ghaemiyeh.com
عوائد القواعد الفقهیّة
نویسنده:مظاهری، حسین
تعداد جلد:3
زبان:عربی
ناشر:مؤسسه فرهنگی مطالعاتی الزهراء (علیها السلام) - اصفهان - ایران
سال نشر:1397 هجری شمسی
محرر رقمی میثم حیدری
الباب الأوَّل
في بيان بعضِ ما حقُّه التَّقديم
في معرفة القواعد الفقهيَّة
المبحث الأوَّل: ما هي أهمِّيَّة البحث عن القواعد الفقهيَّة وفائدته؟ 17
المبحث الثَّاني: ما هي القواعد الفقهيَّة؟ وما هي ماهيَّتُها؟ 20
المبحث الثَّالث: ما هو تأريخ استخدام القواعد في علم الفقه؟ 32
المبحث الرَّابع: أركان القاعدة الفقهيَّة وشروطها 39
المبحث الخامس: سُور القضيَّة في القواعد الفقهيَّة 41
المبحث السَّادس: في أقسام القواعد الفقهيَّة 41
المبحث السَّابع: في أقسام الموضوع في القواعد الفقهيَّة 49
المبحث الثَّامن: حجيَّة القواعد الفقهيَّة ومنابع حجِّيَّتها 50
المبحث التَّاسع: حجِّيَّة قواعد العامَّة الفقهيَّة وعدم حجِّيَّتها عندنا 55
المبحث العاشر: في الفرق بين القاعدة الفقهيَّة وبين المسألة الأصوليَّة 57
المبحث الحادي عشر: في الفرق بين القاعدة وبين المسألة الفقهيَّتَين 77
المبحث الثاني عشر: في الفرق بين القاعدة وبين النَّظريَّة الفقهيَّتين 81
المبحث الثَّالث عشر: في الفرق بين الضَّابطة وبين القاعدة الفقهيَّتَين 84
المبحث الرَّابع عشر: قواعد المقاصد والقواعد الفقهيَّة والفرق بينهما 87
المبحث الخامس عشر: عدمُ التَّوقيف في القواعد الفقهيَّة 89
المبحث السَّادس عشر: قواعد لم يبحثْ عنها الفقهاء 89
المبحث السَّابع عشر: قواعد لم يُوفَ حقُّها من الشَّرح والبَسْط 91
المبحث الثَّامن عشر: نظرةٌ عابرةٌ علىٰ بعض ما كُتِب في هذا العلم 95
الباب الثَّاني
منهجيَّة الشَّيخ الأستاذ الفقيه
في منابع حجِّيَّة القواعد الفقهيَّة
وأثرها في الفقه المعاصر
المسألة الأولىٰ: ما هو العُرفُ؟ 114
المسألة الثَّانية: شروط حجِّيَّة العُرف 124
المسألة الثَّالثة: أقسام العرف والسِّيرة والعادة 127
المسألة الرَّابعة: أسباب ثبوت العُرف والعادة 140
المسألة الخامسة: ما هو الوجه في حجِّيَّة السِّيرة والعُرف؟ 143
المسألة السَّادسة: ما هي مدىٰ استعمال العُرف وحجِّيَّته في الفقه؟ 163
المسألة السَّابعة: القواعد الفقهيَّة ونسبتها مع العرف 171 المسألة الثَّامنة: منهجيَّة الشَّيخ الأستاذ الفقيه في منابع حجِّيَّها 255
المسألة التَّاسعة: أثر العرف في الفقه المعاصر 267
ختام الكلام 297
فهرس المنابع والمصادر 311
أوَّلًا: فهرس الكتب 311
ثانيًا: فهرس المقالات 350
بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم
الحمد للَّه ربِّ العالَمين، والصَّلوة والسَّلام علىٰ جميع أنبيائه ومرسَليه، لاسيَّما سيِّدهم وخاتَمِهم مولىٰ الكونَين وإمام العالَمَين محمَّدٍ المُصطفىٰ المبعوث بالشَّريعة السَّمحة السَّهلة، وعلىٰ أوصيائهم لاسيَّما سيِّدنا ومولانا الإمام عليِّ بن أبي طالبٍ المنصوص بالوصاية، وعلىٰ أولاده المعصومين الطَّيِّبين الطَّاهرين؛ واللَّعنُ الدَّائم علىٰ أعدائهم أجمعين من الآنَ إلى قيام يوم الدِّين!.
وبعد؛ فهذا نثر الفوائد في التَّقديم علىٰ عوائد القواعد الفقهيَّة؛ وقد قرَّرنا في عوائد القواعد تفصيلَ ما ذكره شيخُنا الأستاذ الجليل الفقيه الوَرِع آية اللَّه العظمىٰ الشَّيخ حسين مظاهري الأصفهاني - دام عُلاه ومتَّعنا اللَّهُ بطول بقائه! - في مجالس درسِه بحوزة أصفهان - صينَتْ عن الحدثان! -؛ فإنَّه - حفظه اللَّه! - بعد أن فرغ عن تدريس الأصول علىٰ مستوىٰ الدَّرس الخارج أربع دورات، بحث عن القواعد بتفصيلٍ وافٍ؛ وهذا نتيجة ما استفدَتُ من هذه الأبحاث والدِّراسات. وسأُشيرُ في ختام هذه التَّقدمة إلى شيءٍ آخر حول منهج الشَّيخ الأستاذ في هذه الأبحاث، وتأريخها، وما يرجع إليها - بإذن اللَّه وعونه! -.
أمَّا الآنَ، فعلينا أن نُشيرَ إلى بعض ما حقُّه التَّقديم في هذا المبحث؛ كهذه المباحث:
ما هي القواعد الفقهيَّة؟، وما هي ماهيَّتها؟؛
ما هو الفرقُ بين القواعد الفقهيَّة وبين المسائل الأصوليَّة؟؛
كيف نشأتْ هذه القواعد بين الشِّيعة الإماميَّة وفقهائها؟؛
هل هي منصوصٌ عليها فيما رُوِي عن أصحاب العصمة الكُبرىٰ؟؛
ما هو تأريخ استخدام القواعد في علم الفقه؟، وما هو تأريخ البحث عنها؟؛
و....
ثمَّ بعد الفراغ عن هذه المقدَّمات نرجع إلى ما نحن بصدده الآن، من عرْض هذه الدِّراسات وبيان ما يرجع إليها - بإذن اللَّه وعونه، إنَّه خيرُ ناصرٍ ومعينٍ! -.
وقد سمَّيتُ التَّقدمة ب: نثْر الفَوائد، لما فيها من المطالب والنِّكات الَّتي غفل عنها الكثيرون، عسىٰ أن تكون فيها فائدةٌ للمراجعين - واللَّه المُستعان وعليه التُّكلان! -.
للباحث عن القواعد الفقهيَّة أن يتساءَلَ: ما هي أهمِّيَّة البحث عن هذه القواعد؟، ولماذا لايكفي مقدَّمات الإجتهاد القريبة له لئلَّانكون محتاجين إلى القواعد؟. فعلىٰ سبيل المثال إنَّ علم أصول الفقه متكفِّلٌ للبحث عن القواعد العامَّة الجارية في طريق استنباط جميع المسائل الفقهيَّة؛ فما هي الحاجة إلى علم القواعد؟. وللإجابة عن هذا السُّؤال نذكر قسمًا من أهمِّ فوائد القواعد، ليكون دليلًا علىٰ أهمِّيَّتها.
فأقول - مستعينًا باللَّه متوكِّلًا عليه! -:
القواعد هي من النِّقاط الرِّئيسيَّة الَّتي يستند إليه الفقيهُ في طريق الاِستنباط، كعلم الأصول؛
«فالقواعد الأصوليَّة تُكمِن أهمِّيَّتها من خلال وقوعها في طريق اِستنباط مجموعةٍ من الأحكام الفقهيَّة، وكذلك الأمر في القواعد القهيَّة. فالفقيه يستعين بها في تحصيل مجموعةٍ من الأحكام الفقهيَّة»(1).
1) . راجع: دروسٌ تمهيديَّة في القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 9.
وكما أنَّ كلَّ قاعدةٍ أصوليَّةٍ يأتي في جملةٍ من المسائل فقط، كذلك كلُّ قاعدة فقهيَّةٍ أيضًا يأتي في جملةٍ من المسائل فقط؛ ولذلك:
«لانكون مبالغين إذا قلنا بأنَّ البحث عن القواعد الفقهيَّة لايقلُّ في الأهمِّيَّة عن البحث في القواعد الأصوليَّة»(1).
النَّصُّ هو الأصل الأصيل في مقام الإفتاء، لكنَّه لايُوجَد في كلِّ مسألةٍ يستشرف عليها الفقيه. فإذن يظهر جليًّا له مدىٰ أهمِّيَّة القواعد، إذ في حالة فقد النَّصِّ هي الَّتي يتمسَّك بها الفقيهُ قبل تمسُّكِه بالأصول العمَليَّة. وكلَّما كان أرسخَ قدمًا فيها، يكون أبسطَ يدًا في مقام الفُتيا. وهذا واضحٌ لمن أمعَن النَّظر في علم الفقه ومقدَّماته القريبة والبعيدة. قال القَرافيُّ:
وهذه القواعد مهمَّةٌ في الفقه عظيمةُ النَّفع، وبقدر الإحاطة بها يعظُم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويُعرَف، وتُتَّضح مناهج الفتاوىٰ وتكشَفُ فيها تنافُسُ العلماء وتفاضل الفضلاء!»(2).
كلُّ قاعدةٍ من القواعد يجمع بين عدَّةٍ من المسائل، ولاسيَّما القواعد الرَّئيسيَّة - كقاعدة لاضرر، الَّتي لها مصاديق في الفقه لاتُحصىٰ -. فبالعلم بالقواعد يكون الفقيه مستظهِرًا لعدَّةٍ صالحةٍ من الفروع الفقهيَّة. فالقاعدة كمُلِفٍّ بها يُجمَع بين فروعٍ كثيرةٍ، ولولاه ليَصعُب استحضارُ الفروع الشَّتيتة الَّتي لايجمع بينها أمرٌ واحدٌ فاردٌ.
القواعد هي الطَّريق الأسهل لتوضيح ما قد يقَعُ بين بعض الأحكام الجزئيَّة من التَّعارض، فبإرجاع كلِّ مسألةٍ وحكمٍ إلى القاعدة الَّتي يرجع إليها يظهر عدم التَّعارض بينها.
القواعد هي الطَّريق للمعرفة الإجماليَّة بالفقه ومنهج الاِستنباط لغير المختصِّين به.
فمَن ليس متخصِّصًا في الفقه وأدلَّته وطُرُق اِستنباط أحكامه، لوأراد أن يعرف بعضَ كلِّيَّاته، عليه أن يخوض خوضًا متوسِّطًا في القواعد الفقهيَّة؛ حيث بها يعرِفُ قسطًا صالحًا من أحكام هذا العلم ومناهجه.
معرفة القواعد هي من الطُّرق المأمونة من الخطأ في اِستنباط الجديد من المسائل والنَّوازل الفقهيَّة في كلِّ عصرٍ، إذ القواعد الكلِّيَّة تُشير إلى المسائل الجزئيَّة الَّتي حدث وظهر كثيرٌ منها ولم يحدُثْ ولم يظهَرْ منها ما لايعرفه إلَّااللَّه - سبحانه وتعالى! -. فبمعرفة القواعد يمكن استخراجُ حكم النَّازلة الجديدة واستنباط فرعها.
وهذا قد أشار إليه الدُّكتور سالم افسرى(1)، والدُّكتور تيسير فائق احمد محمود(2)، وغيرهما.
القواعد هي من أوسع الأبواب في الفقه المقارن، فبالتَّدقيق فيما اشتركَتْ المذاهب الإسلاميَّة فيه أو انفرَدَ كلُّ مذهبٍ به، يمكن فتحُ بابٍ واسعٍ في الفقه المقارن. وهذا أحسن وأعلىٰ من النَّظر في كلِّ فرعٍ فرعٍ من الفروع الفقهيَّة، كما فعله القدماء والمعاصرون من فقهاء الفِرَق والمذاهب الإسلاميَّة(3).
1) . راجع: قواعد فقه مذهب شافعى، ص 30.
2) . في تقديمه علىٰ المنثور في القواعد - للزَّرْكِشي -، ج 1 ص 34.
3) . كشيخ الطَّائفة الطُّوسي في كتاب الخلاف، والعلَّامة في تذكرة الفقهاء، والجَزَري في الفقه علىٰ المذاهب الأربعة، وما كتبَه غير واحدٍ من فقهائنا المعاصرين في تزويد كتاب الجَزَري بآراء فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
بما قلنا في الفائدة السَّابعة يظهر جليًّا أنَّ القواعد إذا كانت مطابقةً لما يحكم به العقلُ ويساعده عرفُ العقلاء، تدلُّ علىٰ تطابق الفقه الإسلاميِّ ومقتَضَيات العصر؛ كقاعدة نفي الضَّرر، وقاعدة العدالة، وقاعدة حجِّيَّة العُرف وغيرها من القواعد. فهذه القواعد يظهر منها جليًّا عدمُ جمود الفقه الإسلاميِّ علىٰ عدَّةِ مسائل خاصَّة، وإمكانُ اِنطبقها علىٰ ما يقتضيه كلُّ عصرٍ من العصور الَّتي يمُرُّ بها فقهُنا المُشرِق.
هذه جملةٌ من الفوائد الرَّئيسيَّة لدِراسة القواعد والتَّدُّرب فيها. وللباحث أن يضيف إليها فوائد أكثر من هذا؛ لكنَّا اقتصرنا علىٰ هذا القدر حذرًا عن التَّطويل؛ والحمد والمنَّة للَّه ربِّ العالَمين!.
نركِّز الكلامَ في هذا المبحث علىٰ تبيين القاعدة الفقهيَّة، وبيان ماهيَّتها. فنقول:
أوَّلًا: أمَّا القاعدة فهي لغةً الأصلُ؛ قال ابن منظورٍ: «القاعِدَةُ: أَصلُ الأُسِّ، والقَواعِدُ: الإِساسُ، وقواعِد البيت إِساسُه. وفي التنزيل: «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰاهِيمُ اَلْقَوٰاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمٰاعِيلُ»(1)وفيه: «فَأَتَى اَللّٰهُ بُنْيٰانَهُمْ مِنَ اَلْقَوٰاعِدِ»(2)قال الزجاج: القَواعِدُ أَساطينُ البِنٰاءِ الَّتي تَعْمِدُه.
وقَواعِدُ الهَوْدَج: خَشَباتٌ أَربع مُعتَرَضَةٌ في أَسفَلِهِ تُركَّبُ عِيدانُ الهَوْدَج فيها. قال أَبُوعُبَيدٍ:
قَواعِدُ السَّحابِ أُصُولُها المُعتَرَضَة في آفٰاقِ السَّماءِ، شُبِّهَتْ بِقَواعِدِ البِناءِ»(1)وعن الفَيُّومي:
«قَوَاعِدُ الْبَيْتِ: أَسَاسُهُ، الْوَاحِدَةُ: قَاعِدَةٌ»(2).
وفي المجمع: «القَوَاعِدُ: جمع القَاعِدَة، وهي الأساس لِما فَوقَه، ورَفعُ القَوَاعِدِ: البِناءُ عَلَيها، لأنَّها إذَا بُنِيَ عَلَيها ارتَفَعَتْ»(3). وقريبٌ منه ما ذكره ابنُسيدة(4)، والمدنيُّ الشِّيرازيُّ(5)، والزَّبيديُّ(6)، وإبراهيم حسن موسىٰ(7).
ثمَّ إنَّ إضافة «القواعد» إلى «الفقهيَّة» تُشير إلى اختصاصها بالفقه. والمراد بها القواعد الَّتي تبتنىء عليها الفروعُ الفقهيَّة الكثيرة، فهي مبنيَةٌ علىٰ تلك القواعد.
وثانيًا:
هناك عدَّة آراء حول ماهيَّة القاعدة الفقهيَّة والمائز الَّذي بحصوله يصحُّ عدُّ القاعدة قاعدةً. وأهمُّها:
«القاعدة الفقهيَّة موضوعها أوسعُ من موضوع المسألة، بأن تكون المسائل المتعدَّدة الفقهيَّة مندرجةً تحت تلك القاعدة الفقهيَّة؛ ويمكن تطبيق تلك القاعدة
علىٰ جميع تلك المسائل»(1).
وقال الفقيه الشَّيخ عليُّ بن محمَّدرضا آل كاشف الغطاء:
«القاعدة الفقهيَّة عبارةٌ عن الحكم الكلِّي الفقهي المندرجة تحته فروعٌ مختلفةٌ من بابٍ واحدٍ»(2).
قال الشَّيخ عليُّ بن الشَّيخ محمَّدرضا آل كاشف الغطاء:
«القياس الَّذي تقع فيه القاعدة الفقهيَّة العامَّة لايُستَنتَج منه حكمٌ شرعيٌّ مجعولٌ، وإنَّما يُستَنتَج منه حكمٌ عقليٌّ. وذلك لأنَّ الحكمَ الشَّرعي الفقهي المجعول إنَّما هو تلك القاعدة العامَّة، والحكم المستفاد من ضمِّها إلى صغرىٰ وجدانيَّةٍ ليست بحكمٍ شرعيٍّ مجعولٍ»(3).
«القاعدة الفقهيَّة هي كبرىٰ كلِّيَّة تتضمَّنُ حكمًا كلِّيًّا شرعيًّا منطبقًا علىٰ أحكامٍ جزئيَّةٍ شرعيَّةٍ الَّتي هي مصاديق ذلك الحكم الكلِّي. وعليه فالقاعدةُ الفقهيَّة تنتج دائمًا حكمًا كلِّيًّا شرعيًّا»(4)
بينما أنَّ هذا القيد لايُوجَد في القول الأوَّل.
الحكم النَّحويَّ لايخرج عنه موردٌ من موارده، بل هو ينطبق علىٰ جميعها؛ بينما أنَّ الحكم الفقهي - أي: القاعدة الفقهيَّة - حكمٌ أكثريٌّ لا كلِّيٌّ. وبهذا فارَقَ هذا القولُ غيرَه من الأقوال.
قال الحَمَويُّ:
«إنَّ القاعدة هي عند الفقهاء غيرها عند النُّحاة والأصوليِّين، إذ هي حكمٌ أكثريٌّ لا كلِّيٌّ ينطبق علىٰ أكثر جزئيَّاته لتُعرف أحكامُها»(1)
وحكاه عنه السيوطي في شرح الأشباه والنَّظائر، ج 1 ص 22.
.«والتَّحقيق أنَّها - أي: القاعدة الفقهيَّة - قضيَّةٌ مشتملةٌ علىٰ جزئيَّاتٍ مشتركةٍ في عنوانٍ واحدٍ أو شيءٍ واحدٍ»(2).
ولايخفىٰ الفرق بين هذا القول وبين ما تقدَّم عليه في القول الأوَّل، وإن لم يكن بينهما اختلافٌ كثيرٌ.
وهذا نفس الَّذي يرد عليه أيضًا!، حيث إنَّ كثيرًا من القواعد ليس إلَّاأحكامًا عرفيَّةً تُستَفاد منها أحكامٌ فقهيَّةٌ. كقاعدة لاضرر، حيث يحكم بها العرفُ والعقل؛ وجميع ما ورد في لسان الشَّارع ممَّا يؤيِّدُها ليس إلَّاإرشادًا إلى هذا الحكم العرفيِّ الَّذي أجمع علىٰ صحَّته
العُقلاءُ.
ويرد عليه ثانيًا: قولُه: «تجري في أبوابٍ مختلفةٍ» في تعريف القاعدة، حيث إنَّ كثيرًا منها لاتجري إلَّافي بابٍ واحدٍ أو بعض مسائل بابٍ واحدٍ فقط.
وسنفصِّلُ الكلامَ حول هذا فيما يأتي من هذه المقدَّمة.
«القاعدة الفقهيَّة هي قضيَّةٌ لايختصُّ حكمُها بفعلٍ خاصٍّ أو ذاتٍ كذلك، بل ينطبق علىٰ كثيرٍ من الأفعال أو الذَّوات الَّتي يصدق عليها حكمُ محمولها، سواءٌ كان هذا الحكمُ حكمًا واقعيًّا أوَّليًّا - كقاعدة الضَّرر، وقاعدة لاحرج الجاريَتَين في جميع أبواب الفقه -، أو كقاعِدَتَي الفراغ والتَّجاوز الجاريتين في بعض أبواب العبادات فقط».
وهذا ما اختاره الأستاذ محمود شهابي(1).
«القواعد الفقهيَّة... هي ما تكون نتيجة البحث حكمًا كلِّيًّا، تكليفيًّا أو وضعيًّا».
اختاره بعضُ أعاظم العصر(2).
ويرد عليه: إنَّ التَّعريف لايشير إلى ماهيَّة القواعد أصلًا ولايبحث عنها!، حيث ليس فيه شيءٌ يُبيِّن مائيَّة القاعدة؛ بل التَّعريف لايشير إلَّاإلى ما ينتج منها فقهيًّا من حيث الكلِّيَّة والجزئيَّة. وهذا نقصٌ في التَّعريف بلاريبٍ وارتيابٍ!.
«القاعدة الفقهيَّة هي ما يُعيِّن وظيفةَ المكلَّف إثباتًا أو نفيًا».
ذكره بعضُ الأعاظم - الَّذي أتينا بقوله في الرَّقم السَّالف أعلاه - لتشمل القواعد الفقهيَّة
مثل قاعدة الفراغ والتَّجاوز(1).
ويرد عليه:
أوَّلًا: ما أوردنا علىٰ قوله الأوَّل؛
وثانيًا: إنَّ تعيين وظيفة المكلَّف في طرَفَي اليقين أو الشَّكِّ عنوانٌ عامٌّ يشمل الأمارات والأصول، فليس بمانعٍ عن الأغيار حتَّى يصحَّ أن يُجعَلَ كتعريفٍ للقواعد.
«القواعد الفقهيَّة هي أصولٌ فقهيَّةٌ كلِّيَّةٌ في نصوصٍ موجزةٍ دستوريَّةٍ تتضمَّن أحكامًا تشريعيَّةً عامَّةً في الحوادث الَّتي تدخلُ تحت موضوعها».
وهذا ما اختاره الشَّيخ مصطفىٰ الزَّرقا(2). والتَّعريف وإن كان من أحسن التَّعاريف، إلَّا أنَّه يرد عليه:
أوَّلًا: إنَّ من القواعد ما ليس من الأصول الفقهيَّة، بل من الأصول المُتَلقَّاة من العُرف وإن كانت ثمرتُها تظهر في علم الفقه؛
وثانيًا: ما هو المراد من قوله: «الحوادث الَّتي تدخل...»؟، وما هو الدَّاعي إلى استعمال هذه اللَّفظة الغريبة في التَّعريف؟، ولماذا لم يقُل: «في المسائل الَّتي تدخل...»؟.
«القواعد الفقهيَّة هي كبرىٰ قياسٍ يجري في أكثر من مجالٍ فقهيٍّ لاستنباط حكمٍ شرعيٍّ فرعيٍّ جزئيٍّ أو وظيفةٍ كذلك».
وهذا قول العلَّامة السَّيِّد محمَّدتقي الحكيم(3). والتَّعريف من أدقِّ التَّعاريف وإن يرد عليه: أنَّ قولَه: «هي كبرىٰ قياسٍ...» يشير إلى كيفيَّة استفادة الفقيه منها، لا إلى ماهيَّتها؛
ولوقال: «القواعد الفقهيَّة هي أصولٌ كلِّيَّةٌ تقع في كبرىٰ قياسٍ...» لكان أحسن وأدقَّ.
«إنَّ القواعد الفقهيَّة هي نفس الأحكام الشَّرعيَّة الكلِّيَّة المستنبَطَة المنطَبِقة علىٰ مواردها».
اختاره بعضُ معاصرينا(1). والتَّعريف مبهمٌ جدًّا!، ولاضير فيه، حيث إنَّ المؤلِّف هيهنا ليس بصدد بيان تعريفها، بل بصدد الفرق بينها وبين القواعد الأصوليَّة. فالتَّعريف يشير إلى هذه النَّاحيَة فقط، لا إلى بيان ماهيَّة القواعد.
«القاعدة الفقهيَّة عبارةٌ عن الأحكام الكلِّيَّة الفرعيَّة الَّتي تجري في جميع أبواب الفقه أو في أبوابٍ عديدةٍ من الفقه، ولايمكن تفويض أمر تطبيقها علىٰ مصاديقها إلى المقلِّدين، مثل قاعدة لاتُعاد الَّتي تجري في جميع أبواب الصَّلاة، وقاعدة لاحرج الَّتي تكون جاريةً في جميع أبواب الفقه»؛
قاله بعضُ أساتذتنا الكبار(2).
ويرد علىٰ الشَّيخ الأستاذ - دام ظلُّه! -:
أوَّلًا: إنَّ القواعد ليست كلَّها من الأحكام الفرعيَّة، كقاعدة لاضرر، حيث لاخلاف بين جميع عقلاء العالَم بين المَليِّين وغير المليِّين منهم في حجِّيَّتها؛ فلايمكن القول بأنَّ القواعد كلَّها أحكامٌ كلِّيَّةٌ فرعيَّةٌ؛
وثانيًا: في قوله: «في جميع أبواب الفقه أو في أبوابٍ عديدةٍ» ما لايخفىٰ علىٰ المُتأمِّل!، حيث إنَّ منها ما لايجري إلَّافي مسائل معدودةٍ، كقاعدة الإمكان الَّتي لاتجري إلَّافي مسائل الدِّماء الثَّلاث فقط.
وثالثًا: الأمرُ في تطبيق بعضِها علىٰ مصاديقها مفوَّضٌ إلى المكلَّفين قطعًا، ولاسيَّما علىٰ مختاره من كون القواعد أحكامًا فرعيَّةً. وهذا واضحٌ لاسترة فيه.
«القاعدة الفقهيَّة ما يشتمل علىٰ حكمٍ كلِّيٍّ لايختصُّ ببابٍ دون بابٍ، أو بكتابٍ دون كتابٍ»(1).
وهذا غريبٌ منه - دام ظلُّه! - جدًّا!؛ بل أظنُّ أنَّ الخطأ وقَعَ لمقرِّر بحثه، وإلَّا فلايمكن الجمعُ بين هذا القول ما نقلناه عنه في الرَّقم السَّابق عليه أصلًا، إذ القواعد الَّتي تجري في جميع أبواب الفقه وكُتُبِه لاتتجاوز عددَ أصابع يدٍ واحدةٍ، فكيف يمكن صدور هذا الكلام عنه.
وقريبٌ منه ما ذكره - حفظه اللَّه! - في موضعٍ آخر من كتابه أيضًا(2).
«القاعدة الفقهيَّة عبارةٌ عن حكمٍ شرعيٍّ ينطبق علىٰ مصاديقه إنطباقَ الطَّبيعيِّ علىٰ أفراده ولاتقع في طريق إثبات شيءٍ أبدًا»(3).
والكلام معه كالكلام في المتقدَّم عليه، من أنَّ جميع القواعد ليس من كلام الشَّرع، بل منها ما لايُستفادُ إلَّامن طريق العُرف فقط.
ومراده - قُدِّس سرُّه! - من عدم وقوع القواعد في طريق الإثبات، يُفسِّره قولُه: «ينطبق علىٰ مصاديقه»، حيث لا إثبات ولااِستنباط في القواعد، بل ليس فيها إلَّاالتَّطبيق.
وسنفصِّل الكلام عن هذا في بيان الفَرق بين القاعدة الفقهيَّة والمسألة الأصوليَّة.
«القاعدة الفقهيَّة ما يُبحَث فيها عمَّا يتعلَّق بالإنسان من حيث الوظيفة الشَّرعيَّة، ولايختصُّ ببابٍ دون بابٍ... وقد تُطلَق القاعدةُ علىٰ ما يختصُّ ببابٍ خاصٍّ أيضًا... ولامشاحة في الإصطلاح»(1).
وهذا منه غريبٌ جدًّا!. إذ:
أوَّلًا: إنَّ هذا التَّعريف يرجع إلى علم الفقه، لا إلى القواعد الفقهيَّة؛
وثانيًا: إنَّ قوله: «لايختصُّ... وقد تُطلَقُ...» يُستفاد منه عموم القواعد بالنِّسبة إلى جميع أبواب الفقه إلَّافي موارد خاصَّة، بينما أنَّ الأمر ليس إلَّاعلىٰ العكس من ذلك!، حيث إنَّ أكثر القواعد لايرتبط بأكثر من بابٍ واحدٍ، بل الجاري منها في أبوابٍ متعدَّدةٍ قليلٌ جدًّا!.
«كلُّ ما كان أمر تطبيقه علىٰ موارده غير منحصرٍ بنظر المجتهد يكون قاعدةً فقهيَّةً»(2).
والتَّعريف كما ترى!؛ إذ أنَّه:
أوَّلًا: لايشير إلى ماهيَّة القاعدة، بل إلى كيفيَّة استخدامها في علم الفقه فقط؛
وثانيًا: إنَّ من القواعد ما ليس أمرُ تطبيقه بنظر المقلِّد، كقاعدة ما يُضمَن بصحيحه يُضمَن بفاسده، فليس له تطبيقُها علىٰ موارده.
«القاعدة الفقهيَّة ما كانت متعلَّقَةً بالعمل بلاواسطةٍ، ومعنىٰ تعلُّقِها بالعمل بلاواسطةٍ هو أنَّه لايحتاج اِستخراجُ الحكم الجزئيِّ العمليِّ إلى أزيد من ضمِّ الصُّغرىٰ لها، كما يُقال: هذا الوضوء ضرريٌّ وكلُّ وضوءٍ ضرريٍّ غير صحيحٍ،
فهذا الوضوء غير صحيحٍ»(1).
والتَّعريف أيضًا - كما ترى - لايشير إلى ماهيَّة القاعدة الفقهيَّة، بل إلى كيفيَّة استخدام الفقيه أو المكلَّف إيَّاها فقط.
«القاعدة الفقهيَّة حكمٌ كلِّيٌّ إلهيٌّ تُثبَت بها أحكامٌ كلِّيَّةٌ أُخرىٰ، وتكون منظورًا فيها»(2).
والتَّعريف من أحسن التَّعاريف، لإشارته إلى ماهيَّة القاعدة. لكن قوله: «إلهيٌّ» فيه ما لايخفىٰ!، إذ من القواعد - بل أكثرُها، كما ستعرف - لادليل عليه إلَّاالعُرف، ولايُستفاد حكمه إلَّا منه؛ فليست القاعدة حكمًا إلهيًّا.
«القاعدة الفقهيَّة عبارةٌ عن الحكم الكلِّيِّ المُستَنبِط لعنوانٍ تحته عناوين مختلفة، كقاعدة ما يُضمَن بصحيحه يُضمَن بفاسده، وما لايُضمَن بصحيحه لايُضمَن بفاسده. فإنَّ الضَّمان حكمٌ وضعيٌّ شرعيٌّ ثبت لكلِّ عقدٍ معاوضيٍّ سواءٌ كان بيعًا أم إجارةً أم صُلحًا مبنيًّا علىٰ المُداقَّة»(3).
وفيه: التَّطويل غير الجائز في مقام التَّعريف، فإنَّ قوله: «المُستَنبِط لعنوانٍ» لايفيد شيئًا، بل لاحاجة إليه أصلًا!، حيث يكفي أن يُقال: «حكمٌ كلِّيٌّ تحته عناوين مختلفة...».
«... حكمًا كلِّيًّا إلهيًّا قابلًا للإلقاء إلى عامَّة النَّاس، ويكون تطبيقُها علىٰ
صُغرَياتها من وظائف المقلِّد»(1).
ويرد عليه:
أوَّلًا: قوله «إلهيًّا» قد أشرنا إلى ما فيه آنفًا أعلاه؛
وثانيًا: قوله «يكون تطبيقها علىٰ صغرياتها من وظائف المقلِّد»، حيث أشرنا إلى أنَّ منها ما لادخل للمقلِّد في تطبيقها علىٰ مصاديقه - كقاعدة الضَّمان -، ومنها ما يشترك فيه المقلِّد والفقيه.
وهناك عدَّة تعاريف للقاعدة ذكرها الغَزِّيُّ، وكلُّها لاتخلو عن نظرٍ، لوضوح اشتراكها بين القواعد الفقهيَّة وغيرها من قواعد العلوم؛ وهذا نقصانٌ في مقام التَّعريف، إذ لايُشير التَّعريف إذن إلى أفراده، وإلى ما ليس من أفراده؛ فلايكون مانعًا ولوكان جامعًا.
فنأتي بذكر هذه التَّعاريف فقط من غير بحثٍ فيها؛ وهي:
قضيَّةٌ كلِّيَّةٌ منطبقةٌ علىٰ جميع جزئيَّاتها.
قضيَّةٌ كلِّيَّةٌ يُتعرَّف منها أحكام جزئيَّاتها.
حكمٌ كلِّيٌّ ينطق علىٰ جميع جزئيَّاته ليُتُعرَّف أحكامها منه.
حكمٌ كلِّيٌّ ينطبق علىٰ جميع جزئيَّاته ليُتُعرَّف به أحكام الجزئيَّات والَّتي تندرج تحتها من الحكم الكلِّيِّ.
الأمر الكلِّيُّ الَّذي ينطبق عليه جزئيَّاتٌ كثيرةٌ تُفهَم أحكامُها منه.
أمرٌ كلِّيٌّ منطبَقٌ علىٰ جزئيَّات موضوعه.
عبارةٌ عن صورٍ كلِّيَّةٍ تنطبق كلُّ واحدةٍ منها علىٰ جزئيَّاتها الَّتي تحتها.
هي القضايا الكلِّيَّة الَّتي تُعرَف بالنَّظر فيها قضايا جزئيَّة.
1) . راجع: الهداية في الأصول، ج 4 ص 227.
هذه هي العُمدةُ في المقام؛ وهناك عدَّة أقوالٍ أُخَر، ولايهمُّنا ذكرها لاشتراكها مع ما ذكرناه في أصول التَّعريف ومباديه.
والمُتَحَصَّلُ من الجميع عدَّة نِقاطٍ:
النُّقطة الأولىٰ: إنَّ القواعد هي أصولٌ كلِّيَّةٌ؛ فبها تختلف عن المسائل الفقهيَّة.
النُّقطة الثَّانيَة: إنَّ القواعد تقع كبرىً في عمليَّة الاِنطباق.
النُّقطة الثَّالثة: إنَّ القواعد لكلِّيَّتها تُستَعمَل في استنباط أكثر من مسألةٍ واحدةٍ، فمنها ما تُستَعمل في بابٍ واحدٍ، ومنها ما تُستَعمل في أبوابٍ متعدَّدةٍ.
النُّقطة الرَّابعة: القواعد الفقهيَّة لكلِّيَّتها تنطبق علىٰ مواردها - وهذا ما سنفصِّل الكلام عنه في بيان الفرق بين القاعدة الفقهيَّة والمسألة الأصوليَّة -.
فإذن يمكن لنا أن نتخَلَّص ممَّا مضىٰ: إنَّ القاعدة الفقهيَّة هي أصولٌ كلِّيَّةٌ مستفادةٌ من العُرف أو من لسان الشَّرع تقع كبرىً في عمليَّة الإنطباق، فتَنطبقُ علىٰ مواردها الَّتي تتجاوز عن مسألةٍ واحدةٍ.
وسنأتي بتوضيحٍ أكثر من هذا بعد بيان الفرق بين القواعد الفقهيَّة والمسائل الأصوليَّة؛ والحمدُ للَّه ربِّ العالَمين!.
1) . راجع: موسوعة القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 20.
هذا المبحث وإن كان خارجًا عن مسائل علم القواعد الفقهيَّة بل كان أشبه بمسائل علم فلسفة الفقه، إلَّاأنَّه لابأس بنا لوتكلَّمنا عنه هيهنا في إيجازٍ تامٍّ؛ وذلك لأنَّ النَّظر في كلِّ علمٍ بل كلِّ مسألةٍ من وجهة نظر التَّأريخ لايخلو عن فوائد جمَّة؛ بل يمكن أن يُقال: لااِستغناء للباحث عن هذا النَّظر!.
فنقول - كما عن الفقيه الشَّيخ عليِّ بن الشَّيخ محمَّد آل كاشف الغطاء -:
«إنَّ أقدَم مجموعةٍ وصلَتْ إلينا في هذا الموضوع هي قواعد أبي الحسن الكرخي، البالغة قواعدها سبعٍ وثلاثون قاعدةً»(1)
وليس بأيدنا اليوم خبرٌ عن مجموعٍ في القواعد الفقهيَّة أقدم من هذا الكتاب. كما وأنَّ زميله أباطاهرٍ الدَّبَّاس أيضًا قد خاض في غِمار القواعد الفقهيَّة، فاستخرَجَ جملةً منها.
ومن اللَّافت للنَّظر أنَّ الكرخيَّ والدَّبَّاس كانا من تلاميذ أبي خازمٍ عبدالحميد الفَرَضي.
فعلينا أن نشير أوَّلًا إشارةً خاطفةً إلى حياة هذه الأعلام الثَّلاثة، ثمَّ نشير ثانيًا إلى ما أدَّاهم فقهيًّا إلى الاِعتناء بالقواعد ونظرهم فيها.
أمَّا الكرخيُّ، فهو أبوالحسن عبيداللَّه بن الحسين بن دلَّال الكرخيُّ، نسبةً إلى مولَده الكرخ. وُلِد بها سنة 260 ه. ق.؛ تفقَّه علىٰ القاضي أبي عبداللَّه الحسين بن عليٍّ الصَّيمُريِّ الحنفيِّ، وتفقَّه عليه الفقيه الدَّامغانيُّ(2)، وروىٰ عنه أبوعمر بن حيَّويه، وأبوحفص بن شاهين، وغيرهما(3)ومع ذلك كان رأسًا في الإعتزال(4)!. انتهَتْ إليه رئاسةُ الحنفيَّة بالعراق؛
كما ذكره الزِّرِكلِيُّ(1). له: «رسالةٌ في الأصول الَّتي عليها مدارُ فروع الحنفيَّة»، و «شرحان» علىٰ الجامع الصَّغير، والجامع الكبير. تُوُفِّي ببغداد سنة 340 ه. ق(2). عن ثمانين سنة. يُوجد ذكرُ الكرخيِّ هذا وأخبارُه عند كثيرٍ من المثقِّفين، كمحيي الدِّين القُرَشي(3)، وابن ماكولا(4)، وابن عماد الحنبلي(5)، وابنِحجَرٍ العسقلانيِّ(6)، والخطيب البغداديِّ(7)، والذَّهبيِّ(8)، وعمررضا كحَّالة(9)، والشَّيخ القمِّي(10). وقد بالغ بعضُهم في تبجيله، أو بيان ما يُشينه. ولانخوض في بيان حياته أكثر من هذا، لخروجه عن موضوع الرِّسالة.
ويجب هيهنا الإلمامُ إلى نكتةٍ هامَّةٍ جدًّا؛ وهي: إنَّ الظَّاهر من سيرة الكرخيِّ العلميَّة أنَّ اِعتنائه بالقواعد لم يكن إلَّاحصيلة ما هو عليه من عدم الاِعتماد علىٰ القواعد الأصوليَّة إلَّا ما وافق منها رأي إمام مذهبه أبي حنيفة. قال العلَّامة الفقيه السُّبحانيُّ التَّبريزيُّ في بيان طريقة بعض المُتَقدِّمين الَّذين كتبوا رسائل في علم الأصول:
«من أبرز سمات هذه الطَّريقة... النَّظرُ إلى أصول الفقه نظرةً آليةً بمعنىٰ أنَّ الملاك في صحَّة الأصول وعدمها هو مطابقتها للفروع الَّتي عليها إمام
1) . راجع: الأعلام، ج 4 ص 193.
2) . راجع: تأريخ الطَّبري، ج 11 ص 373.
3) . راجع: الجواهر المُضيئة، ج 2 ص 493 الرَّقم 894.
4) . راجع: الإكمال، ج 2 ص 286.
5) . راجع: شذرات الذَّهَب، ج 2 ص 358.
6) . راجع: لسان الميزان، ج 7 ص 138.
7) . راجع: تأريخ بغداد، ج 10 ص 352 الرَّقم 5507.
8) . راجع: سير أعلام النُّبلاء، ج 15 ص 426 الرَّقم 238.
9) . راجع: معجم المؤلِّفين، ج 6 ص 235.
10) . راجع: الكنىٰ والألقاب، ج 3 ص 111.
المذهب. فكانوا يقرِّرون القواعد الأصوليَّة طبقًا لما قرَّره أئمَّةُ المذهب في فروعهم الإجتهاديَّة الفقهيَّة؛ وتكون القاعدة الأصوليَّة منسجمةً مع الفروع الفقهيَّة. فلوخالفَتْها لما قام له وزنٌ وإن أيَّده البرهانُ وعضدَهُ الدَّليل... ومن الفقهاء الَّذين كتبوا علىٰ هذه الطَّريقة أبوالحسن الكرخيُّ»(1).
فعلىٰ ما ذكرنا هيهنا ظهر أنَّ اِعتناء بعض من المُتَقدِّمين بالقواعد الفِقهيَّة ليس علىٰ الاِستقلال وبالنَّظر إليها استقلاليًّا، بل القواعد ليستْ عنده إلَّاكموضعٍ لتصحيح القواعد الأصوليَّة وتطبيقها علىٰ ما اختاره إمامُ مذهبه.
أمَّا أبوطاهرٍ الدبَّاس، فهو أبوطاهرٍ محمَّد بن محمَّد بن سفيان الدبَّاس. تفقَّه علىٰ أبي سعيدٍ البَرذَعي شيخ الحنفيَّة ببغداد - كما ذكره الذَّهبيُّ(2)-، وعلىٰ القاضي أبي خازمٍ. له قولٌ غريبٌ في معنىٰ «الإجازة» المصطلح عليها بين المحدِّثين حكاه أبوسعدٍ السَّمعانيُّ بواسطة شيوخه عنه في أدبه(3)كما وقد حكىٰ التَّنُّوخيُّ قولًا من أقواله(4). وهكذا يُوجَد أقوالُه عند غيرهما أيضًا.
أمَّا تفصيل أخبار حياته فلم تُوجَد اليوم، بل صارَ خامل الذِّكر بين مترجِمي الفقهاء حتَّى أنَّه لم يُخَصَّص له عنوانٌ في موسوعة طبقات الفقهاء!، بل ورد ذكرٌ له في ترجمة البَردَعيِّ(5)، وقاضي الحرمين النِّيسابوريِّ(6)تطفُّلًا فقط!. وهكذا ورد ذكرُه عند الذَّهبيِّ(7).
1) . راجع: مصادر الفقه الإسلاميِّ ومنابعُه، ص 460.
2) . راجع: تأريخ الإسلام، ج 23 ص 528.
3) . راجع: أدب الإملاء والاِستملاء، ص 16.
4) . راجع: نِشوار المحاضرة، ج 3 ص 140.
5) . راجع: موسوعة طبقات الفقهاء، ج 4 ص 34 الرَّقم 1259.
6) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد، ص 58 الرَّقم 1307.
7) . راجع: تأريخ الإسلام، ج 23 ص 528 الرَّقم 281.
ومن الغريب أنَّ الزِّرِكلِي لم يذكره أصلًا(1)!. لانعلم عن تأريخ ميلاده ووفاته شيئًا، إلَّاأنَّه كان من أعلام القرن الثَّالث. اكتفىٰ محيي الدِّين القُرَشي علىٰ أن قال فيه:
«إمامُ أهل الرَّأي بالعراق»(2)
وحكىٰ الصَّفديُّ عن
«بعض العلماء أنَّه قال: ترك التَّدريس آخر عمره وجاور بمكَّة، وفرَّغ نفسَه للعبادة إلى أن أتاه أجلُه»(3).
وذكره الصَّيمُريُّ(4)، والشِّيرازيُّ(5)، وطاش كبري زاده(6)، من غير أن يذكروا شيئًا عن دقائق حياته. وحُكِي:
«إنَّ أباطاهرٍ هو أوَّل من جمع أهمَّ القواعد الفقهيَّة في سبع عشرة قاعدة كلِّيَّة...
وكان ضريرًا ويكرِّر تلك القواعد بمسجده بعد خروج النَّاس منه، وأهمُّها القواعد الخمسة...»(7).
وهو الَّذي:
«بوَّب كتاب الجامع الصَّغير لمحمَّد بن الحسن الشِّيباني ورتَّبه ليسهل علىٰ المُتَعلِّمين حفظه ودراسته»(8).
1) . راجع: الأعلام، ج 7 ص 19 القائمة 2.
2) . راجع: الجواهر المضيئة، ج 3 ص 323 الرَّقم 1489.
3) . راجع: الوافي بالوفيات، ج 1 ص 162 الرَّقم 89.
4) . راجع: أخبار أبي حنيفة وأصحابه، ص 162.
5) . راجع: طبقات الفقهاء، ص 142.
6) . راجع: طبقات الفقهاء، ص 61.
7) . راجع: باب مدينة العلم، ص 146.
8) . راجع: شذرات الذَّهب، ج 6 ص 189 الهامش رقم 5.
ثمَّ إنَّ أباطاهرٍ الدَّبَّاس وأبالحسن الكرخيَّ كلاهما قد تفقَّها علىٰ أبي خازمٍ. وهو القاضي أبوخازمٍ عبدالحميد بن عبدالعزيز السَّكوني البصريُّ ثمَّ البغداديُّ. أخذ عن هلال بن يحيىٰ الرَّازي، وحدَّث ببغداد. كان من أعلام الحنَفيَّة في عصره، عالمًا بالفرائض والجبر والمقابلة. ولِي القضاء بالشَّام والكوفة وكرخ بغداد(1). له قضاءٌ حسنٌ في ما ادَّعاه المُعتضد، كما ذكره الحمدونيُّ(2)، وابنُالجوزي(3). والحكاية وغيرُها من حكايات قضائه أوردها الفاضل الآبيُّ. له كتاب «أدب القاضي»، و «الفرائض». بالغ الذَّهبيُّ في فضله، ثمَّ قال:
«فأمَّا عقلُه فلانعلم أنَّ أحدًا رآه فقال إنَّه رأىٰ أعقَلَ منه!»(4).
تُوفِّي ببغداد سنة 292 ه. ق. عن 95 سنة(5). وذكر سنةَ وفاته ابنُالجوزي(6)أيضًا.
ذكره محيي الدِّين القُرَشي(7)، واليافعيُّ(8)، وابنُكثيرٍ(9).
هذا موجز القول في حياة هذه الثَّلاثة من أعلام الحنفيَّة: الدَّبَّاس، وأبي الحسن الكرخي، وأبي خازمٍ عبدالحميد.
ولنا أن نتساءَلَ: لماذا تقدَّم هذه الثَّلاثة في هذا المضار؟. وللإجابة عن هذا السُّؤال
1) . راجع: الأعلام، ج 3 ص 287.
2) . راجع: التَّذكرة الحَمدونيَّة، ج 3 ص 180.
3) . راجع: المنتظَم، ج 6 ص 53.
4) . راجع: تأريخ الإسلام، ج 22 ص 190.
5) . راجع: موسوعة طبقات الفقهاء، ج 3 ص 306 الرَّقم 959.
6) . راجع: شذور العقود، ص 204.
7) . راجع: الجواهر المضيئة، ج 2 ص 366 الرَّقم 758.
8) . راجع: مرآة الجنان، ج 2 ص 220.
9) . راجع: البداية والنِّهاية، ج 11 ص 99.
أقول: لتقدُّمِهِم عللٌ، ويمكن تلخيصها فيما يأتي:
أوَّلًا: رأينا في تلك الإشارة الخاطفة إلى حياة الدَّبَّاس والكرخيِّ وأستاذهما القاضي عبدالحميند أنَّ الجميع من فقهاء الحنفيَّة وأعلامها؛ ولاريب في أنَّ لماهيَّة فقه العامَّة وكيفيَّتها - ولاسيَّما لفقه الحنفيِّين منها - دورٌ أساسيٌّ في الاِستناد علىٰ القواعد. وذلك لقلَّة اعتناء الحنفيِّين بالنُّصوص المروية عن النِّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله وأصحابه، خلافًا للمالكيِّين. وقد اشتهر أنَّ أباحنيفة لم يكن يعتمد علىٰ كثيرٍ من النَّبويَّات، بل علىٰ أكثرها.
وثانيًا: إنَّ أباحنيفة بما أنَّه لم يعتمد علىٰ كثيرٍ من مرويَّات القوم، كان يلتجىء إلى
«التماس العلل الواقعيَّة للأحكام الشَّرعيَّة من طريق العقل، وجعْلِها مقياسًا لصحَّة النُّصوص التَّشريعيَّة، فما وافقها فهو حكم اللَّه الَّذي يُؤخَذ به، وما خالفها كان موضعًا للرَّفْض أو التَّشكيك... وقد كان القياسُ بهذا المعنىٰ مثار معركةٍ فكريَّةٍ واسعة النِّطاق علىٰ عهد الإمام الصَّادق عليه السلام وأبي حنيفة»(1).
والمعنىٰ هذا
«كان رائجًا في القرن الثَّاني الهجري، وقد حملَتْ لواءَه مدرسةُ الرَّأي، والَّتي يتزَعَّمُها أبوحنيفة»(2).
وهذا الطَّابع كان هو الغالب علىٰ مدرسته وأعلامِها؛ فالتجؤوا إلى اِستخراج ضوابط وقواعد كالعِلل للأحكام لتكون مقياسًا لاستنباطها. وكان وكان حتَّى جاء دور عبدالحميد ابن خازمٍ؛ وإنِّي لاأشُكُّ في أنَّ له دورًا أساسيًّا في تكوين نظرية القواعد الفقهيَّة واستخراجها وتبويها، وذلك بيد تلميذَيه الكرخيِّ والدَّبَّاس.
وثالثًا: قد أشرنا إلى أنَّ أباخازمٍ كان عالمًا بالجبر والمقابلة، وهذين العِلمَين بُنِيا علىٰ قواعد كلِّيَّةٍ تُستَخرج منها المسائل المبحوث عنها فيهما. ومن الممكن جدًّا أن يكون لعِلمه
بهذين العِلمين أيضًا دورٌ في اهتداء تلاميذه إلى استخراج قواعد هكذا لاستنباط المسائل الفقهيَّة.
ورابعًا: أشرنا إلى الغالب علىٰ مدرسةٍ من مدارس الفكر الحنفيِّ، وهو عدم الاِعتناء بأصول الفقه إلَّاما وافق المنقول من فتاوىٰ أبي حنيفة. والفقيهُ إذا لم يعتمد علىٰ كثيرٍ من الرِّوايات ثمَّ لم يعتمد علىٰ علم أصول الفقه ومسائله، فبِمَ يُفتي؟، وما هو ذات يده في عمليَّة الاِستنباط؟. الظَّاهر أنَّ الأخذ بلقياس لم يكن إلَّاللإجابة عن هذ السُّؤال في مرحلتها الأولىٰ؛
ثمَّ استخراج القواعد الفقهيَّة هي مرحلتُها الثَّانيَة، ليكون القياسُ خاضعًا قِبَل قواعد عامَّة يأخذ بها الفقيه حين يريد استنباط حكمٍ فقهيٍّ...؛ وهكذا كانت الفقهاءُ الحنفيُّون يجتهدون في استخراج القواعد الكلِّيَّة.
فجاء بعد الكرخيُّ الدَّبوسيَّ الحنفيَّ - م. 430 ه. ق.، أي: بعد تسعين سنةً من وفات الكرخي -، فذكر في كتابه «تأسيس النَّظر» ستًّا وثمانين قاعدةً؛ وهكذا كان الأمر حتَّى انتشرَت القواعدُ بين فقهاء العامَّة غير الحنفيِّين، كالعزِّ بن عبدالسَّلام - م. 660 ه. ق. -، فألَّف «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»؛ والقَرافِيِّ المالكيِّ - م. 684 ه. ق. -، فألَّف «كتاب الفروق»؛ والسُّبكِيِّ - م. 756 ه. ق. -، فألَّف «التَّاج»؛ و...
والتَّفصيل في ذلك يوجب الخروج عن موضوع هذه التَّقدمة، فلنَكتفِ بهذا القدر من النَّظر في تأريخ تأسيس القواعد الفقهيَّة؛ والحمدُ للَّه ربِّ العالَمين!.
أجزاء الشَّيء الرَّئيسيَّة هي ما لاقوام لهذا الشَّيء أو لاوجود له بدونها، وهي تُؤخَذ من تعريف الشَّيء إذا كان مشيرًا إلى ماهيَّته. وبما قلنا في تعريف القاعدة الفقهيَّة اتَّضح أنَّ له
ركنين:
الموضوع؛
المحمول.
الموضوع ما يُحمَلُ عليه حكمٌ أو يُحكَم عليه. والموضوع في القاعدة الفقهيَّة يجب أن يكون كلِّيًّا غير باحثٍ عن موضوعٍ جزئيٍّ خاصٍّ. فعلىٰ سبيل المثال الوضوء موضوعٌ عامٌّ كلِّيٌّ، والوضوء الَّذي فيه ضررٌ لمكلَّفٍ خاصٍّ به مرضٌ لايجوز له استعمال الماء معه، موضوعٌ آخر. ولايصلح شيءٌ لأنْ يكون موضوعًا للقواعد إلَّاإذا كان كلِّيًّا عامًّا ليَنطَبِق علىٰ مصاديقه، أو قُل علىٰ أفراده. كالضَّرر في قاعدة لاضرر، ودم الحيض في قاعدة الإمكان.
وهو الَّذي يُحمَل علىٰ الموضوع ليُبَيِّن الحكم فيما ينطبق الموضوع عليه؛ ويُقال له:
المحكوم به أيضًا. كإثبات الإزالة للضَّرر في قاعدته، وكإثبات كون الدَّم حيضًا في قاعدة الإمكان.
فبما قلنا ظهر أنَّ للقاعدة الفقهيَّة ركنين لاتتمُّ إلَّابهما، وهما: الموضوع، والمحمول.
وللموضوع والمحمول شروطٌ؛ وهي:
وأهمُّها:
وهو عدم اِنحصاره في موضوعٍ جزئيٍّ خاصٍّ معيَّنٍ.
وهو ما يحصل عن تجريد الموضوع فينطبق علىٰ جميع ما يدخل تحته.
وأهمُّها:
والمراد بها أن يكون المحمولُ حكمًا فقهيًّا مشروعًا مشيرًا إلى حكمٍ موجودٍ في عدَّة فروعٍ فقهيَّةٍ؛ ف:
ألف: الأحكام غير الفقهيَّة - كالعقيديَّة والتَّأريخيَّة و... -؛ و:
ب: الأحكام غير المشروع لاتدخل في المحمول الَّذي يرد في القواعد الفقهيَّة.
والمراد به أن يكون المحمول حكمًا باتًّا لاترديد فيه، لأنَّ التَّرديد يمنع عن إنطباق القاعدة علىٰ جزئيَّاتها ومصاديقها؛ وهذا يُبطِل الفائدة المُتَوخَّاة منها.
هذا المبحث ذكرَه بعض العامَّة المعاصرين(1)، وجاء فيه بما يلائم فقههم. ومن يريد التَّوسُّع في البحث المقارَن فعليه به.
بما قلنا اتَّضَح أيضًا أنَّ سُور القضيَّة الفقهيَّة لايكون إلَّاكلِّيًّا، لانطباق القضيَّة علىٰ جزئيَّاتها.
1) . راجع: إيضاح الفوائد، ص 18.
ثمَّ هل الكلِّيَّة هذه تكون موجبةً في جميع الأحيان؟، أو يمكن أن تكون سالبةً أيضًا؟؛
المختار هو الأوَّل، لأنَّ القضيَّة الحَمليَّة السَّالبة لاتستدعي وجودَ الموضوع، بل يكفي فيه فرضُ الموضوع فقط؛ كقولنا: «لاشيء من الإنسان بحجَرٍ»، هذا.
مضافًا إلى أنَّ سياقَ القضايا وعناوينها من القضايا الحمليَّة الموجبة.
واختار العلَّامة السِّيالكوتي كونَ القضايا السَّالبة من القواعد أيضًا(1)- كما حكاه عنه بعضُ معاصرينا(2)-؛ وذلك لقوله بأنَّ استنباط الفروع كما يكون من الموجبات يكون من السَّوالب.
ولهذا المبحث محلٌّ آخر خاصٌّ به. وكيف كان فالمختار ما أشرنا إليه.
ثمَّ إنَّه من الممكن تقسيم القواعد الفقهيَّة إلى قسمين رئيسيَّين، ثمَّ تقسيمُها إلى أقسامٍ أُخر؛ كالتَّالي:
أوَّلًا: تقسيمها بحسب ذاتيَّاتها وعوارضها.
ثمَّ تقسيم الأوَّل إلى:
الَّتي تبحث عن حكمٍ ظاهريٍّ، والَّتي تبحث عن حكمٍ واقعيٍّ؛
أو: تقسيمُها إلى ما هو أكثر استعمالًا في الفقه، وما هو أقل استعمالًا من الأوَّل؛
أو: تقسيمُها إلى ما يرجع إلى كلِّ واحدٍ من كتب الفقه - كقواعد كتاب الطَّهارة، وقواعد كتاب الصَّلاة،... وهكذا -.
ثمَّ تقسيم الثَّاني إلى:
القواعد المفصَّلة بحسب البحث، والقواعد الصَّغيرة بحسبه؛
أو: تقسيمُها بحسب حروف الهجاء الَّتي يبدأ عنوان القاعدة بها - كالقواعد المبدؤة بالألف، أو بالباء، و... هكذا -.
كما وأنَّه يمكن عدُّ هذه التَّقاسيم من دون النَّظر إلى ذاتيَّات القواعد وعرضيَّاتها؛ والتَّقاسيم إذن:
قد اتَّضح ممَّا ذكرناه في بيان الفرق بين القواعد الفقهيَّة وأضرابها - من المسائل الفقهيَّة، والقواعد الأصوليَّة - أنَّ من القواعد ما له مجالٌ أوسع لاِستخدامه في الفقه من مجال الآخرين. فمنها ما يُستَخدم في جميع أبواب الفقه، ومنها ما يُستَخدم في كثيرٍ من أبوابه، ومنها ما يُستَخدم في بابٍ أو بابين. قال بعض معاصرينا: «ثمَّ إنَّ القاعدة الفقهيَّة علىٰ ما يُستفاد من استقراء كلمات الأصحاب - قُدِّس سرُّهم - علىٰ ثلاثة أنحاء:
الأوَّل: ما يشتمل علىٰ حكمٍ فقهيٍّ عامٍّ لايختصُّ ببابٍ معيَّنٍ من الفقه، بل يستوعِبُ أبواب الفقه كلَّها؛ من قبيل قاعدة حجِّيَّة البيِّنة، أو خبر الواحد في الموضوعات.
الثَّاني: ما يتضمَّنُ حكمًا فقهيًّا عامًّا يتدخَّلُ في كثيرٍ من مسائل الفقه المبحوثة في أبوابٍ متفرِّقةٍ؛ من قبيل قاعدة أصالة اللُّزوم، أو قاعدة الضَّمان، فإنَّهما تجريان في أبواب المعامَلات فقط.
الثَّالث: ما يحتوي علىٰ حكمٍ فقهيٍّ عامٍّ يشمل مسائل كثيرةٍ من كتابٍ واحدٍ؛
مثل قاعدة لاتُعاد في باب الصَّلاة، أو قاعدة الطَّهارة في باب الطَّهارة»(1).
قوله: «من قبيل قاعدة حجِّيَّة البيِّنة»، الأولىٰ التَّمثيل بقاعدة لاضرر، لكونها من القواعد الفقهيَّة من غير مدافَعٍ؛ بينما أنَّ قاعدة حجِّيَّة البيِّنة تُبحَث عنها في علم الأصول، فيمكن عدُّها من القواعد الأصوليَّة.
وقد أشار إلى التَّقسيم جمعٌ من المعاصرين(2).
ثمَّ إنَّ السُّبكي عدَّ القواعد الكلِّيَّة في فقه الشَّافعيِّين إلى ستٍّ وعشرين قاعدةً(3)وعدَّها الأسيوطيُّ إلى أربعين قاعدةً(4).
من الممكن تقسيم القواعد الفقهيَّة بحسب موضوعها من الكتب الفقهيَّة، ثمَّ جعْلُ ما يرجع إلى أبواب العبادات في ملفٍّ، وما يرجع إلى أبواب المعامَلات في ملفٍّ آخر؛ وهكذا .... وتُجعَل القواعد العامَّة الرَّاجعة إلى جميع الأبواب في ملفٍّ بحياله مقدَّمًا علىٰ جميع الملفَّات.
وسنشير إلى نموذجٍ حسنٍ لهذا القسم في الإشارة إلى تأريخ تدوين القواعد الفقهيَّة عند الشِّيعة الإماميَّة.
وهذا المَسلك ما اختاره الشَّهيد في كتاب القواعد والفوائد؛ فذكر القواعد كالتَّالي:
القواعد الرَّاجعة إلى باب الإجتهاد؛
القواعد الرَّاجعة إلى باب المناكَحات؛
القواعد الرَّاجعة إلى باب القضاء؛
القواعد الرَّاجعة إلى باب الجنايات؛
القواعد الرَّاجعة إلى باب العقود؛
القواعد الرَّاجعة إلى باب الإرث؛
القواعد الرَّاجعة إلى باب الحدود؛
القواعد الرَّاجعة إلى باب العبادات؛
القواعد الرَّاجعة إلى باب الدِّيات؛
القواعد الرَّاجعة إلى باب القصاص.
واختصر بعضُ معاصرينا هذا التَّقسيم فاقتصر علىٰ التَّقسيم الرُّباعيِّ؛ فذكر محاور القواعد الاساسيَّة كما يلي:
«الأوَّل: القواعد العامَّة السَّارية في جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات؛
الثَّاني: القواعد العباديَّة السَّارية في أبواب العبادات كلِّها أو بعضِها؛
الثَّالث: القواعد المُعامليَّة السَّارية في مختلف أبواب المعامَلات؛
الرَّابع: القواعد الجَزائيَّة السَّارية في أبواب القصاص والدِّيات والحدود والتَّعزيرات»(1).
ومن الممكن تقسيم القواعد بحسب ما تدلُّ عليه من الحكم الواقعيِّ، أو الظَّاهريِّ. فمن القواعد:
ما هو قاعدةٌ واقعيَّةٌ؛
ومنها ما هو قاعدةٌ ظاهريَّةٌ.
1) . راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 7.
وهذا المسلك سلكَه بعضُ فضلاء المعاصرين في كتابه(1).
ومن الممكن تقسيم القواعد بحسب ما يَبدأ به عنوانُ القاعدة المشهور من الحروف الهجائيَّة؛ فيُبدأ بما يَبدأ بالألف، ثمَّ بما يبدأ بالباء، وهكذا....
وهذا هو المنهج المتَّبع عند كثيرٍ من القوم؛ وسنشير إلى أمثلةٍ لهذا القسم أيضًا - بإذن اللَّه وعونِه! -.
ويمكن تقسيم القواعد بحسب ماهيَّتها. وهذا ما أبدعه الفقيه الشَّهيد الصَّدر؛ قال:
«القواعد الفقهية على قسمين:
أ. منها ما يكون قواعد للإنتهاء إلى إحراز صغرىٰ الحكم الشَّرعيِّ، من قبيل قاعدة الفراغ والتَّجاوز، وأصالة الصِّحَّة ونحوها، فإنَّها لاتنتج أحكامًا كلِّيَّةً، وإنَّما تنتج موضوعات الأحكام...؛
ب. ومنها القواعد الفقهيَّة الَّتي يُستَفاد منها أحكامًا شرعيَّةً كلِّيَّةً، من قبيل قاعدة نفي العُسر والحرج الَّتي يُستفاد منها عدمُ وجوب الوضوء إذا كان حرجًا على المكلَّف...»(2).
فمن المُشاهَد أنَّه قسَّم القواعد إلى خمسة أقسامٍ رئيسيَّةٍ، وهذا بحسب ماهيَّتها لا عوارضها العارضة عليها.
ويمكن تقسيم القواعد بحسب كشفها عن الموضوعات الخارجيَّة، أو عدم كشفها عنها.
وهذا التَّقسيم ما أبدَعَه شيخُنا الأستاذ الآية الشَّيخ مكارم الشِّيرازي. قال:
«تنقسم القواعد الفقهيَّة إلى أقسامٍ:
الأوَّل: ما لايختصُّ ببابٍ من الفقه دون بابٍ... ولنسمِّها القواعد العامَّة؛
الثَّاني: ما يختصُّ بأبواب المعامَلات بالمعنىٰ الأخصِّ ولايجري في غيرها، كقاعدة التَّلف في زمن الخيار...؛
الثَّالث: ما يختصُّ بأبواب العبادات، كقاعدة لاتُعاد...؛
الرَّابع: ما يجري في أبواب المعامَلات بالمعنىٰ الأعمِّ، كقاعدة الطَّهارة...؛
الخامس: ما يُعمَل لكشف الموضوعات الخارجيَّة الواقعة تحت أدلَّة الأحكام، مثل حجِّيَّة البيِّنة وحجِّيَّة قول ذي اليد وكفاية العدل الواحدٍ في الموضوعات وعدمها، فهي كالأمارات الَّتي يُستَنَد إليها في باب الأحكام؛ والفرق بينها وبين هذا القسم من القواعد الفقهيَّة أنَّها تعمل لكشف الأحكام الكلِّيَّة، وهذه تعمل لكشف الموضوعات...»(1).
وهذا التَّقسيم أيضًا تقسيمٌ حسنٌ، لإحتوائه علىٰ جميع أقسام القواعد أوَّلًا؛ وعدم التَّداخل فيه بينها ثانيًا.
ويمكن تقسيم القواعد بحسب ما اصطلح عليه القانونيُّيون في عصرنا الحاضر. فيُقسَّم إذن إلى:
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 26.
القواعد الرَّاجعة إلى الحقوق المدنيِّ؛
القواعد الرَّاجعة إلى الحقوق الجزائيِّ؛
القواعد الرَّاجعة إلى الحقوق القضائيِّ(1)
... أو إلى غيرها من التَّقاسيم الدَّارجة بينهم(2).
ويمكن تقسيم القواعد بحسب دليلها. فتُقسم إذن إلى:
القواعد التَّعبُّديَّة - وهي الَّتي تحتاج حجِّيَّتُها إلى دليلٍ تعبديٍّ من الكتاب والسُّنَّة والإجماع -؛
وإلى القواعد العُقلائيَّة - وهي بعكس الأولىٰ -.
ويمكن تقسيم القواعد أيضًا بحسب علم القواعد المقارن إلى:
ما اتَّفق عليه جميعُ المذاهب الإسلاميَّة؛
ما اختلفن فيه.
والأوَّل كالقواعد الخمس الَّتي بناها بعضُ الحنابلة، وهي:
الأمورُ بمقاصدها؛
اليقين لايزول بالشَّكِّ؛
المشقَّة تجلب التَّيسير؛
الضَّرر يُزالُ؛
العادة محكَّمةٌ؛
وإن خالفنا فقهاءَ العامَّة في هذه الأخيرة. وقد نظَمَها بعضُهُم فقال:
خَمسٌ محرَّرةٌ قواعدُ مذهبٍ *** للشَّافعِيِّ فكُن بهِنَّ(1)خبيرًا
ضررٌ يُزالُ وعادةٌ قد حُكِّمتْ *** وكذا المشقَّةُ تجلبُ التَّيسيرا
والشَّكُّ لاتَرفع به مُتَيقِّنًا *** وخلوصُ نيَّةٍ إن أردتَ أُجورا(2)
والثَّاني كالقواعد الخاصَّة بنا، أو بالشَّافعيِّين مثلًا؛ وهذا ما عبَّر عنه السُّبْكيُّ بالقواعد الخاصَّة(3)، والأسيوطيُّ بالقواعد المختَلَف فيها(4). وذكر ابنُرجبٍ منها ما يختصُّ بالحنابلة.
وتفصيل الكلام في هذا التَّقسيم فيما ذكره بعضُ معاصرينا من العامَّة(5).
وهناك عدَّة تقاسيم أُخَر وقد أشار إلى بعضها بعضُ معاصرينا(6)لكن أضرَبنا عن ذكرها لخلوِّ كثيرٍ منها من الفوائد العِلميَّة. وللباحث أن ينظر إليها فيقسِّمَها إلى تقاسيم أُخرىٰ لاواقع لها أصلًا!. فقبض عنان القلم أولىٰ من الخوض في هذه التَّقسيمات!.
ثمَّ إنَّه يجب الإلمام إلى أنَّ لكلِّ قاعدةٍ فقهيَّةٍ موضوعًا تشير إليه وتبحث عنه، كقاعدة الإمكان، فإنَّ موضوعَها الدَّمُ الَّذي تراه المرأة، والحكم بكونه حيضًا مع إمكان هذا الحكم - من رؤيتها إيَّاه في مدَّة عادتها الشَّهريَّة، ومن كونها غير صغيرةٍ، ولايائسةٍ، وهكذا... -.
وهذا الموضوع - وما يحكم به تبعًا له - ينقسم إلى أقسامٍ ثلاثةٍ:
الأوَّل: ما هو مأخوذٌ من صريح العُرف فقط، كقاعدة لاضرر.
الثَّاني: ما هو مستنبَطٌ من العرف، كقاعدة ما يُضمَن.
الثَّالث: ما هو مأخوذٌ من الشَّرع، كقاعدة لاتُعاد.
والفرق بين الأقسام واضحٌ، حيث:
إنَّ الأوَّلَ حجَّةٌ ولو لم يقُمْ عليه دليلٌ شرعيٌّ؛
والثَّالث حجَّةٌ لودلَّ عليه دليلٌ من الشَّرع؛
والثَّاني برزخٌ بينهما، حيث يدلُّ علىٰ ناحيةٍ من نواحيه العرفُ، وعلىٰ ناحيةٍ أُخرىٰ منها الشَّرعُ.
وسنبحث في الكلام عن منهجيَّة الشَّيخ الأستاذ - أدام اللَّه عزَّه وظلَّه! - في حجِّيَّة القواعد الفقهيَّة عن كثرة الأوَّل كثرةً غالبةً، وقلَّة الثَّاني، وأقلِّيَّة الثَّالث؛ هذا.
قال بعض معاصرينا:
«القاعدة الفقهيَّة...:
آ: قد يكون موضوعُها عرفيًّا صرفًا، مثل:... لاحرج...؛
ب: وقد يكون موضوعُها عرفيًّا مستنبَطًا، مثل: ما يُضمَن بصحيحه يُضمَن بفاسده؛
ج: وقد يكون موضوعُها مخترَعًا شرعيًّا، مثل: قاعدة لاتُعادُ»(1).
1) . راجع: بيان الأصول، ج 8 ص 47.
وهذا التَّقسيمُ حسنٌ يحتوي علىٰ جميع أقسام موضوعات القواعد.
لاخلاف في حجِّيَّة القواعد الدَّارجة بين الفقهاء وصحَّة الاستناد إليها في تبيين الأحكام؛ لكن وقع الخلاف في حجِّيَّتها رأسًا بحيث تكون القاعدة مستندًا وحيدًا للفقيه في مقام الإفتاء. فلنا أن نتساءَلَ: هل يجوز للفقيه أن يُفتي بشيءٍ في مقامٍ ليس له دليلٌ غير قاعدةٍ فقهيَّةٍ فتكون هي المستند الوحيد في مقام الإفتاء؟ أو لايجوز له ذلك؟.
أقول: سنشير في هذا الفصل إلى أقسام القواعد القهيَّة من حيث المبنىٰ الَّذي أُخِذَت القاعدة منه؛ لكنَّ الآنَ أقول: القواعد هيهنا بين قسمين:
القسم الأوَّل: ما هو متَّخَذٌ من نصٍّ شرعيٍّ من الكتاب الكريم، أو السُّنَّة الشَّريفة - وسنأتي بأمثلةٍ منها -. وهذا القسم لايصحُّ الإرتياب في حجِّيَّتها، إذ القاعدة إذن عبارةٌ تحكي عن نصٍّ حجَّةٍ في مقام الاِستنباط. فليس للقاعدة شأنٌ إلَّاشأن الحكاية عن النَّصِّ؛ فلها حجِّيَّة ما تحكي عنه. القسم الثَّاني: ما هو متَّخَذٌ من اِستقراء الفقهاء للفروع المختلفة الَّتي يجمَعُها بابٌ واحدٌ؛ فهذه القواعد لامستند لها إلَّاالمسائل الفقهيَّة الَّتي تشتمل تلك القاعدة عليها.
والظَّاهر أنْ لاخلاف بين المسلمين في أنَّ هذه القواعد ليست إلَّاشواهد يُستَأنَس بها في مقام الإفتاء، لكن لايمكن الاِستناد إليها في مقامه. هذا هو المتراءىٰ من فقهائنا، وقد نصَّ عليه من أعلام العامَّة الشَّيخ رستم باز(1)، والحمويُّ(2)، وابن فرحون(3)، وغيرهم؛ كما حكاه
عنهم الشَّيخ الزَّلمي المعاصر في موسوعته(1).
هذا؛ أمَّا منابع حجِّيَّة القواعد واعتبارها عند فِرَق المسلمين، فيمكن تصنيفُها كالتَّالي:
لاريب في أنَّ القرآن العظيم هو المصدر الأوَّل في حقل التَّشريع، إذ لاخلاف في نزوله من مصدر العَظَمة والجلال علىٰ قلب النَّبيِّ المصطفىٰ. وهو عندنا مصونٌ عن التَّحريف تبديلًا أو نقصانًا أو زيادةً؛ فلايدانيه أيُّ مصدرٍ آخر في هذا الحقل. وفيه كثيرٌ من الآي الَّتي وقعتْ مستندًا لجملة من القواعد، كقوله - تعالى! -: «يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ»(2)، وقوله - تعالى! -: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»(3)، وقوله - تعالى! -: «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا»(4)وغيرِها من الآي الكريمة.
وهي الثَّاني من مصادر التَّشريع، وفيها ما استند عليه الفقهاءُ في القول بحجِّيَّة بعض القواعد؛ كقوله صلى الله عليه و آله: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات»، المُجمَع علىٰ صحَّتها بين الفريقين.
وكقوله صلى الله عليه و آله: «لاضرر ولاضِرار في الإسلام»(1).
الإجماع وإنْ وقع الخلافُ بين الخاصَّة وبين العامَّة في طريق حجِّيَّته وكيفيَّتها، إلَّاأنَّه لاخلاف بينهم في كونه مدركًا مثبِتًا لبعض القواعد. فهو - أيضًا - من المصادر المُجمَع عليها بين المسلمين.
لاخلاف بين أعلام الإماميَّة في حجِّيَّة المنقول إلينا صحيحًا من سنَّة المعصومين عليهم السلام، وإن وقع الخلاف في تقديمها علىٰ غيرها من الأدلَّة أو عدم تقديمها عليه. وكيف كان فلاريب في أنَّ كثيرًا من القواعد يُستَنَد إلى سنَّتِهم، ولاسيَّما إلى المرويِّ من أحاديثهم. وسيرىٰ القارىء الكريم جملةً منها فيما يأتي من هذا الكتاب.
ومن مستندات القواعد عندنا هو حكم العقل. والمراد ب «العقل» هيهنا المُشترَك بين جميع العقلاء الَّذي به ينظمون معيشتهم وحياتهم الفرديَّة والجَماعيَّة، لا العقل المبحوث عنه في مصطلَح الحكماء والفلاسفة. وهذا العقل حجَّةٌ بلاريب واِرتيابٍ؛ وأحكامه يُستَند إليها في مبحث القواعد أيضًا.
1) . سنشير إلى مصادر هذين الحديثين الشَّريفين في البحث عن قاعدتي النيَّة واللَّاضرر.
السِّيرة العقلائيَّة هي الَّتي تطابق عليها أعمالُ العقلاء في حياتهم، والمستفاد منها حجَّةٌ أيضًا إذا لم يردَع الشَّارع عنها، كأخذ الرِّباء الَّذي منَعَ عنه الشَّارع المقدَّس. وعدم ردعه عنها يُكشِف عن حجِّيَّتها. وكثيرٌ من القواعد مستنَدٌ إليها، فإنَّ العقلاء أجمعوا علىٰ عدم جواز التَّعدِّي والظُّلم في نواحي الحياة الشَّتيتة، وهذا يُستَنتَج منه أحكامٌ كثيرةٌ، كقاعدة العدل والإنصاف الحاكمة علىٰ جميع عمومات الفقه. ومثلُها غيرُها من القواعد المُتَّخذة من هذه السِّيرة.
للمُتَشَرِّعة أيضًا سيرةٌ جاريةٌ بينهم، كما أنَّ للعقلاء كذلك. والواقع أنْ لافرق بين السِّيرَتَين إلَّابالعموم والخصوص، وإلَّا فهما مشتركان في وجوب عدم ردع الشَّارع عنهما لتصيرا حجَّةً. فكلُّ فعلٍ استقرَّتْ سيرة المُتَشَرِّعة عليه طوال القرون بحيث كان بمرىءً من المعصوم عليه السلام ومَسمَعِه ثمَّ أمضاه ولم يردع عنه، يكون حجَّةً في الفقه، فهو حجَّةٌ في القواعد الفقهيَّة أيضًا.
هذا؛ وبما قلنا ظهر ما في كلام بعضهم من النَّقص في بيان مصادر القواعد، حيث اقتصر بعضُهُم علىٰ الأدلَّة الأربعة فقط(1)، واقتصر آخر علىٰ الكتاب والسُّنَّة فقط(2).
اختلفتْ كلمةُ مذاهب العامَّة في ما هو الحجَّة في الفقه، وكذا في مدىٰ حجِّيَّة كلِّ واحدٍ من المنابع. لكن المُستَخلَص من الجميع أنَّ المنابع الخاصَّة بهم هي:
القياس؛
الاِستحسان؛
الاِستصحاب؛
الإباحة الأصليَّة؛
التَّرجيح؛
رفع الحَرَج؛
سدُّ الذَّرائع؛
الإحتياط؛
التَّضادُّ؛
القياس؛
الاِستقراء.
وتفصيل مختارهم في هذا الباب عند مصنِّفيهم في القواعد، كالغَزِّي(1)، والزَّلمي(2).
ويجب هيهنا أن أُشير إلى نكتَتَين هامَّتَين:
تفصيل الكلام في حجِّيَّة هذه العناوين في علم أصول الفقه، وهو خارجٌ عن موضوع هذه التَّقدمة ووضعها.
لاوجه لجَعْلِ الإباحة الأصليَّة والاِستصحاب والإحتياط قسيمًا للقياس والاِستحسان مثلًا، لاختصاص الأوَّل بمقام العمل وتحيُّر الفقيه فيه فقط، بينما أنْ لااختصاص للقياس والاِستحسان به؛ وتفصيل الكلام فيه في علم الأصول أيضًا.
ذكرنا أنَّ القواعد هي نصوصٌ موجزةٌ شاملةٌ لحكم طائفةٍ من المسائل الفقهيَّة؛ وأشرنا - أيضًا - إلى أنَّ للعامَّة كتبًا ومصادر في حقل القواعد. فلنا أن نتساءَل: هل قواعدهم الفقهيَّة حجَّةٌ عندنا؟، أو ليست بحجَّةٍ؟.
والَّذي أراه أنَّها حجَّةٌ لواجتمعَتْ فيها شرائط؛ وهي - بإيجازٍ تامٍّ -:
لوكانت عرفيَّةً متَّخَذةً من قواعد العقلاء - بين المسلمين وغير المسلمين - في حياتهم الجماعيَّة ومعيشتهم.
لو لم تكن متَّخذةً من مباني فقه العامَّة المختصَّة بهم، كالعول.
لو لم تكن مخالفةً لنصِّ الكتاب الكريم أو لما رُوِي إلينا من نصوص المعصومين عليهم السلام المعتبرة.
فباِجتماع هذه الشَّرائط الثَّلاثة يمكن الأخذ بما أسَّسوه من القواعد. ولاخفاء في أنَّ هذه القواعد إذن تُعدُّ من قواعدنا، أو قل من القواعد السَّارية في فقهنا، لكن تقدَّم أعلام العامَّة علينا في اِستخراجها؛ ولا غرو في ذلك.
ولبعض معاصرينا من العامَّة - وهو الشَّيخ الدُّكتور أبوالحارث الغَزِّي -: «موسوعة القواعد الفقهيَّة»، يمكن للباحث استخراجُ هذه القواعد منها. وها أنا أُشير إلى جملةٍ من هذه القواعد من غير هذا الكتاب، ليرىٰ القارىء الكريم حجمَها الهائل:
الأصلُ: أنَّ جوابَ السُّؤال يجري علىٰ حسب ما تعارف كلُّ قومٍ في مكانهم.
الأصلُ: أنَّ للحالة من الدِّلالة كما للمقالة.
الأصلُ: أنَّ من ساعده الظَّاهر فالقول قولُه، والبيِّنة علىٰ من يدَّعي خلافَ الظَّاهر.
الأصلُ: أنَّه إذا أُمضِيَ بالإجتهاد لايُفسَخ بالإجتهاد مثله، ويُفسَخُ بالنَّصِّ.
الأصلُ: بقاءُ ما كان علىٰ ما كان.
الأصلُ في الأبضاع: التَّحريمُ.
الأصلُ في الأشياء الإباحةُ.
الأصلُ: الحادث يُحال بحدوثه إلى أقرب الأوقات.
الأصلُ في الصِّفات العارضة: العدمُ.
الأصلُ في الكلام: الحقيقةُ.
الأصلُ لايجتمع مع البدل.
الأصلُ: الجمعُ بين البدل والمبدَلِ محالٌ.
الأصلُ: إنَّ الأعظمَ إذا سقطَ عن النَّاس سقط ما هو أصغرُ منه.
الأصلُ: إنَّ إعمالَ الكلام أولىٰ من إهماله.
الأصلُ: إذا زالَ المانعُ عاد الممنوعُ.
الأصلُ: إذا سقط الأصل سقط الفرعُ.
الأصلُ: إذا ضاق الأمرُ اتَّسَع.
الأصلُ: إنَّ الإجتهادَ لايُنقَضُ بمثله.
الأصلُ: إنَّ الأجر والضِّمان لايجتمعان(1).
1) . راجع: قواعد فقه - لعميد زنجاني -، ج 1 / بخش حقوق خصوصى، ص 41.
ذكروا في تعريف علم الأصول تعاريفَ متعدَّدة، ولايهمُّنا ذكرها، لخروجه عمَّا نحن بصدده الآن.
والمشهور فيه قول المشهور: «هو العلم بالقواعد الممهَّدَة لاِستنباط الأحكام الشَّرعيَّة الفرعيَّة»(1)
ونسبه بعض أعلام العصر إلى القدماء، راجع: إرشاد العقول، ج 1 ص 35.
. وقولهم: «القواعد الممهَّدَة» عامٌّ يشمل القواعد الفقهيَّة والمسائل المبحوث عنها في علم الأصول. فإذن لنا أن نتساءَل: ما هو الفرق بين هذه القواعد وتلك المسائل؟.وقد أجابوا عن هذا السُّؤال بأجوبةٍ متعدَّدة، وهذا المطلب - وهو المبحث التَّاسع من مطالب هذه المقدَّمة - متكفِّلٌ للبحث عن هذه الأجوبة - بإذن اللَّه وعونه، إنَّه خير معينٍ! -. فنقول:
«الفرق بين القاعدة الأصوليَّة والقاعدة الفقهيَّة هو إنَّ المحمول في الثَّانيَة حكمٌ شرعيٌّ، نظير قوله: كلُّ شيءٍ طاهرٌ حتَّى تعلَمَ أنَّه قذرٌ؛ أو قوله: لاتُعاد الصَّلاة إلَّا في خمسٍ. وأمَّا المسألة الأصوليَّة فالمحمول فيها هو الحجِّيَّة وعدمها، كالبحث عن حجِّيَّة الخبر الواحد والإجماع والشُّهرة، أو البحث عن الملازمات بين وجوب الشَّيء ووجوب مقدَّمته؛ وعلىٰ كلِّ تقديرٍ فالمحمول إمَّا حكمٌ عقلائيٌّ - كحجِّيَّة الخبر الواحد -، أو عقليٌّ - كباب الملازمات -»(2).
فإذن الفارق بين القاعدَتَين الفقهيَّة والأصوليَّة هو الفرق بين المحمولَين، فإنْ كان المحمولُ حكمًا شرعيًّا تكون القضيَّة في عِداد القواعد الفقهيَّة؛ وإن كانت تبحثُ عن حجِّيَّة شيءٍ وعدم حجِّيَّته فالقضيَّة من المسائل الأصوليَّة.
«أنَّ إعمال المسألة الأصوليَّة من قبيل الاِستنباط، بخلاف القاعدة الفقهيَّة، فإنَّ إعمالَها من قبيل التَّطبيق. والفرق بين الاستنباط والتَّطبيق واضحٌ؛ وهو: إنَّ الأوَّل يُكشِف عن حكمٍ شرعيٍّ مجهولٍ لم يكن معلومًا له قبل الإعمال، لا إجمالًا ولا تفصيلًا؛ بخلاف الثَّاني، فليس فيه كشفٌ عن حكمٍ شرعيٍّ مجهولٍ غير معلومٍ، بل تبديلٌ للعلم الإجماليِّ إلى التَّفصيليِّ»(1).
ومن اللَّافت للنَّظر أنَّ هذا القائل لم يُخصِّص الاِستنباط بالمُستنبِط المجتهد؛ والتَّطبيق به وبالمقلِّد.
وهذا ما ذكره بعضُهُم في المقام.
وقال في كتابه الآخر:
«المسألةُ الأصوليَّة تتميَّز بالخصوصيَّات التَّاليَة:
أنَّها تقع في طريق استنباط الأحكام الشَّرعيَّة أو الوظيفة العمليَّة.
أنَّها لاتختصُّ ببابٍ دون بابٍ، كحجِّيَّة خبر الواحد الَّتي يُستَنَد إليها في عامَّة الأبواب.
أنَّها لاتتضمَّن حكمًا شرعيًّا ولاوظيفةً عمليَّةً، بل يُستَنبَط منها الحكمُ الشَّرعيُّ والوظيفة العلميَّة.
وأمَّا القاعدة الفقهيَّة فهي تمتازُ بمِيزتين:
أنَّها تشتمل علىٰ حكمٍ شرعيٍّ كلِّيٍّ أو منتزَعٍ من عدَّة أحكامٍ، والأوَّل كقاعدة الطَّهارة، والثَّاني كقاعدة ما يُضمَن بصحيحه يُضمن بفاسده.
لاتجري في عامَّة الأبواب، بل تختصُّ ببابٍ أو أبوابٍ معدودةٍ»(2).
«المسألة الأصوليَّة تطبيقُها بيد المجتهد ولاتنفع العامِّيَّ، لأنَّه لايتمكَّن من تشخيص صغراها، بخلاف الأحكام والمسائل الفقهيَّة، فإنَّها تُلقىٰ إلى المقلِّدين فيطبقونها علىٰ موضوعاتها الخارجيَّة»(1)
وحكاه أيضًا عنه بعضُهم(2). وفسَّره بعضُ تلامذته بما لايلائم كلامه(3).
فالفرق إذن بينهما يظهر في مقام استعمالهما. ويرد عليه:
أوَّلًا: إنَّ النَّتيجة في القاعدة الفقهيَّة تنفع المجتهد أيضًا؛
وثانيًا: إنَّ منها ما لاحظَّ للمقلِّد فيه أصلًا، كقاعدة الإلزام الَّتي ليس للمقلِّد تطبيقُها علىٰ مواردها؛ كما أخذَه عليه بعضُ أكابر تلاميذه - علىٰ ما في تقريرات درسه(4)-. وقول المحقِّق النَّائينيِّ اختاره تلميذه الأكبر السَّيِّد الخوئيُّ، كما حكاه عنه بعضُ تلاميذه(5).
واستشكل عليه بعضهم بأنَّ هذا القول:
«لايُبرِزُ نكتةً موضوعيَّةً وفنِّيَّةً لضابط المسألة الأصوليَّة»(6)،
حيث إنَّ «التَّطبيق» عنوانٌ عامٌّ يشمل عدَّة عناوين مختلفة، والتَّعريف هذا لايشير إلى واحدٍ منها بعينه.
واستشكل علىٰ المبنىٰ أيضًا بعضُ الفضلاء فقال:
«ولكن هذا الإيراد لايبدوا له وجهٌ، لأنَّ المقياس الَّذي ذكرناه ليس هو فهم غير المجتهد وعدم فهمه، وإنَّما المقياس هو أنَّ القاعدة الفقهيَّة كالمسألة الفقهيَّة ممَّا
1) . راجع: فوائد الأصول، ج 4 ص 309؛ أجود التَّقريرات، ج 2 ص 345.
2) . راجع: بيان الأصول، ج 6 ص 35.
3) . راجع: الأصول العامَّة للفقه المقارن، ص 40.
4) . راجع: مصابيح الأصول، ج 1 ص 13.
5) . راجع: أصول الفقه - للشَّيخ المظفَّر -، ج 1 ص 9.
6) . راجع: أضواءٌ وآراءٌ تعليقاتٌ علىٰ كتابنا بحوثٌ في علم الأصول، ج 1 ص 17.
تتَّصل بعمله مباشرةً، فهو الَّذي يحتاج إلى إجراء قياساتها؛ بخلاف القاعدة الأصوليَّة، والفهم وعدم الفهم ليس هو المقياس»(1).
وقال الفقيهُ المُتَتَبِّع المدقِّق السَّيِّد البجنورديُّ في البحث عن قاعدة «من ملك» وكونها قاعدةً فقهيَّةً أو مسألةً أصوليَّةً:
«إنَّ المناط في كون المسألة أصوليَّةً وقوعُها كبرىً في قياسٍ يُستَنتَج منه حكمٌ فرعيٌّ إلهيٌّ، وحيث إنَّ هذه القاعدة ليست كذلك ولاتقع كبرىً في قياس الاستنباط، بل هي بنفسها حكمٌ كلِّيٌّ فرعيٌّ تنطبق علىٰ مواردها الجزئيَّة الكثيرة في أبوابٍ مختلفةٍ... فحال هذه القاعدة حال سائر القواعد الفقهيَّة الَّتي بعد أن أفتىٰ الفقيهُ بمضمونها واستنبَطَها من أدلَّتها يكون المجتهدُ والمقلِّد في مقام تطبيقها علىٰ حدٍّ سواءٍ... وهذا هو الفرق بين المسألة الأصوليَّة والقواعدة الفقهيَّة»(2).
وقال في منتهاه أيضًا:
«وممَّا ذكرنا من الضَّابط في كون المسألة أصوليَّةً تُعرَف الفرقُ بين المسألة الأصوليَّة وبين القاعدة الفقهيَّة... فإنَّ تلك القواعد الفقهيَّة بنفسها أحكامٌ شرعيَّةٌ كلِّيَّةٌ تنطبق علىٰ مصاديق جزئيَّةٍ، وقد تنطبق علىٰ مصاديق كلِّيَّة، لا أنَّها تكون كبرىً في قياسٍ يُستَنتَج منه الحكمُ الشَّرعيُّ الكلِّيُّ»(3).
«كون القاعدة الأصوليَّة لاتنتج إلَّاحكمًا كلِّيًّا أو وظيفةً كذلك، بخلاف القاعدة الفقهيَّة، فإنَّ إنتاجها منحصرٌ علىٰ الدَّوام في الأحكام والوظائف الجزئيَّة الَّتي
تتَّصل إتِّصالًا مباشرًا بعمل العامل»(1).
وقد عبَّر عن هذا الفرق بينهما بعضُهم حيث قال:
«المائزُ بين المسألة الأصوليَّة والقاعدة الفقهيَّة هو أنَّ نتيجة المسألة الأصوليَّة إنَّما تكون كبرىٰ كلِّيَّة في القياس بحيث لوانضُمَّ إليها الصُّغرىٰ كانت النَّتيجة الحاصلة منها حكمًا كلِّيًّا... وأمَّا القاعدة الفقهيَّة فهي بمثابة الَّتي لوانضُمَّ إليها صغراها كانت النَّتيجة حكمًا جزئيًّا عمليًّا».
وأنت خبيرٌ بأنَّ الفرق هذا فيه ما لايخفى!؛ حيث إنَّ كلِّيَّة الحكم أو جزئيَّته لاترتبط بمهيَّة القاعدتين الأصوليَّة والفقهيَّة، بل بكيفيَّة عمليَّة الاِستنباط الَّتي تستخدمان فيها.
فلوكان الاستنباط راجعًا إلى حكمٍ كلِّيٍّ، فالمستفاد من القاعدتين يكون كلِّيًّا؛ وإن كان راجعًا إلى حكمٍ جزئيٍّ، فكذلك؛
فلافرق بينهما إذن من هذه النَّاحيَة.
واستشكل علىٰ هذا المبنىٰ الفقيه السَّيِّد عبداللَّه الشِّيرازي في حاشيته علىٰ فرائد الأصول(2)ومن يطلب المزيدَ من البحث فليُراجِع إليه.
وأشار السَّيِّد الفقيه الخوئي إلى كون المسألة الاصوليَّة كليَّة وكون الفقهيَّة جزئيَّة(3)فاستشكل عليه الفقيه السَّيِّد محمود الشَّاهروديُّ فقال:
«يُلاحَظُ علىٰ الوجه الأوَّل:
أوَّلًا: ما ذكر فيه من «أنَّ القاعدة الفقهيَّة لاتنتج إلَّاالحكم الجزئيَّ» غير صحيحٍ، فإنَّ القاعدة الفقهيَّة ربَّما تثبت حكمًا كلِّيًّا، كما في إثبات الضَّمان مثلًا في المقبوض بالبيع الفاسد، بقاعدة ما يُضمَن بصحيحه يُضمَن بفاسده...؛
وثانيًا: ما ذكر من «أنَّ الميزان في القاعدة الأصوليَّة أن تثبت الحكم الكلِّيَّ لا الجزئيَّ» أيضًا غير دقيقٍ، بل الميزان فيها أن تثبت الحكم في الشُّبهة الحكميَّة، سواءٌ كان حكمًا كلِّيًّا، أم جزئيًّا....
ويُلاحَظ علىٰ الوجه الثَّاني:
أوَّلًا: ما اتَّضح آنفًا من أنَّ تطبيق القاعدة الفقهيَّة ليس دائمًا بيد المقلِّد، كما في قاعدة الطَّهارة في الشُّبهات الحكميَّة؛
وثانيًا: إن أُريدَ بهذا الوجه نفس ما تقدَّم في الوجه الأوَّل... فهذا لايكون وجهًا ثانيًا للفرق؛ وإن أريد به بيانَ فرقٍ آخر حاصلُه اختصاصُ المسألة الأصوليَّة بالمجتهدين بخلاف المسألة الفقهيَّة حيث تعُمُّ كلَّ المكلَّفين من المجتهد والمقلِّد معا، فهذا كلامٌ غير تامٍّ، فإنَّ القواعد الأصوليَّة أيضًا مجعولةٌ علىٰ نهج القضيَّة الحقيقيَّة، ولم يُؤخَذ في موضوعها المجتهد دون المقلِّد...».
وقد عبر عن كلام المحقِّق الخوئي بعضُ أهل العصر فقال:
«المائزُ... هو أنَّ النَّتيجة في المسألة الأصوليَّة دائمًا تكون حكمًا كلِّيًّا لايتعلَّق بعمل آحاد المكلَّفين إلَّابعد التَّطبيق الخارجيِّ، وأمَّا النَّتيجة في القاعدة الفقهيَّة فقد تكون جزئيَّةً لاتحتاج في تعلُّقها بعمل الآحاد إلى التَّطبيق، بل غالبًا تكون كذلك»(1).
والتَّعبير واضحُ الضَّعف جدًّا؛ لأنَّه لاتفاوت بين القواعد من حيث النَّتائج، فلايلائم قولُه: «فقد تكون...» قولَه: «بل غالبًا تكون كذلك». والحقُّ أنَّها في جميع الأحيان تكون كذلك.
وبما قلنا ظهر ما في كلام بعض المعاصرين، حيث أخذ علىٰ مصنِّفي القواعد بإدخالهم جملةً من القواعد الأصوليَّة في عِداد القواعد الفقهيَّة. قال:
1) . راجع: قواعد الأصول، ص 353.
«إنَّ عادة الفقهاء المعاصرين جرتْ علىٰ تدوين عدَّة قواعد والبحث عنها بعنوان القواعد الفقهيَّة. ولكن تُوجَد بينها قواعد تكون نتيجتُها حجَّةً علىٰ الحكم الكلِّيِّ الشَّرعيِّ، وذلك مثل قاعدَتَي اليد والسُّوق؛ حيث إنَّا إذا بنينا علىٰ أماريَّتهما تدخلان في القواعد الأصوليَّة، وذلك لأنَّ مفاد قاعدة اليد إنَّما هو حجِّيَّة اليد علىٰ ملكيَّة ما في اليد لصاحبها شرعًا، وجواز شرائها وبيعها؛ ومفاد قاعدة السُّوق هو أماريَّة سوق المسلمين علىٰ تذكيَة ما يُشتَرىٰ فيه، وعلىٰ طهارتها وجواز أكلها والإنتفاع بها؛
وعليه فنتيجة القاعدَتَين هي الحجَّة الشَّرعيَّة علىٰ المِلكيَّة والتَّذكيَة اللَّتَين هما من الأحكام الكلِّيَّة الشَّرعيَّة الوَضعيَّة.
وكلامُنا أنَّ مثل هذه القواعد - الَّتي مفادها الأماريَّة والحجِّيَّة - ينبغي أن تدخل في القواعد الأصوليَّة، نظرًا إلى أنَّها واجدةٌ لملاك القاعدة الأصوليَّة، وإنَّما ذكرناها في عِداد القواعد الفقهيَّة تبعًا لما جرَتْ عليه عادةُ الفقهاء، وإلى ما وقع بينهم من الخلاف في مفاد هذه القواعد من كونه الحجِّيَّة والأماريَّة أو الحكم الوضعيِّ نفسِه، كالمِلكيَّة والتَّذكيَة والطَّهارة ونحوها»(1).
ولايخفىٰ ما في كلامه، حيث:
أوَّلًا: إنَّ تلك القواعد - كقاعدَتَي اليد والسُّوق - لايجرين في جميع أبواب الفقه، فلايمكن عدُّها من المسائل الأصوليَّة؛
وثانيًا: إنَّ إعطاء الحجِّيَّة الشَّرعيَّة لاتختصُّ بالمسائل الأصوليَّة فحسب، بل القواعد الفقهيَّة أيضًا تُعطي الحجِّيَّة، ومنها يَستَمدُّ الفقيه في عمليَّة الاستنباط. نعم! الفرق بينهما بالتَّطبيق والتَّوسعة - كما أشرنا إليه -؛ فلايمكن القول بلزوم حذف هذه القواعد مصادر القواعد الفقهيَّة والبحث عنها في علم الأصول.
1) . راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 8.
«القواعد الفقهيَّة غالبًا من المسلَّمات بين الفقهاء، بخلاف المسائل الأصوليَّة، فلهم فيها اختلافٌ كثيرٌ»(1).
وأنت خبيرٌ بما فيه!؛ حيث:
أوَّلًا: إنَّ الخلاف في حجِّيَّة القاعدتين لايرجع إلى بيان ما مهيَّتهما والفرق بينهما، بل إلى كيفيَّة تلقِّي الأصحاب إيَّاهما، وكونهما أظهر عند العقل أو أخفىٰ، وكون بعضهما أدقَّ من الآخر.
وثانيًا: إنَّ كثيرًا من المسائل الأصوليَّة لانِقاش ولاخلاف فيه، كما وأنَّ كثيرًا من القواعد الفقهيَّة صار محلًّا للخلاف والنِّزاع بين الفقهاء. فقوله: «غالبًا من المسلَّمات» لاينفعه في المقام.
«ما هو الفرق بين القاعدة الفقهيَّة والمسألة الأصوليَّة؟.
الفرق الأوَّل: أنَّ القواعد الفقهيَّة يشترك فيها الفقيه وغيره، كسائر الأحكام الإلهيَّة؛ بخلاف المسائل الأصوليَّة، فإنَّها تختصُّ بالعلماء والفقهاء.
الفرق الثَّاني: القواعد الفقهيَّة غالبُها من المسلَّمات بين الفقهاء، بخلاف المسائل الأصوليَّة، فلهم فيها اختلافٌ كثيرٌ.
الفرق الثَّالث: أنَّ القاعدة الفقهيَّة قاعدةٌ تشتمل علىٰ حكمٍ شرعيٍّ عامٍّ مستنبطةٍ من القاعدة الأصوليَّة تطبِقُ على أفرادها في الخارج، بينما القاعدة الأصوليَّة هي قاعدةٌ عامَّةٌ يُستَنبَط من خلالها أحكامًا شرعيَّةً كلِّيَّةً مغايرةً لذلك الحكم
1) . راجع: المُفيد في شرح أصول الفقه، ج 1 ص 27.
العامِّ على حدِّ تعبير فضيلة العلَّامة الأستاذ الشيخ باقر الإيرواني»(1).
وهذا أيضًا لايرجع إلى تفاوتٍ بين ماهيَّات القواعد الأصوليَّة والفقهيَّة، بل إلى كيفيَّة وقوعهما واستخدامهما في عمليَّة الاستنباط، حيث لاخفاء في أنَّه لامساس بين حجِّيَّة خبر الثِّقة وعلم الفقه إلَّاباستخدام الأوَّل في عمليَّة استنباط حكم العصير العِنبي؛ فاذا استُخدِمت فيه لاينتج ما يوافقها تمامَ التَّوفيق، بخلاف القاعدة الفقهيَّة الَّتي هي حكمٌ كلِّيٌّ فقهي يُستَخدم للانطباق علىٰ موارده الجزئيَّة؛ وهذا واضحٌ.
«المعيار في... هو محمولاتها. توضيحُه: إنَّ المحمول في القواعد الفقهيَّة لايخلو:
إمَّا أن يكون حكمًا فرعيًّا تكليفيًّا، كالوجوب والحرمة...؛
أو حكمًا فرعيًّا وضعيًّا، كالضَّمان والصِّحَّة والبطلان.
مثلًا قوله: «كلُّ شيءٍ حلالٌ حتَّى تعلم أنَّه حرامٌ» قاعدةٌ فقهيَّةٌ بحكم أن المحمول هو الحلِّيَّة الَّتي هي من الأحكام الفرعيَّة التَّكليفيَّة... وأمَّا القاعدة الأصوليَّة فتختلف محمولًا عن القاعدة الفقهيَّة، فالمحمول فيها ليس حكمًا شرعيًّا تكليفيًّا أو وضعيًّا، بل يدور حول الحجِّيَّة وعدمها، فنقول: الظَّواهر حجَّةٌ والشُّهرة العمليَّة حجَّةٌ...»(2).
فعليه لاتختلفان موضوعًا، بل المائز بينهما هو المحمول فقط. فلوكان المحمول راجعًا إلى حكمٍ فرعيٍّ - تكليفيًّا كان أو وضعيًّا - فهو القاعدة الفقهيَّة، وإن كان راجعًا إلى حجِّيَّة شيءٍ أو عدم حجِّيَّته فهو القاعدة الأصوليَّة.
«وأمَّا القواعد الفقهيَّة فهي كالبرازخ بينهما وأمورٌ تكون بنفسها من الأحكام الشَّرعيَّة الفرعيَّة إثباتًا أو نفيًا، لا أنها تقع في طريق استنباط الأحكام الشَّرعيَّة حتَّى تدخل في المسائل الأصوليَّة، بل تكون أحكامًا فرعيَّةً كلِّيَّةً لاتختصُّ ببابٍ دون بابٍ»(1).
وقريبٌ منه ما ذكره بعضُ كبار المعاصرين:
«المسالة الأصوليَّة تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعيِّ ولاتتعرَّض لحكمٍ من الأحكام الشَّرعيَّة الفرعيَّة؛ وأمَّا القاعدة الفقهيَّة فإنَّها ناظرةٌ ومتعرِّضةٌ للحكم الفرعيِّ الإلهيِّ»(2).
وعليه فالفرق بينهما يرجع إلى كيفيَّة استخدام المسائل الأصوليَّة والقواعد الفقهيَّة في استنباط الحكم.
«الفرق في المسألة الأصوليَّة والقاعدة الفقهيَّة في أمرين:
أحدهما: إنَّ الأصوليَّة ما كانت كبرىً لصغري تنتجان حكمًا كلِّيًّا، مثلًا: الخبر حجَّةٌ، وهذا خبرٌ، ينتجان فهذا واجبٌ؛ لأنَّ الخبر دلَّ علىٰ الوجوب. بخلاف القاعدة الفقهيَّة، فإنَّها بالضَّمِّ إلى الصُّغرىٰ تنتجان حكمًا جزئيًّا. مثلًا: هذا ماءٌ، وكلُّ ماءٍ طاهرٌ؛ تنتجان: فهذا طاهرٌ...؛
ثانيهما: إنَّ تطبيق المسائل الأصوليَّة علىٰ المصاديق إنَّما هو بيد المجتهد ولا أهليَّة للمقلِّد فيه... بخلاف القواعد الفقهيَّة، فإنَّ تطبيق حرمة الخمر علىٰ الخمر
الخارجيِّ بيد المقلِّد»(1).
وهذا من أجمع الأقوال وأبينهما.
«المُستَنبَط بالقواعد الأصوليَّة هو الحكم الكلِّيُّ الإلهيُّ، هذا ما تتفاوت به القاعدة الفقهيَّة عن المسألة الأصوليَّة»(2).
«الفرقُ بين القاعدة الفقهيَّة والمسألة الأصوليَّة من جهاتٍ:
اوَّلُها: أنَّ القواعد الفقهيَّة يشترك فيها العالِمُ وغيره، كسائر الأحكام الإلهيَّة، بخلاف المسائل الأصوليَّة، فإنَّها تختصُّ بالعلماء.
ثانيها: القواعد الفقهيَّة يُمكِن أن تختصَّ ببابٍ دون بابٍ، وهي كثيرةٌ؛ بخلاف المسائل الأصوليَّة، فإنَّها جاريةٌ في جميع أبواب الفقه.
ثالثُها: أنَّ المسائل الأصوليَّة نتائجها تقع كبرىً في طريق إثبات الوظيفة، بخلاف القواعد الفقهيَّة، فإنَّ شمولها لمصاديقها نحو شمول الطَّبيعيِّ لأفراده.
رابعُها: القواعد الفقهيَّة غالبُها من المسلَّمات بين العلماء، بخلاف المسائل الأصوليَّة، فلهم فيها اختلافٌ كثيرٌ.
خامسُها: أنَّ غالب القواعد الفقهيَّة نفس المضمون الَّذي صدر عن المعصوم عليه السلام.
ويصحُّ إطلاق الأصل على القاعدة أيضًا، إذ لا مشاحة في الاصطلاح»(3).
وقال مرَّةً أُخرىٰ مختصِرًا في الكلام:
«الفرق بين المسألة الأصوليَّة والفقهيَّة، والقاعدة الفقهيَّة:
الأوَّل: قد تكرَّر في هذا الكتاب أنَّ المسألة الأصوليَّة الكبرىٰ الكلِّيَّة الَّتي تستنتج منها الأحكام، كقول: كلِّ أمرٍ ظاهرٌ في الوجوب، فإنَّه بضميمة أنَّ هذا أمرٌ، وكلُّ أمرٍ ظاهرٌ في الوجوب يُستَنتَج منه الوجوب لامحالة. وكذا في سائر مسائله من أوَّله إلى آخره. والقاعدة الفقهيَّة ما يُبحَث فيها عمَّا يتعلَّق بالإنسان من حيث الوظيفة الشَّرعيَّة، ولايختصُّ ببابٍ دون بابٍ، كقاعدة نفي الحرج، والضَّرر، وغيرهما من القواعد العامَّة. وقد تُطلَق القاعدة علىٰ ما يختصُّ ببابٍ خاصٍّ أيضًا، كقاعدة لاتُعاد الصَّلاة إلَّامن خمسٍ... والمسألة الفقهيَّة ما يُبحَث فيها عمَّا يتعلَّق به وتختصُّ ببابٍ خاصٍّ، كوجوب الصَّلاة مثلًا؛ وقد تُطلَق علىٰ ما لايختصُّ ببابٍ، كوجوب الوفاء بالعقود الجاريَة في جميع أبواب المعامَلات مطلقًا...؛ ولايبعدُ أن يُقال: إنَّ القاعدة الفقهيَّة ما لُوحِظَت فيها جهة الكلِّيَّة في الجملة وإن اختُصَّت ببابٍ، والمسألة الفقهيَّة ما لم يُلحَظ فيها ذلك وإن لم تختصَّ ببابٍ»(1).
«إنَّ القواعد الأصوليَّة يُستفاد منها في أكثر أبواب الفقه ولاتختصُّ ببابٍ دون بابٍ، كالاستصحاب؛ وأمَّا القواعد الفقهيَّة فيُستفاد منها في بابٍ واحدٍ»(2)
ثمَّ أخذ عليه بأنَّ:
«لازمَ هذا الكلام - لوتمَّ - خروجُ قاعدتَي الطَّهارة والحلِّيَّة من المسائل
الأصوليَّة، فإنَّهما تجريان في مواردهما فقط»(1).
ويرد عليه - رحمه اللَّه -:
أوَّلًا: إنَّ المثال يتبع القاعدة، لا أنَّ القاعدة تتبعه. فلوتمَّ الفرق وبُنِي عليه لاضَير في خروج المثالين عن المسائل الأصوليَّة ودخولهما في القواعد الفقهيَّة.
وثانيًا: المشهور بين القوم كون قاعدة الطَّهارة من القواعد الفقهيَّة، لا من المسائل الأصوليَّة، لانطباق جميع الموازين عليها - من جريانها في موردها فقط، ومن كون استخدامها تطبيقيًّا لااستنباطيًّا، فأمرُها بيد المقلِّد والفقيه، لابيد الفقيه فقط -.
فالظَّاهر أنَّ كلامه هذا - قُدِّس سرُّه خارجٌ عن ميزان التَّحقيق.
«إنَّ المراد بالحكم الشَّرعي الَّذي جاء في التَّعريف جَعْلُ الحكم الشَّرعيِّ علىٰ موضوعه الكلِّي، فالقاعدة الأصوليَّة ما يُستَنتَج منها جعَلٌ من هذا القبيل؛ والقاعدة الفقهيَّة هي بنفسها جعْلٌ من هذا القبيل، ولايُستَنتَج منها إلَّاتطبيقات ذلك الجعل وتفصيلاته»(2)
وقد خاض شُرَّاح كلامه و محرِّروه في تبيينه؛ ولا داعي إلى نقل كلماتهم، لوضوح الأمر. فانظر إلى ما ذكره الأشكناني(3)، وأيَّاد المنصوري(4)، وعلي حسن مطر(5)، والعلَّامة
الشَّيخ باقر الإيرواني(1)، وناجي طالب(2)، وحسن محمَّد فيَّاض حسين(3)، والأحمدي البهسودي(4)، وغيرهم.
«تمتاز القاعدة الفقهيَّة عن القاعدة الأصوليَّة بأنَّ مفاد القاعدة الأصوليَّة:
إمَّا أن لايكون حكمًا شرعيًّا ولكن يُنتَقَل منه إلى حكمٍ شرعيٍّ كلِّيٍّ؛
أو يكون مفادها حكمًا شرعيًّا طريقيًّا، ولكن:
تارةً يُحرَزُ به حكمٌ شرعيٌّ كلِّيٌّ واقعيٌ...؛
وآخر يُحرَزُ به حال الحكم الكلِّيِّ الواقعيِّ من حيث التَّنجُّز وعدمه...
بخلاف القاعدة الفقهيَّة، فإنَّ مفادها بنفسه حكمٌ شرعيٌّ عمليٌّ كلِّيٌّ لعنوانٍ يكون تحته جزئيَّاتٍ حقيقيَّةٍ أو إضافيَّةٍ، وتكون قياساتُها من قبيل تطبيق الكبرىٰ علىٰ صغرياتها؛ ونتيجتُها ثبوتُ نفس ذلك الحكم فيها. وإذا كان مفاد القاعدة حكمًاطريقيًّا فيُحرَزُ به حال الحكم الجزئيِّ من حيث التَّنجُّز وعدمه، كالأصول العمليَّة الجارية في الشُّبهات الموضوعيَّة وغيرها من القواعد المجعولة عند الشَّكِّ في الموضوع»(5).
وعلىٰ مبناه هذا أخَذَ علىٰ ما اختاره المحقِّق النائينيُّ - وحكيناه آنفًا أعلاه - ب:
«أنَّ الفرق غير جارٍ في القسم الثَّاني من القواعد الفقهيَّة، فإنَّ العامِّي لايتمكَّن من تشخيص صغرياتها، كما في قاعدة «الشَّرط جائزٌ ما لم يكن محلِّلًا للحرام
أو محرِّمًا للحلال»(1).
وقد أشرنا إلى هذا الإشكال أيضًا آنفًا. وقد أفاض الكلامَ في الفرق بينهما في موضعٍ آخر من كتابه أيضًا(2)ولا حاجة إلى نقل كلامه، لاتِّحاد الكلامَين في المبنىٰ.
«إنَّ هذه القاعدة ليست من المسائل الأصوليَّة، وإنَّما هي من القواعد الفقهيَّة، لأنَّ المسألة الأصوليَّة هي ما تقع نتيجةَ البحث فيها في طريق إثبات واِستنباط الأحكام الكلِّيَّة الشَّرعيَّة»(3).
والمحصَّل منه: إنَّ الفرق بينهما ليس إلَّابأنَّ الحاصلَ من القاعدة الفقهيَّة حكمٌ جزئيٌّ عمليٌّ، بينما أنَّ الحاصل من المسألة الأصوليَّة ليس إلَّاحكمًا كلِّيًّا. كما عبَّر عن هذا الكلام الشَّيخ المغنيَة فقال:
«إنَّ نتيجة القضيَّة الأصوليَّة كلِّيَّةٌ، ونتيجة القاعدة القهيَّة جزئيَّةٌ»(4).
«المسألة الأصوليَّة هي ما يمكن أن تقع نتيجتُها في طريق الاِستنباط أو تصير نتيجتُها مرجعًا للمجتهد عند القياس عن الدَّليل الإجتهاديِّ، والمسألة الفقهيَّة ليست كذلك وإن كانت من القواعد الكلِّيَّة - كقاعدة الطَّهارة -؛ وبعبارةٍ أُخرىٰ:
إنَّ المسألة الأصوليَّة ما به يُنظَر، والمسألة الفقهيَّة ما فيه يُنظَر»(5).
«القاعدة الفقهيَّة هي نتيجة القاعدة الأصوليَّة، فإنَّ الحكمَ الشَّرعيِّ الكلِّيِّ المأخوذ من الدَّليل الَّذي اعتمده الفقيه في مقام الاستنباط هو ما انتجَتْه القاعدةُ الأصوليَّة... فالقاعدة الفقهيَّة تتوقَّف علىٰ القاعدة الأصوليَّة ولا عكس...»(1).
ويرد عليه: إنَّ الكلام أجنبيٌّ عن المقام، حيث لاتوقُّفَ للقاعدة الفقهيَّة علىٰ المسألة الأصوليَّة أصلًا؛ إذ القواعد نصوصٌ كلِّيَّةٌ مصطادةٌ من الرِّوايات أو ممَّا أجمَعَ عليه العقلاء، ولامساس بينها وبين كونها منتجةً من القواعد الأصوليَّة.
وهذا واضحٌ جدًّا؛ ويشهد له تقدُّمُ القواعد الفقهيَّة تأريخحيًّا علىٰ تدوين المسائل الأصوليَّة.
وسنشير إلى هذا فيما يأتي من هذه الرِّسالة - إن شاء اللَّه تعالى! -.
«القاعدة الأصوليَّة هي القاعدة الآلِيَّة الَّتي يمكن أن تقعَ كبرىٰ استنتاج الأحكام الكلِّيَّة الإلهيَّة أو الوظيفة العمَليَّة».
وقال في تعريف القاعدة الفقهيَّة هي:
«حكمٌ كلِّيٌّ إلهيٌّ تثبت بها أحكامٌ كلِّيَّةٌ أُخرىٰ وتكون منظورًا فيها»(2).
فلافرق في نظره الَّشريف بينهما إلَّابالآليَّة والأصاليَّة؛ حيث إنَّ القواعد الأصوليَّة قواعد آليَّة يُنظَر بها فقط، أمَّا القواعد الفقهيَّة فكان لها الأصالة، لكونها أحكامًا فقهيَّةً كلِّيَّةً، فهي منظورٌ فيها.
والكلام مع اشتماله علىٰ بيان الفرق بينهما من ناحيَة مهيَّتهما، يشير إلى هذا من ناحيَة
استخدامهما فقهيًّا أيضًا؛ فهو من أجمع الكلمات وأدقِّها في المقام.
«الوجه الأوَّل: إنَّ الموضوع في القواعد الأُصوليَّة هو الأدلَّة والأحكام، فإنَّ القاعدة الأُصوليَّة حدٌّ وسطٌ بين الأدلَّة والأحكام ويُستَفاد بها الأحكام من أدلَّتها؛ بينما أنَّ الموضوع في القواعد الفقهيَّة هو فعل المكلَّف.
الوجه الثَّاني: إنَّ القواعد الأُصوليَّة كلِّيَّةٌ، بخلاف القواعد الفقهيَّة؛ فإنَّها غالبيَّةٌ.
الوجه الثَّالث: إنَّ القواعد الأُصوليَّة آلةٌ لاِستنباط الأحكام الشَّرعيَّة، بخلاف القواعد الفقهيَّة، فإنَّها عبارةٌ عن حكم الجزئيَّات المتشابهة المشترَكة في علَّةٍ واحدةٍ.
الوجه الرَّابع: إنَّ القواعد الفقهيَّة متأخَّرةٌ عن الفروع في الوجود الذِّهنيِّ والواقعيِّ، لأنَّها جمع أشتاتٍ وربطٌ بينهما؛ وأمَّا القواعد الأُصوليَّة فإنَّها متقدَّمَةٌ علىٰ الفروع لتوقُّف الاِستنباط عليها.
الوجه الخامس: إنَّ القواعد الأُصوليَّة أمورٌ استنباطيَّةٌ والأحكام تُستَنبَط منها؛ بخلاف القواعد الفقهيَّة، فإنَّها أمورٌ تطبيقيَّةٌ والفروع مندرجَةٌ تحتها»(1).
وكلامُه جامعٌ لأشتات الأقوال، فهو من خيرتها.
لكن أورد عليه بعضُ أكابر العصر بإيرادين؛ قال:
«يرد علىٰ الأوَّل: إنَّ الموضوع في بعض القواعد الفقهيَّة ليس فعلَ المكلَّف، كقاعدة لاضرر، فإنَّ الموضوع فيه هو الحكم الضَّرريُّ بناءً علىٰ التَّفسير المشهور»(2).
ويرد عليه: إنَّ «الحكمَ الضَّرريَّ» لاشأن له في الفقه ولايُبحَث عنه فيه إلَّاعلىٰ كونه من
عوارض فعل المكلَّف، حيث لانظر للفقيه في حكمٍ أو فعلٍ إلَّابما أنَّه فعلٌ للمكلَّف، أو من عوارض فعله؛ وهذا واضحٌ جدًّا. ثمَّ قال:
«وعلىٰ الثَّاني: إنَّا قلنا سابقًا أنَّ الاستثناء في القواعد الفقهيَّة لايدلُّ علىٰ الغالبيَّة ولاملازمة بين الاستثناء وبين كون القاعدة أغلبيَّةً»(1).
وسنفصِّل الكلامَ حول أغلبيَّة القواعد الفقهيَّة في مواردها - إن شاء اللَّه! -؛ فانتظِر!.
«الفارق هو أنَّه في المسألة الأصوليَّة يكون البحثُ عن مضمونٍ لايرتبِطُ بجنبة العمل بشكلٍ مباشرٍ، بينما في القاعدة الفقهيَّة يكون البحثُ عن مضمونٍ يرتبط بجنبة العمل بشكلٍ مباشرٍ. مثال ذلك: قاعدة «كلِّ شيءٍ لك طاهرٌ»، فإنَّها تقولُ هذا المشكوك طاهرٌ وتُعامِلُ معه معاملةَ الطَّاهر، ويجوز لك تناوله والصَّلاة فيه وهكذا؛ فهي ترتبط بجنبة العمل بشكلٍ مباشرٍ. وهذا بخلاف مثل مسألة حجِّيَّة خبر الثِّقة، فإنَّها لاترتبط بجنبة العمل بشكلٍ مباشرٍ، بل بشكلٍ غير مباشرٍ، فإنَّ الخبر إذا كان حجَّةً فيلزم الأخذ بالخبر الدَّالِّ علىٰ حرمة العصير العِنبيِّ إذا غلىٰ مثلًا، وبالتَّالي يُحكَم بحرمة تناوله. هذا هو الفارق بين المورِدَين»(2).
هذا نصُّ كلامه؛ ويرد عليه أنَّه وإن قال: «البحث عن مضمونٍ لايرتبط...» حتَّى يكون الكلام عن ماهيَّة القاعدة، لكن قوله: «لايرتبط بجنبة العمل بشكلٍ مباشرٍ» يشير إلى كيفيَّة استخدام القاعدة في مقام الإنتاج؛ وإلَّا فإنَّ خبرَ الثِّقة أيضًا يرتبط بعمل المكلَّفين. نعم! لايرتبط به مباشرةً، بل بواسطة وقوعه كبرىً في القياس الفقهيِّ. وهذا بخلاف القاعدة الفقهيَّة، فإنَّها لاتقع فيها أصلًا.
«وممَّا ذكرنا ظهرَ الفرقُ بين المسألة الأصوليَّة - وهي ما تقع كبرىً لقياس استنتاج الحكم الكلِّيِّ الإلهيِّ - والقاعدة الفقهيَّة - الَّتي مفادها نفسُ الحكم الكلِّيِّ الفرعيِّ الَّتي تنطبق علىٰ مواردها الجزئيَّة الكثيرة في أبوابٍ مختلفةٍ»(1).
«المسألة الأصوليَّة... عبارةٌ عمَّا يقع كبرىً لقياسٍ يكون نتيجته حكمًا كلِّيًّا فرعيًّا كحجِّيَّة خبر الواحدِ... فالمسألة الأصوليَّة لاتتكفَّل أزيد من الحجِّيَّة، وأمَّا القاعدة الفقهيَّة فهي عبارةٌ عن الحكم الكلِّيِّ المستنبِط لعنوانٍ تحته عناوين مختلفة»(2).
وقال في موضعٍ آخر:
«أمَّا ضابط المسألة الأصوليَّة فهو الجزء الأخير من علَّة استنباط الحكم الفرعيِّ الكلِّيِّ، ويُعرَف ذلك بصحَّة جعْلِه كبرىً لقياسٍ تنتج حكمًا فرعيًّا كلِّيًّا...
وأمَّا ضابط القاعدة الفقهيَّة فهي ما لاتكون دخيلةً في قياس استنباط الحكم الشَّرعيِّ، بل تَستبطِنُ الحكمَ الشَّرعيَّ ويكون موضوعُها عامًّا غير مختصٍّ بعنوانٍ خاصٍّ، كقاعدة الضَّرر والحرج»(3).
«إنَّ المسائل الأصوليَّة يُمكن أن تُجمَع كلَّها تحت عنوانٍ واحدٍ وهو الحِّجيَّة أو
عدم الحِّجيَّة، ولكن المسائل الفقهيَّة لاتجمع تحت عنوانٍ واحدٍ، بل تجمع تحت عناوين كثيرةٍ وتتضمَّن أحكامًا كثيرةً»(1).
ثمَّ إنَّ المعاصرين من فضلاء العامَّة - كالدُّكتور سالم اَفسرى(2)، والدُّكتور الشَّيخ الزَّلمي(3)، والدُّكتور الشَّيخ أبوالحارث الغزِّي(4)- ذكروا هيهنا فروقًا بين المسائل الأصوليَّة والقواعد الفقهيَّة. لكن لكثرة الخلاف بيننا و بينهم في المَبنىٰ لانخوض في ما ذكروه، بل نقتصر علىٰ فهرسةٍ جامعةٍ لما أشاروا إليه فقط. قالوا: يمكن حصر أوجه الإختلاف بينهما من حيثيَّاتٍ متعدَّدةٍ كالتَّالي:
من حيث الماهيَّة والغاية؛
من حيث الاِستمداد؛
من حيث التَّرتيب؛
من حيث المستَفيد منهما؛
من حيث الموضوع؛
من حيث الثَّبات والإطِّراد؛
من حيث النَّشأة؛
من حيث التَّدوين.
وأكثر هذه الحيثيَّات خارجٌ عما نحن بصدده الآن؛ ولذلك لوانحصروا البحثَ عن
الفروق بالحيثيَّة الأولىٰ - أي: من حيث الماهيَّة والغاية - لكان أولىٰ بهم وأجدر؛ ولهذا كلامٌ طويلُ الذَّيل لانخوض فيه في هذا المجال الضَّيِّق.
هذه هي الأقوال الَّتي عثرتُ عليها هيهنا، وإن أضرَبنا عن ذكر كثيرٍ منها، لاشتراكه مع ما نقلناه في اللَّفظ أو المراد.
والمُتَحَصَّل من الجميع أنَّه يمكننا أن نستخلصَ الفروق بين المسألة الأصوليَّة والقاعدة الفقهيَّة في نِقاطٍ هامَّة؛ وهي لاتخفىٰ علىٰ الباحث القدير.
قد تكلَّمنا عن الفرق بين القاعدة الفقهيَّة وجملةٍ من أمورٍ تشبهها - كالمسألة الأصوليَّة -؛ والآنَ يجدر بنا أن نتساءَلَ: ما هو الفرقُ بين القاعدة الفقهيَّة ومسألتها؟، بعد اشتراكهما في أنَّهما تبيِّنان عملَ المكلَّفين.
وهذا بعد الفراق عن ثبوت الفرق بينهما؛ حيث إنَّ هيهنا رأيَين، أو قولين:
القول الأوَّل:
ما اختاره الفقيه سماحة السَّيِّد السَّبزواريُّ من عدم فرقٍ بينهما أصلًا إلَّابحسب الاِصطلاح، وإلَّا فلامايز بينهما بحسب مهيَّتهما. قال بعد بيان القاعدة الفقهيَّة:
«ولافرق بينها وبين المسألة الفقهيَّة إلَّابالاِصطلاح. نعم! يمكن أن يُفرَّقَ بينهما بالإعتبار، بأن يقال: القاعدة نتيجة المسألة بمقدَّماتها»(1).
1) . راجع: تهذيب الأصول، ج 1 ص 10.
وعليه فالقاعدة تُتَّخذ من المسألة الفقهيَّة بعد أن لافرق بينهما جوهريًّا. وهذا الكلام غريبٌ منه جدًّا؛ حيث:
أوَّلًا: إنَّ كثيرًا من القواعد لايُتَّخذُ من الفقه، بل من العرف؛ فلامساس بينه وبين الفقه أوَّليًّا. نعم! لايُستخدَم إلَّافي هذا العلم، وهذا واضحٌ.
وثانيًا: لايمكن إنكار تقدُّم القاعدة علىٰ المسألة حيث إنَّها تُعدُّ من مباني الإجتهاد واستنباط المسألة، فلايمكن القول باتِّحادهما.
وثالثًا: المسألة الفقهيَّة لاتُشير إلَّاإلى حكمٍ جزئيٍّ خاصٍّ، بينما أنَّ القاعدة مفادها حكمٌ كليٌّ ينطبق علىٰ ما يصدق عليه بعد اشتراكهما في أنَّهما تعيِّنان عمل المكلَّف.
وجزئيَّة الأوَّل وكلِّيَّة الثَّاني ما سنشير إليه آنفًا.
القول الثَّاني:
ما اختاره المشهور من ثبوت فارقٍ بينهما، وهذا هو الحقُّ. فنقول: هناك فوارق هامَّة وهي:
لاخلاف في أنَّ لهما موضوعًا تبحثان عنه، لكنَّ الموضوع في المسألة الفقهيَّة جزئيٌّ يُبيِّن موضوعًا جزئيًّا، بينما أنَّ الموضوع في القاعدة كلِّيٌّ يبيِّن جميعَ ما يصدق عليه. وهذا ما عبَّر عنه بعض أكابر المعاصرين بقوله: «إنَّ الفارق هو أنَّ موضوع الأولىٰ - أي: المسألة الفقهيَّة - خاصٌّ، بخلاف موضوع الثَّانيَة - أي: القاعدة الفقهيَّة -، فإنَّه عامٌّ. فمثلًا قولنا: الصَّلاة واجبةٌ وشُرب الخمر حرامٌ مسألةٌ فقهيَّةٌ، فالأولىٰ خاصَّةٌ بموضوع الصَّلاة، والثَّانيَة خاصَّةٌ بموضوع شرب الخمر. وهذا بخلاف قولنا: كلُّ شيءٍ لك طاهرٌ حتَّى تعلم بأنَّه نجسٌ، فإنَّه قاعدةٌ فقهيَّةٌ حيث إنَّ موضوعَه عامٌّ وله جنبةٌ شموليَّةٌ
لموضوعاتٍ متعدَّةٍ، ولم يؤخذ فيه موضوعٌ معيَّنٌ»(1).
وقال بعض أساتذتنا الكرام في بيان نفس الفرق:
«المسألة الفقهيَّة هي الَّتي تبحث عن نفس الأحكام الفرعيَّة الخاصَّة والتَّكاليف الجزئيَّة العَمَليَّة في كلِّ بابٍ بابٍ من أبواب الفقه المُعَدَّة لعمل المقلِّدين؛ وأمَّا القاعدة الفقهيَّة فهي عبارةٌ عن الأحكام الكلِّيَّة الفرعيَّة الَّتي تجري في جميع أبواب الفقه، أو في أبوابٍ عديدةٍ من الفقه»(2).
وقال في موضعٍ آخر من كتابه:
القاعدة الفقهيَّة ما تكون بنفسِها حكمًا كلِّيًّا عرفيًّا، والمسألة الفقهيَّة عبارةٌ عن الأحكام الفرعيَّة الجزئيَّة، أي: ما يتعلَّق بعمل المكلَّفين»(3).
ومن الغريب أنَّ المحقِّق الفقيه السَّبزواريَّ عاد مرَّةً ثانيَةً، فاختار هذا القول بعد أن أصرَّ علىٰ عدم مائزٍ بينهما - كما قد أشرنا إليه آنفًا -؛ قال:
«ولايبعد أن يقال: إنَّ القاعدة الفقهيَّة ما لوحظت فيها جهةُ الكلِّيَّة في الجملة وإن اختصَّتْ ببابٍ؛ والمسألة الفقهيَّة ما لم يُلحَظ فيها ذلك وإن لم تختص ببابٍ»(4).
والفرقُ أشار إليه المحقِّق النَّائينيُّ(5)، والسَّيِّد محمَّدتقي الحكيم(6)أيضًا.
أشرنا إلى أنْ لاخلافَ في أنَّ لهما موضوعًا تبحثان عنه. فالآنَ نقول: الثَّاني من الفوارق بينهما يرجع إلى موضوعهما أيضًا، كالأوَّل؛ حيث إنَّ الموضوع في المسألة الفقهيَّة أمرٌ أو شيءٌ أو قل ماهيَّةٌ واحدةٌ، بينما أنَّ الموضوع في القاعدة ماهيَّةٌ عامَّةٌ تندرج تحتها ماهيَّاتٍ أُخرىٰ. قال بعض معاصرينا:
«موضوع المسألة الفقهيَّة نوعٌ واحدٌ، كالخمر والخلِّ والماء والحِنطة وغيرها من الطَّبائع الَّتي هي موضوعات المسائل الفقهيَّة؛ بخلاف القاعدة الفقهيَّة، فإنَّ موضوعها ما يندرج تحته أنواعٌ عديدةٌ، كعنوان الضَّرر والحرَج، وما يُضمَن بصحيحه يُضمَن بفاسده، فإنَّ الضَّرر والحرج مثلًا يندرج تحتها الصَّلاة والوضوء والصَّوم والبيع وغيرها، وكذا ما يُضمَن، لإندراج جميع العقود المعاوَضيَّة تحته»(1).
ولايخفىٰ الفرق بين الموردين؛ فإنَّ الأوَّل يشير إلى الجزئيَّة والكلِّيَّة أو الخصوص والعموم في الأفراد، بينما أنَّ الثَّاني يشير إلى ماهيَّة الموضوع في الموردين واشتمالها أو عدم اشتمالها علىٰ ماهيَّاتٍ أُخرىٰ، لا علىٰ أفرادٍ أُخَر.
وقد أشار إلى الفرق الشَّيخُ الحكيمُ صدرا البادكوبه اي(2)، والمدقِّقُ البجنورديُّ(3).
ومن الفوارق بينهما أنَّ القاعدة الفقهيَّة نتيجتُها حكمٌ جزئيٌّ متعلَّقٌ بعمل المكلَّف، بينما أنَّ نتيجة المسألة الفقهيَّة هي المسألة نفسُها؛ فلاواسطة بين المسألة الفقهيَّة وعمل المكلَّف، والحال أنَّ الواسطة بين القاعدة والعمل هي المسألة. وقد أشار إلى الفرق بعضُ
معاصرينا في بعض حواشيه علىٰ ما قرَّره من درس أستاذه المحقِّق العراقي(1)، وبعض مقرِّري بحث السَّيِّد الفقيه الشَّاهروديِّ(2).
ومن الفوارق بينهما اِنطباقُ القاعدة علىٰ المسألة، بينما أنَّ المسألة تكون ممَّا تنطبق عليه القاعدة؛ فتكون القاعدة الفقهيَّة من مباني الإجتهاد للعُثُور علىٰ المسألة. فالمسألة نفس الحكم، والقاعدة ممَّا يُؤخَذ به لتحصيل الحكم.
هذه هي العمدة في مقام الفرق بين القاعدة والمسألة الفقهيَّتَين. ولايخفىٰ تداخلُ بعض الفروق مع الآخر، لكنَّ الدَّاعي إلى تخصيص كلِّ واحدٍ منها بالذِّكر هو الإشارةُ إلى الفروق من نواحٍ شتَّى، وإلَّا فيمكن للباحث أن يُرجِعَ بعضًا منها إلى بعضٍ، للتَّقليل فيها.
هناك مصطلحٌ فقهيٌّ مستحدَثٌ ورد في بعض مصادر العامَّة الفقهيَّة، وهو مصطلَح «النَّظريَّة الفقهيَّة». وهذا المصطلح لم يكن يعرفُه القدماء والمتوسِّطون من فقهاء العامَّة حتَّى هذا العصر؛
كما وأنَّه لم يرد في مصادر الشِّيعة الفقهيَّة.
والمراد من النَّظريَّة الفقهيَّة تلك الأمور الكلِّيَّة الجامعة الَّتي تبحث عن موضوعٍ واحدٍ يشتمل على أبوابٍ كثيرةٍ كلِّ بابٍ منها يشتمل على مسائل عدَّةٍ؛ ثمَّ عن حكمه، ثمَّ عن شرائط الموضوع والحكم وما يرتبط بهما. كنظريَّة المِلكيَّة، أو نظريَّة العقد، أو نظريَّة العُرف.
فمن البيِّن أنَّ الأولىٰ تُطلَق علىٰ أصل الملكيَّة كموضوعٍ، ثمَّ عن حكمه وشرائطهما وموانعهما ومواضع ثبوت أصلها و... هكذا؛
كما أنَّ نظريَّة العقد تبحث عن معناه كموضوعٍ، ثمَّ عن حكمه، ثمَّ عن شرائطهما وموانعهما، وموارد ثبوت أصله، أو وجوبه و...؛
وكذلك في غيرهما من النَّظريَّات الفقهيَّة.
وبذلك ظهر أنَّ النَّظريَّة تشبه الأصلَ في كلام المتقدِّمين منَّا، حيث كانوا يقولون: أصلُ الملكيَّة يحكم هيهنا بكذا، أو: أصل العُرف يحكي عن حجِّيَّة العُرف إذا وُجِد فيه شرائطُه اللَّازمة لها؛ وهكذا....
فظهر الفرقُ إذن بين القواعد الفقهيَّة ونظريَّاتها.
لكن من الغَريب أنَّ بعضَ فقهاء العامَّة المعاصرين اختار التَّسوية بينهما، فعلىٰ سبيل المثال قال الشَّيخ أبوزُهرة:
«إنَّه يجب التَّفرقة بين علم أصول الفقه وبين القواعد الجامعة للأحكام الجزئيَّة، وهي الَّتي في مضمونها يصحُّ أن يُطلَق عليها النَّظريَّات العامَّة للفقه الإسلامي»(1). وسار علىٰ مسيرته الشَّيخ الخطَّابيُّ في ما كتبَه تقدمةً علىٰ إيضاح المسالك(2)ومثلُهُما غيرُهما.
وبما تلوناه عليك عرفتَ أنَّ هذا الكلام لا حظَّ له من الواقع!.
لكن من الغريب أنَّ أباحارث الغزِّي المعاصر أخذ عليهم بالنَّظر في مدلول لفظة النَّظر، حيث إنَّ النَّظريَّ يُطلَق علىٰ ما يحتاج إلى بحثٍ ونظرٍ وفكرٍ، ويقابلُه الضَّروريُّ الَّذي لايحتاج إلى بحثٍ ونظرٍ؛ فاستشكل عليهم بأنَّ النَّظريَّات الفقهيَّة لم يحصل عن طريق الفكر والنَّظر؛ قال:
«فهل كلمة نظريَّة بهذه المعاني أو ببعضها تؤدِّي المعنىٰ الَّذي تؤدِّيه كلمة القاعدة؟، أو الأصل؟؛ وهل لنا أن نُطلِق علىٰ ما ثبت بطريق الشَّرع وبالأدلَّة الشَّرعيَّة كلمة (نظريَّة) الَّتي وضعَها من وضعَها للدلالة علىٰ ما توصَّلت إليه عقولُهم وأفكارُهم من مبادىء وقواعد؟. إنَّ علماءَنا السَّابقين - رحمهم اللَّه تعالى! - عندما قعدوا هذه القواعد وأصَّلوا هذه الأصول أرادوا بها أن تكون أُسُسًا وأصولًا وقواعد تبتني عليها أحكامٌ ثابتةٌ لمسائل واضحة... وأمَّا النَّظرية - فكما عرفنا - هي مشتقَّةٌ من النَّظر الَّذي يُرادُ به هنا البحث العقليُّ، ويُعبَّر عنه بالنَّظريِّ؛ وهو ما يتوقَّف حصولُه علىٰ نظرٍ واكتسابٍ، كتصوُّر النَّفس والعقل. وقد يكون ما يُتُوصَّل إليه عن طريقه حقًّا وصدقًا؛ و قديكون باطلًا وكذبًا وخطأً.
أقول: علىٰ سبيل التَّمثيل نحن معشر المسلمين ما عرفنا المِلكيَّة عن طريق النَّظر والبحث العقليَّين، إنَّما عرفناها عن طريق الشَّرع الَّذي علمنا به أنَّ اللَّهَ - سبحانه! - قد منح عبادَه حقَّ الملكيَّة والتَّملُّك، وأنزلَ أُسُسَ ذلك في كتابه وعلىٰ لسان رسوله... فالملكيَّة حقٌّ لبني آدم مِنحةً من عند اللَّه - سبحانه وتعالى! -؛ وأدلَّة ثبوت ذلك من الكتاب والسُّنَّة كثيرةٌ جدًّا.
وكذلك ما يُطلَق عليه (نظريَّةُ العرف)؛ أ ليس العُرف دليلًا شرعيًّا تبعيًّا عند أكثر الأُصوليِّين واللفقهاء وثبت اعتبارُه حجَّةً في كثيرٍ من الأحكام بأدلَّةٍ شرعيَّةٍ كثيرةٍ من الكتاب والسُّنَّة؟؛ فلِمَلايقال: (دليل العرف)؟، ولِمَيقال: (نظريَّة
العرف)؟ والعرف لم يُعرَف اعتباره حجَّةً إلَّاعن طريق الشَّرع»(1).
ويرد عليه:
إنَّ هيهنا فرقًا واضحًا بين المصطلحين، حيث لاصلة بين النَّظريَّة وبين النَّظريِّ، وهذا واضحٌ لايحتاج إلى كثير كلامٍ.
إنَّ كثيرًا من هذه النَّظريات - كنظريَّة المِلكيَّة - لم يثبُت من طريق الشَّرع، بل من طريق ما اتَّفَق عليه العقلاءُ، فاتِّفاقهم هذا هو الدَّليل علىٰ صحَّة المِلكيَّة؛ فليست الكريمةُ هذه إلَّاإرشادًا إلى حكم العقل الظَّاهر في سيرة العقلاء.
وكيف كان فالمختارُ هو التَّعدُّد بين النَّظريَّة الفقهيَّة وقواعدها بهذا المعنىٰ الَّذي أشرنا إليه.
اعلم! أنَّ الضَّابطة يُطلَق في اللُّغة علىٰ القاعدة نفسِها، كما صرَّح به الزَّبيديُّ(2). والظَّاهر أنَّه مأخوذٌ من قول اللَّيث - الَّذي حكاه ابنُمنظورٍ -:
«الضَّبطُ لزوم الشَّيء لايفارقه في كلِّ شيءٍ»(3).
فلافرق إذن بينهما عند اللُّغويِّين. بل حكىٰ بعضُهم أنَّه لافرق بينهما بحسب الاِصطلاح أيضًا؛ وقد صرَّح علىٰ ذلك الطُّريحيُّ حيث قال: «القاعدةُ في مصطلح أهل العلم الضَّابطة، وهي الأمر الكلِّيُّ المنطبق علىٰ جميع
الجزئيَّات؛ كما يقال: كلُّ إنسانٍ حيوانٌ، وكلُّ ناطقٍ إنسانٌ»(1).
كما عن التَّهانويِّ أيضًا حيث قال:
«القاعدةُ - بالعين المهملة - هي في اصطلاح العلماء يُطلَق علىٰ معانٍ: مرادفُ الأصل، والقانونُ، والمسألةُ، والضَّابطةُ، والمقصدُ»(2).
والظَّاهر وجود الفرق بينهما بحسب المصطلح؛ ولذلك قال التَّهانويُّ نفسُه قي موضعٍ آخر أوَّلًا:
«الضَّابطة حكمٌ كلِّيٌّ ينطبق علىٰ جزئيَّاتٍ»(3)
ثمَّ قال ثانيًا:
«والفرق بين الضَّابطة والقاعدة...»(4)
فذكر ما سنُحكيه آنفًا عن ابنِنُجيمٍ؛ فانتظِر!.
هذا من النَّاحيَة اللُّغويَّة والمصطلح العامِّ.
أمَّا من النَّاحيَة الفقهيَّة، فحكىٰ شيخنا الأستاذ الآية الفاضل اللَّنكرانيُّ عن ابن نُجيمٍ أنَّه قال:
«إنَّ القاعدة تجمع فروعًا من أبوابٍ شتَّى، والضَّابط يجمعها من بابٍ واحدٍ»(5).
نفس ما اختاره بعضُ معاصرينا من العامَّة(6).
ثمَّ أخذ عليه الشَّيخ الأستاذ فقال:
«والتَّحقيق عدمُ صحَّة هذا الفرق، لأنَّه متفرَّعٌ علىٰ تسليم لزوم جريان القاعدة
الفقهيَّة في أكثر من بابٍ واحدٍ. وهو غير مسلَّمٍ، فإنَّ القاعدة الفقهيَّة لايلزم أن تكون جامعةً للفروع من أبوابٍ مختلفةٍ؛ بل يكفي أن تكون جامعةً للفروع من بابٍ واحدٍ»(1).
ويرد عليه:
إنَّه يمكن أن يكون المراد من «الباب» في كلام ابن نُجيمٍ أخصَّ من الباب المصطلح عليه، إذ من الممكن جدًّا أن يكون المراد به هيهنا المسألة، أو الباب المندرَج تحت بابٍ آخر - كباب الوضوء المندرَج تحت باب الطَّهارة -.
إنَّ المنقول عن ابن نجيمٍ لايُبيِّن الفرقَ بينهما، بل يبيِّن الفرقَ بين مقام استعمالَيهِما!؛ وكان عليه أن يأخذ علىٰ هذا الكلام بهذا الإشكال أوَّلًا، ثمَّ بما أورده عليه ثانيًا.
والتَّحقيق أن يُقال: إنَّ الضَّابط الفقهيِّ وإن لم يُبحَث عنه في الفقه، لكنَّه هو الَّذي يبيِّن موضوع المسألة، ولافرق بين المسألة الواحدة أو المسائل المتَعدَّدة هيهنا؛
بينما إنَّ القاعدة الفقهيَّة لامساس لها بالموضوع أصلًا، بل هي تبيِّن حكمَها فقط.
فعلىٰ سبيل المثال قول الفقهاء: «إنَّ الشَّرط يجب أن لايُخالف الكتابَ والسُّنَّة» ضابطٌ يُحدِّد ويعيِّن موضوع الشَّرط؛ فما كان خارجًا عن هذا الضَّابط لايُطلق عليه الشَّرطُ شرعًا، فهو بصدد بيان موضوع الشَّرط؛
بينما أنَّ القاعدة الفقهيَّة القائلة ب «أنَّ المؤمنين عند شروطهم» يبيِّن حكم الشَّرط فقهيًّا، وهو وجوب الوفاء به بعد صدق عنوان الشَّرط عليه شرعًا.
فالضَّابط يبيِّن الموضوعَ، والقاعدة يبيِّن الحكمَ؛ وهذا هو الفارق الأساسيُّ بينهما. قال بعضُ المعاصرين في بيان ثاني الفرقَين بيهما عنده:
«الضَّوابط تهتمُّ بالمعايير، مثل كلِّ مسكرٍ خمرٌ وكلُّ خمرٍ حرامٌ؛ بينما القاعدة
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ص 11.
الفقهيَّة تهتمُّ بالجزئيَّات»(1).
ومراده من «الجزئيَّات» هيهنا اِنطباقُ الضَّابط علىٰ مورده؛ كقولنا: هذا خمرٌ فيجب الاِجتنابُ عنه. فالقاعدة بيَّنتْ حكمَ الموضوع. هذا؛ والحمدُ للَّه ربِّ العالمينَ!.
هناك طريقٌ واسعٌ في فقه العامَّة سلكه بعضُ كبار فقهائهم، بين مُتَقدِّميهم وبين المعاصرين؛ وهو المُسمَّى بمقاصد الشَّريعة. وهو منهجٌ فقهيٌّ يُمكِّن الفقيهَ من استنباط حكم كثيرٍ من المُستَحدَثات من المصادر.
ثمَّ إنَّ لعلم مقاصد الشَّريعة جملةً من القواعد المبحوث عنها فيه، ولايتمُّ البحث عن القواعد الفقهيَّة إلَّابمقارنتها مع قواعد المقاصد. لكن بما أنَّ هذا الطَّريق لم يُفتح بيننا لحدِّ الآن، والخوضَ فيه يطول بنا الكلام؛ فنصفح عن بيانه وبيان الفرق بين قواعده والقواعد الفقهيَّة إلى رسالةٍ واحدةٍ في علم المقاصد فصَّلنا فيها الكلام عنه، ونأتي فيها ببيان الفَرق بينهما - بفضل اللَّه وعونه، وما ذلك علىٰ اللَّه بعزيزٍ! -.
وللباحث أن يُحصِّل علىٰ جملةٍ من هذه الفروق فيما كتبه عدَّةٌ من المعاصرين، كالدُّكتور عبدالرَّحمن إبراهيم زيد الكيلاني في مقالٍ له جامعٍ في موضوعه(2).
لكن نشير فقط إلى جملةٍ من هذه القواعد ليقارِنَ الباحثُ بينها وبين القواعد الفقهيَّة، حيث يمكن له أن يصل بهذه المقارنة إلى فوائد جمَّة، منها كون علم القواعد بحاجَّةٍ ماسَّةٍ
إلى التَّقدُّم، وإلى الاِستعانة منه في هذا الطَّريق. إليك نماذج من هذه القواعد:
الشَّارعُ لايقصد التَّكليف بالشَّاقِّ والإعنات فيه(1).
لانزاع في أنَّ الشَّارع قاصدٌ إلى التَّكليف بما يلزم فيه كلفةً ومشقَّةً مَّا، ولكنَّه لايقصد نفسَ المشقَّة، بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة علىٰ المكلَّف(2).
إذا كانت المشقَّة أمرًا خارجًا عن المعتاد بحيث يحصل للمكلَّف بها فسادٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ، فمقصود الشَّارع فيها الرَّفعُ علىٰ الجملة(3).
وضع الشَّرائع إنَّما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا(4).
المفهوم من وضع الشَّارع أنَّ الطَّاعة أو المعصيَة تعظم بحسب عِظَم المصلحة أو المفسدة النَّاشئة عنها(5).
ترك إعتبار المصالح في الأوامر الصَّادرة عن الشَّارع يُعَدُّ مخالفةً لقصده في تشريعهما(6). 7. تتفاوت درجات الأمر حسب تفاوت درجات المأمور به(7).
العمل بالظَّواهر علىٰ تتبُّعٍ بعيدٌ عن مقصود الشَّارع، كما أنَّ إهمالها إسرافٌ أيضًا(8).
المصالح والمفاسد راجعةٌ إلى خطاب الشَّارع(9).
1) . راجع: الموافقات، ج 2 ص 121.
2) . راجع: نفس المصدر، ج 2 ص 123.
3) . راجع: نفس المصدر، ج 2 ص 156.
4) . راجع: نفس المصدر، ج 2 ص 6.
5) . راجع: نفس المصدر، ج 2 ص 298.
6) . راجع: نفس المصدر، ج 4 ص 15.
7) . راجع: نفس المصدر، ج 3 ص 209.
8) . راجع: نفس المصدر، ج 3 ص 154.
9) . راجع: نفس المصدر، ج 2 ص 41.
ذكرنا فيما مضىٰ كلامًا مختصرًا في بيان ماهيَّة القاعدة الفقهيَّة. وبما قلنا اتَّضحَ أنَّ القواعد ليستْ من الأمور التَّوقيفيَّة، حيث للفقيه الباحث أن يخطو خطوةً أُخرىٰ نحو استكمال مبحث القواعد بتأسيس قواعد أُخرىٰ؛ وذلك بالنَّظر إلى فروعٍ فقهيَّةٍ تجمعها قاعدةٌ خاصَّةٌ.
وهذه القاعدة الخاصَّة ليست إلَّاحكمًا شرعيًّا عامًّا يحتوي علىٰ أحكامٍ جزئيَّةٍ، فبهذا اتَّضح:
أوَّلًا: أنَّ القواعد لاتنحصر في عددٍ معيَّنٍ - كما أشار إليه بعضُ أعلام العصر(1)-؛
وثانيًا: الطَّريق إلى التَّوسُّع في عدد القواعد هو الرُّجوع إلى المسائل الفقهيَّة ونصوصها، لاصطياد قواعد جديدة لم يَبحَث عنها الفقهاء لحدِّ الآنَ.
وخيرُ مصدرٍ في هذا المضمار هو كتب الأشباه والنَّظائر، الَّتي تجمع بين أحكامٍ تشترك في الحكم أو الموضوع؛
فبالنَّظر في هذه المصادر يمكن للباحث أن يصل إلى ما لم يصل إليه مَن تقدَّم عليه من الأعلام.
1) . راجع: دروسٌ تمهيديَّةٌ في القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 16.
أشرنا إلى أنَّ القواعد المبحوث عنها - وكذلك عددُها - ليست توقيفيَّةً، بعد أن أشرنا إلى أهمِّيَّة القواعد البالغة حدًّا لايستغني عنها فقيهٌ ولامستنبطٌ.
فالآنَ نزيد علىٰ ما مضىٰ ونقول: علىٰ دارِسي علم الفقه وباحِثيه أن يقوموا باستخراج قواعد لم يذكرها الفقهاءُ السَّالفون، لكن لها شأنٌ في المسائل المستحدَثة اليوم، أو في الإجابة عن الأسئلة الَّتي طُرِحَتْ قبل هذا الزَّمان لكن علىٰ الفقيه أن يُجيب عنها بمايلائم العصر، حذرًا عن عدم تلائم الفقه ومُتَطلَّبات العصر!.
فمنها: قاعدة العدالة
ولاريب في كونها من القواعد الحاكمة علىٰ جميع العمومات، نظرًا إلى أنَّ الشَّريعة الغرَّاء وُضِعَت لإقامتها، لا للمنع منها ولو في بعض الأحكام. وقد رُوِي عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنَّه قال: «بالعدل قامَتْ السَّمواتُ والأرضُ»(1)وقيل: «المُلكُ يبقىٰ مع الكفر ولايبقىٰ مع الظُّلم»(2).
ولا دليل علىٰ انحصار «المُلْك» في السُّلطة الظَّاهرية فقط، بل عموم مثل هذا الكلام يشمل سُلطةَ الفقه علىٰ جوانب حياة الإنسان الشَّتيتة، المُعبَّر عنه بالإيمان. فعلىٰ الفقيه أن يُراعِي العدلَ في ما يحكم به لئلَّا يُضعِّفَ بما يُفتي به ما هو الأصل في الدَّين - وهو الاعتقاد بالمبدأ والمعاد -. وهذه القاعدة قد أشار إلى أهمِّيَّتها الهامَّة المفكِّرُ الشَّهيد الأستاذ المطهريُّ(3)كما وقد بحث عنها بعضُ معاصرينا(4).
1) . راجع: تفسير كنزالدَّقائق وبحرالغرائب، ج 12 ص 561.
2) . من الاقول المشهورة؛ راجع: كنزالدَّقائق وبحرالغرائب، ج 6 ص 258؛ بحارالأنوار، ج 72 ص 331؛ تفسير الصَّافي، ج 2 ص 477.
3) . راجع: مبانىِ اقتصاد اسلامى، ص 27.
4) . انظر: قاعدۀ فقهىِ عدالت، على الهى خراسانى، بنياد پژوهشهاىِ اسلامىِ آستان قدس رضوى، چاپ أوَّل، 1392 ه. ش..
ومن أهمِّ هذه القواعد الَّتي غفل عنها الأصحابُ: قاعدة اِختلال النِّظام؛ حيث إنِّها تحكُم في عصرنا الحاضر علىٰ عمومات الأحكام، نظرًا إلى وجوب حفظ نظام المُجتَمع لحفظ معايش العباد، وحذرًا عن وقوع الحرَج والمرَج في المجتمع.
ومنها: قاعدة ليس للإمام أن يُخرِجَ شيئًا من يد أحدٍ إلَّابحقٍّ ثابتٍ معروفٍ(1)
لئلَّا نُنسَبَ إلى التَّصرُّف في أموال النَّاس بما لايرىٰ العرفُ له وجهًا.
وقد أشار بعضُ محقِّقي المعاصرين إلى قائمةٍ من هذه القواعد،
بين الَّتي لم يُبحَث عنها أصلًا؛
أو قَلَّ من ذكرَها من الأصحاب؛
أو لم يستوفوا حقَّ البحث عنها(2).
إضافةً إلى ما ذكرناه آنفًا، أنَّ هناك قواعد فقهيَّة تُوجَد في فقهنا لكن لم يُوفَ حقُّها؛ وهذه القواعد جمعها الفقيهُ النَّبيه الحجَّة الكبير المُلَّا حبيب اللَّه شريف الكاشاني في رسالته المسمَّاة ب «تسهيل المسالك إلى المدارك»؛ ولم يقم بأمر كثيرٍ منها أعلامُنا المُتَقَدِّمون والمُتَأخِّرون. إليك عناوين بعضِها:
جملةٌ من قواعد كتاب الطَّهارة:
منها: كلُّ شيءٍ طاهرٌ حتَّى تعلم أنَّه قذرٌ.
ومنها: كلُّ يابسٍ زكيٌّ.
ومنها: كلُّ نجسٍ حرامٌ ولاعكس.
ومنها: كلُّ حلالٍ طاهرٌ ولاعكس.
ومنها: كلُّ ماءٍ بلغ كرًّا لم ينجِّسْه شيءٌ إلَّاماء البئر علىٰ رأيٍ.
ومنها: كلُّ شيءٍ مطلقٌ حتَّى يرد فيه أمرٌ أو نهيٌ.
ومنها: كلُّ شيءٍ فيه حلالٌ وحرامٌ فهو لك حلالٌ حتَّى تعرف الحرام بعينه.
ومنها: كلُّ مائعٍ ينجَّس بملاقات النَّجاسة إلَّالبن الميتة في ضرعها.
ومنها: كلُّ ما لاتحلُّه الحياة من الميتة طاهرٌ إلَّاالكلب وأخيه.
ومنها: كلُّ سؤرٍ طاهرٌ إلَّاسؤر الثَّلاثة.
ومنها: كلُّ ماءٍ تغيَّر أحدُ أوصافه الثَّلاثة بنجسٍ فهو نجسٌ.
ومنها: كلُّ حيوانٍ حرم لحمه نجسٌ بوله ورجيعه.
ومنها: كلُّ حيوانٍ له نفسٌ سائلةٌ فميتتُه نجسٌ حرامٌ.
ومنها: كلُّ شيءٍ رآه المطرُ فهو طاهرٌ.
ومنها: كلَّما غلب الماءُ ريحَ الجيفة فتوضأ منه.
ومنها: كلُّ ما أمكن أن يكون حيضًا فهو حيضٌ.
ومنها: كلُّ دمٍ تراه المرأةُ بعد العشرة أو ناقصًا عن الثَّلاثة فليس بحيضٍ.
ومنها: كلُّ مسكرٍ خمرٌ.
ومنها: كلُّ مسكرٍ حرامٌ.
ومنها: كلُّ مسكرٍ مائعٌ بالأصالة نجسٌ.
ومنها: ما أسكر كثيرُه فقليله حرامٌ.
ومنها: لاتلازُمَ بين السُّكْر و النَّجاسة. ومنها: ما حجب اللَّهُ علمَه عن العباد فهو موضوعٌ عنهم.
ومنها: لاتكليف قبلَ البيان.
ومنها: لاعُسر و لاحرج في الشَّريعة.
ومنها: كلُّ ما غلب اللَّهُ عليه فهو أولىٰ بالعُذر.
ومنها: يُتسامَح في أدلَّة السُّنَن والكراهة.
ومنها: عللُ الشَّرع معرِّفاتٌ لا عللٌ حقيقةٌ.
ومنها: لااطِّراد في العلل التَّشريعيَّة.
جملةٌ من قواعد كتاب الصَّلاة:
ومنها: إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات.
ومنها: لاقول إلَّابعملٍ.
ومنها: لا نيَّة إلَّابإصابة السُّنَّة.
ومنها: إنَّ اللَّه لايقبل عملًا فيه مثقالُ ذرَّةٍ من رياءٍ.
ومنها: لكلِّ امرءٍ ما نوىٰ.
ومنها: الصَّلاة علىٰ ما افتتحتَ عليه.
ومنها: لاصلاة إلَّابطهورٍ.
ومنها: لاصلاة إلَّابفاتحة الكتاب.
ومنها: لاصلاة إلَّابحضور القلب.
ومنها: لاصلاة لمَن لم يقم صلبه في الصَّلاة.
ومنها: لاصلاة لجار المسجد إلَّافي المسجد.
ومنها: الصَّلاة خيرُ موضوعٍ فمَن شاء استقلَّ ومن شاء استكثَرَ.
ومنها: الصَّلاة قربانُ كلِّ تقيٍّ.
ومنها: الصَّلاة تحريمُها التَّكبير وتحليلُها التَّسليم.
ومنها: لكلِّ غسلٍ وضوءٌ إلَّاالجنابة.
ومنها: إذا التَقىٰ الختانان وجب الغسلُ.
ومنها: ما أعاد الصَّلاة فقيهٌ، يحتال فيها ويدبِّرها حتَّى لايعيدها.
ومنها: مَن زاد في صلوته أو نقص فعليه الإعادةُ.
ومنها: إذا خرجتَ من شيءٍ ثمَّ دخلتَ في غيره فشكَكتَ فليس بشيءٍ.
ومنها: إذا شككتَ في شيءٍ من الوضوء وقد دخلتَ في غيره فليس شكُّكَ بشيءٍ.
ومنها: إذا كثر عليك السَّهوُ فامضِ.
ومنها: متىٰ شككتَ فخُذ بالأكثر.
ومنها: لاسهو في سهوٍ.
ومنها: ما لايُدرك كلُّه لايُترك كلُّه.
ومنها: الميسورُ لايُسقط بالمعسور.
ومنها: كلُّ ما فرض اللَّه عليك فإعلانه أفضلُ من إسراره؛ وكلُّ ما كان تطوُّعًا فإسراره أفضلُ من إعلانه.
ومنها: إنَّما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به.
ومنها: لايقتدِي الكاملُ بالنَّاقص.
ومنها: لايُنقَضُ اليقينُ إلَّابيقينٍ مثله.
ومنها: ابدؤا بما بدءَ اللَّه به.
ومنها: الضَّروراتُ تُبيحُ المحظورات.
ومنها: الضَّرورات مقدَّرةٌ بقدرها.
ومنها: الإمتناع بالإختيار لايُنافِي الإختيار.
ومنها: الجاهل غير معذورٍ إلَّافيما استُثنِيَ.
ومنها لاتُبطِلوا أعمالَكم.
ومنها: لاجماعة في النَّافلة.
ومنها: كلُّ النَّوافل ركعتان إلَّاما استُثنِيَ.
ومنها: كلُّ نافلةٍ كفريضتها في الأحكام إلَّاما استُثنِيَ. ومنها: لايُقَدَّمُ موقَّتٌ علىٰ وقته إلَّاما استُثنِيَ.
ومنها: متىٰ أضرَّت النَّافلةُ بالفريضة فلانافلة.
ومنها: لاصغيرةَ مع الإصرار ولاكبيرة مع الاِستغفار(1).
هناك عدَّة مصادرٍ وآثار في علم القواعد تبحث عنها،
بين المُقِلِّ في عدد القواعد، وبين المُكثِر فيه؛
وبين المُفصِّل في البحث عنها، وبين الموجِز فيه؛
وبين القديم، والمعاصر.
ونظرًا إلى أهمِّيَّة معرفة الباحث عن القواعد بمصادرها، وأيضًا إلى ما سيأتي من المقارنة بين منابع حجِّيَّتها في رأي المصنِّفين فيها، فها أنا أذكُر هيهنا قسمًا من هذه المصادر؛
إمَّا لأهمِّيَّتها في هذا الحقل؛
وإمَّا لاشتهارها فيه. ولانفصِّل الكلامَ في التَّعريف بكلِّ واحدٍ منها، حذرًا عن التَّطويل.
فأقول ذاكِرًا أوَّلًا بعض مصادر العامَّة:
المشهور بقواعد ابن رجبٍ. لزين الدِّين عبدالرَّحمن بن احمد بن رجبٍ الحنبليِّ - 736 ه. ق.، 795 ه. ق. -. من أشهر كتب القواعد عند العامَّة ومن أجمعها لها. فيه ذكر ابنُرجبٍ 181 قاعدة. وهذه القواعد في أكثر الأحيان عناوين عامَّة للمسائل، فيذكرها المؤلِّف أوَّلًا ثمَّ يأتي بمسائل ينطبق عليها العنوانُ. ومع ذلك ليس الكتاب كغيره من كتب
1) . راجع: تسهيل المسالك إلى المدارك، ص 3.
القواعد، بل فيه الكثير ممَّا لايُعدُّ قاعدةً فقهيَّةً، بل فرعٌ يُشبِهُه في موضوعه أو حكمه فروعٌ أُخرىٰ.
ومن قواعده قوله: «يُنزَل المجهولُ منزلة المعدوم وإن كان الأصلُ بقاءَه إذا يئس من الوقوف عليه»(1)ثمَّ يأتي فيذكر مواضعها في الفقه(2).
واسمه بكامله: الأشباه والنَّظائر في قواعد وفروع الشَّافعيَّة. للإمام جلال الدِّين عبدالرَّحمن بن أبي بكرٍ الأسيوطيِّ - ت. 911 ه. ق. -. ذكر فيه ضوابط وعناوين كلِّيَّة علىٰ ما يوافِقُ مذهب الشَّافعيِّين. وبدأ الكتاب ب «شرح القواعد الخمس الَّتي ذكر الأصحابُ أنَّ جميع مسائل الفقه ترجعُ إليها»(3). وهي القواعد الَّتي ذكرها أبوطاهرٍ الدبَّاس الحنفيُّ؛ ثمَّ ذكر أنَّ بعض الشَّوافع ردَّ جميع قواعد مذهبه إلى أربعة قواعد، وفي أثناء الكتاب إلى آخره يُوجَد بعضٌ منها، كقوله: «قاعدةٌ. لابدَّ في الدَّعوىٰ علىٰ الغائب مِن يَمينٍ مع البيِّنة وجوبًا علىٰ الأصحِّ»(4). ومع ذلك فإنَّ الكتاب وُضِع لعلم الأشباه والنَّظائر، لا علم القواعد(5)
وأحسنها علىٰ الإطلاق هي طبعة محمَّد المعتصم باللَّه البغدادي؛ دارالكتاب العربي؛ بيروت؛ 1422 ه. ق..
.1) . راجع: قواعد ابن رجب، ج 2 ص 73.
2) . للكتاب عدَّة طبعاتٍ، ومن خيرها ما قام به كمال ابنُالسَّيِّد سالم؛ المكتبة التَّوفيقيَّة؛ 2 ج؛ القاهرة.
3) . راجع: الأشباه والنَّظائر، ص 35.
4) . راجع: نفس المصدر، ص 769.
5) . للكتاب طبعاتٌ كثيرة، ومن أحسنها طبعة جاداللَّه بن حسين الخدَّاش؛ بيت الأفكار الدُّوليَّة؛ الأردن؛ 2005 م.
للشَّيخ أبي بكر بن أبي القاسم الأهْدَل اليمنيِّ الشَّافعيِّ. منظومةٌ في القواعد الفقهيَّة نظَمَ بها المؤلِّفُ جملةً منها. والجميع 65 قاعدة.
ثمَّ إنَّ الفرائدَ قد شرحه بعضُهُم، كشرحٍ صغيرٍ لمحمَّد صالح موسىٰ حسن، ولايجاوز فيه عن تعاليق مختصرةٍ علىٰ المتن؛ ومع ذلك لايخلو عن فوائد(1).
وها أنا أورد هيهنا علىٰ سبيل المثال ما نظمه الأهدلُ في بيان قاعدة «الحدودُ تسقط بالشُّبَهات»:
وبِاتِّفاقٍ الحُدودُ تَسقُطُ *** بِالشُّبهاتِ حَسبَمَا قَد ضَبَطُوا
وأصلُها مِن الحَديثِ وَردَا *** مِن طُرُقٍ عَديدةٍ وَاعتُمِدَا
لافَرقَ بينَ كونِها فيمَن فعَلْ *** وارِدَةً أو فِي طَريقٍ أو محَلْ
لِكَنَّها لاتُسقِطُ التَّعزيرَا *** عندَهُمُ وتُسقِطُ التَّكفِيرَا
وشَرطُهَا القُوَّةُ فيمَا ذكَرُوا *** جَزْمًا وَإلَّا فَهْي لاتُؤَثِّرُ(2)
للشَّيخ سليم رستم باز اللُّبناني، من أعضاء مجلس شورىٰ الدَّولة في الآستانة. وهو من أجمع الشُّروح وأحسَنِها علىٰ المجلَّة الجامعة لقواعد يَحتاجُ إليها القُضاةُ؛ ولذلك لاتحتوي علىٰ قواعد باب الطِّهارات والعبادات وما يشبهها، بل لاتحتوي إلَّاعلىٰ قواعد أبواب
1) . اسمه: شرح الفرائد البَهيَّة في نظم القواعد الفقهيَّة؛ مؤسَّسة الرِّسالة ناشرون؛ دمشق؛ 1430 ه. ق..
2) . راجع: شرح الفرائد البَهيَّة في نظم القواعد الفقهيَّة، ص 70. وللكتاب شروحٌ أُخر، كشرحٍ للشَّيخ عبداللَّه بن سعيد محمَّد عبَّادي اللَّحجي الحضرمي، اسمه إيضاح القواعد الفقهيَّة؛ وكشرحِ الشَّيخ عبداللَّه بن سليمان الجوهزي؛ المطبوع سنة 1388 ه. ق. بالمملكة العربيَّة السعودية أيضًا، كالسَّابق عليه.
المعاملات والقضاء والحدود والدِّيات وما يُشبِهُها(1).
لأحمد محمَّد الحُصَري المصري. كتابٌ ذوفوائد جليلة، حيث أدرَج فيه الحُصريُّ رسالةَ الكَرْخي، وتأسييس النَّظر - وهو قواعد الدَّبوسي -، وقواعد ابنِنُجَيم؛ ثمَّ جاء بقواعد أُخرىٰ. ومن فوائد الكتاب إحتوائه علىٰ ذكر المصنِّفين في هذا الفنِّ وأسماء مصنَّفاتهم. وهو من خير ما ألَّفَه المعاصرون بإيجازٍ في حِقل القواعد(2).
للشَّيخ الدُّكتور أبوالحارث الغَزِّي. كتابٌ كبيرٌ طُبِع في عشر مجلَّداتٍ. والقسم الأوَّل من المجلَّد الأوَّل يحتوي علىٰ مقدَّمةٍ وبعض القواعد، وفي المقدَّمة جاء المؤلِّف ببعض مباحث القواعد النَّظريَّة المُقدَّمَة عليها.
ومن أهم ما يؤخذ علىٰ الكتاب رَغْم اشتماله علىٰ أكثر القواعد، أنَّ المؤلِّف اعتمد فيه علىٰ آراء السَّلف والسَّلفيَّة، بحيث يخلو كتابه عن فوائد ذكَرَها أعلامُ المذاهب الفقهيَّة؛ وهذا دأب السَّلفيِّين المعاصرين في جميع آثارهم(3).
هذا بعض مصادر العامَّة في علم القواعد الفقهيَّة.
أمَّا مصادر الشِّيعة الإماميَّة، فنذكر منها:
لشيخنا الشَّهيد أبي عبداللَّه محمَّد بن مكِّي العامِلي - استشهد عام 786 ه. ق. -.
كتابٌ جليل القدر وهو فاتح هذا الباب بين أصحابنا الإماميَّة، إذ لم يكن لهم كتابٌ مدوَّنٌ في هذا الباب، وإن استفادوا عن القواعد كثيرًا في مصنَّفاتهم الفقهيَّة - كما سنشير إليه إن شاء اللَّهُ -. قال المصنِّف في الإجازة الَّتي كتبها لابن الخازِن:
«لم يُعمَل للأصحاب مثلُه»(1).
وأشار بعض المحقِّقين إلى أنَّ الشَّهيد أخذ جملةً من أبحاث الكتاب من معاصره شمس الدِّين محمَّد بن أيُّوب الزَّرعي الملقَّب بالعَلاء(2)وأجاب عنه بعضُ معاصرينا بإمكان أخذ الزَّرعي عنه، أو أخذهما عن مصدرٍ ثالثٍ(3).
وكيف كان فإنَّ كتاب الشَّهيد يزيد علىٰ قواعد الزَّرعي بكثرة ما فيه من مباحث فقه المقارن وتبيين آراء الإماميَّة.
والكتاب يتشكَّل عن أبوابٍ، كأبواب العبادات، والعقود، و...؛ وفيه 302 قاعدة وعدَّة مسائل وفروعٍ فقهيَّةٍ وأصوليَّةٍ وأدبيَّةٍ، وذلك لأنَّ الكتاب ليس منقَّحًا تنقيحًا موضوعيًّا، بل فيه الكثير من أبحاث عِلمَي الأصول والأدب خلطًا بينها وبين القواعد الفقهيَّة(4)
وقام الأستاذ الدُّكتور السَّيِّد عبدالهادي الحكيم بتحقيقه للمرَّة الأولىٰ، فطبعه بالنَّجف الأشرف؛ وأعادتْ مكتبة المفيد بقم هذه الطَّبعة بطريقة الأوفسيت في مجلَّدين.
وله طبعةٌ محقَّقةٌ أُخرىٰ في موسوعة الشَّهيد الأوَّل، ج 15، في مجلَّدٍ واحدٍ.
.ولعظم قدره قد كَثُر بين الأعلام من علَّق عليه أو دوَّن عليه حاشيَةً، كالسَّيِّد إسماعيل بن نجف المرندي، والمولىٰ حسن عليِّ بن مولىٰ عبداللَّه الشوشتريِّ الأصفهانيِّ، والفاضل الإيروانيِّ، وشيخنا البهائيِّ، وميرزا محمَّد بن سليمان التُّنكابنيِّ، ومحمَّد بن محمود الحسيني اللَّواسانيِّ العصَّار،... وغيرهم الكثيرين(1)
كما وأنَّه قد قام بعضُهم بتهذيب الكتاب وترتيبه.
لأبي عبداللَّه المقداد بن عبداللَّه السُّيُوري الحلِّي، المشتهر بالفاضل المقداد - م. 826 ه. ق. -، من أفاضل تلامذة الشَّهيد، ومن الخصِّيصين به. جمع بكتابه هذا شَمْلَ الأصل وهذَّبَه ورتَّبه ترتيبًا يسهل العثور علىٰ مطالبه(2).
للشَّيخ محمَّد بن عليِّ بن إبراهيم الأحسائيِّ، المعروف بابن أبي جمهورٍ الأحسائيِّ - م.
أوائل القرن العاشر الهجري -. كتابٌ مختصرٌ أُلِّف بعد عوالي اللَّالىء. يقول المؤلِّف عنه:
«... أحبَبتُ أن أتبعه برسالةٍ في الأحكام الفقهيَّة والوظائف لدِّينيَّة، جامعةٌ بين الفروع ومآخذها حاويةٌ لمسائلها بدلائلها...»(3).
والكتاب مع اختصاره وإيجازه يبحث عن كثيرٍ من القواعد الفقهيَّة، كبحثه في القطب العاشر عن اختلاف السَّبب والحُكم في المطلق والمقيَّد، وفي القطب الثَّاني عشر عن قصر
الحكم علىٰ مدلول اللَّفظ؛ ومع ذلك كلِّه فإنَّ للفروع غلبةً واضحةً علىٰ القواعد بحيث لايمكن عدُّ الكتاب من مصادر القواعد علىٰ لسان المُتَأخِّرين(1)
ثمَّ حقَّقه أخيرًا الشَّيخ غلام رضا نقي الجلال آبادي، وطبعته جمعيَّة ابن أبي جمهورٍ الأحسائي؛ بيروت؛ دار المحجَّة البيضاء؛ 1435 ه. ق..
.أمَّا كتاب تميهد القواعد لشيخنا ثاني الشَّهيدين، فلايمكن عدُّه من أجزاء هذه القائمة وإن ذكره كثيرٌ من الأصحاب من كتب القواعد الفقهيَّة؛ وذلك لأنَّ الكتاب منقسَمٌ إلى قسمَين:
القسم الأوَّل: في قواعد الأصول الفقهيَّة(2)
والقسم الثَّاني: في تقرير المطالب العربيَّة وما يتفرَّع عليها من الأحكام الشَّرعيَّة(3).
وليس فيه ما يرجع إلى القواعد الفقهيَّة إلَّاالنَّذر اليسير الَّذي لايُعبَأ به في جنب هذا الكمِّ الهائل من القواعد الأصوليَّة والأدبيَّة!.
للفقيه الحكيم المولىٰ احمد بن أبي ذرٍّ النَّراقيِّ - م. 1245 ه. ق. -. جمع فيه مؤلِّفُه بين عدَّةٍ من القواعد الأصوليَّة والفقهيَّة وغيرها ممَّا يحتاج الفقيه المستنبِطُ إليه، كبعض أبحاث الرِّجاليِّين وأهل الحديث. والكتاب فيه 88 عائدة وعدَّة فوائد، وكثيرٌ منها مختصٌّ بالقواعد الفقهيَّة وإن كان عنوان العائدة أو الفائدة راجعًا إلى المباحث الأصوليَّة مثلًا؛ ولذلك قال المؤلِّف نفسُه في إجازته لأخيه المولىٰ محمَّدمهدي النَّراقي بشأن الكتاب:
«كتاب عوائد الأيَّام في المسائل الكلِّيَّة المهمَّة الَّتي تتوقَّف عليها الفروع»(1).
ولذلك تجد عليه حواشي ألَّفها بعضُهُم، كالشَّيخ الأعظم الأنصاريِّ(2).
أو عناوين الأصول. للعلَّامة الفقيه الخامل الذِّكر بين مترجِمي الأعلام الشَّائع الصِّيت بين الفقهاء السَّيِّد مير عبدالفتَّاح الحسينيِّ المراغيِّ - م. حدود سنة 1250 ه. ق. -. من تلاميذ العَلَمَين العلَّامَتَين الشَّيخ موسىٰ والشَّيخ عليٍّ ابنَي الشَّيخ جعفر كاشف الغطاء، والسَّيِّد محمَّد المجاهد. لاندري من حياته وسيرته شيئًا، لكن تأليفاته تشهد بسمُوِّ مرتبته في العلم، كما عن الطَّهرانيِّ(3)، والميرزا عليٍّ المدرِّس التَّبريزي(4). يبحث في الكتاب عن 94 قاعدة.
عنون كلَّ قاعدةٍ ب «العنوان». وليس فيه شيءٌ من القواعد الأدبيَّة أو الأصوليَّة أو الرِّجاليَّة - كقواعد الشَّهيد، وعوائد المدِّقق النَّراقي -؛ كما وأنَّه قد فرَّع علىٰ كل أصلٍ عدَّة فروعٍ.
فالكتاب يتميَّز عن أترابه بخلوِّه عمَّا هو خارجٌ عن نِطاق علم القواعد، كما أشار إليه بعضُ مقارِبي عصره(5).
وفيه فوائد جمَّة وتحقيقاتٌ رشيقةٌ لايغفل عنها الفقيه(6).
1) . راجع: عوائد الأيَّام، المقدَّمة، ص 85.
2) . له عدَّة طبعاتٍ عديدةٍ؛ وخيرها ما قام به مكتبة الإعلام الأسلامي في الحوزة العلميَّة؛ قم المقدَّسة؛ 1417 ه. ق..
3) . راجع: الكرام البررة، القسم الثَّاني، ص 755.
4) . راجع: ريحانة الأدب، ج 3 ص 379.
5) . راجع: قَصص العلماء، ص 183.
6) . للكتاب طبعتان حجريَّتان؛ وطبعةٌ قام بها مؤسَّسة النَّشر الإسلامي التَّابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة؛ 2 ج؛ الطَّبعة الثَّانيَة؛ 1425 ه. ق..
للفقيه الكبير الشَّيخ محمَّدحسين آل كاشف الغطاء - م. 1373 ه. ق. -. أشرنا إلى كتاب المجلَّة عندما ذكرنا شيئًا يسيرًا عن شرح الشَّيخ سليم رستم باز اللُّبناني عليه. وهذا شرحٌ آخر عليه قام به فقيهٌ شيعيٌّ كبيرٌ، وفيه من أبحاث الفقه المقارن ما لايُوجَد في غيره؛ فمثلاً أُنظُر إلى هذين النَّصَّين لرستم باز ولكاشف الغطاء في شرح مادَّة 36 القائلة: «العادة محكَّمةٌ. يُعنىٰ: أنَّ العادة - عامَّةً أو خاصَّةً - تجعل حكمًا لاثبات حكمٍ شرعيٍّ» لترىٰ مدىٰ أهمِّيَّة الكتاب.
قال الشَّيخ سليم:
«العادة عبارةٌ عمَّا يستقرُّ في النُّفوس من الأمور المتكرَّرة المعقولة عند الطَّبائع السَّليمة. وأصل هذه القاعدة قوله صلى الله عليه و آله: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسنٌ».
أشباهٌ: وممَّا يتفرَّع عليها أنَّه إذا باع حمارًا ولم يذكر وقت البيع دخولَ البرذعة والإكاف أو عدمه، فيُرجَع في ذلك إلى العُرف والعادة.
منه: إذا استأجر حمَّالًا لنقْل شيءٍ من السُّوق إلى بيته فيُعتَبَرُ في حمله إلى داخل الباب العرفُ والعادةُ... وإنَّما تُجعَل العادةُ حكَمًا في الأمور الَّتي لانصَّ فيها، ولهذا حيث لم يرد نصٌّ بأخذٍ وإعطاءِ الزَّيتون والزِّيت ونحوهما كيلًا أو وزنًا فيُرجَع لدىٰ الحاجة إلى عرف النَّاس؛ وأمَّا فيما ورد النَّصُّ فيه فلاعبرةَ للعادة»(1).
وقال الشَّيخ محمَّدحسين:
«أي: تُجعَل طريقًا لاثبات حكمٍ شرعيٍّ.
وهذا أيضًا مبنيٌّ علىٰ الأصل المُقرَّر عندهم من عدم النَّصِّ وفقد الدَّليل
1) . راجع: شرح المجلَّة، ص 34.
الشَّرعيِّ علىٰ حكم جملةٍ من الحوادث؛ خلافًا لما ذهبتْ إليه الإماميَّة من عدم خلُوِّ واقعةٍ من الدَّليل علىٰ حكمها، بالعموم أو الخصوص.
وعلىٰ فرض خلوِّ واقعةٍ من النَّصِّ فإنَّ العادة عند الإماميَّة لايُعتَبَر بها ولاتصلُحُ لاثبات حكمٍ شرعيٍّ.
والحديث الَّذي ربَّما يُتُمسَّك به لذلك من قوله صلى الله عليه و آله: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسنٌ» علىٰ(1)فرض صحَّته لايدلُّ علىٰ حجِّيَّة العادة واعتبارها دليلًا شرعيًّا لاثبات حكمٍ شرعيٍّ، وليس كلُّ حسنٍ عند النَّاس حسنًا واقعًا أو شرعًا وإن حسُن العملُ به مداراةً ومجاملةً مع أبناء جنسه أو أبناء وطنه.
والعادة الَّتي هي عبارةٌ عن تكرار العمل عند طائفةٍ أو أُمَّةٍ من العقلاء ليس لها أيُّ علاقةٍ بالشَّرع لتكون دليلًا علىٰ حكمٍ من أحكامه وإن لم يكن فيه نصٌّ»(2).
وكيف كان فالكتاب من أجمع المصادر لموادِّ القواعد ومن أحسنها، لاشتماله علىٰ مباحث الفقه المقارن(3).
لآية اللَّه العظمىٰ السَّيِّد محمَّدحسن البجنورديُّ قدس سره - م. 1396 ه. ق. -. أحسن ما كُتِب في هذا العلم وأجمعه لما يرجع إلى كلِّ واحدٍ من القواعد؛ ويحقُّ لنا أن نقول: إنَّ هذا الكتاب هو الأوج الشَّامخ الَّذي وصل إليه علم القواعد لحدِّ الآن!. بحث فيه المؤلِّف الفقيه المحقِّق بحثًا مفصَّلًا معمَّقًا عن 64 قاعدة فقهيَّة، فبحث عن مفادها ودليلها وموارد تطبيقها
وما يُستَثنىٰ منها و... وقد خاض في كلِّ واحدٍ من هذه الأبحاث حتَّى أنَّه يذكر عدَّة أدلَّةٍ لقاعدةٍ واحدةٍ، ثمَّ يناقشها ويختار من بينها ما هو الأصحُّ عنده. ولايستغني فقيهٌ عن هذا الكتاب مهما بلغ ذروته في علم الفقه(1)
وله طبعةٌ محقَّقةٌ في 7 مجلَّدات أيضًا؛ قم المقدَّسة؛ إنتشارات دليل ما؛ الطَّبعة الرَّابعة؛ 1388 ه. ش..
!.ثمَّ إنَّ هناك كتبًا ورسائل لبعضٍ من أساتذتنا الكبار، ولبعض معاصرينا في حقل القواعد؛ ولاحاجة إلى ذكرها مفصَّلًا، لكن نشير إلى بعضها باختصارٍ تامٍّ؛ وهو:
لشيخنا الأستاذ المغفور له آية اللَّه العظمىٰ الفاضل اللَّنكرانيِّ قدس سره. صدر منه جزءٌ واحدٌ فقط، ولاأدري هل الشَّيخ الأستاذ أكمل عملَه في تحرير هذا الكتاب - الَّذي هو حصيلة دراساته العُليا لمباحث القواعد في حوزة قم المقدَّسة -؟، أم حال بينه وبين ما رامه المَنيَّةُ المحتومةُ؟. وللكتاب مقدَّمةٌ غاليةٌ بقلم ولده(2).
لشيخنا الأستاذ آية اللَّه العظمىٰ الشَّيخ مكارم الشِّيرازي. مجموعةٌ من القواعد
وأبحاثها. طُبِع في أربع مجلَّداتٍ(1).
لمؤلِّفه العلَّامة الكبير السَّيِّد جلال الدِّين همائي الأصفهاني قدس سره(2).
للشَّيخ مفيد الفقيه. عثرتُ علىٰ الجزء الأوَّل من هذا الكتاب، ولاأدري هل طُبِع له جزءٌ أخر؟، أم لا؟(3).
للشَّيخ الفقيه العلَّامة الشَّيخ باقر الإيروانيِّ. طُبِع في مجلَّدين، وهو من خيرة الكتب لمَن يريد الورود في ساحة هذا العلم(4).
للعلَّامة السَّيِّد عليٍّ الفَرَحي. فيه البحث عن 102 قاعدة فقهيَّة. والكتاب قد ترجَمَه المؤلِّف إلى اللُّغة الفارسيَّة أيضًا(5).
1) . القواعد الفقهيَّة؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ رمضان المبارك 1411 ه. ق.؛ مدرسة الإمام أميرالمؤمنين؛ قم المقدَّسة.
2) . پژوهشگاه علوم انسانى ومطالعات فرهنگى؛ تهران؛ 1391 ه. ش.
3) . بيروت؛ دارالأضواء؛ 1424 ه. ق..
4) . دارالفقه للطِّباعة والنَّشر؛ قم المقدَّسة؛ 1432 ه. ق..
5) . مؤسَّسة النَّشر الإسلامي التَّابعة لجماعة المدرِّسين بقم المقدَّسة؛ 1430 ه. ق..
للشَّيخ عباس عليٍّ الزَّارعي السَّبزواريِّ. من خير ما ألَّفه المعاصرون في هذا الحقل.
قسَّم المصنِّف القواعد حسب أبواب الفقه، وبحث عن جميع ما يرجع إلى كلِّ بابٍ فقهيٍّ في موضعٍ واحدٍ. صدر منه لحدِّ الآنَ 7 أجزاء(1).
للشَّيخ عليِّأكبر السَّيفيِّ المازندرانيِّ. قسَّمه المصنِّف إلى قسين:
القسم الأوَّل: للقواعدالعامَّة؛
والقسم الثَّاني: للقواعد الباحثة عن أحكامٍ جزئيَّةٍ فقهيَّةٍ.
والكتاب فيه تحقيقاتٌ جديدةٌ للمؤلِّف. صدر منه لحدِّ الآنَ 5 أجزاء(2).
للسَّيِّد محمَّدكاظم المصطفوي. فيه بحثٌ موجزٌ عن كلِّ واحدٍ من تلك القواعد(3).
لآية اللَّه السَّيِّد حسين إسماعيل الصَّدر. فيها البحث عن 55 قاعدةً فقهيَّةً، في 9 أجزاء(4).
1) . مؤسَّسة النَّشر الإسلامي التَّابعة لجماعة المدرِّسين بقم المقدَّسة؛ 1436 ه. ق..
2) . مؤسَّسة النَّشر الإسلامي التَّابعة لجماعة المدرِّسين بقم المقدَّسة؛ الطبعة الثَّانيَة؛ 1431 ه. ق..
3) . مؤسَّسة النَّشر الإسلامي التَّابعة لجماعة المدرِّسين بقم المقدَّسة؛ 1412 ه. ق..
4) . دارالمحجَّة البيضاء؛ بيروت؛ 1435 ه. ق.
وهناك عدَّة مصادر أُخَر لمعاصرينا بحثوا فيها عن القواعد الفقهيَّة؛ ولاحاجة إلى سرد أسمائها بعد كونها متَوَفَّرةً بأيدي الطَّالبين. ففي ما ذكرناه كفايةٌ لمَن يريد الفَحص عن هذه المصادر؛ والحمدُ للَّه ربِّ العالَمين!.
تكلَّمنا فيما سبق من هذه التَّقدمة عن ماهيَّة القاعدة الفقهيَّة وبعض ما يرجع إليها من الأبحاث؛ والكلام هيهنا مركَّزٌ علىٰ منهجيَّة الشَّيخ الأستاذ العلَّامة الفقيه - جعله اللَّه في رعيه! - في أبحاثه الَّتي أودَعْنا في هذا الكتاب ما رَزقَنا اللَّه - سبحانه وتعالىٰ! - أن نستفيد منها.
فنقول: منهج الأستاذ في هذه الدِّراسات يُمثِّل المنهج السَّائد بين فقهائنا المتأخِّرين الباحثين عن القواعد الفقهيَّة في جوانبَ؛ وهي:
أوَّلًا: الإلمام بالأهمِّ فالأهمِّ، حيث لايذكر شيخُنا الأستاذ إلَّاالأهمَّ والمهمَّ من هذه القواعد، لا جميعها. والعبرة في هذا الأمر تكون بكثرة استعمال القاعدة في الأبواب الفقهيَّة المختلفة أوَّلًا؛
وباستعمالها في الفروع الهامَّة الفقهيَّة الكثيرة التَّداول ثانيًا؛
وبكثرة الأبحاث والرَّدِّ والإيراد حولَها ثالثًا.
فقاعدة لاضرر من الأوَّل؛ وقاعدة الإمكان من الثَّاني - لكثرة حاجة النِّساء إليها طوال حياتِهنَّ -؛
وقاعدة ما يُضمَن بصحيحة يُضمَن بفاسده وما لايُضمَن بصحيحه لايضمن بفاسده من الثَّالث.
ثمَّ يأخذ الشَّيخ الأستاذ - متَّعنَا اللَّهُ بطول حياته! - تبعًا لمنهج الفقهاء في بيان مفاد
القاعدة وبيان أدلَّتها وتثبيت بعضها وتزييف بعضها الآخر؛ ثمَّ بيان بعض المسائل العائدة إلى القاعدة، لكن لا إلى ماهيَّتها وحقيقتها، وهي الَّتي سمَّاها متأخِّروا فقهاؤُنا التَّنبيهَ والتَّنبيهات؛ ثمَّ يذكر موارد لاستعمال كلِّ قاعدةٍ في المسائل الفقهيَّة.
والمنهج هذا ما سلكه المحقِّقان الكبيران المراغيُّ والبجنورديُّ 0 في كتابَيهما الأثريَّين «العناوين الفقهيَّة» و «القواعد الفقهيَّة»، ثمَّ تابَعَهُما فيه كثيرٌ من المعاصرين الَّذين صنَّفوا في هذا العلم - وقد أشرنا إلى جملةٍ من هذه المصادر فيما مضىٰ من هذه المقدَّمة -.
لكن من اللَّافت للنَّظر في منهجه - حفظه اللَّه! - أنَّه قد بالَغَ في تقسيم الأبحاث إلى هذه التَّقاسيم الجزئيَّة. وقد راعينا منهَجَه في هذه التَّقريرات فأتعَبتُ نفسي في تمييز كلِّ مبحثٍ عن الآخر، بيحث يرىٰ القارىء الكريم في كلِّ قاعدةٍ الأسلوب الَّذي يراه في غيرها من القواعد؛ من:
ذكر عنوان القاعدة أوَّلًا؛
ثمَّ ذكر عناوينها الأخرىٰ الَّتي استعملها الفقهاء في مسفوراتهم ثانيًا؛
ثمَّ بيان مفاد القاعدة ثالثًا؛
ثمَّ بيان الدَّليل أو الأدلَّة الدَّالَّة عليها رابعًا؛
ثمَّ بيان تنبيهات القاعدة خامسًا؛
ثمَّ بيان أمثلةٍ لاستعمالها في الفقه سادسًا؛
وذلك بتمييز كلِّ واحدٍ من هذه الأبحاث عن الآخر بوضوحٍ تامٍّ - والحمد للَّه ربِّ العالَمين! -.
هذا كلُّه بالنِّسبة إلى منهج شيخنا الأستاذ في تبين الأبحاث في مجلس الدَّرس، وفيما قُمنا به من تقرير تلك الأبحاث الشَّريفة.
أمَّا بالنِّسبة إلى منهج الأستاذ العِلمي والَّذي هو الفارق بين سبيله المتَّبع في هذه
الدِّراسات وسُبُل غيره من الأعلام والأساتذة، فيجب أن أُشير هيهنا إلى نكتَتَين هامَّتَين بهما يُوضَح منهجه فيها؛ وهما:
الأولىٰ: إنَّ الشَّيخ الأستاذ لم يكن يبحث في دراساته عمَّا لاثمرة عمليَّة له، أو لاثمرة علميَّة هامَّة له، فكان يقتصر فيها علىٰ ما هو المهمُّ لطالب العلم في مسيرته العلميَّة، لا ما لافائدة فيه عملًا ولا علمًا. وذلك لضَنَّته علىٰ أعمار طلَّابه والمستفيدين من نَمير علمه.
شأنُه - دام عزُّه! - في هذا الأمر شأن كثيرٍ من أساتذته، كالآيات العظام المحقِّقين الكِبار السَّيِّد البروجرديِّ قدس سره، والإمام الخمينيِّ قدس سره، والسَّيِّد المحقِّق الدَّاماد قدس سره، حيث كانوا يقتصرون علىٰ ما هو المهمُّ في نيل الطَّالب إلى مرحلة الإجتهاد والتَّحقيق، لا ذكر جميع ما يرتبط ببحثٍ وإن تظهَرُ ثمرتُه في باب النَّذر فقط!.
يشهد لما قلنا المرويُّ عن سيرتهم العِلميَّة وما كتبوا في الفقه وأصوله أو ما كُتِب عن أبحاثهم؛ فهذا السَّيِّد البروجرديُّ قدس سره مع مَقدُرته الواسعة في هذين العِلمَين يقتصر علىٰ لبِّ المباحث وأُسِّ المطالب فقط؛ خلافًا لبعض الأعلام المُتَوسِّعين في ذكر الأقوال والأدلَّة في كلِّ مبحثٍ، ثمَّ جرح كلِّ واحدٍ منها أو تقويتها في صفحاتٍ كثيرةٍ، بينما أنَّ أصل البحث لاجَدوىٰ فيه علمًا وعملًا!.
والثَّانية: اَّن الشَّيخ الأستاذ له مبنىً خاصٌّ في الاِستدلال لحجِّيَّة القواعد الفقهيَّة، وهو كون غالب القواعد وأكثرها مُنبِئًا عن العُرف والسِّيرة العقلائيَّة ومَبنِيًّا عليهما. وهذا هو الفارق بين رأيه الشَّريف ورأي غيره من الأعاظم الباحثين عن القواعد - وسنأتي بتفصيل هذا الكلام في محلِّه - في كيفيَّة وضعِها والنَّظر إليها.
فعلينا - تبيينًا لمنظره أو قل تبيينًا لمكتبه الخاصِّ به - هيهنا أن نبحث:
أوَّلًا: عن جملةٍ من المسائل الَّتي لها دخلٌ تامٌّ في هذا المبحث؛
ثمَّ النَّظر في مكتبه.
والمسائل هي:
ما هي مدىٰ استعمال العُرف وحجِّيَّته في الفقه؟.
ما هي سيرة المُتَشَرِّعة والسِّيرة العُقلائيَّة؟.
ما هو الفرق بين العُرف وسيرة المُتَشَرِّعة؟.
القواعد الفقهيَّة ونسبتها مع العرف. وهذه المسألة تبحث عن:
الف: القواعد غير العرفيَّة الوضعيَّة الَّتي وضَعَها الشَّارعُ أو نصَّ عليها - كقاعِدَتَي الإمكان، وحجيَّة الظَّنِّ في الصَّلاة -.
ب: القواعد العرفيَّة غير الوضعيَّة.
ثمَّ بعد الفراغ عن هذه المسائل علينا أن نبحث عن ثلاث مسائل أُخرىٰ، وهي:
مدىٰ اعتماد الشَّيخ الأستاذ - حفظه اللَّه! - علىٰ العُرف وسِرُّ سناده عليه.
إبداءُ فهرسةٍ عن القواعد الَّتي نَصَّ علىٰ كونها مُتَّخَذَةً عن العرف.
القياس بين هذه الفهرسة وفهرسةٍ أُخرىٰ تُمَثِّل آراء غيره من الباحثين في حقل القواعد، لنرىٰ مدىٰ اعتماد غيره علىٰ العُرف.
ثمَّ بعد الفراغ عن هذا كلِّه نتكلَّمُ عن ثمرات هذا المبحث ونتائجها الفقهيَّة، لنتخلَّصَ إلى ما هو المقصود من هذه التَّقدمة، وهو بيان مكتب الأستاذ الخاصِّ به في النَّظر إلى القواعد الفقهيَّة واستخدامها في عمليَّة استنباط الحُكم الشَّرعي.
فأقول - مستعينًا باللَّه سبحانه وتعالىٰ ومتوكِّلًا عليه! -:
نركِّز الكلام هيهنا علىٰ بيان معنى العُرف لغويًّا واصطلاحيًّا - حسْب مصطلح الفقهاء والأصوليِّين -. فنقول:
أوَّلًا:
معنىٰ العُرف لغويًّا
العُرفُ يأتي علىٰ عدَّة معانٍ: قال ابنُفارِسٍ:
«العَين والرَّاء والفاء، أصلان صحيحان يدلُّ أحدهما علىٰ تتابع الشَّيء متَّصلًا بعضُه ببعضٍ؛ والآخر علىٰ السُّكون والطُّمأنينة. فالأوَّل... والأصل الآخر...
وهذا أمرٌ معروفٌ. وهذا يدلُّ علىٰ ما قلناه من سكونه إليه، لأنَّ مَن أنكر شيئًا توحَّش منه ونبَأَ عنه. ومن الباب... العُرفُ: المعروف، وسُمِّي بذلك لأنَّ النُّفوس تسكن إليه»(1)
وعن الخليل:
«العُرفُ: المعروف»(2)
وعن ابنِدُرَيدٍ:
«العُرفُ والمعرفة واحدٌ»(3)
وقريبٌ منه ما عن الأزهريِّ:
«العُرف والعارفة والمعروفُ واحدٌ»(4)،
ثمَّ حكىٰ عن ثعلبٍ عن ابنِالأعرابيِّ:
«العُرف المعروف»(5)
ومثله ما عن الصَّاحب إسماعيل(6)
وعن الجوهريِّ:
«العُرفُ ضدُّ النُّكرِ»(1)
ومثله ما عن ابنِالأثير(2).
فإذن العُرفُ هو ما تسكُنُ إليه نفوسُ النَّاس، لأنَّها تعرفه ولاتُنكِره. قال بعض معاصرينا:
«العادة هي الدَّأب والاستمرار، فكلُّ ما اعتيد حتَّى صار يُفعَل من غير جهدٍ فهو عادةٌ. وسُمِّيت بذلك الاسم لأنَّ صاحبها يعاودها، أي: يرجع إليها مرَّةً بعد أُخرىٰ»(3).
ثمَّ إنَّ اللُّغويِّين لم يذكروا معنىً ل «عُرف النَّاس» في مسفوراتهم وإن استعمله المتأخِّرون منهم كثيرًا؛ قال الفَيُّوميُّ في مادَّة بَعَرَ:
«لوقال: أعطوه بعيرًا لم يكن لهم أن يعطوه ناقةً، فحَمَلَ(4)البعير علىٰ الجمل، ووجهه أنَّ الوصيَّة مبنيَّةٌ علىٰ عرف النَّاس لا علىٰ محتَمَلات اللُّغة الَّتي لايعرفها إلَّاالخواصِّ»(5).
وهذا الاستعمال يُوجَد عن الطُّريحيِّ(6)، والمدنيِّ الشِّيرازيِّ(7)، والتَّهانويِّ(8)، والزَّبيديِّ(9)وغيرهم.
1) . راجع: صحاح اللُّغة، ج 4 ص 1401.
2) . راجع: النِّهاية، ج 3 ص 217.
3) . راجع: مقال مفهوم العرف في الشَّريعة الإسلاميَّة، ص 98.
4) . هكذا في المطبوعة، والظَّاهر: بِحَمْل.
5) . راجع: المصباح المُنير، ج 2 ص 53.
6) . راجع: مجمع البحرين، ج 3 ص 507.
7) . راجع: الطِّراز الأُوَل، ج 7 ص 101.
8) . راجع: كشَّاف اصطلاحات الفُنون، ج 2 ص 1590.
9) . راجع: تاج العروس، ج 3 ص 485.
هذا بحسب اصطلاح أهل اللُّغة. وللعرف لغويًّا معانٍ أُخر خارجٌ عمَّا نحن بصدده الآنَ، ذكرها الدُّكتور حسنين محمود حسنين(1).
ولهم مصطَلَحٌ آخر، وهو المستعمَل عند الأصوليِّين والفقهاء، وهي: السِّيرة، فإنَّ السِّيرة وإن كانت تختلف بحسب المعنىٰ الوضعيِّ عن العُرف، لكنَّها تُستَعمَل عند الفقهاء بمعنىٰ العُرف المستَعمَل عند اللُّغويِّين. قال ابنُفارِسٍ:
«السِّين والباء والرَّاء، أصلٌ يدلُّ علىٰ مضْيٍّ وجريانٍ، يُقال: سار يسير سيرًا، وذلك يكون ليلًا ونهارًا. والسِّيرة: الطَّريقة في الشَّيء والسُّنَّة، لأنَّها تسير وتجري»(2)
وعن الصَّاحب إسماعيل:
«السِّيرة: السُّنَّة»(3)
ومثله ما عن ابن سيدة(4)، وابن منظورٍ(5)
وعن الجوهريِّ:
«السِّيرة: الطَّريقة»(6)
ومثله ما عن نشوان الحِميَريِّ(7)والمُطَرِّزيِّ(8)والفَيُّوميِّ(9)والفيروزآباديِّ(10)
1) . راجع: مقال مفهوم العرف في الشَّريعة الإسلاميَّة، ص 97 فمابعدها.
2) . راجع: معجم مقائيس اللُّغة، ج 3 ص 120.
3) . راجع: المحيط في اللُّغة، ج 8 ص 376.
4) . راجع: المُحكم، ج 8 ص 572.
5) . راجع: لسان العرب، ج 4 ص 390.
6) . راجع: صحاح اللُّغة، ج 2 ص 691.
7) . راجع: شمس العلوم، ج 5 ص 3290.
8) . راجع: المغرب، ج 1 ص 472.
9) . راجع: المصباح المُنير، ج 2 ص 299.
10) . راجع: القاموس المُحيط، ج 2 ص 119.
فإذن عُرف النَّاس ما هو المعروف عندهم فتسكن إليه نفوسُهُم، وسيرتهم هي سنَّتهم وطريقتهم.
هذا بحسب مصطلح أهل اللُّغة.
أمَّا الأُصوليُّون فذكروا العرفَ والسِّيرةَ معًا، ولهم في تعريف العُرف أقوالٌ؛ منها:
«العُرف ما استقرَّتْ النُّفوس عليه بشهادة العقول وتلَقَّتْه الطَّبائع بالقبول»(1).
قال الدُّكتور وليد بن عليٍّ الحسين في شرح التَّعريف:
«(ما استقرَّت النُّفوس عليه بشهادة العقول) أي: ما اطمأنَّتْ إليه النُّفوس والفتْه ولم ينكره أصحاب الذَّوق السَّليم. وهذا مخرجٌ ما لم يستقرَّ في النُّفوس كأن يحصل اتِّفاقًا وبطريق النُّدرة ممَّا لم يعتده النَّاس، فإنَّه لايُعتَبر عرفًا، كما يخرج ما لم يستقرَّ من جهة العقول كأن يستقرَّ من جهة الأهواء والشَّهوات، كالفجور وفساد الألسنة وغيرهما.
(تلقَّتْه الطَّبائع بالقبول) أي: بأن تتقبَّله أصحابُ الطَّبائع السَّليمة، وهذا يخرج ما لم تتلَّقه الطَّبائع السَّليمة بالقبول، فلايكون عرفًا»(2).
«العُرف والعادة ما استقرَّ في النُّفوس من جهة العقول وتلقَّته الطِّباع السَّليمة بالقبول»(3).
«هي الأمر الَّذي يتقرَّر بالنُّفوس ويكون مقبولًا عند ذوي الطِّباع السَّليمة بتكراره المرَّة بعد المرَّة»(1)،
ثمَّ قال:
«والمعروف بمعنىٰ العادة»(2).
«العُرف ما تعارفه النَّاس وساروا عليه، من قولٍ أو فعلٍ أو تركٍ»، ثمَّ قال:
«ويُسمَّى العَادة»(3).
«العُرف ما استقرَّ في النُّفوس واستحسنتْه العقولُ وتلقَّتْه الطِّباع السَّليمة بالقبول واستمرَّ النَّاس عليه ممَّا لاتردَّه الشَّريعة وأقرَّتْهم عليه»(4).
«العادة مأخوذةٌ من المعاودة، فهي بتكرُّرها ومعاودتها مرَّةً بعد أُخرىٰ صارت معروفةً مستقرَّةً في النُّفوس والعقول متلقَّاةً بالقبول من غير علاقةٍ ولاقرينة ٍ حتَّى صارتْ حقيقةً عرفيَّةً، فالعادة والعرف بمعنىً واحدٍ من حيث الماصدق وإن اختلفا من حيث المفهوم»(5).
1) . راجع: سُلَّم الوصول، ص 317.
2) . راجع: نفس المصدر.
3) . راجع: علم أصول الفقه، ص 99؛ نقلًا مع ما ذكرناه أعلاه عن الأصول العامَّة في الفقه المقارن، ص 405.
4) . راجع: مقال أثر العرف في التَّشريع الإسلامي، ص 52.
5) . راجع: مجموعة رسائل ابن عابدين، ج 2 ص 114؛ نقلًا عن مقال العُرف وتطبيقاته المعاصرة، ص 3.
«هو عادة جمهور قومٍ في قولٍ أو فعلٍ»(1).
«(عادة جمهور القوم) أي: أن يكون العرف معتادًا عند أكثر النَّاس، ويخرج ما لوكان معتادًا عند بعض النَّاس، فلايُسمَّىٰ عرفًا، وإنَّما يكون من قبيل العادة الفرديَّة.
(في قولٍ أو فعلٍ) أي: أنَّه يشمل العرف القولي والعرف الفعلي.
والمختار في تعريف العرف اصطلاحًا هو التَّعريف الثَّاني، لوضوحه. والمعنىٰ الاصطلاحي مأخوذٌ من المعنيَين اللُّغويَّين السَّابقين، وهما التَّتابع وما تطمئنُّ إليه النَّفس، فإنَّ النَّاس إذا اطمأنُّوا إلى شيءٍ تتابعوا عليه وصار معروفًا وسُمِّي عرفًا»(2).
«ما يعمل به العقلاءُ في جميع أمور معاشهم وسياساتهم ومعاملاتهم»(3).
«العُرف ما يعرفه عقلاء المجمتع من السُّنَن والسِّيَر الجميلة الجارية بينهم، بخلاف ما ينكره المجتمع وينكره العقل والاجتماع من الأعمال النَّادرة الشَّاذة»(4).
«العُرف عبارةٌ عن كلِّ ما اعتاده النَّاسُ وساروا عليه، من فعلٍ شاع بينهم أو قولٍ
تعارفوا عليه»(1).
«نقصد بالسِّيرة ما هو أعمُّ من السُّلوك والفعل الخارجيِّ، بحيث يشمل المُرتَكَزات العقلائيَّة؛ ولايختصُّ بخصوص التَّصرُّف العمليِّ الخارجيِّ. والجامع هو المواقف العقلائيَّة إذا كان للعقلاء موقفٌ، سواءٌ كان علىٰ مستوىٰ السُّلوك الخارجيِّ، أو علىٰ مستوىٰ البناءات والمرتكَزات»(2).
«السِّيرة... في الاِصطلاح استمرار عادة النَّاس وتبايُنِهم العملي علىٰ فعل شيءٍ أو ترك شيءٍ، سواءٌ كان ذلك من جميع العقلاء من المسلمين وغيرهم، أو كان ذلك من جميع المسلمين بما هم مسلمون»(3).
«هو تعارف العقلاء علىٰ سلوكٍ معيَّنٍ في شأنٍ من الشُّؤون، بحيث لايشذُّ عن هذا السُّلوك منهم أحدٌ إلَّاوكان مَعرضًا للنَّقد والتَّوبيخ. وهذا لايتَّفق إلَّاعند ما يكون السُّلوك مستندًا إلى نكتةٍ عقلائيَّةٍ ولو لم تكن متبلورةً، بل كانت مركوزةً في جِبِلَّتهم»(4).
ولغيرهم غيرها من الأقول؛ وفيما ذكرناه كفايةٌ.
ثمَّ إنَّ العرف والعادة والسِّيرة - الَّتي هي ثلاثة أسامي لمُسمًى واحدٍ - لايطلق إلَّاإذا كان الأمر جارٍ بين النَّاس أوَّلًا؛
مستمرًّا بينهم ثانيًا؛
و «الأمر» أعمٌّ من الفعل أو المرتَكَز العقليِّ؛
و «الفعل» أعمٌّ من الفعل أو التَّرك؛
و «النَّاس» هيهنا أعمٌّ من المسلمين أو غيرهم.
هذا ما نقصده من العُرف في هذا المبحث الَّذي نحن بصدده الآنَ.
وبما قلنا ظهر أنَّه لافرق بين العُرف وسيرة المتشرِّعة في هذا المبحث.
هذا ما اخترناه هيهنا لعدم أثرٍ لثبوت الفرق أو عدم ثبوته بينهما في الفقه، وإلَّا فإنَّه من الممكن تقسيم الإتِّجاهات في التَّسوية بينهما - وبين العادة أيضًا - أو عدم التَّسوية بين الثَّلاثة كما يلي:
«الاتِّجاه الأوَّل:
ويرىٰ أصحابُه أنَّ العرف والعادة بمعنىً واحدٍ، فهما لفظان مترادفان لافرق بينهما... وهؤلاء يرون أنَّ العرف والعادة هما مااستقرَّ في النُّفوس من قولٍ أو فعلٍ وتلقَّتْه الطِّباع السَّليمة بالقبول، لافرق في ذلك بين ما كان للعقل في انشائه مدخلٌ، وبين ما ليس للعقل فيه مدخلٌ. كحرارة الجوِّ الَّتي تجعل البلوغ عادةً مبكرةً، وكاقلِّ الحيض أو أكثره ممَّا رتَّب الشَّرع عليه أحكامًا.
الاتِّجاه الثَّاني:
ويرىٰ أصحابُه أنَّ العرف أعمُّ من العادة، فالعرف ما استقرَّ في النُّفوس والفته الطِّباع، قولًا كان أو فعلًا؛ بينما تختصُّ العادة بالعرف العملي فقط؛ فبينهما العموم والخصوص المطلق....
الاتِّجاه الثَّالث:
ويرىٰ أصحابُه أنَّ العادة أعمُّ من العرف، فهي الأمر المتكرَّر بغضِّ النَّظر عن العلاقة العقليَّة، سواءٌ أكان ذلك قولًا، أو عملًا، صادرًا من فردٍ أو جماعةٍ، أو كان مصدره أمرًا طبيعيًّا لادخل للعقل فيه - كالحيض والحمل وحرارة الإقليم -
أو برودته الَّتي تجعل البلوغ عادةً مبكرةً أو متأخَّرةً، أو كان مصدره العقل فيما كان للعقل فيه مدخلٌ.
وأصحاب هذا الاتِّجاه يرون أنَّ ما كان للعقل فيه مدخلٌ فهو عرفٌ وعادةٌ، وما ليس للعقل فيه مدخلٌ فهو عادةٌ؛ فالنِّسبة بينهما العموم والخصوص المطلق.
والعادة أعم من العرف الَّذي اقتصر إطلاقه علىٰ العادات الَّتي للعقل فيها مدخلٌ»(1).
وهيهنا عدَّة إشكالاتٍ علىٰ هذه التَّعريفات - ولاسيَّما الثَّاني منهما - أوردها بعضُهم، كصاحب أثر العرف في التَّشريع(2)
وأجاب عنه آخرون، كصاحب العرف والعادة في رأي الفقهاء(3)ولاتهمُّنا هذه الإشكالات والأجوبة، لعدم ثمرةٍ علميَّة لها. لكن نشير فقط إلى:
«- أنَّ بعض هذه التَّعاريف غير جامعٍ، لعدم دخول العرف الفاسد؛
وليس الأمر كذلك، إذ يكفي في اثبات العرف اعتياد الأكثريَّة؛
أنَّ بعضَ مَن عرَّف العرف قد سوَّى بين العرف والعادة؛
أنَّ بعضهم قد قصَّر العرف علىٰ المعاملات، وهذا القصر غير مسلَّمٍ، لأنَّ العرف وإن كان غالبًا في المعاملات فإنَّه يكون في وسائل العبادات والجنايات والعادات»(4).
هذا ما أخذه الدُّكتور سعود بن عبداللَّه الورقي علىٰ هذه التَّعاريف.
وفي بعض إشكالاته ما لايخفىٰ، كأخذه علىٰ من سوَّىٰ بين العرف والعادة. وأوردت الدُّكتورة أسماء بنت عبداللَّه الموسىٰ علىٰ الأوَّل بقولها:
«1. أنَّه سوَّىٰ بين العادة والعرف، فمدلولُهما عنده واحدٌ، فما يُطلَق عليه عرفًا يُطلَق عليه عادةً، والعكس بالعكس؛
وليس الأمر كذلك!، إذ إنَّ العادة أعمُّ من العرف، فكلُّ عرفٍ عادةٌ ولا عكس...
وبهذا تبيَّن أنَّ عطف العرف علىٰ العادة ليس صحيحًا.
ثمَّ إنَّ العرف والعادة يجب أن تُتُوفَّر فيه شروطٌ عدَّة حتَّى يمكن أن يكون حجَّةً فقهيًّا، وفي قواعدة أيضًا؛ وإلَّا فلاحجِّيَّة فيه وفي القواعد المنبَعَثَة منه.
وهي كالتَّالي: 1. أن يكون العرف مطرَّدًا
والمراد به أن يكون العرف من الأعراف العامَّة، لا الخاصَّة - وسنبحث عن أقسام العرف آنفًا -. وإنَّما عبَّر الأسيوطيُّ قدس سره عن هذا الشَّرط بقوله:
«إنَّما تُعتَبر العادة إذا اطَّردتْ أو غلبتْ»(2)
وأشار إليه ابنُنجيمٍ(1)، وغيرهما أيضًا.
ويمكن أن يُفسَّر هذا الشَّرط بعموم العُرف عند أهله، من أهل بلدٍ أو أهل محنةٍ أو أهل حرفةٍ.
فالعرف الحجَّة عندهم هو السَّائد المشهور بينهم فقط، لاالمختصُّ ببعضٍ منهم.
فلاحجِّيَّة في العرف الَّذي مضىٰ فانقرض، أو لم يحدُثْ بعدُ. وهذا ما عبَّر عنه الأسيوطيُّ بقوله:
«العرف الَّذي تُحمَل عليه الألفاظ هو المُقارن السَّابق، دون المُتَأخِّر»(2).
وأشار إليه ابنُنُجيمٍ(3)أيضًا. فلووقف شخصٌ مالًا علىٰ «العلماء» وكان لفظ العلماء في عرف زمان الواقف منصرفًا إلى الفقهاء، ثمَّ تبدَّل فصار منصرفًا إلى غيرهم من علماء العلوم، لاعبرة بهذا التَّبديل والتَّغيير؛ بل يجب صرف منافع الوقف هذا في الفقهاء فقط. وذلك لأنَّ الوقف يتبع قصد الواقف وكان الواقف حين الوقف قاصدًا أن يُصرَف ماله لهم فقط، لالغيرهم.
فلو أنَّ المتعاقدين جاءا بنصٍّ يخالف العُرف ثمَّ أجمعا علىٰ نصِّهما فهذا النَّصُّ مقدَّمٌ علىٰ العرف، بل لاحجِّيَّة للعرف في مقابل النَّصِّ أصلًا؛ كما يقال: «لاعبرة للدِّلالة في مقابلة التَّصريح».
نعم! لوسكتا فلم يُصرِّحا بشيءٍ في عقدهما فالعقد إذن محمولٌ علىٰ العرف وما هو جارٍ فيه.
فإذا انعقد عرفٌ في مجتمع لكن خالفه نصٌّ من الشَّارع، فهل هذا العرف حجَّةٌ؟ أم لاأ.
لاترديد عند كثيرٍ من الفقهاء في بطلان هذا العرف وتقدُّم النَّصِّ عليه. كما إذا كان العرف دالًّا علىٰ جواز حضور النِّساء والرِّجال في شواطىء البحار عريانًا، فهذا العرف باطلٌ، لأنَّه تعارضه النُّصوص الشَّرعيَّة الدَّالَّة علىٰ وجوب السَّتر.
نعم! لوكان العرف مخصِّصًا لنصٍّ شرعيٍّ ورد في الكتاب أو السُّنَّة، فلاضير في تبعيَّة العرف ورفض النَّصِّ، وذلك لأنَّ العرف لايُصادم النَّصَّ حينئذٍ، بل يخصِّصُه.
وأحسن من هذا أن يقال: إنَّ العرف إذن يُبيِّن مراد النَّصِّ حقيقةً. و مثاله
«ما تعارف عليه النَّاس من عدم إطلاق لفظ اللَّحم علىٰ السَّمَك، فهذا العرف يقيِّد المطلق الوارد في قول اللَّه - تبارك وتعالىٰ! -: «لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا»(1)فأطلق اللَّه - تعالىٰ! - لفظ اللَّحم وأراد به السَّمك، والنَّاس لايطلقون علىٰ السَّمك لحمًا. وهنا تعارض العُرف مع النَّصِّ، فلوحلف شخصٌ ألَّايأكلَ لحمًا فأكلَ سمكًا فإنَّه لايحنث بحسب عرف النَّاس.
وهكذا يذهب البض فيرىٰ أنَّ العرف له أن يُخصِّص عام القرآن ويقيِّد مطلقَه»(2).
ومن الواضح أنَّ العرف هذا لايخالف النَّصَّ، بل لايُصادمه أصلًا.
وهناك شروطٌ أُخرىٰ لحجِّيَّة العرف، وسنتكلَّم عنها متفرَّقًا في مواضعها من هذه الرِّسالة، فلانذكرها هيهنا ثانيًا، والأهمُّ منها ما ذكرناه.
وقد فصَّلَ بعضُ معاصرينا الكلامَ حولها، فراجع إليه إن أردتَ التَّفصيل(1)، كغيره منهم(2)
آ: مقال العُرف وتطبيقاته المعاصرة، ص 20؛
ب: مقال مجالات إعمال العُرف، ص 13؛
ج: مقال العُرف: حجِّيَّته وآثاره الفقهيَّة، ص 30.
.ثمَّ إنَّ الأصحاب ولاسيَّما الأُصوليِّين منهم قد قسَّمُوا العرف والسِّيرة والعادة إلى أقسامٍ، نظرًا إلى الحيثيَّات المختلفة الَّتي تجري فيها. ولابأس بنا لوذكرنا هذه الأقسام وتلك الحيثيَّات لأثرها المفتاحيَّة فيما نحن بصدده.
فنقول: بعد الإتِّفاق علىٰ أنْ لافرق بين هذه الثَّلاثة(3)- أي: العرف والسِّيرة والعادة - هيهنا، يمكن أن تُقَسَّم الثَّلاثة إلى أقسامٍ كالتَّالي:
لاريب أنَّ من السِّيرة ما هو يخالف الثَّابت بالكتاب والسُّنة؛
ومنها ما لايخالفهما.
فالأوَّل: كالمعاملات الرَّبَوبيَّة الجارية بين النَّاس في كثيرٍ من بلاد المسلمين، كالَّتي قامتْ بها البنوك في هذه الأزمنة الأخيرة - علىٰ فتوىٰ كثيرٍ من فقهائنا العظام -. وهو المسمَّىٰ بالعرف الفاسد، و «هو ما تعارفه النَّاس ولكن يخالف الشَّرع، أو يحلُّ المحرَّم أو يبطل الواجب»، كما عن عبدالوهَّاب خلاف(1)
أو هو «ما كان مخالفًا لنصِّ الشَّارع أو يُجلِب ضررًا أو يدفع مصلحةً»، كما ذكره عبدالكريم زيدان(2)
فالأعراف الفاسدة «ما أنزل اللَّه بها من سلطانٍ، بل شهدتْ الأدلَّة الشَّرعيَّة الصَّحيحة ببطلانها وعدم شرعيَّتها»(3).
والثَّاني: كغيرها من معاملاتهم و ماتجري عليه أسواقُهُم.
ثمَّ إنَّ الثَّاني علىٰ قسمين:
الأوَّل: ما هو قديمٌ متَّصلٌ بزمن المعصوم عليه السلام بحيث جرىٰ في مرءآه ومسمَعِه، ولم يُنكِره ولم يمنع عليه السلام عنه.
والثَّاني: ما هو غير قديمٍ متَّصلٍ بزمنه عليه السلام، بل هو مستحدَثٌ حدث بعد عصر المعصومين عليهم السلام، فلايمكن القول بأنَّ المعصوم عليه السلام أمضىٰ هذه السِّيرة وأيَّدَها. قال بعض معاصرينا الكبار: «السِّيرة علىٰ قسمين:
تارةً تُصادِم الكتاب والسُّنَّة وتعارضهما، كاختلاط النِّساء بالرِّجال في الأفراح والأعراس وشرب المُسكرات فيها...؛
وأخرىٰ لاتصادم الدَّليل الشَّرعي، وفي الوقت نفسه لايدعَمُها الدَّليل. فهذا النَّوع من السِّيرة إن اتَّصلَتْ بزمان المعصوم عليه السلام...»(1).
وسنبحث عن حكم هذا القسم من العُرف.
والظَّاهر أنَّ هذا التَّقسيم أبدعه المحقِّق الفذُّ الشَّهيد السَّيِّد محمَّدباقر الصَّدر قدس سره.
وتلخيص الكلام فيه: إنَّ العرف - بحسب هذا التَّقسيم - علىٰ أقسامٍ ثلاثةٍ:
السِّيرة المنقِّحَة المفسِّرة لموضوع الحكم الشَّرعي. وهذا فيما إذا ثبت حكمٌ شرعيٌّ لكن لاسيرة تُنقِّح موضوع ذلك الحكم وتُبيِّنه. وهذا القسم علىٰ نوعين:
النَّوع الأوَّل: ما هو متصرِّفٌ في موضوع الحكم بعد تبيينه وتنقيحه، كما إذا دلَّتْ السِّيرة علىٰ معنىٰ «المعروف» في الدَّليل الدَّالِّ علىٰ وجوب نفقة الزَّوجة علىٰ الزَّوج، حيث نعلم أنَّ للمعروف معنىً في كلِّ زمنٍ من الأزمان بحسب هذا الزَّمان، فلودلَّتْ السِّيرة في زماننا علىٰ أنَّ «المعروف» لاينحصر في الملبوس والطَّعام وما إلى ذلك، بل دلَّتْ علىٰ أنَّ تهيئة السَّيَّارة تُعَدُّ أيضًا من النَّفقة فعلىٰ الزَّوج أن يُهيِّئها أيضًا لزوجته؛ وذلك لدلالة السِّيرة عليه.
النَّوع الثَّاني: السِّيرة الَّتي هي منقِّحَةٌ للموضوع اثباتًا فقط. كما إذا دلَّ دليلٌ علىٰ أنَّ «المؤمنين عند شروطهم»، ثمَّ شرط أحدُ المُتَبايعَين أنَّ له خيار الفسخ عند ظهور الغبن في المعاملة؛ فالسِّيرة هيهنا تُنَقِّح موضوع الغبن وتُثبِت له الفسخ عند حصوله. فإذن السِّيرة هي كاشفةٌ عن الموضوع فقط، لامُوجِدةٌ له.
1) . راجع: إرشاد العقول، ج 3 ص 286.
السِّيرة الَّتي تُنقِّحُ الدَّليل ولاصِلَة بينها وبين الموضوع، بل تُنقِّح ظهور الدَّليل فقط.
وذلك لكون السِّيرة قرينةً علىٰ الدَّليل تُبيِّن ظهوره في كلِّ مقامٍ. وهذه القرينة:
قد تُوَسِّعُ الدَّليل؛
وقد تُضَيِّقُه؛
وقد تُغيِّره من معنىً إلى معنىً آخر.
السِّيرة المُتَشَرِّعيَّة؛ وهي الَّتي يُراد الاستدلال بها علىٰ كبرىٰ الحكم الشَّرعيِّ، فتكون السِّيرة هذه مبدأ دليلٍ يُؤخَذ به في الشَّرع، كدلالة السِّيرة علىٰ بطلان عقد البيع وفسخه لوتلف المالُ قبل القبض. فهذه السِّيرة هي الدَّليل المأخوذ به في القاعدة القائلة ب: «أنَّ التَّلف قبل القبض يوجب الاِنفساخ».
هذا موجَز ما نقَّحَه الشَّهيد الصَّدر الفقيه قدس سره. ونظرًا إلى أهمِّيَّة كلامه البالغة نأتي بنصِّه في الهامش، ليُراجِع إليه من يطالب المزيد من المبحث(1)
«الجهة الأُولىٰ:
هي أنَّ السِّيرة العقلائيَّة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسامٍ:
القسم الأوَّل: هو سيرةٌ منقِّحَةٌ لموضوع الحكم الشَّرعيِّ، وليست مشرِّعةً، وذلك بأن نفترض أنَّ الدَّليل دلَّ علىٰ حكمٍ شرعيٍّ مترتَّبٍ علىٰ موضوعٍ كلِّيٍّ، والسِّيرة العقلائيَّة توجب إثبات ذلك الموضوع، وحينئذٍ يلحقه حكمُه لا محالة.
فالحكم هنا لم يثبت بدليليَّة السِّيرة، بل ثبت بإطلاق دليله الَّذي هو آيةٌ أو روايةٌ، وإنَّما السِّيرة منقِّحةٌ لموضوع ذلك الحكم، وهذا له نحوان:
النَّحو الأوَّل:
هو أن تكون السِّيرة منقِّحةٌ لموضوع الحكم، بمعنى: أنَّها متصرِّفةٌ في المفهوم المأخوذ في موضوع الدَّليل، من قبيل: دليل وجوب النَّفقة على الزَّوجة، فهذا الدَّليل دلَّ علىٰ وجوب النَّفقة على الزَّوجة، أمَّا أنَّه ما هو مقدار هذه النَّفقة، وما هو نوعها وحدُّها، فهذا قد بُيِّن في القرآن الكريم بعنوان الإمساك بمعروفٍ، أمَّا أنَّه ما هو هذا المعروف، فهنا تتدخَّل السِّيرة العقلائيَّة لتشخيص هذا المعروف، وأنَّه عبارةٌ عن العرف والأمر الشَّائع ونحوه، فإذا فرض أنَّ السِّيرة العقلائيَّة تعارفت - نتيجة ظروفٍ إجتماعيَّةٍ أو اقتصاديَّةٍ - علىٰ أن تكون النَّفقة للزَّوجة بنحوٍ أتمَّ وأكمل ممَّا كانت عليه وكان لها في غابر السِّنين، حينئذٍ هذه السِّيرة العقلائيَّة تنقِّح موضوع الوجوب في المقام، فيكون الإمساك بمعروفٍ عبارةٌ عن تخصيص هذا المقدار من وسائل الراحة للمرأة، وما هو أقلُّ منه لايكون إمساكًا بمعروفٍ، إذن، فلايكون امتثالًا للواجب.
فالسِّيرة هنا نَقَّحتْ موضوع الوجوب الشَّرعيِّ، فتبعه الوجوب، وليس ذلك إعمالًا لتشريعٍ من قبل العقلاء، ولااستدلالًا ببناء العقلاء علىٰ حكمٍ شرعيٍّ، بل الحكم الشَّرعيُّ ثابتٌ بدليله، وإنَّما بناء العقلاء وسيرتهم تصرَّفتْ في مفهوم موضوع الوجوب حسب تغيُّر الأوضاع الاجتماعيَّة للنَّاس.
ومثل هذه السِّيرة تدخل في القسم الأوَّل، أي: أنَّها سيرةٌ منقِّحةٌ للموضوع، غير أنَّها منقِّحةٌ للموضوع ثبوتًا، يعني: بها يتنقَّح الموضوع ويوجد، لا أنَّه بها يُكشف الموضوع، إذن، فتنقيح الإمساك بمعروف يُوجَد بالسِّيرة ثبوتًا.
النَّحو الثَّاني من القسم الأوّل:
هو: أن تكون السِّيرة العقلائيَّة منقِّحةٌ للموضوع إثباتًا لاثبوتًا، أي: كاشفةٌ عن تنقيح الموضوع وثبوته، من قبيل أن يُفتَرَضَ أنَّه عندنا دليلٌ على أنَّ «المؤمنين عند شروطهم»، فإذا شرط إنسانٌ في العقد علىٰ الطَّرف الآخر أن يكون له خيار الفسخ، فيثبت له هذا الخيار بمقتضىٰ الشَّرط؛ لأنَّ المؤمنين عند شروطهم، فهذا دليلٌ محموله الخيار، وموضوعه شرط العاقد.
فهنا نقول بأنَّ السِّيرة العقلائيَّة انعقدَتْ على خيار الغبن، فنثبته بالسِّيرة؛ لأنَّ بناء العقلاء في مقام المعاوضة أن لايرفعوا يدهم عن ماليَّة المال، بل يرفعون يدهم عن شخص المال، فهم يريدون الحِفاظ على ماليَّة مالهم مع تسامحٍ قليلٍ فيه أحيانًا.
حينئذٍ نقول: بأنَّ هذا البناء من العقلاء يوجب حاليًّا ظهورًا نوعيًّا للمتعاقدين في وضعهم، علىٰ أنَّهم اشترطوا ضمنًا أن لاتختلَّ المساواة بين الماليَّتين إلَّابمقدارٍ مغتفرٍ عادةً، وإلَّا فلوحصل التفاوت بأكثر من المتعارَف، لكان لأحدهم خيار الغبن.
وهنا في هذا النحو، السِّيرة العقلائيَّة ليسَتْ هي المشرِّعة، وليست هي الدَّليل علىٰ الكبرىٰ المشرِّعة شرعًا، بل الكبرى المشرِّعة شرعًا هي قوله - تعالىٰ! -: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أو «المؤمنون عند شروطهم»، وإنَّما هذه السِّيرة منقِّحةٌ لموضوع الحكم، وأنَّ الخيار ثابتٌ عند التَّفاوت غير العاديِّ، فهذا قد كشف عنه سيرة العقلاء؛ إذ ظهور حال كلِّ فردٍ يجري حسب المقاصد العُقلائيَّة أن يجري بحسب هذا الشَّرط الضِمنيِّ.
والفرق بين هذا النَّحو والنَّحو الأوَّل هو أنَّه هنا في هذا النَّحو، السِّيرة العقلائيَّة كاشفةٌ عن الموضوع، لا موجِدةٌ له، بينما في النَّحو الأوَّل كانت السِّيرة موجدةٌ للموضوع كما تقدَّم.
وهذا الفرق بين النَّحوين يترتَّب عليه أثرٌ، وهو أنَّه لوشذَّ إنسانٌ عن السِّيرة العقلائيَّة، ففي النَّحو الاوَّل لايُقبَل منه هذا الشُّذوذ، بل الحكم يشمله كما يشمل غيره؛ لأنَّ الحكم تابعٌ لموضوعه، وما نقَّحتْه السِّيرة في موضوع الإمساك بمعروفٍ، وهو المعروف الثبوتيُّ، إذن، فلايلتفت إلى شذوذه؛
بينا في النَّحو الثَّاني، لوفرض أنَّ هذا الإنسان خالف ولم يشترط خيار الغبن مع التفاته لذلك، وكان المهمُّ عنده الحصول على السَّلعة كيفما اتَّفق، حينئذٍ مثل هذا لايثبت له الخيار؛ لأنَّ السِّيرة لاتحمِّله الخيار، بل هي تنتزعه منه.
ومن هنا يُعرف أنَّ فارقًا جوهريًّا بين الأحكام الَّتي يستنبطها الفقيه مبنيًّا علىٰ هذا النَّحو من السِّيرة، وبين الأحكام الَّتي يستنبطها بقطع النَّظر عن هذه السِّيرة، فإنَّ هذا الحكم يتبع الأعراف الخارجيَّة.
وهذه السِّيرة بكلا نحويها في هذا القسم تكون حجَّةً، بلاحاجةٍ إلى بحث دليلٍ علىٰ حجِّيَّتها؛ فإنَّ حجِّيَّتها علىٰ القاعدة؛ لأنَّنا لم نثبت بهذه السِّيرة حكمًا كلِّيًّا ليُقال: إنَّه كيف نثبت حكم الشَّارع بمواقف العقلاء، وإنَّما أثبَتنا الحكم الكلِّيَّ بإطلاق دليله، وهذه السِّيرة نقَّحتْ موضوع هذا الدَّليل.
وعلىٰ هذا الأساس، يثبت أنَّ السِّيرة العقلائيَّة في هذا القسم حجَّةٌ، سواءٌ كانت معاصرةً لعهد المعصوم عليه السلام أو حادثةً بعد عهده، فكونها معاصرةً للمعصوم عليه السلام ليس لها دخلٌ في حجِّيَّتها؛ لأنَّ وظيفة هذه السِّيرة ليست هي الكشف عن الكبرىٰ الشَّرعيَّة ليُقال: بأنَّ هؤلاء عقلاء متأخِّرون عن عهد المعصوم عليه السلام فكيف يستكشف من عملهم كبرىً شرعيَّةً؟،
فإنَّنا نحن لانريد استكشاف ذلك، وإنَّما نريد تنقيح موضوع هذه الكبرىٰ الشَّرعيَّة الموجودة، حتَّى إذا ما وُجدت هذه السِّيرة أثَّرتْ أثرها، بل لوكانت السِّيرة موجودةً في عصر المعصوم عليه السلام ثمَّ تبدَّلتْ حينئذٍ يسقط أثرها؛ لأنَّها لم تعد منقِّحةً للموضوع في هذا الزَّمان، وإنَّما تكون الحجَّة هي السِّيرة الفعليَّة، باعتبار أنَّ الموضوع قد تبدَّل.
القسم الثَّاني من السِّيرة:
هي السِّيرة الَّتي تنقِّح الدَّليل، لا موضوع الحكم، أي: أنَّها تُنقِّح ظهور الدَّليل، وهذا يدخل تحته إعمال المناسبات العُرفيَّة والعقلائيَّة في فهم الأدلَّة الشَّرعيَّة، فإنَّنا سوف نبيِّن - إن شاء اللَّه! - في بحث الظَّواهر أنَّ الظَّهور كثيرًا ما يتدخَّل في تكوينه واقتناصه من الدَّليل المرتكزاتُ العرفيَّة والبناءات العقلائيَّة، وهي تشكِّل قرائن لبِّيَّة متَّصلة، فكما أنَّ القرائن اللَّفظيَّة المتَّصلة تتدخَّل في ظهور الدَّليل، فكذلك اللُّبِّيَّة المتَّصلة.
وهذه القرينة، قد توسَّع من الدَّليل وقد تضيِّقه، وقد تغيِّره من معنىً إلى معنىً آخر.
وهذا الإعمال بحسب الحقيقة في السِّيرة العقلائيَّة بهذا المعنى، إعمالٌ على القاعدة، فلايحتاج إلى بحثٍ عن دليل حجِّيَّته وراء البحث عن دليل حجِّيَّة الظُّهور الَّذي يأتي، وذلك لأنَّ هذه السِّيرة دخيلةٌ في تكوين ظهورٍ في الدَّليل، فإذا تكوَّن ذلك الظُّهور حينئذٍ يكون حجَّةً لدليله...
وهذا القسم يختلف عن القسم الأوَّل، بأنَّه بحاجةٍ إلى إثبات معاصرته لعصر صدور النَّصِّ من الشَّارع، أمَّا إذا فُرِض أنَّه لم يكن معاصرًا، فإنَّه حينئذٍ لايكون قرينةً متَّصلةً مع فرض عدم معاصرته لعصر صدور النصِّ.
إلَّا أنَّنا إذا أحرزنا ثبوت هذا الاِرتكاز في عصرنا، واحتملنا ثبوته في عصر صدور النَّصِّ، فيكون هذا كافيًا لنا في قرينيَّة الارتكاز علىٰ الدَّليل، وذلك لا لأنَّ مجرَّد ثبوتٍ في هذا العصر يوجب احتمال ثبوته في عصر الصدور، فيكون من باب احتمال القرينة المتَّصلة، وهذا الإعمال يمنع عن العمل بالظهور، بل من أجل أنَّ المقام يدخل تحت كبرى أصالة عدم النَّقل؛ لأنَّ هذا الارتكاز دخيلٌ في ظهور هذا الكلام، إذن، فمرجع هذا هو أنَّ هذا الكلام لوصدر الآن لكان معناه كذا، وأمَّا لوصدر قبل الآن، فلاندري ما معناه، فتجري أصالة عدم النَّقل حينئذٍ، فيثبت أنَّ ما هو المركوز اليوم هو المراد من الدَّليل.
... ويفترق هذا القسم عن القسم السَّابق في حاجته إلى إثبات معاصرة السِّيرة لزمن صدور النَّصِّ فيما إذا كان النَّقل عن المعصوم باللَّفظ، بينما إذا كان النَّقل بالمعنى فيكفي زمن النَّقل؛ وذلك لأنَّ الحجَّة إنَّما هي ظهور النَّصِّ فيما إذا كان النَّقل باللَّفظ، ولكن إذا أحرزنا ثبوته في عصرنا واحتملنا عدمه في زمن النَّصِّ، كفىٰ ذلك في عدم إمكان التَّمسُّك بالمدلول اللُّغويِّ للَّفظ، لا لمجرَّد احتمال القرينة المتَّصلة الَّتي لا نافي له عندنا فحسب، بل لأنَّه يمكن إدراجه تحت كبرىٰ أصالة عدم النَّقل في اللُّغة...
القسم الثَّالث: السِّيرة المُتَشرِّعيَّة.
وهي السِّيرة الَّتي يُراد الاستدلال بها علىٰ كبرىٰ الحكم الشَّرعيِّ، أي: علىٰ التَّشريع الإلهيِّ الكلِّيِّ الواقعيِّ بحيث تكون هي مبدأ الدَّليل. وهذا كما في الاستدلال بالسِّيرة العقلائيَّة علىٰ التَّملُّك بالحيازة، بدعوى: أنَّ السِّيرة العقلائيَّة انعقدَتْ علىٰ أنَّ من يحوز شيئًا من الأموال المنقولة المباحة، كنقل الماء من النَّهر، والاحتطاب من الغابات ونحوه، فإنَّ السِّيرة العقلائيَّة انعقدت علىٰ أنَّ هذه الحيازة سببٌ للتَّملُّك، فيُستدلُّ بها علىٰ أنَّ «من حاز ملك»...»
راجع: بحوثٌ في علم الأصول، ج 9 ص 193.
.1) قال قدس سره:
ثمَّ إنَّ هذا التَّقسيم قد نقَّحها ولخَّصها بعضُ معاصرينا، نأتي هيهنا بكلامه لإيجازه واختصاره؛ قال:
أقسام السِّيرة: إنَّ السِّيرة علىٰ ثلاثة أقسامٍ: اثنان عقلائيَّان وواحدٌ شرعيٌّ.
القسم الأوَّل: السِّيرة العقلائيَّة.
الأوَّل: السِّيرة العُقلائيَّة الَّتي تُنقِّح موضوع الحكم، بدون دخلٍ لها في نفس الحكم.
وهي إمَّا تنقِّح الموضوع ثبوتًا، مثل: (فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ)،
والمعروف هو من العرف يعني: التَّعارف، فالسِّيرة العقلائيَّة ثبوتًا تنقِّح موضوع «المعروف» بما يناسب كلَّ شخصٍ، وكلَّ زمانٍ، وكلَّ مكانٍ.
أو تنقِّح الموضوع إثباتًا، مثل: «المؤمنون عند شروطهم»، وتباني العقلاء علىٰ خيار الغبن يكشف عن أنَّ المهمَّ عندهم: قيمة الشَّيء، دون خصوصيَّته.
وهذه السِّيرة ثبوتًا وإثباتًا تكون حجَّةً بلادليلٍ عليها، لأنَّها تنقِّح الموضوع الَّذي هو علَّةٌ للحكم، وتكون من القسم الأوَّل من السِّيرة الَّتي هي مرتَكَزُ كافَّة العقلاء في كلِّ زمانٍ ومكانٍ...
الثَّاني: السِّيرة الَّتي تُنقِّح ظهور الدَّليل، كالأمر في الوجوب، والنَّهي في الحرمة، وهكذا، وحجِّيَّتها من قبيل الَّذي كان مرتكز جميع العقلاء.
ويختلف هذا القسم عن الأوَّل بلزوم إحراز معاصرتها لصدور النَّصِّ، أو نقل النَّصِّ بالمعنىٰ، فتأمَّل!...
الثَّالث: السِّيرة المتشرِّعيَّة علىٰ كبريات الأحكام، كالمِلْكيَّة في حيازة المباحات، وتقسيم الغاصب المال المشترك، وخيار الغبن، في الاستدلال الابتدائيِّ، لااستكشاف الشَّرط الضِّمنيِّ، وإلَّا كان من القسم الثَّاني - وهو السِّيرة الَّتي تُنقِّح ظهور الدَّليل -.
والسِّيرة المتشرِّعيَّة قد تكون:
لإثبات حكمٍ شرعيٍّ كلِّيٍّ، كالملكيَّة وخيار الغبن، المتقدَّمين.
وقد تكون لاثبات حكمٍ ظاهريٍّ: التَّنجيز والإعذار...
وهذه السِّيرة بحاجةٍ إلى كشف موافقة المعصوم عليه السلام لها، إذ لايمكن الحكم بحكمٍ شرعيٍّ علىٰ بناء العقلاء فقط»(1).
1) . راجع: بيان الأصول، ج 1 ص 214.
ثمَّ إنَّ السِّيرة بحسب هذا التَّقسيم تنقسم إلى قمسين:
سيرة المتشرِّعة أو المسلمين؛ وهي الَّتي ثبتَتْ بين المسلمين بما هم مسلمون متديِّنون بما جاء به النَّبيُّ الكريم صلى الله عليه و آله.
سيرة العقلاء؛ وهي الَّتي ثبتَتْ بين عقلاء العالَم أو عقلاء مجتمعٍ في عصورٍ متتاليَةٍ.
والفرق بين السِّيرَتين من ناحيَةٍ واحدةٍ، وهي ثبوت الحكم الشَّرعيِّ بالأولىٰ دون الثَّانيَة إلَّا إذا ثبت عدم ردعِ الشَّارع عن الثَّانيَة أيضًا. قال العلَّامة الخبير النَّجم آبادي قدس سره في ما قرَّره من دروس أُستاذَيه العلَمَين العراقي والنَّائيني 0 في مقام الفرق بينهما:
«إنَّ الأولىٰ إن تحقَّقَتْ فلايحتاج في حجِّيَتها إلى اثباتِ مقدَّمات عدم الرَّدع، بل بنفس تحقُّقها يستكشف عن عدم وجود الرَّدع واقعًا. وذلك لأنَّ المسلمين بما هم مسلمون متديِّنون لايُعقَل أن يعملوا بما هو مخالفٌ لطريقة الشَّرع، فلوكان في الشَّريعة ما هو قابلٌ لأنْ يمنعهم عن الإستناد بما يستطرقون منه لم تستقرَّ سيرتهم علىٰ الاِستطراق منه مع عدم كون الطَّريق الظَّنِّيِّ غير مجعولٍ ذاتًا؛ ولذلك يستكشف من استقرار سيرة المسلمين القطع بعدم الرَّدع. وأمَّا الثَّانيَة، فهي محتاجةٌ إلى مقدَّمات عدم الرَّدع، لعدم جريان الملازمة المذكورة حتَّىٰ يُقطَع بعدم الرَّدع. فما لم يُحرَز الإمضاء في طريقة العقلاء لم يكن طريقتُهم حجَّةً»(1).
1) . راجع: الأصول، ج 2 ص 257.
وهو تقسيم السِّيرة إلى قسمين آخرين أيضًا. وهما:
سيرة العلماء؛ وهي السِّيرة الثَّابتة بين علماء المذهب والعارفين برموزه وخفيَّاته.
سيرة العوام؛ وهي الثَّابتة بين غير العارفين بدقائق الشَّرع وأحكامه وطُرُق استنباطه.
ثمَّ إنَّ السِّيرتين كلاهما لاحجِّيَّة فيهما لاثبات الحكم الشَّرعيِّ لعدم كشفهما عن رأي المعصوم وقوله عليه السلام؛ وهذا خلافًا لبعضهم حيث ذهب إلى أنَّ سيرة العوامِّ تُكشِف عن قول الإمام بلاواسطةٍ، فهي حجَّةٌ ولوخالفَتْها فتاوىٰ العلماء. قال:
«ثمَّ إنَّ السِّيرة علىٰ قسمين:
أحدهما: سيرة العلماء؛
وثانيهما: سيرة العوامِّ.
أمَّا الأولىٰ فلاشكَّ أنَّها تُكشِف عن قول العلماء بما استقرَّتْ سيرتُهم عليه. وهل تُكشِف عن قول المعصوم؟ يبتني علىٰ كشف قول العلماء عنه... أمَّا الثَّانيَة فهل تُكشِف عن قول العلماء الكاشف عن قول الإمام عليه السلام؟، أو تُكشف عن قوله عليه السلام أوَّلًا بلاواسطةٍ؟؛ وتظهر الثَّمرة فيما إذا استقرَّت فتوىٰ العلماء علىٰ خلافها.
وجهان، أقواهما الثَّاني، لقاعدة التَّقرير الثَّابتة بأدلَّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
فإن قلتَ: ما ذكرتَه من التَّقرير إنَّما يصحُّ التَّمسُّك به فيما إذا اتَّفق موافقةُ السِّيرة لفتاوىٰ العلماء أو الشَّكِّ فيه، لافيما إذا اتَّفق المخالفةُ بينهما؛ فإنَّ الفتاوىٰ تكفي حينئذٍ في الرَّدع، فيكون السِّيرة علىٰ الباطل!.
قلتُ: مجرَّد مخالفة الفتاوىٰ لايكفي في الرَّدع - كما لايخفىٰ علىٰ المتأمِّل -، فيقع التَّعارض بينهما، فلابدَّ من التَّأويل في إحداهما مع إمكانه، ويُتُوقَّف
ويُرجَع إلى الأصول مع عدمه»(1).
هذا التَّقسيم يجري عند الأصوليِّين في مصطلح العُرف، فيقولون: العرف علىٰ قسمَين:
العرف العامُّ؛
والعرف الخاصُّ.
لكن قد قدَّمنا الكلامَ في أنَّه لافرق بين العرف والسِّيرة هيهنا، فكلُّما ثبت للعرف من الأقسام يثبت للسِّيرة أيضًا.
ثمَّ إنَّ العرف ينقسم هيهنا إلى قسمين آخرين أيضًا:
الأوَّل: العرف الخاصُّ، وهو المختصُّ بجمعٍ خاصٍّ لايسري عنهم إلى غيرهم؛ كعرف الفقهاء أو عرف الأطبَّاء أو عرف المهندسين.
والثَّاني: العرف العامُّ، وهو الَّذي لايختصُّ بقومٍ أو جمعٍ دون غيرهم، بل يشمل جميع المِلَل والأقوام.
والأوَّل لا حكم له في تشخيص الموضوعات والأحكام؛ بينما أنَّ الثَّاني هو المرجَعُ في تشخيص موضوعات الأحكام. قال بعض أفاضل المعاصرين:
«فاعلم! أنَّ الشَّارع جعل موضوعات أحكامه علىٰ طبق ما يفهمه العرفُ العامُّ ولايكون العرف الخاصُّ مخاطَبًا بالخصوص في أحكامه، ولذا يشكل الإكتفاء بصدق الموضوعات عند عرفٍ خاصٍّ مع عدم وضوح صدقه عند عموم النَّاس؛ كالموت، فإنَّه يصدق عند الأطبَّاء بعروض الموت السَّريريِّ أو الدِّماغيِّ ولايصدق عند النَّاس إلَّابوقفة القلب، ولومع اطِّلاعهم علىٰ صدقه عند
1) . راجع: وسيلة الوسائل في شرح الرَّسائل، ص 284.
الأطبَّاء؛ فلايترتَّب أحكام الموت بصِدقه عند الأطبَّاء؛ كما لايخفىٰ»(1).
هذا التَّقسيم أورده بعضُ معاصرينا. وعليه إنَّ العرف ينقسم إلى قسمين:
أن يكون النَّصُّ محالًا علىٰ العرف،
صراحةً؛
أو: ضمنًا.
أن يكون العرف علَّةً للحكم. قال:
«إنَّ من تتبَّع النُّصوص الشَّرعيَّة من قرآنٍ أو سنَّةٍ يجد أنَّ علاقة العرف بها تتَّخذ صورًا شتَّىٰ، منها:
الصُّورة الأولىٰ:
أن يحيل النَّصُّ علىٰ العمل بعرف النَّاس، صراحةً، أو ضمنًا.
والمقصود بالنَّصِّ الصَّريح هو أن يوجد في النَّصِّ القرآنيِّ أو النَّبوي لفظ العرف أو ما يشتقُّ منه، فنفهم أنَّ النَّصَّ قد أحال علىٰ العمل بالعرف...
ويُقصَد بذلك أنْ يحيل النَّصُّ علىٰ العمل بالعرف بلفظٍ غير صريحٍ، أعني ألَّا يُوجَد في النَّصُّ لفظ العرف أو أحد مشتقَّاته، ولكن يُفهَم منه العمل بالعرف ....
1) . راجع: عُمدة الأصول، ج 5 ص 160.
الصُّورة الثَّالثة:
أن تكون العادة علَّةً في الحكم بمعنىٰ أن يُبنىٰ الحكمُ علىٰ ما اعتاده عليه النَّاس، وذلك عن طريق ربط الحكم بهذه العادة، أو بعبارةٍ أُخرىٰ: أن يقترن الحكم بالعادة فيُفهَم من هذا الاقتران أنَّ العادة علَّةٌ في ذلك الحكم»(1).
هذه هي ستَّة تقسيماتٍ للعرف والسِّيرة. ويمكن أن تُقسَّم السِّيرة إلى أكثر من هذه، كما وأنَّه يمكن تنويعها إلى أقسامٍ أُخر - كتقسيم العرف إلى عرف الشَّارع وعرف النَّاس، كما عن الدُّكتور حسنين محمود حسنين(2)، وهو ما يذكره أصوليُّوننا في مبحث الحقيقتَين الشَّرعيَّة والمتشرِّعيَّة -؛
لكن حيث لافائدة في هذه التَّقسيمات بذاتها فنكتفي بهذا المقدار، حذرًا عن التَّطويل في البحث - والحمد للَّه ربِّ العالَمين! -.
أمَّا الأعراف السَّائدة في المُجتَمعات فلها عللٌ وأسباب توجب حصولها أوَّلًا، وثبوتها ثانيًا، فتصير السِّيَر الزَّائلة السَّريعة الزَّوال عرفًا ثابتًا في مجتمعٍ يدور معه مآت من السِّنين.
ولحدوثه وثبوته عللٌ متعدَّدة، نشير إلى الأهمِّ منها، وهو:
وهي الَّتي تقضي علىٰ الجوامع فتلجَؤُها إلى عملٍ خاصٍّ، ثمَّ بتكرُّر هذا العمل يحدث عرفٌ خاصٌّ في هذا المجتمع.
وهذه الضَّرورات في أكثر الأحيان تنشأ من خصائص البلاد والمجتمعات، التَّأريخيَّة والجغرافيَّة.
وهي الَّتي لولم تراع في مجتمعٍ ليضيق العيش والحياة علىٰ سُكَّان هذا المجتمع، كتفاعل أهل محنةٍ خاصَّةٍ بعضهم مع بعضٍ، فبهذا التَّفاعل الخاصِّ يمكن لهم أن يُرزَقُوا من محنتهم الخاصَّة بهم.
والمراد بها ما هو المطلوب للحكم والحُكَّام في إدارة المجتمع.
وهذا هو أقوىٰ علل ثبوت عرفٍ خاصٍّ بين النَّاس القاطنين في مجتمعٍ هو تحت حكم هذه الحُكَّام.
ومن علل ثبوت الأعراف المختلفة هي الوراثات الإجتماعيَّة، فترث الأجيال القادمة عن آبائهم عدَّة أعرافٍ وتتَّخذونها أعرافًا لأنفسهم من دون تفكُّرٍ فيها، بل ولا حاجة إليها!.
وكثيرٌ من الأعراف تنشأ بين النَّاس للوراثة عن آبائهم فقط.
ولثبوت العرف عللٌ أخرىٰ كلُّها تشترك في تبعيَّة النَّاس عنها حتَّى تثبت سيرةٌ ثابتةٌ
بينهم.
وقد لخَّصَ الجميعَ بعضُ معاصرينا فقالتْ:
«ينشأ العرف من ارتياح الإنسان إلى فعلٍ من الأفعال الَّتي تميل إليها النَّفس، ثمَّ يتكرَّر فعله فيصبح عادةً، فإذا انتشرتْ هذه العادة أو العادات بين النَّاس وقلَّد بعضُهم بعضًا فيها أصبح عرفًا؛ وبذا نرىٰ أنَّ العادة غير العرف، وربَّما ذهب بعضُ النَّاس إلى أنَّ العادة والعرف بمعنىً واحدٍ، وأنَّهما سواءٌ.
فكلُّ عملٍ يأتيه الإنسان باختياره لابدَّ له من باعثٍ يدعو إليه، وذلك الباعث:
إمَّا أمرٌ خارجيٌّ، كأمر من يشعر باحترمه ويعتقد أنَّ طاعته واجبةٌ، وكظهور مصلحةٍ من شيءٍ أثبتَتْها التَّجربة أو البحث العلمي، وكالأعمال الَّتي تدعو إليها البيئة والطَّبيعة، أو الاجتماعيَّة؛
وإمَّا لأمرٍ داخليٍّ، فهو ما يرجع إلى الفاعل نفسه، كحبِّ الانتقام والحياء الشَّديد الدَّاعيَين إلى الأخذ بالثَّأر والحجاب للمرأة.
ذلك الباعث يُوجِد في النَّفس رغبةً في العمل وميلًا إليه، فإذا أنفذ الإنسانُ هذه الرَّغبة وأتىٰ بما مال إليه وكرَّره مرَّةً بعد أُخرىٰ فقد أصبح عادةً، فالَّذي يكون العادة هو تكرار العمل الصَّادر عن الميل.
ثمَّ إنَّ هذا العمل إذا صادفَتْه نفوسٌ مستعدَّةٌ تأثَّرتْ به فحاكَتْه وقُلِّدتْ فيه، إذ الجماعة مفطورةٌ علىٰ التَّقليد، فهي تهوىٰ وتحبُّ، مطبوعةً علىٰ الاقتداء بمَن تستهديه في شؤونها لاعتقاد الكمال فيه، إلَّاأنَّ هذه المحاكاة قد تكون سريعةً، وقدتكون بطيئةً بحسب شدَّة الحاجة إلى العمل وقوَّة محبَّته وضعفها.
فإذا حاكاه غيره فيه بدافع حبِّ التَّقليد وتكرَّرتْ هذه المحاكاة وانتشرت بين معظم الأفراد يتكوَّن عندئذٍ بها العرف الَّذي هو في الحقيقة عادةُ الجماعة.
وكما يجري ذلك في الأفعال يجري أيضًا في الأقوال، فالإنسان مضطرٌّ إلى
التَّفاهم مع من يعيش بينهم، وأنَّ التَّفاهم بالإشارات ونحوها عسيرٌ وبطيءٌ»(1).
وقد أشار إلى:
السُّلطات الحاكمة؛
وأوامر الأنبياء؛
والفطرة السَّليمة؛
والعواطف الإنسانيَّة؛
والمصالح؛
والإرتكازات؛
ثمَّ إنَّه اختلفت الأنظار في وجه حجِّيَّة السِّيرة والعُرف في الفقه؛ وهيهنا مذاهب
نشير إليها بإجمالٍ تامٍّ:
القول بأنَّ السِّيرة تُكشِف عن رأي المعصوم عليه السلام، إمَّا علىٰ القول بحجِّيَّة الظَّنِّ الخاصِّ، وإمَّا علىٰ القول بحجِّيَّة مطلق الظَّنِّ. فلاشأن إذن للسِّيرة والعُرف إلَّاشأن الكاشفيَّة عن رأي الإمام و نظره الشَّريف.
قال العلَّامة الكجوري الشِّيرازي قدس سره بهذا الصَّدد:
«حجِّيَّة السِّيرة إنَّما هي من باب الكشف القطعيِّ عن رضاء الرِّيئس علىٰ القول بحجِّيَّة الظَّنِّ الخاصِّ، ومن باب الكشف الأعمِّ من القطعي و الظَّني علىٰ القول بالظَّنِّ المطلق»(1).
ثمَّ إنَّ المهمَّ في هذا المذهب هو كون السِّيرة بنفسها كاشفةً عن رأي الإمام عليه السلام، من غير حاجةٍ فيها إلى عدم ردعه عليه السلام عنها، أو إمضائه عليه السلام إيَّاها؛ وهو الفارق بين هذا المذهب والمذهب الَّذي يليه. فعدم ثبوت الرَّدع يكفي في حجِّيَّة السِّيرة ولاتحتاج حجِّيَّتُها إلى ثبوت عدم ردع الشَّارع عنها أو إمضائه إيَّاها.
قال المحقِّق الأصفهانيُّ قدس سره شارحًا هذا الرَّأي: «اللَّازم في حجِّيَّة السِّيرة العُقلائيَّة مجرَّد عدم ثبوت الرَّدع عنها من الشَّارع، ولايجب إحراز الإمضاء واثبات عدم الرَّدع حتَّى يجب البناء علىٰ عدم حجِّيَّتها بمجرَّد عدم العلم بالإمضاء أو الجهل بعدم الرَّدع، لأنَّ الشَّارع بما هو عاقلٌ بل رئيس العقلاء متَّحد المسلك معهم إلَّاإذا أُحرِز اختلاف مسلكه معهم بما هو شارعٌ»(2).
واستشكل عليه بعضُ أعاظم العصر(1)، كغيره من الأعاظم(2)و سنفصِّل الكلام حول الإشكالات - إنشاء اللَّه تعالىٰ! -.
القول بأنَّ السِّيرة لاحجِّيَّة فيها إلَّاإذا أُحرِز رضا الإمام عليه السلام بها، إمَّا بعدم ردعه عنها، وإمَّا بثبوت إمضائه إيَّاها. وذلك لايتمُّ إلَّا:
بثبوت جريان السِّيرة في زمن المعصومين عليهم السلام أوَّلًا؛
وعدم ردعهم عنها ثانيًا.
وهذا ما عبَّر عنه بعضُ معاصرينا قدس سره فيما قرَّره من أبحاث بعض أكابر الدَّهر قدس سره بقوله:
«تبيَّن ممَّا سبق أنَّ السِّيرة المُتَشَرِّعيَّة بحاجةٍ إلى أن يتوفَّر في حقِّها أمران ليُمكِن الاستدلال بها:
أحدهما: إثبات معاصرتها لزمن وجود المعصوم عليه السلام؛
والآخر: ثبوت الموقف الملائم منه تجاهها الكاشف عن إمضائه لمضمونها»(3).
ثمَّ هل تحتاج حجِّيَّة السِّيرة علىٰ هذا المذهب إلى عدم ردع الشَّارع عنها؟، أو تحتاج إلى إمضائه أيضًا؟. ذهب المحقِّق الفقيه النَّائينىُّ قدس سره إلى الأوَّل؛ قال:
«لانحتاج في إثبات حجِّيَّة السِّيرة العُقلائيَّة إلى أزيد من عدم الرَّدع. وأمَّا احتمال الاحتياج إلى الإمضاء وعدم كفاية عدم الرَّدع فضعيفٌ لايُعبَأ به»(4).
وقال أيضًا:
«وعدم ردعهم عن العمل بها يقتضي التَّوسعة عليهم والتَّسهيل لهم في عمَلهم»(1).
وهذا مختار بعض المحقِّقين أيضًا حيث قال:
«... وعدم العلم بالرَّدع كافٍ في الحكم بالحجِّيَّة»(2).
وذهب المحقِّق الفذَّ الشَّيخ حسين الحلِّي قدس سره إلى الثَّاني؛ قال بعد تفصيلٍ قدَّم ذكرَه:
«فالحقُّ ما تقدَّم ذكره من أنَّ السِّيرة وحدها لاتُثبِت الحجِّيَّة إلَّامع القطع بالإمضاء»(3).
القول بأنَّ السِّيرة لاشأن لها إلَّاشأن الحكاية عن رأي المعصوم عليه السلام. والفارق بين هذا المذهب وبين ما سبق أعلاه: أنَّ السِّيرة علىٰ المذهب الثَّالث لاتُعَدُّ بحيالها شيئًا ولاشأنيَّة لها أصلًا إلَّاشأنيَّة الحكاية والنَّاقليَّة. قال العلَّامة الكبير الشَّيخ الرَّشتي قدس سره:
«فإنَّ حجِّيَّة السِّيرة إنَّما هي من باب التَّقرير ورضا المعصوم المُستَكشَف من عدم ردعه إيَّاها»(4).
القول بأنَّ السِّيرة حجَّةٌ بما أنَّها كاشفةٌ من إمضاءات العقلاء وما هم متَّفِقون علىٰ حسنه، فاختاروه في حياتهم ومعاشهم الجماعيَّة؛ والمعصوم عليه السلام بما هو من العقلاء داخلٌ في هذه السِّيرة وهذا العُرف. قال الشَّهيد المدقِّق الصَّدر قدس سره:
«العبرة بحجِّيَّة السِّيرة ليس بالسُّلوك ولا بالبناء العمَليِّ والتَّصرُّف الخارجيِّ
للعقلاء، وإنَّما العبرةُ بحجِّيَّة السِّيرة هي بما يستبطه هذا السُّلوك العُقلائيُّ من تشريعاتٍ وإمضاءاتٍ للعقلاء»(1).
وعن الشَّيخ الأعظم قدس سره:
«إنَّ العرف لاحكومة له في قبال العقل، بل العرف مرتبةٌ من مراتب العقل وطورٌ من أطواره»(2).
وعن السَّيِّد المحقِّق البروجرديِّ قدس سره:
«والاستدلال ببناء العقلاء أيضًا ليس من جهة جعل بنائهم وسطًا للاثبات، بل المراد به حكم العقلاء بما هم عقلاء بذلك»(3).
هذا؛ فتلخَّص ممَّا قلنا جميعًا أنَّ السِّيرة حجَّةٌ عند الفقهاء حتَّى قيل: «إنَّ السِّيرة هي الدَّليل الخامس في الفقه»(4)لكنَّ الكلام كلَّه في وجه حجِّيَّتها، وقد أجمَلنا الكلام في المذاهب فيه - والحمدُ للَّه ربِّ العالَمين! -.
ثمَّ إنَّه لاكلام في أنَّ المرادَ بالسِّيرة هيهنا سيرةُ المُتَشرِّعيَّة العُقلائيَّة الَّتي تتمُّ فيها أمورٌ؛ وهي:
أوَّلًا: عدم انبعاثها من عدم المُبالاة في الدِّين؛
وثانيًا: عدم انبعاثها عن الإحتياط، حيث إنَّ كثيرًا من السِّيَر يَنشأ من الإحتياطات الَّتي
يأخُذُ بها المُتَدَيِّنون من غير أن يصل إليهم دليلٌ عليها(1). فهل هذه السِّيرة وهذا العُرف حجَّةٌ في الفقه أم لا؟.
رأينا أن هناك موقفين رئيسيَّين لحجِّيَّة السِّيرة والعُرف:
إنَّ السِّيرة لاحجِّيَّة فيها إلَّابعد ثبوت عدم ردع المعصوم عليه السلام عنها أو ثبوت إمضائه عليه السلام إيَّاها.
إنَّ السِّيرة تُحكي عن قواعد عامَّة استحسَنَها العقلاءُ فخَضَعوا قبالها، والإمام عليه السلام بما هو فردٌ من العقلاء بل رئيسهم داخلٌ في هذه السِّيرة؛ فإذن حجِّيَّة السِّيرة لاتحتاج إلى إمضائه، بل عدم ردعه عنها يكفي لحجِّيَّتها.
فأقول مبيِّنًا هذين الموقفين: أمَّا القائلون بالموقف الأوَّل فالسِّيرة ليست عندهم إلَّا كطريقٍ حاكٍ عن رأي المعصوم عليه السلام، وليس لها قيمةٌ ذاتيَّةٌ، فإذن لاحجِّيَّة فيها إلَّابعد ثبوت أمرين فيها:
الأمر الأوَّل: ثبوت اتِّصالها بزمن المعصوم عليه السلام وكونها في مرءاه ومنظره.
الأمر الثَّاني: ثبوت توافق المعصوم عليه السلام لها بعدم ردعه عنها أو إمضائه لها، فحاولوا أن يصحِّحوا هذين الأمرين فيها.
ولهم هيهنا طُرُقٌ وأقوال نذكرها علىٰ سبيل الإجمال - مراعيًا عدمَ التَّطويل -؛ فنقول:
1) . وانظر للتَّفصيل: دُرَر الفوائد في شرح الفرائد، ج 5 ص 405.
طُرُق اتِّصال السِّيرة بزمن المعصوم عليه السلام
أن يكون انعقاد السِّيرة بنفسه دليلًا علىٰ كونها قديمةً متَّصلةً بزمن المعصوم عليه السلام، حيث إنَّ العقلاء لوتطابَقُوا علىٰ العمل بأمرٍ في عصرٍ أو اعتقدوا به فيه فهذا نفسُه يُنبِىءُ عن توافق المُتَقَدِّمين عليهم والمُتَأخِّرين منهم علىٰ العلم والاعتقاد به. حيث إنَّ السِّيرة ليست من الأمور الَّتي تحدُث في مدَّةٍ يسيرةٍ ثمَّ تفنىٰ بعدها فتحدثُ بدلًا عنها سيرةٌ أُخرىٰ. فنَفْسُ العثور عليها في عصرٍ يدلُّ علىٰ ثبوتها في الأزمنة المُتقدِّمة علىٰ ذلك العصر.
وهذا ما بيَّنه الفقيه الشَّهيد المدقِّق الصَّدر قدس سره بقوله:
«أن يُجعَل نفسُ انعقادها وتطابق العمل عليها بالفعل - مع كون موضوعها ومضمونها عامَّ البلوىٰ، بحيث لامحالة ينعقد فيه تطابقٌ عمليٌّ عامٌّ - دليلًا علىٰ أنَّها ذات جذورٍ قديمةٍ ترتفع إلى عهد الأئمَّة المعصومين عليهم السلام»(1).
وقد قرَّره بعض معاصرينا ببيانٍ أوضح، فقال:
«أن يُجعَل نفس انعقاد السِّيرة وتطابُقِ العمل بها - مع كون المسألة محلَّ ابتلاء العامِّ - دليلًا علىٰ اتِّصالها بزمن المعصوم عليه السلام، لاستبعاد تحوُّل السِّيرة فُجأَةً من شيءٍ إلى نقيضه أو ضدِّه»(2).
ويرد علىٰ هذا الوجه: أنَّه وإن كان الأمرُ في انعقاد السِّيرة كذلك، لكن ليس الأمر في ثبوتها كذلك أيضًا!؛ بل من الممكن بل المُحتَمل جدًّا تطوُّر السِّيرة شيئًا فشيئًا طوال العُصور والأزمان، وذلك بطلبٍ من مُطَتَلَّبات العصور المختلفة وفتاوىٰ الأعلام فيها.
الإعتماد علىٰ شهادات من تقدَّم علينا من الثِّقات، حيث نرىٰ كثيرًا أنَّ الَّذين لاخلاف
في وثوقهم بل في كونهم في أعلىٰ درجات الوثاقة يشهدون بأنَّ السِّيرة الفُلانيَّة كانت مستقرَّةً في زمن المعصومين عليهم السلام، ثمَّ نرىٰ أنَّ هذه السِّيرة نفسَها جاريةٌ ثابتةٌ في عصرنا أيضًا؛ فننتج من هذين المقدَّمَتين أنَّ هذه السِّيرة كانت بمرأىً من المعصوم ومسمعه عليه السلام.
قال الشَّهيد المدقِّق الصَّدر قدس سره:
«إثبات معاصرة السِّيرة ووجودها في زمن المعصوم بالنَّقل والشَّهادة من قبيل ما ينقله الطُّوسي قدس سره من استقرار بناء أصحاب الأئمَّة والمُتَشرِّعة في حياتهم علىٰ الاعتماد علىٰ أخبار الثِّقات في مقام أخذ معالم دينهم جيلًا بعد جيلٍ»(1).
والكلام نفسه بيَّنه بعضُ معاصرينا بقوله:
«إثبات المعاصرة للسِّيرة بزمن المعصوم عليه السلام بنقل عدلٍ، كالمُفيد والطُّوسي والمحقِّق والعلَّامة وأمثالهم - قدِّست أسرارهم! - باعتبار قيام الدَّليل علىٰ حجِّيَّة خبر العدل»(2).
ويرد علىٰ هذا الوجه عدَّةُ إشكالاتٍ؛ أهمُّها:
الأوَّل: إنَّ هذا الوجه مبنيٌّ علىٰ القول بحجِّيَّة قول العدل الثِّقة في الموضوعات أيضًا، وهذا هو أوَّل الكلام!.
الثَّاني: إنَّ هذه الإخبارات أكثرها مبنيَّةٌ علىٰ الحدس لا علىٰ الحسِّ، فإنَّ شيخنا المفيد وسيِّدَنا المرتضىٰ 0 عندما أخبرا عن ثبوت سيرةٍ وجريانها في زمن المعصومين عليهم السلام فهل كان إخبارهما عن حسٍّ؟، أو عن حدسٍ؟؛
وحجِّيَّة خبر العدل الحسِّي لاكلام فيه، لكن خبره الحدسيُّ محلُّ كلامٍ، بل منعٍ عند كثيرٍ من الفقهاء والأُصوليِّين لو لم نقل عند جميعهم!.
الثَّالث: الأكثر علىٰ أنَّ ملاك حجِّيَّة الخبر الواحد هي السِّيرة، فإذن ثبوت السِّيرة بالخبر
الواحد ليس إلَّادورًا مصرَّحًا!.
الرَّابع: مع قطع النَّظر عن هذه الإشكالات فلنا أن نتساءَل: هل يُوجَد في كتب متقدِّمي الأصحاب إخبارٌ عن ثبوت سِيَرٍ بين معاصري ائمَّتنا المعصومين عليهم السلام؛ ولووُجِدت فكم هي؟.
وبهذا نعلم أنَّه لايُمكِن الإعتماد علىٰ هذا الوجه أصلًا.
إنَّا بعد ملاحظة عددٍ من المُجتَمَعات البشريَّة ووحدة السِّيَر بينها نحكم باتِّحاد غيرها من المُجتَمَعات مع هذه في هذه السِّيَر والعادات، فيمكن القول بأنَّ تلك المُجتَمَعات الَّتي كانت بمرأى المعصوم عليه السلام أيضًا تشترك مع هذه في تلك العادات والسِّيَر.
قال الشَّهيد المُدقِّق الصَّدر قدس سره:
«استقراء الأوضاع الإجتماعيَّة المُتَعدَّدة في مجتمعاتٍ مختلفةٍ وبعد ملاحظة تطابقها علىٰ شيءٍ واحدٍ يُعمِّم الحكم علىٰ جميع المجتمعات العُقلائيَّة حتَّى المعاصِرة لعهد المعصومين عليهم السلام»(1).
وقال المعاصر:
«استقراء السِّيَر والأوضاع المختلفة للأجيال ووحدَتُها في الأزمنة المختلفة يوجب الحكم علىٰ وحدة سيرة زماننا مع سيرة زمن المعصومين عليهم السلام»(2).
ويرد علىٰ هذا الوجه: إنَّ الاستقراء هذا دونه خرط القتاد!، حيث إنَّ ثبوت سيرةٍ في عدَّة مجتمعاتٍ لايدلُّ علىٰ ثبوتها في غيرها من المجتمعات أيضًا؛ لأنَّ هذه العدَّة يمكن أن تشترك في جملةٍ من الخصائص انتَجَت جريان سيرةٍ فيها، لكن هل يجب أن يشترك غيرُها من المجتمعات معها في هذه الجملة أيضًا؟.
لوكانت السِّيرة المبحوث عنها منعقدةً حول مسألةٍ كثيرة الابتلاء بها أوَّلًا، وواضحةً عند النَّاس ثانيًا، ولم يرد حولها السُّؤال والجواب كثيرًا ثالثًا، ولم يمنع عنها المعصومُ عليه السلام رابعًا، فهذا يَكشِف عن أنَّ هذه السِّيرة كانت منعقدةً في عصر المعصومين عليهم السلام أيضًا.
قال الشَّهيد الفقيه الصَّدر قدس سره:
«إنَّ المسألة الَّتي يُراد إثبات السِّيرة فيها إذا كانتْ من المسائل الدَّاخلة في ابتلاء النَّاس بها كثيرًا وكان السُّلوك الَّذي يُراد إثباته وانعقاد السِّيرة عليه نحو سلوكٍ لايكون خلافه من الواضحات لدىٰ النَّاس والمتشرِّعة مع عدم تكثُّر السُّؤال والجواب عنها علىٰ مستوىٰ الرِّوايات والأدلَّة الشَّرعيَّة، فإنَّه في مثل ذلك يستكشف أنَّ ذلك السُّلوك كان ثابتًا في زمان المعصوم عليه السلام أيضًا، وإلَّا لزم إمَّا أنْ يكثر السُّؤال عنه، أو يكون خلافه من الواضحات عند النَّاس عادةً؛ وكلاهما خلفٌ.
مثلًا إذا فُرِض انعقاد السِّيرة علىٰ العمل بخبر الثِّقة الأمر الَّذي ليس عدمه من الواضحات بحسب الطِّباع العُقلائيَّة مع كون المسألة محلًّا للابتلاء كثيرًا ولم ترد في الأدلَّة والنُّصوص الصَّادرة عنهم ما يمنع عن العمل بخبر الثِّقة بل فيها ما تؤكِّد العمل به، كان ذلك دليلًا علىٰ أنَّ هذا السُّلوك كان متَّبعًا في تلك الأزمنة أيضًا»(1).
وقال المعاصر:
«إذا كانت السِّيرة بحيث لوكان لبان متعلَّقَةً في شيءٍ بحيث لوكان خلافُها متَّبعًا في عصر المعصومين عليهم السلام لبان وظهر، فمِن عدم ظهور الخلاف ينكشف موافقة هذه السِّيرة لسيرة عهد المعصومين عليهم السلام؛ كعدم الخمس في ميراث مَن
1) . راجع: بحوثٌ في علم الأصول، ج 4 ص 240.
يحتسب»(1).
ويرد علىٰ هذا الوجه: إنَّ اثبات هذا الأمر هو أوَّل الكلام!. حيث إنَّا أشرنا آنفًا إلى أنَّ انعقاد السِّيرة تابعٌ للعادات والأخلاق السَّائدة في كلِّ مجتمعٍ. فمن الممكن انعقاد سيرةٍ في مجتمعٍ علىٰ أساس هذه العادات الَّتي تختلف عن الثَّابتة في غيرها من المجتَمَعات؛ فمن أين يمكن اثباتُ نفس السِّيرة فيها ولوكانت من الأمور المبتلىٰ بها عند أهلها؟.
إذا أردنا اثبات معاصريَّة سيرةٍ خاصَّةٍ للمعصومين عليهم السلام فننظر لو لم تكن هذه السِّيرة معاصرةً لهم فيجب أن تكون سيرةٌ أُخرىٰ جاريةً ساريةً في زَمَنهم، ولوكان كذلك لنُقِل إلينا ثبوتُها في تلك الأعصار بلاريبٍ؛
لكن إذا لم يُنقَل إلينا شيءٌ عن ثبوتها فيها فنعلم أنَّ السِّيرة السَّائدة في زمانهم عليهم السلام هي نفس السَّائدة في زماننا.
قال السَّيِّد الشَّهيد الصَّدر:
«الوجه الخامس: وهو يتمُّ في موردٍ لولم تكن السِّيرة منعقدةً علىٰ ما يراد إثبات انعقادها عليه لكان لها بديلٌ، وكان ذلك البديل ظاهرةً مهمَّةً لاتقتضي العادة أَنْ تمرَّ بدون تسجيلٍ لخطورتها.
ولعلَّ من أحسن أمثلة ذلك انعقاد السِّيرة علىٰ العمل بالظَّواهر، فإنَّه لولم تكن هذه السِّيرة موجودةً في عهدهم ولم يكن بناء الصَّحابة والأصحاب علىٰ جعل الظُّهور مقياسًا لاقتناص المعنى فلابدَّ من أن تكون هناك مبانٍ أُخرىٰ بديلةً لذلك في مقام الاقتناص، إِذ لاشكَّ في أنَّهم كانوا يقتنصون المعاني من الأدلَّة الشَّرعيَّة علىٰ كلِّ حالٍ، فلولم يكن ذلك علىٰ أساس الظُّهور فلابدَّ من قاعدةٍ أُخرى بدلًا عن الظُّهور، وذاك البديل لوكان لكان ظاهرةً اجتماعيَّةً فريدةً وملفتةً
1) . راجع: بيان الأصول، ج 1 ص 219.
للنَّظر بحيث لايمكن أنْ تمرَّ دون أنْ يصل إلينا آثارها وأخبارها بشكلٍ وآخر، فانَّ ما هو أقلُّ من ذلك تصل آثاره عادةً إلى المتأخِّرين بالتَّدريج، فكيف لاتصل إِلينا رائحة بديلٍ عن الظُّهورات بوجهٍ من الوجوه؟، فيُستَكشَف منه أنَّه لم يكن هناك بديلٌ، بل كان الظُّهور هو الحجَّة»(1)
وانظر أيضًا إلى ما ذكره السَّيِّد الفقيه المرعشيُّ النجفيُّ في القول الرَّشيد في الاجتهاد والتَّقليد، ج 1 ص 281.
.ويرد علىٰ هذا الوجه أيضًا: إنَّ جريان سيرةٍ في زمانٍ ثمَّ عدم نقل جريان غيرها أو خلافها في زمانٍ آخر لايدُلُّ علىٰ جريان نفس السِّيرة في غير هذا الزَّمان من الأزمنة، بل غاية الأمر أنَّه لايمكن اثبات جريان سيرةٍ غير هذه في تلك الأزمان؛ أمَّا اثبات جريانها فيها فيحتاج إلى دليلٍ،
وعدم وصول خبرٍ منه إلينا لايدلُّ علىٰ جريانها وثبوتها أصلًا.
هذه هي طرقٌ خمسةٌ ذكرها الشَّهيد الفقيه الصَّدر قدس سره مجتمعًا لاثبات معاصريَّة السِّيَر لعهدٍ المعصومين عليهم السلام واتِّصالها به. ورأينا أنَّها لاتفي بهذا المقصود وإن كان من الممكن أن يفي واحدٌ منها لسيرةٍ خاصَّةٍ ومعاصريَّتها لهم عليهم السلام.
أمَّا الأمر الثَّاني - وهو ثبوت توافق المعصوم للسِّيرة المبحوث عنها بعدم ردعه عنها أو إمضائه لها -، فتلخيص الكلام فيه: إنَّ السِّيرة علىٰ أنحاءٍ شتَّى - وقد أشرنا إلى العُمدة منها -.
ومن تقسيماتها هو تقسيمها إلى سيرة المُتشرِّعة، وسيرة العقلاء؛ وهاتان السِّيرتان
1) . راجع: بحوثٌ في علم الأصول، ج 4 ص 241.
تختلفان هيهنا من ناحيَةٍ وإن توافقا في نواحٍ أُخَر؛
أمَّا الَّتي تختلفان فيها فهي أنَّ السِّيرة المُتَشرِّعيَّة بنفسها إذا انعقَدتْ في زمن المعصوم عليه السلام تُحكي عن موافقته عليه السلام لها، ذلك لأنَّ المُتَشرِّعين كانوا بمحضرٍ من الإمام عليه السلام، فلهم أن يسألوه عمَّا احتاجوا إليه، كما وعليه أن يهديهم إلى الصِّراط السَّويِّ عند ما شاهد ميلَهم عنها. وذلك لأنَّ الإمام عليه السلام لايترك النَّاس ليميلوا عن الحقِّ بحيث تنعقد سيرتهم عليه؛ وهذا واضحٌ.
فلنا أن نقول: لوثبت جريان سيرةٍ في عهد المعصومين عليهم السلام بين المُتشرِّعة فلنا أن نحكم بموافقة الإمام عليه السلام لها؛ وذلك لوضوح هاتين المُقدَّمتين:
المقدَّمة الأولىٰ: لوكان الشَّارع مخالفًا لهذه السِّيرة لكان يردع عنها؛
المقدَّمة الثَّانيَة: ولوكان ردع عنها لنُقِل ردعُه إلينا ولوَصَل إلينا؛
فإذا لم يصل إلينا ردعُه عن سيرةٍ جاريةٍ في زمانه فيُمكِن القول بإمضائه لها وموافقته معها.
ولذلك عند ما قال المحقِّق النَّائينيُّ قدس سره:
«لوسُلِّم أنَّه يمكن تحقُّق السِّيرة بلا أمرٍ منه فلاأقلَّ من أنَّها تُكشِف عن رضاه وإلَّا كان عليه الرَّدع»(1)
علَّق عليه المحقِّق الفذُّ الشَّيخ حسين الحلِّي قدس سره بقوله:
«لايخفىٰ أنَّ سيرة المسلمين بما أنَّهم مسلمون لابدَّ أن تكون كاشفةً عن الأخذ منه عليه السلام، فلايحتمل الرَّدع عنها. ولو لم تكن كاشفةً عن الأخذ منه عليه السلام فلاتكون من قبيل سيرة المسلمين... فلاتحتاج إلى إمضاءٍ، بل هي كاشفةٌ عن الأخذ منه عليه السلام»(2).
هذا بالنِّسبة إلى سيرة المُتَشرِّعة.
أمَّا السِّيرة العُقلائيَّة، فلوقلنا بأنَّها أعمُّ من سيرة المُتشرِّعة فلاتكون حاكيَةً عن رأي المعصوم وإمضائه عليه السلام، ذلك لأنَّ هذه السِّيرة ليستْ متَّخَذَةً عنه عليه السلام بعد السُّؤال منه.
هذا ما اختاره القومُ كما نصَّ عليه المحقِّق الآمليُّ(1).
لكن لنا أن نتساءَلَ: أ ليس الإمام عليه السلام داخلًا في هذه السِّيرة بل رئيس العقلاء؟، فلوكان خالفها لنُقِل خلافُه إلينا، وحيث لم يُنقَل إلينا فيمكن الأخذ بها كأنَّها ممضاةٌ من قِبَله.
هذا بالنِّسبة إلى السِّيَر الجارية في عهد المعصومين عليهم السلام.
أمَّا الَّتي لم تستقرَّ في عهدهم، فالمشهور بين الأصحاب علىٰ أنَّه ليست بحجَّةٍ، لخُلُوِّها عن إمضائه عليه السلام.
لكنَّ الظَّاهر حجِّيَّة هذه السِّيرة أيضًا،
لدخول الإمام فيها أيضًا أوَّلًا؛
ولعدم نقل الخِلاف إلينا ثانيًا - ولو بالعمومات -؛
ولتوافُق العقول عليه ثالثًا.
ولذلك قال بعض المُعَلِّقين علىٰ كلام الشَّهيد الصَّدر قدس سره:
«إذا ثبت السِّيرة العُقلائيَّة في مسألةٍ مَّا فلاحاجة إلى إثبات تقريرها وإمضائها من الشَّارع، لمعلوميَّة ذلك وجدانًا. نعم! إذا شُكَّ في نوعيَّة سيرةٍ مَّا هل هي عقلائيَّةٌ - أي: ناشئةٌ من ارتكاز العقلاء - أم عرفيَّة... فإنَّنا حينئذٍ نحتاج إلى معرفة إمضاء الشَّارع المُقدَّس»(2).
وبذلك ظهر ما في كلام بعض شُرَّاح كلامه الآخرين حيث قال:
«إنَّ افتراض الشَّارع سيَّد العقلاء بنفسه يوجب نشوء احتمال اختصاصه بمُدرَكاتٍ لاتصل إليها مدرَكات سائرالعقلاء، وبذلك تكون كلُّ سيرةٍ عُقلائيَّةٍ تحتمل عدم مقبوليَّتها من قِبَل الشَّارع، لاحتمال اشتمال منشئِها علىٰ بعض الثُّغرات المُدرَكة من قِبَل الشَّارع، لافتراض تفوُّقه عليهم في الإدراك»(1).
وذلك لأنَّ السِّيرة لاتبتني علىٰ الدَّقائق الإلهيَّة الَّتي فاق فيها الشَّارعُ غيرَه من النَّاس، بل هي مبنيَّةٌ علىٰ ما تُدرِكه عقولُ النَّاس العقلاء تسهيلًا لحياتهم الجماعيَّة فقط؛ وفي هذا لافرق بين العقلاء ورئيسهم الفائِق عليهم أصلًا.
وظهر أيضًا ما في كلام بعض أكابر الدَّهر قدس سره علىٰ ما قرَّره بعضُ الأعاظم قدس سره من بحثه الشَّريف حيث قال:
«عدم كفاية عدم ثبوت الرَّدع في حجِّيَّة السِّيرة، ضرورة أنَّ عدم الثُّبوت لايُثبِت رضَى الشَّارع عليه السلام وإمضائه لها. ومِن البيِّن أنَّ السِّيرة لاتُتَّصَف بالحجِّيَّة إلَّاإذا أمضاها الشَّارعُ، فإنَّا لسنا عبيد العقلاء حتَّى يكون عملهم حجَّةً لنا بدون إمضاء الشَّارع لها. فإذا لم يثبت إمضاؤه المُستَكشَف من عدم ردعه عنها فلم تثبت حجِّيَّتها»(2)
حيث إنَّ عدم نقل الرَّدع بعد ثبوت السِّيرة تُحكي عن موافقته عليه السلام معها؛ وقد قدَّمنا كلامًا في ذلك فراجع إليه؛ وسنفصِّل الكلامَ حول هذا المبنىٰ - إنشاء اللَّه تعالىٰ! -.
هذا ما ذكره أعلام الشِّيعة الأصوليُّون في مسألة حجِّيَّة العرف وسندها. ولم أر منهم
من فصَّل الكلام في هذه المسألة وبيَّنَها حقَّ البيان؛ فأقول - مستعينًا باللَّه تعالىٰ متوكِّلًا عليه! -:
يمكن الاستدلال لحجِّيَّة العرف والعادة بأدلَّةٍ أُخرىٰ أيضًا، وهي:
أوَّلًا: الكتاب الكريم
فمنه قوله - تعالىٰ! -:
«خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجٰاهِلِينَ» (1).
المرادُ ب «العُرف» هيهنا المعروف، لتقابله مع الجاهلين في تتمَّة الآية الشَّريفة.
كما عن الشَّيخ قدس سره:
«يعني بالمعروف، وهو كلُّ ما حسن في العقل فعله أو في الشَّرع ولم يكن منكَرًا ولاقبيحًا عند العقلاء»(2)
وعن الجرجانيِّ قدس سره:
«ومراد از امر به عرف، امر بمعروفست»(3)
وعن الأسترابادي قدس سره:
«أي: الميسور من أخلاق النَّاس»(4)
وذكر ابنُالعربي من معاني المعروف في هذه الكريمة:
«ما لاينكره النَّاس من المحاسن الَّتي اتَّفقتْ عليها الشَّرائعُ»(5).
فالجاهل معرِضٌ عن المعروف المعبَّر عنه بالعرف. ولذا أمر اللَّه - سبحانه وتعالىٰ! - نبيَّه الكريمَ صلى الله عليه و آله بالأخذ والأمر بالعرف الجاري بين النَّاس المؤمنين العقلاء، و هوالعرف الحجَّة - كما أشرنا إليه آنفًا -؛
فهو حجَّةٌ شرعيَّةٌ، وإلَّا لما كان اللَّه - تعالىٰ! - يأمر به.
ولذلك استدلَّ بها القرافيُّ قدس سره في مسألة «إذا اختلف الزَّوجان في أساس البيت»، قال:
«لنا: قوله - تعالىٰ! -: «خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ» . فكلُّ ما أشهدت به العادة قُضِي به، لظاهر هذه الآية، إلَّاأن يكون هناك بيِّنةٌ»(1).
لكن أخذتْ علىٰ الاستدلال بالكريمة الدُّكتورة أسماء بنت عبداللَّه الموسىٰ بعدَّة مآخذَ، قالت:
«: أنَّ الآية نزلتْ بمكَّة، والتَّشريع بمكَّة لم يعن بالأحكام الفرعيَّة العمليَّة الَّتي يُحكَم فيها بالعرف، وإنَّما الآية وردتْ في الحثِّ علىٰ مكارم الأخلاق ومحاسنها.
ب: سياق الآية يدلُّ علىٰ أنَّ العرف المأمور به فيها هو ما عُرِف في الشَّرع حسنه، وهذا ليس محلَّ الاستدلال المذكور في هذا الباب.
ج: لوأريد من العرف أعراف النَّاس وعاداتهم لكان ذلك أمرًا باعتبار عادات الجاهليَّة وأعرافها، والرَّسول صلى الله عليه و آله جاء لتفسيرها.
د: لوحكَم الرَّسول صلى الله عليه و آله في بعض المسائل بالعرف لم يكن ذلك لأنَّه عرف النَّاس، بل بطريق الوحي»(2)
ومنه قوله - تعالىٰ! -:
«وَ عَلَى اَلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»(1).
قد أحال اللَّه - تعالىٰ! - تحديدَ الرِّزق والكسوة وكيفيَّتهما إلى العرف؛ فالعرف هو المرجع في تبيين الرِّزق والكسوة وأمثالهما. وإحالة اللَّه - تعالىٰ! - إليه يدلُّ علىٰ حجِّيَّته في الفقه.
وقد عبَّر ابنُالعربي عن العرف ب:
«قدر حال الأب من السَّعة والضِّيق»(2).
وعن كياالهراسي:
أي: بالعدل الَّذي لاشطَطَ فيه ولاتقصير»(3).
ومنه قوله - تعالىٰ! -:
«مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ»(4).
لم يبيِّن اللَّه - تعالىٰ! - الحدَّ الوسطَ من الطَّعام الَّذي يجب دفعه، بل أطلق فأحالَه علىٰ عرف النَّاس في مجتَمَعاتهم، بل علىٰ عرفهم في أُسرَتهم. فالعرف هذا حجَّةٌ في هذه المسائل بلا كلام.
ثانيًا: السُّنَّة المطهَّرة
فمنها ما رواه عبداللَّه بن مسعودٍ قدس سره عن النَّبيِّ صلى الله عليه و آله أنَّه قال:
«ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسنٌ وما رآه المسلمون قبيحًا فهو
عنداللَّه قبيحٌ».
وفي الحديث مسائل:
المسألة الأولىٰ:
الحديث عامِّيٌّ رواه أحمد(1)، ولم أجده في طُرقِنا؛ وجميع من رواه من أعلامنا أخذه منهم، كالسَّيِّد الدَّاماد قدس سره(2)، والفتَّال النِّيسابوريِّ قدس سره(3)، وابنِأبي جمهورٍ قدس سره(4)، والعلَّامة المجلسي قدس سره(5).
المسألة الثَّانيَة:
استدلَّ به علماء العامَّة في كثيرٍ من آثارهم - كابن كثير(6)، والفخر(7)، ورواه المراغيُّ عن ابن عبَّاسٍ(8)-، وهو من الأصول عندهم في اثبات حجِّيَّة الإجماع(9)، والاستحسان(10)، وغيرهما.
ووجه حجِّيَّة الإجماع عندنا غير وجهها عندهم - والتَّفصيل في محلِّه من علم الأصول -؛ والاستحسان لا حجِّيَّة فيه عندنا.
المسألة الثَّالثة:
1) . راجع: مسند احمد، ج 1 ص 379.
2) . راجع: رجال الكشِّي - مع تعليقات ميرداماد -، ج 1 ص 212.
3) . راجع: روضة الواعظين، ج 2 ص 304.
4) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 1 ص 384 الحديث 6.
5) . راجع: بحار الأنوار، ج 22 ص 451.
6) . راجع: تفسير القرآن العظيم، ج 3 ص 299.
7) . راجع: تفسير مفاتيح الغيب، ج 1 ص 177.
8) . راجع: تفسير المراغي، ج 11 ص 21.
9) . فانظر: الإحكام في أصول الأحكام، ج 1 ص 182.
10) . راجع: روضة النَّاظر، ج 1 ص 409.
الظَّاهر أنَّ هذا ليس حديثًا مرويًّا عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله أصلًا، بل هو من قول ابن مسعودٍ قدس سره نفسه - كما عن الأسيوطيِّ قدس سره(1)والزَّيلعيِّ قدس سره(2)، وقد أشرنا آنفًا إلى أنَّ المراغيَّ رواه عن ابن عبَّاسٍ -؛ فإذن لايمكن الاِستدلال به إلَّاعند العامَّة القائلين بحجِّيَّة قول الصَّحابيِّ.
المسألة الرَّابعة:
قوله: «ما رآه» ظاهرٌ في حجِّيَّة قول أهل الرَّأي، أي: العلماء ومن له الرَّأي، لا عموم النَّاس، فلايثبت إذن حجِّيَّةً للعرف.
لكن أقول:
أوَّلًا: نعم! لم يثبت سندٌ للأثر، لكن يمكن الاِستيناس به في المقام، فهو مؤيِّدٌ فقط لادليلٌ.
وثانيا: المراد بالرَّأي هيهنا المختارُ، أي: ما اختاره المسلمون لكونه حسنًا عندهم...؛ فيمكن أن يكون هذا الأثر مؤيِّدًا لما نحن بصدده الآنَ(3)
وانظر أيضًا إلى ما ذكره الدُّكتور وليد بن عليٍّ الحسين في مقال مجالات إعمال العُرف، ص 12.
.ومنها: ما رواه الفريقان بألفاظٍ متقاربةٍ في أحكام خيار المجلس، فروتْ العامَّة عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه و آله قال:
«إذا تبايع الرَّجلان فكلُّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا وكانا جميعًا...».
رواه البخاريُّ(4)، ورويناه - بألفاظٍ متقاربةٍ - عنه صلى الله عليه و آله أنَّه قال:
«البَيِّعان بالخيار حتَّى يفترقا».
كما عن الكلينيِّ قدس سره(1)، والقاضي نعمان قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، وغيرهم.
والنُّقطة المركَّز عليها في هذا الحديث هي أنَّ النَّبيَّ الكريم صلى الله عليه و آله لم يُحدِّد التَّفرُّقَ هيهنا بصفةٍ مشخِّصَةٍ، بل أحال تعريفه إلى عرف النَّاس، والأعراف فيه مختلفةٌ في الأزمنة المتباعدة، وكلِّها حجَّةٌ بدلالة الحديث.
ومنها: ما رواه الفريقان عن جابر قدس سره أ غيرِه أنَّه صلى الله عليه و آله قال:
«من أحيا أرضًا ميتةً فهي له».
رواه من العامَّة احمد(4)، ومن الخاصَّة الصَّدوق قدس سره(5)، وفي مقنِعه(6)أيضًا، والشَّيخ قدس سره(7)، وغيرهما.
وبيان الاستدلال به أنَّ كيفيَّة الإحياء لم تُبيَّن في الحديث الشَّريف، بل هي تابعةٌ لأعراف النَّاس. فكلُّ ما اعتبروه إحياءً يكون سببًا لتملُّك الأرض.
ومنه غيرُها من روايات الباب، ولانستكثر من ذكرها لئلَّا يطول بنا الكلامُ.
لنا أن نتساءَلَ: ما هي مدىٰ استعمال العرف وبناء العقلاء في الفقه؟، وما هي مدىٰ
حجِّيَّتهما فيه؟.
الظَّاهر أنَّ السُّؤال هذا يمكن أن يُحلَّل إلى سؤالين رئيسيَّين آخرين، وهما:
الأوَّل: هل العُرف يُكشِف عن الحكم الشَّرعيِّ؟.
الثَّاني: هل العرف يُكشِف عن موضوع الحكم الشَّرعي؟.
وذلك لأنَّ الفقه متكفِّلٌ عن البحث عن الأحكام الَّتي تُبيِّن حكمَ كلِّ موضوعٍ موضوعٍ ممَّا يحتاج إليه الإنسان في حياته، فهناك شيئان: الموضوع، والحكم؛ ولاريب في أنَّ الأدلَّة الأربعة تُكشِف عن الحكم الشَّرعي، إمَّا بداتها - كالكتاب والسُّنَّة -، وإمَّا بالكشف عمَّا يدلُّ عليه الأوَّلان - كالعقل والإجماع -؛
أمَّا العرف والسِّيرة فهل لهما الكشف عن الحكم برأسه؟، أو أنَّهما يُكشِفان عن موضوعات الأحكام فقط؟.
المشهور بين المشهور من الأصحاب أنَّ العرف ليس له إلَّاالكشف عن الموضوعات فقط؛ قال بعضُ فضلاء العصر:
«لاإشكال في أنَّ بناء العقلاء لايكشف عن الحكم الشَّرعيِّ إلَّاأنَّه يكشف عن موضوع الحكم الشَّرعي»(1)
وعن السَّيِّد الإمام الخمينيُّ:
«أمَّا الرُّجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع والعنوان فصحيحٌ لا محيص عنه»(2)
وقال الشَّيخ الفقيه السُّبحانيُّ:
«قد اتَّخذ الشَّرعُ مفاهيم كثيرة وجعلها موضوعًا لأحكامٍ، ولكن ربَّما يعرض الإجمال علىٰ مصاديقها ويتردَّد بين كون الشَّيء مصداقًا له أو لا... فيكون
العرف هو المرجع في تطبيقها علىٰ موردها»(1).
فإذن العرف واستعمالاته مقدَّمٌ علىٰ اللُّغة وأوضاعه الأوَّليَّة أيضًا. فإذا استعمل العرف لغةً في معنىً وكان وضعها الأوَّلي علىٰ خلاف ذلك الاستعمال، يُقدَّم الاستعمال علىٰ الوضع؛ كان أعمَّ منه أو أخصَّ. قال بعضُهُم:
«وإذا صحَّ استعمال العرف في المعنىٰ الأعمِّ فهو مقدَّمٌ علىٰ اللُّغة»(2).
ومن هذا الباب قال المحقِّق الأردبيليُّ في مسألة خيار الغبن:
«والحدُّ في ذلك إلى العرف، لِما تقرَّر في الشَّرع أنَّ ما لم يثبت له الوضع الشَّرعي يُحال إلى العرف، جريًا علىٰ العادة المعهودة من ردِّ النَّاس إلى عرفهم»(3).
وقال في حدِّ الغناء:
«الغناء مشهورٌ، فكلُّ ما يسمَّىٰ في العرف بها فهو محرَّمٌ، إذ لامعنىٰ له شرعًا»(4).
وعن المحقِّق الفقيه العاملي:
«المستفاد من قواعدهم حمل الألفاظ الواردة في الأخبار علىٰ عرفهم، فما عُلِم حاله في عرفهم جرىٰ الحكم بذلك عليه، وما لم يُعلم يُرجع فيه إلى العرف العامِّ، كما بُيِّن في الأصول»(5).
هذا أوَّلًا.
ثمَّ إنَّ لعمل العُرف مجالًا آخر، وهو ما إذا لم يكن للشَّارع نصٌّ في موضوعٍ، فإذن العرف يُكشِف حكم هذا الموضوع بما أنَّه موضع اتِّفاق العقلاء؛ قال بعض أعاظم العصر:
«لاشكَّ أنَّ العرف هو المرجع في مِنطَقة الفراغ، أي إذا لم يكن هناك نصٌّ من الشَّارع علىٰ شيءٍ»(1).
ولاخلاف في أنَّ العرف ليس بذاته دليلًا علىٰ حكمٍ، بل إذا ثبت ملائمة الشَّارع له وموافقتُه معه - وقد فصَّلنا الكلامَ في ذلك فيما سبق من الرِّسالة -؛
هذا ثانيًا.
وله مجالٌ آخر أيضًا، وهو كفاية السِّيرة في ثبوت الطَّريقيَّة لأمارةٍ دلَّت السِّيرة علىٰ طريقيَّتها عند ما أُخِذ القطعُ في موضوع الحكم كطريقٍ إلى مؤدَّاه - أي: كان القطع طريقيًّا -؛ فحينئذٍ يمكن الأخذ بهذا الطَّريق الَّذي دلَّتْ عليه السِّيرة كأنَّه طريقٌ إلى الحكم. قال بعض المعاصرين:
«... إنَّ محلَّ الكلام هو ما إذا أُخِذ في موضوع الحكم القطع بعنوان أنَّه أحد الطُّرُق، لابعنوان صفتيَّة القطع أو تماميَّة الكشف. فإذا قامت السِّيرةُ العُقلائيَّة علىٰ طريقيَّة أمارةٍ كفىٰ ذلك لقيامها مقامَ القطع الموضوعيِّ أيضًا بعد كون السِّيرة العُقلائيَّة ممضاةً في الشَّرع أيضًا»(2).
هذه هي ثلاثة موارد من موارد استعمال العرف في الفقه؛ وقد أوجَزنا فيه الكلام لأنَّ المقصود هيهنا بيان موارد من هذه الاستعمالات في الفقه، لا مايختصُّ بعلم الأصول من المباحث. فنشير إلى جملةٍ من هذه الاستعمالات في علم الفقه؛ وهي:
«لوأوصىٰ بسيفٍ معيَّنٍ دخل الجفن والحليَة في الوصيَّة علىٰ الأشهر الأقوىٰ،
بشهادة العُرف»(1).
نرىٰ في هذا المورد بوضوحٍ تأثُّر الحكم عن العرف المعاصر للفقيه، حيث لاقرينة تدلُّ علىٰ ثبوت هذا العرف في جميع الأزمنة.
«... ومن ذلك يظهر وجهٌ آخر لاشتراط القُربة، وهو إنَّ العبادة لغةً اسمٌ لما تتحقُّ به العبادة المصدريَّة - وهي الإتيان بلوازم العُبوديَّة -، والأصلُ عدم النَّقل، ولايكون ذلك بشهادة العرف والعادة واللغة إلَّافيما كان مطلوبًا للمعبود وجوبًا أو ندبًا»(2).
نرىٰ أنَّ المحقِّق النَّراقيَّ قدس سره فسَّر العبادة بما كان مطلوبًا للمعبود، واستشهد في هذا التَّفسير بالعرف والعادة مقدِّمًا إيَّاهما علىٰ اللُّغة.
«إنَّ التَّحقيق عدم الفرق بين جمع القلَّة والكثرة، بل الجمع يصدق علىٰ ثلاثةٍ فصاعدًا. وإنَّ ما ذكره بعضُ أهل العربيَّة من الفرق بينهما بأنَّ جمع الكثرة لِما زاد علىٰ العشرة بخلاف جمع القلَّة وهْمٌ، بشهادة العرف»(3).
نرىٰ أنَّ صاحب الجواهر قدس سره ردَّ علىٰ قول أهل العربيَّة فيما فرَّقوا به بين جمعَين القلَّة والكثرة بمخالفة هذا القول للعرف، والعُرف عنده مقدَّمٌ علىٰ قولهم. وواضحٌ أنَّ المراد بالعرف هيهنا هو عرف العرب الصَّميم، لا غيرهم من مستعمِلي اللُّغةَ العربيَّة.
وانظر أيضًا إلى ما ذكره الشَّيخ الأعظم قدس سره في المقام(4).
«لاريب في صدق الغناء عرفًا علىٰ الصَّوت المُطرِب المُرجِّع وإن اقترن بالمراثي؛ والتَّعارض ممنوعٌ، لحكومة أخبار النَّهي علىٰ الجواز، بشهادة العرف»(1).
المُشاهَد في هذا الكلام إنَّ الفقيه الخوانساريَّ قدس سره قدَّم طائفةً من الأخبار علىٰ الطَّائفة الَّتي تُصادمها بأنَّ العرف يحكم بحكومة هذه علىٰ تلك.
«فجعل القبض هو النقل. ولقضاء العرف بذلك. وعادة الشَّرع ردُّ الناس إلى العرف فيما لم يضع له الشَّارع لفظًا»(2).
فتمسَّك العلَّامة قدس سره في كشف معنىٰ القبض لغةً بالعرف. ثمَّ أسَّس قاعدةً كلِّيَّةً في المقام، وهي: إنَّ عادة الشَّرع ردُّ النَّاس إلى العُرف فيما لم يضع له الشَّارع لفظًا؛ وهذه القاعدة قاعدةٌ جليلةٌ كلِّيَّةٌ يستعين بها الفقيه في كثيرٍ من المقامات.
ومن المعلوم إنَّ العرف هيهنا لايُفسِّر لفظًا ولاموضوع حكمٍ، بل يُعيِّن الحكم نفسه، وذلك لأنَّ الشَّارع سكت هيهنا عن بيان الحكم فاستخرجه العلَّامةُ عمَّا يقضي به العرف.
وانظر أيضًا إلى ما ذكره ابنُاخته السَّيِّد العميديُّ قدس سره في المقام(1).
«يدخل فيه الشَّجر والأرضُ والحيطان. وفي دخول البناء إشكالٌ أقربه عدم الدُّخول»(2).
فأخذ عليه ثاني المُحقِّقين 0 بقوله:
«لايخفىٰ إنَّ المراد بالبناء ماعدا حيطان البستان، فإنَّها داخلةٌ في لفظ البستان وما في معناه، لقضاء العرف بدخوله»(3).
وانظر أيضًا - للمقارنة بين الأقوال - إلى ما ذكره غيرُه من شرَّاح القواعد، كفخرالمحقِّقين قدس سره(4)، وثاني الشَّهيدَين 0(5)، والفقيه العامِليِّ قدس سره(6). وانظر إلى ما ذكره الشَّهيد قدس سره في المقام أيضًا(7).
«وهل يفيد بدونها إباحة التُّصرُّف علىٰ نحو ما شرطه الواقف؟، يحتمل ذلك، لقضاء السِّيرة به»(8).
فقضاء السِّيرة يحكم بجواز التَّصرُّف في مال الغير علىٰ ما عيَّنَه.
الزَّوجين الصَّغيرين:
«ولهما أن يتولَّيا طرَفَي العقد الواقع بينهما وبين المولَّىٰ عليه وبين من ولَّيا عليهم بعض مع بعضٍ، من غير حاجةٍ أن يوكَّلا من طرفٍ و يباشرا من آخر، لوقوع العقد من أهله في محلِّه... ولشهادة السِّيرة»(1).
«إذا رهن اثنان عبدًا بينهما بدينٍ عليهما كانت حصَّة كلِّ واحدٍ منهما رهنًا بدينه»(2)
فعلَّق عليه ثاني الشَّهيدين 0 بقوله:
«هذا عندنا موضع وفاقٍ. ووجهه أنَّ رهن كلٍّ منهما عند الإطلاق ينصرف إلى دينه، لا إلى دين صاحبه، فإنَّ ذلك هو مقتضىٰ العرف»(3).
وانظر إلى ما ذكره الفقيه النَّجفيُّ قدس سره في المقام أيضًا(4).
هذه عشرة أمثالٍ لاستعمال العرف والسِّيرة في الفقه. ونكتفي بهذا القدر حذرًا عن التَّطويل - والحمد للَّه ربِّ العالَمين! -.
ذكرنا فيما مضىٰ من هذه الرِّسالة أنَّ القواعد الفقهيَّة هي: «أصولٌ كلِّيَّةٌ مستفادةٌ من العُرف أو من لسان الشَّرع تقع كبرىً في عمليَّة الإنطباق، فتَنطبقُ علىٰ مواردها الَّتي تتجاوز عن مسألةٍ واحدةٍ»؛ فهي كالقواعد العامَّة الَّتي تبتني عليها فروعٌ كثيرةٌ، أو تُستَخرج منها تلك الفروع. ولذلك فإنَّ الفقهاء العظام اعتنوا بها كثيرًا واستعملوها في مسفوراتهم منذ بدأ التَّأليف في هذا العلم الشَّريف، وإن لم يعتنوا بتدوين تلك القواعد إلى قرونٍ متتاليَةٍ.
فهذا نموذجٌ من استعمال بعض القواعد في جملةٍ من تلك الكتب ليرىٰ القارىء الكريم مدىٰ اهتمام الفقهاء بها.
ونقتصر هيهنا علىٰ عشرة أمثالٍ فقط، حذرًا عن التَّطويل أيضًا.
قال الشَّيخ قدس سره:
«إذا كان في يد مسلمٍ خمرٌ أو خنزيرٌ فاتلَفَه مسلمٌ فلاضمان عليه بلاخلافٍ، مسلمًا كان المتلِف أو مشركًا. وإن كان ذلك في يد ذمِّيٍّ فأتلفه مسلمًا كان أو ذميًّا فعليه ضمانُه»(1).
وانظر أيضًا بالنِّسبة إلى استعمال هذه القاعدة عند الفقهاء إلى ما ذكره الشَّيخ نفسُه قدس سره أيضًا(2)، وابن البرَّاج قدس سره(3)، والفاضل الآبيُّ قدس سره(4)، والمحقِّق في شرائعه(5)، وفي مختصره(6)أيضًا،
والعلَّامة قدس سره في تحريره(1)، وتذكرته(2)، ومختلفه(3)، والشَّهيد قدس سره(4)، وغيرُهم الكثيرين.
قال سيِّدنا المرتضىٰ قدس سره:
«الَّذي نذهب إليه أنَّه يجوز الاستئجار علىٰ الحجِّ عن المعضوب والميِّت، وإذا حجَّ الأجيرُ استحقَّ الأجرة المسمَّاة»(5).
وانظر أيضًا إلى ما ذكره الشَّيخ قدس سره(6)، وفي مبسوطه(7)، وابن إدريسٍ قدس سره(8)، وفي سرائره(9)، والشَّهيد قدس سره(10)، والصَّيمريُّ قدس سره(11)، وثاني الشَّهيدين 0(12)، وشيخنا البهائيُّ قدس سره(13)، وغيرُهم.
قال الشَّيخ قدس سره:
«لايجوز أخذ الأجرة علىٰ الأذان، فإن أعطىٰ الإمامُ المؤذِّنَ شيئًا من أموال
1) . راجع: تحرير الأحكام، ج 5 ص 632.
2) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 7 ص 373.
3) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 6 ص 121.
4) . راجع: غاية المُراد، ج 2 ص 391.
5) . راجع: المسائل النَّاصريَّات، ص 313.
6) . راجع: كتاب الخلاف، ج 2 ص 383 المسألة 235.
7) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 236.
8) . راجع: أجوبة المسائل والرَّسائل، ص 382 المسألة 175.
9) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 1 ص 626.
10) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 175.
11) . راجع: غاية المرام، ج 2 ص 6.
12) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 178.
13) . راجع: جامع عبّاسى، ص 539.
المصالح كان جائزًا»(1).
وانظر أيضًا إلى ما ذكره الفاضل الآبيُّ قدس سره(2)، والمحقِّق قدس سره في شرائعه(3)، ومختصره(4)، والعلَّامة قدس سره في تبصرته(5)، وتحريره(6)، وتذكرته(7)، ومختلفه(8)، وولده الفقيه قدس سره(9)، والشَّهيد قدس سره(10)، والفاضل المقداد قدس سره(11)، وغيرُهم.
قال الشَّيخ قدس سره:
«عقد الإجارة من العقود اللَّازمة متىٰ حصل لم يكن لأحدهما فسخ الإجارة إلَّا عند وجود عيبٍ بالثَّمن أو فلس المستأجر»(12).
وانظر إلى ما ذكره الشَّيخ قدس سره نفسُه في مبسوطه(13)، وابن سعيدٍ الحلِّي قدس سره(14)،
1) . راجع: كتاب الخلاف، ج 1 ص 290 المسألة 36.
2) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 440.
3) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 5.
4) . راجع: المختصر النَّافع، ص 117.
5) . راجع: تبصرة المُتَعَلِّمين، ص 94.
6) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 265.
7) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 3 ص 81.
8) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 15.
9) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 1 ص 407.
10) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 172.
11) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 15.
12) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 488 المسألة 2.
13) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 222.
14) . راجع: نزهة النَّاظر، ص 89.
والعلَّامة قدس سره(1)، وابن أبي جمهورٍ قدس سره(2)، والبحرانيُّ قدس سره(3)، وأوَّل النَّراقيَّين(4)، وثانيهما 0(5)، والشَّيخ حسن بن الشَّيخ جعفر كاشف الغطاء 0(6).
قال الشَّيخ قدس سره:
«روىٰ أصحابُنا أنَّ من أمسك إنسانًا حتَّى جاء آخر فقتَلَه أنَّ علىٰ القاتل القود، وعلىٰ المُمسِك أن يُحبَس أبدًا حتَّى يموت»(7).
وانظر أيضًا إلى ما ذكره الفاضل الآبيُّ قدس سره(8)، والمحقِّق قدس سره(9)، وفي مختصره(10)، والعلَّامة قدس سره في تبصرته(11)، وتحريره(12)، وتذكرته(13)، والفاضل المقداد قدس سره(14)،
1) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 452.
2) . راجع: الأقطاب الفقهيَّة، ص 116.
3) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 583.
4) . راجع: أنيس التُّجَّار، ص 388.
5) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 5.
6) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الرَّهن، ص 26.
7) . راجع: كتاب الخلاف، ج 5 ص 173 المسألة 36.
8) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 438.
9) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 3.
10) . راجع: المختصر النَّافع، ص 116.
11) . راجع: تبصرة المُتَعلِّمين، ص 93.
12) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 258.
13) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 7 ص 267.
14) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 8.
وابنُفهدٍ قدس سره(1)، والصَّيمُريُّ قدس سره(2)، والفقيه العامليُّ قدس سره(3)، وغيرهم.
قال شيخنا المفيدُ قدس سره:
«إقرار العاقل في مرضه للأجنبيِّ والوارث سواءٌ، وهو ماضٍ واجبٌ لمن أقرَّ له به»(4).
وانظر أيضًا إلى ما ذكره كلٌّ من أبي الصَّلاح الحلبيِّ قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره(6)، وابن البرَّاج قدس سره(7)، والراونديِّ قدس سره(8)، وابن زهرةٍ قدس سره(9)، وابن إدريس قدس سره(10)، والعلَّامة قدس سره(11)، وغيرهم أيضًا بشأن المسألة.
قال الفاضل المقداد قدس سره:
«... مطلِّقُ طلقَتَين أو ثلاثًا في مجلسٍ واحدٍ من غير تخلُّل رجوعٍ... فعل حرامًا وأنَّها لايقع المجموعُ... فعلىٰ هذا لوأنَّ المُطلِّق يعتقد الوقوع لزمه ذلك... وهل
1) . راجع: المهذَّب البارع، ج 2 ص 349.
2) . راجع: غاية المرام، ج 1 ص 175.
3) . راجع: مدارك الأحكام، ج 8 ص 375.
4) . راجع: المقنعة، ص 661.
5) . راجع: الكافي في الفقه، ص 408.
6) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 379 المسألة 30.
7) . راجع: المهذَّب، ج 1 ص 404.
8) . راجع: فقه القرآن، ج 2 ص 321.
9) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 270.
10) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 498.
11) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 405.
يُباح للواحد منَّا نكاحها؟ يظهر من إطلاق كلام المصنِّف وغيره ذلك»(1).
وانظر أيضًا إلى قول الفقيه العامليِّ قدس سره(2)، والبحرانيِّ قدس سره(3)، وشارح المفاتيح قدس سره(4)، والشَّيخ حسن بن الشَّيخ جعفر 0(5)، والفقيه النَّجفيِّ قدس سره(6)، وغيرهم.
قال الشَّيخ قدس سره:
«إذا كانت عادتُها خمسة أيَّامٍ في كلِّ شهرٍ فرأتْ الدَّمَ قبل خمسة أيَّامٍ ورأتْ فيها وانقطع أو خمسة أيَّامٍ بعدها ورأتْ فيها ثمَّ انقطع، كان الكلُّ حيضًا»(7).
والقاعدة أشارت إليها أقوالُ كلٍّ من ابن حمزة الطُّوسي قدس سره(8)، والمحقِّق قدس سره(9)، وفي معتبره(10)، والعلَّامة قدس سره في إرشاده(11)، وتحريره(12)، وتذكرته(13)، ومنتهاه(14)، ونهايته(15)،
1) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 3 ص 315.
2) . راجع: مدارك الأحكام، ج 2 ص 92.
3) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 3 ص 409.
4) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 14 ص 394.
5) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب المكاسب، ص 139.
6) . راجع: جواهر الكلام، ج 39 ص 320.
7) . راجع: كتاب الخلاف، ج 1 ص 240 المسألة 207.
8) . راجع: الوسيلة، ص 56.
9) . راجع: شرائع الإسلام، ج 1 ص 20.
10) . راجع: المعتبر، ج 1 ص 203.
11) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 226.
12) . راجع: تحرير الأحكام، ج 1 ص 98.
13) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 1 ص 257.
14) . راجع: منتهىٰ المطلب، ج 2 ص 287.
15) . راجع: نهاية الإحكام، ج 1 ص 116.
والشَّهيدِ قدس سره(1)، وابنِطيٍّ قدس سره(2)، وغيرهم.
قال الشَّيخ قدس سره:
«لايجوز أن يبيع الإنسانُ إلَّاما يملكه في الحال، فإن باع ما لايملك كان البيع موقوفًا علىٰ صاحبه. فإن أمضاه مضىٰ، وإن لم يمض كان باطلًا»(3).
وانظر أيضًا إلى ما جاء به ابنُإدريسٍ قدس سره(4)، والمحقِّق قدس سره في شرائعه(5)، ومختصره(6)، ونكته علىٰ النِّهاية(7)، والشَّهيد قدس سره(8)، والبحرانيُّ قدس سره(9)، وغيرُهم.
قال الشَّيخ قدس سره:
«إذا تلف المبيع قبل القبض للسَّلعة بطل العقدُ»(10).
وانظر أيضًا إلى ما ذكره كلٌّ من ابن حمزة الطُّوسي قدس سره(11)، والفاضل الآبيُّ قدس سره(12)،
1) . راجع: اللُّمعة الدِّمشقيَّة، ص 27.
2) . راجع: مسائل ابن طيٍّ، ص 2.
3) . راجع: النِّهاية، ص 385.
4) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 274.
5) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 67.
6) . راجع: المختصر النَّافع، ص 118.
7) . راجع: نُكَت النِّهاية، ج 2 ص 135.
8) . راجع: اللُّمعة الدِّمشقيَّة، ص 105.
9) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 18 ص 399.
10) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 154 المسألة 243.
11) . راجع: الوسيلة، ص 239.
12) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 461.
والمحقِّق قدس سره في شرائعه(1)، ومختصره(2)، وابنِسعيدٍ قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(4)، وتذكرته(5)، وقواعده(6)، والشَّهيد قدس سره(7)، وابن فهدٍ قدس سره(8)، وثاني الشَّهيدين 0(9)، و غيرهم.
هذه هي نماذج من استعمال الفقهاء لمدلولات القواعد الفقهيَّة؛ وقد اقتصرنا هيهنا علىٰ هذه الأمثلة العشرة لئلَّا يطول بنا الكلام، إذ الغرض الأقصىٰ من ذكر هذه الموارد ليس إلَّا الإشارة إلى أنَّ فقهائنا العظام كانوا يلتفتون إلى القواعد، إمَّا إلى مؤدَّاها، وإمَّا إلى نصوصها. فالمُتَقدِّمون منهم حكموا وافتوا بما تؤدِّي تلك القواعد إليه، والمُتَأخِّرون منهم استنبطوا من نصوص المتقدِّمين الروائيَّة والفقهيَّة ما يصلح لأنْ يكون عنوانًا لكلِّ واحدٍ واحدٍ من هذه القواعد.
ثمَّ إنَّ هذه القواعد هل كلُّها مستندةٌ إلى النُّصوص المتَّخذة من الكتاب والسُّنَّة ولادخل للعرف فيها؟، أو يمكن أن يُعدَّ العرف والسِّيرة من منابعها أيضًا؟.
1) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 17.
2) . راجع: المختصر النَّافع، ص 122.
3) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 247.
4) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 286.
5) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 112.
6) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 86.
7) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 271.
8) . راجع: المهذَّب البارع، ج 2 ص 384.
9) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 216.
للإجابة عن هذا السُّؤال يمكن أن تُقسَّم القواعد إلى قسمين رئيسيَّين، هما:
القواعد التَّوفيقيَّة الَّتي لادخل للعُرف فيها، بل هي من وضع الشَّارع فقط.
وذلك لأنَّها ترتبط بالعبادات الَّتي هي مجعولةٌ من قِبَل الشَّارع لامساس بينها وبين العرف؛ كقاعِدَتي الإمكان وحجِّيَّة الظَّنِّ في الصَّلاة - وسنبحث عنهما في متن الكتاب بإذن اللَّه وعونه تبارك وتعالىٰ! -؛ فإنَّ الحكمَ بكون الدَّم الَّذي رأتْه المرأةُ في غير أيَّام عادتها إذا أمكن كونه حيضًا يكون حيضًا، ليس ممَّا يحكم به العرف. وذلك لأنَّ القاعدة هذه تُبيِّن حكم صلاة المرأة وغيرها من عباداته، فهي موقوفةٌ علىٰ وضع الشَّارع فقط. ومثلها قاعدة حجِّيَّة الظَّنِّ في الصَّلاة، فإنَّ العبادات بيد الشَّارع كمًّا وكيفًا، وهو يبيِّن للنَّاس حدودها وثغورها، ومنها حجِّيَّة الظَّنِّ أو عدم حجِّيَّته في الصَّلاة؛
فلايمكن أخذهما وأمثالهما من العُرف.
القواعد الَّتي لاتكون توقيفيَّةً، وهي في الغالب ترجع إلى حياة النَّاس ومعاشهم الفرديَّة والجماعيَّة. فإذن يمكن أخذ هذه القواعد من عرف النَّاس وبناءات العقلاء.
نعم! هيهنا كلامٌ آخر، وهو: إنَّه هل تحتاج هذه البناءات والأعراف إلى عدم ردع الشَّارع وإمضائه؟، أم لا؟، بل هي حجَّةٌ بذاتها ولو لم يمضها الشَّارع بعد العلم بأنَّها لاتخالف محكمات الشَّريعة وعموماتها؟؛ وهذا ما فرغنا عن البحث منه فيما مضىٰ من الرِّسالة.
ثمَّ الأظهر أنَّ الأصحاب لم يعتنوا بهذا المبحث، بل لم يعتنوا بالعرف في اصطياد القواعد وكشف حجِّيَّتها. ولكي يرىٰ القارىء الكريم مدىٰ عناية الأصحاب بالأعراف العقلائيَّة والشَّرعيَّة وبناءات العقلاء والمتشَرِّعة في مبحث القواعد، نأتي هيهنا بقائمةٍ موضحةٍ ما ذكره الأصحاب في المقام.
ويجدر الإشارة هيهنا إلى ثلاثة مطالب:
ذكرنا هيهنا من القواعد ما بحث عنها الشَّيخ الأستاذ - حفظه اللَّه تعالىٰ ومتَّعنا بطول بقائه! - في مجلس درسه الشَّريف؛ فلانذكر جميع القواعد بل نكتفي بما
نبحث عنه في متن الكتاب.
اعتمدنا هيهنا علىٰ مصادر القواعد الفقهيَّة الموجودة بين أيدي الباحثين والمُهتِمِّين بهذا المبحث الهامِّ. وقد أشرنا فيما قدَّمناه من تأريخ تدوين القواعد الفقهيَّة أنَّ تدوينها - بيننا الشِّيعة الإماميَّة - بدأ في القرن الثامن بيد الشَّيخ الشَّهيد الأوَّل 0، ثمَّ ازدهر التَّأليف القواعدي شيئًا فشيئًا حتَّى جاء دور السَّيِّد الفقيه المحقِّق آية اللَّه العظمىٰ السَّيِّد البجنورديِّ قدس سره فألَّف كتابه العظيم «القواعد الفقهيَّة»، ثمَّ بعده جاء دور المعاصرين الَّذين أكثروا من التَّأليف في هذا الفنِّ الشَّريف. ولذلك فإنَّ القارىء الكريم يرىٰ أنَّ أكثر هذه المصادر يُعدُّ من مصادر المُتَأخِّرين والمعاصرين.
إنَّنا في هذه القائمة نذكر أوَّلًا عنوان القاعدة، ثمَّ نأتي بعناوين المصادر فنذكر هل اعتمدَتْ في بيان حجِّيَّة هذه القاعدة علىٰ العُرف والسِّيرة أيضًا؟، أم لم تعتمد عليها، ثمَّ بعد الفراغ عن هذه القائمة نذكر منهج الشَّيخ الأستاذ - حفظه اللَّه! - في نفس المسألة.
فنقول:
[1:] قاعدة الاِئتمان / الأمين مؤتمنٌ
استند إليه.
لم يستند إليه(1).
1) . راجع: المصدر، ج 2 ص 474.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
لم يستند إليه(6).
لم يستند إليه(1).
[2:] قاعدة الإتلاف
استند إليه.
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
استند إليه(5).
لم يستند إليه(6).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[3:] قاعدة الإشتراك في التَّكليف
استند إليه.
لم يستند إليه(4).
استند إليه(5).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[4:] قاعدة الإقرار
استند إليه.
استند إليه(4).
استند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها(3).
استند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(5).
استند إليه(6).
استند إليه(1).
[5:] قاعدة الإلزام
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[6:] قاعدة الإمكان
لم يستند إليه.
لم يستند إليه(4).
استند إليه(5).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
[7:] قاعدة البِناء علىٰ الأكثر عند الشَّكِّ
في الرَّكعات الأخيرة من الثَّلاث والأربع
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
[8:] قاعدة البيِّنةُ علىٰ المدَّعي واليمينُ علىٰ من أنكَرَ
استند إليه.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
[9:] قاعدة التَّسامُح في أدلَّة السُّنَن
استند إليه.
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
[10:] قاعدة التَّعاوُن
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
استند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(3).
لم يبحث عنها.
[11:] قاعدةُ الجُبِّ
استند إليه.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(6).
لم يستند إليه(1).
[12:] قاعدة الحرج
استند إليه.
استند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
استند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
لم يبحث عنها.
استند إليه(6).
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[13:] قاعدة الدَّرْء
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[14:] قاعدة الدَّين مقضيٌّ
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
[15:] قاعدة الزَّعيم غارمٌ
استند إليه.
1) . راجع: المصدر، ج 7 ص 183.
لم يبحث عنها.
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
لم يبحث عنها.
استند إليه(3).
[16:] قاعدة السُّوق
استند إليه.
لم يبحث عنها.
استند إليه. 4/155
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه. 487
استند إليه. 1/188
استند إليه(1).
استند إليه(2).
استند إليه(1).
استند إليه(2).
[17:] قاعدة الشَّرط الفاسد
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
[18:] قاعدة الشُّفعة جائزةٌ في كلِّ شيءٍ
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
[19:] قاعدة الصُّلحُ جائزٌ بين النَّاس
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
1) . راجع: المصدر، ج 5 ص 9.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
[20:] قاعدة العُقُود تابعةٌ للقُصُود
لم يستند إليه.
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
[21:] قاعدة الغَرَر
استند إليه.
استند إليه(1).
استند إليه(2).
لم يبحث عنها.
استند إليه(3).
استند إليه(4).
لم يبحث عنها.
استند إليه(5).
لم يستند إليه(1).
استند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[22:] قاعدة الفِراش
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
استند إليه(3).
[23:] قاعدة الفراغ والتَّجاوز
استند إليه.
لم يستند إليه(4).
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
استند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
[24:] قاعدة القرعةُ لكلِّ أمرٍ مشكلٍ
استند إليه.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
استند إليه(5).
استند إليه(6).
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[25:] قاعدة الميسور
استند إليه.
لم يستند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(5).
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
[26:] قاعدة المؤمنونَ عند شروطِهم
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
[27:] قاعدة الوصيَّة حقٌّ علىٰ كلِّ مسلمٍ
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
[28:] قاعدة الوقوف علىٰ حسْبِ ما يُوقِفُها أهلُها
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
[29:] قاعدة اليد
استند إليه.
لم يستند إليه(2).
استند إليه(3).
لم يبحث عنها.
استند إليه(4).
استند إليه(5).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
استند إليه(3).
[30:] قاعدة إنَّ الإجارةَ أحدُ معايش العبادِ
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
[31:] قاعدة انحلال العُقود إلى عقودٍ أُخَر
استند إليه.
لم يستند إليه(1).
1) . راجع: المصدر، ج 2 ص 71.
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
لم يبحث عنها.
[32:] قاعدة أخذ الأُجرة علىٰ الواجبات
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
[33:] قاعدة أصالة الصِّحَّة
استند إليه.
لم يستند إليه(1).
استند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
استند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
استند إليه(3).
[34:] قاعدة أصالة اللُّزوم في العُقُود
استند إليه.
لم يستند إليه(4).
استند إليه(5).
لم يبحث عنها.
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
استند إليه(3).
[35:] قاعدة بطلان كلِّ عقدٍ بتعذُّر الوفاءِ به
استند إليه.
لم يستند إليه(4).
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
لم يبحث عنها.
[36:] قاعدة تلف المبيع قبل القبض
لم يستند إليه.
لم يستند إليه(1).
استند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
[37:] قاعدة ثبوت الأحكام الوَضعيَّة علىٰ غير البالغِ المُكلَّف
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
1) . راجع: المصدر، ص 548.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
[38:] قاعدة حجِّيَّة البيِّنة
استند إليه.
لم يستند إليه(1).
استند إليه(2).
لم يبحث عنها.
استند إليه(3).
استند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
[39:] قاعدة حجِّيَّة الظَّنِّ في الصَّلاة
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[40:] قاعدة حرمة إبطال الواجبات
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
لم يبحث عنها.
[41:] قاعدة حرمة الإهانة بالمقدَّسات
استند إليه.
لم يبحث عنها.
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
[42:] قاعدة حُرمة الرِّبا
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
[43:] قاعدة رجوع الإمام إلى المأموم في شكِّه وبالعكس
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
1) . راجع: المصدر، ج 2 ص 279.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
استند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[44:] قاعدة عدم تداخُل الأسباب والمُسَبَّبات
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
[45:] قاعدة كثير الشَّكِّ
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
[46:] قاعدة كلِّ كافرٍ نجسٌ
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
1) . راجع: المصدر، ج 5 ص 332.
[47:] قاعدة كلِّ ما تصحُّ إعارتُه تصحُّ إجارتُه
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
[48:] قاعدة كلُّ مبيعٍ تلف في زمنِ الخيار فهو ممَّن لاخيار له
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
استند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
[49:] قاعدة كلُّ مدَّعٍ يُسمَعُ قولُه بلابيِّنةٍ فعليه الحلفُ
لم يستند إليه.
لم يستند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
[50:] قاعدة كلِّ مسكرٍ مائعٍ بالأصالة نجسٌ
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
[51:] قاعدة لاتُعاد
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
[52:] قاعدة لا رهن إلَّامقبُوضًا
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
[53:] قاعدة لاشكَّ في النَّافلة
لم يستند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
1) . راجع: المصدر، ج 2 ص 317.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
[54:] قاعدة لا ضرر ولا ضرار
لم يستند إليه.
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
استند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
[55:] قاعدة لاضِمانَ علىٰ المستعيرِ
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
[56:] قاعدة ما يُضمَن بصحيحه يُضمَنُ بفاسده
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
استند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
استند إليه(3).
استند إليه(4).
لم يستند إليه(1).
[57:] قاعدة مشروعيَّة عِبادات الصَّبيِّ
لم يستند إليه.
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
[58:] قاعدة من ملِكَ شيئًا ملِكَ الإقرار به
استند إليه.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
استند إليه(3).
استند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
استند إليه(3).
لم يستند إليه(4).
استند إليه(5).
[59:] قاعدة نفي السُّلطة
استند إليه.
لم يستند إليه(6).
لم يستند إليه(1).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(2).
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(4).
لم يستند إليه(5).
[60:] قاعدة يحرُمُ من الرَّضاع ما يحرُمُ من النَّسَب
لم يستند إليه.
لم يستند إليه(1).
لم يستند إليه(2).
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها.
لم يبحث عنها. 9. القواعد الفقهيَّة في فقه الإماميَّة:
لم يستند إليه(3).
لم يبحث عنها.
لم يستند إليه(1).
ذكرنا فيما مضىٰ من الرِّسالة أنَّ منابع الحجِّيَّة في القواعد هي نفس المنابع في علم الفقه، فهي الكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل. وللعرف - الَّذي هو موضوع مبحثنا هذا - دورٌ عظيمٌ فيه، لكن من الظَّاهر الَّذي لامرية عليه أنَّ الشَّيخ الأستاذ - حفظه اللَّه! - ينتهج منهجًا استقلَّ به بين أعلام القوم، فلايشاركه فيه أحدٌ منهم.
ولذلك يمكن لنا أن نأخذ به كمبناه الَّذي تفرَّد به بين مؤلِّفي القواعد، وهو قوله بحجِّيَّة العرف بل أصالته بين الحُجَج الَّتي يُستَدَلُّ بها للقواعد.
ولنا أن نأتي بنُكتَتَين هامَّتين هيهنا لنُبيِّن من خلالهما ما نريد أن نوضحه:
إنَّ القائمة الإحصائيَّة الَّتي ذكرناها أعلاه تشير بوضوحٍ إلى أنَّ الشَّيخ الأستاذ اعتمد في أكثر من أربعين قاعدة من هذه القواعد - الَّتي يبلغ عددها ستِّين قاعدةً - علىٰ العرف، بل جعل الأصل فيها الأعراف وبناءات العقلاء.
1) . راجع: المصدر، ص 325.
إشارات الأستاذ العلَّامة الفقيه - حفظه اللَّه! - إلى هذا المبحث مبثوثةٌ في تيَّات الكتاب وخلال أبحاثه، فنأتي هيهنا بجملةٍ من هذه النُّصوص ليتَّضح للقارىء الكريم مدىٰ اهتمام شيخنا الأستاذ بالعرف في خلال الكتاب.
فنقول:
[1:] قاعدة الاِئتمان / الامين مؤتمنٌ
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: السِّيرة العُقلائيَّة... فثبوت سيرة العقلاء عليها من الضَّروريَّات، حتَّى لوطلب أحدٌ ممَّن له اليد الأمانيُّ علىٰ الشَّيء ضمانَ ذلك الشَّيء، يعدُّ العرف هذا ظلمًا... وسيرة العقلاء؛ وتؤيِّده رواياتٌ كثيرةٌ.
[2:] قاعدة الإتلاف
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: سيرة العقلاء والمتشرِّعة... فمستند القاعدة ودليلها هي العرف المعبَّر عنه بسيرة العقلاء... وتمسَّكوا بسيرة العقلاء أيضًا، وانعقادها علىٰ مفادها أيضًا من المسلَّمات... والدَّليل علىٰ ذلك كلِّه هو العرف... وغيرها من أدلَّة الباب مشيرةٌ إلى سيرة العقلاء. فالرِّوايات إمضائيَّةٌ، لا تأسيسيَّةٌ.
[3:] قاعدة الإشتراك في التَّكليف
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: سيرة العقلاء والمتشرِّعة... تدلُّ علىٰ القاعدة السيرة القَطعيَّة من عقلاء جميع المِلَل، بل النِّحَل... والسيرة هذه قد أمضاها الشَّارع.
[4:] قاعدة الإقرار
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء وسيرتهم... تدلُّ علىٰ
القاعدة سيرة العقلاء بلاارتيابٍ وشكٍّ... أضف إلى السيرة القطعيَّة هذه طائفةً من الآيات والرِّوايات... إلَّاأنَّها لمَّا كانت إرشاديَّةً إلى حكم العقل وبناء العقلاء، فهي إمضائيَّةٌ
[5:] قاعدة الإلزام
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: والقاعدةُ قاعدةٌ عقلائية، لأنَّ أهل كلِّ ملَّةٍ ونحلةٍ يُلزِمون آخرين بما التزموا به... ويدلُّ عليه بناء العقلاء... ثمَّ إنَّا أشرنا إلى أنَّ القاعدة قاعدةٌ عقلائية، فحينئذٍ إنَّ هذه الرِّوايات كلَّها إرشاديَّةٌ.
[6:] قاعدة الإمكان
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[7:] قاعدة البِناء علىٰ الأكثر عند الشَّكِّ في الرَّكعات
الأخيرة من الثَّلاث والأربع
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[8:] قاعدة البيِّنةُ علىٰ المدَّعي واليمينُ علىٰ من أنكَرَ
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: سيرة العقلاء، إذا كان المراد من «البيِّنة» ما يُبيَّن به الصَّحيحُ من السَّقيم... فهي قاعدةٌ عقلائيَّةٌ جرَتْ عليها سيرة العقلاء من قديم الزَّمن إلى الآنَ، وليست تعبُّديَّةً أصلًا... ومن العقل سيرة العقلاء القطعيَّة... إنَّ الأدلَّة الثَّلاث ليستْ بمستقلَّةٍ، بل جميعُها أُخِذَت من بناء العقلاء.
[9:] قاعدة التَّسامُح في أدلَّة السُّنَن
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: كما أنَّه من سيرة العُقلاء يقينًا
وبنائِهِم، كما أنَّ قول النَّاس بالفارسيَّة: «هرچه پول بدهى آش مى خورى»، يشير إلى هذه السيرة الثَّابتة بين العقلاء.
[10:] قاعدةُ التَّعاون
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[11:] قاعدةُ الجُبِّ
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: السيرة العُقلائيَّة... وأجود من الكلِّ أيضًا الَّتمسُّك بسيرة العُقلاء، المُمضاة من قِبَل الشَّارع.
[12:] قاعدة الحرج
والمختار في القاعدة كونُها قاعدةً عقليَّةً... حيث لا معنىٰ لأن يُكلِّف أحدٌ أحدًا بما فيه مشقَّةٌ شديدةٌ خارجةٌ عن تحمُّل النَّاس، فضلًا عن الحكيم - جلَّ وعزَّ! -؛ فلايُتصوَّر أن يُكلِّف النَّاسَ بما هو فوق مقدورهم؛ ولو في المندوبات... ولذلك فإنَّ الآيات والرِّوايات الواردة في المقام - وسنشير إلى جملةٍ منها - كلَّها إرشاديَّةٌ إلى هذا الَّذي يحكم به العقل ويُصحِّحهُ.
[13:] قاعدة الدَّرْء
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: أوَّلًا: بناء العقلاء... وهي أمارةٌ عندهم والشَّارع المقدَّس أيضًا قد أمضا هذه السيرة بعدم الرَّدع عنها.
[14:] قاعدة الدَّين مقضيٌّ
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... ومن العقل فإنَّ السيرة
الثَّابتة المستمرَّة بين جميع أهل الملل والنِّحَل تدلُّ عليها... سيرة العقلاء، ولذلك استقرَّتْ سيرتُهُم علىٰ....
[15:] قاعدة الزَّعيم غارمٌ
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... فسيرة العقلاء - الَّتي ترجع الأدلَّة الثَّلاثة الماضيَة إليها - تدلُّ علىٰ القاعدة.
[16:] قاعدة السُّوق
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: فإذن لنا أن نقول: إنَّ قضيَّة السُّوق سيرة قطعيَّةٌ عقلائية ليست فيها شبهةٌ... والسيرة القطعيَّة؛ فلانحتاج إلى الإكثار من ذكر الرِّوايات والقيل والقال فيها... بناء العقلاء ويُستَدلُّ للقاعدة بالسيرة أيضًا، حيث استقرَّتْ سيرة العقلاء عليها... يشهد به سيرة المسلمين في جميع الأعصار والأمصار.
[17:] قاعدة الشَّرط الفاسد
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[18:] قاعدة الشُّفعة جائزةٌ في كلِّ شيءٍ
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[19:] قاعدة الصُّلحُ جائزٌ بين النَّاس
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: فالمهمُّ الأصيل في الباب هو بناء العقلاء والعرف... ليس هذا كلُّه إلَّاإمضاء لسيرة المتشرِّعة الثَّابتة في المقام... فإذن الأصل في المقام هو السيرة؛ وبها نستدلُّ علىٰ حجِّيَّة القاعدة.
[20:] قاعدة العُقُود تابعةٌ للقُصُود
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[21:] قاعدة الغَرَر
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: العمدة في المسألة هي هذا الدَّليل، فاستقرَّتْ سيرة العقلاء طوالَ الأعصار عليها... والسيرة هذه ما أردع عنها الشَّارع، بل أمضاها... فالأصل في المقام هو بناء العُقلاء المؤيَّد من قِبَل الشَّارع.
[22:] قاعدة الفِراش
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... فمادام لم يعلموا بذلك، يلحقونه به. وهذه سيرة ثابتةٌ قطعيَّةٌ.
[23:] قاعدة الفراغ والتَّجاوز
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: أضِف إلى هذه الرِّوايات بناء العقلاء، المستقرَّة علىٰ الجَرْي طبق هذه القاعدة... والشَّارع أمضىٰ تلك السيرة وأيَّدها...
أمَّا شمول بناء العقلاء وما هو المناط في هذا البناء لهما، فواضحٌ.
[24:] قاعدة القرعةُ لكلِّ أمرٍ مشكلٍ
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: سيرة نبي اللَّه يونس حيث شارك في إقراع أهل السَّفينة... وهي أيَّدتْ السيرة المستمرَّة عليها... أمَّا العقل، فنستكشف حكمَه بثبوتها من خلال ثبوت سيرة العقلاء... وهو واضحٌ بالنَّظر إلى ثبوت سيرة العقلاء قَبل ظهور الإسلام علىٰ حجِّيَّة القُرعة... وبما قلنا ظهر أنَّ العُمدة من أدلَّة القاعدة هي السيرة
العُقلائيَّة... يدلُّ علىٰ هذا - مضافًا إلى الآيات والرِّوايات المارِّ ذكرُها -: سيرة العقلاء...
وما استقرَّتْ عليه سيرة العقلاء بما هم عقلاءٌ، لا بما هم أصحاب المذهب.
[25:] قاعدة الميسور
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة مشيرًا إليها وإلى أختها: ثمَّ إنَّ القاعدتين من الضَّروريَّات العقليَّة الَّتي لاتحتاج إلى دليلٍ، ولا إلى الإكثار من القيل والقال؛ فخُذْ هذا وانتظر حتَّى نرجع إليهما ثانيًا.
[26:] قاعدة المؤمنونَ عند شروطِهم
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... وأمَّا بسيرة العقلاء علىٰ الإلزام والإلتزام بالعقود والإيقاعات والشُّروط... فثبوتُ السيرة في المقام ممَّا لاينكُرُه أحدٌ... فإذن الجميعُ يرجع إلى دليلٍ واحدٍ، وهو سيرة العقلاء المُمضاة من قِبَل الشَّارع.
[27:] قاعدة الوصيَّة حقٌّ علىٰ كلِّ مسلمٍ
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[28:] قاعدة الوقوف علىٰ حسْبِ ما يُوقِفُها أهلُها
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... أمَّا الدَّليل علىٰ القاعدة، فهو العرف... أضفْ إلى ما يستفادُ من العرف رواياتٍ تدلُّ علىٰ المطلوب...
فمدرك القاعدة هو العرف.
[29:] قاعدة اليد
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: سيرة العقلاء... العُمدة في مدرك القاعدة هي سيرة العقلاء... وحيث إنَّ تلك الرِّوايات كلَّها صدرتْ في مقام بيان إمضاء السيرة فهي امضائيَّةٌ.
[30:] قاعدة إنَّ الإجارةَ أحدُ معايش العبادِ
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... لكنَّ العُمدة هيهنا هو السيرة وبناء العقلاء... سيرة العقلاء في جميع الأعصار والأمصار علىٰ أنَّ للمرء استيجارَ ما يحتاج إليه.
[31:] قاعدة إنحلال العُقود إلى عقودٍ أُخَر
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... وليس هذان غير بناء العقلاء الَّذي ذكرناه آنفًا، لرجوعهما إليه قطعًا.
[32:] قاعدة أخذ الأُجرة علىٰ الواجبات
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: وهذه قاعدةٌ عقلائية صار عليه العُقلاء في جميع شؤون معاشهم الفرديَّة... وهذه السيرة العُقلائيَّة لم يردَع عنها الشَّارع، بل أمضاها صريحًا.
[33:] قاعدة أصالة الصِّحَّة
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: ضرورة أنَّ سيرة المسلمين في جميع الأمصار والأعصار استقرَّتْ عليها... وهذه السيرة لاتختصُّ بطائفةٍ دون طائفةٍ أخرىٰ...
فالسيرة هذه حجَّةٌ شرعيَّةٌ أيضًا... وكيف كان فإنَّ السيرة هيهنا محكَمَةٌ بحيث ذهب المحقِّق الفقيه الخوئيُّ إلى «أنَّ مدرك أصالة الصِّحَّة ليس إلَّاالسيرة المستمرَّة»... وقال في
بيان مدارك القاعدة: «العمدة هو قيام سيرة العقلاء عليها»... ونصَّ بعضُهم علىٰ أنَّ مدرك هذا الأصل إنَّما هو السيرة فقط.
[34:] قاعدة أصالة اللُّزوم في العُقُود
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: ومن العقل بناء العقلاء علىٰ لزوم جميع العقود والعهود.
[35:] قاعدة بطلان كلِّ عقدٍ بتعذُّر الوفاءِ به
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء لأنَّهم يرون فسادَ المعاملة إذا تعذَّر... وفيه: إنَّ بناء العقلاء علىٰ صحَّة المعاملة، لا فسادها!.
[36:] قاعدة تلف المبيع قبل القبض
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[37:] قاعدة ثبوت الأحكام الوَضعيَّة علىٰ غير البالغِ المُكلَّف
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: وبالسيرة الثَّابتة من العقلاء، ولاخلاف في اِنعقادها.
[38:] قاعدة حجِّيَّة البيِّنة
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: سارَتْ عليها سيرة العقلاء طوالَ الدُّهور، كما أنَّه حجَّةٌ في الأحكام بلاإشكالٍ وكلامٍ... فسيرة الشَّارع أيضًا دارَتْ علىٰ ما دارَتْ عليه سيرة العقلاء.
[39:] قاعدة حجِّيَّة الظَّنِّ في الصَّلاة
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[40:] قاعدة حرمة إبطال الواجبات
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة:... كما وأنَّ العقلاء يُقبِّحون من يَرفَع يده عن تعهُّدٍ تعهَّدَه بلاعذرٍ، فلونقَصَ العهدَ مَن عهدَ أنَّه يتمُّ عملًا - كزرع أرضٍ، أو بناء دارٍ - فالعقلاء يُقَبِّحونه علىٰ هذا النَّقض، بل يرون عليه الضَّمان في موارده... فبناء العقلاء أيضًا تؤيِّد القاعدة وتدلُّ عليها.
[41:] قاعدة حرمة الإهانة بالمقدَّسات
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: ومن العقل فسيرة العقلاء الَّتي ثبتَتْ من إرتكازهم وإجماعهم علىٰ حرمة الإهانة... والسيرة والإجماع كلُّها تنشأ من هذا الحكم العقليِّ، فهي إمضاءٌ له.
[42:] قاعدة حُرمة الرِّبا
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة:... تدلُّ علىٰ دلالة العقل والعرف علىٰ حرمة الرِّبا وقبحه... ولايُوجَد هيهنا ما يَردَعُ عن العرف حتَّى يُقال بعدم حجِّيَّته في المقام.
[43:] قاعدة رجوع الإمام إلى المأموم في شكِّه وبالعكس
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[44:] قاعدة عدم تداخُل الأسباب والمُسَبَّبات
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء.
[45:] قاعدة كثير الشَّكِّ
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[46:] قاعدة كلِّ كافرٍ نجسٌ
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة:... بالسيرة المستمرَّة الثَّابتة بين المسلمين علىٰ نجاستهم... وتدلُّ عليه - أيضًا - السيرة القَطعيَّة السَّائرة بين الإماميَّة المُمضاة من قِبَل الشَّارع.
[47:] قاعدة كلِّ ما تصحُّ إعارتُه تصحُّ إجارتُه
القاعدة بيِّنةٌ لاتحتاج إلى دليلٍ، بل هي من الواضحات الَّتي قياساتُها معها؛ فيكفي في التَّصديق بها تصوُّرها فقط.
[48:] قاعدة كلُّ مبيعٍ تلف في زمنِ الخيار فهو ممَّن لاخيار له
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[49:] قاعدة كلُّ مدَّعٍ يُسمَعُ قولُه بلابيِّنةٍ فعليه الحلفُ
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[50:] قاعدة كلِّ مسكرٍ مائعٍ بالأصالة نجسٌ
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[51:] قاعدة لاتُعاد
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[52:] قاعدة لا رهن إلَّامقبُوضًا
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... والأصلُ فيها هو بناء العقلاء، كغير الرَّهن من العقود... والدَّليل علىٰ ذلك كلِّه سيرة العقلاء جيلًا بعد جيلٍ من غير ردعٍ عن الشَّارع... وهذه الرِّوايات بعد ثبوت التَّعارض بينها وبين السيرة ليستْ بهذه المثابة من القوَّة والمتانة حتَّى تُردَعَ بها السيرة!.
[53:] قاعدة لاشكَّ في النَّافلة
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[54:] قاعدة لا ضرر ولا ضرار
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: الأصل فيها هو العرف وسيرة العقلاء والمُتشَرِّعة.
[55:] قاعدة لاضِمانَ علىٰ المستعيرِ
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... أمَّا مدرك القاعدة، فليس إلَّابناء العقلاء المُمضا من قِبَل الشَّارع... وهو بناء العقلاء؛ ضرورةَ أنَّ للعقلاء عقودًا في معائشهم الجَماعيَّة.
[56:] قاعدة ما يُضمَن بصحيحه يُضمَنُ بفاسده
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: بناء العقلاء... من غير ردعٍ عن
الشَّارع يردَعُ عنه... فالأصل في المقام هو بناء العقلاء الَّذي لم يردَعْ عنه الشَّارع.
[57:] قاعدة مشروعيَّة عِبادات الصَّبيِّ
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
[58:] قاعدة من ملِكَ شيئًا ملِكَ الإقرار به
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: سيرة العقلاء... مدرك القاعدة ودليلُها - كأختِها - هي سيرة العقلاء وبنائهم المستمرَّة الثَّابتة بينهم؛ فالسيرة هذه استقرَّتْ على ثبوت القاعدة... والسيرة تؤيِّدُها طائفةٌ من مرويَّات الأصحاب... والدَّليل عليها أيضًا - كنفس قاعدة الإقرار - هي سيرة العقلاء.
[59:] قاعدة نفي السُّلطة
قال - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في جملة أدلَّة القاعدة: هذه القاعدة قاعدةٌ عقلائية، لأنَّ العقلاء لايجوِّزون تدخُّل الغير في أمورهم... ولثبوت السيرة المُمضاة من قِبَل الشَّارع عليه ثانيًا.
[60:] قاعدة يحرُمُ من الرَّضاع ما يحرُمُ من النَّسَب
لم يستند فيها - حفظه اللَّه تعالىٰ! - إلى العرف والسِّيرة.
ذكرنا شيئًا عمَّا يرجع إلى العرف ماهيَّةً وسعةً وضيقًا، في نفسه وفي حجِّيَّته، وفي
حدود اعتماد الفقيه عليه، و... في ما إلى ذلك.
وفي هذ المبحث - وهو الأخير من الرِّسالة - نتكلَّم عن أثر العرف والعادة في الفقه المعاصر؛ وذلك لأنْ نذكر شيئًا عن ثمرات منهج الأستاذ العلَّامة - حفظه المولىٰ الجليل تبارك وتعالىٰ! - في فتح جملةٍ من المُغلَقات والمشاكل الفقهيَّة المعاصرة. فنقول:
أشرنا فيما مضىٰ إلى أنَّ حجِّيَّة العرف أمرٌ مفروغٌ عنه، حيث لاخِلاف في حجِّيَّته؛ وقد رأينا أنَّ الخلاف فيه كان راجعًا إلى الخلاف في طريق حجِّيَّته من حاجتها إلى إمضاء الشَّارع، أو حاجتها إلى عدم ردعه عنه فقط، أو أنَّه حجَّةٌ برأسه لايحتاج إلى الإمضاء أو عدم الرَّدع بتًّا.
وكيف كان فإنَّه لاخلاف في اعتباره، بل في أهمِّيَّته؛ بحيث قال الشَّاطبيُّ قدس سره:
«لولا أنَّ اطِّراد العادات معلومٌ لما عُرِف الدِّين من أصله فضلًا عن التَّعريف علىٰ فروعه، لأنَّ الدِّين لايُعرَف إلَّاعند الاعتراف بالنُّبوَّة، ولا سبيل إلى الاعتراف بهاإلَّا بواسطة المعجزة، ولامعنىٰ للمعجزة إلَّاأنَّها فعلٌ خارقٌ للعادة، ولايحصل فعلٌ خارقٌ للعادة إلَّابعد تقرير اطِّراد العادة في الحال والاستقبال كما اطَّردتْ في الماضي»(1).
وعن ابن عابدين:
والعُرفُ في الشَّرع له اعتبارُ *** لِذا عليه الحُكمُ قد يُدارُ(2)
وقال أيضًا:
«إنَّ كثيرًا من الأحكام تختلف باختلاف الزَّمان لتغيُّر عرف أهله أو لحدوث ضرورةٍ أو لفساد أهل الزَّمان، بحيث لوبقي الحكم علىٰ ما كان عليه أوَّلًا للزم منه المشقَّة والضَّرر بالنَّاس، ولخالف قواعد الشَّريعة المبنيَّة علىٰ التَّخفيف
والتَّيسير ودفع الضَّرر والفساد»(1).
ثمَّ إنَّ للاِلتفات إلى العرف أثرًا كبيرًا في حلِّ كثيرٍ من مشاكلِ الفقه العصريَّة، فنجد الزَّرقانيُّ يقول مشيرًا إلى هذا:
«وسلطان العرف كبيرٌ علىٰ الأحكام يدخل فيه جميعُ أبواب الفقه، سواءٌ أكان ذلك في العبادات أو المعاملات أو السِّيَر أو الأحوال الشَّخصيَّة، حتَّى في باب العقوبات. فمثلًا جريمة التَّعدِّي علىٰ الكرامة بالشَّتم والإهانة إنَّما يُعتَبر من الكلام جرمًا يستحقُّ قائلُه العقوبة التَّعزيريَّة ما يكون في عرف النَّاس شتمًا وعقوبةً، والعقوبة التَّعزيريَّة نفسها إنَّما تكون شرعًا بالقدر الَّذي يُعتَبر كافيًا للقمع في نظر العقلاء وعرفهم بحسب درجة الجرم»(2).
كما أنَّ كثيرًا من مسائل الفقه عند المُتَقدِّمين كان مبنيًّا علىٰ العرف، بل ليس للفقيه أن يعتمد فيه إلَّاعلىٰ العرف؛
كما أنَّ كثيرًا من مسائل الفقه المعاصرة أيضًا مبنيٌّ عليه، فنشير هيهنا إلى جملةٍ من تلك المسائل في فصلَين. فنقول:
الفصل الأوَّل
أمَّا من مسائل الفقه عند القدماء الَّتي لاعلاج لها إلَّابالرُّجوع إلى العرف،
فمنها:
ما يُذكر في باب الخمس
من أنَّ الخمس يجب في الزَّائد علىٰ مؤونة العيال. لكن للبحث عن مفهومَي المؤونة
أوَّلًا، والعيال ثانيًا مجالٌ واسعٌ.
أمَّا العيال فمِن قائلٍ: إنَّه لايشمل إلَّاأُسرة الرَّجل - أي: زوجته وابناءه وبناته -؛ وهذا هو مقتضىٰ انصراف اللَّفظ وظهوره الأوَّلي.
ومن قائلٍ أنَّه يشمل مَن أدخله الرَّجل في عياله، كابن إدريس قدس سره(1).
ومن قائلٍ أنَّه يشمل الضَّيف أيضًا مطلقًا، كما عن ابن سعيدٍ قدس سره(2)، والشَّهيد قدس سره(3).
وهذا الخلاف لامصبَّ له إلَّاالخلاف في تفسير العيال عرفًا. ولذلك قال الفقيه النَّجفيُّ قدس سره بعد بيان بعض مصاديق المؤونة - وسنشير إلى هذه المسألة - وعدم إمكان بيان جميعها:
«لعدم إمكان الإحاطة ببيان ذلك جميعه، خصوصًا مع ملاحظة الأشخاص والأزمنة والأمكنة وغيرها؛ فالأولىٰ إيكاله إلى العرف كإيكال المراد بالعيال منه»(4).
ويشير إليه قول ثاني الشَّهيدين 0 حيث إنَّه بعد أن ذكر الكِسوة في عداد النَّفقة قال:
«ولعلَّها داخلةٌ في المؤونة لغةً، وإن لم يدخل عرفًا»(5).
أمَّا المؤونة فالخلاف في تحديدها كثيرٌ - ولايهمُّنا ذكره -؛ وقد ذكرنا أنَّ الخلاف في هذه المسائل ينشأ من الخلاف في فهم المؤونة عرفًا، ولاسبيل إلى فهم المراد منها إلَّا بالعرف. ولذلك فإنَّ المحقِّق النَّراقي قدس سره بعد أن أجمل - غاية الإجمال - في بيان الأقوال قال:
«والكلُّ لأجل اختلاف الفهم في الصِّدق في مصداق المؤونة، والعرف يُعاضِد
الأخير جدًّا»(1).
وقد نصَّ علىٰ حكومة العرف في المقام السَّيِّد الفقيه البروجرديُّ قدس سره أيضًا، حيث ذكر بعض الأقوال في المسألة ثمَّ بعد أن قوَّىٰ واحدًا منها استدلَّ عليه بأن قال:
«فإنَّ العرف لايرىٰ تفاوتًا في صحَّة إطلاق المؤونة بين ما يتوقَّف عليه الحياةُ ضرورةً كالمأكلِ والمشربِ، وما يستكمل به حياته؛ ولايتفاوت عنده أيضًا الحياةُ المادِّي والمعنويُّ في ذلك. فما يصرفه الإنسان في حفظ الحياتين بجميع مراتبهما يعدُّه العرفُ مؤونةً»(2).
وخير الكلام في المقام ما ذكره السَّيِّد الحكيم قدس سره، حيث قال:
«لفظ المؤونة - كسائر الألفاظ المذكورة في الكتاب والسُّنَّة - يُرجَع في تحديد مفهومها إلى العرف. والظَّاهر منها مطلقُ ما يحتاج إليه عرفًا في جلب المحبوب ودفع المكروه»(3).
ولذلك أيضًا إنَّ الفقيه السَّيِّد عبدالأعلىٰ السَّبزواري قدس سره بعد أن أورد ما رُوِي من قول الصَّادق عليه السلام: «إذا لم يكن عنده فضلٌ عن قوت عياله فهو ممَّن لايَجِدُ»، صرَّح فقال:
«هذا أيضًا إيكالٌ إلى العرف، لأنَّ قوت العيال يختلف باختلاف الأشخاص، وليس المراد الضَّرورةُ الَّتي تقوم به رمق الحياة»(4).
ومنها:
ما يُذكَر في أبواب الصَّيد والذِّباحة
فإن قلنا بأنَّه لايجوز الصَّيد بغير الكلب كالبازي - كما هو المشهور بيننا، ونصَّ عليه
ابنُسعيدٍ(1)- فهو؛ لكن إن قلنا بجواز الصَّيد بالبازي مثلًا واشترطنا كونه معلَّمًا للصَّيد، فكونه معلَّمًا يُعرَف من رجوعه عند دعوته، كما عن بعض العامَّة(2).
فحينئذٍ هل يُعتَبر في الدَّعوة المرَّة والمرَّتان؟، أو أكثر من ذلك؟؛
الظَّاهر رجوع العدد إلى عرف كلِّ منطقةٍ ومصرٍ.
ومنها:
ما يُذكر في أبواب البيوع
من أنَّه «لواشترط في الدِّيك أنَّه يوقظه للصَّلاة أو أنَّه يَصيح في الأوقات المعلومة»، فالوجه عدم الصِّحَّة - كما عن العلَّامة قدس سره(3)-، فهو؛
وأمَّا لوقلنا بجواز الشَّرط هذا، فالرُّجوع في إحرازه أو عدم إحرازه إلى العرف.
وكذا ما ذكروه في أبواب الإجارة من عدم جواز استيجار الدِّيك لذلك مبنيٌّ علىٰ أنَّ العرف يحكم بعدم احراز منفعة الاِستيجار. قال العلَّامة قدس سره:
«لايجوز استيجار الدِّيك يوقظه وقتَ الصلاة، لأنَّ ذلك يقف علىٰ فعل الدِّيك ولايمكن استخراج ذلك منه بضربٍ ولاغيره. وقد لايصيح، وربَّما صاح قبل الوقت أو بعده»(4).
وايده السَّيِّد الإمام القزوينيُّ قدس سره أيضًا(5).
أمَّا لوكان بحيث حكم العرف بكونه صائحًا عند وقت الصَّلاة فقط، وذلك بتجربته عدَّة مرَّاتٍ في أوقات الصَّلوات، فالوجه جواز استيجاره؛ لنفس حكم العرف بذلك.
ومنها:
ما يُذكَر في مسألة الاِستلحاق من أبواب الإرث والنَّسَب
من بطلان قول القائف، بل حرمة علمه - كما عن العلَّامة قدس سره في تحريره(1)، وتذكرته(2)، وقواعده(3)، ونهايته(4)، والشَّيخِ قدس سره(5)، وابنِادريس قدس سره(6)، والشَّيخِ الأعظم قدس سره(7)-؛
لكن للعامَّة القائلين بجواز عمله وحجِّيَّة قوله أقوالٌ في عدد المرَّات الَّتي لوأصاب فيها يُحكم بصحَّة قوله:
فذهب بعضُهم إلى الاكتفاء بمرَّةٍ واحدةٍ؛
وبعضهم إلى الاكتفاء بمرَّتين؛
وآخرون إلى الثَّلاث - كما حكاه ابنُالوكيل قدس سره(8)، والحصنيُّ قدس سره(9)، والأسيوطيُّ قدس سره(10)-.
ومقتضىٰ العرف ما ذهب إليه العلَّامة قدس سره في تبيين قولهم حيث قال:
«وهذه التَّجربة عند عرضه علىٰ القائف للاحتياط في معرفة إصابته، وإن
1) . راجع: تحرير الأحكام الشَّرعيَّة، ج 2 ص 260.
2) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 12 ص 145.
3) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 9.
4) . راجع: نهاية الإحكام، ج 2 ص 472.
5) . راجع: النِّهاية، ص 366.
6) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 218.
7) . راجع: كتاب المكاسب، ج 2 ص 7.
8) . راجع: الأشباه والنَّظائر، ج 1 ص 164.
9) . راجع: القواعد، ج 1 ص 375.
10) . راجع: الأشباه والنَّظائر، ص 100.
لم نجرِّبه في الحال بعد أن يكون مشهور الإصابة في مرَّاتٍ كثيرةٍ جاز»(1).
حيث مقتضىٰ العرف في جواز الاعتماد علىٰ قوله هو اختبارُه في مرَّاتٍ كثيرةٍ، لامرَّةً أو مرَّتين أو ثلاثٍ. و عن الشَّيخ قدس سره:
«فإذا ألحقَه بأبيه وتكرَّر هذا منه حكَمنا بأنَّه قائفٌ»(2).
ومنها:
ما يُذكَر في أبوابٍ مختلفةٍ
من التَّصرُّفات العامَّة في أموال الغير. واستشهد القائلون بصحَّة جملةٍ من هذه التَّصرُّفات بأنَّ العرف يدلُّ علىٰ صحَّتها، وهو الحجَّة، فهذه التَّصرُّفات صحيحةٌ.
قال القاضي ابنُالبرَّاج الطِّرابلسي قدس سره في مسألة صحَّة الصَّلاة في أراضي الغير:
«... ولايلزمنا علىٰ هذا فساد الصَّلاة في أراضي القُرىٰ والبساتين وما أشبه ذلك، لأنَّ العادة جاريةٌ بأنَّ مالك ذلك لايكره من أحدٍ الصَّلاةَ فيه»(3).
ومثله ما ذكره كثيرٌ منهم في مسألة الوضوء في الأنهار الكبيرة، كالفاضل النَّراقيِّ قدس سره(4)، والقطيفيِّ قدس سره(5)، وبعضِ كبار معاصرينا(6).
وكذلك الحكم في التَّصرُّف فيما يشقُّ التَّحرُّز عنه:
«... فما كان في طُرُق المسلمين من الأنهار والقنوات والعيون فلابأس باستعمالها للمستطرقين... للسِّيرة المستمرَّة من المسلمين علىٰ ذلك»؛
هذا نصُّ الفقيه الشَّيخ حسن بن الشَّيخ جعفرٍ قدس سره(1). ومستند الحكم هيهنا ليس إلَّا السِّيرة المنعقدة علىٰ جواز هذه التَّصرُّفات لعموم النَّاس.
ومنها:
ما يُذكَر في كتاب إحياء الموات
من أنَّ حدَّ الأرض وحدَّ الإحياء الموجب لتملُّك الأرض مفوَّضٌ علىٰ العرف، حيث إنَّ الشَّارع لم يُبيِّن حدًّا خاصًّا فيه؛ فالمرجع فيه إلى العرف. وظاهرٌ أنَّ الحدود الواردة فيه كلَّها متَّخَذَةٌ من العرف، فالعرف مقدَّمٌ هيهنا عليها.
فبما قلنا ظهر ما في كلام ابنِفهدٍ قدس سره حيث قال في تفسير الحرز:
«ولاتقدير للشَّرع فيه، فالأصل إحالته علىٰ العرف، كالقبض في البيع والإحياء في الموات، فلمَّا لم يقدِّره الشَّارع رُجِع فيه العرف»(2)
حيث إنَّه ليس للشَّارع تعيين حدٍّ فيما هو موكَّلٌ إلى العرف؛ فليس العرف مؤخَّرًا عن النَّصِّ في هذه الموارد، بل النَّصُّ أيضًا حاكٍ عنه فقط؛ ولذلك قال الشَّيخ قدس سره:
«... فالمرجَعُ في ذلك إلى العرف والعادة، فما عرفه النَّاس إحياءً في العادة كان إحياءً ومُلِكَت به المواتُ»(3)
كما أورده ابنُإدريسٍ أيضًا(4). وعن العلَّامة قدس سره:
«... وكذا الإحياء، وإنَّما يظهر معناه بين النَّاس في عرفهم فيُنَزَّل عليه ويكون المراد في نظر الشَّرع كلَّما يعدُّ إحياءً في العرف، وذلك يختلف باختلاف ما
يُقصَد عمارتُه من الموات»(1)
وهذا هو القول الصَّحيح في المقام.
ومنها:
ما يُذكَر في كتاب الخيارات
في باب خيار المجلس والتَّفرُّق الَّذي به يلزم البيع وينقطع الخيار. هذا ممَّا لاخلاف فيه، لكن ما هو حدُّ التَّفرُّق؟.
الظَّاهر إنَّ هذا أمرٌّ عرفيٌّ لامناط له يُتُعبَّد به. ولذلك ترىٰ أنَّ الشَّيخ قدس سره ذهب في الخلاف إلى أنَّ المجلس منعقَدٌ:
«ما لم يتفرَّقا بالأبدان»(2)
بينما قال قدس سره في المبسوط:
«فأمَّا التَّفرُّق الَّذي يلزم به البيع وينقطع به الخيار، فحدُّه مفارقة المجلس بخطوةٍ فصاعدًا»(3)
كما اختاره قدس سره في الخلاف مرَّةً أُخرىٰ(4). وبين «التَّفرُّق بالأبدان وبين مفارقة المجلس بخطوةٍ بونٌ بعيدٌ!، حيث لايصدق علىٰ الثَّاني التَّفرقة بالأبدان. والسِّرُّ في ذلك أنَّ الشَّيخ أخبر عن مفهومٍ عرفيٍّ يدلُّ علىٰ انقطاع المجلس وتمامه فقط، وليس في مقام بيانِ مهيَّةِ التَّفرُّق حدًّا أو رسمًا.
وهذا أيضًا سرُّ اختلاف تعابير الفقهاء عن هذا المفهوم العرفيِّ؛
فابن البرَّاج قدس سره(1)وابن ادريسٍ قدس سره(2)وثاني المحقِّقَين 0(3)والمحقِّق العامليُّ الحسينيُّ قدس سره(4)والمامقانيُّ قدس سره(5)اختاروا الثَّاني؛
وابنُزهرة قدس سره(6)والفقيه الطَّباطبائيُّ قدس سره(7)والتُّستريُّ قدس سره(8)والشَّيخ حسن بن الشَّيخ جعفر الكبير 0(9)اختاروا الأوَّل.
والدَّليل علىٰ ذلك إنَّ المحقِّق الشَّيخ محمَّد الحسين كاشف الغطاء قدس سره نصَّ علىٰ
«أنَّ ظاهر الافتراق هو التَّفرُّق بالأبدان، وهو المتبادَر منه لغةً وعرفًا»(10).
كما أنَّ الشَّيخ الَّذي اختار في كتابَيه قولين بل اختارهما في موضعين من الخلاف، نقل عن الشَّافعيِّ قدس سره أنَّه قال:
«يُرجَع في ذلك إلى العادة»(11).
فتلخَّص ممَّا قلنا جميعًا أنَّ الملاك في حصول التَّفرُّق وعدم حصوله هو العرف وعادة أهل البلد الَّذي ينعقد فيه هذا المجلس.
ومنها:
1) . راجع: المهذَّب، ج 1 ص 357.
2) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 246.
3) . راجع: جامع المقاصد، ج 4 ص 181.
4) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 13 ص 545.
5) . راجع: نهاية المقال، ص 35.
6) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 220.
7) . راجع: رياض المسائل، ج 8 ص 289.
8) . راجع: مقابس الأنوار، ص 207.
9) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب البيع، ص 75.
10) . راجع: تحرير المجلَّة، ج 1 / القسم الأوَّل، ص 79.
11) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 21 المسألة 26.
ما يُذكَر في باب المعاطاة من كتاب البيوع
من أنَّ العرف والسِّيرة الثَّابتة يدلَّانِ علىٰ صحَّة المعاطاة في البيع. قال الإمام الخمينيُّ قدس سره:
«يدلُّ علىٰ صحَّتها السِّيرة المستمرَّة العُقلائيَّة من لدن تحقُّق المَدَنيَّة والاحتياج إلى المبادلات إلى زماننا، بل الظَّاهر أنَّ البيع المعاطاة أقدم زمانًا وأوسع نِطاقًا من البيع بالصِّيغة، فلاينبغي الشُّبهة في صحَّتها... وقد كانت متعارفةً في عصر النُّبوَّة وبعده بلاشبهةٍ، فلوكانت غير صحيحةٍ لدىٰ الشَّارع... لكان عليه البيانُ»(1).
كما أنَّ السَّيِّد الخوئيَّ قدس سره ذهب إلى صحَّة البيع المعاطاتي لأنَّ العرف يحكم بكونه تجارةً عن تراضٍ، فالعرف واسطةٌ في ثبوت الصِّحَّة له(2). وعن السَّيِّد المجاهد قدس سره:
«إنَّ لفظ البيع اُستُعمل في المعاطات في كلمات الأصحاب وفي العرف قطعًا»(3)
فالعرف يكشف عن صحَّته لكشفه عن صحَّة إطلاق البيع عليه.
وكذلك الأمر فيما يُنقَل عند انتقال المبيع - المُسمَّىٰ بالتَّابع في ألسنة العلماء -، حيث ذكر الفقيه الشَّيخ مهدي آل كاشف الغطاء قدس سره:
«إنَّ الدَّليل علىٰ انتقاله هو العرف، كان النَّقلُ بالعقد اللَّفظي أو بالعقد المعاطاتي»(4).
ومنها:
ما يمكن أن يُذكَر في باب الرُّشد والبلوغ
من اختبار الخُنثىٰ بما يُختَبَر به الذَّكر والأنثىٰ. قال السَّيِّد الفقيه المجاهد قدس سره:
«هل يُختَبَر الخنثىٰ بما يُختَبر به الذَّكرُ والأنثىٰ؟، لم أجد أحدًا نبَّه علىٰ هذا؛ والأقرب أنَّه يجوز اختبارُه بكلَّما يفيد رشده»(1).
وإذن ثبوت حكم الذُّكوريَّة أو الأُنوثيَّة له لايحصل باختباره بأقلٍّ ممَّا يحكم العرف بلحوقه بأحدٍ من الجِنسَين.
ومنها:
ما يُذكَر في باب عقد النِّكاح
من أنَّ سكوت البَكر البالغة دليلٌ علىٰ رضاها بالزِّواج؛ فلوعرَض أبوها أو وليُّها عليها التَّزويج فسكتتْ كان ذلك رضىً منها، كما عن القوم بأجمعهم، منهم ابنُأبي عقيلٍ قدس سره(2)، وابنُإدريس قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره(5)، وغيرهم.
أمَّا حدُّ السُّكوت الَّذي يُثبَت به رضاها فموكَّلٌ علىٰ العرف، والحكم فيه يُؤخَذ من الأعراف المختلفة الجارية في البلاد.
وكذلك الأمر في غير السُّكوت من علائم رضاها. قال ابنُالبرَّاج قدس سره:
«فإن كانت بكرًا وضحكتْ أو سكتتْ أو بكتْ كان ذلك رضىً منها بالتَّزويج»(6).
فالعلائم تختلف بحسب الأعراف الشَّتيتة.
ومنها:
ما يُذكَر في نفس الباب أيضًا
من أنَّه لوخطَب أحدٌ فتاةً فأجابتْ ورضيَتْ به يحرم علىٰ غيره خطبتُها؛ أمَّا لو لم تصرِّح بالإجابة:
«مثل أن تقول: ما أنت إلَّارضىً، أو ما فيك عيبٌ، لم يحرم علىٰ غيره خطبتُها»(1).
ومثله ما عن الفاضل المقداد قدس سره(2). ومن البيِّن أنَّ هذه الألفاظ الَّتي لاتُعدُّ صريحةً في الإجابة تتغيَّر بحسب الأعراف المختلفة، وحكمُها يؤخَذُ منها.
ومنها:
ما يُذكَر في أبواب العبيد والإماء
من العيوب الَّتي يُفسَخ البيع بها لوأراد المشتري الفسخَ. فذكر ابنُحمزة قدس سره أنَّ «العيب في المماليك عشرةٌ»(3)، ثمَّ ذكر في عِدادها كونه «سارقًا أو آبقًا»(4)، وذكرمثله الشَّيخُ قدس سره فقال:
«إذا وُجِد العبد مخنَّثًا أو سارقًا أو آبقًا كان له الخيارُ إجماعًا»(5)
ومثله ما عن ابن البرَّاج قدس سره(6)، وغيره. وهيهنا مسألتان ترجعان إلى العرف:
الأولىٰ: إطلاق «الآبق» علىٰ العبد أمرٌ عرفيٌّ، فلوأبَق ولكن يقدر عليه مولاه لايُطلَق
عليه أنَّه آبقٌ - كما حكاه الفاضل الآبي قدس سره عن سيِّدنا المرتضىٰ قدس سره(1)-؛ فإذن يجوز بيعه منضمًّا إليه شيئًا آخر.
الثَّاني: إطلاق الآبق الَّذي هو من العيوب علىٰ العبد أيضًا أمرٌ عرفيٌّ، فهل يكون آبقًا بمرَّةٍ واحدةٍ؟، أو مرَّتين؟، أو يحتاج الإباقُ إلى عدَّة دفعاتٍ؟، فحينئذٍ يختار المشتري بين فسخ البيع أو إمضائه إذا علم أنَّ العبد فرَّ من مولاه قبل البيع مرَّةً أو مرَّاتٍ؟.
هذا - أيضًا - أمرٌ عرفيٌّ لايمكن تحديده لجميع الأزمان، بل يمكن أن يتغيَّر هذا العنوان بتغيير الأزمنة والأمكنة. ولذلك ورد في مرفوعةٍ عن أبي عبداللَّه الصَّادق عليه السلام: «أنَّ العبد الهارب ما لم يخرج عن مصره لايُعدُّ آبقًا»؛ رواها الصَّدوق قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3)وغيرهما.
وأفتىٰ به الصَّدوق في غير الفقيه أيضًا(4)، وبه أفتىٰ ابنُسعيدٍ قدس سره(5)وغيره.
والَّذي ذكره الإمام أبوعبداللَّه الصَّادق عليه السلام معنىً عرفيٌّ تابعٌ لعُرف زمانه عليه السلام وأهله، وجميعُ القائلين به أيضًا وجدوه مطابقًا لأعراف أمصارهم وأزمنتهم. فلايرد عليه قول أوَّل المجلسيَّين 0 من:
«أنَّ المشهور الرُّجوع في ذلك إلى العرف»(6)
كما أنَّ ولده الفاضل العيليم قدس سره علَّق الحكم علىٰ العرف أيضًا(7). فلاخلاف إذن، بل الخلاف نشأ من تغيير الأعراف فقط.
كما أنَّ إطلاق الآبق عليه أيضًا تابعٌ للعرف. ولذلك قال العلَّامة قدس سره:
«والمرَّة الواحدة تكفي في أبديَّة العيب»(1).
وذهب ثاني الشَّهيدَين 0 إلى أنَّ:
«أقلَّ ما يتحقَّق بمرَّتين»(2).
وبما قلنا ظهر ما في كلام المدقِّق الأصفهانيِّ قدس سره حيث لم يتفطَّن إلى كون الموضوع عرفيًّا لاسبيل لمباحث الألفاظ إليه، ولذلك قال:
«ومقتضىٰ تحقُّق النِّسبة ولوبفعله مرَّةً واحدةً تحقُّق الإباق بلاحاجةٍ إلى التَّكرار»(3)
إذ تحقُّق الإباق لغويًّا بمرَّةٍ واحدةٍ لايدلُّ علىٰ ثبوته وتحقُّقه عرفًا، حتَّى يُطلَق علىٰ العبد أنه آبقٌ؛ إلَّاأن يُقال باتِّحاد مقتضىٰ العرف واللُّغة هيهنا. كما أنَّ المحقِّق الأصفهانيَّ قدس سره نفسه قال في المدَّة الَّتي يتحقَّق بها الإباقُ:
«إنَّ الظَّاهر عرفًا أنَّ الفرار في يومٍ أو يومين لايُعدُّ إباقًا، بخلاف ما إذا فرَّ من مولاه شهرًا أو أكثر»(4).
وانظر إلى ما ذكره الفقيهُ النَّجفيُّ قدس سره أيضًا في المقام(5).
والعامَّة القائلون بثبوت اللَّقب له بمرَّةٍ واحدةٍ اختاروا هذا القول نظرًا إلى العرف ومقتضاه، كالقاضي حسين - وأشرنا إلى ترجمةٍ موجزةٍ له فيما سبق من الرِّسالة - وغيرِه، نصَّ عليه الأسيوطيُّ قدس سره(6)، والحصنيُّ قدس سره(7)، وصاحب المجموع قدس سره(8).
وكذلك الكلام في غيره من العيوب، كالزِّنا، والسِّرقة، والبول في الفراش وغيرها. قال العلَّامة قدس سره في مسألة «البول في الفراش عيبٌ في العبد والأمَة إذا كانا كبيرَين» مبيِّنًا الضَّابطة في الكِبَر والصِّغَر:
«إذا عرفتَ هذا فالضَّابط في الكبير والصَّغير العادةُ، ولاقدر له، خلافًا لبعض الشَّافعيَّة حيث قدَّره بسبع سنين»(1).
هذا تمام الكلام في الإشارة إلى جملةٍ من مسائل الفقه القديمة المبنية علىٰ العرف وعادات النَّاس.
الفصل الثَّاني
أمَّا مسائل الفقه المعاصرة الَّتي تنحلُّ مشكلتها بالعرف، فهي كثيرةٌ؛ وذلك لأنَّه «يجوز تغيُّر الأحكام بتغيُّر العادات، كما في النُّقود المتداوَلَة والأوزان المتداوَلَة ونفقات الزَّوجات والأقارب والاِختلاف بعد الدُّخول في قبض الصَّدقات...»، هذا نصُّ أوَّل الشَّهيدَين 0(2)
كما أنَّه يمكن أن تحدث مسائل جديدة لا حاكم فيها إلَّاالعرف، ونشير هيهنا إلى جملةٍ منها.
فمنها:
رِقابة السُّكَّان
لاخلاف بين المُتَقدِّمين والمُتَأخِّرين من الأصحاب في أنَّ العَزْل له حكمٌ خاصٌّ. ثمَّ اختلفوا في هذا الحكم،
فمنهم من ذهب إلى التَّحريم؛
ومنهم من ذهب إلى الكراهة؛
في النِّكاح الدَّائم، أو المُنقطع؛
وفي الحُرَّة، أو المملوكة.
والتَّفصيل: إنَّ لعدم انعقاد النُّطفة في رحم المرأة طُرُقًا، منها العزلُ المبحوث عنه عند المُتَقدِّمين ومنها الطُّرُق الحديثة الَّتي راجَتْ في هذا العصر؛ والكلُّ مشتركٌ في ما يحصل منه، وهو المنع من انعقاد النُّطفة وصيرورتها إنسانًا - أي: الإنجاب -. فنُرَكِّز الكلام هيهنا علىٰ الطَّريق الأوَّل لاشتراك الثَّاني معه في الحكم. فنقول:
قال الفاضل المقداد قدس سره:
«العزلُ هو أنَّه لمَّا يقرب الرَّجل إلى الاِنزال يخرج ذكَرَه ولايدعه ينزل المنيَّ منه في فرج المرأة»(1).
ثمَّ إنَّ هيهنا أقوالًا في جواز العَزل وعدمه؛ وهي:
الأوَّل: اختار الشَّيخ قدس سره في المبسوط حرمةَ العزل في نكاح الحرَّة إذا لم تأذن له(2).
واختاره أوَّل الشَّهيدَين 0(3)، وابنُ أبي جمهورٍ الأحسائيُّ قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره(5).
الثَّاني: وذهب ابنُالبرَّاج قدس سره إلى الجواز(6)، كالمحقِّق الأدبيليِّ قدس سره(7).
الثَّالث: وعن الشَّيخ قدس سره في الخلاف حرمته إذا لم يشترط عليها في العقد(1)، كما حكاه العلَّامة قدس سره(2)عنه. وذهب ابن أُخته السَّيِّد العميديُّ قدس سره إلى أنَّ الشَّيخ اختار الكراهة في الحرَّة من دون إذنها(3)، ونسب القولَ بالحرمة إلى المفيد قدس سره(4).
أقول: الظَّاهر من الشَّيخ هو الحرمة، لا الكراهة؛ حيث إنَّه لافرق بين عبارته وعبارة شيخه المفيد قدس سره. قال المفيد:
«وليس لأحدٍ أن يعزل الماءَ عن زوجته الحرَّة إلَّاأن تَرضىٰ منه بذلك. وله أن يعزل عن الأَمَة بغير رضاها»(5).
ثمَّ إنَّ روايات الباب أيضًا لاتدلُّ علىٰ الحرمة. ففي صحيحة محمَّد بن مسلمٍ:
«سألتُ أباعبداللَّه عليه السلام عن العزل؟، فقال: ذاك إلى الرَّجل يَصرِفه حيث شاء»؛
رواه الكلينيُّ قدس سره(6)، والشَّيخُ قدس سره(7)، والصَّدوق قدس سره(8)، والشَّيخ الحرُّ(9).
وفي مصحَّحة عبدالرَّحمن عنه عليه السلام بعد نفس السُّؤال أنَّه قال: «ذاك إلى الرَّجل»؛ رواه الكُلينيُّ قدس سره(10)، والشَّيخ قدس سره(11)، والحرُّ قدس سره(12).
1) . راجع: كتاب الخلاف، ج 4 ص 359 المسألة 143.
2) . راجع: قواعد الأحكام، ج 3 ص 50.
3) . راجع: كنز الفوائد، ج 2 ص 407.
4) . راجع: نفس المصدر.
5) . راجع: المقنعة، ص 516.
6) . راجع: الكافي، ج 5 ص 504 الحديث 3.
7) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 7 ص 417 الحديث 1669.
8) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 432 الحديث 4494.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 20 ص 149 الحديث 25272.
10) . راجع: الكافي، ج 5 ص 504 الحديث 1.
11) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 416 الحديث 1667.
12) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 20 ص 149 الحديث 25273.
وفي حديثٍ آخر عن الكلينيِّ قدس سره(1)، والشَّيخِ قدس سره(2)، والحرِّ قدس سره(3):
«كان عليُّ بن الحسين 7 لايرىٰ بالعزل باسًا...».
ومثلها غيرُها.
فليس في روايات الباب ما يدلُّ علىٰ الحرمة تصريحًا، بل أقصىٰ ما يظهر منها هو الكراهة؛ فما هو الدَّليل علىٰ الحُرمة؟.
أقول: إنَّ الفقيه العامليَّ صاحب المدارك قدس سره استدلَّ للمانعين بوجوهٍ، منها:
«إنَّ حكمة النِّكاح الاستيلاد وهو لايحصل مع العزل، فيكون العزلُ منافيًا لغرض الشَّارع»(4)
ثمَّ أجاب عنه ب:
«منع اِنحصار الغرض فيما ذكره»(5)
فمن المُشاهَد البيِّن أنَّ العاملي قدس سره ذهب إلى الجواز، لأنَّ الغرض من النِّكاح ليس عنده منحصرًا في الاستيلاد، بل من الأغراض الاستلذاذُ، وراحةُ النَّفس، وغيرهما؛ فيجوز إذن العزلُ.
والدَّليل ذكره الفقيه الطَّباطبائيُّ قدس سره في جواز العزل في المتعة، قال:
«لأنَّ الغرض الأصلي هنا الاِستمتاع دون النَّسل، بخلاف الدَّوام»(6)
وعن بعض الأعلام قدس سره: إنَّ الحَبَل «هو أعظمُ مقاصد النِّكاح»(1).
والظَّاهر من هذا القول إنَّهم ذهبوا إلى أنَّ حكمة النِّكاح هو تكثير النَّسل والأولاد، فيحرم علىٰ المرأ العزلُ ويحرم علىٰ المرأة الرضىٰ به.
ولعلَّهم ناظرون في هذا إلى جملةٍ من رواياتٍ عامَّةٍ تحرص علىٰ تكثير النَّسل بين المسلمين(2)، كالمرويِّ عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله - بألفاظٍ متقاربةٍ، وبزيادةٍ في بعض النُّقول وبدونها في بعضها الآخر - أنَّه قال - واللَّفظ للشَّعيريِّ -:
«تناكحوا تناسلوا تَكْثُرُا فإنِّي أُباهي بكم الأُمَمَ يوم القيامة ولو بالسِّقط»(3)
ورواه الرَّوانديُّ قدس سره(4)، وابنُ أبي جمهورٍ قدس سره(5)، والنُّوريُّ قدس سره(6)، والبروجرديُّ قدس سره(7)، وغيرهم؛
وكالمرويِّ عنه صلى الله عليه و آله أنَّه قال:
«تزوَّجوا فإنِّي مُكاثِرٌ بكم الأُمَم يومَ القيامة»؛
رواه القاضي نعمان قدس سره(8)، والصَّدوق قدس سره في فقيهه(9)، ومعانيه(10)، وابنُ
1) . راجع: رسائل آل طوق القطيفي، ج 3 ص 273.
2) . راجع: فقه وزمان، ص 63.
3) . راجع: جامع الأخبار، ص 101.
4) . راجع: الخرائج والجرائح، ج 2 ص 920.
5) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 1 ص 259 الحديث 34.
6) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 14 ص 153 الحديث 16346.
7) . راجع: جامع أحاديث الشِّيعة، ج 25 ص 80 الحديث 36417.
8) . راجع: دعائم الإسلام، ج 2 ص 191 الحديث 689.
9) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 383 الحديث 4344.
10) . راجع: معاني الأخبار، ص 291 الحديث 1.
أبي جمهورٍ قدس سره(1)، والحرُّ قدس سره(2)، وغيرهم.
وفي هذه الأحاديث نرىٰ:
أوَّلًا: إنَّ الأمر لايظهر منه الوجوب، بل أقصىٰ ما يُستفاد منها هو الاستحباب؛
والثَّاني: الحكمة فيها هو تكثير نسل المُسلمين لتقوية الإسلام وأهله قِبَل الكفَّار؛
فالحكم يأتي فيما تُوجَد فيه هذه الحكمة. هذا.
ثمَّ لنا أن نتساءل:
أوَّلًا: هل القوَّة والقدرة في عصرنا الحاضر تحصلان بكثرة العدد؟، أو بالتَّقدُّم في العلم والصَّنعة وأمثالهما؟؛ ومن البديهيِّ أنَّ علم الاقتصاد والتِّكنولوجيا وقوَّة الصَّنعة وأمثالها هو السَّبب الرَّئيسي في قوَّة المسلمين وقدرتهم في هذا العصر.
وثانيًا: إنَّ العُرف في زماننا هذا لايقبل أن يكون الغرضُ من النِّكاح هو الاِستيلاد، بل الأمن الرُّوحي وراحة النَّفس وعدم الخروج عن طريق الشَّرع والدُّخول في المُحرمات - كالزِّنا - يُعدُّ من أغراضه المُقدَّمة علىٰ الاِستيلاد. قال - سبحانه و تعالىٰ! -: «وَ مِنْ آيٰاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»(3).
أضِف إلى ذلك حاجة الأطفال إلى مُتَطَلِّبات العصر، كالتَّحصيل في المدارس والمجامع العلميَّة، والاشتغال، والمسكن، والزِّواج وغيرها ممَّا لم يكن يُوجَد في العصور المتقدمة علينا.
ولذلك فإنَّ العرف لايقبل من الفقيه أن يفتي بحرمة العَزل قطعًا، بل يحلِّه محلَّ عجائب الأقوال!.
وهل يمكن لأحدٍ أن يردع عن العرف ويذهب إلى وجوب تكثير النَّسل بلانظرٍ إلى حاجاته؟!.
فالظَّاهر بل المقطوع به أنَّ العرف حجَّةٌ في المقام، فعلىٰ الفقيه أن يذهب إلى جواز العزل نظرًا إلى ما يحكم به العرفُ.
ثمَّ الكلامُ بتمامه يجري في وسائل المنع عن الاِنجاب الَّتي حدثَتْ في هذه العصور، فلاحرمة في الاِستفادة منها؛ بل لايبعد القول بوجوب اتِّخاذها في موارد خاصَّة، كالمرء والمرأة اللَّذَين أنجَبا أولادًا كثيرةً وليس لهما ما يَسدَّا به حاجاتهم، وهذا أيضًا نظرًا إلى حكم العرف في المقام.
هذا تمام الكلام في هذه المسألة - والحمدُ للَّه ربِّ العالَمين! -.
ومنها:
مسألة الاِحتكار
حيث إنَّ المُستفاد من أدلَّة الباب وكلمات الفقهاء لايلائم طبعَ العرف العصريِّ، ومن البَيِّن المختار وجوب تقديم العرف علىٰ الأدلَّة اللَّفظيَّة - علىٰ تفصيلٍ يأتي ذكرُه -.
فهيهنا ثلاث مسائل يجب أن نُدقِّق النَّظر فيها لنرىٰ الوجه في المختار.
المسألة الأولىٰ:
روىٰ الكلينيُّ قدس سره في الصَّحيح عن أبي عبداللَّه الصَّادق عليه السلام أنَّه قال:
«ليس الحُكْرَةُ إلَّافي الحِنطة والشَّعير والتَّمر والزَّبيب والسَّمْن»(1)
وقريبٌ منه ما رواه الصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره في تهذيبه(3)، واستبصارِه(4)، والحرُّ
العامليُّ قدس سره(1).
وروىٰ عبداللَّه بن جعفرٍ الحِمْيَريُّ بسنده عن أبي جعفرٍ الباقر عليه السلام:
«إنَّ عليًّا عليه السلام كان ينهي عن الحُكْرَة في الأمصار، فقال: ليس الحُكْرَة إلَّافي الحِنطة والشَّعير والتَّمر والزَّبيب والسَّمْن»(2)
ورواه الحرُّ قدس سره أيضًا عنه(3).
وروىٰ الصَّدوق قدس سره في الخصال بسنده عن جعفر بن محمَّدٍ عليه السلام:
«عن آبائه عن النَّبيِّ صلى الله عليه و آله قال: الحُكْرَةُ في ستَّة أشياء: في الحنطة والشَّعير والتَّمر والزِّيت والسَّمْن والزَّبيب»(4)
ورواه الحرُّ قدس سره أيضًا(5).
هذا؛ وقريبٌ منها غيرُها.
المسألة الثَّانيَة:
اختلفت كلمات الفقهاء في تعيين ما يجري فيه الاحتكارُ بعد اتِّفاقهم علىٰ أن لا احتكار إلَّافي الطَّعام. فالمُتَّفق عليه بينهم هو الحنطة والشَّعير والتَّمر والزَّبيب، كما ادَّعىٰ الفاضل الأدبيليُّ قدس سره عدمَ الخلاف فيه(6).
والأربعة نصَّ عليها الحلبيُّ قدس سره(7)
1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 17 ص 425 الحديث 22903.
2) . راجع: قُرب الإسناد، ص 63.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 17 ص 426 الحديث 22906.
4) . راجع: الخصال، ص 329 الحديث 23.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 17 ص 426 الحديث 22909.
6) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 26.
7) . راجع: الكافي في الفقه، ص 360.
ثمَّ زاد عليها الشَّيخُ قدس سره(1)، وابنُادريس قدس سره(2)، والمحقِّق قدس سره(3)، وابنُفهدٍ قدس سره(4): السَّمنَ؛
ثمَّ زاد الصَّدوقُ قدس سره علىٰ الخمسة الزَّبيبَ(5)
ثمَّ زاد الشَّهيد قدس سره في دروسه(6)ولُمَعته(7)علىٰ السِّتة: المِلحَ، فصار سبعةً عنده؛
ثمَّ إنَّ ابنَحمزة قدس سره(8)والشَّيخ قدس سره في مبسوطه(9)وغيرهما أيضًا جعلوا المِلحَ بدلًا عن الزَّبيب، فالمُحرَّم احتكارُه عندهم ستَّةٌ.
هذا ما حكاه الفاضل النَّراقيُّ قدس سره عن القوم(10).
ثمَّ هل الحصرُ في هذه الموارد حقيقيٌّ فلااحتكار في غيرها؟؛ أم لاحصر في روايات الباب، بل ليس ذكرُ هذه الموارد إلَّاللاِرشارة إلى ما يحتاج إليه النَّاس، فيحرم فيه الاحتكار ويجب علىٰ الحاكم منعُ المحتكر عنه؟.
ذهب الشَّيخ قدس سره في نهايته إلى الأوَّل؛ قال بعد ذكر الأربعة مع السَّمْن:
«ولايكون الاِحتكار في شيءٍ سوىٰ هذه الأجناس... وأمَّا ما عدا الأجناس الَّتي ذكرناها فلااحتكار فيها، ولأصحابها أن يبيعوها بما شاؤوا من الأسعار وفي أيِّ
1) . راجع: النِّهاية، ص 374.
2) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 238.
3) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 21.
4) . راجع: المهذَّب البارع، ج 2 ص 370.
5) . راجع: المقنِع، ص 125.
6) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 180.
7) . راجع: الرَّوضة البَهيَّة، ج 3 ص 299.
8) . راجع: الوسيلة، ص 260.
9) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 195.
10) . راجع: مستند الشِّيعة، ج 14 ص 49.
وقتٍ شاؤوا. وليس للسُّلطان أن يحملهم علىٰ شيءٍ منها»(1).
فللمحتكر إذن أن يبيع ما احتكره بأيِّ سعرٍ أراد، كما أنه لاحُكرَة في غير الطَّعام، ولا في غير هذه الموارد من المطعومات.
لكن نرىٰ بوضوحٍ أنَّ المفيد قدس سره قال:
«للسُّلطان أن يسعر الغَلَّة علىٰ مايراه من المَصلحة ما لم يخسر أربابُها»(2)
واختاره سلَّارٌ قدس سره أيضًا(3)، وحكاه عنهما المحقِّق قدس سره في نكته(4)وقال ابنُسعيدٍ قدس سره أيضًا:
«وإذا لم يكن سواه وحَبِسَه للتِّجارة يُجبَر علىٰ البيع دون السِّعر إلَّاإذا أفرط»(5).
وعدم جواز التَّسعير من قِبَل السُّلطان هو المشهور بين أصحابنا عند العلَّامة قدس سره(6)، واختاره في المختلف أيضًا(7)
كما أنَّ الوقوف عند المنصوص به وعدم التَّجاوز عنه مع حاجة النَّاس إلى غيره مختارُ الفقيه الطَّباطبائيِّ قدس سره، وهذا غريبٌ منه جدًّا!؛ قال بعد أن ذكر قولَ بعضهم بجريان الاحتكار في المِلح أيضًا:
«... لأنَّ احتياج النَّاس إليه أشدُّ، مع توقُّف أغلب المآكلِ عليه. وفيه مناقشةٌ...
فإنَّ الأشياء المحتاج إليها النَّاس فيها غير منحصرةٍ»(8)
فليس منع النَّاس عمَّا يحتاجون إليه هو المدار في صدق عنوان الحُكرَة، بل يجب الأخذ بالنَّصِّ؛ فلا احتكار في غير السَّبعة.
والمحقِّق النَّراقيُّ قدس سره أيضًا بعد أن روىٰ ما رويناه آنفًا عن الفقيه قال:
«وبها تُقَيَّد إطلاقات الاِحتكار، أو الاحتكار في الطَّعام»(1).
هذا.
المسألة الثَّالثة:
ولنا أن نتساءَل: ما هو الفرق بين هذه الموارد من المطعومات وبين غيرها من الطَّعام إذا اشتدَّ حاجةُ النَّاس إليه؟، وما هو الفرقُ بين الطَّعام وغيره ممَّا هم محتاجون إليه؟.
فلوكان الاحتكار «بابُ مضرَّة العامَّة» - علىٰ ما عبَّر عنه به أميرالمؤمنين عليه السلام، كما في النِّهج(2)، ورواه الحرَّانيُّ قدس سره(3)، والقاضي نعمان قدس سره(4)، والمجلسيُّ قدس سره(5)وغيرهم - فما هو الفرق في الضَّرر بين الطَّعام وغير الطَّعام؟، أو هذه الأشياء السَّبعة وغيرها؟؛
بل المدار في الحُكرَة علىٰ الضَّرر في الأمصار والبلاد المختلفة. فكلُّ شيءٍ يوجب احتكارُه ضررًا علىٰ النَّاس في مصرٍ فاحتكاره حرامٌ في هذا المصر؛ وهذا ما يؤيِّده العرفُ.
حكىٰ الفقيه النَّجفيُّ قدس سره عن بعضهم - ولم يُسمَّه - أنَّه بعد أن ذكر اختلاف الأدلَّة في بيان موارد الاحتكار قال:
«... علىٰ المَثَل في جميع ما يحتاجه النَّاس... فلااحتكار في الزِّيت إلَّافي الشَّامات، ولا في المِلح إلَّافي مواضع يعتاد استعماله فيها، وهكذا. ولوفهمنا
إرادة الحاجة لِما كان معتادًا في طعام نوع الإنسان لم يكن احتكارٌ في الشَّعير في أكثر بلدان إيران... وفي الأخبار ما يُنادي بأنَّ المدار علىٰ الاحتياج، وهو مؤيِّدٌ للتَّنزيل علىٰ المِثال...»(1)
وهذا هو القول الصَّحيح في المقام، حيث إنَّ الموارد المذكورة في أدلَّة الباب اللَّفظيَّة ليست إلَّاأمثلةً لِما كان النَّاس يحتاجون إليه في عصر التَّشريع؛
فلاحصر فيها أصلًا.
كما أنَّه لاحصر في الطَّعام أيضًا، بل المدار علىٰ حاجة النَّاس واستغلال الفُجَّار ومدالستهم عن حاجتهم هذه(2)
راجع: مستدرك الوسائل، ج 13 ص 276 ذيل الحديث 15342.
. ولذلك قال سيِّدُنا أميرالمؤمنين عليه السلام بعد مانقلناه عنه آنفًا:«ولْيَكُنِ البيع بيعًا سَمْحًا بموازين عدلٍ وأسعارٍ لاتجحف بالفريقين من البائع والمبتاع»(3).
ثمَّ إنَّ هيهنا أمثلةً كثيرةً لما نحن بصدده الآنَ، لكن نطوي الكلام كشحًا حذرًا عن التَّطويل.
ونأتي - في ختام الكلام - بعباراتٍ لطائفةٍ من أعلام الأُمَّة يوضِح مرادنا من جميع ما ذكرناه في ألفاظٍ قصيرةٍ:
قال المحقِّق الشَّيخ مغنيَة قدس سره في كتابه علم أصول الفقه في ثوبه الجديد:
«وعلىٰ هذا جرىٰ العرفُ العامُّ الَّذي يُعبِّر عنه علماؤنا ببناء العقلاء من كلِّ دينٍ ومذهبٍ، والشَّارع المقدَّس سيِّد أهل العرف والعقل، يخاطب النَّاس في أحكامه
ومرامه على المألوف والمعروف فيما بينهم... وعلىٰ هذا الأساس يرتكز القضاء والعديد من الأحكام الشَّرعيَّة، وتُرسَمُ الحقوق والواجبات، وبه وعليه تدور عجلة الخطابات والفهم والإفهام، و لولاه ما انتظم شيءٌ من الحياة الإجتماعيَّة.
وبهذا يتبيَّن معنى أنَّه لاحاجة إلى القول بأنَّ الشَّارع قرَّر هذا العرف أو هذا البناء ولم يردع عنه، مادام الرَّدع غير ممكنٍ، والتَّقرير تحصيلٌ للحاصل. إنَّ الشَّارع يُقرِّر ويُقلِّم ويطعِّم من المعروف عرفًا، ما في ذلك ريبٌ!، ولكن حيث تدعو الحاجة إلى التَّقرير و التَّقليم و التَّطعيم»(1).
وعن السَّيِّد المُدقِّق الشَّهيد الإمام الصَّدر قدس سره:
«وأمَّا السِّيرة العقلائيَّة فيكفي فيها أنْ نثبت أنَّ الطِّباع العقلائيَّة لوخُلِّيت ونفسها ولم تردع لكان مقتضاها عملٌ ما، وإن كان بالفعل لم يجرِ أصحاب الأئمَّة والعقلاء في زمانهم علىٰ ذلك... وإِنْ شئت قلتَ: انَّه يكفي في الاستدلال بالسِّيرة العُقلائيَّة أنْ نثبت أنَّ الطِّباع العُقلائيَّة لوخُلِّيت ونفسها ومِن دون ردعٍ كانت تقتضي جري العقلاء عليها، ولانحتاج... إلى أكثر من ذلك. وإثبات أنَّ العقلاء في زمن الأئمَّة بالفعل كانوا يعملون طبقًا لتلك الطَّبيعة كما نحتاجه في السِّيرة المتشرِّعيَّة، لأنَّ نفس ثبوت القضيَّة الطَّبعيَّة العقلائيَّة مع عدم وصول ردعٍ عنها كافٍ في الكشف عن إمضاء الشَّارع لمقتضاها»(2).
وقال سيِّد مشايخنا الكرام الإمام الخمينيُّ قدس سره بعد أن ذكر سيره الشِّيعه المستحدثة بينهم من رجوع الجاهل إلى العالم والتَّقليد عنه في الأحكام مشيرًا إلى حجِّيَّة هذه السِّيرة:
«فلولا ارتضاؤهم - أي: ارتضاء أئمَّة أهل البيت عليهم السلام بذلك كان عليهم الرَّدع،
إذ لافرق بين السِّيرة المتَّصلة إلى زمانهم وغيرها ممَّا علموا وأخبروا وقوع النَّاس فيه»(1).
وحُكِي أنَّه:
«ما من مذهبٍ إلَّاوهو بحاجةٍ إلى العرف».
هذا تمام الكلام في ما أردنا ان نذكره ممَّا يتعلَّق بمبحث العُرف من ماهيَّته وأنواعه وأثره في الفقه.
1) . راجع: الرَّسائل، ج 2 ص 130.
لقد طال بنا الكلامُ هيهنا عن القواعد الفقهيَّة ومنابعها، ومنها العُرف؛ وذلك تبيينًا لمنهج الشَّيخ الأستاذ - حفظه اللَّه تعالىٰ! - في منابع حجِّيَّتها، حتَّى صارت هذه التَّقدمة كتابًا برأسه!.
وقد بحثنا في الباب الأوَّل من هذا الكتاب عن:
أهمِّيَّة البحث عن القواعد الفقهيَّة وفائدته أوَّلًا؛
ثمَّ عن القواعد الفقهيَّة وماهيَّتُها ثانيًا؛
ثمَّ عن تأريخ استخدام القواعد في علم الفقه ثالثًا؛
ثمَّ عن تأريخ البحث عنها رابعًا؛
ثمَّ عن أركان القاعدة الفقهيَّة وشروطها خامسًا؛
ثمَّ عن أقسام القواعد الفقهيَّة سادسًا؛
ثمَّ عن حجِّيَّة القواعد الفقهيَّة ومنابع حجِّيَّتها سابعًا؛
ثمَّ عن حجِّيَّة القواعد المبحوث عنها في فقه العامَّة وعدم حجِّيَّتها عندنا ثامنًا؛
ثمَّ عن الفرق بين القاعدة الفقهيَّة وبين المسألة الأصوليَّة تاسعًا؛
ثمَّ عن الفرق بين القاعدة وبين المسألة الفقهيَّتين عاشرًا؛
ثمَّ عن...؛
ثمَّ أجلنا النَّظر في الباب الثَّاني عن منهجيَّة الشَّيخ الأستاذ الفقيه - حفظه اللَّه ورعاه! - في منابع حجِّيَّة القواعد الفقهيَّة وأثرها في الفقه المعاصر؛ فتكلَّمنا:
عن ماهيَّة العُرفُ أوَّلًا؛
ثمَّ عن شروط حجِّيَّة العُرف ثانيًا؛
ثمَّ عن أقسام العرف والسِّيرة والعادة ثالثًا؛
ثمَّ عن أسباب ثبوت العُرف والعادة رابعًا؛
ثمَّ عن وجه حجِّيَّة السِّيرة والعُرف خامسًا؛
ثمَّ عن القواعد الفقهيَّة ونسبتها مع العرف سادسًا؛
ثمَّ عن منهجيَّة الشَّيخ الأستاذ الفقيه - متَّعنا اللَّه بطول حياته! - في منابع حجِّيَّة القواعد الفقهيَّة وأثر العرف في الفقه المعاصر سابعًا؛
ثمَّ ذكرنا جملةً من الأمثلة في هذا المضمار أخيرًا.
ورأينا أنَّه - دام عزُّه وظلُّه - يُركِّز في هذه المنابع - وهي الَّتي يأخذ بها أعلام القوم بين المُتَقدِّمين والمُتَأخِّرين منهم، من الكتاب والسُّنَّة والإجماع ودليل العقل المُعبَّر عنه هيهنا بالعرف - علىٰ هذ الأخير، حيث قسمنا القواعد إلى:
ما يبحث عن التَّوقيفيَّات - كمباحث العبادات، ماهيَّتها وحدودها وكيفيَّتها -؛
وما يبحث عن غير التَّوقيفيَّات - وهي الَّتي تبحث عن المعاملات بمعناها الأعمِّ -؛
ورأينا أنَّه - دام عزُّه - يذهب في هذا القسم الثَّاني - وهو العمدة من القواعد - إلى أنَّه مأخوذٌ من العرف، بل لادليل علىٰ أكثر القواعد غير التَّوقيفيَّة إلَّاالعرف، وجميع ما ورد فيها من الأدلَّة إرشادٌ إلى حكمه فيها؛ فبحثنا عمَّا يرجع إلى العرف - كظاهرة العقل الإجتماعيَّة - لنوضح منهجه الشَّريف في حجِّيَّة القواعد الفقهيَّة. والمُتَحصَّل من الجميع أنَّه - حفظه المولىٰ الجليل! - يرىٰ العرفَ هو العمود والرُّكن الأساس في حجِّيَّة القواعد الفقهيَّة؛
وبذلك يحقُّ لنا أن نسمِّى منهجَه فيما نحن بصدده الآنَ ب: «مكتب أصالة العُرف في
حجيَّة القواعد الفقهيَّة».
وأخيرًا أشرنا إلى ثمرات هذا المكتب في فعَّاليَّة الفقه المعاصر ونشاطه، وتجهيزه وتزويده بما يقوِّيه ليجيب عن أسؤلة الحياة العصريَّة ومقتضياتها ومُتَطَلَّباتها - وللَّه الحمد والمنَّة، جلَّ وعزَّ! -.
بدأ شيخنا الأستاذ بتدريس الفقه والأصول علىٰ مستوىٰ درس الخارج بعد أن هاجر إلى أصفهان، كما كان يُدرِّس فيهما قبل مهاجرته إليها في حوزة قم العلميَّة المَحميَّة؛ فدرَّس أوَّلًا - إضافةً إلى بحوثه في خارج الفقه - ثلاث دورات أصوليَّة كاملة، ثمَّ بحث عن القواعد الفقهيَّة دورةً كاملةً وطرح فيها ستِّين قاعدةً تُمثِّل أهمَّ القواعد الفقهيَّة.
ومن الجدير بالذِّكر أنَّه - دام عُلاه! - بعد أن فرغ من هذه الدَّورة بحث عن بعض القواعد مرَّةً أُخرىٰ ولم يُكمِل هذه الدَّورة لأسبابٍ صحِّيَّةٍ، وتلك الدَّورة الكاملة استغرقَتْ ثلاث سنواتٍ تقريبًا؛ وما أودعناه في هذه المجلَّدات هو حصيلة ما ألقاه في الدَّورة الأولىٰ من بحثه الشَّريف.
وهذه الدَّورة بدأ بها في أصفهان يوم السَّبت 8 لشعبان المعظَّم سنة 1427 ه. ق.
المطابق ل 1385/6/11 ه. ش.؛ وختمها في 10 لذي القعدة الحرام سنة 1430 ه. ق. المطابق ل 1387/8/19، في 307 جلسات دراسيَّة؛
فكتبتُ ما قدَّره اللَّه - سبحانه و تعالىٰ! - لي أن أكتبَه وأُحقِّقه، وهذا ما استخلصتُه من هذه المباحث أُقدِّمه للقارىء الكريم عسىٰ أن يجعل اللَّه - تعالىٰ! - فيه نفعًا وبركةً.
والآنَ وقد فرغتُ من تقرير الأصل وتحرير التَّقدمة لم يبقَ عليَّ شيءٌ إلَّاثناءُ اللَّه - سبحانه وتعالىٰ! - وتسبيحه، حيث وفَّقَني لما كنتُ أرومه من تقرير هذه الأبحاث؛ فالحمدُ له ثمَّ الحمدُ له ثمَّ الحمدُ له!.
أدام اللَّه عزَّ شيخنا الأستاذ وعافاه من جميع العاهات.
أقلُّ تلاميذ الشَّيخ الأستاذ
العبد مجيد هادي زاده
حوزة أصفهان العِلميَّة
1395/5/27
14 لذي القعدة الحرام 1437
الباب الأوَّل
في بيان بعضِ ما حقُّه التَّقديم
في معرفة القواعد الفقهيَّة
المبحث الأوَّل: ما هي أهمِّيَّة البحث عن القواعد الفقهيَّة وفائدته؟ 17
الفائدة الأولىٰ: 17
الفائدة الثَّانيَة: 18
الفائدة الثَّالثة: 18
الفائدة الرَّابعة: 18
الفائدة الخامسة: 19
الفائدة السَّادسة: 19
الفائدة السَّابعة: 19
الفائدة الثَّامنة: 20
المبحث الثَّاني: ما هي القواعد الفقهيَّة؟ وما هي ماهيَّتُها؟ 20
المبحث الثَّالث: ما هو تأريخ استخدام القواعد في علم الفقه؟ 32
الإشارة الأولىٰ 32
الإشارة الثَّانيَة 34
الإشارة الثَّالثة 35
المبحث الرَّابع: أركان القاعدة الفقهيَّة وشروطها 38
أوَّلًا: الموضوع 39
ثانيًا: المحمول 39
أوَّلًا: شروط الموضوع 39
التَّجريد 39
العموم والاِستيعاب 39
ثانيًا: شروط المحمول 40
مشروعيَّته 40
كونه من المجزوم به 40
المبحث الخامس: سُور القضيَّة في القواعد الفقهيَّة 40
المبحث السَّادس: في أقسام القواعد الفقهيَّة 41
الأوَّل: تقسيمُها بحسب كثرة اِستخدامها في الفقه 42
الثَّاني: تقسيمها بحسب موضوعها 43
الثَّالث: تقسيمها بحسب ما يدلُّ عليه من الحكم الواقعيِّ، أو الظَّاهريِّ. 44
الرَّابع: تقسيمها بسحب ترتيبها الهجائيِّ. 45
الخامس: تقسيمها بحسب ماهيَّتها. 45
السَّادس: تقسيمها بحسب كشفها عن الموضوعات الخارجيَّة 46
السَّابع: تقسيمها بحسب تقاسيم القانونيِّين في هذا العصر. 46
الثَّامن: تقسيم القواعد بحسب دليلها. 47
التَّاسع: تقسيمُها بحسب علم القواعد المقارن. 47
المبحث السَّابع: في أقسام الموضوع في القواعد الفقهيَّة 49
المبحث الثَّامن: حجيَّة القواعد الفقهيَّة ومنابع حجِّيَّتها 50
أوَّلًا: المنابع المتَّفَق عليها بين جميع فِرَق المسلمين 51
الكتاب الكريم 51
السُّنَّة النَّبويَّة 51
الإجماع 52
ثانيًا: المنابع الخاصَّة بالشِّيعة الإماميَّة 52
سنَّة المعصومين: 52
حكم العقل 52
السِّيرة العُقلائيَّة 52
سيرة المُتشرِّعة 53
ثالثًا: المنابع الخاصَّة بالعامَّة 53
النُّكتة الأولىٰ: 54
النُّكتة الثَّانيَة: 54
المبحث التَّاسع: 55
حجِّيَّة قواعد العامَّة الفقهيَّة وعدم حجِّيَّتها عندنا 55
الشَّرط الأوَّل: 55
الشَّرط الثَّاني: 55
الشَّرط الثَّالث: 55
المبحث العاشر: في الفرق بين القاعدة الفقهيَّة وبين المسألة الأصوليَّة 56
المبحث الحادي عشر: في الفرق بين القاعدة وبين المسألة الفقهيَّتَين 77
الفرق الأوَّل: 78
الفرق الثَّاني: 79
الفرق الثَّالث: 80
الفرق الرَّابع: 81
المبحث الثاني عشر: في الفرق بين القاعدة وبين النَّظريَّة الفقهيَّتين 81
أوَّلًا 84
وثانيًا 84
المبحث الثَّالث عشر: في الفرق بين الضَّابطة وبين القاعدة الفقهيَّتَين 84
أوَّلًا 86
وثانيًا 86
المبحث الرَّابع عشر: قواعد المقاصد والقواعد الفقهيَّة والفرق بينهما 87
المبحث الخامس عشر: عدمُ التَّوقيف في القواعد الفقهيَّة 89
المبحث السَّادس عشر: قواعد لم يبحثْ عنها الفقهاء 89
المبحث السَّابع عشر: قواعد لم يُوفَ حقُّها من الشَّرح والبَسْط 91
المبحث الثَّامن عشر: نظرةٌ عابرةٌ علىٰ بعض ما كُتِب في هذا العلم 95
تقرير القواعد وتحرير الفوائد 95
الأشباه والنَّظائر 96
الفرائد البَهيَّة 97
شرح المَجَلَّة 97
القواعد الفقهيَّة للفقه الإسلاميِّ 98
موسوعة القواعد الفقهيَّة 98
القواعد والفوائد 99
نَضْدُ القواعد الفقهيَّة 100
الأقطاب الفقهيَّة علىٰ مذهب الإماميَّة 100
عوائد الأيَّام من مهمَّات أدلَّة الأحكام 101
العناوين الفقهيَّة 102
تحرير المجلَّة 103
القواعد الفقهيَّة 104
القواعد الفقهيَّة 105
القواعد الفقهيَّة 105
قواعد فقه اصطلاحات وتاريخ فقه وقضا در اسلام 106
قواعد فقهيَّة 106
دروسٌ تمهيديَّةٌ في القواعد الفقهيَّة 106
تحقيقٌ في القواعد الفقهيَّة 106
القواعد الفقهيَّة في فقه الإماميَّة 107
مباني الفقه الفعَّال في القواعد الفقهيَّة الأساسيَّة 107
القواعد مائة قاعدة فقهيَّة معنًا ومدركًا وموردًا 107
موسوعة القواعد الفقهيَّة 107
الباب الثَّاني
منهجيَّة الشَّيخ الأستاذ الفقيه
في منابع حجِّيَّة القواعد الفقهيَّة
وأثرها في الفقه المعاصر
المسألة الأولىٰ: ما هو العُرفُ؟ 114
المسألة الثَّانية: شروط حجِّيَّة العُرف 124
المسألة الثَّالثة: أقسام العرف والسِّيرة والعادة 127
التَّقسيم الأوَّل: 127
التَّقسيم بحسب تصادُمها ما هو الثَّابت في الشَّرع وعدم تصادمها إيَّاه 127
التَّقسيم الثَّاني: التَّقسيم بحسب تأثير السِّيرة في تنقيح الموضوع 129
القسم الأوَّل 129
القسم الثَّاني 129
القسم الثَّالث 130
التَّقسيم الثَّالث: التَّقسيم بحسب أهل هذه السِّيرة 136
القسم الأوَّل 136
والقسم الثَّاني 136
التَّقسيم الرَّابع: تقسيمٌ آخر بحسب أهل السِّيرة 136
الأوَّل 137
والثَّاني 137
التَّقسيم الخامس: التَّقسيم بحسب أهل السِّيرة والعُرف أيضًا 138
التَّقسيم السَّادس: التَّقسيم بحسب علاقة العُرف مع النَّصِّ الشَّرعي 139
القسم الأوَّل 139
والقسم الثَّاني 139
المسألة الرَّابعة: أسباب ثبوت العُرف والعادة 140
المسألة الخامسة: ما هو الوجه في حجِّيَّة السِّيرة والعُرف؟ 143
المذهب الأوَّل 144
المذهب الثَّاني 145
المذهب الثَّالث 146
المذهب الرَّابع 146
الموقف الأوَّل 148
الموقف الثَّاني 148
الأمر الأوَّل 148
الطَّريق الأوَّل 149
الطَّريق الثَّاني 149
الطَّريق الثَّالث 151
الطريق الرَّابع 152
الطَّريق الخامس 153
الأمر الثَّاني 154
المسألة السَّادسة: ما هي مدىٰ استعمال العُرف وحجِّيَّته في الفقه؟ 163
المسألة السَّابعة: القواعد الفقهيَّة ونسبتها مع العرف 171
الأوَّل: القواعد التَّوفيقيَّة الَّتي لادخل للعُرف فيها 179
الثَّاني: القواعد الَّتي لاتكون توقيفيَّةً 179
المطلب الأوَّل 179
المطلب الثَّاني 180
المطلب الثَّالث 180
المسألة الثَّامنة: منهجيَّة الشَّيخ الأستاذ الفقيه في منابع حجِّيَّتها 255
النُّكتة الأولىٰ 255
النُّكتة الثَّانيَة 255
المسألة التَّاسعة: أثر العرف في الفقه المعاصر 267
ختام الكلام 297
فهرس المنابع والمصادر 309
أوَّلًا: فهرس الكتب 309
ثانيًا: فهرس المقالات 348
[1]. آراؤنا في أصول الفقه
القمِّي السَّيِّد تقي الطَّباطبائي؛ 3 ج؛ كتابفروشى محلَّاتى؛ 1371 ه. ش.؛ الطبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[2]. آيات الأحكام في تفسير كلام الملك العلَّام
الأسترآبادي محمَّد بن عليِّ بن إبراهيم، توفِّي 1028 ه. ق.؛ 1 ج؛ كتابفروشى معراجى؛ 1394 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران؛ صحَّحه: محمَّدباقر شريف زاده گلپايگانى.
[3]. أدب الإملاء والاستملاء
التَّميمي السَّمعاني أبوسعد عبدالكريم، توفِّي 562 ه. ق.؛ دار ومكتبة الهلال؛ 1409 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان. [4]. إرشاد الاذهان إلى أحكام الإيمان
الحلِّي العلَّامة الحسن بن يوسف بن المطهَّر الأسدي، توفِّي 726 ه. ق.؛ 2 ج؛ دفتر
انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1410 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه: فارس حسُّون.
[5]. إرشاد العقول إلى مباحث الأصول
التَّبريزي جعفر السُّبحاني؛ 4 ج؛ مؤسَّسۀ امام صادق؛ 1424 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره الحاج محمَّدحسين العاملي.
[6]. أساس البلاغة
الزَّمخشري محمود بن عمر، توفِّي 538 ه. ق.؛ 1 ج؛ دارصادر؛ بيروت؛ لبنان.
[7]. اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها
المشكيني الميرزا علي، توفِّي 1428 ه. ق.؛ 1 ج؛ نشر الهادي؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة السَّادسة؛ قم؛ ايران.
[8]. أصول الفقه
الحلِّي حسين، توفي 1397 ه. ق.؛ 12 ج؛ مكتبة الفقه والأصول المختصَّة؛ 1432 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[9]. أصول الفوائد الغرويَّة
الكمره اي محمَّدباقر، 1416 ه. ق.؛ 2 ج؛ مطبعة فردوسى؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران. [10]. أنوار الأصول
مكارم الشِّيرازي ناصر؛ 3 ج؛ مدرسة الإمام عليِّ بن أبي طالب عليه السلام؛ 1428 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ قم؛ ايران؛ قرَّره احمد القُدسي.
[11]. الاِستبصار فيما اختلف من الأخبار
الطُّوسى أبوجعفر محمَّد بن الحسن، توفِّي 460 ه. ق.؛ 4 ج؛ دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1390 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[12]. الأشباه والنَّظائر
الأسيوطي جلال الدِّين عبدالرَّحمن، توفِّي 911 ه. ق.؛ بيت الأفكار الدُّوليَّة؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ عمَّان؛ الأردن.
[13]. الأصول
النَّائيني محمَّدحسين، توفِّي 1355، العراقي ضياءالدِّين، توفِّي 1361 ه. ق.؛ 3 ج؛ مؤسَّسة آية اللَّه العظمىٰ البروجردي لنشر معالم أهل البيت عليهم السلام؛ 1380 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[14]. الإفصاح
موسىٰ حسين يوسف؛ 2 ج؛ أوفست مكتب الإعلام الإسلامي؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[15]. الأقطاب الفقهيَّة علىٰ مذهب الإماميَّة
الأحسايي ابن أبي جمهورٍ محمَّد بن عليٍّ، توفِّي بعد 901 ه. ق.؛ 1 ج؛ انتشارات كتابخانۀ آية اللَّه مرعشى نجفى؛ 1410 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محمَّد حسُّون.
[16]. الأمالي
الطُّوسي أبوجعفرٍ محمَّد بن الحسن، توفِّي 460 ه. ق.؛ 1 ج؛ دارالثِّقافة؛ 1414 ه. ق. الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[17]. الأنساب
التَّميمي السَّمعاني أبوسعد عبدالكريم، توفِّي 562 ه. ق.؛ 13 ج؛ دائرة المعارف العثمانيَّة؛ 1382 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ حيدرآباد؛ الهند.
[18]. الأنوار البهيَّة في القواعد الفقهيَّة
القمِّي السَّيِّد تقي الطَّباطبايي؛ 1 ج؛ انتشارات محلَّاتى؛ 1423 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[19]. الأنوار اللَّوامع في شرح مفاتيح الشَّرائع
البحراني آل عصفور الحسين بن محمَّدٍ، توفِّي 1216 ه. ق.؛ 6 ج؛ مجمع البحوث العلميَّة؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محسن آل عصفور.
[20]. البداية والنِّهاية
ابن كثير أبوالفداء إسماعيل بن عمر، توفِّي 774 ه. ق.؛ 8 ج؛ دارالفكر؛ 1407 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[21]. البرهان في تفسير القرآن
البحراني السَّيِّد هاشم التُّوبلي، توفِّي القرن 11 ه. ق.؛ 10 ج؛ قسم الدِّراسات الإسلاميَّة في مؤسَّسة البعثة؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[22]. البيان
العاملي الشَّهيد الأوَّل محمَّد بن مكِّيٍّ، استشهد 786 ه. ق.؛ 1 ج؛ 1412 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محمَّد حسون.
[23]. البيان المفيد في شرح الحلقة الثَّالثة
المنصوري أياد؛ 4 ج؛ حسَنَين عليهم السلام؛ 1427 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[24]. التِّبيان في تفسير القرآن
الطُّوسي ابوجعفر محمَّد بن الحسن، توفِّي 460 ه. ق.؛ 10 ج؛ دارإحياء التُّراث العربي؛ بيروت؛ لبنان.
[25]. التَّنقيح الرَّائع لمختصر الشَّرائع
الحلِّي مقداد بن عبد اللَّه السِّيوري، توفِّي 826 ه. ق.؛ 4 ج؛ انتشارات كتابخانۀ آية اللَّه مرعشى نجفى؛ 1404 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد عبداللَّطيف الحسيني الكوه كمري.
[26]. الجامع لأحكام القرآن
القُرطبي ابوعبداللَّه محمَّد بن احمد الأنصاري، توفِّي القرن 7 ه. ق.؛ 10 ج؛ اوفست انتشارات ناصر خسرو؛ 1364 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[27]. الجامع للشَّرائع
الحلِّي يحيىٰ بن سعيدٍ، توفِّي 689 أو 690 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسة سيِّدالشُّهداء العلميَّة؛ 1405 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[28]. الحدائق النَّاضرة في أحكام العترة الطَّاهرة
البحراني آل عصفور يوسف بن احمد بن إبراهيم، توفِّي 1186 ه. ق.؛ 25 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1405 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محمَّدتقي الإيرواني، السَّيِّد عبد الرزَّاق المقرِّم.
[29]. الحلقة الثَّالثة في أسلوبها الثَّاني
الإيرواني باقر؛ 4 ج؛ به قلم؛ 2007 م.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[30]. الحلقة الثَّالثة أسؤلة وأجوبة
مطر علي حسن؛ 2 ج؛ المؤلِّف؛ 1418 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[31]. الخرائج والجرائح
الرَّاوندي قطب الدِّين سعيد بن عبد اللَّه، توفِّي 573 ه. ق.؛ 3 ج؛ مؤسَّسة الإمام مهدي عليه السلام؛ 1409 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[32]. الدُّروس الشَّرعيَّة في فقه الإماميَّة
العاملي الشَّهيد الأوَّل محمَّد بن مكِّي، استشهد 786 ه. ق.؛ 3 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران.
[33]. الدَّلائل في شرح منتخب المسائل
القمِّي السَّيِّد تقي الطَّباطبايي؛ 5 ج؛ كتابفروشى محلَّاتى؛ 1423 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[34]. الذُّخر في أصول الفقه
الموسوي النَّجفي الأردبيلي السَّيِّد احمد، توفِّي 1407 ه. ق.؛ 2 ج؛ المؤلِّف؛ 1407
ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[35]. الرَّسائل التِّسع
الحلِّي المحقِّق نجم الدِّين جعفر بن الحسن، توفِّي 676 ه. ق.؛ 1 ج؛ انتشارات كتابخانۀ آية اللَّه مرعشى نجفى؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه رضا الأستادي.
[36]. الرَّسائل
الخميني السَّيِّد روح اللَّه الموسوي، توفِّي 1409 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسۀ مطبوعاتى اسماعيليان؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[37]. الرَّسائل الفشاركيَّة
الفشاركي السَّيِّد محمَّد بن القاسم الطَّباطبائي، توفِّي 1316 ه. ق.؛ 1 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[38]. الرَّوضة البهيَّة في شرح اللُّمعة الدِّمشقيَّة/ مع حواشي السَّيِّد الكلانتر
العاملي الشَّهيد الثَّاني زين الدِّين بن علي، استشهد 966 ه. ق.؛ 10 ج؛ كتابفروشى داورى؛ 1410 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[39]. الرَّوضة البهيَّة في شرح اللُّمعة الدِّمشقيَّة/ مع حواشي سلطان العلماء
العاملي الشَّهيد الثَّاني زين الدِّين بن علي، استشهد 966 ه. ق.؛ 2 ج؛ انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1412 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[40]. السَّرائر الحاوي لتحرير الفتاوي
الحلِّي ابن إدريس محمَّد بن منصور بن احمد، توفِّي 598 ه. ق.؛ 3 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1410 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران.
[41]. الطِّراز الأُوَل
المدني السَّيِّد علىٰ خان بن احمد، توفِّي 1120 ه. ق.؛ 13 ج؛ مؤسَّسه آل البيت عليهم السلام؛ 1384 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[42]. العروة الوثقىٰ فيما تعمُّ به البلوىٰ
اليزدي السَّيِّد محمَّدكاظم الطَّباطبائي، توفِّي 1337 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسة الأعلمي للمطبوعات؛ 1409 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ بيروت؛ لبنان.
[43]. العناوين الفقهيَّة
المراغي السَّيِّد مير عبدالفتَّاح بن عليٍّ الحسيني، توفِّي 1250 ه. ق.؛ 2 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[44]. الغاية القصوىٰ في التَّعليق على العروة الوثقىٰ
القمِّي السَّيِّد تقي الطَّباطبائى؛ 2 ج؛ انتشارات محلَّاتى؛ 1424 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[45]. الفائق في غريب الحديث
الزَّمخشري أبوالقاسم محمود بن عمر، توفِّي 583 ه. ق.؛ 4 ج؛ دارالكتب العلميَّة؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه إبراهيم شمس الدِّين.
[46]. الفتاوىٰ الواضحة وفقاً لمذهب أهل البيت عليهم السلام
الصَّدر الشَّهيد السَّيِّد محمَّدباقر، استشهد 1400 ه. ق.؛ 1 ج؛ دارالتَّعارف للمطبوعات؛ 1403 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّامنة؛ بيروت؛ لبنان.
[47]. الفروق في اللُّغة
العسكري الحسين بن عبداللَّه، توفِّي 395 ه. ق.؛ 1 ج؛ دارالآفاق الجديدة؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[48]. الفصول الغرويَّة في الأصول الفقهيَّة
الأصفهاني محمَّد حسين بن عبدالرَّحيم الحائري، توفِّي 1254 ه. ق.؛ 1 ج؛ دارإحياء
العلوم الإسلاميَّة؛ 1404 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[49]. الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت عليهم السلام
الجزيري عبد الرَّحمن، الغروي السَّيِّد محمَّد،؛ ياسر مازح؛ 5 ج؛ دار الثِّقلين؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[50]. الفقه على المذاهب الخمسة
مغنيه محمَّد جواد، توفِّي 1400 ه. ق.؛ 2 ج؛ دارالتيَّار الجديد، دار الجواد؛ 1421 ه. ق.؛ الطَّبعة العاشرة؛ بيروت؛ لبنان.
[51]. الفهرست
الطُّوسي ابوجعفر محمَّد بن الحسن، توفِّي 460 ه. ق.؛ 1 ج؛ المكتبة الرَّضوية؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ النَّجف الأشرف؛ العراق؛ صحَّحه السَّيِّد محمَّدصادق آل بحرالعلوم.
[52]. القاموس الفقهي لغةً واصطلاحًا
سعدي ابوجيب؛ 1 ج؛ دار الفكر؛ 1408 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ دمشق؛ سوريَّا.
[53]. القاموس المحيط
الفيروزآبادي محمَّد بن يعقوب، توفِّي 817 ه. ق.؛ 4 ج؛ دارالكتب العلميَّة؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[54]. القواعد السِّتة عشر
النَّجفي كاشف الغطاء جعفر بن خضر المالكي، توفِّي 1228 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسة كاشف الغطاء؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[55]. القواعد الفقهيَّة
البروجردي السَّيِّد حسن بن آقابزرگ الموسوي، توفِّي 1395 ه. ق.؛ 7 ج؛ نشر الهادي؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه مهدي المهريزي، محمد حسن الدِّرايتي.
[56]. القواعد الفقهيَّة
الشِّيرازي ناصر مكارم؛ 2 ج؛ مدرسة امام اميرالمؤمنين؛ 1411 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ قم؛ ايران.
[57]. القواعد الفقهيَّة
اللَّنكراني محمَّد الفاضل الموحِّدي، توفِّي 1428 ه. ق.؛ 1 ج؛ چاپخانۀ مهر؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[58]. القواعد/ مائة قاعدة فقهيَّة
المصطفوي السَّيِّد محمَّد كاظم، توفِّي ه. ق.؛ 1 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1421 ه. ق.؛ الطَّبعة الرَّابعة؛ قم؛ ايران.
[59]. القواعد والفوائد
العاملي الشَّهيد الأوَّل محمَّد بن مكِّي، استشهد 786 ه. ق.؛ 2 ج؛ كتابفروشى مفيد؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد عبدالهادي الحكيم.
[60]. القول الرَّشيد في الإجتهاد و التَّقليد
العلوي السَّيِّد عادل؛ 2 ج؛ انتشارات كتابخانۀ آية اللَّه مرعشى نجفى؛ 1421 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[61]. الكافي
الكليني أبوجعفرٍ محمَّد بن يعقوب، توفِّي 329 ه. ق.؛ 8 ج؛ دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1407 ه. ق.؛ الطَّبعة الرَّابعة؛ تهران؛ ايران؛ صحَّحه علي اكبر الغفَّاري.
[62]. الكافي في الفقه
الحلبي ابوالصَّلاح تقي الدِّين بن نجم الدِّين، توفِّي 447 ه. ق.؛ 1 ج؛ كتابخانۀ عمومى امام اميرالمؤمنين؛ 1403 ه. ق. الطَّبعة الأولىٰ؛ أصفهان؛ ايران؛ صحَّحه: رضا الأستادي.
[63]. الكُنىٰ والألقاب
القمِّي عبَّاس بن محمَّدرضا؛ 3 ج؛ مكتبة الصَّدر؛ 1409 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ تهران؛ ايران.
[64]. اللُّمعة الدِّمشقيَّة في فقه الإماميَّة
العاملي الشَّهيد الأوَّل محمَّد بن مكِّي، استشهد 786 ه. ق.؛ 1 ج؛ دار التُّراث، الدَّار الإسلاميَّة؛ 1410 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه محمَّدتقي مرواريد، علي اصغر مرواريد.
[65]. المال المثلي و المال القيمي في الفقه الإسلامي
النَّجفي كاشف الغطاء عبَّاس بن عليٍّ؛ 1 ج؛ مؤسَّسه كاشف الغطاء؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[66]. المبسوط في فقه الإماميَّة
الطُّوسي ابوجعفر محمَّد بن الحسن، توفِّي 460 ه. ق.؛ 8 ج؛ المكتبة المرتضويَّة لإحياء الآثار الجعفريَّة؛ 1387 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ تهران؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد محمَّدتقي الكشفي.
[67]. المحاسن
البرقي أبوجعفرٍ احمد بن محمَّد بن خالد، توفِّي 274 أو 280 ه. ق.؛ 2 ج؛ دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1371 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[68]. المحكم والمحيط الأعظم
ابن سيٖدة عليُّ بن إسماعيل، توفِّي 458 ه. ق.؛ 11 ج؛ دارالكتب العلميَّة؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه الهنداوي عبدالحميد.
[69]. المحيط في اللُّغة
صاحب بن عبَّاد كافى الكفاة إسماعيل بن عبَّاد، توفِّي 385 ه. ق.؛ 10 ج؛ عالم الكتاب؛ 1414 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه محمَّدحسن آل ياسين.
[70]. المختصرالنافع في فقه الإماميَّة
الحلِّي المحقِّق نجم الدِّين جعفر بن الحسن، توفِّي 676 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسة المطبوعات الدِّينيَّة؛ 1418 ه. ق.؛ الطَّبعة السَّادسة؛ قم؛ ايران.
[71]. المخصَّص
ابن سيٖدة عليُّ بن إسماعيل، توفِّي 458 ه. ق.؛ 17 ج؛ دارالكتب العلميَّة؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[72]. المراسم العلويَّة و الأحكام النَّبويَّة
الدَّيلمي السلَّار حمزة بن عبدالعزيز، توفِّي 448 أو 463 ه. ق.
[73]. المستند في شرح العروة الوثقىٰ
الخويي السَّيِّد ابوالقاسم الموسوي، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 4 ج؛ قرَّره مرتضى البروجردي.
[74]. المصباح المنير في غريب الشَّرح الكبير
الفيُّومي احمد بن محمَّد المقري، توفِّي 770 ه. ق.؛ 1 ج؛ منشورات دارالرَّضي؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[75]. المعالم الزُّلفىٰ في شرح العروة الوثقىٰ
العراقي عبدالنَّبي النَّجفي، توفِّي 1385 ه. ق.؛ 1 ج؛ المطبعة العلمية؛ 1380 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[76]. المعالم المأثورة
الآملي الميرزا هاشم، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 6 ج؛ مؤلِّف الكتاب؛ 1406 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره محمَّدعلي اسماعيل پور القمشه اي.
[77]. المعتبر في شرح المختصر
الحلِّي المحقِّق نجم الدِّين جعفر بن الحسن، توفِّي 676 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسة سيِّدالشُّهداء؛ 1407 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محمَّدعلي الحيدري، السَّيِّد مهدى شمس الدِّين، السَّيِّد ابومحمَّد المرتضوي، السَّيِّد علي الموسوي.
[78]. المعتمد في شرح المناسك
الخويي السَّيِّد ابوالقاسم الموسوي، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 3 ج؛ منشورات مدرسة دار
العلم؛ 1410 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره السَّيِّد رضا الموسوي الخلخالي.
[79]. المعجم الأصولي
صنقور محمَّد؛ 2 ج؛ منشورات الطَّيَّار؛ 1428 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[80]. المغرب في ترتيب المعرب
المُطَرِّزي ناصر بن عبدالسَّيِّد الخوارزمي الحنفي، توفِّي 610 ه. ق.؛ 2 ج؛ مكتبة أسامة بن زيد؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ الحلب؛ سوريَّا.
[81]. المُفيد في شرح أصول الفقه
الشهركاني إسماعيل؛ 2 ج؛ ذوي القُربىٰ؛ 1430 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[82]. المقنع
القمِّي الصَّدوق محمَّد بن عليِّ بن بابويه، توفِّي 381 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسۀ إمام هادي؛ 1415 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[83]. المقنعة
البغدادي المفيد محمَّد بن محمَّد بن نعمان العُكبري، توفِّي 413 ه. ق.؛ 1 ج؛ كنگرۀ جهانى هزارۀ شيخ مفيد؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[84]. المكاسب المحرَّمة
الأراكي محمَّدعلي، توفِّي 1415 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسۀ در راه حق؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[85]. المكاسب المحرَّمة
الخميني السَّيِّد روح اللَّه الموسوي، توفِّي 1409 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسۀ تنظيم و نشر آثار امام خمينى؛ 1415 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[86]. المكاسب والبيع
النَّائيني الميرزا محمَّدحسين الغروي، توفِّي 1355 ه. ق.؛ 2 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛
ايران؛ قرَّره الآملي الميرزا محمَّدتقي.
[87]. المهذَّب البارع في شرح المختصر النافع
الحلِّي جمال الدِّين احمد بن محمَّد الأسدي، توفِّي 841 ه. ق.؛ 5 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1407 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه مجتبىٰ العراقي.
[88]. المهذَّب
الطِّرابلسي ابن برَّاج، القاضي عبدالعزيز، توفِّي 481 ه. ق.؛ 2 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1406 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[89]. الميزان في تفسير القرآن
التَّبريزي السَّيِّد محمَّدحسين الطَّباطبائي، 1402 ه. ق.؛ 20 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الخامسة؛ قم؛ ايران.
[90]. النُّخبة في الحكمة العمليَّة والأحكام الشَّرعيَّة
الكاشاني الفيض محمَّد محسن ابن شاه مرتضىٰ، توفِّي 1091 ه. ق.؛ 1 ج؛ مركز چاپ و نشر سازمان تبليغات اسلامى؛ 1418 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ تهران؛ ايران؛ صحَّحه مهدي انصاري القمِّي.
[91]. النَّفليَّة
العاملي الشَّهيد الأوَّل محمَّد بن مكِّي، توفِّي 786 ه. ق.؛ 1 ج؛ انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1408 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[92]. النِّهاية في غريب الحديث والأثر
الجزري ابن الأثير مبارك بن محمَّد، توفِّي 606 ه. ق.؛ 5 ج؛ مؤسَّسۀ مطبوعاتي اسماعيليان؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[93]. النِّهاية في مجرَّد الفقه و الفتاوىٰ
الطُّوسي ابوجعفر محمَّد بن الحسن، توفِّي 460 ه. ق.؛ 1 ج؛ دار الكتاب العربي؛ 1400 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ بيروت؛ لبنان.
[94]. الوافي
الكاشاني الفيض محمَّد محسن ابن شاه مرتضىٰ، توفِّي 1091 ه. ق.؛ 26 ج؛ كتابخانۀ امام اميرالمؤمنين علي؛ 1406 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ اصفهان؛ ايران؛ صحَّحه ضياءالدِّين الحسيني الأصفهاني.
[95]. الوافي بالوفيات
الصَّفدي خليل بن ايبك، توفِّي 764 ه. ق.؛ 26 ج؛ دارصادر؛ 1420 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[96]. الوسيط في أصول الفقه
السُّبحاني التَّبريزي جعفر؛ 2 ج؛ مؤسَّسه إمام صادق عليه السلام؛ 1388 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[97]. الوسيلة إلى نيل الفضيلة
الطُّوسي محمَّد بن عليِّ بن حمزة، توفِّي بعد 566 ه. ق.؛ 1 ج؛ انتشارات كتابخانۀ آية اللَّه مرعشى نجفي؛ 1408 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محمَّد حسُّون.
[98]. الهداية في الأصول
الخوئي السَّيِّد ابوالقاسم الموسوي، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 4 ج؛ مؤسَّسة صاحب الأمر؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره حسن الصَّافي الأصفهاني.
[99]. الهداية في الأصول والفروع/ هداية المتعلِّمين
القمِّي محمَّد بن عليِّ بن بابويه الصَّدوق، توفِّي 381 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسۀ امام هادي؛ 1418 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[100]. أجوبة مسائل ورسائل في مختلف فنون المعرفة
الحلِّي ابن إدريس محمَّد بن منصور بن احمد، توفِّي 598 ه. ق.؛ 1 ج؛ دليل ما؛ 1429 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه: السَّيِّد محمَّدمهدى بن السَّيِّد حسن موسوى خرسان.
[101]. أجود التَّقريرات
النَّائيني الميرزا محمَّدحسين، توفي 1355 ه. ق.؛ 2 ج؛ مطبعة عرفان؛ 1352 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره الخوئي السَّيِّد ابوالقاسم الموسوي.
[102]. أحكام القرآن
ابن العربي؛ محمَّد بن عبداللَّه بن أبي بكرٍ، توفِّي القرن 6 ه. ق.؛ 4 ج؛ دارالكتب العلميَّة؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[103]. أحكام القرآن
الجصَّاص ابوبكر احمد بن عليٍّ الرَّازي، 4 ج؛ دارإحياء التُّراث العربي؛ 1405 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ حقَّقه محمَّد الصَّادق قمحاوي.
[104]. أحكام القرآن
الكياالهراسي عمادالدِّين بن محمَّد الطَّبري، توفِّي 504 ه. ق.؛ 2 ج؛ دارالكتب العلميَّة؛ 1405 ه. ق.؛ الطبعة الثَّاينة؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه موسىٰ محمَّد علي، عزَّت عبدعطيَّة.
[105]. أوثق الوسائل في شرح الرَّسائل
التَّبريزي موسىٰ بن جعفر، توفِّي 1307 ه. ق.؛ 1 ج؛ انتشارات كتبي نجفي؛ 1369 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[106]. إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد
الحلِّي فخرالمحقِّقين محمَّد بن الحسن بن يوسف، توفِّي 771 ه. ق.؛ 4 ج؛ مؤسَّسه اسماعيليان؛ 1387 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد حسين الموسوي الكرماني، علي پناه الإشتهاردي، عبدالرَّحيم البروجردي.
[107]. باب مدينة العلم
النَّجفي آل كاشف الغطاء عليُّ بن محمَّد، توفِّي 1411 ه. ق.؛ مؤسَّسه كاشف الغطاء؛ 1411 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[108]. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمَّة الأطهار
الأصفهاني المجلسي الثَّاني محمَّد باقر بن محمَّدتقي، توفِّي 1110 ه. ق.؛ 33 ج؛ مؤسَّسة الطَّبع و النَّشر؛ 1410 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[109]. بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام
الميانجي محمَّدباقر الملكي، توفِّي 1419 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسة الوفاء؛ 1400 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[110]. بيان الأصول
الصَّافي لطف اللَّه الگلپايگاني؛ 3 ج؛ دائرة التَّوجيه والإرشاد الدِّيني في مكتب المؤلِّف ؛ 1428 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[111]. بيان الأصول
الشِّيرازي السَّيِّد صادق الحسيني؛ 9 ج؛ دارالأنصار؛ 1427 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران.
[112]. تاج العروس من جواهر القاموس
الزَّبيدي الحنفي محب الدِّين السَّيِّد محمَّد مرتضىٰ الحسيني، توفِّي 1205 ه. ق.؛ 20 ج؛ دارالفكر للطِّباعة والنَّشر والتَّوزيع؛ 1414 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه علي شيري.
[113]. تاج اللُّغة و صحاح العربيَّة
الجوهري إسماعيل بن حمَّادٍ، توفِّي 393 ه. ق.؛ 6 ج؛ دار العلم للملايين؛ 1410 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه احمد عبدالغفور عطَّار.
[114]. تأريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
الذَّهبي شمس الدِّين محمَّد بن احمد، توفِّي 748 ه. ق.؛ 50 ج؛ دارالكتاب العربي؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[115]. تأريخ بغداد
الخطيب البغدادي أبوبكر احمد بن عليٍّ، توفِّي 463 ه. ق.؛ 14 ج؛ دارالكتب العلميَّة؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[116]. تأويل الدَّعائم
المغربي أبوحنيفه نعمان بن محمَّد التميمي، توفِّي 363 ه. ق.؛ 3 ج؛ دار المعارف؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ القاهرة؛ مصر؛ صحَّحه: محمَّدحسن الأعظمي.
[117]. تبصرة المتعلِّمين في أحكام الدِّين
الحلِّي العلَّامة الحسن بن يوسف بن المطهَّر الأسدي، توفِّي 726 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسسۀ چاپ و نشر وابسته به وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامى؛ 1411 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران؛ صحَّحه محمَّدهادي يوسفي الغروي.
[118]. تبيان الصَّلاة
البروجردي حسين الطَّباطبايي، توفِّي 1380 ه. ق.؛ 8 ج؛ گنج عرفان للطِّباعة و النَّشر؛ 1426 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره الگلپايگاني علي الصَّافي.
[119]. تحرير الأحكام الشَّرعية علىٰ مذهب الإماميَّة
الطَّبعة الحجريَّة. الحلِّي العلَّامة الحسن بن يوسف بن المطهَّر الأسدي، توفِّي 726 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسه آل البيت عليهم السلام؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ مشهد؛ ايران.
[120]. تحرير الأحكام الشَّرعية علىٰ مذهب الإماميَّة
الطَّبعة الحديثة. الحلِّي العلَّامة الحسن بن يوسف بن المطهَّر الأسدي، توفِّي 726
ه. ق.؛ 6 ج؛ مؤسَّسه امام صادق؛ 1420 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه إبراهيم بهادري.
[121]. تحرير الأصول
العراقي ضياءالدِّين، توفِّي 1361 ه. ق.؛ 1 ج؛ مطبعة مهر؛ 1363 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره المظاهري مرتضىٰ النَّجفي الأصفهاني.
[122]. تحرير المجلَّة
النَّجفي كاشف الغطاء محمد حسين بن عليِّ بن محمَّدرضا، توفِّي 1373 ه. ق.؛ 5 ج؛ المكتبة المرتضويَّة؛ 1359 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[123]. تحرير الوسيلة
الخميني السَّيِّد روح اللَّه الموسوي، توفِّي 1409 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسه مطبوعات دار العلم؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[124]. تذكرة الفقهاء
الحلِّي العلَّامه الحسن بن يوسف بن المطهَّر الأسدي، توفِّي 726 ه. ق.؛ 17 ج؛ مؤسَّسه آل البيت عليهم السلام؛ 1414 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[125]. تسهيل المسالك إلى المدارك في رؤوس القواعد الفقهيَّة
الكاشاني ملَّا حبيب اللَّه الشَّريف، توفِّي 1340 ه. ق.؛ 1 ج؛ المطبعة العلميَّة؛ 1404 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[126]. تفسير شاهي
الجرجاني السَّيِّد امير ابوالفتح الحسيني، توفِّي 976 ه. ق.؛ 2 ج؛ انتشارات نويد؛ 1404 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران؛ صحَّحه الميرزا ولي اللَّه اشراقى سرابي.
[127]. تفصيل وسائل الشِّيعة إلى تحصيل مسائل الشَّريعة
العاملي الحرُّ محمَّد بن الحسن، توفِّي 1104 ه. ق.؛ 30 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1409 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[128]. تكملة العروة الوثقىٰ
اليزدي السَّيِّد محمَّدكاظم الطباطبائي، توفِّي 1337 ه. ق.؛ 2 ج؛ كتابفروشى داورى؛ 1414 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد محمَّدحسين الطَّباطبائي.
[129]. تمهيد القواعد الأصوليَّة و العربيَّة لتفريع قواعد الأحكام الشَّرعيَّة
العاملي الشَّهيد الثَّاني زين الدِّين بن عليٍّ، استشهد 966 ه. ق.؛ 1 ج؛ انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[130]. تنقيح الأصول
الخميني السَّيِّد روح اللَّه الموسوي، توفِّي 1409 ه. ق.؛ 4 ج؛ مؤسَّسۀ تنظيم و نشر آثار امام خمينى؛ 1418 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران؛ قرَّره الإشتهاردي حسين التَّقوي.
[131]. تهذيب الأحكام
الطُّوسي ابوجعفر محمَّد بن الحسن، توفِّي 460 ه. ق.؛ 10 ج؛ دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1407 ه. ق.؛ الطَّبعة الرَّابعة؛ تهران؛ ايران.
[132]. تهذيب الأصول
الخميني السَّيِّد روح اللَّه الموسوي، توفِّي 1409 ه. ق.؛ 2 ج؛ كتابفروشى اسماعيليان؛ 1382 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره التَّبريزي جعفر السُّبحاني.
[133]. تهذيب الأصول
السَّبزواري السَّيِّد عبدالاعلىٰ، توفِّي 1414 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسة المنار؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[134]. تهذيب اللُّغة
الأزهري ابومنصور محمَّد بن احمد، توفِّي 370 ه. ق.؛ 15 ج؛ دار إحياء التُّراث العربي؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[135]. جامع البيان في تفسير القرآن
الطَّبري ابوجعفر محمَّد بن جريرٍ، توفِّي 210 ه. ق.؛ 25 ج؛ دار المعرفة؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ 1412 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[136]. جامع الخلاف و الوفاق بين الإماميَّة و بين أئمَّة الحجاز و العراق
السَّبزواري علي المؤمن القمِّي، توفِّي حدود 700 ه. ق.؛ 1 ج؛ زمينه سازان ظهور امام عصر؛ 1421 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه حسين الحسني البيرجندي.
[137]. جامع المدارك في شرح المختصر النَّافع
الخوانساري السَّيِّد احمد بن يوسف، توفِّي 1405 ه. ق.؛ 7 ج؛ مؤسَّسۀ اسماعيليان؛ 1405 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه علي اكبر الغفَّاري.
[138]. جامع المقاصد في شرح القواعد
العاملي الكركي المحقِّق الثَّاني علي بن حسين، توفِّي 940 ه. ق.؛ 13 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1414 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران.
[139]. جامع أحاديث الشِّيعة
البروجردي حسين الطَّباطبائي، توفِّي 1380 ه. ق.؛ 31 ج؛ انتشارات فرهنگ سبز؛ 1429 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[140]. جمهرة اللُّغة
ابن دريد ابوبكر محمَّد بن الحسن، توفِّي 321 ه. ق.؛ 3 ج؛ دارالعلم للملائين؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ حقَّقه رمزي منير البعبكِّي.
[141]. جواهر الفقه
الطِّرابلسي ابن البرَّاج القاضي عبدالعزيز الطُّوسي ابو جعفر محمَّد بن الحسن، توفِّي 481 ه. ق.؛ 1 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1411 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه إبراهيم البهادري.
[142]. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام
النَّجفي محمَّد حسن، توفِّي 1266 ه. ق.؛ 43 ج؛ دار إحياء التُّراث العربي؛ 1404
ه. ق.؛ الطَّبعة السَّابعة؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه عبَّاس القوچاني، علي الآخوندي.
[143]. حقائق الأصول
الحكيم السَّيِّد محسن الطَّباطبائي، توفِّي 1390 ه. ق.؛ 2 ج؛ كتابفروشى بصيرتى؛ 1408 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّامنة؛ قم؛ ايران.
[144]. دراساتٌ في علم الأصول
الخويي السَّيِّد ابوالقاسم الموسوي، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسۀ دائرة المعارف فقه اسلامى بر مذهب اهل بيت؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره السَّيِّد علي الهاشمي الشَّاهرودي.
[145]. دُرَر الفوائد في شرح الفرائد
التَّبريزي السَّيِّد يوسف المدني؛ 6 ج؛ مكتبة بصيرتي؛ 1403 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران.
[146]. دروس الأعلام و نقدها
الخميني الشَّهيد السَّيِّد مصطفىٰ الموسوي، استشهد 1398 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسۀ تنظيم و نشر آثار امام خميني؛ 1418 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[147]. دروسٌ تمهيديَّةٌ في الفقه الاستدلالي على المذهب الجعفري
الإيرواني باقر؛ 3 ج؛ 1427 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانيَة؛ قم؛ ايران.
[148]. دروسٌ تمهيديَّةٌ في القواعد الفقهيَّة
الإيرواني باقر؛ 2 ج؛ دارالفقه للطِّباعة و النَّشر؛ 1426 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ قم؛ ايران.
[149]. دروسٌ في الكفاية
المحمَّدي البامياني غلامعلي؛ 7 ج؛ دارالمصطفىٰ صلى الله عليه و آله لإحياء التُّراث؛ 1430 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[150]. دعائم الإسلام
المغربي ابوحنيفة نعمان بن محمَّد التَّميمي، توفِّي 363 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1385 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران.
[151]. ذكرىٰ الشِّيعة في أحكام الشَّريعة
العاملي الشَّهيد الأوَّل محمَّد بن مكِّي، استشهد 786 ه. ق.؛ 4 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[152]. رجال الشَّيخ الطُّوسي
الطُّوسي ابو جعفر محمَّد بن الحسن، توفِّي 460 ه. ق.؛ 1 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1427 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه جواد القيُّومي الأصفهاني.
[153]. رسائل آل طوق القطيفي
القطيفي آل طوق احمد بن صالحٍ، توفِّي بعد 1245 ه. ق.؛ 4 ج؛ دار المصطفىٰ لإحياء التُّراث؛ 1422 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[154]. رسائل الشَّريف المرتضىٰ
الشَّريف المرتضىٰ عليُّ بن الحسين الموسوي، توفِّي 436 ه. ق.؛ 4 ج؛ دارالقرآن الكريم؛ 1405 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد مهدي الرَّجائي.
[155]. رسائل فقهيَّة
الدِّزفولي مرتضىٰ بن محمَّد امين الأنصاري، توفِّي 1281 ه. ق.؛ 1 ج؛ كنگرۀ جهانى بزرگداشت شيخ اعظم انصارى؛ 1414 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[156]. رسالة في تاثير الزَّمان و المكان على استنباط الأحكام
التَّبريزي جعفر السُّبحاني؛ 1 ج؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[157]. رسالة في قاعدة ضمان اليد
النُّوري الشَّهيد فضل اللَّه بن عبَّاس، استشهد 1327 ه. ق.؛ 1 ج؛ دفترانتشارات
اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1414 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه قاسم شيرزاده.
[158]. روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان
الطبعة الحديثة. العاملي الشَّهيد الثَّاني زين الدِّين بن عليٍّ، استشهد 966 ه. ق.؛ 2 ج؛ انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1402 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[159]. روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان
الطبعة القديمة. العاملي الشَّهيد الثَّاني زين الدِّين بن عليٍّ، استشهد 966 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[160]. روضة المتَّقين في شرح من لايحضره الفقيه
الأصفهاني المجلسي الأوَّل محمَّدتقى، توفِّي 1070 ه. ق.؛ 14 ج؛ مؤسَّسۀ فرهنگى اسلامى كوشانپور؛ 1406 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد حسين الموسوي الكرماني، علي پناه الإشتهاردي، السَّيِّد فضل اللَّه الطَّباطبائي.
[161]. رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدَّلائل
الحائري السَّيِّد عليُّ بن محمَّدٍ الطَّباطبايي، توفِّي 1231 ه. ق.؛ 16 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1418 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[162]. ريحانة الأدب
مدرِّس تبريزى محمَّدعلى؛ 5 ج؛ انتشارات خيّام؛ 1374 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[163]. زبدة الأصول
الرَّوحاني السَّيِّد محمَّدصادق القمِّي؛ 6 ج؛ حديث دل؛ الطَّبعة الثَّانية؛ 1382 ه. ش.؛ تهران؛ ايران.
[164]. زبدة البيان في أحكام القرآن
الأردبيلي احمد بن محمَّدٍ، توفِّي 993 ه. ق.؛ 1 ج؛ المكتبة الجعفريَّة لإحياء الآثار
الجعفريَّة؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران؛ صحَّحه البهبودي محمَّدباقر.
[165]. سند العروة الوثقىٰ
البحراني محمَّد السنَّد؛ 11 ج؛ مكتبة الدَّاوري وغيرها؛ 1413 ه. ق. إلى 1429 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[166]. شذور العقود من تأريخ العهود
ابن الجوزي ابوالفرج عبدالرَّحمن بن عليٍّ، توفِّي 597 ه. ق.؛ مركز نجيبوية؛ 1428 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ أبوظبي؛ الأمارات المتَّحدة العربيَّة.
[167]. شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام
الحلِّي المحقِّق نجم الدِّين جعفر بن الحسن، توفِّي 676 ه. ق.؛ 4 ج؛ مؤسَّسة إسماعيليان؛ 1408 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانيَة؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه عبدالحسين محمَّدعلي بقَّال.
[168]. شرح الفرائد البهيَّة في نظم القواعد الفقهيَّة
الأهدل اليمني الشَّافعي أبوبكر بن أبي القاسم، توفِّي 1305 ه. ق.؛ مؤسَّسه الرسالة ناشرون؛ 1430 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[169]. شرح المجلَّة
اللُّبناني سليم رستم باز؛ أوفست دارإحياء التراث العربي؛ 1406 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[170]. شرح تردُّدات المختصر النافع
القطيفي عليُّ بن إبراهيم بن سليمان، توفِّي بعد 995 ه. ق.؛ 1 ج؛ دار المصطفىٰ لإحياء التُّراث؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[171]. شرح خيارات اللُّمعة
النَّجفي كاشف الغطاء عليُّ بن جعفر بن خضر، توفِّي 1253 ه. ق.؛ 1 ج؛ دفتر
انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1422 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[172]. شرح طهارة قواعد الأحكام
النَّجفي كاشف الغطاء جعفر بن خضر المالكي، توفِّي 1228 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسة كاشف الغطاء؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[173]. شرح فروع الكافي
المازندراني محمَّد هادي بن محمَّد صالح، توفِّي 1120 ه. ق.؛ 5 ج؛ دارالحديث للطِّباعة و النَّشر؛ 1429 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محمَّدجواد المحمودي، محمَّدحسين الدِّرايتي.
[174]. شمس العلوم و دواء كلام العرب من الكلوم
الحِميَري نشوان بن سعيد، توفِّي 573 ه. ق.؛ 12 ج؛ دارالفكر المعاصر؛ 1420 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه حسين بن عبداللَّه العمري، مطهَّر بن علي الأرياني، يوسف محمَّد عبداللَّه.
[175]. علل الشَّرائع
القمِّي محمَّد بن عليِّ بن بابويه الصَّدوق، توفِّي 381 ه. ق.؛ 2 ج؛ كتابفروشى داورى؛ 1386 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ أوفسيت مكتبة الحيدريَّة.
[176]. عمدة الأصول
الخرَّازي السَّيِّد محسن؛ 6 ج؛ مؤسَّسۀ درراه حق؛ 1422 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[177]. عمدة الوسائل في الحاشية علىٰ الرَّسائل
الشِّيرازي السَّيِّد عبداللَّه، توفِّي 1405 ه. ق.؛ 3 ج؛ مؤسَّسة اميرالمؤمنين للشؤون العلميَّة والخيريَّة؛ 1427 ه. ق.؛ الطَّبعة الرَّابعة؛ مشهد؛ ايران.
[178]. عناية الأصول في شرح كفاية الأصول
الفيروزآبادي السَّيِّد مرتضىٰ الحسيني اليزدي، توفِّي 1409 ه. ق.؛ 6 ج؛ كتابفروشى فيروزآبادي؛ 1400 ه. ق.؛ الطَّبعة الرَّابعة؛ قم؛ ايران.
[179]. عوائد الأيَّام
النَّراقي احمد بن محمَّد مهدي، توفِّي 1245 ه. ق.؛ 1 ج؛ انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[180]. عوالي اللَّآلىء العزيزيَّة
الأحسايي ابن أبي جمهورٍ محمَّد بن عليٍّ، توفِّي بعد 901 ه. ق.؛ 4 ج؛ دار سيِّد الشُّهداء للنَّشر؛ 1405 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[181]. غاية المراد في شرح نُكَت الإرشاد
العاملي الشَّهيد الأوَّل محمَّد بن مكِّيٍّ، استشهد 786 ه. ق.؛ 4 ج؛ انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1414 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه رضا مختاري
[182]. غاية المرام في شرح شرائع الإسلام
الصَّيمري مفلح بن الحسن، توفِّي حدود 900 ه. ق.؛ 4 ج؛ دارالهادي؛ 1420 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه جعفر الكوثراني العاملي.
[183]. غنائم الأيَّام في مسائل الحلال والحرام
الجيلاني القمِّي ابوالقاسم بن محمَّد حسن، توفِّي 1231 أو 1232 أو 1233 ه. ق.؛ 6 ج؛ انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[184]. غُنيَة النُّزوع إلى علمَي الأصول والفروع
الحلبي ابن زهره حمزة بن عليٍّ الحسيني، توفِّي 585 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسه امام صادق؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[185]. فرائد الأصول
الدِّزفولي مرتضىٰ بن محمَّد امين الأنصاري، توفِّي 1281 ه. ق.؛ 4 ج؛ مجمع الفكر الإسلامي؛ 1428 ه. ق.؛ الطَّبعة التَّاسعة؛ قم؛ ايران.
[186]. فقه الصَّادق
القمِّي السَّيِّد صادق الحسيني الرَّوحاني؛ 26 ج؛ دارالكتاب، مدرسة الإمام الصَّادق عليه السلام؛ 1412 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[187]. فقه القرآن
الرَّاوندي قطب الدِّين سعيد بن عبداللَّه، توفِّي 573 ه. ق.؛ 2 ج؛ انتشارات كتابخانۀ آية اللَّه مرعشى نجفى؛ 1405 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد احمد الحسيني.
[188]. فقه و زمان
جنَّاتي محمَّدابراهيم؛ نشر احياگران؛ 1385 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[189]. فوائد القواعد
العاملي الشَّهيد الثَّاني زين الدِّين بن عليٍّ، استشهد 966 ه. ق.؛ 1 ج؛ انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد أبوالحسن مطلِّبي.
[190]. قرب الإسناد
الحِميَري عبداللَّه بن جعفرٍ، توفِّي النِّصف الثَّاني من القرن 3 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسه آل البيت/؛ 1413 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[191]. قصص العلماء
تنكابنى محمَّد بن سليمان؛ شركت انتشارات علمى وفرهنگى؛ 1383 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[192]. قواعد الأحكام
الحلِّي العلَّامة الحسن بن يوسف بن مطهَّر الأسدي، توفِّي 726 ه. ق.؛ 3 ج؛ دفتر
انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[193]. قواعد استنباط الأحكام
مكي العاملي السَّيِّد حسين يوسف، توفِّي 1397 ه. ق.؛ المؤلِّف؛ 1391 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[194]. قواعد فقه
طاهرى حبيب اللَّه؛ 2 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى؛ 1387 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[195]. قواعد فقه
عميد زنجانى عبَّاسعلى، توفِّي 1389 ه. ش.؛ 4 ج؛ سمت؛ 1387 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[196]. قواعد فقه
اعرافى عليرضا؛ نشر مؤسَّسه اشراق وعرفان؛ 1393 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[197]. قواعد فقه مذهب شافعى
افسري سالم؛ سمت؛ 1392 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[198]. كتاب البيع
الخميني السَّيِّد مصطفىٰ الموسوي، توفِّي 1398 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسه تنظيم و نشر آثار امام خميني؛ 1418 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[199]. كتاب الخَراج في موسوعة الخراج
ابويوسف القاضي، توفِّي 183 ه. ق.؛ دار المعرفة؛ 1979 م.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[200]. كتاب الزَّكاة
الدِّزفولي مرتضى بن محمَّد امين الأنصاري، توفِّي 1281 ه. ق.؛ 1 ج؛ كنگرۀ جهانى بزرگداشت شيخ اعظم انصارى؛ 1415 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[201]. كتاب الصَّلاة
الأراكي محمَّدعلي، توفِّي 1415 ه. ق.؛ 2 ج؛ دفتر مؤلِّف؛ 1421 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[202]. كتاب العين
الفراهيدي خليل بن احمد، توفِّي 175 ه. ق.؛ 8 ج؛ نشر هجرت؛ 1410 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه الدُّكتور مهدي المخزومي، الدُّكتور إبراهيم السَّامرائي.
[203]. كتاب القضاء
العراقي آقا ضياءالدِّين، توفِّي 1361 ه. ق.؛ 1 ج؛ چاپخانۀ مهر؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محمَّدهادي معرفت.
[204]. كتاب المكاسب المحرمة و البيع و الخيارات
الدِّزفولي مرتضى بن محمَّدامين الأنصاري، توفِّي 1281 ه. ق.؛ 6 ج؛ كنگرۀ جهانى بزرگداشت شيخ اعظم انصارى؛ 1415 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[205]. كتاب المناهل
الحائري السَّيِّد محمَّد المجاهد الطَّباطبايي، توفِّي 1242 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[206]. كتابٌ في الوقف
الخراساني الآخوند محمَّد كاظم بن حسين، توفِّي 1329 ه. ق.؛ 1 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[207]. كشَّاف اصطلاحات الفنون والعلوم
التَّهانوي محمَّدعليِّ بن عليٍّ، توفِّي 1158 ه. ق.؛ 2 ج؛ مكتبة لبنان ناشرون؛ 1414
ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[208]. كشف الرُّموز في شرح مختصرالنَّافع
الآبي الفاضل حسن بن أبي طالبٍ اليوسفي، توفِّي بعد 672 ه. ق.؛ 2 ج؛ دفترانتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه علي پناه الإشتهاردي، حسين اليزدي.
[209]. كفاية الأحكام
السَّبزواري محمَّدباقر بن محمَّد مؤمن، توفِّي 1090 ه. ق.؛ 2 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1423 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[210]. كفاية الأصول
الخراساني الآخوند محمَّدكاظم بن الحسين، توفِّي 1329 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1409 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[211]. كفاية الأصول في أسلوبها الثَّاني
الإيرواني باقر؛ 5 ج؛ مؤسَّسه إحياء تراث الشِّيعة؛ 129 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ النجف الأشرف؛ العراق.
[212]. كنز الدَّقائق و بحر الغرائب
المشهدي محمَّد بن محمَّدرضا القمِّي، توفِّي بعد 1125 ه. ق.؛ 14 ج؛ سازمان چاپ و انتشارات وزارت ارشاد اسلامى؛ 1368 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران؛ حقَّقه حسين الدَّرگاهى.
[213]. كنز العرفان في فقه القرآن
الحلِّي مقداد بن عبد اللَّه السِّيوري، توفِّي 826 ه. ق.؛ 2 ج؛ انتشارات مرتضوى؛ 1425 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[214]. كنز الفوائد في حلِّ مشكلات القواعد
العميدي السَّيِّد عميدالدِّين بن محمَّد الأعرج الحسيني، توفِّي 754 ه. ق.؛ 3 ج؛ دفترانتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محي الدِّين الواعظي، الحاج كمال الكاتب، جلال الأسدي.
[215]. لسان العرب
ابن منظور ابوالفضل جمال الدِّين محمَّد بن مكرَّم؛ توفِّي 711 ه. ق.؛ 15 ج؛ دارالفكر للطِّباعة والنَّشر والتَّوزيع، دارصادر؛ 1414 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ بيروت؛ لبنان؛ صحَّحه احمد فارس صاحب الجوائب.
[216]. لسان الميزان
ابن حجر العسقلاني احمد بن عليٍّ، توفِّي 852 ه. ق.؛ 7 ج؛ مؤسَّسة الأعلمي للمطبوعات؛ 1390 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[217]. لوامع الأحكام في فقه شريعة الإسلام
النَّراقي محمَّدمهدي بن أبي ذرٍّ، توفِّي 1209 ه. ق.؛ 1 ج؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[218]. مباني العروة الوثقىٰ
الخويي السَّيِّد ابوالقاسم الموسوي، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 2 ج؛ منشورات مدرسة دارالعلم؛ 1409 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[219]. مباني الفقه الفعَّال
المازندراني علي اكبر السِّيفي؛ 5 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1425 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[220]. مباني تكملة المنهاج
الخويي السَّيِّد ابوالقاسم الموسوي، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسة إحياء آثار الإمام الخوئي؛ 1422 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[221]. مباني منهاج الصَّالحين
القمِّي السَّيِّد تقي الطَّباطبايي؛ 10 ج؛ منشورات قلم الشَّرق؛ 1426 ه. ق.؛ الطَّبعة
الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه عبَّاس الحاجياني.
[222]. مجمع الأفكار و مطرح الأنظار
الآملي الميرزا هاشم، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 3 ج؛ المطبعة العلميَّة؛ 1395 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره القمشه اي محمَّدعلي إسماعيل پور.
[223]. مجمع البحرين
الطُّريحي فخرالدِّين، توفِّي 1087 ه. ق.؛ 6 ج؛ كتابفروشى مرتضوى؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّالثة؛ تهران؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد احمد الحسيني.
[224]. مجمع البيان في تفسير القرآن
الطَّبرسي أبوعليٍّ فضل بن الحسن، توفِّي 548 ه. ق.؛ 5 ج؛ ناصر خسرو؛ 1373 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[225]. مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان
الأردبيلي احمد بن محمَّد، توفِّي 993 ه. ق.؛ 14 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1403 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه مجتبىٰ العراقي، علي پناه الإشتهاردي، حسين اليزدي الأصفهاني.
[226]. مجموعة فتاوىٰ ابن أبي عقيل
العمَّاني حسن بن عليِّ بن أبي عقيلٍ الحذَّاء، كان حيًّا عام 329 ه. ق.؛ 1 ج؛ قم؛ ايران؛ جمعها عبدالرَّحيم البروجردي، علي پناه الإشتهاردي.
[227]. مجموعة فتاوىٰ ابن جنيد
الإسكافي محمَّد بن احمد الكاتب البغدادي، توفِّي القرن 4؛ 1 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه علي پناه الإشتهاردي.
[228]. محاضراتٌ في فقه الاماميَّة
الميلاني السَّيِّد محمَّدهادي الحسيني، توفِّي 1395 ه. ق؛ 5 ج؛ 1395 ه. ق.؛
الطَّبعة الأولىٰ؛ مشهد؛ ايران؛ صحَّحه فاضل الحسيني الميلاني.
[229]. مختلف الشِّيعة في أحكام الشَّريعة
الحلِّي العلَّامة الحسن بن يوسف بن المطهَّر الأسدي، توفِّي 726 ه. ق.؛ 9 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران.
[230]. مدارك الأحكام في شرح عبادات شرائع الإسلام
العاملي محمَّد بن عليٍّ الموسوي، توفِّي 1009 ه. ق.؛ 8 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1411 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[231]. مرآة الجنان وعِبرة اليقظان
اليافعي عبداللَّه بن أسعد، توفِّي 768 ه. ق.؛ 4 ج؛ منشورات محمَّدعلي بيضون دارالكتب العلميَّة؛ 1417 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[232]. مرآة العقول في شرح أخبار آل الرَّسول
الأصفهاني المجلسي الثَّاني محمَّدباقر بن محمَّدتقي، توفِّي 1110 ه. ق.؛ 26 ج؛ دارالكتب الإسلاميَّة؛ 1404 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ تهران؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد هاشم الرَّسولي.
[233]. مسائل عليِّ بن جعفرٍ ومستدركاتها
العريضي عليُّ بن جعفرٍ؛ 1 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1409 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[234]. مسالك الافهام إلى آيات الأحكام
الكاظمي الفاضل الجواد بن سعد الأسدي، توفِّي 1065 ه. ق.؛ 4 ج؛ تهران؛ ايران.
[235]. مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام
العاملي الشَّهيد الثَّاني زين الدِّين بن عليًّ، توفِّي 966 ه. ق.؛ 15 ج؛ مؤسَّسة المعارف الإسلامية؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[236]. مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل
النُّوري الميرزا حسين، توفِّي 1320 ه. ق.؛ 18 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1408 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[237]. مستقصىٰ مدارك القواعد ومنتهى ضوابط الفوائد
الكاشاني ملَّا حبيب اللَّه الشَّريف، توفِّي 1340 ه. ق.؛ 1 ج؛ چاپخانۀ علميِّه؛ 1404 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[238]. مستمسك العروة الوثقىٰ
الحكيم السَّيِّد محسن الطَّباطبايي، توفِّي 1390 ه. ق.؛ 14 ج؛ مؤسَّسة دارالتَّفسير؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[239]. مستند الشِّيعة في أحكام الشَّريعة
النَّراقي مولىٰ احمد بن محمَّد مهدي، توفِّي 1245 ه. ق.؛ 19 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1415 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[240]. مصابيح الأصول
الموسوي الخوئي السَّيِّد ابوالقاسم، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 2 ج؛ مركز نشر كتاب؛ 1350 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران؛ قرَّره علاءالدِّين بحرالعلوم.
[241]. مصادر الحكم الشَّرعي والقانون المدني
كاشف الغطاء عليُّ بن محمَّدرضا بن الهادي النَّجفي، توفِّي 1411 ه. ق.؛ 2 ج؛ مطبعة الآداب؛ 1408 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[242]. مصادر الفقه الإسلامي
[243]. التَّبريزي جعفر السُّبحاني؛ 1 ج؛ دارالأضواء؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[244]. مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه
التبريزي السُّبحاني جعفر؛ دارالأضواء؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[245]. معالم الدِّين في فقه آل ياسين
الحلِّي شمس الدِّين محمَّد بن شجاع القطَّان، توفِّي بعد 832 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسة الإمام الصَّادق عليه السلام؛ 1424 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه البهادري إبراهيم.
[246]. معالم العلماء في فهرست كتب الشِّيعة و أسماء المصنِّفين قديمًا و حديثًا
المازندراني ابن شهرآشوب رشيدالدِّين محمَّد بن عليًّ، توفِّي 588 ه. ق.؛ 1 ج؛ منشورات المطبعة الحيدريَّة؛ 1380 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[247]. معاني الأخبار
القمِّي الصَّدوق محمَّد بن عليِّ بن بابويه، توفِّي 381 ه. ق.؛ 1 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1403 ه. ق.؛ قم؛ ايران.
[248]. معتمد العروة الوثقىٰ
الخويي السَّيِّد ابو القاسم الموسوي، توفِّي 1413 ه. ق.؛ 2 ج؛ منشورات مدرسة دار العلم؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران؛ قرَّره السَّيِّد رضا الموسوي الخلخالي.
[249]. معجم المؤلِّفين
كحالة عمررضا؛ 15 ج؛ أوفست دار إحياء التُّراث العربي؛ بيروت؛ لبنان.
[250]. معجم مقائيس اللُّغة
ابوالحسين احمد بن فارس بن زكريَّا، توفِّي 395 ه. ق.؛ 6 ج؛ انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزۀ علميُّۀ قم؛ 1404 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه عبدالسَّلام محمَّد هارون.
[251]. مفاتيح الأصول
الطَّباطبائي السَّيِّد محمَّد بن عليٍّ المجاهد، توفِّي 1242 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[252]. مفاتيح الشَّرائع
الكاشاني الفيض محمَّد محسن ابن شاه مرتضىٰ، توفِّي 1091 ه. ق.؛ 3 ج؛ انتشارات
كتابخانۀ آية اللَّه مرعشي نجفي؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[253]. مفتاح الأصول
الصَّالحي المازندراني إسماعيل، توفِّي 1422 ه. ق.؛ 4 ج؛ صالحان؛ 1428 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[254]. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلَّامة
الطَّبعة الحديثة. العاملي السَّيِّد جواد بن محمَّد الحسيني، توفِّي 1226 ه. ق.؛ 23 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه محمَّدباقر الخالصي.
[255]. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلَّامة
الطَّبعة القديمة. العاملي السَّيِّد جواد بن محمَّد الحسيني، توفِّي 1226 ه. ق.؛ 11 ج؛ دار إحياء التُّراث العربي؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[256]. مفردات القرآن
الأصفهاني الحسين بن محمَّد الرَّاغب، توفِّي حدود 502 ه. ق.؛ 1 ج؛ دار العلم، الدَّار الشَّاميَّة؛ 1412 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ لبنان؛ سوريه؛ صحَّحه صفوان عدنان داودي.
[257]. مقدمة الأدب
الزَّمخشري ابوالقاسم محمود بن عمر، توفِّي 538 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسۀ مطالعات اسلامى دانشگاه تهران؛ 1386 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[258]. ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار
الأصفهاني المجلسي الثَّاني محمَّدباقر بن محمَّدتقي، توفِّي 1110 ه. ق.؛ 16 ج؛ انتشارات كتابخانۀ آية اللَّه مرعشي نجفي؛ 1406 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد مهدي الرَّجائي.
[259]. مناهج الأحكام في مسائل الحلال والحرام
الجيلاني الميرزا القمِّي ابوالقاسم بن محمَّد حسن، توفِّي 1231 أو 1232 أو 1233
ه. ق.؛ 1 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1420 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[260]. مناهج الوصول إلى علم الأصول
الموسوي الخميني روح اللَّه، توفِّي 1409 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسه تنظيم و نشر آثار امام خميني؛ 1415 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[261]. منتقىٰ الأصول
الرَّوحاني السَّيِّد محمَّد القمِّي، توفِّي 1418 ه. ق.؛ 7 ج؛ مكتبة سماحة المؤلِّف؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره الحكيم السَّيِّد عبدالصَّاحب.
[262]. منتهىٰ الأصول
الموسوي البجنوردي السَّيِّد ميرزاحسن، توفِّي 1395 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسة العروج؛ 1380 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[263]. منتهىٰ المطلب في تحقيق المذهب
الحلِّي العلَّامة الحسن بن يوسف بن المطهَّر الأسدي، توفِّي 726 ه. ق.؛ 15 ج؛ مجمع البحوث الإسلاميَّة؛ 1412 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ مشهد؛ ايران.
[264]. منتهىٰ المقال في أحوال الرِّجال
المازندراني محمَّد بن إسماعيل الحائري، توفِّي 1216 ه. ق.؛ 7 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1416 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[265]. من لايحضره الفقيه
القمِّي محمَّد بن عليِّ بن بابويه الصَّدوق، توفِّي 381 ه. ق.؛ 4 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الثَّانية؛ قم؛ ايران.
[266]. منهل الغمام في شرح شرائع الإسلام
النَّجفي كاشف الغطاء عبَّاس بن الحسن بن جعفرٍ، توفِّي 1323 ه. ق.؛ 3 ج؛ مؤسَّسة
كاشف الغطاء؛ 1424 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[267]. مورد الأنام في شرح شرائع الإسلام
النَّجفي كاشف الغطاء مهدي، توفِّي 1298 ه. ق.؛ 4 ج؛ مؤسَّسة كاشف الغطاء؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ النَّجف الأشرف؛ العراق.
[268]. موسوعة طبقات الفقهاء
التَّبريزي جعفر السُّبحاني؛ 15 ج؛ مؤسَّسة الإمام الصَّادق عليه السلام؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[269]. مهذِّب الأحكام في بيان الحلال و الحرام
السَّبزواري السَّيِّد عبدالأعلىٰ، توفِّي 1414 ه. ق.؛ 30 ج؛ مؤسَّسة المنار، مكتب المؤلِّف؛ 1413 ه. ق.؛ الطَّبعة الرَّابعة؛ قم؛ ايران.
[270]. نتائج الأفكار في الأصول
الحسيني الشَّاهرودي السَّيِّد محمود، توفِّي 1394 ه. ق.؛ 6 ج؛ آل المرتضىٰ عليهم السلام؛ 1385 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره السَّيِّد محمَّدجعفر الجزائري المروِّج.
[271]. نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
التَّنُّوخي أبوعلي محسِّن بن علي، توفِّي 384 ه. ق.؛ 8 ج؛ 1971 م.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ بيروت؛ لبنان.
[272]. نصب الرَّاية
الزَّيعلي جمال الدِّين، توفِّي 762 ه. ق.؛ 6 ج؛ دارالحديث؛ 1415 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ القاهرة؛ مصر.
[273]. نضد القواعد الفقهيَّة علىٰ مذهب الإماميَّة
الحلِّي مقداد بن عبداللَّه السِّيوري، توفِّي 826 ه. ق.؛ 1 ج؛ انتشارات كتابخانۀ آية اللَّه مرعشي نجفى؛ 1403 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد عبداللَّطيف الحسيني الكوه كمري.
[274]. نقش عرف در حقوق مدنى ايران
سلجوقى محمود؛ 1347 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[275]. نكت النِّهاية
الحلِّي المحقِّق نجم الدِّين جعفر بن الحسن، توفِّي 676 ه. ق.؛ 3 ج؛ دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1412 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[276]. نماذج الأصول في شرح مقالات الأصول
المدرِّسي اليزدي عبَّاس، توفِّي 1404 ه. ق.؛ 4 ج؛ داورى؛ 1383 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[277]. نهاية الإحكام في معرفة الأحكام
الحلِّي العلَّامة الحسن بن يوسف بن المطهَّر الأسدي، توفِّي 726 ه. ق.؛ 2 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ 1419 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[278]. نهاية الأفكار
العراقي آقا ضياءالدِّين، توفِّي 1361 ه. ق.؛ 1 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ قرَّره البروجردي محمَّدتقي النَّجفي.
[279]. نهاية الدِّراية في شرح الكفاية
الأصفهاني محمَّدحسين الكمپاني، توفِّي 1361 ه. ق.؛ 5 ج؛ مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام؛ الطَّبعة الثَّانية؛ 1429 ه. ق.؛ بيروت؛ لبنان.
[280]. نهج البلاغة
جمع السَّيِّد الرَّضي محمَّد بن الحسين الموسوي، توفِّي 406 ه. ق.؛ 1 ج؛ مؤسَّسة نهج البلاغه؛ 1414 ه. ق.؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه عزيراللَّه العطاردي.
[281]. وسيلة الوسائل في شرح الرَّسائل
الطباطبائي السَّيِّد محمَّدباقر اليزدي، توفِّي 1298 ه. ق.؛ 1 ج؛ المؤلِّف نفسه؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران.
[282]. ويژگيهاى اجتهاد و فقه پويا
فيض عليرضا؛ پژوهشگاه علوم انسانى و مطالعات فرهنگى؛ 1382 ه. ش.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ تهران؛ ايران.
[283]. ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام
القزويني السَّيِّد علي الموسوي، توفِّي 1297 ه. ق.؛ 2 ج؛ دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعۀ مدرِّسين حوزۀ علميِّۀ قم؛ 1424 ه. ق.؛ الطَّبعة الأولىٰ؛ قم؛ ايران؛ صحَّحه السَّيِّد علي العلوي القزويني، السَّيِّد عبدالرَّحيم الجزمئي القزويني.
[284]. العُرف حجِّيَّته وآثاره الفقهيَّة
الدُّكتورة أسماء بنت عبداللَّه الموسىٰ؛ المجلَّة العربيَّة للدِّراسات الأمنيَّة والتَّدريب؛ المجلَّد 21؛ العدد 41؛ محرَّم 1427؛ صص 5-60.
[285]. العُرف وتطبيقاته المعاصرة
الدُّكتور سعود بن عبداللَّه الورقي؛ مجلَّة المعهد الإسلامي للبُحوث والتَّدريب؛ العدد 1؛ 1428.[286]. عُرف وبناى عقلا در فرايند اجتهاد
محصِّلى هدايت حسين؛ فصلنامه تخصصي پژوهش نامه فقهي؛ سال دوّم؛ شمارۀ 3؛ بهار 1390؛ صص 271-301.
[287]. عُرف وجايگاه آن در استنباط احكام شرعى
ايزدى فر علي اكبر، نعمت زاده رجب علي، كاويار حسين؛ مطالعات فقه و حقوق اسلامى؛ سال 1؛ شماره 1؛ زمستان 1388؛ صص 45-73.
[288]. مجالات إعمال العُرف
الدُّكتور وليد بن عليٍّ الحسين؛ مجلَّة جامعة القَصيم للعلوم الشَّرعيَّة؛ العدد 1؛ 2012 م.
[289]. مرجعيَّت عُرف از ديدگاه مذاهب اسلامى
تقديرى على؛ مجلّۀ طلوع؛ سال سوّم؛ شمارۀ 10 و 11؛ تابستان و پائيز 1383؛ صص 12-44.
[290]. مفهوم العُرف في الشَّريعة الإسلاميَّة
الدُّكتور حسنين محمود حسنين؛ مجلَّة الشريعة والقانون؛ العدد 3؛ ذوالحجَّة 1409؛ صص 95-146.
[1:] قاعدة الاِئتمان / الامين مؤتمنٌ 15
[2:] قاعدة الإتلاف 43
[3:] قاعدة الإشتراك في التَّكليف 73
[4:] قاعدة الإقرار 87
[5:] قاعدة الإلزام 101
[6:] قاعدة الإمكان 111
[7:] قاعدة البِناء علىٰ الأكثر عند الشَّكِّ في الرَّكعات الأخيرة 117
[8:] قاعدة البيِّنةُ علىٰ المدَّعي واليمينُ علىٰ من أنكَرَ 129
[9:] قاعدة التَّسامُح في أدلَّة السُّنَن 155
[10:] قاعدة التَّعاوُن 171
[11:] قاعدةُ الجُبِّ 191
[12:] قاعدة الحرج 199
[13:] قاعدة الدَّرْء 215
[14:] قاعدة الدَّين مقضيٌّ 225
[15:] قاعدة الزَّعيم غارمٌ 247
[16:] قاعدة السُّوق 253
[17:] قاعدة الشَّرط الفاسد 267
[18:] قاعدة الشُّفعة جائزةٌ في كلِّ شيءٍ 289
[19:] قاعدة الصُّلحُ جائزٌ بين النَّاس 307
[20:] قاعدة العُقُود تابعةٌ للقُصُود 331
[21:] قاعدة الغَرَر 343
[22:] قاعدة الفِراش 355
[23:] قاعدة الفراغ والتَّجاوز 373
الفهرس التَّفصيلي 407
بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم
الحمد للَّه ربِّ العالَمين، وصلَّى اللَّه علىٰ سيِّدنا ومولانا محمَّدٍ المُصطفىٰ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلىٰ أهل بيته الطَّاهرين إلى يوم الدِّين.
وبعد؛ فهذا هو كتاب عوائد القواعد الفقهيَّة، وقد قرَّرنا فيه ما يسَّر اللَّه - سبحانه وتعالىٰ! - لنا أن نستفيدَ من أبحاثٍ ألقاها شيخنا الأستاذ الفقيه آية اللَّه العُظمىٰ الشَّيخ حسين مظاهري الأصفهاني - أدام اللَّه عزَّه وجعله في حفظه ورَعْيه! - في حوزة أصفهان العِلميَّة - صينَتْ عن الحدثان! - حول القواعد الفقهيَّة؛ وللَّه - سبحانه وتعالىٰ! - الحمد والمنَّة حيث وفَّقنا لِما كنَّا نرومه.
وقد تكلَّمتُ - بشيءٍ من التَّفصيل - عن هذه المجموعة الَّتي تقعُ في ثلاث مجلَّداتٍ في مقدَّمةٍ قدَّمتُها علىٰ الكتاب، وسمَّيتُها ب: نثر الفوائد في التَّقديم علىٰ عوائد القواعد؛ فليُراجِع إليها من يريد التَّعريف بالكتاب.
وهذا هو المجلَّد الأوَّل منه؛ نُقدِّمه إلى القُرَّاء الكرام، عسىٰ أن يجعل اللَّه فيه نفعًا وبركةً - إنَّه وليُّ التَّوفيق! -.
[1:] قاعدة الاِئتمان / الأمين مؤتمنٌ(1)
قاعدة عدم ضمان الأمين، ثمَّ تمَّم العنوان بقوله: عدم ضمان الأمين إلَّامع التَّعدِّي والتَّفريط(2).
ليس لك أن تتَّهمَ من قد ائتَمَنتَه(3)
راجع: القواعد الفقهيَّة - في موسوعة الفقه -، ص 209.
.ما علىٰ الأمين إلَّااليمين(4).
1) . فصَّل كثيرٌ من الأعلام الَّذين كتبوا في القواعد الفقهيَّة بين هذه القاعدة وقاعدة «الإحسان»؛ لكنَّنا جمعنا بين هاتين القاعدتين هيهنا، لاشتراكهما في كثيرٍ من المباحث.
2) . هذا عنوانٌ ذكره المحقِّق البجنورديُّ قدس سره للقاعدة؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 7.
3) . أقول: هذا عنوانٌ ذكره الفقيه الشِّيرازي قدس سره للقاعدة؛
4) . هذا عنوانٌ ذكره المحقِّق الخبير الشَّريف الكاشانيُّ قدس سره للقاعدة؛ راجع: تسهيل
قاعدة الاِستئمان(1).
قاعدة منافات التَّضمين مع التَّأمين(2).
قاعدة الإحسان(3)
راجع: تحقيقٌ في القواعد الفقهيَّة، ص 33.
.هذه القاعدة من المسلَّمات في الفقه، وقد تمسَّك بها الفقهاء في موارد عديدةٍ تشير إلى عمومها أوَّلًا، و علىٰ ثبوتها بينهم ثانيًا.
والمراد منها أنَّ الأمين لايضمنُ إذا تلف المال الأمانيُّ عنده، فليس لصاحب المال إذن أن يطلب منه قيمته أو مثله، لأنَّ الأمين ليس ضامنًا بالنِّسبة إليه إلَّاإذا خرَج عن عنوان «الأمين» بالإفراط أو التَّفريط في الأمانة.
ثمَّ المراد من الضَّمان لغةً هو معناه الفقهيُّ، فلانحتاج إلى البحث عنه - كما سنشيرُ إلى هذا المعنىٰ أيضًا -. أمَّا «الأمين» فمعناه واضحٌ، ولذلك اقتصَرَ اللَّحيانيُّ علىٰ أن قال: «رجلٌ أَمِنٌ وأمينٌ، بمعنىً واحدٍ»(4)وابنُفارسٍ علىٰ أن قال: «الأمين: المؤتمَن»(5).
1) . هذا عنوانٌ ذكره المحقِّق المراغيُّ قدس سره للقاعدة؛ راجع: العناوين، ج 2 ص 482.
2) . هذا عنوانٌ ذكره المحقِّق السبزواريُّ قدس سره للقاعدة؛ راجع: مهذِّب الأحكام، ج 19 ص 94.
3) . أقول: هذا عنوانٌ ذكره بعض معاصرينا للقاعدة؛
4) . راجع: تهذيب اللُّغة، ج 15 ص 367.
5) . راجع: معجم مقائيس اللُّغة، ج 1 ص 134.
والفيروزآباديُّ أشار إلى معنىً آخر للَّفظة ليس مرادًا فيما نحن فيه(1). وكذلك عن الزَّبيدِيِّ(2)، وابن منظورٍ(3).
تدلُّ علىٰ حجِّيَّة القاعدة الأدلَّة الأربعة.
فقوله - تعالى! -: «مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ»(4)، أي: سبيل الملامة والمؤاخذة والضَّمان.
وهذه استفادةٌ فقهيَّةٌ من الكريمة الشَّريفة، وهي بتعميم معناها. قال الفيض قدس سره في تفسيرها: «لاجناح ولاعتاب»(5)وعن الشَّيخ قدس سره: «أي: ليس علىٰ مَن فعَل الحسَن الجميل طريقٌ»(6)وعن الطَّبرسِي قدس سره: «أي: ليس علىٰ مَن فعل الحسَن الجميل في التَّخلُّف عن الجهاد طريقٌ للتَّفريع في الدُّنيا والعذاب في الآخرة، وقيل: هو عامٌّ في كلِّ محسِنٍ»(7).
وقوله: «قيل:...» نافعٌ في المقام، ولذلك جاء به الفاضل الجوادُ قدس سره أيضًا(1).
وانظر أيضًا إلى ما ذكره السَّيِّد الأستاذ العلَّامة الطَّباطبائيُّ قدس سره حيث قال:
«فلاسبيل يتسلَّط عليهم يؤتون منه فيُصابُون بما يركوهونه»(2).
وهذه الاِستفادة قد خفيَتْ علىٰ كثيرٍ من الفقهاء، ولذلك لم يأت بها الرَّاونديُّ قدس سره(3)ولاغيره من أصحاب مصادرنا في فقه القرآن. نعم! تنبَّه لها القُرطبيُّ فقال: «هذه الآية أصلٌ في رفع العِقاب عن كلِّ محسنٍ»(4). وأحسن من الكلِّ ما ذكره الجصَّاص(5)، فراجع إليه إن شِئتَ!. وانظر إلى ما ذكره ابنُالعربيِّ(6)، والكياهراسيُّ(7)أيضًا تنفعُك في المقام.
وكيف كان فدلالة الآية علىٰ المقصود واضحةٌ بعد التَّسالم علىٰ أنَّ شأن النُّزول ليس بمخصِّصٍ لها قطعًا.
إلَّا أن يُقال: «صدق الُمحسن بالنِّسبة إلى الودعيِّ ومَن يتبرَّع بحفظ متاعٍ كآخذ اللُّقَطَة ليجد صاحبها وشبه ذلك، ظاهرٌ ولكن صدقه بالنِّسبة إلى الأجير والمُستعير والعامل في المضاربة ونظائرهم ممَّن يأخذ المال من مالكه لمنفعة نفسه مشكلٌ جدًّا؛
فإذًا لاتندرج تحت الآية إلَّاموارد يسيرةٍ من القاعدة، ويخرج منها أكثرُها»(1)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه المحقِّق الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 251.
فيقال: خروج من يأخذ المالَ من مالكه لمنفعة نفسِه عن عنوان الُمحسِن أيضًا يحتاج إلى دليلٍ، إذ الأصل في المؤمن وتصرُّفاتِه عدمُ التَّعدِّي فيما يكون عنده علىٰ سبيل الوديعة ولوكان لمنفعة نفسه؛ فالأصل فيه الإحسان إلَّاأن يُثبَت خلافُه؛ بشهادة أصالة الصِّحَّة وغيرها من الأصول والعمومات.
وبما قلنا ظهر أنَّه لانحتاج إلى القول باختصاص الأمين بمن يأخذ المال لمصحلة المالك فقط - كما عن المحقِّق المراغيِّ قدس سره(2)-؛
إذ هذا الاِختصاص ينافي ما هو الظَّاهر من روايات الباب - كما أشار إليه بعضُ المعاصرين -.
ثمَّ الظَّاهر عدم الحاجة - أو عدم جواز الرُّجوع - إلى ما يخالف بظاهره المباني الفقهيَّة المرسومة لاِثبات القاعدة، كحكاية موسىٰ عليه السلام والعبد الصَّالح عليه السلام - كما فعَلَه بعضُهم(3)-؛ وذلك:
لتوفُّر الأدلَّة علىٰ المطلوب أوَّلًا؛
وكون الحكاية وأمثالها من أسرار المعارف الإلهيَّة ثانيًا. وذلك لئلَّا يُوصَف المرويُّ فيها بكونه «أعمالًا سيِّئَةً عند الكلِّ»(4)!، مراعاةً لمقام الأدب مع اللَّه - جلَّ
وعلا! - وخصِّيصي حضرته عليهم السلام.
فرواياتٌ كثيرةٌ تدلُّ عليها. ومن الجدير بالذِّكر أنَّا لسنا بحاجةٍ هيهنا إلى تقسيم الرِّوايات إلى طوائف مختلفةٍ - كما فعَلَه بعضهم(1)
راجع: القواعد الفقهيَّة في الفقه الإماميَّة، ج 2 ص 141؛ القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق الفقيه الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 351.
-، لاشتراك المقصود من الجميع، مع عدم الخوض في ما يدلُّ عليه كلُّ واحدٍ منها.منها: قوله إذا سُئِل عن رجلٍ أجيرٍ أقعده علىٰ متاعه فسرَقَ ذلك المال، فأجاب عليه السلام: «هو مؤتمَنٌ»؛ فيما رواه الكُلينيُّ قدس سره(2)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(3)، والشَّيخُ قدس سره(4)بألفاظٍ متقاربةٍ. والحديث وإن حسَّنه الفاضل المقداد قدس سره(5)، والأردبيليُّ قدس سره(6)
أقول: هكذا عن بعض أفاضل المعاصرين أيضًا؛
راجع: فقه الحدود والتَّعزيرات، ج 3 ص 96.
وعدَّه تارةً أُخرىٰ من الحسن كالصَّحيح؛
راجع: نفس المصدر والمجلَّد ص 159.
لكنَّهصحيحٌ سندًا، كما صحَّحه المحقِّق الخوئيُّ قدس سره(1)، والفقيه السَّبزواريُّ قدس سره(2)، والفقيه المحقِّق الگلپايگانيُّ قدس سره(3)، وغيرهم.
وكيف كان فاستفادة المطلوب منه واضحٌ لاخفاء فيه.
إلَّا أنَّه وقع الخفاء في قوله عليه السلام: «فسرق ذلك المال»؛ لأنَّ الظَّاهر منه أنَّ المؤتمَن سَرقَه، ويؤيِّده أنَّه ورد في بعض صور الحديث: «فسَرَقَه» بدل «فسَرَق»، فحينئذٍ ليس المؤتَمَن بأمينٍ، فيُثبِت عليه الضَّمان، لأنَّه خرج عن مقتضىٰ الأمانة بلاريبٍ؛
إلَّا أن يُخرَج عن هذا الظُّهور فيقال: «الظَّاهر أنَّ قوله: «فسرقه» أي: فسرقه سارقٌ»(4)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه المحقِّق الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 254.
فبذلك يُصحَّح عدم الضَّمان عليه، لكنَّه خلاف ظاهر الحديث، إذ المتلائم مع هذا المعنىٰ كونه بصيغة المجهول، لامعلومًا مضافًا إلى الضَّمير المفعوليِّ العائد إلى «المَتاع».
ومنها: ما رواه النُّوريُّ قدس سره - بسندٍ لم يذكره ولم أعثر عليه، والظَّاهر أنَّه رواه عن دعائم الإسلام، ولم يُوجَد في المطبوع منه - عن امير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: «ليس علىٰ المؤتَمَن ضمانٌ»(5).
ومنها: المرويُّ عن سيِّدنا أبي جعفر الباقر عليه السلام، وفيه قال الرَّاوي: «سألتُه عن
الَّذي يستبضِعُ المالَ فيهلك أو يسرق، أ علىٰ صاحبه ضمانٌ؟، فقال: ليس عليه غُرمٌ بعد أن يكون الرَّجلُ أمينًا»؛ بأسانيد متعدِّدة. فرواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، ورواه الحرُّ قدس سره مرَّةً عن محمَّد بن مسلمٍ قدس سره(4)، ومرَّةً أُخرىٰ عن أبان مرسلًا(5)، ومرَّةً أُخرىٰ عنه أيضًا(6). ولقد أحسن البحرانيُّ قدس سره حيث قال عنه: «رواه المشايخ الثَّلاثة بأسانيدهم، وفيها الصَّحيح وغيره»(7).
ولاختلاف الأسانيد قال عنه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره: «ضعيفٌ علىٰ المشهور»(8)، وضعَّفه جزمًا مرَّةً أُخرىٰ(9)بينما قد جعله العلَّامة الحلِّيُّ قدس سره صحيحًا(10)، وأوَّل المجلسيَّين قدس سره موثَّقًا كالصَّحيح(11). ولقد أحسن آل عصفورٍ البحرانيُّ حيث قال عنه:
«المرويُّ بطريقين أحدهما من الصَّحيح، والآخر من الضَّعيف»(12)وقد أشار إلى
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 238 الحديث 4.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 184 الحديث 812.
3) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 302 الحديث 4084.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 21 الحديث 24066.
5) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد، الحديث 24200.
6) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد أيضًا، الحديث 24230.
7) . راجع: الحدائق النَّاظرة، ج 21 ص 404.
8) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 289.
9) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 331.
10) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 17 ص 123.
11) . راجع: روضة المتَّقين، ج 7 ص 360.
12) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 12 ص 75.
صحَّة أحد الطُّريقى العامليُّ قدس سره أيضًا(1).
وقد أطنَبنا هيهنا في البحث عن السَّند لأنَّ المحقِّق البجنورديَّ قدس سره ذكر الحديث بسندٍ مرسلٍ(2)فتفطَّن من هذا حتَّى لاتحكم بضعف الحديث سندًا.
وكيف كان فدلالة الحديث تتمُّ ببيان «أنَّه في مقام بيان الحكم الظَّاهريِّ بعدم التَّغريم والتَّضمين في الدَّعوىٰ أو الحكومة، وأنَّه من أجلِ كونه أمينًا لايُحكَم عليه بالغرامة والضَّمان ما لم يثبت تعدِّيه أو تفريطه»(3)هذا نصُّ كلام سيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره.
لايقال: قوله عليه السلام: «بعد أن يكون الرجلُ أمينًا» «لوكان من قبيل الشَّرط والتَّقييد دخل في الأحاديث النَّاطقة عن الحكم في مقام الإثبات»(4)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه المحقِّق الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 253.
لأنَّه يُقال: هذا إحتمالٌ مرجوحٌ لايساعده الظُّهور، ولايقبله العُرف بعد كون متمِّمم الحديث في مقام بيان التَّعليل لعدم ثبوت الضَّمان؛ فالظَّاهر أنَّ المراد من الحديث أنَّه لاضمان علىٰ لامؤتَمنٍ لأنَّه أمينٌ، لا أنه لاضمان عليه لوكان أمينًا.
ومنها: المرويُّ عن أبي عبداللَّه الصَّادق عليه السلام أنَّه: «قال النَّبيُّ الكريمُ صلى الله عليه و آله: ليس لك أن تَتَّهِم من قد اِئتَمَنتَه».
وقريبٌ منه ما رُوِي عن الصَّادق نفسِه: «ليس لك أن... تتَّهمَ مَن ائتَمَنتَ».
روىٰ الأوَّلَ عبدُاللَّه بن جعفرٍ الحميريُّ قدس سره(1)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(2)
وقد صحَّحه جمعٌ، منهم البحرانيُّ آلُعصفورٍ قدس سره(3)، وغيره(4)
راجع: دروسٌ تمهيديَّة في الفقه الاِستدلالي، ج 2 ص 119؛ دروسٌ تمهيديَّة في القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 146.
مع أنَّ السَّند لايخلو عن شيءٍ؛والثَّاني الحميريُّ قدس سره(5)نفسه، والشَّيخُ الحرُّ قدس سره(6)، والفقيه البروجرديُّ قدس سره(7)وقد صحَّحه المحقِّق الكبير القزوينيُّ قدس سره(8).
ومنها: القول السَّائر علىٰ ألسِنة الفقهاء من أنَّه: «ليس علىٰ الأمين إلَّاالَيمين»، الَّذي جعله بعضُهم خبرًا معروفًا(9)، وآخر مرسلةً مشهورةً(10)، وآخر حديثًا(11)ولم أعثر عليه في تراثنا الرِّوائيِّ قطُّ!، كما وأنِّي لم أجِده في مصادر الفقهاء المتقدِّمين
1) . راجع: قرب الإسناد، ص 84 الحديث 276.
2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 81 الحديث 24205.
3) . راجع: الأنوار اللوامع، ج 13 ص 33.
4) . أقول: كبعض معاصرينا الفضلاء؛
5) . راجع: قرب الإسناد، ص 72 الحديث 231.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 81 الحديث 24204.
7) . راجع: جامع أحاديث الشِّيعة، ج 23 ص 1110 الحديث 34644.
8) . راجع: رسالةٌ في العدالة، ص 232.
9) . راجع: العناوين، ج 2 ص 485؛ القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 2 ص 11.
10) . راجع: رسالةٌ في قاعدة ضمان اليد - للشَّيخ الشَّهيد النُّوري قدس سره -، ص 38.
11) . راجع: حاشيَة كتاب المكاسب - للمحقِّق الأصفهاني قدس سره -، ص 38.
أيضًا!، والظَّاهر أنَّ متأخِّري المتأخِّرين قد أخذوها عن المحقِّق المراغيِّ قدس سره - م.
1250 ه. ق. - ثمَّ أرسلوها إرسال المسلَّمات(1).
وكيف كان فدلالة هذه العبارة السَّائرة علىٰ ألسِنة القوم واضحةٌ، إذ المراد من غير اليمين هيهنا المنفيِّ عن الأمين هو الضَّمان؛ كما هو واضحٌ(2).
وبالجملة يُفهَمُ من غير واحدٍ من الرِّوايات أنَّ كون الأمين مؤتمَنٌ وليس عليه ضمانٌ مفروغٌ عنه عند الفقهاء - وسنبحث عن كونه مؤتمنًا -، وأن ليس عليه ضمانٌ.
فالقضيَّة من المسلَّمات عند الأصحاب - كما أشرنا إليه -. وإن بحثوا عنها في موارد نفيًا وإثباتًا، فالبحث صغرويٌّ لا كبرويٌّ، أي: بحثوا عن كون المورد من موارد اليد الأمانيِّ؟ أم لا؟؛ أمَّا لوثبت كونه منها فلابحث لهم في حجِّيَّة القاعدة وثبوت حكمها عليه؛ بعد عدم ظهور المخالف فيها(3)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه المحقِّق الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 251.
.وكون الإجماع هيهنا مدركيًّا غير حجَّةٍ بالاِستقلال واضحٌ. ومن الغريب أنَّ المحقِّق المراغيِّ قدس سره بعد أن أشار إلى هذا الإجماع قال: «وهو الحجَّة»(4)!.
فثبوت سيرة العقلاء عليها من الضَّروريَّات، حتَّى لوطلب أحدٌ ممَّن له اليد الأمانيُّ علىٰ الشَّيء ضمانَ ذلك الشَّيء، يعدُّ العرفُ هذا ظلمًا!.
بل يمكن أن يُدَّعى أعلىٰ من ذلك، بتقريب: أنَّ العقل العامَّ - بل الدِّقِّي - يحكم بذلك علىٰ سبيل الاِستقلال والبداهة، من غير أن يحتاج في هذا الحكم إلى معاونة غيره(1).
فلاإشكال في القاعدة من حيث الحجِّيَّة والدَّليل.
ثمَّ إنَّ المحقِّق المراغيَّ قدس سره ذكر دليلًا خامسًا لحجِّيَّة القاعدة، وهو أنَّ ضمان الأُمناء يوجب اِنسداد باب الاِستئمان»، ثمَّ قال: «ويلزمه التَّعطيل الموجب للحرج»(2).
وهذا دليلٌ متينٌ حسَنٌ لوثبت الحرَجُ بعد تعطيل الاِئتمان، مع أنَّ الأمين - في هذا الفرض - له أن يشترط عدم الضَّمان؛ فثبوت الحرج غير واضحٍ جدًّا.
نعم! بعد ثبوت كون المسألة عقليَّةً فجميع ما يدلُّ عليها من الأدلَّة الأربعة ليس إلَّا إرشادًا إلى حكم العقل تابعًا له من حيث السَّعَة والضِّيق؛ فلذلك نقول: ليست لتلك الأدلة من الآيات والرِّوايات إطلاقٌ، ولاإبداعٌ وتعبُّدٌ، شرعًا أو عقلًا؛ وهذا أوضح من أن يُبحَث عنه.
هذا كلُّه من جهة الأدلَّة الثُّبوتيَّة.
ويمكن أن يُتُمسَّك في المقام بعدم وجود سببٍ يُثبِت الضَّمانَ علىٰ الأمين، كما
أشار إليه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره بتفصيلٍ وافٍ(1). وملخَّص كلامه الشَّريف: إن سبب الضَّمان - بعد التَّسالم علىٰ أنَّ ما نحن فيه من قبيل التَّلَف، لا الإتلاف - ليس إلَّاأحد هذه الأمور:
الأوَّل: الإتلاف، نظرًا إلى قاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامنٌ» - وسنبحث عن القاعدة عن قريبٍ، فانتظر -.
الثَّاني: اليد العادية، أو اليد غير المأذونة - كما سنبيِّنه في قاعدة اليد -.
الثَّالث: التَّغرير - كما أشرنا إليه في قاعدة الغرور -.
ولاريب أنَّ الأمين يدُه يد أمانةٍ، كما وأنَّه لا غَرور فيه، فانتقىٰ الثَّاني والثَّالث هيهنا؛ كما وأنَّ المورد لاينطبق عليه الإتلافُ، بل هو من باب التَّلف - كما أشرنا إليه -؛
فلاسبب في البين يدلُّ علىٰ ثبوت الضَّمان علىٰ الأمين(2). والحمدُ للَّه ربِّ العالَمين!.
ثمَّ المراد من «الضَّمان» هيهنا هو المِثل في المِثليَّات، والقيمة في القِيميَّات؛ وهذا بحسب العرف.
وأمَّا «الأمينُ» فهو الَّذي له يدٌ علىٰ مال غيره بإذنٍ منه أو بولايةٍ من اللَّه - سبحانه وتعالى! -(3). ونفس تلقُّبِه بالأمين يدلُّ علىٰ اِحتفاظه علىٰ المال، بحيث
لايقوم فيه - فعلًا أو تركًا - بما يُؤدِّي إلى إتلافه أو نقصانه؛
فلاحاجة إلى تتميمٍ ذكرَه المشهورُ للقاعدة بقولهم: «إلَّا مع التَّعدِّي والتَّفريط به» - كيوسف بن احمد البحرانيِّ قدس سره(1)، والفقيه السَّبزواريِّ(2)وغيرهما(3)
كالمحقِّق الرَّوحانيِّ، راجع: المُرتقىٰ إلى الفقه الأرقىٰ، ج 1 ص 230؛
والمحقِّق الفقيه الفاضل قدس سره، راجع: القواعد الفقهيَّة، ص 27؛
والسَّيِّد الفقيه القمِّي قدس سره، راجع: مباحث فقهيَّة، ص 308.
-؛ حيث إنَّ التَّعدِّي والتَّفريط يُخرِجُ الأمينَ عن كونه أمينًا. فلاحاجة إليه أصلًا بعد دلالة عنوان «الأمين» عليه.وقد أحسن وأجاد الشَّيخ الأستاذ - جعلَه اللَّهُ في رعيه! - حيث ذكر للقاعدة عنوانَي «الائتمان» و «الأمين مؤتَمَنٌ» من غير ذكرٍ لهذه التَّتمَّة.
«الضَّابط في الاِستئمان وجودُ الإذن من الشَّارع أو المالك في وضع اليد أو التَّصرُّف، فإنَّ كلَّ مقامٍ تحقَّق فيه ذلك فهو داخلٌ في باب الأمانات غير مستعقِبٍ للضِّمان»؛ هذا نصُّ كلام المحقِّق المراغيِّ قدس سره(4)، وهو مع وجازته جامعٌ لجميع ما ينطبق عليه عنوان الأمانة.
لوادَّعىٰ الأمين تلفَ المال، يُقبَل منه ولايحتاج إلى البيِّنة واليمين؛ لأنَّه أمينٌ، فبما أنَّه متَّصفٌ بعنوان الأمين فكأنَّ قولَه يشمل علىٰ البيِّنة والبرهان.
ويدلُّ علىٰ ذلك ما رواه الصَّدوق قدس سره في المقنع(1)عن الصَّادق عليه السلام: «عن المُودَع إذا كان غير ثقةٍ هل يُقبَل قولُه؟، قال: نعم! ولايمين عليه»؛ ورواه عنه الشَّيخ الحرُّ قدس سره(2)، والسَّيِّد الأستاذ البروجرديُّ قدس سره(3).
والحديث وإن كان مرسلًا، إلَّاأنَّه اعتَمَد عليه صاحبُ الجواهر قدس سره(4)، والسَّيِّد المجاهدُ قدس سره(5)، والعلَّامة قدس سره(6)، وصاحب الحدائق قدس سره(7)، وغيرهم من أساطين الإماميَّة، فلاحرج فيه سندًا.
نعم! لوتنازعا فانجرَّ النِّزاع إلى التَّحاكم إلى القاضي فلولم يقم الأمينُ بيِّنةً علىٰ ما فعل، يُحلِفه القاضي؛ لأنَّه لايجوز للقاضي إتمام النِّزاع وختمه إلَّابالبيِّنة أو الأيمان - كما قُرِّر في محلِّه، وليس هيهنا محلُّ تفصيله -.
وبهذا يُجمَع بين الرِّواية المنقولة أعلاه وأمثالها، وبين ما اشتهر بين الأصحاب -
وكأنَّهم أرسلوها إرسال المسلَّمات - من أنَّه ليس علىٰ الأمين إلَّااليمين(1).
هل يُشتَرط في صدق عنوان «الأمين» الوثاقةُ؟(2).
فيه وجهان؛ والأقوىٰ هو اختيار قولٍ ثالثٍ في المقام، وهو اشتراط أن لايكون بمتَّهمٍ. فلوكان متَّهمًا بعد أن كان أمينًا لاتُتَّصفُ يدُه باليد الأمانيِّ، بل تُتَّصف بالغصبيِّ؛ فلولم يُرجِع المالَ إلى صاحبه للحاكم أن يأخذ عنه المال ويُرجِعه إلى صاحبه، وهذا مشروطٌ بألَّا يحلف علىٰ الأمانة في المال؛
أمَّا إذا كان متَّهمًا قبل الأخذ والإعطاء فلايجوز للمالك إعطاؤُه المالَ، ولايجوز له أخذه. وحينئذٍ فلوادَّعىٰ التَّلفَ لايُسمَع منه أصلًا، إلَّابعد الحلف.
ولقائلٍ أن يقول: مَن أعطىٰ مالَه لفاسقٍ متَّهمٍ فأنكره ولايردُّه إليه، فهو كمَن أعرض عن ماله، فلاضمان حينئذٍ علىٰ الأمين الفاسق المتَّهَم.
ولعلَّ قضيَّة حديث إسماعيل هي هذه؛ وفيه ورد: أنَّ إسماعيل بن الإمام جعفرٍ الصادقِّ عليه السلام أعطىٰ ماله شاربَ خمرٍ مع أنَّ أباه عليه السلام نهاه عنه، فأستهلك الشَّاربُ مالَه، فاشتكىٰ إلى أبيه منه. فقال عليه السلام: «لاتَأْتَمِنْ شاربَ الخمر، فإنَّ اللَّه - عزَّ وجلَّ! - يقول في كتابه: «وَ لاٰ تُؤْتُوا اَلسُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ»(3)، فأيُّ سفيهٍ أَسْفَهُ من شارب الخمر؟»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(4)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(5)وجعله أوَّل المجلسيَّين قدس سره حسنًا
كالصَّحيح(1)، وثانيهما قدس سره حسنًا(2)، واحتمل البحرانيُّ قدس سره صحَّتَه(3)، وبعضُهم نصَّ علىٰ صحَّته(4).
وهذا يدلُّ علىٰ أنَّ الدَّعوة عليه لا فائدة فيها!، ولوسأل من اللَّه - جلَّ وعلا! - أن يعطيه عِوَضَه لايُستجابُ له!.
فانظر إلى هذه الطَّائفة من الرِّوايات الَّتي نرويها هيهنا لترىٰ صحَّة المختار:
قال النَّبيِّ صلى الله عليه و آله فيما رواه سيِّدُنا أبوعبداللَّه الصَّادق عليه السلام: «من ائتمَنَ شارب الخمر علىٰ أمانةٍ بعد علمه فليسَ له علىٰ اللَّه ضَمانٌ، ولاأجرَ له ولاخلفَ»؛ فيما رواه الكُلينيُّ قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره(6)، والمحقِّق الفيضُ قدس سره(7)، والحرُّ قدس سره(8).
والسَّند صحيحٌ عندنا، لوقوع احمد بن محمَّدٍ قدس سره فيه أوَّلًا، وابن محبوبٍ قدس سره ثانيًا؛ ولاأقلَّ من كونه القويَّ كالصَّحيح، كما عن أوَّل المجلسيَّين قدس سره(9)والظَّاهر أنَّ
1) . راجع: روضة المتَّقين، ج 9 ص 294.
2) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 409.
3) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 20 ص 369.
4) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 138.
5) . راجع: الكافي، ج 5 ص 300 الحديث 3.
6) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 231 الحديث 1009.
7) . راجع: الوافي، ج 18 ص 955 الحديث 18655.
8) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 84 الحديث 24209.
9) . راجع: روضة المتَّقين، ج 7 ص 140.
ثانيهما قدس سره كان ناظرًا إلى أبي الرَّبيع فحَكَم بكون السَّند مجهولًا، تارةً في المرآة(1)وأُخرىٰ في الملاذ(2).
ولاينقضي العجبُ من رأيه الشَّريف هذا!.
وعن مسعدة بن زيادٍ قال: «سمعتُ أباالحسن موسىٰ عليه السلام يقول لأبيه: يا أبة! إنَّ فلانًا يريد اليمن، أفلا أُزَوِّدَهُ بمالٍ ليشتري لي به عَصْبَ اليمن؟، فقال: يا بُنَيَّ! لاتفعل!، فقال: ولِمَ؟ قال: لأنَّها إن ذهبتْ لم تُؤجَر عليها ولَم تخلف عليك، لأنَّ اللَّه - عزَّ وجلَّ! - يقول: «وَ لاٰ تُؤْتُوا اَلسُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً»(3)، فأيُّ سفيهٍ أسفَهُ بعد النِّساء من شارب الخمر!. يا بُنيَّ! إنَّ أبي حدَّثني عن آبائه عليهم السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: من ائتمَنَ غيرَ أمينٍ فليس له علىٰ اللَّه ضَمانٌ، لأنَّه قد نهاه اللَّه - عزَّ وجلَّ! - أن يأتَمِنَه»؛ فيما رواه عبداللَّه بن جعفرٍ قدس سره(4)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(5)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(6)بسندٍ صحيحٍ.
وقريبٌ منه ما رواه الرَّاونديُّ قدس سره(7)مرسلًا.
وهاتان الرِّوايتان صريحتان في الدِّلالة علىٰ المطلوب.
كما وأنَّ قوله عليه السلام: «ليس لك أن تأتمن الخائنَ ولاتتَّهم من ائتَمَنتَ» - وقد أشرنا إليه آنفًا - يدلُّ علىٰ ذلك، إلَّاأن يُقال: إنَّ النَّهيَ تكليفيٌّ، لا وضعيٌّ.
وبالجملة إنَّ الرِّوايات لمَّا كانت إرشاديَّةً فلادلالة لها أزيد من حكم العقل والعقلاء؛ وبحكم العقل نقول: إنَّ ودعَ المال عند الخائن كأنَّه يساوق هدره، فلاضمان إذن علىٰ الخائن.
الظَّاهر أنَّ المراد ب «الوثاقة» هيهنا هي الوثاقة في حفظ المال، لاالوثاقة في الأعمال العباديَّة؛ كما أنَّ الوثاقة في الرِّواية هي الوثاقة في النَّقل، والوثاقة في العِرض هو الأمين في ذلك؛ فكُنْ علىٰ بصيرةٍ من ذلك حتَّى لاتختلط بين العناوين المشتركة المبحوث عنها في المسائل المتعدِّدة.
لاإشكال في أنَّ التَّعدِّي في الأمانة يوجب الضَّمان، كما تدلُّ علىٰ ذلك سيرةُ العقلاء؛ وتؤيِّده رواياتٌ كثيرةٌ نشير إلى ثِنتين منها هيهنا:
عن الحسن الصَّيقَل قال: «قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: ما تقولُ في رجلٍ اكترىٰ دابَّةً إلى مكانٍ معلومٍ فجاوزه؟، قال يُحسَبُ له الأجر بقدر ما جاوزه، وإن عَطِبَ الحمارُ فهو ضامنٌ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4)
بسندٍ موثَّقٍ كما عن المجلسيِّ قدس سره في المرآة(1)، وإن جعلَه تارةً أُخرىٰ ضعيفًا(2).
وعن الحلبيِّ قال: «سألتُ أباعبداللَّه عليه السلام عن رجلٍ تكارىٰ دابَّةً إلى مكانٍ معلومٍ فنفقتْ الدَّابَّةُ؟، قال: إن كان جاز الشَّرط فهو ضامنٌ، وإن دخل واديًا لم يوثِقها فهو ضامنٌ، وإن سقطَتْ في بئرٍ فهو ضامنٌ لأنَّه لم يستوثِق منها»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(3)، والصَّدوق قدس سره(4)، والشَّيخُ قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)بسندٍ صحَّحَه المجلسيُّ قدس سره(7)وهو مرسلٌ في التَّهذيب - كما عنه أيضًا(8)-؛ وقد صحَّحه صاحب الجواهر قدس سره(9)، والفقيه الخوانساريُّ قدس سره(10)، وسيِّدُنا الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره(11)، وغيرهم.
وكيف كان فالسَّند عندنا صحيحٌ لا اِرتياب في صحَّته.
وكذلك دلالةُ الرِّوايتين علىٰ المطلوب واضحةٌ، حيث إنَّ الإمام الصَّادق عليه السلام
1) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 388.
2) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 404.
3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 289 الحديث 3.
4) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 255 الحديث 3922.
5) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 214 الحديث 939.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 121 الحديث 24274.
7) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 389.
8) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 405.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 27 ص 215.
10) . راجع: جامع المدارك، ج 3 ص 458.
11) . راجع: كتاب البيع، ج 5 ص 292.
جعل التَّعدِّي في الأمانة موجبةً للضِّمان، بوضوحٍ تامٍّ.
فمن هذه الجهة لاإشكال ولاكلام.
إنَّما الإشكال في ما يصدق عليه عنوان التَّعدِّي في الأمانة. والظَّاهر أنَّ المراد من التَّعدِّي أن يعمل الأمينُ فيه ما لايكون متعارَفًا من التَّصرُّفات في مال الغير، فمَن تصرَّف في أمانةٍ بما لايناسب - كأنَّه وضعه في مكانٍ لايناسبه، أو تجاوز عما تعهَّده ونحو ذلك - يُعدُّ متعدِّيًا في الأمانة؛ كما تدلُّ علىٰ ذلك قوله عليه السلام في مكاتبة محمَّد بن الحسن قال: «كتبتُ إلى أبي محمَّدٍ عليه السلام: رجلٌ دفَع إلى رجلٍ وديعةً فوضعها في منزل جاره فضاعَتْ، هل يجب عليه إذا خالَف أمره وأخرجها عن ملكه؟، فوقَّع عليه السلام: هو ضامنٌ لها إن شاء اللَّهُ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3).
والسَّند صحيحٌ، كما عن المجلسيِّ الأوَّل قدس سره(4)، وثانيهما قدس سره، في المرآة(5)والملاذ(6)، والبحرانيِّ قدس سره(7)، وصاحب الرِّياض قدس سره(8)، وغيرهم.
ولايضرُّه كونه مكاتبةً، لأنَّه ليس موضعًا للتَّقيَّة حتَّى يقال: لاتتمُّ فيه مقدَّمات
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 239 الحديث 9.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 180 الحديث 791.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 81 الحديث 24206.
4) . راجع: روضة المتَّقين، ج 7 ص 360.
5) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 290.
6) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 319.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 439.
8) . راجع: رياض المسائل، ج 9 ص 423.
الحكمة؛ فتفطَّنْ!.
كما وتدلُّ عليه صحيحة أبي ولَّادٍ - كما عن المجلسيِّ الأوَّل(1)، والثَّاني(2)- الَّتي تدلُّ علىٰ ضمان من جاوز عن محلٍّ آجَرَ بغلًا له؛ ونصُّها: «قال: اكتَرَيتُ بغلًا إلى قصر ابن هبيرة ذاهبًا وجائيًا بكذا وكذا، وخرجتُ في طلب غريمٍ لي فلمَّاصِرتُ قربَ قنطرة الكوفة خُبِّرتُ أنَّ صاحبي توجَّه إلى النِّيل، فتوجَّهتُ نحوَ النِّيل، فلمَّا أتيتُ النِّيل خُبِّرتُ أنَّه توجَّه إلى بغداد، فأتبَعتُه فظفرتُ به ورجعتُ إلى الكوفة - إلى أن قال: - فأخبَرتُ أباعبداللَّه عليه السلام، فقال: أرىٰ له عليكَ مثل كراء البغل ذاهبًا من الكوفة إلى النِّيل، ومثل كراء البغل من النِّيل إلى بغداد، ومثل كراء البَغل من بغداد إلى الكوفة وتُوَفِّيه إيَّاه» -... الخبر -؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والفيض قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6).
كما أنَّ العارية يجوز فيها التَّصرُّف بالمعتاد، ولوتلف فليس الأمين بضامنٍ. وأمَّا إذا تجاوز عن المتعارَف المعتاد أو أعطىٰ ذمَّة العارية إلى غيره فأتلفه، فهو ضامنٌ؛ كما أنَّ من أخذ المال مضاربةً لبيع الحنطة فأخذ الشَّعيرَ فتلف، فهو ضامنٌ بالنِّسبة إلى المال الَّذي أخذه بالمضاربة.
ونظائر هذه الأمثلة كثيرةٌ في الرِّوايات، وجميعُها تُرشِد إلى حكم العقل المُمضىٰ من قِبَل الشَّارع.
قد قُسِّمت الأمانة - و أشار إلى هذا التَّقسيم المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(1)، والبحرانيُّ قدس سره(2)، والوحيد الفريد قدس سره(3)، وصاحب الجواهر قدس سره(4)، وغيرهم -:
إلى الأمانة المالكيَّة - كما في أبواب العارية، والإجارة، والمضاربة، الَّتي يوضع فيها المال عند غير المالك مشترطًا فيه حفظُه -؛
وإلى الأمانة الشَّرعيَّة - كوضع المال عند الحاكم، أو المأذون من قِبَله، وكاللَّقيط الَّذي يكون عند الحاكم ليؤدِّيه إلى صاحبه إن وجَدَه(5)-.
ولكنَّ التَّحقيق أنَّ الأمانة لاتَقسيم فيها، بل هي قسمٌ واحدٌ فقط؛ لأنَّ الأمانة الشَّرعيَّة هو الأمانة المالكيَّة أيضًا، لأنَّ الشَّارع يُعدُّ وكيلًا لصاحب المال - كما في اللَّقيط -؛
فالمقام نظير من يأخذ الأمانة من وكيلِ صاحب المال ليحوزه له، فاليد في جميع الموارد يدُ أمانةٍ، والأمانة أمانةٌ مالكيَّةٌ.
فالتَّقسيم وإن لم يكن فيه إشكالٌ، إلَّاأنَّه لغوٌ لافائدة فيه.
قد اشتهر بين الأصحاب تخصيصُ هذه القاعدة بموارد(1)
وأشار إليها المحقِّق المراغيُّ قدس سره أيضًا؛ راجع: العناوين، ج 2 ص 483.
منها: ضمان الدَّلَّال إذا كان المال عنده ليبعه من قِبَل مالكه، فلوتلف المال عنده فقيل: إنَّ الدَّلَّال ضامنٌ؛ كما عن الرِّجاليِّ الكبير ابن داود الحلِّي قدس سره(2)
إن تلفَ المبتاعُ وهو في يَدِه وهكذا إن لم يكُن من جَيِّدِه
راجع: الجَوهَرة في نظم التَّبصِرَة، ص 109.
، والفاضل المقداد قدس سره(3)خلافًا لصاحب الشَّرائع قدس سره(4)، ومفيد الأُمَّة قدس سره(5).ومنها: تلف المبيع قبل القبض، فيقال: إنَّ البائع ضامنٌ؛ كما عن الشَّيخ قدس سره(6)، وابن إدريسٍ قدس سره(7)، والفاضل الآبي قدس سره(8).
1) . قد بحث المحقِّق البجنورديُّ قدس سره عن جملةٍ من هذه الموارد، وعنون له بقوله: «اُستُشكِل في عموم هذه القاعدة بموارد...»؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 17؛
2) . قال: وليس مضمونًا علىٰ الدلَّال إلَّا مع التَّفريطِ والاِهمالِ
3) . راجع: المهذَّب البارع، ج 2 ص 395.
4) . راجع: شرائع الإسلام، ج 1 ص 340.
5) . راجع: المقنِعة، ص 94.
6) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 86.
7) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 249.
8) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 459.
ومنها: تلف المبيع بالعقد الفاسد، فلوتلف فهو للبائع دون المشتري؛ كما عن العلَّامة قدس سره(1)، والفاضل المقداد قدس سره(2).
ومنها: تلف المال في يد الغاصب مع إذن صاحب المال بذلك، فقيل: الغاصب ضامنٌ؛ كما عن الشَّيخ قدس سره(3)، وصاحب الجواهر قدس سره(4)، وبعض محقِّقي المعاصرين قدس سره(5).
ومنها: موت المريض إثْرَ معالجة الطَّبيب لوكانت فاسدةً(6)، فقيل: الطَّبيب ضامنٌ. كما عن الفقيه الخوانساريِّ قدس سره(7).
أقول:
أوَّلًا: قاعدة الأمين مؤتمنٌ قاعدةٌ عقليَّةٌ، والقواعد العقليَّة لاتُخَصَّص أصلًا(8)، بل لا معنىٰ لورود التَّخصيص فيها.
وثانيًا: جريان القاعدة في جميع هذه الموارد ثابتٌ عندنا، فلاضمان فيها أصلًا.
وتفصيل ذلك خارجٌ عن المقام حيث يرجع كلُّ واحدٍ من المسائل إلى موضعه من
1) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 16 ص 368.
2) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 32.
3) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 363.
4) . راجع: جواهر الكلام، ج 27 ص 155.
5) . راجع: الرَّسائل الفقهيَّة - للمحقِّق البلاغي قدس سره -، ص 74.
6) . أقول: لتفصيل المسألة وصورها انظر: تحقيقٌ في القواعد الفقهيَّة، ص 36.
7) . راجع: جامع المدارك، ج 6 ص 188.
8) . قد بحث عن قاعدة «القاعدةُ العقليَّة لاتُخصَّص» الشَّيخ الشَّهيد النُّوري قدس سره في منظومةٍله سمَّاها: دُرَرُ التَّنظيم، وهي لم تُطبَع بَعدُ. وانظر: مقدَّمة محقِّق رسالته ضمان اليد، ص 13.
أبواب الفقه؛ فليُطلَب من مظانِّه!.
سنبحث عن قاعدة الإتلاف القائلة بأنَّ: «من أتلف مال الغير فهو له ضامنٌ».
والفارق بين القاعدتين اِختصاص ما نحن بصدده الآن بالأمين المؤتَمَن، فلاإتلاف هيهنا أصلًا؛ فتفطَّنْ من هذا(1)!.
فإنَّهما وإن لم يصرِّحا بالقاعدة، لكن كونهما ناظرًا في هذا الحكم إليها واضحٌ للمُتَدَرِّب في الصِّناعة.
وظاهره أنَّه اعتمد علىٰ القاعدة هيهنا. وانظر إلى ما ذكره شُرَّاح العروة في
المقام، كالسَّيِّد الفقيه الحكيم قدس سره(1)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيِّ قدس سره(2)
أقول: وانظر أيضًا إلى ما ذكره الفقيه الإشتهارديُّ قدس سره؛
راجع: مدارك العروة، ج 27 ص 182.
، وغيرهم.فأضاف المحقِّق الثَّاني قدس سره وقال: «وقد تقرَّر أنَّه وكيل الرَّاهن في التَّصرُّف خاصَّةً... فإذا تلف بغير تفريطٍ كان من مال الرَّاهن، إذ لاضمان علىٰ الأمين إذا لم يفرط»(3).
[2:] قاعدة الإتلاف(1)
القاعدة يُقال لها: «قاعدة اليد غير الأمانيِّ»؛
ويُقال لها: «قاعدة اليد الضَّمانيِّ» أيضًا(2).
ويُقال لها: «قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامنٌ»(3).
1) . فصَّل كثيرٌ من الأعلام الَّذين كتبوا في القواعد الفقهيَّة بين هذه القاعدة وقاعدة «علىٰ اليد ما أخذتْ حتّىٰ تؤدِّيه»؛ لكنَّنا جمعنا بين هاتين القاعدتين هيهنا، لاشتراكهما في كثيرٍ من المباحث.
2) . عنوانان مشهوران للقاعدة، وقد كَثُر استعمالهما في المصادر الفقهيَّة.
3) . أقول: كما ذكره الفقيه المحقِّق الآية مكارم الشِّيرازي؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 194.
ويُقال لها: «قاعدة الضَّمان بالإتلاف»(1).
ويُقال لها: «قاعدة مَن أتلف شيئًا كان عليه قيمته»(2).
ويُقال لها: «قاعدة المُباشر للإتلاف ضامنٌ بلاخلافٍ»(3).
ويُقال لها: «قاعدة مَن أتلَفَ»(4).
ويُقال لها: «قاعدة المباشر ضامنٌ وإن لم يتعمَّد»(5).
مفاد القاعدة: أنَّ ما في يد الغير غصبًا - أي: بلاإجازةٍ من مالكه ورضىً منه - لوتلِف فمَن المالُ في يده ضامنٌ له لابدَّ له من غرامته. وقولنا «لوتلف» - بالإطلاق - إشارةٌ إلى أنَّه لايُشترَط في صدق الإتلاف الإسرافُ في المالِ؛ كما عن الخليل، قال: «أتلف فلانٌ مالَه: أفناه إسرافًا»(6)وعن الأزهريِّ(7)أيضًا. وعن الأَزْدِيِّ: «أتلَفَ صحَّتَه: أنهَكَها بالإسراف في الطَّعام
1) . هذا عنوان القاعدة عند المحقِّق المراغي قدس سره؛ راجع: العناوين، ج 2 ص 432.
2) . هذا عنوان القاعدة عند الشَّيخ المفيد قدس سره؛ راجع: المُقنعة، ص 769.
3) . هذا عنوان القاعدة عند العلَّامة الحلِّي قدس سره؛ راجع: تذكرة الفقهاء - الطَّبعة الحجريَّة -، ج 1 ص 374.
4) . هذا عنوان القاعدة عند صاحب الجواهر قدس سره؛ راجع: جواهر الكلام، ج 37 ص 60.
5) . هذا عنوان القاعدة عند الشَّيخ محمَّدحسين آل كاشف الغطاء قدس سره؛ راجع: تحرير المجلَّة، ج 1 / القسم الأوَّل / ص 58.
6) . راجع: العين، ج 8 ص 121.
7) . راجع: تهذيب اللُّغة، ج 14 ص 202.
والشَّراب وغيرهما»(1).
واِشتراط الإسراف في الإتلاف يُرىٰ فيما ذكره ابنُمنظورٍ(2)، والزَّبيدِيِّ(3)أيضًا؛
بل يكفي في صدق الإتلاف التَّصرُّف في المال بهلاكه - بإفناء أصله، أو تنقيص قيمته، أو غيرهما؛ وسنشير إلى أقسام الإتلاف -. قال النَّشوان الحِميَريُّ: «أتلَف فلانٌ مالَه: إذا أفناه»(4)كما عن الصَّاحب إسماعيل، قال: «التَّلفُ: عَطَبٌ وهلاكٌ...
وأتلَفَ مالَه»(5)وعن ابنِسيدَة: «تَلِفَ تلَفًا... هلَك، وأتلَفَ مالَه»(6)وعن الزَّمخشريِّ(7)ومحمود إسماعيل صيني(8)أيضًا. وعن بعض معاصرينا بعد ذكر القاعدة:
«أهلَكَه: أفناه، أعطَبَه»(9).
وكيف كان فالمشاهَدُ في استعمالات الفقهاء - وسنُشيرُ إليها - عدمُ اِشتراط الإسراف في صدق الإتلاف، بل يكفي فيه ضياعُ المال الشَّامل لجميع أقسام الضِّياع.
ولافرق هيهنا بين أن يكون الإتلاف عن عمدٍ، أو عن خطإٍ؛ لصدق الإتلاف
1) . راجع: كتاب الماء، ج 1 ص 196.
2) . راجع: لسان العرب، ج 9 ص 18.
3) . راجع: تاج العروس، ج 12 ص 101.
4) . راجع: شمس العلوم، ج 2 ص 769.
5) . راجع: المُحيط في اللُّغة، ج 9 ص 435.
6) . راجع: المحكم والمُحيط الأعظم، ج 9 ص 490.
7) . راجع: أساس البلاغة، ص 63.
8) . راجع: المِكنَز، ص 3.
9) . راجع: معجم الأفعال المتداولة، ص 81.
علىٰ الصُّورتين جميعًا(1).
هذه القاعدة كقاعدة الاِئتمان - الَّتي بحثنا عنها(2)- من القواعد الضَّروريَّة عند العقلاء - ولذلك اُدُّعي أنَّ معنىٰ القاعدة علىٰ إجمالها ظاهرٌ لاغبار عليه(3)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 193.
-؛ ولذلك أيضًا مِن أصحاب كتب القواعد مَن لايذكر شيئًا حول مفادها، بل أخذ في بيان مدارك القاعدة(4)ومنهم مَن لم يذكر القاعدة أصلًا(5)-؛بل إنَّها أوضح من الاِئتمان؛ فلذلك قد جعلها العقلاء من مصاديق الظُّلم لولم يرد الغاصبُ - بمعناه العامِّ - عوضَ ما أتلفه.
فمستند القاعدة ودليلها هي العرف المعبَّر عنه بسيرة العقلاء، وهي حجَّةٌ في المقام قطعًا.
1) . أقول: وانظر: القواعد - للمصطفوي -، ص 19.
2) . راجع: ما مضىٰ في البحث عن القاعدة الرَّقم 8.
3) . أقول: هذا كما عن بعض كبار المعاصرين؛
4) . أقول: فانظر علىٰ سبيل المثال: الأنوار البَهيَّة، ص 199؛ القواعد الفقهيَّة - في موسوعة الفقه -، ص 119.
5) . فانظر علىٰ سبيل المثال: مباني الفقه الفعَّال؛ عوائد الأيَّام.
نعم! قد تمسَّك الفقهاء - كالعلَّامة قدس سره(1)، والوحيد الفريد قدس سره(2)، والشَّيخ حسن كاشف الغطاء قدس سره(3)، وصاحب الجواهر قدس سره(4)، والفقيه المامقانيِّ قدس سره(5)، وغيرهم - لها بقوله - تعالى! -: «فَمَنِ اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ»(6)، ولا بأس به.
نعم! قد خفيَ الوجهُ في هذا الَّتمسُّك علىٰ بعضهم فلم يتعرَّض له، كالرَّاونديِّ(7)، والجرجانيِّ(8)، وابنِالعربي(9)، والجصَّاص(10)، وكياالهراسي(11). أمَّا المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره فقد قال بعد ذكر الكريمة الشَّريفة: «ففيها دلالةٌ... علىٰ وجوب الرَّدِّ علىٰ الغاصبِ المثلَ أو القيمةَ، وتحريم المنع والاِمتناع عن ذلك»(12)وقد أشار إلى ما يقرُب منه
1) . راجع: تذكرة الفقهاء - الطَّبعة الحجريَّة -، ج 1 ص 374.
2) . راجع: حاشيَة مجمع الفائدة والبرهان، ص 625.
3) . راجع: أنوار الفقاهة - كتاب الكِفالة -، ص 5.
4) . راجع: جواهر الكلام، ج 37 ص 39.
5) . راجع: غاية الآمال، ج 2 ص 268.
6) . كريمة 194 البقرة.
7) . راجع: فقه القرآن، ج 1 ص 332.
8) . راجع: آيات الأحكام، ج 2 ص 7.
9) . راجع: أحكام القرآن، ج 1 ص 112.
10) . راجع: أحكام القرآن، ج 1 ص 325.
11) . راجع: أحكام القرآن، ج 1 ص 86.
12) . راجع: زبدة البيان، ج 1 ص 310.
الفاضلُ المقداد قدس سره في الخامس من الأحكام الَّتي استفادها من الكريمة(1)وانظر إلى ما ذكره القُرطبيُّ(2)، وشيخ الطَّائفة(3)في المقام.
والاستدلال بالكريمة علىٰ حجِّيَّة القاعدة قديمٌ، وأوَّل من تمسَّك بها لها - فيما أعلم - هو الشَّيخ قدس سره(4)، ثمَّ ابنُإدريسٍ قدس سره(5). فالاستدلال هذا يُعدُّ من مواريث قدماء الأصحاب.
ثمَّ من البيِّن أنَّ المراد بالاِعتداء بعد الاِعتداء هو الضَّمان، فيثبت له ما تثبت له.
فلايقال: «الإتلاف في حال النَّوم مثلًا يوجب الضَّمان، للقاعدة، مع أنَّه يمكن منع تحقُّق الاِعتداء مع عدم التَّوجُّه والإلتفات»(6)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه الآية الفاضل اللَّنكراني -، ص 46.
حيث إنَّ من موارد الاِعتداء هو اليد غير الضَّماني، ولافرق حينئذٍ بين الحالات الطَّارئة علىٰ المُعتَدِي - من النَّوم وغيره -.
وللإشكال تحريرٌ آخر،(7)
راجع: الأنوار البَهيَّة، ص 199.
، والجواب نفس الجواب.وبنفس الجواب يُجاب عمَّا ذكره بعضُهم أيضًا حيث قال عن الاستدلال بآية
السَّيِّئةِ(1): «إنَّ المنصَرَف من السَّيِّئة خصوص موضع العَمْد»(2)
راجع: القواعد - للمصطفوي -، ص 19.
فتفطَّنْ من هذا!.ويمكن الَّتمسُّك له بمفهوم قوله - تعالى! -: «مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ».
والمفهوم المُشار إليه هيهنا وإن كان مفهوم اللَّقب، إلَّاأنَّ العُرف يؤيِّد وجود المفهوم في أمثال هذا المورد(3)
وهناك موارد خاصَّة يشهد سوق الكلام فيها بكون اللقب حجَّةً؛ وهذه موارد خاصَّة لا كما قال المحقِّق الفقيه العامليُّ قدس سره: «مفهوم اللَّقب في عبارات الفقهاء حجَّةٌ»؛ راجع: مفتاح الكرامة، ج 12 ص 161.
.وما قيل: «إنَّ الآية تختصُّ بمورد الحكومة فقط، ضرورةَ أنَّه لايجوز لأحدٍ أن يتعدَّىٰ علىٰ من يتعدِّي عليه إلَّابمراجعة الحاكم» - فإمَّا أن لايجوز الاِعتداء علىٰ المُعْتَدي أصلًا، أو يجوز مع عدم إمكان الوصول إلى الحاكم. وكيف كان فللحاكم مدخليَّةٌ في الاِقتصاص، كما عن ابن إدريسٍ قدس سره(4)، وفخر المحقِّقين قدس سره(5)، والشَّيخ مفلح الصَّيمُريِّ قدس سره(6)، وثاني الشَّهيدَين قدس سره(7)، والفاضل الأصفهانيِّ قدس سره(8)، وغيرهم -؛
1) . كريمة 40 الشُّورىٰ.
2) . أقول: كما عن بعض معاصرينا؛
3) . وانظر عن عدم حجِّيَّة مفهوم اللَّقب من وجهة نظر الفُقهاء: تمهيد القواعد، ص 117.
4) . راجع: السَّرائر، ج 2 ص 480.
5) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 4 ص 346.
6) . راجع: غاية المرام، ج 4 ص 254.
7) . راجع: مسالك الأفهام، ج 14 ص 69.
8) . راجع: كشف اللِّثام، ج 10 ص 133.
وإن كان صحيحًا، إلَّاأنَّ البحث إذن يختصُّ بمَن بيده انتصار المظلوم - وهو الحاكمُ -، وليس البحث فيه، بل هو في مقام بيان الحكم الشَّرعيِّ الأوَّلي في المقام - وهو اعتداء المظلوم علىٰ من ظلمه بالاِعتداء عليه - وإن كان ذلك بيد الحاكم حذرًا عن الهَرَج والمَرَج؛ وهذا كما في قوله - تعالى! -: «اَلزّٰانِيَةُ وَ اَلزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ»(1)، وقوله - تعالى! -: «اَلسّٰارِقُ وَ اَلسّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا جَزٰاءً بِمٰا كَسَبٰا نَكٰالاً مِنَ اَللّٰهِ»(2)- كما أشار إلى تخصيص الآيتَين بالحاكمِ كثيرٌ من الأعلام، فمنهم الشَّيخ الصَّيمُريُّ قدس سره(3)، والشَّهيد الثَّاني قدس سره(4)، والمحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(5)، وغيرهم -.
فدلالة الآية إذن على المطلوب تامَّةٌ واضحةٌ.
ويمكن الَّتمسُّك لها بآية المعاقبة(6)أيضًا - كما عن بعضهم(7)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 195.
-؛ والكلام فيها نفس الكلام في آية الاِعتداء، بل الاِعتداء أظهر في المثام منها، فلانبحث عنها حذرًا عن التَّطويل.كما وأنَّهم تمسَّكُوا بجملةٍ من الرِّوايات، كقول النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله في صحيحة أبي ولَّاد - وقد استفاضَتْ بل تواترَتْ من العامَّة، فرواه منهم جمعٌ، كالهيثميِّ(1)، والقُضاعيِّ(2)، والسُّيوطيِّ(3)، والمَناويِّ في شرحه عليه(4)، والمُتَّقي الهندي(5)، وغيرهم -؛ والخاصَّة، في مصادرهم الفقهيَّة، لا الرِّوائيَّة؛ كالشَّيخ قدس سره(6)، وابن برَّاجٍ قدس سره(7)، والرَّاونديِّ قدس سره(8)، وابن فَهْدٍ قدس سره(9)، وغيرهم -: «حرمةُ مال المسلم كحرمة دمِه»،
وقريبٌ منه ما رواه كثيرٌ من أعلام المحدِّثين - كالكُلَينيِّ قدس سره(10)، والصَّدوق قدس سره(11)، والشَّيخ قدس سره(12)، وصاحب الوسائل قدس سره(13)، وغيرهم - أنَّ
1) . راجع: مجمع الزَّوائد، ج 4 ص 172.
2) . راجع: مُسند الشِّهاب، ج 1 ص 137.
3) . راجع: الجامع الصَّغير، ج 1 ص 573 الحديث 3703.
4) . راجع: فيض القدير شرح الجامع الصَّغير، ج 3 ص 505.
5) . راجع: كنز العُمَّال، ج 1 ص 93 الحديث 404.
6) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 59.
7) . راجع: المهذَّب، ج 1 ص 434.
8) . راجع: فقه القرآن، ج 2 ص 74.
9) . راجع: المهذَّب البارِع، ج 4 ص 246.
10) . راجع: الكافي، ج 2 ص 359 الحديث 2.
11) . راجع: الفقيه، ج 4 ص 377 الحديث 5781.
12) . راجع: الأمالي، ص 537.
13) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 12 ص 281 الحديث 16308.
النَّبيَّ صلى الله عليه و آله قال: «سِبابُ المؤمن فسقٌ... وحرمة ماله كحرمة دمه»؛ بسندٍ جعله أوَّل المجلسيَّين قدس سره موثَّقًا كالصَّحيح(1)، نفس ما فعله ولَدُه العظيمُ قدس سره(2).
وقوله صلى الله عليه و آله أيضًا - فيما رواه العامَّة، كابن ماجَة(3)، والتِّرمِذيَّ(4)، وأبي داودٍ(5)، واحمد(6)، والبَيهقيِّ(7)والخاصَّة أيضًا، كابن أبي جمهورٍ(8)، والمحدِّث النُّوري(9)، وكثيرٍ من الفقهاء، كالمرتضىٰ(10)، والشَّيخ(11)، وابن زهرة(12)، والعلَّامة الحلِّي(13)، وغيرهم -: «علىٰ اليدِ ما أخذَتْ حتَّى تؤدِّي». وقد أخذ الأصحاب هذا القول مورد القبول، بل أرسلوه إرسال المسلَّمات، فتمسَّكوا به في عديدٍ من المسائل الفقهيَّة.
ولانحتاج إلى الإكثار من الرِّوايات الدَّالَّة علىٰ المقصود، لوضوح معنى القاعدة،
1) . راجع: روضة المتَّقين، ج 9 ص 282.
2) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 5.
3) . راجع: السُّنَن، ج 2 ص 802 الحديث 2400.
4) . راجع: السُّنَن، ج 3 ص 566 الحديث 1266.
5) . راجع: السُّنَن، ج 3 ص 296 الحديث 3561.
6) . راجع: مسند احمد، ج 5 ص 8.
7) . راجع: السُّنَن الكبرىٰ، ج 6 ص 95.
8) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 1 ص 224 الحديث 106.
9) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 17 ص 88 الحديث 20819.
10) . راجع: الاِنتصار، ص 317.
11) . راجع: الخلاف، ج 3 ص 228 المسألة 17.
12) . راجع: غنيَة النُّزُوع، ص 289.
13) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 13 ص 259.
وكونها متَّفقًا عليها بين العقلاء - كما أشرنا اليه -؛
ولا أيضًا إلى تقسيم هذه الرِّوايات إلى طوائف مختلفة - كما قسَّمها بعضُهم إلى عشرة طوائف(1)-، لاشتراك المقصود عن الجميع.
وهذه الرِّوايات وإن ورد كلُّ واحدٍ منها في موردٍ يخُصُّه، لكن بملاحظة المجموع لايبقىٰ شكٌّ في عدم ثبوت الخصوصيَّة لهذه الموارد؛ فالمجموع يدلُّ علىٰ المقصود(2).
وتمسَّكوا بالإجماع أيضًا، واِنعقاد الإجماع علىٰ مفاد القاعدة لا ريب فيه؛ يظهر ذلك بالنَّظر في ما استندوا فيه عليها - قال السَّيِّد الحكيمُ قدس سره: «استفاض نقلُ الإجماع صريحًا وظاهرًا عليه في محكيِّ جماعةٍ»(3)وقد حُكي كونُ القاعدة من مسلَّمات الفقه بعد تسالم جميع فِرَق المسلمين عليها(4)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه الآية الفاضل اللَّنكراني -، ص 45.
وعن بعضهم: اِتِّفاق المسلمين بل «غيرهم أيضًا من سائر الملل في كلِّ مصرٍ وعصرٍ»(5)راجع: تحقيقٌ في القواعد الفقهيَّة، ص 14 ثمَّ 16.
عليها؛ «وربَّما يُقال أنَّها من ضروريَّاتالدِّين»(1)-.
نعم! كون الإجماع هذا حجَّةً برأسه غير واضحٍ، بل الظَّاهر عدمُها، لوضوح أنَّ الإجماع هذا محتمَل المدرك لو لم نقل بكونه مقطوعَه(2)
وانظر: الأنوار البَهيَّة، ص 199.
.وتمسَّكوا بسيرة العقلاء أيضًا، وانعقادها علىٰ مفادها أيضًا من المسلَّمات بلاخدشةٍ فيه.
والسِّيرة إن لم تكن في المقام أظهر منها في قاعدة اليد وقاعدة أصالة الصِّحَّة وغيرها، فلاأقلَّ من أنَّها ليستْ بأقلٍّ منها. ولكنَّه - كما أومأنا إليه في مبحث قاعدة الاِتلاف - لمَّا استقلَّ العقل بحكم القاعدة جرَتْ عليه سيرة العقلاء، فجميع أدلَّة الباب مأخوذٌ منها مؤيِّدٌ لها.
فالقاعدة إذن لاإشكال فيها دلالةً ودليلًا، بملاحظة مجموع الأدلَّة وإن كان في بعضِها شيءٌ؛ فلاحاجة إلى الاِكثار من نقلها أزيد من هذا(3)
بل ثبوت هذا الحكم واضحٌ بحيث لانحتاج إلى البحث عن مداركه أصلًا(4)، فلاحاجة إلى التَّعدِّي من هذه الأدلَّة إلى أدلَّة نفي الضَّرر لثبوت القاعدة - كما فعَلَه بعضُهم(5)-.
إنَّ الاِتلاف وإن كان ظاهرًا في الإفناء(1)، ولكن لاخصوصيَّة فيه عرفًا؛ فمَن أتلَفَ ماليَّة شيءٍ مع بقاء أصله فعليه الضَّمان،
كمَن حمل مالًا ذاقيمةٍ إلى مكانٍ لا قيمة له فيه، فهو ضامنٌ له(2)
فتفطَّن من هذا ثمَّ انظُر إلى ما قاله بعض أكابر العصر - وهو الفقيه الآية الفاضل اللَّنكراني قدس سره، في القواعد الفقهيَّة، ص 50؛ وهو تابعٌ في هذا الرَّأي للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره، في القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 29 - حتَّى تفهم ما فيه.
كما أنَّ من نقَّص شيئًا بحيث لم تثبت له ماليَّةٌ بعد النَّقص، أو نقصت قيمته مع بقاء أصله، فعليه ضمانه بإجماعٍ من العقلاء والفقهاء(3)معًا؛
وذلك «لأنَّ الميزان في المال لايكون جِرمه، بل يكون ماليَّته»(4)
راجع: تحقيقٌ في القواعد الفقهيَّة، ص 17؛ وانظر أيضًا: الأنوار البَهيَّة، ص 204.
كما هو واضحٌ.فهل يحتاج صدق الاِتلاف علىٰ التَّصرُّف؟ أو لا؟. فمَن طبع كتابًا ورخَّص في قيمته بحيث توجَّه الضَّرر إلى مؤلِّفه، فهل يصدق أنَّه أتلف مالَ الغير؟ أم لا؟؛
فيه وجهان. ولايبعد القول بثبوت الإتلاف فيه.
1) . كما قد أشرنا في صدر القاعدة إلى أنَّ إفناء المال يكفي في صدق الإتلاف عليه، من غير حاجةٍ هيهنا إلى الإسراف فيه.
2) . أقول: وهذا يُستفادُ من عنوان القاعدة نفسه، لا من اِنضمام أدلَّةٍ أُخرىٰ إليه؛ وذلك - كما قلنا - لعدم ثبوت خصوصيَّةٍ للاِفناء؛
3) . والإجماع هذا ثابتٌ عند العلَّامة أيضًا؛ راجع: تحرير الأحكام، ج 4 ص 534.
4) . أقول: هذا ما ذكره بعض اهل العصر أيضًا؛
ويُعجِبني أن أذكُر هيهنا كلامًا للسَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره في المقام به ينحلُّ جميع المشاكل؛ فإنَّه ذهب إلى أنَّ المستفادَ من قاعدة الإتلاف - بما أنَّها قاعدةٌ عقلائيَّةٌ - هو «إفساد المال علىٰ مالكه»، فالإفساد هذا يوجب الضَّمان علىٰ المُفسِد.
ثمَّ المراد بالإفساد علىٰ المالك التَّصرُّف في المال بحيث يمتنع علىٰ المالك التَّصرُّف فيه، شرعًا أو عقلًا. وبهذا يظهر أنَّ إتلاف أصل المال، أو منافعه، أو تعييبه، أو جعله في محلٍّ لايمكن للمالك أن يصل إليه، أو يتمتَّع بمنافعه كلَّه يوجب الضَّمان، لصِدق الإتلاف عليه؛ هذا ملخَّص كلامه(1).
وقال قدس سره: «الظَّاهر أنَّ المناط في الضَّمان هو الإفساد علىٰ صاحب المال، لا إفساد نفس المال؛ وإفساد المال أيضًا لأجلِ الإفساد علىٰ صاحبه موجبٌ للضِّمان»(2)هذا نصُّ كلامه قدس سره؛
وهو يدلُّ علىٰ ثبوت الضَّمان في جميع الصُّوَر السَّالف ذكرها.
المراد ب «المال»: كلُّ ما يرغب النَّاس إليه - كما نصَّ علىٰ ذلك وفصَّلَ الكلام في بعض أقسامه المحقِّق النَّجم آباديُّ قدس سره(3)وزاد بعضُهم: «ولم يمنع الشَّارع عنه»(4)وبعضُهم: «بشرط أن لايكون الشَّارعُ حرَّمَه»(5)وهذا لايدخل في تعريف «المال»،
بل في تعريف «المال المشروع» الَّذي يجوز التَّصرُّف فيه للمتشرِّعة، وليس الكلام فيه فقط؛
وأسوء التَّعاريف هيهنا قول بعضِهم: «المال ما يُبذَلُ بإزائه المال»(1)، حيث فيه دورٌ واضحٌ -؛
سواءٌ:
كانت رغبتُهم فيه لكونه مطلوبًا بنفسه - كالمأكولات والمشروبات والمساكن -؛
أو مطلوبًا لرفع بعض حوائجهم - كالنُّقود -؛
وسواءٌ كان من الاِعتباريَّات - كالنُّقود -؛
أو ممَّا لايُعدُّ اِعتباريًّا - كالذَّهب والفضَّة والمجوهرات -.
فلأحدٍ أن يدَّعي أنَّ جميع ما يحتاج إليه النَّاس في حياتهم - ولو لم يكن ضروريًّا لهم - يُعدُّ مالًا(2)
ولقد أحسن بعضُ أكابر العصر حيث قال إنَّ المال: «عبارةٌ عن كلِّ شيءٍ يكون مطلوبًا ومرغوبًا عند النَّاس لأجلِ قضاء حوائجهم به ودخيلًا في معاشهم أو شيءٌ يحصل مطلوبهم به»؛ راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه الآية الفاضل اللَّنكراني -، ص 50.
.وما يقال: «إنَّ الهواء والبحر ممَّا يحتاج إليه النَّاس لكن لايُبذَلُ عليه مالٌ،
لايُطلَق عليه عنوان المال»(1)
لاينقض قولنا هذا!، لأنَّ كثرة هذه الأمور توجب ألَّا يُبذَل عليه الَّثمنُ، وإلَّا فلاريب في ماليَّته؛ ويدلُّ عليه بذلُ المال الكثير عليه لواحتاج المرءُ إليه ولم يَجِده(2).
المراد ب «الضَّمان»: جَعلُ الشَّيء علىٰ عهدة المرء؛
فقد يكون ما علىٰ العهدة مالًا؛
وقد يكون نفسًا - إذا أتلَفَهما -؛
وقد يكون جرحًا، إذا أضرَّ بجسدٍ -؛
بل قد يكون عِرْضًا؛ وسيأتي توضيح ذلك.
إنَّ قاعدة الاِتلاف كما تأتي في الأموال، تأتي في الحقوق أيضًا، كما وتأتي في المنافع - كما نصَّ عليه المحقِّقان البجنورديِّ قدس سره(3)والمراغي قدس سره(4). فمَن أتلَفَ مال الغير فهو له ضامنٌ؛
1) . أقول: كما قد نصَّ بعضُ أعلام العامَّة المعاصرين علىٰ أنْ «ليس الهواءُ مالًا يُباعُ»؛ راجع: الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت عليهم السلام، ج 2 ص 289.
2) . كما وأنَّ الفقيه العلَّامة الشَّيخ محمَّدحسين كاشف الغطاء قدس سره جعل ملاك الماليَّة «الحاجة وعظيم المنفعة»؛ فجعل من المال ما هو ماليَّته فعليَّةٌ، وما هو ماليَّته تقديريَّةٌ؛ راجع: تحرير المجلة، ج 1 / القسم الأوَّل / ص 130.
3) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 29.
4) . راجع: العناوين، ج 2 ص 438.
كذلك من أتلَف حقًّا من حقوق الغير - كحقِّ التَّحجير، أو حقِّ الشُّفعة، أو حقِّ الطَّريق ونحو ذلك، كما عن المحقِّق الكبير القزوينيِّ قدس سره(1)
وخلافًا لبعضهم كالإمام قدس سره الخميني؛ راجع: حواشيه علىٰ وسيلة النِّجاة، ص 636 الرقم 1. وانظر أيضًا: حواشي المحقِّق الفقيه الگلپايگاني قدس سره علىٰ الوسيلة نفسه، ج 3 ص 74 الرَّقم 1.
-؛وكذلك من أتلَف نفسيَّة الغير فأضرَّ به في المجتمع، فهو ضامنٌ لجميع هذه الموارد.
والدَّليل علىٰ ذلك كلِّه هو العرف. ولاتأبىٰ روايات الباب عن الشُّمول لجميع ذلك. وبثبوت هذا ظهر أنَّا لانحتاج في المقام إلى الاِكثار من القيل والقال.
إنَّ الإتلاف:
قد يكون بالمباشرة؛
وعن بعضهم طريقٍ في التَّفرقة بينهما، وهو أنَّ «المباشرة ما يكون من قبيل
العلَّة، والتسبيب ما يكون من قبيل الشَّرائط والمُعِدَّات»(1)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه المحقِّق الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 207.
وهو كلامٌ جيِّدٌ حسنٌ؛
وعن المحقِّق البُجنورديِّ قدس سره: «الأوَّل هو العلَّة التَّامة أو الجزء الأخير منها، والثَّاني ما لم يكن منهما»(2)
وعن المدقِّق المراغيِّ قدس سره: «المراد بالمباشر إيجاد علَّة التَّلف كالقتل...
وبالتَّسبيب إيجاد ما يحصل عنده التَّلَف لكن بعلَّةٍ أُخرىٰ إذا كان السَّبب ما يُقصَد لتوقُّع تلك العلَّة، كحافِر البئر»(3)-؛
فمَن قتل بالمباشرة نفسًا محرَّمًا فعليه القصاص لوكان متعمِّدًا فيه، أو الدِّية إذا كان عن خطأٍ؛ وهذا بعينه حكم من حفَر بئرًا في طريق هذا النَّفس المحرَّم قتلُه فقَتَلَه(5)، فعليه القصاص أو الدِّية في الصُّورتين المذكورتين؛ وكذلك من قتَل نفسًا بمعاونة القاتل معاونةً قريبةً(6)،
1) . هذا ما نهجه بعض أكابر العصر؛
2) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 31.
3) . راجع: العناوين، ج 2 ص 435.
4) . أقول: أشرنا في التَّعليق السَّالف إلى أنَّ الاِتلافَين المباشريِّ والتَّسبيبيِّ مذكوران عند جميع الباحثين عن القواعد، أمَّا التَّنصيص بهذا القسم فهو ممَّا تفرَّد به الشَّيخ الأستاذ - أدام اللَّه علوَّه! -، وإن كان المراد منه يظهر ممَّا ذكروه في القِسمين الأوَّلَين.
5) . راجع: العناوين، ج 2 ص 435.
6) . وقد ادَّعىٰ صاحب الجواهر قدس سره نفي الخلاف في ثبوت الضَّمان في الإتلاف بالتَّسبيب
فلافرق بين المباشرة والتَّسبيب والمعاونة هيهنا؛ بل المعيار صدق الإلتفات بالاِعتداء، فبه يثبت الضَّمان، بالمباشرة كان أو بالتَّسبيب(1).
ومن الغريب هيهنا اِدِّعاء اِنصراف الرِّوايات إلى الإفناء من دون الواسطة، «وأمَّا مع الواسطة - أي: في الاِتلاف التَّسبيبيِّ - فلايصدق عليه أنَّه أفسده وأتلفه، بل يصدق عليه أنَّه السَّبب في فساده»(2)
وهذا بعيدٌ عن الاِستعمال العرفيِّ غايةَ البُعد!. أ ليس يصحُّ اِسناد الجَرْيِ إلى الميزاب في قولهم: «جرىٰ الميزابُ» مع حذف الماء الَّذي هو الجاري في الحقيقة؟!؛ فكذلك فيما نحن فيه لافرق بين أن يُقال: «أنَّه أفسده»، وبين أن يُقال: «أنَّه السَّبب في فَساده».
والفقهاء قد تعرَّضوا لهذا الحكم في مسائل عديدةٍ من أبوابٍ مختلفةٍ، وتمسَّكوا في ذلك برواياتٍ كثيرةٍ، ولكنَّا أشرنا إلى أنَّ الرِّوايات كلَّها - وكذلك غيرها من أدلَّة الباب - مشيرةٌ إلى سيرة العقلاء. فالرِّوايات إمضائيَّةٌ، لا تأسيسيَّةٌ. نعم! هذه وغيرها قد تختلف في بعض المصاديق، والتَّشكيك في المعاني العرفيَّة - كمعاني الرِّوايات - أمرٌ طبيعيٌّ لايضرُّ بأصل البحث والمبنىٰ المختار فيه.
أمَّا روايات الباب فهي أكثر من مأةٍ، وقد أوردها صاحب الوسائل قدس سره في أبوابٍ مختلفةٍ، سيَّما باب الضَّمانات؛ وكلُّها من مصاديق الكلِّيِّ الَّذي أومأنا إليه هيهنا.
منها: ما رواه الحلبيُّ عن أبي عبداللَّه الصَّادق عليه السلام: «سألتُه عن الشَّيء يُوضَع علىٰ الطَّريق فتمُرُّ به الدَّابَّة فتنفِرُ بصاحبها فتعقِرُهُ؟، فقال: كلُّ شيءٍ يضرُّ بطريق المسلمين فصاحبُه ضامنٌ لما يُصيبه»؛ فيما رواه الكلينيُّ(1)، والصَّدوق(2)، والشَّيخ(3)، والشَّيخ الحرُّ(4)، بسندٍ حسَّنَه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره مرَّةً(5)، وصحَّحه مرَّةً أُخرىٰ(6)، وذلك لاِختلاف السَّند عند الكلينيِّ والشَّيخ؛ ولذلك قال الفقيه الأصفهانيُّ قدس سره عن الحديث:
«فسأل الحلبيُّ في الحسن والصَّحيح»(7)كما وقد صحَّحه المحقِّق النَّراقي قدس سره(8)، وصاحب الجواهر قدس سره(9).
وكيف كان فالحديث صحيحٌ لاشيء فيه من هذه الجهة.
ومنها ما رواه زرارةُ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «قلتُ له: رجلٌ حفَر بئرًا في غير مِلكه فمرَّ عليها رجلٌ فوقع فيها؟، قال: فقال عليه السلام: عليه الضَّمان لأنَّ كلَّ مَن حفر بئرًا في غير مِلكه كان عليه الضَّمان»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(10)، والشَّيخ قدس سره(11)، والشَّيخ
1) . راجع: الكافي، ج 7 ص 349 الحديث 2.
2) . راجع: الفقيه، ج 4 ص 155 الحديث 5347.
3) . راجع: التَّهذيب، ج 10 ص 223 الحديث 878.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 29 ص 243 الحديث 35543.
5) . راجع: مرآة العقول، ج 24 ص 166.
6) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 16 ص 472.
7) . راجع: كشف اللِّثام، ج 11 ص 262.
8) . راجع: رسائل ومسائل، ج 1 ص 389.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 37 ص 46.
10) . راجع: الكافي، ج 7 ص 350 الحديث 7.
11) . راجع: التَّهذيب، ج 10 ص 230 الحديث 907.
الحرُّ قدس سره(1)، والمحقِّق الفيض قدس سره(2)، بسندٍ جعله العلَّامة المجلسيُّ قدس سره حسنًا في المرآة(3)والملاذ(4)وصحَّحه صاحب الجواهر قدس سره(5)، والمحقِّق البجنورديُّ قدس سره(6)، وغيرهما.
ومنها ما رواه سماعة قال: «سألتُ أباعبداللَّه عليه السلام عن الرَّجلِ يحفر البئر في داره أو مِلكه؟، فقال عليه السلام: أمَّا ما حفَر في مِلكه فليس عليه ضمانٌ، وأمَّا ما حفَرَ في الطَّريق أو في غير ما يملكه فهو ضامنٌ لما يسقُطُ فيه»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(7)، والصَّدوق قدس سره(8)، والشَّيخ قدس سره(9)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(10)بسندٍ وثَّقه المجلسيُّ قدس سره في المرآة(11)والملاذ(12)، وصاحبَي الرِّياض قدس سره(13)والجواهر قدس سره(14)، وغيرهم.
1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 29 ص 240 الحديث 35539.
2) . راجع: الوافي، ج 16 ص 824 الحديث 16200.
3) . راجع: مرآة العقول، ج 24 ص 167.
4) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 16 ص 485.
5) . راجع: جواهر الكلام، ج 37 ص 47.
6) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 32.
7) . راجع: الكافي، ج 7 ص 349 الحديث 1.
8) . راجع: الفقيه، ج 4 ص 153 الحديث 5341.
9) . راجع: التَّهذيب، ج 10 ص 229 الحديث 903.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 29 ص 241 الحديث 35541.
11) . راجع: مرآة العقول، ج 24 ص 165.
12) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 16 ص 484.
13) . راجع: رياض المسائل، ج 16 ص 407.
14) . راجع: جواهر الكلام، ج 37 ص 47.
ومنها ما رواه السَّكونيُّ عن الصَّادق عليه السلام: «قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: مَن أخرج ميزابًا أو كنيفًا أو أوتَدَ وتدًا أو أوثَقَ دابَّةً أو حفَر شيئًا في طريق المسلمين فأصاب فعَطَب فهو له ضامنٌ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(3)بسندٍ صحَّحه المجلسيُّ قدس سره في المرآة(4)والملاذ(5)وذلك لوقوع السَّكوني والنُّوفِلي في السَّند؛ والظَّاهر كونه موثَّقًا، لمكانهما.
ثمَّ إنَّ المحقِّق النَّجم آبادي قدس سره وإنْ صحَّح الحديثَ(6)، لكنَّ الظَّاهر وقوع الخلط له فيه، حيث إنَّه روىٰ الحديث عن الحلبيِّ، ولم أعثر علىٰ هذا الطَّريق له.
وكيف كان فدلالة هذه الطَّائفة من الأحاديث علىٰ المطلوب - وهو ثبوت الضَّمان في الاِتلاف بالتَّسبيب - ظاهرٌ؛ بل هي نصٌّ فيه.
وفيما ذكرناه من الأحاديث كفايةٌ. وللمُتَأمِّل الباحثِ أكثر من هذا أن يرجع إلى غيرها ممَّا يُوجَد في أبواب الضَّمانات من مصادرنا الرِّوائيَّة.
ثمَّ إنَّه لواجتمع السَّببُ والمباشر في إتلافٍ، فأيُّهما يُقدَّم فيُثبت عليه الضَّمان؟، أ
يُثبِت علىٰ الأوَّل؟ أو علىٰ الثَّاني؟ أو علىٰ كِلَيهما بالاِشتراك؟؛
الظَّاهر من صاحب الشَّرائع قدس سره الإجماع علىٰ تقدُّم المباشر(1)وللمحقِّق البجنورديِّ قدس سره هيهنا تفصيلٌ في صور المسألة يدور حول علم السَّبب والمباشر واختيارهما، ففي بعض الصُّوَر يُقدَّم الأوَّل وفي بعضها الثَّاني(2)
أقول:: ولبعض أعلام العصر تحقيقٌ آخر في المسألة؛
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه الآية الفاضل اللَّنكراني -، ص 56؛ ردَّ به علىٰ بعض صور المسألة عند المحقِّق البجنورديِّ؛ فراجعه إن شئتَ!.
.أقول: لكنَّا في راحةٍ عن هذه المسألة أصلًا، نظرًا إلى أنَّه لا حكم في البَين - من حيث تقدُّم السَّبب علىٰ المباشر أو المباشر علىٰ السَّبب - متَّبَعٌ في جميع أبواب الفقه ومسائله، بل لكلِّ موردٍ من موارد اِجتماع السَّبب والمباشر حكمٌ خاصٌّ فقهيٌّ يُبحَث عنه في الفقه؛ بعد الاِتِّفاق علىٰ تقدُّم ثبوت الضَّمان علىٰ المباشر، لا السَّبب لوكان المباشر هو الأصل المُريد في الاِتلاف؛
ففي كلِّ موردٍ يُنظَر بحسب العُرف إلى مَن يصدق عليه أنَّه هو المُتلِف؛ وحينئذٍ يثبت عليه الضَّمان(3)
فعدم الإطلالة في الكلام هيهنا أولىٰ.
قد اشتهر بين الأصحاب أنَّ العِرْضَ لايُضمَن به، فمَن أضرَّ بنفسيَّة امرأةٍ
بالتَّسامح فلاضمان له عليه، لأنَّ البُضع لايُضمَن به، كما أنَّ الحُرَّ كذلك؛ حتَّى أنَّ صاحب المسالك قدس سره قال في شرح قول المحقِّق قدس سره في حد الزَّاني: «يثبت للمكرهة علىٰ الواطي مثلُ مهرِ نسائها»(1): «إنَّ مهر المثل عوضُ البُضع إذا كان محترَمًا عريًا عن المهر، كقيمة المتلف من المال والبُضع وان لم يضمن بالفوات، لكنَّه يُضمَن بالتَّفويت والاِستيفاء»(2)فتعقَّب صاحب الجواهر قدس سره قولَيهما فقال: «لا لِما في المسالك... ضرورةَ عدم رجوعه إلى حاصلٍ يُعتَدُّ به»(3)، ثمَّ تمسَّك للضِّمان بالرِّوايات(4)
لكن كلامه لايرجع إلى حاصلٍ، وما تجاسَرَ به علىٰ ثاني الشَّهيدَين قدس سره لاوجه له!؛ والدَّليل هو العرف، وهو ببابه!.
والحقُّ مع صاحب المسالك قدس سره مِن أنَّ الواطي الَّذي أَكرَه امرأةً علىٰ الوطي فمضافًا علىٰ ثبوت الحدِّ عليه - وهو القتل، لأنَّه زنىٰ بالعفيفة - يثبت عليه مهر المثل إجماعًا؛ ولذا قال الفقيه النَّجفيُّ قدس سره: «إنَّ رواية طلحة بن زيدٍ ضعيفةٌ ولكن ينجبر بعمل الأصحاب»(5).
أقول: المراد بها روايةٌ موثَّقةٌ نصُّها: عن أميرالمؤمنين عليٍّ عليه السلام: «إذا اغتصب الرَّجلُ أمةً فَاقْتَضَّها فعليه عُشرُ ثمنها، فإن كانت حُرَّةً فعليه الصِّداق»؛ علىٰ ما رواه
الشَّيخ قدس سره(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، والمحقِّق الفيض قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4)، وغيرهم.
وهي تدلُّ علىٰ المطلوب، إذ دلالتها جيِّدةٌ وسندها أيضًا كذلك، لأنَّ الشَّيخ(5)وابنَالوليد والصَّدوق(6)وابنَنوحٍ وعليَّ بن إبراهيمٍ(7)وابنَقولويه(8)
ثمَّ إنَّ شيخنا الأستاذ - حفظه اللَّه! - يرىٰ أنَّ نقلَ ابن قولويه عن راوٍ يكون بمنزلة توثيقه إيَّاه؛ والتَّفصيل في كتابه الشَّريف الثِّقات الأخيار / المدخل، ص 27.
وثَّقوا طلحةَ بن زيدٍ - ولاتغفل عن مراجعة ما ذكره الرِّجاليُّون حولَه، كالبرقيِّ قدس سره(9)، والنَّجاشي قدس سره(10)، والشَّيخ قدس سره(11)، وابن شهرآشوبٍ قدس سره(12)، وابن داودٍ قدس سره(13)،1) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 481 الحديث 1935.
2) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 421 الحديث 4465.
3) . راجع: الوافي، ج 22 ص 684 الحديث 21959.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 21 ص 304 الحديث 27137.
5) . قال: «هو عامِّي المذهب إلَّاأنَّ كتابَه معتمَدٌ»؛ راجع: الفهرست، ص 86 الرَّقم 362.
6) . توثيق الصَّدوق وابن الوليد إيَّاه يظهر من كلام الصَّدوق حيث قال في مشيخة كتابه: «وما كان فيه عن طلحة بن زيدٍ فقد روَيتُه عن... محمَّد بن الحسن عن...»؛ راجع: الفقيه، ج 4 ص 480.
7) . حيث روىٰ كثيرًا عنه عن أبيه عن مشايخه عن طلحة؛ وانظر علىٰ سبيل المثال: الكافي، ج 1 ص 49 الحديث 6؛ ج 2 ص 136 الحديث 24؛ ج 2 ص 661 الحديث 4؛ و....
8) . حيث روىٰ عنه في كامل الزِّيارات، ص 74 الحديث 13؛ والظَّاهر أنَّه لم يرو عنه إلَّافي هذا الموضع فقط.
9) . راجع: الرِّجال، ص 45.
10) . راجع: الرِّجال، ص 207 الرَّقم 550.
11) . راجع: الرِّجال، ص 138 الرَّقم 1464.
12) . راجع: معالم العلماء، ص 61 الرَّقم 419.
13) . راجع: الرِّجال، ص 463 الرَّقم 237.
والعلَّامة قدس سره(1)، والتَّفرشي قدس سره(2)، والمجلسي قدس سره(3)، والحائري قدس سره(4)، والأردبيلي قدس سره(5)، والمحقِّق الخوئي قدس سره(6)، لتتَّضِحَ لك من المجموع وثاقته -؛ فلابأس بسندها؛ وإن جعله العلَّامة المجلسيُّ قدس سره ضعيفًا كالموثَّق(7).
إلَّا أنَّها - أيضًا - إمضائيَّةٌ، والأصل في الباب هو السِّيرة. فالبُضع يُضمَن به بالفوات والتَّفويت، إلَّاأن يكون صاحبها بغيَّةً ولايكون لها بعلٌ.
التَّنبيه الثَّامن(8):
قد اشتهر بين الأصحاب أنَّ إتلاف العمر لايُضمَن به، لأنَّه ليس بمالٍ، فقاعدة الإتلاف لاتشمله؛ كما أنَّ قاعدة الضَّرر لاتشمله أيضًا. فلادليل علىٰ الضَّمان، لا من باب الإتلاف ولا من باب الضَّرر، عرفًا وشرعًا. فمن أتلف عمرَ حُرٍّ باشتغاله بما لا طائل تحته، لاضمان له أصلًا.
1) . راجع: خلاصة الأقوال، ص 231 الرَّقم 1.
2) . راجع: نقد الرِّجال، ج 2 ص 433 الرَّقم 2682.
3) . راجع: الوجيزة، ص 96 الرَّقم 965.
4) . راجع: منتهىٰ المقال، ج 4 ص 41 الرَّقم 1499.
5) . راجع: جامع الرُّواة، ج 1 ص 421.
6) . راجع: معجم رجال الحديث، ج 10 ص 178 الرَّقم 6021.
7) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 12 ص 499.
8) . قد بحثنا عن هذا التَّنبيه وما يرجع إليه في تنبيهات قاعدة الاِئتمان؛ فلانطيل الكلام هيهنا بذكر مصادر الأقوال وما يرجع إليها مرَّةً أُخرىٰ. فراجِعْ إليه إن شئتَ.
أقول: هذا هو المشهور عنهم، وهو في الأحكام الوضعيَّة فقط، لا في الأحكام التَّكليفيَّة؛ وإلَّا فجعل الحرمة بالنِّسبة إلى الحُرِّ فقط لا وجه له أصلًا، حتَّى مِن الحاكم فضلًا عن غيره، إذ أنَّ قاعدة لايجوز تسلُّط أحدٍ علىٰ أحدٍ إلَّامن اللَّه - تعالى! - أو من ثبتَتْ ولايتُه من قِبَله - جلَّ وعلا! - قاعدةٌ مسلَّمةٌ لانقاش فيها؛ ولذلك فإنَّ إتلاف عمر الغير بلاوجهٍ حرامٌ، لعدم سلطة أحدٍ علىٰ عمر غيره؛ وذلك يجري في عمر نفسه أيضًا فضلًا عن عمر غيره، قال - جلَّ وعلا! -: «وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهٰا رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا نَعْمَلْ صٰالِحاً غَيْرَ اَلَّذِي كُنّٰا نَعْمَلُ أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مٰا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جٰاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ»(1).
وأمَّا في الأحكام الوضعيَّة، فقد اشتهر بين الأصحاب أنَّ حبس العبد يُوجِب الضَّمان له، كما أنَّ حبس الحيوان الأهليِّ غصبًا يُوجِب الضَّمان؛ وقد مرَّ أنَّ الشَّهيد قدس سره ذهب في المسالك إلى أنَّ الاِستفادة من البُضع - حرَّةً كانت أو أمَةً - إذا لم تحلَّ له المرأةُ من غير كرهٍ يوجب الضَّمان، كما أنَّ مع الكُره يوجب الضَّمان إجماعًا. وعلَّلوه بأنَّ ذلك مالٌ يوجب الضَّمان.
أقول: إنَّ الفرقَ بين العبد والحرِّ والحيوان والإنسان لا وجه له، إلَّاأنَّ المنفعة حينئذٍ للغير؛ ولكنَّ القول بالضَّمان أقوىٰ من ذلك. وهذا أمرٌ عرفيٌّ تلقَّاه العرف بالقبول وأمضاه الشَّارع.
أمَّا البحث عن أنَّ المدار في الضَّمان علىٰ ما هو؟ أ هو علىٰ القيمة - في القيميَّات -
1) . كريمة 37 فاطر.
يوم الأداء؟، أو عليها يوم التَّلَف؟ - وكذلك في المِثليَّات(1)-؛
فلايهُمُّنا البحث عنه، لكونه مسألةً فقهيَّةً خارجةً عن نِطاق القاعدة؛ إذ مهمَّة القاعدة هي ثبوت الضَّمان علىٰ المُتلِف فقط، أمَّا غيرها فلامجال للبحث عنه في البحث عن متن القاعدة؛ وهذا واضحٌ(2)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 193.
.كما وأنَّ البحث عن الحكم عند الشَّكِّ في تمييز السَّبب عن المباشر، أو كون السَّبب أو المباشر مشتَبَهًا بين عدَّةٍ من النَّاس - كما بحث عن هذا الشَّكِّ وهذا الاِشتباه بعضُهم(3)
راجع: تحقيقٌ في القواعد الفقهيَّة، ص 20.
-؛لايليق بهذا الكتاب، لأنَّ الأوَّل مسألةٌ أصوليَّةٌ؛ والثَّاني مسألةٌ فقهيَّةٌ، فيُبحَث عنهما فيما يختصُّ بهما.
بما قلنا من عدم الفرق في ثبوت الضَّمان بين الإتلافين -: المباشريِّ والتَّسبيبيِّ -، ظهر أنَّا لانحتاج إلى إفراد قاعدة التَّسبيب بالبحث - كما فعله بعضُهم(4)-؛
إذ الكلام فيها نفس ما مضىٰ في قاعدة الإتلاف؛ فتفطَّن! - والحمد للَّه ربِّ
العالَمين! -.
قد عرفتَ أنَّ الموضوع في هذه القاعدة هو الضَّمان، وهو حكمٌ وضعيٌّ، فإذن لافرق فيه بين الكبير والصَّغير، والآمر والمأمور به، والعاقل والمجنون؛ إلَّاإذا كان المجنون أو الصَّغير بحيث لم تشمُله الأدلَّة الَّتي عمدتُها هي العُرف وسيرة العقلاء؛ فإذن لاضمان عليهما(1).
والتَّفصيل في صور المسألة موكولٌ إلى محلِّه من علم الفقه.
سنتكلَّم عن قاعدة اليد وما يرجع إليها، فلانخوض الآنَ في ما يتعلَّق بها. لكن نشير إلى أنَّه تفترق قاعدة الإتلاف «عن قاعدة اليد المشهورة بأنَّ هذه ناظرةٌ إلى التَّلَف تحت اليد، وتلك إلى الإتلاف وإن لم يكن تحت اليد؛ فبينهما عمومٌ من وجهٍ، يجتمعان ويفترقان»؛ هذا نصُّ كلام الفقيه الشَّيخ محمَّدحسين آل كاشف الغطاء قدس سره(2).
فعلَّق عليه صاحب الجواهر قدس سره بقوله: «لقاعدة الإتلاف»(1)نفس ما فعلَه المحقِّق السَّبزواريُّ قدس سره(2)في شرح العبارة.
فأخذ عليه جمعٌ من المحشِّين بالفرق بين التَّلف والإتلاف، وكون المورد من الأوَّل، لا الثَّاني، فلاضمان فيه أصلًا(4).
وانظر أيضًا ما ذكره السَّيِّد الحكيم قدس سره(5)، والفقيه الخوئيُّ قدس سره(6)
أقول: وقد بحث عنه بعض معاصرينا الكبار أيضًا؛
راجع: الغاية القصوىٰ، ص 103.
، وغيرهم من شارحيه.1) . راجع: جواهر الكلام، ج 43 ص 390.
2) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 29 ص 368.
3) . راجع: العروة الوُثقىٰ - المحشّىٰ -، ج 5 ص 68 المسألة 7.
4) . انظر: نفس المصدر التَّعليق رقم 4.
5) . راجع: مستمسك العروة، ج 12 ص 81.
6) . راجع: المستند - كتاب الإجارة -، ص 250.
7) . راجع: شرح تبصرة المتعلِّمين، ج 5 ص 465.
المراد من القاعدة: إنَّ الأحكام كلَّها صدرَتْ علىٰ سبيل القضايا الحقيقيَّة، لا علىٰ سبيل الخارجيَّة، أو الطَّبيعيَّة، أو المُهمَلة؛
فإذن كلُّ مَن وُجِد أو يُوجَد في الخارج ويصدُقُ عليه أنَّه مكلَّفٌ، يثبت عليه الأحكام، من دون حاجةٍ إلى ضمِّ مقدَّمةٍ أُخرىٰ؛
بلافرقٍ في ذلك بين الرَّجلِ والمرأة، والعالِم والجاهل(1)، والمدنيِّ والقَرَويِّ،
1) . المراد من «الجاهل» هيهنا هو الَّذي يُقابل العالِم، فليس المراد منه الَّذي لايعلم عن الأحكام شيئًا أصلًا.
يدلُّ علىٰ القاعدة السِّيرة القَطعيَّة من عقلاء جميع المِلَل، بل النِّحَل؛ لأنَّ لجميع المِلَل أحكامًا، فإذا فرَغُوا عن مرتبة جعل الحكم وإنشائه يُثبتُونه علىٰ جميع من ينتَسب إلى ملَّتِهم؛ من دون أن يُخَصِّصوها ببعض النَّاس دون بعضٍ؛
بل يرون الاِختصاص ظلمًا، بل أقبح ظلمٍ علىٰ المجتمع وأهله! - لأنَّ هذا يُساوي التَّبعيض، والتَّبعيض ظلمٌ قبيحٌ لاسيَّما لوكان ثابتًا بحسب القانون، إذ هو إذن أشدُّ من ظلم امرىءٍ واحدٍ علىٰ غيره -.
بل لايبعد القولُ بأنَّ هذا أمرٌ عقليٌّ يدلُّ عليه العقلُ؛ والعقلاء في حكمهم هذا يتبَعُون العقلَ؛
وليس جَعلًا من قِبَلهم - كإعطاء الحجِّيَّة لخبر الثِّقة، أو لقاعدة اليد ونحوهما ممَّا جعله العقلاء حجَّةً تسهيلًا للأمر وحِفظًا للنِّظام عن الاِختلال -. والسِّيرة هذه قد أمضاها الشَّارع، كما هو مشاهَدٌ في طائفةٍ من الآيات والرِّوايات الَّتي تدلُّ علىٰ القاعدة.
1) . وانظر: كتاب الخَلل الواقعة في الصَّلاة - للسَّيِّد الإمام الخميني قدس سره -، ص 14؛ مصباح الهُدىٰ، ج 7 ص 70؛ المعالم المأثورة، ج 4 ص 210.
فمِن الذِّكر الحكيم:
قوله - تعالى! -: «وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هٰذَا اَلْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ»(1)الدالِّ علىٰ عموم رسالة النَّبيِّ؛ ولذلك فإنَّ سيِّدنا الأستاذ العلَّامة قدس سره قال بعد ذكره الكريمة:
«يدلُّ علىٰ عموم رسالته صلى الله عليه و آله بالقرآن لكلِّ من سمعه منه أو سمعه من غيره إلى يوم القيامة»(2)وحكىٰ القُرطُبيُّ عن مقاتل في قوله - تعالى! -: «وَ مَنْ بَلَغَ»: «مَن بلغه القرآنُ من الجنِّ والإنس»(3). ومن الغريب أنَّ جميع المُهتِمِّين بتفسير القرآن فقهيًّا بين الشِّيعة والسُّنَّة لم يهتُّموا بهذه الآية، فلم يرد منهم قولٌ حولها في الكتب المخصَّصة بتفسير آيات الأحكام؛ وهذا غريبٌ منهم جدًّا!.
وقوله - تعالى! -: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ كَافَّةً لِلنّٰاسِ»(4)وانظر: أيضًا إلى ماذكره القرطبي(5)والشَّيخ قدس سره(6)، والطَّبرسيُّ قدس سره(7)، وسيِّدنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(8)بشأن الآية الدالِّ علىٰ عموم رسالته صلى الله عليه و آله.
وقوله - جلَّ وعلا! -: «مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اَللّٰهِ
وَ خٰاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ» (1).
وخَتْمُ النُّبوَّة به يدلُّ علىٰ عموم بعثته إلى جميع النَّاس، كما أشار إليه سيِّدُنا الأستاذ قدس سره(2)، والطَّبرسيُّ قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والقرطُبيُّ قدس سره(5).
ولها أمثالٌ عديدةٌ في الذِّكر الحكيم.
ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه و آله: «حلالي حلالٌ إلى يوم القيامة، وحرامي حرامٌ إلى يوم القيامة»؛ فيما رواه الشَّيخ الحُرُّ قدس سره(6)، وفي فوائده(7)أيضًا، و شبَّرٌ قدس سره(8)، والنُّوريُّ قدس سره(9)، كلُّهم عن الكراجِكيِّ قدس سره في كنزه(10).
وله نظائر متعدَّدة؛ بحيث لايبعد القول بثبوت التَّواتر المعنويِّ فيه.
أضِفْ إلى ذلك ثبوت الإجماع علىٰ القاعدة أيضًا، حيث لاإشكال ولاخِلاف في
1) . كريمة 40 الأحزاب.
2) . راجع: الميزان، ج 16 ص 325.
3) . راجع: مجمع البيان، ج 8 ص 567.
4) . راجع: التِّبيان، ج 8 ص 346.
5) . راجع: تفسير القرطبي، ج 14 ص 196.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 169 الحديث 33515.
7) . راجع: الفوائد الطُّوسيَّة، ص 504.
8) . راجع: الأصول الأصليَّة، ص 264.
9) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 12 ص 217 الحديث 13924.
10) . راجع: كنز الفوائد، ص 164.
الفقه بين الأعلام في ثبوت جميع التَّكاليف علىٰ جميع النَّاس - إلَّاما خرج بالدَّليل -؛ بل القاعدة عندهم مفروغٌ عنها؛ كما اُدُّعيَ ثبوت الإجماع من قِبَل بعضهم، كالمحقِّق السَّيِّد البجنورديِّ قدس سره(1). وللسَّيِّد الفقيه الخوئي قدس سره كلامٌ هيهنا(2)لايسع هذا المختصر التَّحقيق حوله، فراجعه إن شئتَ!.
فإذن ثبت وفاقُ المسلمين عليها، بل ثبت وفاقُ جميع العقلاء عليها.
فلاإشكال في القاعدة مدركًا وسندًا.
وهيهنا نكتٌ نأتي بها في تنبيهاتٍ.
لاإشكال في اختلاف الأحكام بحسب المُكلَّفين؛
فمنها ما هو عامٌّ لجميع النَّاس - كالصَّلوة، والصَّوم -، ومنها ما هو خاصٌّ لصنفٍ دون آخر - كالزَّكوة، والخمس، والحجِّ الثابت علىٰ طائفةٍ من النَّاس دون غيرهم -؛
ومنها ما هو خاصٍّ أيضًا بطائفةٍ دون أخرىٰ - كالحجاب والسَّتر الواجب علىٰ النِّساء، دون الرِّجال؛ ومنها ما هو كالجِهاد الواجب علىٰ الرِّجال دون النِّساء -؛
وبالجملة هناك من باب الطَّهارة إلى باب الدِّيات أحكامٌ تخُصُّ بطائفةٍ بحسب الأفراد، أو الأزمان، أو الأمكنة، ولاتسري إلى غيرها من النَّاس.
فإذن لنا أن نتساءَلَ: ما معنىٰ قاعدة اشتراك النَّاس في التَّكاليف؟!.
أقول: هذا وإن كان كذلك، إلَّاأنَّه لايضُرُّ بشمول التَّكليف للجميع؛ لأنَّ الأحكام وإن كانتْ لها موضوعاتٌ مختلفةٌ بحيث يَطلُب كلُّ حكمٍ موضوعًا خاصًّا، لكن ثبوت الحكم يكفي لشموله لجميع موضوعاته.
فعلىٰ سبيل المِثال: لوثبَتَ أنَّ الاِستطاعة - بحسبِ المال والسَّلامة وسلامة الطَّريق وغيرها - شرطٌ في ثبوت الحجِّ علىٰ المُسلم، فإذن لافرق في ذلك بين رجلٍ ورجلٍ آخر، أو إمرأةٍ وإمرأةٍ أخرىٰ؛ بل صدرَ الحكمُ علىٰ سبيل القضايا الحقيقيَّة وثبت علىٰ هذا النَّحو، فلااِختصاص له بجمعٍ من المسلمينَ دون جمعٍ آخر.
قد يرد الإشكال علىٰ القاعدة بالخُنثىٰ المشكل؛ بتقريب: أنَّ له أحكامًا خاصَّةً لاتشترك فيها الرِّجال ولا النِّساء، بل هي تختصُّ به فقط.
وقد أشار الفقهاء إلى جملةٍ من هذه الأحكام في كتبهم، كالشَّيخ قدس سره(1)، والمحقِّق قدس سره(2)، وابن سعيد الحلِّي قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره في إرشاده(4)، وتحريره(5)، وتذكرته(6)، ومنتهاه(7)، وولده الكبير قدس سره(8)، والشَّهيد قدس سره(9)، وابن طيٍّ قدس سره(10)، والمحقِّق
1) . راجع: المبسوط، ج 1 ص 115.
2) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 85.
3) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 447.
4) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 229.
5) . راجع: تحرير الأحكام، ج 1 ص 91.
6) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 1 ص 102.
7) . راجع: منتهىٰ المطلب، ج 2 ص 187.
8) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 1 ص 58.
9) . راجع: البيان، ص 194.
10) . راجع: المسائل الفقهيَّة، ص 202.
الثَّاني قدس سره(1)، وغيرهم الكثيرين.
والجواب: إنَّ المُستفاد من الرِّوايات الكثيرة - الَّتي رواها أعلام القوم، كالكلينيِّ قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره في أبواب الخُنثىٰ من كتبهم في المواريث(5)، والَّتي هي تبلغ عشرين روايةً -: أنَّ هناك أمرًا عقليًّا تُرشِد إليه تلك الرِّوايات، وهو:
أنَّه لووُجِد للخُنثىٰ أمارَةٌ تلحقها بالرَّجلِ أو المرأة، فتلك الأمارة هي الحاكمة في المقام - منها: إنبات اللِّحيَة(6)، أو الثُّدية(7)، أو الميول الجِنسيَّة(8)، أو طريق البول(9)ونحوها من الأمارات المُشخِّصة لكون المرء رجُلًا أو امرأةً -؛ فإذن يلحق
1) . راجع: جامع المقاصد، ج 2 ص 423.
2) . راجع: الكافي، ج 7 ص 156، «باب ميراث الخنثىٰ».
3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 4 ص 326، «باب ميراث الخنثىٰ».
4) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 353، «باب ميراث الخنثىٰ ومَن يُشكل أمرُه من النَّاس».
5) . راجع: وسائل الشيعة، ج 26 ص 283، «أبواب ميراث الخُنثىٰ وما أشبَهَه».
6) . كما أشار إليه الفاضل الأصفهانيُّ قدس سره؛ راجع: كشف اللِّثام، ج 9 ص 485.
7) . كما أشار إليه الشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره؛ راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الميراث، ص 88.
8) . كما أشار إليه العلَّامة قدس سره؛ راجع: تذكرة الفقهاء، ج 14 ص 194.
9) . كما أشار إليه السَّيِّد الأعرجيُّ قدس سره؛ راجع: كنز الفوائد، ج 3 ص 407.
الخُنثىٰ بهذا أو هذه؛
أمَّا لو لم تكن هناك أمارةٌ دالَّةً علىٰ جنسيَّة المرء، أو كانت لكن تَعارضَتْها أمارةٌ أخرىٰ موجودةٌ في المقام، فإذن القُرعة هي الحاكمة في البين؛ فبها يثبُت حكم الرُّجوليَّة أو الأُنوثيَّة له؛ كما نصَّ علىٰ جريان القُرعة في المقام كثيرٌ من الأعلام، كالشَّيخ قدس سره(1)، وابن إدريسٍ قدس سره(2)، وفخر المحقِّقين قدس سره(3)، والشَّهيد قدس سره(4)، والفاضل الأصفهانيِّ قدس سره(5)، وصاحب الجواهر قدس سره(6)، وغيرهم.
فإذن أين نُقِضتْ القاعدةُ بأمر الخُنثىٰ المشكل؟!.
ويزيده وضوحًا وبيانًا: أنَّ هذا حكمٌ عقليٌّ تابعَه الشَّرع في إلحاق الخُنثىٰ بأحكام الرَّجلِ الخاصَّة أو الخاصَّة بالمرأة، فبعد أن ثبت عليه حكمُ واحدٍ من الطَّائفتين يشترك معه في أحكامه.
فإذن اشتراك جميع المُكلَّفين في التَّكليف ثابتٌ لايَنقُضُه أمرُ خنثىٰ المشكل أصلًا.
قد يَرِد علىٰ شمول القاعدة بما هو ثابتٌ في باب الإجتهاد والتَّقليد، من: ثبوت
حكمٍ علىٰ كلِّ واحدٍ من المجتهدين ومقلِّديهم غير ما هو ثابتٌ علىٰ المجتهد الآخر ومَن يُقلِّده؛
فإذن لاإشتراك في التَّكاليف بالنِّسبة إلى جميع النَّاس، مجتهدًا كانوا أو مقلِّدًا.
ويرد عليه: أنَّ معنىٰ الإجتهاد اِستفراغُ الوُسع من جانب المجتهد ليصل إلى الأحكام الواقعيَّة الَّتي يشترك فيها المكَلَّفون بأجمَعهم؛ علىٰ ما ذكَرَه العلَّامة قدس سره(1)، والأسترآباديُّ قدس سره(2)، والشَّيخ حسين الكركيُّ قدس سره(3)، والوحيد الفريدُ قدس سره(4)، وغيرهم؛
فإن أصابَ في ما اجتهَدَ فيه فهو منجَّزٌ له ولمقلِّديه، وإن لم يُصِب فهو معذورٌ في خطائه، إذ استفراغُ الوسع مع الجدِّ في ترتيب المقدَّمات وتحصيلها يُجزِىء عن الواقع؛
فمعنىٰ الإجزاء إذن: رفعُ التَّكليف الواقعيِّ عنه وعن مقلِّديه واكتفاؤُه بما وصل إليه.
فليس إذن انخرامٌ في القاعدة من ناحيَة باب الإجتهاد والتَّقليد.
لاإشكال في اشتراط الزَّمن الخاصِّ أو المكان الخاصِّ في بعض الأحكام، فلبعض الأحكام شرائط خاصَّة من الزَّمان والمكان - كما أفاده السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره بقوله: «بايد فقه ما فقه جواهرى باشد، وإلَّا فقه نابود مى شود؛
ولى بايد پويا باشد، زيرا زمان و مكان دو عنصر تعيين كننده در فقه ما است»(1)-؛
فاستُفِيد من هذا الكلام أنَّ قاعدة الإشتراك ليستْ بسيَّالَةٍ في جميع الأزمان بين جميع المكلَّفين، حيث إنَّ المُتَمسِّكين بهذا الكلام الصَّحيح قد أخطأوا فيه!، فجعلوا مفاده كالنَّسخ، بمعنىٰ أنَّ حكمًا كان ثابتًا في زمنٍ وفي مكانٍ خاصٍّ لكنَّه ليس بثابتٍ في زمانٍ آخر، أو مكانٍ آخر؛ بل جعلوه كالتَّخصيص أيضًا، فذهبوا إلى تغيير الحكم بتغيير الزَّمان أو المكان!.
أقول: هذا لاينخرم الإشتراكَ، لأنَّ المستفادَّ منه أنَّ حكمًا ثابتًا لجميع المكلَّفين في زمنٍ خاصٍّ قد سقط عن الوجوب أو الفِعليَّة - أو قل عن التَّنجُّز علىٰ المكلَّفين - بزوال موضوعه؛ أو أنَّ حكمًا لم يكن بثابتٍ علىٰ المكلَّفين - نظرًا إلى عدم ثبوت موضوعه - قد تنجَّز وثبَتَ عليهم، لثبوت موضوعه بعدَ أن لم يكن(2)
ثمَّ بعد أن زال الحكمُ بعد ثبوته أو ثبت بعد عدمه، لافرق إذن بين جميع النَّاس في ثبوته عليهم - ثبوتيًّا كان أو سلبيًّا(3)-.
1) . قال قدس سره: «إنِّي علىٰ اعتقادٍ بالفقه الدَّارج بين فقهائنا وبالإجتهاد علىٰ النَّهج الجواهريِّ، وهذا أمرٌ لابدَّ منه؛ لكن لايُعني ذلك أنَّ الفقه الإسلامي لايُواكِب حاجات العصر، بل إنَّ لعُنصري الزَّمان والمكان تأثيرًا في الإجتهاد، فقد يكون لواقعةٍ حكمٌ لكنَّها تتَّخذ حكمًا آخر علىٰ ضوء الأصول الحاكمة علىٰ المجتمع وسياسته واقتصاده»؛ راجع: صحيفة النُّور، ج 21 ص 98.
2) . أقول: وانظر أيضًا: أنوار الأصول، ج 3 ص 564.
3) . أقول: لتوضيحٍ أكثر حول جريان أصلَي الزَّمان والمكان في الإجتهاد اِثباتًا ونفيًا راجع: مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه، ض 319؛ أُسُس النّرظام السِّياسي عند الإماميَّة، ص 298؛ القول الرَّشيد في الإجتهاد والتَّقليد، ج 1 ص 127؛ مجلَّة فقه أهل البيت عليهم السلام بالعربيَّة -، ج 46 ص 133؛ رسالةٌ في تأثير الزَّمان والمكان علىٰ استنباط الأحكام، للشَّيخ المحقِّق العلَّامة السُّبحاني.
فالقول بحجِّيَّة الزَّمان والمكان في الأحكام الشَّرعيَّة يؤيِّد القاعدة؛ بل يؤيِّد سيلان الفقه الإسلاميِّ في جميع شؤون الحياة، فرديًّا كان أو جماعيًّا؛ كما وأنَّه يؤيِّد كون الإسلام خاتِمًا للشَّرائع الإلهيَّة الحقَّة.
فلاتُنقَضُ القاعدة بهذا القول.
قد يقال: «إنَّ ثبوت التَّدريج والتَّدرُّج في الأحكام يُنافي القاعدة، لأنَّ المستفادَ من كونها تدريجيَّةً أنَّ منها ما يثبت في زمنٍ دون زمنٍ آخر؛ فإذن هو ثابتٌ علىٰ جمعٍ من المكلَّفين غيرُ ثابتٍ علىٰ آخرين».
وفيه: إنَّ الأحكام كلَّها بالفعل منجَّزٌ علىٰ جميع المسلمين، لكن خروج الحكم عن مرحلة التَّنجُّز إلى الفعليَّة ربَّما يحتاج إلى حصول زمانٍ أو ثبوت مكانٍ أو وقوع حالاتٍ أو رفع موانعَ أو غيرها من الشَّرائط.
وهذا هو المراد بما اشتهَر بين أهل العلم من أنَّ مولانا وإمامَنا المعصوم صاحب العصر والزَّمان - روحي فداه! - يأتي بدينٍ جديدٍ، إذ في ذاك العصر المُشرِق ترتفعُ الموانعُ كلُّها؛ كما وأنَّه تثبت جميع المُقتَضَيات، فإذن تظهر الأحكام الَّتي كانت في مرحلة التَّنجُّز وتصير فعليَّةً؛ فكأنَّه عليه السلام يأتي بدينٍ جديدٍ بينما ليس له دينٌ، بل هو يُظهِر الاحكامَ الإلهيَّةَ بأجمعها.
فثبوت التَّدريج والتَّدرُّج في فعليَّة الأحكام لاينافي إشتراك جميعِ النَّاس فيها.
وهي أنَّ هيهنا لطيفةً عرفانيَّةً شامخةً تُشير إلى سرِّ ثبوت التَّدريج في الأحكام الشَّرعيَّة؛ وهي: أنَّ اللَّه - سبحانه وتعالى! - قد تجلَّى في الأزل تجلِّيًا ذاتيًّا مع جميع الأسماء والصِّفات حتَّى المستأثَر منها؛ فبه أوجَدَ الرَّسول صلى الله عليه و آله وعترته عليهم السلام؛
ثمَّ تجلَّى مرَّةً أخرىٰ بهذا التجلِّي التَّامِّ الكامل، فبه أظهر القرآن الكريم؛
كما وأنَّه تجلَّى ثالثةً ب «كُن الرَّحماني»، فأوجَد الموجودات كلَّها بأصحاب العِصمة الكُبرىٰ عليهم السلام. وليس الثَّلاث إلَّاواحدًا؛ قال - تعالى! -: «وَ مٰا أَمْرُنٰا إِلاّٰ وٰاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ»(1). فتلك التَّجلِّيَّات الثَّلاثة وما تجلَّى بها وإن كانتْ في عالَم التَّجلِّي - الَّذي يُقال له: عالَم اللَّاهوت - واحدةً، إلَّاأنَّ التَّنزُّل إلى عالم المادَّة والمادِّيَّات قد حكم عليها بالتَّدرُّج:
فظهر أصحابُ العصمة في أربعة عشر تِمثالًا عليهم السلام؛
وظهر القرآنُ الكريم في سُوَرٍ وآيٍ مختلفةٍ طوال ثلاثٍوعشرين سنةً؛
وظهر الموجودات بالفِيضَين الأقدس والمقدَّس تدريجًا في العالَم المادِّيِّ من الأزل إلى الأبد - هذا بحسب ضيق النِّطاق، وإلَّا لم يكن هذا التَّعبير دقيقًا فصيحًا بحسب الواقع -.
إذا تبيَّن هذا فنقول: إنَّ الأحكام الإلهيَّة كلَّها مخزونةٌ في القرآن الكريم - قال جلَّ وعلا!: «مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ»(2)-؛ كما وأنَّها موجودةٌ عند أهل
العِصمة الكبرىٰ عليهم السلام مخزونةٌ عندهم؛
فظهور الأحكام تدريجًا تابعٌ لظهور القرآن والمعصومين تدريجيًا. فافهم هذا ولاتغفل عنه، فإنَّه دقيقٌ جدًّا!.
بما أنَّ القاعدة من مبادىء علم الفقه لا ممَّا يوضح بعض مسائله ويجري فيه، فلانأتي بأمثلةٍ لها، لعدم جريانه في مسألةٍ خاصَّةٍ من مسائله؛ بل هي تجري أوَّلًا ثمَّ تُبيِّن كيفيَّة جريان العموم في المسائل قبل الورود فيها.
إنَّ إقرار العاقل جائزٌ علىٰ نفسه(1).
إقرار العقلاء علىٰ أنفسهم بما يُوجِب حكمًا في الشَّريعة عليهم مقبولٌ(2).
إقرار العقلاء جائزٌ علىٰ نفوسهم بما يوجب حكمًا في شريعة الإسلام(3).
قد اشتهر بين الأصحاب، بل بين الفقهاء كلِّهم تبعًا للعقلاء: «أنَّ إقرار العقلاء
علىٰ أنفُسِهم جائزٌ». فانظر إلى ما ذكره شيخ الطَّائفة قدس سره(1)، والعلَّامة قدس سره(2)والأعرج العميديُّ قدس سره(3)، والشَّهيد الأوَّل قدس سره(4)، وابنُفهدٍ قدس سره(5)، والصَّيمُريُّ قدس سره(6)، والمحقِّق الثَّاني قدس سره(7)، وثاني الشَّهيدين قدس سره(8)، وغيرهم في مقام الاستدلال بالقاعدة علىٰ طائفةٍ من الفروعات الفقهيَّة.
وانظر أيضًا إلى ما ذكره ابنُقدامة قدس سره(9)، وابنُحزمٍ قدس سره(10)في الاستدلال بها؛ وقد نبَّه عليه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(11). والعنوان يشيرُ إلى:
أوَّلًا: إنَّ المراد ب «الجواز» هيهنا: النُّفوذُ؛ فإقرارُهم نافذٌ عليهم فيما أقرُّوا به؛
كما أشار إليه المراغيُّ قدس سره أيضًا(12)، والسَّيِّد الخوئيُّ قدس سره(13)، والمحقِّق القمِّي قدس سره(14)،
1) . راجع: كتاب الخلاف، ج 5 ص 316 المسألة 16.
2) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 306.
3) . راجع: كنز الفوائد، ج 3 ص 402.
4) . راجع: غاية المراد، ج 2 ص 250.
5) . راجع: المهذَّب البارع، ج 3 ص 44.
6) . راجع: غاية المرام، ج 2 ص 99.
7) . راجع: جامع المقاصد، ج 2 ص 124.
8) . راجع: مسالك الأفهام، ج 4 ص 90.
9) . راجع: المغني، ج 5 ص 271.
10) . راجع: المحلّىٰ بالآثار، ج 8 ص 250.
11) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 45.
12) . راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 632.
13) . راجع: مصباح الفقاهة، ج 4 ص 95.
14) . راجع: رسائل الميرزا القمِّي، ج 1 ص 344.
وغيرهم.
وثانيًا: لا إقرار للسُّفهاء والمجانين(1)
مكلَّفون؛
وغير مكلَّفين؛
فأمَّا غير مكلَّفين فمثل الصَّبي والمجنون والنَّائم، فهؤلاء اقرارُهم....»؛ ثمَّ أفاض في التَّقسيم وبيان حكم كلِّ واحدٍ من الأقسام؛ راجع: المبسوط، ج 3 ص 3.
فراجع إليه لاشتماله علىٰ فوائد جمَّة.
، فإقرارُهم علىٰ أنفُسهم لاينفذ عليهم، بل اشترطوا فيه ما اشتُرِط في الأحكام من شروط التَّكليف العامَّة - وهي: البلوغُ، والعقلُ، والاِختيارُ، والعلمُ -؛فبهذا يَخرُج عن القاعدة إقرارُ الصَّبيِّ، والمُكرَه، والجاهل بالموضوع أو الحكمِ، قصورًا أو تقصيرًا.
وحرف التَّعدية هذه تدلُّ علىٰ كون الإقرار مضِرًّا للمُقِرِّ(2)
أقول: وانظر أيضًا إلى مقال دراساتٌ فقهيَّةٌ حديثيَّةٌ قاعدة الإقرار، في مجلَّة فقه أهل البيت عليهم السلام - بالعربيَّة -، ج 51 ص 243.
، فلوأقرَّ المرءُ بما يضرُّ بنفسه أو بماله أو بعِرضه، فهذا الإقرار يُقبَل لوكان المُقرُّ حائزًا للشَّرائط المذكورة آنفًا أعلاه. فيُرتِّبون إذن آثارَ الإقرار عليه.نعم! لوأقر بما فيه نفعُه، فلاأثر لهذا الإقرار؛ لأنَّه في الحقيقة يرجعُ حينئذٍ إلى
الإدِّعاء، لا الإقرار؛ والإدِّعاء يحتاج إثباتُه إلى دليلٍ مثبِتٍ له.
فالقاعدة إجنبيَّةٌ عن الإدِّعاء، بل هي في الإقرار فقط.
تدلُّ علىٰ القاعدة سيرةُ العقلاء بلاارتيابٍ وشكٍّ، حيث إنَّهم لايزال يحكمون بما يقِرُّ به المرءُ علىٰ نفسه(1)
وانظر أيضًا: مهذِّب الأحكام، ج 12 ص 288؛ دروسٌ تمهيديَّة في القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 178؛ القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنوردي قدس سره -، ج 3 ص 45.
.أضف إلى السِّيرة القطعيَّة هذه طائفةً من الآيات والرِّوايات؛ فمن الذِّكر الحكيم يدلُّ عليها قوله - تعالى! -: «كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ»(2)
وانظر في المقام إلى ما ذكره شيخ الطَّائفة قدس سره(3)، وسيِّدُنا الأستاذ العلَّامة الطَّباطبائي قدس سره(4)، وابنُالعربي(5)، والجصَّاص قدس سره(6)، والرَّاوندي قدس سره(7)، والفاضل
المقداد قدس سره(1)، وغيرهم بشأن الآية الكريمة.
ثمَّ إنَّ من الفقهاء مَن استدلَّ بالكريمة للقاعدة، أو ذكر ما يُستفاد منه كيفيَّة الاستدلال بها لها، كفخرالمحقِّقين قدس سره(2)، والفاضل المقداد قدس سره(3)، وصاحب الرِّياض قدس سره(4)، والشَّيخ محمَّدحسين آل كاشف الغطاء قدس سره(5)، وسيِّدنا الأستاذ الفقيه البروجرديِّ قدس سره(6)وانظر أيضًا إلى ما ذكره المحقِّق البجنورديُّ قدس سره في المقام(7).
ومن الأحاديث ما بلغ حدَّ التَّواتر المعنويِّ، وهو يدلُّ علىٰ وجوب ترتُّب الآثار علىٰ الإقرار لوكان علىٰ المرء، لا له؛ بل يمكن ادِّعاءُ ثبوتِ التُّواتر اللَّفظيِّ(8)في القول المنسوب للنَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله: «إقرار العقلاء علىٰ أنفسهم جائزٌ» - الحديث لاسند له بعد بليغ الفحص؛ والظَّاهر أنَّ ابن أبي جمهورٍ قدس سره هو أوَّل من ذكره في مصدرٍ حديثيٍّ(9)، ثمَّ نقله عنه المحدِّث النُّوريُّ قدس سره(10). وقد نصَّ صاحب الوسائل قدس سره علىٰ
1) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 87.
2) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 2 ص 597.
3) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 3 ص 485.
4) . راجع: رياض المسائل، ج 13 ص 119.
5) . راجع: تحرير المجلَّة، ج 2 / القسم الثَّاني ص 49.
6) . راجع: تقريراتٌ ثلاث، ص 62.
7) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 49.
8) . انظر إلى التَّعليق الآتي الَّذي نبحث فيه عن سند هذا الحديث.
9) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 1 ص 223 الحديث 104.
10) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 16 ص 31 الحديث 19028.
أنَّ الحديث منسوبٌ إلى كتب الاستدلال، لا المجاميع الحديثيَّة(1).
والظَّاهر أنَّ شيخ الطَّائفة قدس سره هو أوَّل من استدلَّ به في الفقه(2)، ثمَّ شاع ذكرُه في مجاميع الفقهاء حتَّى جاء الشَّيخ الهمدانيُّ قدس سره فادَّعىٰ استفاضته، أو تواتره(3)، تبعًا للفقيه النَّجفيِّ قدس سره(4)
بل ذهب المحقِّق البجنورديُّ قدس سره إلى أنَّه لايبعد ادِّعاء تواتره(5)
وقولهم هذا لايخلو عن شيءٍ واضحٍ قطعًا!.
والحديث جعلَه الفقهاءُ عنوانًا للقاعدة(6)
إلَّا أنَّه لمَّا كان إرشادًا إلى حكم العقل وبناءِ العقلاء، فهو إمضائيٌّ يُثبِت القاعدةَ.
كما وأنَّ الإجماعَ المُدَّعىٰ هيهنا أيضًا - كما ادَّعاه ابن إدريسٍ قدس سره(7)، وحكاه عنه العلَّامة قدس سره(8)، وولده قدس سره(9)، وادَّعاه الفاضل المقداد قدس سره(10).
1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 23 ص 184 الحديث 29342.
2) . راجع: كتاب الخلاف، ج 5 ص 316 المسألة 16.
3) . راجع: مصباح الفقيه، ج 14 ص 567.
4) . راجع: جواهر الكلام، ج 35 ص 3.
5) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 47.
6) . وقد أطال المحقِّق البجنورديُّ قدس سره في بيان مراد الحديث، وبيَّن ما يرجع إليه بكامله؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 51.
7) . راجع: السرائر الحاوي، ج 3 ص 217.
8) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 6 ص 417.
9) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 2 ص 597.
10) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 426.
ثمَّ إنَّ المحقِّق المراغي قدس سره بعد أن ادَّعىٰ الإجماع المحصَّل في المسألة قال: «منقول الإجماع علىٰ هذه القاعدة في عبائرهم فوق حدِّ الاِستفاضة»(1)وادَّعاه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(2)أيضًا -، ليس إلَّاتقريرًا آخر للبناء المُشار إليه آنفًا. فليس الإجماع أيضًا دليلًا مستقلًّا في مسألتنا هذه.
وكيف كان فإنَّ الأدلَّة الدالَّة علىٰ القاعدة تامَّةٌ لاخدشة فيها، ولا فيها.
وهيهنا تنبيهاتٌ.
لاإشكال في كون القاعدة من الأمارات الَّتي ألغىٰ العقلاءُ إحتمالَ الخلاف فيها، تسهيلًا لمعاشهم؛ فهي كالبيِّنة وخبر الثِّقة؛ بل هي كحجِّيَّة الظَّواهر(3)
فإذن التَّشكيك في أماريَّتها - كالتَّشكيك في حجِّيَّة الظَّواهر - لايُسمَع أصلًا.
1) . راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 630.
2) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 46.
3) . بل ذكر الفقيه الجامع الآية المرعشي النَّجفي قدس سره إنَّ القاعدة من الأمارات الظَّنِّيَّة القويَّة الَّتي لم يردع عنها الشَّارعُ؛ راجع: القصاص علىٰ ضوء الكتاب والسُّنَّة، ج 2 ص 57.
4) . ولافرق في الإقرار بالقول بين دلالة القول علىٰ ما أقرَّ به بالمطابقة، أو بالالتزام؛ وانظر: كلمة التَّقوىٰ، ج 5 ص 388؛ ذخيرة الأحكام، ج 4 ص 3.
5) . أقول: بل وغيرها من طرق الإثبات أيضًا؛ انظر: القضاء في الفقه الإسلامي، ص 179؛ كتاب الصَّوم من غاية القصوىٰ، ص 95؛ القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 57.
فكما أنَّ رجلًا لوأقرَّ علىٰ نفسه بأنَّ الدَّار الَّتي هو ساكنٌ فيها تتعلَّق بغيره تُؤخَذ تلك الدَّار عنه وتثبت عليها ملكيَّةُ زيدٍ - أي: تترتَّب علىٰ إقراره هذا آثارُ الإقرار -، فكذلك لوكتب ما يدلُّ علىٰ أنَّها لغيره، لا لنفسه؛ وكذلك في الإشارة الصَّريحة.
فلوسُئِل عنه: مَن هو صاحب هذه الدَّار؟، فأشار بيده إلى زيدٍ، تترتَّب آثار الإقرار علىٰ إشارته هذه.
فإذن القولُ بالفرق بين الثَّلاثة - أي: القول والكتابة والإشارة - لاوجه له قطعًا.
وما قيل من: «أنَّ الإشارة لاتكون بمصرِّحةٍ في ذلك»(1)
ليس بسديدٍ!؛ ضرورةَ أنَّ الكلام فيما إذا كانت الإشارة في ما تدلُّ عليه صريحةً(2)، كالقول والكتابة.
وما قيل أيضًا من: «أنَّ الظَّاهر من «الإقرار» المذكور في عنوان القاعدة هو القول فقط، لا الكتابة ولا الإشارة»؛
ضعيفٌ جدًّا مخالفٌ لما يُفهَم من العُرف!.
لاإشكال في حجِّيَّة مُثبَتات الأمارات، ومنها هذه القاعدة، فمُثبَتات قاعدة الإقرار حجَّةٌ قطعًا تترتَّب عليها لوازمُها العرفيَّة وملزوماتُها(1). بل المختار أنَّ لوازم القواعد الفقهيَّة بأجمعها، وكذلك لوازم الأصول ولاسيَّما الاِستصحاب حجَّةٌ؛ خلافًا لِما اشتهر بين المتأخِّرين من الأُصوليِّين - والتَّفصيل موكولٌ إلى محلِّه من مسفوراتنا الأصوليَّة -.
إن قُلت: إنَّ لوازم الإقرار في كثيرٍ من الموارد لاتترتَّب عليه. فمَن أقرَّ علىٰ نفسه بالزِّنا يُجلَدُ، لكن من ادَّعىٰ النُّبوة أو الأبوَّة فلايترتَّب علىٰ إقراره شيءٌ، فلاحرمة له لنبوَّته، ولا إرث له لأُبوَّته.
أقول: إنَّ الإقرار هذا ليس من الإقرار علىٰ النَّفس في شيءٍ، بل هو إقرارٌ علىٰ الغير. نعم! بمحض الإقرار علىٰ النَّفس تَثبُت آثارُه عليه، فعليه إعطاء النَّفَقة لمَن ادَّعىٰ أنَّه ولده ويثبُت للولد سهمٌ في ميراث المُقِرِّ لومات؛ أمَّا لومات الولدُ فلايرثُ منه المقرُّ، لأنَّه ليس يقرُّ بما هو علىٰ نفسه، بل بما هو لنفسه(2)وقد أشرنا في صدر المبحث إلى الفرق بينهما.
قد اشتهر أنَّ الإنكار بعد الإقرار لا أثر له - كما عن المحقِّق الحكيم الطُّوسي قدس سره(1)، والمحقِّق الثَّاني 0(2)، والشَّهيد الثَّاني 0(3)، والمحقِّق الفيض قدس سره(4)، والفاضل الأصفهاني قدس سره(5)، والمحقِّق البحراني قدس سره(6)
وحكىٰ الصَّيمُريُّ قدس سره عن ابن الجنيد قدس سره وابن البرَّاج قدس سره وفخرالدِّين قدس سره إنَّ الإنكار بعد الإقرار يُبطِل الإقرار(7)-.
وكلامهم لايخلو عن شيءٍ، بل باطلٌ قطعًا!؛ لأنَّه:
أوَّلًا: إنَّ الإنكار حينئذٍ من المُتَّهم، والمتَّهمُ قولُه ليس بحجَّةٍ حتَّى يُسمَع - لجريان الشَّكِّ واحتمال الخلاف في قول المتَّهم، وليس دليلٌ في البين هيهنا يدلُّ علىٰ زوال ذلك الشَّكِّ والاِحتمال. نعم! لوكانت هناك قرينةٌ حاليَّةٌ أو مقاليَّةٌ يمكن أن يُزالَ بها احتمال الخلاف فالقرينة بما أنَّها تفيدُ العلم حجَّةٌ قطعًا، لكن هذا خارجٌ عن محطِّ النَّظر والبحث -.
وثانيًا: إنَّ الإنكار إقرارٌ لنفسه، لا علىٰ نفسه؛ فالإقرار هيهنا يساوي الادِّعاء،
وهو غير حجَّةٍ إلَّامع اِنضمام البيِّنة إليه(1).
هل الإقرارُ مختصٌّ ببابَي الدَّعاوي والنِّزاعات، فهو حجَّةٌ عند الحاكم فقط؟، أو لا؟، بل إنَّه حجَّةٌ مطلقًا فيجري عند الحاكم وغيره؟؛
فمَن أقرَّ مطلقًا علىٰ نفسه بأنَّ الدَّارَ الَّتي يسكنها ليست إلَّالزيدٍ وأنَّها أمانةٌ عنده أو غصبيَّةٌ، فهل إنَّ إقرارَه هذا منجَّزٌ؟ أم ليس بمنجَّزٍ إلَّاإذا وقع عند الحاكم - لحجِّيَّته عنده، لا عند غيره من النَّاس -؟.
الأقوىٰ هو العموم في حجِّيَّته، لعدم تخصيصٍ في المقام، لا من الشَّارع ولا من السِّيرة العُقلائيَّة الحجَّةِ في المقام؛
ولذلك قال الفقيه النَّجفيُّ قدس سره: «التَّحقيق عدم الفرق بين البيِّنة والإقرار في الأخذ بهما، من دون حكم الحاكم لكلِّ أحدٍ»(2)وانظر أيضًا إلى ما ذكره الشَّيخ الأعظم قدس سره(3)، وأوَّل الشَّهيدين 0(4)، والمحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(5)بهذا الصَّدد.
لاإشكال في أنَّ التَّعليق في الإقرار غيرُ جائزٍ، بل غير ممكنٍ أصلًا - كما عن شيخ
الطَّائفة قدس سره(1)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(2)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(3)، وصاحب الجواهر قدس سره(4)، وغيرهم،
خلافًا لقليلٍ من الأصحاب(5)-؛
لأنَّ الإخبار الجزميِّ - الَّذي هو الإقرارُ - ينافي التَّعليق. فلوقال مثلًا: «إنَّ الدَّار لزيدٍ لوجاءك»، فهذا إنشاءٌ وليس بإقرارٍ أصلًا؛ ولو قال: «أنكحتُكَ ابنَتي هذه إن جاءك أخوها من السَّفر»، فليس بإخبارٍ ولا إنشاءٍ، لاستلزامهما الجزم، والتَّعليق ينافيه.
والظَّاهر خروج التَّعليق علىٰ مشيئة اللَّه - تبارك وتعالى! - تبرُّكًا عن هذا الحكم(6)خلافًا للفاضل المقداد قدس سره(7).
نعم! هيهنا إشكالٌ نشأ عن الخلط بين التَّعليق في الإخبار وبين التَّعليق في المخبَر عنه(8)فمثلًا لوقال: «إنَّ الدَّار لك لوشَهِد بذلك زيدٌ»، فالأقوىٰ نفوذُ هذا الإقرار، لأنَّ
1) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 33.
2) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 9 ص 410.
3) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الكفالة، ص 7.
4) . راجع: جواهر الكلام، ج 32 ص 80.
5) . كالسَّيِّد المحقِّق الخوانساريِّ قدس سره؛ راجع: جامع المدارك، ج 5 ص 35.
6) . وانظر: مهذِّب الأحكام، ج 21 ص 240.
7) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 3 ص 311.
8) . ولو وفَّقني اللَّه - تعالى! - سأقوم بوضع اللَّمسات الأخيرة علىٰ ما كتبتُه ممَّا ألقاه شيخنا الأستاذ - متَّعنا اللَّه بطول بقائه! - في حِقل كتاب النِّكاح، ليخرج إلى الطَّبع - بإذنه وعونه، جلَّ وعزَّ! -.
الأمر في هذه العبارة لم يُعلَّق علىٰ الإخبار، بل علىٰ الُمخبَر عنه؛
كما أنَّ الإنشاءَ جائزٌ إذا كان التَّعليق في المُنشَأ، لا في الإنشاء؛ كقوله: «أنكحتُكَ ابنَتي هذه إن أجازت».
والمسألةُ في كِلَي الموردين معركةُ الآراء والأقوال، لكنَّ الحقَّ ما أشرنا إليه هيهنا. والتَّفصيل في محلِّه من كتاب النِّكاح من علم الفقه.
ومثله حرفيًّا ما عن الفقيه قطب الدِّين الكَيدريِّ قدس سره(2).
قال المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره في مسألة إقرار الوارث بوراثٍ آخر لايقين بكونهم وارثين: «وبالجملة قاعدة الإقرار الَّتي هي الأخذ باليقين دون الاحتمال والجواز تؤيِّد الشُّبهة هنا»(3).
قال المحقِّق العامليُّ قدس سره في شرح قول العلَّامة قدس سره: «لوقال: له عليَّ درهمٌ درهمٌ درهمٌ لزمه واحدٌ»: «بلاخلافٍ ممَّن تعرَّض له... جَرْيًا علىٰ قاعدة الإقرار...»(4).
وانظر أيضًا إلى ما ذكره العلَّامة قدس سره في التَّذكرة(1)، والإرشاد(2)، والتَّحرير(3)، والشَّهيدُ قدس سره في دروسه(4)بهذا الشَّأن.
المشهور بين الأصحاب - كما عن الشَّيخ قدس سره في التَّهذيب(2)، والاستبصار(3)،
1) . هناك رسالةٌ للفقيه المتكلِّم الشَّيخ البلاغي قدس سره سمَّاها في إلزام غير الإماميِّ بأحكام نحلته - راجع: موسوعة العلَّامة البلاغي / الجزء الرَّابع، الرسائل الفقهيَّة، ص 237 فما بعدها -، وقد استوفىٰ المقامَ حقَّه؛ فراجعها.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 8 ص 57 ذيل الحديث 185.
3) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 291.
والنِّهاية(1)، وابن إدريس قدس سره(2)، وأوَّل الشَّهيدَين 0(3)، والفاضل المقداد قدس سره(4)، وثاني الشَّهيدَين 0(5)، و صاحب الحدائق قدس سره(6)، والمحقِّق الخراسانيِّ قدس سره(7)، وصاحب الرِّياض قدس سره(8)، وصاحب الجواهر قدس سره(9)، وغيرهم الكثيرين - أنَّه يجوز للشِّيعة أن يُلزِم المخالفَ بما التزم هو علىٰ نفسه، في الضَّمانات والعقود والإيقاعات، بل في جميع الأحكام التَّكليفيَّة والوضعيَّة؛ كما نصَّ عليه الشَّيخ المَغنيَةُ قدس سره فقال: «... ترتيب آثار الصِّحَّة علىٰ زواجهم وميراثهم وطلاقهم وجميع معامَلاتهم إذا أوقعوها علىٰ وِفق ما يدينون به...»(10). فعلىٰ سبيل المثال لوحلف مخالفٌ بما هو صحيحٌ علىٰ مذهبه من الطَّلاق ثلاثًا وعتاق جميع عبيده والتَّصدُّق بما يملكه، فذلك وإن كان باطلًا عندنا، لكنَّه لمَّا كان صحيحًا عنده فيجوز لنا أن نعمل علىٰ مقتضىٰ ما قام به، من الزِّواج بزوجته(11)،
1) . راجع: النِّهاية، ص 347.
2) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 685.
3) . راجع: الدُّروس، ج 2 ص 356.
4) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 3 ص 315.
5) . راجع: مسالك الأفهام، ج 9 ص 96.
6) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 25 ص 243.
7) . راجع: كفاية الأحكام، ج 2 ص 331.
8) . راجع: رياض المسائل، ج 12 ص 233.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 32 ص 87.
10) . راجع: فقه الإمام الصَّادق عليه السلام، ج 6 ص 11.
11) . أقول: وقد عبَّر بعضُ أكابر المعاصرين عن هذا بتعبيرٍ حسنٍ بليغٍ، فقال: «وحيث يصحُّ الحَلف بالطَّلاق عندهم فلوحلَف وطلَّقت زوجته عندهم جاز للشِّيعيِّ نكاحها أو تزويجه بأختها»؛ راجع: الفقه / القواعد الفقهيَّة، ص 81.
وترتُّب أحكام الحرِّيَّة علىٰ عبيده، وجعل ماله صدقةً.
وتُوجَد في فقهنا فروعٌ كثيرةٌ تترتَّب علىٰ هذه المسألة المسمَّاة بقاعدة الإلزام؛ كمسألة طلاق المخالف زوجتَه(1)، وباب ميراث المجوس(2)، وتغسيل ميِّتهم(3)، وعدد التَّكبيرات في الصَّلاة عليهم(4)، وإباحة ما يُؤخَذ بحكم الجائر أو عدم إباحته(5)، وغيرها من المسائل.
والقاعدةُ قاعدةٌ عقلائيَّةٌ، لأنَّ أهل كلِّ ملَّةٍ ونحلةٍ يُلزِمون آخرين بما التزموا هم علىٰ أنفسهم.
هناك عدَّة رواياتٍ كثيرةٍ ضبَطَها الشَّيخ الحرُّ قدس سره في الباب الثَّالث من أبواب مقدَّمات الطَّلاق(6)، وفي الباب الرَّابع من أبواب ميراث الإخوة(7)، وغيرها؛ وفيها
1) . انظر: علل الشَّرائع، ج 2 ص 511 الباب 284.
2) . انظر: الاِستبصار، ج 4 ص 188؛ الشَّافي في العقائد، ج 2 ص 1663.
3) . انظر: مدارك الأحكام، ج 2 ص 92.
4) . انظر: الحدائق النَّاضرة، ج 3 ص 358.
5) . انظر: كتاب القضاء والشَّهادات - للشَّيخ الأعظم قدس سره -، ص 62.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 22 ص 10.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 26 ص 157.
ورد مضمون هذه القاعدة بتعابيرَ مختلفةٍ؛
كقوله عليه السلام: «أَلزِموهم بما ألزَموا به(1)أنفُسَهم»؛ وقد رواه الشَّيخ قدس سره(2)، والأحسائيُّ قدس سره(3)، والفيضُ قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5).
والحديثُ وإن كان مرسلًا - كما أشار إليه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره(6)- لكنَّه وقع موقع قبول الفقهاء، فاستدلُّوا به كثيرًا؛ كالعلَّامة قدس سره(7)، والمقداد قدس سره(8)، وثاني الشَّهيدَين قدس سره(9)، وصاحب المدارك قدس سره(10). وكيف كان فلم أجِد طريقًا لتصحيح الحديث سندًا، كما وأنَّه لم أعثُر علىٰ من صحَّحه بين الفقهاء؛ ولذلك قد حكىٰ الفقيه بحرالعلوم قدس سره عن بعضهم اعتضادَ الحديث بالشُّهرة(11)، فهي جابرةٌ لضعف سنده.
ثمَّ إنَّا أشرنا إلى أنَّ القاعدة قاعدةٌ عقلائيَّةٌ، فحينئذٍ إنَّ هذه الرِّوايات كلَّها
1) . لفظة «به» لم ترد في بعض مصادر الحديث، وقد وردتْ في الغالب منها.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 322 الحديث 1156.
3) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 3 ص 514 الحديث 75.
4) . راجع: الوافي، ج 25 ص 738 الحديث 24889.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 26 ص 158 الحديث 32712.
6) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 15 ص 313.
7) . راجع: أجوبة المسائل المُهنائيَّة، ص 98.
8) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 3 ص 315.
9) . راجع: حاشيَة الإرشاد، ج 3 ص 224.
10) . راجع: مدارك الأحكام، ج 2 ص 92.
11) . راجع: بُلغَة الفقيه، ج 4 ص 316.
إرشاديَّةٌ إلى ما يُرشِد إليه العقل، ولاتعبُّد فيها أصلًا(1)
وللتَّرديد فيه مجالٌ واسعٌ.
.ويمكن ادِّعاء انعقادِ الإجماع العمليِّ علىٰ ذلك، وإن لم ينعقد الإجماع القوليُّ في المسألة قطعًا؛ إلَّاما يُتراءىٰ من بعض عبائر الشَّيخ قدس سره(2)، إن أمكَن تعميمه من باب النِّكاح إلى غيره من أبواب الفقه. وقد قال ابنُإدريس أيضًا بعد بيان المسألة: «...
أصحابنا... قد أجمَعُوا عليها قولًا وعملًا»(3).
يجوز أن تُتُسرَّىٰ هذه القاعدة ممَّا يكون علىٰ أنفسهم إلى ما يكون لأنفهسم؛ فبها تُتُرتَّب الصِّحَّةُ حينئذٍ علىٰ صلواتهم وعقودهم وإيقاعاتهم؛ وبعبارةٍ أُخرىٰ علىٰ مطلق عباداتهم ومعامَلاتهم، إلَّاما خرج بالدَّليل.
وتدلُّ عليه قوله عليه السلام: «خُذُوا منهم ما يأخذون منكم في سنَّتهم وأحكامهم»؛ وقد رواه الشَّيخ قدس سره(4)، وقد روىٰ نفسَ القول في صورةٍ ثانيَةٍ هي قريبةٌ جدًّا من
1) . ولوكانت القاعدة مشيرةً إلى الحكم الواقعيِّ، فإدن لاريب في وجوب ترتُّب الأحكام واقعيًّا علىٰ من تجري في حقِّه القاعدة، إلَّاأن يُقال: إنَّ القاعدة تشير إلى الحكم الظَّاهريِّ فقط؛ وهذا ما يُستَشمُّ من بعض كلمات الشَّيخ الأعظم قدس سره؛ راجع: كتاب المكاسب، ج 1 ص 319؛
2) . راجع: الاِستبصار، ج 4 ص 189.
3) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 685.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 321 الحديث 1153.
الأولىٰ مع تغييراتٍ يسيرةٍ، وقد رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والفيضُ قدس سره(2)، والحُرُّ قدس سره(3).
وعبداللَّه بن مُحْرِزٍ وإن كان مجهولًا(4)- ولذلك قد حكم العلَّامة المجلسيُّ قدس سره بكون الحديث مجهولًا، في الملاذ(5)، والمرآة(6)، كما وأنَّه لم يصحِّحه أحدٌ من الأصحاب علىٰ ما أعلم -، لكن اعتماد الفقهاء عليه يدلُّ علىٰ جواز الأخذ به؛ كما قد رواه صاحب الجواهر قدس سره(7)، وشارح المفاتيح قدس سره(8)، والشَّيخ حسين الحلِّي الكبير قدس سره(9)، والسَّيِّد السَّبزواريُّ قدس سره(10)، وغيرهم؛ وهذا يدلُّ علىٰ صحَّة الاعتماد عليه.
هل القاعدة تختصُّ بالمسلم المخالف؟، أو تعمُّ جميعَ أهل الأديان؟، بل جميعَ أهل الملل والنِّحَل؟(11)
وبهذا يمكن أن يُستدلَّ علىٰ جريان القاعدة بالنِّسبة إلى المشركين أيضًا.
وانظر أيضًا: ما وراء الفقه، ج 8 ص 516؛ الفقه / المرور، ص 132.
.1) . راجع: الكافي، ج 7 ص 100 الحديث 2.
2) . راجع: الوافي، ج 25 ص 737 الحديث 24886.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 26 ص 157 الحديث 32708.
4) . كما عن البلاغيِّ قدس سره حيث قال بعد نقل السَّند: «ورجال السَّند إلى ابن محرزٍ معروفون»؛ راجع: الرَّسائل الفقهيَّة، ص 254.
5) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 15 ص 312.
6) . راجع: مرآة العقول، ج 23 ص 150.
7) . راجع: جواهر الكلام، ج 32 ص 88.
8) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 14 ص 487.
9) . راجع: بحوث فقهيَّة، ص 273.
10) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 30 ص 102.
11) . أقول: كما «أنَّ كثيرًا من الكافر أسلموا علىٰ عهده صلى الله عليه و آله مع أزواجهم فأقرَّهم علىٰ نكاحهم، من غير استفصالٍ»؛ راجع: سفينة النَّجاة، ج 4 ص 124.
الظَّاهر أنَّه لا اِختصاص في القاعدة، بل تعمُّ هذه جميعَ أصناف النَّاس الخارجين عن عنوان الشِّيعيِّ الإماميِّ - كما قال الشَّيخ قدس سره: «إذا علم الإمام أو الحاكم أنَّ استحلافهم بالتوراة والإنجيل أو بشيءٍ من كتُبهم أردع لهم في بعض الأحوال جاز له أن يُحلِّفَهم به»(1)
وهذا واضحٌ في تعدِّيه في القاعدة عن العامِّي إلى غير المسلمين أيضًا -.
والدليل علىٰ ذلك ما اشتهر بين الأصحاب بل صار من المُسلَّمات في الفقه من:
«أنَّ لكلِّ قومٍ نكاحًا»؛ وهذا وأُخته «لكلِّ قومٍ نكاحٌ» يُوجَد في كثيرٍ من مصادر الحديث، كالتَّهذيب(2)، والوسائل(3)وقد عقد له المحقِّق الفيض قدس سره بابًا برأسه في جامعه(4).
والسَّند وإن لم يخلو عن شيءٍ، لكن كثرة الأحاديث الواردة في هذا الباب أوَّلًا، واعتماد الفقهاء عليه ثانيًا يدلُّ علىٰ جواز الأخذ به؛ حيث تمسَّك به صاحب الحدائق قدس سره(5)، والوحيدُ الفريدُ قدس سره(6)، والمراغيُّ قدس سره(7)، وصاحب الجواهر قدس سره(8)،
1) . راجع: النِّهاية، ص 347.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 387 الحديث 1154.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 15 ص 80 الحديث 20024.
4) . راجع: الوافي، ج 21 ص 293.
5) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 24 ص 330.
6) . راجع: حاشيَةٌ علىٰ مجمع الفائدة، ص 72.
7) . راجع: العناوين، ج 2 ص 148.
8) . راجع: جواهر الكلام، ج 29 ص 266.
والمحقِّق الحكيم قدس سره(1)، والسَّيِّد الخوانساريُّ قدس سره(2)، وغيرهم.
كما ويدلُّ عليه قوله عليه السلام: «يجوز علىٰ أهل كلِّ ذي دينٍ ما يستحلُّون»؛ وقد رواه الشَّيخ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)، وغيرهم.
وسنده صحيحٌ، كما وقد صحَّحه بعض معاصرينا(7)
أقول: وانظر أيضًا: مباني الفقه الفعَّال، ج 2 ص 18.
، والسَّيِّد الحكيم قدس سره(8)، وصاحب الجواهر قدس سره(9)، وغيرهم. ونظائره الكثيرة أيضًا(10)وانظر أيضًا إلى ما قاله المحقِّق صاحب العروة قدس سره في رسالة السُّؤال والجواب، ص 185 بشأن المسألة؛ فإنَّه دقيقٌ جدًّا.
.1) . راجع: مستمسك العروة، ج 9 ص 451.
2) . راجع: جامع المدارك، ج 7 ص 4.
3) . راجع: الاِستبصار، ج 4 ص 148 الحديث 554.
4) . راجع: الوافي، ج 25 ص 737 الحديث 24888.
5) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 289 الحديث 31.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 26 ص 158 الحديث 32711.
7) . راجع: البراهين الواضحات، ج 1 ص 60؛ ملكيَّة الدَّولة، ص 122.
8) . راجع: مستمسك العروة، ج 14 ص 526.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 32 ص 88.
10) . وللفقيه المحقِّق الشَّيخ أسداللَّه الكاظمي قدس سره كلامٌ رفيعٌ في المقام؛ ونسخة كتابه وإن كانت غير خاليةٍ عن التَّشويش والاضطراب، لكن الرُّجوع إليها لاتخلو عن فائدةٍ؛ فانظر: مقابس الأنوار، ص 267.
كما ويدلُّ علىٰ ذلك الإجماع العمليُّ الآنفُ الذِّكر أعلاه.
فحينئذٍ يمكن أن يُقال: إنَّ الرِّوايات كلَّها من باب المثال، ولاخصوصيَّة للعامَّة هيهنا أصلًا.
«أمَّا المخالف فقد يقال - كما في الرَّوض - بعدم وجوب توجيهه، لقاعدة الإلزام»(2).
وانظر أيضًا في المقام إلى غير السَّيِّد الحكيم من شرَّاح العبارة، كالمحقِّق الآمُليِّ قدس سره(3)، والفقيه الخوئيِّ قدس سره(4)، والسَّيِّد السَّبزواريِّ قدس سره(5)
أقول: وإلى بعض ما ذكره اجلاء المعاصرين؛ كالشيخ الاشتهارديِّ قدس سره، راجع: مدارك العروة، ج 6 ص 75؛ والفقيه الشَّيخ الصَّافي قدس سره، راجع: ذخيرة العُقبىٰ، ج 8 ص 219؛ والشَّيخ محمَّد السَّند، راجع: سند العروة الوثقىٰ / الطَّهارة، ج 5 ص 86.
.فقال المحقِّق الآمليُّ قدس سره: «... لإطلاق النُّصوص الدالَّة علىٰ اعتبار الخَمس في صلاة الميِّت الَّتي قُيِّدت بما عدا المخالف، لقاعدة الإلزام»(1).
«كلُّ ما -: دمٍ - يمكن أن يكون حيضًا فهو حيضٌ».
اشتهر(1)بين الأصحاب أنَّ كلَّ دمٍ تراه امرأةٌ يمكن أن يكون حيضًا، فهو محكومٌ بالحيضيَّة(2).
والمراد من «الإمكان» هيهنا(3): كون الدَّم بحيث يمكن أن يُحمَلَ علىٰ هذا النَّوع الخاصِّ من الدِّماء المختصَّة بالنِّساء.
لكن هذه الشُّهرة لاأصل لها، إذ هي تختصُّ بموارد قاعدة الاِستظهار؛ وهي: أنَّ المرأة إذا كانت ذات عادةٍ عدديَّةٍ وهي أقلٌّ من العشرة - الَّتي هي أكثر الحيض، كما هو مقرَّرٌ في الفقه، وقد أشار إليه الشَّيخ قدس سره في خلافه(1)، ومبسوطه(2)، والرَّاونديُّ قدس سره(3)، والفاضل الآبيُّ قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره(5)وغيرهم -، فلورأتْ دمًا طال بها في شهرٍ أكثر من عددها المعتاد، فالقاعدة هذه تدلُّ علىٰ ثبوت أحكام الحيض عليها، من وجوب ترك العبادات المشروطة بالطَّهارة ونحوها. لكن يُعارِض هذه القاعدة حكمُ الفقهاء - كالشَّيخ قدس سره(6)، وابن إدريس قدس سره(7)، والعلَّامة قدس سره(8)، والفقيه الموسويِّ العامليِّ قدس سره(9)- بوجوب الاِستظهار عليها، فتنظر حتَّى اليوم العاشر، فإن زاد الدَّمُ عليها فهو الاِستحاضة، ويجب عليها أحكامُها - من قضاء صلوات الأيَّام الزَّائدة علىٰ عادتها إلى العشرة فما بعدها، وغيرِه من الأحكام المختصَّة بالمستحاضَة، بأقسامها الثَّلاثة -؛ وإن قطع الدَّمُ قبل تجاوز العشرة فهو محكومٌ بالحيض؛
1) . راجع: الخِلاف، ج 1 ص 237 المسألة 203.
2) . راجع: المبسوط، ج 1 ص 45.
3) . راجع: فقه القرآن، ج 1 ص 52.
4) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 75.
5) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 1 ص 258 ذيل المسألة 83.
6) . راجع: الاِستبصار، ج 1 ص 149.
7) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 1 ص 149.
8) . راجع: منتهىٰ المطلب، ج 2 ص 231.
9) . راجع: مدارك الأحكام، ج 1 ص 336.
وتفصيل المبحث موكولٌ إلى محلِّه من كتاب الطَّهارة(1).
أشرنا إلى أنَّ موردَ القاعدة تخصُّ بباب الطَّهارة فقط؛ فلانطيل البحث حول مدركها، اذ ليس موردُها إلَّافرعًا فقهيًّا كغيره من الفروع. لكن نشير فقط إلى:
أوَّلًا: إنَّ الشَّيخ الأعظم قدس سره - وتابعه فيه بعضُهم، كالمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(2)- ذهب إلى أنَّ الأصل في الدِّماء المختصَّة بالنِّساء هو الحيض، فلوشُكَّ في دمٍ أنَّه ما هو؟ يحكم الأصلُ بأنَّه الحيض(3).
والكلام كلُّه في هذا الأصل وثبوتِه، حيث لم يذكروا شيئًا يدلُّ علىٰ ثبوت أنَّ الأصل في دمائهنَّ هو الحيض؛ إلَّاأنَّ طبيعة المرأة حالةَ صحَّتها لاتدفع إلَّاالحيض؛
فجريان الطَّبيعة تدلُّ علىٰ هذا الأصل.
بينما نرىٰ أنَّ الفقهاء ذهبوا إلى أنَّه لو شكَّتْ امرأةٌ في دمٍ تراها أنَّه من قرُحٍ؟، أو جرحٍ؟، أو حيضٌ؟، أو استحاضةٌ؟ ولم يقم دليلٌ علىٰ واحدٍ منها فيجب عليها الحكم بكونه استحاضةً! - كما عن أبي الصَّلاح قدس سره(4)، والمحقِّق قدس سره(5)، والعلَّامة قدس سره(6)،
والبحرانيِّ قدس سره(1)، والسَّيِّد اليزديِّ قدس سره(2)، والفقيه الآمليِّ قدس سره(3)، والسَّيِّد المحقِّق الخوئيِّ قدس سره(4)وغيرهم -.
نعم! عليها متابعةُ الدَّليل، لكن لوفُقِد فتحكم علىٰ نفسها بالاستحاضة؛
فإذن الأصل هذه موهونٌ جدًّا!.
ثانيًا: الإجماع(5)المُدَّعىٰ من قِبَل بعضهم؛ كالمحقِّق قدس سره(6)، والعلَّامة قدس سره(7)، والمحقِّق الثَّاني قدس سره(8)، والوحيد الفريد قدس سره في حاشيته علىٰ المدارك(9)، ومصابيحه(10)، والفقيه الطَّباطبائيِّ قدس سره(11)، وكاشف اللِّثام قدس سره(12).
والحقُّ أن لا إجماع في المسألة، إذ موارد ذكرها في الفقه لاتبلغ حدًّا يمكن أن تفي
1) . راجع: الحدائق النَّاظرة، ج 3 ص 230.
2) . راجع: العُروة الوثقىٰ، ج 1 ص 317 المسألة 5.
3) . راجع: مصباح الهُدىٰ، ج 4 ص 393.
4) . راجع: موسوعة الإمام الخوئيِّ، ج 7 ص 93.
5) . وانظر: العناوين الفقهيَّة، ج 1 ص 515.
6) . راجع: المعتبر، ج 1 ص 203.
7) . راجع: منتهىٰ المطلب، ج 1 ص 98.
8) . راجع: جامع المقاصد، ج 1 ص 288.
9) . راجع: حاشيَة الوحيد علىٰ مدارك الأحكام، ج 1 ص 364.
10) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 1 ص 118.
11) . راجع: رياض المسائل، ج 1 ص 288.
12) . راجع: كشف اللِّثام، ج 2 ص 92.
بقيام الإجماع عليها(1).
قاعدة «الإمكان» - كما أشرنا إليه - تختصُّ بهذا المورد فقط، ولاتجري في غيرها من أبواب الفقه.
بما قلنا ظهر أنَّ جريان القاعدة في دم الاستحاضة أقرب من جريانها في الحيض(2)، إذ اتَّفقوا علىٰ أنَّ الدَّم العاري عن علائم الحيض هو دم الاِستحاضة.
بما قلنا - أيضًا - ظهر ما في كلام الشَّيخ الأعظم قدس سره حيث ذهب إلى أنَّ المراد من «الإمكان» في عنوان القاعدة هو «الإمكان القياسيُّ»(3)، مستدلًّا بأنَّ الدم لووافق علائمَ الحيض فهو حيضٌ، وإلَّا فهو استحاضةٌ؛ فبقياسه إلى علائمه يظهر ما يُحكَم به عليه. هذا مختاره.
والصَّحيح أنَّ «الإمكان» هيهنا يرادف «الاحتمال»، إذ لاخلاف في متابعة العَلامة لو وُجِدتْ، لكنَّ الكلام كلَّه فيما يخلو عن العلائم - من اللَّون الخاصِّ، والدَّفق،
والحرارة وغيرها -، فعلى المرأة في هذا المورد أن يحكم باستحاضته، لأنَّ الاِستحاضة هو الممكن في المقام؛
أمَّا الإمكان القياسيُّ الرَّاجع إلى وجود العلائم، فهو خارجٌ عن المبحث بلاارتيابٍ و ترديدٍ.
ذكرنا أنَّ القاعدة تختصَّ بمسألةٍ واحدةٍ في باب الطَّهارة فقط؛ فلا أمثلة هناك نذكرها كنموذج لاستعمال القاعدة بين الفقهاء.
البناء علىٰ الأكثر(1).
المراد من القاعدة واضحةٌ؛ فمَن شكَّ في الرَّكعتين الثَّالثة والرَّابعة من صلاته فعليه أن يبنىٰ علىٰ الأكثر، ثمَّ يُتَمِّمها بما هو وظيفته الفقهيَّة.
والقاعدة ومؤدَّاها مشهورةٌ بين الأصحاب؛ قال الفقيه السَّبزواريُّ قدس سره:
«لوشكَّ في الرُّباعيَّة بين الثَّلاث والأربع فالمشهور بين الأصحاب أنَّه يبني علىٰ
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق البجنورديِّ قدس سره، راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 181.
الأكثر ويتمُّ ويصلِّي الإحتياط»(1)
وعن الفيض قدس سره أيضًا: «علىٰ المشهور بين الأصحاب»(2)ومثله ما عن المحقِّق المازندرانيِّ قدس سره(3).
فالمسألةُ مشهورةٌ بينهم وليست بإجماعيَّةٍ. نعم! المخالف فيه شاذٌّ، كالصَّدوق قدس سره القائل بالتَّخيير بينه وبين البِناء علىٰ الأقلِّ، كما حكاه عنه العلَّامة قدس سره في التَّذكرة(4)، والمختلَف(5)، والمنتهىٰ(6)
والمرتضىٰ قدس سره وإن ذهب في الانتصار(7)إلى المشهور، لكنَّه اختار في النَّاصريَّات - تبعًا لجدِّه النَّاصر قدس سره، حيث قال: «ومن شكَّ في الأخرَيَين بنىٰ علىٰ اليقين» - تعيُّنَ البناء علىٰ الأقلِّ(8). هذا، ومن الغريب ادِّعاء الإجماع في المسألة - كما عن ابن إدريسٍ قدس سره(9)! -، وحكايَتُه عنه من غير تعريضٍ إليه - كما عن الفريد البهبهانيِّ قدس سره(10)-.
1) . راجع: ذخيرة المعاد، ص 377.
2) . راجع: معتصم الشِّيعة، ج 3 ص 245.
3) . راجع: شرح فروع الكافي، ج 3 ص 215.
4) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 3 ص 344.
5) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 2 ص 382.
6) . راجع: منتهىٰ المطلب، ج 7 ص 59.
7) . راجع: الانتصار، ص 155 المسألة 54.
8) . راجع: النَّاصريَّات، ص 249.
9) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 1 ص 248.
10) . راجع: مصابيح الظُّلام، ج 9 ص 180.
ثمَّ إنَّ القاعدة تعبُّديَّةٌ صرفةٌ، لأنَّها تُخالِف ما هو الأصل الأوَّليُّ في المقام؛ وسنبحث عنه.
تدلُّ علىٰ القاعدة جملةٌ من الأدلَّة؛ كرواياتٍ استدلُّوا بها في المقام(1)
أوَّلًا: روايات الباب
منها: موثَّقة عمَّارٍ وهي وإن رُوِيتْ في ثلاث صورٍ مختلفةٍ - كما عن السَّيِّد الأستاذ الفقيه البروجرديِّ قدس سره(2)- إلَّاأنَّها في الحقيقة روايةٌ واحدةٌ اختلفَتْ بحسب النَّقل.
والصُّورتان الأُخرَيان من الرِّواية هما:
الأولىٰ: ما رواه الشَّيخ قدس سره عن سعدٍ بإسناده إلى عمَّارٍ(3)
والثَّانيَة: ما رواه الشَّيخ قدس سره أيضًا عن احمد ين محمَّدٍ باسناده إلى عمَّارٍ(4).
ولاحاجة إلى نقل نصِّهما بعد اشتراك الثَّلاثة في المعنىٰ.
وهي: قال الصَّادق عليه السلام: «يا عمَّار! أجمَعُ لك السَّهوَ كلَّه في كلمتين: متىٰ شكَكتَ فخُذ بالأكثر، فإذا سلَّمتَ فأتِمَّ ما ظَننتَ أنَّك نقَصتَ».
علىٰ ما رواه الصَّدوقُ قدس سره(1)، والحرُّ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)
وقد وثَّقها الفيض قدس سره(4)، والبحرانيُّ قدس سره(5)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيُّ قدس سره(6).
والرِّواية خلافُ القاعدة، لأنَّها تقتضي البناء علىٰ الأقلِّ ثمَّ تتميمَ الصَّلاة متَّصلًا، إلَّاأنَّ الإمام عليه السلام أجاز الإتيان بالمُتمِّم منفصِلًا؛
ففي الحقيقة لافرق بين المُستفاد من الرِّواية، وبين البناء علىٰ الأقلِّ(7).
ثمَّ إنَّ الاِستصحاب أيضًا يقتضي البناءَ علىٰ الأقلِّ؛ وِفاقًا لكثيرٍ من الأعلام، حيث نصُّوا علىٰ جريان الاِستصحاب في المقام، كالفقيه احمد بن صالح البحرانيِّ قدس سره(8)، وسيِّدنا الأستاذ الفقيه البروجرديِّ قدس سره(9)فلايخفىٰ ما في كلام بعضهم من عدم جريان الاستصحاب في عدد الرَّكعات في المقام؛ كالمحقِّق النَّائينيِّ قدس سره(10)، والشَّيخ الفقيه المؤسِّس قدس سره(11)، والمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(12).
1) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 1 ص 340 الحديث 993.
2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 212 الحديث 10451.
3) . راجع: الوافي، ج 8 ص 985 الحديث 7552.
4) . راجع: معتصم الشِّيعة، ج 3 ص 246.
5) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 222.
6) . راجع: موسوعة الإمام الخوئي قدس سره، ج 18 ص 192.
7) . وانظر أيضًا: جامع المدارك، ج 1 ص 446.
8) . راجع: الرَّسائل الأحمديَّة، ج 2 ص 240.
9) . راجع: تبيان الصَّلاة، ج 8 ص 307.
10) . راجع: كتاب الصَّلاة، ج 2 ص 269.
11) . راجع: كتاب الصَّلاة، ص 377.
12) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 227.
وما قيل من: «أنَّ الاِستصحاب لايُثبِت ذلك إلَّابناءً علىٰ الأصل المثبت»(1)
فليس بسديدٍ!، لأنَّه يُثبِت عدمَ الإتيان بالأكثر أوَّلًا، ثمَّ يُثبِت الإتيان بالأقلِّ يقينًا، فيُعمَل به.
هذا؛ مع أنَّ الواسطةَ خفيَّةٌ.
أضِف إلى ذلك كلِّه ما اخترناه في الأصول من حجِّيَّة الأصل المُثبِت.
ومن تلك الرِّوايات: موثَّقة إسحاق بن عمَّارٍ عن أبي الحسن الأوَّل عليه السلام: «إذا شكَكتَ فابْنِ علىٰ اليقين، قال: قلتُ: هذا أصلٌ؟، قال: نعم!»؛ علىٰ ما رواه الصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)
وقد وثَّقها الفقيه السَّبزواريُّ قدس سره(5)، والمحقِّق المازندرانيُّ قدس سره(6)، والمحقِّق القمِّي قدس سره(7).
ولايضرُّها كونها موثَّقةً، ولذلك وصفها الفريد الوحيدُ قدس سره بأنَّها المعتبرة كالموثَّقة(8).
1) . فانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 2 ص 192.
2) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 1 ص 351 الحديث 1025.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 212 الحديث 10452.
4) . راجع: الوافي، ج 8 ص 987 الحديث 7560.
5) . راجع: ذخيرة المعاد، ص 376.
6) . راجع: شرح فروع الكافي، ج 3 ص 218.
7) . راجع: غنائم الأيَّام، ج 3 ص 283.
8) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 9 ص 175.
والمستفاد منها البناء علىٰ الأقلِّ لا علىٰ الأكثر، كما هو المُصَرَّح به في الرِّواية السَّالفة أعلاه.
وهذا ما اختاره الأخباريُّون ويعملون به، نعم! اختاروه علىٰ سبيل التَّخيير(1)
ونُسِب القول إلى والده أيضًا؛ راجع: مباني منهاج الصَّالحين، ج 5 ص 386.
.لكنَّ العرف يرىٰ التَّعارض البيِّنَ بين الرِّوايتين، فتتساقطان!.
إلَّاأن يقال بترجيح الأوَّل علىٰ الثَّاني بالشُّهرة الرِّوائيَّة والفتوائيَّة؛
وكذلك يرفع اليد عنه للُزوم تخصيص الأكثر القبيحِ؛ فمِن موارد التَّخصيص:
تخصيصُه بالنَّافلة؛ حيث ورد أنَّه «ليس في النَّافلة سهوٌّ»؛ والَّتي رواها الكلينيُّ قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، وغيرهم.
تخصيصُه بالشُّكوك الَّتي لا إعتبار لأصل الشَّكِّ فيها.
تخصيصُه بالثُّنائيَّات وصلوة المغرب.
تخصيصُه بالشُّكوك الباطلة.
تخصيصُه بالأجزاء والشَّرائط.
1) . كما قال الفقيه الأردبيليُّ قدس سره بعد ذكر الرِّواية وتصحيح سندها بعدَّة دلائل: «... ولهذا ذهب... في الفقيه إلى التَّخيير في الشَّكِّ في... الثَّلاث والأربع...»؛ راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 178؛ وكما نسبه إليه الحكيم الفقيه العلويُّ العامليُّ قدس سره، راجع: مناهج الأخيار، ج 1 ص 505.
2) . راجع: الكافي، ج 3 ص 358 الحديث 5.
3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 1 ص 231 الحديث 1028.
4) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 3 ص 54 الحديث 187.
تخصيصُه بالرَّكعتين الأخيرَتَين.
تخصيصُه بما إذا شَكَّ في عدد الرَّكعات.
تخصيصُه بما إذا ظنَّ بأحد الطَّرفين، بناءً علىٰ حجِّيَّة المظنَّة مطلقًا في الصَّلوة - كما قوَّينا هذا القول في الفقه -.
تخصيصُه بالشَّكِّ بين الأربع والخَمس، حيث يجب فيه البناء علىٰ الأقلِّ.
وبمثل هذه الأمور نقول: إنَّ البناء علىٰ الأكثر ليس بقاعدةٍ كلِّيَّةٍ متَّبَعةٍ في جميع المقامات، بل هي مسألةٌ خاصَّةٌ في موردٍ خاصٍّ؛ وأنَّه تعبُّدٌ صرفٌ؛
فلامحلَّ له في الفقه إلَّاهذا المورد الخاصِّ - وهو الشَّكُّ في الرَّكعتين الأخيرَتَين من الرُّباعيَّة -؛
بل لوجُعِل البناءُ علىٰ الأقلِّ قاعدةً كلِّيَّةً لكان في محلِّه، لأنَّه سيَّالٌ في جميع أبواب الصَّلوات من الفقه.
فبما قلنا ظهر أنَّه لا دليل في البَين يدلُّ علىٰ القاعدة.
وهيهنا تنبيهاتٌ.
هل البناءُ علىٰ الأكثر حكمٌّ واقعيٌّ لمَن شكَّ في الرَّكعَتَين الأخيرَتَين؟.
الأقوىٰ كونه حكمًا واقعيًّا له - كما عن الشَّيخ المؤسِّس قدس سره(1)وغيره(2)-. فمَن
شكَّ فيهما ثمَّ أتىٰ بصلوة الإحتياط فقد أتىٰ بالواقع، فهو كالمسافر الَّذي لم يُشرَع عليه في الظُّهر أكثر من ركعتين.
فإن تروَّىٰ فارتفع الشَّكُّ عنه قبل الإتيان بصلوة الإحتياط أتىٰ يقينًا بما شُرِع عليه، كالمسافر الَّذي وصل إلى بلده؛
أمَّا إن لم يترَوَّ، أو تروَّىٰ لكن لم يرتفع الشَّكُّ فصلّىٰ صلاةَ الإحتياط ثمَّ توجَّهتْ النَّقيصةُ، فهو كالمسافر الَّذي صلّىٰ صلاةً ناقصةً في السَّفر.
وليس هذا من باب الإجزاء حتَّى يُقال بالفَساد؛ لأنَّ الحكم الظَّاهريَّ لايُجزىء عند كثيرٍ من الأعلام عن الحكم الواقعيِّ - كما قرَّروه في الأصول؛ بل وقد نُقِل ادِّعاء بعض الأساطين انعقادَ الإجماع عليه(1)
راجع: آراءٌ حول مبحث الألفاظ في علم الأصول، ج 1 ص 405.
كما وأنَّ الادِّعاء يُوجَد عند غيره أيضًا -.مع أنَّا اختَرنا في الأصول الإجزاءَ أوَّلًا(2)
وأشرنا ثانيًا إلى أنَّ الأعلام وإن قالوا بعدم الإجزاء في الأصول، لكنَّهم ذهبوا إليه في الفقه؛ ومن موارد إتيانِهم إليه هو هذه المسألة الفقهيَّة.
وما قال به المحقِّق البُجنورديُّ من: «أنَّ الإجزاء هيهنا ليس من باب الإجزاء المبحوثُ عنه في الأصول، بل هو إجزاءٌ فقهيٌّ بما أنَّ الشَّارع جعَلَ صلوةَ الإحتياط متمِّمًا لما نقَص من الصَّلوة»(3)
ليس بسديدٍ!، لأنَّ الشَّارع جعل صلوةَ الإحتياط متمِّمةً في حال الشَّكِّ، وهذا ليس معناه إلَّاكون الحكم الظَّاهريِّ مُجزِىءً عن الحكم الواقعيِّ في ظرف الشَّكِّ.
ويسهل الخطبَ ما رواه عمَّارٌ الدَّالُّ علىٰ الإجزاء، لقول الصَّادق عليه السلام: «وإن ذَكرتَ أنَّك كُنتَ نقصتَ كان ما صلَّيتَ تمامَ ما نقصتَ»؛ علىٰ ما رواه الشَّيخ قدس سره(1)، والشَّيخ الحُرُّ قدس سره(2)، والفيضُ قدس سره(3).
والحديثُ وإن كان مجهولًا، لكن - كما أشار إليه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره(4)- إنَّ ضعف سنده منجبَرٌ بعمل الأصحاب.
هل يجوز أن يرفَعَ اليد عن الصَّلوة المشكوكة بالإتيان بصلوةٍ أخرىٰ غيرها؟.
قيل: لا، لحرمة إبطال الصَّلوة عمدًا. وهذا هو المشهور بين الأصحاب؛ بل ادَّعىٰ المحقِّق القمِّي قدس سره ثبوتَ الإجماع عليه في غنائمه(5)، وفي مناهجه(6)أيضًا. وقد أشار إلى الحكم كثيرٌ منهم، كالمحقِّق الكركي قدس سره(7)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(8)، والبحرانيِّ قدس سره(9)،
1) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 2 ص 349 الحديث 1448.
2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 213 الحديث 10453.
3) . راجع: الوافي، ج 8 ص 985 الحديث 7553.
4) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 4 ص 554.
5) . راجع: غنائم الأيَّام، ج 3 ص 224.
6) . راجع: مناهج الأحكام، ص 527.
7) . راجع: جامع المقاصد، ج 2 ص 358.
8) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 109.
9) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 101.
والوحيد البهبهانيِّ قدس سره(1)، وغيرهم.
وفيه: إنَّه لا دليل علىٰ ذلك إلَّاالإجماع - كما قال المحقِّق الفقيه الآمليُّ: «دليل حرمة إبطال الصَّلاة منحصرٌ بالإجماع، ولا دليل لها غيره»(2)-؛ وقد أشرنا إلى أنَّ الإجماع لا يأتي فيما إذا كان في إبطال العبادة داعٍ عقلانيٌّ؛ فلذلك قالوا بجواز القطع حتَّى في أمورٍ جزئيَّةٍ - دنيويَّةً كانت، أو أُخرويَّةً -، كفتح الباب لمَن يدُقُّه، أو لدَرك فضيلةِ الجماعة، أو للإجابة عن سلام الوالِدَين، بل سلام غيرهما من المُسلمين.
وقد ذكروا جملةً من موارد يجوز قطع الصَّلاة فيها، كما ذكره المحقِّق الحلِّي قدس سره(3)، وابنِسعيدٍ الحلِّي قدس سره(4)، وابن فهدٍ قدس سره(5)، والشَّهيد الثَّاني قدس سره(6)، وصاحب المدارك قدس سره(7)، والفيض قدس سره(8)، وغيرهم.
والإتيان بالصَّلوة المشكوكة - بالبِناء علىٰ الأكثر - ثمَّ الإتيان بصلوةِ الإحتياط مشكلٌ علىٰ عموم النَّاس، بل علىٰ أغلَبِهم؛
وهذا يدعوا إلى إبطال الصَّلوة والإتيان بها مرَّةً أُخرىٰ،
1) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 8 ص 495.
2) . راجع: مصباح الهدىٰ في شرح العروة الوثقىٰ، ج 6 ص 326.
3) . راجع: شرائع الإسلام، ج 1 ص 82.
4) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 78.
5) . راجع: الرَّسائل العشر، ص 353.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 1 ص 232.
7) . راجع: مدارك الأحكام، ج 3 ص 477.
8) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 1 ص 169.
ولادليل يدلُّ علىٰ عدم الجواز، لأنَّه - كما قلنا - لايدلُّ علىٰ حرمة القطع إلَّا الإجماع، ولابُدَّ من الأخذ بالمُتَيقَّن منه في مورد الشَّكِّ.
نعم! لقائلٍ أن يعودَ فيقولَ: القانون الموضوع في الشَّرع للشَّاكِّ في الصَّلوة يمنع عن إبطال الصَّلوة، بل يُوجِب العمل علىٰ طبقه؛
إلَّا أن يُقال: إنَّ القانون هيهنا كالأحكام الَّتي وردَتْ لبيان الأجزاء والشَّرائط منها، وبما أنَّه لاحرمة في مخالفة هذه الأحكام، بل مخالفتها تؤدِّي إلى فَساد العبادة، فكذلك هيهنا مخالفةُ هذا القول تؤدِّي إلى فَساد الصَّلوة من دون أن تُوجِب الحرمة.
لكنَّ المشهور بين الأصحاب وجوبُ تعلُّم أحكام الشُّكوك في الصَّلوة وحرمة تركِه. وقد بحث عن المطلب الشَّيخُ الفقيه احمد بن صالحٍ البحرانيُّ قدس سره بما لامزيد عليه(1).
هل يجب الإتيان بصلوة الإحتياط بعد الصَّلوة فورًا بحيث لايجوز الإتيان بالمنافي غير السَّلام؟، أم لافور في الإتيان بها؟.
فيه وجهان:
مِن أنَّها جزء الصَّلوة حقيقةً - كما ورد في بعض الرِّوايات من «أنَّها متمِّمَةٌ لها»(2)-؛
فلذلك قد أفتىٰ جمعٌ من المُتَقَدِّمين(1)والمعاصرين(2)بوجوب الفور في الإتيان بها.
ومِن أنَّها بحسب الظاهر صلوةٌ مستقلَّةٌ قد أُمِرنا بالإتيان بها بعد الصَّلوة النَّاقصة.
والأقوىٰ المختارُ هو الثَّاني، فلوفعل ما يُنافي الصَّلوةَ، بل أخَّرَها بساعاتٍ بل بأيَّامٍ عديدةٍ، لايوجب فسادًا في صلاته، إذ أنَّها صلوةٌ مستقلَّةٌ ثَبتَتْ في ذمَّته، فيأتي بها متىٰ يشاء.
نعم! لولم يأت بها أصلًا فهو معاقَبٌ عليها، لا علىٰ أصل الصَّلوة؛ فهي كسجدة السَّهو بلاتفاوتٍ بينهما أصلًا.
والبحث مفصَّلٌ جدًّا، والتَّفصيل فيه أكثر من هذا في محلِّه من علم الفقه.
بما أنَّ القاعدة لاتجري إلَّافي مسألةٍ واحدةٍ من مسائل باب واحدٍ - وهو باب الصَّلاة - من أبواب الفقه، فلانأتي بأمثِلَةٍ لها. فانظر كنموذجٍ لاستشهاد الفقهاء بها إلى ما ذكره الفقيه عليُّ بن محمَّدٍ السَّبزواريُّ قدس سره(3)، وشيخ الطَّائفه قدس سره نقلًا عن المفيد قدس سره(4)، والفقيه الشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(5).
البيِّنة علىٰ المدَّعي واليمين علىٰ من أنكر(1).
البيِّنة علىٰ المدَّعي واليمين علىٰ المدَّعىٰ عليه(2).
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره ابنُحمزة قدس سره - راجع: الوسيلة، ص 218 -؛ والمحقِّق المراغي قدس سره - راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 587 -؛ والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره - راجع: أنوار الفقاهة / كتاب القضاء، ص 52 -؛ والمحقِّق الآشتيانيُّ قدس سره - راجع: كتاب القضاء، ج 1 ص 346 -.
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ الكليني قدس سره كعنوانٍ لبابٍ من أبواب كتابه، راجع: الكافي، ج 7 ص 415؛ وكذلك الصَّدوق قدس سره في علله - راجع: علل الشَّرائع، ج 2 ص 541 الباب 328 -؛ وهدايته - راجع: الهداية، ص 285 -.
البيِّنةُ علىٰ المدَّعي واليمين علىٰ المنكِر(1).
لاإشكال عقلًا في أنَّ المدَّعي لإثبات شيءٍ، عليه أن يستند بدليلٍ محكمٍ يُثبِتُه؛ هذا في جميع الأمور ولاسيَّما في مهامِّها - كبابَي القضاء والشَّهادات -؛ والدَّليل هيهنا هو شاهدان عادلان من المؤمنين؛ وسسنتكلَّم عنه وعمَّا يرجع إليه عن قريبٍ.
فإذن صرفُ الإدِّعاء لايُقبَل من المرء، كما أنَّ الَّتمسُّك بأمورٍ وهميَّةٍ أو ظنِّيَّةٍ واهيَةٍ لايُقبَل منه أصلًا.
فالعبارة القائلة ب «أنَّ البيِّنة علىٰ المدَّعي» حكمٌ عقليٌ سارتْ عليها سيرةُ العقلاء، إذا كان المراد من «البيِّنة» ما يُبيَّن به الصَّحيحُ من السَّقيم في الإدِّعاء.
وهل خبر الثِّقة كافٍ في هذا المضمار عند العقلاء؟، أو يشترطون في هذا الخبر تعدُّد الثِّقات؟؛
فيه وجهان.
والأقوىٰ لزوم التَّعدُّد ولاسيَّما - كما أشرنا إليه - في مهامِّ الأمور. وبذلك يظهر أنَّ اللَّازم في الخبر شرعًا - وهو صدورُه من رجلين ثِقَتَين - يقرُب ما هو اللَّازم فيه عقلًا، وهو صدوره عن ثِقَتَين أيضًا؛
والمراد من «الوثاقة» هيهنا هي العدالة الَّتي لايُراد منها إلَّامعناها العُرفي، لا الإصطلاحي المبحوث عنه في عِلمَي الأخلاق والعرفان.
وإن أبَيتَ عن ذلك فنقول: إنَّ الشَّارع قيَّد ما يَجري عليه العرفُ بكون الُمخبِرَين
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الفقيه البحرانيُّ قدس سره، راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 1 ص 153.
عدلَين، فلاردع منه علىٰ العرف، بل هو أضاف إلى مَجرَى العرف قيدًا يُثبَت به صحَّة الخبر.
هذا كلُّه فيما يرجع إلى صدر العبارة - أي: «البيِّنة علىٰ المُدَّعي» -.
وأمَّا ذيلُها - وهو قولهم عليهم السلام: «واليمينُ علىٰ من أنكر» -، فهو أيضًا لاتعبُّد فيه أصلًا، بل العقلاء رفعًا للتُّهمَة عن المدَّعىٰ عليه المنكِر يطلبون منه الدَّليل علىٰ إنكاره أوَّلًا، ثمَّ لو لم يُوجَد عنده دليلٌ يُثبِتُ به إنكارَه فيطلبون منه اليمين بما هو ذوحرمةٍ عنده - كالكتاب الكريم، أو اسم اللَّه الأكبر -،
فإذن ليس اليمين من مُختَرَعات الشَّرع، بل هو من مجعولات العقلاء لرفع التُّهمة ولقلع مادَّة المُشاجَرات(1).
فتلخَّص ممَّا قلنا إنَّ قولَهم: «البيِّنة علىٰ المُدَّعي واليمين علىٰ من أنكَر» قولٌ عقلائيٌّ جرَتْ عليه سيرةُ العقلاء من قديم الزَّمن إلى الآنَ، وليست تعبُّديَّةً أصلًا.
بما قلنا ظهَر أنَّه يمكن أن يُستدَلَّ علىٰ القاعدة بالأدلَّة الأربعة.
فمن الكتاب قوله - تعالى! -: «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ»(2)
وانظر عن فقه الآية الكريمة إلى ما ذكره الرَّاونديُّ قدس سره(3)، والفاضل المقداد قدس سره(4)،
والطَّبرسيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، وسيِّدنا الأستاذ العلَّامة الطَّباطبائيُّ قدس سره(3).
وقد تمسَّك الفقهاء بها في كثيرٍ ممَّا يرجع إلى المدَّعي والمنكر والبيِّنة، كالشَّيخ قدس سره(4)، وابن البرَّاج قدس سره(5)، وابن زهرة قدس سره(6)، وابن إدريسٍ قدس سره(7)، وغيرهم الكثيرين.
ومن السُّنَّة(8)قول النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله في رواياتٍ مستفيضةٍ: «البيِّنة علىٰ المدَّعي واليمينُ علىٰ من أنكر»،
ثمَّ إنَّه يجب أن يُشار إلى نكتةٍ في رواية هذا الحديث، وهي: إنَّ الصُّورة المشهورة من الحديث - الَّتي رويناها هيهنا - لم تُوجَد في مصادرنا الرِّوائيَّة، بل هي تُوجَد في مصادر العامَّة، كما رواه البَيهقيُّ قدس سره(9)، والنَّوَوِيُّ قدس سره(10)- وقال: «هذا
1) . راجع: مجمع البيان، ج 10 ص 460.
2) . راجع: التِّبيان، ج 10 ص 32.
3) . راجع: الميزان، ج 19 ص 303.
4) . راجع: المبسوط، ج 8 ص 217.
5) . راجع: المهذَّب، ج 2 ص 555.
6) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 371.
7) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 117.
8) . لقد أكثر المحقِّق البجنورديُّ قدس سره في ذكر ما يدلُّ علىٰ القاعدة من السُّنَّة؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، 3 ص 71.
9) . راجع: السُّنَن الكبرىٰ، ج 8 ص 126.
10) . راجع: شرح صحيح مسلم، ج 12 ص 3.
الحديث قاعدةٌ كبيرةٌ من قواعد أحكام الشَّرع» -، وفي أذكاره أيضًا(1)، وابنُحجرٍ(2)- وقد حسَّن سندَ الحديث بعد أن أشار إلى أنَّه لم يُروَ في الصَّحيحين -، والعَينيُّ قدس سره(3)، والمباركفوريُّ قدس سره(4)- وقد حسَّنه، أو صحَّحه -، والعظيم آباديُّ قدس سره(5)- وقد حسَّنه أيضًا -، وابن عبدالبَرِّ قدس سره(6)- وحكىٰ عن أبي عمر: أنَّ الحديث من الآحاد الَّتي رواها ابنُعبَّاسٍ قدس سره عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله -، وفي تمهيده(7)، وكافيه(8)أيضًا، والزَّيعَليُّ قدس سره(9)، والسُّيوطيُّ قدس سره(10)، والمتَّقي الهندي قدس سره(11)، والقارىء قدس سره(12)، وغيرهم الكثيرين؛ وفيما ذكرناه كفايةٌ.
لكنَّ الموجود منه في مصادرنا هو: «البيِّنة علىٰ المدَّعي واليمين علىٰ المدَّعىٰ
1) . راجع: الأذكار، ص 408.
2) . راجع: فتح الباري، ج 5 ص 208.
3) . راجع: عمدة القارىء، ج 13 ص 75.
4) . راجع: تحفة الأحوذي، ج 4 ص 475.
5) . راجع: عون المعبود، ج 10 ص 35.
6) . راجع: الاِستذكار، ج 8 ص 205.
7) . راجع: التمهيد، ج 23 ص 604.
8) . راجع: الكافي، ص 478.
9) . راجع: نصب الرَّاية، ج 5 ص 143.
10) . راجع: الجامع الصَّغير، ج 1 ص 496 الحديث 3226.
11) . راجع: كنز العمَّال، ج 6 ص 187 الحديث 15282.
12) . راجع: شرح مسند أبي حنيفة، ص 78.
عليه»؛ والحديث يُوجَد عند الكلينيِّ قدس سره(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، وفي مُقنِعه(3)، وفقيهه(4)أيضًا، والمرتضىٰ قدس سره(5)، والفيض قدس سره(6)، والحُرُّ قدس سره(7)، والمجلسيُّ قدس سره(8)، وفي مرآته(9)أيضًا - وقال: «إنَّه قد أجمع المسلمون علىٰ مفاده» -.
ثمَّ إنَّ الحديث عندنا تارةً يُروىٰ عن الرَّسول الكريم صلى الله عليه و آله؛
وتارةً يرويه مولانا أبوعبداللَّه الصَّادق عليه السلام عنه؛
وتارةً ثالثة يُروىٰ عن الصَّادق عليه السلام نفسه.
وقد صحَّحه أوَّل المجلسيَّين 0(10)، وصاحب الرِّياض قدس سره(11)، والمحقِّق الآمليُّ قدس سره(12)، وغيرهم الكثيرين.
ومن الظَّاهر البَيِّن أنَّ الصُّورة المشهورة من الحديث تختلف معنىً مع المذكور
1) . راجع: الكافي، ج 7 ص 361 الحديث 4.
2) . راجع: علل الشَّرائع، ج 2 ص 541 الحديث 1.
3) . راجع: المقنع، ص 396.
4) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 32 الحديث 3267.
5) . راجع: المسائل النَّاصريَّات، ص 431.
6) . راجع: الوافي، ج 16 ص 767 الحديث 16125.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 443 الحديث 24011.
8) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 402 الحديث 3.
9) . راجع: مرآة العقول، ج 5 ص 332.
10) . راجع: روضة المتَّقين، ج 6 ص 54.
11) . راجع: رياض المسائل، ج 16 ص 279.
12) . راجع: مصباح الهدىٰ، ج 10 ص 171.
منه في مصادرنا، ولذلك ترىٰ أنَّ الفقهاء ذكروه وتمسَّكوا به في كتبهم. والظَّاهر أنَّ المرتضىٰ قدس سره(1)هو أوَّل مَن ذكره منَّا، ثمَّ ذكره الشَّيخ قدس سره في خلافه(2)، ومبسوطه(3)، وكذلك معاصره الكبير القاضي ابنُالبرَّاج قدس سره(4)، ومن المحتمل أنَّهما قد أخذاه وروياه عن أستاذهما المرتضىٰ قدس سره.
وكيف كان فإنَّا في هذه القاعدة نسير علىٰ ما سار عليه الفقهاء، فنروي الصُّورة المشهورة منه؛ فليكن القارىء الكريم علىٰ بصيرةٍ من هذا الأمر.
ولاشتهار الحديث بين الأصحاب وتصحيح جمعٍ منهم إيَّاه قال المحقِّق المراغيُّ قدس سره في وصفه: «الغنيُّ عن ملاحظة سنده بعد تلقِّي العامَّة والخاصَّة له بالقبول»(5).
والحديث قد جعله الفقهاءُ عنوانًا للقاعدة؛ كما أشرنا إلى بعض موارد استعمال العبارة في صُحُف الفقهاء؛ أضِف إلى ذلك جعل الفقهاء إيَّاه عنوانًا للقاعدة في كتبهم الباحثة عن القواعد الفقهيَّة، كالمراغيِّ قدس سره(6)، والمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(7)، وغيرهما.
ومن الإجماع(1)الضَّرورةُ الثَّابتة في بابَي القضاء والشَّهادات، من الخاصَّة بأجمعهم كما نصَّ علىٰ ثبوته ابنُإدريسٍ قدس سره(2)، والفيضُ قدس سره(3)، والمحقِّق العامليُّ قدس سره(4)، والمحقِّق القمِّي قدس سره(5)، والشَّيخ المامقاني قدس سره(6)، وغيرهم -؛ بل من العامَّة أيضًا كما قد حكينا كلامَ العلَّامة المجلسيِّ قدس سره في هذا المضمار آنفًا، ونصَّ عليه آل عصفور البحرانيُّ قدس سره أيضًا(7)-.
ومن العقل سيرةُ العقلاء القطعيَّة، بناءً علىٰ ما قرَّرناه آنفًا.
نعم! إنَّ الأدلَّة الثَّلاث ليستْ بمستقلَّةٍ، بل جميعُها أُخِذَت من بناء العقلاء؛ فهي إرشاديَّةٌ، ولاأقلَّ من أنَّها إمضائيَّةٌ.
وهيهنا نُكَتٌ نأتي بها في تنبيهاتٍ.
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 72؛ العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 588.
2) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 169.
3) . راجع: الوافي، ج 3 ص 270.
4) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 14 ص 501.
5) . راجع: رسائل الميرزا القمِّي، ج 1 ص 395.
6) . راجع: نهاية المقال، ص 225.
7) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 14 ص 152.
إنَّ «المدَّعي» و «المنكِر» مفهومان عرفيَّان(1)
وقد ذكر المحقِّق المراغي قدس سره هيهنا ثلاث احتمالاتٍ؛ راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 588.
، فالعُرف يقضي بأنَّ المراد من المدَّعي من يطلب شيئًا من آخرَ الَّذي يُسمَّى المنكرَ(2).وتفسير المدَّعي ب: «أنَّه هو الَّذي إن تَرَك تُرِك»؛ كما عن الفاضل الآبي قدس سره(3)، ويحيىٰ بن سعيدٍ قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره(5)، وشُرَّاح عبارته، كالسَّيِّد العميدي قدس سره(6)، وفخر المحقِّقين قدس سره(7)، والشَّهيد قدس سره(8)، وابن فهدٍ قدس سره(9)، وفي مهذَّبه(10)أيضًا، والصَّيمُريِّ قدس سره(11)، والفيض قدس سره(12)، وشارح كتابه(13)، وصاحب الجواهر قدس سره(14)، والسَّيِّد الفقيه
1) . وانظر: ماوراء الفقه، ج 9 ص 16؛ أنوار الفقاهة / كتاب القضاء، ص 124؛ مجمع الفائدة والبرهان، ج 12 ص 115؛ جامع المدارك، ج 6 ص 76.
2) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 74؛ العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 597.
3) . راجع: كشف الرُّموز، ج 2 ص 504.
4) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 531.
5) . راجع: قواعد الأحكام، ص 208.
6) . راجع: كنز الفوائد، ج 3 ص 471.
7) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 4 ص 323.
8) . راجع: اللُّمعة، ص 90.
9) . راجع: المقتصر من شرح المختصر، ص 379.
10) . راجع: المهذَّب البارع، ج 4 ص 481.
11) . راجع: غاية المرام، ج 4 ص 251.
12) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 270.
13) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 14 ص 153.
14) . راجع: جواهر الكلام، ج 40 ص 374.
الخوانساريِّ قدس سره(1)، وسيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(2)فإنَّهم وغيرهم أيضًا - وفيما ذكرنا كفايةٌ - إمَّا أن وافقوا هذا القول، وإمَّا أن حكوه
لابأس به، بل هو تفسيرٌ جيِّدٌ أيضًا!.
كما وأن القولَ ب: «أن المدَّعي من قوله يُخالِف الأصلَ، والمنكرَ من قولُه يوافقه» - كما عن الصَّدر الثَّاني الشَّهيد قدس سره(3)، وكما ذكره صاحب الجواهر قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره(5)، والمحقِّق الفقيه الخوئي قدس سره(6)، والفاضل الآبي قدس سره(7)
أقول: راجع أيضًا إلى: القضاء في الفقه الإسلامي، ص 263.
-؛أيضًا قولٌ حسنٌ لا شيء فيه. ولكن لمَّا كان مفهوماهما من المفاهيم الواضحة العرفيَّة، فلانحتاج إلى هذه التَّعابير؛ ولا إلى كثرة البحث عنهما، إذ كثيرٌ من هذه الأبحاث ليس إلَّاتطويلًا بلاطائلٍ!.
فبعضُهم عرَّف المدَّعِي ب «أنَّه هو مَن يدَّعي خلاف الظَّاهر»، كالمحقِّق
القمِّي قدس سره(1)، والشَّيخ محمَّدحسين آل كاشف الغطاء قدس سره(2)، وحكاه العلَّامة قدس سره(3)أيضًا؛
وبعضُهم ب «أنَّه هو من يُخالف قوله الظَّاهرَ»، كالمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(4)، وغيره(5)
راجع: نظام القضاء والشَّهادة، ج 2 ص 44.
، ونسبه صاحب الجواهر قدس سره إلى مشهور العامَّة(6)وبعضُهم ب «أنَّه هو من يُريد اثبات حقٍّ له علىٰ غيره»، كالسَّيِّد الكلبايكاني قدس سره(7)
وبعضُهم ب «أنَّه هو من إذا سحِب نفسه وسكَتَ أُغلِقَت الدَّعوىٰ»(8)
راجع: الدُّروس التَّمهيديَّة في القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 40.
وبعضُهم ب «أنَّه هو الَّذي يخلِّي وسكوته»، كصاحب الجواهر قدس سره(9)
وبعضُهم ب «أنَّه هو من خالَف قولُه الحجَّة»(10)
راجع: منتقىٰ الأصول، ج 7 ص 11؛ وراجع أيضًا: دروسٌ تمهيديَّة في الفقه الاِستدلاليِّ، ج 3 ص 40.
، وحكاه المحقِّق الآشتيانيُّ قدس سره1) . راجع: جامع الشَّتات، ج 4 ص 337.
2) . راجع: تحرير المجلَّة، ج 1 / القسم الأوَّل ص 49.
3) . راجع: قواعد الأحكام، ص 208.
4) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 77.
5) . أقول: كبعض معاصرينا الكبار؛
6) . راجع: جواهر الكلام، ج 40 ص 375.
7) . راجع: كتاب القضاء، ج 2 ص 78.
8) . أقول: كبعض معاصرينا الفضلاء؛
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 40 ص 375.
10) . أقول: كبعض معاصرينا الأعلام؛
عن الشَّيخ الأعظم قدس سره(1)
وبعضُهم ب «أنَّه هو مَن كان له الحقُّ»(2)
راجع: فقه القضاء، ج 2 ص 317.
وبعضُهم ب «أنَّه هو من يرىٰ العرفُ بشأنه أنَّ عليه مؤونة الاِثبات»، كالمحقِّق الفقيه الخوئيِّ قدس سره(3).
التَّنبيه الثَّاني(4):
إذا كان كلٌّ من المدِّعي والمنكر مدَّعٍ ومنكرًا من جهةٍ، ومدَّعٍ ومنكرًا من جهةٍ أُخرىٰ؛ فاشتبه الأمرُ في إطلاق المدِّعي والمنكِر عليهما(5)- كما إذا كانا ساكنَين في بيتٍ وادَّعىٰ كلٌّ منهما أنَّ البيتَ بيتُه، وسكنىٰ الآخر فيه ليست إلَّابالإجارة أو الغصب مثلًا -:
فإن كان لأحدهما بيِّنةٌ تُثبِتُ قولَه، فهي الميزان في البين، فبها يُعمَل؛
وإن لم يكن لهما أو لأحدهما بيِّنةٌ:
فإن حلفَ أحدهما، يُعمَل علىٰ مقتضىٰ حَلْفِه؛
وإن لم يحلفا،
1) . راجع: كتاب القضاء، ص 332.
2) . أقول: كبعض أجلَّاء المعاصرين؛
3) . راجع: مباني تكملة المنهاج، ج 1 ص 42.
4) . قد بحث المحقِّق المراغيُّ قدس سره عن مقتضىٰ القاعدة عند اشتباه المدَّعي والمنكِر بتفصيلٍ بالغٍ في عنوانٍ مستقلٍّ؛ راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 601 العنوان 77.
5) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 81.
أو حَلَفا جميعًا، فالأمر إلى القرعة - الَّتي حَكَمَ الشَّرعُ تبعًا للعقلاء بالقول بها في كلِّ أمرٍ مشكلٍ(1)-، خروجًا عنه؛ ففي جميع موارد الخلاف بينهما تَحكُم البيِّنةُ، ثمَّ الحَلفُ، ثمَّ القرعةُ. وقد أشار الفقهاء إلى صور المسألة، كالشَّيخ قدس سره(2)، وابن البرَّاج قدس سره(3)، وابن زهرة قدس سره(4)، والقمِّي السَّبزواري قدس سره(5)، والمحقِّق الأردبيلي قدس سره(6)، وغيرهم.
قد اشتهر بين الأصحاب اشتراطُ أمورٍ في كلٍّ من المدَّعي والمنكِر(7)وهي:
البلوغُ؛
والعقلُ - كما عن العلَّامة قدس سره(8)، وفي قواعده(9)أيضًا، وولده قدس سره(10)، وابنِطيٍّ الفَقْعانِيِّ قدس سره(11)، والأردبيلي قدس سره(12)، والفاضل الأصفهانيِّ قدس سره(13)، والشَّيخ حسن آل
1) . سنبحث عن هذه القاعدة وعن مداركها، بإذن اللَّه وعونه - سبحانه وتعالى! -.
2) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 241.
3) . راجع: المهذَّب، ج 1 ص 428.
4) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 289.
5) . راجع: جامع الخلاف والوفاق، ص 357.
6) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 12 ص 267.
7) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 84.
8) . راجع: تحرير الأحكام، ج 5 ص 155.
9) . راجع: قواعد الأحكام، ج 3 ص 436.
10) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 4 ص 325.
11) . راجع: الدُّرُّ المنضود، ص 279.
12) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 4 ص 234.
13) . راجع: كشف اللِّثام، ج 10 ص 86.
كاشف الغطاء قدس سره(1)، وصاحب الجواهر قدس سره(2)، وغيرهم -.
واستدلُّوا لهما:
بقاعدة رفع التَّكليف عن الصبيِّ، والمجنون أوَّلًا؛
وبالإجماع ثانيًا - كما عن الأردبيليِّ قدس سره(3). واستدلَّ الفاضلُ الأصفهانيُّ قدس سره عليهما بأنَّه لاعبرة بالصَّبيِّ والمجنون أصلًا(4)-.
أقول: هذا من المشهورات الَّتي لاأصل لها!، ضرورةَ أنَّ المراد برفع القلم عنهما هو عدم جريان الحدود عليهما، أمَّا أن يكونَ كلامُهما كلاكلامٍ وفعلُهما كلافعلٍ، فليس ممَّا يرضىٰ به الفقهاءُ، ولايعملون به قطعًا.
فسِماع دعواهما مع البيِّنة ضروريٌ قطعًا، ولامعنىٰ لعدم سماعِها من قِبَل الحاكم.
كما أنَّه لا معنىٰ لأنْ يُقال: إنَّهما غيرُ مالِكَين، أو غير مسَلَّطَين علىٰ أموالهما علىٰ سبيل الإطلاق حتَّى لاتُسمَعَ دعواهما؛
ضرورةَ أنَّهما لوحازا المباحات الَّتي يحوزها غيرُهما، فالقول بعدم ملكيَّتِهما عليها وجوازُ أخذها منهما لكلِّ أحدٍ، ضروريُّ الفَساد!.
حتَّى أنَّ القولَ ب: «أنَّ الهِبةَ لهما في تلك المباحات يحتاج إلى إمضاء وليِّهما»(1)
أقول: وانظر أيضًا: دروسٌ تمهيديَّة في الفقه الاِستدلاليِّ، ج 2 ص 260.
قولٌ مرجوحٌ يحتاجُ إلى دليلٍ، ولا دليل عليه.
وهل يُشترَط فيهما الإختيار والعلمُ؟.
فيه تفصيلٌ؛ وهو:
إنَّه إن أُكرِه أو اضطُرَّ إلى بيان الواقع، فلوأقام بيِّنةً يُقبَل منهما، كما يُقبَل حلفُهما وإقرارُهما؛
وأمَّا لوقام الحاكم بأن يُحلِفَهما أو يأخذ عنهما الإقرار، فهذا الحلف والإقرار غير حجَّةٍ، لقاعدة رفع الاِستكراه والإضطرار.
وأمَّا الجهل، فلوكان المدَّعي جاهلًا بالموضوع أو الحكم لكنَّه أقام بيِّنةً، فالظَّاهر أنَّه يُقبَل منه منضمًّةً إليه البيِّنةُ.
قد اشتهر بين الأصحاب - كما عن المحقِّق قدس سره(2)، والعلَّامة قدس سره(3)، وفي تحريره(4)، وقواعده أيضًا(5)، والشَّهيد قدس سره(6)، والفاضل المقداد قدس سره(7)، والقَطَّان الحِلِّي قدس سره(8)،
1) . وانظر: مسالك الأفهام، ج 6 ص 12؛ تكملة العروة الوثقىٰ، ج 1 ص 160 المسألة 4؛
2) . راجع: المختصر النَّافع، ج 2 ص 284.
3) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 2 ص 143.
4) . راجع: تحرير الأحكام، ج 5 ص 155.
5) . راجع: قواعد الأحكام، ج 3 ص 436.
6) . راجع: غاية المراد، ج 4 ص 27.
7) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 4 ص 267.
8) . راجع: معالم الدِّين، ج 2 ص 352.
والأردبيلي قدس سره(1)، والفاضل الأصفهاني قدس سره(2)، وصاحب الجواهر قدس سره(3)- أنَّ الدَّعوىٰ لابدَّ وأن تكون لنفس المدَّعي، أو المنكر؛ أمَّا لوكان لغيرهما فلايُقبَل منهما أصلًا(4).
لأنَّ طرحَ الدَّعوىٰ لفصل الخصومة، أمَّا ما نحن فيه الآنَ فليست فيه خصومةٌ حتَّى تُفصَل بالدَّعوىٰ.
وفيه: إنَّ الدَّعوي وإن كانت لفصل الخصومة، لكن اشتراط كونها للمدِّعي والمنكِر نفسِهِما، اشتراطٌ لا دليل عليه.
أ لاترى أنَّه لورأىٰ أحدٌ أنَّ غاصبًا يغصب مال اليتيم، أو المظلوم، يجب عليه دفعُ الظَّلم عنهما ولوبطرح الدَّعوىٰ عند الحاكم مع إقامة البيِّنة أو الحلف؟!؛ ولوسكت عنه وأعرَضَ عن طرحه ففيه ذنبٌ عظيمٌ!، حيث ترك ما هو مقتضىٰ النَّهي عن المنكر أو ما هو مقتضىٰ الحسبَة.
قد اشتهر - كما عن فخرالمحقِّقين قدس سره(5)، وثاني الشَّهيدَين قدس سره(6)- أنَّه يُشتَرَط في
طرح الدَّعوىٰ أن يكون موردُ الدَّعوىٰ معلومًا، فلوكان مجهولًا فلاأصل لهذه الدَّعوىٰ، ولاتُسمَع أصلًا(1).
وفيه(2)
أقول: وانظر أيضًا: تفصيل الشَّريعة / القضاء والشَّهادات، ص 103؛ نظام القضاء والشَّهادة، ج 1 ص 339.
: إنَّه إن ادَّعىٰ أنَّ له علىٰ غيره مالًا وأقام بيِّنةً علىٰ دعواه، فللحاكم الحكمُ علىٰ المنكِر بالأقلِّ(3)، دون الأكثر؛كما أنَّه لوحلف يكون كذلك. ففي الحقيقة يرجع المجهول إلى المعلوم، ولاحاجة إلى كونه معلومًا بالتَّفصيل قبل الدَّعوىٰ، لعدم دليلٍ علىٰ ذلك، بل الدَّليل علىٰ عدم الاشتراط أصلًا.
قد اشتهر بين الأصحاب - كما عن المحقِّق قدس سره(4)، والشَّهيد قدس سره(5)، والفاضل المقداد قدس سره(6)، وابن فهدٍ قدس سره(7)- أنَّه يجب أن يكون الدَّعوىٰ عن جزمٍ، والإحتمالُ
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 87.
2) . وفاقًا للمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره - راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 12 ص 116 - حيث ذكر أنَّه لايُشترط في المدَّعىٰ أن يكون معلومًا، وأنكر علىٰ الشَّيخ قدس سره قولَه بعدم سماع الدَّعوىٰ إذا كان المدَّعىٰ مجهولًا، لعدم الفائدة.
3) . وهذا ما ذكره المحقِّق النَّراقي قدس سره بقوله: «ويُقبَل تفسيرُه بمسمّىٰ الدَّعوىٰ ويُحلَف علىٰ نفي الزَّائد»؛ راجع: مستند الشِّيعة، ج 17 ص 159.
4) . راجع: المختصر النَّافع، ج 2 ص 284.
5) . راجع: غاية المراد، ج 4 ص 30.
6) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 4 ص 267.
7) . راجع: المهذَّب البارع، ج 4 ص 481.
لايجري فيها؛ فلايُقبل دعوىً بُنِيتْ علىٰ أساس الإحتمال(1).
أقول: إنْ اِدَّعىٰ علىٰ سبيل الإحتمال ولم تكن معه بيِّنةٌ، فليست دعواه بشيءٍ أصلًا؛ كما لوكانَتْ عن جزمٍ ولم تكن له بيِّنةٌ؛
كذلك إنَّ المنكر لو لم يجزم فلم يحلف فلاإنكار له؛ فإذن تُختَم الدَّعوىٰ، لعدم جزم المدَّعي فيها.
أمَّا لوكانت معه بيِّنةٌ، فصرفُ ابتنائِها علىٰ الإحتمال لايوجِب عدم تقبُّلِها؛ وفاقًا لمَن أنكر هذا الشَّرط أو تردَّد فيه، كالعلَّامة قدس سره(2)، والمحقِّق الكَرَكي قدس سره(3)، والفاضل السَّبزواري قدس سره(4).
وهذا القول نسَبَه بعضُهم إلى الشَّيخ نجيب الدِّين ابن نما قدس سره(5).
كما فيما إذا لم تكن له بيِّنةٌ لكنَّ المنكِر جزم فحلف في إنكاره.
وهذا أمرٌ عرفيٌّ؛ وتدلُّ عليه رواياتٌ كثيرةٌ؛ منها:
روايةُ بكر بن حبيبٍ، «قلتُ لأبي عبداللَّه عليه السلام: أعطَيتُ جبَّةً إلى القصَّار، فذهبَتْ بزعمه؟؛ قال: إن اتَّهَمتَه فاستَحلِفه وإن لم تَتَّهِمه فليس عليه شيءٌ»؛ فيما رواه
الشَّيخ قدس سره(1)، والفيض قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3).
والسَّند وإن جعله العلَّامة المجلسيُّ قدس سره مجهولًا(4)، لكن عن أبيه قدس سره: «أنَّه من القويِّ كالصَّحيح»(5).
قد اشتهر بين الأصحاب إنَّ طرح الدَّعوىٰ علىٰ سبيل العلم الإجماليِّ لايجوز، مُعَلِّلًا بأنَّه ما من أحدٍ من النَّاس إلَّاويمكن التَّشكُّك في شيءٍ يرجع إليه لوجاز التَّشكُّك علىٰ سبيل العلم الإجماليِّ؛
فإذن يجب علىٰ القاضي أن يجري البراءَةَ في ادِّعاءٍ قامَتْ علىٰ العلم الإجماليِّ.
أقول: من الواضح عدمُ إجراء الأصل في أطراف العلم الإجماليِّ، فحينئذٍ:
إن أقام بيِّنةً تامَّةً، فيجب الحكمُ له؛
أمَّا إن أقام بيِّنةً ناقصةً لا كمال فيها، فعلى القاضي الرُّجوع إلى المنكِرين:
فإن أقرَّ بعضٌ دون بعضٍ آخر بما ادَّعاه المدَّعي، أخَذَ به؛
وإن أنكَر الجميعُ أو أقرَّ الجميعُ أو حلف الجميعُ أو نكَلَ الجميعُ، فعلى القاضي الاِقتراع بينهم، وبالقُرعة إذن تُختَم الدَّعوىٰ.
فبهذا ظهَرَ أنَّ كلام المشهور لاوجه له.
قد اشتهر بين الأصحاب أنَّ قاعدةَ «البيِّنة علىٰ المدَّعي واليمينُ علىٰ من أنكَر» قد خُصِّصت في مواضعَ(1)، وذكروا مخصِّصاتٍ في جانب المدَّعي بحيث لايجب عليه إقامة البيِّنة؛ وكذلك في جانب المنكِر بحيث لايجب عليه اليمين؛ منها(2):
فيُقبَل قولُه بلابيِّنةٍ وليس للمالك أن يحلِف ثمَّ يطلب المال منه - كما عن المحقِّق قدس سره(4)، والشَّهيد الثَّاني قدس سره(5)، والصَّدوق قدس سره(6)، وابن حمزة قدس سره(7)، والشَّيخ قدس سره(8)
وقد ادَّعىٰ الفقيه الشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره اِنعقاد الإجماع عليه(9)وقال الصَّدوق قدس سره: «مضىٰ مشايخنا - رضي اللَّه تعالىٰ عنهم! - علىٰ ذلك»(10)-.
وفيه: إنَّ اليد الأمانيَّ لاتُضمَن بحسب العُرف والشَّرع. وبعبارةٍ أخرىٰ: إنَّ
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 99.
2) . قال ابنُ أبي جمهورٍ: «وليس كلُّ مدَّعٍ يُكَلَّف البيِّنة»، ثمَّ ذكر موارد لايُطلَب فيها البيِّنة عن المدَّعي؛ راجع: الأقطاب الفقهيَّة، ص 166.
3) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 100.
4) . راجع: إيضاح تردُّدات الشَّرائع، ج 1 ص 317.
5) . راجع: مسالك الأفهام، ج 11 ص 119.
6) . راجع: المقنع، ص 386.
7) . راجع: الوسيلة، ص 275.
8) . راجع: النِّهاية، ص 436.
9) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الوديعة، ص 19.
10) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 305.
قاعدة القُرعة حجَّةٌ، فيُقبَل قول الودَعيِّ من غير احتياجٍ إلى البيِّنة والحَلف؛ فكأنَّ قولَه قولٌ معه البيِّنة والدَّليل.
نعم! لوإدَّعىٰ صاحبُ المال التَّعدِّي، أو التَّفريط في الحفظ بحيث سقَطَتْ اليدُ عن كونها أمانيَّةً، فدعواه يُسمَع مع إقامته البيِّنةَ عليها؛ وإن لم يقم البيِّنةَ فعلىٰ صاحب اليد - أي: الودعيِّ - الحَلف علىٰ عدم التَّفريط والتَّعدِّي؛ فإذن القولُ قولُه.
فليس هذا تخصيصٌ في قاعدة «البيِّنة علىٰ المدَّعي...».
هذا؛ من غير فرقٍ فيه بين الإجارة والرَّهن والوديعة والأمانة والمُضاربة وغيرها من موارد اليد الأمانيَّة.
وفيه: إنَّ يدَ صاحب المال علىٰ ماله يدٌ أمانيَّةٌ عرفًا، فجميعُ مدَّعَياته في جميع التَّصرُّفات الرَّاجعة إلى المال - من جلبِه وخرجِه وإعطائه حقوقَه الواجبة وغيرها - حجَّةٌ، عرفًا وشرعًا، من غير حاجةٍ إلى إقامة دليلٍ.
فالمسألةُ بالنَّظر إلى باب المُنازَعات تخصُّصٌ، لا تخصيصٌ؛ حتَّى أنَّه لو ثبتَتْ الزَّكوة عليه فادَّعىٰ أنَّه أخرَجَها من ماله يُقبَل قوله، وإنْ دلَّ الاِستصحابُ علىٰ عدم أدائه ما وجَبَ عليه.
1) . راجع: جواهر الكلام، ج 40 ص 262.
وفيه: إنَّ العرف لايُصدِّق ذلك، ولا الرِّوايات تُصدِّقه؛ بل روايات الباب بين طوائفَ:
فمنها: ما هو بصدد بيان أنَّه إذا احتَمَلَ القاضي أنَّ الميِّت قد أدَّىٰ دينَه لكن لم تقم بيِّنةٌ علىٰ أدائه، فيحلف حينئذٍ المدَّعي، فيُعْطىٰ ما ادَّعاه من مالِ الميَّت؛ فانظر إلى: ما رواه الكلينيُّ قدس سره(6)، والصَّدوق قدس سره(7)، والشَّيخ قدس سره(8)، والحُرُّ قدس سره(9)وغيرهم عن
1) . «يمين الاستظهار وهو مورد الدَّعوىٰ علىٰ الميِّت، فإنَّ المدَّعي يضمُّ اليمينَ إلى البيِّنة لاحتمال أداء الميِّت ما كان في ذمَّته في حال حياته، ولم يشهد عليه ولانعلمه وهو لايمكنه الدِّفاع عن حقِّه، لموته».
هذا ما ذكره بعضُ معاصرينا في التَّعريف الجامع بهذا القسم من اليَمين؛ راجع: البراهين الواضحات / دراساتٌ في القضاء، ج 2 ص 219.
2) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 104.
3) . راجع: جواهر الكلام، ج 40 ص 242.
4) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب القضاء، ص 72.
5) . راجع: المناهل، ص 737.
6) . راجع: الكافي، ج 14 ص 660 الحديث 14629 - طبعة دارالحديث -.
7) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 63 الحديث 3343.
8) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 6 ص 229 الحديث 555.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 236 الحديث 33673.
عبدالرَّحمن عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «قلتُ للشَّيخ عليه السلام: خبِّرنِي عن الرَّجل يدَّعي قِبَل الرَّجل الحقَّ فلم تكن له بيِّنةٌ بما له؟، قال: فيمينُ المدَّعىٰ عليه، فإن حلَف فلاحقَّ له، وإن ردَّ اليمينَ علىٰ المدَّعي فلم يحلف فلاحقَّ له، وإن لم يحلف فعليه، وإن كان المطلوب بالحقِّ قد مات فأُقيمت عليه البيِّنة فعلىٰ المدَّعي اليمينُ باللَّه الَّذي لا إله إلَّا هو لقد مات فلانٌ وأنَّ حقَّه لعليه، فإن حلف وإلَّا فلاحقَّ له لأنَّا لاندري لعلَّه قد أوفاه بيِّنةً لانعلم موضعها أو غير بيِّنةٍ قبل الموت، فمِن ثَمَّ صارت عليه اليمينُ مع البيِّنة، فإن ادَّعىٰ بلابيِّنةٍ فلاحق له، لأنَّ المدَّعىٰ عليه ليس بحيٍّ ولوكان حيًّا لأُلزِمَ اليمين أو الحقُّ أو يُردُّ اليمين عليه، فمِن ثَمَّ لم يثبت الحقُّ»
ومنها: ما هو بصدد بيان أنَّ الوصيَّ كالمدَّعي لاتُقبَل منه شهادةٌ، أمَّا المُدَّعي فلمَّا كان معه شاهدٌ عدلٌ فلابدَّ من اِنضمام الحلف بالشَّاهد، فيثبت له الحقُّ.
فانظر إلى قوله عليه السلام في ما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5)عن الصفَّار إلى أبي محمَّدٍ عليه السلام: «هل تُقبَل شهادة الوصيِّ للميَّت بدَينٍ له علىٰ رجلٍ مع شاهدٍ آخر عدلٍ؟ فوقَّع: إذا شهد معه آخر عدلٌ فعلىٰ المدَّعي يمينٌ».
بسندٍ صحيحٍ، كما صحَّحه صاحب الجواهر قدس سره(1)، والمحقِّق الآشتيانيِّ قدس سره(2)، والمحقِّق النَّجم آباديِّ قدس سره(3)، وغيرهم.
وإن أبَيتَ عن ذلك وقُلتَ أنَّ اليمينَ الاِستظهاريَّ مسلَّمٌ في أمثال المقام، فنقول:
ليس هذا تخصيصٌ للقاعدة، بل هو تأكيدٌ للحكم فقط؛ فالقاضي يحكم بذلك إحتياطًا وتاكيدًا في حكمه.
أقول: حكىٰ أوَّلُ الشَّهيدَين قدس سره في غاية المراد(4)وثانيهما قدس سره في المسالك(5)عدَّةَ مخصِّصاتٍ هيهنا تربُوا علىٰ ثلاثين مخصِّصًا؛ وليس ولا واحدًا منها بمخصِّصٍ حقًّا.
وحيث إنَّ الكلام طويلُ الذَّيل فراجع إلى المسالك وغاية المراد وغيرهما من مصادر الأصحاب حتَّى تجدَ صحَّة ما قلناه.
يحلف لدفع صاحبه عمَّا في يده، لأنَّ اليمين علىٰ المدَّعىٰ عليه»(1).
قال السَّيِّد الحكيم قدس سره في مسألة «لوادَّعىٰ العاملُ التَّلفَ وأنكر المالكُ قُدِّم قولُ العامل» بعد بيان أنَّ العامل أمينٌ فلايخرج عن كونه أمينًا: «فيرجع إلى عموم البيِّنة علىٰ المدَّعي»(2).
قال الشَّيخ قدس سره في مسألة «إذا ادَّعىٰ عمروٌ عبدًا في يد زيدٍ وأقام البيِّنة أنَّه له اشتراه من زيدٍ، وأقام زيدٌ البيِّنة أنَّه له وأنَّه هو اشتراه من عمروٍ»: «فالبيِّنة بيِّنة الخارج، وهو عمروٌ... دليلُنا: قول النَّبيِّ صلى الله عليه و آله: البيِّنة علىٰ المدَّعي واليمين علىٰ المدَّعىٰ عليه»(3).
باب من بلغه ثوابٌ من اللَّه علىٰ عملٍ(1).
استحباب الإتيان بكلِّ عملٍ مشروعٍ رُوِي له ثوابٌ عنهم عليهم السلام(2).
استحباب الإتيان بكلِّ عملٍ مشروعٍ رُوِي له ثوابٌ عنهم عليهم السلام وإن لم يثبت نقلُ تلك الرِّوايات(3).
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ الكلينيُّ قدس سره كعنوانٍ لهذا الباب؛ راجع: الكافي، ج 2 ص 87.
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ الحرُّ قدس سره كعنوان لهذا الباب؛ راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 80.
3) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ الحرُّ قدس سره كعنوان لهذا الباب أيضًا في كتابه الآخر؛ راجع: الفُصول المهمَّة، ج 1 ص 617.
التَّساهل في أدلَّة السُّنَن والتَّسامح في مدارك الاِستحباب(1).
التَّسامُح في أدلَّة السُّنَن(2).
قاعدة التَّسامح(3).
يُتسامَح في أدلَّة السُّنَن والكراهة(4).
اتَّفقَتْ الأصحاب - بل لا خلاف بينهم - علىٰ أنَّه لو وردت روايةٌ ضعيفةٌ تدلُّ علىٰ استحبابِ شيءٍ فعَمِل بها المرءُ لإدراك الثَّواب، فله الأجر ولو لم تكن الرِّواية صحيحةً، فلم يكن الفعلُ مندوبًا حقيقةً. وهذا الاتِّفاق والإجماع حكاه من الفُقهاء جمعٌ، كالشَّهيد قدس سره، قال: «أحاديث الفضائل يُتَسامح فيها عند أهل العلم»(5)، وحكاه عنه صاحب الفصول قدس سره(6)، وغيره(7)
راجع: زبدة الأصول، ج 4 ص 448.
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره البحرانيُّ قدس سره؛ راجع: الدُّرَر النَّجفيَّة، ج 3 ص 171 الدُّرَّة 51.
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ النَّراقي الثَّاني 0 - راجع: عوائد الأيَّام، ص 793 العائدة 81 -؛ والشَّيخ الأعظم قدس سره - راجع: رسالةٌ في التَّسامح في أدلَّة السُّنَن، في رسائل فقهيَّة، ص 137 -.
3) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق المراغيُّ قدس سره؛ راجع: العاوين، ج 1 ص 419 العنوان 51.
4) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ الكاشانيُّ قدس سره؛ راجع: تسهيل المسالك، ص 4.
5) . راجع: ذكرىٰ الشِّيعة، ج 2 ص 34.
6) . راجع: الفصول الغرويَّة، ص 305.
7) . أقول: كالمحقِّق الرَّوحاني؛
وقد حُكي عن جمعٍ - كشيخنا البهائيِّ قدس سره(1)، وابنِفهدٍ قدس سره(2)- ادِّعاء الإجماع علىٰ ثبوته(3)
راجع: دُرَر الفوائد في شرح الفرائد، ج 3 ص 310.
، كبعضهم الآخر(4)بل نقل المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره إجماعَ الأُمَّة عليه(5)، ونسبه الشَّهيد الثَّاني 0 إلى الأكثر(6)، وقد نسبه شيخُنا البهائيُّ قدس سره إلى فقهائنا(7)والمخالف فيه شاذٌّ نادرٌ، كصاحب المدارك قدس سره(8)، والظاهر رجوعه عن قوله هذا(9)، والمحقِّق البحرانيِّ قدس سره(10)أيضًا؛
وللفاضل المازندرانيِّ قدس سره هيهنا كلامٌ ذكر فيه قولَ المحقِّق الدَّواني قدس سره في هذا المضمار(11)، فراجع إليه إن شئت!؛ ونسبه الشَّيخ الأعظمُ قدس سره إلى المشهور(12).
إلَّا أنَّهم اختلَفُوا في أنَّه هل يجوز له أن يأتيَ بالفعل بعنوان النَّدب؟، أم لا - بل
1) . راجع: الوجيزة في الدِّراية، ص 5.
2) . راجع: عُدَّة الدَّاعي، ص 13.
3) . أقول: حكاه عنهم بعض معاصرينا الكبار؛
4) . أقول: راجع: وسيلة الوسائل، ص 207.
5) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 41.
6) . راجع: الرِّعاية، ص 29.
7) . راجع: الأربعون حديثًا، ص 195.
8) . راجع: مدارك الأحكام، ج 1 ص 13.
9) . راجع: مدارك الأحكام، ج 3 ص 238.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 4 ص 406.
11) . راجع: شرح فروع الكافي، ج 1 ص 271.
12) . راجع: رسائل فقهيَّة، ص 137.
لابدَّ له من أن يأتيه رجاءً لإدراك الثَّواب فقط من دون أن يعنون الفعلَ بعنوان النَّدب -؟.
القدماء علىٰ الأوَّل؛
والمُتَأخِّرون علىٰ الثَّاني(1).
المدرك في الباب هو الرِّوايات الَّتي اشتهرت بروايات «باب مَن بَلَغ»؛ وهي كثيرةٌ بحيث وصفها الشَّيخ الأعظم قدس سره ب «الأخبار المستفيضة الَّتي لايبعد دعوىٰ تواتُرِها معنًى»(2).
وقد رواها صاحبُ الوسائل قدس سره في الباب الثَّامن عشر من أبواب مقدَّمة العبادات(3). والعمدةُ منها(4)اثنتان، وهما:
الأولىٰ: روايةُ هشام بن سالمٍ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «من بلَغَه عن النَّبيِّ صلى الله عليه و آله شيءٌ من الثَّواب فعَمِلَه كان أجر ذلك له وإن كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لم يقُلْه»؛ فيما رواه البرقيُّ قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)، وشبَّرٌ قدس سره(7)، وغيرهم؛ بسند حكم العلَّامة المجلسيُّ قدس سره
1) . راجع: أصول الفوائد الغرويَّة، ج 2 ص 114؛ حاشيَة صاحب العروة علىٰ فرائد الأصول، ج 2 ص 198؛ هداية المسترشدين، ج 3 ص 464.
2) . راجع: رسائل فقهيَّة، ص 142.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 80.
4) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 329.
5) . راجع: المحاسن، ج 1 ص 25 الحديث 2.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 81 الحديث 184.
7) . راجع: الأصول الأصليَّة، ص 164.
راجع: منتقىٰ الأصول، ج 4 ص 518.
، وجعله الشَّيخ الأعظم قدس سره مصحَّحَةً(3).الثَّانيَة: رواية محمَّد بن مروان عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «من بَلَغه عن النَّبيِّ صلى الله عليه و آله شيءٌ فيه الثَّواب ففعَلَ ذلك طلبَ قولِ النَّبيِّ صلى الله عليه و آله كان له ذلك الثَّوابُ وإن كان النَّبيُّ صلى الله عليه و آله لم يقُلْه»؛ علىٰ ما رواه البرقيُّ قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5)، والمجلسيُّ قدس سره(6)، وشبَّرٌ قدس سره(7)
وقريبٌ منه ما رواه أصحاب كتب الاِستدلال، مِن: «أنَّ من بلغه ثوابٌ علىٰ عملٍ ففَعَله اِلتماس ذلك الثَّواب أُوتيه وإن لم يكن كما بلغه»؛ كصاحب الجواهر قدس سره(8)، وثاني النَّراقيَّين قدس سره(9)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(10)، والشَّيخ مرتضىٰ
1) . راجع: مرآة العُقول، ج 8 ص 113.
2) . أقول: كبعض معاصرينا الكبار؛
3) . راجع: رسائل فقهيَّة، ص 142.
4) . راجع: المحاسن، ج 1 ص 25 الحديث 1.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 81 الحديث 185.
6) . راجع: مرآة العُقول، ج 8 ص 113.
7) . راجع: الأصول الأصليَّة، ص 164.
8) . راجع: جواهر الكلام، ج 2 ص 87.
9) . راجع: رسائل ومسائل، ج 2 ص 156.
10) . راجع: رسائل فقهيَّة، ص 142.
ابن الشَّيخ المؤسِّس 0(1)، وغيرهم؛ ولكن لم أعثر علىٰ النَّصِّ في كتب المحدِّثين.
وكيف كان فالمُتَقَدِّمون قد تمسَّكوا بإطلاق رواية هشامٍ، فاختاروا نفسَ النَّدب في الفعل؛
أمَّا المُتَأخِّرون فقيَّدُوا ذلك الإطلاق برواية مروان، فذهبوا إلى الرَّجاء، دون النَّدب.
والحقُّ مع القدماء، لأنَّ القيد غالبيٌّ وثبوتيٌّ، ولا منافاة بين الاِستحباب والإتيان بالفعل رجاءً لذلك الثَّواب.
هذا، وقد أشرنا إلى ثبوت الإجماع والاتِّفاق بين الأصحاب علىٰ القاعدة، وقد تمسَّك الوحيدُ الفريدُ قدس سره هيهنا بحسن الإحتياط(2)، وتابعه فيه صاحب الفصول قدس سره(3)، وأخوه المعظَّم قدس سره(4)، وصاحب المفاتيح قدس سره(5)
وقد أجاب الشَّيخ الأعظم قدس سره عمَّا أُورَد أو يمكن أن يُورَد علىٰ هذا الدَّليل بما لامزيد عليه(6)، فراجعه إن شئتَ!.
وهيهنا نكتٌ نأتي بها في تنبيهاتٍ.
اُختُلِف في المراد من روايات الباب(1):
فبعضُهم ذهب إلى أنَّها بصدد اِثبات جواز الإنقياد؛ فكما أنَّ التَّجرِّي يُوجِب استحقاقَ العقاب، فكذلك إنَّ الإنقياد يُوجِب استحقاق المثوبة.
وهذا كلامٌ حسنٌ، إلَّاأنَّه يرجع إلى قول المتأخِّرين، الَّذين اختاروا أنَّ الرِّوايات تدلُّ علىٰ أنَّ محتَمَل النَّدب لابدَّ من الإتيان به رجاءً، لاناويًا الاستحبابَ.
وبعضُهُم ذهب إلى أنَّ وِزان هذه الرِّوايات وزان أدلَّة الإحتياط؛ فكما أنَّ الإحتياط حسَنٌ في جميع الأمور إلَّاما يؤدِّي إلى خلاف الإحتياط، فكذلك هذه الرِّوايات تشيرُ إلى الإحتياط في الفعل لئلَّايُترَك بتركها الواجبُ.
وفيه: إنَّ القول باستحسان الإحتياط في المندوبات يحتاج إلى تكلُّفٍ شديدٍ!، ولسنا نذهب إليه أصلًا.
وبعضُهُم ذهب إلى أنَّ الاِستحباب المستفادَّ منها اِستحبابٌ عرَضيٌّ، وهو يُستَفاد من نفس الرِّوايات.
وفيه: إنَّه خلافُ الظَّاهر بحيث لايقبله العرفُ.
وكلمات الأصحاب هيهنا كثيرةٌ، فانظر إلى ما ذكره العلَّامة المازندرانيُّ قدس سره(2)،
والشَّيخ الحرُّ قدس سره(1)، والوحيد الفريدُ قدس سره(2)، والنَّراقيُّ قدس سره(3)، والمحقِّق الرَّشتيُّ قدس سره(4)، والقمِّي الحائريُّ(5)، والمحقِّق الخوئيُّ قدس سره(6)، والسَّيِّد الشَّهيد الصَّدر قدس سره(7)، وغيرهم(8)
راجع: دُرَر الفوائد، ج 3 ص 310؛ قواعد الأصول، ص 171.
والتَّفصيل في الأقوال ونقدها وتزييفها خارجٌ عن وضع هذه الرِّسالة.
والمختارُ: إنَّ أحاديث الباب بأجمَعِها إرشاديَّةٌ تُرشِد إلى ما يُرشِد إليه العقلُ ويدلُّ عليه - وهو: إنَّ مُحتَمَل الخير خيرٌ -؛
فإذن العقلُ يوافق ما اختاره القُدَماء في المراد منها.
هل هذه الطَّائفة من الرِّوايات - المُسمَّاة بروايات «من بَلَغ» - تشمل مُحتَمَل الوجوب؟، أو محتَمَل الكراهة؟، أو محتَمَل الحرمة؟ - كما تشمل محتمل النَّدب - حتَّى تؤتىٰ بهذه الُمحتَمَلات وتُترَكُ أيضًا؟.
فيه خلافٌ نشأ من أنَّ الظَّاهر من الرِّوايات يختصُّ بالمندوب، هذا من ناحيَةٍ(9)
1) . راجع: الفوائد الطُّوسيَّة، ص 293.
2) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 2 ص 125.
3) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 797.
4) . راجع: بدائع الأفكار، ص 330.
5) . راجع: المختارات في الأصول، ج 2 ص 35.
6) . راجع: مصباح الأصول، ج 1 ص 25.
7) . راجع: مباحث الأصول، ج 3 ص 532.
8) . أقول: كبعض معاصرينا الفضلاء؛
9) . وقد ناقش الشَّيخ الأعظم قدس سره في هذا الكلام؛ راجع: رسائل فقهيَّة، ص 160.
ومن ناحيَةٍ أُخرىٰ فإنَّ محتَمَل الوجوب وإن لم يجب - بقاعدة البراءة - وكذلك محتَمَل الكراهة والحرمة، إلَّاأنَّ الإتيان بمحتَمَل الوجوب هو نفس الإتيان بمحتمل الخير، فهو خيرٌ، فتشمله إذن الرِّوايات أيضًا؛
كما وأنَّه يمكن ان يكون مصداقًا للرِّوايات الحاثَّة علىٰ الإحتياط الَّذي يستقلُّ العقل بحُسنه؛
كما أنَّ ترك الكراهة والحُرمة المحتَملَتَين يكون من مصاديق الإحتياط الحَسَن، فيحسُنُ عقلًا وشرعًا؛
فكذلك يكون من مصاديق محتَمَل الخير، فتشمله إذن هذه الرِّوايات.
هل هذه الطَّائفة من الرِّوايات تدلُّ علىٰ جواز الإتيان بالمندوب ناقصًا، كمَن جاء بزيارة عاشوراء من دون أن يأتيَ بزيارة العلقمة، أو من دون صلاتها النَّدبيَّة، أو من دون المأتَين من سلامها ولعنها؟.
فيه خلافٌ، بل فيه وجهان؛
والأقوىٰ: الجوازُ، لأنَّ المندوب ومراتبه من باب الفضل ومراتبه، فلذلك ليس في النَّدب تقييدٌ ولا تخصيصٌ؛ فيشمله قوله عليه السلام: «إذا أمَرتُكم بشيءٍ فأتوا منه ما استَطَعتُم»؛ وسنشبع الكلامَ حول سند هذا الحديث، ونشير إلى أنَّه لم يُوجَد في مصادرنا، بل رواه احمدُ(1)، والبخاريُّ(2)، ومسلمٌ(3)، والبَيهَقيُّ(4)، وغيرهم؛
و: «ما لايُدرَك كلُّه لايُترَك كلُّه» - وسنشير إلى مصادر هذا القول أيضًا في البحث عن قاعدة المِيسُور؛ فانتظر! -.
وإن أبَيتَ عن شمول الرِّوايتين علىٰ الموضع وقلتَ أنَّهما لاترتبطان إلَّابالكلِّيَّات وجزئيَّاتها، لا بالمركَّبات وأجزائها؛
مع أنَّ الإباء لاوجه له عقلًا أوَّلًا،
فنقول ثانيًا: إنَّ الإتيان بالمركَّب ناقصًا هو الإتيان بمحتمل الخير عقلًا، فلامحالة هو محتَمَل النَّدب شرعًا، واستفادة ذلك من روايات الباب سهلٌ جدًّا؛
كما أنَّه من سيرة العُقلاء يقينًا وبنائِهِم، كما أنَّ قول النَّاس بالفارسيَّة: «هرچه پول بدهى آش مى خورى»، يشير إلى هذه السِّيرة الثَّابتة بين العقلاء.
هل الرِّوايات تلك تدلُّ فقط علىٰ جواز الإتيان بمؤدَّىٰ روايةٍ تدلُّ علىٰ كون أمرٍ ندبيًّا؟، أو علىٰ جواز الإتيان بمودَّىٰ الإجماع غير الحجَّة وبمودَّىٰ الشُّهرة وبمودَّىٰ فتوىٰ المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء و نحو ذلك أيضًا؟.
فروايات الباب تشمل جميع هذه الأمور؟، أو تشمل الأحاديث الدالَّة علىٰ مشكوك النَّدب فقط؟.
الأقوىٰ هو عموم الرِّوايات لجميع هذه الموارد، لأنَّها تدلُّ علىٰ أنَّ محتَمَل النَّدب مندوبٌ، وهذا الإحتمال:
قد يأتي من روايةٍ ضعيفةٍ؛
وقد يأتي من روايةٍ صحيحةٍ؛
وقد يأتي من آيةٍ متشابهةٍ؛
وقد يأتي من إجماعٍ غير حجَّةٍ؛
وقد يأتي من شهرةٍ غير بالغةٍ حدَّ الشُّهرة، أو الَّتي لا أصل لها أصلًا؛
وقد يأتي من فتوىٰ الفقيه؛ بل من عموم المتشرِّعة، ونحو ذلك.
ولافرق بين الموارد كلِّها من هذه الجهة أصلًا.
فالأقوىٰ هو شمول الرِّوايات لجميع هذه الموارد، وفاقًا للشَّيخ الأعظم قدس سره(1)وقد سمَّاه الفقيه الشَّيخ مرتضىٰ الحائريُّ قدس سره: «تسامحًا في تسامحٍ»(2)هذا.
واختار بعضُهم التَّفصيل في المقام(3)
وبعضُهم نفىٰ شمولَها لبعض هذه الموارد، كفتوىٰ الفقيه مثلًا(4).
وكيف كان فالتَّحقيق في المقام ما سلف منَّا؛ وانظر أيضًا إلى أقوال الأصحاب هيهنا، كالمحقِّق الفقيه النَّجفي قدس سره(5)، والمدقِّق الموسويِّ قدس سره(6)، و النَّراقي قدس سره(7)،
1) . راجع: رسائل فقهيَّة، ص 172.
2) . راجع: شرح العروة الوثقىٰ، ج 3 ص 99.
3) . أقول: فانظر علىٰ سبيل المثال: البراهين الواضحات، ج 1 ص 136.
4) . أقول: فانظر علىٰ سبيل المثال: فقه الصَّادق، ج 12 ص 304.
5) . راجع: جواهر الكلام، ج 4 ص 224.
6) . راجع: التَّعليقة علىٰ معالم الأصول / الإجتهاد والتَّقليد، ص 122.
7) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 798.
والمراغي قدس سره(1)، وسيِّدنا الأستاذ الفقيه البروجرديِّ قدس سره(2)، والمحقِّق الآمليِّ قدس سره(3)، والبيارجَمَنديِّ قدس سره(4)، والمحقِّق الفقيه الخوئيِّ قدس سره(5)، وغيرهم.
هل هذه الرِّوايات تشمُلُ ما احتوىٰ عليه كتُب المقاتل الَّتي لا سند لما احتوت عليه؟، كبعض ما ورد في مقاتل المُتَقدِّمين، وعموم ما ورد في ما صنَّف المتَأخِّرون والمعاصرون منها؟.
قال المحقِّق البجنورديُّ قدس سره: «إنَّ القول بالشُّمول من عجائب الأمور، لأنَّ المصائب والوقائع المنقولة في هذه المصادر من الموضوعات، بينما إنَّ روايات مَن بَلَغ تختصُّ بالأحكام فقط»(6)
هذا ما اختاره؛ وفاقًا للمحقِّق النَّائينيِّ قدس سره حيث اختار عدمَ شمول هذه الأحاديث لأخبار المصائب غير القطعيَّة(7)، وللمحقِّق الأصفهانيِّ قدس سره(8)أيضًا؛ وقد صرَّح المحقِّق النَّراقيُّ قدس سره(9)به أيضًا، ثمَّ نقل عن والده العظيم قدس سره القولَ بخلافه(10).
1) . راجع: العناوين، ج 1 ص 420.
2) . راجع: تبيان الصَّلاة، ج 4 ص 240.
3) . راجع: مصباح الهُدىٰ، ج 1 ص 206، ثمَّ ج 5 ص 369، ثمَّ ج 10 ص 552.
4) . راجع: مدارك العروة، ج 1 ص 163.
5) . راجع: موسوعة الإمام الخوئي قدس سره، ج 7 ص 2.
6) . هذا تحرير كلامه قدس سره، راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 339.
7) . راجع: أجود التَّقريرات، ج 3 ص 368.
8) . راجع: نهاية الدِّراية، ج 4 ص 192.
9) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 793.
10) . راجع: نفس المصدر.
ولكن عندي القولُ بعدم الشمول من عجائب الأمور!؛ ضرورةَ أنَّ المصائب والأخبار المرويَّة في هذه الكتب وإن كانت من الموضوعات الخارجيَّة إلَّاأنَّها ذاتُ حكمٍ، وهو استحبابُ البكاء علىٰ الحسين عليه السلام وعلىٰ أهل البيت عليهم السلام(1)فقاعدة من بَلَغ تدلُّ علىٰ أنَّ محتَمَل المصيبة مصيبةٌ، فتترتَّب عليه جوازُ البكاء واستحبابه.
فانظُر إلى هذا المثال ليتَّضِحَ لك المقالُ: لوقال المولىٰ لعبده: أكرِم العلماءَ، ثمَّ قام خبرٌ ضعيفٌ علىٰ أنَّ زيدًا عالِمٌ، فهو وإن لم يوجب إكرامَه - لضعفه -، إلَّاأنَّه يحسُن الإتيان بمحتَمَل الإكرام، لصِرف احتماله(2).
وهذا هو مؤدَّىٰ أخبار من بَلَغ نفسها.
وإن شئتَ قلتَ: إنَّ الخبر الضَّعيف الدَّالَّ علىٰ وقوع مصيبةٍ عليهم عليهم السلام وإن لم يثبت وقوعُها، إلَّاأنَّه بما أنَّه يكون مصداقًا للبكاء، فبقاعدة مَن بَلَغ يمكن الذِّهاب إلى استحبابه؛ لأنَّ البكاءَ حينئذٍ محتَمَل الخير، فهو مستحَبٌّ(3).
وبذلك يظهر جواز نقل هذه المصائب المحتَمَلة، لأنَّ النَّقل هذا ليس إلَّانقل أمرٍ محتملِ الخير الموجِبِ للبكاء أو التَّباكي(4).
1) . وللمحقِّق النَّراقي كلامٌ متينٌ حول هذا الاستدلال؛ راجع: عوائد الأيَّام، ص 794.
2) . لنقد هذا الرَّأي راجع: موسوعة الفقه الإسلامي طبقًا لمذهب أهل البيت عليهم السلام، ج 11 ص 235.
3) . وقد ناقش الشَّيخ الأعظم قدس سره في هذا الكلام؛ راجع: رسائل فقهيَّة، ص 159.
4) . وانظر: نهاية الدِّراية، ج 4 ص 193؛ المكاسب المحرَّمة - للإمام الخمينيِّ قدس سره -، ج 2 ص 78. أقول: وانظر أيضًا: منتقىٰ الأصول، ج 4 ص 541.
وأمَّا ما اشتَهَر من أنَّ الخُطباء وأهل المنابر ينقُلون ما شاعَ بين النَّاس، ونقْلُ الشَّائع لاإشكال فيه؛
فهو مشكلٌ جدًّا!، لعدم جواز نقْلِ ما شاع بين النَّاس بغير دليلٍ؛ وقد ورد في الذِّكرالحكيم: «قُتِلَ اَلْخَرّٰاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سٰاهُونَ»(1)وقد رُوِي عن النَّبيِّ الكريم والأمير والصَّادق عليهم السلام أنَّهم قالوا: «كفىٰ بالمرء كَذِبًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِع»؛ وقد رواه الصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(6)، وغيرهم.
«والأصحُّ الاِستحباب، للتَّسامح في أدلَّة السُّنن»(7).
وللمحقِّق الخواجوئي قدس سره كلامٌ هيهنا أيَّد به قولَ الكركيِّ(2)فراجِعه!.
حرمة المعانة علىٰ الإثمِ(1).
قاعدة الإعانة علىٰ الإثمِ والعدوان(2).
إنَّ الإعانة علىٰ الطَّاعة طاعةٌ والإعانة علىٰ الإثمِ إثمٌ(3)
اقول: ومنها: حرمة الإعانة علىٰ الإثمِ.
هذا عنوانٌ ذكره المحقِّق الآية الفاضل اللَّنكراني قدس سره؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ص 443.
.من القواعد الَّتي تعرَّض لها الأصحاب وهي مفيدةٌ في جملةٍ من أبواب الفقه، هي قاعدة التَّعاون.
وقبل بيان المراد منها، لابأس بنا لوأشرنا إلى معنىٰ «الإعانة» و «التَّعاون» بحسب اللُّغة، لتوقُّف جملةٍ من المسائل علىٰ معنى اللَّفظَتَين؛ فنقول:
قال الخليل: «كلُّ شيءٍ استعنتَ به أو أعانك فهو عونُك... وأعنتُه إعانةً.
وتعاونوا أي: أعان بعضُهم بعضًا»(1)وعن ابنِدريد: «استعنتُ به فهو لي عونٌ»(2).
وحكىٰ الأزهريُّ عن اللَّيث أنَّه قال: «قد تعاونَّا أي: أعان بعضُنا بعضًا»(3)وكذا عن ابن منظورٍ(4). «والمعونة: الإعانة... وتعاوَنَ القومُ إذا أعان بعضُهم بعضًا»؛ كما عن الجوهريِّ(5)، والفيُّوميِّ(6). وعن الطُّريحيِّ: «المعونة: الإعانة... وتعاوَنَ القومُ: عاون بعضُهم بعضًا»(7). وعن بعض معاصرينا: «تعاون الأصدقاء في سَفْرَتِهم: عاوَن الواحدُ الآخرَ»(8).
وهناك فرقٌ بين الإعانة وبين التَّقوية وبين النُّصرة، أشار إليه أبوهلالٍ(9)،
1) . راجع: العين، ج 2 ص 253.
2) . راجع: جمهرة اللُّغة، ج 2 ص 955.
3) . راجع: تهذيب اللُّغة، ج 3 ص 128.
4) . راجع: لسان العرب، ج 13 ص 299.
5) . راجع: صحاح اللُّغة، ج 6 ص 2168.
6) . راجع: المصباح المُنير، ج 2 ص 439.
7) . راجع: مجمع البحرين، ج 6 ص 285.
8) . راجع: معجم الأفعال المتداولة، ج 1 ص 530.
9) . راجع: الفُروق في اللُّغة، ج 1 ص 184.
ولايهمُّنا ذكره؛ فراجع إليه إن شئتَ!.
فبما قلنا ظهر أنَّه لافارق بين معنى اللَّفظتين أصلًا، فما يثبت للإعانة يثبت للتَّعاون أيضًا(1)
فخُذْ هذا وانتظر حتَّى نُشيرَ إليه مرَّةً ثانيةً في التَّذييل علىٰ آية التَّعاون من مدارك القاعدة.
والمراد منها: كون الإعانة - بمعناها العامِّ - علىٰ الوصول إلى حرامٍ من المحرَّمات الشَّرعيَّة محرَّمةٌ شرعًا.
وهي تشملُ:
إعانةَ الغير؛
وإعانةَ النَّفس؛
والتَّعاون علىٰ الحرام - وسيجيء تفصيل هذا -.
والظَّاهر أنَّ التَّعاون من العناوين القَصديَّة أوَّلًا؛
ومن المقدَّمات القريبة للفعل ثانيًا؛
لا جميع ما له مدخليَّةٌ في تحقُّق المعاوَن عليه، أو في كماله وتماميَّته، كما ذهب إليه المحقِّق النَّراقيُّ قدس سره(2)
وذلك لعدم مساعدة العرف عليه.
فصدق العنوان في موردٍ خاصٍّ يحتاج إلى ثبوت هاتين المقدَّمتين، ولولاهما لما يصدق عنوان التَّعاون علىٰ شيءٍ(1).
توضيح ذلك: أنَّه لوتمسَّك شخصٌ آخرَ فضربَه ثالثٌ، فالمُمسِك قد أعان الضَّارب علىٰ ضربه إيَّاه، إلَّاأنَّ صدق عنوان الإعانة والتَّعاون هيهنا يحتاج إلى قصد المُمسِك أوَّلًا، فلو أخذه للإصلاح بينهما مثلًا لايصدق العنوان عرفًا؛ وكذلك يجب أن يكون الأخذُ من مقدَّمات الضَّرب القريبة ثانيًا، أمَّا لوكان من المقدَّمات البعيدة له فلاإعانة إذن.
ولذلك جعل المدقِّق المراغيُّ قدس سره «القصد... وقرب العمل من الإعانة وتمحُّضِه لذلك بحيث يُعدُّ إعانةً» شرطين لصدق الإعانة(2).
فلوأعان رجلٌ آخرَ في غرس شجرة العنب مثلًا لعمل الخمر، فهو وإن كان قد عمل عملًا حرامًا - لقاعدة من رضىٰ بفعلٍ فهو كفاعله - ولكن لايصدق علىٰ الغرس هذا عنوان التَّعاون علىٰ شرب الخمر وعمله؛
إلَّا أن يُقال بأنَّ الغرس هو الطَّريق الوحيد إلى استحصال الخمر. فبما أنَّ الخمر لايحصل إلَّابغرس العِنَب وبعده، يُعَدُّ الغرسُ من الإعانة علىٰ الحرام؛ كما سنرىٰ في نبويٍّ شريفٍ نشير إليه في مبحث مدارك القاعدة آنفًا.
فلوجُمِع هذين الشَّرطين في فعلٍ يصدق عليه أنَّ الفاعل أعان غيره في فعله؛ فهذا هو التَّعاون.
ولافرق هيهنا بين إعانة الغير علىٰ الإثم، أو إعانة النَّفس عليه؛ لصدق العنوان في الموردين؛ خلافًا لبعضِهِم(1)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفاضل اللَّنكرانيِّ قدس سره -، ص 458.
.فما قيل من كونه من العناوين القصديَّة مطلقًا(2)، ليس بسديدٍ!؛
كما أنَّ ما قيل من اشتماله علىٰ المقدَّمات البعيدة أيضًا(3)ولولم يُقصَد به ما ينتج عن الفعل، ليس بسديدٍ!.
فراجع كلمات القوم - ومنها كلمات الشَّيخ الأعظم قدس سره في المكاسب المحرَّمة(4)- تجد صحَّة ما قلنا.
ثمَّ إنَّ مدرك القاعدة وإن كان الأدلَّة الأربعة: -
فيدلُّ عليها منه:
قوله - تعالى! -: «تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوىٰ وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ»(5). لكن لاخلاف في عدم وجوب التَّعاون على جميع موارد الخير إلَّاإذا
كان واجبًا بعنوانٍ آخر، كانقاذ نفسٍ محترمةٍ عن الغرق؛ فالأمر يدلُّ علىٰ النَّدب(1)
لكن لاضير فيه بحسب المقام، إذ النَّهيُ تحريميٌّ قطعًا لاتنزيهيٌّ،
لظهوره فيه أوَّلًا؛
ولحكم العقل به ثانيًا.
ولستَ بحاجةٍ إلى التَّفصيل في أنَّ وحدة السِّياق ولزوم المصير إليها لاتحكم في الآية الشَّريفة بكون النَّهي تنزيهيًّا، وذلك لأنَّ الوحدة حاكمةٌ في ما يكون هناك أمران أو نهيان، لا ما كان أمرٌ ونهيٌ ثمَّ تتابعا في جملةٍ واحدةٍ فقط(2).
ثمَّ إنَّه ربَّما يُقال من أنَّ النَّهي في الآية تعلَّق بعنوانِ التَّعاون، لا الإعانة، وكم بينهما من الفرق بحسب قواعد الصَّرفيِّين - حيث إنَّ «التَّعاون» لايصدق إلَّاإذا كان بين اِثنين، أمَّا «الإعانة» فيصدق وإن كان لإحدٍ بالنِّسبة إلى آخر فقط -؛
والقاعدة بحسب المشهور ترجع إلى الثَّاني، بينما أنَّ الآية الكريمة تنهىٰ عن الأوَّل(3)
ولذلك فإنَّ من الفقهاء من ذهب إلى عدم دلالة الآية علىٰ حجِّيَّة القاعدة(4)
راجع: الأنوار البَهيَّة، ص 13.
.لكن أنت خبيرٌ بعدم الفرق بين «الإعانة» و «التَّعاون» بحسب المعنىٰ المراد منهما هيهنا، حيث ليست الكريمة بصدد النَّهي عن الثَّاني وإباحة الأوَّل قطعًا، حيث
يصدق التَّعاون ولوأعان كلُّ واحدٍ منهما الآخر في فعلٍ غير ما أعانه الآخر فيه؛ وهذا نفس الإعانة.
وما أشرنا إليه في بيان معنىٰ الإعانة والتَّعاون لغويًّا يزيدك هيهنا بصيرةً وينفعك في المقام.
ثمَّ المراد ب «البِرِّ والتَّقوىٰ» وب «الإثمِ والعُدوان» واضحٌ، سواءٌ كان الأمر والنَّهي تتمَّتان لقوله - تعالى! -: «وَ لاٰ يَجْرِمَنَّكُمْ»، أم لم يكن؛
فانظر إلى ما ذكره المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(1)، والرَّاونديُّ قدس سره(2)، والفاضل الجواد قدس سره(3)، والطَّبرسِيُّ قدس سره(4)، والشَّيخُ قدس سره(5)لترىٰ أنَّ المراد منها ليس شيئًا خاصًّا يخصِّص المنهيَّ عنه والمأمور به،
بل المراد منهما عموم ما يصدق عليه عنوانَي البِرِّ والإثمِ. ولذلك أطلق المحقِّق النَّراقيُّ قدس سره فقال: «هذه الآية الكريمة تدلُّ علىٰ حرمة المعاونة علىٰ كلِّ ما كان إثمًا وعُدوانًا»(6).
ونظائر هذه الكريمة كثيرةٌ.
ومن الرِّوايات: قول الرَّسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «من أعان علىٰ قتل مسلمٍ ولوبشطر كلمةٍ جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: آئسٌ من رحمة اللَّه»؛ فيما رُوِي بأسانيد متعدِّدة وألفاظٍ متقاربةٍ، واللَّفظُ لابن أبي الجمهور قدس سره(1)، والنُّوريِّ قدس سره(2)وقريبٌ منه ما رواه الكلينيُّ قدس سره(3)، والبرقيُّ قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(6)، وغيرهم.
ولاضير في ضعف السَّند في بعض هذه الطُّرق، ولانحتاج إلى تواتر الحديث حتَّى يُقال: «عنوان غير واحدٍ لايستلزم التَّواتر، بل أعمٌّ منه»(7)
راجع: الأنوار البَهيَّة، ص 13.
بل كثرة الطُّرُق تُوجِّه صحَّةَ الاِعتماد عليه ولو كان بعضُها سقيًما.
ولاتغفَل عن تعلُّق الإيعاد بالإعانة استقلالًا الدَّال علىٰ حرمتها، حتَّىٰ لاتظنَّ «أنَّ الإعانة علىٰ قتل المسلم هي بنفسها إثمٌ وحرامٌ، لا من جهة كونها إعانةً وإثمًا»(8)
حيث لاخصوصيَّة للقتل قطعًا؛
بل الحرمةُ تعلَّقتْ بالاعانة من غير خصوصيَّةٍ لمتعلَّقها(9).
1) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 1 ص 283 الحديث 123.
2) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 18 ص 211 الحديث 22528.
3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 368 الحديث 3.
4) . راجع: المحاسن، ص 103 الحديث 80.
5) . راجع: الأمالي، ج 1 ص 201.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 12 ص 305 الحديث 16366.
7) . أقول: كما عن بعض أكابر المعاصرين؛
8) . راجع: القواعد الفقهيَّة - للبجنورديِّ قدس سره -، ج 1 ص 362.
9) . أقول: ومن الغريب القول بثبوت الخصوصيَّة للمتعلَّق هيهنا؛ انظر: القواعد الفقهيَّة - للفقيه الآية الفاضل اللَّنكرانيِّ قدس سره -، ص 447.
ومنها قوله صلى الله عليه و آله: «مَن أكل الطِّينَ فماتَ فقد أعان علىٰ نفسه»؛ فيما رواه الشَّيخ الأقدم البرقيُّ قدس سره(1)، والكلينيُّ قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4).
والسَّند وإن ضعَّفه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره في الملاذ(5)والمرآة(6)- لمكان النُّوفلي والسَّكوني، العامِّيَّين -، لكن لاضير فيه، حيث إنَّ من البيِّن كونه بصدد الإرشاد إلى حكمٍ عقليٍّ واضحٍ توافَقَتْ عليه العقول.
أضِفْ إلى ذلك معاضدته بغيره من روايات القاعدة، حيث يُفهَم من جميعِها حجِّيَّة القاعدة قطعًا.
لايُقال: قد اشترطتم في صدق عنوان الإعانة قصدَ المعاونِ حصولَ الفعل، بينما أنَّ آكل التُّراب لايقصد قتلَ نفسه - كما أشار إليه الشَّيخ الأعظم!(7)-؛
إذ يُقال: المراد من الحديث - بقرينة قوله صلى الله عليه و آله: «فمات» - تلك الموارد الَّتي تؤدِّي إلى قتل النَّفس، ويكون سبب الهلاك فيها منحصرًا في هذا الأكل.
وأنت خبيرٌ بدلالة الحديث هذا علىٰ حرمة الإعانة علىٰ الإثمِ؛ وتعلُّق الإعانة
هيهنا بأكل الطِّين لايجعله ذا خصوصيَّةٍ، فالتَّعدِّي منه إلى غيره من موارد الإعانة ليس من التَّشريع الحرام.
فتأمَّل حتَّى لاتذهب إلى «أنَّ الحديث واردٌ في واقعةٍ خاصَّةٍ، ولامجال لإسراء الحكم إلى غير مورده بلا دليلٍ، وإلَّا يلزم التَّشريع»!(1)
راجع: الأنوار البَهيَّة، ص 13.
.ومنها: قول أبي جعفرٍ الباقر عليه السلام: «لعنَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله في الخمر عشرةً:
غارسَها وحارسَها وعاصرَها وشاربَها وساقيها وحاملَها والمحمولة إليه وبائعَها ومشتريها وآكلَ ثمنها»؛ فيما رواه الصَّدوق قدس سره(2)- وجاء بمضمونه أيضًا(3)-، والكلينيُّ قدس سره(4)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(5)
بسندٍ ضعيفٍ - كما عن العلَّامة المجلسيِّ قدس سره(6)- لايضرُّه ضعفُه، كما أشرنا إلى سرِّه في التَّعليق علىٰ الرِّواية السالفة أعلاه.
وظاهرٌ أنَّ اللَّعن يدلُّ علىٰ الحرمة أوَّلًا؛
وليس غير الشُّرب إلَّامن باب الإعانة علىٰ الحرام ثانيًا؛
فتعلُّق اللَّعن بالجميع يدلُّ علىٰ حرمة الإعانة علىٰ الشُّرب.
ومنها غيرُها الكثير، حتَّى ادَّعىٰ المحقِّق النَّراقيُّ قدس سره أنَّ الرِّوايات استفاضتْ علىٰ تحريم الإعانة علىٰ الإثمِ(1).
ففي الفقه جُعِلت القاعدة مفروغًا عنها، وهذا يُنبِىء عن كونها مقبولةً عند جميع الأصحاب؛
نعم! الإجماع هذا مدركيٌّ، بل مشيرٌ إلى حكم العقل والعقلاء؛ فليس دليلًا مستقلَّا بحياله - كما أشار إليه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(2)، وغيره(3)
فانظر: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 128؛ القواعد الفقهيَّة - للفاضل اللَّنكرانيِّ قدس سره -، ص 450.
-.فاستقلال العقل بذلك، «فإنَّ مبغوضيَّة ذلك ممَّا يدركه العقل اِبتداءً»(4)، لأنَّها مساعدةٌ علىٰ إتيان ما هو مبغوضٌ للمولىٰ(5)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للفقيه المحقِّق الفاضل اللَّنكرانيِّ قدس سره -، ص 449.
، بحيث إنَّ العقلاء في جميع الملل والنِّحَل جعلوا الإتيان بإعانة الظَّالم في ظلمه قبيحًا، بلاخلافٍ بينهم في ذلك -؛ويدلُّ عليه ما اشتهر بينهم مِن: «أنَّ مَن رضي بفعل قومٍ فهو منهم» كما عن
البُجنورديِّ قدس سره(1)، أو «كان منهم»(2)
راجع: ما وراء الفقه، ج 1 ص 97.
، أو «اشترك فيه»(3)راجع: سند العروة الوثقىٰ، كتاب الطَّهارة، ج 5 ص 67.
، وبألفاظٍ أُخر أيضًا؛والكلُّ يدلُّ علىٰ المطلوب.
فبما قلنا ظهر قوَّة هذا الوجه للدِّلالة علىٰ المطلوب. فتفطَّن حتَّى لاتجعله أوهن الوجوه!(4)
راجع: الأنوار البَهيَّة، ص 15.
.إلَّا أنَّ الكتاب والسُّنَّة والإجماع كلَّها ليس إلَّاإمضاء حكم العقل والعقلاء بذلك، وهذا الحكم هو المتجلَّىٰ في سيرتهم؛ فاستقرَّتْ سيرة العقلاء في جميع الأعصار والأمصار علىٰ حُسن الإعانة في محاسن الأفعال وقبحها في قبائحها.
ولذلك فلَسْنا بحاجةٍ إلى الاِكثار من الأدلَّة لثبوت القاعدة، كالَّتمسُّك بأدلَّة وجوب النَّهي عن المنكَر - كما فعَله بعضُهم(5)
راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 134.
-؛ وهذا واضحٌ.وهيهنا نكاتٌ هامَّة نأتي بها في تنبيهاتٍ:
إذا كان الشَّيء من المقدَّمات القريبة وقُصِد بها حصول ذي المقدَّمة، ولكنَّه لم يحصل - لعللٍ أخرىٰ -، فهل يصدق عليه التَّعاون؟ أم لا؟.
فيه وجهان؛ والأقوىٰ هو الصِّدق(1)، وكونه حرامًا لو كان إعانةً علىٰ حرامٍ، للصِّدق العرفيِّ في المقام. فهو كمَن أراد الظُّلم وقد تهيَّأ مقدَّماته لكن لم يقدر عليه - لمرضٍ حدث له مثلًا قبل أن يصل إلى من أراد أن يظلمه -، فالمقدَّمة هذه محرَّمةٌ.
ولقد أجاد المحقِّق النَّراقي قدس سره حيث قال: «فالمناط في الإثمِ والحرمة مطلقًا هو العملُ مع القصد، سواءٌ ترتَّب عليه ما قَصَد ترتُّبَه عليه، أم لا؛ وسواءٌ علِم أنَّه تتحقَّق النيَّة أو فعَلَه بقصد أنَّه لعلَّه يتحقَّق»(2).
نعم! تكون من باب التَّجرِّي، وفعل المُتَجرَّىٰ به محرَّمٌ عندنا؛ - خلافًا للشَّيخ الأعظم قدس سره(3)-، لاستقلال العقل بقبحه، بل تطابق الشَّرع والعرف علىٰ حرمته، وإلَّا يلزم أن يُقال بأنَّ المقدَّمة الموصِلة ليست بحرامٍ - كما ذهب إليه صاحب الفصول قدس سره(4)-؛ لكنَّ العرف والأدلَّة المستفادة من الشَّرع اتَّفقا علىٰ بطلان قوله وحرمتها؛ كما قرَّرنا ذلك وفصَّلناه في علم الأصول(5)
وانظر أيضًا: أجود التَّقريرات، ج 1 ص 237؛ أصول الفقه - للمحقِّق الشَّيخ حسين الحلِّي قدس سره -، ج 3 ص 44.
أقول: وانظر كذلك: إرشاد العقول إلى مباحث الأصول، ج 1 ص 550؛ أنوار الأصول ج 1 ص 397.
.لاتغفل عن الأهمِّيَّة البالغة الَّتي لهذه القاعدة في نهي مجتمع المسلمين عن التَّلوُّث بالمعاصي والمناكير، حيث لونهىٰ كلُّ أحدٍ نفسَه عن إعانة الغير علىٰ المعاصي يطهَّر المجتمع عن الفحشاء، وعن الظُّلم، وعين غيرهما.
ولذلك فإنَّ هذه القاعدة قاعدةٌ قديمةٌ(1)
راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 111.
-، حتَّى أنَّ شيخ الطَّائفة قدس سره استند بها لحرمة إعطاء الزَّكاة إلى الفقيه المقيم علىٰ المعاصي(2)، لئلَّا تشيع الفاحشةُ في المجتمع.كون حرمة التَّعاون علىٰ الإثمِ حُكمًا تكليفيَّا كغيره من الأحكام واضحٌ لائحٌ، فلانحتاج إلى الإشارة إلى عدم كون القاعدة أمارةً أو أصلًا - كما أشار إليه بعضهم(3)
راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 137.
-.لااختصاص هيهنا بالواجب والحرام، بل تشمل القاعدةُ المندوبَ والمكروهَ
أيضًا في طرَفَي المأموربه والمنهيِّ عنه - كما أشار إليه بعضُ أكابر الدَّهر(1)-.
الظَّاهر عدم اختصاص الإعانة بالمُساعدة العَمَليَّة(2)
راجع: القواعد الفقهيَّة - للآية الفقيه الفاضل اللَّنكراني قدس سره -، ص 450.
، بل الإعانة بعنوانها تشمُلُ المساعدة الفكريَّة بإرائة الطَّريق للوصول إلى الإثمِ أيضًا؛فمَن أعان أحدًا لارتكاب معصيَةٍ بأن هداه إلى طُرُقها يصحُّ أن يُطلَق عليه أنَّه المُعين علىٰ الإثمِ المرتَكبِ للحرام.
قد اشتهَرَ بين الأصحاب(3)أمثلةٌ يذكرونها للإعانة علىٰ الإثمِ؛
منها: بيع العنب لتحصيل الخمر وصُنْعه، بل قيل: غرس شجرة العنب لذلك(4)
ومنها: بيع السِّلاح من أعداء الدِّين، بل بيع السِّلاح لقُطَّاعي الطَّريق ولوكانوا مسلمين(5)
1) . راجع: العناوين، ج 1 ص 564.
2) . أقول: كما عن بعض كبار المعاصرين؛
3) . أقول: وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للفقيه المحقِّق الفاضل اللَّنكرانيِّ قدس سره -، ص 443.
4) . راجع: القضاء والشَّهادات - للشَّيخ الأعظم الأنصاري قدس سره -، ص 238؛ أنوار الفقاهة - للشَّيخ حسن كاشف الغطاء قدس سره -، ص 10؛ المكاسب والبيع - للمحقِّق النَّائيني قدس سره -، ج 1 ص 26.
5) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 42؛ روضة المتَّقين، ج 12 ص 64؛ الحدائق النَّاضرة، ج 18 ص 205.
ومنها: إجارة الدَّار لشرب الخمر فيها(1)
ومنها: بيع الخَشَب لصَنعةٍ محرمةٍ - كالصَّليب والصَّنم(2)-؛
ومنها: بيع الخشب ونحوه لصُنع المزامير والآت الموسيقي والقِمار(3)
ومنها: إجارة سيَّارته لعملٍ محرَّمٍ - كنقل الُمخدِّرات وحملها في زماننا الحاضر -؛
ومنها غيرُها الكثيرة، ولكنَّ الأقوىٰ أنَّ الأمثلة كلَّها محكومةٌ بالحرمة الذَّاتيَّة، وليستْ حرمتُها من باب الإعانة علىٰ الإثمِ.
نعم! إنَّها محرَّمةٌ بعنوان المقدَّميَّة لوقوع عنوانٍ حرامٍ - وهو الإعانة لوقَصَد بفعله وقوعَ هذا الحرام -؛ أمَّا لولم يكن من المقدَّمات القريبة أو لم يقصد المقدَّميَّة فهي محرَّمةٌ ذاتًا، ولامنافات بين أن يكون الشَّيء محرَّمًا ذاتًا، وبين أن يكون محرَّمًا بعنوانٍ ثانويٍّ - أي: المقدَّميَّة والإعانة للحرام -؛
وفي جملةٍ من الرِّوايات - ومنها رواية تحف العقول(4)، الَّتي ذكرها الشَّيخ الأعظم قدس سره في مبتدأ مكاسب المحرَّمة(5)كأصلٍ ثمَّ رتَّب عليها جملةً من العناوين - دلالةٌ تامَّةٌ علىٰ كون الأمثلة كلِّها محرَّمةً ذاتًا؛ فراجع وتفطَّن!.
1) . راجع: العناوين، ج 1 ص 556؛ فقه الشِّيعة - كتاب الإجارة -، ص 81.
2) . راجع: رياض المسائل، ج 8 ص 144؛ ينابيع الأحكام، ج 2 ص 446؛ شرائع الإسلام، ج 2 ص 3.
3) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 2 ص 19؛ النُّخبة، ص 194.
4) . راجع: تحف العقول، ص 331؛ وسائل الشِّيعة، ج 17 ص 83 الحديث 22047؛ بحار الأنوار، ج 100 ص 44.
5) . راجع: المكاسب، ج 1 ص 5.
قد اشتهر بين الأصحاب(1)
راجع: موسوعة الفقه الإسلامي طبقًا لمذهب أهل البيت عليهم السلام، ج 4 ص 402؛
وواضحٌ أنَّ المنقول في المتن عن الشَّيخ الأستاذ - جعله اللَّه في رعيه! - أدقُّ تعبيرًا من هذا.
وكما عن بعض أفاضل العصر: «اِثبات الضَّمان بالنِّسبة إلى غير المال مشكلٌ»؛
راجع: عمدة المطالب، ج 1 ص 154.
أنَّ إتلاف غير المال - كالعُمر والعِرض ونحوهما - لايُضمَن به؛ فذهبوا إلى أنَّه غير محرَّمٍ إلَّاأن يترتَّب عليه ظلمٌ، أو إعانةٌ علىٰ الإثمِ.فمَن أبطل عمر غيره بأباطيله لايُضمَن بذلك إلَّاأن يصدق عليه الإعانة علىٰ الإثمِ.
ولكن يُترائىٰ منهم الإتِّفاق علىٰ الضَّمان في تلف عمر العبد، وفي تلف منفعة الحيوان؛ وكذلك أفتوا بضمان عمر الأجير. ونظائر ذلك كثيرةٌ تُوجَد في موارد كثيرةٍ من الفقه.
ولذلك أقول: القول بالضَّمان قِبَل عمر الحرِّ أولىٰ منه في عمر العبد؛
ولاأقلَّ من المساوات بين عُمرَيهما. وما قيل: «إنَّ عمر العبد ومنافع الحيوان مالٌ وأمَّا في الحرِّ فليس كذلك - إذ ليس عمرُه ملكًا لآخر -»؛
ليس بمقبولٍ قطعًا!، بل هو ادِّعاءٌ غير موجَّهٍ.
أضِفْ إلى ذلك صدق الإعانة علىٰ الإثمِ علىٰ إتلاف عمر الغير بما لاطائل تحته.
1) . أقول: قيل: «وقد تسالموا في باب الضَّمان علىٰ أنَّ الضَّمان إنَّما يُثبَت في إتلاف الأموال، وأمَّا إتلاف غير المال فهو محرَّمٌ ولكن لاضمان فيه... وإتلاف غير المال لايوجب الضَّمان»؛
ذهب بعض أكابر العصر إلى عدم حجِّيَّة القاعدة وعدم حرمة الإعانة علىٰ الحرام، ولو كان المُعين قاصدًا لتحقُّق الحرام.
ثمَّ قال: «نعم! إذا كان الغرضُ من الإعانة هتكَ مقام المولىٰ - نستجير باللَّه منه! - الظَّاهر عدم إمكان التَّشكيك في الحرمة، بل لوادَّعىٰ أحدٌ أنَّه يوجب عنوان النَّصب وصيرورة المُعين ناصبيًّا ويصير بذلك أنجس من الكلب والخنزير لعلَّه لايكون مجازفًا في القول»(1)
راجع: الأنوار البهيَّة، ص 17.
.ولعمر الحبيب هذا غريبٌ جدًّا!، إذ لم يصدر من المُعين إلَّافعلًا واحدًا، فلوكان حرامًا فهذه الحرمة نفسُها تدلُّ علىٰ حجِّيَّة القاعدة، ولولم يكن حرامًا فبماذا صار أنجس من الكلب والخنزير وصحَّ أن يُطلَق عليه عنوان النَّاصبي؟!.
إلَّا أن يُقال: إنَّه أراد حصول الحرام ضمن فعلٍ حلالٍ، وكون الفعل بجانبٍ عن الحُرمة إذن - مع توافق الأدلَّة كلِّها علىٰ حرمته، كما أشرنا إليه - دون إثباته خرط القتاد!.
1) . أقول: ذكرتُ هذا الكلام في المتن لاهتمامنا به، وإن كان القائلُ من المعاصرين الأعزَّاء؛
إليه ثانيهما قدس سره: «لأنَّه إعانةٌ علىٰ الإثم»(1).
قال المحقِّق السَّبزواريُّ قدس سره في الكفاية بعد أن نقل قول صاحب المسالك قدس سره بجواز التَّحاكم إلى أهل الجور إذا توقَّف حصولُ الحقِّ عليه(2): «فيه إشكالٌ، لأنَّ حكم الجائر بينهما فعلٌ محرَّمٌ والتَّرافع إليه يقتضي ذلك، فيكون إعانةً علىٰ الإثم، وهي منهيٌّ عنها»(3).
قال المحقِّق الفيض قدس سره: «يحرم علىٰ القاضي أخذ الرِّشوة بالإجماع والنُّصوص، ويأثِمُ الدَّافع لها، لأنَّه إعانةٌ علىٰ الإثمِ والعُدوان»(4).
وقد أوضحه بعضُ شرَّاح كلامه(5)، فلاتغفلْ عنه!.
عنوان هذه القاعدة مأخوذٌ من حديثٍ نبويٍّ شريفٍ - وسنشيرُ إليه -.
ومفادها(1): إنَّ الإسلام يُمحِي ما وقع قبله؛ فلوأسلم مشركٌ أو كافرٌ يُعفِي إسلامُه هذا ما صدر منه قبلَه، كما وأنَّه ليس عليه قضاء تكليفٍ بالنِّسبة إلى ما مضىٰ من حياته(2).
ولا فرق في ذلك بين مَن أسلم زمن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله، وبين بعده من الأحيان؛ فيشمل عصرنا هذا وما يجيء بعده أيضًا.
لاإشكال في ثبوت هذه القاعدة في الفقه بين المُتَقدِّمين والمُتَأخِّرين، وبين
العامَّة(1)
وقال المحقِّق الأردبيليُّ بعد نقْل حديث الجبِّ: «المقبول بين العامَّة والخاصَّة»؛ راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 206.
، والخاصَّة، حيث استدلَّ بها الشَّيخ(2)قدس سره، وابنُزهرة(3)قدس سره، والفاضل الآبي(4)قدس سره، والمحقِّق(5)قدس سره، والعلَّامة(6)قدس سره، وغيرهم. فإنَّهم استدلُّوا كثيرًا بالنبويِّ الشَّريف الَّذي هو مدرك القاعدة - وسنشير إليه - علىٰ إطلاقه، وهذا يُنبِىء عن تقبُّلِهم هذه القاعدة؛ ولذلك وصفه المحقِّق المراغيُّ قدس سره بقوله: «الخبر المعروف المشهور المُتَلقَّى بالقبول»(7)كما وأنَّه لاإشكال ولاكلام في أنَّها ساريةٌ جاريةٌ في جميع أبواب الفقه من الطَّهارات إلى الدِّيات؛ فالقاعدة تجري في مطلق التَّكاليف، حقوق اللَّه كانتْ أو حقوق النَّاس.وقد اتَّفقت كلمةُ الأصحاب على حجِّيَّتِها. نعم! وقع الخلافُ بينهم في بعض موارد جريانها، وفي شمولها لتلك الموارد؛ كجريان القاعدة في الواجبات المؤقَّتة قبل
1) . كالشَّعبيِّ، وقُتادة، ومالكٍ، والأوزاعيِّ، والشَّافعيِّ، وأبي ثورٍ، وأبي حنيفة؛ راجع: المغني، ج 3 ص 95؛ الكافي في فقه أهل المدينة، ص 119؛ المجموع، ج 6 ص 253؛ فتح العزيز، ج 6 ص 432؛ حليَة العلماء، ج 3 ص 172.
2) . راجع: الخلاف، ج 5 ص 469.
3) . راجع: غُنيَة النُّزوع، ص 202.
4) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 421.
5) . راجع: المعتبر، ج 2 ص 490.
6) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 2 ص 349.
7) . راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 493.
خروج وقتها(1)وكشمول القاعدة لسقوط الزَّكاة أيضًا عمَّن أسلَم، أو هي مختصَّةٌ بالخمس فقط(2)
وانظر أيضًا لمثالٍ آخر: مصباح الهُدىٰ في شرح العروة الوثقىٰ، ج 12 ص 50.
.يدلُّ على حجيَّة القاعدة:
المُشار إليه آنفًا.
منها: قوله صلى الله عليه و آله: «الإسلامُ يجبُّ ما قبلَه». والحديثُ لا كلام في صحَّة العمل به، حيث إنّه وإن كان عامِّيًّا - حيث رواه احمد قدس سره(3)، والسُّيوطيُّ قدس سره(4)، والمتَّقي الهنديُّ قدس سره(5)- غير مرويٍّ في طُرُقِنا - كما رواه ابنُ أبي جمهورٍ قدس سره(6)، والبحرانيُّ المفسِّر قدس سره(7)، وابنُجمعة الحويزيُّ قدس سره(8)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره في بحاره(9)، ومرآته(10)-،
1) . انظر: كتاب الحجِّ - للفقيه الشاهروديِّ -، ج 1 ص 246.
2) . راجع: شرح تبصرة المتعلِّمين - للآغا ضياءالدِّين العراقي -، ج 2 ص 391؛
3) . راجع: مسند احمد، ج 4 ص 199.
4) . راجع: الجامع الصَّغير، ج 1 ص 474، الرَّقم 3064.
5) . راجع: كنز العُمَّال، ج 1 ص 66 الرَّقم 243.
6) . راجع: عوالي اللآلىء، ج 2 ص 54 الرَّقم 145.
7) . راجع: البُرهان في تفسير القرآن، ج 2 ص 450.
8) . راجع: نور الثِّقلين، ج 3 ص 226، الرَّقم 447.
9) . راجع: بحار الأنوار، ج 81 ص 361.
10) . راجع: مرآة العقول، ج 11 ص 383.
إلَّا أنَّ كبرىٰ اِنجبار ضعف السَّند بعمل الأصحاب تجعله حجَّةً في المقام(1).
يمكن الَّتمسُّك بقوله - تعالى! -: «مٰا قَدْ سَلَفَ»(2)، الواردِ في موارد كثيرةٍ أيضًا؛ كما قد استدلَّ به لحجِّيَّة القاعدة الفاضل الجوادُ الأسديُّ قدس سره(3)، و ثاني الشَّهيدَين (0)(4).
وتقرير الدَّليل: إنَّ العقلاء مجمِعون علىٰ أنَّ القانون لايُعاقَب عليه قبل مرحلة
تنجُّزه، حيث قد ذكرنا في الأصول أنَّ المحقِّق الخراسانيَّ ذهب إلى أنَّ للحكم مراتب أربعة: الإقتضاء، الإنشاء، الفعليَّة، والتنجُّز(1)وإنَّا وإن ناقشنا هذا القول، لكنَّه من الواضح أنَّ الحكمَ غير الواصل إلى الكافر ليس بالنِّسبة اليه إلَّافي مرحلة الإنشاء؛
فلاتنجُّز له عليه حتَّى يُعاقَبَ به.
مقتضىٰ القاعدة جُبُّ الإسلام ما وقع قبلَه إلَّاما أخرجه الدَّليلُ الخاصُّ؛ وهو - لو لم نقل بعدم ثبوته أصلًا - قليلٌ جدًّا، فلورُوِي له موردٌ وقع في الصَّدر الأوَّل فهو من مورادَ تخصُّ بالحكم استحسَنَه النَّبيُّ الكريمُ صلى الله عليه و آله فأمَرَ به؛
وتلك الموارد خارجةٌ عن موضوع المبحث.
بما قلنا ظهر عموم القاعدة لجميع المواقع والموارد الفقهيَّة؛
فقول بعضهم(2)- ومنهم المحقِّق البجنورديِّ قدس سره(3)- بأنَّ القاعدة لاتشمل الضَّمانات، خالٍ عن التَّحقيق؛ يشهد له ما فعل صلى الله عليه و آله بقاتل عمِّه حمزة(4)، حيث قَبِل
1) . راجع: دُرر الفوائد في الحاشيَة علىٰ الفرائد، ص 70.
2) . أقول: فانظر أيضًا: دراساتٌ في ولاية الفقيه، ج 2 ص 789؛ فقه الحدود والتَّعزيرات، ج 4 ص 290؛ فقه الشِّيعة - كتاب الخمس والأنفال -، ج 1 ص 178.
3) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 49.
4) . انظر: عن ذلك: الاِستيعاب، ج 4 ص 1564؛ الأنساب - الطَّبعة الهنديَّة -، ج 13 ص 289؛ الإصابة، ج 6 ص 470؛ أنساب الأشراف - طبعة الدُّكتور سهيل الزَّكَّار -، ج 1 ص 46.
إسلامه من غير أن يُحاسِبه علىٰ ما فعله قبل إسلامه.
وكذلك قول بعضهم: «لوكان جُنُبًا فأسلَم يجِبُ عليه الغسل، وهذا يُنقِض القاعدةَ»(1)
ليس بسديدٍ!؛ إذ الصَّلوة الواجبة عليه بعد إسلامه أوجبَتْ عليه الغسلَ، إذ التَّكليف بالصَّلوة حدَث له بعد إقراره بالإسلام واعتناقه، فيجب عليه الغسل مقدَّمةً للإتيان بالتَّكليف(2)
فلاصلَةَ بين قولهم هذا وبين القاعدة أصلًا.
قاعدة الجُبِّ كقاعدة التَّوبة من حيث الضَّرب عمَّا تقدَّم عليهما؛ إلَّاأنَّ الثَّانيَة لاتُفيد في الأمور الوضعيَّة إلَّاإذا استدرك التَّائب ما كان عليه من قضاء العبادات الفائتة، أو الحقوق الثَّابتة عليه، من اللَّه - جلَّ وعلا! - كانت، أو من النَّاس.
قيل: إنَّ قاعدة الجُبِّ تُخصِّص الأصل القائل بأنَّ الكُفَّار يُعاقَبون علىٰ الفروع كما يُعاقَبون علىٰ الأصول(3)
أقول: وانظر أيضًا: بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام، ص 6؛ كتاب الحجِّ - للعلَّامة السَّيِّد حسن القمِّي -، ج 1 ص 329؛ مدارك تحرير الوسيلة - كتاب الصَّوم -، ص 250.
.والأصل قد اشتهر بينهم، ولا أدري المراد منه!؛ حيث لايُتُصوَّر أن يُعاقَب بالفروع من لايعتقد بالأصول؛ وهل يمكن أن يُعذَّب الكافر الَّذي لم يكن يعتقد بالتَّوحيد والنُّبوَّة - وما يشبههما من الأصول - علىٰ تركه الصَّلاة والحجَّ؟!.
نعم! هؤلاء لايدخلون الجنَّة، لأنَّها «أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ»(1)لكنَّهم لايدخلون النَّار أيضًا.
واستدلُّوا لصحَّة الأصل بأنَّ الحكمَ وُضِع علىٰ طبيعة النَّاس، ف «أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ»(2)يشمل المؤمنَ والكافر معًا؛
بينما أنَّ المختار أنَّ الحكمَ لم يوضَع إلَّاعلىٰ المؤمنين، لا علىٰ طبيعيِّ الأُناسي؛ للزوم اللَّغو في الجعل علىٰ رأي المشهور، حيث أنَّ مِن البيِّن أنَّ الكافر لايُقيم الصَّلاة ولايُعطي زكاته، فيكف وُضِع الحكمُ عليه؟!.
قال أصحابُنا: إن أسلم سقطَتْ... والدَّليل... قوله صلى الله عليه و آله: الإسلام يجُبُّ ما قبله»(3).
عليه قضاؤُه بإجماع العلماء، لقوله صلى الله عليه و آله: الإسلام يجُبُّ ما قبله»(1).
قاعدة نفي العُسْر(1).
المراد ب «الحَرَج» هو: العُسرُ والضِّيق - كما عن اللُّغويِّين، منهم ابنُدريدٍ(2)-، أو أضيق الضِّيق - كما عن الأزهريِّ(3)-. وهناك فروقٌ بين الحرج والضِّيق ذكره أبوهلالٍ العسكريُّ(4)، لايهمُّنا ذكره بعد وضوح المعنىٰ بحسب اللُّغة والعُرف.
وهو المنطبق علىٰ الحرج العُرفيِّ، لا العقليِّ؛ فكلُّ موضوعٍ أو حكمٍ إذا كان فيه مشقَّةٌ شديدةٌ لايتحمَّلها العُرفُ - أي: عموم النَّاس - فيصدق عليه أنَّه حَرَجيٌّ، وهو المرفوعُ في الشَّريعة بحسب ما يأتي من مدارك القاعدة.
فعلىٰ ما قلنا ظهر: أنَّ «الحرجَ» و «ما يُضطَرُّ إليه» و «ما فيه العُسر» و «ما لايُطيق» كلَّها مترادفةٌ بحسب المعنىٰ، فهي المرفوع في لسان الأدلَّة من الآيات والرِّوايات؛
والفرق بينها بحسب الواقع، لا الموارد المستعمَلَة فيها.
والمختار في القاعدة كونُها قاعدةً عقليَّةً، كما يراه بعضُهم؛ قال المحقِّق الآشتيانيُّ الكبير: «قاعدة نفي الحرج من القواعد المسلَّمة عندهم قد دلَّ عليها الكتاب والسُّنَّة، بل العقل عند بعضهم»(1)حيث لا معنىٰ لأن يُكلِّف أحدٌ أحدًا بما فيه مشقَّةٌ شديدةٌ خارجةٌ عن تحمُّل النَّاس، فضلًا عن الحكيم - جلَّ وعزَّ! -؛ فلايُتصوَّر أن يُكلِّف النَّاسَ بما هو فوق مقدورهم؛ ولو في المندوبات(2).
ولذلك فإنَّ الآيات والرِّوايات الواردة في المقام - وسنشير إلى جملةٍ منها - كلَّها
إرشاديَّةٌ إلى هذا الَّذي يحكم به العقل ويُصحِّحهُ.
قال - جلَّ وعلا! -: «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا»(1)
وشيخ الطَّائفة قدس سره وإن بحث عنه أوَّلًا بحثًا كلاميًّا، إلَّاأنَّه أشار إلى أنَّه «صريحٌ بأنَّه لايكلِّفهم إلَّاما يطيقُونه، لأنَّ الوسع ما يتَّسع به قدرة الإنسان»(2)وانظر عنه إلى ما قاله الرَّاونديُّ قدس سره أيضًا(3).
وقال: «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ مٰا آتٰاهٰا»(4)
وقد أشار الفاضل المقداد قدس سره إلى المعنىٰ المراد منه في خمسة أقسامٍ، والقسم الثَّالث هو المعنىٰ العامِّ الَّذي يُراد منه في جميع أبواب الفقه(5).
وعن الطَّبرسيِّ: «في هذا دلالةٌ علىٰ أنَّه - سبحانه! - لايكلِّف أحدًا ما لايقدر عليه وما لايُطيقه»(6).
وقال: «يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ»(7)
وتفصيل الكلام فيه عند المحقِّق الأردبيليِّ(1)وفي المسألة الثَّالث عشرة من مسائل القُرطبي في تفسير الآية الكريمة(2).
وقال: «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»(3)
قال عبدالرَّحمن الثَّعالبيُّ بعد نقل هذا الجزء من الآية الكريمة: «أي من تضييقٍ، وذلك أنَّ الملَّة حنيفيَّةٌ سمحةٌ ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم بل فيها... الرُّخَص ... ورفع الحرج عن هذه الأمَّة لمَن استقام منهم علىٰ منهاج الشَّرع...»(4). وفسَّر النَّخجوانيُّ «من حرجٍ» فقال: «ضيقٍ وعُسرٍ خارجٍ عن وسعكم وطاقتكم، بل قد وسَّع - سبحانه! - عليكم الأمرَ وفضَّلَكم علىٰ سائر خليقته...»(5)وانظر عنه أيضًا إلى ما قاله الطَّبَرسيُّ قدس سره في المقام(6).
وأمثالُها الكثيرة الواردة في نفي الحرج.
فالأدلَّة الدالَّة علىٰ القاعدة ليس فيها عمومٌ وإطلاقٌ، أو خصوصٌ وتقييدٌ، بل كلُّها تابعةٌ إلى ما يُرشِد إليه العقلُ.
إن قلت: فلاإمتنان حينئذٍ في القاعدة!، بل القول بكونها إمتنانيَّةً لاوجه له إذن مع ظهور جملةٍ من أدلَّة الباب علىٰ كونها منها - كقوله تعالى!: «رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا
إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا» (1)، الصَّريح في الامتنان؛
كما عن الطَّبَرسي حيث قال عن الأُمَم الماضيَة: «كُلِّفوا من أنواع التَّكاليف ما لم يكلَّف هذه الأمَّة تخفيفًا عنها»(2)
وكما قال المحقِّق الفيضُ قدس سره في قوله - تعالى! - «إِلاّٰ وُسْعَهٰا» في نفس الآية: «إلَّا ما يسعُه قدرتها، فضلةً ورحمةً»(3)وكما فسَّر أستاذنا العلَّامة الطَّباطبائيُّ كريمة 78 الحج المارُّ ذكرها أعلاه بالاِمتنان(4)
وكحديث الرَّفع الصَّريح فيه أيضًا، وسنشير إليه -!؛
قلتُ: لا تخصيص في العقليَّات وما يرجع إليها، فلابدَّ من تأويل ما يُرشِد إلى امتنانيَّتها - كقوله تعالى!: «رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا...» -، لاسيَّما مع النَّظر إلى ما سبق عليه من قوله - تعالى! -: «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا».
فالظَّاهر أنَّ الإصر المحكوم به الأُمَم الماضيَة والمنفيَّ في الإسلام هو العقوبة الَّتي استحقُّوها في هذه الدُّنيا جزاءً بما قاموا به؛ كالتِّيه الَّذي ابتلىٰ به بنوإسرائيل، قال - جلَّ وعلا! -: «قٰالَ فَإِنَّهٰا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاٰ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفٰاسِقِينَ»(5)وكحرمة الطَّيِّبات عليهم، قال - تعالى! -: «فَبِظُلْمٍ مِنَ اَلَّذِينَ
هٰادُوا حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ طَيِّبٰاتٍ» (1)؛ وكقتل الأنفس بعد افتنانهم بالسَّامريِّ، قال - جلَّ وعلا! -: «فَتُوبُوا إِلىٰ بٰارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ»(2).
ولم يكن الإصر حكمًا دائميًّا عليهم، بل هو حكمٌ خاصٌّ مؤقَّتٌ يُشرَع لئلَّا يخالفوا أنبيائَهم عليهم السلام، بل ليرجعوا عن كفرهم بعد الإيمان. وذلك لأنَّ الإصر لوكان دائميًّا فليس إلَّامن مصاديق الظُّلم، وتَعٰالَى اللّٰهُ عَمّٰا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا!.
وأمَّا قوله - تعالى! -: «رَبَّنٰا لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا»(3)، فهو دعاءٌ وعُذرٌ أبداه الظَّالم نفسَه في مقام الاِعتذار عمَّا فعَل، وليس فيه إشارةٌ إلى ثبوت الإصر علىٰ الأُمَم الماضيَة.
وكذلك قوله - تعالى! -: «رَبَّنٰا وَ لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ»، المراد منه الفقر، أو غلبة السَّوداء علىٰ العقل المؤدِّي إلى العشق الباطل، ونحوهما مما لايطيب معه العيش.
وأمَّا حديث الرَّفع، فالمرويُّ أنَّ المراد منه: أنَّ الأُمَم السَّابقة كانوا يُؤخَذون بمقدَّمات أفعالهم، وكان الأخذ في حياتهم الدُّنياويَّة؛ وقد تابع بعضٌ مِن مفسِّري الفريقين هذا التَّفسير؛ كالحسينيِّ(4)، والفيض(5)، والشُّبَّر(6)، والقُرطبيِّ(7).
وهو عندي في غاية الإشكال، لإباء العقل عن القول بأنَّ اللَّه - سبحانه وتعالى! - يُعاقِب العبد علىٰ عدم المواظبة علىٰ المقدَّمات حتَّى ينسي بعضها. نعم! لوأدَّى الأمر إلى التَّهاون بالدِّين - مِن عدم تعلُّم ما يجب عليه من الأحكام -، أو جعلِه نفسه في الإضطرار إلى الحرام، أو ما إلى ذلك فلاخلاف في حرمته، وفي ثبوت العِقاب عليه؛
وهذا لايختصُّ بالأُمَم السَّابقة، بل الحكم ثابتٌ علىٰ هذه الأُمَّة أيضًا، بلاخلافٍ.
وبالجملة لااِرتياب في كون الإسلام شريعةً سمحةً سهلةً قد مَنَّ اللَّهُ علىٰ المسلمين بتشريعه؛ هذا لاريب فيه؛
أمَّا اختصاص مفاد حديث الرَّفع بالمسلمين وعدم ثبوتها لغيرهم من أبناء الأديان والشَّرائع، فلادليل يدلُّ عليه؛ بل هذا أمرٌ لايُعقَل أصلًا، فلا مفهوم حينئذٍ لقوله صلى الله عليه و آله: «رُفِعَ عن أُمَّتي تسعةٌ»، أي لم يكن هذه التِّسعة مرفوعةً عن غير المسلمين؛
بل الحديث يُخبِر عن ثبوت الرَّفع بالنِّسبة إلى المسلمين، كما هو ثابتٌ لغيرهم.
بما قلنا - من كون القاعدة عقليَّةً - ظهَر أنَّا لانحتاج في اِثباتها إلى الإكثار من الأدلَّة، ومع ذلك نشير فقط إلى أنَّ من السُّنَّة ما يدلُّ عليها قطعًا.
منها: قوله عليه السلام في صحيحة هشام بن سالمٍ: «اللَّهُ أكرم من أن يكلِّف النَّاس ما لايطيقون»؛
رواه البرقيُّ قدس سره(1)، والكلينيُّ قدس سره(2)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره في الفصول(3)، والهداية(4)أيضًا،
واستشهد بها جمعٌ من الفقهاء، كالبحرانيِّ قدس سره(5)، والسَّيِّد المجاهد قدس سره(6).
ومنها: المرويُّ في عِداد القُدسيَّات: «ذلك حُكمي في جميع الأُمَم أن لاأُكلِّف خلقًا فوق طاقتهم»؛
رواه الطَّبَرسيُّ قدس سره(7)، والمجلسيُّ قدس سره(8).
ومنها: قول الصَّادق عليه السلام: «إنَّا واللَّه لانُدخِلكم إلَّافيما يَسَعكم»؛
رواه الكلينيُّ قدس سره(9)، والحرُّ قدس سره(10)، والنَّراقيُّ قدس سره(11).
وقد أشار إلى جملةٍ أُخرىٰ منها السَّيِّد المراغيُّ قدس سره(12)، فراجِعه إن شئتَ.
1) . راجع: المحاسن، ج 1 ص 296 الحديث 464.
2) . راجع: الكافي، ج 1 ص 160 الحديث 14.
3) . راجع: الفصول المهمَّة، ج 1 ص 622 الحديث 980.
4) . راجع: هداية الأُمَّة، ج 1 ص 11 الحديث 4.
5) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 4 ص 282.
6) . راجع: مفاتيح الأصول، ص 536.
7) . راجع: الإحتجاج، ج 1 ص 222.
8) . راجع: بحار الأنوار، ج 89 ص 271.
9) . راجع: الكافي، ج 1 ص 67 الحديث 9.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 109 الحديث 33341.
11) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 176.
12) . راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 1 ص 284.
المناط في القاعدة هو الحرج الشَّخصيُّ، لا النَّوعيُّ؛ فيدور للأفراد مدار حالاتهم؛ فلرُبَّ حكمٍ أو موضوعٍ يكون لشخصٍ حرجيًّا بينما لايكون لآخر كذلك.
خلافًا للمحقِّق الكبير السَّيِّد القزوينيِّ الموسويِّ حيث ادَّعىٰ ثبوت «إجماعهم علىٰ كون المعتبر في نفي العسر والحرج هو العسر النَّوعي، لا الشَّخصي»(1)ووفاقًا لكثيرٍ منهم، منهم المحقِّق الفقيه الميلانيُّ حيث قال: «المرتَفَع هو العسر والحرج الشَّخصيُّ، دون النَّوعي»(2).
هذا بحسب الأصل. ويُستثنىٰ منه بعضُ الأحكام المنفيَّة في الشَّريعة بحسب العموم. والحكمة فيه أيضًا نفي الحرج، كدم القروح والجروح المعفُوِّ - كما عليه القاطبةُ، منهم المحقِّق نجم الدِّين قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره(4)، والشَّهيد قدس سره(5)، والفاضل المقداد قدس سره(6)، وغيرهم -؛ ولولم يكن في الاجتناب عنه حرجٌ؛ فلايبعدُ القول بأنَّ العفو عن تلك الموارد ليس من مصدايق القاعدة، بل هو لإطلاق أدلَّته الخاصَّة الشَّاملة لها(7).
1) . راجع: التعليقة علىٰ معالم الأصول، ج 7 ص 477.
2) . راجع: محاضراتٌ في فقه الإماميَّة، ص 416.
3) . راجع: المختصر النَّافع، ج 1 ص 18.
4) . راجع: تبصرة المتعلِّمين، ص 35.
5) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 1 ص 126.
6) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 1 ص 149.
7) . هذه الأدلَّة ما رواها الشَّيخ الحرُّ قدس سره في الباب 22 من أبواب النِّجاسات من وسائل الشِّيعة، ج 3 ص 434 فما بعدها.
التَّنبيه الثَّاني: القول في قوله - تعالى! - «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» نفسُ القول في قوله صلى الله عليه و آله: «لاضرر ولاضرار في الإسلام»(1)، ونفس القول في حديث الرَّفع؛
فيمكن القول(2)بوقوع المجاز في الكلمة؛
أو المجاز في الإسناد؛
ويمكن القول بثبوت الحقيقة الإدِّعائيَّة في الجميع؛
ويمكن القول بثبوت الحقيقة الواقعيَّة فيها، بمعنىٰ نفي الحرج عن محيط التَّشريع.
والأخير هو الأقوىٰ في المقام، إذ ليس في الأحكام الشَّرعيَّة حرجٌ أصلًا - كما سنشير إليه -.
لا إلزام في دليل قاعدة الحرج، كما لا إلزام في إخوتها من قاعدة الضَّرر والرَّفع؛ فلامخالفة في مخالفتها حتَّى يُقال: مَن اغتسل حرجيًّا فغسله باطلٌ(3)- كما هو المشهور
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 280 الحديث 4؛ التَّهذيب، ج 7 ص 164 الحديث 727؛ وسائل الشِّيعة، ج 26 ص 14 الحديث 32382؛ معاني الأخبار، ص 281.
2) . وانظر: عن هذه الاقوال في المقام راجع: أوثق الوسائل، ص 420؛ الرَّسائل - للإمام الخميني قدس سره -، ج 1 ص 38؛ عناية الأصول، ج 4 ص 308.
3) . كما عن المحقِّق الفقيه الخوئيِّ، فإنَّه قدس سره قال: «لأنَّ تحمُّل الحرج ليس من المحرَّمات وإن كان تيمُّمه صحيحًا أيضًا، فهو في الحقيقة مخيَّرٌ بين الوضوء أو الاِغتسال، وبين التَّيمُّم»؛ راجع: موسوعة الإمام الخوئي، ج 10 ص 115.
بين الأصحاب(1)-، بل المُستفاد من أدلَّتها كونُها ترخيصيَّةً، لأنَّ التَّرخيص هو الملائمُ للإمتنان، كما عن الشَّيخ قدس سره(2)، والمحقِّق الخراسانيِّ قدس سره(3)، والمحقِّق النِّائينيِّ قدس سره(4)بل هو المطابق لحكم العقل في ذلك؛
فلايُصغىٰ إلى ما ذكره بعض أعاظم الدَّهر قدس سره في المقام(5).
فمَن توضَّأ أو اغتسل أو صام وكان ذلك حرَجًا عليه، أو صلّىٰ قائمًا بينما كان القيام له من مصاديق الحرَج، فأعماله هذه كلُّها صحيحةٌ لايَحتاج لتصحيحها إلى إعادةٍ؛
كما أنَّه لوتيمَّم بدلَ أن يتوضَّأ، أو أفطَر بدل أن يصوم، أو صلّىٰ قاعدًا بدل أن يصلِّي قائمًا فهي صحيحةٌ أيضًا رافعةٌ لتكاليفه؛ لأنَّ ذلك هو مقتضىٰ القاعدة عقلًا، ولاسيَّما لوقلنا بكونها إمتنانيَّةً؛ كما عن المحقِّق النَّجم آبادي قدس سره(6)، والمحقِّق الحكيم قدس سره(7)، والعلَّامة السَّيِّد محمود الشَّاهرودي قدس سره(8)، والسَّيِّد الأستاذ الإمام الخميني قدس سره(9)، و
1) . وانظر: رسالةٌ في قاعدة نفي الضَّرر - للخوانساريِّ النَّجفي قدس سره -، ص 216.
2) . راجع: فرائد الأصول، ج 1 ص 324.
3) . راجع: كفاية الأصول، ص 387.
4) . راجع: فوائد الأصول، ج 3 ص 348.
5) . راجع: كتاب البيع - للإمام الخمينيِّ قدس سره - ج 1 ص 526.
6) . راجع: الرَّسائل الفقهيَّة - تقريرات المحقِّق النَّجم آبادي قدس سره -، ص 627.
7) . راجع: حقائق الأصول، ج 2 ص 387.
8) . راجع: كتاب الحجّ، ج 1 ص 195.
9) . راجع: كتاب البيع، ج 1 ص 526.
غيرهم.
غاية الأمر يمكن الإشكال بعدم ثبوت أمرٍ له منجَّزٍ في المقام، لأنَّ القاعدة حاكمةٌ علىٰ الأحكام الأوَّليَّة(1)
فانظر: كتاب القصاص للفقهاء والخواص، ص 74؛ القواعد الفقهيَّة - من موسوعة الفقه -، ص 94؛ ثلاث رسائل - للعلَّامة الفقيه الفاضل اللَّنكراني قدس سره -، ص 124؛ مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 250.
، فتُخَصِّصُها(2)بعد وفاقهم علىٰ جواز تخصيص الأحكام بها، لحكومتها عليها. وانظر عن ذلك المناهل، ص 699.
، فلاحكم منجَّزٍ - أو فقُل: لا حكم فعليٍّ - له مع كونه من مصاديق القاعدة.ونجيب عن هذا الإشكال بثبوت الملاك له، وكفايته في الإتيان بالتَّكليف، كما قد أقرَّ بذلك كثيرٌ من الأعلام - كالمحقِّقَين العلَمَين الأنصاريِّ قدس سره(3)والخراسانيِّ قدس سره(4)-؛ بل جميع القائلين بالتَّرتُّب وصحَّتها لامناص لهم من القول بكفاية الملاك في المسألة؛
فيجوز للمكلَّف الإتيان بالتَّكليف نظرًا إلى ثبوت الملاك المثبَت بالتَّرتُّب.
بل لنا أن نقول: قد يجب التَّكليف بذلك، كمن رأىٰ طفلًا صغيرًا مُشرفًا علىٰ الهلاك، أو مالًا مشرفا علىٰ الضِّياع، فيجب عليه القيام بحفظ الطِّفل وإنقاذ المال عن الضِّياع، لثبوت الملاك فيهما.
ربَّما يُقال: «أ ليس في الشَّريعة أحكامٌ حرجيَّةٌ وضعَهَا الشَّارع؟! - كالجِهاد، بل الخمس والزَّكاة عند كثيرٍ من طالبِي الدُّنيا الدنيَّة، والصَّلاة علىٰ كثيرٍ من الكاهلين المتهاونين بأوامر الشَّارع، قال جلَّ وعزَّ: «وَ إِنَّهٰا لَكَبِيرَةٌ إِلاّٰ عَلَى اَلْخٰاشِعِينَ»(1)-؟!؛
فثبوت الأحكام الحرجيَّة - بل الموضوعات كذلك، كالحجِّ - يدلُّ علىٰ تخصيص القاعدة؛ بل علىٰ عدم ثبوته في كثيرٍ من المواضع»(2)
أقولُ: وانظر أيضًا: ثلاث رسائل - للمحقِّق الفقيه الفاضل اللَّنكراني قدس سره - ص 130.
ولبيان أقسام هذه التَّكاليف انظر: القواعد الفقهيَّة - للفقيه المحقِّق الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 1 ص 194.
.أقول: التَّكاليف كلُّها - من الواجبات والمحرَّمات والمسنونات والمكروهات - عسِرَةٌ علىٰ النَّاس إلَّاعلىٰ الأوحديِّ منهم؛ وذلك لأنَّ التَّكليف ليس إلَّامن مادَّة الكُلفة، ففيه الكُلفة عليهم؛ فلايأتون بالتَّكاليف إلَّاحبًّا للجنَّة وخوفًا عن النَّار، فعباداتهم عبادةُ العبيد والأُجَراء، لا الأحرار؛
أمَّا الأوحديُّ منهم البالغون مقام العبوديَّة المُلتِذُّون بالتَّكليف المشتاقون إلى أوامر المولىٰ ونواهيه - جلَّ وعلا! -، فلاحرج لهم في التَّكاليف، وليس الكلام هذا يجري فيهم.
ولايختصُّ ذلك بالجهاد والخمس وأمثالهما أيضًا، بل الحرج يُوجَد في جميع ما
شرَّعه الشَّارعُ؛
هذا ما أشار إليه بعضُهم كإشكالٍ في المقام.
أمَّا لرفع الإشكال فأقول: أمَّا الأحكام فوُضِعتْ لإيصال المؤمنين إلى ما يمكن أن يصلوا إليه من المراتب السَّاميَة العُليا، وذلك بالنَّظر إلى قاعدة اللُّطف واجبٌ علىٰ اللَّه، أو من اللَّه(1)
وانظر أيضًا: الآلوسي والتَّشيُّع، ص 295.
فإرسال الرُّسل عليهم السلام وإنزال الكتُب ووَضْع الشَّرائع يجب منه - تعالى! - لإيصالهم إليها؛ومن المعلوم أن الوصول إلى تلك السَّعادات لايمكن إلَّابتحمُّل المشاقِّ من التَّكاليف - من الواجبات والمحرَّمات وغيرهما -، بل لاطريق إليها إلَّابه؛
فبذلك نصل إلى أنَّ التَّكاليف ليس فيها حرجٌ أصلًا وإن تُوجَد فيها مشقَّةٌ، بل الحرج يقع في الواقعة الخارجيَّة لا في أصل الحكم.
ونزيدك هيهنا بيانًا ونقول: إنَّ قاعدَتَي نفي الحرج ونفي الضَّرر وما يماثلهما من القواعد والأصول تُعدَّان من العناوين الثَّانويَّة، لا من العناوين الأوَّليَّة؛ فتجريان إذا تحقَّق الحرجُ في واقعةٍ خاصَّةٍ، لا في أصل الحكم وتشريعه. فالجهاد موضوعٌ علىٰ النَّاس إلَّاعلىٰ الأعمىٰ الَّذي يكون في الجهاد بالنِّسبة إليه حرجٌ بالغٌ حدَّ المشقَّة غير المُتَحمَّلة؛ فالقاعدتان - وأشباههما من القواعد - ترفعان الحكم بالنِّسبة إليه فقط؛
أمَّا في أصل تشريع الجهاد فلاتجريان أصلًا. وبما أنْ لا إصطكاك بين الأحكام
1) . وجوب اللُّطف علىٰ - أو من - اللَّه مسألةٌ كلاميَّةٌ خارجةٌ عن نطاق هذا الكتاب؛ فانظرعنها: الاِعتماد في شرح واجب الاعتقاد - للفاضل المقداد -، ص 87؛ إرشاد الطَّالبين، ص 327؛ البراهين القاطعة، ج 2 ص 457.
الأوَّليَّة والثَّانويَّة، بل يجري كلٌّ منها في مواردها الخاصَّة، فلاموردَ لاتجري فيه القاعدة بحسب الأصل وتجري فيه بحسب مفادها؛ بل هي ساريةٌ جاريةٌ في جميع الأحكام - حتَّى في الجِهاد والخمس - بحسب مواردها الخاصَّة الخارجيَّة.
قلنا إنَّ القاعدة تجري في جميع المحرَّمات والواجبات الَّتي لاتُتُحمَّل عادةً، إلَّاأن يُدرَك عقلًا أو شرعًا أنَّ الشَّارع لايرضىٰ بترك واجبٍ خاصٍّ أو الإتيان بمحرَّمٍ خاصٍّ ولوكان في تركه أو إتيانه مشقَّةٌ تامَّةٌ؛ كحفظ الإسلام وحوزته في الواجبات(1)
وانظر عنه: دليل تحرير الوسيلة، ص 167.
، وكقتل النَّفس المحرَّمة في المحرمات؛فقاعدة لاحرج لاتجري إذا كان الواجب علىٰ المكلَّف ما يؤدِّي إلى حفظ أصل الإسلام ولوكان فيه مشقَّةٌ تامَّةٌ بالغةٌ أعلىٰ مراتبها.
فهذه الموارد خارجةٌ عن حدود القاعدة تخصُّصًا، وذلك نظرًا إلى ما هو مطلوب الشَّارع في هذه الموارد قطعًا.
وبما قلنا ظهر ما في كلام بعضهم - علىٰ ما حكاه المحقِّق ثاني النَّراقِيَّين قدس سره - من:
«أنَّ قاعدة نفي الحرج ليست من باب الأصل الَّذي جاز الخروج عنه بدليلٍ، كسائر العمومات، بل لايعارضها دليلٌ أصلًا»(2)
حيث إنَّ من الموارد ما يحكم بوجوب الخروج عن مقتضى القاعدة؛
وهذا واضحٌ.
قال الشَّهيد قدس سره في حكم الشَّكِّ في تذكية المُشتَرىٰ من سوق المسلمين: «أمَّا ما يُشتَرىٰ من سوق الإسلام فيُحكَم عليه بالذَّكاة إذا لم يُعلَم كون البائع مستحِلًّا، عملًا بالظَّاهر، ونفيًا للحَرَج»(1).
قال المحقِّق الهمدانيُّ قدس سره في نفي لزوم النِّيَّة عند أوَّل جزءٍ من أجزاء العبادة بعد ذكر أدلَّته: «... فضلًا عن منافاته لقاعدة نفي الحرج، فإنَّ تحصيل المقارنة غالبًا إمَّا متعذِّرٌ، أو متعسِّرٌ»(2).
قال المحقِّق السَّيِّد الحكيم قدس سره في تعليقه علىٰ المكاسب في مسألة حكم عدم وجدان المِثْل إلَّابأكثر من ثَمَن المِثْل: «نعم! إذا لزم الإجحاف بحال الضَّامن لم يجب الشِّراء، لقاعدة نفي الحرج»(3).
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ قدس سره - راجع: المبسوط، ج 5 ص 187 -؛ وابن البرَّاج قدس سره - راجع: المهذَّب، ج 2 ص 483 -؛ وابن إدريس قدس سره - راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 351 -؛ والعلَّامة قدس سره - راجع: مختلف الشِّيعة، ج 9 ص 236 -.
2) . هذا نص الحديث النبوي الشريف الذي اخذه بعضهم عنوانا للقاعدة كابن البراج قدس سره - راجع: جواهر الفقه، ص 108 -؛ وفخرالمحقِّقين قدس سره - راجع: ايضاح الفوائد، ج 1 ص 370 -؛ وابن فَهدٍ قدس سره - راجع: المهذَّب البارع، ج 5 ص 46 -؛ وثاني الشهيدَين 0 - راجع: مسالك الأفهام، ج 10 ص 203 -.
المراد من القاعدة أنَّ للقاضي - أو يجب علىٰ القاضي - أنْ يدفع الحدودَ وإجراءَها بالأمارات الظَّنِّيَّة؛ فتلك الأمارات وإن لم تكن بحجَّةٍ في حدِّ ذاتها، لكن تُدفَعُ بها الحدود.
القاعدة أمرٌ عقليٌّ يستقلُّ به العقلُ، ويتبعه العقلاءُ فاستقرَّت سيرتُهم عليه؛ فهو أمارةٌ عندهم والشَّارع المقدَّس أيضًا قد أمضا هذه السِّيرة بعدم الرَّدع عنها، بل بالنَّصِّ الدَّالِّ علىٰ حجِّيَّته.
روىٰ الصَّدوق قدس سره في المُقنِع(3)والفقيه(4)عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله واميرالمؤمنين عليه السلام جازمًا - حيث قال في كِلَي الموضعين: «قال...» -: «إِدرَؤُوا الحدودَ بالشُّبَهات»؛
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الفاضل الآبي قدس سره - راجع: كشف الرُّموز، ج 2 ص 539 -؛ والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره - راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 13 ص 197 -.
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره شمس الدَّين القطَّان قدس سره؛ راجع: معالم الدِّين، ج 2 ص 52.
3) . راجع: المقنِع، ص 437.
4) . راجع: الفقيه، ج 4 ص 74 الحديث 5146.
وجازمات الصَّدوق قدس سره في الكتابين حجَّةٌ، لأنَّه تعهَّد أن لايروي فيهما إلَّاعن الثِّقات؛ كما رواها القاضي النُّعمان قدس سره(1)، وابنُ أبي جمهورٍ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4)، وغيرهم.
أضِف إلى ذلك أنَّ صاحب الرِّياض قدس سره ادَّعىٰ تواتر الرِّوايات في هذا المعنىٰ معنويًّا، حيث قال بعد نقل الحديث الشَّريف: «إتِّفاقًا، فتوىً ونصًّا»(5)
وأضِف إلى ذلك ثانيًا أنَّ الرِّوايات تُؤَيَّد بإجماع العامَّة والخاصَّة؛ كما قال الشَّيخ قدس سره بعد نقل القاعدة: «بلاخلافٍ»(6)وعن الفاضل الهنديِّ قدس سره: «إتِّفاقًا»(7)وعن الأردبيليِّ قدس سره: «المتَّفَق عليه»(8)
و عن غيرهم ما يشير إلى هذا الإجماع و الاتِّفاق.
فإذن لاكلام في مدرك القاعدة وحجِّيَّتها.
وهيهنا نكتٌ نأتي بها في تنبيهاتٍ.
1) . راجع: دعائم الإسلام، ج 2 ص 472.
2) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 1 ص 236 الحديث 147.
3) . راجع: الوافي، ج 15 ص 549 الحديث 15667.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 28 ص 130 الحديث 34393.
5) . راجع: رياض المسائل، ج 9 ص 104.
6) . راجع: المبسوط، ج 4 ص 199.
7) . راجع: كشف اللِّثام، ج 10 ص 586.
8) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 198.
هل القاعدة واردةٌ علىٰ أدلَّة الحدود - لأنَّها تسلبُ موضوع الأدلَّة، تعبُّدًا من العقلاء ومن الشَّارع -؟؛
أم أنَّها تُخصِّصُها؟.
الظَّاهر هو الثَّاني، لأنَّ بالشُّبهة تُرفَع موضوعات الأدلَّة. فعلىٰ سبيل المثال إذا قام الدَّليلُ علىٰ إجراء الحدِّ في موردٍ فقاعدة الدَّرء ترفع ذلك الدَّليل، لقاعدة: إذا جاء الإحتمالُ بطل الاستدلال، فتُخصِّص أدلَّة الحدِّ بغير هذا المورد من الموارد.
لاإشكال في أنَّ الشُّبهة تدرءُ الحدَّ إذا حصلَتْ في حقِّ متَّهمٍ، كما إذا ادَّعىٰ الشُّبهة في الزِّنا باشتباه الأمر عليه بين زوجته وإمرءةٍ إجنبيَّةٍ.
هذا؛ فهل يمكن جريانُها عند حصول الشُّبهة للقاضي كما إذا اشتَبَه عليه الأمرُ فلم يفهمه؟،
أم لا؟.
الظَّاهر أنَّه لا وجه للاختصاص، لا عقلًا ولا شرعًا، إذ الاختصاصُ يحتاج إلى دليلٍ، والفرض أنَّه لادليل للاِختصاص في هذا الفرض. ولذلك قال العلَّامة قدس سره:
«ولوحصلَتْ الشُّبهة للحاكم سقط القطع أيضًا، كما لوادَّعىٰ صاحب المنزل السِّرقة والُمخرِجُ الاتِّهاب منه أو الإبتياع أو الإذن في الإخراج»(1)وانظر أيضًا إلى ما ذكره
1) . راجع: قواعد الأحكام، ج 3 ص 559.
لاإشكال في شمول القاعدة للجهل القصوريِّ بأقسامه، فهل تجري في الجهل التَّقصيريِّ أيضًا؟؛
أم لا؟.
الأقوىٰ هو القول بالجريان، فمَن ادَّعىٰ أنَّه وقع في ذنبٍ موجبٍ لحدٍّ لعدم العلم به، فلو لم يعلم القاضي بثبوت الكذب في حقِّه تجري القاعدةُ، فتمنع عن جريان الحدِّ عليه؛
ولا أقلَّ من جريان القاعدة في حقِّه إذا ثبت عدم علمِه بكون الذَّنب ذنبًا موجبًا للحدِّ. قال العلَّامة قدس سره: «ولايُحَدُّ المكرَه علىٰ الشُّرب... ولا الجاهل بجنس المشروب، أو بتحريمه لقُرب عهده بالإسلام و شبهه»(4)وعن ابن طيٍّ الفقعاني قدس سره:
«ولايُحَدُّ... الجاهل بالحكم...»(5)وعن الفقيه اليزديِّ قدس سره فيمن تزوَّج أمةً من غير إذن مولاها ثمَّ وطئها: «يُحدُّ حينئذٍ حدَّ الزنىٰ إذا كان عالمًا بالحكم ولم يكن مشتبهًا من جهةٍ أُخرىٰ»(6)ومثل الأقوال عن غيرهم أيضًا.
فما قيل من: «أنَّ الجاهل المقصِّر كالعامد»(1)لاكلام في صحَّته من حيث ثبوت العقاب عليهما، وأمَّا من حيث الأحكام الوضعيَّة وجريان القاعدة الَّتي نحن بصددها الآنَ، فغير مسلَّمٍ قطعًا.
بل قوله عليه السلام: «أيُّ رجلٍ ركب أمرًا بجهالةٍ فلاشيء عليه» - في حديث «مَن أحرم في قميصه»؛ الَّذي رواه الشَّيخ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والمحدِّث الحرُّ قدس سره(4)وغيرهم؛
بسندٍ صحيحٍ كما عن ثاني المجلسيَّين 0(5)، والشَّارح المازندرانيِّ قدس سره(6)، والمحقِّق البحرانيِّ قدس سره(7)-، حاكمٌ، إلَّاما أخرجه الدَّليل.
والظَّاهر أنَّه أمرٌ مسلَّمٌ عند العقلاء، حيث استقرَّتْ سيرتُهم عليه.
لاإشكال في شمول القاعدة للشُّبَهات الموضوعيَّة، فهل تشمل الشُّبهات الحكميَّة أيضًا؟؛
أم لا؟.
1) . قد فصَّلنا الكلامَ حول هذا القول المشتهر بين أصحابنا فيما مضىٰ من هذه الرِّسالة.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 5 ص 72 الحديث 239.
3) . راجع: الوافي، ج 12 ص 594 الحديث 12666.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 248 الحديث 10558.
5) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 7 ص 326.
6) . راجع: شرح فروع الكافي، ج 5 ص 26.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 13 ص 61.
فإن كان جاهلًا بكون هذه المرءة إجنبيَّةً فجامَعَها فلاريب في جريان القاعدة عليه، وأمَّا إن كان جاهلًا بالحكم - كما إذا جهل بأنَّ الوطي في الدُّبُر يوجب القتل، أو يوجب حرمةَ الأخت والأمِّ - فهل القاعدة جاريةٌ إذن؟، أم لا؟.
الأقوىٰ هو جريانها إذن، بل لقائلٍ أن يقول: إنَّ نكاحَه مع أخت الموطوء وأمِّه صحيحٌ مع وطيه أخيها أو ولدها(1).
هل تختصُّ القاعدةُ بالحدود؟، أو تشمل التَّعزيرات أيضًا؟.
فيه خلافٌ. والأقوىٰ هو العمومُ، فتشمل التَّعزيرات، بل القصاص أيضًا. لأنَّ المرادَ ب «الحدود» هو مطلق العقوبة، لا العقوبات الحدِّية المُصطَلَح عليها في الفقه فقط. فلذلك يُطلَق كثيرًا في رواياتنا المروية عن المعصومين عليهم السلام الحدُّ علىٰ التَّعزير.
كما أنَّ المحقِّق النَّجفيَّ الفقيه قدس سره بعد أن روىٰ حديثًا ورد فيه: «والمرأتان يجلدان...
ضربُهُما الحدُّ» قال: «ويمكن إرادةُ التَّعزير من الحدِّ فيه، فإنَّه يُطلَق عليه»(2).
والعمومُ لتناسب الحكم والموضوع أوَّلًا؛
وبإلغاء الخصوصيَّة والأولويَّة عن الحدِّ والقصاص والتَّعزير ثانيًا.
ولوشُكَّ في جريانها في الثَّلاثة فالحكمُ جريانها في القصاص علىٰ الأقلِّ، بلا كلامٍ.
وما قيل من: «أنَّ القصاص من حقوق النَّاس فلاتجري فيه القاعدةُ»(1)- كما عن المحقِّق الأردبيليِّ قدس سره حيث قال في عدم إجراء الحكم علىٰ المحارب لوتاب قبل أن يُقدَرَ عليه: «الظَّاهر أنَّ السَّاقطَ الأحكام الَّتي تكون حدودًا وحقَّ اللَّه، دون حقوق النَّاس مثل القصاص»(2)-؛
فهو أوَّل الكلام!، إذ:
لم يثبت أنَّه من حقِّ النَّاس أوَّلًا؛
ولم يثبت كون القصاص المشكوك فيه من حقوقِهِم ثانيًا، بل دون إثباته خرطُ القَتاد!.
فالأقوىٰ هو جريان القاعدة في جميع هذه الموارد من غير استثناءٍ فيها أصلًا؛ كما ذكره الفقيهُ النَّجفيُّ قدس سره(3)أيضًا.
1) . وانظر: فقه الحدود والتَّعزيرات، ج 2 ص 343.
2) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 13 ص 298.
3) . راجع: جواهر الكلام، ج 41 ص 481.
4) . راجع: شرائع الإسلام، ج 4 ص 160.
5) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 2 ص 181.
6) . راجع: تحرير الأحكام، ج 5 ص 352.
7) . راجع: غاية المُراد، ج 4 ص 245.
8) . راجع: معالم الدِّين، ج 2 ص 508.
9) . راجع: مسالك الأفهام، ج 14 ص 480.
والمحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(1)، والفقيه النَّجفيُّ قدس سره(2)وغيرهم في هذا المضمار.
قال العلَّامة قدس سره: «الجاريةُ المشتركة إذا وطَئَها أحدُهم دُرِىءَ عنه الحدُّ مع الإشتباه»(3). وانظر إلى ما ذكره العلَّامة نفسُه في منتهاه(4)، وابنُأُخته قدس سره(5)، والبحرانيُّ قدس سره(6)في المقام.
قال ابنُإدريس قدس سره في شبهات العقد: «فهو أن يعقد الرَّجُل علىٰ ذي مَحرمٍ له من أمٍّ أو بنتٍ أو أُختٍ أو عمَّةٍ أو خالةٍ... وهو جاهلٌ بحالها... فإنَّه يُدرَأ عنه الحدُّ ولم يُحكَم فيه بالزِّنا، لقوله عليه السلام: «ادرَؤوا الحدودَ بالشُّبَهات»(7).
وجوب قضاء الدَّين إلى الحيِّ والميِّت(1).
كلُّ مَن عليه دينٌ وجب عليه قضاؤُه(2).
يجب قضاء الدَّين(3).
المراد من القاعدة واضحٌ، بحيث اشترك فيه جميعُ الملل والنِّحَل، بل الأطفال
والصِّبيان، حيث إنَّهم أيضًا يعلمون أنَّه يجب علىٰ المديون أداءُ دينه بحيث لوتعلَّل فيه مع إمكانه له يُلامُونه عليه!.
يدلُّ علىٰ ثبوت العنوان الأدلَّةُ الأربعة.
فمن الكتاب قوله - تعالى! -: «إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ»(1).
والمراد من الاستشهاد به، جواز الدَّين ووجوب العمل بمقتضاه - لقوله تعالى!:
«فَاكْتُبُوهُ» -؛ فلافرق بين أن يكون المرادُ منه: «تفاعلتم بالدَّين»، أو: «إذا دايَنَ بعضُكم بعضًا»، كما اختار الأوَّلَ الفاضلُ المقداد قدس سره، ثمَّ أخذ علىٰ الزَّمخشريِّ قدس سره في اختياره الثَّاني(2)ولذلك قال الرَّاونديُّ قدس سره: «الآية تدلُّ علىٰ جواز الدَّين لمَن له مالٌ يقضي به، أو مَن يقضي عنه»(3)وقريبٌ منه ما ذكره المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(4)وغيره من مفسِّري الفريقَين، كالشَّيخ قدس سره(5)، والطَّبرسيِّ قدس سره(6)، وسيِّدِنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(7)، وابنِالعربيِّ(8)،
ومن السُّنَّة المطهَّرة رواياتٌ كثيرةٌ وردتْ فيما يرجع إلى الدَّين(4).
وهذه الرِّوايات ليس من الجزاف في القول لو ادَّعىٰ أحدٌ بلوغَها حدَّ التَّواتر المعنويِّ في بعض الفروع.
منها صحيحةُ حَنان بن سَديرٍ عن أبيه عن أبي جعفرٍ عليه السلام: «كلُّ ذَنبٍ يكفِّرُه القتلُ في سبيل اللَّه إلَّاالدَّين لاكفَّارة له إلَّاأداؤه»؛ علىٰ مارواه الكلينيُّ قدس سره(5)، والصَّدوقُ قدس سره في علله(6)، وفقيهه(7)، والشَّيخُ قدس سره(8)، والفيض قدس سره(9)، والحرُّ قدس سره(10)وغيرهم؛
1) . راجع: أحكام القرآن، ج 2 ص 205.
2) . راجع: أحكام القرآن، ج 1 ص 237.
3) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 3 ص 377.
4) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 183.
5) . راجع: الكافي، ج 5 ص 94 الحديث 6.
6) . راجع: عِلل الشَّرائع، ج 2 ص 528 الحديث 4.
7) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 378 الحديث 4333.
8) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 184 الحديث 380.
9) . راجع: الوافي، ج 18 ص 785 الحديث 18288.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 324 الحديث 23771.
بسندٍ عَدَّه المجلسيُّ قدس سره حسنًا موثَّقًا في مرآته(1)، وملاذه(2)، وأبوه قدس سره جعله موثَّقًا(3)لكن لابأس بالسَّند عندنا، والتَّفصيل في بحوثنا في علم الرِّجال.
نعم! في جملةٍ من رواياتٍ وردتْ في تفسير قوله - تعالى! -: «وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً»(4): إنَّ أعمالَ المديون الحسنة تُضافُ إلى أعمال الدَّائن، فيُغفَرُ للمديون إذن(5).
ومن الإجماع(6)فلاإشكال في ثبوت هذا الإجماع علىٰ كون الدَّين مقضيًّا - أي:
يجب أداؤه من قِبَل المديون -؛ وكفاك في ثبوت هذا الإجماع العمليِّ كثرةُ مَن روىٰ من الفقهاء خطبةَ النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله يوم فتح مكَّة، وفيها قال صلى الله عليه و آله: «الدَّين مقضيٌّ»؛ مع أنَّ الخطبة رواها العامَّة - كما عن صاحب الجواهر قدس سره(7)-، كالتِّرمِذيِّ قدس سره(8)،
1) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 54.
2) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 9 ص 489.
3) . راجع: روضة المتَّقين، ج 8 ص 72.
4) . كريمة 23 الفرقان.
5) . إشارةٌ إلى ما رُوِي من أنَّه «... يُؤخَذ للمظلوم من الظَّالم من حسناته بقدر حقِّ المظلوم فيُزاد علىٰ حسنات المظلوم...»؛ راجع: الكافي / الرَّوضة، ج 8 ص 104؛ تفسير البرهان، ج 4 ص 733.
6) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 185.
7) . راجع: جواهر الكلام، ج 27 ص 173.
8) . راجع: السُّنن، ج 4 ص 433 الحديث 2120.
والدَّارقطنيِّ قدس سره(1)، واحمدَ قدس سره(2)، والطَّبرانيِّ قدس سره(3)، وغيرهم؛ منهم الشَّيخُ قدس سره(4)، وابنُالبرَّاج قدس سره(5)، والرَّاونديُّ قدس سره(6)، والعلَّامةُ قدس سره(7)، وابنُفهدٍ قدس سره(8)، والفقيه الطَّباطبائي قدس سره(9)، وغيرهم الكثيرين.
وقد دلَّتْ آياتٌ ورواياتٌ علىٰ أنَّه لومات الدَّائنُ فلابدَّ لوارثه من أداء ديُونه من أصل ترَكَته، كقوله - تعالى! -: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصىٰ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ»(10). ولذلك قال ابنُادريس قدس سره: «يجب أن يُقضىٰ الدَّين عن الميِّت من أصل التَّركة»(11)وعن ابنِزهرة قدس سره: «الدَّين يُخرَج من أصل التَّركة»(12)ومثله ما عن غيرهما ولانحتاج إلى اِكثار الأمثلة من عبائر الفقهاء، لعدم وقوع خلافٍ فيه بينهم.
1) . راجع: السُّنن، ج 3 ص 140 الحديث 166.
2) . راجع: المسند، ج 6 ص 358 الحديث 21791.
3) . راجع: المعجم الكبير، ج 8 ص 160 الحديث 7615.
4) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 49.
5) . راجع: المهذَّب، ج 1 ص 429.
6) . راجع: فقه القرآن، ج 1 ص 388.
7) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 210.
8) . راجع: المهذَّب البارع، ج 2 ص 522.
9) . راجع: رياض المسائل، ج 9 ص 260.
10) . كريمة 12 النِّساء.
11) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 45.
12) راجع: غنيَة النُّزوع، ص 194.
ومن العقل(1)فإنَّ السِّيرة الثَّابتة المستمرَّة بين جميع أهل الملل والنِّحَل تدلُّ علىٰ وجوب أداء الدَّين، بل العقلُ يستقلُّ بهذا الحُكم.
والسِّيرةُ المُشار إليها أيضًا تنشأ من هذا الحكم، كما أنَّ ما حَكَم به الكتابُ والسُّنَّة والإجماعُ أيضًا ينشأ من العقل؛ فتلك الأحكامُ ليس إلَّاإمضاءً له.
وهيهنا تنبيهاتٌ.
عنوانُ القاعدة يشيرُ إلى أنَّها ليستْ من القواعد الفقهيَّة الكلِّيَّة، بل يشير إلى أمرٍ ضروريٍّ بين العقلاء - كما أشرنا إليه -؛
فما عن المحقِّق البجنورديِّ قدس سره(2)من ذِكْر العنوان كقاعدةٍ أوَّلًا؛
ثمَّ ترتيب فروع كتاب الدَّين عليه ثانيًا؛
ليس بسديدٍ قطعًا!. لكنَّا أيضًا نتبَعُهم في هذا فنَذكُر بعض مهمَّات كتاب الدَّين هيهنا تبعًا لهم.
هل يجوز أن يبيعَ الدَّين بأقلَّ منه، سواءٌ كان مؤجَّلًا أو معجَّلًا(3)؟.
الأقوىٰ هو الجواز إن لم يرجع هذا البيعُ إلى الرِّبا وأكلِه، لأنَّه مالُه يضعه حيث
يشاء ويفعل به ما يريد. فالقاعدةُ والسِّيرة تدلَّان علىٰ الجواز.
نعم! في المسألة رواياتٌ تدلُّ علىٰ أنَّه لايجوز بيع الدَّين بأكثر منه؛
منها: خبرُ محمَّد بن الفُضَيل قال: قلت للرِّضا عليه السلام: «رجلٌ اشترىٰ دَينًا علىٰ رجُلٍ ثمَّ ذهب إلى صاحب الدَّين فقال له: ادْفَعْ ما لفُلانٍ عليك فقد اشتريتُهُ منه، قال: يدفَعُ إليه قيمةَ ما دفع إلى صاحبِ الدَّين وبرىءَ عليه المالُ من جميعِ ما بقيَ عليه»؛ كما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، وابنُ أبي جمهورٍ قدس سره(3)، والفيضُ قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5)وغيرهم.
والرِّواية مطروحةٌ بين الأصحاب حيث لم يعمل بها إلَّاالشَّيخ قدس سره في النِّهاية(6)دون سائر كتُبه، وضعيفةٌ دلالةً لأنَّها تخالف القواعدَ الفقهيَّة أيضًا.
ولذلك أوَّلَه العلَّامة قدس سره(7)بعد أن ردَّ علىٰ ابنِإدريس قدس سره في ردِّه علىٰ الشَّيخ قدس سره(8). وانظر إلى ما ذكره المحقِّق قدس سره(9)، والفاضل الآبيُّ قدس سره(10)، وفخر
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 100 الحديث 3.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 191 الحديث 410.
3) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 3 ص 232 الحديث 133.
4) . راجع: الوافي، ج 18 ص 729 الحديث 18185.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 348 الحديث 23820.
6) . راجع: النِّهاية، ص 311.
7) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 371.
8) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 55.
9) . راجع: المختصر النَّافع، ص 136.
10) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 535.
المحقِّقين قدس سره(1)، والفاضل المقداد قدس سره(2)، وابنُقطَّان الحلِّي قدس سره(3)، والبحراني قدس سره(4)وادَّعىٰ صاحبُ غاية المرام قدس سره: «أنَّه لاخلاف في جواز بيع الدَّين بأقلَّ من قيمته مع علم البائع بقيمته»(5).
وضعيفةٌ سندًا، كما ضعَّفها العلَّامةُ المجلسيُّ قدس سره في مرآتِه(6)، وملاذه(7)ومن الغريب قول والدُه العظيم قدس سره في الرَّوضة حيث عدَّها من القويِّ كالصَّحيح(8)، مع اتِّحاد السَّند في جميع المصادر. وخير القول هيهنا قول ثاني الشَّهيدَين 0 حيث قال بعد نقل الخبر: «ضعيفٌ مخالفٌ لأصول المذهب، ولعموم الأدلَّة وإطلاقها من الكتاب والسُّنَّة»(9)كما حكاه عنه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره(10)أيضًا.
التَّنبيه الثَّالث(11):
1) . راجع: ايضاح الفوائد، ج 2 ص 3.
2) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 159.
3) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 415.
4) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 20 ص 159.
5) . راجع: غاية المرام، ج 2 ص 122.
6) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 53.
7) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 9 ص 506.
8) . راجع: روضة المتَّقين، ج 6 ص 232.
9) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 461.
10) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 53.
11) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 190.
قد اشتهر بين الأصحاب - كما عن ابن إدريس قدس سره(1)، والعلَّامة قدس سره(2)، وغيرهما - أنَّه لايصير الدَّين مِلكًا للمديون حتَّى يقبِضَه، كقولهم: «كلُّ مَبيعٍ تلفَ قبلَ قبضِه فهو من مالِ بائِعِه»؛ ونحن قد قدَّمنا القولَ في بطلان تلك القاعدة، كما ونشيرُ الآنَ إلى بطلان هذا القول أيضًا، ضرورةَ أنَّه لوعُيِّن المِلكُ وعُقِد عليه فيحصل الملك بذلك العقد، بيعًا كان أو إجارةً، دَينًا كان أو مضاربةً. مثلًا إذا عيَّن المالَ وقال: هذا لك قرضًا وهو قبله لكنَّه وضع المال عند الدَّائن ليرجع إليه غدًا بالرَّهن فيأخُذَه منه، فتلف ذلك الدَّين، فالتَّلفُ من مال المديون، لا الدَّائن؛
فكذلك إذا أدَّى المديونُ دينَه وعيَّنه ولكن لم يقبِضْه الدَّائنُ فسرقَهُ سارقٌ، فهو من مال الدَّائن.
فحينئذٍ نقول: لوكان هناك إجماعٌ، فهو؛ وإلَّا ففي جميع هذه الموارد إنَّ المِلكيَّة تحتاجُ إلى التَّعيين فقط، لا إلى القبض؛ وسيأتي لذلك زيادةُ توضيحٍ في التَّنبيه الآتي.
قد اشتهر بين الأصحاب قديمًا وحديثًا عدمُ صحَّة القسمة في الدَّين؛ قال العلَّامة: «والقسمة لاتصحُّ في الدَّين، فلوكان لاثنين مالٌ في ذِمَم جماعةٍ ثمَّ تقاسما به، كان ما يحصل لهما وما يتوي منهما»(3)بل قال المحقِّق الآشتيانيُّ قدس سره: «إنَّ المشهور بين الأصحاب بل المحكيِّ عليه الإجماع في كلام جماعةٍ عدمُ جريان القسمة في الدَّين»(4)
وانظر أيضًا: الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت عليهم السلام، ج 3 ص 275.
وعن صاحب الجواهر قدس سره: «لم يصحَّ عند المشهور، نقلًا وتحصيلًا»(1)وانظر أيضًا إلى ما ذكره العلَّامة قدس سره في التَّذكرة(2)، وقواعده(3)أيضًا، وولده الفاضل قدس سره(4)، والشَّهيد قدس سره(5)، وابنُقطَّان الحلِّي قدس سره(6)، وثاني المحقِّقَين 0(7)، والمحقِّق قدس سره(8)، وثاني الشَّهيدَين 0(9)، والمحقِّق البحرانيِّ قدس سره(10).
فالشَّريكان إن انقسما ما شركا فيه فلَهُما مالهُما من النَّقد بالسَّوية والقسمة(11)
وأمَّا الدُّيون فليست قابلةً للقسمة، فلواقتسما الدَّين وحلَّ أجلُه فهو لهما، ولوتلف فالتَّلف عليهما أيضًا، من دون أن يخُصَّ الحاصلُ أو التَّالف بمَن وقع في سهمه؛
كما أنَّ الدَّين لوفات ولم يُمكِن أخذُه فالتَّلف عليهما، لا علىٰ مَن يقبله بالقسمة.
1) . راجع: جواهر الكلام، ج 25 ص 54.
2) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 16 ص 376.
3) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 103.
4) . راجع: ايضاح الفوائد، ج 2 ص 4.
5) . راجع: غاية المُراد، ج 2 ص 175.
6) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 320.
7) . راجع: جامع المقاصد، ج 5 ص 18.
8) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 63.
9) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 460.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 184.
11) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 192.
أقول: القاعدةُ تدلُّ علىٰ الجواز، بل إنَّ القسمةَ في الدَّين كالقسمة في النَّقد من سيرة العقلاء، ولذلك استقرَّتْ سيرتُهُم علىٰ جعْلِ النَّقد لبعض الشُّركاء والدَّين لآخرَ حسب ما يتوافَقُ عليه الشَّريكان.
وبالجملة: إنَّ القاعدة والسِّيرة كلاهما تدلَّان علىٰ الجواز.
واستدلَّ المشهورُ لعدم الجواز برواياتٍ صحيحةٍ سندًا ودلالةً، وهي ما رواه الشَّيخ المحدِّث الحرُّ قدس سره في الباب التَّاسع والعشرين من أبواب كتاب الدَّين(1).
واستشكل المحقِّق المقدَّس الأردبيليُّ في هذه الطَّائفة سندًا ودلالةً، فإنَّه قال بعد أن خالف المشهور في هذا الحكم: «وأدلَّة لزوم الشَّرط تقتضيه، وكذا التَّسلُّط علىٰ مال نفسه وجواز الأكل مع التَّراضي...»(2)
وإشكالُه لا وجه له قطعًا!.
فمنها: صحيحةُ سليمان بن خالدٍ: «قال: سألتُ أباعبداللَّه عليه السلام عن رجلين كان لهما مالٌ بأيديهما ومنه متفرَّقٌ عنهما، فاقتَسَما بالسَّويَّةِ ما كان في أيديهما وما كان غائبًا عنهما، فهلك نصيبُ أحدِهِما ممَّا كان غائبًا واستوفىٰ الآخرُ عليه أن يرُدَّ علىٰ صاحبه، قال: نعم! ما يذهَبُ بمالِهِ»؛ كما رواها الشَّيخ قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4)، والصَّدوق قدس سره(5)
وقد صحَّحها العلَّامة المجلسيُّ قدس سره(1)، والبحرانيُّ قدس سره(2)، والمحقِّق العامِليُّ قدس سره(3)، وغيرهم.
وبالجملة إنَّ النَّصَّ والفتوىٰ تطابقا علىٰ عدم الجواز، فلابد من ردع السِّيرة بهذه الرِّوايات الصِّحاح، وتخصيصِ القاعدة بها.
اشتهر بين الأصحاب أنَّ الدَّارَ من مُستَثنَيات الدَّين(4)، فلوأعسر مِن أداء دَينه ولم يتمكَّن منه ثمَّ لم يكن له إلَّاداره الَّتي يسكن فيها، لايجب عليه أن يبيعها لأداء دَينه؛ بل لايجوز للدَّائن مطالبةُ دَينه حينئذٍ. قال ابنُحمزة الطُّوسي قدس سره: «إن الَتمَس مَن له الدَّين... وكان له مالٌ ظاهرٌ... ما لم يكن المالُ الدَّار الَّتي يسكنها»(5)ومثله ما عن العلَّامة قدس سره في مختَلَفه(6)، وفي نهايته(7)، وثاني الشَّهيدَين 0(8)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(9)، والفاضل الجواد قدس سره(10)، وغيرهم.
1) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 9 ص 548.
2) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 20 ص 171.
3) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 15 ص 81.
4) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 199.
5) . راجع: الوسيلة، ص 273.
6) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 451.
7) . راجع: نهاية الإحكام، ج 2 ص 381.
8) . راجع: حاشيَة شرائع الإسلام، ص 167.
9) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 9 ص 114.
10) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 67.
وتدلُّ علىٰ ذلك - قبل الإجماع الَّذي ادَّعاه جمعٌ، كابن إدريس قدس سره(1)، والعلَّامة قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)- رواياتٌ كثيرةٌ؛
منها: صحيحةُ الحلبيِّ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «لاتُباعُ الدَّارُ ولا الجاريةُ في الدَّين، وذلك أنَّه لابدَّ للرَّجل من ظلٍّ يسكُنُهُ وخادمٍ يخدُمُه»؛ علىٰ ما رواه - مُجملًا، أو مفصَّلًا - والدُ الصَّدوق(4)، والصَّدوقُ 0(5)نفسُه، والكلينيُّ قدس سره(6)، والشَّيخ قدس سره في اِستبصاره(7)، وتهذيبه(8)، والفيض قدس سره(9)، والشَّيخ الحرُّ(10)
ولاريب في صحَّتها، كما صحَّحها الفقيهُ السَّبزواريُّ قدس سره(11)، وإن حسَّنَها العلَّامة المجلسيُّ قدس سره في مرآته(12)، وملاذه(13)، وتردَّد فيه البحرانيُّ قدس سره فقال: «في الصَّحيح أو
1) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 35.
2) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 13 ص 13.
3) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 273 المسألة 17.
4) . راجع: فقه الرِّضا، ص 257.
5) . راجع: عِلل الشَّرائع، ج 2 ص 529 الحديث 1.
6) . راجع: الكافي، ج 5 ص 96 الحديث 3.
7) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 6 الحديث 12.
8) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 186 الحديث 387.
9) . راجع: الوافي، ج 18 ص 791 الحديث 18306.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 339 الحديث 23801.
11) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 4 ص 47.
12) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 47.
13) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 9 ص 494.
الحسن»(1)وعن أوَّل المجلسيَّين 0: «الحسن كالصَّحيح»(2).
ويظهر من عموم العلَّة في الرِّواية أنَّ جميعَ ما يحتاج إليه المرءُ في حياته، يُعدُّ من المُستَثنَيات، من أساس البَيت، والألبسة، والكُتُب، والسيَّارة ونحو ذلك.
نعم! لوكان له دارٌ أوسع ممَّا يحتاج إليه(3)، أو كانت أساسُ بيته أزيدَ ممَّا يحتاج إليه، أو كانت سيَّارتُه غاليَةَ القيمة، فعليه أن يُبدِّل هذه كلَّها بما يرفع حاجته، ثمَّ يؤدِّي ما فَضُلَ من ثمنه إلى دائنيه.
وممَّا ذكرنا ظهر أنَّ ما اشتهر بين الفقهاء من أنَّه لومات فيجب علىٰ الورثة أداء دينه ببيع داره، لأنَّ الدَّار لاتنتقل إلى الورثة - لقوله تعالى!: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصىٰ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ»(4)- لا وجه له أصلًا!، لأنَّ الآية الكريمة خارجةٌ عن نِطاق البحث، والرِّوايات الشَّريفات المُبَيِّنات للمُستَثنَيات حاكمةٌ عليها؛ إذ الورثة كالميِّت حالَ حياته لابدَّ لهم من دارٍ يسكنونها، ومن أساس بيتٍ يستعملونها في حوائجم،... وما إلى ذلك.
ثمَّ إنَّ الحكمَ تكليفيٌّ؟، أو وضعيٌّ؟ - بمعنىٰ أنَّه لو أُجبِر المديونُ علىٰ بيع داره، أو باعها بطيب نفسه ورضاها، فهل البيع هذا صحيحٌ؟ أو فاسدٌ؟ -؛
الأقوىٰ هو الصِّحَّة، إذ روايات الباب لاتدلُّ علىٰ أزيد من ثبوت تكليفٍ عليه - وهو عدم جواز بيع الدَّار لأداء الدَّين -؛ فلاتدلُّ علىٰ بطلان بيعه؛
ولذلك قال المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره: «ويمكن أن لوباع من غير جبرٍ يجوز البيع و يجوز قبض الَّثمن»(1).
ولوشُكَّ في ذلك فالقاعدةُ تقتضي التَّكليف، لا الوضع.
هل قاعدةُ مرِّ الزَّمان تشملُ ما نحن فيه(2)؟ - بمعنىٰ أنَّه لومرَّتْ أزمانٌ متتاليَةٌ علىٰ دَينٍ ولم يؤدِّه فليس عليه أداؤُه بعدها؟ -؛ أم لا؟.
قد اشتهر بين النَّاس أنَّ هذه القاعدة قاعدةٌ شرعيَّةٌ مستفادةٌ منها؛ والصَّحيح أنَّه ليس لها وقْعٌ في الشَّريعة الغرَّاء، كما عن فقهائنا؛ قال البحرانيُّ قدس سره: «المعروف من كلام جلِّ الأصحاب - رضوان اللَّه عليهم! - وبه صرَّح جمعٌ منهم أنَّه لايبطل الحقُّ بتأخير المطالبة وإن طالَت المدَّةُ»(3)ولشارح المفاتيح قدس سره هيهنا كلامٌ يجدر الرُّجوع إليه(4)، وللمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(5)أيضًا.
بل يُوجَد كثيرٌ من رواياتنا يدلُّ علىٰ بطلانها، كجملةٍ من روايات غيبة الدَّائن الَّتي تدلُّ علىٰ بقاء الدَّين في ذمَّته حتَّى ييأَسَ عن الحصول علىٰ صاحبه، فهو إذن للإمام. وإن ذُكِر في بعض الرِّوايات التَّصدُّق به، أو ذُكِر صحَّة التَّصرُّف فيه وجوازُه، فهو إذنٌ آخر منه عليه السلام، لا أنَّ الدَّين سقط عن عهدة المديون.
وفي الباب الثَّاني والعشرين من أبواب الدَّين من جامع الشَّيخ الحرِّ قدس سره(1)رواياتٌ عدَّة تدلُّ علىٰ هذا المعنىٰ؛ فراجِع إليه.
أضِف إلى ذلك حكمَ الاِستصحاب في المقام؛
ويؤيِّد هذا قولُ سيِّدنا الأمير عليه السلام حيث قال: «الحقُّ جديدٌ وإن طالَتْ عليه الأيَّامُ، والباطلُ مخذولٌ وإن نصرَهُ أقوامٌ»؛ كما رواه الحرُّ قدس سره(2)
ونسبه إليه الشَّيخ آل عضصفور البحرانيُّ أيضًا، قال: «وفي نهج البلاغة مرسلًا...» - راجع: الأنوار اللَّوامعَّ، ج 12 ص 351 -؛
وقولهما غريبٌ جدًّا!.
.قال الصَّدوقُ قدس سره في المقنِع: «من ترك دارًا أو عقارًا أو أرضًا في يد غيره فلم يتكلَّم ويطلبْ ولم يخاصِم في ذلك عشرَ سنين، فلاحقَّ له»(3). قال الشَّهيد قدس سره بعد نقله قول الصَّدوق: «السَّندُ ضعيفٌ والقول نادرٌ!»(4)وقريبٌ منه ما عن الفيض بعد نقله إيَّاه(5)لكنَّ المحقِّق البحرانيَّ قدس سره مال إليه، قال: لأنَّ «الطَّعن بضعف الإسناد ليس عندنا بمحلٍّ من الاعتماد»(6).
واستدلَّ العلَّامة قدس سره لقوله هذا في المختلف(1)برواية يونس بن عبدالرَّحمن عن العبد الصَّالح عليه السلام قال: «من ترَك مطالبةَ حقٍّ له عشر سنين فلاحقَّ له»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(5).
ولقائلٍ أن يقول: إنَّ الرِّوايات الماضيَة خارجةٌ عن نِطاق البحث، وهذه الرِّواية الصَّحيحة سندًا والواضحة دلالةً لامُعارض لها؛ فيجوز العمل بها.
ومن اللَّافت للنَّظر أنَّ ذكر «العَشْر» ليس إلَّامن باب المثال، لا تعيين الحدِّ الحقيقيِّ.
هل يجوز الاِستقراض حالَ كون المديون ليس له وعنده ما يقابِلُه، لا قوَّةً ولا فعلًا، فلايمكن له أداؤُه(6)؟؛
وهل يجوز بيعُ ما ليس عنده ثمنُه، لا قوَّةً ولا فعلًا؟؛ وهل يجوز جعْلُ شيءٍ مَهرًا للزوجة وليس لهذا الشَّيء عينٌ ولا أثرٌ عند الزَّوج؟.
حكىٰ الفقيهُ النَّجفيُ قدس سره إنَّ «الظَّاهر من النُّصوص والفتاوىٰ جوازُ الاِقتراض
وإن لم يكن له مقابلٌ وقدرةٌ علىٰ القضاء لوطُولِب»(1)ثمَّ حكىٰ عن أبي الصَّلاح الحلبيِّ قدس سره القولَ بعدم الجواز، واستدلَّ له بموثَّقة سُماعة، وفيها: «لايَسْتَقرِضُ علىٰ ظَهرِه إلَّاوعندَهُ وفاءٌ»؛ كما رواها الكلينيُّ قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5)
وتوثيق السَّند لمكان سُماعَة، كما وثَّقها المجلسيُّ قدس سره(6)وقوَّاها والده(7)، وهي موثَّقةٌ عند شارح المفاتيح قدس سره(8)وغيره أيضًا.
ورُدَّتْ الرِّواية:
بإعراض الأصحاب عنها أوَّلًا؛
وبمعارَضَتِها برواياتٍ كثيرةٍ تُخالِفُها ثانيًا.
منها: صحيحة موسىٰ بن بكرٍ عن موسىٰ بن جعفرٍ عليه السلام: «من طلب الرِّزقَ من حِلِّه فغُلِبَ فليستَقرِض علىٰ اللَّه - تعالى! - وعلىٰ رسوله»؛ فيما رواها الصَّدوق قدس سره(9)، والحرُّ قدس سره(10)، وسيِّدُنا الأستاذ الفقيه البروجرديُّ قدس سره(11)، وغيرهم.
1) . راجع: جواهر الكلام، ج 25 ص 67.
2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 95 الحديث 2.
3) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 184 الحديث 383.
4) . راجع: الوافي، ج 17 ص 139 الحديث 17009.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 321 الحديث 23762.
6) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 47.
7) . راجع: روضة المتَّقين، ج 6 ص 523.
8) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 12 ص 252.
9) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 182 الحديث 3684.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 321 الحديث 23764.
11) . راجع: جامع أحاديث الشِّيعة، ج 23 ص 674 الحديث 33875.
لكن يردُ علىٰ هذين اللَّذَين أوردوهما علىٰ المبنىٰ:
إنَّ هذه الصَّحيحة محكومةٌ بموثَّقة سُماعة، وليست بمعارضةٍ لها أوَّلًا؛
وبأنَّ إدِّعاء إعراض الأصحاب عنها صِرفُ ادِّعاءٍ لاواقع لها أصلًا.
نعم! ذهب بعضُهم إلى الجواز، مدَّعيًا أنَّ الذِّمَّة وسيعٌ؛
وفي هذا الإدِّعاء ما لايخفىٰ، لعدم قبول عرف المتشرِّعة إيَّاه، ولاسيَّما بالنَّظر إلى أنَّ التَّسامح والتَّساهل في حقِّ حقِّ النَّاس مشكلٌ جدًّا!.
فإذن نقول: القولُ بالجواز مع علم المديون بعدم إمكان أداء دَينه مشكلٌ جدًّا.
هل يجوز للدَّائن اشتراطُ الزِّيادة لوأخَّر المديونُ أداءَ الدَّين - وهذا ما يُقال له بالفارسيَّة: «ديركِرد» -؟.
فيه وجهان، بل قولانِ:
من أنَّه يجب علىٰ المديون استردادُ الدَّين، وحيث إنَّه لايردُّه فعليه تداركُ خَسارة الدَّائن وضرره؛
ومن أنَّه يقع الزِّيادة بإزاء التَّأخير، فليس إذن إلَّاالرِّبا - لأنَّ الرِّبا ما يقع بإزاء الزَّمان -.
وهذا هو الأقوىٰ المختار.
والأصحاب وإن لم يبحثوا عن فرض تأخير المديون عن أداء دَينه، لكنَّهم
أجمعوا علىٰ حرمة اشتراط الزِّيادة في القرض؛ وهذا يشمل ما نحن فيه أيضًا. قال العلَّامةُ قدس سره: «القرضُ أفضلُ من الصَّدقة بمثله في الثَّواب، ويحرم اشتراط الزِّيادة في العين أو الصِّفة...»(1)ومثله ما عنه نفسِه في التَّذكرة(2)، وابنِزهرة قدس سره(3)، والمحقِّق قدس سره(4)، والشَّهيد الثَّاني قدس سره(5)، وابنِإدريس قدس سره(6)، والشَّهيد قدس سره(7)، والشَّيخ قدس سره(8)، وصاحب الكفاية قدس سره(9)، وغيرهم.
ويمكن أن يُقال: إن كان التَّأخير لأجل عسرة المديون وعدمِ إمكان أدائه، فليس للدَّائن أخْذُ الزِّيادة منه؛
وإن كان من جهة المُماطَلة في الأداء - الَّتي لافرق بينها وبين الغصب إذن - فللدَّائن إذن أخْذُ الزِّيادة.
وهذا الوجه وجيهٌ أيضًا.
لاإشكال في أنَّ الإجارة لوتمَّتْ فعلىٰ المستأجر ردُّ العَين إلى مالكها؛ وبعبارةٍ
1) . راجع: تلخيص المرام، ص 111.
2) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 13 ص 40.
3) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 239.
4) . راجع: الرَّسائل التِّسع، ص 149.
5) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 444.
6) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 62.
7) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 318.
8) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 161.
9) . راجع: كفاية الفقه، ج 1 ص 528.
أُخرىٰ: يجب علىٰ المستأجر ردُّ العين إلى مالكها بعد انقضاء مدَّة الاستيجار - كما نصَّ عليه العلَّامة قدس سره(1)وغيره -؛
والمماطلةُ في ذلك حرامٌ.
ثمَّ هل يجوز للمستأجر أن يطلب حقًّا عند ردِّ العين إذا كان دُكَّانًا مثلًا؟ - وهذا ما يُقال له: «خُلُوُّ الرِّجلِ»، وبالفارسيَّة: «سرقُفلى» -.
فيه وجوهٌ وأقوالٌ، فقد يُقال بالتَّفصيل بين بقاء مدَّةٍ من زمن الإجارة وبين إتمامه، فيجوز في الأوَّل أخْذُ هذا المال بإزاء هذه المدَّة الباقيَة.
أقول: هذا غير جائزٍ قطعًا!، لأنَّه حيلةٌ صوريَّةٌ، لاسيَّما إذا عُيِّن مالٌ هائلٌ قبالَ مدَّةٍ قليلةٍ.
ومِن قائلٍ بعدم الجواز مطلقًا، لكونه أكلًا للمال بالباطل، لأنَّه يجب علىٰ المستأجر ردُّ العَين إلى الموجر بعد إنقضاء مدَّة الإجارة.
لكن يقع الكلامُ في أنَّ أخذَ العين من المستأجر بلاأداء خُلوِّ الرِّجلِ له يُعدُّ في عصرنا هذا ظلمًا علىٰ المستأجر، لأنَّ العُرف يرىٰ له حقًّا في العين، وهذا الحقُّ دارجٌ رائجٌ بين الملل كلِّها؛ فتشمله قاعدةُ «يجب أداءُ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه».
ولايبعد القول بصحَّته علىٰ ما يراه العرفُ، قلَّةً وكثرةً.
1) . راجع: تذكرة الفقهاء - الطَّبعة الحجريَّة -، ص 329.
كانت موسرةً، ولايجوز مع إعسارها، لأنَّ قضاء الدَّين فيما يفضل عن القُوت...»(1)وانظر إلى ما ذكره ابنُأُخته الفاضل قدس سره في تحريره(2)، وقواعده(3)، والفخرُ قدس سره(4)، وثاني الشَّهيدين 0(5)، والفقيه النَّجفي قدس سره(6)وغيرهم.
قال الشَّيخ قدس سره: «باب قضاء الدَّين عن الميِّت. يجب أن يُقضىٰ الدَّين عن الميِّت...»(7).
قال الشَّهيدُ قدس سره بعد نقل حديثٍ حاكٍ عمَّا فعل اميرالمؤمنين عليه السلام بالمديون الذي لم يكن له ما يفي بدَينه: «وهو يدلُّ علىٰ وجوب التَّكسُّب... ومنعه الشَّيخُ، والأوَّل أقرب»، فقال ثانيهما 0 في الاِستدلال له: «لوجوب قضاء الدَّين»(8).
1) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 295.
2) . راجع: تحرير الأحكام، ج 4 ص 35.
3) . راجع: قواعد الأحكام، ج 3 ص 113.
4) . راجع: ايضاح الفوائد، ج 3 س 283.
5) . راجع: مسالك الأفهام، ج 8 ص 481.
6) . راجع: جواهر الكلام، ج 31 ص 365.
7) . راجع: النِّهاية، ص 308.
8) . راجع: الرَّوضة البَهيَّة - محشّىٰ سلطان العلماء قدس سره -، ج 1 ص 346.
وجوب وفاء العامِلِ بما تعهَّد به(1).
يجب علىٰ كلِّ أحدٍ الوفاءُ بما تعهَّد به(2).
القاعدة تُشيرُ إلى أنَّ مَن تعهَّد بشيءٍ فلابدَّ له من العمل علىٰ مقتضىٰ تعهُّده، وليس له أن يتخلَّف عنه. فمعنىٰ الزَّعيم هيهنا: الضَّامن والكفيلُ؛ والغارمُ أيضًا: جابرُ الخَسارات ومن يؤدِّي الضَّمانات. قال سيِّدنا المرتضىٰ قدس سره بعد أن روىٰ ما سنُشير
إليه من قوله صلى الله عليه و آله: «الزَّعيمُ غارمٌ»: «إنَّما المرادُ به أنَّه يجب ردُّ العارية وغرامة الزَّعيم الَّذي هو الضَّامن»(1)وعن الشَّيخ قدس سره بعد روايته: «يعني: الكفيل»(2).
والضَّمان هيهنا كالشُّروط الإبتدائيَّة يجب الوفاء بها(3)، لقوله - تعالى! -: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(4).
وذلك التَّعهُّد قد يكون في المال الَّذي ليس في ذمَّة المتعهِّد بدوًا؛
أو في حقٍّ كذلك؛ ويُقال لهذا التَّعهُّد في الفقه: الضَّمان.
ولشدَّة اعتناء الأصحاب به قد جعلوه عنوانَ بابٍ وكتابٍ من كتب الفقه وأبوابه.
يدلُّ علىٰ القاعدة الأدلَّة الأربعة.
فمن الكتاب قوله - تعالى! -: «وَ لِمَنْ جٰاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ»(5)، دلَّتْ الكريمةُ علىٰ أنَّ وجوبَ الوفاء بما ضَمِن به يُعدُّ من المفروغ عنه.
1) . راجع: رسائل الشَّريف المرتضىٰ، ج 1 ص 183.
2) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 322.
3) . هذا من مباني شيخنا الأستاذ الخاصَّة به، وإلَّا فالشُّهرة بل الإجماع قائمٌ علىٰ عدم وجوب الوفاء بهذه الشُّروط؛ وانظر: كتاب المكاسب - لشيخنا الأعظم الأنصاريِّ قدس سره -، ج 5 ص 53.
4) . كريمة 1 المائدة.
5) . كريمة 72 يوسف.
هذا هو وجه الاِستشهاد بالكريمة هيهنا. ولايهُمُّنا الخوض في أنَّ المراد منها هو الضَّمان، أو الكفالة، أو غيرهما؛ كما بحث عنه المفسِّرون. فانظر إلى ما ذكره كلٌّ من الشَّيخ قدس سره(1)، والطَّبَرسيِّ قدس سره(2)، وسيِّدنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(3)، والفاضل المقداد قدس سره(4)، والفاضل الجواد قدس سره(5)، والقُرطبيُّ قدس سره(6)، وابن العربيِّ قدس سره(7)، والجصَّاص قدس سره(8)، والكياهراسي قدس سره(9)هيهنا لتقف علىٰ المراد منها.
ومن السُّنَّة ما اشتهر بين المسلمين من قول النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله في حجَّته الوداع:
«الزَّعيم غارمٌ»؛ وقد رواه من العامَّة والخاصَّة جمعٌ.
أمَّا من الخاصَّة فمنهم سيِّدُنا المرتضىٰ قدس سره(10)، والشَّيخ قدس سره(11)، والرَّاونديُّ قدس سره(12)،
1) . راجع: التِّبيان، ج 6 ص 171.
2) . راجع: مجمع البيان، ج 5 ص 386.
3) . راجع: الميزان، ج 11 ص 223.
4) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 65.
5) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 79.
6) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 10 ص 231.
7) . راجع: أحكام القرآن، ج 3 ص 1095.
8) . راجع: أحكام القرآن، ج 4 ص 390.
9) . راجع: أحكام القرآن، ج 4 ص 232.
10) . راجع: الاِنتصار، ص 442.
11) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 317.
12) . راجع: فقه القرآن، ج 1 ص 388.
وابن أبي جمهورٍ قدس سره(1)، والمحدِّثُ النُّوريُّ قدس سره(2)والظَّاهر أنَّه لم يرد في كتبنا الأربعة الرِّوائيَّة؛
أمَّا من العامَّة فمنهم التِّرمِذيُّ قدس سره(3)، وأحمد قدس سره(4)، وابنُماجة قدس سره(5)، والبَيهقيُّ قدس سره(6)، وغيرهم
وقد روىٰ الشَّيخ المحدِّث الحرُّ قدس سره رواياتٍ كثيرة في مطاوي كتاب الضَّمان يدلُّ علىٰ هذا المضمون.
وأمَّا الإجماع، فالمسألة مسلَّمَةٌ عند الأصحاب، حتَّى صنَّفوا لهذه الجملة كتبَ الضَّمان والكفالة والحوالة. فعلىٰ سبيل المثال قال المحقِّق قدس سره في تعريف الضَّمان: «هو عقدٌ شُرع للتَّعهُّد بمالٍ أو نفسٍ»(7)وانظر إلى ما ذكره الفاضل الآبيُّ قدس سره(8)، وفخر المحقِّقين قدس سره(9)، والفاضل المقداد قدس سره(10)، وابنُفهدٍ قدس سره(11)، وثاني المحقِّقَين 0(12)هيهنا،
1) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 1 ص 310 الحديث 21.
2) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 13 ص 393 الحديث 15698.
3) . راجع: سنن التِّرمِذي، ج 3 ص 565 الحديث 1265.
4) . راجع: مسند أحمد، ج 5 ص 267.
5) . راجع: سنن ابن ماجة، ج 2 ص 824 الحديث 2405.
6) . راجع: السُّنَن الكبرىٰ، ج 6 ص 72.
7) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 88.
8) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 556.
9) . راجع: ايضاح الفوائد، ج 2 ص 80.
10) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 183.
11) . راجع: المهذِّب البارع، ج 2 ص 521.
12) . راجع: جامع المقاصد، ج 5 ص 308.
فإنَّه مليءٌ بالفوائد في المقام.
وأمَّا العقل، فسيرة العقلاء - الَّتي ترجع الأدلَّة الثَّلاثة الماضيَة إليها - تدلُّ علىٰ دلالته علىٰ القاعدة، وأنَّها من البديهيَّات، حيث إنَّ مَن تعهَّد بشيءٍ فيجب عليه العملُ طبق تعهُّده، بحيث لوخالَفَه يلامُه العقلاء، بل يستحقُّ العقوبةَ وعلىٰ الحاكم أن يُشدِّدَه علىٰ العمل به.
وهيهنا تنبيهٌ.
هذا ما يرتبط بهذه القاعدة الشَّريفة؛ أمَّا البحث هيهنا عن الضَّمان والكفالة والحوالة، فليس إلَّامن باب الخروج عن الموضوع - كما فعَلَه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(1)-، فالصَّفحُ عن هذه المباحث في هذا الموضع أجدرُ وأولىٰ.
والتَّفصيل حول هذه الأبواب يأتي في دراساتنا الفقهيَّة - بإذن اللَّه وعونه! -.
قال العلَّامةُ قدس سره: «للشَّيخ قولانِ في ضَمان المجهول: أحدهما الصِّحَّة... وقال الشَّيخُ قدس سره في المبسوط:... لايصحُّ... والمعتَمَد الأوَّلُ. لنا:... قوله صلى الله عليه و آله: الزَّعيم غارمٌ»(1).
قال السَّيِّد الفقيه اليزديُّ قدس سره: «لايُشتَرَط في صحَّة الضَّمان العلمُ بمقدار الدَّين ولابجنسه، ويمكن أن يُستدَلَّ عليه مضافًا إلى العمومات العامَّة وقوله صلى الله عليه و آله: الزَّعيم غارمٌ، بضمان...»(2). وانظر أيضًا إلى ما ذكره شُرَّاح عبارته، كالسَّيِّد الفقيه الخوئيِّ قدس سره(3)، والسَّيِّد السَّبزواريِّ قدس سره(4)، وغيرهم(5)
راجع: مدارك العُروة، ج 28 ص 386.
.كلُّ ما يُشترىٰ عن المسلمين أو من سوقِهم فلايُسئَلُ عن طهارتِهِ وتذكيته(1).
المراد من القاعدة: إنَّ المعاملات الَّتي تقَعُ بين النَّاس لوشُكَّ فيها من حيث ملكيَّة البائع علىٰ المبيع، أو حلِّيَّته، أو طهارته، هل يُحكَم بصحَّة المعاملة - نظرًا إلى كون المبيع مِلكًا لمن يبيعه، وإلى كونه حلًّا، وطاهرًا -؟، أو لايُحكَم بهذا؟.
ف «السُّوق» في العنوان لاموضوعيَّة له أصلًا - كما أشار إليه الفقيه المحقِّق
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ الفقيه الكاشانيُّ قدس سره؛ راجع: مستصقىٰ مدارك القواعد، ص 119.
الميلانيُّ قدس سره(1)، وسيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره(2)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيُّ قدس سره(3)، والفقيه السَّبزواريُّ قدس سره(4)، وغيرهم -؛
بل جيء به من باب الغلبة - حيث إنَّ أكثر المعاملات يقع فيه -، أو من باب ذكر المصداق.
لاشكَّ في أنَّ النَّاس من جميع المِلَل والنِّحَل في جميع معامَلاتهم لايلتفِتُون إلى شكوكٍ واحتمالاتٍ تجري في صحَّة المعاملة، بل يحكمون بصحَّتها؛ فبصرف وقوعها يحكمون بتمليك المبيع للمشتري وتمليك البائع للثَّمن، فالمسلم إذا أخذ من مسلمٍ بالمعاملة ما يحتاج إلى الطَّهارة أو التَّذكيَة يحكم بطهارة هذا الشَّيء، وكونه مذكّىً؛
وترتُّب هذه الأحكام علىٰ المبيع ليس من جهة أنَّه مسلمٌ، بل من جهة أنَّه فردٌ من النَّاس تابعٌ للقواعد العامَّة الَّتي تجري بين النَّاس بأجمَعِهم، مُسلِمًا كان أو غير مسلمٍ. وكذلك فيما يشتري المسلمُ شيئًا عن غير المسلم؛ فبما أنَّ غير المُسلِم لايبالي بحُكمَي الطَّهارة والتَّذكيَة وغيرهما من الأحكام المشروعة في الشَّريعة الإسلاميَّة، فلايمكن أن يكون المبيع محكومًا بالطَّهارة والتَّذكيَة الواقعيَّة، لكنَّه بتَرَتُّب حكمِ المِلكيَّة عليه يصير محكومًا بالطَّهارة والتَّذكيَة - كما عن السَّيِّد الأصفهانيِّ قدس سره في
وسيلته(1)، وسيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره في حواشيه عليه(2)ولبعض معاصرينا كلامٌ هيهنا لايخلو عن دقَّةٍ، فراجع إليه(3)-.
فظهر أنَّ قضيَّة السَّوق لاتختصُّ بسوق المسلمين ولاتنحصر فيه، بل هي عامَّةٌ تجري في سوق الكفَّار أيضًا.
فإذن لنا أن نقول: إنَّ قضيَّة السُّوق سيرةٌ قطعيَّةٌ عُقلائيَّةٌ ليست فيها شبهةٌ ولا إبهامٌ أصلًا.
قد وردَتْ في المسألة رواياتٌ كثيرةٌ تربُوا علىٰ المأة، ضبطها الشَّيخ صاحب الوسائل قدس سره في أبوابٍ مختلفةٍ من كتابه. وحيث أشرنا إلى أنَّ مسألة السُّوق لا تعبُّد فيها، فلامحالة أنَّ الرِّوايات كلَّها إرشادٌ إلى حكم العقل وإمضاءٌ له؛
فإذن لاإطلاق ولاتقييد ولاخصوصيَّة فيها، بل هي تابعةٌ لما يُرشِد إليه العقلُ والسِّيرة القطعيَّة؛ فلانحتاج إلى الإكثار من ذكر الرِّوايات والقيل والقال فيها.
نعم! تبَعًا للقوم نذكر جملةً منها علىٰ سبيل الاِختصار، تيمُّنًا وتبرُّكًا: فمنها:
فمنها: مارواه الحلبيُّ، قال: «سألتُ أبا عبداللَّه الصَّادق عليه السلام عن الخِفاف الَّتي تُباعُ في السُّوق؟ فقال: اشتَرِ وصَلِّ فيها حتَّى تعلم أنَّه ميِّتٌ بعينه».
وقد رواه الشَّيخ قدس سره(1)، والفيض قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3)وقد صحَّحه المجلسيُّ قدس سره(4)، وثاني المحقِّقين 0(5)، والوحيد الفريد قدس سره(6)، والمحقِّق القمِّي قدس سره(7)، وسيِّدُنا الأستاذ البروجرديُّ قدس سره(8)، وغيرهم.
ومنها: ما رواه أبي نصرٍ عن الرِّضا عليه السلام قال: «سألتُه عن الخَفَّاف يأتي السُّوق فيشتري الخُفَّ لايدري أ ذكيٌّ هو؟ أم لا؟!، ما تقول في الصَّلاة فيه وهو لايدري، أ يُصلّىٰ فيه؟، قال عليه السلام: نعم! أنا أشتري الخُفَّ من السُّوق وصُنِع لي وأُصلِّي فيه وليس عليكم المسألةَ»؛
فيما رواه الشَّيخ قدس سره(9)، والفيض قدس سره(10)، والحرُّ قدس سره(11)وسنده صحيحٌ، كما صحَّحه الفقيه النَّجفيُّ قدس سره(12)، والسَّيِّد الحكيم قدس سره(13)، والفقيه الخوانساريُّ قدس سره(14)، والفقيه
1) . راجع: التَّهذيب، ج 2 ص 234 الحديث 920.
2) . راجع: الوافي، ج 7 ص 418 الحديث 6236.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 4 ص 427 الحديث 5612.
4) . راجع: ملاذُ الأخيار، ج 4 ص 254.
5) . راجع: جامع المقاصد، ج 2 ص 112.
6) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 6 ص 272.
7) . راجع: مناهج الأحكام، ص 136.
8) . راجع: نهاية التَّقرير، ج 1 ص 297.
9) . راجع: التَّهذيب، ج 2 ص 371 الحديث 1545.
10) . راجع: الوافي، ج 7 ص 421 الحديث 6247.
11) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 3 ص 492 الحديث 4265.
12) . راجع: جواهر الكلام، ج 36 ص 138.
13) . راجع: مستمسك العروة، ج 1 ص 581.
14) . راجع: جامع المدارك، ج 5 ص 130.
الخوئيُّ قدس سره(1)، وغيرهم، كما وقد صحَّحه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره(2)أيضًا، بل لم أجد مَن تكلَّم فيه بشيءٍ غير الصِّحَّة مطلقًا
ومنها: رواية الحسن بن الجَهْم قال: «قلتُ لأبي الحسن عليه السلام: أعتَرِضُ السُّوقَ فأشتري خُفًّا لا أدري أ ذكيٌّ هو أم لا؟، قال: صلِّ فيه!، قلت: فالنَّعلُ؟، قال عليه السلام مثل ذلك، قلت: إنِّي أُضَيِّقُ من هذا!، قال: أ ترغبُ عمَّا كان أبوالحسن عليه السلام يفعله؟!»؛
علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والفيض قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)وسند الحديث وإن كان ضعيفًا - كما ضعَّفه المجلسيُّ قدس سره في ملاذه(7)، وأضاف إلى ضعفِه الإرسالَ أيضًا في مرآته(8)، كالمحقِّق النَّجفيِّ قدس سره الَّذي أشار إلى إرساله(9)، بل لم أجِد من صحَّحه مطلقًا -، إلَّاأنَّ تقارب مضمونه ممَّا مضىٰ قبلَه أعلاه يُشير إلى
1) . راجع: التَّنقيح / الطَّهارة، ص 462.
2) . راجع: ملاذُ الأخيار، ج 4 ص 605.
3) . راجع: الكافي، ج 3 ص 404 الحديث 31.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 2 ص 234 الحديث 921.
5) . راجع: الوافي، ج 7 ص 419 الحديث 6240.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 3 ص 493 الحديث 4268.
7) . راجع: ملاذُ الأخيار، ج 4 ص 255.
8) . راجع: مرآة العُقول، ج 15 ص 322.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 8 ص 53.
صحَّة الاعتماد عليه.
ولانحتاج إلى الاِكثار من روايات الباب مع كثرتها بعد الإشارة إلى أنَّه لاتعبُّد في المسألة أصلًا؛ فنكتفي بهذا القدر.
ويُستَدلُّ للقاعدة بالسِّيرة أيضًا(1)، حيث استقرَّتْ سيرةُ العقلاء - ومنهم المسلمين - علىٰ الاعتماد بالأسواق؛ قال السَّيِّد المحقِّق الخوئيُّ قدس سره: «إنَّ اعتبار السُّوق هو الَّذي جرَتْ عليه سيرةُ المسلمين، لأنَّه لم يُعهَد منهم السُّؤال عن كفر البائع وإسلامه في شيءٍ من أسواقهم»(2)وقد أشار إليه السَّيِّد شُبَّر الحسينيُّ قدس سره(3)، وغيرهم(4)
راجع: ماوراء الفقه، ج 3 ص 369.
.واستُدِلَّ بالإجماع علىٰ حجِّيَّة السُّوق أيضًا؛
ولااعتبار به بعد هذا الكمِّ الهائل من روايات الباب، ولم أجد من حكاه غير المحقِّق البجنورديِّ قدس سره(5)، وشيخ الشَّريعة الأصفهانيِّ قدس سره(6). وعن المحقِّق الكاشانيِّ قدس سره
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 155.
2) . راجع: التَّنقيح / الطَّهارة، ج 2 ص 538.
3) . راجع: العمل الأبقىٰ، ج 1 ص 280.
4) . أقول: كبعض كبار معاصرينا، منهم السَّيِّد الشَّهيد الصَّدر الثَّاني قدس سره؛
5) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 4 ص 156.
6) . راجع: إفاضة القدير في أحكام العصير، ص 121.
بعد نقل عنوان القاعدة: «هذا ممَّا لاخلاف فيه، بل لعلَّه ضروريٌّ، كما يشهد به سيرة المسلمين في جميع الأعصار والأمصار»(1)وعن المحقِّق الخراساني بعد ذكر المسالة:
«لاأعرف فيه خلافًا بين الأصحاب»(2).
نعم! يمكن تحصيل الشُّهرة العظيمة علىٰ حجِّيَّة السُّوق بالنَّظر إلى نصوص أعلام الفقهاء، كالشَّيخ قدس سره(3)، وابن إدريس قدس سره(4)، والمحقِّق قدس سره(5)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(6)، وإرشاده(7)، والشَّهيد قدس سره(8)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(9)، والمحقِّق البهائيِّ قدس سره(10)، والبحرانيِّ قدس سره(11)، وغيرهم.
وهيهنا نكتٌ هامَّةٌ نأتي بها في تنبيهاتٍ.
1) . راجع: مستقصىٰ مدارك القواعد، ص 119.
2) . راجع: كفاية الأحكام، ج 2 ص 590.
3) . راجع: النِّهاية، ص 582.
4) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 108.
5) . راجع: نُكت النِّهاية، ج 3 ص 89.
6) . راجع: تحرير الأحكام، ج 4 ص 626.
7) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 2 ص 108.
8) . راجع: غاية المُراد، ج 3 ص 516.
9) . راجع: مجمع الفائدة والبُرهان، ج 11 ص 123.
10) . راجع: الحَبل المَتين، ص 180.
11) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 5 ص 416.
هل الظُّنون الشَّخصيَّة الَّتي تدلُّ علىٰ ما تُنافيه قاعدةُ السُّوق حجَّةٌ؟، أم ليست بحجَّةٍ؟.
المختارُ أنَّها ليست بحجَّةٍ، لأنَّ تلك الظُّنون كلَّها بمنزلة الشَّكِّ، والشَّكُّ كالظُّنون غير الحجَّة لااِعتبار به أصلًا إلَّاما أخرجه الدَّليل - كالظُّنون النَّوعيَّة، كالأمارات مثلًا -. فمن يظُنُّ بالحيوانات المعروضة في السُّوق للبيعِ أنَّها غير مذكَّاةٍ، أو غير قابلةٍ للتَّذكيَة، أو غير قابلةٍ للبيع أصلًا، أو يظنُّ أنَّ الخُبز والجُبن المعروضين أيضًا نجسان، أو أنَّهما ليسا مملوكًا لبايعهما و... ليس هذه كلُّها إلَّاظنونًا مطروحةً لا اِعتبار لها في قِبال حجِّيَّة قاعدة السُّوق؛ إذ القاعدةُ هذه مقدَّمَةٌ علىٰ تلك الظُّنون ولوكانت حاصلةً من قول بعض النَّاس.
وذلك لاِختلال النِّظام بالشَّكِّ في حجِّيَّة القاعدة؛ ولذلك قد رُوِي عن مولانا الصَّادق عليه السلام أنَّه قال: «لو لم يجُزْ هذا لم يقم للمسلمين سوقٌ»؛ علىٰ ما رواه الشَّيخ الحرُّ قدس سره(1)، والكلينيُّ قدس سره(2)
وقريبٌ منه جدًّا ما رواه الصَّدوق قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والفيض قدس سره(5).
نعم! لاريب في ضعف سنده، كما نصَّ عليه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره في ملاذه(1)، ومرآته(2)لكن كثرة اعتماد الفقهاء عليه ونقلِهِم له يدلُّ علىٰ تصحيحه عندهم ولوبطريق القدماء، فمن الَّذين رووه ابنُسعيدٍ الحلِّي قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره(4)، وولده العظيم قدس سره(5)، وثاني الشَّهيدَين 0(6)، وصاحب الجواهر قدس سره(7)، وغيرهم.
أُختُلِف في أنَّ السُّوق أمارةٌ؟، أو أصلٌ؟؛ وبناءً علىٰ كونه أصلًا، فهل هو أصلٌ مُحرِزٌ وتنزيليٌّ؟، أو هو من الأصول الَّتي لاتنزيل فيها ولا إحراز للواقع تعبُّدًا؟.
فيه وجوهٌ، بل أقوالٌ.
والأقوىٰ هو كونه أمارةً، لمكان كشفه الناقص عن الواقع، ثمَّ إنَّ العقلاء يُتَمِّمون هذا الكشف النَّاقص ببِنائهم عليه - كما في حجِّيَّة الظَّواهر وخبر الثَّقة أو الخبر الثِّقة -، ثمَّ إنَّ الشَّارع قد أمضىٰ بنائَهم هذا بالعمل به وبتثبيته قولًا، فإمضائه إيَّاه يشمُلُ القولَ والعملَ معًا؛
وقد أشرنا في هذا الكتاب وفي علم الأصول مرارًا إلى أنَّ الفرقَ بين الأصل
والأمارة: أنَّ الأصل يُعَيِّن الوظيفة في ظرف الشَّكِّ، أمَّا الأمارة فتُتَمِّمُ الكشفَ؛
وحيث إنَّ الكشف هيهنا ناقصٌ وتتميمه ببِناء العقلاء أوَّلًا، ثمَّ بإمضاء الشَّارع ثانيًا؛ فهو أمارةٌ إذن(1).
لاإشكال في تقدُّم هذه القاعدة علىٰ الأصول كلِّها، حتَّى علىٰ الاِستصحاب ولوقلنا بكونها أصلًا عمَليًّا، لاأمارةً كاشفةً عن الواقع، لحكومتها علىٰ القواعد ونظارتها علىٰ الأصول بأجمعها.
وقد وردَتْ رواياتٌ كثيرةٌ تدلُّ علىٰ تقدُّم قاعدة السُّوق علىٰ جميع الأصول، كأصل عدم التَّذكيَة الجاري في ما يُشكُّ في تذكيَته، فهذه الرِّوايات تدلُّ علىٰ تذكيَة ما شُكَّ في تذكيته - كاللُّحوم والجُلُود -؛ فبها يُحرَزُ أنَّها مذكَّاةٌ، وأنَّها حلالٌ، وأنَّها طاهرةٌ، فيجوز أكلُها ولَبسُها فيما يُشتَرَط فيه الطَّهارة والتَّذكيَة، كالصَّلوة.
أمَّا لوتعارضَتْها أمارةٌ أُخرىٰ:
فلوكانت بيِّنةً، فلاإشكال في تقدُّمها علىٰ قاعدة السُّوق، لأظهريَّة البيِّنة وأقوائيَّتها بالنِّسبة إليها؛ بل روايات باب القضاء والشَّهادات تدلُّ علىٰ تقدُّم البيِّنة علىٰ هذه القواعد الفقهيَّة،
فيمكن أن يُقال بورودها عليها، لانتفاء موضوع هذه القواعد بورود البيِّنة تعبُّدًا.
وأمَّا لوكانت مثل خبر الثِّقة أو الخبر الثِّقة:
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ -، ج 4 ص 155.
فلوقلنا بحجِّيَّة البيِّنة في الموضوعات وحاجة الموضوعات إليها - كما هو المشهور -، فهذه القواعد تُقَدَّم عليها، لكون الموضوع حينئذٍ بمنزلة المشكوك، فتُقَدَّمُ القواعد عليه.
وأمَّا لوقلنا بإثبات الموضوعات كالأحكام بخبر الثِّقة - كما قوَّيناه في الأصول - ، فتَتَعارَضان إذن، لعدم تقدُّم إحداهما علىٰ الأخرى بلاريبٍ.
لاإشكال في إمكان الجمع بين قاعِدَتَي السُّوق واليد من باب العامِّ والخاصِّ المورديِّ، فكلُّ موردٍ وردَتْ فيه قاعدةُ السُّوق فقاعدة اليد أيضًا تكون فيه محكَمَةٌ.
وأمَّا في كثيرٍ من الموارد، فلاتجري قاعدةُ السُّوق مع جريان اليد فيه؛ فحينئذٍ لانزاع في حجِّيَّة اليد هناك مستغنيًا بها عن السُّوق.
فلقائلٍ أن يقول: في هذه الموارد لاتفاوت جوهريًّا بين القاعدتين، فقاعدةُ السُّوق في هذه الموارد هي نفس قاعدة اليد، من غير تفاوتٍ بينهما.
وانظر أيضًا إلى ما ذكره السَّيِّد الحكيمُ قدس سره(2)، والفقيه الآمليُّ قدس سره(3)، والسَّيِّد شُبَّر
الحسينيُّ قدس سره(1)، والبيارجمنديُّ قدس سره(2)، والفقيه الحلِّيُّ قدس سره(3)، والشَّيخ الحائريُّ قدس سره(4)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيُّ قدس سره(5)، والسَّيِّد السَّبزواريُّ قدس سره(6)، وغيرهم(7)
راجع: بحوثٌ في شرح العُروة الوثقىٰ، ج 3 ص 131؛
والفقيه التَّبريزيُّ قدس سره؛
راجع: تنقيح مباني العُروة / كتاب الطَّهارة، ج 2 ص 98؛
والشَّيخ الإشتهارديُّ قدس سره؛
راجع: مدارك العُروة، ج 2 ص 412.
بشأن العبارة.وانظر إلى شُرَّاح العبارة أو المُعَلِّقين عليها، كثاني الشَّهيدَين 0(9)، وفي مسالكه(10)، وصاحب المدارك قدس سره(11)، و غيرهما أيضًا.
1) . راجع: العمل الأبقىٰ، ج 1 ص 279.
2) . راجع: مدارك العروة، ج 2 ص 99.
3) . راجع: دليل العُروة، ج 1 ص 362.
4) . راجع: شرح العُروة الوثقىٰ، ج 1 ص 414.
5) . راجع: التَّنقيح / الطَّهارة، ج 1 ص 536.
6) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 1 ص 323.
7) . أقول: كبعض كبار معاصرينا الأجلَّاء، منهم: السَّيِّد الشَّهيد الصَّدر قدس سره؛
8) . راجع: شرائع الإسلام، ج 1 ص 104.
9) . راجع: حاشيَة شرائع الإسلام، ص 119.
10) . راجع: مسالك الأفهام، ج 1 ص 285.
11) . راجع: مدارك الأحكام، ج 4 ص 213.
وانظر إلى ما ذكره كاشف اللِّثام قدس سره(2)، والشَّيخ احمد آل كاشف الغطاء قدس سره(3)، وغيرهم(4)
راجع: فقه الصَّادق، ج 24 ص 61.
.إذا شرط في العقد ما يخالف المشروع، فسد الشَّرط دون العقد والمهر(1).
كلُّ ما يُذكَر في متن العقد من الشُّروط السائغة... لازمٌ... ولوفسد الشَّرط فسد العقد(2).
الشَّرط الفاسد ليس بمُفسدٍ للعقد(3).
إنَّ الشَّرط الفاسد مُفسِدٌ للعقد(1).
المشهور بين قدماء الأصحاب: أنَّ الشَّرط الفاسد لايُفسِد العقدَ الَّذي وقع فيه وفي ضمنه؛ كما يُتراءىٰ ذلك من الشَّيخ قدس سره(2)، وفي نهايته(3)، ومبسوطه(4)، والسَّبزواريِّ القمِّيِّ قدس سره(5)، وابن إدريس قدس سره(6)، وحُكي هذا القولَ عن الإسكافيِّ قدس سره، وابن البرَّاج قدس سره أيضًا(7)، وصاحب المدارك قدس سره(8)، والشَّهيد قدس سره(9)وهذا مختار المحقِّق البحرانيِّ قدس سره(10)، وحكاه(11)عن بعض معاصريه أيضًا، وصاحب الجواهر قدس سره(12)، والمحقِّق الخوئي قدس سره(13)أيضًا.
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق المراغيُّ قدس سره؛ راجع: العناوين، ج 2 ص 361.
2) . راجع: الرَّسائل العشر، ص 309.
3) . راجع: نُكت النِّهاية، ج 2 ص 284.
4) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 149.
5) . راجع: جامع الخلاف والوفاق، ص 254.
6) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 469.
7) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 6 ص 154.
8) . راجع: نهاية المَرام، ج 1 ص 369.
9) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 216.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 566 ثمَّ ج 24 ص 529.
11) . راجع: الدُّرَر النَّجفيَّة، ج 3 ص 206.
12) . راجع: جواهر الكلام، ج 30 ص 126.
13) . راجع: حواشي العُروة الوثقىٰ، ج 5 ص 158.
فمَن اشترط الزِّيادة في القرض فالشَّرط وإن كان ربويًّا و حرامًا وفاسدًا فلايجب الوفاء به، لكنَّ عقد الاستقراض صحيحٌ لافساد فيه، فيلزم الوفاء به، ويجوز للمستقرِض أن يتصرَّف في المال الَّذي استقرضه.
واشتهر بين المُتَأخِّرين(1): أنَّ الشرط الفاسد يُفسِد العقد الَّذي وقع في ضمنه؛ كما عن الفاضل الآبي قدس سره(2)، والفاضل المقداد قدس سره(3)، والمحقِّق الثَّاني 0(4)، والشَّهيد الثَّاني 0(5)، والأردبيليِّ قدس سره(6)ونُسِب إلى العلَّامة قدس سره أيضًا(7). ففي المثال كما أنَّ الشَّرط فاسدٌ حرامٌ، أنَّ نفس العقد أيضًا يصير فاسدًا، فالعقد غير صحيحٍ؛ فإذن لاينتقل مورد العقد إلى المستقرض.
وميل أكثر العامة إلى قول القدماء، كما عن الزَّرقانيِّ قدس سره(8)، والعَينيِّ قدس سره(9)، والرَّمليِّ قدس سره(10)، وابن المُرتضىٰ قدس سره(11)، وابن قُدامة قدس سره(12)، وغيرهم.
1) . هيهنا أقوالٌ أُخر أيضًا، وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 189.
2) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 468.
3) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 263.
4) . راجع: جامع المقاصد، ج 5 ص 232.
5) . راجع: مسالك الأفهام، ج 7 ص 113.
6) . راجع: مجمع الفائدة والبُرهان، ج 9 ص 536.
7) . راجع: المهذَّب البارع، ج 3 ص 23.
8) . راجع: شرح الموطَّأ، ج 4 ص 325.
9) . راجع: البِناية في شرح الهداية، ج 7 ص 654.
10) . راجع: نهاية المحتاج، ج 5 ص 228.
11) . راجع: البحر الزَّخَّار، ج 4 ص 89.
12) . راجع: المغني، ج 5 ص 188.
استدلَّ القدماءُ علىٰ صحَّة العقد وفساد الشَّرط بأمورٍ:
منها: أنَّ عمومات الباب كقوله - جلَّ وعزَّ! -: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(1)
وقد ذكرنا شيئًا عمَّا يرتبط بالآية الكريمة فقهيًّا في بيان قاعدة المؤمنون عند شروطهم؛ فراجع إليه إن شئتَ.
تدلُّ علىٰ صحَّة العقد بعد كونه عقدًا عرفًا، ولاتخصيص في هذه العمومات حتَّى تُخَصَّص بالعقد الصَّحيح الَّذي لايشمل علىٰ شرطٍ فاسدٍ.فانظر في المقام إلى ما ذكره الشَّيخ قدس سره(2)، وابنُ إدريس قدس سره(3)، والقمُّي السبزواريُّ قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره في تذكرته(5)، ومختلَفه(6)، والشَّهيد الأوَّل 0(7)،
والفاضل المقداد قدس سره(1)، وابنُفهدٍ الحلِّي قدس سره(2)، وثاني المحقِّقَين 0(3)، وثاني الشَّهيدَين 0(4)، وصاحب المدارك قدس سره(5)، وكاشف اللِّثام قدس سره(6)، وصاحب الحدائق قدس سره(7)، والفقيه العامِليُّ قدس سره(8)، وصاحب الجواهر قدس سره(9)، وغيرهم؛ حتَّى يتَّضح لك أقوالُهم في هذا الاِستدلال.
واستدلَّ ابنُزهرةَ قدس سره علىٰ مختاره بالإجماع أيضًا(10)، ولامجال له بعد كثرة الأدلَّة في المقام(11)- وقد أشرنا إلى طائفةٍ منها -، بعد غضِّ النَّظر عن إجماعاته وما فيها!.
واستُدِلَّ بالدَّور أيضًا؛
1) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 73.
2) . راجع: المهذَّب البارع، ج 3 ص 55.
3) . راجع: جامع المقاصد، ج 8 ص 55.
4) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 364.
5) . راجع: نهاية المَرام، ج 2 ص 301.
6) . راجع: كشف اللِّثام، ج 7 ص 93.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 414.
8) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 16 ص 654.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 30 ص 125.
10) . راجع: غُنيَة النُّزوع، ص 286.
11) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 194.
لأنَّ صحَّة الشَّرط تتوقَّف علىٰ صحَّة العقد - لأنَّ العقد لوكان فاسدًا، فالشَّرط كلاشرطٍ أصلًا، لأنَّه شرطٌ إبتدائيٌّ وليس بصحيحٍ -، فلوتوقَّفتْ صحَّةُ العقد أيضًا علىٰ صحَّة الشَّرط لدارَ، وهو باطلٌ قطعًا. وهذا ما عبَّر عنه فخر المحقِّقين قدس سره بقوله:
«لأنَّ الموجب لثبوت الشَّرط العقدُ، فلوكان الشَّرط شرطًا في صحَّته لزم الدَّورُ!»(1)وانظر إلى ما ذكره المقداد قدس سره(2)، وابنُفهدٍ الحلِّي قدس سره(3)، والصَّيمُريُّ قدس سره(4)، والشَّهيد الثَّاني 0(5)، والأردبيليُّ قدس سره(6)، وصاحب الحدائق قدس سره(7)، والفقيه النَّجفيُّ قدس سره(8)، والفقيه العامِليُّ قدس سره(9)، والطَّباطبائيُّ قدس سره(10)، والشَّيخ عليٌّ آل كاشف الغطاء قدس سره(11)، وغيرهم الكثيرين ليتَّضح لك مدىٰ صحَّة قولهم هذا.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّ الشَّرط الإبتدائيَّ صحيحٌ - ويأتي الكلامُ فيه إن شاء اللَّهُ! -.
1) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 3 ص 207.
2) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 3 ص 244.
3) . راجع: المقتصَر، ص 175.
4) . راجع: غاية المَرام، ج 2 ص 65.
5) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 255.
6) . راجع: مجمع الفائدة والبُرهان، ج 8 ص 324.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 128.
8) . راجع: جواهر الكلام، ج 23 ص 215.
9) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 14 ص 731.
10) . راجع: رياض المسائل، ج 8 ص 375.
11) . راجع: شرح خيارات اللُّمعة، ص 236.
وثانيًا: إنَّ هذا الدَّور - وما يماثِلُه - ليس بباطلٍ!، لأنَّه معيٌّ، والدَّور في الوجود ومراتبه باطلٌ قطعًا، لا فيما يرجع إلى الاعتبار، والدورات المذكورة في عِلمَي الفقه وأصوله ليست إلَّادورات صوريَّةٌ اِعتباريَّةٌ معيَّةٌ، وليست بفاسدةٍ أصلًا، كلِبنَين مُتلاقِيَين.
واستُدِلَّ برواياتٍ، وهذا هو العمدةُ في الباب وإن كانتْ الرِّوايات عندنا بأجمعها إرشاديَّةً إمضائيَّةً.
وكيف كان فإنَّها كثيرةٌ:
منها: قضيَّة بُرَيرَة الَّتي رواها أعلامٌ من الخاصَّة والعامَّة بأسانيد صحيحةٍ، مختصرةً ومطوَّلةً؛
فمن الخاصَّة: كالحِميَريِّ قدس سره(1)، والشَّيخ الكلينيِّ قدس سره(2)، وابن أشعث الكوفيِّ قدس سره(3)، والقاضي نعمان قدس سره(4)، والصَّدوق قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره(6)، والحرُّ قدس سره(7)- واللَّفظ له -،
والفيض قدس سره(1)، وغيرهم؛
ومن العامَّة: كمالكٍ قدس سره في موطَّأه(2)، ومدوَّنته(3)، والشَّافعي قدس سره(4)، وسعيد بن منصورٍ قدس سره(5)، واحمد(6)، والدَّارميِّ قدس سره(7)، والبخاريِّ(8)، ومسلمٍ قدس سره(9)، وغيرهم الكثيرين أيضًا.
وهي نصٌّ في المطلوب وقد رواها الصَّادق عليه السلام: «إنَّ بَرَيرَة كانتْ عند زوجها وهي مملوكةٌ، فاشترتْها عائشةُ فأعتَقَتْها، فخيَّرَها رسولُاللَّه صلى الله عليه و آله: إن شاءَتْ تقرُّ عند زوجِها وإن شاءَتْ فارَقَتْه، وكان مواليها الَّذين باعوها اشترَطُوا ولاءَها علىٰ عائشة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: الولاءُ لمَن أعتق».
فالمتراءىٰ من الحديث أنَّ النَّبيَّ الكريمَ صلى الله عليه و آله مع أنَّه لم يقبل ولاءَ العتق، لكنَّه صلى الله عليه و آله صحَّح عقد البيع ولم يخالفه.
ومنها: صحيحة - كما صحَّحه الفقيه النَّجفيُّ قدس سره(10)، والمجلسيُّ الأوَّل 0(11)،
1) . راجع: الوافي، ج 10 ص 195 الحديث 9422.
2) . راجع: الموطَّأ، ج 2 ص 526.
3) . راجع: المدوَّنة الكُبرىٰ، ج 3 ص 220.
4) . راجع: مُسند الشَّافعي، ص 174.
5) . راجع: سُنن سعيد بن منصورٍ، ج 1 ص 95.
6) . راجع: مسند احمد، ج 1 ص 281.
7) . راجع: سُنَن الدَّارمي، ج 2 ص 169.
8) . راجع: صحيح البخاري، ج 1 ص 117.
9) . راجع: صحيح مسلم، ج 4 ص 213.
10) . راجع: جواهر الكلام، ج 32 ص 71.
11) . راجع: روضة المتَّقين، ج 8 ص 304.
والمحقِّق السبزواريُّ قدس سره(1)، والفققيه الخوئيُّ قدس سره(2)، وغيرهم - محمَّد بن قيسٍ عن أبي جعفرٍ عليه السلام: «أنَّه قضىٰ في رجلٍ تزوَّج امرأةً وأصدَقَتْهُ هي واشترطَتْ عليه أنَّ بيدها الجِماعَ والطَّلاقَ، قال: خالفَتِ السُّنَّةَ ووُلِّيَتْ حقًّا ليست بأهله!، فقضىٰ أنَّ عليه الصِّداقَ وبيده الجماعَ والطَّلاقَ وذلك السُّنَّةُ»؛ فيما رواه الصَّدوق قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4)
وقريبٌ منه جدًّا بحسب المضمون ما رواه الكلينيُّ قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره(6)، والفيض قدس سره(7)، وغيرهم.
فترىٰ أنَّ مولانا الباقر عليه السلام أمضىٰ العقدَ مع ردِّ الشَّرط الواقع فيه والحكم ببطلانه، لكونه خلاف السُّنَّة المطهَّرة.
أمَّا المتأخِّرون من الأصحاب، فقد تمسَّكوا بأدلَّةٍ - بعد اعترافهم بأنَّ مبناهم «قد ينخرم في بعض المقامات لدليلٍ خاصٍّ من الشَّرع»(8)-:
1) . راجع: كفاية الأحكام، ج 2 ص 239.
2) . راجع: موسوعة الإمام الخوئي قدس سره، ج 33 ص 75.
3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 425.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 21 ص 289 الحديث 27109.
5) . راجع: الكافي ج 5 ص 403 الحديث 7.
6) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 369 الحديث 1497.
7) . راجع: الوافي، ج 22 ص 547 الحديث 21688.
8) . راجع: العناوين، ج 2 ص 364.
منها: إنَّ الَّذي اشتَرَطَ في العقد شرطًا فاسدًا لايرضىٰ بالعقد إلَّابهذا الشَّرط - كما عن العلَّامة قدس سره(1)، وغيره(2)-؛ فإذا فسد الشَّرطُ وبطل، فلارِضىٰ بالعقد، فالعقدُ أيضًا باطلٌ.
وفيه: إنَّ الرِّضا بالعقد غير الرِّضا بالشَّرط، فإذا فسد الشَّرطُ فالرِّضا بأصل العقد باقٍ.
وهذا يجري في جميع الخيارات بلافرقٍ بينها؛ فالجواب الَّذي يختاره المُتَأخِّرون في الخيارات، يجري هيهنا أيضًا.
ومنها: إنَّ للشَّرط قسطًا من الَّثمَن، فإذا فسد الشَّرطُ صار العقدُ وما عقد عليه مجهولًا.
وقد أشار إلى الدَّليلِ العلَّامةُ قدس سره(3)، وثاني الشَّهيدَين 0(4)، والبحرانيُّ قدس سره(5)، والفقيه الطَّباطبائيُّ قدس سره(6)، والمحقِّق القمِّي قدس سره(7)، والسَّيِّد المجاهد قدس سره(8)، والشَّيخ
1) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 14 ص 390.
2) . فانظر: فقه العقود والإيقاعات، ج 2 ص 403.
3) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 298.
4) . راجع: الرَّوضة البَهيَّة - مع حواشي سلطان العلماء قدس سره -، ج 1 ص 331.
5) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 67.
6) . راجع: رياض المسائل، ج 8 ص 301.
7) . راجع: رسائل الميرزا القمِّي، ج 2 ص 936.
8) . راجع: كتاب المناهل، ص 329.
الأعظم قدس سره(1)، وغيرهم.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّ الجهلَ بما عُقِد عليه بهذا المقدار لايضُرُّ بالمعاملة، بل الجهلُ الَّذي يؤدِّي إلى الغَرَر أيضًا لا دليل علىٰ كونه مُبطِلًا للعقد؛ وقوله عليه السلام: «نهىٰ النَّبيُّ عن بيع الغَرَر»(2)، ليس فيه أزيد من حكمٍ تكليفيٍّ فقط.
هذا؛ مع أنَّ الظَّاهر من الرِّواية هو النَّهيُّ عن مخادعة المسلمين، فهي أجنبيَّةٌ عن المقام.
وثانيًا: إنَّ الشَّرط وإن كان له قسطٌ من الَّثمن واقعًا، لكنَّه بحسب الظَّاهر المُتَعارَف بين النَّاس أنَّه مغفولٌ عنه، فالعقد يقع ويجري علىٰ المشروط فقط.
ومنها: الرِّوايات الَّتي تمسَّكوا بها؛
منه: ما رواه عبدُالمَلِك: «سألتُ أباالحسن موسىٰ عليه السلام عن الرَّجل أَبتٰاعُ منه طعامًا أو أبتاعُ منه متاعًا علىٰ أنْ ليس عليَّ منه وضيعةٌ، هل يستقيمُ هذا؟ وكيف يستقيمُ؟ و حدُّ ذلك؟؛ قال: لاينبغي»؛ وقد رُوِي بصورَتَين قريبَتَين رواه الشَّيخ قدس سره في الاِستبصار(3)، والتَّهذيب(4)، والفيض قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)بسندٍ صحيحٍ، كما صحَّحه
1) . راجع: كتاب المكاسب، ج 6 ص 92.
2) . قد تكلَّمنا عن هذا الحديث فيما مضىٰ من هذه الرِّسالة في التَّعليق علىٰ قاعدة الغرر؛ فراجِع إليه إن شئتَ!.
3) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 84 الحديث 284.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 81 الحديث 348.
5) . راجع: الوافي، ج 17 ص 519 الحديث 17764.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 266 الحديث 23644.
المجلسيُّ قدس سره(1)، والخوانساريُّ قدس سره(2)، وغيرهما.
وفيه:
أوَّلًا: قوله عليه السلام «لاينبغي» لاظهور له في الفَساد إن لم نقل بظهوره في صحَّة المعاملة!؛ كما قال الشَّيخ قدس سره بعد نقله: «فالوجه فيه أن نحملَه علىٰ ضَرْبٍ من الكراهيَّة دون الحَظْر»(3)وهذا واضحٌ، فلامجال لطرح احتمالٍ بعد احتمالٍ آخر فيه(4)!.
وثانيًا: إنَّ اشتراطَ الوضيعة علىٰ البائع لايدلُّ علىٰ الفساد، فهو - كسائر الشَّرائط - لادلالة فيه علىٰ بطلان العقد.
إن قلتَ: هذا خلافُ مقتضىٰ العقد!؛
قلتُ: إنَّ الشَّرائط الَّتي تقعُ ضمن العقد بأجمعها تكون كذلك، فصرف كونه خلافَ مقتضىٰ العقد لايدلُّ علىٰ بطلانه.
وثالثًا: الظَّاهر من الحديث أنَّ الشَّرط هذا ممَّا لاينبغي أن يُشتَرَط في العقد، لا أنَّ العقد فاسدٌ بدخول هذا الشَّرط. ولو لم يكن الحديثُ ظاهرًا في ذلك، فلاأقلَّ من دلالته علىٰ فساد المشروط فقط، لا علىٰ فساد أصل العقد.
ومنها: ما رواه الشَّيخ الحرُّ قدس سره(1)عن الحسين بن المنذِر قال: «قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: يجيئني الرَّجلُ فيطلب العِينَةَ فاشتري له المتاع مرابحةً، ثمَّ أبيعُه إيَّاه ثمَّ أشتَريه منه مكاني، قال: إذا كان بالخيار إن شاءَ باعَ وإن شاءَ لم يبِعْ وكنتَ أنت بالخيار إن شئتَ اشتريتَ وإن شئتَ لم تشتَرِ فلابأس»؛ وقد رواه الكلينيُّ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(4)وقد حسَّنه(5)، كالفقيه النَّجفيِّ قدس سره(6).
الاِستدلال بالحديث يتِمُّ بالنَّظر إلى المفهوم، بتقريب أنَّ شرطَ التَّدارك والتَّلافي في البيع والشِّراء فاسدٌ، فإذا جاء في العقد فهو مفسِدٌ قطعًا.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّ اشتراطَ ذلك الَّذي يوجب الجبر ليس بفاسدٍ، فالرِّواية من الرِّوايات الَّتي تدلُّ علىٰ أنَّ العِينَةَ لاتجوز إلَّافي الضَّرورة.
وثانيًا: إنَّ الفَساد هل هو يجري في الشَّرط؟ أو في العقد؟، إذ الظَّاهر أنَّ الظُّهور لو لم يكن في فساد الشَّرط فلاأقلَّ من أنَّه لايكون في نفس العقد.
وثالثًا: إنَّ الرِّواية ليسَتْ إلَّابصدد بيان بطلان المعاملات الصُّوريَّة وفسادها، واشتراطِ الجدِّ فيها.
وأقول: «العِينَةُ»: السَّلف، كما عن الخليل(1)، والصَّاحب إسماعيل(2)، والجوهريِّ(3)، والمُطَرِّزيِّ(4)، والفَيُّوميِّ(5)، والفيروزآباديِّ(6)
وعن نِشوان الحِميَريِّ: «العِينَةُ: النَّسيئَةُ»(7)
وقال ابنُالأثير: «هو أن يبيع من رجلٍ سلعةً بثمنٍ معلومٍ إلى أجلٍ مسمًّى ثمَّ يشتريها منه بأقلَّ من الَّثمن الَّذي باعها به»(8).
ومن الغريب هيهنا قول ابنُدريدٍ حيث قال: «العِينَة من الرِّبا، إشتقاقُه من أخذ العين بالرِّبح»(9).
ومن تلك الرِّوايات: صحيحةُ عليِّ بن جعفرٍ عليه السلام: «قال: سألتُه عن رجل باع ثوبًا بعشرة دراهمَ، ثمَّ اشتراه بخمسة دراهمَ، أ يحل؟، قال: إذا لم يشترط ورَضِيا فلابأس»؛ علىٰ ما في مسائله(10)، ورواه أيضًا الحِميَريُّ قدس سره(11)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(12).
1) . راجع: العَين، ج 2 ص 255.
2) . راجع: المحيط الأعظم، ج 2 ص 162.
3) . راجع: صحاح اللُّغة، ج 6 ص 2172.
4) . راجع: المُغرب، ج 2 ص 95.
5) . راجع: المصباح المُنير، ج 2 ص 441.
6) . راجع: القاموس المحيط، ج 4 ص 251.
7) . راجع: شمس العلوم، ج 7 ص 4852.
8) . راجع: النِّهاية، ج 3 ص 333.
9) . راجع: جمهرة اللُّغة، ج 2 ص 956.
10) . راجع: مسائل عليِّ بن جعفرٍ ومستدركاتها، ص 127 الحديث 100.
11) . راجع: قُرب الإسناد، ص 267 الحديث 1062.
12) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 42 الحديث 23096.
وفيه: إنَّ الشَّرط هو الرِّبا المحرَّم، ولايُستَفادُ من ظاهر الحديث بطلانُ العقد، بل يُستفادُ منه عدم حلِّيَّة الرِّبا وبطلان الشَّرط فقط.
فتلخَّص: أنَّا لم نجد روايةً تدلُّ علىٰ أنَّ الشَّرطَ الفاسدَ مفسِدٌ للعقد؛ فالأقوىٰ - تبعًا لقدماء الأصحاب - إنَّ الشَّرط الفاسدَ ليس بمُفسِدٍ.
نعم! يمكن أن يقال: إنَّ الشَّرط الفاسد إذا لم يجب الوفاءُ به في موارد، أو يحرم الوفاء به في موارد أُخَر أيضًا، فبعد عدم جواز العمل بالشَّرط أو عدم إمكانه هل يُوجب هذا الخيارَ؟؛
وهل للمتعاقِد الَّذي خُولِف شرطُه الخيارُ في الفسخ أو القبول؟.
فيه وجهان، بل قولان مستقلَّان؛
والأقوىٰ عندنا أنَّه - كسائر الشُّروط الصَّحيحة الَّتي لايمكن العمل بها، لموانعَ ودوافعَ - يوجِب الخيارَ.
وهيهنا نُكَتٌ هامَّةٌ نأتي بها في تنبيهاتٍ.
إذا كان الشَّرط الفاسدُ من مقولة القول، ولم يكن يدخل في ضمن العقد، فبناءً علىٰ مُفسِديَّة الشَّرط الفاسد، فهل هذا الشَّرط أيضًا يُوجِب فسادَ العقد؟، أم لا؟.
فيه وجوهٌ؛
والأقوىٰ هو الفَساد والإفساد - أي: الشَّرط والعقد معًا فاسدان - إذا كان العقدُ
مَبنيًّا علىٰ هذه المقاولة، لأنَّ الإشتراط القوليَّ بمنزلة الإشتراط في ضمن العقد، ولافرق بينهما بحسب العُرف، بل القوليُّ أولىٰ حُكمًا عند كثيرٍ من النَّاس!؛ فهو أيضًا مبطِلٌ كغيره من أقسام الشَّرط الفاسد.
اشتهر بين الأصحاب أنَّ طائفةً من الشُّروط تُفسِد العقدَ وإن لم نَقُل بمُفسِديَّة الشَّرط الفاسد؛ وهي:
إذا كان الشَّرطُ مجهولًا.
إذا كان الشَّرط يُسلِبُ الاِختيارَ عن المشتري في ما ابتاعَه، بل يُلزِمُه أنَّه إذا أراد بيعَه أن يَبيعَه من البائع فقط.
إذا كان الشَّرط مخالفًا لمقتضىٰ العقد.
إذا كان الشَّرط حرامًا.
وللفقهاء تفاصيل هيهنا في الاِكثار من هذه الشُّروط، أو التَّقليل منها والاقتصار علىٰ بعضٍ منها؛ فانظر إلى عبائر كلٍّ من الشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(1)، والبحرانيِّ قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والصَّيمُريِّ قدس سره(4)، والمحقِّق القمِّي قدس سره(5)، والشَّيخ عليٍّ
آل كاشف الغطاء قدس سره(1)، وأوَّل الشَّهيدَين 0(2)، والمراغيِّ قدس سره(3)، والمحقِّق النَّراقي قدس سره(4)، وبعض معاصرينا(5)إن أردتَ التَّفصيل والتَّحقيق في المبحث.
والمختارُ أنَّ هذه الشُّروط لايُفسَدُ بها العقدُ، فهي كغيرها من الشُّروط الفاسدة لاتُبطِل العقدَ. أضِف إلى ذلك أنَّ من هذه الشُّروط ما ليس بفاسدٍ أصلًا، فضلًا عن كونه مُفسِدًا؛
بل جميع هذه الشُّروط لايكون مُفسِدًا ولافاسدًا إلَّاالأخير منها.
هل تجري هذه القاعدة - الَّتي نحن بصددها الآنَ - في الإيقاعات أيضًا؟، مثلًا إذا اشترَطَتْ المرأةُ في الطَّلاق أنَّها تزني، فهل هذا الشَّرط الفاسِدُ يوجب فَسادَ الطَّلاق؟، أم لا؟.
الأقوىٰ عندنا هو الجريان، ولانعرف وجهًا لعدم جريانها فيها إلَّاما قيل من:
«أنَّ الشُّروط تختَصُّ بالعقود فقط، ولاتجري في الإيقاعات أصلًا»(6).
ولانفهم معنىً محصَّلًا لهذا المقال!، ضرورةَ أنَّه لامانع منه بعد وجودِ المقتضي
1) . راجع: شرح خيارات اللُّمعة، ص 214.
2) . راجع: القواعد والفوائد، ج 2 ص 242.
3) . راجع: العناوين، ج 2 ص 362.
4) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 143.
5) . أقول: راجع: نموذجٌ في الفقه الجعفريِّ، ص 566.
6) . وقد حكاه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره عن المحقِّق النَّائينيِّ قدس سره؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 4 ص 190.
للجواز.
فالقول بالجواز هو الأقوىٰ في المقام.
هل القاعدةُ تختَصُّ بالشُّروط المُمضاة في العقد - أي: الَّتي وقعَتْ ضمنَ العقد -؟، أو أنَّها تعُمُّها وغيرها من الشُّروط - كالشُّروط المستقلَّة، والشُّروط الإبتدائيَّة -، فالأخيرتان أيضًا يلزمُ الوفاء بهما لو لم تكونا من الشُّروط الفاسدة؟.
المشهور عند الأصحاب أنَّ الشُّروط الإبتدائيَّة جائزةُ الوفاء، لا لازمته.
وعمدة ما تمسَّكُوا به في المقام: إنَّ الشُّروط الإبتدائيَّةَ من الوعد، والوعد غير لازمِ الوفاء فقهًا وإن كان لازمَ الوفاء بحسب علم الأخلاق.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّ قوله عليه السلام: «المؤمنون عند شُرُوطِهم» - وقد رواه عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله جمعٌ من أعلام الفريقَين، كالشَّيخ قدس سره في استبصاره(1)، وفي تهذيبه(2)أيضًا، والمحدِّث الفيض قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4)بأسانيد قد وثَّق بعضَها العلَّامةُ المجلسيُّ قدس سره(5)، وصحَّح بعضَها الآخر صاحبُ المدارك قدس سره(6)، والمحقِّق السَّبزواريُّ قدس سره(7)، وغيرهما.
وقد رواه عن العامَّة جمٌّ غفيرٌ، كالرَّافعيِّ(1)، والنَّوَوي(2)، والسُّبكيِّ(3)، والشَّربينيِّ(4)، وابن قُدامة(5)، وغيرهم -؛
بل قوله جل وعلا! -: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(6)لايدلَّان علىٰ كون الشَّرط في ضمن العقد، بل هما مطلقان يدلَّان علىٰ وجوب الوفاء بجميع الشُّروط.
وثانيًا: إنَّ الشَّرط الإبتدائيَّ ليس من الوعد في شيءٍ أصلًا، لأنَّ الوعد من الإخباريَّات والشَّرط من الإنشائيَّات، والفرق بينهما واضحٌ كمالَ الوضوح!.
وثالثًا: إنَّ الوعد يلزم الوفاء به فقهًا - وفاقًا للمحقِّق اليزديِّ قدس سره صاحب العروة(7)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(8)، والشَّارح المازندرانيِّ قدس سره(9)
وخلافًا لمَن لايُوجِب إنجازَه، كالعلَّامة قدس سره(10)، والمحقِّق العامِليِّ قدس سره(11)، والشَّيخ
1) . راجع: فتح العزيز، ج 10 ص 295.
2) . راجع: المجموع، ج 11 ص 65.
3) . راجع: فتاوىٰ السُّبكي، ج 2 ص 13.
4) . راجع: الإقناع، ج 2 ص 107.
5) . راجع: المُغني، ج 10 ص 550.
6) . كريمة 1 المائدة.
7) . راجع: حاشيَة المكاسب، ج 2 ص 117.
8) . راجع: زبدة البيان، ص 128 ثمَّ ص 495.
9) . راجع: شرح الكافي، ج 10 ص 18.
10) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 16 ص 316.
11) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 16 ص 561.
جعفرٍ الكبير قدس سره(1)، وبحرالعلوم قدس سره(2)ونسبه المحقِّق الرَّشتي قدس سره إلى المشهور(3)،
وفصَّل الشَّيخ محمَّدحسين آل كاشف الغطاء قدس سره فقال: «إنَّ الوعد... لايجب الوفاء به وجوبًا فقهيًّا، نعم!، يجب وجوبًا أخلاقيًّا»(4)
وعن بعضهم استحبابُ الوفاء به فقهيًّا ووجوبه أخلاقيًّا(5)
وعن آخر التَّفصيل بين ما يحسن الوفاء به فيجب، وما لاحُسن فيه فلايجب(6)
وخصَّ المحقِّق البجنورديُّ قدس سره الشَّرط هيهنا بالشَّرط الفاسد(7)-؛ كما يلزم الوفاء به أخلاقًا؛ ويكفيك هيهنا قولُه - تعالى! -: «لِمَ تَقُولُونَ مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ»(8)، وقولُ النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله: ««مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ» فليفِ إذا وعد»؛ وقد رواه الكلينيُّ قدس سره(9)، والفيض قدس سره(10)، والحرُّ قدس سره(11)وقد صحَّحه الفقيه السَّبزواريُّ قدس سره(12)وإن لم نحتَج في الاستدلال به إلى
1) . راجع: شرح القواعد، ص 290.
2) . راجع: بُلغة الفقيه، ج 3 ص 416.
3) . راجع: فقه الإماميَّة / كتاب الإجارة، ص 16.
4) . راجع: تحرير المجلَّة، ج 1 / القسم 1 ص 54.
5) . راجع: فقه الإمام الصَّادق قدس سره، ج 3 ص 10.
6) . راجع: الكافي في الفقه، ص 226.
7) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 4 ص 190.
8) . كريمتان 2/3 الصَّف.
9) . راجع: الكافي، ج 2 ص 364 الحديث 2.
10) . راجع: الوافي، ج 5 ص 925 الحديث 3289.
11) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 12 ص 165 الحديث 15965.
12) راجع: مهذِّب الأحكام، ج 16 ص 153.
تصحيح سنده، لوضوحه عقلًا،
وتطابق العقلاء عليه.
فتلخَّص ممَّا قلنا: أنَّه يجب الوفاءُ بالشُّروط الإبتدائيَّة أيضًا - كما عن السَّيِّد الأستاذ العلَّامة قدس سره(1)، وابن العربيِّ(2)، والجصَّاص(3)، والكياهراسي(4)، والطَّبرسيِّ(5)، والشَّيخ(6)فإنَّ المتَحَصَّل من أقوالهم وجوبُ الوفاء بالوعد -؛ كما يجب الوفاءُ بغيرها من الشُّروط، بلاتفاوتٍ بينهما أصلًا.
وانظر إلى ما كتبه السَّيِّد الحكيمُ قدس سره(8)، والسَّيِّد الخوئيُّ قدس سره(9)، والسَّيِّد
1) . راجع: الميزان، ج 19 ص 248.
2) . راجع: أحكام القرآن، ج 4 ص 1799.
3) . راجع: أحكام القرآن، ج 5 ص 334.
4) . راجع: أحكام القرآن، ج 4 ص 413.
5) . راجع: مجمع البيان، ج 9 ص 418.
6) . راجع: التِّبيان، ج 9 ص 591.
7) . راجع: العُروة الوثقىٰ، ج 5 ص 365 المسألة 14.
8) . راجع: مستمسك العروة، ج 13 ص 185.
9) . راجع: موسوعة الإمام الخوئيِّ قدس سره، ج 31 ص 339.
السَّبزواريُّ قدس سره(1)، وغيرهم أيضًا(2)
راجع: مدارك العُروة، ج 28 ص 324.
.قال الشَّيخ قدس سره علىٰ مبنىٰ المتقدِّمين: «إذا شرط في حال عقد الرَّهن شروطًا فاسدةً، كانت الشُّروط فاسدةً، ولم يبطل الرَّهن ولا البيع الَّذي كان الرَّهن شرطًا فيه»(3).
قال المحقِّق قدس سره علىٰ مبنىٰ المتأخِّرين أيضًا: «لوشرط الخيارَ في النِّكاح بطل العقد، وفيه تردُّدٌ منشؤُه...»(4).
وانظر إلى العلَّامة قدس سره(5)، والقطَّان قدس سره(6)، والمحقِّق الثَّاني 0(7)، وثاني الشَّهيدَين 0(8)، وابن إدريس قدس سره(9)، والخراسانيِّ قدس سره(10)، والفاضل الأصفهانيِّ قدس سره(11)، والفقيه النَّجفيِّ قدس سره(12)في نفس المسألة أيضًا.
1) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 20 ص 166.
2) . أقول: كبعض كبار معاصرينا؛
3) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 253 المسألة 61.
4) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 274.
5) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 77.
6) . راجع: معالم الدِّين، ج 2 ص 25.
7) . راجع: جامع المقاصد، ج 13 ص 394.
8) . راجع: مسالك الأفهام، ج 8 ص 256.
9) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 575.
10) . راجع: كفاية الأحكام، ج 2 ص 241.
11) . راجع: كشف اللِّثام، ج 7 ص 423.
12) . راجع: جواهر الكلام، ج 31 ص 105.
عنوان القاعدة مأخوذٌ من نصِّ حديثٍ شريفٍ رواه الشَّيخ قدس سره مرسلًا عن الصَّادق عليه السلام، في التَّهذيب(1)، والاِستبصار(2).
وللفقهاء عباراتٌ أُخَر تدلُّ علىٰ نفس المعنىٰ، لكن سنشير إلى أنَّ القاعدة ليست قاعدةً فقهيَّةً كلِّيَّةً تجري في أبوابٍ مختلفةٍ من الفقه، بل ليست هي إلَّافرعًا واحدًا فقط من الفروع؛ فالاِختصار فيها بالاِقتصار علىٰ هذا العنوان الواحد أجدرُ وأولىٰ من التَّطويل فيها.
الشُّفعَة لغةً الزِّيادة، كما حكىٰ ابنُمنظورٍ عن أبي العبَّاس أنَّه قال: «الشُّفعَة:
الزِّيادة، وهو أن يُشَفِّعَك فيما تطلبُ حتَّى تَضُمَّه إلى ما عندك فتزيده وتَشْفَعَهُ بها»(1)وحكاه عنه الأزهريُّ(2)أيضًا. قال ابنُالأثير: «الشُّفعَة... مشتقَّةٌ من الزِّيادة، لأنَّ الشَّفيع يضمُّ المبيعَ إلى مِلكه»(3).
واصطلاحًا تُطلَق علىٰ حقِّ تملُّك أحد الشَّريكين حصَّةَ شريكه بالبيع إذا أراد بيعه. وهذا التَّعريف يشمل استحقاق الشَّريك للبيع وغيره من القيود الَّتي ذكرها الفقهاء في تعريف الشُّفعَة، كابن زهرة قدس سره(4)، وابن إدريس قدس سره(5)، والكيدريِّ قدس سره(6)، والمحقِّق قدس سره في شرائعه(7)، والعلَّامة قدس سره(8)، والفاضل المقداد قدس سره(9)، وغيرهم.
هذا؛ ولاينقضي العجبُ من قول المرتضىٰ قدس سره حيث قال: «الشُّفعَة ضمُّ الملك
1) . راجع: لسان العرب، ج 8 ص 184.
2) . راجع: تهذيب اللُّغة، ج 1 ص 278.
3) . راجع: النِّهاية في غريب الحديث والأثر، ج 2 ص 485.
4) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 232.
5) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 385.
6) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 253.
7) . راجع: شرائع الإسلام، ج 3 ص 199.
8) . راجع: تحرير الأحكام، ج 4 ص 557.
9) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 4 ص 79.
المشتري (كذا!) إلى أملاكه بمثل ما اشتراه»(1)وقريبٌ منه ما ذكره الشَّيخ محمَّدحسين آل كاشف الغطاء قدس سره(2).
والجوازُ هيهنا بمعنىٰ النُّفوذ(3)، وهو الجواز الوضعيُّ(4).
فالمراد من القاعدة إذن: نفوذُ حقِّ أحد الشَّريكين علىٰ مالِ شريكه لوأراد أن يبيعَه من غيره، فله التَّقدُّم بالنِّسبة إلى هذا المال، لحقِّ شُفعَته.
قد اشتهر بين الأصحاب(5)أنَّ الشُّفعَة أمرٌ تعبُّديٌّ صرفٌ حكَمَ به الشَّارع، فتَعبَّدنا به، وليس للعقل فيها حُكمٌ وللعقلاء فيها رأيٌ(6)
ولذلك أنَّ العامَّة لايقولون به، بل الشُّفعَة ممَّا اختُصَّ بالشِّيعة الإماميَّة؛ قال المرتضىٰ قدس سره: «ممَّا انفردَتْ الاماميَّة به إثباتُهم حقَّ الشُّفعَة في كلِّ شيءٍ...
1) . راجع: رسالة الحدود والحقائق، في رسائل الشَّريف المرتضىٰ، ج 2 ص 274.
2) . راجع: تحرير المجلَّة، ج 2 / القسم 1، ص 157.
3) . كما ذكره المحقِّق المَراغيُّ قدس سره في قاعدة الإقرار، راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 632.
4) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 6 ص 178.
5) . لم أعثر علىٰ هذه الشُّهرة بينهم، ولم أهتد إلى مغزىٰ كلام شيخنا الأستاذ العلَّامة.
6) . كما عن المرتضىٰ قدس سره: «إنَّ حقَّ الشُّفعَة حكمٌ شرعيٌّ والأصل انتفاؤه»؛ راجع: الانتصار، ص 450.
ولايختلفون فيه»(1)
ولذلك أيضًا قال شيخُنا المفيدُ قدس سره: «جميع ما ذهب إليه الإماميَّة في الشُّفعَة وأحكامها فالعامَّة معهم فيه علىٰ الإجماع منهم أو الاختلاف، إلَّامسألة واحدة وهي...»؛ راجع: الإعلام بما اتَّفقتْ عليه الإماميَّة من الأحكام، ص 35.
.فإذن الدَّليل عليه منحصرٌ في الإجماع(2).
هذا؛ لكن عندي في صحَّة ذلك ترديدٌ!، إذ العقلاء أيضًا يحكمون بتقدُّم الشَّريك علىٰ غيره في المال المشترَك بين الشَّريكين - أي: مورد الشِّراكة -، بل للشَّريك إبطالُ البيع لوباعه لغيره، بقاعدة الضِّرار.
وهذا عندي واضحٌ جدًّا، إلَّاأنَّ النِّزاع فيه قليل الجدوىٰ بعد وجود الدَّليل من الشَّارع المقدَّس علىٰ ذلك.
ثمَّ اعلم! أنَّه تدلُّ علىٰ أصل المقصود رواياتٌ من العامَّة والخاصَّة؛
منها: صحيحة عُقْبة بن خالدٍ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «قضىٰ رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله بالشُّفعَة بين الشُّركاء في الأرضين والمساكن، وقال: لا ضررَ ولا ضرارَ»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(3)، والصَّدوق قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، والفيض قدس سره(6)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(7)
1) . هذا جزءٌ من كلامه قدس سره، والإتيان به بتمامه يوجب التَّطويل؛ فانظر إليه لترىٰ أنَّ الَّذي انفَرَد به الإماميَّة هو اثباتهم حقَّ الشُّفعَة في كلِّ شيءٍ، يحتمل القسمة أو لايحتملها؛ وخالَفَنا أعلام فقهاء العامَّة في ذلك، لا في أصل جواز الشُّفعَة وتشريعها؛ فراجع: الانتصار، ص 448.
2) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 6 ص 178.
3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 280 الحديث 4.
4) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 76 الحديث 3368.
5) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 164 الحديث 727.
6) . راجع: الوافي، ج 18 ص 766 الحديث 18257.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 25 ص 399 الحديث 32217.
وتصحيح الحديث علىٰ مذهب القدماء، وإلَّا فهو مجهولٌ - لمكان محمَّد بن عبداللَّه بن هلال -، كما عن ثاني المجلسيَّين 0 في المرآة(1)، والملاذ(2)ولذلك وصَفَه المحقِّق العامِليُّ قدس سره(3)والمحقِّق النَّجفيُّ قدس سره(4)بكونه «خبرًا»، المُشعِر بعدم اعتمادهما عليه؛ لكن أوَّل المجلسيَّين 0 قد حكم بكونه من القويِّ كالصَّحيح(5)
والوجه فيه ما أشرنا إليه آنفًا.
والأدلَّة هيهنا وإن كانت كثيرةً متكثَّرةً(6)إلَّاأنَّ الاِقتصار علىٰ هذا الحديث الصَّحيح في المقام أجدر بالاِختصار وعدم تطويل الرِّسالة.
وهيهنا تنبيهاتٌ.
1) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 372.
2) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 277.
3) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 18 ص 435.
4) . راجع: جواهر الكلام، ج 37 ص 243.
5) . راجع: روضة المتَّقين، ج 6 ص 197.
6) . كعموم التَّعليل في قوله صلى الله عليه و آله: «لاضرر ولاضرارَ»، الَّذي استدلَّ به المحقِّق البُجنورديُّ قدس سره في المقام؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 6 ص 179.
إنَّ القاعدة هذه ليست من القواعد الكُلِّيَّة الجارية في أكثر من بابٍ واحدٍ - كالضَّرر، والفراغ، ونحوهما -، بل هي في الحقيقة ليستْ إلَّامسألةً من مسائل كتاب الشُّفعَة؛ لكن بما أنَّ للمسألة شأنًا من الشَّأن قد بحث الأصحاب عنها هيهنا أوَّلًا؛
ثمَّ رتَّبُوا عليها فروعَ باب الشُّفعَة ثانيًا؛
فكأنَّهم أدخَلُوا كتابَ الشُّفعَة بأجمعه في ما يختصُّ بالقواعد الفقهيَّة!.
وهذا غريبٌ منهم جدًّا!.
ذُكِرت في كتاب الشُّفعَة لهذا الحقِّ شروطٌ؛ والعمدةُ منها:
قد اشتهر بين الأصحاب أنَّ حقَّ الشُّفعَة تختصُّ بما إذا انتقَلَ الشَّريكُ حصَّتَه من المال بالبيع، أمَّا لوانتقلها بالهِبة أو نحوها أو جعل حصَّتَه مَهرًا لزوجته، فلاشفعة للشَّريك الآخر فيه. قال الفقيه الأقدم ابوالصلاح الحلبيُّ قدس سره: «إن انتقل سهمُ الشَّريك عن ملكه بهِبَةٍ أو صدقةٍ أو مهر زوجٍ إلى غير ذلك ممَّا ليس ببيعٍ، فلاشفعة فيه»(1)والحكم قد نصَّ عليه الشَّيخُ قدس سره(2)، والمحقِّق في شرائعه(3)، ومختصره(4)،
والفاضل الآبي قدس سره(1)، والفاضل المقداد قدس سره(2)، والقطَّان الحلِّي قدس سره(3)، وغيرهم.
واستدلُّوا علىٰ هذا الشَّرط:
أوَّلًا: بالإجماع(4)
وثانيًا: بكون الشُّفعَة خلافَ الأصل، فيُقتَصَر فيها علىٰ القدر المُتَيقَّن منها(5)
وثالثًا: بصحيحة أبي بصيرٍ عن الباقر أبي جعفرٍ عليه السلام: «قال سألتُه عن رجلٍ تزوَّج امرأةً علىٰ بيتٍ في دارٍ له وله في تلك الدَّار شركاءُ، قال: جائزٌ له ولها، ولا شُفعَةَ لأحدٍ من الشُّركاء عليها»؛ علىٰ ما رواها الصَّدوق قدس سره(6)، والشَّيخ قدس سره(7)، والفيض قدس سره(8)، والحرُّ قدس سره(9)، وغيرهم؛
وقد صحَّحها أوَّلُ المجلسيَّين(10)، وولده الفاضل 0(11)، والعلَّامة قدس سره(12)، والفقيه
1) . راجع: كشف الرُّموز، ج 2 ص 392.
2) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 4 ص 84.
3) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 372.
4) . كماادَّعاه المحقِّق النَّجفيُّ قدس سره؛ راجع: جواهر الكلام، ج 37 ص 266.
5) . كما تمسَّك فخرالمحقِّقين بأنَّها خلاف الأصل فيُقتصَر علىٰ المجمَع عليه، في غير واحدٍ من فروع الشُّفعَة؛ راجع: إيضاح الفوائد، ج 2 صص 210، 218.
6) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 83 الحديث 3380.
7) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 167 الحديث 742.
8) . راجع: الوافي، ج 18 ص 776 الحديث 18281.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 25 ص 407 الحديث 32234.
10) . راجع: روضة المتَّقين، ج 8 ص 322.
11) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 287.
12) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 12 ص 222.
الطَّباطبائيُّ قدس سره(1)، وغيرهم. ومن الغريب قول المحقِّق البحرانيِّ قدس سره حيث توقَّف فيها بل حكم بضعفها، لمكان أبي بصيرٍ المشترك بين المراديِّ الثِّقَة وغيره(2)وليس هيهنا مجالُ التَّحقيق حوله.
لكن يمكن أن يُقال: إنَّ جعْلَ المال مَهرًا لايُعدُّ من نَقلِه من نفسه إلى آخر، بل في بعض الموارد يكون كذلك؛ مع أنَّ المفروض في الحديث الشَّريف أنَّ الدَّار كانت مشتركةً بين شركاء، فيأتي الكلامُ في أنَّ حقَّ الشُّفعَة يختصُّ بشريكين فقط لا شركاء - كما سنُشيرُ إليه آنفًا -.
فالأقوىٰ عندي أنَّ هذا الحقَّ لايختصُّ بالبيع، بل يجري في جميع الإنتقالات والمعاوَضات. إلَّاأن ينعقد إجماعٌ علىٰ خلافه، فإذن لا مناص من موافقة الإجماع والاحتراز عن مخالفته(3).
قد اشتهر بين الأصحاب(4)إنَّ حقَّ الشُّفعَة يختصُّ بشريكين فقط، لا بشركاء.
كما نصَّ علىٰ هذا الشَّرط ابنُبابويه قدس سره(5)، وابن حمزة قدس سره(6)، والمحقِّق قدس سره(7)،
1) . راجع: رياض المسائل، ج 14 ص 82.
2) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 20 ص 300.
3) . قد أشرنا آنفًا إلى ثبوت هذا الإجماع في المسألة.
4) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 6 ص 184.
5) . راجع: مجموعة فتاوىٰ ابن بابويه، ص 105.
6) . راجع: الوسيلة، ص 258.
7) . راجع: شرائع الإسلام، ج 3 ص 199.
والعلَّامة قدس سره في تبصرته(1)، وتحريره(2)، والمفيد قدس سره(3)، وسلَّارٌ قدس سره(4)ويظهر من كلام الشَّيخ قدس سره(5)، وثاني الشَّهيدَين 0(6)أيضًا.
واستدلُّوا علىٰ هذا الشَّرط بما رواه الشَّيخ الحرُّ قدس سره في الباب السَّابع من أبواب الشُّفعَة(7).
منها: صحيحة يونس بن عبدالرَّحمن عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «إنَّ الشُّفعَة جائزةٌ في كلِّ شيءٍ من حيوانٍ أو أرضٍ أو متاعٍ إذا كان الشَّيء بين شريكين لا غيرِهما فباع أحدهما نصيبَه فشريكُه أحقُّ به من غيره وإن زاد علىٰ الاِثنين فلاشُفعَةَ لأحدٍ منهم»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(8)، والصَّدوق قدس سره(9)، والشَّيخ قدس سره(10)، والفيض قدس سره(11)، والحرُّ قدس سره(12).
1) . راجع: تبصرة المتعلِّمين، ص 103.
2) . راجع: تحرير الأحكام، ج 4 ص 557.
3) . راجع: المقنِعة، ص 618.
4) . راجع: المراسم العلويَّة، ص 183.
5) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 107.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 12 ص 299.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 25 ص 401.
8) . راجع: الكافي، ج 5 ص 281 الحديث 8.
9) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 79 الحديث 3377.
10) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 164 الحديث 730.
11) . راجع: الوافي، ج 18 ص 769 الحديث 18262.
12) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 25 ص 402 الحديث 32223.
والسَّند وإن كان مرسلًا - كما حكم بكونه كذلك العلَّامةُ المجلسيُّ قدس سره في مرآته(1)، وملاذه(2)-، لكن لابأس به، لأنَّ المُرسِل هو يونس بن عبدالرَّحمن ولاخلاف في جلالة قدره؛ ولذلك حكم أوَّل المجلسيَّين 0 بصحَّته(3).
وبالإجماع أيضًا، كما عن المرتضىٰ قدس سره: «إنَّما أوجبناه بين الشَّريكين لإجماع الأُمَّة، فانتقلنا بهذا الإجماع عن حكم الأصل، ولم ينقلنا فيما زاد علىٰ الاِثنين ناقلٌ»(4)وعن ابن إدريس قدس سره(5)أيضًا.
وهذا تعبُّدٌ صرفٌ لابدَّ من المتابعة فيه؛ وإلَّا فالعقلاء لايُفرِّقون بين كون الشَّريك واحدًا، أو متعدَّدًا؛ فيُردَع بناء العقلاء بهذه الرِّوايات الكثيرة.
الشُّفعَة حقٌّ فوريٌّ(6)، فإن أهمَلَه أو تسامح في حيازة حقِّه أو أخَّرَها لسببٍ - ولوكان الفقرَ والعُدْمَ - بطل حقُّه، وليس له أن يُطالِب به بعده.
وهذا هو المشهور بين الفقهاء، بل لهم عبائر مختلفة تشير إلى ثبوت الإجماع
عليه؛ كما عن العلَّامة قدس سره(1)، والفيض قدس سره(2)، وثاني الشَّهيدَين 0(3)، والفاضل المقداد قدس سره(4)، واختاره الشَّيخ قدس سره في النَّهاية(5)، والخلاف(6)، والمبسوط(7)، وتابَعَه فيه من تأخَّر عنه؛
وكيف كان فثبوت الفَور في حقِّ الشُّفعَة كاد أن يكون من ضروريَّات فقه أهل البيت عليهم السلام.
وهذا الفورُ جارٍ في جميع المعاملات، فمَن باع دارًا من غيره يجب عليه تحويلُ الَّثمن إلى البائع، والتَّأخير فيه يوجب حصولَ خيار التَّأخير للبائع؛ كما ذكره المحقِّق قدس سره(8)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(9)، وتذكرته(10)، والفقيه النَّجفيُّ قدس سره(11)، وغيرهم.
كمَن آجر دارَ زيدٍ فيجب عليه أن يتصرَّف في مورد الإجارة، وكذلك يجب علىٰ الموجِر أن يحوِّلَه إليه؛ فالتَّسامح والتَّأخيرُ يوجِبُ جوازَ فسْخ الإجارة.
1) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 12 ص 312.
2) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 78.
3) . راجع: مسالك الأفهام، ج 12 ص 358.
4) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 4 ص 90.
5) . راجع: النِّهاية، ص 424.
6) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 430 المسألة 4.
7) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 108.
8) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 17.
9) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 289.
10) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 11 ص 71.
11) . راجع: جواهر الكلام، ج 23 ص 51.
ومن اللَّافت للنَّظر أنَّ الفور ليس بداخلٍ في ماهيَّة العقود، بل العُرف يرىٰ مدخليَّتَه فيها ويُرغِّب إليه حذرًا عن الهرَج في المجتمع ومعاملاته.
فإذن الفورُ في كلِّ موردٍ عرفيٌّ بحسبه، لا عقليٌّ؛ فيتفاوت إذن بحسب متعلَّقِه.
ولذلك ورد في بعض روايات الباب الإشارةُ إلى ثلاثة أيَّامٍ إذا كان المالُ حاضرًا، وإلى المقدار الميسور لحملِه من المبدأ إلى المقصد إذا كان غائبًا. فقد روىٰ عليُّ بن مهزيار قال: «سألتُ أباجعفرٍ الثَّاني عليه السلام عن رجلٍ طلب شفعةَ أرضٍ فذهب علىٰ أن يحضر المالَ، فلم ينض، فكيف يصنع صاحبُ الأرضِ إن أراد بيعَها؟ أيبيعُها أو ينتظر مجيء شريكِه صاحب الشُّفعَة؟؛ قال: إن كان معه بالمِصر فلينتَظِرْ به ثلاثة أيَّامٍ فإن أتاه بالمال وإلَّا فليَبِعْ وبطلت شفعتُه في الأرضِ، وإن طلب الأجلَ إلى أن يحمل المالَ من بلدٍ إلى آخر فليَنتَظِر به مقدارَ ما يسافِرُ الرَّجل إلى تلك البلدة وينصرف وزيادة ثلاثةَ أيَّامٍ إذا قدم، فإن وافاه وإلَّا فلاشُفعَةَ له»؛ علىٰ ما رواه الشَّيخُ قدس سره(1)، وابنُأبي جمهورٍ قدس سره(2)، والفيضُ قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4)، وغيرهم؛
بسندٍ لابأس به، كما وصفه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره بكونه حسنًا كالصَّحيح(5)، وأبوه العلَّامةُ قدس سره بالصَّحيح(6)وإن وصَفَه بعضُهم بكونه حسنًا، كفخرالمحقِّقين قدس سره(7)، وأوَّل
الشَّهيدَين 0(1)
وكيف كان فلابأس بالسَّند - كما أشرنا إليه آنفًا -.
ولاينبَغي التَّرديد في أنَّ هذا القدر من التَّأخير جائزٌ في جميع المعاملات ولا إختصاص له بالشُّفعَة فقط، كما أنَّ التَّقدُّر بالثَّلاثة لا خصوصيَّة له، بل ليس هذا إلَّا من باب المثال والعبرة.
فالمناط - كما في هذه الرِّواية - هي قدرة المشتري علىٰ تحويل الَّثمن بحسب العُرف؛ والقدرةُ هذه تختلف بحسب الأزمان والأمكنة والموارد المتعدَّدة.
إذا اختلف الشَّريكان(2)في القيمة فصاحبُ الشُّفعَة اختار قيمةً وصاحب المال اختار أغلىٰ منها، وأراد أحدٌ أن يشتري منه بهذه القيمة، فهل يسقط حقُّ الشُّفعَة؟، أو لا؟.
ومسألة الخلاف في القيمة بين الشَّفيع والمشتري أو البائع مذكورةٌ بين الفقهاء، وقد حكموا في بعض فروعه بوجوب التَّحالُف، وفي بعضها بسقوط حقِّ الشَّفيع أو ثبوت حقِّه؛
ولسنا هيهنا بصدد التَّحقيق فيها، إذ هي خارجةٌ عن طور القواعد؛ فانظر إلى ما ذكره الشَّيخ قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره في إرشاده(4)، وتذكرته(5)، ومختَلَفه(6)،
وفخرالمحقِّقين قدس سره(1)، وأوَّل الشَّهيدَين 0(2)، والمحقِّق الخراسانيُّ قدس سره(3)، والفقيه النَّجفيُّ قدس سره(4)، وغيرهم لترىٰ ما ذكروه فيها.
وكيف كان ففي المسألة وجهان؛ والأقوىٰ هو السُّقوط، لتعارض الضَّرَرين، فيسقطان، فيبقىٰ حقُّ المالك في ماله؛ فإذن له جوازُ التَّصرُّف في ماله بلا معارضٍ.
هل حقُّ الشُّفعَة يُورَث؟، أم لا(5)؟.
فيه خلافٌ؛ والمشهور بين القدماء والمتأخِّرين أنَّه يُورَث، وهو قول المفيد قدس سره(6)، والمرتضىٰ قدس سره(7)، والشَّهيدَين 0(8)، ونصَّ عليه ثانيهما أيضًا في مسالكه(9)، والفيض قدس سره(10)، وابن ادريس قدس سره(11)، وابن سعيدٍ قدس سره(12)
1) . راجع: ايضاح الفوائد، ج 2 ص 223.
2) . راجع: غاية المراد، ج 2 ص 165.
3) . راجع: كفاية الفقه، ج 1 ص 550.
4) . راجع: جواهر الكلام، ج 37 ص 444.
5) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 6 ص 206.
6) . راجع: المقنِعة، ص 619.
7) . راجع: الانتصار، ص 217.
8) . راجع: الرَّوضة البَهيَّة - محشَّى السَّيِّد الكلانتر قدس سره -، ج 4 ص 412.
9) . راجع: مسالك الأفهام، ج 6 ص 129.
10) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 82.
11) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 392.
12) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 278.
خلافًا للشَّيخ قدس سره حيث صرَّح فقال: «لايصحُّ أن تُورَث الشُّفعَة كما يُورَث الأموال»(1)واختاره في الخلاف(2)أيضًا؛ ووافقه فيه القاضي قدس سره(3)، وابنُحمزة قدس سره(4)وحكىٰ الكَيدريُّ قدس سره الخلاف في المسألة من دون اختيار قولٍ فيها(5).
واستدلَّ الأوَّلون بعموم التَّوريث في الحقوق، حيث لايختصُّ الإرثُ بالأعيان عرفًا وشرعًا. ولذلك قال المحقِّق الثَّاني 0: «الشُّفعَة موروثةٌ، لأنَّها حقٌّ ماليٌّ فتُورَث كما يُورَث المال»(6).
لكن هناك روايةٌ تُضادُّ هذا الأصل، وهي ما رواه طلحةُ بن زيدٍ عن أبي جعفرٍ عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنَّه قال: «لاتُورَث الشُّفعَةُ»؛ وعند بعضِهم - كالصَّدوق قدس سره -: «الشُّفعَة لاتُورَث»؛ وكيف كان فقد رواه الصَّدوق قدس سره(7)،
والشَّيخ قدس سره(1)، والحرُّ قدس سره(2)، وغيرهم.
الرِّواية وإن كانت موثَّقةً قابلةً للإعتماد - لأنَّ طلحة بن زيدٍ وإن كان عامِّيًا إلَّا أنَّه ثقةٌ معتمَدٌ عليه عند الأصحاب، فقد قال ابنُ شهرآشوب قدس سره عنه: «طلحة بن زيدٍ، عامِّي المذهب، له كتابٌ معتَمَدٌ عليه»(3)وعن ابنِداود قدس سره: «كتابُه معتَمَدٌ عليه»(4)وقد ذكره العلَّامةُ في القسم الأوَّل من كتابه(5). وانظر عنه إلى ما ذكره التَّفرشيُّ قدس سره(6)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(7)، وأبوعليٍّ الحائريُّ قدس سره(8)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيُّ قدس سره(9)وغيرهم، لترىٰ اعتماد الأصحاب عليه -؛
لكنَّها معرَضٌ عنها عندهم لم يعمَل بها أحدٌ منهم غير الشَّيخ قدس سره في النِّهاية(10)، لكنَّه أيضًا أضرب عن هذا القول في غيره من كتبه(11).
لكنَّ الَّذي يُسهِل الخطبَ أنَّ الوُرَّاث إذا ورثوا المِلك المُشاع عن أبيهم مثلًا،
1) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 167.
2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 25 ص 407 الحديث 32235.
3) . راجع: معالم العلماء، ص 61 الرَّقم 419.
4) . راجع: رجال ابن داود، ص 464 الرَّقم 237.
5) . راجع: خلاصة الأقوال، ص 231.
6) . راجع: نقد الرِّجال، ج 2 ص 433 الرَّقم 2682.
7) . راجع: الوجيزة في الرِّجال، ص 96 الرَّقم 965.
8) . راجع: منتهىٰ المقال، ج 4 ص 41 الرَّقم 1499.
9) . راجع: معجم رجال الحديث، ج 10 ص 178 الحديث 6021.
10) . أشرنا آنفًا إلى مَن خالف المشهورَ في المسألة، كالقاضي وابنِحمزة 0.
11) . أشرنا آنفًا إلى قول الشَّيخ قدس سره في النِّهاية والخلاف؛ فراجعه.
فإن كَثُروا فلاخلاف في سقوط حقِّ الشُّفعَة، لأنَّ الشُّفعَة بين الشَّريكين فقط، لا بين الشُّركاء - كما أشرنا إليه آنفًا -؛
وإن توحَّد الوارثُ فلايرث هذا الحقَّ، بل له حقُّ الشُّفعَة لكونه مالكًا، لا لأنَّه يرث عن المالك السَّابق.
ولعلَّه هو مرادُ النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله في هذا الحديث؛ فتأمَّل! فإنَّ هذا المعنىٰ بكرٌ لم يتفطَّن إليه أحدٌ من الأصحاب!.
قال الفاضل المقداد قدس سره في اشتراط أن يكون المال قابلًا للقسمة: «ويُباع قبل القسمة، فهذا تثبت فيه الشُّفعَة، خلافًا لابنَي بابويه، لنا وجوهٌ... الثَّاني...: الشُّفعَة جائزةٌ في كلُّ شيءٍ من حيوانٍ أو أرضٍ أو متاعٍ»(1).
قال العلَّامة قدس سره في الإرشاد في شرائط مال الشُّفعَة: «الثَّالث: كون المبيع ممَّا لايُنقَل ولايُحوَّل، كالأرضين والبساتين والدُّورِ»(2)فقال المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره في شرحه: «في هذا الشَّرط خلافٌ كثيرٌ نُقِل عن بعضٍ عدمِه، فيجوز في كلِّ مبيعٍ...»؛ ثمَّ استدلَّ لهم بقوله عليه السلام: «الشُّفعَة جائزةٌ في كلِّ شيءٍ»(3). وانظر أيضًا إلى ما ذكره الشَّهيد الأوَّل(4)، وثانيهما 0(5)، وغيرهما في نفس الفَرع.
1) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 328.
الصُّلحُ بين النَّاس(1).
الصُّلح جائزٌ بين النَّاس إلَّاما حَرَّم حلالًا أو حلَّلَ حرامًا(2).
الصُّلح جائزٌ ما لم يُؤدِّ إلى تحليل حرامٍ أو تحريم حلالٍ(3).
الصُّلح جائزٌ بين المُسلمين(4).
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ قدس سره كعنوان للباب؛ راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 206.
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ قدس سره - راجع: المبسوط، ج 2 ص 288 -؛ وابن إدريس قدس سره - راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 64 -.
3) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الكيدريُّ قدس سره؛ راجع: إصباح الشِّيعة، ص 299.
4) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره ابنُ حمزة قدس سره - راجع: المراسم العَلويَّة، ص 197 -؛ وابن شهرآشوبٍ قدس سره - راجع: متشابه القرآن ومختلفه، ج 2 ص 214 -؛ وابن إدريس قدس سره - راجع: أجوبة مسائل ورسائل، ص 217 -؛ والمحقِّق البجنوردي قدس سره - راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 9 -.
لاريب أنَّ مورد الصُّلح يكون منفعةً وحقًّا كما يكون عَينًا(1).
المرادُ من «الصُّلح» هو التَّراضي علىٰ شيءٍ والتَّسالُم في نزاعٍ والموافقة علىٰ أمرٍ عرفًا؛ ولذلك قال المحقِّق الرَّشتيُّ قدس سره: «الصُّلح هو التَّسالم دون المبادلة»(2)وعن بعضِهِم: «الصُّلح هو التَّسالُمُ وإن أفاد المعاوضة»(3)وعن السَّيِّد المحقِّق الحكيم قدس سره:
«الصُّلح هو التَّسالُم علىٰ أمرٍ مَّا ولو كان تبديلَ عينٍ بأُخرىٰ»(4). وذلك الأمر قد يكون مالًا، وقد يكون عملًا من الأعمال، ونحو ذلك ممَّا لايكون مالًا ولا عملًا. قال الشَّيخ الأعظمُ قدس سره: «الصُّلح قد يتعَلَّقُ بالمال عينًا أو منفعةً... وقد يتعلَّق بالانتفاع به... وقد يتعلَّق بالحقوق... وقد يتعلَّق بتقريرِ أمرٍ بين المُتَصالِحَين...»(5).
ولبعض الفقهاء هيهنا تحقيقاتٌ واسعةٌ، كفخر المحقِّقين قدس سره له تحقيقٌ في متعَلَّق
الصُّلح لانطول الكلامَ بذكره؛ فراجع إليه(1)
وانظر أيضًا: العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 222.
.والمشهور بين الفقهاء أنَّه هو عقدٌ شُرِّع لقَطْع الخصومات؛ كما هو يُستفادُ من تعابيرهم؛ فعن المحقِّق قدس سره: «هو عقدٌ شُرِّع لقطع التَّجاذُب»(2)وعن ابن أُختِه العظيم قدس سره: «الصُّلحُ عقدٌ شُرِّع لقطع التَّنازُع بين المختلفين»(3)وعنه في التَّذكرة: «...
بين المتخاصِمَين»(4)وعنه في القواعد(5)ما ذكره المحقِّقُ في شرائعه؛ وعن الصَّيمُريِّ قدس سره: «الصُّلحُ عقدٌ وُضِع لقطع المنازعة»(6)ومثلُها ما عن ثاني الشَّهيدَين 0(7)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(8)، والمحقِّق السَّبزواريِّ قدس سره(9)، وشارح المفاتيح قدس سره(10)وغيرهم من أكابر الفقهاء.
ومن البيِّن أنَّ التَّعريف مشهوريٌّ(11)، لا منطقيٌّ.
1) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 1 ص 376.
2) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 99.
3) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 7 المسألة 4014.
4) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 16 ص 5.
5) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 172.
6) . راجع: غاية المرام، ج 2 ص 221.
7) . راجع: مسالك الأفهام، ج 4 ص 259.
8) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 9 ص 329.
9) . راجع: كفاية الفقه، ج 1 ص 606.
10) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 12 ص 231.
11) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 10.
أشرنا إلى أنَّ الصُّلح عقدٌ عرفًا، وقد أمضاه الشَّارع:
كتابًا،
وسنَّةً،
وإجماعًا - كما ادَّعىٰ المحقِّق البجنورديُّ قدس سره تحصيلَ الإجماع عليه من جميع طوائف المسلمين(1)-.
فالمهمُّ الأصيل في الباب هو بناءُ العقلاء والعرف(2).
فلوورد في الكتاب العزيز قولُه - تعالى! -: «فَاتَّقُوا اَللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ»(3)، علىٰ المختار من أنَّ إصلاحَ ذات البين علىٰ أقسامٍ منها الصُّلح المبحوثُ عنه في الفقه؛ ولذلك قال الفاضل المقدادُ قدس سره في قوله - تعالى! -: «وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ»: «أي: الحالُ الَّتي بينكم من المنازعة»(4). وللرَّاونديِّ قدس سره(5)والفاضل الجواد قدس سره(6)وغيرهما - كالجرجانيِّ قدس سره(7)والقُرطُبيِّ قدس سره(8)- هيهنا كلماتٌ لك أن تُراجِع
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 11.
2) . وقد عبَّر عنه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره بالعقل؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 11.
3) . كريمة 1 الأنفال.
4) . راجع: كنز العرفان، ج 1 ص 255.
5) . راجع: فقه القرآن، ج 1 ص 250.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 2 ص 90.
7) . راجع: آيات الأحكام، ج 1 ص 325.
8) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 7 ص 364.
إليها -.
وكذلك لورُوِي عن المعصوم عليه السلام أنَّه قال: «الصُّلحُ جائزٌ بين النَّاس»؛ كما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3)، وغيرهم؛ بسندٍ صحَّحه بعضُهم، كالسَّيِّد المحقِّق الشَّفتي قدس سره(4)، وشارح المفاتيح قدس سره(5)وغيرهما وإن لم يخْلُ عن إشكالٍ -؛
وعنه صلى الله عليه و آله أنَّه قال: «إصلاحُ ذات البَين أفضلُ من عامَّة الصَّلوة والصَّوم»؛ كما عن الشَّيخ قدس سره(6)، وفي تهذيبه(7)، والقاضي النُّعمان قدس سره(8)، والصَّدوق قدس سره(9)، وابنِأبي جمهورٍ قدس سره(10)، والحرِّ قدس سره(11)وغيرهم؛ وقد رُوِي في صورة: «صلاح ذات
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 259 الحديث 5.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 208 الحديث 479.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 443 الحديث 24010.
4) . راجع: رسائل فقهي المطبوعة في ميراث حوزۀ اصفهان، ج 1 ص 282.
5) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 12 ص 234.
6) . راجع: الأمالي، ص 522 الحديث 1154.
7) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 177.
8) . راجع: دعائمُ الإسلام، ج 2 ص 349.
9) . راجع: ثواب الأعمال، ص 148.
10) . راجع: عوالىء اللَّآلي، ج 1 ص 266 الحديث 62.
11) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 440 الحديث 24005.
البين...» أيضًا، كما عن الرَّضيِّ قدس سره(1)، والكلينيِّ قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والفيض قدس سره(5)وغيرهم؛ والصَّلاحُ يشمل الإصلاح أيضًا -؛
وكذلك لوأجمَعَتِ الأصحابُ علىٰ صحَّته وترتُّب الثَّواب البالغ الكثير عليه(6)،
ليس هذا كلُّه إلَّاإمضاء لسيرة المتشرِّعة الثَّابتة في المقام.
فليس في هذه الأدلَّة كلِّها تعبُّدٌ، بل هي إمضاءٌ وإرشادٌ إلى ما هو مركوزٌ عند العقلاء من كون الصُّلح عقدٌ من العقود شُرِّع لرفع الخُصومات وجَلب الأُلفة بين النَّاس. كما أشار كثيرٌ من فقهائنا إلى عُرفيَّة عقد الصُّلح، في ماهيَّته، أو في مُتَعلَّقه، أو في تشخيص القابل من الموجب، أو في غيرها؛ كالمحقِّق المراغيِّ قدس سره(7)، والمحقِّق القزوينيِّ قدس سره(8)، وغيرهما.
فإذن الأصل في المقام هو السِّيرة(9)وبها نستدلُّ علىٰ حجِّيَّة القاعدة. وقد أشرنا
1) . راجع: نهج البلاغة، ص 362.
2) . راجع: الكافي، ج 7 ص 51.
3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 4 ص 189 الحديث 5433.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 177.
5) . راجع: الوافي، ج 2 ص 330.
6) . أقول: وانظر: هدىٰ المتَّقين، ص 188.
7) . راجع: العناوينُ الفقهيَّة، ج 2 ص 227.
8) . راجع: ينابيع الأحكام، ج 2 ص 610.
9) . كما أنَّ المحقِّق البجنورديَّ قدس سره بعد أن ذكر طائفةً من آيات الباب قال: «وهذه الآيات صريحةٌ في إمضاء الشَّارع الأقدس الصُّلحَ المتعارَف بين أهل العرف والعقلاء»؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 10.
إلى اِنعقاد الإجماع بين الأصحاب علىٰ جواز الصُّلح وصحَّته، كما عن الأردبيليِّ قدس سره(1)، والمحقِّق السَّبزواريِّ قدس سره(2)، وغيرهما.
وهيهنا تنبيهاتٌ هامَّةٌ.
هل الصُّلح عقدٌ جائزٌ؟، أو لازمٌ؟.
أقول: الظَّاهر أنَّه عقدٌ لازمٌ - كما عن المحقِّق قدس سره(3)، وابنِسعيدٍ الحلِّي قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره(5)، وفي تلخيصه(6)، والشَّهيد قدس سره(7)، وفي قواعده(8)أيضًا، والمحقِّق الكَركيِّ قدس سره(9)، والمحقِّق الفيض قدس سره(10)، والبحرانيِّ قدس سره(11)، والأدبيلي قدس سره(12)وغيرهم -؛
1) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 9 ص 329.
2) . راجع: كفاية الفقه، ج 1 ص 606.
3) . راجع: نكت النِّهاية، ج 2 ص 235.
4) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 306.
5) . راجع: تحرير الأحكام، ج 6 ص 318 المسألة 5295.
6) . راجع: تلخيص المرام، ص 119.
7) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 329.
8) . راجع: القوائد والفوائد، ج 2 ص 243.
9) . راجع: رسائل المحقِّق الكركي، ج 1 ص 176.
10) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 120.
11) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 14.
12) . راجع: ممع الفائدة والبرهان، ج 9 ص 340.
لأنَّه - مضافًا إلى اشتمال أمثال قوله تعالىٰ!: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» عليه -: أنَّه شُرِّع في غالب الأحيان لرَفع النِّزاع، والجوازُ ينافي ذلك(1).
ثمَّ من البَيِّن أنَّ الَّذين ذكروا هيهنا «أنَّ الصُّلح جائزٌ» ماأرادوا منه كونَه جائزًا، لا لازمًا؛ بل المرادُ من «الجواز» هيهنا معناه اللُّغويُّ، لا مصطَلَحه الفقهيُّ. ويدلُّ علىٰ هذا ما ذكروه بعدَ قولِهِم بكونه جائزًا، قال الحلبيُّ أبوالصَّلاح قدس سره: «الصُّلحُ حكمٌ جائزٌ لاخيار لأحدِ الخَصمَين بعد مُضِيِّه...»(2)وعن السُّلَّار قدس سره: «الصُّلحُ جائزٌ بين المسلمين... ولايجوز الرُّجوعُ فيه إذا انعقد»(3)
وقريبٌ منهما أو نظيرهما ما عن الشَّيخ قدس سره(4)، وابن زهرة قدس سره(5)، وابن إدريس قدس سره(6)، وغيرهم.
وكذلك قولُهُم في تعريفه: «عقدٌ سائغٌ»، فالمرادُ بها أنَّه ممكنٌ شرعًا غير حرامٍ بحسبه؛ كما عن العلَّامة قدس سره(7)، والفخر قدس سره(8)، والمحقِّق الكركيِّ قدس سره(9)، والمحقِّق
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 20.
2) . راجع: الكافي في الفقه، ص 452.
3) . راجع: المَراسم العلويَّة، ص 197.
4) . راجع: النِّهاية، ص 313.
5) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 254.
6) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 65.
7) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 172.
8) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 2 ص 104.
9) . راجع: جامع المقاصد، ج 5 ص 407.
الأردبيليِّ قدس سره(1)، وغيرهم.
الصُّلح عقدٌ مستقلٌّ - كما هو خِيَرَة العلَّامة قدس سره(2)، وفي مختلفه(3)، والفاضل المقداد قدس سره(4)، وابن إدريس قدس سره(5)، وابن سعيدٍ قدس سره(6)، والأردبيليِّ قدس سره(7)-؛ فإذن:
ليس من البيع إن أفاد اِنتقال مالٍ بمالٍ؛
وليس من الإجارة إن أفاد تمليك المنفعة؛
وليس من الهِبَة إن أفادها؛
ولا من العارية إن أوجَبَها أيضًا.
وما قيل من: «كونه من هذه الأقسام»؛
يُنافي فهمَ العرف عنه!. ولذلك نقَلَ العلَّامةُ قدس سره في التَّذكرة(8)انعقادَ الإجماع علىٰ كونه عقدًا مستقلًّا قائمًا بنفسه. نعم! للشَّيخ قدس سره في هذه المسألة قولانِ ذكرهما في المبسوط؛
1) . راجع: ممع الفائدة والبرهان، ج 9 ص 329.
2) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 7 المسألة 4015.
3) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 6 ص 217.
4) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 199.
5) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 64.
6) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 306.
7) . راجع: ممع الفائدة والبرهان، ج 9 ص 334.
8) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 11 ص 358.
أمَّا الأوَّل فهو ما اختاره المشهورُ(1)
أمَّا الثَّاني فهو قوله: «فإذا ثبت هذا فالصُّلحُ ليس بأصلٍ في نفسه، وإنَّما هو فرعٌ لغيره. وهو علىٰ خمسة أضرُبٍ، أحدها فرعُ البيع، وثانيها فرعُ الإبراءِ، وثالثُها...»(2)- وهذا ما أشرنا إليه هيهنا -.
وقوله هذا غريبٌ جدًّا!، ولذلك وجَّهَهُ الأردبيليُّ قدس سره بأنَّ «قول المبسوط نقْلٌ عن العامَّة، لا مذهبٌ له»(3).
وثاني قولَي الشَّيخ اختاره الرَّاونديُّ قدس سره(4)أيضًا، ولم أعثُر علىٰ غيره انتَهَجَ هذا المنهَج مطلقًا.
فهو إذن عقدٌ لازمٌ مستقلٌّ تترتَّب عليه أحكامُه من غير أن تترتَّب عليه أحكامُ البيع والإجارة والهِبَة والعارية ونحوها(5).
وهذا واضحٌ، و - كما أشرنا إليه - يدلُّ عليه العُرفُ والفهمُ العرفيُّ(6).
الصُّلح جائزٌ علىٰ الإقرار والإنكار إجماعًا - منَّا، كما عن الشَّيخ قدس سره في خلافه(7)،
ومبسوطه(1)، وابن إدريس قدس سره(2)، والعلَّامة قدس سره(3)، والشَّهيد قدس سره(4)، وثاني المحقِّقَين 0(5)، وغيرهم؛
خلافًا للشَّافعي قدس سره حيث ذهب إلى أنَّه لايجوز الصُّلح علىٰ الإنكار(6)، وتابَعَه فيه بعضُهم، كالجُوَينِيِّ قدس سره، كما حكاه عنه العلَّامة قدس سره(7)
ولمالكٍ قدس سره وأبي حنيفة قدس سره حيث ذهبا إلى أنَّه لايجوز علىٰ الإقرار، كما حكاه الفاضلُ الآبيُّ قدس سره(8)عنهما -؛ ففي صورة الإقرار الصُّلح علىٰ ما يُقَرُّ به، وفي صورة الإنكار يقع علىٰ المُدَّعىٰ عليه. فالصُّلح صحيحٌ ويتمُّ أركانُه من غير فرقٍ بين أن يكون الإقرارُ أو الإنكار صادقًا، أو كاذبًا(9).
لوكان المُقِرُّ أو المنكِر كاذبًا في قوله، ثمَّ انكشف الأمرُ بعد الصُّلح فالصُّلحُ فاسدٌ، أم لم يُفسد بهذا الخلاف؟.
المشهور عند الأصحاب هو الفَساد، لأنَّ حال الصُّلح حال غيره من الأحكام
1) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 289.
2) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 65.
3) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 16 ص 22.
4) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 335.
5) . راجع: جامع المقاصد، ج 5 ص 410.
6) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 293.
7) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 16 ص 22.
8) . راجع: كشف الرُّموز، ج 2 ص 5.
9) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 14.
والمعاملات من مؤدَّيات الأمارات والأصول، حيث يجب ترتيب الأثر المؤدَّىٰ ما لم ينكشف الخلافُ.
وهذا عندي في غاية الإشكال، بل ليس بصحيحٍ أصلًا!؛ لأنَّا قد فصَّلنا الكلامَ في علم الأصول في أنَّ الإجزاء في مؤدَّيات الأمارات والأصول - المحرِزة منها وغير المحرِزة - ليس إلَّالرفع الشَّارع يدَه عن الواقع والواقعيَّات؛
والصُّلح حيث إنَّه وُضِع لرفع النِّزاعات فيحكم الشَّارع فيه - تبعًا للعقلاء - بتماميَّة الدَّعوىٰ علىٰ ما وَقَع الصُّلح عليه، فهو كباب القضاء؛
وإذن بعد حكم الحاكم يتمُّ الدَّعوىٰ، ولايجوز للمدَّعي طرحُه مرَّةً أُخرىٰ بعده.
نعم! في الباب رواياتٌ تدلُّ علىٰ أنَّ الصُّلح حكمٌ ظاهريٌّ يرفع الظَّاهر، أمَّا الواقع فهو باقٍ علىٰ ذمَّة المتصالِحَين؛ فإذا انكشَفَ الواقعُ فعلىٰ ذمَّتَيهما أن يعمَلا بما هو الواقع، فعلىٰ الخاطىءِ ردُّ ما في ذمَّته.
منها: خبرُ عليِّ بن أبي حمزة عن أبي الحسن عليه السلام: «قال: قلتُ لأبي الحسن عليه السلام:
رجلٌ يهوديٌّ أو نصرانيٌّ كانتْ له عندي أربعةُ آلاف درهمٍ مات، أ ليَ أن أُصالِحَ ورثَتَه ولاأُعلِمَهُم كم كان؟، قال عليه السلام: لايجوز حتَّى تُخبِرَهم»؛ علىٰ ما رواه الصَّدوقُ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3)وغيرهم. والسَّند صحيحٌ وإن كان فيه عليُّ بن أبي حمزة البطائني الواقفي، لاموثَّقٌ كما وثَّقَه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره(4)، وذلك لأنَّ ابنَ
أبي عُمَيرٍ فيه «الُمجمَعُ علىٰ تصحيح رواياته» كما عن صاحب الرِّياض قدس سره(1)وقد صحَّحه الفقيه السَّبزواريُّ قدس سره(2)وقد قوَّاه الميرزا القمِّي قدس سره(3).
وكيف كان فلابأس بالسَّند.
ومنها: صحيحة عمرَ بن يزيدَ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «إذا كان لرجلٍ علىٰ رجلٍ دَينٌ فمطَلَه حتَّى مات ثمَّ صالَحَ ورثتَه علىٰ شيءٍ، فالَّذي أخذتْه الورثةُ لهم، وما بقي فللميِّت حتَّىٰ يَستَوفيَهُ منه في الآخرة»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، والفيضُ قدس سره(6)، والحرُّ قدس سره(7)وغيرهم؛ بسندٍ لاخلاف في صحَّته، كما عن المجلسيِّ قدس سره في مرآته(8)، وملاذه(9)، والسَّيِّد عبداللَّه الجزائريِّ قدس سره(10)، والبحرانيِّ قدس سره(11)، وصاحب الرِّياض قدس سره(12)، والفقيه النَّجفيِّ قدس سره(13)وغيرهم.
1) . راجع: رياض المَسائل، ج 9 ص 304.
2) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 18 ص 175.
3) . راجع: جامع الشِّتات، ج 3 ص 114.
4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 259 الحديث 8.
5) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 208 الحديث 480.
6) . راجع: الوافي، ج 18 ص 898 الحديث 18532.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 446 الحديث 24016.
8) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 330.
9) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 9 ص 550.
10) . راجع: التُّحفة السَّنيَّة، ص 72.
11) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 89.
12) . راجع: رياض المَسائل، ج 9 ص 301.
13) . راجع: جواهر الكلام، ج 26 ص 213.
إلَّا أنَّ الرِّوايات كلَّها ليستْ بصدد بطلان الصُّلح، بل وردَتْ بصدد بيان أنَّ الخُدعَة حرامٌ ولابدَّ للخادع من الحساب عنها يوم الحساب.
فالصُّلح صحيحٌ، إلَّاأنَّه إذا قام علىٰ أساس الخُدعة لايُحلِّلُ حرامًا و لايحرِّم حلالًا، كما قال النَّبيُّ الكريمُ صلى الله عليه و آله: «الصُّلح جائزٌ بين المسلمين إلَّاأن يُحلِّل الحرامَ أو يحرِّم الحلالَ»(1).
لاإشكال في أنَّ الصُّلح لايحلِّل الحرامَ ولايحرِّم الحلالَ، لأنَّ ذلك تصرُّفٌ في أحكام اللَّه - تعالى! -، وينافيه كون النَّبيِّ الأعظم صلى الله عليه و آله خاتمَ الأنبياء عليهم السلام، وكون دينه خاتمَ الأديان؛ وقد أشرنا آنفًا إلى قول النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله في هذا المضمار.
فلووقع الصُّلح بين الزَّوجين علىٰ حرمة بضع الزَّوجة علىٰ الزَّوج، فلاكلام في فَساد هذا الصُّلح؛
كما أنَّه لوحلَّل بضعَ مرأةٍ محرَّمةٍ عليه علىٰ نفسِه بالصُّلح معها، فهذا الصُّلح أيضًا باطلٌ قطعًا.
هذا؛ ثمَّ إنَّه يقع الكلام في صلحٍ لايحرِّم حلالًا ولايحلِّل حرامًا، لكنَّه يشبه بذلك - كالصُّلح علىٰ أن لايزوِّج من هذه المرأة مع اعتقادهما حلِّيَّة هذا الزِّواج -؛
فهل هذا الصُّلح فاسدٌ وباطلٌ أيضًا؟ أم ليس بفاسدٍ؟.
1) . قد أشرنا إلى مصادره آنفًا، فراجع إليه.
فيه خلافٌ(1).
الأقوىٰ عندي هو الجوازُ، لوجود المقتضي واِنتفاء المانع(2).
وذهب المحقِّق قدس سره في الشَّرائع إلى الجواز(3)وادَّعىٰ شارحُه الكبيرُ صاحب الجواهر قدس سره انعقادَ الإجماع عليه(4).
واستدلَّ(5)أيضًا بصحيحة الحلبيِّ «في رجلين اشتركا في مالٍ فربحا فيه، وكان من المال دَينٌ وعليهما دَينٌ، فقال أحدُهما لصاحبه: إعطِني رأسَ المال ولك الرِّبحُ وعليك التَّوىٰ، فقال: لابأس إذا اشترطا، فإذا كان شرطٌ يخالفُ كتابَ اللَّه فهو ردٌّ إلى كتاب اللَّه - عزَّ وجلَّ! -».
والرِّوايةُ - الَّتي رواها الكلينيُّ قدس سره(6)، والصَّدوق قدس سره(7)، والشَّيخ قدس سره(8)، والفيض قدس سره(9)، والحرُّ قدس سره(10)- كالنَّصِّ في جواز المسألة.
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 18.
2) . وانظر أيضًا: العناوينُ الفقهيَّة، ج 2 ص 227.
3) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 99.
4) . قال: «بلاخلافٍ في الجملة فيه»؛ راجع: جواهر الكلام، ج 26 ص 219.
5) . راجع: نفس المصدر.
6) . راجع: الكافي، ج 5 ص 258 الحديث 1.
7) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 229 الحديث 3848.
8) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 207 الحديث 476.
9) . راجع: الوافي، ج 18 ص 889 الحديث 18510.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 444 الحديث 24012.
والسَّند عندنا صحيحٌ وإن حَسَّنَه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره في مرآته(1)، وصحَّحه في ملاذه(2)، لاختلافٍ فيه بين الكافي والتَّهذيب؛ وقد صحَّحَه الشَّهيد الثَّاني 0(3)، وأوَّل المجلسيَّين 0(4)، والمحقِّق العاملي قدس سره(5)، والمحقِّق القمِّي قدس سره(6)وغيرهم أيضًا.
وما قيل من: «أنَّ الرِّواية فيما إذا تمَّت الشِّركة وأراد المتشاركان الصُّلحَ واختتامَ التَّشارُك، فلاتأتي في نفس الشِّركة قبل اختتامها» - كما أشار إليه ثاني الُمحقِّقَين 0(7)، وثاني الشَّهيدين 0(8)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(9)، وغيرهم -؛
صحيحٌ، إلَّاأنَّ قوله عليه السلام «إنَّ الصُّلح جائزٌ مادام لم يكن مخالفًا للكتاب» - المستفادَّ من نصِّ الحديث الشَّريف - تشملُ الصُّلح من بدو انعقاده بين المتصالِحَين إلى ختمه؛ وكذلك يشمل سائرَ المعاملات أيضًا.
إنَّ الصُّلح في غالب الأحيان وُضِعَ لرفع النِّزاع في المجهولات، وإنَّه وإنْ وقعَ للتَّصالُح في المعلومات إلَّاأنَّه قليلٌ جدًّا بالنِّسبة إلى المورد الأوَّل من موارد وقوعه
1) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 328.
2) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 9 ص 547.
3) . راجع: مسالك الأفهام، ج 4 ص 265.
4) . راجع: روضة المتَّقين، ج 6 ص 92.
5) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 17 ص 55.
6) . راجع: جامع الشِّتات، ج 3 ص 157.
7) . راجع: جامع المقاصد، ج 5 ص 413.
8) . راجع: مسالك الأفهام، ج 4 ص 265.
9) . راجع: ممع الفائدة والبرهان، ج 9 ص 341.
ووضعه.
فإذا لم يعلم أحدُ المتصالِحَين مقدارَ ما استقرَّ علىٰ ذمَّته، يقع الصلح لإبراء ذمَّته منه؛ وأمَّا مع العلم به فلامعنىٰ للصُّلح أصلًا إلَّامع تأويلٍ.
فقول المحقِّق السَّبزواريِّ قدس سره: «ويصحُّ المصالحة مع علم المُصطَلِحَين بلاريبٍ ومع جهلهما»(1)لايخلو عن شيءٍ قطعًا!. وهذا النَّصُّ يُوجَد عند غيره من فقهائنا، كالمحقِّق قدس سره في شرائعه(2)، ومختصره(3)، والعلَّامة قدس سره(4)، وفي تبصرتِه(5)، والشَّهيد قدس سره(6)، والمقداد قدس سره(7)، والصَّيمريِّ قدس سره(8)، وثاني الشهيدَين 0(9)وغيرهم.
ويدلُّ علىٰ أصل المطلب - مضافًا إلى وضوحه عرفًا - جملةٌ من الرِّوايات؛
منها: صحيحةُ محمَّد بن مسلمٍ - كما صحَّحها البحرانيُّ قدس سره(10)، والعامليُّ قدس سره(11)،
1) . راجع: كفاية الفقه، ج 1 ص 609.
2) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 99.
3) . راجع: المختصر النَّافع، ج 1 ص 144.
4) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 404.
5) . راجع: تبصرة المتعلِّمين، ص 120.
6) . راجع: غاية المراد، ج 2 ص 231.
7) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 202.
8) . راجع: غاية المَرام، ج 2 ص 222.
9) . راجع: مسالك الأفهام، ج 4 ص 263.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 18 ص 354.
11) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 17 ص 26.
والمحقِّق القمِّي قدس سره(1)وغيرهم - عن أبي جعفرٍ عليه السلام: «سألتُه في رجُلَين كان لكلِّ واحدٍ منهما طعامٌ عند صاحبه ولايدري كلُّ واحدٍ منهما كم له عند صاحبه، فقال كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه: لك ما عندك وليَ ما عندي؛ قال: لابأس بذلك إذا تراضَيا وطابَتْ أنفسُهُما»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والفيض قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6).
فالجهلُ بالمقدار - بل الجهلُ بالجنس ونحوهما - يجري فيه الصُّلح بلاإشكالٍ(7).
قد اشتهر بين الأصحاب أنَّ المعاوَضات - ومنها الصُّلح - لوظهر فيها أنَّ إحدىٰ المعاوَضات ليس للمعاوِض، بل ليس إلَّالغيره، أو أنَّها ممَّا لايجوز عليه المعاوَضَة - كالخمر والخنزير - فإذن المعاوَضَة فاسدةٌ، لعدم وجود الطَّرف للمعاوضة، حيث إنَّ وجودَ الطَّرَفين في المعاوضة لازمٌ قطعًا، بدلالة العقل بعد إقرار العُرف والسِّيرة عليه(8).
1) . راجع: جامع الشِّتات، ج 3 ص 271.
2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 258 الحديث 2.
3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 33 الحديث 2368.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 206 الحديث 470.
5) . راجع: الوافي، ج 18 ص 892 الحديث 18514.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 445 الحديث 24013.
7) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 19.
8) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 26.
نعم! في الكلِّيَّات ليست بفاسدةٍ، لأنَّ الطَّرفين موجودٌ في هذه المعاوضة بالنَّحو الكلِّيِّ. فإذن لثاني المعاوِضين أن يُطالِب بالمصداق، فلوردَّ إليه الأوَّلُ ما لايكون له أو لايكون بمصداقٍ للكُلِّيِّ فللثَّاني أن يرُدَّ المعاوضة بردِّ المعاوَض؛ والبحث مبثوثٌ في كتب الفقهاء، كالعلَّامة قدس سره في إرشاده(1)، وفي تحريره(2)، ومنتهاه(3)، وغيره.
ولكن عندي في هذا إشكالٌ، لأنَّ العُرف لايرىٰ الفَساد حينئذٍ، بل يرىٰ صحَّة المعاملة ويطلُب بالمطلوب بعده، ويردُّ ما لم يكن موردًا للمعاملة؛ من غير أن يُفرِّق بين الكلِّيِّ والجزئيِّ.
المشهور أنَّ الخياراتَ كلَّها تختصٌّ بالبيع، ولاتردُ في غيره - كالصُّلح -.
أقول: إنَّ القاعدةَ العُرفيَّة تدلُّ علىٰ جريانها في جميع المعاوَضات، ففي البيع يجري خيارُ العيب، وفي الإجارة أيضًا، وفي الصُّلح كذلك؛
فاِختصاصُها بالبيع لاوجه له قطعًا؛ كما اختاره الفاضل المقداد قدس سره، قال في خيار الغبن: «هذا الخيارُ ثابتٌ في كلِّ معاوَضَةٍ ماليَّةٍ محضةٍ، كالبيع والمزارعة والمساقاة والصُّلح وغيرها من المعاوَضات الماليَّة عوضًا»(4)واختاره الفاضلُ القمِّي قدس سره(5)وانظُر إلى ما ذكره الشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(6)، والشَّيخ
مهدي قدس سره من نفس الآل(1)، والمحقِّق السَّيِّد القزويني قدس سره(2)وغيرهم أيضًا.
نعم! علىٰ القول بكون الخيارات من باب التَّعبُّد فله وجهٌ، لكن لاتعبُّدَ فيها إلَّا في قليلٍ منها، كخيارَي المجلس والحَيَوان.
وحيث إنَّ سند الخيارات هو العرفُ وإمضاء الشَّارع إيَّاه، فلااِختصاص فيها، لأنَّ أهلَ العُرف كما يرون خيارَ العيب في البيع، يرون خيار العيب في الصُّلح، و في سائر المعاملات أيضًا؛
حتَّى أنَّ أخذ الأرش أو فسخ المعاملة لايختصُّ عندهم بخيار العيب، بل يجيء في جميع الخيارات، وفي الصُّلح كذلك. فإذا ظهر العيبُ فلأحد المتعامِلَين أخذُ الأرش، أو فسخُ العقد؛
كما أنَّه إذا ظهَرَ الغبنُ في الصُّلح فلِمَن غبَن من المتصالِحَين الفسخُ، أو أخذُ الأرش. فلافرق في اِختيار العرش أو الفسخ من هذه النَّاحيَة - بيعًا كان أو صلحًا -.
لاأقولُ: لوظهر الغبنُ في ما وقع الصُّلح عليه فللمَغبون الأرشُ، أو الفسخ؛ وذلك لأنَّ الصُّلح وُضِع لرفع النِّزاع، لا للتَّنازع؛
بل أقول: له هذا لوظهر الغبنُ في أصل الصُّلح. وبهذا نقول في خيار الغبن مع إسقاط المغبون كافَّةَ الخيارات حتَّى خيار الغبن؛ فلوظهر غبنٌ في مورد الغبن فليس له أن يدَّعي إجراء خيار الغبن والَّتمسُّك به، لأنَّه أسقَطَه؛
وأمَّا لوظهر في إسقاط خيار الغبن غبنٌ، فله أن يعمل به في إسقاطه، لا في مورد المغبون.
فتلخَّص ممَّا ذكرنا جميعًا: إنَّ الخياراتَ كلَّها تجيء في جميع المعاوَضات، ومنها الصُّلح؛ أللَّهمَّ إلَّافي ما أشرنا إلى وقوع التَّعبُّد فيه منها، وهذا لاينافي جعْل الصُّلح ووضعه لرفع النِّزاع وإتمامه، لأنَّ ذلك يوجب أن لايقدر علىٰ إبطال الصُّلح؛
وأمَّا لوكانت في عقد الصُّلح عيبٌ أو غبنٌ، فللمتصالِح المغبونِ أن يفسخ العقد، أو يأخذ الأرشَ. فتأمَّلْ في ذلك!، لأنَّه خلاف ما اتَّخذه المشهورُ رأيًا في المسألة.
إنَّ الفقهاء ذكروا في كتاب الصُّلح فروعًا كثيرةً(1)، وتلك الفروع في أكثر الموارد لاترتبط بالصُّلح أصلًا، بل ذُكِرتْ بقاعدة تسلسل الخواطر وجرْيِ الكلام علىٰ الكلام!.
منها: ما هو اشتهَر بينهم بمسألة درهم الوَدَعيِّ - كما في المناهل(2)، والرِّياض(3)، والنِّهاية(4)-، وقد وردتْ فيها رواياتٌ؛
منها: صحيحةُ ابنِالمغيرة عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «في رجلين كان معهما درهمانِ، فقال أحدُهما: الدِّرهمانِ لي، وقال الآخرُ: هما بيني وبينك؛ فقال: أمَّا الَّذي قال هما بيني وبينك فقد أقرَّ بأنَّ أحد الدِّرهَمَين ليس له وأنَّه لصاحبه، ويُقْسَمُ الدِّرهم الثَّاني
بينهما نِصفَين»؛ علىٰ ما رواه الشَّيخ الحرُّ قدس سره - واللَّفظُ له(1)-، والشَّيخ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3).
أقول: مسألةُ درهم الوَدَعِيِّ مسألةٌ مشهورةٌ مسلَّمَةٌ في فقهنا، وتنشعب عنها فروعاتٌ جمَّةٌ، فلاكلام في أصلها. إنَّما الكلامُ في أنَّها:
هل هي من باب قانون الإنصاف والعدل - كما قال به جمعٌ من الأعلام(4)-؟؛
أو: من باب حكم الحاكم؟؛
أو: من باب الصُّلح؟؛
أو: تجب فيها القرعة؟؛
أو:...؛
ذهبَ إلى كلٍّ فريقٌ من الأعلام(5). والمقصود هيهنا من هذا الكلام أنَّ المسألة لاتنحَصِر بباب الصُّلح - كما ذكرها بعضُهُم هيهنا -، بل يمكن جعلُها من مصاديق الباب، أو من مصاديق أبوابٍ أُخَر؛
وكذلك في غيرها من المسائل الَّتي ذكروها كأمثلةٍ للباب.
وسنشير إلى جملةٍ من هذه الأمثلة، كما هو المألوفُ في هذه الرِّسالة من ذكر
1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 450 الحديث 24022.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 208 الحديث 480.
3) . راجع: الوافي، ج 16 ص 1114 الحديث 16761.
4) . كما أشار إليه المحقِّق العراقيُّ قدس سره، راجع: كتاب القضاء، ص 146؛ والمحقِّق البجنورديُّ قدس سره، راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 321.
5) . وانظر: نهاية الأفكار، ج 4 ص 107؛ الزَّكاة في الشَّريعة الإسلاميَّة، ج 2 ص 500.
أمثلةٍ لاستعمال كلِّ قاعدةٍ في الفقه.
قال ابنُزهرة قدس سره: «مَن ادَّعىٰ علىٰ غيره مالًا مجهولًا فأقرَّ له به وصالحَهُ فيه علىٰ مالٍ معلومٍ صحَّ الصُّلح، لقوله - تعالى! -: «وَ اَلصُّلْحُ خَيْرٌ»(1)، لأنَّه لم يُفرِّق؛ ولقوله عليه السلام: «الصُّلح جائزٌ بين المسلمين»(2).
قال السَّيِّدُ قدس سره في العروة: «إذا صالَحَهُ علىٰ داره مثلًا وشرط عليه أن يحُجَّ عنه بعد موته صحَّ»(3).
وانظر إلى ما ذكره شُرَّاح العبارة - وإن كان بعضُه راجعًا إلى أحكام الوصيَّة -، كالسَّيِّد الحكيم قدس سره(4)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيِّ قدس سره(5)، والسَّيِّد السَّبزواريِّ قدس سره(6).
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الفقيه الشَّيخ حسن بن كاشف الغطاء 0 - راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الوقف، ص 33 -؛ والمحقِّق النَّجفي قدس سره - راجع: جواهر الكلام، ج 23 ص 322 -؛ والشَّيخ مهدي آل كاشف الغطاء قدس سره - راجع: مورد الأنام، ج 4 ص 254 -؛ والمحقِّق اللَّاري قدس سره - راجع: التَّعليقة علىٰ كتاب المكاسب، ج 2 ص 129 -.
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقق ثاني النَّراقيَّين 0 - راجع: مستند الشِّيعة، ج 16 ص 170 -؛ والمحقِّق الحكيم السَّبزواريُّ قدس سره - راجع: شرح نِبراس الهُدىٰ، ص 398 -.
اشتهر بين الأصحاب أنَّ العُقُودَ تابعةٌ للقُصُودِ؛ فالقاعدة إجماعيَّةٌ بينهم. وقد وردت في كلمات فخر المحقِّقين قدس سره(1)، والمحقِّق الثَّاني 0(2)، والشَّهيد الثَّاني 0(3)، والمحقِّق المقدَّس قدس سره(4)، وصاحب المدارك قدس سره(5)، وأوَّل المجلسيَّين 0(6)، والفيض قدس سره(7)، وصاحب الحدائق قدس سره(8)، وفي دُرَره(9)أيضًا، والمحقِّق العاملي قدس سره(10)، وصاحب الجواهر قدس سره(11)، وغيرهم الكثيرين؛
بل يمكن أن يُقال: لايُوجَد أثرٌ من المتأخِّرين إلَّاوقد أُشير فيه إلى القاعدة. ولاإشكال ولاكلام لهم فيها؛ إذ العقد عهدٌ - كما عن اللُّغويِّين؛ قال الخليلُ قدس سره:
«العقد مثل العهد، عاقدتُه عقدًا مثل عاهدته عهدًا»(12)، وانظر إلى ما ذكره
1) . راجع: ايضاح الفوائد، ج 3 ص 129.
2) . راجع: جامع المقاصد، ج 4 ص 76.
3) . راجع: مسالك الأفهام، ج 6 ص 50.
4) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 372.
5) . راجع: نهاية المرام، ج 1 ص 244.
6) . راجع: روضة المتَّقين، ج 8 ص 466.
7) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 63.
8) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 25 ص 385.
9) . راجع: الدُّرَر النَّجفيَّة، ج 3 ص 213.
10) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 12 ص 628.
11) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 370.
12) . راجع: العَين، ج 1 ص 141.
ابنُفارسٍ قدس سره(1)، والرَّاغبُ قدس سره(2)، وابنُسٖيدَة قدس سره(3)، وفي مخصِّصه(4)أيضًا، والزَّمخشريُّ قدس سره(5)، وفي مقدَّمته(6)أيضًا، ونشوان بن سعيدٍ قدس سره(7)-؛
وقد نصَّ العسكريُّ قدس سره في الفرق بينهما: «أنَّ العقد أبلغ من العهدِ»(8)وللمحقِّق الأصفهانيِّ الكمبانيِّ قدس سره نظرٌ آخر هيهنا(9). وكيف كان فهو يتبع ما وقع عليه.
بل يمكن أن يُقال: إنَّ اِنفكاك العقود عن القصود محالٌ، ضرورةَ أنَّه كيف يُعقَل أن يُنشِىءَ أحدٌ عقدًا غيرَ قاصدٍ في هذا العقد؟!؛
فمَن يُنشِىءُ بيعًا متوجِّهًا فيما يفعل، كيف لايريدُ تمليكَ المال لآخرَ؟!، وهل يمكن اِنفكاكُ الإنشاء عن المنشَأ؟!.
وبعبارةٍ أُخرىٰ: إنَّ ما به يُوجَد الإنشاءُ كما يكون آلةً لإنشاء الإنشاء، يكون كاشفًا ومُظهِرًا له؛ فادِّعاء التَّخلُّف فيه - بما أنَّه كاشفٌ - يحتاجُ إلى دليلٍ، إذ الظُّهور حجَّةٌ بلاكلامٍ، ومادام ذلك الظُّهور باقٍ ولم يقم دليلٌ علىٰ خلافه فادِّعاءُ التَّخلُّف لايجري فيه، بل لايُسمَع أصلًا!.
1) . راجع: معجم مقائيس اللُّغة، ج 1 ص 110.
2) . راجع: مفردات ألفاظ القرآن الكريم، ص 576.
3) . راجع: المحكم والمحيط الأعظم، ج 1 ص 166، ثمَّ ج 7 ص 80.
4) . راجع: المخصِّص، ج 13 ص 109.
5) . راجع: الفائق، ج 1 ص 41.
6) . راجع: مقدَّمة الأدب، ص 226.
7) . راجع: شمس العلوم، ج 7 ص 4641.
8) . راجع: الفُروق في اللُّغة، ص 47.
9) . راجع: حاشيَة كتاب المكاسب، ج 4 ص 24.
فبما قلنا ظهَرَ: أنَّ الدَّليل علىٰ عدم اِنفكاك العقد عن القَصدِ هو الضَّرورة العقليَّة،
لا الإجماع(1)
نعم! لم أعثر علىٰ من حكاه إلَّاالمحقِّق البجنورديِّ قدس سره في: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 141.
،أو أصالة الفَساد في المعاملات، إذ الأصلُ عدمُ ترتُّب الأثر علىٰ العقود، كما عن بعضهم التَّنصيصُ به - كصاحب الجواهر قدس سره(2)، والسَّيِّد اليزدي قدس سره(3)، والمحقِّق المامقاني قدس سره(4)، والسَّيِّد الحكيم قدس سره(5)، والشَّيخ مَغنيَة قدس سره(6)-؛ وقد أوضح بعض الأعلام هذا الكلام بقولِه: «كلُّ عقدٍ أو إيقاعٍ شُكَّ في شرعيَّته فهو فاسدٌ، إذ الأصل عدم ترتُّب الأثر عليه؛ وقد قالوا: إنَّ الأصل الأوَّلي في المعاملات هو الفَساد»(7)
وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 141.
.أو قوله صلى الله عليه و آله: «الأعمال بالنِّيَّات»، الَّذي رواه عليُّ بن جعفرٍ قدس سره(8)، والقاضي (1)( 2)( 3)( 4)( 5)( 6)( 7)( 8)
1) . وقد أشرنا إلى إنعقاده بين الأصحاب.
2) . راجع: جواهر الكلام، ج 23 ص 204.
3) . راجع: حاشيَة كتاب المكاسب، ج 1 ص 163.
4) . راجع: نهاية المقال، ص 147.
5) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 14 ص 490.
6) . راجع: فقه الإمام الصَّادق عليه السلام، ج 3 ص 41.
7) . راجع: الفقه / القواعد الفقهيَّة، ص 194.
8) . راجع: مسائل عليِّ بن جعفرٍ ومستدركاتها، ص 346.
نعمان قدس سره(1)، وفي دعائمه(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، الشَّيخ(3)، والحرُّ قدس سره(4)، وغيرهم.
... ونحو ذلك ممَّا يُتراءىٰ من كلمات بعضهم(5).
وهيهنا نكتٌ تجري مجرىٰ تنبيهاتٍ.
إنَّ العقد هو الإنشاء، وهو فعل النَّفس ومِن مُختَرَعاتها. نعم! النَّفس تحتاج في إنشاء العقد إلى التَّصوُّر والتَّصديق والإرادة، كما تحتاج إلى آلةٍ تُبرزُه.
فما قيل: «إنَّ العقدَ من الأمور العقليَّة»؛
أو: «إنَّ العقد هو القولُ والفعلُ» - كما يُشير إليه كلمات بعضهم، كالوحيد الفريد قدس سره(6)، والمحقِّق النَّائينيِّ قدس سره(7)، والسَّيَّد الحكيم قدس سره(8)-؛
خطأٌ نشَأَ من جعل الأسباب مقام المُسبَّبات. نعم! استعمال السَّبب وإرادةُ (9)( 2)( 3)( 4)( 5)( 6)( 7)( 8)( 9)
1) . راجع: دعائم الإسلام، ج 1 ص 156.
2) . راجع: الهداية، ص 62.
3) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 1 ص 83 الحديث 218.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 10 ص 13 الحديث 12713.
5) . وانظر علىٰ سبيل المثال: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 142.
6) . راجع: حاشيَة مجمع الفائدة والبرهان، ص 575.
7) . راجع: المكاسب والبيع، ج 2 ص 128.
8) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 13 ص 53.
9) . راجع: تأويل الدَّعائم، ج 1 ص 85.
المُسبَّب جائزٌ علىٰ سبيل المجاز، كما أنَّ العكسَ جائزٌ أيضًا علىٰ هذا السَّبيل؛ لكن اِدِّعاءُ أنَّ العقد هو نفس الألفاظ أو الأفعال فضعيفٌ جدًّا(1)!؛
كما أنَّ اِدِّعاءَ أنَّ العقد هو الأمر القلبيُّ(1)
أضعفُ منه بمراتبَ!.
قد اُستُشكلَ علىٰ القاعدة بمواردَ اُدُّعِي فيها انفكاك العقد عن القصد، وقد ذُكِرت المواردُ في مسفوراتِ بعضهم؛ منها:
1) . وانظر: دروس الأعلام ونقدُها، ص 100.
2) . راجع: مقابس الأنوار، ص 276.
3) . راجع: كتاب المناهل، ص 267.
4) . راجع: المكاسب والبيع، ج 1 ص 162.
5) . راجع: فقه الإمام جعفر الصَّادق عليه السلام، ج 3 ص 24.
6) . راجع: مصباح الفقاهة، ج 2 ص 145.
7) . راجع: التَّعليقة علىٰ كتاب المكاسب، ج 1 ص 377.
8) . وانظر: بلغة الفقيه، ج 1 ص 116؛ منيَة الطَّالب، ج 1 ص 52؛ محاضراتٌ في فقه الإماميَّة / كتاب البيع، ص 58.
أقول: وانظر ايضًا: حواشي السَّيِّد الكلانتر قدس سره علىٰ مكاسب الشَّيخ الأعظم قدس سره، ج 6 ص 118؛
9) . وانظر أيضًا: بلغة الفقيه، ج 3 ص 14.
لكنِّي أظنُّ أنَّهم لمَّازعموا احتياجَ العقودِ إلى الصِّيغ، ذهبوا إلى فَساد هذا العقد مع ذهابهم إلى جواز التَّصرُّف في المبيع؛ وعلىٰ كلٍّ فإنَّ المعاطاتَ تمليكٌ ولايحتاج إلى الصِّيغة قطعًا.
فالمسألةُ سالبةٌ باِنتفاء الموضوع.
فقد اشتهَرَ أنَّه صحيحٌ مع أنَّ المُكرَهَ لم يرضَ به ولم يقصده - وللمسألة صورٌ قد تعرَّض لها سيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره(1)
أقول: وذكره بعضُ معاصرينا أيضًا؛
راجع: الفقه علىٰ المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت عليهم السلام، ج 2 ص 212.
وانظر إلى ما ذكره الشَّيخ الأعظم قدس سره(2)، والعلَّامة المامقانيُّ قدس سره(3)، والمحقِّق البجنورديُّ قدس سره(4)في المقام -.وفيه: إنَّ المُكرَه قصدَ البيع وإن لم يرض به؛ أمَّا لو لم يقصُدْه فهو باطلٌ وفاسدٌ قطعًا(5).
وهو ما يُباعُ بوصفٍ ليس فيه. وهذا البيع صحيحٌ مع أنَّه لم يُقصَد، بل قُصِد بالبيع المبيعُ الموصوفُ بذلك الوصف.
وفيه: إنَّ مجرىٰ الخيارات في المعاملات هو الهُويَّات والأعيان الخارجيَّة، وحيث إنَّ المبيع تخلَّفَ عن تلك الهويَّة الموصوفة فيجب علىٰ البائع جبرانه.
نعم! لوكان المبيعُ بحسب الخلاف في الوصف غيرَ ما عُقِد عليه البيعُ، فالقعد باطلٌ، لقاعدة «لووقَعَ ما لم يُقصَد أو قُصِد ما لم يقَع فالواقعُ باطلٌ».
وقد نصَّ علىٰ بطلان الواقع الَّذي لم يُقصَد والمقصود الَّذي لم يقع جمعٌ من الأصحاب، كالشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(1)، والفاضل القزوينيِّ قدس سره(2)، والمحقِّق القزوينيِّ قدس سره(3)، وغيرهم.
إذا لم تُذكَر فيها المدَّة. فالمشهور علىٰ أنَّ الزِّواج يصير دائميًّا غيرَ منقطعٍ بعدم ذكر المدَّة في العقد، مع أنَّه لم يقصد قطعًا - كما حكاه العلَّامة قدس سره في التَّحرير(4)عن بعضهم، وهو صريح الشَّيخ قدس سره في نهايته(5)، وخلافه(6)، وابن البرَّاج قدس سره(7)، وأبي الصَّلاح قدس سره(8)،
وابنِزهرة قدس سره(1)، والكَيدريِّ قدس سره(2)-.
أمَّا المختار في المقام، فهو بطلان العقد، لنفس القاعدة المُشار إليها أعلاه - وفاقًا لابن إدريسٍ قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره(4)
وانظر: أيضًا أنموذجٌ في الفقه الجعفريِّ، ص 237.
-.وأمَّا ما قيل في تصحيح العقد من: «أنَّ المتعةَ مركَّبةٌ من النِّكاح والتَّوقيف، وبالتَّوقيت حصلَتْ المتعةُ وبعدمه يحصل النِّكاح الدَّائم»(5)
فليس بسديدٍ!، ضرورةَ أنَّ المشتقَّ بسيطٌ، لا مركَّبٌ؛ فالنِّكاح المشترك بين الدَّائم والمؤَقَّت ليس له وجودٌ خارجيٌّ ينقسم إلى قسمين، بل هو موجودٌ بالقيد - كما هو القاعدة في الكلِّيِّ الطَّبيعيِّ -،
وحيث إنَّه لم يذكر القيد فلايكون بمتعةٍ أصلًا،
وحيث إنَّه لم يقصد الدَّوام فلايكون دائمًا؛
فالمأتيُّ به في هذا العقد فاسدٌ من رأسه.
نعم! في المسألة رواياتٌ وقعَتْ موردَ الَّتمسُّك وذهب المشهور إلى كون الواقع
نكاحًا دائميًّا بالنَّظر اليها؛
منها: ما رواه محمَّد بن يعقوبٍ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4)، وغيرهم؛ عن عبداللَّه بن بُكَيرٍ قال: «قال أبوعبداللَّه عليه السلام في حديثٍ: إن سُمِّي الأجلُ فهو متعةٌ، وإن لم يُسمَّ الأجل فهو نكاحٌ باتٌّ».
والحديث وإن وثَّقَه المشهورُ - كثاني الشَّهيدين 0(5)، والبحرانيِّ قدس سره(6)، وفي دُرَرِه(7)أيضًا، وغيرهما -، لكن لابأس بالسَّند.
ومنها: ما محمَّد بن يعقوبٍ قدس سره(8)، والشَّيخ قدس سره في التَّهذيب(9)، والاِستبصار(10)والفيض قدس سره(11)، والحرُّ قدس سره(12)، وغيرهم؛ وهو ما رووه عن «أبان بن تغلبٍ في حديث صيغة المُتعة أنَّه قال لأبي عبداللَّه عليه السلام: فإنِّي أستحيي أن أذكُرَ شرط الأيَّام!، قال: هو
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 456 الحديث 1.
2) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 7 ص 262 الحديث 1134.
3) . راجع: الوافي، ج 22 ص 660 الحديث 21904.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 21 ص 47 الحديث 26496.
5) . راجع: الرَّوضة البَهيَّة مع حاشيَة سلطان العلماء قدس سره، ج 2 ص 104.
6) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 25 ص 386.
7) . راجع: الدُّرَر النَّجفيَّة، ج 3 ص 214.
8) . راجع: الكافي، ج 5 ص 455 الحديث 3.
9) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 7 ص 265 الحديث 1145.
10) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 150 الحديث 551.
11) . راجع: الوافي، ج 22 ص 653 الحديث 21894.
12) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 21 ص 47 الحديث 26497.
أضرُّ عليك!، قلتُ: وكيف؟، قال لأنَّك إن لم تشرط كان تزويج مقامٍ، ولزمتْكَ النَّفقةُ في العِدَّة وكانت وارثًا ولم تقدر علىٰ أن تُطلِّقها إلَّاطلاقَ السُّنَّة».
والسَّند عند المحقِّق التُّستريِّ قدس سره موثَّقٌ كالصَّحيح(1)، وبعضهم جعله موثَّقًا(2)، لكن يجوز الاِعتماد عليه بلاخلافٍ
فالرِّوايات كلُّها صحيحةٌ سندًا ولاخدشةَ فيها من هذه الجهة. وأمَّا من حيث الدِّلالة، فهي بأجمَعِها إجنبيَّةٌ عن المقام، بل هي بصدد بيان أنَّ النِّكاح عند الشِّيعة الإماميَّة علىٰ ضَربَين، ولا إمتياز بين الضَّربَين إلَّابذكر المُدَّة في واحدٍ منهما وعدم ذكرها في الآخر؛
أمَّا لو لم يذكر المدَّةَ مع إرادة المُتعة فالرِّوايات غير متعَرِّضةٍ له أصلًا.
فإذن تصل النَّوبةُ إلى جريان القاعدة، فقاعدة «ما قُصِد لم يَقَع وما وَقَع لم يُقصَد» تدلُّ علىٰ فساد هذا النِّكاح بتًّا.
هذا هو المختار، وإن اشتَهَر بين الأصحاب خلافُه.
فقال ولدُه قدس سره في شرح العبارة: «فقيل: يفسد، لأنَّ الزَّوجة لم ترضَ إلَّابالزَّائد
علىٰ مهر المثل، والزَّوجُ لم يرض إلَّابالأقلِّ، فإذا لم يحصل ما عليه التَّراضي لم يكن النِّكاح مرضيًّا به، فلايصحُّ، لأنَّ العقود تابعةٌ للقصود»(1).
قال المحقِّق البحرانيُّ قدس سره في مسألة العقد الَّذي اشتمل علىٰ شرطٍ فاسدٍ حاكيًا قولَ بعضٍ ببطلان أصل العقد: «لأنَّ المقصود بالعقد هو المجموع، وأصل العقد مجرَّدًا عن الشَّرط غير مقصودٍ، فيكون باطلًا، لأنَّ العقود تابعةٌ للقصود، فما كان مقصودًا غير صحيحٍ وما كان صحيحًا غير مقصودٍ»(2).
قال الفقيه الشَّيخ عبَّاس آل كاشف الغطاء قدس سره في أنَّ تحقق الوكالة يحتاج إلى إيجابٍ وقبولٍ ويتوقَّف عليهما: «وتكفي الإشارةُ المُفهِمَة مع العجز، وشرطه أن يكون بإيجابٍ دالٍّ علىٰ القصد، لأنَّ العقود تابعةٌ للقصود»(3).
جواز رجوع المغرور إلى الغارِّ.
النَّهي عن الغرر والجهالة(1).
المغرور يرجع إلى الغارِّ(2).
أمَّا الغَرَر لغةً، فقال الخليل: «الغُرُور من غَرَّ يَغُرُّ فيغتَرُّ به المغرور، والغَرورُ
الشَّيطان، والغارُّ الغافل»(1).
وعن أبي هلالٍ العسكريِّ: «أصل الغرور الغفلة، والغرُّ الَّذي لم يجرِّب الأمور يرجع إلى هذا، فكأنَّ الغرور يوقع المغرور فيما هو غافلٌ عنه من الضَّرر والخدع»(2).
وعن ابنِسيدة: «غرَّه... فهو مغرورٌ وغريرٌ: خدعه وأطمعه بالباطل»(3)
ومثله ما عن ابن منظورٍ(4)، والفيروزآباديِّ(5)، والشَّيخ الطُّريحي(6)، وغيرهم.
وذكر الشَّهيد قدس سره معناه الشَّرعي فقال: «هو جهل الحصول»؛ ثمَّ ذكر النِّسبة بينه وبين الجهل، وما يفترقان فيه وما يتصادقان عليه.
تفيدنا القاعدة أنَّه لووقع معاملةٌ - في معناها العامِّ - بين اثنين وكانتْ معاملةً غرريَّةً فللمغرور أن يراجع في خسارته إلى الغارِّ، لجبران خسارته. والعمدة في المقام بحسب الوقوع خارجيًّا هو أنْ يصف البائعُ المبيعَ للمشتري بما ليس فيه، أو لايتمُّ وجوده فيه. وبهذا يُفرَّق بين فقه الخاصَّة وفقه غيرهم في المسألة؛ حيث قال بعض معاصرينا - إن صحَّ قوله -: «بيع الغَرَر عند الحنفيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة والزَّيديَّة والإباضيَّة هو بيع ما لايعلم وجوده وعدمه، أو لاتعلم قلَّته أو
كثرته، أو لايقدر علىٰ تسليمه»(1).
ويرد عليه:
أوَّلًا: إنَّ هذه الموارد وإن يصدق عليها عنوان الغرر، إلَّاأنَّ العمدة في تحقُّقه هو ما أشرنا إليه.
وثانيًا: إنَّ المراد من المعاملة هيهنا هو معناها العام - كما ذكرناه -، بينما أنَّ هذا الكلام لايشمل علىٰ غير البيع من موارد المعاملات، فليس بجامعٍ لجميع أفرادها.
واشتمال القاعدة علىٰ جميع أنواع المعاملة واضحٌ، كما نصَّ عليه المحقِّق الأمير عبدالفتَّاح المراغي قدس سره(2).
فالغرر يُعدُّ من المبطِلات - كما أشار إليه المحقِّق المراغيُّ قدس سره(3)أيضًا -؛ ويدلُّ علىٰ بطلان المعاملة الغَرَريَّة.
والقاعدة اِتِّفاقيَّةٌ بين الفقهاء، بحيث أُدُّعي عليها إجماعهم القولي والعملي(4)
راجع: القواعد الفقهيَّة - من موسوعة الفقه -، ص 97.
، لاإختلاف و لاإشكال فيها.يدلُّ علىٰ القاعدة:
«إنَّ المغرور يرجع إلى الغارِّ».
اشتهر بين الفقهاء منسوبًا إلى النَّبيِّ صلى الله عليه و آله أنَّه قال: «إنَّ المغرور يرجع إلى الغارِّ».
والظَّاهر أنَّ القول هذا ليس حديثًا نبويًّا وإن نسَبَه بعضهم إليه صلى الله عليه و آله(1)
وانظر أيضًا: مصباح الهدىٰ في شرح العروة الوثقىٰ، ج 11 ص 416.
بل هو دليلٌ اِصطياديٌّ اِصطاده الفقهاء من الرِّوايات الواردة في المقام في موارد مختلفة، وحيث تلقَّتْهُ الفقهاء بالقبول(2)جعلوه كقاعدةٍ فقهيَّةٍ.وهناك عبارةٌ أخرىٰ تسالمَتْها الفقهاء بالقبول أيضًا، وهي: «نهىٰ النَّبيُّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغرر»، الواردة في كثيرٍ من مصادرنا فتمسَّك بها جملةٌ منهم، كالمحدِّث الفقيه البحرانيِّ قدس سره(3)، والسَّيِّد المرتضىٰ قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، وابن إدريسٍ قدس سره(6)، والعلَّامة قدس سره(7)، وغيرهم الكثيرين.
1) . راجع: المكاسب والبيع - للمحقِّق النَّائيني -، ج 2 ص 274، حيث قال: «النَّبويُّالمرسَل: المغرور يرجع إلى الغارِّ»؛ و قال مرَّةً أُخرىٰ: «النَّبوي المعروف: المغرور...»؛ راجع: نفس المصدر والمجلَّد ص 293.
2) . كما عن المحقِّق النائيني قدس سره حيث قال بعد ذكره: «المعتضد بعمل الأصحاب وتلقِّيهم إيَّاه بالقبول»؛ راجع: المكاسب والبيع، ج 2 ص 274.
3) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 139.
4) . راجع: الاِنتصار، ص 436.
5) . راجع: الخلاف، ج 3 ص 55.
6) . راجع: السرائر الحاوي، ج 2 ص 290.
7) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 48.
أقول: هذا قول الصَّدوق قدس سره في عيونه(1)، كما أشار إليه المحقِّق الحرُّ قدس سره(2).
واستدلَّ عليها أيضًا بعضُ أعلام المعاصرين قدس سره بما حكاه عن صاحب جامع المقاصد قدس سره أنَّه روىٰ عن النَّبيِّ صلى الله عليه و آله أنَّه قال: «المغرور يرجع إلى مَن غرَّه». وبما أنَّ الحديث لم يوجَد في مصادرنا الرِّوائيَّة، احتمل بأنَّه «وجد الحديثَ في كتاب مدينة العلم للصَّدوق قدس سره ممَّا لم نظفر به»(3)
راجع: القواعد الفقهيَّة - من موسوعة الفقه -، ص 97.
.أقول: أمَّا أصل ما حكاه عن المحقِّق الثَّاني، فإن كان مرادُه منه أنَّه يُوجَد في جامع المقاصد، فليس كذلك!، إذ الكركيُّ قدس سره أتىٰ بالعبارة من غير إسناده إلى النَّبيِّ الأكرم صلى الله عليه و آله(4)
وإن كان المراد أنَّه أتىٰ بها ناسبًا إيَّاها إلى النَّبيِّ في غيره من آثاره، فالعلم عنده - تعالى! - وحده؛ حيث لم أَجِده في آثاره.
أمَّا ما احتمل من أنَّ المحقِّق الكركيَّ قدس سره عثر عليه في مدينة العلم، فاحتمالٌ مرجوحٌ لا دليل عليه!.
نعم! نسبها إليه المحقِّق الخوانساريُّ قدس سره(5)وغيره، وحكاه عنهم المحقِّق
السَّبزواريُّ قدس سره(1).
وكيف كان فإسناد الحديث إليه صلى الله عليه و آله مشكلٌ جدًّا.
وبالفحص في تراثنا الرِّوائيِّ يظهر للمتأمِّل أنَّه يُوجَد ما يربوا علىٰ مأة روايةٍ تدلُّ علىٰ المراد؛ وفيما ذكرنا كفايةٌ.
العمدة في المسألة هي هذا الدَّليل، فاستقرَّتْ سيرة العقلاء طوالَ الأعصار علىٰ أنَّ المعاملة الغرريَّة لاتُمضىٰ ولاتُؤيَّد، بل للمغرور أن يُعرِضَ عنها طلبًا لما غُرَّ به.
والسِّيرة هذه ما أردع عنها الشَّارع، بل أمضاها(2)- كما رأينا في ما روينا من روايات الباب -.
وهذا التَّقرير للتَّمسُّك ببناء العقلاء في إثبات القاعدة وثبوتها، واضحٌ جليٌّ؛ وهو أحسن ممَّا فعله بعضُهم، كقول المحقِّق المراغيِّ قدس سره: «العمومات والإطلاقات كلُّها مُنصَبَّةٌ علىٰ ما هو المتعارَف بين النَّاس، ولاريب أنَّ الغَرَر ممَّا لايقدُم عليه العُقلاء، وليس من المعامَلات المتعارَفَة»(3).
الإجماع بقِسمَيه المحصَّل والمنقول(4)أيضًا يدلُّ علىٰ صحَّة القاعدة، وذلك ظاهرٌ
للمتأمِّل في كلمات الفقهاء بين المُتَقدِّمين والمتأخِّرين.
ولاحاجة إلى الإكثار من أقوال الأعلام حوله، بعد ما بيَّنَّا من أنَّ العُمدة في المقام هو بناء العُقلاء المؤيَّد من قِبَل الشَّارع.
وكيف كان فالقاعدة رصينةٌ من حيث المدرك لا خلاف في صحَّتِها.
الظَّاهر ثبوت نسبة العموم والخصوص بين قاعدة الغَرَر من جانبٍ، وقواعد الضَّرر والإتلاف وتقدُّم السَّبب علىٰ المباشر، وجبران أخذ مال الغير من غير وجهٍ، من جانبٍ آخر؛
لجريان تلك القواعد كلِّها في مورد قاعدة الغَرَر، وعدم جريان القاعدة في بعض موارد تجري فيها تلك القواعد؛ فلذلك فتجري تلك القواعد في جميع الموارد الَّتي تجري فيها قاعدة الغرر ولم نجد موردًا لاتجري فيها تلك أو بعضها مع جريان هذه فيه.
فإذن لنا أن نقول: إنَّ هذه القاعدة قاعدةٌ قليلة الَّثمرة، حيث إنَّ ما يترتَّب عليها من الَّثمرات يمكن أن يُستفاد من غيرها من القواعد؛ ولذلك فإنَّ كثيرًا من الأعلام لم يبحثوا عن القاعدة في مسفوراتهم المختصَّة بالقواعد الفقهيَّة(1)
فانظر مثلًا: الأنوار البهيَّة، مباني الفقه الفعَّال، و...، حيث لم يُوجَد البحث عن هذه القاعدة في هذه الآثار.
.1) . أقولُ: منها ما كتبها معاصرونا؛
إنَّ القاعدة لاتختصُّ بالمال فقط - كما يُترائىٰ من بعض كلماتهم -،
بل هي تجري في الحقوق،
بل في النُّفوس والأعراض أيضًا؛ فمَن غرَّ غيره فمنعه من مكانه المباح - كمكانٍ جلس فيه من المسجد - ثمَّ جلس مكانه أو أعطاه لغيره، يجب عليه أن يتدارك خسارتَه ويتلافاه؛
بل للمغرور أن يُراجِعَ إليه لوكان في منعه عن المكان خسارةٌ عليه؛
وكذلك من غرَّ القاضي فمَوَّه عليه الأمر فحكم بقطع يد الآخر بينما لم يكن الحكمُ كذلك - حيث لم يكن سارقًا مثلًا - فللمقطوع يدَه الرُّجوع لجبران خسارته؛
كما وأنَّ من اغتاب شخصًا فذهب بماء وجهه، عليه أن يجبر خسارته. وقد قلنا في موضعه من علم الفقه: أنَّه ليس للغارِّ إخبار المغرور في هذا المورد الأخير، لإمكان وقوع مفسدةٍ أُخرىٰ فيه، بل عليه أن يخبر النَّاس بفضائله، وعليه قضاء حوائجه والدُّعاء له. ولذلك فإنَّ المحقِّق المراغي قدس سره نصَّ علىٰ أنَّ الغرر «أمرٌ عرفيٌّ يختلف بحسب الموارد، ولذلك اكتفىٰ الفقهاء في المعلوميَّة بالمشاهدة مرَّةً، وبالكيل والوزن أُخرىٰ...»(1).
قد اشتهر بين الأصحاب أنَّ الغَرور من العناوين القصديَّة الَّتي يجب العلم في تحقُّقِها - كما عن الشهيديِّ قدس سره: «... كما هو قضيَّةُ التَّعليل بالغرر، لأنَّه دائرٌ مدار العلم
1) . راجع: العناوين، ج 2 ص 320.
وجودًا وعدمًا(1)
أقولُ: وذكره بعضُ معاصرينا الكبار أيضًا؛
راجع: القواعد الفقهيَّة - من موسوعة الفقه -، ص 100
-؛ فالعلم بوقوع الغَرَر من لوازم صدقه، بل هو كامِنٌ في حاقِّ ذاته.فلولم يعلم المغرورُ بوقوع الغرر لاتجري القاعدة، وإن وجب علىٰ الغارِّ جبران خسارة المغرور. لكنَّ الجبران هذا ليس من باب قاعدة الغرر، بل هو قضيَّةُ غيرها من القواعد الجارية في المقام - كقاعدة الضَّرر، أو الإتلاف، أو غيرهما من القواعد الكثيرة الَّتي تجري هيهنا وتَتمسَّك بها العقلاءُ -.
لكنَّ الأقوىٰ كون الغرر من الحقائق الَّتي تقع في نفس الأمر وفي الخارج(2)، فليس إذن من العناوين القصديَّة فقط. ولذلك فلوتمَوَّه أحدٌ علىٰ أحدٍ فأعطاه مالًا مُخَيِّلًا له أنَّه لنفسه، فأكله، يصدق علىٰ الآكل أنَّه مغرورٌ في هذا الإعطاء والأكل؛ ولايقال: بما أنَّه لم يكن يعلم بكون المال لغير المعطِي فلاغرَر في البين!.
ويدلُّ علىٰ المختار أيضًا أنَّه لامعنىٰ للمغرور إلَّابعد ثبوت الغارِّ في الخارج، حيث لاريب في تلازم العناوين الثَّلاث: الغارِّ والمغرورِ والغررِ؛ بحيث لايمكن انفكاك أحدها عن الآخرَين.
وكيف كان فإنَّ المبحث وإن كان قليلَ الجدوىٰ - نظرًا إلى أنَّ القاعدة لولم تجر في المقام تجري غيرُها من القواعد الَّتي يثبت بها الضَّمان -، لكنَّ الحقَّ - بحسب الواقع العِلميِّ - أنَّ الغرر من الواقعيَّات، لا القصديَّات.
ذكر الشَّهيد قدس سره إنَّ الغَرَر: «قد يكون بما له مدخلٌ ظاهرٌ في العوضَين... وقد يكون ممَّا يُتَسامح به لقلَّته... وقد يكون بينهما».
ثمَّ حكم بالبطلان إجماعًا في الأوَّل؛
وبكون الثَّاني معفُوًّا عنه إجماعًا؛
وبكون الثَّالث محلَّ الخلاف(1).
وكلامه لايخلو عن مسامحةٍ، ولاسيَّما في ثاني الأقسام. فراجعه إن شئتَ الاستزادةَ.
قال السَّيِّد المحقِّق القزوينيُّ قدس سره عن المغرور الَّذي لم يحصل له في مقابل ضرره نفعٌ: «والمعروف بين الأصحاب من غير خلافٍ أنَّه يرجع علىٰ البائع بهذا النَّوع ممَّا اغترمه... وهو الحقُّ الَّذي لامحيصَ عنه، لقاعدة الغَرَر»(2).
قال العلَّامة قدس سره في مسأله «لوظهر استحقاق الأَمَة لغيره بعد حملها»:
«انتزَعَها المالك وعلىٰ المشتري عشرُ قيمتها... ويرجع إلى البائع إذا لم يكن عالِمًا بالغصب وقت البيع»(3)
فزاد عليه المحقِّق العراقيُّ قدس سره: «لقاعدة الغرر»(1).
إلحاق الولد بمالك الفِراش مهما أمكن(1).
المرادُ من القاعدة: إنَّ الوَلَد الحاصلَ بعد الزِّواج للزَّوج، وإن عَلِم الزَّوج بكون زوجته فاجرةً؛ فلوشُكَّ في أنَّ الولد له أو لمن زنىٰ بزوجته، فهو له؛ حتَّى إذا عُلِم أنَّه وُلِد من ماء مَن فجر بها.
فلوكان الزَّوج منفصِلًا عن الزَّوجة دهرًا من الزَّمان لايزيد علىٰ تسعة أشهر، أو
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق الفيض قدس سره؛ راجع: الوافي، ج 23 ص 1407؛ ثمَّ الشَّافي، ج 2 ص 1564.
كان في السَّفر بنفس المدَّة فجاء فرأىٰ زوجتَها قد ولَّدتْ، فالحكمُ للظَّاهر - وهو كون الولد ولدَه -.
ولذلك فإنَّ المُرتضىٰ قدس سره حكم بعدم إلحاق الولد بالزَّوج «الغائب» الَّذي غاب عن زوجته «سِنين»(1).
أضفْ إلى ذلك أنَّه لوقام ظنٌّ غير معتبرٍ فدلَّ علىٰ أنَّ الولدَ ليس ولده - كشباهة الولد برجلٍ يُظَنُّ به أنَّه قد زنىٰ بها، أو كشباهة حركاته بحركاته، أو وجود علامةٍ فيه كما هي فيه(2)- فلاعبرة بذلك الظَّنِّ غير المعتبر مادام لم يُعلَم - أي: لم يحصل العلمُ - بكون الولد ابنَ الفجور.
تدلُّ علىٰ القاعدة جملةٌ من الأدلَّة.
فمن السُّنَّة قوله صلى الله عليه و آله: «الولدُ للفِراش وللعاهِرِ الحجرُ».
وقد تمسَّك الأئمَّة عليهم السلام بهذه الرِّواية وتناقلوها في موارد عدَّةٍ قد ضبطَها صاحبُ الوسائل قدس سره في أبوابٍ مختلفةٍ من كتابه؛ كالباب السَّادس والخمسين من أبواب نكاح العبيد والإماء(3)، وفي الباب الخامس عشر من أبواب كتاب الوصايا(4)
وقد رواه في الفقه المنسوب لمولانا الرِّضا عليه السلام(1)، والكلينيُّ قدس سره(2)، والقاضي نُعمان قدس سره(3)، والصَّدوق قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، والفيض قدس سره(6)بأسانيد متعدَّدة قد صحَّح بعضَها كلُّ واحدٍ من الشَّهيد الثَّاني 0(7)، والفاضل الهِنديِّ الأصفهانيِّ قدس سره(8)، وآل عصفورٍ البحرانيِّ قدس سره(9)، وصاحب المدارك قدس سره(10)، وغيرهم.
وقد روت العامَّةُ في غير واحدٍ من صحاحهم وسُنَنهم نفسَ الرِّواية - كالمالك(11)، والشَّافعي(12)، وسعيد بن منصورٍ(13)، واحمدَ(14)، والدَّارمي(15)،
1) . راجع: فقه الرِّضا، ص 262.
2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 491 الحديث 2.
3) . راجع: دعائم الإسلام، ج 1 ص 130.
4) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 450 الحديث 4557.
5) . راجع: التَّهذيب، ج 8 ص 138 الحديث 640.
6) . راجع: الوافي، ج 25 ص 887 الحديث 25211.
7) . راجع: مسالك الأفهام، ج 10 ص 221.
8) . راجع: كشف اللِّثام، ج 8 ص 310.
9) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 14 ص 403.
10) . راجع: نهاية المَرام، ج 1 ص 441.
11) . راجع: الموطَّأ، ج 2 ص 739.
12) . راجع: المسند، ص 188.
13) . راجع: السُّنَن، ج 1 ص 125.
14) . راجع: المسند، ج 1 ص 25.
15) . راجع: سنُن الدَّارمي، ج 2 ص 152.
والبُخاريِّ(1)، ومسلمٍ(2)، وغيرهم -؛ أو ما هو بمضمونها في كتبهم الفقهيَّة أيضًا - كأحمد المرتضىٰ(3)، والشَّافعي(4)، والمُزَني(5)، والنَّوَويِّ(6)، وفي روضته(7)أيضًا، والسُّبْكيِّ(8)-.
والحاصلُ أنَّه لاشكَّ في صدور الحديث عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله(9)بل يمكن ادِّعاء التَّواتر الإجماليِّ، بل اللَّفظيِّ في صدوره؛ كما عن المحقِّق السَّبزواريِّ قدس سره: «هو شائعٌ مستفيض واردٌ في رواياتٍ كثيرةٍ صحيحةٍ»(10)وادَّعىٰ تواتُرَه آل عصفورٍ البحرانيُّ قدس سره(11)أيضًا.
إلَّا أنَّ القاعدةَ من القواعد العقليَّة الَّتي تطابَقَ عليه العقلاءُ في جميع المِلَل والنِّحَل، فلاتعبُّدَ فيها أصلًا، وإن كان بعضُ صور القاعدة ممَّا لم يكن للعقل إليه
1) . راجع: صحيح البخاري، ج 3 ص 5.
2) . راجع: صحيح مسلم، ج 4 ص 171.
3) . راجع: شرح الأزهار، ج 2 ص 204.
4) . راجع: الأُم، ج 4 ص 81.
5) . راجع: مختصر الأُم، ص 114.
6) . راجع: المجموع، ج 15 ص 310.
7) . راجع: روضة الطَّالبين، ج 6 ص 355.
8) . راجع: فتاوىٰ السُّبكي، ج 1 ص 44.
9) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 23.
10) . راجع: كفاية الأحكام، ج 2 ص 279.
11) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 14 ص 406.
سبيلٌ، كما حكاه الصَّدوق(1)عن والده 0(2).
فإذن الحديثُ إرشادٌ إلى ذلك البِناء العقليِّ وإمضاءٌ له، لأنَّ العقلاء في جميع المِلَل يحكمون - ولايزال - بأنَّ الولدَ للزَّوج ولوعلموا بكون الزَّوجة فاجرةً زانيَةً، حتَّى يعلموا بكون الولد ابنَ زناءٍ.
فمادام لم يعلموا بذلك، يلحقونه به. وهذه سيرةٌ ثابتةٌ قطعيَّةٌ.
ولابأس بنا لوخُضنا في فقه هذا الحديث خوضًا(3). فنقول: إنَّ الحديث من أوجزِ ما نُقِل عن الرَّسول الكريم صلى الله عليه و آله من كلماته صلى الله عليه و آله الفصيحة البليغة؛ ومعناه: إنَّ الولَدَ يُنسَب إلى الوالد الَّذي تشكَّل البيت والأُسرةَ، ف «الفِراش» إذن كنايةٌ عن الأسرة.
وهذا ما عبَّر عنه المُرتضىٰ قدس سره «بالعقد مع الَّتمكُّن من الوطء»، قال: «وهو مذهبنا»(4).
وذهب بعضُهم إلى أنَّ المراد بالفِراش هو أمُّ الولد، حرَّةً كانت أو أَمةً، كابن الأثير(5)، وابن منظورٍ(6)، والزَّبيديِّ(7)
وعن العلَّامة المجلسيِّ قدس سره: «طيُّ الفِراش كنايةٌ عن ترك المواقعة»(8)
1) . راجع: المقنِع، ص 401.
2) . راجع: فقه الرِّضا، ص 262.
3) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 25.
4) . راجع: رسائل الشَّريف المرتضىٰ، ج 3 ص 125.
5) . راجع: النِّهاية، ج 3 ص 326.
6) . راجع: لسان العرب، ج 4 ص 612.
7) . راجع: تاج العروس، ج 7 ص 279.
8) . راجع: ملاذُ الأخيار، ج 7 ص 90.
وعن غيرهم غيرها(1)
راجع: الفقه ومسائل طبِّيَّة، ج 2 ص 234؛
وعن بعضهم: «هو الزَّوجيَّة»؛
راجع: الجواهر الفخريَّة، ج 16 ص 186؛
وعن آخر: «الفِراش هو المُضاجعة»؛
راجع: ما وراء الفقه، ج 6 ص 19؛
وعن آخر: «هو الزَّوج»؛
راجع: دروسٌ تمهيديَّةٌ في القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 190؛
أو: «النَّازل منزلتها، كالأمَة»؛
راجع: نظام النِّكاح في الشَّريعة، ج 1 ص 250.
.والظَّاهر أنَّ التَّعابير كلَّها تُشير إلى معنىً فاردٍ، وهو: الزَّوجة مع إمكان كونها موطوءةً، وإمكان كون الولد حاصلًا من ماء زوجها؛ وهذا يظهر بالنَّظر في هذه الآراء الَّتي بظاهرها تختلف، لكنَّ الجامع بينها ما أشرنا إليه.
وقال المحقِّق البجنورديُّ قدس سره: «إنَّ الفراش كنايةٌ عن الزَّوج، لأنَّ له أن ينام في البيت تحت اللِّحاف - أي: الفراش -. والمراد ب «العاهِرِ» هو الزَّاني. والمراد ب «أنَّ له الحجرَ» أنَّه مطرودٌ كالكلب الَّذي يُطرَد بالحجر؛ أو: بما أنَّه رجمَ المحسنةَ فيُرجَم، فله الحجرُ لرَجْمِه».
أقول: والثَّاني بعيدٌ، والأوَّل أقرب!؛ لأنَّه لايُنسَب الولدُ إليه ولايكون أبًا له، فكأنَّه صار كالكلب مردودًا عن أُسرَتِه(2)
ويمكن أن يكون المراد ما ذكره الشَّريف المرتضىٰ قدس سره بقوله: «ومعنىٰ لها الحجر: أن تُرجَم بالحجارة ويقامَ عليها حدُّ الزِّناء، فكنّىٰ عن إقامة الحدِّ بما به يُقام الحدُّ من الحجر، وهذه بلاغةٌ عظميةٌ!»؛ راجع: رسائل الشَّريف المرتضىٰ قدس سره، ج 3 ص 125.
.وهذا المعنىٰ يظهر بالنَّظر فيما ذكره اللُّغويُّون في معنىٰ اللَّفظة والحديث؛ إليك بيانه:
قال الخليلُ قدس سره: «العَهْرُ: الفجور... وكلٌّ منهما عاهرٌ»(1)
وقال الأزهريُّ: «العاهِرُ: الزَّاني... وقال أبوعبيده: معنىٰ قوله صلى الله عليه و آله: وللعاهر الحجر أي: لاحقَّ له في النَّسَب»(2)ونقله عنه المُطَرِّزيُّ(3)أيضًا؛
وعن الجوهريِّ: «والمرأةُ عاهِرَةٌ ومُعاهِرَةٌ وعَيْهَرَةٌ»(4)
وعن ابن فارِسٍ قدس سره في بيان معنىٰ الحديث بعد نقله: «لاحظَّ له في النَّسَب»(5)
وعن نِشوان الحِمْيَريِّ: «رجلٌ عاهرٌ وامرأة عاهرةٌ»، ثمَّ قال بعد نقل الحديث:
«أي: وللزَّاني»(6)
وقال ابنُالأثير المبارك بن محمَّدٍ بعد نقله: «والمعنىٰ: لاحظَّ للزَّاني في الولد وإنَّما هو لصاحب الفِراش، أي: لصاحب أمِّالولد»(7)ومثله ما عن ابنِمنظورٍ(8)،
والزَّبيديِّ(1)
وعن الطُّرَيحيِّ قدس سره في معناه: «أي: إنَّما يثبت الولد لصاحب الفراش، وهو الزَّوجُ، وللعاهِر الخَيبَةُ ولايثبت له نسَبٌ»(2)
وانظر إلى ما ذكره الزَّمخشريُّ في الفائق(3)أيضًا.
فتحصَّل ممَّا ذكرناه: أنَّه يمكن أن يكون المراد من الحديث أنَّ المرأة الزَّانيَة تُرجَم، أي: لها الحَجَر، وذلك بالنَّظر إلى استواء الرَّجل والمرأة في لفظ العاهر؛
أو يكون المعنى: إنَّ الرَّجل الزَّاني لايُنسَب إليه الولد الحاصل من ماءه زنىً، بل الولد لصاحب الفِراش ويكون أبوه كالكلب المطرود مطرودًا غير مالكٍ لولده.
وهذا المعنىٰ الثَّاني هو المختار.
وعن المحقِّق قدس سره بعد نقل الحديث: «أي: لا ولد له»(4)وقال العلَّامة المجلسيُّ قدس سره:
«أي: الخَيبة، يعني الولد لصاحب الفراش... وللزَّاني الخيبةُ والحرمانُ... وقد ذهب قومٌ إلى أنَّه كنّىٰ بالحَجَر عن الرَّجم، وليس كذلك، لأنَّه ليس كلُّ زانٍ يُرجَم»(5).
وهيهنا تنبيهاتٌ.
هل القاعدةُ أصلٌ تعبُّديٌّ تَعبَّد به العقلاءُ لعدم الإختلال في نظام العيش؟، أو أنَّها أمارةٌ - لأنَّ الفراش علامةُ كون الولد للوالد -؟.
الأقوىٰ فيها كونُها أمارةً(1)، للكشف الموجود فيها، فالكشف موجودٌ إلَّاأنَّ العقلاء - والشَّرعُ تابَعَهم فيه - تمَّمُوا الكشفَ النَّاقص فجعلوها قاعدةً عامَّةً تُتبَع في جميع الأحيان. فمادام لم يُعلَم بخلافها فتُوضَعُ موضع العلم، كما هو شأن الأمارات بأجمَعِها.
نعم! لأحدٍ أن يعود فيقول: إنَّها أمارةٌ، لأنَّها تُوجِب العلمَ العادِّي - أي:
الإطمئنان - بكونه له - كما وقد قيل بذلك في جميع الأمارات -.
اشترط الفقهاءُ لجريان القاعدة شروطًا - وادُّعِي الإجماع علىٰ ثبوت الثَّلاثة(2)-؛ وهي:
كما عن العلَّامة قدس سره في التَّحرير(3)، وفي قواعده(4)، والمحقِّق قدس سره(5)، والفقيه
السَّبزواري قدس سره، وادَّعىٰ كونه إجماعيًّا بين الأصحاب(1)، والفيض قدس سره(2)، وكاشف اللِّثام قدس سره(3).
أقول: هذا عكسًا وطردًا لاوجه له أصلًا!.
أمَّا طردًا: فلأنَّه لودخل الزَّوجُ منيَّه في رحمها بالإبرة مثلًا فحملتْ، فالولدُ للمنيِّ الَّذي وقع في الرَّحِم من غير دخولٍ، فلوأنكر الزَّوج الولدَ فبحكم القاعدة يُلحَق به الولدُ من غير نكيرٍ(4). وكذلك لولاعب معَها من غير دخولٍ ثمَّ احتملَ أنَّ منيَّه ورد في رحمها ولوكانت عذراءَ، فالقاعدة تلحقُ الولد به.
وقد وردتْ في ذلك رواياتٌ تدلُّ علىٰ ما قُلنا.
منها: عن عليِّ بن الحسين عليهما السلام: «إنَّ رجلًا أتىٰ عليَّ بن أبي طالبٍ عليه السلام فقال: إنَّ امرأتي هذه حاملٌ وهي جاريةٌ حدَثَةٌ وهي عذراءُ وهي حاملٌ في تسعة أشهرٍ ولاأعلم إلَّاخيرًا وأنا شيخٌ كبيرٌ ما افْتَرَعْتُها وإنَّها لعلىٰ حالِها!، فقال له عليٌّ عليه السلام:
نشدتُكَ اللَّهَ! هل كنتَ تُهَريقَ علىٰ فرجها؟؛ قال: نعم!... قال عليه السلام:... قد ألحَقتُ بكَ ولدَها»؛ فيما رواه الحِمْيَريُّ قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)، والمجلسيُّ قدس سره(7)، وغيرهم.
1) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 25 ص 237.
2) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 2 ص 359.
3) . راجع: كشف اللِّثام، ج 7 ص 533.
4) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 33.
5) . راجع: قُرب الإسناد، ص 149.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 21 ص 279 الحديث 27350.
7) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 62.
وأمَّا عكسًا: فلأنَّه لو دخل بها مَن لاماء له فليس الولدُ يلحق به.
وما قيل من الإلحاق في هذا الفرض؛
لاوجه له أصلًا؛ مثل ما حكاه المحقِّق النَّجفيُّ قدس سره عن بعضهم: إنَّ المدار بغيبوبة الحشفة، أنزل أم لا(1)وعن كاشف اللِّثام قدس سره أيضًا القول به(2)، وآل عصفور البحرانيِّ قدس سره(3)أيضًا.
والَّتمسُّك بالحديث الشَّريف - الَّذي جعله الفقهاءُ عنوان القاعدة - للإلحاق هيهنا، تمسُّكٌ بالعامِّ في الشُّبهة المصداقيَّة!، بل تمسُّكٌ بالعامِّ في المصداق الَّذي نعلم أنَّه لامصداق للعامِّ غيره!!؛ وكلاهما غير جائزين بإجماع الأصوليِّين، لأنَّ الرِّواية وردتْ في موردٍ لاندري أنَّ الولد للزَّوج ومن مائه، أو للزَّاني ومن مائه، فنحكم بها في هذا المورد؛ أمَّا لوعلِمنا بأنَّ الولدَ ليس لماء الزَّوج - لأنَّه لا ماء له أصلًا - فكيف نحكم بكونه ولدًا له؟!؛
وهل هذا إلَّامخالفةٌ صريحةٌ لحكم العقل ومقتضىٰ سيرة العقلاء؟!.
أمَّا الدُّخول في الدُّبر، فليس مصداقًا للدُّخول المشتَبَه - خلافًا لمَن اكتَفىٰ هيهنا بالدُّخول دُبرًا أيضًا، كالعلَّامة قدس سره في القواعد(4)، والمحقِّق الثَّاني 0 في جامعه(5)
وحكىٰ المحقِّق النَّجفيُّ قدس سره عن كاشف اللِّثام(1)وثاني الشَّهيدَين 0 في روضته(2)أيضًا القولَ به؛ وللفقيه الخوانساريِّ قدس سره هيهنا تحقيقٌ ينبغي أن تراجع إليه(3)
وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 43.
-؛ لأنَّ إراقة الماء في دُبُر المرأة لاتُوجِب حملَها، إلَّاأن يرجع الشَّكُّ إلى إحتمالٍ آخر، وهو جريان المنيِّ في الرَّحم بعد خروج الذَّكَر عن الدُّبُر، فيرجع الشَّكُّ إلى الصُّورة الأولىٰ الَّتي أشرنا إليها، فيحكم بالإلحاق بتًّا.فإذن ظهر أنَّ الدُّخول لايدلُّ علىٰ شيءٍ، لاطردًا ولاعكسًا.
وقد حُكِي عن الرَّئيس ابنِسينا قدس سره إمكان الحمل من دون مجامعةٍ(4)والفرض - لوتحقَّق - خارجٌ عن محل البَحث.
كما عن العلَّامة قدس سره في التَّحرير(5)، وفي قواعده(6)، والمحقِّق قدس سره(7)، والفقيه السَّبزواري قدس سره، وادَّعىٰ كونه إجماعيًّا بين الأصحاب(8)، والفيض قدس سره(9)، وكاشف
1) . راجع: كشف اللِّثام، ج 7 ص 533.
2) . راجع: جواهر الكلام، ج 31 ص 222.
3) . راجع: جامع المدارك، ج 4 ص 443.
4) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 25 ص 237.
5) . راجع: تحرير الأحكام - الطَّبعة الحجريَّة الكبيرة -، ج 2 ص 44.
6) . راجع: قواعد الأحكام، ج 3 ص 98.
7) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 284.
8) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 25 ص 237.
9) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 2 ص 359.
اللِّثام قدس سره(1).
فلوكانت ولادةُ الولد أقلَّ من ذلك وولَّدتْ ولدًا تامَ الخلقة حيًّا، لايُلحَقُ بالفراش. وهذا متَّفَقٌ عليه نصًّا وفتوىً، لأنَّ أقلَّ الحمل ستَّةُ أشهرٍ.
ولاخلاف في ذلك إلَّاما نُسِب إلى المفيد قدس سره والشَّيخ قدس سره من جواز قبول الوالد ولَدَه الَّذي وُلِد قبل ستَّة أشهر؛ وقد نسبَه إليها الفيض قدس سره، قال: «فخَيَّراه بين النَّفي والاعتراف»(2)وانظر إلى ما ذكره آل عصفورٍ البحرانيُّ قدس سره في شرح كلامه أيضًا(3).
ولكنَّ النِّسبة لاوجه له، حيث لم نجد القولَ في آثار هذين العَلَمَين الكبيرين؛
بل الظَّاهر العكس، كما في المُقنعة(4)، والنِّهاية(5).
وقد ادَّعىٰ ثاني الشَّهيدَين 0 ثبوتَ إجماع علماء الإسلام عليه(6).
فالظَّاهر إنَّ الشَّرط شرطٌ صحيحٌ لابدَّ من حصوله في جريان القاعدة.
علىٰ حسب العُرف، لا علىٰ حسب الدِّقَّة العقليَّة أو الرِّياضيَّة. إذ هو أقصىٰ مدَّة الحمل، كما عن الشَّيخ قدس سره(7)، والمفيد قدس سره(8)، وابن البرَّاج قدس سره(9)، والمرتضىٰ قدس سره(10)، ومن
1) . راجع: كشف اللِّثام، ج 7 ص 533.
2) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 2 ص 359.
3) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 10 / القسم 2 ص 238.
4) . راجع: المُقنعة، ص 539.
5) . راجع: النِّهاية، ص 505.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 8 ص 373.
7) . راجع: النِّهاية، ص 505.
8) . راجع: المقنعة، ص 539.
9) . راجع: المهذَّب، ج 2 ص 341.
10) . راجع: رسائل الشَّريف المرتضىٰ، ج 1 ص 192.
الغريب ادِّعاؤُه ثبوت الإجماع علىٰ أنَّ أكثر الحمل سنةٌ(1)وكما عن العلَّامة قدس سره في التَّحرير(2)، وفي قواعده(3)، والمحقِّق قدس سره(4)، والفقيه السَّبزواري قدس سره، وادَّعىٰ كونه إجماعيًّا بين الأصحاب(5)، والفيض قدس سره(6)، وكاشف اللِّثام قدس سره(7)أيضًا.
فحينئذٍ لوكان الزَّوج وطَئَها ثمَّ ادَّعتْ الحملَ فوضَعَتْ حملها بعد عشرة أشهرٍ
1) . راجع: الإنتصار، ص 154.
2) . راجع: تحرير الأحكام - الطَّبعة الحجريَّة الكبيرة -، ج 2 ص 44.
3) . راجع: قواعد الأحكام، ج 3 ص 98.
4) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 284.
5) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 25 ص 237.
6) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 2 ص 359.
7) . راجع: كشف اللِّثام، ج 7 ص 533.
8) . حكاه عنه الفاضل المقداد قدس سره؛ راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 3 ص 262.
9) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 2 ص 38.
10) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 49.
11) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 44.
12) . راجع: تبصرة المتعلِّمين، ص 143.
العظيم قدس سره: «إنَّ بهذا القول روايةً»(1)، لكنَّه لم يذكرها -، أو أزيدَ، فلاتجري القاعدةُ في إلحاق ولدها بزوجها؛ للعلم بأنَّ الولدَ حصل من الزِّنا.
لافرق في القاعدة بين الزَّاني والواطىء بالشُّبهة. فلوزنَتْ امرءةٌ فصارتْ حاملاً ثمَّ شكننا في أنَّ الولد للزَّاني أو لزوجها، فالقاعدة تحكم بإلحاقه بالزَّوج؛
فكذلك من وطأ امرءةً ظانًّا أنَّها زوجته، فحملَتْ، ثمَّ شكننا أنَّه من الواطىء بالشُّبهة؟، أو من زوجها؟، يُلحَقُ الولدُ بالزَّوج، لنفس القاعدة(2).
وما قيل من: «أنَّه يُقترَعُ بين الزَّوج والواطىء بالشُّبهة للإلحاق» - كما عن قطب الدِّين الكَيدُريِّ قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره(4)، وولده قدس سره(5)، والسَّيِّد الموسويِّ العامِليِّ قدس سره(6)، وصاحب الرِّياض قدس سره(7)، والبَصريِّ البحرانيِّ قدس سره(8)-؛
لاوجه له أصلًا!، لأنَّ القاعدة حاكمةٌ علىٰ القُرعة.
1) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 3 ص 259.
2) . أقول: وانظر عن هذه الصُّوَر: نظام الطَّلاق في الشَّريعة، ص 281.
3) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 406.
4) . راجع: قواعد الأحكام، ج 3 ص 99.
5) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 3 ص 259.
6) . راجع: نهاية المَرام، ج 1 ص 435.
7) . راجع: رياض المسائل، ج 12 ص 109.
8) . راجع: كلمة التَّقوىٰ، ج 7 ص 140.
وانظر أيضًا إلى ما ذكره الفيض قدس سره(2)، وآل عصفورٍ قدس سره(3)، وابن إدريس قدس سره(4)، وابنِزهرة قدس سره(5)، والفاضل المقداد قدس سره(6)أيضًا.
فعلَّلَه صاحبُ الجوهر قدس سره بقوله: «لأنَّ الولد للفراش».
ثمَّ أضاف المحقِّق الحلِّيُّ قدس سره: «ولو ادَّعاه الأوَّل وذكر أنَّه وطأها سرًّا لم يُلتَفَت إلى دعواه»(7)
فقال النَّجفيُّ قدس سره: «لزوال فراشه»(8).
وانظر إلى ما ذكره فخرالمحقِّقين قدس سره(9)، وكاشف اللِّثام قدس سره(10)في المقام.
1) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 372.
2) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 316.
3) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 14 ص 406.
4) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 276.
5) . راجع: غُنيَة النُّزوع، ص 330.
6) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 187.
7) . راجع: شرائع الإسلام، ج 3 ص 40.
8) . راجع: جواهر الكلام، ج 32 ص 301.
9) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 3 ص 355.
10) . راجع: كشف اللِّثام، ج 8 ص 129.
1) . راجع: كفاية الأحكام، ج 2 ص 276.
أصل الشَّكِّ بعد الفراغ(1).
هيهنا قاعدتان - بحسب الظَّاهر، وهما قاعدةٌ واحدةٌ بحسب الواقع كما سنتكلَّم عن توحُّد القاعدتين في التَّنبيه الأوَّل من تنبيهات القاعدة - تُشيران إلى صحَّة العمل لوفُرِغ منه ثمَّ شُكَّ في صحَّته، إمَّا من جهة أصله، أو من جهة الإتيان بشرائطه وأجزائه؛ وقد سُمِّيتا بقاعدَتَي الفراغ والتَّجاوز.
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة عنونه المحقِّق الآشتياني الكبير؛ راجع: مجموعۀ مصنَّفات حكيم مؤسِّس آقا علي مدرِّس طهراني، ج 3 ص 208.
والقاعدة الأولىٰ تختصُّ بالفراغ عن العمل كلِّه؛
والثَّانيَة بالتَّجاوز عن جزءٍ منه، أو شرطٍ، كما عن كثيرٍ منهم(1).
وهذا معنىً عرفيٌّ واضحٌ لايتطرَّق إليه:
ما قيل من: عدم جريان هذا المعنىٰ في روايات الباب(2)
أو ما قيل من: كون الكبرىٰ المجعولة في قاعدة الفراغ مغايرةً للكبرىٰ المجعولة في قاعدة التَّجاوز(3)أو غيرهما ممَّا قيل في المقام.
أمَّا مدرك القاعدة فقد وردتْ رواياتٌ كثيرةٌ ظاهرةٌ دلالةً صحيحةٌ سندًا تدلُّ علىٰ صحَّتها وحجِّيَّتها. منها: صحيحة زرارة - كما صحَّحها العلَّامة قدس سره(4)، والعلَّامة أوَّلُ المجلسيِّيَيْن قدس سره(5)، وابنُه الكبير قدس سره(6)، وغيرهم -: «قلتُ لأبي عبداللَّه عليه السلام رجلٌ شكَّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال: يمضي، قلت: رجلٌ شكَّ في الأذان والإقامة وقد كبَّر؟ قال:
يمضي، قلت: رجلٌ شكَّ في التَّكبير وقد قرأ؟ قال: يمضي، قلت: شكَّ في القراءة وقد
ركع؟ قال: يمضي، قلت: شكَّ في الرُّكوع و قد سجد؟ قال: يمضي علىٰ صلاته؛ ثمَّ قال:
يا زرارةُ! إذا خرجتَ من شيءٍ ثمَّ دخلتَ في غيره فشكُّكَ ليس بشيءٍ»؛ كما رواه الشَّيخ قدس سره(1)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(2)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(3).
ومنها: صحيحة اسماعيل بن جابرٍ - كما صحَّحها كثيرٌ منهم، منهم المازندرانيُّ قدس سره(4)، والبحرانيُّ قدس سره(5)-، قال: «قال أبوجعفرٍ عليه السلام: إن شَكَّ في الرُّكوع بعد ما سَجَدَ فَلْيَمْضِ، وإن شَكَّ في السُّجود بعد ما قام فليمضِ؛ كلُّ شيءٍ شَكَّ فيه ممَّا قد جاوَزَه ودخل في غيره فليمضِ عليه»؛ كما رواها الشَّيخ قدس سره(6)، والصَّدوق قدس سره(7)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(8)، وقريبٌ منها ما رواه القاضي النُّعمان قدس سره(9).
واستفادة قاعدةٍ كلِّيَّةٍ من هاتين الرِّوايتين - وغيرهما الكثيرة - ليست ببعيدةٍ؛ والقاعدة هذه تجري في جميع أبواب العبادات، بل المعاملات؛ وهذا ممَّا لاشكَّ فيه قطعًا.
1) . راجع: التَّهذيب، ج 2 ص 352 الحديث 1459.
2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 237 الحديث 10524.
3) . راجع: بحار الأنوار، ج 85 ص 157.
4) . راجع: شرح فروع الكافي، ج 3 ص 200.
5) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 170.
6) . راجع: التَّهذيب، ج 2 ص 153 الحديث 602؛ الاِستبصار، ج 1 ص 358 الحديث 1359.
7) . راجع: الفقيه، ج 1 ص 342.
8) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 6 ص 317 الحديث 8071.
9) . راجع: دعائم الإسلام، ج 1 ص 189.
ومجرَّد كون صدرهما في باب الصَّلوة لايوجب تخصيصهما وتخصيص القاعدة المستفادَة منهما بباب الصَّلوة - كما ذهب المحقِّق النَّائينيُّ قدس سره إلى هذا التَّخصيص(1)والحقُّ مع غيره(2)
فانظر: المحاكمات بين الأعلام، ص 81؛ المحصول في علم الأصول، ج 4 ص 299؛ مصادر الحكم الشَّرعي، ج 2 ص 68.
-، أو بغيرها من أبواب العبادات؛ حيث لايمكن رفعُ اليد عن القاعدة الكلِّيَّة المُشار إليها في ذيل الحديثين - وهي قوله عليه السلام: «يا زرارة! إذا خرجتَ من شيءٍ ثمَّ دخلتَ في غيره فشكُّكَ ليس بشيءٍ»، وقوله عليه السلام: «كلُّ شيءٍ شَكَّ فيه ممَّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمضِ عليه» -؛كما وأنَّه قد ورد في غير باب الصَّلوة أيضًا قولُه عليه السلام - وهو في عداد موثَّقات أبن بُكَير، كما قد وثَّقَه العلَّامة قدس سره(3)، والشَّهيد قدس سره(4)، والمحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(5)وقال أوَّل المجلسيَّيْن عنها: «الموثِّق كالصَّحيح»(6)-: «كلُّ ما شكَكتَ فيه ممَّا قد مضىٰ فامضِه كما هو»؛ علىٰ ما رواها الشَّيخ قدس سره(7)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(8)، والمحدِّث
1) . راجع: فوائد الأصول، ج 4 ص 626؛ وانظر: مصباح الأصول، ج 2 ص 280.
2) . أقولُ: ذكره جملةٌ من معاصرينا الأجلَّاء أيضًا؛
3) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 2 ص 358؛ منتهىٰ المطلب، ج 7 ص 30.
4) . راجع: ذكرىٰ الشِّيعة، ج 4 ص 65.
5) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 166.
6) . راجع: روضة المتَّقين، ج 2 ص 413.
7) . راجع: التَّهذيب، ج 2 ص 344 الحديث 1426.
8) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 237 الحديث 10526.
الفيض قدس سره(1).
ومنها: صحيحة عبداللَّه بن أبي يعفورٍ - والحديث موثَّقٌ عند العلَّامة المجلسيِّ قدس سره(2)، والمحقِّق الخوانساريِّ الكبير قدس سره(3)، والمحقِّق البحرانيِّ قدس سره(4)- عن أبي عبداللَّه عليه السلام «قال: إذا شكَكتَ في شيءٍ من الوضوء وقد دخلتَ في غيره فليس شكُّكَ بشيءٍ، إنَّما الشَّكُّ إذا كنتَ في شيءٍ لم تَجُزهُ»؛ كما رواه الشَّيخ قدس سره(5)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(6)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(7).
ومنها: صحيحةُ بُكَير بن أَعيَن - والحديث حسنٌ أو موثَّقٌ عند العلَّامة المجلسيِّ قدس سره(8)، وهو موثَّقٌ عند المازندرانيِّ قدس سره(9)، وحسنٌ عند البحرانيِّ قدس سره(10)، ومضمَرٌ عند الوحيد الفريد قدس سره(11)، وتلميذه الطَّباطبائيِّ قدس سره(12)وقد صحَّحه السَّيِّد
1) . راجع: الوافي، ج 8 ص 949 الحديث 7464.
2) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 1 ص 382.
3) . راجع: مشارق الشُّموس، ج 2 ص 295.
4) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 2 ص 392.
5) . راجع: التَّهذيب، ج 1 ص 101 الحديث 262.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 470 الحديث 1244.
7) . راجع: بحار الأنوار، ج 77 ص 362.
8) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 1 ص 383.
9) . راجع: شرح فروع الكافي، ج 1 ص 321.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 2 ص 393.
11) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 3 ص 413.
12) . راجع: رياض المسائل، ج 1 ص 181.
العامليُّ قدس سره(1)، والمحقِّق الفيض قدس سره(2)، والفقيه الآمليِّ قدس سره(3)، وغيرهم -: «قال: قلتُ له:
الرَّجلُ يشكُّ بعد ما يتوضَّأ؟ قال: هو حين يتوضَّأ أذكر منه حين يشكُّ»؛ علىٰ مارواه الشَّيخ قدس سره(4)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(5)، والمحقِّق الفيض قدس سره(6).
ومن الملاحَظ في هذه الرِّواية أنَّ الإمام عليه السلام ذكر قاعدةً كلِّيَّةً ومناطًا جامعًا يُرجَع إليه في جميع الموارد الَّذي يحدث الشَّكُّ، وهو المسمَّىٰ بقاعدة الأذكريَّة؛
ولامعنىٰ لاختصاصها بباب الصَّلوة من أبواب العبادات قطعًا(7).
ومنها: «محمَّد بن عليِّ بن الحسين بإسناده عن محمَّد بن مسلمٍ عن أبي عبداللَّه عليه السلام - في الصَّحيح، كما عن الفقيه السَّبزواري قدس سره(8)، والفقيه الميلاني قدس سره(9)، والفقيه الخوئي قدس سره(10)وسكت عنه العلَّامة أوَّل المجلسِيَّيْن قدس سره(11)- أنَّه قال: إن شَكَّ الرَّجلُ بعد ما صلَّى فلم يدر أ ثلاثًا صلَّى أم أربعًا؟ وكان يقينُه حين انصرفَ أنَّه كان
1) . راجع: مدارك الأحكام، ج 1 ص 258.
2) . راجع: مُعتَصَم الشِّيعة، ج 1 ص 360.
3) . راجع: المعالم المأثورة، ج 5 ص 16.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 1 ص 101 الحديث 265.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 471 الحديث 1249.
6) . راجع: الوافي، ج 6 ص 354 الحديث 4457.
7) . كما نصَّ عليه الشَّيخ الأعظم؛ راجع: فرائد الأصول، ج 3 ص 328.
8) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 8 ص 226.
9) . راجع: محاضراتٌ في فقه الإماميَّة، ص 282.
10) . راجع: التَّنقيح، كتاب الطَّهارة، ج 1 ص 433.
11) . راجع: روضة المتَّقين، ج 2 ص 434.
قد أتمَّ، لم يُعِدِ الصَّلوةَ، وكان حين انصرف أقرب إلى الحقِّ منه بعد ذلك»؛ علىٰ ما رواه الشَّيخ الحرُّ قدس سره(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، والمحقِّق الفيض قدس سره(3).
أضِف إلى هذه الرِّوايات بناءَ العقلاء، المستقرَّة علىٰ الجَرْي طبق هذه القاعدة؛
وموافقتها للمتعارَف بين العقلاء العامِلين في مراقبتهم عن أعمالهم بحيث لايتطرَّق إليها خلَلٌ(4).
المستفاد من مفاد القاعدة كونها قاعدةً فقهيَّةً، لامسألةً أصوليَّةً، لعدم وقوعها في طريق الاِستنباط؛ بل المستفادُّ من مفادها الحكمُ بصحَّة العمل الَّذي فرَغَ المكلَّفُ منه ثمَّ شكَّ في وقوع خَلَلٍ فيه، وهذا نفسُه حكمٌ شرعيٌّ ينطبق علىٰ موارده في جميع أبواب الفقه؛
فالقاعدة من القواعد الفقهيَّة بلاريبٍ فيه(5)
وقد ذكر المحقِّق البجنورديُّ صورة كون القاعدة من «المسائل الفقهيَّة» أيضًا؛ راجع: نفس المصدر والمجلَّد، ص 319.
.الظَّاهر من روايات الباب - وقد أشرنا إليها - ويؤيِّده الاِعتبار أيضًا: أنَّ «الفراغ» من مصاديق قاعدة «التَّجاوز»، كما عليه المحقِّق الفقيه العلَّامة الشَّيخ مرتضىٰ بن الشَّيخ المؤسِّس قدس سره، حيث قال بعد ذكر عنوان القاعدتين: «الظَّاهر وحدتُها مع الثَّانيَة بمعنىٰ أنَّ قاعدة الفراغ تكون من مصاديق التَّجاوز»(1)
أقولُ: وأشار إليه بعضُ فضلاء المعاصرين أيضًا؛
راجع: دروسٌ تمهيديَّة في القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 49.
.وخلافًا لمُعظَم الأصحاب، كما نصَّ علىٰ تعدُّدِهما العلَّامة الفيروزآباديُّ قدس سره(2)، وكالمحقِّق البجنورديِّ قدس سره حيث عنون القاعدة بقوله: «قاعدتي الفراغ والتَّجاوز»، فعدَّهما قاعدتين لاقاعدةً واحدةً(3)ثمَّ بحث عن اِتِّحادهما أو عدم اِتِّحادهما بتفصيلٍ بالغٍ(4)
أقولُ: وبحث عن التَّعدُّد المحقِّق الفقيه السُّبحانيُّ أيضًا؛
راجع: المحصول في علم الأصول، ج 4 ص 299.
. وبحث عن التَّعدُّد المحقِّق الفقيه السُّبحانيُّ أيضًا(5).وكيف كان فهما قاعدةٌ واحدةٌ، لاقاعدتان مستقلَّتان؛ ضرورة أنَّ الفراغ من العمل من مصاديق التَّجاوز منه، أو من جزءٍ خاصٍّ منه. فما يُقال: «إنَّ بينهما عمومٌ من وجهٍ، لأنَّ الفراغ عن أمرٍ بسيطٍ فراغٌ وليس بتجاوزٍ» - كما نصَّ عليه المحقِّق
الشَّيخ حسين الحلِّي قدس سره(1)، وغيره(2)-؛
في كمال الضَّعف والسُّقوط!، لأنَّه اختصاصُ القاعدة بموردٍ نادرٍ - وهو كون العمل بسيطًا غيرَ ذي جزءٍ -، واختصاصها بالموارد النَّادرة - كاختصاص غيرها بها - ليس بشيءٍ، بل بعيدٌ عن عرف الفقهاء!؛
مع أنَّ الفراغ عن أمرٍ بسيط أيضًا يُعدُّ تجاوزًا عنه؛
فبينهما عمومٌ مطلقٌ، حيث إنَّ الفراغ ليس إلَّامن مصاديق التَّجاوز.
وبالجملة جعل قاعدة الفراغ بعد قاعدة التَّجاوز لغوٌ قطعًا. ولاإشكال من ناحيَة الجمع بين اللِّحاظين في لحاظٍ واحدٍ - كما أشار إليه بعضُهم(3)-، لعرفيَّة هذا الجمع.
هذا؛ مع أنَّ الظَّاهر - كما يأتي البحث عنه - أنَّ المناط في قاعدة الفراغ هو أنَّ الفاعل الَّذي أراد فراغ ذمَّتِه عن تكليفٍ أو عملٍ إنَّما يأتي به طبقًا لما هو وظيفته فيه، و تركه وظيفته عمدًا أو سهوًا أو غفلةً يُعدُّ خلاف الأصل، وخلاف الأصل لايُعنىٰ به إلَّا إذا دلَّ دليلٌ علىٰ وقوعِه(4)
وهذا المناط موجودٌ في قاعدة التَّجاوز والفراغ من حيث إنَّ الدَّخيل في العمل
1) . راجع: أصول الفقه، ج 11 ص 328.
2) . وانظر عن ذلك: الحاشيَة علىٰ الكفاية - للمحقِّق البروجرديِّ قدس سره -، ج 2 ص 456؛ الرَّسائل - للإمام الخمينيِّ قدس سره -، ج 1 ص 291؛ قاعدة الفراغ والتَّجاوز - للفقيه الشَّاهرودي -، ص 67.
3) . راجع: تحرير الأصول، ص 264.
4) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للبجنوردي قدس سره -، ج 1 ص 316.
هو التَّجاوز عن الشَّيء المشكوك فيه، فكان الأصلُ في المقام هو التَّجاوز عمَّا هو الدَّخيل في سقوط العمل عن الاِعتبار؛ وهو عبارةٌ أخرىٰ عن الفراغ منه؛
بل ليس للفراغ دخلٌ في ذلك!.
ولأحدٍ أن يدَّعي أنَّ قاعدة عدم الاِعتناء بالشَّكِّ بعد الوقت أيضًا يكون من مصاديق قاعدة التَّجاوز(1)، وأنَّه إذا شُكَّ بعد الوقت في أنَّه أتىٰ بالمأمور به في الوقت؟ أم لا؟، فلاقضاء عليه، حيث لااعتبار بهذا الشَّكِّ أصلًا، لأنَّ السِّرَّ في عدم الاِبتناء علىٰ القضاء هو وجود التَّكليف والخروج عن عهدته - أي: عن محلِّ الفريضة والتَّجاوز عنه -؛
فالقواعد الثَّلاث - أي: قاعدة الفراغ، وقاعدة التَّجاوز، وقاعدة عدم الاِعتناء بالشَّكِّ بعد الوقت - كلُّها ترجع إلى قاعدة التَّجاوز.
قد أشرنا إلى أنَّ المستفاد من تلك الرِّوايات أنَّ قاعدة التَّجاوز قاعدةٌ سيَّالةٌ في أبواب الفقه، ولايمكن تخصيصُها ببابٍ دون بابٍ آخر؛ فلاإشكال ولا كلام من هذه النَّاحيَة. فمع أنَّ أكثر استعمالها يكون في أبواب العبادات، لكن لايبعد جريانها في أبواب المعاملات، وغيرها أيضًا(2)
بل لامناص من هذا الجريان، ولايمكن الاِنفكاك هيهنا بينهما - كما ارتكَبَه
بعضُهم(1)-، لما أشرنا إليه من اتِّحاد القاعدتين.
إنَّما الكلام في أنَّ القاعدة هذه:
هل هي من الأمارات العُقلائيَّة وقد أمضاها الشَّارع(2)؟؛
أو من الأمارات التَّأسيسيَّة؟؛
أو أصلٌ محرِزٌ(3)؟؛
أو أصلٌ عمليٌّ تعبُّديٌّ(4)؟.
فيه خلافٌ، وقد مال إلى كلٍّ من هذه الإحتمالات قائلٌ(5).
والأقوىٰ المختار - بعد التفات النَّظر إلى أنَّه لاأثر بحسب العمل لهذا الخلاف والاِختيار، لتقدُّم القاعدة علىٰ الاِستصحاب ونظائره في جمعي الفروض، كما أشار إليه بعضهُم(6)-، هيهنا كونُها من الأمارات العقلائيَّة، حيث إنَّها كأصالة الصِّحَّة مدركًا، إلَّاأنها تجري في فعل الغير وقاعدة التَّجاوز تجري في فعل النَّفس؛
ودليل أماريَّتها ومدركها أيضًا نفس ما مضىٰ في أصالة الصِّحَّة، دليلًا ومدركًا.
توضيح ذلك: إنَّ النَّاس بما هم عقلاء إذا شكُّوا في صحَّة فعل الغير يرجعون إلى
1) . راجع: براهين الحجِّ للفقهاء والحُجَج، ج 4 ص 166.
2) . فانظر: دراساتٌ في علم الأصول، ج 4 ص 90؛ مصباح الأصول، ج 2 ص 110.
3) . فانظر: الاِستصحاب - للإمام الخمينيِّ قدس سره -، ص 342.
4) . وانظر: بيان الأصول، ج 8 ص 48؛ دروسٌ في علم الأصول، ج 2 ص 306.
5) . كما أشرنا إلى بعض القائلين أعلاه؛ وانظر أيضًا: كشف الغطاء، ص 278؛ فوائد الأصول، ج 4 ص 639؛ نهاية الأفكار، ج 4 ص 63.
6) . راجع: قاعدة الفَراغ والتَّجاوز - للمحقق الشَّاهروديِّ -، ص 21.
قاعدة الصِّحَّة - وغيرها من القواعد، كقاعدة اليد إذا شكُّوا في ملكيَّة مالٍ لمن المال بيده -، فكذلك يرجعون إلى أصالة الصِّحَّة في أعمال أنفسهم أيضًا؛ فهم كما يجعلون أفعال الغير في محلِّ الصِّحَّة في عقودهم وإيقاعاتهم لوشُكَّ في صحَّتها، يجعلون أعمال أنفسهم - أيضًا - في محلِّ الصِّحَّة لوتجاوزوا عنها؛
ولولا ذلك لما قام لهم عيشٌ وحياةٌ جماعيَّة، كما لولا أصالة الصِّحَّة في فعل الغير لما كان لهم سوقٌ - كما أشير إليه في حديثٍ شريفٍ، وقد أشرنا إليه في البحث عن قاعدة الصِّحَّة -. وهذه الرِّواية بمنطوقها أو لا أقلَّ من أنَّها بمفهومها تدلُّ علىٰ حجِّيَّة قاعدة التَّجاوز أيضًا، والمناط في ذلك:
إمَّا من جهة إلغاء اِحتمال الخلاف والبطلان؛
أو عدم الاِعتناء به، وذلك لأجلِ صدور الفعل صحيحًا عن الفاعل الَّذي أراد الفعل لأجلِ ترتُّب الأثر عليه. فإنَّه لايخلُّ بما هو معتبرٌ في المأتيِّ به غالبًا إلَّاإذا دلَّ دليلٌ خاصُّ علىٰ وقوع الخَلَل فيه، فإذن العرف يأبىٰ عن جريان الأصل فيه؛ ولذلك يقال: إنَّ التَّرك السَّهويَّ خلاف هذا الأصل العُقلائي، فاحتماله مغفولٌ عنه عندهم نوعًا.
فالحمل علىٰ الصِّحَّة لأجلِ غلبة السِّيرة وندرة خلافها.
وهذا قريبٌ جدًّا، سيَّما إذا أُضيف إليه أنَّ الإرادة الكلِّيَّة الَّتي توجب قيام الفاعل بالفعل تكفي للإتيان بجميع الأجزاء والشَّرائط بشرائطها ولوازمها، ولايحتاج الفاعل في كلِّ جزءٍ من فعله إلى إرادةٍ مستقلَّةٍ خاصَّةٍ، فإنَّ الإرادة المتعلَّقة بالكلِّ محفوظةٌ في خزانة الذِّهن والفاعل مقهورٌ لها ما لم تحدث له إرادةٌ أُخرىٰ متجدَّدةٌ؛
فحينئذٍ الغالب في الأفعال الإتيان بجميع أجزائها الَّتي هي تتوقَّف عليها.
والعقلاءُ بإلغاء اِحتمال الخلاف يجعلون تلك الغلبة حجَّةً في جميع المقامات، فهي أمارةٌ من الأمارات العُقلائيَّة أوَّلًا؛
ثمَّ إنَّ الشَّارع قد أمضىٰ تلك الأمارة وأيَّدها ثانيًا، وذلك بشهادة روايات الباب - الَّتي أشرنا إلى جملةٍ منها -، لاسيَّما قوله عليه السلام: «هو حين يتوضَّأ أذكر منه حين يشكُّ»(1)وقوله عليه السلام: «وكان حين انصرَف أقرب إلى الحقِّ منه بعد ذلك»(2)
وهذان القولان صريحان في إلغاء احتمال الخلاف.
ويمكن أن يكون المناط في حجِّيَّة القاعدة إلغاء اِحتمال الخلاف جعلًا، تسهيلًا للأمر علىٰ النَّاس؛ وذلك لعدم اِحتمال إختلال النِّظام بجعلها حجَّةً - كما اعترف به كثيرٌ من الأعلام(3)
فانظر: زبدة الأصول، ج 6 ص 128.
-، بل يمكن أن يُقال: الإخلال اللَّازم من ترك العمل بالقاعدة أزيد وأشدُّ من الإخلال اللَّازم من ترك العمل بخبر الثِّقة وقاعدة اليد، بل إجراء أصالة الصِّحَّة في فعل الغير.فبالنَّظر إلى لزوم الإخلال في النَّظام - الَّذي لايرضىٰ به الشَّارع قطعًا - قد أمضىٰ تلك السِّيرة وأيَّدها(4).
فبالجملة ثبوت جهة الكاشفيَّة لقاعدة التَّجاوز بعد التَّجاوز عن العمل ممَّا
لاريب فيه أوَّلًا؛
والعقلاء يعملون بهذه الجهة ثانيًا؛
والشَّارع قد أثبتها وأمضاها ثالثًا.
وإنكار هذه كلِّها لاوجه له أصلًا.
لافرق(1)من جهة هذه القاعدة بين أن يكون الشَّكُّ:
في وجود الشَّيء الَّذي تجاوز عنه؛
أو في صحَّة ذلك الشَّيء بعد العلم بإتيانه، كما عن المحقِّق الآشتياني الكبير قدس سره:
«فلاعبرة بالشَّكِّ فيما مضىٰ، سواءٌ كان الشَّكُّ في أصل الوجود أو في صحَّة ما فعل»(2)
لأنَّ أدلَّة حجِّيَّة القاعدة تعمُّ كِلَي الفرضين:
أمَّا شمول بناء العقلاء وما هو المناط في هذا البناء لهما، فواضحٌ؛
أمَّا الرِّوايات فصحيحة زرارة قد دلَّتْ صدرُها علىٰ الشَّكِّ في الوجود - وهو قوله: «رجلٌ شَكَّ في الأذان وقد دخل في الإقامة» -، وذيلها - وهو القاعدة الكلِّيَّة الَّتي أعطاها الإمام عليه السلام - ظاهرٌ في الشَّكِّ في الصِّحَّة - وهو قوله عليه السلام: «يا زرارة! إذا خرجتَ من شيءٍ ثمَّ دخلتَ في غيره فشكُّكَ ليس بشيءٍ»(3)-.
ولاحاجة إلى ذكر غيرها من روايات الباب، إذ الإنصاف أنَّ اِستفادة العموم
منها ظاهرةٌ لا إشكال فيها، بل المتفاهَم بحسب العُرف منها ليس إلَّاذلك، ويكون المستفاد منها: إذا خرجتَ من عملِ شيءٍ ودخلتَ في غيره فشكُّكَ ليس بشيءٍ:
سواءٌ كان ذلك الشَّكُّ في أصل وجود ذلك الشَّيء؛
أو في صحَّته. والأذهان الخاليَة عن الاِصطلاحات العِلميَّة لاتفهم عنها غير هذا.
وهذا ليس من استعمال اللَّفظ في أكثر من معنىً واحدٍ في شيءٍ - كما ادَّعاه الشَّيخ الأعظم قدس سره(1)-!؛ وهذا واضحٌ؛
علىٰ أنَّه لوقلنا أنَّ الأهمَّ من أدلَّة القاعدة هي السِّيرة العرفيَّة وليست روايات الباب إلَّاإرشادًا إليها - كما هو المختار عندنا - فلاتصل النَّوبة إلى هذه المحاولات العِلميَّة أصلًا، إذ جميع الأحاديث - إذن - يكون تابعًا لما تُرشِد إليه السِّيرة.
هل الخروج من جزءٍ والدُّخول في غيره من الأجزاء معتبرٌ في جريان قاعدة التَّجاوز؟ أم لا؟، «من حيث الإطلاق عن التَّقييد بالدُّخول ومن حيث التَّقييد به»؛ كما عن المحقِّق الحكيم الآقا علي المدرِّس(2).
فيه وجهان، بل قولان(3)فعن جمعٍ من الأعلام أنَّ الدُّخول شرطٌ في جريانها،
وقد علَّلُوا ذلك بأنَّ الظَّاهر من صحيحة إسماعيل بن جابرٍ «إن شكَّ في الرُّكوع بعد ما سجد فليمضِ، وإن شَكَّ في السُّجود بعد ما قام فليمضِ، كلُّ شيءٍ شَكَّ فيه ممَّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمضِ عليه» هو ذلك؛ ويلوح منها أنَّ الدُّخول في جزءٍ غير المشكوك فيه شرطٌ في جريان القاعدة معتبرٌ فيه؛
وهذا ظاهرٌ من ظاهر الحديث، لا كما قال بعضُ الأعلام: «حملًا للمطلق منها علىٰ المقيَّد»(1).
بل يظهر منها أنَّ الدُّخول في المقدَّمات غير كافٍ لجريانها، فضلًا عن كفاية مجرَّد الفراغ عن الجزء الأوَّل؛
وحيث إنَّ صدرها في مقام التَّحديد والتَّوطئة لبيان تلك القاعدة الكلِّيَّة، يظهر أنَّ الدُّخول في السُّجدة أو القيام مثالَين يشيران إلى أنَّهما حدَّان للأجزاء السَّابقة عليهما؛ فلاشيء أقرب من السُّجود والقيام بالنِّسبة إلى الرُّكوع والسُّجود، إذ لوكان الهُوِيُّ إلى الرُّكوع والسُّجود والنهُوض عنهما كافيَين لقَبُح في مقام التَّوطئة أن يُحدَّد بالسُّجود والقيام.
هذا؛ مع أنَّه لو لم يكن الدُّخول في جزءٍ آخر بعد الجُزء المشكوك فيه دخيلًا في جريانه لم يكن وجهٌ لجزم المشهور بوجوب الاِلتفات إذا شُكَّ في السُّجود قبل الاِستواء قائمًا.
هذا ما اختاره بعضُهم؛
خلافًا لآخرين القائلين بعدم اشتراط الدُّخول في الجزء الآخر، كالمحقِّق
1) . راجع: مجموعۀ مصنَّفات حكيم مؤسِّس آقا علي مدرِّس طهراني، ج 3 ص 209.
البجنورديِّ قدس سره حيث اختاره في خصوص قاعدة الفراغ(1)، واختار اشتراط الدُّخول في قاعدة التجاوز(2).
وفيه: أوَّلًا إنَّ الأمر كذلك في صحيحة إسماعيل بن جابرٍ وأمثالها، لكنَّه قد وردَتْ رواياتٌ أُخَر في أنَّ صرف التَّجاوز كافٍ لعدم الاِعتناء بالشَّكِّ، فضلًا عمَّا إذا دخل في مقدَّمات الجزء؛
منها: صحيحةُ ابن يعفورٍ: «إنَّما الشَّكُّ إذا كنتَ في شيءٍ لم تَجُزه»؛
ومنها: موثَّقة محمَّد بن مسلمٍ: «كلُّ ما شكَكتَ فيه ممَّا قد مضىٰ فامضِه كما هو»؛
ومنها: صحيحة بُكيرٍ: «هو حين يتوضَّأ أذكر منه حين يشكُّ»؛
ومنها: صحيحة محمَّد بن مسلمٍ: «وكان حين انصرَفَ أقرب إلى الحقِّ منه بعد ذلك»(3)
ومنها: صحيحة عبدالرَّحمن - والحديث موثَّقٌ كالصَّحيح عند العلَّامة المجلسيِّ قدس سره في البحار(4)، والملاذ(5)، وعند الفقيه الطَّباطبائيِّ قدس سره(6)وهو صحيحٌ عند البحرانيِّ قدس سره(7)، والوحيد الفريد قدس سره(8)، والمحقِّق الميرزا القمِّي قدس سره(9)، وغيرهم -: «قال:
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 335.
2) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد، ص 337.
3) . أشرنا إلى مصادر هذه الأحاديث الأربعة في بيان مدارك القاعدة.
4) . راجع: بحار الأنوار، ج 85 ص 159.
5) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 4 ص 38.
6) . راجع: رياض المسائل، ج 4 ص 127.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 185.
8) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 7 ص 441.
9) . راجع: غنائم الأيَّام، ج 2 ص 559.
قلتُ لأبي عبداللَّه عليه السلام: رجلٌ أهوىٰ إلى السُّجود فلم يدرِ أ ركعَ أم لم يركع؟، قال: قد ركَعَ»؛ كما رواه الشَّيخ قدس سره(1)ومع اختلافٍ في لفظٍ واحدٍ في الاِستبصار(2)أيضًا؛ والشَّيخ الحرُّ قدس سره(3)، والمحقِّق الفيض قدس سره(4).
فبهذه الرِّوايات الصِّحاح والحسان والموثَّقات لامناص من رفع اليد عن أمثال صحيحة إسماعيل بن جابرٍ.
أمَّا ما تمسَّكُوا به من جزم المشهور بوجوب الاِلتفات إلى السُّجود إذا شكَّ فيه قبل الاِستواء قائمًا؛
فليس بتامٍّ!، إذ أنَّ الجزم هذا مستندٌ إلى دليلٍ خاصٍّ في المقام، وهو صحيحة عبدالرَّحمن - وهو موثَّقٌ كالصَّحيح عند العلَّامة المجلسيِّ قدس سره(5)، والفقيه الطَّباطبائيِّ قدس سره(6)وموثَّقٌ عند المازندرانيِّ قدس سره(7)، والنَّراقي الثَّاني قدس سره(8)وصحيحٌ
1) . راجع: التَّهذيب، ج 2 ص 151 الحديث 596.
2) . راجع: الاِستبصار، ج 1 ص 358 الحديث 1358.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 6 ص 318 الحديث 8073.
4) . راجع: الوافي، ج 8 ص 951 الحديث 7473.
5) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 4 ص 45.
6) . راجع: رياض المسائل، ج 4 ص 126.
7) . راجع: شرح فروع الكافي، ج 3 ص 201.
8) . راجع: مستند الشِّيعة، ج 7 ص 170.
عند البحرانيِّ قدس سره(1)، والوحيد الفريد قدس سره(2)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(3)-: «قال:
قلتُ لأبي عبداللَّه عليه السلام: رجلٌ رفع رأسَه عن السُّجود فشكَّ قبل أن يستوي جالسًا فلم يدر أ سجَدَ أم لم يسجد؟ قال: يسجد، قلتُ: فرجلٌ نهَض من سجوده فشكَّ قبل أن يستوي قائمًا فلم يدر أ سجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد»؛ علىٰ ما رواه الشَّيخ قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5)، والمحقِّق الفيض قدس سره(6).
فتلخَّص ممَّا ذكرنا أن صرف التَّجاوز عن جزءٍ كافٍ في جريان القاعدة، ولايُعتبَر الدُّخول في غيره من الأجزاء.
هذا؛ مع أنَّ ما أشرنا إليه من أنَّ المناط في السِّيرة هو عدم الاِعتناء باحتمال الخلاف - حيث إنَّ الفاعل المريد لاِسقاط التَّكليف يأتي عادةً بالفعل مع جميع شرائطه وأجزائه، كما يشير إليه قوله عليه السلام: «هو حين يتوظَّأ أذكر»، وقوله عليه السلام:
«كان حين انصرف أقرب»(7)- يدلُّ علىٰ عدم اشتراط الدُّخول في الأجزاء الأُخَر.
وهيهنا قولٌ بالفصل بين الشَّكِّ في أصل الشَّيء، وبين الشَّكِّ في جزئه، فيُعتَبَر
1) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 168.
2) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 7 ص 493.
3) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 165.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 2 ص 153 الحديث 603؛ الاِستبصار، ج 1 ص 361 الحديث 1371.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 6 ص 369 الحديث 8207.
6) . راجع: الوافي، ج 8 ص 950 الحديث 7468.
7) . أشرنا إلى مصادر الرِّوايتين آنفًا.
الدُّخول في الغير في الأوَّل دون الثَّاني. وهذا القول قوَّاه المحقِّق الآشتيانيُّ الكبير قدس سره(1).
ولانطيل الرِّسالة بذكره؛ فراجعه إن شئتَ الاِستزاده.
قد اجمعَتْ الفقهاء - كما حكاه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(2)، ونصَّ علىٰ انعقاده المحقِّق المازندرانيُّ قدس سره أيضًا(3)، وصاحب المدارك قدس سره(4)، وصاحب الذَّخيرة قدس سره(5)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(6)، وصاحب الجواهر قدس سره(7)- علىٰ أنَّ أفعال الوضوء خارجةٌ عن هذه الكلِّيَّة، حيث اتَّفقوا علىٰ أنَّ الشَّاكَّ في فعلٍ من أفعال الوضوء قبل إتمام الوضوء يأتي به وإن دخل في فعلٍ آخر، فلاتجري قاعدةُ التَّجاوز في أفعال الوضوء.
ثمَّ اتَّفقوا علىٰ جريان قاعدة الفراغ فيه، فلوخرج من الوضوء ثمَّ شكَّ في فعلٍ من أفعاله ليس عليه العودُ إلى الجزء المشكوك بعد حمل الوضوء علىٰ الصِّحَّة وبراءة الذِّمَّة.
وأَلحَقَ بذلك جمعٌ(1)من الأصحاب - منهم ثاني المحقِّقين قدس سره(2)، والعلَّامة قدس سره(3)، وثاني الشَّهيدين قدس سره(4)- الغسلَ والتَّيمُّم؛ فالحكم بين الوضوء من ناحيَةٍ والتَّيمُّم والغسل من ناحيَةٍ أُخرىٰ سيَّان،
فهل يمكن القول بتخصيص السِّيرة في الوضوء(5)؟.
أقول: لاتخصيص هيهنا بحسب السِّيرة، بل مستند القوم في إخراج الوضوء عن هذا الحكم الكلِّيِّ هو روايات الباب:
منها: صحيحة زرارة - كما وقد صحَّحه المجلسيُّ قدس سره(6)، والبحرانيُّ قدس سره(7)، والوحيد الفريد قدس سره(8)، والفقيه الطَّباطبائيُّ قدس سره(9)- عن أبي جعفرٍ عليه السلام: «قال: إذا كنتَ قاعدًا علىٰ وضوئك فلم تدرِ أ غسلتَ ذراعَيك أم لا؟ فأَعِد عليهما وعلىٰ جميع ما شكَكتَ فيه
1) . إشارةٌ إلى أنَّه لا إجماع في المسألة، فيُشكل المبنىٰ علىٰ قول بعضهم؛ كما قال المحقِّق البجنورديُّ قدس سره: «وأمَّا إلحاق الغسل فلاوجه له أصلًا، أللَّهمَّ إلَّاأن يُدَّعىٰ الإجماع علىٰ الإلحاق...»؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 351.
2) . راجع: جامع المقاصد، ج 1 ص 237.
3) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 1 ص 212.
4) . راجع: تمهيد القواعد، ص 305.
5) . بعد الفراغ عن أنَّ القائلين باختصاص قاعدة التَّجاوز بالصَّلاة - كالمحقِّق النَّائيني قدس سره، راجع: فوائد الأصول، ج 4 ص 626 - في فُصحةٍ عن هذا التَّخصيص؛ فتفطَّن!.
6) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 1 ص 379.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 2 ص 391.
8) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 3 ص 409.
9) . راجع: رياض المسائل، ج 1 ص 182.
أنَّك لم تَغْسِلْه أو تَمْسَحْه ممَّا سمَّى اللَّهُ ما دُمتَ في حال الوضوء، فإذا قُمتَ عن الوضوء وفرغتَ منه وقد صِرتَ في حالٍ أُخرىٰ في الصَّلوة أو في غيرها فشكَكتَ في بعض ما قد سمَّى اللَّهُ ممَّا أوجب اللَّهُ عليك فيه وضوءَه لاشيء عليك» -... الحديث -؛ علىٰ ما رواه الشَّيخ قدس سره(1)، والكلينيُّ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4).
هذا حكم الوضوء بالنِّسبة إلى هذا الحكم. وأمَّا إلحاق الغسل والتَّيمُّم بالوضوء، فلم نجد له دليلًا، إلَّاما أورده الشَّيخ الأعظم قدس سره من أنَّ الوضوء بتمامه في نظر الشَّارع فعلٌ واحدٌ باعتبار وحدة مسبَّبِه - وهي الطَّهارة(5)-، فحينئذٍ يلحق به الغسل والتَّيمُّم أيضًا، لوحدة المناط في الثَّلاثة كلِّها.
فهذه الرِّوايات لاتعارض روايات قاعدة التَّجاوز.
وأمَّا قوله عليه السلام في رواية ابن يعفورٍ: «إذا شكَكتَ في شيءٍ من الوضوء وقد دخلتَ في غيره فليس شكُّكَ بشيءٍ، إنَّما الشَّكُّ إذا كنتَ في شيءٍ لم تجزه»(6)فيعود الضَّمير في «غيره» إلى الوضوء، لا إلى الشَّيء، حملًا للظَّاهر علىٰ النَّصِّ.
هذا ما اختاره الشَّيخ الأعظم قدس سره(7).
ولنا فيه نظرٌ، حيث إنَّ هذا صرف احتمالٍ لايمكن أن يلحق الغسل والتَّيمُّم به بالوضوء(1)، إذ ليس إلَّاسريان حكمٍ من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر بالاِستحسان، وليس الاِستحسان حجَّةً بالإجماع!.
مع إمكان أن يُقال: إنَّ الخروج لأجلِ أنَّ أجزاء الوضوء من فريضة اللَّه وفرائضه، لا من سُنَنه - جلَّ وعلا!، كما نصَّ عليه في بعض الرِّوايات -؛ فحينئذٍ لايدخله الشَّكُّ أصلًا كما لايدخل الشَّكُّ في الرَّكعتين الأولَيَين لذلك - كما نصَّ بذلك أيضًا في بعض الرِّوايات -؛
وهذا هو الَّذي احتمله السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره(2). وهذا الاحتمال رصينٌ، ولولم يكن أولىٰ ممَّا ذكره الشَّيخ قدس سره فلاأقلَّ من مساواته له.
إلَّا أن يقال: إنَّ أجزاء التَّيمُّم أيضًا من فريضة اللَّه، كما قال اللَّه - جلَّ وعلا! -:
«فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» (3)، ومثلها ورد في سورة النِّساء(4)أيضًا - وانظر عن الكريمة الشَّريفة إلى ما قاله المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(5)، والفاضل المقداد قدس سره(6)، والرَّاونديُّ قدس سره(7)، وغيرهم. والبحث عنها
خارجٌ عن موضوع هذه الرِّسالة، فلانطيلها بذكره -.
فلقائلٍ أن يقول: إنَّ صحيحة زرارة شاملةٌ للتَّيمُّم بالعلَّة المستنبَطة.
وبالجملة إنَّ روايات قاعدة التَّجاوز قد خُصِّصت بروايات باب الوضوء، فخرج عن تحت القاعدة أفعال الوضوء؛ كما قد خُصِّصت برواية عبدالرَّحمن في الشَّكِّ في السُّجود قبل الاِستواء قائمًا.
وأمَّا إلحاق الغسل والتَّيمُّم بالوضوء، فلاوجه له - كما عن السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(1)-، وليس إلَّاتخصيصًا بلامخصِّصٍ!.
هل الشَّكُّ في الشَّرط كالشَّكِّ في الجزء من حيث الحكم؟ أم لا صلة بينهما(2)؟.
نقل الشَّيخ قدس سره عن بعض الأساطين قدس سره(3)أنَّ حكمَ الشَّكِّ في الشَّرط كحكم الشَّكِّ في الجزء في عدم الاِلتفات بهما، فلااعتبار بالشَّكِّ في الوقت والقبلة واللِّباس والطَّهارة - بأقسامها - بعد الدُّخول في المشروط - وهو الصَّلاة -.
ثمَّ قال: «وما أبعد ما بينه وبين ما ذكره بعض الأصحاب من اِعتبار الشَّكِّ في الشَّرط حتَّى بعد الفراغ عن المشروط، فأوجب الإعادة»(4)ثمَّ قال قدس سره ما حاصلُه:
«والأقوىٰ هو التفصيل بين الفِراغ عن المشروط فيلغو الشَّكُّ بقاعدة التَّجاوز، وبين
عدم الفراغ عن المشروط فلايُلغىٰ الشَّكُّ، لأنَّه يكون قبل تجاوز المحلِّ. فلوشكَّ في أثناء العصر في فعل الظُّهر بنىٰ علىٰ تحقُّق الظهر بعنوان أنَّ الظُّهر شرطٌ للعصر، ولكنَّه يحتاج إلى إعادتها؛ فكذلك لوشكَّ في الوضوء بعد الظُّهر يلغو الشَّكَّ بالنِّسبة إلى الظُّهر لا بالنِّسبة إلى العصر، فكذلك لوشكَّ في السَّتر والقبلة والوقت ونحوها في الصَّلوة فيلقىٰ الشَّكَّ بالنِّسبة إلى الأجزاء الماضيَة، لأنَّه شكٌّ بعد تجاوز المحلِّ؛ ولايلقىٰ الشَّكَّ بالنِّسبة إلى الأجزاء الآتيَة، لأنَّه شكٌّ قبل التَّجاوز».
وربَّما يشهد لذلك صحيحةُ عليِّ بن جعفرٍ عن أخيه موسىٰ بن جعفرٍ عليه السلام، قال:
سألتُه عن رجلٍ يكون علىٰ وضوءٍ فشكَّ علىٰ وضوءٍ هو؟ أم لا؟، قال: إذا ذكر وهو في صلوته انصرَفَ وتوضَّأ وأعادها، وإن ذكر وقد فرغ من صلوته أجزأه ذلك».
أقول: أمَّا الاِستشهاد بالرِّواية فلاوجه له أصلًا، لأنَّها تخالف الاِستصحاب، وهو حجَّةٌ في المقام بلاريبٍ وارتيابٍ؛
كما وأنَّها معرَضٌ عنها عند الأصحاب، والظَّاهر أنَّ إعراضَهم عنها ليس إلَّا لذلك.
إلَّا أن تُحمَل الرِّوايةُ علىٰ موردٍ لايجري الاِستصحاب فيه، كما إذا شَكَّ في الوضوء وهو في الصَّلوة ولم يعلم حالته السَّابقة، ففي هذه الحالة لايجري الاِستصحاب، ويمكن - إذن - الَّتمسُّك بالحديث، بل هذا الَّتمسُّك في محلِّه قطعًا.(1).(2).(3)
إلَّا أنَّ هذا الحمل ينافي قوله: «سألتُه عن رجلٍ يكون علىٰ وضوءٍ، فشكَّ علىٰ وضوءٍ هو؟ أم لا؟»؛ لأنَّه كالنَّصِّ في أنَّ مورد السُّؤال ما إذا استيقنَ ثمَّ شكَّ، فلايمكن حملُه علىٰ هذا المحمل.
وأمَّا أصل الاِستدلال، فلاوجه للتَّفصيل فيه - علىٰ ما ذكره الشَّيخ قدس سره -؛
لأنَّ الوضوء شرطٌ للصَّلوة، ومحلُّ تحصيله قبلها، كما أنَّ السَّتر والوقت شرطان للصَّلوة ومحلُّ تحصيلهما قبلها؛ فمن شكَّ في تحصيلها فقد شكَّ فيما مضىٰ محلُّه؛
ثمَّ بعد جريان قاعدة التَّجاوز فقد حصَّل الشَّرط تعبُّدًا، كأنَّه استيقن به، فجريان القاعدة مفيدٌ لصحَّة الأجزاء الماضيَة والآتيَة معًا.
فكما أنَّه إذا شكَّ في الأجزاء وقد مضىٰ محلُّها فقاعدة التَّجاوز تحكم بتحصيلها، فله أن يأتي بالأجزاء الآتيَة؛ فكذلك في الشُّروط الأُخر، وإلَّا فلقائلٍ أن يقول: إنَّ جريان القاعدة يدلُّ علىٰ أنَّ الرُّكوع المشكوك فيه وقَعَ وتجاوز عنه، فلاريب في الصَّلاة من ناحيته؛
لكن لايدلُّ علىٰ أنَّ الأجزاء الآتيَة وقعتْ بعد الرُّكوع المشكوك، فهو لايثبت ذلك، لأنَّه من قبيل الشَّكِّ قبل تجاوز المحلِّ؛ وهذا كما ترىٰ!.
فتحصَّل من جميع ما ذكرنا أنَّه لافرق بين الأجزاء والشَّرائط أصلًا؛ فلوجاوز عن محلِّ الشَّرط - الَّذي هو قبل الصَّلوة - ثمَّ دخل فيها فقاعدةُ التَّجاوز جاريةٌ فيه، كما أنَّها جاريةٌ في الأجزاء، من غير فارقٍ بينهما أصلًا.
التَّنبيه الثَّامن:(1)
1) . أشرنا إلى مصدر الحديث آنفًا.
هل قاعدة التَّجاوز تشمل الشَّكَّ النَّاشىء عن الجهل؟، كما تشمل الشَّكَّ النَّاشىء عن سهوٍ أو غفلةٍ أيضًا؟.
فيه قولان، فعن المحقِّق الهمدانيِّ قدس سره شمولها له(1)، معلِّلًا بأنَّ العمدة في حمل السَّابق علىٰ الصَّحيح هي السِّيرة القطعيَّة، وأنَّه لولا ذلك لاختلَّ النِّظام معاشًا ومعادًا، ولم يقم للمسلمين سوقٌ؛
فضلًا عن لزوم العسر والحرج حينئذٍ المنفيَّين في الشَّريعة الغرَّاء، إذ ما من أحدٍ إلَّا وأنَّه إذا التفت إلى أعماله الصَّادرة منه في الأزمان المتقدَّمة من عباداته ومعاملاته، يشكُّ في كثيرٍ منها - لأجلِ الجهل بأحكام ما صدر منه -، فلولم يحمل عملَ نفسه علىٰ الصَّحيح وبنىٰ علىٰ الاِعتناء بشكِّه هذا - النَّاشيء عن الجهل - لضاق عليه العيشُ!، ولبطل كثيرٌ من أعماله!.
هذا؛ مع أنَّ إطلاق روايات القاعدة يشمل هذا القسم من الشَّكِّ أيضًا، ولايعارضه قوله عليه السلام: «هو حين يتوضَّأ أذكر منه حين يشكُّ»(2)، لأنَّ استفادة العلِّيَّة المنحصرة منه مشكلٌ، بل في غاية الإشكال لولم نقل بأنَّ هذه الاِستفادة ممنوعٌ رأسًا».
أقول: هذا كلامه قدس سره؛ وأنت ترىٰ أنَّ لزوم اختلال النِّظام هيهنا بعيدٌ جدًّا!؛
مع أنَّا قد قرَّبنا سابقًا أنَّ المناط في السِّيرة هو غلبة جانب عدم الاِعتناء بهذا الشَّكِّ علىٰ جانب الاِعتناء به، وأنَّ الفاعل المريد في فعله يأتي به علىٰ وجهه - أي:
مراعيًا جميعَ ما هو شرطٌ أو جزءٌ فيه -؛ وأنَّ الرِّوايات بما أنَّها إرشاديَّةٌ فلاإطلاق فيه، بل هي تابعةٌ لما يُرشِد إليه من حكم السِّيرة المؤيَّدة بحكم العقل.
نعم! يمكن أن يُدَّعى: أنَّ مناط السِّيرة وإن كان ذلك، إلَّاأنَّه بمنزلة الحكمة لتشريع الحكم، كما أنَّ العلَّة المستفادة من قوله عليه السلام: «هو حين يتوضَّأ أذكر منه حين يشكُّ» ليس إلَّاكذلك، فيبقىٰ الدَّليل، وهو السِّيرة؛ والسِّيرة - كما اعترَفَ به المحقِّق الهمدانيُّ نفسه قدس سره - استقرَّت علىٰ عدم الاِعتناء بالشَّكِّ ولوكان ناشئًا عن الجهل.
وإن أبيتَ عن ذلك فالَّتمسُّك بالإطلاقات أيضًا لاإشكال فيه أصلًا.
وما قال به السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره من انصراف الرِّوايات عن هذا الموضع(1)
لاوجه له قطعًا!. وقد علَّل قوله باِرتكاز العقلاء، بأنَّ الفاعل المريد فراغَ ذمَّته إذا أراد إتيان شيءٍ يأتي به علىٰ وجهه؛
فهذا إقرارٌ منه بوجود السِّيرة. والمناط فيها - كما قلنا - هو نفس ذلك، فبعد ذلك فالرِّوايات إرشاديَّةٌ لا إطلاق فيها حتَّى نحتاجَ إلى اِدِّعاء الإنصراف أصلًا. إلَّاأنَّا أشرنا إلى أنَّ ذلك بمنزلة الحكمة للحكم المستفاد من القاعدة، لا العلَّة لها.
قال الشَّيخ قدس سره: «الظَّاهر أنَّ المراد بالشَّكِّ في موضوع هذا الأصل هو الشَّكُّ الطَّارىء بسبب الغفلة عن صورة العمل؛ فلوعلم كيفيَّة غسل اليد وأنَّه كان باِرتماسٍ في الماء لكن شكَّ في أنَّ ما تحت خاتَمِه يُنغَسَل بالاِرتماس؟ أم لا؟، ففي الحكم بعدم
1) . راجع: الرَّسائل، ج 1 ص 295.
الاِلتفات وجهان:
من إطلاق بعض الأخبار؛
ومن التَّعليل بقوله: «هو حين يتوضَّأ أذكر»(1).
قلتُ: في المسألة وجوهٌ وأقسامٌ بعد فرض ثبوتها في فرض غفلة العامل حين العمل، وإلَّا فلوعلِمَ توجُّهه حين العمل فلاإشكال في شمول القاعدة له؛ فالفرض خارجٌ إذن عمَّا نحن بصدده.
أمَّا الوجوه:
فالوجه الأوَّل: اِحتمال وجود الحائل، فلاإشكال في شمول الإطلاقات لهذا الفرض. وحيث بيَّنَّا أنَّ قوله: «هو حين يتوضَّأ أذكر» ليس إلَّامن باب الحكمة، لا العلَّة، فلايعارضه هذا الفرض.
هذا؛ مع أنَّ وجود السِّيرة العقلائيَّة - الَّتي هي دليلٌ وحيدٌ عندنا علىٰ ثبوت القاعدة وحجِّيَّتها - في هذا الفرض لاإشكال فيه ولاخلاف، فلانحتاج إلى أصالة عدم الحائل أصلًا؛ بل هذا الأصل غير جارٍ في المقام.
الوجه الثَّاني: احتمال حائليَّة الموجود، كما كان في يده خاتمٌ واحتمل عدم وصول الماء إليها بسببه. والظَّاهر أنَّ السِّيرة - والإطلاقات أيضًا - شاملةٌ لهذا الفرض.
هذا؛ مع ورود روايةٍ صحيحةٍ علىٰ المختار، وهي صحيحة الحسين بن أبي العلاء -
1) . راجع: فرائد الأصول، ج 3 ص 344.
وتصحيحه بوقوعه في سند كامل الزِّيارات(1)
وانظر مبناه في كتابه القيَّم الثِّقات الأخيار / المدخل، ص 27.
، وإلَّا فالحديث حسَنٌ، كما حسَّنَه البحرانيُّ قدس سره(2)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(3)، والفقيه الطَّباطبائيُّ قدس سره(4)-، قال: «سألتُ أباعبداللَّه عليه السلام عن الخاتم إذا اغتسلتُ؟ قال: حَوِّلْه من مكانه. وقال في الوضوء:تُديره، وإن نسيتَ حتَّى تقوم في الصَّلوة فلاآمُرُك أن تعيد الصَّلاة»؛ كما رواه الكلينيُّ قدس سره(5)، والمحقِّق الفيضُ قدس سره(6)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(7).
الوجه الثَّالث: أن يكون جاهلًا بكيفيَّة العمل حينه، غافلًا كان أو متوجِّهًا؛ فشمول القاعدة لهذا الفرض أولىٰ من الفرض الأوَّل بالضَّرورة.
فتحصَّل من جميع ما ذكرنا أنَّ الغفلة حين العمل لاتُوجِب عدمَ جريان القاعدة عقلًا ونقلًا.
لاإشكال في أنَّ البناء علىٰ إتيان المشكوك في القاعدة يكون علىٰ نحو العزيمة، لا
1) . علىٰ مختار الشَّيخ الأستاذ - حفظه اللَّه! - من تصحيح مَن وقع في سند الكامل. وابن قولويه قدس سره قد روىٰ عن الحسين بن أبي العلاء في أربعة مواضع من الكتاب؛ فانظر: كامل الزِّيارات، ص 73 (في موضعين منها)، ثمَّ ص 111، ثمَّ ص 278.
2) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 3 ص 90.
3) . راجع: مرآة العقول، ج 13 ص 137.
4) . راجع: رياض المسائل، ج 1 ص 157.
5) . راجع: الكافي، ج 3 ص 45 الحديث 14.
6) . راجع: الوافي، ج 6 ص 507 الحديث 4802.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 468 الحديث 1241.
الرُّخصة - المراد من العزيمة هيهنا: «أنَّه لايجوز الاِعتناء بالشَّكِّ وإتيان المشكوك ثانيًا»؛
والمراد بالرُّخصة أيضًا: «أنَّه يجوز أن تمضي ولاتعتني بالشَّكِّ، ويجوز أيضًا أن تأتي بالمشكوك بعنوان الإحتياط ورجاء إدراك الواقع»؛ هذا نصُّ كلام المحقِّق البجنورديِّ قدس سره(1)-؛ لأنَّ الأوامر الواردة في روايات الباب أوامرٌ وضعيَّةٌ دالَّةٌ علىٰ أنَّ الشَّاكَّ قد أتىٰ بالمشكوك، سيَّما قوله في بعضها: «بلىٰ، قد ركعتَ»؛ علىٰ ما رواه الشَّيخ قدس سره(2)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(3)، والمحقِّق الفيض قدس سره(4)فيما جعله العلَّامة المجلسيُّ قدس سره موثَّقًا كالصَّحيح(5)، وكذلك أبوه الكريم قدس سره(6)، وهو موثَّقٌ عند العلَّامة الحلِّي قدس سره(7)، والمازندرانيِّ قدس سره(8)وصحيحٌ عند المحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(9)، والبحرانيِّ قدس سره(10)، والوحيد
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 353.
2) . راجع: الاِستبصار، ج 1 ص 357 الحديث 1354؛ التَّهذيب، ج 2 ص 151 الحديث 592.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 6 ص 317 الحديث 8070.
4) . راجع: الوافي، ج 8 ص 951 الحديث 7474.
5) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 4 ص 36.
6) . راجع: روضة المتَّقين، ج 2 ص 413.
7) . راجع: منتهىٰ المطلب، ج 7 ص 31.
8) . راجع: شرح فروع الكافي، ج 3 ص 201.
9) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 167.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 169.
الفريد قدس سره(1)، وغيرهم.
واحتمال أنَّ الأوامر فيها تكليفيَّةٌ، في غاية الوهن.
فبناءً عليه ما قال به السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره من: «أنَّ الأوامر فيها لمَّا كانت في مقام توهُّم الحظر لاتدلُّ علىٰ أزيد من الرُّخصة»(2)
أقولُ: وتابَعَه فيه بعض أكابر تلاميذه؛
راجع: إرشاد العقول إلى مباحث الأصول، ج 4 ص 473.
ليس بسديدٍ!، بل كلامه من باب القضيَّة السَّالبة بانتفاء الموضوع. فإذن مَن أتىٰ بالمشكوك قد زاد في صلواته، وعليه الإعادةُ؛ خلافًا لبعضهم - كالمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(3)-.
قال السَّيِّد الأستاذ قدس سره: «الظَّاهر من أدلَّة القاعدة أنَّ الشَّكَّ الَّذي لايُعتنىٰ به هو الشَّكُّ الحادث بعد التَّجاوز، فلوكان باقيًا من قبل لايكون مشمولًا للأدلَّة. ويتفرَّع عليه أنَّه لوشكَّ قبل العمل في الطَّهارة مع كونه مسبوقًا بالحدث فغفل ودخل في العمل ثمَّ تنبَّه... فلاإشكال في جريان القاعدة... ومقتضىٰ قاعدة الإشتغال إعادة الصَّلوة. ولايجري الاِستصحاب في حال الغفلة عن الشَّكِّ، لأنَّ حجِّيَّة الاِستصحاب متوقِّفةٌ علىٰ الشَّكِّ الفعليِّ الَّذي يكون ملتفتًا إليه»(4).
وفيه:
أوَّلًا: لم يرد روايةٌ ولادليلٌ من العقل يدلُّ علىٰ اختصاص القاعدة بالشَّكِّ الحادث.
وثانيًا: وأمَّا المثال الَّذي تمثَّل به فلأنَّ الاِستصحاب قبل العمل الَّذي لايكون موردًا للقاعدة يَحكُم بفساد صلواته بتًّا، كما أنَّه لوكان قبل العمل مستصحِب الطَّهارة فذلك الاِستصحاب يحكم بصحَّة صلواته من غير احتياجٍ إلى القاعدة، بل القاعدة لاتجري، لعدم الحاجة إليها أصلًا.
فبما ذكرنا يظهر أنَّه لامورد للإشتغال في المقام.
وما قال به مِن: «أنَّ الاِستصحاب غير جارٍ، لأنَّه في حال الغفلة»(1)
وإن كان كذلك، إلَّاأنَّه قبل الصَّلوة توجَّه إلى اليقين والشَّكِّ، ثمَّ غفل، وهذا كافٍ لجريان الاِستصحاب قبل العمل. نعم! لوغفل بالمرَّة وصلَّى فتذكَّر بعد الصَّلوة فهو مورد قاعدة الفراغ، بل مضىٰ منَّا أنَّه لوتذكَّر في الأثناء فهو مورد قاعدة التَّجاوز أيضًا.
ولاتغفل عن مراجعة شروحه، لاسيَّما ما ذكره السَّيِّد الحكيم قدس سره(2)، والمحقِّق الآمليُّ قدس سره(3)، والسَّيِّد الشُّبَّر قدس سره(4)، والبيارجمنديُّ قدس سره(5)، والمحقِّق الحائريُّ قدس سره(6)، والمحقِّق الخوئيُّ قدس سره(7)
أقول: وإلى ما ذكره بعضُ أعاظم معاصرينا أيضًا؛
كالشَّيخ الإشتهارديُّ قدس سره؛ راجع: مدارك العروة الوثقىٰ، ج 4 ص 417.
والفقيه الصَّافي الگلپايگانيُّ قدس سره؛ راجع: ذخيرة العقبىٰ، ج 6 ص 281.
، وغيرهم.ولاتغفل عن عموم القاعدة وعدم اِختصاصها بباب خاصٍّ حسب المثالَين الأوَّل والثَّالث.
1) . راجع: العروة الوثقىٰ - المحشّىٰ -، ج 1 ص 428.
2) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 2 ص 115.
3) . راجع: مصباح الهدىٰ، ج 3 ص 520.
4) . راجع: العمل الأبقىٰ، ج 2 ص 237.
5) . راجع: مدارك العروة، ج 3 ص 171.
6) . راجع: شرح العروة الوثقىٰ، ج 3 ص 546.
7) . راجع: موسوعة الإمام الخوئي قدس سره، ج 6 ص 103.
8) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 1 ص 66.
تقريظ شيخنا الأستاذ الفقيه علىٰ الكتاب 5
الفهرس الإجمالي 7
مقدَّمة المقرِّر 9
[1]: قاعدة الاِئتمان / الامين مؤتمنٌ
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 15
توضيح مفاد القاعدة 16
مدركُ القاعدة 17
أوَّلًا: الكتاب 17
ثانيًا: السُّنَّة 20
ثالثًا: الإجماع 25
رابعًا: السِّيرة العُقلائيَّة 25
تنبيهاتٌ 28
التَّنبيه الأوَّل 28
التَّنبيه الثَّاني 29
التَّنبيه الثَّالث 30
التَّنبيه الرَّابع 33
التَّنبيه الخامس 33
التَّنبيه السَّادس 37
التَّنبيه السَّابع 38
التَّنبيه الثَّامن 40
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 40
[2:] قاعدة الإتلاف
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 43
توضيح مفاد القاعدة 44
مدركُ القاعدة 46
أوَّلًا: سيرة العقلاء والمتشرِّعة 46 ثانيًا: الكتاب 46
ثالثًا: السُّنَّة 51
رابعًا: الإجماع 53
تنبيهاتٌ 55
التَّنبيه الأوَّل 55
التَّنبيه الثَّاني 56
التَّنبيه الثَّالث 58
التَّنبيه الرَّابع 58
التَّنبيه الخامس 59
التَّنبيه السَّادس 64
التَّنبيه السَّابع 65
التَّنبيه الثَّامن 68
التَّنبيه التَّاسع 69
التَّنبيه العاشر 70
التَّنبيه الأحدعشر 70
التَّنبيه الثَّاني عشر 71
التَّنبيه الثَّالث عشر 71
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 71
[3:] قاعدة الإشتراك في التَّكليف
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 73
توضيح مفاد القاعدة 73
مدركُ القاعدة 74
أوَّلًا: سيرة العقلاء والمتشرِّعة 74
ثانيًا: الكتاب 74
ثالثًا: السُّنَّة 76
رابعًا: الإجماع 76
تنبيهاتٌ 77
التَّنبيه الأوَّل 77
التَّنبيه الثَّاني 78
التَّنبيه الثَّالث 80
التَّنبيه الرَّابع 81
التَّنبيه الخامس 83
تتمَّةٌ متمِّمةٌ لما مضىٰ 84
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 85
[4:] قاعدة الإقرار
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 87
توضيح مفاد القاعدة 87
مدركُ القاعدة 90
أوَّلًا: بناء العقلاء وسيرتهم 90
ثانيًا: الكتاب العزيز 90
ثالثًا: روايات الباب 91
رابعًا: الإجماع 92
تنبيهاتٌ 93
التَّنبيه الأوَّل 93
التَّنبيه الثَّاني 93
التَّنبيه الثَّالث 94
التَّنبيه الرَّابع 95
التَّنبيه الخامس 95
التَّنبيه السَّادس 97
التَّنبيه السَّابع 97
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 99
[5:] قاعدة الإلزام
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 101
توضيح مفاد القاعدة 101
مدركُ القاعدة 103
أوَّلًا: روايات الباب 103
ثانيًا: بناء العقلاء 104
تنبيهاتٌ: 105
التَّنبيه الأوَّل 105
التَّنبيه الثَّاني 106
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 109
[6:] قاعدة الإمكان
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 111
توضيح مفاد القاعدة 111
مدركُ القاعدة 113
تنبيهاتٌ 115
التَّنبيه الأوَّل 115
التَّنبيه الثَّاني 115
التَّنبيه الثالث 115
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 116
[7:] قاعدة البِناء علىٰ الأكثر عند الشَّكِّ في الرَّكعات الأخيرة
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 117
توضيح مفاد القاعدة 117
مدركُ القاعدة 119
تنبيهاتٌ 123
التَّنبيه الأوَّل 123
التَّنبيه الثَّاني 125
التَّنبيه الثَّالث 127
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 128
[8:] قاعدة البيِّنةُ علىٰ المدَّعي واليمينُ علىٰ من أنكَرَ
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 129
توضيح مفاد القاعدة 130
مدركُ القاعدة 131
أوَّلًا: الكتاب 131
ثانيًا: السُّنَّة 132
ثالثًا: الإجماع 135
رابعًا: دليل العقل 136
تنبيهاتٌ 136
التَّنبيه الأوَّل 136
التَّنبيه الثَّاني 140
التَّنبيه الثَّالث 141
التَّنبيه الرَّابع 143
التَّنبيه الخامس 144
التَّنبيه السَّادس 145
التَّنبيه السَّابع 147
التَّنبيه الثَّامن 148
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 152
[9:] قاعدة التَّسامُح في أدلَّة السُّنَن
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 155
توضيح مفاد القاعدة 156
مدركُ القاعدة 158
أوَّلًا: روايات المسألة 158
ثانيًا: الإجماع 160
تنبيهاتٌ 161
التَّنبيه الأوَّل 161
التَّنبيه الثَّاني 162
التَّنبيه الثَّالث 163
التَّنبيه الرَّابع 164
التَّنبيه الخامس 166
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 168
[10:] قاعدة التَّعاوُن
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 171
توضيح مفاد القاعدة 171
مدركُ القاعدة 175
أوَّلًا: الكتاب 175
ثانيًا: السُّنَّة 177
ثالثًا: الإجماع 181
رابعًا: العقل 181
تنبيهاتٌ 182
التَّنبيه الأوَّل 183
التَّنبيه الثاني 184
التَّنبيه الثَّالث 184
التَّنبيه الرَّابع 184
التَّنبيه الخامس 185
التَّنبيه السَّادس 185
التَّنبيه السَّابع 187
التَّنبيه الثَّامن 188
[11:] قاعدةُ الجُبِّ
توضيح مفاد القاعدة 191
مدركُ القاعدة 193
أوَّلًا: الاجماع 193
ثانيًا: روايات الباب 193
ثالثًا: السِّيرة المطهَّرة 194
رابعًا: الكتاب الكريم 194
خامسًا: السِّيرة العُقلائيَّة 194
تنبيهاتٌ 195
التَّنبيه الأوَّل 195
التَّنبيه الثَّاني 195
التَّنبيه الثَّالث 196
التَّنبيه الرَّابع 196
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 197
[12:] قاعدة الحرج
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 199
توضيح مفاد القاعدة 199
مدركُ القاعدة 200
أوَّلًا: العقل 200
ثانيًا: الكتاب 201
ثالثًا: السُّنَّة 205
تنبيهاتٌ 207
التَّنبيه الأوَّل 207
التَّنبيه الثَّاني 208
التَّنبيه الثَّالث 208
التَّنبيه الرَّابع 211
التَّنبيه الخامس 213
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 214
[13:] قاعدة الدَّرْء
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 215
توضيح مفاد القاعدة 216
مدركُ القاعدة 216
أوَّلًا: بناء العقلاء 216
ثانيًا: السُّنَّة المطهَّرة 216
ثالثًا: الإجماع 217
تنبيهاتٌ 218
التَّنبيه الأوَّل 218
التَّنبيه الثَّاني 218
التَّنبيه الثَّالث 219
التَّنبيه الرَّابع 220
التَّنبيه الخامس 221
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 222
[14:] قاعدة الدَّين مقضيٌّ
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 225
توضيح مفاد القاعدة 225
مدركُ القاعدة 226
أوَّلًا: الكتاب العزيز 226
ثانيًا: السُّنَّة 227
ثالثًا: الإجماع 228
رابعًا: بناء العقلاء 229
تنبيهاتٌ 230
التَّنبيه الأوَّل 230
التَّنبيه الثَّاني 230
التَّنبيه الثَّالث 232
التَّنبيه الرَّابع 233
التَّنبيه الخامس 236
التَّنبيه السَّادس 239
التَّنبيه السَّابع 241
التَّنبيه الثَّامن 243
التَّنبيه التَّاسع 244
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 245
[15:] قاعدة الزَّعيم غارمٌ
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 247
توضيح مفاد القاعدة 247
مدركُ القاعدة 248
أوَّلًا: الكتاب العزيز 248
ثانيًا: السُّنَّة المطهَّرة 249
ثالثًا: الإجماع 250
رابعًا: بناء العقلاء 251
تنبيهٌ 251
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 251
[16:] قاعدة السُّوق
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 253
توضيح مفاد القاعدة 253
مدركُ القاعدة 255
أوَّلًا: روايات الباب 255
ثانيًا: بناء العقلاء 258
ثالثًا: الإجماع 258
تنبيهاتٌ 259
التَّنبيه الأوَّل 260
التَّنبيه الثَّاني 261
التَّنبيه الثَّالث 262
التَّنبيه الرَّابع 263
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 263
[17:] قاعدة الشَّرط الفاسد
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 267
توضيح مفاد القاعدة 268
مدركُ القاعدة 270
ما استدلَّ به المتقدِّمون علىٰ مختارهم 270
أوَّلًا: الكتاب 270
ثانيًا: الإجماع 271
ثالثًا: الأدلَّة العقليَّة 271
رابعًا: الرِّوايات 273
ما استدلَّ به المتأخِّرون علىٰ مختارهم 275
أوَّلًا: الأدلَّة العقليَّة 276
ثانيًا: الرِّوايات 277
تنبيهاتٌ 281
التَّنبيه الأوَّل 281
التَّنبيه الثَّاني 282
التَّنبيه الثَّالث 283
التَّنبيه الرَّابع 284
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 287
[18] قاعدة الشُّفعة جائزةٌ في كلِّ شيءٍ
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 289
توضيح مفاد القاعدة 290
مدركُ القاعدة 291
أوَّلًا: الإجماع 291
ثانيًا: السُّنَّة المطهَّرة 292
تنبيهاتٌ 293
التَّنبيه الأوَّل 294
التَّنبيه الثَّاني 294
الشَّرط الأوَّل 294
الشَّرط الثَّاني 296
الشَّرط الثَّالث 298
التَّنبيه الثَّاني 301
التَّنبيه الثَّالث 302
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 305
[19:] قاعدة الصُّلحُ جائزٌ بين النَّاس
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 307
توضيح مفاد القاعدة 308
مدركُ القاعدة 310
أوَّلًا: الكتاب 310
ثانيًا: الرِّوايات 311
ثالثًا: الإجماع 312
رابعًا: السِّيرة 312
تنبيهاتٌ 313
التَّنبيه الأوَّل 313
التَّنبيه الثَّاني 315
التَّنبيه الثَّالث 316
التَّنبيه الرَّابع 317
التَّنبيه الخامس 320
التَّنبيه السَّادس 322
التَّنبيه السَّابع 324
التَّنبيه الثَّامن 325
التَّنبيه التَّاسع 327
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 329
[20:] قاعدة العُقُود تابعةٌ للقُصُود
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 331
توضيح مفاد القاعدة 331
مدركُ القاعدة 334
أوَّلًا: الضَّرورة العقليَّة أو دليله 334
تنبيهاتٌ 335
التَّنبيه الأوَّل 335
التَّنبيه الثَّاني 336
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 341
[21:] قاعدة الغَرَر
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 343
توضيح مفاد القاعدة 343
مدركُ القاعدة 345
أوَّلًا: السُّنَّة 346
ثانيًا: بناء العقلاء 348
ثالثًا: الإجماع 348
تنبيهاتٌ 349
التَّنبيه الأوَّل 349
التَّنبيه الثَّاني 350
التَّنبيه الثَّالث 350
التَّنبيه الرَّابع 352
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 352
[22:] قاعدة الفِراش
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 355
توضيح مفاد القاعدة 355
مدركُ القاعدة 356
أوَّلًا: روايات الباب 356
ثانيًا: بناء العقلاء 358
تنبيهاتٌ 362
التَّنبيه الأوَّل 363
التَّنبيه الثَّاني 363
التَّنبيه الثَّالث 369
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 369
[23:] قاعدة الفراغ والتَّجاوز
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 373
توضيح مفاد القاعدة 373
مدركُ القاعدة 374
أوَّلًا: السُّنَّة 374
تنبيهاتٌ 379
التَّنبيه الأوَّل 379
التَّنبيه الثَّاني 379
التَّنبيه الثَّالث 382
التَّنبيه الرَّابع 386
التَّنبيه الخامس 387
التَّنبيه السَّادس 392
التَّنبيه السَّابع 396
التَّنبيه الثَّامن 398
التَّنبيه التَّاسع 400
التَّنبيه العاشر 402
التَّنبيه الحادي عشر 404
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 405
الفهرس التَّفصيلي 407