ghaemiyeh.com
سرشناسه:علویتبار، سبحان، 1378-
عنوان و نام پديدآور:مصباحالمستنبط فی طریقالاستنباط/ سبحان علویتبار.
مشخصات نشر:قم: عقیله عشق، 1446ق.= 1403.
مشخصات ظاهری:143ص.
شابک:978-622-91910-6-4
وضعیت فهرست نویسی:فیپا
يادداشت:زبان: عربی.
موضوع:اصول فقه
Islamic law -- Interpretation and construction
رده بندی کنگره:BP155
رده بندی دیویی:297/31
شماره کتابشناسی ملی:9847276
اطلاعات رکورد کتابشناسی:فیپا
محرر الرقمي:محمد المنصوري
بسم الله الرحمن الرحیم
مصباح المستنبط
فی طریق الاستنباط
تألیف
سبحان
علوی تبار
عکس
الإهداء:
يا صاحب الراية المحمّدية،
و الصولة الحيدرية،
و الطريقة الجعفرية،
يا بقية اللّه الأعظم!
أهدى إليك هذه الرسالة الّتی هی أوّل تألیفی.
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب العالمين و صلى الله على أکمل نفس إنسانیة محمّد المصطفی، و علی عترته الأبرار و ذرّیته الأخیار و سلّم تسلیماً، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
أمّا بعد، یستفاد الاجتهاد الشرعي قيمته من أهمية الغاية المتوخاة من تشريعه، و من أهمية المرمى الذي يهدف إليه الشارع من الدعوة إليه، و الإلزام به، كما في أمثال آية النفر: «وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ».(1)
و إحساس الحاجة إلي علم الأصول فى الاجتهاد ممّا لا يكاد يخفى.
لأنّ الأحكام الشرعيّة ليست من الأمور الضروريّة الّتى لا يحتاج اثباتها إلى الدليل، بل انّما هى أمور نظريّة دقيقة يتوقّف تحصيلها على الدليل و البرهان، و المتكفّل لأدلّة الأحكام و براهينها من الحجج و الامارات و غيرهما ممّا يؤدّى إلى معرفة الأحكام الشرعيّة، هو علم أصول الفقه.
1) سورة التوبة: الآیة 122
فما من حكم نظرى، إلّا و يستنبط من تلك الأدلّة، فعلى الفقيه أن يتقنها و يحصّلها بالنظر و الإجتهاد، لأنّها لو كانت تقليديّة لأدّى إلى التّقليد فى الأحكام.
و علی هذا، صحّ القول: بأنّ دور علم الأصول بالنسبة إلى الإستدلال الفقهي يشابه دور علم المنطق بالنسبة إلى الاستدلال بوجه عامّ، حيث إنّ علم المنطق يزوّد الاستدلال بوجه عامّ بالعناصر المشتركة التي لا تختصّ بباب من أبواب التفكير دون باب، و علم الاصول يزوّد الاستدلال الفقهي خاصّة بالعناصر المشتركة التي لا تختصّ بباب من أبواب الفقه دون باب.
و لا یطلق عنوان الفقیه علی کلّ متکفّل لإستنباط الحکم الشرعی، إلّا بشرطین:
الأوّل: إذا کان له طریق و منهج إجتهادیّ و استنبط الأحکام الشرعیّة فی کلّ أبواب الفقه، علی نهج واحد؛ فهل يمكن للفقيه أن يكون فقيهاً، ولكن ليس لهمنهج و یستنبط فی باب على منهج جماعة و فی باب آخر علی منهج جماعة أخری؟ فمثلاً یستنبط الأحکام فی باب الطهارة بأخبار الآحاد و و یطرد هذه الأخبار فی باب الحدود و القصاص؛ أم یختار طریقة الاجتهاد الصناعیّة فی مسألة و یختار طریقة تجمیع الظنون فی مسألة أخری.
الثانی: إذا کان عالماً بالطرق و المناهج؛ لأنّه یجب علی المستنبط، تتبّع أقوال الفقهاء و فهم آرائهم؛ فهل یمکن فهم آراء الشیخ الأعظم الأنصاری مثلاً لمن لا یعلم بأنّه یستنبط الحکم بالطریقة الصناعیّة أو تجمیع الظنون و کیف یستخرج القواعد عن النصوص و کیف یستنبط حرمة شیءٍ و جوازه؟
فتبیّن قوام الشریعة بالإجتهاد و قوام الإجتهاد بعلم الأصول و بالتالی شأن الطریقة و المنهج فی الإجتهاد.
إعلم: أنّه لا ملازمة بین تألیف هذه الرسالة و کون المؤلّف مستنبطاً؛ لأنّ الإستنباط یحتاج إلی الطریقة و المعلومات؛ و المتکفّل للثانی، هی الدروس
الخارج الاصول و أنا فاقدها و لکنّ الطریقة، یجب علی کلّ من یتدرّس المکاسب فی الحوزات العلمیّة، معرفة طریقة الشیخ الأعظم و إلّا لا یفهم ما یتدرّس کما هو حقّه. و إذن لابدّ للمستنبط أن یکون صاحب الموادّ و الطریقة و لفهم المواد یجب علیه تعلیم العلوم المختلفة التی یأتی بیانها فی التنبیه الآتیة.
و الغرض من تألیف هذه الرسالة معرفة الطریقة، و البحث عن المواد، إستطرادیٌّ.
إنّ العلوم الممهدّة للإجتهاد، وفي نظر المشهور من علماء الإسلام، أربعة عشر علماً، ويمكن إدراجها جميعاً في ثلاث طوائف: علوم الأدبيات العربية، العلوم العقلية، العلوم النقلية.
ومن أجل بيان ضرورة تعلّم هذه العلوم كمقدّمة للاجتهاد، نبحث كلّ واحد منها بشكل مستقلّ:
وهذه العلوم بمجموعها على أربعة أقسام:
معرفة اللغة العربية لغرض الإستنباط وإستخراج الأحكام الشرعية الفرعية من منابعها الأصلية ممّا لا یخفی؛ لأنّ أهمّ منابع إستنباط الأحكام الشرعية، أي الكتاب والسنّة، وردت باللغة العربية. إذن فلابدّ للفقيه أن يعلم بمعاني المفردات العربية لكي يمكنه فهم مراد المتكلّم من عبارات الكتاب والسنّة، ولا يختلف الحال في أن تكون معرفته هذه باللغة العربية، من طريق الإجتهاد في اللغة أو من خلال مراجعته لأقوال العلماء في هذا الفنّ .
مثلاً يقول القرآن الكريم: «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً»؛(1)فإذا لم يكن معنى كلمة «الصعيد» معروفاً للفقيه وهل أنّ المراد منه مثلاً مطلق وجه الأرض أم خصوص التراب، فإنّه لا يتمكّن من الإفتاء بشكل صريح بجواز التيمّم على مطلق وجه الأرض أو خصوص التراب.
قال الإمام الخمینی:
1) سورة المائده: 6
من مقدّمات الإجتهاد، العلم بفنون العلوم العربية بمقدار يحتاج إليه في فهم الكتاب و السنة، فكثيرا ما يقع المحصل في خلاف الواقع لأجل القصور في فهم اللغة و خصوصيات كلام العرب لدى المحاورات، فلا بد له من التدبر في محاورات أهل اللسان و تحصيل علم اللغة و سائر العلوم العربية بالمقدار المحتاج إليه.(1)
إنّ علم الصرف هو العلم الذي يقدر الإنسان عند معرفته، القدرة على تغيير الكلمة بأشكال مختلفة ليحصل من ذلك على معانٍ مختلفة، مثلاً كلمة «علم» فإنّه يمكن تبديلها من خلال القواعد الصرفية إلى صور عديدة من قبيل «عَلِمَ» و «يَعْلَمُ» و «اِعْلَمْ» وغير ذلك، وبالتالي يستفيد منها في معانٍ مختلفة، وعليه فإنّ فائدة علم الصرف، معرفة الكلمات من ناحیة الهيئة والصيغة، يعني أنّ الإنسان عند معرفته بتفاصيل هذا العلم يمكنه تشخيص أنّ هذه الصيغة مثلاً واردة على سبيل النفي أو الجحد أو اسم فاعل، أواسم زمان ومكان أو اسم آلة... ليكون بإمكانه التوصّل إلى مراد المتكلّم. ويتّضح من ذلك أنّ علم الصرف ضروريّ لفهم ألفاظ القرآن والسنّة وتحصيل مراد المتكلّم.
وبالطبع فإنّ المقدار اللازم الذي يحتاج إليه الإجتهاد من هذا العلم، هو أن يتمكّن الشخص من إحداث هذه التغييرات المختلفة في الكلمة الواحدة وتشخيصها على أساس القواعد الصرفية.
إنّ علم النحو هو العلم الذي يتمكّن الإنسان بواسطته من معرفة أحوال أواخر الكلمات الثلاث (الاسم، الفعل، والحرف) من حيث كونها معربة أو
1) الرسائل 2: 96
مبنيّة وكيفية إعرابها وتركيب بعضها مع البعض الآخر، وبما أنّ الكلمة الواحدة أحياناً تكون قابلة لاستخلاص عدّة معانٍ مختلفة حتّى في حالة واحدة، مثلاً إذا كانت منصوبة فيحتمل أن تكون مفعولاً أو تمييزاً أو حالاً، وإذا كانت مرفوعة فلعلّها فاعل أو نائب فاعل، وكلّ واحد من هذه الإحتمالات مؤثّر في صياغة المعنى، وبالتالي يؤثّر كذلك في عملية الاستنباط والاجتهاد، ومن هنا فإنّ عملية تحصيل علم النحو ضروري لتحقيق ملكة الإجتهاد في الإنسان.
مثلاً بالنسبة لمسألة المسح في الوضوء فيما يتّصل بقوله تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»(1)
فهناك اختلاف بين الإمامية وأكثر أهل السنّة في وجوب المسح أو غسل القدم، وذلك يعود إلى أنّ «أَرْجُلَكُمْ» هل هي عطف على «بِرُؤُسِكُمْ»، أو على «أَيْدِيَكُمْ»؟ وبالطبع فإنّ معرفة الحقّ في هذه المسألة يبتني على المعرفة الدقيقة بالقواعد النحوية.فإنّ توقّف الاستنباط من الكتاب والسنّة الصادرين باللغة العربية على معرفة القواعد النحوية، لا یخفی.
ويعتبر علم البلاغة من العلوم اللازمة معرفتها في استنباط الأحكام الفقهية.
قال المحقّق البهبهانی:
إنّ السيّد المرتضى، الشهيد الثاني والشيخ أحمد بن متوّج البحراني، يرون علم المعاني والبيان من شرائط الإجتهاد، بل إنّ الشيخ أحمد والشهيد الثاني ذهبا إلى أنّ علم البديع أيضاً من شرائط الاجتهاد.(2)
و یمکن أن یقال: إنّ وجه ذلک، کون الفصاحة و البلاغة من أحد المرجحات فی باب التعارض بین الخبرین، بمعنی أنّه إذا كان الخبران المتعارضان متساويين من جميع الجهات، فإنّ الخبر الأبلغ والأفصح يكون هو المقدّم، وبديهيّ أنّ معرفة هذا الأمر تتوقّف على المعرفة بعلم المعاني والبيان والبديع.
قال الشیخ الأنصاری فی المرجّحات المتنیّة:
وأمّا ما يرجع إلى المتن ، فهي أمور :
منها : الفصاحة ، فيقدّم الفصيح على غيره ؛ لأنّ الركيك أبعد من كلام المعصوم عليهالسلام ، إلاّ أن يكون منقولا بالمعنى.(1)
و لکن یمکن أن یقال فی ردّ هذا الوجه: أنّ الفصاحة والبلاغة ليستا من مرجّحات باب التعارض، لأنّ كلمات المعصومين عليهم السلام تختلف في الفصاحة والبلاغة، فأحياناً تكون الرواية واردة في مقام الوعظ والخطابة کخطب«نهج البلاغة» وأدعية «الصحيفة السجّادية» وأمثال ذلك، وأحياناً أخرى في مقام بيان الأحكام الفرعية والمسائل العملية التي تلقى للناس بلسان العرف وباللغة السائدة.
و الحق أنّ بعض مباحث هذه العلوم مثل مباحث القصر ومباحث الإنشاء والخبر في المعاني، والمباحث المتعلّقة بالحقيقة والمجاز وأقسام الدلالات والكناية وأقسام التشبيه في علم البيان، مؤثر فی الإستنباط و فهم المقصود من الآیات و الروایات و بالتالی فهم الأحکام من الأدلّة اللفظیّة.
و لکن یمکن أن یقال: مثل هذه البحوث تبحث عادة في علم الأصول فی المباحث الألفاظ. وعليه فلا يحتاج المجتهد إلى دراسة وتحصيل علم البلاغة بشكل مستقل.
1) فرائد الأصول 3: 525
و هذه العلوم بمجموعها علی ثلاثة أقسام:
و هو عبارة عن: مجموعة من قوانين تعصم مراعاتها ذهن الإنسان من الخطأ في التفكّر والاستدلال. وبما أنّ استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها الأصلية بحاجة إلى عملية استدلال وإقامة البرهان، فإنّ الاستدلال الصحيح وإثبات المطلوب بالبرهان القاطع بحيث يكون منزّهاً من المغالطة والإشتباه، لا يتحقّق إلّا من خلال معرفة القواعد المنطقية واستخدامها في عمليّة الاستدلال.
وهذه القواعد من قبيل: «أنواع القياس» و «الأشكال الأربعة»، «الموضوع»، «المحمول»، «العكس»، «النقيض» وغير ذلك.
قال المحقّق البهبهانی:
الاحتياج إلي علم المنطق لتصحيح المسائل الخلافية و غيرها من العلوم المذكورة؛ إذ لا يكفي التقليد سيّما في الخلافيّات مع إمكان الترجيح، و كذا لردّ الفروع الغريبة إلى اصولها؛ لأنّه محتاج إلى إقامة الدليل، فتدبّر.(1)
وعلى هذا، فإنّ لزوم تحصيل هذا العلم كمقدّمة لتحصيل علم الاجتهاد أمر ضروريّ.
و لکن قال المحقّق الخوئی:
و أمّا علم المنطق فلا توقف للاجتهاد عليه أصلاً، لأن المهم في المنطق إنما هو بيان ما له دخالة في الاستنتاج من الأقيسة و الأشكال كاعتبار كلّية الكبرى و كون الصغرى موجبه في الشكل، مع أن الشروط الّتي
1) الرسائل الأصولیّة: 111
لها دخل في الاستنتاج مما يعرفه كل عاقل حتى الصبيان، لأنك إذا عرضت على أيّ عاقل قولك: هذا حيوان، و بعض الحيوان موذٍ، لم يتردد في أنه لا ينتج أن هذا الحيوان موذٍ.(1)
و الحقّ، عدم الحاجة إلی دقائق هذا العلم و تفاصیله فی الإجتهاد.
قال الإمام الخمینی:
و منها تعلم المنطق بمقدار تشخيص الأقيسة و ترتيب الحدود و تنظيم الإشكال من الاقترانيات و غيرها و تمييز عقيمها من غيرها. و المباحث الرائجة منه في نوع المحاورات لئلا يقع في الخطاء لأجل إهمال بعض قواعده، و اما تفاصيل قواعده و دقائقه الغير الرائجة في لسان أهل المحاورة فليست لازمة و لا يحتاج إليها في الاستنباط.(2)
الفلسفة عبارة عن مجموعة مسائل تبحث عن الأحكام الكلّية للوجود، بدون أن تلاحظ الخصوصيات. و بما أنّ أحد خصائص علم الأصول في العصر الحاضر هو الإستفادة في مجال بحوثه من القواعد الفلسفية لتبيين أو إثباب القواعد الأصولية، یمکن إدراج الفلسفة من العلوم التی تعتبر مقدمة للاجتهاد.
مثال ذلک: إنّ بعض علماء الأصول ذهبو إلی أنّه: لا يجوز اجتماع الأمر والنهي في مورد واحد، وكذلك الوجوب والحرمة، ولأنّهما حكمان مستفادان من الأمر والنهي.
وبما أنّه قد ثبت في المنطق والفلسفة أنّ اجتماع الضدّين في موضوع واحد ممتنع، إذن فاجتماع الأمر والنهي على موضوع واحد ممتنع أيضاً.
مثال آخر: ومن الموارد الأصولية التي تستوحى من القواعد الفلسفية، هي أنّ بعض العلماء ذهبوا إلى أنّ العلاقة بين «الموضوع» و «الحكم» هي من قبيل العلاقة بين «العلّة» و «المعلول». أي قالوا: إنّ الحكم بمنزلة المعلول و الموضوع بمنزلة العلّة، وبالتالي فإنّ أحكام العلّة و المعلول تجري في هذا المورد أيضاً.
علم الکلام موثر فی عملیّة الإستنباط بوجهین:
الأوّل: إنّ إثبات حجيّة كلام وفعل وتقرير المعصوم عليه السلام متوقّف على إثبات النبوّة والإمامة والعصمة لهؤلاء المعصومين في مرتبة سابقة، كما أنّ إثبات حجّية ظواهر القرآن تبتني على أساس حقّانية أصل الكتاب، وإثبات أنّ القرآن كلام اللّٰه لا كلام المخلوق، ومعلوم أنّ محلّ البحث في هذه الأمور يندرج في علم الكلام؛ کما یأتی الإشارة إلیه فی المقدّمة الثانیة.
قال المحقّق النراقی:ودليل اشتراط الكلام، توقّف الإجتهاد على إثبات الصانع والنبيّ صلى الله عليه و آله والإمام عليه السلام ووجوب إطاعتهم وتعيين الإمام وصدق النبيّ صلى الله عليه و آله وعلى نفي القبيح عنه.(1)
الثانی: إنّ وظيفة المجتهد هي البحث والتحقيق في كيفيّة التكليف، وهذا المعنى متفرّع على معرفة أصل التكليف والمكلِّف (الشارع المقدس) وعليه فإنّ معرفة ما يكون إثباته متوقّف عليه يعدّ ضرورياً.
و لکن قال المحقق الفخر الرازی:
أمّا الكلام فغير معتبرٍ لأنّا لو فرضنا إنساناً جازماً بالإسلام تقليداً
1) مقتبس من مجموعة مقالات مؤتمر الفاضلين النراقيين، ص 78
لأمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام.(1)
وهي العلوم التي وصلت إلينا عن طريق الوحي وكلمات المعصومين عليهم السلام أو التي تبحث حول هذا الموضوع.
و هذه العلوم بمجموعها علی سبعة أقسام:
لا شكّ في أنّ من أحد أهم مصادر الاستنباط والاجتهاد، هو القرآن الكريم، وهناك طائفة من البحوث القرآنية من قبيل معرفة المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، ومعرفة مفردات ومعاني الجمل القرآنية، وبالأخصّ معرفة أسباب النزول والموارد التي نزلت في شأنها الآيات القرآنية، وكذلك معرفة الآيات المتعلّقة بالأحكام الشرعية «آيات الأحكام» وغير ذلك ممّا لا تبحث في علمالأصول، بل ينبغي بحثها في دائرة العلوم القرآنية وعلم التفسير. ومن الواضح توقّف الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية الفرعية على الإطّلاع على هذه البحوث القرآنية.
والمراد من هذا العلم، معرفة أدبيات وسياق الروايات، وشأن ورود الأحاديث والظروف الزمانية والمكانية لصدورها، و معرفة الطائفة من الروايات والأحاديث المتعلّقة بالأحكام الشرعية. و یمکن أن یقال: إنّ علم الحديث بمنزلة التفسير بالنسبة للقرآن، حيث يمكن بواسطته معرفة الحديث من غير الحديث والناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه.
1) المحصول فی علم أصول الفقه 2: 435
قال المحقّق القمّی:
الثامن من الأمور التی یتوقّف علیها الإجتهاد: العلم بالأحاديث المتعلّقة بالأحكام، سواء حفظها أم كان عنده من الأُصول المصحّحة ما يرجع إليها عند الاحتياج، ويعرف مواقع أبوابه.(1)
وهو العلم الذي من خلاله تعرف تفاصيل الحديث ومراتبه من قبيل: المتواتر، المستفيض، الصحيح، الضعيف، الموثّق، الحسن، المرسل، المقطوع، المضمر وأمثال ذلك. فأنّه يمنح الفقيه معرفة بأنواع الأحاديث وميزان اعتبارها والمشكلات الموجودة في أسنادها.
هو العلم الذي يتمكّن الفقيه بواسطته من معرفة أحوال الأشخاص والرواة للأحاديث، يعني يتمكّن بواسطة هذا العلم أن يتعرّف على أنّ الراوي الفلاني ثقة ومورد إطمئنان وعادل، وأنّه هل يمكن الإعتماد على الروايات التي يرويها هذا الشخص أم لا؟
وتوضيح ذلك: إنّ الخبر إمّا أن يكون متواتراً يفيد القطع بصدوره أو خبراً واحداً، وخبر الواحد إمّا أن يكون محفوفاً بالقرينة المفيدة للعلم بصدوره أو مجرّداً عن القرينة.
وبالنسبة للخبر المتواتر وخبر الواحد المحفوف بالقرينة لا حاجة للتحقيق في السند ومعرفة أحوال الرجال المذكورين في سند الحديث، والحاجة في التحقيق للسند إنّما تكون في الخبر الواحد المجرّد من القرينة لمعرفة حالة
1) قوانین المحکمة فی الأصول 4: 478
الصدور، وهذا إنّما تتمّ معرفته من خلال علم الرجال.
و لکن ذهب الأخباریون إلی أنّ الأخبار والروايات الواردة في الكتب الحديثية المشهورة وخاصّة الكتب الأربعة (الكافي، التهذيب، الاستبصار، من لا يحضره الفقيه) كلّها صحيحة ولا حاجة للتحقيق في أحوال رواة هذه الأحاديث، وعليه فلا حاجة في ذلك لعلم الرجال.
قال المحقّق الأسترآبادي:
إنّ جميع أخبار الآحاد في رواياتنا محفوفة بالقرائن المختلفة التي توجب القطع بصدورها من المعصوم علیه السلام، ومع وجود هذه القرائن والقطع بالصدور، فلا حاجة إلى علم الرجال بعد ذلك(1)
قال الإمام الخمینی فی ردّ هذا القول:
و منها علم الرّجال بمقدار يحتاج إليه في تشخيص الروايات و لو بالمراجعة إلى الكتب المعدة له حال الاستنباط، و ما قيل من عدم الاحتياج إليهلقطعية صدور ما في الكتب الأربعة أو شهادة مصنفيها بصحة جميعها أو غير ذلك كما ترى.(2)
هو عبارة عن مجموعة من القواعد التي تقع نتيجتها في طريق استنباط الأحكام الشرعية والتي لم تبحث في علم آخر.
و الحاجة إلی علم الأصول فی الإستنباط ممّا لا یخفی؛ و یمکن أن یقال: الدليل على توقّف الاجتهاد على علم الأصول يمكن تحصيله من تعريف علم الأصول وموضوعه، لأنّ موضوع علم الأصول عبارة عن الأدلّة الأربعة:
(الكتاب، السنّة، الإجماع، والعقل) أو بشكل أكثر شمولية هو «الحجّة في الفقه».
فصحّ أن یقال: إنّ حاجة الفقيه لعلم الأصول في استنباط الأحكام الشرعية أكثر من حاجته إلى جميع العلوم الأخرى، لأنّه في كلّ خطوة في هذه العملية يواجه أصلاً أو قاعدة لا تتبيّن إلّا في علم الأصول.
قال الإمام الخمینی:
فمن أنكر دخالة علم الأصول في استنباط الأحكام فقد أفرط، ضرورة تقوم استنباط كثير من الأحكام بإتقان مسائله و بدونه يتعذر الاستنباط في هذا الزمان و قياس زمان أصحاب الأئمة بزماننا مع الفارق من جهات.(1)
کما قال المحقّق الفخر الرازی:
إنّ أهمّ العلوم للمجتهد، علم أصول الفقه.(2)و لکن لا ینبغی الإفراط فی تحصیل هذا العلم و إتلاف العمر فی المسائل التی لا ربط لها بالإستنباط.
قال الإمام الخمینی:
إنّ كثرة اشتغال بعض طلبة الأصول و النّظر إليه استقلالاً، و توهم أنّه علم برأسه و تحصيله كمال النّفس و صرف العمر في المباحث الغير المحتاج إليها في الفقه لهذا التوهم في طرف التفريط و العذر بأنّ الإشتغال بتلك المباحث يوجب تشييد الذهن و الأنس بدقائق الفن غير وجيه.(3)
والمقصود من علم الفقه الذي يندرج في مباني ومقدّمات الإجتهاد وإستنباط الأحكام، هو عملية التمرّن والممارسة على الإجتهاد في المسائل الفقهية وإستنباط الأحكام.
فلا یقال: إنّ الإجتهاد مقدّمة ووسيلة لتحصيل الفقه وأنّ الفقه ذو المقدّمة، إذن كيف يمكن أن يكون الفقه مقدّمة للإجتهاد؟
لأنّا نقول: المراد بالفقه هنا، ملکة الإجتهاد و قوّة ردّ الفروع إلی الأصول و إرجاع الجزئیات إلی الکلیّات و بالعکس.
لا شكّ في أنّ إحدى المقدّمات المهمّة للاستنباط والاجتهاد في الأحكام، العلم بالقواعد الفقهية. وهی القواعد التی تجری فی باب من أبواب الفقه دون باب؛ کقاعدة لا ضرر و لا حرج و الإقدام و التجاوز و السلطنة و السوق و القرعة و غیر ذلک.قال الأستاذ المکارم الشیرازی:
القواعد الفقهية عبارة عن الأحكام العامة الجارية في أبواب مختلفة من الفقه، وبمثابة برزخ بين أصول الفقه وعلم الفقه، وعليه فإنّ اختلافها مع مسائل علم الأصول هو أنّ المسائل الأصولية تتضمّن دائماً حكماً من الأحكام الكّلية التي تدور حول موضوع كلّي، وتختلف عن المسائل الفقهية في أنّ الفقه يتحدّث دائماً عن الأحكام الخاصّة المترتبة على الموضوعات الجزئية. (1)
1) موسوعة الفقه الإسلامی المقارن 1: 300
و یمکن إستفادة الفرق بین القواعد الفقهیّة و المسائل الأصولیّة عن بیان الشیخ الأنصاری عند البحث عن حجّیّة الإستصحاب:
نعم، يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعيّة: بأنّ إجراءها في موردها - أعني: صورة الشكّ في بقاء الحكم الشرعي السابق، كنجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره- مختصّ بالمجتهد و ليس وظيفة للمقلّد ، فهي ممّا يحتاج إليه المجتهد فقط و لا ينفع للمقلّد، و هذا من خواصّ المسألة الاصوليّة؛ فإنّ المسائل الاصوليّة لمّا مهّدت للاجتهاد و استنباط الأحكام من الأدلّة اختصّ التكلّم فيها بالمستنبط، و لا حظّ لغيره فيها.(1)
هذا تمام الکلام فی الموادّ و ذکرناه استطراداً و یلیه ما یأتی، فی الطریقة فی أربعة مقدّماتٍ، إن شاء الله تعالی.
1) فرائد الأصول 3: 18
و في هذه المقدّمة التی هی بمنزلة التمهید لهذه الصناعة لابدّ من التنبّه إلی الأمور التالیة:
نعلم بالبداهة العقلیّة أنّ الوصول إلی أیّ غایة، یستدعی خریطة طریقٍ و إستنباط الأحکام الذی هو غایة الفقیه، لا یستثنی من قاعدة المذکورة التی هی بمنزلة الکبری الکلیّة؛ فالفقیه الذی غایته إستنباط الأحکام، لابدّ من خریطه طریق للوصول إلی غایته الأعلی.
فیتبیّن أنّ منهجیّة الإجتهاد بمنزلة خریطة طریقٍ للفقیه فی عملیة الإستنباط؛ و بعبارة أخری: أنّ هذه الصناعة تعین الفقیه فی العملیّة التی یقوم بها بعد مواجهة المجهول حتّی الوصول إلی النتیجة و صدور الحکم؛ فمثلا: جواز أو عدم جواز تلقیح الإصطناعیّ، مجهولٌ یواجهه الفقیه و هذه الصناعة آلة الفقیه من بدء الإستنباط إلی إنتهائه و تبدیل المجهول بالمعلوم.
و ییتبیّن ممّا تقدم، موضوع هذه الصناعة و هی عملیّة المجتهد فی مقام إستنباط الأحکام من أدلّتها من معرفة الموضوع و فتوی الإبتدائیّة بدون مقارنة الأدلّة بعضهم ببعض و فتوی النهائیّة بعد مقارنة الأدلّة و بعد الکسر والإنکسار.
وهی:
الأولی: إهتمام الطّالب بالمسائل الأصولیّة العملیّة المحتاج إلیها فی الفقه.
و بعبارة أوضح: یتمیّز الطالب المسائل العملیّة من غیرها وأهمیّة المسائل العملیّة تصبح واضحة و هذا ما یدفع الطالب إلی الإهتمام بالمسائل العمیّةفی علم الأصول؛ لانّ الفقیه فی موقف الإستنباط یحتاج إلی المسائل العملیّة فقط و هذا بخلاف موقف قرائة الکتب الأصولیّة و تدریسه فإنّه یهتمّ إلی المسائل غیر العملیّة ایضاً.(1)
الثانیة: تحدید النقص فی الکتب الأصولیّة الشائعة.
و بعبارة أوضح: بهذه الصناعة یتحدّد مقدار حاجة الفقیه إلی المسائل الأصولیّة فی موقف الإستنباط و هی السبب للعلم بالنقص والزیادة(2)
فی الکتب الأصولیّة الشائعة. کدلیل العقل الذی لم یبحث عنه فی الکتب الأصولیّة کما هو حقّه و العوارض الذاتیّة التی یبحث عنها فی الکتب الأصولیّة و لیس من شأنها أن یطرح فی هذا العلم؛ لأنّ الإستنباط لا یتوقّف إلی فهم العوارض الذاتیّة.
تنبیهٌ: وهذا لایعنی طرد الکتب الأصولیّة الشائعة بل یجب دراسة الکتب الحالیّة جیّداً حتی یتمّ تألیف کتاب جدید یتناول المسائل العملیّة لا غیر.
فإن قلت: تزید هذه المسائل الغیر العملیّة الدقّة العلمیّة للطلاب.
قلت: إزدیاد الدقّة غیر منحصرة فی البحث عن هذه المسائل بل هناک طرق آخر یفید هذه الفائدة و یکفیک للوصول إلی هذه الفائدة البحث عن
المسائل العملیّة.
تفترق الخارج عن تطبیق العلم من جهات و هی:الجهة الأولی: خارج
الأصول هو المقرّر الذی یعرض الأستاذ المشکلة أولاً، ثم یشرح جمیع الأقوال بالأدلّة، ثم یختار قولاً من الأقوال بالأدلة و یطرد سائر الأقوال بالأدلة.
مثال ذلک: ما هو معنی صیغة الأمر؟(المرحلة الاولی) هناک أربعة أقوالٍ: الوجوب، الإستحباب، قدرالمشترک بین الوجوب و الإستحباب، إشتراک اللفظی بین الوجوب و الاستحباب بالأدلّة الکذائیّة(1)(المرحلة
الثانیة) و نحن نختار القول الأوّل مثلاً بالأدلّة الکذائیّة(المرحلة الثالثة) و نطرد سائر الأقوال بالأدلّة الکذائیّة(المرحلة الرابعة).
و هذا بخلاف تطبیق العلم الذی یبحث الباحث فیه بعد إختیار قول المختار و لا یبحث فیه عن الأدلّة اصلاً.
الجهة الثانیة: یبحث
فی الخارج الاصول عن المسائل العملیّة و غیر العملیّة الّتی یستخدم الاستاذ کثیراً.
مثال ذلک: قال المحقق الخراسانی فی تعریف موضوع العلم:
إنّ موضوع کلّ علم _ و هو الذی یبحث فیه عن عوارضه الذاتیّة أی بلا واسطة فی العروض _هو نفس موضوعات مسائله عیناً و ما یتّحد معها خارجاً وإن کان یغایرها مفهوماً تغایرالکلیّ ومصادیقه و أفراده.(2)
و قال الأستاذ السبحانی فی بیان وجه تمایز العلوم:
أختلفت کلماتهم فی تعیین الممیّز بین العلوم إلی أقوال أربعة هی:الأوّل: تمایز العلوم بتمایز الأغراض؛ الثانی: تمایز العلوم بتمایز الموضوعات و تمایز الموضوعات بتمایز الحیثیات؛ الثالث: تمایز العلوم بالجهة الجامعة بین مسائلها المنتزعة عن المحمولات المنتسبة إلی موضوعاتها؛ الرابع: تمایز العلوم بذاتها و جوهرها.(1)
و نعلم عدم ترتّب الفائدة العملیّة للبحث عن موضوع العلم و تمایز العلوم و غیره من المسائل الغیر العملیّة التی یبحث فی الخارج الأصول کثیراً.
و هذا بخلاف تطبیق العلم التی یبحث فیه عن المسائل العملیّة فقط.
الجهة الثالثة: فی
سیاق الخارج، ینطبق المسائل الأصولیّة علی الأمثلة الشرعیّة و العرفیّة الفرضیّة نظیر( اکرم العلماء و لا تکرم الفساق).
مثال ذلک: قال الشیخ الانصاری فی البحث عن القسم الثانی من الإستصحاب الکلیّ:
و أمّا الثانی، فالظاهر جواز الإستصحاب فی الکلیّ مطلقاً علی المشهور سواءٌ کان الشک من جهة الرافع کما إذا علم بحدوث البول أو المنیّ و لم یعلم الحالة السابقة وجب الجمع بین الطهارتین، فاذا فعل إحداهما و شکّ فی رفع الحدث فالأصل بقائه، و إن کان الأصل عدم تحقق الجنابة، فیجوز له ما یحرم علی الجنب.
أم کان الشک من جهة المقتضی، کما لو تردّد من فی الدار بین کونه حیواناً لا یعیش الّا سنةً و کونه حیواناً یعیش مائة سنة، فیجوز بعد السنة الأولی إستصحاب الکلیّ المشترک بین الحیوانین، و یترتب علیه
1) المبسوط فی اصول الفقه 1 : 26
آثاره الشرعیّة الثابتة دون آثار شیء من الخصوصیتین، بل یحکم بعدم کلٍّ منهما لو لم یکن مانع عن إجراء الأصلین، کما فی الشبهة المحصوره.(1)فأوضح المسالة بمثالین شرعیّ و عرفیّ.
و هذا بخلاف تطبیق العلم التی ینطبق المسائل الأصولیّة علی الأمثلة الشرعیّة الواقعیّة فقط.
تمّ الکلام فی المفارقة بین خارج الأصول وتطبیق العلم لعلم الأصول.
تنبیهٌ: و لایخفی أنّ بإضافة هذا الأمر الرابع إلی الأمور السابقة، یتبیّن الفرق بین منهجیّة الإجتهاد و بین خارج الأصول و تطبیق علم الأصول و سیاتی زیادة توضیح فی التنبیه الرابع، إن شاء الله تعالی.
1) فرائد الاصول 3 : 191_192
أن تکون خارج الأصول و تطبیق العلم لعلم الأصول، بدائل و بتعلّم إحداهما، لا داعی للأخری._ و من الأفضل أن نتعلم تطبیق العلم بدلاً من الخارج، لکنّ التحوّل فی التعلیم و التعلّم فی کلّ علمٍ أمرٌ تدریجیٌّ و شروط التحوّل غیر متوفرةٍ فی زماننا هذا ظاهراً بسبب شیوع تدریس خارج الأصول فی مختلف الأزمنة و الأمکنة._ بخلاف منهجیّة الإجتهاد التی یجب لکل فقیهٍ أن یحدّدها لنفسه حتّی لا تتعارض آراءه الفقهیّة بعضها مع البعض و لیحافظ وحدة سیاق آراءه فی طریق الإستنباط، و لغیره حتّی یتمکنّوا من فهم آراءه_ قد عرفت فی أوّل الرسالة أنّ فهم کلام کل مجتهدٍ یعتمد علی فهم منهجه الإجتهادیّة_.
فتبیّن ممّا تقدم أنّ موضوع تطبیق العلم، هو المسائل العملیّة فقط و لذا یترتب علیه فائدتان:
لأنّ کلّ علمٍ مدوّنٌ لهدف مّا، و ما یوصلنا إلی هذا الهدف هی المسائل العملیّة للعلم و عرفنا أنّ المتکفّل للمسائل العملیّة فی علم الأصول، هو تطبیق العلم لعلم الأصول.
لأنّ هذا الطالب یعلم: أنّ لکلّ علمٍ مرحلتان، مرحلة تعلّم العلم و مرحلة تطبیق العلم؛ و لکن الطالب الذی لم یدرس هذا الدرس، قد یهمل المرحلة الثانیة و ینظر إلی غایة العلم فقط لتعلّمه. فالطالب الأوّل یتعلّم العلم منذ البدایة بحیث یتمکّن من تطبیق المسائل علی الأمثلة الحقیقیّة. کما أنّ أسئلة
هذین الشخصین مختلفةٌ، لأنّ الطالب الأوّل یسأل عن النتائج العملیّة فقط.
إنّ دلیل حرمة تقلید المجتهد عن غیره، یشمل أیضاً هذا المجتهد الذی یعلم المسائل العملیّة فقط؛ لدلیلین:
الأوّل: إنّ دلیل جواز التقلید، سواءٌ کان السیرة العقلائیّة، أو الکتاب، أو السنة، أو البداهة العقلیّة، یکون موضوعه هو الجاهل بالحکم، و من لایکون جاهلاً و له طریقٌ إلی العلم، فلا یکون موضوعاً لهذا الدلیل. و هذا المجتهد، عالمٌ بالمسائل العملیّة و جاهلٌ بالمسائل الغیر العملیّة، و قد عرفت فی التنبیه السابق أنّا نوصل إلی هدف العلم، بالمسائل العملیّة فقط.
الثانی: نقول فی تعریف الإجتهاد الإصطلاحی: إنّه عبارةٌ عن إستقصاء الوسع فی طریق کشف الأحکام من الأدلّة؛ و لا یخفی أنّ هذا التعریف یشمل المجتهد الذی تعلّم تطبیق العلم دون الخارج؛ لأنّا عندما نقول بأنّ الإجتهاد هو إستنباط الفروع من الأصول، نعنی الفروع العملیّة دون غیر العملیّة و الافتراضیّة نظیر أکرم العلماء و لا تکرم الفساق.
تقدّم فی أوّل الرسالة أنّ إستنباط الأحکام یحتاج إلی الموادّ القطعیّة و الطرق لإستعمال الموادّ و المتکفّل للأوّل هو خارج الأصول و للثانی هو المنهجیّة الإجتهاد؛ لکنّ الکلام هنا فی معنی القطعیّة التی قیّد الموادّ بها و هو: القطعیّة فی مقابل التقلیدیّة؛ یعنی: الموادّ التی یستخدم الفقیه فی الإستنباط، لابدّ أن یکون عن إجتهادٍ لا عن تقلیدٍ؛ فالفقیه الذی یحکم بالوجوب أو الحرمة للخبر الواحد أو الإجماع، لابدّ أن یکون حجیّة الخبر الواحد أو الإجماع عنده عن اجتهادٍ.
تمّ الأمور التمهیدیّة و تلیه المقدّمة الثانیّة فی الأدلّة، إن شاء الله تعالی.
المقدّمة الثانیّة فی أدلّة الإستنباط
إنّما نتحدّث فی هذا المقام، عن الأدلّة التی یستنبط الفقیه الأحکام بها.
و قبل الخوض فی المطلب، يجب أن نتذكر نکتتان:
الأولی: أنّنا لا نحاول شرح هذا الأمر بالتفصيل لأنّه موادٌّ یستخدمها الفقیه فی الإستنباط و یبحث عنها فی خارج الأصول وتقدم أنّ هذه الصناعة لا تتعلق بالموادّ بل هی صناعة أسلوبیّة؛ و لکن من أجل فهم هذه الصناعة جیّداً، نورد هذه المقدّمة و المقدّمة التی تلیها بالإختصار و لو یجب علی الطالب أن یتعلّم کل مسالةٍ من المسائل المطروحة هنا، بالتفصیل و الدقّة و بدونها لم یترتّب فائدةٌ للمنهجیّة الإجتهاد.
الثانیة: نتکلّم فی بیان الأدلّة و خصوصیاتها علی رأی المشهور و لو کان رأینا خلاف ذلک؛ لأنّ المشی علی طریق المشهور، یفی بغرضنا.
و أمّا الأدلّة فی الإستنباط، خمسةٌ:(1)
الکتاب و السنة و الإجماع المحصّل و العقل و الأصول العملیّة. و سیأتی بیانهم تفصیلاً، إن شاء الله تعالی.
تنبیه: الأصول العملیّة فی هذه الصناعة داخلٌ فی أدلّة الإستنباط؛ لأنّ
1) من الممکن أن تکون الأدلة عند فقیه أکثر أو أقل من ذلک ولکن لا یقدح فی المقام، لأنّ الطریق واحدٌ.
المراد من الدلیل، الأعمّ من الإجتهادی و الفقاهی(1)و المراد من الإستنباط، معناه اللغوی أعنی (الإستخراج) و إلّا فی دخول الأصول العملیّة فی الأدلّة، مسامحةٌ واضحةٌ؛ لأنّ الأصول العملیّة تستخدم فی مقام التطبیق لا الإستنباط.تنبیه: من الممکن أن یکون الأدلة عند فقیهٍ أکثر من هذه الموارد فرأی السیرة أو الشهرة، من الأدلّة و أنکر حجیّة الإجماع مثلاً ؛ أو أقلّ منها. و هذا یبحث فی خارج الأصول.
المصدر الأساسی و الأکثر أهمیّةً للوصول إلی أحکام الله تعالی، هو القرآن الکریم الذی یشتمل علی المسائل الأخلاقیّة و الإعتقادیّة و التأریخیّة و الفقهیّة؛ و العمدة فی هذه الصناعة و للمجتهد فی طریق الإستنباط، هی القسم المتعلق بالأحکام الفقهیّة التی یسمی بآیات الأحکام أو أحکام القرآن؛ وقیل أنّ خمسمائة آیةٍ من آیات القرآن، تختصّ بآیات الأحکام(2).
ولکن یمکن أن یقال: إنّ من معظم آیات القرآن یستفاد الحکم الشرعیّ بنحو من الأنحاء؛ صراحتاً او بالإستدلال من آیةٍ دون ضمیمة آیات أخری أو بضمیمة آیتین أو أکثر بعضها ببعض أو بضمیمة الآیة علی الروایة التی هی مفسرها.
و کیف کان، لکی نستنبط الأحکام من القرآن، نحتاج إلی إثبات ثلاثة أمورٍ:
وهذه مناقشة كلاميّة ثبت فيها بالأدلة المختلفة أنّ القرآن كلام الله تعالی وهذا هو إعتقاد جميع المسلمين. ويعتقدون أنّ القرآن وحيٌ إلهيٌّ أنزله الله تعالی على النّبي صلى الله عليه و آله و سلم، وكان النّبي نفسه على يقينٍ من أنّ هذا الكلام من عند الله عندما تلقى الوحي.
و لهذا یتًّضح أنّ العمدة فی هذه المناقشة، هی البحث عن الوحی و کیفیته التی لا یناسب البحث عنها تفصیلاً فی هذا المقام و للطالب الرجوع إلی الکتب الکلامیّة؛ و لکن ینبغی أن نعلم اجمالاً أنّ وجوه إعجاز القرآن المختلفة(1)فی الطریق(2)و المضمون(3)
«أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» سورة النساء: 82.
«اللَّهُ الَّذي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها» سورة الرعد: 2.
و بیان الأخبار الغیبیّة(6)، هی العمدة1) یقول الشیخ محمد جواد الفروغی: هی إثنی عشر وجهاً. آلاء الرحمن 1 : 33_48 و یقول السیوطی: هی خمسة و ثلاثون وجهاً. معترک الاقران 1 : من البدو الی الختم
2) یعنی: القرآن الذی فیه المعارف الرفیعة المحکمة، جاء به إنسان لایعرف القرائة و الکتابة «وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لاتَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ» سورة العنکبوت: 48 .
3) یعنی: خلوه من العيوب والتناقضات والإختلافات، ومن خصائص الظواهر البشرية النقص والعيب والإختلاف.
4) یعنی: تختلف طریقة نطق القرآن کثیراً عمّا سمعه البشر و قالوه. و لا توجد کلمة تضاهی حلاوة کلام القرآن. و ما یفسّره أهل الأدب بالبلاغة و الفصاحة، موجودةٌ فی أعلی المراتب.
5) یعنی: یوجد المسائل الکونیّة و الطبیّة و الاحیاء و... فی القرآن.
6) یعنی: و قد أعطی القرآن أخباراً حاسمة عن الحوادث المستقبلة و السیر التأریخ «غُلِبَتِ الرُّومُ • فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» سورة الروم: 2و3.
للإستدلال بأنّه وحی الله تعالی.
و لایخفی أنّ المراد لیس وحی المعنی و المفهوم فقط بل نعتقد بأنّ کلماته هی کلام الله تعالی و بهذا یتّضح الفرق الأساسی بین آیات القرآن و الروایات؛ لأنّ کثیراً من الروایات لیست عین الفاظ المعصومین علیهم السلام بل هی من قبیل النقل بالمعنی؛ و قد أجاز الأئمّة المعصومین علیهم السلام لرواة الأحادیث، تغییر الألفاظ مع حفظ المعنی. و یجوّزون المحدثون و فقهاء الإمامیّة و أکثر أهل السنة، النقل بالمعنی فی الأحادیث إلّا جماعة قلیلة من أهل السنة.(1)
قال المحقّق البهبهانی:
أنّ القرآن كلامه تعالى يقينا، فإذا ظهر مراده تعالى فلا يمكن التأمّل، لأنّه في الحقيقة تأمّلٌ في كونه تعالى حجّة يجب إتّباع قوله تعالى و إمتثال أمره و نهيه و الإعتداد بخطاباته و أحكامه، و لا يرضى بذلك كافرٌ فضلاً عن مؤمن، سيّما أن يكون التأمّل من جهة إدّعاء ظهور من ظواهر بعض الأخبار و أين سند القرآن و متنه من سنده و متنه؟! و أمّا الدلالة فربّما كانت قطعيّة، و ربّما كانت ظنّيّة في غاية القوّة، و ربّما كانت ظنّيّة مقابلة للظنّ الحاصل من الأخبار، مع أنّه حجّة عندهم قطعا، و ما دلّ على حجّيته يشمل هذا أيضا، بل بطريق أولى، لأنّه مفهوم كلام الشارع القطعي سنداً أو متناً بخلاف مفهوم كلام لا يعلم أنّه متن كلام الشارع لإحتمال كونه كلام الرّاوي، و أنّه ليس من المعصوم عليه السلام أصلاً، أو أنّه منه لكن نقلا بالمعنى، بل هذا هو الأظهر، كما يظهر من مخالفة ألفاظ حديث واحد في مقامات متعدّدة و أنّهم عليهم السلام رخّصوا النقل بالمعنى و غير ذلك بل كثير من الروايات يحصل القطع بأنّه ليس من كلام المعصوم مثل روايات عمّار و غير
1) علم الحدیث : 152
ذلك و هي حجّة عندهم قطعاً مع أنّ ما فهموه ليس إلاّ محض التوهّم ممّا ورد- من أنّ علم القرآن منحصر في الإمام عليه السلام- و لا شكّ في أنّ المراد علم الجميع، و كلّ حكم يكون فيه، إذ لا شكّ في أن الأطفال يعلمون أنّ مراده تعالى من «لا تَقْرَبُوا الزِّنى» المنع عنه، و أمثال ذلك من الأحكام، و المواعظ، و القصص بحيث لا يحصى.(1)
و لکن لا یجوز النقل بالمعنی فی ألفاظ القرآن؛ فلهذا عندما ینزّل الله تعالی مثلاً الآیة «قل هو الله احد» علی النّبی صلی الله علیه و آله و سلّم، و إن کانت کلمة «قل» خطاباً خاصّاً للنّبی، إلّا أنّه لم یحذفها عند قرائتها علی الناس، بل قرءها کما کان قد تلقی ذلک.
و المقصود بالتحریف هنا، هی تبدیل ألفاظ القرآن الموجود بأیدینا أو قلته أو کثرته بالنسبة إلی القرآن الحقیقی المصطلح بالتحریف اللفظی و إلّا لا شکّ فی تحریفه المعنوی الذی هو تفسیر الآیة بطریقة تتعارض مع معناها الحقیقی.
منها: آیة الحفظ: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ»(2)تتحدث هذه الآية عن صيانة القرآن وحفظه من أيّ نوعٍ من التحريف بعد نزوله.
و منها: آیة نفی الباطل: «لا یأْتِیهِ الْباطِلُ مِنْ بَینِ یدَیهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِیلٌ
مِنْ حَکِیمٍ حَمِیدٍ»(1)وبنفى الباطل، ينفي القرآن أيّ نوعٍ من التغيير والتبدّل في نفسه. ولذلك فإنّ القرآن كتاب لا یرسم علیه خطّ البطلان لا في وقت النزول ولا بعده.
نشاهد فی هذا الدلیل، عنایة خاصّةً من المسلمین فی جمیع وجوه الجمع و الحفظ و الضبط و الکتابة.
قال الإمام الخمینی:
إنّ عدم إستدلال الأئمّة علیهم السلام والأصحاب بآیات المحذوفة المدّعاة فی أمر الخلافة، و أیضاً خوف النّبی من المعاندین و المنافقین فی آخر سنوات عمره، و إبلاغ آیة الولایة، یکشف عن عدم حذف آیاتٍ من القرآن فی فضائل أهل البیت علیهم السلام وأسمائهم؛ و إلّا لکان قد إستشهدوا أمیر المومنین علیه السلام و فاطمة الزهرا سلام الله علیها بهم وأحتجّوا علیهم بهذه الآیات فی مسألة الخلافة.و مع کون الأسماء فی القرآن، لم یکن النّبی صلی الله علیه و آله وسلّم مکلّفاً بإبلاغ الولایة.(2)
و قال الإمام الخمینی فی موضعٍ آخر:
إنّ سبب عدم ذكر إسم الإمام علیه السلام في القرآن، هو خوف النبي صلی الله علیه و آله، من المنافقين في تحريف القرآن. كما تشهد بعض الآيات على هذه المسألة والتاريخ يؤكد ذلك أيضًا.(3)
تنبیهٌ: إستدلّ القائلون القلیلون بالتحریف، بالروایات التی فی أسنادها
ضعفٌ أو ترجع إلی التحریف المعنوی و لا یهمّنا البحث عنها بعد ذکر الأدلّة الدالّة علی عدم التحریف و عدم وسع هذه الرسالة لإطالة الکلام فی بیان المسائل الخارجة عن الموضوع الأصلیّ.
هذا الأمر بخلاف الأمرین السابقین، یبحث عنها فی علم الأصول قطّ. و لقد تمّت البحث عنها فی الکتب الأصولیّة بما فیه الکفایة. و لکن لأجل حفاظة الأسلوب الذي سافرنا إليه حتى الآن، أعنی بیان المطالب المقدّمیة بقدر الإختصار و الکفایة، نذکر بعض أدلّة حجیّة ظواهر الکتاب إجمالاً. و إلیک البیان:
نعلم بالوجدان، إعتماد الناس علی ظواهر کلامهم فی المحاورات و المکاتبات و غیرها؛ و الشارع المقدّس، لم یخرج عن طریقة أهل الکلام فی الخطابات الشرعیّة، بل یمضیها.
لأنّ الغرض من وضع الألفاظ و القوانین المتعلّقة بالحقیقة و المجاز و الإستعارة و الکنایة و غیرها، هو التفهیم و التفهّم و مع عدم حجیّة الظواهر، لن یتحقّق هذا الغرض.
تنبیهٌ: إنّ الإعتقاد علی حجیّة الظواهر، هو بعد الفحص عن المخصّص فی العمومات لا قبله.
قال الشیخ الأنصاری:
فإن قلت:العلم الإجمالی بوجود مخالفات الظواهر لا یرتفع أثره_ و هو
وجوب التوقّف_ بالفحص؛ و لذا لو تردّد اللفظ بین معنیین، أو علم إجمالاً بمخالفة أحد الظاهرین لظاهره_ کما فی العامّین من وجه و شبههما_ وجب التوقّف فیه و لو بعد الفحص.
قلت: بأنّ المعلوم إجمالاً هو وجود مخالفاتٍ کثیرة فی الواقع فیما بأیدینا بحیث تظهر تفصیلاً بعد الفحص، و أمّا وجود مخالفات فی الواقع زائداً علی ذلک فغیر معلوم، فحینئذٍ لا یجوز العمل قبل الفحص؛ لإحتمال وجود مخصّص یظهر بالفحص، و لا یمکن نفیه بالأصل؛ لأجل العلم الإجمالی، و أمّا بعد الفحص فإحتمال وجود المخصّص فی الواقع ینفی بالأصل السالم عن العلم الإجمالی.(1)یتکلّم الشیخ الأعظم هنا، فی موضع الردّ علی الأخباریین الذین ینکرون حجیّة ظواهر خصوص القرآن ویعتقدون بعدم إنعقاد الظهور لآیات القرآن مع عدم الرجوع إلی الروایات. وفی فرائد الاصول للشیخ الأعظم الأنصاری ما به الکفایة عن أدلّة الأخباریین و الجواب عنها؛ فراجع.(2)
فبتمامیّة هذه الأمور الثلاثة، یصحّ إستنباط الأحکام الشرعیّة بالکتاب العزیز.
تطلق السنّة فی الإصطلاح، بالقول و الفعل و التقریر الصادرین عن المعصوم علیه السلام. و لکنّ المراد من السنّة فی هذه الصناعة، هو خصوص خبر المتواتر و الواحد عن المعصوم علیه السلام. و لندرت المتواترات، یستنبط الفقیه الحکم من الأخبار الآحاد فی مقام الإستنباط عمدتاً.
و المراد من خبر الواحد الّتی هی حجة یصحّ الإستنباط بها، هو کلّ ما فی الکتب المعتبرة_ کما قال به بعض الأخباریّین(1)و المحقق النراقی من الأصولیّین بعد إستثناء ما کان مخالفاَ للمشهور(2)_ أو أنّ المعتبر بعضها و أنّ الملاک فی الإعتبارعمل الأصحاب کما یظهر من کلام المحقق(3)، أو عدالة الراوی، أو وثاقته،أو مجرّد الظنّ بصدور الرّوایة من غیر اعتبار صفةٍ فی الراوی، أو غیر ذلک من التفصیلات(4)أقوال مختلفة.
و الأقوی: حجّیة خبر الموثوق بصدوره عن المعصوم علیه السلام لا خصوص خبر الثقه، و بینهما فرقٌ واضحٌ.
قال الأستاذ السبحانی:
ولا ملازمة بین وثاقة الرّاوی و کون الخبر موثوقاً بالصّدور، بل ربّما یکون الرّاوی ثقة، ولکنّ القرائن و الأمارات تشهد علی عدم صدور الخبر من الإمام علیه السلام، و أنّ الثّقة قد ألتبس علیه الأمر، و هذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ المناط هو کون الخبر موثوق الصّدور، إذ عندئذٍ تکون وثاقة الرّاوی من إحدی الأمارات علی کون الخبر موثوق الصّدور و لا تنحصر الحجیّة بخبر الثّقة، بل لو لم یحرز وثاقة الرّاوی و دلّت القرائن علی صدق الخبر و صحّته یجوز الأخذ به.
و هذا القول غیر بعید بالنّظر إلی سیرة العقلاء، فقد جرت سیرتهم
علی الأخذ بالخبر الموثوق الصّدور، وإن لم تحرز وثاقة المخبر، لأنّ وثاقة المخبر طریق إلی إحراز صدق الخبر، و علی ذلک فیجوز الأخذ بمطلق الموثوق بصدوره إذا شهدت القرائن علیه.
و یوضح هذا مفاد آیة النّبأ و هو لزوم التثبّت و التوقّف حتّی یتبیّن الحال، فإذا تبیّنت و انکشف الواقع انکشافاً عقلائیاً بحیث یرکن علیه العقلاء، یجوز الرکون إلیه و الإعتماد علیه. فلاحظ قوله سبحانه « یٰا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إنْ جاءَکُم فاسِقٌ بِنَبإٍ فَتَبَیَّنُوا»، فإنّ ظاهره أنّ المناط هو تبیّن الحال و إن کان الرّاوی غیر ثقة.(1)
و لا یهمّنا البحث عن أدلّة سائر الأقوال لأنّ المقصود هنا: بیان إثبات حجیّة الخبر فی الجملة فی مقابل السلب الکلّی، و حجیّته کاد أن یکون اجماعیّاً کما إلتزم به الشیخ الأنصاری.(2)
تنبیهٌ: المهمّ هنا، بیان شرائط إستنباط الحکم من السنّة؛ فنقول_تبعاً للشیخ الأنصاری فی فرائد الأصول_:(3)
أنّ إثبات الحکم الشرعیّ بالأخبار المرویّة عن المعصوم علیه السلام موقوف علی مقدّماتٍ أربع:
الأولی: کون الکلام صادراً عن المعصوم علیه السلام.
و نثبته بالأدلّة الدّالة علی حجیّة أخبار الآحاد التی یبحث عنها فی الکتب الأصولیّة. و لا یناسب ذکرها فی هذه الرّسالة؛ فراجع.(4)
الثانیة: کون صدور الکلام عن المعصوم علیه السلام، لبیان حکم اللّه لا لوجهٍ آخر
من تقیّةٍ أو إمتحانٍ.
و نثبته بأصالة عدم صدور الروایة لغیر داعی بیان الحکم الواقعیّ، و هی حجّة؛ لرجوعها إلی القاعدة المجمع علیها بین العلماء و العقلاء: من حمل کلام المتکلّم علی کونه صادراً لبیان مطلوبه الواقعیّ، لا لبیان خلاف مقصوده من تقیّةٍ أو خوفٍ.الثالثة: تعیین أوضاع ألفاظ الرّوایة.
و نثبته بالقول اللغوی و الرجوع إلی الکتب اللغویّة.
الرابعة: تعیین المراد من ألفاظ الروایّة، و أنّ المراد مقتضی وضعها أو غیره.
و نثبته بالأصل الکلّی و العقلائی و هی حجیّة ظهور الألفاظ؛ یعنی: إن کان للّفظ ظهورٌ فی معنی، هی حجّةٌ.
فبتمامیّة هذه المقدّمات، یصح إستنباط الأحکام بالسّنة المقدّسة.
الدلیل الثالث: الإجماع المحصّل
و المراد تحصیل الفقیه إتفاق العلماء المعاصرین مع عصر الغیبة الصغری أو بعد مدّة قصیرة من عصر الغیبة الصغری؛ لأنّ هذا الإتّفاق کاشفٌ قطعیٌّ عن إرتکاز الحکم بین معاصری الأئمّة علیهم السلام، و إرتکاز الحکم بینهم، کاشفٌ عن رأی الإمام علیه السلام؛ لضعف إحتمال کون هذا الإرتکاز شائعاً بین المتشرّعة من دون الرجوع إلی الإمام علیه السلام و أخذ الحکم عنه.
و هذا الإطلاق فی الحجییّة لا یوجد فی الإجماع المنقول؛ و المقصود به، الإجماع الذی لم یحصّله الفقیه بنفسه، و إنّما ینقله له من حصّله من الفقهاء؛ و هذا القسم من الإجماع، إن نقل بالخبر المتواتر و قد حصل علیه جمع کثیر من الفقهاء و نقلوا إلی غیرهم، فهو حجّة. و إن نقل بالخبر الواحد و قد حصل علیه جمع قلیل من الفقهاء و نقلوا إلی غیرهم، ففی حجیّته خلافٌ.
قال المحقّق المظفر فی منشأ هذا الخلاف:و سرّ الخلاف في المسألة يكمن في أنّ أدلة خبر الواحد من جهة أنها تدل على وجوب التعبد بالخبر لا تشمل كل خبر عن أي شيءٍ كان بل مختصةٌ بالخبر الحاكي عن حكم شرعي أو عن ذي أثر شرعي ليصح أن يتعبدنا الشارع به و إلّا فالمحكي بالخبر إذا لم يكن حكماً شرعياً أو ذا أثرٍ شرعيٍ لا معنى للتعبد به فلا يكون مشمولاً لأدلة حجية خبر الواحد. و من المعلوم أنّ الإجماع المنقول غير الإجماع الدخولي أنّما المحكي به بالمطابقة نفس أقوال العلماء و أقوال العلماء في أنفسها بما هي أقوال علماء ليست حكماً شرعياً و لا ذات أثر شرعي. و عليه فنقل أقوال العلماء من جهة كونها أقوال علماء لا يصح أن يكون مشمولاً لأدلة خبر الواحد و إنّما يصح أن يكون مشمولاً لها إذا كشف هذا النقل عن الحكم الصادر عن المعصوم علیه السلام ليصح التعبد به.(1)
تنبیهٌ: تبیّن بما تقدّم أنّ المناط فی حجیّة الإجماع، العلم بکاشفیّته عن رأی الإمام علیه السلام، إلّا أنّ مستند علم الحاکی للإجماع بقول الإمام علیه السلام، أحد أمورٍ:
إذا تیقّن أنّ جمیع الفقهاء متّفقون علی حکم، یفهم من هذا الإتّفاق الشامل، أنّ رأی رئیس الفقهاء أی الإمام علیه السلام، علی هذا الحکم. و یسمّی بالإجماع الدخولی.
بما أنّ الفقهاء یختلفون فی معظم الأخبار، فبإتّفاقهم فی الحکم، یحدس وجود
1) اصول فقه 2: 115
رأی الإمام علیه السلام بین المتّفقین. و یسمّی بالإجماع الحدسی.
إذا کان هناک إجماعٌ علی خلاف الحقّ، یجب علی المعصوم علیه السلام بمقتضی اللطف، منعه؛ فعلی هذا إذا کان هناک إجماعٌ و لم یکن رأی مخالفٌ، یکشف رأی الإمام علیه السلام. و یسمّی بالإجماع اللطفی.
فبتمامیّة الإنکشاف، یصحّ التمسّک بالإجماع المحصّل و لکن فی إمکان تحقّق تحصیل الإجماع، نظرٌ؛ کما لا یخفی.
المراد بالعقل فی المقام: حکم العقل النظری بوجود الملازمة بین حکم العقل العملی و حکم الشارع.
توضیح ذلک: العقل العملی یدرک جزماً حسن الأفعال أو قبحها؛ و العقل النظری یدرک بوجود الملازمة بین حکم العقل العملی و حکم الشارع؛ فالعقل النظری یحکم بأنّه: کلّ ما حکم العقل العملی بحسنها، فهی واجبٌ أو مستحبٌ شرعاً و کلّ ما حکم العقل العملی بقبحها فهی حرامٌ أو مکروهٌ شرعاً.
مثال ذلک: العقل العملی یدرک جزماً قبح التدخین؛ و العقل النظری یدرک الملازمة بین هذا الحکم العقلی و حکم الشارع؛ فیحکم بحرمة التدخین.
و لفهم ما ذکر، ینبغی التنبیه علی أمرین:
لا فرق بین العقل العملی و النظری إلّا بإعتبار المدرک؛ فإن تعلّق بما ینبغی أن یعلم، الحاکم به هو العقل النظری و إن تعلّق بما ینبغی أن یفعل، الحاکم به هو العقل العملی؛ فالعقل العملی یحکم بحسن الأفعال و قبحها لأنّها ممّا ینبغی أن
یفعل و العقل النظری یحکم بالملازمة، لأنّ الملازمة ممّا ینبغی أن یعلم.
الحسن و القبح یطلق علی ثلاثة معانٍ:
الأوّل: الحسن بمعنی الملائمة مع طبیعة الإنسان و القبح عدمها.
الثانی: الحسن بمعنی الکمال و القبح بمعنی النقص.
الثالث: الحسن بمعنی الصفات الحسنة للأفعال الّتی توجب مدح الفاعل و القبح بمعنی الصفات القبیحة للأفعال الّتی توجب ذمّ الفاعل.
و بعبارة أخری: الحسن بمعنی الإستحقاق للثّواب و القبح بمعنی الإستحقاق للعقاب.
و لا یخفی أنّ محلّ النّزاع هو المعنی الثالث.
بعد الفراغ عن معنی الحکم العقل فی الإستنباط، بقی الکلام فی حجیّتها و صحّة الإستنباط بها؛ فنقول:
لإستنباط الأحکام بالعقل، یجب أن یوضح ثلاث مراحل:
الأولی: هل الحسن و القبح ثابتان للأفعال مع قطع النظر عن الشرع أم لا؟
العدلیة: الحسن و القبح ثابتان للأفعال؛(1)و لذلک إذا کانت المصلحة فی الفعل، یوجبه الشارع و إذا کانت المفسدة فیه، یحرمه. فحینئذٍ، إذا أمر الشارع للفعل الذی یدرک
1) کشف المراد: 280_281
العقل حسنه أو إذا نهی الشارع عن فعل الذی یدرک العقل قبحه، ارشادیٌّ.
الأشاعرة: لیست فی الأفعال حسن أو قبح مع قطع النظر عن الشرع؛ فالحسن ما حسّنه الشارع و القبیح ما قبّحه الشارع.(1)
الاصولیون یعتقدون بإستطاعة العقل لفهم الحسن و القبح و خالفهم الاخباریون فی ذلک.(2)
رأی الأصولیین هنا مختلفةٌ بین وجود الملازمة کما علیه المشهور(3)و عدمها کما علیه صاحب الفصول.(4)و بإکمال البحث فی هذه المراحل و الإعتقاد برأی المشهور، یصحّ الإستنباط بالعقل.
هذا تمام الکلام فی الأدلّة الإجتهادیّة( الکتاب و السنّة و الإجماع و العقل). التی مع فقدها یلتجأ الفقیه إلی الأصول العملیّة الّتی هی بمنزلة الدلیل الخامس فی الإستنباط.
تنبیهٌ: فی وجه تقدیم الأدلّة علی الأصول ثلاثة أقوالٍ:
الأوّل: الدلیل وارد علی الأصل؛ لأنّ موضوع الأصل(عدم العلم)، یرتفع بوجود الدلیل(العلم).
الثانی: الدلیل یخصّص الأصل؛ الأصل عام و الدلیل خاص و الخاص مقدّم علی العام.
الثالث: الدلیل حاکم علی الأصل فیقدّم علیه.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه التقدیم:
و لکنّ التحقیق: أنّ دلیل تلک الأمارة و إن لم یکن کالدلیل العلمیّ رافعاً لموضوع الأصل، إلّا أنّه نزّل شرعا منزلة الرافع، فهو حاکم علی الأصل لا مخصّصٌ له.
علی: أنّ ذلک إنّما یتمّ بالنسبة إلی الأدلّة الشرعیّة، و أمّا الأدلّة العقلیّة القائمة علی البرائة و الإشتغال، فارتفاع موضوعها بعد ورود الأدلّة الظنّیّة واضح؛ لجواز الإقتناع بها فی مقام البیان و انتهاضها رافعاً لإحتمال العقاب کما هو ظاهر. و أمّا التخییر فهو أصلٌ عقلیٌّ لا غیر.(1)
الأصول العملیّة تنقسم إلی قسمین:
الأوّل:الخاصة
الأصول الّتی تجری فی بعض أبواب الفقه دون البعض کأصالة الطهارة و الحلیّة و عدم التّذکیة التی لا تجری فی باب الحدود و القصاص مثلاً؛ و یبحث عنها فی علم الفقه و القواعد الفقهیّة غالباً لا علم الأصول.
1) فرائد الأصول 2: 13
الأصول الّتی تجری
فی کلیّة أبواب الفقه و هی منحصرة بالحصر العقلی فی أربعةٍ: البرائة و التخییر و الإحتیاط و الإستصحاب.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه الحصر:
لأنّ الشکّ إمّا أن یلاحظ فیه الحالة السّابقة أو لا، فالأوّل مجری الإستصحاب، و الثانی: إمّا أن یکون الشّک فیه فی التکلیف أو لا، فالأوّل مجری أصالة البرائة، و الثانی: إمّا أن یمکن فیه الإحتیاط أو لا، فالأوّل مجری قاعدة الإحتیاط، و الثانی مجری قاعدة التخییر.(1)
و تطلق علی ما ذکرنا، مجاری الأصول العملیّة أیضاً.
و نشرح کلّ واحد بالتفصیل:
مجری البرائة هی الشکّ فی التکلیف و الشکّ فی التکلیف علی قسمین:
القسم الأوّل: الشّبهة التّحریمیّة: التکلیف المشکوک فیه، تحریمٌ مشتبهٌ بغیر الوجوب؛ کالشکّ فی حرمة شرب التتن أو تلقیح الإصطناعی.
منشأ شکّ الفقیه فی الشبهات التحریمیّة، أحد الأمور الآتیة:
الأمر الأوّل: فقدان النصّ: کفقدان النص علی حرمة التلقیح الإصطناعی أو جوازها.
ولا یخفی أنّ المراد بالنصّ، الدّلیل لا خصوص الرّوایة.
و قد اختلف فی جریان البرائة فی هذا القسم علی ما یرجع إلی قولین:
أحدهما: إباحة الفعل شرعاً (جریان البرائة) و عدم وجوب الإحتیاط
1) فرائد الاصول 1: 26
بالترک.
الثانی: وجوب الترک و یعبّر عنه بالإحتیاط.
و الأوّل منسوبٌ إلی المجتهدین، و الثانی إلی معظم الأخباریین.(1)
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:و یشهد له: حکم العقلاء کافةً بقبح مؤاخذة المولی عبده علی فعل ما یعترف بعدم إعلامه أصلاً بتحریمه.
و لکن إعلم: أنّ هذا الدلیل العقلی_کبعض ما تقدّم من الأدلّة النقلیّة_ معلّقٌ علی عدم تمامیّة أدلّة الإحتیاط.(2)
الأمر الثانی: إجمال النص: کالنهی المجرّد عن القرینة إذا قلنا بإشتراکه لفظاً بین الحرمة و الکراهة. کما فی صحیح زرارة و محمد بن مسلم:
«فإن نقصت من السورة شیئاً فاقرأ من حیث نقصت، و لا تقرأ فاتحة الکتاب»(3)
یری بعض الأصولیین، أنّ صیغة النّهی مشترکٌ لفظیٌّ بین الحرمة و الکراهة و وضع لکلا المعنیین؛ و الظابط فی المشترک اللفظیّ، إقترانها بالقرینة المعییّنة و القرینة مفقودة فی الدلیل؛ فیصیر صیغة النّهی فی الرّوایة مجملةً و توجب الشکّ فی حرمة قرائة فاتحة الکتاب أو کراهتها.
تجری البرائة بالنّسبة إلی خصوص الحرمة و الکراهة و لکن بالنّسبة إلی القدر المشترک أعنی مطلق الطّلب، لأنّه لا إجمال فی الطلب و لا نشکّ فی مطلوبیّة ترک القرائة؛ فیصحّ الإفتاء بترک القرائة.
الأمر الثالث: تعارض النصّین: کالروایات المانعة و المجوّزة لبیع المیتة:
ورد فی روایة: «ثمن المیتة سحت»(1)و فی روایة أخری:«لا بأس ببیع الجلود»(2)المستفاد منها، جواز بیع المیتة.
فثمن المیتة سحتٌ و لا بأس ببیع المیتة، نصّان متعارضان توجبان الشکّ فی حرمة بیع المیتة أم جوازها.
تجری البرائة هنا إن قلنا بأنّ المرجع فی التعارض النصّین، التساقط؛ لأنّه بعد التساقط، یرجع الأمر إلی فقدان النصّ الذی تجری فیه البرائة. و إلّا، إن قلنا بأخذ أحد النصّین، ترجیحاً أو تخییراً، لا تجری البرائة؛ لوجود الحجّة المعتبرة و هی أحد النصّین؛ و مع وجود الدلیل الإجتهادی، لا معنی للرّجوع إلی الدلیل الفقاهی أعنی البرائة.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
و الأقوی فیه أیضاً عدم وجوب الإحتیاط؛ لعدم الدلیل علیه عدا ما تقدّم: من الوجوه المذکورة التی عرفت حالها و بعض ما ورد فی خصوص تعارض النصّین، مثل ما فی عوالی الآلی: من مرفوعة العلّامة رحمه الله إلی زرارة عن مولانا أبی جعفر علیه السلام:
«قال: قلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ؟ فقال: يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، و دع الشاذّ النادر. فقلت: يا سيّدي، إنّهما معا مشهوران مرويّان مأثوران عنكم. فقال عليه السّلام: خذ بما يقوله أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك. فقلت: إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان عندي. فقال: انظر ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه و خذ بما خالفهم؛ فإنّ الحقّ فيما خالفهم. قلت:
ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين، فكيف نصنع؟ قال: فخذ بما فيه الحائطة لدينك، و اترك ما خالف الاحتياط. فقلت: إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان، فكيف أصنع؟ قال: إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر ... الحديث»
و هذه الرواية و إن كانت أخصّ من أخبار التخيير، إلّا أنّها ضعيفة السند، و قد طعن صاحب الحدائق فيها و في كتاب العوالي و صاحبه.(1)الرابع: إشتباه الأمور الخارجیّة: المعروف بالشّبهة الموضوعیّة؛ کما إذا شکّ فی حرمة شرب مائعٍ و إباحته للتردّد فی أنّه خلٌّ أو خمر، و فی حرمة لحمٍ للتردّد بین کونه من الشاة أو من الإرنب.
تجری البرائة هنا.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
و الظاهر: عدم الخلاف فی أنّ مقتضی الأصل فیه الإباحة؛ للأخبارالکثیرة فی ذلک، مثل قوله علیه السلام: «کلّ شیءٍ لک حلالٌ حتّی تعلم أنّه حرام» ، و «کلّ شیءٍ فیه حلال و حرام فهو لک حلال»(2)
القسم الثانی: الشبهة الوجوبیّة: التکلیف المشکوک فیه، وجوبٌ مشتبهٌ بغیر التحریم؛ کالشکّ فی وجوب الدّعاء عند رؤیة الهلال.
منشأ شکّ الفقیه فی الشبهات الوجوبیّة، أحد الأمور الآتیة:
الأمر الأوّل: فقدان النصّ: کفقدان النصّ علی وجوب الدعاء عند رؤیة الهلال أو إستحبابها. و قد تقدّم أنّ النصّ أعمّ من الرّوایة.
و الحکم هنا جریان البرائة؛ و المعروف من الأخباریین هنا، موافقة المجتهدین بخلاف الشبهة التحریمیّة.
قال الشیخ الأنصاری فی المقام:
فالظاهر أنّ المسألة خلافيّة، لكن لم يعرف القائل به بعينه، و إن كان يظهر من الشيخ و السيّدين التمسّك به أحيانا، لكن يعلم مذهبهم من أكثر المسائل.و الأقوى فيه: جريان أصالة البراءة للأدلّة الأربعة المتقدّمة، مضافا إلى الإجماع المركّب.(1)
الأمر الثانی: إجمال النصّ: کالأمر المجرد عن القرینة، إذا قلنا باشتراکه لفظاً بین الوجوب و الإستحباب. کما فی موثقة عمّار:
«وَ رَوَى عَنْهُ ع عَمَّارٌ السَّابَاطِيُّ أَنَّهُ قَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ فَأَذِّنْ وَ أَقِمْ وَ افْصِلْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ بِقُعُودٍ أَوْ بِكَلَامٍ أَوْ تَسْبِيحٍ وَ قَالَ سَأَلْتُهُ كَمِ الَّذِي يُجْزِي بَيْنَ الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ مِنَ الْقَوْلِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ»(2)
یری بعض الأصولیین، أنّ صیغة الأمر مشترکٌ لفظیٌّ بین الوجوب و الإستحباب و وضع لکلا المعنیین؛ و الظابط فی المشترک اللفظیّ، إقترانها بالقرینة المعییّنة و القرینة مفقودة فی الدلیل؛ فیصیر صیغة الأمر فی الرّوایة مجملةً و توجب الشکّ فی وجوب الأذان و القامة أو استحبابها.
و الحکم جریان البرائة هنا.
الأمر الثالث: تعارض النصّین: کالتوقيع المرويّ في الاحتجاج عن الحميريّ، حيث كتب إلى الصاحب عجّل اللّه فرجه:
«يسألني بعض الفقهاء عن المصلّي إذا قام من التشهّد الأوّل إلى الركعة الثالثة، هل يجب عليه أن يكبّر؟ فإنّ بعض أصحابنا قال: لا يجب
عليه تكبيرة، و يجوز أن يقول بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد؟
الجواب: في ذلك حديثان، أمّا أحدهما، فإنّه إذا انتقل عن حالة إلى اخرى فعليه التكبير، و أمّا الحديث الآخر، فإنّه روي: أنّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانيةو كبّر ثمّ جلس ثمّ قام، فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، و التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى، و بأيّهما أخذت من باب التسليم كان صوابا ... الخبر»(1)
فعلیه التکبیر و لیس علیه تکبیرٌ، نصّان متعارضان توجبان الشکّ فی وجوب التکبیر و عدمه.
و الکلام الّذی ذکرنا فی الشبهة التّحریمیّة مع تعارض النصّین، جارٍ هنا أیضاً- أعنی: جریان البرائة إن لم نأخذ أحد النصّین ترجیحاً أو تخییراً.
الأمر الرّابع: إشتباه الأمور الخارجیّة: کما إذا شکّ فی وجوب بح شاةٍ للتردّد بین حلفه و عدمه.
و الحکم فیه البرائة أیضاً.
تنبیهٌ: التکلیف المشکوک فیه بین الوجوب و الحرمة المعروف بدوران الأمر بین المحذورین، خارج عن المقام؛ لأنّه نحو یقین بالتکلیف و یجری فیه التّخییر الآتیة و نجری البرائة فی الشک فی التکلیف.
مجری التخییر هی دوران الأمر بین المحذورین أعنی خصوص الوجوب و الحرمة.
منشأ الدّوران، هی أحد الأمور الآتیة:
1) الإحتجاج 2: 304
الأمر الأوّل: فقدان النصّ: کما إذا اختلفت الأمّة علی القولین بحیث علم عدم الثالث.
و الأقوی هنا، الحکم بالإباحة ظاهراً؛ لا التّوقف بمعنی عدم الحکم بشیءٍ لا ظاهراً و لا واقعاً، و لا وجوب الأخذ بأحدهما بعینه أو لا بعینه؛ کما نسب إلی بعض الأصولیین.(1)
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
و کیف کان: فقد یقال فی محل الکلام بالإباحة ظاهراً؛ لعموم أدلّة الإباحة الظّاهریّة، مثل قولهم: «کلّ شیءٍ لک حلال»، و قولهم: «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوعٌ عنهم» ؛فإنّ کلّاً من الوجوب و الحرمة قد حجب عن العباد علمه. و غیر ذلک من أدلّته، حتّی قوله علیه السلام: «کلّ شیء مطلق حتبی یرد فیه نهی أو أمر».(2)
الأمر الثانی: إجمال النصّ: کالأمر المردّد بین الإیجاب و التّهدید الّذی لازمه الحرمة. فإذا فرض أنّ المولی، أمر بالصلاة عند رؤیت الهلال، و لا نعلم أنّ المراد هو الوجوب أو التّهدید، نشکّ فی وجوب الصّلاة أو حرمتها.
و الحکم فیه التخییر.
الأمر الثالث: تعارض النصّین: کما إذا فرض ورود الأمر بإکرام الشّعراء فی روایةٍ و ورود النّهی بإکرامهم فی روایة أخری.
و الحکم هنا، التّخییر أیضاً.
الأمر الرّابع: إشتباه الأمور الخارجیّة: کما إذا وجب إکرام العدول و حرم إکرام الفسّاق و اشتبه حال زید من حیث الفسق و العدالة؛ أو کما إذا حلف بذبح
شاةٍ و حلف بعدم ذبح شاةٍ؛ و نشکّ فی تعیین الشاة و بالتّالی، نشکّ فی وجوب الذّبح و حرمته.
و الحکم فیه کما فی الأمر الأوّل: من عدم وجوب الأخذ بأحدهما فی الظاهر، بل هنا أولی؛ إذ لیس فیه إطراحٌ لقول الإمام علیه السلام ؛ إذ لیس الإشتباه فی الحکم الشرعیّ الکلّی الّذی بیّنه الإمام علیه السلام.
مجری الإحتیاط هی الشکّ فی المکلّف به؛ بأن یعلم الحرمة أو الوجوب و یشتبه الحرام أو الواجب؛ مثلا: نعلم تفصیلاً بوجوب الصّلاة یوم الجمعة، ولکن تعلّق الوجوب بصلاة الظّهر أو الجمعة، من المشکوک فیه. أو نعلم بوجود الخمر فی إحدی الإنائین؛ فنعلم الحرمة تفصیلاً و لکن تعلّق الحرمة و وجوب الإجتناب بهذا أو ذاک، مشکوکٌ.
هناک ثلاثة أنواع من الشک فی المکلّف به:
النّوع الأوّل: الشکّ فی المکلّف به فی ضمن الشّبهة التّحریمیّة؛ و بعبارة أخری: الشکّ هناک، فی الحرام و غیر الحرام مع العلم بالحرمة.
منشأ شکّ الفقیه هنا، أحد الأمور الآتیة:
الأمر الأوّل: فقدان النصّ: کما إذا اختلفت الأمّة بین حرمة الصوت المطرب و الصوت المرجع بسبب فقدان النصّ المعتبر؛ فالعلم بالحرمة موجودٌ و لکن شککنا فی متعلّق الحرمة.
الحکم هنا الإحتیاط.
الأمر الثانی: إجمال النصّ: کما إذا دلّ الخبر علی حرمة الغناء و اختلفت الأمّة فی تفسیرها بالصوت المطرب أو المرجع. و مثل ما إذا ثبت بالدّلیل حرمة الأذان الثالث یوم الجمعة و اختلف فی تعیینه؛ کما فی روایة حفص: «الأذان
الثالث یوم الجمعة بدعة»(1). و مثل قوله علیه السلام: «من جدّد قبراً أو مثّل مثالاً فقد خرج عن السلام»؛(2)حیث قرئ «جدّد» بالجیم و الحاء و الخاء، و قرئ «جدث» أیضاً.(3)
و الحکم هنا الإحتیاط.
الأمر الثالث: تعارض النصّین: کما إذا دلّ خبرٌ علی حرمة الصوت المطرب و خبر آخر علی حرمة الصوت المرجع.
و الحکم هنا الإحتیاط، إن لم نقل بأخذ أحد النصّین؛ لأنّه مع الأخذ بأحد النصّین، الدّلیل الإجتهادی موجودٌ و لا معنی للرّجوع إلی الدلیل الفقاهی و الأصول العملیّة.
الأمر الرّابع: إشتباه الأمور الخارجیّة: و هذا الأمر یتحقّق تارةً فی ضمن الشّبهة المحصورة؛ کما إذا دار الحرام بین أمرین أو أمور محصورة و تارةً أخری فی ضمن الشّبهة غیر المحصورة؛ کما إذا دار الحرام بین أمورٍ غیر محصورة.
و الحکم فی الشّبهة المحصورة هو الإحتیاط و حرمة المخالفة القطعیّة، و فی الشّبهة غیر المحصورة، عدم وجوب الإحتیاط و لکن یجب ترک بعض المشتبهات؛ لأن لا یقع فی المخالفة القطعیّة.تنبیهٌ: الملاک فی کون الشّبهة من المحصورات أو غیر المحصورات، العرف علی الأقوی.
قال الشیخ الأنصاری:
اختلف عبارات الأصحاب في بيان ضابط المحصور و غيره: فعن الشهيد و المحقّق الثانيين و الميسيّ و صاحب المدارك: أنّ المرجع فيه إلى العرف، فهو: ما كان غير محصور في العادة، بمعنى أنّه يعسر عدّه، لا ما إمتنع عدّه؛ لأنّ كلّ ما يوجد من الأعداد قابل للعدّ و الحصر.(1)
و لکن لا یقبل الشیخ الأعظم هذا الملاک و یقول:
و يمكن أن يقال- بملاحظة ما ذكرنا في الوجه الخامس-: إنّ غير المحصور ما بلغ كثرة الوقائع المحتملة للتحريم إلى حيث لا يعتني العقلاء بالعلم الإجماليّ الحاصل فيها؛ أ لا ترى: أنّه لو نهى المولى عبده عن المعاملة مع زيد فعامل العبد مع واحد من أهل قرية كبيرة يعلم بوجود زيد فيها، لم يكن ملوما و إن صادف زيدا؟
إلی أن قال:
فالأولى: الرجوع في موارد الشكّ إلى حكم العقلاء بوجوب مراعاة العلم الإجماليّ الموجود في ذلك المورد؛ فإنّ قوله: «اجتنب عن الخمر» لا فرق في دلالته على تنجّز التكليف بالاجتناب عن الخمر، بين الخمر المعلوم المردّد بين امور محصورة و بين الموجود المردّد بين امور غير محصورة، غاية الأمر قيام الدليل في غير المحصورة على اكتفاء الشارع عن الحرام الواقعيّ ببعض محتملاته، كما تقدّم سابقا.
فإذا شكّ في كون الشبهة محصورة أو غير محصورة، شكّ في قيام الدليل على قيام بعض المحتملات مقام الحرام الواقعيّ في الاكتفاء عن امتثاله بترك ذلك البعض، فيجب ترك جميع المحتملات؛ لعدم الأمن من الوقوع في العقاب بارتكاب البعض.(2)
النّوع الثّانی: الشکّ فی المکلّف به فی ضمن الشّبهة الوجوبیّة؛ و بعبارة أخری: الشکّ هناک، فی الواجب و غیر الواجب مع العلم بالوجوب. و هو علی قسمین:
القسم الأوّل: الواجب مردّدٌ بین أمرین متباینین؛ کما إذا تردّد الأمر بین وجوب الظهر و الجمعة فی یوم الجمعة؛ فنعلم قطعاً بصدور الحکم الوجوبیّ عن الشّارع فی یوم الجمعة، و لکن لا نعلم تعلّقه بالظّهر أو الجمعة؛ فالواجب مردّدٌ بین المتباینین؛ لأنّ الظّهر و الجمعة أمران متباینان.
منشأ شکّ الفقیه هنا، أحد الأمور الآتیة:
الأمر الأوّل: فقدان النصّ: کما إذا اختلفت الأمّة فی وجوب الظّهر و الجمعة بسبب فقدان النصّ المعتبر.
و الحکم هنا الإحتیاط. و بالتّالی، حرمة المخالفة القطعیّة؛ لأنّها معصیةٌ عند العقلاء، فإنّهم لا یفرّقون بین الخطاب المعلوم تفصیلاً أو إجمالاً فی حرمة مخالفته و فی عدّها معصیة.
الأمر الثانی: إجمال النصّ: بأن یتعلّق التّکلیف الوجوبیّ بأمرٍ مجملٍ؛ کقوله تعالی: «حافِظُوا علی الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطیٰ»(1)بناءً علی تردّدالصلاة الوسطی بین صلاة الجمعة کما فی بعض الرّوایات(2)، و غیرها کما فی بعضٍ آخر(3)،
و تردّد العین فی قول القائل «ائتنی بعینٍ» بین معانیها المختلفة.
و الحکم هنا الإحتیاط کما فی الأمر الأوّل، بل هنا أولی؛ لأنّ الخطاب هنا تفصیلاً متوجهٌ إلی المکلّفین.
الأمر الثالث: تعارض النصّین: کما إذا دلّ خبرٌ علی وجوب الظهر و خبرٌ آخر علی وجوب الجمعة.
و الحکم فیه التخییر؛ لأخبار التخییر السلیمة عن المعارض حتّی ما دلّ علی الأخذ بما فیه الإحتیاط؛ لأنّ المفروض عدم موافقة شیءٍ منهما للإحتیاط.
الأمر الرّابع: إشتباه الأمور الخارجیّة: کما فی صور اشتباه القبلة؛ فنعلم تفصیلاً بوجوب صلاةٍ و لکن لا نعلم تعلّقها بالصلاة بهذه الجهة أو الجهة الأخری.
و الحکم هنا الإحتیاط کما فی الشّبهة المحصورة.
القسم الثّانی: الواجب مردّدٌ بین الأقلّ و الأکثر؛ کما
إذا تردّدت الصلاة الواجبة بین ذات السّورة و فاقدتها؛ فنعلم تفصیلاً بصدور وجوبٍ عن الشّارع و لکن الشکّ فی تعلّقه بالصلاة الّتی یجب فیها السورة أو الصلاة التّی یجوز ترک السورة فیها. فالواجد لها أکثرٌ و الفاقد لها أقلٌّ.
منشأ شکّ الفقیه هنا، أحد الأمور الآتیة:الأمر الأوّل: فقدان النصّ: کما إذا اختلفت الأمّة فی أنّ الواجب فی الصلاة تسعة أجزاءٍ أو عشرة بسبب فقدان النصّ المعتبر فی المقام. و کالاستعاذة قبل القراءة فی الرکعة الاولی علی ما ذهب إلیه بعض فقهائنا(1).
فیکون غالباً ناشئاً من ذهاب جماعة إلی جزئیّة الأمر الفلانیّ.
و الحکم هنا، البرائة.
قال الشیخ الأنصاری:
بل الإنصاف: أنّه لم أعثر فی کلمات من تقدّم علی المحقّق السبزواری، علی من یلتزم بوجوب الإحتیاط فی الأجزاء و الشرائط و إن کان فیهم من یختلف کلامه فی ذلک، کالسیّد و الشیخ و الشهید قدس سرهم.
1) انظر مفتاح الکرامة 2: 399
و کیف کان: فالمختار جریان أصل البرائة.(1)
الأمر الثانی: إجمال النصّ: کأن وجب فی الغسل، غسل ظاهر البدن فیشکّ فی أنّ الجزء الفلانی کباطن الأذن، من الظّاهر أو الباطن؛ بحیث یکون الآتی بالأکثر آتیاً بالأقلّ.
و الحکم هنا، البرائة.
الأمر الثالث: تعارض النصّین: کأن یدلّ أحد الخبرین علی جزئیّة السورة و الآخر علی عدمها.
و الحکم هنا، التخییر.الأمر الرّابع: إشتباه الأمور الخارجیّة: کما إذا أمر بمفهوم مبیّنٍ مردّدٍ مصداقه بین الأقلّ و الأکثر؛ مثل: ما إذا وجب علی المکلّف بالنذر صوم شهرٍ هلالیّ و هو ما بین الهلالین فشکّ فی أنّه ثلاثون أو ناقص. و مثل: ما إذا أمر بالطهور لأجل الصلاة، أعنی الفعل الرافع للحدث أو المبیح للصلاة، فشکّ فی جزئیّة شیءٍ للوضوء أو الغسل الرافعین.
و الحکم هنا، الإحتیاط.
قال الشیخ الأنصاری:
و اللازم في المقام: الاحتياط؛ لأنّ المفروض تنجّز التكليف بمفهوم مبيّن معلوم تفصيلا، و إنّما الشكّ في تحقّقه بالأقلّ، فمقتضى أصالة عدم تحقّقه و بقاء الاشتغال: عدم الاكتفاء به و لزوم الإتيان بالأكثر.
و لا يجري هنا ما تقدّم من الدليل العقليّ و النقليّ الدالّ على البراءة؛ لأنّ البيان الذي لا بدّ منه في التكليف قد وصل من الشارع، فلا يقبح المؤاخذة على ترك ما بيّنه تفصيلا، فإذا شكّ في تحقّقه في الخارج
1) فرائد الأصول 2: 317
فالأصل عدمه. و العقل- أيضا- يحكم بوجوب القطع بإحراز ما علم وجوبه تفصيلا، أعني المفهوم المعيّن المبيّن المأمور به؛ أ لا ترى: أنّه لو شكّ في وجود باقي الأجزاء المعلومة- كأن لم يعلم أنّه أتى بها أم لا- كان مقتضى العقل و الاستصحاب وجوب الإتيان بها؟(1)
النوع الثالث: الشکّ فی المکلّف به فی ضمن دوران الأمر بین المحذورین؛ و بعبارة أخری: إشتباه الواجب بالحرام مع العلم بالحرمة و الوجوب؛ کما إذا اشتبه محلوفة الذّبح من الشاة بمحلوفة الحفظ.
و الحکم هنا، التخییر بین فعل أحدهما و ترک الآخر.
مجری الإستصحاب هو الشکّ فی البقاء مطلقاً علی رأی المشهور؛
سواءٌ:
کان الشکّ فی بقاء الأمر الوجودی، کوجوب شیءٍ و طهارة شیءٍ أم الأمر العدمی، کعدم نقل اللفظ عن معناه و عدم موت زید و نحو ذلک.
کان الشکّ فی بقاء الحکم الشرعی، کالطهارة المستصحبة بعد خروج المذی، و النجاسة المستصحبة بعد زوال تغیّر المتغیّر بنفسه، أم الأمور الخارجیّة، کاستصحاب الکرّیة و الرّطوبة.
کان الشکّ فی بقاء الحکم التکلیفی، کإستصحاب وجوب الجمعة، أم الحکم الوضعی، کإستصحاب الأسباب و الشروط و الموانع.
کان الشکّ فی بقاء الحکم الکلیّ، کطهارة من خرج منه المذی، أم الحکم الجزئیّ، کطهارة هذا الثوب و نجاسته.
1) فرائد الأصول 2: 352
کان الشکّ فی الحکم الکلیّ، کإستصحاب بقاء الإنسان الکلیّ، أم الحکم الجزئیّ، کإستصحاب بقاء زید. و کان الشکّ فی الکلیّ من جهة الشکّ فی بقاء ذلک الفرد، أم من جهة الشکّ فی تعیین ذلک الفرد و تردّده بین ما هو باقٍ جزماً و بین ما هو مرتفعٌ کذلک، أم من جهة الشکّ فی وجود فرد آخر مع الجزم بارتفاع ذلک الفرد.
کان الشکّ من جهة المقتضی، و المراد به: الشکّ من حیث إستعداده و قابلیّته فی ذاته للبقاء، کالشکّ فی بقاء اللیل و النهار، أم من جهة الرّافع مع القطع بإستعداده للبقاء، کالشکّ فی حدوث البول و فعل الظهر المشکوک کونه رافعاً لشغل الذمّة بالصلاة المکلّف بها قبل العصر یوم الجمعة من جهة تردّده بین الظهر و الجمعة.
کان دلیل المستصحب الدلیل الشرعی، أم العقلی.
و غیرها من التّفصیلات المذکورة فی الکتب الأصولیّة.(1)
و لکن قال الشیخ الأنصاری فی المقام:
من حيث إنّه قد يثبت بالدليل الشرعيّ، و قد يثبت بالدليل العقليّ. و لم أجد من فصّل بينهما، إلّا أنّ في تحقّق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقليّ- و هو الحكم العقليّ المتوصّل به إلى حكم شرعي- تأمّلا؛ نظرا إلى أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبيّنة مفصّلة من حيث مناط الحكم ، و الشكّ في بقاء المستصحب و عدمه لا بدّ و أن يرجع إلى الشكّ في موضوع الحكم؛ لأنّ الجهات المقتضية للحكم العقليّ بالحسن و القبح كلّها راجعة إلى قيود فعل المكلّف، الذي هو الموضوع. فالشكّ في حكم العقل حتّى لأجل وجود الرافع لا يكون إلّا
1) انظر فرائد الأصول 3: 26-48
للشكّ في موضوعه، و الموضوع لا بدّ أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب، كما سيجيء .
و لا فرق فيما ذكرنا، بين أن يكون الشكّ من جهة الشكّ في وجود الرافع، و بين أن يكون لأجل الشكّ في استعداد الحكم؛ لأنّ ارتفاع الحكم العقليّ لا يكون إلّا بارتفاع موضوعه، فيرجع الأمر بالأخرة إلى تبدّل العنوان؛ أ لا ترى أنّ العقل إذا حكم بقبح الصدق الضارّ، فحكمه يرجع إلى أنّ الضارّ من حيث إنّه ضارّ حرام، و معلوم أنّ هذه القضيّة غير قابلة للاستصحاب عند الشكّ في الضرر مع العلم بتحقّقه سابقا؛ لأنّ قولنا: «المضرّ قبيح» حكم دائميّ لا يحتمل ارتفاعه أبدا، و لا ينفع في إثبات القبح عند الشكّ في بقاء الضرر.
و لا يجوز أن يقال: إنّ هذا الصدق كان قبيحا سابقا فيستصحب قبحه؛ لأنّ الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المضرّ، و الحكم له مقطوع البقاء، و هذا بخلاف الأحكام الشرعيّة؛ فإنّه قد يحكم الشارع على الصدق بكونه حراما، و لا يعلم أنّ المناط الحقيقيّ فيه باق في زمان الشكّ أو مرتفع- إمّا من جهة جهل المناط أو من جهة الجهل ببقائه مع معرفته - فيستصحب الحكم الشرعيّ.(1)
تمّ الکلام فی أدلّة الإستنباط الّتی بحثنا عنها علی الإیجاز و الکفایة.
1) فرائد الأصول 3: 36
کثیراً ما یواجه المستنبط فی مختلف أبواب الفقه عناوین تقع موضوعاً للحکم الشرعی و یکون مقتضی ظاهر البدوی و الجمود علیه، إختصاص الحکم بتلک العناوین إلّا أنّ هنا أسباباً توجب تعدیة الحکم إلی غیر تلک العناوین الخاصّة.
و هذه الأسباب ستّة:
هو عبارة عن نفی احتمال دخل الخصوصیّة الموجودة فی الأصل المفقودة فی الفرع فی الحکم مع نفی احتمال مانعیّة الخصوصیّة الموجودة فی الفرع عن الحکم شریطة أن یکون النفی فیهما بالإستظهار أو الإستنباط لا بالتنصیص الشرعی. فعلی ضوء هذا التعریف تتکوّن عملیّة إلغاء الخصوصیّة عن نفیین؛ نفیٌ راجعٌ إلی الأصل و نفی راجعٌ إلی الفرع.
مثال ذلک: قال المحقق الخوئی فی مسألة الرکوع أو السجود قبل الإمام:
و أمّا في فرض السهو: فلا إشكال في مشروعيّة العود و جواز المتابعة و إن استلزمت الزيادة العمديّة، فإنّها مغتفرة في المقام، لموثّق ابن فضال قال: «كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): في الرجل كان خلف إمام يأتمّ به فيركع قبل أن يركع الإمام، و هو يظنّ أنّ الإمام قد ركع، فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ثمّ أعاد الركوع مع الإمام، أ يفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب (عليه السلام): تتمّ صلاته و لا تفسد صلاته بما صنع»كما أنّ مورده و إن كان هو الظنّ أعني الاعتقاد أو الاطمئنان كما لا يخفى لكن لا ينبغي الشكّ في التحاق السهو به، إذ لا يحتمل أن تكون للظنّ خصوصية
منقدحة في ذهن السائل، و إنّما ذكره بياناً للعذر في مقابل العمد.(1)
هو عبارة عن کشف ما أنیط به الحکم فی الأصل ما لم ینطق به الشارع و إحراز وجوده فی الفرع و نفی وجود مانع أو مزاحم أقوی له فی الفرع و قبح امتناع الشارع الحکیم حینئذ عن جعل هذا الحکم فی الفرع.
و المراد بما أنیط به الحکم، أعم من المصالح و المفاسد و غیرهما ممّا یکشف آنّ الشارع جعله علّة و مستنداً لحکمه فی الأصل. و إنّما قیدنا کشف ما أنیط به الحکم فی الأصل بقولنا« ما لم ینطق به الشارع» لأنّه إذا نطق به نصّاً أو ظهوراً فهو داخلٌ فی منصوص العلّة و خارجٌ عن مصطلح تنقیح المناط.
مثال ذلک: ما ذکره المحقق الخوئی فی حکم الناسی لسجدة التلاوة:
يمكن استفادة الحكم من صحيحة محمّد بن مسلم المتقدِّمة آنفاً و إن كان موردها النسيان، فانّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «يسجد إذا ذكر» أنّ الوجوب مستند إلى نفس الأمر السابق، و أنّه باق بحاله ما لم يمتثل، لا أنّه تكليف جديد، فإنّه خلاف الظاهر جدّاً كما لا يخفى، فيشترك فيه الناسي و العاصي لوحدة المناط.(2)
و هی کون الفرع أولی بالحکم من الأصل لأقوائیّة علّة الحکم فیه من الأصل سواءٌ کان الدلیل علی الأصل لفظیّاً أو لبیّاً و قد یعبّر عن العلّة بالجامع.مثال ذلک: ما رواه محمد بن علی بن الحسین بإسناده عن عبید الله بن
علی الحلبی قال:
« سئل أبو عبد الله علیه السلام عن الرجل یصیب المرأة فلا ینزل أ علیه غسلٌ قال کان علی علیه السلام یقول إذا مسّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل قال و کان علی علیه السلام یقول کیف لا یوجب الغسلَ و الحدُّ یجب فیه و قال یجب علیه المهر و الغسل».(1)
فالإمام علیه السلام استدلّ علی وجوب الغسل بطریق الأولویّة؛ حیث جعل الحکم فی الفرع و هو وجوب الغسل أولی منه فی الأصل و هو وجوب الحدّ.
هی ملائمة عرفیّة أو عقلیّة واضحة بین الحکم و الموضوع یتضح بها خصوصیّة الموضوع الواقعی أو الحکم أو حیثیة أخری مربوطة بهما. و المراد بالموضوع هنا، أعمّ ممّا یحمل علیه الحکم و یشمل الشرائط بل و حتّی الموانع و القواطع.
مثال ذلک: ما ذکره المحقّق الخوئی فی تحدید موضوع الحکم بجواز الإقتصار علی تسبیحة واحدة:
الوجه الثاني: و هو العمدة، صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:
«قلت له أدنى ما يجزي المريض من التسبيح في الركوع و السجود؟ قال: تسبيحة واحدة».
و فيه: ما لا يخفى، لوضوح أنّ المريض المأخوذ في النص لا خصوصية فيه كي يكون ملحوظاً على وجه الصفتية و الموضوعية، فيسأل عن حكمه بما هو كذلك، و إن كان قادراً على الثلاث الصغريات، فان ذلك أظهر من أن يحتاج إلى السؤال سيّما من مثل معاوية بن عمار، بل مناسبة
1) وسائل الشیعة 2: 183
الحكم و الموضوع تقضي بأنّ ذكره من باب المثال، و أنّ موضوع السؤال مطلق من يشق عليه الثلاث إمّا لمرض أو لغيره من سائر الضرورات كما هو الحال في قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ إذ لا يحتمل سقوط الصوم عن مطلق المريض و لو كان علاجه الإمساك طول النهار، أو فرض امتناعه عن استعمالالمفطرات خلال اليوم بطبعه صام أم لم يصم فكما أنّ المراد من المريض هناك بمناسبة الحكم و الموضوع من يشق عليه الصوم لا بما هو كذلك فكذا في المقام.(1)
المقصود بالمذاق هو المنهج الفکری أو السلیقة التی تعلم من مجموع أفکار الشخص و أحکامه العملیّة و مواقفه تجاه الوقائع المختلفة أو من مجموعة منها؛ بحیث قد نتمکّن أن نحدّد به موقف هذا الشخص و لو فی بعض الوقائع قبل أن یخبرنا به؛ فالمراد بمذاق الشرع أو ذوق الشرع منهج الشارع و مشربه و طریقته التی تستکشف من مجموع أحکامه و مبانیها و مواقفه أو مجموعة منها؛ بحیث یمکن لنا تحدید موقف الشارع المقدس تجاه ما لم یخبرنا بموقفه فیه.
مثال ذلک: ما ذکره الإمام الخمینی فی جواز نقل المصحف إلی الکافر:
والقول: بلزوم حفظ القرآن وسائر المقدّسات عن الوصول إليهم، خلاف مذاق الشارع الأقدس؛ من لزوم تبليغ الإسلام، وبسط أحكامه، ولزوم هداية الناس مع الإمكان بأيّة وسيلة ممكنة، واحتمال مسّ الكتاب أحياناً لا يزاحم تلك المصلحة الغالبة.(2)
هی الأمور التی یستهدفها الشارع من تشریع مجموع الشریعة بتمامها أو جلّها أو مجموعة من الأحکام المتعلقة بأبواب مختلفة أو مجموعة من الأحکام المتعلّقة ببابٍ واحد؛ سواء کانت تلک الأمور من الأهداف المتعلّقة بالمجتمع الإنسانی أم الإسلامی أم أفراد الأمّة أم الأعمّ من الأفراد و المجتمع و سواءٌ کانت متعلقة بأمور معاشهم أم معادهم أم أخلاقهم.مثال ذلک: ما
ذکره السید الصدر فی مقام تشخیص وظائف الحاکم فی منطقة الفراغ:
أنّ إحدی موارد الحاجة إلی مقاصد الشریعة هو الإستناد إلیها کشواخص و إتجاهات کلیة لتحدید وظائف أو صلاحیات الحاکم فی منطقة الفراغ حیث إنّ المقاصد من العناصر الثابتة للشریعة و من خلالها یستطیع الحاکم التعامل مع العناصر المتغیّرة فی منطقة الفراغ بما یقتضیه الزمان و المکان. مثلاً قوله تعالی فی محکم کتابه: « مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»
ظاهر فی أنّ من الأهداف السامیة للتشریع الإسلامی إیجاد التوازن من الجهة الإقتصادیّة و تقسیم المال بما یلبی الإحتیاجات المشروعة للمجتمع و کذلک منع تکدس الأموال بید عدة معدودة من أفراده.
علی هذا الأساس فالحکومة الإسلامیّة بإمکانها تسنین القوانین و إعمالها فی منطقة الفراغ لتثبیت التوازن الإجتماعی من ناحیة توزیع
الثروة و منع تکدس الأموال بید جماعة خاصة.(1)
هذا، و الکلام فی حجیّة هذه الأسباب و وجهها، موکول إلی محلّه فی الکتب الأصولیّة.
ثمّ إنّ بقیّة الکلام فی ما یتعلّق بالتّنافی بین الدّلیلین، تأتی فی المقدّمة الآتیة إن شاء الله تعالی.
1) موسوعة الإمام الشهید السید محمد باقر الصدر 5: 48
قبل الخوض فی المسألة، ینبغی أن یعلم عدم التعارض فی القطعیین و لا فی الظنّیین الفعلیّین؛ لأنّ القطع بالمتنافیین أو بأحدهما مع الظنّ بالآخر أو إجتماع الظنّین بالمتنافیین، غیر ممکن.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
ثمّ إنّ التعارض- على ما عرفت من تعريفه- لا يكون في الأدلّة القطعيّة؛ لأنّ حجّيّتها إنّما هي من حيث صفة القطع، و القطع بالمتنافيين أو بأحدهما مع الظنّ بالآخر غير ممكن.
و منه يعلم: عدم وقوع التعارض بين دليلين يكون حجّيّتهما باعتبار صفة الظنّ الفعليّ؛ لأنّ اجتماع الظنّين بالمتنافيين محال، فإذا تعارض سببان للظنّ الفعليّ، فإن بقي الظنّ في أحدهما فهو المعتبر، و إلّا تساقطا.
و قولهم: «إنّ التعارض لا يكون إلّا في الظنّين»، يريدون به الدليلين المعتبرين من حيث إفادة نوعهما الظنّ. و إنّما أطلقوا القول في ذلك؛ لأنّ أغلب الأمارات بل جميعها- عند جلّ العلماء، بل ما عدا جمع ممّن قارب عصرنا - معتبرة من هذه الحيثيّة، لا لإفادة الظنّ الفعليّ بحيث يناط الاعتبار به.
و مثل هذا في القطعيّات غير موجود؛ إذ ليس هنا ما يكون اعتباره من باب إفادة نوعه القطع؛ لأنّ هذا يحتاج إلى جعل الشارع، فيدخل
حينئذ في الأدلّة الغير القطعيّة؛ لأنّ الاعتبار في الأدلّة القطعيّة من حيث صفة القطع، و هي في المقام منتفية، فيدخل في الأدلّة الغير القطعيّة.(1)
هناک ثلاثة صور للتّنافی بین الدّلیلین:الأولی: التّنافی بین الدّلیلین الإجتهادیین، کالروایات المانعة و المجوّزة لبیع المیتة:
«وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله لِعَلِيٍّ عليه السلام قَالَ: يَا عَلِيُّ مِنَ السُّحْتِ ثَمَنُ الْمَيْتَةِ وَثَمَنُ الْكَلْبِ وَثَمَنُ الْخَمْرِ وَمَهْرُ الزَّانِيَةِ وَالرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ وَأَجْرُ الْكَاهِنِ.»(2)
و فی روایة أخری:
«وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّيْقَلِ وَوَلَدِهِ قَالَ: كَتَبُوا إِلَى الرَّجُلِ عليه السلام جَعَلَنَا اللّٰهُ فِدَاكَ إِنّا قَوْمٌ نَعْمَلُ السُّيُوفَ لَيْسَتْ لَنَا مَعِيشَةٌ وَلَا تِجَارَةٌ غَيْرُهَا وَنَحْنُ مُضْطَرُّونَ إِلَيْهَا وَإِنَّمَا عِلَاجُنَا جُلُودُ الْمَيْتَةِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ الْأَهْلِيَّةِ لَايَجُوزُ فِي أَعْمَالِنَا غَيْرُهَا فَيَحِلُّ لَنَا عَمَلُهَا وَشِرَاؤُهَا وَبَيْعُهَا وَمَسُّهَا بِأَيْدِينَا وَثِيَابِنَا وَنَحْنُ نُصَلِّي فِي ثِيَابِنَا وَنَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَى جَوَابِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَا سَيِّدَنَا لِضَرُورَتِنَا. فَكَتَبَ عليه السلام: اجْعَلْ ثَوْباً لِلصَّلَاةِ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَقَوَائِمُ السُّيُوفِ الَّتِي تُسَمَّى السَّفَنَ نَتَّخِذُهَا مِنْ جُلُودِ السَّمَكِ فَهَلْ يَجُوزُ لِيَ الْعَمَلُ بِهَا وَلَسْنَا نَأْكُلُ لُحُومَهَا؟
فَكَتَبَ عليه السلام: لَابَأْس.»(1)
والحکم هنا الترجیح ثمّ التخییر، لا التساقط؛ کما قال به بعض الأساطین کالمحقّق الإیروانی(2)و المحقّق الخراسانی(3)و المحقّق المظفر(4).
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
لمّا کان امتثال التکلیف بالعمل بکلّ منهما کسائر التکالیف الشرعیّة و العرفیّة مشروطاً بالقدرة، و المفروض أنّ کلّاً منهما مقدورٌ فی حال ترک الآخر و غیر مقدور مع إیجاد الآخر، فکلّ منهما مع ترک الآخر مقدورٌ یحرم ترکه و یتعیّن فعله. و مع إیجاد الآخر یجوز ترکه و لا یعاقب علیه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتیجة أدلّة وجوب الإمتثال و العمل بکلّ منهما، بعد تقیید وجوب الإمتثال بالقدرة.(5)
الثانیة: التنافی بین الدّلیل الإجتهادی و الأصل العملیّ؛ کالتنافی بین الإستصحاب الّذی مقتضاه وجوب الجمعة فی عصر الغیبة و الروایة الظاهرة فی حرمتها: «لَا يَصِحُّ الْحُكْمُ وَ لَا الْحُدُودُ وَ لَا الْجُمُعَةُ إِلَّا بِإِمَامٍ»(6). و التنافی بین البرائة و روایة «لا ضرر و لا إضرار علی المومن»(7)فی شرب التتن؛ فمقتضی الأوّل، حلّیته و مقتضی الأخری، حرمته.
و الحکم هنا، تقدیم الدّلیل الأجتهادی علی نحو الحکومة. و تقدّم وجه
تقدیم الدّلیل علی الأصل، فی المقدّمة الثانیة.
الثالثة: التنافی بین الدّلیلین الفقاهیین؛ و لابدّ من التکلّم هنا فی مقامین:
المقام الأوّل: التنافی بین الإستصحاب و سائر الأصول العملیّة؛ و له ثلاثة صور:
و الحکم هنا، حکومة دلیل الإستصحاب علی البرائة النّقلیة.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
إنّ دلیل الإستصحاب بمنزلة معمّم للنهی السابق بالنسبة إلی الزمان اللاحق، فقوله علیه السلام: «لا تنقض الیقین بالشکّ» یدلّ علی أنّ النهی الوارد لابدّ من إبقائه و فرض عمومه للزمان اللاحق و فرض الشیء فی الزمان اللاحق ممّا ورد فیه النهی أیضاً. فمجموع الرّوایة المذکورة و دلیل الإستصحاب بمنزلة أن یقول: کلّ شیءٍ مطلقٌ حتّی یرد فیه نهیٌ، و کلّ نهی ورد فی شیءٍ فلا بدّ من تعمیمه لجمیع أزمنة إحتماله، فیکون الرّخصة فی الشیء و إطلاقه مغیّاً بورود النهی، و المحکوم علیه بالدّوام و عموم الأزمان، فکان مفاد الإستصحاب نفی ما یقتضیه الأصل الآخر فی مورد الشکّ لو لا النهی، و هذا معنی الحکومة.(1)
و الحکم هنا، ورود الإستصحاب علی الإحتیاط.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
و لا إشکال_ بعد التأمّل_ فی ورود الإستصحاب علیها؛ لأنّ المأخوذ فی
1) فرائد الأصول 3: 389
موردها بحکم العقل الشکّ فی برائة الذمّة بدون الإحتیاط، فإذا قطع بها بحکم الإستصحاب فلا مورد للقاعدة. کما لو أجرینا استصحاب وجوب التمام أو القصر فی بعض الموارد التی یقتضی الإحتیاط الجمع فیها بین القصر و التمام، فإنّ استصحاب وجوب أحدهما و عدم وجوب الآخر مبریءٌ قطعیٌّ لذمّة المکلّف عند الإقتصار علی مستصحب الوجوب.(1)
و الحکم هنا، ورود الإستصحاب علی التخییر.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
و لا یخفی ورود الإستصحاب علیه؛ إذ لا یبقی معه التحیّر الموجب للتخییر. فلا یحکم بالتخییر بین الصوم و الإفطار فی الیوم المحتمل کونه من شوّال مع استصحاب عدم الهلال، و لذا فرّع الإمام علیه السلام قوله: «صم للرویة و أفطر للرویة» علی قوله: «الیقین لا یدخله الشکّ».(2)
المقام الثانی: التنافی بین الإستصحابین؛ و له وجهان:
الأوّل: ما إذا کان الشکّ فی أحدهما مسبّباً عن الشکّ فی الآخر؛ کاستصحاب
طهارة الماء المغسول به ثوبٌ نجسٌ، فإنّ الشکّ فی بقاء نجاسة الثوب و ارتفاعها مسبّبٌ عن الشکّ فی بقاء طهارة الماء و ارتفاعها.
و الحکم هنا، تقدیم الشکّ السببیّ و إجراء الإستصحاب فیه، و رفع الید عن الحالة السابقة للمستصحب الآخر.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
أنّ قوله علیه السلام «لا تنقض الیقین بالشک» باعتبار دلالته علی جریان الإستصحاب فی الشکّ السببیّ، مانعٌ عن قابلیّة شموله لجریان الإستصحاب فیالشکّ المسببیّ، یعنی: أنّ نقض الیقین بهیصیر نقضاً بالدلیل لا بالشکّ، فلا یشمله النهی فی «لا تنقض». و اللازم من شمول «لاتنقض» للشکّ المسببیّ نقض الیقین فی مورد الشکّ السببیّ لا لدلیل شرعیّ یدلّ علی ارتفاع الحالة السابقة فیه، فیلزم من إهمال الإستصحاب فی الشکّ السببیّ طرح عموم «لا تنقض» من غیر مخصّصٍ، و هو باطلٌ. و اللازم من إهماله فی الشکّ المسببیّ عدم قابلیّة العموم لشمول المورد، و هو غیر منکر.(1)
الثانی: ما إذا کان الشکّ فی کلیهما مسبّباً عن أمرٍ ثالثٍ؛ فمورده ما إذا علم ارتفاع أحد الحادثین لا بعینه و شکّ فی تعیینه. و لها صور أربع:
الصورة الأولی: العمل بالإستصحابین مستلزمٌ لمخالفة قطعیّة عملیّة لذلک العلم الإجمالی؛ کما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الطاهرین؛ فالعلم الإجمالیّ یوجب الشکّ فی هذین الإنائین؛ فالعمل باستصحاب الطهارة فی کلیهما، مخالفة قطعیّة عملیّة للعلم الإجمالیّ.
و الحکم هنا، تساقط کلا الإستصحابین و الرّجوع إلی القواعد الأخر.
قال الشیخ الأنصاری فی وجه ذلک:
لأنّ العلم الإجماليّ هنا بانتقاض أحد اليقينين يوجب خروجهما عن مدلول «لا تنقض»؛ لأنّ قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ و لكن تنقضه بيقين مثله» يدلّ على حرمة النقض بالشكّ و وجوب النقض باليقين، فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين، فلا يجوز إبقاء كلّ منهما تحت عموم حرمة النقض بالشكّ؛ لأنّه مستلزم لطرح
1) فرائد الأصول 3: 395
الحكم بنقض اليقين بمثله، و لا إبقاء أحدهما المعيّن؛ لاشتراك الآخر معه في مناط الدخول من غير مرجّح، و أمّا أحدهما المخيّر فليس من أفراد العامّ؛ إذ ليس فردا ثالثا غير الفردين المتشخّصين فيالخارج، فإذا خرجا لم يبق شيء. و قد تقدّم نظير ذلك في الشبهة المحصورة ، و أنّ قوله عليه السّلام: «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام» لا يشمل شيئا من المشتبهين.(1)
الصورة الثانیة: العمل بإستصحابین، لا یکون مستلزماً للمخالفة القطعیّة العملیّة للعلم الإجمالی؛ و لکن قام دلیلٌ من الخارج علی عدم جواز الجمع بین الإستصحابین؛ کما فی الماء النجس المتمّم کرّاً بماء طاهر؛ حیث قام الإجماع علی اتّحاد حکم الماءین؛ فلا یجوز الحکم بطهارة بعض الماء و نجاسة البعض. فالإجماع مانعٌ عنجریان الإستصحابین.
و الحکم هنا، تساقط کلا الإستصحابین والرّجوع إلی القواعد الأخر.
الصورة الثالثة: العمل بإستصحابین لا یکون مستلزماً للمخالفة القطعیّة العملیّة للعلم الإجمالیّ؛ و لیس هناک دلیل خارجیّ علی عدم جواز الجمع بین الإستصحابین؛ و لکن یترتّب أثرٌ شرعیّ علی کلّ من المستصحبین فی الزمان اللاحق؛ کما فی استصحاب بقاء الحدث و طهارة البدن فی من توضّأ غافلاً بمائعٍ مردّدٍ بین الماء و البول.
و الحکم هنا، جریان الإستصحابین و حمل الآثار علیهما.
قال الشیخ الأنصاری فی توضیح هذا المثال:
فإنّه یحکم ببقاء الحدث و طهارة الأعضاء استصحاباً لهما. و لیس العلم الإجمالی بزوال أحدهما مانعاً من ذلک؛ إذ الواحد المردّد بین الحدث و طهارة الید لا یترتّب علیه حکم شرعیّ حتی یکون ترتیبه
1) فرائد الأصول 3: 410
مانعاً عن العمل بالاستصحابین، ولا یلزم من الحکم بوجوب الوضوء و عدم غسل الأعضاء مخالفة عملیّة لحکم شرعیّ أیضاً.(1)
الصورة الرابعة: العمل بإستصحابین لا یکون مستلزماً للمخالفة القطعیّة العملیّة للعلم الإجمالیّ؛ و لیس هناک دلیل خارجیّ علی عدم جواز الجمع بین الإستصحابین؛ و لکن یترتّب أثرٌ شرعیّ علی أحد المستصحبین فی الزمان اللاحق دون الآخر؛ کما فی دعوی الموکّل التوکیل فی شراء العبد و دعوی الوکیل التوکیل فی شراء الجاریة.
و الحکم هنا، جریان أحد الإستصحابین المترتّب علیه حکم شرعیّ.
قال الشیخ الأنصاری فی توضیح ذلک:
و أمّا الصورة الرابعة، و هی ما یعمل فیه بأحد الإستصحابین. فهو ما کان أحد المستصحبین المعلوم ارتفاع أحدهما ممّا یکون مورداً لابتلاء المکلّف دون الآخر، بحیث لا یتوجّه علی المکلّف تکلیف منجّز یترتّب أثر شرعیّ علیه. و فی الحقیقة هذا خارج عن تعارض الإستصحابین؛ إذ قوله «لا تنقض الیقین» لا یشمل الیقین الذی لا یترتّب علیه فی حق المکلّف أثر شرعیّ بحیث لا تعلّق له به أصلاً، کما إذا علم إجمالاً بطروء الجنابة علیه أو علی غیره. و کذا لو تداعیا فی کون النکاح دائماً أو منقطعاً، فإنّ الأصل عدم النکاح الدائم من حیث إنّه سببٌ للإرث و وجوب النفقة و القسْم.(2)
ومن الممکن أن یقال: المقدّمة الرابعةو بعد الفراغ عن ذکر المقدّمات الثّلاثة، نذکر المراحل الّتی یجب إکمالها علی الفقیه فی مقام استنباط الأحکام الشرعیّة الأعمّ من التکلیفیّة و الوضعیّة.
فنقول مستعیناً بالله تعالی:
الأحکام الشرعیّة تدور مدار صدق الموضوع الّذی یتعلّق به الحکم وجوداً و عدماً. فإن بقی الموضوع، بقی الحکم، و إلّا فلا. و لذا اشتهر أنّ نسبة الموضوع إلی الحکم، کنسبة العلّة إلی معلولها.
قال المحقّق النائینی:
فعلیّة الحکم إنّما یکون بوجود موضوعه، کما أوضحناه فی محلّه، فنسبة الموضوع إلی الحکم نسبة العلّة إلی المعلول، و لا یعقل تقدّم الحکم علی موضوعه، و إلّا یلزم عدم موضوعیّة ما فرض کونه موضوعاً، و ذلک واضح.(1)
إلّا إذا قام دلیلٌ علی أنّ حدوث العنوان، علّة تامّة للحکم؛ فحینئذٍ لا یتوقّف بقاء الحکم علی بقاء الموضوع؛ لأنّ حدوث عنوان الموضوع، کافٍ فی
1) فوائد الأصول 1: 146
تعلّق الحکم به؛ کمسألة المشتق المبحوث عنها فی علم الأصول؛ کما فی امرأة مات زوجها و لم یغسل، فهل یمکن لها غسل الزوج بعد عدّة الوفات و التزویج أم لا؟ یحکم القائل بالأعمّ فی مسألة المشتق، بجواز الغسل، لأنّها کان زوجة؛ فالعنوان مرتفعٌ بالتزویج الثانی و لکنّ الحکم باقٍ. فالدلیل هناک، إختیار القول بالأعمّ فی مسألة المشتق.قال الشیخ الأنصاری:
ثمّ اعلم أنّ الحلّية و الحرمة في هذه التراكيب كسائر الأحكام المتعلّقة بموضوعاتها تدور مدار صدق ذلك العنوان الذي تعلّق به الحكم على وجه لو زال العنوان زال الحكم، إلّا أن يعلم من دليل خارج عن نفس القضيّة الحمليّة ثبوت الحكم بعد زوال العنوان أيضا، فيكشف ذلك الدليل عن كون العلّة التامّة للحكم هو حدوث العنوان في أحد الأوقات.(1)
تنبیهٌ: الغرض الأصلیّ من تدوین بعض مسائل علم الأصول کمسألة المشتق و العرف و الحقیقة الشرعیّة و القول اللغوی و الإستصحاب القهقری، هو الوصول إلی معرفة الموضوع.
هذا تمام الکلام فی أهمیّة معرفة الموضوع و یبقی الکلام فی مقامین:
و قد إشتهر بین الأصولیین، إطلاق الموضوع بالعین الخارجیّ کالخمر و العصیر و المتعلّق بالفعل المکلّف کالصلّاة و البیع ؛ ففی روایة: «إن غلی العصیر فلا یحل بیعه»(2)العصیر موضوعٌ و البیع متعلّقٌ و الغلیان خصوصیّةٌ للموضوع. و فی آیة
«تیمّموا صعیداً طیّباً»(1)الصعید موضوعٌ و التیمّم متعلّقٌ و الطیّب خصوصیّةٌ للموضوع.
و لکنّ المراد من الموضوع فی هذه المرحلة، الأعمّ من الموضوع و المتعلّق و الخصوصیّات. فالیعرف المجتهد الموضوع بالمعنی الأعمّ فی مقام الإستنباط؛ لأنّ الجهل بالموضوعات، لا یوجب صدور الأحکام الواقعیّة و الوصول إلی مطلوبات الشارع المقدّس.
الأوّل: الموضوع الدّاخلی اللفظی؛ و المراد به، الموضوع الذی یوجد لفظه فی الأدلّة اللفظیّة؛ کلفظ الصوم و الإفطار فی روایة «صم لرؤیة الهلال و أفطر لرؤیته».(2)
بعض مسائل علم الأصول، کالمشتق و الحقیقة الشرعیّة و الظهور و القول اللغوی، نافعٌ فی معرفة هذا القسم من الموضوعات.
الثانی: الموضوع الداخلی اللبی؛ و المراد به، الأمر الذی هو الموضوع للحکم فی الأدلّة اللّبیة غیر اللفظیة؛ أعنی الإجماع و العقل و السیرة و الشهرة.
و توجد هذه الموضوعات فی أبواب المعاملات کثیراً؛ لأنّ العمدة فیها، السیرة و الشهرة، لا الروایة و الآیة.
و لا یصحّ التمسکّ بالإطلاق عند الشکّ فی الموضوع فی الأدلّة اللبیة، لفقدان اللفظ؛ فلذا یأخذ بالقدر المتیقّن عند الشکّ فی هذه الموضوعات.الثالث: الموضوع الخارجی؛ و المراد به، الموضوع الذی لا یوجد بعنوانه الخاص فی الأدلّة، و یسمّی بالموضوعات المستحدثة؛ کالتلقیح الإصتناعی و العقد التأمین.
و یرجع فی معرفة هذا القسم من الموضوعات إلی البیّنة و أهل الخبرة؛ فالفقیه یرجع إلی أساتذة العلوم الإقتصادیة لمعرفة موضوع التأمین فیحکم علیه بالجواز أو عدمه.
و إذا کان هناک تعارض بین البیّنتین، تجری قواعد التعادل و التراجیح؛ لأنّها لیست مختصّة بتعارض الروایتین بل تجری فی تعارض البیّنتین و الآیتین أیضاً.
تنبیهٌ: فیتبیّن بما تقدّم أنّ الفقیه هو بمنزلة المقلّد فی الموضوعات غیر الشرعیّة و یرجع إلی أهل الخبرة.
قال المحقق الأردبیلی فی تفسیر معنی «الغناء»:
أنّه لفظ ورد في الشّرع تحريم معناه و ليس بظاهر له معنى شرعي مأخوذٌ من الشّرع، فيحال على العرف.(1)
و قال فی تفسیر معنی «الغبن»:
و الحدّ فی ذلک العرف لما تقرر فی الشرع أنّ ما لم یثبت له الوضع الشرعی یحال إلی العرف، جریاً علی العادة المعهودة من ردّ الناس إلی عرفهم.(2)
و قال فی تفسیر معنی «القبض»:
و الذی یقتضیه النظر رجوع أمثاله إلی العرف إذ لا شرع هنا علی ما تصرف و حینئذ لا فرق بین المنقول و غیره و المکیل و غیره فی کون المرجع فیها إلی العرف إلّا أنّ العرف فیها یکون مختلفاً و غیر ظاهر.(3)
تنبیهٌ: و لا یخفی أنّ الملاک فی الرجوع إلی العرف، هو العرف فی زمن الرجوع لا فی زمن الصدور.
قال المحقق الأردبیلی فی تفسیر معنی «البئر»:
و الظاهر أنّ الإعتبار لو کان بالقسمیه لکان المعتبر فیه العرف العام أو الخاص لو وجده، لا عرف زمانهم علیهم السلام.(1)
هذا، و نذکر عملیّات بعض الفقهاء فی بعض الأبواب لمعرفة الموضوعات لحمل الأحکام الشرعیّة علیها.
الأوّل: ما ذکره المحقّق البروجردی فی تفسیر بعض مفردات الروایة التی رواها محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام «قال: سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته؟ فقال: لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيّام إلاّ أن يكون فيها منزل يستوطنه. فقلت: ما الإستيطان؟ فقال: أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها.»:(2)
إن قلت: إنّ الوطن العرفى أمرٌ معلوم عند العرف حقيقة، فلا مجال لأنّ يسأل عن حقيقته، و أمّا الوطن الشرعيّ فحقيقته غير معلوم عند السائل، فسئل عن حقيقة الوطن الشرعي. أقول: إنّه لم يكن في إرتكازه الوطن غير وطن العرفي حتى يسأل عنه و عن حقيقته، فيكون سؤاله عن محقّق الوطن العرفي بعد معلومية حقيقته عند السائل فاجاب عليه السّلام «أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر» يعني الإستيطان يكون له في الضيعة منزل يقيم فيه ستة أشهر.
إلی أن قال:
فهل نقول: بأن المراد هو أن يكون له إقامة فعلية ستة أشهر، حتى يجب عليه الإتمام بأن يكون المراد من لفظ (يقيم) هو الحال.
أو يقال: بأن المراد منه الإستقبال، فعلى هذا يكون محقّق الإستيطان هو أن يقيم في المستقبل ستة أشهر، فيكون المراد وجوب الإتمام فعلاً لاجل انّه يقيم بعداً في هذا الموضع ستة أشهر.
أو أن يقال: بأن المراد من لفظ «يقيم» هو إقامة الماضية سابقاً، و يكون المراد من المضارع الماضي فيكون إقامة ستة شهر في السابق موجبا للإتمام إذا مرّ بهذا الموضع بعد ذلك. أو يقال: بأن المضارع منسلخ في المقام عن الزمان، أعني: اعتبرت الإقامة مجرّدة عن الزمان، فلا يستفاد من «يقيم» زمان المضارعو لا الماضي، بل يستفاد منه صرف لزوم حصول ذلك منسلخاً عن الزمان و في وعاء الدهر.(1)
الثانی: ما ذکره الأستاذ السیفی المازندرانی فی تعیین المراد من لفظی «الشک» و«السهو» فی قاعدة «لا شکّ لکثیر الشکّ و لا سهو فی السهو»:
فيستفاد من كلام الشهيد الثاني إستعمال كلٍّ من لفظي السهو و الشك في معنى الآخر في نصوص المقام على وجه المجاز بعلاقة السبب و المسبب؛ نظراً إلى كون السهو سبب عروض الشك؛ لأنّ من سهى حالته السابقة يشك في حالته اللاحقة.
قال قدس سره:
«إعلم أنّ كل واحد من السهو و الشك قد يستعمل في معنى الآخر على وجه المجاز؛ لتقارب مفهوميهما و لكون السهو سبباً في الشك غالباً
1) تبیان الصلاة 2: 18-19
فيطلق لذلك اسم السبب على المسبّب، و بالعكس».(1)
و هذا البيان منه متينٌ جدّاً، فلا حاجة إلى التجشّم و التكلّف في تأويل لفظ الشك بما يعم السهو و إثبات التسوية بينهما للفرار من المجاز.(2)
الثالث: ما ذکره المحقّق الموسوی السبزواری فی تعیین المراد من لفظ «الصعید»:
يجوز التيمم على مطلق وجه الأرض على الأقوى، سواءٌ كان لإطلاق الكتاب و السنّة المشتمل على لفظ الصعيد - و هو مطلق وجه الأرض - و عن جمع دعوى الإجماع عليه. و البحث في المقام تارةً: بحسب كلمات اللغويين، و أخرى، بحسب الإستظهار عن الأدلة، و ثالثةً: بحسب كلمات الفقهاء، و رابعةً: بحسب الأصل العملي.أما الأوّل: فقد نسب أنّ الصعيد مطلق وجه الأرض إلى أئمة اللغة تارةً، و إلى فضلاء أهل اللغة أخرى، و عن الزجّاج: «لا أعلم خلافا بين أهل اللغة في أنّ الصعيد مطلق وجه الأرض». و عورض ذلك بما نقل عن كثير من أهل اللغة أنّه خصوص التراب.
و فيه: أنّ الظاهر، بل المقطوع به أنّ التفسير بخصوص التراب، لكونه أظهر أفراد الصعيد و أشيعها مرادا منه عند الاستعمال لا أنّه معناه الحقيقي فقط، و يشهد له أنّهم لم يختلفوا في أنّ معنى الصعيد في سائر موارد استعمالاته مطلق وجه الأرض، كقوله تعالى فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ، و قوله تعالى وَ إِنّٰا لَجٰاعِلُونَ مٰا عَلَيْهٰا صَعِيداً جُرُزاً و قوله عليه السّلام:
«إذا كان يوم القيامة جمع اللّه عزّ و جلّ الناس في صعيد واحد و وضعت الموازين فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد
العلماء على دماء الشهداء».(1)
الرابع: ما ذکره الأستاذ السیفی المازندرانی فی معرفة موضوع «الوقف» فی بعض الروایات:
هذا مضافاً إلى القطع بكون المراد من لفظ الصدقة الوقف بقرينة سؤال الراوي؛ حيث صرّح في سؤاله بلفظ الوقف فأجاب عنه الإمام بلفظ الصدقة كما في خبر علي بن سليمان ، أو بقرينة كون المتصدّق به عيناً غير منقولة كعقار أو أرض أو ضيعة أو بستان أو ينبوع، ونحو ذلك ممّا لا ينتقل وإنّما يُنتفع بثماره ومنافعه.(2)
الخامس: ما ذکره الشیخ الأنصاری فی معرفة موضوع «القیافة»:
و القائف كما عن الصحاح و القاموس و المصباح: هو الذي يعرف الآثار. و عن النهاية و مجمع البحرين زيادة: أنّه يعرف شَبَه الرجل بأخيه و أبيه .
و في جامع المقاصد و المسالك كما عن إيضاح النافع و الميسيّة - أنّها إلحاق الناس بعضهم ببعض . و قيّد في الدروس و جامع المقاصد - كما عن التنقيح حرمتها بما إذا ترتب عليها محرّم ، و الظاهر أنّه مراد الكلّ، و إلّا فمجرّد حصول الاعتقاد العلمي أو الظنّي بنسب شخص لا دليل على تحريمه؛ و لذا نهي في بعض الأخبار عن إتيان القائف و الأخذ بقوله.(3)
السادس: ما ذکره الشیخ الأنصاری فی معرفة موضوع «الکهانة»:
و هي : من كَهَنَ يَكْهُنُ ككتب يكتب كتابة كما في الصحاح - إذا تكهَّن، قال: و يقال كهُن - بالضمّ -، كهانة بالفتح -: إذا صار كاهناً . و عن القاموس أيضاً: الكهانة-بالكسر-، لكن عن المصباح: كَهَنَ يَكْهُنُ- كقتل - كهانة بالفتح .
و كيف كان، فعن النهاية: أنّ الكاهن من يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان. و قد كان في العرب كهنة، فمنهم: من كان يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ يُلقي إليه الأخبار. و منهم: من كان يزعم أنّه يعرف الأُمور بمقدّمات و أسباب يستدلّ بها على مواقعها من كلام من سأله، أو فِعلِه، أو حاله، و هذا يخصّونه باسم «العرّاف». و المحكيّ عن الأكثر في تعريف الكاهن ما في القواعد، من أنّه: مَن كان له رَئيٌّ من الجنّ يأتيه الأخبار. و عن التنقيح: أنّه المشهور ، و نسبه في التحرير إلى القيل . و رَئيّ على فعيل من رأى، يقال: فلان رَئِيّ القوم، أي صاحب رأيهم، قيل: و قد يكسر راؤه إتباعاً . و عن القاموس: و الرَّئيّ كغنيّ: جنّي يرى فَيُحَب . و عن النهاية: يقال للتابع من الجن رَئِيّ بوزن كَمِيّ.(1)
السابع: ما ذکره الإمام الخمینی فی معرفة موضوع «الغناء»:
فقد اختلف الكلمات في ماهيته وحكمه، ففسِّر بالسّماع، وبالصوت، وبالصوت المطرب، وبالصوت المشتمل على الترجيع؛ أو هو مع الإطراب، وبالترجيع، وبالتطريب؛ وبه مع الترجيع، وبرفع الصوت مع الترجيع، وبمدّه،وبمدّه مع الترجيع و التطريب؛ أو أحدهما، وبتحسين الصوت، وبحسنه ذاتاً، وبمدّه وموالاته، وبالصوت الموزون المفهم المحرّك للقلب، وبمدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أو ما يسمّى في
1) کتاب المکاسب 2: 34
العرف غناءً و إن لم يطرب، وبالصوت اللهوي، وبألحان أهل المعاصي و الكبائر، وبما كان مناسباً لبعض آلات اللهو والرقص، وبالصوت المعدّ لمجالس اللهو، وبالصوت المثير لشهوة النكاح... إلى غير ذلك . وعن المشهور أنّه مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب.
فالأولى تعريف الغناء بأ نّه صوت الإنسان الذي له رقّة وحسن ذاتي ولو في الجملة، وله شأنية إيجاد الطرب بتناسبه لمتعارف الناس. فخرج بقيد الرقّة و الحسن صوت الأبحّ الرديّ الصوت.(1)
الثامن: ما ذکره الشیخ الأنصاری فی معرفة موضوع «البیع»:
و هو في الأصل كما عن المصباح -: مبادلة مالٍ بمال.
و الظاهر اختصاص المعوّض بالعين، فلا يعمّ إبدال المنافع بغيرها، و عليه استقرّ اصطلاح الفقهاء في البيع .
ثمّ الظاهر: أنّ لفظ «البيع» ليس له حقيقة شرعية و لا متشرّعية، بل هو باقٍ على معناه العرفي، إلّا أنّ الفقهاء قد اختلفوا في تعريفه، ففي المبسوط و السرائر و التذكرة و غيرها : «انتقال عينٍ من شخصٍ إلى غيره بعوض مقدّر على وجه التراضي». و حيث إنّ في هذا التعريف مسامحة واضحة، عدل آخرون إلى تعريفه ب: «الإيجاب و القبول الدالّين على الانتقال»، و حيث إنّ البيع من مقولة المعنى دون اللفظ مجرّداً أو بشرط قصد المعنى، و إلّا لم يعقل إنشاؤه باللفظ عدل جامع المقاصد إلى تعريفه ب: «نقل العين بالصيغة المخصوصة».
و يرد عليه مع أنّ النقل ليس مرادفاً للبيع؛ و لذا صرّح في التذكرة: بأنّ إيجاب البيع لا يقع بلفظ «نقلت»، و جعله من الكنايات ، و أنّ المعاطاة عنده بيع مع خلوّها عن الصيغة -: أنّ النقل بالصيغة أيضاً
1) المکاسب المحرمة 1: 341
لا يعقل إنشاؤه بالصيغة.
و لا يندفع هذا: بأنّ المراد أنّ البيع نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة، فجعله مدلول الصيغة إشارة إلى تعيين ذلك الفرد من النقل، لا أنّه مأخوذ فيمفهومه حتى يكون مدلول «بعت»: نقلت بالصيغة؛ لأنّه إن أُريد بالصيغة خصوص «بعت» لزم الدور؛ لأنّ المقصود معرفة مادة «بعت»، و إن أُريد بها ما يشمل «ملّكت» وجب الاقتصار على مجرّد التمليك و النقل.
فالأولى تعريفه بأنّه: «إنشاء تمليك عين بمال»
و لا يلزم عليه شيء ممّا تقدّم.(1)
التاسع: ما ذکره الإمام الخمینی فی معرفة موضوع «الصدق» و «الکذب»:
و قد اختلفوا في ماهية الصدق و الكذب:
والمشهور أنّ الأوّل مطابقة الخبر للواقع، والثاني مخالفته له . و قد يقال: إنّ الأوّل مطابقة الحكم للواقع، والثاني مخالفته له، و أنّ رجوع الصدق و الكذب إلى الحكم أوّلاً وبالذات، وإلى الخبر ثانياًوبالواسطة، قال به التفتازاني . و هذا بوجه نظير قول من قال: «إنّ الألفاظ موضوعة للمعاني المرادة» إن كان مراد التفتازاني بالحكم الإدراك الذهني و الحكم النفسي، وسيجيء الاحتمالات في كلامه.
أقول: لا شبهة في أنّ الكلام بنفسه مع قطع النظر عن صدوره من متكلّم مريد دالّ على المعنى. فلو نقشت بواسطة الحوادث الكونية كلمة: «السماء فوقنا»، و «السماء تحتنا» فلا يمكن أن يقال: إنّا لا نفهم منهما شيئاً أصلاً، أو هما لا يحكيان عن مدلولهما، أو يقال: إنّ المدلول منهما شيء واحد، أو إنّ مدلولهما ليس موافقاً ولا مخالفاً
1) کتاب المکاسب 3: 10
للواقع. فعليه تكون الجملة الاُولى صادقة، والثانية كاذبة. وتوهّم أنّ ما يحكيان عنه ليس بنحو الدلالة، بل بنحو الخطور لاُنس الذهن، خلاف الوجدان. و هو أصدق شاهد على عدم الفرق في الدلالة بين الكلام الصادر من متكلّم شاعر وبين الصادر من غيره. فبطل القول بأنّ الألفاظ موضوعة للمعاني المرادة، أو الوضع عبارة عن التعهّد بإرادة المعنى من اللفظ، أو أنّ الدلالة عبارة عن إبراز ما في الضمير، وما فيه حاكٍ عن الواقع . مضافاً إلى أنّ الكلام الصادر من المتكلّم لا يحكي إلّاعن الواقع ونفس الأمر مستقيماً، من غير دلالة علىالمعاني الذهنية وصورها، و هو وجداني جدّاً. فيكون الصدق و الكذب من صفات الخبر أوّلاً وبالذات، و إنّما يتّصف المتكلّم بكونه صادقاً أو كاذباً لأجل إخباره. فلا محالة تكون سعة اتّصافه بالصادق والكاذب تابعة لإخباره؛ لعدم إمكان أن يكون الخبر صادقاً و قد أخبر به المتكلّم ومع ذلك لا يكون صادقاً، وكذا في الكذب. لكن نرى في العرف و العادة عدم إطلاق الكاذب على الخاطئ و المشتبه، فلا يقال لمن صنّف كتاباً مشتملاً على أحكام اجتهادية مخالفة للواقع: «إنّه كاذب»، ولا لمن أخبر بإعطاء شيء لزيد غداً فمنعه مانع عنه: «إنّه كذب و إن كان معذوراً».
وبالجملة: إنّ العرف يطلقون على مثله الخطأ والاشتباه أو نحوهما، ولا يقال: «إنّه كاذب» أو «كذب فلان». ولازم ذلك أن يكون أمثال ذلك خارجة عن الصدق و الكذب بالمعنى المصدري، و إن لم تخرج عن أحدهما بمعنى حاصل المصدر؛ أينفس الكلام. ويظهر من «المنجد» دخالة الاعتقاد فيه، قال: «كذب، ضدّ صدق: أخبر عن الشيء
بخلاف ما هو، مع العلم به».(1)
العاشر: ما ذکره المحقّق المشکینی فی معرفة موضوع «الإنتحار»:
«الإنتحار» في اللغة: قتل الإنسان نفسه. و النحر: موضع تذكية الإبل في أعلى صدره. و المنتحر، كأنّه ينحر نفسه. و ليس للّفظ مصطلح شرعي أو فقهي.
و ذكروا أنّه على قسمين: إيجابي، و سلبي.
و الأوّل فعل ما يجب تركه ممّا يورث القتل، كالضرب بالسيف و الرمح و السكّين و البندقة، و الاتّصال بالكهرباء، و أكل السمّ و شربه، و نحو ذلك. و الثاني ترك ما يجب فعله، كالامتناع عن الغذاء و الأكل و الشرب و سائر ما هو سبب لبقاء الحياة حتّى يؤدّي إلى الموت، و منه ترك معالجة الأمراض و القروح و الجروح حتّى يموت، و لعلّ من ذلك أيضاً ما لو اضطرّ إلى أكل الميتة و شرب المسكر و نحوهما، فامتنع منها حتّى مات؛ لوجوب ارتكاب ما يضطرّ إليه الإنسان.ثمّ إنّ الإنتحار قد ذكر في الفقه تحت عنوان قتل النفس، فحكموا بحرمة ذلك في الشريعة، نظير قتل الشخص غيره من المسلمين.(2)
الحادی عشر: ما ذکره المحقّق المشکینی فی معرفة موضوع «التأمین»:
«التأمين» في اللغة و العرف: جعلُ الشيء أو الشخص في الأمن. يقال: أمِنَ يأمَنُ - من باب عَلِمَ -: اطمأنّ. و أمّنه - بالتشديد -: جعله في أمن. و استأمنَه: طلب منه الأمان، أو عدّه أميناً. و كيف كان، فالتأمين في مصطلح الفقه الحادث في العُصور الأخيرة عبارة عن عقد خاصّ واقع بين شخصين أو أكثر، فيلتزم أحدهما جبر كلّ نقص أو
عيب، أو علاج كلّ مرض يرد على بدن الآخر، أو جبر كلّ نقص أو تلفٍ يرد على ماله من بيت أو بستان أو مركوب، أو على جميع ما يملكه من الأموال، في مقابل بَذل الآخر مالاً من قبله، و يُسمّى الأوّل الملتزم المتعهّد مؤمِّناً بالكسر، و الثاني المتعهّد له مستأمناً أو مؤمَّناً له، و المالُ الذي يعطيه المستأمن مؤمَّناً به أو وجه التأمين.
و هذا من العقود العقلائيّة التي يحتاج إلى إيجاب و قبول، و يصحّ أن يكون إيجابه من المؤمّن فيقول: أمَّنتُك، أو التزمتُ و تعهّدت جبرانَ ما يرد عليك - أو على مالك - بكذا ديناراً، فيقبل المستأمن، و أن يكون من المستأمن فيقول: عليّ أداء كذا مبلغاً بجبرك الخسارات الواردة على النحو الخاصّ فيقبل المؤمِّن، و يسمّى العقد عقد التأمين.(1)
الثانی عشر: ما ذکره المحقّق المشکینی فی معرفة موضوع« البنک»:
«البَنْك» بالفتح، و جمعه؛ بنوك، لغة غير عربيّة قد استُعْملت في أغلب الألسنة، فصارت دخيلة فيها، و هي عبارة عن المحلّ الذي توضع فيه الأموال النقديّة - أعيانها و أوراقها - لأعمال خاصّة و معاملات و مبادلات و أقراض و هبات و جوائز و نحوها، تحتَ نظام عامّ عالميّ و تدابير إداريّة خاصّة أو عامّة.
و البُنوك على أقسام: داخليّة، و خارجيّة؛ حكوميّة و غير حكوميّة؛ شخصيّة، و اشتراكيّة. و من أعمالها قبول الأموال النقديّة قرضاً و استيداعاً و مضاربةً و شركةً تجاريّةً و نحو ذلك. و من أعمالها أيضاً إعطاء القروض النقديّة و الأموال و النقود بنحو المضاربة و الشركة التجاريّة و ما أشبه ذلك.
ثمّ إنّ البنك موضوع جديد الحدوث في القرون الأخيرة، و قد وقع البحث
1) مصطلحات الفقه 130
عنه بهذا العنوان في بعض الكتب الفقهيّة.(1)
الثالث عشر: ما ذکره الإمام الخمینی فی صحّة «المعاطاة»:
تدلّ على صحّتها السيرة المستمرّة العقلائية، من لدن تحقّق التمدّن والاحتياج إلى المبادلات إلى زماننا، بل الظاهر أنّ البيع معاطاة أقدم زماناً وأوسع نطاقاً من البيع بالصيغة.
فلا تنبغي الشبهة في أنّ البشر في أوّل تمدّنه واحتياجه إلى التبادلات، كان يبادل الأجناس بالأجناس، من غير إنشاء المعاملات باللفظ أو الالتزام بإيقاعها به، وكان الأمر كذلك في جميع الأعصار، سواء كانت المعاملة بين الأجناس، أو بينها وبين الأثمان في زمان تعارفها ورواجها، وكانت الأسواق في كلّ امّة جارية على المعاطاة، وقلّما يتّفق الإنشاء اللفظي في إيقاع نفس المعاملة، و إن كان التقاول قبل إيقاعها متعارفاً.
و قد كانت متعارفة في عصر النبوّة وبعده بلا شبهة، فلو كانت غير صحيحة لدى الشارع، أو غير مفيدة للملكية - مع بناء العقلاء عليها، ومعاملة الملكية مع المأخوذ بها مطلقاً - لكان عليهم البيان القابل للردع، ومعه كان اشتهاره كالشمس في رائعة النهار؛ لأنّ ردعها موجب لتغيير أسواق المسلمين في المعاملات كما هو واضح.(2)
الرابع عشر: ما ذکره المحقّق الخوئی فی موضوع «شاهد الحال» لیحکم علیه بالکاشفیّة عن رضی المالک:
الثالث: شاهد الحال، بأن تكون هناك قرائن و شواهد تدل على رضا المالك و طيب نفسه.
و تفصيل الكلام في المقام: أنه ربما يصدر عن المالك فعل يبرز عن
رضاه الباطني بتصرف خاص بحيث يكون طريقاً مجعولاً و أمارة نوعية و حكاية عملية، و هذا كفتح الحمامي باب الحمام، فإنه بمثابة الإذن العام لكل من يريد الاستحمام، و لا شك حينئذ في صحة الاعتماد على ذاك المبرز من دون حاجة إلى تحصيل العلم بالرضا، لاستقرار بناء العقلاء بمقتضى التعهد الوضعي على كشف ما في الضمير بمطلق المبرز فعلاً كان أم لفظاً، و من هنا قلنا بصحة المعاطاة لعدم الفرق في إبراز الإنشاء بين الفعل و القول.(1)
1) موسوعة الإمام الخوئی 13: 53
المسألة التی یرید المستنبط إثبات حکمها، لها ثلاثة صورٍ:
الصورة الأولی: حکم
المسألة توجد فی الآیة منحصراً لا فی سائر الأدلّة؛ و فی هذه الصورة یستنبط الحکم عن الآیة بالعلوم المختلفة التی تقدّم ذکرها فی المدخل. و للوصول إلی عدم تعرّض سائر الأدلّة لحکم المسألة، یجب التفحص فی الأدلّة.
یکفی فی التفحص، حصول الإطمینان و العلم العرفی بعدم تعرّض سائر الأدلِة لحکم المسألة؛ لا العلم الوجدانی؛ لأنه لا یحصل العلم الوجدانی بعدم وجود الحکم فی سائر الأدلّة خصوصاً فی الإجماعات و السیر المختلفة. و لا الظن؛ لأنّ فی حجیّتها فی خصوص المقام، خدشةٌ.
کما قال المحقّق المظفر:
أمّا بيان مقدار الفحص الواجب أ هو الّذي يوجب اليأس على نحو القطع بعدم القرينة، أو على نحو الظنّ الغالب و الاطمئنان بعدمها؟ فذلك موكول إلى محلّه. و المختار كفاية الاطمئنان.(1)
و قال الإمام الخمینی:
و المناط فيه هو اليأس عن الظفر بالدليل و الحجّة على الحكم، و هو أمرٌ سهلٌ لا سيّما في مثل زماننا هذا؛ حيث إنّ المسائل فيه مبوّبة؛ و جعل لكلٍّ من مسائل الطهارة و الصلاة و غيرهما بابٌ مستقلٌّ، و ذكروا في كلّ بابٍ الأخبار المربوطة بمسائله، و بذل الفقهاء جهدهم و
1) اصول الفقه 1: 210
وسعهم في جمع الأخبار و الآيات المربوطة بكلّ بابٍ فيه؛ بحيث يكون احتمال وجود دليل آخر فيه لم يظفروا به بعيداً جدّاً.(1)
الصورة الثانیة: حکم المسألة توجد فی الآیة و غیر الآیة؛ و لها ثلاثة حالاتٍ:
الحالة الأولی: غیر الآیة موافقةٌ للآیة .
و فی هذا الوجه یحکم علی طبق الآیات أو غیر الآیات لأنّ حکمهما واحدٌ.
الحالة الثانیة: غیر الآیة مخالفةٌ للآیة؛ و لها وجهین:
و لا یخفی أنّ المراد بالمخالفة، لیس بالنحو التباین الکلّی؛ لأنّ فی هذه الحالة، یطرد غیر الآیات قطعاً؛ فالمراد: المخالفة بالنحو العموم و الخصوص أو المطلق و المقیّد.
الوجه الأوّل: التقدّم و التأخّر فی غیر الآیة، معلومٌ لنا.
یقیس الدلیل المتقدّم مع الآیة؛ فیقیس الحاصل و النتیجة، مع الدلیل المتأخّر؛ فإن کان النسبة بین المجموع و الدلیل المتاخر یبقی علی نسبة العموم و الخصوص المطلق، فالحکم هو التخصیص فیخصّص الآیة بغیر الآیات.و بعبارة أخری: النسبة بین الآیة و غیر الآیة المتقدّم هی العموم و الخصوص المطلق أو نحو ذلک ( لأنّ المهمّ هنا عدم کون النسبة علی وجه التباین) و النسبة بین الآیة و غیر الآیة المتاخّر هی العموم و الخصوص المطلق أو نحو ذلک أیضاً؛ وإن نخصّص الآیة بغیر الآیة المتقدّم، یبقی النسبة بین العام المخصّص و غیر الآیة المتاخر علی العموم و الخصوص المطلق؛ فنخصّص الآیة بغیر الآیة الأوّل و الثانی و نستنبط الحکم الشرعی.
مثال فرضیٌّ: فی الآیة: «یجب إکرام العلماء» و فی الرّوایة المتقدم: «یحرم إکرام الفسّاق من العلماء» و فی الرّوایة المتأخّر: «یستحب إکرام زید العالم
1) تنقیح الأصول 3: 573
العادل»، النسبة بین الدلیل الأوّل و الثانی و بین الدلیل الأوّل و الثالث، هی العموم و الخصوص المطلق، فبعد تخصیص العامّ بالخاص الأوّل، النسبة بین العام المخصّص (العالم غیر الفاسق) و الخاص الثانی، هی العموم و الخصوص المطلق. کما أنّ بعد تخصیص العامّ بالخاصّ الثانی، النسبة بین العام المخصّص (العالم الذی هو غیر زید العالم العادل) و الخاص الأوّل، هی العموم و الخصوص المطلق. فالحکم هنا، تخصیص العامّ بالخاص الأوّل و الثانی.
و إن لم یبقی علی نسبة العموم و الخصوص المطلق و یتبدّل علی نسبة العموم و الخصوص من وجه، یرجع إلی قواعد باب التعادل و التراجیح.
و بعبارة أخری: النسبة بین الآیة و غیر الآیة المتقدّم هی العموم و الخصوص المطلق أو نحو ذلک (لأنّ المهمّ هنا عدم کون النسبة علی وجه التباین) و النسبة بین الآیة و غیر الآیة المتاخّر هی العموم و الخصوص المطلق أو نحو ذلک أیضاً؛ وإن نخصّص الآیة بغیر الآیة المتقدّم، کان النسبة بین العامّ المخصّص و غیر الآیة المتأخر، العموم و الخصوص من وجه و یطلق علیها «إنقلاب النسبة» أیضاً؛ فحینئذٍ توجد مادة إجتماعٍ و مادة إفتراقٍ فی المسألة و ترجع فی مادة الإجتماع إلی قواعد باب التعادل و التراجیح. و الحکم فی مادة الإفتراق واضحٌ.
مثال فرضیٌ: فی الآیة: «یجب إکرام العلماء» و فی الروایة المتقدّم: «یحرم إکرام الفساق من العلماء» و فی الروایة المتأخر: «یکره إکرام النحاة».
فالنسبة بین الدلیل الأوّل و الثانی، و بین الدلیل الأوّل و الثالث، هی العموم و الخصوص المطلق، و بعد تخصیص العامّ بالخاصّ المتقدّم، کان النسبة بین العامّ المخصّص (العالم غیر الفاسق) و الخاص المتأخر، هی العموم و الخصوص من وجه (مادة الإجتماع: النحوی غیر الفاسق و مادة الإفتراق الأوّل: العالم
غیر الفاسق و غیر النحوی و مادة الإفتراق الثانی: النحوی الفاسق)، فترجع إلی قواعد باب التعادل و التراجیح فی مادة الإجتماع.الوجه الثانی: التقدّم و التأخر فی غیر الآیة، مجهولٌ لنا.
و فی هذا الوجه، یخصّص العامّ بأحد الخاصّین، فیقیس بین العامّ المخصّص و الخاص الآخر، فیخصّص العامّ بالخاصّ الآخر، فیقیس بین العامّ المخصّص و أحد الخاصّین؛ و فی النهایة، نترکّب نتیجة القیاسین و نرجع إلی القواعد المربوطة.
مثال فرضیّ: فی الآیة: «أکرم العلماء» و فی الروایة: «لا تکرم النحاة من العلماء» و فی الروایة الأخری: «لا تکرم الکوفیین من النحاة».
لو فرضنا أنّ «لا تکرم النحاة من العلماء» مقدّمٌ زماناً فی الواقع علی «لا تکرم الکوفیین من النحاة»، لکان النسبة بعد تخصیص «أکرم العلماء» ب«لا تکرم النحاة من العلماء»، بین العامّ المخصّص (العالم غیر النحوی) و «لا تکرم الکوفیین من النحاة»، هی التباین؛ و نتیجة نسبة التباین هنا، هی وجوب إکرام العالم غیر النحوی و حرمة إکرام النحوی الکوفی.
و لو فرضنا أنّ «لا تکرم الکوفیین من النحاة»، مقدّمٌ زماناً فی الواقع علی «لا تکرم النحاة من العلماء»، لکان النسبة بعد تخصیص «أکرم العلماء» ب«لا تکرم الکوفیین من النحاة»، بین العامّ المخصّص (العالم غیر النحوی الکوفی) و «لا تکرم النحاة من العلماء»، هی العام و الخاص من وجه؛ و نتیجة النسبة العام و الخاص من وجه، إیجاد ثلاثة مادة:
مادة الإجتماع: هی (النحوی البصری). فإن فرضنا تقدّم «لا تکرم النحاة من العلماء»، لا یجب إکرام مادّة الإجتماع. و إن فرضنا تقدّم «لا تکرم الکوفیین من النحاة»، کان مقتضی العامّ المخصّص (العالم غیر النحوی الکوفی)، وجوب إکرام مادّة الإجتماع و مقتضی «لا تکرم النحاة من العلماء»، حرمة إکرام مادّة
الإجتماع؛ فحینئذٍ یدخل مادّة الإجتماع تحت باب التعارض الأدلّة و تجری قواعد هذا الباب فی مادّة الإجتماع.
مادة الإفتراق الأولی: هی (العالم الصرفی). فیجب إکرام العالم الصرفی مطلقاً؛ سواءٌ کان المقدّم «لا تکرم النحاة من العلماء» أو «لا تکرم الکوفیین من النحاة».
مادة الإفتراق الثانی: هی (النحوی الکوفی). فإن فرضنا تقدّم «لا تکرم النحاة من العلماء»، کان مقتضی العامّ المخصّص (العالم غیر النحوی)، عدم وجوب إکرام النحوی الکوفی و مقتضی «لا تکرم الکوفیین من النحاة»، حرمةإکرام النحوی الکوفی. و إن فرضنا تقدّم «لا تکرم الکوفیین من النحاة»، کان مقتضی العامّ المخصّص (العالم غیر النحوی الکوفی)، عدم وجوب إکرام النحوی الکوفی و مقتضی «لا تکرم النحاة من العلماء»، حرمة إکرام النحوی الکوفی؛ ففی هذه المادة الإفتراق، لا تنافی بین العامّ المخصّص و الخاصّ الآخر. إنتهی.
و بعبارة أخری: فی المرحلة الأولی، نخصّص العامّ بأحد الخاصّین فنقیس العامّ المخصّص بالخاصّ الآخر؛ لکی نعلم النسبة بین العامّ المخصّص و الخاصّ الآخر. و بعده، نخصّص العامّ بالخاصّ الآخر فنقیس العامّ المخصّص بالخاصّ الأوّل. و فی المرحلة الثانیة، نستنبط حکم الأفراد علی طبق القواعد؛ و المراد بالأفراد، العالم النحوی و العالم الصرفی و العالم الکوفی و العالم البصری و هکذا. فیمکن إتّحاد حکم الأدلّة الأربعة ( أعنی: الخاص الأوّل و الخاصّ الثانی و العامّ المخصّص بالخاص الأوّل و العام المخصّص بالخاصّ الثانی) فی فردٍ فکان استنباط حکم الفرد واضحٌ. و یمکن تنافی الدلیلین أو الأدلّة فی فردٍ، فیرجع إلی قواعد باب التعادل و التراجیح.
قال الشیخ الأنصاری فی بیان إنقلاب النسبة:
أنّ ما ذكرنا من حكم التعارض- من أنّ النصّ يحكّم على الظاهر، و الأظهر على الظاهر - لا إشكال في تحصيله في المتعارضين، و أمّا إذا
كان التعارض بين أزيد من دليلين، فقد يصعب تحصيل ذلك؛ إذ قد يختلف حال التعارض بين اثنين منها بملاحظة أحدهما مع الثالث.
مثلاً: قد يكون النسبة بين الاثنين العموم و الخصوص من وجه، و ينقلب بعد تلك الملاحظة إلى العموم المطلق أو بالعكس أو إلى التباين. و قد وقع التوهّم في بعض المقامات، فنقول توضيحا لذلك:
إنّ النسبة بين المتعارضات المذكورة:
إن كانت نسبة واحدة فحكمها حكم المتعارضين:
فإن كانت النسبة العموم من وجه وجب الرجوع إلى المرجّحات، مثل قوله: «يجب إكرام العلماء» و «يحرم إكرام الفسّاق» و «يستحبّ إكرام الشعراء» فيتعارض الكلّ في مادّة الاجتماع.
و إن كانت النسبة عموما مطلقا، فإن لم يلزم محذور من تخصيص العامّ بهما خصّص بهما، مثل المثال الآتي. و إن لزم محذور، مثل قوله: «يجب إكرامالعلماء» و «يحرم إكرام فسّاق العلماء» و «يكره إكرام عدول العلماء» فإنّ اللازم من تخصيص العامّ بهما بقاؤه بلا مورد، فحكم ذلك كالمتباينين، لأنّ مجموع الخاصّين مباين للعامّ.
و إن كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة، فإن كان فيها ما يقدّم على بعض آخر منها، إمّا لأجل الدلالة كما في النصّ و الظاهر أو الظاهر و الأظهر، و إمّا لأجل مرجّح آخر، قدّم ما حقّه التقديم، ثمّ لوحظ النسبة مع باقي المعارضات.
فقد تنقلب النسبة و قد يحدث الترجيح، كما إذا ورد: «أكرم العلماء» و «لا تكرم فسّاقهم» و «يستحبّ إكرام العدول» فإنّه إذا خصّ العلماء بعدولهم يصير أخصّ مطلقا من العدول، فيخصّص العدول بغير علمائهم، و السرّ في ذلك واضح؛ إذ لو لا الترتيب في العلاج لزم إلغاء
النصّ أو طرح الظاهر المنافي له رأسا، و كلاهما باطل.
و قد لا تنقلب النسبة فيحدث الترجيح في المتعارضات بنسبة واحدة ، كما لو ورد: «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق» و «يستحبّ إكرام الشعراء» فإذا فرضنا أنّ الفسّاق أكثر فردا من العلماء خصّ بغير العلماء، فيخرج العالم الفاسق عن الحرمة، و يبقى الفرد الشاعر من العلماء الفسّاق مردّدا بين الوجوب و الاستحباب.
ثمّ إذا فرض أنّ الفسّاق بعد إخراج العلماء أقلّ فردا من الشعراء خصّ الشعراء به ، فالفاسق الشاعر غير مستحبّ الإكرام. فإذا فرض صيرورة الشعراء بعد التخصيص بالفسّاق أقلّ موردا من العلماء خصّ دليل العلماء بدليله، فيحكم بأنّ مادّة الاجتماع بين الكلّ- أعني العالم الشاعر الفاسق- مستحبّ الإكرام.
و قس على ما ذكرنا صورة وجود المرجّح من غير جهة الدلالة لبعضها على بعض.(1)
و المسألة لاتخلو عن التأمّل و الدقّة و الجمع بین الأدلّة لیس بسهولة.قال الشیخ الأنصاری:
و الغرض من إطالة الكلام في ذلك التنبيه على وجوب التأمّل في علاج الدلالة عند التعارض؛ لأنّا قد عثرنا في كتب الاستدلال على بعض الزلّات، و اللّه مقيل العثرات.(2)
الحالة الثالثة: غیر الآیة بعضها موافقةٌ و بعضها مخالفةٌ للآیة.
یتصوّر لهذه الحالة وجوهٌ کثیرة و یشیر إلی وجهین منها:
الوجه الأوّل: النسبة بین غیر الآیة، هی التباین الکلی.
و فی هذا الوجه، نأخذ الدلیل الموافق للآیة.
مثال فرضی: فی الآیة: «أکرم العلماء» و فی الروایة: «أکرم العلماء» و فی الروایة الأخری: «لا تکرم العلماء».
الوجه الثانی: النسبة بین غیر الآیة، هی العموم و الخصوص المطلق و الآیة موافقة للعامّ المطلق و العامّ مقدّمٌ زماناً علی الخاصّ.
و فی هذا الوجه، نأخذ الدلیل المخالف للآیة، أعنی: لا نعمل بعموم الآیة و نخصّص الآیة بالخاص المخالف.
مثال فرضی: فی الآیة: «أکرم العلماء» و فی الروایة: «أکرم العلماء» و فی الروایة الأخری: «لا تکرم الفساق من العلماء».الصورة الثالثة: حکم المسآلة توجد فی غیر الآیة منحصراً.
و یأتی حکم هذه الصورة فی المراحل الآتیة إن شاء الله تعالی.
الأوّل: ما ذکره الإمام الخمینی فی حرمة الغیبة:
الغيبة حرام بالأدلّة الأربعة، والظاهر أنّها من الكبائر.
ويمكن الاستدلال على كونها كبيرة بقوله تعالى: «وَ لاٰ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ.»
بناءً على أنّ ذيل الآية الكريمة تنبيه على تجسّم عمل المغتاب في الآخرة بصورة أكل لحم ميتة أخيه، و هو إيعاد بالعذاب.(1)
1) المکاسب المحرمة 1: 413
الثانی: ما ذکره الإمام الخمینی فی حرمة غیبة الصبی الممیّز:
ثمّ إنّ الظاهر دخول الصبيّ المميّز المدرك للحسن و القبح المتأثّر عن ذكر معايبه فيها؛ لإطلاق بعض الأدلّة وصدق الأخ عليه وكذا المؤمن و المسلم بعد كونه معتقداً بما اعتقد به المسلمون كما هو الغالب في المميّز المسلم.
مع اندراجه في الموضوع لو شكّ في الصدق بالآية الكريمة، قال تعالى:
«وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتٰامىٰ قُلْ إِصْلاٰحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ»(1)
الثالث: قال الشیخ الأنصاری فی حرمة النمیمة:
و هي من الكبائر، قال اللّه تعالى: «وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰار»ِ ، و النمّام قاطع لما أمر اللّه بصلته و مفسد.و قيل : و هي المرادة بقوله تعالى: «وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل.»(2)
الرابع: قال الشیخ الأنصاری فی جواز الولایة من قبل الجائر:
ثم إنّه يسوّغ الولاية المذكورة أمران:
أحدهما: القيام بمصالح العباد، بلا خلاف، على الظاهر المصرّح به في المحكي عن بعض، حيث قال: إنّ تقلّد الأمر من قبل الجائر جائز إذا تمكّن معه من إيصال الحقّ لمستحقه، بالإجماع و السنّة الصحيحة، و قوله تعالى: «اِجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ.»(3)
الخامس: قال المحقّق الروحانی فی حرمة سبّ المومن:
و يدل على حرمته من الكتاب قوله تعالى «وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» فان السب من اوضح مصاديق قول الزور.(1)
السادس: قال المحقّق الروحانی فی حرمة معونة الظالمین:
لا ريب و لا كلام في حرمة معونة الظالمين في ظلمهم.
و تشهد لحرمتها الادلة الاربعة:
و أما الكتاب: فقوله تعالى: «وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ». إذ الركون هو الميل فتدل الآية على حرمة المعونة بالأولوية، أو المراد به الدخول معهم في ظلمهم.(2)
السابع: قال المحقّق الخوئی فی أدلّة إثبات أصالة اللزوم:
منها: قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بتقريب أنّ المراد منها وجوب العمل والوفاء بالعقد أو العهد - على ما فسّر به العقد في صحيحة ابن سنان - والعقد هو المعاقدة الاعتبارية كالعقد الحقيقي في مثل عقد حبل بحبل آخر، فمقتضى الآية أنّ الوفاء والعمل على طبق العقد لازم وأنّ نقض ذلك حرام على نحو الاطلاق، بمعنى أنّ نقضه حرام قبل الفسخ وبعده وفي هذا الزمان وذاك الزمان، لأن الاطلاق يشمل جميع الأزمان فتدلّ الآية على حرمة التصرف في المال بعد الفسخ وقبله، وبالدلالة الالتزامية تدلّ على أنّ البيع لازم ولايرتفع بالفسخ، إذ لو جاز فسخه لما كان لحرمة نقضه على نحو الاطلاق مجال - لأنه ملكه حينئذٍ والتصرف في ملك نفسه جائز - فالآية الكريمة دالّة على الحكم التكليفي والوضعي معاً، أو أنّها تدلّ على الحكم التكليفي فقط وينتزع منه الحكم الوضعي على
مسلكه (قدّس سرّه)، هذا.(1)
الثامن: قال المحقّق الخوئی فی أدلّة خیار الغبن:
قد استدلّ عليه العلّامة (قدّس سرّه) بقوله تعالى «إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» الآية بتقريب أنّ المشتري إنما رضي بالمعاملة والمبادلة على تقدير عدم زيادة القيمة عن القيمة السوقية، فكأنه قيّد المعاملة بتساوي القيمتين، إلّاأنّ هذا القيد والشرط لمّا لم يكن من أركان المعاملة فلا جرم لم يوجب انتفاؤه انتفاء المعاملة رأساً، وإنما أوجب تخلّفه الخيار نظير تخلّف سائر الأوصاف غير المقوّمة للمعاملة هذا.(2)
و قال أیضاً فی هذا المقام:
ثم إنه استدل لثبوت هذا الخيار بوجوه اخر منها قوله تعالى: «لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» وتقريب الاستدلال بهذه الآية المباركة على وجهين:
أحدهما: ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وملخّصه: أنّ للبيع مع الخدعة صور ثلاث، الاُولى: البيع قبل انكشاف الغبن وقبل الرضا به. الثانية: البيع بعد انكشاف الغبن وبعد عدم الرضا به. الثالثة: البيع بعد انكشاف الغبن مع الرضا به.
أمّا الصورة الأخيرة: أعني البيع فيما إذا انكشف الغبن ولكن المغبون رضي بغبنه، فلا إشكال في صحته وعدم كون ذلك من الأكل بالباطل لغرض رضاه بالغبن فهي صحيحة ولو بالأولوية المستفادة مما دل على صحة بيع المكره فيما إذا رضي به بعد الاكراه.
وأمّا الصورة الثانية: فهي من أكل المال بالباطل، إذ المفروض عدم
رضا المغبون بالغبن، فتكون المعاملة حينئذ مصداقاً للأكل بالباطل وهو حرام وفاسد.
وأمّا الصورة الاُولى: فلازم ما ذكرناه في الصورة الثانية وإن كان هو بطلانها أيضاً، لأنّ مقتضى قوله تعالى «لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» هو عدم جواز أكل أموال الناس بغير رضى منهم، والمفروض في الصورة الاُولى عدم رضا المغبون لعدم علمه بالحال، ومع عدم الرضا لا تكون المعاملة صحيحة ومن التجارة عن تراضٍ فلا محالة تقع فاسدة، إلّاأنّا خرجنا عن مقتضى الآية المباركة في الصورة الاُولى بالاجماع القائم على صحة المعاملة قبل انكشاف الغبن وقبل رضا المغبون هذا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في تقريب الاستدلال بالآية المباركة.(1)
التاسع: قال العلامه الحلیّ فی تخصیص الآیات:
فله أقسام:
أحدها: تخصيص الكتاب بالكتاب، و هو جائز، خلافا للظاهرية لقوله تعالى: «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» مع قوله: «وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»
الثاني: تخصيصه بالسنة المتواترة جائز، خلافا لبعض الشافعية.لقوله عليه السلام «القاتل لا يرث»، في تخصيص قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ»، و كتخصيص آية الجلد «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ...». برجم المحصن كما في قول الصادق عليه السلام:
«الحرّ و الحرة إذا زنيا جلد كلّ واحد منهما مائة جلدة، فأما المحصن و المحصنة فعليها الرجم»(2)
المسألة التی یرید المستنبط إثبات حکمها، لها ثلاثة صورٍ:
الصورة الأولی: حکم المسألة توجد فی الروایة منحصراً؛ و هذه الصورة أکثر مورداً من الصور الأخری.
و فی هذه الصورة یستنبط الحکم عن الروایة بالعلوم المختلفة التی تقدّم ذکرها فی المدخل. و للوصول إلی عدم تعرّض سائر الأدلّة لحکم المسألة، یجب التفحص فی الأدلّة. و تقدّم مقدار وجوب الفحص فی المرحلة الأولی.
الصورة الثانیة: حکم المسألة توجد فی الروایة و غیر الروایة؛ و لها ثلاثة حالاتٍ:
الحالة الأولی: غیر الروایة، موافقةٌ للروایة.
و فی هذه الحالة یحکم علی مؤدّی الروایة و غیر الروایة.
الحالة الثانیة: غیر الروایة مخالفةٌ للروایة.
و هذه الحالة، إن کان فی ضمن مخالفة الآیة للروایة، تقدّم حکمها فی المرحلة الثانیة؛ و إن کان فی ضمن مخالفة غیر الآیة کالإجماع و العقل للروایة، نقدّم الإجماع علی الروایة و الروایة علی العقل فی المسائل الفرعیّة.
الحالة الثالثة: غیر الروایة بعضها مخالفة و بعضها موافقة للروایة.و الحکم فی هذه الحالة، هو الحکم المتقدّم فی الحالة الثالثة من المرحلة الثانیة.
الصورة الثالثة: حکم المسألة توجد فی غیر الروایة منحصراً.
و تظهر حکم هذه الصورة من المرحلة الثانیة و المراحل الآتیة.
الأوّل: قال کاشف الغطاء فی وجوب غسل البشرة:
أنه لا يجب غسل الشعر في الغسل مطلقاً إلا إذا توقف عليه غسل البشرة لظاهر الاتفاق و للأصل و لعدم شمول أوامر غسل البدن له و لقوله عليه السلام لا «تنفض الامرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة» نعم يجب إيصال الماء إلى أصوله بحيث يستدير الماء حول كل شعرة شعر لقيام الشعرة مقام منبتها و ذهب بعض إلى وجوب غسل الشعر مع البشرة استناداً إلى ظاهر روايات دالة على ذلك كقوله عليه السلام في الظاهر «من ترك شعره من الجنابة متعمداً فهو في النار» و قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم «تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر و انقوا البشرة» و قوله عليه السلام في الصحيح «الحائض ما بلغ بلل الماء في شعرها أجزأها» و ما ورد في غسل الجنابة أنه في كل عرق و شعرة جنابة و إلى غير ذلك من الروايات المشعرة بذلك.(1)
الثانی: قال العلامة الحلی فی حرمة لبس الحریر للرجال:
و يحرم لبس الحرير المحض للرجال بإجماع علماء الإسلام، و لا تصح الصلاة فيه عند علمائنا أجمع - و هو رواية عن أحمد - لأنّ النهي يدل على الفساد في العبادات.
و قد قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: «حرّم لباس الحرير و الذهب على ذكور أمتي، و أحلّ لأناثهم».
و من طريق الخاصة ما رواه محمد بن عبد الجبار قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام هل يصلّى في قلنسوة حرير أو ديباج؟ فكتب:
«لا تحل الصلاة في حرير محض».(2)
الثالث: ما ذکره المحقّق الشهید الصدر فی وجه نجاسة النبیذ المسکر:
أمّا الروايات الدالّة على نجاسة الخمر بعنوانه، فتلك لا يلزم منها نجاسة النبيذ المسكر، لا عرفاً، ولا متشرّعيّاً، كما هو واضح. فاللّازم - لذلك - هو الاقتصار على الروايات التي تدلّ على نجاسة النبيذ المسكر بعنوانه. ولا يبقى من هذه الروايات ما هو تامّ سنداً ودلالةً إلَّا روايات أربع ورد فيها عنوان النبيذ بخصوصه.
الرواية الأُولى: رواية عمّار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام، في الإناء يُشرب فيه النبيذ؟ فقال: «تغسله سبع مرّات» الحديث.
الرواية الثانية: رواية عليّ بن مهزيار - وهي التي ادّعي أنَّها حاكمة على أخبار الطهارة كما سبق - وفيها يقول: جُعلْتُ فداك، روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله صلوات الله عليهما - في الخمر يصيب ثوب الرجل - أنَّهما قالا:
«لا بأس بأن يصلّي فيه، إنَّما حرّم شربها». وروى غير زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنَّه قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعني: المسكر - فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، وإن صلّيت فيه فأعد صلاتك» الحديث.
وهاتان الروايتان بالإمكان أن يدّعى أنَّهما من قبيل الصريح في الدلالة على النجاسة، بحيث لا يحسن فيهما الجمع العرفيّ بالحمل على الاستحباب، فتتشكّل منهما المرتبة الأُولى.
الرواية الثالثة: ما عن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
«لا تصلّ في بيتٍ فيه خمر ولا مسكر؛ لأنَّ الملائكة لا تدخله، ولا تصلّ في ثوبٍ قد أصابه خمر أو مسكر حتّى تغسله».(1)
1) کتاب الطهارة: 194
الرابع: ما ذکره المحقّق الحکیم فی وقت الفضیلة:
قد اختلفت الأخبار الدالّة على وقت الفضيلة اختلافاً كثيراً. فبعضها: دالٌّ على إنتهائه بالقدمين و الأربعة أقدام، كصحيح الفضلاء: «وقت الظهر بعد الزوال قدمان، و وقت العصر بعد ذلك قدمان» و رواية عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن أفضل وقت الظهر. قال (علیه السلام): ذراع بعد الزوال. قلت: في الشتاء و الصيف سواء؟ قال (علیه السلام): نعم» ، و مكاتبة محمد بن الفرج: «إذا زالت الشمس فصل سبحتك و أحب أن يكون فراغك من الفريضة و الشمس على قدمين، ثمَّ صل سبحتك و أحب أن يكون فراغك من العصر و الشمس على أربعة أقدام» .
و بعضها: ظاهر في دخوله بعد القدمين و الأربعة، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال:
«سألته عن وقت الظهر. فقال (علیه السلام): ذراع من زوال الشمس. و وقت العصر ذراع من وقت الظهر فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس. ثمَّ قال (علیه السلام): إن حائط مسجد رسول اللّه (صلی الله علیه و آله و سلم) كان قامة و كان إذا مضى منه ذراع صلى الظهر و إذا مضى منه ذراعان صلى العصر. ثمَّ قال (علیه السلام): أ تدري لم جعل الذراع و الذراعين؟ قلت: لم جعل ذلك؟ قال (علیه السلام): لمكان النافلة، لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع، فاذا بلغ فيؤك ذراعاً بدأت بالفريضة و تركت النافلة، و إذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة» فإن الصدر و إن كان ظاهراً في كونه من القسم الأول لكن الذيل يوجب حمله على القسم الثاني.(1)
الخامس: ما ذکره المحقّق الصافی فی وجوب الحجّ مرّة واحدة:
1) مستمسک العروة الوثقی 5: 52
لا يجب الحج بأصل الشرع إلا مرة واحدة إجماعاً من المسلمين، و للنصوص الكثيرة الدالة عليه.
مثل صحيح البرقي في المحاسن عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «ما كلف اللّٰه العباد إلا ما يطيقون، إنما كلفهم في اليوم و الليلة خمس صلوات - إلى أن قال: - و كلفهم حجة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك».
و رواية فضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال: «إنما امروا بحجة واحدة لا أكثر من ذلك، لأن اللّٰه فرض الفرائض على أدنى القوة» و يستفاد منتعليل الإمام عليه السلام أن أصل الحكم - و هو وجوب الحج مرة واحدة لا أكثر - مفروغ عنه.
مضافاً إلى ما في روايات باب التسويف من قوله عليه السلام: «إن مات و قد ترك الحج فقد ترك شريعة من شرايع الإسلام» حيث قال عليه السلام: «شريعة»، لا «شرايع».(1)
السادس: ما ذکره الإمام الخمینی فی صحّة المعاطاة:
و قد استدلّ أيضاً بالمرسلة المشهورة: «الناس مسلّطون على أموالهم» ببيان أنّ المعاطاة و نقل الأموال بها من أنواع السلطنة على المال، و المنع عنها تضييق لها، فالرواية ترفعه.
و ممّا استدلّ به ما ورد من قوله عليه السلام في الروايات: «المؤمنون عند شروطهم».(2)
السابع: ما ذکره الشیخ الأنصاری فی جواز بیع بول الإبل:
بول الإبل يجوز بيعه إجماعاً على ما في جامع المقاصد و عن إيضاح النافع أمّا لجواز شربه اختياراً، كما يدلّ عليه قوله عليه السلام في رواية الجعفري: «أبوال الإبل خيرٌ من ألبانها» و إمّا لأجل الإجماع المنقول، لو قلنا بعدم جواز شربها إلّا لضرورة الاستشفاء، كما يدلّ عليه رواية سماعة، قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن بول الإبل و البقر و الغنم ينتفع به من الوجع، هل يجوز أن يشرب؟ قال: نعم، لا بأس» . و موثّقة عمّار، عن بول البقر يشربه الرجل، قال: «إن كان محتاجاً إليه يتداوى بشربه فلا بأس، و كذلك بول الإبل و الغنم».(1)
الثامن: ما ذکره الشیخ الأنصاری فی وجه إتلاف بعض الدراهم:
و منها: الدراهم الخارجة المعمولة لأجل غشّ الناس
إذا لم يفرض على هيئتها الخاصّة منفعة محلّلة معتدّ بها، مثل التزيّن، أو الدفع إلى الظالم الذي يريد مقداراً من المال كالعَشّار و نحوه بناءً على جواز ذلك و عدم وجوب إتلاف مثل هذه الدراهم و لو بكسرها من باب دفع مادّة الفساد، كما يدلّ عليه قوله عليه السلام في رواية الجعفي مشيراً إلى درهمٍ -: «اكسر هذا؛ فإنّه لا يَحِلُّ بيعه و لا إنفاقه».
و في رواية موسى بن بكير:
«قَطَّعَه نصفين ثمّ قال: ألقه في البالوعة حتّى لا يباع شيء فيه غشّ».(2)
المسألة التی یرید المستنبط إثبات حکمها، لها ثلاثة صورٍ:
الصورة الأولی: حکم المسألة توجد فی الإجماع منحصراً.
و فی هذه الصورة یستنبط الحکم عن الإجماع بالعلوم المختلفة التی تقدّم ذکرها فی المدخل و عند الشک فی مقدار دلالة الإجماع، نأخذ بالقدر المتیقّن. و للوصول إلی عدم تعرّض سائر الأدلّة لحکم المسألة، یجب التفحص فی الأدلّة. و تقدّم مقدار وجوب الفحص فی المرحلة الأولی.
الصورة الثانیة: حکم المسألة یوجد فی الإجماع و غیر الإجماع؛ و لها ثلاثة حالاتٍ:
الحالة الأولی: غیر الإجماع موافقٌ للإجماع.
فی هذه الحالة، یحکم علی مؤدّی غیر الإجماع و لا إعتبار بالإجماع؛ لأنّ الإجماع فی هذه الحالة، مدرکیّ أو محتمل المدرک.
الحالة الثانیة: غیر الإجماع مخالفٌ للإجماع.
و فی هذه الحالة یقدّم الإجماع علی غیرها.
الحالة الثالثة: غیر الإجماع بعضها موافقٌ و بعضها مخالفٌ للإجماع.
و الحکم فی هذه الحالة، هو الحکم المتقدّم فی الحالة الثالثة من المرحلة الثانیة.الصورة الثالثة: حکم المسألة توجد فی غیر الإجماع منحصراً.
و تظهر حکم هذه الصورة من المراحل المتقدّمة و الآتیة.
الأوّل: ما ذکره صاحب الجواهر فی عدم تنجّس الماء لو تغیّر بأحد أوصاف
المتنجّس:
و عن شرح الجمل لابن البرّاج: نقل «الإجماع» على عدم نجاسة الجاري، مع التصريح فيه بعدم الفرق بين القليل و الكثير ، و مثله عن الغنية .
و ربّما ظهر من عبارة الخلاف نقل «الإجماع» على ذلك. و في الذكرى: إنّي «لم أقف فيه على مخالف ممّن سلف» ، أي ممّن تقدّم على العلّامة.
و نسب رأي العلّامة بنجاسة الجاري القليل بالملاقاة في جامع المقاصد إلى مخالفة مذهب الأصحاب .
و عن حواشي التحرير: نقل «الإجماع» صريحاً على عدم اشتراط الكرّية . و ربّما ظهر من المصابيح دعوى «الإجماع» أيضاً . و يمكن للمتأمّل المتروّي في كلمات الأصحاب تحصيل «الإجماع» على عدم اشتراط الكرّية.(1)
الثانی: ما ذکره المحقّق الخوئی فی وجه بطلان أعمال الجاهل المقصّر:
و أما المقصّر غير الملتفت فقد ادعوا الإجماع على بطلان عمله و انّه كالعالم و المتعمد في ترك الواجب و معه لا يفرق بين قسمي الجاهل المقصّر أعني الملتفت و غير الملتفت في بطلان عملهما و عدم كونهما مشمولين للحديث، هذا إذا تمّ الإجماع كما ادعي.(2)
الثالث: قال العلامة الحلیّ فی حکم بول الصبیّ الذی لم یتغذّ بالطّعام:بول الصبي الذي لم يغتذ بالطعام نجس، «بإجماع العلماء».(3)
الرابع: ما ذکره الإمام الخمینی فی حرمة الإنتفاع بالمیتة:
نعم، ما يمنعنا عن الجرأة إلى الذهاب إلى الجواز، هو دعاوي «الإجماع»، وعدم الخلاف، وعدم وجدانه، والشهرة في المسألة؛ أهمّها ما حكي عن الحلّي أنّه قال - بعد نقل صحيحة البزنطي المتقدّمة الدالّة على جواز الانتفاع بأليات الغنم - بهذه العبارة: «لا يلتفت إلى هذا الحديث، فإنّه من نوادر الأخبار، والإجماع منعقد على تحريم الميتة و التصرّف فيها بكلّ حال إلّاأكلها للمضطرّ» ، انتهى. ويظهر من «المسالك» أيضاً أنّ عدم جواز الانتفاع بأليات الميتة، والمبانة من الحيّ، موضع وفاق.(1)
الخامس: ما ذکره الشیخ الأنصاری فی البحث عن لزوم المعاطاة:
و الحاصل: أنّ الحكم باللزوم في مطلق الملك و في خصوص البيع ممّا لا ينكر، إلّا أنّ الظاهر فيما نحن فيه قيام «الإجماع» على عدم لزوم المعاطاة، بل ادّعاه صريحاً بعض الأساطين في شرح القواعد ، و يعضده الشهرة المحقّقة، بل لم يوجد به قائل إلى زمان بعض متأخّري المتأخّرين.(2)
المسألة التی یرید المستنبط إثبات حکمها، لها ثلاثة صورٍ:
الصورة الأولی: حکم المسألة توجد فی العقل منحصراً.
و فی هذه الصورة یستنبط الحکم عن الإجماع بالعلوم المختلفة التی تقدّم ذکرها فی المدخل و عند الشک فی مقدار دلالة الإجماع، نأخذ بالقدر المتیقّن. و للوصول إلی عدم تعرّض سائر الأدلّة لحکم المسألة، یجب التفحص فی الأدلّة. و تقدّم مقدار وجوب الفحص فی المرحلة الأولی.
الصورة الثانیة: حکم المسألة توجد فی العقل و غیر العقل؛ و لها ثلاثة حالاتٍ:
الحالة الأولی: غیر
العقل موافقٌ للعقل.
و فی هذه الحالة یحکم علی مؤدّی العقل و سائر الأدلّة إرشادیٌّ.
الحالة الثانیة: غیر العقل مخالفٌ للعقل.
و فی هذه الحالة یحکم علی مؤدّی غیر العقل.
الحالة الثالثة: غیر العقل بعضها موافقٌ و بعضها مخالفٌ للعقل.
و الحکم فی هذه الحالة، هو الحکم المتقدّم فی الحالة الثالثة من المرحلة الثانیة.الصورة الثالثة: حکم المسألة توجد فی غیر العقل منحصراً.
و تظهر حکم هذه الصورة من المراحل المتقدّمة و المرحلة الآتیة.
و لا یخفی أنّ حکم العقل تدور مدار الحسن و القبح فی الموضوع. و کلّما کان فی الموضوع حسنٌ، حکم العقل بالوجوب أو الإستحباب؛ و کلّما کان فیه قبحٌ، حکم العقل بالحرمة أو الکراهة.
الأوّل: ما ذکره الشیخ الأنصاری فی ثبوت الولایة للمعصومین علیهم السلام:
مقتضى الأصل عدم ثبوت الولاية لأحد بشيء من الوجوه المذكورة، خرجنا عن هذا الأصل في خصوص النبيّ و الأئمة صلوات اللّٰه عليهم أجمعين بالأدلّة الأربعة:
و أمّا «العقل القطعي»، فالمستقلّ منه حكمه بوجوب شكر المنعم بعد معرفة أنّهم أولياء النعم، و الغير المستقلّ حكمه بأنّ الأُبوّة إذا اقتضت وجوب طاعة الأب على الابن في الجملة، كانت الإمامة مقتضية لوجوب طاعة الإمام على الرعيّة بطريق أولى؛ لأنّ الحقّ هنا أعظم بمراتب، فتأمّل.(1)
الثانی: ما ذکره المحقّق الخوئی فی وجوب تقلید الأعلم:
فإن «العقل» بعد المقدمات قد استقل أن الشارع نصب طريقاً للعامّي لا محالة، و ليس ذلك هو الاحتياط لأنه غير ميسور في حقه، و لا أنه الظن لأنه لا ظن للمقلد أو لا أثر له، فيتعيّن أن يكون الطريق فتوى عالم ما، و القدر المتيقن فتوى الأعلم فيحتاج حجية فتوى غير الأعلم إلى دليل.(2)
الثالث: ما ذکره الأستاذ السبحانی فی وجه إشتراط الذکوریّة للقاضی:
وجه الاستدلال: إنّ قوام القضاء بالاحتجاج والجدال وتحقيق الحقّ وهو رهن منطق قوي وعقل واع، والمرأة فاقدة لذلك. لأنّ المتوسطين من الرجال أعقل من متوسطات النساء وأبين حجّة وأوضح بياناً، فلا
تصلح الثانية لها.(1)
الرابع: ما ذکره المحقّق محمد الصدر فی بطلان الفضولی:
أنَّ «العقل» المؤيّد بالنقل يستهجن التصرّف في مال الغير إلَّا بإذنه.(2)
الخامس: ما ذکره الشیخ الأنصاری فی حرمة حفظ کتب الضلال:
حرام في الجملة بلا خلاف، كما في التذكرة و عن المنتهي.
و يدلّ عليه مضافاً إلى حكم «العقل» بوجوب قطع مادة الفساد.(3)
السادس: ما ذکره الشیخ الأنصاری فی حرمة سبّ المومنین:
حرام في الجملة بالأدلّة الأربعة؛ لأنّه ظلم و إيذاء و إذلال.(4)
المسألة التی یرید المستنبط إثبات حکمها، إن لم توجد حکمها فی المراحل السابقة، یستنبط بالأصول العملیّة. و تقدّم وجه تقدیم سائر الأدلّة علی الأصول العملیّة فی المقدّمة الثانیة.
الأوّل: ما ذکره المحقّق الحلیّ فی إباحة نکاح المتعة:
قالوا: ثبت بالنقل المتواتر: أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله أباح النكاح المذكور و لم يثبت النسخ فوجب الحكم باستمرار الإباحة عملا «بالاستصحاب» الواقع.(1)
الثانی: ما ذکره المحقّق الحلیّ فی نفقة الزوجات:
فتسقط نفقة البواقي لأنهن في حكم الزوجات و كذا لو أسلمن أو بعضهن و هو على كفره و لو لم يدفع النفقة كان لهن المطالبة بها عن الحاضر و الماضي سواء أسلم أو بقي على الكفر و لا يلزمه النفقة لو أسلم دونهن لتحقق منع الاستمتاع منهن و لو اختلف الزوجان في السابق إلى الإسلام ف القول قول الزوج «استصحابا» للبراءة الأصلية و لو مات ورثه أربع منهن لكن لما لم يتعين وجب إيقاف الحصة عليهن حتى يصطلحن و الوجه القرعة أو التشريك و لو مات قبل إسلامهن لم يوقف شيء لأن الكافر لا يرث المسلم و يمكن أن يقال ترث من أسلمت قبل القسمة.(2)
الثالث: ما ذکره العلامة الحلیّ فی الطلاق المعلّق علی الشرط:
لا شك في أن عصمة النكاح مستفادة من الشرع فلا يمكن زوالها بغير وجه شرعي، و لم يثبت في الطلاق المعلق صلاحية لإزالة تلك العصمة و لدلالة «الاستصحاب» عليه، و لأن المؤثر في البينونة: أما اللفظ و هو باطل و الا انتفتفائدة الشرط أو وقوع المشروط و هو باطل بالإجماع و المجموع و هو باطل لعدم تحققه و ثبوته، فيكون المعدوم مؤثرا في الموجود و هو محال.(1)
الرابع: ما ذکره فخر المحقّقین فی طهارة ماء الغسل من الحدث الأکبر:
الماء المستعمل في الغسل هو الماء المنفصل عن الأعضاء المستعمل في طهارة مبيحة للصلاة من الحدث الأكبر و اجمع أصحابنا على طهارته و كونه مطهرا من الخبث، و هل يطهر من الحدث الأصغر أو الأكبر بمعنى انه يبيح الصلاة من أحدهما اختلف أصحابنا فيه، و ما اختاره هنا هو اختيار المرتضى و ابن إدريس لرفعه الخبث و هو أقوى، و للاستصحاب.(2)
الخامس: ما ذکره العلامة الحلی فی مسألة نسيان ترتيب الصلوات الفائتة و كيفية إتيانها:
«الأحوط» أن يصلي مع كل صلاة تماما و قصرا، و ليس بعيدا من الصواب سقوط الترتيب «لأصالة براءة الذمة» لاستلزامه المشقة المنفية بالأصل.(3)
السادس: ما ذکره العلامة الحلی فی عدم وجوب القضاء و الکفارة بتعمّد الکذب علی الله تعالی أو المعصومین علیهم السلام:
أوجب الشيخان القضاء و الكفّارة بتعمّد الكذب على اللّٰه تعالى، أو على رسوله، أو على الأئمّة عليهم السلام .و خالف فيه السيد المرتضى رحمه اللّٰه، و ابن أبي عقيل، و الجمهور كافّة، و هو المعتمد، «لأصالة البراءة».(1)
و لا یخفی أنّ الوقوف علی تطبیقات المراحل واضحٌ لمن کان له أدنی تتبّع فی الکتب الفقهیّة.
تمّ المقدّمة الرابعة و به تمّ الکتاب، و الحمد لله علی ما تیسّر لنا من تحریر هذا الکتاب بالفهم القاصر. و نرجو التوفیق من الحسنات علی ما مضی من السیّئات، بجاه محمّد و آله سیّد السادات، علیهم أفضل الصلوات و أکمل التحیّات، و علی أعدائهم أشدّ اللعنات و أسوء العقوبات، آمین آمین آمین، یا ربّ العالمین.
بلغ الکلام إلی هنا یوم الجمعة سابع عشر شوّال المکرّم من شهور عام 1445.
قم المشرّفة
مدرسة الفیضیّة
والحمد لله ربّ العالمین.
1) . تذکرة الفقهاء 6: 50
القرآن الکریم
آلاء الرحمن فی تفسیر القرآن، بلاغی، محمّد جواد، موسسة البعثت، الطبعة الأولی، 1420ق
الإتقان فی علوم القرآن، سیوطی، عبد الرحمن بن أبی بکر، دار الفکر، الطبعة الأولی، 1416ق
أجوبة المسائل المهنائیّة، علّامة حلیّ، حسن بن یوسف، مطبعة الخیّام، الطبعة الأولی، 1401ق
الإحتجاج، الطبرسی، أبو منصور، مطابع النعمان النجف الأشرف حسن الشيخ إبراهيم الكتبي، الطبعة الأولی، 1386ق
أصول الفقه، مظفّر، محمّد رضا، منشورات ذوی القربی، الطبعة الأولی، 1438ق
الأصول فی علم الأصول، إیروانی، علی، موسسة النشر الإسلامی، الطبعة الأولی، 1422ق
أنوار الفقاهة، کاشفالغطاء، حسن، مؤسسة کاشف الغطاء العامة، الطبعة الأولی، 1422ق
أنوار الهدایة فی التعلیقة علی الکفایة، الإمام الخمینی، روح الله، موسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی، الطبعة الثانیة، 1415ق
تبیان الصلاة، بروجردی، حسین، گنج عرفان، الطبعة الأولی، 1426ق
تذکرة الفقهاء، علّامة حلی، حسن بن یوسف، موسسة آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث، الطبعة الأولی، 1414ق
تفصیل وسائل الشیعة إلی تحصیل مسائل الشریعة، حرّ عاملی، محمّد بن حسن، موسسة آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث، الطبعة الثالثة، 1416ق
تهذیب الأحکام، طوسی، محمّد بن حسن، دار الکتب الإسلامیّة، الطبعة الرابعة، 1365ش
جواهر الکلام، صاحب جواهر، محمّد حسن بن باقر، موسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامی علی مذهب أهل البیت علیهم السلام، الطبعة الأولی، 1421ق
الحدائق الناضرة فی أحکام العترة الطاهرة، بحرانی، یوسف بن أحمد، جماعة المدرِسین فی حوزة العلمیّة بقم موسسة النشر الإسلامی، الطبعة الأولی، 1363ش
16.دلیل تحریر الوسیلة (الوقف)، سیفی، علی أکبر، موسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی، الطبعة الأولی، 1388ش
17.الرسائل، الإمام الخمینی، روح الله، إسماعیلیان، الطبعة الأولی، 1410ق
18.الرسائل الأصولیّة، وحید بهبهانی، محمد باقر بن محمّد أکمل، موسسة العلامة المجدّد الوحید البهبهانی، الطبعة الأولی، 1416ق
19.الرسائل التسع، محقّق حلی، جعفر بن حسن، مکتبة آیة الله المرعشی النجفی، الطبعة الأولی، 1413ق
20.رسائل فقهیّة، سبحانی تبریزی، جعفر، موسسة الإمام الصادق علیه السلام، الطبعة الأولی، 1429ق
21.شرائع الإسلام فی مسائل الحلال و الحرام، محقّق حلی، جعفر بن حسن، إسماعیلیان، الطبعة الثانیة، 1408ق
22.فرائد الأصول، شیخ أنصاری، مرتضی بن محمّد أمین، مجمع الفکر الإسلامی، الطبعة الثلاثون، 1442ق
23.الفصول الغرویّة فی الأصول الفقهیّة، حائری إصفهانی، محمّد حسین بن عبد الرحیم، دار الإحیاء العلوم الإسلامیّة، الطبعة الأولی، 1404ق
24.فقه الحجّ، صافی، لطف الله، موسسة نشر السیّدة المعصومة سلام الله علیها، الطبعة الأولی، 1381ش
25.فوائد الأصول، نائینی، محمّد حسین، جماعة المدرِسین فی حوزة العلمیّة بقم، الطبعة الأولی، 1376ش
26.الفوائد الحائریّة، وحید بهبهانی، محمّد باقر بن أکمل، مجمع الفکر الإسلامی، الطبعة الأولی، 1415ق
27.القوانین المحکمة فی الأصول، میرزا القمی، أبو القاسم بن محمّد حسن، إحیاء الکتب الإسلامیّة، الطبعة الأولی، 1430ق
28.کتاب البیع، الإمام الخمینی، روح الله، موسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی، الطبعة الرابعة، 1392ش
29.کتاب الطهارة، صدر، محمّد باقر، مدین، الطبعة الأولی، 1433ق
30.کتاب المکاسب، شیخ الأنصاری، مرتضی بن محمّد أمین، مجمع الفکر الإسلامی، الطبعة الحادیة و ثلاثون، 1443ق
31.کشف الأسرار، الإمام الخمینی، روح الله، موسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی، الطبعة الأولی، 1378ش
32.کشف المراد فی شرح تجرید الإعتقاد، علامة حلی، حسن بن یوسف، موسسة النشر الإسلامی، الطبعة التاسعة عشر، 1440ق
33.کفایة الأصول، آخوند خراسانی، محمّد کاظم بن حسین، موسسة النشر الإسلامی، الطبعة الثانی عشر، 1443ق
34.کلیات فی علم الرجال، سبحانی تبریزی، جعفر، موسسة الإمام الصادق علیه السلام، الطبعة العاشرة، 1444ق
35.مبادی الوصول إلی علم الأصول، علامة حلی، حسن بن یوسف، المطبعة العلمیّة، الطبعة الأولی، 1404ق
36.مبانی الفقه الفعّال فی القواعد الفقهیّة الأساسیّة، سیفی، علی أکبر، جماعة المدرّسین فی حوزة العلمیّة بقم، الطبعة الأولی، 1425ق
37.المبسوط فی أصول الفقه، سبحانی تبریزی، جعفر، موسسة الإمام الصادق، الطبعة الرابعة، 1442ق
38.مجمع الفائدة و البرهان فی شرح إرشاد الأذهان، مقدّی أردبیلی، أحمد بن محمّد، موسسة النشر الإسلامی، الطبعة الأولی
39.المحصول فی علم أصول الفقه، الرازی، فخر الدین، موسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1418ق
40.مستدرک الوسائل، نوری، حسین بن محمّد تقی، موسسة آل البیت علیهم السلاملإحیاءالتراث، الطبعة الأولی، 1408ق
41.مستمسک العروة الوثقی، حکیم، محسن، دار التفسیر، الطبعة الأولی، 1374ش
42.مصطلحات الفقه، مشکینی الأردبیلی، علی، موسسة دار الحدیث، الطبعة الأولی، 1392ش
43.مطارح الأنظار، شیخ الأنصاری، مرتضی بن محمّد أمین، مجمع الفکر الإسلامی، الطبعة الثانیة، 1383ش
44.المعتبر فی شرح المختصر، محقّق حلی، جعفر بن حسن، موسسة سیّد الشهداء علیه السلام، الطبعة الأولی، 1364ش
45.معترك الأقران في إعجاز القرآن، سیوطی، عبد الرحمن بن أبی بکر، دار الکتب العلمیّة، الطبعة الأولی، 1408ق
46.مفاتیح الأصول، طباطبائی المجاهد، محمّد بن علی، موسسة آل البیت علیهم السلام، الطبعة الأولی، 1296ق
47.المکاسب المحرّمة، الإمام الخمینی، روح الله، موسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی، الطبعة الرابعة، 1392ش
48.المناهل، طباطبائی، محمّد بن علی، موسسة آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث، الطبعة الأولی
49.منهاج الفقاهة، روحانی، محمّد صادق، أنوار الهدی، الطبعة الخامسة، 1429ق
50.موسوعة الإمام الخوئی، خوئی، سیّد أبو القاسم، موسسة إحیاء آثار الإمام الخوئی، الطبعة الأولی، 1418ق
51.موسوعة الشهید السیّد محمّد باقر الصدر، صدر، محمّد باقر، دار الصدر، الطبعة الثانیة، 1434ق
52.موسوعة الفقه الإسلامی المقارن، مکارم شیرازی، ناصر، دار النشر الإمام علی بن أبی طالب، الطبعة الأولی، 1390ش
53.مهذّب الأحکام فی بیان الحلال و الحرام، موسوی سبزواری، عبد الأعلی، السیّد عبد الأعلی السبزواری، الطبعة الرابعة، 1414ق