ghaemiyeh.com
محرر رقمي: روح اله قاسمي
سرشناسه:طباطبایی، سید مهدی، 1383-
عنوان و نام پديدآور:البلاغالمبین فی تفسیرالقرآنالکریم: سورهالفتح/مولف سیدمهدی طباطبایی.
مشخصات نشر:قم: انتشارات بسمه، 1446ق.= 1404.
مشخصات ظاهری:391ص.
شابک:978-622-92445-6-2
وضعیت فهرست نویسی:فیپا
يادداشت:زبان: عربی.
یادداشت:کتابنامه.
موضوع:تفاسیر (سوره فتح)
موضوع:تفاسیر شیعه -- قرن 15
Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 21st century
رده بندی کنگره:B102/826رده بندی دیویی:297/179شماره کتابشناسی ملی:10030378اطلاعات رکورد کتابشناسی:فیپا-----------------------------------------اسم الکتاب: ... البلاغ المبین فی تفسیر القرآن الکریم - (سورة الفتح)تألیف: ... السید مهدی الطباطباییالطبعة: ... الأولسنة النشر: ... رمضان الکریم، 1446ه- . قعدد المطبوع: ... 200 نسخةالشابک: ... 2-6-92445-622-978الناشر: ... بسمةالسعر: ... 2100000طبع البسمةمرکز الطبع: قم المقدسة ، شارع المعلم ، مجمع الناشران ، الطبقة الثالثة،طبع البسمةجمیع الحقوق محفوظة
## اشارة
البلاغ المبین فی تفسیر القرآن الکریمسورة الفتحالسید مهدی الطبا طباییبسم الله الرحمن الرحيم
## محتویات الکتابالف مقدّمه المفسِّر ... 15)ب محتویٰ الآیات الشریفه ... 16)مقدمة السورةأ . خصائص السورة فی القرآن الکریم ... 18ب . سبب تسمیة السورة بالفتح ... 18ت . الخطوط العامة لمعارف السورة المبارکة ... 19س . شأن و اسباب النزول ... 20ج . فضائل التلاوة و ثوابها ... 27ح. توظیف الآیات فی الاعمال العبادیة ... 29خ. مکان النزول ... 30الآیة 1الآية و التفسیر ... 31ظهور جمع المتکلم مع الغیر فی تحقق الصلح ... 32معنى لفظ "الفتح" في الآية الشريفة ... 33کشف المصداق الحقیقی للفتح المبین ... 35النکت و الاشارات ... 371 . قصة صلح الحدیبیة ... 37
2 . الدلیل العقلی علی دلالة الفتح المبین فی صلح الحدیبیة ... 423 . الدليل النقلي على دلالة الفتح المبين في صلح الحديبية ... 444 . التمییز بین النصر و الفتح ... 445 . الرد على الإشكال حول معنى "فتح" ... 456 . اقتدار الاسلام فی الفتح المبین ... 467 . صفة المبین و اتصافها بالصلح ... 478 . النقطة البلاغية حول الضمير المتكلم مع الغير ... 499 . مصاديق من نصر الله على الأنبياء عليهم السلام ... 5110 . الفتح الحقیقی من وجه النظر الاسلام ... 5311 . المرونة السياسية، السبب الرئيسي في الفتح المبين ... 5512 . علاقة السببية في بيان الفتح المبين ... 5613 . مكانة الإمام علي عليه السلام في تحقق الفتح ... 57الآیة 2الآیة و التفسیر ... 59تحليل معنى تعليل اللام في الآية ... 60نقد المفسرین، فی معنی حرف اللام ... 61البيان المختصر لمعنى المغفرة والذنب في الآية ... 63ردّ التفاسير التي تزعم ذنب النبي الأكرم صلي الله عليه و آله ... 66الجواب التفصيلي على إشكال لام التعليل في الآية ... 68النکت و الاشارات ... 721 . حملُ ذنوبِ الأمة على النبي الأكرم صلي الله عليه و آله في الآية الشريفة ... 722 . تشابه ذنب النبي مع موسى الكليم عليه السلام من جهة الانتساب إلى المجتمع ... 73
3 . توجيه السيد المرتضى رحمه الله للذنب المنسوب إلى النبی صلي الله عليه و آله ... 744 . استغفار الأنبياء عليهم السلام في ضوء الآيات ... 755 . نقد آراء غير الإمامية في نطاق ارتكاب الذنب و النظر الفخرالرازي ... 776 . تفسير "ما تقدّم" و "ما تأخّر" في ارتباط مع الآية ... 797 . الأوجه الأربعة للشيخ الطوسي رحمه الله في تفسير الآية الكريمة ... 808 . الاستناد إلى الآية الكريمة في مقدمة الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله ... 819 . تأویلات العرفاء حول استغفار الانبیاء عليهم السلام ... 8210 . تفسیر ﴿وَ یُتِّمَ نِعْمَتَهُ عَلیکَ ... 83 11 . العلاقة بين الفتح المبين وحادثة الغدير في ضوء قوله تعالى:وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ ... 85
12 . استمرار الهدایة فی الصراط المستقیم ... 86
13 . الهداية التكوينية و الهداية التشريعية في قوله تعالى:يَهْدِيَكَ ... 88
14 . استنباط الذنب السياسي للنبي في الآية ... 89
15 . التفات الضمائر من "التكلم" إلى "الغياب" ... 91
الآیة 3
الآية و التفسیر ... 93
النکت و الاشارات ... 95
2 . العزّة الممدوحة و المذمومة ... 96
3 . طرق الحصول العزة ... 97
دور طلب العزّة في تحقق عاشوراء ... 99
دراسة معنى العزّة في الآية و نسبة النصر إليها ... 100
الآیة 4
الآية و التفسیر ... 102
الغاية الأصلية من نزول السكينة في قلوب المؤمنين ... 104
ما هی السکینة؟ ... 106
النکت والاشارات ... 109
1 . سُبُل تحقق السكينة الفردية و الاجتماعية ... 109
2 . الفتح المطلق، الفتح القريب، و الفتح المبين في العرفان الإسلامي ... 1113 . تفسیرلِیَزْدَادوا اِیمَاناً مَعَ ایمَانِهِم ... 112
4 . بحث كلامي حول زيادة و نقصان الإيمان و الرد على رأي أبي حنيفة و الفخر الرازي ... 113
5 . زيادة الإيمان في الآية ليست بمعنى زيادة المتعلقات ... 116
6 . زيادة و نقصان الإيمان من وجهة نظر أمير المؤمنين عليه السلام ... 117
7 . آراء المتكلمين من المذاهب في زيادة و نقصان الإيمان ... 118
8 . مراتب الإيمان في روايات الحكماء ... 118
9 . آراء المتكلمين في تعريف الإيمان من عناصر المعرفة، الإقرار، و الالتزام ... 120
القلب و السکینة، مصادیق من جنود الله ... 122
تفسیر و کان الله علیماً حکیماً فی ارتباط مع الآیه ... 123
المعنی العقلیکان فی و کان الله علیماً حکیماً ... 124
دراسة إجمالية لاسم "عليم" ... 125
دراسة إجمالية لاسم "حكيم" ... 126
تقسيم العقل و الحكمة إلى نظري و عملي ... 128
الآیة 5
الآية و التفسیر ... 131
النکت و الاشارات ... 133
1 . حضور و دور النساء في الفتح المبين و في الأحداث السياسية الأخرى في صدر الإسلام ... 133
2 . مكانة النساء في الإسلام ... 1343 . الفرق بین الذنب و السیئة ... 135
الآیة 6
الآية و التفسیر ... 137
النکت و الاشارات ... 139
1 . دراسة الهیکل العملي للمنافقین فی ضوء وَ یُعَذّبَ المُنَافِقِینَ وَ المُنَافِقَاتِ ... 139
2 . أخری الصفات المنافقین فی ضوء الآیات و الروایات ... 141
3 . کلام الوحی عن ظن المتخلفین و بیان نوعه ... 143
4 . دائرة السوء علی المتخلفین ... 144
5 . أنواع "الظن" من منظور القرآن الكریم ... 145
6 . عذاب جهنم فی انتظار المتخلفین عن بیعة الحدیبیة ... 146
7 . التفاوت بنی النفاق و الكفر و تطور النفاق فی صدر الإسلام ... 147
8 . مكانة السوء؛ عقوبة الظانین بوعد الله ... 149
9 . دراسة أسباب اعتبار ثالثة عناصر للعذاب، دائرة السوء و الغضب للكفار ... 149
10 . مشارکة أهل المدینة فی النفاق و تخلف الأعراب ... 150
الآیة 7
الآية و التفسیر ... 151
النکت و الاشارات ... 153
1 . دراسة الحکمة الإلهیة فی صفة الفعل و صفة الذات ... 153
2 . اجتماع جمیع الأسماء في ذات الواجب الوجود ... 154
3 . دراسة موجزة لوجهة نظر الأشاعرة حول غایات الأفعال الإهیة و رفضها ... 155
4 . سر تتابع الصفات الإلهیة بعد ذکر أخبار عن سلطته علی جنود العالم ... 156
5 . اسم العزیز الإلهی فی الأدعیة و آثاره التربویة ... 157
الآیة 8
الآية و التفسیر ... 159
1 . تبیین وصف النبی صلي الله عليه و آله ب-"الشاهد" مع مراعاة سیاق الأیات ... 161
2 . تبیین وصف النبی صلي الله عليه و آله ب- "مبشّر" مع مراعاة سیاق الأیات ... 162
3 . تبیین وصف النبی صلي الله عليه و آله ب- "نذیر" مع مراعاة سیاق الأیات ... 163
النکت و الاشارات ... 166
1 . دراسة ضرورة إرسال الأنبیاء فی ضؤء أرْسَلنَاکَ ... 166
2 . الفطرة، عامل علی ضرورة إرسال الأنبیاء عليهم السلام ... 168
3 . ضرورة بعثة الأنبیاء عليهم السلام بناءً علی ساحة الوجودیة ... 169
4 . شهود یوم القیامة و قیادة النبي صلي الله عليه و آله علیهم ... 171
5 . تبیین و رد شبهة براهمة حول عدم ضرورة بعثة ... 173
الآیة 9
الآیة و التفسیر ... 175
النکت و الاشارات ... 179
الآیة 10
الآیة و التفسیر ... 181
النکت و الاشارات ... 184
2 . حمل "ید الله" على ید رسول الله صلي الله عليه و آله بناءً على قرب النوافل ... 186
3 . فهم معنى البيعة وبعض الأمثلة على بيعات رسول الله صلي الله عليه و آله ... 187
4 . انقسامات البيعة من حيث الشمولية و نوعية بيعة الرضوان ... 189
5 . حقیقة البیعة فی المجتمع الانسانی من وجهة النظر القرآن ... 190
7 . محتوى و طبيعة بيعات عصر النبوة ... 192
8 . "الجانب الإثباتي والجانب السلبي للوفاء بالعهد و البيعة مع الله تعالى ... 193
أمير المؤمنين عليه السلام مصداق "يد الله" ... 194
بيان وجهة نظر المجسمة حول التجسيم ورد استنادهم إلى "يد الله ... 194
صبغةُ الحقيقة للبيعة والعهد بين الإنسان والله ... 197
بحث الروائي ... 198
الآیة 11
الآیة و التفسیر ... 202
النکت و الاشارات ... 205
بيان حول أعمال وأعذار المتخلفين ... 207
مهمة النبي صلي الله عليه و آله العملية في الآية الكريمة ... 208
خبر رسول الله صلي الله عليه و آله في بيان لسانية إيمان المنافقين في عاشوراء ... 209
منظور من الأسماء من منظور العرفان و الفرق بین الاسمين "علیم" و "خبیر" ... 210
الدنيا، بمثابة مزالٍ للأقدام ... 212
الآیة 12
الآیة و التفسیر ... 214
فاعل (زین) و مشارإلیه (ذالک) ... 215
قوم بور، من هم؟ ... 216
النکت و الاشارات ... 217
إغواء الشيطان في تزيين أعمال ... 217
تفسير المرحوم العلامة رحمه الله من الضلالة للإنسان ... 218
عدم اعتناء المتخلفين ب- "العقل" واتباعهم ل- "الظن" ... 220
تزيين الأعمال وتقسيمها إلى محمود و مذموم ... 221
الاستعداد السابق للمتخلفين في تحقق الفساد ... 222
ترکیب الآية الشریفه ... 222
الآیات 13،14،15
الآیة و التفسیر ... 223
تبیین یریدون ان یبدلوا کلام الله ... 225
النکت و الاشارات ... 227
اقوال المفسرين في قوله لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلاً ... 228
الإجابة علی شبهة عدم تبدیل کلام الله و نسخ الآیات ... 229
دراسة دقيقة لمفهوم "المخلفون" و فصلهم عن المهاجرين والأنصار ... 230
دعوى الفخر الرازي حول المنافقين بعد وفاة النبي صلي الله عليه و آله ... 232
النقاط البلاغية و الأدبية الموجودة في الآية الشريف ... 233
الآیة 16
الآیة
و التفسیر ... 234
النکت و الاشارات ... 236
آراء حول قوم أولي بأس شديد ... 236
إشكال رأي أهل السنة في استخدام الآية لصالح الخلفاء ... 237
الخلاصة النهائية القوم أولي بأس شديد ... 242
بيان الوعد والوعيد الإلهي من القتال المقبل ... 243
تحلیل مصادیق تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ في الآية الكريمة ... 243
آثار طاعة رسول الله صلي الله عليه و آله في ضوء الوحي ... 244
نظرة على المُعرضين في ضوء القرآن و تَقسيمهم ... 246
الآیتان 18، 17
الآیة و التفسیر ... 248
النکت و الاشارات ... 251
وجه الاختلاف بين "أَعْرَج" و "عَارِج" ... 251
البيان الفقهي المختصر حول الآية الشريفة ... 251
وظيفة غير المشمولين بالجهاد في جبهات المعركة ... 253
السبب فی تسميّة البيعة بالرضوان ... 254
کشف مبایع له، مبايع، و مبيع ... 255
تفسير الآية وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ... 256
أوَّل بایِع فِي بیْعة الرِّضْوانِ؟ ... 257
عقیدة باطل أهل السنة في التمسك بالآية ... 258
الشك في نبوة الرسول الكريم صلي الله عليه و آله من جانب الخليفة الثاني ... 260
دراسة رضا الله في ضوء صفة الفعل، وتأييد عقلي للقول السابق ... 261
الفرق الرئيسي بين صفات الفعل وصفات الذات في الفلسفة الإسلامية ... 263
البحث الروائی ... 264
الآیات 19،20،21
الآیة و التفسیر ... 266
دراسة معنی الناس فی آیات الوحی ... 269دراسة معانی اُخریٰ ... 270
النکت و الاشارات ... 271
البحث الروائی ... 272
الآیات 22،23،24
الآیة و التفسیر ... 273
النکت و الاشارات ... 276
ثبات سنن الله و عدم تغییرها ... 276
مصاديق من سنن الله في ضوء الوحي ... 278
تقسيم سنن الله و سبب عدم تغيرها ... 279
مرجع الضمير في "أَيْدِيهِمْ" و "أَيْدِيكُمْ" ... 281
ما المراد ب- بطن مکة؟ ... 283
6 . إخبار عن علم الله وإحاطته بالأخبار الواردة في الآيات ... 284
البحث الروائی ... 286
الآیة 25
الآیة و التفسیر ... 287
النکت و الاشارات ... 289
نوع حج المومنین فی الحدیبیة ... 289
منع الکفار عن سبیل الله و الامر بدفع غیظ المسلمین ... 290
تبیین رجال مؤمنون و نساء مؤمنات لم تعلموهم ... 292
تهديد الصادّين في مكة بعذاب الله ... 292
البحث الفقهي حول "الصد" و أحكامه ... 293
البحث الروائی ... 298
الآیتان 26،27
الآیة و التفسیر ... 300
تبیین (حمیة الجاهلیة) فی هذا الموضع و مواضع الاُخریٰ ... 306
النکت و الاشارات ... 307
الحمیة الممدوحة والمذمومة و بیان اجتماعی عن (Ethn﴾centrism) ... 307
شرح کَلِمَةَ التَّقْویٰ و بیان الأقوال حولها ... 310
تجدید بیان سر علم الله بالأحداث المذكورة بدقة وعمق ... 311
"إِنْ شَاءَ الله" في بیان صدق الرؤیا ... 313
بحث مختصر فقهی حول الحلق و التقصیر في عمرة المفردة و تمتع ... 314
دلالة مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ في أحکام الحلق ... 316
حادثة عمرة القضاء وتطابقها مع "فتحاً قریباً" ... 316
أقسام الرؤيا الصادقة ودراسة قسم رؤيا النبي ... 317
9.كلام الحكماء حول كيفية وشروط تحقق الرؤيا الصادقة ... 318
إشارة إلى الرؤيا الصادقة في ارتباطها بالعالم الثنائي للصور ... 319
كلام ابن عربي في وحدة مصدر الرؤيا و الوحي ... 320
آیات اخری مرتبط بالحدیبیة ... 320
البحث الروائی ... 322
الآیتان 28،29
الآیة و التفسیر ... 328
النکت و الاشارات ... 334
دراسة الوجوه التفسيرية في الأخبار الواردة في الإنجيل والتوراة ... 334
نقد الأوهام غير العلمية لكاتب "المنار" في رفض الآيات المهدوية ... 335
مدى شمول الآية الكريمة بالنسبة للصحابة و نقد ذلك ... 339
كلام السيدة فاطمة الزهرا علیها السلام في رد عدالة الصحابة على فراش الشهادة ... 341
عمومية المغفرة والأجر العظيم بناءً علىمِنْهُمْ ... 342
استعمال المَثَل في القرآن الكريم ... 343
الفرق بين (مَثَل) وبقية الألفاظ المتشابهة في المعنى ... 347
جواب صدر المتألهين عن سبب ظهور الحقائق في قالب الأمثال ... 348
نظریة التعددية الدینیة (البلورالیسم الدیني) والإشکالات الواردة عليها ... 350
البحث الروائی ... 353
الحمد والشكر اللامتناهي خالص لله تعالى، الذي له افتتاح جميع المغلوقات والفتوحات الظاهرة والباطنة، وهو الكفيل بما فيه الكفاية؛ وعلى هذا الأساس، قدّر أن يمنح أشرف مخلوقاته أسمى الفتوحات و أوضحها، و رقم له فتح المبین من بین الفتوحات الثلاثة.
هذا العمل الذي نقدمه اليوم هو ثمرة جهدٍ مضنٍ و بحثٍ دؤوب في مصادر دينية متنوعة، تشمل الأمور العقلية و النقلية، و قد تم تدوينه و تأليفه على مر الزمان ببركة و استعانة بأهل البيت النبوة عليهم السلام
هذه السورة المباركة، على الرغم من احتوائها على سياق تاريخي غني ومناسبات نزول متنوعة، إلا أننا حرصنا على أن نضمنها أيضًا موضوعات عامة أخرى تدخل في علوم الكلام والفقه والأدب والحديث والعرفان النظري و الفلسفة.
ولتفادي الإطالة، لم نتطرق إلى منهجية التفسير وغيرها من الموضوعات المشابهة، ونحيل المهتمين إلى دراسة المجلد (المنهاج المبین في تفسیر البلاغ المبین).
و في الختام، نعترف بقصورنا عن شكر النعم اللامتناهية للذات المقدسة سبحانه و تعالى، وخصوصًا هذه النعمة القيمة التي بين أيدينا، والتي نقدمها لأهل التحقیق.
ونُهدي قيمة هذا العمل و محتواه إلى سيد الشهداء الإمام الحسين علیه السلام راجين أن يكون هذا العمل مقبولاً عند الله تعالى، وأن يُحفظ في خزانة الاسم الحفيظ، الذي وصفه تعالى في قوله قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ إن شاء الله تعالی.
السید مهدي الطباطبائی الغروي
رمضان الکریم 1446
إِنَّا فَتَحْنَا لَکَ فَتْحاً مُّبِيناً 1 لِیَغْفِرَ لَکَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَیُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَیَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً2 وَیَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً 3 هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِی قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِیَزْدَادُوا إِیمَاناً مَّعَ إِیمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَکَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَکِيماً4 لِیُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِیهَا وَیُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَکَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً5 وَیُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً 6وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَکَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَکِيماً7إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً 8 لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُکْرَةً وَأَصِيلاً 9 إِنَّ الَّذِينَ یُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا یُبَايِعُونَ اللَّهَ یَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَیْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا یَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُاللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً10سَیَقُولُ لَکَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا یَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَیْسَ فِی قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن یَمْلِكُ لَکُم مِّنَ اللَّهِ شَیْئاً إِنْ أَرَادَ بِکُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِکُمْ نَفْعاً بَلْ کَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً11بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن یَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِی قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَکُنتُمْ قَوْماً بُوراً12 وَ مَن لَّمْ یُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً13وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ یَغْفِرُ لِمَن یَشَاءُ وَیُعَذِّبُ مَن یَشَاءُ وَکَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً14سَیَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ یُرِيدُونَ أَن یُبَدِّلُوا کَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا کَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ کَانُوا لَا یَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً15 قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ یُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا یُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا کَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ یُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً16 لَیْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن یُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ یُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن یَتَوَلَّ یُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً 17 لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ یُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِی قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً 18 وَمَغَانِمَ کَثِيرَةً یَأْخُذُونَهَا وَکَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَکِيماً19وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ کَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَکُمْ هَذِهِ وَکَفَّ أَیْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آیَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَیَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً20 وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَکَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ قَدِيراً 21 وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ کَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا یَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً 22 سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً 23 وَهُوَ الَّذِي کَفَّ أَیْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَکَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً24 هُمُ الَّذِينَ کَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن یَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌبِغَيْرِ عِلْمٍ لِیُدْخِلَ اللَّهُ فِی رَحْمَتِهِ مَن یَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ کَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً 25 إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ کَفَرُوا فِی قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَکِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ کَلِمَةَ التَّقْوَى وَکَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَکَانَ اللَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِيماً 26 لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً27 هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى و َدِينِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ کُلِّهِ وَکَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً 28 مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاء بَیْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً یَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِیمَاهُمْ فِی وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِی التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِی الْإِنجِيلِ کَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ یُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِیَغِيظَ بِهِمُ الْکُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً 29.
سورة الفتح هي السورة الثامنة و الأربعون في القرآن الكريم، وتقع في الجزء السادس و العشرين و تعد من السور المدنية في هذا الكتاب العظيم(1). تحتوي هذه السورة على خمسمائة و ستين كلمة و ألفا و أربعمائة و ثمانية أحرف(2).
وفقًا للتاريخ، فإن هذه السورة هي السورة المائة و الحادية عشرة التي نزلت على النبي الأكرم صلي الله عليه و آله ، وتختص بما بعد واقعة الحديبية (6ه-)، و وفقًا لآراء بعض الصحابة والتابعين، نزلت في طريق العودة من هناك إلى المدينة في منطقة ضَجْنان. وتُصنَّف سورة الفتح من حيث المضمون والموضوعات، ضمن سور الممتحنات، وباختلاف آراء بعض الباحثين في علوم القرآن، فإنها نزلت بعد سورة الجمعة و قبل المائدة(3)،و آياتها مدنية.
بناء على ما نقل فإن تسمية سور القرآن الكريم قام بها النبي صلي الله عليه و آله و في الاصطلاح تكون توقيفية؛ هذا الأمر واضح من الرواية المنقولة عنه صلي الله عليه و آله ؛ على سبيل المثال، يمكن العثور على نماذج من هذه التسمية في كتاب "المصباح" للمرحوم الكفعمي، حيث ذكر في باب ثواب تلاوة سورتي آل عمران و البقرة عن حضرته: تَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ وَ آلَ عِمْرَانَ
1) . وَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَ آلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ وَالْأَنْفَالِ وَالتَّوْبَةِ وَالْحَجِّ والنور والأحزاب والذين كَفَرُوا وَالْفَتْحِ وَالْحَدِيدِ وَالْمُجَادَلَةِ وَ الْحَشْرِ وَالْمُمْتَحَنَةِ.
2) . کشف الأسرار و عدة الابرار، ج 9، ص 205 .
3) . السیوطی فی الاتقان فی علوم القرآن: و َيا أيها النبي (صلى الله عليه و سلم) لِمَ تُحَرِّمُ وَ الصَّفُّ وَ الْجُمْعَةُ وَ التَّغَابُنُ وَ الْفَتْحُ وَ بَرَاءَةٌ) .
فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ وَ إِنَّهُمَا یُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا یَوْمَ الْقِيَامَةِ کَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَیَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ فَرِيقَانِ مِنْ طَیْرٍ صَوَافَّ(1).
إنَّ تسمية سورة الفتح بهذا الاسم مرتبطةٌ بموضوعاتها ومضامينها الغالبة التي نزلت مرتبطةً بالنبي الكريم صلي الله عليه و آله لذلك سُميت السورة المذكورةبهذا الاسم، لأنها تعرض الحدث التاريخي لصلح الحديبية (سنة 6 ه-)، ثم تسلط الضوء على الأحداث و النتائج المترتبة على هذا الفتح. وقد أُطلِق عليها اسم "الفتح" بمعنى النصر والانتصار، حيث إنَّ المعاني الرئيسية لهذه الكلمة تشمل: الفتح بمعنى الانتصار، وفتح الأرض المغلوبة، والانتصار العسكري. غير أنَّ الاسم ذكر في السورة مرةً واحدةً بوصفٍ مبینفَتْحًا مُّبِينًا، ومرتين بوصفٍ قريبفَتْحًا قَرِيبًا.
السورة المباركة، كما تم الإعلان عنه، من حيث التشابه المعنوي و المفهومي تُعد من بين ستة عشر سورة من سور الممتحنات في القرآن الكريم. محتويات آياتها تتناول مواضيع متنوعة مثل بيان واقعة فتح مكة أو صلح الحديبية من جانب الله تعالى، مغفرة ذنوب أمة المسلمين أو الذنوب المنسوبة إلى النبي صلي الله عليه و آله بفضل الفتح، إتمام النعمة، اخبار عن تثبيت هداية رسول الله صلي الله عليه و آله ، و وعد الله تعالى بإدخال الرجال والنساء المؤمنين إلى الجنة، وبيان سيطرة الله سبحانه و تعالى على الكون و أسبابه.
في سياق آيات السورة المباركة، يتناول الله سبحانه و تعالى حديثاً عن حساب المنافقين في المدينة و المشركين في مكة، ويعدهم بعذاب أليم، حيث يتجلي ذلك
1) . المصباح، جنة الأمان الواقية و جنة الإيمان الباقية، ج 1، ص 439 .
بوضوح في الآية السادسة منها. و بعد بيان هذه الأحوال، تلمح الآيات إلى ثلاثة أهداف رئيسية و جوهرية هي أركان بعثة النبي الكريم صلي الله عليه و آله و هي: الشهادة على الناس، والبشارة للمؤمنين، و الإنذار للكافرين؛ كماتتناول الآيات لاحقاً موضوع البيعة مع النبي صلي الله عليه و آله و تبيّن عاقبة الوفاء بها أو نكثها.
أما في القسم الثاني من السورة، و تحديداً في الآيتين الحادية عشرة و الثانية عشرة، فيُطرق الحديث عن المُتخلفين الذين قدموا إلى سيد المرسلين صلي الله عليه و آله بحجج كاذبة طالبين الاستغفار، لكن الله تعالى يكشف سوء نواياهم.
تتوالى الآيات في شرح أحوال المتخلفين، وتُؤكد صدق الرؤيا التي رأها النبي صلي الله عليه و آله كما تتعرض لتوبيخهم بسبب تخلفهم عن الجهاد، و تتناول موضوعات متعلقة بغنائم الحرب، مثل فتح خيبر، وما وُعد به المؤمنون من خير و فضلٍ في ظلال هذا النصر الإله.
ما الجزء الأخير من السورة، فإنه يتناول بعثة النبي صلي الله عليه و آله و يشير إلى بعض من اصحابه في الكتب المقدسة لليهود و المسيحيين، ويبين صفاتهم كما وردت في تلك الكتب.
في البداية يجب أن يُعلم أنَّ بعض أهل النظر، قد اعتبروا سبب النزول و شأن النزول بمعنى واحد، ولكن هذين المصطلحين يختلفان عن بعضهما البعض؛ ويبدو أنَّ شأن النزول أعمّ من سبب النزول، بينما سبب النزول أخصّ.
في شأن النزول، يُعبَّر عن الموضوع و السياق الذي نزلت فيه الآية، أما سبب النزول فيتعلق بالعلة أو السبب المباشر الذي نزلت بسببه السورة أو الآية؛ ومع ذلك، قد لا يكون هناك تمييز واضح بينهما في بعض الأحيان، فقد يكون الأمر الواحد شأنًا للنزولوسببًا له في آنٍ واحد؛ كمثالٍ على ذلك، قصة "لیلة المبیت" حيث قال الله تعالى:وَ
مِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ(1)، فمن الواضح أن شأن النزول وسببه يدوران حول إيثار الإمام عليّ عليه السلام أي نزلت الآية في شأن إيثاره في تلك اللحظة الزمنية، وبسبب فعله. إذن، عند الحديث عن أسباب نزول السور، فإن الكلام يدور حول العلل أو الأسباب التي نزلت السورة أو الآية بسببها، وليس عن الظروف أو الأشخاص الذين نزلت الآيات والسور في إطارهم، مع احتساب هذه العقيدة، وردت روايات متعددة عن الأئمة في سبب نزول هذه السورة:
روی عن الصادق عليه السلام : مَا تَرَکَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه و آله إِنِّی أَخافُ إِنْ عَصَیْتُ رَبِّی عَذابَ یَوْمٍ عَظِیمٍ حَتَّی نَزَلَتْ سُورَهْ الْفَتْحِ فَلَمْ یَعُدْ إِلَی ذَلِکَ الْکَلَامِ(2).
نقل علی بن ابراهیم رحمه الله عن ابی عبدالله عليه السلام :کانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَهْ وَ هَذَا الْفَتْحِ الْعَظِیمِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ فِی النَّوْمِ أَنْ یَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَ یَطُوفَ وَ یَحْلِقَ مَعَ الْمُحَلِّقِینَ، فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَ أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ فَخَرَجُوا فَلَمَّا نَزَلَ ذَا الْحُلَیْفَهْ أَحْرَمُوا بِالْعُمْرَه وَ سَاقُوا الْبُدْنَ وَ سَاقَ رَسُولُ اللَّهِ سِتّاً وَ سِتِّینَ بَدَنَهْ وَ أَشْعَرَهَا عِنْدَ إِحْرَامِهِ، وَ أَحْرَمُوا مِنْ ذِی الْحُلَیْفَهْ مُلَبِّینَ بِالْعُمْرَهْ قَدْ سَاقَ مَنْ سَاقَ مِنْهُمُ الْهَدْیَ مُشْعَرَاتٍ مُجَلَّلَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قُرَیْشاً ذَلِکَ بَعَثُوا خَالِدَبْنَالْوَلِیدِ فِی مِائَتَیْ فَارِسٍ کَمِیناً لِیَسْتَقْبِلَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَکَانَ یُعَارِضُهُ عَلَی الْجِبَالِ فَلَمَّا کَانَ فِی بَعْضِالطَّرِیقِ حَضَرَتْ صَلَاهْ الظُّهْرِ فَأَذَّنَ بِلَالٌ وَ صَلَّی رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّاسِ فَقَالَ خَالِدُبْنُالْوَلِیدِ: لَوْ کُنَّا حَمَلْنَا عَلَیْهِمْ وَ هُمْ فِی الصَّلَاهْ لَأَصَبْنَاهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا یَقْطَعُونَ صَلَاتَهُمْ وَ لَکِنْ تَجِیءُ لَهُمُ الْآنَ
صَلَاهٌ أُخْرَی أَحَبُّ إِلَیْهِمْ مِنْ ضِیَاءِ أَبْصَارِهِمْ فَإِذَا دَخَلُوا فِی الصَّلَاهْ أَغَرْنَا عَلَیْهِمْ، فَنَزَلَ جَبْرَئِیلُ عَلَی رَسُولِ اللَّهِ بِصَلَاهْ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ: وَ إِذا کُنْتَ فِیهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الْآیَهْ، وَ هَذِهِ الْآیَهْ فِی سُورَهْ النِّسَاءِ وَ قَدْ مَضَی ذِکْرُ خَبَرِ صَلَاهْ الْخَوْفِ فِیهَا فَلَمَّا کَانَ فِی الْیَوْمِ الثَّانِی نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْحُدَیْبِیَهْ وَ هِیَ عَلَی طَرَفِ الْحَرَمِ وَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ یَسْتَنْفِرُ بِالْأَعْرَابِ فِی طَرِیقِهِ مَعَهُ فَلَمْ یَتْبَعْهُ أَحَدٌ وَ یَقُولُونَ: أَ یَطْمَعُ مُحَمَّدٌ وَ أَصْحَابُهُ أَنْ یَدْخُلُوا الْحَرَمَ وَ قَدْ غَزَتْهُمْ قُرَیْشٌ فِی عُقْرِ دِیَارِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ إِنَّهُ لَا یَرْجِعُ مُحَمَّدٌ وَ أَصْحَابُهُ إِلَی الْمَدِینَه أَبَداً فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْحُدَیْبِیَهْ خَرَجَتْ قُرَیْشٌ یَحْلِفُونَ بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّی لَا یَدَعُونَ مُحَمَّداً یَدْخُلُ مَکَّهْ وَ فِیهِمْ عَیْنٌ تَطْرِفُ، فَبَعَثَ إِلَیْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنِّی لَمْ آتِ لِحَرْبٍ وَ إِنَّمَا جِئْتُ لِأَقْضِیَ نُسُکِی وَ أَنْحَرَ بُدْنِی وَ أُخَلِّیَ بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَ لَحَمَاتِهَا، فَبَعَثُوا عُرْوَهْ بْنَمَسْعُودٍ الثَّقَفِیَّ وَ کَانَ عَاقِلًا لَبِیباً وَ هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ اللَّهُ فِیهِ وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلی رَجُلٍ مِنَ الْقَرْیَتَیْنِ عَظِیمٍ فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَی رَسُولِ اللَّهِ عَظَّمَ ذَلِکَ وَ قَالَ: یَا مُحَمَّدُ تَرَکْتَ قَوْمَکَ وَ قَدْ ضَرَبُوا الْأَبْنِیَهْ وَ أَخْرَجُوا الْعَوْدَ الْمَطَافِیلَ یَحْلِفُونَ بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّی لَا یَدَعُوکَ تَدْخُلُ مَکَّهْ فَإِنَّ مَکَّهْ حَرَمُهُمْ وَ فِیهِمْ عَیْن تَطْرِفُ أَ فَتُرِیدُ أَنْ تُبِیدَ أَهْلَکَ وَ قَوْمَکَ یَا مُحَمَّدُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَا جِئْتُ لِحَرْبٍ وَ إِنَّمَا جِئْتُ لِأَقْضِیَ نُسُکِی فَأَنْحَرَ بُدْنِی وَ أُخَلِّیَ بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَ لَحَمَاتِهَا، فَقَالَ عُرْوَهْ: بِاللَّهِ مَا رَأَیْتُ کَالْیَوْمِ أَحَداً صُدَّ کَمَا صُدِدْتَ، فَرَجَعَ إِلَی قُرَیْشٍ وَ أَخْبَرَهُمْ فَقَالَتْ قُرَیْشٌ: وَ اللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ مُحَمَّدٌ مَکَّهْ وَ تَسَامَعَتْ بِهِ الْعَرَبُ لَنَذِلَّنَّ وَ لَتَجْتَرِیَنَّ عَلَیْنَا الْعَرَبُ. فَبَعَثُوا حَفْصَبْنَالْأَحْنَفِ وَ سُهَیْلَبْنَعَمْرٍو فَلَمَّا نَظَرَ إِلَیْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: وَیْحَ قُرَیْشٍ قَدْ نَهَکَتْهُمُ الْحَرْبُ أَ لَا خَلَّوْا بَیْنِی وَ بَیْنَ الْعَرَبِ فَإِنْ أَکُ صَادِقاً فَإِنَّمَا أَجْرُ الْمُلْکِ إِلَیْهِمْمَعَ النُّبُوَّهْ وَ إِنْ أَکُ کَاذِباً کَفَتْهُمْ ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ لَا یَسْأَلُنِی الْیَوْمَ امْرُؤٌ مِنْ قُرَیْشٍ خُطَّهْ لَیْسَ لِلَّهِ فِیهَا سَخَطٌ إِلَّا أَجَبْتُهُمْ إِلَیْهِ، قَالَ: فَوَافَوْا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالُوا: یَا مُحَمَّدُ أَ لَا تَرْجِعُ
عَنَّا عَامَکَ هَذَا إِلَی أَنْ نَنْظُرَ إِلَی مَا ذَا یَصِیرُ أَمْرُکَ وَ أَمْرُ الْعَرَبِ فَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَسَامَعَتْ بِمَسِیرِکَ فَإِنْ دَخَلْتَ بِلَادَنَا وَ حَرَمَنَا اسْتَذَلَّتْنَا الْعَرَبُ وَ اجْتَرَأَتْ عَلَیْنَا وَ نُخَلِّی لَکَ الْبَیْتَ فِی الْعَامِ الْقَابِلِ فِی هَذَا الشَّهْرِ ثَلَاثَهْ أَیَّامٍ حَتَّی تَقْضِیَ نُسُکَکَ وَ تَنْصَرِفَ عَنَّا فَأَجَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ إِلَی ذَلِکَ وَ قَالُوا لَهُ: وَ تَرُدُّ إِلَیْنَا کُلَّ مَنْ جَاءَکَ مِنْ رِجَالِنَا وَ نَرُدُّ إِلَیْکَ کُلَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْ رِجَالِکَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَنْ جَاءَکُمْ مِنْ رِجَالِنَا فَلَا حَاجَهْ لَنَا فِیهِ وَ لَکِنْ عَلَی أَنَّ الْمُسْلِمِینَ بِمَکَّهْ لَا یُؤْذَوْنَ فِی إِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ وَ لَا یُکْرَهُونَ وَ لَا یُنْکَرُ عَلَیْهِمْ شَیْءٌ یَفْعَلُونَهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَقَبِلُوا ذَلِکَ فَلَمَّا أَجَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ إِلَی الصُّلْحِ أَنْکَرَ عَامَّهْ أَصْحَابِهِ وَ أَشَدُّ مَا کَانَ إِنْکَاراً فُلَانٌ فَقَالَ: یَا رَسُولَ اللَّهِ أَ لَسْنَا عَلَی الْحَقِّ وَ عَدُوُّنَا عَلَی الْبَاطِلِ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَنُعْطَی الذِّلَّهْ {الدَّنِیَّهْ} فِی دِینِنَا! قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِی وَ لَنْ یُخْلِفَنِی. قَالَ: لَوْ أَنَّ مَعِی أَرْبَعِینَ رَجُلًا لَخَالَفْتُهُ. وَ رَجَعَ سُهَیْلُبْنُعَمْرٍو وَ حَفْصُبْنُالْأَحْنَفِ إِلَی قُرَیْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِالصُّلْحِ فَقَالَ عُمَرُ: یَا رَسُولَ اللَّهِ أَ لَمْ تَقُلْ لَنَا أَنْ نَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَ نَحْلِقَ مَعَ الْمُحَلِّقِینَ؟ فَقَالَ: أَ مِنْ عَامِنَا هَذَا وَعَدْتُکَ وَ قُلْتُ لَکَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ قَدْ وَعَدَنِی أَنْ أَفْتَحَ مَکَّهْ وَ أَطُوفَ وَ أَسْعَی مَعَ الْمُحَلِّقِینَ، فَلَمَّا أَکْثَرُوا عَلَیْهِ قَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا الصُّلْحَ فَحَارِبُوهُمْ، فَمَرُّوا نَحْوَ قُرَیْشٍ وَ هُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِلْحَرْبِ وَ حَمَلُوا عَلَیْهِمْ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ هَزِیمَهْ قَبِیحَهْ وَ مَرُّوا بِرَسُولِ اللَّهِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: یَا عَلِیُّ! خُذِ السَّیْفَ وَ اسْتَقْبِلْ قُرَیْشاً. فَأَخَذَ أَمِیرُالْمُؤْمِنِینَ سَیْفَهُ وَ حَمَلَ عَلَی قُرَیْشٍ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَی أَمِیرِالْمُؤْمِنِینَ تَرَاجَعُوا وَ قَالُوا: یَا عَلِیُّ بَدَا لِمُحَمَّدٍ فِیمَا أَعْطَانَا فَقَالَ: لَا وَ تَرَاجَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ مُسْتَحْیِینَ وَ أَقْبَلُوا یَعْتَذِرُونَ إِلَی رَسُولِ اللَّهِ وَ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: أَ لَسْتُمْ أَصْحَابِی یَوْمَ بَدْرٍ إِذْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِیکُمْ إِذْ تَسْتَغِیثُونَ رَبَّکُمْ فَاسْتَجابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِکَهْ مُرْدِفِینَ، أَ لَسْتُمْ أَصْحَابِی یَوْمَ أُحُدٍ إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلی أَحَدٍ وَ
الرَّسُولُ یَدْعُوکُمْ فِی أُخْراکُمْ، أَ لَسْتُمْ أَصْحَابِی یَوْمَ کَذَا أَ لَسْتُمْ أَصْحَابِی یَوْمَ کَذَا فَاعْتَذَرُوا إِلَی رَسُولِ اللَّهِ وَ نَدَمُوا عَلَی مَا کَانَ مِنْهُمْ وَ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ وَ رَسُولُهُ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَکَ وَ رَجَعَ حَفْصُبْنُالْأَحْنَفِ وَ سُهَیْلُبْنُعَمْرٍو إِلَی رَسُولِ اللَّهِ وَ قَالا: یَا مُحَمَّدُ قَدْ أَجَابَتْ قُرَیْشٌ إِلَی مَا اشْتَرَطْتَ عَلَیْهِمْ مِنْ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَ أَنْ لَا یُکْرَهَ أَحَدٌ عَلَی دِینِهِ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ بِالْمَکْتَبِ وَ دَعَا أَمِیرَالْمُؤْمِنِینَ وَ قَالَ لَهُ اکْتُبْ، فَکَتَبَ أَمِیرُالْمُؤْمِنِینَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ فَقَالَ سُهَیْلُبْنُعَمْرٍو: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ اکْتُبْ کَمَا کَانَ یَکْتُبُ آبَاؤُکَ بِاسْمِکَ اللَّهُمَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: اکْتُبْ بِاسْمِکَ اللَّهُمَ فَإِنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، ثُمَّ کَتَبَ هَذَا مَا تَقَاضَی عَلَیْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَیْشٍ، فَقَالَ سُهَیْلُبْنُعَمْرٍو: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّکَ رَسُولُ اللَّهِ مَا حَارَبْنَاکَ اکْتُبْ هَذَا مَا تَقَاضَی عَلَیْهِ مُحَمَّدُبْنُعَبْدِاللَّهِ أَ تَأْنَفُ مِنْ نَسَبِکَ یَا مُحَمَّدُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ إِنْ لَمْ تُقِرُّوا، ثُمَّ قَالَ: امْحُ یَا عَلِیُّ! وَ اکْتُبْ مُحَمَّدُبْنُعَبْدِاللَّهِ، فَقَالَ أَمِیرُالْمُؤْمِنِینَ: مَا أَمْحُو اسْمَکَ مِنَ النُّبُوَّهْ أَبَداً، فَمَحَاهُ رَسُولُ اللَّهِ بِیَدِهِ، ثُمَّ کَتَبَ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَیْهِ مُحَمَّدُبْنُ عَبْدِاللَّهِ وَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَیْشٍ وَ سُهَیْلُبْنُعَمْرٍو وَ اصْطَلَحُوا عَلَی وَضْعِ الْحَرْبِ بَیْنَهُمْ عَشْرَ سِنِینَ عَلَی أَنْ یَکُفَّ بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ وَ عَلَی أَنَّهُ لَا إِسْلَالٌ وَ لَا إِغْلَالٌ وَ أَنَّ بَیْنَنَا وَ بَیْنَهُمْ غَیْبَهْ مَکْفُوفَهْ، وَ أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ یَدْخُلَ فِی عَهْدِ مُحَمَّدٍ وَ عَقْدِهِ فَعَلَ، وَ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ یَدْخُلَ فِی عَهْدِ قُرَیْشٍ وَ عَقْدِهَا فَعَلَ، وَ أَنَّهُ مَنْ أَتَی مِنْ قُرَیْشٍ إِلَی أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بِغَیْرِ إِذْنِ وَلِیِّهِ یَرُدُّهُ إِلَیْهِ وَ أَنَّهُ مَنْ أَتَی قُرَیْشاً مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ لَمْ یَرُدَّهُ إِلَیْهِ، وَ أَنْ یَکُونَ الْإِسْلَامُ ظَاهِراً بِمَکَّهْ لَا یُکْرَهُ أَحَدٌ عَلَی دِینِهِ، وَ لَا یُؤْذَی وَ لَا یُعَیَّرُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً یَرْجِعُ عَنْهُمْ عَامَهُ هَذَا وَ أَصْحَابَهُ ثُمَّ یَدْخُلُ عَلَیْنَا فِی الْعَامِ الْقَابِلِ مَکَّهْفَیُقِیمُ فِیهَا ثَلَاثَهْ أَیَّامٍ وَ لَا یَدْخُلُ عَلَیْهَا بِسِلَاحٍ إِلَّا سِلَاحَ الْمُسَافِرِ السُّیُوفَ فِی الْقِرَابِ وَ کَتَبَ عَلِیُّبْنُأَبِیطَالِبٍ وَ شَهِدَ عَلَی الْکِتَابِ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ: یَا عَلِیُّ! إِنَّکَ أَبَیْتَ أَنْ تَمْحُوَ اسْمِی مِنَ النُّبُوَّهْ فَوَ الَّذِی بَعَثَنِی بِالْحَقِّ نَبِیّاً لَتُجِیبَنَّ أَبْنَاءَهُمْ إِلَی مِثْلِهَا وَ أَنْتَ مَضِیضٌ مُضْطَهَدٌ فَلَمَّا کَانَ یَوْمُ صِفِّینَ وَ رَضُوا بِالْحَکَمَیْنِ کَتَبَ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَیْهِ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلِیُّبْنُأَبِیطَالِبٍ وَ مُعَاوِیَهْ بْنُأَبِیسُفْیَانَ، فَقَالَ عَمْرُوبْنُالْعَاصِ: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّکَ أَمِیرُالْمُؤْمِنِینَ مَا حَارَبْنَاکَ وَ لَکِنِ اکْتُبْ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَیْهِ عَلِیُّبْنُأَبِیطَالِبٍ وَ مُعَاوِیَهْ بْنُأَبِیسُفْیَانَ، فَقَالَ أَمِیرُالْمُؤْمِنِینَ: صَدَقَ اللَّهُ وَ صَدَقَ رَسُولُهُ أَخْبَرَنِی رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِکَ، ثُمَّ کَتَبَ الْکِتَابَ قَالَ: فَلَمَّا کَتَبُوا الْکِتَابَ قَامَتْ خُزَاعَهْ فَقَالَتْ: نَحْنُ فِی عَهْدِ مُحَمَّدٍ وَ عَقْدِهِ وَ قَامَتْ بَنُوبَکْرٍ فَقَالَتْ: نَحْنُ فِی عَهْدِ قُرَیْشٍ وَ عَقْدِهَا، وَ کَتَبُوا نُسْخَتَیْنِ نُسْخَهْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ نُسْخَهْ عِنْدَ سُهَیْلِ بْنِعَمْرٍو وَ حَفْصِبْنِالْأَحْنَفِ إِلَی قُرَیْشٍ فَأَخْبَرَاهُمْ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: انْحَرُوا بُدْنَکُمْ وَ احْلِقُوا رُءُوسَکُمْ فَامْتَنَعُوا وَ قَالُوا: کَیْفَ نَنْحَرُ وَ نَحْلِقُ وَ لَمْ نَطُفْ بِالْبَیْتِ وَ لَمْ نَسْعَ بَیْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَهْ، فَاغْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ ذَلِکَ وَ شَکَا ذَلِکَ إِلَی أُمِّ سَلَمَهْ، فَقَالَتْ: یَا رَسُولَ اللَّهِ انْحَرْ أَنْتَ وَ احْلِقْ. فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ حَلَقَ وَ نَحَرَ الْقَوْمُ عَلَی حَیْثُ یَقِینٍ وَ شَکٍّ وَ ارْتِیَابٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَعْظِیماً لِلْبُدْنِ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِینَ وَ قَالَ قَوْمٌ لَمْ یَسُوقُوا الْبُدْنَ: یَا رَسُولَ اللَّهِ وَ الْمُقَصِّرِینَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ یَسُقْ هَدْیاً لَمْ یَجِبْ عَلَیْهِ الْحَلْقُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ثَانِیاً رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِینَ الَّذِینَ لَمْ یَسُوقُوا الْهَدْیَ، فَقَالُوا یَا رَسُولَ اللَّهِ وَ الْمُقَصِّرِینَ فَقَالَ:رَحِمَ اللَّهُ الْمُقَصِّرِینَ، ثُمَّ رَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ نَحْوَ الْمَدِینَهْ فَرَجَعَ إِلَی التَّنْعِیمِ وَ نَزَلَ تَحْتَ الشَّجَرَهْ، فَجَاءَ أَصْحَابُهُ الَّذِینَ أَنْکَرُوا عَلَیْهِ الصُّلْحَ وَ اعْتَذَرُوا وَ أَظْهَرُوا النَّدَامَه عَلَی مَا کَانَ مِنْهُمْ وَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ یَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَنَزَلَتْ آیَهْ الرِّضْوَانِ نَزَلَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ إِنَّا فَتَحْنا لَکَ فَتْحاً مُبِیناً * لِیَغْفِرَ لَکَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِکَ
وَ ما تَأَخَّر(1). و ایضاً نقرأ حدیثاً للامام الصادق عليه السلام : لَمَّا نَزَلَتْ عَلَی رَسُولِ اللهِ قُلْ ما کُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ ما أَدْرِی ما یُفْعَلُ بِی وَ لا بِکُمْ یَعْنِی فِی حُرُوبِهِ قَالَتْ قُرَیْشٌ فَعَلَی مَا نَتَّبِعُهُ وَ هُوَ لَا یَدْرِی مَا یُفْعَلُ بِهِ وَ لَا بِنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِنَّا فَتَحْنا لَکَ فَتْحاً مُبِین(2).
إن شأن نزول هذه السورة المباركة يمكن إيجاده في الواقعة التاريخية لهذا الحدث؛ إذ بعد أن عقد رسول الله صلي الله عليه و آله و ممثلو قريش "صلح الحديبية"، حلَّ حزنٌ شديدٌ على المسلمين، فشكَّ بعضهم وارتابوا، و ظهر النفاق في قلوب فريقٍ آخر، لأنهم كانوا واثقين بالطواف (في البيت الحرام) الذي رأوا صدقه وحقيقته في رؤيا النبي صلي الله عليه و آله كما قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ(3)ففي هذا الوقت – وَفْقًا لبعض الروايات التاريخية أثناء العودة من الحديبية – نزلت هذه السورة المباركة، وعبَّر الله عنها ب- "الفتح المبين"و ببيان الانتصارات المستقبلية الناتجة عن هذه الحادثة، أزال الله عن المسلمين شدة الحزن والألم، كما تؤكده بعض الروايات المنقول.
ومن ذلك، ما نقله العلامة المجلسي رحمه الله في المجلد الحادي والعشرين من "بحار الأنوار"، روايةً عن "مَجْمَع بن حارث الأنصاري" تُشير إلى أن شأن نزول السورة مرتبط بالعودة من طريق الحديبية، ومضمونهُ: رُوِیَ عَنْ مُجَمِّعِبْنِحَارِثَهْ الْأَنْصَارِیِّوَ کَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ قَالَ: شَهِدْنَا الْحُدَیْبِیَهْ مَعَ رَسُولِ اللهِ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا إِذَا النَّاسُ یَهِزُونَ الْأَبَاعِرَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: مَا بَالُ النَّاسِ قَالُوا: أُوحِیَ إِلَی رَسُولِ اللهِ؟ فَخَرَجْنَا نُوجِفُ فَوَجَدْنَا النَّبِیَّ وَاقِفاً عَلَی رَاحِلَتِهِ عِنْدَ کُرَاعِ الْغَمِیمِ فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَیْهِ قَرَأَ إِنَّا فَتَحْنَا
لَکَ فَتْحاً مُبِیناً السُّورَهْ. فَقَالَ عُمَرُ: أَ فَتْحٌ هُوَ یَا رَسُولَ الله قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَ الَّذِی نَفْسِی بِیَدِهِ، إِنَّهُ لَفَتْحٌ فَقَسَّمْتُ خَیْبَرَ عَلَی أَهْلِ الْحُدَیْبِیَّهْ لَمْ یَدْخُلْ فِیهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ شَهِدَهَا(1).
هذه قول أنس بن مالك، التي وفقًا لما ورد في كتابات أشخاص مثل ابن الأثير في أسد الغابة في معرفة الصحابة، أو البلاذري في أنساب الأشراف و غيرهم، كان من المشاركين في الغزوات و خاصة غزوة الحديبية؛ و هو قال في شأن نزول هذه السورة ما يلي: لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاهْ الْحُدَیْبِیَهْ وَ قَدْ حِیلَ بَیْنَنَا وَ بَیْنَ نُسُکِنَا فَنَحْنُ بَیْنَ الْحُزْنِ وَ الْکَأْبَهْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ إِنَّا فَتَحْنَا لَکَ فَتْحاً مُبِیناً فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَیَّ آیَهْ هِیَ أَحَبُّ إِلَیَّ مِنَ الدُّنْیَا وَ مَا فِیهَا(2).
في فضائل السورة، وردت العديد من أقوال المعصومين التي تبين مكانتها العظيمة؛ حتى أن النبي الأكرم صلي الله عليه و آله بعد نزولها قال :لَقَدْ أُنزلت عليَّ آية هي أحب إلي من الدنيا كلها(3).
و في رواية أخرى عنه صلي الله عليه و آله : من قرأها فكأنما شهد مع رسول الله صلي الله عليه و آله (4).
نقرأ فی حدیث عن الصادق عليه السلام قوله: مَنْ أَدْمَنَ قِرَاءَهْ سُورَهْ إِنَّا فَتَحْنَا نَادَی مُنَادٍ یَوْمَ الْقِیَامَهْ حَتَّی یُسْمِعَ الْخَلَائِقَ َنْتَ مِنْ عِبَ-ادِیَ الْمُخْلَ-صِینَ أَلْ-حِقُوهُ بِال-صَّالِحِینَ مِنْ عِبَادِی فَأَسْکِنُوهُ جَنَّاتِ النَّعِی-مِ وَ اسْقُوهُ الرَّحِیقَ الْمَخْتُومَ بِمِزَاجِ الْکَافُور(5).
في موضع آخر، قال الإمام ابی عبدالله عليه السلام عن فضيلة تلاوة هذه السورة:حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ وَ نِسَاءَكُمْ وَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ التَّلَفِ بِقِرَاءَتِهَا إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(1).
ذکر الشیخ الکلینی رحمه الله فی اصول الکافی: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليه السلام لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ فَتَحَ عَیْنَيْهِ وَ قَرَأَإِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ،وَ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ وَ قَالَ:الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَیْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ثُمَّ قُبِضَ مِنْ سَاعَتِهِ وَ لَمْ یَقُلْ شَیْئا.ً(2)
عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِیِّ عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ عليه السلام قَالَ: کُنْتُ عِنْدَ الْحُسَیْنِبْنِعَلِیٍّ عليه السلام إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِیأُمَیَّهْ مِنْ شِیعَتِنَا فَقَالَ لَهُ: یَا ابْنَرَسُولِ اللَّهِ مَا قَدَرْتُ أَنْ أَمْشِیَ إِلَیْکَ مِنْ وَجَعِ رِجْلَیَّ. قَالَ: فَأَیْنَ أَنْتَ مِنْ عُوذَهْ الْحُسَیْنِبْنِعَلِیٍّ قَالَ: یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَا ذَاکَ؟ قَالَ: الْآیَهْ إِنَّا فَتَحْنا لَکَ فَتْحاً مُبِیناً، لِیَغْفِرَ لَکَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِکَ وَ ما تَأَخَّرَ وَ یُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَیْکَ وَ یَهْدِیَکَ صِراطاً مُسْتَقِیماً، وَ یَنْصُرَکَ اللهُنَصْراً عَزِیزاً، هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ السَّکِینَةَ فِی قُلُوبِ الْمُؤْمِنِینَ لِیَزْدادُوا إِیماناً مَعَ إِیمانِهِمْ وَ لِلهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ کانَ اللهُ عَلِیماً حَکِیماً، لِیُدْخِلَ الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِینَ فِیها وَ یُکَفِّرَ عَنْهُمْ سَیِّئاتِهِمْ وَ کانَ ذلِکَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِیماً، وَ یُعَذِّبَ الْمُنافِقِینَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِکِینَ وَ الْمُشْرِکاتِ الظَّانِّینَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَیْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَ غَضِبَ اللهُ عَلَیْهِمْ وَ لَعَنَهُمْ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِیراً، وَ لِلهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ کانَ اللهُ عَزِیزاً حَکِیماً قَالَ: فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِی بِهِ فَمَا أَحْسَسْتُ بَعْدَ ذَلِکَ بِشَیْءٍ مِنْهَا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَی(3).
هذه السورة فاقدة لآيات منسوخة، و كما أنها في هيكلها العام، یتناول عدة مسائل فقهية تتعلق بالعمرة، وأحكام المحصور والمصدود، و عدم وجوب الجهاد على الأفراد العميان، والمرضى، والمصابين بالإعاقة (العرج)؛ كما أنها وردت في عدة أعمال عبادية مستحبة:
أ. السيد ابن طاووس رحمه الله في الجزء الأول من كتابه الشریف الإقبال بالأعمال الحسنة في باب العمل الأول من يوم في شهر رمضان ذكر: رواها محمد بن أبي قرة في كتابه في عمل أول يوم من شهر رمضان عن العالم أنه قال: من صلى عند دخول شهر رمضان ركعتين تطوعًا، قرأ في أولاهما أم الكتاب و إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا و في الأخرى ما أحب، دفع الله تعالى عنه سوء سنته، ولم يزل في حرز الله تعالى إلى مثلها من قابل(1).
ب. "المرحوم الشيخ الطوسي رحمه الله في المصباح المتهجد و سلاح المتعبد في باب "يوم نصف من رجب" ذكر عن عمل أم داوود الذي يعد من الأعمال المستحبة في ذلك الزمان، و قال: و يستحب أن يدعو بدعاء أم داوود... ثم يقرأ بعد ذلك سورة الأنعام، وبني إسرائيل، والكهف، ولقمان، ويس، والصافات، وحم السجدة، و حم عسق، و حم الدخان، و الفتح، و الواقعة، و الملك، و ن، و إذا السماء انشقت وما بعدها إلى آخر القرآن(2).
ت. المرحوم حسن بن فضل الطبرسي رحمه الله في كتابه الشريف مكارم الأخلاق، و
المرحوم المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار، ذکر رواية عن الإمام الصادق عليه السلام حول الخروج من الصعوبة والضيق واردة، بمضمونها التالي: إذا عسُر عليك أمر، فصَلِّ ركعتين، تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ و إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا إلى قوله وَيَنصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا و في الثانية فاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ و أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1).
ث. الزمخشري في الكشاف عن رسول الله صلي الله عليه و آله في حديثه عن قراءة السورة في الصلاة، قال: من قرأها في صلاةٍ و صلى بها بعد الحمد، قُبِلت صلاته منه أحسن قبولٍ(2).
اتفق المفسرون(3)على أن محل السورة المباركة هو الحديبية، التي كانت في السنة السادسة في سياق سفر النبي صلي الله عليه و آله لأداء العمرة المفردة؛ في ذلك الوقت، قام بعض من المسلمين بمساعدة النبي، ويبدو أن السورة نزلت حينما كانوا في طريق العودة من الحديبية إلى المدينة.
اِنَّا فَتَحْنَا لَکَ فَتْحَاً مُبینَاً 1
التّفسیر
النص الشريف هو أول آية من سورة الفتح؛ في بداية السورة، أشار الله سبحانه و تعالى باستخدام أدوات تأكيد و قطع إلى حدوث واقعة عظيمة و مصيرية في تاريخ الإسلام. ومن خلال الروايات، يتبين أن هذه الواقعة، بالنسبة للنبي الكريم صلي الله عليه و آله ، هي أعظم من كل شيء في هذا العالم؛ كما قال: نزلت عليَّ البارحة سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا و ما فيها، إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.(1)
وبالنظر إلى نتائج هذا الحدث، يتضح أن هذا الفتح المبين هو من أحب الأمور إلى النبي صلي الله عليه و آله ، لأنه في ذلك الزمن و المكان، نشأت العديد من النتائج المثمرة التي كان لها تأثير كبير على تاريخ الإسلام.
1) . مجمع البیان، ج9، ص 165.
بدأت أربع سور من سور القرآن الكريم باللفظ إِنَّا، وهي:سورة نوح:إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا، وسورة القدر:إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وسورة الكوثر:إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، وآية الأولى من سورة الفتح:إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا إن اجتماع هذه الآيات معًا في سياق واحد يدل على أهمية الموضوع وعظمته، وبيان وضعه من قبل ذات الله تعالى.
في بداية الكلام، تبدأ الآية الشريفة بالعبارة "إِنَّ" التي تدل على "القطع" و"التأكيد" لتبيّن أن هذا الفتح - الصلح - الذي وقع في السنة السادسة من الهجرة، هو في الحقيقة فتحٌ قطعيٌ و قويٌ للمسلمين، وأن نتائجه ستؤدي إلى فتوحات عظيمة مثل فتح خيبر و مكة، وغيرها من النتائج الإيجابية التي تصب في مصلحة الدين الإسلامي، وهذا أمر قطعيٌ لا شك فيه.
اللفظ الآخر الذي جاء مع حرف "إِنَّ"، هو الضمير "نا"، الذي هو جمع المتكلم مع الغير، ويُشير إلى ذات الله تعالى. اجتماع هذا الحرف مع ما قبله يشير إلى أن حتمية هذا الفتح هي من عند الله عز وجل، وأن ما يأتي من عنده لا يتأثر بأي نقص أو خلل؛ لذا، فإن سبب حتمية هذا الفتح هو تقدير الله تعالى وظهور اسمه "الفتاح" في تحققه لذلك، يتضح أن الحديث في هذا السياق هو عن تحقق الفعل من الله تعالى، في ضوء أسمائه وصفاته العليا، وكذلك تأكيد سيطرته على جميع الأسباب في هذا العالم؛ كما قال القرآن الكريم: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(1)، أي أن الجنود في هذا العالم كلهم تحت سيطرة الله تعالى.
عند بداية بيان الواقعة، يجدر بنا أن نلاحظ أن زمان نزول آية سورة الفتح كان بعد
1) . سورة الفتح، الآیة 4 .
صلح الحديبية (السنة 6 ه-)، حيث وقع اتفاق (معاهده) بين رسول الله صلي الله عليه و آله والمشركين، مما أدى إلى إيقاف مناسك الحج للمسلمين، وهذا الأمر أوقع بعض الاحتجاجات بين المسلمين، فكان هناك من انتقد رسول الله صلي الله عليه و آله بسبب هذه المعاهدة، بينما تحول البعض إلى النفاق أو ابتعدوا عن الإسلام بسبب ضعف إيمانهم. أما الذين لم يعترضوا، فقد كانوا غير راضين عن الوضع، كما ذكر أنس في حديثه عن هذا الحادث: فَكُنَّا بَيْنَ الْحُزْنِ وَالْكَأْبَةِ، أي أننا كنا في حالة من الحزن و الهمّ. لهذا، في تلك اللحظة، أوضح الله تعالى لرسوله في الآية الأولى من سورة الفتح قائلاً: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، أي أن صلح الحديبية هو فتحٌ مبينٌ من الله، فبالتالي تحدث عن تبعات هذا الفتح، وبعد نزول هذه الآية، أصبح النبي صلي الله عليه و آلهسعيدًا، و بدأ المسلمون يأملون في المستقبل المشرق لهذا الصلح، و أوقفوا اعتراضاتهم؛ ولذلك، فإن مضمون الآية الأولى هو وعدٌ للمؤمنين بفتح قريبٍ و مبين.
یتبین لنا أن موضوع الآية وسورة الفتح في البداية، كما في كثير من الآيات الأخرى، يتعلق بتسوية نظامية - سياسية ترتبط بمعاهدة الحديبية؛ ولكن لا بد من أدلة عقلية و نقلية لإثبات أن المصداق الصحيح للفتح المبين هو فقط حادثة الحديبية، حيث أن بعض المفسرين قد طبّقوا "الفتح المبين" على فتح خيبر و فتح مكة أيضًا.
قبل أن نبدأ في تناول مضامين الآية الكريمة و مسألة "الفتح المبين"، يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة على مفهوم كلمة "فتح" لنتمكن من تحديد معناها الدقيق في الآية. و بالنسبة لمعنى هذه الكلمة، فإنه يوجد لها معنى غالبي و مجموعة من المعاني الفرعية التي ترتبط بها. أما المعنى الغالب لكلمة "فتح"، فإنه يشير إلى ضد الغلق أو الإغلاق،
فهو يعني فتح الشيء الذي كان مغلقًا أو مسدودًا؛ وعليه، عندما يريد العرب التعبير عن فتح باب ما، يقولون: "فتحت الباب".
أما في المعنى الثاني، فقد وردت كلمة "فتح" بمعنى "الحكم" أو "الفصل بين الأمور". وقد استُخدم هذا المعنى في بعض الأسماء الحسنى لله سبحانه وتعالى، مثل اسم "الفتاح"، الذي يعني "الحاكم" أو "الذي يقرر ويفصل في الأمور"، وقد ورد في هذا السياق قول أحد الأدباء من النساء العربيات لزوجها: "بيني وبينك الفتاح"، في إشارة إلى أن الله هو الذي يفصل بيننا ويحكم في أمورنا؛ وكذلك نجد هذا المعنى في قول أحد الشعراء البدو الذي قال:"
ألا أبلغ بني عوف رسولا *** بأنني عن فتاحتكم غنيّ(1)"
أي: أرسل رسولًا إلى أهل عوف ليخبرهم أنني لا أحتاج إلى حكمكم ولا إلى قضائكم.
أما المعنى الثالث لكلمة "فتح"، فهو يشير إلى النصر و التسخير العسكري في سياق الحروب و القتال؛ و يظهر هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى:إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ(2)بمعنى: إذا طلبتم النصر من الله، فإن النصر قد تحقق لكم وجاء إليكم. كما ورد في الآية الأخرى:وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا(3)، أي أنهم كانوا يطلبون النصر على أعدائهم من الكفار، فالله استجاب لهم و أعطاهم الفتح.
وبالنظر إلى هذه المعاني المختلفة، و من خلال مقارنة هذه المعاني وتوضيحها، يتبين لنا أن المعنى المقصود من كلمة "الفتح" في الآية الكريمة هو المعنى الذي يشير إلى النصر العسكري أو تسخير أرض العدو في سياق الحروب و القتال؛ و هذا هو المعنى الذي
يتناسب مع سياق الآية، بينما لا يمكننا إدخال المعاني الأخرى في هذا السياق. بالطبع، يمكن أن يكون هناك احتمال في تفسير بعض المفسرين الذين فسروا "الفتح" بمعنى "الفتح المعنوي"، و هو التفسير الذي يراه البعض من أصحاب الاتجاهات الصوفية أو العرفانية، حيث يرون أن "الفتح" يشير إلى الفتح الروحي أو الفتح الداخلي الذي يحصل للإنسان على مستوى القلب والعقل، ولكن هذا المعنى لا يتماشى مع السياق الظاهر للآية الكريمة.
إذن، و بناءً على ما تقدم من معاني و تفسير، يتضح أن المعنى الصحيح و الأكثر توافقًا مع سياق الآية هو "الفتح" بمعنى النصر العسكري أو التمكين في الأرض، و هوما يعبر عن انتصار المسلمين على أعدائهم، و هو ما يؤكد أن هذا هو المقصود ب- "الفتح المبين" في الآية الكريمة.
بما أن تأويل و تفسير هذا الكتاب العظيم بشكل دقيق لا يتوفر إلا في يد الراسخين في العلم، و هم الأئمة الأطهار عليهم السلام لذلك، لا يمكن إصدار حكم قاطع و دون شك في بعض الحالات بدلالات و مواضع القرآن الكريم إلا في المسائل المسلّمة.
و من هذا المنطلق، فإنّ قضية فتح المبين تُعدّ من الأمور التي تكتنفها بعض الاختلافات حول مصاديقها، لذا لا يمكن الجزم حول مدلولها بشكل قطعي، و بالتالي، لابد من دراسة و تحليل المسألة من جوانب مختلفة للوصول إلى الرأي الأقرب للصواب، لكن في هذا السياق، يُعتبر النظر في الشواهد و القرائن، و الرويات، و آراء الصحابة و التابعين أمراً في غاية الأهمية للكشف عن هذه الواقعة التاريخية و في هذا الإطار، نعود أولاً إلى آراء المفسرين حيث يمكننا أن نجد لديهم تصريحات واستدلالات بشأن هذه
القضية؛ على سبيل المثال، اعتبر كل من المرحوم الفيض الكاشاني، العلامة الطباطبائي، و أبو الفتوح الرازي، و الطوسي، أن الواقعة تتعلق ب- "صلح الحديبية". وبناءً على ذلك، يعتقد بعضهم أن دليله في هذا القول يكمن في زمن الفعل فَتَحْنَا، لأنه جاء بصيغة الماضي، ومع الأخذ بعين الاعتبار زمن نزول السورة الذي يتعلق بما بعد الحديبية و قبل فتح مكة، فإنه يظهر أن القول المذكور يبدو مقبولاً؛ ومع ذلك، فإن هذا الادعاء يمكن أن يُنقض إذا كان الفعل الماضي يُحمل على بشارة المستقبل.
أما المجموعة الأخرى مثل المرحوم الطبرسي رحمه الله فقد اعتبرت الواقعة مرتبطة بفتح خيبر، في حين أن بعضهم اعتبرها في الحقيقة انتصاراً للإسلام على الشرك والكفر بواسطة المعجزات و البرهين؛ كما أن المرحوم الطوسي رحمه الله في تفسيره "التبيان" اعتبر أحد المصاديق هو فتح مكة. و في المقابل، نقل راغب الأصفهاني عن بعض المفسرين الذين حملوا رأياً شاذاً، حيث قال إن المقصود هو "افتتاح العلوم" والهدى الإلهي الذي يؤدي إلى الهداية و المغفرة في مقام الله تعالى.
وبالتالي، فإن القولين المتعلقين بصلح الحديبية و فتح مكة هما الأكثر شهرة بين أصحاب الرأي و الشواهد التاريخية؛ و مع ذلك، فإنه لتحديد الرأي النهائي يجب دراسة هذين الحدثين بشكل منفصل وتحليلهما وفقًا لمعايير متعددة من أجل تقديم الرأي الأكثر دقة، و مع الأخذ في الاعتبار هذا البيان، يمكن القول إن صلح الحديبية يسبق فتح خيبر وفتح مكة؛ لكن يبدو أن السبب الذي دفع بعضهم إلى عدم قبول دلالة فتح على "واقعة الحديبية" قد يكون هو أنهم لم يروا ارتباطًا بين كلمة "فتح" و"المصالحة"، حيث قد يُعتبر الفتح في نظرهم محصورًا في معاني التوسعة العسكرية أو الانتصار الاستراتيجي، ولكن إذا نظرنا في سياق استخدام اشتقاقات هذه الكلمة، فإن من الواضح أن الفتح لا يُستخدم فقط بمعنى معين، بل أحد معانيه هو "الفتح"
بشكل عام؛ ولذلك، يمكن القول إنه بسبب صلح الحديبية، حدث "فتح" و توسع في حل مشكلات المجتمع الإسلامي، بحيث أصبح التعبير عن هذا الفتح يُستخدم للإشارة إلى التقدم الذي أحرزته الحكومة الإسلامية بعد أن خرجت من مأزق كان قد أُغلق في وجهها، و بفضل هذه المعاهدة أصبح الباب مفتوحًا.
وبالتالي، يتم تسوية الارتباط بين "الفتح" و"المصالحة" إلى حد كبير و عليه، يرى بعض المفسرين أن الحقيقة وراء الفتح تكمن أحيانًا في الحروب السياسية و أحيانًا في المنازعات العسكرية، و أحيانًا في الفتح الذي يحدث في المعارك الثقافية. و في هذاالسياق، نقل المرحوم الطبرسي رحمه الله في "مجمع البيان(1)" عن "فراء" أنه في تفسيره للوجه الثاني من معاني "الفتح"، اعتبر أن المقصود بالفتح في هذه الحالة هو "المصالحة" التي كانت نتيجة لفترة من التوقف و الجمود حتى جاء الله تعالى بفتحٍ من عنده.
أنّ النبي الأكرم صلي الله عليه و آله في السنة السادسة من الهجرة، بعد وقوع رؤياه الصادقة في شأن دخوله إلى المسجد الحرام، حيث قال الله تعالى:لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ(2)، دعا بعض القبائل من المدينة (المهاجرين والأنصار) وبعض القبائل الأخرى مثل جهينة، مزينة، غفار، أشجع، أسلم، وديْل، إلى السفر لأداء العمرة. خلال هذه الدعوة والتشجيع، استجاب بعض المسلمين من المدينة، في حين أن بعض الذين كانوا يسكنون في المناطق المحيطة بالمدينة لم يستجيبوا لهذه الدعوة. وقد أشار
القرآن الكريم إليهم ب- "المخلَّفون"، بمعنى الذين تخلفوا عن الجهاد، كما جاء في قوله تعالىسَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ(1)وفقًا للوحي، من الأسباب التي دفعتهم إلى عدم الاستجابة كان ظنهم بأن المسلمين سوف يُقتَلون في تلك الرحلة، كما ورد في قوله تعالى:بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ(2).
فيما يتعلق بعدد المسلمين الذين رافقوا النبي صلي الله عليه و آله في رحلته نحو مكة، هناك أقوال متعددة، لكن وفقًا لأحد الأقوال المنقولة عن جابر بن عبد الله الأنصاري، كان عددهم أربعة عشر مائة شخص، من بينهم "أم سلمة" زوجته الكريمة.
كما ورد في بعض الأخبار أن النبي صلي الله عليه و آله في هذه الرحلة، عين عبد الله بن أم مكتوم أو نميلة بن عبد الله الليثي - بحسب اختلاف بين كتب الطبقات و السيرة النبوية - ليكون خليفته في المدينة، ثم تحرك في اليوم الثاني من ذي القعدة في السنة السادسة من الهجرة نحو مكة و حديبية.
خلال هذه الرحلة، أمر النبي صلي الله عليه و آله المسلمين بأن يمتنعوا عن حمل الأسلحة الثقيلة، حيث حملوا أسلحة بسيطة مثل السيوف، وعند وصولهم إلى منطقة "ذي الحليفة"، التي يقع فيها المسجد المعروف ب- "الشجرة"، لبسوا ملابس الإحرام؛ وقد حملوا معهم سبعين بعيرًا (هدی) للإعلان عن نيتهم في "طواف الحج" و لتجنب أي نزاع.
من جانب آخر، علم قريش بتحرك المسلمين و نيتهم دخول مكة، فتعهدوا بمنعهم من دخولها؛ فعلى إثر ذلك، أرسل المشركون مقاتليهم إلى منطقة تدعى "بلدح" - وهي منطقة تقع على الطريق من مكة إلى تنعيم - وعندما علم النبي صلي الله عليه و آله من خلال تحركهم في منطقة "عسفان" - التي تبعد عن مكة بمسافة قصيرة - وصلوا إلى "حديبية"، وهي
منطقة تبعد تسعة فراسخ عن المدينة و فَرَسخًا واحدًا عن مكة، في تلك الأثناء، توقفت ناقة النبي،"القصواء"، فأصدر أمرًا بالتوقف في تلك المنطقة.
في هذه اللحظة، أرسل قريش عدة سفراء إلى معسكر المسلمين، وقد أكد النبي صلي الله عليه و آله لهم بأن هدف المسلمين ليس الحرب بل طواف الكعبة، لكن لم يتم التوصل إلى نتيجة. لذلك، اقترح النبي صلي الله عليه و آله على "عمر بن الخطاب"أن يذهب إلى قريش باسم المسلمين في الحديبية ليبين موقفهم، لكن عمر رفض هذا العرض، مشيرًا إلى العداء بينه و بين قريش وعدم مكانته السياسية والاجتماعية بينهم. بعد رفض عمر، وافق "عثمان بن عفان" على أن يكون الممثل عن المسلمين في هذا الشأن، فسافر إلى مكة، لكن بعد فترة من الزمن، انتشرت شائعة بين الجيش المسلم بأن عثمان قد قُتل؛ بناءً على هذه الأنباء، أخذ النبي صلي الله عليه و آله بيعة من أصحابه تحت شجرة في حدبيبة بأنهم لن يفروا، و بحسب بعض الروايات، كانت هذه البيعة على أن يدافعوا عن النبي صلي الله عليه و آله و دين الله ما داموا أحياء. كما ورد في القرآن الكريملَقَدْ رَضِيَ اللَّ-هُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ(1)و مع مرور الوقت، اتضح أن "عثمان" لم يُقتل، بل كان محبوسًا لدى قريش، ثم انضم إلى المسلمين بعد أن أرسلته قريش مع "سهيل بن عمرو" الذي أتى لإتمام الاتفاق؛ وعند رؤية النبي صلي الله عليه و آله ل- "سهيل بن عمرو"، قال: "قريش تريد الصلح"، و تمت المفاوضات بينهما حتى تم إبرام معاهدة، كتبها أمير المؤمنين عليه السلام . كانت معاهدة الصلح ذات نتائج عظيمة، رغم أن قريش كانت تعتبرها هزيمة للمسلمين، لكن في المدى البعيد كانت الفوائد للمسلمين، فقد قال براء بن عازب: أنتم تعتبرون فتح مكة فتحًا، نعم، فتح مكة كان فتحًا، لكننا نعتبر الفتح حدثًا في حدبيبة.
1) . سورة الفتح، الآیة 18 .
احتوت معاهدة حدبيبة على عدة بنود مهمة تم ذكرها من قبل علماء حديث مثل المرحوم المجلسي رحمه الله في "بحار الأنوار" و المرحوم الصدوق رحمه الله في "الارشاد"، من أبرز هذه البنود:
لم تذكر آية "بسم الله الرحمن الرحيم" في بداية المعاهدة، بل استبدلت ب- "بسمك اللهم".
بدلاً من ذكر صفة "رسول الله" لنبينا محمد صلي الله عليه و آله ، جاء اسمه فقط:"محمد بن عبد الله"، لأنهم قالوا: لو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك.
تم التأكيد على أن أرواح و أموال المسلمين يجب أن تكون محمية من أي تعرض.
لم يُسمح للمسلمين بدخول مكة لأداء العمرة في تلك السنة، لكنهم أُذن لهم
في السنوات التالية.
كان المسلمون ملزمين بإرجاع أي شخص يهرب من مكة إلى المدينة، ما عدا النساء.
أُعطِيَ الحق للقبائل أن تختار التحالف مع قريش أو مع المدينة.
تم فتح الطريق التجاري من الشمال إلى الجنوب.
تم الاتفاق على وقف الحرب بين المسلمين و الكفار لمدة عشر سنوات.
أُدرِجَ في المعاهدة يجب أن يكون دين الإسلام مُروّجاً في مكة.
رغم أن قريش اعتبرت هذه المعاهدة انتصارًا لهم، فإن المسلمين استفادوا منها على المدى البعيد، حتى أن في السنة الثانية بعد المعاهدة، و في الصراع بين "بني خزاعه" و "بني بكر"، نقضت قريش المعاهدة و قتلت بعض أفراد بني خزاعه، مما أدى في نهاية المطاف إلى "فتح مكة"؛ كما أن من نتائج هذه المعاهدة:
توسع نطاق الدعوة الإسلامية عالميًا، حيث بدأ النبي صلي الله عليه و آله إرسال رسائل إلى إمبراطوريات كبيرة مثل إيران (خسرو برويز)، مصر (المقوقس)،1. الإمبراطورية الرومانية (هرقل) و الحبشة (النجاشي)، مما كان بداية لانتشار الإسلام إلى هذه المناطق.
انضم بعض الشخصيات العسكرية البارزة من قريش إلى الإسلام مثل "خالد بن الوليد" و"عمرو بن العاص" بعد أن رأوا فائدة المعاهده.
ساهمت المعاهدة في إزالة الشكوك التي كانت في قلوب قريش عن نوايا النبي صلي الله عليه و آله و الإسلام.
من نتائج هذه المعاهدة أيضًا هو الاعتراف بالمُسلمين في المدينة؛ فقبل إبرام هذه الاتفاقية، كان المسلمون في نظر قريش يُعتبرون فئة اعتنقت دينًا غير دينهم السائد، الذي كان عبادة الأصنام، وكانوا بذلك قد تخلّوا عن تقاليد العرب القديمة التي كانت تقتصر على عبادة الأوثان؛ ومن هذا المنطلق كانوا يُعتبرون في نظر العرب فئة مذنبة ومنحرفة؛ لكن هذا الاعتراف تسبب في نشوء عصر جديد في البنية السياسية للإسلام، بحيث كان بداية هذا الاعتراف يتزامن مع اختيار ممثلين للتفاوض و كذلك كتابة المعاهدة من قبل الأطراف المعنية.
فتح الطريق التجاري بين الشمال والجنوب، مما ساهم في تعزيز الاقتصاد الإسلامي.
إحدى أدق الحجج لإثبات الادعاء، هي الفعل الماضيفَتَحْنَا الذي، إذا نظرنا إلى وقت نزول السورة - التي كانت تتعلق بفترة العودة من سفر الحديبية - ينطبق على حادثة "صلح الحديبية"؛ فلو كان الله تعالى يريد الإشارة إلى حادثة فتح مكة أو خيبر، لكان من المفترض أن يستخدم أفعالًا مثل "سَنَفْتَحُ" أو "سَوْفَ نَفْتَحُ" التي تدل على المضارع و"المستقبل"؛ بينما الفعل الماضي لا يُستخدم للإشارة إلى حدث مستقبلي. ثانيًا، كما يتضح، في باقي آيات نفس السورة، يتحدث الله تعالى عن الأحداث المتعلقة بصلح الحديبية.
أ) البيانات في ذم الكافرين والمنافقينوَيُعَذِّبُ الْمُنَافِقِينَ وَ الْمُنَافِقَاتِ(1).
ب) الحادثة الخاصة بأولئك الذين لم يساعدوا النبي صلي الله عليه و آله في المسير إلى مكة في "حادثة الحديبيةسَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا...(2).
ج) الظنّ بهزيمة المسلمين وانكسارهم في هذه الحادثة بَلْ ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِم وَ زُيِّنَ ذَلِكَ...(3)جميع هذه النصوص تشير إلى هذا الموضوع.
ثالثًا، قد ذكر الله تعالى في سورة النصر مرّة واحدة عن "فتح مكة" و قال:إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحِ(4)و لذلك لا معنى لأن يذكر الوحي هذا الموضوع (فتح مكة) مرتين باستخدام نفس الأدب المشترك؛ فهذه النقطة تبطل رأي من يعتقد أن هذه الحادثة تشير إلى "فتح مكة".
رابعًا، في إحدى آيات السورة المباركة، قال الله تعالى:لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ(1)هنا، جعل الله تعالى حدث الفتح والدخول إلى المسجد الحرام متعلقًا بالمستقبل، والدليل على ذلك هو قوله "إِنْ شَاءَ اللَّهُ" الذي يجعله مرتبطًا بمشيئة الله تعالى، مما يعني أن الفتح لم يحدث بعد؛ إذا كانت السورة تشير إلى فتح مكة، لكان الحديث عن تحقق هذا الفتح في الحاضر، وليس في المستقبل! بالإضافة إلى ذلك، آية "إِنْ شَاءَ اللَّهُ" نفسها تتعلق بموضوع صلح الحديبية.
خامسًا، في جانب آخر يستحق التأمل، نجد أن الله في قولهلقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ...(2)قد أشار إلى حادثة بيعة الرضوان التي تتعلق بصلح الحديبية، مما يعزز موضوع النقاش.
الآن، قد يتساءل البعض عن "الدليل الأول" ويقول إن القواعد البلاغية قد تسمح باستخدام "الفعل الماضي" للإثبات و التأكيد على وقوع حدث ما، وبالتالي قد لا يكون "فَتَحْنَا" استثناءً من هذه القاعدة.
لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن بعض أهل المعرفة، بناءً على ساحتهم العرفانية، لا يقرّون بهذا الأمر، ويعتبرون أن الفعل الماضي لا يُستخدم لإثبات القطعية أو في سياق البلاغة فقط؛ بل يرون، بناءً على قوله تعالى:هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ(3)، أن الله تعالى لا يتقيّد بالزمان و المكان، بل هو فوق كل زمان و مكان؛ و بالتالي يكون استخدام الفعل الماضي في هذا السياق متناسبًا مع هذه الفكرة، حيث يكون الاستقبال و التوقع مرتبطًا بهذا الفهم.
عن انس: لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاهْ الْحُدَیْبِیَه وَ قَدْ حِیلَ بَیْنَنَا وَ بَیْنَ نُسُکِنَا فَنَحْنُ بَیْنَ الْحُزْنِ وَ الْکَأْبَهْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ إِنَّا فَتَحْنَا لَکَ فَتْحاً مُبِیناً فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه و آله لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَیَّ آیَهْ هِی أَحَبُّ إِلَیَّ مِنَ الدُّنْیَا وَ مَا فِیهَا(1).
عن عبد الله بن مسعود: ... رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه و آله مِنَ الْحُدَیْبِیَهْ فَجَعَلَتْ نَاقَتُهُ تُثْقِلُ فَتُقَدِّمُنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَیْهِ:إِنَّا فَتَحْنَا لَکَ فَتْحاً مُبِیناً فَأَدْرَکْنَا رَسُولَ اللهِ صلي الله عليه و آله وَ بِهِ مِنَ السُّرُورِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَیْهِ(2).
عن براء: تعدون أنتم الفتح فتح مكة و قد كان فتح مكة فتحا و نحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع رسول الله صلي الله عليه و آله أربع عشرة مائة و الحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك رسول الله صلي الله عليه و آله فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض و دعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم انها أصدرتنا ما شئنا نحن و ركابنا.(3)
ابن أبى شيبة و البخاري و ابن مردويه و البيهقي عن أنس فی قوله:إِنَّا فَتَحْنَا لَکَ فَتْحاً مُبِیناً قال الحديبية(4.)### 4 . التمییز بین النصر و الفتحإنَّ هذين اللفظين في حالتهما العامة والكلية يحملان معنى واحدًا تحت عنوان "النجاح والانتصار"، ولكن استنادًا إلى الآية ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ(1)، ومن خلال العطف بين لفظي "النصر" و"الفتح"، يتبين أن هذين اللفظين لهما معنيان مختلفان في الأصل و الجوهر، و ذلك لأن شرط العطف هو التباين بين المعطوف و المعطوف عليه، فإذا وقع الانتصار على العدو في سياق نزاع عسكري دون أن يتم الاستيلاء على أراضي العدو، فإن نوع النجاح المتحقق يكون "نصرًا". أما إذا تم الاستيلاء على أراضي العدو بعد الانتصار في المعركة، فإن هذا يعني تحقيق "فتح" مع النصر؛ وبالتالي، فإن التمييز بين "الفتح" و"النصر" يكمن في السيطرة على الأراضي المغلوبة. بناءً على هذا المعنى، في القرآن الكريم، تم تسمية المعارك التي لم تنتهِ بالظفر أو التوسع باسم "نصر"، في حين أن المعارك التي أدت إلى السيطرة على أراضي العدو قد أُطلق عليها "فتحًا"؛ على سبيل المثال، قد وصف الله تعالى معركة بدر باعتبارها "نصرًا"، لأنها وقعت خارج نطاق مدينتي المسلمين و الكفار، حيث قال تعالى:لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ(2)، أي أن الله تعالى منحكم النصر في معركة بدر. لأنَّ الاستيلاء أو السيطرة لم يحدث، بل فقط هُزم الجيش المعادي؛ ولكن في حادثة فتح مكة، التي تم فيها استيلاء المسلمين على مكة و بيت الله الحرام، قال الله تعالى:إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(3)حيث تحقق أولًا النصر، ثم بعده تم فتح مكة، مما يعني أن استيلاء مكة كان فتحًا للمسلمین.
قد يُطرح هذا الإشكال بأنه بالرغم من تطبيق الآية على صلح الحديبية، وبالنظر إلى شرح الواقعة التي تم ذكرها، يجب أن يُعتبر هذا الحدث من حيث الموضوع وما حدث
فيه نوعًا من نعمة "النصر" لا "الفتح"، فإذاً يُثار التساؤل: لماذا تم التعبير عن ذلك ب- "الفتح"؟ والجواب على ذلك هو أنه يجب التأكيد على أن بعض الأفعال و الحركات لها نتائج و مسببات تظهر في الأجل القصير و الطويل، وهذه المسببات مرتبطة في ماهيتها بأسبابها بشكل وثيق، لدرجة أنه يمكن الاكتفاء بالحديث عن السبب أو المسبب على حد سواء. "الفتح المبين" أيضًا له نتائج كبيرة، و أحد النتائج التي يمكن اعتبارها أعظم نتائج تلك الواقعة هو "فتح مكة"، الذي تم فيه استيلاء المسلمين على أراضي قريش تحت سيادة الدولة الإسلامية؛ وبالتالي، قد يكون الله سبحانه وتعالى قد عبَّر عن ذلك ب- "الفتح" مع اعتبار أعظم نتائج هذا الصلح، و هي فتح مكة في السنة الثامنة و فتح خيبر في السنة السابعة، لأن هذين الفتحين تحققَا بفضل معاهدة الحديبية التي تم التحدث عن نتائجها سابقًا؛ ولذلك، يمكن القول إنه بحسب العلاقة السببية، قد تم التعبير عن السبب كما تم التعبير عن المسبب ب- "الفتح"، و بالتالي لا يوجد فرق بين صلح الحديبية و فتح مكة.
إذا نظرنا إلى الموضوع بشكل أدق، يتضح أن توقيع الاتفاقية نفسه يدل على وجود قوة سياسية وعسكرية كبيرة في حكومة الإسلام؛ لأنه إذا لم تكن هناك عناصر أساسية لاستدامة الحكم، مثل الوحدة الاجتماعية و القوة العسكرية في المسلمين في ذلك الوقت، لما سعى قريش سفیانی إلى توقيع الاتفاق من أجل المصالحة، و هاجم المسلمين في نفس منطقة الحدیبیة وأجهز عليهم؛ لذا، يمكن الاستنتاج أنه كان هناك "استقرار" شامل، وإن كان نسبيًا، في تلك الفترة من الإسلام تحت حكم و نبوة الرسول الله صلي الله عليه و آله في إطار الحكومة الإسلامية في المدينة.
و بناءً على ذلك، يظهر هذا الاستقرار السياسي في "بیعة الرضوان"، كما تحدث بعض مؤلفي السيرة عن كيفية اتباع المسلمين للرسول في ذلك الوادي.
أما الاستقرار العسكري، فيظهر في المعارك السابقة التي خاضها جيش الإسلام ضد الكفر، والتي انتهت بالانتصار.
بناءً على ذلك، كانت هذه المسائل هي التي دفعت قادة قريش إلى اللجوء إلى توقيع الاتفاق، لأنه ما دام العدو يشعر بالقوة على الغلبة، فلن يقدم على التوقيع أو قبول الصلح؛ لذا، كان فتح الحدیبیة مبينًا نتيجة لقوة و عزة الدين الجماعية أمام أعدائه.
وصف الله صلح الحدیبیه (فتح) بالصفة المبین، الذی اسم الفاعل من جذر (بین) من باب افعال و فی هیئت اللازم.
هذا وصفٌ من غرر الألفاظ التي ذُكِرَت في مواضع متعددة من القرآن الكريم، و یعتبر صفة لکتاب الله تعالی، کما قال: تِلْکَ آیاتُ الْقُرْآنِ وَ کِتابٍ مُبینٍ(1)و یدل هذه الصفة علی وضوح نص الکتاب، و شبه الله هذا الوضوح بالنور، لأن مبینا وَ أَنْزَلْنا إِلَیْکُمْ نُوراً مُبینا(2). هذه الصفة أحيانًا تأتي في اللغة العربية بصيغة النكرة:یَا أَيُّهَا النَّاسُقَدْ جَاءکُم بُرْهَانٌ مِّن ربِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا(3)،تِلْكَ آیَاتُ الْکِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ(4). وأحيانًا تأتي معرفه أيضًا:وَ الْکِتَابِ الْمُبِينِ(5).
في الواقع، إن صفة "مبين" يتعلق بتلك الحالات التي تكون واضحة و جلية أو مفصلة؛ كل ما هو واضح، وأحيانًا يستطيع الإنسان دون أي واسطة أو مُبَيِّن أن يتوصل إلى حقائقه، و كذلك أن يتعرف علىأسبابه و نتائجه؛ وبالتالي، فإن ذلك الشيء يُصَفُّ بِ-"مبين".
و بناءً على ما ذكرنا، يُعتبر أن هذه الكلمة هي صفة للقرآن أيضًا، دلالة على وضوحه و قابليته للفهم من قبل الجميع؛ و مع ذلك، كما ذكرنا في المناقشات السابقة، قد يكون هنالك موصوف قد وُصف بالصفة "المبين"، ولكن قد لا يستطيع الناس أن يدركوا جميع أبعاده؛ مثل القرآن الكريم، على الرغم من أنه "مبين"، إلا أن الإنسان (جميع البشر) لن يتمكنوا من الوصول إلى جميع أبعاده و أسراره بشكل كامل إلا الأئمة المعصومين عليهم السلام الذين هم القرآن الناطق؛ و مع ذلك، فإن الاستفادة من القرآن في الحياة ممكنة للجميع الناس، و هذا یطرد ادعاء الاخباریین و اتباعهم.
و استنادًا إلى ما تم بيانه في مناقشة كلمة "مبين"، يتضح أن سبب استخدام هذه الصفة ل-"الفتح" هو أن يُخبر الجميع بأن أحداث "صلح الحديبية" لها سلسلة من النتائج الإيجابية و المفيدة للمسلمين، و أيضًا آثارًا سلبية ضارة للكفار؛ إذ تم الوصول إلى هذه النتائج بشكل يظهر للكفار قريش خذلانهم الاجتماعي والسياسي – كما في إسلامبعض زعماء قريش بعد إبرام الاتفاق – وأيضًا للمسلمين، الذين كانوا أنصارًا للنبي صلي الله عليه و آله كانت هذه النتائج مكشوفة لهم و معروفة.
والبيانات السابقة توضح كون الموصوف مبينًا؛ لأن هذه النتائج، كما أشير في السطور السابقة، لم تكن خفية عن طبقات المجتمعين، مجتمع الكفر والإسلام، و كان كل طرف من أطراف الاتفاق يشهد الآثار المفيدة و الضارة لذلك في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية و ما إلى ذلك في فترات قصيرة وطويلة المدى؛ و
بالتالي، أصبح من الواضح للجميع أن الإسلام قد سبق في هذه الواقعة؛ ولهذا، أكدت الوحي على وضوح ذلك. الآن، من وجهة نظر أخرى، يمكن العثور على المبين في جوهر "صلح الحديبية" أو في "مضمونه" أو في نتيجته، وهي "فتح مكة"، ويجب القول إن هذه كلها مشهودة! أما بالنسبة للقول الدقيق؛ بما أن الصفة قد وُصِفَت ب-فتح و نحن قد بيّنا الفتح من خلال الصلح.
في الواقع، ذكر صفة "مبين" في سياق الفعل "فتحنا"، أي صيغة "جمع المتكلم مع الغير" مع اعتبار (نا) بمعنى "نحن"، يعتبر من أبرز النقاط التي تثير التساؤلات. ففي حين أن الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يُعبّر عن نفسه بصيغة المفرد "فتحتُ" بمعنى "أنا فتحتُ"، بدلاً من استخدام صيغة الجمع التي تدل على "نحن"، مع أنها قد تستخدم للتعبير عن عظمة وعظمة الذات الإلهية. هذه المسألة تعد من الشبهات التي يطرحها بعض المفسرين، ومن الواضح أن هناك العديد من الإجابات التي ذكرها البلاغيون لهذه القضية، والتي تُعد من المواضيع التي تندرج ضمن علم البلاغة و علوم القرآن، و يمكن تناولها من زوايا متعددة. و من الإجابة الشاملة حول هذه المسألة، يمكن القول أن اللهتعالى له سيادة وسلطان على جميع مخلوقاته، و لا شيء يخرج عن سلطته؛ ولكن في الوقت نفسه، فإن أحداث الكون و تفاعلاته تحتاج إلى أسباب وعلل؛ بعبارة عامة، "الوجود" هو "المعلول" والله تعالى هو "علةالعلل"، ومن الأدلة على هذا القول هو ما ذكره أمير المؤمنين علي عليه السلام حين قال: كل شيء قائم في سواه معلول(1)، أي أن كل
1) . نهج البلاغة، الخطبة 186 .
شيء في الكون قائم بسبب الحق. أو كما قال: كل شيء قائم به(1)، هذا هو نفس مبدأ "العلية" العقلي، على سبيل المثال، الله تعالى ينزل الماء العذب عبر السحاب والمطر لكي تستمر الحياة البشرية والكائنات الحية من خلال العمليات البيئية و الطبيعية، أو يطعم الجائع ليشبع؛ فهل يمكن القول أن الله يستطيع أن يُشبع شخصًا بدون طعام ويُسقي الأرض بدون ماء؟ الجواب هو أن الله قادر على كل شيء، لكن وفقًا لحكمته، كل معلول و كل حدث في الكون يحتاج إلى سبب و"أسباب"، وهذه الأسباب جميعها تحت حكم الله تعالى. و بناءً على هذا، يمكن القول أن جميع الكائنات و الظروف في هذا الكون هي "جنود" لله سبحانه وتعالى، لأن "الجنود" لا تعني فقط القوة العسكرية؛ ففي الآية:وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(2)، يشير الله سبحانه وتعالى إلى كل الأسباب الموجودة في الكون؛ ومن خلال هذا الفهم، في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن أحداث حدثت بتوجيه وإرادة الله تعالى، يتم استخدام ضمير الجمع "نا" ليُشير إلى أن كل التحولات التي تحدث في الكون بواسطة مخلوقات الله (التي هي أسباب الكون) هي تحت رعاية الله و توجيهه، ولا تملك أي قدرة على اتخاذ القراراتبشكل مستقل؛ لذلك، استخدم الله سبحانه وتعالى ضمير الجمع تعبيرًا عن "إكرام" للأسباب والعوامل التي تعمل في خلق الكون، مثل الملائكة المقربين والكائنات الأخرى التي تحت سلطة الله، حيث أنهم يدرون مشهد الكون بإذنه وتوجيهه.
أما في التفصيل، فقد ذكر مفسرون القرآن الكريم والبلاغيون العديد من التبريرات لهذه المسألة، التي يمكن الاستناد إليها من مختلف الجوانب؛ يرى بعض العلماء أن استخدام ضمير الجمع "نا" يُستخدم "لحفظ الاحترام و العظمة" لله تعالى، لأن مخاطبة
الشخص بصيغة المفرد او فعل الأمر في أي ثقافة يعتبر أمرًا غير محترم، وفي بعض الأحيان يُعتبر إهانة؛ كما ذكر الله تعالى في القرآن عندما أراد إذلال الكفار، حيث خاطبهم بصيغة المفرد أو فعل الأمر:ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ(1)ثانيًا، في بعض الأحيان يستخدم الأشخاص العظماء صيغة الجمع للإشارة إلى مقامهم الرفيع وقوتهم غير القابلة للتحدي، كما في حديث الله تعالى مع آدمعليه السلام وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ(2)وكذلك في قوله تعالى:إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(3)، حيث يستخدم ضمير الجمع لإظهار قدرة الله على حفظ الكتاب من التغيير والتحريف.
و في هذا السياق، بما أن الحديث هنا عن نعمة عظيمة و هي صادر من المُنعِم المعظَّم، فإنه تم استخدام ضمير الجمع تكريمًا و تعظيمًا لله سبحانه و تعالى، ليظهر الفتح المبين في ضوء جمال و جلال الذات الإلهية.
في الواقع، ما ذكره الله تعالى في الآية الأولى عن الحادثة الواردة هو مثال واضح على النصر الذي أدى إلى الفتح؛ إلا أن الله القدير لم يقتصر في هذه الآية و هذه السورة فقط على ذكر "النصرة" و المساعدة للمؤمنين و المصدقين به، بل ذكر ذلك في مواضع و آيات أخرى أيضًا، و كان من وعده الذي لا يتخلف أنه سيمنح النصرة للمؤمنين. فقد قال: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ(4)لذلك نرى في الآيات الكريمة أن الله تعالى قد أشار إلى نصرة نفسه مع ذكر الحادثة و المصداق، وجعل تحققها مرتبطًا بالصبر
والتقوى من المؤمنين، كما قال:إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون(1).كما أشار سبحانه و تعالى في آيات أخرى إلى أبعاد مختلفة من "نصرته"، وذكر ذلك على أنه خاص بالأنبياء والمصدقين، وجعل ذلك وعدًا لا يعتريه شك؛ فقال:إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(2).
إضافة إلى ذلك، نجد في بعض الآيات أن الله تعالى قد استعمل التعبير "نجينا"، مثل قوله:فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ(3)، و كذلك في قصة يوسف عليه السلام حيث قال: وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّٰ لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ(4)، أي أننا مكَّنا ليوسف في الأرض ليختار من أي مكان يشاء.
و من أمثلة النصرة الإلهية أيضًا قصة إبراهيم عليه السلام حيث أن الله سبحانه وتعالى أنقذه و جعل النار التي أُلقي فيها بردًا عليه، قائلاً:يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ(5). هذه الحادثة هي أيضًا تجسيد لما ورد في قوله تعالىوَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(6).
كذلك نجد في معركة بدر أن الله تعالى قد أرسل النصر للمؤمنين، فقال:وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ(7)أي أن الله نصركم في معركة بدر و أنتم في حالة ضعف.
و أحيانًا ينصر الله المؤمنين من خلال تحييد مكر الكفار و المنافقين، كما جاء في قوله تعالى:وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ(1)حيث أن الله أضعف مكر الكافرين و أظهره للمؤمنين، مثلما حدث في حادثة ليلة المبيت.
كذلك نجد أن عبور موسى عليه السلام مع قومه من البحر الأحمر هو أيضًا نصرة إلهية لهم:وَأَنْجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ(2). و من أمثلة النصرة الإلهية الأخرى، نجد فتح الحديبية، حيث فتح الله تعالى مكة للمسلمين بعد عامين من هذا الحدث العظيم، كما قال:إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ،(3)أي حين جاء نصر الله و فتح مكة.و في النهاية، نجد أن الله تعالى قد نصر أنبياءه و أتباعهم في العديد من المواقع الحاسمة، و كان دائمًا يذكر هذه النصرة و يثني عليها، كما قال:لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ،(4)أي أن الله قد نصركم في الكثير من المواضع في حياتكم.
إن موضوع "الجهاد و الحرب من منظور الإسلام" يعد من القضايا الأساسية التي تم تناولها في القرن العشرين، وهو من بين الاتهامات التي وجهها المستشرقون الغربيون إلى الإسلام في سعيهم لانتقاد هذا الدين العظيم؛ ففي العديد من مؤلفاتهم، تم تناول موضوعات متعلقة بالحرب و الجهاد، و أحيانًا بسبب النظر السطحي أو عدم الأخذ في الاعتبار الأهداف الحقيقية أو الظروف المحيطة، أو عن عمد، تم تقديم أوصاف واتهامات غير صحيحة للدين الإسلامي.
لكن من خلال النظر في الآية الكريمة، يتبين أنه إذا تم قبول دلالة "الفتح" على صلح الحديبية، يظهر أن الله سبحانه و تعالى في بيانه لهذه الواقعة التي كانت من نوع "التفاعل" و"التصالح"، قد عبّر عنها ب- "الفتح"، مع أن "الفتح" في الغالب يطلق على النصر العسكري؛ ولذلك، فإن هذا الجمع بين "الفتح" و"التصالح" يظهر أن الشريعة الإسلامية لا ترى أن الحرب و قتل المخالفين و النزاع العسكري هو المقصود من "الفتح"، و إذا حدثت الحرب في الإسلام، فهي لأغراض الدفاع فقط؛ و من هنا، يتضح أن القرآن الكريم، الذي هو هادي و معلم أحكام المسلمين، يعتبر التصالح و الاتفاق الصحيح كذلك من مصاديق "الفتح". هذا يرفض الادعاءات التي يروج لها بعض المستشرقين و بعض علماء الغرب من أن الإسلام دين حرب و عدوان، و أنهيوسع حدود دينه بالقوة و القتل. فإذا رجعنا إلى آيات أخرى من القرآن الكريم، نجد أن الله سبحانه و تعالى أمر بالسلام و التصالح مع الآخرين، بل و أوصى بقبول الصلح إذا قدمه الأعداء، فقال:وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلاَمِ فَجْنَحْ لَهَا،(1)و هذا أمر من الله سبحانه و تعالى بقبول السلام عند السعي إليه من الأعداء؛ بل إن الله أشار إلى أن الذين ينقضون المعاهدات يعدون من الفاسقين كما قال في القرآن الكريم:الَّذِينَ عَاهَدتَ مِّنْهُمْ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فَهُمْ لَا يَتَّقُونَ(2).
إذاً، يتضح أن "الفتح" و النصر الحقيقي من منظور الإسلام هو ذلك الذي يتم في سبيل تحقيق مصالح الناس المادية و المعنوية، مع احترام حقوق الإنسان و كرامته، و هذا يتجسد في التصالح و السلام و تجنب العدوان.
و علاوة على ذلك، وبالرجوع إلى المواقف التاريخية، يظهر أن جيوش الإسلام في فتوحاتها لم تكن تسعى لاستعباد الشعوب أو فرض الدين بالقوة، بل كانت تتيح للناس حرية التعبير عن آرائهم و معتقداتهم. وقد ورد في التاريخ أن النبي صلي الله عليه و آله قد سمح للمسيحيين بأن يمارسوا عباداتهم في مسجد النبي صلي الله عليه و آله بل و عقد اتفاقيات مع أهل "إيلة" لضمان حقوقهم و حرياتهم؛ و في هذا السياق، قال النبي صلي الله عليه و آله في شأن حفظ حقوق أهل الذمة: مَن ظَلَمَ مُعَاهَدًا، أَوِ انتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنهُ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ".(1)
و بناءً على ذلك، يتبين أن الإسلام لا يُعرف دينًا يحرض على العنف أو نشر الدين بالقوة، بل دينًا يدعو إلى السلام، و التصالح، و احترام الحقوق الإنسانية، و تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس جميعًا، بغض النظر عن معتقداتهم أو أديانهم(2).
ما تم ذكره حتى الآن يتعلق بصلح الحديبية وسببها وهو فتح مكة؛ ولكن في حديث آخر يجب أن نُشير إلى أحد الأسباب الرئيسية في إبرام هذه المعاهدة، التي لولاها لما تحققت هذه الواقعة وما نتج عنها، وهو "المرونة السياسية" التي أظهرها سيد المرسلين صلي الله عليه و آله في صياغة وإبرام هذه المعاهدة.
بشكل عام، عند دراسة السيرة السياسية للنبي الكريم صلي الله عليه و آله ، نجد العديد من آثار التفاعلات والمفاوضات التي قام بها مع مخالفيه، وكان صلح الحديبية واحدًا منها. لقد أقدم الرسول صلي الله عليه و آله في مراحل مختلفة من حياته على عقد مصالحات، مراعيًا الظروف و
الواقع الحاصل؛ ومن هذا المنطلق، يتضح أن نظرته كانت دائمًا ما تتسم بالحذر و التأني، كما يظهر ذلك في تصرفاته مثلًا عندما ابتعد عن صيغة "بسم الله" و اكتفى ب- "بسمك اللهم"، أو عندما ترك ذكر لقب "رسول الله" في بعض الحالات، أو عندما سلم المهاجرين من قريش في مثالٍ يعد نوعًا من التراجع لتجاوز عقبة كبيرة(1).
و أيضًا في مواقف أخرى، مثلما حدث مع "عروة بن مسعود" عندما أساء القول و قال: "أوباش الناس"(2)فلم يتخذ الرسول الله صلي الله عليه و آله أي رد فعل هجومي، بل اكتفى بالصمت و لم يُعر الأمر اهتمامًا(3).إذن، من خلال تقديم هذه التنازلات المدروسة، مع الحفاظ على المبادئ والحدود الحمراء للإسلام، تمكن النبي صلي الله عليه و آله بعقلية فذة من فتح فصل مهم في توسيع حدود الإسلام على الأصعدة المختلفة سواء من الناحية الكمية أو النوعية.
من بين أنواع المجاز اللغوي الشائعة في القرآن الكريم، يُعدّ إطلاق السبب على المسبب، بحيث يُقصد من ذكر لفظ "السبب" الحقيقةَ التي هي "المسبب"، وهذا ما يُسمى في علم البلاغة و علوم القرآن ب-"علاقة السببية"، على سبيل المثال، يقول الله سبحانه وتعالى:يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَي الرَّحْمَةِ(4)و المراد من الآية هو إرسال السحاب الذي هو المسبب، لكن الله سبحانه و تعالى ذكر السبب، و هو الرياح التي تحمل السحاب؛ لذا، في هذه الآية، تم إطلاق السبب على المسبب.
و بناءً على ذلك، من المحتمل أن يكون قول بعض المفسرين في الآية الأولى مبنيًا على هذه القاعدة؛ بمعنى أنهم يرون أنه حتى إذا كانت الشواهد، و القرائن، و ظروف النزول تشير إلى "صلح الحديبية"، فإن من خلال ذكر "السبب"، الذي هو "صلح الحديبية"، يُراد "المسبب"، و هو "فتح مكة"؛ و بالتالي، مع أخذ هذا التفسير فيالاعتبار، لأن دلالة الآية الأساسية - التي هي في رأي الأغلبية - تبقى سليمة، فإن هذا الرأي أيضًا يكون صحيحًا؛ لأن الحقيقة المقصودة في الآية، وهي الصلح، قد تم قبولها.
أما دور أمير المؤمنين علي عليه السلام في جميع الحوادث التي وقعت في الإسلام، ولا سيما في هذا الفتح العظيم، فهو دور لا نظير له؛ فقد كان له حضور فاعل ومؤثر في كافة المواقف التي نشأت في سياق الدعوة الإسلامية.
أما قضية الحديبية فهي من أبرز المواقف التي تجسد تضحيات الإمام علي عليه السلام في الدفاع عن حقوق النبي الكريم صلي الله عليه و آله ، سواءً كانت هذه الحقوق مادية أو معنوية، فقد أظهر الإمام علي عليه السلام من الإيثار و الوفاء ما يبرز عظمته و يكشف عن يقينه الثابت في نصرة الحق، على الرغم من الشكوك التي أثيرت في بعض الأوقات من قبل بعض المعارضين أو أولئك الذين شككوا في نبوة النبي صلي الله عليه و آله كما ذكره محدثو و مؤرخو غير الإمامية؛ فقد بقي الإمام علي عليه السلام على إيمانه و يقينه ثابتًا، و رفض الانصياع لما أراده المعارضون.
إن الذي كتب معاهدة الحديبية، حسب ما هو ثابت و موثق، هو علي عليه السلام ، و قد أُخذت نسخة منها في يد ممثل الإسلام، وأخرى في يد قريش.
ومن دلائل شجاعة الإمام عليه السلام و وفائه لنبي الله، حينما أصرَّ على أن يمحو كلمة "رسول الله" من المعاهدة، لم يرض بذلك في البداية، فقال: إن يدي لا تنطلقبمحو اسمك من النبوة(1)، و بعد امتناعه، قام النبي صلي الله عليه و آله بنفسه بحذف هذه الكلمة.
و في موضع آخر، وفقًا لما ذكره الصحابة و التابعون و كُتّاب السير، فإن أول من بايع النبي صلي الله عليه و آله تحت الشجرة كان الإمام علي عليه السلام كذلك، و بحسب ما نقلته الأخبار، قام الإمام عليه السلام بتوفير الماء للمؤمنين في طريقهم(2)، ليكفل لهم الراحة والطمأنينة. و لذلك، عندما سُئل الإمام الباقر عليه السلام عن الصحابة الذين ساعدوا النبي صلي الله عليه و آله أجاب: هو -علی- سيدهم و أشرفهم(3).
أما ما يذكره ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة(4)، فقد اعترف في تفسيره بشأن اعتراض الإمام علي عليه السلام على حذف صفة "رسول الله" من اسم النبي صلي الله عليه و آله فقال: "بعد اعتراض الإمام، قال رسول الله صلي الله عليه و آله تنبؤًا عن الخلافة المستقبلية: "سوف تمر أنت أيضًا بهذه الحالة قريبًا"، في إشارة إلى الغضب الذي سيتعرض له الإمام عليه السلام في وقت لاحق في صراع الخلافة، کما أشار الحَلَبي(5)إلى هذه النبؤة و ارتباطها بصفين و حكمية عمرو بن عاص.
1) . أنظر: بحار الأنوار،ج20، ص 359 .
2) . الأرشاد،ج1،ص 121. لما رأوا من رجوع من تقدّمه .فخرج عليّ بالرَوايا حتّى وَرَد الحَرار فاستقى...).
3) . محمد بن العباس عن محمد بن أحمد الواسطي عن زكريا بن يحيى عن إسماعيل بن عثمان عن عمار الدهن عن أبي الزبير عن جابر عن أبي جعفر قال: قلت له قول الله عز وجل :لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ كم كانوا قال ألفا ومائتين قلت هل كان فيهم علی قال: نعم. سيدهم و شريفهم- (بحار الانوار، ج24، ص93. موسسه الوفاء. بیروت).
4) . شرح نهج البلاغة (ابن ابی الحدید)، ج 2، ص 275 .
5) . السیرة الحلبیة، ج 3، ص 29؛ لو كنت أعلم أنه أمير المؤمنين ما قاتلته...).
لِيَغْفِرَ لَكَ اَللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرٰاطاً مُسْتَقِيماً 2
التفسیر
إن الله تعالى، بعد أن ذكر في الآية الأولى حادثة صلح الحديبية، بيَّن في الآية الثانية أولى نتائج ذلك الحدث العظيم وقيمته؛ فكان من بين ثمار تلك الواقعة العظيمة مغفرة الذنوب التي ألصقها الكفار والمنافقون برسول الله صلي الله عليه و آله .
إنّ سورة الفتح المباركة تتميّز في مطلعها بخاصّيّة فريدة، نعدّها من قبيل العلاقة السببيّة في ترتيب الآيات، حيث يُذكر سبب واحد في البداية، ثمّ تُبيَّن له نتائج ومسبَّبات متعدّدة، كما أنّه قد تُذكر أسباب متعدّدة لمسبَّب واحد.
و في سياق بيان العلاقة السببيّة بين الآيات، نجد أحيانًا أنّ السبب مقدَّم و المسبَّب مؤخر، وفقًا للسياق المتعارف، وأحيانًا أخرى يُقدَّم المسبَّب على السبب؛ و النوع الأوّل كمثل الآية الكريمة في سورة الفتح، وأمّا النوع الثاني، فهو كما ورد في سورةمحمّد، حيث ابتدأ بذكر المسبَّب بقوله:الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ، ثمّ ذكر سببه بعد ذلك: ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ(1).
1) . سورة محمد صلي الله عليه و آله ، الآیتان 1-3 .
و في هذه الآية الزكية، يُقدِّم الحق سبحانه و تعالى ثلاث نعمٍ عظيمة على نبيه الكريم صلي الله عليه و آله و على المؤمنين، الأول منها مغفرة الذنوب التي أُلْصِقَت به أو بالأمة، والثانية إتمام النعمة على سيد المرسلين، والثالثة تثبيت هداية النبي صلي الله عليه و آله على "الصراط المستقيم" و من بين هذه النعم الثلاث، فإن القسم الأول المتعلق بالمغفرة يمثل محلَّ خلافٍ بين المتكلمين و المفسِّرين غير الشيعة في مسألة عصمة النبي صلي الله عليه و آله و هو أمرٌ يخالف ما تؤمن به "الإمامية" في العصمة المطلقة للأنبياء و الأئمة عليهم السلام و لذلك، سيكون من اللائق أن نعرض شرح هذا الخلاف و نقده في موضعه المناسب.
إن بداية الآية مع حرف "لام" تدل على التعليل، ولكن مع ذلك، فإن إظهار معنى التعليل مشروط بوجود مقام العصمة لدى رسول الله صلي الله عليه و آله و الأنبياء عليهم السلام فإذا قلنا إن "الفتح" هو سبب "مغفرة الذنوب"، فإننا بحسب ما سبق ذكره، نعد "لام" في هذه الآية من نوع التعليل، بحيث تكون دالة على سبب مغفرة الذنوب للنبي صلي الله عليه و آله . لكن هذا الاستنتاج بمعنى التعليل في هذه الحالة يتوقف على أن لا علاقة سببية أو تعليلية بين مغفرة الذنوب وفتح عسكري، بل إن الاستغفار هو الذي يكون سبباً لمغفرة الذنوب، كما قال الله تعالى:وَادْخُلُوا الْبَابَسُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ(1)وكذلك رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا(2)و بعد ذلك تُغفر الذنوب بفضل الاستغفار:و یَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُم(3)و لذلك، لا يمكن القول بأن الفتح و النصر هما سبب لمغفرة الذنوب؛ لذا، لابد من حمل "لام" في هذه الآية على معنى آخر.
لهذا، قال بعضهم إن "لام" في الآية الكريمة ليست من نوع التعليل؛ ولكن في سورة الفتح، نلاحظ أن "لام" في بداية كل آية بعد الآية الأولى تدل على أن هذه الموضوعات هي نتائج للأحداث التي تم ذكرها في الآية الأولى؛ أي أن الفتح المبين هو سبب لوقوع حوادث مثل مغفرة الذنوب، إتمام النعمة، نيل النصر العزيز، و دخول المؤمنين و الكفار إلى الجنة و النار؛ و مع ذلك، في الحادثة الأولى لا يمكن اعتبار المغفرة سببًا للفتح المبين، ولكن في الحوادث الأخرى يُمكن ذلك.
لذا، من غير الممكن أن يُطلق معنى التعليل على جميع "اللامات" في الآيات إلا في حالة واحدة، حيث إن هذا يخالف وحدة السياق بين الآية الثانية و ما بعدها؛ لذلك، يجب القول في بداية الكلام إن "لام" في هذا السياق صحيحة بمعنى التعليل، إلا أنه من الضروري أن نجد تبريرًا علميًا يوضح العلاقة بين الفتح و المغفرة، بحيث يكون الفتح هو السبب لمغفرة الذنب.
بعض المفسرين قد لجأوا إلى تبريرات غير صحيحة لتجنب الإجابة عن العلاقة بين الآيات، ففصلوا بين معنى التعليل و"لام" الآية، وأخذوا في اعتبارهم معاني و تركيبات أخرى؛ على سبيل المثال، قال البعض إن "لام" هنا من نوع اليمين(قسم)، و أن ظاهر الآية هو "ليغفرن" و أن فتح الراء في الآية هو تأكيد نتيجة لحذف النون.
فريق آخر کالزمخشری فی الکشاف، يعتقد أن الفتح هنا ليس سببًا لمغفرة الذنوب بشكل خاص، بل هو سبب لجمع المغفرة، إتمام النعمة، والهداية إلى الصراط المستقيم.
ان صاحب روح المعانی(1)یقول مذهب الأشاعرة القائلين بأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض أن مثل هذه اللام للعاقبة أو لتشبيه مدخولها بالعلة الغائية في ترتبه على متعلقها و ترتب المغفر على الفتح من حيث إن فيه سعيا منه في إعلاء كلمة اللّه تعالى بمكابدة مشاق الحروب و اقتحام موارد الخطوب؛ و السلف كما قال ابن القيم و غيره يقولون بتعليل أفعاله عزّ و جل، و في شرح المقاصد للعلامة التفتازاني أن من بعض أدلتهم - أي الأشاعرة - و من وافقهم على هذا المطلب يفهم أنهم أرادوا عموم السلب و من بعضها أنهم أرادوا سلب العموم، ثم قال: الحق أن بعض أفعاله تعالى معلل بالحكم و المصالح و ذلك ظاهر و النصوص شاهدة به، و أما تعميم ذلك بأنه لا يخلو فعل من أفعاله سبحانه من غرض فمحل بحث، و ذكر الأصفهاني في شرح الطوالع في هذه المسألة خلافا للمعتزلة و أكثر الفقهاء.
و اما في الرد على تبريرات بعض المفسرين نقول إن هذه الادعاءات غير مؤسّسة؛ لأنه يجب أن يكون هناك تماسك معنوي بين "لام" الآيات من الأولى إلى الخامسة، لذا لا معنى لأن تكون في أربعة مواضع بمعنى التعليل و في موضع واحد بمعنى القسم؛إذ يتعارض هذا مع وحدة سياق الآيات الشريفة و هذا مشابه لما جاء في عودة الضمير في الآية الكريمة تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ حيث مرجع جميع الضمائر هو الله سبحانه و تعالى، ولا يوجد دليل يجعل أحد الضمائر يعود إلى الله و الضميرين الآخرين يعودان إلى النبي صلي الله عليه و آله و هكذا في هذه الحالة، القاعدة السياقية تقتضي ذلك، لذلك لا يمكن أن نعتبرها غير تعليل كما قال بعضهم .
و من جهة أخرى، فإن فصل شمول تعلق "لام" عن المغفرة وتطبيقه على ما بعد ها
1) . روح المعانی، ج13، ص 244 .
هو أمر يتعارض مع ظاهر الآية و لا يتوافق مع النص الشريف، لأن الآية تقول: لِيَغْفِرَ ذُنُوبَكَ﴾ وَ هذا التعليل فِيها واضح.
فعل لِيَغْفِرَ في الآية يُشير إلى النتيجة الأولى من "صلح الحديبية"، حيث يقال إنه بسبب هذا الصلح، قام الله تعالى بغفران الذنوب المنسوبة إلى النبي صلي الله عليه و آله من قبل أعدائه، أو أنه غفر ذنوب المسلمين و خاصة الشيعة بفضل وجود النبي محمد صلي الله عليه و آله .
أما كلمة "مغفرة" فهي مأخوذة من الجذر "غفر" - بفتح الغين وسكون الفاء - وتعني ستر الشيء و إخفاءه؛ و قال راغب الأصفهاني إن هذه الكلمة تعني إخفاء شيء من النجاسة التي تم الحفاظ عليها نظيفة، كما أنها تُعتبر هبة من الله تعالى تحمي العبد من العذاب، أي "أن لا يمسه عذاب".
نجد في القرآن الكريم، أن الله تعالى استخدم مشتقات كلمة "غفر" مثل "غُفْرَان"، "غَفَّار"، "غَفُور"، و"استغفار"، وك لها تشير إلى نفس المعنى الذي هو أن هدف الله تعالى من التائبين من ذنوبهم هو غفران تلك الذنوب.
من خلال الاستخدام القرآني، نجد سلسلة من الآيات التي تشير إلى مغفرة الله تعالى، وتبين لها صفات و طرق الوصول إليها؛ على سبيل المثال، في بعض الآيات، يُعتبر"المغفرة" أمرًا متعلقًا بمشيئة الله حيث يغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء:فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ(1)و في موضع آخر، يُشير الله تعالى إلى طلب المغفرة من ع-باده كما ف-ي قوله تعالیفَقالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ(2)و ك-ذل-ك، ف-ي مكان آخر،
دعا القرآن إلى الجنة و المغفرة بإذن الله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ(1).
وفقًا لما ورد في الآيات، فإن ما يُغفر هو الذنب و ليس السيئة؛ كلمة "ذنب" في اللغة تعني "نتيجة أو عاقبة" الفعل، و يقال عن الفعل المحرم "ذَنب" لأن نتائجه ستلحق بالشخص الذي ارتكبه؛ قال الراغب في "مفرداته" إن "ذَنب" هو شيء يتبع شيئًا آخر، و هذا يوضح لماذا يُطلق على الفعل المحرم هذا الاسم.
في الآية الثانية، يظهر أن الله وعد بغفران ذنوب النبي صلي الله عليه و آله و هذا يتضح من خلال (كاف) في كلمة لَكَٰ، أي "ذنوبك"، إلا أن ما ذكرته تعاليم الوحي الأخرى هو عصمة النبي من الذنوب و حتى من ترك الأولويات، وهو أمر قطعي ولا شك فيه. إذن، يطرح السؤال: كيف يمكن أن ينزل الله وحيًا يتحدث عن مغفرة ذنوب النبي صلي الله عليه و آله ؟ ألا يُسهم ذلك في تقويض مسألة عصمة النبي والأئمة عليهم السلام ؟ إذا كانت الإجابة "لا"، فما هي الدلائل التي يمكن أن تثبت هذه القضية؟
قبل تقديم الأدلة التفسيرية في هذا السياق، يجب الرجوع بإيجاز إلى مسألة "العصمة" في الآيات و الروايات، و بعد إثبات الموضوع، يتم بيان أسباب نزول هذا الوحي و الهدف من بيان هذا الأمر في الآية المشار إليها.
العصمة مشتقة من "عصم"، و هي في لغة أهل العلم تعني معانٍ عدة، مثل: منع أو دفع الشر و الضرر من الله تعالى؛ فإذا قيل: "عصم الله فلانًا من المكروه"، فهذا يعني أن الله تعالى حفظه من الشر؛ و بناءً عليه، "المُعتصم" هو من يلتجئ إلى شيء ليحفظ نفسه، مثل الجملة العربية: "الغريق يعتصم بما تناله يده".
أما المتكلمون العدلية، ف-يعت-برون ال-عصمة نوعًا من "اللط-ف" الذي يقدمه الله تعالى
1) . سورة البقرة، الآية 221 .
لعبده ليمكنه من الميل نحو الأعمال الصالحة و ترك المعاصي و الذنوب؛ فالعصمة هي لطف من الله تعالى يوجه المكلف بحيث لا يكون له داعٍ لترك الطاعة أو فعل المعصية مع قدرته على ذلك؛ كما هو واضح، أن أحد أبعاد هذا التعريف هو أن العصمة هي هبة من الله.
و قد تم الإشارة إلى العصمة في العديد من الآيات في القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في سياق عصمة النبي صلي الله عليه و آله : إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(1)و كذلك في آيات أخرى، وصفه الله تعالى بأنه بريء من الكبائر والصغائر، واستخدم عبارات مثليُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيرًا(2)و بما أن الله تعالى يذكر عصمة النبي صلي الله عليه و آله في القرآن الكريم بشكل مستمر، فيمكن أن نرى ذلك في الآية التي ذكر فيها أنه لا يمكن للنبي صلي الله عليه و آله أن يتقول على الله وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَابَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(3)، أو أنه لا يتبع الشعروَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ(4)، و كذلك في مكان آخر حيث يذكر الله تعالى أن الرسول صلي الله عليه و آله معصوم من الضلال و الغوايةمَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(5)و أيضًا معصوم من الخيانة وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ(6)لذلك، يُستنتج أنه إذا كانت حياة النبي كلها موجهة نحو الله تعالى، فإنه لا يمكن أن يقع في الخطأ أو المعصية.
فمن جمع جميع أبعاد حياته في الطريق المستقيم ولله تعالى، لا يقع منه خطأ؛ لأن
من أساس حياته الطيبة هو التوحيد الذي يوجهه في كل أمر، كما قال سبحانه: إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيَايَ وَ مَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1)لذلك لا معنى لأن يتخلف عن مراعاة أوامر الله و نواهيه في أي شأن من شؤونه؛ و كذلك في موضع العلم في منشأ العصمة للمعصوم يظهر بوضوح، فمن يعلم بعواقب أفعاله، و يعرف أن كل فعل سيؤدي إلى نتيجة معينة، فإنه من المستحيل أن يقدم على ارتكاب ما يضر به أو يخالف ما يرضي الله، و قد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله:كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(2)أي أن العلم اليقيني بعواقب الأعمال يمنع من ارتكاب السيئات؛ بالطبع، الحديث عن العصمة طويل جدًا، وقد أشرنا هنا إلى بعض الجوانب المهمة فقط.
لقد أُعلِمَ أن بعض المفسرين قد فسروا الذنوب بالمعنى الحقيقي لها، ولم يميزوا بين الذنب الرقيق أو ترك الأولى أو الصغائر، فاعتبروا أن النبي صلي الله عليه و آله يمكن أن يشمل بهذه الذنوب التي تتعلق به، كما يُحسن تأكيد ما تمّ قوله حول العصمة التي تمّ توضيحها سابقاً؛ إن ضرورة إثبات هذه الأقوال بشأن النبي صلي الله عليه و آله تُعتبر مهمة لإتمام الموضوع حتى يصل البيان إلى حدّ الكمال ويُؤدى الحق.
يجب أن نعلم أن شخصية النبينا محمد صلي الله عليه و آله و بقية المعصومين من بعده قد أُرسلوا لهداية البشر بعد الهداية التكوينية التي تحدث عنها موسى عليه السلام في قولهرَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ(3)و هي الهداية التشريعية، و لهذا فإنهم بحاجة إلى سلسلة من الخصائص التي تجعلهم قادرين على إبلاغ الوحي الإلهي الذي هو أكمل و أتم
هداية للبشر، وذلك بشكل كامل وصحيح وبدون أي نقص أو زيادة؛ لأن في هذه الحالة فقط يكون هذا الإبلاغ دائمًا و صالحًا للبقاء.
من هنا، كان لا بد من أن يكون هؤلاء الوسطاء معصومين بحيث ينقلون الوحي دون أي تحريف أو خطأ، لأن ضمان نقل الوحي بشكل صحيح هو العصمة فقط، کما قالأُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اِقْتَدِهْ(1)یتضح ان امر بالاقتداء جاء بعد الاخبار عن الهدایهم؛ من جهة أخرى، يقول القرآن الكريم:أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ(2)، حيث تمّ عطف طاعة الرسول على طاعة الله تعالى، والأمر في الآية عامو مطلق! وهذا ما يبيّن ضرورة وعظمة عصمة النبي لأنه لو لم يكن النبي قد أُعطي هذه النعمة، لما كان الله ليأمر بطاعته بدون قيد أو شرط بعد طاعته سبحانه.
و في هذا السياق، قال صاحب تفسير القرطبي: و قال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك و أبي حنيفة و الشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر جميعها، لأننا أُمرنا باتباعهم في أفعالهم و آثارهم و سيرهم أمرًا مطلقًا من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لما أمكن الاقتداء بهم(3).
قال الشیخ الطائفه فی الرسائل العشر: نبينا محمد صلي الله عليه و آله من أول عمره الى آخره ، في أقواله و أفعاله و تروكه و تقريراته عن الخطأ و السهو و النسيان، بدليل انه لو فعل المعصية لسقط محله من القلوب، و لو جاز عليه السهو و النسيان لارتفع الوثوق من إخباراته، فتبطل فائدة البعثة ، و هو محال(4).
و ایضاً ابن حجر العسقلانی فی شأن کلام رسول الله صلي الله عليه و آله (هلم اکتب لکم کتاباً لن تضلوا) و قول عمر بن الخطاب (معاذ الله) ان الرجل لیهجر، یقول: لانه معصوم فی صحته و مرضه لقوله تعالی و ما ینطق عن الهوی و لقوله صلی الله علیه وسلم انی لا اقول فی الغضب والرضا الا حقا(1).
للتّجاوب مع هذه المسألة المهمّة، يمكن النظر إليها من زاويتين: الأولى أنَّ الذنوب المنسوبة إلى الأفراد في المجتمع تكون على نوعين؛ ففي بعض الأحيان تكون نسبة الذنب من قبل مجتمع الكفر، وفي أحيان أخرى من قبل المجتمع الإيماني؛ فإذا نسب ذنب إلى شخص من المجتمع الإيماني، فهو مذنب حقيقي وفقًا للمصطلح الفقهي القرآني. أما إذا نسب إلى شخص من قبل مجتمع المشركين بأنه مذنب، فهو مؤمن، و هذا مشابه لحال الأنبياء فی اطار مواجهتم بالکفار و المشرکین.
في الواقع، فإن المعاصي المنسوبة إلى النبي الأكرم صلي الله عليه و آله ، و التي وعد الله تعالى بمغفرتها، هي مزيج من هذه المعاني؛ بمعنى أنه صلي الله عليه و آله كان يُعتبر مذنبًا في مجتمع قريش بسبب معارضته لأيديولوجياتهم، رغم أنه لم يرتكب أي معصية حقيقية في ذلك الوقت، و لم يكن قد "رفع الاتهام" عنه بعد؛ و لذلك يمكن القول إن ذنبه كان حقيقة صحيحة، وقد أدى إلى ثواب، حيث إن المعصية المنسوبة إليه من قِبل قريش لم تكن معصية حقيقية كما يعتقدون، بمعنى أنه لم يترك المأمور به أو يمتثل للمحظور كما يزعمون.(2)
و عليه، فإنَّ المقصود من هذا القول هو أنَّ كل ما يُعتبر معصية و قبيحًا في نظر الناس في أي أمة من الأمم يُعدُّ ذنبًا، و كل من يرتكبه يُعتبر مذنبًا (و قد وردت هذه الفكرة في السطر الثاني من الحاشية في بيان تأثير "تسنيم"، الجزء 73، الصفحة 382).
1) . فتح الباري بشرح صحیح البخاري، ج 8، ص 133 .
2) . في هذا المقام، لا يُهمُّ مصداق و مفهوم الذنب، سواء كان الذنب الفقهي الشائع بمعنى ارتكاب فعل حرام، أو غيره؛ لأنَّ ماهية الذنب هي من صنع المجتمع وليست من ابتكارات الشريعة، كما صرَّح بذلك علماء الأصول عند بيان قاعدة التوسعة الشرعی! لذا، قد يُعتَبر شخص ما مذنبًا بسبب كفره بالأوثان، مثل كفر إبراهيم الخلیل عليه السلام بالأصنام، مما أدى إلى انتساب الذنب إليه ومعاقبته في النار، وقد يكون شخص آخر مذنبًا بسبب كفره بالله سبحانه و تعالی، إذاً، فإنَّ حقانية المعبود و ما يرتكبه الإنسان من مخالفات لقوانينه هو المهم فی هذا السیاق.
هذه القضية لها أمثلة أخرى في القرآن الكريم؛ مثل القصة المشهورة التي حدثت معالنبي موسى عليه السلام عندما دخل إلى مصر في وقت غفلة من أهلها، فقال الله تعالى :
وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينَ غَفْلَةٍ و وجد رجلين يتقاتلان، فقال:فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، وكان أحدهما من أتباعه والآخر من أعدائه، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، فبادر موسى عليه السلام إلى قتل القبطيفَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِمْ(1). خلال هذه الحادثة، خاف موسى عليه السلام من العواقب، فخرج من مصر خائفًا يتربص:فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ(2)، ثم أمره الله سبحانه أن يذهب إلى قومه، فقال: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(3)و مع ذلك، أجاب موسى الله عليه السلام تعالى قائلاًوَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ(4)رغم أنه لم يرتكب أي ذنب، إلا أنه أظهر نفسه مذنبًا، لأنه أولاً كان المجتمع الكافر قد نسب إليه المعصية، و ثانيًا لم يتم رفع الاتهام عنه من قبلهم في ذلك الوقت.
إذن، يمكن القول إن ذنبه كان ذنبًا اجتماعيًا و ليس حقيقيًا، بمعنى أن المعصية لم تكن واقعية، لذلك، ذنب النبي صلي الله عليه و آله كان من وجهة نظر قريش بسبب تبليغ دين الإسلام
و نبذ عبادة الأصنام، وهو ما كان يُعتبر ذنبًا كبيرًا في نظرهم، ولكنه في الواقع لم يكن معصية؛ و كما أشرنا، فإن مفهوم "الذنب" و "الكفر" ليس من ابتكارات الشرع، بل هو موجود قبل ظهور الدين، و الشرع قد حدّد الحدود و المصاديق المتعلقة بذلك.
و بناءً على ذلك، فإن الله تعالى قد أخبر النبي صلي الله عليه و آله بأنهم سيغفرون لهم تلك المعصية التي نسبوها إليه، بشرط أن يتحول دين قريش إلى الإسلام و تتم السيطرة على قريش. و عند ذلك، سيتم رفع الاتهام عن النبي صلي الله عليه و آله هذه الحادثة تتطابق مع ما حدث مع النبي موسى عليه السلام حيث أن الله تعالى يأمره بالذهاب إلى ذلك المكان، و في تلك اللحظة يغطي الذنوب التي نسبت إليه من قبل الناس و الکفار.
لذلك يمكن القول إنَّ اللام في الآية من نوع التعليل؛ لأنَّ هناك ارتباطاً و تواصلاً بين "الفتح العسكري" و دفع التشويه المصطنع أو رفع الذنب المنسوب من مجتمع الكفر، فهما سبب ونتيجة لبعضهما البعض؛ فالغلبة العسكرية يمكن أن تكون سبباً لدفع الهجوم على شخصية القائد و المهيمنين، وهذا يظهر جلياً في المجتمعات المعاصرة. و هذا الرأي يُعدُّ دعماً لكلام العلامة العلم الهدى رحمه الله الذي لا يرى ارتباطاً بين الفتح و الذنب الحقيقي.
بالتفصيل؛ كانت حركة السلطة و القيادة الدينية و السياسية في قريش تهدف إلى نشر صورة غير صحيحة عن النبي صلي الله عليه و آله بين أفراد قريش لمنع انتشار الدين الإسلامي في تلك المنطقة، فكانت مؤامراتهم تجعل النبي صلي الله عليه و آله و المسلمين في نظر عموم قريش أشخاصاً مذنبين و فاسدين؛ حتى أصبح المسلمون في المدينة يُنظر إليهم على أنهم فرقة ضالة و منبوذة، ولكن بعد أن تحقق الفتح المبين فيصلح الحديبية، و توسعت التفاعلات بين المدينة و قريش، و أيضاً بعد حدوث فتح مكة، و أمر النبي صلي الله عليه و آله حين قال: " اليوم يوم
المرحمة"(1)، أي أن اليوم ليس يوم انتقام! بدأ أهل قريش الذين كانوا قد خدعوا سابقاً أن يتبينوا من خلال هذا القول و من خلال التفاعلات التي حدثت بينهم و بين النبي صلي الله عليه و آله في أثناء فتح مكة و بعده، أن الهجوم الذي كان ضد الرسول صلي الله عليه و آله وضد الإسلام قد تحوَّل إلى محبة وعاطفة شديدة تجاهه؛ و لذلك قال الله تعالى: "بِفَضْلِ هَذَا الْفَتْحِ الْعَظِيمِ نَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ السَّابِقَةَ وَالَّاحِقَةَ"، أي أنه من خلال "فتح مكة" الذي هو ثمرة الفتح المبين (صلح الحديبية)، تُغفر وتُستَر الذنوب التي كانت منسوبة إليكم في أذهان العامة من قريش، سواء كانت سابقاً أو لاحقاً، والله أعلم.
من جهة أخرى، لو كان المقصود هو الذنب المعتاد بمعنى ارتكاب المعاصي و المحرمات، لما كان قد يُرفع بمجرد نعمة الفتح، بل كان يُغفر بالتوبة، كما جاء في الكتاب الإلهي بعد حديث الذنب في قوله تعالى:تُوبُوا إِلَى اللَّهِ(2)، وهو ما يُثبت القول المذكور؛ و بالتالي، فإن هذا الرأي لا يُفسد العصمة، بل يربط بشكل علمي و دقيق بين الفتح و المغفرة؛ و من بين ما يثبت هذا القول، هو ما ذكره الإمام الرضا عليه السلام في مجلس المأمون، وقد رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في عيون أخبار الرضا عليه السلام .
قال علي بن جهم: إنَّ المأمون العباسي سأل الإمام الرضا عليه السلام : أَ لَیْسَ مِنْ قَوْلِکَ أَنَّ الْأَنْبِیَاءَ مَعْصُومُونَ؟ قال: بَلَی. قال الامأمون: لِلَّهِ دَرُّکَ یَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخْبِرْنِیعَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِیَغْفِرَ لَکَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِکَ وَ ما تَأَخَّرَ، قال الامام فی اجابة السوال: لَمْ یَکُنْ أَحَدٌ عِنْدَ مُشْرِکِی أَهْلِ مَکَّهْ أَعْظَمَ ذَنْباً مِنْ رسول الله لِأَنَّهُمْ کَانُوا یَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ثَلَاثَمِائَهْ وَ سِتِّینَ صَنَماً فَلَمَّا جَاءَهُمْ ص بِالدَّعْوَهْ إِلَی کَلِمَهْ الْإِخْلَاصِ کَبُرَ ذَلِکَ عَلَیْهِمْ وَ عَظُمَ وَ قَالُوا أَ جَعَلَ الْآلِهَهْ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَیْءٌ
عُجابٌ وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلی آلِهَتِکُمْ إِنَّ هذا لَشَیْءٌ یُرادُ ما سَمِعْنا بِهذا فِی الْمِلَّهْ الْآخِرَهْ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَی نَبِیِّهِ مَکَّهْ قَالَ لَهُ یا محمد إِنَّا فَتَحْنا لَکَ مَکَّةَ فَتْحاً مُبِیناً لِیَغْفِرَ لَکَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِکَ وَ ما تَأَخَّرَ عِنْدَ مُشْرِکِی أَهْلِ مَکَّهْ بِدُعَائِکَ إِلَی تَوْحِیدِ اللَّهِ فِیمَا تَقَدَّمَ وَ مَا تَأَخَّرَ لِأَنَّ مُشْرِکِی مَکَّهْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ وَ خَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَکَّهْ وَ مَنْ بَقِیَ مِنْهُمْ لَمْ یَقْدِرْ عَلَی إِنْکَارِ التَّوْحِیدِ عَلَیْهِ إِذَا دَعَا النَّاسَ إِلَیْهِ فَصَارَ ذَنْبُهُ عِنْدَهُمْ فِی ذَلِکَ مَغْفُوراً بِظُهُورِهِ عَلَیْهِم(1).
في الروايات الواردة، يتبين أن المقصود بالذنوب ليس المعاصي المتعلقة بالوجود المقدس لنبينا الكريم صلي الله عليه و آله ، بل المعاصي التي تخص أمته، التي يغفرها الله سبحانه وتعالى بوساطة وجوده المبارك. وفي هذا السياق، اعتبر الإمام الصادق عليه السلام من مصاديق الذنوب المتعلقة بالنبي صلي الله عليه و آله في الآية الكريمةلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ... المعاصي التي ارتكبها شيعة أمته. من هنا، روى محمد بن حرب عن الإمام الصادق عليه السلام قبل أن يسأله سؤاله، وكأن الإمام عليه السلام يعلم بالسؤال الذي سيطرحه، فقال: قَالَ أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَنِی عَنْ رسول الله صلي الله عليه و آله لِمَ لَمْ یُطِقْ حَمْلَهُ عَلِیٌّ عليه السلام عِنْدَ حَطِّ الْأَصْنَامِ مِنْ سَطْحِ الْکَعْبَهْ مَعَ قُوَّتِهِ وَ شِدَّتِه...فَقَالَ احْتَمَلَ رسول الله علیا عليه السلام یُرِیدُ بِذَلِکَ أَنْ یُعْلِمَ قَوْمَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِی یُخَفِّفُ عَنْ ظَهْرِ رسولالله مَا عَلَیْهِ مِنَ الدَّیْنِ وَ الْعِدَاهْ وَ الْأَدَاءِ عَنْهُ مِنْ بَعْدِهِ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ یا ابنرسولالله زِدْنِی فَقَالَ احْتَمَلَهُ لِیُعْلِمَ بِذَلِکَ أَنَّهُ قَدِ احْتَمَلَهُ وَ مَا حَمَلَ إِلَّا لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا یَحْمِلُ وِزْراً فَتَکُونُ أَفْعَالُهُ عِنْدَ النَّاسِ حِکْمَهْ وَ ثَوَاباً وَ قَدْ قَالَ النَّبِیُّ
1) . الطبرسئ (الإحتجاج)، ج2 ، ص430 ؛ عیون أخبار الرضا عليه السلام ، ج1، ص180 .
لِعَلِیٍّ یا علی إِنَّ اللَّهَ تَبَارَکَ وَ تَعَالَی حَمَلَنِی ذُنُوبَ شِیعَتِکَ ثُمَّ غَفَرَهَا لِی وَ ذَلِکَ قَوْلُهُ عَزَّوَجَلَّلِیَغْفِرَ لَکَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِکَ وَ ما تَأَخَّر (1).
روی عن محمد بن جعفر عن محمد بن حسین عن ابی عبدالله عليه السلام : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَوْلُ اللَّهِ فِی کِتَابِهِ لِیَغْفِرَ لَکَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ قَالَ: مَا کَانَ لَهُ مِنْ ذَنْبٍ وَ لَا هَمٍّ بِذَنْبٍ وَ لَکِنَّ اللَّهَ حَمَّلَهُ ذُنُوبَ شِیعَتِهِ ثُمَّ غَفَرَهَا لَهُ(2).
إنَّ قضية انتساب الذنب إلى الوجود المقدس للنبي الكريم صلي الله عليه و آله مشابهة من حيث الشكل و المعنى للذنب الذي أبدى موسى الكليم عليه السلام خوفه من قتل جراءه. علاوة على ذلك، فإنَّ وجود النبي موسى عليه السلام في تلك الحادثة التي قتل فيها القبطي لم يكن بسبب إلقاء أو غفلة؛ لأنه إذا قُبل هذان الأمران، فإن عصمة الأنبياء و المعصومين ستتأثر بذلك؛ وبالتالي، فإنَّ ما قاله بعض المفسرين بأن هذا الذنب كان حقيقياً يتعارض بشكل أساسي مع الحقائق الشرعية و العقلية المتعلقة بالعصمة، ومع ذلك، فإنَّ من يوافقون هذا الرأي يستندون إلى استمرار الآية، حيث قال النبي موسى عليه السلام بعد القتل: قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ليثبتوا منخلالها ذنب موسى عليه السلام إلا أنه يجب التنبيه هنا إلى أنَّ الضمير في "هذا" في الآية لا يعود إلى القتل، بل إلى النزاع الذي حدث بين القبطي و السبطي، كما في قوله تعالى: رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ(3).
إذن، إذا كان القتل هو المقصود، لما كان من المعقول أن يُنسب إلى الشيطان، إذ
أن الشيطان لا يملك أن يدخل في الأنبياء و المعصومين، ولا يمكنه أن يُنفِّذ وسوسته فيهم؛ لذلك، فإن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الإلقاءات الشيطانية؛ وبالتالي، فإن ذنب النبي صلي الله عليه و آله هو من هذا القبيل؛ لأنَّ في حادثة موسى الكليم عليه السلام ، عندما قال الله تعالى له: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(1)، من الواضح أنَّ الله سبحانه و تعالى قال له: "لم تظلم"، بل هم القوم الظالمون! و هذه شهادة على أن الظلم وقع على القوم و ليس على موسى عليه السلام .
و في هذا السياق، وفقاً لما ذكره الإمام الرضا عليه السلام في الأوراق السابقة، فإنَّ ذنب النبي صلي الله عليه و آله كان من النوع الذي نسبه قوم قريش إليه كما نسبه المصريون إلى موسى عليه السلام من قبل، ولكن هذا الذنب قد رفعه الله تعالى كما غفر الذنب الاجتماعي لموسى الكليم عليه السلام ، فورد في قوله تعالى:قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ(2)، أي: ليس الأمر كما تظنون! فاذهبا إلى مصر واتبعا مهمتكما، فغفران الذنب عند الله و في هذا الموضع أيضاً، قال الله سبحانه وتعالى:"استمروا في قيادتكم ونبوتكم، و مسألة غفران الذنوب السياسية و الاجتماعية و نعمة الفتح المبين هي بأيدينا.
قال المرحوم علم الهدى رحمه الله في تفسير هذه الآية: إنَّ "ذنب" مصدر، لذا له قابلية أن يُضاف إلى الفاعل أو المفعول، كما في قوله: أَعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ عُمَرًا"؛ و في هذه الآية الكريمة، أُضيف "ذنب" إلى المفعول، ولذلك، مع احتساب ما بعده، الذي هو مَا تَقَدَّمَ وَ مَا تَأَخَّرَ، المراد هو المعاصي التي اعتبرها الناس متعلقة بالنبي؛ و باحتساب
ذلك، يكون المغفرة هي نسخ أحكام أعداء الله، التي بها تطهرت تلك الذنوب.
وقد ذكر فرعاً آخر لهذه المسألة، حيث قال: إنَّ المقصود من ذلك هو وجه التعظيم و حسن الخطاب، الذي يتبع مجرى الدعاء؛ و هذه الفكرة تتشابه مع الآية الثالثة و الأربعين من سورة التوبة عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، أي: "غفر الله لك".
مما تمَّ بيانه سابقاً، تبيَّن أنَّ المقصود بذنب النبي ليس المعنى المتعارف عليه؛ ولكن السؤال الذي يطرأ هنا هو أنَّ الله سبحانه وتعالى قد ذكر في هذه السورة وهذه الآية مغفرة ذنوب الأنبياء و المعصومين عليهم السلام ، وليس في هذه الآية فحسب، بل هناك أخبار مماثلة في مواضع أخرى، فلو كان من الممكن أن نُحمل جميع تلك الأخبار على الذنوب المنسوبة إلى الأنبياء من قبل الناس، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا الاستغفار منهم؟ هل يحتاج الأمر إلى استغفار بسبب انتساب الذنب من قبل الآخرين؟
لقد ورد جواب بليغ على هذا السؤال، حيث يُفهم أنَّ استغفار المعصومين عليهم السلام ليس من أجل تطهيرهم من ذنوب سابقة قد ارتكبوها، بل من أجل دفع احتمالية الذنوب المستقبلية ومنع وقوعها(1). هذا التفسير يشكل الأساس والركيزة للإجابة على هذا
1) . شاهد هذا الادعاء هو ما رَوَتْهُ زوجة رسول الله صلي الله عليه و آله عن استغفاره و دعائه في الليل، مع أنه قد جعل الله سبحانه وتعالى له العصمة، ومع ذلك كان مشغولاً بالاستغفار. وفي الحديث الذي دار بين النبي و أم سلمة، ذكر النبي في جوابه على سبب شدة عبادته، حادثة النبي يونس التي كان فيها في حالة من الخلوة مع نفسه، بسببها أصابه بلاء عظيم من الله تعالى. کان رَسولُ اللّهِ في بَيتِ اُمِّ سَلَمَةَ في لَيلَتِها ، ففَقَدَتهُ مِن الفِراشِ ، فدَخَلَها في ذلكَ ما يَدخُلُ النِّساءَ ، فقامَت تَطلُبُهُ في جَوانِبِ البَيتِ حتَّى انتَهَت إلَيهِ و هُو في جانِبٍ مِن البَيتِ قائمٌ رافِعٌ يَدَيهِ يَبكي و هُو يقولُ : «اللّهُمَّ لا تَنزِعْ مِنِّي صالِحَ ما أعطَيتَني أبَدا ......... اللّهُمَّ و لا تَكِلْني إلى نَفسي طَرفَةَ عَينٍ أبَدا. قالَ : فانصَرَفَت اُمُّ سَلَمَةَ تَبكي حتّى انصَرَفَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله لِبُكائها ، فقالَ لَها : ما يُبكيكِ يا اُمَّ سَلَمَةَ ؟ فقالَت : بأبي أنتَ و اُمّي يا رَسولَ اللّهِ ، و لِمَ لا أبكي و أنتَ بالمَكانِ الّذي أنتَ بهِ مِن اللّهِ ،قد غَفَرَ اللّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ و ما تأخَّرَ ......... ؟ فقالَ : يا اُمَّ سَلَمَةَ، و ما يُؤمِنُني ؟ و إنّما وَكَلَ اللّهُ يُونُسَ بنَ مَتّى إلى نَفسِهِ طَرفَةَ عَينٍ و كانَ مِنهُ ما كانَ. المصدر: میزان الحکمة، ج12، 20061.
التساؤل، ومع ذلك، توجد شواهد أخرى في هذا المجال، يمكن تحليلها والتأمل فيها بالاستناد إلى المبادئ والأدلة المعتمدة.
في بعض الآيات الكريمة، لا يتحدث القرآن عن استغفار الأنبياء مع ذنوبهم، بل عن استغفار يرتبط بذنوب أممهم؛ كما يقول القرآن الكريم: وَ مَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّ-هِ(1)، وفي الحالات التي يظلم فيها الناس أنفسهم، كما في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ(2)جاءوا إلى النبي صلي الله عليه و آله ليطلبوا منه استغفار الله لهم، كما في قوله:جَاءُوا وُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّ-هَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ(3)وبالتالي، فإنَّ إحدى أسباب استغفار الأنبياء و المعصومین هو طلب المغفرة للناس و ليس مرتبطًا بأفعالهم الخاصة؛ کما نقل عن ابن طاووس رحمه الله أنه سمع سحرا في السرداب عن صاحب الامر عليه السلام أنه يقول: اللهم إن شيعتنا خلقت من شعاع أنوارنا و بقية طينتنا، وقد فعلوا ذنوبا كثيرة اتكالا على حبنا و ولايتنا ، فان كانت ذنوبهم بينك و بينهم فاصفح عنهم فقد رضينا، وما كان منها فيما بينهم فاصلح بينهم وقاص بها عن خمسنا ، وادخلهم الجنة ، وزحزحهم عن النار ولا تجمع بينهم وبين أعدائنا في سخطك.(4)
في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال: خَيْرُ الدُّعَاءِ الاستِغْفَار(5)، فمن الواضح أن
الاستغفار هو نوع من الدعاء، ولا يشترط أن يكون بعد ارتكاب الذنب، بل هو وارد حتى في حال عدم وقوع الذنب؛ بناءً على ذلك، ورد في "مستدرك" عن النبي الكريم صلي الله عليه و آله حديث يقول فيه: إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَىٰ قَلْبِي و َإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّ-هَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً(1).
هذا الحديث، يبيّن رسول الله صلي الله عليه و آله أنه بسبب اختلاطه بالناس، كان يستغفر سبعين مرة في اليوم؛ لذلك، هذه نقطة أخرى تؤكد استغفار المعصومين بدون ارتكاب معصية، و هو ما يُسمَّى في تفسير مفاهيم روايات الأئمة ب- توبة الخواص.
من جهة أخرى، قال المرحوم الأربلي رحمه الله ، صاحب "كشف الغمة"، في أحد الأيام عن عبارة دعاء الإمام الكاظم عليه السلام التي تتضمن عبارات مثل: "عَصَيْتُكَبِيَدِي..."، "عَصَيْتُكَ بِلِسَانِي..."، "عَصَيْتُكَ بِبَصَرِي..."، سألته عن ذلك السيد بن طاووس رحمه الله فقال: "إنَّ هذا يدل على تعليم الناس"، وأضاف: "وإذا كان الإمام قد ذكر هذه المعاني بعيدًا عن الناس، فإن ذلك يكون من باب التواضع(2).
مسألة عصمة الأنبياء و المعصومين، كما تم بحثها، هي من المسلمات في جميع المذاهب. على هذا الأساس، يتضح أنّ المتكلمون الأشاعرة و المتكلمون من مذهب الاعتزال اقروّا بها، حيث جاءت مضامين أقوالهم مشابهة لما يلي: اتفق جميع الأمم و الشرائع على عصمتهم عن تعمد الكذب فيما يدل المعجز القاطع.
ولكن هذه المسألة تختلف في تفاصيل أقوالهم؛ يقول الرازي في عصمة الأنبياء عليهم السلام إن الرسل محميون عن الخطأ والتحريف في بيان الشريعة و الأحكام الإلهية، ومضمون
كلامه هو: "و اتفقوا على أنه لا يجوز تحريف... سواء عن عمد أو عن سهو"(1).
بعض المتكلمين من المعتزلة قد أجازوا صدور بعض المعاصي الصغيرة غير المنفّرة منهم، بينما ذهب آخرون مثل الخوارج إلى أبعد من ذلك، فإنهم يجوزون الكفر على الأنبياء و ذلك لأن عندهم يجوز صدور الذنوب عنهم، و كل ذنب فهو كفر عندهم.
و هناك فئة من المتكلمين قالت: إن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الذنوب المنفّرة و من ارتكاب الذنوب الصغيرة و الكبيرة عن عمد، ولكن قد يقع منهم السهو؛ و هذه هي قول الجبائي(2).
ذكر بعض المتكلمين من الأشاعرة أن الأنبياء عليهم السلام معصومون في زمن النبوة من الكبائر والصغائر عن عمد، أما السهو فمسموح. و هناك أقوال متعددة لا فائدة من ذكرها.
أما المسألة الأخرى التي ينبغي تناولها في هذا السياق، فهي الرد على الآراء التي قدمها الفخر الرازي بشأن بعض آراء القائلين بعدم العصمة وبعض التفاسير غير الصحيحة؛ من بين آرائه، بعضها يمكن تأييده و البعض الآخر يمكن رفضه.
توجد آراؤه في "الشبهة السابعة" في كتاب "عصمة الأنبياء"، وأبرزها ما ذكره في تفسيره لآية لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، حيث اعتبر أن "الذنب" في هذه الآية يشير إلى ذنوب الأمة، و هو تفسير يتوافق مع بعض الروايات لدينا.
في موضع آخر، يرى أن "ترك الأولى" يعد نوعًا من الذنب، و قد يكون ذنب الأنبياء ناتجًا عن هذه المسألة، وفقًا للقاعدة القائلة "حسنات الأبرار سيئات المقربين". لكن هذا الادعاء غير معتمد، لأن النبي صلي الله عليه و آله في هذا المقام معصوم من "ترك الأولى"، و تفسير "حسنات الأبرار..." في هذا السياق ليس ذا معنى.
في موضع آخر، يرى أن هذا الموضوع جاء لتوضيح علو درجة المعصومين ومقامهم. كما ذكر أن "الذنب" هو مصدر، ولذلك يمكن أن يُضاف إلى الفاعل أو المفعول.
من خلال جمع آراء الفخر الرازي، يمكن تأييد ثلاثة من أقواله، أما القول بشأن "ترك الأولى" فهو غير معتمد؛ بالرغم من أن "ترك الأولى" يدعم رأي الشيعة حول بعض هفوات الأنبياء، إلا أنه في هذا المجال ليس له أي ظهور لتفسير الآية.
و يجب أن نأخذ في الاعتبار أن مذهب الفخر الرازي بشأن تعلق العصمة بالأنبياء يخص فترة البعثة، لا قبلها، وقد نسب هذا الرأي إلى بعض أهل الاعتزال کأبی هذیل.
كما يتضح من ظاهر الكلمتين، هناك علاقة تضاد بينهما. في الواقع، فعل "ما تقدم" يعني كل ما نسبه الكفار إليكم في الماضي، و"ما تأخر" يعني كل ما سينسبونه إليكم في اللاحق، و كل ذلك سيُرفع و يُدفع تمامًا بفضل هذه الفتح المبين.
قال بعض المفسرين: إنَّ المقصود من "ما تأخر" هو الاستقبال؛ لكن هذا القول مخالف، لأنَّ كلمة "ما تأخر" تأتي بصيغة الماضي، و لذلك يجب أن نفهمها على أنها تعني "اللاحق" أو "الحال"، أما إذا كانت الصيغة مضارعة لكانت "ما يتأخر" لتدل على المستقبل بشكل صحيح. و إن كان هذا الرأي أكثر صحة، كما يظهر في بعض الآيات الكريمة التي ورد فيها "أخر" بصيغة الماضي بينما تدل على اللاحق(1)، مثل قوله تعالى فی سورة القیامة: يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ و المعنى في هذه الآية يشير
1) . عدة من الأحاديث تشير إلى أن ما تاخَّر تعني "اللاحق"، كما نقل هند حناط عن الإمام الصادق عليه السلام في زيارة سيد الشهداء عليه السلام حيث قال: من زار الحسین عليه السلام عارفاً بحقه یأتم به غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر. کامل الزیارات، الباب53، ح7 .
إلى ما قدمه الإنسان من أعمال قبل وفاته وبعدها، إلى ما يحدث في المستقبل (لاحق) حتى يوم القيامة.
و من جهة أخرى، إذا أخذنا برأي من قالوا إن "ما تأخر" تعني الاستقبال، فإن ذلك يكون "صحيحًا نسبيًا" بشرط أن لا يُقصد به الذنوب الحقيقية في المستقبل، بل الذنوب المنسوبة إلى النبي؛ لأنَّ هذا التفسير لا يدعو إلى التراخي أو الإباحة؛ و عليه، يجب أن نذكر أن المقصود بالمستقبل ليس فقط فترة حياته بعد الفتح المبين، بل يشمل كل فترة تتبع ذلك.
من هنا يتضح أنه إذا اعتبرنا "ما تأخر" متعلقًا ب- "المستقبل"، فإن هذا يعني أنَّ الله سبحانه و تعالى قد غفر الذنوب التي ينسبها أعداؤه إليه في كل فترة من فترات الزمن، و أنَّه سيجعل وجهه الكريم رحمة للعالمين.
ويُستَفَادُ أنَّ هذا القول، باعتباره دلالة "ما تأخر" على الاستقبال، هو مجرد رأي لمجموعة من المعترضين على هذه النظرية، ونحن لا نؤكد صحة مضامينها، و بالتالي، فإنَّ الدلالة الصحيحة ل- "ما تقدم" و "ما تأخر" هي على المعنيين السابق و الحالي.
ولكن في تفسير المعنى لدى بعض المفسرين، يعتبر بعضهم "ما تقدم" بمعنى ما كان قبل النبوة، و"ما تأخر" بما هو بعد النبوة. و قد جمع العلامة الطباطبائي هذه الآراء في تفسيره "المیزان" ونقدها بما يتوافق مع الاستنباطات القرآنية الصحيحة(1).
للكلمتين "ما تقدم" و "ما تأخر" مصاديق متعددة ذكرها المفسرون، مما يدل على تأثير المدارس الفكرية و الكلامية في تفسير القرآن الكريم؛ و قد ذكر الشيخ الطوسي رحمه الله
1) . انظر: المیزان، ج18، ص253؛ تسنیم، ج 73، ص374؛ مفاتیح الغیب، ج28، ص 65-66 .
في "التبيان" أربعة أوجه لتفسير هذين القيدين، و هي كما يلي:
أحدها: ما تقدم من معاصیک قبل النبوة و ما تأخر عنها.
الثانی: ما تقدم قبل الفتح و ما تأخر عنه.
الثالث: ما قد وقع منک و ما لم یقع علی طریق الوعد بأنه یغفره له إذا کان.
الرابع: ما تقدم من ذنب أبیک آدم، و ما تأخر عنه.
هو ردَّ جميع هذه الآراء بقوله: "هذا الوجوه كلها لا تجوز عندنا(1)". وبالتالي، كما تم بيانه، أَدَقُّ الرأي هو أن نعتبر المسألة متعلقة بتوجيه الاتهامات الباطلة إلى النبي الأعظم في الأزمنة السابقة و الحالية، مع مراعاة الخصائص و السمات التي تم ذكرها.
من أحد العناوين الأساسية في العرفان الإسلامي هو "حقيقة محمدية"، التي تعتبر الصادر الأول، وتُبيِّنُ المكانة الرفيعة لصاحب هذا المقام السامي، أي سيد الأوصياء صلي الله عليه و آله بناءً على هذا المبدأ، يرى بعض أهل المعارف في مقام قابلية الإمام و كمال حقيقة وجوده في الأفعال و القبول، بالإضافة إلى تشبيه هذه الحقيقة الأزليّة بنور المصباح، حيث قالوا: فشبه نوره بالمصباح، فلم يكن أقرب إليه قبولاً في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلي الله عليه و آله ...(2).
و في هذا السياق، أحد الأمور التي ذكرها عرفاء الإسلام منطلقًا من تبيين قرآني محسوس، يدل على تميز الحقيقة الوجودية للنبي الأكرم صلي الله عليه و آله على غيره من الأنبياء، و ذلك استنادًا إلى بعض الآيات القرآنية؛ من بين هذه الاستدلالات القرآنية، الآية الثانية
من سورة الفتح كانت إحدى الآيات التي اعتمد عليها هؤلاء العرفاء، حيث يتحدث الله سبحانه و تعالى عن غفران ذنوب النبي صلي الله عليه و آله .
فقد اعتقد بعض العرفاء، بناءً على ظاهر الآية الشريفة، أن ذات الله تعالى عندما ذكر غفران ذنوب الأنبياء، فإن نعمة المغفرة كانت تقتصر على ما بعد وقوع الذنب أو ترك الأولى من قبل الأنبیاء أو بمعنى آخر كانت موجهة بناءً على رفع.
لكن بالنسبة للنبي الأكرم صلي الله عليه و آله ، كان غفران ذنوبه سابقًا على الذنب، و لذلك كان في مقام دفع، مما يدل على عظمة النبي صلي الله عليه و آله مقارنةً مع بقية الأنبياء.
و أيضًا، من الآيات الأخرى التي تم الاستناد إليها في هذا السياق، الآية الأولى من سورة الشرح، حيث قال تعالى:أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ كما هو واضح من ظاهر الآية، فإن الشرح هنا يتعلق بصدرٍ لم يُطلب تحققه من النبي صلي الله عليه و آله ، لأنه ورد بشكل استفهامي، في حين أن النبي موسى عليه السلام في موضع آخر طلب الشرح من الله تعالى قائلاً:قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي(1)لذا فإن هذه النعمة المعنوية قد أُعطيت للنبي دون أن يطلبها، مما يعكس مكانته السامية.
أهل المعرفة، كما أن غالب أقوالهم قد تجاوزت حدود اللفظ الصريح إلى حدود الكلام الرمزي، فإن فهم مقصدهم و مرادهم يتطلب دراسة تفصيلية لآراءهم بشكل جزئي.
في مسألة استغفار الأنبياء، يعتقد بعضهم مثل صاحب الفتوحات المكية(2)استنادًا إلى الآيات القرآنية المتعلقة بعلم الإنسان، أنه نظرًا لأن البشر لا يملكون معرفة واسعة
من المعارف، فإنهم غير قادرين على إدراك الكثير من الحقائق؛ بناءً على ذلك، لا يفهمون استغفار الأنبياء عليهم السلام بالمعنى المعتاد، و يعتقدون أنه أمر خارج عن فهم الإنسان، إذ إن هناك فرقًا بين ذوقيات الإنسان وذوقيات الأنبياء عليهم السلام ، مما يؤدي إلى اختلاف في نوعية وسبب الاستغفار بينهما؛ و في مكان آخر، يعتقد هذا الفريق أن الله سبحانه و تعالى قد فهم المعصومين ذنوبهم و جعلها مقدمة على وقوع الذنب.
و تجد مجموعة أخرى أن استغفار النبي الأكرم صلي الله عليه و آله يعود إلى مقام عروجه، حيث يرى أن درجاته العالية تتزايد باستمرار، و عندما يلاحظ الفرق بين الدرجة السابقة و الدرجة التي هو فيها الآن، يستغفر الله تعالى طلبًا للتوبة(1).
و قد يكون استغفارهم تمسكًا علميًا و فعليًا بأسمائه الغافر و الستار الإلهية، كما يقول ذات الله تعالى:وَ لِلّٰهِ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا وَ ذَرُوا اَلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمٰائِهِ سَيُجْزَوْنَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ(2).
و مجموعة أخرى تعتقد أن استغفار الأنبياء عليهم السلام كان نتيجة معاشرتهم مع الناس بشكل مباح؛ ومن هؤلاء، يذكر الشيخ الطوسي رحمه الله في المقام الأشرف،أنه استنادًا إلى رواية من صحيح مسلم، التي تقول: "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً،(3)فإن استغفار المعصومين يعود إلى هذا السبب.
يُشير هذا الجزء من الآية الكريمة إلى ثاني ثمرة من ثمرات صلح الحديبية، حيث أتمَّ الله تعالى نعمه على رسول الله صلي الله عليه و آله من خلاله.
و حسب ظاهر الآية، فإن المخاطب و المُنعم عليه بنعمه هو النبي صلي الله عليه و آله ؛ لكن من باب أن النبي صلي الله عليه و آله هو واسطة الفيض بين الحق و الخلق، إذا كان هناك مغفرة فقد شملت الذين كانوا معه، و إذا كان هناك نعمة فقد شملت الجميع أيضًا؛ إلا أن النعم التي وُهبت للمسلمين و للنبي صلي الله عليه و آله مطلقة، باستثناء بعض المسائل التي تختص بشؤون النبوة.
أما الفعليُتِمُّ من مادة "تمم" فيعني الإتمام و الكمال، و هو من باب التفعيل، و بالتالي هو فعل متعدٍ و يحتاج إلى مفعول؛ و المفعول في هذه الآية هونِعْمَتَهُ، أي أن الله سبحانه و تعالى أتمَّ نعمه.
فما المقصود بإتمام النعمة؟ ما هو الحدث أو العامل الذي جعل الله تعالى يُعلن من خلاله أن النعمة قد اكتملت على الرسول الله صلي الله عليه و آله و المُؤمنين؟! بشكل عام، كما تم بيانه سابقًا، فإن صلح الحديبية كان له سلسلة من النتائج السياسية و الاجتماعية التي أسهمت في انتشار دين الإسلام على مستوى العالم؛ و من الظاهر أن جزءًا من إتمام نعمة الله هنا يشير إلى النتائج المشرقة و العظيمة التي حققها هذا الصلح، و التي جعلت الإسلام غالبًا على باقي الأديان السماوية؛ و بالتالي، يمكن أننعتبر أن أحد مصاديق إتمام النعمة في هذه الآية هو نتائج صلح الحديبية، و بشكل خاص أعظم نتيجة له: فتح قلعة خيبر و فتح مكة، التي انتهت بواقعة غدير خم، حيث ترتبط هذه النعم برابطة سببية واضحة.(1)
هو في نهاية القصيدة قد أنشد هذا المعنى:
يا من به نصر الإله نبيه *** و الفتح كان بعضده و بعضبه
و كمال دين محمد بولائه *** و تمام نعمته عليه بحبّه
و ذنوب شيعته غدا مغفورة *** يرضى الإله لأنّهم من حزبه
و الحافظ البرسي يا مولى الورى *** يرجوك في يوم المعاد لذنبه
1) . حافظ رجب البرسي، من العرفاء و المحدثین الإمامیة، فی کتاب مشارق أنوار فی باب الإشارة إلی هذه الحقیقة یقول: ثم إن اللّه سبحانه بشّر رسوله بأنه قد رحم أمّته، و غفر ذنوبهم، و أكمل دينهم، و أتم نعمته عليه و نصره، و جعل هذه المقامات و الكرامات و العطيات كلّها لعلي عليه السّلام، و نزل ذلك في آية واحدة من كتابه سبحانه و تعالى على رسوله و على أمّته، فقال: إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً و الفتح كان على يد علي، ثم قال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ قال ابن عباس: إن اللّه حمل رسوله ذنوب من أحبّ عليا من الأوّلين و الآخرين إكراما لعلي فيحملها عنهم إكراما لهم فغفرها اللّه إكراما لمحمد صلّى اللّه عليه و آله. ثم قال: وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ يعني بعلي، و إليه الإشارة و البشارة بقوله: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ثم قال: وَ يَنْصُرَكَ اللّهُ نَصْراً عَزِيزاً و كان النصر في سائر المواطن بأسد اللّه الغالب و سيفه الضارب، وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً فهذا علي به الفتح، و على يده النصر و بحبّه الغفران و الآمال، فكمال الدين و تمام النعمة على المؤمن، و به الهداية و هو الغاية و النهاية / مشارق انوارالیقین فی اسرار امیرالمومنین عليه السلام ، ص 193) .
النقطة التي يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار بعناية هي أن الوجود هو عالم مملوء بالأسباب و العلل، ولذلك قد يحدث الفعل في الزمن الحاضر، ولكن تظهر نتائجه و آثاره في العصور المقبلة أو حتى في القرون التالية.
هذا المبدأ ينطبق على مسألة نعمة الحديبية المستمرة و نعمة الولاية التي انتهت، إذ كما قد تم تكراره، فإن المصداق الرئيس لإتمام النعمة هو واقعة غدير، لا الحديبية. ولكن حادثة غدير التي وقعت في السنة العاشرة الهجرية حدثت بعد صلح الحديبية الذي وقع في السنة السادسة، أي بعد مرور ما يقارب أربع سنوات.
و بتعبير عام، يمكن اعتبار صلح الحديبية مقدمة وطريقًا تمهيديًا ل- "غدير"، لأن بعد ذلك فُتحت مكة و اندفع الخطر اليهودي للأبد. و هذه النتائج كان لها تأثيرات هامة في تأكيد و تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام في (حجة الوداع) في السنة العاشرة.
و لذلك، ليس من بعيد عن الصواب أن نقول إن هذه النعمة المستمرة، بفضل الله، تمّت في غدير، حيث قال تعالى:الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي(1)وبالتالي فإن إتمام النعمة الرئيسية، و هي نعمة الولاية، هي إحدى الثمار البعيدة المدى للفتح المبين الذي تحقق بفضل تلك النتائج.
و في الواقع، إن التدقيق في فعل يُتِمُّ يظهر أن خصائص الفعل المضارع في الآية تشير إلى الاستمرارية، لا الإتمام النهائي، مما يعني أن الوحي الإلهي هنا يخبر عن استمرارية العطاء والتثبيت لهذه النعمة؛ و هذا على خلاف ما جاء في حادثة غدير حيث تم الإخبار عن الإتمام في صيغة الماضي، مما يدل على أن الإتمام في هذا السياق هو إتمام قطعي و نهائي، وليس تثبيتًا أو استمرارية؛كما قال تعالى في القرآن:وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي(2).
النعمات الإلهية الثلاثة والأهمّة التي وُهبت للنبي الأكرم صلي الله عليه و آله في الفتح المبين هي تثبيت الاستقرار وإتمام استمرارية هدايته في الصراط المستقيم.
الفعل يَهْدِيكَ من مادة "هَدَى" التي تعني الهداية والإرشاد، وفي الآية الكريمة، المفعول به هو الضمير المتصل "ك" الذي يشير إلى النبي الأکرم صلي الله عليه و آله معنى هذا المقطع هو أن الله بواسطة الفتح يثبّت استقرار الرسول صلي الله عليه و آله في الصراط المستقيم و يكمله.
فإذا كان القول بإتمام استقرار الهداية يتضمن التتابع في يَهْدِيكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا مع الجملة "يُتِمُّ نِعْمَتَهُ..." فإنه من خلال ذلك يكون الإطلاق في "يُتِمُّ" قد تعلق بكل
من النعمة و الهداية الخاصة؛ ومن هنا، الفتح المبين لا يُعدّ سبباً لبدء الهداية، بل هو من أسباب استمرار تكملتها.
علاوة على ذلك، في الآية الرابعة من سورة يس، نجد أن الله سبحانه و تعالى يصف النبي صلي الله عليه و آله في مسار الصراط المستقيم قائلاًإِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(1)و في موضع آخر، يأمر الله تعالى النبي صلي الله عليه و آله أن يبلغ الناس قائلاً قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(2)كذلك، نلاحظ أنه بعد أن أمر الله تعالى النبي صلي الله عليه و آله بالدعوة إلى الله، أشار إلى وضعه في "الصراط المستقيم" قائلاً إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ(3)و أيضاً جاء التصريح الآخر في القرآن بشأن الوحي الذي نزل على الرسول صلي الله عليه و آله و هدايته عبره، كما قال:فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَإِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(4)بناءً على ذلك، الهدف من جميع هذه الآيات هو أن الله يبيّن في مواضع متعددة استقراره صلي الله عليه و آله في مسار "الهداية الخاصة" و "الصراط المستقيم" لتأكيد عصمته، و لإظهار قيمة و أهمية ما تحقق. و من الجدير بالذكر أنه إذا نظرنا إلى الآية التي تقولوَيَهْدِيكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا(5)قد يعتقد البعض أن الله سبحانه و تعالى من خلال هذا الفتح يهدي الرسول صلي الله عليه و آله إلى الطريق المستقيم، و أن هذا الحدث هو بداية غاية الهداية أو نهايتها؛ بينما هذا التفسير غير صحيح و قد وقع بعض المفسرين في هذا الخطأ.
التفسير الصحيح لهذه الآية ليس أن هذا الفتح هو سبب أو بداية لاستقرار في
"الصراط المستقيم"، لأن ذلك سيكون سالبية لانتفاء الموضوع! بل المقصود هو أن استقرار النبي صلي الله عليه و آله في الصراط المستقيم سيتم تثبيته و تحقيقه بهذا الفتح.
فبالتالي، المقصود ب-يَهْدِيكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ليس هو بداية الاستقرار، بل تثبيته، و في هذا السياق، بعض المفسرين فسروا "الصراط المستقيم" بأنه الطريق الذي يهدي فيه الله رسوله صلي الله عليه و آله إلى طريق تنفيذ الأحكام الإلهية، و يدخله في المسار الصحيح.
النسبة لما يُطرح عن "الهداية التكوينية"، فإن نطاقها يشمل جميع المخلوقات، و تظهر علاماتها من خلال الغرائز الحيوانية و الفطرة البشرية أو بشكل عام في كل موجود بمايتناسب مع ذاتها وخصوصيات خلقها؛ لذا قال النبي موسى عليه السلام في محكمة فرعون: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ(1)في هذا القول، يوضح النبي أن الله في عملية خلق كل مخلوق قد منح له التوجيه التكويني المتناسب مع نوع خلقته. بناءً على هذا المبدأ الأساسي، فإن جميع الممكنات تقع تحت حكم الله تعالى بشكل غير اختياري في إطار "الهداية التكوينية"، و لهذا السبب يتم تدبيرها بواسطة الله سبحانه و تعالى من خلال إلهام غيبي أو ما يُسمى "الأمر التكويني".
و من الآيات التي تشير إلى هذا المعنى قوله تعالى وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(2).
أما "الهداية التشريعية" فهي تشمل فقط البشر، و تستثني منها بقية المخلوقات، فهي على عكس الهداية التكوينية؛ و بذلك، يُعتبر الإنسان هو الكائن الوحيد الذي
يتمتع في حياته الدنيوية بنوعي الهداية، لذا يمكن تفسير هذا الأمر بناءً على فطرته و تميزه في خلقته مقارنة ببقية المخلوقات، حيث أن الله الحكيم لم يكتفِ ب- "الهداية التكوينية" كافية لتحقيق حاجاته و كمالاته؛ من هذا المنطلق، يمكن فهم الهداية التشريعية للبشر من خلال نزول الكتب السماوية، كما في قوله تعالىكَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ(1)و كذلك في بعث الأنبياء عليهم السلام كما في قوله تعالىوَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ(2)و غيرها من الآيات المتعلقة بهذا الموضوع.
علاوة على ذلك، أشار الله سبحانه و تعالى مباشرة إلى هذا النوع من الهداية في قولهإِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)حيث يبيّن أن الله سبحانه و تعالى قد بيّن لعباده من خلال هذه الهداية طريق الخير والشر، وأعطاهم الاختيار في اتخاذ القرار. من هذا المنطلق، يمكننا أن نلاحظ أن "الهداية التكوينية" ثابتة ودائمة في منحها، بينما "الهداية التشريعية" تتعلق بالمؤمنين، وتتغير بحسب الزمان والمكان والظروف المختلفة.
في تحليل مفهوم "الذنب" في القرآن الكريم و تعاليم الدين، خصوصًا في الأجزاء التي تشير إلى الأخطاء السياسية، يجب أن نأخذ في الاعتبار الأبعاد الأكثر تعقيدًا و شمولية لهذا المصطلح.
في المحاورات و العرف العام، يُعتبر "الذنب" عادةً عملًا فرديًا يتحمل الشخص
المسؤولية عن عواقبه في الدنيا و الآخرة؛ ولكن عندما نتأمل في الآيات الكريمة، و خصوصًا في العبارات مثللِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ، يتبين أن هذا المفهوم يتعدى الأبعاد الفردية ليشمل أبعادًا جماعية و حتى سياسية.
و في هذا السياق، يمكننا الإشارة بشكل خاص إلى التحليل الذي قدمه الإمام الرضا عليه السلام في مجلس المأمون؛ یتضح في هذا المجلس، لا يُطرح الذنب كخطأ فردي فحسب، بل يصبح مفهومًا يرتبط بالبُنى الاجتماعية و السياسية.
على وجه الخصوص، في فترة حضور النبينا محمد صلي الله عليه و آله في مكة، كان "الذنب السياسي" ناتجًا عن الاتهامات التي كان أعداء الإسلام، و خاصة قريش،يوجهونها ضد النبي و أتباعه. هذه الاتهامات لم تكن فقط لتضعيف الشرعية الدينية و الاجتماعية للإسلام، بل كانت تهدف أيضًا إلى مهاجمة الشرعية السياسية للقيادة الإسلامية التي كانت في طور التشكل.
في مثل هذه الظروف، يظهر هذا النوع من "الذنب" بشكل جماعي و سياسي، حيث لا يقتصر الأمر على الفرد فحسب، بل يمتد ليشمل الجماعات و حتى الأنظمة الاجتماعية و السياسية على المستوى الكلي؛ هنا، يمكن فهم "الذنب السياسي" على أنه أي اتهام أو نسبة خطأ إلى مجموعة أو فرد بهدف تشويه صورة القيادة السياسية أو الدينية لتلك المجموعة، و يمكن اعتباره نوعًا من الذنب الكبير.
في تحليل مفهوم "الذنب السياسي" و ارتباطه بالمغفرة الإلهية في الآية، يجب أن نلاحظ أن هذا النوع من الخطايا، مثل الذنوب الفردية، يحتاج إلى المغفرة و الصفح الإلهي و الاجتماعي؛ مع ذلك، فإن المغفرة في هذا السياق تتحقق فقط من خلال شروط خاصة و في سياق معين؛ من أبرز العوامل التي أشار إليها القرآن الكريم في هذا المجال هو مفهوم "الفتح"؛ الفتح باعتباره نصرًا عسكريًا و تحقيقًا للحكومة التي توفر
الظروف اللازمة للمغفرة عن الذنوب السياسية، كما جاء في الآية إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ و هي تعني الانفتاح و النصر الواضح.
يمكن أيضًا تفسير هذا الموضوع في إطار مفهومي اجتماعي؛ ففي أي نظام اجتماعي و سياسي، عندما تُطرح تهمة أو ذنب سياسي ضد القيادة أو إيديولوجية معينة، فإن تطهير هذا الذنب يتطلب تحولًا اجتماعيًا، و هو هنا ما يُسمى "الفتح"، هذا الفتح يمكن أن يعمل كآلية اجتماعية لتطهير و غفران الذنوب السياسية و الاجتماعية، في الواقع، في مثل هذه العملية، يتحرر المجتمع و القيادة الدينية من الاتهامات التي وُجهت إليهم، و يحققون شرعية و مصداقية جديدة على الصعيدين الاجتماعي و السياسي.
و بالمثل في قصة موسى عليه السلام في محكمة فرعون، نرى أنه عندما وقف كليم الله في مواجهة ظلم كان الفتح و الانتصار على فرعون ليس فقط انتصارًا عسكريًا، بل تحولًا اجتماعيًا وسياسيًا، حيث أدى إلى تطهير وغفران الذنوب والاتهامات الموجهة إلى الحركة الدينية؛ كما أن موسى عليه السلام وبني إسرائيل تحرروا من سيطرة فرعون، وبالمثل، في ظل الفتوحات الاجتماعية تمكن الإسلام من التحرر من الاتهامات و"الذنوب السياسية" التي كانت توجه إليه، و تثبيت شرعيته و اعتباره كحركة دينية و سياسية.
في هذا الإطار، يمكن ربط مفهوم "مغفرة الذنب السياسي" بتحقيق تحول اجتماعي و سياسي كبير، و نجاح شرعية دينية و اجتماعية؛ و بالتالي، فإن الفتح ليس مجرد نصر عسكري فحسب، بل هو تحول اجتماعي شامل.
إن الله سبحانه و تعالى في بداية الآيات الكريمة في سورة الفتح، أي في سياق بيان الفتح المبين، قد استخدم ضمير المتكلم مع الغير قائلاً: "نَحْنُ فَتَحْنَا" لِيُظهِرَ أن هذا
الفتح المبين قد نزل بتقدير و عظمة من الله سبحانه وتعالى؛ ثم انتقل إلى الغیاب، حيث خاطب النبي صلي الله عليه و آله و المؤمنين و بيّن لهم ثمار هذا الفتح.
وفقاً للقاعدة العلمية المعروفة، فإن انتقال الضماير من التكلم إلى الغیاب في ذکر الفتح يعود إلى تعظيم هذا الفتح و نتائجه، و ذلك لأن كل نوع من أنواع الالتفات الإلهي، سواء من التكلم إلى الخطاب أو من الغياب إلى الخطاب، لا يكون إلا من باب تعظيم الله سبحانه و تعالى؛ كما أن أسماء الإشارة في القرآن الكريم تتسم بنفسالمعنى، ف- إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ(1)كما ذَٰلِكَ الْكِتَابُ(2)على الرغم من تباين أداة الإشارة في القرب والبعد، إلا أنهما يشيران إلى تعظيم الكتاب الكريم.
في الآيتين الكريمتين، كان الهدف هو أن يتم التركيز أولاً على الفتح في صورته الملموسة، أي الفتح نفسه، و بعد أن تم بيان نعمة الفتح، و التي تشير إلى عظمة الموهبة الصادرة، انتقل الخطاب إلى الغیاب ليبين نتائج هذا الفتح، و التي غالباً ما تكون نعمًا غير مادية، مثل إنزال السكينة، و المغفرة، و إتمام النعمة، و تثبيت الهداية.
إذن، اسم الفتاح الذي يُعدّ بداية الفتوحات المادية و المعنوية، قد ظهر من خلال التكلم حتى بعد ذلك، حيث يصل الكلام إلى أسماء الغافر، النعيم، و الهادي، فيغيب العبد عن التكلم مع ذلك الفاتح للأمور، و يتابع سيره في الفتوحات الناشئة عن فتحه عبر أسماء الله الحسنى؛ وذكر النتائج في حالة الضمیر الغایب أكثر تأثيرًا من الكلام.
من منظور أهل المعرفة و الحكمة، الأسماء الإلهية التی توجد، و هذه الأسماء عين الذات مع التعيّن و ليست ألفاظًا او مفهوماً، فحينما نقرأ هذه الأسماء، في الأصل نكون نقرأ اسم الاسم الاسم الاسم.
وَ يَنْصُرَكَ اَللّٰهُ نَصْراً عَزِيزا ً3
التفسیر
بعد أن وصف الله تعالى الفتح بصفة "مبين"، أشار إلى إحدى الصفات والمسببات الجديدة لهذا الحدث العظيم؛ ولذلك، في هذه المرحلة، أشار إلى نتائج صلح الحديبية، وبالخصوص إلى نعمة "النصر فتح المکة"، واعتبرها من نوع "العزيز(1)
أ . الغلبة و التفوق على جميع الأمور:مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِناصِيَتِهَا
ب. عدم الهزيمة أو القوة: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
ج. عدم النفوذ؛ و لذلك يُسمَّى الأرض الصلبة "عَزاز" (أرض عزاز).
د. الندرة والفريدة؛ كما يُقال للعرب عن اللحم النادر "تعزَّز اللحم".
تتوافق جميع المعاني المذكورة مع حق الله سبحانه وتعالى، لأن ذاته المقدسة، بالإضافة إلى أنه غالب، فهو قاهر وغير قابل للنفوذ، كما أنه لا مثيل له و لا شيء يقاوم قوته.
."و بناءً على ما تم الإشارة إليه، فإن منح نعمة "النصر العزيز" يُعدّ المسبب الرابع من مسباب نعم الفتح المبين التي منّ بها الله سبحانه و تعالى.
على الرغم من أن العزة صفة من صفات النصر، فإن المنتصر بهذا النصر أيضاً عزيز، كما قال الله تعالی:لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ(2).
ومن خلال هذه المقدمة، يمكن اعتبار "النصر العزيز" مرتبطًا بصلح الحديبية وما ترتب عليه من أحداث، وأيضًا مرتبطًا بواقعة "فتح مكة"، لأنه خلال هذه الأحداث تحققت تقدمات عظيمة في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة والدعوة إلى الدين، وهي أمور لم تحدث من قبل منذ بداية الإسلام حتى تلك الفترة؛ وبالتالي، يمكن اعتبار الفتح الذي تحقق من نوع الفتوحات النادرة والعزيزة.
ومن جانب آخر، فإن آثار ونتائج هذا الفتح، بسبب كثرتها وقوتها، لم تتأثر أو تتخلف قط، ولم يكن لأحد القدرة على إبطالها أو تعطيلها؛ ولهذا السبب، وصف القرآن الكريم هذا النصر بالعزيز بمعنى أنه "غير قابل للإبطال"، لذلك فإن جميع معاني القوة والندرة تنطبق عليه.
بعض الأسباب التي جعلت الفتح "عزيزاً و نادراً " تشمل:
تم تصرف مكة و أراضي الطائف تحت حكم الإسلام.
عمل الإسلام على إضعاف حكم اليهود.
قام الإسلام بنشر عقائده في أنحاء العالم.
كان هذا الحدث سببًا في تحقيق فتوحات أخرى تلتها.
وعلاوة على ذلك، فإن النتائج الأخرى التي تم ذكرها سابقًا تحت عنوان "آثار صلح الحديبية" تشير جميعها إلى أن هذا الفتح كان نادرًا.
بعض المفسرين يرون أن المقصود من "النصر العزيز" هو أنه لا يستطيع أي جبار أو عدو أن يُدخل عليه خللاً؛ وهذا الرأي يتوافق مع ما تم ذكره سابقًا بشأن ندرته، إذ عندما لا يستطيع العدو المعاند أن يتخذ أي إجراء ضد "النصر" وآثاره، فهذا يعني أن النصر وأسبابه قد تم تثبيتها بشكل قوي ومتين، وبالتالي، فإن الفتوحات التي تمت بهذا الشكل تُعد نادرةالوجود، ولذلك لا يوجد فرق كبير بين ندرته وكونه غير قابل للإبطال.
إنَّ اللهَ تعالى في القرآن الكريم قد وردت له أسماءٌ و صفاتٌ عديدة، ومن هذه الأسماء "العزيز" الذي هو مشتقٌ من مادة (عزَّ) ويُراد به الغلبة و القدرة التي لا يُقهر فيها الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك يُسمَّى الأرض الصلبة غير القابلة للنفوذ ب- "عزاز".
قد بيّن الراغب الأصفهاني أن "العزيز" هو الذي غالب قدرته ولا يُقهر؛ وعليه، فإن بعض أهل اللغة قد اعتبروا أن "العزة" تعني الصفة نادر الوجود، وهذا لا يختلف مع ما ذُكر من قبل، حيث إن كلا المعنيين يعودان إلى معنى واحد.
العزيز هو اسم من أسماء الله تعالى التي تدل على قدرته المطلقة على جميع المخلوقات، بحيث لا يقدر أحد على مقاومة أمره وقوته؛ و من ناحية أخرى، فإن الله تعالى قد منح هذه القدرة غير القابلة للهزيمة أيضًا لرسوله صلي الله عليه و آله و للمؤمنين، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك، كما قال:وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ(1)و مثل هذا المعنى يظهر عندما يذكر الله تعالى بعد قبول أهل العلم للوحي من عنده اسم "العزيز" و عزته، كما في قوله تعالى:وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(2).
قد وردت كلمة "عزيز" ومشتقاتها في القرآن الكريم نحو تسعين مرة، و يُستخدم معظمها في المعاني التي ذكرناها سابقًا، كما في قوله تعالىوَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَ اللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ(1)و بناءً على ذلك، فإن بعض أهل المعرفة قد قالوا في هذا الاسم الإلهي: إِلَّا أَنَّ الْعَزِيزَ هُوَ الْمَنِيعُ *** لَهُ سِتْرُ الْوَرَى فَهُوَ الرَّفِيعُ(2)
إن العزة تتقسم إلى نوعين من حيث الاعتبار: إما أن تكون من النوع الممدوح، أي المقبولة التي يُستحسنها، أو من النوع المذموم، أي التي تُذم.
إنَّ عزَّة الله تعالى قد تكون من نوعٍ مخصوص له سبحانه وتعالى ولأوليائه المقربين، وهي عزَّة ممدوحة كما ورد في قوله تعالى سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(3)، وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(4)فكما يظهر في هذه الآيات، فإنَّ العزَّة الممدوحة هي مختصة بذات الله، ولا تكون إلا له وحده؛ و بالتالي، لا يمكن أن تتعلق هذه العزَّة بالطواغيت وأتباعهم، وإن كان بعضهم قد يظن بسبب تمتعهم بالقوة المادية أنهم أصحاب هذه العزَّة، وهذا وهمٌ باطل، بناء علی ذالک، یقال عند عذابهم:ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ(5).
في هذا السياق، فإنَّ الأنبياء و المُؤمنين هم الذين يظفرون بهذا الفيض الإلهي من العزَّة ببركة وجود الحق سبحانه و تعالى، لذا، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ هو العزيز، و قرآنه عزيز، و المؤمنون و الأنبياء جميعهم عزيزون، و لهم عزَّة ممدوحة.
قد قال العلامة^ رحمه الله في باب اختصاص العزَّة: "العزَّة مختصَّة بالله تعالى، و هي مقامٌ منيعٌ و عليٌّ لا يمكن لأي عامل من عوامل الذل أن يؤثر فيها أو يُلحِق بها ضررًا.
أما القسم الآخر من العزَّة التي تناولها القرآن الكريم، فقد تعلق بالطغاة و المكابرين الذين يقاومون الحق، و هي عزَّة مذمومة، بل هي في حقيقتها "ذلَّة تامة"، كما جاءفي قوله تعالى:بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقَاقٍ(1)حيث وصف الله عزَّتهم بالتمرد و الاختلاف، و في موضع آخر، يُشير القرآن الكريم إلى عزَّة مذمومة لأعداء النبي الأكرم صلي الله عليه و آله الذين فُتنوا بما اعتقدوه من عزَّة زائفة، حيث قال:وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهَادُ (2)في هذه الآية، يتم اعتبار عزَّة الكفار مرتبطة بالخطيئة، فهذه العزَّة التي يظهرونها هي عزَّة نسبية فقط، بينما هي في الواقع ذلَّة، لأن مصدرها غير إلهي و قد اكتسبوها من خلال أفعال المعصية التي تمسكوا بها.
و بالتالي، فإنَّ العزَّة تنقسم إلى نوعين: الأول هو العزَّة الإلهية الحقيقية التي لا مثيل لها، و الثاني هو العزَّة غير الإلهية التي في حقيقتها هي ذلٌّ؛ لذلك، ينبغي على الإنسان أن يطلب العزَّة من الله وحده، كما جاء في قوله تعالى مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا(3)و مضمون هذه الآية هو دعوة للاستعانة بالعزَّة الإلهية التي لا تهزم.
في هذا السياق، ذكر الإمام الحسن عليه السلام في حديثه عن عزَّة الممدوح، فقال: و اذا أردت عزا بلا عشیرة و هیبة بلا سلطان، فاخرج من ذل معصیة الله الی عز طاعة الله(4).
بعد من فهم معنى العزة وارتباطاتها، يجب أن نعرف العوامل المؤثرة في تحقيق العزة الفرديةوالاجتماعية.
كما هو واضح، العبادة و العبودية هي أحد الطرق المشتركة للوصول إلى الفيوضات الإلهية، و يمكن اعتبارها مصدرًا لجميع الرحمة؛ و في هذا السياق، اعتبر الله سبحانه و تعالى و أئمة أهل البيت عليهم السلام أحد العوامل التي تساهم في تحقيق العزة هو العبودية والطاعة، كما جاء في الحديث القدسي: أنا ربكم، أنا العزيز، فمن أراد العزة في الدنيا والآخرة فليطِع العزيز(1). في هذا الحديث، يُعلن الله لعباده أنه هو العزيز، لذلك من يريد العزة في الدنيا والآخرة يجب عليه أن يطيع العزيز(2).
الطريق الثاني لتحقيق العزة يمكن أن يُرى في التقوى و تزكية النفس، اللذان يلعبان دورًا مهمًا في التقرب إلى الله و تحقيق العزة؛ في هذا الصدد، قال مولى الموحدين علي عليه السلام : من أراد أن يكون أعز الناس فليتقِ الله عز وجل(3)، و في موضع آخر، قال: لا عزة أعز من التقوى(4).
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن نعتبر الطاعة و الولاء لولي الأمر من العوامل الأخرى التي تساهم في تحقيق العزة؛ كما قال الإمام السجاد عليه السلام في هذا الموضوع: طاعة أولي الأمر تمام العز(5).* أيضًا، قطع الطمع و عدم الاهتمام بما يملك الناس يعتبر من أسباب العزة. كما قال الإمام الصادق عليه السلام في أحد وصايا لقمان الحكيم لابنه: فإن أردت
أن تجمع عز الدنيا، فاقطع طمعك مما في أيدي الناس، فإنما بلغ الأنبياء والصديقون ما بلغوا بقطع طمعهم(1).
إحدى أبرز التعاليم التي تتجلى في كلمات سيد الشهداء عليه السلام خلال دراستنا لواقعة عاشوراء، هي الحقيقة الأساسية "العزة"، كان عليه السلام يرى أن هذه النعمة الإلهية هي من أعظم القيم، حتى أنه لم يكن يرى أن الدنيا بكل ما فيها تستحق أن تُقايَس معها؛ و لذلك، حينما دعاه البعض إلى البيعة مع يزيد و آل أمية، أجاب قائلاً: لا! والله لا أعطيكم بيدٍ إعطاء الذليل، و لا أفرُّ فرار البعيد(2)، بناءً على هذا المبدأ، قال في موضع آخر: الموت في عز خيرٌ من الحياة في ذل(3).
نعم، هذا ما كان عليه الإمام الحسين عليه السلام فقد كان، بناءً على يقينه بهذه الحقيقة، في مواجهة البيعة الظالمة التي فرضها آل أمية، يعبّر عن هذا الواقع الواضح قائلاً: ألا وَإنَّ الدَّعيَّ ابنَ الدَّعيِّ قَد رَكَّزَ بَينَ اثنَتينِ بَينَ السُلَّهِ و َالذِلَّةِ و َهَيهاتَ مِنّا الذِلَّةُ يَأبى اللّه ُذلك لَنا وَرَسولُهُ و َالمُؤمِنونَ و َحُجورٌ طابَت و َطَهُرَت و َأنوفُ حَميَّةٍ و َنُفوسُ أبيَّةٍ مِن أن تُؤثِرَ طاعَةَ اللِئامِ عَلى مَصارِعِ الكِرامِ(4).
هذه الكلمات الخالدة تضيء الحقيقة الجلية لواقعة عاشوراء؛ وهي الحقيقة التي جسّدها الإمام الحسين عليه السلام جوهرة الكرامة والحرية، حيث لم يضع عزّته اللامحدودة في
كفّة الدنيا وما فيها من مطامع زائلة، بل جعل شعار "هيهات منا الذلة" صدى يعلو في السماء، مُعليًا بذلك قمم العزة و الكرامة الإنسانية إلى أعلى مراتب الأبدية.
و على هذا النحو، أصبحت حياة الإمام الحسين عليه السلام نموذجًا فريدًا من العزة الفردية و الاجتماعية؛ نموذجًا ستظل آثاره راسخة في قلوب و عقول الشعوب الطامحة للحرية و التضحية في جميع أنحاء العالم إلى الأبد؛ لذلك، فإن الفكر العاشورائي للإمام الحسين عليه السلام سيكون بمثابة منارة تهدي جميع المجتمعات الباحثة عن الحق.
لقد أشار بعض من المفسرين في تفسير الآية الثالثة إلى أن النصرة ليست بالضرورة سبباً مباشراً لتحقيق العزة؛ بمعنى آخر، يعتقد بعض المفسرين أن النصرة لا تمثل بالضرورة مقدمة تفضي إلى العزة و الكرامة، بل على العكس، حيث إن العزة و الاقتدار في الإسلام تعتبر خصائص غير قابلة للضعف أو الهزيمة في ذاتها، فهذه العزة هي التي تُمثل مقدمة لتحقيق النصرة و الفتح.
و على هذا النحو، يتبين أن العزة هي العامل المسبب لظهور النصر في تاريخ الإسلام، و ليس العكس، أي أن النصرة في حد ذاتها ليست السبب في تحقق العزة. بناءً على هذا الرأي، يُنظر إلى "نصر عزيز" باعتباره نوعاً نادراً و ثميناً من النصرة، الذييحمل في طياته خصائص عظيمة، مثل القدرة على المقاومة ضد أي محاولة لزعزعته أو تحطيمه، و ليس مجرد معنى ثابت يتعلق بالحصانة المطلقة أو عدم القابلية للاختراق.
و مع ذلك، لم يُطرح هذا الرأي بين غالبية المفسرين، كما هو الحال في آراء بعضهم، مثل الشيخ الطوسي رحمه الله و الشيخ الأمين الإسلام رحمه الله ، حيث لم يذكروا هذا الأساس في تفاسيرهم؛ فهما يعتبران أن النصرة العزيزة تشير إلى تلك القوة التي تتمثل في
انتصارات عظيمة غير قابلة للتخريب، مثل صلح الحديبية وفتح مكة، التي رغم عظمتها، لا تقبل أي نوع من التضعيف أو التدمير؛ بمعنى آخر، ترى هذه الفئة أن النصر العزيز هو أمر لا يستطيع أي جبار أو عنيد أن يؤثر فيه أو يعرقل مساره. و في هذا السياق، يقول الشيخ الطوسي رحمه الله في تفسيره(1)فالنصر العزيز هو الذي يمنع كل جبار عنيد و عاتٍ أثيم.
و بناءً على ما تقدم، يجب أن نعلم أن الفتح النادر يتطلب أن يكون هذا الفتح محصناً من أي تزعزع أو ضعف، و أن يستمر في قوته دون التأثر بأي قوة مضادة؛ لذا، عندما نتحدث عن نصر نادر، فإننا نشير إلى خصائص مثل المقاومة و الصمود ضد الهزائم و التراجع، و من ثم، يظهر أن الفتح الذي لا يُقهر، بطبيعته، نادر أيضاً، إذ أن مثل هذا الفتح لا يتكرر في التاريخ إلا نادراً؛ و لذلك، في التحليل التفسيري، يعد استخدام كلمة "نادر" لوصف النصرة و الفتح هو الأكثر دقة، لأن هذا النوع من الفتح يمثل رمزاً للقدرة و الهيبة التي لا يستطيع أي قوة أن تقف في وجهها.
1) . التبیان فی تفسیر القرآن، ج9، ص 169 .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِی قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِیَزْدَادُوا إِیمَانًا مَعَ إِیمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَکَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَکِيمًا 4
التفسیر
إن لفظ "الإنزال" ومشتقاته في القرآن الكريم لا يُعبَّر دائمًا عن النزول بالمعنى الحرفي، بل قد يأتي أحيانًا بمعنى الثبوت و التحقق؛ ولذلك، يُفهم معنى الإنزال في الآية على أنه جعل السكينة.
قد أشار القرآن الكريم في بداية الآية إلى ثمرة أخرى لهذه الواقعة، و هي إحداث و إضافة السكينة إلى قلوب المؤمنين؛ و بالتالي، يمكن اعتبار هذا النزول ناتجًا عن آثار واقعة الفتح المبين، أو عن أحوال المسلمين بعد إبرام معاهدة الحديبية؛ و بناءً على هذا الرأي، يمكن اعتبار موهبة إنزال السكينة على المؤمنين نتيجة رابعة و مسببًا من مسببات صلح الحديبية، و التي تشمل رسول الله صلي الله عليه و آله و المبايعين من المؤمنين.
البيان التفصيلي لذلك هو أن الله تعالى بسبب هذا الفتح، أنزل السكينة و الطمأنينة على قلوب المؤمنين، ثم يوضح سبب نزول هذه السكينة، حيث أن إيمانهم قد زاد مع إيمانهم السابق، كما قال تعالىلِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ.
من خلال تعريف الإيمان بدقة من اثناء قول الإمام علي عليه السلام : الإيمانُ تصديقٌ بالقلبِ وإقرارٌ باللسانِ وعملٌ بالجوارحِ(1)، يمكن استنتاج أن المقصود من سكون القلوب للمؤمنين هو الثبات و الاستقرار في المفاهيم الأساسية التي كانوا قد آمنوا بها سابقًا، و قد أضيف إليها في هذا السياق، مما أدى إلى طمأنينتهم.
في هذا الصدد، يعتبر بعض المفسرين مثل الشيخ أمين الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان أن إنزال السكينة و الطمأنينة هو لطف من الله تعالى، حيث منحهم بصيرة بالحق جعلت أرواحهم تطمئن، و هذه البصيرة ناتجة عن كثرة الأدلة التي تدل على وجود الحق، كما يعبر بقوله: و َ هُوَ مَا یَفعل اللّهُ تَعالی بِهم منُ اللطف ألذی یحصل لَهُم عِندَه بَصیرة بِالحق تسکن الیها نفوسهم(2).
بينما يراها آخرون على أنها عقل أو عصمة موجودة في النبي عليه السلام ، ويعتبرها البعض، مثل ابن حيان الأندلسي، هداية نحو التوحيد و الإيمان، و قالوا:لَیَزْدَادُوا إِيمَانًا بِهَا إِلَى إِيمَانِهِمْ وَ هُوَ التَّوحِيدُ(3).
و يقول آخرون إنها تشير إلى وقار النبي صلي الله عليه و آله (4)،كما أن بعض المفسرين استندوا إلى روايات، فسروا السكينة بها على أنها نوع من الريح السماوي الذي يرافق الأنبياء عليهم السلام ،
فالسكون هو نسيم من الجنة يتنزل مع الأنبياء عليهم السلام .
هذه الأقوال وما شابهها تبدو ضعيفة بسبب عدم الاستدلال الكافي و الضعف في إثبات صحتها؛ من بين هذه الآراء، الرأي الوحيد الذي يبدو صحيحًا هو ما ذكرناه من أن الله سبحانه و تعالى قد أنزل "السكينة" على قلوب المؤمنين لتزيد إيمانهم السابق وتضفي عليه المزيد من القوة و العمق، لذلك، بشكل عام، الزيادة في الإيمان تأتي بسبب إنزال السكينة، و هو السبب الأساسي.
و في هذا السياق، يروي علي بن أبي حمزة عن الإمام الباقر عليه السلام أنه سأل عن قول الله تعالىأَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ فأجاب الإمام: عليه السلام هُوَ الإِيمَانُ(1). و لذلك، فإن المسألة المتعلقة بالإيمان في تفسير غاية نزول السكينة، خصوصًا إذا نظرنا إلى ما بعدها لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ(2)هي الأكثر أهمية مقارنة ببقية الأوصاف.
نقطة أخرى هي رأي العلامة الطباطبائي رحمه الله في تفسير إنزال السكينة، حيث يرى أن نزولها يتمثل في الخلق، استنادًا إلى آية مثل أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ(3)و يعتبر هذا النزول جزءًا من عملية الخلق(4).
من أسباب نزول السكينة في صلح الحديبية، ومن خلال دراسة آيات السورة، يمكن استنباط عدة أسباب، وهي على النحو التالي:
الاجتماعية و الاقتصادية التي نشأت عن صلح الحديبية، حيث شهد الإسلام تقدماً كبيراً في هذه الجوانب، و بفضل هذه الانفتاحات، وصل المسلمون إلى مستوى عالٍ من الطمأنينة و السكينة.
في السياق الثاني، كان الهدف من نزول السكينة هو إزالة و تخفيف الاستياء الذي كان يشعر به المسلمون بسبب بعض بنود الصلح التي بدت ضارة بالإسلام؛ فالمهاجرون و الأنصار كانوا غير راضين عن بعض بنود المعاهدة، و لذلك أنزل الله تعالى السكينة في قلوبهم لتهدئتهم و لتطمئن قلوبهم.
هناك احتمال آخر هو أن نزول السكينة في الآية الثانية يتوافق مع ما جاء في الآية الثامنة عشر التي قال فيها الله تعالى:لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًاقَرِيبًا فإذا كان هذا هو الحال، فإن سبب نزول السكينة كان بيعة المؤمنين للنبي1. صلي الله عليه و آله تحت الشجرة، و ليس ناتجاً عن مشاعرهم السلبية أو اعتراضهم.
و على الرغم من أن جميع هذه الافتراضات يمكن التمسك بها من منظور معين، فإن الاحتمال الثاني يبدو الأقوى استنادًا إلى الأدلة و الشواهد. و من بين هذه الشواهد، الرواية التي نقلها قتادة عن أنس بن مالك، حيث قال: لما رجعنا من غزوة الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا، كنا بين الحزن والكآبة، فأنزل الله عز وجل: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا فقال رسول الله: لقد نزلت عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا و ما فيها.(1)و هذه الرواية تتوافق مع الرأي الذي ذكرناه حول استياء المسلمين من بنود المعاهدة. بناءً على هذا الدليل، يمكن القول إن السكينة نزلت على قلوب المسلمين الذين كانوا
1) . بحارالأنوار، ج30، ص564 .
في حالة اعتراض أو استياء خلال أحداث الحديبية؛ و لهذا قال علي بن إبراهيم القمي رحمه الله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ و هم الذين لم يعارضوا رسول الله صلي الله عليه و آله و أقروا بقبولهم بالصلح؛ و بالتالي، تتعلق القضية في الأساس بما حدث في الحديبية و الموقف الذي اتخذوه المؤمنون أثناء تلك الواقعة.
اللفظ "سکینه" الذي يُفهم لغويًا على أنه يُشير إلى الراحة و الطمأنينة، ذُكر في القرآن الكريم ست مرات. فقد ورد هذا اللفظ في عدة مواضع، ليعبر عن حالة من الاستقرار النفسي الداخلي الذي يُمنح للمؤمنين في لحظات الشدة و القلق.
ذكر الراغب الأصفهاني في "المفردات" أن "السکینه" مشتقة من جذر "سکن" الذي يعني الاستقرار والثبات بعد الحركة؛ كما يقول: السکون، ثبوت الشيء بعد تحرکه(1). و هذا المعنى في تفسيره يتجلى في الهدوء الذي يلي الاضطراب، و هو ما يظهر في معاني السكينة التي هي حالة من الاستقرار النفسي بعد التقلبات.
و قد ذكر هذا المعنى أيضًا المفسر العلامة الطباطبائي رحمه الله حيث اعتبر السکینه حالة من استقرار الإنسان وعدم اضطرابه الداخلي أثناء اتخاذ القرارات.
وصف الجرجاني السکینه بأنها نور يُنزل في قلب المؤمن، يمنحه الثبات و الراحة في مواجهة الأمور الغيبية التي قد تكون محيرة أو صعبة(2).
بينما يرى ابن القيم(3)أن السكينة هي هبة إلهية غير مكتسبة من الله تعالى، تنزل في قلوب المؤمنين في الأوقات التي يصابون فيها بالقلق و الخوف، و هي تزيد من إيمانهم
ويقينهم.
في الواقع، السكينة في هذا السياق هي حالة داخلية يُمنحها الله تعالى لعباده في جميع الأوقات أو في اللحظات الحساسة، بحيث تحقق الراحة الفردية أو الاجتماعية وهذا ما يظهر جليًا في الآية الكريمة التي تشير إلى البُعد الاجتماعي لهذه السكينة، إذ قال تعالىثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ حيث تبين أن السكينة تشمل أيضًا المؤمنين كما قال تعالىوَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(1). الهدف من هذه الآية هو أولًا بيان أن السكينة هي منحة إلهية، و ثانيًا أن مكان نزولها و تحقيقها يكون في الفرد و الجماعة معًا، لكنبدرجات متفاوتة، فهي ليست مختصة بالرسول صلي الله عليه و آله فقط، بل تشمل المؤمنين أيضًا، و إن كانت مراتبها متفاوتة بين الأفراد و الجماعات.
ومن منظور التفسير الإلهي أيضًا، تُذكَر الإشارة إلى "السكينة" التي ذُكرت في القرآن عدة مرات؛ و قد تمَّ إشارة إلى ذلك في مواضع عديدة، من أهمها في سياق اختيار طالوت ملكًا على بني إسرائيل، حيث ذكر تعالى أن نزول السكينة على المؤمنين كان من الآيات الإلهية التي تُبيّن صدق هذا الاختيار، كما قال:وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ(2)هذه السكينة كانت دليلًا على تأييد.
و إذا نظرنا إلى الآية الأخرىأُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ(3)يظهر أن المقصود بالروح في هذه الآية هو السكينة، حيث أن السكينة تُمنح للمؤمنين في حالات معينة، مما يعينهم على التثبيت و الإيمان.
و من أمثلة أخرى على نزول السكينة في القرآن، نجد في حادثة بيعة الرضوان تحت الشجرة، التي وقع فيها البيعة للمصطفى صلي الله عليه و آله ففي هذا السياق، قال تعالى:لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا(1)هنا، نزول السكينة كان جزاءً للمؤمنين الذين بايعوا النبي تحت الشجرة، وقد منحتهم هذه السكينة الثبات و الطمأنينة.
أما في غزوة حنين، حيث فرّ المسلمون في البداية من ميدان المعركة، فقد نزّل الله تعالى سكينته عليهم بعد أن أبدلهم الانهزام بالثبات، كما قال تعالى:ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(2)
حيث كان نزول السكينة هنا تهيئة نفسية للمؤمنين، حتى يقفوا مجددًا في وجه أعدائهم.
من خلال هذه الآيات يظهر جليًا أن السكينة في القرآن الكريم تتكرر في سياقات تتعلق بالصراعات العسكرية و الاختبارات الكبرى، و من حكمة ذلك أن عنصر الحسم في مثل هذه الظروف ليس هو العِدة و العُدة، بل قوة الإيمان و العقيدة.
فإن نزول السكينة هو نوع من النصرة الغيبية التي تجلب النصر للمؤمنين، مما يتضح في الآيات التي تشير إلى نزول السكينة مع الجنود الغيبية، كما قال تعالىثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ وَ أَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا(3)و بذلك، يتبين أن السكينة ليست مجرد حالة نفسية، بل هي تأييد إلهي يرفع معنويات المؤمنين و يعزز إيمانهم في مواقف الشدة، و تُعد من الأسباب الرئيسية لتحقيق النصر على الأعداء، خاصة في الظروف التي يكون فيها الإيمان هو العامل الحاسم في المعركة.
إن مسألة الثبات و الطمأنينة النفسية على مختلف الأصعدة، سواء كانت الطمأنينة الفردية أو الطمأنينة الاجتماعية، تعد من الموضوعات الهامة التي تناولتها العلوم النفسية الاجتماعية (S﴾cial sychl﴾gy) و علم الاجتماع (S﴾ci﴾l﴾gy) لكن من الواضح أننقص هذه المهمه في المجتمعات المعاصرة، التي تتجه نحو العلمنة و الابتعاد عن الأبعاد الدينية الروحية، يظهر بشكل جلي. لقد وصل هذا الأمر إلى حد أن بعض تلك المجتمعات قد أنشأت منظمات و جمعيات لمعالجة هذه المشكلة الاجتماعية الكبيرة، إلا أنه من الواضح أن المشكلة لم تُحل؛ و ذلك لأن هذه المجتمعات اكتفت في معالجتها بهذه القضايا ضمن إطار الاحتياجات و الوسائل الثانوية مثل العلوم التجريبية، و علم الاجتماع، و علم النفس الاجتماعي، أو الأنثروبولوجيا، دون الأخذ في الاعتبار التأثير الحتمي و اللامنازع للدين و المفاهيم الروحية، لذا فإن هذا السبب هو السبب الرئيس وراء فشل جميع البرامج البشرية في تحقيق هذا المجال.
القرآن الكريم، باعتباره كتابًا هاديًا و سببًا لنجاة الفرد والمجتمع، هو كتابٌ متكامل في تعاليمه التي تتماشى مع الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها، كما قال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا(1)و قد جعله الله تعالى من أجل تلبية جميع حاجات الإنسان من لحظة نزوله إلى يوم القيامة؛ و لذلك، فقد أتم الحجة على الإنسان و فتح له طريق السعادة في الدنيا والآخرة؛ و من المؤكد أنه عندما يوصف هذا الكتاب بهذه الطريقة، فإنه في هذا المجال الهام، و هو الطمأنينة، يحتوي أيضًا على آراء وحكم بليغة.
1) . سورة الروم، الآیة 30 .
ومن هنا، فإن القرآن الكريم، باعتباره الكتاب الذي نزل وفقًا لفطرة البشر، هو المرجع الوحيد الذي يستطيع توضيح هذا المطلب و إعلان الطرق الصحيحة لتحقيقه، لأنه من الأهداف الرئيسية لهذا الكتاب.
و قد ذكر القرآن الكريم وسائل عدة للحصول على الطمأنينة، فمن الأسباب التي ذكرها الله تعالى في حصول الطمأنينة القلبية هي ذكر الله، حيث قال سبحانه:أَلَابِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(1)لأن قلب الإنسان هو بيت الله، و لا يمكن أن يتحقق له السلام الداخلي إلا بذكر الله تعالى، كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : القلبُ حَرَمُ اللَّهِ، فلا تُسْكِنْ حَرَمَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ،(2)و الذكر في المعنى الدقيق لا يعني مجرد الذكر اللساني، بل هو يشمل جميع الأعمال العبادية، و المراقبة، و الاعتراف بنعم الله، وما إلى ذلك.
و لا شك أن الإيمان و التقوى لهما دور حيوي ولا مثيل له في حياة الإنسان؛ وبناءً على ذلك، جعل الله تعالى الإيمان و التقوى سببًا لدفع الخوف و الحزن، و أداةً لإظهار الطريق الصحيح، كما قال:أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(3)، وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ(4)و في تفسير الإمام الصادق عليه السلام لهذه الآية، يُعتبر الإيمان سببًا للطمأنينة النفسية، حيث قال: يعني يَسْكُنُ(5). في هذا السياق، يمكن اعتبار الأنس بالقرآن الكريم أيضًا من الأسباب المهمة لتحقيق الطمأنينة، لأن تلاوة القرآن و تدبره تُزيد من الإيمان، كما قال تعالى:وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا(6)كما ورد في
الآيات التي تتحدث عن لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمحيث يظهر أن هناك علاقة متبادلة بين السكينة و الإيمان، فكلما ازداد الإيمان، زادت السكينة، لذلك، كلما زاد الإيمان في قلب الإنسان، كان له طمأنينة أكبر، لأن أساس عقيدته يصبح أقوى، و كلما تعمق معتقدات الإنسان كلما ازداد سلامه الداخلي.
من حيث المعنى، كما تم التطرق إليه في الآية الثانية، نجد أن الحديث يدور حول عناصر معنوية كالإنزال السكينة و زيادة الإيمان؛ و من المناسب هنا أن نلقي الضوء على ثلاثة مصطلحات عرفانية تتعلق بمعاني الفتح المطلق، و الفتح القريب، و الفتح المبين.
وفقًا للتوضيحات السابقة حول مفهوم الفتح، فإن المعنى الأساسي لهذا المصطلح يتعلق بالانفتاح المطلق و التوسع، بناءً على هذا المعنى، فقد وصف العلماء و المفكرون من أهل المعارف أي نوع من الانفتاح الظاهري أو الباطني، سواء كان من النعم الخارجية أو المكاشفات الداخلية، بالفتح.
في بيان لبعض العرفاء، يتم تصوير السالك في بداية سيره من مبدأ السلوك، أي عالم الطبيعة، إلى مقصد أعلى، و هو الفناء في الله و البقاء في ذاته، أثناء هذا السير، يقطع السالك مراحل و مقامات متعددة؛ و عندما يكتمل السفر الروحي و يظهر الكمال في السالك، و يصل إلى مرتبة قرب النوافل، فإنه يحقق مرتبة الفناء في الله، و هذا هو الفتح القريب، الذي يمثل البطن الثاني و الثالث؛ و هذه المرتبة تُعد من مقام الإحسان الوسطي، كماس هو الحال في مرتبة زيد بن حارثة، الذي قال له النبي الکریم صلي الله عليه و آله : اعبد الله كأنك تراه(1).
1) . إرشاد القلوب، ج1، ص128 .
أما المرتبة الثانية، التي نهايةُ المرتبةِ السابقة، فهي شهود الحق تعالى بدون "كان" أي بدون أي وسائط؛ و في هذا السياق، قال الإمام امیر المومنین علی عليه السلام : مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ(1)، نصيب السالك في هذا المقام هو البطن الرابع و الخامس والسادس من بطون السبع، و بالتالي تعتبر هذه المرتبة تجلي مقامفَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ و فتح مبين من الفتوحات.
أما المرتبة النهائية من هذا الفتوحات، فهي الفتح المطلق، الذي يتم التعبير عنه في الآية الكريمة:فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(2)و هي مرتبطة بالحقيقة المطلقة و الوجود المقدس للنبي مصطفى صلي الله عليه و آله ولذلك، فإن آخر بطن من بطون السبع يتمثل في هذا المقام، و هو عبور النفس و تجلي الكمالات النفسية.
فإن الحقيقة المتعلقة بالفتح المبين تكمن في الافتتاح على العبد في مقام الولاية و تجلي أنوار الأسماء الإلهية، كما قال القرآن الكريم في هذا الشأنإِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
في البداية يجب أن نلاحظ أن الخبر عن الزيادة، هو نتيجة إنزال السكينة، و ليس نزولاً تدريجياً لمتعلقاتها. بشكل عام، عند الحديث عن الأخبار المتعلقة بزيادة الإيمان، يثار موضوع كلامي حول زيادة و نقصان الإيمان، و بالتالي فإن ظاهر الآية الشريفة ينقض بعض الآراء التي تُعرّف الإيمان على أنه علم و جزم، كما تراه بعض المذاهب.
من خلال ظاهر الآية، يتضح أن الإيمان له "شدة و ضعف"، و لذلك يُنقض رأي أبي حنيفة و أتباعه الذين يعتبرون الإيمان حالة "جزم" ثابتة، و في هذا السياق، انتقد
العلامة الطباطبائي رحمه الله هذا الرأي بشكل واسع في تفسيره "المیزان"، حيث أوضح أن الشدة و الضعف هي من خصائص الإيمان، إذ إنه يزيد و يقل تبعًا لبعض الظروفو المناسبات؛ بناءً عليه، يتبين من الآية الشريفة أن تعريف الإيمان كما ذكرته تلك المجموعة غير صحيح.
استناداً إلى هذا الأساس، المقصود من الوحي هو أن الله عز وجل قد زاد في إيمانهم السابق، و رفع من مستوى و عمق إيمانهم، و ليس من حيث الكمية أو العدد.
و من الأدلة الأخرى على القول المنع، الآية الثانية من سورة الأنفال، التي تبين أنه مع وجود الإيمان السابق، يزداد الإيمان عند المؤمنين، كما قال تعالى: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا .
المشهور في الآراء الكلامية عند الإمامية و غيرهم، هو أن الآيات مثل لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا تشير إلى مراتب الإيمان؛ و بالتالي، فإن العقيدة والأيديولوجيا الكلامية الحنفية القائلة بثبات الإيمان تُرفض، لأنهم يرون أن حقيقة الإيمان و ماهيته هي تصديق و علم جزمي، و هو من الأمور النفسية.
و من الواضح أن هؤلاء قاموا بتأويل ظاهر الآيات الواردة في هذا الشأن لتفسيرها. و بالرجوع إلى بيان التفتازاني في المقاصد، يجب أولاً الإشارة إلى أنهم يعتبرون الإيمان جزمًا و تصديقًا لا يقبل الزيادة أو النقصان؛ كما قال: اسم للتصديق .و بالتالي، فإن صاحب هذا التصديق و الجزم إذا كان مطيعًا لله سبحانه وتعالى، و إذا أضاف إلى هذا الجزم المعصية، فإن هذا التصديق لا يتغير و يبقى المؤمن كما هو. مضمون قوله: "والمصدق إذا ضم الطاعات إليه أو ارتكب المعاصي، فتصدقه بحالته لم يتغير أصلًا." وكذلك
من وجهة نظرهم، فإن هذا الإيمان هو من النوع العددي! وبالتالي، فإن إيمان الأنبياء و رسول الله يعتبر نوعًا من الإيمان المستمر و المتتابع، دون أن يحدث "فترة" أو انقطاعبينه، على عكس إيمان البشر الذي قد تحدث فيه الفتنة و الانقطاع بسبب المعصية. و بناءً على ذلك، يعتبر إيمان البشر عرضة للفترة بين إيمان سابق و لاحق بسبب ارتكاب المعاصي، بينما المعصومون مستثنون من هذه القاعدة، لأن إيمانهم لا يتخلله فتره أو انقطاع بسبب عصمتهم(1).
إذن، جميع الآراء التي يطرحها أبو حنيفة و أتباعه مثل إمام الحرمين تقوم على أن الإيمان هو تصديق، و هذا التصديق لا يزيد بالطاعة و لا ينقص بالمعصية.
على الرغم من أن رأي بعض العلماء مثل القاضي الایجی في المواقف هو أن حقيقة التصديق قابلة للزيادة وا لنقصان، وأنها تتصف بالكمية و الجودة.
الماتريدية فيرون أن الإيمان هو ثمرة العلم و الإقرار اللساني، و يعتقدون أن الجزم و الإقرار اللساني هما من الأمور البسيطة التي تكون بين الإثبات و النفي، لذلك لا يوجد مجال للزيادة أو النقصان فيها.
بعض العلماء يرون أن مراد الزيادة و النقص في الإيمان هو دوام و ثبات هذا الإيمان أو حصول النور الناتج عنه؛(2)على الرغم من أن هذه الآراء تعتبر ضعيفة.
كما تم توضيحه في تعريف الإيمان، تبين أن الإيمان ليس مجرد "جزم و تصديق علمي" ولا فقط "فعل و اتباع عملي"، بل إن حقيقة الإيمان هي مجموعة من "الجزم و التصديق العلمي" الذي يرافقه "الالتزام العملي". بمعنى أن الإيمان يتحقق في ضوء التآلف بين العلم و العمل؛ بالطبع، إذا كان كما قال بعضهم، أن ماهيته تصديق يدخل في عداد
الخصائص النفسية، فإنه لا يكون ثابتًا بل متغيرًا؛ ولذلك، فإن رأي هذه الجماعة - مثل إمام الحرمين - القائلين بأن الإيمان مجرد تصديق، لا يعتبر ذا مصداقية علمية.كماذكرنا سابقًا في صفحات سابقة، فإن القرآن أشار إلى أن بعض الأشخاص، رغم معرفتهم بالحقائق و الوعي بها، قد لجؤوا إلى إنكار هذه الحقائق و العدوان عليها كما جاء في إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى(1).
في الجزء الثاني من معتقداتهم، كما تبين، يؤمنون بأن الإيمان عَرَضي، و أن وجوده يعتمد على تَجَدُّدِ أمْثَال(2)
للتوضيح، البعض يمثّل ذلك بشعلة النار، والأطعمة، وما شابهها؛ و قال آخرون إن الصورة التي تظهر للقمر في النهر الجاري في ليلة قمرية ثابتة، لكن في الواقع فإن مياه النهر جارية، و هذه الصورة تتغير باستمرار، لكن الإنسان يراها ثابتة؛ لهذا السبب، فإن هذا الرأي قد يكون صحيحًا في بعض الحالات، ولكنه باطل في موضوع "الإيمان". لأن في هذه الحالة يكون الإيمان عرضًا، وحسب بطلان قيام العَرَض بالعَرَض، يجب أن يتغير ويتجدد في كل لحظة؛ لأن الأعراض لا یبقى في زمانين. وبالتالي، فإن الإيمان الذي هو نوع من العَرَض، لا يكون ثابتًا.
بعض العرفاء مثل محي الدين بن عربي، في بيان انتقال عرش بلقيس (ملكة سبأ) إلى قصر سليمان (عليه السلام)، تمسكوا بهذه النظرية و اعتبروها ليست على محور "الطَيّ الأرض"، بل بناءً على تجدد الأمثال.
وفقًا لهذا الرأي، يعتقدون أنه إذا كانت الفجوة بين الإيمان كبيرة، فإن الإيمان يكون ناقصًا، وإذا كانت صغيرة، فإن الإيمان يكون كاملًا،وفقًا لهذه العقيدة، فإن إيمان النبي كذلك، ولكن بما أنه معصوم، لا تحدث الفجوة بين إيمانه.كما أن ما قيل من أنه إذا كان شخص ما يحمل هذا التصديق و في نفس الوقت ارتكب معصية، فإن ذلك لا يؤثر على حقيقته، هو قول بطلانه واضح؛ لأن قوة
1) . سورة محمد صلي الله عليه و آله ، الآیة 25.
2) . "تجدّد أمثال" هو أحد المواضيع التي تدخل في علوم العرفان والكلام والفلسفة. التعريف العام له هو زوال شيء و ظهور مثيله بحيث لا يكون في الزمن الثاني نفس الشيء الذي كان في الزمن الأول؛ ولذلك، فرق أهل العلم بينه و بين الحركة الجوهرية، والحركة، و الكون والفساد.
الإيمان تتأثر بالطاعة، و ضعفه يتأثر بالمعصية، وهذا جزء لا يتجزأ من هذا الأمر(1). و لذلك، يمكننا اعتبار الآية الكريمة: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ(2)دليلاً على ذلك.
بناءً على ذلك، الإيمان هو العلم مع الالتزام؛ فلا يكفي العلم وحده، ولا العمل وحده؛ وبالتالي، فإن القول السابق و المعتقد الذي ينسب الزيادة والنقصان إلى كمال الإيمان بدلاً من جودته هو ادعاء باطل.
و في مقام الرد النقلي، يمكننا الطعن في هذا الرأي بالاستناد إلى أحاديث من النبي صلي الله عليه و آله حيث إن الظاهر من الأحاديث أن الإيمان قطعًا يتضمن القوة والضعف، وهذه الخصيصة تأتي نتيجة الطاعة أو المعصية.
وفقًا للرواية الواردة في بحار الأنوار، قال ابن عمر للنبي صلي الله عليه و آله : "إِنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؟" فأجاب: نَعَمْ، يَزِيدُ حَتَّى يُدْخِلَ صَاحِبَهُ الجَنَّةَ وَيَنْقُصُ حَتَّى يُدْخِلَ صَاحِبَهُ النَّار(3).
من المسائل التي تناولها بعض المفسرين غير الإمامية، مثل الفخر الرازي، هي أنه بسببنزول آيات وأحكام جديدة ناتجة عن الوحي ونزول سور جديدة، يزداد إيمان المسلمين؛ لأنهم يؤمنون بتلك الآيات الجديدة، و على أساس الالتزام بهذه الأوامر، يتم تكمل
1) . يجب أن نأخذ في الاعتبار أن التصديق كيقين قلبي له خاصية التغيير؛ و بالتالي، فإن العقيدة القائلة بأن ما يجب هو اليقين، و أن التمايز يكون فقط من احتمال النقض، لا تُقبل. بناءً على ذلك، لا يمكن مقارنة إيمان الأنبياء مع إيمان الناس العاديين بنفس المقياس؛ لذلك، فإن معاملة إيمان المعصوم على أنه مثل إيمان الإنسان غير المعصوم، مع الأخذ في الاعتبار تفاعله مع المعاصي، و مقارنة ذلك مع عصمة المعصوم في العلم و العمل، لا تؤدي إلى صحة عقلية و نقلية.
2) . سورة فاطر، الآیة 10 .
3) . بحار الأنوار، ج66 ، ص209 .
إيمانهم؛ وبالتالي، فإن ما يزداد هو متعلق الإيمان، و ليس الإيمان نفسه.
و في الرد يجب أن يُبيّن أن المقصود بزيادة الإيمان ليس زيادة متعلقاته، التي قد تضاف مع نزول أوامر جديدة و امتثالها، بل المقصود هو نفس الإيمان، أي أن الإيمان نفسه يزداد؛ لذا في هذه الحالة لا معنى لقول أن كثرة الأحكام التي ينزلها الله عز وجل تسبب زيادة في الإيمان، لأننا قلنا إن إنزال السكينة هو الذي يؤدي إلى ذلك، وليس نزول قوانين جديدة إلهية! ثانيًا، كما تم مناقشته، في هذه الحالة يكون الوصف متعلقًا بحال متعلق الإيمان، و ليس بحال الموصف، و بالتالي، لا يتوافق ذلك مع الآية الكريمة لِیَزدَادوا إِیمَانًا، أي أن الزيادة يجب أن تكون في حال الإیمان، و بذلك يتم رد زيادة المتعلقات.
بعد مناقشة الآراء في إثبات الزيادة والنقصان في الإيمان، نوجه الانتباه إلى بيان من أمير المؤمنين عليه السلام ، حيث يقول في الآية الكريمة لِیَزدَادوا إِیمَانًا... فَالْإِیمَانُ بِاللَّهِ تَعَالَی هُوَ أَعْلَی الْإِیمَانِ دَرَجَهً وَ أَشْرَفُهَا مَنْزِلَهْ وَ أَسْنَاهَا حَظّاً فَقِیلَ لَهُ (علیه السلام) الْإِیمَانُ قَوْلٌ وَ عَمَلٌ أَمْ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ فَقَالَ الْإِیمَانُ تَصْدِیقٌ بِالْجَنَانِ وَ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَ عَمَلٌمِنْهُ بِالْأَرْکَانِ وَ هُوَ عَمَلٌ کُلُّهُ وَ مِنْهُ التَّامُّ الْکَامِلُ تَمَامُهُ وَ النَّاقِصُ الْبَیِّنُ نُقْصَانُهُ و الزَّائِدُ الْبَیِّنُ زِیَادَتُه ... وَ قَالَ رسول الله مَنْ لَقِیَ اللَّهَ کَامِلَ الْإِیمَانِ کَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّهْ وَ مَنْ کَانَ مُضَیِّعاً لِشَیْءٍ مِمَّا افْتَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَی عَلَی هَذِهِ الْجَوَارِحِ وَ تَعَدَّی مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَ ارْتَکَبَ مَا نَهَی عَنْهُ لَقِیَ اللَّهَ تَعَالَی نَاقِصَ الْإِیمَانِ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَل هُوَ الَّذِیأَنْزَلَ السَّکِینَةَ فِی قُلُوبِ الْمُؤْمِنِینَ لِیَزْدادُوا إِیماناً مَعَ إِیمانِهِمْ الْآیَهْ وَ لَوْ کَانَ الْإِیمَانُ کُلُّهُ وَاحِداً لَا زِیَادَهْ فِیهِ وَ لَا نُقْصَانَ لَمْ یَکُنْ لِأَحَدٍ فَضْلٌ عَلَی أَحَدٍ وَ لَتَسَاوَی النَّاسُ فِی تَمَامِ
الْإِیمَانِ وَ بِکَمَالِهِ دَخَلَ الْمُؤْمِنُونَ الْجَنَّهْ وَ نَالُوا الدَّرَجَاتِ فِیهَا وَ بِذَهَابِهِ وَ نُقْصَانِهِ دَخَلَ آخَرُونَ النَّارَ(1).
من المواضيع الهامة المتعلقة بالإيمان هي مسألة الزيادة و النقصان، التي تختلف آراء العلماء حولها بناءً على التعريفات المختلفة، فبعضهم يرى أن الإيمان لا يزيد و لا ينقص، كما قال الفخر الرازي: "إن الإيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص(2)" في الجهة المقابلة، يرى التفتازاني في "المقاصد" أن المعتزلة و الكثير من العلماء يرون أن الإيمان يتأثر بالزيادة و النقصان؛ ولكن كلام أبي حنيفة و الجويني ليس كذلك؛ إذ أن برهان الجويني يقول إنه إذا حملنا الإيمان على التصديق، فإن ذلك لا يزيد عليه؛ كما هو الحال في العلم؛ و مع ذلك، يجب أن نلاحظ أننا لم نختصر حقيقة الإيمان في التصديق فقط. لکن إيجي، المتكلم صاحب "شرح المواقف"، فإنه يرى أن التصديق أيضًا قابل للزيادة و النقصان، وقد ذكر في كتابه وجهين لهذا الادعاء(3). و من جهة أخرى، فإن بعض العلماء مثل السيد المرتضى علم الهدى رحمه الله ، كما ذكر ابن أبي الحديد، يعتبرون من القائلين بجواز الزيادة و النقصان في الكمّية.
القرآن الكريم و أئمة المعصومين عليهم السلام قد ذكروا في بياناتهم المتعددة حول الإيمان إشارات إلى مراتب الإيمان، ولذلك، يمكن العثور على ذلك في حديث معتبر في كتاب الكافي
في باب "الإيمان و الكفر". في هذا الحديث، قال الإمام الصادق عليه السلام : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ الإِيمَانَ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ: عَلَى الْبِرِّ وَالصِّدْقِ وَالْيَقِينِ وَالرِّضَا وَالْوَفَاءِ وَالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ. ثُمَّ قَسَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ. فَمَنْ جَعَلَ فِيهِ هَذِهِ السَّبْعَةَ الأَسْهُمِ فَهُوَ كَامِلٌ مُحْتَمِلٌ. وَقَسَّمَ لِبَعْضِ النَّاسِ السَّهْمَ وَلِبَعْضٍ السَّهْمَيْنِ وَلِبَعْضٍ الثَّلَاثَةَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى السَّبْعَةِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا تَحْمِلُوا عَلَى صَاحِبِ السَّهْمِ سَهْمَيْنِ وَلَا عَلَى صَاحِبِ السَّهْمَيْنِ ثَلاثَةً فَتَبْهَضُوهُمْ". ثُمَّ قَالَ: "كَذَٰلِكَ حَتَّى يَنتَهِيَ إِلَى السَّبْعَة(1).
و في موطن آخر، يذكر الإمام عليه السلام : إِنَّ الْإِيمَانَ عَشْرُ دَرَجَاتٍ بِمَنْزِلَةِ السُّلَّمِ يُصْعَدُ مِنْهُ مِرْقَاةً بَعْدَ مِرْقَاةٍ فَلَا يَقُولَنَّ صَاحِبُ الِاثْنَيْنِ لِصَاحِبِ الْوَاحِدِ لَسْتَ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَاشِرِ فَلَا تُسْقِطْ مَنْ هُوَ دُونَكَ فَيُسْقِطَكَ مَنْ هُوَ فَوْقَكَ وَ إِذَا رَأَيْتَ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكَ بِدَرَجَةٍ فَارْفَعْهُ إِلَيْكَ بِرِفْقٍ وَ لَا تَحْمِلَنَّ عَلَيْهِ مَا لَا يُطِيقُ فَتَكْسِرَهُ- فَإِنَّ مَنْ كَسَرَ مُؤْمِناً فَعَلَيْهِ جَبْرُهُ(2). وهذا يشير إلى الزيادة والنقصان في الإيمان.
و في هذا السياق، قد قدّم الفلاسفة درجاتٍ للإيمان، حيث أن أول مرتبة منها هي إيمان "تقليدي" أو بعبارة أخرى إيمان ناشئ من السمع(3).
توضيح ذلك أن إيمان العامة هو مثال حي لهذه الحقيقة؛ ففي هذا النوع من الإيمان، يُصدق المؤمن المتعلقات دون تدبّر أو تفكير، و يؤمن بها و يلتزم بها؛ في هذه الحالة، فإن إيمان أولئك الذين لديهم إيمان حقيقي بوجود المبدء و المعاد يكون محدودًا للغاية،لأنهم لم يتعمقوا في هذا الموضوع و لا يملكون المعرفة الكافية فيه؛ ولهذا السبب، يرى بعض الحكماء، بالإضافة إلى بعض المتكلمين، أن الإيمان التقليدي لا يُستحسن، لأنه
لا يتحد مع الإنسان و هو عرضة للضعف و التغيير، ولذلك، في بياناتهم الأخرى، يعتبرون أن الغاية من الإيمان هي الوصول إلى الإيمان التحقيقي.
النوع الثاني هو "الإيمان الكشفي" و هو إيمان من نوع التحقيق، و لذلك يختلف عن الإيمان الظاهري أو السمعي، والذين يمتلكونه قليلون جدًا من الناس. هذا النوع من الإيمان هو نتاج الاستدلالات و البراهين أو ما يتم التوصل إليه عن طريق الكشف، وبالتالي يكون أكثر قوة و ثباتًا من الإيمان التقليدي؛ وبالنظر إلى معنى الآية الكريمة: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(1)يمكن ربط هذا التصنيف بأن الإيمان التقليدي هو نوع من "المستودع"، بينما الإيمان الكشفي هو "المستقر" الذي يتمتع بالثبات و الاستمرارية، حيث يكون هذا النوع متحدًا مع المؤمن.
و في نفس السياق، يروي العياشي رحمه الله في تفسيره عن محمد بن فضيل، عن ابی الحسن عليه السلام : ما كان من الإيمان المستقر فمستقر إلى يوم القيامة أو أبدا و ما كان مستودعا سلبه الله قبل الممات ما كان من الإيمان المستقر فمستقر إلى يوم القيامة أو أبدا و ما كان مستودعا سلبه الله قبل الممات(2)يعني: أن الإيمان المستقر يستمر حتى يوم القيامة، بينما الإيمان المستودع يبقى مع الشخص حتى موته.
أ. يعتقد مفكرو المعتزلة أن الإيمان هو نتاج التصديق العلمي والالتزام الفعلي، كما أن
الخوارج قد تبنوا هذه الفكرة أيضًا.
ب. و في بعض الأحيان، يتم اختصار هذه المسألة في المعرفة القلبية فقط، و بالتالي لا يكون للالتزام بها أي تأثير على نوعها؛ فعلى سبيل المثال، إذا كان إيمان شخص في قلبه لكنه جحد بلسانه و توفي دون توبة، فإنه يعتبر كامل الإيمان؛ هذا الرأي هو عقيدة بعض الأشخاص مثل جهم بن صفوان.
ت. و هناك جماعة أخرى ترى أن الإيمان يتمثل في نوعين من المعرفة القلبية و الإقرار اللساني، وفقًا لهم، يتحقق التصديق عندما يكون المؤمنون أولًا على معرفة، و ثانيًا يقرون بذلك؛ هذه الفكرة يتبناها مثل عبد الله بن سعيد، بينما نسبت بعض المصادر البغدادية هذا الرأي إلى أبي حنيفة أيضًا(1).
س. الكرامية فيعتقدون أن الإيمان لا يتعدى مجرد الإقرار باللسان، ولذلك يعتبرون المنافق مؤمنًا(2).
ج. مجموعة من المتكلمين و المفسرين من الإمامية، مثل المرحوم أبو الفتوح الرازي رحمه الله و الشيخ الصدوق رحمه الله قد تناولوا مسألة الإيمان استنادًا إلى الروايات التي وصلت من أهل البيت عليهم السلام ، و رأوا أن الإيمان يتكون من ثلاثة عناصر أساسية: المعرفة القلبية، و الإقرار اللساني، و الالتزام الفعلي بالجوارح.
و رغم ذلك، يرى بعض أصحابنا المتكلمين أن الالتزام الفعلي ليس جزءًا من جوهر الإيمان استنادًا إلى الآيات، حيث أن الصالحات فيالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ(3)قد عُطف على الإيمان، و شرط العطف، هو التباين بين المعطوف و المعطوفعليه.
في هذه الآية، يشير الله سبحانه و تعالى إلى إحاطته و قيادته اللانهائية على جميع المخلوقات في العالم؛ بمعنى أن كل ما يقع ضمن دائرة الإمكان هو تحت سيطرته وإرادته. ثم يستخدم في سياق الآية كلمة "جنود"، و هي مأخوذة من جذر "جند" الذي يعني الجيش أو القوة العسكرية؛ و في معجم"المفردات"، يذكر راغب أن "جند" تعني الجيش، بينما بعضهم فسرها بشكل عام بأنها الأسباب و العلل الموجودة في العالم.
و بناءً على هذه التعريفات، يجب أن نعلم أن المقصود من الجنود لا يقتصر فقط على الملائكة و المخلوقات المقربة، بل بحسب المعنى الدقيق، جميع العاملين في هذا العالم هم جنود الله؛ كما ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام : جَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُكُمْ عُیُونُهُ وَ خَلَوَاتُكُمْ عِیَانُه(1). و بالتالي، يعتبر الله سبحانه و تعالى كل الكائنات أو الأسباب في هذا العالم جنودًا للسماوات و الأرض، و إنه ليس المقصود بالسماوات و الأرض ما هو فقط الظاهر الذي يدخل في عالم الشهادة، بل لها ظاهر و باطن و غيب، و الله سبحانه و تعالى هو المهيمن على جميع هذه الجوانب.
من النقاط المهمة في هذا السياق القرآني أن ذكر الآية هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ جاء مباشرة بعد ذكر ملكية الله على "الجنود"، هذا التتابع يدل علىالعلاقة العميقة بين هذين المفهومين، و يؤكد أن السكينة الإلهية هي إحدى جنود الله، فهي تنزل في قلوب المؤمنين بإرادته.
قلب الإنسان الذي هو مقر السكينة و الطمأنينة الإلهية، و هو أيضًا جزء من جنود الله، فالله سبحانه و تعالى، الذي هو صاحب السلطان على جميع الجنود، يضع هذه النعمة الفريدة في قلوب أهل الإيمان، و بهذا يتحقق نزول السكينة.
1) . نهج البلاغة، الخطبة 199 .
و من الجدير بالذكر أنه يمكن اعتبار نزول السكينة في قلوب المؤمنين أثناء واقعة الحديبية نوعًا من الإمداد الإلهي، حيث أن الله سبحانه و تعالى قد أدخل جيشًا غير مرئي، و هو السكينة، في قلوب المؤمنين ليمنحهم نوعًا من النصرة، خاصة و أن هذه الآية مشابهة لآية أخرى، كما قال تعالى:ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّ-هُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(1)و في آيات أخرى، يُذكر أن الله سبحانه و تعالى قد جعل في قلوب جنود الكفر الرعب و الخوف؛ كما في حالة يهود بني النضير حيث قال: وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ(2)و يظهر هنا أن قلوب الكفار تحت سيطرة الله سبحانه وتعالى، حيث يدخل الله في قلوبهم الرعب، مما يعد "نصرة" للمؤمنين، لأن ذلك يُضعف معنويات الأعداء و يقوي المؤمنين.
لذلك، يمكن اعتبار نزول السكينة على المؤمنين أحد صور النصرة الإلهية، و هو سبب للعديد من الفتوحات و الانتصارات؛ و من ثم، فإن القلب، كجزء من جنود الله، يعمل كموطن للسكينة بالنسبة للمؤمنين، و كموطن للرعب بالنسبة للكافرين.
الجزء الأخير من الآية يشير إلى صفات الله الذاتية من العلم و الحكمة؛ بمعنى أن الله تعالى لديه علم كامل بكل تفاصيل العالم، و بالأخص بما يتعلق بأحداث قضية الحديبية وما نتج عنها من تبعات. و بعبارة أخرى، جميع الأفعال والتفاعلات التي حدثت في الحديبية، سواء كان ذلك الحدث نفسه أو نتائجه مثل نزول السكينة، تقوية الإيمان، نزول الجنود الإلهية على المؤمنين، و غي-رها من الحوادث، ق-د تحققت في ظل علم و
حكمة الله اللامتناهية.
و يمكن اعتبار هذا البيان الذي يُذكر عادة في نهاية الآيات القرآنية متناسبًا مع محتوى الآية السابقة؛ على سبيل المثال، في الآية الأولى من سورة الأحزاب يقول الوحي: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّ-هَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّ-هَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1)من الواضح أن توالي الجملة إِنَّ اللَّ-هَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا بعد الجملة يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّ-هَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ يشير إلى أن الله سبحانه و تعالى قد أراد التأكيد على مسألة التقوى و عدم اتباع الكافرين، و أن هذا الأمر صادر بناءً على "الحكمة و العلم الإلهي" و بالتالي، المعنى المقصود من الآية هو أن ذكر اسمي "العليم و الحكيم" بعد الأمر بعدم اتباع الكافرين يشير إلى تأكيد أن هذا الأمر ليس صادرًا عن مصادفة أو جهل، بل بناءً على حكمة و علم الله تعالى.
هذه القاعدة تنطبق أيضًا على تفسير الآية الرابعة من سورة الفتح، حيث أن عبارة إِنَّ اللَّ-هَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا في هذه الآية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالموضوع السابق و لا تنفصل عنه، لذلك، يمكن القول بوضوح في تفسير هذه الآية أن تحقق "الفتح" و نتائجه، سواء في الماضي أو المستقبل، لا يتحقق إلا في ظل علم و حكمة الله تعالى.
عبارة "كان" إذا فُحصت وفقًا للقواعد النحوية، تُعد فعلًا يعرب على أنه فعل منسوب إلى المبتدأ و الخبر، ويعتبرهما اسمًا و خبرًا له. لكن إذا تم تطبيق هذا الفهم، فإنه يبتعد عن جوهر الآية والمفهوم الصحيح لها، لأن ذلك سيتطلب القول أن الله سبحانه وتعالى كان عليمًا حكيمًا و لتجنب هذه المشكلة، ادعى بعض النحويين أن "كان" فعلٌ
1) . سورة الأحزاب، الآیة 1 .
ولكنها منفصلة عن الزمن و لا تعني "الماضي"، وفقًا لهذا الرأي، الذي يعتبر "كان" غير مرتبطة بالزمن، فإنها لن تكون فعلًا بعد الآن(1)، بل ستُعتبر حرفًا؛ كما ذهب آخرون إلى أنها لا فعلٌ و لا حرفٌ.
و مع ذلك، فإن بعض هذه الآراء تخرج لفظ "كان" عن مكانتها الأصلية، في النهاية من بين هذه الآراء، يعتبر الرأي الذي يرى أنها حرفًا هو الأكثر مصداقية.
يجب أن نعلم أن الحديث عن انفصال "كان" عن الزمن قد يكون في سياق تعميمها على جميع الأزمنة، كما ذكر بعض المفسرين في تفسيرهم لجملة كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ(2)حيث اعتبروا لفظ كُنْتُم مفصولًا عن الزمن.
الاسم "علیم" من أسماء الله تعالى، و هو صفة مشبهة تدل على من هو عالم بخفايا الأمور، و أسرار المعلومات، وتفاصيلها قبل أن تحدث أو توجد؛ كما ورد في القرآنالكريموَ لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ(3)و هو مشتق من الجذر "عَلِمَ"، في صيغة ثلاثية مجردة، بمعنى الدائم العلم الذي يدرك الأمور بصورة متكررة و دائمة.
و قد ورد اسم "علیم" في القرآن الكريم مائة و ثلاثًا و خمسين مرة، ليس فقط كصفة لله تعالى، بل أيضًا لغيره، كما في قول فرعون عن معجزة موسى: عليه السلام إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ(4)، أو في قول يوسف عليه السلام في خطابه مع ملك مصر:قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ
الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ(1)و عندما يذكر اسم "علیم" لله تعالى، فإنه غالبًا ما يأتي مقرونًا مع أسماء أخرى مثل: "سميع"، "حكيم"، "خبير"، "واسع"، كما في قوله تعالى وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(2)و هذه التركيبة تدل على خصائص متعددة، حيث تبرز عظمة العلم الإلهي و علاقته بصفات أخرى من الحكمة و السمع. بعض العلماء في كتبهم فسّروا اسم "علیم" باعتباره من يُدرك ما لا تدركه الحواس الظاهرة و الباطنة أي العقل و الحواس، من الأمور التي يعجز المخلوقون عن معرفتها. و قد قسم علم إلى أقسام، مثل: الأول؛ علم هو عين ذات العالم. الثاني؛ علم يُعطى كنعمة من الله. الثالث؛ علم مكتسب يتعلمه الإنسان(3).
من جهة أخرى، يرى بعض أهل العلم مثل أبي سليمان الخطابي أن "علیم" يشير إلى من يعلم الأسرار والخفايا التي لا يستطيع الخلق إدراكها، ويعتبره فعل مبالغة في العلم(4).عند استعمال اسم "علیم" في القرآن، فإنه غالبًا ما يأتي مقرونًا مع أسماء أخرى مثل "حكيم"، "سميع"، "واسع"، وأيضًا مع أسماء مثل "عزيز"، "خبير"، وأحيانًا مع "قدير"، "حليم". كما ورد في العديد من المواضع التي تشير إلى "الخلق"، "الشكر"، "الفتح"، ومجالات مختلفة مثل "ذات الصدور"، "الظالمين"، "المتقين" و"فوق ذي علم".
الاسم الأخير لله تعالى في الآية الكريمة هو "حكيم"، و هو مشتق من الجذر "حكم"، و يأتي كصفة مشبهة من باب الثلاثي المجرد (حَكَمَ - يَحْكُمُ - حُكْمًا) في المعنى
اللغوي، "الحكم" يعني المنع و الاحتجاز من أجل الإصلاح، و في "المفردات(1)" لراغب، يعتبر الحكمة الإلهية معرفة الأشياء بدقة و خلقها بطريقة محكمة، بناءً على أفضل تدبير، بينما فُسِّرَت حكمة الإنسان بأنها معرفة المخلوقات والقيام بالأعمال الصالحة. من منظور آخر، الحكمة هي الحالة والخصيصة التي تمكن الشخص من إدراك الحق و تمييزه، فتمنعه من الفساد، مثل الحكمة العلمية و العملية التي وهبها الله تعالى للقمان الحكيم، كما في قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ(2)هنا، حكمة لقمان هي مجموعة من المعرفة والأخلاق الصحيحة، والاستفادة من التقوى، التي منّ الله تعالى بها عليه. كما ورد عن النبي صلي الله عليه و آله قوله: حَقّاً أَقُولُ لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيّاً وَ لَكِنَّهُ كَانَ عَبْداً كَثِيرَ اَلتَّفَكُّرِ حَسَنَ اَلْيَقِينِ أَحَبَّ اَللَّهَ فَأَحَبَّهُ وَ مَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ.(البحار، ج13،ص 424.)
بجانب هذه التعريفات، وُجدت تعريفات أخرى لهذا الاسم، مثل أن الحكيم هو من يبتعد عن الأفعال العبثية و القبيحة، وتكون أفعاله مطابقة للأهداف وبصحة. فالحكمة في هذا القول هي حالة أو خصيصة يدرك من خلالها الشخص الحق والواقع، ويقوم بما هو صواب ويتجنب الجهل؛ و من هذا المنطلق، في كتاب"الأسماء و الصفات" لبيهقي، نُقل عن الحليمي أن الحكيم هو من لا يقول أو يفعل إلا بالصواب؛ فالموجود الحكيم يستحق أن يوصف بهذا الوصف؛ لأن أفعاله ثابتة و قوية، و صنعه محكم.
و قد ذكر بعض أهل الحكمة في كتبهم أن الحكيم هو من يضع كل شيء في مكانه المناسب(3). ولهذا السبب، في الأحكام يمكن أن تحدث النسخ والتغيير، ويتم استبدال الأحكام الجديدة بالأحكام القديمة، لأن الله سبحانه و تعالى عالم بالأزمان و الأمكنة.
الحكمة بناءً على أنها إحدى مراتب العقل النظري، هي العنصر المانع من الجهل، كما أن العقل يعمل وفق مراتب بهذا الشكل.
هذا القول مبني على القضية المشهورة في اللغة العربية التي تقول: على جمل غير المروض يُوضع العقال، إذ يعتبر العقل بهذا المعنى كالعقال الذي يربط النفس، و بناءً على التعابير الروائية، هو أخص الدواب؛ و بالتالي، هو مانع للجهل عند الإنسان؛ من هنا، يقول سيد المرسلين صلي الله عليه و آله "إن العقل عقال من الجهل(1).
وفقًا للتقسيم المشهور بين أهل العلم، تُقسم الحكمة إلى قسمين: حكمة نظرية و حكمة عملية.
الحكمة النظرية هي فرع من العلوم التي لا يكون لإرادة و اختيار البشر دور فيها، و تشمل أمورًا مثل وجود ذات الله تعالى، التوحيد، و المعاد بناءً على هذا الأساس. أما الحكمة العملية فهي عكس ذلك؛ فهي مستندة إلى اختيار الإنسان وإرادته في تدبير أموره، مثل تدبير المنزل و المُدن..).
يعتقد أهل النظر(2)أن تعلق العقل النظري بالإدراك، وأن أمورًا مثل الإحساس، الخيال، التوهم، و التعقل هي مختلف جوانب هذا العقل؛ وما يتصل بالتعقل قد يكون أحيانًا حكمة نظرية و أحيانًا حكمة عملية، و هذه الحكمة هي جزء من الإدراكات التي تنتمي إلى العقل النظري.
بناءً على ما ذُكر، من الواضح أن الحكمة و العقل ليسا من نفس النوع تمامًا، إذ كما قال امیر المومنین الإمام علي عليه السلام : بالعقل استُخرج غور الحكم، و بالحكمة
استُخرج غور العقل(1). التمييز بينهما يُطرح على أن الحكمة النظرية والعملية هما فرعان من المعارف الإلهية، والعقل النظري والعملي هما قوتان من القوى الإدراكية للإنسان.
من المهم أن نذكر أن المقصود من قوتين هو وجود قابلتين ضمن قوة ثابتة، تتجلى أحيانًا في العقل النظري و أحيانًا في العقل العملي؛ لذلك، التمييز بينهما و فعاليتهما يعتمد على مدركاتهما، و ليس على أنهما قوتان منفصلتان، على الرغم من ارتباطهما ببعضهما البعض.
في ثقافة الأدعية الإسلامية و آيات القرآن الكريم، يظهر أن أصحاب العقل الكامل هم فقط الأئمة الطاهرين عليهم السلام ؛ كما ورد في زيارة "الجامعة الكبيرة": وَذُوالنُّهَى وَ أُوَلِي الحُجَّى(2)، هذا يشير إلى لفظ "نُهى"، الذي هو جمع "نُهية" و يعني العنصر المانع من ارتكاب المعصية و الفاحشة.
يجب أن نعلم أنه رغم العلاقة المسبقة بين العقل النظري و العقل العملي، فإن العقل العملي يتعلق بأهل المراقبة، بينما العقل النظري يشمل جميع البشر؛ ولذلك، جميع المباحين الذين يعدون من العلماء غير العاملين ينتمون إلى أصحاب العقل النظري، ولكن تعلقهم بالفهم النظري لم يجعلهم حكماء بالفعل(3). لذلك، أصدر أمير المؤمنين علي عليه السلام إذنًا للمشتاقين في تحصيل الحكمة النظرية منهم، فقال عليه السلام : خذ الحكمة أينما كانت، فإن الحكمة تكون في صدر المنافق فتتردد في صدره حتى تخرج، ثم تسكن
1) . الکافي، ج1، ص 28 .
2) . الزیارة الجامعة الکبیرة.
3) . شاهد هذا الادعاء هو البيان للإمام الصادق (عليه السلام) عن ذكاء معاوية؛ بناءً على الرواية التي وردت في الكافي، سُئل الإمام (عليه السلام) عن ماهية العقل؟ فأجاب: "مَا عُبِدَ الرَّحْمَنُ وَ اكْتَسِبَ بِهِ الْجِنانُ" (أصول الكافي، ج 1، ص 25). فسُئل: فَالَّذِي كَانَ فِي مُعَاوِيَةَ؟ فقال (عليه السلام): تِلْكَ النَّكْرَاءُ، تِلْكَ الشَّيْطَنَةُ، وَ هِيَ شَبِيهَةٌ بِالْعَقْلِ وَ لَيْسَتْ بِالْعَقْلِ.
إلى صوابها في صدر المؤمن(1)الحكمة ضالة المؤمن، فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك(2).
فهم الحكمة النظرية هو سبب و وسيلة للوصول إلى العقل العملي، الذي منحه الله تعالى، و يعتمد على سبب مثل الإخلاص؛ كما قال النبي صلي الله عليه و آله : من أخلص لله أربعين يومًا، فجَّر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه(3).
النقطة الأخيرة هي أن ما يقابل الجهل هو العقل، و ليس العلم، لأن اجتماع العلم و الجهل في حالة فعلية ممكن، ولكن اجتماع العقل و الجهل غير ممكن.
لِیُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَناتُ تَجرِی مِن تَحتِهَا الاَنهارُ خَالِدِينَ فِیهَا وَ یُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَ کَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا 5
التفسیر
في هذه الآية، وعد الله سبحانه و تعالى في نهايتها بذكر سلسلة من النعم الخمس التي أنعم بها على نبيه صلي الله عليه و آله و على هذا النحو، بشر الله عز وجل المؤمنين من الرجال و النساء في تلك الواقعة بدخول الجنة. و بناءً على البيان الذي تم ذكره، يمكن اعتبار هذا الوعد ثمرة من ثمرات صلح الحديبية؛ كما يدل عليه ظاهر السياق.
أما في مقام البحث عن السبب الذي دفع الله سبحانه و تعالى لذكر هذا الوعد، فلا يتبادر إلى الذهن سوى سببين: إما بسبب الفتح المبين، أو بسبب زيادة إيمان المؤمنين في نزول السكينة؛ و في هذا السياق، فإن الرأي الثاني يعد أَدَقَّ من الأول، و يظهر أنه مرتبط بالأول من حيث التفسير الزمني.
و قد اعتبر العلامة الطبرسي رحمه الله في "مجمع البيان" أن صلح الحديبية (الفتح المبين) هو السبب لدخول المؤمنين إلى الجنة، مشبهًا ذلك بما ورد في الآية: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ... و بالتالي، يدخل المؤمنون الجنة بسبب الفتح المبين؛ و من جهة أخرى، إذا نظرنا إلى الآية:هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ يتضح أنه بعد نزول السكينة، تزايد إيمان المؤمنين، و من هنا، فإن الطريق الرئيس للوصول إلى الجنة هو وجود الإيمان في المؤمن؛ و لذلك، ليس بعيدًا أن نقول إن "لام" الموجودة في الآية لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ... مرتبطة بالآية الرابعة التي تتحدث عن زيادة الإيمان، كما هوظاهر في قول الله عز و جل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَ-ٰلِدُونَ(1)وبالتالي، من الممكن أن تكون العبارة في الآية عطفًا على لِيَزْدَادُوا.
و في تعليقات المفسرين على هذا التعليل، يرى بعضهم(2)أن "لام" في الآية هي متعلقة بما حذف من الكلام، بحيث كانت في الأصل: أَمَرْتُم بِالْجِهَادِ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
و يرى آخرون(3)أن متعلقها هو بيان الله تعالى عن سلطته على جنود العالم في الآية: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ و يعبرون عن ذلك بأن دخول المؤمنين إلى الجنة هو بسبب تدبير الله للأمور و إحكامه في حكمه، سواء في الجزاء أو العذاب.
أما بالنسبة لبيان معنى الجملة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فلا تعني أن الأنهار تجري تحت الجنة، بل المقصود بذلك هو الجنة التي توجد تحت أشجارها أنهار و جداول مياه، حيث سُميت الجنة "جنة" لأن الأشجار التي فيها تغطيها.
و فيما يتعلق بالآية:وَ يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ، فإن المقصود بها المؤمنين الذين لم يخلّفوا العهد في حادثة الحديبية و ثبتوا على عهدهم، و لذلك، فإنها مشابهة للآيةلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ... مع الفارق أن هذه الآية تتحدث عن تطهير سيئات المؤمنين، بينما تتحدث الآية الأولى عن مغفرة ذنوب النبي صلي الله عليه و آله وفي هذا الصدد، نجد في الرواية التاريخية أن حين بشر رسول صلي الله عليه و آله بالفتح المبين و ذُكرتالنعم عليه، عرض البعض عليه: هنيا مريئا يا رسول الله قد بين الله لك ما ذا يفعل بك فما ذا يفعل بنا فنزلت عليه...(1).
أما في نهاية الآية، يذكر الله عز وجل أن هذه النعم التي أُعطيت للمؤمنين هي فُوزٌ عَظِيمٌ عند الله، مما يشير إلى أن هذه النعم هي في الواقع فوزٌ و رِبحٌ عظيم يعكس مكانتها العالية في نظر الله سبحانه و تعالى.
إنّ حركة الحديبية لم تكن مقتصرة على مشاركة الرجال المؤمنين و عزمهم فحسب، بل شاركت فيها مجموعة من النساء المؤمنات اللواتي ساعدن النبي صلي الله عليه و آله في تلك الواقعة. كما تم الإشارة إليه سابقًا، كانت أم سلمة - زوجة النبي- من بين هؤلاء النساء، وكذلك العديد من النساء الأخريات مثل أم عمارة، أم منيع، أم عامر الأشهلي، اللواتي كان لهن دورٌ مهم في هذا الحدث التاريخي.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن اعتبار النساء من المهاجرات والأنصاريات في المدينة اللاتي كن يشاركن في الأنشطة المعيشية خلال غياب أزواجهن، من المؤثرات غير المباشرات
1) . روض الجنان و روح الجنان في تفسير القرآن، ج17، ص327.
في وقوع صلح الحديبية؛ لذا، فإن البيان الافتتاحي للآية يعكس عدة أمور مهمة، أولها هو تسليط الضوء على مكانة المرأة في عصر النبوة، و ثانيها هو تأكيد اهتمام النبي صلي الله عليه و آله بمشاركة النساء في الحياة الاجتماعية و السياسية لتلك الفترة؛ لأن كما تبين، فإن توجه المسلمين إلى مكة في ذلك الوقت لم يكن في إطار رحلةسياحية أو دينية فحسب، بل كان الجميع يدركون تمامًا أن هذه المسألة ستكون حربًا حتمية كما أشار الوحي الإلهي. و بالتالي، كان رسول الله صلي الله عليه و آله قد دمج النساء في بيئة سياسية و عسكرية.
إن هذه التصريحات تؤكد أن رسول الله صلي الله عليه و آله لم يكن فقط موافقًا على دخول النساء في النسيج السياسي والاجتماعي للمجتمع مع مراعاة حقوقهن و شؤونهن، بل كان يعتبر ذلك أمرًا يحظى بمكافأة إلهية؛ و على هذا النحو، قال الله تعالى بصراحة إن تلك المجموعة من النساء، مثل الرجال المجاهدين، سيكونون من أهل الجنةلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَار.
كما نجد في مواقف أخرى، أن هناك العديد من الأمثلة على كيفية اندماج النساء في الشؤون العامة، و من أبرز تلك الأمثلة الواقعية هي "بيعة النساء"، التي تظهر بوضوح دور النساء في المشاركة الفاعلة في الأحداث السياسية والاجتماعية في عهد النبوة.
في هذه الآية الكريمة، يشير الوحي الإلهي إلى المؤمنين والمؤمنات، وبذلك يعرض الله عز و جل الجنسين في مقام واحد أمامه من حيث الإيمان. هذا التعبير القرآني يوضح بجلاء أن الإسلام، كدين كامل، لا يفرق بين الرجال و النساء في القرب من الله، و إنما يتحدد تقدير الإنسان و قربه من الله حسب تقواه؛ كما قال الله تعالى:إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(1)أي أن الكرامة الإنسانية ليست مرتبطة بالجنس، بل بمقدار التقوى التي يتحلى بها الإنسان؛ و بالتالي، فإن أكثر الناس كرامة عند الله هم المتقون. هذا المبدأ القرآني ليس فقط موجودًا في أصول العقيدة الإسلامية، بل تم توضيحه في العديد من الآيات والأحاديث الشريفة، حيث تم تقديم بعض النساء كأمثلة وقدوات لجميع المؤمنين؛ من أبرز تلك الأمثلة، هي زوجة فرعون، التي ذكرها الله تعالى كقدوة في الإيمان والصبر، حيث قال:وَضَرَبَ اللَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ(2)كما يتجلى ذروة هذا المبدأ في كلمات الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف الذي جعل من شخصية السيدة فاطمة الزهراءh المثال و النموذج الكامل، قائلاً: فِى ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ لِي أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(3).
هذه الأقوال توضح بجلاء أهمية ومكانة المرأة في المجتمع الإسلامي والتفكير الإسلامي الأصيل؛ و من خلال النظر في هذه الموضوعات، يتبين أن الإسلام بنظرته المتقدمة والمتوازنة إلى المرأة، قد مهد الطريق لإطلاق إمكانياتها الكامنة، وهو ما لا يتوقف عند نمو الفرد ومقامه فحسب، بل يتجاوز ذلك ليؤثر بشكل كبير في تقدم المجتمع ورقيه.
اللفظ "ذنب" (على وزن فَعَل) يُشير إلى المعصية، في حين أن "ذَنَب" (على وزن فَعَل) يعبر عن ذيل الحيوان، و هو الجزء الذي يتبع جسده؛ وفقًا لهذا التفسير، يرى بعض اللغويين مثل راغب الأصفهاني و غيرهم، أن المقصود من "ذَنب" هو النتيجة غير الصحيحة والمذمومة لفعلٍ ما، التي تظل تلاحقه وتنتشر حوله. وقد تم استخدام هذا
المصطلح للإشارة إلى التأخر والخسارة، كما يُسمى مجرى الماء الناتج عن السيول ب- "مَذَانِبُ التَّلاع".
بناءً على هذه التعريفات، يمكن اعتبار "ذنب" تجسيدًا للأعمال في الدنيا أو في الآخرة، مما يؤدي إلى عذاب الشخص الذي ارتكب الفعل، ويكون تابِعًا له كما يتبع ذيل الحيوان جسده.
أما "سيئة"، فهي مأخوذة من "سوء"، و تُستخدم غالبًا في وصف الأفعال المذمومة، حيث أن كلمة "السّيِّئ" تُستخدم عادةً للأفعال المذكرة، بينما "سيئة" خاصة بالأفعال المؤنثة؛ و قد اعتبر بعض اللغويين أن "السيئة" تمثل الحقيقة الشاملة لجميع أنواع الآفات، لذلك، يُمكن القول أن "سيئة" هي نتائج الذنب التي تصيب الشخص المرتكب للفعل، و تشمل ليس فقط الذنوب بل قد تشمل أيضًا أمورًا غير مذمومة مثل البخل و الطمع.
من جانب آخر، يُلاحظ أن القرآن الكريم قد استخدم لفظ "غفران" في إشارة إلى مغفرة الذنب، بينما استخدم لفظ "تكفير" بالنسبة للسيئات؛ كما ورد في الآية الكريمة: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ(1)و في بعض الأحيان، ذُكر نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِم(2)و يبدو أن "غفران" يرتبط بالتوبة عن الذنب، بينما "سيئة" تُكفَّر بعد التوبة عن الذنب؛ كما ذكر البعض أن "الذنوب" تشير إلى الكبائر، في حين أن "السيئات" تتعلق بالصغائر، أو أن الذنب يتصل بالأفعال الجوارحية (الجسدية)، بينما السيئة تتعلق بالأفعال النفسية (الجوانحية).
وفقًا لرأي صاحب التسنيم $$$$$ و بالاستناد إلى الفرق بين التكفير و المغفرة، فإن المقصود ب-وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِم هو تمهيد الطريق للمغفرة الإلهية وليس المغفرة بذاتها.
وَ یُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا 6
التفسیر
في هذه الآية الشريفة، يتم تناول موضوع مختلف عن الموضوعات السابقة، حيث أن الآيات السابقة كانت تتحدث جميعها عن البشارة و بيان النتيجة العظيمة لصلح الحديبية للمؤمنين و النبي صلي الله عليه و آله لكن في الآية السادسة، يتطرق الله تعالى إلى مصير المنافقين و المشركين الذين شكوا في وعد الله تعالى، و يبين عاقبتهم في الآخرة.
هنا، يتحدث الوحي الإلهي بوضوح عن جزاء الله، و يهدد المنافقين و المشركين الذين جحدوا الحق و رفضوا وعد الله بكلمات صريحة تدل على العقاب الإلهي.
هذا الانتقال من البشارة إلى الإنذار، يظهر أن سنن الله عز وجل تقوم على عدالته المطلقة في تفريق مصير المؤمنين الصادقين عن المنافقين و المشركين، مما يكشف حكمة الله في تدبير شؤون الكون و مكافأة الصادقين و معاقبة المكذبين.
أما عن الوعد الذي شك فيه هؤلاء، فهو الرؤيا الصادقة التي ذكرها القرآن الكريم: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْوَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ(1)و هي الرؤيا التي أراها الله سبحانه و تعالى لرسوله صلي الله عليه و آله التي تؤكد دخول المسلمين إلى مكة في أمن و سلام، و أنهم لن يخافوا أحدًا في تلك اللحظات.
كما أشرنا سابقًا، كان للنساء المؤمنات دور كبير في هذه الواقعة، كما كان للرجال المؤمنين، ولكن النساء اللاتي تعاونَّ مع المشركين و المنافقين في هذه الواقعة، و كن معارضات لرسول الله صلي الله عليه و آله فإن مصيرهن سيكون الجحيم، بينما ستكون النساء المؤمنات اللواتي شاركن في هذه الواقعة مع النبي صلي الله عليه و آله في الجنة.
و قد جاء ذكر مصير المنافقين في القرآن الكريم: سَاءَت مَصْيَرًا، أي أن عاقبتهم ستكون سيئة للغاية.
أما فيما يتعلق بتفسير مفصل، فإن المقصود ب-"المنافقين" في الآية هم أولئك الذين كانوا في المدينة أو في القبائل المجاورة لها أو في الحديبية، الذين أظهروا نفاقهم أثناء المسير إلى مكة أو أثناء عقد المعاهدة مع قريش، حيث تراجعوا عن دعم النبي صلي الله عليه و آله .
أما "المشركين والمشركات" في هذه الآية، فيشمل أولئك الذين منعوا دخول الرسول صلي الله عليه و آله إلى مكة، فالله سبحانه و تعالى لعن هؤلاء المنافقين الداخليين و المشركين الخارجيين.
و من الجدير بالذكر أن المقصود بالمنافقين في هذه الآية هم أولئك الذين تخلفوا عن دعم النبي صلي الله عليه و آله في هذه المحطة الهامة، حيث كانوا يعتقدون أن رسول الله صلي الله عليه و آله و أصحابه سيتعرضون للقتل، أو أولئك الذين بدأوا في التعاونثم انقلبوا في منتصف الطريق، او الّذین أظهروا نفاقهم بعد رؤية تدابيره صلي الله عليه و آله في الحديبية.
1) . سورة الفتح، الآیة 18.
و عند النظر إلى الآية، يبدو أن المقصود بالمنافقين في هذه الآية هو أولئك الذين كانوا في المدينة أو في المناطق المجاورة لها، الذين تخلوا عن دعم النبي صلي الله عليه و آله في لحظات حاسمة؛ و لذلك، تتحدث الآية في المقام الأول عن هؤلاء المتخلفين عن المشاركة في الحديبية. و في تفسير هذه الآية، اختلف بعض المفسرين، حيث قال علي بن إبراهيم رحمه الله أن المنافقين هم الذين اعترضوا على النبي في أثناء توقيع معاهدة الحديبية، وأظهروا نفاقهم في ذلك الوقت(1). و في المقابل، يرى الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابه "التبيان" أن المقصود بالمنافقين في هذه الآية هم أولئك المتخلفين في المدينة و ليس من أظهروا نفاقهم في الحديبية؛ و بناءً على رأي الشيخ، فإن المنافقين هم الأعراب الذين لم يكن لديهم من التطور الحضاري ما يساعدهم على الالتزام بالعهد، و كانوا يعتقدون أن الأمور ستنتهي بالفشل، و لذلك تخلفوا عن دعم الرسول صلي الله عليه و آله اللحظات المهمة.
المنافق هو اسم فاعل مشتق من "نفق" في اللغة العربية، و هذه المادة في هيكلها اللغوي تعني شيء أو شخص يخرج من شيء آخر؛ على نفس المعنى، "الإنفاق" هو إخراج المال من ملكية شخص و إيصاله إلى آخر. وبالتالي، يُطلق على المنافق هذا الاسم لأن ظاهر أمره أنه مؤمن بالإسلام، لکن في باطنه خارج منه، فهو إيمانه إيمانا لسانيافقط، كما قال القرآن الكريم:يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ(2)و في نفس السورة، قال الله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ لذلك، دينهم ليس دينًا ثابتًا، بل
متغير وفقًا للظروف؛ وعليه، فإن مواقفهم تتغير بسبب هذه التحولات، كما حدث عندما لم يرافقوا رسول الله صلي الله عليه و آله في حلم الفتح المبين لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ(1)و اعتقدوا أنهم لن ينالوا النصر من عند الله، و أيضا في سياق هذه الأوهام، كانوا يظنون أن النبي صلي الله عليه و آله و المؤمنين سيقتلون، كما قال تعالى: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السُّوءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا(2)، لهذا السبب، كانت هذه المجموعة تحاول الابتعاد عن ساحة المعركة و الهروب منها، لكن بعد أن رأوا أن المعركة قد انتهت و جاء دور توزيع غنائم حرب خيبر، تذكروا الاستغفار و ذهبوا إلى النبي صلي الله عليه و آله بحجة الاستغفار، لكي يكون لهم نصيب من الغنائم؛ لذا، كانت كلماتهم فَاسْتَغْفِرْ لَنَا(3)تظهر فقط في الأوقات التي فيها مصلحة شخصية.
هنا، يكشف الله تعالى عن حقيقتهم و ماهية أعمالهم قائلاً لرسوله صلي الله عليه و آله يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ(4)و بناءً على ذلك، فإن التصرف العام للمنافقين في هذه السورة يتمثل في تجنب القتال في الأوقات الصعبة و الاقتراب من الشريعة في الأوقات الآمنة من أجل مصلحتهم الشخصية؛ و هذا ما قاله الإمام الحسينعليه السلام عنهم عندما قال: الدِين لَعِقَ عَلَىٰ أَلْسِنَتِهِمْ(5). وبالتالي، فهم في بعض الأحيان يظهرون التدين عندما يكون ذلك في مصلحتهم، وفي أوقات أخرى يتجنبون الدين.
بحثُنا السابقُ عن تصرفات المنافقين كان قد أشار إلى موضعٍ يقتصر فيه أدائهم على حادثة الحديبية فقط، لكن في هذا الفصل الجديد، و من خلال الدراسة الشاملة، يمكننا العثور على العديد من صفاتهم في القرآن الكريم و أحاديث المعصومين، التي تتجسد في سورة المنافقون. وفقًا للأخبار المتوفرة، فإن من هو أهل للنفاق لا يمتلك إيمانًا قلبياً بالله تعالى و رسله، و بالتالي فإن إيمانه يكون من نوع مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ لذا يُتوقع من هؤلاء أن يتجاوزوا الحدود في ارتكاب الكبائر دون أن يلتزموا بأي قواعد، و يظهرون تصرفات متقلبة بناءً على مصالحهم الشخصية؛ ولأجل ذلك، قد جعل الله تعالى لهم أدنى درجات جهنم، كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(1).
من أبرز خصائصهم هو انغماسهم في الكذب، وهو أمر يشهد الله تعالى عليه، كما قال:وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ(2).
كما يمكننا ملاحظة دورهم الاجتماعي في إلحاق الضرر بالدين؛ حيث يسعون إلى إبعاد الشريعة عن الناس من خلال تصرفاتهم المنافقة، كما نرى في كثيرمن الأحيان أنهم كانوا يغادرون المسجد أثناء خطب النبي الأکرم صلي الله عليه و آله ليظهروا للناس أن الدين لا يوجد له أنصار أو مدد، و في هذا السياق، قال الله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا(3).
كما وصف القرآن هؤلاء الأشخاص بأنهم أناس لا يمتلكون مرونة أمام الحق،
و يعيشون حياتهم دون أن يستخدموا العقل أو الإيمان أو المعرفة، كما قال تعالى: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ(1).
من ناحية أخرى، من الواضح أن النفاق في المجتمع الإسلامي ظهر منذ بداية تأسيس الحكومة النبوية في المدينة؛ و قد تحول هذا الفرقة إلى مؤسسة قوية نسبيًا على مر الزمن، حيث كانت تلعب دورًا كبيرًا في العديد من المؤامرات الهادفة إلى إيذاء الإسلام، و من أمثلة ذلك تحركاتهم للتجسس على حصون اليهود.
أما من منظور أوسع، فإن الحضارة الإنسانية هي مجموعة من الموضوعات الأخلاقية و العلمية و المدنية التي تظل ثابتة في قالبها العام عبر الزمن، بينما تتجدد في جوانبها مع تطور العلوم والابتكارات؛ و عليه، فإن العنصر الاجتماعي للنفاق و وجود المنافقينفي المجتمع يعتبر موضوعًا ضارًا في كل مرحلة من مراحل الزمن؛ و لهذا السبب، يتم طردهم من تلك المجتمعات، كما يشير القرآن الكريم إلى إحدى أبرز أعمالهم في المجتمع الإشاعات و التجسس على الناس، كما قال: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا(4). و ذكر أمير
المؤمنين علي عليه السلام عنهم و َأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ، و َالزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ(1)، أي أنهم لا يسيرون على الطريق الصحيح فحسب، بل يسحبون المجتمع معهم إلى الضلال.
و في موضع آخر، وصفهم أنهم يبكون بطريقة مصطنعة لإظهار الحزن و كسب قلوب الناس، كما قال: لِکُلِّ شَجْو دُمُوعٌ(2).
العبارة ظَانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السُّوءِ التي تأتي في نهاية الحديث عن فئتين من المنافقين و المشركين من الرجال و النساء، حسب القواعد النحوية، تأتي كصفة لهم.
إذا كانت هذه الصفة تخص منافقي أهل المدينة، فإن معناها يكون كما يلي: كانوا يعتقدون أنه لن يكون هناك نصر أو فوز في هذه الرحلة التاريخية، و أن رسول الله صلي الله عليه و آله و المُؤمنين لن يروا أهلهم أبداً.
أما في الحالة الثانية، إذا كانت هذه الصفة تخص المشركين، فإن القاعدة نفسها تنطبق، بمعنى آخر، كانوا يعتقدون أن هذا الحدث سيؤدي إلى هزيمة الدين الإسلامي و نهاية الهيكل السياسي و الديني للمسلمين.
ومع ذلك، بما أن الفاعلية ظَنَّ السُّوءِ تتعلق بكلتا الفئتين، أي المنافقين والمشركين، فإن التعريفين السابقين يتم جمعهما معًا و يُطلقان على كل من المنافقين والمشركين. وبالتالي، يتضح أن العديد من المفسرين قد اعتمدوا هذا التعريف الصحيح والواضح. لذا، المقصود ب- ظَنَّ السُّوءِ هو ذلك التفكير و الظن الذي كان لدى أهل النفاق،
والذي كان يعني أنهم كانوا يعتقدون أن المسلمين في هذه الرحلة لن يحققوا النجاح. و يظهر هذا التفسير في كتب مثل منهج الصادقين للمرحوم الكاشاني و المیزان للعلامة الطباطبائي؛ بالطبع، بخلاف هذه الآراء، هناك بعض المفسرين الذين قدّموا تفسيرات مختلفة، و أحد أوسع التفسيرات يمكن العثور عليه في أعمال أبو الحسن الماوردي في النكت والعيون و قد ذكر أربعة أوجه لهذه العبارة(1):
الوجه الأول:ظنهم أن لله شريكًا.
الوجه الثاني:ظنهم أنه لن يبعث الله أحدًا.
الوجه الثالث:ظنهم أن الله سيجعلهم مكان رسوله.
الوجه الرابع:ظنهم أن الله سينصرهم على رسوله.
كما يتبين، فإن عبارة ظَنَّ السُّوءِ تعني الظن المتخلفین بالله و رسوله، الآن، يطرح السؤال: الظن السيئ كان يتعلق بأي شيء؟ في الحالة الأولى، كان هذا الظن من المخالفين في المدينة يتعلق برؤية النبي صلي الله عليه و آله و في الحالة الثانية كان الظنالسيئ يتعلق بالحكم الإلهي، إذا نظرنا إلى عمق الموضوع، نجد أنه لا يوجد فارق كبير بين هذه الآراء؛ و مع ذلك، يبدو أن الظن السيئ الذي كان لدى هؤلاء المنافقين يتعلق في المقام الأول بوعد الله، لأنه لو كان التوحيد في قلوبهم، لكانوا قد أدركوا ضرورة الطاعة لله؛ ولكن بما أنهم شكوا في الواقعة التي هي وعد الله، و لم يكونوا على يقين بأن وعده حق، فإنهم ارتكبوا النفاق و لم ينصروا النبي صلي الله عليه و آله .
بعد كلام الوحي عن ظن السوء للمشركين و المتخلفين، بيّن الله تعالى أول عقوبتهم،
1) . النکت و العیون، ج5، ص313 .
و هي عبارة عن دَائِرَةَ السُّوءِ، هذه اللفظة هي مبتدأ مؤخر، و المضاف إليه هو السُّوءِ؛ أما العبارة عَلَيْهِمْ فهي تتعلق بمحذوف.
دَائِرَةُ السُّوءِ تعني حلقة أو مجموعة من الأحداث التي تحدث على شيء ما، و قد أكد لفظ السُّوءِ تحديد و تأكيد نطاق و خصائص هذه الحادثة. العلامة الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان(1)ذكر أن الدائرة هي الرجعة التي قد تكون على خير أو شر؛ و على هذا الأساس، ورد عن حميد بن ثور في هذا المعنى:
وَدَائِرَاتُ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَ(2)
إنَّ لفظ "الظن" في المعنى اللغوي قد يُستخدم بمعنى الشك و أحيانًا بمعنى اليقين؛ كما ذكر الفراهيدي في كتابه "العين": و الظن يكون بمعنى الشك و بمعنى اليقين(3)، و أشار إلى الآية الكريمة الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ(4)أي: يعلمون أنهم سيلاقون ربهم.
و قد تناول القرآن الكريم مسألة "الظن" في مواضع متعددة، حيث طرح هذا المفهوم سواء للمؤمنين أو لغير المؤمنين.
و قد حدد الله سبحانه و تعالى للمؤمنين حدودًا ليعلموا أين يكون الظن مستحسنًا وأين يكون مذمومًا من وجهة نظر إلهية؛ و قد نصَّت الوحي على أن الظن بشكل عام يمكن أن يؤدي إلى الإثم والخطأ، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ
الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ(1). لقد بيَّن الله تعالى أحد المواضع التي يُستحسن فيها الظن، و هي عندما يُتهم شخص مؤمن في مكان ما، فيجب على المؤمنين أن يتعاملوا مع هذا الاتهام بحسن الظن؛ وهذه الحالة توضح مدى أهمية حسن الظن في العلاقات الاجتماعية و تجنب الأحكام الجائرة. و في هذا السياق، قال تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا(2)في المقابل لهذا النوع من الظن، هناك نوع آخر ذکر الله سبحانه و تعالى و بيَّن أنه سبب للعذاب، كما قال تعالى بعد ذكره لهذا النوع وَيُعَذِّبَ.
إذا نظرنا إلى العذاب الإلهي في هذا السياق، نجد أن إحدى صور سوء الظن هي الظن السيئ بوعد الله و رسوله، كما يتضح في واقعة الحديبية؛ فقد ظن هؤلاء بوعودالله القطعية و كلام رسول الله صلي الله عليه و آله ظنًّا سيئًا، و بالتالي لم يتبعوه، كما ورد في الآية: ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا، و حسبما جاء في الوحي، فإن هذه الظنون السيئة تؤدي إلى انتشار الفساد، و بالتالي إلى هلاك أصحاب تلك الظنون.
كما يتضح من الظاهر، فإن ذكر العذاب مستمر، و الله الحكيم في هذه الكلمات النورانية يبيّن أبعادًا أخرى من شدة غضبه عليهم.
ثم في المتابعة، يذكر تعالى بعد أن جاء دائرة السوء و وقع الغضب، أن اللعنة الإلهية والجحيم أيضًا كعاقبة أبدية لهم في الآخرة؛ ويبدو أن التعبير عن الجحيم جاء في نهاية
هذه العقوبات لأنه يتعلق بالآخرة، بينما العقوبات الأخرى مثل دائرة السوء و الغضب لها بعد دنيوي و آخروي، لكن الجحيم الذي لا يتحقق إلا في الآخرة، جاء في آخِر نتائج تلك العقوبات؛ و من هنا يظهر نوع من الترتيب اللطيف في ذكر العذاب.
و بناءً على هذه الأوصاف، فإن الله تعالى مع تأكيده على عذابهم في الآخرة، قد تحدث عن عذابهم في الدنيا أيضًا بطرق مختلفة.
إنّ النظر السطحي إلى الاصطلاحين المذكورين يظهر أن النفاق يأتي من جذر «نفق» بمعانيه السابقة، بينما الكفر يُعرَف باعتباره مفهوماً معارضاً للتوحيد و وحدانية الله. و من خلال فحص الهيكل و السياق اللغوي لهذه المفاهيم، نجد أن كل كافر ليسبالضرورة منافقًا، ولكن كل منافق هو نوع من الكافر، لأن أحد تجليات الكفر يظهر في النفاق في السيرة العلمية و العملية للفرد.
بشكل عام، يُظهر المنافق الدين ظاهريًا، و قد يحضر في شعائر الدين، و في بعض الأحيان قد يظهر كزعيم أو قائد؛ هذه الصفة تجعل من الصعب اكتشافهم و التصدي للتهديدات التي يسببونها. أما أهل الكفر فهم يشكلون جبهة معادية بشكل علني، و يمكن التعرف عليهم بسهولة أكبر، إذ لا يظهر فيهم النفاق بوضوح كما في المنافقين. و في هذا السياق، يُلاحظ من أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال عن هؤلاء الأشخاص: رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِيمَانِ، مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ، لَا يَتَأَثَّمُ وَلَا يَتَحَرَّجُ(1).
أما عذاب الله للمنافقين فهو ليس مجرد احتمال، بل هو أمر حتمي و قاطع بناءً
1) . نهج البلاغة، الخطبة 210 .
على نصوص القرآن الكريم التي تشير بوضوح إلى هذا المصير.
في آية تتحدث عن مصير هؤلاء، يقول الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(1)في هذه الآية، يتم تصوير مكانة المنافقين بوضوح في أدنى درجات النار، مما يدل على شدة و عظم عذابهم؛ كما أن الإشارة إلى عدم وجود أي مناصر لهم يعكس أن هذا العذاب ليس فقط نتيجة أفعالهم، بل هو عقاب من إنكارهم للحقائق الدينية و إغلاق فطرهم تجاهها؛ في الواقع، هذه الآية تؤكد أن هؤلاء الأشخاص سيحرمون من أي نوع من الدعم الإلهي أو البشري في الآخرة.
و من زاوية التحليل التاريخي، يجب أن نأخذ في الاعتبار الظروف التاريخية و السياسية للمنافقين في مختلف العصور.
في زمن حياة النبي صلي الله عليه و آله كان هؤلاء يشكلون أحد أبرز المعارضين و المؤثرين ضد حكومته، و كانوا يسعون باستمرار لزعزعة أركان الدولة الإسلامية عبر نشر الفتن و الأفكار المغلوطة، لم يتوقفوا عن ذلك حتى في أوقات الضغوط السياسية و الاجتماعية على الأمة الإسلامية، و كانت هذه الأنشطة تزداد في المدينة في فترات معينة.
بعد وفاة الرسول صلي الله عليه و آله تغيرت سلوكيات المنافقين بشكل ملحوظ، حتى في فترة خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن وصل علي عليه السلام إلى الخلافة كان التاريخ شاهدًا على تحركات جديدة للمنافقين الذين كانوا قد صمتوا في فترة خلافة الخلفاء الراشدين.
لكنهم في فترة خلافة علي عليه السلام ، لاسيما بسبب سياسات الإمام الخاصة في التعامل مع بعض القضايا المالية و الإصلاحات الدينية و الخلافات الداخلية، عادوا للتمرد و المكيدة ضد الحكم الإسلامي.
1) . سورة النساء، الآية 145 .
إنَّ آخر تركيب في هذه الآية الكريمة، الذي غالبًا ما يأتي في نهاية الأحاديث المتعلقة بالعذاب، يشير إلى مكان العودة السيئة و نتيجتها السلبية؛ كما في آيات أخرى بعد ذكر الجحيم و العذاب، حيث يقول: بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(1).و مع نفس التشابه، في موضع آخر، بعد أمره سبحانه و تعالى بالمجاهدة ضد الكفار والمنافقين، يقول:يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ...وَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(2)خلاصة القول، أن الآية الكريمة تشير إلى نوع العذاب، و كذلك إلى كميته، و في النهاية توضح كيفية العذاب الذي سيلقى من يظن ذلك.
في هذه الأحداث التاريخية، كان هناك نوعان من النفاق و الكفر يقفان جنبًا إلى جنب، بحيث كان كل منهما يوجه ضربة إلى جسد الدين الإسلامي، كل على حدة. من أهم أعمال الكفار في تلك الفترة كان منعهم للمسلمين من دخول مكة لأداء مناسك العمرة المفردة؛ و لذلك يتحدث القرآن الكريم عن أوصافهم و شرح أعمالهم، و في هذا السياق يُصرّح بالآتي:
الوصول إلى مكة، أولاً صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، و ذلك منعوا الهدايا من الوصول إلى محلهاوَ الْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ مع أن الهدايا قد تم ذبحها، لكن لم تتم في مكة بل في الحديبية.
و بناءً على هذه التصريحات و البيانات الأخرى المتاحة، يصير من الحق أن يُعلن أنهم في البداية مستحقون للعذابوَ يُعَذِّبَ...، و أن دائرة السوء عليهمعَلَيْهِم دَائِرَةُ...، كما أن غضب الله قد حل عليهموَغَضِبَ اللَّهُ...، و لعنهم وَ لَعَنَهُمْ...، وإنّ التعبير عَلَيْهِم يشمل كلاً من أهل قريش و المنافقين من المدينة.
على الرغم من أن القرآن الكريم، عندما يذكر المنافقين و المتخلفين، يشير بالأخص إلى الأعراب بمعنى البدو، إلا أن هناك العديد من الآيات التي تحذر بوضوح أهل المدينة و توعدهم بالعذاب، و تعتبرهم في النفاق و التخلف مع الأعراب، و هو ما يظهر في قوله: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ...(1).
في موضع آخر، يقول فی تهديدهم: لَئِن لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا(2).
بعض فقهاء أهل السنة(3)قد بيّنوا التمييزات القرآنية بين أهل المدينة و الأعراب البادية، و في فتاويهم اعتبروا اقتداء أهل المدينة بالأعراب غير مقبول، و رغم أن هذه الفتوى لا يتفق معها الفقه الشيعي، إلا أن ظاهرها يشير إلى التفاضل.
وَ لِلَّهِ جُنودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَ کَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَکِيمًا 7
التفسیر
في الكشف عن هذه الآية، تحدث الله سبحانه و تعالى مجددًا عن قيادته على جنود السماوات و الأرض، و قد جاء ذكر ذلك في سياق الحكمة التي تنبع من الأخبار التي تشير إلى نصرة الله الغيبية و العجيبة.
بالتفصيل، بعد أن ذكر الله سبحانه و تعالى أن الإيمان قد دخل إلى قلوب المؤمنين و زاد في عقائدهم، یشیر في النهاية إلى أن هذا الأمر يأتي تحت سيطرته الكاملة على جنود العالم، و أنه يتم بناءً على علمه و حكمته المطلقة؛ وبالتالي، فالقاعدة تظل كما هي؛ حيث يعلن الله سبحانه و تعالى عذاب المنافقين و الكفار بشكل قاطع، لأن أسباب العذاب تقع تحت سلطته؛ ولهذا في آيات أخرى، يوضح الله سلطته على جنود معذّبي جهنم، فيقول:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ(1)و في موضع آخر، يشير إلى قيادته على أسباب عذاب أهل النار، فيقول أن جنود العذاب يلقون المذنبين في النار بأمره تعالی: ثُمَّ الْجَحِيمَصَلُّوهُ(2)إذن كما أن الله سبحانه و تعالى في وعده بالثواب، يقول: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا(3)أي أن جنود الثواب تحت أمره. ملاحظة أخرى تبرز في الآية هي وصف الله تعالى بأنه عزيز حكيم؛ في حين أن الآية التي قبلها، أي الآية الرابعة، كانت قد تحدثت عن علمه و حكمته وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا لذلك، كما تحدثنا عن العزة، فهي تعني القوة و القدرة التي لا تقهر، و كذلك الصلابة في أمر ما؛ وبالتالي، ذكر العزة بعد الحديث عن العذاب، يكون أكثر دلالة على شدة و قوة العقوبة الإلهية مقارنة بالعلم الذي ذكر قبلها؛ و مع ذلك، يبقى وجود الحكمة في معناها الدقيق و المحقق لفعل الله، سواء في العقوبة أو الثواب، أمرًا مشتركًا بينهما.
ذکر في تفسير مجمع البيان: "إنما كرر لأن الأول متصل بذكر المؤمنين، أي له الجنود التي يستطيع بها أن يعينكم، والثاني متصل بذكر الكافرين، أي له الجنود التي يستطيع بها أن ينتقم منهم(4). و هكذا، فإن جملة وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... في السابقة كانت مرتبطة بالمؤمنين، و في هذه الآية فهي مرتبطة بالكفار.
یتضح ان الله تعالى من خلال سبق صفاته الرحمانية على صفاته الغضبية، قدم رحمته الذاتية على غضبه العَرَضي الذي ينشأ من أعمال العباد.
قد تم تقديم بعض الأمور المتعلقة بالحكمة سابقًا، و قد تبين أن معناها اللغوي الأصلي هو المنع (الاحتجاز)؛ و بالتالي، الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يصدر عنه فعل عبثي؛ كما يذكر الله سبحانه و تعالى في القرآن الكريم، حيث يقول المؤمنون المتدبرون في مواجهة آيات الله مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا(1).
في هذه الآية، يجب أن نلاحظ أمرًا مهمًا: هل الحكمة الإلهية هي من صفات ذات الله سبحانه وتعالى أم من صفات أفعاله؟ وإذا كانت صفة فعل، فما معناها؟ وإذا كانت صفة ذات، فما الدلالة التي تحملها؟
في البداية، يجب أن نأخذ في اعتبارنا أن سلسلة من الصفات مثل الحكمة، التي يعتبرها القرآن أحيانًا صفة ذات وأحيانًا صفة فعل، تتعلق بكلا الجانبين: الذات و الفعل. كما أن علم الله، رغم كونه صفة ذاتية، يمكن أن ينقسم إلى علم ذاتي (أزلي) و علم فعلي، وفقًا لما يظهر أحيانًا في الآيات.
إذا نظرنا إلى الحكمة من ناحية صفة الفعل و صفة الذات لله، في الحالة الأولى، فإن معناها يتلخص في العلم و المعرفة في صنع الأشياء؛ و هذا يظهر في بعض الآيات مثل قوله:يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ(2)أما إذا كانت من صفات الأفعال، فإن ذلك يشير إلى إتقان و هدفية الأفعال الإلهية، سواء كانت أفعالًا تكوينية أو تشريعية.
من بين المفسرين الذين تناولوا الحكمة كصفة ذات و صفة فعل، نجد المرحوم الأمين
الإسلام رحمه الله الذي اعتبرها من كلا الصفتين؛ من المهم أن نلاحظ أن الحكمة إذا كانت بمعنى العلم، فهي صفة ذاتية قديمة، و إذا كانت تعني الفعل المتقن، فهي حادثة.
بشكل عام، الأسماء الإلهية إما أن تكون مدخولة في الذات - حسب اعتبار - أو مدخولة في الصفات أو مدخولة في الأفعال(1). و مع ذلك، فإن جميع هذه الأسماء تعتبر جزءًا من الذات، لأن اسم الصفة يرتبط بالذات و الصفة ذات علاقة بها، و الذات تعتني بالصفة؛ من الناحية الثانية، إذا كانت الأسماء مرتبطة بالأفعال، بما أن الأفعال صادرة من الذات، فإن أسماء الأفعال تعتبر أيضًا أسماء للذات؛ بناءً على ذلك، قال بعض العلماء "أحد بالذات، كل بالأسماء"، مما يعني أن الذات هي الكل و جميع الأسماء تعود إليها(2)و وفقًا لهذا التفسير، يرى البعض أن بعض الأسماء الحسنى لله يمكن أن تتعلق بكل من الذات و الفعل و الصفة. من أمثلة ذلك اسم "الرب"، الذي يعد اسم ذات من حيث أنه قبل أن يكون مربوبًا لم يتحقق وصف التربية، و كان الله هو الرب. كما أنه يشير إلى صفة الملكية، وإذا اعتُبر اسمًا لمصلح، فإنه يعد اسم فعل؛ و بالتالي، فإن هذا الاسم يشمل كل هذه الأبعاد الثلاثة: اسم الذات، و الأفعال، و الصفات.
وفقًا للبيان العلمي الذي قدمه أهل الرأي، فإن معيار التفريق بين هذه المعاني يكون بأن أسماء الذات هي تلك التي لا يوجد ضدها أو نقيضها، مثل "العلم" الذي يكون ضده "الجهل"، و بالتالي لا يصح أن يكون ضدها في حق الواجب الوجود؛ أما الأسماء التي لها ضد، فتعتبر أسماء فعل، مثل "الرضا" الذي يكون ضده "الغضب".
إحدى المسائل الأساسية التي تظهر في الرؤية الكلامية للأشاعرة هي العقيدة التي من خلالها لا يعتبرون أفعال الله معللة بالغاية؛ و من وجهة نظرهم، فإن سبب هذا الادعاء هو أن العلة و الغاية من الأسباب التي يتحقق وجودها يؤدي إلى النقص و الاحتياج، و هذا أمر مستحيل في حق الواجب الوجود؛ لأن ذلك يعني أن الله سبحانه و تعالى يحتاج إلى فعلٍ ما لكي يعوض نقصه.
من جهة أخرى، فإن المتكلمين الإمامية و غيرهم من المفكرين يرفضون نظرية الأشاعرة، و يعتقدون أن الأفعال الإلهية لها غاية، و هذا بسبب الحكمة الإلهية. فالإمامية يؤمنون بأن الأفعال الإلهية، و بخاصة في جانب غايتها، تدل على الحكمة و الهدفية الإلهية(1)، و لذلك، تثار مناقشات حول تجنب العبث و امتناع الترجیح بلا مرجح(2)، لأن فعل الفاعل المختار دائماً له غاية.
و في إطار عام، نجد أن القرآن الكريم في العديد من آياته المباركة قد علل الأفعال الإلهية بالأغراض، حيث يُنَزِّهُ الله سبحانه و تعالى نفسه عن الأفعال العبثية واللا غايات. يتضح ذلك من المقدمة الأولى في الآيات التي تتحدث عن الحكمة الإلهية، و من المقدمة الثانية في آيات الأحكام و التعليمات المصاحبة مع علل الآيات و الشرائع،
1) . المتكلمون مثل المرحوم الحلّي رحمه الله و الخواجة الطوسي رحمه الله يرون أن الغايات هي من الأسباب التي تؤدي عدمها إلى عبثية الفعل، لأن الفعل العبثي لا يصدر من الواجب الوجود. و بالتالي، من المستحيل أن تكون أفعاله بلا غاية. انظر: شرح كشف المراد في شرح تجريد (في أنه يفعل لغرض)، ص 64.
2) . صدر المتألهين رحمه الله في الجزء الأول من أسفار الأربعة يقول في هذا الصدد: و من استحل ترجیح شی بلا مرجح، یوشک ان یسلک سبیل الخروج عن الفطره البشریه لخباثه ذاتیه وقعت من سوء قابلیتها الاصلیه و عصیان جبلی اقترفت ذاته الخبیثه فی القریه الظالمه الهیولانیه و المدنیه الفاسقه السفلی. أنظر: الحکمة المتعالیة فی الاسفار العقلیة الاربعة، ج 2، ص 208 .
حيث يثبت أن أمره و فعلته يصاحبان العلة و الغاية، كما في قوله تعالى في شأن أهلالبيت عليهم السلام : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّ-هُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(1)يظهر في هذه الآية، أن هناك إرادة و فعلًا قد تم، و أن الغاية أيضًا كامنة في ذلك، مما يعني أن الأفعال الإلهية معللة بالغاية في القرآن الكريم.
أما فيما يتعلق بالرد على إشكال من يعتبر الغاية سببًا لنقص الفاعل، فإن الجواب يكون بأن الغاية إذا كانت متوجهة إلى الفاعل، فذلك يدل على نقص في الفاعل، ولكن إذا كانت الغاية متوجهة إلى غير الفاعل، فلا يوجد نقص أو خلل في الفاعل. و من هنا يتضح أن هناك فرقًا بين غرض الفعل و غرض الفاعل، فالمحال هو أن يكون للفعل غرض موجه إلى الفاعل ذاته.
و في كتب الكلام مثل كشف المراد في تجريد، ورد ما يفيد بأنه لا يلزم أن يعود الفعل إلى الفاعل، كما يذكر الشارح: "لا يلزم عوده إليه... إنما يلزم لو عاد الغرض و النفع إليه، أما إذا كان النفع عائدًا إلى غيره فلا كما نقول إنه تعالى يخلق العالم لنفعهم(2). و بالتالي، لا يوجد ضرورة لعودة الفعل إلى الواجب الوجود.
ومع ذلك، فإن هذا القول لا يزال موضع نقاش، إذ يرى الأشاعرة أنّ إيصال النفع أو عدم إيصال النفع من قِبَل الله سبحانه إلى الغير أمرٌ سواءٌ عنده(3).
بعد ذكر أي أمر يتم من خلال وساطة جنوده، سواء كانت الأمور المادية مثل قضايا المعركة أو الجنود غير المرئيين أو الأمور المعنوية مثل نزول السكينة، يأتي بعد ذلك ذكر
صفات مثل العلم والحكمة و العزة، كما يظهر في قوله وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(1)هذه الصفات ليست منفصلة عن ما قبلها، بل هي مرتبطة بما تم ذكره من حاكمية الله على جنوده؛ فإذا قال الله سبحانه و تعالى أنه عليم، فهذا يعني أن جنوده يعملون وفق علمه، وإذا قال أنه حكيم، فهذا يعني أن أفعالهم مليئة بالحكمة؛ و إذا قال أنه تعالی عزیز، یعنی أن جنوده أي أن جنوده لا يُهزمون و لا يُقهَرون فی وظائفهم، کما قال:وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ اَلْغالِبُونَ(2).
من المواطن الذی يذكر فيها اسم "العزيز" في الأدعية، دعاء السحر حيث يقول الإمام الرضا عليه السلام : اللهم إني أسالك من عزتك بأعزها وكل عزتك عزيزة(3). و يعد هذا الاسم في الأدعية دليلًا على القوة و السلطة المطلقة لله، كما يظهر في دعاء جوشن الكبير حيث يذكر أن لله العزة و الجمال، کما ورد: یَا مَنْ لَهُ الْعِزَّةُ وَ الْجَمَالُ(4)
في الدعاء المعروف بدعاء كميل، يشير أمير المؤمنين عليه السلام إلى اسم "العزيز" قائلًا: و بعزتك التي لا يقوم لها شيء(5)، مما يعكس أن عزة الله هي غير قابلة للمقاومة.
و من خلال هذه الأدعية، يظهر أن اسم "العزيز" يتجاوز مجرد القوة إلى كونه يحمل معاني جلالية أعمق، بما في ذلك كونه حاملًا القدرة على فرض الهيمنة على كل شيء.
الإمام السجاد عليه السلام في دعاء الصحيفة السجادية عليه السلام يقول: بِعِزَّتِكَ الَّتِي لَا تَرُدُّ السَّيِّئَةَ إِلَّا بِغَضَبِكَ(1)، و هذه العبارة الشريفة تعني أن بما أن ذات الله سبحانه و تعالى قاهر لكل مقهور، فإنه لا يترك أي سيئة أو قبح دون رد.
قال في موطن آخر: عِزُّ سُلْطَانِكَ حَدٌّ عِزٍّ لَا حَدَّ لَهُ بِأوَّلِيَتِهِ وَلَا مِنْتَهَى لَهُ بِآخِرِيَّتِهِ(2). و هذا يعني أن عزتك هي بقدر لا يُمكن تحديده؛ إذ بما أن الموصف لا متناهي، فإن صفة عزته كذلك لا متناهية.
أما في آثار هذا الاسم الشريف التربوية، بناءً على أن العزيز يُطلق على من يمتلك صفة لا يُنال، ويكون ذو قيمة أيضًا، فإنه يحمل معه معاني أخرى من الأسماء الجلالية مثل "النافع" أيضًا؛ لأنه لا يُعتبر الموجود النادر الوجود كائنًا ذا صفة العزة إلا إذا كان النادر الذي يستحق تحمل المشاق من خلال السير في معرفة ذاته(3)، و هذا المعنى يتحقق في حق الذات المقدسة على أكمل و أتم وجه؛ لأن الحقيقة الأولى و الآخر في خلق الإنسان هي التكميل عن طريق السير في طريق معرفة الله، و بالتالي تقتضي الضرورة أن تتحقق مشقة الحركة في بلوغ هذا الهدف لدى السالك.
الإنسان، من خلال ذكر هذا الاسم و التوجه المستمر نحو خصائصه المعرفية، يدرك أن التعلق بأي ممكن صاحب قوة، في سبيل رفع و إزالة الذل الدنيوي و الأخروي، بناءً على اعتقاد عزته، هو ظنٌ باطل، لأن المحور الحقيقي و منبع العزة هو الذات المقدسة الإلهية.
إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيرا ً8
التفسیر
ذات المقدس باري تعالی بعد من بيان حكمين فيما يتعلق بمكافأة المؤمنين و عقاب المنحرفين، تناول فلسفة بعثة حضرة خاتم المرسلين صلي الله عليه و آله حيث بدأ بالقول: إِنَّا أَرسَلْنَاکَ، و بهذا يبيّن أساس بعثته. جملة "أَرسلناک" ليست فقط بمعنى إرسال النبي صلي الله عليه و آله ، بل بإضافة حرف التأكيد "نون العظمة"، تشير أيضًا إلى مكانة و سمو هذه البعثة؛ و هذا هو المعنى نفسه الذي يظهر فيإِنَّا فَتَحْنَاأيضًا.
و التفسير أن حرف التأكيد "إِنَّ" أضيف إلى ضمير المتكلم مع الغير ليصرح بالقدرة اللامتناهية لله سبحانه و تعالى، و ليبيّن أن بعثة النبي صلي الله عليه و آله تمت من منظور واسع وبما يتوافق مع الحكمة والإرادة الإلهية؛ لذلك، لا يُرسل الله سبحانه و تعالى النبي فقط كهادي إلى الطريق المستقيم، بل أيضًا في مقام الحافظ و الناصر له ولنبواته. أما بالنسبة لكلمة "شاهد"، فهي تحمل معنى الرؤية والمشاهدة؛ فبناءً على ظاهر المعنى،يعني أنه كان ناظرًا و شاهدًا مطلقًا على أمته، لا في حياته فقط، بل إلى يوم القيامة.
و بذلك تكون المعنى كما يلي: في الدنيا هو ناظر وشاهد، و في الآخرة يكون هو الشاهد على أعمالهم؛ ولذلك قال تعالى:وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَي اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ(1). أما لفظ "مبشّر"، الذي هو اسم فاعل من مادة "بشر"، فيعني الشخص الذي يُبشر بالخير و النجاح من أعمال الأمة الصالحة.
أما "نذير"، الذي هو صفة مشبهة، فيدل على التحذير من الذنوب و المعاصي التي قد يرتكبها عباد الله في أمته.
و قد اتفق المفسرون على تفسير الآية على أن شهادته تشمل جميع أعمال الأمة، سواء كانت حسنة أم سيئة؛ كما قال العلامة الطوسي رحمه الله في "التبيان": "شاهداً بما عملوه من طاعة ومعصية"، ثم فصّل في بشرى النبي صلي الله عليه و آله بالنسبة للأعمال الصالحة، فقال: "مبشراً بالجنة لمن أطاع"، و تحذيره من النار لمن عصى، قائلاً: "و نذیراً".
في هذا السياق، رأى البعض أن "الشهادة" تعني شهادة النبي يوم القيامة، حيث قالوا: "على أمتك يوم القيامة"، كما يقال: "شاهداً على الرسل و الكتب". مع ذلك، هذا التعبير لا يتعارض مع ما سبق من أن الشهادة تعني شهادة النبي صلي الله عليه و آله على أعمال الأمة في الدنيا، بل هو نوع آخر، لأن شهادة يوم القيامة لا تتحقق إلا إذا كانت الشهادة على الأعمال في الدنيا؛ لذا، يؤدي النبي الشهادة في الدنيا ليُشهرها في يوم الحساب، ولذلك، بعضهم ركز على مراقبته الأولية، بينما ركز آخرون على أداء الشهادة في يوم القيامة.
و يجدر بالذكر أن رسول الله صلي الله عليه و آله هو شاهد أيضًا على شهداء الأمم، مثل الأنبياء كما قال: فَكَيْفَ إِذا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاءِ شَهِيدًا(2).
حسب الظاهر في الآية الكريمة، فإنّ لفظ "الشاهد" هو أولى الواجبات الفعلية و خصائص النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله الذي وفقاً للقواعد النحوية يُعتبر في موضع حال من المقام المقدس له، إذ هو ذو الحال.
النقطة التي يمكن الإشارة إليها في هذا المقام هي أن هذا البيان يأتي في سياق الخبر عن المواضيع التي سبقت و التي تليت، لذا قال سبحانه و تعالى ان الذین جاءوا و وقفوا معکم فی کل جزء من أموالهم و فی کل امورهم فانک علی اعمالهم ناظر، و ستکون شهداء علی اعمالهم یوم القیامة.
و هذا يعني أنّ هؤلاء القوم الذين لم يترددوا في نصرته، سواء في دعوتهم للحجّ أو في البيعة أو بعدها، لم يتخاذلوا أو يعترضوا؛ و بالنظر إلى أن النبي صلي الله عليه و آله هو شاهد على أعمالهم في يوم القيامة، عندما يقول الله تعالى:ونَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا(1)فإنّ شهادته على نصرتهم للدين، و وقوفهم بجانب النبي صلي الله عليه و آله ستكون سبباً لدخولهم الجنّات التي ورد ذكرها في الآيات السابقة، حيث قال سبحانه و تعالی:لِيَدْخُلَ الْمُؤْمِنِينَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ(2)و على النقيض من ذلك،فإن النبي صلي الله عليه و آله شاهد على أمّته، و يعلم أن بعضهم لم يساندوه في تحركاته، و أنّ آخرين نقدوا و صمّوا معاهدة البيعة، ففي هذا السياق، شهادة الرسول صلي الله عليه و آله تُعتبر دليلاً ضدهم في عذاب الله، كما قال سبحانه وَيُعَذِّبُ الْمُنَافِقِينَ وَ الْمُنَافِقَاتِ...(3).
إنّ هذه الكلمة توضح حكمة تسلسل اسم "الشاهد" في حق النبيّ صلي الله عليه و آله ، و ذلك
بالاستناد إلى سياق الآيات الكريمة؛ كما يتقوّى هذا المعنى عندما يقول الله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ(1)حيث يتبادر إلى الذهن أنّ إحدى أمثلة أعمال الأمة في ذلك السياق هي الواقعة في "حديبية".
لفظ "مُبَشِّر" هو اسم فاعل من الفعل الثلاثي المزِيد "بَشَرَ"، و جذره يعني الخبر السارّ الذي يبعث الفرح، و هو يختلف عن "الخبر" العام في أنه لا يعني إلا الأخبار الذي يُفرح، بينما "الخبر" يمكن أن يكون مجرد بيان لقضية قد تكون مصحوبة بالفرح أو بالحزن؛ لذلك، فإنّ "البشارة" و مشتقاتها لا تعني إلا الخبر السار، و قد قال بعض اللغويين، مثل راغب في "المفردات"، إن هذا اللفظ مأخوذ من "بَشَرَ" بمعنى ظاهر الجلد البشري، و ذلك لأنّ أثر الفرح يظهر في وجه الإنسان، و من هنا تم إطلاق لفظ "بشارة" عليه. فبناءً على ذلك، المعنى الدقيق ل-"مُبَشِّر" هو الخبر الذي يبعث السرور؛لكن في السياقات التي يُستخدم فيها مع الخبر غير السارّ، قد يكون المقصود السخرية أو الاستهزاء، مثلما ورد في قوله تعالى بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(2).
يبيّن الله تعالى في الآية الكريمة أنه بعد أن أصبح النبي صلي الله عليه و آله شاهدًا على أعمال أمته، فهو مُبَشِّر لأعمال الصالحين و نذير لأعمال غير الصالحين، ففي الآية التي قال فيها الله سبحانه:إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَ مُبَشِّرًا وَ نَذِيرًا، يظهر من ظاهر الآية أن "البشارة" قد قُدِّمت على "الإنذار".
أما الذين تشملهم هذه البشارة، فهم الذين في مرحلة مرافقتهم للنبي صلي الله عليه و آله لم يدخل في
قلوبهم سوء الظن الذي ذكره الله في قوله لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ أَبَدًا(1)بل لم يتخلفوا عن الطاعة و لم ينكثوا عهدهم، و لذلك كانوا من الذين لم يُخلفوا بيعتهم في "غزوة الحديبية"، كما ذكر الله في قوله رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ(2)حيث بايعوا النبي صلي الله عليه و آله على نصرة الدين بكل طاقتهم و لم ينقضوا البيعة.
لذلك، بما أن النبي صلي الله عليه و آله كان شاهدًا على أعمالهم، فإنه وعدهم بالبشارة بالجنة و المغفرة بناءً على أعمالهم الصالحة، وهذا هو أساس بشارتهم.
اسم "نذير" - بفتح النون - مأخوذ من مادّة "نذر"، و يعني التحذير و التنبيه على خطرٍ مُحتمل؛ فعندما يُقال "النَّذرُ بالشّيء"، يكون المقصود تحذير الشخص من أمرٍ ما، و يُذكر في "المفردات" للراغب أن "الإنذار" هو نوع من الخبر الذي يتضمن التهديد أو التحذير من عواقب سلبية(3)، و كذلك، يراه الطريحي في مجمع البحرين(4)بمعنى "منذِر"، أي الشخص الذي يُحذر الآخرين من السيئات و المخاطر.
من المهم أن نلاحظ أن كلمة "مُبَشِّر"، كونها اسم فاعل، تدل فقط على تقديم الخبر السارّ، بينما "نذير" تأتي بمعنى التحذير المستمر و المبالغة في الإنذار، خاصة في مواجهته مع الأعداء من الكفار و المنافقين؛ على هذا الأساس، لم يأتِ في آيات القرآن وصفُ النبي صلي الله عليه و آله بمفرده بصفة "مُبَشِّر"، ولكن ورد ذلك بصفة "نذير".
هذا الوصف يتكرر في القرآن الكريم غالبًا مع مفهوم البشارة، كما في قوله تعالى:فَقَدْ
جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ(1)حيث يشير إلى أن رسول الله صلي الله عليه و آله جاء ليبشّر و يُحذّر في آن واحد؛ و في موضع آخر، يُستخدم الوصف للإشارة إلى القرآن الكريم، حيث قال تعالى بَشِيرًا وَ نَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(2). فيما يتعلق بمعنى "نذير" بناءً على سياق الآيات التي قبلها و بعدها، يمكننا أن نستنتج أن مضمون هذا المعنى على النقيض من البشارة التي سبق تناولها، لأن رسول الله صلي الله عليه و آله يشهد على أعمال الأمة أولًا، ثم يُبشّر المؤمنين بالخير بناءً على أعمالهم الصالحة. أما في هذا السياق، يُذكر النذير في مواجهة أعمالهم السوء، إذأن رسول الله صلي الله عليه و آله كان يُحذّرهم من العواقب السيئة الناتجة عن أفعالهم غير الصالحة.
حيث يظهر هذا المعنى بشكل جلي في الآيات التي تحدث فيها النبي صلي الله عليه و آله عن حال المنافقين و المشركين، فبعد أن شهد على أعمالهم الصالحة، حذّرهم من مغبة أعمالهم السلبية؛ كما يظهر في قوله تعالىقُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ(3)و هو تحذير للناس من مغبة أفعالهم و أعمالهم.
تُوضّح الآيات القرآنية التي تتعلق بالإنذار في سياق مختلف المواقف التي تعامل فيها النبي صلي الله عليه و آله مع أفراد من قومه و أعدائه، و منها:
في بداية الدعوة، كان هناك من تخلف عن نصرة النبي صلي الله عليه و آله ولم يرافقه في مسيرته: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا(4).
ثم هناك من دعم النبي صلي الله عليه و آله ، لكنهم اعترضوا على بعض مواقفه و أفعاله.
أيضًا، هناك من بعد انتصار الإسلام، طلبوا من النبي صلي الله عليه و آله الاستغفار لكي يشتركوا في غنائم الحرب، كما في قولهفَاسْتَغْفِرْ لَنَا(1).
و تُبيّن الآية التي تحدثت عن سوء الظن بالله و رسوله، حيث قال تعالى: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ أَبَدًا(2)هذه الأفعال من مختلف1. أفراد الأمة تُوضح أن رسول الله صلي الله عليه و آله كان في مقام الإنذار، يحذر من عواقب أفعالهم السيئة، و هذه المهمة جزء أساسي من شهادته على أعمالهم، وهو أول واجب عملي له، كما في قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ(3).
أما بالنسبة للكفار و المشركين في قريش، فقد كان منهم من منع المسلمين من دخول المسجد الحرام، كما قال الله تعالى: هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ(4)و آخرون كانوا من أتباع سهيل بن عمرو، الذين أهانوا النبي صلي الله عليه و آله في أثناء توقيع صلح الحديبية، و قالوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا حَارَبْنَاكَ(5)، كما أنهم منعوا الهدايا من الوصول إلى مكانها.
في سياق هذه الآيات، يوضح الله سبحانه و تعالى أنه بما أن النبي صلي الله عليه و آله شاهد على أعمالهم، فإنه في نفس الوقت ينبغي أن يُنذرهم من العواقب السلبية لأفعالهم؛ كما قال سبحانه: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(6)، في إشارة إلى أولئك الذين حالوا دون دخول المسلمين إلى سبیل الله.
جملة إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ هي تركيب من الفعل و الفاعل و المفعول، و تتعلق ببعثة النبي صلي الله عليه و آله .مسألة بعثة الأنبياء هي من المبادئ الأساسية و البديهية في تعاليم الإمامية و مدرسة الاعتزال؛ لأن الله سبحانه و تعالى يرى من الضروري أن يرسل هُداة من جنس البشر لتحقيق الهدف السامي من خلق الإنسان، الذي هو نضج وتكامل عقلي؛ ذلك لأن البشر لا يستطيعون إدراك الحقيقة و السير في طريق الكمال إلا من خلال هداية أولئك الذين من نفس جنسهم؛ كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله : أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ(1)مما يدل على أن الأنبياء عليهم السلام من جنس البشر لكي يتمكنوا من أن يكون لهم تأثير عميق مع الناس و يوجهوهم إلى الهداية الإلهية.
و في سياق بعثة الأنبياء، هناك عدة أسباب تبرر ضرورة بعثتهم، نذكر منها ما يلي:
قاعدة اللطف: وفقًا لهذه القاعدة التي هي من المشهورات في الإمامية، فإن الله يخلق أسبابًا تجعل الإنسان بعيدًا عن المعصية و يحثه على الطاعة؛ ولتحقيق هذا الهدف، يجب أن يكون هناك علم كامل بالأعمال عبر الكتب السماوية والأنبياء، لأن الناس لا يمكنهم معرفة الحق إلا من خلال رسالات الأنبياء عليهم السلام .
غرض الله من خلق الإنسان:كما قال الله سبحانه وتعالى في القرآن:وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(2)، خلق الله الإنسان لعبادته؛ و لتحقيق ذلك، يجب على الإنسان أن يتلقى الإبلاغ من الأنبياء عليهم السلام حول ما يجب
عليه أن يعمله و ما يجب أن يبتعد عنه، ومن ثم يؤدي العبادة وفقًا لما جاء في الوحي.
نوريّة المجتمع: أحد أهداف الأنبياء عليهم السلام الهامة هو تحويل المجتمع من الظلمات إلى النور، أي إلى بيئة آمنة؛ كما قال الله تعالى في القرآن:كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ(1).
نشر العدالة بين الناس: الإنسان في حياته الاجتماعية بحاجة إلى قوانين تنظم علاقاته مع الآخرين؛ و لتحقيق العدالة، يجب أن تأتي هذه القوانين من الله سبحانه و تعالى و تُبلّغ من خلال الأنبياء عليهم السلام لكي يتمكن الناس من العيش في مجتمع عادل؛ إذا كان من المفترض أن يضع الإنسان القوانين، فيرى بعض الحكماء أن هناك اعتراضين على ذلك:الإنسان الذي يضع القوانين ليس لديه الإحاطة الكاملة بمصالح ومفاسد الأمور؛ و إذا كان هذا الاستعداد موجودًا أيضًا، فإن الإشكال الثاني يكمن في إمكانية وجود الطمع و النزعة الشخصية في وضع القوانين من قبل البشر؛ لذلك، بناءً على هذا الرأي، من الضروري أن تكون هذه القوانين من وضع الله سبحانه و تعالى، ويتم تبليغها وتنفيذها من خلال الأنبياء عليهم السلام و بالتالي، فإن هذا يبيّن لنا ضرورة بعثة الأنبيا،
و في هذا الصدد، ورد عن أبي عبد الله عليه السلام في رده على سؤال هشام، الذي كان يسأل زنديقًا عن بعثة الأنبياء، قوله: إِنَّا لَمَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ لَنَا خَالِقًا صَانِعًا مُتَعَالِيًا عَنَّا وَعَن جَمِيعِ مَا خَلَقَ وَكَانَ ذَلِكَ الصَّانِعُ حَكِيمًا مُتَعَالِيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَاهِدَهُ خَلْقُهُ وَلَا يُلاَمِسُوهُ فَيُبَاشِرَهُمْ وَيُبَاشِرُوهُ وَيُحَاجُّوهُمْ وَيُحَاجُّوهُ،
1) . سورة ابراهیم عليه السلام ، الآیة 1 .
ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَرَاءَ فِي خَلْقِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ إِلَى خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ وَيَدُلُّونَهُمْ عَلَىمَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ وَمَا بِهِ بَقَاؤُهُمْ وَفِي تَرْكِهِ فَنَاؤُهُمْ، فَثَبَتَ آمِرُونَ وَنَاهُونَ عَنْ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ فِي خَلْقِهِ وَمُعَبِّرُونَ عَنْهُ جَلَّ وَعَزَّ، وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ حُكَمَاءُ مُؤَدَّبُونَ بِالْحِكْمَةِ مَبْعُوثُونَ بِهَا غَيْرَ مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ عَلَى مُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْخَلْقِ وَالتَّرْكِيبِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ مُؤَيَّدِينَ مِنْ عِندِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ بِالْحِكْمَةِ، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي كُلِّ دَهْرٍ وَزَمَانٍ مِّمَّا أَتَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ لِكَيْلَا تَخْلُوَ أَرْضُ اللَّهِ مِنْ حُجَّةٍ يَكُونُ مَعَهُ عِلْمٌ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ وَجَوَازِ عَدَالَتِهِ(1).
إن مسألة الفطرة وخصائص وجود الإنسان تشكل عاملاً يميزه عن سائر الكائنات في هذا الكون؛ هذا الأمر جعل الإنسان كائنًا يحتاج إلى التعاون، والتواصل، والروحانية،
و يبحث عن الوصول إلى الحقيقة و الكمال العقلي؛ وكل من هذه الكمالات أدّت إلى أن يعين الله تعالى الفطرة و الجوهر الموجود في الإنسان، و يكملها.
ولكن هذا التكامل لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل وجود هادين ومرشدين من البشر أنفسهم، لأن الإنسان في مسار تطوره قد يواجه عوائق تعيقه عن التكامل الصحيح. و لهذا السبب، بعد أن بین أمير المؤمنين عليه السلام إرسال الأنبياء، عدّ أحد أهداف بعثتهم هو استعادة العهد الفطري؛ فقال: فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ و َوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُواٰهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ(1)أي أنهم أُرسلوا من أجل إحياء الفطرة، لأن الفطرة قابلة للتأثر بالعوامل الخارجية و الداخلية، وبالتالي فإنها قد تبتعد عن حالتها الطاهرة و تصاب بالتلوث.
إذن، بعثة الأنبياء تهدف إلى إيقاظ الفطر النقية و الجديدة، و رعاية الفطر التي تسير في طريق التكامل، و إيقاظ الفطر الملوثة و الجامدة و تطهيرها؛ و لذلك، فإن الحفاظ على الفطرة التوحيدية و صحتها لا يتم إلا بوجود بعثة الأنبياء عليهم السلام .
من المواضيع القابلة للبحث في مسألة وجوب بعثة الأنبياء و الأئمة عليهم السلام هو الحديث عن ضرورة إرسالهم بناءً على قاعدة "إمكان الأشرف"، و التي تظهر في آراء أصحاب المدارس الفلسفية، خصوصًا في الحكمة المتعالية التي تأثرت بمفاهيم الإشراقيين.
استنادًا إلى تقريب قاعدة "إمكان الأشرف" التي تُعرف ب-: في جميع مراحل الوجود يجب أن يُقدّم الممكن الأشرف على الممكن الأخس، يتضح لنا أن استمرار و بقاء عالم الوجود يتوقف على الموجود الكامل والمتكامل، الذي يُطلق عليه الموجود الأشرف.
1) . نهج البلاغة، الخطبة 1 .
بمعنى آخر، قيام و استمرار وجود العالم يتحقق من خلال هذا الموجود الذي يحقق الوجود بحقيقته؛ و لذلك، وفقًا للأدلة القاطعة، لا يمكن استمرارية الوجود في غياب هذا الموجود الأشرف.
و بناءً على هذا المبدأ، نقل الشيخ الكليني رحمه الله في كتابه "الكافي" عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: الحجة قبل الخلق، مع الخلق، و بعد الخلق(1).
و في موضع آخر نقل قوله عليه السلام : إن الأرض لا تخلو من حجة و أنا والله ذلك الحجة. مشيرًا إلى ضرورة وجود الحجة الإلهية في جميع مراحل الخلق.
و في تعبير آخر، أضاف الإمام الصادق عليه السلام أنه إذا لم يكن هناك موجود أشرف في العالم، فإن هيكل العالم سيتفكك، فقال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت(2). و قد أكد الشيخ الكليني رحمه الله أيضًا هذا المعنى بنقل حديث آخر عن الإمام الباقر رحمه الله حيث قال: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لساخت بأهلها و ماجت كما يموج البحر بأهله(3)هذا الكلام يوضح ضرورة وجود الإمام في كل لحظة من الزمن.
استنادًا إلى القواعد الفلسفية الثابتة، فإن الكائنات مخلوقة من الأشرف إلى الشرفاء، و من الشرفاء إلى الأقل مرتبة؛ وبالتالي، فإن الخلق يتم وفقًا لمراتب الشرف و الأخس،بحيث يُعتبر الموجود الأشرف سببًا غائيًا للموجودات الأدنى منه، كما أشارت الأحاديث العقلية و الروائية إلى أن جميع الموجودات في العالم قد خُلِقت من أجل الإنسان الكامل، الذي يُسمى أيضًا سلطان العالم الأرضي و بذلك، يصبح العالم في يد الموجود الأشرف. وفقًا لهذا التصور، في غياب الإنسان الكامل، أو بعبارة أدق، في غياب الموجود
الأشرف، لا يمكن للموجودات الدنيا أن تتحقق، لأن وجودها يعتمد على هذا الموجود؛ من هنا، يوضح صدر المتألهين في تفسير هذه الأحاديث قائلاً: لو بقيت بغير إمام لساخت(1)أي لو فرض أنها خلت من إمام لهلكت وسقطت عن درجة الوجود".
و بناءً على ذلك، فإن سبب بقاء هذا العالم و موجوداته هو ذلك الموجود الأشرف، الذي في صورته الظاهرة هو جميع المعصومين الذين يُعتبرون حُجج الله من هذا المنظور، وجودهم هو سبب استمرار و بقاء ما دونهم، أي باقي الموجودات.
و في الختام، فإن هذا البيان مبني بوضوح على قاعدة "إمكان الأشرف"، و التي بموجبها يستلزم وجود الموجودات الأخس وجود الأشرف؛ بمعنى آخر، لا يمكن للموجودات الشريفة و الأقل شرفًا أن توجد دون وجود الأشرف؛ و بالتالي، يُعتبر المعصومون عليهم السلام تجليات ل-"إمكان الأشرف" في العالم، و سبب وجود ما دونهم.
أن مشهد القيامة هو آخر موقف للحساب و آخر محكمة للإنسان، و يستلزم ذلك أن يكون هناك قاض عادل ثم شهود صادقون، و هذا هو السبب في أن الحجة على الجميع ستكون قد انتهت في ذلك الموقف؛ و بناء على ذلك، فقد خلق الله تعالى له شهوداً:
1) . أنظر: شرح اصول الکافي (صدرالمتألهین)، ج2، ص 487 .
حكمه: قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ و لهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام في هذا السياق: فاتقوا معاصي الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم(1).
و من الشهود أيضاً أناس من الأمة الوسط، و هم الأئمة المعصومون عليه السلام كما يقول القرآن الكريم:وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(2)و قد روي عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير هذه الآية: نحن الأمة الوسط و نحن شهداء الله على خلقه و حججه(3).
و الملائكة الإلهية أيضاً، في توزيع مهامها التكوينية التي أمرت بها، تقوم بتنفيذ سلسلة من الوظائف؛ و من تلك المهام مسؤوليتها عن رصد و تسجيل أعمال العباد، و لهذا قال الله تعالى في وصفهم: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ1. عَتِيدٌ(4)، كِرَامًا كَاتِبِينَ(5)، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِيدٌ(6)و هذه الآيات تدل على شهادة هؤلاء الكائنات في يوم القيامة.
الأرض و الزمن، هذان أيضاً من بين الشهود في يوم القيامة؛ فالأرض تشهد على ما فعله الإنسان عليها، كما قال الله تعالى:ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
1) . نهج البلاغة، الحکمة 324 .
2) . سورة البقرة، الآیة 143 .
3) . ب-ح-ار الأنوار، ج 33، ص 324 .
4) . سورة ق، الآیة 18 .
5) . سورة الإن-ف-طار، الآیة 11؛ شرح هذا البيان، موجود في فقرات من دعاء كميل حيث يقول: کلّ سَیئَةٍ أَمَرْتَ بإثْبَاتِهَا الْکرَام الْکاتِبینَ الَّذِینَ وَ کلْتَهُمْ بحِفْظِ مَا یکونُ مِنِّی وَ جَعَلْتَهُمْ شُهُودًا عَلَی مَعَ جَوَارِحی وَ کنْتَ أَنْتَ الرَّقِیبَ عَلَی مِنْ وَرَآئِهِمْ وَالشَّاهِدَ لِمَا خَفِی عَنْهُمْ.
6) . سورة ق، الآیة 21 .
بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ(1)و في هذا السياق، قال الله:يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(2). أن مرور الزمن هو أيضاً من الشهداء على أعمال الإنسان؛ كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام في كلماته: ما من يوم يمر على ابن آدم إلا قال له ذلك اليوم: أنا يوم جديد وأنا عليك شهيد، فافعل فيه خيراً واعمل فيه خيراً، أشهد لك به يوم القيامة، فإنك لن تراني بعد هذا أبداً(3).
اتباع مذهب البرهمة طرحوا بعض الشبهات التي تجعلهم لا يرون ضرورة لبعثة الأنبياء، حيث يعتقدون أن التعليمات و الهداية التشريعية التي صاحبت الأنبياء، لا تخرج عنحالتين: إما أن تكون متوافقة مع العقل، أو متعارضة معه. أما ما يتوافق مع العقل، فيعتبرونه أمراً عرفياً لا يحتاج إلى بعثة هادي و مرشد، لأن الإنسان يكون على دراية به و يلتزم به من تلقاء نفسه؛ أما الأمور التي تتعارض مع العقل، فيعتبرونها مرفوضة. بالإضافة إلى ذلك، في مقدمة قولهم الثاني، يعتقدون أنه بما أن ذات الله سبحانه و تعالى حكيمة و أفعاله مبنية على الحكمة و العلم، فإن العقل البشري يدرك وجود الله و وجوب شكره دون الحاجة إلى من يوجهه في ذلك(4)و بالتالي، يقولون إن الله تعالى لم يكلف الإنسان بما لا يتوافق مع العقل، و أن اتباع شخص مماثل للإنسان ليس عملاً محموداً و غير منطقي.
كما يتبين من مقدمات قولهم، فإن المعايير الأساسية لديهم هي العقل.
لكن في الرد على قولهم، كما هو معروف و مشهور بين أهل العلم، من الواضح أن هذا التقسيم و هذه التعريفات تنبع في المقام الأول من عدم معرفة فلسفة خلق كل من هذه الحجج الظاهرة و الباطنية؛ ذلك أن العقل، رغم أنه حجّة باطنية و هو من مديرات الأمور المهمة، إلا أنه ليس الحجة النهائية و الكاملة؛ لأنه غير مُطلع على جميع مقدمات الأمور، و لا يمتلك من المعارف و الحقائق الكاملة ما يكفي ليكون مقياساً قاطعاً؛ لذا يرى بعض الحكماء أن العقل دون وحي كالعين بلا نور الشمس.
ثانياً، كما ذكرنا سابقاً حول ضرورة بعثة حتى و إن كان العقل و الفطرة مدركين لجميع الأحكام الإلهية، إلا أن الإنسان لا بد من أن يكون بحاجة إلى من يساعده في هذا الأمر و يهديه إلى الوصول إلى المطلوب؛ و هذه العملية لا تتم إلا من خلال بعثة الأنبياء عليهم السلام لا من خلال العقل؛ كما قال الله في كتابه الكريم: الر كِتَابٌأَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(1)و هذه الآية تُظهر أن الخروج من الظلمات يكون من خلال الثقلين، الكتاب و الرسول.
لا بد من التنويه إلى أنه قد يكون هناك شيء ليس موافقاً للعقل و لا مخالفاً له، و في هذه الحالة قد يتوقف الحكم عليه.
حسبما أشار بعض أهل النظر(2)، فإن غالب تعاليم الأنبياء عليهم السلام ليست متوافقة مع الأحكام القطعية للعقل و لا مخالفة لها؛ لأن هذه التعاليم تحتوي على مجموعة من العقائد و الأحكام التي لا يستطيع العقل بمفرده إدراكها أو إصدار حكم بشأنها، ولكنه يجيزها ولا يقدم دليلاً على استحالتها، مثل الكثير من جزئيات أصول الدين والأحكام؛ كما ورد في القرآن الكريم عن رسالات الأنبياءيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.
لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً 9
التفسیر
مع الأخذ في الاعتبار حرف اللام الواردة و اعتبار تعليلها بالنسبة للآية السابقة، يتضح أن الله سبحانه و تعالى بعث نبيه الكريم صلي الله عليه و آله ليكون شاهدًاومبشِّرًا ونذيرًا، وذلك ليتمكن أتباعه من السعي نحو هدفين أساسيين: الإيمان بالله سبحانه و تعالى و بالوجود المقدس للرسول صلي الله عليه و آله ، و النصرة و التعظيم و التسبيح لله عز وجل.
أما مادة تُعَزِّرُوهُ من (عزر) فهي تعني المنع و الدفاع، و مادة تُوَقِّرُوهُ من (وقر) تعني التعظيم، و مادة تُسَبِّحُوه من (سبح) تعني التسبيح و تنزيه الله.
اجتماع هذه المعاني معًا يعني أنه يجب عليكم حفظ ذات -الدين- الله سبحانه و تعالى بعد الإيمان به و بنبيه صلي الله عليه و آله في مواجهة الأعداء أولًا، وتعظيمه ثانيًا، وتقديسه ثالثًا. بعض المفسّرين مثل المرحوم الطوسي في التبيان، والقشيري في اللطائف، وغيرهم، ذكروا أن مرجع الضمائر في الجملتين الأولى والثانية هو إلى النبي صلي الله عليه و آله ، وفي الفعل الثالث يعود إلى الذات المقدّسة لله تعالى؛ أي: عزّروه صلي الله عليه و آله و نصروه، وسبّحوا الله.
أمّا سبب تقسيم الضمير عند المؤيّدين لهذه الفكرة، فيكمن في أن الله سبحانه و تعالى لا يحتاج إلى التوقير بمعنى أن يُعظم، ولا يجوز القول بأن الضمير في التوقير يعود
إلى الله تعالى، ولکن الله يقول في كتابه:مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(1)أي لماذا لا تعظمون الله؟! أما في تُعَزِّرُوهُ بمعنى الدفاع عنه ضد الأعداء، فقد قال البعض أن الذات المقدّسة الله لا تحتاج إلى أن ينصرها عباده، ولكن حتى وإن كان ذلك مجازًا، فإن الله تعالی يقول:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(2).
بالطبع، بعض الأشخاص قد برروا للتهرب من الإجابة الدقيقة بأن الضمير في تُعَزِّرُوهُ و تُوقِّرُوهُ يعود إلى الله و رسوله، و في تُسَبِّحُوهُ يعود إلى الله؛ بناءً على ذلك، توقفوا عند الفعلين الأولين و اعتبروا الثالث جملة استئنافية، على أي حال، فإن الإشكال قد زال إلى حد ما، ولكن هذا المبدأ ليس صحيحًا، لأن الضمير المفرد لا يعود إلى شخصين؛ و هذا خلاف ظاهر الآية.
إذا تم الاتفاق على أن الضمير يعود إلى الرسول الله صلي الله عليه و آله ، فهناك تبريران ملحوظان؛ الأول هو أن الآية الكريمة بعد بيان فلسفة بعثة النبي محمد صلي الله عليه و آله ، و بالتالي يجب أن تكون الأوامر المتعددة الإلهية هنا مرتبطة به، خصوصاً و أن هذا الارتباط يتقوى باللام التعليل في الآية.
و كذلك، هناك احتمال أنَّه في حادثة الحديبية، بسبب الظاهر من الهزيمة، قد قام كثيرون بتوبيخ النبي الكريم صلي الله عليه و آله و اهانوه، فتصدى الله سبحانه وتعالى لبيان بعثته، و أمر في مقابل ذلك بالنصرة؛ ولكن بما أن أمر التسبيح في الآية الكريمة يبقى، فإن اتحاد الضمائر في الآيات الكريمة لا يكون متسقًا، ويجب أن نترك التوفيق بين هذين الرأيين. ولذلك، فإن المرحوم العلامة الطباطبائي رحمه الله في تفسيره "المیزان" قد اعتبر أن كل الضمائر تعود إلى ذات الله، و علل ذلك بحفظ وحدة الضمائر تجاه مرجع واحد.
ولكن إذا أخذنا دلالة العلامة رحمه الله كسبب أساسي لهذا الأمر، فكيف يمكننا الإجابة على ضرورة الحفاظ على اتحاد سياق الآيات؟ إذ أن الآيات السابقإِنَّا أَرْسَلْنَاكَ... و الآيات اللاحقة إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ تتعلق بالنبي الكريم صلي الله عليه و آله .
إذا كان الشرط هو الاتحاد، فإن ذلك لا ينطبق فقط على الضمائر، بل أيضًا على سياق الآيات؛ ولذلك لا يمكن قبول قول السيد العلامة بناءً على هذا التفسير المذكور.ومن ثم، يمكن تقديم دليل آخر لهذه المسألة، والله أعلم، وهو أن الآية السابقة التي تقول:إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ... بالرغم من أنها بيان لأسباب وخصوصيات البعثة، لكن في البداية قال الله تعالىإِنَّا أي أننا نحن من أتممنا هذا الأمر وأردناه؛ إذن في مقام بيان عظمة الذات الإلهية؛ و بالتالي، قد يكون اجتماع هاتين الآيتين من الناحية المعنوية على النحو التالي: لقد بعثناك لتكون شاهدًا و مبشّرًا و منذرًا، ليؤمن الناس بالله سبحانه وتعالى الذي هو الفاعل لهذا الأمر، وبنبيه الذي هو مأمور من قبله، وليعظموا الله بسبب هذه البعثة، ويُسبِّحوه في هذه الحالة، و على عكس ما قاله القائلون، لا يكون التعليل متعلقًا ب- "شاهد و مبشّر و منذر" على أنه قد تم إرسال النبي بهذه الصفات الثلاثة ليعود الضمير إلى النبي الكريم؛ بل في الواقع، التعليل يعود إلى الفعل السابق، وهو بعث النبي صلي الله عليه و آله من قبل الله سبحانه و تعالى؛ ذلك لأن الهدف الأسمى من بعثة الأنبياء هو إرساء و توسيع الإيمان بالله سبحانه و تعالى، وهنا يقول الله تعالى: لقد بعثناك بهذه الصفات الثلاثة ليؤمن الناس بالله و نبيه، وأن تتحقق تلك الأمور الثلاثة من أجل ذات المرسِل و ليس من أجل المرسَل! إذن، الأوامر المتعددة لا تتعلق بالضمير المتصل "كَ"، بل تتعلق بالفعل أَرْسَلْنَا فان اشکال السیاق یرتفع.
ولكن نظرًا لأن الإيمان بالله ورسوله في بداية الأمر قد تم تعليقه، فإن هذا الوهم يُدفع بأنه لا يتعلق إلا بالله، حيث أن عدم الوصول إلى ذات الله سبحانه وتعالى قد جعل الامتثال لأوامره في ما يتعلق برسوله هو الأساس، لأن تجلي الألوهية خاص به وحده.
و التوضيح أن التجلي يكون على نوعين؛ إما في مرتبة الربوبية أو في مرتبة الألوهية. المرتبة الأولى خاصة بموسى الكليم عليه السلام حيث يُستشهد بذلك في البيانالشريففَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ(1)أما مرتبة الألوهية فهي مرتبطة فقط بالنبي المصطفى صلي الله عليه و آله لأن هذا النبي الكريم صلي الله عليه و آله قد بلغ الفناء التام، حيث تحقق فيه التجلي الألوهي؛ إكرام الله إكرام له و يد الله هي يده؛ و بناءً عليه، جاء في السورة التاليةإِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ای بیعة مع الرسول اعنی بیعة مع الله.
إذن، إما أن تكون الضمائر متعلقة بالنبي صلي الله عليه و آله أو بالله تعالى، أو بشيء بينهما؛ ولكن في الحالة الحقيقية و في سياق حديث القُدسي المتعلق بقرب النوافل، إذا رجعت الضمائر إلى أيٍ منهما فلا فرق في ذلك؛ لأن تعظيم النبي صلي الله عليه و آله هو تعظيم لله، و نصره هو نصر إلهي، وتسبِّحه هو تسبِّح لله تعالى؛ وبالتالي، كلما صعد الإنسان في مقامه و بلغ مرتبة عظيمة كما في قوله تعالى:ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(2)فلا يوجد أي تمييز بينه و بين الذات الإلهية في تعظيمه و توقيره.
الأمر في بُكْرَةً وَ أَصِيلَاً يدل على التأكيد على الاستمرار في تسبيح الحق. تفسير تسنيم(3)يرى أن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الله لتوقيره و تعزيزه، لذا يجب عليه أن يساند خليفته، و هو النبي الكريم صلي الله عليه و آله .
في قراءة بعض القراء مثل ابن كثير، يتم قراءة الأفعال الأربعة ب- (ياء الغيبة)، أي: يَعَزِّرُهُ، يُوقِّرُهُ ويُسَبِّحُهُ وبالتالي فإن المعنى يتحول من الخطاب إلى الغياب.
النکت و الاشارات
في البداية، بعد بيان بعثة النبي الكريم صلي الله عليه و آله أمر الله تعالى بموضوع "التعزير"؛ كلمة "التعزير" مأخوذة من الجذر العربي "عزر"، الذي في رأي الراغب الأصفهاني یعني: النصرة، العون، و التعظيم، وقد بيّن في أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد أن "التعزير" يشمل المساعدة بوسائل متعددة: باليد، أو اللسان، أو السيف، أي تقديم الدعم المادي.
من الأدلة القرآنية على هذا المعنى، قوله تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: وَ آمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ(1)بمعنى أنكم يجب أن تقدموا الدعم الكامل للأنبياء، من خلال كل الطرق بالنظر إلى هذه المعاني، يمكننا أن نفهم أن المسلم مطالب بأن يساعد و يؤيد دين الله و رسوله صلي الله عليه و آله بعد معرفة الهدف من بعثته، و هو الأمر الذي حدده الله تعالى؛ أي أن المسلمين مكلفون بمساندة دين الله و رسوله صلي الله عليه و آله على النحو الذي يريده الله.
أما بالنسبة لاستخدام "التعزير" وفقًا لمعناه الأصلي (المنع)، فيعني أن المسلم يجب أن يحمي دين الله و رسوله صلي الله عليه و آله ، و يمنع إيذاءهم من قبل أعداء الدين؛ على سبيل المثال، في صلح الحديبية، قام المسلمون بمساندة الدين و أداء البيعة(2).
في الأمر الثاني، يخاطب الله سبحانه و تعالى عباده بضرورة تعظيمه و توقيره؛ مادة
"التوقير" مأخوذة من الجذر "وقر"، الذي يعني الثقل و الوقار، و يدل في معناه على الوقار و الهيبة؛ بمعنى آخر، يأمر الله تعالى عباده بأن يعتبروا ذاته المقدسة عظيمة، و خاصة فی أحداث الحديبية و أمثالها، حيث يقول في موضع آخر:مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(1)أي لماذا لا تعظمون الله؟ و هذه العظمة تعني أن الله تعالى يجب أن يُعظم و يُوقر بشكل تشريعي و اعتباري في قلوب المؤمنين.
أما في الأمر الأخير، فإن الله سبحانه و تعالى يأمر بتسبيحه، حيث أن مادة "سبح" تعني الطهارة و التنزيه؛ بمعنى آخر، يجب على المسلم أن يطهر و يعظم الله سبحانه و تعالى عن كل عيب أو نقص؛ كما أن جميع المخلوقات تسبح الله تعالى و تُظهر تنزيهًا له على أساس نعمة الوجود التي أعطاها الله لها، كما قال تعالى:تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِّنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ(2).
في هذا السياق، فإن الأوامر الثلاثة "التعزير، التوقير، و التسبيح" ترتبط مباشرة بالضمائر في الآية، التي يمكن أن تعود إلى الله تعالى، و هو ما ناقشه العلامة الطباطبائي في رده على الشيخ الطوسي رحمه الله ، كما ذكرنا سابقًا، ليس هناك فرق كبير بين تعظيم الله و رسوله صلي الله عليه و آله لأن من قال:إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَ مَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(3)فإن نصرته هي نصرة لله، و عظمته هي عظمة الله سبحانه و تعالى؛ و لهذا يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِوَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينً(4)أي أن إيذاء النبي صلي الله عليه و آله هو إيذاء لله تعالى، و بالتالي، فإن إكرام النبي صلي الله عليه و آله هو إكرام لله.
إِنَّ اَلَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اَللّٰهَ يَدُ اَللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِمٰا عٰاهَدَ عَلَيْهُ اَللّٰهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً 10
التفسیر
بعد أن ذكر الله تعالى بعث النبي الكريم صلي الله عليه و آله و أمر بالطاعة التامة له بصفته خليفة الله، جاء في آية أخرى بيان للبيعة و الطاعة التي يجب أن تتم معه.
الآية الكريمة هي جملة خبريّة تحمل ماهیة تعليميًا و إرشاديًا، تبرز أهمية و قيمة البيعة مع النبي صلي الله عليه و آله ، كما تذمّ نقض هذه البيعة و عدم الوفاء بها.
وفقًا لظاهر الآية، فإن هذه البيعة بالنسبة لحالة المبايعين ستنتج نتيجتين مختلفتين؛ فالإلتزام بهذه البيعة يؤدي إلى ثواب الله، بينما نقضها يعود بالضرر على الناقض و يؤدي إلى عذاب الله.
وفقًا لظاهر الآية الشريفة، فإن هذه البيعة تتعلق بمسألة بيعة الرضوان في الآية الثامنة عشرة؛ وبناءً على ذلك، أطلق بعض المفسرين على الآية الكريمة:إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ
إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهُ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا بِآيةِ الشرط، وذلك لأنّ الإشارة إلى رضا الله عن الصحابة في الآية الثامنة عشرة، التي قال فيها: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ... ليست مطلقة، بل هي مشروطة كما ذكر النص، حيث يكون رضا الله عنهم ما داموا لم ينكثوا بيعتهم، فشرط رضا الله هو عدم نقض البيعة مع رسول الله صلي الله عليه و آله . و بحسب الترتيب النزولي للآيات، يتضح أن نزول هذه الآية كان قبل نزول الآية الثامنة عشرة، التي ورد فيها لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ(1)و هكذا، كانت الآية الشريفة تهدف إلى تقوية إيمان المسلمين و تعزيز البيعة التي تمّت بينهم و بين الرسول في الآية المنظور؛ و مع ذلك، فقد رأى علي بن إبراهيم رحمه الله أن نزول آية الرضوان كان متقدمًا على آية الشرط.
ثم يتضح من الآية أن الله تعالى يصرح للنبي صلي الله عليه و آله بأن الذين بايعوه في بيعة الرضوان قد بايعوا الله، و قدموا أنفسهم تحت مشيئة و ملك النبي، و هذا أمر ذو طابع اعتباري؛ إذ تشير كلمة "البيعة" إلى أن المبايعين يضعون أنفسهم تحت تصرف المبايع عليه.
في هذا السياق، أشار العلامة الطباطبائي رحمه الله إلى أن العرف العربي كان يقضي عندما يريدون تثبيت المعاملة، يتصافحون بالأيدي، فالمعنى الحقيقي للبيعة هو أن المبايع يعطي يده للمبايع عليه، قائلاً: "هذه يدي لك، تصرف بها كما تشاء(2).
ما بالنسبة لماهية هذه البيعة و طرفها الآخر، يقول الله تعالى إن هذه البيعة ليست مثل البيعات المتعارف عليها في المجتمع، بل هي بيعة مع النبي صلي الله عليه و آله و هي في الحقيقة بيعة مع الله، حيث تُوضع يد العبد في يد الله عن طريق رسول الله صلي الله عليه و آله و هذا الكلام
يوضح قيمة وأهمية هذه البيعة؛ وفي أماكن أخرى ذكر الله تعالى أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهمإِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ(1)ولكن هذا البيع ليس كالمعاملات الدنيوية التي قد تحتوي على نقص أو خلل، مثلما ورد في قولهإِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ(2)بل هو بيع مع الله، و المقابل لهذا البيع هو الجنة، كما ذكر في الآية بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ و في النهاية يكون الفائز هو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(3)بناءً عليه، المقصود من هذه البيعة ليس فقط بيعة مع رسول الله صلي الله عليه و آله بل هي في الحقيقة بيعة مع الله، فالمبايعون هم المسلمون في بيعة الحديبية، أما المبيع في هذه البيعة فهو يشمل القتال في سبيل اللهيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ(4)و ذلك لأن الموقف كان في سياق الحرب، و كان هناك احتمال كبير للقتال.
في الموضع الذي ذُكرت فيه استعارة التخیلیة "يد الله"، الهدف من ذلك هو تعظيم مقام رسول الله صلي الله عليه و آله في أوساط المسلمين، حيث يُبلغهم أن اليد التي بايعوه بها هي في الحقيقة يد الله، لأننا سبق أن ذكرنا أن من كانت أعماله على النحو الذي قال الله تعالى: إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيَايَ وَ مَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(5)، فإن عمله يكون عملًا إلهيًّا و في مقام الفعل یده هي يد الله و في آيات أخرى أيضًا، أشار الله تعالى إلى هذا المعنى و المقام، حيث قال في آية شاملة:مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ(6)كما هو واضح، الأمر في الطاعة مطلق لكليهما.
في هذا السياق، ذكر مفسرون آخرون مثل المرحوم الطبرسي رحمه الله تعابير مثل "لأن طاعتك طاعة الله"(1)، حيث نقلوا قولين يوضحان أن المقصود من الضمير الجمعي المذكر الغائب في قوله تعالىفِي أَيْدِيهِمْ هو نفس جماعة المبايعين؛ ومن خلال ذلك، يعلن الله سبحانه و تعالى لرسوله صلي الله عليه و آله أن يد القدرة و البيعة ذات العظمة الإلهية أعلى و أسمى من اليد التي أعطاها المبايعون لك.
الجزء الأخير من الآية الكريمة يأتي في مقام الاستنتاج من الكلام السابق، حيث يقول: إِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ أي أن من ينكث بيعتَه لن يلحق الضرر بدين الله و لا برسوله صلي الله عليه و آله أي أن استمرارية هذا الدين ليست متوقفة على أن يظل متعطلًا إذا نقضوا عهودهم، بل إن الناقض ظلم نفسه بكسره للبيعة مع الله؛ أما في الجهة الأخرى، من أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهُ فإنه حتماً سيحصل على وعدفَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
عبارة عَلَيْهِخلافاً للمشهور، تُقرأ بضم الهاء؛ و قد قدّم المفسرون في هذا الصدد تفسيرات عدة؛ فبعضهم يرى أن الهاء كانت في الأصل ضمير "هو" الذي حُذفت منه الواو، فتم ضمّ الهاء؛ ومع ذلك، بما أن كلمة "اللَّه" قد وردت بعدها في هذا الموضع فإن المعنيين جائزين، إلا أن القراءة بالضمة تعدّ أفصح و أكثر بلاغة.
النکت و الاشارات
بعد نزول النبي صلي الله عليه و آله في الحديبية و خبر قتل رسوله، أخذ البيعة من المسلمين على أن يدافعوا عن دين الله بكل طاقتهم؛ وفي تلك الأثناء، بايع البعض و امتنع آخرون عن البيعة، فكان أول من بايع في تلك الواقعة الإمام علي عليه السلام ثم مجموعة أخرى من
1) . مجمع البیان، ج9، ص173 .
الصحابة؛ و لذلك، بعد تلك الواقعة، قال الله سبحانه و تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ(1)في هذه الواقعة، بقي كثيرون على عهدهم بينما نقض آخرون العهد، لذا في هذا السياق، قال تعالى - في أحد الوجوه - للذين بايعوا: "أنتم لم تبايعوا رسول الحق فقط، بل بايعتم الله أيضًا".
و يعتقد بعض المفسرين أن المقصود من "اليد فوق أيديهم" هو يد رسول الله صلي الله عليه و آله التي هي أعلى من يد المبايعين، ولكن مما يظهر من ظاهر الآية أن "يد الله" ليست يد النبي صلي الله عليه و آله ، بل هي يد الدعم و النصرة الإلهية على النبي صلي الله عليه و آله ؛ فيبدو أن المعنى المقصود هو أن يد الله في نصرته أعلى من يد المبايعين (والله أعلم بكتابه).
أما بالنسبة لكلمة "يد"، فهناك العديد من المعاني المجازية و الاستعارية، ففي بعض الأحيان يراد بها السيطرة على شيء ما، كما في قوله: "الأمر بيد فلان"، و أحيانًا أخرى قد تعني الملكية، كما في قوله:سُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ(2).
إذا كانت "اليد" تعني القوة، كما صرح بذلك بعض العلماء مثل المرحوم الطوسي رحمه الله في "التبيان"، فالمقصود بذلك هو قُدْرَةُ اللَّهِ فَوْقَ قُدْرَتِهِمْ، و من ناحية أخرى، فإن العديد من المتكلمين يفهمون هذا المعنى كذلك؛ و هناك آية أخرى تدعم هذا المعنى، و هي قول الله في حق داود النبي عليه السلام وَ اذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ(3).
إذا كان معنى (اليد) بحسب الآية الشريفة بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ(4)هو النعمة، كما يُقال: لِفلانٍ عندي إِيَادِي كَثِيرَةٌ، فإنّ المقصود ب- «إِيَادِي» هو النعمة و الفضل الكثير. و بنفس المعنى يُفهم من الآية الشريفة أن نعمة الله فوق نعمتهم و إحسانهم.
بعض من مفسری القرآن یعتقدون أن المقصود من الآیة الشریفة هو أن من بايعوا یجب أن یعلموا أن كل ما یمتلكونه من قدرة و نعمة إلهیة هو أرفع و أعظم من ذلك.
بخلاف المعاني التي تم ذكرها، ذكر بعض المفسرين لِ- (يد) عدة أوجه، و أهمها يمكن بيانها في عدة وجوه: 1.يد الحفظ و الحراسة،2.يد الثواب، 3.يد المغفرة.
بعض من مفسری الفریقین یعتقدون أن المقصود من "ید الله" فی قوله تعالی: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ هو "ید الرسول"؛ و بناءً على ذلك، في تفسیر الآیة، ید رسول الله صلي الله عليه و آله أعلى من ید بیعة المؤمنین و المبایعین.
و یُمکن تفسیر هذا التعبیر بطريقة أخرى، حیث أن المسألة تتعلق بحصول الولایة و القرب الإلهي، كما ورد في قوله إذا امتثل العبد للنوافل الإلهیة(1)، یصل إلى ذلك المقام، و في هذه الحالة، یصبح هو مصداقًا فعليًا لِ- "یَدِ الله" في العمل؛ و من هنا، أحد العناوین التي ذکرها بعض من أهل المعارف تحت حدیث قدسي: کنت سمعه الذی یسمع به..."، هو قوة أسماء الله للإنسان الكامل.
في روايةٍ أوردها أبان تغلب عن وجود النبي الكريم صلي الله عليه و آله يذكر فيها حضرته في سلسلة من أقواله الإلهية في ليلة المعراج تأكيده على مسألة قرب النوافل، حيث قال: وَمَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَة(2).
1) . قرب النوافل و قرب الفرائض، مراتب من القرب السلوكي التي تتحقق بالتتابع من الالتزام بالنوافل (المستحبات) و الفرائض (الواجبات)؛ وفقًا لرأي القيصري (أنظر: شرح فصوص الحکم، ص350)، فإن هذه المرتبة، التي أن الحق في مقام جوارح العبد، ناتجة عن فناء العبد في صفات الحق؛ وهذا الأمر ينطبق على الأئمة، كما نقرأ في الحديث الشريف: و نحن لسان الله و نحن وجه الله و نحن عین الله فی خلقه.
2) . الکافي، ج 2، ص352 .
إذاً إذا أصبح العبد محبوبًا عند الله بهذه الوسيلة، قال الله تعالى: فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، ثم بيّن الله سبحانه و تعالى ما يحدث بعد محبة العبد، حيث يقول: كُنتُ إِذَا سَمِعَهُ السَّمْعَ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، و بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، و لِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، و يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا. العبد المتقرب بالنوافل يصل إلى مقام يكون فيه الله تعالى في مقام الفعل يده و أذنه، و هذه الأمور لا تندرج ضمن مقام الذات، بل هي في مقام الفعل.
أما في الآية الكريمة، المقصود في قوله وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ، إذا كان المقصود من "اليد" أو بالأحرى اليد التي تكون نحو الله، فإن ذلك يعبر عن أن الله في مقام الفعل هو يد رسوله صلي الله عليه و آله و لهذا فإن يد الرسول في مقام اليد الإلهية هي فوق "أَيْدِيهِمْ".
كما تم الإشارة بإيجاز إلى هذا المصطلح، تبين أن جذره من (بيع - يبيع)، والذي يعني
العقد، وقبول السيادة والولاية من الآخرين؛ وفي بعض قبائل العرب، كان يُطلق على البيعة "الصفقة"، لأن الطرفين كانا يضربان أيديهما ببعض عند إتمام المعاملة، بحيث يُسمع صوت هذا التصفيق، وقد رُوي عن رجل عربي قوله: صَفَقتُ لَهُ بالبيعة صفقة؛ و على هذا الأساس، فإن أمير المؤمنين علي عليه السلام عبّر عن المعنى نفسه قائلاً: إن أخسر الناس صفقة وأخبهم سعياً، رجل أخلَق بدنه في طلب ماله(1).
إن قضية النبوة و حكومة خاتم المرسلين صلي الله عليه و آله كانت، كما في العديد من الأنظمة و الحكومات، مرهونة بتحقق الأفعال و الحركات السياسية، و من ضمنها البيعة، من هذه الأمثلة:
1) . نهج البلاغة، الحکمة 430 .
بيعة العشيرة: كانت هذه البيعة في سياق نزول الآية وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (1)حيث طلب النبي الأكرم صلي الله عليه و آله من أفراد عائلته و المقربين منه أن يبايعوه لمساعدته في مهمته النبوية؛ وفقاً لما نقلته المصادر من1. الفريقين، كان فقط أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي بايع النبي في تلك الحادثة.
بيعة العقبة الأولى :حدثت هذه البيعة في العام الثاني عشر من البعثة، حيث بايع عدد من أهالي يثرب النبي الأكرم صلي الله عليه و آله في مكان يُسمى "العقبة". تُعرف هذه البيعة أيضاً ب-«بيعة النساء».
بيعة العقبة الثانية: هذه البيعة كانت استمرارية للبيعة الأولى، حيث جرت في العام التالي لها؛ و بموجبها، بايع اثنان و سبعون من أهالي يثرب النبي صلي الله عليه و آله و في هذا الصدد، قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ مِيثَاقَهُ الَّذِي وَ اثَقَكُم بِهِ(2)و تسمى هذه البيعة أحياناً "بيعة الحرب".
بیعة الغدیر: هذه البيعة جرت في السنة الثانية عشر من الهجرة بين النبي صلي الله عليه و آله و المسلمين مع أمير المؤمنين علي عليه السلام ، حيث تم بموجبها تعيين أمير المؤمنين عليه السلام إماماً للمسلمين و ولياً لهم؛ و وفقاً لما ذكره التاريخ، أمر النبي صلي الله عليه و آله بإحضار ماءٍ، فكانت النساء تضع أيديهُن في جهة من الماء، بينما كان أمير المؤمنين عليه السلام يضع يده في الجهة الأخرى، ليبايعن بهذه الطريقة؛ و بذلك تمت بيعة النساء أيضاً؛ كما أمر النبي صلي الله عليه و آله النساء بأن يباركن و يهنئن الامام و أكد هذا الأمر بالنسبة لأزواجهن.
في بيان عام، يمكن تقسيم هيكل البيعة إلى عدة أقسام بناءً على ما ذكره المؤرخون الإسلاميون؛ من حيث الموضوع، قد تكون البيعة عامة و شاملة لجميع الأمور، وفي هذه الحالة، يتعهد المبايع بالامتثال لجميع أوامر المبايَع؛ وأحياناً تكون البيعة خاصة، حيث يتعهد المبايع بالامتثال لبعض الأوامر أو جزء منها فقط.
أما في سياق بيعة الرضوان، فقد اعتبر بعض المؤرخين هذه البيعة من النوع العام، أي أن جميع المسلمين بايعوا رسول الله صلي الله عليه و آله على الدفاع عن الدين حتى آخر لحظة من حياتهم؛ ومن ناحية أخرى، تقول بعض الروايات أن هذه البيعة كانت من النوع الخاص، حيث تعهد المسلمون بعدم الفرار من ساحة المعركة أو على الأقل عدم تركها، كما ذكر الواقدی في "طبقات الکبری" قائلاً: وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ(1).
ومع ذلك، يبدو أن القول الأول هو الأصح، أي أن المسلمين قد تعهدوا بالقتال و الدفاع عن دينهم حتى الموت والامتثال لجميع أوامر النبي صلي الله عليه و آله حيث قال الله تعالى: رَضِيَ اللّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ(2)و عندما قال الله رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ(3)فإن ذلك يعني أن المسلمين أيضاً كانوا راضين عن الله تعالى.
من جهة أخرى، من أقوال بعض الصحابة مثل سلمة بن الأكوع، الذي سئل عَلَىٰ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ؟ فأجاب: عَلَىٰ الْمَوْتِ(4)يتضح أن البيعة العامة هي الأقرب للحقيقة.
قضية البيعة (العهد المقدس) هي، بغض النظر عن الأبعاد و الظروف التي تنطبق على حال المبايع و المبايع له، جوهرها يكمن في الكشف عن حرية البشرية في اختيار مسار حياتها المادي، وبالتالي هي مبنية على عدم الإكراه و الإجبار.
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ القيم والاعتبارات التي أُعطيت لهذه القضية وأهميتها، وكذلك ضرورتها الوجودية في كل عصر، تبرز حقيقة أن التشكيلات الاجتماعية البشرية لم تشهد يوماً غياب هذا المبدأ، بل كانت تشهد تغيراً في أسس وطرق تطبيقه، ففي بعض الأحيان كان يتم تطبيقها مثلما كان يحدث في قبائل العرب من خلال المصافحة، وفي عصور حديثة قد يتم من خلال آلية الانتخابات و التصويت؛ و بالتالي، يظهر أن جوهر البيعة ثابت، بينما طرق تنفيذها متنوعة.
من منظور الدين الحنيف، تم تسليط الضوء على عظمة البيعة و وضوح مكانتها في المجتمع، وتم التوقيع على تلك المكانة و إقرارها.
و في السياق التعبيري للوحي، نجد أن الحديث عن البيعة مصحوب بأمر بالتمسك بها، مثلما ورد في قوله مَن نكث فقد ضر نفسه، و في موضع آخر ذكر أن "الخير لا يكون إلا بالإيمان بالله و نبيه و بكل ما يتصل بالإيمان، حتى وصلت النصوص إلى القول وَ المَوْفُونَ بِعَهْدِهِم اِذا عَاهَدُوا(1).
و في مواضع أخرى، وصف الإنسان بأنَّه مسؤول عن معاهداته و بيعاته وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً(2)و يستمر التأكيد على أهمية هذه القضية إلى أن قال :
فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ وَ كُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ(1)مما يعني أنَّ من ينقض العهد مع الله و رسوله سيقع في عذاب الله. لذلك، فإنَّ جوهر البيعة هو أمر يلتزم به المبايع بعد انعقادها عرفاً، عقلاً، وشرعاً، ولا ينبغي له نقضها بغير سبب؛ لهذا السبب، ذكر الإمام عليّ عليه السلام في بيانه أن من حقوق الحاکم على الناس هو الوفاء بالبيعة والحفاظ على حق المبايع له، حيث قال: وأما حقّي عليكم فالوَفاءُ بالبيعة و النصيحة في المشهد و المغيب والإجابة حين أدعوكم و الطاعة حين آمركم(2).
أبو زيد عبد الرحمن بن محمد من رواد علم الاجتماع، في تعريفه للبيعة، يعتبر ماهيتها على النحو التالي:
اعلم إن البیعة هو عهد علی الطاعة، کأن مبایع یعاهد امیره علی انّه یسلم له النظر فی امر نفسه، و امور المسلمین لا ینازعه فی شي من ذٰلک، و یطیعه فیما یکلف به من الأمر علی المنشط و المکره، و کانوا اذاً بایعوا الأمیر و عقدوا عهده جعلوا أیدیهم فی یده تأکیداً للعهد، فأشبه ذٰلک فعل البایع و المشتری فسمی بیعة، مصدر باع.
و صارت البیعة مصافحة بالأیدی هٰذا مدلولها فی عرف اللغة و معهود الشرع و هو المراد فی الحدیث فی بیعة النبي صلي الله عليه و آله لیلة العقبة و عند الشجرة و حیثما ورد هذا اللفظ، و منه بیعة الخلفاء و منه أیمان البیعة. کان الخلفاء یستخلفون علی العهد و یستوعبون الإیمان کلّها لذٰلک فسمی هذا الاستیعاب أیمان البیعة، وکان اکراه فیها
اکثرا و اغلب و لهذا لمّا افتی مالک رضی عنه بسقوط یمین الإکراه، و انکرها الولاة علیه و رأوها قادحة فهی احیة الملوک الکسرویة من تقبیل الارض، او الید او الرجل أو الذیل اطلق علیها اسم البیعة التی هی العهد علی الطاعة مجازاً لما کان هذا الخضوع فی التحیة و التزام الآداب من لوازم الطلاعة و توابعها، و غلب فیه حتی صارت حقیقته عرفیة و استغنی عن مصافحة ایدی الناس التی هی الحقیقة فی الأصل لما فی المصافحة لکل أحد من التنزل و الابتذال المنافقین للرياسة و صون المنصب الملوکی الّا فی الأقل ممن یقصد التواضع من الملوک فیأخذ به نفسه مع خواصه و مشاهیر اهل الدین من رعیته...)(1).
النقطة الأخرى التي تعدّ مهمة في هذا السياق هي دراسة محتوى البيعات التي تمت بين رسول الله صلي الله عليه و آله و بين الأعراب في عصر النبوة.
إن حقيقة هذه البيعات، رغم أنها عامة لتأكيد حاكمية المبايع له، إلا أنها ليست كذلك بالنسبة للرسول صلي الله عليه و آله ؛ بل كما هو واضح، فإنه نبيٌّ بمقتضى التعيين الإلهي، فلا يحتاج بما أنه رسول، إلى تأكيد أو تنصيب من خلال البيعة.
ما هو موضوع النقاش هنا هو أن البيعة في الآية الشريفة وفي بيعاته صلي الله عليه و آله كانت مجرد طابع تكريمي و تشريفي، وكان الهدف منها تقوية روح الإيمان لدعم ومساندة النبي في مواقف متعددة، و ليس لتأكيد نبوته و ولايته المطلقة؛ و لذلك، لم تكن تأكيدًا ولا إنشاءً! هذا الأمر ينطبق على النبوة و الإمامة، لكن في حالة الحاكمية الدينية، فإن البيعة العامة و المقبولية من المجتمع هي أحد أركان الحكم؛ لذا، بدون هذه النقطة
1) . مقدمة ابن خلدون، الفصل التاسع و العشرون (فی معني البیعة)، ص 201 .
الأساسية، تكون الحاكمية السياسية ضعيفة و قابلة للانهيار؛ لهذا، قال الإمام علي عليه السلام في بيانه عن عدم طاعة المسلمين له، قال: وَلَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ(1)، و هذه هي نفس المقبولية الاجتماعية التي تتحقق من خلال البيعة.
فيما يخص الآية التي قال فيها إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ.. في بداية البيان، بيّن الله سبحانه و تعالى الجانب المتعلق بالوعد في هذه المعاهدة، حيث قال:إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ أي أن من بايع، في الحقيقة، بايع الله تعالى؛ وهذه البيعة مع الله تؤدي إلى جزاء عظيم، كما قال تعالىفَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
و في بيان النقض، أضاف جانب الوعيد، فقالفَمَن نَكَثَ، أي أنه سيتضرر من نقضهفَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ(2)وبالتالي سيكون له عقاب.
أما ماهية هذا العقاب، التي بيّنها بشكل عام بقولهيَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، فيتضح في آيات أخرى أنه قد يكونأُو۟لَ-ٰٓئِكَ هُمْ الْخَٰسِرُونَ(3)أو قد يكون مصيرهمسُوٓءُ الدَّارِ(4)أما في الجانب الآخر، أي من يفي ببيعة الله -المبايع- فإن الوعد له هو الجنة و رضا الله، و هو وعدٌ حتمي.
و من المهم أن نلاحظ أنه كما أعلن الله تبارك و تعالى و أمر بالوفاء بالعهد والبيعة، فإنه هو أيضاً قد وفى بوعده و وعيده، و أكد ذلك في جميع مواقفه.
في بيان مسألة قرب النوافل، تبيّن أن الله تعالى، إذا كان العبد في مقام امتثال النوافل، فهو في مقام الفعل، يده، أذنه و لسانه.
إنّ الوجود المقدس للأئمة المعصومين عليهم السلام هم خلفاء النبي الأكرم صلي الله عليه و آله و هم مظاهر الأسماء والصفات الإلهية على الأرض، حيث وردت أحاديث قدسية و أحاديث نبوية كثيرة حول فضائلهم وخصائصهم؛ من بين تلك الفضائل، التصريح بتلك الصفات التي تمّ بيانها في قرب النوافل، و التي من خلالها كانوا مظاهر تامة كما جاء في قوله: وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا(1)و مثل هذا التشابه يظهر أيضًا في الأدعية الواردة و زيارات المعصومين، حيث نُسبت هذه الأمور إليهم؛ بناءً على ذلك، فإنّ "يد الله" من صفات أمير المؤمنين عليه السلام كما قال بنفسه :أَنَا عِلْمُ اللَّهِ و َأَنَا قَلْبُ اللَّهِ الوَاعِي وَ لِسَانُ اللَّهِ النَّاطِقُ و َعَيْنُ اللَّهِ النَّاظِرَةُ و َأَنَا جَنْبُ اللَّهِ وَ أَنَا يَدُ اللَّهِ(2)و في مكان آخر قال: أَنَا يَدُ اللَّهِ المَبْسُوطَةُ عَلَى عِبَادِهِ بِالرَّحْمَةِ و َالمَغْفِرَةِ(3). و يجب أن نعلم أن هذا الفيض لا ينقطع و ليس مرتبطًا بزمن أو ظرف معين، كما أنه ليس خاصًا بإمام بعينه.
من وجهة نظر الفخر الرازي، المسلمون من جهةٍ ما قد انقسموا إلى فئتين: أهل التنزيه و المجسمة؛ أما بين المتكلمين من مذهب الشيعة، فإن الحديث عن التجسيم و تصور الجسم للذات الإلهية أمرٌ مستحيل! لأن الجسمية تؤدي إلى التحديد و النقص.
في فرقة المجسمة، الحشوية من أهل الحديث و فرقة الوهابية السلفية و بعض الأشاعرة مثل أبي الحسن الأشعري، والشافعي و أبي حنيفة، قد اتجهوا إلى التشبيه و التجسيم بطرق متعددة؛ و بالفعل، كان نهجهم متنوعًا؛ ففي بعض الأحيان صرحوا بأن الجسمية لا یحسب محال على الله، و في أوقات أخرى قالوا بأن مسألة الجسمية لا يتم نفيها ولا تأكيدها! في هذه الحالة، يُعتبر القول بنفي أو إثبات الجسمية لله تعالى بدعة، فقال بعضهم:بدعةً لم يقلها أحدٌ من سلف الأمة(1)و هذا القول هو قول ابن تيمية و أمثاله، الذي، كما ذكر ابن الوردِي في تتمة المختصر، تم حبسه بسبب هذه الآرائه.
يجب أن نأخذ في الاعتبار أن التوجه نحو التجسيم في شكله العام ناتج عن الطبيعة الذاتية و الفطرية للإنسان؛ لأن الطبع في جميع الأمور يميل إلى أن يكون له شكل ذهني أو مصداق محسوس لشيء ما؛ كما يمكن العثور على الحسّية في العرب بشكل واضح وفقًا لتفسير الطبري(2).
الآيات التي استند إليها المجسمة هي آيات مثل قوله تعالىيَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ حيث تبين أن المقصود هو القوة لا اليد الجارحة.
و من الآيات الأخرى التي يذكرونها قوله تعالىوَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإكْرَامِ(3)و التي توضح التفاسير أن المقصود من "الوجه" ليس الوجه بالمعنى الحسي،بل هو الذات الإلهية؛ و هناك آيات أخرى في هذا السياق التي يرد فيها قول الله تعالى في ردٍّ على الجميع لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(4)أي أن ذاته المقدسة ليس لها مثيل.
وفي بيان آخر، وبكلام جامع موجه إليهم، نقض الله تعالى جميع هذه الأوهام الباطلة، حيث قال:فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ(1)و في هذا البيان، خرج "الوجه" من شكله المحسوس، بسبب الوصف ب-أَيْنَمَا تُوَلُّوا.
و أما في بيان ضرورة وجود الأئمة المعصومين عليهم السلام يجب أن نأخذ في الاعتبار أنه لو لم يكن هؤلاء الهداة الإلهيون، لما كنا نعرف كيف تكون رؤيتنا و تصورنا اليوم حول هذه الصفات الخبرية؛ و على هذا الأساس، فقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام في بيان نوراني، مخاطبًا يونس بن ظبيان الأزدي، في شبهته: أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ شَيْئَانِ جِسْمٌ وَ فِعْلُ الْجِسْمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّانِعُ بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفَاعِل؛ قال الامام عليه السلام فی جوابه: عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ وَ الصُّورَةَ مَحْدُودَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ فَإِذَا احْتَمَلَ الْحَدَّ احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَ النُّقْصَانَ وَ إِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَ النُّقْصَانَ كَانَ مَخْلُوقاً قَالَ قُلْتُ فَمَا أَقُولُ قَالَ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ هُوَ مُجَسِّمُ الْأَجْسَامِ وَ مُصَوِّرُ الصُّوَرِ لَمْ يَتَجَزَّأْ وَ لَمْ يَتَنَاهَ وَ لَمْ يَتَزَايَدْ وَ لَمْ يَتَنَاقَصْ لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْخَالِقِ وَ الْمَخْلُوقِ فَرْقٌ وَ لَا بَيْنَ الْمُنْشِئِ وَ الْمُنْشَإِ لَكِنْ هُوَ الْمُنْشِئُ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ وَ صَوَّرَهُ وَ أَنْشَأَهُ إِذْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَ لَا يُشْبِهُ هُوَ شَيْئا(2).
في هذا البيان، ينفي الإمام عليه السلام الجسمية عن الله تعالى من خلال عدة بيانات عقلية، أهمها ما يلي:
الجسم له حدود.
و بالتالي فإنه عرضة للنقص و التغيير.
و كل ما كان كذلك، فإنه في الواقع ممكن الوجود و مخلوق.
فخلاصة الكلام أن كل مذهب من المذاهب الإسلامية قد اتخذ نهجًا خاصًا في صفات الله الخبرية، و التي يمكن تلخيصها في عدة اتجاهات، منها: التشبيه و التجسيم (الإثبات بلا تأويل – الإثبات مع التكييف و التشبيه) ، الإثبات بلا تكييف و تشبيه، التفويض، و التأويل كما هو رأي المعتزلة(1)ولكن من بين هذه الطرق، فإن النوع الوحيد من الإثبات مع التأويل على نحوٍ يتّفق مع الآية، الذي هو رأي الإمامية، هو الصحيح؛ لأنه إذا لم تُثبت تلك الآيات، فإنها تكون قد نزلت بلا معنى، و إذا ثبتت و لكن لم تؤول، فيكون إثبات صفات خبرية مثل اليد وا لعين تجسيمًا له، وهو أمر غير عقلائي. لذلك، في آيات مثل وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ(2)اعتبر الأئمة عليهم السلام أن الرأي التأويلي؛ و في هذا السياق، قال الإمام الصادق عليه السلام حول العرش الذي استُخدم في تجسيمه للإشارة إلى الجسمية، أنه يقصد به العلم(3)، أو في بيان آخر، يقصد به السماوات و الأرض و كل ما يندرج تحت ذلك.
في سياق المعاهدات بين الإنسان والله سبحانه، يظهر بوضوح الحقيقة الأساسية لحرية العباد في تحديد طريقة حياتهم، حيث يمكنهم أن يكونوا من الصالحين أو من الفاسقين؛ كما قال الله تعالى:إِنّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمّا شَاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا(4)و من جهة أخرى، يتضح
1) . أشعري من القائلين بالنظریة بلا کیف، حيث يقول في (الإبانة، ص 18) في هذا الشأن: إنّ لله سبحانه وجهاً بلا کیف. یقول ابن کثیر فی (علاقه الاثبات و التفویض 46- 49): نحن نسلک مسلک الصالح و هو امرارعا کَما جاءت من غیر تکییف و لا تشبیه.
2) . سورة البقرة، الآية 225 .
3) . أبا عبد الله عن قول الله عزوجل:وسع كرسيه السماوات و الأرض قال: علمه.
4) . سورة الإنسان، الآیة 3 .
أن الله تعالى هو مالك كل ما في السماوات والأرض، و هو المالك الحقيقي والذاتي لها:وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(1)فإذا كانت الملكية لله تعالى، فإن الملاك الآخرين هم مملوكون له، وبالتالي، فإن ملكيتهم ليست حقيقية، بل اعتبارية؛ ولذلك، في سياق خبر معاهدة الله مع رسوله ومع الإنسان، قال تعالى: بالرغم من أن جُنُودَهُ محيطة بهم، لم يكن هناك حاجة للمعاهدة؛ لأن هذه الأرواح و الأجسام هي بيده، فلا حاجة لهم أن يبايعوا هو أو نبيه؛ لأنهم ليسوا مالكين لتلك "اليد" التي تبيع؛ كما صرح الله بأنه هو مالك هذه الأرواح و الأجسام، و أن بقاؤها و فناءها بيده، و كذلك الحياة و الموتإِذَا حَضَرَ عَلَيْكُمُ الْمَوْتُ(2)لكن الله سبحانه و تعالى من باب تكريم هؤلاء المبايعين و تشريفهم، تكلم عنهم كمالكين، ليضيف لها بعدًا تزيينيًا و تشريفيًا؛ و بالتالي، هذا يعود إلى تعزيز شخصيتهم الاعتبارية و جعلها أكثر عظيمة من المعتاد، لذا، الحديث عن البيعة مع الله ليس حديثًا عن بيع و شراء حقيقي، لأن الشرط الأساسي في تحقق البيع هو ملكية البائع على المبیع.
أ. فضیلة الائمه عليهم السلام فی آیه الشریفة
روی عن الصادق عليه السلام : لَمَّا هَاجَرَ النَّبِیُّ صلي الله عليه و آله إِلَی الْمَدِینَهْ وَ حَضَرَ خُرُوجُهُ إِلَی بَدْرٍ دَعَا النَّاسَ إِلَی الْبَیْعَهْ فَبَایَعَ کُلُّهُمْ عَلَی السَّمْعِ وَ الطَّاعَهْ وَ کَانَ رسول الله صلي الله عليه و آله إِذَا خَلَا دَعَا علیا عليه السلام فَأَخْبَرَهُ مَنْ یَفِی مِنْهُمْ وَ مَنْ لَا یَفِی وَ یَسْأَلُهُ کِتْمَانَ ذَلِکَ ثُمَّ دَعَا رسول
الله صلي الله عليه و آله علیا عليه السلام وَ حَمْزَهْ عليه السلام وَ فَاطِمَهْ علیها السلام فَقَالَ لَهُمْ بَایِعُونِی بَیْعَهْ الرِّضَا فَقَالَ حَمْزَهْ بِأَبِی أَنْتَ وَ أُمِّی عَلَی مَا نُبَایِعُ أَ لَیْسَ قَدْ بَایَعْنَا فَقَالَ یَا أَسَدَ اللَّهِ وَ أَسَدَ رَسُولِهِ تُبَایِعُ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ بِالْوَفَاءِ وَ الِاسْتِقَامَهْ لِابْنِ أَخِیکَ إِذَنْ تَسْتَکْمِلَ الْإِیمَانَ قَالَ نَعَمْ سَمْعاً وَ طَاعَهْ وَ بَسَطَ یَدَهُ فَقَالَ لَهُمْ یَدُ اللهِ فَوْقَ أَیْدِیکُمْ عَلِیٌّ أمیرالمؤمنین عليه السلام وَ حَمْزَهْ سَیِّدُ الشُّهَدَاءِ عليه السلام وَ جَعْفَرٌ الطَّیَّارُ عليه السلام فِی الْجَنَّهْ وَ فَاطِمَهْ سَیِّدَهْ نِسَاءِ الْعَالَمِینَ علیها السلام وَ السِّبْطَانِ الْحَسَنُ وَ الْحُسَیْنُ علیهما السلام سَیِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّهْ هَذَا شَرْطٌ مِنَ اللَّهِ عَلَی جَمِیعِ الْمُسْلِمِینَ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَجْمَعِینَفَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ عَلی نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفی بِما عاهَدَ عَلَیْهُ اللهَ فَسَیُؤْتِیهِ أَجْراً عَظِیماً ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّ الَّذِینَ یُبایِعُونَکَ...(1).
ب. تمسک الجبرئیل ب-یَدُ اللهِ فِوقَ اَیْدیهِم فی نزول آیة الولایة
حَجَّ رسول الله صلي الله عليه و آله مِنَ الْمَدِینَهْ وَ قَدْ بَلَّغَ جَمِیعَ الشَّرَائِعِ قَوْمَهُ غَیْرَ الْحَجِّ وَ الْوَلَایَهْ ... فَلَمَّا بَلَغَ غَدِیرَ خُمٍّ قَبْلَ الْجُحْفَهْ بِثَلَاثَهْ أَمْیَالٍ أَتَاهُ جبرئیل لَی خَمْسِ سَاعَاتٍ مَضَتْ مِنَ النَّهَارِ بِالزَّجْرِ وَ الِانْتِهَارِ وَ الْعِصْمَهْ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ یا مُحَمَّدُ صلي الله عليه و آله إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ یُقْرِئُکَ السَّلَامَ وَ یَقُولُ لَکَ یا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَیْکَ مِنْ رَبِّکَ فِی عَلِی عليه السلام فقال صلي الله عليه و آله ... مَنْ بَایَعَ فَإِنَّمَا یُبَایِعُ اللَّهَ یَدُ اللهِ فَوْقَ أَیْدِیهِمْ مَعَاشِرَ النَّاسِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ بَایِعُوا علیا عليه السلام أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَیْنَ عليهم السلام وَ الْأَئِمَّهْ کَلِمَهْ طَیِّبَهْ بَاقِیَهْ یُهْلِکُ اللَّهُ مَنْ غَدَرَ وَ یَرْحَمُ مَنْ وَفَی فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ الْآیَهْ(2).
ج. إتمام حجة النبي صلي الله عليه و آله بالنسبة للولاية بآية الشرط
معَاشِرَ النَّاسِ قَدْ بَیَّنْتُ لَکُمْ وَ أَفْهَمْتُکُمْ وَ هَذَا عَلِیٌ یُفْهِمُکُمْ بَعْدِی أَلَا وَ إِنَ عِنْدَ انْقِضَاءِ خُطْبَتِی أَدْعُوکُمْ إِلَی مُصَافَقَتِی عَلَی بَیْعَتِهِ وَ الْإِقْرَارِ بِهِ ثُمَّ مُصَافَقَتِهِ بَعْدِی أَلَا إِنِّی قَدْ بَایَعْتُ اللَّهَ وَ عَلِیٌّ عليه السلام قَدْ بَایَعَنِی وَ أَنَا آخِذُکُمْ بِالْبَیْعَهْ لَهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ عَلی نَفْسِهِ الْآیَهْ(1).
د. اعلان العالمی لآية البيعة في ظهور إمام الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف
مفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام : یَا مُفَضَّلُ یُسْنِدُ الْقَائِمُ ظَهْرَهُ إِلَی الْحَرَمِ وَ یَمُدُّ یَدَهُ فَتُرَی بَیْضَاءَ مِنْ غَیْرِ سُوءٍ وَ یَقُولُ هَذِهِ یَدُ اللَّهِ وَ عَنِ اللَّهِ وَ بِأَمْرِ اللَّهِ ثُمَّ یَتْلُو هَذِهِالْآیَهْ إِنَّ الَّذِینَ یُبایِعُونَکَ إِنَّما یُبایِعُونَ اللهَ یَدُ اللهِ فَوْقَ أَیْدِیهِمْ فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ عَلی نَفْسِهِ الْآیَهْ فَیَکُونُ أَوَّلُ مَنْ یُقَبِّلُ یَدَهُ جَبْرَئِیلَ ثُمَّ یُبَایِعُه(2).
ر. تبیین (ید) من جانب الامام الصادق عليه السلام
أَمَّا ن فَکَانَ نَهَراً فِی الْجَنَّهْ أَشَدَّ بَیَاضاً مِنَ الثَّلْجِ وَ أَحْلَی مِنَ الْعَسَلِ قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ لَهُ: کُنْ مِدَاداً. فَکَانَ مِدَاداً ثُمَ أَخَذَ شَجَرَهْ فَغَرَسَهَا بِیَدِهِ ثُمَّ قَالَ وَ الْیَدُ الْقُوَّهْ وَ لَیْسَ بِحَیْثُ تَذْهَبُ إِلَیْهِ الْمُشَبِّهَهْ(3).
ز. (نقض البيعة) عملٌ يلاحق عاملَه.
ثَلَاثٌ مَنْ کُنَّ فِیهِ کُنَّ عَلَیْهِ الْمَکْرُ وَ النَّکْثُ وَ الْبَغْیُ وَ ذَلِکَ قَوْلُ اللَّهِ وَ لا یَحِیقُ الْمَکْرُ السَّیِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَانْظُرْ کَیْفَ کانَ عاقِبَةُ مَکْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِینَ وَ قَالَ
جَلَّ وَ عَزَّ فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ عَلی نَفْسِهِ وَ قَالَ یا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْیُکُمْ عَلی أَنْفُسِکُمْ مَتاعَ الْحَیاةِ الدُّنْیا(1).
ش. استناد الإمام علي عليه السلام ب-یَنْکثُ عَلَی نَفْسِهِ إلى في توبيخ الناكثين
عِظَمَ خَطَإِ طَلْحَهْ وَ الزُّبَیْرِ فَقَالَ وَ أَیُّ خَطِیئَهْ أَعْظَمُ مِمَّا أَتَیَا أَخْرَجَا زَوْجَهْ رسول الله صلي الله عليه و آله مِنْ بَیْتِهَا وَ کَشَفَا عَنْهَا حِجَاباً سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَیْهَا وَ صَانَا حَلَائِلَهُمَا فِی بُیُوتِهِمَا مَا أَنْصَفَا لَا لِلَّهِ وَ لَا لِرَسُولِهِ مِنْ أَنْفُسِهِمَا ثَلَاثُ خِصَالٍ مَرْجِعُهَا عَلَی النَّاسِ فِی کِتَابِ اللَّهِ الْبَغْیُ وَ الْمَکْرُ وَ النَّکْثُ قَالَ اللَّهُ یا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّمابَغْیُکُمْ عَلی أَنْفُسِکُمْ وَ قَالَ: فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ عَلی نَفْسِهِ وَ قَالَ وَ لا یَحِیقُ الْمَکْرُ السَّیِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ وَ قَدْ بَغَیا علینَا وَ نَکَثَا بَیْعَتِی وَ مَکَرَا بِی(2).
اشارة: أ. نظرًا لأن النبيّ الإسلام صلي الله عليه و آله في واقعة غدير خم كان مأمورًا بإبلاغ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بناءً على قوله تعالىفَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتِهُ(3)، ومن جهة أخرى كان علم بغصب الخلافة عنه، فإنه عند بيانه لهذه البيعة قد أشار إلى آية تتحدث عن غضب الله على الناكثين للبيعة، و على هذا الأساس يظهر استعمال آية الشرط.
ب. بناءً على ما ورد في روايات الأئمة المعصومين عليهم السلام ، فإن أحد حتميات ظهور إمام العصر هو البيعة له؛ و بناءً على ذلك، فإن مجموعة من الروايات الشيعية تشهد على هذا الأمر؛ بناءً على ذلك، نقل حذيفة عن النبي صلي الله عليه و آله : إِنَّهُ يُبَايَعُ بَيْنَ الرُّكْنِ(4).
سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ شَغَلَتْنٰا أَمْوٰالُنٰا وَ أَهْلُونٰا فَاسْتَغْفِرْ لَنٰا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مٰا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ شَيْئاً إِنْ أَرٰادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرٰادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كٰانَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيراً 11
التفسیر
الآية السابقة في سياق بيان المبايعين والناكثين لهم، وهذا البيان في موضع ذکر أوصاف المتخلفين عن البيعة مع رسول الله صلي الله عليه و آله ؛ مع أن كلا الفريقين من أهل المدينة.
الآية الشريفة في مقام إخبار بتحقق أمر في سياق الاستقبال، حيث يخبر الله عن واقعة تاريخية حدثت، حيث قام المتخلفون و المنافقون في المدينة بتبرير امتناعهم عن نصرة رسول الله في الحديبية، فاختلقوا أعذاراً مثل انشغالهم بالأموال و أهل البيت؛ لذا فإن العنصرين: 1. الأموال، و 2. حفظ الأسرة، كانا عذراً لهم كمانع من هذا الطلب.
المقصود ب- "المخلفون" في الآية هم نفس قبائل المدينة الذين تخلفوا عن نصرة رسول الله صلي الله عليه و آله في رحلته إلى مكة في السنة السادسة؛ كما قيل، السبب الحقيقي و الرئيسي لهذا الأمر هو ما ورد في الآية الشريفة:بَلْ ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ
أَهْلِهِمْ أَبَداً(1)لذلك، قال: اشتغال بالزوج و الولد هو عذر باطل و يظهر وجه نفاقهم. وقد أشار في الآية السابقة بمضمون وَ يُعَذِّبُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَ... الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السُّوءِ(2)إلى أنهم قد نافقوا و ظنوا ظن السوء؛ ومنهنا يتبين أن المنافقين الذين تم الحديث عنهم في الآيات السابقة هم نفس المتخلفين عن الحرب الذین ذکروا انهم معذبون. إذاً، جمع الكلام أن نزول الآية كان متعلقاً بزمن ما بعد رجوع المسلمين من الحديبية، و ثانياً، أن فئة «المخلّفون» الذين سيختلقون الأعذار هم نفس الذين صرّح الله تعالى عن ظنّهم السوء ونفاقهم في الآيتين الحادي عشرة و الثانية عشرة.
فی اثناء الآیة، يخاطب الله رسوله صلي الله عليه و آله ببيان خبري غالباً ما يأتي في شأن المنافقين، فيقول:يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ(3)و في هذه الحالة أيضًا يقول: إن المتخلفين المقصودين هميَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ(4)و بالتالي، فإن ما ادعيناه من أن المنافقين في الآيات السابقة هم نفس المتخلفين المقصودين في هذه الآية يتأكد بهذا التشابه الوصفي الذي جاء في القرآن عنهم؛ كما أن بعض المفسرين، مثل المرحوم الشيخ الطوسي في "التبيان"، و المرحوم العلامة في "المیزان"، و المرحوم الطبرسي7 في "المجمع"، و عدد كبير من المفسرين الآخرين، قد رأوا أن المقصود ب- «المخلّفون» هم المنافقون الذين تخلّفوا في قبائل حول المدينة و في المدينة نفسها.
حقيقة أخرى واردت في البيان الشريفشَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَ أَهْلُونَا، هي التشابه مع
بيان آخر في القرآن الكريم يتعلق بتبريرات المنافقين و المتخلفين في سياق مساعدتهم للدين؛ إذ يظهر العنصران المال والأهل بشكل واضح، كما قال تعالى:فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنفُسِهِم.
بالنسبة لكلمة (مخلَّف) المأخوذة من (خلف) بمعنى الظهر، فقد اعتبرها البعض دلالة على الذين تأخروا، أي الذين لم يخرجوا من مدينة، بل أصبحوا بديلًا للذين خرجوا. وبناءً على ذلك، يبدو أن الآية الكريمة تشير إلى المعنى العام للتخلف و الإنصراف عن الدعوة، وعلى وجه الخصوص، إلى طلبات و أوامر النبي صلي الله عليه و آله في هذه الواقعة؛ كما جاء في مواضع أخرى بنفس السياق الموضوعي حيث قال تعالى:إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ(1)و أيضًا عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا(2)، و بناءً على هذا المعنى، يمكن التعبير عن الذین النساء اللاتي كنَّ في آخر المخيمات ب- (الخوالف)، و لذلك يقول الوحي عنهنرَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ(3).
بعد من بيان الأخبار المستقبلية و إعلان عدم حقيقة طلب الاستغفار من المتخلفين، ذكر الله تعالى الرد و طريقة مواجهة رسول الله صلي الله عليه و آله معهم، ليُظهِرَها أمامهم ويكون في موقع القوة؛ نوع هذا الرد هو: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَ تَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَ تُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَ تُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ فعندما أخبر الله تعالى عن أعذارهم الباطلة والمادية، قال في رده على المتخلفين: في هذا العالم الذي يستند إلى الأصل الحقيقي (لا مؤثر في الوجود إلا الله) و(كل قائم سواء معلول)، إذا أراد شخص أن يرى منفعة أو فائدة، فمن الذي
سيمنعه؟ وإذا كان يجب أن يكون هناك عذاب أو ضرر، فمن الذي سيمنعه؟ وعلى هذا الأساس، قال في آيات أخرى:إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ(1)،إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُضُرِّهِ(2)،إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(3).
وفقًا لمضمون الآيات الكريمة، سواء كانوا المتخلفون مع أموالهم وأهاليهم أم لا، لا فرق في ذلك؛ لأن الله تعالى هو الحافظ، وليس هم؛ فقال أنتم لستم المالكون الحقيقيون لأنفسكم فكيف بغيركم! وكذلك بالنسبة للأموال؛ كما ظن قارون أنه يحافظ على أمواله، لكن ماذا كانت النتيجة؟ قال الله تعالى:فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ(4)إذن، هذه الحماية لا تأثير لها في الحفاظ على الأموال أو في هلاكها؛ بل إذا أراد الله الحفظ، فإنه قادر على أن يحفظها حتى بشبكة عنكبوت: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ(5).
في هذا السياق، أشار الفخر الرازي(6)إلى أن شَغَلَتْنَآ اَمْوَالِناَ تُحوِّل العذر من جمع المال إلى الحفاظ عليه؛ حيث أن المتخلفين لم يقولوا (شغلتنا الأموال).
في هذا السياق، قال الله تعالى أن الذين جاءوا إليك وادعوا قائلينفَاسْتَغْفِرْ لَنَا، لم
يكن لديهم روح التوحيد التي تقتضي أن يتألموا من نتيجة أعمالهم و تخلفهم، وأن يسعوا إلى تعويض ذلك؛ بناءً على ذلك، يُعتبر موقعهم في أدنى درجات النار في آيات أخرى من القرآن الكريمإِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار(1)لأن المتخلفين المذكورين في الآية هم نفس المنافقين الذين تم الحديث عنهم سابقًا.
تخلف هؤلاء بعد أن أمرهم النبي صلي الله عليه و آله بالتوجه للمساعدة كان بسبب الدلیل الذي ذكره الله سبحانه وتعالى؛ من وجهة نظر القرآن الكريم، كان سبب هذا التخلّف أن المتخلفين لم يكونوا على يقين من عودة المسلمين إلى المدينة، و كان لهذا الأمر علتان؛ الأول أن کثیرا من الکفار قد قُتلوا في المعارك السابقة مع قريش و الإسلام، و الثاني أنهم كانوا في تلك اللحظة، وهم حوالي ألف وأربعمائة شخص، بدون سيوف وأسلحة، وبدلاً من المعدات العسكرية كانوا يحملون الهديّ والقرابين؛ کان هذان السببان من أهم الأسباب التي جعلت المتخلفين يعتقدون بعدم عودة المسلمين؛ لكن بعد أن تبيّن لهم أن الإسلام، بناءً على التعاون الدقيق معهم قد غيّر الوضع، بدأوا في التفكير بأنهم يجب أن يكونوا جزءًا من الغنائم التي قال عنها القرآن:سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ(2)وبدأوا في اتخاذ الاستعدادات لدخولها، ومن هذه الاستعدادات كان طلب الاستغفار للتكفير عن تخلفهم الأول.
القرآن الكريم كشف عن الوجه الحقيقي لهذا الطلب، حيث قال أن هؤلاء المتخلفين يعودون إليكم ليسوا تائبين! لأن التائب هو الذي يدرك حقيقة عمله ويسعى للتوبة الحقيقية، لكن الله تعالى قال أن المتخلفين يعودون إليكم بنفس النظرية و بنفس التفكيرالمنفعي؛ إذا كان كما في الحديبية، فسيقولون: شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنا وَأَهْلُونا، وإذا كان كما
في خيبر أو بعد الحديبية، فسيقولون: فَاسْتَغْفِرْ لَنَا لذلك قال الله تعالى أن هذا القول ليس اعترافًا قلبيًا، بل هو مجرد قول لسان: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
كانت سنة المتخلفين و المتهربين من الجهاد في صدر الإسلام أنهم غالبًا ما كانوا يخرجون من ساحة المعركة، و لم يكن هذا الفعل مكروهًا بالنسبة لهم، بل كانوا يفاخرون به، كما ذكر القرآن الكريم: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ، أي أن المتخلفين كانوا فرحين بعدم مساعدتهم.
أما في السياق الأوسع، فقد طرح المتخلفون في الآية مسألة الممتلكات مثل البساتين والأراضي و المُلك، وكذلك مسألة النساء والأبناء، وقد أوضح الله الحقيقة في هذا الشأن، السبب في ذكر أَهْلونَا في الآية هو أنه إذا اعترض أحد على حجتهم بأن الحفاظ على الأموال ليس مبررًا قويًا لعدم النصر، فإنهم يجيبون بالحفاظ على عائلاتهم لتبرير موقفهم.
بالإضافة إلى هذه الأعذار، كانوا أحيانًا يتخذون أعذارًا واهية لترك الواجب، مثل الاعتراض على حرارة الجو كمانع من الجهاد ، كما قالوا:لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ(1)، أو كانوا يذكرون قلة عددهم و كثرة أعدائهم، كما في قولهم:لَا طَاقَةَ لَنَا(2)وأحيانًا كانوا يقولون: ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ(3)أي أن بعضهم كان يقول للنبي صلي اللهعليه و آله : "أذن لي لكي لا أشارك في الجهاد ولا تجعلني أفتتن! لكن قال القرآن الكريم: أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ
سَقَطُواْأي أنهم قد سقطوا في المعصية بالفعل، و الجحيم يحيط بالكافرين. وبعض المفسرين يذكرون أنه عندما كان النبي صلي الله عليه و آله يحضر المسلمين لحرب تبوك و يدعوهم للتحرك، جاء أحد رؤساء قبيلة بني سلمة، وهو جد بن قيس من المنافقين، إلى النبي صلي الله عليه و آله و قال له: "إذا أذنت لي، فلن أشارك في هذه الحرب لأنني مغرم بالنساء، خاصة إذا رأيت بنات الروم، فقد أفتتن بهن و أترك القتال"، فأذن له النبي صلي الله عليه و آله بذلك، ثم نزلت الآية السابقة التي أدانت فعله؛ فالتفت النبي صلي الله عليه و آله إلى مجموعة من بني سلمة و قال: من هو كبيركم؟ فقالوا: جد بن قيس، فقال: لكنه رجل بخيل و جبان، ثم قال: كبيركم هو ذلك الشاب الأبيض "بِشْر بن بَرَاء" (وهو رجل ذو بشاشة) (1).
في سياق كشف ماهية الاستغفار للمتخلفين، أمر الله تعالى رسوله الكريم صلي الله عليه و آله أن يبيّن في هذا الموقف أن العالم بيد اللهوَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ(2)فإذا أراد لكم ضرًا، فلا تستطيعون، أي لا يمكنكم رفعه و لا دفعهإِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا(3)فَإِنَّ رِحْلَتَكُمْ هذه - مخاطبًا المتخلفين - إلى الحديبية مع رسول الله و ترك أموالكم أو تبعًا لها أَهْلُكُمْ، ليست ضررًا حقيقيًا! كما أن الذين تركوا نساءهم وأموالهم لم يتضررواأيضًا؛ فَالضَّارُّ الحَقِيقِيُّ بالنسبة للمتخلفين هو ذات الله تعالى، وليس ترك العائلة أو البقر و الإبل.
ومن جانب آخر، قال أيضًا: إِنْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ففي هذه الحالة لا يستطيع أحد أن يقاوم إرادته؛ بمعنى أن الأمر كله بيده، و هذا هو التوحيد في الأفعال.
في الروايات التي نقلها عن النبي الكريم صلي الله عليه و آله ، في أحد الأيام، كشف عن مستقبل الإسلام و الظلم الذي سيلحق بأبنائه؛ فقد ذكر المرحوم سيد بن طاووس رحمه الله في "اللهوف" و المرحوم أميني رحمه الله في "سيرتنا وسنتنا"، نقلاً عن "مقتل الحسين" للخوارزمي، مضمون حديث رسول الله صلي الله عليه و آله ، الذي كان كالتالي:
لما أتمّ الحسين مولده سنتين كاملتين خرج النبي في سفر، فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه، فقيل له: يا رسول الله، ما الذي يبكيك؟ فقال: هذا جبريل يُخبرني عن أرض بشاطئ الفرات يُقال لها "كربلاء"، يُقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة. فقيل: من يقتله يا رسول الله؟ فقال: رجل يُقال له يزيد، لا بارك الله في نفسه. وكانني أنظر إلى منصرفه ومدفنه بها وقد هُادي رأسه. والله ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلا خالف الله بين قلبه ولسانه، أي ليس في قلبه ما يكون بلسانه من الشهادة(1).
بيان خاتم المرسلين صلي الله عليه و آله عن أولئك الذين كانوا يفرحون بشهادة ابنه، وصَفَهم بقوله: «إلا خالف الله بين قلبه و لسانه»، أي ليس في قلبه ما يكون بلسانه؛ في التشابه مع هذا التعبير، جاء في آية القرآن الكريميقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم(2)لذلك، بين قتلة كربلاء و المُتخلفين في المدينة هناك وجه مشترك، و هو النفاق العملي الذي كان يعتريه؛ كما أن أحد الأسباب الرئيسية لتحقيق واقعة كربلاء كان وجود نفاق راسخ في الأمة الإسلامية.
في جریان إرادة الله سبحانه و تعالی لتعليم الأسماء الحسنى لآدم عليه السلام حيث قال:وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، تم التصريح أثناء ذلك بتفوقه على الملائكة، ولذلك قالوا:قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا(1).
يعتبر أهل العرفان في كتاباتهم(2)أن التعبير عن الاسم يعني ما يحمله الذات، وبناءً على ذلك، اعتبرت الحكمة المتعالية أن الفرق بين الاسم و الصفة، هو كالفرق بين المركب والبسيط، فكما أن لفظ "أبيض" هو اسم، و"بياض" (البياض) هو صفة، فالمسمى واحد، أما الأسماء فهي متعددة، و هي كلها من المنتجات العقلية، و ليس المراد بها الألفاظ، لأنّها غير محمولة حملا اتحاديا، لكن تلك المحمولات هي في الحقيقة معرفات للذات التي تُسمَّى بها.
و في موضع اسم "علیم" الإلهي، يظهر أن المعنى هو الإحاطة بالمعروف بشكل حضوري، لا حصولي! أما اسم "خبير" فهو بمعنى عالم أيضًا، لكن مع تمايز جزئي في المعنى الذي يدل على العلم بحقيقة الأمر و كنهه؛ أي عندما يُقال: (هو أخبر بمن الأمر)، يعني أنه على أساس و عمق الموضوع علم؛ و"خبير" أيضًا يمكن أن يُستعمل بمعنى المُخبر.
و قد قال البعض مثل الأسفريني أن "خبير" تعني العلم ب- (أن يعلم أنه يكون قبل أن يكون(3)) لكن من الواضح أن "علیم" في معناه العام هو من له الإحاطة بالتركيبة الخارجية و الخصائص الظاهرة للمعلوم، بينما "خبير" هو من يعلم تفاصيل الأمور و
الاحوال الداخلية لها؛ كقوله تعالى: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ وقد كان هذا القول من تصریحات مثل المرحوم الكفعمي.
وفقًا للتعريف والتقسيم الذي تم لعلم الله تعالى بعيدًا عن مقارنة بين العالم و المعلوم، هنالك تقسيم متعدد يتضمن: 1- العلم الذاتي، 2- علم الأسماء الذي يؤدي إلى فهم الوحدة، 3- العلم بعد تحقق الفعل؛ بناءً على ذلك، ظهور اسم "خبير" يعود إلى النوع الثالث، ولهذا، قال بعض أهل المعرفة عن اسم "خبير" أنه هو من يعلم بعد الامتحان و التجربة، أي "الخبير هو كل علم يحصل بعد الابتلاء"، وبالتالي يُطلق على الذات الإلهية أنها "خبير" لأنها تضع عباديها في مسار الامتحان والابتلاء(1)، كما قال:وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ(2).
توضیح: فيما يتعلق بقوله تعالى في أن الله سبحانه و تعالى يعلم شيئًا بعد الامتحان، فهذا ليس بمعناه الظاهري، كما قال بعض الحكماء مثل البيضاوي أن ذات الله تعالى منزّهة عن مثل هذا العلم الذي يحصل بالطريقة نفسها التي يحصل بها علم المخلوقين، ولذلك قال الفخر الرازي في "لوامع" أن: الخبير في صفة المخلوقين إنما يستعمل في العلم الذي يتوصل إليه بالاختيار و الامتحان، والله منزه عن ذلك(3).
بناءً على ذلك، يمكن أن يكون القول بأن الله "خبير" يعني أنه يختبر عباده ويضعهم في الامتحان، لا أنه يكتسب العلم منهم كما يكتسبه المخلوق؛ فقال مولوي في هذا السياق عن سنة الامتحان:
انبیاء را امتحان کردی عدات *** تا شده ظاهر از ایشان معجزات
این جهان همچون خرابه ست و تو گنج *** گر تفحص کردم از گنجت مرنج
قال أمير المؤمنين عليه السلام في شأن هذه السنة الإلهية: وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ وَ مَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَ مَغَارِسَ الْجِنَانِ وَ أَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَ وُحُوشَ الْأَرَضِينَ لَفَعَلَ، وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَ بَطَلَ الْجَزَاءُ وَ اضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ وَ لَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ وَ لَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا(1).
من المناسب هنا الإشارة إلى نتيجة التوسل و التحلي بهذا الاسم الشريف؛ كما قال أصحاب المعارف(2)في هذا الشأن من آثار كثيرة، وهي تحت ظهور معنى الألفاظ المشتقة من الخبر: إذا التزم الإنسان السالك بهذا الذكر وكان متمسكًا به في قلبه، في هذهالحالة يكون في جميع أفعاله وأقواله التي تصدر منه، حاضراً في نظره الله تعالى و يعمل بتقوى؛ وبالرغم من ذلك، لأن هذا الكتاب ليس كتابًا عرفانيًا، لا نرى من المناسب التفصيل أكثر من ذلك.
إنَّ نفوذ الشيطان و تزيين الأعمال بواسطته، يحتاج إلى مقوّمٍ يوسع الطريق لذلك؛ هذا المقوّم هو زينة الأرض في الدنيا، حيث أن الشيطان في مواجهة القوى النفسية للإنسان لا يملك القدرة على الإغواء منفردًا، بل يحتاج إلى عنصر مساعد لتمهيد الطريق للضلال؛ و بناءً على ذلك، فإنَّ زينة الأعمال الدنيوية تعدّ من أدوات الإضلال، التي يمكن أن تُمهّد للانزلاق.
جميع الزينات التي ينفّذها الشيطان هي من نوع الجمال المادي الدنيوي، كما هو واضح في قوله:لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ(1)أي أنه يزين الدنيا و يجعلها جميلة في أعينهم؛ مع ذلك، يجب أن يُعلم أنَّ زينة الروح هي نور الإيمان، والعقل، لا الزينة المادية الدنيوية. و قد أجاب القرآن الكريم على هذا التفصيل بقوله:وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ(2)أي أن الذي يزين ويضيء قلوبكم هو الإيمان، لا الزخارف الأرضية؛ أما إذا ذُكر إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا و الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا(3)، فهذا من أجل أن يكون اختبارًا و ابتلاءًلِنَبْلُوَهُمْ لا ليكون سببًا للنجاة؛ كما أن الآية الثانية تذكر:وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ (4).
و في بيان الإمام علي عليه السلام بيّن نتيجة ضلال الشيطان عن طريق الدنيا بأنها تضل الإنسان، و وفقًا لذلك، يعلن الإمام عن نفسه في طريق الحق و يعتبر مخالفيه في طريق الباطل: فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ، إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزِلَّةِ الْبَاطِلِ(5). فأسلوب تعامل الإمام مع الدنيا يتمحور حول قوله: وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليهاا... فإنما أهلها كلاب عاوية و سباع ضارية يهر بعضها على بعض(6).
و في تفسير الآية الشريفة، أشار الله تعالى إلى تسويل الأعمال للإنسان بواسطة الشيطان الذي يتمّ من خلال عناصر الدنيا، كما قال:وَ زُيِّنَ ذَٰلِكَ و السبب في ذلك هو الاهتمام بالأمور الدنيوية التي يُعبّر عنها ب- أَمْوَالُنَا.
بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ اَلرَّسُولُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ إِلىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ اَلسَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً 12
التفسیر
في الآية الشريفة التي يبدأ فيها لفظ "بل" من نوع الإضراب الانتقالي، يشير الله تعالى في سياق تعليم النبي الكريم صلي الله عليه و آله لكيفية التعامل مع المخالفين وكشف الحقيقة وراء طلب استغفارهم، إلى السبب الرئيسي و الحقيقي لتلك المخالفة، قائلاً: إن السبب الأساسي لهذا التخلّف هو سوء الظن بنتيجة هذه الرحلة.
يكون لهذا التخلف عدة أسباب: أحدها أن جيش الإسلام لم يكن يحمل أي نوع من الأسلحة أو المعدات العسكرية الثقيلة أو شبه الثقيلة؛ و هذه هي النقطة الأولى.
و أيضًا كان المشركون من قريش قد تعرضوا لضربات شديدة من الإسلام في الحروب السابقة، و كانت هذه الرحلة فرصة لهم للانتقام من المسلمين؛ و هذه هي النقطة الثانية؛ لذا، بسبب هذين السببين المهمين و أسباب أخرى، كانوا قد تيقنوا أن الجيش الذي كان يحمل هدية بدلاً من السلاح، من الطبيعي أن لا يتوقع النصر أو الفتح.
فأجاب الله تعالى على ظنهم قائلاً؛ إنهم يظنون أن الطبيعة الكونية تقضي بأن الكثرة في العدد و المعدات هي التي تؤدي إلى نصر أي طائفة؛ لكن حيثما يكون يد الله في العمل، فالمسألة لا تتعلق بعدد الأفراد؛ لأن الله تعالى يقول: وَ لِلّهِ جُنُودُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ(1)، و في الحروب الماضية، قد سمعوا عن وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ(2)، و رأوا أيضًا وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لَكِنَّ اَللّهَ رَمى(3)لذلك، فإن ظنهم كان ظنًا سيئًا و باطلًا يجعلهم مستحقين للعذاب.
في متابعة بيان هذا الظن، قال: زيّن لكم هذا الأمر في قلوبكم الشيطان، و المقصود هو أن هذه الأسباب التي اعتقدتم بها أدّت إلى أن يتحوّل سوء الظن في قلوبكم إلى يقين، وبذلك أصبحتم من قوم هالكين؛ ولذلك ورد في الآية وَ كُنتُمْ قَوْمًا بُورًا. المقصود ب- بُور هنا ليس قومًا بعينهم كاليهود أو العرب، بل المقصود بها هنا الهلاك والدمار؛ كما أن "دار البوار" من أسماء جهنم، و هي تشير إلى مكان الهلاك أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دٰارَ اَلْبَوٰارِ(4).
في الآية الشريفة، قال الله تعالى إنَّ ظنكم بعدم رجوع المسلمين من ميدان المعركة كان ظنًا سيئًا قد زُيِّن لكم بواسطة عامل أكثر ضررًا من النفس و الظن نفسه، وهو الشيطان وجنوده، فالتعبير ب- "زُيِّنَ" هو فعل مجهول، و فاعله هو الشيطان، و معناه أن هذه الأعذار التي أدخلتموها هي ثمرة ظنكم و زينة الشيطان؛ لأنكم أنتم من بدأتم،
والشيطان هو من أكمل و زيّن ذلك؛ كما قال الله سبحانه في مواضع أخرى: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ(1)فتبين أن الشيطان هو المزيّن لأعمال الإنسان السيئة، وبناءً على ذلك، يتضح أن المشار إليه ب- "ذَٰلِكَ" هو نفس ذلك الظن السيئ و تلك الأعذار المرفوضة؛ لذا، يمكن جمع المعنى بأن المقصود في الآية هو: زَيَّنَ الشَّيْطَانُ ذَٰلِكَ الظَّنَّ فِي قُلُوبِكُمْ؛ في نفس هذا السياق، يُرى أن الإمام السجاد عليه السلام يشكو إلى الله تعالى بسبب وجود قوتين داخليتين وخارجيتين تُغَيِّرَانِ وتُفَتِّنانِ العباد: الهی اشکو الیکعدوا یضلنی، و شیطانا یغوینی، قد ملأ بالوسواس صدری، و احاطت هواجسه بقلبی(2).
قوم بور هم يُطلق على أولئك الذين هلكوا؛ توضيح هذا الأمر أن القرآن الكريم قد استخدم عبارة "قوم بور" لهذه الطائفة التي تتخذ الأعذار، هو أن كلمة "قوم" في القرآن الكريم في بعض الأحيان تشير إلى أمة معينة مثل قوم عاد أو قوم لوط، و أحيانًا تُستخدم للدلالة على تعبير عام و شائع بين الناس و لا يرتبط بأمة معينة؛ مثلما قال الله تعالى: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (لأمة تعقل) أو لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (لأمة تفهم)، في هذه الحالة، لا يتحدث عن جماعة معينة، وبالتالي في هذه الآية الشريفة، عبارة "قوم بور" تعني كل جماعة هلكت، لذلك لا يُقصد بها أمة معينة مثل العرب أو بني إسرائيل.
أما بالنسبة لكلمة "بور" التي يُحتمل أن تكون جمع "بائر"، كما يتضح من أصلها، فهي تعني في أصلها الكساد و الركود؛ و لهذا قال الله تعالى في كتابه الكريم يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ(3)مما يشير إلى أن تلك التجارة خالية من أي كساد؛ لكن المعنى الضمني
لكلمة "بور" يشير إلى الهلاك، و من جهة أخرى، تدل آيات أخرى على أن "بوار" يعني الهلاك، مثل قوله تعالى فی سورة ابراهیم عليه السلام وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ(1).
يبيّن القرآن الكريم سبب هذا العذاب في قوله: "ظَنَنتُم"، إذ يعبّر عن ظنٍّ ليس من أي نوع من الظنّ، بل هو الظنّ السيء. ثم في توبيخهم، تمَّ التنديد بعدم الانتباه إلىملكية وسلطنة الله تعالى المطلقة على العالم، وعدم المبالاة بوعد الله تعالى؛ ولذلك، أصبحوا مستحقين لأن يكونوا في صف الهالكين.
وبناءً على ما ذكر في الآية الكريمة، فإن الذين يسيئون الظنّ بوعد الله تعالى وبأنبيائه، هم في الحقيقة من قوم الهالكين؛ وتعبير الوحي في ذلك يبيّن أن مجموعة أخرى تندرج تحت تلك الطائفة البائرة، هم أولئك الذين استمتعوا بنعم الله تعالى العديدة في الدنيا، لكنهم غفلوا عن شكر المنعم، حتى وقعوا في سنت الله تعالى في الاستدراج، وفي النهاية أصبحوا من قوم بائرين؛ ولهذا السبب، يقول الله تعالى:قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا(2).
فيما يتعلق بما قاله الله تعالى: "زُيِّنَ"، فإن أصل الكلام هنا يتوجه إلى أن الفعل يعود إلى المزّين، وهو الشيطان، الذي يزيّن أعمالهم في أعينهم؛ وقد ورد ذكر هذا الفعل من الشيطان في مواضع عديدة من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:زَيَّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ(3)
أو في قصة قوم سبأ حيث قال: وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ(1).
و بالطبع، هذا التزيين يُبعدهم عن الطريق الإلهي، كما قال تعالى:فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ(2)أما فيما يتعلق بما قاله الله تعالى في تزيين أعمال الكافرين في أعينهم، فوفقًالما ذكره العلامة الطباطبائي رحمه الله في تفسيره "المیزان"، إذا نسبت الضلالة إلى الله في بعض الآيات، فإن ذلك ليس لأن الشر يأتي من الله، بل لأن كل ما يُنسب له من هذا القبيل يكون جزاءً للشر؛ و لذلك قال تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ(3).
نظرًا لهذه الحقيقة الأساسية، تحدث القرآن الكريم في مواضع متعددة عن ضلالة الإنسان وتزيين أعماله بواسطة الشيطان، وقد قام المرحوم العلامة الطباطبائي رحمه الله بتوضيح ذلك وفقًا لكل آية، على سبيل المثال في الآية الشريفة: زَيَّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَ اللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ قال: عندما يرتكب العبد الفسق والفجور، فإن الله تعالى يحرم عنه الهداية، وفي الحقيقة هذا يُعتبر إذنًا لداعي الضلالة، أي الشيطان، وعندما يرى الشيطان أن يد الله قد بترت عن العبد، وأنه قد خلى له الميدان، يزين له أعماله السيئة ويضله، ولذلك جاء بعد قوله زَيَّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ، قوله وَ اللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ و كأن السائل هنا قد تساءل: كيف يعطي الله هذا الإذن للشيطان و لا يمنعه عن عبده؟ وجاء الجواب بأنهم قد كفروا، والله لا يهدي القوم الکافرین(4).
في بعض الآيات الشريفة، بيّن الله تعالى ظن الكفار و المنافقين بالنسبة إلى وعوده و آياته، و هذه الظنون بشكل عام تنقسم إلى عدة أقسام؛ ففي بعض الأحيان، يقول الله تعالى أن الإنسان الجبار العنيد عندما يواجه الأنبياء و أولياء الله، يشك فيهم و يصبح ظانًّا فيهم، كما حدث عندما ظن فرعون في موسى عليه السلام وقال:وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ(1)و مثال آخر على ذلك هو عندما قالوا عن النبي:وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ(2)بالطبع، هذه الظنون انتهت إلى قتل هؤلاء الرسل المرسلين، كما قال تعالى: يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ(3).
أما القسم الثاني من الآيات التي تناولها القرآن الكريم في وصف ماهية ظن الكفار، فهو ظنهم بالآخرة و وعود الله سبحانه وتعالى بالمعاد، حيث قال تعالى:وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ(4)أما جواب الحق بالنسبة لهم، فقد كان كشف الحقيقة التي هي ماهية ظنهم، والتي قد توصف أحيانًا بوصف السوء و الباطل، كما قال تعالى: ظَنَّ السَّوء، و أحيانًا يُذكر الظن باعتباره أمرًا ضعيفًا و قابلًا للكسر، لا يمثل مصدرًا دقيقًا أو عميقًا للكشف عن الحقيقة أو امتثالها، كما ورد في قوله تعالى:إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (5)كما أن القرآن الكريم ربط غفلتهم وعدم معرفتهم الدقيقة بحقائق العالم بهذه الظنون، حيث قال: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ(6)علاوة
على ذلك، فقد كان لأئمة أهل البيت رد فعل تعليمي وتوبيخي تجاه هذه الرذيلة الأخلاقية، حيث لم يعتبروا الإيمان وسوء الظن في نفس السياق، فقالوا: لَا إِيمَانَ مَعَ سُوءِ الظَّنِّ(1)، و قالوا أيضًا: حُسنُ الظَّنِّ بِاللّه ِ مِن عِبادَةِ اللّه ِتعالىٰ(2). كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام لمحمد بن حنفية في تحذيره من سوء الظن بالله سبحانه و تعالى و وعوده: و َلَا يَغْلِبَنَّ عَلَيْكَ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ لَن يَدَعَ بَيْنَكَ و َبَيْنَ خَلِيلِكَ صُلْحًا(3).
إن القرآن الكريم يبيّن أن المتخلّفين لا يعتمدون في تصرفاتهم على أساس عقلاني برهاني سليم، بل يتبعون الظنَّ الذي لا أساس له من الصحة. فالعقل، إذا استنار بالبراهين الدينية التي أوردها القرآن، كما قال تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ(4)، فإنه سيكتشف الحق و يميل إليه؛ هذا العقل هو الذي خاطب الله عزَّ وجلَّ بعد خلقه قائلاً: إِنِّي إِيَّاكَ آمُرُ وَ إِيَّاكَ أَنْهَى وَ إِيَّاكَ أُعَاقِبُ وَ إِيَّاكَ أُثِيبُ(5)، أي أن الله تعالى قد خصّ العقل بمحبته وأمره ونهيه، وعليه تكون العقوبة والمكافأة.
و يضاف إلى ذلك أن هذا العقل هو العقل العملي، الذي بيّن الإمام الصادق عليه السلام لواحد من أصحابه أهمية هذا المخلوق الإلهي بقوله :مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ وَ اكْتُسِبَ بِهِ الجِنانُ(6)وعلى الرغم من عظمة العقل في هذا السياق، فإن الله سبحانه و تعالى
يذكر في القرآن، أن هؤلاء المتخلّفين بدلاً من الاستفادة من هذه النعمة العظيمة، يتبعون ظناً غير معتبر، مما يؤدي بهم إلى الهلاك؛ وقد جاء في القرآنالكريم قوله تعالى:وَ مَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا(1)، وهنا يُخاطَب هؤلاء المتخلّفون بأن ما يتبعونه هو الظنُّ و ليس التفكير والتعقّل؛ لو كان العقل هو المعيار لحياتهم، لكانوا يستحقون وعد الله سبحانه و تعالى بالعديد من الغنائم، كما قال تعالى:وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً(2)بدلًا من أن يظلوا في الضلال و الهلاك.
إنَّ ذاتَ اللهِ المقدَّسة قد أخبرتْ بما يتناسب مع مقامها عن تزيين الشيطان للأعمال السيئة، وقد وصفته بأنه مزيّن الأعمال الباطلة، وهذا يتضح من الآيات القرآنية التي جاء فيها: وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ(3)، وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ(4)، الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلَى لَهُمْ(5)و هذه الآيات، كما هو واضح، تتحدث عن تزيين الأعمال الباطلة المذمومة؛ لأنَّ الشيطان هو الفاعل والمزيِّن؛ ويعود ذلك إلى أنَّ الإنسان عندما ينحرف عن صراط الله المستقيم، فإن أفعاله تتأثر بتأثيرات شيطانية.
أما النوع الثاني من تزيين الأعمال، الذي يقابله الفعل غير الصالح للشيطان، فهو التزيين المحمود الذي يكون فاعله و مزيّنه هو الله سبحانه وتعالى، وهو يتعلق بالأعمال الصالحة والحسنة التي يتحقق منها، كما في قوله تعالى:حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ
فِيقُلُوبِكُمْ(1)، وأيضًا في قوله: ذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ(2)، وهذا النوع من التزيين هو مخصوص للمؤمنين؛ ولكن في أماكن أخرى ورد أن الله يزين أعمال الكافرين و الظالمين لهم، كما في قوله:إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ(3)ولا يمكن اعتبار ذلك، مع أنه يقودهم إلى الضلال، جزءًا من النوع المذموم، بل هو نوع من الوعيد و العقوبة من الله تعالى على أعمالهم، و هو استدراج للمستدرَجين من الظالمين.
استعمال فعل كُنْتُم في خصوص المتخلفين يدل على أنهم قد اكتسبوا سابقًا استحقاق العذاب و العقاب الإلهي نتيجة أعمالهم المتكررة على مر الزمن، ولذلك فإن عبارة وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً تشير إلى استعدادهم و توطئة لتحقيق ذلك.
بناءً عليه، فإن الآية الكريمة وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا(4)تشير أيضًا إلى نفس المعنى، أي أنهم قد حصلوا مسبقًا على مهد لتحقيق نعمة و رحمة الله.
1.بل للإضراب، 2.أن مخفّفة من المثقلة، و اسمها ضمير الشأن محذوف، 3.إلى أهليهم متعلّق ب-ينقلب4. أبدا ظرف زمان متعلّق ب-ينقلب 5. ظنّ مفعول مطلق 6. و ينقلب الرسول ...في محلّ رفع 7. جملة زيّن ذلك .. معطوفة على ظننتم، 8.كنتم قوما.. معطوفة على جملة ظننتم الأولى.
وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًاوَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ 13 يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ
وَ كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا 14 سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلىٰ مَغٰانِمَ لِتَأْخُذُوهٰا ذَرُونٰا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاٰمَ اَللّٰهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذٰلِكُمْ قٰالَ اَللّٰهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنٰا بَلْ كٰانُوا لاٰ يَفْقَهُونَ إِلاّٰ قَلِيلاً 15
التفسیر
على الرغم من أن مضمون الآية الكريمة -الآیة13 - يشير إلى وعيد و تحذير، إلا أنه بسبب الإطلاق الموجود فيها، يتطلب فهم مشمولاتها دراسة سياق الآيات السابقة و اللاحقة لها؛ و يجب أن نأخذ في الاعتبار أن دلالة السياق ليست قابلة للتطبيق و الظهور في جميع المواطن، وفي مواضع مثل آية التطهير، أدت بعض التفاسير غير الشيعية(1)إلى الخطأ في تفسير عبارة "أهل البيت" بالنسبة لنساء النبي صلي الله عليه وآله ؛ و لذلك، فإن الشرط في ثبوت السياق هو وجود علاقة موضوعية و مراميّة بينهما.
1) . أنظر: تفسیر ابن کثیر، ج 6، ص 364 .
استنادًا إلى هذا المبدأ، إذا كان الحديث يتعلق بالمتخلفين وظنهم السيء، فإن نسبة الوعيد المطلق في الآية الكريمة تكون موجهة إلى أولئك المتخلفين الذين سبب تخلفهم هو عدم الإيمان القلبي بالتوحيد و ملكية الله المطلقة على كافة الكون؛ ولذلك، فإن الآية الكريمة أولاً توضّح أصل ظنهم السيء الذي كان مبنيًا على "لَمْ يُؤْمِنْ"، وتصرح بأن هذا الكفر بسبب عدم الإيمان بوعود الله، وبالتالي، فإن السبب الأساسي لتحضير نار السعير هو ذلك.
ثم بعد ذلك، أعاد تذكيرًا عامًا بشأن عباده، حيث قال إن ملكية السماوات والأرض وكل ما بينهما بيده وقوته.
النقطة المهمة في هذا الجزء من الآية الكريمة هي أنه بعد أن بيّن ظن المنافقين بعدم رجوع النبي الأكرم صلي الله عليه و آله و المؤمنين إلى أهلهم، تم ترتيب ذلك؛ ولذلك قد يكون المقصود أن يقول: أولئك الذين كانوا يقولونلَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ(1)إلى أهلهم يجب أن يعلموا أن هذا القول باطل، لأن الله سبحانه و تعالى هو الحاكم والمالك، والعلم بيده وجنوده تحت سلطانه، فهو لِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(2)و هو نفسه القول القيم من أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال: جَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ(3)، لذا المقصود من تكرار هذه الآية هو نقد و تفنيد أساس ظنهم السيء.ث
م قال سبحانهيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ و هذه الجملة جاءت لتثبيت ما سبق، كما في البيان الذي يقول:إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا، بمعنى: اعلموا عباد الله! إن الله هو المالك الحقيقي للضرر و النفع في هذا الكون، هو الذي يقرر من
يتضرر أو ينال النفع، ومن يُغفر له بسبب عمله ومن يُعذب؛ ولكن في النهاية، بتقديم المغفرة على العذاب و ذكر اسم "الغفور"، يتم التأكيد على سعة مغفرة الله تعالى.
أما في الآية الخامسة عشر؛ فقد أشار الله سبحانه و تعالى في الآيات السابقة، باستخدام أدوات الاستقبال، إلى أخبار عن المستقبل مفادها أن المتخلفين سيختلقون أعذارًا لتبرير عدم نصرتهم للنبي الأكرم صلي الله عليه و آله حيث تتشابه الآية الكريمة مع نفس الموضوع، حيث أنها تطرح تنبؤًا آخر، حيث سيتخلى المتخلفون عن أعذارهم في المعارك التي يُتوقع فيها نصرة الإسلام، وسيتوجهون للإعلان عن مساعدتهم، لأنهم يعلمون أن ذلك سيؤدي إلى الغنيمة والنصر؛ ولكن الله تعالى قال للنبي صلي الله عليه و آله : لا تقبل طلبهم للالتحاق بكم، لأن الله قد كشف عن حقيقتهم و أظهر ما في قلوبهم، فقال: إنهم أهل نفاق، وأقوالهم ليست نابعة من الإيمان بل هي مجرد أقوال لسانية. ثم أشار الله تعالى إلى أبعاد أخرى لهذا المنع، حيث سيقول المتخلفون بعد أن يُمنعوا: تَحْسُدُونَنَا، كما يظهر من بناء هذه العبارة أن الفعل تَحْسُدُونَ هو في صيغة جمع المخاطب المذكر، حيث أن الفاعل هم المسلمون غير المتخلفين، و ضمير المتكلم مع الغير (نا) يعود إلى المتخلفين، فمعنى ذلك أن المسلمين غير المتخلفين، في نظرهم، يحسدونهم على تركهم للقتال في معركة خيبر، ولكن القرآن الكريم يرفض هذا القول باعتباره باطلًا، لأن قائليه، باستثناء قليل منهم، لا يدركون و لا يتفقون على الحقيقة.
في البداية، من الأفضل أن يتم فحص الجملة المعنية من حيث الهيكل الصرفي والنحوي، لكي لا يحدث أي خطأ في التعبير عن مدلولها ومرادها؛ فالفعل يُرِيدُونَ من مادة (أراد- يُريد- إرادة) و هنا يتعلق بالمتخلفين؛ أي أن هؤلاء المتخلفين يريدون و يعبرون.
أما العبارةأَنْ يُبَدِّلُوا من (بدّل - يُبدِّل - تبديل)، فتعني التغيير، و هي مفعولبه للفعل يُرِيدُونَ، وكَلامَ الله المضاف و المضاف إليه هو مفعول به أيضًا للفعل يُبَدِّلُوا، بناءً على هذا الهيكل، فإن المعنى هو أن المتخلفين يريدون تغيير كلام الله.
لكي يُفهم معنى كَلامَ الله، يجب أن نعلم أن مراد كَلامَ الله ليس فقط معناه العرفي، أي القرآن الكريم، بل قد يشمل أحيانًا رؤية النبي الكريم وفقًا للآيةوَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ(1)، يكون كلام الله في هذا السياق، كما أن كلام النبي أيضًا يكون من هذا القبيل، بناءً على قوله: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(2)، لذلك عندما يُقال "يريدون تغييره"، فإن المقصود ليس تغيير آيات القرآن الكريم أو أن الكفار يهدفون إلى تحريفه، بل هناك معانٍ أخرى يمكن أن تكون مرتبطة بهذا.
في أحد الأوجه، المقصود من ذلك هو تغيير الوعد الذي وعد الله تعالى به أصحاب الرسول صلي الله عليه و آله في الحديبية، حيث وعدهم بغنائم كما ورد في الآية:وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا، أي الغنائم التي سيحصل عليها المؤمنون. إذا ورد الحديث عن تغيير الكلام، فيكون المعنى أن المتخلفين يريدون تغيير كلام الله في الوعد بالغنائم، أو بمعنى آخر، يحاولون أن يكونوا من المشمولين بهذه الغنائم ويدّعون أنهم من المشاركين فيها، في حين أن الوعد بالغنائم كان خاصًا بأصحاب الحديبية، وليس بالمتخلفين؛ لذا فإن الكلام الإلهي لا يمكن تغييره، وأن ادعاءهم بتغيير هذا الكلام هو كلام باطل؛ و قد نقل بعض المفسرين مثل ابن عباس، وفقًا لما ذكره الطبرسي في مجمع البيان وآخرون، أن المقصود بتغيير الكلام هو أن المتخلفين كانوا يرغبون في المشاركة في غنائم فتح خيبر، أو كما نقل عن مقاتل، فإن الآية تتعلق بالأشخاص الذين كانوا يريدون تغيير أمر الله الذي
قال: "لا يحق للمتخلفين أن يسيروا مع المؤمنين إلى خيبر(1).
فيرى آخرون أن المقصود من تغيير كلام الله هو أن المتخلفين كانوا يطلبون المساعدة ويقولون ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ، بينما كان الرد الإلهي لهم لَنْ تَتَّبِعُونَا و هو قول من الله عز وجل في الآيةكَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ، فأرادوا نقض كلام الله في هذا السياق، وبالتالي جاءت الآية في شأنهم.
عند دراسة وقائع فتح خيبر و التعرف على سير الغنائم التي حصل عليها الصحابة، نجد أن بعض المؤرخين يعتقدون أن الذين شاركوا في الغنائم هم من كانوا في الحديبية، حيث أشار الواقدي في المغازي إلى أن النبي قال للمتخلفين الذين قالوا: "نخرج معك إلى خيبر، فقال النبی: لا تخرجوا معي(2)"، أي أنه لا يمكن المشاركة إلا للمجاهدين، ونبّه إلى أن الذين يستطيعون المشاركة هم أولئك الذين كانوا في قلبهم مع الدين.
لكن بعض الروايات التاريخية الأخرى تشير إلى أن بعض المتخلفين قد شاركوا في فتح خيبر و حصلوا على غنائمه، و بناءً على ذلك، فإن استفادة بعض المتخلفين من غنائم خيبر لا يعني تغيير كلام الله؛ لأنَّ بعضًا منهم هم من البدو الذين لم يكن لهم فهمٌ بالدين؛ و لذلك تم السماح لهم بذلك.
كلمة (سعير) مشتقة من "سعر" التي تعني الاشتعال، وهي أحد أسماء جهنم التي يعتبرها بعض اللغويين اسمًا مفعولًا من باب فعيل؛ وفقًا لبيان شريف من الإمام محمد
بن علي الباقر عليه السلام حول الآيةإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلًا وَسَعِيرًا(1)تم نقل: هي السعير فيها ثلاث مائة سرادق من نار ، في كل سرادق ثلاث مائة قصر من نار ، في كل قصر ثلاث مائة بيت من نار ، في كل بيت ثلاث مائة لون من عذاب النار ، فيها حيات من نار ، وعقارب من نار ، و جوامع من نار ، وسلاسل من نار وأغلال من نار و هوالذي يقول الله إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلًا وَ سَعِيرًا(2).
القرآن الكريم يربط نتيجة الكفر بالله سبحانه و تعالى من المتخلفين، خاصّةً و أهل الشرك و الكفر عمومًا، بالعذاب الملتهب الذي ينتظرهم.
تناول مفسرون القرآن هذا المقطع من الآية بآراء مختلفة؛ مضمون الآية يفيد بأنهم قوم لا يتذكرون الله إلا قليلاً، كما جاء في موضع آخرلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(3)حول تفسير التفقه القليل للمتخلفين يرى بعض المفسرين أن وفقًا لظاهر، المنافق يتفقه قليلاً.
بعض مثل أبو الفتح الرازي رحمه الله قالوا إن بعضهم يدركون بعض الأمور، بينما كثير منهم لا يدركون؛ لكن هذا الرأي يمكن رفضه بعد تدبر يسير(4).
آخرون مثل العلامة رحمه الله رأوا أن هذا يعود إلى بساطة العقل و ضعف فهم المنافقين المتخلفين؛ بينما يعتقد فخر الرازي أن إظهار التفقه القليل من المتخلفين يرجع إلى أنهم يدركون حكمة قليلة بخصوص عدم المشاركة في غزوة خيبر(5).
يجب ملاحظة أن العبارة لَا يَفْقَهون تعني غياب الفهم، لأن الفعل في سياق النفي، مثل النكرة في سياق النفي، يدل على العموم؛ لذا يرى ابن عاشور(1)أنه باستثناء العبارة إلا قليلاً، يفهم أن المعنى هو أنهم يدركون الأمور البسيطة و السطحية فقط، و ليس لديهم دراية بالحقائق، لذلك، هذا يعد من أسباب اتهامهم بالحسد تجاه المؤمنين. هذه العبارة تأتي بعد ذلك للإشارة إلى تهم المتخلفين تجاه المؤمنين لشرح سبب ذلك، مما يظهر أن سبب نسبتهم للحسد هو ضعف فهمهم - أي المتخلفين - في وعد الله بخصوص عدم المشاركة، حيث ظنوا أن القوللَنْ تَتَّبِعُونَا كان من المؤمنين و النبي صلي الله عليه و آله بينما هو في الواقع قول من الله تعالى، وهم لم يكونوا على علم بذلك.
إن الله تعالى قال في كتابه الكريم "وما نبدل الآيات"، فهذا خبر عن أمر مسلم و قطعي، لأن کلام الله و سنته لا يحتاجان إلى تبديل أو تحول، لأنههُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ(2)و محيط بكل شيء، فلا يحتاج کلامه إلى تغيير و تحول.
و في مقابل هذه البيانات، نجد في بعض آيات القرآن الكريم قوله تعالى:وَ إِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ(3)ومَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ(4)، هذه المسألة تظهر و كأنها تتناقض مع ما ذُكر في البداية.
و الجواب هو أن أصل الشبهة منتفٍ من الأساس، لأن هذين العنصرين من حيث الموضوع ليسا من نوع واحد؛ فتغيير الآيات يختلف عن تغيير إرادة و كلام الله تعالى.
كما ذكرنا سابقًا، المقصود من "الكلام" في بعض المواضع هو الوعد و السنة الإلهية، لا آيات القرآن؛ وبالتالي، إذا تأملنا في قوله تعالىيُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اَللّهِ، فإنه لفظًا جملة إخبارية، و في معناه يشير إلى أن كلمة (وعد) الله لا تتغير.
لذلك، إذا جاء في الآية الكريمة التي يظهر منها التناقض الظاهري قوله تعالى وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ(1)، فإنه يدل على قانون نسخ الآيات الشريفة، الذي يقول إن بعض الأحكام قد تم نسخها ويأتي ناسخ يحل محلها وفقًا لحكمة الله تعالى؛ إذن، لا يوجد تناقض بين هذين الأمرين، أحدهما يتعلق بتغيير وعد الله الذي لا تتغير، والآخر يتعلق بأحكام النسخ، حيث إن النسخ نفسه من الأدلة التي تدل على حكمة و علم واضع الأحكام، و بذلك لا يحدث أي خلل في مسار عدم تغير إرادة الله.
نظرًا لأن بداية هجرة النبي كانت إلى عمرته المفردة من المدينة المنورة، ولعدم الدقة في بعض التفاسير، يعتقد بعض المفسرين أن المقصود ب- "المخلفون" هم أهل المدينة من المهاجرين و الأنصار؛ إلا أن القرآن الكريم قد وصف المهاجرين و الأنصار في المدينة بأفضل الأوصاف وأعلن عن رضاه عنهم في عدة آيات، مثل قوله تعالى:وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ(2)ولكن عند النظر في القضية بدقة أكبر، مع أخذ بعين الاعتبار الأسماء التي ذكرها ابن عباس من القبائل، نجد أن القبائل المتخلفة تشمل: جهينة، مزينة، غفار، أشجع، أسلم، و دئل، مما يبين بوضوح أن هؤلاء ليسوا من أهل المدينة.
قبيلة جهينة تنتمي إلى قبيلة قضاعة، ويعود نسبهم إلى جهينة بن زيد بن ليث القضاعة. كانوا يقيمون في المنطقة بين المدينة والحجاز في نجد، و كانوا يعرفون بأبناء صحار(1)أما قبيلة بني غفار، فكانت تسكن المناطق الجنوبية من المدينة، و كانوا معروفين بسرقة الحجاج و قطع الطريق، و لهذا سُميّوا "سراق الحجيج".
قبيلة بني أشجع هي من قبائل مضر من العرب العدنانيين، و كانوا يقيمون في منطقة الحجاز بالقرب من المدينة، و قد ذكر البكري في معجم ما استعجم أن "دار أشجع" كانت من المناطق المعروفة في الحجاز(2).
أما بني أسلم، فهي من قبائل الحجاز الأخرى التي كانت من المتخلفين، حيث لم يشارك سوى حوالي سبعين إلى مئة منهم في أحداث الحديبية، بينما تخلف الكثير منهم(3)
و من هنا يتضح أن المخلفين في غزوة الحديبية لم يكونوا من أهل المدينة، بل كانوا من البدو الذين كانوا يقيمون في صحراء الحجاز أو في المناطق المحيطة بالمدينة و لم ينضموا إلى الحملة، ولذلك وصفهم القرآن ب- مُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ حيث إن الأعراب تعني البدو، في حين كانت المدينة مركزًا حضريًا (قريّة).
و قد ورد هذا التأكيد في أقوال أهل اللغة، كما ذكر صاحب "روح البيان" حيث قال: أما الأعراب فلا يطلق إلا على من يسكن البوادي، و أوضح بعد تعريفه للعرب أن الأعراب هم الذين يسكنون الصحراء، بينما الذين يسكنون المدن يسمون عربًا(4). وبناءً على ذلك، كما ذكر المرحوم مصطفوي في "التحقيق"، فإن "الأعراب" في الأصل
جمع "عرب"(1)، ولكن يُطلق على البدو؛ على الرغم من أن الآية التي نتحدث عنها لا تذكر "الأعراب" بالذات، إلا أن الآيات التي تليها وتسبقها تشير إلى ذلك.
النقطة التي تكشف في كلام الفخر الرازي حول المنافقين في عصر ما قبل وبعد وفاة النبي صلي الله عليه و آله هي اعتقاده بأنّه بعد وفاته لم يعد هناك منافقون بين الصحابة.
هذه الدعوى غير صحيحة و يمكن مناقشتها من خلال أمرين: الأول هو أن المنافقين يبقون على حالهم دائمًا، بالطبع قد يتوب البعض منهم، ولكن من غير الممكن أن يتغير جميعهم فجأة بعد وفاة النبي صلي الله عليه و آله بل يبدو أن الموضوع أعمق من ذلك، كما يتضح أنهم في حادثة السقيفة اجتمعوا مع بعض قادة السقيفة وتوصلوا إلى مطالبهم، فكلما تمكنت مجموعة من فرض إيديولوجيتها على السلطة و حققت مصالحها المادية والمعنوية، فإنها لا تلجأ إلى المكائد والنفاق، بل قد تنسحب من ذلك؛ كما حدث في فترة خلافة بعض الخلفاء الراشدين عندما سكتوا عن ذلك النفاق، بل وساندوا الحكومة في بعض الأحيان حتى وصلوا إلى المناصب.
بناءً على ذلك، فإن دعوى الفخر الرازي تتناقض مع ما ذكره بعض العلماء مثل ابن أبي الحديد، الذي يرى أن هذا التيار لم ينقض بعد وفاة النبي صلي الله عليه و آله بل على العكس، لأن الخلفاء الراشدين لم يولوا اهتمامًا لهذا الخطر، فقد ابتعدوا عن الأنظار، ولكنهم تسللوا إلى الأجهزة الحكومية؛ وهذه الحقيقة وردت في بيان واسع من أمير المؤمنين عليه السلام الذي أشار إليه ابن أبي الحديد في شرحه، حيث قال عليه السلام : ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ اَلضَّلاَلَةِ و َ اَلدُّعَاةِ إِلَى اَلنَّارِ بِالزُّورِ وَ اَلْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ اَلْأَعْمَالَ وَ جَعَلُوهُمْ حُكَّاماً
1) . التحقیق فی کلمات القرآن الکریم، ج8، ص74 .
عَلَى رِقَابِ اَلنَّاسِ فَأَكَلُوا بِهِمُ اَلدُّنْيَا وَ إِنَّمَا اَلنَّاسُ مَعَ اَلْمُلُوكِ وَ اَلدُّنْيَا(1).
في هذا البيان القيم يظهر عدة عناصر مهمة؛ منها أن الخلفاء لم يهتموا بنفاقهم فحسب، بل وضعوهم أيضًا على رأس الأمور، وعندما اعترض البعض على ذلك،كانوا يجيبون: نستعين بقوة المنافقين و اثمه عليه(2). و مع ذلك، فإن هذا الأمر يتناقض مع النصوص النبي الأکرم صلي الله عليه و آله فی إطار الحکومة الاسلامی.
فی العبارة اَعْتَدْنَا، يدلّ لفظ "نون العظمة" على شدة و عظمة الأمر الإلهي.
في العبارة الشريفة اَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ، مع أنَّه قد ذكر الكافرون مرة واحدة، كان ينبغي أن يُقال اَعْتَدْنَا لَهُمْ إلا أنَّ هذا جاء لتثبيت الشمول لعذاب السَّعِير؛ و من جهة أخرى، تعليق الحكم على وصف الكافرين يوضّح علّية الحكم.
جُعلت كلمة سَعِير نكرةً للإشارة إلى شدة العذاب و زيادة فزعه على الكافرين
الخبر عن العذاب بوزن التفعيل يدلّ على شدة و كثرة ذلك العذاب.
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا16
التفسیر
الآية الشريفة تأتي في سياق تقديم طريقة جديدة للمخالفين الذين منعهم الله تعالى من مرافقة النبي صلي الله عليه و آله إلى خيبر سابقًا؛ فيريد من خلالها أن يبين صدق و كذب أعذارهم.
قال الله تعالى ليدفع عذرهم: إذا كنتم تائبين حقيقيين، وأن قولكم فَاسْتَغْفِرْ لَنَا هو قول قلبكم، فقد حُرمتم من الدخول في أحداث سابقة مثل الحديبية أو خيبر بسبب تخلفكم، ولكن قريبًا ستُدْعَون إلى معركة مع مقاتلين أشد و أقوى، ستقاتلونهم حتى ينقادوا و يسلموا؛ هذه المعركة ستكون مستمرة مع من لم يستسلموا بعد و لم يدخلوا في الإسلام، ويُقصد هنا بالمعركة تلك التي وقعت بعد فتح خيبر، وبالتالي يبدو أنها مرتبطة بحادثة حنين.
إن جملة قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تعني "ذوي قوة كبيرة"، وهي وصف لقوم. يرى بعض المفسرين مثل آلوسي و من معهم أن تُقَاتِلُونَهم حال من نائب الفاعل فيسَتُدْعَوْنَ و هذا القول غير صحيح، لأنهم يدعون إلى قتال القوم لا أنهم يدعون إليهم حال قتالهم.
في نهاية الآية، في سياق الآيات السابقة، جاء وعدٌ بإجر حسن يتعلق بالذين يطيعون الله، و وعيدٌ بالعذاب لمن أعرضوا؛ فحقيقة هذا الوعد و الوعيد تعتمد على ثبوت أو عدم ثبوت "تتولوا"، فإذا أعرضوا تحل بهم عذاب شديد، وإذا دعموا يحصلون على جزاء حسن.
"توليتم" في وجه يعني الإقبال و الاهتمام، و في وجه آخر يعني الإعراض، و هو في هذا السياق يعني الإعراض، مثل قولهثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ(1)فكل من أعرض و تخلف سيحل به عذاب أليم كما فعلوا في السابقين، ولعل الخطاب في الوعيد خاص بالمتخلفين الراغبين في التوبة و المغفرة، لا بالجماعة كلها - والله أعلم - كما ذكر في تخلف العرب.
شرح السابق: قولهم (تَوَلَّى) إذا عدّي بنفسه اقتضى معنى الوَلاَيَةِ، و حصوله في أقرب المواضع منه يقال: وَلَّيْتُ سمعي كذا: أقبلت به عليه، قال تعالی:فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا(2)، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ(3). و إذا عدّي ب (عن) لفظاً أو تقديراً اقتضى معنى الإعراض و ترك قربه، کقوله تعالی:
وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم(1)، و تقدیراً وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَه(2).
من الواضح أن الله تعالى قد ذكر خصائص قومٍ ذوي عدد كبير وتجهيزات عظيمة، ويُقصد بذلك الحروب التي وقعت بعد فتح خيبر، لأنهم في حرب خيبر التي كان فيها غنائم كثيرة، قد منعهم الله تعالى بقوله لن تتبعونا، وهذا كان وفقاً لسنة الله تعالى.
و من بين المعارك التي وقعت بعد حادثة خيبر، فإن بعضاً منها يراها المفسرون مصداقاً لعبارة قوم أولي بأس شديد.
فقد نقل الشيخ الطوسي رحمه الله في "التبيان"(3)عن ابن عباس أنه قصد بذلك "قوم فارس"، بينما قال ابن أبي ليلى إنها "قوم الروم"، و قال سعيد بن جبير و عكرمة و قتادة إنها "قوم هوازن"؛ كما أن المرحوم الطبرسي رحمه الله و غيره من مفسري الشيعة يرون أن أحد مصاديقها هو غزوة حنين.
وإن دلالة حنين بهذا القول قد تعززت من قِبَل مفسري أهل السنة، خاصة و أنه بعد فتح خيبر و مكة، كانت غزوة حنين هي التي تلتها، كما أن تعبير القرآن الكريم يشير إلى القرب الزمني، حيث قال سَتُدْعُونَ، وحرف السين يدل على الاستقبال القريب من جانب، و من جانب آخر، جاء في الآية أو يُسْلِمُون أي حتى يؤمنوا؛ يجب أن يُعلم أن مواجهة الإسلام مع الكفار و أهل الكتاب ليست على نفس النحو؛ فقد
قال عن أهل الكتاب:قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ(1)أو يجب أنيدفعوا الجزية يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ(2)ولكن بالنسبة للكفار فقد ذكر طريقين: إما أن تقاتلوهم، أو أن يسلموا؛ لذا فالأمر أو في هذا السياق هو للتنويع، وليس للشك.
لقد طرَحَ مفسرون ومتکلمون من أهل السنة بعض الشبهات حول الآيات المحكمة والأحاديث الصحيحة التي تتعلق بولاية أمير المؤمنين عليه السلام بهدف التشكيك في دلالة هذه الأدلة على إمامته، و ذلك من خلال تفسير لفظ "مولى" بشكلٍ غير صحيح أو تقديم معلومات خاطئة عن علم الإمام في ليلة المبیت.
ليس من الغريب أن يلجأوا إلى تأويلات مبتكرة للتأكيد على خلافة الخلفاء وتبرير اغتصاب الخلافة من الإمام، من خلال تحريف معاني الآيات و خلطها مع بعضها البعض، مما يتماشى مع أهدافهم؛ حيث إنهم يربطون بين آيات لا علاقة لها ببعضها من حيث السياق النزولي و التاريخي لتحقيق أغراضهم.
استناداً إلى ذلك، يعتقد بعض أهل السنة بأن الآية التي تقول فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا(3)تشير إلى خلافة و قيادة الخليفة الأول و ربما الخليفة الثاني.
أقوالهم في هذا الصدد:
المفسرين أبو بكر وبالقوم بني حنيفة؛ أي أن المراد بذلك عند أكثر المفسرين هو أبو بكر(1).
الفخر الرازي في كتابه الأربعين في أصول الدين(2)، في بيان دلالة الآية على أن الإمام الحق بعد رسول الله صلي الله عليه و آله هو أبو بكر، يقول: ان الداعى لهؤلاء الأعراب، اما محمد عليه السلام، و اما أحد الخلفاء الثلاثة - أعنى أبابكر و عمر و عثمان- و أما أن يكون الداعى هو على عليه السلام .
بعض المفسرين مثل الزمخشري في "الكشاف"، و الفخر الرازي في "التفسير الكبير"، و الثمرقندي في "بحر العلوم"، و السيوطي في "الدر المنثور"، يذهبون إلى نفس الرأي.
طريقة استدلال الفخر الرازي في "الأربعين"
يبدأ الفخر الرازي في إثبات رأيه من خلال القول بأن المقصود من "الداعي" (الذي يدعو إلى ساحة المعركة) هو أحد الأفراد الذين ذكرهم؛ ثم يدرس كل واحد منهم و يفند استدلاله.
من وجهة نظره، إن القول بأن سيد المرسلين صلي الله عليه و آله هو الداعي يتعارض مع الآية الكريمة:سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَاذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ حيث أن النبي لم يدعُهم للجهاد في حياته، كما يتبين من ظاهر الآية.
و أيضاً، من غير الصحيح أن ي-كون الإمام علي عليه السلام هو الداعي للجهاد ضد قوم
ذوي بأس شديد، حيث أن الإمام علي عليه السلام لم يشارك في المعارك ضد الكفار في حياته، بل كانت حروبه في فترة خلافته تدور حول إمامته، بينما الآية تتحدث عن الجهاد ضد الكفار؛ لذا، فإن الذين جاءوا بعد النبی من الخلفاء هم من قاموا بذلك.
و بهذا الشكل، يُعتقد أن الخلفاء الراشدين هم الذين قاتلوا بعد رسول الله ضد الكفار، و هم المقصودون في الآية: فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا.
كلامهم في جمع، يختصر في عدة مقدمات:
المقدمة الأولى: وفقًا للبيان الذي تم طرحه، المقصود من "القوم" عندهم هو "بنو حنيفة" من أتباع الفرقة المسلمة الكاذبة التي هاجمها أبو بكر بعد وفاة النبي صلي الله عليه و آله أو بعبارة أخرى، فإن أبا بكر هو الذي دعا المسلمين إلى الحرب و المقاتلة ضدهم؛ لذا، فإن "الداعي" في رأيهم هو أبو بكر، و طاعته توجب الثواب، و مخالفته تستحق العقاب.
المقدمة الثانية: المقصود من "القوم" هنا هم "أهل فارس" و"الروم" الذين تعرضوا للهجوم من قبل الخليفة الثاني، لذلك هو الداعي للمسلمين للجهاد ضد هؤلاء "القوم الذين يملكون بأسًا شديدًا.
المقدمة الثالثة: بناءً على إجماع أهل السنة، فإن "المتخلفين من العرب" طبقًا للآية الكريمة فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا لم يكونوا قد تبعوا النبي صلي الله عليه و آله في حياته، و هذا يدعم القول الذي تم طرحه في المقدمة الأولى، ويثبت أن الأمر يتعلق بالخليفة الأول و الثاني، وبالتالي، يتم استبعاد المعركة مع هؤلاء المتخلفين عن معارك النبي بعد غزوة خيبر.
المقدمة الرابعة: في ضوء ما سبق، وبالاستناد إلى الآية الكريمة لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا، وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا(1)فإن النبي صلي الله عليه و آله لم يدعُ المتخلفين إلى الحرب ولم يوافق على مشاركتهم في الجهاد؛ هذا يثبت عدم توافقهم مع دعوة النبي للجهاد في مختلف المواقف.
المقدمة الخامسة: في سياق الآية الكريمة تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ يتم إثبات أنهم ليسوا من أهل الكتاب، لأن لو كانوا من أهل الكتاب لكان فرضًا عليهم دفع الجزية، مما يثبت أن المقصود "قوم فارس" أو "الروم"، و بالتالي تكون الحروب التي تطرقت إليها الآيات هي حروب الفتح التي قام بها الخليفة الثانی.
الأسئلة التمهيدية للنقد:
لردّ أقوالهم، فإن الإجابة على الأسئلة التالية؛ أمر ضروري.
2.غزوات النبي ضد الكفار بعد فتح خيبر؟
3.شمولية أهل الكتاب في إيران و الروم؟
نقد استدلالاتهم:
أولًا: بالنسبة لتحديد مصداق "القوم"، كما ذُكر في تفسيرها، لا يمكن الاستناد إلى أقوالهم، بل إن تحديدهم للمصداق خاطئ و خطأ محض، وهو ما يدركه كل إنسان ذو فضل و فهم من خلال قليل من المعرفة في التفسير والتاريخ؛ إذ إن ظاهر أقوالهم يوحي بأنه بعد صلح الحديبية أو خيبر و حتى وفاة النبي صلي الله عليه و آله أي حتى العام 6-10 ه-، لم
1) . سورة التوبة، الآیة 83 .
تحدث أي معركة بين الإسلام و الكفر، في حين أن الرسول صلي الله عليه و آله في هذه السنوات كان قد خاض عدة غزوات هامة مثل غزوة مؤتة، وتبوك، وحنين ضد قبائل ثقيف و هوازن.
ثانيًا: دعوى الإجماع هي قول باطل يظهر بسهولة في التناقضات الكلامية بينهم؛ كما قال ابن جوزي: هؤلاء ثلاث أقوال" و أيضًا هناك روايات أخرى من السيوطي في "الدر المنثور" لا حاجة لذكرها؛ لكن أساس القول يكمن في أن بعضهم اعتبر أن المقصود من "القوم" هو هوازن و ثقيف، و في هذه الحالة، يكون "الداعي" هو رسول الله صلي الله عليه و آله وبالتالي لا يكون هناك إجماع.
ثالثًا: فيما يتعلق بالقول بأن الآية الكريمة تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ تعني أنهم ليسوا من أهل الكتاب، فإن هذا لا يمكن تطبيقه على "بني حنيفة"، فهل كانت قبائل هوازن وثقيف الذين حاربهم النبي صلي الله عليه و آله من أهل الكتاب؟وبالتالي، من المستحيل أن يكون رسول الله صلي الله عليه و آله هو "الداعي" للقتال ضد الكفار في غزوة حنين.
رابعًا: حسب ما ذكره الشيخ الطوسي رحمه الله ، الآية 83 من سورة التوبة التي استندوا إليها لا علاقة لها بهذه الآية الكريمة، لأن سورة الفتح تتعلق بسنة 6 ه-، وسورة التوبة تتعلق بغزوة تبوك! والحديث عن "المتخلفين" في الآية يتعلق بالمتخلفين في ذلك الوقت، لأن حادثة التخلف لم تكن مقتصرة على الحديبية، بل تكررت في غزوات أخرى أيضًا.
خامسًا: كما ذُكر في الأوراق السابقة، فإن مجموعة من هؤلاء المتخلفين قد شاركوا في غزوتي خيبر و مكة(1)، و هي قريبة من الحديبية، فما بالك بعام 9 ه-، حيث كان الأمر أكثر تأكيدًا؛ كما أن الآية الكريمة لم تمنعهم تمامًا من مرافقة النبي صلي الله عليه و آله بل قالت إنه في غزوة خيبر، حيث الغنائم الوفيرة، لا يمكنهم المشاركة.
1) .أنظر: المغازي، ج2، ص 634 . البدایة و النهایة، ج6، ص 525 (حول قبیلتین سلیم و مزینة) .
لذلك، وفقًا لإجماع جميع مفسري الشيعة مثل: العلامة الطباطبائي رحمه الله في "المیزان"، والشيخ الطوسي رحمه الله في "التبيان"، والمرحوم الطبرسي رحمه الله في "مجمع البيان"، والمرحوم الطيب رحمه الله في "أطيب البيان"، و كثير من المفسرين، فإن "الداعي" دلالة واضحة على رسول الله صلي الله عليه و آله سلم فقط.
و في الحالة الثانية، إذا اعتُبر أن النبي صلي الله عليه و آله ليس "الداعي"، فإن الشخص الوحيد الذي يمكن أن يكون "الداعي" بعده هو الإمام علي عليه السلام .
خلاصة القول
إن قولهم بولاية أبي بكر و خلفائه ادعاء باطل و غير صحيح، و اعتبار ذلك متعلقًا بعمر بن الخطاب كذلك خاطئ؛ إذ إن إيران و الروم كانا من أهل الكتاب، و الآية لاتتعلق بهما، كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله : إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه و كتابهم أحرقوه(1).
يُلاحَظ أن معظم الآراء تُشير إلى غزوة حنين، ولكن هناك غزوات أخرى مثل (مؤتة) و (تبوك) التي تقع بين الأعوام 8 إلى 10 هجري، و التي يمكن أن تكون أيضًا محتملة. وذلك لأن الظاهر من النص الشريف يشير إلى أن المسلمين دُعوا إلى القتال ضد جماعة تحمل نفس الوصف في غزوتي مؤتة و تبوك، رغم أن مسألة كفرهم أو كونهم من أهل الكتاب تبقى مسألة قائمة.
1) . وسائل الشيعة، ج11، ص96 .
البيان الشريف مشابه لما تم ذكره في الوجه السابق، حيث ورد أن رسول الله صلي الله عليه و آله باعتباره الداعي إلى القتال، مُكلف بدعوتكم إلى الجهاد في سبيل الله؛ فإذا اتبعتموه بالطاعة المطلقة، و امتثلتم لأمره في هذا الموضوع، الذي يتمثل في الدعوة إلى قتال قوم لديهم شدة في الحرب، ولم تتصفوا بالنفاق أو الشرك، و تجنبتم الأعذار الواهية التي كانت تستند إلى الانشغال بالأموال و العائلات؛ حينئذٍ تكونون قد أطعمتم طاعة الله ورسوله؛ أما من أطاع الله و رسوله، فإن أجره على الله تعالى كما قال: يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا و هو نتيجة للأجر و الثواب الحسن.
أما إذا تولى أحدهم عن المسير و الجهاد و ابتعد وَ إِن تَتَوَلَّوْا مع العلم أن سلوك المتخلفين في الماضي كان مشابهًا لهذا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ فعليهم أن يعلموا أن جزاءهم سيكون عذابًا أليمًا في جهنميُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
الآیة الشریفة فی وسطها ونهایاتها تحتوي علی جملة شرط وجزاء، فشرطها جاء باستخدام أداة الشرط "إِنْ" وجزاءها جاء فی نهايتها حيث قُلت إِنْ تَوَلَّیْتُمْ فَإِنَّكُمْ فِی عَذَابِ اللَّهِ وَ لَکُمْ فِیهِ فالشرط هو أن الإنسان إذا تولَّی عن أمر الله و رسوله، فإنه يستحق العذاب، و هذه هي الجزاء.
ثم هناك نکةٌ هامةٌ تتعلق بما ورد فی وسط الآیة حيث ورد الفعل تَوَلَّیْتُمْ وهذه الصيغة الضميرية المتصلة هي من نوع الضمير المرفوع المتصل، و هو في الواقع خطاب للمنافقين الذين كانوا قد تخلفوا عن التزامهم بكلام الله و رسوله، وهم نفس المتخلفين الذين تم الحديث عن أعمالهم و أقوالهم في الآيات السابقة.
أما بالنسبة لظرف القيدمِنْ قَبْل، فإنه يشير إلى الزمن الذي سبق ذكره في الآية، ويحدد الوقت الذي وقع فيه التمرد والتخلف، أي في غزوة أحد حيث خالفوا أوامر رسول الله صلي الله عليه و آله ، وكذلك في غزوة الخیبر، حيث قاموا بالتعاون مع المشركين و التجسس عليهم، كما ورد في قول الله، إنهم يميلون إليهم بسبب خوفهم من اليهود:يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ(1)بالإضافة إلى إيذائهم للنبي صلي الله عليه و آله و المؤمنين كما ورد في قوله تعالىوَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ(2).
و بجمع هذه الأقوال و الأفعال التي صدرت منهم، جاء قوله تعالى إن تولیتم فإنکم فی عذاب الله ولکم فیه أي أن إذا لم تتوبوا و تصححوا ما فعلتم في الماضي، فإن عذاب الله سيكون جزاءكم؛ أما إذا تقيتم و امتثلتم لأوامر الله و رسوله، فسيكون رضا الله عنكم و رضاكم عنه كما جاء في قوله تعالى رَضِيَ اللَّٰهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(3).
و في حادثة تبوك، فقد ورد في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى يقبل توبة الذين تخلّفوا عن معركة إذا تابوا، كما جاء في قوله تعالى:وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حيث تقبل توبتهم، لأن الله هو التواب الرحيم، كما ورد في قوله تعالى لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ(4).
النقطة الأخرى التي تكتسب أهمية في الآية الكريمة هي بيان الله تعالى لآثار الإيمان و طاعة رسول الله صلي الله عليه و آله ، حيث قال تعالىإِن تُطِيعُوا فإحدى المكافآت التي وعد الله بها
الطائعين هي الأجر الحسنة؛ ولكن في مواضع أخرى تم ذكر نتائج أخرى تتعلق بطاعة الرسول صلي الله عليه و آله و قد تترتب على ذلك مراتب أعلى من الأجر و المكافأة.
يُعتبر القرآن الكريم طاعة رسول الله صلي الله عليه و آله بمثابة طاعة لله سبحانه و تعالى، و أن ترك هذه الطاعة يؤدي إلى الكفر وعذاب الكافرين، كما قال تعالى:قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(1).
في موضع آخر، تم التأكيد على أن العزة والصلابة للمؤمنين هي بيد الله وحده، و أنه هو الذي يمنح العزة للآخرين؛ لذلك، كل من يطيع رسول الله صلي الله عليه و آله سيكون قد نال من عزته، بينما من يعصيه سيعاقب بعذاب في الدنيا و الآخرةوَ مَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(2).
3.كما ورد في موطن آخر، إذا أطعت رسول الله صلي الله عليه و آله و كرمته، فستنال رحمة الله الواسعة، كما قال تعالى:وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ(3)، وستنعم بالفوز الأبدي:وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(4)و في مكان آخر، تم التأكيد على مصاحبة أهل الجنة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا مرتبط بطاعة رسول الله صلي الله عليهو آله :وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
العقابي) كما قال تعالى:وَ مَن يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(1).
5 . في بعض الأحيان، يشير القرآن الكريم إلى العامل الرئيسي للمغفرة و هو الاستغفار ويُبيّن أن الطريق الثاني للمغفرة يكمن في اتباع و امتثال أمر النبي صلي الله عليه و آله ، كما قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(2).
معندما قال تعالى في خطابِه للمخالفينتَوَلَّيْتُم، اتضح أن المعنى هنا هو الإعراض و التولي، و ليس التوجه أو الالتفات نحو شيء! لذلك، هو مرتبط بالأمر الذي وجهه النبي صلي الله عليه و آله لهم في مقام النبوة، عندما أمرهم بالجهاد تَسْتَدْعُونَ.
و فيما يخص الإعراض، يجب أن نعلم أنه في بعض الأحيان يكون هذا الإعراض ممدوحًا و محمودًا، مثلما فعل النبي صلي الله عليه و آله حينما تولى عن الظالمين، المشركين و المستهزئين، فقد قال الله تعالى في ذلك: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ(4)أو كما ورد في موضع آخر حيث كان النبي صلي الله عليه و آله يعرض عن الجهلة و الذين لا يتحركون
في طريق العقلانية، کما قال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ(1).
و أحيانًا، أُمر الله سبحانه وتعالى بالإعراض عن أولئك الذين شكوا في وعد الله وأساءوا الظن به، كما في قولهوَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَحيث جاء في الاستجابة فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ(2)هذا النوع من الإعراض يُعد ممدوحًا لأنه إعراض عن كل ما هو لغو و سخيف؛ لذلك، بناءً على آثار هذا النوع من الإعراض و نتائجه، يُعبّر عنه بالإعراض الممدوح.
أما الجهة المقابلة، و هو الإعراض المذموم الذي يتوجه ضد الحقائق الثابتة، فقد تكرر ذمه في القرآن الكريم؛ النتيجة الطبيعية لهذا النوع من الإعراض هي الابتعاد عن الحق، و الشقاق مع الفرقان، كما قال الله تعالى: وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّهُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُاللَّهُ(3)هذه الآية تُبين النتيجة الأساسية لهذا الإعراض؛ و هناك آيات أخرى توضح مراتب هذا الإعراض و مستوياته، حيث يتم الإشارة أحيانًا إلى هؤلاء الأشخاص،كما في حالة أبي جهل، الذي كذب ثم أعرضلَكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى(4).
علیه يجب أن نعلم أنه بالنسبة للإعراض المذموم، لا يوجد عقاب إلا العذاب و الحسرة في الآخرة، كما سيقول الظالم يوم القيامة:يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(5).
الآیتان 17، 18
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَ مَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا17 لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا18
التفسیر
الآية الكريمة هي في متابعة للآية السابقة التي ذكرت أنه إذا دُعيتم إلى القتال في المعركة القادمة، وكانت هذه الدعوة مصحوبة بالطاعة، فإنها تؤدي إلى جزاء حسن، أما إذا كانت مصحوبة بالإعراض، فإنها تؤدي إلى عذاب أليم.
في هذا السياق، من خلال تخصيص الْأَعْمَى، الْأَعْرَجِ، و الْمَرِيضِ، من بين المخالفين و غير المخالفين الذين سيقعون في العذاب، أُوضح أنه أولئك الذين يعانون من هذه الحالات مستثنون من الأمر الوارد في قوله تعالى سَتَدْعُونَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ لذلك لا حرج و لا إثم عليهم.
أما بالنسبة لكلمة حَرَجْ كما وردت في الآيات، فإن المعنى الأصلي لها هو الضيق و التضييق، کقوله تعالىمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1)و في بعض الآيات، يُستخدم هذا اللفظ بمعنى الإثم والذنب، كما في قوله تعالىلَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ(2)لذا فإن الآية الكريمة مثلما قالت وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ فإنه من الواضح أن المعنى هنا هو الإثم، لأن الخبر الذي تلا هذه الآية يتعلق بالوعيد والتحذير، ويظهر في هذا السياق أن الذهاب إلى المعركة يُعتبر عدم تخلف عن وعد الله، أما عدم الحضور فيعد مخالفة و يؤدي إلى الوعيد؛ بعبارة أخرى، إعراضهم هو إثم و ذنب يؤدي إلى الوعيد.
أما بالنسبة لأولئك الذين هم من بين المخالفين المعذورين، فلا ذنب عليهم، أي أنهم خارجون عن قائمة المذنبين؛ ولكن يجب أن نلاحظ أن الحكم لم يُسلب منهم، وإنما لا حرج عليهم؛ و يتشابه هذا البيان في القرآن الكريم مع ما ورد عن نفس الفئة المذكورة فيما يتعلق بدخولهم إلى بيوت بعض الأشخاص الذين تم ذكرهم في الآية 61 من سورة النور؛ كما في تلك الآية، يكون المعنى مرتبطًا بالإثم و الذنب:لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ.
بعض المفسرين من الشيعة وغيرهم(3)ذكروا أن هذه الآية نزلت بعد أن جاء بعض المعاقين و ذوي الاحتياجات الخاصة من تلك المجموعة إلى النبي الكريم صلي الله عليه و آله و أوضحوا
حالتهم، فاستثناهم الله تعالى بناءً على ذلك.
نعم، الإسلام هو دين لا يوجد فيه أي صعوبة أو ضيق، كما ورد في مواضع متعددة حيث قال: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ(1)، جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيم(2).
نهاية الآية الكريمة، مثل نهاية الآية السابقة، تتضمن بياناً للوعيد و الوعود، حيث ذكر في الوعد الجنة الخالدة، ولكن في بيان العقاب و الوعيد لم يُذكر شيء جديد، بلتم تكرار نفس العذاب الأليم المؤكد؛ و هذا يدل على عظمة العذاب، و لذلك لا حاجة لتغيير وصفه أو خصائصه.
أما الآية الثامنة عشر، التي ورد فيها لفظ قد فهي تفيد التحقيق، حيث قطعت الحديث عن المتخلفين و بياناتهم المتعلقة بهم، و انتقلت للحديث عن الجهة المقابلة لهم، وهم الذين بايعوا في بيعة الرضوان، حيث أخبروا بتأكيد أنهم مرضيون من الله تعالى، و لذلك ورد في الوحي تعبير "عن المؤمنين" و ليس "عن المسلمين".
أما قوله تعالىفَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، فإن المعنى الضمني لهذا هو أن الله يعلم أن وراء بيعة هؤلاء المجموعة غالباً لم يكن هناك نفاق أو تلاعب، بل كانت بيعة صادقة. ولذلك، أنزل الله سبحانه وتعالى عليهم سكينة وطمأنينة في قلوبهم، كما قال:أَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، ثم بعد ذلك، أنعم عليهم بأجر عظيم كان نتيجة صلح الحديبية و فتح خيبر؛ لقد تم القول إن المعنى الدلالي للجملة فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِم هو ما تم استنتاجه بناءً على القرائن الواردة في الآيات السابقة، حيث ذكر الله تعالى قبلًا مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.
أما بشأن نزول السكينة من الله تعالى، فقد صرح الله سبحانه وتعالى في هذه السورة المباركة في الآية الرابعة بأنه في أحداث سفر الحديبية نزل جنود السكينة على المؤمنين، حيث قال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ و قد تم تحديد عدة أوقات لتحقيق هذا النزول، سواء كان ذلك بعد سفر الحديبية أو أثناءه؛ ولكن، بالنظر إلى الآية الكريمة التي تفيد بأن هذه الجنود نزلت بسبب بيعة الرضوان، يتضح ما ذكرناه، و يمكن أيضًا استنتاج أن الجملة الكريمة هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ تتشابه مع فَأَنْزَلَ اللَّهِ سَكِينَتَهُ من حيث الزمن و المصداقية، إذ لم يتم التوضيح في الآية الرابعة حول وقت نزول السكينة (والله أعلم بكتابه).
كلاهما اسم مشتق من مادة "عرج"(1)و لفظ "عَرَج" كما قيل يعني أن إحدى الساقين أعلى من الأخرى، أو أن شخصًا أصيب بشيء في ساقه يؤدي إلى إعاقة في مشيه. و في هذا السياق، هناك جانبين؛ و فيما يتعلق بالقدم: إذا أصاب شيءٌ قدمه و تسبب في عرجته، بحيث يمشي مشية العرج، ولكن ذلك ليس من خصائصه الطبيعية، يُسمى عَارِج، أما إذا كان ذلك من طبيعة خلقته منذ البداية، فيُسمى أَعْرَج.
الجهاد و الدفاع في الدين الإسلام الحنيف هي من الأمور التي خصصت جزءاً من مواضيع الفقه الإسلامي؛ لذلك فقد تم نقاشها و إصدار الفتاوى بشأنها من قبل
1) . عَرِجَ خِلْقَةً، وَعَرَجَ يَعْرُجُ إِذَا مَشَى مِشْيَةَ الْعُرْجَانُ. وَالْعَرْجَاءُ: الضَّبُعُ، وَذَلِكَ خِلْقَةٌ فِيهَا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْعَرْجَاءُ، وَالْجَمْعُ عُرْجٌ. وَجَمْعُ الْأَعْرَجِ مِنَ النَّاسِ الْعُرْجَانُ. وَيُقَالُ لِلْغُرَابِ أَعْرَجٌ، لِأَنَّهُ إِذَا مَشَى حَجَلَ.
الفقهاء .
في هذا السياق، لا يُبحث وجوب الجهاد استناداً إلى الآية الشريفةكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ(1)و ما شابهها، بل ما يُبحث هو شروط وجوب الجهاد على المسلمين، التي تتعلق بوجود ثلاثة شروط تم ذكرها في الآية الشريفة.
كما تم الإشارة إليه في بداية النقاش، يجب أن نعلم أن الفقهاء الأعزاء قد أخذوا بعين الاعتبار، استناداً إلى الآيات و الأحاديث الإسلامية في باب الجهاد، شروطًامعينة إذا غاب أي منها، سقط حكم وجوب الجهاد عن الشخص؛ و هذه الشروط الثلاثة المذكورة، و هي: البصر، الصحة، و الخلو من العجز في المشي، هي من الشروط الضرورية لذلك؛ كما قال الشهيد الأول رحمه الله في اللمعة: يشترط: البلوغ، والعقل، و الحرية، و البصر، و السلامة من المرض، و العرج، والفقر(2)وبالتالي، فإن الثلاثة الأخيرة: البصر، السلامة من الأمراض، و القدرة على المشي السليم، مأخوذة من الآية الشريفة.
الإضافة إلى ذلك، أشار الشيخ الطوسي رحمه الله في المبسوط في الفقه الإمامية إلى بعض الأعذار التي تسقط فرض الجهاد، فقال: العمى، والعرج، والمرض، والعسر؛ أما الأعور فيلزمه فرضه لأنه كالصحیح في تمكنه منه(3)و لذلك، فإن الشخص الأعور (ذو العين الواحدة) لا يشمله هذا الحكم لأنه قادر على أداء أنشطته باستخدام عينه السليمة. وقد صرح المرحوم النجفي رحمه الله في جواهر الكلام بناءً على "بقاء عموم الأدلة" بوجوب الجهاد عليه، فقال: أما الأعور، فالجهاد واجب عليه، لا مكانة له في ذلك(4).
أما المرحوم الخوئي رحمه الله فقد ذكر في باب الرابع من موارد وجوب الجهاد:لا يجب على الأعمى، والأعرج، والمقعد، والشيخ الهمّ، والزمن، والمريض، والفقير الذي يعجز عن نفقة الطريق والعِيال والسلاح ونحو ذلك(1)، كما أن استناده إلى هذه الآية الشريفة قد تم التأكيد عليه، كما ذكره هو بنفسه في منهاج الصالحین.
رغم أن القرآن الكريم يخاطب أولئك الذين لا تتوفر لديهم شروط وجوب الجهاد قائلاً: لا حرج عليكم أن لا تذهبوا للجهاد، إلا أنه في موضع آخر قد بيّن أنه إذا لم تتمكنوا من المشاركة في الجهاد المباشر في سبيل الله، يمكنكم دعم المعركة في الجبهات الداخلية. كما في المثال الذي ورد عن النساء في المدينة اللاتي لم يكن حاضرات في صلح الحديبية، حيث قال الله تعالى في وعد الجنةلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ(2)و هو وعد يشارك فيه الرجال والنساء؛ وكان ذلك على الرغم من أن الجهاد لم يكن واجبًا على النساء وفقًا للشريعة و رغم أن الحديبية لم تكن معركة جهادية، إلا أنها اعتُبرت حركة عبادية؛ إذن، رغم أن عدد النساء اللواتي حضرن في هذه الواقعة كان قليلاً ولم يُدعَ أي منهن للمشاركة في الجهاد أو المساعدة، فإن النساء في المدينة كان عليهن في غياب أزواجهن الجهاد المعيشي و المدني، ولهذا فإنهن شركاء في أجر جهاد أزواجهن، وهذا يظهر عدالة الله تعالى الدقيقة.
أما فيما يتعلق بحال الضعفاء، فالوضع كما ذكرنا، حيث يقول الله تعالىلَا حَرَجَ عَلَى الْضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ(3).
أي أنه إذا لم يكن لديهم ما ينفقون، فإن مجرد نصحهم و إخلاصهم في القلب يكفي
ليكونوا قد شاركوا في دعم الدين وجنوده.
في بداية الحديث، تم الإشارة بتفصيل إلى حادثة صلح الحديبية، حيث تبين أن النبي صلي الله عليه و آله قد استدعى ما يقرب من ألف وخمسمائة شخص، فصحبوه من المدينة إلى مسجد الحرام؛ كما تم الحديث عن أن هذه الرحلة لم تكتمل و أن الرسول صلي الله عليه و آله قد عقد صلحاً مع قريش في منطقة الحديبية مع شخصيات مثل سهيل بن عمرو و غيرهم.
و كان ممثل الإسلام في التفاوض الأولي مع قريش بعد رفض عمر بن الخطاب هو عثمان بن عفان، وعندما ذهب إلى قريش للتفاوض، انتشرت شائعات عن قتله.
أما الواقعة التي تخاطبها الآية الشريفة، فهي عندما انتشرت في صفوف المسلمين أخبار قتله، فعقد النبي صلي الله عليه و آله اجتماعاً سياسياً تحت شجرة السمرة، حيث جمع الصحابة و طلب منهم أن يبايعوه مرة أخرى.
و قد ورد في كتب المؤرخين الإسلاميين أن النبي كان جالساً تحت شجرة في منطقة الحديبية، وكان المسلمون يبايعونه، و من هنا جاء تفسير الآية التي قال فيها يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ حيث يشير إلى أن يد رسول الله صلي الله عليه و آله كانت فوق أيدي المبايعين.
وبالنظر إلى ما ذكر، فإن هذه البيعة قد سميت "بيعة تحت الشجرة"(1)أو "بيعة الشجرة"، كما عرفت ب- "بيعة الرضوان" لأن الله سبحانه وتعالى قد رَضِيَ عن المبايعين: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ تجدر الإشارة إلى أن السبب في رضى الله عن المؤمنين
1) . شجرة سَمرة، وفق تهذیب اللغه، هو شجرة عظيمة ذات خشب قوي (تهذیب اللغة، ج4، ص 222). وفق التقارير المتوفرة، قُطِعَت هذه الشجرة بأمر من الخليفة الثاني بحجة دفع الشرك وعبادة الأصنام من المسلمين (فتح الباري، ج8، ص448؛ العسقلاني، في المنثور، ج7، ص522).
هو علمه بما في قلوبهم، كما ورد في الآية فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ.
أما عن مضمون هذه البيعة، فقد تم الحديث عنها بإيجاز سابقاً، حيث تم تقديم احتمالين: الأول هو أن لا يفروا، والثاني هو أن يدافعوا عن دينهم حتى اللحظة الأخيرة. وقد استدللنا على أن القول الثاني هو الأقرب؛ وعليه، فإن هذا الرضا هو من الله تجاههم، ومنهم تجاه الله سبحانه و تعالى.
البيعة الرضوان، وفقاً لما ذكره أهل الرأي في تقسيم البيعة، هي بيعة عامة؛ و توضيح ذلك أن البيعة إما خاصة أو عامة بحسب الأطراف المتورطة فيها، فالبيعة الخاصة هي التي تكون بين المبايَع و الزعماء أو رؤساء المبايعين، بينما البيعة العامة هي التي تتم بين المبايعين و أفراد الجماعة حتى و إن لم يكن لهم اتفاق رسمي.
البيعة الرضوان التي هي سبب رضا الله تعالى، کباقي البيعات، تتألف من ثلاثة أجزاء؛ الأول "مبائع" (مفاعِل) و هو اسم فاعل من باب المفاعلة، و هو في الواقع المؤمنون الذين قال الله سبحانه و تعالى في حقهم:رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(1).
الجزء الآخر هو "مبايع له"، و المقصود به وجود النبي الأكرم صلي الله عليه و آله الذي قال الله تعالى في حقهإِذْ يُبَايِعُونَكَ أي أنهم يبايعونك، و أنت هو من يُبايع.
أما "المبيع"، فهو في الحقيقة الشيء الذي يتم التعاقد عليه أو بيعه؛ ومن خلال دراسة الآيات الأخرى من القرآن الكريم، يظهر أن "المبيع" في هذه الحالة هو أرواح و أموال المؤمنين، كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ
1) . سورة المائدة، الآیة 119 .
الْجَنَّةَ(1)و مع أن طرف البيعة الذي يتم بيعته هو رسول الله صلي الله عليه و آله ، إلا أنه كما ورد في الآية الشريفة يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وفي الحديث الذي يقول: وَمَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيْءٍ... يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا(2)، في الواقع هم يبايعون الله تعالى، ويضعون أنفسهم وأموالهم تحت ملكيته وحاكميته، وكذلك تحت حاكمية رسول الله صلي الله عليه و آله من المعلوم أن كل شيء هو في يد الله، كما قال:لِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(3)إذًا، هذه البيعة تحمل طابعًا تشريفيًا من الناحية الاصطلاحية، و ليس حقيقيًا.
قال تعالى في بيان جزاء البيعة الثانية بأنهم سيُكافَؤُونَ برضا الله، ويُعطَوْنَ فتحًا قريبًا. لفظأثَابَهُمْ مأخوذ من "ثوب" بمعنى رجوع الشيء إلى أصله؛ و"الثُوب" هو ما يُلبس و لم يُخَيَّط، و في هذه الآية، المقصود به هو "الجزاء"، أي يُجزون بفتح قريب.
ونظرًا لأن الآية نزلت في صلح الحديبية، فيتضح - والله أعلم - أن "الفتح القريب" هو فتح خيبر في السنة السابعة، أي بعد عام من بيعة الرضوان و نزول هذه الآية. لذلك، "الفتح القريب" يختلف عن "الفتح المبين" المذكور في الآية، حيث أن الفتح المبين إما كان صلح الحديبية أو فتح مكة، أما "الفتح القريب" فكان فتح خيبر؛ وهذهالرؤية تتوافق مع ما ورد عن جابر بن عبد الله الأنصاري، حيث ذكر أن المقصود بالفتح القريب هو فتح خيبر، و قال: و َأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، يَعْنِي فَتْحَ خَيْبَرَ(4).
لا شكَّ أنَّه فيما يتعلَّق بأوَّل من بايع من الصحابة و الرفقاء، كان أمير المؤمنين عليه السلام هو السبَّاق بينهم، بناءً على عَقِبَة كلٍّ منهم؛ فقد قال عليه السلام بنفسه: وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ بَایَعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله تَحْتَ الشَّجَرَةِ(1). وقد ورد هذا في كثير من الكتب التاريخية والروائية؛ لكن هذه الحقيقة، مثل غيرها من الحقائق، قد تأثَّرت بتعصُّب بعض المؤرخين والمفسِّرين غير الإمامية، حيث ذكر البعض منهم أنَّ أوَّل من بايع كان أبو سنان بن وهب من بني أسد و غيرهم، وهو تحديد غير دقيق.
و قد ذكر ابن شهر آشوب في كتابه "مناقب آل أبي طالب" أن أمير المؤمنين عليه السلام سبق الصحابة جميعهم في هذه البيعة بأشياء، منها أنه كان من السابقين إليها؛ و وفقاً لكلامه، فإنَّ الامام هو أوَّل من بايع النبي صلي الله عليه و آله ، و قد استند في ذلك إلى ما نقله أبو بكر الشيرازي عن جابر الأنصاري، حيث قال: أنَّ أَوَّلَ مَنْ قَامَ لِلْبَيْعَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أَبُو سِنَانٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الْأَسَدِيُّ، ثُمَّ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ(2).
من جهة أخرى، كيف يمكن أن يكون من بايع في بيعة العشیرة، حينما لم يكن للرسول ناصر ولا معين، هو الأوَّل في تلك البيعة، ومع ذلك لا يكون الأوَّل في بيعةالرضوان، في وقت كانت فيه دعوة النبي في أوج قوتها؟ وذلك على الرغم من الروايات المتواترة مثل: أنت مني بمنزلة هارون من موسى(3)، التي نقلها الفريقان.
وأيضًا يجب أن نأخذ في الاعتبار أنَّ البيعة كانت من أجل المسلمين، لكي يثبتوا على دينهم ويثبتوا في ميدان المعركة، لا من أجل الامام الذي هو مظهر و قوام الدين.
مسألة أخرى يستند إليها أهل السنة ادعاؤهم بعدالة الصحابة المطلقة استنادًا إلى الآية الكريمة لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ و قد استدل بعضهم، مثل الخطيب البغدادي في كتاب "الكفاية"، بأن أول ما يجب النظر فيه عند نقل أي حديث عن رسول الله صلي الله عليه و آله هو بحث وثاقة سلسلة الرواة، إلا إذا كانوا من الصحابة؛ لأنهم، وفقًا للروايات - حتى و إن كانت ضعيفة السند – و بعض الآيات، قد أُقرَّت عدالتهم و طهارتهم.
ومن بين هذه الآيات التي يستندون إليها، الآية التي ذكر فيها رضا الله تعالى عن المؤمنين: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، حيث يعتقدون أنه نظرًا لأن هؤلاء هم المؤمنون الذين أعلن الله سبحانه و تعالى عن رضاه عنهم، فإنهم يتمتعون بعدالة تامة و مطلقة؛ وبالتالي، إذا صدر منهم خطأ، فهو نتيجة اجتهاد خاطئ.
ويبدو أن البعض منهم لم يدرك ضلالة بعد إيمان؛ بناءً على ذلك، هناك عدة اعتراضات وانتقادات على هذا القول، وهي كما يلي: أولاً، إذا كانوا يعتقدون أنه بعد الآية الشريفة أصبحت عدالة الصحابة واضحة و أن الله سبحانه وتعالى قد كشف عنها، فلو فرضنا أن ذنوبهم قبل بيعة الرضوان قد غُفِرَت وأن جميع الصحابة أصبحواعادلين، فكيف يمكن تفسير أن بعضهم قد امتنع بعد ذلك عن قبول حكم النبي صلي الله عليه و آله في غزوة الحديبية، حين أمر بالقصر و الحلق و ذبح الهدي؟ و قد اشتكى النبي صلي الله عليه و آله منهم إلى أم سلمة، فكيف يكون ذلك إذا كانوا جميعًا عادلين؟ بل إنهم بعد ثلاث سنوات من ذلك في غزوة تبوك خالفوا مرة أخرى.
ومن بين الشواهد على بطلان ادعاء العدالة المطلقة للصحابة، حادثة الهجوم على بيت الخليفة الثالث؛ ففي هذه الواقعة، كان من بين الصحابة الذين كان لهم دور مؤثر
في مواثيق الصلح والبيعة، مجموعة منهم قد ارتكبت أعمالًا تثير تساؤلات جادة حول عدالة هؤلاء الصحابة؛ وهذه التناقضات تتضح في مواقفهم تجاه عدالة الصحابة، فمن جهة، يعتبرون الصحابة عادلين ويستندون إلى آيات مثل آية البيعة لإثبات عدالتهم، ومن جهة أخرى، نرى أن بعض الصحابة الذين كان الله راضيًا عنهم، مثل "عبد الرحمن بن عديس"، كانوا من بين المهاجمين على بيت الخليفة الثالث و الذين تسببوا في قتله.
التوضيح أن عبدالرحمن بن عديس من الذين كانوا حاضرين في بيعة تحت الشجرة، و بناءً على تصريح الآية: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فإنه مشمول برضا الله تعالى، و بالتالي فهو عادل؛ ولكن هذا الشخص ذاته كان منالمهاجمين على دار الخليفة الثالث و من العوامل المؤثرة في قتله(1)
*. سند آخر من حضور عبد الرحمن بن عديس في بيعة الرضوان: فلما كانت الفتنة كان ابن عديس ممن أخّره معاوية في الرهن، فسجنه بفلسطين، فهربوا من السجن، فأدرك فارس ابن عديس فأراد قتله، فقال له ابن عديس: ويحك! اتّق اللَّه في دمي، فإنّي من أصحاب الشجرة، قال: الشجر بالخلیل كثير، فقتله، (أسد الغابة، ابن أثير، ج3، ص370 و الإصابة، ابن حجر، ج4، ص282.
، وهذا الأمر من وجهة نظر مدافعي عدالة الصحابة المطلقة يجعله فاسقاً، لأنه قاتل الخليفة الثالث(2).هذا التناقض بين العدالة والفِسْق يُشكِّل تحدياً جدياً في قبول دعوى العدالة المطلقة لجميع الصحابة، ويستلزم إعادة النظر في هذا المبدأ بنظرة دقيقة و موثقة؛ هذا القول ضعيف إلى درجة أن كبار علماء تلك المدارس لم يقبلوه؛ فقد قال التفتازاني، وهو من
1) . الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج2، ص840 ؛ عبد الرحمن بن عديس البلوي، مصري، شهد الحديبية. ذكر أسد ابن موسى، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قَالَ: كان عبد الرحمن بن عديس البلوي ممن بايع تحت الشجرة رَسُول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ قال أبو عمر: هو كان الأمير على الجيش القادمين من مصر إلى المدينة الذين حصروا عثمان و قتلوه.
2) . ابنحزم الآندلسی (الفصل فی الملل و الاهواء و النحل): هم فساق محاربون سافكون دَمًا حَرَامًا عمدا بِلَا تَأْوِيل على سَبِيل الظُّلم والعدوان فهم فساق مَلْعُون، ج4، ص125. أنظر: البدایه، ج 7 ، ص 208).
كبار علماء علم الكلام الإسلامي، في كتابه المقاصد راداً على هذا القول: أن ما وقع بين الصحابة من المحاربات و المشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، و المذكور على ألسنة الثقات يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق، و بلغ حد الظلم و الفسق؛ و كان الباعث له الحقد و العناد، و الحسد و اللداد، و طلب الملك و الرئاسة و الميل إلى اللذات و الشهوات؛ فقال: إذ ليس كل صحابي معصوما و لا كل من لقي النبي(1).
في حادثة الحديبية التي كان من المقرر فيها أن يؤدي المسلمون الطواف وفقًا لرؤيا رسول الله صلي الله عليه و آله ، شك بعض الصحابة الذين جُعلت عدالتهم محل تقدير في نبوة رسول الله الكريم، ومنهم الخليفة الثاني، أي عمر بن الخطاب.
و قد نقلت العديد من كتب الشيعة هذا الشك؛ ولكن لتقوية و تثبيت القول، نرجع إلى مصادر أهل السنة:
1 . الذهبي، تاریخ السلام، المجلد 2، الصفحة 271؛ طبع: ت - التمدیري.
2 . ابن حبان، صحیح ابن حبّان، المجلد 11، الصفحة 216؛ مؤسسة الرسالة،1414ق.
3 . عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، المجلد 5، الصفحة 339؛ المجلسالعلمي، 1403ق.
4 . سلیمان بن احمد الطبراني، المعجم الکبیر، المجلد 20، الصفحة 9؛ الطبع: مكتبة ابن تيمية، 1415ق.
5 . جلال الدین السیوطي، در المنثور، المجلد 6، ص 77؛ دارالفکر- بیروت، 1414 ق.
6 . ابن عساکر، تاریخ مدینة دمشق، المجلد 57، الصفحة 229 . دار الفکر - بیروت، 1420ق.
7 . صحیح المسلم، المجلد 3، الصفحة 1411. دار الإحياء التراث العربي.
8 . الواقدي، المغازي، المجلد 2، الصفحة 206 . مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1409ق.
9 . البغوي، معالم التنزیل، المجلد 7 ، الصفحة 304؛ دار الطیبة.
1) . شرح المقاصد، ج 5، ص 311 .
فقال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ قال فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت ألست نبي الله حقا قال بلى قال قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطى الدنية في ديننا فقال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به قال بلى فأخبرتكأنك تأتيه العام قلت لا قال فإنك آتيه ومطوف به قال فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل...)(1).
من إشكالات صحيح البخاري أنه قد ذكر هذا الموضوع ثم شطب اسم عمر بن الخطاب في تلك الجملة.
عندما يُذكر رضا الله و غضبه، فإن المعنى العلمي و الدقيق ليس هو الرضا والغضب بالمعنى الدنيوي المعتاد؛ لأنه وفقًا لما ذكره الحکماء، فإن ذات الله لا تتغير، وبالتالي لا يمكننا أن نعتبر ذلك من صفات الذات. لأنه أولاً لا يتماشى مع قديمه، كما أن المصطلحات العقلية تقول بأن القديم لا يمكن أن يتغير، وثانيًا وفقًا لما ذكره المرحوم أمين الإسلام، إذا كانت هذه الصفات موجودة في ذاته، فإن ذات الله ستكون قابلة للتغيير، وبالتالي يمكن لبعض الناس - معاذ الله - أن يحمّلوا ذات الله بعض الآثار المادية؛ ولذلك، فإن رضا الله هو من صفات فعل الله تعالى وليس من صفات الذات! أي أنه لا علاقة له بصفات الذات، لأن ضد صفة الذات هو العدم، وفي مقابل صفة الفعل يوجد ضد آخر، فما هو بين المخلوق و الخالق هو صفات فعل؛ كما قال الإمام
1) . المصنف (عبدالرزاق)، ج 5 ص 332.
الصادق عليه السلام حول الآية الشريفةفَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ حيث قال: فِی قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا یَأْسَفُ کَأَسَفِنَا وَ لَکِنَّهُ خَلَقَ أَوْلِیَاءَ لِنَفْسِهِ یَأْسَفُونَ وَ یَرْضَوْنَ وَ هُمْ مَخْلُوقُونَ مَرْبُوبُونَ فَجَعَلَ رِضَاهُمْ رِضَا نَفْسِهِ وَ سَخَطَهُمْ سَخَطَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمُ الدُّعَاهْإِلَیْهِ وَ الْأَدِلَّاءَ عَلَیْهِ فَلِذَلِکَ صَارُوا کَذَلِکَ وَ لَیْسَ أَنَّ ذَلِکَ یَصِلُ إِلَی اللَّهِ کَمَا یَصِلُ إِلَی خَلْقِهِ لَکِنْ هَذَا مَعْنَی مَا قَالَ مِنْ ذَلِکَ(1).
و في کلام آخر عن الإمام الرضا عليه السلام ، ردًا على شخص قال له: أحمد الله حتى منتهی علمه، قال الإمام عليه السلام : علمه عين ذاته، لا نهاية له؛ لذا قل: الحمد لله حتى حدود رضاه(2). بالنظر إلى هذه الموضوعات، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن المقصود من رضا الله هو الثواب الدنيوي؛ كما أن مجموعة من المتكلمين يتفقون على هذا القول.
مع الأوصاف التي ذكرناها لصفات الفعل، النتيجة هي أن صفات الفعل متغيرة و لها ضد، لذا إذا كان وفقًا لبيان أهل السنة أن جميع الصحابة في رضا الله، فإن ذلك يقتصر على فترة البيعة، وبعد ذلك، لأن البيعة قد نكثت و حدثت البدع، فإن صفت الرضا تتحول إلى غضب؛ كما أن البراء بن عازب قد اعترف صراحة بالبدع التي حدثت بعد النبي الكريم صلي الله عليه و آله من قبل الصحابة، حيث قال في رده على مسيب الذي مدحه لحضوره في بيعة رضوان: عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقِيتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقُلْتُ: طُوبَى لَكَ صَحِبْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَايَعْتَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثْنَا بَعْدَهُ(3).
1) . التوحید، ص 168 .
2) . بحار الأنوار، ج4، ص 83 .
3) . صحیح البخاري، ج 5، ص 125.* إحداث في اللغة من مادة (حدث)، و تعني البدعة؛ و قد قال الجوهري في تعريف البدعة: الحدث و ما ابتُدع من الدين بعد الإكمال، (الصحاح، ج3، ص1184). و على هذا الأساس، قال رسول الله: شر الأمور محدثاتها، ألا و كل بدعة ضلالة، ألا و كل ضلالة في النار. الأمالي (الشيخ المفيد رحمه الله )، ص188.
في مباحث صفات الفعل و صفات الذات، تم الإشارة إلى التعريف العام في بداية المقالة، وسنتناول الموضوع بتفصيل أكثر في النقاط التالية:
أ . صفات الفعل هي التي لا يمكن نسبتها إلى الواجب تعالى إلا إذا فرضنا أمرًا خارجًا عن ذات الله عز وجل، على عكس صفات الذات التي هي صفة لذات الله بلا حاجة لوجود أمر خارجي.
ب . صفات الذات تنتزع من الذات نفسها وهي عينها، بينما صفات الفعل تنتزع من الفعل؛ وهذا ما أشار إليه مولى المتقين عليه السلام في خطبته الأولى في نهج البلاغة حيث قال: الذي ليس لصفته حد محدود، أي أن ذات الله وصفاته الذاتية لا حدود لها.
ت . إنّ صفات الفعل، بحسب تعلّقها، مرتبطةٌ بمتعلَّقها، وهي من حيث الكمّيّة والمقدار، تابعةٌ لمحلّ تعلّقها؛ ومن ثمّ، فقد يتّصف الغضب الإلهيّ بدرجاتٍ متعدّدة.
ث . صفات الفعل يمكن سلبها عن الله تعالى، بخلاف صفات الذات؛ على سبيل المثال، لا يُقال عن الله أنه منزل القرآن حتى يتم نزوله.
ج . صفات الفعل مقيدة بالزمان و المكان الذي يتم فيه الفعل، بينما صفات الذات ليست كذلك.
ح . كما ذكر المرحوم الصدوق رحمه الله في كتابه "التوحيد"، أن صفات الذات أزلية، على عكس صفات الفعل التي ليست كذلك.
أ . عن امیر المومنین عليه السلام : إِنَّهُ تَعَالَی قَدْ وَصَفَ مَنْ رَضِیَ عَنْهُ مِمَّنْ بَایَعَ تَحْتَ الشَّجَرَهْ بِأَوْصَافٍ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَمْ تَحْصُلْ لِجَمِیعِ الْمُبَایِعِینَ فَیَجِبُ أَنْ یَخْتَصَّ الرِّضَا بِمَنِ اخْتَصَّ بِتِلْکَ الْأَوْصَافِ لِأَنَّهُ تَعَالَی قَالَ فَعَلِمَ ما فِی قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّکِینَةَ عَلَیْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِیباً(1).
إشارة: بِناءً على تفسير الإمام علي عليه السلام ، الآية لا تشمل جميع المبايعين، بل يجب أن يتمّ مع البيعة ثباتها و دوامها، و هذا الأمر لم يتحقق منهم، کما قال تعالی: فمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ(2).
ب . عن جابر بن عبدالله رحمه الله عن الباقر عليه السلام : قُلْتُ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ لَقَدْ رَضِیَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِینَ إِذْ یُبایِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ کَمْ کَانُوا؟ قَالَ: أَلْفاً وَ مِائَتَیْنِ قُلْتُ هَلْ کَانَ فِیهِمْ عَلِیٌّ قَالَ: نَعَمْ سَیِّدُهُمْ وَ شَرِیفُهُمْ(3).
ت . روی عن الإمام علي عليه السلام فی الاحتجاج: أَنَا الَّذِی ذَکَرَ اللَّهُ اسْمَهُ فِی التَّوْرَاهْ وَ الْإِنْجِیلِ بِمُوَازَرَهْ رسولالله صلي الله عليه و آله وَ أَنَا أَوَّلُ مَنْ بَایَعَ رسول الله صلي اللهعليه و آله تَحْتَ الشَّجَرَهْ فِی قَوْلِهِ تَعَالَی:لَقَدْ رَضِیَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِینَ إِذْ یُبایِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ(4).
اشارة: رواية أخرى تُبيّن أن اسم النبي و الإمام، مذكور في الكتب المقدسة (5).
1) . بحار الأنوار، ج 31، ص 259 .
2) . سورة الفتح، الآیة10 .
3) . بحارالأنوار، ج 36، ص 55 .
4) . بحارالأنوار، ج 33، ص 333 .
5) . انَّ الرِّضَا علیه السلام الْتَفَتَ إِلَى الْجَاثَلِيقِ فَقَالَ هَلْ دَلَّ الْإِنْجِيلُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ص قَالَ لَوْ دَلَّ الْإِنْجِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا جَحَدْنَاهُ فَقَالَ ع أَخْبِرْنِي عَنِ السَّكْتَةِ الَّتِي لَكُمْ فِي السِّفْرِ الثَّالِثِ فَقَالَ الْجَاثَلِيقُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُظْهِرَهُ قَالَ الرِّضَا علیه السلام فَإِنْ قَرَّرْتُكَ أَنَّهُ اسْمُ مُحَمَّدٍ وَ ذِكْرُهُ وَ أَقَرَّ عِيسَى بِهِ وَ أَنَّهُ بَشَّرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمُحَمَّدٍ أَ تُقِرُّ بِهِ وَ لَا تُنْكِرُهُ قَالَ الْجَاثَلِيقُ إِنْ فَعَلْتَ أَقْرَرْتُ فَإِنِّي لَا أَرُدُّ الْإِنْجِيلَ وَ لَا أَجْحَدُهُ قَالَ الرِّضَا فَخُذْ عَلَى السِّفْرِ الثَّالِثِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ وَ بِشَارَةُ عِيسَى بِمُحَمَّدٍ قَالَ الْجَاثَلِيقُ هَاتِ فَأَقْبَلَ الرِّضَا يَتْلُو ذَلِكَ السِّفْرَ الثَّالِثَ مِنَ الْإِنْجِيلِ حَتَّى بَلَغَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ ص فَقَالَ يَا جَاثَلِيقُ مَنْ هَذَا النَّبِيُّ الْمَوْصُوفُ قَالَ الْجَاثَلِيقُ صِفْهُ قَالَ لَا أَصِفُهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَهُ اللَّهُ هُوَ صَاحِبُ النَّاقَةِ وَ الْعَصَا وَ الْكِسَاءِ النَّبِيُّ الْأُمِّيُ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ يَهْدِي إِلَى الطَّرِيقِ الْأَقْصَدِوَ الْمِنْهَاجِ الْأَعْدَلِ وَ الصِّرَاطِ الْأَقْوَمِ سَأَلْتُكَ يَا جَاثَلِيقُ بِحَقِّ عِيسَى رُوحِ اللَّهِ وَ كَلِمَتِهِ هَلْ تَجِدُ هَذِهِ الصِّفَةَ فِي الْإِنْجِيلِ لِهَذَا النَّبِيِّ فَأَطْرَقَ الْجَاثَلِيقُ مَلِيّاً وَ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ جَحَدَ الْإِنْجِيلَ كَفَرَ فَقَالَ نَعَمْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْإِنْجِيلِ وَ قَدْ ذَكَرَ عِيسَى هَذَا النَّبِيَّ وَ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ النَّصَارَى أَنَّهُ صَاحِبُكُمْ فَقَالَ الرِّضَا ع أَمَّا إِذَا لَمْ تَكْفُرْ بِجُحُودِ الْإِنْجِيلِ وَ أَقْرَرْتَ بِمَا فِيهِ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ص فَخُذْ عَلَيَّ فِي السِّفْرِ الثَّانِي فَإِنِّي أُوجِدُكَ ذِكْرَهُ وَ ذِكْرَ وَصِيِّهِ وَ ذِكْرَ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ وَ ذِكْرَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ فَلَمَّا سَمِعَ الْجَاثَلِيقُ وَ رَأْسُ الْجَالُوتِ ذَلِكَ عَلِمَا أَنَّ الرِّضَا ع عَالِمٌ بِالتَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ فَقَالا وَ اللَّهِ قَدْ أَتَى بِمَا لَا يُمْكِنُنَا رَدُّهُ وَ لَا دَفْعُهُ إِلَّا بِجُحُودِ التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ وَ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسَى وَ عِيسَى جَمِيعاً وَ لَكِنْ لَمْ يَتَقَرَّرْ عِنْدَنَا بِالصِّحَّةِ أَنَّهُ مُحَمَّدٌ هَذَا فَأَمَّا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقِرَّ لَكُمْ بِنُبُوَّتِهِ وَ نَحْنُ شَاكُّونَ أَنَّهُ مُحَمَّدُكُمْ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ الرِّضَا ع احْتَجَزْتُمْ بِالشَّكِّ فَهَلْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ مِنْ وُلْدِ آدَمَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا نَبِيّاً اسْمُهُ مُحَمَّدٌ ص أَوْ تَجِدُونَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَ مُحَمَّدِنَا فَأَحْجَمُوا عَنْ جَوَابِهِ وَ قَالُوا لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقِرَّ لَكُمْ بِأَنَّ مُحَمَّداً هُوَ مُحَمَّدُكُمْ لِأَنَّا إِنْ أَقْرَرْنَا لَكَ بِمُحَمَّدٍ وَ وَصِيِّهِ وَ ابْنَتِهِ وَ ابْنَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ أَدْخَلْتُمُونَا...اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَ هَذَا الْوَصِيُّ الَّذِي اسْمُهُ عَلِيٌّ وَ هَذِهِ الْبِنْتُ الَّتِي اسْمُهَا فَاطِمَةُ وَ هَذَانِ السِّبْطَانِ اللَّذَانِ اسْمُهُمَا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ؛ الخرائج و الجرائح، ح1، ص 342-346.
ث . مقام أمير المؤمنين علي عليه السلام في فتح خيبر هو كالتالي: قَوْلُهُ تَعَالَی:لَقَدْ رَضِیَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِینَ إِذْ یُبایِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَة نَزَلَتْ فِی أَهْلِ الْحُدَیْبِیَهْ قَالَ جَابِرٌ کُنَّا یَوْمَئِذٍ أَلْفاً وَ أَرْبَعَمِائَهْ قَالَ لَنَا النَّبِیُّ صلي الله عليه و آله أَنْتُمُ الْیَوْمَ خِیَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ فَبَایَعَنَا تَحْتَ الشَّجَرَهْ عَلَی الْمَوْتِ فَمَا نَکَثَ إِلَّا حُرُّبْنُقَیْسٍ وَ کَانَ مُنَافِقاً وَ أَوْلَی النَّاسِ بِهَذِهِ الْآیَهْ أمیرالمؤمنین علِیُّبْنُأَبِیطَالِبٍ عليه السلام لِأَنَّهُ تَعَالَی قَالَ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِیباً یَعْنِی فَتْحَ خَیْبَرَ وَ کَانَ ذَلِکَ عَلَی یَدِ علیبنأبیطالب عليه السلام (1).
1) . کشف الغمة فی معرفة ال-ائ-مة، ج1، ص 304 .
وَ مَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَ كَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا 19 وَ عَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَ كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَ لِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ يَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا 20 وَ أُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ۚ وَ كَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا 21 .
التفسیر
القرآن الكريم بعد ذكر بيعة الرضوان، إلى جانب طرح نتائجه المادية والمعنوية، أشار إلى ثمرة أخرى منها وهي الغنائم الناتجة عن الفتح، ومع ذلك، وبالنظر إلى الآيات السابقة التي ذكر فيها أَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا التي تعني فتح خيبر، فإن هذه الغنائم هي نفس غنائم فتح خيبر التي وعد الله سبحانه و تعالى أنكم ستنالونها؛ كما قال مرة أخرى إن الله على هذا الوعد قادر و عليم؛ أي أنه إذا حصلتم على تلك الغنائم، فإن تحقق هذا الأمر هو بفضل عزته و علمه سبحانه و تعالى.
و يجب أن نلاحظ أنه في ذكر الغنائم، في الحقيقة تم ذكر الخاص بعد العام؛ أي أنه في البداية تم الحديث عن الغنائم بشكل عام وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ثم في الآية التالية تم التخصيص حيث قال: فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ.
الله تعالى، في سياق بيانه حول الاستفادة من الغنائم، يقول: "لقد وُعِدتم بغنائم ستتحقق في سياق المعارك القادمة أو في فتوحات الإسلام العامة في كل زمان.
يعتقد بعض المفسرين أن المقصود منفَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ هو انتصار المسلمين في معركة حنين ضد هوازن و ثقيف(1)بينما يرى آخرون، مثل مجاهد و من يوافقه الرأي، أن المقصود هو فتح خيبر(2)، وعند النظر في كل من هذه التفاسير، فإن عبارة "هذه"، بما تحمل من معنى الإشارة إلى القريب، تشير إلى فتح خيبر؛ لذا فإن الجملة وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ(3)أيضًا مرتبطة بهذا الفتح.
و قد رأى ابن عباس رحمه الله و الشيخ الطوسي رحمه الله أن المقصود من "هذه" هو صلح الحديبية(4)و رغم أن هذا التفسير محتمل، إلا أنه لا يتناسب مع سياق الآيات و لا مع حقيقة الصلح؛ لأن صلح الحديبية لم يكن مصحوبًا بالغنائم التي يتم الإشارة إليها هنا.
ثم ذكر الله تعالى، بجانب تأكيده على استفادة المؤمنين من الغنائم، نصره لهم و دفاعه عنهم ضد هجمات المعتدين، حيث قال:وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ و التوضيح لذلك هو أنه أثناء تحرك المسلمين نحو خيبر، كان من المتوقع أن يتعرض أنصار المدينة لهجوم من حلفاء اليهود؛ ولكن الله سبحانه و تعالى الذي يسكّن القلوب، ألقى في
قلوب المهاجمین الرعب كما قال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ(1)فحال دون أن يتعرض نساء و أطفال المسلمين للهجوم.
الله تعالى، في ختام سلسلة الحوادث التي تحققت، مثل الغنائم، صلح الحديبية، فتح مكة، و النجاة من هجمات المعتدين، قال: إن هذه جميعها علامات على صدق كلام الله للمؤمنين؛ لأن كل واحد من هذه الأمور كان وعدًا إلهيًا وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ(2)و الآن قد تحقق ذلك؛ لذا فإن تحقق هذه الوعود هو آية و علامة للمؤمنين وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بناءً على تحقق هذه الوعود الصادقة، يتبين صدق كلام الله.
بعض المفسرين يرون أن المقصود هنا هو رسول الله صلي الله عليه و آله بمعنى أنكم ستكونون آية، و هذه الآية ستوجهكم إلى الصراط المستقيم: وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا.
النقطة المثيرة للاهتمام والتي تحمل حكمة كبيرة هي أنه في بداية السورة كان مخاطب نزول السكينة و الهداية في الصراط المستقيم هو رسول الله صلي الله عليه و آله فقط، لكن في هذا الموضع، توجه الله تعالى إلى المؤمنين و قال إن السكينة ستدخل قلوبكم أيضًا، وستُهديكم إلى الصراط المستقيم وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا.
ثم بعد أن ذكر الله تعالى الغنائم التي سيحصل عليها المؤمنون، أشار إلى غنيمة أخرى لا يعلم المسلمون عنها شيئًا و لا يمكنهم الوصول إليها؛ و في الآية الكريمة وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا(3)فإن كلمة أُخْرَى هي مبتدأ موصوف بصفتها لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا مما يدل على أنها غنيمة لا يستطيعون الوصول إليها وقد أحاط الله بها.
كما تمّ مناقشته، الآية المقصودة في سياق فتح قريب - خيبر - كانت تشير إلى الحملة التي شنها المسلمون في السنة السابعة ضد حصون خيبر، حيث توجه المسلمون بأعداد مماثلة لمتواجدين في صلح الحديبية؛ في هذه الحملة، كان من المتوقع أن تنضمّ العديد من قبائل المشرکین إلى أهل خيبر وأن يصبحوا جزءًا من جبهة معادية للإسلام، من بينها قبيلة غطفان؛ فقد علموا بحملة المسلمين فتوجهوا إلى منطقة خيبر، واستمروا في طريقهم حتى بلغوا نقطة معينة، ثم تراجعوا بعد أن ألقى الله الرعب في قلوبهم كما قال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فعادوا إلى ديارهم(1)وكذلك كان الحال مع قبيلة أسد، التي كانت في البداية تنوي مساعدة يهود خيبر، لكنها تراجعت عن ذلك بعد فترة.
و يُحتمل أن يكون المقصود هنا بعض القبائل التي كانت قد خططت في غياب المسلمين لمهاجمة أسرهم في المدينة، فصرفهم الله عن ذلك قائلاً: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ بين الاحتمالات المختلفة، يظهر دور قبيلة غطفان بوضوح، ولذلك من المحتمل أن يكون المقصود في القرآن الكريم هو هذه القبيلة بالذات، خاصة أن قبائل العرب في الجاهلية كانت تحت قيادة مركزية لهذه القبيلة، وفي بعض الغزوات مثل ذات الأمر أو الأحزاب قاتلت ضد الإسلام.
من الجدير بالذكر أن بعض المفسرين مثل العلامة جوادي، نقلاً عن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، يعتبرون أن النَّاس تشير إلى مشركي مكة، ويربطون دفع الهجوم في قوله: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ بصلح الحديبية ودفاعهم عن المسلمين ضد قريش. ورغم أن هذا التفسير يعززه الآيات التالية مثل وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ، وخصوصًا
1) . أنظر: امتاع الاسماع، ج1، ص 309. المغازي، ج2، ص 637 .
الجزء الذي يقول بِبَطْنِ مَكَّةَ، إلا أن الإشكال في هذا التفسير يكمن في سياق الآيات السابقة واللاحقة التي تتحدث عن غنائم خيبر، لذا فإن التفسير الذي يرتبط بفتح خيبر يبدو أكثر دقة، كما أشار إليه المفسر نفسه الذي ربط الآيات بواقعة خيبر.
ويجب الإشارة إلى أن مجموعة أخرى من المفسرين الذين خصّوا قبيلتي (بني أسد) و (بني غطفان) في تفسيرهم، استهدفت تخصيص مدلول الآية في إشارة إلى مالك بن عوف النّصري وعييبة بن حصين الفزاري(1)، إلا أن العبارة "النَّاس" تشير إلى عموم المشركين الذين كانوا مشاركين في هذه الأحداث، (و الله اعلم).
في الآية الكريمة وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا نجد أن كلمة أُخْرَ كما هو واضح، مأخوذة من جذر "أخر"، ولكنها لا تعني "الآخِر" بمعنى "المقابل للبداية"، بل تعني "الآخر" كما في قوله تعالى: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ.
في هذا السياق، كلمة أُخْرَى تتعلق بسلسلة من الفتوحات والغنائم التي لا يمكن للمسلمين الحصول عليها في الوقت الحالي، لأنها تحت السلطة الإلهية، و فسرها بعض العلماء على أنها منصوبة، مع الفعل المحذوف، فالتقدير سيكون "وَ قَضَى غَنَائِمَ أُخْرَى"؛ و قد فسّرها بعض العلماء بمعركة حنين.
في تفسير "أُخْرَى" نجد وجهين محتملين؛ إذا تم النظر إليها من الزاوية الصوفية و العرفانیة، كما قال بعض العرفاء، فإن المقصود هو العلوم التي هي عين ذات الله، والتي ستتحقق بعد الفناء في ذات الله و البقاء فيه(2).
أما إذا أخذناها في سياق المشرب الوارد في هذا الكتاب، فإن المقصود بها هو سلسلة من الفتوحات والنصرة التي ستتحقق بعد صلح الحديبية، مثل فتح مكة، تبوك، وحملة حنين ضد قبيلة هوازن، والتي ستكون في المستقبل؛ و لأن المسلمين لا يعلمون بتوقيت تحققها، فقد قال الله تعالى:قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا(1)أي إنه تعالى يعلم متى و أين ستحدث تلك الفتوحات، فهو الذي بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ(2).
و من زاوية القوة الإلهية، بما أن الله تعالى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(3)، فإن قوله قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا يتوافق مع هذه الحقيقة.
وعده الله بالغنائم في الماضي والمستقبل يأتي أولًا بصيغ تدل على العزة، وهذه العزة نابعة من عدم قابلية ذات الله للانكسار، كما يُسمَّى "الأرض العزاز" التي لا تنفذ فيها الفؤوس و الخلنج، وبذلك، بما أن الله سبحانه وتعالى لا يُقهَر ولا يُعارِضه شيء في أمره، فإن وعوده ثابتة و غير قابلة للتغيير.
كما أن صفة الحكمة الإلهية تقتضي أن تكون جميع أفعاله محكمة وفي موضعها الصحيح؛ بما أن علمه هو عين ذاته و يحيط بكل شيء من بدايته إلى نهايته، فإن وعوده في الغنائم تجري تحت ظل علمه اللامتناهي وقدرته الرحيم، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : و غلب قهرُك، و جرت قدرتُك، و لا يمكن الفرار من حكومتك(4).
أ . اخرج عبد الرزاق و ابو داود في مراسيله عن الزهري قال: بلغنا ان رسول الله لم يقسم لغائب في مقسم لم يشهده الا يوم خيبر، قسم لغيب أهل الحديبية من اجل ان الله كان اعطى اهل خيبر المسلمين من اهل الحديبية فقال: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ و كانت لأهل الحديبية من شهد منهم و من غاب(1).
إشارة: بناءً على ما يظهر من آيات القرآن، فقد حرم رسول الله صلي الله عليه و آله الغنائم عن بعض المتخلفين الذين علموا بالأمر ومع ذلك تخلفوا، أما الذين تخلفوا بسبب الحرمان الاجتماعي فلم يمنعهم ذلك من السير نحو خيبر.
ب. أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس وَ أُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم.
ت . ثلعبی فی تفسیره: عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلي الله عليه و آله قال: لا يدخل النّار أحد ممّن بايع تحت الشجرة(2).
إشارة:
بناءً على آية الشرط، فإن رحمة الله مستمرة مادام المسلمون لا ينقضون البيعة، و هذه الرحمة هي سبب دخولهم الجنة؛ ولكن إذا تغير الأمر، تتحول نعمة الله إلى نقمة.
العديد من الروايات تدل على أن العديد من الصحابة أهل النار و العذاب، كما ورد في حديث الحوض في صحيح البخاري هذا المعنى.
وَ لَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لَا نَصِيرًا 22 سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ۖ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا 23 وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْعَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا 24
التفسیر
قال الله تعالى في الآية، مُستدِلاً مجدداً على القضية و المحور الرئيسي في سورة، ای صلح الحدیبیة، مُظهرًا هذه المرة وجهًا آخر من وجوه مشركي مكة؛ فإذا كانوا قد عزموا على الهجوم في منطقة الحديبية التي توقّفوا فيها، لكان هذا الهجوم، بالنظر إلى عدم وجود أي دعم مادي لهم، سببًا في تراجعهم و انهزامهم أمام جبهات الحرب؛ لأن قومهم الكفار لم يكن لديهم دعم مادي بسبب النفاق و الفرقة التي تسودهم، و لم يكن لهم أي دعم معنوي يمكن أن يكون سببًا في نصرهم، كما أنهم لا يملكون حامياً يدافع عنهم؛ فلا نصير لهم يدعمهم، ولا وليّ يتولى أمرهم؛ لأن الناصر و الدافع الحقيقي بالذات هو الله سبحانه و تعالى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الآية الكريمة تقدم ضمناً إجابة لأولئك المخالفين الذين قالوا إن هذه الحركة ستنتهي بقتل المؤمنين؛ ولذلك فقد قال الله تعالى أولاً إنه لم يتحقق القتال، وثانياً، حتى لو تحقق، لكان المؤمنون هم الذين سيظفرون، وليس المشركون! أليس هناك من هذه المسائل و المعجزات الإلهية في ميدان المعركة الكثير؟ مثلما حدث في الحروب التي ذكر فيها أن الفئة القليلة غالباً الفئة الكبيرة بإذن الله، كما في قوله تعالىكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ(1)وكذلك في معركة بدر، حيث كان جيش المسلمين الذي لم يتجاوز عددهم ثلاثمائة، مجهزين بأدوات بسيطة، يقابلونجيشًا ضخمًا من الفرسان؛ ومع ذلك، قال الله تعالى في النهاية وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ(2)في حين كنتم أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ حيث أن كلمة "أذلة" هي جمع "ذليل"، و تعني الضعيف و العاجز من حيث العتاد و القوى.
هذه المعاني كلها بشارات من الله تعالى للمؤمنين ليُعلِمهم أن الناصر والفاتح الحقيقي هو الله، وليس القوى أو الأسلحة أو القدرات المادية؛ لأن ما يقوي القوى العسكرية هو قوة التوحيد والسكينة الإلهية التي نزلت على المؤمنين، في حين أن بالنسبة للكافرين، يكون المقابل لذلك، و هو إلقاء الرعب في قلوبهم.
إنَّ استمرار الآيات الكريمة يوضح حقيقة ما تم ذكره، حيث تُصرِّح بأنَّ هذه الأقوال التي تتضمن وعدًا بنصر المؤمنين و وعيدًا بذُلِّ الكافرين وهروبهم من ميدان المعركة، هي من السنن الإلهية الجارية التي لا يتطرَّق إليها التغيير أو التحوُّل؛ أو بعبارة أخرى، فإنَّ الرجوع عن الميدان والفرار من المعركة وعدم التعاون من قِبل حلفائهم الآخرين، هو من سنن الله وكلامه؛ لأنَّ كلام الله، بناءً على قوله تعالى:فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا لا
يتغير، وكذلك بناءً على قولهوَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّ-هِ تَحْوِيلًا(1)، فإنَّه لا يُمكن تحويله؛ ولذلك، فإنَّ ذلك أمرٌ حتميٌ وقاطع.
استنادًا إلى هذين الأصلين، فقد قال الله سبحانه وتعالى ردًّا على أولئك الذين يسعون لتغيير أمر الله، قاللَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّ-هِ(2)، وهذا البيان من أجل أنَّهم ليسوا مالكين لها لِيتمكَّنوا من تحويليها، أي أنَّهم لا يستطيعون أن يحوِّلوها من قوم إلى آخر، ولايملكون قدرة لتغييرها، بمعنى أنهم لا يستطيعون أن يرفعوا شيئًا و يضعوا بديلًا له؛ وبالتالي، قال سبحانه لَا مُبَدِّلَ وَلَا مُحَوِّلَ لِسُنَنِ اللَّ-هِ.
قد رأى بعض المفسِّرين أنَّ "سنة الله" هي مفعول مطلق لفعلٍ مقدَّرٍ، وعليه فإنَّ العبارة الدقيقة تكون: "سنَّ الله سنَّةً"، وفي هذه الحالة، فإنَّ قولهم يعني أنَّ هناك سنة إلهية جرت على المؤمنين، وأنَّه مادام المؤمنون ثابتين في مسارهم الإلهي والتوحيدي، فإنَّ سنتهم التي لا تُقهر وعجز الظالمين لن تكون عرضة للتحوُّل، كما قال تعالى كَتَبَ اللَّ-هُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي(3)أي أنَّ الغلبة هي فقط للأنبياء و الإلهيين؛ و حسب هذا الرأي، يتبيَّن أنه إذا كان المسلمون قد هُزموا في ميدان المعركة، فهذا بسبب عدم طاعتهم الكاملة لرسول الله أو الأنبياء الإلهيين، كما قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّ-هِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ(4)وحسب البيان الإلهي، فإنَّ سنة الله في نصرة المسلمين ثابتة، ما لم يغيروا ما بأنفسهم، كما قال تعالى فی سورة الرعد الآیة أحد عشر:لهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ... إِنَّ اللَّ-هَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ.
وإنَّ هذا لا يتعارض مع البيان الذي يتحدث عن عدم تغيير سنة الله، لأن لكل منهما مجالًا خاصًا به؛ فالسنة الإلهية لا تتغير بإرادة الإنسان، ولكن نظرًا لأنَّ السنن الإلهية كثيرة، فإنَّ أفعال الإنسان تتعلق بنوع السنة التي يتحقق بها، كما أنَّ الله سبحانه وتعالى ذكر في استمرار الآية الی ما: إِذَا أَرَادَ اللَّ-هُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ و في هذا السياق، أشار إلى فقدان الإرشاد لهم بقوله: وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(1)، أي أنه لا يوجد لهم من دون الله وليٌّ و لا نصير.
و يجب أن نعلم أنَّ المدافع عن الإنسان في مواجهة الضرر هو الولي، أو النصير، مع اختلاف بين هذين المصطلحين؛ فالولي يتدخّل بلطف، بينما النصير يتدخّل بشدة و يعلن قوته للدفاع عن الطرف الآخر.
قال الله في سياق الآية، مشيرًا إلى الحديبية: هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ثم قال كَفَّ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُم و هذه العبارة تشير إلى أن الله سبحانه وتعالى قد جعل بينهم و بين اعدائهم عدم التنازع و القتال، و ذلك بعد أن حقق المسلمون نصراً عظيماً.
و قد بين الله سبحانه وتعالى في قوله أَظْفَرَكُمْ أن هذا النصر كان بتقدير الله تعالى و بفضل من عنده، وليس من المؤمنين أنفسهم.
لفظ "سنة" من أصل "سنَّ" في نظر أهل اللغة يعبر عن السيرة و الطريقة؛ هذا التعريف يستند إلى معنى الاستمرارية و الثبات في الشيء، مثلما يعبر العرب عن سقوط الماء المستمر و المتتابع بعبارة: سنت الماء اذا والیت فی صبه.
1) . سورة الرعد، الآیة 11.
و قد استخدمها البعض لتدل على الطريقة المستحسنة و النهج الصحيح، إلا أن المخالفين لهذا الرأي يرون أن السنة بشكل عام هي طريقة، سواء كانت مرضية أم غير مرضية؛ بناءً على ذلك، فإن المعنى العام للسنة هو الطريقة أو النمط، كما في قول الله تعالى وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ(1)بمعنى أنه يهدينا إلى طريقة السابقين؛ عند جمع هذه التعريفات و ربطها مع لفظ "الله"، فإن "سنة الله" تعتبر تعبيراً عن القاعدة والنظام المتكامل الموجود في أفعال الله و وحيه، و مجراه صادر من الذات الإلهية، كما في قوله تعالى سُنَّتَنَا(2)بمعنى أن صدور و تحديد هذه السنة من عندنا.
ما أعلنه الله تعالى في نهاية حديثه عن طريقته و سنته، هو إخبار بعدم التحول أو التغيير فيها من قبل المخلوقات، وأدنى مثال على ذلك هو إخبار عدم موافقة المخالفين في حادثة فتح خيبر.
وفقاً لما ورد في القرآن الكريم، فإن سنن الله في الدرجة الأولى لا يمكن أن تتحول؛ أي لا محول لسنة الله؛ و التحول كما هو واضح يعني التحویل الجذري؛ إذاً المقصود هنا هو أنه إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يعذب أو يعاقب أحداً، لا يمكن لأي مخلوق أن يحول ذلك العذاب من قوم معذب إلى آخرين؛ ولذلك، إذا قال الله إن سنة الله هي أن الكافرين يفرون في ساحة المعركة و لا ينصرون، فلا أحد يمكنه تحويل هذه السنة إلى المؤمنين.
فيما يتعلق بتبدیل السنة، قال تعالى:وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(3)بمعنى أنه إذا أراد الله سبحانه و تعالى شيئاً لجماعة أو فرد، لا يستطيع أحد أن يزيله أو يستبدله بشيء.
أما بالنسبة لتغيير السنة، بمعنى أن السنة الإلهية بالنسبة لما أمر به لا تتغير، ولا أحد يستطيع أن يغيرها؛ وهذا واضح في تاريخ الأمم السابقة، حيث أن كثيراً من الأقوام الذين عصوا الله وعذبهم، قد هلكوا بسبب معاصيهم.
في القرآن الكريم، وردت أخبار عن سنن الله تعالى، و بالتالي عن عدم تغييرها، في عدة فصول و مواضيع أساسية.
في بعض الأحيان، يكون الموضوع متعلقاً بالعذاب و العقاب، حيث ذكر الله تعالى أن من سننه أن يعذب الظالمين؛ وفقاً للقرآن الكريم، من بين هؤلاء الظالمين، هناك المنافقون، وقد ذكر عنهم لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُون...ثم يُذكر أن هذا العذاب من سنن الله تعالى سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ(1)مما يعبر عن حتمية وقوة هذه السنة. في هذا السياق، بسبب عنادهم، أبعدهم الله تعالى و أهدر دماءهم، وهذه سنة من سنن الله تعالى تجاه المنافقين.
في أحيان أخرى، أُشير إلى مبدأ عدم تغيير السنة، حيث ذكر أن مكر الأشرار يُرجع إليهم وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَيَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ ثم يُقال لهم أن هذا الأمر من سنن الله التي لا يمكن تغييرها فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(2).
و في مكان آخر، تهدد الله تعالى المشركين بأنهم إذا كانوا يريدون إخراج النبي الكريم صلي الله عليه و آله من مكة، فقال تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوك، ثم أشار إلى أنهم يجب أن يتوقعوا عذاباً قريباً وفقاً لسنة الله في عقاب هؤلاء وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ
إِلَّا قَلِيلًا(1)و في ختام هذا التهديد، ذكر الله تعالى سنة الله في هذا الموضوع سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا(2)هذه هي الحالة الأولى التيتتعلق بنهاية حديث عن عذاب الله، و توضح أن من سنن الله في عالم التكوين تعذيب المنافقين و الكفار. وأحياناً، يتم الإعلان عن سنة الله في شؤون الأفراد و المجتمعات، حيث يذكر الله تعالى بعد بيان الأحكام الشرعية و الحيوية موضوعات عن هذه السنن؛ مثل الموضع الذي ذكر فيه حكم جواز الزواج من زوجة الابن بالتبني، حيث قال: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ(3)مما يعني أن هذا الموضوع ليس من المحرمات و هو من سنن الله.
تُقسم سنن الله تعالى إلى أنواع تختلف من حيث ظرف تحققها، فإما أن تكون في الدنيا أو في الآخرة؛ أما تحقق الدنيا فإنه ينقسم إلى نوعين: تكويني و تشريعي؛ بناءً على هذا، في إطار تحقق سنة الله تعالى في هذا العالم المادي، أحيانًا يُذكر أن الإنسان يكون له دور في تحقيق هذه السنن، وأحيانًا أخرى لا يُذكر له دور في تحقيقها.
بما أن الهداية من سنن الله، فإن النوع الأول يكون حيث يُبَلغ الإنسان الوحي تَكْوِينًا و تشريعيًا، ولا دور له في تحقيق هذا البلاغ سوى وجوده فقط، كما في قوله تعالى:إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(4)، أما النوع الثاني فهو حيث يدخل الإنسان في تحقيق سنن الله تعالى، كما في سنة الاستدراج؛ لأن إيتاء النعمة من سنن الله، فإذا
استخدم النعمة في مصلحته الشخصية دون أن يتفكر في مصدرها، فهو مستدرج؛كما قال الإمام الصادق عليه السلام : فَتُلْهِيهِ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ فَهُوَ مُسْتَدْرَجٌ(1)، فيجري عليه سنة الاستدراج الإلهية.
أما عن ثابتية سنن الله تعالى وعدم قابليتها للتحول أو التغيير، فهناك عدة جوانب يمكن من خلالها توضيح ذلك؛ أحد هذه الجوانب هو أن واضعي القوانين العرفية و التعزيرية في المجتمعات لم يتمكنوا من وضع قانون أو سنة ثابتة حتى الآن لأية جماعة، حتى لو كانت صغيرة، لأنهم بعد فترة، و بسبب تحقيق شروط جديدة أو اكتشافات علمية أو عقلية أو عرفية، يضطرون إلى مراجعة تلك القوانين و تغييرها؛ حتى القوانين العرفية المشروعة و المتفق عليها بين الأمم ليست بعيدة عن هذا الإطار. فسنن الناس، بما أنها معرضة للاحتساب العلمي اليومي و تحتوي على نوع من الاستبداد الفردي و الاجتماعي، يمكن أن تتغير و تضاف إليها بعض التعديلات؛ لكن ذات الله تعالى، بما أنه ليس مقيدًا بعلم خاص في فترة معينة، وبما أنههُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ(2)فسننه لا تتعرض للتحول، لأن علمه عين ذاته، وليس كما في البشر حيث يطرأ تغير في علمهم مع ظهور معلوم جديد؛ وبذلك، لا يستدعي الأمر أن يُعدل حكمه وفقًا لاكتشافات جديدة.
أما الإجابة الثانية عن كون سنن الله قد تكون في بعض الأحيان ناتجة عن منفعة شخصية، فإن الله تعالى منزه عن ذلك، لأنه هو المالك و القادر على كل شيء، ومن كان سلطانه وعزته إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(3)وحكمته في غاية
الدقة و الكمال، فلا معنى لأن يكون هناك ميل نحو منفعة شخصية في وضع سننه.لذلك، حينما يكون وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(1)لا يمكن أن يكون هناك منفعة شخصية للمشرع.
بهذا نجد أن سنت التي تظل ثابتة عبر الزمن هي سنة الله و كلامه و أمره، وبالتالي يجب على الإنسان أن يطابق فعله وعلمه مع تلك السنن ليصل إلى أعلى مراتب الحسن العلمي و العملي.
نقطة أخرى تحتاج إلى مناقشة دقيقة هي ما يتعلق بنعمة الله تعالى على المؤمنين في قوله سبحانه كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ.
لفظ "كَفَّ" مشتق من الفعل (كفف)، الذي يدل على المنع و الردع؛ وقد ورد هذا المعنى في كلام الإمام علي عليه السلام عندما خاطب الذين أجبروه على البيعة فقال: وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا(2)، وهنا نلاحظ أن "فَكَفَفْتُهَا" تعني الامتناع و الكف عن الفعل؛ وقد قيل أيضًا إن كففته تعني المنع باليد، ويُعبَّر عنها أحيانًا بالدفع.
بناءً على هذه التعابير، فإن المقصود من "كَفَّ" في الآية الكريمة هو المنع والدفع؛ ولكن عن أي شيء كان هذا الدفع والمنع؟ يتضح ذلك في تتمة الآية حيث يقول تعالى:كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، أي منع أيدي الأعداء عن الاعتداء على المؤمنين، و كذلك منع أيدي المؤمنين عن الاعتداء على الأعداء.
وقبل أن نُفصِّل في هذه المسألة، ينبغي أن نُشير إلى أن خطابات القرآن الكريم تنقسم
إلى أنواع متعددة؛ فمنها الخطابات التكوينية، وهي التي تكون تابعة لإرادة الله تعالى ولا تشترط وجود مخاطب معين، كما في قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(1)حيث لا يحتاج الخطاب إلى مخاطب محدد، لأن الله هو الذي يُوجِد المخاطب بإرادته(2)، و منها الخطابات التشريعية، و هي ليست تكوينية، بل تتضمن أحكامًا وتوجيهات إلهية تتعلق بحياة المؤمنين الفردية والاجتماعية، مثل قوله تعالىكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ(3)، أو في بيان الفتوحات والنصر والإمدادات الإلهية التي يكون المؤمنون هم المخاطبين بها.
فإن الآية الكريمة كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ تدل على نعمة الله تعالى في منع الأعداء من الاعتداء على المؤمنين، و كذلك منع المؤمنين من الاعتداء على الأعداء، في إطار رعاية الله وحفظه لهم.
في هذه السورة المباركة وفي هذه الآية الكريمة أيضًا، وفي مقام التشريع، يكون مخاطب الوحي من الآية الأولى حتى هذا الموضع هو الوجود المقدس للنبي الكريم صلي الله عليه و آله و المؤمنين؛ ففي إطار الخطاب التشريعي، منع الله تعالى الاعتداء و سيطرة أولئك بتعبير أَيْدِيهِمْ والضمير هُمْ، وهو من نوع الضمير المتصل المنصوب والمجرور، يعود إلى جيوش المشركين المهاجمين من قريش في منطقة الحديبية.
أما في عَنْكُمْ، فالضمير كُمْ هو من النوع السابق ويعود إلى المؤمنين الموجودينفي تلك المنطقة نفسها؛ وبالتالي يكون التعبير عنها كالتالي: كَفَّ أَيْدِيَ الْمُشْرِكِينَ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ.
وفي تتمة هذا الجزء من الآية، قال تعالى: أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ، حيث إن أَيْدِي تحمل المعنى السابق ذكره، والضمير كُمْ هنا يعود على عكس الحالة الأولى إلى المؤمنين؛ وبالتالي فإن عَنْهُمْ يعود طبعًا إلى مشركي قريش؛ ولذلك يكون التعبير عنها كالتالي: كَفَّ أَيْدِيَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ.
أما في كون الله تعالى قد منع أيدي المشركين أولاً من الاعتداء على المسلمين، ثم قالوَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ، فإن السبب في ذلك هو أن المؤمنين لم يخرجوا لفتح أو قتال في الرحلة، بل كانوا قد خرجوا لأداء العمرة فقط، ولم يكونوا هم البادئين بالقتال، في حين أن قريشًا قد تعاهدت على منعهم من ذلك.
و من جهة أخرى، عندما يعلن الله تعالى أنه كفَّ أيدي المؤمنين عن الاعتداء على المشركين، فإن ذلك يعتمد على بيعة الرضوان تحت الشجرة، حيث بايع المؤمنون سيد المرسلين صلي الله عليه و آله على أن يدافعوا ولا يفرّوا في حال حدوث اعتداء أو قتال؛ ولذلك لو حدث اعتداء لكانوا قد دافعوا بكل تأكيد.
بعد بیان المنع الإلهي من وقوع القتال بين المشركين والمؤمنين، تم التطرق إلى المكان الذي تحقق فيه الأمر، حيث قال تعالى بِبَطْنِ مَكَّةَ، أي داخل مدينة مكة. وبناءً على التوضيحات السابقة، تم الكشف عن أن مكان دفع هجوم الكفار كان منطقة الحديبية، وليس مكة؛ ومع ذلك، فإن هذا التعبير لا يتناقض مع ذلك؛ لأن الحديبية من الناحية الجغرافية تبعد حوالي فرسخ عن مكة، وقد اعتبر بعض المؤرخين و الجغرافيينمثل ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" جزءًا من الحديبية ضمن حدود الحرم،
حيث قال: وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم(1)، كما أشار المأوردي صاحب كتاب "نكت و العيون" إلى أحد الاحتمالات في تفسير المراد بهذا التركيب، فقال: "يريد به الحديبية لأن بعضها مضاف إلى الحرم(2)، وأيضًا، في أعمال الحج المفرد، سواء بعد القران أو الإفراد، تُعتبر الحديبية واحدة من المواقيت التي تُصنف تحت عنوان "أدنى الحل"، حيث أن لفظ "أدنى" مشتق من "دنو" بمعنى القرب، و"الحل" في اللغة يعني المنطقة خارج حدود الحرم؛ وبالتالي، فإن "أدنى الحل" تعني أقرب منطقة خارج حدود الحرم، وهي ميقات العمرة المفردة، ومن حيث القرب و القرابة، تُعتبر الحديبية جزءًا من منطقة الحرم.
في نهاية الآية الكريمة، يُشير الله تعالى إلى استمرار علمه وبصيرته بكل ما يحدث؛ فهو يعلم سنته في إلحاق الهزيمة بالكفار، وما يترتب على ذلك من قطع يد قريش عن الاعتداء على المؤمنين في ذلك الوادي، وهو محيطٌ بذلك ومُطَّلِعٌ عليه.
وفيما يتعلق بوصفي بَصِير وسَمِيع، فقد ربط العديد من المفسرين والمتكلمين هذين الوصفين بصفة عَلِيم بينما ذهب بعض الحكماء الإشراقيين، ومن تبعهم من حكماء الحكمة المتعالية(3)، إلى إرجاع صفة عَلِيم إلى البصيرة الشهودية وإلى الوصف بَصِير؛ وبالتالي فإن صفة عَلِيم هي التي تُفسَّر بالبصيرة، وليس العكس.
توضیح: "بصير" لا تُرد إلى صفة "عليم"، بل إن صفة "عليم" هي التي تُرد إلى صفة
"بصير" و عبارته في هذا الصدد كالتالي(1): و من جاهد فى اللّه حقّ جهاده و قهر الظلمات، رأى انوار العالم الأعلى مشاهدة أتمّ من مشاهدة المبصرات هاهنا. فنور الانوار و الانوار القاهرة مرئيّة برؤية النور الاسفهبد و مرئيّة برؤية بعضها بعضا، و الانوار المجرّدة كلّها باصرة، و ليس بصرها يرجع الى علمها، بل علمها يرجع الى بصرها.
في تفسير هذه الجملة من الآية، يرى بعض المفسرين كالشيخ الطوسي رحمه الله - بالنظر إلى ما سبقها - أن المقصود هو أحداث فتح مكة، حيث قال: "أي فتح مكة"، إلا أن هذه الآية و السورة - كما سبق القول - نزولها كان في السنة السادسة للهجرة، بينما فتح مكة كان في السنة الثامنة؛ لذا فإن هذا التفسير يُعتبر بعيدًا بعض الشيء عن الصواب. يرى فريق آخر أن المقصود من قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ هو صلح الحديبية، الذي تحقق خلاله سلامٌ عظيمٌ للمؤمنين دون أي قتال، ويبدو أن هذا القول أصح وأدق من القول الأول، لأن الآية مرتبطة بأحداث الحديبية.
و وفقًا لما ذكره المرحوم الشريف اللاهيجي وآخرون في شأن نزول الآية الكريمة، كان من المقرر أن يقوم أربعون شخصًا - أو ثمانون حسب بعض الروايات - من مشركي مكة و قريش بهجومٍ مباغتٍ على مجموعة المسلمين من منطقة التنعيم، ولكن الله تعالى منعهم وأُسروا؛ وبناءً على هذا الرأي، قال بعض المفسرين: إن المقصود من قوله تعالى: أَظْفَرَكُمْ هو النصر في هذا الأمر، حيث منع الله تعالى هجوم المعارضين كما ذهبفريق آخر من مفسري القرآن الكريم إلى أن أحد مدلولات الآية الكريمة هو أحداث عمرة القضاء التي وقعت ف-ي السنة السابعة للهجرة؛ إلا أن الإشكال في هذا التفسير
1) . حکمة الإشراق، ج1، ص 213.
يشبه الإشكال في التفسير الأول.
وفي الختام، فإن أساس الآية يشير في بدايته إلى الحديبية، ثم يتعلق سياق الكلام بالفترة التي سبقت الحديبية؛ وبعبارة أخرى، فإن قوله تعالى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ أي قُطعت أيديهم، حدث بعد أن أظفر الله المؤمنين؛ فإذا كان معنى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ مرتبطًا بالحديبية، فكيف يمكن أن يُفهم قوله تعالى مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ على أنه يشير إلى أحداث وقعت بعد الحديبية؟ لأن مِنْ بَعْدِ تدل على فترة قبل الحديبية! وبالتالي، فإن أي مصداق أو مدلول يُذكر غير نظرية الحديبية فيما يتعلق بالظفر، يمكن أن يكون مخالفًا لترتيب ومقصود سياق الآيات.
الفرض الثاني هو أن المقصود من كَفَّ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ يختص بفتح مكة، وفي هذه الحالة تكون الجملة مرتبطة بذلك، كما أن تطابق بِبَطْنِ مَكَّةَ يكون أكثر وضوحًا. و مع ذلك، في التفسير العام، يجب أن نعلم أن المقصود من ذلك هو النصر الشامل للإسلام في جميع المواضع و المراتب.
أ . البيهقي في الدلائل عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلي الله عليه و آله و أصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله صلي الله عليه و آله فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم فنزلتهذه الآية وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِم(1).
اشارة:هذه الآية تُعتبر شأن نزول مؤيدًا للآراء التي تدل على ارتباطها بأحداث الحديبية.
1) . أنظر: در المنثور، ج1، ص 75 .
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 25
التفسیر
من بين موضوعات الآية السابقة، إشارة إلى أحداث صلح الحديبية، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يرد في الآية التالية؛ تشير هذه الآية إلى الكفار الذين منعوا المسلمين من أداء مناسك العمرة، كما حالوا دون وصول الهدي إلى المكان المحدد؛ تعبير صَدُّوكُمْ في الآية يكشف بوضوح عن هذا المنع المتعمد، ويبيّن أن هذا الفعل كان محاولة واعيةلحرمان المسلمين من أداء عباداتهم؛ و في موضع آخر، يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ(1).
في سياق منع الكفار وصول الهدي إلى محل الذبح، استُخدمت كلمة مَعْكُوفًا المشتقة من "عَكَفَ" و كلمة "عكوف" في الأدب العربي تُستخدم أحيانًا بمعنى الإقبال مع التعظيم، كما في قول الله تعالى: فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ(2)، وأحيانًا
أخرى بمعنى المنع و الحبس(1)لذلك، في عبارة وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، يكون المعنى الثاني هو المقصود؛ هذه التراكيب اللغوية الدقيقة تصوّر بوضوح عمق معارضة الكفار لشعائر الله و محاولاتهم منع المسلمين من أداء سننهم الدينية.
بحسب رأي المرحوم الطبرسي رحمه الله في "مجمع البيان"(2)، فإن "معكوف" تعني الشخص الذي يقيم في مكان ولا يستطيع الانتقال منه إلى مكان آخر؛ وبالتالي، فإن الاعتكاف في المساجد، وفقًا للآية الكريمةوَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ(3)، سمي بهذا الاسم بناءً على هذا المعنى.
أما في القسم الثاني من الآية الكريمة، فإنها تعلل الآيات السابقة التي جاءت في سياق ذکر امر الله في كفّ أيدي المؤمنين عن التعدّي على الكفار؛ فتقول: لو لم يكن فيأهل مكة وقريش رجال ونساء مؤمنون يخشى عليهم أن يُقتلوا في هذه المعركة على أيديكم، لما تحقق ذلك الأمر الذي قصُرَت أيديكم عنهم، ولَقُتِلوا على أيديكم؛ وبالتالي، فإن قوله: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ يتعلق بهذا الموضوع، والضمير هُمْ يعود إلى المؤمنين والمسلمين المجهولين بين قريش الذين يقول الله عنهم إنكم لا تعرفونهم.
نتيجة عدم معرفة المسلمين في مكة كانت ستكون قتلهم ودوسهم تحت أقدام المهاجمين من المسلمين؛ ولهذا ذُكر بعد فعل عدم العلم بهم عبارة تَطَئُوهُمْ، وكلمة (وطء) التي هي مصدر "تطئوهم"، كما ذكر بعض اللغويين، تعني الكبس و الإسقاط
1) . المفردات فی غریب القرآن، ج 1، ص 579 . أمير المؤمنين علي عليه السلام في رسالته إلى (ثقف بن عباس) قال: وَ مُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلاّ يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْرًا، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَ الْبَادِ. فَالْعَاكِفُ: الْمُقِيمُ بِهِ، وَ الْبَادِي: الَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ. و ایضاً قال: أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الاْدْهانِ.
2) . أنظر: مجمع البیان، ج 9، ص185 .
3) . سورة الأعراف، الآیة 138 .
والدوس(1). ومن هنا جاء التعبير ب- (وطئ الأرض برجله) بمعنى دوس الأرض بالقدم؛ كما أن القرآن الكريم وصف الأرض التي لم تطؤها الأقدام بقوله وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا(2).
في الآيات السابقة، صرّح الله تعالى بكف أيدي كل من المسلمين والمشركين في مكة عن الاعتداء على بعضهم البعض؛ وبالتالي، فإن الآية الكريمة تبيّن سبب موقف دفع المسلمين في قولهكَفَّ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ؛ فقد كفّ أيدي المسلمين عنهم لئلا يقعوا في فعل لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ.
أما سبب نصب كلمة هَدْيَ التي تأتي عبارة مَعْكُوفًا في موقع الحال لها، فهو عطفها على الفعل الأول في الآية، أي صَدُّوكُمْ؛ بمعنى أن مشركي مكة، بالإضافة إلى صدّهم طريق المسلمين، فعلوا الشيء نفسه مع الهدايا.
كما اتضح سابقًا إلى حد ما، فإن نوع السفر الذي كان يقصده النبي الكريم صلي الله عليه و آله والمؤمنون لم يكن حجًّا ليتم فيه ذبح الهدي و القرابين في أرض منى؛ لذا كان يجب أن يصل الهدي إلى محله في مدينة مكة، وليس إلى أرض منى. وفي آية أخرى شبيهة، قال الله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ(3)والمقصود هنا وصول الهدي إلى محله في الحج، وهو في الواقع أرض منى.
من جهة أخرى، أشار العديد من المحدِّثين الكبار، مثل المرحوم الكليني في "الكافي"،
(1)والمرحوم الشيخ الصدوق7 في "من لا يحضره الفقيه"، إلى هذه الحركة التاريخية واعتبروها واحدة من عُمَر النبي وتعبير المرحوم الصدوق رحمه الله في هذا الصدد هو أن النبي صلي الله عليه و آله أدى العمرة ثلاث مرات خلال حياته، إحداها: عُمْرَةً أَهَلَّ فِيهَا مِنْ عُسْفَانَ وَ هِيَ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ(2)، كما أشار البخاري في صحيحه(3)، في قسم واقعة الحديبية، إلى هذا الأمر وذكر أنها كانت في شهر ذي القعدة. يجب أن نعلم أن تشريع الحج، على الرغم من الاختلافات الموجودة في شأن نزول الآيات وفي آراء أهل العلم حول وجوبه وتأخير إعلانه، يعود إلى سنوات فتح مكة وخصوصًا حجة الوداع.
من الخصائص التي ذكرها القرآن الكريم للكفار، منعهم الناس عن سبيل الله، وقد ورد التعبير عن ذلك باستخدام لفظ "صدّ"؛ كما أوضح أهل اللغة، فإن لفظ "صدّ" و"صدود" يعني الإعراض، كما في قوله تعالى: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ(4)، وأحياناً يأتي بمعنى المنع، كما في قوله تعالى: صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ومن الواضح من الآية أن المقصود هنا هو المعنى الثاني، أي المنع والامتناع، بمعنى "انصرفوا" و"صرفوا المسلمين عن سبيل الله".
1) . عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثَ عُمَرٍ مُفْتَرِقَاتٍ عُمْرَةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَهَلَّ مِنْ عُسْفَانَ وَ هِيَ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ وَ عُمْرَةً أَهَلَّ مِنَ الْجُحْفَةِ وَ هِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَ عُمْرَةً أَهَلَّ مِنَ الْجِعْرَانَةِ بَعْدَ مَا رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ مِنْ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ) الکافي، ج4، ص 251 .
2) . من لا یحضره الفقیه، ج2، ص 451 .
3) . صحیح البخاري، ج5، ص 122 .
4) . سورة النساء، الآیة 61 .
وقد تناول القرآن الكريم في مواضع عدة هذا الفعل المذموم من قِبَل قريش، وبعد بيان أفعالهم، وعدهم بعذاب مهلِك.
ومن المهم أن نلاحظ أن مخاطب هذه الآيات هم زعماء قريش الذين كانوا في الفترة التي سبقت فتح مكة هم القائمون على البيت الحرام، ولذلك فإن الآية في سياق الخبر عن منعهم دخول المسلمين إلى المسجد الحرام.
وفي سورة محمد صلي الله عليه و آله قال الله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ(1)، فالكفر العلمي هو السبب في هذا الفعل المذموم، ويؤدي إلى كفر عملي، كما قال تعالى: وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبالتالي، فإن عقاب هذا الفعل هو ضياع الأعمال في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالىأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ولذلك، فإن ذكر عنصر الكفر مع الصدّ يهدف إلى توضيح سبب صدّ الكفار و إضلال الله لهم.
وفي ختام هذا المانع الذي تحقق بفتح مكة، أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بعدم الانقياد إلى الانتقام بسبب الأحداث الماضية، وألا يفكروا في الظلم، كما قال تعالى:وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا(2)و "يجرمنّكم" يعني أن يجعلكم تفرطون، و"شنآن" تعنی الكراهية و حبّ الانتقام ويجمع معنى هذه الآية بأن المؤمنين لا ينبغي لهم أن يظلموا الكفار لأنهم منعوهم من مكة، وبناءً على ذلك، اعتبر رسول الله صلي الله عليه و آله يوم فتح مكة يوم رحمة، و قال: اليوم يوم المرحمة(3)وعلى هذا الأساس، أصبح المشركون بعد استسلامهم يعرفون بأبناء الطلقاء.
مع أن النبي الكريم صلي الله عليه و آله و المهاجرين هاجروا من مكة إلى المدينة، وأصبحت مكة ظاهريًّا خالية من المؤمنين والمسلمين، إلا أنه قد يكون هناك من كان قلبه مع الإسلام ولكن لم تكن لديه القدرة على الهجرة، أو من كان يقيم في مكة وسمع بانتشار الإسلام فأسلم، وبقي يسكن في تلك المدينة المقدسة؛ وبالطبع، كانت هذه المجموعة مجهولة لدى المسلمين الحاضرين في الحديبية؛ ولهذا قال الله تعالى إنه من أجل حماية حياة هؤلاء المسلمين المجهولين أيضًا، كان يجب ألا يحدث هذا النزاع، وأن يتحقق الأمران كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وكَفَّ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ وبالتالي، كان ذلك سببًا في تحقيق الصلح، كما قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا إن عدم وقوع المعركة كان أحد النتائج العظيمة لصلح الحديبية، حيث تحققت الأمور التي ذُكرت في بداية النقاش، كما تم إنقاذ حياة المؤمنين الذين أسلموا سرًّا في قريش.
وفقًا لهذا التفسير، فإن هذا الأمر يُعتبر نوعًا من الفتح المعنوي؛ لأن الفتح لا يعني دائمًا السيطرة على الأرض، بل قد يكون حفظ الأرواح و منع انتهاك حقوق الصالحيننوعًا من الفتح أيضًا، حيث إنه منع المسلمين من الوقوع في الشر و الكراهية، كما قال تعالى: فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ.
من جهة أخرى، بالإضافة إلى كونه فتحًا معنويًّا، فإنه يُعتبر أيضًا نوعًا من الفتح المادي؛ حيث يعتقد بعض المفسرين في تفسيرمَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ أن المقصود هو التحرر من دفع دية قتل المؤمنين في مكة.
بعد البيانات السابقة، أعلن الله سبحانه وتعالى في تهديد الكفار، مع بيان حقيقة، أنه
لو لم يكن هؤلاء المؤمنون المجهولون موجودين بين قريش، لعذّبهم وأهلكهم جميعًا، ولكن لأنهم كانوا بينهم، لم يُصَبْ هؤلاء الكفار بعذاب الله، ولم يُتْحَ لجيش المسلمين فرصة الاعتداء عليهم؛ تعبير لَوْ تَزَيَّلُوا مشتق من "زال" بمعنى "زوال"، مثل قوله تعالى: وَلَئِنْ زَالَتَا، وهو هنا بمعنى التمييز و الافتراق؛ أي لو أن هؤلاء المؤمنين في مكة الذين أُشير إليهم بجمع المذكر الغائب، انفصلوا عن الكفار، لوقعوا في الهلاك، كما قال تعالى: لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وبالتالي، تم التعبير عن التهديد الإلهي باستخدام جملة الشرط و الجزاء.
وفقًا لرواية منقولة عن الإمام الصادق عليه السلام فقد استشهد الإمام بهذه الآية الكريمة عندما سأله أحدهم: لماذا لم يقضِ أمير المؤمنين علي عليه السلام على المنافقين والفاسقين رغم سيطرته عليهم؟ فأجاب الإمام عليه السلام : السبب هو أنه كان يُخشى أن يُقتل بعض المؤمنين الذين قد يكونون بينهم، ثم تلا الإمام عليه السلام الآية الكريمةلَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(1).
على الرغم من أن هذين الموضوعين قد تم تفصيلهما في آياتٍ مثل الآية الرابعة والثلاثين من سورة الأنفال(2)، وخاصة في سورة البقرة في الآية وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ(3)، إلا أننا تبركًا بهذا
1) . إتمام الدین و إکمال النعمة، ج2 ، ص641 .
2) . سورة الأنفال، الآیة 34؛ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ .
3) . سورة البقرة، الآیة196. إن هذه الآية - بحسب رأي المفسرين - نزلت في واقعة الحديبية، ولكن ينبغي العلم أن عبارة أُحْصِرْتُمْ لا تعني الحصر الفقهي، بل تشير إلى كلا العنوانين (الصدّ بالعدو) و (الحصر).
الموضع، وبسبب ذكر بيانات خاصة مثل "الصد" في العمرة، وأداء النبي صلي الله عليه و آله في صلح الحديبية، وغيرها من الموضوعات المشابهة، سنشير هنا إشارةً عامة إلى المسألة. مسألتا "الصد" و"الحصر" من العناوين التي يتم البحث فيها حول المانع الذي يحول دون وصول المُحرِم للحج أو العمرة إلى المسجد الحرام، ويُعيق استمراره في أداء المناسك، وبالتالي لهما سلسلة من الأحكام الخاصة بهما.
أما بالنسبة لأصل كلمة (صدّ) ومشتقاتها، فقد سبق أن تمت مناقشتها بأنها تعني إما الإعراض أو المنع والحظر؛ والآيات مثل:وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ(1)تشير إلى معنى المنع.
هذا اللفظ قد يكون لازماً في بعض الأحيان ومتعدياً في أحيان أخرى، ومن بين هذه الاستخدامات، فإن عبارة صدود تُعتبر لازمة.
أما الإحصار فهو مشتق من مادة حَصَرَ، وبالاستناد إلى البيان أَوْ جَاءُوكَ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ(2)فإنه يحمل معنى الضيق و الشدّة؛ و كما هو الحال مع لفظ (صدّ)، فإنه يدل أيضاً على المنع، كما في قوله تعالى:فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ،أي إذا مُنِعْتُمْ وحُبِسْتُمْ بسبب وجود مانعٍ.
أما في بيان المصطلحات و الأحاديث المتعلقة بهذين الموضوعين، فقد ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام في باب المصدود والمحصور:الْمَحْصُورُ هُوَ الْمَرِيضُ، وَالْمَصْدُودُ هُوَ الَّذِي رَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ كَمَا رَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ(3).
و في رواية أخرى: الْمَحْصُورُ بِالْمَرَضِ ... وَالْمَصْدُودُ بِالْعَدُوِّ...") .
وبناءً على هذه الروايات، فقد أشار فقهاء كبار مثل المرحوم الإمام الخميني رحمه الله والمرحوم الشيخ الأنصاري رحمه الله إلى أن المحصور هو الشخص الذي يمنعه مانعٌ (كمرض) من الوصول إلى المسجد الحرام، أما المصدود فهو الشخص الذي يمنعه العدو من أداء العمرة أو الحج.
وتعبير الإمام الخميني رحمه الله في هذا الصدد هو: المصدود: مَن منعه العدو أو ما شابهه من أداء العمرة أو الحج، والمحصور: مَن منعه المرض عن ذلك(1)كما قال المرحوم صاحب الرياض رحمه الله عن المصدود بتشابه مع التعبيرات السابقة: والمصدود هو مَن منعه العدو أو ما في معناه خاصة(2).
المرحوم العلامة رحمه الله في المنتهى فقد ذكر: الحصر عندنا هو المنع عن إتمام أفعال الحج على ما يأتي بالمرض خاصة، والصد بالعدو(3).
وفي تعريف الرأيين الموجودين، ذكر المرحوم النجفي رحمه الله في جواهر الكلام رأي صاحب كشف اللثام قائلًا: المصدود هو الممنوع بالعدو نصًا واتفاقًا، وكل مَن يمنع الناسك من إتمام نسكه فهو عدو له من هذه الجهة، وإن كان منعه لإفراط في المحبة إذن، المانع في الصد ليس فقط العدو، بل الإفراط في المحبة الذي يؤدي إلى المنع يُعتبر أيضًا نوعًا من العداوة في الصد(4).
وبهذا البيان، تدور الأقوال حول محورين: الممانعة الخارجية و وجود المرض. و جوهر الأقوال يدور حول بيان حكم الصد أكثر من الحصر!أما بالنسبة لأحكام المصدود،
كما يُستفاد من طريقة النبي الكريم صلي الله عليه و آله في منطقة الحديبية، فإن الشخص الذي يُصدّ عن طريقه، بسبب قاعدة الخروج من (العسر والحرج) يتحلل من إحرامه ويجب عليه أن يذبح هديه في أي مكان يوجد فيه(1)وبالتالي لا يوجد وجوب لإيصال الهدي إلى محله. و في هذا البيان الشريف أيضًا أُشير إلى أن الهدي في الحديبية لم يصل إلى محله، كما قال تعالى:وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ(2)وعلى هذا الأساس، ورد في الوسائل الشیعة نص حول وجوب الذبح للخروج من الإحرام ما يلي: الْمَصْدُودُيَذْبَحُ حَيْثُ صُدَّ وَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ فَيَأْتِي النِّسَاءَ(3)أيضًا، فقد نقل المرحوم الصدوق رحمه الله في رواية عن الإمام أبي عبدالله عليه السلام قوله: الْمَحْصُورُ وَالْمُضْطَرُّ يَنْحَرَانِ بَدَنَتَهُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُضْطَرَّانِ فِيه(4). ومعنى الروايتين هو أن المحصور و المصدود يجب عليهما أن يذبحا هديهما في المكان الذي وصلا إليهما بسبب الاضطرار أو الصدّ لكي يخرج من الإحرام.
الجانب المقابل، هناك مَن مثل المرحوم الحلي رحمه الله (ابن ادریس) لم يكن يعتقد بهذا الأمر، بل كان يرى أن مجرد نية التحلل هي التي تخرج الشخص من الإحرام؛ إلا أن الروايات تؤكد على وجوب ذبح الهدي فی محل الصدّ.
ما بالنسبة لمكان وموقع الذبح، فيجب أن نعلم بالاعتماد على الروايات وأفعال الأصحاب، أن المكان الذي وقع فيه الصدّ هو مكان الذبح؛ وقد ورد هذا المطلب أيضًا من خلال الطريقة المرسلة المنقولة عن الصدوق رحمه الله فقد نُقل عن الإمام الصادق
1) . من خلال دراسة تفسير الآية الشريفة، يتضح أن المقصود من قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هو أنه إذا وُجد مانع يمنعكم من إتمام المناسك، فيجب عليكم ذبح ما تيسر من الهدي.
2) . سورة الفتح، الآیة 25 .
3) . وسائل الشیعة، ج 9، ص 309؛ ابواب الإحصار و الصدّ؛ تراث الشیعة، باب6. ح1 .
4) . وسائل الشیعة، ج 9، ص 309؛ ابواب الإحصار و الصدّ؛ تراث الشیعة، باب6. ح3 .
عليه السلام قوله: الْمَحْصُورُ وَالْمُضْطَرُّ يَنْحَرَانِ بَدَنَتَهُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُضْطَرَّانِ فِيه(1). أي أن المحصور يذبح هديه في المكان الذي حُصر فيه، وفي بيان أدق، ورد: الْمَصْدُودُ يَذْبَحُ حَيْثُ صُدَّ وَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ فَيَأْتِي النِّسَاء(2). وعبارة (حَيْثُ) تدل بشكلمطلق على مكان و موقع الذبح؛ إلا أن بعض الفقهاء قد فسروها بأنها تشير إلى المكان فقط دون الزمان.
فيما يتعلق بوجوب التقصير على الشخص المصدود و المحصور، فإن بعض الفقهاء، بناءً على استصحاب وجوب الحلق و التقصير في الحج و العمرة، اعتبروا موقف الصد والحصر أيضًا خاضعًا لهذه القاعدة؛ ومع ذلك، فإن بعض الروايات تؤكد وجوب التقصير على الشخص المصدود؛ كما رُوي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ صُدَّ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَصَّرَ وَأَحَلَّ وَنَحَرَ ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْهَا(3)، مع وجود خدش في سند الرواية(4)، فإن الإشكال الذي يُطرح على الاستدلال بها هو أن فعل النبي صلي الله عليه و آله في الحديبية لا يكون في مقام الوجوب(5).
1) . وسائل الشیعة، ج 9، ص 309؛ ابواب الإحصار و الصدّ؛ تراث الشیعة، الباب6 .
2) . وسائل الشیعة، ج 9، ص 309؛ ابواب الإحصار و الصدّ؛ تراث الشیعة، الباب6 .
3) . وسائل الشیعة، ج 9، ص 309. ابواب الإحصار و الصدّ؛ تراث الشیعة، الباب6 .
4) . من بين رواة الحديث، يوجد سهل بن زياد، الذي اختلف في وثاقته؛ يقول المرحوم النجاشي عن وثاقته: كَانَ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ، غَيْرَ مُعْتَمَدٍ فِيهِ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْغُلُوِّ وَالْكَذِبِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ قُمَّ إِلَى الرَّيِّ، وَكَانَ يَسْكُنُهَا (رجال النجاشي، ص 185) .
5) . بعد قبول حجية السنة كمصدر للتشريع، يُعتبر فعل المعصوم أحد مصاديقها الثلاثة، ولكن هناك خلاف حول دلالته على الأحكام بين الإباحة والوجوب؛ يجب أن نعلم أنه طالما لا توجد قرينة مصاحبة لفعلهم، فإن ذلك الفعل يدل على الإباحة وليس الوجوب، لذلك، في هذا الموضع، رغم أن رسول الله صلي الله عليه و آله قد قصّر، إلا أنه لا يمكن قبول ذلك كدليل على الوجوب لعدم وجود قرينة تدل على الوجوب. هذا الكلام يتأكد من خلال أن النبي صلي الله عليه و آله في حجة الوداع، عندما قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» قد أتى بقرينة على وجوب فعله. أما في الحديبية، فلم يُنقل مثل هذا الأمر، رغم أن اعتراض النبي صلي الله عليه و آله على عدم ذبح الصحابة يُعتبر قرينة.
أ. روی عن الباقر عليه السلام : َإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه و آله حِینَ صُدَّ بِالْحُدَیْبِیَهْ قَصَّرَ وَ أَحَلَّ وَ نَحَرَ ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْهَا وَ لَمْ یَجِبْ عَلَیْهِ الْحَلْقُ حَتَّی یَقْضِیَ النُّسُکَ فَأَمَّا الْمَحْصُورُ فَإِنَّمَا یَکُونُ عَلَیْهِ التَّقْصِیر(1).
اشارة: حیثما تحقق الصدّ، فعلی المصدود أن یتحلل من إحرامه بالذبح.
ب. روی عن النبی صلي الله عليه و آله : إِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ یُمْهِلُهُمْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَیُخْرِجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ ذُرِّیَّاتٍ طَیِّبَاتٍ مُؤْمِنَاتٍوَ لَوْ تَزَیَّلُوا لَعَذَّبَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ عَذاباً أَلِیماًإِنَّمَا یَعْجَلُ مَنْ یَخَافُ الْفَوْتَ(2).
ت. روى الطبرسي رحمه الله في "الاحتجاج" أن الحسن بن علي عليه السلام قال في خطاب طويل لمعاوية: لقد لعن رسول الله صلي الله عليه و آله أبا سفيان في ستة مواضع، حتى قال: الخامس قول الله عز وجل: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، أنت وأبوك ومشركو قريش منعتم رسول اللهصلي الله عليه و آله فلعن الله أبا سفيان لعنةً تشمل أهل بيته حتى يوم القيامة(4).
1) . الکافي، ج4، ص 368 .
2) . بحارالأنوار، ج 24، ص 393 .
3) . علل الشرایع، ج 1، ص147 .
4) . الإحتجاج، ج1، ص 409، أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلي الله عليه و آله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن أولهن: حين خرج من مكة إلى المدينة وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه أبوسفيان فسبه، وأوعده، وهم أن يبطش به، ثم صرفه الله عز وجل عنه.والثانية: يوم العير حيث طردها أبو سفيان ليحرزها من رسول الله. والثالثة: يوم أحد قال رسول الله: الله مولانا ولا مولى لكم، و قال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم، فلعنه الله، وملائكته، ورسله، والمؤمنون أجمعون. والرابعة يوم حنين: يوم جاء أبو سفيان يجمع قريش وهوازن، وجاء عينية بغطفان واليهود، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا، هذا: قول الله عز وجل أنزل في سورتين في كلتيهما يسمي أبا سفيان وأصحابه كفارا، وأنت يا معاوية يومئذ مشرك على رأي أبيك بمكة، وعلي يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى رأيه ودينه.والخامسة: قول الله عز وجل: "والهدي معكوفا أن يبلغ محله "وصددت أنت وأبوك ومشركو قريش رسول الله، فلعنه الله لعنة شملته وذريته إلى يوم القيامة.
س. عن علي ابن ابراهیم رحمه الله : أَخْبَرَ بِعِلَّهْ الصُّلْحِ وَ مَا أَجَازَ اللَّهُ لِنَبِیِّهِ فَقَالَ هُمُ الَّذِینَ کَفَرُوا وَ صَدُّوکُمْ إِلَی قَوْلِهِ وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ یَعْنِی بِمَکَّهْ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصیبَکُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَیْرِ عِلْمٍ فَأَخبَرَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ نَبِیَّهُ أَنَ عِلَّهْ الصُّلْحِ إِنَّمَا کَانَ لِلْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ الَّذِینَ کَانُوا بِمَکَّه وَ لَوْ لَمْ یَکُنْ صُلْحٌ وَ کَانَتِ الْحَرْبُ لَقُتِلُوا فَلَمَّا کَانَ الصُّلْحُ آمَنُوا وَ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ وَ یُقَالُ إِنَّ ذَلِکَ الصُّلْحَ کَانَ أَعْظَمَ فَتْحاً عَلَی الْمُسْلِمِینَ مِنْ غَلَبِهِم(1).
ج. و أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عن قتادة رضى الله عنه في الآية قال هم أناس كانوا بمكة تكلموا بالإسلام كره الله أن يؤذوا و أن يوطئوا حين رد محمد صلى الله عليه و سلم و أصحابه يوم الحديبية فتصيب المسلمين مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ يقول ذنب بِغَيْرِ عِلْم(2).
إِذْ جَعَلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ اَلْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اَللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها وَ كانَ اَللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً 26 لَقَدْ صَدَقَ اَللّهُ رَسُولَهُ اَلرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرامَ إِنْ شاءَ اَللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذٰلِكَ فَتْحاً قَرِيباً 27
التفسیر
لبيان انتماء الجملة الافتتاحية للآية الكريمة إلى الآيات السابقة، هناك عدة وجوه يمكن ذكرها؛ الوجه الأول هو أن نعتبرها متعلقة بالجملة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَمَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّهُ(1)و في هذه الحالة يكون المعنى أنهم بحسب غضب الجاهلية قد صدوا الطريق على النبي صلي الله عليه و آله و المسلمين؛ وبالتالي فإن الآية في مقام تعليل هذا الصد.
1) . سورة الفتح، الآیة 25 .
بناء علی الوجه الثاني، يجب أن نعتبرها متعلقة بإخبار العذاب الوارد على كفار قريش، و نعلن أن "إذ" متعلقة ببيان لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، فحاصل الكلام أننا عذبناهم و تركناكم أحرارًا في قتلهم، لأنهم قد أدخلوا في قلوبهم غضبًا و كبرياء الجاهلية.
بالطبع، هناك وجوه أخرى مثل تقدير فعل مقدر مثل (اذكر) والتي تعد من غرر بيانات المفسرين و المترجمين للقرآن الكريم.
ولكن وفقًا لما يظهر من الآيات السابقة لهذا البيان الشريف، ربما - والله أعلم - أن هذه الآية والجملة متعلقة ب- وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لسبب؛ أن حميتهم الجاهلية جعلتهم يمنعون المؤمنين من العمرة و هو أمر له أساس روائي، وبالتالي فهي أقرب إلى الجملة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لذلك، فإنهم بسبب ملء قلوبهم بالحمية الجاهلية، سدوا الطريق على المؤمنين.
حرف بداية الآية، أي "إذ"، هو من نوع ظرف الزمان في محل نصب، و الفعل الماضي الذي يليه، أي "جعل"، قد فُسِّر بمعنى وضع و إلقاء، و فاعله الَّذِينَ كَفَرُوا. وبالتعبير الذي تم ذكره، فإن كلمة "حمية" هي المفعول به، و"جاهلية" خلافًا لرأي بعض المفسرين، هي في مكانها الأصلي وصف لموصوف محذوف؛ وبالتالي فإن المقصود هو حمية القوم (ملة) الجاهلية.
بناءً على المعنى الفوق، فإن لفظ "جعل" يكون متعدّيًا لمفعول واحد؛ ولكن إذا كان بمعنى الصيرورة، فإنه يتعدّى لأكثر من مفعول؛ وبيان ذلك أن الآيات التي تُنسب فيها "جعل" إلى الذات المقدسة للباري تعالى تكون على نوعين: إما متعدية لمفعول واحد، أو متعدية لعدة مفاعيل؛ ففي المواضع التي يُستعمل فيها لفظ "جعل" بمعنى (الإلقاء
والوضع)، يكون متعديًا لمفعول واحد؛ كما في قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَاسِعَةً(1). وأما في المواضع التي يكون فيها بمعنى (التقدير و التحويل)، فإنه يتعدى لمفعولين؛ كما في كلام الله تعالى في الآية الكريمة: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا(2)و في هذا الموضع، يحتمل اللفظ كلا المعنيين، ولكن في حالة المعنى المتعدي لمفعولين، يكون المفعول الثاني مقدرًا. إن الله تعالى في حديثه عن خصائص الكفار القرشيين الباطنية، بيّن أن قلوبهم مليئة بالغضب و الحنق إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وبالمقابل، فإن الذات المقدسة للباري تعالى قد أنعم على المؤمنين بالسكينة و الطمأنينة من عنده، وألقى في قلوبهم معنى التوحيد فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى و في النهاية، أكد تعالى أنهم أحق بهذا النعمة وأهلها وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا، لأن الإيمان و التقوى، اللذين هما مظروفان، يحتاجان إلى روح و وعاء واسع ليدخلهما نور الإيمان؛ فكلمة كَانُوا تعني أن الأرضية اللازمة للاستحقاق كانت قد تهيأت.
أما العبارة وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا فقد جاءت بوصفها تأكيدًا على إحاطة العلم الإلهي بكل شيء، وارتباطها الوثيق بالسياق السابق، فهذه الجملة تعبر عن العلم الشامل و العميق لله تعالى بكل شؤون الهداية و استحقاق العباد؛ إن الله تعالى يعلمجيدًا أن هداية المؤمنين إلى نور الإيمان و التوحيد تتماشى مع استعدادهم الوجودي وتتناسب مع قدرة قلوبهم على القبول، كما أن ما ذُكر عن أحقية المؤمنين بهذه الهداية مبني على علمه المطلق الذي يحيط بأسرارهم الداخلية و دقائق وجودهم، كما صرّح في الآيات السابقة بعلمه بأحوالهم: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ.
و في الآية السابعة و العشرين من هذه السورة، يوجه الله تعالى الحديث من نتائج الفتح المبين إلى سبب هذه الرحلة النورانية، مؤكدًا أن هذه الحركة لم تكن بلا هدف، بل كانت مبنية على رؤيا صادقة لرسول الله صلي الله عليه و آله و هذه الرؤيا ليست من نوع الأحلام العادية التي قد تكون عرضة للوساوس الشيطانية أو الخطأ، بل هي من نوع الوحي الذي يخبر بحقيقة قطعية و معصومة، كما أكد الله تعالى صدقها بقوله لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ، وقد تحقق صدق هذه الرؤيا ليس في السنة السادسة للهجرة أثناء حادثة الحديبية، بل في فتح مكة وحجة القضاء؛ عندها دخل المؤمنون الحرم وحلقوا رؤوسهم أو قصروها كعلامة على الطواف المعتمري، وفعلوا ذلك في جو خالٍ من أي خوف لَا تَخَافُونَ، هذا التحقق هو تصديق إلهي لرؤيا النبي صلي الله عليه و آله ودليل على صدق الوحي الإلهي.
ويجب أن نعلم أن في تعابير القرآن مصاديق عينية لهذا المعنى، حيث إن الله تعالى قد أوحى عن طريق الرؤيا إلى أنبيائه و أوليائه و أمرهم بأوامره؛ وقد ذُكرت إشارات إلى هذه الأمور مع أخبار تؤكد صدقها وتحققها، ولكن بما أن الإلقاء من قبل الربوبية، فإن فهم أن هذه الرؤى محمية من الفساد وعدم التحقق هو أمر لا شك فيه، بل إن بعض أصحاب المعارف الإلهية قد اعتبروا الرؤى الصادقة للأنبياء نموذجًا عينيًا للوحي المنزَل.ومن أولئك الذين أُمروا عبر الوحي الرؤيوي بأمر إلهي، هو المقام المحترم لإبراهيم عليه السلام حيث يصرح القرآن الكريم بأنه قال لابنه إسماعيل عليه السلام : يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىفِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى(1)، و بعد تحقق ذلك و امتثاله، قال الله تعالى: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا(2)، أي إن الرؤيا قد تحققت.
إن تشابها آخر لهذا الموضوع في كلام الوحي هو قصة يوسف النبي عليه السلام حيث ذكرت الآيات الأولى من سورة يوسف رؤيا تدل على تعظيم الساجدين له، وفي نهايتها أُشير إلى تحققها مصداقياً، كما عرض يوسف عليه السلام ذلك على أبيه قائلاً: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا(1).
و في ضوء هذه التصريحات، يجب أن نلاحظ أن هذا المقام ثابت لأنبياء الله عليهم السلام على الإطلاق، ولأولياء الله بدرجات أقل؛ ومع ذلك، فإنه أحيانًا بحسب إرادة الله و حكمته، قد ترتقي النفس من مرتبة التخيل الضعيف في الرؤيا إلى عالم المجردات و الملكوت، فتستقي من الحقائق متفاوتة؛ وبناءً على هذا، فإن هذا الأمر قد يصدق أيضًا على غير الصالحين، كما في حالة ملك مصر الوثني الذي رأى حلمًا يعد من الرؤى الصادقة؛ وربّما كان هذا الأمر ناتجا عن بعض توسّعاتهم المادّية.
توضیح أن: اختلاف مراتب الرویأ الصادقة متعلق بغاية الأمر؛ ومن ثمَّ، فإن الرؤيا الصادقة لا تُعدُّ من الكليات المتواطئة، بل تُعتبر تشكيكية. تختلف الرؤيا الصادقة من حيث الوضوح، وعمق المعنى، ودرجة الارتباط بالحقيقة الغيبية، بين الأفراد المختلفين وحتى في الحالات المختلفة للفرد الواحد، حيث تتفاوت في شدتها وضعفها؛ بعض الرؤى الصادقة تكون واضحة وصريحة جدًا، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى تأويل وتفسيرو هذا الاختلاف يدل على التشكيك في مراتب الرؤيا. يجب أن نعلم أن هذا الاختلاف ناتج عن أن الاتصال بالمبدأ الأعلى يكون أحيانًا بناءً على الإرادة الإلهية (للهداية الابتدائية) وبداية طريق السير والسلوك؛ مثل حالة الشخص الذي يدخل طريق الهداية من خلال رؤيا مختصرة، بينما في حالات أخرى، يتم تربية المتربي في مسار
1) . سورة یوسف عليه السلام ، الآية 100 .
قد سبق أن هُدي إليه، وهنا يتعلم طريقة الاستمرار في السير والحركة، وبالتالي، فإن كمية و نوعية الاستفادة من الهداية ومراتبها تختلف وفقًا للاستعداد والقابليات.
و في بيان الآية الكريمة، فإن اللام في لَقَدْ هي لام القسم، و(قد) تفيد التحقيق، مما يفيد أن الله تعالى قد حقق رؤيا نبيه صلي الله عليه و آله بالحق و اليقين؛ وقد أكدت اليقين بنون التوكيد في قوله لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وإِنْ شَاءَ اللَّهُ في هذا السياق يشير إلى جانبين أساسيين: الأول، بيان حقيقة أن تحقق أي أمر أو حدث مرتبط بمشيئة الله، وأن إرادته نافذة في جميع شؤون الوجود، و الثاني، تعليم العباد على ضرورة وأهمية ذكر هذه العبارة في الأقوال والأفعال، خاصة في الأمور التي يتوقف تحقيقها على إرادة الله.
وفي ختام الكلام، أشار القرآن الكريم إلى أن الذات المقدسة لله تعالى، في سياق صلح الحديبية الذي ظننتم أنه سيحقق رؤيا النبي صلي الله عليه و آله في ذلك العام - وهو ما لم يحدث وتحقق في فتح مكة لاحقًا - كان على علم بمصالح لم تكونوا تعلمونها؛ لأنه كان من الممكن أن يتم هذا الدخول في ذلك العام، ولكنه لم يكن ليحقق الأثر المرجو الذي تحقق بعد عدة سنوات؛ لذا، قال تعالىفَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا، لأنه تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ(1)فی العلم و القدره، وهو أعلم بزمان تحقيق كل أمر.
و في ختام هذه الأقوال، أخبر الله تعالى المسلمين على غرار سياق الآيات السابقة أنهم سينالون فتحًا قريبًا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا، وتعبير مِنْ دُونِ ذَلِكَ بمعنى (قبل ذلك) او (غیر ذالک)، يفيد أنه قبل الفتح الكبير المتوقع، و هو فتح مكة سينال المسلمون فتحًا قريبًا، والذي يحتمل أن يكون أحد أحداث: 1. خيبر، أو 2. صلح الحديبية.
1) . سورة الحدید، الآیة 3 .
خبر القرآن الكريم عن الذين صدّوا طريق المؤمنين في الحديبية، يوضح امتلاء قلوبهم ب-"حَمِيَّة" ناتجة عن تفكير جاهلي يعود إلى عصر الجاهلية.
لفظ "حَمِيَّة" مشتق من "حَمِيَ"، أي الحرارة التي تخرج من شيء، ومن هنا جاءت الآية الكريمة: يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ(1)، حيث المقصود هو حرارة آلات العذاب، أي الذهب و الفضة عندما تُصهر؛ وبناءً على ما سبق، فإن المقصود هنا هو حالة من الغليان والغضب الشديد، كأن يقول أحدهم: "حَمِيتُ عَلَى فُلَان"، أي غضبت عليه. وبعض المفسرين، مثل صاحب "النهاية"، أضافوا معنى الامتناع و الغيرة إلى هذا اللفظ. إذن، المقصود من "حَمِيَّة" في الآية الكريمة هو التعصب الباطل لدى عرب قريش، كما قال الأمير عليه السلام : أما دين يجمعكم ولا حمية تحمشكم(2)، حيث المقصود بالحمية هنا هو الغيرة و التعصب، لأنها تثير الغضب، وما يثير غضب الإنسان إلا الغيرة و التعصب.
القرآن الكريم في بعض آياته الشريفة، بيّن هذه الصفة لدى بعض العرب، ووصف "حَمِيَّتَهُم" بأنها جاهلية، كما أن السكينة في ذاتها صفة حسنة، ولكن عندما تُضافإلى اسم الله تعالى تزداد حسنًا، كذلك الحمية صفة مذمومة، وعندما تُضاف إلى الجاهلية تزداد قبحًا.
ما يتعلق بحمية الجاهلية في الآية هو أن عرب ذلك الزمان، بسبب تعصباتهم القبلية والعشائرية، لم يستسلموا للحق وكلام الحق، وقاوموا قبوله؛ البيان القرآني في هذه الآية الشريفة يوضح أنهم منعوا استمرار حركة المؤمنين و رسول الله صلي الله عليه و آله وهذا دليل على حميتهم الجاهلية، حيث كانوا يعتقدون: كيف نفتح طريق الحرم للمسلمين بعد كل
الدماء التي سالت في الحروب السابقة بيننا وبينهم! أو قالوا: آلهتنا اللات والعزى ومناة هي العليا و نقول فی وصفهم: وَ اللاّتِ وَ الْعُزّى، وَ مَناة الثّالِثَة الاُخْرى، فَاِنَّهُنَّ الْغَرانِیْقُ الْعُلى، وَ اِنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى(1)، فكيف نكتب في وثيقة الحديبية "بسم الله الرحمن الرحيم" ولا نتعصب لتقاليدنا؟ و قد سبق أن وضحنا أن لفظ الجلالة "الله" كان مستخدمًا في عرف العرب الجاهليين، وكانوا يبدأون كتاباتهم بعبارة "باسمك اللهم".
القرآن الكريم في مقام الرد، يصف كل هذه التعصبات بأنها من نوع الجاهلية، كما وصف حكمهم و سياستهم بأنها قائمة على الجاهلية أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ(2)، وكذلك وصف ظنونهم بأنها ظنون الجاهلية ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ(3).
خلاصة القول: إن عرب ذلك الزمان، الذين عاشوا في عصر الجاهلية، تعصبوا تعصبًا مذمومًا ضد المسلمين ونشاطاتهم، وبالتحديد ضد آثار رسالة النبي الكريم صلي الله عليه و آله وامتنعوا عن قبول الوحي ونبوة الرسول صلي الله عليه و آله لذلك، فإنبعض المفسرين مثل الطبرسي رحمه الله وصاحب التبيان رحمه الله فسروا "الحمية" بأنها عدم اعتراف العرب برسالة رسول الله صلي الله عليه و آله .
النکت و الاشارات
الحمیة، كما اتضح سابقًا، هی نوع من التعصب أو الكبرياء أو الامتناع الذي یُستخدم في مواضع غیر صحیحة؛ هذه هی الظاهرة المذمومة التي حذر الإمام علي عليه السلام المسلمین من الوقوع فیها، حیث قال: فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِیَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ
الشَّیْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ وَ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ(1). ومع ذلك، لیس دائمًا أن تكون الحمیة بهذا النوع من الذم واللوم، بل غالبًا ما تكون كذلک؛ لذلک، فإن الحمیة التي انتشرت في عصر الجاهلیة تُعتبر من الرذائل الأخلاقیة وتُعرف كنوع من السیئات. هذه الحقیقة واضحة لدرجة أن القرآن الكریم، عند ذكر الكفر والكفار، أشار إلیها، حیث یقول الله تعالى: جَعَلَ الَّذِینَ كَفَرُوا ثمفِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِیَّةَ حَمِیَّةَ الْجَاهِلِیَّةِ، أي أن هذه الصفة من صفات الكفار الذین یخلقون في أنفسهم الحمیة؛ و قد كان الله سبحانه قادرًا على استخدام الضمیر بدلًا من تكرار لفظ "الذین كفروا"، ولكن فإن التكرار هنا یدل على أن الکفرهم هی سبب للحكم المذكور.
في جزء آخر من الروایة السابقة، والتي تحمل عنوان خطبة القاصعة، یصف الإمام أمیر المؤمنین عليه السلام إبلیس وأتباعه بأنهم أولاد الحمیة وفرسان الكبرياء والجاهلیة:صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِیَّةِ وَ إِخْوَانُ الْعَصَبِیَّةِ وَ فُرْسَانُ الْكِبْرِ وَ الْجَاهِلِیَّةِ(2). والمقصود ب-"أَبْنَاءُ الْحَمِیَّةِ" هم أتباع التعصبات الجاهلیة الذین غرقوا فیها لدرجة أنهم أصبحوا كأبناء لها. هذه الخطبة النورانیة صدرت من أمیر المؤمنین الإمام علي عليه السلام في وقت كان فیه أعراب العراق غارقین في التعصبات القومیة والقبلیة؛ بناءً على ذلك، قام الإمام عليه السلام في خطبة قویة بتحطیم تعصباتهم الباطلة بتعبیر نوراني: فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ النِّیرَانِ الْعَصَبِیَّةِ وَ أَحْقَادِ الْجَاهِلِیَّةِ، ووصف ماهیتها بأنها أمر باطل تم نفثه من قبل الشیطان.
أما عن النوع الممدوح من الحمیة، فإنه یمكن استخلاصه من كلمات الإمام علي عليه السلام ، حیث قال في موقف آخر عندما لام أصحابه على تقاعسهم في مواجهة
جیش النعمان بن بشیر: مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَمَا دِینٌ یَجْمَعُكُمْ، وَلاَ حَمِیَّةَ تُحْمِشُكُمْ(1)، هنا یطلب الإمام من أصحابه استخدام الغیرة و التعصب الدیني في مواجهة العدو، لأن ذلک هو ما یثیر الغضب ضد الأعداء؛ ف-"تُحْمِشُكُمْ" تعني "تُغْضِبُكُمْ على أعدائكم"، وهي وجه آخر للتعبیر النوراني الذي قاله الإمام: رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَیْثُ جَاءَ(2)، أي ردوا العدوان من حیث أتى.
من الواضح هنا أن الحمیة من النوع الممدوح، و بالتالی فإن التعصب في اتجاه العقائد الصحیحة و حمایتها یکون محمودًا عند الله و العقل؛ أما إذا أدت الحمیة إلى رفض الحقائق، فإنها تکون مذمومة.
یجب أن نعلم أن في المجتمعات الحدیثة، العصبیة الاجتماعیة والتعصبات القومیة والوطنية (Ethn﴾centrism) هی نظرة تعصبیة واستعلائیة تجاه المجموعات العرقیة الأخرى؛ في هذه الحالة، تشعر المجموعة المتعصبة بأن ثقافتها وتقالیدها هی الأفضل، وتنظر إلى المجموعات الأخرى على أنها أدنى؛ بناءً على ذلک، فإن بعض علماء الاجتماع الثقافي یرفضون هذه الظاهرة الاجتماعیة بناءً على مبدأ النسبیة الثقافیة (Cultural Relativism) ویعترفون بالثقافات الوطنیة وفقًا لتقالیدها.
القرآن الكریم، من خلال بعض الآیات، یوضح أن حیاة البشر تقوم على أساس القومیات والقبائل: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا(3)، ولكل قوم شریعة ومنهاج خاص بهم: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا(4)كما یصرح القرآن بأن الله تعالى زین
لكل أمة أعمالها: زُیِّنَ لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلُهُمْ(1)من خلال هذه التعبیرات، یتضح أن الإسلام في مواجهته للثقافات والأدیان الأخرى، ما دامت هذه الأدیان لا تتعارض مع العناصر الأساسیة للشرك والكفر، فإنه یعترف بها ویؤیدها؛ لذلک، جعل الإسلام معیار التفاضل بین القومیات و الأمم في الإیمان والتقوى، حیث یقول: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(2)من خلال ما سبق، یتضح أن وجهة نظر الإسلام في رفض القومیة هی تأیید نظریة "النسبیة الثقافیة المشروعة".
في سياق الآیة الکریمة، یكشف الذات المقدس الحق عن حقیقة هامة، حیث یقول: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ فإذا حدث تزویر بین الكفار و ظهر مُزَوِّرٌ ومُزَوَّرٌ من نوع الجاهلیة، فإنّ في هذا الجانب من الساحة، هناك أيضًا إنزالٌ و مُنزِلٌ و هو الله سبحانه، و مُنزَلٌ من عالم الغیب.
إلى جانب هذه الموهبة، یقول الله سبحانه إنه جعل كلمة التقوى ملازمة لأنفس المؤمنین؛ و لفظ "كلمة" بالإضافة إلى معناها الغالب، قد تُستعمل أیضًا بمعنى "الروح"، كما في قوله تعالى: وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْه(3)أما المضاف إلیه، "التقوى"، فقد اختلفت التفاسیر حوله:
قول آخر: فسّروا "كلمة التقوى" بأنها "بسم الله الرحمن الرحیم"(1).
قول ثالث: جمعوا بین الأقوال السابقة و اعتبروا أن "كلمة التقوى" هي "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
قول عرفاني: ذهب إلى أن المراد بها هو "بلی" في یوم الست.
أما في مقام النتیجة، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسیر الآیة: وَ أَلْزَمَهُمْ کَلِمَةَ التَّقْوی، أن المراد بها هو الإیمان؛ فقال عليه السلام : هُوَ الْإِیمَانُ(2). فاللهسبحانه أنزل علیهم الوقار و الطمأنینة ونور الإیمان، الذي هو كلمة التوحید، لیحمیهم من الحمیة و التعصبات الجاهلیة التي كانت قائمة على أساس: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُون(3)، حتى لا یقعوا في أذى روحي.
في أعقاب الآیات الکریمة في هذه السورة المباركة، وكما هو الحال في غیرها من سور القرآن الكريم، یتوجه الذات المقدس الباری تعالی بعد طرح الموضوعات المختلفة إلى ذكر أسمائه الحسنی وصفاته الشریفة، لیبین تحقق تلك الأمور في إطار هذه الأسماء والصفات. وفي هذا المقام، یتبع النهج نفسه؛ حیث یذكر الله سبحانه وتعالى اشتعال المشاعر الجاهلیة لدى بعض المعترضین على طریق مكة، ونزول السكینة على قلوب المؤمنین، في إطار اسمه "العلیم"، لیوضح أن علمه التفصیلی بأحوال العباد وتفاصیل الأمور هو المصدر الأساسي لتحقق هذه الأحداث وتدابیره الحكیمة في نظام الأحسن.
تنقسم الصفات الإلهیة من منظور الحكمة الإلهیة إلى قسمین رئيسیین:
الصفات الثبوتیة: و هي كل ما یدل على كمالٍ وجوديٍ یختص به الله تعالى، كالعلم و القدرة و الحیاة.
الصفات السلبية: و هي كل ما ینفي عن الله تعالى أي نقص أو محدودیة، كالجسمیة و التركیب و الحاجة، إذ تُنفى هذه الأمور عن ذاته الأقدس.
وقد استنبط بعض الحكماء الإلهیین، استنادًا إلى الآیة الکریمة: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، أن المراد ب-"الجلال" هو تنزیه الله تعالى عن كل صفة سلبية تتعارضمع كماله، بینما المراد ب-"الإكرام" هو إثبات الصفات الثبوتیة التي تلیق بجلاله؛ وقد أشار صدر المتألهین رحمه الله في مباحث "الإلهیات بالمعنى الأخص" في كتابه "أسفار" إلى هذه الأقسام من الصفات، معتمدًا في ذلك على هذه الآیة الکریمة، قوله کذا:
الصفة إما إيجابية ثبوتية و إما سلبية تقديسية - و قد عبر الكتاب عن هاتين بقوله (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ) فصفة الجلال ما جلت ذاته عن مشابهة الغير و صفة الإكرام ما تكرمت ذاته بها و تجملت(1).
في باب الأسماء والصفات الإلهیة، هناك سلسلة من الاختلافات حول مشتقاتها ومبادئها بین الفلاسفة والمتكلمین.
فبعض فلاسفة الإسلامي، یعتبرون المشتقات مثل "علیم" و"خبیر" و"كریم" و ما شابهها، أسماءً؛ بینما یعتبرون المبادئ التي تُشتق منها هذه الأسماء، مثل "العلم" و"القدرة" و"الكرامة"، صفات هي من سنخ العرض.
في المقابل، یعتبر المتكلمون، كما أشار بعضهم، مبادئ هذه المشتقات ك-"معنى"، بینما یعتبرون المشتقات مثل "علیم" و"قدیر" و"حكیم" أسماءً.
1) . الحکمة المتعالیة فی الأسفار العقلیة الأربعة، ج 6، ص 118.
توضیح ذلك: المقصود ب-"المعنى" هنا هو المفهوم المجرد وغير المادي الذي تدل عليه كلمات مثل "العلم" و"القدرة"؛ وبالتالي، فإن وجوده ليس وجودًا خارجيًا، بل يُعتبر من الأمور التصورية.
بكلمات أخرى، يُطلق مصطلح "المعنى" على مفهوم لا يُشير إلى "اسم" (الذي هو لفظ أو كلمة)، ولا إلى "صفة" (التي تُشير إلى خاصية أو حالة معينة)، بل يُشير إلى جوهر خاص و مستقل عن اللفظ و خصائصه؛ في الواقع، يُقصد ب-"المعنى" حقيقةتتجلى في ذهن الإنسان من خلال الكلمة أو العبارة، ولكنها ليست هي الكلمة أو العبارة نفسها، وبالتالي فهي ليست مسمى و لا اسمًا.
نقطة جديرة بالملاحظة في هذا السياق هي وجهة نظر فخر الرازي، الذي یعتقد في تحلیل-ه أنه عندما تُعتبر ماهية أو ذات شيء من حیث "هیئته" (أو بتعبیر آخر، من جهة ماهيته نفسها)، فإن تلك الكلمة تُعتبر "اسمًا"، مثل كلمتي "جدار" و"رجل". ولكن عندما یتم التعرف على شيء من حیث كونه موصوفًا بوصف معین، فإن تلك الكلمة تُعتبر صفة.
ذات الله المقدسة، في بیان صدق رؤیا النبي صلي الله عليه و آله ، بذکر "إِنْ شَاءَ الله" في التنبؤ بدخول المسجد الحرام، تُعَلِّمُ المؤمنین أن یجعلوا جمیع أمورهم مرتبطة بمشیئة الله تعالى؛ هذا الأمر یظهر أيضًا في آیات أخر یوصی فیها الإنسان بعدم اعتبار نفسه فاعلًا مستقلًا للأفعال، بل یجعل کل شيء تحت مشیئة الله، کما في قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ یَشَاءَ اللهُ(1)وقد أمر صراحةً بذلك في قوله: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَیْءٍ إِنِّی فَاعِلٌ ذَلِکَ غَدًا إِلَّا
1) . سورة الإنسان، الآیة 30 .
أَنْ یَشَاءَ اللهُ(1)فهذا الأمر یرمز إلى توحید الأفعال، إذ أن جمیع الأسباب والعوامل بید الله تعالى، ولذلک سُمِّیت هذه الجملة بالاستثناء؛ لأن العبد یخرج تحقق الأفعال من فاعلیته و یسلّمها لمشیئة الحق. في تفسیر دخول جملة الاستثناء في هذه الآیة، ذهب بعض المفسرین، مثل أبي العباس الثعلبي، إلى أن الغایة منها تعلیم العباد بالالتفات إلى مشیئة الله. بینما یعتقد آخرون أن الاستثناء مرتبط بالخوف والأمن الذین ذُکرا في الآیة؛ أي أن دخول المسجد الحرام سیکون بأمن وبدون خوف بمشیئة الله؛ وهنالک مَن یقول إن "إِن" في هذا الموضع بمعنى "إذا"، وبذلک یکون معنى الجملة: عندما یشاء الله.
قبل الخوض في الموضوع، لا بد من معرفة أن الآية الشریفة هي واحدة من عدة آیات تدل على وجوب الحلق و التقصیر، كما تشیر إلی التخییر بینهما.
حرف "الواو" في اللغة له معانٍ عديدة؛ ومن خلال النظر إلی الآية الشریفة مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ، یتضح أن معناها هنا هو "أو" بمعنی "التخییر"؛ إذن، فقد خیّر الله تعالی بین "الحلق" بمعنی حلق شعر الرأس و"التقصیر" بمعنی تقصیر الشعر و الأظفار.
ومع ذلك، ذهب بعض من غیر الإمامیة إلی أن المراد هو أن یقوم طائفة منكم بالحلق، وطائفة أخری بالتقصیر، کما نقل النحاس عن الفراء.
من خلال الروایات المتوفرة، یتضح أن التخییر لا یدخل في عمرة التمتع، ولذلک لا
1) . سورة الکهف، الآیة 23 .
یکفی الحلق وحده؛ لأن التقصیر في حج التمتع یتعطل(1)وهذا علی خلاف عمرة المفردة التي یجوز فیها الأمران، کما نزلت هذه الآية في سفر کان عمرة مفردة.
یجب أن نعلم أنه في حال التخییر بین الحلق و التقصیر، وبناءً على روایات متعددة من النبي المکرم صلي الله عليه و آله ، فإن الحلق أفضل من التقصیر؛ کما جاء في مرسلة الصدوق صلي الله عليه و آله : عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه و آله لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً(2). وأیضًا، کما نقل حماد بن عیسی عن رسول الله صلي الله عليه و آله : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه و آله یَوْمَ الْحُدَیْبِیَةِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَیْنِ، قِیلَ: وَلِلْمُقَصِّرِینَ یَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلِلْمُقَصِّرِینَ"(3).
وفقًا لهذه الروایات، فقد فضّل رسول الله صلي الله عليه و آله الحلق على التقصیر.
يجب الذكر أنه يمكن للشخص أن يطلب من آخر أن يقوم بالحلق أو التقصير له، فقد نقل عن الإمام الصادق عليه السلام روایة(4)في هذا الباب.
في باب وسائل الحلق أو التقصير، وفقًا لإطلاق الروايات الموجود، لا يُعتبر أداة أو آلة معينة شرطًا في ذلك (5).
1) . صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام : قَالَ إِذَا أَحْرَمْتَ فَعَقَصْتَ شَعْرَ رَأْسِكَ أَوْ لَبَّدْتَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ الْحَلْقُ وَ لَيْسَ لَكَ التَّقْصِيرُ وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَمُخَيَّرٌ لَكَ التَّقْصِيرُ وَ الْحَلْقُ فِي الْحَجِّ أَفْضَلُ (وَ لَيْسَ فِي الْمُتْعَةِ إِلَّا التَّقْصِيرُ)؛ وسائل الشیعة، ج 14، ص222؛ ابواب الحلق ( 19039).
2) . وسائل الشیعة، ج 14، ص224؛ ابواب الحلق؛ 19047.
3) . مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه؛ وسائل الشیعة، ج10، ص186؛ ابواب الحلق و التقصیر (احیاء التراث العربي).
4) . كَانَ الَّذِي حَلَقَ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ص يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ خِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيَّ وَ الَّذِي حَلَقَ رَأْسَ النَّبِيِّ ص فِي حَجَّتِهِ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ أَيْ مَعْمَرُ أُذُنُ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي يَدِكَ وَ فِي يَدِكَ الْمُوسَى فَقَالَ مَعْمَرٌ إِي وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعُدُّهُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ عَظِيماً عَلَيَّ الْحَدِيثَ. وسائل الشیعة، ج14، ص 227؛ ح1.
5) . مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَنْ آدَمَ حَيْثُ حَجَّ بِمَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَقَالَ نَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ ع بِيَاقُوتَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَمَرَّهَا عَلَى رَأْسِهِ فَتَنَاثَرَ شَعْرُهُ.
يجب أن يُلاحظ أن عبارة مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ تُشير، بناءً على الإطلاق الموجود في كلمة "الرأس"، إلى أن الحلق يجب أن يشمل جميع شعر الرأس و ليس جزءًا منه.
بعد أن خرج المؤمنون في مكة من الإحرام، عادوا إلى المدينة، التي كانت المبدأ، و وفقًا لبنود معاهدة الصلح، عادوا في العام التالي (السنة السابعة) لأداء عمرة مفردة، والتي عُبِّر عنها بعمرة القضاء أو عمرة القصاص.
خلال هذه الرحلة، تم استدعاء الذين كانوا حاضرين في السنة السادسة، وأُضيفت إليهم مجموعة أخرى، ووفقًا لبعض الروايات، تحرك ألفا شخص نحو مكة. وبأمر من النبي الكريم صلي الله عليه و آله خرجت قريش من منازلها وصعدت إلى الجبل، وقضت تلك الأيام الثلاثة بهذه الطريقة؛ مع ذلك، كانت تراقب المسلمين من مكان استقرارها وتشاهد قوتهم وثباتهم، وكما ذكر مؤرخو السيرة، أمر النبي صلي الله عليه و آله المسلمين أن يطوفوا حول الحرم بصلابة وعزيمة حتى يظهر هذا الاقتدار بين المسلمين.
روى المرحوم الطبرسي رحمه الله في "مجمع البيان" عن الزهري أنه خلال هذه الحادثة، أرسل الرسول الأکرم صلي الله عليه و آله جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث العامرية لخطبتها، وتم العقد بواسطة العباس بن عبد المطلب؛ وفي يوم دخول المسلمين إلى مكة في عمرة القضاء، وقف عبد الله بن رواحة أمام النبي صلي الله عليه و آله و قال:
خلوا بنی الکفار عن سبیله *** قد أنزل الرحمن في تنزيله
فی صحف تتلی علی رسله *** الیوم نضربکم علی تاویله(1)
1) . أنظر: م-جمع البیان، ج 9، ص191؛ جزء احادیث الشعر، ص 83 .
قسّم التهانوي، وهو عالم مصطلحات هندي ينتمي إلى القرن الثاني عشر، الرؤيا الصادقة إلى ثلاثة أقسام:
أ. رؤيا لا تحتاج إلى تأويل أو تعبير: مثل رؤيا النبي إبراهيم عليه السلام عن ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام .
ب. رؤيا جزء منها يحتاج إلى تعبير والجزء الآخر لا يحتاج: مثل رؤيا النبي يوسف عليه السلام التي كانت فيها الشمس والقمر والنجوم تحتاج إلى تعبير، لكن سجودهم لم يكن يحتاج إلى تعبير غير السجود نفسه.
ت. رؤيا تحتاج إلى تعبير كامل: مثل رؤيا ملك مصر في زمن النبي يوسف عليه السلام ، والتي تم تعبيرها بواسطة النبي يوسف(1).(2)
وبالنظر إلى هذا التقسيم، فإن رؤيا رسول الله صلي الله عليه و آله هي فقط مصداق للقسم الأول؛ لأن ماهيتها وكيفيتها لم تكن تحتاج إلى تعبير.
أما بالنسبة لصدق هذه الرؤيا ورؤى الأنبياء الإلهيين، سواء كان التحقق تامًا أو نسبيًا، فقد اتضح سابقًا أن عقولهم محمية من الإلقاء غير الإلهي الذي يكون من الشيطان، كما أن نفوسهم محفوظة من أي وساوس خفية داخلية، سواء كانت من النفس الأمارة أو من التعلق بالمادة؛ لذلك، فإن رؤياهم صادقة تمامًا وبالكامل.
ومع أنه لا يوجد خلل في اعتبار هذه الرؤى، إلا أنه في تاريخ نزول الآيات، لم يُذكر أن القرآن نزل في منام النبي صلي الله عليه و آله فوفقًا للأخبار، كان إنزال الآيات تمامًا في حالة اليقظة. ولكن من آثار رؤياهم، يمكن ذكر تحقق العلم: وَ مَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً
لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ(1)، و أحيانًا تحقيق الانسجام و الوحدة بين المسلمين:إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ(2).
يُعتبر الشيخ الرئيس ابن سينا رحمه الله أن تحقق الرؤيا الصادقة يحتاج إلى ثلاثة شروط أساسية؛ لأن صدق الرؤيا يتطلب اعتدال المزاج، صدق الرائي، وأن تكون الرؤيا في وقت السحر؛ وبعبارة أخرى، الرؤيا الصادقة تتحقق للإنسان الصادق في السحر(3).
في تفسير الرؤيا الصادقة وغيرها، نُشير إلى كلام الشيخ الرئيس ابن سينا في النمط العاشر (أسرار الآيات) و نحلله؛ حيث ذكر في "التذنيب" عند حديثه عن الإلهام والوحي والرؤيا (في بيان ما لا يحتاج إلى تأويل وتعبير) بعض الأفكار المهمة، و في هذا السياق، ذكر الخواجة الطوسي رحمه الله في شرح كلام الشيخ أنه إذا تم حفظ الواردات الغيبية، سواء في اليقظة أو في المنام، فإن هذا الأثر أو الرؤيا الإلهامية لا تحتاج إلى تأويل لأنها صريحة؛ ولكن إذا تم نقل هذا الأثر الغيبي كحكاية فقط، فإنه يحتاج إلى تأويل، و تعبيره يختلف باختلاف الأشخاص.
قوله: فما كان من الأثر الذي فيه الكلام مضبوطا في الذكر في حال يقظة أو نوم ضبطا مستقرا كان إلهاما أو وحيا صراحا أو حلما لا يحتاج إلى تأويل أو تعبير، و ما كان قد بطل هو و بقيت محاكياته و تواليه احتاج إلى أحدهما و ذلك يختلف بحسب الأشخاص و الأوقات و العادات الوحي إلى تأويل، و الحلم إلى تعبير(4).
أما صدر المتألهين رحمه الله في رسالته "المبدأ و المعاد(1)"، في القسم الخاص بالمعاد (الفن الثاني)، في فصل بعنوان (فصل في سبب الرؤيا الصادقة)، فقد أشار إلى أسباب تحققها. وفقًا لكلام الحكماء، عندما تتاح للروح الفرصة للارتفاع عن الموانع وتتمكن من الاتصال بالجواهر الروحانية الشريفة العقلية(2)، التي يُعبَّر عنها في الشرع المقدس باللوح المحفوظ، فإنها تصبح قادرة على استقبال ما فيها، وفي هذه الحالة يرى الإنسان الرؤيا الصادقة؛ وعندما تتصل الروح بالجواهرات العالية، تتشكل صور في الذهن تطابق الحقائق المعنوية.
ينقسم العالم الصوري من خلال انقسامه إلى عالم المجردات الذي هو العقل، وعالم المحسوسات الذي هو الحس؛ مع الأخذ في الاعتبار أن المادة المحسوسة لا تمتلك شأنية بذاتها، بل شأنها نابع من صورتها، لذلك، عندما تتحقق صورة شيء مادي لشيء آخر، يصبح هذا الشيء الثاني (الواقع) حاملاً لحقائق الشيء المقارن، ويحمل معه حقائقه؛ وبالتالي، فإن الإنسان في الرؤيا الصادقة يرى حقيقة الشيء؛ وبناءً على هذاالأساس، فإن إبراهيم الخليل عليه السلام في رؤياه التي كانت ذات طبيعة ذبح: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ(3)، كان على علم بطبيعة وحقيقة ومصداق هذا الأمر.
من الضروري التأكيد على أنه في بعض الأحيان يجب، من أجل الحفاظ على عظمة المعصومين، وصف رؤياهم بأنها "صالحة" بدلاً من "صادقة"، وذلك لتمييز رؤى
الأنبياء الصادقة عن رؤى غيرهم مثل ملك مصر؛ لذلك، يمكن أن تكون هناك علاقة عموم وخصوص مطلق بين الرؤيا الصالحة والرؤيا الصادقة؛ وبناءً على هذا الأساس، استند بعض العرفاء إلى حديث للنبي صلي الله عليه و آله بمضمون: لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات، قيل: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة، بمعنى أن ما تبقى من النبوة هو الرؤيا الصالحة. وقد استثنوا من ذلك غير المعصومين و أولياء الله، وبالتالي فإن الرؤيا الصادقة بالنسبة لغير المؤمنين تكون على أساس "صادقة غير حق".
الشيخ الأكبر، محيي الدين ابن عربي، في التفسير المنسوب إليه للقرآن الكريم(1)، قد اعتبر أن مصدر الرؤيا الصادقة و الوحي المرسل إلى الأنبياء هو مكان واحد، وقال في هذا الصدد: "فإن الرؤيا الصادقة والوحي كلاهما من وادٍ واحد، لا تمايز بينهما إلا بالنوم و اليقظة"، و مع ذلك، فإنه عند بيان الفرق بين الوحي و الرؤيا الصادقة، يشير إلى أن الرؤيا لا تحتاج إلى تعبير، و يستدل على صحة قوله بالآية الكريمة: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بالحقِ .
باعتقاد أهل الرأي، فإن بعض آيات القرآن تشير إلى سورة الفتح وحدث صلح الحديبية، وفيما يلي سنتناول دراسة كل منها.
قول الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ
1) . تفسیر ابن عربی، ج 1، ص 329 .
أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۚ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(1). إشارة: بعض المفسرين مثل السيد قطب(2)، ابن عاشور(3)، صاحب إيجاز البيان نقلاً عن الشافعي(4)وغيرهم، يرون أن الآية متعلقة بصلح الحديبية.
يجب أن نعلم أن بداية نزول هذه السورة كان في بداية السنة الهجرية، ونهايته في نهاية السنة الثانية مع غزوة بدر(5)، في حين أن صلح الحديبية كان في السنة السادسة، لذا فإن القرائن النزولية تختلف مع ذلك؛ ولکن العلامة الطباطبایی رحمه الله يعتبر نزولها متعلقاً بالسنة العاشرة للهجرة في سياق تشريع الحج.
وكذلك سورة النساء التي تقول: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ۖ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ ۚ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوافَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا(6).
إشارة: الطبرسي في مجمع البيان، و الطوسي في التبيان، و الخواجة عبد الله الأنصاري(7)
1) . سورة البقرة، الآیة 196 .
2) . فی ظلال القرآن، ج1، ص 193 .
3) . التحریر و التنویر، ج2، ص 212.
4) . ایجاز البیان، ج 1، ص 139 .
5) . أنظر: الإتقان، ج1، ص10 ؛ البرهان، ج1، ص 194؛ القرطبي، ج1، ص 107 .
6) . سورة النساء، الآیة 102 .
7) . کشف الأسرار و عدة الأبرار، ج 2، ص 695؛ مجمع البیان، ج3، ص157؛ التبیان، ج3، ص 313.
بشكل إشارة، يرون أن الآية متعلقة بصلح الحديبية، حيث بعد صد المسلمين و عزم المشرکین على الهجوم، أنزل الله تعالى صلاة الخوف على النبي.
سورة النساء، نظراً لنزولها بشكل تدريجي، وتاريخ نزولها المقدر بين السنة السادسة والعاشرة، تؤكد القول بأن الآية تشير إلى صلح الحديبية؛ و یقول البرهان(1)أن هذه السورة نزلت بعد سورة الممتحنة، والتي هي نفسها متعلقة بما بعد السنة السادسة.
ويجب الإشارة إلى أن في آية العاشرة من سورة الممتحنة أيضاً ذكر شأن نزول مرتبط بالحديبية، حيث جاء في سیاقها: إنّ هذه الآية يشير إلى أنها نزلت بعد صلح الحديبية؛ وفي المعاهدات التي أبرمت بين رسول الله وأهل مكة، كتب أنه إذا انضم رجل من أهل مكة إلى المسلمين، فعلى المسلمين إعادته إلى أهل مكة، ولكن إذا انضم رجل من المسلمين إلى أهل مكة، فليس على أهل مكة إعادته إلى المسلمين. كما يفهم من الآية أن إحدى نساء المشركين أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وجاء زوجها المشرك يطلب من رسول الله صلي الله عليه و آله إعادتها إليه، فأجاب رسول الله صلي الله عليه و آله : ما ورد في المعاهدة هو أنه إذا انضم رجل من أحد الطرفين إلى الطرف الآخر، فيجبالعمل بكذا وكذا، ولم يرد في المعاهدة شيء عن النساء، وبناءً على ذلك لم يردها رسول الله صلي الله عليه و آله إلى زوجها.
أ. في ذم الحميّة و التعصّب الجاهلي: ورد في رواية عن الإمام زين العابدين عليه السلام في ذم التعصّبات القبلية ما نصّه...": الْعَصَبِیَّهْ الَّتِی یَأْثَمُ عَلَیْهَا صَاحِبُهَا أَنْ یَرَی الرَّجُلُ شِرَارَ قَوْمِهِ خَیْراً مِنْ خِیَارِ قَوْمٍ آخَرِینَ وَ لَیْسَ مِنَ الْع-َصَبِ-یَّهْ أَنْ یُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ وَ لَکِنَّ
1) . البرهان فی علوم القرآن، ج1، ص 194 .
مِنَ الْعَصَبِیَّهْ أَنْ یُعِینَ قَوْمَهُ عَلَی الظُّلْمِ(1).
إشارة: محور العالم يقوم على الحق، وبناءً على ذلك فلا مكان للباطل؛ لذلك، من الضروري أن تكون جميع أفعال الإنسان وأخلاقه تدور حول محور الحق، حتى التعصبات القومية.
ب. روی عن النبي صلي الله عليه و آله : مَنْ کَانَ فِی قَلْبِهِ حَبَّهْ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ عَصَبِیَّهْ بَعَثَهُ اللَّهُ یَوْمَ الْقِیَامَهْ مَعَ أَعْرَابِ الْجَاهِلِیَّهْ(2)، بناءً على ذلك، قال أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام عن عذاب الاعراب بالحمية الجاهلية: إِنَ اللَّهَ یُعَذِّبُ السِّتَّهْ بِالسِّتَّهْ الْعَرَبَ بِالْعَصَبِیَّهْ وَ الدَّهَاقِینَ بِالْکِبْرِ وَ الْأُمَرَاءَ بِالْجَوْرِ وَ الْفُقَهَاءَ بِالْحَسَدِ وَ التُّجَّارَ بِالْخِیَانَهْ وَ أَهْلَ الرَّسَاتِیقِ بِالْجَهْل(3).
س. روی عن امیر المومنین عليه السلام فی ذم الحمیة: فَأَطْفِئُوا مَا کَمَنَ فِی قُلُوبِکُمْ مِنْ نِیرَانِ الْعَصَبِیَّهْ وَ أَحْقَادِ الْجَاهِلِیَّهْ وَ إِنَّمَا تِلْکَ الْحَمِیَّهْ تَکُونُ فِی الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِالشَّیْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ وَ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ. وَ فِیهِ: فَاللَّهَ اللَّهَ فِی کِبْرِ الْحَمِیَّهْ وَ فَخْرِ الْجَاهِلِیَّهْ فَإِنَّهُ مَلَاقِحُ الشَّنَئَانِ وَ مَنَافِخُ الشَّیْطَانِ الَّتِی خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ الْمَاضِیَهْ وَ الْقُرُونَ الْخَالِیَه(4).
إشارة: من آثار رسالة النبي الأكرم صلي الله عليه و آله و الخلفاء الذين خلفوه (اهل البیت النبوة) حدثت ثورة ثقافية وأخلاقية في مركز نشر الإسلام، أي شبه الجزيرة العربية. وبناءً على ذلك، نُقلت العديد من الروايات التي تذم المذمومات الأخلاقية الشائعة بين الأفراد، وخاصة بين العرب.
ج. في بيان إنزال السكينة على قلوب المؤمنين: طبقًا لرواية عباس بن هلال، نقل عن الإمام الرضا عليه السلام في تفسير الآية الكريمة: قَالَ سَمِعْتُهُ وَ هُوَ یَقُولُ لِلْحَسَنِ أَیُّ شَیْءٍ
السَّکِینَهْ عِنْدَکُمْ وَ قَرَأَ فَأَنْزَلَ اللهُ سَکِینَتَهُ عَلی رَسُولِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ جُعِلْتُ فِدَاکَ لَا أَدْرِی! فَأَیُّ شَیْءٍ هُوَ قَالَ: رِیحٌ تَخْرُجُ مِنَ الْجَنَّهْ طَیِّبَهٌ لَهَا صُورَه کَصُورَهْ وَجْهِ الْإِنْسَانِ قَالَ فَیَکُونُ مَعَ الْأَنْبِیَاءِ فَقَالَ لَهُ عَلِیُّبْنُأَسْبَاطٍ تَنْزِلُ عَلَی الْأَنْبِیَاءِ وَ الْأَوْصِیَاءِ فَقَالَ تَنْزِلُ عَلَی الْأَنْبِیَاء قَالَ وَ هِیَ الَّتِی نَزَلَتْ عَلَی إِبْرَاهِیمَ) حَیْثُ بَنَی الْکَعْبَهْ فَجَعَلَتْ تَأْخُذُ کَذَا وَ کَذَا وَ یَبْنِی الْأَسَاسَ عَلَیْهَا(1).
إشارة: مصداق ومعنى الألفاظِ، وإن كانت الروايات تُحدِّدُها، إلا أنها تختلفُ بِحَسَبِ القرائنِ الواردةِ في الآياتِ وبناء على ذلك، قد يكون العنصر کالسکینة خاصًّا بالأنبياءِ فقط، و قد يكونُ شيئًا يُنزَّلُ على جميع الناس.
ح. في بيان إلزام المؤمنين ب-کَلِمَهَ التَّقوی روی مالک بن عبد الله عن الامام الرضا عليه السلام : قُلْتُ لِمَوْلَایَ الرِّضَا عليه السلام قَوْلُهُ تَعَالَی وَ أَلْزَمَهُمْ کَلِمَةَ التَّقْوی وَکانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها قَالَ هِیَ وَلَایَهُ أَمِیرِالْمُؤْمِنِین عليه السلام فَالْمَعْنَی أنَّ الْمَلْزُومِینَ بِهَا شِیعَتُهُ وَ کانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها(2).
إشارة: بناءً على الروايات المنقولة عن النبيِّ الكريم صلي الله عليه و آله فإنَّ وجودَ أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام هو حقيقةُ الصراط المستقيم، كما قال: السَّبِيلُ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(3)، وَعَلِيٌّ هُوَ السَّبِيلُ(4)فمنْ كان وجوده هكذا، فولايته هي روح الْتقوی وَ كَلِمَتُهَ؛ ولذلك يجب على من يرغب في الوقوف على الصراط المستقيم و سبیل الله، أن ينتفع بكلمة ولاية ذلك الإمام.
خ. عَنْ النَّبِی صلي الله عليه و آله : حَدیثٌ طَوِیلٌ فِی تَفْسِیرِ سُبْحَانَ اللَّهِ
وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَکْبَر وَ فیهِ قَالَ النَّبیِ صلي الله عليه و آله فَقَوْلُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ یَعْنِی وَحْدَانِیَّتَهُ لَا یَقْبَلُ اللَّهُ الْأَعْمَالَ إِلَّا بِهَا وَ هِیَ کَلِمَهْ التَّقْوَی یُثَقِّلُ اللَّهُ بِهَا الْمَوَازِینَ یَوْمَ الْقِیَامَهْ(1).
د. فی أهمیة الالتفات إلی الجملة القیمة (إن شاء الله): روی حسن بن زیاد عن الإمام الصادق عليه السلام فی بیان أهمیة استعمال هذه اللفظة فی الحیاة الیومیة، خلال سؤال وجواب بینه وبین الإمام، ما نصه قُلْتُ لِأَبِیعَبْدِاللَّهِ عليه السلام إِنَّهُمْ یَقُولُونَ لَنَا: أَ مُؤْمِنُونَ أَنْتُمْ؟ فَنَقُولُ: نَعَمْ. فَیَقُولُونَ: أَ لَیْسَ الْمُؤْمِنُونَ فِی الْجَنَّهْ؟ فَنَقُولُ: بَلَی. فَیَقُولُونَ: أَ فَأَنْتُمْ فِی الْجَنَّهْ؟ فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَی أَنْفُسِنَا ضَعُفْنَا وَ انْکَسَرْنَا عَنِ الْجَوَابِ قَالَ: فَقَالَ: إِذَا قَالُوا لَکُمْ أَ مُؤْمِنُونَ أَنْتُمْ فَقُولُوا نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّهُمْ یَقُولُونَ إِنَّمَا اسْتَثْنَیْتُمْ لِأَنَّکُمْ شُکَّاکٌ. قَال: فَقُولُوا لَهُمْ وَ اللَّهِ مَا نَحْنُ بِشُکَّاکٍ وَ لَکِنِ اسْتَثْنَیْنَا کَمَا قَالَ اللَّهُعَزَّوَجَلَ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِینَ وَ هُوَ یَعْلَمُ أَنَّهُمْ یَدْخُلُونَهُ أَوَّلًا وَ قَدْ سَمَّی اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ الْمُؤْمِنِینَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ مُؤْمِنِینَ وَ لَمْ یُسَمِّ مَنْ رَکِبَ الْکَبَائِرَ وَ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ عَلَیْهِ النَّارَ فِی قُرْآنٍ وَ لَا أَثَرٍ وَ لَا نُسَمِّیهِمْ بِالْإِیمَانِ بَعْدَ ذَلِکَ الْفِعْل(2).
إشارة: بناءً على الأصل المقبول "الأمر بین الأمرین"، فإن الإنسان و إن کان حرّاً مختاراً فی أفعاله، إلا أن المحکمة و الأسباب النهائیة للعالم هی بید الله تعالی؛ ولذلک، فإنه یحتاج إلی التمسک بالمبدأ الأعلی لتکمیل وتحصیل هدفه، وأن یُسَلِّم الفعل إلی مشیئته سبحانه و تعالى.
ر. ورد فی روایة طویلة عن الإمام الحسین عليه السلام عن أبیه علی بن أبی طالب عليه السلام فی بیان صدق رؤیا النبی الأکرم صلي الله عليه و آله و مشابهتها لرؤیا الأنبیاء ما نصه: أَنَّ یَهُودِیّاً مِنْ
یَهُودِ الشَّامِ وَ أَحْبَارِهِمْ کَانَ قَدْ قَرَأَ التَّوْرَاهْ وَ الْإِنْجِیلَ وَ الزَّبُورَ وَ صُحُفَ الْأَنْبِیَاءِ عليهم السلام وَ عَرَفَ دَلَائِلَهُمْ جَاءَ إِلَی مَجْلِسٍ فِیهِ أَصْحَابُ رسول الله صلي الله عليه و آله وَ فِیهِمْ علیبنأبیطالب وَ ابْنُعَبَّاسٍ وَ أَبُو مَعْبَدٍ الْجُهَنِیُّ فَقَالَ: یَا أُمَّهْ مُحَمَّدٍ صلي الله عليه و آله مَا تَرَکْتُمْ لِنَبِیٍّ دَرَجَهْ وَ لَا لِمُرْسَلٍ فَضِیلَهْ إِلَّا نَحَلْتُمُوهَا نَبِیَّکُمْ فَهَلْ تُجِیبُونِّی عَمَّا أَسْأَلُکُمْ عَنْهُ فَکَاعَ الْقَوْمُ عَنْهُ فَقَالَ علیبنأبیطالب عليه السلام نَعَمْ مَا أَعْطَی اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبِیّاً دَرَجَه وَ لَا مُرْسَلًا فَضِیلَهْ إِلَّا وَ قَدْ جَمَعَهَا لِمحمد صلي الله عليه و آله وَ زَادَ مُحَمَّداً صلي الله عليه و آله عَلَی الْأَنْبِیَاءِ عليهم السلام أَضْعَافاً مُضَاعَفَهْ فَقَالَ لَهُ الْیَهُودِیُّ فَهَلْ أَنْتَ مُجِیبُنِی قَالَ لَهُ نَعَم فَقَالَ الْیَهُودِیُّ فَإِنَّ هَذَا یُوسُفُ عليه السلام قَاسَی مَرَارَهْ الْفُرْقَهْ وَ حُبِسَ فِی السِّجْنِ تَوَقِّیاً لِلْمَعْصِیَهِ فَأُلْقِیَ فِی الْجُبِّ وَحِیداً قَالَ لَهُ عَلِیٌّ عليه السلام لَقَدْ کَانَ کَذَلِکَ وَ مُحَمَّدٌ صلي الله عليه و آلهقَاسَی مَرَارَهْ الْغُرْبَهْ وَ فَارَقَ الْأَهْلَ وَ الْأَوْلَادَ وَ الْمَالَ مُهَاجِراً مِنْ حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَی وَ أَمْنِهِ فَلَمَّا رَأَی اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ کَآبَتَهُ وَ اسْتِشْعَارَهُ الْحُزْنَ أَرَاهُ تَبَارَکَ وَ تَعَالَی اسْمَهُ رُؤْیَا تُوَازِی رُؤْیَا یُوسُفَ عليه السلام فِی تَأْوِیلِهَا وَ أَبَانَ لِلْعَالَمِینَ صِدْقَ تَحْقِیقِهَا فَقَالَ:لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْیا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُؤُسَکُمْ وَ مُقَصِّرِینَ لا تَخافُون(1).
ز. فی بیان فضیلة الحلق بالنسبة إلی التقصیر: روی الإمام علی عليه السلام عن خاتم المرسلین صلي الله عليه و آله فی فضیلة الحلق ما نصه: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِینَ. فَقِیلَ: یَا رَسُولَ اللَّهِ وَ الْمُقَصِّرِینَ؟ فَقَالَ: ارْحَمِ الْمُحَلِّقِینَ. فَقِیلَ: یَا رَسُولَ اللَّه وَ الْمُقَصِّرِینَ؟ حَتَّی قَالُوا لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَ فِی الرَّابِعَهْ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِینَ وَ الْمُقَصِّرِینَ فَالْحَلْقُ أَفْضَلُ وَ التَّقْصِیرُ یُجْزِی قَالَ اللَّهُ تَعَالَیلَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْیا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُؤُسَکُمْ وَ مُقَصِّرِینَ فَبَدَأَ بِالْحَلْقِ وَ هُوَ أَفْضَل(2).
إشارة: يتخير الرجل بين الحلق و التقصير و الحلق أفضل، و من لبّد شعر رأسه بالصمغ
أو العسل أو نحوهما لدفع القمّل، أو عقص شعر رأسه و عقده بعد جمعه ولفه، فالأحوط له اختيار الحلق بل وجوبه هو الأظهر؛ ومن كان صرورة فالأحوط له أيضاً اختيار الحلق(1).
ث. البيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أري الرسول صلي الله عليه و آله و هو بالحديبية انه يدخل مكة هو و أصحابه آمنين محلقين رؤوسهم و مقصرين فلما نحرالهدى بالحديبية قال له أصحابه أين رؤياك يا رسول اللّه فأنزل اللّه الآية فرجعوا ففتحوا خيبر ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة(2).
ط. رواية سليمان بن مهران: كيف صار الحلق على الصرورة واجباً دون من قد حج؟ قال: ليصير بذلك موسماً بسمة الآمنين، أ لا تسمع قول اللَّه عزّ وجلّ لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ(3).
اشارة: بعض الفقهاء، کما هو الحال مع الامام الخوئي رحمه الله (4)، قد اعتبروا المقتضي لوجوب الحلق علی الصرورة قاصراً، لأن بعض النصوص کروایة المتقدمة ضعیفة(5)و بعضهم یدل علی الندب؛ مع ذلك، فإن قول تعین الحلق يُنسَب إلى المشهور القدماء، كشيخ الطائفة الطوسي رحمه الله في كتابه "النهاية"(6)، حيث ذهب إلى وجوب الحلق على الصرورة. استناد القدماء إنّما هو على أساس رِواية عن معاوية بن عمّار.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ و َدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا 28 محُّمَّدٌ رَّسُولُ اللَّه وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلىَ الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنهَمْ تَرَئهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَ رِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فىِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَالِكَ مَثَلُهُمْ فىِ التَّوْرَئةِ وَ مَثَلُهُمْ فىِ الْانجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْاهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنهْم مَّغْفِرَةً وَ أَجْرًا عَظِيمَا 29
التفسیر
الآيتان المقصودتان تذکران في اطار "حسن الختام" للسورة المباركة "الفتح" وتكملةً للكلام السابق؛ الآية السابعة و العشرون تأتي مرة أخرى بعد الآية الكريمة:إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(1)التي تتناول وظائف النبي صلي الله عليه و آله العملية، وهذه المرة أيضًا تتحدث عن هدايته وانتشار الدين المبين، مع وجود ارتباط وثيق بتصديق رؤياه، لذا، فإن حسن الختام هنا يتمثل في الوعد الإلهي.
1) . سورة الفتح، الآیة 8 .
البيان الشريف الذي يشبه الآية الثالثة والثلاثين من السورة المباركة "التوبة" ذات المضمون:هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، و من هنا، يشير أولاً إلى أن إرسال الأنبياء يتم تحت ظل العظمة و القدرة المطلقة لله، ولا يستطيع أحد أن يقاوم ذلك، ومع أن بعض الناس قد تمردوا عليهم واستهزءوا بهم أو قتلوهم، إلا أن هذهالحقيقة تبقى ثابتة وجوهرية راسخة؛ وبالتالي، فإن هذا الأمر يدل على ثبات و أبدية المبادئ الإلهية التي لا تتأثر أبدًا بالصراعات والتمردات.
أما بالنسبة للهداية في قوله بِالْهُدَى فقد سبق أن قيل إن الاختلافات بين الإنسان وسائر المخلوقات جعلته بحاجة إلى هداية غير تكوينية، أي هداية بواسطة كتاب وهادي، وهنا أيضًا تم الإشارة إلى الهداية التشريعية بواسطة النبي وبالطبع، عند دراسة أسباب ومصاديق الهداية، نجد أن الهداية الدقيقة تكون من خلال الكتاب.
یجب أن نعلم أن النبي الكريم صلي الله عليه و آله باعتباره هادي المهتدين في العالم، يقتضي ضرورة أن تكون ذاته المقدسة مهتديةً بالذات حتى يتمكن من إجراء الهداية والإيصال بأدق وجه؛ لذلك، فإن الباء الموجودة في قوله تعالىبِالْهُدَى هي من نوع الملابسة، ومعناها أنه أرسله وهو في لباس الهداية، مهتدٍ بالذات و ليس بالغير؛ لأن شرط هداية الآخرين هو أن يكون الهادي مهتدياً بالذات؛ وهذا البيان يتأكد أيضًا بمراعاة الآيات السابقة، كما في قوله تعالى:وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا(1)وقد ذهب مجموعة من مفسري القرآن الكريم إلى أن معنى الباء في قوله:بِالْهُدَى هو المصاحبة، والمقصود بها الهداية التي نزلت مع الرسول الأعظم صلي الله عليه و آله وهذا المعنى مذكور أيضًا في آيات أخرى، فالمقصود هو روح الهداية التي كانت مع ذاته.
1) . سورة الفتح، الآیة 4.
و من الملازمات الأخرى التي كانت مع النبي صلي الله عليه و آله قوله دِينِ الْحَقِّ والمقصود به الدين المبين الإسلام؛ لأن شرائعه وأحكامه وسننه كلها تحققتعلى أساس الحق، ولذلك فضله الله تعالى على سائر الأديان وأظهره، كما قال:وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا(1)أي: قبلت الإسلام دينًا لكم.
وفي الأخبار عن تفضيل الإسلام على سائر الأديان بقوله:لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ فإن الفعللِيُظْهِرَهُ الذي جاء مع لام التعليل، يعود ضميره (الهاء) إلىالدِّينِ كما صرّح بذلك الكثير من الإمامية و غيرهم؛ ومع ذلك، يعتقد البعض أن هذا الضمير يعود إلى النبي صلي الله عليه و آله ، والمقصود به تفضيله على الأديان؛ ولكن بناءً على ظاهر النص، التفضيل هو للدين على الأديان، وليس للنبي على الأديان بل علی الأنبیاء، کما قال حول الانبیاء: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ(2).
في هذا الموضع، الفاعل لإظهار في قوله:لِيُظْهِرَهُ قد يكون الله تعالى أو النبي صلي الله عليه و آله ولكن مع مراعاة سياق الآيات، يبدو أن الفاعل هو الله تعالى.
يجب أن نعلم أن الخبر عن تفضيل الدين ونسخ الأديان الأخرى به قد أُعلن بطريقتين:
أحيانًا بشكل تصريحي كما في قوله تعالى:إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ(3)، وأحيانًا بشكل تلويحي كما في الآيات والأخبار المتواترة التي تشير إلى ذلك، مثل قوله تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ(4). و قد ذهب بعض مفسري، مثل الطبرسي رحمه الله ، إلى أن هذا التفضيل هو تفوق برهاني(5).
أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبة قيّمة أشار صراحةً إلى هذا التفضيل، وأعلن عن حقيقته بقوله: ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَاصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ، وَأَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ، وَأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ، أَذَلَّ الْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ، وَوَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ، وَأَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ، وَخَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِه(1).
وفي ختام الآية، أكد الله تعالى أنه إذا كان قادرًا على إرسال رسوله فهو أيضًا كافٍ لهذه البعثة:وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فكلام الكفاية و الشهادة الإلهية يُحمل على النبوة.
الآية الأخيرة من السورة المباركة تشير في جملتها الأولى بشكل خاص إلى رسول الخاتم صلي الله عليه و آله ، وتذكر اسمه الشريف "محمد" لتقديمه كنبي و رسول الله؛ وفي هذا السياق، ذُكرت نقطة قيّمة من قبل المرحوم المجلسي رحمه الله في كتاب بحار الأنوار(2)، حيث بيّن أن الخطاب في آيات القرآن الكريم مع الأنبياء غالبًا ما يكون بذكر أسمائهم، كما في الأمثلة التالية:يَا إِبْرَاهِيمُ(3)،يَا مُوسَى(4)،يَا نُوحُ(5)حيث تمّ الخطاب بين المخاطِب والمخاطَب بالاسم؛ أما في حالة النبينا محمد صلي الله عليه و آله ، فإن الخطاب معه لم يكن بالاسم، بل باستخدام عبارات مثل:يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ(6)،يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ(7)او یَا أیُّهَا المُزَمِّل(8)و هذا يدل على المكانة الخاصة و المقام الرفيع و الفريد لسيد المرسلين صلي الله عليه و آله .
ويبدو أن سرّ ذكر اسم الرسول الأعظم بجانبرَسُولُ اللَّهِ هو ردّ على إهانة سهيل بن عمرو، الذي منع ذكر صفة "رسول الله" في وثيقة الصلح؛ لذا، فإن الذات الأقدس للإله تعالى ردّ على ذلك الفعل بقوله: إن محمدًا رسول الله، و قولكم: "لو علمنا أنك رسول الله لما حاربناك"(1)، كان قولًا باطلًا.
بالإضافة إلى ذلك، خلال مناقشة أسلوب خطاب الأنبياء، فإن ذكر القرآن لاسم النبي الخاتم بلفظ "محمد" ليس في إطار الخطاب بين المخاطِب والمخاطَب، بل فقط في إطار المبتدأ والخبر؛ لذا، في هذا الموضع، أي في الجملة الشريفة مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فإن "محمد" هو المبتدأ، و"رسول الله" هو الخبر.
بعض أهل العلم، مثل الآلوسي في "روح المعاني(2)"، يعتقدون أن لفظمُحَمَّدٌ هو خبر لضمير محذوف (هو)، وبالتالي فإن "رسول الله" يجب أن يكون عطف بيان؛ بينما يعتبره آخرون بدلًا، و فريق ثالث يعتبره صفة.
بعد أن فرغ الله سبحانه وتعالى من ذكر أوصاف النبي الكريم صلي الله عليه و آله ، انتقل إلى ذكر أوصاف أصحابه وأتباعه، فقال: إن الذين معه - والضمير في "معه" يعود إلى النبي - هم أشداء على الكفار: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، و رحماء بينهم:رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ و من هذا المنطلق، جاء الحديث عن الرحمة العامة لتأكيد أن الشدة تُطبَّق فقط على الكفار، و لإبعاد المسلمين عن العنف.
ثم وصف الله تعالى أصحاب النبي صلي الله عليه و آله بقوله:وَالَّذِينَ مَعَهُ مبينًا استمرارهم في هذين الفعلين، حيث قال إنهم رُكَّعًا سُجَّدًا أي كثيرو الركوع و السجود، وهذان الوصفان يعتبران حالًا لصاحب الحال، أي المسلمين.
الخبر الثالث من الله تعالى عن هؤلاء الأصحاب هو سعيهم لنيل الفضل و الرضا من الله، كما قال تعالی:يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ و َرِضْوَانًا إذن، هذه الأخبار الثلاثة يمكن تلخيصها كالتالي:
صفة خُلُقية: الشدة على الكفار و الرحمة بينهم.
صفة ظاهرية: هيئة السجود و الخشوع فی الوجه.
صفة عبادية: دوامهم في الركوع و السجود.
صفة فعلية: سعيهم لنيل فضل الله و رضوانه.
شبه القران الکریم، اصحاب الرسول الخاتم صلي الله عليه و آله بزرع، حيث بدأت شَطْأَهَا أي نباتًا صغيرًا ذو الفروعات الصغیرة، ثم نمت تدريجيًا حتى أصبحت زرع (نبات) قوي؛ و هذا المثل يُشير إلى عالمية الدين الإسلامي و انتشاره.
تبيين وجوه مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
لقد وصف الله تعالى صفات المؤمنين وأنصار النبي بأن على وجوههم أثر السجود.لفظ "سِيمَا" مشتق من مادة (سوم) بمعنى العلامة أو الهيئة، كما في قوله تعالى: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ(1)أي: تعرفهم من خلال علاماتهم.
من وجهة نظر بعض علماء اللغة، فإن المفعول من "سِيمَا" هو "مُسَوَّم"، أي ما وُضعت عليه علامة، كما في قوله: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ(2)حيث "مُسَوَّمَة" هنا صفة ل-"خيل"، أي الخيول التي عليها علامات. إذن، "سِيمَا" تعني العلامة ؛ وبالتالي، المعنى هو أن العلامات التي تظهر على وجوههم ناتجة عن أثر السجود.
في تفسير أَثَرِ السُّجُودِ، ذُكرت عدة وجوه، منها ما ورد في رواية عبد الله بن سنان عن الله تعالی: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال: هو السهر في الصلاة(1)خصوصًا أن بعض الروايات الأخرى تقول: من كثرت صلاته بالليل حسُن وجهه بالنهار(2).
قد جمع المرحوم أمين الإسلام الطبرسي رحمه الله بين جميع الأقوال(3)، فذكر أن المقصود هو أثر التراب على الوجه من كثرة السجود على الأرض، أو كما نقل عن ابن عباس أن المقصود هو بياض مواضع سجودهم يوم القيامة؛ وبعضهم قال إن المقصود هم الذين يهتمون بالصلوات الخمس؛ كما ذهب فريق آخر إلى أن المقصود هو علامات الضعف الظاهري الناتجة عن كثرة السجود، وجميع هذه الأقوال متقاربة في المعنى.
النکت و الاشارات
من خلال دراسة سياق الآيات الكريمة و آراء المفسرين، يمكن استخلاص تفسيرين أو أكثر لقوله تعالى:ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ.
الوجه الأول و هو رأي بعض المفسرين مثل العلامة الطباطبائي رحمه الله ، حيث يعتبرون أن جملةذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ تشير إلى أن الصفات المذكورة في قوله تعالى: الَّذِينَ مَعَهُ وهي صفات المؤمنين الذين مع النبي صلي الله عليه و آله ، قد ذُكرت في التوراة، ثم عُطف عليها قوله:وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ وبالتالي، فإن صفات أصحاب النبي صلي الله عليه و آله مذكورة في
كلا الكتابين التوراة و الإنجيل، وهذا الرأي يستند إلى آيات مثل:يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ(1)والتي تشير إلى وجود أخبار مشتركة بين الكتابين؛ كما ورد في رواية عبد الله بن سلام أن النبي صلي الله عليه و آله ذكر أن الآية كلها موجودة في التوراة.
الوجه الثاني و هو أن الصفات الثلاث المذكورة وردت فقط في التوراة، أي:ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ و لم تُعطف على الإنجيل؛ وبالتالي، فإن جملةوَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ هي جزء منفصل عما قبلها، وتُعتبر ظرفًا لاستكمال الخبر في: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ في هذا التفسير، تكون جملة وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ مبتدأ، و كَزَرْعٍ أَخْرَجَ خبرًا لها.
النتيجة يبدو أن تكرار لفظ "مَثَل" في التوراة ثم في الإنجيل يؤيد الرأي الثاني، لأنه لو كان المقصود موضوعًا واحدًا مشتركًا بين الكتابين، لكان من المناسب استخدام لفظ"مَثَل" مرة واحدة فقط، كأن يقول ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ، أي أن هذا المثل وصف المؤمنين موجود في كلا الكتابين.
عند دراسة الكتاب المقدس للمسيحيين، خاصة إنجيل متى، يمكن ملاحظة أن مضامينه تتحدث عن وصف أصحاب النبينا محمد صلي الله عليه و آله و تذكر عدة صفات، بما في ذلك الصفات المذكورة في التشبيه المستخدم في وصف نموهم وازدهارهم؛ كما أن التوراة تشير أيضًا إلى صفاتهم الفعلية(2).
أما فيما يتعلق بالعلاقة الوثيقة بين الآية الكريمة لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وبين قضية المهدوية وإمامة المنجي في آخر الزمان، والتي تدل عليها العديد من الروايات الواردة في
هذا الشأن، فإن مؤلف تفسير المنار - رغم الانتقادات الصحيحة التي وجهها العلامة الطباطبائي رحمه الله إلى ذلك الكتاب - قد ظلم أهل البيت عليهم السلام و حرمهم من حقهم في تفسير هذه الآيات، حيث عمد إلى إنكار هذه العلاقة.
ومن بين المواضع التي سلب فيها هذا الحق، قوله تعالى:لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ في الآية الكريمة، حيث حيث أورد رأي الإماميّة القائل بارتباط هذه الآية بظهور الإمام الحجّة بن الحسن علیه السلام .
و يعتقد أن الاعتقاد بالمنجي كان من الأسباب التي جعلت الناس يمتنعون عن نشر الدين، وينتظرون أن يصلح الإمام الأمور بظهوره؛ لذا فإن جوهر كلامه هو أن الحديث عن المنجي يتعارض مع ديناميكية الإسلام(1).
و في موضع آخر، يزعم أن الروايات من هذا القبيل متضاربة ومتعارضة، ثم يفتري أخيرًا فيقول إنها من صنع الشيعة وفكرهم السياسي؛ وبالتالي، فإنه يرى أن الروايات المهدوية تتعارض مع أصول الشريعة الإسلامية و ثوابتها.
نقد عدم الصحة الروایات المهدویة
عند دراسة مصادر أهل السنة (سواءً الصحاح أو غير الصحاح)، نجد نوعين من الكتب تتناول قضية المهدوية: النوع الأول يشمل كتبًا وُضعت فيها أبواب متعددة، وخصص أحدها لهذا الموضوع، والنوع الثاني يشمل كتبًا أُلِّفت خصيصًا حول هذا الموضوع. فمن أمثلة النوع الأول كتب مثل: "المصنف" للصنعاني، و"مسند أحمد"، و"سنن ابن ماجه"، وغيرها.
أما النوع الثاني فيشمل كتبًا مثل: أربعون حديثًا للأصفهاني، و البيان في أخبار
1) . أنظر: المنار، ج 10، ص 342؛ قوله: أَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ مُتَعَارِضَةٌ مُتَدَافِعَةٌ، وَأَنَّ مَصْدَرَهَا نَزْعَةٌ سِيَاسِيَّةٌ شِيعِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَلِلشِّيعَةِ فِيهَا خُرَافَاتٌ مُخَالِفَةٌ لِأُصُولِ الدِّينِ لَا نَسْتَحْسِنُ نَشْرَهَا فِي هَذَا التَّفْسِير....)
صاحب الزمان للشافعي، و البرهان في علامات مهدي آخر الزمان للمتقي الهندي.
من الواضح أن الاعتقاد بمنجي آخر الزمان والمهدوية في مصادر أهل السنة هو أمر ثابت ولا يقبل التشكيك، ولكن فيما يتعلق بصحة هذه الروايات، فقد أقر العديد من محدثي أهل السنة بصحتها واعتبروها متواترة؛ على سبيل المثال، قال الترمذي في هذا الصدد: "هذا حديث حسن صحيح"(1).
كما أن "المنار" اعتبر أن أحد أسباب ضعف هذه الروايات هو عدم ذكرها في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم)، ومع ذلك، فإن معيار صحة الحديث ليس مقتصرًا على ذكره في الصحيحين؛ ومع ذلك، نجد في صحيح البخاري في باب ظهور عيسى المسيح عليه السلام رواية عن النبي صلي الله عليه و آله ذكر فيها شخصًا يكون من أصحاب عيسى المسيح عند ظهوره، نص الرواية هو: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟(2)وقد فسر العديد من شراح أهل السنة هذا الحديث على أنه يشير إلى الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف .
نقد نظریة التعارض في أحاديث المهدوية
الإشكال الآخر الذي يرد على كاتب هذا التفسير هو الخلط بين موضوعين مختلفين، وهما الاختلاف والتعارض في الروايات؛ أولاً، إذا كان التعارض بمعناه الحقيقي يُعتبر معيارًا لتأييد أو رفض موضوع ما، فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى استبعاد مجموعة من الموضوعات الواردة في الثقافة الإسلامية؛ لأن التعارض في الحديث كان موجودًا منذ لحظة وفاة الرسول الأعظم صلي الله عليه و آله حتى الآن، وشمل العديد من القضايا؛ وبناءً على ذلك،
فقد ألّف بعض العلماء في القرون الأولى، مثل يونس بن عبد الرحمن (توفي عام 200 ه-)، كتبًا مثل اختلاف الحديث؛ فكما يتم التوفيق بين الروايات المتعارضة في أبواب الفقه من خلال روايات علاجية أو بجمع الأخبار، فإن الروايات المتعلقة بالمهدوية، إذا كانت متعارضة، تخضع لنفس القاعدة.
يجب أن نعلم أن الروايات في هذا الباب ليست متعارضة، بل مختلفة؛ والتوضيح هنا هو أن الأخبار الواردة عن المنجي في آخر الزمان، وإن كانت بألفاظ متعددة، لا تدلعلى تعارض بينها، بل الاختلاف هو في الألفاظ فقط؛ وذلك لأن الرسول الأعظم صلي الله عليه و آله كان يجيب بناءً على قدرة استيعاب المخاطبين، وبالتالي، فإن هذا الاختلاف هو في شرح واستعمال الألفاظ، وليس في الهيكل العام للرواية؛ خاصةً أن الحديث عن وقوع مثل هذا الأمر الخاص في ذلك الزمان، مع مراعاة قدرة استيعاب الصحابة، كان يتطلب بالضرورة أن يُعبَّر عنه بعبارات مختلفة.
نقد التأثير الاجتماعي للاعتقاد بالمنجي بين المسلمين
من المؤكد أن الاعتقاد بالمنجي والإيمان بظهور الإمام الحجة لم يكن سببًا في ركود المسلمين أو انسحابهم من النشاط والحيوية، بل على العكس، فقد كان هذا الاعتقاد دافعًا قويًا لزيادة الحركة والنشاط في المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية؛ ذلك لأن الإيمان بوجود قائد شامل وهادٍ يظهر ك-"منجي" في قلب تاريخ البشرية أثناء فترة الغيبة، لا يعني التوقف عن السعي والحركة لتحقيق الأهداف الإنسانية والدينية العليا. فالدين الإسلامي، رغم غياب الإمام المعصوم، لا يزال ينتشر بقوة في مختلف المجتمعات، و من خلال تعزيز ثقافة انتظار الظهور العالمي و حكومة العدل و القسط، لا يتوقف عن التقدم و الانتشار، بل يصبح وسيلة لنشر الوعي و ترويج المبادئ الإنسانية السامية بين جميع الأمم.
فأي نهضة يمكن أن تقوم بدون قائد؟ وأي حركة يمكن أن تستمر بدون راعٍ؟ من ناحية أخرى، فإن وجود الإمام الغائب والإيمان بظهوره هو أحد العوامل التي جعلت الطريق ممهدًا أكثر لتبليغ ظهوره العالمي بين جميع الشعوب، وهذا يدل على أن هذه الأمور مرتبطة بوجود الإمام و الحديث عن وجوده.
وكما ورد في الروايات المنقولة عن رسول الخاتم صلي الله عليه و آله : أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي انْتِظَارُ الْفَرَجِ(1)، ولكن هذا الانتظار يختلف عن ذلك الانتظار السلبي، فهو من النوع الذي وصفه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: الْمُنْتَظِرُ لِأَمْرِنَا كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(2)لذا فإن وجود الموعود هو عامل بقاء الدين الإلهي (اللهم اجعلنا من أعوانه وأنصاره).
كما أُشير في الآية الثامنة عشرة، فإن مجموعة من الآيات القرآنية الكريمة قد استُخدمت كدليل لإثبات عدالة جميع صحابة رسول الله صلي الله عليه و آله بشكل إلزامي، ومع ذلك، يجب أن نضع في الاعتبار أن الهدف من هذه الأقوال ليس تعميم هذه الصفات النقدية على جميع الصحابة، بل الغاية هي فقط رد أقوال مثل: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا(3)، وهو قول غير صحيح، وبطلانه واضح حتى لعلمائهم العادلين مثل التفتازاني(4).
هنا أيضًا، حاول بعض المعارضين، بناءً على قوله تعالى: وَ الَّذِينَ مَعَهُ، أن يجعلوا هذه الأوصاف شاملة لجميع الصحابة، و ادعوا عدالتهم المطلقة.
أولاً، يجب أن نحدد مفهوم "الصحابة" ومن ينطبق عليهم؛ فمن وجهة نظر بعض أهل السنة، كل من حظي برؤية رسول الله صلي الله عليه و آله ولو للحظة، يُعتبر صحابيًا،وحديثه معتبر. وقد صرّح بذلك بعضهم مثل البخاري في صحيحه في بداية المجلد الخامس، حيث قال: وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ رَآهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ(1). في البداية، يجب أن نلاحظ أن هذا الكلام يُناقض من وجهة نظر القرآن الكريم، حيث إن موسى الكليم عليه السلام رغم معجزاته الكثيرة والمحسوسة، إلا أن قومه بعد أن ابتعدوا عنه، عبدوا السامري، وقد ذمهم القرآن بقوله: وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(2)، إذن، مجرد المصاحبة والمعاصرة للأنبياء لا تدل على الوثوق و العدالة.
من ناحية أخرى، وفقًا لنصوص من كتب أهل السنة المعتبرة، فإن العديد من الصحابة يُعتبرون من أهل المعاصي وأهل النار؛ على سبيل المثال، روى البخاري في نفس الكتاب، في المجلد الثامن، في باب "الحوض"، بسنده عن النبي صلي الله عليه و آله أنه قال: بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى. ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، قُلْتُ أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى، فَلاَ أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ(3).
وفي رواية أخرى، روي عن النبي صلي الله عليه و آله أنه قال: أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ(1).
لذا، في عقيدة الشيعة، المقصود بمن مع النبي صلي الله عليه و آله ليس جميع الصحابة، والروايات المنقولة عنهم تؤكد كلام الإمامية.
في لحظاتها الأخيرة على فراش المرض الناتج عن الهجوم على دارها و الذي أدى إلى استشهادها، وجهت الصديقة الطاهرة علیها السلام كلامًا بليغًا و فصيحًا إلى نساء المدينة، كلامًا يُبطل أساس كل ادعاءات العدالة المزعومة للصحابة؛ وإن كان ظاهر الخطاب موجّهًا إلى مجموعة من النساء، إلا أن الخطاب في حقيقته يشمل جميع المسلمين في العالم، وعلى الرغم من تعرضها للهجوم، فقد اتخذت كلامها مسار الدفاع عن ولاية زوجها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ولم تتحدث عن نفسها، وهذا ما يعجز القلم عن وصف مظلوميته.
و قد نُقل أن مجموعة من نساء المهاجرين والأنصار، بعد إصابتها نتيجة الهجوم على دارها، زارتها وسألنها: كَيْفَ أَصْبَحْتِ مِنْ عِلَّتِكِ يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ؟ أي: كيف حالكِ مع هذه الجراحات؟ فردت علیها السلام بعد أن صلّت على النبي الأكرم صلي الله عليه و آله : أَصْبَحْتُ وَاللهِ عَائِفَةً لِدُنْيَاكُنَّ، قَالِيَةً لِرِجَالِكُنَّ، لَفَظْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ عَجَمْتُهُمْ،وَسَئِمْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ سَبَرْتُهُمْ. فَقُبْحًا لِفُلُولِ الْحَدِّ، وَلَعِبِ بَعْدَ الْجِدِّ، وَقَرْعِ الصَّفَاةِ، وَصَدْعِ الْقَنَاةِ، وَخَتْلِ
1) . صحيح البخاري (ط. دار ابن كثير)، كتاب الرقاق؛ باب في الحوض، ص1632.
الْآرَاءِ، وَزَلَلِ الْأَهْوَاءِ، وَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ، أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ(1).
في هذا الخطاب، وصفت السيدة فاطمة الزهراء علیها السلام رجال الصحابة بأنهم بعد أن كانوا جادين في عهد النبي صلي الله عليه و آله تحولوا إلى الضعف و التراخي: فَقُبْحًا لِفُلُولِ الْحَدِّ، وَلَعِبِ بَعْدَ الْجِدِّ، وَقَرْعِ الصَّفَاةِ، وَصَدْعِ الْقَنَاةِ" وبهذا التشبيه، وصفتهم كسيوف كانت حادة في عهد النبي صلي الله عليه و آله ثم أصبحت كليلة.
ومن هذا الكلام يتضح أن الاستمرار في مدحهم ب- تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا كان جاريًا ما داموا لم ينحرفوا عن هذا المسار؛ إذن، فإن هذا المدح ينطبق على صحابتهم في فترة نزول الآية، وليس على استمرارية عدالتهم بشكل دائم؛ لأن الذات الإلهية المقدسة لا تضمن عدالة أي من العباد، وبالتالي، فإن الخبر عن استمرارية المدح يشير إلى الماضي و ليس إلى المستقبل.
في بيان الوعد الإلهي بالأجر العظيم بقوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، يظهر أن بعض مفسري أهل السنة يرون أن المخاطبين ب- مِنْهُمْ هم جميع الأشخاص المشمولين في قوله تعالى وَالَّذِينَ مَعَهُ ولتوجيه هذاالرأي، اعتبروا أن مِنْهُمْ من نوع البيان و ليس التبعيض؛ هذا الرأي ذكره الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب(2)" والزمخشري في "الكشاف(3)" مع الاستناد إلى بعض الآيات. إلا أن هذا الكلام لا يخلو من الوهم، إذ يتضح من خلال دراسة الآيات السابقة التي
تهدد الصحابة أن مِنْهُمْ تحمل معنى التبعيض، وبالتالي، فإن الله سبحانه و تعالى قد أظهر هذا الوعد لفئة منهم تحققت فيها شرطان أساسيان، هما الإيمان و العمل الصالح؛ وبالطبع، فإن الذات الإلهية المقدسة قد كشفت عن حقيقة مجموعة من الصحابة و وصفتهم بأوصاف متعددة، منها النفاق وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ(1)، والإعراض بعد الهداية، ونقض العهود، وهذه الأوصاف تلعب دورًا مؤثرًا في تفسيرمِنْهُمْ.
في المباحث المعرفية وعلم المعرفة، يُعتبر أسلوب المَثَل من المفاهيم التي تحتل مكانة خاصة في التحليلات العلمية والفلسفية؛ ومع ذلك، يجب أن نعلم أن اعتبار المَثَل و حجيته مشروطان بتطابقهما مع القياسات البرهانية و المنطقية.
لقد استخدم الوحي الإلهي التمثيلات للتعبير عن أخبار الأمم أو صفات بعض الأفراد المقصودين، وذلك لإيصال القارئ من دائرة المجهولات إلى عالم المعروفات؛ لأن تقديم صورة ملموسة ومحسوسة للأمر المعقولة له تأثير كبير في توضيحه وفهمه لدى الإنسان الذي يفتقر إلى الخلفية المعرفية؛ ونظرًا لأن رسالة الكتب السماوية هي وضعالمعارف الحقّة في خدمة الفهم والعقل، فإنها لا تتردد في رفع مستوى الكلام الإلهي باستخدام التمثيل، ولتحقيق أهدافها، تلجأ إلى أمثلة متعددة.
يصرّح الكتاب الكريم بأنه يحتوي على أمثلة متنوعة تُستخدم لتذكير المتذكِّرين وتفكير المفكِّرين، مما يؤدي بهم إلى الهداية والسعادة، كما قال تعالى:
1) . سورة التوبة، الآیة 101.
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(1)، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(2)، وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ(3). كما يتضح، فإن الله تعالى يهدف من خلال هذه الأمثلة إلى تقديم أوامره و وحيه بشكل أكثر وضوحًا للأذهان، حيث يقول أهل العلم في تعريف الغاية من المَثَل إنه يُستخدم للوصول إلى خواص الأمور. تنقسم الأمثال المستخدمة في القرآن الكريم إلى قسمين:
الأمثال الصريحة (ظاهرة).
الأمثال الضمنية وغير الصريحة (کامنة).
الأمثال الصريحة: هي تلك الأمثال التي أشار إليها الذات المقدس الإلهي بشكل مباشر وصريح دون استخدام التلويح في التعبير عنها؛ مثل قصة الذين عبدوا غير الله و وضعوا أعمالهم في مسار غير مسار الإخلاص، فقال عنهم: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ(4)، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُوَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا(5)من الواضح أن القرآن الكريم نفسه أشار إلى الطبيعة التمثيلية لهذه الأمثال واستخدم مشتقات كلمة (مَثَل) أو أدواتها. مثال آخر هو قوله تعالى عن أعمال الكفار: مثل حبة زرعت على صخرة بدلًا من أرض خصبة، مما يجعلها غير قادرة على الإثمار أو النمو.
الأمثال الکامنة أو غير الصريحة: أحيانًا تكون الأمثال غير مباشرة أو ضمنية، مثل
ما جاء في القرآن من أخبار تستخدم حروف التشبيه دون الإشارة إليها صراحة، كما في قوله تعالى: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ(1)،وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَ لِكَ نُصَرِّفُ الأَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ(2).
بناءً على هذه التعبيرات، فإن الآية الكريمة (29) تحتوي على تشبيه صريح ودقيق، حيث تم استخدام جميع أركان البلاغة في التشبيه، بما في ذلك المشبه و المشبه به و أدات التشبيه و وجه الشبه؛ لذلك، في علم البديع، يُطلق عليه "تشبيه حسي(3)
التشبيه الحسّي: وهو التشبيه الذي يكون طرفاه (المشبَّه والمشبَّه به) كلاهما محسوسين، مثل: أنت كالوردة.
التشبيه العقلي: وهو التشبيه الذي يكون طرفاه، (المشبَّه والمشبَّه به)، كلاهما معقولين، مثل: العلم كالنور.
ملاحظة: توجد أنواع أخرى من التشبيه حسب الطرفين، مثل أن يكون المشبَّه حسّيًا والمشبَّه به عقليًّا، أو المشبَّه عقليًّا والمشبَّه به حسّيًا.
مرسل(4)"، وهدفه الأساسي توضيح حال المشبه و مدحه.المشبه في هذا التشبيه، كما هو واضح، هم المؤمنون الذين نصروا النبي صلي الله عليه و آله في العديد من الأحداث، كما يشير إليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ مَعَهُ، إذن، هم الذين شُبّهوا بالمشبه به، وهو الزرع (أي النبات)، كما في قوله تعالى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ.
من خلال هذا التمثيل، يشير الله تعالى إلى وضع المسلمین فی بداية حركة بعثة النبي الكريم صلي الله عليه و آله ، حيث لم يكن هناك استقرار للدين في البداية، كما في بيعة العشيرة، حيث
لم يبايعه إلا أمير المؤمنين عليه السلام ، لذلك، فكان المسلمون يومئذٍ كالنبتة التي، أخرجت شَطْأَهُ ثم فَازَرَهُ، حيث تعني كلمة شَطْأَهُ البرعم الناعم و الهش الذي يخرج حديثًا من الأرض ويبدأ في النمو تدريجيًا نحو القوة و الصلابة؛ و يمكن تسمية (شَطْأَ) بالبرعم لأنه يعني "الجانب"، كما في قوله تعالى: مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ(1)، والذي يعني في الأصل جانب الوادي الأيمن لموسى الكليم عليه السلام ولهذا يُطلق على جانب البحر (شَطّ)، لأن براعم النبات تنمو من جوانبه وتتحرك نحو الأعلى یطلق علیه شطأ؛ وبناءً على ذلك؛ فقال الفيومي في المصباح: شَطْءُ النَّبَاتِ مَا خَرَجَ مِنَ الْأَصْل(2)، قال الراغب(3)شَطْءُ الزّرع: فروخ الزّرع، وهو ما خرج منه، وتفرّغ في شَاطِئَيْهِ أي: في جانبيه، وجمعه: أَشْطَاءٌ، قال تعالى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أي: فراخه.
بهذه التعابير، فإن هذا البيان يشير إلى بداية حركة النبي صلي الله عليه و آله وجهود المسلمين في نشر الدين الحنيف في شبه الجزيرة العربية، حتى استطاع الإسلام بمرور الوقت، و بفضل جهود المجاهدين وقادة الأمة تحت قيادة خاتم الأنبياء صلي الله عليه و آله ، أن يصل إلى استقرار نسبي ويصبح كالنبات الذي ثبت على ساقه، كما قال: فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَی عَلىَ سُوقِهِ. لا يُعَدُّ كلامًا مُبالَغًا فيه إذا قُلنا إنَّ تحقيق نتائج صلح الحُدَيبية كان خاتمةً لفترة الضعف وبدايةً لِتَمَكُّنِ الدِّين الإسلاميِّ وقوَّتِه؛ كما تَبيَّنَ في تحليل نتائجه أنَّ المرحلة الأولى لانطلاق الدِّين نحو العالمية كانت حادثة الحُدَيبية، حيث تمَّت المراسلةُ وتعيينُ الممثِّل السياسيِّ بين الطرفين.
و أداة التشبيه هنا هي حرف (الكاف)، و وجه الشبه هو الجملة بأكملها: أَخْرَجَ
شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ وطبقًا لظاهر الآية الكريمة، فإنَّ هذا التَّرَقِّي والنمو أدَّى إلى تعجُّب الزُّرَّاع، بينما أثار غضب الكفَّار وحَنَقَهُم يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ و كلمة الزُّرَّاعَ هي جمع (زارع)، أي الفلاحين؛ وهذا التشبيه من وجهة نظر أهل الأدب يُعَدُّ تشبيهًا للمعقول بالمحسوس.
كلمات مثل "مِثل"، "شِبه"، "شَكل"، "نَظِير"، "تساوي"، "مَثَل"، و"شبيه" لا تختلف كثيرًا في معناها العرفي، حيث تشير مجتمعة إلى التشابه والتطابق. لكن كما سبق أن أشرنا، فإن هذه الألفاظ بالإضافة إلى معناها العام والمتشابه الذي تحمله في الاستخدام العرفي، تتمتع أيضًا بمعنى خاص وجوهري يختص بها كل منها. هذا المعنى خارج عن متناول الألفاظ الأخرى المشابهة والمترادفة؛ على سبيل المثال، عند الحديث عن الفرقبين كلمتي "فتح" و"نصر"، تم التطرق بإيجاز إلى هذه النقطة اللغوية المهمة، والتي تتطلب تأملًا ودقة نظر خاصة لفهمها بشكل دقيق.
ومن الكتب اللغوية التي تناولت هذا النوع من الموضوعات، أي الفروق بين الألفاظ المتشابهة والمترادفة، كتاب (الفروق اللغوية) لابن هلال العسكري.
وبحسب التحليل، فإن لفظ "مِثل" يُستخدم للتعبير عن التشابه بين أمرين أو أكثر في الخصائص والصفات الرئيسية؛ أما "شِبه" فبحسب المصطفوي صاحب كتاب "التحقيق"(1)، يُستخدم للتشابه المطلق في الجزئيات والكليات، سواء كان في الصفات الظاهرة أو غير الظاهرة، وقد عرّف الراغب الأصفهاني في "مفردات القرآن" "شبه" بأنه
1) .التحقیق فی کلمات القرآن الکریم، ج 11، ص 25 .
التشابه في كيفية الشيئين.
أما "شكل" فبحسب كتاب "الفروق"، يُستخدم في التشابه الظاهري والصوري. وبناءً على هذا القول، فقد فسره بعض اللغويين بأنه يدل على التشابه في الهيئة و الصورة و الكم و المساحة، بينما فسره آخرون بأنه يشير إلى التشابه الهندسي أو الصوري بين الأشياء.
أما لفظ "نظير" فيُستخدم للتعبير عن التشابه من حيث النوع و الجنس بين الفعلين(1)، كأن يُقال: "فلان نظير فلان في الكتابة".
و كلمة "ندّ" تُستخدم للتعبير عن الاشتراك في جوهر الشيء؛ أما "تساوي" فقد فُسر بأنه يشير إلى التشابه في الكم بين المتشابهين(2).
والفرق بين "مثل" و"مثَل" هو أن "المثلين" يُطلق على من يتشابهون في ذاتهم، بينما "المثَل" يشير إلى تحريف في الصفة.
كما سبق أن أشرنا، فإن كل ما في هذا العالم هو مثالٌ لما موجود في الآخرة، فليس هناك شيء في عالم الصور إلا وله مثالٌ من حقيقة روحية، وله صورة في عالم الآخرة.
عالم الآخرة له بعدان: الأول هو عالم الصور الأخروية الذي ينقسم إلى الجنة وما فيها، والنار وما فيها؛ وهذا العالم يتكون من درجات ومراتب ومنازل وطبقات مختلفة. والثاني هو عالم المعنى العقلي الخالص، الذي تكون صورته العقلانية خالية من الكثرة والتجسد والتغير والتقدير والانقسام؛ في هذا العالم، توجد روح كل شيء وسرّه ومعناه
بشكل خالص، هذا العالم لا يحتاج إلى صورة جسمانية ولا إلى صورة نفسانية؛ لذلك، فإن الأمثلة الجسمانية تعتبر جسورًا تُوصل إلى المعاني الروحية، ومن هنا قيل إن الدنيا محطة من محطات الطريق إلى الله وملكوته؛ ولهذا السبب، لا يمكن أن يتحقق شيء في عالم الآخرة إلا من خلال هذه المعابر والأمثلة؛ وهذا المعنى هو ما يشير إليه القرآن بقوله: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(1)إذا أُثير شكٌ حول سبب عدم عرض هذه الحقائق بشكل واضح وصريح دون حاجة إلى أمثال وتمثيلات، ولماذا تؤدي هذه التمثيلات إلى غفلة الناس عن الحقيقة وضلالهم عنها، فإن الجواب يكون أن الناس في هذه الدنيا في حالة نوم؛ فالإنسان النائم لا يستطيع إدراك الحقائق الغيبية والروحية إلا من خلال الأمثلة والتمثيلات، هذه النقطة تعتمد على العلاقة بين عالمالملك وعالم الملكوت. عالم الملكوت في الحقيقة هو عالم الأمثلة والتمثيلات، والحقائق الغيبية لا يمكن الوصول إليها في هذا العالم إلا من خلال التمثيلات؛ لذلك، كل ما يراه الإنسان في هذه الدنيا هو بمثابة رؤيا.
ما يُرى في هذه الدنيا هو في الواقع صورٌ لواقعيات موجودة في العالم الآخر، بعد الموت، تتحول هذه الرؤى والتمثيلات إلى حقائق للإنسان، فيبدأ بتأويلها؛ عندئذٍ يدرك الجاهلون والغافلون الحقيقة ويقولون بقلوب مليئة بالندم: يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا(2)، يا ليتنا عدنا إلى الدنيا ففعلنا غير ما كنا نفعله: أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ(3)، ويا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(4)،
فويلٌ لي لأنني اتخذت فلانًا خليلًا: يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(1)، ويا حسرتي على ما فرطت في جنب الله: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ(2)هذه الكلمات وغيرها مذكورة بوضوح في القرآن الكريم، تصف حال الإنسان عند الموت وبعده.
لذلك، يجب أن ندرك أن الإنسان في هذه الدنيا في حالة نوم، حتى لو بدا في الظاهر مستيقظًا؛ اليقظة الحقيقية لا تتحقق إلا بعد الموت وفي عالم الآخرة، کما قال رسول الله صلي الله عليه و آله : النَّاسِ نِیَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا(3)، عندئذٍ تنفتح البصيرة تمامًا، ويصبح الإنسان قادرًا على رؤية الحقيقة دون حجاب وبشكل مباشر؛ وقبل ذلك، لا يمكن للإنسان إدراك أي حقيقة إلا من خلال التمثيلات والأمثلة؛ لأن طبيعة الإنسان،بسبب تعلقاته الحسية، لا تستطيع إدراك شيءٍ غير الصور الظاهرية؛ لذلك، فإن الإنسان في هذا العالم يرى بالحواس الظاهرية التمثيلات و الأمثلة، ويظن أن الحقيقة هي ما يراه بعينه، غافلًا عن الحقيقة الباطنية.
هذه الإشارة قد تم توضيحها بشكل واسع من قبل صدر المتألهين الشيرازي رحمه الله في كتابه مفاتيح الغيب(4).
من العناوين البارزة في المناقشات الكلامية المعاصرة مفهوم "التعددية الدينية" (luralism، والذي يعرّف بشكل شامل بأنه الاعتراف بتعدد الأديان الإلهية وعدم تفوّق دين واحد على الآخر؛ وقد يتم تطبيق هذا المفهوم أيضًا على نطاق أضيق، مثل)
التعددية بين المذاهب داخل دين واحد.وفقًا لهذه النظرية، فإن جميع الأديان في العالم تتحمل مسؤولية إسعاد أتباعها، وليس دين واحد فقط، وبالتالي فإن الحديث عن حق مطلق لأحد الأديان دون الأخرى يعتبر غير مجدٍ.يعتبر جون هيك (Jhn Hick)، الفيلسوف البريطاني، أن التعددية الدينية تشبه "الثورة الكوبرنيكية" في علم الهیات(1)
( Hick, G﴾d and Univers ﴾f Faiths, 1973, 120
أما النظرية المعارضة للتعددية الدينية فهي"الانحصارية الدينية (Religi)us Exclusivism)، والتي تقرّ بحقانية دين واحد فقط وتنفي الحقيقة عن الأديان الأخرى.من المهم الإشارة إلى أن علماء الكلام الإسلامي المعاصرين، لا يؤيدون التعددية
1) . CHRISTIANITY has seen itself fr﴾m the beginning as a way life and salvati﴾n. ﴾ur next questi﴾n is this: D﴾ we regard the christian way as the ﴾nly way, s﴾ that salvati﴾n is n﴾t t﴾ be f﴾und ﴾utside it; ﴾r d﴾ we regard the ﴾ther great religi﴾ns ﴾f mankind as ﴾ther ways ﴾f life and salvati﴾n? Let us begin by g﴾ing back int﴾ hist﴾ry. F﴾r fifteen centuries at least the christian siti﴾n was that all men, ﴾f whatever race ﴾r culture, must bec﴾me Christians if they are t﴾ be saved. Declara- ti﴾ns asserting this are legi﴾n; f﴾r examle, the famus a﴿al ﴿rn﴾uncement ﴾f B﴾niface VIII in 1302, 'We are required by faith t﴾ believe and h﴾ld that there is ﴾ne h﴾ly, cath﴾lic and ast﴾lic Chuch; we firmly believe it and unreservedly rfess it; ﴾utside it there is neither salvati﴾n n﴾r remissi﴾n ﴾f sins. . . . Further, we declare, say, define and rclaim that t﴾ submit t﴾ the R﴾man ntiff is, f﴾r every human creature, an utter necessity ﴾f salvati﴾n';' ﴾r again the Decree ﴾f the C﴾uncil ﴾f Fl﴾rence in 1438-45 affirming that 'n﴾ ﴾ne remaining ﴾utside the Cath﴾lic Church, n﴾t just agans, but als Jews ﴾r heretics ﴾r schismatics, can bec﴾me artakersf eternal life; but they will g﴾ t﴾ the "everlasting fire which was re﴿ared fr the devil and his angels", unless bef﴾re the end ﴾f life they are j﴾ined t﴾ the Church'. This side ﴾f traditi﴾nal R﴾man Cath﴾lic teaching is summed uin the dgma, extra ecclesiam nulla salus, ﴾utside the church there is n﴾ salvati﴾n.
الدينية، وذلك بسبب الاعتراضات العقلية و النقلية العديدة التي تُوجّه ضدها؛ فإذا اعتبرنا الحق عنصرًا واحدًا، وأخرجناه من إطار التعدد، فإنه من الواضح أن وجودين متناقضين لا يمكن أن يكونا حقًا في نفس الوقت، لأن قبول كليهما يؤدي إلى اجتماع النقيضين؛ وإذا كانت هناك نظريتان دينيتان متناقضتان، فإن ذلك يؤدي إلى اجتماع المتعارضين والمتناقضين، وهو أمر مستحيل؛ مثل اعتقاد المسیحیة بالتثلیث و اعتبار الإسلام معتنقي هذا الاعتقاد كفارًا.
وجب أن يؤخذ في الاعتبار أن أدلتهم تقول إن كل دين وشريعة قد نزلت مناسبة لعقائد و ذوق و استعدادات الأمم، ولذلك يحصل الاختلاف في هذا الأمر؛ ولكن هذا الكلام هو في مخالفة لقرائن القرآن الکریم.
إن محاولة بعض المجموعات تبرير التناقض عن طريق إخراجه من إطار الكليات والحقانية هو أمر غير دقيق، لأن قضايا مثل التثليث أو اعتبار المسيح ابن الله ليست مجرد مسائل داخلية في النظريات، بل هي قضايا تدخل في صميم حقانية الدين.
وبافتراض قبول هذه النظرية، فإن الإشكالية الأساسية تكمن في التحريفات الموجودة في الكتب المقدسة لليهودية والمسيحية، مما يتطلب اعتبار المحتوى المحرَّف وغير المحرَّف على قدم المساواة، وهو أمر باطل.
ومن ناحية أخرى، إذا اعتبر البعض أن كل شخص يمكن أن يصل إلى السعادة بغض النظر عن عقيدته، فإن ذلك يعني عدم وجود حاجة للأديان من الأساس، وكان ينبغي على الله تعالى أن يأخذ هذا الأمر في الاعتبار منذ البداية؛ بهذا الشكل، فما هي الضرورة التي دعت إلى أن يقوم آلاف الأنبياء في مختلف أنحاء العالم بمجاهدة الطاغوت وعبادة الأوثان؟ فإن الطاغوت أيضا يعتبر نوعا من الحق، ولا حاجة إلى مقاومته. هذا في حين أن تاريخ رسالة الأنبياء وآيات القرآن الكريم يظهر بوضوح أن هدفهم
كان محاربة الطاغوت و معتقدات الشرك لذلك: وَ لَقَدْ بَعَثْنٰا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللّٰهَ وَ اِجْتَنِبُوا اَلطّٰاغُوت(1)فمن الواضح أن رسالة آدم إلى الخاتم كانت مرهونة بإعلاء كلمة أساسية وهي أن الحق ثابت و هو کلمة الله، فلن نجد فی کلمة الله تبدیلا.
القرآن الكريم، بناءً على آيات عديدة، يرفض التعددية الدينية ويعتبر الحقانية منحصرة في الدين الإسلامي، كما في قوله تعالىالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوابِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(2)، و كما في قوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(3).
وباعتقادنا، فإن الآية الرئيسية التي تدل على رفض نظرية التعددية الدينية هي الآية الثامنة و العشرون من سورة الفتح، حيث يقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا و الظهور هنا يعني تفوّق الدين الإسلامي وإبطال الأديان السابقة.
أ. روی محمد بن فضیل عن الکاظم عليه السلام : سألته عليه السلام هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدی وَ دِینِ الْحَقِ فأجاب هُوَ الَّذِی أَمَرَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ بِالْوَلَایَهْ لِوَصِیِّهِ وَ الْوَلَایَهْ هِیَ دِینُ الْحَقِّ قُلْتُ: لِیُظْهِرَهُ عَلَی الدِّینِ کُلِّهِ؟ قَالَ: یَظْهَرُ عَلَی جَمِیعِ الْأَدْیَانِ عِنْدَ قِیَامِ الْقَائِمِ عجل الله تعالی فرجه الشریف
لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَ وَ اللهُ مُتِمُّ نُورِهِ بِوَلَایَهْ الْقَائِمِ عجل الله تعالی فرجه الشریف وَ لَوْ کَرِهَ الْکافِرُونَ لِوَلَایَهْ عَلِی عليه السلام (1).
اشارة: آیات القرآن الکریم لیست محصورة فی حدیث نزولها و ظروف إنزالها، بل هذه الحقیقة الخالدة قابلة للتطبیق علی الواقع فی جمیع العصور.
ب. استناد رسول الخاتم صلي الله عليه و آله إلى الآية في بيان رسالته الإلهية: روی في الأخبار أن عبد الله بن سلام سأل النبي الأكرم صلي الله عليه و آله : "هل أنت نبي أم رسول؟" فقال له في الجواب: یَا ابْنَ سَلَامٍ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِی نَبِیّاً وَ رَسُولًا وَ أَنَا خَاتَمُ النَّبِیِّینَ أَ فَمَا قَرَأْتَ فِی التَّوْرَاهْمُحَمَّدٌ رسول الله وَ الَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَی الْکُفَّارِ رُحَماءُ بَیْنَهُمْ تَراهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً الْآیَه(2).
اشارة: من وظائف الكتب الالهية، اخبار عن رسول الخاتم و اوصافه، وعلى هذا الاساس كان يهود العرب عندما رأوا نبینا محمد صلي الله عليه و آله يتعرفون على الاوصاف المذكورة في كتبهم فيه، والقرآن الكريم في بعض آياته الشريفة اشار الى هذا الموضوع:اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرٰاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبٰائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلاٰلَ اَلَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ(3)، وَإِذْ قٰالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اَللّٰهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ اَلتَّوْرٰاةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ قٰالُوا هٰذٰا سِحْرٌ مُبِينٌ(4).
ت . عن الباقر عليه السلام فی تفسیرمُحَمَّدٌ رسول الله وَ الَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَی الْکُفَّارِ رُحَماءُ بَیْنَهُمْ تَراهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً یَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَ رِضْواناً مَثَلٌ إجراء (أَجْرَاهُ) اللَّهُفِی شِیعَتِنَا کَمَا یُجْرِی لَهُمْ فِی الْأَصْلَابِ ثُمَّ یَزْرَعُهُمْ فِی الْأَرْحَامِ وَ یُخْرِجُهُمْ لِلْغَایَهْ الَّتِی أَخَذَ عَلَیْهَا مِیثَاقَهُمْ فِی الْخَلْقِ مِنْهُمْ أَتْقِیَاءُ وَ شُهَدَاءُ وَ مِنْهُمُ الْمُمْتَحَنَهْ قُلُوبُهُمْ وَ مِنْهُمُ الْعُلَمَاءُ وَ مِنْهُمُ النُّجَبَاءُ وَ مِنْهُمُ النُّجَدَاءُ وَ مِنْهُمْ أَهْلُ التُّقَی وَ مِنْهُمْ أَهْلُ التَّقْوَی وَ مِنْهُمْ أَهْلُ التَّسْلِیمِ فَازُوا بِهَذِهِ الْأَشْیَاءِ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ وَ فَضَلُوا النَّاسَ بِمَا فَضَلُوا وَ جَرَتْ لِلنَّاسِ بَعْدَهُمْ فِی الْمَوَاثِیقِ حَالُهُمْ أَسْمَاؤُهُمْ(1).
ج . عن الصادق عليه السلام : یَقُولُ اللَّهُ تَبَارَکَ وَ تَعَالَیالَّذِینَ آتَیْناهُمُ الْکِتابَ یَعْرِفُونَهُ یَعْنِی رسول الله صلي الله عليه و آله کَما یَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآیَهْ فِی الْیَهُودِ وَ النَّصَارَی لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ أَنْزَلَ عَلَیْهِمْ فِی التَّوْرَاهْ وَ الْإِنْجِیلِ وَ الزَّبُورِ صِفَهْ محمد صلي الله عليه و آله وَ صِفَهْ أَصْحَابِهِ وَ مَبْعَثَهُ وَ مُهَاجَرَهُ وَ هُوَ قَوْلُهُ مُحَمَّدٌ رسول الله وَ الَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَی الْکُفَّارِ رُحَماءُ بَیْنَهُمْ تَراهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً یَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَ رِضْواناً سِیماهُمْ فِی وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِکَ مَثَلُهُمْ فِی التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِی الْإِنْجِیلِ فَهَذِهِ صِفَهْ رسول الله صلي الله عليه و آله فِی التَّوْرَاهْ وَ الْإِنْجِیلِ وَ صِفَهْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَرَفَهُ أَهْلُ الْکِتَاب(2).
د. قال الإمام علي عليه السلام : لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلي الله عليه و آله فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ. لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً،يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ؛ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ(3).
فهرس المصادر ... 359
فهرس الآیات ... 372
فهرس الإحادیث ... 384
أ
المفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد (الراغب الأصفهاني)، (502 ق)، نشر الکتاب، 1404 ق.
أصول الكافي، محمد بن يعقوب الرازي، (ثقة الإسلام الكليني)، دار الکتاب الإسلامیة (329 ق)، 1407 ق.
الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (السيوطي)، دار الكتاب العربي، 1421 ق.
المصباح (مصباح الكفعمي: جُنّة الأمان الواقية وجنّة الإيمان الباقية)، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح العاملي الكفعمي، دار الرضي، 1405 ق .
أسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري عز الدين ابن الأثير، المحقق: علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415ه- .
أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري، 279 ه-، دار الفكر تحقيق: سهيل زكار ورياض الزركلي، الطبعة: الأولى، 1417 ه- .
إعلام الدين في صفات المؤمنين، حسن بن أبي الحسن الديلمي، 841 ق، مؤسسة
آل البيت (عليهم السلام)، 1408 ق.
إقبال الأعمال، رضي الدين علي بن موسىٰ بن جعفر بن طاووس، 668 ه-، دار المكتبة الإسلامية، طهران.
الطبقات الكبرىٰ، محمد بن سعد الهاشمي، دار الكتب العلمية، 1410 ق.
الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ابو عبد الله محمد بن محمد بن نعمان عكبرى البغدادي، الشيخ المفيد (رحمة الله)، دار المفید، 1413 ق.
العين، خليل بن أحمد الفراهيدي،100-175 ه-،مؤسسة دار الهجرة، 1409ق.
التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، دارالكتاب المصري، 1411 ق.
الإحتجاج، أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، دارالنعمان، 1386 ق.
البرهان في علوم القرآن، دار البعثة، بدر الدين محمد بن بهادر الزركشى (745- 794) ، دار المعرفة، 1410 ق.
المستدرك على الوسائل ومستنبط المسائل، حسن النوري الطبرسي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، 1408 ق.
العصمة في النبوة والإمامة، السيد عبد الرحيم الموسوي، مجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)، 1426 ق .
تهذيب الأحكام، ابوجعفر محمد بن حسن بن على بن حسن الطوسي (شیخ الطائفة)، دار الکتب الإسلامیة، 1365 ش.
الوسيط للقرآن الكريم، محمد سيد طنطاوي، مجمع البحوث الاسلامیة، 1997م.
أسماء و صفات الله فقط در قرآن، محمد باقر المحقق، انتشارات الإسلامية.
أقرب الموارد في فصح العربية و الشوارد، سعيد الخوري الشرتوني اللبناني، دار الأسوة 1374ه.ش.
الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، علی بن موسی الرضا المرتضی علیه السلام ، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، 1406 ق.
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، محمد بن ابرهیم الشيرازي، مکتبة المصطفوي، 1368 ه.ش.
التوحيد، الشيخ الصدوق (رحمه الله)، أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، 281 ه-، نشر الإسلامي، 1416 ق.
الفتاوى الكبرىٰ، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، دار الكتب العلمية، طبع 1408 ه-.
الأفصاح فی اللغة، موسیٰ حسین یوسف – عبد الفتاح الصعیدي، مکتب الاعلام الاسلامي، مرکز النشر قم، 1410 ق.
المبسوط في الفقه الإمامية، أبي جعفر محمد بن حسن بن علي الطوسي (رحمه الله)، مكتب المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران 1387 ه- .
الكفاية في علم الرواية، أبي بكر أحمد بن علي (الخطيب البغدادي)، دار الكتاب العربي، بيروت، سنة النشر 1986 م .
الفصل في الملل والأهواء والنحل، أبي محمد علي بن أحمد (ابن حزم الأندلسي)، 456 ه-، دار الكتب العلمية، 1416 ق.
الإستيعاب في معرفة الأصحاب، أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البر، دار الجيل، 1412 ق، بيروت.
البداية و النهاية، ابن كثير، مركز البحوث والدراسات العربية و الإسلامية، دار الهجرة، 1445 ه- .
الصحيح من سيرة النبي الأعظم، السید جعفر مرتضى العاملي، دار الحديث.
إتمام الدين و إكمال النعمة، أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، 381 ه-، جامعة المدرسین، 1411 ه .
المشاعر، صدر المتألهین (ملاصدرا)، الشارح: محمد جعفر اللاهیجي، تصحیح: جلال الدین الآشتیاني، مکتب الاعلام الإسلامي.
الإحتجاج على أهل اللجاج، أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (رحمه الله)، دار النعمان .
اللمع في التصوف، أبو نصر السراج، طباعة طهران، الترجمة، 1382 ش.
المظاهر الإلهية في أسرار العلوم الكمالية، صدر المتألهين الشيرازي (ملاصدرا)، مؤسسة الحكمة الإسلامية، السید محمد الخامنه إي، 1378 ه-. ش.
الأربعين في أصول الدين، فخر الدين الرازي، مكتب الكليات الأزهرية، القاهرة، سنة 1986 م.
التحقيق في كلمات القرآن الكريم، السيد حسن المصطفوي، نشر آثار العلامة المصطفوي، 1368 ش.
المباحثات، حسين بن عبد الله (ابن سينا)، طهران، سنة 1371 ه-. ش.
أصول الدين (البغدادي)، عبد القاهر بن طاهر، دار الكتب العالمية، بيروت، 1401 ق .
إعراب القرآن، أحمد بن نحاس، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1421ه-.ق.
البرهان فی علوم القرآن، محمد بن بهادر الزرکشی، دار المعرفة، 1410ه- .
التمهید فی علوم القرآن، محمد هادي المعرفة، الحوزه العلمیة، 1410ق.
اوائل المقالات فی المذاهب و المختارات، الشیخ المفید(ره)، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413ق.
الإستبصار فیما إختلاف من الأخبار، شیخ الطائفة ابی جعفر محمد بن الحسن الطوسی(ره)، دار الکتاب الإسلامیة، 1390ق.
العدة فی الأصول، شیخ الطائفة ابی جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقیق: محمد رضا الأنصاري القمی، 1417ه.ق.
المحاسن، احمد بن خالد البرقي، دار کتب الاسلامیة، 1371ق.
ب
بصائر الدرجات الكبرىٰ في فضائل آل محمد (عليهم السلام)، القمي، 290 ه-. مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي (رحمه الله)، قم المقدسة، 1404 ه .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، محمد تقي الشوشتري، مؤسسة نهج البلاغة، 1368 ش.
ت
1.تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي (رحمه الله)، القرن الثالث الهجري، دار الكتاب، 1363ش.
تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن، فضل بن الحسن الطبرسي (أمين الإسلام)، محقق: الیزدی الطباطبائی، ناصر خسرو، 1372 ش.
تفسير نور الثقلين، عبد العلي بن جمعة الحويزي، (1112 ق) المطبعة الإسماعیلیان، 1415 ق .
تفسير الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزله، الشیخ ناصر مكارم الشيرازي وجماعة من المحققين، مدرسة الإمام علي بن ابی طالب علیه السلام ، 1421 ق.
تفسير القرآن الكريم، محمد بن إبراهيم، صدر المألهین الشيرازی، المحقق: محمد الخواجوی، 1361 ش.
الترجمة تفسير الميزان في القرآن الكريم، السيد محمد حسين الطباطبائي (العلامة الطباطبائي)، المترجم: السيد محمد باقر الموسوي الهمداني – جامعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، 1387 ش.
تفسیر الفرقان فی تفسیر القرآن بالقرآن و السنة، محمد، الصادقي التهرانی، فرهنگ الاسلامي، 1406 ق.
التفسير السياسي - الاجتماعي للقرآن الكريم، السيد مهدي الطباطبائي، منشورات تحرير اندیشة، قم، 1402 ه-.
تفسير جامع الأحكام القرآن (القرطبي)، عبد الله بن أحمد بن محمد الأنصاري القرطبي، منشورات ناصر خسرو، طهران، 1364 ش.
تفسير التبيان في تفسير القرآن، (شيخ الطائفة) أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، دار إحياء التراث، 1382 ق.
تفسير الدر المنثور فی التفسیر بالمأثور، عبدالرحمن بن ابی بکر، جلال الدين السيوطي، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1404 ق .
تفسير البحر المحيط، محمد بن يوسف الشهيد أبي حيان الأندلسي (754 ه-)، منشورات دار الفكر.
تفسير السمرقندي (بحر العلوم)، نصر بن محمد السمرقندي، منشورات دار الفكر، 1416 ق.
تفسير المراغي، أحمد مصطفى المراغي، منشورات دار الفكر، بيروت.
تفسير روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي، دار الكتب العلمية، 1415 ه- .
تفسير الخطيب الشربينى المسمى السراج المنير، محمد بن احمد الخطیب الشربیني، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1425ق.
تحف العقول فيما جاء من الحكم والمواعظ عن آل الرسول، تصحیح: علی اکبر الغفاری، ابن شعبة الحراني، مؤسسة النشر الإسلامي جامعة المدرسين، 1404 ق.
تفسير النكت و العيون، أبي الحسن علي بن محمد بن علي حبيب المأوردي (450 ه-)، تصحیح: عبدالرحيم، سيد بن عبدالمقصود، دار الكتب العلمية.
تفسير الصافي، محمد محسن الفیض الکاشاني، حسین الأعلمی، 1415ق.
تفسير ابن عربي (منسوب)، محيي الدين بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الطائي الحاتمي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412 ق.
تحرير الوسيلة، روح الله الموسوي الخميني (ره)، مؤسسة آثار الإمام الخميني (ره).
تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة علیه السلام ، السيد شرف الدين علي الحسيني الأسترآبادي، مؤسسة النشر الإسلامي، جامعة المدرسين في الحوزة العلمية،1409ق.
تفسير روض الجنان و روح الجنان في تفسير القرآن، أبو الفتح الرازي حسين بن علي، الناشر: الرضوي، أبحاث المجلس، نشر 1376 ش .
تفسير جوامع الجامع، فضل بن الحسن، دار المكتب الإسلامي، 1412 ق.
تاريخ المدينة المنورة، عمر بن شعبة البصري، منشورات دار الفكر.
تفسير تسنيم، الشیخ عبد الله الجوادي الآملي الطبري، مؤسسة إسراء.
تفسير التحرير و التنوير المعروف بالتفسیر ابن عاشور، محمد طاهر بن عاشور، مؤسسة التاريخ العربي، 1420 ه .
تفسیر الشریف المرتضي، موسسة الأعلمی للمطبوعات، 1431 ق.
تفسیر العیاشی، محمد بن مسعود بن عیاش السلّمي، المطبعة العلمیه،1380 ق.
تفسیر الماتریدي (تأویلات اهل السنة)، الماتریدي، دارالکتب العلمیة، 1426ق.
ث
ج
1.جامع الأخبار، شیخ تاج الدین محمد بن محمد الشعیري، منشورات الرضي، المطبعة الحیدریة، النجف الأشرف.
جواهر الکلام فی شرايع الاسلام، محمد حسن النجفی (ره) (1226 ه-)، المصحح: الشیخ عباس القوجانی، موسسه نشر الاسلامی.
جمهرة أنساب العرب، ابو محمد علی بن احمد بن سعید بن حزم آندلسی ، منشورات محمد علي بيضون، دار الکتاب العلمیة، 1418 ق.
د
دلائل النبوة و معرفة احوال صاحب الشریعة، ابوبکر احمد بن الحسین بیهقي، دارالکتب العلمیة منشورات محمد علي بيضون، 1405 ق.
دعائم الاسلام (و ذکر الحلال و الحرام والقضایا و الأحکام عن اهل بیت رسول علیه علیهم افضل السلام)، قاضي نعمان، دار المعارف، 1383 ق .
ر
ربیع الأبرار و نصوص الأخبار، محمود بن عمر الزمخشري(538)، موسسة الأعلمي للمطبوعات، 1412 ق .
رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدّلائل، السيد محمد علي الطباطبائي، متوفى 1231 ه-، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث، 1418 ق.
ز
س
السَیرة النبویة، ابی محمد عبد الملک بن هشام بن ایوب الحمیري عافری (213 ه) دار الکتب العلمیه، لبنان.
سیرتنا و سنتّنا (سیرة نبینا و سنته)، العلامة الشیخ عبد الحسین الأمیني (ره)، المجمع العالمي لأهل البیت علیه السلام ، 1433 ه- .
سفینة البحار (و مدینة الحکم و الآثار مع تطبیق النصوص الواردة فیها علی بحار الانوار) الشیخ عباس القمي (ره)، دار الأسوة، 1344 ق.
السیرة الحلبیة (انسان العیون فی سیرة الأمین الامامون)، ابوالفرج نورالدین علی بن ابراهیم بن احمد، دار الکتب العلمیة، 1427ق.
ش
شرح نهج البلاغة، ابی حامد عز الدین بن هبه الله بن محمد بن محمد ابن ابی الحدید المدائنی (655 ه-)، مکتبة آیت الله المرعشي النجفي، 1404ق.
شرح المقاصد، التفتازاني، مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني، شریف الرضي، تحقیق: عبدالرحمن العمیرة، 1412 ق.
شرح اُصول الکافي، محمد ابن ابراهیم صدر الدین الشیرازی، موسسة مطالعات و تحقیقات فرهنگی.
شرح اُصول الخمسة، قاضي عبدالجبار ابناحمد، دار الاحیاء التراث، 1422 ق.
شفاء، حسین بن عبدالله (ابن سینا)، مکتبة آیت الله المرعشي، 1405 ق .
ص
صحیفة سجادیة علیه السلام ، الإمام زین العابدین علی بن الحسین علیه السلام .
صحیح البخاري، محمد ابن اسماعیل البخاري، جنة احیاء کتب و السنة، مطبعة الثانیه 1990.
الصواعق المحرقة عن اهل الرفض و الضلال و الزنادقة، أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس، المحقق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي - كامل محمد الخراط، مؤسسة الرسالة، 1417 ق.
ط
طب الائمة علیه السلام ، عبدالله و حسین ابنا بسطام، دار الشریف الرضي،1411ق.
طرف من الأنباء و المناقب، السید بن طاووس(ره)، طبعة التاسوعا، 1420 ق.
ع
عیون أخبار الرضا علیه السلام ، الشیخ الصدوق (381ق)، موسسة الأعلمی للمطبوعات، 1404 ق.
علل الشرایع، محمد بن علی بن بابویة القمي، الشیخ الصدوق (381)، قم المقدسة، مکتبة الداوري، 1385 ش.
عصمة الانبیاء، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسین التیمي البکري فخر الدین الرازي، 606 ه- .دار الکتب العلمیة.
عوالی الئالی العزیزیة فی الأحادیث الدینیة، محمد بن علي الأحسائی (ابن ابی جمهور) تحقیق: العراقي، طبعة سید الشهداء علیه السلام ، 1405 ق.
غ
ف
الفتوحات المکیة، محمد بن علی الحاتمی الاندلسي (ابن عربی)، احیاء التراث العربي.
فتح البارئ بشرح صحیح البخاري، احمد بن علی، ابن حجر العسقلاني، دار الطیبة، 1446ق.
ق
ک
کنز الدقائق و بحر الغرائب، الشیخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي، دار الغدیر، 1422 ق.
کنز العمال فی سنن الأقوال و الأفعال، العلامة الشیخ علاء الدین المتقی بن حسام الدین الهندي، موسسة الرسالة، 1989 م.
کشف المراد فی شرح تجرید الإعتقاد، حسن ابن یوسف (العلامة الحلي)، جماعة المدرسین فی الحوزة العلمیة القم، موسسة النشر الاسلامي، 1413 ق.
کشف الغمة فی معرفة الائمة، علی ابن عیسي بن ابي الفتح الإربلي، دار الأضواء، 1403 ق.
ل
لسان العرب، ابوالفضل جلال الدین محمد بن مکرم ابن منظور الافریقي المصري، دار الفکر للطباعه و النشر و التوزیع، بیروت.
لوامع البیانات شرح اسماء الله تعالی و صفات، فخر الدین محمد بن عمر الخطیب الرازي، طه عبد الرووف سعد، قاهرة، 1396ق.
اللمعة الدمشقیة فی فقه الإمامیة، الشهید الأول، (734 ه-)، دار التراث، 1410ق.
م
مصباح الفقاهة، الإمام الخوئی، مدینة العلم، قم المقدسة، 1417 ق.
معجم الفروق اللغويه بترتيب وزياده، ابوهلال حسن بن عبدالله العسکري، لجنة احیاء التراث العربي، 1400ق.
معاني الأخبار، الشیخ الصدوق (381 ق)، موسسة النشر الاسلامي، 1403ق.
معجم مقاییس اللغة، ابی الحسین احمد بن فارس بن زکریا، مکتب الاعلام الاسلامي 1404ق .
مشکات الأنوار فی غرر الأخبار، علیبنحسنالطبرسي، المکتبةالحیدریة، 1385ق.
میزان الحکمة، محمد الریشهري، دار الحدیث، 1384 ش، قم.
مقتل الحسین علیه السلام ، السید عبد الرزاق الموسوي.
مدارج السالکین (بین منازل إیاک نعبد و إیاک نستعین)، محمد بن ابی بکر بن ایوب ابن قیم الجوزی (751 ق)، دار الکتب العلمیة.
من لا یحضره الفقیه، الشیخ الصدوق (381 ق)، موسسة النشر الاسلامي.
مستدرک الوسائل، حسن النوري الطبرسي، موسسه آل البیت لاحیاء التراث.
مجمع البحرین، فخر الدین بن محمد علی الطریحي، مکتبة المرتضویة.
المطالب العالیة من العلم الهية، الرزي 606 ه-. منشورات الشریف الرضي.
مقتل الحسین علیه السلام ، موفق بن أحمد الخوارزمي، نور الهدیٰ، 1423 ق.
منهاج الصالحین، السید ابوالقاسم الموسوي الخویي، مدینة العلم، 1410ق.
مناقب آل ابی طالب علیه السلام ، ابن شهر آشوب، موسسة العلامة، 1379ق.
معجم البلدان، شهاب الدین ابی عبدالله یاقوت الحموي، دار الصادر، بیروت.
منتهی الآمال فی تواریخ النبی و الآل، الشیخ عباس القمي (ره)، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، مؤسسة النشر الإسلامی، 1422ق.
معجم ما استعجم من اسماء البلاد و المواضع، عبد الله بن عبد العزیز بکري، عالم الکتب، بیروت، 1403 ق.
مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون؛ إستقلال، 1490 ق.
مفاتیح الغیب، محمد بن ابراهیم، صدر الدین شیرازی (ملاصدرا)، 1363ش.
ن
1 . نهج البلاغة، علی نقی فیض الاسلام، موسسة الطبع و النشر آثار فیض الاسلام.
و
1 . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي 207 21
2 . وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ 53 51
3 . وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ 58 60
4 . فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ 284 63، 107
5 . کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیَام 182 282
6 . يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ 269 153
7 . وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ 196 321
8 . يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُم ْ 151 89
9 . الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ 46 145
10 . وَ المَوْفُونَ بِعَهْدِهِم اِذا عَاهَدُوا 177 190
12 . وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا 143 172
13 . أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 27 193
14 . وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ 255 125
15 . كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ 180 198
16 . قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ 249 207
17 . وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ 61 219
18 . قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 111 220
19 . ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ 64 235
20 . وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ 137 247
21 . كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً 249 274
22 . فَأَیْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه 115 196
1 . کُنتُمْ خَیرُ أُمَّه 110 125
2 . یَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَیْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِیَّة 154 307
3 . وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ 123 275
4 . مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَیْل 14 333
5 . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى 161 65
7 . إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَام 19 330
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا 191 115
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ 189 271
10 . يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ 167 139 ،203
1 . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا 59 67
2 . وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا 174 47
3 . فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ 64 76
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ 145 141 ، 206
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ 41 162 ،160
بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 138 162
رَأیتَ المُنَافِقِینَ یَصدُّونَ عَنْک 61 291
8 . وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ 155 191
وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا 142 228
وَ إذِا کُنْتَ فِیهِمْ فَأقَمتَ لَهُم الصَّلاةَ 102 321
11 . أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ 90 294
12 . وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ 171 310
13 . رَأیتَ المُنَافِقِینَ یَصدُّونَ عَنْک 61 291
1 . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ 3 87
فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ 19 163
يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ 64 185
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ 50 307
آمَنْتُمْ بِرُسُلِی وَ عَزَّرْتُمُوه 12 179
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ 119 189
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ 2 291
لِکُلٍّ جَعَلْنَا مِنْکُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا 48 309
1 . قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي 162 180 ،183
2 . وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ 98 120
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 161 87
كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ 108 222
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث 68 246
إِنْ یَمْسَسْکَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا کَاشِفَ لَه 17 205
َکتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِی 34 275
1 . إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ 19 34
2 . ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ 18 53
3 . وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا 61 54
4 . الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ 56 54
5 . وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ 2 110
وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ 17 215
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ 48 221، 216
1 . لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ 25 53، 108
2 . إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ 40 96، 205
3 . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ 26 123، 108
4 . وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ 105 160
5 . يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ 111 183
6 . قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ 29 237
7 . فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا 83 204،240
8 . وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِینَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ 101 343
9 . وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ 71 245
10 . إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ 91 253 ،249
11 . فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِالَفَ رَسُولِ اللّه 81 207
12 . وَ مِنْهُمْ پس مَنْ یَقُولُ ائْذَنْ لى 49 207
13 . یَوْمَ یُحْمى عَلَیْها فِی نارِ جَهَنَّم 35 306
1 . وَ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال 11 276
2 . أَلَا بِذِکْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ 28 110
1 . کِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ 1 174 ،166
2 . كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ 18 344
3 . وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ 28 217 ،215
4 . إِنَّمَا یُؤَخِّرُهُمْ لِیَوْمٍ تَشْخَصُ فِیهِ الْأَبْصَارُ 42
1 . إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ 10 116
3 . فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا 43 278، 275
1 . إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 9 51
1 . وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ 101 229
2 . أَوْحَى رَبُّکَ إِلَى النَّحْلِ 68 88
3 . الَّذِّین َیَتَّبِّعُون َالرَّسُول َالنَّبي 36 353
1 . تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ 44 180
2 . وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ 34 190
3 . سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَکَ مِنْ رُسُلِنَا 77 279، 277
4 . اِنَّ هَذا القُرآن 9 92
5 . وَ مَا جَعَلْنَا الرُّءْیَا الَّتىِ أَرَیْنَاک 60 318
1 . إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً 7 213
1 . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ 50 60
2 . قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِیصَدْرِی 25 82
1 . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ 69 52
2 . وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً یَهْدُونَ بِأَمْرِنا 73 89
1 . وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ 78 249
1 . وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ 56
522 . قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ اَلْأَرْضِ 55 126
1 . وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ 15 73، 69
2 . فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي 21 69
3 . وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا 75 161
4 . لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ 38 219
5 . مِن شَاطِئِ الْوَادِ األیْمَن 30 346
1 . إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ 33 156
2 . إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا 1 65 ،124
3 . لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ 60 150 ،142، 278
4 . یا لَیْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا 66349
5 . إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ 57 180
1 . عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 4 87
2 . وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ 69 65
3 . إِنْ یُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّی شَفَاعَتُهُمْ 23 205
4 . إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 82 280
1 . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ 173 157
2 . سُبْحَانَ رَبِّکَ رَبِّ ْعِزَّةِ عَمَّا یَصِفُون 180 96
3 . یَا بُنَیَّ إِنِّی أَرَى فِی الْمَنَامِ أَنِّی أَذْبَحُکَ 102 319 ،303
4 . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْیَا 104 303
1 . إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا 51 52
بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ 4 164
أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ 54 271
1 . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ 2 47
2 . إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ 23 311
3 . فَاسْتَمْسِکْ بِالَّذِی أُوحِیَ إِلَیْکَ 43 88
1 . ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ 49 96
1 . الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ 25 220، 115
2 . الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ 1 59 ،165، 291
3 . إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ 7 176
4 . وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ 31 211
1 . حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ 7 275
2 . إنَّ اَکرَمَکُم عِندَ اللِ اَتقاکُم 14 135
3 . وَ جَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَ قَبَائِلَ 13 309
1 . وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ 6 152
2 . وَ ضَرَبَ اللُ لِلَذینَ آمَنُوا امرَأتَ فِرعُون 11 135
1 . وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ 8 142
2 . كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ 4 142
1 . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى 2 65
2 . وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى 3 226
3 . ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى 8 178
1 . هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِن 3 43 ،229، 305
1 . مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ 18 172
2 . وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ 21 172
1 . فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ 73 52
2 . وَ مَا ظَن الَّذِینَ یَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْکَذِبَ 60 219
3 . إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا 36 2194 . زَادَتْهُمْ إِیمَانًا 62 110
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ 2 123، 268
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ 9 230
وَ تِلْکَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ 21 349 ،344
1 . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ 13 45
1 . ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا 12 146
1 . تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ 1 47
2 . لَهُمُ الشَّیْطَانُ أَعْمَالَهُمْ 24 221، 218
3 . فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِیل 26 218
4 . إِنَّ الَّذِینَ لَا یُؤْمِنُون بِالْآخِرَةِ زَیَّنَّا لَهُمْ 4 222
1 . وَ البَلدُ الّطَّیِّبُ یَخْرُجُ نَبَاتَهُ بِإذْنِ رَبِّه 58 345
2 . إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ 109 125
3 . فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ یَعْکُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُم 138 288
4 . یَجِدُونَهُ مَکْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِی التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِیل 157 335
5 . وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان 150 340
6 . أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَیْرَ الَّذِی کُنَّا نَعْمَلُ 53 349
1 . وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ 44 65
2 . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ 31 152
1 . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ 1 47
2 . لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ 39 217
3 . لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ 44 227
4 . انّا نَحْنُ نَزّلنَا الذَّکر و انّا لَهُ لَحَافِظون 9 51
1 . وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ 14 69
2 . وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ 186 219
3 . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ 65 53
4 . وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ 10 69
5 . وَ إِنَّ رَبَّکَ لَهُوَ اَلْعَزِیزُ اَلرَّحِیمُ 68 96
6 . وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ 214 188
1 . إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ 1 46
2 . مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا 13 176
1 . وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ 47 51
2 . فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا 30 109
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ 41 173
وَ لَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِی هَذَا الْقُرْآن 58 344
1 . كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ 5 66
1 . يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا 4 173
1 . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ 1 32
1 . إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ 1 46
الحدیث القدسي - الصفحة
1 . انا ربکم انا العزیز... 98
2 . و ما یتقرب الی عبد من عبادي... 186 ، 256
رسول الله صلي الله عليه و آله
1 . تعلموا البقرة و آل عمران... 18
2 . نزلت علی آیة هی احب الي.... 27
3 . من قراء ها فکانما شهد رسول الله... 27
5 . و اني لاستغفر الله فی کل یوم سبعین مرة 82
6 . اللّهمّ الرحم المحلّقین 326
7 . ان العقل عقال من الجهل 128
8 . ان الایمان یزید او ینقض 113
9 . حقاً اقول لم یکن لقمان نبیاً 127
10 . من اخلص الله اربعین یوماً... 130
11 . ان الله بعثني نبیاً 354
12 . بینا أنا قائم إذا زمرة 340
13 . أفضل أعمال إمتي إنتظار الفرج 339
14 . السبیل هو علي 324
15 . هذا جبرئیل یخبرني 209
16 . یا امّ سلمة، و ما یؤمنني ؟ 7617 . تعبد لله، کاّنک تَراه 111
18 . معاشر النّاس قد بینْت لکم 200
1 . کل شی قائم به 50
2 . ان یدی لا تنطلق... 49
3 . الیوم یوم المرحمة 219
4 . الناس مع ملوک و الدنیا 232
5 . لقد رأیت اصحاب محمد 355
6 . من اراد ان یکون اعز 98
7 . لا عز اعز من التقویٰ 98
8 . جوارحکم جنوده... 122، 224
9 . یثیروا لهم دفائن العقول 168
10 . فبعث فیهم رسله 169
11 . و اما حقي علیکم فالوفاء 191
12 . و لکن لا رای لمن لا یطاع 193
13 . عظم خطَإِ طلحة و الزبیر 201
14 . انا علم الله و انا قلب الله الواعی و لسان الله... 194
15 . انا ید الله المبسوطة 194
16 . فالإیمان بالله تعالی هو اعلی 117
انه تعالی قد وصف من رضی عنه... 264
انا الذی ذکر الله اسمه فی التوراة و الانجیل... 264
20 . و بسطتم یدی فکففتها... 281
21 . اَ ما دین یحمعکم و لا حمیة تحمشکم 306
22 . ردوا الحجر من حیث جاء 309
23 . لکل شجو دموع 143
24 . الذی لیس لصفته حد محدود 263
25 . فاتقوا معاصی الله 172
26 . الضالون المضلون 143
لست أعبد ربا لم اراه 112
خذ الحکمة انّی کانت 129
الحکمة ضالة المومن فخذ ضالتک 130
30 . رجل منافق مظهر الایمان 147
32 . إن أخْسر النَّاس صفْقة وَ أخْیبهم 187
33 . انّی لعلی جادّه الحق 213
34 . و لا یغلبنّ علیک سوء الظنّ بالله عزّوجل 220
35 . ایّاک أن تسي الظنَّ 220
36 . ثمّ بقوا بعده فتقربوا إِلَى أَئمةِ الضالة 233
فاطمة الزهراء علیها السلام
الإمام الحسین علیه السلام
1 . و الله لا اعطینکم بیدي اعطاء الذلیل... 99
2 . هیهات من الذلة 100
الدین لعق علی السنتهم 140
ان یهوداً من یهود الشّام 326
الإمام السجاد علیه السلام
1 . طاعة الولاة الأمر 98
2 . العصبیة التی یاثم علیها... 323
الإمام الباقر علیه السلام
1 . سیدهم و شریفهم... 264
2 . سالته عن قول الله عزوجل... 104
3 . السکینة ریح من الجنة... 104
4 . هی السعیر فیها ثلاثة مائة سرداق 228
5 . نحن الأمة الوسط 172
6 . انّ رسول الله حین صد بالحدیبیة 298
7 . لتنصروه و توقروه و تعظموه و تفخموه 179
الإمام الصادق علیه السلام
1 . انی اخاف ان عصیت ربي 21
2 . من ادمن قراء سورة انا فتحنا 27
3 . حصنوا اموالکم و نساءکم 28
4 . قال اردت ان تسالني عن رسول الله 72
5 . ما کان له من ذنب و لا هم بذنب 73
6 . من زار الحسین عارفاً بحقه یأثم به غفر الله 79
7 . هو الذی ردّه المشرکون 294
8 . اعتمر رسول الله ثلاث عمر مفترقات 290
9 . اذا قالوا لکم أ مومنون انتم فقولوا نعم 325
10 . فان اردت أن تجمع تمام العز... 99
11 . القلب حرم الله فلا تسکن... 11012 . انّ الله وضع الإیمان علی سبعة اسهم 119
13 . ما عبد به الرحمن و اکتسب به الجنان 129، 220
15 . الحجة قبل الخلق 170
16 . لولا بقیت الارض بغیر الامام 170
17 . هو السهر فی الصلاة 343
18 . ان الله عزوجل لا یأسف کاسفا 262
19 . فتلهیه عن الاستغفار 280
20 . اذا احرمت فعقصت شعر رأسک او لبدته 315
21 . اذا قالوا لکم أ مومنون انتم فقولوا نعم 325
22 . إِنا لمّا أَثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا 168
23 . یا مفضَّل یسْند الْقائم ظَهْره 200
24 . ان الله عزوجل لا یأسف کأسفتا 262
الإمام الرضا علیه السلام
1 . لم یکن احد عند مشرکی اهل مکه... 71
الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف
1 . فی ابنة رسول الله لی اسوة حسنة 135