على الإذن له فيه، جاز له مقاصته بقدر ماله من جنس ماله مهما أمكن، وإلّا أخذ حقه وأرجع الزائد وكان الزائد أمانة في يده يجب عليه إرجاعها، فإن أمكنه فذاك، وإن لم يمكنه إرجاعها ولو خفيةً لخوف أو تقيّة، انتظر زوالهما، فإن قطع بعدم زوالهما كان حكمها كحكم مجهول المالك حكمه التصدق به، والأولى استئذان الحاكم بذلك.


1) وسائل الشيعة 27 : 1336 - 137 و 139، الباب 11 من أبواب صفات القاضي...،ح 1 و 6.

وإن كان مخالفاً في الجنس، فإن نواه وفاء، ملكه بقبضه، فإن كان فيه زائد أرجعه، وكان أمانةً في يده، وإن نوى بيعه وأخذ ثمنه وفاء جاز.وفي ضمانه له مع التلف قبل البيع وجه قوي؛ لأنَّه بمنزلة المقبوض بالسوم.ويحتمل عدم الضمان؛ للأصل، وضعف القياس.وإن أمكن إثباته عند الحاكم أو الاستئذان في المقاصة أو تولّي الحاكم جبر الممتنع، فإن فعل ذلك فلا كلام، وإن لم يفعل فهل تجوز له المقاصة والاستبداد بها؛ للأصل، ولعموم (مَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ (1)﴿وَجَزَاؤُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (2)أو لا تجوز له؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل من جواز التصرف بمال الغير المنهي عنه (3)على المتيقن، وهو استئذان الحاكم؛ لأنّه قائم مقام المالك، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه وَالرَّسُولِ) (4)، ولأنّه منصوب لهذه المصالح ونظائر هن؟ وجهان، أقواهما الأول، وأحوطهما الأخير، سيما لو توقفت المقاصة على إتلاف شيءٍ من مال المقاص، وسيما لو كان الامتناع لجهل منه في كونه مديوناً، بل لا يبعد في الأخير لزوم الرجوع إلى الحاكم وإثبات دينه مهما أمكن، ولا يجوز له الاستبداد إلا مع عدم إمكان الرجوع إلى الحاكم، بل قد يقال: إن المنكر لجهل لا يجوز إتلاف مال عليه وإن قلّ عند المقاصة، ولا كسر قفل؛ لعدم عدوانه وعدم ذهاب حرمة ماله، وليس للمقاص سوى أخذ مال بمال. وفي جواز المقاصة من الوديعة عند الرجل قولان ينشآن من تعارض الأخبار (5)جوازاً ومنعاً، ومن أصلي الإباحة وحرمة التصرّف.

والأقوى الكراهة؛ لقوة دليل الجواز، فحمل أخبار النهي على الكراهة أولى.

التاسع والثلاثون: في أنّ كلّ ما تعلقت به دعوى مسلم من دون معارض فهو له من غير بيّنة ولا يمين

التاسع والثلاثون: كلّ ما تعلقت به دعوى مسلم من دون معارض خاصّ أو عام - كالحاكم أو أمينه فيما له فيه الولاية - فهو له من غير بيّنة ولا يمين.


1) البقرة (2) : 194.

2) الشورى (42) : 40.

3) وسائل الشيعة 9 : 540 - 541، الباب 3 من أبواب الأنفال، ح 7.

4) النساء (4) : 59.

5) وسائل الشيعة 17 : 272 وما بعدها، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به.

وفي الخبر المعتبر في كيس بين عشرة ادّعاه أحدهم دون الباقين، قال: «هو له» (1).

ويُصدَّق مدعي الوكالة لبيع ما تحت يده وإن علم أنَّه للغير، وكذا مدعي الوصاية والولاية على اليتيم إذا لم يكن له معارض.

نعم، للحاكم في الأمور العامة إذا استراب فيمن ادعى ولاية على وقف أو ولاية على يتيم الدعوى مع المدّعي؛ لعود الوكالة والولاية إليه، بل له أن يدّعي مَن ادّعى وصايةٌ أو ولايةً إجبارية أو وكالةً في أموال الغيب أو غير ذلك حسبةً إذا استراب من المدّعي؛ لكونه منصوباً للمصالح والنظر في الأمور العامة.

الأربعون: في حكم كلّ ما وقع بالبحر من سفينة أو من شخص

الأربعون: كلّ ما وقع بالبحر من سفينة أو من شخص أو انكسرت سفينته كما هو منطوق الرواية (2)، والنهر الكبير والمياه الكثيرة كالبحر تنقيحاً للمناط، إن علم إعراض أهله عنه ملكه القابض له بغوص أو بغيره خارج البحر أو داخله، كما هو الشأن في المال المُعرَض عنه من تبن أو آجرٍ أو حطب يقع في الطريق أو حب يتناثر.

وقد يقال: إن الإعراض غير مخرج عن الملك؛ للأصل، غايته أنَّه مبيح للآخذ، فلا يملكه الآخذ ولصاحبه إرجاعه إلّا أنّ هذا خلاف ظاهر الفقهاء.

وإن لم يعلم إعراض أهله عنه، فما أخرجه الساحل أو خرج إلى البر مطلقاً فهو لأهله للأصل، والرواية (3)الدالّة على ذلك، وما خرج بالغوص فهو لمخرجه؛ أخذاً بالرواية (4)المعتبرة الدالّة على ذلك، وهي إما مبنيّة على بذل أهله وإباحته لمخرجه من غير نظر للإعراض، أو أنّه لا يخرج عن الملك لمن غاص عليه دون ما قضى اللّه برجوعه إلى أهله، ولا بأس بحصول الإعراض في حال دون حالٍ، أو استناداً للرواية تعبداً؛ لحصول الإذن من المالك الحقيقي.

وبالجملة، بعد ورود الرواية المشتهر مضمونها فتوى والمنقول الإجماع على حكمها (5)لا محيص عن العمل بها، بل قد يقال: إن ما أخرجه البحر يعود لأهله وإن علم إعراضهم عنه، سواء قلنا: إنّ الإعراض مخرج للملك عن ملك صاحبه، أو قلنا: إنَّه مبيح؛ تمسكاً بظاهر الرواية الناطقة بذلك على إطلاقها.


1) وسائل الشيعة 27 : 273 - 274 الباب 17 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

2) المصدر 25 : 455 - 456 الباب 11 من أبواب كتاب اللقطة، ح 2.

3) المصدر 25 : 455 - 456 الباب 11 من أبواب كتاب اللقطة، ح 2.

4) المصدر 25 : 455 - 456 الباب 11 من أبواب كتاب اللقطة، ح 2.

5) السرائر 2 : 195.

القول في الشاهد واليمين

والكلام في أُمور:

أحدها: في قضاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالشاهد العدل و اليمين من صاحب الحق

أحدها: قضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) من بعده بالشاهد العدل واليمين من صاحب الحق للأخبار (1)والإجماع.

ولا إشكال في الحكم، إنّما الكلام في مورد القضاء، والأخبار جاءت على أقسام، وأكثرها من باب حكايات الأحوال، وبضميمة دليل التأسي يثبت المطلوب.

ولكن في رواية درع طلحة حيث إنّ عليّاً استدلّ على شريح بفعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (2)ما يقضيبالعموم في الجملة، وكذا رواية محمد بن مسلم (3).

فمنها ما دلّ على القضاء بالشاهد واليمين وبالشاهد ويمين صاحب الحق، كصحيحتي حماد بن عيسى وحماد بن عثمان (4)، وصحيحتي منصور بن حازم وعبد الرحمن البصري (5).

ومنها: ما دلّ على القضاء به في الدين كجملةٍ من الروايات (6)المعتبرة، وفي بعضها: «في الدين وحده» (7)، وأكثرها إثباته في الدين فقط.

ومنها: ما دلّ على القضاء به في حقوق الناس، وما كان من حقوق اللّه عزّ وجلّ فلا، كصحيح محمد بن مسلم (8)وغيره (9).


1) راجع وسائل الشيعة 27 : 264 وما بعدها، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى.

2) المصدر : 265 - 266، ح 6.

3) المصدر : 264، ح 1.

4) المصدر : 265، ح 4 و 3.

5) المصدر : 264 و 267، ح 2 و 8.

6) المصدر : 264 و 265، ح 3 و 5.

7) المصدر : 268، ح 10.

8) المصدر، ح 12.

9) المصدر : 264، ح 1.

والأقوى عدم اختصاصه في الدين وإن أمكن القول به؛ لقاعدة حمل المطلق على المقيد، ولنقل الإجماع على الاختصاص (1)، كما ذهب إليه الشيخ (رَحمهُ اللّه) (2)وبعض من أصحابنا (3)، إلا أنَّه معارض بالإجماع المنقول على عدم الاختصاص (4)، وفتوى المشهور حتّى كاد أن يكون إجماعاً، وبأن الروايات الحاصرة فيه على الدين ضعيفة، والصحيح منها خال عن الحصر، ومفهوم اللقب غير حجةٍ، وبأن الدين قد يطلق على كل حقّ مالي، بل مطلق الحقوق، كما يظهر من مجمع البحرين (5).

وقد حمل العلّامة كلام الشيخ على إرادة المال (6)، فيدلّ على استعماله فيه، وخبر درع طلحة (7)أقوى شاهد على عدم الاختصاص بالدين، كما أنّ الأقوى عدم شموله لكلّ حقّ مخلوقي وإن لم يكن مالاً، كما دلّت عليه بعض الأخبار حيث قصرته على حقّ الناس (8)، ومال إليه بعض المتأخّرين(9)، وذلك للإجماع المنقول (10)وفتوى الأصحاب على اختصاصه بالمال، وتشهد له الأمارات الدالّة على استعمال الدَّيْن في المال، وكذا ظهور لفظ الحق في المال دون سائر الحقوق.

والعمدة في قصره على دعوى المال أو ما كان المقصود منه المال هو إجماع الأصحاب نقلاً (11)، بل قد يدعى تحصيلاً، فيخص بذلك عموم ما دلّ على القضاء به مطلقاً، ولا أقل من الشكّ المعتبر في عدم العموم، وضعف الظنّ بعمومه، فيعود كالمجمل، والحكم مخالف للأصل، فيقتصر فيه على المورد المشمول للدليل المعتبر دلالة.


1) غنية النزوع 1: 439.

2) النهاية : 334.

3) الكافي في الفقه : 438.

4) الخلاف 6 : 254 و 274 - 275، المسألتان 7 و 23.

5) مجمع البحرين 6: 253، «دي ن».

6) مختلف الشيعة 8 : 535، ذيل المسألة 94.

7) راجع الهامش (2) من ص 367.

8) راجع الهامش (8) من ص 367.

9) رياض المسائل 15 : 124.

10) مختلف الشيعة 8 493 ضمن المسألة 74.

11) راجع الهامش (4).

بل قد يقال: إن أكثر الأخبار حكاية فعل لا عموم فيها فيؤخذ بالفرد اليقين، وليس من القول المطلق كي يستند إلى إطلاقه.

نعم، في صحيحة محمّد بن مسلم ما يقضي بالإطلاق، وقوله: «لو كان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل مع يمين صاحب الحق» (1)ولكن لا يعارض ما قدمنا.

ثانيها: في أنَّه لا يثبت بالشاهد واليمين ما كان من حقوق اللّه من الحدّ وغيره

ثانيها: لا يثبت بالشاهد واليمين ما كان من حقوق اللّه تعالى حداً وغيره، كرؤية هلال ونحوه، ولا ما كان من حقوق الناس ما ليس مالاً أو ما ليس المقصود منه أصالة المال فيثبت به الغصب المالي والوصيّة والقرض والدين والبيع والشراء، فإنّ المقصود من البيع والشراء الملك والتمليك للمبيع والثمن، وكذا الإجارة والوصيّة.

وبالجملة، فما كانت الدعوى فيها على المال عرفاً وكان المقصود منها ذلك وإن عبّر في الدعوى عنها بلفظ عقد أو إيقاع أو فعل أو ترك، وما لم تسمّ عرفاً الدعوى فيه على المال كالوصاية والوكالة والنسب والطلاق والرجعة وعيوب النساء والولاء والقصاص والرضاع والولادة والعتق والكتابة والتدبير فلا تثبت بهما وإن ترتب عليها،مال، كما يترتب على الأوّلين الجعل، وعلى الثالث الإرث والنفقة، وعلى الرابع تنصيف المهر أو سقوط النفقة، وعلى الخامس النفقة، وعلى السادس البراءة من المهر أو ردّ مثله أو قيمته، وعلى السابع الإرث والعقل، وعلى الثامن التراضي بالمال وعلى التاسع غرامة المهر ونحوه، وعلى العاشر ثبوت الميراث، وعلى الباقي فك المال وانتقاله ؛ لأن المال وإن صح ترتبه على الدعوى إلا أن المقصود منها غيره؛ لأن المقصود في الأولين دعوى ولاية وتصرف، وفي الثالث دعوى اتصال أُبوّةٍ أو بنوةٍ أو اتصال إلى ثالث، وفي الرابع فكّ عقدة النكاح وفي الخامس عود النكاح، وفي السادس إثبات صحة الفكّ، وفي السابع عقدة السبب، وفي الثامن صحة القتل، وفي التاسع نشر الحرمة، وفي العاشر الاتصال، وفي الباقي التحرير والخلاص من الرقية، إلى غير ذلك.

نعم، لو أبرز المدّعي دعواه بنفس المال، فقال: لي مال من نفقة أو من مهرٍ أو ميراث أو جُعْلٍ أو غير ذلك (2).


1) راجع الهامش (8) من ص 367.

2) كذا قوله : «نعم...أو غير ذلك» في النسخ الخطية بدون الجواب.

نعم، وقع الخلاف في ثبوت النكاح والخلع والعتق بأقسامه والوقف بهما:

فبين مانع فيما عدا الأخير كالشيخ والحلّي (1).

وبين مانع في النكاح، كما ذهب إليه الديلمي والشهيد (2)، ونُسب (3)للمشهور؛ لأن المقصود منه الإحصان وإقامة السنة وكفّ النفس عن الحرام والنسل، والمهر والنفقة تابعان لذلك.

وفصل بعضهم فيه بين دعوى المرأة فتثبت بهما؛ لتضمّنها المهر والنفقة، ودعوى الرجل فلا تثبت بهما للأصل، وذهب إليه في المسالك والقواعد (4).

وبين متوقف فيه كالدروس والشرائع (5). قيل: والقائل بالقبول مطلقاً غير معلوم(6).

وبين مانع في الخلع، كالفاضل والشهيد (7)وغيرهما، ونُسب (8)للأكثر.

وفصل في الروضة والمسالك بين دعوى المرأة فالمنع، وبين دعوى الرجل فالقبول؛ لتضمّنها المال (9).

وبين مانع في العتق، ونُسب (10)للمشهور؛ لأنّ الدعوى على الحرية.

وقيل: يثبت بهما؛ لتضمّنه المال، لأنّ العبد يدعي زوال مال المولى (11).

وظاهر اللمعة عدم الخلاف في منع ثبوت التدبير والكتابة بهما (12)، وبذلك صرّح الروضة (13).


1) المبسوط :8 : 189 - 190؛ السرائر 2 : 142.

2) المراسم : 233؛ الروضة البهية 3 : 102.

3) الناسب هو الشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 102.

4) مسالك الأفهام 13 : 513؛ قواعد الأحكام 3 : 449.

5) الدروس الشرعيّة 2 : 97؛ شرائع الإسلام 4 : 83.

6) قال به الشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 102.

7) قواعد الأحكام 3 : 449؛ الدروس الشرعيّة 2 : 97.

8) هو الناسب الشهيد الثاني في الروضة البهية 3 : 99.

9) الروضة البهية 3 : 99 100؛ مسالک الأفهام 13: 513.

10) الناسب هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13: 513.

11) كما في رياض المسائل 15 : 130.

12) اللمعة الدمشقية : 52.

13) الروضة البهية 100:3.

والظاهر أن البحث آت فيهما.

وفي الدروس(1)ما يدل على أنهما بحكم العتق.

واختلف كلام العلّامة، ففي كتاب العتق قطع بثبوتهما بهما (2)، وفي هذا الباب قطع بعدمه (3).

وبين مانع في الوقف إما مطلقاً، كالشيخ في الخلاف (4)، أو مع عدم انحصار الموقوف عليه، كالشهيدين (5).

وبين مجوز له مطلقاً، كالشيخ في المبسوط، والعلّامة في القواعد، والحلّي(6)وغيرهم.

ومبنى الخلاف على أن انتقال الموقوف إلى الموقوف عليه، أم إلى اللّه تعالى، أو الأوّل مع الانحصار والثاني مع عدمه، أو يبقى على ملك الواقف؟ والأكثر على الأوّل، حتّى قيل: إنّه المذهب (7)، بل نُقل عليه الإجماع (8)، ولجريان جميع أحكام الملك للموقوف عليه عليه؛ لضمانه بمثله أو قيمته عند تلفه لهم، وجواز تصرفهم به كتصرّف الملاك، والمنع عن بيعه لا ينفي الملكية، كالمنع من بيع أم الولد، وبالجملة، فلا يخرج عن مسمى دعوى المال أصالة وتبعاً.

ويمكن القول بأن الخلع والطلاق بعوض والجعالة في الوكالة والوصاية والنكاح والمكاتبة والنسب والقتل ونحوها يثبت بالشاهد واليمين فيها نفس المال وإن كان المقصود فيه تبعاً، والدعوى غير منطبقة عليه ابتداء. ولا يثبت غير المال وإن كان هو المقصود الأصلى من الدعوى فيكون بمنزلة تبعيض الصنعة.

وبالجملة، فالأصل قبول الشاهد واليمين في حقوق الناس إلا ما أخرجه الدليل؛ لأنّ الأصل العدم حتّى يثبت أنّ الدعوى أصالة على المال أو أن يكون المقصود منها المال.


1) الدروس الشرعيّة 2: 97.

2) تحرير الأحكام الشرعيّة 4 : 218، ذيل الرقم 5683.

3) قواعد الأحكام 3 : 449.

4) الخلاف 6 : 280، المسألة 25.

5) الدروس الشرعيّة :2 : 97؛ مسالك الأفهام 13 : 515.

6) المبسوط : 189 - 190؛ قواعد الأحكام 3: 449؛ السرائر 2 : 142.

7) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 8: 190 وابن إدريس الحلّي في السرائر 2: 142.

8) قواعد الأحكام 3 : 449.

ثالثها: اشتراط تقديم شهادة الشاهد قبل اليمين وإقامتها وكذا تعديله

ثالثها: يشترط تقديم شهادة الشاهد قبل اليمين وإقامتها وكذا تعديله، فلو وقعت اليمين قبل ذلك كانت لاغيةً، ويفتقر إلى إعادتها بعد ذلك، بل لو وقعت مقارنة للشهادة، كلّ ذلك لظاهر إطباقهم، وللأصول القاضية بالمنع من القبول سوى ما دلّ عليه الدليل.

وإطلاق النصوص وإن قضى بالثبوت على الإطلاق إلّا أنّ التقديم الذكري والاستمرار عليه في كلّ الروايات (1)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ابدأوا بما بدأ اللّه» (2)وكلامهم كلام اللّه، وإشعار «الواو» بالترتيب في أكثر المقامات كلّ ذلك بمعونة فتوى الفقهاء وفهمهم يقيد ذلك الإطلاق، ويصرفه إلى الترتيب، على أنّ الإطلاق جيء به لبيان القضاء لا لبيان كيفية الأداء، فيضعف الاستناد إلى الإطلاق، ولأنّ حجّة المنكر اليمين لضعفه وقوّة المنكر فإذا كان ضعيفاً كان متمّماً فحقه التأخير، ولأنّ أكثر الأخبار من قضايا الأحوال، فلا عموم في كيفياتها، ولم يدر كيف وقعت لمكان الواو، فيؤخذ بالفرد المقطوع به، وهو تقديم شهادة الشاهد.

نعم، في صحيحة محمد بن مسلم (3)ما يدل على العموم، وفي خبر درع طلحة (4)، ما يشعر به من حيث استدلاله على شريح على وجه يشير إلى ذلك.

نعم، لا يتوقف اليمين على طلب الجارح، فإذا عجز المنكر عن الجرح حلف المدّعي، بل له أن يحلّفه ثمّ يطلب الجرح من المنكر، فإن جرح وإلا حكم الحاكم.

رابعها : في أنَّه لا يحلف المدّعي مع الشاهد ليثبت مالاً لغيره

رابعها: لا يحلف المدّعي مع الشاهد ليثبت مالاً لغيره، فلا يحلف الوصي ليثبت مال الموصي، ولا الولي ليثبت مال المولّى عليه ولا الحاكم ليثبت مال الجهات العامة، ولا الحسبية لإثبات مال من ادعوا عنه حسبةً، ولا الغريم إذا ادّعى مالاً للميّت على آخر، بل اليمين على الوارث، ولا المرتهن لإثبات مال الراهن، كلّ ذلك لظاهر الاتفاق بعد الأصل وانصراف الإطلاق إلى المدّعي نفسه، فلا يستند إليه في شمول حكم اليمين لكلّ مدّع.

فائدة: هل اليمين شرط في قبول شهادة الشاهد، أو جزء من الحجة؟ الظاهر الثاني؛


1) راجع وسائل الشيعة 27 : 264 وما بعدها، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى.

2) المصدر 2 : 158 - 159، الباب 104 من أبواب آداب الحمام، ح 1.

3) راجع الهامش (8) من ص 367.

4) راجع الهامش (2) من ص 367.

لظاهر الأدلّة، لأنّ استناد القضاء إليهما يقتضي استوائهما في النسبة، وكون كلٌّ منهما حجةً للإثبات، وعليه فلو غرم الشاهد لا يغرم إلا النصف. وعلى الأوّل يغرم الكل في مقام الغرامة.

واحتمال أنّ الحجّة اليمين بشرط الشهادة كيمين القسامة؛ لأنَّه المتمم فلا غرامة، ضعيف.

ويحتمل التنصيف على كلّ حالٍ.

ويحتمل الرجوع إلى الشاهد على كلّ حالٍ.

خامسها: حكم ما إذا ادعى جماعة مالاً قد اتجد سبب دعواهم به فأقاموا شاهداً على أصل ذلك

خامسها: إذا ادعى جماعة مالاً قد اتحد سبب دعواهم به كميراتٍ أو وقف أو شراء عين، فأقاموا شاهداً على أصل ذلك، لزم الحلف على طبق شهادة الشاهد، فإن حلف الجميع حلفوا على الأصل، وكذا إن حلف واحد.

ولا يجوز أن يحلف كلّ واحدٍ منهم على نفس حصته، وكذا لو حلف واحد؛ للزوم تطابق اليمين مع الدعوى في الحكم المخالف للأصل.

وهذا إن كان إجماعاً، وإلا فللمناقشة فيه مجال.

ثم إن الجميع إن حلفوا على الجميع فلا كلام، وإن حلف بعض على الجميع، فهل يثبت له نفس حصته، أو يثبت بيمينه جميع المال للمدّعين لحصول الشاهد بالجميع واليمين على الجميع، أو لا يثبت شيء حتّى يحلف الجميع؛ لمخالفة الحكم للأصل، والجميع بمنزلة مدع واحد، فلا يثبت الحق إلا بحلف الجميع على الجميع ؟ وجوه، أوجهها: الأول، وهو ظاهر الأصحاب؛ لأنّهم بمنزلة المتعدّدين في الدعوى فيثبت لكلِّ منهم ما يحلف عليه، وإثبات الجميع بحلف واحدٍ ظلم على المنكر. ولعلّ الآخر يكذب يمين الحالف ويقطع بكذبه، فتسليمه الحق بمجرد يمين غيره ظلم.

نعم، قد يقال بلزوم تحليف الآخر على عدم العلم بكذبه وكفاية ذلك.

ولكنّه خلاف ظاهر الاتفاق، كما أن توقف حقّ الحالف على حصته على حلف الآخر ظلم عليه؛ لأنَّه قد ينكل؛ لجهله، أو للاحترام، أو لغير ذلك.

سادسها: حكم ما لو ادعى جماعة فحَلَفَ بعض ونكل آخر بعد توجه اليمين عليه
إشارة:

سادسها: لو ادعى جماعة فحلف بعض ونكل آخر بعد توجه اليمين عليه، سقط حقّ الناكل.

وليس حكمه حكم الشركة في الأعيان أو الشركة في الديون، حيث إن الحالف مقر بالشركة فيجري عليه حكم الإقرار، فلا يجوز له الاستبداد بحصته من العين ولا بما يخصه من الدين، وذلك لأنّ النكول إسقاط لحقه، فهو بمنزلة الإعراض عنه، فكأن الشارع شخص وقسم للحالف ما حلف عليه وأقدم على اليمين به.

ولو كان بعض المدّعين قاصراً عن الدعوى أو غائباً، وقف نصيبه إلى الكمال والحضور، فإن كمل القاصر وقدم المسافر فحلفا أخذا نصيبهما، وإلا سقط.

وإن ماتا قبل ذلك، تولّى الوارث لهما اليمين، فحلف مع ذلك الشاهد الأول.

ولا يجب على المنكر دفع نصيب القاصر والغائب ولا دفع كفيل إلى أوليائهم.

واحتمل لزوم دفع العين دون الدَّيْن؛ لأنَّه نفس المال المشهود به والمقسوم عليه.

وهل يشارك القاصر بعد بلوغه وحلفه الحالف الأوّل فيما قبضه لو تعسّر عليه قبض المال؟ الأوجه: مشاركته له في العين دون الدين.

ويحتمل المشاركة في الجميع؛ استناداً لقواعد الشركة.

ويحتمل عدمه في الجميع؛ تنزيلاً لحكم الشارع بجواز أخذ الحالف منزلة القسمة، فلا يعود الشريك بعد قسمة المال المشترك.

ولو مات الناكل عن اليمين لم يجز لوارثه اليمين بعد موته ونكوله؛ لسقوط الملك بنكوله، فلا يدعيه الوارث، مع احتمال عدم السقوط؛ لاحتمال أن النكول كان إكراماً واحتراماً لليمين.

ولو كانت الدعوى في وقف، جاز للوارث اليمين وإن نكل مورّثه عنه؛ لانتقال الوقف إليه من الواقف دون مورّثه.

وربما احتمل التسوية بينهما.

ولو ورث الناكل الحالف، جاز أخذه للمال.

نعم، لو أنكر أصل الدعوى، لم يجز أن يرثه؛ لأنَّه باعترافه أنَّه لا حقّ لمورثه فيه وأنَّه ظالم، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

فيما يتعلق بما لو ادعى الحاكم وقفاً عاماً أو غيره من أهل الجهة الموقوف عليها

فائدة : لو ادعى الحاكم وقفاً عاماً أو غيره من أهل الجهة الموقوف عليها، صح إقامة

الشاهد من أهل تلك الجهة عليه، ولا تمنع الشهادة من حيث إنَّها كشهادة الشريك تجرّ نفعاً؛ لبعد شبهها بالشريك عرفاً، ولبعد التهمة عن الشاهد؛ لعدم الانحصار.

ومثله لو شهد الفقيران بزكاة أو علويان بخُمْسٍ.

ولو كان الشاهد واحداً فاحتاج إلى ضمّ يمين، فهل يجري يمين المدّعي من أهل تلك الجهة كالحاكم أو غيره سيما في الأوقاف العامة؛ لأنَّه مالك فيقبل يمينه، أو لا يُقبل؛ لبعد ملكيته واستهلاك حصته ؟ وإذا قبل يمينه فإن قبل على الكلّ لزم أن يثبت بيمينه مالاً لغيره. وإن قبل في حصته فقط لزم عدم الفائدة؛ لعدم تميزها بوجه.

سابعها : في أنّ كلّ ما يثبت بشاهد ويمين يثبت بامرأتين ويمين الخصم

سابعها: كلّ ما يثبت بشاهد ويمين يثبت بامرأتين ويمين الخصم؛ للروايات الصحيحة الدالّة على ذلك (1)، ولما دلّ من قيام كل امرأتين مقام رجل في الشهادة (2)، ولكنه يختصّ بالأموال.

وفي الحسن تقييد قبول شهادتهما مع اليمين في الدَّين(3)، وقريب منه آخر (4).

ومنع من قبول ذلك ابن إدريس وشدّد المنع (5).

وهو قوي لولا الأخبار المعتبرة المنجبرة بفتوى الأكثر.

ولا تقبل شهادة امرأتين مع اليمين فيما تُقبل فيه شهادة النساء منفردات؛ لأنّ ذلك في غير الأموال كالعيوب والاستهلاك والولادة، وهذه لا يجري فيها اليمين.

نعم، يثبت بشهادة ما دون الأربع من غير افتقار إلى يمين في ميراث المستهل وفي الوصيّة؛ للدليل.

لا يقال: إن قبول شهادة النساء مع اليمين من قبيل شهادة النساء المنفردات، فلا تقبل في الأموال، بل يثبت بها ما يعسر اطلاع الرجال عليه.

لأنا نقول: ثبت ذلك بالدليل تنزيلاً ليمين المدّعي منزلة شهادة الرجل الواحد.

والخنثى كالمرأة في انضمام اليمين.


1) راجع وسائل الشيعة 27 : 271 - 272، الباب 15 من أبواب كيفية الحكم... .

2) المصدر : 272، ح 5.

3) المصدر : 271، ح 3.

4) المصدر : 271 - 272، ح 4.

5) راجع السرائر 2 : 138.

ثامنها: في بيان فوائد:
الأولى: لو ادّعى بعض الورثة الوقف من مورّثهم ثمّ من بعدهم على نسلهم

الأولى: لو ادّعى بعض الورثة الوقف من مورّثهم ثمّ من بعدهم على نسلهم، حلفوا مع الشاهد، وقضي لهم بالوقفية، وإن امتنعوا من اليمين حكم بما ادعوا به ميراثاً بالنسبة إلى باقي الورثة والديون والوصايا، ويُحكم على مدعي الوقف بالوقفية بالنسبة إلى حصته أخذاً بإقراره، ولا يمضى على غريم الميت؛ لتعلّق حقه بالتركة، فيكون بمنزلة الإقرار في حقّ الغير.

ولو حلف بعضهم فنصيب الحالف وقف، والباقي طلق بالنسبة إلى غير المدّعي، وتنحصر فيه الديون والوصايا والفاضل ميراث يقسم على غير الحالفين، وما يحصل من القسمة المدعي الوقف يُحكم بوقفيته على موجب إقرارهم.

وقيل: يقسم على الحالفين وعلى غيرهم؛ لاعتراف باقي الورثة باشتراك الكلّ فيه إرثاً وإن ظلم الحالف بأخذ نصيب منه لادعائه الوقفية (1).

وفيه: إنّ غير الحالفين يعترفون بالاشتراك في الجميع وإن ما أخذه الحالف بالوقفية إنما استحقه بالإرث والحالف معترف بأنه لا يستحق إلا ما أخذه.

نعم، إن زاد نصيب مدعي الوقف إرثاً على نصيبه وقفاً، كان الزائد مجهول المالك لا يدعيه أحد.

ولو انقرض الممتنع من اليمين كان للبطن الثاني الحلف مع الشاهد الأول، ولا يبطل حقهم بامتناع الأول لتلقيهم الوقف من الواقف.

وهل يحتاج إلى تجديد شهادة الشاهد ؟ الظاهر العدم.

ولو قلنا بتلقي الوقف من الموقوف عليه، لم يكن لهم الحلف؛ لسقوط حقّ الأول بالامتناع.

نعم، لا يبعد أنّ ما استقر نصيباً للأول يكون وقفاً للثاني كما كان للأول؛ أخذاً بإقراره.

الثانية: فيما يتعلّق بما لو ادّعى الوقف عليه وعلى أولاده

الثانية: لو ادّعى الوقف عليه وعلى أولاده، فإن ادّعى الوقف ترتيباً حلف مع الشاهد الواحد، ولا يلزم الأولاد بعده بيمين آخر، بناءً على تلقيهم له من مورّثهم.

وكذلك لو آل إلى الفقراء والمصالح العامة لانقراض البطون، لم يكن يمين؛ لعدم الانحصار.


1) كما في كشف اللثام 10: 143.

ولكن هل يبطل الوقف أو يثبت وإن تلقي من الواقف؟ فوجهان من أنَّه لا يثبت بلا يمين، وهي هنا متعدّرة من الضرورة لتعذر اليمين.

وإن كان المدّعى وقف تشريك، افتقر البطن الثاني إلى اليمين؛ لأنها بعد وجودها تصير كالموجودة وقت الدعوى المتفقة مع الدعوى رتبةً.

ويحتمل في الأوّل أيضاً ذلك؛ لأنّ البطن الثاني يأخذ من الواقف، لا من البطن الأول، فلا يثبت له بيمين غيره، وإن نكل اختصّ به ميراثاً حكم الوقف من الحجر عن التصرفات، ولم يشاركه غيره من ورثة الواقف الأقربين؛ لإثبات مورّثهم اختصاصه به وقفاً، كما إذا ثبت اختصاصه به وقفاً، كما إذا ثبت اختصاصه بملكية شيءٍ.

وفيه نظر.

الثالثة: حكم ما لو ادعى ثلاث بنين تشريك وقف بينهم و بين البطون فحلفوا ثمّ صار لأحدهم ولد

الثالثة: لو ادعى ثلاث بنين تشريك وقف بينهم وبين البطون فحلفوا ثمّ صار لأحدهم ولد، وقف له الربع من حين تولّده، فإن حلف بعد بلوغه كاملاً أخذ، وإن امتنع فهل يرجع الربع إلى الثلاثة؛ لأنهم أثبتوه لأنفسهم بيمينهم ولا مزاحم؛ إذ بامتناعه جرى مجرى المعدومين؟ وجه اختاره في المبسوط (1).

ويشكل باعتراف الأولاد بعدم استحقاقهم له.

وقد يجاب عنه بأن الإقرار إذا استند إلى سبب فلم يثبت عاد المقرّ به إلى المقر، وهنا كذلك. وقد يدفع بثبوته في حقّ المقرّ بحلفه مع الشاهد وإن لم يثبت في حقّ المقر له بالنكول وإذا لم يرجع إليهم يصرف إلى الناكل؛ أخذاً بإقرارهم.

وفيه: إنّه يقتضي سقوط اليمين عنه رأساً، ولا يصرف إلى المدّعى عليه الأول ولا إلى ورثته؛ لثبوت عدم استحقاقهم أولاً.

واعترض بأنّه إنّما ثبت ثبوتاً متزلزلاً، فإنّ المتجدّد أحد المدّعين، وإنما تثبت الدعوى بتمامها إذا حلفوا جميعاً، فإذا لم يحلف أحدهم صرف نصيبه إلى المدّعى عليه أو وارثه إن غاير المدّعى، وإلا فإلى الناكل.

ورابع الوجوه: إنَّه وقف تعذر مصرفه، فيُصرف إما إلى البر أو إلى الواقف وورثته.


1) المبسوط 8: 201.

ولو مات أحد الثلاثة قبل بلوغ الصغير، عزل له الثلث من حين وفاة الميت؛ لصيرورة الوقف أثلاثاً، وقد كان وقف له الربع إلى حين الوفاة فيضاف إليه نصف سدس ويوقف له، فإن حلف بعد كماله أخذ الجميع، وإن نكل فعلى قول الشيخ كان الربع إلى حين الوفاة بين ورثة الميّت والباقين أثلاثاً؛ لظهور أنّ الربع كان للثلاثة ثلث من حين الوفاة للباقين.

وفيه: الإشكال المتقدم (1).

ويمكن رجوعه إليه لا إلى المدّعى عليه بتقريب تقدّم وجهه.

ولو أكذب الناكل الوقف أو التشريك، وبالجملة استحقاقه، لم يرد عليه شيء قطعاً، وكان للحالفين على قول الشيخ، وللواقف على قول (2)لأنَّه وقت تعذر مصرفه، فيرجع إلى ورثة الواقف غير المدّعي.

الرابعة : حكم ما لو ادعى البطن الأوّل الوقف على الترتيب وحلفوا مع شاهدهم فقال البطن الثاني بعد وجودهم: إنَّه وقف تشريك

الرابعة: لو ادّعى البطن الأوّل الوقف على الترتيب وحلفوا مع شاهدهم، فقال البطن الثاني بعد وجودهم: إنّه وقف تشريك كانت الخصومة بينهم وبين البطن الأوّل، فإن أقاموا شاهداً واحداً حلفوا معه وتشاركوا، ولهم حينئذٍ مطالبتهم بحصتهم من النماء من حين وجودهم، وإن نكلوا خلص الوقف للأولين ما بقي منهم واحد.

وإن تجدّدوا وادعوا التشريك قبل حلف الأوّلين، كانوا خصوماً لهم ولغيرهم من الورثة، ولكن لا يجدي نكولهم إلا المدّعين، فإنّهم لما ادعوا الاختصاص وحلفوا مع شاهدهم ثبت لهم ذلك.

نعم، إن انعكس بأن حلف هؤلاء ونكل الأوّلون، صار نصيب الأولين ميراثاً.

الخامسة: حكم ما لو ادعى البطن الأوّل الوقف مرتباً ونكلوا عن اليمين مع شاهدهم فوجد البطن الثاني

الخامسة: لو ادّعى البطن الأوّل الوقف مرتباً ونكلوا عن اليمين مع شاهدهم فوجد البطن الثاني، احتمل إحلافهم واحتمل عدمه إلى أن يموت البطن الأوّل، وعدمه مطلقاً.

ومنشؤ التردّد جعل النكول كالإعدام، فكأنّ البطن الأوّل قد انقرضوا واعترف البطن الثاني بنفي استحقاقهم الآن مع تلقيهم الوقف من الواقف، فلهم اليمين بعد موتهم.

ووجه العدم مطلقاً: تلقيهم من الأولين وقد أبطلوا حقهم.


1) تقدّم آنفاً.

2) كما في كشف اللثام 10 : 145.

ولو حلف بعضهم ثمّ مات احتمل صرف نصيبه إلى الناكل بلا يمين إن كان التلقي من الميّت وإلا فباليمين؛ لاعتراف الميّت والبطن الثاني بالترتيب الموجب لعدم الصرف إلى الثاني ما بقي من الأوّل أحد.

فإن أوجبنا اليمين فلم يحلف فكما لو نكل كلّ مَنْ في البطن الأول في الاحتمالين الأولين. واحتمل صرفه إلى ولد الحالف؛ بناءً على التلقي من الأول، كما قواه الشيخ (1)لتنزيل الناكل منزلة المعدوم، وثبوت الوقفية إن قلنا بالتلقي من الأوّل، ولأن الأوّل قد ردّه ولا يمكن ردّه إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأنّ البطن الأوّل باقٍ، فلم يبق إلا البطن الثاني.

واحتمل صرفه إلى ورثة الواقف؛ لتعذر المصرف، وهو الأقوى، لكن إذا مات الناكل كان للبطن الثاني الأخذ بيمينين أو لا بها.

تاسعها: فيما لو كان مورد الدعوى نفياً وإثباتاً مالاً يثبت بالشاهد و اليمين

تاسعها: لو كان مورد الدعوى نفياً وإثباتاً مالاً يثبت بالشاهد واليمين، سواء كان ذلك المال هو المقصود والملاحظ في الدعوى أو لا، على إشكال فيما إذا كان المقصود غير المال، وإنما ذكر المال بالعرض.

والمراد بكون مورد الدعوى مالاً هو ما كان موردها نفس المال، كـ «لي عليه ألف» أو ما ينحل إليه، كدعوى العقود من بيع وصلح وإجارة ومزارعة ومساقاة وهبة وسبق ورماية وضمان وحوالة وكفالة نفس فيما لو كان المكفول غريماً للمكفول له ووصيّة ووقف بأقسامه؛ لأنَّه لا يخرج عن المالية.

نعم، يشكل يمين الموقوف عليه مع الشاهد حيث نقول ببقاء الوقوف على ملك الواقف مطلقاً أو في العام أو بانتقاله إلى اللّه تعالى في العام أو مطلقاً من جهة أنَّه لا يحلف الإنسان لإثبات مال غيره.

ويرده أنَّه وإن لم يملكه ولكنّه يعود إليه منافع ونماء، فهو كيمين الوارث على القول ببقاء التركة على حكم مال الميت، فإنّها مسموعة؛ لعودها إليه، أو ما كان متعلقاً به كدعوى جواز العقد ولزومه ودعوى الخيار ودعوى الأجل والشفعة ودعوى فساد العقد ودعوى


1) راجع المبسوط 8: 199.

الاشتراط ودعوى القبض والتسليم والتلف ودعوى العيب في الأموال ودعوى فسخ العقد ودعوى قبض السيد نجوم الكتابة، أو ما كان المقصود منه المال وإن كان مصبّها غير مال، ومعنى المقصود كون المال هو منشأ الدعوى عرفاً بحيث إنّ منشأها المال بحسب العادات العرفية، فلا عبرة بقصد أفراد المدّعى إثباتاً ونفياً فلو قصد المدّعي بما ليس مالاً المال وكان غرضه ذلك فلا عبرة بقصده.

ويدخل في هذا القسم نذر المال وقتل الخطأ والوالد ولده والمسلم الكافر والجائفة والمأمومة ونفس السبق واللحوق وعجز المكاتب عن أداء النجوم وكسر العظام وطاعة الزوجة لاستحقاق النفقة وغير ذلك.

وفي دعوى الولاء ليرث إشكال.

وما لم يكن مالاً أو ما يتعلّق به أو يكون هو المقصود منه فلا يثبت بشاهد ويمين وإن استلزم مالاً أو ترتب عليه مال كعقد النكاح أو الوطء أو الطلاق أو النسب أو الوصاية أو الوكالة أو الرجعة أو النذر لغير المال أو القتل العمدي، إلى غير ذلك، ولا عبرة باستلزامه المال.

نعم، لو أبرزت الدعوى على نفس المال كما يقول: لي عنده ميراث من طرف أبي، أو مهر من جهة النكاح، أو مال من طرف خلع، أو جعالة من طرف وصاية أو وكالة، تثبت الدعوى بالشاهد واليمين لو تسالم المدّعيان على الأصل قطعاً، وإن لم يتسالما فوجهان أجودهما: ثبوت المال دون سببه.

نعم، لو أبرز الدعوى بالسبب لتحصيل المال فلا يثبت قطعاً.

ولو كان العقد ممّا يقصد به المال وغيره كالنكاح والخلع احتمل ثبوته بالشاهد واليمين؛ تغليباً لقصد المال، واحتمل،عدمه، واحتمل إثبات المال دون النكاح.

وكذا كل ما يتضمن مالاً وغير مال وكان كلُّ منهما مقصوداً واشتبه المقصود منهما، فلا يبعد ثبوت المال بهما دون غيره، كما يثبت المال في السرقة دون القطع، ويثبت المهر بالوطء دون العدة، ويثبت المال دون الفراق وتثبت النفقة دون لزوم المضاجعة.

وقد يقال: إنّ المتلازمين لو ادعي بسببهما، لم يجز ثبوت أحدهما دون الآخر؛ لأنهما معلولان لعلة واحدة، فلا انفكاك بينهما، فإما أن يثبت النكاح فتثبت لوازمه، أو ينتفي فتنتفي كذلك.

نعم، لو تسالما على وقوعه فتداعيا على المال المترتب عليه، فلا إشكال في الثبوت.

فائدة: لا يحلف مَنْ لا يعرف ثبوته قطعاً، ولو عرف ثبوته بالاستصحاب أو اليد أو البيّنة أو الشياع، وبالجملة بحجةٍ شرعيّة فوجهان، ولا يبعد العدم ما لم يقيد، كأن يقول: واللّه أطلبه شرعاً.

عاشرها: حكم ما لو حلف بعض المدّعين مع شاهدهم ونكل الآخرون

عاشرها: لو حلف بعض المدّعين مع شاهدهم ونكل الآخرون، أخذ الحالف ومنع الناكل فيما لو كانت الدعوى على سبب يقتضي الاشتراك في الدين والعين، ولا يشارك الناكل الحالف؛ لسقوط حقه من أصله، وللزوم الضرر على الحالف، ولأنه كالمال المعرض عنه.

نعم، لو حلف بعد ذلك، شارك الحالف فيما أخذه لو كان موجوداً في وجه أو كان متلوفاً في وجه آخر أضعف من الأول.

والأوجه: عدم المشاركة. ومقتضى القواعد أن مَنْ أقرّ بالشركة في عينٍ أو دَيْنٍ لآخر، وكان الآخر مصدّقاً له أو غير مصدّق في وجه شارك المقرّ له المقرّ فيما قبضه، فلو أقرّ شخص لأحد الشريكين بعين أو دَيْنٍ شاركه الآخر، إلا إذا حلّفه مَنْ أنكره يمين النفي، ففي مشاركته للمقرّ له وجه ولا يبعد العدم؛ لذهاب اليمين بحقه.

وها هنا كان ينبغي أن يشارك الناكل الحالف؛ لإقرار الحالف بثبوت الشركة، وتصديق الناكل له، غير أنّ الناكل لم يحلف تعظيماً أو اعتباطاً، إلّا أنا خرجنا عن تلك القواعد بالعين؛ للإجماع على الظاهر، ولأنّ أخذ الحالف بمنزلة القسمة الإجبارية، وفي الدين للإجماع على الظاهر، وللشك فيما دلّ على الشركة في الدين لمثل ذلك، حيث إن القاعدة تقتضي أن الغريم مخيّر في جهات الوفاء والقضاء لمن أراد أو شاء، على أن أخذ الحالف إنما كان بسبب حلقه، لا بسبب إقرار المنكر، ومن البعيد تملك الإنسان بحلف غيره.

ولو رجع الناكل إلى الحلف بعد نكوله، ففي مشاركته للحالف أوّلاً وجه قوي.

وهل يشاركه فيما بقي عنده أو فيما بقي وتلف وفي الموجود دون نمائه أو فيه وفي نمائه ؟ أوجه، والأوجه بحسب القواعد المشاركة، وبحسب الفقاهة: العدم.

حادي عشرها: يجوز لصاحب الحق أن يحلف لإثبات حقه و إن كان المال لغيره

حادي عشرها: يجوز لصاحب الحق أن يحلف لإثبات حقه وإن كان المال لغيره، فيحلف غريم الميّت إذا ادعى أن هذه التركة له تعلّق بها لو كانت بيد الغاصب ولم يدعه الوارث.

ولا يبعد أن لغريم الميّت أن يدعي الغريم الآخر أن له حقاً في ذمته يستحقه عليه، فيحلف مع شاهده.

وكذا للمرتهن أن يدعي مَنْ غصب الرهن فيحلف أن له فيه حقّ الرهانة.

وقد يقال: إنّ للمرتهن وغرماء الميّت أن يحلفوا على مال غيرهم لإثبات حقهم؛ لشمول أدلة اليمين لمثل ذلك، ولفوات الحق لو لم يشرع لهم اليمين.

ونظيره حلف الوارث لو قلنا: إنّ تركة الميّت لا تنتقل إليه ولكن قد يملكها بالقوة أو بالأول، فإذا صح يمينه بذلك صح بهذا. ولكن ظاهر الفقهاء على خلاف ذلك.

ثاني عشرها: لو ادعى على شخص بيده جارية وولد، أن الجارية ملكه وأُمّ ولده هذا فهو ولده وهو حُرّ

ثاني عشرها: لو ادعى على شخص بيده جارية وولد أن الجارية ملكه وأُمّ ولده هذا فهو ولده وهو حُرِّ، فهذه تنحل إلى دعاوي، ويُقبل الشاهد واليمين في ملك الجارية، ويُقبل إقراره بأنّها أُم ولده، فلو ملكها بعد ذلك لم يجز له بيعها، وتنعتق بعد موته من نصيب ولدها، ويكون الولد بموجب إقراره ولده ويرثه ما لم يكن معروفاً بنسب آخر، ولكن ليس له انتزاع الولد من أهله ولا إثبات أنَّه ولده وأنّه حُرِّ بالشاهد واليمين؛ لعدم ثبوت النسب والحُريّة بهما، حتّى لو قلنا بثبوت العتق بهما هناك لا يمكن ثبوت الحرية هنا؛ لتبعيتها هنا للنسب الذي لا يثبت بهما إجماعاً منقولاً (1)وشهرةً محصلة.

ولا يلزم من ثبوت ملك الجارية ثبوت كون الولد ولده بدعوى أن الولد نماء ملكه حينئذٍ فيُسمع قوله فيه، كما لو ثبت غصب جاريةٍ فإنّه يثبت أنّ نماءها للمالك تبعاً لها؛ لأنا نمنع تبعية النماء للأصل بعد دخوله تحت يد الغاصب وادّعائه أنَّه له، ومجرّد النماء لا يحكم على موجب اليد القاضية بالملكيّة.

ونمنع أيضاً الحكم بالحُرّيّة وأنَّه ولده من جهة التبعية؛ لأنَّه لم يدع ملكية الولد، بل ادعى كونه له وأنّه نماؤه وولده لا أنَّه نماء ملكه وأنّه يملكه، وفرق ما بينهما، على أن دعوى العتق يمكن أولُها إلى المال؛ لتعلقها بإزالته بعد ثبوته، بخلاف دعوى الحرية التابعة للنسب، فإنّها ليس لها تعلّق بالمال بوجه وإن كان بين الوصفين مضادة وبثبوت أحدهما ينتفي الآخر.


1) راجع مسالك الأفهام 13 : 521.

ولو ادعى شخص شخصاً جارية بيده أنّها ملكه سابقاً وأعتقها، فإن أراد بذلك إثبات الولاء وقلنا: إنّ الشهادة مع اليمين بالعتق لإثبات الولاء أو الشهادة بالولاء مع اليمين تُسمع؛ لأن المقصود منهما المال، سُمعت الشهادة وقبل اليمين، وإلا فلا تسمع شهادة الواحد مطلقاً حتّى في إثبات كونها كانت ملكه؛ لأن إثبات الملك المقيد بالقدم لا يُسمع في معارضة اليد على الأقوى، فمجرد كونها كانت في ملكه لا ثمرة فيه إلا أن يضم إلى ذلك وأنَّه أعتقها. والكلام في إثبات ذلك بشاهد ويمين.

لا يقال: إنّها إذا ثبت ملكها سابقاً ثبت عتقها بموجب إقراره؛ إذ المالك ينفذ إقراره بالعتق.

قلنا: نعم، ينفذ حال كونه مالكاً وملكه سابقاً لا يثبت أنّه مالك حال الإقرار؛ لطروء اليد القاضية بالملك بعد ثبوت ملك الأوّل، فيكون إقراراً بحق الغير، فلا يُسمع.

ثالث عشرها: في أن الناكل عن اليمين مع الشاهد له إعادة اليمين

ثالث عشرها: الناكل عن اليمين مع الشاهد له إعادة اليمين، وليس كالنكول عن اليمين المردودة.

واحتمل العلّامة سقوط الحق بنكوله (1).

وظاهر الأصحاب أنّ الناكل عن اليمين مع الشاهد لا يقوم وارثه مقامه بعد موته في الحلف مع الشاهد؛ لسقوط حقه بنكوله، والوارث إنّما يتلقى الحق عن الموروث.

وهو مشكل؛ لمنع سقوط الحق بمثل هذا النكول فللوارث أن يحلف يميناً على الحق لعوده إليه مع إعادة الشهادة من الشاهد ويكون حكمه حكم ما لو أقام شاهداً فمات قبل اليمين، فإنّه لا إشكال في قيام الوارث مقامه في اليمين، ويعطى حكم الموروث.

هذا كله في دعوى الملك، أما دعوى الوقف فظاهر الأصحاب أن نكول الطبقة الأولى لا يُبطل حقّ الطبقة الثانية، بل للطبقة الثانية الحلف بعد نكول الطبقة الأولى إمّا بعد موتهم أو مع وجودهم، كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى (2).

كما أن حلف الطبقة الأولى لا يغني عن يمين الطبقة الثانية، بناء على تلقي الثانية الوقف من الواقف لا من الأولى، كما هو الأظهر وإن كان القول بتلقيهم من الأولى هو الأشهر.


1) راجع قواعد الأحكام 3: 453.

2) يأتي في ص 384.

وقد يقال بلزوم اليمين على الثانية على كلا القولين؛ لأنّ الإنسان لا يثبت مالاً بحلف غيره، والطبقة الثانية وإن تلقت عن الأولى لكن لا على نحو تلقى الملك؛ لأنهم لا يملكون إلا بصيغة الوقف إلا أنَّه مرتب.

وقد يقال بعدمه على القولين؛ لأنّ الطبقة الثانية نائبة عن الأولى، واستحقاقها مترتب على استحقاقها، فإذا استحقت الأولى استحقت الثانية عنها، ولأن الأولى قد حلفت على الوقف الدائم لا المنقطع، فيلزمه انتقاله إلى الطبقة الثانية قهراً؛ لأن ذلك من لوازم الدوام، بخلاف الوقف التشريكي، فإنّه يدخل عليهم دفعةً واحدة، فهم بمنزلة الجماعة المدّعين أمراً واحداً، فلا بد من حلف الجميع، حتّى لو ظهر واحد بعد حلفهم من المشاركين لهم فإنّه لا يجوز له أخذ حصته إلا بيمين، ولا يجديه إقرارهم ويمينهم لتلقي الجميع من الواقف، ولا يثبت اليمين مالاً لغير الحالف.

رابع عشرها: إذا حلفت الطبقة الأولى فهل يكفي عن يمين الثانية؟

رابع عشرها: إذا حلفت الطبقة الأولى فالأشهر أنَّه يكفي عن اليمين الثانية، والأظهر العدم لتلقي الجميع عن الواقف فإذا نكلت الطبقة الثانية أو لم يمكن حلفها كما إذا عادت لغير المحصور، عاد ميراثاً للواقف، لا للموقوف عليهم.

وهل هو وارثه عند موت الموقوف عليه أو عند موت الواقف؟ وجهان، أوجههما: الأخير، ولو كان الموقوف عليهم ورثةً للواقف فالأظهر بقاؤه وقفاً في حقهم إذا لم ينازعهم الواقف أو ورثته فيه أو يتنازعوا بعضاً مع بعض؛ للزوم إبقاء ما أقرّ به الطبقة الأولى في حقهم إذا لم يعلموا وجهه لأخذهم من يده.

ولا يجب على الطبقة الثانية إذا شكوا فلم يحلفوا أن يرجع المال إلى الواقف.

ولو مات أحد الحالفين من الطبقات، رجع الوقف إلى الحالفين الأُخر.

ولا يحتاج عند المنازعة إلى يمين جديدة؛ لسبق حلفهم، مع احتمال لزوم حلف الحالفين على ما جاءهم جديداً، فيكون كالوقف التشريكي.

خامس عشرها: فيما لو نكلت الطبقة الأولى كان الوقف ميراثاً يقضى منه الوصايا والديون

خامس عشرها: لو نكلت الطبقة الأولى، كان الوقف ميراثاً يقضى منه الوصايا والديون، وكان حصة الناكلين وقفاً لو كانوا ورثة؛ لإقرارهم بالوقف.

ويلزم على أولادهم إذا لم يعلموا بالحال إجراؤه وقفاً.

ويمكن القول بأنّه لا يكون وقفاً إلا بيمين الورثة؛ لأنّ إقرار الأولين كان بدعوى موقوف صدقها على اليمين ولم يحصل فلم يثبت وليس هو كالإقرار الغير معلوم الحال.

وهل للطبقة الثانية أن يحلفوا على الجميع مقام الطبقة الأولى؛ لتلقيهم من الواقف، أو لا؛ لتلقيهم عن الطبقة الأولى فإذا لم يحلفوا لم يحلفوا؟ وجهان.

والأوجه: إنّ لهم الحلف.

واحتمال أن الوقف يكون كمنقطع الابتداء فيكون باطلاً، ضعيف؛ لأنَّه ليس من المنقطع الابتداء ابتداءً، وعروض الانقطاع له بالامتناع عن الحلف يمكن تداركه بحلف الطبقة الثانية، فينكشف أنّه وقف من الابتداء، ولأن نكول الطبقة الأولى لو أفسد الوقف لجاز إفساد الوقف منهم على الثانية بمجرد اختيارهم النكول، وهو ضرر وضرار.

سادس عشرها: حكم ما لو حلف بعض ونكل بعض آخر

سادس عشرها: لو حلف بعض ونكل بعض آخر، فحصّة الحالف وقف، وحصة الناكل تركة، ولو كان الموقوف عليهم ورثةٌ قُسّمت على الناكل وعلى مَنْ لم يدع.

وهل تقسم أيضاً على الحالف ؟ وجهان: من اعتراف الحالف بعدم استحقاقه شيئاً من ذلك سوى الحصة، وهي : باعترافه مشتركة بين الجميع فلا يستحق شيئاً، ومن اعتراف الناكلين بمشاركة الحالف لهم في الميراث وإن ظلم بإخراج حصته وقفاً.

والأوجه: عدم المشاركة، بل يبقى الزائد المدفوع إليه وقفاً؛ لاعترافه بذلك.

وإذا مات الناكل فورثه الحالف، كان ميراثه وقفاً.

وهل يحتاج إلى يمين لو حصل التداعي ؟ وجهان.

وهل لورثة الناكلين الحلف؟ وجهان على ما تقدم (1).

ولو مات الحالف وبقي الناكلون، جرى في حصته ما تقدّم (2)من لزوم اليمين عليهم وعدمه.

وهل لورثة الحالف إذا كانوا هم أهل الطبقة الثانية الحلفُ وإن وجد الناكلون؟ وكذا لو نكل أهل الطبقة الأولى، فهل للثانية الحلف، أم لا؟ وجوه:

أحدها: جواز الحلف وأخذ الوقف؛ تنزيلاً للناكل منزلة العدم، ولاستحقاقهم في الجملة.


1) تقدّم آنفاً.

2) تقدّم آنفاً.

الثاني: عدم جوازه؛ لاعترافهم بعدم استحقاقهم ما دامت الطبقة الأولى، فيكون حلفهم على غير المستحق، فلا بد من انتظارهم إلى أن يموتوا.

الثالث: بطلان الوقف؛ لشبهه بمنقطع الأوّل، فيعود ميراثاً، أو يُصرف في وجوه البرّ.

الرابع: صرف حصّة الحالف للناكلين؛ لعدم إمكان صرفه إلى الطبقة الثانية؛ لوجود الأولى، وفي حلفهم الكلام المتقدم.

سابع عشرها: حكم ما لو ادعى ثلاثة أو أكثر أو أقل من أهل الإرث أو من غيرهم وقفاًتشريكيّاً عليهم وعلى أولاد غيرهم فحلف المدّعون يميناً

سابع عشرها: لو ادعى ثلاثة أو أكثر أو أقل من أهل الإرث أو من غيرهم وقفاً تشريكيّاً عليهم وعلى أولادهم وأولاد غيرهم، فحلف المدعون يميناً، ثبت الوقف لهم، فإذا تجدّد لهم بعد اليمين رابع لو كانوا ثلاثةً، شاركهم بموجب إقرارهم، ولكن يوقف نصيبه إلى حين البلوغ، ويدفع النماء لوليه لملك الطفل له بموجب إقرارهم كمن أقرّ لطفل بمال، أو يدفع إلى الحاكم أو إلى يد عَدْلٍ؛ لاحتمال نكول الطفل فيتعلّق به حقّ غيره، والأوجه الأخير.

واحتمال بقائه بيد الحالفين وجه ضعيف.

ثمّ إن الطفل ينتظر بحصته إلى أن يبلغ، فإن أنكر الوقف عاد الوقف ميراثاً، ويحتمل رجوعه للحالفين، ويحتمل صرفه في وجوه البرّ، ويحتمل كونه مجهول المالك؛ لإقرار الحالفين أنّه ليس لهم وأنّه للرابع ونفي الرابع أنَّه له ويُفرض أنّ الورثة لا يدعونه فيكون مجهول المالك.

وإن اعترف فإن حلف شارك وأخذ النماء من حين ولادته إلى بلوغه وحلفه.

وإن نكل ففي صرف الحصة وجوه:

أحدها: رجوعها للحالفين؛ لأنهم المثبتون له ابتداءً وقد انحصر فيهم أولاً، فإذا رجع بنكول الرابع عاد إليهم.

والفرق بين هذه الصورة والصورة المتقدّمة - وهي ما إذا حلف بعض ونكل آخرون حيث استوجهنا رجوع رجوع حصة الناكل ميراثاً - هو أن الصورتين وإن كانتا جميعاً وقف تشريك في الابتداء وإن كانت الأولى تقع مرتبته في الطبقات [إلا ] أن الصورة الأولى الناكل فيها مدع موجود وقت يمين الحالف فيتوقف دفع حقه على يمينه، وإلا فلا حقّ له، وهذه الصورة الناكل فيها قد تجدّد وجوده بعد حلف المدّعين وقبضهم الوقف

و صيرورته لهم، فإذا نكل المتجدد عاد لمن كان له.

وأُورد على هذا الوجه: إن الحالف مقر بحصة الناكل فلا تعود له فيجب على المقر بذلها له ويحرم عليه أخذها.

ودعوى الشيخ أنّ الإقرار إذا كان مستنداً إلى سببٍ فكذب المقر له عاد إلى المقرّ (1)ضعيفة؛ لعدم الفرق بين المستند إلى سبب وغيره.

نعم، لو استند إلى سبب يتوقف على قبول المقرّ له كالوصيّة والهبة، عاد إلى المقر له؛ لعدم إمكان ملكه بدون قبوله وليس ذلك من الإقرار بالملك، بل سبب الملك الموقوف على القبول.

ودعوى أن الوقف من ذلك الباب لا وجه لها؛ إذ الوقف لا يتوقف على اليمين واقعاً، بل إنما يتوقف ثبوته عند الحاكم على ذلك، والإقرار يمضي على المقرّ سواء ثبت أم لا، على أن الناكل غير منكر للوقف كي يقال: إن الناكل كذب المقرّ، بل هو مصدق له إلا أنَّه نكل عن اليمين، فلعله احتراماً وإعظاماً.

الثاني: دفعه للناكل؛ لعدم إنكاره الوقف، ولإقرار الحالفين به أنَّه له، والحق منحصر فيهما، والوارث لا تعلّق له به بعد حلف الأوّلين وانتقاله إليهم.

وفيه: إنّه حقّ إذا لم تتعلّق به دعوی وارث فلو تعلّقت به دعوى افتقر إلى يمين الناكل؛ لأن إثبات المال له بيمين غيره غير ممكن، والوقف يتلقاه الموقوف عليه من الواقف.

الثالث: إنّه وقف تعذر مصرفه فيرجع إلى ورثة الواقف كمنقطع الآخر ابتداء، أو إلى وجوه البر كمنقطع الآخر عارضاً.

الرابع: إنّه يرجع للحالفين؛ لأن نكول الرابع عن اليمين أخرجه عن أهلية الوقف، فكأن الوقف وقف على مَنْ تأهل له وأراده.

وقد يحتمل ذلك فيما إذا أنكر الوقف هذا المتجدد.

ولو مات الرابع بعد البلوغ أو قبله قبل الحلف، قام وارثه مقامه.

وكذا الوارث يقوم مقام الناكل هنا، فلوارث الناكل وهو المتجدد إذا مات أن يحلف على نصيبه فيعيده وقفاً بعد أن كان بنكوله طلقاً.


1) راجع المبسوط 8: 202.

ثامن عشرها: في أنّه يجوز للقاضي أن ينفذ حكم قاض آخر ويمضيه

ثامن عشرها: يجوز للقاضي أن ينفّذ حكم قاض آخر ويمضيه بمعنى الحكم بنفوذه وإجراء آثاره وقطع النزاع به وإلزام المحكوم عليه به بل وصحته بالنسبة إلى المتداعيين وإن خالفه فيه بمقتضى الدليل الظنّي.

ولا يجوز الردّ عليه عند مخالفته بالدليل الظنّي، ولا بد من إمضائه ظاهراً.

نعم، لا يجوز له العمل واقعاً بحكم المخالف له كما إذا حكم عليه بأن المطلقة بالثلاث المرسلة زوجته وهو يرى وقوع الطلاق بها، فإنّه يلزمه إمضاء حكمه ظاهراً وعدم العمل عليه بينه وبين اللّه تعالى ولا منافاة.

ولا يجوز للقاضي أن يحكم بحكم قاض آخر؛ لأنَّه حكم به؛ لأن الحكم لا يكون إلا بأسبابه من البيّنة واليمين المردودة ونحوها.

وعلى ما ذكرنا فلو قطع القاضي بحكم القاضي الآخر من شياع ونحوه أمضاه، والإمضاء يختصّ بحقوق الناس، سواء كان عن قطع أو ظنّ، ولا يعم حقوق اللّه تعالى ولو كان عن قطع على ما يظهر من الأصحاب، وإنّما اختصّ بحقوق الناس؛ لابتناء حقوق اللّه على التخفيف. وقد يحتمل العموم في المقطوع به.

وكذا لو حكم بحضوره منشئاً للحكم.

أما لو أخبره بأنّي حكمت بذلك، فالأوجه القبول؛ لأنّ الاعتماد عليه في إنشائه يقضي عليه بصحة إخباره به ولتضمّن الإنشاء الإخبار، وهو فتوى المشهور.

والأولى أن يبرز الحاكم حكمه بصورة الإنشاء في مقام يجوز ذلك منه دون الإخبار.

وكذا لو أقر المحكوم عليه بالحكم، أو قامت بيّنة على إقراره.

وهل يكفي اعتراف المحكوم عليه بكتاب مدرج يتضمّن الحكم عليه به، فيقول: هذا الكتاب حقٌّ، أو قول القاضي مشيراً إلى كتاب يتضمن الحكم: إن هذا الكتاب حق؟ وجهان:

الجواز؛ لأنَّه إقرار وإن كان بمجمل أو مجهول يمكن استعلامه، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز، فيجوز أن يشهدا على ذلك بإقراره، كما يشهد على الوصيّة بكتاب أقرّ أنّه مشتمل على وصيّة أو مشتمل على بيعه وشرائطه وموانعه أو نحو ذلك.

والمنع؛ للإجماع المنقول (1)عليه، ولعدم القطع بتفصيله ولاحتمال الخطأ فيه من السهو


1) مسالك الأفهام 14 : 12.

في الكتابة والغلط فيها، أو الخطأ في التأدية والكذب فيها ونحو ذلك، والشهادة لا تكون إلا على مثل الشمس، واحتمال الخطأ في الإقرار اللفظي لا عبرة به إجماعاً.

ولا يجوز تنفيذ حكم القاضي بكتابه إلى قاض آخر إجماعاً منّا، ولرواية السكوني (1)المعتبرة المنجبرة، وللأصل القاضي بعدم صحة تنفيذ الحكم ولو عرف خطه ورسمه ولو كانت فيه خطوط أُخَر ما لم يقطع بصدقه، ولا تكفي القرائن والأمارات.

ولو دفع القاضي كتابه إلى آخر وقال: ما في هذا حكمي، لم يلزم؛ لأن الحكم لا يكون إلّا باللفظ، بل لو شهد شاهدان أنّ هذا حكمه كتابةً أو أشهدهما على ذلك لم يثبت الحكم، بل لو علم أنّ الخطّ خطّه وأنَّه كتب: حكمت، وأخبر الشاهدين أني حكمت بمضمون هذا الكتاب، لم يلزم إلا أن يبيّن مضمونه بنفس اللفظ؛ لاحتمال الخطأ.

ولكن لا يبعد صحة تنفيذ الحكم في هذا الأخير؛ لجريان السيرة به، ولقضاء العلم بالقطع بصدور الحكم منه لفظاً ووقوعه على مضمونه الذي تضمنه ظاهر الخطاب، ولمكان الضرورة الداعية إلى تنفيذ مثل هذا الكتاب المقترن بذلك الكلام من الحاكم والشاهدين، ولجريان السيرة القطعية على الأخذ بما في كتب الأصحاب من فتاواهم وآرائهم وأقوالهم والنقل عنهم.

وخيال أنّ هذه الأدلّة تقضي بجواز العمل بكتاب قاض إلى آخر مطلقاً، بعيد؛ لمخالفته للأصل والإجماع.

ودعوى تأدية عدم العمل بالكتاب إلى إبطال الحجج والطوامير التي قد استمرت السيرة على فعلها، دعوى ضعيفة؛ لأنّ الحجج لتذكار الأحوال، لا لإثبات الأموال.

وبالجملة، فما لم يقطع من الكتاب بصدور الحكم اللفظي من الحاكم وكون الكتاب دليلاً عليه لا يؤثر أثراً، وإخبار الحاكم بكتابه أنّي حكمت وإن كان مقطوعاً بكتابته له أيضاً لا يؤثر ؛ لأنّ المقطوع به هو ما إذا أخبر بلفظه.

نعم، لو كان الحكم به مقطوعاً به من كتابته بحيث لا يحتمل السهو والغلط ولا يحتمل الكذب، جاز إنفاذه.


1) وسائل الشيعة 27 : 297، الباب 28 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

واحتمال الكذب في إخباره ساقط؛ لمكان السيرة، ومساواته للإنشاء، بخلاف احتمال الكذب في الكتابة، فإنّه لم يقم دليل على اعتبارها مع ذلك الاحتمال.

وهل يلزم تنفيذ ما شهد به الشاهدان على صدور حكمه المعين على المعين وإن لم يشهدهما الحاكم؟ وجهان: من الأصل وحرمة العمل بالظنّ، ومن ظاهر الأصحاب نقلاً على المنع. و من حجيّة شهادة الشاهدين وقيام السيرة على الأخذ بها.

أما لو أشهدهما الحاكم، فالمقطوع به من كلام أكثر الأصحاب قبول شهادتهما؛ لقيام السيرة، ولمكان الضرورة، وللزوم العسر والحرج لولاه ولصعوبة نقل الشاهدين على الأصل وعدم التمكن من شهادة الفرع غالباً لعدم سماعها مع تعدّد الطبقات، ولعدم إبطال الحجج بتداوم الأزمنة؛ لإمكان إثبات حكم الحاكم في كلّ زمانٍ عند آخر وإثبات تنفيذ الآخر له عند آخر وهكذا، فيستمر الحجج والطوامير على هذا الطريق، ولعدم انقطاع الخصومات والنزاع لو لم يثبت الحكم الأوّل بالبيّنة؛ لاستلزام ذلك المرافعة في الدعوى الواحدة عند حكام متعدّدين لا يعلم أحدهم بحكم الآخر.

ومنع البعض من قبول الشهادة عند الحكم؛ للإجماع المنقول (1)على عدم جواز العمل بكتاب قاض إلى آخر، ولرواية السكوني (2)المانعة عن ذلك، ولأصالة عدم العمل بالظنّ وعدم نفوذ الحكم، ضعيف؛ لأنّ الأولين غير محل النزاع، والأخيرين مردودان بالأدلّة الدالّة على الجواز.

تاسع عشرها: يلزم في شهادة الشاهدين أن يشهدا على الحكم لا على الثبوت

تاسع عشرها: يلزم في شهادة الشاهدين أن يشهدا على الحكم، لا على الثبوت، فلو شهدا على أنَّه ثبت عنده لم يثبت للحاكم الآخر كي يأمر بالمعروف به وينهي عن المنكر كما كان للأوّل أن يأمر وينهى.

ولا بد أن يشهدا على عين المحكوم عليه أو على اسمه أو وصفه المقطوع بانطباقه عليه، فلو كان محتملاً لغيره عند الشاهدين أو عند الحاكم بعد شهادتهما بحيث لم يعلم أنّ هذا هو المشهود عليه لم يجز له التنفيذ.


1) راجع الهامش (1) من ص 388.

2) راجع الهامش (1) من ص 389.

نعم، لو ادعى المدّعي على شخص أنَّه المحكوم عليه أو المشهود عليه فأنكر، كان للمدّعي اليمين عليه على نفي ذلك، فإن أقر ألزم بالحق.

وظاهر جملةٍ من الأصحاب أنّ المشهود عليه بالوصف لو كان ممّا لا يقع الوصف بغيره إلا نادراً كذي رأسين أو يد زائدة أو استقصى الوصف بحيث يكون احتمال أنَّه غيره ضعيفاً قبلت شهادة الشاهدين في ذلك، وأُلزم بالحق.

ولو أنكر الاختصاص بالوصف، لم يُسمع قوله، إلا بأن يحضر من شاركه بالوصف، فإن أقرّ مَنْ شاركه بالحكم ألزم بالحق وأطلق الأول، وإلا أُطلقا، ووقف الحكم، أو يقيم بيّنة على المشاركة.

ولو شهدت بمشاركة ميت له بحيث لا يعلم أنّ ذلك الميّت لم يعاصر المدّعي أو لم يحضر معه لو شهدا عليه بالحضور، فإذا أقام بيّنة بذلك وقف الحاكم عن الحكم؛ إذ الحكم على أحد الرجلين لا يفيد فائدة.

العشرون: للمشهود عليه بحق أن يمتنع من وفائه حتّى يشهد على قبضه

العشرون: نفى الخلاف بعض أصحابنا (1)عن أنّ للمشهود عليه بحق له أن يمتنع من وفائه حتّى يشهد على قبضه.

وهو وإن كان خلاف القواعد إلّا أنّ حديث الضرار (2)وفتوى الأخيار وإشعار بعض الأخبار يقضي بجواز الامتناع.

أما لو لم يشهد ذو الحق عليه أو شهد وكان أميناً يكون القول قوله فيها، ففي جواز الامتناع خوفاً من مشقة اليمين ولزوم التورية في بعض المقامات، أو عدمه؛ لأنّ مطل الغنيّ ظلم؟ وجهان، والأقرب الأخير.

ولا يجب على المدّعي ونحوه دفع الوثيقة بعد استيفاء حقه إلى المدّعى عليه ونحوه، سواء كانت ملك المدّعى أو مباحةً من المباحات لجواز افتقاره إليها عند خروج المدفوع له مستحقاً ونحو ذلك، ولأنّ الناس مسلّطون على أموالهم وخوف الضرر بالبقاء عنده ينجبر بإصدار وثيقة أخرى من المدّعي للبراءة.


1) لم نتحقّقه.

2) وسائل الشيعة 18 : 32، الباب 17 من أبواب الخيار، ح 3 - 5.

وكذا ليس على البائع دفع كتاب الأصل للمشتري؛ للأصل، وخوف الضرر بإبقائه ينجبر بكتاب يرسمه على شرائه.

الحادي والعشرون: ينفّذ الحاكم حكم حاكم آخر في حال حياته وبعد موته وبعد جنونه وبعد جهله لو صدر الحكم منه جامعاً للشرائط

الحادي والعشرون: ينفّذ الحاكم حكم حاكم آخر في حال حياته وبعد موته وبعد جنونه وبعد جهله لو صدر الحكم منه جامعاً للشرائط، فانخرامها بَعْدُ لا بأس به.

وظاهر الأصحاب أنّ طروء الفسق بعد الحكم مانع من تنفيذ الآخر له.

ولا يخلو من إشكال؛ لعدم الفرق بين الفسق وغيره؛ لأنّ الحكم بعد صدوره لم يتغير بتغيير أحوال الحاكم، إلا أن يقال: إن حكم الحاكم لا يتبدل بالفسق كما لا يتبدل من الموت ولكن تنفيذه لا يجوز؛ لأصالة عدم التنفيذ، والمتيقن من صحته هو ما لم يطرأ الفسق بعد الحكم، ومع الطروء يقع الشكّ فلا ينفذ، ولا يخلو من إشكال، إلا أن يقال: إن الفارق والمؤثر شكاً هو كلام الأصحاب.

القول في القسمة

في أن القسمة ليست ببيع و لا من أحد المعاوضات مطلقاً

القسمة ليست بيعاً، بل ليست من أحد المعاوضات مطلقاً، بل ليست معاوضةً برأسها؛ للأصل في محلّ الشكّ، ولعدم عدهم لها في أنواع العقود.

وما يقال: إنّ المشكوك في كونه عقداً أم لا يجعله عقداً؛ لأصالة عدم السببيّة الا بالمقطوع به، ولأنه من الشكّ في الجزء فيعود شكاً في الماهية، مسلّم لو وقع الإشكال في الاحتياج إلى الإيجاب والقبول أو أحدهما، أما المشكوك به بعد معرفة كيفية النقل به والانتقال وبعد إحراز ما نعيته فالأصل عدم معاوضة.

ويدلّ على عدم كونه معاوضةً انتفاء لوازمها القاضية بانتفاء ملزوماتها من عدم احتياجها إلى عقد لفظي أو فعليّ، وعدم اشتراط القدرة على التسليم فيها، وعدم اشتراط التموّل في أفرادها، وصحة قسمة الوقف من الطلق أو قسمة الوقف المشترك الذي صار وقفاً بصيغتين من مالكين، وصحة الإجبار فيها، ولزوم تساوي الحصص فيها، ولو كانت بيعاً للزمها لوازم البيع من العلم واشتراط القبض فى الصرف، وثبوت الخيار فيها، ولزوم الأجل من سَلّمها ونسيئتها، ودخول الشفعة فيها مع تعدد الشركاء، كما إذا قسموا داراً وكان لهم شريك في سلوكها، وعدم جواز قسمة المكيل والموزون قبل قبضه، وضمان المتلوف قبل قبضه، وحرمة الزيادة في الربوي ولو في مقابلة الجودة وكذا الجهل به واشتراط عدم الزيادة مطلقاً في الربوي، وعدم قسمة الرطب بالجاف فيه كالرطب والتمر، وغير ذلك، وظاهر الأصحاب على خلافه.

وإذا لم تكن القسمة معاوضةً، فلا تخلو من أن تكون تميّز حقّ على وجه الكشف بمعنى أنّها تكشف عن أنّ المقسوم ملك للمقسوم عليه خاصةً من حين حصول الشركة فهي حين القسمة أثرت ملكاً للمقسوم عليه سابقاً، أو أنَّها حين القسمة بينت أن هذا للمقسوم عليه في علم اللّه من حين الشركة أو أنّها أفرزت حصة المقسوم عليه من حين الشركة فردّتها عليه،

أو أنّها مثبتة للملك من حين القسمة للمقسوم عليه كلُّ بالنسبة إلى حصة الآخر لا على وجه المعاوضة، بل هي عمل مملك لمن هي له فكل من المقسوم عليه ملك حصة الآخر دفعة؛ لمكان الشركة الأُولى، فالكل يملكون دفعةً، كلُّ يملك مال الآخر بسببيّة ملك الآخر له، ولكن لا على وجه المعارضة، وأما بالنسبة إلى حصته فهي إفراز لا غير، وتعيين لما يملك، فهي حكم من الأحكام فائدته الإفراز لحصة نفسه والتمليك لحصة الآخر.

والأخير هذا هو الأوجه والموافق لقواعد القسمة والموافق لضرورة الشركة المقتضية لامتزاج المالين ودخول مال كلّ واحدٍ منهما في حصة الآخر إلى حين القسمة، فدعوى الكشف بجميع معانيه بعيدة جداً.

ثم إن القسمة بالنسبة إلى الإباحة فقط وإلى التمليك المستقرّ والمتزلزل وبالنسبة إلى تمام متعلقها من الإفراز مع التراضي فقط، أو هما مع القرعة، أو الجميع مع التراضي بعد القرعة، أو الجميع مع القبض أو الكلّ مع التصرف، أو الأوّل مع القبض فقط، أو معه ومع التصرف، أو الأوّلين مع القبض وحده، أو هو مع التصرّف، أو الأوّلين فقط، وبالنسبة إلى كون القاسم هو الشركاء أو وكيلهم أو منصوب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحتاج إلى تأمل وبحث.

والأوجه بالنسبة إلى القواعد الأخذ بما يتيقن منه حصول الإباحة والملك المتزلزل أو المستقر؛ لعدم عموم في دليل القسمة قاض بالملك، كعموم (أَوْفُوا بِالعُقُودِ) (1)أو عموم تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) (2)لما قلناه من الشكّ في دخولها في المعاوضة وأدلة التجارة، بل الظنّ بخلافه، والوارد فيها من الأدلّة حكايات مجملة، كقسمة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (3)وجعل عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاسماً (4)، وقسمة الغنائم، وبعض الآيات (5)المجملة، وكلّها لا يقضي إطلاقها وحكاياتها بحصول ملك أو تمليك بالقسمة وبها مع القرعة، وأدلّة القسمة خالية عن القرعة، وأدلة القرعة لم ترد في القسمة.

نعم، ورد أنَّها تخرج سهم المحق.

وكون القرعة داخلة في لفظ القسمة خلاف الظاهر، فاللازم حينئذٍ تتبع موارد الإجماع والأدلّة.


1) المائدة (5): 1.

2) النساء (4) : 29.

3) راجع المبسوط : 133.

4) راجع المبسوط : 133.

5) النساء (4): 8؛ القمر (54) : 28.

والذي يظهر من الإجماع أنّ القسمة لو حصل بها الإفراز من قاسم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع التراضي بقسمته أو مع جبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثمّ الاقتراح منه بعد ذلك حصل الملك المستقر؛ لأن قرعة منصوب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمنزلة حكم الحاكم لا يجوز نقضه، ويلزم إمضاؤه.

وكذا لو حصل الإفراز بالتراضي ثمّ القرعة ثمّ التراضي بعدها.

وإن لم يكن القاسم منصوباً للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّه يحصل الملك المستقر وبالطريق الأولى ما لو حصل القبض فقط أو هو مع التصرف بعد ذلك في المقامين.

وبقي غير هذين الموردين من الإفراز مع التراضي بدون القرعة من منصوب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو غيره أو معها بدون الرضى بعدها من غير منصوب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يحصل قبض أو تصرف، والظاهر في الأوّل حصول الإباحة لا الملك، وفي الثاني الملك المتزلزل؛ جمعاً بين اشتراط الرضى بعد القرعة، كما يظهر من بعض الأصحاب، وبين ما دلّ على كون القرعة كافيةً في القسمة، ولا يفتقر إلا للرضى المتقدّم بالقسمة وبالقرعة بعد الإفراز، فلا حاجة إلى الرضى بعدها، فيتوقف لزوم القسمة على التراضي بعد القرعة دون حصول الملك الأصلي.

ويمكن القول بعدم توقف اللزوم على الرضى المتأخّر مطلقاً؛ لكفاية الرضى المقارن، وهو قريب.

ولو حصل قبض أو تصرّف بعد القرعة وإن لم يظهر بهما الرضى المتأخّر، احتمل كونهما أقوى من الرضى بعدها، فيفيدان اللزوم قطعاً.

واحتمل عدمه، سيما لو حصل قبض فقط ولو لم تقع قرعة بالكلية، بل إنّما وقع بعد الإفراز قبض فقط وكان القاسم غير المُلّاك فقط، احتمل حصول الإباحة فقط.

واحتمل حصول الملك المتزلزل، كبيع المعاطاة، وهو قوي؛ للشكّ في حصول القسمة بدون القرعة؛ لأن القسمة تمييز ولا تمييز بغير قرعة؛ للشكّ في كون مجرد «هذا لك وهذا لي» تمييزاً.

ولو وقع تصرف مع القبض أو بدونه من دون القرعة، كان أقوى من القبض، فيفيد اللزوم؛ لأنَّه لا ينقص عن الإباحة في المعاطاة وغيرها ممّا يباح للضيف أو ينثر في الأعراس.

أما لو حصل إفراز فقط من المُلاك بأنفسهم أو بوكيلهم أو المنصوب من قبلهم أو بوكيلهم

بحيث قالوا هذا لك وهذا لفلان كي يتحقق مسمّى الإفراز والقسمة مع التراضي بدون قبض أو تصرف أو قرعة، فالظاهر إفادته للإباحة فقط، وليس له طريق للملك.

ويظهر من بعض الأصحاب إفادته للملك في الجملة.

ويظهر من آخرين نقلاً عن غيرهم وتحصيلاً على ما يظهر من العلّامة والشهيدين (1)أنّها تفيد ملكاً لازماً، ولا تفتقر إلى القرعة ولا إلى الرضى بعدها.

ولكنه بعيد عن القواعد ؛ لخلوّ أخبار القسمة عن الدلالة على حصول الملك بها بمجرد الإفراز مع التراضي.

وهذا كله لا يتفاوت فيه بين قسمة الإجبار أو التراضي وهي المشتملة على رد، إلا أنّ المشتملة على ردّ أظهر فى الافتقار إلى الرضى بعد القرعة؛ لأنها بمنزلة المعاوضة من حيث اشتمالها على دفع أمر خارج عن المقسوم، فيتوقف دخوله في ملك المدفوع إلى سبب يقيني، وكون نفس القرعة سبباً لذلك مشكوك فيه.

وهو قريب كما ذهب إليه بعض الأساطين في غير منصوب الإمام، بل في منصوبه الأولى والأحوط ذلك إذا لم يكن جابراً للشركاء على القسمة.

هذا كله بالنسبة إلى اللزوم، وأما بالنسبة إلى الإباحة أو الملك المستقر فيرجع فيه إلى ما ذكرناه (2). ولو عدل المتقاسمان من القرعة إلى الصلح أو إلى نيّة المعاطاة الداخلة في البيع أو في غیره، جرى عليه حكم ذلك العقد وحكم المعاطاة من الإباحة والملك، سواء اشتملت على ردٍّ أولا.

والكلام في القسمة يقع في مواضع:

أحدها: في أنَّه لا أُجرة للقاسم إذا كان متبرّعاً

أحدها: لا أُجرة للقاسم إذا كان متبرعاً، وإن كان قاسم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأُجرته من بيت المال، إلا إذا قام بها المتقاسمان أو فرضها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم مع الإجبار، فإنّ للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يفرضها على الأقرب؛ لأنّها على بيت المال رخصة لا عزيمة على الظاهر.


1) قواعد الأحكام 3 : 460: اللمعة الدمشقية : 53؛ مسالك الأفهام 14 : 27.

2) راجع ص 394 - 395.

وإن كان القاسم بأمرهم، فأجرته عليهم على نسبة المال لا على نسبة الرؤوس؛ ضرورة تأدية الثاني إلى استيفاء جميع الحصة في بعض المقامات، كما إذا قلت حصة أحدهم فاستغرقتها تلك الأجرة بنسبة الرؤوس.

وكون قسمة القليل والكثير سواء في العمل والقرعة؛ لأنّ النقل والحمل ليس على القسام. بل ربما يكون القليل أكثر تعباً في الاستخراج سيما في قسمة المعادلة إذا عدلت السهام لا تقضي بالمساواة؛ لما ذكرنا من اقتضاء عقد القسمة لذلك ولزوم الضرر، ولأنّ أُجرة الحافظ على السهام دون الرؤوس، فالقسمة كذلك.

وإن كان بأمر أحدهم ورضى الباقين بأمره من دون أمر منهم، فالأجرة على الأمر.

وإن كان أمر بالقسمة شخص أولاً وسمّى مسمّى وأمر الآخر كذلك وسمّى مسمى آخر أو أمر الأوّل وإن لم يسمّ مسمّى وأمر الآخر كذلك، وفعل القاسم بأمر الأوّل، ففي استحقاق القاسم شيئاً من الثاني من مسماه أو من أجرة مثله إشكال، والأوجه عدم الاستحقاق.

وبالجملة، فللقاسم اجرة واحدة، فإن دفعها واحد مع رضى الباقين بمجرد القسمة دون الأجرة التزم بها، وإن رضي الجميع بالأجرة كان المسمّى على الجميع، ولو دفع للقاسم أجرتين أو أكثر دفعة أو مرتباً من كلّ شريك أشكل الحال في استحقاقه لذلك؛ لأنَّه يستحق واحدة؛ إذ ليس له إلا الإفراز الواحد وقد حصل بالعمل الواحد، فلمن ينوي العمل يستحق الأجرة عليه، وإن نوى للجميع استحق على الجميع أجرة واحدة.

ولو كانت الإجارات مترتّبة، فلا يستحق إلا الأجرة الأولى؛ لأنها التي حصل بها الإفراز هي التي مَلَك الأوّل بها الإفراز والقرعة عليه، فلا يملك آخر عليه ما مَلَكه الأوّل عليه، إلا أن يكون فضوليّاً بالنسبة إلى المستأجر الأول.

وكل عمل واحد إذا تعلّق به غرض لاثنين أو أكثر كقطع شيء متصل لاثنين أو حفر بئر مشتركة بين اثنين فاستأجره الأوّل، لم يكن للثانى الاستئجار؛ للزوم تحصيل الحاصل، وهو ممتنع مع الإعادة، أو لزوم أخذ أُجرةٍ من غير المعمول له.

ودعوى أنَّه لو استأجره اثنان على القسمة استحق أُجرتين؛ لأنَّه استحق إحداهما بإفراز مال هذا عن هذا، والثانية بإفراز الأخرى عن تلك، فهما مختلفان بالنية، لا وجه لها،

ولا تأثير للنية. وما يقال في الدفعي إذا استأجره اثنان دفعة كلّ واحدٍ بإجارة مستقلة على إفراز حصته من الآخر: إنّ خيار تعين المعمول له بيده فلأيهما نوى استحق عليه، وإن نوى المجموع استحق نصف كل من الأجرتين، لا وجه له.

والأوجه البطلان؛ لتضاد المالكين على مملوك واحد.

ثمّ إنّ المأمور بالقسمة من الشركاء من دون تعيين المستى له أُجرة المثل على نسبة العمل؛ لأنَّه هو الذي يقابل بالعوض.

وهكذا لو أمر الشركاء حافظاً لمالهم أو أمروا بحصادٍ أو دياسة أو تلقيح أو تركيس أو حمل أو غير ذلك، فإنّه يستحق عليهم على نسبة العمل، لا على نسبة الرؤوس؛ لعدم مدخلية الرؤوس هنا.

وكثرة العمل غالباً تدور مدار كثرة النصيب فمَنْ كثر نصيبه كثر عمله فيه، ومَنْ قلّ قلّ، وهذا معنى قولهم: إنّ الأجرة على قدر النصيب.

ولو فرض كثرة العمل مع قلّة النصيب، استحق الأجرة بقدر ذلك العمل.

نعم، يشكل الحال في القسمة، حيث إنّ العمل فيها متساو بالنسبة إلى كثرة النصيب وقلته؛ لاحتياج الكثير إلى إفراز القليل عنه، واحتياج القليل إلى إفراز الكثير عنه، واحتياج كلٌّ منهما إلى القرعة، والعمل في الكثير بإخراج القليل عنه كالعمل في القليل بإخراج الكثير عنه، فكما أن صاحب الكثير يدفع مالاً لإفراز القليل كذلك (1)، وهما واحد في العمل، فيحتمل هنا القسمة على عدد الرؤوس؛ لمكان ما ذكرناه.

ويحتمل ملاحظة الأكثر؛ لحكم أهل العرف بزيادة عمل الكثير لعود النفع إليه أكثر، فكان العمل في ماله أكثر، كمَنْ ردّ عبداً قيمته ألف ومَنْ ردّ عبداً قيمته عشرة، فإن أهل العرف يقولون: إن عمل الأوّل أكثر.

وهذا هو الأوجه، مضافاً إلى أنَّه لو عومل على قدر الرؤوس لاستغرقت قيمته المقسوم لو كان قليلاً جداً ولا قائل به.

وربما قيل: إنّ القسمة غالباً سيّما قسمة التعديل يكون عملها في القليل أكثر؛ لدقته،


1) كذا قوله : «فكما...كذلك». والظاهر أن هنا سقطاً في العبارة.

ولزيادة الحساب فيه، ولزيادة القرعة من حيثية، فإن لم يكن في نفسه أكثر عملاً فهو مسبّب لكثرة العمل، فعلى ذلك يلغو زيادة العمل،وقلّته كما يلغو الحكم بالقسمة على الرؤوس، فيعود المدار على كثرة النصيب وقلته، وهو حسن.

ولو كانت الأجرة مسمّاة من أهل القسمة، فالحكم كذلك، إلا أن احتمال القسمة على الرؤوس هنا قوي؛ لظهور الخطاب بالتوزيع على عدد الرؤوس عند الإطلاق، وعدم ذكر كلّ ما عليه، ولكن العادة كالمخصصة لظاهر الخطاب.

ولو عيّن كلٌّ من الشركاء ما عليه، تعيّن، سواء زاد على قدر العمل في نصيبه أو قل؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (1)وليس فيه منافاة لعقد الإجارة قطعاً.

وذكروا هنا أنّ الأُجرة على جميع الشركاء، سواء في ذلك طالب القسمة وغيره إذا رضى الجميع بالقسمة.

نعم، لو عين الطالب مسمّى ولم يعيّن الباقون، كان المسمّى على الطالب، وعلى الباقي أُجرة المثل إذا لم يكن الطالب دافعاً عن الجميع.

وبهذا دفعوا الإيراد المتقدم في عدم جواز الترتيب في الإجارة على القسمة بأنا نمنع صحة العقد الأوّل لواحدٍ فقط، بل لا بد من رضى الجميع، فالأجرة على الجميع ابتداء، فلم يبق موضع يصح فيه وقوع الترتيب كي يمنع.

وفيه: إنّا نمنع الترتيب في موضع يمكن صحة العقد من الأول على القسمة بحيث تكون الأجرة على الأوّل ولو برضى الباقين بأجرته.

ثانيها: في أنّه لا يقسم ما في الذمم لو كان الدين لشركاء متعددين على غرماء متعدّدين

ثانيها : لما كان التمليك في القسمة على خلاف الأصل اقتصر على المتيقن في جواز قسمته من المقسوم، فلا يقسم ما في الذمم لو كان الدين لشركاء متعددين على غرماء متعدّدين، ولا تقسم المنفعة حصصاً ملكاً أو وقفاً ولا مهايأةً في أزمنة متعدّدة.

ولا يقسم الحق حصصاً، ولا في أزمنة متعددة.

وتقسم الأعيان وتتبعها المنفعة مع العلم بقدر المقسوم ومع الجهل به، سواء كان ممّا يكال ويوزن أم لا مع المشاهدة.


1) راجع الهامش (3) من ص203.

ويقسم المكيل موزوناً والموزون مكيلاً، ويقسم متساوياً ومتفاضلاً، مثليّاً أم لا ؟ ويكون الفاضل في مقابلة الحسن والجودة، ولا ربا في القسمة، أو يزاد في القسمة زيادة من غير مقابل، بناءً على عدم اشتراط التساوي في القسمة، أو جعل الزيادة بمنزلة الهبة.

وتقسم العين مع المشاهدة وإن احتملت الزيادة والنقصان في الربوي وغيره، ولا تضرّ الجهالة، سوى جهالة ما لم ير، كقسمة البذر تحت الأرض، وقسمة الطلع في الأكمام إذا لم يتميّز، وقسمة ما في بيتين من طعام ونحوه غير مشاهدين.

والمقسوم إما أن يكون قيميّاً أو مثليّاً، والقيميّ إما أن يكون عقاراً أو غيره، والعقار إمّا أن يكون واحداً أو متعدداً مختلفاً أو متفقاً، وغيره كذلك إما أن يكون واحداً أو متعدّداً، متحد النوع أو مختلفه.

ثالثها: عدم جواز قسمة كلّ ما يحصل بقسمته ضرر على جميع الشركاء

ثالثها: كلّ ما يحصل بقسمته ضرر على جميع الشركاء بحيث لا يتحمّل عادةً ولا يقابله نفع آخر أوجب تحمّل ذلك الضرر لا تجوز قسمته، سواء طلبه بعض دون بعض، أو طلبه الجميع؛ لأنّ القسمة مشروعة لدفع الضرر فلا تشرع له ولأنها سفه وعبث فيشك في شمول دليل القسمة لها.

وقد يقال: إن الناس مسلّطون على أموالهم، فلهم أن يقسموا مع الرضى مطلقاً.

وقد يفرّق بين الضرر المؤدّي إلى التلف فلا تصح كقسمة الحيوان، وبين الضرر الغير المؤدي أو بين الفاحش وغيره فتصح في الأخيرين.

وإن تضرر بعض الشركاء بالقسمة دون بعض، فإن طلب المتضرر القسمة أُجبر غير المتضرر.

وظاهرهم الجبر مطلقاً.

وفيه: إنّها بالنسبة إليه سفه سيما لو كان ضرراً متلفاً، فالفرق بين هذا وبين ما تقدّم يحتاج إلى تأمل.

وإن طلب غير المتضرّر القسمة، لم يجبر المتضرّر بها؛ لأنّها مبنية على رفع الضرر

فلا تشرع له، وحديث «لا ضرر» (1)يدلّ عليه وإن تضرّر غير المتضرر بالقسمة بعدمها تقابل الضرران ضرر المتضرر بها، وضرر المتضرّر بعدمها، احتمل تقديم ضرر المتضرر بعدمها؛ لانضمامه إلى ضرر الشركة وإلى جواز تخليص مال الإنسان عن غيره فلا يجبر على عدمه.

ويحتمل القرعة.

ويحتمل تقديم ضرر المتضرّر بالقسمة؛ للشكّ في شمول أدلّة القسمة لذلك.

ويحتمل ترجيح أقوى الضررين فيعمل به.

ولو لم يتضرّر أحد بالقسمة، أجبر الممتنع عليها مع اجتماع الشرائط الأُخر؛ لأن بقاء الشركة ضرر و «لا ضرر ولا ضرار» (2)ولأن للإنسان تخليص ماله عن مال غيره، ولا طريق سوى القسمة، وغير القسمة من بيع أو غيره يفتقر إلى دليل يدلّ عليه، ولم يدلّ على غير القسمة دليل.

ويتأكد جواز الجبر ما لو تضرّر الشريك بترك القسمة ولم يتضرّر الآخر بها.

والجابر هنا الحاكم ثمّ عدول المؤمنين مرتباً، فإن لم يكن الجميع تولّى الجبر نفس الشريك.

وبهذا يظهر جواز تولّي الشريك القسمة مع الظالم الذي يريد غصب حصة شريكه وكان شريكه غير حاضر، فإنّ بقاء الشركة يؤدّي إلى غصب ماله وتلفه، فحينئذٍ يقوم المتضرّر مقام الغائب فيقسم مع الغاصب إذا لم يجد حاكماً ونحوه يستأذن منه.

وكل غائب أريد القسمة معه مع تضرّر الشريك بعدمها قام الحاكم مقامه وعزل حصته، كما يقوم مقامه لو تضرّر الغائب ببقاء الشركة فإنّه يقسم عنه.

فإن قلت: لا ولاية للحاكم مع المفسدة على الغائب.

قلنا: ليست هذه ولايةً على الغائب، بل هي حفظاً لمال الحاضر ورفع الضرر عنه بالشركة، فالمقصود عزل نصيب الحاضر عنه، لا عزل نصيب الغائب، وبينهما فرق.

رابعها في أن المثلي يقسم قسمة إجبار مطلقاً

رابعها: ذكروا أن المثلي يقسم قسمة إجبار مطلقاً. وهو مبنيٌّ على الغالب من عدم حصول ضررٍ في قسمته وعدم توقفه على رد، فلو فرض حصول ضررٍ من جهة تأدية المقسوم إلى


1) راجع الهامش (2) من ص 45.

2) راجع الهامش (2) من ص 45.

ما لا يتموّل أو لا ينتفع به لقلته كقليل من الحبّ بين شركاء كثيرين أو فرض توقف صحته على رد، لم يقسم قسمة إجبار.

وغير المثلي من القيمي إن تساوت أجزاؤه كأرض متفقة الأجزاء أو ثوب كذلك، فكذلك. وإن توقف على ردّ من أحد الشريكين إلى الآخر لإحراز تعديل السهم بالقيمة، افتقر إلى التراضي، ولا يجوز إجبار الممتنع.

وإن لم يتوقف على رد، فإن أدى إلى ضرر الكلّ أو البعض في القسمة، لم يجبر الممتنع، كقسمة. عبد بين اثنين، أو فرس كذلك، أو دكان ضيق، أو جوهرة، إلى غير ذلك من الأواني، بل والمصوغ والثياب المخيطة والقرب والجلود، ويبقى المال مشتركاً إلى أن يتفقا على بيعه أو إجارته أو يبيع أحدهما على الآخر أو يقسمون منفعته بالمهايأة في الزمان، أو يقسمونها بحسب الحصص، كما ينام في اللحاف اثنان طرفاً وطرف، ويركب الدابة اثنان كذلك أعلى وأدنى، ولكن لا تلزم القسمة، بل ليست قسمة.

وفي إفادتها الملك المتزلزل إشكال.

و على كلّ حالٍ، فلهم فسخها ولو بعد استيفاء أحدهما، ويدفع أُجرة المثل عوض ما استوفاه كفسخ العقد الجائز بعد تلف العين.

ويقوى القول بجواز جبر الحاكم لأحد الشريكين على البيع أو على الإجارة، سيما مع الضرر ببقاء الشركة إذا طلب الآخر ذلك؛ لحديث «لا ضرر ولا ضرار» (1).

وإن لم يتوقف على ردّ ولم يشتمل على ضررٍ، جازت قسمته، وأُجبر الممتنع عليها إن كانت أفراداً لنوع واحد كعبيد أو حيوانات من نوع واحد، سواء تساوت أفرادها بالقسمة. كعبدين أو حمارين بين اثنين سواء أو اختلفت كثلاثة في مقابلة واحدٍ على الأظهر في الجميع؛ لإمكان تعديلها بالقيمة، ولزوم الضرر بعدم قسمتها غالباً، وعليه الأكثر.

ويدلّ عليه رواية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيث جزاً العبيد فقسمهم فيمن أعتق ستاً في مرض موته ولا مال له سواهم (2).


1) راجع الهامش (2) من ص 45.

2) صحیح مسلم 3 : 1288، ح 1668؛ سنن أبي داود :4 : 28 ح 3958؛ الجامع الصحيح 3: 465، ح 1364.

ومَنَع بعض من قسمة ذلك على جهة الإجبار (1).

واستشكل العلّامة (رَحمهُ اللّه) من قسمة العبيد (2).

ويلحق بالعبيد الثياب المتخذة من نوع واحد والكرباس والحبل والمنسوج من كل متماثل العدد والنخل والأشجار والخضراوات الغير متماثلة والأواني المعمولة من. من نوعٍ واحد والكتب المنسوخة من كتاب واحد.

وفي تمييز الجائز قسمته جبراً من هذه الأفراد من غير الجائز إلا على وجه التراضي يحتاج إلى تأمل؛ لأصالة عدم القسمة، وأصالة عدم جواز الجبر عليها.

وكذا تجوز قسمة القيمي المختلف الأجزاء قيمةً ورغبةً إذا كان واحداً عرفاً، كدار متسعة للقسمة وبستان نخل ودكّان وخان وإن اختلفت بحسب القرب إلى الماء وعدمه وحسن البناء وعدمه، بل تجوز قسمة المختلف نوعاً إذا كان شيئاً واحداً أو يدخل في شيءٍ واحد عرفاً. كالبستان المشتملة على أشجار ونخل وخضراوات والدار المشتملة على خشب وجذوع وسكك وغيرها من الأشياء المختلفة، كلّ ذلك للسيرة، ولمكان الضرر بعدم القسمة، وكثيراً ما يدخل المختلف في القسمة تبعاً للشيء الواحد، ويغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل.

ومنع بعضهم من الإجبار في غير قسمة المثلي؛ لأصالة عدمه.

ولا شك أن التراضي عليه أحوط.

بقي الكلام في أُمور:

منها: قسمة المثلي نوعاً بنوع متغاير بعد التعديل بالقيمة.

ومنها: قسمة القيمي نوعاً بنوع آخر كأنعام مختلفة صنفاً بعضها ببعض، أو دوابّ كذلك أو عبيد كذلك، وكذلك الكتب المختلفة نوعاً كنحو وصرف، أو المختلفة لأهلها، کـ«شرائع» و «قواعد» والثياب المتباينة، كقطن وكتان وإبريسم والطوائق المنسوجة من أنواع مختلفة، وكذا الملابس المختلفة من العمائم والقلانس والأردية وغير ذلك.

وهذه أجازها كثير مع التعديل بالقيمة أو مع تساويها بالقيمة والعدد، وهو قريب.


1) كما في المبسوط 8: 147.

2) قواعد الأحكام 3 : 462.

ومنها: العقارات والدور والدكاكين المتعددة تباعدت أو تقاربت إذا لم تكن واحدة عرفاً.

ومنها: مختلف الجنس بعضه ببعض مع التعديل بالقيمة، تساوت أفراده أم اختلفت، فالذي يظهر عدم جواز قسمته بالإجبار؛ للشكّ فيه، مع عدم دليل يدلّ عليه.

نعم، يجوز قسمة الجميع قسمة تراضي، بل الأحوط إيقاع الصلح في جميعها؛ للشكّ شمول الملك والتمليك بالقسمة لذلك، بل قد يقال: إنَّه لا يدخل في دليل القسمة قسمة الدواب مع الدور أو قسمة البساتين مع الكتب أو قسمة المراكب مع الأطعمة أو قسمة الأواني مع الفرش حتّى مع تعديل السهام والقرعة والتراضي؛ لعدم عموم دليل القسمة، ودخولها تحت (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) (1)مشكوك فيه؛ لمنع كونها من التجارة، بل هي إلى الإيقاع أو الأحكام أقرب.

وينبغي التأمل في معرفة الفرق فيما ذكروا من الأمثلة وعنونوا به المختلف والمتفق بين مختلف النوع وبين مختلف الجنس، حيث إنّهم في الأوّل اختلفوا في جواز الإجبار عليه وعدمه، وفي الثاني اتفقوا على المنع.

ومن الأمثلة ما يدخل تحت مختلف النوع من مختلف الجنس وبالعكس، فلا بد من التأمل.

وهل يشترط في القسمة بين شيئين قطع الشركة أصلاً، أم لا يشترط، كما إذا اقتسما عبدين أحدهما ربع الآخر قيمةً فأخذ أحدهما الدنيء مع ربع الجيد الباقي ؟ وجهان، والأقرب: عدم إجراء القسمة فيه، ولو فرضنا جوازها فلا إجبار هنا.

ولو طلب أحد الشريكين قسمة بعض المشاع دون بعض، ففي جواز إجباره وجه.

خامسها: في بيان الضرر المانع من القسمة

خامسها: الضرر المانع من القسمة هو المؤدي إلى التلف أو إلى بطلان المنفعة أو إلى نقصان القيمة أو نقصان منفعته منفرداً عن منفعته مشتركاً أو نقصان قيمته منفرداً عن قيمته مشتركاً أو إلى تغيير منفعته مشتركاً إلى أخرى منفرداً مطلقاً أو أدنى منها أو ما يُسمّى ضرراً عرفاً، والمرجع فيه إلى الشاهدين العدلين أو نظر الحاكم أو عدل من أهل المعرفة والنظر. وإذا تضرر واحد بالقسمة وتضرر آخر بعدمها ولم يتضرّر الثالث بوجه أُجبر، فإن جعل


1) النساء (4) : 29.

غير المتضرر مع المتضرّر بالقسمة ارتفع ضرره أجبرا وبقيا مشتركين، وأفرز حصة المتضرّر بعدمها، بل لو طلب واحد من الشركاء القسمة مع اثنين لم يطلباها أُجبرا على إفراز حصته فقط على الأظهر.

ولو اشتملت القسمة على ردّ شيءٍ خارج من المقسوم لم يجبر الراد قطعاً، ولا يجبر مَنْ لم يرد أيضاً؛ لأنّه لا يجبر في الردّ عليه، كما لا يجبر على الرد.

والأظهر في قسمة الردّ توقفها على القرعة والرضى بها والرضى بعدها أو الصلح بينهما ابتداءً، ولا يتفاوت بين أن يتفقا على القسمة من دون قرعةٍ أو يختلفا ويوكلا الأمر إلى القرعة، كلّ ذلك للأصل المقتضي للمنع في محلّ الشك.

ويظهر من الشهيد في اللمعة أنّهما لو تراضيا بالقسمة بمعنى أنهما أرادا إفراز المال وجعلا المردود في جانب وعيّنا حصصهما لزم من دون حاجة إلى القرعة (1).

وهو بعيد، بل هو بعيد في غير قسمة الرد. وكلّ ما لا يجبر عليه الممتنع من قسمة القيمي جنساً بجنس أو نوعاً بنوع أو قسمة الدور بعضاً ببعض أو الدكاكين أو العلوّ والسفل أو غير ذلك فظاهر هم جواز قسمته على التراضي مع القرعة فقط، أو الرضى بعدها، أو مع التراضي فقط إذا اتفق الشريكان على ما يظهر من الشهيد (2).

وفيه إشكال؛ لعدم الدليل على حصول الملك بنفس الإفراز والتعين الحاصل منهما.

وهنا أُمور:

أحدها: فيما لو ظهر بالقسمة غلط في الزيادة في أحد النصيبين بطلت القسمة

أحدها: ذكرنا أنَّه لا تصح القسمة بمعنى أن يأخذ أحد الشريكين أقلّ فيكون له ويأخذ الآخر الأكثر بمشاركة الآخر، فعلى هذا لو ظهر بالقسمة غلط في الزيادة في أحد النصيبين بطلت القسمة، هذا مع القطع.

وأما لو ادّعى أحدهما الغلط لم يُسمع؛ لأصالة صحة القسمة، ولا يُسمع إلا مع البيّنة. نعم، له اليمين على مَنْ أنكر، فإن حلف وإلا قضينا بالنكول، وبطلت القسمة.


1) اللمعة الدمشقية : 53.

2) اللمعة الدمشقية : 53.

ويحلف على البت إن كان هما القاسمين، وإلا فعلى نفي العلم، مع احتمال الحلف على البتّ بأنه لم يصل إليه الأكثر.

ولو وكلا وكيلاً على القسمة، فهل تتوجه عليه اليمين؟ الظاهر نعم؛ لأنّ يمينه ترفع عنه الضمان. ولو نكل أو أقرّ لم يمض عليهما؛ لتعلّق الحق بغيره، فلا يُسمع إقراره في حقّ غيره.

وهل يحلف منصوب الإمام لو ادعياه، أم لا يحلف؛ لأنَّه بمنزلة الإمام ؟ ظاهر المشهور: إنَّه لا تتوجه عليه اليمين، ولا يقضى عليه بالنكول، بل لا تسمع عليه الدعوى.

والأقرب للقواعد والأوجه: إنّه يحلف.

ولو نكل أو أقرّ، لم يمض إقراره على المتقاسمين.

وهل تقبل شهادة القاسم مطلقاً إلا إذا كان بأجرة لجلب النفع، أو لا تقبل مطلقاً؛ لاتهامه في جرّ النفع إليه لتصحيح قسمته، أو تُقبل إذا كان منصوب الإمام ولم يكن مستأجراً دون غيره؛ لأنَّه بمنزلة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟

ولو تعدّد الشركاء فأقر أحدهم بالغلط أو نكل بطلت القسمة في حقه دون غيره.

وقيل ببطلان أصل القسمة؛ لأنّها قسمة واحدة، فلا تتبعض (1).

ولا فرق في ذلك بين قسمة التراضي وغيرها.

خلافاً للشيخ نقلاً، فلم تسمع دعوى الغلط في الأولى؛ لأنَّه قد رضي بالزيادة، وقسم على ذلك النحو (2).

وفيه منع رضاه بذلك؛ لاحتمال السهو والغفلة والجهل بالقيمة ونحو ذلك.

ثانيها: في أن الأصل لزوم القسمة

ثانيها: الأصل لزوم القسمة؛ للاستصحاب، ولأن الأصل في النواقل اللزوم.

وهل تشرع فيها الإقالة؟ وجه قريب.

وهل يجري فيها خيار الشرط، أو اشتراط الخيار، لا يبعد ذلك.

ويجري فيها خيار الغبن في التقويم وخيار العيب.

وهل تفسد بالعيب؟ وجه، ومع العدم له الأرش أو الرد.


1) حكاه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14: 56 عن الشهيد الأوّل في بعض فوائده، ولم نعثر عليه.

2) راجع المبسوط 8: 141 - 142.

ومع الأرش هل يكون كقسمة الرد؟ الأوجه: العدم.

ويجري فيها خيار الوصف، وتجري فيها الفضولية، ويقوم الولي مقام المولى عليه مع الغبطة. ولو طلب أحد الشريكين قسمة بعض المشاع دون بعض، ففي وجوب إجابته وجه.

ولو طلب واحد القسمة مع اثنين، كما إذا كان له النصف وللاثنين النصف، لزم إجابتهما له ولو التزم أحدهما للآخر برفع الضرر عنه كما إذا قسما حمّاماً فالتزم أحدهما بدفع ياتون (1)وخزينته له أو تبرّع أجنبي بذلك، فإن كان مأخوذاً بشرط من غير عوض فلا يبعد لزوم الإجابة للقسمة.

وهل تقبل الشروط ؟ الظاهر نعم؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (2).

ولو كان الضرر في زمان دون زمان أو مكانٍ دون مكانٍ أو ينجبر بشيءٍ جزئي لزوم الإجابة وجهان، والأمر يدور مدار الضرر العرفي.

ويجوز أن يقسم الوقف عن الطلق.

ولو توقف على رد، كان من صاحب الوقف؛ لأنّ الوقف لا ينقل كي يقبل صاحب الوقف الرد.

فإن كان الردّ في مقابلة الوصف، فالجميع الذي أفرزه الموقوف عليه وقف، وإن كان في مقابلة بناء أو شجر، فالوقف غير ما بإزائه الرد.

ولو اقتسما مال الغير لأنفسهما فأجاز الملاك، احتمل ملك المتقاسمين له، كمن باع مال غيره لنفسه.

والأقوى العدم.

ولو اشتركا في دار عالٍ وأسفل فطلب أحد الشريكين قسمة أحدهما دون الآخر، فالأظهر عدم لزوم إجبار الممتنع؛ لأنّ المشترك إذا كان واحداً لا يجبر على قسمة بعضه.

ولو طلب أحدهما الانفراد بالعلوّ أو السفل، لم يجبر الممتنع.

ولو تقاسما العلو والسفل فطلب صاحب بعض العلوّ أسفل عالي الآخر أو طلب صاحب الأسفل أعلى سافل الآخر، ففي الإجابة وجهان، ولا يبعد عدم إجبار الممتنع ولو توقف

التعديل؛ للزوم الضرر غالباً.


1) كذا في النسخ الخطية.

2) راجع الهامش (3) من ص 203.

ثالثها: لو كان بين الشريكين أرض و زرع فطلب أحدهما قسمة الأرض فقط

ثالثها: لو كان بين الشريكين أرض و زرع فطلب أحدهما قسمة الأرض فقط، أُجبر الممتنع، ولو طلب قسمة الزرع، فإن كان تحت الأرض لم يجز؛ لزيادة الغرر، ولو كان قصيلاً فالأظهر جواز قسمته؛ لإمكان تعديله، وإجبار الممتنع أيضاً.

ولو كان سنبلاً، قال الشيخ نقلاً لا تجوز (1)، وكأنّه لشبه القسمة بالبيع، ولا يجوز بيع السنبل بمثله.

والحق: جواز قسمته.

ويجوز قسمة الأرض مع الزرع بتعديل الاثنين على السواء.

ولا يجبر الممتنع على قسمة الأرض في مقابل الزرع؛ للاختلاف جنساً.

ولا تجوز قسمة الدور والدكاكين المتفرّقة وإن تقاربت قسمة إجبار بعضاً ببعض.

وتجوز قسمة النخل من دون الأرض قسمة إجبار، وكذا الشجر.

ولو اختلفا لم تجز قسمة بعض ببعض مع التعديل قسمة إجبار؛ لاختلاف الجنس.

وتجوز قسمة النخل تبعاً للأرض في البستان الواحدة قسمة إجبار، وكذا النخل، ومع الاختلاف فالظاهر إنّه تجوز قسمتها مع التعديل قسمة إجبار تبعاً للأرض.

رابعها: حكم ما لو اقتسما وظهر دين على الميت

رابعها: لو اقتسما وظهر دين على الميت، فإن ضمن الورثة الدين ورضي الغرماء أو وفوا الدين، صحت القسمة، وكذا لو أجازها الغرماء، وإلا نقض الغرماء القسمة.

ولو وفي بعض دون بعض صحت القسمة بالنسبة إلى مَنْ وفى على إشكال.

ولا فرق بين الدين المستغرق وعدمه؛ للاتفاق على تعلق حقّ الورثة به.

وقد يقال بناءً على عدم انتقال التركة إلى الورثة في المستغرق عدم صحة القسمة؛ لأنهم قسموا ما لم يملكوا.

وفيه: إنّه برضى الغرماء تصح القسمة، فتكون كالفضولي، بل هي إلى الصحّة أقرب.

ولو ظهرت وصيّة، فإن كانت كلّيّةً فهى كالدَّيْن، وإن كانت معيّنةً أو جزءاً من المال مشاع كانت كما لو ظهر بعض المقسوم لغير المتقاسمين.

خامسها: حكم ما لو اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقاً

خامسها: لو اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقاً، فإن كان معيناً فظهر كله أو بعضه مع نصيب أحدهما بطلت القسمة؛ لبقاء شركة هذا مع أُولئك.


1) المبسوط 8: 141.

ولو كان البعض مع نصيب كلِّ منهما بقدر واحدٍ معيّن، صحت القسمة، وأخرجوا المعين من كلّ نصيب، وإن كان المعيّن مع كلّ نصيب لكن فيه زيادة ونقصان، بطلت القسمة؛ لبقاء الشركة.

ولو كان المستحق للغير مشاعاً في الحصص، ففي البطلان؛ لعدم حصول التمييز بين الشركاء وللشكّ في شمول دليل القسمة لذلك، أو الصحّة؛ لحصول المقصود من التمييز بين هؤلاء المتقاسمين وإن بقيت لهم شركة مع غيرهم، والأخير قوي.

ولا يتفاوت حينئذٍ بين علم الشريكين بالاستحقاق وبين عدمه.

وتبنى المسألة على أنّه تجوز القسمة بين أربعة شركاء كل اثنين بنصيب، أم لا تجوز؟ ولا يبعد الجواز.

وقد يفرّق بين رضى المستحق بالقسمة بين المتقاسمين، وبين عدمه، أو بين العلم والجهل.

سادسها: في بيان قسمة الحصص إن تساوت قدراً وقيمة

سادسها: الحصص إن تساوت قدراً كثلاثة لثلاثة، وقيمةً بمعنى مساواة أجزاء المقسوم لقيمة الجملة فالقسم بتعديلها على قدر السهام؛ لأنَّه يتضمن القيمة، كالدار بين اثنين وقيمتها متساوية، وعند التعديل يكون القاسم مخيّراً بين الإخراج على الأسماء وبين الإخراج على السهام، فالأول يكتب كلّ نصفٍ في رقعةٍ ويميّز نصفاً عن نصف بوصفٍ من الأوصاف ويخفي الكتابة بشمع أو طين ثمّ يأمر مَنْ ليس له اطلاع على ذلك بإخراج إحدى الطينتين على اسم أحد المتقاسمين، فما خرج فهو له، والثاني يكتب الاسمين ويكتمهما ويأمر مَنْ لم يطلع يخرج أحدهما على نصف من النصفين.

وإن تساوت الحصص قدراً لا قيمة، عدلت السهام قيمةً وأُلقي القدر، حتّى لو كان الثلثان بقيمة الثلث جعل الثلث سهماً محاذياً للثلثين، وفعل كما تقدّم.

وإن تساوت الحصص قيمةً لا قدراً، مثل أن يكون لواحد النصفُ وللآخر السدس وقيمة الأجزاء متساوية، قسمت السهام على أقلّهم نصيباً وهو السدس، فيجعل أسداساً.

وهل يكتب بعدد السهام،سنّة لصاحب السدس،واحدة ولصاحب الثلث اثنان، ولصاحب النصف ثلاثة أو بعدد الشركاء فيكتب ثلاثة ؟ الأقرب الثاني ؛ لحصول المقصود مع السهولة، فحينئذٍ يكتب لكلّ اسم رقعة ويجعل للسهام أوّل وثاني وثالث وهكذا إلى السادس، والخيار تعيين ذلك إلى المتقاسمين، والخيار بيد القاسم أو الأمر إلى القرعة، ثمّ يخرج رقعة فإن

تضمنت اسم صاحب النصف، فله الثلاثة الأول من السهام: الأول والثاني والثالث، ثمّ يخرج ثانية، فإن خرج صاحب الثلث فله السهمان الآخران الرابع والخامس، ولا يحتاج الإخراج لصاحب الثالثة.

ولو خرج صاحب الثلث أولاً، كان له السهمان الأولان، ثمّ يخرج أُخرى، فإن خرج صاحب النصف فله الثالث والرابع والخامس، ولا يحتاج إلى إخراج أخرى.

ولو خرج صاحب السدس أولاً، كان له السهم الأول، ثمّ يخرج الأخرى، فإن كان صاحب الثلث فله الثاني والثالث والباقي لصاحب النصف.

ولو خرج في الثانية صاحب النصف كان له الثاني والثالث والرابع، وبقي الباقي لصاحب الثلث. وعلى الأول - وهو أن يكتب الرقاع باسم السهام الستّة ويخرج على اسم الشركاء - فقد يحصل فيه خلل يؤدّي إلى تفريق السهام؛ لأنَّه ربما لا يخرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس ليتفرّق ملك من له النصف أو الثلث وربما خرج السهم الرابع لصاحب النصف فيريده وسهمين قبله ويريد أن يأخذ سهمين بعده فيفضي إلى النزاع.

ويجوز مع رجوعهم في جميع الرقاع أن يخرج لصاحب النصف ثلاثة متفرقة ولصاحب الثلث اثنان متفرّقان، فيؤدي إلى الإضرار.

والأمر بالإخراج هنا على الأسماء دون السهام تبعاً للمحقق (1).

وكان حقّ التعبير بالعكس، وهو إخراج الأسماء على السهام، كما عبّر به جماعة (2)، أو

التعبير بإخراج الأسماء من غير أن يجعله على السهام أو غيرها.

وهو أجود؛ إذ لا ينطبق الإخراج على السهام؛ لاختلافها باختلاف الأسماء، بل المعتبر في الاسم الخارج أولاً أن يعطى الأول وما بعده إلى تمام الحق إن احتيج إليه بأن كان صاحب الحق غير صاحب السدس فلا يتعيّن السهم إلا بعد تحقق الاسم، لكن لما كان السهم الأوّل متعيّناً للاسم صدق إخراج الأسماء على السهام في الجملة، بخلاف العكس، فإنّه يحتاج إلى تكلّف، أو يؤدي إلى الفساد.


1) شرائع الإسلام 4 : 94.

2) كما في مسالك الأفهام 46:14

وليعلم أنّ محذور تفريق السهام على تقدير إخراجها على الأسماء يلزم على تقدير الإخراج أولاً على اسم صاحب السدس بأن يخرج له السهم الثاني أو الخامس.

ويمكن الغناء عنه بأن يبدأ أولاً باسم صاحب النصف، فإن خرج الأول باسمه أُعطي الأول وما بعده، وإن خرج الثاني أُعطي معه ما قبله وما بعده.

وإن خرج الثالث، قال بعضهم: وقف وأخرج لصاحب الثلث، فإن خرج على الأوّل فله الأول والثاني، ولصاحب النصف الثالث وما بعده، ويتعين السدس لصاحبه، وكذا الحكم لو خرج لصاحب الثلث الثاني، وإن خرج له الخامس فله معه السادس (1).

وقيل: إذا خرج لصاحب النصف الثالث فله الثالث واللذان قبله، وإن خرج الرابع فله الرابع واللذان قبله، وتعيّن الأوّل لصاحب السدس والأخيران لصاحب الثلث، وإن خرج الخامس فله معه الاثنان اللذان قبله، ويتعين الأخير لصاحب السدس، والأولان لصاحب الثلث، وإن خرج السادس فله معه الاثنان قبله، ويخرج رقعة أُخرى باسم أحد الآخرين (2).

ويمكن البدأة أيضاً باسم صاحب السدس فإن خرج باسمه الأول أو الثاني كان له الأول، وإن خرج الخامس أو السادس كان له السادس، ثمّ يخرج باسم أحد الآخرين، فلا يقع تفريق، وإن خرج له الثالث دفع إليه، وتعيّن الأولان لصاحب الثلث والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف، وإن خرج له الرابع دفع إليه وتعيّن الأخيران لصاحب الثلث، والثلاثة الأول لصاحب النصف.

فإن بدأ بصاحب الثلث فخرج له الأوّل أو الثاني، دفع إليه الأول والثاني، وإن خرج له الخامس أو السادس دفعا إليه، ثمّ يخرج باسم أحد الآخرين.

وإن خرج لصاحب الثلث الثالث، فله ما قبله معه، وتعيّن الأول لصاحب السدس والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف، وإن خرج الرابع فله معه الخامس، ويتعين السادس لصاحب السدس، والثلاثة الأول لصاحب النصف.

وأكثر هذا إنما يتم إذا اتفق عليه الشركاء أو رآه منصوب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو مَنْ رضيا بقسمته.


1) كما في مسالك الأفهام 46:14.

2) كما في المصدر : 47.

وإذا اختلفت السهام والقيمة، عُدّلت السهام تقويماً، وميزت على قدر أقلهم نصيباً؛ لأنّ المعتبر في جعل السهام على أقلها مراعاة القيمة لا المقدار، فإن اتفق المقدار فذاك، وإلا اعتبرت القيمة، فقد يجعل ثلث الأرض بسدس ونصفها بسدس آخر، والسدس الآخر يقسم أرباعاً، فتصير السهام ستّة متساوية القيمة، والأمر بإخراجها بالقرعة كما تقدم (1).

سابعها: في أنّ القرعة هي كلّ أمر يستكشف به الأمر المبهم

سابعها: القرعة هي كلّ أمرٍ يستكشف به الأمر المبهم، سواء كان بفعل فاعل اختياري أو بوقوع فعل من فاعل آخر، فهو كالتفاعل، إلا أنَّه في الشرع لا يجوز بما فيه خطر، كنعق الغراب، أو صوت حيوان، أو دخول واحدٍ أو خروجه، بل يختصّ بما فيه بيان، كالرقاع في البنادق، ويجوز بالحصى والنوى والبعر، بل في الأصابع.

وورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنَّه اقترع بالنوى والبعر (2).

والأخبار الواردة بلفظ القرعة (3)ظاهرة فيما يقترع به زمن الصدور وما يستخرج به المبهم ذلك اليوم، والظاهر أنَّه لم يكن ذلك اليوم شيء خاصّ معلوم للاقتراع.

نعم، أظهر أفرادها وأحوطها الرقاع وشبهها في البنادق والطين، وكلّ ما ازداد خفاؤها كان أولى وأحوط.


1) تقدّم في ص 410.

2) لم نتحقّقه في مظانه.

3) راجع وسائل الشيعة 27 : 257 وما بعدها الباب 13 من أبواب كيفية الحكم... .

القول في أحكام المدّعي والمنكر

وفيه أمور:

أحدها في بيان المدّعي وتعريف الدعوى والمدّعي

الدعوى في اللغة: الطلب، قال سبحانه وتعالى: (وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ) (1)أي يتمنون.

والقول، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للّه رَبِّ العَالَمِينَ) (2).

وإضافة الشيء إلى النفس، كقوله: «هذا لي».

إلى الغير»، كقوله: «هذا له».

وكأن الدعوى خبر لا يخلو من شائبة الإنشاء، وهي الحكم على المنكر بما يدعيه عليه.

وللفقهاء في تعريف المدّعي طرق:

أحدها: إنّه هو الذي يُترك لو ترك، وبمعناه يُخلّى وسكوته.

ثانيها: إنّه مَنْ يدّعي خلاف الظاهر، وبمعناه مَنْ يدعي أمراً خفياً.

ثالثها: إنَّه مَنْ يدّعي خلاف الأصل.

رابعها: إنّه أحد هذه الثلاثة مردّداً بينها.

وربما عبّر عن مخالفة الظاهر بمخالفة الأصل فأراد بذلك ما يشمل الأمرين معاً؛ لأنّ الأصل يطلق على الظاهر.

والمنكر في مقابل ذلك، فمَنْ تُرك لو ترك أو وافق قوله الأصل أو الظاهر أو الجميع أو المركب من الاثنين كان هو المنكر.

وقد تجتمع الثلاثة في فقير ادّعى غنيّاً وفيّاً مالاً في ذمته فأنكره.


1) يس (36) : 57.

2) يونس (10) : 10.

وقد يختصّ بواحدٍ ويسلب الباقي.

وقد تتعارض فيه فيصير مدعياً منكراً بالاعتبارين، فللحاكم طلب البيّنة عليه من حيثية الدعوى واليمين من حيثية الإنكار.

وقد يغلّب في حال الاجتماع أقواها، كما يغلب مخالفة الأصل لموافقة الظاهر، ويغلب ما لو ترك لترك للاثنين الباقيين.

وقد يرجع في الاجتماع إلى العرف فمَنْ يسمّوه مدعياً والحال ذلك جرى عليه حكم المدّعي، وإلا جرى عليه حكم المنكر، وهو الأقرب.

مثال ذلك: لو أسلم الزوجان قبل الدخول فقال الزوج: أسلمنا معاً، فالنكاح باقٍ، وقالت: أسلمت قبله فلا نكاح، فعلى الأول والثالث هي المدّعية؛ لأنها لو تركت الخصومة لتركت واستمر النكاح، ولأنّها تدعي تعاقب الإسلام والأصل عدمه؛ لاستدعائه تقدّم أحد الحادثين على الآخر والأصل،عدمه، وعلى الثاني هو المدّعي؛ لبعد المقارنة.

وكذا لو ادعت زوجة الموسر وهي معه عدم الإنفاق وهو ينكره، فإنّ قولها يوافق الأصل ويخالف الظاهر، فهي مدعية على الأخير منكرة على الأوّل، وعلى التفسير الأوّل مدّعية.

وكذا لو ادعى المتلف الإعسار ولم يعلم أنّ عنده مالاً، فإنه منكر بالمعنى الثالث ولا مدّعِ ولا منكر بالمعنى الثاني، وفي كونه مدعياً ومنكراً بالمعنى الأول وجهان: من أنَّه لو ترك دعوى الإعسار لترك بمعنى الأخذ منه ما يقربه من المال، ومن أنَّه لو تركه الغريم ودعوى الإعسار لترك.

والحق: الرجوع عند المعارضة إلى العرف كما هو الشأن في كل ما أُنيط الحكم فيه بأمرٍ لفظي ولم يجئ بيانه في الشرع، بل الظاهر أنّ تعاريف الفقهاء للكشف عن المعنى العرفى للفظ المدّعي الذي ورد أن البيّنة عليه وأن اليمين المردودة ذهبت بدعوى المدّعي، فكلُّ منهم يتخيل أن العرف ينطبق على حده، أو أن العرف ينطبق على الجميع، ولكن عند اجتماعها في واحد أو اجتماع اثنين يرجع أيضاً فيه إلى العرف، فإن حكم العرف عليه باسم واحد جرى عليه حكمه، وإن حكم عليه بالاسمین جاز تعلّق الحكمين به.

والذي يظهر في دعوى الزوجة عدم الإنفاق أنَّها هي المدّعية، كما إذا ادعت عليه عدم

الإنفاق وعدم المضاجعة بخلاف ما لو كانت في مكان بعيد وكان معسراً وكان ظاهر حاله اللؤم والشحة.

وكذا في دعوى الإعسار أنَّه هو المدّعي، إلا أن يوافق الظاهر في ذلك.

وكذا في مدعية الإسلام أنَّها هي المدّعية؛ لأنها تدعي انفساخ النكاح.

وبالجملة، فيحكم أهل العرف بالمعنى الأوّل أنَّه المدّعي قطعاً كيف كان ولو عارضته المعاني الأُخر كلاً أو بعضاً.

والأوجه أن يجعل مدار الفرق بين المدّعي والمنكر على تحرير محلّ النزاع والخصومة، فمَنْ يدّعيه هو المدّعي، ومَنْ ينكره فهو المدّعى عليه وهو المنكر، ثمّ لا يلتفت إلى ما تتضمنه الدعوى من الإنكار، أو إلى ما تضمنه الإنكار من الدعوى، فكثيراً ما يتضمن أحدهما الآخر، كما مر من الأمثلة، بل كلّ منكر يدعي كذب المدّعي وخطأه، والمدّعي ينكر ذلك.

وقد حكم جملة من أصحابنا (1)فيما إذا كان البيع بالمشاهدة السابقة على وجه يصح معه البيع ثمّ طرأ فيه صفة نقص فاختلف المتبايعان فقال المشتري: إنَّها لم تكن يوم شاهدته فلي الخيار، فقال البائع بل كانت فلا خيار، بأن القول قول المشتري بيمينه؛ لأنَّه هو المنكر، لأنّ البائع يدعي علمه بهذه الصفة وهو ينكره.

واحتمل بعضهم العكس احتمالاً (2)، مع أن النزاع إنّما وقع في التغيير، فالمشتري يدعيه، والبائع ينكره، وادّعاؤه على المشتري العلم بهذه الصفة لا يخرجه عن كونه منكراً في هذه الخصومة بحيث لو ترك لترك.

وقد يقال: إنّ الابتياع بالوصف أو بالرؤية السابقة إنّما يتمّ إذا كان على ما رؤي، والشأن فيه، والبائع يدعي ذلك، فكان هو الذي لو تُرك لترك، إلا أنَّه يضعفه تعارض أصلي عدم التغير وعدم استيفاء الحق، فلا وجه لترجيح الثاني، مع ظهور أنّ الأوّل أرجح؛ لأصالة صحة العقد، ولتسمية أهل العرف له بعد تحقق البيع أنَّه هو المدّعي.


1) منهم : الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 77 وفخر الدين في إيضاح الفوائد 1 432 والمحقق الكركي في جامع المقاصد 4 : 109 - 110؛ والشهيد الثاني في مسألك الأفهام 3 : 178.

2) راجع شرائع الإسلام 2 : 12.

وممّا يشكل فيه الفرق بين المدّعي والمنكر ما إذا كان المبيع ممّا يكفي في قبضه التخلية، فوجداه بعد العقد والتخلية تالفاً، فادعى البائع أنّ التلف كان بعدهما، والمشتري أنَّه كان قبل العقد.

والأظهر هنا كون المشتري هو المنكر ؛ لأصالة عدم انتقال الملك، وعدم استيفاء الحق.

وكأن مبنى الفقهاء في هذه وفي الأولى على تقديم قول المشتري؛ لأصالة عدم وصول الحق، وعدم الالتفات إلى أصالة صحة العقد من جهة أنّ البيع إنما كان بالوصف وبالرؤية السابقة ولمّا يتم إلا بتسليم بقائه على ما كان أو يقال: إنّ الحكم يدور مدار بقائه وهو ثابت بالاستصحاب.

ولو لم يتخاصم المتداعيان بل طلبا الفتوى أفتى لهما المفتي بما ترجح لديه من الحكم بالضمان على المشتري؛ لأصالة تأخر الحادث، وأصالة صحة العقد والتخلية، وعدم تأثير احتمال تقدّم التلف عليهما أو على أحدهما أو على البائع، بناءً على أصالة عدم وصول المثمن إلى المشتري وعدم تحقق شرط الصحّة.

وكذا الحال في كل موضع لا يدعي المدّعي فيه حتّى يتضح له الحال.

واعلم أن المراد بخلاف الظاهر هو الظاهر لدى أهل العرف بحيث يكون خلافه أمراً نادراً، لا مجرد ظهور الحال عند الحاكم أو عند بعض الناس، ولا كونه أظهر من غيره، وإلا لزم أن تكون كثير من الدعاوي لا يتميّز فيها كون الظاهر مع المدّعي أو مع المنكر، بل المنكر كثيراً ما يخالف الظاهر، وأيضاً فقد يكون كلّ واحدٍ من المتداعيين مدعياً ومنكراً، فللحاكم أن يطلب من كلِّ منهما البيّنة، وله أن يطلب اليمين كذلك مع عدم البيّنة، فلا بد من التأمل.

ثانيها: في أنّ المدّعي عرفاً هو من نسب إليه شيئاً من شأنه أن ينكر ويطالب بإثباته

ثانيها: المدّعي عرفاً هو مَنْ نسب إليه شيئاً من شأنه أن ينكر ويطالب بإثباته، أو نسب إلى غيره شيئاً من شأنه أن ينكره أو يطالبه بإثباته، فالأوّل يدعي لنفسه، والثاني يدعي على غيره، ومن الأوّل من ادعى ما ليس فيه كذبته شواهد الامتحان، ومن الثاني البيّنة على المدّعي. والمعروف في المدّعي شرعاً هو كلّ مَنْ ذكر أنّ له على غيره حقاً يحاول استيفاءه منه، أو ذكر أنَّه قد وفى حقّ غيره بعد ثبوته عليه يحاول خلاصه منه، ففي المدّعي شائبة من شوائب الإنشاء، فالدعوى تتضمن معنى زائداً على مجرد الإخبار.

واختلف الفقهاء في تفسيرها على قولين، كما ذكر جماعة (1)، وهو المعنى الأوّل أو الثاني المردّد بين مخالفة الأصل والظاهر.

وقيل: ثلاثة بجعل المردّد قولين (2).

وربما يظهر من بعضهم أنّهما اثنان وهو الأوّل وأوّل المردّد بينهما.

ويظهر من آخرين أنَّه الأول ثاني المردّد بينهما.

وعلى كلّ حالٍ فالظاهر من هذه التعاريف أنَّها كشف عن العرف، لا بيان المعنى الشرعي؛ لعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة، لعدم ثبوت معنى جديد مخترع للدعوى في الشرع، وأنّهم يحاولون بيان معنى واحد، فلا يصح الجمع بين تعاريفهم بحمل العام على الخاص، أو بالحمل على الاشتراك اللفظي أو الاشتراك المعنوي؛ لأنّ كلّاً منهم بين معنى غير الذي بينه الآخر. والظاهر أنَّه معنى واحد يحاولون في تعاريفهم كشفه وبيان المراد منه بذكر لوازمه وخواصه، فكلُّ يذكر له خاصةً وعلامةٌ غير الآخر، وكلُّ منهم يريد بأصل المعنى ما يريده الآخر، وليس اختلافهم في أصل المعنى الموضوع له اللفظ حتّى يكون من باب تعارض النقل أو من باب اختلاف الاجتهاد وإن كان الظاهر من جماعةٍ أنّ هذه أقوال متغايرة وأنَّه اختلاف في أصل المعنى بحيث يلزم معه الترجيح والاجتهاد في تطبيق المنقول على العرف وعدمه.

وعليه فكلّ قول في بيان معنى المدّعي يكون المنكر مقابله، وعليه فالأرجح تعريفه بمَنْ لو تُرك لترك؛ لأنّه أقرب إلى العرف ولا يُنظر بعد ذلك إلى موافقة الأصل وعدمها، ولا إلى موافقة الظاهر وعدمها وفى الغالب ملازمتهما،له على أنّه يشكل المراد بالأصل هو الأصل العقلي أو الشرعي كأصل الصحّة، فلم يعلم أيهما المراد بالموافقة والمخالفة، وأيضاً فالأصول لم تزل متعارضة في باب الدعوى.

ويشكل المراد بالظاهر؛ لأنَّه على الظاهر في مقابلة الخفي، مع أنَّهم عدوا من مخالفة الظاهر دعوى زيد في ذمة عمرو مالاً.

ويقوى القول بأن اختلافهم بالتعاريف من قبيل الاختلاف بالعلائم، فكلُّ يذكر علامةً


1) منهم الطباطبائي في رياض المسائل 15 : 146.

2) كما في المختصر النافع : 409.

للمعنى العرفي؛ لأنَّه لما كان المعنى العرفي هو نسبة الإنسان لنفسه أو لغيره أمراً يطالب بإثباته ممّا يلزمه أنَّه يخلّى وسكوته، لأنَّه لا يطالب بإثباته إلا إذا حاول حصوله، فإذا تركه ترك، ويلزمه أنّ قوله غالباً خلاف الأصل؛ لأنَّه لو كان على الأصل لسلّم له ولم ينكر، أو خلاف الظاهر؛ لأنَّه لو وافقه لسلّم أيضاً، وحينئذٍ فالمنكر مَنْ لم يتصف بشيءٍ من هذه العلائم.

وعلى هذا الوجه يكون الترديد منهم ترديداً في أفراد الحدّ بالخاصّة، فكل حدّ منهم قابل لأن يحدّ به ذلك المحدود.

ولو فرضى أن المتداعيين وجد في كلّ منهم خاصةً من تلك الخواص متساوية أو متغايرة جاز للحاكم أن يطلب البيّنة من كل منهما.

والأظهر أنّه يطلبها ممّن يخلّى وسكوته؛ لأنّه أقرب للعرف، وأظهر أفراد المشترك اللفظي أو المعنوي لو كان كذلك، وأسلم العلائم وأحكمها، أو يقال: إنَّه عند التعارض يكون ممّا أجمل على الفقيه حاله فيأخذ بالفرد الأكمل وبالأحوط لديه، والمعنى الأوّل متفق عليه، فيطلب البيّنة من صاحبه، فإن أشكل عليه طلب البيّنة من كلُّ منهما إذا كانتا بينتي إثبات؛ لأنّ بيّنة الإثبات مسموعة إذا لم تكن بيّنة داخل فيطلب الترجيح، وإن كانت إحداهما بيّنة نفي اطرحها ويطلب اليمين من كل منهما، بل قد يقال: إن في كلام كثير من الفقهاء إجمالاً؛ بناءً على أن الترديد في نفى الحد، فيعود الترديد للمحدود، فيكون من باب المجمل.

وبالجملة، فالمدّعي - سيما عند الخصومة - لا يخفى على الفقيه الماهر، وهو من الألفاظ الموضوعية، فيرجع فيه إلى ظنّ الفقيه الجامع للشرائط، ويختلف ذلك بالنسبة إلى إبراز الدعوى، فربّ صورةٍ يكون المدّعي فيها منكراً في صورة أُخرى، وهي دعوى واحدة. كما إذا أسلم الزوجان فأبرز الدعوى في بقاء الزوجيّة وزوالها، فمدعي الزوال مدع، ولو أبرزاها في تقدّم الإسلام ومقارنته فمدّعي الاقتران مدّع، فلو قال الزوج ببقاء الزوجيّة وقال بالاقتران وذكرهما معاً، فهو منكر بالنسبة إلى الأوّل مدّع بالنسبة إلى الأخير، ولو لم يقرنهما جرى على كل من الصورتين اسمها.

وكذا ينبغي أن يلاحظ قولهم: إن المدّعي ما خلّي وسكوته أن مدعي وفاء الدين ليس مدعياً إن لوحظ فيه أصل الدعوى؛ لأنّ الغريم يريد ماله فلا يتركه، وإن لوحظ فيه أنَّه لو يترك دعوى الوفاء لأدّى فترك من التداعي إلزاماً بإقراره الأول. والظاهر أن المراد المعنى الأول.

وبهذا عُرف أن دعوى الودعي الردّ مدع؛ لمخالفته الأصل، وليس بمدع بالمعنى الأول. ولكن خرج عن الحكم بالإجماع؛ لإحسانه القاضي بالاكتفاء منه باليمين، وكذا الأمين في دعوى التلف. واحتمال أنَّه يوافق الظاهر؛ لأنَّه يدّعي بقاء أمانته وصدقه ويوافق الأصل وهو استصحاب صدقه وأمانته وعدم خيانته وصدق قوله بعيد؛ لأنّ هذه لوازم لدعوى الردّ، والدعوى هي نفس الرد.

ويمكن سماع قولهم؛ لأنهم يتركون لو تركوا.

والفرق بين دعوى الوفاء وبين دعوى الردّ هو اعتضاد دعوى الردّ بقاعدة الإحسان، واعتضاد دعوى الغريم بقاعدة إحسانه وبتسمية أهل العرف لمدعي الوفاء أنَّه مدع، كما أن قول مدعي الصحّة يقدم وإن خالف الأصول العقلية؛ لاعتضاده بالأدلّة الشرعيّة، سواء كان مصبّ الدعوى هو نفس الصحّة والفساد، أو ما يلزمهما من علم بالقدر أو القدرة على التسليم ونحوها.

ثالثها: في أنَّه يشترط في المدّعي والمنكر العقل والبلوغ

ثالثها: يشترط في المدّعي والمنكر العقل والبلوغ واحتمال سماعها فيما يصح من غير البالغ كدعوى الإذن في دخول الدار ودعوى الوقف والوصيّة؛ بناءً على صحة وقفه ووصيته كما يدعي أني وقفتُ هذا المبيع وجعلت الولاية لي ليفسد بيعه، أو أوصيتُ به سابقاً لزيد، أو أني وقفته أو أذنت له في دخول الدار وكونه مالكاً أو وليّاً أو وصيّاً أو حاكماً أو وكيلاً عمن تقدم، أو حسبيّاً من عدول المؤمنين عند الاضطرار، أو له تعلق حقّ من رهانة أو وديعةٍ أو عارية - على الأظهر الأقوى - مغصوبتين مع ضمانهما، عليه بل مع عدمه أو حقّ عام من خمس أو زكاة أو وقف عام.

ولا تُسمع دعوى الفضولي، ولو حكم الحاكم له لم ينفذ حكمه.

ويجوز للحاكم أن ينصب عن الغائب والقاصر مَنْ يدعي عنه.

ويصح دعوى المشتري فضولاً ممّن غصب من اشتراه ولو قبل الإجارة؛ لتعلّق حقه على الأظهر.

ولا يجوز الدعوى بما لا يتموّل في وجه، ولا فيما لا يملك إلا إذا تعلق له به حق، كبعض الكلاب والسنانير والأرواث وإن لم يتعلق بها ملك.

ويصح على ما يعود له به نفع وإن ملكه غيره أو كان لا يملك.

وتصح الدعوى بواجبات كانت على المكلف كإحراق كتب الضلال وتكسير الزيوف و تكسير الأصنام فغصبها غيره وكان قادراً على استخلاصها.

ولا يشترط في دعوى الملك اللزوم، فيجوز أن يدعي المبيع معاطاةً أو ما فيه خيار للمدعى عليه إلى أن يفسخ.

ويجوز أن يدعي الهبة بعد قبضها.

نعم، لا تصح الدعوى بما لم تثبت صحته، كالهبة قبل قبضها والسَّلَم والوقف قبل قبضهما. والصرف كذلك، إلا إذا عاد عليه نفع من وجوب التقبيض وشبهه.

نعم، يصح إطلاق الدعوى في الهبة، وتنصرف إلى المقبوضة الصحيحة، وكذا الوقف وكذا دعوى السلم.

ولا يجب على الحاكم الاستفسار؛ لظهور اللفظ أو الدعوى في الصحيح، فلا يجب على مدعي الهبة ونحوها أن يقول: وقبضتُ أو تصرّفتُ.

وكون العقد الجائز ينزل إنكاره منزلة فسخه وأنَّه لو أقرّ به لا يلزم به فلا ثمرة للدعوى به، ضعيف؛ لمنع الأول، ولجواز الإلزام لنذرٍ أو شبهه، ولجواز إبقاء عند الإقرار به فيمضى أثره.

رابعها: حكم ما لو ادّعى المنكر أو المدّعي فسق الحاكم أو جنونه أو
إشارة:

رابعها: لو ادعى المنكر فسق الحاكم أو جنونه أو خطأه أو فسق الشهود أو جرحهم أو كذبهم، أو ادعى المدّعي ذلك لو كان الحكم للمنكر، لم تُسمع تلك الدعوى إن كانت الدعوى مع الحاكم أو الشهود، ولا يتوجه عليه يمين قطعاً؛ للزوم الفساد، وتعطيل الأحكام والفضاضة على الحُكّام المنصوبين لاستقامة النظام إلا مع البيّنة فتُسمع لو عاد في إثبات ذلك نفع يعود إليه من غرامة ونحوها.

وإن كانت الدعوى من أحد المتخاصمين على الآخر، ففي سماعها مع البيّنة وعدمها، أو العدم مطلقاً، أو سماعها مع البيّنة لا بدونها وجوه، أوجهها السماع مطلقاً، فيحلف المنكر على نفي العلم مع عدم البيّنة لا على البت، ولو نكل رُدّت اليمين على المدّعي، فيحلف على البت بالفسق ونحوه فيبطل الحكم بعد حصوله ويقف قبل ذلك.

وكذا لو ادعى إقرار الخصم بذلك حين الحكم أو بعده حالة الحكم، إلا أنَّه هنا يحلف على البت في نفي الإقرار.

ومدرك السماع عموم أدلّة المدّعي والمنكر، وحصول الفائدة في هذه الدعوى.

والوجه الآخر: عدم السماع وهو قوي إن كانت الدعوى بالفسق دون غيره من العوارض.

قالوا: لأنَّه يثبت فساداً على الحُكّام وعلى إمضاء الدعاوى، ويهيج غضاضةً عليهم بتحليف كلّ من حكم له أو تشهد عليه، ولأنّه ليس حقاً لازماً، ولا يثبت بالنكول واليمين المردودة فسق أو بطلان حكم.

إلا أنَّه في الجميع نظر ؛ لمنع الفساد في الأول لمكان الحاجة، ومنع كونه حقاً غير لازم، ومنع عدم بطلان الحكم باليمين المردودة المسببة عن إثبات الفسق بإقرار المدّعي وإن لم يثبت الفسق بنفسه.

وبالجملة، فيجوز توجه اليمين على المنكر إذا عاد إليه نفع إلى المدّعي بإقراره ونكوله وإن لم يكن دعوى العلم بالفسق من الحقوق اللازمة ابتداءً فهي من الحقوق اللازمة للمدّعي على المنكر بالعرض.

ودعوى أن الأصل عدم توجه اليمين وعدم نفوذ الحكم عند الشكّ إلا بالمتيقن لا وجه لها بعد شمول العمومات، كما لا وجه للقول بأن إقرار المدّعي بفسق الحاكم أو نكوله مع يمين المنكر لا يقتضي سقوط الحق عن المنكر بعد صدور الحكم من الحاكم وثبوت عدالته ظاهراً وثبوت عدالة الشاهدين عنده؛ لأنّ الفسق المعلوم عند المدّعي لا ينافي نفوذ الحكم ممّن ظاهره العدالة عند غيره؛ لأن الشرط ثبوتها في الجملة، وذلك لأن الفسق مانع من نفوذ الحكم عند العالم به، سواء كان له أو عليه، وسواء كان في الحاكم أو الشاهد.

ومع ذلك كله فالقول بعدم سماع دعوى العلم بفسق الحاكم أو الشهود قوي؛ للشكّ في صحة إلزام أحد الخصمين الآخر بالجواب عن ذلك؛ لأنَّه من قبيل إلزام شخص بجرح آخر، وللشك في بطلان الحكم بالإقرار بالفسق؛ لعدم الملازمة بين العلم بفسق الشهود أو جرح الحاكم، وبين بطلان الحكم لاحتمال خطئه في الفسق أو الجرح؛ لابتنائه على دقائق لا يعرفها إلا الحاكم.

نعم، لو أقر ببطلان الحكم كما إذا قال: كذب شهودي، أو قال: حكم الحاكم بشهادة الفاسق عنده أو قال : حَكَم وهو صغير أو مجنون - حكم ببطلان الحكم على موجب إقراره، ووقفت دعواه إلى أن يأتي بشاهدين آخرين، أو يمضي إلى حاكم آخر يحكم له، وإلا لزمه إرجاع الحق لأهله، فعلى ذلك لو كانت عنده بيّنة على علم المدّعى عليه بفسق الحاكم أو الشهود لا تجدي بينته ولا تسمع دعواه.

نعم، لو كانت عنده بيّنة على فسق الحاكم أو الشهود، اتجه السماع على إشكال؛ ينشأ : من أنّ الحُكّام ينبغي أن لا يتعرّض لهم المتداعيان بعد صدور الحكم منهم؛ للزوم الفساد بسماع الحاكم الآخر الدعوى عليهم من المتخاصمين بذلك.

نعم، لو صدرت الدعوى من غير المتخاصمين في مقام حدّ أو تعزير جاز.

وبالجملة، فالدعوى إن أبرزوها بصورة بطلان الحكم وعدمه ولو من جهة فسق وشبهه توجهت الدعوى وسمعت، وإن أبرزوها بصورة فسق الحاكم وعدالته والشهود وعدالتهما كان القول بعدم سماع الدعوى لا يخلو من قوة.

فائدة: لو ادّعى أحد الخصمين على الآخر الإقرار بالحق

فائدة: لو ادّعى أحد الخصمين على الآخر الإقرار بالحق، سمعت الدعوى، فإن أقام بيّنة فيها، وإلا فإن أقر بإقراره الزم بالإقرار الأول الذي أثبته الإقرار الثاني، وإلا حلفه، فإن نکل حلف المدّعي وثبت إقراره.

والإقرار وإن لم يُثبت الحق واقعاً يثبته ظاهراً؛ لأنَّه سبب لثبوته عليه، فهو بمنزلة دعوى اليد، حتّى لو لم يعلم المقرّ له بثبوت الحق جاز له أن يستوفيه من المقرّ ما لم يعلم عدمه، فالقول بعدم السماع وعدم توجه اليمين ضعيف.

خامسها: في أنّ الدعوى بمنزلة الإقرار

خامسها: الدعوى بمنزلة الإقرار، فلا يسمعها الحاكم إلا بنحو يفهم منه ما يطالب المنكر بجوابه وما يطالب المدّعي بالبيّنة عليه، فلا تُسمع المبهمة ولا تفتقر إلى البيان التفصيلي المستغنى عنه في الغرض المسوغ له الدعوى، فلو ادعى أن له عليه كذا، كفى عن السؤال أنَّه عن ثمن مبيع أو قرض أو نذرٍ أو ميراث، وأنَّه كان سابقاً أو لاحقاً.

نعم، يسأله لو قال: مائة ذهب، عن أنواعه، أو مائة قرش، عن أجناسه كي يعرف مطابقة الشهادة له وعدمها، أو ثوب عن جنسه ووصفه، أو دابة كذلك.

نعم، لو ادعى القتل، لزم الاستفسار عن كونه عمداً أو خطأ أو شبه العمد، قتله وحده أو بمشاركة الغير ما لم يظهر من الخطاب شيء، ويكفي ظاهر الخطاب عن الاستفسار، فلا يلزم الاستقصاء؛ لتفاوت الأمور المرتبة على كلّ واحدٍ، ولأن غايته وخطأه لا يتدارك.

والظاهر إنَّه لا خلاف في لزوم الاستفسار عند الجهل بالحال وإمكان الاستعلام. أما مع عدم إمكان الاستعلام كما إذا لم يعلم المدّعي سوى صدور القتل، فهل تسقط الدعوى أو تُسمع فيأخذ الحاكم بمحلّ اليقين من المشهود به والمحلوف عليه ويعمل بالصلح أو الاحتياط؟ وجهان، ولا يبعد الأخير؛ خوفاً من تأدية عدم السماع إلى إضاعة الحقوق وتلفها. ويسري ذلك إلى سماع كلّ مجمل لا يمكن استعلامه، وكان للحاكم طريق إلى استخلاص المدّعى المدّعى به من الأخذ بالمتيقن أو الصلح وشبهه، فإنه لا يبعد ذلك توصلاً لاستخلاص حقّ المسلم بما أمكن.

ودعوى شمول أدلّة الدعاوى لمثله غير بعيد.

أما لو ادعت الزوجيّة سمعت دعواها، وكفى ذلك عن ذكر السبب والمهر والنفقة، إنّما تلك توابع، فإذا ثبت المتبوع ثبت التابع.

نعم، لو أنكر الزوج فأثبتها بالبيّنة أو اليمين المردودة، فهل يجوز لنا تمكينه منها؛ لثبوت دعواها ظاهراً، أو لا يجوز؛ أخذاً له بإقراره؟ وجهان، ولا يبعد الأول.

نعم، هو يعرف تكليفه بينه وبين اللّه تعالى، وأما هي فيجب عليها العمل بوظائف الزوجيّة على موجب إقرارها.

وكذا الكلام لو انعكس الأمر، فكان المدّعي هو الزوج.

وهل يجب الاستفسار عن كون دعوى النكاح أو الزوجيّة دواماً أو متعةً؛ لاختلاف أحكامهما؟ الظاهر الوجوب ما لم ينصرف لفظ الزوج والزوجة والنكاح للدائم، ومع عدم الانصراف لا بدّ من المسألة؛ إذ الحكم بمجرّد الزوجيّة المجملة لا يفيد، مع احتمال عدم وجوب الاستفسار، والاكتفاء بالحكم بالزوجيّة لترتب حلّ الوطء له أو لها، أو لترتب تحريم أُمّها وأُختها جمعاً.

نعم، لو كانت الدعوى مسوقةً للإلزام بالنفقة أو المضاجعة، فلا بد من الاستفسار؛ لأنّ حكم الحاكم بالزوجيّة المطلقة غير مفيد لذلك.

سادسها: يشترط في الدعوى إبرازها بصورة أنَّها ملزمة للمدعى عليه بالحق

سادسها: يشترط في الدعوى إبرازها بصورة أنّها ملزمة للمدعى عليه بالحق، فلو أبرزها لا بتلك الصورة لم تسمع، سواء أبرزها بصورةٍ ظاهرة بعدم الإلزام أو محتملة للأمرين معاً.

فلو ادعى أمةً وقال: هذه ابنة أمتي لم تسمع حتّى يقول: وهي ملكي؛ لاحتمال أنَّها ولدتها في ملك غيره، بل لو قال: ولدتها في ملكي، لم يُسمع؛ لاحتمال أنَّها ولدتها حُرّةً.

وقد يقال: إن الظاهر هنا تبعية البنت للأُمّ حكماً وخطاباً حتّى يقوم دليل على الخلاف، وحينئذٍ فينزل كلامه على الظاهر من أنّها ملكي تبعاً لأمها، كما تقول: هذا نماء ملكك صريحاً، وعلى ذلك بعض الأصحاب نقلاً (1)، وعليه فتقبل الشهادة على ذلك النحو، ويحكم الحاكم أيضاً على ذلك النحو ؛ عملاً بالظاهر بل بالأصل: لأنّ الأصل أنّ المقتطع من المملوك مملوك ما لم يقم دليل على الخلاف.

ومثل ذلك ما لو قال: هذه ثمرة نخلتي وبيضة دجاجتي وولد نعجتي ونماء بذري، وهذه منفعة داري، ومثلها في الإقرار لو أضافها للغير سيما لو قال: صُوّرت أو أصلها في ملكي أو ملك غيره، بل هذه أولى من الحيوان؛ لطروء الخروج عن الملك في نمائه؛ لأنّ النطفة لا تُملك، فيضعف فيه الاستصحاب، ولا فرق في ذلك بين الدعوى والإقرار، والعرف حاكم في الاثنين أنَّه اعتراف بالملك.

أما لو قال: هذا دقيق حنطتي، أو أقر بذلك، أو غزل قطني أو ثوب غزلي أو حبل خوصي أو كوز أو آجر طيني، ونحو ذلك، فلاشك في كونه دعوئ بالملك حكماً وخطاباً ما لم يفصل بينهما؛ لأنّ الأصل والفرع هنا شيء واحد، والفارق بينهما الصورة.

وقد يجعل البذر من هذا القبيل في وجه.

ومثله الأجزاء، كما يقول: صوف نعجتي، وأحجار،داري، بل وأبوابها، فإن الإقرار والدعوى صریحان به.

وفرق المحقق (2)بين صحة الدعوى ونفوذ الإقرار في مثل قوله: بنت أمتي ولدتها في ملكي، أو ثمرة نخلتي، فلم تسمع الدعوى فيها إلا مفصلةً، فيقول: وهي ملكي؛ للزوم التصريح


1) نقله صاحب جواهر الكلام فيها 40 : 385.

2) شرائع الإسلام 4 : 98 – 99.

التام في الدعوى، واكتفي بالإقرار بمجرد قوله ذلك من دون إضافة قوله: وهي ملكي؛ لعموم «الإقرار جائز» (1)وللشك في عموم سماع الدعوى.

ويشكل الفرق بين الدعوى والشهادة بها وبين الإقرار في نفوذ الأخير وعدم سماع الأول.

بل قد يقال: إنَّه إن لم تُسمع الدعوى لم يُسمع الإقرار، وإن سمع الإقرار مجملاً ويستفسر الحاكم بعد ذلك سمعت الدعوى ويستفسر الحاكم من المدّعي والشهود قبل الحكم أو بعده، وإن سمع الإقرار المطلق سمعت الدعوى المطلقة.

ويرد أيضاً عليه أنَّه لو سمع الإقرار وكان إقراراً بالملك كان تعقيبه بقوله: وهي ملكي، غير مسموع؛ لأن تعقيب الإقرار بما ينافيه أو ينافي ظهور الخطاب منه ملغى، إلا أن يفرّق بين الخطابات ظهوراً وصراحةً، فالظاهر الصريح لا ينافيه ما تعقبه، وغير الصريح يعود عليه بالنقض، وهو ما كان قابلاً لوقوع المقيد بعده والصريح هو ما تمّ وكان ما بعده كالكلام المستأنف، وحينئذٍ فقوله: وهو ملكي، غير منافٍ للأول، بل قيد له.

وبالجملة، فالظاهر من الفرق عند الفارق هو لزوم الصراحة بدعوى الملكية في الدعوى كي يترتب عليها الشهادة والحكم، بخلاف الإقرار، فإنّه يحكم عليه بما أقرّ به، فإن بقي على إجماله ألزم بتفسيره، وإن ظهر منه شيء ولم يعقب بما ينافيه أخذ بذلك الظاهر، وإن عقبه بما ينافيه سقط حكمه، وإن كان صريحاً في الملك ثبت عليه ولا يُسمع بعد ذلك منه ما ينافيه، ومع ذلك فلا يخلو من تأمل.

نعم، قد يقال: إنّ المضاف إلى ما يملك من النماء لا بدّ من تقييده بحالة الملك؛ لعدم دلالة الإضافة على كونه نماء حالة الملك.

وهو جيد لكن الظهور لا يُنكر.


1) وسائل الشيعة 23 : 184 الباب 3 من أبواب كتاب الإقرار، ح 2.

القول في التوصل إلى الحق

وفيه أُمور:

أحدها: فيما لو كان الحق عقوبة وقف على إذن الحاكم

أحدها: الحق إن كان عقوبة حداً أو تعزيراً وقف على إذن الحاكم من غير خلاف، إلا أن يدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الرواية: «إقامة الحدود إلى مَنْ إليه الحكم».

ولو كان قصاصاً، ففيه قولان:

أقواهما العدم؛ للأصل، ولقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً) (1)و (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) (2)و (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...وَالجُرُوحَ قِصاص) (3).

والقول الآخر: التوقف؛ للاحتياط، ولعدم معرفة مواقع القصاص من غير الحاكم، ولأنّ فائته لا يتدارك، وربما نقل بعضهم الإجماع (4).

والجميع ضعيف؛ لعدم صلاحيّة معارضة الاعتبار لعموم الأدلّة، ولضعف الإجماع المنقول (5).

ولو كان بُضعاً فهو كالمال، فمَنْ غُصب منه عرض جازت المقاتلة عليه، وجاز استيفاؤه قهراً من صاحبة البضع ومن غيرها ممّن منعه من استيفائه، ولو كانت في دار جاز الدخول عليها وإخراجها منها، سواء كانت لها وهي الممتنعة، أو للمانع غيرها، أو لغيرهما كأن أدخلهما في دار قوم آخرين، سواء رضوا بدخولها أو لم يرضوا بذلك، وجاز كسر القفل بل وتهديم الحائط عليها إذا لم يمكن التوصل إلا بهما، ويكون ضمان المتلوف عليه، وفي استقراره على المانع وجه.


1) وسائل الشيعة 27 : 299 - 300، الباب 31 من أبواب كيفية الحكم...، ح 1.

2) الإسراء (17): 33.

3) البقرة (2) : 194.

4) المائدة (5): 45.

5) الخلاف 5 : 205 : 205، المسألة 80.

نعم، يعلم أهل الدار بذلك إذا أمكن، فلعلهم يدفعونها من غير ضررٍ يعود عليهم، ثمّ يرجع إلى الحاكم في فعل ذلك على الأظهر.

ولو كان مالاً قائماً بعينه، فكذلك، فإذا لم يدفعه مَنْ هو عنده فامتنع جازت مدافعته وقهره عليه، وجازت سرقته وإن أدى إلى إتلاف مال كثير وإن قل المغصوب بحيث لا يخرج عن المالية.

ولو وضعه الغاصب في دار غيره، فإن علم ذلك الغير فكذلك، وضمانه عليه، ويستقرّ على الغاصب في وجه، وإن لم يعلم فلا يبعد أيضاً جواز الإفساد والضمان عليه، ويستقرّ على الغاصب.

نعم، يلزم تعليمه كي لا يدخل عليه ضرر من دون علم، فإذا لم يمكن إصلاح الغاصب لذلك الضرر لزم على الضارّ إصلاحه لحديث «لا ضرر ولا ضرار»(1).

وقد يقال: إن الغاصب لو وضع مالاً في بيت غيره من دون علمه واستلزم إخراجه ضرراً على ذلك الغير، لم يجز إخراجه، ويكون من باب الحيلولة فيلزم الغاصب المثل أو القيمة؛ إذ لا ضرر ولا ضرار.

وهو قوي، ويشعر به كلامهم في باب الغصب حيث إنّهم لم يجوزوا إتلاف مال غير الغاصب لاستخلاص ماله (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (2).

ولو استلزم تخليصه إثارة فتنة بقتل نفوس وتمشية جنود ونهب أموال وجراح ونحوها، حرم التوصل بذلك إلى ماله، بل لا بد من الرجوع إلى الحاكم كي يوصله إلى حقه.

ولو كان دَيناً والغريم مُقرٌّ باذل، لم يجز استيفاؤه إلا بإذن الغريم؛ لأنَّه مخيّر بجهات الوفاء وتعيين الوفاء من ماله، إلّا إذا كان الغريم غائباً أو ممنوعاً من التوصل إلى ماله وكان الطالب محتاجاً أو طالباً مطلقاً في وجه قوي، توقف الوفاء على إذن الحاكم؛ لولايته على مَنْ لم يمكن الوصول إلى ماله.

وعلى ذلك يُحمل إطلاق مَنْ أطلق الرجوع إلى الحاكم في هذه الصورة.


1) راجع الهامش (2) من ص 45.

2) الأنعام (6) : 164.

ولو كان الغريم مُقرّاً ممتنعاً، ففي لزوم الرجوع إلى الحاكم بالاستيفاء؛ لأنَّه المتيقن من جواز التصرف بمال الغير، ولأنه المتولّي للإجبار في مقامات الاضطرار، أو عدمه، وجواز الاستقلال من الغريم؛ لعموم (مَنِ اعْتَدى) (1)(وَجَزَاؤُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (2)؟ وجهان والأوّل أحوط، والأخير أقوى.

ويجوز الاستقلال مع تعذر أو تعسّر الرجوع للحاكم أو ارتفاع سلطنته من غير كلام.

وهل يجوز الاستيفاء من غريم الغريم من دون إذن الحاكم ؟ وجهان، والأحوط الرجوع للحاكم.

ولو كان الغريم جاحداً، فإن كانت للمدّعي بيّنة يمكنه إقامتها عند الحاكم ويمكن للحاكم الاستيفاء، ففي لزوم الرجوع إلى الحاكم في إقامة البيّنة عنده وفي تولّي الاستيفاء قولان: اللزوم، وهو منسوب للأقلّ (3)، واختاره المحقق في النافع (4)، وعدمه وجواز الاستقلال للغريم، وهو المنسوب للأكثر (5).

للأوّل: الاحتياط في التصرّف بمال الغير والتعيّن لمال الممتنع والاقتصار على اليقين من جواز الوفاء والاستيفاء، وإذا تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى اللّه ورسوله(6).

وللثاني عموم قوله تعالى: ﴿ مَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (7)(وَجَزَاؤُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها)(8)وعموم أدلّة أخبار جواز المقاصة (9)، وهي ظاهرة في الإطلاق دون الرخصة من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فحمل الأخبار المجوّزة على الرخصة بعيد.

ولو كان للغريم غريم آخر، جاز للحاكم أن يقهره على وفاء غريم غريمه، وتبرأ ذمته بذلك.


1) البقرة (2): 194.

2) الشورى (42) : 40.

3) الناسب للأقل هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14 : 70 – 71.

4) المختصر النافع : 409 - 410.

5) الناسب للأكثر هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14 : 70.

6) اقتباس من الآية 59 من سورة النساء (4).

7) البقرة (2): 194.

8) الشورى (42) : 40.

9) وسائل الشيعة 17 : 272. الباب 83 من أبواب ما يكتسب به؛ و 18 : 333 - 334، الباب 8 من أبواب الدين والقرض، ح 4.

فإن امتنع ففي جواز مقاصته بإذن الحاكم أو لا بإذنه وجهان.

والأوجه: جبر الحاكم له على الوفاء، ويتولّى هو أو الغريم الاستيفاء مقاصةً عن غريمه. وتجوز مقاصة الغاصب عن العين المغصوبة إذا لم يمكن التوصل إليها، وينوي بها التملك ملكاً تاماً، فيملك الغاصب المغصوب؛ لعدم إمكان الجمع بين العوض والمعوض، أو ملكاً متزلزلاً مراعى برده المغصوب، فإن ردّه انفسخ وإلا فلا، أو أن الردّ كاشف عن فساد المعاوضة فنماء كلِّ يرجع إلى أهله، وعدمه كاشف عن صحتها، وجوه، والأول أقرب للفقاهة، والثاني أوفق بالقواعد.

ثانيها: في جواز المقاصة من كلّ شيء

ثانيها: تجوز المقاصة من كلّ شيءٍ، سواء كان أمانة عند المقاص أو عند غيره، أو لم يكن، وسواء كان منفعةً أو عيناً.

ولو كان عنده رهناً من غيره، ففي جواز أخذه وجه، فيكون عنده أمانة إلى أن يحل الطلب فيبيعه، وفي ضمانه وجه.

ويجوز الاقتصاص من الوديعة وغيرها عنده أو عند غيره. نعم، يكره.

وللأصحاب في جواز المقاصة من الوديعة عنده قولان منشؤهما الأخبار والعمومات، فعمومات المقاصة (1)وخصوص بعض الروايات المعتبرة (2)دالّة على الجواز، والقواعد الناهية ! عن التصرف بمال الغير المقتضية للاقتصار على المتيقن في جواز المقاصة وخصوص الأخبار الناهية عن الخيانة والناهية عن مقاصة الودعي (3)دالة على المنع، ولكن الدال على الجواز أقوى كثرةً وسنداً واعتضاداً ودلالةً؛ لأنّ أكثر أخبار النهي نهي عن الخيانة وليس موردها.

نعم، لا تجوز مقاصة من حلف بالله.

ولا تجوز المقاصة لمستثنيات الديون إذا لم يملك سواها، ولا تجوز المقاصة لمن لا يعلم الحق.


1) راجع الهامش (9) من ص 428.

2) وسائل الشيعة 18 : 333 - 334 الباب 8 من أبواب الدين والقرض، ح 4.

3) المصدر،17 : 273 - 276 الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، ج 3، 7، 11، 12؛ و 19 : 71 و 76، الباب 2 و 3 ح من أبواب كتاب الوديعة.

نعم، لو قامت عنده بيّنة جاز.

ولا تجوز عند خوف الفتنة وكثرة الفساد؛ لعدم جواز أخذ العين، فهنا أولى.

ولو فعل حراماً بذلك ففي صحة المقاصة وبطلانها وجهان.

ولا بد في المقاصة من النية، إلا في الدينين المتساويين، فيقع التهاتر قهراً.

وفي لزوم الكلمات المذكورة في الأخبار (1)عند المقاصة وجه. والأوجه عدم الوجوب؛ لظهور الاستحباب من الروايات ولعدم إيجاب الأصحاب،له ولخلق أكثر الأخبار عنها، فتحمل على إرادة تذكر نيّة المقاصة مخافة العدوان أو استحباب ذكر اللّه تعالى، أو التنزه عن أكل أموال الناس بالباطل.

ثالثها: فيما ورد من النهي عن المقاصة من كل أمانة

ثالثها: في بعض الأخبار النهي عن المقاصة من كلّ أمانة، كقوله: «أد الأمانات إلى من ائتمنك ولا تخن مَنْ خانك» (2)وكثير من الأخبار (3)فيها لفظ الأمانة، فظاهر الأصحاب اختصاص ذلك بالوديعة.

ولا يبعد استحباب التنزه عن كل أمانة.

والظاهر أنّ المقاصة بمنزلة المعاوضة اللازمة، فلا يجوز الفسخ فيها بعد حصولها إلا بظهور عيب أو غبن.

ويتولّى هذه المعاوضة طرف واحد وهو المقاص؛ للدليل.

ويحتمل أنَّها من الأحكام، فبأخذ المقاص يملك، ويملك الدين الذي في ذمته الممتنع. والكلمات المأمور بها في الأخبار (4)لا يبعد حملها على الإرشاد إلى كيفية المعاوضة.

ويجوز في المقاصة أخذ الجنس وغير الجنس.

ويجوز في غير الجنس أخذه عوضاً حين الأخذ.

ويجوز بيعه واقتضاء ثمنه، بل ويجوز بيع ثمن الثمن إلى أن ينتهي إلى موافق جنسه وإلى قدره.


1) وسائل الشيعة 17 : 273 و 274 الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، ح 4 و 5.

2) المصدر : 273، ح 3.

3) منها : ما في المصدر : 276، ح 12.

4) راجع الهامش (1).

ولا يجب الانتظار في البيع إلى وقت الغلو، كما لا يجوز البدار مع تفويت المصلحة في مال الغير.

ولو توقف قبض حقه على قبض زائد جاز، وكان أمانةٌ عنده يجب إرجاعها إلى صاحبها، فإن لم يمكن إيصالها لخوف وشبهه أرجع أمرها إلى الحاكم، ولا يبعد جواز التصدق بها.

ولو تلفت الزيادة، ففي ضمانها وجهان.

والأوجه أن الزيادة إن كانت مشاعةٌ فهي مضمونة كالأصل؛ لأصالة ضمان اليد ما أخذته، إلا ما خرج بالدليل، وإن كانت معيّنةً قبضها؛ لمكان الضرورة فلا ضمان.

و احتمال عدم الضمان مطلقاً لكونها أمانة والأمانة غير مضمونة، ولإذن الشارع بالأخذ وإذن الشارع لا تستعقب ضماناً، ضعيفان؛ لمنع الحكم بعدم استعقاب الضمان للإذن الشرعيّة، وعدم التلازم عرفاً وشرعاً لذلك، ولئن سُلّم فالإذن لمصلحة المالك كقبض المأخوذ بالسوم وقبض الرهن بدون إذن الراهن، ومنع كون كلّ مقبوض بالإذن الشرعيّة أمانة اسماً بل ولا حكماً، ومنع أنّ الأمانة الشرعيّة غير مضمونة مطلقاً، بل هي ما أذن بها الشارع للحفظ أو للتعريف، كاللقطة وشبهها من المقبوض لمصلحة المالك، دون ما قبض لمصلحة القابض.

والأقوى أنّ الإعراض مخرج عن الملك، لا دليل على الإذن؛ لجريان السيرة على تملكه وإن كان من أطفال أو مجانين أو أموات أو أحياء، ولتملكه بمجرد القبض من دون توسط أسباب للملك، فلا يقال: إن الإذن في الشيء إذن في لوازمه فالإذن في التمليك.

ولا يبعد أنَّه يجوز للمقاص أن يأخذ المال رهناً، فلا يبيعه ولا يملكه، فيبقى عنده أمانة، ولكنّه مضمون عليه في وجه قويّ؛ لكونه عن غير إذن المالك، وفائدته جواز الرجوع إلى دينه عند تمكنه.

ويجوز التوكيل في المقاصة، ويجوز أن يقاص الوديعة عند غيره.

وهل للودعي منعه مع علمه بثبوت حقه؟ وجهان، ولا يبعد جواز المنع، لا وجوبه. ولو توقف الاقتصاص على ضرر مَنْ عنده المال بماله لم يجز على ظاهر كلام الفقهاء وإن ضمن النقص، وفي جوازه وجه.

ولو توقّفت المقاصّة على مجرّد الدخول والخروج في دار الغير من دون إذنه، فلا يبعد الجواز مع ضمان أُجرة المثل لدخوله وخروجه، ولكن بشرط خوف إعلامه.

ولو أمكن إعلام صاحب الدار والاستئذان منه من غير أن يمنعه، لزمه ذلك لمصلحة القابض.

رابعها: فيما ورد من أنَّه لو انكسرت سفينة في البحر فما أخرج البحر فهو لأهله

رابعها: ورد في بعض الروايات أنَّه لو انكسرت سفينة في البحر فما أخرج البحر فهو لأهله وما خرج بالغوص فهو لهم وهم أحق به (1).

وأراد بالضمير عوده للغائصين كما فهم الفقهاء، وهو ظاهر السياق، وربما يؤيده أخبار أُخر.

والرواية وإن كانت ضعيفة السند ولكنّها مجبورة في الجملة بالشهرة المحصلة والمنقولة (2)، وأفتى بمضمونها جماعة من أصحابنا (3).

وظاهرها أنّ ما أخرجه البحر فهو لأهله، سواء كانوا حُضاراً أو غُيّباً، وسواء يئسوا منه أو لا، وسواء ظهر منهم الإعراض بقولٍ أو بفعل أو كان ظاهر حالهم ذلك، أم لا، وسواء كان ممّا يعرض عنه عادةً أم لا، وأن ما أخرجه الغائص له مطلقاً، سواء أعرض عنه صاحبه أم لم يعرض حتّى لو كان واقفاً ويغوص معهم.

وقيد ابن إدريس ذلك بصورة اليأس منه، ونقل الإجماع على ذلك وتواتر الأخبار (4).

وظاهر عبارته أنَّهم تركوه وذهبوا آيسين منه ولم يذكر حال ما إذا كانوا عنده.

وفقه المسألة: إنّ الرواية إن خرجت عن القاعدة بكلا الحكمين أو بأحدهما دون الآخر،

لزم الاقتصار على موردها من سفينة انكسرت في البحر، فلا يتعدى إلى غير المورد، إلا بتنقيح المناط، كما لا فرق بين السفينة وما شابهها وبين الكسر وسائر أنواع الغرق، فيشكل التعدي إلى ما وقع في النهر أو في عين أو في البرّ من الأماكن التي تضيع فيها الأموال دفعةً إلا أن يخرجها ريح أو عمل عامل كالغوص.

وإن انطبقت على القواعد سرى الحكم لكلّ ما كان تحت القاعدة.

والذي يظهر من السيرة واستقراء موارد جزئيات ما شابه هذه المسائل أنّ المال الذي في السفينة إن كان أهله غير معرضين عنه باقين على إخراجه مريدين له، فهو لهم حتّى لو كان الشيء من شأنه الإعراض عنه كالمحقرات الواقعة من الحطب والتبن وبعض الحبّ من الزرع فإنّه كلّه على أصل الملك لمالكه.


1) وسائل الشيعة 25 : 455 - 456 الباب 11 من أبواب كتاب اللقطة، ح 2.

2) رياض المسائل 15 : 165.

3) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 351 ح 11؛ والعلامة الحلّي في إرشاد الأذهان 2 : 143

4) السرائر 2 : 195.

و احتمال خروجه عن الملك قهراً لو كان من شأنه ذلك، بعيد.

وإن كانوا معرضين عنه قطعاً، أو كان من شأنه الإعراض ولم يعلم حالهم بل كان ظاهر الحال يقضي بإعراضهم عنه، كان مباحاً لواجده، ويخرج عن ملك المعرض، ويكون بمنزلة الإقالة مع المالك الحقيقى وبمنزلة فكّ الملك عن نفسه، بل لو كان صاحبه مجنوناً أو صبيّاً وكان من شأنه إعراض أهله عنه خرج عن ملك مالكه في وجه قوي. كما أن الإعراض لو كان من المالك عن مال له ليس من شأنه الإعراض عنه كما يقول: أعرضت عن مالي، لا يُحكم بفك الملك فيه؛ لعدم جريان السيرة على ذلك.

وبالجملة، فالظاهر أنّ الإعراض لو حصل من المالك قطعاً أو دلّت عليه الأمارات اللفظية أو العادية وتعلّق بما من شأنه أن يعرض عنه أو كان الشيء من شأنه الإعراض عنه وإن لم يعلم بإعراض المالك عنه لصدوره من مجنون أو جاهل أو ممّن لا يعلم حاله، كان في الجميع مخرجاً عن الملك.

ولو علم بعدم الإعراض عنه، فلا يخرج عن الملك، كما لو علم الإعراض عمّا من شأنه أن لا يعرض عنه.

نعم، يكون هذا بمنزلة الإباحة في التصرّف.

وقد يقال: إنّ الإعراض لا يخرج عن الملك، بل هو دليل على إباحته لمن أراده وأخذه.

ويشكل أنّ الإباحة للتصرّف تملك المتصرف بالتلف، كاز دراد الطعام من باذله، أو بالنقل في عقد لازم كالإباحة في المعاطاة على القول بها، ولا تملك بمجرد القبض أو التصرف مطلقاً، مع أنّ السيرة قاضية بتملك المال المعرض عنه كالبعير المتروك من جهد في غير كلأ وماء بمجرد قبضه، وإجراء أحكام المُلّاك عليه، وهو دليلنا على الملك في المعاطاة دون الإباحة.

واحتمال أنّ الإباحة في المال المعرض عنه إباحة لتملكه فيملكه القابض بمجرد نية الملك، بعيد؛ لأنّ الإذن في الملك غير معقول، وإباحة أن يملك آخر ماله لا يجري على القواعد.

نعم، لو أباح التملك بمعنى إباحة أسبابه فالإذن فيه إذن في لوازمه، فيصير الإذن بمنزلة مَنْ أذن لواحدٍ معيّن أو لكلّ أحدٍ أن يوجد أسباب الملك لماله من غيره ومن جملتها قبضه عن المالك على سبيل الهبة أو بيعه وهبة ثمنه لنفسه، جاز.

ولكن السيرة القطعية لا تجري على المال المعرض عنه ذلك، وللزم أن لا يملك المال المعرض عنه لو صدر من غير البالغ أو المجنون.

وعلى ما ذكرنا فتحمل الرواية على أنّ ما أخرجه البحر كان لأهله إذا كانوا واقفين عليه مريدين له ولو بعد ذلك فأهله آملون له وحاسبونه من مالهم بخلاف ما احتاج إخراجه إلى مخرج، فإنّ أهله معرضون عنه لمخرجه باذلونه له، فيكون له لو أخرجه بنية تملكه لنفسه. نعم لو أخرجه بنيّة أنّه لأهله، احتمل عوده إليهم، واحتمل بقاؤه على الإباحة.

وهل يأس أهل المال قرينة على الإعراض ؟ الأظهر العدم؛ لأن صاحب المال قد ييأس من تحصيل ماله عند الظلمة أو السرّاق ولا يعرض عنه.

القول في دعاوي الأملاك

وفيه أمور:

أحدها: حكم ما لو تداعيا فيما بأيديهما

أحدها: لو تداعيا فيما يدهما عليها أو تصرفهما فيها سواء وكانت كلها تحت يد كل منهما أو كان كلّ جزء منها تحت يد واحد ولكنّها لا تقبل التجزئة كالحيوان يُحكم بأنها لهما على الإشاعة.

أما لو كان كلّ جزء منها تحت يد واحد وكانت ممّا تقبل التجزئة، كانت الدعوى كدعوى الاثنين على شيءٍ كلّ واحد بيده واحد وهو يدعي الكلّ.

هي دعوى كسائر الدعاوي يُحكم لكلِّ منهما بما في يده، وتُسمع دعواه على الآخر، ويجري عليها أحكام الدعاوي المستقلة.

والحكم بالصورة الأولى يكون فيما إذا ماتا ولم يُعلم الحال، أو طلب الوارث الحكم من الحاكم على ظاهر اليد لعدم علم الوارث بالحال.

ويكون فيما لو تداعيا فحلف كلُّ لصاحبه على نفي ما يدعيه صاحبه عليه ممّا تحت يده بادعائه الكلّ، فيثبت لكلِّ منهما النصف المشاع؛ لأنّ اليدين بمنزلة يد واحدة، والمالكين بمنزلة مالك واحد فيثبت المجموع للمجموع، وهكذا لو كانوا ثلاثة فصاعداً.

ويكون فيما لو نكلا معاً فطلبا الحكم من الحاكم مع نكولهما، فإنه يحكم بالتنصيف بأن يكون لكلّ واحدٍ ما تحت يد صاحبه.

وكذا لو توقف الحكم بالنكول على اليمين المردودة فحلف كلُّ منهما.

وكذا يكون فيما لو تداعيا وأسقط كلُّ منهما اليمين عن الآخر، أو لم يطلب كلُّ منهما يمين الآخر.

وكذا لو نكلا معاً عن اليمين المردودة.

وكذا يُحكم فيما لو قامت بينتان لكلِّ منهما بيّنة، إلا أن الحكم يختلف، فمنه حكم قاطع للخصومة كالحكم مع اليمين يمين النفي أو المردودة أو مع النكول من أحدهما أو مع البيّنة، ومنه ما هو حكم على الظاهر، وتعاد معه الدعوى عند وجود شاهد أو إرادة اليمين وهو الباقي، وللحاكم أن يحكم بالظاهر سيما لو طلبه المتداعيان، ولا يفتقر إلى يمين أو بيّنة، ولكنه حكم بالظاهر، فلا يقطع الخصومة حتّى يستند إلى ما يقطع به النزاع من البيّنة واليمين.

وعلى ذلك يُحمل ما ورد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيمن تداعيا في دابة أنَّها لهما من دون يمين (1).

وكذا يُحمل كلام الفقهاء المطلقين للتنصيف من دون توقف على يمين يريدون أنَّهم إذا يطلبوا اليمين لم يتوقف الحكم بالتنصيف عليه.

ثمّ إنّ الحاكم لو أراد تحليفهما بدأ بتحليف من ادعى عليه أولاً لسبق الحق عليه، أو بمَنْ على يسار صاحبه، فإن ابتدرا معاً وجلسا على هيئة التقابل أخرج المبتدئ بالقرعة.

والأوجه: إن للحاكم الخيار في ذلك، ورأيه متبع.

ويحتمل تكليفهما بإيقاع اليمين دفعةً، فمَنْ تأخر عن صاحبه نكل، ولكن لم أرَ مَنْ ذكره.

ثمّ إن المبتدأ بتحليفه إن حلف رجع إلى الثاني، فإن حلف فلا كلام في حكمه بالتنصيف، فيحلف كل منهما على نفي ما يدعيه الآخر ممّا تحت يده، وإن نكل فإن قضينا بالنكول كان الجميع للحالف، وإن توقف على ردّ اليمين رُدّت اليمين على الحالف، فيحلف على إثبات ما يدعيه، فتعود العين له، وإن لم يحلف الأوّل، فإن قضينا بالنكول كان حقه للثاني، والثاني إن نكل كان حقه للأول، وإن حلف على نفي ما يدعيه الأوّل صارت العين كلّها له، وإن لم نقض بالنكول كان على الثاني يمين مردودة من الناكل الأوّل يبتدئ بها ويمين نفي لما يدعيه الأوّل عليه، فإذا حلف اليمينين صارت العين له.

والأظهر عدم لزوم تقديم إحدى اليمينين على الأخرى، والأولى تقديم يمين الإثبات؛ لأنَّه حقه.

وهل يكتفى بيمين واحدة جامعة بين النفي والإثبات، فيقول: والله لا حقّ لك ولي المال، أو: لي المال ولا حقّ لك ؟ نُسب (2)إلى ظاهر الأصحاب ذلك، والأحوط الأول؛ لأصالة عدم التداخل.


1) المبسوط 8: 257.

2) الناسب هو الطباطبائي في رياض المسائل 15: 180.

ولو أقام أحدهما بيّنة على ما يدعيه وحلف على نفي ما يدعيه الآخر، كانت كلها له.

ولو كانت العين بيد واحد دون الآخر، كانت لمن في يده، وعليه اليمين للآخر، إلا أن يقيم الآخر بيّنة على أنَّها له؛ لأن اليد تقضي بالملكية، كما هو صريح الأخبار (1)وكلام الأصحاب.

ولو ادّعى كلٌّ منهما ما اقتضته يد الآخر من النصف، فالأوجه هنا: سقوط اليمين، ويحكم الحاكم لهما بالمناصفة بموجب اليد؛ لعدم الثمرة في التحليف، لبقاء الإشاعة على كلّ حالٍ.

ولو كانت العين خارجةً عنهما ولا يد عليها ولا بيّنة، تحالفا، والخيار بيد الحاكم أو من ادعى عليه أوّلاً، واقتسماها نصفين؛ لعدم احتمال كونها لثالث؛ تنزيلاً لليمينين منزلة البينتين المتعارضتين، وحيث لا ترجيح يحكم بالتنصيف.

ولا بد في هذه الصورة وفيما قبله وفي أكثر الصور الآتية أن يكون اليمين على نفي الكلّ أو إثبات الكلّ على طبق الدعوى والجواب، واليمين على نفي الكلّ من كلِّ منهما يمين : بن نفي؛ لأنّ كلّ واحدٍ يدعي الكلّ على الآخر وينكر الكلّ على الآخر، لاقتضاء يدكلُّ منهما الجميع لولا معارضة اليد الأخرى؛ لأنّ المفروض أن يدكلّ منهما على الكل، فكلّ واحدٍ داخل خارج بالنسبة إلى الآخر، إلا أن اليدين لما اجتمعتا صارتا بمنزلة يد واحدة، فالجميع لجميعهما، فالتنصيف بينهما أيضاً يكون بموجب اليد، وهذا معنى قول الفقهاء: إنّ كلّاً منهما مدع بالنسبة إلى نصف، منكر بالنسبة إلى الآخر، حيث إنَّهم لاحظوا اقتضاءهما عند الاجتماع، فيكون لكل منهما نصف مشاع.

ولو كانت العين بيد ثالث فإما أن ينكرهما معاً، أو يصدقهما كذلك، أو يصدق أحدهما معيناً، أو يصدق واحداً منهما غير معين، أو يقول: هي لغيري معيناً غائباً أو حاضراً غيركما، أو يقول: ليست لي، ويسكت، أو يقول: لا أدري هي لمن.

وقد حكم الأصحاب أن تصديق من كانت بيده بمنزلة اليد للمصدق؛ لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، واليد يده، فإقراره بما في يده لغيره مملك له ظاهراً، ولكن لا يبطل ذلك دعوى المدّعي، بل تكون كالدعوى على صاحب اليد، فإن أقام المدّعي بيّنة سمعت، وإلا كان له اليمين على المصدق، فإن حلف، وإلا رجعت للمدّعي بمجرد النكول أو مع اليمين.


1) راجع وسائل الشيعة 27 : 292 - 294 الباب 25 من أبواب كيفية الحكم... .

هذا إن صدق أحدهما، وإن صدقهما كانا متداعيين بمنزلة ما لو كانت العين في أيديهما.

نعم، لمن لم يصدّقه أن يدعيه بكذب تصديقه وأنَّه يعلم أنَّه له، وحينئذٍ فلو لم تكن عنده بيّنة كان له عليه اليمين على نفى العلم، بل على البت؛ لاطلاعه عليه، وكونه من أفعال نفسه، فإن نكل حلف مَنْ لم يصدّق وغرّمه المثل أو القيمة، سواء سلّمه بيده لمن صدقه، أو أخذ ذلك منه من غير أن يسلّمه، أما مع التسليم فالضمان ظاهر؛ لأنَّه عمل يده، وأما مع تصديقه من غير تسليم فالأقوى ذلك أيضاً؛ لأنَّه تفريط منه بمال الغير وتسليط للغير عليه وإتلافه بإخباره أنَّه ملك له.

وكذا لو صدقهما فتحالفا فتقاسماها ثمّ ادّعى أحدهم عليه العلم بأنها له فأقر أو نكل فحلف المدّعي، فإنّ عليه النصف يغرمه له، فإن ادعى الآخر بعد ذلك فأقر له أو نكل عن اليمين فحلف له أغرم النصف الآخر، ولو أنكرهما الزم بيمين النفي لهما أو لكلّ واحدٍ بيمين.

والأوجه الأوّل. فلو نكل، رُدّت اليمين عليهما، فإن حلفا اقتسما العين، وإن نكل أحدهما لم يكن له شيء، وصارت العين للحالف.

نعم، للناكل أن يدعي الحالف بعد قبضه أنّها له؛ لأن نكوله في الدعوى الأُولى لا يُبطل حقه من الدعوى على القابض.

وإن صدق واحداً لا بعينه منهما كان كما لو كانت العين في أيديهما على الأظهر.

ويحتمل استخراج الحالف بالقرعة، فمَنْ أخرجته حلف يمين نفي، وكانت العين له، وإن نكل ردّت اليمين على الآخر فحلف وأخذ العين، فإن نكلا قسم بينهما نصفين.

والقرعة لاستخراج الحالف لا لاستخراج صاحب اليد ولو كان لذلك لكان بنكول المدّعي يكون المال لمَنْ أخرجته القرعة، وهو خلاف ظاهر الفقهاء.

وإن قال: لا أدري هي لمن كان بمنزلة من تداعيا على عين لا يد عليها، إلا أن أمرها هنا يؤول إلى الحاكم، فلا بد من إثبات أنَّها لهما في الجملة.

وإن قال: هي لغائب، وقفت الدعوى إلى أن يحضر الغائب، أو يقيما بيّنة أنّها لهما في الجملة، ولهما عليه اليمين على أنَّه لا يعلم أنَّها لهما.

ولو قال : هي لحاضر، كانت له، وكانت الدعوى مع الحاضر، ولهما عليه اليمين على نفي العلم إن لم تكن لهما بيّنة.

ولو قال: هي لغيري، أُلزم البيان.

وإن قال: ليست لي، لا يقنع منه بذلك حتّى يبيّن هي لمن؛ لأن قوله: «ليست لي» محتمل أنَّها لهما ولغيرهما ممّا يعرفه ومما لا يعرفه.

وإن اعترف بها للحاضر فكذبه الحاضر، صار من قبيل مجهول المالك يرجع إلى الحاكم.

ولو قال: لغائبِ، فحلّفه المدّعي على ذلك فحلف فلا كلام.

وإن لم يحلف فحلف المدّعي، فهل يغرم للمدّعي المثل أو القيمة وتبقى العين إلى ورود الغائب، أو يدفع العين ويغرم للغائب المثل أو القيمة إن صدقه الغائب؟ وجهان، والأوجه: الأول، والتأمل.

ثانيها: حكم ما إذا تعارضت البينات ولا يمكن التوفيق بينهما

ثانيها: إذا تعارضت البينات بأن يختلف الشهود في أمرٍ واحد ينفي أحدهما ما أثبته الآخر ولا يمكن التوفيق بينهما، كما إذا شهدت إحدى البينتين بالملك الحالي لزيد والأُخرى بالملك الحالي لعمرو، أو شهدتا كذلك بالملك السابق أو بالمطلق كذلك (1).

أما لو شهدت إحداهما بالملك السابق والأُخرى بالحالي، أو إحداهما بالمطلق ولم يجره إلى الآن، أو يقول: ولا أعلم له مزيلاً، والأخرى بالحالي أو السابق، لم يتحقق التعارض؛ لإمكان التوفيق.

وكذا لو شهدت إحدى البينتين بالبيع مطلقاً والأخرى بالسلم أو بنسيئة أو بخيار أو بشرط، لم يتحقق التعارض؛ لإمكان التوفيق بمورد الاجتماع وانفراد الأخرى بالزائد فتقبل؛ لأنّ الزيادة لا تنافي شهادة الإطلاق، بل لو شهدت واحدة بثمن أو مبيع أو عين مستأجرة فشهدت الأُخرى بالأزيد، كما إذا شهدت إحداهما أنَّه باعه البيت أو بعشر أو أجره كذلك وشهدت الأخرى أنَّه باعه بعضه معيناً أو مشاعاً أو بخمس أو أجره ذلك أو بذلك، عمل بالأُولى في الزيادة، ولم يتحقق التعارض؛ لإمكان التوفيق في الأقلّ، وبيّنة الزائد لا تعارض بيّنة النافي والناقص، غاية الأمر أن بيّنة الناقص نافية، وهي غير مسموعةٍ غالباً بنفسها فضلاً عن المعارض.

وفي هذا كلام ووجوه يأتي الكلام عليها إن شاء اللّه تعالى.


1) كذا قوله : «إذا تعارضت...أو بالمطلق» بدون الجواب.

ثالثها: حكم ما إذا تعارضت البينتان والمال بأيديهما

ثالثها: إذا تعارضت البينتان وكان المال بيدهما حكم الأصحاب بقسمته نصفين؛ إمّا لمكان تعارض البينتين وتساقطهما، فيبقى المال بينهما نصفين على موجب اليد، ولكن يلزمهما ها هنا التحالف، وإما لتقديم بيّنة الداخل فيحكم لكلِّ منهما بما في يده فيقسمانه نصفين، ولا يحتاج ها هنا إلى اليمين مع احتماله؛ لأنّ اليمين على مَنْ أنكر، ولا ينافي انضمامه إلى البيّنة، وإما لتقديم بيّنة الخارج فيحكم لكلِّ منهما بما في يد الآخر فيقسمانه نصفين، ولا يفتقر إلى اليمين منهما.

واحتمله العلّامة (رَحمهُ اللّه) (1)، وكأنّه لرواية عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيها فقيل له: لو لم يكن في يد واحد منهما وأقاما البيّنة؟ قال: «أحلّفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين» (2).

ولأجل هذه الرواية - لاعتبارها في الجملة، حيث إنّ فيها الممدوح، وفيها من قال الشيخ: إنَّه معمول بروايته كغياث بن كلوب(3)، ولظاهر نقل عدم الخلاف في ثبوت اليمين كان اليمين - أحوط.

والمشهور بين الأصحاب أنّ الحكم لا يختلف في ذلك بين تساوي الشهود كثرةً وعدالة، وبين تفاوتها، وبين ذكر السبب مع أحدهما أو مع كليهما أو الإطلاق كذلك.

ونُقل عن المفيد اعتبار الأعدليّة (4)، وعن الإسكافي الأكثرية (5)، وعن بعض الجمع بينهما (6)، وعن آخر اعتبار المرجح (7)، وعن ابن حمزة اعتبار التقييد أو اعتبارهما مردّداً (8).

وسند الجميع إما لجعل (9)البينات كالأخبار فيطلب فيها الترجيح، وهو ضعيف؛ للفرق بين الخبر والشهادة، حيث إنّ الخبر يدور مدار الظنّ فلا بد من الترجيح، والشهادة مدار التعبد.


1) تحرير الأحكام الشرعيّة :5 : 185، ذيل الرقم 6540.

2) وسائل الشيعة 27 : 250، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 2.

3) عدّة الأصول 1 : 149.

4) المقنعة : 730.

5) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 388، المسألة 7.

6) ابن فهد الحلّي في المهذب البارع 4 : 494.

7) سلار في المراسم : 234.

8) الوسيلة : 218.

9) كذا قوله : «إمّا لجعل». والظاهر بدلها «جغل».

وعن ابن أبي عقيل: يقرع بينهما على اليمين فمن حلف أخذ الجميع (1).

وعن أبي عليّ: يعرض اليمين عليهما فمن حلف فهي له، فإن حلفا فهي لهما، ومع اختلافهما يقرع فمن حلف فهي له (2)، كما تقدم (3).

ويدلّ على هذين وعلى اعتبار العدالة والكثرة أخبار متعدّدة:

كصحيحة أبي بصير، وفيها: «إنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتاه قوم يختصمان في بغلة، فقامت لهؤلاء البيّنة أنَّهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، وقامت لهؤلاء البيّنة بمثل ذلك، فقضى بها لأكثرهم بيّنة واستحلفهم» (4).

وهي تدل بإطلاقها على اعتبار الأكثرية والاستحلاف.

ورواية عبد الرحمن: «كان علىٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا أتاه رجلان ببينة شهود عدلهم سواء وعددهم أقرع بينهم على أيهم تصير اليمين» (5).

وفيه دلالة بإطلاقه على القرعة لاستخراج تعيين اليمين بعد الاستواء في العدالة والعدد، وبه يخصص ما دلّ على القرعة ابتداءً في استخراج اليمين أو استخراج نفس صاحب المال، كما تشعر به الروايات وليس فيه دلالة على حكم تعارض العدالة والعدد والظاهر أن الأكثرية مقدمة كما تشعر به الرواية المتقدمة(6).

ورواية داؤد بن سرحان في شاهدين شهدا على أمرٍ واحد وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهد الأوّلان واختلفوا، قال: «يقرع بينهم فمَنْ قرع عليه اليمين فهو أولى بالقضاء» (7). ومثلها صحيحة الحلبي (8)، وكذلك رواية سماعة (9)وغيرها (10).


1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 387، المسألة 7.

2) حكاه عنه أيضاً العلّامة الحلّي في المصدر : 388، المسألة 7.

3) تقدّم في ص 440.

4) وسائل الشيعة 27 : 249 الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

5) المصدر : 251، ح 5.

6) تقدّم آنفاً.

7) وسائل الشيعة 27 : 251، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 6.

8) المصدر : 254، ح 11.

9) المصدر، ح 12.

10) المصدر : 255، ح 15.

ورواية القرعة لاستخراج صاحب الحق أضعف من هذه الروايات، فتحمل عليها، ولكن المشهور بين الأصحاب نقلاً (1)وتحصيلاً هو قسمة المال بينهما نصفين.

وفي رواية عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)ذلك.

وبهذه الشهرة وتلك الرواية تقيّد تلك الإطلاقات بمعنى صرف المطلق عن إطلاقه إلى الفرد المشهور لتوهن إرادة الإطلاق بعد تحقق الشهرة، ولا شك أن دلالة الألفاظ ظنّيّة، فالشهرة وإن لم تكن حجةً فهي توهن الحجة وتصرفها عن عمومها وإطلاقها، على أن الرواية وإن ضعفت في سندها فهي منجبرة بالشهرة وتقيد جميع المطلقات.

رابعها :حكم ما لو كانت العين في يد واحد منهما

رابعها: لو كانت العين في يد واحدٍ منهما، فللأصحاب أقوال تبنى على أمور:

منها: إنّه هل للمنكر إقامة البيّنة لدفع اليمين عنه سواء أجاب بالنفي كما يقول في جواب دعوى القرض ما أقرضتني، أو بالإثبات كما في جواب مدعي الدار أنّها له فيقول صاحب اليد: إنّها ملكي ولي أو ليس له؟

وظاهر الأصحاب قولاً وفتوى والسيرة المستمرة فيما بينهم عملاً هو طلب اليمين من المنكر، ولا يلتفت إلى بيّنة، ونقل الإجماع على ذلك من غير واحد (3)، والشهرة محصلة فضلاً عن كونها منقولة.

وظاهر الرواية المشتهرة فتوى وعملاً: «البيّنة على المدّعي واليمين على مَنْ أنكر» (4)أيضاً اختصاص اليمين بالمنكر واختصاص المنكر باليمين؛ لأن التفصيل قاطع للشركة؛ إذ لو جاز للمنكر البيّنة لما اختصت بالمدّعي، ولو جاز للمدّعي اليمين لما اختصّ بالمنكر.

وظاهر الرواية اختصاص كلِّ منهما بكلِّ منهما، كما تقول في باب القسمة والتفصيل: إنّ هذا لهذا وهذا لهذا.

فإن قلت: إن كون اليمين على مَنْ أنكر معناه أنَّه يكتفى به منه، فلا ينافي قبول بينته عوض يمينه لو أقامها من نفسه.


1) رياض المسائل 15: 213.

2) وسائل الشيعة 27 : 250 الباب 12 من أبواب كيفية الحكم... .

3) راجع السرائر 2 : 169؛ والمهذب البارع 4 : 481.

4) السنن الكبرى البيهقي 10: 427، ح 21201.

قلنا: ظاهر الفقرتين أن اليمين والبيّنة يلزمان بهما المدّعي والمنكر، فكما لا يكفي يمين المدّعي لا تكفي بيّنة المنكر، فمعنى الرواية الإلزام والشرطية في ثبوت حقّ المدّعي وفي رفع الحق عن المنكر، لا الاجتزاء بكلّ واحدٍ منهما، وهو المفهوم عرفاً والذي فهمه الفقهاء قديماً وحديثاً.

ويساعده أيضاً الرواية الأخرى المعتبرة، وهي حسنة منصور، وفيها: «ولا أقبل من الذي في يده بيّنة، إنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما أمر أن تُطلب البيّنة من المدّعي، فإن كانت له بيّنة وإلا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر اللّه عزّ وجلّ» (1).

وفيه إشارة إلى تفسير الحديث المشهور.

وفي آخر: «في الشيء يدعيه الرجلان أنّه يقرع بينهما فيه إذا عدلت بيّنة كل واحد هما وليس في أيديهما، فأما إن كان في أيديهما فهو فيما بينهما نصفين، وإن كان في يد أحدهما فإنّما البيّنة فيه على المدّعي واليمين على المدّعى عليه» (2).

ومنها: إنَّه هل البينات عند التعارض كالأخبار ينبغي فيها طلب المرجح؛ لأنّ ترجيح المرجوح قبيح، ولأن الظن بالراجح أقوى، أو لا ينبغي ؛ لأنّ قبول الشهادة أمر تعبدي غير منوط بالظنّ كي يتبع الأقوى، ولأنّ ترجيح المرجوح قبحه موقوف على العلم بالمرجوح ولا يمكن العلم، مع أن الشارع في أحكامه يفرّق المجتمعات ويجمع المتفرقات؟

نعم، ما ورد النصّ به من التراجيح يجب اتباعه.

ثمّ لو بنينا على اعتبار الترجيح، فأي ترجيح يعتبر في البينات؟ الظاهر اعتبار الأعدلية والأكثرية في نفس الشهود واعتبار التقييد وذكر السبب وقدم الملك في نفس المشهود به، وربما يعتبر كونه داخلاً؛ لتأيده بالأصل، فيقوى بحجةٍ أُخرى، وقد يعتبر كونه خارجاً؛ لأنّ المؤسس أقوى من المؤكد.

ومنها: إنّه مع التساوي من كل وجه فهل الأصل في البينات التساقط والرجوع إلى ما تقتضيه اليد وشبهها، أو عدم التساقط ؛ لتأديته إلى إسقاط الحجة ؟ ومع عدم التساقط فهل الجمع


1) وسائل الشيعة 27: 234 الباب 3 من أبواب كيفية الحكم....ح. 4.

2) مستدرك الوسائل 13 : 444 الباب 6 من أبواب كتاب الصلح، ح 1.

أولى فيعمل على التنصيف؛ أخذاً بكلِّ من البينتين بما أمكن، أو التخيير الفردي بينهما أو الحكمي بمعنى أيهما أخذنا به جاز، أو الأصل ها هنا القرعة؛ لأنها لكلّ أمرٍ مشكل، وقد ورد فيها أخبار (1)كثيرة دالة على أنّها تميّز المبهم وتخرج المشتبه وأنها تفرّق بين المحق والمبطل؟ وجوه، أوجهها الأخير.

ثمّ إنّ القرعة في مقام تعارض البينات يراد بها استخراج الحالف، فيحلف مَنْ خرجت له لاستخراج صاحب المال.

إذا عرفت ما ذكرنا، فالبينتان إذا تعارضتا فإن شهدتا بالملك المطلق، فالمشهور تقديم بيّنة الخارج؛ لما ذكرنا من الإجماع والأخبار والاعتبار، لأن بيّنة المنكر إذا لم تسمع مع عدم بيّنة المدّعي ولا تسقط عنه اليمين كذلك فكيف تُسمع مع بيّنة المدّعي وحجته!؟

وقيل: إنَّها تُسمع وتُقدّم على بيّنة الخارج، ونُسب للشيخ في الخلاف والمبسوط (2). وهو ضعيف. وما استدل به من الأخبار لا ينهض حجّةً على دعواه، ومحله غير هذا المقام، ولو سُلّم فهي محمولة على التقية، ومع ذلك فهي ضعيفة، ومن أن البيّنة تقوى باليد فتكون حجةً أُخرى أضعف من ذلك لإنكار القوّة، لأنّ اليد تضعف الظن بالبيّنة؛ إذ لعلها استندت إلى الأصل في شهادتها، على أنَّها لا تعارض ما قدمنا.

وقيل: ترجح أعدل البينتين ثمّ الأكثر فإن لم يكن ترجيح فبينة الخارج، ونُسب للمفيد(3). ونُسب للإسكافي اعتبار الأكثرية فقط (4)، ثمّ الحكم للحالف منهما، ولذي اليد مع حلفهما ونكولهما.

ولا دليل على قولهما، سوى الصحيح فيمن ادعى داراً في يد آخر فأقام مَنْ بيده الدار أنّه ورثها من أبيه لا يدري كيف أمرها، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أكثر هم بيّنة يستحلف وتُدفع إليه، وفي بغلةٍ اختصما فيها عند علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأقام كلُّ منهما بيّنته على أنّهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، فقضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأكثرهم بيّنة واستحلفهم» (5).


1) راجع وسائل الشيعة 27 : 257، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم... .

2) الخلاف 6: 329، المسألة 2 المبسوط 8: 258.

3) المقنعة : 730.

4) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 388، المسألة.

5) وسائل الشيعة 27 : 249 الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

وهو ضعيف؛ لعدم التصريح في البغلة بأنّها في يد أحدهما، فتحمل على أنَّها في يد ثالث؛ جمعاً بين هذا الخبر وغيره، كما سيأتي (1)إن شاء اللّه تعالى، ولعدم كون دعوى مَنْ بيده الدار متعلقة بالملك بأن يقول: إنّها لي أو ملكي، بل ادّعى أنَّها ميراث من أبيه ولا يدري، فلعل ادّعاء صاحب اليد ذلك يكون هذا حكمه للرواية، كما نص عليه الصدوق (2)، حيث أخرج هذه الصورة عن محل النزاع، على أنّها من شهادة البيّنة بالسبب لذي اليد أقرب، وليست من صورة المسألة، ولعدم اعتبار الأعدليّة فيها قبل الأكثرية كما ذكر المفيد (3)، وعدم اعتبار بيّنة الخارج مع التساوي كما ذكره (4)أيضاً، ولاعتبار الحلف فيها مع الكثرة ولم يعتبره المفيد، وليس فيها دلالة على مجموع ما ذهب إليه ابن الجنيد أيضاً.

نعم، في رواية ضعيفة: «فإن كانت في يد واحدٍ منهما وأقاما البيّنة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أقضي للحالف الذي في يده» (5).

وهي لا تدلّ على ما ذكره ابن الجنيد مفصلاً، فالقولان ضعيفان.

وقيل بالرجوع إلى القرعة مطلقاً، ونُسب للعماني (6).

و دلیله عمومات روايات القرعة وخصوص ما جاء من الرجوع إليها هنا.

وفيه: إنّ الروايات لا تقاوم ما قدمناه من الأدلّة الدالّة على تقديم بيّنة الخارج فتخصّ بها أخبار القرعة، فتحمل على ما إذا كانت العين بيد،ثالث كما فهمه الأصحاب، على أنّ القرعة في الروايات لاستخراج الحالف، وظاهر النقل عنه أنَّها لاستخراج المالك.

ونُقل عن الشهيد أنَّه نسب اعتبار الأعدليّة ثمّ الأكثرية إلى أكثر القدماء (7)، وعن ابن فهد إلى قدماء الأصحاب (8).

وأنكر هذا النقل بعض المتأخّرين (9).


1) يأتي في ص 447.

2) الفقيه 3: 65 - 66، ذيل الحديث 3348.

3) المقنعة : 730.

4) المقنعة : 730.

5) وسائل الشيعة 27 : 250، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 2.

6) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 387، المسالة 7.

7) الدروس الشرعيّة 2 : 101؛ وحكاه عنه الطباطبائي في رياض المسائل 15 : 205.

8) المهذب البارع 4 : 492.

9) الطباطبائي في رياض المسائل 15 : 205.

وممّا يؤيّد هذا الإنكار أنّ المعروف بين المتقدمين والمتأخّرين أن المنكر لا تجديه البيئة ولا يحكم بها الحاكم للمنكر، قربت بذكر السبب أم لا، حتّى أنَّهم استشكلوا في سماعها للتسجيل من دون دعوى وفي سقوط اليمين بها عن مدعي ردّ الوديعة وإن كان الأظهر جواز الأمرين، بل الأظهر سقوط اليمين بها في كلّ مدع اكتفي منه باليمين إرفاقاً.

و على كلّ حالٍ فكيف يجتمع هذا مع النقل عن قدمائهم بالترجيح بالأعدل والأكثر !؟ بل كيف يجتمع ذلك مع الخلاف الكثير ها هنا؛ لأنّ الساقط عن الحجية لا يعارض ما هو حجة.

نعم، إلا أن يقال: إنّ ذلك عام وهذا خاص، فيكون بناؤهم هناك على عدم حجية البيّنة للمنكر في غير هذا المقام الذي وردت فيه هذه الروايات، فلا بأس بالقول بعدم حجية البيّنة للمنكر، إلا فيما دلّت عليه هذه الأخبار في دعوى الأملاك عند التعارض، أو يقال: إن البيّنة هنا ليست حجّةً ولا تُثبت للمنكر شيئاً إذا لم يقم المدّعي بيّنة ولكنها تهدم حجة المدّعي، ولا ضير في الجمع بين دعوى عدم حجّيّة البيّنة، وبين دعوى هدمها لما هو حجة عند التعارض، أو يقال: إن البيّنة ليست حجّةً للمنكر في مقام النفي، كما يقول: أقرضتك أو بعتك، فيقول: لا، وأما في مثل هذا المقام فهي حجة؛ لأنّ ذا اليد مدع؛ لمخالفته لمخالفته أصالة عدم الملك وهو يدعيه، إلّا أنّ اليد جعلته منكراً من جهة موافقة ظاهر اليد، فحينئذٍ تقبل هنا البيّنة منه، وتجزئ عن اليمين ويحصل التعارض بالبينات، وحينئذٍ فيلتزم هنا مَنْ لا يقدّم بيّنة الخارج بجعل بيّنة المنكر حجّةً بنفسها، وتُقبل مع الانفراد، ويسقط بها اليمين.

والحق ذلك؛ بناءً على عدم تقديم بيّنة الخارج، وبناءً على ذلك - كما هو الحق - يسقط هذا الكلام من أصله.

وإن شهدت بيّنة الخارج بالسبب وبينة الداخل بالإطلاق، فأولى بقبول بيّنة الخارج من الشهادة المطلقة.

خامسها: حكم ما لو قيدت بيّنة الداخل في السبب أو بلازمه أو بملزومه أو بلوازم التصرف

خامسها: لو قيدت بيّنة الداخل في السبب، يعني سبب الملك الحقيقي، أو بلازمه، أو بملزومه، أو بلوازم التصرّف، سواء جعل علّةً للملك أو معلولاً، أو ذكرته مع الملك لا على جهة القيديّة أو على جهتها، وبالجملة، ما يفيد الشهادة بالملك قوّةً، وتقوى إذا كان لا يتكرّر؛

لعدم احتمال اطلاع البينتين عليه، وأطلقت بيّنة الخارج، فالمشهور نقلاً (1)بل تحصيلاً والمنقول عليه الإجماع (2): تقديم بيّنة الخارج مطلقاً، سواء كان السبب ممّا يتكرّر كالصياغة والخياطة، أو لا كالنتاج والحياكة للإبريسم وشبهه، وهو الأقوى، وهو الذي يقتضيه عموم الأدلّة المتقدمة وروايات المدّعي والمنكر (3).

وقيل بتقديم بيّنة الداخل؛ لقوتها بذكر السبب، وللإجماع المنقول نقله الشيخ (4)، ويشعر به كلام ابن فهد (5)، وأفتى به كثير من فقهائنا كالشيخ والقاضي والطبرسي والفاضلين والشهيدين (6)وغيرهم.

وحجتهم بعد الإجماع والاعتبار رواية جابر، وفيها قضى لصاحب اليد لما أقام كلُّ منهما بيّنة أنّه أنتجها عنده (7)، وغيرها من الروايات المتضمنة لتقديم بيّنة الداخل على الخارج مع تضمّن كلّ منهما السبب، فتقديمها على بيّنة الخارج مع عدم تضمنها ذلك أولى.

كرواية غياث بن إبراهيم: في رجلين اختصما عند عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دابَّةٍ فأقام كلُّ منهما بيّنة أنَّه أنتجها، فقضى بها لمن هي في يده (8).

والأخرى عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنه كان إذا اختصم اثنان في جارية فزعم أحدهما أنَّه اشتراها والآخر أنَّه أنتجها، فأقام كلُّ منهما بيّنة قضى بها للذي نتجت عنده» (9)لتضمنه تقديم السبب القوي، وهو النتاج على الضعيف، وهي ليست صريحةً في كونها في يد من نتجت عنده.


1) راجع المهذب البارع 4 : 498.

2) رياض المسائل 15 : 208.

3) وسائل الشيعة 27 : 233،وما بعدها الباب 3 من أبواب كيفية الحكم... .

4) المبسوط 8: 258.

5) المهذب البارع 4 : 499.

6) الخلاف 6: 329 المسألة 2 المبسوط :8 258 تهذيب الأحكام 6 : 237، ذيل الحديث 583؛ الاستبصار 3 : 42. ذيل الحديث 142: المهذب :2 : 578؛ المؤتلف من المختلف :2 : 536 شرائع الإسلام 4 : 102؛ قواعد الأحكام 3 : 478؛ وراجع الدروس الشرعيّة 2 : 101؛ وغاية المراد 4 : 73 - 74.

7) سنن الدارقطني : 451. ح 21/4397.

8) وسائل الشيعة 27 : 250، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، ح 3.

9) المصدر : 255، ح 15.

ورواية إسحاق بن عمار عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنَّه قيل له في رجلين اختصما في دابة وأقام كلُّ منهما البيّنة أنّها نتجت عنده، قيل له: فإن كانت في يد واحدٍ منهما؟ قال: «أقضي بها للحالف الذي في يده» (1)وهي مشتملة على الحلف، وليس فيها صراحة بتقديم المقارنة للسبب.

وفي الجميع ضعف؛ لأنا لا نقول بالأصل، فلا يتمسك بالأولوية الحاصلة منها، على أنّ روايتها ضعيفة لا تصلح لإثبات المطلوب.

وعلل العلّامة في المختلف تقديم بيّنة الداخل مع السبب على بيّنة الخارج مع الإطلاق: إنّ جانب الداخل أقوى، ولهذا قدّم يمينه على يمين المدّعي فلتقدم بينته على بينته، وبأنّ له يداً وسبباً، بخلاف الخارجة، ولأن البينتين تعارضتا فتسلم اليد والسبب فيؤثر أثرهما (2).

وجميع هذه الأدلّة وإن قويت باجتماعها لا تقاوم تلك الأدلّة الدالّة على ترجيح بيّنة الخارج بقول مطلق.

ولو قيدت بيّنة الخارج والداخل بالسبب تساويا أو تفاوتا في القوة على ما يظهر من إطلاق الأصحاب وإن كان في الرواية المتقدمة ما يقضي بترجيح قوي السبب على ضعيفه قدمت أيضاً بيّنة الخارج على ما نُسب القول به للمشهور (3)، ودلّ عليه الإجماع المنقول (4)على بيّنة الخارج مطلقاً، وعموم الروايات المشتهرة فتوى وعملاً، وغاية ما يدلّ على تقديم بيّنة الداخل هنا الروايات المتقدّمة، وهي مطرحة أو محمولة على التقية؛ لأنها أقرب إلى فتواهم، كما صرح به جملة من الأفاضل (5)، ولأنّها ضعيفة السند، منها عامية، ومنها بترية، وليس فيها صحيح يعتمد عليه في معارضة ما قدمنا.

والأقرب لزوم اليمين على الداخل مع بيّنته لو قلنا بتقديمها؛ لعموم «اليمين على مَنْ أنكر» (6)فلو لم يحلف قدمت بيّنة الخارج.


1) وسائل الشيعة 27 : 250 الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، ح 2.

2) مختلف الشيعة 8 : 393، ضمن المسألة.

3) نسبه للمشهور المجلسي على ما في رياض المسائل 15: 210.

4) غنية النزوع 1: 443.

5) منهم المجلسي على ما في رياض المسائل 15 : 210.

6) راجع الهامش (4) من ص 442.

سادسها: حكم ما لو كانت العين في يد ثالث ولم يقرّ بها لأحدهما
إشارة:

سادسها: لو كانت العين في يد ثالث ولم يُقرّ بها لأحدهما، فالمشهور أنَّها يقضى بها لأعدل البينتين، فإن تساوتا عدالةً فلأكثرهما، فإن تساوتا كثرةً أُقرع بينهما، فمن خرج اسمه أحلف، وقضى له بها فإن أُحلف الآخر وكانت له فإن نكلا قسمت بينهما نصفين، كلّ ذلك للإجماع المنقول (1)وفتوى المشهور، ولأنّه الجامع بين الأخبار المختلفة الدالّ بعضها على اعتبار الأكثرية، كرواية القوم الذين اختصموا في بغلةٍ حيث حكم لأكثرهم شهوداً (2)، وموردها هو الخارج عن الاثنين إطلاقاً أو خصوصاً، كما فهم الأصحاب، وبعضها على اعتبار القرعة، وهي كثيرة شاملة بإطلاقها محلّ المسألة أو واردة فيها، كما فهم الأصحاب، فقيدنا أخبار القرعة بالرواية الدالّة على الأكثرية.

ويستفاد تقديم الأعدليّة على القرعة من رواية عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إذا أتاه رجلان بشهود عدلهم سواء وعددهم أقرع بينهم فيجعل الحق للذي يصير عليه اليمين إذا حلف» (3)فيفهم منه أنّ العدالة مقدّمة على القرعة.

ولكن ليس في الأخبار ما يدلّ على تقديم العدالة على الأكثرية، ولا على ما إذا كانت الأعدلية في جانب والأكثرية في جانب آخر.

ولا يبعد أنّ القرعة ها هنا هي الأصل في محلّ الشك؛ للأخبار الدالّة على ذلك؛ لأنّ هذا من الأمر المشتبه واقعاً.

ففي الخبر: «كلّ مجهول ففيه القرعة» (4). وفي آخر: «ما تقارع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المُحق، أي قضيّة أعدل من القرعة» (5).

مضافاً إلى خصوص روايات القرعة (6)الشاملة بإطلاقها لذلك.

وبها يخصص رواية إسحاق بن عمّار وفيها فقيل له لو لم تكن في يد واحد منهما


1) غنية النزوع 1: 443 - 444.

2) وسائل الشيعة 27 : 249 الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

3) المصدر : 251، ح 5.

4) المصدر : 259 - 260، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم...،ح 11.

5) المصدر : 261، ح 13.

6) المصدر : 251 - 252 و 254 - 255، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 5 - 8 و 11 و 12 و 15.

وأقاما البيّنة؟ قال: «أُحلّفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين» (1)بحملها على أن الحالف مَنْ أخرجته القرعة فيبتدأ به، وفائدة القرعة

ذلك، لا استخراج صاحب المال. وذهب الشيخ في المبسوط هنا إلى القرعة إن شهدت البينتان في الملك المطلق، والتنصيف إن شهدتا بالسبب معاً، ولو انفردت إحداهما بالسبب قدمت على المطلق (2)، بحمل الأخبار الواردة في القرعة على الإطلاق، وما دلّ على التنصيف على الشهادة بالسبب؛ لرواية غياث في دابة تنازع فيها رجلان كلُّ ادعى أنَّه أنتجها، فقضى بها للذي في يده، وقال: «لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين» (3).

ولا دلالة على هذا التفصيل من الأخبار؛ لأنّ أخبار القرعة مقيدة بأخبار التراجيح، والرواية الأخيرة ليست من تعارض البينتين.

ونقل عن ابن الجنيد هنا أنَّه مع تساوي البينتين عدداً يعرض اليمين على المدّعيين، فأيهما حلف فله، وإن حلفا جميعاً كان المال بينهما نصفين (4).

وكأنه استند إلى رواية إسحاق بن عمّار (5)، ولكن ليس فيها اشتراط التساوي عدداً.

ونقل عن ابن أبي عقيل إطلاق القول بالقرعة (6).

وهو جيد من جهة الأخبار (7)، إلا أن الأخذ بها بعد تقييدها بالمرجحات؛ جمعاً بين الأخبار هو الأقوى.

ولو أقرّ مَنْ في يده العين لأحدهما أو لهما، كان المُقرّ له داخلاً ومَنْ لم يقر له خارجاً. ولو قال: هي لأحدكما لا أعرفه، فالظاهر أنَّه يجري عليه حكم ما لم يقر لأحدهما بعينه.


1) وسائل الشيعة 27 : 250 الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 2.

2) المبسوط 8: 258.

3) وسائل الشيعة 27: 250 الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 3.

4) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 388، المسألة.

5) راجع الهامش (1) من ص 448.

6) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 387، المسألة 7.

7) وسائل الشيعة 27 : 249 الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

وكذا لو قال: لمن لا أعرفه ولو قال لغيري وسكت، فهي بمنزلة ما لا يد لأحد عليها، وحكمها بمنزلة ما لو كانت بيد ثالث ولم يُجِب شيئاً.

ولو اعترف بها لمعين حاضر أو غائب، غرم لمن أقرّ له إن أقر بها لأحدهما أو كليهما، وإلا فلا يغرم؛ لعدم تقويته شيئاً تسبيباً أو مباشرةً لاستحقاقهما لها ببينتهما.

وفي جميع هذه الصور تُسمع بيّنة أحدهما مع يمينه، إلا إذا شهدت بأنها ملكه إلى الآن. واعلم أنّه قد يحتمل أنّ القرعة لاستخراج صاحب اليد ولكن الشارع جعل عليه اليمين استظهاراً، فإن لم يحلف فلا حقّ له.

ثمّ إنّه يظهر من الصحيح (1)أنَّه لو كانت إحدى البينتين أكثر استحلف أهلها، ومقتضاه أنَّهم إذا لم يحلفوا فلا حقّ لهم.

وجملة من الأصحاب (2)لم يعتبر الاستحلاف مع الأعدلية والأكثرية مطلقاً.

ومنهم كالصدوقين والشيخ والقاضي اعتبروه مع الترجيح بالكثرة (3)كما في الرواية. ومنهم من اعتبرها مع الترجيح بالأعدليّة أيضاً، كالشهيد اللّه في الروضة (4)، ونسب للشيخ في الخلاف نقل الإجماع عليه (5).

والقول باليمين مطلقاً مع الترجيح ومع القرعة مع قربه أحوط، فعلى ذلك من لم يحلف رجع اليمين على صاحبه، وكان الحق له.

ويشكل القول بتحتمه؛ إذ لا دليل عليه سوى الرواية، وهي ظاهرة في الندب استظهاراً؛ لخلو الأخبار عن اعتبار اليمين فيما سوى أخبار القرعة.

والأصحاب في هذا المقام عباراتهم مختلفة:

فمنهم من اقتصر على اعتبار الأعدليّة خاصةً، كالمفيد (6).


1) راجع الهامش (1) من ص 450.

2) كالمحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 102؛ والمختصر النافع : 412 والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 469؛ والشهيد في اللمعة الدمشقية : 52.

3) المقنع : 399 - 4 الخلاف 6: 333، المسألة 4؛ المهذب 2 : 578.

4) الروضة البهية 3 : 107.

5) الخلاف 6: 333 - 334 المسألة 4 ونسبه إليه الطباطبائي في رياض المسائل 15 : 224.

6) المقنعة : 730.

ومنهم من ذكر الأكثرية، كالإسكافي (1)والصدوقين (2)، وربما أشعرت بعض عبائرهم (3)بتقديم الأعدلية، ولكن لم نعثر لهم على تصريح بذلك.

ومنهم مَنْ ذكر الأعدلية والأكثرية، ولم يذكر الترتيب بينهما ولا القرعة بعدهما، كما نُسب للشيخ في موضع من الخلاف ونسبه إلى الأصحاب (4).

ومنهم مَنْ ذكر المرجح (5)من دون بيانه مفصلاً ولم يذكر القرعة.

ومنهم من ذكر القرعة بعد العجز عن المرجّح مطلقاً، كما نُسب للشيخ في الخلاف مدعياً عليه الإجماع(6).

ومنهم من فصل كما ذكرنا، إلا أنَّه قدّم الأكثرية على الأعدلية، كابن إدريس، مشعراً بدعوى الإجماع عليه (7).

ومنهم من اقتصر على القرعة كما ذكرنا، كابن أبي عقيل (8).

وقد عرفت الأخبار أيضاً ليس فيها خصوصيّة الترتيب الذي اخترناه، ولكن بضميمة فتوى المشهور والإجماع المنقول (9)على الترتيب المتقدم يقوى القول بها.

وينبغى أن يُعلم أنّ ظاهر الأصحاب أنّ ذا اليد لو صدّق أحدهما أو كليهما لا تكون بيّنة المصدق - كبينة صاحب اليد وغيرها - كبينة الخارج، بل الحكم فيها هنا تقديم ذي البيّنة لو كانت واحدة مع يمينه مطلقاً، وتعارض البينتين هنا مقتض للترجيح بالأعدلية والأكثرية مع اليمين المصاحب للبيّنة الراجحة، فإن لم يكن يمين من صاحبها أحلف الثاني، فإن تساويا فالقرعة مع اليمين، فإن نكل رُدّت على مَنْ لم تُخرجه القرعة.

وظاهرهم أن اليمين لإثبات حقه من المدّعي الآخر، لا لإثبات حقه على من كانت


1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 388، المسألة 7.

2) المقنع : 399 – 400.

3) المقنع : 399 – 400.

4) الخلاف 6: 333 المسألة 4 .

5) المراسم : 234.

6) الخلاف 6 : 337 - 338، المسألة 10.

7) السرائر 2 : 169.

8) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 387، المسألة 7.

9) راجع الهامش (7).

العين في يده، بل من كانت العين في يده بمنزلة الداخل بالنسبة إليهما إذا أنكرهما معاً، وبمنزلة الداخل لمن يصدقه إذا صدق واحداً منهما، فتكفي يمينه عند عدم البيّنة، وعند البيّنة من كلِّ منهما أو من أحدهما تنتزع العين من يده وليس له يمين عليهما أو على أحدهما عند إنكاره لهما أو لأحدهما.

ويظهر من بعض المتأخّرين (1)القطع بأنه لو صدق أحدهما أو صدقهما حكم لمن صدقه بأنه ذو يد، ويجري عليه حكم ذي اليد فتُقدّم بيّنة مَنْ لم يصدقه على القول بتقديم بيّنة الخارج، وهكذا، فيكون محلّ المسألة فيما لو كذبهما أو يقول: لا أعلم ولا أدري، أو لم يكن الشيء تحت يد واحدٍ أصلاً، أو يقول: هو لغيري أو لفلان، ولم يصدقه فلان، أو صدقه ولم يصدق أحدهما، أو يقول: هو مجهول المالك، أو يقول: هو لغائب أو لغير ذلك.

ويمكن توجيه لزوم اليمين على الأعدل شهوداً أو الأكثر بأن الأعدل والأكثر تصير المشهود له صاحب يد بالنسبة إلى المدّعي الآخر بموجب تقديمهما على الخالي منهما؛ لأنّ البيّنة مع إنكار مَنْ هي بيده إنّما تقوم عليه، لا على المدّعي الآخر، فإذا قامت البينتان عليه وقدمنا الأعدل اندفعت العين من صاحب اليد إلى مَنْ بيّنته أعدل، فصار كصاحب اليد، وكان الذي بينته غير الأعدل خارجاً، فإما أن تقدّم هي؛ لأنها بيّنة خارج، أو تقدّم بيّنة الأعدل مع اليمين؛ لأنّ بيّنة الداخل لا تقبل إلا مع اليمين.

فإن قلت: بيّنة الخارج مقدمة فلا حاجة إلى هذا التكلّف.

قلنا: نعم، ذلك في الخارج الحقيقي، لا المنزل منزلته، بل هذا خارج يضعف في مقابلة الأعدل والأكثر،واليمين ولو أنّ الخارج والداخل يتحقق حقيقة لكان تصديق ذي اليد لأحدهما من أقسام الداخل، وأكثر الأصحاب لم ينزلوه عند تعارض البيّنة بمنزلة ذلك.

تذنيب: تحقق التعارض بين الشاهدين والشاهدان ذكوراً أو إناثاً

تذنيب: يتحقق التعارض بين الشاهدين والشاهدين ذكوراً الجميع أو إناثاً أو ذكوراً في جانب وإناثاً في جانب آخر في مقام يصح فيه شهادة الإناث.

ولا يتحقق بين شاهدين وشاهد ويمين؛ لضعف الشاهد واليمين عن معارضة الشاهدين؛


1) لم نتحقّقه.

لأن اليمين مؤكدة للشاهد الواحد في الحجيّة، وليست بمنزلة الشاهد الآخر، ولأن اليمين من المدّعي بمنزلة تصديق المدّعي نفسه والشاهد مصدّق لغيره، ولأن دليل الشاهد واليمين عمدته الإجماع وحكايات الأحوال، والمتيقن منها في غير مقام معارضة الشاهدين، ولأنّ الترجيح في مقام تعارض الخارجين أمر مطلوب، والشاهدان أرجح من الشاهد واليمين، ولأنّه المشهور، بل كاد أن يكون إجماعاً، وبه تنصرف إطلاقات حجية الشاهد واليمين إلى غير ما عارضهما الشاهدان.

ونُسب للشيخ نادراً في المبسوط احتمال القول بالمعارضة (1).

وليس ظاهراً في ذلك فضلاً عن الصراحة.

هذا كله في الخارجين، وأما الخارج والداخل فشاهدا الخارج مع يمينه مقدم على شاهدي الداخل؛ لعدم اعتبار بيّنته، إلا أن تشهد بيّنة الداخل بالسبب والخارج بالمطلق، فهناك لا يُسمع الشاهد واليمين من الخارج على وجه قوي.

وكذا لو تداعيا كلُّ ما في يد الآخر، فإنّه يُقدم الشاهد واليمين على الشاهدين من الخارج بالنسبة إلى ما في يد الداخل.

سابعها: حكم ما لو تداعيا ما لا يقبل القسمة وكانا خارجين

سابعها: لو تداعيا ما لا يقبل القسمة كالزوجيّة وكانا خارجين، فليس إلا الترجيح بالأعدليّة والأكثرية مع الاستحلاف وبدونه على الوجهين، ثمّ القرعة مع الاستحلاف وبدونه، فإن حلف مَنْ خرجت له القرعة فله، وإلا رُدّت اليمين على الآخر، فإن حلف فله، وإن نكلا أُخذ بموجب القرعة، ولا يفتقر إلى قرعة أُخرى.

ويظهر من الأصحاب سقوط اليمين مع القرعة فضلاً عن سقوطها مع المرجح؛ لعدم الفائدة، لعدم إمكان القسمة مع نكولهما.

وفيه: إنّ فائدة اليمين لا تختص بالقسمة عند نكولهما، بل قد تكون فائدتها حلف الآخر.

نعم، قد يقال بسقوط اليمين؛ لرواية داؤد بن يزيد العطّار في امرأةٍ تعارضت فيها البينتان كلٌّ قالت: هي لمدعيها، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أن اعتدل الشهود وعدلوا: «يقرع بين الشهود فمَنْ خرج اسمه فهو المُحقِّ وهو أولى بها» (2)وهي مؤيَّدة بفتوى الأصحاب.


1) المبسوط 8 : 253 - 254؛ ونسبه إليه المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 102.

2) وسائل الشيعة 27 : 252، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم...،ح 8.

هذا كله إن لم تصدق أحدهما كما هو ظاهر الرواية؛ لأنّ فيها أنَّها امرأة غيرهما، وإن صدقت أحدهما كانت البيّنة لمن لم تصدقه على الأقوى من دون نظر للمرجحات، أو لمن صدقته في وجه قوي؛ لتأيد بينته بتصديقها إياه.

ولو صدقتهما معاً، امتنعت هنا القسمة، فلا بد من المرجح مع اليمين أو بدونه، وإلا فالقرعة مع اليمين وبدونه في المقامين هو الأقوى.

وقد يقال: إنّه عند تعارض البينتين مطلقاً أيهما حلف مع بينته يُقدم قوله؛ لانجبار بينته باليمين، فإن حلفا أو نكلا فالمرجّح أو القرعة كما تقدّم، وهو وجه، وربما ظهر من بعض عباراتهم.

ثامنها: في أنّ البيّنة المشتملة على قدم الملك يرجح على المشتملة على الملك

ثامنها: المعروف بين الأصحاب الترجيح للبيّنة المشتملة على قدم الملك على البيّنة المشتملة على الملك مطلقاً أو الملك المتأخّر، سواء ذكر تا العدد بأن قالت الأولى سنتين، وقالت الأُخرى: سنة، أو لم تذكراه فقالت الأولى من قديم الزمان، وقالت الأخرى من حادثه، بل ربما ألحق بالأولى معلومة التاريخ وبالأخرى مجهولة التاريخ؛ لأصالة تأخر المجهول عن المعلوم.

ونسب الترجيح به للمشهور ابن فهد، بل قال: لا أعلم فيه خلافاً، وردّ على ابن إدريس حيث منع من الترجيح به وجعله من منفردات الشيخ وأنّ الترجيح به للعامة وأنَّه قياس وليس من مذهبنا : بأن قوله مخالف للمعروف بين الأصحاب ومشهورهم (1).

والحق مع المشهور، وذلك لقوّة الشهادة بالقديم على الحادث عرفاً في مقام الشهادة، ولتعارض البينتين في الوقت المشترك، فيبقى القديم لا يعارضه شيء، فيُستصحب أثره.

وقد يقال: إنّ الاستصحاب قطعه بيّنة الحادث فهي غير حجّةٍ في الوقت المشترك؛ لمكان التعارض، ولكنّها حجة في دفع الاستصحاب.

وفيه: إن سقوطها في الوقت المشترك يُبطل تأثيرها فيقطع الاستصحاب.

وقد يقال: إن بيّنة الملك الحالي بمنزلة المقيد، كما لو شهدت أنَّه اشتراه من الأوّل أو اتهبه، فإنّه يُحكم بها، فيمكن أن تكون الشهادة بالملك الحالي لذلك وشبهه فتقوى ولا أقل من التساوي.


1) المهذب البارع 4 : 497 - 498؛ وراجع السرائر 2: 169 – 171.

وفيه: إن ذلك مسلَّم لو شهدت الأولى بالملك المطلق، أما لو شهدت به إلى الحال فإنّه يرتفع ذلك الاحتمال، وفرق بين الشهادة بالملك الحالي وبين الشهادة بالشراء صريحاً؛ لأنّ الشهادة بالشراء لا تعارض الشهادة بالقدم إلا بما تضمنته من نفي الانتقال، والنفي في الشهادة لا يعارض الإثبات، كما أن الشهادة في الحال تنفي الأقدم فلا تعارضه فيثبت القدم، ويتساقطان في المشترك، فيبقى الأقدم من غير معارض؛ لاستصحابه وبقائه، وسليماً في الوقت المختص فيُستصحب أثره.

هذا كله فيما إذا شهدت البيّنة بالملك القديم مصرحة ببقائه إلى حين الشهادة، سواء كان ذلك التصريح من جهة العلم بالبقاء أو من جهة الاستصحاب بناءً على جواز الشهادة بالاستصحاب، وإلا لم تبق للشهادة سوق، بل لو صرّحت بالاستصحاب فقالت: وذلك ثابت بالاستصحاب، أو قالت: ولا نعلم له مزيلاً، سواء دلّت هذه اللفظة على العلم كما تقول: ولا نعلم في ذلك خلافاً، أو دلّت على عدم العلم بالزوال، بل لو قالت: ولا ندري زال أم لا، فكذلك؛ للاستصحاب.

ومَنَع بعضُهم سماعها بهذه الصورة؛ لدلالتها على التردد، بخلاف الأولى، فإنّها تدلّ إمّا على الظنّ أو الجزم (1).

وفيه نظر؛ لعدم مدخليّة الصورة ها هنا بعد العلم بالمراد.

أما لو شهدت بالملك مطلقاً أو بكونه قديماً مطلقاً، فلا شك في معارضتها للشهادة بالحادث؛ لمكان التصريح والإطلاق، وإمكان الجمع، وبالأولى لو قالت: هي ملكه أمس أو السنة الماضية، فإنّه يزداد باحتمال صدقهم في ذلك مع علمهم بطروء الملك الحادث ولم يبينوه؛ إذ لا منافاة بين كونه ملكاً لزيد أمس وملك عمرو اليوم.

تاسعها: مورد هذا المرجح في الخارجين قطعاً وفي غيره

تاسعها: مورد هذا المرجح في الخارجين قطعاً وفي غيره على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى (2).

ومحله في الخارجين بعد الترجيح بالعدالة العدد قبل القرعة كما يظهر من بعض الأصحاب(3). وهو الأقرب؛ لأن تقديم الأعدل والأكثر مقتض لعدم سماع غيره، فلو فرض أن الحادث


1) راجع مسالك الأفهام 14: 93 - 94.

2) سيأتي في ص 459 وما بعدها.

3) راجع المهذب البارع 4 : 499.

شهد به الأعدل فقد قطع شهادة غيره وما يتبعها من القدم، وانقطع الاستصحاب الحاصل من الأقدمية، ضرورة أنّ الاستصحاب لا يعارض الحجة.

نعم، عند التساوي يتساقطان فيبقى استصحاب القدم لا معارض له، مع احتمال تقديمه على العدالة والعدد؛ لتعلقه بالمتن والدلالة كتعلّق المطلق والمقيد، وهو مقدم على الترجيح بالسند؛ للزوم الجمع قبل الترجيح.

ومثله القول في الترجيح بالسبب، كما إذا شهدت إحدى البينتين بسبب الملك للخارج دون الخارج الآخر فقالت: اشتراه منه أو ورثه من أبيه أو نتج في ملكه أو شجّه أو بناه كذلك.

وأما في غير الخارجين فالظاهر أنّ قدّم الملك لا يُقدّم على بيّنة الخارج كما قلنا في السبب؛ لأنا إذا جعلنا اليد مانعةً من سماع البيّنة في مقابلة الخارج المدّعي فقد صارت بحكم الساقط، فلا يجدي فيها الترجيح حينئذٍ من السبب ومن قوته ومن قدم الملك ومن الأعدليّة ومن الأكثرية ومن غير ذلك.

نعم، لو قلنا بسماع بيّنة الداخل كان لترجيحها بقوة السبب وقدم الملك وجه، بل تكون اليد بنفسها من أقوى التراجيح حينئذٍ.

ولو كانت العين في أيديهما أمكن الترجيح بقوة السبب وقدم اليد؛ لأنّ الدعوى على

الكلّ من الكلّ، فكلُّ منهما يريد إزالة يد صاحبه الداخلة ببينته، فالترجيح في محله حتّى الأعدليّة والأكثرية، إلا أنّ ظاهر الأصحاب ترك العمل بالترجيح بالأعدلية والأكثرية، والحكم بالتنصيف عند تعارض البينتين، ولعلنا لو اتبعناهم في عدم الترجيح بالأعدلية والأكثرية لا نتبعهم في عدم الترجيح بالسبب وقوته وقدم الملك وأقدميّته.

عاشرها: لو شهدت بيّنة الملك به في مقام التعارض وفي غيره بمطلق الملك أو قيدته

عاشرها: بيّنة الملك لو شهدت به في مقام التعارض وفي غيره، إما أن تشهد بمطلق الملك فتسمع في معارضة المطلق، وتُسمع لنفسها، وكذا لو قيدته إلى الآن، وكذا لو قيدته بالماضي وقالت: ولا أعلم له مزيلاً.

ولو قالت: ولا أدري أزال أم لا، فقد منعه بعضهم؛ لصورة التردّد (1).


1) قواعد الأحكام 3 : 490.

وألحقه آخرون بالأول؛ لتساوي المعنى (1).

وفرّق بعضهم بينهما بالمعنى حيث إنّ الأولى تقال في مقام العلم والظن المتاخم ولو بالاستصحاب، دون الثانية (2).

ومَنَع بعض (3)الجميع؛ لعدم القطع بالشهادة.

وقد تبنى المسألة على جواز الشهادة بالاستصحاب أم لا، وعلى تقدير الجواز فهل يقبلها الحاكم عند الاطلاع على ذلك؟

والذي يظهر أن اليد اللاحقة لا يعارضها مجرّد الاستصحاب أو الشهادة به عند العلم بذلك، ولا يكفي من الشاهد أن يقول: أشهد بأنّها ملكه بالأمس ولا أدري، إلا إذا أبدى الشهادة بصورة القطع أو ما شابهها.

والظاهر إنّه تصح له الشهادة بالاستصحاب إذا كان مطمئناً به ظانا ظناً عادياً، ولو كان شاكاً لطروء بعض الأحوال، لم تجز له الشهادة.

ويقوى عدم سماع الشهادة بالملك لو قيدت بالماضي فيما لو قال: أشهد أنَّه ملكه أمس، وسكت؛ لاحتمال علمه بطروء المزيل، ولا كذب في الشهادة.

نعم، قد يعارضها الاستصحاب الناشئ من الإقرار، كما إذا شهد عليه شاهدان أنّه أقرّ لزيد أمس بالملك، أو أقر بأنّه أقر بذلك، أما لو أقرّ أنّه لزيدٍ بالأمس بقيد ذلك لم يكن إقراراً في الحال، فلا يلزم به مع احتمال جرّ ذلك بالاستصحاب.

وفرق العلامة (رَحمهُ اللّه) بين استصحاب المشهود به وبين استصحاب المقرّ به: بأن الإقرار يكون عن تحقيق، بخلاف الشهادة، فإنّها قد تكون باعتبار اليد، وقضاؤها بالملك ظنّي. وحكم في الإقرار بانتزاعها من المقرّ إلى المقر له، بخلاف الشهادة (4).

وفيه: إنّ الشهادة قد تكون عن علم والإقرار بالملك قد يكون عن يد، وربما صرّح الشاهد بالسبب المعلوم سببيته للملك، فينبغي إما إعمال الاستصحاب فليعمل فيهما، أو لا يعمل؛

لقوة اليد الحالية فلا يُعمل فيهما معاً.


1) راجع مسالك الأفهام 14: 93 - 94.

2) راجع مجمع الفائدة والبرهان 12 : 244.

3) لم نتحقّقه.

4) قواعد الأحكام 3 : 490.

وأولى في عدم سماع الشهادة بالملك السابق إذا لم تدل الشهادة على الملك في الحال الشهادة باليد بالأمس.

ودعوى أن الشهادة باليد مستندة إلى الرؤية فتكون قطعيّة غير مسموعة؛ لجواز القطع بالملك قطعاً يقوى على مشاهدة اليد القاضية بالملك.

وللشيخ قول بسماعها (1)استناداً للرواية عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): في رجل اشترى هدياً فنحره فمر به رجل فعرفه، فقال: هذه بدنتي ضلت منّي بالأمس، وشهد له رجلان بذلك، فقال: «له لحمها ولا تجزئ عن واحدٍ منهما» (2).

وفيه: إن ظاهر الرواية أنّ الشهادة فيها على الملك الحالي، لا على اليد السابقة.

ويُسمع من الشاهد لو قال: هو ملكه بالأمس اشتراه من المدّعى عليه بالأمس أو اتهبه أو أقر له بها؛ لاستناد الشهادة إلى تحقيق.

ولو قال: اشتراه من فلان غير المدّعى عليه، لم يلزم حتّى يقول: وهو ملكه الآن؛ لاحتمال كونه وكيلاً عن المدّعى عليه.

ولو شهدت بيّنة المدّعي أنَّه كان ملكه فغصبه ذو اليد منه أو استعاره، سمعت الشهادة؛ لأنّها تضمّنت بيان السبب والظاهر بقاؤه.

ولو شهدت بيّنة أنَّه غصبها من زيدٍ وأقام عمر و بيّنة أنّه أقر له بها، قدمت بيّنة الغاصب، ولا يضمن لعمر و شيئاً؛ لعدم تفريطه.

وبالجملة، فالأقوى عدم جواز الشهادة بالاستصحاب ما لم يُفد ظناً متاخماً للعلم قريباً للقطع بحيث تجري العادة بالقطع به، فإذا عرف الحاكم أنّ الشهادة بالملك الحالي كان كذلك ولو بإقرار الشاهد، لم يسمع شهادة الشاهد.

نعم، لو أبرزها بصورة القطع، قبلت ظاهراً، وليس على الحاكم السؤال.

نعم، هل للحاكم أن يحكم بالاستصحاب لما قطع به الشاهد من الملك الأول؟ الظاهر إنّ له ذلك فيما لا يعارض الاستصحاب فيه يد حالية؛ لقضاء اليد الحالية بالملك شرعاً، وفيما


1) المبسوط 8: 303؛ الخلاف 6 : 347 المسألة 22.

2) وسائل الشيعة 14 : 145 الباب 33 من أبواب الذبح، ح 1.

لا يعارضه بيّنة أُخرى تقطع أثره، فإذا لم يعارضه شيء من ذلك كالشهادة على دين بالأمس أو قرض على زيد، فإنّه يكفي الحكم بالدين بالاستصحاب، ولا يحتاج الحاكم إلى سؤال الشاهد أنَّه إلى الآن.

ولكن يشكل ذلك بالإقرار أو الشهادة به، كما إذا أقرّ اليوم أنَّه لزيد بالأمس، أو أقر أمس أنّه لزيدٍ أو أقر أنّه غصبه منه أمس، فإنّ الظاهر من الفقهاء أن الحاكم يحكم بأن المال لزيدٍ بالاستصحاب، ولا يفتقر في الإقرار أو الشهادة به إلى ضميمة «الآن».

وكذا لو شهد شاهدان بحكم الحاكم عليه بالأمس.

وكأن الفرق ضعف الشهادة عن الإقرار في الإثبات، فيضعف استصحابها عن سلب الملكيّة عمّا تقتضيه اليد الحالية، بخلاف الإقرار، فإنّ استصحاب أثره يقوى بقوة أصله.

وكل بيّنة شهدت بسبب خاصّ على ذي اليد من عارية أو غصب ولو قيدته بالأمس سمعت على الأقوى؛ استصحاباً لما حققه الشاهد من السبب الخاص.

حادي عشرها في بيان أسباب الترجيح

حادي عشرها: أسباب الترجيح أُمور: الأعدلية والأكثرية، وربما يلحق بهما الأضبطية والأعرفيّة، والخارج واليد والسبب الخاصّ والسبب الأقوى والأقدمية والقدم والتصرف والقرعة، والشهادة بالملك أولى من الشهادة باليد والشهادة باليد أولى من الشهادة بالتصرف، والشهادة بالملك المقرون بالسبب أو المقرون بالقدم أولى من غير المقرون.

ولو تعارض الاقتران بالسبب والأقدمية، احتمل التساوي، وترجيح الأقدم.

وكلّ مرتبة سابقةٍ تقدّم على اللاحقة وإن قويت اللاحقة وضعفت السابقة في وجه.

والصور المحتملة في التعارض كثيرة.

وبناءً على ما ذكرناه فشهادة الملك تقدّم على شهادة اليد وإن اقترنت بالسبب أو كانت أقدم، وكذا شهادة اليد بالنسبة إلى التصرّف وشهادة التصرّف بالنسبة إلى غيره، وقويُّ كلّ مرتبة أقوى من ضعيفها، ومراتب المعنى والدلالة بعد مراتب العدالة والأكثرية.

ومبنى المسألة هل المدار في الترجيح على الظنّ أو على التعبد فيقتصر على ما في الأخبار صريحاً أو فحوى؟

ولا يبعد أنّ ما في الأخبار ينبئ عن ملاحظة الترجيح في الجملة، إلا ما في الأخبار مقدم على غيره.

وذكر بعض المحقّقين أنَّه حيث كان للترجيح أسباب خمسة فإن انفردت إحدى البينتين بواحدٍ حكم لها، وإن اشتركا أقرع بينهما إن تكافئا، وإن تفاوتا فذو السببين أولى من ذي السبب، وذو الثلاثة أولى من ذي الاثنين، ولو انفرد كلّ واحدٍ بواحدٍ، فإن كان قوة العدالة أو كثرة العدد فلا ريب في تقديمه، وأما الثلاثة الباقية فأقواها القِدَم فيُقدّم على السبب وإن لم يتكرّر كالنتاج، والشهادة بالملك المقيد بالسبب أولى من الشهادة بالملك المطلق، والشهادة بالملك المطلق أولى من الشهادة بالتصرّف مطلقاً اقترنت بسبب أم لا. كانت أقدم أم لا، والشهادة بالتصرف أولى من الشهادة باليد مطلقاً كذلك، والشهادة باليد أولى من السماع، والشهادة بقديم كلّ واحدة أولى من الحادث، وبالمقرون بالسبب أولى من غير المقرون (1).

وهذا حسن، غير أن تقديم التصرّف على اليد لا نرتضيه؛ إذ اليد أقوى، وقد يكون بين اليد والتصرف اختلاف، فربّ يد أقوى، وربّ تصرّف أقوى، ويرجع إلى نظر الفقيه، كما أنّ الأيدي مختلفة قوّةً وضعفاً، كيد الزوج والزوجة والخادم والمخدوم، وكذا التصرف مختلف، وقد يقع التعارض في نفس اليد الحالية المقطوع بها والشهادة بالملك السابق أو اليد السابقة، وسيجيء إن شاء اللّه (2).

مسائل :

الأولى في أنّ البيّنة مثبتة للملك من حين أدائها على نحوما أدته

[المسألة] الأولى: البيّنة مثبتة للملك من حين أدائها على نحو ما أدته، فإن أدّت ملكاً مطلقاً ثبت من زمن التأدية؛ لأنَّه المتيقن، وإن أدت مقيّداً بوقت سابق فهو من حين ذلك الوقت، فعلى ذلك فالنماء المتصل من حين ثبوت الملك لمن قامت له، وكذا ما كان بعده مطلقاً، والنماء المنفصل قبل ذلك لمن كانت في يده قبل الإثبات.

وسبب دخول النماء المتصل هو دخوله في المشهود به له كالصوف واللبن والقرن


1) المهذب البارع 4 : 499 وما بعدها.

2) يأتي في ص 465.

والبيض؛ لأنّ البيض لا يعلم وجوده إلا مع وجود العين، ولا يمكن تمييزه، فهو داخل عين المشهود به كما تدخل هذه في البيع والهبة.

وأما النماء الذي لا يُعد جزءاً، كالحمل والثمرة ونحوهما، فلا يدخل في المشهود به وإن كان متصلاً حين الشهادة؛ لعدم التلازم بين ثبوت ملكيّة العين للمشهود له وملكية النماء لذي اليد، وظهور كون النماء ثابتاً للمشهود به فتثبت ملكيته تبعاً لا يعارض اليد القاضية بملكهما، خرج ما شهدت به البيّنة، ويبقى الباقي على حكم اليد.

نعم، لو قالت: هذه الدابة ملكه استنتجها عنده أو هذه الشجرة غرسها بيده، أفاد ملكية النماء للمشهود له.

وهذه القاعدة جارية في كلّ مبيع ظهر بعد شرائه أنَّه مستحق للغير وكانت الشهادة أنَّه ملك الغير على الإطلاق.

ولو شهدت أنّه ملكه الآن، لم تكن منافية لشرائه من آخر؛ لاحتمال أن المشهود له ملكه بعد شرائه.

نعم، يشكل في الشهادة المطلقة أنّ الفقهاء حكموا بأنه لو اشتراها فظهرت بالبيّنة المطلقة أنّها ملك الغير، رجع المشتري على البائع بثمنها؛ لأنّه قد انكشف بالبيّنة العادلة أنّها لم تكن للبائع، وكذا لو تعاقبت كما إذا اشتراها من موهوب أو من مشترٍ آخر، وهكذا، وذلك يقتضى كونها ملكاً للمشهود له قبل الشراء، فيقتضى كون النماء كله حتّى المنفصل للمشهود له، فكيف يجتمع هذا مع الحكم بأنّ النماء المنفصل للمشتري!؟

وبالجملة، فبين الحكم بكون النماء للمشتري وبين رجوعه بالثمن على البائع جمع بين متنافيين.

قيل: وقد ينزّل أنّ الحكم ببقاء النماء على ما إذا لم يدع المشتري الابتياع المستلزم لتقدم ملك المدّعى عليه ذلك (1).

وفيه: إن المشتري بعد اعترافه بالشراء من الغير وقيام الحجة على أنَّها ملك غير البائع عاد النماء لمن قامت له الحجة، ادعى أو لم يدع، إلا أن يقال: إن أقصى ما هناك إطلاق دعوى الابتياع من المشتري ليرجع بالثمن، وهو أعم من الابتياع الذي حصل به أصل ملك


1) لم نتحقق القائل به.

المشتري للعين المتقدّم على حصول النماء ومن الابتياع المتأخّر عن حصول النماء بأن يكون المشتري مالكاً من قبل فحصل النماء ثمّ انتقلت منه وتداولتها الأيدي ثمّ ابتاعها وأُقيمت البيئة المطلقة على أنّها ملك آخر فانتزعت منه، ففي هذه الصورة يصح اجتماع الحكم ببقاء النماء له وجواز رجوعه بالثمن، وهو لا يخلو من نظر بل خلاف ظاهرهم.

ولو قيل: لا يرجع على البائع إلا إذا ادعى خصمه ملكاً سابقاً على الشراء، كان قوياً، ويمكن تنزيل كلامهم على ذلك.

الثانية: في أن شهادة البيّنة بالسبب لا تضر مع إطلاق الدعوى

[المسألة] الثانية شهادة البيّنة بالسبب لا تضرّ مع إطلاق الدعوى، بل تؤكدها، غير أن المدّعي إذا أراد تأكيد الدعوى فادعى السبب لم تغن تلك الشهادة؛ لتبرع الشاهد بها، فلا بد من إعادتها.

ولو ذكر المدّعي سبباً وذكر الشاهد،آخر احتمل بطلان الشهادة من أصلها إن ناقضت ذلك السبب، كما يقول المدّعي كتبته، فيقول الشاهد: استكتبه، واحتمل الصحّة، فتسمع الشهادة بالملك المطلق دون السبب واحتُمل بطلان الشهادة إذا كانت الشهادة بالملك مستندةً للسبب بحيث إنّ العلم بها مستند للعلم به، وإلا فلا.

والأقوى اختصاص بطلان الشهادة في مورد الاقتصار على السبب، دون ذكر الملك والشهادة به؛ لتكذيب المدّعي لشهوده في ذكر ما يناقض شهادتهم، وإن لم يناقض سبب المدّعي سبب الشاهد فلا بأس؛ لأنّ الشهادة منصبة على الملك، واختلاف السبب مع عدم تضاده غير منافٍ للشهادة؛ لإمكان اطلاع كلِّ من المدّعي والشاهد على غير ما اطلع عليه الآخر، أو ذكر كلُّ منهما سبباً غير ما ذكره الآخر مع وجود كل منهما في المشهود به.

الثالثة: لو تداعيا على عقد أو إيقاع أو حكم من الأحكام أنَّه صحيح أو فاسد

[المسألة] الثالثة: لو تداعيا على عقد أو إيقاع أو حكم من الأحكام أنَّه صحيح أو فاسد، كان القول قول مدعي الصحّة.

ولو أقاما بيّنة كانت البيّنة بيّنة مدعي الفساد؛ لأنها بيّنة خارج، ومدعي الصحّة وإن خالف قوله الأصل؛ لأصالة عدم الصحّة إلا أنّه موافق للظاهر وللقاعدة الشرعيّة، بل ولأصالة العدم؛ حيث تكون الدعوى بعروض مانع ويوافق اليد غالباً، ولأنّ مدّعي الفساد وإن وافق الأصل الأوّلي إلا أنَّه لو ترك لترك.

ولو ادعى على وكيله أنّه أجر بدون أجرة المثل أو باع بدون ثمنه، فالقول قول الوكيل، والبيّنة بيّنة الموكل؛ لأنَّه بمنزلة الخارج، والوكيل بمنزلة الداخل فكأن اليد يده والتصرف تصرفه.

الرابعة: عدم قبول الشهادة بالملكية بمجرّد الشهادة بسبب لا يوجب الملك

[المسألة] الرابعة لا تُقبل الشهادة بالملكية بمجرد الشهادة بسبب بسبب لا يوجب الملك، کالشهادة بأنّ هذا اشتراه من فلان إلّا أن تقول البيّنة وهو ملكه، أو: وهو ملك البائع؛ لجواز أن يبيع الإنسان مال غيره، وكذا الشهادة باتهابه أو استئجاره.

واكتفى بذلك في الخلاف (1)؛ نظراً إلى استلزام ذلك الشهادة بتصرّف الأوّل، الدالّة على ملكه دلالة اليد السابقة على الملكيّة، فكما أنّ اليد ظاهرة بالملكية وإن احتملت العدوان والعارية والإجارة والوديعة فكذلك التصرّف.

وهو قوي؛ لأن الشهادة بالتصرف تقضي بالملكية.

نعم، على نحو تصرّف الملاك في أملاكهم بحيث يتصرف ويأذن في القبض أو يتكرّر منه التصرف، فإذا قضت بالملكيّة حكمت على اليد اللاحقة.

ولك أن تقول: إن الشهادة بالتصرف تُسمع فيما إذا كانت الدعوى على خارج وأقام أحدهما بيّنة على التصرّف دون الآخر، فإنّه يُحكم بها بثبوت الملك، وأما لو عارضتها بيّنة يد أو ملك أو يد حالية فلا تجدي بيّنة التصرف بل القطع به؛ لأن اليد الحالية المقطوع بها لا تُرفع بالأمر الموهوم.

وبالجملة التصرّف إذا لم يُفد الملك لا تسمع بينته في مقابلة اليد.

ولو عمد إلى عين في يد زيدٍ فادّعى أنّه ملكها منذ سنة، فادعى الآخر أنَّه اشتراها منه منذ سنتين وأقاما بيّنة، فمقتضى الترجيح بالسبب وقدم الملك تقديم بيّنة الداخل.

لكن العلّامة (2)استشكل في ذلك من جهة أنّ مطلق الشراء غير صريح في الملك وليس مما يستمر، فكانت الشهادة به كالشهادة بأنه ملكه أمس.

وفيه: إن ملكها منذ سنة لا ينافي ملكها قبل السنة وقد قامت البيّنة على ابتياعها منه قبل ذلك، فكان كما لو شهدت إحداهما بملك هذا لها مطلقاً والأُخرى بأن الآخر قد ابتاعها منه،


1) الخلاف 6 : 345، المسألة 19.

2) قواعد الأحكام 3 : 492.

ولذا قطع في الخلاف بتقديم بيّنة الداخل، فقال: لا خلاف في زوال يد البائع، وأما المشتري فإن شهدت بينته بأنه اشتراها من المدّعي وهي ملكه، أو أنَّه يتصرّف فيها تصرّف المُلاك، حكم له بها بلا خلاف وإن شهدت بالشراء فقط ولم تشهد بملك ولا يد، قال الشافعي: حكمنا بها للمشتري، قال: وإليه أذهب.

واحتج على مختاره بأنّ ثبوت الملك للبائع سنة لا ينافي ملكه قبل ذلك، وقد قامت البيّنة على أنَّه باعها منه قبل ذلك، والظاهر أنَّه كان مالكاً لها قبل ذلك، فكانت المسألة كما لو شهدت بيّنة بملك هذا لها مطلقاً والأُخرى بأنّ الآخر اشتراها منه مطلقاً، فكما يقضى فيها للمشتري بلا خلاف في تلك فكذا في هذه (1).

الخامسة: في أنّ اليد الحالية المقطوع بها تقطعها شهادة الملك مطلقاً أو مقروناً بالسبب

[المسألة] الخامسة: اليد الحالية المقطوع بها تقطعها شهادة الملك مطلقاً أو مقروناً بالسبب حالاً أو مؤرّخاً بتأريخ متقدم، ولا تقطعها الشهادة بالملك الماضي الغير المقرون بما يدلّ على بقائه، ولا تقطعها الشهادة باليد السابقة الغير المقرونة بما يدلّ على البقاء إلى الآن ولا الشهادة باليد مطلقاً.

وهل تقطعها الشهادة باليد الحالة أو المتقدّمة المقرونة بما يدلّ على بقائها كما تقطع الشهادة باليد الحالة، أم لا ؟ وجهان: ينشآن من أنّ اليد المقطوع بها لا تعارضها المظنونة الحاصلة من البيّنة؛ لأنّ المظنون لا يقطع المقطوع به، ومن أن اليد السابقة المشهود بها دالة على الملك في الزمن السابق، والملك في الزمن السابق مقدّم في الشهادة على الملك الحادث وعلى اليد الحادثة المقطوع بها أو المشهود بها.

وفيه: إنّ دلالة اليد على الملك السابق مستندة إلى أمرٍ ظنّي، ودلالة اليد المقطوع بها على الملك اللاحق مستندة إلى أمر قطعي والمستند إلى أمر قطعي مقدم على المستند إلى أمر ظنّي.

وأما التصرّف القطعي فهل تقدّم عليه شهادة اليد السابقة المقرونة بما يدلّ على بقائها؟ الظاهر نعم؛ لقوة اليد.

ولو استندت إلى أمر ظنّي كالشهادة بالملك، فتقدّم على التصرف المقطوع به.


1) الخلاف 6 : 345 - 346، المسألة 19.

السادسة: حكم ما إذا إدعى شيئاً بيد غيره فقال: هو لفلان

[المسألة] السادسة: إذا ادعى شيئاً بيد غيره، فقال: هو لفلان، فإن كذبه المقر له، رجع أمره إلى الحاكم، وطلب الحاكم من المدّعي البيّنة على أنَّه له، وإلا فهو مجهول المالك.

ويحتمل أنَّه يُترك في يد المدّعى عليه؛ إذ لعلّ المقرّ له يرجع فيدعيه إلى أن تقوم بيّنة من المدّعي أنَّه له.

ويحتمل أنَّه يسلّم للمدّعي من غير بيّنة لخروجه عن ملك المقر، ولا منازع فيه للمدّعي.

وهل له أن يدعي بعد ذلك أنَّه لي فيقول: غلطت بذلك؟ الظاهر له إن احتمل في حقه ذلك، إلا إذا قبضها الحاكم.

وإن صدقه المقر له، اندفعت عنه الخصومة في العين إلى المقر له، فإن أقام المدّعي بيّنة أنَّها له أخذها، ولا غرامة على المقرّ.

وكذا إن أخذها باليمين المردودة أو بالنكول.

وإن لم يأخذها من المقرّ له كان له اليمين على المقرّ أنّها ليست له، فإن حلف فلا شيء، وإن نكل أو أقر له بها أو ردّ عليه اليمين فحلف لزمته الغرامة للمدّعي؛ لحيلولته بينه وبين ماله بإقراره به لغيره، وهو الأوجه.

وقيل - ونُسب للشيخ (1)-: إنَّه لا يغرم، فعلى ذلك لا يتوجه عليه يمين ولا دعوى، وذلك لأنّ الإقرار الثاني أو النكول وإن صادف محلّه إلا أنّ الإقرار الأول ليس من أسباب الضمان إلا أن يسلّم العين بيده فيضمن؛ لعموم ضمان اليد (2)، غايته أنّ العين تمكن من أخذها بواسطة الإقرار، والإقرار ليس من أسباب الضمان.

وفيه: إن الإقرار سبب الحيلولة بين المدّعي وبين ماله فلولا الإقرار الأول لدفعها بالإقرار الثاني، ولا يؤثر الثاني أثراً؛ لأنَّه إقرار في حقّ الغير بعد أن أقرّ بها للأول، والمفروض أن المقر له ثانياً غير متمكن من تخليص ماله؛ لعدم البيّنة، وحيلولة الإقرار بينه وبينه.

وقد يقال: إنَّه على قول الشيخ أيضاً له إحلافه؛ لإمكان أن يرد اليمين عليه، واليمين المردودة بمنزلة البيّنة، لا بمنزلة الإقرار بناءً على ذلك أو أنّها حجة مستقلة.


1) راجع المبسوط 8: 266.

2) سنن ابن ماجة 2 : 802. ح 2400.

وحيث يغرم القيمة للمدّعي فإن تلفت وإلا فإذا رجعت إلى المدّعي بإقرار المقر له أو بنكوله أرجع القيمة إلى المقرّ؛ لأنّه أخذ القيمة لمكان الحيلولة، فإذا رجعت العين أرجع عوضها؛ إذ لا يجمع بين العوض والمعوّض، مع احتمال عدم الرجوع؛ لأن القيمة صارت عوضاً عنها فيستحقها المقرّ حينئذٍ.

ولو أقرّ بالعين أنّها وقف، فالأظهر إنَّه بعد إقراره للثاني أو نكوله يغرم قيمة الوقف فیشتری به وقفاً.

وإن قال: العين ليست لي، أو لمن لا أُسمّيه، أجبر على تعيينه؛ لاحتمال أنَّه المدّعي.

وإن قال: لواحدٍ لا أعرفه، لم يُجبر على الأظهر؛ لأنَّه ظلم، ولعله لا يعرفه.

فقيل: لا تنصرف عنه الخصومة في العين، ولا تُنتزع من يده؛ لأنّ يده عليها فلا تُؤخذ منه إلا بمزيل قطعي، وكون هذا من قسم الإقرار المزيل لحكم اليد غير معلوم (1).

وفيه: إن القول بأنه ليس لي أو لمن لا أعرفه لا ينافي استحقاق وضع يده عليه فلا ينتزع منه.

وقيل بأنه ينتزعه الحاكم بعد تكليفه بالجواب على التعيين إذا قال: ليس لي، أو قال: لواحد، فإن لم يبينه انتزعه الحاكم وانصرفت عنه الخصومة في العين إلى أن يقيم بيّنة (2).

ولو أقرّ بها بعد ذلك لمعين أو للمدّعي، شمع.

والأوجه: انصراف الخصومة عنه، وعدم انتزاع الحاكم لها؛ لاحتمال وضعها بحق.

وإن قال: هي لطفل أو مجنون أو وقف عليهما أو على الفقراء أو على المصالح، اندفعت الخصومة عنه، سوى اليمين المتقدم، وبقي على بينته، فإن أقامها أخذ، وإلا فلا.

نعم، له يمين على ولي الطفل بنفي العلم عن كونها له وعلى نفي العلم بكذب إقرار المقرّ.

وإن قال: هي لغائب، انصرفت في العين عنه أيضاً الخصومة إلى أن يحضر الغائب فيصدق أو يكذب، وليس عليه سوى اليمين على نفي العلم.

وهل ينتزع الحاكم من يده العين؛ لأنَّه مال غائب فيرجع حفظه إليه، أو لا ينتزع؛ لإمكان وضع يده عليها بحق؟


1) راجع مسالك الأفهام 14 : 96.

2) راجع المصدر، ص 97.

والأوجه أنّه إن أطلق أو قال: هي بيدي إعارة أو إجارة أو بوكالة أو أمانة، لم تنتزع، وإن قال: هي غصب، كان للحاكم انتزاعها، أو تكليفه بالرد، فإذا حضر الغائب فإما أن يصدّق أو يكذب على ما تقدم.

ويحتمل أن للمدّعي إحلافه، فإن نكل أخذ العين إلى أن يقدم الغائب، ولو دفع العين المقرّ بها للثاني، ضمن للأوّل المثل أو القيمة.

ويحتمل في الصور المتقدّمة أن تحليف المدّعي للمقرّ يكون على البت، ولا يجزئه الحلف على نفي العلم.

وهو وجه، إلّا أنّ الأظهر أنَّه بعد إقراره صار بمنزلة غير المالك، فهو كالوصي، فيحلف على نفي العلم.

ثمّ إنّ ضمان المقرّ وقت الإقرار؛ لأنّه به تحققت الحيلولة، مع احتمال كونها وقت اليمين المردودة أو النكول؛ لأنَّه بهما يثبت حقّ المدّعي.

ولو أقام المدّعي بيّنة على أنّها له بعد الإقرار أنَّها لغائب، حلف مع البيّنة على بقائها على ملكه إلى الآن ما لم تشهد البيّنة بذلك، وهو على حجته إذا قدم في جرح الشاهد أو إثبات الانتقال.

ولو أقام صاحب اليد بيّنة على أنّها للغائب، فإن أثبت وكالته عنه أو ولايته سمعت بينته؛ بناءً على سماع بيّنة الداخل، وإن لم يُثبت فلا تُسمع دعواه ولا بينته؛ لأنَّه ليس لإنسانٍ أن يدعي عن آخر ولا يمضي حكم الحاكم والحال ذلك.

ولو ادعى المدّعي على صاحب اليد العلم بأنّها له ولم تكن له بيّنة، كان له اليمين على نفي العلم عليه، فلو أقام صاحب اليد البيّنة على أنَّها للغائب فهل يسقط عنه حقّ اليمين بتلك البيّنة وإن لم يتحقق بها الإثبات، أم لا؟ وجهان.

ولو ادعى صاحب اليد أنّها رهن عنده أو إجارة، سمعت دعواه، وقبلت بينته، فلو أقام البيّنة بذلك وأقام المدّعي بيّنة على أنّها له، ففي تقديم بيّنة أيهما إشكال: من خروج المدّعي وشهادة بينته بالملك فتقدّم؛ لأنها بيّنة خارج، ومن خروج صاحب اليد بدعواه الرهن والإجارة وشهادة بينته بالسبب وهو الرهن أو الإجارة فتكون أولى بالتقديم؛ لأنها بيّنة مَنْ يدعي

التشبث، ولو صدّق المدّعى حيث لا بيّنة فجاء مَنْ أقام البيّنة انتزعها، ولا غرم للمنتزع على مَنْ كانت في يده بسبب اعترافه بوصول ما يدعيه إليه بالبيّنة، ولو أقرّ بها للمنتزع لم يغرم للمدّعي لأنّ الحيلولة بينه وبينها لم تكن بالاعتراف، بل بالبيّنة.

السابعة: حكم ما لو إدعاه بألف فقال: أبرأتني منها

[المسألة] السابعة: لو ادّعاه بألفٍ فقال: ابرأتني منها، كان إقراراً؛ لاستلزام البراءة الشغل.

ولو قال: لي عن دعواك هذه مخرج، فليس بإقرار؛ لاحتمال كون المخرج نفس الإنكار. ولو أجاب مستهزئاً بحيث يظهر من حاله ذلك، لم يلتزم؛ لأن الشرط في نفوذ الإقرار التصريح، فلو ادعى بواحدٍ فقال: مثلك مَنْ يطلبنى مائة ألف، أو قال: بلى ذلك من دولة أبيك المعسر، وغير ذلك.

ولو ادعى بألف فقال: ما لك عليَّ ألف، لم يكن إقراراً بما دون، بل الأقلّ مسكوت عنه أو أحد المعاني.

نعم، لو طلب منه اليمين لزمه أن يقول: ما لك ألف ولا أقل منه.

ولو قال له: مزقت ثوبي فلي أرشه، جاز أن يجيب بنفي التمزيق، وجاز أن يجيب بنفي الأرش، ويكفي ذلك، ويحلف عليه، ولا يلزم بجواب نفي التمزيق؛ لعدم ترتب ثمرة عليه، سوى الأرش، ولعله مزقه دفاعاً.

ولو قال: لي عندك كتاب، وكان له عنده كذلك إلا أنَّه رهن أو إجارة، جاز له أن يقول: ما لك عندي ما يجب دفعه إليك، أو لا يجب عليَّ دفع شيءٍ إليك.

وفي جواز أن يجيب مالك عندي ملك، مؤرّياً عن الملك المطلق الغير محجور عليه وجه، وليس بالبعيد.

ولو اشترى من زيد شيئاً فادعاه به غيره فجادل الغير وقال: هذا مال زيد اشتريته منه وليس لك فيه شيء، فإنّه ليس بإقرار في مقام المجادلة؛ لظهور إرادة تخليص ما اشتراه من المدّعي، لا لبيان حال المبيع.

نعم، لو ظهر منه الجد، كان إقراراً، ولا يرجع على البائع بالثمن؛ لاعترافه بظلم المدّعي.

الثامنة: حكم ما لو انتزع أمة بحجةٍ فأحبلها ثمّ اعترف ببطلان دعواه

[المسألة] الثامنة: لو انتزع أمة بحجّةٍ فأحبلها ثمّ اعترف ببطلان دعواه، أخذ

بكليهما، فيحكم باعتبار الأول بحرية الولد ووجوب نفقته عليه، وفي الجارية بأنها أُمّ ولد تلزمه نفقتها، وباعتبار الثاني يُمنع من وطء الجارية واستخدامها وميراث الولد ومطالبته بالنفقة، ويؤخذ منه قيمتها ومهرها وقيمة ولدها يوم ولد ولا يُرد إلى المالك الذي اعترف بظلمه؛ لعدم نفوذ إقراره بالنسبة إليهما.

نعم، يغرم القيمة.

ولو اعترفت هي بظلمه، رُدّت إلى مولاها؛ لأنّ الحق لا يعدو ثلاثتهم.

التاسعة: عدم قبول إقرار العبد فيما يوجب القصاص

[المسألة] التاسعة: لا يُقبل إقرار العبد فيما يوجب القصاص؛ لأنَّه إقرار في حقّ الغير. نعم، يتبع به بعد العتق فيقتص منه على الأقوى.

وقيل: لا يقتص منه إلا إذا بقي على إقراره بعد العتق فيكون كإقرار الصبي والمجنون (1).

وفيه منع؛ للفرق الظاهر بين العبد وبينهما من حيث إنّ إقرار العبد يمنعه حقّ المولى فإذا زال أثر أثره، بخلافهما؛ لفقدان وجود المقتضي.

ولو صدقه السيّد اقتص منه؛ لأن الحق لا يعدوهما.

ولو اعترف السيد خاصةً بالجناية، لم يمض على العبد في القصاص، وإنّما يمضى على نفسه، فيؤخذ منه العبد أو ما يساوي الجناية، إلا أن يقنعوا بالفداء.

ولو اعترف العبد بما يوجب الأرش، فلا يُقبل، إلا أن يصدقه المولى، فيتخيّر بين دفع الأرش أو ما يساويه من العبد، وليس عليه دفع ما زاد على العبد؛ لأنّ الجاني لا يجني على أكثر من نفسه، ولو لم يصدّق المولى اتبع فيه بعد العتق.

ولو اعترف المولى وأنكر العبد، تخيّر بين دفع ما يساوي الأرش من العبد كلاً أو بعضاً أو ما لا يزيد عليه.

وأما الدين فليس على المولى منه شيء صدقه أو كذبه، وإنما يتبع به بعد العتق.

وهل على العبد يمين لو أقرّ ؟ وجهان: من أنّ اليمين إنّما تتوجه على مَنْ يُقبل إقراره حتّى إذا نكل أخذ به والعبد لا يُقبل إقراره، ومن أنّه ممّا يعود به نفع على المقر له فلعله يقرّ ويتبعه بعد عتقه.


1) راجع قواعد الأحكام 3 : 487.

العاشرة: صحة الدعوى فى الدين والمهر والسلم المؤجلة

[المسألة ] العاشرة: تصح الدعوى في الدين والمهر والسلم المؤجلة لفائدة الاستيفاء عند حلول الأجل، بل نفس إثبات شغل الذّمة أمر مطلوب.

وتصح الدعوى من العبد على إثبات حُرّيّته، فيقيم العبد،البيّنة، وله على المولى اليمين، وعلى إثبات تدبيره وكتابته وكونها أُمّ ولدٍ على المولى ليترتب على ذلك تحريره عند موت المولى مخافة إنكار الوارث عند الموت.

ويمكن القول بصحة إثبات ذلك عند الحاكم مخافة إنكار الوارث، وأما لو وقع التداعي مع المولى فغير صحيح؛ لإمكان المولى فسخ التدبير وإنكار الولد وفسخ الكتابة المشروطة، فلا فائدة في الدعوى.

وهو جيد، إلا أن الظاهر جواز الدعوى في العقد الجائز إذا تعلّق له غرض في إثباته، فلعله يستديم عليه، ودعوى أن إنكار العقد الجائز فسخ، ممنوعة.

الحادية عشرة: حكم ما لو ادعيا دابَّةٌ في يد آخر فادّعى واحد أنَّه أجرها له وادعى آخر أنّها وديعة عنده منه

[المسألة] الحادي عشرة: لو ادعيا دابةً في يد آخر فادعى واحد أنَّه آجرها له وادعى آخر أنّها وديعة عنده منه، فإن لم يقيما بيّنة حُكم بها لمن يصدقه المتشبث، وإن أقام كلُّ منهما بيّنة بدعواه، تحقق التعارض مع الاتّحاد أو اتحاد التأريخين، وحينئذٍ فيرجع إلى الترجيح بالعدالة والعدد، وإلا فالقرعة.

ولو تقدّم تأريخ أحدهما، رجّح المقدم، بناءً على الترجيح به.

وهل تقدّم هذه المرتبة على مرتبة العدالة والكثرة، أو تتأخر؟ يظهر من بعضهم تقدمها كما يظهر من الروضة (1)، ويظهر من بعضهم - كابن فهد (2)- تأخرها، وهو أقرب.

ولو صدق المتشبث أحدهما، كان هو الداخل، ويرجع الأمر إلى تقديم بيّنة الخارج أو الداخل.

ولو اقترنت إحداهما بالسبب قويت على المطلقة، كما تقدّم (3).


1) الروضة البهية 3 : 112 - 113.

2) المهذب البارع 4 : 499.

3) تقدّم في ص 460 - 461.

القول في دعاوي العقود

وفيه أمور:

أحدها: حكم ما لو تداعى الموجر و المستأجر في قدر الأجرة زيادة ونقصاناً مع اتفاق جنسها

أحدها: لو تداعى الموجر والمستأجر في قدر الأجرة زيادةً ونقصاناً مع اتفاق جنسها. فقال المؤجر عشرة دراهم، وقال المستأجر خمسة، فإن وقع النزاع في معنى الثمن، كما يقول: لي عليك من ثمن الإجارة، أو ثمنها خمسة، فقال الآخر عشرة، فالأظهر الأشهر: إنّ مدّعي الزيادة مدّع ومدعي النقصان منكر والدعوى واحدة، وهي دعوى الزيادة، فيثبتها أحدهما وينكرها الآخر، وليست دعويين فلا يكونان متداعيين، وحكمهما مع عدم البيّنة ومع البيّنة معلوم ممّا سبق.

ومثله لو وقع في زيادة لفظ، فقال أحدهما قلت خمسة، وقال الآخر: أضفت إليها لفظ عشرة فكان خمسة عشر.

وإن وقع النزاع في لفظ الثمن، فقال أحدهما ذكرت لفظ عشرة، وقال الآخر: لفظ خمسة، أو وقع في مجموع لفظ العقد، فقال أحدهما: عقدنا على لفظ الخمسة، وقال الآخر : عقدنا بلفظ العشرة، فالظاهر أنهما متداعيان وتكون دعواهما دعويين، فإن لم تكن بيّنة فحلف أحدهما دون الآخر، كان الحق له، وإن حلفا انفسخ العقد، فإن لم يستوف المستأجر شيئاً رجع كلُّ منهما بماله، وإلا رجع المؤجر بأجرة المثل لكلّ المدة أو بعضها.

وهل الانفساخ من حينه أو من أصله؟ وهل هو ظاهري أو واقعي؟ في كلّ منهما كلام تقدم في محله.

ويحتمل ها هنا القرعة لاستخراج الحالف ويحتمل القرعة بعد تحالفهما لاستخراج صاحب الحق. وإن نكلا فليس إلا القرعة لاستخراج المحق.

وإن أقام أحدهما بيّنة، كان الحق له. وإن أقاماها حكم لأسبقهما بيّنة في التأريخ وكانت الأخرى واردةً على عين مستأجرة فتبطل، وإن اتفقتا في التأريخ أو كانتا مطلقتين أو إحداهما مطلقة والأُخرى مؤرّخة، تحقق التعارض، فيُنظر إلى أرجحهما فيُقدم مع اليمين أو بدونه، كما تقدم، فإن تساويا عدالةً وكثرةً أُقرع على استخراج الحالف، فإذا حلف كان الحق له، وإن نكل فحلف الآخر فالحق له، فإن نكلا قسم ما ادعياه نصفين، فيُحكم للمؤجر بسبعة ونصف في مثال العشرة والخمسة.

ولو وقع النزاع في العين المستأجرة، فقال المؤجر البيت، وقال المستأجر: الدار، فالحكم كذلك.

وكذا لو وقع في الزمان وقال المؤجر ثلاثين، وقال المستأجر: ستين، إلى غير ذلك.

والحكم في الجميع أن النزاع إن وقع في القدر من دون ملاحظة نفس اللفظ أو العقد فالمدّعي من ادعى الزيادة، والمنكر مَنْ ينكرها، والبيّنة على الأوّل، واليمين على الثاني، ولا بيّنة على الثاني.

فما يظهر من الشهيد في المسألة الأولى أن مَنْ أقام بيّنة فالحق له (1)، منظور فيه.

وكذا لو وقع في لفظ وزيادة.

وإن وقع في لفظ أو في عقد تضمّن لفظاً، فهما متداعيان، كما إذا تداعيا في جنس الأجرة، فقال أحدهما: درهم وقال الآخر: دينار، فيتحالفان مع عدم البيّنة، وينفسخ العقد، ولو أقام أحدهما بيّنة، كان الحق له، وإن أقاما بيّنة، قدمت سابقة التأريخ، وإن كانتا مطلقتين أو مؤرّختين أو إحداهما مطلقة والأُخرى مؤرّخة تحقق التعارض، فيعمل بالراجح، فإن لم يكن فالقرعة، فيحلف مَنْ خرجت له، فإن لم يحلف حلف الآخر، فإن نكلا قسم الزائد من الدار على البيت أو الشهر الزائد أو الأجرة الزائدة نصفين، مع احتمال أن معلومة التأريخ يُحكم بأنّها المقدمة على مجهولته.

ونُقل عن الشيخ في المبسوط أنَّه حكم بالتحالف في جميع هذه الصور وثبوت أُجرة المثل (2)، وفي الخلاف بالقرعة مع تعارض البينتين ومع عدم البيّنة(3)، وفي موضع من المبسوط


1) مسالك الأفهام 14 : 104.

2) المبسوط 3: 265 – 266.

3) الخلاف : 521، المسألة 10.

حكم بالتحالف إذا وقع النزاع في مدة الإجارة، وإن وقع بعدها تردد بين القرعة وبين أنّ القول قول المستأجر (1).

ولعله يُحمل على اختلاف إبراز الدعوى، فيخص المتداعيين فيما لو وقع النزاع على لفظ أو عقد.

ثانيها: حكم ما إذا تداعى اثنان في عين بيد ثالث فادّعى كل منهما أنَّه اشتراها منه وأقبضه ثمنها ولا بيّنة

ثانيها: إذا تداعى اثنان في عين بيد ثالث، فادعى كلُّ منهما أنَّه اشتراها منه وأقبضه ثمنها، ولا بيّنة، فإن كذبهما،حلف، ولا حقّ لهما بعد ذلك.

وإن صدق أحدهما حلف للآخر وقضي بها لمن صدقه، وكان للآخر أن يحلّفه؛ لصيرورته برجوعها إليه مدعى عليه.

وإن صدقهما كانت لهما، وحلف لكلِّ منهما على ذلك، ولكلِّ منهما على الآخر اليمين أيضاً.

واليمين في الجميع على البت.

ولو صدق واحداً منهما لا بعينه، ارتفعت عنه الخصومة مع احتمال جواز تحليفه على عدم العلم، ويقترعان فيما بينهما، فيقضى لمن أخرجته القرعة بعد أن يحلف لصاحبه، فإن نكل حلف الآخر، فإن نكلا قسمت بينهما، ولمن لم يحلف اليمين على ذي اليد في دفع الثمن؛ لأنّه يقرّ بثمن واحد وهما يدعيانه بثمنين، وكذا لو اقتسماها نصفين؛ لأنّ كلّ واحدٍ يدعيه بنصف ثمن.

ولو أقام كل منهما بيّنة، فإن سبقت إحداهما كان الحكم للسابقة، وبطلت اللاحقة؛ لورودها عليها، فهو كبيع ما لا يملك.

وفي حكمه معلوم تأريخ إحداهما دون الأخرى في وجه.

وإن أطلقتا أو أطلقت إحداهما دون الأخرى أو أُرختا في زمنٍ واحد، فالترجيح بالعدالة والكثرة، فإن تساويا فالقرعة واليمين، فإن نكل مَنْ خرجت له القرعة حلف الآخر، فإن نكلا قسمت العين بينهما، ويرجع كلُّ منهما بنصف الثمن؛ لقيام البينتين على قبض الثمنين، إلا أن يثبت القبض للعين المتنازع عليها بالبيّنة أو الاعتراف من أحدهما على أحدهما، فلا يكون للقابض رجوع عليه بشيء؛ لصيرورة الضمان عليه بالقبض، غايته أنَّه أخذ منه النصف بعد ذلك.


1) المبسوط 3: 266.

وكذلك إذا أُحلف الآخر وأخذ العين بتمامها، كما إذا أخذها غصباً.

ولو قدمت إحدى البينتين كانت العين لذي البيّنة الراجحة، ولزم البائع دفع الثمن للآخر؛ لثبوت دفعه بالبيّنة من غير معارض، إلا أن يثبت قبضه للعين بالاعتراف أو البيّنة فلا يرجع بشيء.

ولو اعترف المشتري لأحدهما، فهل يكون من اعترف له بالشراء صاحب يد فتقدّم بينته على القول بتقديم بيّنة ذي اليد، أو بيّنة صاحبه؛ لأنَّه الخارج، أو لا يكون؟ وجهان: من أنَّه صاحب يد - كما هو المفروض - فاعترافه يقضي بكون المعترف له صاحب يد، ومن اتفاق البينتين على أنّه غير مالك وأنّ يده زالت فلا يجدي اعترافه.

والأوجه الأوّل؛ لأنّ المفروض سبق الاعتراف على قيام البينتين، فالبيّنة واردة على ذي يدٍ أو مَنْ هو بحكمه.

نعم، لو اعترف بعد الإنكار وقيام البيّنة، كان اعترافه على ما ثبت خروجه عن ملكه، كما إذا اعترف لأحدهما بعد أن اعترف لآخر.

وقد يحتمل أن اعترافه لأحدهما يكون بمنزلة الشهادة، فيكثر بها عدد الشهود.

ولا وجه له؛ لأنَّه مدعى عليه، فلا تقبل شهادته باعترافه.

ولو لم يقبض أحد البائعين العين، جاز له الفسخ؛ لأنَّه بمنزلة مبيع غُصب قبل قبضه.

وكذا لو اقتسماها نصفين بحكم النكول؛ لتبعض الصفقة، وتحقق عيب الشركة على مَنْ أخرجته القرعة.

ويحتمل العدم ؛ لإقدامه بالنكول على التبعيض فكان من قبله.

ودعوى أن اليمين عذر؛ لأن التنزه عنه أمر مطلوب لا وجه لها؛ لأن الخيار خلاف الأصل، والمتيقن هو ما لم يكن لصاحبه فيه تأثير، والبيّنة ها هنا جعلته له، وهو بنكوله وحلف الآخر تبعضت عليه الصفقة، فكأنّه دفعه إليه وسبّب فواته منه، وهذا الاحتمال قريب جداً.

وعليه فلو فسخ أحدهما فهل للآخر أخذ الجميع؛ لعدم المزاحم، أما المدّعي فلفسخه، وأما ذو اليد فلزوال ملكه بالبيّنة أو اعترافه، بل استقرب الفاضلان (1)نقلاً أنّه يلزمه أخذه


1) شرائع الإسلام 4 : 105 قواعد الأحكام 3: 478.

وليس له الفسخ؛ لانتفاء المقتضي وهو التبعيض، أو ليس له؟ كما نقل عن الشيخ (رَحمهُ اللّه) (1)؛ لأنّ الحاكم إنّما حكم له بالنصف فليس له إلا النصف.

وفيه: إنّ بيّنته شهدت بالجميع، وهو يدعي الجميع غايته أنَّه بمزاحمة بيّنة الثاني له صار له النصف، فإذا لم تعمل البيّنة عملها بقي على دعواه وبينته.

ورد بأن ما بعد حكم الحاكم دعوى ولا بيّنة؛ لزوال مقتضاها، فلا يلزم بالجميع.

ولو كانت العين في يد أحدهما ولا بيّنة، قضى لمن هي في يده وحلف للآخر.

ولو أقام الخارج بيّنة أخذها، ولو أقام الداخل بيّنة أو أقاماها، بني على سماع بيّنة الداخل وعدمه.

ثالثها: حكم ما إذا تداعيا على عين بيد ثالث

ثالثها: إذا تداعيا على عين بيد ثالث فادعى كلُّ منهما أن الثالث قد اشتراها منه ولم يدفع إليه ثمنها، فإن لم تكن بيّنة حلف لكلِّ منهما واندفعا عنه.

وإن أقام أحدهما بيّنة، قضي بالثمن للمقيم.

وإن أقام كلُّ منهما بيّنة على ما ادعاه، فإن اعترف لأحدهما قضي له عليه بالثمن، وإن اعترف لهما قضي عليه بالثمنين؛ لإمكان أن يكون اشتراها من أحدهما ثمّ باعها على الآخر ثمّ اشتراها منه.

وكذا لو أنكر ولم يتحد التأريخ أطلقا أم أطلقت إحداهما أو كانت إحداهما سابقةً؛ لإمكان شرائها منهما، كما ذكرنا (2).

وإن اتحد التأريخ بأن وقع التأريخ في وقت واحد، تعارضا؛ إذ لا يمكن الجمع، فالترجيح بالعدالة والكثرة، فإن تساويا فالقرعة واليمين، فإن نكل حلف الآخر، فإن نكلا قسم الثمن بينهما إن اتحد جنساً ووصفاً، وإن اختلف فلكلّ واحدٍ نصف ما ادعاه من الثمن، وإنّما قُسّم بينهما في الثمن الواحد مع أنّ كلّاً منهما يدعي تمام الثمن ويقيم على ذلك بيّنة؛ للقطع ببطلان إحداهما مع الاتّحاد، فلم يثبت بينتهما إلا ثمن واحد لأحدهما، وحيث انتفى الترجيح قسم بينهما إيصالاً للمستحق بقدر الإمكان.

وقيل : يقسم بينهما من دون قرعة (3). وهو بعيد.


1) المبسوط 8: 282.

2) تقدّم في ص 473.

3) راجع كشف اللثام 10 : 219.

رابعها: حكم ما إذا تداعى اثنان في عين فادعى كلُّ منهما أنَّه اشتراها من واحد كان يملكها ودفع له الثمن وذكر كلّ واحدٍ منهما أنّ البائع له غير مَنْ باعه للآخر

رابعها: إذا تداعى اثنان في عين فادعى كلُّ منهما أنَّه اشتراها من واحد كان يملكها ودفع له الثمن، وذكر كلّ واحدٍ منهما أنّ البائع له غير مَنْ باعه للآخر، فإن أقام كلُّ منهما البيّنة على ما ادعاه واتحد التأريخ لزم الترجيح، فإن تساويا فالقرعة، ويقضى له إذا حلف، ويرجع صاحبه بالثمن على من اشترى منه إلا أن يكون قد قبضها منه؛ لاستقرار الضمان عليه حينئذٍ، فإن نكل وحلف الآخر فكذلك، ولو نكلا قسمت بينهما، ورجع كلُّ منهما على من اشترى منه بنصف الثمن حيث لا قبض من أحدهما، غير أن أحدهما إذا فسخ لمكان تبعيض الصفقة لو قلنا به لم يكن للآخر هنا أخذ الجميع؛ لعدم رجوع النصف المفسوخ فيه إلى بائعه، بل إلى بائع الفاسخ.

خامسها: حكم ما لو تداعى مالك العين و ذو اليد فقال المالك: أعرتكها وقال ذو اليد: استأجرتها منك

خامسها: لو تداعى مالك العين وذو اليد فقال المالك أعرتكها، وقال ذو اليد: استأجرتها منك، فالقول قول المالك بيمينه.

ويحتمل التحالف فتنفسخ الاجارة والإعارة، فيرجع المال إلى أهله.

ويجب على ذي اليد دفع الأجرة بمقدار المدة التي استوفاها إن لم يكن دفعها، ولا يجوز قبض المالك لها؛ لأنَّه باعترافه لا استحقاق له، فتبقى الأجرة مجهولة المالك، أو يدسها ذو اليد في أمواله، أو يدفعها للحاكم.

ولو ادعى المالك الوديعة وذو اليد الإجارة، فكذلك.

وربما قيل في المقامين: إنّ القول قول ذي اليد في الإجارة؛ ترجيحاً لجانب اليد.

وفيه: إنّ يده كلايد بعد اعترافه بملك العين لغيره والمنفعة من توابع العين، واحتمال التداعي قائم فيهما.

ولو أقام مدعي الإجارة البيّنة، كانت له.

ولو أقاما البيّنة، لم تسمع بيّنة المالك.

وعلى القول الآخر لم تُسمع بيّنة ذي اليد وتُسمع على القول بتقديم بيّنة الداخل.

وعلى القول بالتداعي تتعارض البينتان، ويُحكم بالترجيح، وإلا فالقرعة واليمين، ومع نكولهما يقتسمان المنافع في المدة.

ويدلّ على أن القول قول المالك، ما روي عن عليٍّ فيمن ادعى بمال أنَّه رهن عنده، فقال المالك: هو وديعة، قال: «على الذي هو في يده البيّنة أنَّه رهن عنده» (1).

سادسها: حكم ما لو ادعى عبداً في يد سيّده بأنه اشتراه منه وادّعى العبد أن سيّده أعتقه

سادسها: لو ادعى إنسان عبداً في يد سيّده أنَّه قد اشتراه منه، وادعى العبد أن سيده قد أعتقه، فإن لم تكن بيّنة فالقول قول السيد بيمينه؛ لأنَّه ذو اليد، فإن كذبهما حلف لهما وانقطعت عنه الدعوى وبقي على ملك العبد، وإن صدق أحدهما وكذب الآخر كان عليه اليمين لمن كذبه على ظاهر جماعة.

وعن الشيخ أنَّه إن صدق المشتري لم يحلف للعبد (2)لأنّ فائدة اليمين الحمل على الإقرار، والإقرار هنا لا أثر له؛ لأنَّه لو أقر للعبد بالعتق لم يُسمع؛ لأنَّه إقرار في حقّ الغير، ولم يلزمه غرم بإقراره.

قيل: وليس هنا موضع يقرّ لأحد المدّعيين، ولا يحلف للآخر قولاً واحداً إلا هذا (3).

ولو صدق العبد، لم يحلف للمشتري؛ لأنَّه لو أقرّ له بعد ذلك فقد اعترف من قبل بالإتلاف قبل الإقباض، وهو كالآفة السماوية في انفساخ البيع.

نعم، لو ادعى عليه قبض الثمن وأنكره، حلف له.

وفيه: إنّه إنّما يُحكم به للمشتري بعد يمينه للعبد، وكذلك لا يُحكم بحريته إلا بعد حلفه للمشتري، فلا يكون الأوّل إقراراً في حقّ الغير، ولا يكون الثاني تحريراً قبل البيع.

ولو أقام أحدهما بيّنة، حُكم له.

ولو كان العبد بيد المدّعي، فالخارج بيّنة العبد؛ لأنَّه لا يد له على نفسه، بل يد الغير عليه.

وإن أقاما وسبقت إحداهما، حكم للسابقة، وإلا فالترجيح ثمّ القرعة مع اليمين لزوماً لا احتياطاً، كما نُسب للشيخ (رَحمهُ اللّه) (4)، فإن نكل حلف الآخر، فإن نكلا قسم نصفين نصف حُرّ والآخر رقّ لمن ادعى شراءه، ويرجع على سيّده بنصف ثمنه إن كان العبد باقياً في يد مولاه،


1) مستدرك الوسائل 13 : 424، الباب 14 من أبواب كتاب الرهن، ح 2.

2) المبسوط 8: 287.

3) كما في مسالك الأفهام 14: 113 - 114.

4) المبسوط 8: 287.

وإن كان في يد المدّعي فلا رجوع له؛ لأنّ ذهاب النصف بدعوى العتق اتفق له وهو في ضمانه، وإن خرج اسم العبد بعد قبضه وحلف ذهب الثمن كله على المدّعي.

ولو فسخ المدّعي بعد التشطير لتبعض الصفقة وقلنا بتسلّطه على الفسخ، فلا إشكال في انعتاق النصف الآخر؛ لأنّه قد عاد إلى ملك مَنْ أعتقه اختياراً بالبيّنة أو بحكم الحاكم، وإنّما لم يحكم بموجبها ابتداءً لمزاحمة مدّعي الشراء، فإذا انقطعت مزاحمته عملت بيّنة العتق عملها أو عاد إلى مَنْ مَلَك نصفه فيسري عليه.

ويحتمل عدم العتق أجمع؛ لأنّ موجب القسمة كان على التنصيف فيستصحب.

وإن لم نسلّطه على الفسخ ؛ لأنّ التبعض جاء من قبله بترك اليمين، أو أجاز الشراء، استقر ملكه على النصف، وعليه نصف الثمن، فإن كان المدّعي معسراً لم يسر العتق إليه، وإن كان موسراً، احتمل عدم السراية؛ لأنّه كالعتق القهري فلا يسري، واحتمل السراية؛ لقام البيّنة أنَّه أعتق باختياره، والثاني مختار الأكثر على ما يظهر.

وعن الشهيد أنَّه اعترض على ذلك بأنّ الواقع في نفس الأمر إما العتق أو الشراء أو ليس أحدهما، وأيما كان فالسراية والتقويم ممتنعان، أما الأخير فظاهر، وأما الأوّل فالعتق للجميع، فلا معنى لسريانه للبعض وتقويمه على المدّعى عليه، وكذا الأخير؛ لأن الشراء للجميع، فلم يتحقق تحرير شيء من العبد كي يقوم الباقي (1).

والشهيد الثاني قال: ويمكن أن يقال على تقدير عتقه للجميع الذي قامت به البيّنة: يجب أن لا يؤخذ من المشتري عوض النصف الذي ثبت له، وقد حكم عليه بنصف الثمن الذي هو قيمة النصف غالباً، فيجب تقويمه على المالك الأوّل؛ لأنّ الحكم بعتق شيء منه يقتضيه؛ لانحصار دلالة البينتين في أنَّه لم يعتق بعضه ويملك بعضه على وجه مانعة الجمع، بل الواقع عتق الجميع أو ملك الجميع، وبهذا يثبت التقويم وإن كان في اعتبار قيمة النصف مغايرة لثمنه على بعض الوجوه، إلا أنّه أقرب إلى الواقع من بقاء الرقيّة على النصف، وأيضاً فإنّ الموجب ينظر إلى الثابت شرعاً من العتق، ولا ينظر إلى الواقع في نفس الأمر؛ لأن الأحكام الشرعيّة مترتّبة على الظاهر، والثابت شرعاً كون المالك قد أعتق نصفه باختياره، فيقوم عليه مع يساره (2).


1) اية المراد 4: 94.

2) مسالك الأفهام 14 : 115 - 116.

مسائل :

الأولى: حكم ما لو تداعيا جداراً بينهما أو ذبيحة

الأولى لو تداعيا جداراً بينهما، فهو بينهما إن كان تحت أيديهما، وإن كان بين ملكهما فكذلك إن لم يكن مرجّح لأحدهما من اتصال بناء أو تصرف، وإن أقاما بيّنة فالترجيح لإحدى البينتين، وإلا فالقرعة واليمين، ويُقسّم مع النكول.

ولو تداعيا ذبيحةً، فإن كانت يدهما عليها فهي بينهما على الإشاعة، ولو أقاما بيّنة قُضي لكلِّ منهما بما في يد الآخر.

ولو كان المتنازعان مسلماً وكافراً، حكم بطهارة الذبيحة وتذكيتها تغليباً لجانب المسلم، وكذا الجلد لو وقع في أيديهما، ولو اقتسماهما فما في يد المسلم لا شك فيه، وما يقع سهماً للكافر ففى طهارته ونجاسته وجهان.

ولو تنازع مسلم وكافر في ذبيحة ويمكن انفصالها وبيد كل منهما طرف، فالحكم لكلِّ بما في يده، فما بيد المسلم لا شكّ في طهارته، وما في يد الكافر وجهان، ولا بأس باختلاف الحكم الظاهري في شيء واحد لاختلاف الأيدي.

ولو أقاما بينتين، حكم لكلِّ بما في يد الآخر لو ادعى كل منهما الكل، ويُحكم لما عاد للمسلم بالطهارة وإن سبقت عليه يد الكافر؛ لظهور بطلان يده، ولما عاد للكافر بالنجاسة وإن سبقت يد المسلم عليه.

ويحتمل طهارة الجميع، ويحتمل نجاسة الجميع وبطلان الدعوى الأُولى.

ولو تداعيا ذبيحتين تحت أيديهما وأحدهما كافر فاقتسماهما، حكم بنجاسة ما عاد للكافر منهما، وفي الطهارة وجه.

الثانية : حكم ما إذا أقام رجل بيّنة على ما في يد آخر فانتزعه منه فظفر الآخر على بيّنة أنَّه له

[المسألة] الثانية: إذا أقام رجل بيّنة على ما في يد آخر فانتزعه منه فظفر الآخر على بينة أنّه له، فإن شهدت له بملك لاحق كان له قطعاً وينتزعه، وكذا بالملك المطلق؛ لظهوره في الحالي، ولأنه مهما أمكن التوفيق بتقديم بيّنة الآخر مع الإطلاق لزم التوفيق بينهما بتلقي الآخر الملك من الأول بعد انتقاله إليه، مع احتمال جعل المطلق بمنزلة الشهادة بالملك السابق.

وإن شهدت له بالملك السابق من يوم أخذه من الآخر، كان له، ففي سماعها ونقض

الحكم الأوّل بناءً على مذهب الشيخ (رَحمهُ اللّه) لظهور المعارض، إذ يصير من باب تعارض البينات. فمَنْ قدم بيّنة الخارج أقرّه في يده، ومَنْ قدم بيّنة الداخل ردّه إلى الآخر، أو لا تسمع ويمضى القضاء، قولان، فالشيخ على الأوّل (1)، والمحقق على الثاني (2).

والظاهر الأوّل، لا لخط الحاكم في الحكم، بل لقصور المحكوم عليه بعدم العثور على بينة، فإذا عثر على بيّنة فأقامها بني على مسألة الداخل والخارج.

والحق أنّ الآخر داخل خارج، فهو داخل في الحكم الأول، خارج عند النزاع الثاني ولا شك أن الملحوظ في الدخول والخروج عند النزاع هو حال الملك الأول، لا حال التعارض بين البينتين.

وبالجملة، فبعد التسالم منهما أن هذه هي العين الأولى المنتزعة بالبيّنة الخارجة أولاً وأنّ البيّنة الثانية تشهد بها للآخر يوم ادّعاها للأوّل فانتزعها من الآخر، فحينئذٍ بيّنة الآخر بيّنة داخل وبينة الأول بيّنة خارج، فلا تعارض بيّنة الداخل بيّنة الخارج، وكأن النزاع بين الشيخ والمحقق لفظي ؛ لتسالمهما على دخول الآخر وخروج الأول.

وقد يقال للمحقق: إنّ البيّنة الثانية غير مسموعةٍ مطلقاً؛ لنفوذ الحكم بالأولى فلا تسمع الثانية، ولو كانت بيّنة خارج كما إذا أقام أحد بيّنة على أمر خارج أنَّه له، وبعد حكم الحاكم أقام آخر أنّها له في زمن حكمه، فإنّه لا يبعد عدم سماع تلك البيّنة؛ لعدم حصول فائدة بها سوى المعارضة لحكم الحاكم.

وقد يقال للشيخ: إن الثاني ينقض الأوّل مطلقاً؛ لأنَّه ناسخ له من دون ملاحظة دخول وخروج. وهما ضعيفان.

الثالثة: حكم ما إذا تداعى الزوجان على دار خارجة عنهما أو في يديهما أو في يد واحدٍ منهما

[المسألة] الثالثة: إذا تداعى الزوجان على دار خارجة عنهما أو في يديهما أو في يد واحدٍ منهما، فهي دعوى كسائر الدعاوى، إلا أن تكون يد الزوج أقوى فيما لو كانت الدار تحت أيديهما بأن كانت يده هي المتصرّفة وكانت يد الزوجة ضعيفةً كيد الضيف المعلوم ضيافته ويد الخادم ويد الولد والأيادي المتعاقبة الظاهرة في عدم الملك، فإنّ اليد يد الزوج.


1) المبسوط 8 : 301.

2) شرائع الإسلام 4 : 107.

ومثله لو كانت يدها كذلك.

ولو شاع نسبة الدار لأحدهما، كانت لمن شاعت نسبتها إليه من زوج أو زوجةٍ، خارجة عنهما أم لا.

ولو تداعى الزوجان في مال خارج عنهما، فهي كسائر الدعاوى أيضاً.

ولو تداعيا على مالٍ في يد أحدهما ولا يد للآخر عليه، فهي كذلك مطلقاً.

ولو تداعيا على مالٍ في أيديهما ليس من متاع البيت، فهي أيضاً كسائر الدعاوي. إنما الكلام فيما لو تداعى الزوجان في متاع البيت المشتركين في وضع يدهما عليه من غير فرق بين الزوج الدائم والمنقطع وبين المطلقة وغيرها، تزوّجت بغيره أم لا، ما لم تخرج من الدار، وبين كون الدار ملكاً لأحدهما أو لهما أو غيرهما، ولا بين كون النزاع بينهما أو بين ورثتهما أو بين أحدهما وورثة الآخر، ولا بين كون المتنازع عليه ممّا يختصّ بأحدهما كالحُلي والمقانع والثياب الحريرية للمرأة أو كالعمائم والقلانس والحزام للرجل، أو لا يختصّ بأحدهما، ولا بين اشتراك اليد الحقيقية منهما كالذي يستعملانه بينهما، أو الحكمية كالموضوع البيت من الفرش المهجورة والأواني الموضوعة ولم تكن بيّنة لأحدهما، وحيث تقام البيّنة من أحدهما فيما تنازعا فيه فهو لمن أقامها، وإن أقاماها قسمت نصفين، فذهب الشيخ في المبسوط أنهما مع عدم البيّنة إذا تداعيا تحالفا، وقسم بينهما ما تداعياه مطلقاً بجميع الصور المتقدمة، وكذلك إذا نكلا (1)، وذهب في الخلاف أنّ ما يصلح للرجال لهم بيمينهم، وما يصلح للنساء لها بيمينها، وما يصلح لهما يُقسم بينهما بعد التحالف، وادعى عليه الإجماع (2). وذهب إليه مشهور الأصحاب.

وقال المحقق: إنّه أشهر في الروايات وأظهر بين الأصحاب (3).

والمراد بما يصلح هو ما يختصّ فيعبّر عنه بهذا مرة وهذا أُخرى.

وذهب الشيخ في الاستبصار إلى أن القول في ذلك قول المرأة بيمينها (4).


1) المبسوط 8: 310.

2) الخلاف 6 352 - 354، المسألة 27.

3) شرائع الإسلام 4 : 110 - 111.

4) الاستبصار 3 : 44 - 46.

وذهب العلّامة والشهيد إلى الرجوع في ذلك إلى العرف العام أو الخاص، فإن وجد عمل به، وإن انتفى واضطرب كان بينهما (1).

ويريدون بالعرف العادة في كون المتاع لمن باعتبار الإتيان به وشرائه وعمله وادخاره ونحو ذلك.

وقيل: إن المتاع للرجل فالقول قوله (2).

وسبب هذا الاختلافِ الأخبار والاعتبار.

ففي صحيحة رفاعة النخاس ما يدلّ على الثاني، وفيها: «إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتها متاع فلهما ما يكون للرجال والنساء يقسم بينهما، وإذا طلق المرأة فادعت أن المتاع لها وادّعى الرجل أنّ المتاع له كان له ما للرجال ولها ما للنساء» (3).

هي صريحة في المطلوب وإن كان صدرها لا تصريح فيه بالدعوى، ولكن عموم الحكم يقضي به.

والشيخ في الاستبصار حمل هذه الرواية على التقية أو الصلح (4)، ويشهد له الاعتبار أيضاً.

ففي السرائر نقلاً: والذي يقوى عندي ما ذهب إليه في مسائل خلافه؛ لأنّ عليه الإجماع، وتعضده الأدلّة؛ لأنّ ما يصلح للنساء الظاهر أنَّه لهنّ، وكذلك ما يصلح للرجال، أما ما يصلح للجميع فيداهما عليه فيقسم بينهما؛ لأنَّه ليس أحدهما أولى من الآخر، ولا يترجح أحدهما على الآخر، ولا يقرع ها هنا؛ لأنَّه ليس بخارج عن أيديهما، وإنما القرعة لو كان بيد ثالث وأقام كلُّ منهما البيّنة وتساوت من جميع الوجوه (5).

ويؤيده أنّ المختص غالباً بمنزلة اليد والتصرف غالباً يتبع من اختصّ فيه؛ لظهور كثرة التصرف فيه ممّن قد اختصّ فيه، بل ظهور اختصاص يده به، وأن ما يختصّ بكلِّ منهما يأتي به المختص به غالباً.


1) مختلف الشيعة 8: 409 المسألة 12؛ غاية المراد 4 : 84.

2) الفقيه 3 : 111، ذيل الحديث 3433.

3) وسائل الشيعة 26 : 216، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، ح 4.

4) الاستبصار 3: 47، ذيل الحديث 153.

5) السرائر 2 : 194.

وفي القواعد والضوابط وعموم الأدلّة ما يدلّ على الأول.

وفي رواية عبد الرحمن المعروفة في قضاء ابن أبي ليلى فيمن توفّي عنها زوجها فيجيء أهله وأهلها في متاع البيت، فقضى مرّةً فيه بقول إبراهيم النخعي: إنّ ما يختصّ للمرأة فلها، وما يختصّ للرجل فله، وما يشتركان فيه يُقسم بينهما نصفين. وقضى أخرى: إنّ المتاع للرجل والمرأة بمنزلة الضيف، وقضى ثالثةً إنّ المتاع للمرأة إلا أن يقيم الرجل بيّنة على ما أحدث، وقضى رابعةً بالقضاء الأوّل، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «القضاء الأخير وإن كان قد رجع عنه، المتاع متاع المرأة إلا أن يقيم الرجل البيئة، قد علم من بين لابتيها - يعني جبلي منى - أنّ المرأة تزف إلى بيت زوجها بمتاع» (1).

وفي روايته الأخرى: «إلا الميزان فإنه متاع الرجل» (2).

وصحيحته الأخرى: إذا مات الرجل أو المرأة فادعى ورثة أحدهما الآخر في متاعهما. أو طلفت فادعاء الرجل وادعته المرأة أن ابن أبي ليلى قضى فيها بأربع، أولها: قضاء إبراهيم النخعي، ثانيها: إنّهما يدعيان جميعاً، والذي بينهما يُقسّم نصفين، ثالثها: هو للرجل والمرأة داخلة عليه، إلا متاع لا يكون للرجال فهو للمرأة، رابعها: إنّه للمرأة إلا الميزان، فإنّه للرجل قال: وشهدته أنّه قضى بذلك، فقال الإمام: «القول الذي أخبرتني أنك شهدته منه وإن كان قد رجع عنه »وقال: «لو سألتَ مَنْ بين لابتيها - ونحن يومئذ بمكة - لأخبروك أنّ الجهاز والمتاع يهدى علانيةً من بيت المرأة إلى بيت الرجل فيعطى الذي جاءت به وهو المدّعي، وإن زعم أنَّه أحدث فيه شيئاً فليأتِ البيّنة» (3).

وفي رواية زرعة عن سماعة عن الرجل يموت ما له من متاع البيت؟ فقال: «السيف والسلاح والرحل وثياب جلده» (4)، ما يدل على الثالث.

وفي فحوى هذه الأخبار جميعاً ما يدلّ على الرابع؛ حيث إن الأول جعل المدار في كون القول قوله الصلاحية والاختصاص، والباقيات جعل الإمام المدار فيها على جريان العادة


1) تهذيب الأحكام 6 : 297، ح 829.

2) المصدر، ح 830.

3) تهذيب الأحكام 6 : 298، ح 831.

4) وسائل الشيعة 26 : 215 الباب 8 من أبواب الميراث للأزواج، ح 2.

بحمل الزوجة المتاع من بيت أهلها فيدور الأمر مدار العرف والعادة في نسبة المال لأحدهما وعدمها، وفي دلالتهما على اليد وعدمه وعلى كونه من أيهما جاء ومن أي مكان حمل، فليس في الأخبار ما يدلّ على أنَّه للزوجة تعبداً، بل لمكان العلة، وكذا ما دلّ على الصلاحية أيضاً ممّا يشعر بأن العلة فى الحكم هو كونه صالحاً لأحدهما دون الآخر، فيكون الاختصاص قرينة على كون المتاع للمختصّ به فيدور الأمر مدار العادات في حمل المتاع؛ حيث إنّه يختلف بحسب الأزمنة وبحسب الأمكنة، فمرّةً يحمله الزوج كله، ومرّةً المرأة كله، ومرّة كلُّ يحمل ما اختصّ به، ومرّةً كلُّ يحمل العكس فتحمل المرأة ثياب الرجل فتأتي بها إليه، ويحمل الرجل ثياب المرأة فيدفعها إليها، ومرّةً تكون العادة في الحلي أنَّه من مهر المرأة، إلى غير ذلك، فالموافق للعادة يكون هو الموافق للظاهر، والموافق للظاهر يكون القول قوله وهذا الأخير أقوى وعليه تجتمع الروايات.

ولكن يبقى الكلام أنّ هذا الحكم هل يختصّ بالزوجة والزوج، أو يعمّ كلّ ما كان مثلهما في حصول القرائن بالاختصاص بأحدهما يداً أو نقلاً؟ كما إذا اجتمع حداد وصائغ في دكان فتداعيا جميع ما كان فيه، وكذا غيرهما من أهل الصنائع، وكذا غير الزوج والزوجة من كلّ رجل اجتمع مع أنثى وكانت أيديهما على متاع، فيكون الاختصاص مرجحاً لإحدى اليدين على الأخرى إما باعتبار كشفه عن اليد الحقيقية أو عن التصرف، بل لولا ظاهر الاتفاق لكان مرجحاً مع خروجهما أيضاً؛ لكشفه عن اليد السابقة أو اللاحقة، وكذا العادة تكون مرجحةً لإحدى اليدين، كما يعتاد عند اجتماع الأب والابن أنّ الناقل للمتاع هو الأب وكذلك كل رئيس ومرؤوس.

ويحتمل أن هذا الحكم يخص الزوج والزوجة وورثتهما أو أحدهما مع ورثة الآخر، وما ذكر في الرواية من قبيل الحكمة لا العلة، فنحكم بما صلح لأحدهما أنَّه للصالح له؛ للرواية (1)والإجماع المنقول (2)وشهرة الحكم به، ونجعل موافقته للظاهر مرجحاً آخر باعتبار قضاء العادات أن الصالح لشخص يختصّ به، وكذا نرد الروايات الدالّة على أنَّه للزوجة إلى ما كانت العادة والعرف قاضيين بحمل المتاع منها إلى بيت الزوج.


1) راجع الهامش (2) من ص 483.

2) راجع الهامش (4) من ص 483.

ولو اختلف العرف اختلف الحكم باختلافه، فيكون هذا الظاهر قد اعتبره الشارع في خصوصهما.

ويحتمل سريان الترجيح لكلّ ما شابهه، فيكون هذا الظهور المنبئ عن الملك أو قوة اليد والتصرّف المأخوذ من العرف والعادة بالحمل أو الاختصاص مرجحاً لإحدى اليدين وإن أمكن خلافه، كما يمكن أنّ الزوجة ورثت من أبيها وأخيها مالاً من سيوف وعمائم، وورث الزوج من أُمّه ثياباً من مقانع وأقمصة حرير، ونحو ذلك، كما رجح الشارع باليد عند تعارض الدعويين ورضي باليمين من المنكر، ورجح قول المدّعي بالبيّنة والشياع، ورجح إحدى البينتين على الأخرى بالمرجحات، إلى غير ذلك.

نعم، لما كانت الصلاحية والاختصاص مرجّحتين لظهورهما بحسب العادة في الملك وأن المختص مملوك لمن اختصّ به وظهورهما في قوّة اليد السابقة أو الحالية وفي التصرف، كان الأمر يدور مدار العادة المظنونة، فلو تعارض في المال الاختصاص لأحدهما به مع جريان العادة بحمله ونقله من غير من اختصّ به كما إذا جرت العادة بنقل الزوجة ثياباً للزوج أو بدفع الزوج ثياب الزوجة، اعتبر الراجح من الأمرين.

والظاهر أن جريان العادة بالنقل يرجّح على مجرّد الصلاحية، كما تنبئ عنه الأخبار من دون استفصال بين الصالح وغيره.

وقد يقال: إن هذه الروايات محمولة على ما كان مشتركاً من متاع البيت، كما هو الغالب في الدعاوي، دون المختص، فنقدم الاختصاص أولاً ثمّ ننظر إلى مرجح الحمل والنقل.

وبالجملة، فالقول بالترجيح بحسب العرف والعادة قوي وإن ناقش به بعض المحقّقين (1)، ولكن في سريانه لكلّ ما كان مثلهما من غيرهما مع معارضة الأدلّة الدالّة على قسمة ما كان تحت اليدين نصفين من غير استفصال في البين مشكل.

وقد تُحمل الأخبار على صورة الشكّ في اليد لا على حالة اليد المقطوع بها؛ للزوم قسمتها نصفين، ولا على حالة العلم بأنّهما خارجان؛ للزوم تتبع المرجحات فيها.

وهو قوي لولا أنّ ظاهر الأصحاب على خلافه.

ولبعض المتأخّرين (2)كلام حيث إنَّه بنى على ما بنى عليه الشيخ في الخلاف ونقل عليه


1) الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 4 : 279.

2) السيد الطباطبائي في رياض المسائل 15 : 190 وما بعدها.

الإجماع (1)، وجعله المشهور، وردّ كلام الشيخ في المبسوط (2)إلى كلامه في الخلاف حيث فهم أنَّه جعل الفتوى به أحوط، فهو مجوّز لما عليه المشهور قائل به، إلا أن ذلك أحوط واحتمل فيه أنَّه جعل الاحتياط من الشيخ في الفتوى بما عليه في الخلاف، فيكون قائلاً به صريحاً وجاعله موافقاً للاحتياط لإيهام عبارة الشيخ للأمرين.

ثم ذكر كلام ابن فهد (3)في الردّ على القول بدوران الحكم مدار الصلاحية فيحكم بالصالح لمن صلح له : إنَّه لو كان حقاً لزم الحكم بمال شخص لغيره لكونه صالحاً لذلك الغير، وهو باطل، وبيان اللزوم: إنّه جاز أن يموت للمرأة أب فترث منه عمائم وطيالسة ودروع وسلاح، ويموت للرجل أم فيرث منها حُليّاً ومقانع وقمصاً مطرّزة بالذهب فيكون ذلك تحت أيديهما، فلو حكم لكلّ واحدٍ بما يصلح له لزم الحكم بمال الإنسان لغيره.

لا يقال: قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إنما نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر» (4)، وما قلناه هو الظاهر. لأنا نمنع أن ذلك هو الظاهر؛ لأنّ الظاهر راجح غير مانع من النقيض، ومع ما ذكرنا من الاحتمال لا رجحان.

وما ذكره العلّامة من العرف (5)ممنوع؛ لأنَّه لو كان قاعدة شرعية لزم الحكم بذلك في غير الزوجين لو تداعى رجل وامرأة في متاع هذا شأنه.

ثمّ ردّ عليه بأنه اجتهاد في مقابلة النصّ من السنة والإجماع والشهرة فلا يرتكبه ذو درية، وبأنّ منعه من الرجحان مدفوع بما ذكره العلامة من العرف والعادة، وبما ذكره المشهور من الصلاحية أمر بديهي، ورجحانه غير خفي، ومنعه بالكلية مكابرة، والقول به فاسد.

وما ذكره من الاحتمال غير منافٍ للرجحان؛ لأنّ الاحتمال لا ينافي الطرف الراجح، كما لا ينافي الظهور المحكوم به في جزئيات مسائل الدعاوي الاحتمالات القائمة بخلافها. وما ذكره من المنع على كلام العلّامة إن أراد به منع حكم العرف بالظهور فهو مع أنَّه لا يساعده


1) الخلاف 6: 352 - 354، المسألة 27.

2) المبسوط 8: 310.

3) كذا قوله : «كلام ابن فهد». ولم نجده في المهذب البارع؛ والكلام للفاضل المقداد في التنقيح الرائع 4 : 278 - 279.

4) التفسير الكبير الرازي 6 (الجزء 12) 131 ذيل الآية 109 من سورة المائدة (5).

5) راجع الهامش (1) من ص 483.

تعليله بعده مكابرة، وإن أراد منع حجيته ففيه: إنّ الأخبار والإجماع المنقول حكمت بحجيته في هذا النوع الخاص، وأما فيما شابهه من الموارد فيتوقف على الدليل، أو يجعل الدليل على العموم لسائر الموارد هو الرواية المذكورة وتتبع موارد الدعاوي (1).

هذا مضمون ما ذكر، وهو حسن، إلا أنَّه لم يُنصفه في الردّ عليه بما ذكر من الردّ على جعل الظاهر هنا حجّةً من حيثيّة إنّه ظاهر لا من حيث الدليل الخاص.

ونُقل عن الصدوق أنَّه يظهر منه القول بأنّ ما يصلح للرجال والنساء تختص به النساء (2).

وهو غير صريح منه، وضعفه ظاهر.

نعم، قد ورد في بعض الأخبار أنّ المرأة تموت فيدّعي أبوها أنَّه أعارها بعض ما كان عندها من متاع وخدم أتقبل دعواه بلا بيّنة ؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الأب: «يجوز بلا بيّنة» (3).

وفي آخر: إن ادعى زوج المينة وأبو زوجها أو أم زوجها في مناعها وخدمها مثل الذي ادعى أبوها من عارية بعض المتاع والخدم أيكون بمنزلة الأب في الدعوى فكتب: «لا» (4).

وهذه الأخبار معرض عنها، لم يعمل بمضمونها أحد، وأوردها الشيخ إيراداً لا اعتقاداً، ومخالفة لأصول المذهب ولإجماع المسلمين من أن المدّعي لا يعطى بمجرد دعواه، ذكر ذلك ابن إدريس، وزاد عليه، وحمل الرواية على الاستفهام الإنكاري في قوله: «يجوز بلا بيّنة» (5).

وحملها بعضهم على ما إذا علم أنَّه نقلته من بيت أبيها وأنّ أباها جهزها به (6)، وهو حسن.

الرابعة: فيما لو اجتمعت يدان اتبع في الحكم لأحدهما قوة اليد

[المسألة] الرابعة لو اجتمعت يدان، اتبع في الحكم لأحدهما قوّة اليد؛ لصيرورتها عند الاجتماع هي اليد وصاحبها منكر والخارج عنها مدع عرفاً، وإن كانت لو انفردت كانت يداً، وذلك كراكب الدابة مع سائقها وقائدها فإنّ ذا اليد الراكب دونهما وإن حصل من كل منهما تصرف ويد.


1) رياض المسائل 15 : 197 وما بعدها.

2) الفقيه 3 : 111، ذيل الحديث 3433.

3) وسائل الشيعة 27 290 الباب 23 من أبواب كيفية الحكم...،ح 1.

4) المصدر : 291 ذیل الحدیث 1.

5) السرائر 2 : 188 – 189.

6) كشف اللثام 10 : 201.

وسوّى في الخلاف بين الراكب والآخذ بالزمام (1)، وهو بعيد.

والمستأجر بالنسبة إلى الحمل أقرب يداً من المؤجر، وبالنسبة إلى السرج والقتب بالعكس، وكذا ثياب العبد المستأجر والمعار والرحى المثبتة والرفوف والسلالم لمؤجر الدار، وغير المنصوبة والأثاث بالعكس والإبرة والمقص للخياط، لا لصاحب الدار إذا تنازعاها؛ لظهور أنّها له بالعرف.

وإذا اجتمع أهل الصنائع كان لكلِّ منهم ما يخصه من آلات صنعته عرفاً.

الخامسة: حكم ما لو ادعى صغيراً أنّه مملوكه وكان تحت يده ولا يُعرف له نسب ولا معارض له

[المسألة] الخامسة: لو ادعى صغيراً - مميّزاً أم لا - أنَّه مملوكه وكان تحت يده ولا يُعرف له نسب ولا معارض له قضي له به إلا أن يُعلم أنّه لقيط؛ لإطلاق الأدلّة، فإن بلغ وأنكر حلف المولى وإن كان الأصل هو الحُريّة؛ لثبوت رقيته شرعاً، فلا تزول إلا بحجةٍ.

وكذا لو ادعى اثنان رقيّته، كان لهما، ولو تنازعا عليه تحالفا، وكان بينهما.

ولو ادعى زوجيّة صغيرة، لم يُحكم بزوجيّتها؛ لأنّ اليد تقضي بالملكية لا الزوجيّة.

ولو ادعى كبيراً بالغاً عاقلاً، لم يُحكم برقيته، إلا أن يصدقه، أو يكون على ظاهر العبودية فيتصرف فيه وهو ساكت لا يعارض.

ولو كان مجنوناً، فكذلك بعد إفاقته. ولو ادعى رقية البالغ اثنان فصدق أحدهما، كان لمن صدقه؛ لأنَّه صار تحت يده، وعلى المصدق اليمين.

ولو أقاما بيّنة، احتمل تقديم بيّنة غير المصدق؛ لأنَّه خارج.

والأوجه: إنّها لا تقدّم بذلك؛ لأنّ إقرار العبد على نفسه إقرار في حقّ الغير، وذلك لثبوت رقيته بكلتا البينتين، والرق لا يد له على نفسه كي يكون إقراره لغيره كإقرار ذي اليد، فتقدّم هي على القول بتقديم بيّنة الداخل أو مقابلها على القول الصحيح، وإنما اليد لمولاه، والكلام في إثباته، وهذا بخلاف ما لم يكن هناك بيّنة فصدق أحدهما، فإنّه ليس بثابت الرقية قبل تصديقه، وإنّما تثبت رقّيّته بتصديقه، فالإقرار مثبت للعبودية، لا ناقل لها من يده إلى غيره، وفي المقام كلام.

السادسة: حكم ما لو تداعيا داراً أو غيرها وكانت تحت أيديهما فادعى أحدهما الكل والآخر نصفها

[المسألة] السادسة: لو تداعيا داراً أو غيرها وكانت تحت أيديهما فادعى أحدهما الكل


1) الخلاف 3: 296، المسألة 5.

وادعى الآخر نصفها، فهي بينهما مناصفة بعد يمين مدّعي النصف لإبطال دعوى مدعي الكل.

ولو أقام أحدهما بيّنة، حكم له.

ولو أقاما معاً، فالنصف لمدعي الكلّ؛ لعدم المنازع، والنزاع في النصف الآخر، فمن قدم بينة الخارج حكم به لمدعي الكلّ ومَنْ قدّم بيّنة الداخل حكم به لمدعي النصف.

ولو كانت في يد ثالث لا يدعيها وأقاما بيّنة، فالترجيح، وإلا فالقرعة على النصف المتنازع فيه، فمن حلف كان له، وإن نكلا قسم النصف بينهما، فيكون لمدعي النصف ربع، ولمدعي الكلّ ثلاثة أرباع.

واحتمل بعضهم قسمة النصف بين المتداعيين من غير يمين (1)لرواية محمد بن أبي حمزة: في رجلين بينهما در همان فقال أحدهما الدرهمان لي، وقال الآخر: بيني وبينك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قد أقرّ أنّ أحد الدرهمين ليس له فيه شيء وأنّه لصاحبه، وأما الآخر فبينهما» (2).

وظاهرها ذلك بجميع الصور.

ومرسلة عبد اللّه بن المغيرة (3).

وهو قوي بحسب الرواية، فيكون أصلاً في هذا المقام، إلا أن تحكم البيئة بخلاف ذلك.

وعن ابن الجنيد أن العين تقسم على طريقة العول: ثلثان لمدعي الكل، وثلث لمدعي النصف (4)لأنّ النزاع ليس في نصف معين، بل مشاع، فيكون كما لو مات وعليه لإنسان ألف ولآخر ألفان وترك ألفاً، فإنّها تكون بينهما أثلاثاً، وكذلك العين، فإنهما لما أقاما البيّنة ثبت ما ادعياه في العين بمقتضى البيّنة وهي تضيق عن ذلك؛ لامتناع اجتماع الكل والنصف في عين واحدة.

والعول هو دفع العدد الذي يراد قسمته بين مَنْ له فيه نصيب إذا كان ذلك العدد ينقص عن أنصبائهم إلى عددٍ ينقسم عليهم بحيث يدخل النقص عليهم على حسب سهامهم، كما في

الدين والوصيّة والميراث عند من خالفنا.


1) كشف اللثام 204:10.

2) وسائل الشيعة 18 : 450 الباب 9 من أبواب كتاب الصلح، ح 1 وذيله.

3) المصدر، ح 1.

4) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 421، المسألة 23.

لا يقال: إنّ كلّاً منهما لم يدع عدداً ليرفع المدّعى فيه إلى ما ينقسم عليهما بالسويّة، وإنّما يدعي أحدهما العين والآخر نصفها.

لأنا نقول: غرضه لزوم القسمة على مَنْ تعلّق حقه بها حيثما وقع الاشتباه لعدم الحيف فيها وأمن الضرر الصادر من القرعة، لأدائها إلى حرمان مَنْ لم تخرجه أصلاً مع مساواته لمن أخرجته، وورودها في الشرع لم يكن على التعين، بل غايته أنَّه طريق شرعي للعمل يسوغ ارتكابه، لا أنَّه طريق على وجه العزيمة، بل على وجه الرخصة، على أنّ موردها فيما علم انتفاؤه عن أحدهما، كالجارية يطأها فتجيء بولدٍ فيقرع عليه، وكالبيت يسقط على أهله فلم يبق إلّا حُرٌّ وعبد فيقرع بينهما، وكالدابة يدعيها اثنان كلُّ يقول: إنَّها نتجت على مذوده، وكالزوجة يدعيها اثنان هذا غاية ما يقال.

ولكن المشهور أعرضوا عنه، وخصوا العول بالذمم دون الأعيان وإن تحققت الإشاعة فيها؛ لأنّ النزاع في هذه العين ولا نقص فيها، فهذا يدعي الكل، وذاك النصف، بخلاف الذمم، فإنّ لهذا ألفاً وللآخر ألفين، وليس إلا التركة كلُّ يريدها عما له له في ذمته، وهي لا تبلغ إلا الثلث، فلا اختصاص لأحدهما دون الآخر، ونسبتها إليهما سواء، فتقسم بينهما على ما لهما في ذمته.

السابعة: حكم ما لو تنازع ثلاثة في عين تحت أيديهما فادعى أحدهم الكل والآخر النصف والآخر الثلث ولا بيّنة

[المسألة] السابعة: لو تنازع ثلاثة في عين تحت أيديهما فادعى أحدهم الكل والآخر النصف والآخر الثلث ولا بيّنة، قضي لكلّ واحدٍ منهم بالثلث، وعلى كل من الأخيرين اليمين للأوّل لدفع دعواه، ويحلف الأول والثالث للثاني؛ لأنَّه يدعيهما بالسدس.

ولو أقام كلُّ منهم البيّنة على ما يدعيه، فمع تقديم بيّنة الداخل يقسم أثلاثاً؛ لأنّ لكلِّ منهم بيّنة ويداً، ولا تزيد بيّنة أحدهم على ما في يده؛ لأنها لو زادت كانت بيّنة خارج، ومع تقديم بيّنة الخارج فقد يقال: إذا سقطت بيّنة الثالث فيما يدعيه؛ لدخوله، وبينة الثاني في الثلث؛ لدخوله فيه أيضاً، لم يبق نزاع بين الأول والثاني إلا في السدس؛ لأنّ لكلِّ منهما فيه بيّنة خارج فإذا أُقرع ونكلا وقسم السدس بينهما، كان للأوّل أحد عشر من اثني عشر، وللثاني واحد منها، ولكنّه خطأ؛ لأنّ للأوّل بعد النكول عشرة ونصف، وللثاني واحد ونصف، وذلك لأنّ في يد كل من الثلاثة أربعة من اثني عشر، وهو الثلث، فللأول منها ثلاثة من غير

منازع، فالثاني ينازعه في نصف سدس، وهو واحد من اثني عشر، وبينة الأوّل فيه بيّنة داخل، فتسقط بالنسبة إليه، فيخلص للثاني فظهر الخطأ، وله أيضاً ما في يد الثاني، وهو أربعة؛ لسقوط بينته فيها، لأنَّه داخل بالنسبة إليها، وقيام بيّنة الأوّل عليها؛ لخروجها، وعدم نزاع الثالث فيها؛ لأنَّه إنما يدعي الثلث، فتلك سبعة، وله أيضاً ثلاثة ممّا في يد الثالث؛ لأنّ الثاني لا ينازعه فيها، إنما ينازعه في واحدٍ من أربعة من حيث إن لكل منهما عليه بيّنة خارج. فتلك عشرة، فإذا أقرع على هذا الواحد الذي انحصر النزاع فيه ونكلا فاقتسماه، كان للأول عشرة ونصف، وللثاني واحد ونصف، وتسقط دعوى الثالث؛ لسقوط بينته، لأنها بيّنة داخل.

والذي ذكره في القواعد أوّلاً هو أن يكون للأوّل عشرة وللثاني اثنان بلا قرعة، ثمّ قال: وإن قضي للخارج سقطت بيّنة الداخل؛ لأنّها داخلة وللثاني السدس؛ لأنّ بينته خارجة فيه، وللمستوعب خمسة أسداس؛ لأنّ له السدس من غير بيّنة؛ لعدم المنازع له فيه، وله الثلثان بالبيّنة؛ لكون بينته خارجةً (1).

وفيه: إنّه ليس للثاني ممّا في يد الأوّل إلا واحد من أربعة، وهو نصف السدس، لا السدس، وما في يد الثالث لا يخلص كلّه للأوّل كما يقول، بل تخلص ثلاثة، والرابع يدعيه الثاني والأوّل، ولكلِّ منهما عليه بيّنة خارج، ولا طريق إلا القرعة، فإذا خرجت للأول وحلف كان له أحد عشر، وإن نكل وحلف الثاني كان له عشرة، وإن نكلا واقتسماه كان للأوّل عشرة ونصف، وللثاني واحد ونصف، كما ذكرناه (2).

وإن أقام الأوّل خاصةً، أخذ الكلّ بلا يمين إن قلنا: إنّ بيّنة الداخل تُسقط اليمين، وإلا فمع اليمين على ما يحتاج إلى اليمين ممّا في يده.

ولو أقام الثاني بيّنة، أخذ النصف الثلث باليد، وعليه اليمين، مع احتمال عدمه، كما تقدم، والسدس من الأخرى بالبيّنة، ولا يمين لهما عليه؛ لأنها بيّنة خارج، ويقتسم الآخران الباقي لكلِّ ربع، غير أنّ الأوّل يحلف للثالث على نصف سدس؛ لأنَّه يدعيه، لادعائه ثلث العين، والثالث يحلف للأوّل على جميع ما أخذ؛ لأنَّه يدعيه بدعوى الكل.


1) قواعد الأحكام 3: 472.

2) تقدّم آنفاً.

ولو أقام الثالث بيّنة، أخذ الثلث، والباقي بين الآخرين مناصفة، غير أنّ الأوّل يحلف للثاني على السدس؛ لأنَّه يدّعيه فيه، والثاني للأوّل على الثلث كلّه؛ لادعائه الكل.

ولو وقع النزاع في عين خارجة ولم تكن بيّنة، فللأوّل النصف بلا معارض، كذا قالوا.

وفيه: إنّ الآخرين يدعيان الثلث والنصف فلم يبق له سالماً سوى السدس.

قالوا: ويقرع بينهم في النصف الآخر، فإن خرجت لأحد الأوّلين حلف وأخذ، وإن خرجت للثالث حلف وأخذ الثلث، ثمّ يقرع بين الأولين في السدس الباقي، فمن خرجت له حلف وأخذ.

وإن أقام أحدهم البيّنة، فإن كان الأوّل أخذ الجميع، وإن كان الثاني أخذ النصف، وأمّا النصف الآخر فالسدس للأول من غير منازع ويبقى النزاع بينه وبين الثالث في الثلث، فيقرع بينهما، كما لو لم يكن هناك بيّنة، وإن كان الثالث أخذه، وللأوّل السدس من غير منازع، ويقرع بالنصف بين الأولين.

ولو أقاموا جميعاً، فالنصف للأول من غير منازع، والسدس في النصف الآخر يدعيه كلُّ من الأولين، والثلث يدّعيه كلُّ من الثلاثة، فإن ترجّحت إحدى البينات وإلا فالقرعة واليمين، فمَنْ حلف أخذ، وإن نكل فإن كان في النزاع الواقع في السدس وهو ما بين الأول والثاني، حلف الآخر وأخذ، وإن كان في الثلث وهو ما بين الثلاثة، اقترع الآخران، وحلف من خرجت له، فإن نكل حلف الآخر وأخذ، فإن نكلوا جميعاً فالقسمة في كليهما السدس بين الأولين والثلث بين الثلاثة، فتصح من ستّة وثلاثين؛ لأنَّه أقل عددٍ يخرج منه نصف سدس وتسع، فيكون للأوّل خمسة وعشرون، وهي النصف ونصف السدس وثلث الثلث، وللثاني نصف السدس وثلث الثلث وللثالث التسع.

هذا كله في القسمة مع التنازع؛ لاعتراف الأخيرين للأول بالنصف، وإنما تنازعوا في النصف الآخر، هذا يدعيه بتمامه، والآخر يدعي سدسين منه، وحيث إنّ الأوّل يدعي الكل كان له مع الثاني نزاع في السدس الذي لا يدعيه الثاني، ونزاع معهما في الباقي، أما مع عدم الاعتراف للأول بالنصف بل كلُّ منهما يدعي ما يدعيه في الكلّ، هذا يقول: لي نصف المجموع. وذاك يقول: ثلثه، فلا بد من قسمته على طريق العول برفع الستّة إلى أحد عشر للأوّل ستة، وللثاني ثلاثة وللثالث اثنان للزوم الحيف على الأخيرين بتخصيص الأول بالنصف؛ لأنّ

نسبتهم إلى المال على حدّ سواء، فيقسم على نسبة دعاويهم، فيعطى الأول ضعف الثاني وضعفی الثالث، والثانى نصف الأول، والثالث ثلث الأول، فيدخل النقص على الكل، كما إذا ترك ستمائة وعليه لواحدٍ ستمائة، ولآخر ثلاثمائة، ولثالث مائتان.

وهذه القسمة هي السالمة من الحيف والضرر والقرعة وإن دلّت عليها الروايات إلا أن موردها الأمر المشكل، وهنا لا إشكال، وإنّما ترك العول في الميراث؛ للنص، والإجماع، وللعلم بأن الخطاب به ابتدائي، فلا يصلح من الحكيم أن يزيد في خطابه فيدخل العول فيه.

الثامنة: حكم ما لو تنازع أربعة في عين كانت تحت أيديهم فادعى أحدهم الكل والآخر الثلثين والثالث النصف والرابع الثلث ولا بيّنة

[المسألة] الثامنة: لو تنازع أربعة في عين فادّعى أحدهم الكل، والآخر الثلثين، والثالث النصف، والرابع الثلث ولا بيّنة وكانت تحت أيديهم، حكم لكل منهم بما في يده وهو الربع مع يمينه للآخر.

ولو لم تكن تحت أيديهم وأقام كلّ واحد بيّنة، فلا تعارض في الثلث، فيختصّ به مدعي الكل، ويقع التعارض في الباقي، ففي السدس الزائد على النصف تتعارض بيّنة مدعي الكلّ ومدّعي الثلثين، وفي السدس الزائد على الثلث تتعارض بينتهما وبينة مدعي النصف، وفي الثلث الباقي تتعارض البينات الأربعة، فمع عدم المرجّح يُقرع بين المتعارضين، فيحلف الخارج، وإلا حلف الآخر، وإلا فالقسمة، فيُقسم السدس الزائد على النصف بين مدعي الكل ومدّعي الثلثين بالسويّة، والسدس الزائد على الثلث بينهما وبين مدّعي النصف أثلاثاً. والثلث الباقي بين الأربعة أرباعاً، فالدار ستّة وثلاثون سهماً لمدعي الكلّ ثلثها اثنا عشر، وله نصف السدس الزائد على النصف، وهو ثلاثة، فهذه خمسة عشر، وله ثلث السدس الزائد على الثلث، وهو اثنان فهذه سبعة عشر، وله ربع الثلث الثاني وهو ثلاثة، فهذه عشرون خمسة أتساع الدار، ولمدعي الثلثين ثلاثة أسهم من السدس الزائد على الثلث وسهمان من السدس الزائد على الثلث وثلاثة من الثلث الباقي، فالمجموع ثمانية، وهي تسعا الدار،ولمدّعي النصف سهمان من السدس الزائد على الثلث وثلاثة من الثلث الباقي، فالمجموع خمسة تسع وربع تسع، ولمدّعي الثلث ثلاثة من الثلث الباقي لا غير، وهي ثلاثة أرباع التسع، فالمجموع سهام الدار.

وكذا البحث لو لم يكن لأحدهم بيّنة.

ولو أقامها أحدهم خاصةً، قضي له بما يدعيه، فإن فضل عنه شيء تعارضت فيه الدعوى، وجرى فيه ما جرى في الدعويين المتعارضين، واعتبر ما أسلفنا.

ولو كانت تحت أيديهم وأقام أحدهم وقدّمنا بيّنة الخارج، فإن كان الأوّل أخذ الجميع مع الحلف على ما يده عليه أو بدونه على القولين من سقوط اليمين وعدمه، وإن كان هو الثاني أخذ الثلثين مع اليمين على ما تحت يده كما تقدم (1)، ويقتسم الباقون الثلث بالسويّة، ويحلف كلُّ منهم على نفي ما يدعيه الآخران، وإن كان هو الثالث أخذ النصف مع اليمين كذلك، واقتسم الباقي الباقون بالسويّة، وحلف كلّ منهم على نفي ما يدعيه الآخر، وإن كان هو الرابع أخذ الثلث مع يمينه على ما مرّ، ويقتسمون الباقي على ما ذكرنا.

ولو أقاموا جميعاً، فإن قدّمنا بيّنة الداخل كان الحكم كما لو لم تكن بيّنة، فيقسم بينهم أرباعاً، فيحلف كلُّ منهم لمن يدعيه، وإن قدّمنا بيّنة الخارج - كما هو الحق - سقط اعتبار بينة كلٌّ منهم بالنظر إلى ما في يده، وتُسمع فيما يدعيه على غيره ممّا كان تحت يد غيره.

وطريق ذلك أن يجمع كل ثلاثة من المدّعين على رابع فيؤخذ ما في يده لهم وهو الربع؛ لأنّ بيّنة الثلاثة بالنسبة إليه خارج، فيقترعون فيما يتنازعون فيه ويأخذ الحالف، فإن نكلوا اقتسموا، وما لا نزاع فيه من الربع يكون للأوّل وهو مدعي الكل.

وأقلّ ما تصح القسمة فيه من العدد هنا اثنان وسبعون؛ لأنّ الرابع مدعي الثلث يدعي الثلاثة الباقين زيادةً على ما في يده بنصف سدس، وهو تكملة الربع الذي صار ثلثاً بدعواه، وحينئذٍ فيدعي كلّ واحدٍ منهم سدس السدس وأقل عدد يخرج منه سدس السدس، ولا يتم إلا باثنين وسبعين، وتمام الأمر في ذلك هو اجتماع كلّ ثلاثة على واحد فكانت صور الاجتماع أربعةً:

أحدها: أن يجتمع الأول والأخيران على الثاني فينازعوه على ما في يده وهو الربع ثمانية عشر من اثنين وسبعين، فالأوّل يدّعيها أجمع؛ لادّعائه الكل، والثالث يدعي منها ستة؛ لأنَّه يدعي النصف، فربع بيده، وربع - وهو الخارج عنه - يدعي الثلاثة به، فكلّ واحدٍ منهم يدعيه بثلث الربع وهو ستة، والرابع يدّعي اثنين؛ لأنَّه يدعي بغير ما في يده بنصف سدس وهو ستّة تنقسم دعواه على ثلاثتهم، فتكون دعواه له باثنين، والأول ينازع الثالث


1) تقدّم في ص 494.

فيما يدعيه وهو الستّة، فيقرع بينهما ويحلف وإلّا اقتسموا وينازع الرابع في الاثنين، ويقرع بينهما أيضاً ويحلف، وإلا فالقسمة والعشرة الباقية من الربع تكون للأول؛ لادعائه الكل وقيام بيّنة مع عدم منازعة المجتمعين معه فيها.

ثانيها: أن يجتمع الأولان والأخير على الثالث وهو مدّعي النصف، فمدعي الكل يدعيه أجمع، والثاني يدعي منه عشرة؛ لأنَّه يدعي الثلثين وبيده الربع، والثلثان ثمانية وأربعون، فإذا سقط منها ثمانية عشر بقي ثلاثون يدعي كلّ واحدٍ من الثلاثة بعشرة، والرابع يدعي اثنين والستّة الباقية من الربع تكون للأول؛ إذ لا يدعيها أحد غيره، ويقارع كلُّ من الآخرين بما يدعيه ثمّ اليمين والقسمة مع النكول.

ثالثها: أن يجتمع الثلاثة الأولون على الرابع وهو مدّعي الثلث، فالأول يدعيه أجمع، والثاني يدعي العشرة، والثالث يدعى الستّة والاثنان الفاضلان للأوّل ومقارعته لكلِّ منهما فيما يدعيانه واليمين والقسمة بعد النكول كما تقدّم.

رابعها: أن يجتمع الثلاثة الأخيرون على الأوّل، فالثاني يدعيه بعشرة، والثالث بستة، والرابع باثنين ولا فاضل هنا لصاحب اليد، ولا نزاع بين المدّعين، فقد كمل للأوّل ممّا في أيدي الثلاثة ستّة وثلاثون، وذلك أنّه أصابه في الاجتماع الأول عشرة، وفي الثاني ستة، فإذا تم هذا الاجتماع كله واقترعوا وامتنع الكلّ من الحلف في الكل واقتسموا، أصاب الأوّل نصف الدار، وهي ستّة وثلاثون سهماً، ربع من الفاضل، وربع ممّا اقتسمه بعد القرعة مع المجتمعين معه في مجموع الثلاثة الأول، وذلك أنّ جميع ما أصابه من الثاني بالفضل والقسمة عشرة، ومن الثالث بهما اثنا عشر، ومن الرابع بهما عشرة، وأصاب الثاني ربعها وربع تسعها عشرون سهماً، خمسة من الثالث وخمسة من الرابع في الثالث وعشرة من الأول في الرابع، وأصاب الثالث سدس من العدد، وهو اثنا عشر سهماً، ستّة من الأول في الاجتماع الرابع و من كلّ واحدٍ من الأخيرين ثلاثة، وأصاب الرابع نصف التسع، أربعة أسهم، اثنان من الأول، ومن كل واحدٍ من الأخيرين واحد، وذلك مجموع الدار؛ لأنّ السدس تسع ونصف تسع، فإذا ضم إلى نصف التسع ثمّ إلى ربع التسع صار ربعاً، فإذا ضمّ إلى نصف الأول وربع الثاني صار تمام الدار.

وإن خرجت القرعة للأوّل في الاجتماعات الثلاثة وحلف فيها أجمع، أصابه ثلاثة أرباع الدار، ولم يذهب عنه سوى ما في يده وهو الربع، وإن أخرجته في البعض أو حلف في البعض أو أخرجت الثالث أو الرابع في الكلّ أو البعض وحلف في الكل أو البعض، اختلفت القسمة بعد ذلك، وتكثرت الصور.

ولا يجري هذا العمل في المسألة السابقة بأن تجمع كل اثنين على ثالث حتّى تصير الصور ثلاثاً؛ لسقوط دعوى الثالث - وهو مدعي الثلث - بسقوط بيّنة الداخلة، فلم يبق نزاع إلا بيز بين الأول والثاني يتنازعان في ربع ثلثه، فإذا اقترعا واقتسما كان له ثلاثة ونصف من اثني عشر، وللثاني نصف، ويأخذ الثاني من الأوّل ربع ثلاثة؛ عملاً ببينة الخارجة، ويبقى للأوّل ثلاثة من ثلثه وتمام ثلث الثاني بلا منازع، فتم له عشرة ونصف.

ولو كان الرابع في هذه المسألة يدعي الربع، لكان حكمه حكم الثالث في الأُولى.

مسألتان في النسب:

إحداهما : في حكم ما لو تنازع اثنان في ولد كبير أو صغير

إحداهما لو تنازع اثنان في ولدٍ كبير أو صغير، لم يُحكم لأحدهما إلا بالبيّنة، ولا مدخلية لتصديق الولد ولا الشبه ولا قول القافة؛ لظاهر الأصحاب، ولنفي الخلاف من البعض (1).

ولو أقام أحدهما بيّنة، حكم له.

ولو أقاما وتكافئا، أُقرع بينهما.

وإن كان في يد أحدهما على وجه الالتقاط، فكذلك.

وإن ادعاه بعد الالتقاط من دون معارض فحكم له به طلب من مدعيه البيّنة.

وإن لم تكن يد التقاط فوجد في يده وجاء آخر يدعيه فادعاه هو وتنازعا، فهل يُحكم لذي اليد إذا لم تكن بيّنة لاقتضائها النسب كما تقتضى الملك لضعف احتمال الالتقاط، لظهورها الاختصاص والإضافة كظهورها في الملك، أو لا يُحكم؛ إذ لا يد في غير الملك للأصل؟

ثانيتهما: في حكم ما إذا وطئ اثنان امرأةٌ في طهر واحد لشبهة فأتت بولدها

ثانيتهما: إذا وطئ اثنان امرأةً في طهر واحد لشبهةٍ فأتت بولدها فادعاه اثنان لحدس أو قيافةٍ وأمكن أن يكون لكلِّ منهما، أقرع بينهما، وألحق بمن أخرجته القرعة، ولا حاجة


1) لم نعثر عليه.

إلى اليمين، ولا يلحق بالزاني، سواء كانا زانيين فلا يلحق بهما، أو أحدهما.

ولو كان أحدهما زانياً والآخر مشتبهاً بعقد أو تحليل أو شركة، ألحق بالمشتبه دون الزاني.

ولا يتفاوت في القرعة بين كون المتنازعين مسلمين أو كافرين أو أحدهما مسلماً والآخر كافراً، أو كلاهما حُرّ، أو كلاهما عبد، أو أحدهما حُرِّ والآخر عبد، كل ذلك لعموم دليل القرعة؛ حيث إنّها لكلّ أمر مشتبه.

ونُقل عن المبسوط تقديم المسلم على الكافر والحُرّ على العبد (1)نظراً إلى أصالة الإسلام والحرية.

وفيه: إنّ الأصل ينفع في محلّ الاشتباه مع عدم المعارض، سواء كان الشكّ في الفرد الخارجي أنّه حُرٌّ أو عبد أو مسلم أو كافر، أو في طريان الوصفين عليه من الكفر والرقية، أو في دخوله تحت أي وصفٍ منهما، وأما مع المعارض فالنسبة إليهما واحدة، وإلحاقه بأحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجّح، وتنزيل الإسلام والحرية بين المتداعيين بمنزلة اليد فيلحق بالمسلم والحُرّ دون الكافر والعبد مفتقر إلى دليل، ولذا لو تداعى مسلم وكافر وحُرٌّ وعبد في ولد لا باعتبار وطء أُم واحدة بل كلُّ يقول: هو ابني، لا يُحكم للمسلم والحرّ به من جهة الأصل، بل الوجه في الجميع القرعة بعد البيّنة؛ لأنّها لكلّ أمرٍ مشكل، ولو عملنا برواية «كلّ مولود يولد على الفطرة» (2)لأخذنا أولاد الكفّار من أيديهم؛ للحكم بأنهم مسلمون، فلا يجوز إبقاؤهم بأيدي آبائهم.

تذنيب: الفراش الذي يلحق به الولد الزوج والمالك والمحلل، والشبهة فراش أو ملحق به، وليس كلّ ما وقع فيه الاشتباه ولد الشبهة، بل ولد الشبهة الملحق بالفراش هو ما أُلحق بالمشتبه أو أحد الشريكين أو بالمتأخّر من العاقدين أو المالكين أو المحللين.

ولو ترتب الوطء بحيث تخلّل بينهما حيض كان للمتأخر منهما ؛ للأصل، ولأن الحيض علامة لبراءة الرحم من الأول.


1) المبسوط 3 : 350.

2) مسند أحمد 2 : 464، ح 7141.

واستثنى العلّامة (رَحمهُ اللّه) ما إذا كان الواطئ الأوّل في نكاح صحيح (1)، فإنّه يلحق به وإن تخلل بينه وبين الوطء الآخر حيضة؛ لتوقف نفيه عنه على العلم، وتخلل الحيضة لا يفيد العلم؛ لاطلاق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الولد للفراش» (2).

واستشكل فيما إذا كان وطء الأوّل في عقد فاسد (3)لم يعلم بفساده من كونه فراشاً ظاهراً ومن عدم صحته واقعاً.

وفيه: إنّ الإلحاق تابع للإمكان الشرعي أو العادي، ومع تخلل الحيض لا إمكان، حتّى لو كان الوطء الثاني زني فإنّه لا يُحكم به مع تخلّل الحيض للأوّل، كما قطعوا بالقرعة لو كان الوطء الثاني في طهر واحد إذا لم يكن عن زنى، ولم يحكموا بأنّ الولد لذي العقد فكأنهم جعلوا الشبهة بمنزلة الفراش المستحق واقعاً.

وفي المسالك (4): إنّ القرعة تدور مدار الإمكان في الإلحاق بهما، سواء كان الوطء في طهر واحد أو متعدّد، أما لو لم يمكن كما لو كان له من وطء أحدهما دون ستّة أشهر، فإنّه يلحق بمَنْ يمكن لحوقه به.

ولو تداعياه فانتسب إلى أحدهما لم يُقبل، بل يقترعان عليه، فيُنسب إلى مَنْ أخرجته القرعة؛ للأخبار (5)الخاصّة الدالّة على ذلك، مضافاً إلى عمومات أدلّة القرعة وكلام الأصحاب.

نعم، لو بلغ قبل القرعة فانتسب إلى أحدهما، كان له.

ولو انفرد المدّعي بدعوى صغير من غير معارض، كان له، إلا أن يفضي إلى إذهاب حقّ دعوى غيره، كما يدعي ولداً مجهول النسب كان مملوكاً فأعتقه مولاه؛ لأنّ بنوته تُذهب دعوى ولائه من المعتق.

ولو بلغ الصغير فنفى بنوته لمَنْ ادّعاه وألحق به، لم ينتف عنه إلا بالبيّنة، وليس له إحلاف المدّعي؛ لصيرورته ولداً له بإقراره، شاء أو أبي، فلا تجدي يمينه؛ لأن اليمين إنما تتوجه على مَنْ لو أقر لسمع منه الإقرار.


1) قواعد الأحكام 3: 482.

2) وسائل الشيعة 21: 169، الباب 56 من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح 1.

3) قواعد الأحكام 3: 482.

4) مسالك الأفهام 14 : 148.

5) وسائل الشيعة 26 : 280، الباب 10 من أبواب ميراث ولد الملاعنة....،ح 1.

وفي حكم الصغير المجنون لو ادعى ابنيته مدع قبل الإفاقة، فإنه ليس له الإنكار بعد الإفاقة وليس له أن يطلب اليمين على المدّعي كما ذكرناه، على إشكال في إلحاقه بالصغير.

ولو ادعى مولوداً على فراش غيره وزعم أنَّه وطئ أمة بشبهة فعلقت به، لم يُسمع إلا بالبيّنة على الوطء، ولا يصغى لإقرار صاحب الفراش ؛ لما فيه من دفع حقّ الولد المحكوم به أنَّه له عن نفسه ونفيه عنه.

ولو ادعى كبيراً بالابنية، لم نلحقه إلا بالبيّنة، ولو سكت لم نلحقه أيضاً، وإن أنكر كان لكل منهما حكم نفسه بموجب الإقرار، فإن صدقه وأقرّ له جرى عليه حكم الابنية على نفسه دون أقاربه،وأرحامه، فظهر أن النسب كما يلحق بالفراش المنفرد يلحق بالمتعدد والمشترك بالقرعة، وكما يلحق بالدعوى المنفردة يلحق بالمتعددة بالبيّنة.

مسائل في المواريث :

الأولى: لو اتفق وارثان متساويان في الطبقة على تقدّم إسلام أحدهما و اختلفا في الآخر

الأولى: لو اتفق وارثان متساويان في الطبقة على تقدّم إسلام أحدهما واختلفا في الآخر، فقال بتقدّم إسلامه ليرث معه فأنكر المتفق عليه، فالقول قول المتفق عليه؛ للأصل بمعنى عدم التقدم، وعدم حصول شرط الإرث وتأخر الحادث، فإن ادّعى على المتفق عليه العلم كان له اليمين على نفيه.

وكذا الحكم لو كانا رقين فانعتق أحدهما ووقع في زمن تحرير الآخر.

أما لو وقع الخلاف في أصل تحريره فلا كلام في أصالة نفيه.

ولو اختلفا في أصل إسلام الوارث الآخر وحريته بعد الاتفاق على إسلام أحدهما وحريته بالأصالة، كان القول قول مَنْ يدّعي أصلي الإسلام والحُرّيّة؛ لأنهما أصلان شرعيّان، ونُقل الإجماع على ذلك (1).

نعم، عليه اليمين في كونه مسلماً حراً بالأصل وأنّ أباه ما مات وهو غير حُرِّ وغير مسلم. وكذا لو ادعى كلٌّ منهما على الآخر أنّه غير مسلم الأصل أو حرّ الأصل، فإنّ القول قول كل منهما بيمينه، سواء كان أبوهما كافراً قبل انعقادهما أم لا.


1) راجع جواهر الكلام 40 : 478.

نعم، لو كانت الدار دار كفر وكان أبوهما كافراً قبل انعقادهما، فالقول قول منكر الإسلام؛ لظهور أنهما نشأ على دين أبيهما.

ولو كان أبوهما مسلماً بعد انعقادهما حكم بإسلامهما واستصحب إن كان إسلام أبيهما قبل بلوغهما، وإن كان بعده وكانت الدار دار إسلام فلا يبعد ترجيح مدعي الإسلام؛ لمكان الظاهر.

ولو اتفقا على أصالة كفر كلُّ منهما ورقيّته واختلفا في تقدّم الإسلام والحرّية على الموت وعدمهما كانا متداعيين، ولكل منهما على الآخر اليمين على نفي العلم بالتقدّم، فإن حلفا بطل ميراثهما، وكان للمرتبة الثانية بعدهما، وكذا لو نكلا وادعت معهم الطبقة الثانية.

ولا بدّها هنا من إثبات تقدّم إسلامهم وحُرّيّتهم لحجب الطبقة الثانية إلى البيّنة.

ولو اتفقا على إسلام أو حُرّيّة أحدهما في شهر سابق وإسلام وحُرّيّة الآخر في شهر لاحق واختلفا فى أنّ الموت بعد الشهر اللاحق أو قبله احتمل تقديم قول من ادعى تأخر الموت؛ للعلم حينئذٍ بالإسلام والحُرّية في وقتٍ معيّن ووقوع الشكّ في الموت وتأريخه مجهول، فالأصل تأخره واحتمل عدم اعتبار جهل التأريخ والعلم به في معارضة أصالة عدم الإرث وأصالة عدم ارتفاع المانع.

والأقرب: الأوّل؛ لوروده على الأخير، فيعمل به دونه.

الثانية: لو ادعت الزوجة على الزوج بعد موته عيناً أنَّها صداقها فأنكرها الوارث

[المسألة] الثانية: لو ادّعت الزوجة على الزوج بعد موته عيناً أنَّها صداقها فأنكرها الوارث، فالقول قول الوارث، ولها عليه اليمين على نفي العلم.

وإن أقاما بيّنة، قدمت بينتها إما لكونها بيّنة خارج أو للشكّ في ذلك، ولكنّها شهادة بما يمكن خفاؤه عن البيّنة الأُخرى فتُسمع.

ولو شهدت إحدى البينتين بالإصداق في وقت وشهدت الأخرى بالموت في ذلك الوقت، تعارضتا واقترعا.

ولا فرق بين كون العين بأيديهما أو بيد أحدهما أو بيد غيرهما؛ لاعتراف الزوجة بسبق ملكيته لها قبل الصداق.

وقيل: ولو كانت بيدها في حياة الزوج إلى موته كان القول قولها (1)ترجيحاً للظاهر على


1) کشف اللثام 10 : 227.

الأصل، كما إذا كان زيد يتصرّف بدار تحت يده وادعى مالكها بقاءها في ملكه، وادعى زيد شراءها، كان القول قول زيد؛ لمكان الظاهر.

وفيه نظر ظاهر؛ لأنّ هذا الظاهر لا يحكم على الأصل والظاهر المستصحبين من إقرار زيد.

الثالثة : لو ماتت امرأة وولدها فقال زوجها ماتت بعد الولد ليرث المال وقال أخوها قبله ليرثها مع الزوج

[المسألة ] الثالثة: لو ماتت امرأة وولدها، فقال زوجها ماتت بعد الولد، ليرث المال وقال أخوها قبله، ليرثها مع الزوج، فإن أرّخا موت أحدهما واختلفا في الآخر، قوي احتمال تأخير المجهول عن المعلوم، وإن لم يؤرّخا كان لكلِّ منهما على الآخر اليمين على نفي العلم، وإن أقام أحدهما بيّنة حكم له به مع اليمين على نفي ما ادعاه الآخر، كذا قيل (1)، وفيه نظر.

وإن حلفا معاً على نفي العلم أو نكلا، لم يرث أحدهما ممّا يدعيه على الآخر، بل كلُّ منهما يرثه وارثه، فيرت الأمّ من غير مال ولدها الأخ والزوج، ويرث الولد من غير مال أُمه أبوه.

الرابعة: لو تنازعا عبدان كلُّ منهما يقول: أعتقني سيدي في المرض وكان الثلث لا يسع إلا عتق واحدٍ

[المسألة] الرابعة : لو تنازع عبدان كلُّ منهما يقول: أعتقني سيدي في المرض، وكان الثلث لا يسع إلا عتق واحدٍ، فإن كذبهما الوارث وأقاما بيّنة فالحكم للأسبق، فإن اقترنا أو كانا مطلقين، احتمل تنصيفهما رقاً وعتقاً، كما هي القاعدة عند التعارض، إما مطلقاً أو بعد الترجيح، ثمّ القرعة ثمّ النكول.

والأوجه: لزوم القرعة ابتداءً.

قال الشهيد: واحتمال إعمال البينتين كالأملاك باطل عندنا؛ للنصّ على القرعة في العبيد (2)، وحينئذٍ فيحكم بعتق من أخرجته القرعة.

ثم إن ادعى كلُّ منهما السبق فلا بد لمن أخرجته القرعة من الحلف على نفي دعوى الآخر، فإن نكل حلف الآخر، وحكم بعتقه، فإن نكلا حكم بانعتاق نصف كلُّ منهما كما في التحالف.


1) لم نعثر عليه.

2) الدروس الشرعيّة 2 : 109 110؛ والحديث في وسائل الشيعة 27 : 257 و 259، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم....،ح 2 و 10.

وإن لم يدّعيا السبق، فلا يمين، بل يُحكم لمَنْ أخرجته القرعة بالعتق، ولو زاد على الثلث انعتق منه ما يساويه، ولو نقص انعتق من الآخر ما يتمّمه.

الخامسة: حكم ما لو شهدت بيّنة على أنَّه أوصى بعتق سالم وشهد اثنان من الورثة على رجوعه وعتق غيره معيّناً

[المسألة] الخامسة: لو شهدت بيّنة على أنّه أوصى بعتق سالم، وشهد اثنان من الورثة على رجوعه وعتق غيره معيّناً، فإن كانت قيمة الثاني أقلّ أو كانت الرغبة إليه أقلّ على وجه لم تسمع شهادة الوارث؛ لمكان التهمة، وإلا سمعت ومجرّد احتمال النفع أو يسيره الذي لا تتطرّق بسببه التهمة للعدل لا يضرّ الشهادة، فيُحكم بعتق من شهدت به الورثة.

وعلى تقدير عدم قبول الثانية لمكان التهمة أو لحصول الفسق فالأقرب: لزوم عتق ثلثي الثاني على الوارث أخذاً له بإقراره، ولمّا كان عتق الأوّل بحسب ظاهر الشرع غير موافقِ للواقع عندهما كان بمنزلة ما لو تلف ثلث التركة بعد الموت قبل قبضه، فيسقط من الثلث الموصى بعتقه ثلث، ويمضي في الثلثين الأخيرين كما عن فخر المحقّقين (1)، وصحة الوصيّة الأولى شرعاً إنما تستلزم بطلان الثانية بحسب ظاهر الشرع، وإنما ألزمنا الوارث بالعتق بحسب ما يعلمان من الواقع.

السادسة: لو قامت بيّنة لزيدٍ أنّه قد أوصى له عمر و بسدس ماله وشهدت أُخرى بأنه أوصى لبكر بسدس ماله وشهدت ثالثة بأنه قد رجع عن أحدهما

[المسألة] السادسة: لو شهدت بيّنة لزيدٍ أنّه قد أوصى له عمرو بسدس ماله، وشهدت أُخرى بأنه أوصى لبكر بسدس،ماله وشهدت ثالثة بأنه قد رجع عن أحدهما، فإن أرادت أنّه عيّن الراجع عنه ثمّ اشتبه حاله، فالأوجه القرعة، واحتمال التنصيف والعول بعيد.

وكذا إن قامت بيّنة أنّه قال رجعت عن واحدٍ منهما وعينه عنده.

أما لو قامت البيّنة على رجوعه عن أحدهما لا بعينه، فالظاهر أنَّه لا محصل له ولا يبعد أنَّه لا يزيل معنى التحيّز، ولا يكون بمعنى الإعراض عنهما.

ولو قال: رجعت عن التعيين، عادت الوصيّة إلى التحيّز، فيكون رجوعاً عن المجموع لا عن كل منهما.


1) إيضاح الفوائد 4 : 397.

السابعة: لو قامت بيّنة أنّه أوصى لزيد بكذا فشهد الوارثان أنَّه رجع

[المسألة] السابعة: لو قامت بيّنة أنّه أوصى لزيدٍ بكذا، فشهد الوارثان أنَّه رجع لم تسمع شهادتهما؛ لمكان التهمة.

ولو شهدا أنَّه رجع في الوصيّة لعمرو، احتمل بطلان شهادتهما؛ لتضمنها الرجوع، وهو موضع تهمة.

والأقوى إنَّها تُسمع في حقّ عمرو وإن لم تسمع في الرجوع، فتكون بمنزلة شهادتهما بالوصيّة لعمرو من دون تضمّن رجوع، فتتعارض البينتان فيرجح، وإلا فالقرعة، كما لو شهدت ابتداء.

لا يقال: إن دعوى الرجوع قد تضمّنت اعترافاً بالأصل فلا تكون معارضةً لها.

لأنا نقول: إن دعوى الرجوع لمّا كانت ساقطة شرعاً لم تُسمع. وكانت في حكم العدم. وفيه: إنّها وإن لم تعتبر شرعاً للتهمة لكنّها دلّت على الاعتراف بسبق تلك الوصيّة.

ولو شهد بالرجوع والوصيّة لعمرو أجنبي وحلف عمرو، ثبتت له الوصيّة من غير كلام.

وإن شهد بالوصيّة للثاني من دون دعوى الرجوع، فهل تكون شهادته مع يمين الموصى له معارضة للبينة التي شهدت بالوصيّة لزيدٍ فيُقرع بينهما بعد الترجيح، أو ترجح الأولى ويُحكم بالوصيّة لزيدٍ ؟ قولان، فالشيخ على الأول (1)، والعلامة على الثاني (2).

وعلى الأوّل فإذا أخرجت القرعة الثاني فهل عليه يمين آخر كما تقتضيه ضوابط القرعة؟ الأقرب: ذلك.

الثامنة : لو ادعى عيناً في يد غيره أنَّها له ولأخيه الغائب وأقام بيّنة

[المسألة] الثامنة: لو ادعى عيناً في يد غيره أنّها له ولأخيه الغائب وأقام على ذلك بيّنة عارفةً بأحوالهم مطلعةً على خفايا أُمورهم بحيث لو كان لهما مشارك في الميراث لعرفاه أو سمعا به فشهدت أنّ الدار لهما من غير مشارك فقالا: ولا ثالث لهما، أو ما علمنا بغيرهما، بحيث لو كان غيرهما لبان عندهما، فإذا شهدت بذلك سُلّم النصف للمدّعي، وبقي النصف الآخر بيدي المدّعى عليه؛ لوضع يده عليه، فتُستصحب صحة وضع يده، أو ينتزعه عه الحاكم فيجعله عنده أو عند أمين لخروج ذي اليد عن الأمانة بإنكاره، فيؤخذ منه إلى أن يقدم الغائب، ولأنها في الحقيقة دعوى للميّت، ولذا تُقضى منها ديونه وتُنفذ وصاياه، قولان، فالشيخ على


1) المبسوط 8: 253.

2) قواعد الأحكام 3: 481.

الثاني (1)، والعلامة على الأول (2)، وهو أقرب؛ لأن يده إن كانت عادية لزم انتزاعها منه؛ لأنَّه ولي الغائب، وإن كانت أمانة شرعية قبضها بحق لزم إيصالها لأهلها، وإلا فإلى الحاكم؛ لأنَّه الولي.

وكذا لو زعم أن أباهم ائتمنه عليها أو أنزله فيها.

ولو أقام بيّنة غير كاملة - وهي غير المطلعة على أحوال المدّعين وغير العارفة بأمورهم وغير المخالطة لهم - فإن شهدت على البت بنفي وارث غيرهما، سمعت وقبلت شهادتهما؛ لأولها إلى الإثبات، وهي الشهادة بالانحصار، وهو أمر إثباتي، وشهادة العدلين لا يمكن ردّهما، وإن قالت: لا نعلم، لم يجز للحاكم أن يسلّم النصف إلى المدّعي حتّى يبحث عن عدد الوارث ويستقصي، فإذا بحث فلم يعثر ولو ظنّاً بالعدم سلّم النصف إلى المدّعي وأخذ عليه ضميناً أو رهناً؛ لعدم شهادة البيّنة بالقطع بعدم وارثٍ آخر، فيخشى على الحاكم من التفريط، ولا يجوز منع المدّعي من حقه دائماً خوف التفريط بحق المدّعي ولزوم إذهاب المال وتأديته إلى تأخير الحق لا إلى أجل، فيلزم الضرر والضرار، وضمان العين هنا جائز إما لجواز ضمان الأعيان بالمثل أو القيمة كالمغصوبة، ونحوها، أو لمكان الضرورة، وفى جواز الدفع بالكفيل وجهان أقواهما العدم؛ لعدم الوثوق بالمال حين تأدية الكفيل نفس المكفول، والمقصود حفظ المال لا حفظ مَنْ قبضه.

ولو أمكن الحاكم دفع المتيقن لو ظهر وارث آخر، جاز، كما يدفع للزوج ربع المال؛ لأنَّه على أي تقدير له ذلك، وكذلك للزوجة الثمن إذا علم أن ليس له إلا واحدة، أو ربع الثمن إذا علم أنّه لم يطلق في مرضه زوجة وجة أُخرى وغير ذلك.

ولو شهدت بيّنة لوارث بالانحصار وشهدت الأُخرى لوارث غيره كذلك، ورثا جميعاً، وكان المال بينهما.

وقد يقال بترجيح الكاملة على غيرها.

وقد يقال بترجيح البيّنتين ثمّ القرعة واليمين، فإن نكلا فالقسمة.

وقد يحتمل القرعة ابتداءً.

تم كتاب القضاء، والحمد للّه ربّ العالمين، ويتلوه الشهادات.


1) قواعد الأحكام 3: 480.

2) الخلاف 6 : 340، المسألة 12.

كتاب الشهادات

بسم اللّه الرحمن الرحيم

كتاب الشهادات

تعريف الشهادة لغةً وشرعاً

الشهادة: لغةً: الحضور والعلم والإخبار عن اليقين (1)، وشرعاً قيل: هي إخبار جازم عن حق لازم لغيره واقع من غير الحاكم(2).

قال: وبالقيد الأخير يخرج إخبار اللّه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وإخبار حاكم حاكماً آخر، فإن ذلك لا يُسمّى شهادة (3).

وقد تُحد بأنّها إخبار جازم عن حقّ لازم للغير عند الحاكم.

وقد يقال: إن الشهادة ليس لها معنى شرعي، بل معناها لغةً وشرعاً واحد، وهي الإخبار بالعلم واليقين.

وتفارق الخبر - وإن كانت نوعاً منه - أنَّه الإخبار مع العلم أو مع اليقين لا بهما، والمخبر عن الشيء عن يقين مخبر، والمخبر بأنه متيقن أو عالم بالشيء، سواء صرّح به، كما يقول: أعلم وأشهد وأتيقن، أو دلّ عليه من إخباره بالشيء منطوقاً أو مفهوماً أو ظهر ذلك من قرائن خطابه وأحواله بحيث قرن بإخباره ما يدلّ على علمه به وقطعه، كان شهادة.

نعم، كونها عن حقّ لازم للغير وكونه من غير الحاكم أو كونه عند الحاكم أمر ورد في أحكام الدعاوي وفي الأخبار الواردة فيها وفي لسان المتشرعة، ووروده لم يكن على جهة الوضع، بل على جهة استعمال الكلّي في الفرد، ولو سُلّم الوضع فهو وضع متشرعيّ لا شرعي،


1) الصحاح 2 : 494 «ش ه د».

2) مسالك الأفهام 14: 153.

3) مسالك الأفهام 14: 153.

على أنَّه نقل عن طراز اللغة (1)أنَّه قال: شهد بكذا شهادة أخبر بصحته عن شهادة وعيان، وعند الحاكم بين وواضح لمن الحق وعلى مَنْ هو وقال: الشهادة في الشريعة إخبار عن عيان بلفظ «أشهد» في مجلس القاضي بحقِّ للغير على آخر، فيظهر منه اتحاد المعنيين في الأصل، إلا أنَّه يزاد في الشريعة الإتيان بلفظ «أشهد» وكونه في مجلس القاضي، وكونه بحق للغير على آخر.

والظاهر أنَّه يريد عرف المتشرعة، يدل على ذلك ما نُقل عن الفيومي أنَّه قال في المصباح: جرى على ألسنة الأُمة سلفها وخلفها في أداء الشهادة «أشهد» مقتصرين عليه، دون غيره من الألفاظ الدالّة على تحقيق الشيء، كـ «أعلم» و «أتيقن»، وهو موافق لألفاظ الكتاب والسنّة، فكان كالإجماع على تعيين هذه اللفظة دون غيرها، ولا يخلو عن معنى التعبد (2).

ولعل السرّ فيه أنّ الشهادة أسلم من الشاهد، وهي الاطلاع على الشيء عياناً، فاشترط في الإمام ما يبنى على المشاهدة، وهذا الإجماع الذي نقله غير معلوم.

نعم، أظهر أفراد الشهادة الإتيان بلفظ «أشهد» ووجوب الإتيان بلفظ «أشهد» لا يلزم منه كون معنى الشهادة ذلك، فلعله شرط في قبولها، كالعدالة ونحوها.

وعلى كل حال فإن ثبت فذلك حقيقة متشرعيّة عندهم.

وفي القاموس ومختار الصحاح : إن الشهادة خبر قاطع (3).

وفي النهاية : الشهادة الإخبار بما شاهده (4).

وبالجملة، فالظاهر اتحاد معنى اللغوي والشرعي والعرفي في الشهادة، والظاهر أنَّها من المشترك بين الحضور والإخبار المنبئ عن يقين المخبر به، والظاهر أنَّها لا تخلو عن شائبة الإنشاء وهو معنى إثبات الشيء المعلوم عنده وكونه حقاً كما ينبئ عند تعديته بـ «على» تقول «شهدت عليه» وبـ «اللام» كما تقول: «شهدت له» كما تقول: «حکمت علیه» و «له».

هذا إذا أُريد بها معنى الإخبار، ولو أريد بها معنى الحضور كما يقال: «شهود الطلاق والنكاح والبيع» فلا يضمن فيها معنى الإنشاء.


1) طراز اللغة (مخطوط).

2) المصباح المنير 1 : 393، «ش ه د».

3) القاموس المحيط 1 : 558؛ وراجع الصحاح 2 : 494، «ش ه د».

4) النهاية في غريب الحديث والأثر 2 : 514 «ش ه د».

واحتمال أن يراد بشهود الطلاق أنهما يشهدان به بعد ذلك فهو مجاز لا يصار إليه.

فالأظهر أن يراد به المشاهدة والمعاينة، فتفترق عن الفتوى؛ لأغلبية الظنّ فيها وعدم الإنباء عن اليقين، كما أنَّها تفترق عن الخبر بعدم وصفه على الإنباء عن اليقين وإن صاحب اليقين، وتفترق عن الحكم بكون القصد فيها الإخبار ابتداء، والقصد في الحكم ابتداء الإنشاء، وهو الإلزام، وعن الإقرار بتعلّقها بالغير، والإقرار بالنفس.

نعم، الأغلب استعمال الشهادة والشاهدين في الشرع فيما تعلّق بإثبات حقّ على شخص أو له، أو إثبات حقّ عام، كرؤية الهلال، ودخول الوقت، وتشخيص القبلة، وإثبات الاجتهاد، ونحو ذلك.

فظهر أن الشهادة ليست من الأمور المجملة كي يجعل المشكوك به من الشرائط والأجزاء شرطاً وجزءاً، وحينئذٍ فما دلّ الشرع على قبول خبر الواحد فيه يدلّ على قبول الشهادة، وكذا ما دلّ على قبول الشهادة فيه بإطلاقه فإنّه يدلّ على قبول شهادة الواحد أيضاً، ولكن يثبت بالدليل اشتراط العدالة واشتراط التعدّد في الشهادة إذا كانت لإثبات حقّ له أو عليه، أو مطلقاً ممّا يُسمّى شهادةً عرفاً، والدليل إما الإجماع أو الاستقراء أو أصالة عدم القبول مع عدم تحقق الإطلاق في دليل الشهادة بحيث يشمل الواحد؛ لأن الإطلاقات جواز شهادة المسلم وجواز شهادة مَنْ عُرف بالصلاح، وسائر الإطلاقات مسوقة لبيان الصنف، لا لبيان الوحدة والتعدد، فلا يمكن الاستدلال بها، على أن الإطلاقات موهونة بالشهرة والاستقراء القاضيين بالتعدّد حتّى كان التعدّد في الشهادة أصلاً أو كالأصل، وعدم شمول دليل حجيّة خبر الواحد لموضع الشهادة ولا أقل من وهن الشمول والعموم لمورد الشهادة وما يُسمّى بها عرفاً، كما أن شهادة غير البالغ وغير العاقل وغير الضابط لا تنصرف إليها الأدلّة والإطلاقات الواردة في الشهادة، كما أنَّه لا شك بموجب الأدلّة اشتراط التعدد في باب الدعاوي والحكم.

وهنا أُمور:

أحدها: عدم قبول شهادة الصبي غير المميز والمجنون حال جنونه

أحدها: لا تقبل شهادة الصبى غير المميز، وكذا المجنون حال جنونه بديهةً.

ولو ميّز الصبي، فالأظهر الأشهر بل الإجماع محصلاً فضلاً عن أن يكون منقولاً: عدم

قبول شهادته في غير الدم من جرح أو شجاج أو قتل، بل قيل: لا يعرف القول به (1)، ونسبته إلى الشيخ في النهاية (2)وَهُم.

ولا فرق في ذلك بين بلوغه عشراً وعدمه، وبين شهادته بالشيء الدون وغيره.

ويدل على ذلك - مضافاً للإجماع بقسميه (3)ولزوم الهرج والمرج في الدين لو قبلنا شهادة مَنْ لا حرج عليه ولا جريحة له - الأخبار (4)النافية لقبول شهادة الغلام حتّى يحتلم أو يبلغ. فما دلّ من الأخبار على قبول شهادة الصبيان بينهم كرواية طلحة بن زيد: «شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهلهم» (5)- أو قبولها في الشيء الدون - كموثقة عبيد بن زرارة (6)- أو إذا بلغ عشراً - كرواية أبي أيوب الخرّاز عن إسماعيل بن جعفر (7)- ضعيف لا يقاوم شيئاً ممّا ذكرناه، على أن الأوّل قابل للتقييد بالدماء، والأخير غير مروي عن إمام، والوسط يحمل على إرادة معاملته بالحقير الذي يعلم إذن الأولياء به.

وأضعف من هذه الأخبار الاستناد إلى إطلاقات الشهادة ضرورة انصرافها للبالغين، وإلى الأولوية من غير الدماء، والأولوية ممنوعة بعد النصّ على خلافه، وبعد منع الأولوية؛ إذ لعلّ العلّة فيه حفظ الدم كي لا يطل دم امرئ مسلم.

وأما شهادتهم في الجراح والقتل فالأظهر الأشهر: قبولها في الجملة.

ونُقل عن فخر المحقّقين عدم قبولها مطلقاً (8)استناداً للأصل وعموم الأدلّة ولعدم الاعتماد على شهادته، ولحمل الأخبار على حصول الظن بالاستفاضة من أخبار الصبيان؛ لأغلبية كثرتهم في الملعب، ولا يشترط في الاستفاضة البلوغ.

وهو ضعيف؛ لمعارضة المقطوع به من النصوص والفتاوى الدالّة على قبولها في الجملة.


1) كنز الفوائد 3 : 540.

2) راجع مسالك الأفهام 14 : 157 - 158.

3) رياض المسائل 15 : 226.

4) منها ما في دعائم الإسلام 2 : 510، ح 1827.

5) وسائل الشيعة 27 : 345 الباب 22 من أبواب كتاب الشهادات، ح 6.

6) المصدر : 343، الباب 21 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

7) المصدر : 344 الباب 22 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

8) إيضاح الفوائد 4 : 417.

ثم على القبول في الجملة فيختصّ الحكم بالصبي، دون الصبية قطعاً، ودون الخنثى كذلك، وبمن بلغ عشراً على الأظهر الأشهر.

وهل يختصّ بالجراح أو الشجاج أو القتل مطلقاً بجراح أو غيره إذا لم توجب هذه قصاصاً. أو لا يختصّ ؟

وهل يختصّ بشهادتهم لمثلهم من غير البالغين من الصبيان، أو يعم الصبيات، أو أن يكون على مثلهم من الصبيان أو الصبيات بحيث تكون شهادتهم تثبت الدية، لا جرحاً ولا قوداً، أو لا يختص، أو أن يشهدوا قبل التفرّق أو الرجوع إلى أهلهم، وأن يكون اجتماعهم على مباح، وأن يؤخذ بأوّل كلامهم لا بآخره، وأن لا يوجد غيرهم ويقول: لم أطلع، والحال أنّ الظاهر اطلاعه لو وقع القتل، أو لا يختصّ بذلك؟

ومبنى المسألة أنّ استناد الحكم إن كان هو الروايات، فالذي يظهر منها سماعها في القتل مطلقاً.

كرواية جميل في شهادة الصبيان، قال: «نعم، في القتل يؤخذ بأوّل كلامه، ولا يؤخذ بالثاني منه» (1)وكذلك رواية ابن حمران (2)، وظاهرهما قبول شهادة الصبيان في القتل مطلقاً، سواء بلغوا عشراً أم لا، وسواء كان القاتل بالغاً والمقتول كذلك، وعلى بعضهم بعضاً قاتلاً أو مقتولاً أو القاتل بالغاً والمقتول صبيّاً أو العكس، وسواء كان القتل عمداً لو وقع من غير البالغ أو خطأ، وسواء كان القاتل أو المقتول أنثى أو ذكراً، وسواء كان القتل بجراح أو شجاج أو غيرهما من الأسباب.

ومثلهما رواية كتابة محمّد بن سنان، وفيها: «ومثل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد غيرهم» (3)إلّا أنّ فيها اشتراط عدم وجود غيرهم على معنى عدم حضوره، لا على معنى عدم شهادته؛ إذ هو قطعى مع عدالته؛ لأنَّه لا حاجة إلى غيره.

وتظهر الثمرة لو حضر غيرهم ممّن ليسوا بعدول وشهدوا بشهادتهم.

والأظهر إنَّه لو حضر غيرهم من العدول فشهدوا بشهادتهم فلا حاجة إلى شهادتهم.


1) وسائل الشيعة 27 : 343 الباب 22 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

2) المصدر : 343 - 344، ح 2.

3) المصدر : 365. الباب 24 من أبواب كتاب الشهادات، ح 50.

ولو حضر غيرهم مطلقاً وقالوا: ما اطلعنا مع أنّ الظاهر اطلاعهم، لم تقبل شهادة الصبيان بموجب الرواية.

ولو حضر غيرهم فشهد شهادتهم وإن لم يكونوا عدولاً، قبلت شهادة الصبيان هنا بطريق أولى.

ومثلها خبر السكوني عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «في ستّة غلمان كانوا في الفرات فغرق واحد منهم فشهد ثلاثة على اثنين أنّهما غرّقاه وشهد اثنان على الثلاثة أنّهم غرقوه، فقضى بالدية ثلاثة أخماس على الاثنين وخُمْسَيْن على الثلاثة» (1)، إلا أنّ موردها خاصّ بشهادتهم على بعضهم بعضاً.

وفي رواية طلحة في قبول شهادة الصبيان مطلقاً اشتراط ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهلهم (2)، فيمكن تقييد إطلاق الروايات المتقدمة بها؛ لأن الحكم مخالف للأصل.

وعلى كلّ حالٍ، فليس في الروايات ذكر الجرح والشجاج، فالحكم بسماع شهادتهم بها يجيء من باب الأولوية، ويشكل على مَنْ لم يسمعها في القتل الذي هو منطوق الروايات؛ لأن الاستناد إلى مفهوم الأولوية من منطوق لا يقول به المستند لا وجه له، وقد صرّح المحقق بعد أن نسب قبول شهادة الصبيان في الجراح والقتل إلى الشيخ في النهاية (3)وذكر الروايات، قال: وقال في الخلاف: تُقبل في الجراح ما لم يتفرّقوا إذا اجتمعوا على مباح (4)، والتهجم على الدماء بخبر الواحد خطر، فالأولى الاقتصار على القبول في الجراح بالشروط الثلاثة: بلوغ العشر وبقاء الاجتماع إذا كان على مباح؛ تمسكاً بموضع الوفاق (5).

والظاهر في القول باختصاص القبول بالجراح أنّ المراد به الجراح الموجب للقصاص، كالصادر من البالغ العاقل، أو الموجب للدية، كما أنّ الظاهر من القائلين بالقبول بالقصاص والقتل ما هو أعم من قصاص النفس أو الطرف والقتل العمدي أو الخطأ، فيشمل الشهادة على البالغين وغيرهم، ولو أرادوا خصوص الجراح والقتل الصادر من الصبيان لم يكن لذكرهم القصاص وجه ولا لاقتصار المحقق ومن تبعه على الجراح دون القتل معللين بأن أمر


1) وسائل الشيعة 29 : 235، الباب 2 من أبواب موجبات الضمان، ح 1.

2) راجع الهامش (5) من ص 512.

3) النهاية : 331.

4) الخلاف 6 : 270، المسألة 20.

5) شرائع الإسلام 4 : 114.

الدماء خطر معنى؛ لأنَّه من المعلوم أن عمد الصبي خطأ لا يوجب قوداً ولا قصاصاً ولا دماً ولا نفساً ولا طرفاً وإن كان مستند الحكم الإجماع محصلاً أو منقولاً؛ لعدم صحة الروايات بحيث يعتمد على مضمونها، فالإجماع منقول عن غير واحدٍ (1)على قبول شهادة الصبيان في الجراح إذا بلغوا عشراً.

وعن التقي أن القدر المجمع عليه قبول شهادتهم إذا بلغوا عشراً. ويؤخذ بأوّل كلامهم(2).

وفي غاية المرام: لا خلاف بينهم في قبول شهادتهم في الجملة، وإنما الخلاف في العبارات، فبعضهم قبلها في الجراح والقصاص، وهو المفيد (3)، وبعضهم في الجراح دون القصاص، وهو الشيخ (4)، وبعضهم اشترط الاجتماع على مباح، وبعضهم لم يشترطه، وبعضهم اشترط عدم الافتراق، ولم يشترطه بعضهم (5).

ثم إن الظاهر من الذين خصوا الحكم بالجراح هو الجرح الذي لم يترتب عليه القتل، وكذا أراد مَنْ أضاف الشجاج، وهو جرح الرأس إلى الجراح.

والأظهر الأخذ بما تجتمع به الروايات وكلمات الأصحاب من الإجماعات المحكية، فيؤخذ بالروايات ويقتل بالقتل كما تدلّ عليه روايات القتل(6)، وأن يكون بينهم كما تشعر به رواية طلحة (7)، فلا يدخل العمد من غيرهم كي يرتكب الخطر فى الدماء، ولا خطأ غيرهم كما هو ظاهر رواية طلحة (8)، وأن يبلغوا عشراً كما هو ظاهر رواية أبي أيوب(9)، وأن يؤخذ بأوّل كلامهم كما هو ظاهر رواية ابن حمران (10)، وأن لا يوجد غيرهم كما هو مضمون المكاتبة المتقدمة (11)،


1) الخلاف 6: 270 المسألة 20؛ غنية النزوع 1: 440 رياض المسائل 15: 230.

2) راجع الكافي في الفقه : 436 وحكاه عنه الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 4 : 286.

3) المقنعة : 727.

4) النهاية : 331.

5) غاية المرام 274 – 275.

6) وسائل الشيعة 27 : 343 - 344. الباب 22 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1 و 2 و 4.

7) راجع الهامش (5) من ص 512.

8) راجع الهامش (5) من ص 512.

9) راجع الهامش (7) من ص 512.

10) راجع الهامش (2) من ص 513.

11) راجع الهامش (3) من ص 513.

وأن لا يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهلهم كما في رواية طلحة (1)، كل ذلك جمعاً بين المطلق والمقيد. واقتصاراً فيما خالف الأصل على مورد اليقين؛ لضعف الأخبار من حيث الجملة، بل والاحتياط للأخذ في الأخبار الاقتصار على كون اجتماعهم على مباح كما ذكر المحقق (2)، بل وأن يكونوا عدولاً لولا الصغر، وأن يكونوا ضباطاً، وأن لا يعارض شهادتهم شاهد واحد عدل أو شهود فسقة ينفون ذلك عن علم بل ولا ظاهر بظنّ كذبهم فيه، ويؤخذ أيضاً بالإجماعات المحكية، فتقبل شهادتهم بالجراح وإن لم تصرح به الأخبار، سواء كان الجراح من بعضهم بعضاً أو من بالغ لبالغ أو لغيره، وبالجملة، سواء أثبتوا قصاصاً أو أثبتوا ديةً، كما هو مورد الإجماعات، ولكن تنزل الإجماعات على قبولها في الجراح على ما إذا لم تثبت قصاصاً في الجرح احتياطاً في الدماء أيضاً.

وعلى كل حال، فيشترط في قبولها في الجراح شرائط القتل؛ اقتصاراً على مورد اليقين حتّى الاجتماع على المباح ونحوه، احتياطاً في الخروج عن القواعد الشرعيّة في عدم قبول شهادة غير البالغ.

واشتراط باقي الشرائط من عدم العداوة وعدم العبودية وعدم كونه ولداً إشكال.

والأحوط اشتراط كونهم ثلاثةً، كما نُسب لبعضهم (3)، كما أن الأظهر اشتراط الإيمان والإسلام والتعدّد، وكلّ شرط للشهادة، بل لا يبعد اشتراط العدالة؛ لإمكانها من غير البالغ بالتمرين على فعل الطاعات وترك المعاصي.

ثانيها: عدم قبول شهادة غير الضابط كالخبل والمؤوف وشديد النسيان

ثانيها: لا تقبل شهادة غير الضابط كالخبل والمؤوف، وشديد النسيان، وكثير الغفلة والسهو، والمجنون حال إفاقته إذا لم تكن إفاقةً تامة، وكذا البله والعجائز والمشايخ إذا قلت فطنتهم. وإن كان الأمر من الأمور التي لا يسهو فيها الإنسان غالباً ولا تخفى على البله وعلى المغفلين، سمعت شهادتهم بعد تروّي الحاكم منهم وحصول ظنّه بالشهادة كما هو المراد، ولا يشترط القطع كما قد يتخيّل.


1) راجع الهامش (5) من ص 512.

2) شرائع الإسلام 4: 114.

3) لم نتحقّقه.

وقد ورد عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) [ في قوله: ] «ممّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ» (1)قَالَ: «مَنْ ترضون ينه وأمانته وصلاحه وعفته وتيقظه فيما يشهد به وتحصيله وتمييزه، فما كل صالح مميز، ولا كل مميز صالح» (2).

ويشترط هذا عند الأداء لا عند التحمّل، فلو تحمّل الشهادة مجنوناً وأمكن ذلك أو بلهاً أو كثير النسيان فأداها على وفق الشرط جاز.

خلافاً لما نُقل عن بعض، فاشترط التحمّل حال العقل والضبط (3).

وفيه ما لا يخفى.

ثالثها: في أنّ الإيمان بمعناه الخاصّ هو الإقرار بالاثني عشر (عَلَيهِم السَّلَامُ) واشتراط العدالة في الشهادة

ثالثها: الإيمان بمعناه الخاص، وهو الإقرار بالاثني عشر (عَلَيهِم السَّلَامُ).

ويدلّ عليه أنّ الشهادة خبر واحد مقبول على نحو خاص، فكلّ ما يشترط فيه يشترط فيها، ولا شكّ في اشتراط العدالة في قبوله وأيّ فسق أعظم من فسق العقيدة، مضافاً إلى ما جاء في اشتراطها في الشهادة خصوصاً، مضافاً إلى الإجماعات المحكية (4)، بل هي محصلة، مضافاً إلى ما ورد في «ممّن تَرْضَوْنَ) من الأوصاف الفاقد لها غير المؤمن، على أنَّه ليس ممّن يرضى، مضافاً إلى عدم انصراف (مِنْ رِجالِكُمْ) (5)إليه، بناءً على أن الخطاب للمشافهة وليس إلا المؤمنين يومئذ، مضافاً إلى عدم شمول ما دلّ على قبول شهادة المسلمين (6)لغير المؤمن؛ لانصراف المسلم إليه؛ لأنَّه المتبادر في لسان الأئمّة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، أو لأنّ غيره كافر، كما ذهب إليه جمع من الأصحاب (7)؛ لإطلاق لفظ الكافر عليهم، وكذا لفظ الناصب، ولما دلّ من الأخبار على أنّ مَنْ غير الاثني عشري كالكلاب الممطورة (8)، وما دلّ على لعن المخالفين والدعاء


1) البقرة (2) : 522.

2) وسائل الشيعة 27 : 399 الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 23.

3) کشف اللثام 10 : 272.

4) التنقيح الرائع 4 : 287؛ المهذب البارع 4 : 510 - 511: غاية المرام 4 : 275؛ مسالك الأفهام 14 : 160؛ مجمع الفائدة والبرهان 12 : 298.

5) البقرة (2) : 282.

6) وسائل الشيعة 27: 399 الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 22.

7) كما في رياض المسائل 15 : 238.

8) راجع بحار الأنوار 48 : 267.

عليهم (1)، وأنهم مجوس هذه الأمة (2)، وأنّهم أشرّ من اليهود والنصارى (3)، وأنهم كفار (4)، فإن لم يدخلوا في الكافر لفظاً فهم داخلون حكماً ؛ لمكان العصبية، ومن أظهر أحكام المشبه به عدم قبول الشهادة، وما جاء في الكتاب من الحكم بفسقهم وكفرهم، حيث قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّه فَأُولئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) (5)وقال: (الكافِرُونَ) (6)وظلمِهِم (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) (7)والاستشهاد به ركون إليه، وكذا قبولها، وما جاء عن عليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنَّه «لا يقبل شهادة فحاش ولا ذي مخزية في الدين» (8)وما ورد أن «مَنْ لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» (9)وفيه: «الجاهلية كفر ونفاق وضلال» (10)وما ورد في (مَنْ أَضَلُّ ممّن اتبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّه)(11)قال: «يعني من اتخذ دينه رأيه بغير إمام من أئمة الهدى» (12)إلى غير ذلك.

وعن الشهيد الثاني في المسالك: المناقشة في الاستدلال على عدم قبول شهادة المخالف بالفسق والظلم المانعين عن القبول، وذلك بمنع حصول الفسق من عدولهم في دينهم، وحصول الظلم منهم؛ لأنّ الفسق والظلم إنّما يتصف بهما مَنْ قدم على المعصية عالماً بها واتبع هواه معانداً للحق عارفاً به ومعرضاً عنه أو متصوّراً أن هناك حقاً وباطلاً فترك الحق ولم يظهر ما عنده عناداً وميلاً للدنيا أو لغير ذلك، وأمّا مَنْ سكنت نفسه لمعتقده


1) راجع وسائل الشيعة 6: 283 - 284، الباب 13 من أبواب القنوت.

2) مستدرك الوسائل 12 : 317، الباب 36 من أبواب الأمر والنهي، ح 24 و 18 : 185، الباب 8 من أبواب حدّ المرتد، ح 38 و 41.

3) وسائل الشيعة 1: 220، الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل، ح 5.

4) المصدر 28 : 343 و 351 و 352، الباب 10 من أبواب حدّ المرتد، ح 13، 38 و 43.

5) المائدة (5): 47.

6) المائدة (5) : 44.

7) هود (11) : 113.

8) وسائل الشيعة :27: 377 الباب 32 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

9) المصدر. 16 : 246، الباب 33 من أبواب الأمر والنهي، ح 23.

10) المصدر :28 : 353، الباب 10 من أبواب حدّ المرتد، ح 47.

11) القصص (28) : 50.

12) الكافي 1 : 374، باب فيمن دان اللّه عزّ وجلّ بغير إمام من اللّه عزّ وجلّ، ح 1.

اجتهاداً أو تقليداً لغيره أو من نظر فلم يصل إلى الحق فهو معذور وليس بفاسق ولا ظالم. وتقبل شهادته (1).

هذا حاصل كلامه مع تحرير بزيادة ونقصان.

وفيه أوّلاً: إنّا لو سلّمنا وقوع ذلك فلا نسلّم قبول شهادة المتصف بالخلاف؛ للأدلة الدالّة على ذلك، كما لا تُقبل شهادة الولد على الوالد.

وثانياً: لو سلّمنا معذوريّتهم في عدم العقاب لكن لا نسلم عدم تسميتهم فسقةً وظلمةً وكفرةً كالكفّار المعذورين، فيجري عليهم أحكام النجاسة وعدم قبول الشهادة وإن قلنا: لا يعذبون.

وثالثاً: لا نسلّم أنّ غير العالم بالمعصية لا يُسمّى فاسقاً ولا ظالماً إذا كان فسقه بالعقائد المخرجة عن الإسلام والإيمان وإن عذرناه في الآخرة.

نعم، ذلك يُسلّم في الجهل في الفروع، ففاعل الكبيرة جهلاً لا يُسمّى فاسقاً ولا ظالماً، بل يبقى على عدالته، وكذلك المخطئ في القطعيات في الفروع كالأخباري لا نحكم عليه بفسق، دون ما تعلّق بالأصول، وتشهد بذلك ظواهر الكتاب والسنّة.

ورابعاً: إنا نمنع وقوع مثل ذلك، بل ندعي أنّ كلّ مَنْ تفطن في أُصول الدين للحق والباطل وطلب الحق وصل إليه ؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (2)وإلا كان مقصراً وفسق وحقّت عليه اللعنة، وعلى ذلك جرت السيرة بلعن العلماء من أهل الخلاف مع العلم بفضلهم وبحثهم في أُصول الدين وتصنيفهم وتأليفهم، والأئمّة يلعنونهم ويتبرّئون منهم، ولا يتفاوت في ذلك بين المجتهد والمقلد بل ربما ندعي أنّ كلّ واحدٍ لا بدّ أن يتفطّن، ولا بد أن يوصله اللّه تعالى إلى الحق إذا لم يقصر ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) (3)، (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (4)، (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَها وَتَقُواها) (5)وحينئذٍ الكفّار بعدوا عن دار الإسلام أو قربوا لا بد أن تصل إليهم دعوة الإسلام، ولا بد أنَّه إذا وصلت إليهم


1) مسالك الأفهام 14: 160.

2) العنكبوت (29) : 69.

3) الإنسان (76) : 3.

4) البلد (90): 10.

5) الشمس (91) : 8.

وطلبوها أن يعرفوها إلا مَنْ قلّ عقله وضعفت بصيرته كالمستضعف، فإن أمره إلى ربه حينئذٍ، وفي هذا الأخير بحث.

قيل: ويمكن قبوله على مثله إذا اعتقد المشهود عليه صدقه وعدالته، فيكون من باب الإقرار بالحق (1).

رابعها من شرائط قبول الشهادة: الإسلام

رابعها: من شرط قبول الشهادة الإسلام، فلا تقبل شهادة الكافر لمثله على مثله، ولمثله على مسلم والمسلم على مثله على الأظهر الأشهر.

قيل : وتُقبل على مثله لمثله؛ للزوم الحرج والضيق، لعدم تيسر شهادة المؤمنين للكفار غالباً، بل والمسلم على مثله أيضاً؛ لذلك، ولكن يشترط عدالته عند المدّعى عليه فيكون كالإقرار بالحق (2).

وفيه نظر.

والحق: إن شهادة الكافر على المسلم غير مقبولةٍ مطلقاً؛ للأخبار الدالّة على عدم قبول شهادة جميع الملل على غير ملّتهم إلا المسلمين، فإنّهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم (3). [ و ] على أن شهادة المسلمين تجوز على جميع الملل ولا تجوز شهادة أهل الذّمة على المسلمين (4). ويدلّ عليه قوله تعالى: (ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (5)والإجماع محكي على ذلك (6)، بل محصل.

نعم، يستثنى من ذلك شهادة الذمّي، وهو اليهودي والنصراني القائم بشرائط الذّمة، أو مطلق أهل الكتاب.

وفي الأخبار: «أهل الكتاب» (7)وهو الكثير، وفي بعضها: «أهل الذّمة» (8)وفي بعضها:


1) مجمع الفائدة والبرهان 12 : 302.

2) النهاية : 334 مختلف الشيعة 8: 519، ضمن المسألة 87 نقلاً عن ابن الجنيد.

3) الحاوي الكبير 17 : 62.

4) وسائل الشيعة 27 : 386 الباب 38 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

5) الطلاق (65) : 2.

6) المهذب البارع 4 : 510.

7) وسائل الشيعة 19: 311 و 312، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 6 و 7، و 27 : 390، الباب 40 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2.

8) راجع الهامش (4).

«رجلين ذمّيّين من أهل الكتاب» (1)وحمل المطلق على المقيد يقضي باشتراط كونهما من أهل الذّمة.

ويلحق بهما المجوسي ؛ لقوله : «فإن لم يجد من أهل الكتاب فمن المجوس» (2)لقوله : «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (3)بشرط كونهم عدولاً في مذهبهم؛ اقتصاراً على الموضع اليقين، وقوله : «إذا كانا مرضيين عند أصحابهما» (4).

ويشترط التعدّد، فلا يكفي الواحد في ربع المشهود به ولا منضماً لليمين في الكل: اقتصاراً على موضع الوفاق.

ويدلّ على الحكمين قوله تعالى: (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) (5)فَإِنَّه كما يدلّ على التعدد يدلّ أيضاً السوق على أنّه ذوا عَدْلٍ من غيركم أيضاً، بناء على أن المراد بـ «من غيركم» أهل الكتاب، كما هو المشهور في تفسيرها فتوى وروايةً (6)، وأنها غير منسوخةٍ كما قيل (7)، وأنّ ما دلّ عليه ظاهرها من التخيير لا قائل به، وأنَّه لا يراد بـ «منكم» الأقارب، وبـ «من غيركم» الأجانب، كما يظهر من بعض آخر.

ويشترط أن تكون الشهادة بالوصيّة بالمال دون الوصاية، للتبادر من الأدلّة، ولفهم الفقهاء بعد لزوم الاقتصار على المتيقن، وأن تكون الوصيّة في مرض، كما يُفهم من قوله: ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ) (8)يعني بانت علامته، وأن يموت الموصي في ذلك المرض، وأن يكون الميّت مسلماً.

وهل يشترط أن يكون المشهود له مسلماً؛ لأنَّه مورد الأدلّة، أو لا يشترط؛ للأولوية في قبولها لو كانت على كافر مثله، بل لقبولها في غير الوصيّة أيضاً على قول، ولعموم رواية سماعة في سماع شهادتهم في الوصيّة، لأنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحدٍ (9)؟ وهذا أوجه.


1) وسائل الشيعة 19 : 312، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا. ح 7.

2) المصدر : 311. ح 6.

3) المصدر 27: 390 الباب 40 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2.

4) راجع الهامش (1).

5) المائدة (5): 106.

6) راجع الهامش (3).

7) راجع مجمع البيان 3 : 440.

8) المائدة (5): 106.

9) وسائل الشيعة 19 : 311، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 5.

وأن يكون الشاهدان ذكوراً، وأن يشهدهما المسلم الميّت فيذكرون استدعاءه، وأن لا يحضر عند المسلم عدول من المسلمين، فلو حضروا وشهدوا كانت الشهادة لهم، وإن حضروا وقالوا: ما شهدنا بطلت شهادة أهل الذّمة، وكذا لو قالوا: ما سمعنا.

وفي هذا الشرط كلام.

ولو حضر عدول لا تسمع شهادتهم لمانع، فلا يبعد قبول شهادة أهل الذّمة.

ولو حضر فسقة من المسلمين وشهدوا احتمل عدم قبول شهادة الجميع؛ لأن وجود المسلمين مانع، واحتمل قبول الفسقة من المسلمين؛ لأنهم أولى من أهل الذّمة، واحتمل قبول شهادة أهل الذّمة؛ لأن وجود الفسقة كعدمهم.

وفي الأخبار قبول شهادة أهل الذّمة إن لم يوجد مسلمون (1)من دون تقييد بالعدالة، وظاهرها تقديم المسلمين الفسقة.

وإبطال الشهادتين معاً يردّهما التعليل في بعض الروايات في قبول شهادة أهل الذّمة: «إنّه لا يصلح إذهاب حقّ امرئ مسلم، ولا تبطل وصيته» (2).

ومن ذلك يظهر أنَّه لو لم يوجد أهل الذّمة فوجد مسلمين فاسقين سمعت شهادتهما؛ لأولويتهما من أهل الذّمة في قبول الشهادة.

ومثله فاسق وذمّي، ولكن الظاهر اشتراط كون الفاسق متحرزاً عن الكذب متورّعاً في مقاله.

وأولى من ذلك لو وجد عدل وذمّي، مع احتمال انضمام اليمين إلى العدل؛ لمانعية وجود المسلم لشهادة الذمّي الواحد وعدم قبول العدل الواحد من غير يمين.

ولو وجد فأبى من تحمّل الشهادة لمانع أو كان سائراً لمكان بعيد بحيث لا يمكنه أداء الشهادة من بلد الميت، فالأظهر قبول شهادة الذمّيّ؛ لأنّ الظاهر من الأخبار في اشتراط عدم المسلم هو بحيث يمكنه أداء الشهادة ويمكنه تحملها.

وفي اشتراط السفر الشرعي أو العرفي وكونه في دار غربةٍ بناءً على أنهما سواء، أو اشتراطهما معاً بناءً على افتراقهما قولان.


1) وسائل الشيعة 19 : 309 الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) المصدر، ح 1.

فقيل بالاشتراط سيما السفر؛ لظاهر الآية (1)، وكثير من الروايات (2)، وأفتى به جمع (3).

والمشهور بل نقل الإجماع على عدم الاشتراط(4)؛ حملاً للآية والأخبار على الغالب من عدم وجود مسلم، فيلغى المفهوم لو انصرف القيد للغالب، مضافاً إلى مفهوم التعليل المتقدم (5). فإنّ ظاهره أنَّها علة لا حكمة.

قيل: ولا أقل من تعارض ما جاء من التقييد بالغربة (6).

وما جاء من التعليل أقوى؛ لتأيده بالشهرة والإجماع المنقول، على أن جملةً من الروايات مطلقة، بل لولا الإجماع لأفادت القبول في مطلق المال وغيره، ويؤيده لزوم المشقة لولا ذلك، ومفهوم التعليل.

والمراد في الأخبار وكلام الأصحاب بعدم وجود المسلمين عدمهم عند التحمّل، لا عند أداء الشهادة، ويُعرف ذلك بالقرائن وبأخبار أهل الذّمة، بل قد يستند للأصل في محلّ الشكّ في وجودهم ذمّيّين ومسلمين فمات المسلمان وأوصيا ففي قبول شهادة الذميين إشكال.

وفي قيام أربع من النساء من أهل الذّمة مقام رجلين وجه.

وفي اشتراط تحليفهم كما هو مذكور في الآية (7)وإن خلت عنه الرواية وكلام أكثر الأصحاب وجه، وهو الأحوط.

خامسها: في حكم شهادة الكفّار على بعضهم بعضاً لبعض أو للمسلمين

خامسها: شهادة الكفّار على بعضهم بعضاً لبعضهم أو للمسلمين فالمشهور عدم قبولها؛ لما عرفت من الفسق والظلم المنهي عن الركون لأهله (8)، سيما الحربي فقد نقل الإجماع على عدم قبول شهادته مطلقاً (9).


1) المائدة (5): 106.

2) وسائل الشيعة 19 : 310 - 313، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 4 و 6 - 8.

3) كالشيخ الطوسي في المبسوط 8: 187 والحلبي في الكافي في الفقه : 436 والإسكافي على ما في مختلف الشيعة 8: 519، ضمن المسألة 87.

4) رياض المسائل 15 : 241.

5) تقدّم في ص 522.

6) راجع رياض المسائل 15 : 242.

7) المائدة (5): 106.

8) هود (11) : 113.

9) رياض المسائل 15 : 238.

ونقل عن الشيخ في الخلاف قبول شهادة أهل كلّ ملّةٍ على أهل ملّتهم ولهم، وخص ذلك بأهل الذّمة، واشترط الترافع إلينا (1).

ونقل عن النهاية القبول (2)من دون تخصيص واشتراط، ويؤذن به قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «لا تقبل شهادة أهل الدين على غير دينهم إلا المسلمين» (3).

ويدلّ على ما في الخلاف رواية سماعة عن الصادق: عن شهادة أهل الذّمة، فقال: «لا تجوز إلا على أهل ملّتهم» (4). والظاهر أنَّه أراد في النهاية خصوص أهل الذّمة؛ للإجماع المنقول على عدم قبول شهادة غيرهم (5).

قيل: وهو قوي؛ إلزاماً لأهل كلّ ملّةٍ بما يعتقده (6).

ونسب الشيخ في الخلاف ذلك إلى أصحابنا (7).

ونُقل عن ابن الجنيد قبول شهادة كلّ ملّةٍ على ملّتهم وعلى غير ملّتهم لملتهم ولغيرها - وظاهره ما عدا الحربي، ويؤيّده الكفر ملة واحدة - ولكن اشترط العدالة (8).

ونقل عن الشيخ المنع من شهادة أهل الملة لغير ملّته وإن كان على غير ملّته فلا تقبل عليهم ولا لهم (9).

وقد يؤيد كلام ابن الجنيد إطلاق رواية الحلبي في شهادة أهل الذّمة على غير ملّتهم، قال: «نعم، إن لم يوجد من أهل ملّتهم» (10)[ ورواية الكناسي : في شهادة أهل الملل هل تجوز على رجل مسلم من غير أهل ملّتهم؟ ] (11)قال: «لا، إلا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم،


1) الخلاف 6 : 272 - 274، المسألة 22.

2) النهاية : 434.

3) راجع الهامش (3) من ص 520.

4) وسائل الشيعة 27 : 386، الباب 38 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2.

5) رياض المسائل 15 : 238.

6) كشف اللثام 10 : 273.

7) الخلاف 6: 273، المسألة 22.

8) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 519، ضمن المسألة 87.

9) الخلاف 6 : 272 - 274، المسألة 22.

10) وسائل الشيعة 27 : 389 – 390، الباب 40 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

11) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر وكما يقتضيه السياق.

فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصيّة» (1)إلّا أنّ ظاهرهما مخصوص بعدم الوجدان لغيرهم، والثانية مخصوصة بالوصيّة فلتُحمل أُولاهما عليها أيضاً.

واستقرب بعضهم الأخذ بظاهر الروايتين من حيث إنّ المشهود عليه حربي والشاهد ذمّي، ويلزمنا رعاية أهل الذّمة (2).

وفيه نظر ظاهر؛ لأنّ رعايتهم على أهل الحرب لا تقتضي إثبات الحكم عليهم بالحق بمجرد شهادتهم الممنوعة روايةً وشهرةً وإجماعاً في غير ما استثني.

بل الاستناد إلى إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم ضعيف؛ لأنّ قبول شهادتهم حكم من أحكامنا، ولا يجوز لنا أن نحكم عليهم ونقضي بما يحكمون به ويقضون بما هو عندهم صالح للقضاء؛ لأنَّه حكم بما لم ينزل اللّه تعالى، نعم، يجري عليهم أحكام ما حكم به علماؤهم وما هو جار في شرعهم، فنلزمهم بها، ونعاملهم على طبقها، كضعف ما يقال من لزوم المشقة في عدم قبول شهادة الكفار لبعضهم بعضاً، وذلك لارتفاع المشقة بإرجاعهم إلى حُكامهم وقضاتهم وعدم القضاء بينهم بشرعنا.

وأضعف من الجميع ما يقال: إن الشهود لو كانوا عدولاً عند الخصم ألزم بشهادتهم، وذلك لأنّ الإقرار بعد التهم لا يقضي بالإقرار بالحق، ونفس إقرار الخصم بعدالة الشهود لا يوجب حكم الحاكم بالحق في مجهول الحال عنده؛ لأنَّه غايته يكون مزكي واحداً لو كان عدلاً مسلماً، فكيف وهو غير مسلم، سلّمنا أن الإقرار بعدالة الشهود مجوّز لحكم الحاكم بالحق ولكن فيما لو لم يعلم الحاكم بفسقهم، والمفروض ها هنا معلوميّة فسقهم؛ لكفرهم.

سادسها: في بيان ما دلّ على اشتراط العدالة في الشهادة من الكتاب والسنّة

إشارة:

سادسها: من شرط الشهادة العدالة، وقد تقدّم الكلام فيها.

واشتراطها دلّ عليه الكتاب (3)والسنّة (4)والإجماع بقسميه (5)والاعتبار، يقدح فيها فعل الكبائر، وهي ما كانت كبيرة بنظر الشارع.


1) وسائل الشيعة 19 : 309 الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1.

2) کشف اللثام 10 : 273.

3) الطلاق (65) : 2.

4) وسائل الشيعة 27 : 391 وما بعدها، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات.

5) كشف اللثام 10 : 275.

ويكشف عنه فحاوى الأخبار، وتتبع السير والآثار، وما يظهر من مطاوي أحوال الوعاظ والخطباء يداً عن يد، وما يلوح من فتاوى المتشرعة، فإنّ الكبير والصغير من الذنوب لا يخفى على العبيد بالنسبة إلى مواليهم ولا على الأصدقاء بالنسبة إلى مخاليطهم.

والعدالة في اللغة: الاستواء الحسّي وعدم الانعواج ثمّ نقلت للاستقامة الدينية، كما يُسمّى ما بين البخل والسرف كرم، وما بين الجبن والتهوّر الشجاعة، ويُسمّى ما بين العصمة والفسق العدالة، فهي استقامة خاصة.

ولمّا كانت هذه الاستقامة لا تكون إلا عن ملكة فالعدالة الملكة الناشئة عنها تلك الاستقامة، كما هو المشهور في تعريفها، أو هي الاستقامه الناشئة عن الملكة.

وقد يناقش في لزوم تلك الاستقامة للملكة، ويكتفى في العدالة بظهور تلك الاستقامة فقط.

وأما ما يُذكر في تعريفها أنّها حسن الظاهر أو ظاهر الإسلام مع عدم ظهور ما يوجب الفسق فهو بعيد كل البعد إن أرادوا التعريف الحقيقي، وإن أرادوا الرسم ببيان أنهما طريقان المعرفة العدالة فهو حسن، وأولهما الأحسن.

وعلى كلّ حالٍ فللعدالة معنى شرعي غير ما هو في اللغة، ولم يف ببيانه الأخبار فعاد بمجمل، فما يشكّ في دخوله في مفهوم العدالة أدخلناه؛ لأنَّه يعود كالشك في الجزء العائد إلى الشكّ في الماهية، مثلاً: لو وقع الشكّ في دخول المروءة في مفهومها وعدمه أدخلناه فيه، بخلاف ما لو وقع الشكّ في دخولها في اشتراط قبول الشهادة وعدمه، فإنه يتمسك بإطلاق أدلّة الشهادة، وينفى الاشتراط بالأصل.

فالأظهر حينئذٍ دخول المروءة في مفهومها، مضافاً إلى فهم المشهور، وفهمهم في معاني الألفاظ يجب اتباعه، مضافاً إلى اعتبارها في الشهادة على المشهور، ومعه يضعف الظن بإطلاقات الشهادة، فلا يتمسك بها على نفيها، مضافاً إلى أنّ في بعض الأخبار ما يؤذن بدخولها في العدالة، كـ «مَنْ لا مروءة له لا دين له» (1)مضافاً إلى أنّ تركها كاشف غالباً عن قلة عقل أو عدم حياء أو عدم مبالاة واكتراث بالأُمور الخسيسة والأهوال الرديئة، وهو يلازم غالباً عدم المبالاة بالمعاصي وعدم الاكتراث بترك الطاعات، مضافاً إلى إشعار رواية ابن أبي يعفور


1) وسائل الشيعة 5: 13، الباب 5 من أبواب أحكام الملابس، ح 4.

ولها في العدالة، حيث إنّ فيها: «معروفاً بالستر والعفاف» وفيها: «ساتراً لعيوبه» (1)وفي أخبار أُخر أيضاً دلالة على ذلك (2)، ولا شكّ أنّ مَنْ لا مروءة له ليس بساتر لعيوبه ولا معروفاً بالستر.

ويشعر باشتراطها في الشهادة وإن لم تدخل في العدالة ما ورد من ردّ شهادة السائل بكفّه (3)وردّ شهادة الظنين (4)، وغير ذلك ممّا يعثر عليه المطلع.

بل قد يقال: إن العدالة منقولة شرعاً للاستقامة في جميع الأُمور النفسانية والعادية، فما خالف المروءة لا يُعدّ استقامةً عرفاً.

ولكنه بعيد؛ لخروج البخيل والجبان والمتهوّر وكثير الغضب والجرأة والجهل والكلام والضحك وقليل المعرفة بالأمور عن حدّ العدالة.

و على كلّ حالٍ فالمروءة إمّا شطر من العدالة أو شرط في قبول الشهادة.

وحد المروءة هو اتباع محاسن العادات واجتناب مساويها ممّا يؤذن بدناءة الهمة وخسة النفس وقلة الحياء وعدم المبالاة، وهي مختلفة باختلاف البلدان والأشخاص والأوقات والحالات والعلم والجهل.

والظاهر أن تركها بحكم الصغيرة، فالذي يخلّ بالعدالة منها الإكثار من نوع واحد أو من أنواع بحيث يُعدّ في العرف مكثراً؛ لإنبائها عما ذكرنا، فلو وقع أحياناً أو لأمر ضروري أو لغرض أُخروي أو وقع مستحي منه عازم على عدم عوده إليه، فلا بأس، مع احتمال أن حكمه حكم الكبيرة.

ويحتمل دوران أمرها مدار الإصرار وعدمه من حيث العزم على عدم العود وعدمه.

وهذا هو المعنى المعروف للمروءة ها هنا.

وربما ينبئ عنه كلام أهل اللغة من أنّها كمال الإنسانية والرجولية، وينبئ عنه الأخبار.

كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ عامل الناس فلم يظلمهم وحدّثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته» (5).


1) وسائل الشيعة 27 : 391 الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

2) المصدر : 396 - 397، ح 15 و 16.

3) المصدر : 382 - 383، الباب 35 من أبواب كتاب الشهادات.

4) المصدر : 379، الباب 32 من أبواب كتاب الشهادات، ح 8.

5) المصدر : 396، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات ح 15.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «المروءة إصلاح المعيشة» (1).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنها ستة، ثلاثة في الحضر: تلاوة القرآن وعمارة المساجد واتخاذ الإخوان، وثلاثة في السفر: بذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير المعاصي» (2).

وقوله: «ممن ترضون دينه و تمییزه» (3)، وكذا الآية (4)، فإنّ تارك المروءة لا يرضى ولا يرضى، إلى غير ذلك.

وجميع هذا ممّا يلازم أو ينبئ عمّا عليه الفقهاء؛ لأنّهم بين مَنْ عبّر بأنها هيئة نفسانية تحمل الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل الأفعال والعادات، ومنهم: بأنها الذي يصون صاحبها نفسه من الأدناس ولا يشينها بين الناس، والذي يتحرّز عمّا يسخر منه ويضحك به، ومنهم: إنّها تسير صاحبها بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه، ومنهم قريب إلى ما ذكرنا، وأهل مكة أدرى بشعابها، فاتّباعهم لازم.

وأما قدح الصغيرة في العدالة فمشروط بالإصرار، وبدون الإصرار لا تقدح، كما لا يقدح ترك المندوبات أجمع أو ترك صنفٍ منها، وكذا ارتكاب المكروهات أجمع والمداومة على ارتكاب صنفٍ منها إلا إذا أنبأ عن قلة المبالاة بالطاعات أو شدّة التكاسل والتهاون، فلا يبعد ذلك، ولكن على إشكال إن لم ينعقد إجماع على ذلك أو يبعث على عدم المبالاة في الدين وعدم الاعتناء بشريعة سيّد المرسلين.

ولا بأس بترك فرد من المندوبات أو ارتكاب فرد من المكروهات دائماً من غير إشكال.

وجعل ابن إدريس كل ذنبٍ مُخلّاً بالعدالة، ولم يفرّق فوقها كبيرة بالنسبة إلى ما تحتها إلى أن ينتهي إلى ما لا فوق له وهو الكفر إلى ما لا تحت له وربما لا يعرف (5).

وهو ضعيف؛ لعدم تحقق العدالة حينئذٍ من أو حدي الناس، فإن قال: إنَّها تتدارك بالتوبة، قلنا: هذا أقل وقوعاً من ذلك؛ لعدم انفكاك الإنسان غالباً عن الصغائر، فلا تتحقّق منه التوبة غالباً، والعزم على


1) وسائل الشيعة 11 : 435 الباب 49 من أبواب آداب السفر، ح 9.

2) المصدر : 436 - 437، ح 14.

3) المصدر 27 : 399 الباب 41 من كتاب الشهادات، ح 23.

4) البقرة (2) : 282.

5) السرائر 2 : 117 – 118.

عدم فعلها دائماً ممّا لا يمكن اعتقاده من المكلّف على أنّ التوبة تفتقر معرفتها إلى زمن طويل كي يعرف به إصلاح عمله، فلم يمكن حصول عدلٍ ؛ لأنَّه بين ذنبٍ وبين إصلاح العمل، فما يعلم الثاني حتّى يجيء الأول، مضافاً إلى أن الأقوى وقوع الصغائر مكفّرةً باجتناب الكبائر، فلا تفتقر إلى توبة. نعم، يبقى الكلام في الإصرار، وهو في اللغة: الدوام والثبات على الشيء ولزومه.

والظاهر أنَّه في العرف العام والعرف الشرعي عبارة عن الإكثار في الذنب من دون تخلّل توبة، أو مع تخلّلها ولكن بلغت في الكثرة حداً لا تُسمّى توبةً بحيث لم يزل يفعل ويتوب.

والظاهر أن الإكثار عرفي، فلا يتحقق بالثلاثة فقط.

ولا يتفاوت بين كون الإكثار من نوع واحد أو أنواع متعددة.

ومثل الإكثار أيضاً المداومة على فعل واحد يستمر على الأظهر.

ومثلهما على الأقوى فعل الصغيرة مع العزم على العود عليها، سيما لو تكررت مع ذلك العزم، أو فعل الصغيرة مع العزم على فعل الصغائر مطلقاً.

ويظهر من بعض الروايات أنَّه فعل الذنب مع عدم الاستغفار، كقوله : «الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر» (1)، ولكنه يلزم منه الحرج.

والمتيقن من الإصرار هو الإكثار مع العزم على العود وبدونه، وأما مع العزم على العدم والندم فتلك التوبة.

وكون الإصرار على الصغائر كبيرة يدلّ عليها الأخبار بل والإجماع والأصول والقواعد.

ففي الخبر: «لا صغيرة مع الإصرار» (2).

وفي آخر: «لا يقبل اللّه تعالى شيئاً من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه» (3).

وفي خبر جابر: «الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر اللّه ولا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار» (4). والظاهر أنّ المراد بترك الاستغفار والتوبة هو أن يعزم على الفعل ثانياً، لا مجرد عدم التوبة؛ للزوم العسر والحرج.


1) وسائل الشيعة 15 : 338 الباب 48 من أبواب جهاد النفس...،ح 4.

2) المصدر : 337 - 338، ح 3.

3) المصدر : 337، ح 1.

4) المصدر : 338. ح 4.

وفي آخر: «إنّ قليل الذنوب يجتمع حتّى يكون كثيراً» (1).

ولو صدر الإصرار من العدل بعد ثبوت عدالته أو صدرت منه الكبيرة، فإن تكثرا بحيث علم زوال الملكة منه كان حكمه حكم اختبار العدالة ابتداء.

وإن صدر منه ذلك مرّةً فالأظهر كفاية التوبة لاستصحاب الملكة، غاية ما في الباب أنَّه ارتفع حكمها بصدور الذنب، فإذا تعقبته التوبة زال حكم الذنب فعاد أثر العدالة سليماً عن المعارض.

ويحتمل زوال العدالة بالمرّة، فيحتاج إلى الاختبار والصحبة لإثبات الملكة كالابتداء.

والأوجه أنّه على هذا يكون الاختبار أقل من الاختبار في الابتداء؛ لسهولة عود الملكة لصاحبها، وصعوبة الابتداء.

وفي الخبر الوارد في القذف (2)ما يدلّ على قبول الشهادة بمجرد التوبة وعدم الافتقار إلى إصلاح العمل وطول الصحبة، ومثله أخبار أخر (3)، ومقتضاها أن التوبة بمجردها مقتض لقبول الشهادة حتّى لو قلنا: إنّ الكبيرة رافعة لنفس العدالة.

والحق أن يقال: إن صحيحة ابن أبي يعفور المشتملة على أن تراه كذا وكذا (4)، تدلّ على لزوم إصلاح العمل بعد الفسق حتّى أراه كما رأيته أوّلاً؛ لأنّ فسقه بالأثناء هدم الرؤية الأُولى.

وهنا أُمور:
أحدها: فيما إذا أدّت عقائد المخالف إلى الكفر ردّت شهادته

أحدها: المخالف في العقائد إن أدى خلافه إلى الكفر رُدّت شهادته؛ لمكان كفره ولو قلنا بإمكان معذوريته؛ لعدم تقصيره في نظره اجتهاداً أو تقليداً، وكذا إذا أدى إلى كونه مخالفاً غير اثني عشري، والعذر في الآخرة لا يلزم منه قبول شهادة الكافر والمخالف.

وكلّ مَنْ أنكر ضروريّاً وعلمنا من حاله أنّه أنكره مع ضروريّته عنده وكذا لو كان قطعياً عنده فأنكره لم تقبل شهادته بكفره حيث أنبأ عن نفس إنكار ما قطع به عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فهو منكر للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).


1) وسائل الشيعة 15 : 310، الباب 43 من أبواب جهاد النفس...،ح 2.

2) المصدر 27: 383 الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

3) المصدر : 383 - 384. ح 2 و 4 و 5.

4) المصدر : 391 الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

وإن أنكره وعلمنا أنّ إنكاره كان لشبهةٍ قُبلت شهادته ما لم يكن مؤدياً ذلك الإنكار إلى الكفر، كإنكار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو العدل أو التوحيد، فحينئذٍ مَنْ أنكر ضرورياً من الفروع لشبهة، كالصلاة أو الصوم أو عذاب القبر أو كون الصراط والميزان جسمين أو كون الثواب والعقاب كذلك وكان لشبهة لم يكفر ولا تُردّ شهادته، وكذا منكر القطعي لشبهة.

وقد يقال: إن إنكار الضروري بنفسه مكفّر بحسب الظاهر، فإن لم يكن مكفّراً فصاحبه غير مقبول الشهادة.

ولا يبعد ذلك سيما لو كان الإنكار لضروري من ضروريات العقائد، كادعاء التفويض للأئمة، ونسبة الخالقية والرازقية إليهم، ودعوى روحانية المعاد، ودعوى معنوية الجنّة والنار، ودعوى كون الواجب جسماً لا كالأجسام، ودعوى الجبر في أفعال العباد، ودعوى الرؤية بغير العين الباصرة، ودعوى الحلول، بل هذا هو الأقرب.

ومن أنكر الضروري أو القطعي ولم يعلم حاله أنّه هل كان لشبهة أم لا، فمنكر الضروري إن كان بين أظهر المسلمين حكم عليه بالكفر ظاهراً، وباطنه إلى اللّه تعالى، بخلاف منكر القطعي، فإنّه لا يُحكم عليه بالكفر ولا بالفسق ما لم يعلم أنَّه خالف ما هو قطعي عنده.

وعلى ما ذكرنا فمَنْ أنكر قطعيّاً عند غيره لا يجوز أن يفسقه ذلك ولا يردّ شهادته ولو كان ذلك القطعي ممّا يقطع به أكثر المتأخّرين كالإجماعات المعلومة والمتواترات المسلّمة.

نعم، لو عرف أن إنكاره كان لتقصير في النظر، حكم عليه بالفسق لتقصيره.

ومَنْ أطلق الحكم بردّ شهادة من خالف قطعياً إن أراد ما ذكرنا فهو، وإلا فغير مسلّم.

ثانيها: في أن القذف كبيرة من فاعله ومن شاهده ما لم يكونوا أربعة أو

ثانيها: القذف كبيرة من فاعله ومن شاهده ما لم يكونوا أربعةً أو بحكمهم ما لم يقرّ المقذوف أو تكمل الشهادة أربعاً، ويوجب الحدّ بدون ذلك، ولا تُقبل للقاذف شهادة أبداً. وأطلق اللّه تعالى لفظ الكاذب عليه (1)، وإذا تاب وأصلح قبلت شهادته؛ للآية (2)والأخبار (3)، بل والإجماع بقسميه (4)، إنما الكلام في معنى التوبة.


1) النور (24) : 13.

2) النور (24) : 5.

3) وسائل الشيعة 27 : 383 – 384، الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات.

4) رياض المسائل 15: 273.

ففي الأخبار أنَّها إكذاب نفسه مطلقاً كما في بعض (1)، أو عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في أخرى(2)، أو عند الإمام وعند المسلمين كما في ثالثة (3).

وقيل: هي عند مَنْ قذف عنده أو عند الحاكم الذي حده (4).

وقيل: هي الإجهار بها مطلقاً (5).

والأنسب بحسب الاعتبار ملاحظةً للستر والصون كونها عند من سمع القذف وعند الحاكم وأتباعه الذين تولوا حده.

وهل هذا هو معنى التوبة كما يظهر من بعض الأخبار(6)، بمعنى أن اللّه تعالى في هذا المقام جعلها بحكم التوبة، وسمّاها توبةً، فهي مجزئة في قبول الشهادة، بل ورافعة بحكم الذنب بحكم الشارع، أو أنَّها مجزئة في قبول الشهادة فقط، ولا بد لرفع الذنب من التوبة الحقيقية، أو أن هذا شرط في التوبة الحقيقية، أو شطر لها في رفع العقاب، أو شرط في قبول الشهادة، أو شطر فيه؟ وهذا هو الأوجه، فأُطلق عليها لفظ التوبة مبالغة، فيراد بالآية التوبة الحقيقية، وتكون الرواية مبينةً لشرطيّة الإكذاب، أو يراد بالآية التوبة الحقيقية، ويراد بالإصلاح هو إصلاح حال المقذوف، وهو تكذيب نفسه بالقذف، فتدل الآية (7)على اشتراط قبول الشهادة بكلا الأمرين: التوبة الحقيقية والتكذيب، وهذا الذي يظهر من كثير من الأخبار بأن الشرط في قبول شهادته أن يكذب نفسه ويتوب (8)، وظاهرها المغايرة وإرادة التوبة الحقيقية مع التكذيب، فتنطبق الرواية والآية معاً على اشتراطهما.

وعلى كلّ حالٍ فالظاهر أنّ الإكذاب ليس واجباً مستقلاً، بل هو شرط في قبول التوبة بالنسبة إلى قبول الشهادة كما يظهر من الأخبار، بل ربما ادعي عليه الإجماع، وكذلك التوبة


1) وسائل الشيعة 27 : 383 و 384 الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1 و 5.

2) المصدر : 384، ح 4.

3) المصدر : 385، الباب 37 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

4) إيضاح الفوائد 4: 424: التنقيح الرائع 4 : 294.

5) المبسوط 8 : 179.

6) راجع الهامش (3).

7) النور (24) : 5.

8) وسائل الشيعة 27 : 383 و 384 الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1 و 5.

الحقيقية لا بدّ منها؛ ضرورة أنّ أهل الكبائر إذا لم يتوبوا لم تُقبل لهم شهادة، والظاهر أنّه لذلك خلت الأخبار عن ذكر التوبة الحقيقية، فلا يجزئ الإكذاب عنها كما لا تجزئ هي عن الإكذاب.

ولا يشترط وقوع التوبة قبل الحدّ ولا بعد الحدّ وإن ورد في بعض الروايات ما ظاهره وقوع التوبة بعد الحدّ (1)، بل لو لم يقع حدّ كهذا الزمن أو حصل عفو من المقذوف فلا بأس.

ويظهر من الأخبار التزام صيغة «كذبت» ونحوها في التكذيب لنفسه صادقاً أو كاذباً. وفيه: إنَّه لو كان صادقاً فكيف يؤمن بالكذب فهي معصية أُخرى، وكأنه جاز لارتكاب أقل القبيحين من هتك ستر المسلم ومن ارتكاب الكذب، ويكون من باب مَنْ وجب عليه محرم يعاقب عليه باختياره.

وذكر جماعة (2)أنَّه يورّي بما يخرجه عن الكذب.

وفيه: إن التوبة بما يخالف الظاهر أيضاً كالكذب في الحرمة.

نعم، هي أقلّ قبحاً، وارتكاب أقلّ القبيحين لازم عند الدوران بينهما.

وذكر جماعة (3)أنّه لا بدّ من قوله عند وقوع سبب القذف: أخطأت وبئس ما فعلت وشبه ذلك، تحرّزاً من الكذب، ويورّي عن ذلك بتسمية اللّه تعالى كاذباً بقول مطلق.

ولو لم يوجد مَنْ يكذِّب نفسه عنده من المسلمين كفت توبته، فلو شهد بعد ذلك عند حاکم قال: إني قذفت امرأة وكذبتُ.

ولو منعه من التكذيب تقيّة أو نحوها، ففي بقاء لزوم ردّه إشكال.

وهل يشترط بعد التوبة إصلاح العمل ؟ كما هو فتوى كثير (4)لإطلاق قوله تعالى: (تابوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا) (5)ولأنّ الكبيرة لا يكفي فيها مجرد التوبة؛ لأنها مذهبة للعدالة، فعود العدالة يحتاج إلى إصلاح العمل بعد التوبة تتحقّق العدالة وعودها(6).


1) وسائل الشيعة :27: 384 الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

2) منهم المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 117؛ والشهيد الأوّل في الدروس الشرعيّة 2 : 126؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14: 173.

3) منهم العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 494 وفخر الدين في إيضاح الفوائد 4 : 423.

4) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 8: 179 وابن حمزة في الوسيلة 231 وابن إدريس الحلي في السرائر 2: 116.

5) النور (24) : 5.

6) كذا قوله : «تتحقّق العدالة وعودها». والظاهر أنّ هنا سقطاً في العبارة.

واختلفوا، فقيل: هو البقاء على التوبة والاستمرار عليها؛ لأن البقاء إصلاح للعمل (1).

وفيه: إنّ هذا أمر مقطوع به؛ لأنّ مَنْ لم يستمر على توبته عاد إلى فعله، إلا أن يراد ولو بنية الفعل مرّةً ثانية، بناءً على أنّ نية المعصية معصية، فتهدم توبته بنية العود، وهو بعيد.

وقيل: هو عمل طاعةٍ ولو في الجملة (2)للزوم تغاير التوبة للإصلاح، فيراد منه معنى زائد فيكفي وقوع مسمّى الطاعة، وتُحمل الأخبار المطلقة على ما قيدته الآية؛ للزوم حمل المطلق على المقيد.

أو لا يشترط؛ للأصل، ولإطلاق الأخبار أنَّه إذا تاب قبلت شهادته (3)، وأن على إمام المسلمين أن يقبل شهادته إذا فعل ذلك (4)، وأنَّه ليس يصيب أحداً حدّ ويقام عليه ثمّ يتوب إلا أُجيزت شهادته (5)، وأنّ التوبة تَجُبّ ما قبلها (6)، وأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له (7)، ولعدم صراحة الآية بزيادة على التوبة، والتكذيب لظهور الإصلاح فيه، أو أن الإصلاح معطوف عطف تفسير؛ لأنّ التوبة إصلاح، أو أنَّه تفسير لإرادة التكذيب من التوبة؟

وجهان، بل قولان أقربها اشتراط ظهور عمل صالح في الجملة واستدامته على الترك بحيث يفيدان بقاء الملكة أو عودها بعد فعل الكبيرة؛ لأنّ الفاعل لها مُذهب للعدالة أو حكمها.

وفي الثاني قوة، إلا أنّ الأوّل نستقربه في جميع الكبائر، ولا نخصصه في معصية القذف.

وبالجملة، فابتداء العدالة مفتقر إلى العلم بالملكة والاختبار، والفسق في أثنائها إن وقع كثيراً كان كذلك، وإن وقع قليلاً اكتفي بالتوبة وإصلاح العمل في الجملة، فلا يكفي مجهول الحال أو معلوم الفسق أن يقول : تُبتُ، بخلاف العدل بعد فسقه ومبنى الجرح والتعديل على الأوّل، فالجارح مثبت لفسقه، فلا تجديه لفظ التوبة.

وقد يقال: إذا تعارض الجرح والتعديل، كفى أن يقول المجروح: ثبت؛ لأن المعدل أثبت


1) شرائع الإسلام 4 : 117 قواعد الأحكام :3 494 مسالك الأفهام 14 : 175.

2) الخلاف 6 : 264، المسألة 13؛ الجامع للشرائع : 540.

3) وسائل الشيعة 27 : 384 الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات، ح 5.

4) المصدر : 385، الباب 37 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

5) المصدر : 384 الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

6) مستدرك الوسائل 12 : 129 الباب 86 من أبواب جهاد النفس....،ح 12.

7) وسائل الشيعة 16 : 74 و 75 الباب 86 من أبواب جهاد النفس، ح 8 و 14.

عدالة والجارح أثبت جرحاً، فلعله فَعَل الذنب بعد عدالته فيكفيه إظهار التوبة وإصلاح في العمل في الجملة ولو تسبيحاً واستغفاراً.

ثالثها: في ردّ شهادة اللاعب بآلات القمار مع العلم بتحريمها

ثالثها: تُردّ شهادة اللاعب بآلات القمار مع العلم بتحريمها المعدة عرفاً له، والتي تُسمّى لو لعب بها من آلاته، سواء قصد الحذق أو اللّهو أو القمار للأخبار الدالّة على ردّ شهادة اللاعب بها مطلقاً (1)، ولظاهر كلام الأصحاب، وللأخبار الدالّة على كون اللعب بها مطلقاً معصية (2)تفيد الإخلال بالعدالة، إلا مع القطع بأنها صغيرة تكفّر باجتناب الكبائر، بل ما شكّ في كونه صغيرةً أو كبيرةً يُحكم بكبرها؛ لكبر من عصي، إلا ما أخرجه الدليل، وحينئذٍ فلا يشترط في فسق فاعلها الإصرار والاستمرار، وحمل الأخبار الظاهرة في كونها كبيرةً على المبالغة خلاف الظاهر.

ولا فرق في الآلة بين الشطرنج والنرد والأربعة عشر - وهو الخشب المعمول فيه ثلاث أسطر حفر - والخاتم، وفي الأخبار لا فرق بين قصد القمار وبين عدمه.

رابعها: في ردّ شهادة شارب المسكر و لو مرّةً لغير ضرورة أو جهل

رابعها: شارب المسكر ولو مرّةً لغير ضرورة أو جهل مائعاً أو جامداً فاعل كبيرةٍ، وتُردّ شهادته، وكذا شارب العصير العنبي بعد غليانه قبل ذهاب ثلثيه دون الزبيبي والتمري، وكذا شارب الفقاع.

ويشتد الذنب بشرب ما يُسمّى خمراً.

واتخاذ الخمر للشرب حرام يفسق فاعله ولو قبل شربه في وجه قوي، إلا المتخذ للتخليل أو التداوي وشبههما.

خامسها: في فسق فاعل الغناء

خامسها: الغناء يفسق فاعله ولو مرّةً، سواء اجتمع مع الآلة المعدة له أو انفرد، وسواء كان شعراً أو قرآناً أو دعاءً أو تعزيةً ما لم يعلم تحريمه، وهو قول الزور، وهو لهو الحديث ولا يأمن فاعله من الفجيعة، وهو عش النفاق، ويفسق سامعه كذلك؛ للأخبار (3)والإجماع إذا قصد استماعه، وإن جلس في مجلسه ازداد فسقاً.

وهو عرفي، ويرجع فيه إلى أهل الاجتهاد عند خفاء العرف؛ لأنهم أعرف بمواقعه، وليس هو المقامات الموسيقية المعروفة، بل لا يكون منها، كما أنَّها قد لا تكون منه.


1) وسائل الشيعة 27 : 379 و 380 الباب 32 و 33 من أبواب كتاب الشهادات، ح 7 و 1.

2) المصدر 17 : 323 الباب 104 وما بعدها، من أبواب ما يكتسب به.

3) المصدر : 303 و 316، الباب 99 و 101 من أبواب ما يكتسب به.

والظاهر أنّ مدّ الصوت مداً زائداً أو ترجيعه كذلك منه، وكذا مده وتحسينه إذا لم يكن ترجيع منه، ولكن يشترط فيهما كونه من شأنه الإطراب وإن لم يطرب بالفعل.

والقول بأنه مجرد المد والترجيع أو مجرد التحسين أو الترجيع قوي.

وكذا لو اجتمع اثنان فصاحا دفعةً واحدة بحيث حدث منه غناء.

وما شكّ فيه ليس بغناء، والأصل البراءة، فالحداء ليس منه، والشجو الذي هو من هو من الأصوات المحزنة ليس منه.

وبالجملة، فهو صوت من شأنه إطراب النفس وتهييجها على الصور الحسان ومنادمة الجوار والغلمان وتذكّر معانقة المحبوب وانعطاف القلوب على القلوب.

سادسها: في حرمة الهجاء لمؤمن خاصّ أو لصنف من المؤمنين في شعر أو غيره

سادسها: الهجاء لمؤمن خاصّ أو لصنفٍ من المؤمنين حرام في شعر أو غيره؛ لاشتماله على الغيبة وهتك الحرمة وإيذاء المؤمنين وإشاعة الفاحشة.

والأظهر إنّه في خصوص الشعر كبيرة يفسق فاعله.

ويحرم من الشعر ما تضمن كذباً ما لم تكن عليه قرائن المبالغة أو قرائن المدح كذباً، وفي كونه كبيرةً إشكال.

ويحرم منه أيضاً ما تضمن تشبيباً بامرأةٍ معينةٍ أجنبية أو غلام؛ لما فيه من إغراء الفسقة، وفي كونه كبيرة إشكال أيضاً.

ولا بأس بالتشبيب بامرأة غير معروفة أو غلام كذلك أو امرأة ما لم يؤد إلى سقوط المروءة. والأحوط ترك جميع ذلك.

ويندب هجاء المخالفين شعراً وغيره، ويكره الإكثار من مباح الشعر.

سابعها: في فسق ضارب العود و الصنج و الزمر و القصب و الطبل والدفّ

سابعها: يفسق ضارب العود والصنج والزمر والقصب والطبل والدف وكلّ هذه الآلات المعدة للهو عرفاً، سواء كانت قديمة أو حادثة، وهي كبيرة على الأظهر من الأخبار وكلام الأصحاب.

واستثنى جمع من الفقهاء (1)الدفَّ في الإملاك والختان خاصة؛ للخبرين الدالين على جوازهما في النكاح (2).


1) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 6: 307 المسألة :55 والمبسوط :8 224 والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 4 : 117؛ والشهيد في الدروس الشرعيّة 2 : 126.

2) سنن ابن ماجة 1 : 611، ح 1895 و 1899؛ الجامع الصحيح 3 : 398 - 399، ح 1088 و 1089.

والأقوى التحريم؛ لعدم قابليّة ذلك لتخصيص عمومات الكتاب والسنّة، كيف، وإذا ميّز الحق من الباطل كان الدق من الباطل.

ثامنها : في حرمة لبس الحرير الخالص وفسق فاعله عند الإصرار

ثامنها: يحرم لبس الحرير الخالص بما يُسمّى لُبْساً عرفاً، ويفسق فاعله عند الإصرار، وفي كونه كبيرة بحث.

وكذا لبس الذهب والمذهب من ثوب أو خاتم، ولا بأس بلبسهما اضطراراً.

ويجوز لبس الحرير في حالة الحرب.

تاسعها: في حرمة الحسد، وهو تمنّي زوال النعمة عن الغير

تاسعها: الحسد، وهو تمنّي زوال النعمة عن الغير مؤمناً وغير مؤمن، وفي الكافر إشكال.

وتمنّي مثله غبطة لا بأس بها.

وحبّ ذلك والتلذذ سواء تمنى عودها إليه أم لا حرام، ولكنّه إن لم يظهر له أثر حرام قلبي.

والظاهر إنّه صغيرة، فإذا استمر عليه عاد كبيرة.

وقد يقال: إنّه مع عدم ظهور أثره حرام معفو عنه، ولا يترتب على الإصرار عليه شيء.

وإن ظهر أثره بفعل أو قول كان كبيرة، سواء وقع ضرره أم دفعه اللّه تعالى.

وبالجملة، فالظاهر في الحسد رافع للعدالة.

وكذا بغض المؤمن والحقد عليه وكذا التكبّر، بل لا يبعد أنّ التكبّر بمجرده كبيرة موبقة.

والعجب والافتخار لو استمر الشخص عليهما فسق على الأظهر.

عاشرها: في أن اللعب بالحمام و القمار به كبيرة يفسق فاعله

عاشرها: اللعب بالحمام والقمار به كبيرة يفسق،فاعله واتخاذه لإرسال الرسل وإنفاذ الكتب أو للأُنس لا بأس به، وليس الحمام من آلات اللّهو.

وكذا اللعب بكل حيوان من قرد أو دب إن كان قماراً حرم، وإن كان لهواً فلا يبعد لزوم تجنبه.

ولا بأس إن اتخذت للفرجة والتطيير، إلا إذا كان ذلك سبباً في اجتماع الناس، فقد يخلّ بالعدالة لغير أربابها وكذا لأربابها لو استلزم خفّةٌ وطرباً وصعوداً ونزولاً وتسلّطاً على الناس ونحو ذلك.

والأحوط تجنّبها، لذلك؛ لفتوى ابن إدريس بالحرمة بل حرمة كلّ لعب (1).

ولكن في تحريم كلّ ما يُسمّى لعباً كلام وإن دلّ على ذمّه الكتاب والسنّة.


1) السرائر 2 : 124.

نعم، ما أعد فعله للعب كالرقص والصفق ودق الأصابع حرم، وربما يكون كبيرة، وربما ينافي مع ذلك المروءة.

سابعها: اشتراط طهارة المولد في الشهادة

سابعها: يشترط في الشهادة طهارة المولد فلا تقبل شهادة ولد الزني؛ للإجماعات المنقولة (1)والأخبار (2)، وأدخله جماعة (3)في صنف الكفّار المخلّدين في النار، وجعل إيمانه مستودعاً لا بد من انقلابه كفراً، أو مستور اتفاقاً، وفي الأخبار: «إنّه شر الثلاثة» (4)فلا يبقى ظن بعد الأخبار وكلام الأصحاب في دخوله تحت إطلاقات الشهادة وعموماتها قطعاً، سواء في ذلك الشيء الدون أو غيره.

وما ورد في الخبر من قبولها في الشيء اليسير(5)ضعيف وإن أفتى به في الوسيلة (6)، فحمله على إرادة ما لا يتموّل فلا تكون شهادةً أوجه، وذلك لأنّ كلّ شيءٍ فهو أدون من غيره إلى أن ينتهي إلى ما لا يتموّل.

والحق: إن عدم قبول شهادة ولد الزنى من قبيل التعبد لا للحكم عليه بكفر في الحال ولا في المآل؛ لما نراه بديهةً من نسكه وتقواه.

ثامنها : العدالة قبل ثبوتها مفتقرة إلى خلطة وصحبة يُعرف بهما ثبوت الملكة

إشارة:

ثامنها: العدالة قبل ثبوتها مفتقرة إلى خلطةٍ وصحبةٍ يُعرف بهما ثبوت الملكة، ولا يكفي في ثبوت العدالة مجرّد التوبة من الشاهد لو كان فاسقاً أو مجهول الحال، وإلا لقلت فائدة الجرح والتعديل، ولاكتفى الحاكم بمجرد التوبة.

وأما بعد ثبوتها فالأظهر الاكتفاء فيها بمجرد التوبة، وعلى ذلك تحمل الأخبار الدالّة على أن التائب تُقبل شهادته (7).


1) الانتصار : 501 المسألة 275 الخلاف 6: 309 المسألة 57؛ غنية النزوع 1: 440.

2) وسائل الشيعة 27 : 374 - 377، الباب 31 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1، 3، 4، 6، 8 و 9.

3) منهم ابن إدريس الحلّي في السرائر 2 : 122.

4) علل الشرائع 2 : 286 (الباب (363) ح 2؛ سنن أبي داود 4 : 29، ح 3963؛ المعجم الكبير، الطبراني 10: 285، ح 10674.

5) وسائل الشيعة 27 : 376 الباب 31 من أبواب كتاب الشهادات، ح 5.

6) الوسيلة : 230.

7) وسائل الشيعة 27 : 383 و 386 الباب 36 و 37 من أبواب كتاب الشهادات.

وهل يشترط مع التوبة إصلاح العمل؟ الأقرب لزوم ذلك في الجملة بحيث يعرف منه صدق التوبة. ولا ينافي ذلك إطلاق أخبار قبول الشهادة مع التوبة؛ لأن المراد بها التوبة الصادقة.

وأيضاً بعد ثبوت العدالة لو صدر فعل شُكّ في كونه ذنباً أم لا حكم بعدمه.

ولو صدر ذنب شُكّ في كونه كبيرة أو صغيرةً حُكم بكونه صغيرةً؛ لأصالة بقاء العدالة، لا لأصالة عدم الكبيرة؛ لبطلان إجراء أصل العدم في أحد الفردين دون الآخر، مع احتمال ذلك لترتب أحكام على الكبيرة كلّها منفية بالأصل.

وكذا لو شكّ في أنّ الطارئ بعد ثبوت العدالة هل هو صغيرة أو كبيرة؛ لعدم معلومية حكمه في نظر الشارع، فالأظهر أيضاً : إنّه يُحكم باستصحاب العدالة، ويكون كالشك في قدح العارض.

أما لو وقع الشكّ ابتداء في تحقق العدالة وصدق العدل؛ للشكّ في اختلالها بذنب مشكوك في كونه صغيرة أو كبيرةً، فالأظهر إنّه لا يُحكم بالعدالة إلا باجتنابه؛ لأنّ العدالة كالمجمل بالنظر إلى دخول اجتناب الكبائر في مفهومها، فلو شُكّ في وصف الذنب يُشكّ في تحقق الماهية؛ لأنّ الشكّ في الجزء الذي تتقوم به الماهيّة، إلا أن يقال بمعلومية الكبائر شرعاً، أو يقال بتركبها من المعلوم وأصالة عدم المجهول، ودونهما خرط القتاد، فإذا تحقق ذلك ظهر أن ما جاء في الأخبار من بيان أن كذا ذنب وكذا ذنب من دون تعريف بأنه صغيرة أو كبيرة يُحكم بكونه كبيرة، ويوجب الاستغفار، ولا يُحكم بكونه يقع مكفّراً باجتناب الكبائر من دون استغفار، إلا أن يعرف من لسان الشارع أو المتشرّعة أو السيرة القاطعة أنَّه ممّا يعامل معاملة الصغائر دون الكبائر.

في بيان ذنوب يقضي الاحتياط بعدم الحكم بعدالة فاعل أكثرها

وقد ذكر في الأخبار جملة من الذنوب ينبغى التأمل فيها، والاحتياط يقضي بعدم الحكم بعدالة فاعل أكثرها، كما أن الاحتياط يقضي بتجنّب كلّها وإن كان فيها ما لا يقطع بحرمته، بل ربما يدعى أن السيرة على إباحته، بل السيرة على عدالة فاعل كثير منها ولكن يريدها الشارع ندباً وكمالاً للنفس وتهذيباً للأخلاق.

والذي ذكر فيها أُمور:

منها: بغض المؤمن، والظاهر أنَّه لو كان لعلّة دنيوية، فلو بغضه لإيمانه خرج عن سمت الإيمان، ولو بغضه لمعصية كان طاعةً، كما لو أحبّ الفاسق لإيمانه وبغضه لعصيانه.

والبغض عرفية معروف، والظاهر أنَّه كراهة الشخص والاستثقال منه بحيث يتألم من وصول الخير إليه ويفرح بوصول الشر إليه، وأما الاستثقال من شخص لرداءة خُلقه وعدم حسن طبعه أو لأنَّه يقرب عند إرادة البعد ويريد الجلوس عند إرادة القيام ويطيل الجلوس لصاحبه عند إرادة الانفراد فليس من البغض، ولكن الخلق الكريم معه والحال هذه أجمل.

ومثل البغض العداوة.

وما ورد من ذمّ هجر المؤمن وقطيعته (1)، ومن أنّه «لا يفترق رجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربما استوجب كلاهما» (2)و «أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان إلا كانا خارجين عن الإسلام» (3)ومن ذمّ ضرب الحجاب بينه وبينه، كما ورد «أيما مؤمن كان بينه وبين مؤمن حجاب ضرب اللّه بينه وبين الجنة سبعين الجنة سبعين ألف سور غلظ كل سور مسيرة ألف عام ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام»(4)، وفي آخر: «أيما مسلم أتى مسلماً زائراً أو طالب حاجة فاستأذن عليه فلم يأذن له ولم يخرج إليه لم يزل في لعنة اللّه حتّى يلتقيا» (5)كلّه محمول على هجران القطيعة وعدم الاعتناء بشأنه، واستصغاره واحتقاره، أو هجران البغض والعداوة.

ومنها: «إنّ مَن استعان بأخيه بحاجةٍ فلم يُعنه وهو يقدر ابتلاه اللّه بأن يقضي حوائج أعدائنا فيعد به اللّه تعالى عليها» (6).

ومنها: «مَنْ قصده مؤمن فلم يجره وهو قادر فقد قطع ولاية اللّه تعالى» (7).

ومنها: «مَنْ مَنَع مؤمناً ما عنده أو ما عند غيره أقامه اللّه تعالى يوم القيامة مسوداً وجهه مزرقة عيناه مغلولة يداه إلى عنقه» (8).


1) وسائل الشيعة 12 : 260 وما بعدها، الباب 144 من أبواب أحكام العشرة.

2) المصدر : 261، ح 3.

3) المصدر : 262، ح 5.

4) المصدر : 230، الباب 130 من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

5) المصدر : 229، ح 1.

6) المصدر 16 : 385، الباب 37 من أبواب فعل المعروف، ح 3.

7) المصدر : 386، ح 5.

8) المصدر : 387 - 388. الباب 39 من أبواب فعل المعروف، ح 1.

ومنها: «مَنْ مَنع مؤمناً داره لا يسكن جناني» (1).

ومنها: «مَنْ نظر إلى مؤمن نظرةً ليخيفه بها أخافه اللّه عزّ وجلّ يوم لا ظل إلا ظله» (2)و «مَنْ روّع مؤمناً من سلطان ليصيبه منه مكروه فلم يصبه فهو في النار، وإن أصابه فهو مع فرعون وآل فرعون» (3)و «مَنْ أعان على مؤمن بشطر كلمةٍ لقي اللّه يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمتي» (4).

ومنها: «حُرّمت الجنّة على الفتاتين المشائين بنميمة» (5).

ومنها: «إذاعة سرّ المؤمن بمنزلة العورة، وعورة المؤمن على المؤمن حرام» (6)و «مَنْ روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس أخرجه اللّه من ولايته إلى ولاية الشيطان» (7).

ومنها: «مَنْ أرضى سلطاناً بسخط اللّه خرج من دين اللّه» (8)و «مَنْ حاول أمراً بمعصية اللّه كان أفوت لما يرجو وأسرع لمجيء ما يحذر» (9).

ومنها: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقوم مكان ريبة» (10).

ومنها: «لا تقعدن في مجلس يعاب فيه إمام أو ينتقص فيه مؤمن» (11)و «مَنْ قعد عند سباب لأولياء اللّه فقد عصى اللّه» (12).


1) وسائل الشيعة 16 : 388 الباب 39 من أبواب فعل المعروف، ح 3.

2) المصدر 12 : 303 الباب 162 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

3) المصدر، ح 2.

4) المصدر : 305. الباب 163 من أبواب أحكام العشرة، ح 4. وفيه: «المؤمن» بدل «مؤمن».

5) المصدر : 306. الباب 164 من أبواب أحكام العشرة، ح 2.

6) المصدر 2 : 37، الباب 8 من أبواب آداب الحمام، ح 2 و 12 : 294، الباب 157 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

7) المصدر 12 : 294، الباب 157 من أبواب أحكام العشرة، ح 2.

8) المصدر 16: 153، الباب 11 من أبواب الأمر والنهي، ح 4.

9) المصدر، ح 3.

10) المصدر : 262، الباب 38 من أبواب الأمر والنهي، ح 9.

11) المصدر : 261، ح 7.

12) المصدر : 260، ح 2.

ومنها: «القاطع رحمه ملعون في كتاب اللّه تعالى في ثلاث مواضع، قال: (وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّه)(1)قال: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّه بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرضِ (أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) (2)والثالثة: أُولئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) (3)» (4).

ومنها: «عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له» (5)، (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللّه أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) (6)و «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد» (7).

ومنها: «أيّما رجل من أصحابنا استعان به رجل من إخوانه في حاجةٍ فلم يبالغ فيها بكل جهده فقد خان اللّه ورسوله والمؤمنين من أمير المؤمنين إلى آخرهم» (8).

ومنها: «لا تبدي الشماتة لأخيك فيرحمه اللّه ويصيّرها بك» (9).

ومنها: «مَنْ شمت بمصيبةٍ نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتّى يفتتن» (10).

ومنها: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه» (11).

ومنها: «إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان في قلبه كما ينمات الملح في الماء» (12).

ومنها: «مَنْ عيّر مؤمناً بذنب لم يمت حتّى يركبه» (13)و «مَنْ لقي أخاه بما يؤذِّبه أنّبه اللّه في الدنيا والآخرة» (14).


1) سورة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (47) : 22 و 23.

2) الرعد (13) : 25.

3) البقرة (2) : 27.

4) وسائل الشيعة 12 : 32 - 33 الباب 17 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

5) المصدر : 165، الباب 109 من أبواب أحكام العشرة، ح 3.

6) الصف (61) : 3.

7) وسائل الشيعة 12 : 165 الباب 109 من أبواب أحكام العشرة، ح 2.

8) المصدر 16 : 383، الباب 36 من أبواب فعل المعروف، ح 3.

9) المصدر 3: 266، الباب 78 من أبواب الدفن، ح 1.

10) المصدر ذيل الحديث 1.

11) المصدر 12 : 280 - 281، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 9.

12) المصدر : 207 الباب 122 من أبواب أحكام العشرة، ح 10.

13) المصدر : 276 - 277، الباب 151 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

14) المصدر : 277، ح 4.

ومنها: ما ورد في الغيبة والبهتان، وهو كثير كتاباً (1)وسنّة (2)، والبهتان نسبة العيب إلى مَنْ ليس فيه.

ومنها: «مَنْ تتبع عشرات المسلمين تتبع اللّه عثراته، ومَنْ تتبع اللّه عثراته يفضحه» (3).

ومنها: «ليأذن بحرب مني من أذى عبدي المؤمن، وليأ من غضبي من أكرم عبدي المؤمن» (4).

ومنها: «كفر بالله مَنْ تبرأ من نسب وإن دق» (5).

ومنها: عقوق الوالدين وترك صلة الرحم، ويكفي فيهما الكتاب (6)وتواتر السنة (7).

ومنها: «بئس الشخص ذو وجهين وذو لسانين يطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً، إن أُعطي حسده، وإن ابتلي خذله» (8).

ومنها: الكذب، وعلى تحريمه الكتاب (9)والسنّة (10)، ومنه صغيرة، ومنه كبيرة، سيما الكذب على اللّه ورسوله وسيما البهتان.

ومنها: «المكر والغدر والخديعة في النار» (11).

ومنها: «احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم، فليس بشيءٍ أعدى للرجال من اتباع أهوائهم» (12)و «اتباع الهوى يصدّ عن الحق» (13).


1) النور (24) : 16: الحجرات (49) : 12؛ الممتحنة (60) : 12.

2) وسائل الشيعة 12 : 278 و 287، الباب 152 و 153 من أبواب أحكام العشرة.

3) الكافي 2 : 355 باب من طلب عثرات المؤمنين...،ح 4.

4) وسائل الشيعة 12 : 264، الباب 145 من أبواب أحكام العشرة، ح 1 و 269، الباب 147 من تلك الأبواب، ح 1.

5) المصدر 21: 506 - 507. الباب 107 من أبواب أحكام الأولاد، ح 1.

6) الإسراء (17) : 23 سورة محمد (47) : 22.

7) وسائل الشيعة 12 : 273، الباب 149 من أبواب أحكام العشرة ؛ و 15 : 318، الباب 46 من أبواب جهاد النفس...؛ و 21 : 492. الباب 95 من أبواب أحكام الأولاد.

8) المصدر 12 : 257، الباب 143 من أبواب أحكام العشرة، ح 2.

9) آل عمران (3) : 61 و 137؛ الطور (52) : 11.

10) وسائل الشيعة 12: 243 و 247 و 250، الأبواب 138 - 140 من أبواب أحكام العشرة.

11) المصدر : 241 - 242، الباب 137 من أبواب أحكام العشرة، ح 1 و 2 و 5.

12) المصدر 16: 57 الباب 81 من أبواب جهاد النفس....،ح 1.

13) المصدر : 58، ح 2.

ومنها: «طول الأمل يُنسى الآخرة» (1).

ومنها: الظلم، وفي الكتاب (2)والسنّة (3)المتواترة ما فيه كفاية.

والأقوى إنَّه فيه صغيرة وكبيرة.

وكذا غصب أموال الناس.

والأحوط جعله كلّه كبيرة.

ومنها: الفخر والكبر، وفي الخبر: «عجباً للمتكبّر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثمّ هو غداً جيفة» (4).

والتكبر كبيرة إذا كان حقيقةً، وإن كان احتشاماً وورعاً ووقاراً أو عزة نفس فلا بأس.

ومنها: «البغي يقود أصحابه إلى النار» (5).

ومنها: «مَنْ خاف الناس لسانه فهو في النار» (6)و «شر الناس يوم القيامة مَنْ يكرمونه اتقاء شره» (7).

ومنها: فيمن يتسابان: «للبادئ منهما وزره ووزر صاحبه» (8).

ومنها: «سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلّ العسل» (9).

وفي آخر: «يفسد الإيمان» (10).

ومنها: «يخرج الطمع الرجل عن الإيمان» (11)و «الخير كله في قطع الطمع عمّا في أيدي الناس» (12).


1) وسائل الشيعة 16 : 58 الباب 81 من أبواب جهاد النفس...،ح 2.

2) هود (11) : 113؛ النحل :(16) : 85 الكهف (18): 59؛ الشعراء (26) : 227.

3) وسائل الشيعة 16 : 46 وما بعدها، الباب 77 من أبواب جهاد النفس... .

4) المصدر : 42 الباب 75 من أبواب جهاد النفس....،ح 1.

5) المصدر : 38 الباب 74 من أبواب جهاد النفس...،ح 1.

6) المصدر : 31، الباب 70 من أبواب جهاد النفس....،ح 9.

7) المصدر، ح 8.

8) المصدر : 29، ح 1.

9) المصدر : 27، الباب 69 من أبواب جهاد النفس...،ح 1.

10) المصدر، ح 3.

11) المصدر : 24 الباب 67 من أبواب جهاد النفس...،ح 4.

12) المصدر، ح 3.

ومنها: «رأس كل خطيئة حب الدنيا» (1).

ومنها: حبّ الجاه (2).

ومنها: «مَنْ تعصب خلع رقبة الإيمان من عنقه» (3).

والمراد العصبية لغير الدين، وفي غير ما لا يرضى اللّه كنصرة المظلوم على الظالم والضعيف على القوي.

ومنها: «الغضب لغير اللّه يفسد الإيمان» (4)و «الغضب مفتاح كلّ شر» (5)و «مَنْ كفّ غضبه ستر اللّه عورته» (6)وقال اللّه تعالى: «اذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي» (7).

ومنها: «اتق شحناء الرجال وعداوتهم» (8).

ومنها: الخصومة والجدال (9).

ومنها: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (10).

ومنها: حبّ الرئاسة «مَنْ طلب الرئاسة هلك» (11)والأخبار كثيرة (12).

ومنها: الرياء وتحريمه كتاباً (13)وسنّة (14).

ومنها: السمعة (15)، وهو كالرياء، وكلاهما شرك خفي.


1) وسائل الشيعة 16 : 8 - 9 الباب 61 من أبواب جهاد النفس...،ح 2 و 4.

2) المصدر 15: 350 وما بعدها، الباب 50 من أبواب جهاد النفس... .

3) المصدر : 370 و 373 الباب 57 من أبواب جهاد النفس...،ح 1 و 8.

4) المصدر : 358، الباب 53 من أبواب جهاد النفس...،ح 2.

5) المصدر : 358 و 362، ح 3 و 16.

6) المصدر : 360 و 362. ح 9 و 18.

7) المصدر : 364. الباب 54 من أبواب جهاد النفس...،ح 3.

8) المصدر 12 : 238، الباب 136 من أبواب أحكام العشرة، ح 1.

9) المصدر : 236، الباب 135 من أبواب أحكام العشرة؛ و 27 : 44 الباب 6 من أبواب صفات القاضي...،ح 20.

10) المصدر 16: 117 وما بعدها، الباب 1 من أبواب الأمر والنهي.

11) المصدر 15 : 350، الباب 50 من أبواب جهاد النفس....،ح 1 – 3.

12) المصدر 15 : 350، الباب 50 من أبواب جهاد النفس....،ح 1 – 3.

13) الماعون (70) : 6.

14) وسائل الشيعة 1 : 64 و 70 الباب 11 و 12 من أبواب مقدمة العبادات.

15) وسائل الشيعة 1 : 64 و 70 الباب 11 و 12 من أبواب مقدمة العبادات.

ومنها: التحكر، وأخبارها كثيرة (1).

ومنها: التدليس (2).

ومنها: ترك النصيحة عند الاستشارة (3).

ومنها: الحيلة والمكر في الأُمور (4)، ما لم يكن مكراً محللاً وحيلة حسنة.

ومنها: النفاق (5).

ومنها: الجدال والمراء (6).

إلى غير ذلك ممّا ذكر في علم الأخلاق.

وجملة ممّا ذكر ليس من المحرّمات، لكنّها تجرّ إليها؛ لأنها تكدر القلب فيكون قابلاً للمعصية، وتركها ينوّره فيقرب إلى الطاعة، فتأمل.

تاسعها: يشترط في قبول الشهادة أن لا يجر الشاهد نفعاً بشهادته

تاسعها: يشترط في قبول الشهادة أن لا يجر الشاهد نفعاً بشهادته، فمتى جرت شهادته نفعاً لم تُقبل، كشهادة الشريك، أو تدفع ضرراً، كشهادة العاقلة بجرح شهود جناية الخطأ، أو شهادة الوصي بجرح شهود الدين على الميت.

وتحقيق المقام: أنّ الإجماع المنقول (7)والشهرة المحصلة بل الإجماع المحصل قد دلّت على عدم قبول شهادة المتهم بشهادته يُجلب نفع أو يُدفع ضرر في الجملة من دون تفصيل تام لخصوص ذلك النفع ودفع ذلك الضرر.

وكذا الأخبار أيضاً دلّت على ردّ شهادة المتهم في الجملة.


1) وسائل الشيعة 17: 423 - 427، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، ح 3،1، 6 - 9، 12 و 13، و 428، الباب 28 من تلك الأبواب، ح 3.

2) راجع المصدر : 279 وما بعدها الباب 86 من أبواب ما يكتسب به.

3) المصدر 16 : 384 الباب 36 من أبواب فعل المعروف، ح 5.

4) راجع الهامش (11) من ص 543.

5) وسائل الشيعة 12 : 309 الباب 164 من أبواب أحكام العشرة، ح 11.

6) المصدر : 236، الباب 135 من أبواب أحكام العشرة؛ و 27 : 44 الباب 6 من أبواب صفات القاضي...،ح 20.

7) مسالك الأفهام 14 : 190.

ففى الموثق: عمّا يُردّ من الشهود فقال: «المريب والخصم والشريك ودافع مغرم والأجير والعبد والتابع والمتهم» (1).

وفي آخر ما يُردّ من الشهود؟ فقال: «الظنين والمتهم» (2).

وفي ثالث: «الظنين والخصم، ويدخل في الظنين الفاسق والخائن» (3).

وفي رابع: «الظنين والمتهم والخصم» (4).

فلا بد من بيان معنى المتهم والتهمة هل هو صنف خاصّ محصور معدود، أو هو مَنْ كان من شأنه أن يتهم، سواء انتفت التهمة عن الفرد الخاصّ لزيادة العدالة والأمانة، أم لا، أو هو ما اتهم في تلك الواقعة وإن لم تكن الشهادة من شأنها تهمة سواء اتهمه الحاكم أو اتهمه اثنان ذوا عدل من أهل الاعتدال، لا من أهل الوسواس والظانين السوء؟

وهل المراد بالتهمة الظنّ بفساد شهادته أو ولو الاحتمال، كما جاء في تهمة المريض في الوصيّة وغيرها؟

وهل الحكم في الأخبار معلق على نفس الاسم، أو مخصوص بأمور شرعيّة متلقاة من الشارع كما تشعر به بعض الأخبار (5)، فيكون المراد بها بعض مدلولها، اقتصاراً على مورد الإجماع، أو أنّ التهمة في الأخبار خرجت عن حيّز البيان إلى الإجمال إما لأن الخارج منها كشهادة الصديق لصديقه والمحبّ لمحبه والزوج لزوجته وعدوّ الدين على عدوّه والرحم لرحمه والضيف لمضيفه والغريم لغريمه والمشهود له لمن شهد له وغرماء الحي أو الميّت بعضهم لبعض ورفقاء القافلة بعضهم لبعض والجار لجاره والصهر لصهره والمستودع للودعي والعبد لسيده والخادم لمخدومه والأجير لمن استأجره والمكاري والملاح للحاملين لهم، وكذا العكس، كالمضيف لضيفه والزوجة لزوجها والمديون لغريمه والوارث لمورثه، إلى غير ذلك - أكثر من الداخل، والعام لو كان خارجه أكثر يعود عمومه كالمجمل، أو لأنَّه تخصص


1) وسائل الشيعة 27 : 378 الباب 32 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

2) المصدر : 373، الباب 30 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

3) المصدر، ح 1 و 2.

4) المصدر ح 3.

5) أنظر المصدر : 371، الباب 27 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

بمجمل، وهو الإجماع المنقول (1)على عدم قبول شهادة كلّ متهم على سبيل سلب العموم من غير بيان للمسلوب، كما فعله الشهيد (2)، وما تخصص بمجمل يعود مجملاً، أو يقال: إنّ بين ما دلّ على ردّ المتهم في شهادته وبين ما دلّ على قبول العدل عموم من وجه، لا مطلق، والقوة من جانب عموم قبول شهادة العدل، فتخصيص ذلك العموم بأخبار ردّ المتهم مفتقر إلى ضميمة إلى تلك الأخبار من إجماع أو شهرةٍ أو روايات قوية؟

وما يقال: إن أدلّة ردّ المتهم خاصّ فيخصص به روايات العدل، أو بينه وبين روايات قبول العدل عموم من وجه ولا مرجّح فيرجع إلى أصالة عدم قبول الشهادة إلا بما يُشكّ في صدق التهمة عليه عرفاً، أو يُشكّ في إرادة معناه من الأخبار الدالّة على ردّ شهادة المتهم، منظور فيه؛ لأنّ الشكّ في إرادة الشارع بعد ورود الأخبار بتعليق الحكم على الاسم لا يجدي نفعاً إلا بنحو ما ذكرناه من خروج بعض الأفراد بالدليل.

وبالجملة، فالمقطوع بدخوله في التهمة أُمور، والمقطوع بخروجه أُمور، والمشكوك به امور.

وهنا مسائل:

منها: قبول شهادة الشريك لشريكه الغير المقرّ بشركته

[ منها : ] شهادة الشريك لشريكه الغير المقر بشركته - كما إذا شهد أن نصف هذه الدار لزيد وهي بيد عمرو ولم يقرّ زيد بشركته - مقبولة على الأظهر.

وأما شهادة الشريك لشريكه المقرّ بشركته فيما يشهد به فهي غير مقبولة، كما لو ادعى عمر و مالاً على زيدٍ فشهد لعمر و آخر هو شريك له بذلك المال، سواء كان دَيْناً أو عيناً؛ لأنّها شهادة لنفسه، وهو فيها بمنزلة المدّعي، والمدّعي لا تُسمع شهادته على دعواه، ولا يتفاوت بين أن يقول: هذه العين لنا، أو يقول: هذا الدَّيْن لنا، أو يقول : هذه العين لعمرو فيشهد عليه بشركته مع عمرو، وبين أن يقول: نصف هذه العين أو الدين لعمرو، وهو شريك معه، فالمراد أن شهادة الشريك لا تسمع في حصة نفسه.

ولا يمكن تنزيل المنع على عدم سماعها في حصة نفسه، فتكون الشهادة بمنزلة تبعيض الصفقة؛ لمخالفته ظاهر الأدلّة وكلام الأصحاب.

وكأن السبب في ذلك هو مشاركة الشريك لشريكه في كلّ ما ثبت له من أجزاء العين


1) مسالك الأفهام 14 : 190.

2) مسالك الأفهام 14 : 190.

عند قبضها، فكأنّ الشهادة عادت إليه، وكذا يشاركه في الدين عند استيفائه، كما هو الأقوى، وإمكان تصالح المشهود له المدّعى عليه على حصته فيستقل بقبضها لا يرفع التهمة، فيشمله أخبار التهمة (1)، والأخبار المانعة من قبول شهادة الشريك لشريكه على الإطلاق (2)، وما دلّ على منعها في شيءٍ له فيه نصيب، كمرسل أبان (3)، أو فيما هو بينهما كما في آخر (4).

نعم، لو شهد الشريك لشريكه في غير مقام الشركة قبلت، وكانت من التهمة السائغة شرعاً.

أما لو شهد الشريك لشريكه في مقام لا يعود له نفع في تلك الشهادة، ففي قبولها وجهان: من إطلاق المنع من قبول شهادة الشريك لشريكه، ومن الشكّ في دخول ذلك في الإطلاق؛ لانصراف الإطلاق إلى التهمة والتهمة مشكوك في تحققها، وذلك كما لو أقرّ شخص بعينٍ في يده لزيد بالشركة أو لاثنين، فادعى تلك العين آخر بأن تلك الحصة المشاعة له فشهد له زيد بذلك، فإن شهادة زيد بشركة الآخر دون صاحب اليد ممّا لا تجرّ نفعاً.

وكذا لو شهد غيره فعدله زيد.

ومثل ذلك لو كانت الشهادة بالدين المشترك، بناءً على عدم الاشتراك عند استيفاء أحد الشريكين، فيُقبل حتّى لو قال: الدين بيننا، لكن في حصة الشريك، بناء على جواز تبعض الشهادة.

ويرشد إلى جواز ذلك ما رواه في التهذيب: عن ثلاثة شركاء ادعى واحد وشهد الاثنان، قال: «تجوز» (5).

ويُحمل على ما لو كان ذو اليد مقراً بشركتهما، ولا يجوز أن يؤخذ بإطلاقه، كما لو ادعى ثلاثة مالاً فشهد اثنان لثالث بثلث، ثمّ شهد المشهود له مع آخر بثلث لآخر، ثمّ شهد المشهود لهما بالثلث الباقي لثالث؛ لمنافاته إطلاق الفتوى والرواية، فتأمل.

وعلى ذلك تُحمل رواية المنع من قبول شهادة شريكين على واحد، قال: «لا تجوز» (6)بناءً على إرادة اللام من «على» أو على أنّ المشهود عليه، واحد، والمشهود له شريك ثالث.


1) وسائل الشيعة 27 : 373 - 374، الباب 30 من أبواب كتاب الشهادات.

2) المصدر : 1378 و 379 الباب 32 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3 و 7.

3) المصدر : 370، الباب 27 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

4) المصدر : 369. ح 1.

5) تهذيب الأحكام 6: 246، ح 622؛ وعنه في وسائل الشيعة 27 370 الباب 27 من أبواب كتاب الشهادات، ح 4.

6) وسائل الشيعة 27 : 369 الباب 27 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

ولكن إطلاق المنع من قبول شهادة الشريك لشريكه يشمل كل ذلك.

ولو شهد الشريك لشريك شريكه تُقبل شهادته؛ لعدم التهمة التي هي فرض شهادته بما له فيه نصيب مع إقرار المشهود له لشراكته فيه.

ومنها: عدم قبول شهادة غريم المفلس للمحجور عليه بمال

ومنها: شهادة غريم المفلس للمحجور عليه بمال غير مقبولة؛ لظهور التهمة فيه من حيث عود المال إليه، لتعلّق حقّ غرماء المفلس بعين أمواله، بخلاف شهادة الغريم مطلقاً بمال لغريمه ولو كان معسراً؛ لتعلّق حقّ غريم غير المفلس بذمته، فيُشكّ في دخول ذلك تحت أدلّة التهمة،

حيث إنّ المراد منها كالمجمل، فلا يراد بها كلّ ما يظنّ أنّ الشاهد ينتفع به بشهادته.

نعم، لا يبعد إلحاق غرماء الميّت بغرماء المفلس لو شهدوا بمال للميت، سيما لو كان الدين مستوعباً للتركة، بل لو جرح أحد غرماء المفلس أو الميّت بشهود غريم آخر ادّعى بدَيْنٍ على الميّت رُدّت؛ لمكان التهمة بدفع الضرر عنهم بالشركة.

ومنها: عدم قبول شهادة الوصي والوكيل فيما كانا وصيّاً ووكيلاً فيه

ومنها: شهادة الوصي والوكيل والمشهور عدم قبول شهادتهما فيما كانا وصيّاً ووكيلاً فيه، وعليه يلحق بالوصي القيم الشرعي من الحاكم، أو نفس الحاكم إذا كان المال تحت يده.

وناقش بعض المتأخّرين (1)في ردّ شهادة الوصي والوكيل بعد شمول عموم أدلّة قبول شهادة العدل وحجيّة خبره لهما، مع الشكّ في صدق التهمة في شهادتهما أو في اندراج التهمة الحاصلة منهما في إطلاق الأخبار المانعة لقبول الشهادة مع التهمة، فيبقى شمول أدلّة القبول لشهادتهما سالماً عن المعارض، ولا إجماع يدلّ على المنع، بل ظاهر حال المسلم وحمله على الصحّة يدلّ على القبول، بل في صحيحة الصفّار مكاتبة: إنَّه هل تقبل شهادة الوصي للميّت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل ؟ فوقع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن شهد معه آخر عدل فعلى المدّعي اليمين» (2)دليل على القبول.

نعم، لو كانت الوصاية والوكالة بجعل رُدّت شهادتهما؛ لعودها إلى إثبات مال لأنفسهما وصيرورتهما مدّعيين فتتحقّق التهمة، ولو لم يكن جُعل فمجرد نفس سلطنة الوصاية والوكالة وسلطنة التصرّف ليس من مظان التهمة، بل هي من باب التعب والمشقة، مع أن الأصل


1) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 12: 385.

2) وسائل الشيعة 27 : 371، الباب 28 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

ها هنا قبول الشهادة، وليس الخارج سوى المتيقن من دخوله في لفظ التهمة وفي إرادتها من الأخبار المانعة أو من حصول النصّ عليه بالمنع بالخصوص في الأخبار المانعة عن قبول شهادة كثير من الأفراد.

هذا كله، والمشهور: عدم قبول شهادة الوصيّ والوكيل، ويلحق بهما بالأولى كل وليّ إجباري أو اختياري من أب أو جدّ أو حاكم شرعي مع انحصار الولاية فيه وعودها إليه، والشهرة بذلك محققة حتّى كادت تكون إجماعاً.

وحيث كانت هذه الشهرة غير قابلة لتقييد إطلاقات الأدلّة ولمعارضة المكاتبة المتقدّمة (1)، بل المكاتبة الأخرى إلى أبي محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ): أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميّت صغيراً أو كبيراً بحقِّ له على الميّت أو على غيره وهو القابض للوارث الصغير وليس للكبير بقابض؟ فوقّع (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نعم، وينبغي للوصي أن يشهد بالحق ولا يكتم شهادته» (2)وذيل الرواية صريح في وجوب أداء الشهادة على الوصي مطلقاً، ومن البعيد وجوب الأداء وعدم قبولها من الحاكم كما يظهر من بعض المتأخّرين (3)، فلا بد من الاقتصار في منع قبول شهادة الوصي والوكيل ونحوهما على المقطوع به من مورد الشهرة حتّى يكون قابلاً لتوهين تلك العمومات وتلك الأخبار عن شمولها للفرد المقطوع بانعقاد الشهرة عليه أو المقطوع بدخوله في المراد بلفظ المتهم الممنوع عن قبول شهادته.

والمقطوع به منهما هو ما إذا كان الوصيّ مدّعياً بالمال الذي هو وصي عليه إما من جهة الثلث أو من جهة الطفل الذي هو وصي عليه.

وكذا لو كان الوكيل وكيلاً على تلك الدعوى.

أما لو كان المدّعي غيره، كما لو ادعى وصي آخر أو وكيل آخر، كما إذا كان للميّت وصيّان أو للحي وكيلان، فادّعى أحدهما وشهد الآخر، ففي منع قبول شهادته بمجرد عود السلطنة والولاية في التصرّف إليه إشكال.


1) تقدمت آنفاً.

2) راجع الهامش (2) من ص 550.

3) کشف اللثام 304:10.

وأولى من ذلك ما لو كان الوصي وصيّاً على الثلث، فشهد للوارث بمال موقوف عليه، أو كان وصيّاً على الطفل، فشهد بمال أوصى به الميّت من الثلث.

وكذا لو شهد الوكيل على بيع مالٍ لشخص أنَّه له عند ادعائه، أو الوكيل على طلاق زوجة أنَّها زوجة الموكل.

وكذا لو شهد الوكيل على إيقاع عقدٍ أو إيقاع بعد إيقاعهما منه على وقوعهما من الموكل.

نعم، لو شهد على وقوعهما منه، كان مدعياً.

وقد تنحل الشهادة في الأوّل إلى الأخير فيما لو جرح الشاهد بأنه الذي أوقع بوكالته.

وكذا لو شهد الناظر على التصرّف للوصي على المال بمال للميت.

والحق أن يقال: إن شهادة الوصى والوكيل فيما عادت فيه الولاية بشهادتهما تهمة في حقهما، كما هو ظاهر إطلاق المشهور فكل موضع ينزلان فيه بمنزلة المدّعي وإن لم يكونا مدعيين بالفعل هو موضع تهمة، فمتى شهد الوصي بمال سواء ادعاه الوارث أو وصي آخر بحيث عادت له الولاية عليه كلاً أو بعضاً بعد ثبوته، وكذا لو شهد الوكيل على مال يعود وكيلاً عليه بعد ثبوته، سواء ادّعاه الأصيل أو وكيل آخر، لم تُقبل الشهادة؛ لأنهما مكان تهمة، سيما لو كان وكيلاً على الدعوى.

ويضعف الإشكال لو كان وكيلاً على التصرف بعد ثبوت الحق.

أما لو شهد الوكيل على وقوع ما أوقعه لموكله من دون استناده إليه، ففيه الكلام المتقدم.

ومنها: عدم قبول شهادة السيد لعبده بمال أو جناية خطأ

ومنها: شهادة السيد لعبده بمال أو جنايةٍ خطاً، فإنّها لا تقبل، بناء على أنّ العبد لا يملك؛ ضرورة عود المشهود به للمولى، وبناءً على ملك العبد أيضاً؛ لأنَّه لو مَلَك كان ملكاً متزلزلاً، فهو عائد لمولاه.

وأما لو شهد بجناية توجب قصاصاً، فالقبول أقرب.

وأما الشهادة لعبده المكاتب المطلق فوجهان: من انتفاء السلطنة، ومن عود المال إليه بظهور عجزه

وأما المشروط فأولى بالمنع؛ لمكان التهمة، بل لأنَّه مدع في المعنى.

ومنها: عدم قبول شهادة من يدفع بشهادته ضرراً عن نفسه

ومنها: لا تقبل شهادة مَنْ يدفع بشهادته ضرراً عن نفسه، كشهادة أحد العاقلة بجرح

شهود جناية الخطأ، وكذا الوصيّ والولي والوكيل بجرح شهود المدّعي على الموصي والموكل والمولى عليه؛ ضرورة أنّ الجارح ها هنا هو المدّعى عليه، فلا يُقبل جرحه.

ومنها: ردّ شهادة الوارث بجرح الموروث

ومنها: شهادة الوارث بجرح الموروث، فإنّها تُردّ بعد الموت؛ لعودها لنفسه ديةً أو قصاصاً.

وأما لو شهد قبله والجرح لم يندمل مع احتمال السريان عادةً، أو شهد بمال للموروث مع جراحته جرحاً سارياً في العادة أو في مرض يعلم موته به، فالأقوى القبول؛ للشكّ في تحقق التهمة - المرادة في الأخبار - في ذلك، فيشمله عموم قبول شهادة العدل.

ورد بعض المتأخّرين الشهادة بالجرح الساري من الوارث، فارقاً بينها وبين الشهادة بالمال؛ لعود أثر الجرح للشاهد وعود المال للمشهود له في حال حياته (1). وهو حسن.

ومنها: عدم قبول شهادة العدوّ على عدوّه وإن قبلت له

ومنها: العدوّ لا تقبل شهادته على عدوّه وإن قبلت له؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول (2)، ولمكان التهمة، ولما جاء من عدم قبول شهادة الخصم (3)، وعدم قبول شهادة ذي شحناء (4).

والمراد به العدو لأمر دنياوي، لا لأمرٍ أُخراوي من جهة كفر أو خلافٍ أو فسق.

وقد تكون العداوة من الجانبين، وقد تختص بواحد.

وقد يظهر أثرها بفسق، كتقاذف وسبٍّ.

وقد تُعرف بدون ذلك، كما إذا علم أنّ أحدهما يفرح بمساءة الآخر وحزنه وفوات النعمة من يده، ويحزن بسروره وزيادة نعمته.

وقد تكون هي بنفسها فسقاً وكبيرةً، كما إذا أصرّ صاحبها على البغض والحقد والعداوة، وكان مَنْ عاداه مؤمناً.

وقد لا تكون كبيرة، كما إذا خطرت له فأزالها بالتوبة.

وقد لا تكون فسقاً، كما إذا كانت مع كافر أو مخالفٍ على وجه قوي، أو كانت من الخطرات القهرية وحين خطورها يعالج صاحبها نفسه بزوالها وهكذا لم يزل.


1) مجمع الفائدة والبرهان 12 : 387.

2) المصدر : 389.

3) وسائل الشيعة 27 : 378 و 379، الباب 32 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3 و 7.

4) المصدر : 378، ح 5.

وليس كل تقاذف وسب عداوةً، فقد يقع ذلك من الأصدقاء أحياناً عند الغضب ولا يُسمّى الواقع منه عداوة، بل العداوة أمر عرفي.

نعم، إن كان الواقع كبيرةً منع قبول الشهادة كونه فسقاً، أو كان صغيرةً منعها مع الإصرار. وقد تقع العداوة بالسب والتعيير، ولا يفسق صاحبها، كما إذا كان المستغاب متجاهراً بالفسق وكان مبتدئاً بالضرب والإهانة والسب وقلنا بجواز الاعتداء على المبتدئ بنحو ما اعتدى.

ويلحق بمنع قبول الشهادة على العدو منع قبول جرحه لشاهده ومنع تزكية من شهد عليه. وبما ذكرناه يظهر وجه ما استشكلوا به من الجمع بين منع العداوة من قبول الشهادة وتحقق العدالة معها بحيث تكون هي المانع دون الفسق، فبعضهم (1)حملها على عداوة غير المؤمن لو قلنا بجوازها لأمور دنيوية، وبعضهم (2)حملها على ما إذا لم يفعل معها العدو محرَّماً من سب أو قذف، وبعضهم (3)على ما إذا صدرت من دون إصرار، بناءً على أنَّها بنفسها صغيرة، وبعضهم (4)حملها على ما إذا عُلمت بالقرائن والأمارات من ظهور حال من العدو.

وعلى كل حال، فالظاهر أن الجارح لو اطلع على خصومة اتفاقية مرّةً واحدة بحيث لم يقطع فيها بحصول العداوة والخصومة الباطنية لم يكن جارحاً.

ومنها: ردّ شهادة الرفقاء بعضاً لبعض على اللصوص أو على القاطع عليهم الطريق

ومنها: شهادة الرفقاء بعضاً لبعض على اللصوص الذين أخذوا أو على القاطع عليهم الطريق - كما هو فتوى المشهور - إما لمكان العداوة الظاهرة، أو للرواية المنجبرة بالشهرة - الدالّة على ردّ شهادتهم إلا أن يقرّ اللصوص بذلك أو شهادة من غيرهم عليهم (5)، أو لأن شهادتهم تجرّ نفعاً لأنفسهم، حيث إنّ المال إما مشترك بينهم أو كالمشترك حيث إن شهادتهم على المأخوذ من جميعهم فتكون الشهادة على مجموع لا يقبل بعضه.

وقد يورد على ذلك بأن تبعض الشهادة لا بأس به، فينحل إلى مدع وشاهد، وكونه مدعياً في بعض الشهادة غير مقتض لحصول العداوة والخصومة، وعلى ذلك فلو لم يتعرّض الشاهد لماله قبلت شهادته، وكذا لو لم يأخذ قطاع ذلك الطريق من مال الشاهد شيئاً.


1) راجع مجمع الفائدة والبرهان 12 : 390.

2) لم تتحقّقه.

3) لم تتحقّقه.

4) لم تتحقّقه.

5) وسائل الشيعة 27 : 369 - 370، الباب 27 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2.

ومنها: قبول شهادة الصديق لصديقه والزوج لزوجته وبالعكس

ومنها: شهادة الصديق لصديقه إجماعاً، والتهمة العرفية فيها غير مانعة؛ لعدم تحقق دخول هذا الفرد في التهمة المانعة عن قبول الشهادة.

وكذا شهادة الزوج لزوجته مطلقاً دائماً أو متعةً، وكذا العكس؛ للأخبار (1)بل الإجماع. وفي بعض الأخبار المعتبرة المنع من قبول شهادة الزوجة لزوجها إلا أن يكون معها غيرها (2)، وأفتى به كثير من القدماء (3)، بل اشترط جماعة (4)الانضمام مع شهادة الزوج لزوجته أيضاً.

وهو ضعيف؛ لعدم دليل عليه، وغاية ما في الروايات اشتراط الضميمة مع زوجته دونه (5).

ويؤيده الاعتبار من حيث ضعف عقل المرأة ودينها، وقوة مزاج الرجل عن أن تجد به دواعي الرغبة عن منافي التقوى.

على أن القول باشتراط الانضمام إلى شهادة الزوجة ضعيف أيضاً؛ لضعف معارضة الرواية لعموم الأدلّة والشهرة المتأخّرة حتّى كادت أن تكون إجماعاً، مضافاً إلى إمكان حملها على الغالب من لزوم الانضمام إلى شهادة المرأة امرأة أُخرى، وعدم كفاية شهادة واحدة مع يمين المدّعي، إلا في الوصيّة حيث يثبت بشهادتها الربع، وفي ميراث المستهل.

ولعلنا نقول في تلك الصورة بلزوم الانضمام أيضاً في الحكم بربع الوصيّة، ولكن ظاهر المتأخّرين خلاف ذلك، وأنّ هذه الصورة من غير الغالب، فتدخل تحت عمومات قبول شهادة المرأة في الربع (6)من غير معارض، سوى رواية الاشتراط (7)، وهي منزلة على الغالب كما ذكرنا.

ومع القول باشتراط الضميمة أيضاً في الشهادة في الوصيّة في قبولها بالنسبة إلى الربع فلو انضم إليها، فهل يثبت النصف ؟ الظاهر ذلك؛ عملاً بالأدلّة.


1) وسائل الشيعة 27 : 366 - 367 الباب 25 من أبواب كتاب الشهادات.

2) المصدر : 366 و 367، ح 1 و 3.

3) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : 330؛ وابن حمزة في الوسيلة : 231.

4) كالشيخ الطوسي في النهاية : 330 وابن البراج في المهذب :2 557 وابن حمزة في الوسيلة : 231.

5) راجع الهامش (2).

6) وسائل الشيعة 19 : 316 - 317، الباب 22 من أبواب كتاب الوصايا، ح 1 - 5.

7) راجع الهامش (2).

ولو انضمت إلى الزوجة زوجة أُخرى، فهل تكفي في الانضمام؟ الظاهر لا، بناءً على أنّ معنى الرواية ينضم إلى الزوجة غيرها، لا أنَّه ينضم إلى الزوجة الشاهد غيرها ولو زوجة.

ولا يجوز حمل الرواية على إرادة أن يكون مع الشهادة غيرها فيراد به اليمين؛ لعدم الفرق حينئذٍ بين الزوجة وغيرها والزوج، فلا يحسن التفصيل.

ومنها: قبول شهادة الأرحام بعضهم لبعض

ومنها: شهادة الأرحام بعضهم لبعض مقبولة؛ لعموم الأدلّة (1)، وانتفاء التهمة الشرعيّة وإن احتملت التهمة العرفية، وعلى بعضهم بعضاً كذلك، سوى شهادة الولد النسبي الصلبي، دون الرضاعي ودون الأمّ ودون ولد الولد، ففيه قولان: المنع، ونُسب للمشهور (2)، وحكي عليه الإجماع عن جماعة من أصحابنا (3)، ونُسب إلى الخلاف أن عليه أخبار الفرقة (4)، وإلى الفقيه: وفي خبر : «لا تُقبل شهادة الولد على الوالد» (5)وكذا إلى الغنية (6).

واستدلّ عليه بقوله تعالى: (وَصاحِبْهُما فِى الدُّنْيا مَعْرُوفاً) (7)والشهادة عليه ليس من المعروف، بل هو إهانة، وربما دخل تحت العقوق، فيفسق بشهادته فيمتنع قبولها، بل ما دلّ على حرمة التأفيف (8)يؤذن بمنع الشهادة عليه بالأولى.

وألحق بعضهم (9)بذلك الجدّ، فجعلهما سواء في المنع.

ولا فرق في المنع بين الشهادة عليه بمال أو حقّ أو حدّ أو قصاص.

ولو جمع بين الشهادة عليه وعلى غيره قبلت بالنسبة إلى غيره، دون الشهادة عليه.

وكذا كلّ مَنْ جمع في الشهادة بين المردود والمقبول على الأظهر.


1) البقرة (2): 282؛ الطلاق (65) : 2.

2) كما في رياض المسائل 15 : 290.

3) كالسيد المرتضى في رسائله 1 : 246؛ والشيخ الطوسي في الخلاف 6 : 296 - 297، المسألة 45؛ وابن إدريس الحلي في السرائر 2: 134.

4) الخلاف 6 : 298، ذيل المسألة 45.

5) الفقيه 3 : 42، ح 3289.

6) غنية النزوع 1: 440.

7) لقمان (31) : 15.

8) الإسراء (17): 23.

9) الدروس الشرعيّة 2 : 132.

والقول الثاني: القبول؛ لعموم الأدلّة في قبول شهادة العدل، وعموم (مَنْ يَكْتُمُها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)(1)و «لا يطاع اللّه من حيث يعصى» (2)و «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (3)وعموم قوله تعالى: (قَوامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ للّه وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) (4)و من البعيد الأمر بالإقامة والمنع من القبول كما قد يتوهم.

ولخبر داؤد بن الحصين: «أقيموا الشهادة على الوالدين والولد» (5).

وفيه: النهي عن الشهادة بالدين على المعسر (6).

وهو محمول على ما إذا أراد الغريم التوصل إلى الاستيفاء بها حال الإعسار، لا مجرد الإثبات على الأظهر.

ولخبر علي بن سويد: «أقم الشهادة ولو على نفسك أو الوالدين والأقربين» (7).

وهذا الأخير قوي وإن قلّ القائل به من المتقدمين؛ لإمكان توهين الإجماع بمصير الإسكافي وظاهر الانتصار - حيث نسب القول به إلى بعض - إلى خلافه (8)، ولمنع كون الشهادة من العقوق، والعقوق أمر عرفي، وليس قول الحق والمنهج الصدق والنهي عن المنكر وتخليص الوالد من النار وبُعده عن غضب الجبّار منه ولمنع كون إهداء الوالد وتخليص ذمته والإحسان إليه بتخليصه ليس من صحبة بغير المعروف بل رأس المعروف، ولو علمنا بموجب الآيتين لسرى الحكم إلى الوالد ولا قائل به وللزوم طاعة الوالد بالأمر بالمعاصي وترك الواجبات ولا قائل به.

هذا كله، ولكن مخالفة الإجماعات المنقولة المعتضدة بفتوى المشهور ممّا لا سبيل إليه، وإنكار الإجماع بفتوى ابن الجنيد ينافي أُصولنا وقواعدنا.


1) البقرة (2) : 283.

2) لم نعثر عليه في المصادر الروائية.

3) وسائل الشيعة 27 : 129 - 130، الباب 10 من أبواب صفات القاضي....،ح 17.

4) النساء (4): 135.

5) وسائل الشيعة 27 : 340 - 341، الباب 19 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

6) وسائل الشيعة 27 : 340 - 341، الباب 19 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

7) المصدر : 315، الباب 3 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

8) الانتصار : 496 المسألة 273؛ وحكاه الفاضل المقداد في كنز العرفان : 700 عن الإسكافي.

والروايتان ضعيفتان سنداً ومتناً، فتحملان على الشهادة بعد الموت، وشهادة الولد على والده بعد موته خارج عن محل النزاع.

وكذا تُحمل الآية، أو تُحمل على إرادة غير الشهادة بالمعنى الأخص، بل على القول الحق والتكلّم بالصدق وعدم الكذب عند السؤال، لا الإقامة عند الحاكم وقت الاستدعاء.

وقد يُحمل الجميع على حالة التحمّل للشهادة كي تنتفع للأداء ولو بعد الموت من الولد، فالأول أقوى.

ومنها: قبول شهادة الضيف لمضيفه وكذا العكس

ومنها: شهادة الضيف لمضيفه وكذا العكس مقبولتان؛ لعموم الأدلّة (1)ومحكي الإجماعات (2)، ولعدم تحقق التهمة الشرعيّة.

وفي شهادة الأجير لمستأجره قولان:

فالمشهور بين المتأخّرين: القبول؛ لعموم الأدلّة (3)، والشكّ في دخول هذا الفرد في التهمة الشرعيّة المانعة عن قبول الشهادة، وللموثق (4).

ويكره شهادة الأجير لصاحبه، ولا بأس بشهادته لغيره، ولا بأس بها له عند مفارقته، ولفظ الكراهة ظاهر في المصطلح، لا المحرّم.

ودعوى أن تعلّق الكراهة بالشهادة لا معنى له؛ لأنّها واجبة عيناً أو كفاية، فمتى جازت وجبت فيه أوّلاً: إنَّه من قبيل مكروه العبادة، فالمراد أنَّه مكروه مع عدم الانحصار، وثانياً : حملها على المحرَّم لا معنى له؛ لأنّ غاية النهي في شهادته هو عدم مقبوليتها، لا تحريم أدائها، فعلى أي تقدير فالمراد الإرشاد إلى عدم القبول، فدار الأمر بين استعمال لفظ الكراهة في الإرشاد إلى الفساد أو في الكراهة مع عدم الانحصار، والأخير أولى.

وقيل بعدم القبول، وهو محكي عن كثير من المتقدمين (5)لمكان التهمة، وللأخبار المتكثّرة


1) البقرة (2): 282؛ الطلاق (65) : 2.

2) مسالك الأفهام 14 : 200؛ كفاية الفقه 2 : 760.

3) البقرة (2): 282؛ الطلاق (65) : 2.

4) وسائل الشيعة 27: 372 الباب 29 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

5) كالصدوق في المقنع : 398؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 325 والحلبي في الكافي في الفقه : 436؛ وابن البراج في المهذب 2 : 558؛ وابن حمزة في الوسيلة : 230 وابن زهرة في غنية النزوع 1: 440.

الدالّة على عدم قبول شهادته، ففي بعضها: «كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يجيز شهادة الأجير» (1)وفي بعضها منطوقاً ومفهوماً : إنّه لا تجوز شهادته (2)، وظاهرها إما التحريم أو الإرشاد إلى عدم القبول.

وفيه ضعف؛ لضعف الأخبار عن مقاومة أدلّة القبول وإن وجد فيها المعتبر والموثق والصحيح مفهوماً، وفيها المشتمل على الردّ صريحاً، ولكن كثير منها لاشتمالها على النهي لا يراد منه التحريم، فإما أن يُحمل على الكراهة أو على الإرشاد إلى عدم المقبولية، والأوّل أرجح؛ لأن استعمال النهي في الكراهة أكثر وأرجح.

وأما التهمة فلم تتحقّق شرعاً بل ولا عرفاً، إلا أن يكون أجيراً خاصاً بحيث تكون جميع منافعه مملوكة للمستأجر وأن يكون ثمن الأجرة غير مدفوع للأجير، أو يكون هناك تهمة بجلب نفع أو دفع ضرر، كما إذا شهد الأجير بدفع الثوب لمن استأجره على خياطته وقصارته، وكذا كلّ أجير لأجير يشهد له بإتمام عمله، وفي مضمرة سماعة: ردّ شهادة التابع (3)وإن لم يكن أجيراً تابعاً أو أجيراً في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال، وهذا خلاف ما عليه الأصحاب وعملهم.

ويلحق في هذا الباب مسائل:

الأولى: في عدم قبول شهادة السائل بكفّه

[المسألة] الأولى: لا تُقبل شهادة السائل بكفّه، والكفّ مثال، فكلما كان سؤاله لحمل الأشياء المحقرة بنفسه وكان طلبها له بلسانه أو ظهر ذلك من أحواله ولو بجلوسه ساكتاً على الأظهر تُردّ شهادته؛ لفتوى المشهور، والإجماع المنقول (4)، والأخبار المعتبرة المتكثرة الدالّة على عدم قبول شهادة السائل بكفّه وعلى ردّها (5)، وفي بعضها التعليل: «بأنه لا يؤمن على الشهادة لأنَّه إن أعطي رضي وإن منع سخط» (6)وفيها إشعار باتهامه في الشهادة بعدم مأمونيته، ولأن عمله ممّا ينافي المروءة فيؤذن بمهانة النفس ورداءة الهمة فلا يؤمن على المال.


1) وسائل الشيعة 27: 372، الباب 29 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2.

2) المصدر : 378 و 379، الباب 32 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3 و 7.

3) المصدر : 378، ح 3.

4) رياض المسائل 15 : 301.

5) وسائل الشيعة 27 : 382 - 383، الباب 35 من أبواب كتاب الشهادات.

6) المصدر، ج 2.

والمرجع إلى العرف في تحقيق معنى السؤال بالكفّ، وزيادة على ذلك من جهة مخالفة الحكم للقواعد أنّه يلزم الاقتصار على المورد اليقين من فعل ذلك اختياراً لا اضطراراً، ومن المداومة عليه لا وقوعه مرّةً، إلا مع الحكم بمنافاته للمروءة والحكم بمساواة منافي المروءة للكبيرة في إخلاله بالعدالة ولو مرّةً، ومن عدم وقوعه لغرض صحيح كالسؤال لمضطر آخر ليعينه، ومن كونه بنفسه لا بواسطة سائل آخر، ومن كونه على غير جهة الوقار والسكينة، ومن كونه آخذاً للمحقرات لا للألوف والمئات، ومن كونه يدور في الطرقات لا خفية في الخلوات سيما في الكثير من القطعيات، ومن كونه مستدعياً لها في المقامات لا أنَّه مدفوع له بطريق الهديّات، ومن أنّه على غير المعتاد في العطيات لأهل الرتبات كما يقع من الإغراء من أخذ الحلوانات من الأصدقاء عند الختان والإملاك والأعياد ووقت الأفراح والضيافات.

والسؤال بالكفّ إن تضمّن إغراء بالفقر وكان غنيّاً فلا يبعد حرمة سؤاله وحرمة أخذ المال المدفوع إليه بعنوان فقره، مع احتمال عدم الحرمة فيهما؛ لعدم دليل صالح للحرمة ومنع حرمة المال المدفوع للمظنون فقره إذا كان الداعي للدفع هو ذلك وكان على خلاف الواقع؛ لأن الدواعي ليست كالشروط، فالمال المدفوع لداع وهو خلاف الواقع من فقر أو حُبِّ أو صداقة حلال، والمال المدفوع بشرط ذلك وهو خلاف الواقع حرام.

نعم، لو أخذ هذا السائل مال الفقراء - كالزكاة والصدقات المفروضة، بل والمندوبة التي ظاهرها اشتراط الفقر - حرم عليه المال.

وإن لم يكن غنياً بل كان قادراً سوياً متمكناً من الحرفة والصنعة، فالظاهر عدم حرمة السؤال عليه، وكذا المال، بل ولو كان من أموال الفقراء؛ لاحتياجه حين السؤال إليها.

وكذا لو صرّح بغنائه وقدرته فإنّه لا يحرم عليه ذلك.

نعم، السؤال وأكل ذلك مكروه شرعاً في المقامين؛ للنواهي الواردة عن السؤال، والأمر بالاستعفاف والغناء عمّا في أيدي الناس والتجنّب عن أوساخ الخلق (1)بل لولا جريان السيرة بعدم عد ذلك من المحرَّمات ولولا ظهور الأخبار في كون ذلك من المندوبات وأنَّه من مكارم الأخلاق وحسن السجايا. كما ورد كثير مثله في محاسن الخلال وتجنّب مساوي الأفعال لكان القول بالحرمة أخذاً بظواهر الأدلّة قوياً جداً، والاحتياط يقضي به، فالتجنّب أولى وأحوط.


1) وسائل الشيعة 9 : 436 و 448 الباب 31 و 36 من أبواب الصدقة.

الثانية: كلّ مَنْ تحمّل الشهادة غير قابل لقبولها منه ثمّ عاد قابلاً قبلت شهادته

[المسألة] الثانية: كلّ مَنْ تحمّل الشهادة غير قابل لقبولها منه لصغرٍ أو تهمةٍ أو فسقٍ أو عداوةٍ أو قلة عقل ثمّ عاد قابلاً قبلت شهادته؛ لحصول القابليّة له حين الشهادة، فيدخل في عموم الأدلّة (1)، ولخصوص الروايات المتكثرة (2).

وما ورد في الصحيح عن نصراني أشهد على الشهادة ثمّ أسلم بَعْدُ أتجوز شهادته؟ قال: «لا» (3)شاذٌّ أو محمول على التقيّة أو على ردّ ما شهده حال الكفر وإن تعقبها الإسلام.

وكلّ مَنْ شهد بالفعل فرُدّت شهادته لمانع لا يعود عليه الردّ بنقص أو غضاضة أو مهانة فزال ذلك المانع فأعادها قُبلت أيضاً؛ لعموم الأدلّة وخصوصها.

نعم، لو لم يعد لم تقبل؛ لبطلان أثرها، وإلا فلا يعود قبل، إلا ما إذا كان المقام مقام تهمةٍ دفع شبهة الكذب أوّلاً عن نفسه كما إذا شهد الفاسق المستتر بفسقه فردّت شهادته سيما لو كان بجرح عند الحاكم فتاب فأعادها، فإنّه قد يتهم أنّ التوبة أو الإعادة بعد التوبة أو كليهما إنما كان لدفع عار الكذب عن نفسه أو لإصلاح حاله ويجري ذلك بالنسبة إلى مَنْ تستر بالكفر فردت شهادته فآمن أو تستر عن العداوة ثمّ عدل عنها أو تستر عن كثير من موانع القبول فردت شهادته فشهد بعد ذلك، فإنّ تهمة الحرص على تنزيه نفسه موجودة، هذا كله.

وفي الجميع منع ؛ لعدم تسليم حصول التهمة الشرعيّة، والعرفية لا اعتبار بها، فيبقى عموم الأدلّة سليماً عن المعارض.

ولو شهد لمكاتبه بمالٍ أو لعبده بنكاح فرُدّت شهادته فأعادها بعد عتقهما، أو شهد اثنان من الشفعاء بعفو شفيع ثالث قبل أن يعفوا فرُدّت شهادتهما ثمّ أعاداها بعد ما عفوا، أو شهد اثنان على موروث بجراحة غير مندملةٍ وظاهرها السريان ثمّ أعاداها بعد اندمالها وعدم سريانها، قبلت فى الجميع على الأظهر.

الثالثة في أنَّه هل تقبل شهادة المملوك والمملوكة الغير مبعضين؟

[المسألة] الثالثة في شهادة المملوك أو المملوكة الغير مبعضين خلاف بين الأصحاب. فقيل – ونُسب (4)لابن أبي عقيل منّا - بعدم قبولها مطلقاً؛ للأصل، مع الشكّ في اندراجه


1) البقرة (2) : 282؛ الطلاق (65) : 2.

2) وسائل الشيعة 27 : 387 - 389 الباب 39 من أبواب كتاب الشهادات.

3) المصدر : 389، ح 7.

4) الناسب هو العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 512، المسألة 86.

في عموم أدلّة الشهادة وإطلاقاتها، وانصرافها لغيره، ولانحطاط منصب العبد عن قبول الشهادة التي هي من المناصب الجليلة؛ إذ بها يثبت الحق والحدّ والقصاص والرفع والوضع وكلّ أمر ذي بال، ولاشتغال العبد بحقوق المولى عن تأدية الشهادة وتحمّلها، فيناسب عدم قبولها.

ويرشد إلى ذلك ما روي في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) (1)قال: «أحراركم دون عبيدكم، فإنّ اللّه شغل العبيد بخدمة مواليهم عن تحمّل الشهادة وأدائها» (2).

وللصحيح: «العبد المملوك لا تجوز شهادته» (3).

والآخر عن شهادة ولد الزنى، قال: «لا ولا عبد» (4).

والموثق الحاكم برد شهادة العبد (5).

ويراد بـ «لا تجوز» في الأوّل عدم نفوذها، مع احتمال حرمتها.

و على كلّ حالٍ فهو صريح في عدم القبول، ويضعفه ندرة القائل، وموافقته للعامة حتّى صار مشهوراً عند الإماميّة أنّ ردّ شهادة المملوك من مبتدعات الثاني، والرشد في خلافهم، ويرده نقل الإجماع (6)متكرّراً على قبول شهادة العبد في الجملة المعتضد بفتوى المشهور، فلا بد من حمل الأخبار المانعة على التقية، أو على الكراهة، أو على ما إذا كانت على المولى، كما هو الأظهر الأشهر.

وقيل: تُقبل مطلقاً إلا على المولى (7)تسوية بين المولى والوالد في حرمة عصيانه وعقوقه مرجوحية الردّ عليه وإظهار عيوبه وكذبه، ونُسب(8)للأكثر ؛ لعموم الأدلّة، خرج منها ما كان على المولى؛ جمعاً بين الأخبار وموافقةً للاعتبار.

وللصحيح في رجل مات وترك جاريةً ومملوكين فورثهما أخ له فأعتق العبدين فولدت


1) البقرة (2) : 282.

2) وسائل الشيعة 27 : 350، الباب 23 من أبواب كتاب الشهادات، ح 15.

3) المصدر : 348، ح 10.

4) المصدر : 376، الباب 31 من أبواب كتاب الشهادات، ح 6.

5) المصدر : 378، الباب 32 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

6) الانتصار : 499 المسألة 274؛ غنية النزوع 1: 439؛ السرائر 2: 135.

7) المقنعة : 726: الانتصار : 499 المسألة 274؛ النهاية : 331؛ المراسم : 232؛ المهذب 2 : 557؛ السرائر 2 : 135؛ شرائع الإسلام 4 : 120.

8) الناسب هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14 : 207.

الجارية غلاماً فشهدا بعد العتق أن مولاهما أشهدهما أنَّه كان يقع على الجارية وأن الحمل منه، قال: «تجوز شهادتهما ويُردان عبدين كما كانا» (1)وظاهره أنّ الشهادة لمولاهما الحمل على مولاهما الأخ بعد العتق، فلو كان قبله (2).

ويدلّ عليه أيضاً الإجماعات المنقولة، وما نُقل عن كنز العرفان أنَّه قال: وعن أهل البيت روايات أشهرها وأقواها القبول إلا على سيّده(3).

ويؤيده الشهادة على مولاه غالباً من الإقرار في حقّ الغير فيما لو تعلّق بالعبد بجناية أو قصاص أو بيع نفسه أو شرائها من مولاه، ولا يُقبل من العبد هذا الإقرار، كما هو ظاهر الأصحاب، فلو سمعت شهادته على مولاه لسمع إقراره؛ لأنَّه في قوة الشهادة.

وقد يضعف هذا القول بمنع مساواة العبد للولد وأولويته؛ لمكان القياس الممنوع، ومنع صراحة ما في كنز العرفان بالنقل عن أهل البيت ولو سُلّم فهو مرسل يضعف الظنّ بوجوده؛ لعدم عثور قدماء أصحابنا ومتأخريهم عليه، ومنع صراحة صحيح الحلبي (4)، في المنع عن قبولها على السيّد قطعاً، ومفهوم الوصف فيه من كلام الراوي، على أنَّه ضعيف، ومنع صراحة الإجماعات المنقولة بالمنع في القبول على السيّد، بل ظاهر سوقها أنَّها لقبولها بالنسبة إلى غيره، ومنع ملازمة منع قبول إقرار العبد من حيث إنّه إقرار في حقّ الغير لمنع قبول شهادته على سيده في مقام الشهادة، والفرق بين المقامين واضح، ولو سُلّم فهو أخص من المدّعى.

وقيل: تقبل مطلقاً، وحكي عن جماعةٍ (5)لعموم الأدلّة(6)، وخصوص الصحيح: «تجوز شهادة العبد المسلم على الحُرّ المسلم» (7)وإن كان في نسخة: «لا تجوز».


1) وسائل الشيعة 27 : 347 الباب 23 من أبواب كتاب الشهادات، ح 7.

2) كذا قوله : «فلو كان قبله» في الأصل.

3) كنز العرفان : 417.

4) راجع الهامش (1).

5) حكاه عنهم الطباطبائي في رياض المسائل 15 : 308؛ ومنهم : يحيى سعيد في الجامع للشرائع : 540؛ والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14 : 204.

6) البقرة (2): 282؛ الطلاق (65) : 2.

7) وسائل الشيعة 27 : 346 الباب 23 من أبواب كتاب الشهادات، ح 5.

والآخر: «لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً» (1).

وثالث: «إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أجاز الشهادة، وإن أوّل مَنْ ردّ شهادة المملوك عمر» (2).

وفيه: إن القول به،نادر والمنع في الجملة من قبيل المجمع عليه فلا يُترك بحال.

وقيل: لا تقبل مطلقاً إلا على المولى (3): لبعد التهمة فيها، وجمعاً بين الأدلّة.

وهو قول متروك.

وقيل – ونُسب (4)، لابن الجنيد - : تُقبل على مثله وعلى الكافر، دون الحرّ المسلم؛ للجمع بين النصوص.

ولمفهوم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحُرّ المسلم» (5).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب» (6).

ولما روي عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنَّه كان لا يقبل شهادتهم على الأحرار (7).

وضعفه ظاهر؛ لمكان الندرة، ولعدم صلاحيته للجمع بين الأخبار، ولضعف المفهوم الدال على النفي، فلا يصلح مستنداً لمنع قبول شهادته على الأحرار وإن أمكن تقريبه بالاعتبار.

وقيل - ونُسب لأبي الصلاح -: إنّها تُقبل لغير مولاه وعليه، وتُرد لمولاه؛ لمكان التهمة، وعليه (8)لمكان العصيان والعقوق، ولأن فيه جمعاً بين الأخبار.

وضعفه ظاهر؛ لمنع حصول الجمع، ومنع حصول التهمة فيما لو كانت له، ومنع مانعية العصيان لو كان له وتحققها لو كانت منه.

وقيل - ونُسب لابني بابويه - بقبولها لو كانت لغير سيده، ومفهومه: ولو كانت على سيّده،


1) وسائل الشيعة 27 : 345 الباب 23 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

2) المصدر : 345 - 346، ح 3.

3) حكاه المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 120.

4) الناسب هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14 : 210.

5) وسائل الشيعة 27 : 348 - 349، الباب 23 من أبواب كتاب الشهادات، ح 12.

6) المصدر : 348، ح 10.

7) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 6 : 269، ضمن المسألة 19.

8) الكافي في الفقه : 435 ونسبه إليه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 4 : 211.

وردّها لو كانت لسيّده مطلقاً (1)للجمع بين الأخبار، ولقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه في الدين والشيء اليسير» (2).

وضعفه ظاهر؛ لضعف المفهوم، وعدم دلالته على تمام مدعاهما.

وفي رواية عن المكاتب قال: «تجوز شهادته في القتل وحده» (3)ولا قائل بمضمونها.

والأظهر في النظر في الأخبار والعمومات الدالّة على قبول شهادة العدل مطلقاً والأخبار المانعة من قبول شهادة المتهم والاعتبار القاضي بأنّ العبد مملوك وأن ملك الشخص لشيءٍ يزيد من اتهامه على نفسه وما دلّ على انحطاط مرتبته بالنسبة إلى مولاه وعلى أن العبد لا يقدر على شيء، والجمع بين الأخبار المانعة والمجوّزة: إنّ العبد لا تقبل شهادته لمولاه ولو بتزكية شهوده، ولا على مولاه ولو بجرحهم، وتقبل في غير ذلك.

ولكن حكي الإجماع عن الشيخ بل وعن غيره على قبول شهادته له (4)، فإن تم اقتصرنا في ردّ شهادته على شهادته على مولاه فقط، وإلا فالأظهر ما قلناه.

وإذا أُعتق العبد جازت شهادته على مَنْ كان مولاه وله؛ لعدم المانع، إلا أن يكون العتق للشهادة فقد يستشكل فيه؛ لمكان التهمة، لأنَّه كالرشوة حينئذٍ.

والأجود: إنّه لا إشكال؛ لأن العدالة مانعة عن ذلك.

نعم، في رواية: «إنّ العبد إذا شهد على شهادة ثمّ أعتق جازت شهادته إذا لم يردّها الحاكم قبل أن يعتق، وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن أعتق العبد لموضع الشهادة لم تجز شهادته» (5).

ويمكن حملها على أن الحاكم إذا ردّها لفسق كان مستتراً به لم تقبل كما تقدم، أو على أنَّها إذا رُدّت لا يكتفى بها حتّى يعيدها.

ويُحمل ذيل الرواية على الندب لمكان التهمة المحتملة، وفيه دليل على عدم قبول شهادة العبد لمولاه، والمجوز يحمله على التقية.


1) المقنع : 397؛ ونسبه إليهما الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14 : 211.

2) وسائل الشيعة 27 : 347 الباب 23 من أبواب كتاب الشهادات، ح 8.

3) المصدر : 348، ح 9.

4) الخلاف 6 : 269 المسألة :19؛ الانتصار : 499، المسألة 274.

5) وسائل الشيعة 27: 349 الباب 23 من أبواب كتاب الشهادات، ح 13.

الرابعة: في عدم الفرق في العبد بين القن و المكاتب بقسميه

[المسألة] الرابعة: لا فرق في العبد بين القنّ والمكاتب بقسميه وإن كان في المكاتب أبعد في حصول التهمة وبين المملوك كلّه وبين المشترك، فلو شهد المشترك لمالك بعضه على مالك البعض الآخر كان من الشهادة لمولاه على مولاه، وكذا المبعض لو تحرّر منه شيء، فإنّه يلاحظ الجزء المملوك منه منعاً وجوازاً؛ لعموم الأدلّة وخصوصها، وانصرافها لمَنْ كان خالصاً في الرقية، ممنوع.

ونُقل عن الشيخ أنّ المبعض تقبل شهادته على مولاه أو في مقام المنع بقدر الحرّية، وتُرد بقدر الرقية (1)لخبر ابن مسكان عن أبي بصير سأله عن شهادة المكاتب، قال: «تجوز على قدر ما أُعتق إن لم يكن اشترط عليه أنك إن عجزت تُردّ، فإن كان اشترط عليه ذلك لم تجز شهادته حتّى يؤدّي أو يستيقن أنَّه قد عجز» قال: قلت كيف يكون حساب ذلك؟ قال: «إذا كان أدى النصف أو الثلث فشهد لك بألفين على رجلٍ أُعطيت من حقك بحساب ما أعتق النصف من الألفين» (2).

وهذا القول ضعيف؛ لضعف الرواية سنداً، ولإضمارها واشتمالها على قوله: «أو يستيقن أنَّه قد عجز» ولا وجه له ظاهراً، ولإعراض الأصحاب عنها، ولظهورها في ردّ شهادة العبد ولو على غير مولاه، فحملها على التقية أقرب.

ويؤيده ما ورد في صحاح الأخبار في قبول شهادة المكاتب في الطلاق إذا كان معه رجل وامرأة(3)، ولا شكّ أنّ لفظ المرأة إنما جاء تقيّةً، فلا تصلح هذه الرواية مخصصةً لظاهر ضوابط الشهادة وأصالة عدم التبعيض في الأسباب في غير ما دلّ عليه الدليل في الميراث ونحوه، والحمل عليه قياس ممنوع.

ولأن الرقية لو منعت عن قبول الشهادة لمنع قليلها كما يمنع الكل؛ لصدق أن العبد لا تُقبل شهادته، والتبعيض في الشهادة بالنسبة إلى واحدٍ غير معقول وإن عقل تبعيض المشهود به فالشهادة بمنزلة أمر بسيط بالنسبة إلى الشاهد فلا تتجزأ بتجزئ الشاهد.


1) النهاية : 331.

2) وسائل الشيعة 27 : 349 الباب 23 من أبواب كتاب الشهادات، ح 14.

3) المصدر : 348، ح 11.

وبالجملة، لو جاء دليل قوي على ذلك لقلنا به، ولكن ضعيفان يغلبان قوياً فكيف بالأضعف منهما.

وليعلم أنّ ظاهر فتوى الشيخ وظاهر الخبر أن شهادته بالنسبة إلى خبر الحرّ كسائر الشهادات من الانفراد والانضمام فيثبت بشهادته مع اليمين أو مع شاهد آخر بقدر ما فيه من الحرية.

قيل: وعلى الرواية الثانية تكون شهادته كشهادة المرأة فيترتب على شهادته ما يترتب على شهادتها (1).

وهو ضعيف؛ لعدم ظهور الخبر بذلك كما هو ظاهر؛ لأنّ اشتراط رجل وامرأة معه لا يقضي بكونه بمنزلة امرأة، بل هو لازم أعمّ، على أن شهادة المرأة في الطلاق غير نافعة، فلا بد من حملها على التقية.

وذكر في غاية المراد أنَّه يتفرّع على ظاهر الرواية والفتاوي فروع:

منها: لو شهد بمائة فشهد معه آخر كذلك، يثبت بشهادتهما خمسون، ويحلف مع الشاهد الآخر على الخمسين الأُخرى، وظاهر الرواية لا تثبت بشهادتهما الخمسون؛ لأنَّه كالمرأة، فلا يثبت الحق بشاهد وامرأة.

نعم، لو انضم إليهما امرأة ثبت الحق [ بظاهر الرواية ] (2)وعلى ظاهر الفتاوى تثبت بشهادة الثلاثة الخمسون، وله الحلف على الخمسين الأخرى؛ لأنَّه شهد بها رجل وامرأة.

ومنها: لو شهد وحده بمالٍ على سيّده، فعلى ظاهر الفتاوي يثبت نصفه مع اليمين، وعلى ظاهر الرواية لا يثبت؛ لأن اليمين لا ينضم إلى المرأة.

ومنها: لو شهد بالوصيّة ثبت بشهادته الربع على ظاهر الرواية، وثبت النصف مع اليمين على ظاهر الفتاوى إن قلنا بلزوم اليمين هنا.

ومنها: لو شهد على مولاه بالقتل عمداً مع شاهدٍ آخر، فعلى ظاهر الرواية تُردّ شهادته، وعلى ظاهر الفتاوى احتمل ثبوت نصف الدية أو القود بعد ردّ ما قابل الباقي، ويحتمل الردّ هنا، وأشكل منه الحدود (3).


1) راجع غاية المراد 4: 125.

2) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

3) غاية المراد 4: 125 – 126.

وذكر بعض المتأخّرين أنَّه على تقدير سماع شهادته بقدر الحرّية يحتمل لزوم انضمام رجل آخر إليه، ويحتمل العدم، وعلى الأوّل يحتمل القبول بعين ذلك القدر فقط حتّى لو انضم إليه كامل الحرّية وكان مبعضاً بالنصف لم يثبت إلا النصف، قال: وهو الأحوط، ويحتمل تقسيم المشهود به بحسب ما في الشاهدين من الحُرّيّة، فتثبت ثلاثة أرباع، ويُحمل الخبر على انضمام مثله إليه، أو على أنَّه يثبت النصف من الألفين بما فيه من الحرية وبما في إزائه من حرية الآخر، وإن كان يثبت ربعها أيضاً بما في الآخر أيضاً من باقي الحرية، وعلى الثاني يحتمل السماع على قدر ما فيه من الحُرّيّة حتّى لو كانت عُشراً سمعت من العُشر، ويحتمل أن لا تُسمع ما لم يتحرّر ربعه فما زاد، ولا تسمع إلا في الربع إلى النصف.

و على كلّ حالٍ فلا بد من قصر السماع على ما تسمع فيه شهادة امرأةٍ (1).

والأظهر - تفريعاً على كلام الشيخ - أن شهادة المعتق على قدر عتقه على نحو باقي الشهادات، فكما أن المحرَّر كلّه لا بد معه من آخر فكذا المبعض.

ثمّ إنَّه إن اجتمع معه مبعض آخر سمعت شهادتهما فيما اجتمعا فيه من القدر، وبقي الزائد منهما، فيفتقر في سماع الزائد من المشهود به إلى انضمام آخر مثله أو إلى اليمين، ولا يمكن إثبات أنَّه كالمرأة في جميع الأحكام، كما يُفهم من الرواية الأخيرة، غايته أنَّه بمنزلة نصف شاهد، ولا يلزم منه أنّه كالمرأة، ولأنه بمنزلة الشهادة الكاملة، فلا يفتقر إلى انضمام شاهد آخر أو يمين، كما يظهر من الرواية الأولى، ولا أنّ ما زاد على قدره من الشاهد الكامل الحرّية يعاملان بشهادتهما معاملة حُرِّ ونصف حُرِّ، فتثبت ثلاثة أرباع كما تعامل المرأة بشهادتها.

نعم، قد يقال: إنّ الأربعة يثبت بشهادتهم الكلّ لو كانوا مبعضين بالنصف بحيث كل اثنين يثبتان نصفاً غير النصف الذي يثبت بالأوّلين، فلا فرق بين تعدّد المبعضين في الشهادة إلى أن يتم المشهود به وبين تعدّد الاثنين في كل مرتبة حتّى يتم كذلك.

الخامسة: في بيان ما يكون به الشاهد متحمّلاً للشهادة بحيث يجب عليه أداؤها عيناً أو كفاية

[المسألة] الخامسة: يكون الشاهد متحمّلاً للشهادة بحيث يجب عليه أداؤها عيناً أو كفاية بسماع الإقرار أو وقوع العقد أو رؤيته للمشهود به أو لمسه أو شقه في مقام اللمس


1) كشف اللثام 10 : 319 – 320.

والشم، وبعلمه وقطعه، سواء منعه المشهود عليه أو المشهود له عن الشهادة أو استدعياه لذلك أم لم يستدعيا ولم يمنعا، وسواء توصل الشاهد إلى ذلك جهرة أو اختبى أو دلّس نفسه فسمع ذلك أو رآه، كلّ ذلك لعموم أدلّة وجوب الشهادة كتاباً (1)وسنّة (2)وإجماعاً وعقلاً، وتهمة الشهادة بالاختفاء لإنبائها عن الحرص على الأداء فضلاً عن التحمّل ممنوع تحققها، بل هي لازم أعم، ولو سُلّم فممنوع كونها تهمةً شرعية.

نعم، في صحيح ابن مسلم: «إذا سمع الرجل الشهادة ولم يُشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت» (3).

وفي صحيح هشام بن سالم (4)كذلك.

وفي خبر محمّد بن مسلم فيمن يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما سمع منهما، قال: «ذلك إليه إن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد وإن شهد شهد بحقِّ قد سمعه، وإن لم يشهد فلا شيء لأنهما لم يُشهداه» (5).

ونقل القول بمضمون هذه الأخبار عن أبي عليّ والحلبي(6).

وهو ضعيف؛ لمعارضته النقل (7)بل والعقل الدالين على أنّ الشهادة كالأمانة الشرعيّة يجب تأديتها وإن لم تكن بوضع المالك.

ويمكن حمل الأخبار على عدم العلم بانحصار الشهادة فيه وتخليص الحق على شهادة السامع بدون استدعاء، فيجوز الامتناع حتّى يعلم بالانحصار، فإذا علم بانحصار الحق بشهادته وعلم ظلم المشهود له وأنَّه لا تندفع تلك الظلامة إلا بشهادته لزمته الشهادة، بخلاف من استدعي للشهادة فتحمّلها، فإنّه يجب عليه التأدية حتّى يعلم بقيام غيره مقامه، كما يرشد


1) البقرة (2): 283؛ الطلاق (65) : 2.

2) وسائل الشيعة 27 : 312 وما بعدها الباب 2 من أبواب كتاب الشهادات.

3) المصدر : 317، الباب 5 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

4) المصدر : 318، ح 2.

5) المصدر : 318 - 319، ح 5.

6) الكافي في الفقه : 436؛ وحكاه عنه وعن أبي علي العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 8: 533، المسألة 93.

7) وسائل الشيعة 27 : 313 - 314 الباب 2 من أبواب كتاب الشهادات، ح 5.

إليه الموثق: «إذا سمع الرجل الشهادة ولم يُشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت، إلا إذا علم من الظالم فيشهد، ولا يحل له إلا أن يشهد» (1)، وفي آخر مثله (2)، وفي ثالث قريب إليه (3).

وقد تُحمل الروايات على عدم الوجوب العيني؛ لوجود ما يثبت به الحق المشهود به، ويُحمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ولم يشهد عليها» (4)على الاكتفاء عنه بغيره، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيطلبان منه الشهادة (5)على طلبهما مع الاستغناء بقرينة بعد ذلك «لأنهما لم يشهداه» بمعنى استغنيا عنه بغيره، ويُحمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا سمع الرجل الشهادة» (6)على سماعها وهي قائمة عند الحاكم، فيكون الاستغناء عن شهادته أظهر، أو يُحمل على سماع الإشهاد بمعنى إذا سمع أن الشهود يتحملون الشهادة فهو بالخيار في التحمّل، ويُحمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يطلبان» على طلب التحمّل؛ بناءً على عدم الانحصار فيه بالتحمّل، فإن شهد أي تحمّل شهد بحقِّ، وإن لم يشهداه أي لم يحملانه الشهادة فهو بالخيار عند الأداء؛ لقيام غيره بها.

وحاول العلّامة جعل النزاع لفظياً، فنزل عن كلام الشيخ إلى كلام الشيخ، فأوجب الأداء مع العلم بأنه إن لم يقمها بطل حقّ مؤمن قولاً واحداً (7)، فمَنْ أوجب أراد هذه الصورة، ومَنْ خير أراد صورة العلم بعدم الانحصار فيه أو عدم العلم بالانحصار على الوجهين.

السادسة: التبرع بالشهادة في مجلس الحكم يمنع قبولها في ذلك المجلس

[المسألة] السادسة : التبرع بالشهادة عند الحاكم في مجلس الحكم يمنع قبولها في ذلك المجلس؛ للإجماع المنقول (8)، وشهرة الفتوى من الفحول والنبوي في معرض الدم: «ثمّ يجىء قوم يعطون الشهادة قبل أن يُسألوها» (9)وآخَر: «يفشو الكذب حتّى يشهد الرجل قبل


1) وسائل الشيعة 27 : 318 الباب 5 من أبواب كتاب الشهادات، ح 4.

2) المصدر : 320، ح 10.

3) المصدر : 318، ح 2.

4) راجع الهامش (3) من ص 569.

5) راجع الهامش (5)من ص 569.

6) راجع الهامش (1).

7) مختلف الشيعة : 533، المسألة 93.

8) رياض المسائل 15 : 322.

9) مسند أحمد 5 : 587، ح 19319.

أن يستشهد» (1)وثالث: «تقوم الساعة على قوم يشهدون من غير أن يستشهدوا» (2)بضميمة رابع: «إنّها تقوم على شرار الخلق» (3)وتطرق التهمة الشرعيّة الكاشف عنها الإجماع المنقول وفتوى الأصحاب، ولكن يلزم الاقتصار على ما يقطع به من المنع من الإجماع أو من كونه تهمةً شرعاً، وهو ردّها في ذلك المجلس، سواء وقعت قبل الدعوى أو بعدها.

بل يمكن أن يقال: إنَّه لو تراخى المجلس فجدّد المدّعي دعواه فطلب الشهادة فشهد المتبرع شهادة جديدة قبلت وإن لم يجتزاً بشهادته الأولى.

ولكن ظاهر الأصحاب أنّها لا تسمع في ذلك المجلس مطلقاً، كما أن ظاهرهم أنَّها لا تسمع بعد التبرع ولو طلبها المدّعي أو الحاكم بإذن المدّعي؛ لأنّ المانع هو نفس التهمة بالتبرع، لا أنّ المانع هو الشهادة قبل السؤال كاليمين قبل طلبه من المدّعي، بل ذلك مقام آخر تقدّم بيانه.

وكذا يلزم الاقتصار على ما إذا حصل في تبرعه مخايل التهمة، فلو علم بصدور التبرّع منه جهلاً أو كان لبيان أمرٍ آخر أو كان المقام مقام عدم تهمة كالشهادة على صديق أو لعدو أو ممن يعود بها ضرر على الشاهد أو غير ذلك، قُبلت؛ لعدم انصراف دليل المنع إلى هذه الصور.

ويستثنى من ذلك ما لو كانت الشهادة في حقوق عامة كالشهادة على أوقاف العامة، بل والشهادة على أهل الزكوات والأخماس والنذور ومَنْ تعلّق به حقّ عام من أموال الفقراء والمحاويج وكذا الشهادة على الحقوق الإلهية التي يترتب عليها حدّ أو تعزير أو نحوهما؛ لعدم انصراف دليل المنع والردّ لمثل ذلك فتوى وإجماعاً، وللزوم اضمحلال الحقوق وبطلان أثر الحدود؛ إذ لا مدعي لها بالخصوص فلو لم يُسمع من شاهدها قبل استدعاء الحاكم لم يثبت حدّ ولا يبقى حقٌّ، ولأنّ الشهادة في المصالح لو توقفت على تقدّم مدع فيها كانت لا تثبت إلا قدر نصيب المدّعي؛ لاشتراك الجميع في تلك المصلحة، وهو مجهول؛ لتوقفه على نسبة محصورٍ إلى غير محصور، ولأنّ شهادة الشريك لشريكه في حيّز المنع، ولأن المصلحة إذا عمت عدول المؤمنين كانت الشهادة منهم دعوى، فلو توقفت على دعوى غيرهم كان ترجيحاً


1) الجامع الصحيح 4 : 549، ح 2303.

2) مستدرك الوسائل 17 : 446. الباب 46 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2.

3) النوادر الراوندي : 126، ح 148.

من غير مرجّح مع لزوم الدور، ولأن الشهادة بحقوق اللّه تعالى والمصالح العامة نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما واجبان، ولا يُعدّ تأدية الواجب من التبرع، وللجمع بين الأخبار المتقدمة وبين قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أُخبركم بخير الشهود؟» قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: «أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد» (1)ولأنّ التزام تقديم مدّع صورة ثمّ يشهد الشاهدان بعد ذلك تخلصاً من التبرع التزام أمرٍ لا فائدة فيه بعد وضوح كون كل من الشاهدين والمدّعي مدعياً.

ومال بعض المتأخّرين إلى عدم قبول شهادة المتبرع في الحدود والحقوق العامة؛ لابتناء حقوق اللّه تعالى وحدوده على التخفيف فيناسبها عدم ثبوتها بشهادة المتبرع، ولتطرّق التهمة إلى المتبرع فلا تُقبل شهادته مطلقاً؛ لعدم قبول شهادة المتهم، وتقييدها بغير حقوق اللّه تعالى تقييد من غير دليل، وأداء عدم القبول إلى سقوط الحقوق لا يوجب التقييد؛ لالتزام جواز سقوطها ما لم يدعها مدّع ويطلب الحاكم الشهادة سيما مع الحكم بابتنائها على التخفيف، وأيضاً لو سقطت في مجلس التبرع لا تسقط في مجلس آخر فتعاد ويثبت الحق، والرواية الأخيرة ضعيفة سنداً ومتناً؛ لعمومها لحقوق المخلوقين ولا قائل به، فلا تصلح مقيدة (2).

وهو حسن لو ثبت عموم المنع للتهمة وأنّ التبرع بالشهادة تهمة مطلقاً، وفي المقامين كلام تقدّم وجهه (3).

ولو كان الحق مشتركاً كالسرقة قبلت شهادة المتبرع في حقّ اللّه دون حقّ الناس، مع احتمال عدم القبول مطلقاً؛ تغليباً لحق الناس والقبول مطلقاً؛ تغليباً لحق اللّه تعالى وأولى بالاحتمالين مع قوة القبول لو لم نقل بتوزيع الحقين.

وذكر بعض المتأخّرين احتمال القبول في الطلاق والعتق والرضاع والخلع والعفو عن القصاص والنسب؛ لغلبة حقّ اللّه تعالى فيها، ولذا لا يسقط بالتراضي (4).

وفيه: إنّ في هذه ما هو حقّ للمخلوق، وعدم السقوط بالتراضي لا ينافي ذلك بعد قيام الدليل على عدم صحة سقوطه بالإسقاط.


1) صحيح مسلم 3: 1344، ح 1719؛ سنن أبي داود :3: 304 – 305، ح 3956؛ الجامع الصحيح 4: 544، ح 2295.

2) رياض المسائل 15 : 324 – 325.

3) تقدّم في ص 570.

4) كشف اللثام 10: 313.

وذكر أنّ في شراء الأب إذا ادّعاه هو أو ابنه وجهان من أن الغرض عتقه والغالب فيه حقّ اللّه تعالى، ومن توقفه على العوض الذي لا يثبت، ويقوى الثبوت إذا ادعاه الابن؛ للاعتراف بالعوض، والفرق بينه وبين الخلع أنّ العوض غير مقصود في الخلع، بخلافه في الشراء، فيمكن ثبوت الطلاق دون العوض، ويمكن ثبوت العوض فيهما تبعاً لحق اللّه تعالى (1).

السابعة: فيما لو تاب الفاسق فهل تقبل شهادته بمجرد توبته؟

[المسألة] السابعة: لو تاب الفاسق ولم يكن متهماً بتوبته، فهل تقبل شهادته بمجرد توبته، أم لا بد من أن يستبان أمره على الصلاح بالمعاشرة والمخالطة؟ قيل - ونُسب للشيخ - (2): إنّه يكفي في قبول شهادة الفاسق أن يقول: «تُبتُ» عقيب قول الحاكم له: «تُبْ أقبل شهادتك» لصدق التوبة المقتضي لعود العدالة، مع انتفاء المانع، فيدخل في عموم قبول شهادة العدل.

وفيه: إنّه لا يتم ذلك إلا بشهادة من فسق بعد عدالته وبأنّ الفسق بعد العدالة رافع لحكمها لا لنفس العدالة، وكلاهما في محلّ نظر.

أما الأوّل: فلأنّ محلّ البحث فيما هو أعم من الفاسق الابتدائي ومن الذي فسق بعد عدالته.

وأما الثاني : فلإمكان القول بأنّ فعل الكبيرة موجب لذهاب العدالة وزوال الملكة، فعودها يحتاج إلى ما يحتاج إليه ثبوتها من ثبوت عود العدالة إلى الصحبة المتكرّرة والخلطة المتأكدة المنبئة عن حصول الملكة بعد زوالها، ولا يكفي رفع نفس الفسق في قبول الشهادة لو قلنا: إنّ التوبة ترفع الفسق، بل لا بد من ثبوت العدالة، ولذا لو لم يتصف الإنسان بفسق ولا عدالة كحالة أوّل البلوغ وأوّل إفاقة المجنون أو إسلام الكافر حيث جب الإسلام ما تقدمه، أشكل الحال في قبول شهادتهم؛ لاشتراط القبول بالعدالة، لا بنفي الفسق على الأظهر وإن كانت آية النبأ (3)قد تدلّ على ذلك، ولكن غيرها يدلّ على خلافه، على أن مجرد إظهار التوبة ليس دليلاً حقيقياً عليها حتّى يُعلم حصولها بالمخالطة والاستمرار أو العلم بقرائن الأحوال؛ لأنها من الأمور الباطنية المفتقرة إلى الاستخبار والاستعلام، ومجرّد صدور ما يدلّ عليها من صيغة


1) كشف اللثام 10 : 313.

2) المبسوط 8: 179.

3) الحجرات (49) : 6.

التوبة غير كافٍ، إلا بضميمة أصالة الصحّة، وقيام أصالة الصحّة هنا في قبول الشهادة مقام العلم محلّ تأمل بل منع.

نعم، يكفي هنا بعد إظهار التوبة إظهار الصلاح في الجملة والاستمرار على أثرها كذلك ولا يشترط فيها كما يشترط فيمن لم يُظهر التوبة أصلاً سيما لو تقدمت عدالته، وكذا لو قطعنا بصدق توبته، فإنّ الأظهر عدم الاكتفاء بذلك حتّى يستمر على إصلاح حاله زمنا يطمئن بعود عدالته فيه.

وقيل بالثاني (1)، وهو المشهور؛ استناداً إلى جملة ما ذكرناه في الردّ على الشيخ (رَحمهُ اللّه)، وإلى أن التوبة لقبول الشهادة غير مجزئة؛ لاشتراط الإخلاص فيها ونية القربة، ولاشتراط كون الداعي فيها هو قبح الذنب حتّى يتحقق الندم على ما فات والعزم على عدم صدور مثله، والتوبة لقبول الشهادة منافية للأمرين معاً.

وقد يناقش في اشتراط القربة والإخلاص في التوبة، وفي جعلها عبادة بالمعنى الأخص بل الظاهر كفاية وقوعها على أي نحو اتفقت، فهي إلى كونها معاملة أقرب، وفي اشتراط كون الداعي لها هو قبح الذنب لا أمر آخر، بل الظاهر كفاية وقوعها خوف العقاب أو خوف وقوع أمور دنيوية أو طمعاً في أمور أخروية أو دنيوية، على أن معرفة الغاية لا تترتب على إظهار إصلاح العمل وعدمه، فربما يستمر التائب على توبته وغايته أمر دنيوي، وربما يقولها ويعرف من الابتداء أنّ غايته الإخلاص.

نعم، في جملة من الأخبار (2)ما يظهر منها أنّ مجرّد التوبة سبب لقبول الشهادة، وهي محمولة على مَنْ عُرف صلاح حاله وعود الملكة إليه بمجرد التوبة كما يقع من كثير.

ويجوز تبعيض التوبة من الذنوب أنواعاً وأشخاصاً، ويلزم فيها الندم على ما تقدّم والعزم على العدم.

ولا يشترط فيها لفظ خاص، بل لو فعلها بقلبه أجزاً، وإن كان الأولى إظهارها باللفظ.


1) ممّن قال به المحقق الحلّي في شرائع الإسلام 4 : 120؛ والعلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 497؛ والطباطبائي في رياض المسائل 15 : 316.

2) وسائل الشيعة 27 : 383 و 384 الباب 36 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2، 3 و 5.

وهل الاستغفار اللفظي مع تعقيبه بلفظ التوبة عند عدم الندم والعزم على العدم عبادة تعبدية أو لا تكون عبادةً إلا مع ذلك؟ يظهر من الأخبار أنّها عبادة مطلقاً بنفسها (1)، ولولا ذلك لكان أقرب إلى المعصية؛ لدخولها فيما (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (2)فهي إلى الكذب والمكر أقرب والله هو الساتر.

ويظهر ممّا ذكرنا من جواز تبعيض التوبة جواز التوبة عن فعل دون التوبة عما ترتب عليه من ترك واجب أو فعل محرّم، فيصح أن يتوب عن القتل وإن لم يمكن نفسه للقصاص، وعن غصب الأموال ابتداءً وإن ماطل عن وفائها، وعن الزنى وإن منع نفسه من الحد، وعن السرقة وإن امتنع عن ردّها.

وبالجملة، قد يتوب عن ابتداء المعصية وإن لم يتب عمّا ترتب عليها من قضاء صلاة فوتها أو أداء مال غصبه، أو عمّا استدام عليه من آثار فعلها وإن كان هو في الأخير أشكل، فلا بد من ملاحظة المقامات ومع ذلك فالتوبة الحقيقية المنجية صاحبها والمصفّيّة له عن الكدورات والمرقية له إلى أعلى الدرجات أن يتخلّى بعد التوبة عن تبعات ذلك الذنب وعن شوائبه وما يلحقه من الأوزار، فقد قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «التوبة تجمعها [ ستّة أشياء ] على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، وردّ المظالم واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة اللّه كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي» (3).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد سمع قائلاً يقول: أستغفر اللّه، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستّة معانٍ: أولها: الندم على ما مضى، الثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً، الثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى اللّه سبحانه ليس عليك تبعة، الرابع: أن تعمد إلى فريضةٍ ضيعتها فتؤدي حقها، الخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتّى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد، السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية» (4).


1) وسائل الشيعة 7: 180، الباب 26 من أبواب الذكر، ح 1.

2) الفتح (48) : 11.

3) الكشاف 4 : 129 وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

4) نهج البلاغة : 745. الحكمة 417.

إلى غير ذلك ممّا كان المقصود منه الفرد الكامل من التوبة أو المتعلقة بكل ذنب أو بكل ترك مندوب أو ارتكاب مكروه، فإنّ الظاهر ندب التوبة عن ترك المندوبات وعن ارتكاب المحرمات بل عن فعل المباحات ما عدا ما يتقرب به إلى رب الأرضين والسماوات.

وتتحقّق التوبة عن غصب أموال الناس بإرجاعها بعد موتها إلى أهلها الوارثين لها، فالمطالب هو الوارث حتّى لو رجع إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان هو المطالب.

وعلى ذلك فيمكن إرجاع الجميع إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لأنَّه بعد فناء الورثة يبقى المال له.

ويمكن أن يكون المطالب هو اللّه تعالى؛ لأنَّه هو الذي يرث الأرض ومَنْ عليها.

نعم حقّ الظلم وحقّ الحبس يبقى لصاحب المال الأوّل ولمن بعده من ورثته فيطالبون به قطعاً، والله تعالى يفصل بينهم.

وفي بعض الأخبار: «إنّ الدَّين إذا صولح عنه الورثة كان المصالح به لهم، وما بقي للميّت يستوفيه منه في الآخرة، وإن لم يصالح به الورثة كان للميّت يأخذه منه» (1).

ولا بأس بالعمل به والقول بأن المال عند انقطاع الوارث يعود لصاحبه الأول؛ لاجتراء الغاصب عليه فيعود حقه له.

والتوبة عن أذى المؤمن وغيبته وشتمه وإهانته وضربه والتقصير مع زوجته والجرأة على والديه فينبغي لها مع الندم على الماضي والعزم على عدم المستقبل الرجوع إلى صاحب الحق وإرضائه وبراءة ذمته منه، بل قد يجب في كثيرٍ من المقامات، فتكمل التوبة بذلك، بل ينبغي في كثير من الحقوق الإلهية تنقية النفس وصقلها عن الخبائث ورفع ظلم المعاصي منها بنور الطاعات، فإنّ الحسنات يذهبن السيئات وطيب الطاعة يرفع خبث المعصية، كما أنّ مَنْ لم يتمكن من الوصول إلى صاحب الحق - كالمستغاب أو المقذوف - لموت أو تقيّة ينبغي له إيصال الإحسان إليه في الدنيا أو الآخرة والاستغفار له بعد موته، وكثرة الأعمال الصالحة لنفسه كي يفصل اللّه تعالى ذلك الحق ويحكم بينهما بلطفه وهو اللطيف الخبير.

الثامنة: حكم ما لو تبين عدم قبول شهادة الشهود عند الحاكم

[المسألة ] الثامنة: الحاكم بعد حكمه لو تبين له عدم قبول شهادة شهوده عند الحكم لفسق


1) وسائل الشيعة 18 : 446 الباب 5 من أبواب كتاب الصلح، ح 4.

أو تهمة أو كونه ولداً أو عدواً نقض حكمه، وللحاكم الآخر أيضاً كذلك، سواء كان التبين لعلم عادي أو لبينة شرعية قامت بذلك، كما إذا أقامها المنكر على المدّعي عند ذلك الحاكم أو غيره.

وتسمع دعوى المنكر على المدّعي لو ادعاه بذلك.

نعم، لا تسمع الدعوى على الحاكم. وقد يقال: لا تُسمع الدعوى مطلقاً بعد حكم الحاكم؛ للزوم ذلك عدم استقرار الحكم للحكام والتسلسل في الدعاوي.

نعم، لو علم ذلك من أمور خارجيّة أو قرائن قطعيّة انتقض الحكم، بل قد يقال بكفاية ظاهر العدالة عند الحاكم حين الحكم، ولا عبرة بالفسق الواقعي، ويقوى بالنسبة إلى الفسق عدم سماع الدعوى والبيّنة بالجرح بعد حكم الحاكم وإن قلنا بسماعها في غير ذلك؛ لأنّ ثبوت الفسق بالبيّنة بعد حكم الحاكم وظهور العدالة عنده ليس بأقوى من ثبوت الحق بحكم الحاكم ممّن ظاهره العدالة، فيحصل الشكّ في جواز نقض الحكم بعد صدوره بالفسق الثابت بالشاهدين بعده وإن كان ثبوته حين الحكم.

التاسعة: في قبول شهادة القروي على البدوي وبالعكس

[المسألة] التاسعة: تُقبل شهادة القروي على البدوي وبالعكس؛ لعموم الأدلّة وشهادة مجهول النسب والمطعون في نسبه إلى بني أُمية أو مروان، وذوي الصنائع والحِرَف وإن كانت رديئةً ما لم تكن تشتمل على ما ينافي المروءة.

ولا تقبل شهادة ولد الزنى الثابت أنَّه كذلك شرعاً؛ للأخبار (1)والإجماع المنقول (2)وفتوى المشهور، ولضعف درجته من منصب قبول الشهادة كالإمامة، لا لكفره وعدم إسلامه؛ لمنع ذلك حسّاً وشرعاً، ولمنافاته قواعد العدل.

وما ورد من الأخبار (3)ما ظاهره ذلك محمول على المبالغة أو على أولاد الزنى من النواصب بل هم أولاد الزنى، أو مطرحة.


1) الخلاف 6: 309، المسألة 57.

2) وسائل الشيعة 27 : 374 - 375 الباب 31 من أبواب كتاب الشهادات.

3) بحار الأنوار 5 : 285، ح 4 و 5.

نعم، ورد في رواية قبول شهادته في اليسير من المال مع تمسكه بالصلاح (1).

وهي غير قابلة لتقييد أدلّة المنع، فلتُطرح، أو تُحمل على التقية أو على الكناية عن عدم القبول، فلا يراد باليسير اليسير العرفي، بل يراد به اليسير الحقيقي، وهو غير متحقق؛ إذ كلّ مالٍ يُفرض فهناك أقلّ منه إلى أن يصل إلى ما لا يتموّل.


1) وسائل الشيعة 27 : 376 الباب 31 من أبواب كتاب الشهادات، ح 5.

القول فيما يصير به الشاهد شاهداً

في أنَّه لا يشهد الشاهد إلا بالجزم المستند إلى الحسّ أو إلى الضرورة أو بالقطع بالأدلّة والبراهين

لا يشهد الشاهد إلّا بالجزم المستند إلى الحسّ كالبصر والسماع والذوق واللمس والشم أو المستند إلى الضرورة، أو القطع بالأدلّة والبراهين كالشهادة بالوحدانية والرسالة، أو التواتر، ككثير من المتواترات، أو تآخم ظنون وأمارات تفيد القطع، كالشهادة بالإجماع المنقول ولا يجوز للشاهد أن يشهد مع الظنّ على الإطلاق؛ للإغراء بالقبيح، ومتى قرن شهادته بالظنّ أو عرفنا منه الظنّ رُدّت شهادته، كل ذلك بالإجماع بقسميه (1)على سبيل الجملة، ولظاهر أدلّة الشهادة والأمر بها والإلزام بقبولها، حيث إنّ لفظها ظاهر في العلم والجزم والقطع، ولخصوص الأخبار الخاصّة الدالّة على أنّ الشهادة على مثل الشمس أو يَدَعُ (2)، وأنها مثل كفّك(3)، وللنهي عن اتباع الظنّ (4)، ولقوله تعالى: (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (5)في قولهم، فشهد بعدم إيمانهم وجزمهم.

هل تجوز الشهادة على الشيء الثابت شرعاً على الإطلاق؟

وهل تجوز الشهادة على الشيء الثابت شرعاً على الإطلاق من دون أن يُقرنها الشاهد بقرينة تدلّ على سبب الشهادة ومستندها، فهل له أن يشهد بالشيء لاستصحابه، أو يشهد به لقيام البيّنة عليه، أو يشهد بالملك لقضاء اليد، أو يشهد به لقيام الشياع عليه حيث يعتبر الشياع فيه، أو يشهد به لإخبار ذي اليد به، أو يشهد به لكفاية الظنّ بإثباته، كما يشهد بالإعسار لثبوته بالأمارات عنده، وكما يشهد بالعدالة لكفاية حسن الظاهر أو المخالطة المفيدة للظن، يشهد بملكات جاز البناء فيها على الظن، أو يشهد على ما قضى الأصل بثبوته، كالطهارة والحلّ، أو يشهد على ما جعل الشارع الظاهر دليلاً عليه؟ إلى غير ذلك.


1) رياض المسائل 15 : 362.

2) وسائل الشيعة 27: 342 الباب 20 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

3) المصدر : 341، ح 1.

4) الإسراء (17) : 36.

5) المنافقون (63) : 1.

ومقتضى تلك الضابطة عدم صحة الشهادة على الإطلاق إلا مع البيان للسبب.

نعم، مع البيان يقع الكلام في قبول شيءٍ وعدم آخر، فيمكن قبول الحاكم للشهود به القطعي، كما يشهد الشاهد بوقوع القرض الذي هو سبب الدين، ويحكم هو باستصحابه، لا بنفس الشهادة به لاستصحابه وكما يقبل الشهادة باليد فيحكم هو بالملك لظاهر اليد، وكما يقبل الشهادة بالشياع فيحكم بوقوع الشياع.

ولكن في كلام الأصحاب وبعض الأخبار اضطراب.

ويظهر من كلام كثير من الأصحاب جواز الشهادة بالشيء لمكان ثبوته عند الشاهد بالشياع، كما تجوز الشهادة بنفس الشياع.

وكذا تجوز الشهادة بالملك لمكان ثبوته عند الشاهد بالتصرّف أو اليد أو هما معاً أو هما مع الشياع، ونُسب (1)- كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى - للأكثر (2)، وربما يظهر نقل الإجماع عليه (3).

وفي الأخبار (4)، ما يدلّ على جواز الشهادة بالملك لمكان اليد القاضية بالملكية، كما يجيء إن شاء اللّه تعالى بل في بعض الأخبار جواز الشهادة بموجب الاستصحاب وإن لم يشهد بنفس الأمر المستصحب ولم يذكر عند الحاكم مستند شهادته.

ففي الصحيح: الرجل يكون في داره ثمّ يغيب عنها ثلاثين سنة ويدع فيها عياله ثمّ يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث في داره ولا ما أحدث له من الولد، إلا أنا لا نعلم أنَّه أحدث في داره شيئاً ولا حدث له ولد ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتّى يشهد شاهدا عدل أنّ هذه دار فلان بن فلان مات وتركها ميراثاً بين فلان وفلان، أو أشهد على هذا؟ قال: «نعم» قلت: الرجل يكون له العبد والأمة فيقول: أبق غلامي وأبقت أمتي فيؤخذ فيكلّفه القاضي البيّنة أن هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه، أفنشهد على هذا إذا كلفنا ونحن لم نعلم أنَّه أحدث شيئاً ؟ فقال (عَلَيهِم السَّلَامُ): «كلّ ما غاب عن يد المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به» (5).


1) الناسب هو الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14 : 235.

2) سيأتي في ص 593.

3) رياض المسائل 15: 390.

4) وسائل الشيعة :27 292 الباب 25 من أبواب كيفية الحكم...،ح 2.

5) المصدر : 336 - 337 الباب 17 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2.

وفي التنقيح : يكفي حصول العلم بالمشهود به حين التحمّل وإن جوّز حصول النقيض فيما بعد في كثير من الصور، كالشاهد بدَيْنِ [ مع تجويز ] وفائه، والشاهد بزوجيّة امرأة مع تجویز طلاقها، بل يكفيه الاستصحاب (1).

وفي كلام جملة من الأصحاب (2)جواز الشهادة بالإعسار لمكان الأمارات المثبتة له. وفي بعض الروايات جواز شهادة الشاهد بثبوت الحق أو الإقرار على امرأة يعرفها شاهدان يشهدان عنده (3).

وفي بعض آخر: جواز شهادة الشاهد على ما رآه بخطه وخاتمه وإن لم يذكر القضية ولم يعرف حالها ولم يذكر حقيّة خطه ولم يذكر كيف صدور الخط منه إذا شهد معه ثقة وكان المدّعي ثقة (4)، وأفتى به جمع من الأصحاب (5).

ويظهر من كثير منهم (6)الاكتفاء بانضمام ثقة إليه وإن لم يكن المدّعي ثقةً.

وجميع ما ذكرنا مخالف لضابطة اشتراط العلم في الشهادة، وإن جوزنا إطلاق الشهادة فيه مع ذلك لزم الكذب والإغراء، وإن جوّزناه مقيّداً باستناده إلى الأمر الظنّي كانت من الشهادة الظنّيّة المنافية لتلك الضابطة، إلا أن نخرج عن ذلك بالدليل.

وتمام الكلام يحتاج إلى بيان أمور:

أحدها: عدم جواز الشهادة بما يثبت شرعاً عند الشاهد بالبيّنة العادلة

أحدها: لا تجوز الشهادة بما يثبت شرعاً عند الشاهد بالبيّنة العادلة وإن تكثرت ما لم تبلغ الاستفاضة والشياع فيقع فيها كلام آخر يأتي إن شاء اللّه تعالى (7).

نعم، تجوز الشهادة عنهما تحمّلاً من باب شهادة الفرع، لا شهادة أصلية. ونُقل عن الشيخ


1) التنقيح الرائع 4 : 310؛ وما بين المعقوفين أثبتناء من المصدر.

2) منهم العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام 3: 502.

3) وسائل الشيعة 27 : 401 - 402، الباب 43 من أبواب كتاب الشهادات.

4) المصدر : 321 - 322 الباب 8 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

5) منهم علي بن بابويه على ما في مختلف الشيعة 8: 530، المسألة 92.

6) كالشيخ المفيد في المقنعة : 728؛ والشيخ الطوسي في النهاية : 329 - 330 وسلار في المراسم : 234؛ وابن البراج في المهذب 2 : 561 وابن الجنيد على ما في مختلف الشيعة 8: 530، المسألة 92.

7) يأتي في ص 584.

جواز الشهادة بما يشهد به الشاهدان في مقام سماع الشهادة بالاستفاضة؛ معللاً بأن جواز الشهادة بالاستفاضة لمكان الظنّ المعتبر شرعاً عند الشاهد، وهو بعينه حاصل بالبيّنة، فجازت الشهادة بما قامت به البيّنة كما جازت بما جاءت به الاستفاضة.

وفيه أوّلاً: منع ثبوت المقيس عليه؛ لأنّا قد نمنع جواز الشهادة بالمستفيض عند الشاهد ما لم يبلغ حدّ العلم أو يبين السبب فيقول: شهدت بذلك بالاستفاضة، فيكون قرينة على إرادة الشهادة بالمظنون فيدفع بذلك قبح الإغراء والكذب اللازم من ظاهر الشهادة؛ لأنّ ظاهرها القطع، ومع التصريح بسبب الشهادة تكون الشهادة بنفس السبب وهي نفس الاستفاضة، فيثبت بذلك ما يثبت بالاستفاضة، وينتفي ما لم يثبت بها.

وبالجملة، فالجائز هو الشهادة باستفاضة الشهود به، لا الشهادة بنفس المستفيض لمكان استفاضته.

وثانياً: نمنع كون العلة في المقيس عليه هو الظنّ، بل لعلّ العلة هو نفس الاستفاضة، وهو الظنّ الخاصّ كما هو الظاهر، أو أنّ الحكم تعبدي للدليل أو لمكان العسر والحرج.

نعم، ورد في بعض الروايات جواز الشهادة على عين امرأةٍ لا يعرفها الشاهد لمكان مَنْ يعرفها (1).

ولعلنا نقول به؛ لمكان العسر والحرج، وللرواية المشعرة بذلك، فكأن الشارع اكتفى بالظنّ هنا في الشهادة.

وظاهر الرواية جواز الشهادة عليها بمجرد حصول الظنّ من العارفين بها وإن لم يكونوا عدولاً. ولكنّه خلاف القواعد، ومع ذلك فالحكم به من أصله مشكل؛ للضوابط الدالّة على لزوم القطع في الشهادة وللزوم الإغراء والقبح عند إظهار الشهادة من دون استناد إلى شهادة مَنْ يعرفها، ومع التصريح به تكون كالشهادة المروية في مكاتبة الصفار الصحيحة الدالّة على أنّ الامرأة المشهود عليها تتنقب وتظهر للشهادة، بعد سؤاله عن جواز الشهادة عليها بشهادة رجلين عدلين أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك (2)، وظاهرها عدم جواز الشهادة بشهادة الشاهدين، وهو الأقرب للقواعد.


1) وسائل الشيعة 27 : 401، الباب 43 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

2) المصدر، ح 2.

ويمكن الجمع بين الأخبار بحمل الأخبار الأول على حالة العلم بشهادة الشاهدين، لا على حالة حصول الظن بشهادتهما.

ثانيها: جواز الشهادة بالإعسار و إن كان الاطلاع عليه بالأمارات المفيدة للظنّ القوي العادي

ثانيها: تجوز الشهادة بالإعسار وإن كان الاطلاع عليه بالأمارات المفيدة للظنّ القوي العادي، كرؤيته دائماً مهموماً صابراً على الجوع يطلب القرض فلا يجده.

ولا يقتصر في الشهادة بذلك إلى ذكر مستند الشهادة ولا يلزم عليه الإغراء والكذب؛ لأن المعروف من الشهادة بالإعسار هو الاكتفاء بما يفيد الظن بثبوته؛ لعسر تحصيل العلم به غالباً.

ومثله الشهادة بالعدالة، وكذا بالفسق، حيث يرى الجارح أنَّه فعل حراماً ظاهرياً وإن احتمل صدور ذلك عن سهو أو جهل أو نحو ذلك.

وكذا جميع الملكات الباطنية حتّى الاجتهاد، فيكفي فيه الظنّ العادي من تصنيف الشخص وتدريسه في كثير من المقامات وبحثه وانتقاله في كثير من الأصول إلى فروعها.

وهل يجوز للمتحمّل للشهادة على ما مَنْ لم يعرفه أن يشهد عليه إذا شهد عنده شاهدان على تعيينه؟ وجهان، الأقرب المنع.

ثالثها: لا تجوز الشهادة على أمر قد كتبه بخطه و اسمه ما لم يعلم بوقوعه

ثالثها: لا يجوز أن يشهد على الأمر الذي قد كتبه بخطه واسمه ما لم يعلم بوقوعه؛ للأصل المتقدم من اشتراط العلم في الشهادة.

ولخبر الحسين بن سعيد في مكاتبة جعفر بن عيسى: في جيران أتوا إليَّ بكتاب زعموا أنّهم أشهدوني على ما فيه وفي الكتاب اسمي بخطي قد عرفته ولست أذكر الشهادة وقد دعوني للشهادة فأشهد لهم على معرفتي أنّ اسمي في الكتاب ولست أذكر الشهادة؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا تشهد» (1).

نعم، ورد في صحيحة عمر بن يزيد فيمن عرف خطه وخاتمه أن له أن يشهد إذا كان المدّعي ثقةً وكان معه شاهد آخر ثقة (2)، وأفتى بذلك جمع من أصحابنا (3)، ونُسب إلى مشهور


1) وسائل الشيعة 27 : 322 الباب 8 من أبواب كتاب الشهادات، ح 2.

2) راجع الهامش (4) من ص 581.

3) راجع الهامش (5) من ص 581.

القدماء (1)وإن ظهر من بعضهم اشتراط وثاقة الشاهد والمدّعي معاً (2)، وظهر من الأكثر نقلاً اشتراط وثاقة الشاهد فقط (3)، فالقول بها متجه لصحتها وشهرتها بين القدماء نقلاً، ولكن مع ذلك كله فالتعويل عليها مشكل؛ لمعارضتها لعموم ما دلّ على اشتراط العلم في الشهادة مطلقاً(4)، وهو أقوى منها سنداً وعدداً، ومع ذلك فهو معتضد بشهرة فتوى المتأخّرين، وهي أقوى من شهرة القدماء لو سُلّم،ثبوتها، على أن بين مدلول الرواية ومدلول العمومات المتقدمة عموماً من وجه، والترجيح لجانب العمومات المعتضدة بظاهر الكتاب والسنّة، وحينئذٍ فلا بدّ من حمل الرواية على حصول العلم لصاحب الخط من مجموع خطه وبشهادة الثقة معه وضبطه للمشهود به أو مع وثاقة المدّعي، أو على جواز الشهادة بذلك مع ذكر السبب، ويكون نفس الخطّ مع الشاهد الثقة مثبت للحق للدليل.

رابعها جواز الشهادة بنفس اليد وبنفس التصرّف وفيهما معاً

رابعها: تجوز الشهادة بنفس اليد وبنفس التصرف وفيهما معاً، ويثبت الملك بتلك الشهادة قطعاً، وكذا تجوز الشهادة بالاستفاضة فقط وبها مع اليد أو التصرف أو كليهما، ويثبت بتلك الشهادة الملك.

إنّما الكلام في جواز الشهادة بنفس الملك على وجه الإطلاق من دون ذكر السبب في هذه كلها، فيجوز للشاهد المطّلع على الاستفاضة أو اليد أو التصرف أو المركب من الاثنين أو الثلاثة بأن يشهد بالملك حتّى لو اطلع على ذلك الحاكم لقبلها منه، أو لا يجوز للشاهد ذلك حتّى يذكر السبب أو يشهد بنفس السبب؟

وهنا أمور :

أحدها: في أنَّه تقبل الشهادة بنفس الاستفاضة المفيدة للعلم والمفيدة للظنّ

أحدها: تُقبل الشهادة بنفس الاستفاضة المفيدة للعلم والمفيدة للظنّ في مقام يثبت بمضمونها الأمر المستفيض، وكذا تجوز الشهادة بالمستفيض مع اقترانه بذكر السبب كي لا يلزم الإغراء للحاكم.


1) رياض المسائل 15 : 398.

2) راجع الهامش (4)من ص 581.

3) راجع الهامش (5) من ص 581.

4) راجع الهامش (2 و 3) من ص 579.

وهل تجوز الشهادة بالمستفيض القطعي عند الشاهد على وجه الإطلاق أو بالمستفيض الظنّي كذلك ؟

وهل يقبلها الحاكم لو اطلع على أن شهادته بمجرد الاستفاضة، أم لا يقبلها، أو يقبلها في بعض الصور دون بعض؟

وتبنى المسألة على أن الشهادة يشترط فيها العلم في المشهود به حين الأداء كما صرّح به الأصحاب، سواء حصل له ذلك حين التحمّل فاستمر أو بعد التحمّل الظنّي، ويشهد به الإجماع وظاهر الكتاب والسنّة، وينبئ عنه لفظ الشهادة، ويدلّ عليه ما جاء من النهي عن اتباع الظنّ (1)، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «على مثل الشمس» (2)وفي آخر: «على مثل كفّك»(3)فالأصل في الشهادة العلم إلا ما خرج بالدليل، فعلى هذا لا يجوز للشاهد أن يشهد مع عدم العلم، ولا تقبل شهادته لو عرفنا ذلك منه.

ولو أطلق لفظ الشهادة مع الظنّي، كان فسقاً وجرحاً.

والمراد بالعلم هو قطع الشاهد بما شهد به بحيث لا يحتمل عدمه احتمالاً عادياً، فلا يقدح الاحتمالات البعيدة التي لا يعتد بها كالصادرة من الأمزجة السوداوية والخيالات الصفراوية كسفسطات الأشعرية والصوفية، كما لا يدخل في العلم الظنّ المتاخم وإن اعتبره الشارع في بعض المقامات.

وهل يشترط في الشهادة أداءً وقبولاً إدراك المشهود به بإحدى الحواس، كالرؤية للمرئي والسمع والشم والذوق واللمس للمسموع والمشموم والمذوق والملموس، وقد يعبر عن الجميع بالرؤية، كما في خيار الرؤية، فلا يكفي حصول العلم بالتظافر والتواتر والإجماع والقرائن العقلية والأدلّة البرهانية في تأديتها، ولا في قبولها عند الحاكم وإن لزم العالم العمل بعلمه، أم لا يشترط ؟ يظهر من بعضهم اشتراط ذلك (4)لأصالة عدم قبول الشهادة إلا بالمقطوع به ولإنباء لفظ الشهادة عن ذلك؛ لأنّها الحضور لظهور بعض الأخبار بذلك، كما تقدم (5).


1) الإسراء (17) : 36.

2) راجع الهامش (2) من ص 579.

3) راجع الهامش (3) من ص 579.

4) راجع رياض المسائل 15: 363 - 364.

5) راجع الهامش (2 و 3) من ص 579.

والأقوى عدم الاشتراط؛ لأن الأصل مقطوع، ولفظ الشهادة هي الإخبار عن علم، فلا يدخل فيها الحضور، والروايات محمولة على المبالغة لعدم قابليتها لتخصيص ما دلّ على أن الشهادة بالعلم كافية، وفي رواية معاوية بن وهب: «اشهد بما هو علمك» (1).

وخيال أن القطع قد يتخلّف فلا يصح الاعتماد عليه، معارض بما كان عن الحسّي أيضاً، على أن شهادتنا بالوحدانية والرسالة ووجود مكة والضروريات كله من ذلك القبيل.

نعم، لو كان من سبب لا يفيد القطع غالباً، كالقطع بخبر الواحد التقي الزكي واطلع عليه الحاكم، فلا يبعد القول بعدم قبوله؛ لمكان الاسترابة.

وكذا لو كان القطع لحدسيّاتٍ وفراساتٍ يقطع بها كثير من أهل الذكاء والفطنة، فإنّ الأظهر فيه عدم القبول.

وعلى كل حال فلا يجب على الحاكم السؤال بعد أن يقول الشاهد: أشهد، بل ولو قال: أقطع وأعتقد، فكذلك.

ومما ذكرنا ظهر أن شهادة الأصمّ في المرئيّ مقبولة كشهادة الأعمى في المسموع من غير ريبة فيهما؛ لعدم مدخليّة حاسّة بأخرى، بل لو حصل لهما القطع فيما لا تدركه حواسهما جازت شهادتهما إطلاقاً منهما وقبولاً من الحاكم.

وما ورد في رواية جميل أن شهادة الأصمّ في القتل [ يؤخذ ] بأوّل قوله ولا يؤخذ بالثاني (2)، مُعرض عنها، أو محمولة على أنّ الثاني صدر بعد الحكم؛ لعدم إمكان الأخذ بالأوّل مع فسخه قبل الحكم بالثاني، أو تحمل على أنَّه سمع قوله ولا يلتفت إلى حكاياته بعد ذلك؛ لأنّ حكاياته كثيرة كما هو مشاهد أو تُحمل على أنّ الثاني موافق، فإذا كان موافقاً فلا حاجة إلى الإصغاء إليه؛ لأنّ الأصم يكثر الكلام ويكرّره.

فظهر ممّا ذُكر أنّ الشهادة بالمستفيض القطعى جائز مقبول وداخل تحت العمومات.

ثانيها: في أنّ الشهادة بالسبب الظنّي جائزة ومقبولة عند الحاكم

ثانيها: الشهادة بالسبب الظنّي جائزة ومقبولة عند الحاكم، فإذا ثبت السبب بالبيّنة حكم الحاكم بالمسبب كالشهادة باليد والاستفاضة، وقد تقدم.


1) وسائل الشيعة 27 : 336 الباب 17 من أبواب كتاب الشهادات، ح 1.

2) المصدر : 400، الباب 42 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3 وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

والشهادة بالسبب الظنّي الغير معتبر شرعاً لا يجدي نفعاً، كالشهادة بالمسبب المظنون الذي لا يعتبر ظنّه، ولو شهد والحال ذلك كان كذباً، ولو اطلع الحاكم على ذلك ردّ الشهادة.

وما ورد في الخبر عن العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا كان لأخيك المؤمن على رجل حقّ فدفعه ولم تكن بيّنة إلا شاهد واحد وكان الشاهد ثقةً رجعت إلى الشاهد فسألته عن الشهادة فإذا أقامها عندك شهدت معه عند الحاكم على مثل ما شهد له لئلا يتوى حقّ امرئ مسلم» (1)فمحمول على حالة علمه بالحال قبل ذلك أو من قول الثقة.

فظهر من ذلك أن الظنّ الشرعي لا يجوز لمن لزمه العمل به أن يشهد به إلا أن يذكر السبب فمدّعي الفقر أو السيادة أو النسب أو وصفاً من أوصاف المستحقين لا تجوز الشهادة بفقره وسيادته وإن لزم تصديق قوله.

نعم، تجوز الشهادة بدعواه فيجري عليه حكم المدّعي.

وتظهر الثمرة فيما لو نازعه منازع بفقره وعسره لتعلّق حقّ عليه، فإنّه لا تُسمع دعواه حينئذٍ ولا الشهادة بدعواه.

ثالثها: في أن الاستفاضة خبر جماعة كثيرة على وجه القطع في وجه

ثالثها: الاستفاضة خبر جماعةٍ كثيرة على وجه القطع، وهو الأظهر، وعلى وجه الظنّ في وجه. وقد تفيد القطع من تراكم الظنون، كما قلناه في طرق تحصيل الإجماع بحيث يُعدّ عرفاً أن الخبر مستفيض.

ويثبت بها شرعاً جملة من الأحكام إجماعاً إن وقع الاختلاف في عددها وفيما يثبت ذلك من أنواع الاستفاضة، وفي مدرك الحكم بإثباتها، وفي جواز الشهادة بما أثبته على وجه الإطلاق.

وتفصيل ذلك: إنّ الاستفاضة إن أفادت علماً ثبت الحكم بها مطلقاً أي الأحكام كان. وجاز للحاكم الحكم بوقوع المستفيض وجازت الشهادة بالمستفيض على وجه الإطلاق ولزم القبول، كلّ ذلك لعموم أدلّة قبول الشهادة (2)، ولزوم العلم والقطع.


1) مستدرك الوسائل 17 : 447، الباب 46 من أبواب كتاب الشهادات، ح 7.

2) البقرة (2): 282؛ الطلاق (65) : 2.

وإن لم تفد علماً، سواء أفادت ظناً متاخماً أو ظناً مطلقاً، فالذي يظهر عدم جواز الشهادة للظان بها على وجه الإطلاق وعدم قبول الحاكم لتلك الشهادة الظنية.

ويظهر من بعض المتأخّرين أن الخلاف واقع في جواز الشهادة بالمستفيض أقوال ثلاثة، قول بالجواز مع إفادتها العلم، وقول مع إفادتها الظنّ مطلقاً، وقول مع إفادتها الظن المتاخم. وذكر لكل دليلاً (1).

والأظهر ما قدمناه من عدم جواز الشهادة بالمظنون ولو كان حجة على الظان؛ لأن الشهادة إغراء وكذب، فلا بد من اقتران الشهادة بقرينة تدلّ على السبب، أو الشهادة بنفس السبب.

وظنّي أنّ تلك الأقوال واقعة في حجيّة الاستفاضة في الموارد المذكورة، لا في نفس الشهادة بموردها.

ولذا إن بعضهم (2)أجازها للأولوية من الشاهدين في إثبات الحكم، ولتنقيح المناط الذي بعد البناء على أنَّه كالظن الناشئ من البيّنة.

وبعضهم (3)جعل المدرك هو الإجماع المنعقد في كثيرٍ من المقامات من غير تفصيل بين الاستفاضة العلمية أو الظنّيّة.

وبعضهم (4)، جعل المدرك هو لزوم العسر لولا الأخذ بها والحرج؛ لعدم التمكن من الاستشهاد غالباً لخفائه أو للمشقة.

وبعضهم (5)جعل المدرك هو الأخبار الدالّة على أنّ خمسة يجب الأخذ فيها بظاهر الحكم(6). والاستفاضة من ظاهر الحكم فيثبت بها المعدودات، أو لأنّ من المعدود الشهادات، ويؤخذ بالشهادة بمعنى يكتفى بها قبولاً أيضاً، والاستفاضة مفيدة لذلك الظاهر.

وبالجملة، فهنا بحثان بحث فيما يثبت بالاستفاضة العلمية أو الظنية مطلقاً أو المتاخمة


1) رياض المسائل 15 : 368 – 370.

2) مسالك الأفهام 14 : 230.

3) راجع غاية المرام 4 : 289.

4) الروضة البهية 3: 135.

5) كشف اللثام 346:10.

6) وسائل الشيعة 27 : 392 - 393، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 3.

عند الحاكم أو عند من اطلع على ذلك بحيث تكون كشهادة الشاهدين، وبحث في جواز الشهادة بما استفاض عنده على النحو المتقدم.

والاستفاضة لا تخص الرجال بل ولا البالغين، فتشمل استفاضة خبر الصبيان بالقتل وكذا استفاضة خبر النساء في المال.

وأما استفاضة خبر الصبيان في غير القتل وخبر النساء في غير المال فإن لم تفد علماً ففى ثبوت المستفيض إشكال.

والبحث المتقدم هو المذكور في كتاب القضاء (1)، والثاني هو المذكور هنا في الشهادات، ولو كانا بحثاً واحداً لما ذكرهما الأصحاب في المقامين.

والظاهر أن البحث الثاني مبني على أنّ الاستفاضة المثبتة هي ما أفادت القطع أو ما أفادت الظنّ مطلقاً أو المتاخم، فإن قلنا بالأوّل، يبنى على أنّ الشاهد له أن يشهد بمجرد العلم، أو لا بدّ من الاستناد إلى الحس؟ ونحن قد بينا جواز الشهادة بمجرّد العلم، وبيّنا عدم جواز الشهادة بما أفاد الظن ولو كان حجّةٌ شرعية.

رابعها: في أنَّه يثبت بالاستفاضة أشياء معدودة إن أفادت العلم

رابعها: يثبت بالاستفاضة إن أفادت العلم وهو مقطوع به أشياء معدودة إلا أنَّها مع ذلك لا ثمرة لحصرها وعدّها، بل كلّ ما يفيد العلم هو حجّة شرعيّة وإن أفادت الظنّ مطلقاً أو المتاخم للعلم بشرط صراحة الدلالة فيهما على المستفيض فلا تكفي الاستفاضة في الملك بمجرد استفاضة نسبة المال المحتملة للاختصاص.

والأقوى اختصاصه بالمتاخم؛ للشكّ في شمول دليل حجيتها لغير المتاخم، فالثابت فيها من دليل العسر والحرج (2)ومن الرواية المتقدمة (3)ومن السيرة ومن تنقيح المناط بينها وبين قبول شهادة العدلين ومن الإجماعات المحكية والشهرة المحققة أمور:

منها: النسب، ويدلّ عليه الإجماع المحكي (4)بل المحصل والرواية المتقدمة (5)، ولخفائه


1) تقدّم في ص 261.

2) البقرة (2): 185: الحج (22): 78.

3) راجع الهامش (6) من ص 588.

4) رياض المسائل 15 : 365.

5) راجع الهامش (6) من ص 588.

غالباً فلا يطلع عليه الشاهدان، وغايته رؤية الولادة على الفراش ولا يطلع عليه غالباً إلا النساء، على أنّ نفس النسب والأجداد العالية والأعمام والأخوال ممّا لا يمكن إثبات فراشهم وتولّدهم، فدعت الضرورة والعسر والحرج إلى قبولها فيه.

ولا يتفاوت بين الآباء والأمهات؛ لعسر اطلاع العدول على الولادة غالباً.

واحتمال الفرق بين الأب والأُمّ كما احتمله الشهيد (رَحمهُ اللّه) (1)ضعيفٌ.

ولا يشترط في ذلك عدم المعارض والنافي للنسب، كما لو أنكر المستفيض نسبة ذلك النسب أو قدح فيه غيره ما لم يكن مستفيضاً ذلك القدح.

خلافاً للشهيد، فاشترط عدم المعارض لو كان حيّاً، واستشكل في صورة القدح وفي صورة ما لو كان ذو النسبة مجنوناً (2).

وهو ضعيف؛ لأنّ الحجّة الشرعيّة لا يدفعها الإنكار ولا يزيلها القدح.

ومنها: الملك المطلق دون سببه كالبيع ولو استفاضا ثبت الملك دون سببه، والظاهر أنَّه إجماع ممّا عدا ابن الجنيد (3)، والضرورة قاضية بقبولها فيه؛ لمكان خفاء سبب الملك غالباً وعدم الاطلاع على أصله من الشاهدين العدلين والسيرة قاضية بذلك، فيعامل المستفيض به معاملة المقطوع به، وللحاكم أن يحكم بذلك كما يحكم بالملك؛ لمكان اليد المتصرّفة.

ومنها: الموت، والظاهر أنَّه اتفاقي ما عدا ابن الجنيد (4)، والضرورة غالباً تقتضي ثبوته بها، وربما يدخل في «المواريث» في الرواية (5)بضميمة فتوى الأصحاب.

ومنها: الولايات، كولاية القاضي أو ولاية الوصي أو ولاية الأوقاف والحقوق من الحاكم، وكذا الولاء، كولاء العتق وضمان الجريرة، فالأظهر ثبوتها بها لمكان الضرورة في كثير منها، ولشمول لفظ «الولايات» في الخبر (6)لها بضميمة قوله في غاية المرام: إنَّه المحقق من فتاوي الأصحاب (7)لتحقيق اعتباره في الحجية.


1) مسالك الأفهام 14 : 228.

2) المصدر : 229.

3) راجع مختلف الشيعة 8: 550، المسألة 109.

4) راجع مختلف الشيعة 8: 550، المسألة 109.

5) وسائل الشيعة 27 : 393، الباب 41 من أبواب كتاب الشهادات، ح 4.

6) راجع الهامش (6) من ص 588.

7) غاية المرام 4 : 289.

ومنها: النكاح أيضاً؛ للرواية (1)، ولنقل الإجماع (2)ممّا عدا ابن الجنيد (3)والسيرة، ولمكان الضرورة غالباً، ولولا ذلك لما ثبت الحكم بزوجات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) كذلك؛ لأن التواتر في الجميع ممنوع وإن أمكن في خديجة وعائشة.

والظاهر أنَّه يشمل الدائم والمنقطع.

ومنها: الوقف عاماً أو خاصاً؛ لمكان الضرورة، وتعسّر الاطلاع عليه عند بعد الطبقات؛ لعدم إمكان التواتر غالباً، وعدم بقاء شاهدي الأصل في الطبقات المتأخّرة، وعدم سماع شهود الفرع عند تعدد طبقاتها، وللإجماع المنقول (4)، عمّن عدا ابن الجنيد (5)، وللسيرة، وبهذا اختصّ ارتفاع الضرورة بالاستفاضة دون ارتكاب قبول شهادة الفرع.

ومنها: العتق والرق والعدالة؛ للسيرة، ولمكان الضرورة، ولعدم نقل الخلاف إلا من ابن الجنيد (6).

ويلحق بالعتق التدبير والمكاتبة وذات الولد ويمكن إلحاقها بالنسب والتنكيل.

ويلحق في العدالة الاجتهاد بل وكثير من الملكات كالكرم والشجاعة والزهد.

ومنها: الرضاع والولادة والاستهلال، ويمكن دخول الأخيرين في المواريث، وتضرّر الزوجة من الزوج والجرح والإسلام والكفر والسفه والرشد والحمل والوصيّة والهلال والكسوف والخسوف والوصاية والموت والغصب والدين والإعسار؛ لمكان الضرورة في جملةٍ منها، والسيرة في جملةٍ أُخرى، والأولوية من ثبوتها في غيرها في أُخرى.

ومع ذلك كلّه فالحق أن الحكم مخالف للأصل من عدم جواز العمل بالظن، فيقتصر فيه على ما دلّ عليه دليل شرعي من إجماع محقق أو منقول نقلاً معتبراً أو سيرةٍ قطعية أو روايةٍ معتبرة أو أولوية مقطوع بها، وأكثرها لم يدلّ عليها شيء من ذلك على وجه التحقيق وإن ذكرنا الدليل على وجه التقريب.

ولا تُثبت الاستفاضة بيعاً ولا إجارةً ولا هبةً.


1) راجع الهامش (6) من ص 588.

2) رياض المسائل 15 : 365.

3) راجع الهامش (3 و 4) من ص 590.

4) رياض المسائل 15 : 365.

5) راجع الهامش (3 و 4) من ص 590.

6) راجع الهامش (3 و 4) من ص 590.

وهل يثبت الملك التابع لها فينفرد الجنس عن فصله، أو لا يثبت؛ لعدم انفكاك التابع عن المتبوع، والأصل عدم الثبوت فيكون الملك تابعاً لسببه؟ وجهان، والأقرب الأول.

خامسها: في أنّ ذا اليد المتصرّف وكذا اليد المجرّدة عن التصرف وكذا التصرف المجرد عن وضع اليد الحسّية المفيد نفس السلطنة يُحكم له بالملك

خامسها: لا يُشكّ أنّ ذا اليد المتصرّف تصرّف المُلاك في أملاكهم، وكذا اليد المجرّدة عن ذلك التصرّف وكذا التصرّف المجرّد عن وضع اليد الحسّية المفيد نفس السلطنة يحكم له بالملك بمعنى أنَّه يُعامل معاملة المالك في بيع وشراء وأخذ وعطاء، ويُحكم له بالملك ظاهراً، ولا يُسمع قول المدّعي من دون ثَبَتٍ، بل ويحكم الحاكم له بالملك أيضاً، ولولا ذلك لما قام للمسلمين سوق، ويدلّ على ذلك الأخبار (1)والسيرة.

والمراد بالتصرف التصرف الظاهر في الملك أنّه من المالك، كالتصرف في بيع أو إجارة وهدم وبناء.

ولا يشترط في ثبوت الملك بذلك عدم المنازع والمعارض، كما لا يشترط طول التصرف مدةً يقطع فيها بالملك، أو بقاؤه في يده مدةً طويلة كذلك، بل ولا مدةً يظن ظناً متاخماً فيها كذلك، فيكفي صدور التصرّف المنبئ عن الملك في الجملة.

نعم، ما يقع لحظةً على نحو المرور أو الاستطراق لا يدلّ على الملك، وحينئذٍ فوقوع التصرف من غير ذي اليد وغير ذي الملك كوقوعه من الغاصب والمستعير والمستأجر.

وكذا حصول اليد من غير المالك في إجارة وإعارةٍ وغصب لا ينافي الحكم بالملك بموجب اليد أو التصرّف أو هما معاً؛ لأنّ الأحكام الشرعيّة غالبية لا ينافي وقوع ما يقضي بخلافها، كما حكم الشارع بحلّيّة ما في سوق المسلمين وطهارة جلوده، وحكم بالملك بالاستفاضة، مع أنَّه كم من مشهورٍ لا أصل له.

ويكفي دليلاً على ما ذكرنا بترجيح ذي اليد في مقام تعارض البينات بل إجراء أحكام المواريث والوصايا وجميع أبواب الفقه على ذلك.

وإذا تعارضت الاستفاضة الظاهرة في الملك واليد، فالأظهر تقديم الاستفاضة على اليد، وكذا إذا تعارضت التصرف.


1) وسائل الشيعة 27 : 292 وما بعدها، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم... .

ويحتمل قوياً تقديم اليد أو التصرف أو هما عليها، فيشترط في الحكم بها عدم المعارض من صاحب اليد أو التصرّف مطلقاً، بل شرط بعضهم في الاستفاضة عدم المنازع والمعارض مطلقاً (1).

وفي رواية عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنَّه أنكر على أبي بكر في طلبه البيّنة عليه في فدك حيث إنّه في يده ولا بيّنة على صاحب اليد (2).

وفيها دليل على حجّيّة البيّنة وإشعار بتقديمها على الاستفاضة.

ولو قرن بالاستفاضة يد أو تصرّف قوى جانبها على اليد والتصرف المجرّدين.

سادسها: يجوز للشاهد أن يشهد بنفس الملك المستفيض المقرون باليد من دون ذكر السبب

سادسها: يخرج عمّا ذكرنا من لزوم الشهادة بالعلم ولزوم قبولها معه الشهادة بالاستفاضة بالملك المقارنة للتصرّف أو اليد أو هما معاً، فيجوز للشاهد أن يشهد بنفس الملك المستفيض المقرون باليد من دون ذكر السبب من يد أو غيرها، ويلزم الحاكم قبول تلك الشهادة وإن علم استنادها إلى ذلك الظن، والإجماع منقول على ذلك (3)، بل قد يقال: إنَّه محصل.

وكذا تجوز الشهادة بالملك المطلق من دون ذكر السبب مع التصرّف المنبئ عن الملك واليد لفتوى المشهور والإجماع المنقول (4).

وكذا مع التصرف فقط أيضاً؛ لفتوى المشهور والإجماع المنقول (5).

وكذا مع اليد المجرّدة؛ لفتوى المشهور وظاهر الإجماع المنقول (6).

ويجوز اليمين عليه من دون تورية؛ لأنَّه ملكه.

نعم، لو نوى أنَّه ملكه الواقعي من لدن آدم بحيث لم تبن على الظاهر كان حراماً وحنث.

وللخبر المعتبر المنجبر بفتوى المشهور بل الإجماع المنقول (7)، وفيه: إذا رأيت شيئاً في يد رجل أيجوز أن أشهد أنَّه له؟ قال: «نعم» قال الرجل: إنّه في يده ولا أشهد أنَّه له فلعله


1) راجع مسالك الأفهام 14 : 229.

2) وسائل الشيعة 27 : 293 الباب 25 من أبواب كيفية الحكم...،ح 3.

3) راجع غاية المرام 4: 289.

4) الخلاف :6 264 - 265. المسألة 14.

5) الخلاف :6 264 - 265. المسألة 14.

6) غاية المرام 4 : 291.

7) رياض المسائل 15 : 390.

لغيره، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أفيحل الشراء منه؟ قال: نم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فلعله لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثمّ تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى مَنْ صار ملكه من قبله إليك؟» ثمّ قال: «لو لم يكن هذا ما قام للمسلمين سوق» (1).

وظاهره: الاكتفاء باليد فقط، فتدل على التصرف معها بطريق أولى.

نعم، التصرف المجرّد عن اليد كبيع شيءٍ بعيد ليس تحت اليد، لا يخلو من إشكال. بل فيه دلالة بمفهوم التعليل أنّ كلّ ما يعامل معاملة المالك من بيع وشراء بحيث يُحكم عليه بالملك شرعاً تجوز الشهادة به.

ولكنه لضعفه عن مقاومة العمومات الناهية عن الشهادة من غير علم لا نقول به.

وبالجملة، فثبوت الملك بالاستفاضة المحققة غير محتاج إلى ضميمة يد أو تصرف.

وكذا لو شهدت البيّنة بها نفسها، فإنّه لا حاجة لها للانضمام تأدية وقبولاً.

وتقدّم استفاضة الملك على اليد، وينزع منه المالك بالاستفاضة، كما تقدّم بيّنة الملك على استفاضة الملك الآخر؛ لأنّ البيّنة أقوى من الاستفاضة بالملك.

ولو كان يد وتصرف لواحد وقامت بيّنة بخلافها، قدمت البيّنة على الجميع.

ولو شهدت البيّنة بالملك المطلق المستفيض افتقر جواز الشهادة به على وجه الإطلاق إلى انضمام اليد أو التصرّف أو هما معاً.

ولو صرّحت بيّنة الملك بالاستفاضة وصرّحت بيتة الملك لآخر باليد فاستندت كل من البينتين بواحدةٍ، قدّمت بيّنة الملك بالاستفاضة المحققة في بيان الملك لتقديمها على اليد.

ولو لم تكن الاستفاضة صريحةً في الملك، بل كانت محتملة للاختصاص، قدمت بيّنة الملك على اليد.

ولو شهدت البيّنة باليد المحتملة لغير الملك وشهدت الأُخرى بالملك عن الاستفاضة، قدمت الثانية بطريق أولى.

ولو شهدت إحداهما بالاستفاضة على وجه الاختصاص والأُخرى باليد المحتملة، فوجهان، والأوجه: تقديم الأخيرة.


1) وسائل الشيعة 27 : 292 - 293، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم...،ح 2.

ولو شهدت بيّنة باستفاضة التصرّف أو باستفاضة اليد وبينة باستفاضة الملك، قدمت الأخيرة.

وبالجملة، فلولا الرواية المتقدمة (1)والإجماعات المنقولة وفتوى المشهور بجواز الشهادة على ما تحت اليد المتصرّفة أو المجرّدة - في وجه قويّ - بالملك المطلق من دون ذكر السبب لكان القول بمنعه متوجهاً للزوم العلم بالشهادة كتاباً، وسنّة، ولذا إنّ الأردبيلي ناقش في جواز الشهادة بالملك وإن اجتمعت الثلاثة الاستفاضة والتصرّف واليد (2)، وتبعه بعض المتأخّرين (3)، والإجماعات وكلام الأصحاب على صورة ما أفادت الثلاثة أو الاثنين أو الواحد العلم، أو على ما اقترنت الشهادة بالملك بذكر السبب، والرواية على ذلك أيضاً، أو على إرادة نسبتها إليه عرفاً، لا الشهادة عند الحكم أو عند الحاكم مع الحاكم بالسبب أو نصب قرينة على إرادة ذلك.

ولكن هذا كله بعد ما قدّمنا من كلام الأصحاب ضعيف، ولزوم الكذب والإغراء يرفعه أن الأملاك بحسب العادات لا تُثبتها إلا اليد والتصرف، ولا يخبر عنها ولا تضاف إلى أهلها إلا بذلك، فالشهادة عليها بالملك لا تنصرف إلا إلى الملك الظاهري الحاصل بالطريق الشرعي من هذين الطريقين، بخلاف الشهادة به؛ لمكان الحجّة الشرعيّة من البيّنة أو الاستصحاب، فإنه لا ينصرف إليه إطلاق الشهادة بالملك، كما لا ينصرف إلى ما لزم التعبد به عند الشارع وألزم بتصديقه من الدعاوي التي يُقبل قول صاحبها من فقرٍ وعسر وطهارة ونجاسة وحيضِ وحمل وولادة وخروج من عدةٍ وخلو من زوج وفراغ ذمّةٍ عن حقّ وادّعاء وكالة أو ولاية.

والشهادة بالملك بهذين الطريقين أشبه شيءٍ بالشهادة على أثر السبب الشرعي وإن لم يعلم صحته إلا بأصل الصحّة كالشهادة بالملك بعد شرائه والزوجيّة بعد وقوع العقد عليها، والحرّية بعد سماع العتق، والبينونة بعد سماع الطلاق، والغصب بمجرد وضع اليد ولعله بحقِّ، ووفاء الدين بمجرّد الدفع ولعله هبة، والإسلام بمجرد إظهار الشهادتين، والكفر بمجرد السبّ ولعله غير قاصد، وبالقتل عمداً على ظاهر الاختيار ولعله اختل ذلك الآن.

وبالجملة، فلا بد من الفرق بين الشهادة بالأثر الشرعي عن مؤثره الشرعي، وبين الشهادة بما قامت به الحجة الشرعيّة، وبين الشهادة بما جعل له الشارع طريقاً إلى ثبوته، وبين الشهادة


1) راجع الهامش (1) من ص 594.

2) راجع مجمع الفائدة والبرهان 12 : 458.

3) كفاية الفقه 2 : 765.

بما ألزم الشارع الإذعان به وتصديقه، فإنّ منها ما هو جائز، ومنها غير جائز وإن جاز في الجميع الشهادة بنفس السبب والأثر والطريق والفعل الواقع بنفسه من دون ملاحظة ما يترتب عليه ومن دون ملاحظة صحته وفساده، كالشهادة بالصلاة والصوم وإن كانت اسماً للصحيح، والشهادة بالملك بسبب اليد والتصرّف ممّا لا طريق له غالباً غيرهما، ولا يُفهم من الشاهد الشهادة إلا بسببهما؛ لأنَّه غاية الاطلاع من الشاهد إنما تكون على شرائه أو اتهابه أو ميراثه، ومن المعلوم أيضاً أن البائع والموروث والواهب كلّهم أهل يد، ولا علم للشاهد بحال أيديهم، فلذا جوّز الشارع الشهادة بالملك بهذين السببين، كما تجوز الشهادة بالأثر الشرعي عن سببه الشرعي من التزويج بعد الاطلاع على مجرد الصيغة، والبينونة بمجرد صدور الطلاق، والحُرّية بمجرد العتاق، حاملاً للعقد والإيقاع على الصحيح.

وكذا ما كان (1).


تم الجزء التاسع من أنوار الفقاهة وبه يتم الكتاب والحمد للّه رب العالمين. ويليه الجزء العاشر الخاصّ بالفهارس العامة


1) في حاشية «ج»: «إلى هنا جف القلم في كتاب الشهادات».