ghaemiyeh.com
موسوعة
سيرة اهل البیت(عليهم السلام)
الجزء التاسع والعشرون
الإمام موسی بن جعفر(عليه السلام)
تاليف باقرشریف القرشی
تحقيق مهدي باقر القرشي
موسسه الإمام الحسن(عليه السلام)
لإحياء تراث اهل البيت (عليهم السلام)
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: عليرضا حقاني فر
سيرة اهل البیت(عليهم السلام)
الإمام موسی بن جعفر(عليه السلام)
موسوعة
سيرة اهل البیت(عليهم السلام)
الجزء التاسع والعشرون
الإمام موسی بن جعفر(عليه السلام)
تاليف
باقر شریف القرشی
تحقيق
مهدی باقر القرشي
موسسه الإمام الحسن(عليه السلام)
لاحياء تراث اهل البيت(عليهم السلام)
موسوعة سيرة أهل البيت (عليهم السلام)
تأليف : باقر الشريف للفرشي
تحقيق : مهدی باقر القرشي
الناشر : ... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن(عليه السلام)
المطبعة : ... ستار
الطبعة الثانية :... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : ... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء (29) : 1 - 1 - 275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)
مكتبة الإمام الحسن(عليه السلام)- هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1 أطلّ الإسلام على عالم يرزح بالفتن والأضاليل ، فغيّر مجرى تاريخ الحياة ، وطوّر مفاهيمها ، وخلق وعياً أصيلاً في ربوع العالم انطلقت بسببه الإنسانية من عقال الجهل إلى ميادين الحضارة والرقي والابداع ، وبناء كيانها الاجتماعي .
لقد انطلق الإسلام كالمارد الجبار ، فبنى في ربوع ذلك المجتمع المنهار صروحاً للفضيلة ، وأساساً للحياة الحرّة الكريمة يسود فيها الوعي الأصيل ، والمنطق السليم ، وفي نفس الوقت حطم صروح الظالمين والمستبدين ، وقبر الأفكار السحيقة ، وهدم معالم الجاهليّة الرعناء ، وألغى امتيازاتها ، وإلى ذلك البناء والهدم يشير الحديث الشريف :« إِنَّ اللهَ بَنى في الْإِسْلامِ بُيوتاً كَانَتْ خَرِبَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَهَدَمَ بيوتاً كانَتْ عامِرَةً في الجاهِلِيَّةِ» (1).
إنّ البيوت التي أقامها الإسلام وأنشأ كيانها بعدما كانت خربة في الجاهلية ه-ي إعلان الحقوق الطبيعية للإنسان ، وتنوير العقول والأفكار ، وإيجاد التعاون والتضامن بين أفراد ذلك المجتمع المتفكك ، ورفع مستوى الحياة من الناحية الاقتصادية والسياسية ، وتحقيق العدالة الاجتماعية في الأرض .
وأما البيوت التي حطّم كيانها الإسلام، فهي بيوت الظلم والاستغلال والاستبداد ، كما هدم الإسلام جميع خرافات الجاهلية وأوهامها ، كعبادة الأصنام ، ووأد البنات ،
1) مجمع الزوائد : 8 :86
وغير ذلك من العادات الاجتماعية التي كانت مصدر شقائهم وتأخرهم . لقد كانت الأغلبية الساحقة من العرب تأكل القدّ ، وتشرب الرنق ، قال الله تعالى : وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ (1).
قال قتادة في تفسير هذه الآية : كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً ، وأشقاء عيشاً ، وأبينه ضلالة ، وأعراه جلوداً ، وأجوعه بطوناً ، معكومين على رأس حجر بين الأسدين: فارس والروم».
إلى أن قال : « حتّى جاء الله بالإسلام فورئكم به الكتاب ، وأحلّكم به دار الجهاد ووسع لكم به من الرزق»(2).
إنّ الحياة العامة في الجزيرة قبل فجر الدعوة الإسلامية كان يسودها الفقر والجهل والقلق والاضطراب ، حتى انطلقت حضارة الإسلام تشقّ طريقها في أجواء التاريخ ، وتصنع للإنسانية جمعاء ما لم تصنعه أي حضارة أخرى في العالم ، فكانت تبني أساساً للحياة الكريمة قائمة على صرح شامخ من الحق والعدل .
إنّ الطاقات النديّة الضخمة التي فجرها الرسول العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم)كانت تلتقي مع الفطرة الأصيلة للإنسان ، وتواكب وعيه المتحرّر ، واتجاهه السليم ، وكانت تحمل طابع التوازن بكل ما لهذا اللفظ من معنى ، التوازن في قيادة الفرد لنفسه ، والتوازن بين أفراد جميع المجتمع ، ما بين جارٍ وقريب ، وما بين حاكم ومحكوم ، ولم يكن المدّ الإسلامي مجرد دعوة تستهدف إيماناً دينياً وقيماً خُلقيّة ، فقد كانت دعوته الخالدة تحمل في أعماقها وجوهرها نظاماً ثابتاً لإقرار الحق وتحطيم المنكر ، والاعتراف بالحريات ، وترتيب التعامل بين الأفراد والجماعات في ظل نظام مستقر تؤمن به الجماهير، وتلتف حوله تحميه ، لأنه يصون مصالحها ، ويحفظ مكاسبها بعد ما كانت
تئنّ من استغلال الطغاة لها ، فجاء الإسلام ليقيم فيها حكماً عادلاً ، ويعطيها حقوقها المضاعة ، ويوفّر لها الحياة الحرّة الكريمة التي يسود فيها الخير والرفاهية.
وسارت الدعوة الإسلامية بسرعة الضوء نحو شعوب العالم وهي تنير لها معالم الحياة ، وتقودها نحو شاطئ الأمن والسلام والتحرّر ، وبادرت تلك الشعوب المغلوبة إلى اعتناق هذه الدعوة الأصيلة التي تحقق أملها المنشود من التحرّر والراحة والحماية من الاستغلال والاستبداد ، وتمسكت بالإسلام ، وانطبعت مبادئه في نفوسها ، واندفع المسلمون إلى نشر رسالة الإسلام ، والتبشير بأهدافه ، فكانوا كما قال الله تعالى في حقهم :كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(1)، وذلك لتمسكهم الوثيق بأهداف الإسلام ، وإصرارهم على تبليغ رسالته حتى قام الإسلام بجهودهم وهو عبل الذراع ، شامخ الكيان ، يحفّه النصر والظفر .
2 ولاقى الإسلام المزيد من الأهوال والمصاعب ، فقد نفر في وجهه منذ فجر تأريخه الطغاة المتجبّرون والنفعيون الذين تحطم كيانهم ، وضاعت مصالحهم ، فقاموا بعدوانهم المسلّح تحف بهم قوى الشرك والإلحاد لمحاربة الإسلام ، وزعزعة كيانه ، وردّ الدعوة الأصيلة لمصدرها ، ولكن لم تلبث أن تحطّمت تلك القوى الغادرة ، وفشلت جميع الاعتداءات والمؤامرات التي حيكت ضده ، وخرج الإسلام وهو ظافر منتصر قد باء أعداؤه وخصومه بالفشل والخسران .
وسرت موجة الفتح الإسلامي إلى أغلب أنحاء المعمورة ، وانحسرت روح الشرك ، وطويت معالم الجاهلية ، وقبرت أفكارها ، ودخلت قهراً العناصر المعادية للإسلام في حظيرته ، ولكنها أخذت تعمل جاهدة بكل قواها للاستيلاء على زمام الحكم ، فلمّا ظفرت به تنكرت أشدّ التنكر لهذا الدين ، فغيرت أحكام الله ، وبدلت سنة نبيه(صلی الله علیه وآله وسلم)، ونهبت أموال المسلمين ، وسحقت جميع المثل العليا التي جاء بها الإسلام ، وإليها
1) آل عمران 3 :110 .
يشير الحديث الشريف الوارد عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم): « إِنَّ هَلاكَ أُمَّتِي عَلى يَدِ أَغَيْلِمَةٍ مِنْ قُرَيْشِ»(1)
لقد ذبلت نضارة الإسلام ، وتغيرت مفاهيمه حينما استولى هؤلاء الأدعياء من الأمويين على دست ،الحكم ، وخيّم على المسلمين ظلام دامس لا بصيص فيه من النور ، قد سرت المطامع والأهواء الخاصة في نفوس الكثيرين منهم ، واستولى عليهم الخمول والخنوع، وصدوا عن ذكر الله ، وانحرفوا عن الطريق القويم ، فلم يناهضوا منكراً ، ولم يأمروا بمعروف.
وثقل على أئمة أهل البيت(عليهم السلام)و من شايعهم من المؤمنين ورجال الفكر ما مني به العالم الإسلامي من الذل والعبودية ، فانبروا إلى ميادين الجهاد المقدّس لإنقاذ الأمة من واقعها المرير ، وقد قابلتهم الحكومات الأموية بما تملك من وسائل التنكيل والارهاب ، فأراقت دماءهم ، وطاردتهم ، وأشاعت الفزع والخوف فيهم .
ولم تخمد نار الثورة ، وإنما بقيت ملتهبة حتى أطاحت بالحكم الأموي ، وأزالت وجوده البغيض ، ولكن من المؤسف حقاً أن زعماء الثورة لم يقرروا مصير الأمة، ولم يحققوا لها أهدافها ، فقد حملوا الدعوة إلى بني العباس ظانين أنهم سيحققون للعالم الإسلامي ما يصبو إليه من نشر العدل والرفاهية والأمن والاستقرار .
وحينما صفا الملك لبني العباس ساسوا المسلمين بسياسة نكراء لا ظل فيها للعدل والحق ، فقد مثلت سياستهم بجميع مخططاتها السياسة الأموية الحاملة لشارات الفقر والجهل والظلم .
وانطلق العلويون مع شيعتهم يعملون جاهدين لمناجزة الحكم العباسي ، وهم يدعون إلى تأسيس دولة إسلاميّة تسود فيها أحكام القرآن ، وعدالة الإسلام ، واندفع العباسيون إلى مقابلتهم بكل قسوة وضراوة ، فنكلت بهم أفظع التنكيل وأمرَه .
1) الغدير : 8 290 شرح مسلم : 18 : 41 .
وكان الإمام موسى(عليه السلام)في طليعة من ناهض حكومة هارون ، وحرّم التعاون معها في جميع المجالات حتى في الأمور المباحة ، وقد صبّ عليه الرشيد جام غضبه ، فأودعه في ظلمات السجون، ومنع شيعته من الاتصال به ، وقد ضيّق عليه غاية التضييق ، فقاسي(عليه السلام) جميع أنواع الخطوب والكوارث ، وقد أعطى(عليه السلام)بصبره وموقفه المشرّف درساً رائعاً عن صمود العقيدة الإسلامية وصلابتها وعدم خضوعها بأي حال من الأحوال لمنطق القوة والسلطان .
3 ومرت على المسلمين فترات مظلمة ، وأدوار قاسية ألصقت بتاريخهم الناصع ألواناً دخيلة بعيدة كل البعد عن مفاهيم الإسلام واتجاهاته ، وكان ذلك ناشئاً من دون شك من أولئك الأقزام الذين استولوا على زمام الحكم ، ففرضوا سلطانهم على المسلمين فرضاً ، وقام نفوذهم على السلاح ، وشراء الضمائر ، فهم كما قال الغزالي : «وأفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير استحقاق»(1).
وكان الأولى بالمسلمين أو بمؤرخيهم أن يجردوا هؤلاء الأدعياء من لقب( الخلافة )، ولو فعلوا ذلك لصانوا الإسلام وحافظوا على مثاليته من هؤلاء الذين لا يمتون لهديه بصلة ، ولا يلتقون مع نواميسه بطريق .
ومن المؤسف أن تحسب هذه الجماعات على رصيد الإسلام فيحاسب من أجلهم ، وتكال له الطعون والتهم من جراء موبقاتهم مع العلم أن جرائمهم وآثامهم قد دلت على انطباع الكفر والفسوق في مشاعرهم ونفوسهم ، فكيف يصح أن يضمهم اطار الإسلام ؟ أو ينقد بأعمالهم ؟
إنّ المقياس والميزان هي المبادئ الإسلامية ، فما كان من أعمال المسؤولين والحكّام مرتبطاً بها فهم محسوبون على الإسلام ، وهو مسؤول عنهم ، وأما التصرفات النابية التي لا علاقة لها بالإسلام ولا تمثل هديه وواقعه فإنّه غير مؤاخذ بها ، ولا هو
1) دائرة المعارف / فريد وجدي : 3: 231
مسؤول عنها ، ولا هي تمثل وجهة نظره ، وكثيرون من أعداء الإسلام قد أخذوه بأعمال بعض الحكام ، كالوليد والمنصور والمتوكل ونظرائهم ، من الذين أثبتوا في أعمالهم الإدارية والسياسية أنهم أعداء الإسلام وخصومه ، فكيف يحاسب الإسلام أو يؤاخذ على ما اقترفوه من عظيم الذنب والإثم ؟ !
إنّ على الباحثين في شؤون الشخصيات الإسلامية أن ينظروا إلى التاريخ الإسلامي بإمعان وتدبّر ، فلا يضيفون إلى مراكزه العليا إلا الأكفاء المتوفرين بتربيتهم على مثاليته وهديه ، وأما الأدعياء الذين حملوا معول الهدم على كيانه ، وحاولوا لف لوائه ، فيجب تجريدهم من اطار الشخصيّة الإسلامية ، وإبعادهم عن تاريخه الناصع .
إنّ على كلّ باحث منصف أن ينظر إلى التاريخ الإسلامي نظرة عميقة فيعرّيه من ألوان الدعاية والخيال ليكون فهمه له على أساس واقعي رصين ، فقد ابتلي المسلمون بكثير من المؤرخين والرواة الذين كانوا يعيشون على موائد الملوك، فافتعلوا لهم المآثر والفضائل ، وأضافوا إليهم أهم النعوت والأوصاف ، الأمر الذي أدى إلى تشويه الواقع ، وإيقاع التناقض الفاحش في بحوث التاريخ .
يمرّ العالم الإسلامي في هذا العصر بمرحلة دقيقة حاسمة من تاريخه، فقد تظافرت قوى الاستعمار العالمي للإجهاز عليه ، وسلبه طاقاته وإمكانياته ، وتجريده من شخصيته وتراثه ، واستعباده استعباداً شاملاً يسلبه حرياته ، ويفقده أمانيه ، والمسلمون غافلون عما أحدق بهم من البلاء والخطوب ، قد أخلدوا لمصالحهم الخاصة الضيّقة ، وانشغل النابهون منهم بالاتجاهات الحزبية التي لا تخدم بلادهم ، وإنما تخدم الاستعمار وتحقق أطماعه وألاعيبه .
لقد خرّب الاستعمار جميع ما أودعه الإسلام في قلوب المسلمين من المثل العليا والمبادئ الأصيلة والوعي السليم، وشعب أوطانهم ، وفرّق كلمتهم حتى استحالت عقولهم إلى هياكل ميّتة ، فقد عمل جميع الوسائل لإفسادهم والنكاية بهم، فدمّر أرضهم بالمغريات ، وملأها بالفساد والدعارة والمجون ، وحرّم على أبنائهم دراسة
الإسلام على حقيقته وواقعه ، والاطلاع على التضحيات الضخمة التي قام بها المصلحون في العصور الأولى من نشر الثقافة ، وتنوير الأفكار ، والعمل من أجل الصالح العام ، وقد جهلت جميع ذلك الناشئة الإسلامية الحديثة ، فقد غذاها الاستعمار بأنّ الدين يخالف منطق العقل ، وأن أحكامه تجافى الطبيعة ، فكانت قلوبهم موغرة على الإسلام ، نافرة من أهله ودعاته ، فكانوا عوناً للمستعمر على محاربة الكيان الإسلامي ، والهجوم على نظامه وعقيدته ، والأنكى من ذلك اندفاعهم الهائل مع دعاة الكفر والإلحاد ، وتأييدهم لتلك الأفكار الرجعية المنهارة التي تتنافى مع الفطرة الإنسانية ، وتدمير جميع المثل الرفيعة .
فعلى رجال الفكر والغيارى والمصلحين أن يقدموا للمسلمين الطاقات التي فجّرها النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأمدها بالبقاء والحياة ، ويعرفوا الجماهير بالتراث الإسلامي الذي يفي بحاجاتهم ، ويضمن لهم حرياتهم وحقوقهم ، ويوفّر لهم الراحة والاستقرار .
على دعاة الإسلام أن يفهموا المسلمين أن الإسلام ليس ذلك الذي تلوكه الألسن من غير وعي ، وتفهم لمبادئه وروحه ، بل هو الثورة الصاخبة على الظالمين والمستبدين وأعداء الشعوب .
إنّه العدالة الكبرى التي تبني مجتمعاً رفيعاً لا تضيع فيه حقوق أفراده ، ولا تهدر فيه كرامتهم .
إنّه النظام الوحيد الذي يحطّم الاستغلال والاحتكار ، وينعم في ظلاله المحرومون والبائسون .. على دعاة الإصلاح أن يؤدوا رسالة الإسلام على حقيقتها النازلة من ربّ العالمين ، ويعرفوا الجماهير برجال الإسلام المخلصين الذين خدموا العالم الإسلامي ، وقاموا بأهم التضحيات في سبيل نشر العدالة ، وبسط القيم الإنسانية ، ورفع مستوى الحياة ، فإنّه من الضرورة الملحة إفهام المسلمين بذلك ، وتغذية ناشئتهم بالآداب الإسلامية ليتربى بذلك جيل واع سباق لفعل الخيرات ، والانطلاق في خدمة بلاده ومجتمعه .
ومما لا شبهة فيه -بإجماع المسلمين -أنّ أخصب رجال الإسلام علماً ، وأكثرهم تضحية وجهاداً في سبيل الله هم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ، فهم قدوة هذه الأمة وأدلتها على فعل الخير ، وقد ضمن النبي العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم)لأمته أن لا تزيغ عن طريق الحق والصواب لو تمسكت بهم ، وأخذت بتعاليمهم . قال(صلی الله علیه وآله وسلم) : «إِنِّي تَارِكٌ فِيْكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بهما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي ، أَحَدُهُما أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ : كِتابَ اللهِ ، حَبْلُ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ؛ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْنِي ، وَلَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تُخْلُفُونِي فِيْهِمَا »(1).
وقد دلّت مآثرهم ومناقبهم وسيرتهم على تجردهم من مآثم هذه الحياة ، وإعراضهم عن زهوها وأباطيلها ، فكان لهم اتجاه واحد هو خدمة الإسلام والعمل في سبيل الصالح العام ، ومما لا ريب فيه أن نهضة هذه الأمة وبلوغها إلى ذروة الزحف المقدس يتوقف على اقتدائها بسيرة أهل البيت(عليهم السلام)، والأخذ بتعاليمهم واتجاهاتهم .
والإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)أحد شموع العترة الطاهرة ، ومن ركائز الإسلام العليا ، قد أدى رسالة ربه بأمانة وإخلاص، وبالغ في إرشاد أمة جده (صلی الله علیه وآله وسلم) ، وتحمل في سبيل ذلك أقسى ألوان المحن والخطوب ، فأودعه الرشيد في ظلمات سجونه لأنه لم يجاره أو يصانعه ، بل قاومه وازدری بسلطانه و صارحه بجوره و اختلاسه لمركز الخلافة الإسلاميّة كما سنبين ذلك في بعض فصول هذا الكتاب - وبذلك كان(عليه السلام) من عمالقة المجاهدين في سبيل الله ، الناصحين لعباده .
لقد تشرّفت بالبحث عن سيرة هذا الإمام العظيم ، فذكرت في الحلقة الأولى الأولى من هذا الكتاب الأدوار التي اجتازت عليه ، وبعض تراثه الرائع ، ونصائحه العليا ، وإرشاداته القيمة ، ويتضمن البحث في الحلقة الثانية ما حدث بينه وبين هارون ، كما احتوى على دراسة وافية عن سياسة هارون الرشيد، وما أثر عنه من الأعمال
1) صحيح الترمذي : 2 : 308
المجافية لروح العدالة الإسلامية والمنافية للقيم الإنسانية .
وذكرت عصر الإمام(عليه السلام)، وما حدث فيه من المشاكل ، وظهور الفرق والحركات الإلحادية التي كان الغرض منها إفساد عقائد المسلمين ، ولفّ لواء الإسلام ، الأمر الذي أوجب أن يتصدّى الإمام(عليه السلام)وكبار تلاميذه إلى نقدها بالأدلة العلمية الرصينة وإنقاذ المسلمين منها .
وذكرنا عرضاً موجزاً لمبدأ التشيّع ، وما ينشده من المثل العليا ، وما قوبل به من الاضطهاد من قبل السلطة ، وما عاناه رجاله من التنكيل والارهاق ، لأنهم كانوا يعارضون الحكم القائم المبني على الاستبداد السياسي ، ونهب أموال الناس والتحكّم في أمورهم على غير وجه مشروع .
إنه لم تقم ثورة إصلاحيّة في تلك العصور إلا رفعت الشيعة علمها ، أو ساهمت بمدها بما تملك من وسائل القوة .. فهم قادة الشعوب الإسلامية وروادها في طريق الكفاح والنضال من أجل التحرر من حكم العبودية والذل ، ومن أجل إعادة الحياة الكريمة التي ينشدها الإسلام في ظلال حكمه.
لقد قدمت الشيعة المزيد من التضحيات أيام الحكم الأموي والعباسي ، فصمدت في وجه الأعاصير ، وعارضت بشدة وعنف سياسة أولئك الحاكمين الذين بنوا حكمهم على الظلم والجور، وعلى سلب مقدّرات الأمّة وإنفاقها على شهواتهم وملذاتهم وفجورهم ، فنشروا التحلّل والميوعة والتسيب في ربوع العالم العربي والإسلامي .
وقد عرض الكتاب بصورة موضوعيّة بعيدة عن التحيز إلى بسط الكلام في ذلك كله ، غرضنا أن نصوغ بعض فصول التاريخ الإسلامي على الواقع المشرق الذي ينشده الإسلام ، وأن نبرز واقع أولئك الملوك ، فإنه ليس من المنطق في شيء أن تحمل سياستهم على الصحة ونقول إنهم قد خدموا القضيّة الإسلامية ، وساروا بين المسلمين بسياسة نيّرة قوامها العدل الخالص والحق المحض ، فيما أثبت التاريخ من بوادر كثيرة أثرت عنهم ، سواء في ميادين سياستهم أو سلوكهم بوضوح أنه لا واقع لتلك الأقاويل
وذلك الادعاء .
وعرض هذا الكتاب إلى ترجمة كوكبة كبيرة من أصحاب الإمام ورواة حديثه الذين حملوا مشعل النهضة العلمية والفكرية في ذلك العصر، وألفوا في مختلف العلوم والفنون ، خصوصاً فيما يتعلق بالفقه الإسلامي، فقد دوّنوا جميع أبوابه من العبادات والمعاملات ، ولهم يرجع الفضل في حفظ التراث الفقهي المأثور عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
وبسطنا الكلام في هذا الجزء في تراجم أبناء الإمام(عليه السلام)، وما أثر من سيرتهم وسلوكهم وهديهم ، وما قام به بعضهم من الثورات المتسمة بالشدّة والعنف أيام حكم بني العباس . وأنهيت المطاف بأخبار الإمام(عليه السلام)و ما جرى عليه من الارهاق والاضطهاد في سجن هارون مع بيان أسباب سجنه ، وتفصيل حال وفاته ، والتحقيق في أمر ذلك الحادث العظيم .
هذا بعض ما في هذا الكتاب من بحوث ، ما أردت بها إلا خدمة علم من أعلام العقيدة الإسلامية ، والكشف عن بعض أبعاد حياته وسلوكه ، راجياً من الله تعالى أن أكون قد وفقت لذلك .
والله وليّ التوفيق
مکتبة الإمام الحسن العامّة
باقر شریف القرشی
النجف الاشرف
المحتویات
وأفضت الخلافة إلى هارون ، وزهرت له الدنيا، واستوسقت له الأمور ، ونال من دنياه كل ما اشتهى وأراد ، قد عمّ نفوذه أغلب أنحاء هذه المعمورة ، حتى أثر عنه خطابه للسحاب « اذهبي إلى حيث شئت يأتيني خراجك»(1).
وجبي له الخراج من جميع الأقاليم الإسلامية ، وصارت عاصمته بغداد عروس الدنيا ، ومستودع أضخم بيت للمال في العالم ، وقصدها النوابغ والعباقرة والفنانون من سائر الشعوب ، وانتشر فيها الثراء الفاحش، والتضخّم النقدي عند التجار والموظفين والندماء والمطربين والمجّان ، وتناثرت فيها القصور الرائعة التي شيدت على طراز هندسي جميل مزيج من الذوقين العربي والفارسي ، وصارت بغداد بما فيها من الحدائق الغنّاء زينة الشرق، وأعظم عاصمة لأهم امبراطورية شاهدها التاريخ ، ففيها قصر الخلد الذي شبّه بجنة الخلد التي وعد بها المتقون ، وفيها قصر السلام الذي شبّه بقوله تعالى : لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ(2)، وهذه القصور تجري من تحتها الأنهار ، وتموج بالحور العين كأمثال اللؤلؤ ، وقد وصلت بغداد إلى منتهى المجد والفخار .
وجلس هارون على أريكة الخلافة الإسلامية العظمى ، وهو السيد المطلق ،
والحاكم الروحي المطاع ، قد استولى على جميع إمكانيات الدولة ، ومقدرات المجتمع ، يهب لمن يشاء ، ويمنع من يشاء ، لا يسأل عما يفعل ولا يحاسب عمّا يبذر ، فهو ظلّ الله في أرضه ، وخليفته على عباده -كما يقولون ..
تقمّص الخلافة وهو في شرخ الشباب وعنفوانه ، لم يذق من عنت الأيّام ومحنها، ولم تصقله التجارب ، قد جاء إليه الملك عفواً بعد مؤامرة خطيرة اشتركت في تدبيرها أمه الخيزران ورئيس وزرائه يحيى البرمكي ، فدبّرا اغتيال الهادي ، وقد نجحا في وضع ذلك المخطط والقضاء عليه بسرعة هائلة لم يطلع عليها أي أحد من أعضاء البلاط ، حتّى هارون لم يعلم بذلك ، فقد كان معتقلاً قد خفيت عليه جميع الأمور ، وبعد تنفيذ المؤامرة والقضاء على الهادي وتركه جثة هامدة في قصره أسرع يحيى إلى السجن فأقبل نحو الرشيد وكان نائماً، فأيقظه فاستفاق مرعوباً ، فقال له يحيى: قم يا أمير المؤمنين .
فنهره الرشيد وعليه آثار الغضب قائلا له :كم تروّعني إعجاباً منك بخلافتي وأنت تعلم حالي عند هذا الرجل، فإن بلغه هذا فما يكون أمري عنده؟
فابتسم له يحيى وقال له : لقد مات الهادي، وهذا خاتمه ، وبالباب وزيره الحراني .
فنهض الرشيد وقد استولى عليه السرور ، فاتجه من فوره إلى القصر الذي سجّيت فيه جنّة أخيه ، فاطلع على الأمر وأقام ليلته هناك ، وكانت ليلة تاريخية حفلت بأحداث خطيرة ، فقد خرج الرشيد فيها من سجنه ، وبويع له بالخلافة ، ويُسّر بغلام من جاريته الفارسية - مراجل - فسماه عبد الله ، وهو الذي عُرف بالمأمون ، وقالوا في تلك الليلة : « إنّها ليلة الخلفاء » ، مات فيها خليفة ، وبويع خليفة ، وولد خليفة .
وعند انبلاج الصبح قام الرشيد فصلى على جثمان أخيه ودفنه في بستان قصره . وتوافدت وجوه بغداد وشخصيّاتها إلى المحل المقيم فيه هارون ليبايعوه ،
وبعد أن غص القصر الأبيض بجماهير الناس على اختلاف طبقاتهم انبرى إلى منصة الخطابة يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب ، فألقى خطاباً جاء فيه : « إنّ الله عزّ وجلّ استأثر بخليفته موسى الهادي ، وولّى بعده رشيداً مرضيّاً أمير المؤمنين .. وهو يعدكم من نفسه الرأفة بالناس ، والعدل، وإحقاق الحق بينهم ، ويذود عن أرواحهم وأعراضهم من العصاة المارقين»(1)
ثم التفت إلى الجماهير فطلب منهم المبادرة إلى البيعة قائلاً: «قوموا إلى بيعتكم، وأعطوا صفقة أيمانكم ، فبادر الناس إلى مبايعته ، وإعلان الرضا به ، وتمّ كلّ شيء في القصر الأبيض ، وعزم هارون على مغادرة « عياباذ » والنزوح إلى بغداد ، فأشار عليه يحيى بالتأخير حتى يهيّئ لاستقباله المهرجانات الشعبية ، فلم يذعن لذلك ، وتوجّه فوراً إلى عاصمته وأقبل بموكبه ، فلما قرب من بغداد استقبلته الجماهير بالهتافات، وعلت زغاريد النساء من شرفات القصور، فكان احتفالاً شعبياً رائعاً .
وحان موعد الصلاة ، فخرج إلى الجامع في موكب رهيب ، فصلّى بالناس وبايعه من لم يكن حاضراً في القصر الأبيض ، ولما انتهى من الصلاة ومراسيم البيعة توجه البلاطه ، وفي الغد عقد اجتماعاً حضرته الساسة وكبار الشخصيات ، فاستدعى يحيى البرمكي ، فلما مثل أمامه قلّده منصب رئاسة الوزراء ، وأعطاه الخاتم ، وقال له : « يا أبتي ، أنت أجلستني هذا المجلس ببركة رأيك ، وحسن تدبيرك ، وقد قلّدتك أمر الرعيّة، وأخرجته من عنقى إليك ، فاحكم بما ترى ، واستعمل من شئت، واعزل من رأيت، فإنّي غير ناظر معك في شيء» (2).
وانبری بعض الشعراء فأنشد بين يديه قصيدة قال فيها :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّمْسَ كانَتْ مَريضَةً*** فَلَمًا ولى هارون أَشْرَقَ نورُها
وَأُلبِسَتِ الدُّنْيا جَمالاً بِوَجْهِهِ*** فَهارونُ واليها وَيَحْيى وزيرها(1)
وتناول يحيى خاتم الوزارة ، وأسندت إليه جميع السلطات التنفيذية والإدارية ، وفوضت إليه مقدّرات الدولة من دون أن يستشير أو يراجع أحداً فيما يعمله ، واعتمد عليه الرشيد وهو في مقتبل عمره ، فكان سنداً له يغنيه عن السهر والمتاعب الفكرية ، وانصرف الرشيد إلى التلذذ بجميع متع الحياة من العزف والغناء والتندَر بمجالسة الظرفاء .
وأقبل يحيى على تطهير جهاز الدولة من العناصر المعادية له ، أو الموالية للعهد المباد ، كما توجه إلى تطوير البلاد وعمرانها ، فصرف بعض ميزانية الدولة في إصلاح الزراعة ، وتوسيع نطاقها ، وبناء الجسور والقناطر ، وتشجيع الصناعات وغيرها من الأعمال العمرانية التي أوجبت اتساع الحضارة والمدنية في بغداد حتى زهت الدنيا ، وافتتن الناس بها، فقد تناثرت بها الحدائق الممتعة والأزهار المونقة من ورد وبهار وياسمين وجلنار وغيرها ، كما تناثرت بها قصور العباسيين والبرامكة التي تسيطر عليها روح الترف ، ويطلّ عليها قصر الخلد وغيره من قصور هارون .
وقد وصف أحدها علي بن الجهم بقصيدة رائعة جاء فيها :
صُحون تُسافِرُ فيها العُيونُ*** وتحسرُ عَنْ بُعْدِ أَقْطارِها
وَقُيَّةُ مُلْكِ كَأَنَّ النَّجو*** مَ تَصْغِي إِلَيها بِأَسْرارِها
فَوَارَةٌ تَأرُها في السَّماءِ*** فَلَيسَتْ تُقَصِّرُ عَنْ نَارِها
إذا أوقدت نارها بالعراق*** أَضاءَ الحِجاز سَنا نورها
تَرُدُّ عَلى المُزْنِ ما أَنزَلَتْ*** عَلى الأَرْضِ مِنْ صَوبِ مِدرارِها
1) الأغاني : 5: 253 .
عُها الشيع لَها شُرُفاتٍ كَأَنَّ الربيع*** کَساها الرِّياضُ بِأَنْوارِها (1)
لقد كان ذلك التقدّم الحضاري يستند إلى البرامكة ، فهم الذين وضعوا حياة الترف والبذخ في بغداد ، وطوّروا الحياة الفكرية والعمرانية فيها .
والمهمّ الذي يعنينا البحث عنه هو أن كثيراً من المؤرّخين قد أفاضوا على هارون لقب خليفة المسلمين ، وأمير المؤمنين، ووصفوه بأنّه من أكثر الخلفاء عناية بالشؤون الإسلامية ، فقالوا : إنّه طبق أحكام القرآن ودستوره على واقع الحياة العامة ، كما نعتوه بالزهد والإعراض عن المحرّمات .
قال ابن خلدون : « إنّه كان يصلي في اليوم مائة ركعة»(2)
وبالغ بعض المؤرّخين فألحقه في مصاف الأخيار والمتحرّجين في دينهم من الخلفاء الراشدين ، إلّا أنّ البوادر التي أثرت عنه في سياسته المالية وغيرها من شؤون سياسته العامة تثبت بوضوح عكس ما ذكره الموالون له من اتصافه بالتقوى والتحرّج في الدين .
فقد كان طابع سياسته المالية الاستغلال والنهب لثروات المسلمين ، وإنفاق القسم الكبير من الخزينة العامة على العابثين والماجنين ، وكانت لياليه حافلة بجميع ألوان الطرب واللهو ، وهو ينفق أضخم الأموال على الجواري والمطربين في حين أنّ الأمة لم تنعم بتلك الواردات الضخمة التي كانت ترد إلى بيت المال كأنها السيل ، فلم تخصص الحكومة من ميزانية الدولة مقداراً يعنى به على إشاعة المعارف والعلوم ، وإقصاء الجهل عن الشعوب الإسلامية ، كما لم تنفق شيئاً يذكر على التطوّر الاقتصادي والصناعي في البلاد .
وإذا أمعنا النظر في سياسته الأخرى فنجد أنّه قابل العلويين وشيعتهم بكل قسوة وصرامة ، فقد ساسهم كما ساسهم جده المنصور بسياسة العنف والجور والاضطهاد ، ويضاف إلى ذلك عدم تورّعه عمّا حرّمه الله ، فقد أسرف في الإثم والموبقات ، كما سنتحدّث عنه .
وعلى أي حال، فما نسب إليه من التقوى والصلاح لا يلتقي بصلة مع واقع سيرته وسياسته . نعم ، لا شك في أنه ألمع شخصية سياسية عرفها التاريخ في العالم الإسلامي وغيره ، فقد استطاع بمهارته ومقدرته أن يسيطر على أغلب بقاع العالم حتّى لمع اسمه في الشرق والغرب، وحظي بصيت عريض قل أن سجله التاريخ لغيره من الملوك والسلاطين ، ولكن هذا لا يعنينا أمره ، وإنما يعنينا بعد سياسته بجميع مخطّطاتها عن المبادئ الإسلامية التي المبادئ الإسلامية التي هي المعيار في الحقيقة للحكم الإسلامي ، فمن طبقها من الحكام على واقع سياسته فهو من الخلفاء الراشدين الذي يجب أن نكنّ له في أعماق نفوسنا أعظم الولاء والتقدير ، ومن شذ عنها فإنّه ليس محسوباً على رصيد الخلافة الإسلامية ، ولا يصح أن يكون ممثلاً لهذا المركز الإسلامي العظيم.
ونعرض فيما يلي لدراسة موجزة لما أثر عن هارون، سواء في ميادين السياسة أم في عالم السلوك والأخلاق ، وهي جميعاً تتنافى مع المبادئ الإسلامية ، ولا تلتقي بأي منهج وثيق منها .
وقبل الحديث عن السياسة الماليّة التي انتهجها هارون نعرض إلى السياسة المالية في الإسلام.
لقد احتاط فيها الإسلام أشدّ الاحتياط ، فحرّم على الدولة أن تنفق أي شيء منها
في غير صالح المسلمين، وتطوير اقتصادهم ، ولم يجز بأي حال لرئيس الدولة أن يصطفي لنفسه وذويه أي شيء منها .
وقد دلّتنا على ذلك سيرة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد جاءت إليه حبيبته ووحيدته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام) تبغى منه أن يمنحها وصيفاً يخدمها، ويعينها على شؤون بيتها ، فإنّ يديها قد مجلتا من الرحى ، فردّها(صلی الله علیه وآله وسلم)رداً حقياً ، وعهد إليها بتهليل الله وحمده وتكبيره، وقد أعطى(صلی الله علیه وآله وسلم) بذلك درساً لمن يتولى شؤون المسلمين أن يحتاط في أموالهم ، ولا ينفق أي شيء منها في غير صالحهم .
وسار على وفق هذه السياسة النيّرة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ووصي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، و باب مدينة علمه ، فقد قصده أخوه عقيل وقد ألمت به الحاجة والفقر وهو يحمل معه صبيته وهم شعث الشعور ، غير الألوان من البؤس ، كأنما سوّدت وجوههم بالعظلم - على حدّ تعبير الإمام(عليه السلام)- فردّه الإمام وعذله ، فلم ينفع معه ، وألح عليه بالسؤال ، فكان منطق العدالة الإسلامية أنه أحمى له حديدة وأدناها منه ، فضح من ألمها ضجيج ذي دنف ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، وانصرف عنه عقيل وهو مروّع حزين .. كلّ ذلك ليري العالم أنّ أموال الخزينة العامة ملك للمسلمين وليس لزعيم الدولة أن يتصرّف فيها حسب رغباته وأهوائه .
ولما وجد أصحاب الإمام(عليه السلام)أثر المال في استمالة قسم كبير من الناس طلبوا منه أن يغيّر سياسته في توزيع المال ، وأن يخص الأشراف والوجوه بقسم منها قائلين : يا أمير المؤمنين ، اعط هذه الأموال ، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالى ، واشتمل مَن تخاف خلافه من الناس .
فأجابهم الإمام(عليه السلام) بمنطق العدل والحقّ : « أَتَأْمُرُونَي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وليتُ عَلَيْهِ ! واللهِ لَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ ، وَمَا أَمَّ نَجْمَ فِي السَّمَاءِ نَجْماً ! لَوْ كَانَ الْمَالُ لي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطاءِ ، فَكَيْفَ وَإِنَّما المالُ مال الله !
أَلَا وَإِنَّ إعْطاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقٍّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ ، وَهُوَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ فِي الدُّنْيا
وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ ، وَيُكْرِمُهُ في النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ »(1).
هذا هو حكم الإسلام في أموال المسلمين فهي لمجموعهم ، ولا يجوز لرئيس الدولة أن يبذخ بها ، أو ينفقها على رغباته وأهوائه، وتدعيم سلطانه ، وقد خص الإسلام صرفها بما يلي :
1- الإنفاق على المحرومين والأيتام والأرامل والعجزة، فيجب على الدولة أن تخصص لهم من الميزانية العامة ما يوفّر لهم العيش الرغيد ،وتغنيهم عما في أيدي الناس.
2 - القيام بتسديد النفقة على من يقصر عمله عن إعاشته وإعاشة من يعول به ، فهي مسؤولة بتسديد إعوازهم من بيت المال .
3- تسديد ديون المغرمين الذين لا يجدون مجالاً لوفاء ديونهم شريطة أن لا يكون قد أنفقوها بغير وجه مشروع.
4 - الإنفاق على من لا يتمكن من الزواج لقلّة ما في يده .
5- القيام بالمشاريع العامة التي توجب التطوّر الاقتصادي والصناعي في البلاد وزيادة الدخل الفردي .
6 - القضاء على البطالة ، وتوفير العمل للمواطنين ، وتحسين أحوال معيشتهم ، فقد اعتبر الإسلام الفقر كارثة اجتماعيّة يجب القضاء عليه وإزالة شبحه.
7 - الإنفاق على التعليم ، ومحو الأمية ، وإشاعة العلم والمعرفة بين الناس فإنّه لا يمكن تطوّر الأمّة وبلوغها إلى أهدافها إلا إذا ساد العلم وانتشرت المعارف في جميع أوساطها .
هذه بعض الأمور التي تعنى بها السياسة المالية في الإسلام ، ولكن هارون وغيره
1) نهج البلاغة : 2 : 7. بحار الأنوار: 32 :48 ، الحدیث 32
من ملوك الأمويين والعباسيين لم يحققوا أي شيء من ذلك على مسرح الحياة ، وإنّما قاموا يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع ، فصرفوا أموال المسلمين بسخاء على المجون والدعارة، وعلى محاربة أهل البيت(عليهم السلام)دعاة الحق والعدل في الإسلام .
وعلى أي حال، فإنّ هارون في سياسته المالية قد شدّ عمّا أثر عن الإسلام في ذلك، فقد أمعن في السرف والتبذير هو وأهل بيته ووزرائه وحاشيته بينما تعيش الأمة في جهد وعناء وضيق .
وأضخم ميزانية للدولة الإسلامية كانت في عهد هارون ، فقد توفّر له من المال ما لم يتوفّر لأحد من ملوك المسلمين ، فقد روى ابن خلدون أن المحمول إلى بيت المال في أيام الرشيد بلغ 7500 قنطاراً في كل سنة(1).
وقدّر الجهشياري مجموع الواردات بما يقرب من خمسمائة مليون درهم ومائتين وأربعين ألف درهم(2).
هذا مع العلم أنّ الدينار في ذلك الوقت كانت له أهمية بالغة لا تقاس بما نحن عليه اليوم ، فقد كان الكبش يباع بدرهم ، والجمل بأربعة دنانير ، والتمر ستون رطلاً بدرهم ، والزيت ستة عشر رطلاً بدرهم ، والسمن ثمانية أرطال بدرهم ، وأجرة البنّاء الأستاذ بخمس حبّات .
ومن المعلوم في أيامهم أنّ الحبّة كانت ثلث الدرهم ، والدانق سدس الدرهم(3).7877676302225
وعلى هذا ، فميزانية دولة هارون السنوية كانت بحسب سعر الدينار العراقي الحالي« مليارين ومائتين وعشرين مليون ديناراً وتسعمائة وستّين ألف دينار»(1).
وهي ميزانية ضخمة لم تستورد مثلها أي حكومة في العالم قبل حكومة الرشيد ، وكانت هذه الواردات الهائلة تجبى ممّا يلي :
أولاً : إنّها تجبى من الخراج ، وهو مقدار من المال أو الحاصلات قد فرضت على الأراضي التي كان يملكها المشركون قبل الفتح .
ثانياً : إنّها تجبى من الجزية ، وهي ما يدفعه الذميون إلى الدولة الإسلامية لقيامها بحمايتهم ، كما أنّها في نفس الوقت تكون بدلاً من الضرائب التي تؤخذ من المسلمين، ولم يكن في أخذها أي ضرر على الذمّي -كما يقول بذلك أعداء الإسلام - فإنّها عوض لما تقوم به الدولة من الخدمات والمصالح الاجتماعية لهم ولغيرهم .
وكان ما يدفعه الذمّي من الجزية في عهد الرشيد يختلف بحسب ثرائه ، ويتراوح ما يؤخذ منه ما بين أربعة عشر درهم إلى ثمانية دراهم ، ولا يؤخذ شيء من المرأة والمعدم والطفل(2).
ثالثاً : إنّها تجبى من الزكاة ، وهي ذات وارد خطير ، وهي تجب فيما يلي :
1 - تجب في النقدين الذهب والفضة ، فنصاب الذهب عشرون ديناراً (3).
فمن ملكها وجب عليه دفع نصف دينار، وما زاد عليها يؤخذ من كل أربعة قيراطان ونصاب الفضّة مائتا درهم ، وزكاتها خمسة دراهم ، وكل ما زاد إذا بلغ الأربعين كان فيه درهم بالغاً ما بلغ ، وذكر فقهاء الإسلام شروطاً في زكاة النقدين
لا تجب الزكاة إلا مع توفّرها .
2 - تجب في الأنعام الثلاثة الإبل والبقر والغنم بأنواعها من عراب(1)وبخاتي(2)وبقر وجاموس ومعز وضأن ، ويجب أن تتوفر فيها الشروط من بلوغ النصاب والسوم وغيرهما حسب ما ذكره الفقهاء .
4 - تجب في الغلات الأربع ، وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، ويشترط فيها بلوغ النصاب وغيره من الشروط التي ذكرها الفقهاء .
والزكاة فريضة إسلاميّة تقاتل عليها الدولة، وتحكم بردّة من لم يدفعها ، وهي ذات وارد ضخم تفي بكثير من شؤون الدولة ، وحاجات الفقراء ، وكان لها ديوان خاص في بغداد ، وله فروع في أنحاء البلاد .
هذه بعض واردات الدولة التي أسسها الإسلام لسدّ شؤونها الاقتصادية ، وهي واردات ضخمة لو طبقتها الدولة الإسلامية لما أصابها أي عجز مالي ، وما احتاجت إلى القرض من الدول الأجنبية التي جعلتها تحت مناطق نفوذها ، كما أن الدولة الإسلامية لو أنفقت خزينتها على مصالح المسلمين ، وسارت في سياستها المالية على وفق ما أثر عن الإسلام في ذلك لما انتشر الفقر والحرمان في ربوع المجتمع ، وما غزتهم الأفكار الإلحادية والمبادئ الهزيلة التي تهدد كيانهم ، وتنذرهم بالويل والدمار.
على من ينفق بيت المال ؟
إنّ الأموال التي جبيت لخزينة هارون قد ضربت الرقم القياسي في ضخامتها -كما ذكرنا - ومن المؤسف أنّه لم يصرف الكثير منها على صالح المسلمين ، وإنما أنفقت على التفنّن فى الملذات والشهوات ، وتشييد القصور التي كانت تعجّ
بالمغنّيات والماجنين ، كما بذلت للشعراء الذين أوقفوا نشاطهم الفكري على المدح والثناء ، وإضفاء النعوت الكريمة على هارون، وإلحاقه بمصاف الخلفاء الذين احتاطوا في أمور المسلمين .
وعلى أي حال، فإنّ هارون قد أنفق الكثير من خزينة بيت المال على ما يلي من شهواته :
وأسرف هارون أي إسراف في هباته للمغن~ين ، فمنحهم الثراء العريض ، وأغدق عليهم الأموال الطائلة التي كان الواجب أن تصرف على صالح المسلمين لا على ما يفسد الأخلاق ، ويثير الشهوات، وقد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من هباته لهم ما لو جمعت لكانت كتاباً ضخماً ، ونذكر بعضها للتدليل على تبديده لثروات الأمة ، وهي :
1 - أنشده أبو العتاهية هذه الأبيات :
بِأَبِي مَنْ كَانَ في قَلبي لَهُ*** مَرَّةٌ حُبُّ قَليلٌ فَسُرِقْ
يا بَني العَباسِ فيكُمْ مَلِك*** شُعَبُ الإِحسانِ مِنْهُ تَفْتَرِقْ
إِنَّما هارون خَيرٌ كُلُّهُ*** ماتَ كُلُّ الشَّرِّ مُذْ يَومَ خُلِقْ
وغناه إبراهيم الموصلي بها ، فأعطى كل واحد منهما مائة ألف درهم ومائة ثوب (1).
2 - وحدّث مغنيه إسحاق الموصلي ، قال : خرجت مع الرشيد إلى الحيرة « فساعة نزل بها دعا بالغداء فتغدّى ، ثمّ نام ، فاغتنمت قائلته ، فذهبت فركبت أدور
1) الأغاني : 4 : 74 ، ط . دار الكتب المصرية .
في ظهر الحيرة ، فنظرت إلى بستان فقصدته ، فإذا على بابه شاب حسن الوجه ، فاستأذنته في الدخول ، فأذن لي ، فدخلت فإذاجنّة من الجنان في أحسن تربة ، وأغزرها ماءاً ، فخرجت فقلت له : لمن هذا البستان ؟
فقال لبعض الأشاعثة .
فقلت أيباع ؟
فقال : نعم ، وهو على سوم .
فقلت : كم بلغ ؟
فقال أربعة عشر ألف دينار .
قلت : وما يسمّى هذا الموضع ؟
قال : شماری .
فقلت :
چنان شمارى لَيسَ مِثْلَكِ مَنظَرٌ*** لدى رَمِدٍ أَعْيا عَلَيهِ طَبيبُ
تُرابُكِ كافورٌ وَنورُكِ زُهرَةٌ*** لَها أَرَجٌ بَعَد الهدوء يَطِيبُ
ولمّا جلس الرشيد ، وأمر بالغناء غنّيته إيَّاه ، فقال : ويلك ! وأين شمارى ؟ فأخبرته القصة ، فأمر لي بأربعة عشر ألف دينار فاشتريتها »(1).
3 - غنّاه يحيى المكّي فأطربه ، فقال هارون : قم يا يحيى فخذ ما في ذلك البيت ، فظنّ يحيى أنّ فيه فرشاً وثياباً ، فإذا فيه أكياس فيها عين وورق ، فحملت بين يديه فكانت خمسين ألف درهم مع قيمة العين(2).
4 - غنّاه يحيى بهذا البيت :
متى تلتقى الآلاف والعيسُ كُلها*** تَصَعُدنَ مِنْ وادٍ هَبَطْنَ إِلى وَادِ
وأخذ هارون يتناول أقداح المسكر إلى أن أمسى ، وأمر له بعشرة آلاف درهم(1)
5 - غضب الرشيد على إبراهيم الموصلي فحبسه ، وجلس يوماً فتذكر حسن غنائه ، فقال : لو كان الموصلي حاضراً لتم أمرنا وسرورنا .
فقال له بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين ، نجيء به ، فما له كبير ذنب فبعث خلفه ، ولما مثل بين يديه أمره بالغناء ، فغنّاه بهذا البيت :
تَضَوْعُ مِسْكَاً بَطْنُ نُعمان إِنْ مَشَتْ*** بِهِ زَينَبٌ في نِسْوَةٍ خَفِراتِ
فاهتز الرشيد وأمر بأن تحلّ عنه القيود ، ويغطى بالخلع ، وأمر له بثلاثين ألف درهم(2).
6- غناه إبراهيم الموصلى صوتاً من مختارات صوته ، فطرب طرباً ما عليه من مزيد ، واستعاده عامة ليلته ، وقال : ما رأيت صوتاً يجمع السخاء والطرب وجودة الصنعة مثل هذا الصوت ؟
فقال له إبراهيم : لو وهب لك إنسان مائتي ألف درهم أكنت أسرّ بها أو بهذا الصوت ؟
فقال الرشيد : والله لأنا أسرّ بهذا الصوت منّي بألفي ألف .
قال إبراهيم : لِمَ لا تهب لي مائتي ألف ؟
فأمر له الرشيد بالوقت بمائتي ألف درهم(3).
7- غناه دحمان الأشقر بهذه الأبيات :
إذا نَحنُ أَولَجْنَا وَأَنتَ أَمامَنا*** كَفَى لِمَطايانا بِرُؤياك هاديا
ذكرتك بالدير يوماً فَأَشْرَقَتْ*** بناتُ الهَوى حَتّى بَلَغْنَ التّراقِيا
إذا ما طَواكِ الدهر يا أم مَالِكِ*** فَشَأْنُ المَنايا القاضِياتِ وَشَأْنِيا
فطرب واستعاد الصوت منه مرّات ، ثمّ قال له : تمنْ علَيَّ .
قال دحمان : أتمنى أن تهبني الهنيء والمريء ، وهما قريتان غلتهما أربعون ألف دينار ، فأعطاه إياهما ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، إن هاتين الضيعتين من جلالتهما يجب أن لايسمح بمثلهما .
قال : لا سبيل لاسترداد ما أعطيت ، ولكن احتالوا في شرائهما منه ، فاشتروهما بثمن كثير(1).
8- وجلس ليلة يتسامر مع ندمائه ، فغناه أحدهم بقول جرير :
إِنَّ الَّذِينَ غَدوا بِلُبِّكَ عَادَروا*** وَشَلاً بِعَينِكَ لَا يَزالُ مُعينا
فطرب وأعجب بالأبيات ، وقال لجلسائه من أجاز منكم هذه الأبيات بمثلها فله عندي هذه البدرة ، فحاولوا ذلك فلم يصنعوا شيئاً ، فقال له خادم على رأسه : أنا بها لك يا أمير المؤمنين .
قال له : شأنك ، فذهب إلى ( الناطفي) وأخبره بالقصّة ، فدخل على ( عنان ) فأجازته :
هَيُجتَ بِالقَولِ الَّذِي قَدْ قُلتَهُ*** داءاً بِقَلْبي ما يَزالُ كَمينا
قَدْ أَبْنَعَتْ ثَمَرَاتُهُ في طَيْها*** وَسُقِينَ مِنْ ماءِ الهَوى فَرَوينا
كَذِبَ الَّذِينَ تَقَوْلُوا يَا سَيْدِي*** إن القُلوبَ إذا هَوين هَوينا
1) تاريخ الخلفاء : 116 .
وجاء بها إلى الرشيد ، فسأله عمّن قالها ، فأخبره بالأمر ، فاشترى الجارية بثلاثين ألف درهم ، ولم يبقها عنده سوى بضعة أيام ثمّ وهبها لأحد خاصّته (1).
هذه بعض البوادر التي ذكرها المؤرّخون عن صلات هارون ومنحه للمغنين الذين كانوا يمثلون العبث والمجون في عصرهم ، وهي تخالف ما أثر عن الإسلام من حرمة الانفاق على جميع الوسائل التي حرمها الله ، كما أنها تجافي الاقتصاد الإسلامي الذي ألزم ولاة المسلمين وحكامهم بإنفاق بيت المال في صالح المسلمين، وتطوّرهم الاقتصادي والعلمي، وتأسيس المشاريع الحيوية التي توجب ازدهار البلاد .
إنّ هذا الإسراف الفاحش كان تبديداً لثروات الأمة ، وشلاً لحركتها الاقتصادية ، وهو ممّا حرمه الإسلام.
ومن بذخه وإسرافه بأموال المسلمين ما رواه أبو الفرج ، قال : «أهديت إلى الرشيد جارية في غاية الجمال والكمال ، فخلا معها يوماً وأخرج كل قينة في داره ، واصطبح فكان جميع من حضره من جواريه المغنيات والخدمة في الشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر، واتصل الخبر بأمّ جعفر فغلظ عليها ذلك ، فأرسلت إلى عليّة تشكو إليها ، فأرسلت إليها علية : لا يهولنك هذا ، فوالله لأردنه إليك ، قد عزمت أن أصنع شعراً، وأصوغ فيه لحناً ، وأطرحه على جواريي ، فلا تبقى عندك جارية إلا بعثت بها إليَّ ، وألبسيهن ألوان الثياب ليأخذن الصوت مع جواريي .
ففعلت أمّ جعفر ما أمرتها به عليّة ، فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا وعلية قد خرجت من حجرتها ، وأمّ جعفر من حجرتها معها زهاء ألفي جارية من جواريها وسائر جواري القصر عليهن غرائب اللباس ، وكلهن في لحن واحد هزج
1) العقد الفريد : 7: 30 ، 52 و 53 .
صنعته عليّة ، وهو :
مُنفَصِلٌ عَنِّي وَما*** قَلبِي عَنهُ مُنْفَصِلْ
يا قاطعي اليَومَ لِمَنْ*** نَوَيتَ بَعْدِي أَنْ تَصِل
فطرب الرشيد وقام على رجليه حتى استقبل أمّ جعفر وعلية وهو على غاية السرور ، وقال : لم أرَ كاليوم قطّ . يا مسرور لا تبقين في بيت المال درهماً إلّا نثرته ، فكان مبلغ ما نثره يومئذ ستة آلاف ألف درهم، وما سمع بمثل ذلك اليوم قط» (1).
إنّ هذا هو الاستهتار الفاحش بأموال المسلمين ، والخروج على إرادة الإسلام وأحكامه التي حرّمت ذلك .
وأسرف هارون في الإنفاق على الشعراء ، فبذل لهم بسخاء الأموال الوفيرة ، ومنحهم الثراء العريض لأنهم قد بالغوا في الثناء عليه ، فأفاضوا عليه صفات المتقين ، وحماية الدين والحفاظ عليه ، وأنّه ظلّ الله في أرضه لا تقبل الأعمال عند الله إلا برضاه وطاعته ، فإذا سخط هارون على أحد فلا تنفعه صلاته وعبادته ، وجاء هذا المعنى صريحاً فيما نظمه منصور النمري بقوله :
أَيُّ امْرِيُّ باتَ مِنْ هَارُونَ فِي سَخَطِ*** فَلَيسَ فليس بالصلواتِ الخَمسِ يَنْتَفِعُ
إِن المكارم والمعروف أُودِيَةٌ*** أَحَلَّكَ اللهُ مِنْها حَيثُ نَتَّسِعُ
إِذا رَفَعتَ امْرَءاً فاللهُ يَرفَعُهُ*** وَمَنْ وَضَعْتَ مِنَ الأَقْوامِ مُتَّضِعُ
وقد اتخذ هارون هؤلاء الشعراء بوقاً للدعاية والتهريج ، فأشاعوا بين الناس فيما ينظمونه أن هارون حامي الإسلام ، وممثل العدالة الإسلامية في الأرض ، وأنه قد
1) الأغاني : 10 : 172 و 173.
بسط الحق في جميع أنحاء البلاد.
ومن هؤلاء الذين نعتوه بالعدالة وحماية الدين داود بن رزین بقوله :
بهارونَ لاحَ النّورُ في كُلِّ بَلدَةٍ*** وَقامَ بها في عَدلِ سِيرَتِهِ النَّهْج
إمامٌ بِذَاتِ اللهِ أَصْبَحَ شُغَلُهُ***وَأَكثَرُ ما يُعنى بِهِ الغَزْرُ وَالْحَج
تَضيقُ عُيونُ النَّاسِ عَنْ نورِ وَجهِهِ*** إذا ما بدا للنّاسِ مَنظَرُهُ البَلْجُ(1)
ومدحه بعض الأمويين بقصيدة جاء فيها :
يا أمينَ اللهِ إِنِّي قائِلٌ *** قولَ ذِي لُبِّ وَصِدقٍ وَحَسَبْ
لَكُمُ الفَضلُ عَلَينا وَلَنا*** بِكُمُ الفَضلُ عَلى كُلِّ العَرَب
عَبدُ شَمْسٍ كانَ يَتْلو هاشماً*** وَهُما بَعدُ لأُمِّ وَلأَبْ
فَصِلِ الأَرْحَامَ مِنّا إِنّما*** عَبدُ شَمْسٍ عَمُ عَبدِ المُطَّلِبْ
فأمر له بكلّ بيت ألف دينار ، وقال : لو زدتنا لزدناك (2).
وقد غالى الشعراء في مدحه ، وأطنبوا في الثناء عليه ، وبالغ هو في إكرامهم والإنعام عليهم حتى أغناهم .
ومن جملة صلاته لهم ما رواه الطبري ، قال : « دخل سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي على الرشيد في مجلس شعره ، والشعراء يلقون أمامه قصائدهم ، فقال : يا أمير المؤمنين ، بالباب أعرابي من باهلة ، ما رأيت قط أشعر منه ، فأذن للأعرابي ، فدخل وعليه جبّة خز ورداء يماني ، وقد شدّ وسطه ثمّ ثناه على عاتقه ، وعمامة قد عصبها على خديه ، وأرخى لها عذبة وأنشده من غرر الشعر الجيد في مدحه ، وكان في مجلسه الكسائي وابن سلم والفضل بن الربيع ، فلما انتهى قال الرشيد :
اسمعك مستحسناً ، وأنكرك متهماً عليك ، فإن كان هذا الشعر أنت قلته من نفسك فقل لنا بيتين في هذين، وأشار إلى الأمين والمأمون وكانا حاضرين ، فقال :
هُما طَنَباها بارَكَ اللهُ فيهما*** وَأَنتَ أَميرَ المُؤْمِنِينَ عَمودها
بُنِيَتْ بِعَبدِ اللهِ بَعدَ مُحَمَّدٍ*** ذُرى قُبَّةِ الإِسْلامِ فَاهْتَزَّ عودها
فأعطاه الرشيد مائة ألف درهم(1).
ودخل عليه أشجع السلمي وكان ثقيلاً عليه ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، إن رأيت أن تأذن لي في إنشادك فإنّي إن لم أظفر منك ببغيتي في هذا اليوم فلن أظفر بها.
قال له الرشيد : وكيف ذاك ؟
قال أشجع : لأنّي مدحتك بشعر لا أطمع من نفسي ولا من غيري في أجود منه ،فإن أنا لم أهزّك في هذا اليوم فقد حرمت منك ذلك إلى آخر الدهر .
فقال الرشيد : هات إذن نسمع ، فأنشده قصيدته إلى أن بلغ إلى قوله :
وَعَلى عَدُوكَ يَابْنَ عَمْ مُحَمَّدٍ*** رَصَدَانِ ضَوءُ الصُّبْحِ وَالإِظْلامُ
فَإِذا تَنَبَّهَ رُعْتَهُ وَإِذا هَذَى*** سَلَّتْ عَلَيهِ سُيوفَكَ الأَحْلامُ
فقال الرشيد : هذا والله المدح الجيد والمعنى الصحيح ، لا ما عللت به مسامعي هذا اليوم - وكان قد أنشده في ذلك اليوم جماعة من الشعراء - ثم أنشده قصيدته التي يقول فيها :
مَلِك أَبوهُ وَأُمُّهُ مِنْ نَبْعَةٍ*** مِنْها سِراجُ الأُمَّةِ الوَهّاجُ
شَرِبا بِمَكَّةَ فِي ذُرا بَطْحائِها*** ماءَ النُّبُوَّةِ لَيسَ فيهِ مِزاج
فلمّا سمع هذين البيتين كاد يطير فرحاً ، ثمّ قال له : يا أشجع ، لقد دخلت إليّ
1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 543 .
وأنت أثقل الناس على قلبي ، وإنّك لتخرج من عندي وأنت أحبّ الناس إليَّ .
فقال أشجع : ما الذي أكسبتني هذه المنزلة ؟
قال الرشيد : الغني ، فاسأل ما بدا لك .
قال : ألف ألف درهم .
قال : ادفعوا إليه (1)
ويقول الأصفهاني :« إنّ مجموع ما أخذ إبراهيم الموصلي من الرشيد كان أكثر من مائتي ألف دينار»(2).
وقد حفلت كتب التاريخ بعطائه الوفير للشعراء ونوادر قصصهم معه ، ونحن لا نشك في أنّ السخاء من أطيب الصفات وأرفعها ، ولكن إذا كانت الأموال التي ينفقها الشخص من أمواله الخاصة، وأما بذل أموال المسلمين والإسراف في عطائها ، فإنّ ذلك خيانة الله وللمسلمين.
وأسرف هارون إسرافاً كثيراً على موائد الطعام، فكان ينفق في كل يوم عشرة آلاف درهم ، وربّما اتخذ له الطباخون ثلاثين لوناً من الطعام (3)
وحدث الأصمعي ، قال : « دخلت على الرشيد يوماً وهو يأكل ( الفالوذج ) فقال : إيه يا أصمعي ، ماذا قال العرب في هذا ؟
قلت : يا أمير المؤمنين ، وأين للعرب فالوذج ؟ ولكن شيئاً يشبه هذا ، قال فيه مزرد أخو الشماخ :
وَلَمّا مَضَتْ أُمِّي تَزورُ عِيالها*** أَغَرْتُ عَلى العِكْم الذي كانَ يُمْنَعُ
خَلَطتُ بِصَاعَيْ حِنطَةٍ صَاعَ عَجَوةٍ*** إلى صاع سَمْنِ فَوْقَهُ يَتَرَبَّعُ
وَدَبَّلْتُ أَمْثال الأثافي كَأَنَّها*** رُؤوسُ رِخالٍ قُطِّعَتْ لَا تُجَمعُ
فَإِنْ كُنْتَ مَصْفُوراً فَهذا دَواؤُهُ *** وَإِن كُنْتَ غَرْثاناً فَذا يَومَ تَشْبَعُ
فضحك هارون ودفع إليه الصحن الذي كان بين يديه» (1).
ودعا يوماً طبّاخه فلمّا مثل بين يديه قال له : أعندك من الطعام لحم جزور ؟
قال : نعم ، ألوان منه.
قال الرشيد : احضره مع الطعام .
فأحضرت المائدة فأخذ الرشيد شيئاً من لحم الجزور فضحك جعفر البرمكي ، فقال له هارون : مم تضحك ؟
قال جعفر : لا شيء يا أمير المؤمنين ، تذكرت كلاماً بيني وبين جاريتي البارحة .
فقال له الرشيد : بحقي عليك لما أخبرتني به .
قال :جعفر : حتّى تأكل هذه اللقمة ، فألقاها الرشيد من فيه .
فقال له جعفر : بكم يتقوّم عليك هذا الطعام من لحم الجزور ؟
قال الرشيد : بثلاثة دراهم .
قال جعفر : لا والله يا أمير المؤمنين ، بل بأربعمائة ألف درهم.
قال الرشيد : وكيف ذلك يا جعفر ؟
قال جعفر : إنّك طلبت من طبّاخك لحم جزور قبل اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده ، فقلت له : لا يخلون المطبخ من لحم الجزور ، فصرنا ننحر كل يوم جزوراً لأجل مطبخك لأنا لا نشتري من السوق لحم جزور ، فصرف من لحم الجزور
1) العقد الفريد : 8: 12 .
من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم ، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم الجزور إلا هذا اليوم، فضحكت لأن أمير المؤمنين لم ينله من كل ذلك غير هذه اللقمة فحسب ، فهي على أمير المؤمنين بأربعمائة ألف درهم(1)
وقدمت له مائدة كانت فيها قطع صغيرة من السمك وضعت في أوان من الذهب ، فاستدعى رئيس الطباخين ، فلما مثل بين يديه قال له : ألم أعهد إليك أن لا تكون قطع السمك صغيرة ؟
فقال له : يا أمير المؤمنين ، هذه السنة السمك وضعتها لتكون زينة للمائدة .
فسأله عن ثمنها ، فقال : إنّها كلّفت أربعة آلاف درهم ، وكانت أطيب الفواكه تحمل إليه من الأقاليم الإسلامية ، وقد أسرف العباسيون من بعده في الطعام حتى كانوا يطلبون ألوان اللحوم والطيور من الأماكن النائية ، وينفقون على جلبها الأموال الطائلة (2).
إن كل ذلك يعتبر خروجاً عن نظام الإسلام وقواعده التي ألزمت رئيس الدولة بالاقتصاد وعدم الاسراف في أموال المسلمين .
كان هارون مولعاً بالجواري ، حريصاً كل الحرص على الاستمتاع والتلذذ بهنّ ، حتّى أفرط في ذلك ، وخرج عن جادة العدل والشرع ، وقد روى المؤرّخون كثيراً من نهمه في ذلك ، فقد رووا قصته مع ( غادر ) جارية أخيه الهادي ، وقد حدّث بها جعفر بن قدامة (3)
توفي سنة 319 كما في معجم الأدباء .
، قال : كانت غادر من أحسن الناس وجهاً وغناءاً ، وكان الهادييحبّها حبّاً شديداً ، فبينما هي تغنّيه يوماً إذ عرضت له فكرة فسأله من حضر من خواصّه عن ذلك .
فقال : قد وقع في فكري أني أموت وأن أخي هارون يتزوّج جاريتي بعد أن يلي الخلافة .
فقيل له : نعيذك بالله ، ويقدم الكل قبلك ، فأمر بإحضار هارون وعرفه ما خطر له ،
فأجابه بما يجب من ذلك .
فقال : لا أرضى حتّى تحلف أني متى مت لا تتزوّجها ، فحلف واستوفى عليه الأيمان من الحجّ راجلاً ، وطلاق الزوجات وعتق المماليك ، وتسبيل ما يملكه ثمّ أحلفها بمثل ذلك فحلفت .
فلم يمض على ذلك إلا شهر فمات الهادي وبويع الرشيد ، فبعث إلى غادر وخطبها ، فقالت : كيف تصنع بالأيمان ؟
فقال : أكفّر عن الكلّ وأحجّ راجلاً ، فأجابت وتزوجها وزاد شغفه بها حتى إنه صار يضع رأسها في حجره ، فتنام فلا يتحرك حتى تنتبه ، فبينما هي نائمة ذات يوم إذ انتبهت فزعة تبكي ، فسألها عن حالها ، فقالت : رأيت أخاك الساعة في النوم وهو يقول لي :
أخلَفْتِ وَعْدي بعدما*** جاوَرْتُ سُكَانَ المَقابِرُ
وَنَشْتِني وَحَنَفْتِ في*** أَيْمَانِكِ الكَذِبِ الفَواجِرُ
وَنَكَحْتِ غادِرَةً أَخی*** صَدَقَ الَّذي سَمَاكِ عَادِرٌ
أَمْسَيتُ في أهل البلا*** وَغَدَوتِ في الحور العوائز(1)
لا يهنك الإلفُ الجَديدُ*** وَلا تَدُرْ عَنكِ الدَّوائِرْ
وَلَحِقتِ بي قَبلَ الصَّبا ***ح وَصِرتِ حَيثُ غَدَوْتُ صَائِرٌ
والله يا أمير المؤمنين ، وكأنّي أسمعها ، وكأنما كتبتها في قلبي ، فما نسيت منها كلمة .
فقال لها الرشيد : أضغاث أحلام .
فقالت : كلا ، ثمّ لا تزال تضطرب وترتعد حتى ماتت بين يديه(2).
ودلّت هذه البادرة على مدى شرهه ومخالفته للشرع الإسلامي بحنثه الأيمان التي أعطاها لأخيه على عدم زواجه بها ، كما خالف الشرع بزواجه بها وهي في عدّتها ، وقد حرم الإسلام ذلك ، وحكم بحرمة المرأة مؤبداً على الزوج .
وبلغ من ولعه بالجواري أنّه هجر جاريته (ماردة) وندم على ذلك حتى كاد أن يموت من شغفه بها فتكبر أن يبدأها بالصلح وتكبّرت هي أيضاً ، فصبرا على مضض ، وكاد أن يتلف ، ففهم ذلك وزيره الفضل بن الربيع فدعا العباس بن الأحنف وعرفه الأمر ، وقال : قل في ذلك شيئاً .
فقال :
العاشقانِ كِلاهُما مُتَجَنَّبٌ ***وَكِلاهُما مُتَعَتَّبٌ مُتَغَطِّبُ
صَدَّتْ مُهاجِرَةً وَصَدَّ مُهاجِراً*** وَكِلاهُما مِمّا يُعالِجُ مُتْعَبُ
إِنَّ التَّجارِبَ إِن تَطاوَلَ مِنْهُما ***دَب السُّلُو لَهُ فَعَ المَطلب
فبعث إليه الفضل بالأبيات فسرّ بها سروراً بالغاً ، ولم يتم الرشيد قراءتها حتى
قال العباس أيضاً بيتين في ذلك ، وهما :
لا بُدَّ لِلعاشِق مِنْ وَقْفَةٍ*** تكونُ بَينَ الوَصْلِ وَالصِّرم
حَتَّى إِذا الهَجْرُ تَمادَى بِهِ ***راجَعَ مَنْ يَهْوى عَلَى الرَّغْمِ
فاستحسن الرشيد ذلك ، وقال : لأصالحنّها ، ثم انطلق إليها فصالحها وعرفت ماردة السبب من الشعر ولم تدر من قاله ، فأرسلت إلى الفضل تسأله عنه فأعلمها ، فأمرت له بألف دينار ، وأمر له الرشيد بألفي دينار(1).
وتعلّق هواه بجارية فأمر وزيره يحيى أن يدفع ثمنها ، وكان مائة ألف دينار، فاستكثر يحيى المال ، واعتذر عن دفعه ، فغضب الرشيد ، فأراد يحيى أن يبيّن له مقدار ما يتحمّله بيت المال من هذا الإسراف الذي لا مصلحة فيه ولا منفعة للدولة ، فجعل ذلك المال دراهم، فبلغت نحو مليون ونصف مليون درهم، فوضعها في الرواق الذي يمرّ به الرشيد إذا أراد الوضوء ، فلما رأى ذلك الرشيد استكثره وأدرك إسرافه ، ولكنّه في نفس الوقت شعر بالجرأة عليه (2).
وكان يهب الأموال الجزيلة لجواريه ، ويجزل لهنّ في العطاء ، فقد روى المؤرخون أنّه أوفد الحرشي إلى ناحية الموصل ، فجبي له منها مالاً عظيماً من بقايا الخراج ، فوافاه به ، فأمر بصرفه أجمع إلى بعض جواريه ، فاستعظم الناس ذلك ، وتحدّثوا به ، وأصاب أبو العتاهية من ذلك شبه الجنون ، فقال له خالد بن أبي الأزهر : ما لك يا أبا العتاهية ؟
إنّ هذه الهبات الضخمة إلى جواريه قد أثارت عليه سخط الأخيار ونقمة المتحرّجين في دينهم ، فقد خالف بها عمّا ألزم به الإسلام من الاحتياط الشديد في أموال المسلمين ، وحرمة صرفها في غير صالحهم .
وعلى أي حال ، فقد كان شغوفاً بالجواري ، وهام بهنّ ، وكان لا يتحرّج في سبيل شهواته الجنسيّة من الإقدام على ما حرّمه الله ، فقد شغف بجارية لأبيه المهدي كان قد دخل بها ، فامتنعت عليه ، وقالت له : لا أصلح لك ، إنّ أباك قد طاف بي .
وزاد غرامه بها ، فأرسل خلف الفقيه أبي يوسف فقال له : أعندك شيء في هذا ؟
فأفتى أبو يوسف بما خالف كتاب الله وسنّة نبيه قائلاً: يا أمير المؤمنين ، أوكلّما ادّعت أمة شيئاً ينبغي أن تصدق ، لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة .
وقد أفتى أبو يوسف بما يوافق هوى هارون ، وأعرض عما حكم به الإسلام من تصديق النساء على فروجهن ، وقد علّق ابن المبارك على هذه البادرة بقوله : « لم أدر ممّن أعجب : من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرّج عن حرمة أبيه ، أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين ، أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها ! قال اهتك حرمة أبيك ، واقض شهوتك ، وصيّره في رقبتي».
وهناك فتاوى كثيرة أفتى بها أبو يوسف على وفق رغبات هارون ، وهي تخالف ما أثر عن الإسلام ، وكان الرشيد يجزل له العطاء على ذلك ، فقد أفتاه بما يتفق مع ميوله ، فأمر له بمائة ألف درهم (1).
وعلى أي حال ، فإنّ الرشيد قد أسرف في الجواري ، وكانت له جارية تدعى هيلانة ، أقامت معه ثلاث سنين ثم ماتت ، فوجد عليها وج-داً شديداً ، ثم قال يرثيها :
1) تاريخ الخلفاء : 291 .
قَدْ قُلتُ لَمّا ضَمَّنوكِ الثّرى*** وَجالَتْ الحَسْرَةُ فِي صَدْري
اذْهَبْ فَلا وَاللهِ ما سَرَّني*** بَعدَكِ شَيْءٌ آخِرَ الدَّهْرِ
ورثاها العباس بن الأحنف بأربعين بيتاً ، فأمر له الرشيد بأربعين ألف درهم(1).
ونظراً لولعه الشديد بالجواري فقد بالغ في اقتنائهنّ حتى بلغ عددهن ألفي جارية على اختلاف أجناسهنّ ، منهنّ الروميات والسنديات والفارسيات (2).
وقد اشترى جارية من الموصلي بستة وثلاثين ألف دينار(3).
وتحدّث أهل بغداد عن جارية تسمّى ( خنث ) وتلقب بذات الخال ، افتتن بها الشعراء والمغنّون ، فاشتراها بسبعين ألف دينار، وأدخلها في قصره (4).
وكان لا يترك جارية حسناء تعرض للبيع إلا اشتراها ، ولم يحتو قصره على جارية قيمتها أقل من عشرات الآلاف من الدراهم أو الدنانير(5)
وهذه الجواري تحتاج إلى النفقات الكثيرة من الحلي والألبسة والزينة ، ومن المعلوم أنّ تلك النفقات الضخمة لم تكن من أمواله الخاصة ، فقد كانت من بيت مال المسلمين الذي حرّم الإسلام إنفاق أي شيء منه على مثل هذه الأمور.
وشغف هارون بالجواهر والأحجار الثمينة شغفاً كبيراً ، فبذل الأموال الطائلة
لشرائها ، فاشتری خاتماً بمائة ألف دينار(1).
وكان عنده قضيب زمرد أطول من ذراع ، وعلى رأسه تمثال طائر من ياقوت أحمر لا تقدير لثمنه نظراً لنفاسته ، وقد قوم الطائر وحده بمائة ألف دينار(2).
ومن ولعه بها أنه بعث الجوهري جد الكندي إلى صاحب سرنديب لابتياع جواهر من ناحيته (3).
وكان ينثر الجواهر على جواريه بغير حساب، وكانت من جملة حظاياه جارية لم ترزق امرأة من الجمال مثل ما رزقته . وكان إذا أتحفهنّ بشيء ردّت حصتها ، فكان يغتاظ من ذلك ، فاتفق يوماً أنّه نثر عليهن جواهر لها قيم عظام ، فالتقطنها ، ولم تمدّ تلك الجارية إليها يداً ، ثمّ أحضر جواهر غيرها وخيرهنّ ، فاخترن ، وقال لتلك : لِمَ لا تختارين أسوة بصويحباتك ؟
قالت : إن كان لي ما اختاره ، فسأفعل ، وأخذت بيده ، وقالت له : هذا اختياري من جميع جواهر العالم ، فأعجب بها وسمّاها خالصة(4)
وذكر البيهقي أنّه اشتري للرشيد جواهر بمائتي ألف دينار ، فوهبه لدنانير البرمكية (5).
واقتدى به أبناؤه في اقتناء الجواهر وهبتها لمن يخلصون له ، فالمأمون أعطى زوجه ( بوران) ليلة زفافها ألف حصاة من الياقوت ، وبسط لها فراشاً كان الحصير منسوجاً بالذهب، مكلّلاً بالدرّ والياقوت، فكان بياض الدرّ يشرق على
صفرة الذهب (1).
وكان الأمين يشرب بأقداح من بلور كلّلت جوانبها بالجوهر الثمين(2).
وقوم الجوهر الذي سلم من النهب عندما قتل المأمون أخاه الأمين بألف ألف ومائة ألف وستة عشر ألف درهم (3).
هذا بالإضافة إلى ما يوجد عند الحاشية والجواري من تلك الأحجار الثمينة ، وقد اشتريت بالأموال الطائلة التي نهبت من بيت المال ، إذ لا سائل ولا محاسب لهم عن تبذيرها وصرفها في غير وجهها المشروع .
وحشدت الأميرة زبيدة الأموال الطائلة لنفسها ، وأطلقت العنان لملاذها في صرف أموال المسلمين والبذخ بها ، فقد اشترت غلاماً لعبد الله بن موسى الهادي ضراباً على العود مجيداً بثلاثمائة ألف درهم(4).
وأمرت أن يتخذ لوصائفها من الدرّ المثقوب بالتصليب ، ثم ازداد شغفها بالدرّ حتّى إنها اتخذت الخفاف المرصعة بالجوهر تلبسها في قصرها (5).
واتخذت سبحة من يواقيت رمانية كالبنادق اشترتها بخمسين ألف دينار(6).
وأرسلت يوماً خلف زوجها الرشيد تريد أن تراه ، فلما جاء إليها غنّى لهما ابن
جامع المغني من وراء ستار فقال :
ما رَعَدَتْ رَعْدَةٌ وَلَا بَرَقَتْ*** لكِنَّها أَنشَأَتْ لَنا حَلَقَه
الْمَاءُ يَجْرِي عَلَى نِظامٍ لَهُ*** لَوْ يَجِدُ المَاءُ مَخْرَقاً خَرَقَه
يستْنا وَبانَتْ عَلى نَمارِقِها*** حَتَّى بَدا الصُّبحُ عَينُهُ أَرِقَه
فأمرت زبيدة خادمها أن يدفع لابن جامع عن كل بيت مائة ألف درهم .
فقال الرشيد : غلبتنا بنت أبي الفضل ، وسبقتنا إلى كرم ضيفنا وجليسنا ، ثم بعث لها مقابل ما أعطت بعدد دراهمها دنانير(1).
ودخل أشجع بن عمرو السلمي على محمد الأمين ، وقد أجلس للتعليم ، وكان عمره أربع سنين ، فقال فيه أشجع :
تلك أبوهُ وَأُمُّهُ مِنْ نَبْعَةٍ*** مِنْها سِراجُ الأُمَّةِ الوَهّاجُ
شَرِبا بِمَكَّةَ فِي ذُرا بَطْحائِها*** ماءَ النُّبُوَّةِ لَيسَ فيهِ مِزاج
فأمرت له زبيدة بمائة ألف درهم .
إنّ هذه الأموال التي وهبت لهذا الشاعر وغيره تمثل جانباً من الإسراف والبذخ بأموال المسلمين.
هذا ، وكان البؤس آخذاً بخناق المواطنين ، وهي وزوجها يبذلان الأموال الجزيلة على مثل هذه الأمور المحرمة في الشريعة الإسلامية.
ومن إسرافها أنّ الرشيد كان يستطيب المكث في الرقة ، فقالت زبيدة للشعراء : من وصف مدينة السلام بأبيات يشوّق إليها أمير المؤمنين أغنيته ، فقال في ذلك جماعة منهم النمري ، قال :
ماذا يبغداد من طيب أفانين*** وَمِنْ عَجَائِبَ الدُّنْيا وَلِلدِّينِ
1) الأغاني : 6: 77.
إذا الصَّبا نَفَحَتْ وَاللَّيلُ مُعْتَكِرٌ*** فَحَرَّشَتْ بَيْنَ أَعْصَانِ الرَّياحينِ
فاستحسنها الرشيد وقفل راجعاً إلى بغداد ، فوهبت زبيدة للنمري جوهرة ثمّ دسّت إليه من اشتراها منه بثلاثمائة ألف درهم(1).
وصنعت لها بساطاً من الديباج جمع صورة كل حيوان من جميع الأجناس ، وصورة كلّ طائر من الذهب ، وأعينها من يواقيت وجواهر ، يقال إنّها أنفقت عليها نحواً من ألف ألف دينار(2).
واتخذت آلة من الذهب المرصع بالجوهر ، والثوب من الوشي الرفيع يزيد على خمسين ألف دينار(3)
وقد مرضت ثلاث مرّات ، فعالجها الطبيب بختیشوع ، فأعطته في كلّ مرّة مائة ألف دينار(4).
وقد ذكر المؤرخون ألواناً كثيرة من سرفها وبذخها في أموال المسلمين، وقد جعلها الإسلام لتصرف على الفقير والمحروم .
وأبهرت البرامكة الناس ببذخها وصلاتها الضخمة للشعراء والأدباء ، فكانوا لا يعرفون للمال قيمة وأهميّة ، فبيوت الأموال بأيديهم ، وإمكانيات الدولة تحت تصرفهم ، لا رقيب عليهم ولا حسيب ، فأسرفوا في الملذات والشهوات ، فكانت مجالس الطرب في قصورهم أكثر منها في قصور الرشيد ، وأجمع لمعدات اللهو ،
فعندهم المغنيات اللاتي ليس مثلهنّ في البلاد ، لا سيما (فوز وفريدة ) .
وكان الرشيد نفسه إذا حضر مجالس البرامكة وقد زيّنت بالآنية المرصعة ، والخزائن المجزعة ، والمطارح من الوشي والديباج ، والجواري يرفلن بالحرير والجوهر ، ويستقبلنه بالروائح التي لا يدري ما هي لطيبها خيّل إليه أنه في الجنة (1).
وكانت لأم جعفر مائة وصيفة ، لباس كل واحدة وحليها خلاف لباس الأخرى وحليها(2)
وبني جعفر قصراً غرم عليه عشرين مليون درهم(3)
وذكر الدميري : « أن جعفر حاز ضياع الدنيا لنفسه ، فكان الرشيد لا يمر بضيعة ولا بستان إلا قيل له هذا الجعفر » (4).
وأنفق البرامكة الكثير من الأموال على اصطناع المكارم ، وكسب القلوب لهم ، فكانوا يهبون الأموال بغير حساب، فقد طلب شخص من الفضل بن يحيى أربعة آلاف درهم ، فوهبه ستة عشر ألف درهم(5)
ووهب لصاحب شرطته أربعة ملايين درهم(6).
وقد بالغوا في العطاء ، فقد ذكر الخطيب البغدادي أن صلات يحيى لمن تعرّض له في الطريق إذا ركب مائتا درهم، فعرض له شاعر فأنشد أمامه:
يا سَمِيُّ الحَصورِ أُتيحَتْ*** لَكَ مِنْ فَضْلِ رَبِّنا جَنَّتَانِ
كُلُّ مَنْ مَرَّ في الطَّرِيقِ عَلَيكُمْ*** فَلَهُ مِنْ نَوالِكُمْ مِائَتانِ
مائتا درهم لِمِثْلي قليلٌ*** هِيَ مِنْكُمْ لِلْقابِسِ العَجْلانِ
فاستحسن يحيى شعره ، وأمر له بعشرين ألف درهم(1)
ومدح أبو ثمامة الخطيب الفضل بن يحيى بقوله :
لِلْفَضْلِ يَومَ الطَّالَقَانِ وَقَبلَهُ*** يَومٌ أَناخَ بِهِ عَلى خاقانِ
ما مِثلَ يَومَيهِ اللَّذَيْنِ تَواليا*** في غَزْوَتَيْنِ تَوالَتا يَوْمَانِ
سَدَّ الثَّغور وَرَدَّ إِلفَةَ هاشم*** بعد الشتاتِ فَشَعَبُها مُتَدانِ
عَصَمَتْ حُكومَتُهُ جَمَاعَةً هَاشِمٍ*** مِنْ أَنْ يُجَرَّدَ بَيْنَها سَيْفان(2)
تلك الحكومَةُ لَا الَّتِي عَنْ لَبْسِها*** عَظُمَ النَّبا وَتَفَرَّقَ الحَكَمانِ
فأعطاه الفضل مائة ألف درهم وخلع عليه (3)وطلب رجاء بن عبدالعزيز إعانة مالية من يحيى ، فأعطاه سبعمائة ألف درهم(4).
وذكر القالي : « أن أحد الشعراء دخل على الفضل بن يحيى ، فخرج أحد الخدم فأخبر الفضل بمولود جديد له ، فقال الشاعر :
وَيَفرَحُ بِالمَوْلُودِ مِنْ آلِ بَرْمَكِ*** بُغاةِ النَّدَى وَالرُّمْحِ وَالسَّيْفِ وَالنَّصْلِ
وَتَنْبَسِطُ الأمالُ فيهِ لِفَضْلِهِ*** ولا سيما إنْ كانَ مِنْ وَلَدِ الفَضْلِ
فأمر له بمائة ألف درهم ، ثم صنع له لحناً ، فأمر له بمائة ألف درهم أخرى(1).
وغصب بعض أمراء بني العباس قرية تدعى ( الرغاب ) فتحاكم أصحابها معه ، فحكم للأمير العباسي ، ومضى الأمير يهدّدهم وينذرهم بتخليتها ، فاستغاثوا بجعفر ، فأغاثهم ، فاشترى القرية بعشرين ألف ألف درهم وأهداها لأصحابها ، فانبرى بعض الشعراء مادحاً له على هذا الصنيع قائلاً:
رَدُ ( الرُّغاب ) نَدى يَدَيهِ وَأَهلُها*** منها بِمَنزِلَةِ السَّماكِ الأَعْزَلِ
قَدْ أَيْقَنوا بذهابها وَهَلاكِهِمْ*** وَالدَّهرُ يوعِدُهُمْ بِيَوْمٍ أَعْضَلِ
فَافْتَكهَا لَهُمْ وَهُمْ مِنْ دَهْرِهِمْ*** بَينَ الجِرانِ وَبَيْنَ حَدٌ الكَلْكَلِ
ما كانَ يُرْجَى غَيْرُهُ لِفِكاكها*** يُرجى الكَريمُ لِكُلِّ أَمْرٍ مُعْضِل
وتحدّث القاصي والداني بتلك المكرمة البرمكيّة(2).
وضرب جعفر لنفسه دنانير ذهبيّة كبيرة ليهبها للناس ، وقد كتب على وجهها هذين البيتين :
وَأَصْفَرُ مِنْ ضَرب دارِ المُلوكِ*** يلوحُ عَلَى وَجْهِهِ جَعَفَرٌ
يَزيدُ عَلى مائَةٍ واحِداً*** إذا نالَهُ مُعْسِرٌ يَوسِرُ (3)
وأغدقوا الأموال ووهبوها بلا حساب للشعراء والأدباء، وقد مدحهم الشعراء بأفضل النعوت ، وكالوا لهم المديح والثناء ، فقد مدح أشجع السلمي جعفراً بقوله :
ذَهَبَتْ مَكارِمُ جَعْفَرٍ وَفِعَالُهُ*** في النَّاسِ مِثلَ مَذاهِبِ الشَّمسِ
مَلِكُ تَسوسُ لَهُ المَعالي نَفْسُهُ*** والعقلُ خَيرُ سِياسَةِ النَّفْسِ
وإذا تَراءَتْهُ المُلوكُ تراجعوا ***جَهْرَ الكَلامِ بِمَنْطِقٍ هَمْسِ(1)
وقال يزيد بن خالد المعروف بابن حسيات يمدح الفضل بن يحيى :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الجُودَ مِنْ صُلْبِ آدَمِ*** تحد حتى صار في راحَةِ الفَضْلِ
إذا ما أبو العباس جادَتْ سَماؤُهُ*** فَيا لَكَ مِنْ ظل وَيا لَكَ مَنْ وَيْل
وقال مسلم بن الوليد في مدح جعفر :
تَداعَتْ خُطوبُ الدَّهْرِ عَنْ جَارِ جَعْفَرٍ*** وَأَمْسَكَ أَنْفاسَ الرَّغائِبِ سائِلُهْ
هُوَ البَحرُ يَغْشَى سُرَّةَ الْأَرْضِ سَيْبُهُ*** وَتُدرِك أَطْرافَ البِلادِ سَواحِلة
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيرُ روحِهِ*** لجادَ بِها فَلْيَتَّقِ الله سائلة
وَاللَّهِ سَيْف ما عَلى الأَرْضِ مِثْلُهُ*** مُضاربُهُ يَحْين وأنتَ مُقاتِلُة
وبالغ الشعراء في مدحهم وتعظيمهم ، وذلك لما استفادوه منهم من الأموال الجزيلة والهبات الوفيرة ، حتى راج سوق الشعر والأدب في ذلك العصر ، وإلى ذلك يشير بعض الشعراء بقوله :
ما لَقِينَا مِنْ جُودِ فَضْلِ بْنِ يَحْيَى*** تَرَكَ النَّاسَ كُلُّهُمْ شُعَراءُ
وعلى أي حال ، فإنّ تلك الأموال الضخمة التي وهبها البرامكة للشعراء وغيرهم لم تكن إلا من بيت مال المسلمين ، فإنّهم قبل أن تسند إليهم الوزارة لم تكن لهم أي ثروة أو مال .
فقد روى المؤرّخون أنّ خالد بن برمك كان والياً على طبرستان والري ودنباوند ، فحاسبه المنصور وأدانه بثلاثة آلاف درهم ، وهدّده بالقتل ، فلم يستطع خالد أن يدفعها من ماله الخاص ، فاستعان بأصحابه فأمدوه ببعضها ، وأمدته الخيزران بقسم
1) هارون الرشيد : 2 : 242 .
كبير منها ، ثمّ توسط له المهدي عند أبيه فعفاه عن الباقي(1).
ولكن لمّا أسندت له ولأبنائه السلطة صارت ثروة الدولة العباسية بأيديهم ، فملكوا من القرى والبساتين والمستغلات ما لا يحصى له عدّ ، ولا يعرف له ثمن وأصبح لهم في كل زاوية قرية عامرة ، وعلى كلّ جدول بستان مثمر ، وفي كل مدينة أو قصبة ملك ثمين. وبلغ ريعهم السنوي الملايين من الدنانير(2).
ومن الطبيعي أنّ هذا الثراء الفاحش الذي تولّد عندهم في هذه الفترة القصيرة كان ناشئاً من دون شك من استئثارهم بأموال المسلمين ، ونهبهم لإمكانيات الدولة ، مستغلين نفوذهم السياسي في التلاعب ببيوت الأموال التي تجبى إليها الأموال من جميع الأقاليم الإسلاميّة .
وهذه البوادر التي سقناها على سرف هارون وتبذير أسرته ووزرائه قد دلت على خيانته العظمى للمسلمين، واستبداده في ثرواتهم ، وانتهاكه لحرمة الإسلام .
ونظراً لخروج هارون عن جادة العدل، وإسرافه في أموال المسلمين ، فقد نقم عليه رجال الاصلاح وابتعدوا عنه ، وقد حاول أن يجتمع بسفيان الثوري ، فكتب إليه رسالة ملأها بالتملّق والتودد إليه لعله يجيبه إلى مقصوده فيتخذ من ذلك وسيلة لإغراء العامة ، وقد جاء فيها :
«من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى أخيه فى الله سفيان بن سعيد الثوري :
أمّا بعد ، يا أخي فقد علمت أنّ الله قد آخى بين المؤمنين ، وقد آخيتك في الله مؤاخاة لم أصرم فيها حبلك ، ولم أقطع منها ودّك ، وإنّي منطو لك على أفضل
المحبّة ، وأتمّ الإرادة ، ولولا هذه القلادة التي قلّدنيها الله تعالى لأتيتك - ولو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة ، وأنه لم يبق أحد من إخواني وإخوانك إلا زارني ، وهنأني بما صرت إليه ، وقد فتحت بيوت الأموال ، وأعطيتهم من المواهب السنية ما فرحت به نفسي ، وقرّت به عيني ، وقد استبطأتك ، وقد كتبت كتاباً مني إليك أعلمك بالشوق الشديد إليك ، وقد علمت يا أبا عبدالله ما جاء في فضل زيارة المؤمن ومواصلته ، فإذا ورد عليك كتابي هذا فالعجل العجل » .
ولما وصلت رسالته إلى سفيان رمى الكتاب ، وقال لإخوانه الصالحين ليقرأه بعضكم ، فإنّي أستغفر الله أن أمس شيئاً مسه ظالم ، فلما قرأوه أمرهم بأن يكتبوا له الجواب ، وهذا نصّه :
«من العبد الميت سفيان ، إلى العبد المغرور بالآمال هارون ، الذي سلب حلاوة الإيمان ، ولذة قراءة القرآن .
أما بعد : فإنّي كتبت إليك أعلمك أنّي قد صرمت حبلك ، وقطعت ودك ، وأنك جعلتني شاهداً عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت على بيت مال المسلمين ، فأنفقته في غير حقه ، وأنفذته بغير حكمه ، ولم ترض بما فعلته ، وأنت ناء عنّي حين كتبت إلي تشهدني على نفسك .
فأما أنا فإنّي قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك ، وسنؤدّي الشهادة غداً بين يدي الله الحكم العدل.
یا هارون ، هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم ، هل رضي بفعلك المؤلّفة قلوبهم ؟ والعاملون عليها في أرض الله ، والمجاهدون في سبيل الله ، وابن السبيل ؟ أم رضي بذلك حملة القرآن ؟ وأهل العلم - يعني العاملين - ؟ أم رضي بفعلك الأيتام والأرامل ؟ أم رضي بذلك خلق من رعيّتك ؟
فشد يا هارون مئزرك ، وأعد للمسألة جواباً ، وللبلاء جلباباً ، واعلم أنك ستقف بين يدي الله الحكم العدل، فاتق الله في نفسك إذا سلبت حلاوة العلم والزهد ولذة قراءة القرآن ، ومجالسة الأخيار ، ورضيت لنفسك أن تكون ظالماً ، وللظالمين إماماً .
یا هارون، قعدت على السرير، ولبست الحرير ، وأسبلت ستوراً دون بابك ، وتشبّهت بالحجّة بربّ العالمين ، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك ، يظلمون الناس ولا ينصفون ، ويشربون الخمر ويحدّون الشارب ، ويزنون ويحدون الزاني ، ويسرقون ويقطعون السارق، ويقتلون ويقتلون القاتل ، أفلاكانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن يحكموا بها على الناس ، فكيف بك يا هارون غداً إذا نادى المنادي من قبل الله احشروا الظلمة وأعوانهم ، فتقدمت بين يدي الله ويداك مغلولتان إلى عنقك ، لا يفكهما إلا عدلك وإنصافك والظالمون حولك ، وأنت لهم إمام أو سائق إلى النار .
وكأني بك يا هارون وقد أخذت بضيق الخناق ، ووردت المساق ، وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك ، وسيئات غيرك في ميزانك على سيئاتك ، بلاء على بلاء ، وظلمة فوق ظلمة.
فاتق الله يا هارون في رعيّتك ، واحفظ محمّداً(صلی الله علیه وآله وسلم) في أمته ، واعلم أنّ هذا الأمر لم يصر إليك إلا وهو صائر إلى غيرك ، وكذلك الدنيا تفعل بأهلها واحداً بعد واحد ، فمنهم من تزوّد زاداً نفعه ، ومنهم من خسر دنياه وآخرته ، وإياك ثمّ إيّاك أن تكتب إلى بعد هذا ، فإنّي لا أجيبك ، والسلام» .
ثم بعث بالكتاب منشوراً من غير طي ولا ختم(1).
وقد دلّت هذه الرسالة الخالدة على مدى إيمان سفيان وجرأته وإقدامه ، وأنه يحمل رصيداً من الإيمان والعقيدة ونكران الذات ، فقد عرض على هارون تصرّفاته
1) حياة الحيوان / الدميري : 2 : 188 و 189
الكيفيّة فى أموال المسلمين، واستبداده بثرواتهم ، وأنّه مسؤول عن تصرفاته ومحاسب عليها بين يدي الله تعالى ، كما ذكر له فساد الجهاز الرسمي لحكومته ، وأنه مجموعة من الخونة والمختلسين لأموال الشعب ، وأنّ الحدود التي يقيمونها على السارقين والمجرمين أولى أن تقام عليه ، وعلى أعضاء حكومته ، فإنّهم منبع الفساد ومصدر الجريمة في البلاد.
إنّ هارون لا يصح بأي حال أن يعدّ من خلفاء المسلمين المحافظين على كيان الإسلام وتعاليمه نظراً لأعماله المجافية لروح الإسلام .
وأفرط ابن خلدون في تقديسه لهارون ، فنحى عنه الإسراف والخيانة ، قال ما نصّه :
« لم يكن الرجل بحيث يوقع محرماً من أكبر الكبائر عند أهل الملة ، ولقد كان أولئك القوم كلّهم بمنجاة من ارتكاب السرف والترف في ملابسهم وزينتهم ، وسائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة ، وسذاجة الدين التي لم يفارقوها»(1).
وابن خلدون من أولئك المؤرّخين الذين لم يكتبوا للتاريخ وخدمة الأمة ، وإنما كتبوا لجهة خاصة بعيدة كل البعد عن روح الواقع ، وقد ألقى الستار في كثير من بحوثه على الحقيقة ، وراح يخدم الدولة أو المحيط ، وجنى بذلك على التاريخ الإسلامي جناية لا تعدلها جناية .
إنّ الحكم ببراءة هارون من السرف والتبذير لا يتفق بأي حال مع الحوادث التي أجمع عليها المؤرخون الدالة على تبذيره بأموال المسلمين ونهبه لثرواتهم .
ولم يوافقه على هذا القول أحد من الكتاب حتى أحمد أمين الذي عرف
1) تاریخ ابن خلدون: 1 : 14 .
بالانحراف والتحيّز في كثير من بحوثه ، قال : « فلسنا نتفق معه على ما يستخلص من قوله إنه كان بمنحاة من السرف والترف ، وأنه كان يعيش عيشة ساذجة ، وأنه لم يوقع محرماً ، فهذا أيضاً إفراط في التقديس ، لا تدلّ عليه سيرة الرشيد ، خصوصاً وأنّ أدلته خطابيّة ، فقرب عهده من المنصور لا يستوجب أن يعيش عيشته ، وقد صرّح هو مراراً بأن الترف والنعيم في عصر الرشيد كان أكثر منه في عصر المنصور ، ولو كان قرب العهد يكفي في الاستدلال لما رأينا الأمين وهو قريب عهد من الرشيد يسير سيرته .
والعجب أنه عقد فصولاً طويلة يتعرّض فيها لوصف الحضارة والنعيم والترف في أيام الرشيد والأمين والمأمون، وتفنّنهم في المطعم والمشرب ، وهو الذي وافق ( المسعودي ) و ( الطبري ) على ما حكياه في أعراس المأمون ببوران بنت الحسن ، وأنّ المأمون أعطاها فى مهرها ليلة زفافها ألف حصاة من الياقوت ، وأوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة من ، وبسط لها فرشاً كان الحصير منها منسوجاً بالذهب ، مكلّلاً بالدرّ والياقوت .. الخ(1).
هل هذا ليس سرفاً في الترف ؟ وهل قرب عهد المأمون من الرشيد كقرب عهد الرشيد من المنصور جعلت الناس يعيشون عيشة السذاجة كما يقول ؟
الحقّ أنّ ابن خلدون مخطئ في وصفه عصر الرشيد بالسذاجة ، وأنه وقومه كانوا بمنحاة من السرف والترف» (2).
ولم ينفرد ابن خلدون بهذا المنطق الهزيل في دفاعه عن هارون ، فقد شاركه
في ذلك الدكتور عبد الجبار الجومرد ، فإنّه لما لم يجد مجالاً للطعن في تلك الروايات التي دلّت على المزيد من إسراف هارون ، أخذ يلتمس له المعاذير والمبررات ، قال ما نصه : « غير أننا لو درسنا الوضع الاجتماعي السائد يومئذ ، وتذكّرنا - ما قلناه سابقا - عن مقدار ما كانت تدرّ ضرائب الدولة على الخزينة العامة من الأموال - وهي تعادل اليوم ميزانيات أكثر من عشرة دول - وما بلغه الترف والبذخ عند الطبقات الخاصة ، وما وصل إليه ذلك التسابق في اكتساب الحمد واستمالة الرأي العام عن طريق الشعراء والأدباء والرواة ، وكلّ ذي لسان ورأي ، وهم أشبه بالصحف السيّارة في هذا العهد .
لو علمنا كل ذلك وأدركنا حقائقه ، إذاً لأعطينا هذا السخي الجواد بعض الحق إن لم يكن كله»(1).
وقال أيضاً : «إنّ الرشيد أحق من غيره بالعطاء ، وأحوج إلى المديح والذكر الحسن من هؤلاء - أي البرامكة - جميعاً ، بحكم كونه خليفة فوق سائر الناس ، وهو مع ذلك سخي اليد بالفطرة ، وجد المحيط الذي حوله في سورة من جنون البذخ والإنفاق ، فجاراه ليحفظ توازن سمعته ولم يجد في ذلك تصنّعاً أو كلفة ، ما دام خراج الدولة في تضخم عظيم »(2).
والأستاذ الجومرد مدفوع بعاطفة جيّاشة تجاه هارون ، فقد أبى أن يدينه بانحرافه عن الطريق ، أو يسجل عليه أي مأخذ ممّا أجمع عليه المؤرّخون ، وأخذ يتطلب الوجوه البعيدة لتصحيح أخطائه وتوجيهها بوجوه عليلة بعيدة عن واقع المنطق .
أمّا قوله : إنّ ميزانيّة الدولة قد بلغت القمّة من التضخّم ، وإن الإسراف عند الطبقات الخاصة قد بلغ الذروة ، وإنّها قد أخذت في اكتساب الحمد والثناء عن
طريق الشعراء والأدباء ، فإنّ هذا ليس مبرّراً له في صرف أموال المسلمين على ملاذه وأغراضه التي لم يقرّها الإسلام ، فقد ألزم بإنفاق أموال الدولة على تطوير الحالة الاقتصادية وتوفير الحياة الحرّة الكريمة للمواطنين .
إنّ تبذير الأموال الراجعة لنفس الإنسان محرّم في الشريعة الإسلامية ، فضلاً عن أموال الناس ، فإنّه ضامن لها ومسؤول عن صرفها في غير الوجه المشروع ، وأما حاجته إلى المدح والذكر الحسن فلا يقره الشرع الإسلامي الذي أمر بالاحتياط في أموال المسلمين ، وحرمة صرفها على أي لون من ألوان الدعاية الشخصية التي لا تعود على المجتمع الإسلامي بأيّة ثمرة أو فائدة .
وأمّا كون المحيط الذي كان حول هارون في سورة من جنون البذخ والإنفاق ، فاضطر لمجاراته ليحفظ توازن سمعته ، فإنّ ذلك غير مبرّر له ، ولا ينفي عنه المسؤولية أمام الله . إنّه بحكم الشرع مسؤول عن استبداده بأموال المسلمين ، ومسؤول عن تصرفات شعبه باعتباره خليفة المسلمين ، وولي أمرهم ، فكان الواجب عليه أن يثيبهم إلى الرشاد، ويهديهم إلى سواء السبيل .
إنّ هذه التعليلات التي ذكرت لتصحيح أخطاء هارون في سياسته المالية إنما هي لون من ألوان الطائفية التي هي مصيبة العالم الإسلامي في ماضيه وحاضره ، فقد أوجبت خفاء الحق ، وتضليل الرأي العام في كثير من جوانب حياته العقائدية ، وجعلت المسلمين في ذيل القافلة .
يجب على كل من يبحث عن التاريخ الإسلامي ، ويعالج قضاياه على ضوء ما أثر عن الإسلام أن يتجرّد من نزعاته التقليدية ، وأن يخلص للحق ليخدم بذلك أمّته ومجتمعه .
إن الواجب يحتم علينا أن نبرز للمجتمع الذوات المثالية الفذة من رجال الإسلام الذين نفروا من الجور والظلم ، ورفعوا شعار العدالة ، ونادوا بتطبيق المبادئ العليا
التي جاء بها الإسلام ، فلاقوا في سبيل ذلك أعنف المشاكل وأشدّها عناء ومحنة ..
هؤلاء الذين يجب أن يعتز بهم ، ويشاد بذكرهم ، وتغذى الناشئة بمآثرهم ..
وأما الذين نهبوا وفسقوا ، واستباحوا كلّ حرام من عرض ودم ومال ، وأشاعوا المنكر والتحلّل بين المسلمين ، فإنّه يجب إبعادهم عن المراكز العليا في الإسلام ، والتدليل على ما اقترفوه من عظيم الإثم في حق أمتهم وبلادهم .
ولنعد بعد هذا العرض الموجز للسياسة المالية التي سار عليها هارون إلى عرض بعض أعماله الأخرى التي دلّت على عدم تحرّجه فی الدين وانطلاقه في ميدان الشهوات التي حرّمها الله .
وكان هارون مولعاً بالغناء منذ حداثة سنه ، فقد نشأ بين أحضان المغنيّات والمطربات ، ولشدة رغبته في ذلك فقد اجتمع في قصره عدد كبير من المغنيّات والعازفات ، واشتمل قصره على مختلف الآلات الموسيقية (1)،وهو الذي جعل المغنّين طبقات ومراتب ، فكان إبراهيم الموصلي وابن جامع وزلزل الضارب في الطبقة الأولى ، وكان زلزل يضرب ويغنّي الموصلي وابن جامع ، والطبقة الثانية : إسحاق وسليم بن سلام ، وعمر و الغزال ، والطبقة الثالثة أصحاب المعازف والطنابر وكان يطرب للغناء (2).
وقد أمر المغنّين أن يختاروا له مائة صوت ، فاختاروها ، ثمّ أمرهم باختيار عشرة منها، فاختاروها ، ثم أمر باختيار ثلاثة منها ، ففعلوا(3).
وعاهد إبراهيم الموصلي الهادي بأن لا يغنّي لأحد من بعده ، فلمّا توفّي انقطع إبراهيم عن الغناء وفاءاً بالوعد ، ولكنّ الرشيد أمره بأن يغنّي له ، فامتنع فرماه بالسجن ولم يطلق سراحه حتى غنى في مجلسه(1).
ومن ولعه بالغناء أنّه هام بحبّ ثلاث مغنيّات من جواريه هن: سحر وضياء وخنث ، وقال فيهنّ الشعر ، فمما قاله فيهّن :
مَلَكَ الثَّلاتُ الآنساتُ عِناني*** وَحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِي بِكُلِّ مَكَانٍ
ما لي تُطاوعنى البَريَّةُ كُلُّها*** وأطيعُهُنَّ وَهُنَّ في عِصْياني
ما ذاكَ إِلَّا أَنَّ سُلطانَ الهَوى*** وَبِهِ قَوِينَ أَعَزُّ مِنْ سُلطاني(2)
وقدم إلى بغداد إبراهيم بن سعد الزهري ، وهو من وعاظ السلاطين وعلمائهم ، فأكرمه الرشيد وسأله عن الغناء ، فأفتى على وفق البلاط ورغبته بحلّيته ، وقصد إبراهيم بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري ، فسمعه يغنّي فقال له : لقد كنت حريصاً على أن أسمع منك ، أما الآن فلا سمعت منك حديثاً واحداً .
فقال له الزهري : إذاً لا أفقد شخصك ، وعليَّ إن حدثت حديثاً في بغداد لأغني قبله ، وشاعت القصة في بغداد ، فسمع بها الرشيد ، فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في سرقة الحلي ، فدعا إبراهيم بعود .
فقال الرشيد : أعود المجمر ؟
قال : لا ، ولكن عود الطرب ، فتبسّم الرشيد، ففهم إبراهيم بن سعد سر تبسمه ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، لعله بلغك حديث السفيه الذي آذاني بالأمس وألجأني إلى أن أحلف .
قال الرشيد : نعم ، ودعا له بعود فغنّاه إبراهيم :
يا أم طَلحَةَ إِنَّ البَيْنَ قَدْ أَفِدا*** قَلَّ التَّواءُ لَئِنْ كَانَ الرَّحِيلُ غَدا
فقال له الرشيد : مَن كان من فقهائكم يكره السماع ؟
قال إبراهيم : من ربطه الله .
قال الرشيد : هل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شيء ؟
قال إبراهيم : لا والله ، إلا أنّ أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع ، وهم يومئذٍ جلّة ومالك يومئذٍ أقلهم في فقهه وقدره ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون ومع مالك دف مربع ، وهو يغنّيهم :
سُلَيْمي أَجمَعَتْ بَيْنا ***فَأَيْنَ لِقاؤُها أَيْنا
وَقَدْ قَالَتْ لأترابِ*** لَها زُهْرِ تَلافَيْنا
تَعالَيْنا فَقَدْ طَابَ*** لنا العَيْشُ تَعالَيْنا (1)
وهذه البادرة تكشف لنا مدى الاستهتار بأحكام الإسلام ، حتى من حملة الحديث ، فقد عمد هذا الفقيه إلى الفتيا بما خالف الشرع ليتوصل إلى هارون وينال من دنياه .
وبلغ من ولع هارون وشغفه بالغناء أنّه طلب من شقيقته عليّة أن تغنّيه ، فقالت له : وحياتك لأعملن فيك شعراً ، ولأصنعن فيك لحناً ، وقالت من وقتها :
تفديك أختك قَدْ حَبَوْتَ بِنِعْمَةٍ*** لَسْنَا نَعُدُّ لَها الزَّمَانَ عَديلا
إلَّا الخُلودُ وَذاكَ قُربُكَ سَيدي*** لا زال قُربك والبقاء طويلا
وَحَمِدْتُ رَبِّي فِي إِجَابَةِ دَعْوَتي*** فَرَأَيْتُ حَمْدِي عِنْدَ ذاكَ قَليلا
1) تاریخ بغداد : 6 :84
وصنعت فيه لحناً من وقتها في مقام خفيف الرمل ، فطرب الرشيد عليه(1).
وكانت علية في طليعة المغنيات في ذلك العصر، وقد شجعها على ذلك إقبال أسرتها على الملاهي والمجون والدعارة، فانجرفت معهم وهي تسحب ذيول الخيانة والخزي ، وقد عيّر بها الأسرة العبّاسيّة أبو فراس الحمداني بقوله :
مِنْكُمْ عُلَيَّةُ أَمْ مِنْهُمْ وَكانَ لَكُمْ*** شَيخُ المُغَنِّينَ إبراهيمُ أَمْ لَهُمُ
وعلى أي حال، فقد انتشر الغناء في عصر هارون انتشاراً هائلاً حتّى عُدّ حاجة من حاجات الإنسان الضرورية ، فكان المغنّون والمغنيات في الأماكن العامة وفي الشوارع وفي بيوت الأغنياء والفقراء ، وشغف الناس به حتى بلغ من رواجه وإقبال الناس عليه أنّه إذا غنّى مغن على الجسر اجتمع عليه جمهور حاشد من الناس حتى يخاف من سقوط الجسر بهم(2)، وحتى كان بعضهم ينطح العمود برأسه من حسن الغناء(3).
وارتفعت الأسعار الجواري التي تجيد الغناء ، فكلما كانت الجارية تحسن هذه الصناعة ازداد سومها ، وكان إبراهيم الموصلي هو الذي يتولى تعليمهن ، فإذا أتقنت واحدة منهنّ الغناء ارتفع ثمنها .
وفي ذلك يقول أبو عيينة المهلبي في جارية يقال لها ( أمان) ، وكان يهواها فأغلى مولاها السوم ، فقال :
قُلتُ لَمّا رَأَيْتُ مَولى أَمَانٍ*** قَدْ طَغَى سَوْمُهُ بِها طُغْيانا
لا جَرَى اللَّهُ المَوْصِلِي أَبَا إِسْ-*** -حاقٍ عَنَا خَيْراً وَلَا إِحْسانا
جاءَنَا مُرْسَلاً بِوَحْيِ مِنَ الشَّيْ-*** -طانٍ أَغْلى بهِ عَلَيْنَا الْقِيانا
مِنْ غِناء كأَنه سَكَراتُ ال-*** -حُب يُصْبي القُلوبَ وَالآذانا (1)
وسادت الميوعة في ذلك العصر، وأسرف الناس في الخلاعة والمجون والغناء حتّى بلغ به الحال أنه كان يستد أخاه إبراهيم بن المهدي فيغنّي له(2).
ونظراً لإقباله على الغناء فقد كانت له الدراية التامة بجميع فنونه ، فقد قال إبراهيم الموصلي لابن جامع المغنّي : والله لا أعلم أن أحداً بقي في الأرض يعرف هذا الغناء معرفة أمير المؤمنين هارون الرشيد .
فقال له ابن جامع : حق والله ، إنسان يسمع الغناء منذ عشرين سنة مع هذا الذكاء الذي فيه »(3)
وقد انطبعت هذه الروح في نفس ولده الأمين ، فكان مغرماً بالغناء حتى في أعسر ساعاته عندما أحيط به ، فقد كان يستمع إلى الغناء ، فحينما كانت حجارة المنجنيق تصل بساطه كانت إحدى الجواري تغنيه(4).
وقد ألحق انتشار الغناء أضراراً جسيمة بالمجتمع الإسلامي ، فقد أدى إلى فساد الأخلاق ، وميوعة المجتمع وابتعاده عن تعاليم الإسلام التي تنشد الجد وتنهى عن العبث والمجون ، وقد بلغ من تسيّب الأخلاق في ذلك العصر أنه لما توفّي المطرب إبراهيم الموصلي أحدث حزناً عميقاً وأسى مريراً في جميع الأوساط البغدادية ورثاه بعض الشعراء وبكاه أمر البكاء لفقدانه الطرب واللهو ، فقال :
أَصْبَحَ اللَّهْوَ تَحْتَ عَفْرِ التُّرابِ*** ثاوِياً في مَحَلَّةِ الأَحْباب
إذْ ثَوى المَوْصِلِيُّ فَانْقَرَضَ الله-*** -وُ بِخَيرِ الْإِخْوانِ وَالأَصْحَابِ
بَكَتِ المُسْمِعاتُ حُزْناً عَلَيْهِ*** وَيَكاهُ الهَوى وَصَفْوُ الشَّراب
وَيَكَتْ آلةُ المَجالِسِ حَتّى*** رحم العودُ ضَربَةَ المِضْراب(1)
ورثاه شاعر آخر فقال :
تَوَلَّى المَوْصِلِيُّ فَقَدْ تَوَلَّتْ*** بشاشاتُ المَزاهِرِ وَالقِيانِ
وَأَيُّ بَشاشَةٍ بَقِيَتْ فَتَبْقَى ***حياةُ الْمَوْصِلِي عَلَى الزَّمَانِ
سَتَبكيهِ المَزاهِرُ وَالمَلاهي*** وَتُسْعِدُهُنَّ عَائِقَةُ الدنان
وكان الميّت قبل هذا العصر يرثى ببكاء الخيل والسيوف وفقدان الجفان والأضياف ، أما في عصر هارون فقد أصبح يبكيه الهوى والشراب والعود وكان ذلك ناشئاً من دون شك من اضطراب الدين وفساد العقيدة في نفوس الناس حتى نشأ فيهم هذا التسيب الفظيع .
واندفع هارون إلى شرب الخمر والادمان عليها ، وكان يدعو خواص جواريه إذا أراد الشراب (2)، وربّما كان يتولّى سقاية الشراب بنفسه لندمائه ، فقد حدث حمّاد بن إسحاق عن أبيه ، قال : « أرسل إليَّ الرشيد ذات ليلة ، فدخلت عليه ، فإذا هو جالس وبين يديه جارية عليها قميص مورد وسراويل مورّدة وقناع مورد كأنّها ياقوتة ، فلما رآني قال لي : اجلس ، فجلست ثم قال لي : غن ، فغنّيت :
تَشَكّى الكُمَيتُ الجَرْيَ لَما جَهِدْتَهُ*** وَبَيَّنَ لَوْ يَسْطيعُ أَنْ يَتَكَلَّما
فقال : لمن هذا اللحن ؟
فقلت : لى يا أمير المؤمنين.
فقال : هات لحن ابن سريج ، فغنّيته إيَّاه فطرب وشرب رطلاً وسقى الجارية رطلاً، وسقانى رطلاً ، ثم قال : غن ، فغنّيته:
هاج شوقي بعدما*** شَيْبَ أَصْداغى بِرَوق
موهناً وَالبَرقُ مِنْ ما*** ذا الهوى قدماً يَشوق
فقال : لمن هذا الصوت ؟
فقلت : لي .
فقال : قد كنت سمعت فيه لحناً آخر .
فقلت : نعم ، لحن ابن محرز .
فقال : هاته ، فغنّيته فطرب ، وشرب رطلاً ، ثمّ سقى الجارية رطلاً، وسقاني رطلاً ، ثم قال : غن ، فغنّيته :
أفاطم مهلاً بَعض هذا التدلل*** وَإِن كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلي
فقال لي : ليس هذا اللحن أريد ، عن رمل ابن سريج فغنّيته ، وشرب رطلاً وسقى الجارية رطلاً، ثمّ طلب من إسحاق أن يحدّثه فحدثه عن أيام العرب وأخبارها(1).
وكان يهدي لبعض أصحابه كؤوس الخمر مملوءة ، ويهدى إليه كذلك ، فقد روى ريق ، قال : كنت بين يدي الرشيد وعنده أخوه منصور وهما يشربان ، فدخلت عليه ( خلوب) جارية علية ومعها كأسان مملوءتان وتحيتان ومعها غلام يحمل عوداً، فغنتهما الجارية والكأسان في أيديهما ، وكان غناؤها :
1) الأغاني : 5 : 126 و 127 .
حَيّاكُما اللهُ خَليلَيّا*** إن مَيْتاً كُنتُ وَإِن حَيّا
إن قُلتُ خَيْراً فَخَيرٌ لَكُمْ*** أَوْ قُلتُ غَيّاً فَغَيّا
فشربا الخمرة وفضًا الرقعة فإذا فيها : «صنعت يا سيّدي أختكما هذا اللحن اليوم ، وألقته على الجواري ، واصطبحت فبعثت لكما به ، وبعثت من شرابي إليكما ومن تحياتي وأحذق جواري لتغنّيكما »(1).
وسار أولاده على ذلك ، فكان الأمين لا ينقطع عن الشراب ، وقد وصفه وزيره الفضل بن الربيع فقال : قد ألهاه كأسه ، وشغله قدحه ، فهو يجري في لهوه والأيام تسرع في هلاكه ، وكان يشرب بأقداح من بلور مرصعة بالجوهر» (2)
وكان المأمون يشرب في أوّل أيّام الثلاثاء والجمعة ، ثمّ إنّه أدمن على الشراب عند خروجه إلى الشام إلى أن توفّي(3)
ولما رأى الناس مليكهم هارون مدمناً على شرب الخمر أدمنوا كذلك ، وانتشرت الخمرة عند أغلب الأوساط حتى في بيوت الفقراء ، فكانت لا تخلو منها ، وتناولها الشعراء بالوصف الرائع بما لم توصف به من قبل حتى قدسها أبو نؤاس بشعره ، فقال :
اثْنِ عَلَى الخَمْرِ بِالآئِها*** وَسَمِّها أَحْسَنَ أَسْمائِها
وعلّق على هذا البيت الدكتور طه حسين بقوله : « أليس الشطر الأوّل منه تسبيحاً للخمر ؟ ! أليس الشطر الثاني منه تقديساً للخمر ؟ أليس في هذا البيت على سهولته وبراءته من ألفاظ المجون أشدّ ألوان المجون ؟ أليس فيه الاستهزاء بالدين والسخرية
منه ، أليس القرآن يذكرك ، أليس يذكرك قول الله تعالى :وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا(1)» (2).
وقد جاهر أبو نؤاس بشربها مع إقراره بحرمتها ، فقال :
فَإِنْ قالوا حَرامٌ قُلْ حَرامٌ ***وَلكِنَّ اللذاذة في الحَرامِ
وقال :
أَلا فَاسْقِني خَمْراً وَقُلْ لِي هِيَ الخَمْرُ*** وَلا تَسْقِنِي سِرّاً إِذا أَمْكَنَ الجَهْرُ
ولم يندفع أبو نؤاس إلى الجهر بشربها ، وإعلان وصفها ، إلا أنّه رأى السلطة الحاكمة قد تهتكت ، وتخلّت عن المبادئ الإسلامية التي حرمتها ، فقد جاء تحريمها صريحاً في القرآن الكريم .
قال تعالى :إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُمْ مُنْتَهُونَ(3).
ولكنّ هارون وغيره من ملوك العباسيين لم يعنون بتحريم الإسلام له ، فعمدوا إلى شربها في وضح النهار وفي غلس الليل .
ومن المؤسف أن يعدّ هؤلاء الخلعاء الماجنون من أئمة المسلمين، ومن كبار قادتهم ، ثمّ يلتمس المعاذير لما اقترفوه من عظيم الإثم والمنكر ، وقد بالغ الجومرد في دفاعه عن هارون ، فنفى عنه شرب الخمر ، وقال إنّه ما شرب إلا النبيذ وليس
ذلك محرماً في الإسلام(1).
إنّ هذه التعاليل لا تدلّ إلا على روح العصبية التي لا تمثل أي واقع علمي ، فقد أجمع المؤرّخون على شربه للخمر وإدمانه عليها .
ولم يترك هارون أي لون من المحرمات في الإسلام إلّا ارتكبه ، فمن ذلك لعبه بالنرد(2)، وهو من أنواع القمار الذي حرمه الإسلام ، فقد حدث إسحاق الموصلي عن أبيه أنه لعب يوماً مع الرشيد بالنرد في الخلعة التي كانت مع الرشيد ، والخلعة التي كانت عليه ، فتقامر الرشيد ، فلما قمره قام إبراهيم فنزع ثيابه ثم قال للرشيد : حكم النرد الوفاء به ، وقد قمرت ووفيت لك ، فالبس ما كان علَيَّ.
فقال له الرشيد : ويلك ! أنا ألبس ثيابك .
فقال : إي والله إذا أنصفت ، وإذا لم تنصف قدرت وأمكنك .
قال : ويلك ! أو افتدي منك ؟
قال : نعم .
قال : وما الفداء ؟
قال : قل أنت يا أمير المؤمنين ، فإنّك أولى بالقول .
فقال أعطيك كلّ ما علَيَّ .
قال : فمر به يا أمير المؤمنين ، فدعا بغير ما عليه فلبسه ونزع ما كان عليه فدفعه إلى إبراهيم(3).
وكان يلعب الشطرنج إذا سافر في دجلة (1).
وقد سار على ذلك أولاده، فكان ابنه الأمين يلعب بالنرد مع وزيره الفضل بن الربيع(2)
وروى المؤرّخون أنّه كان يلعب بالصولجان(3)في الميدان ، ويلعب بالنشاب في البرجاس ، ويلعب بالأكرة والطبطاب(4)
وأخذ عنه ذلك ولداه ، فكان المأمون ينزل إلى حلبة اللعب في كلّ يوم(5)
وأمر الأمين بعد بيعته ببناء ميدان حول قصر لأبي جعفر للصوالجة واللعب(6).
لقد ساد اللهو ، وعمّت الدعارة، وانتشر المجون ، وتدهورت الأخلاق ، وأقبرت الفضائل في عهد هارون ، ولو قدر أن يبقى على أريكة الخلافة أكثر مما بقي لانحطت الدولة الإسلامية إلى مستوى سحيق أقبح الانحطاط- كما قال الدكتور مصطفى جواد -(7)
إنّ الأعمال التي أثرت عن هارون قد دلّت على تحلله ، وعدم تمسكه بأي رابطة دينية ، فقد أسرف في الشهوات حتى صار بلاطه ملهى يضم جميع ألوان الدعارة والمجون ، فلا يكاد يخلو من حفلات الرقص والغناء ، وشرب الخمور ، كما كان
مسرحاً للظلم والجور والاستبداد .
ولم يعد حكم هارون يمثل أي جانب من جوانب الحكم الإسلامي ، وقد أدرك الرشيد هذه الظاهرة، فراح يتظاهر ببعض المظاهر الإسلاميّة ، فكان يحضر بعض الوعاظ فيلقون عليه المواعظ ، فيظهر البكاء من خشية الله ، كما كان يحج بيت الله الحرام ، والغرض من ذلك التمويه على البسطاء والسدّج ، وإغرائهم بأنه متحرّج في دينه ، ومهتم بشؤون الإسلام ، وأنه على عكس بني أمية الذين أهملوا شؤون الدين في حكمهم .
وقد ألمح إلى ذلك الأستاذ عمرو أبو نصر بقوله : «إنّ العباسيين كانوا يتهمون الخلفاء الأمويين بضعف الدين ، فكان من الحق والحالة هذه أن يظهروا للناس بمظهر جديد فيه احترام للدين، وتعزيز للعقائد الإسلامية »(1).
إنّ بعض الطقوس الدينية التي أعلنها هارون وغيره من ملوك العباسيين لم يكن الغرض منها إلا تضليل الرأي العام وخدعته بأنّ حكمهم يقوم بحماية الإسلام ، والذب عن مبادئه وأهدافه .
نعم ، إنّ قيامهم بالفتوحات العظيمة يدل بحسب ظاهره على اهتمامهم بشؤون الإسلام ، ولكن التأمل يقضي بأنّ قيامهم بذلك ما كان الغرض منه إلا اتساع رقعة ملكهم ، ويسط سلطانهم ، واستعباد الشعوب ، والاستيلاء على مقدراتها الاقتصادية ، ولو كانوا حريصين على مصلحة الإسلام كما يقال - لساروا بين المسلمين بسياسة الحق والعدل، وطبقوا أحكام القرآن على واقع الحياة ، ولكن لم نر شيئاً من ذلك ، فقد حفلت كتب التاريخ بصور مخزية من لهوهم ومجونهم ، و ازدرائهم بالقيم الإنسانية ، واستبدادهم بشؤون المسلمين، وإرغامهم على الذلّ والعبودية ، ولم يكن هناك أي ظل للحكم الإسلامي الهادف إلى تطوّر الحياة ،
1) هارون الرشيد : 75
ورفع مستوى الفكر .
وتميز موقف الإمام موسى(عليه السلام) مع حكومة هارون بالشدة والصرامة ، فقد حرم التعاون معها في جميع المجالات ، وقد ظهر هذا الموقف جلياً في حديثه مع صفوان ، فقد قال له الإمام : يا صَفْوانُ ، كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ ، ما خَلا شَيْئاً واحداً .
فالتاع صفوان ، وذابت نفسه لعلمه بأنه لم يخلد إلى أي معصية ، فانبرى للإمام قائلاً: جعلت فداك ، أي شيء ؟!
-كِراؤُكَ جِمالَكَ مِنْ هذا الطَّاغِيَةِ - يعني هارون ..
فقال له :الإمام : يا صَفْوانُ ، أَيَقَعُ كِرَاكَ عَلَيْهِمْ ؟
نعم ، جعلت فداك .
أَتُحِبُّ بَقَاءَهُمْ حَتَّىٰ يَخْرُجَ كِرَاكَ ؟
نعم .
فقال(عليه السلام) : مَنْ أَحَبُّ بَقاءَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ كانَ مِنْهُمْ كانَ وارداً للنّارِ .
وأعرب(عليه السلام)في حديثه عن نقمته البالغة ، وسخطه الشديد على حكومة هارون، وهو موقف صارم منبعث من صميم العقيدة الإسلامية التي أعلنت الحرب بغير هوادة على الظالمين والمستبدين ، وحرمت التعاون معهم بأي لون كان ، ومنعت من الركون إليهم بأي وجه من الوجوه .
قال الله تعالى :وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ(1)،كما كشف(عليه السلام) بحكمه هذا عن مدى مقاومة الإسلام للظالمين ، فقد حرّم على المسلمين الميل إليهم ، والرغبة في بقائهم ، حتى لو كان ذلك مستنداً إلى بعض المصالح الشخصية التي ترتبط بظلمهم وجورهم ، فإنّ من أحب بقاء الظالمين كان معهم ، وحشر في زمرتهم في نار جهنم .
وحذر(عليه السلام) في بعض أحاديثه شيعته من الدخول في سلك حكومة هارون ، والتلبس بأي وظيفة من وظائف دولته ، فقال(عليه السلام)لزياد بن أبي سلمة يا زياد لَئِنْ أَسْقِطَ مِنْ شَاهِقٍ فَأَنْقَطِعَ قِطْعَةٌ قِطْعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَولَّى لَهُمْ عَمَلاً ، أَوْ أَطَأَ بِساط رَجُلٍ مِنْهُمْ»(2)
وإنما قاوم(عليه السلام)حكومة هارون بهذه المقاومة الشديدة لأن في ولايته درساً للعدل وتبديلاً لسنة الله ، ومحواً للحق وإحياء للباطل ، وقتلاً للإسلام ، فلذا حرّم على شيعته التعاون معه ، واستثنى(عليه السلام)من ذلك ما إذا كانت الوظيفة لإنقاذ المسلمين من الظلم والجور، وقضاء حوائج المؤمنين ، فقد أباحها(عليه السلام)كما في حديثه مع عليّ بن يقطين، وهو مستثنى من ولاية الجائر كما سنبينه في بعض فصول هذا الكتاب .
إن موقف الإمام من حكومة هارون موقف صريح واضح يقضي بوجوب تحطيم حكمه وإزالة ملكه ، أما الوسائل المحققة لذلك فسنبيّن أنه كان يرى ضرورة المقاومة السلبيّة فقط ، وأما غيرها فليست من رأيه لعلمه بفشلها وعدم نجاحها ، وسنذكر ذلك عند التعرّض لمحنة العلويين في دوره .
وورث هارون من جده المنصور البغض العارم والعداء الشديد للعلويين ، فقابلهم منذ بداية حكمه بكل قسوة وجفاء ، وصبّ عليهم جام غضبه ، وقد أقسم على استئصالهم وقتلهم ، فقال : « والله لأقتلنهم - أي العلويون - ولأقتلن شيعتهم(1).
وأرسل طائفة كبيرة منهم إلى ساحات الإعدام ، ودفن قسماً منهم وهم أحياء ، وأودع الكثيرين منهم في ظلمات السجون ، إلى غير ذلك من المآسي الموجعة التي صبّها عليهم ، وفيما يلى عرض لبعضها :
وحينما استولى الرشيد على دست الحكم أصدر مرسوماً ملكيّاً يقضي بإخراج العلويين فوراً من بغداد إلى يثرب، فقامت السلطات بنفيهم عنها (2)
لقد كان الرشيد شديد الوطأة على عترة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وكانوا على علم بمقته وبغضه لهم ، فحينما علموا بخلافته هاموا على وجوههم في القرى والأرياف متنكرين لئلا يعرفهم أحد ، قد أحاط بهم الرعب والفزع ، واستولى عليهم الخوف والارهاب ، وقد أمعنت الشرطة في متابعتهم ومطاردتهم ، وانتشرت الاستخبارات والأمن للتفتيش عنهم ، فمن ألقوا القبض عليه أرسل إلى القبور أو السجون أو إلى بعض وزراء هارون ليرسل رأسه هدية إليه في أيام أعياده .
ففي ذمة الله ما عانته ذرّيّة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)من الارهاق والتنكيل في عهد هذا الطاغية الجبّار الذي لم يرع فيهم حرمة جدهم الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم).
وبذل هارون جميع جهوده وإمكانياته لتحطيم العلويين وتشويه سمعتهم ، وأعطى المزيد من الأموال للشعراء الذين يهجونهم ، وكان مفتاح الوصول إليه والاتصال به ، والنيل من دنياه منحصراً في هذا الطريق ، فقد عاتب أبان بن عبد الحميد البرامكة على تركهم إيصاله للرشيد فقالوا له : وما تريد من ذلك ؟
فقال أبان : أريد أن أحظى منه بمثل ما يحظى به مروان بن أبي حفصة .
قال له الفضل : إنّ لذلك مذهباً ، وهو هجاء آل أبي طالب وذمهم به يحظى وعليه يعطى ، فاسلكه حتى نفعل
فتوقف أبان وقال : لا أستحلّ ذلك .
فقالوا له : فما تصنع ؟ لا يجيء طلب الدنيا إلا بما لا يحلّ .
وأخيراً باع دينه وتخلّى عن عقيدته ، ونظم قصيدة ذمهم فيها ، وقد جاء فيها :
نَشَدتُ بِحَقِّ اللهِ مَنْ كانَ مُسْلِماً ***أَعمُّ بِما قَدْ قُلتُهُ العُجْمَ وَالعَرَب
أَعَمُّ رَسولِ اللهِ أَقْرَبُ زُلفَةٌ*** لَدَيْهِ أَم ابْنُ العَم في رُتْبَةِ النَّسَبْ
وَأَيُّهُما أَوْلَى بِهِ وَبِعَهْدِهِ*** وَمَنْ ذا لَهُ حَقٌّ التُراث بما وَجَبْ
فإن كان عَبّاسٌ أَحَقُّ بِنَسْلِكُمْ*** وَكَانَ عَلِيٌّ بَعْدَ ذاكَ عَلى سَبَبٌ
فَأَبْناءُ عَبّاسٍ هُمُ يَرِثُونَهُ ***كما العم لابن العم في الإِرْثِ قَدْ حَجَبْ
وعرض قصيدته على الفضل ، فقال له : ما يرد على أمير المؤمنين أعجب من أبياتك ، ثمّ مضى إلى الرشيد فتلاها عليه ، فأعطاه وقربه إليه(1)
لقد منح هارون الثراء العريض ، ووهب الأموال الطائلة لكل من انتقص العلوي~ين
1) الأغاني : 20 : 75 و 76 .
من الشعراء ، فقد أنشده مروان بن أبي حفصة قصيدته التي جاء فيها :
وَأَبْناءُ عَبّاسٍ نُجومٌ مُضيئَةٌ*** إذا غاب نجم لاحَ آخَرُ َزاهِرُ
حصونُ بَني العَبّاسِ فِي كُلِّ مَأْزَقٍ*** صُدورُ العوالي وَالسُّيوفُ البَواتِرُ
لتهيكُمُ المُلْكُ الذي أَصْبَحَتْ بكُمْ*** اسِرتُهُ مُخْتالَةٌ وَالمَنابِرُ
أَبوكَ وَليُّ المُصْطَفى دونَ هاشم*** وَإِن رَغَمَتْ مِنْ حاسديكَ المَناخِرُ
فأعطاه خمسة آلاف دينار، وكساه ،خلعة ، وأمر له بعشرة من رقيق الروم الذين أسرهم، وأركبه على برذون من خاصّ مراكبه(1).
لقد منحه هذه الأموال الضخمة لهجائه آل البيت(عليه السلام)، ومدحه للعباسيين ، وأنّهم أولى بالنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)من العلويّين.
ودخل عليه منصور النمري ، فأنشده قصيدته التي هجا فيها آل علي وهي :
بني حَسَنٍ وَقُلْ لِبَني حُسَيْنٍ*** عَلَيْكُمْ بِالسَّدادِ مِنَ الأُمورِ
أميطوا عَنْكُمْ كَذِبَ الأماني*** وَأَحْلاماً يَعِدْنَ عِداتِ زورِ
مَنَنتَ عَلَى ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَحْيى*** وَكانَ مِنَ الحُتوفِ عَلى شَفيرِ
وَلَوْ جازَيْتَ ما اقْتَرَفَتْ يَداهُ*** دَلَفْتَ لَهُ بِقاصِمَةِ الظَّهورِ
يَد لَكَ فِي رِقَابِ بَني عَلِيُّ*** وَمَنْ لَيسَ بِالمَنُ الصغير
وَإِنَّكَ حينَ تَبْلُغُهُمْ أَذاةٌ*** وَإِنْ ظَلَموا لَمُحْتَرِقُ الضَّمير
أَلا لِلهِ دَر بَني علِيٌّ*** وزور مِنْ مَقَالَتِهِمْ كَبير
يُسَمَونَ النَّبي أباً وَيَأبى*** مِنَ الأَحْزَابِ سَطْرٌ مِنْ سُطور(2)
ولما فرغ من إنشاده قال له : ويحك ! ما هذا شيء كان في نفسي منذ عشرين سنة لم أقدر على إظهاره فأظهرته بهذا البيت وإنك حين تبلغهم أذاة .
ثمّ قال للفضل بن الربيع : خذ بيد النمري فأدخله بيت المال ودعه يأخذ ما شاء ، فأدخله الربيع بيت المال ولم يكن فيه سوى عشرين بدرة فاحتملها(1).
وكان منصور النمري يتظاهر بالميل لهارون والعداء للعلويين ، ولكنه كان يبطن الولاء لهم ، فوشی به بعض خصومه إلى الرشيد ، وأخبره بأنّه يبطن التشيع ، وأنشده قصيدته التي يتفجع فيها لمقتل سيّد الشهداء الإمام الحسين لا ، وهي :
شاءٍ مِنَ النَّاسِ رائع هامل*** يُعَلِّلُونَ النّفُوسَ بِالْباطِلِ
قْتُلُ ذُرِّيَّةَ النَّبِيِّ وَيَرْ*** جونَ جِنانَ الخُلودِ لِلقاتِلِ
وَيْلَكَ يا قَاتِلَ الحُسَيْنِ لَقَدْ*** نُؤْتَ بِحَمْلِ يَنوءُ بِالحَامِلِ
أَيَّ حَباءٍ حَبَوْتَ أَحْمَدَ في*** حُفْرَتِهِ مِنْ حَرارَةِ الثّاكِل
بِأَيِّ وَجْهِ تَلْقَى النَّبِيِّ وَقَدْ*** دَخَلْتَ فى قَتْلِهِ مَعَ الدّاخِلِ
هَلُمَّ فَاطْلُبْ غَداً شَفاعَتَهُ ***أَوْ لا فَرِدْ حَوْضَهُ مَعَ النَّاهِلِ
ما الشَّكُ عِنْدي في حال قاتِلِهِ*** وَإِنَّما الشَّكُ في الخاذِلِ (2)
ما الشَّكُ عِنْدي في كُفْرِقاتِلِهِ*** لكِنَّني قَدْ أَشُكُ فِي الْحَاذِلِ
وَعاذِلي أَنّي أُحِبُّ بَني*** أحمَدَ فَالتُّربُ في فَمِ العاذِلِ
قَدْ دِنْتُ ما دينُكُمْ عَلَيْهِ فَما*** وَصَلتُ مِنْ دِينِكُمْ إلى طائل
دينكُمْ جَفوَةُ النَّبِيِّ وَما ال-*** -جافي لآلِ النَّبِيِّ كَالواصل
وعرض في قصيدته لظلامة سيدة النساء فاطمة ، وطالب بمن يثأر لظلامتها يقول :
مظلومةٌ وَالنَّبِيُّ والدها*** تُدير أرجاءَ مُقلَةٍ حافل
أَلا مَساعِيرَ يَعْضبَونَ لَها*** بِسِلَّةِ البِيضِ وَالقَنا الذّابِلِ(1)
وتلا على هارون قوله :
آلُ الرَّسولِ وَمَنْ يُحِبُّهُمُ*** يَتَطامَنونَ مَخافَةَ القَتْلِ
أمِنَ النّصارى واليهودُ وَهُمْ ***مِنْ أُمَّةِ التَّوحيدِ في أَزْلِ(2)
فتحرّق الرشيد غيظاً وغضباً ، وأمر بإحضاره فوراً ، فتوجّه الجند إليه ولكنّهم وصلوه ليلة مات ودفن(3)، وقال الرشيد : لقد هممت أن أنبشه ثمّ أحرقه (4).
وخاف المسلمون في ذلك الدور المظلم من ذكر مناقب أهل البيت(عليهم السلام)، فلم يجرأ أحد من الشعراء على مدحهم ورثائهم ، فإن فاه بذلك تعرّض للنقمة والعذاب ، فهذا ابن هرمة (5)
هو أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ القرشي الفهري المدني ، شاعر مفلق من الشعراء المخضرمين .
قال الأصمعي : ختم الشعر بإبراهيم بن هرمة ، وهو آخر الحجج ، وكان ممن اشتهر بالانقطاع للطالبيين ، وقد أكثر من مدائحهم ورثائهم ، كان جواداً كريماً ، وهو القائل : وَيُدَلُّ ضَيْفي في الظَّلامِ على ***إشراق ناري أَوْ نَبيح كلابي
الكنى والألقاب : 1 : 435 - 436
لما مدحهم بقوله :وَمَهُما أَلَامُ عَلى حُبِّهِمْ*** فَإِنِّي أُحِبُّ بَني فاطِمَة
بَني بِنْتِ مَنْ جاءَ بِالمُحْكَما*** تِ وَالدِّينِ وَالسُّنَّةِ القائمة
فسئل عن قائلها ، فأنكر أنّه قالها ، وشتم قائلها ، وقد أنكر عليه ابنه لأنّه سبّ نفسه ، وكان يعلم أنّه نظم البيتين ، فقال له : يا بني ، إنّ ذلك خير للمرء من أن يأخذه ابن قحطبة (1).
وأعرض الناس عن ذكر أهل البيت(عليهم السلام)خوفاً من نقمة هارون ، كما اندفع بعض المارقين عن الإسلام والمنحرفين عنه إلى إعلان سبهم وطعنهم تقرباً للرشيد ، فهذا مروان بن أبي حفصة تعرّض لكرامة سيدة النساء فاطمة(عليها السلام)، فوصفها بأنها كانت تطحن بالرحى ، وأن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)زوّجهها من أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو بائس فقير ، وقد ردّه ابن الحجاج(2)
هو أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن الحجاج النيلي البغدادي ، الكاتب الموهوب في طليعة شعراء الشيعة ، يقال : إنّه في درجة امرئ القيس في شعره ، كان معاصراً للسيدين الرضي والمرتضى . له ديوان شعر كبير يقع في عدة مجلدات ، جمع الشريف الرضي المختار من شعره وسماه « الحسن من شعر الحسين ، ومن شعره القصيدة الفائيّة المعروفة في مدح مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام):
يا صاحِبَ القُبَّةِ الْبَيْضَاءِ بِالنَّجَفِ*** مَنْ زارَ قَبرَكَ وَاسْتَشْفَى لَدَيكِ شَفِي
زوروا أبا الحَسَنِ الهادي فَإِنَّكُمْ*** تَحْظُونَ بِالأَجْرِ وَالإِقْبَالِ وَالزُلفِ
زوروا لِمَنْ يَسْمَع النَّجْوَى لَدَيْهِ فَمَنْ*** يَزُرهُ بِالْقَبْرِ مَلْهوفاً لَدَيهِ كُفي
وَقُلْ سَلامٌ مِنَ اللهِ السَّلامِ عَلى*** أَهْلِ السَّلامِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ
إِنِّي أَتَيْتُكَ يا مَولايَ تَشْفَعُ لي*** وَتَسْقِني مِنْ رَحيقِ شافِيَ اللَّهَفِ
لأَنَّكَ العُرْوَةُ الوُثقى فَمَنْ عَلَقَتْ*** بِها يَداهُ فَلَنْ يَشْقِى وَلَمْ يَخَفِ
والقصيدة طويلة ذكر فيها سيلاً من الأدلة على إمامة أمير المؤمنين الله وختمها بقوله :
بِحُبْ حَيْدَرَةَ الكَرَارِ مُفْتَخَري*** بِهِ شَرُفْتُ وَهَذَا مُنْتَهى شَرَفي
توفي سنة 391ه- في شهر جمادى الثانية في اليوم السابع والعشرين ، ودفن بجوار مولانا الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) ، وأوصى أن يكتب على لوح قبره : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ الكهف 18 : 18.
ورثاه السيد الرضي بقوله :
نَعوهُ عَلَى حُسْنِ ظَنِّي بِهِ*** فَلله ماذا نَعى الناعيانِ
فَلَلَّهِ رَضِيعُ وَلاءٍ لَهُ شُعْبَةٌ*** مِنَ القَلبِ مِثْلُ رَضِيعِ اللُّبانِ
وَمَا كُنتُ أَحْسَبُ أَنَّ الزَّمَانَ*** يَفِلُ بِصَارِبِ ذاكَ النِّسَانِ
الكنى والألقاب : 1 : 245 - 247 .
يوجد ديوان شعره بمكتبة الإمام كاشف الغطاء العامة ، وقد أخذ بالصورة الفتوغرافية على النسخة الأصلية القديمة .
بقوله :أَكَانَ قَولُكَ في الزهراء فاطِمَةٍ*** قَولَ امْرِى لَهِجِ بِالنَّصبِ مَفْتُونِ
عَيَّرْتَها بِالرَّحَى وَالحَبِّ تَطْحَنُهُ*** لا زال زادُكَ حَيّاً غَيرَ مَطحون
وَقُلتَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ زَوْجَهَا*** مسكينةٌ بِنْتِ مسكين لمشكين (1)
لقد سحق مروان بن أبي حفصة جميع المقدّسات والقيم الإسلامية للتوصل إلى هارون، فهاجم أعز الناس عند النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأحبهم إليه ، وهي بضعته الطاهرة سيّدة ، النساء(عليهم السلام) لينال بذلك من نعيم هارون ودنياه .
أمّا الصفات التي حاول بها الطعن على سيدة النساء فإنها كانت من أميز صفاتها ، إذ ليس عليها نقص أو حزازة في طحنها الطعام لأطفالها وزوجها من دون أن تستعين
1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 97
بأحد ، فإنّ أباها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) لم يشتر لها خادماً يعينها على شؤونها البيتية ، وهي أعزّ أبنائه وبناته عنده ، وقد أعطى (صلی الله علیه وآله وسلم) بذلك درساً خلافاً لحكام المسلمين وولاتهم في لزوم الاحتياط بأموال المسلمين وحرمة اصطفاء أي شيء منها .
وأما زواجها من الإمام أمير المؤمنين الله وهو بائس فقير ، فلانه لم يكن لها كفء سواه ، وليس الإسلام ينظر في موضوع الزواج إلى المادة والثراء ، وإنّما ينظر إلى العفّة والفضيلة ، وليست متع الحياة عنده ملحوظة مطلقاً في هذا الموضوع ما دام الإنسان على سلامة من دينه ، ولم يكن في العالم الإسلامي منذ فجر تاريخه من يملك رصيداً من المواهب والكمالات والعبقريات وصلابة العقيدة وقوة الإيمان كما ملكه الإمام أمير المؤمنين ، فهل هناك أحد ضمته سماء الأمة الإسلامية أسمى منه ، وأرفع حتى يزوجه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) من بضعته العزيزة عليه .
ولكنّ النفوس التي لم تع هدي الإسلام وتعاليمه ، أخذت تنظر إلى سموّ الشخص من زاوية واحدة وهي الثراء والمال ، فراحت تحاول الطعن والانتقاص من سيّدة النساء عديلة مريم بنت عمران في قداستها وعفافها ، لأنّها تزوجت من الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وهو فقير لا مال عنده .
وسلبت الرحمة وانعدمت الرأفة من نفس الطاغية هارون تجاه العلويين، فقد ارتكب أبشع جريمة سجّلها التاريخ تجاههم ، وهي إعدامه لجماعة منهم في ليلة واحدة بصورة محزنة تذهب النفس لهولها أسى وحسرات ، وقد حدث بفصول تلك المأساة الرهيبة الجلّاد حميد بن قحطبة .
فقد روى عبيد الله النيسابوري ، قال : دخلت على حميد بن قحطبة في شهر رمضان وقت الزوال ، فأحضرت المائدة ، فدعاني حميد إلى تناول الطعام ، فقلت له : أيّها الأمير ، هذا شهر رمضان ، ولست بمريض ، ولا بي علة توجب الافطار،
ولعلّ الأمير له عذر في ذلك .
فقال لي : ما بي علّة توجب الافطار ، ثمّ دمعت عينه ويكى ، وبعد فراغه من الطعام التفت إليه عبيد الله مستفهماً عن سرّ بكائه فأجابه : أنفذ إليَّ هارون حينما كنت بطوس في غلس الليل ، فلما مثلت عنده قال لي : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟
فأطرق هارون برأسه ثمّ أذن لي بالانصراف ، وبعد فترة قصيرة بعث خلفي . فلما حضرت عنده قال لي : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟
-أفديه بالنفس والأهل والمال .
فتبسّم هارون ، ثمّ أذن لي بالانصراف ، فلما دخلت منزلي عاودني الرسول مرّة ثالثة قائلاً : أجب أمير المؤمنين، فلما حضرت عنده قال لي : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟
فتبسّم ، وقال : خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به الخادم ، فأخذت السيف وقدم الخادم أمامي حتى جاء بي إلى بيت مغلق ، فإذا فيه بئر في وسطه ، وثلاثة بيوت مغلقة ، ففتح بيتاً منها فإذا فيه عشرون شخصاً بين شيخ وكهل وشاب ، فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء ، وكلهم من ولد علي وفاطمة.
فجعل يخرج لي واحداً بعد واحد وأنا أضرب عنقه حتى أتيت على آخرهم ، فرمى بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر .
ثم فتح البيت الثاني ، وإذا فيه عشرون شخصاً ، فقال لي : إن أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء جميعاً ، وكلهم من ولد علي وفاطمة .
وأخذ يخرج لي واحداً بعد واحد حتى أتيت على آخرهم قتلاً ، فرمى بأجسادهم
ورؤوسهم في تلك البئر .
ثم فتح الباب الثالث وإذا فيه عشرون علويّاً ، وأمرني بقتلهم ، فجعل يخرج إليَّ واحداً بعد واحد حتى أعدمت منهم تسعة عشر شخصاً ويقي شيخ كبير ، فقال لي : تبالك ، أي عذر لك يوم القيامة إذا قدمت على جدّي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وقد قتلت من أولاده ستين شخصاً ، فارتعدت فرائصي ، وأصابتني هزة عنيفة ، فنظر إليَّ الخادم شزراً ونهرني ، فأتيت على ذلك الشيخ فقتلته ، ورميت به في ذلك البئر .
والتفت إلى عبيد الله فقال له : إذا كان فعلى هذا ، وقد قتلت ستين شخصاً من ولد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فما ينفعني صومي وصلاتي ؟ وأنا لا أشك أني مخلّد في النار(1). وهذه المجزرة إن صحت نسبتها إليه(2)، فإنّها تدلّ على أنّه لا عهد له بالله ولا باليوم الآخر ، فقد أقدم على هتك حرمات الله ، وأراق دماء آل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بغير حق.
وضاق الرشيد ذرعاً ، واستشاط غضباً وغيظاً حينما رأى جماهير المسلمين تتهافت على زيارة مرقد ريحانة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين(عليه السلام)، فأمر بإحضار سادن المرقد المطهر ابن أبي داود ليصب عليه جام عقابه وعذابه ، ولما مثل عنده قال له بنبرات تقطر غضباً : ما الذي صيّرك في الحير(3)؟
1) بحار الأنوار : 48 : 178 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : 2 : 101 .
2) جاء في كل من تاريخ الأمم والملوك والنجوم الزاهرة أنّ حميد بن قحطبة توفي سنة 158ه- وولاية الرشيد كانت سنة 170ه- وهو مناف لوقوع هذه الحادثة في أيام الرشيد ، والأقرب أنّ هذه المجزرة وقعت أيام المنصور.
3) الحير : اسم لمدينة كربلاء المقدّسة ، كما في معجم البلدان والصحاح.
فقال له ابن أبي داود : إن الحسن بن راشد(1)هو الذي وضعني في ذلك الموضع ، فهزّ الرشيد رأسه ، وأمر بإحضاره بالفور ، وهو يقول : ما أخلق أن يكون هذا من تخليط الحسن .
ولما حضر عنده قال له : ما حملك على أن صيّرت هذا الرجل في الحير ؟
فقال له الحسن مستعطفاً : رحم الله من صيّره في الحير ، أمرتني أم موسى(2)أن أصيّره وأن أجري عليه في كلّ شهر ثلاثين درهماً .
فهدأ روع الرشيد ، وقال : ردّوه إلى الحير ، وأجروا عليه ما أجرته أم موسى(3).
وما لبث الرشيد أن عاد إلى غيّه وطغيانه ، فأمر بهدم المرقد العظيم ، وهدم الدور المجاورة له ، واقتلاع السدرة التي كانت إلى جانب القبر الشريف(4)
وجاء فيهما أن يحيى بن المغيرة الرازي قال : كنت عند جرير بن عبدالحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق ، فسأله جرير عن خير الناس .
فقال : تركت الرشيد وقد كرب قبر الحسين(عليه السلام)، وأمر أن تقطع السدرة فقطعت .
فرفع جرير يديه وقال : الله أكبر ، جاءنا فيه حديث عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال : لَعَنَ اللهُ قاطِعَ السِّدْرَةِ ثلاثاً ، فلم نقف على معناه حتى الآن ، لأن القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين حتّى لا يقف الناس على قبره .
.كما أمر بحرث أرض كربلاء ليمحو بذلك كلّ أثر للقبر المطهر ، وقد انتقم الله منه ، فإنّه لم يدر عليه الحول حتى هلك في خراسان(5).
لقد خاب سعي الرشيد ، وضلّ كيده، فإنّه وسائر ملوك الأمويّين والعبّاسييّن
الأم الموسوين جعفة الله
الجزء التاسع والعشرون
وغيرهم ممن نصبوا العداوة والبغضاء لسيد الشهداء(عليه السلام) قد خبا ذكرهم ، وأفل مجدهم ، ويقي الإمام الحسين(عليه السلام)رمزاً للخلود قد استوعب ذكره جميع لغات الأرض ، تتهافت الملايين من المسلمين على زيارة مرقده وإقامة عزائه .
وستبقى تلك المراقد الزكية في كربلاء رمزاً خالداً للإنسانية تزداد شأناً وعظمة على جميع مراحل التاريخ وسيبقى الحسين(عليه السلام)وحده على هامة الشرف والمجد حتّى يرث الله الأرض ومن عليها .
وأعدم الطاغية هارون واغتال طائفة كبيرة من أعلام العلويين هم من خيرة المسلمين علماً وورعاً وتحرّجاً في الدين، ونعرض فيما يلي لبعضهم مع بيان ما جرى عليهم من القتل والتنكيل .
ابن عليّ بن الإمام زين العابدين(عليه السلام)، يكنى أبا محمد ، أُمّه بنت سعيد بن محمد بن جبير ، عهد إليه بالأمر من بعده الشهيد الحسن بن علي قتيل فخّ .
قال الرشيد للفضل بن يحيى : هل سمعت بخراسان ذكراً لأحد منهم أي من العلويّين - ؟
قال الفضل : لا والله لقد جهدت فما ذكر أحد لي منهم إلّا أنّي سمعت رجلاً ذكر موضعاً ينزل فيه عبد الله بن الحسن ، فلما سمع الرشيد بذلك بعث خلفه فجيء به إليه ، فلما حضر عنده قال له : بلغني أنك تجمع الزيدية ، وتدعوهم إلى الخروج معك .
فتوسل إليه عبد الله وأنكر ذلك قائلاً: يا أمير المؤمنين ، ناشدتك الله في دمي ، فوالله ما أنا من هذه الطبقة ، ولا لي فيهم ذكر ، وأن أصحاب هذا الشأن بخلافي ،
أنا غلام نشأت بالمدينة وفي صحاريها ، أسعى على قدمي ، وأتصيد بالبواشيق ، ما هممت بغير ذلك .
فلم يلن قلب الرشيد لاستعطافه ، وأمر باعتقاله في بعض سجونه ، ولم يزل العلوي محبوساً حتى ضاق صدره ، فبعث برسالة إلى هارون ملأها بالشتم والسباب ، فلما قرأها هارون تحرّق من الغيظ ونقله من الحبس ودعا جعفر بن يحيى فأمره بأن يجعله عنده .
وفي اليوم الثاني وقد صادف عيد النيروز قدّمه جعفر فضرب عنقه ، وغسل رأسه ، وجعله في منديل ، وأهداه إلى الرشيد مع جملة من الهدايا (1).
وإنّما أقدم جعفر على ارتكاب هذه الجريمة لعلمه أنّ أثمن هدية تقدّم للرشيد قتل ذرّيّة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فإنها توجب سروره والمزيد من الثقة به .
ابن عبدالله ابن الإمام زين العابدين(عليه السلام)، يكنى أبا الفضل ، وأمه أم سلمة بنت محمد بن علي بن الحسين، دخل على هارون فكلّمه كلاماً طويلاً فقال هارون له : يابن الفاعلة ، فثار العبّاس وردّ عليه بأغلظ القول وأقساه قائلاً له : تلك أمك التي تواردها النخّاسون .
وكان هذا هو منطق الأحرار الذين لا يخضعون لمنطق القوة والسلطان ، ولما سمع الرشيد ذلك ثار من الغضب ، وأمر أن يُدنى منه ، وقام فضربه بالجرز(2)حتى قتله (3).
ابن الحسن بن الحسن ابن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، أمه عاتكة بنت عبد الملك ابن الحرث الشاعر المعروف ، حضر إدريس واقعة فخ ، وأفلت منها مع مولى له يقال له : راشد ، فخرج حتى وصل إلى مصر فنزلها ليلاً وجلس على باب رجل من موالي بني العبّاس ، فسمع كلامه فخرج فعرفه بنفسه بعد أن أخذ منه العهود والمواثيق أن لا يعرف شخصيّته لأحد ، ولا يخبر السلطة المحليّة به .
فاستجاب لقوله ، وأواه تلك الليلة، وقام في تكريمه على أحسن ما يرام، وتهيأت قافلة إلى أفريقيا فبعث معها راشداً وتخلّف الرجل مع إدريس ، فسلك به طريقاً آخر خوفاً عليه من أن يؤخذ ، ومضيا يجدان في الطريق حتى انتهيا إلى طنجة وفاس ، وأخذ إدريس يبثّ دعوته وينشر أهدافه حتى استجابت له البربر وبايعته ، فبلغ الرشيد ذلك ، فاهتم لأمره ، وشكا أمره إلى رئيس وزرائه يحيى البرمكي ، فقال له : أنا أكفيك أمره ، ودعا سليمان بن جرير الجزري، وكان من متكلّمي الزيدية فأ وعده بالأموال الطائلة ، وأرشاه إذا اغتال إدريس ، ودفع إليه سماً فاتكاً ، فاستجابت نفسه الخبيثة إلى الشرّ، ومضى يقطع البلاد حتى انتهى إلى إدريس ، فأسر إليه مذهبه ، وأخبره أنه انهزم من السلطة نظراً لأنه من متكلمى الزيدية ، فأنس به إدريس وقربه إليه .
وكانت الزيدية تجتمع به فيلقي عليها المحاضرات والدروس من مذهبهم ، ولما تيقن إدريس بإخلاصه أخرج إليه سليمان قارورة طيب وقال له : إنّه لا يوجد في هذا البلد مثلها ، فأخذها إدريس وشمّها فتسمم بها ، وأقام نهاراً وقد أثر فيه السمّ حتّى لحق بالرفيق الأعلى .
وقيل : إنه أهدى إليه سمكة مشوية مسمومة ، فلما تناولها توفّي على الأثر .
وقال بعض شيعة بني العباس يفخر في قتله :
أَتَظُنُّ يا إدريسُ أَنَّكَ مُغلِتٌ*** كَيدَ الخَليفَةِ أَوْ يَقيك فرار(1)
فَلَيُدْرِكَنَّكَ أَوْ تَحُلَّ بِبَلدَةٍ*** لا يهتدي فيها إِلَيْكَ نَهارُ
إِنَّ السُّيوفَ إِذا انْتَضاها سَخْطُهُ ***طالتْ وَتَقْصُرُ دونَها الأَعْمَارُ (2)
مَلِكٌ كَأَنَّ المَوتَ يَتْبَعُ أَمْرَهُ*** حتّى يُقالَ تُطيعُهُ الأقدارُ
ودفن هناك وكانت له امرأة حامل، فولدت له ولداً سمّي بإدريس ، فانتظروه إلى أن كبر فبايعوه وبذلك تشكلت دولة لبني الحسن في المغرب ، وعُرفت دولتهم بدولة الأدارسة (3).
ابن الحسن بن الحسن ابن أمير المؤمنين(عليه السلام)، يكنى أبا الحسن ، كان جليل القدر ،رفیع الشأن ، له منزلة مرموقة عند المسلمين ، ونعرض فيما يلي إلى بعض شؤونه وأحواله :
كان قصيراً ، حسن الوجه والجسم ، تعرف سلالة الأنبياء في وجهه ،ووصفه بعض عيون هارون له فقال : إنّه مربوع ، أسمر حلو السمرة ، حسن العينين ، عظيم البطن .
كان من عيون أهل العلم والفضل . روى الحديث وأكثر الرواية عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، وروى عن أبيه ، وعن أخيه محمّد ، وعن أبان بن تغلب . روى عنه مخول بن إبراهيم ، وبكار بن زياد، ويحيى بن مساور ، وعمرو بن حماد ، وكان مالك بن أنس إذا رآه قام عن مجلسه وأجلسه إلى جنبه .
نشأ في بيت الإمام الصادق(عليه السلام)،وأفاض الإمام عليه الكثير من علومه ، وجعله أحد أوصيائه، وكان إذا حدث عن الإمام الصادق(عليه السلام) يقول : حدثني حبيبي جعفر بن محمد(عليه السلام)، وقد شاهد النكبات القاسية ، والخطوب السود التي مرّت على أسرته وأهل بيته من الظالمين وحكام الجور.
كان يحيى من أبطال ثورة الشهيد صاحب واقعة فخ ، فقد ساهم فيها مساهمة فعّالة ، وناضل مع بقيّة إخوانه نضالاً كثيراً ، وجاهد جهاداً طويلاً في سبيل تحقيق العدالة والمساواة في ربوع المجتمع الإسلامي ، وإزالة حكم الظالمين من بني
العباس.
ولما تمكنت جيوش العبّاسيّين من إخماد ثورة الحسين وقتلوه بتلك القتلة المروّعة الموجعة ، اختفى يحيى وهرب مع زمرة من إخوانه الأباة يجول في البلدان ويطلب موضعاً يلجأ إليه.
وخاف يحيى على نفسه وعلى أصحابه من هارون ، فمضى متخفياً ومتنكّراً
مع سبعين رجلاً من أصحابه إلى الديلم ، فلما وصل إليها استقبل باستقبال حاشد وظهر أمره ، ودعا الناس إلى نفسه ، فاستجابوا له ، ونزع إليه الناس من سائر الأمصار والأقطار ، ففزع الرشيد من ذلك فزعاً شديداً ، فترك شرب الخمر ، واشتغل بالتفكير في أمره ، وبينما هو مشغول في أمره إذ دخل عليه رجل فقال له : يا أمير المؤمنين ، نصيحة .
فقال الرشيد لهرثمة : اسمع ما يقول ، فأبى الرجل أن يخبر بأي شيء ، وقال : إنّها من أسرار الخلافة ، فأمره أن لا يبرح من مكانه حتى يفرغ من بعض شؤونه ، فلما فرغ استدعاه ، فطلب منه إخلاء المجلس من كلّ إنسان ، فأمر الرشيد بانصراف من كان معه وقال له : هات ما عندك .
على أن تؤمنني من الأسود والأحمر ؟
نعم ، وأحسن إليك .
كنت في خان من خانات حلوان ، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دراعة صوف غليظة ، وكساء صوف أحمر غليظ، ومعه جماعة ينزلون إذا نزل ، ويرتحلون إذا رحل ، ويكونون معه ناحية فيوهمون من رأهم أنهم لا يعرفونه وهم أعوانه .
قال الرشيد : أو تعرف يحيى ؟
قال : قديماً ، وذاك الذي حقق معرفتي بالأمس له .
قال : صفه لی ؟
فوصفه بجميع صفاته .
قال الرشيد : هو ذاك ، فما سمعته يقول ؟
قال : ما سمعته يقول شيئاً ، غير أني رأيته ورأيت غلاماً له أعرفه لما حضر وقت الصلاة أتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ، ونزع جبّة من الصوف ليغسلها ، فلما كان بعد الزوال صلّى صلاة ظننتها العصر ، أطال في الأولتين وحذف الأخيرتين .
قال الرشيد : الله أبوك ! الجاد ما حفظت ، تلك صلاة العصر ، وذلك وقتها عند القوم ، أحسن الله جزاءك ، وشكر سعيك ، فما أنت وما أصلك ؟
قال : أنا رجل من أبناء هذه الدولة ، وأصلي ،مرو، ومنزلي بمدينة السلام. واغتم الرشيد ، وطافت به أفكار مبرحة ، وهواجس مريرة ، وأخذ يطيل التفكير في ذلك ، فرأى أن لا وسيلة له إلّا الحرب .
وندب هارون لحرب يحيى الفضل بن يحيى ، وزوّده بجيش بلغ خمسین ألف رجل ، ومعهم كبار القوّاد وصناديد الجيش ، وولاه كور الجبال والري وجرجان و طبرستان وقومس و دنباوند والرويان ، وأخذ معه أموالاً طائلة فرّقها على زعماء الجيش وعلى الشعراء، وتحرّك الفضل تحف به جيوشه ومعه الأموال يشتري بها الضمائر ، وانتهى في مسيره إلى طالقان ، فأقام فيها ، وأخذ يراسل صاحب الديلم ، وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى.
ولما سمع أصحاب يحيى بقدوم الفضل لحربه تفرّقوا عنه وخذلوه ، وكثر خلافهم وانشقاقهم عليه ، فجعل يحيى يناجي ربه ويدعوه قائلاً: اللهم اشكر لي إخافتي قلوب الظالمين ، اللهم إن تقض لنا النصر عليهم فإنّما نريد إعزاز دينك ، وإن تقض لهم النصر فيما تختار لأوليائك وأبناء أوليائك من كريم المآب ، وحسن الثواب .
ودعاه الفضل إلى الصلح وعدم إراقة الدماء ، فلم يجد يحيى بدّاً من إجابته إذ لم تكن له فئة ينصرونه ولم يكن يأوي إلى ركن شديد .
ووقع الصلح بن يحيى والفضل على شروط شرطها الفضل ، فكتبت الشروط ، وبعثت إلى هارون فوقع عليها ، وأشهد الجماعة التي طلب يحيى شهادتهم ، وجاء إليه عبد الله ابن الإمام موسى(عليه السلام) بعد إبرام الصلح ، فقال له : يا عم ، اخبرني بما لقيت ؟
فقال : ما كنت إلا كما قال حيّ بن أخطب :
لعمرُكَ ما لامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ*** وَلكِنَّهُ مَنْ يَخْذُل الله يُحْذَلِ
فَجاهَدَ حَتَّى أَبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها*** وَقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلقَلِ
لقد اضطرّ يحيى إلى الصلح ، وإلى الاتفاق مع خصمه لأن جيشه قد تفرّق عنه وخذله الناس ، ولم يبق معه إلا قلة خيّرة من أصحابه لا تتمكن من حمايته والدفاع عنه حتى اضطر إلى المسالمة على ما فيها من قذى في العين ، وشجا في الحلق .
قدم يحيى إلى بغداد ونفسه مترعة بالألم والحزن لعلمه أنّ هارون لا يفى بعهده و وعده ، وجاء إلى الرشيد تحف به زمرة من أصحابه ، فقام إليه وعانقه ، وأظهر له الود الكاذب ، وأمر له بالوقت بمائتي ألف دينار، فأخذها وأوفى بها ديناً كان للحسين صاحب واقعة فخّ ، ولم يتصرف بها ، ومكث في بغداد ، وقد وضع عليه الرشيد العيون والجواسيس يراقبونه ويتعرفون على من يفد إليه من أصحابه وشيعته .
وفي نفس الوقت كان يدبّر الحيلة في اغتياله وقتله ، فشعر بذلك يحيى ، فطلب من الفضل أن يسمح له بالوفادة لبيت الله الحرام، فامتنع من إجابته أوّلاً ، ولكنّه توسل إليه والتمس منه ذلك ، فأذن له ، وعلم الرشيد بذلك ، فدعا الفضل ، فلما مثل
عنده قال له : ما خبر يحيى بن عبد الله ؟
في موضعه عندي مقيم .
وحياتي.
فأحسّ الفضل بذلك ، فقال له : وحياتك إنّي أطلقته سألني برحمة من رسول الله فرققت له .
قال الرشيد : أحسنت قد كان عزمي أن أخلي سبيله .
وخرج الفضل وهارون يتميّز من الغضب والغيظ، وألحقه بنظرة مريبة قائلاً: قتلني الله إن لم أقتلك .
ولمّا انتهى يحيى من حجّۀ قدم قافلاً إلى بغداد والرشيد مهتم في أمره يتيحّن الفرص لنقض عهده وقتله، فبعث خلفه ، فلما حضر عنده قال له : يا يحيى ، أينا أحسن وجهاً أنا أو أنت ؟
بل أنت يا أمير المؤمنين ، إنّك لأنصع لوناً ، وأحسن وجهاً .
فأينا أكرم وأسخى أنا أو أنت ؟
ولم تكن هذ الأسئلة إلا دليلاً على غروره ، وقلة حيائه ، وصفاقة وجهه ، وتماديه في الإثم والطيش.
وانبرى يحيى إلى جوابه قائلاً له : وما هذا يا أمير المؤمنين ؟ ! وما تسألني عنه ،أنت تجبى إليك خزائن الأرض وكنوزها ، وأنا أتمحل من سنة إلى سنة .
فخجل هارون من سؤاله ، وقال له : أينا أقرب إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) أنا أو أنت ؟
قال يحيى : قد أجبتك عن خطتين فاعفني عن هذه .
وإنّما تنصل من الجواب لعلمه بأنّه يسبب له مشكلة لا يتمكن من الخلاص منها ، فأصر هارون على أن يجيبه ، ولم يجد يحيى بداً من ذلك ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، لو عاش رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وخطب إليك ابنتك أكنت تزوجه ؟ !
قال هارون : إي والله .
قال يحيى : فلو عاش فخطب مني ابنتي أكان يحلّ لي أن أزوّجه ؟
قال الرشيد : لا .
قال يحيى : هذا جواب ما سألت .
فغضب الرشيد ، ولم يملك جواباً لرده ، وأمر بإعادته إلى السجن ، وأخذ يطيل التفكير في أمره ، فعنّ له أن يجمع بينه وبين عبد الله بن مصعب بن الزبير - وكان من أعدى الناس للعلويين - لعله يجد في ذلك مجالاً لرميه بالخروج من الطاعة ليتخذ من ذلك مبرراً في نقض عهده وقتله ، فجمع بينهما .
فانبری عبدالله قائلاً: يا أمير المؤمنين ، هذا دعاني إلى بيعته .
قال يحيى : أتصدق هذا وتستنصحه ؟ وهو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك وولده الشعب ، وأضرم عليهم النار حتى خلصهم أبو عبدالله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب(عليه السلام) عنوة ، وهو الذي بقى أربعين جمعة لا يصلي على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في خطبته حتّى التاث عليه الناس .
فقال : إن له أهل بيت سوء إذا صليت عليه أو ذكرته أتلعوا أعناقهم، واشر أبوا لذكره ، وفرحوا بذلك ، فلا أحب أن أقرّ أعينهم بذكره ، وهو الذي فعل بعبد الله بن عباس ما لا خفاء به عليك ، حتّى ذُبحت يوماً عنده بقرة فوجدت كبدها قد نقبت ، فقال له ابنه : يا أبة ، أما ترى كبد هذه البقرة ؟
فقال : يا بني هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك ، ثمّ نفاه إلى الطائف ، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه : يا بني ، الحق بقومك من بني عبد مناف بالشام ، ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة ، فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير ، ووالله إن عداوة هذا لنا جميعاً بمنزلة سواء ، ولكنه قوى علَيَّ بك وضعفت عنك ، فتقرّب بي إليك ليظفر منك بما يريد إذ لم يقدر على مثله منك ، وما ينبغي
لك أن تسوّغه ذلك فيَّ .
وأخذ يحيى يدلي بمنطقه الفياض على بغض آل الزبير لبني العباس ، فقال عبد الله : ما تدعون بغيكم علينا ، وتوتبكم في سلطاننا .
فأعرض يحيى عن جوابه ، وقال يخاطب هارون : أتوتّبنا في سلطانكم ؟ ومن أنتم - أصلحك الله - عرّفني فلست أعرفكم .
فرفع الرشيد رأسه إلى السقف لئلا يبدو عليه الضحك ، وخجل ابن الزبير ولم يطق جواباً ، والتفت يحيى إلى الرشيد قائلاً: فهو الخارج مع أخي على أبيك ، والقائل له :
إِنَّ الحَمامَةَ يَومَ الشَّعبِ مِنْ دَثَنِ(1)*** هاجَتْ فُؤادَ مُحِبُّ دائِمِ الحَزَنِ
إِنَّا لَنَأْملُ أَنْ تَرتَدَّ الفَتُنا*** بعد التدابُرِ وَالبَغْضَاء وَالإِحْنِ
حتى يُتَابَ عَلى الإِحْسَانِ مُحْسِنُنا*** وَيَأْمَنُ الخائِفُ المَأخوذُ بِالدِّمَنِ
وَتَنقضي دَولَةٌ أَحْكامُ قادَتِها*** فينا كَأَحْكامِ قَوْمٍ عَابِدِي وَثَنِ
فَطَالَما قَد بَرَوا بِالجَورِ أَعْظُمَنا*** بَرْيَ الصَّناعِ قِداحَ النَّبْعِ بِالسَّفَنِ
قوموا بِبَيْعَتِكُمْ نَنهَضُ بِطاعَتِنا*** إِنَّ إن الخِلافَةَ فِيكُمْ يا بَني الحَسَنِ
وأخذ يحيى يتلو بقيّة ما قاله عبد الله ، فتغيّر وجه الرشيد ، وأخذ عبد الله يحلف له بالأيمان المغلظة أنها ليست له ، فطلب منه يحيى أن يقسم بيمين خاص وهو - يمين البراءة من حول الله وقوته - فامتنع عبد الله من ذلك ، فغضب الرشيد منه ورفسه الفضل بن يحيى برجله وصاح به : احلف ، فحلف باليمين المذكور ، فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع ومات في اليوم الثالث.
1) دثن الطائر تدثيناً : طار وأسرع في السقوط في مواضع متقاربة ، وفي الشجرة اتخذ فيها عشّاً.
ودلّت هذه القصة على مدى انتقام الرشيد من العلويين ومحاولته بكل صورة ، غير معتن بقرابتهم من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وما لهم من الكرامة والفضل الفتك بهم ، غير معتن عند الله .
ذكر الشيخ الكليني(رحمۀ الله علیه)أن يحيى رفع إلى الإمام موسى(عليه السلام) رسالة شجب فيها موقف الإمام السلبي تجاهه ، كما ندد فيها بالإمام وأبيه الإمام الصادق (عليهم السلام)، وهذا نص~ها :
«أمّا بعد : فإنّي أوصي نفسي بتقوى الله ، وبها أوصيك ، فإنّها وصيّة الله في الأوّلين ووصيّته في الآخرين .
خبّرني من ورد عليَّ من أعوان الله على دينه ، ونشر طاعته ، بما كان من تحننك مع خذلانك ، وقد شاورت في الدعوة للرضا من آل محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد احتجبتها واحتجبها أبوك من قبلك وقديماً ادّعيتم ما ليس لكم ، وبسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم الله ، فاستهويتم وأضللتم ، وأنا محذرك ما حذّرك الله من نفسه » .
فكتب إليه الإمام جواباً جاء فيه :
مِنْ مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ مُشْتَرِكِينَ فِي التَّذَلُّلِ لِلَّهِ وَطَاعَتِهِ إِلَى يَحْيِي بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ .
أَمَا بَعْدُ : فَإِنِّي أَحَدِّرُكَ اللَّهَ وَنَفْسي ، وَأَعْلِمُكَ أَليمَ عَذابِهِ ، وَشَديدَ عِقابِهِ ، وَتَكامُلَ نَقِمَاتِهِ ، وَأُوصِيكَ وَنَفْسي بِتَقْوى اللَّهِ ، فَإِنَّهَا زَيْنُ الْكَلَامِ ، وَتَثْبيتُ النعم.
أَتَانِي كِتابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ أَنِّي مُدَّعِ وَأَبِي مِنْ قَبْلُ ، وَمَا سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنِّي ،
وَ سَتُكْتَبُ شَهَادَتْهُمْ وَيُسْأَلُونَ (1)، وَلَمْ يَدَعْ حِرْصُ الدُّنْيا وَمَطالِيبُها لأَهْلِها مَطْلَباً لآخِرَتِهِمْ ، حَتَّى يُفْسِدَ عَلَيْهِمْ مَطْلَبَ آخِرَتِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ . وَذَكَرْتَ أَنَّى ثَبَّطْتُ النَّاسَ عَنْكَ لِرَغْبَتي فيما فِي يَدَيْكَ ، وَمَا مَنَعَني مِنْ مَدْخَلِكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ لَوْ كُنْتُ رَاغِباً ضَعْفُ عَنْ سِنَةٍ ، وَلَا قِلَّةُ بَصِيرَةٍ بِحُجَّةٍ ، وَلكِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعالى خَلَقَ النَّاسَ أَمْشَاجِاً ، وَغَرَائِبَ وَغَرَائِزَ ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ حَرْفَيْنِ أَسْأَلُكَ عَنْهُما مَا الْعِتْرِفُ فِي بَدَنِكَ ؟ وَمَا الصِّهْلِجُ في الْإِنْسانِ (2)؟
ثُمَّ اكْتُبْ إِلَى بِخَبَرِ ذلِكَ ، وَأَنا مُتَقَدِّمٌ إِلَيْكَ أُحَذِّرُكَ مَعْصِيَةَ الْخَلِيفَةِ -يعني هارون - وَأَحْتُكَ عَلى بِرِّهِ وَطاعَتِهِ ، وَأَنْ تَطْلُبَ لِنَفْسِكَ أَمَاناً قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَكَ الْأَظفارُ ، وَيَلْزَمُكَ الْخِناقُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ، فَتَروحَ إِلَى النَّفَسِ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ، وَلَا تَجِدْهُ حَتَّى يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بِمَنْهِ وَفَضْلِهِ ، وَرِقّةِ الْخَلِيفَةِ أَبْقاهُ اللهُ ، فَيُؤْمِنُكَ وَيَرْحَمُكَ وَيَحْفَظُ فيكَ أَرْحَامَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
وَالسَّلامُ عَلَى مَن اتَّبَعَ الْهُدى
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (3)
والرواية لا يمكن الاعتماد عليها لأنها مرسلة أوّلاً ، فقد جاء في سندها : روى بعض أصحابنا ، بالإضافة إلى أنّ الكثيرين من رجال السند مجهولون ، فإن منهم محمد بن رنجويه ، وعبد الله بن الحكم الأرمني ، ولم نعثر لهما على ذكر في كتب الرجال التي بأيدينا ، وبعد هذا فلا مجال للاعتماد على الرواية والتشكيك في حال يحيى .
ومهما يكن من أمر ، فإنّ من المتيقن أنّ الإمام الكاظم(عليه السلام)كان يرى ضرورة المقاومة السلبية لهارون ، ولم ير بأي حال المقاومة الايجابية لعلمه بعدم نجاحها ، فإنّه كان يرى الأفضل لأبناء عمومته الثائرين عدم فتح باب الحرب مع هذا الطاغية ومع أسلافه البغاة ، وأنّ الأنسب كان هو التبشير بمبدأ أهل البيت(عليهم السلام)، وذكر مثالب الظالمين من أعدائهم ، فإنّ ذلك أنجح في القضاء على خصومهم وأعدائهم .
وثقل يحيى على هارون، فاستدعى فقهاء العصر وعرض عليهم الأمان الذي أعطاه له ، فأجمعوا أن لا طريق لنقضه سوى أبي البختري(1)
أبو البختري القرشي المدني : سكن بغداد ، وولي قضاء عسكر المهدي ، ثمّ قضاء المدينة ، ثمّ ولي حريمها وصلاتها ، كان متهماً في الحديث.
قال يحيى بن معين : كان يكذب عدو الله ، وقال عثمان بن أبي شيبة : أرى أنه يبعث يوم القيامة دجّالاً ، وقال أحمد : كان يضع الحديث وضعاً ، وأمر البخاري بالسكوت عنه . هلك سنة مائتين من الهجرة . ميزان الاعتدال: 3 : 278 .
وذكر الكشي أن أبا محمد الفضل بن شاذان ، قال : كان أبو البختري من أكذب البرية ، ولم نعلم لماذا أمر البخاري بالسكوت عن هذا الكذاب ، وعدم الخوض في حديثه ، مع أن الواجب تنزيه الرواة عن مثل هؤلاء المنحرفين عن الإسلام الذين فرقوا كلمة المسلمين ، ومزقوا شملهم.
الذي باع دينه على1) وهب بن وهب بن كثير بن الأسود القاضي :
هارون ، وباء بالخزي والخسران ، فإنّه نظر إلى الأمان وقال : هذا باطل منتقض قد شقّ يحيى عصا الطاعة ، وسفك الدماء ، فاقتله ودمه في عنقي .
فقال له : خرقه إن كان باطلاً بيدك ، فأخذه الأثيم وبصق فيه ومزقه قطعة قطعة فوهب له الرشيد عوض فعله ألف ألف وستمائة ألف ، وولاه القضاء ، وأجمع أمره على إعدام يحيى .
واختلف المؤرّخون في كيفية شهادته ، فقيل : إنّه أمر بإخراجه من المطبق في غلس الليل البهيم، فلمّا مثل عنده قال لجلاوزته : خذوه واضربوه مائة عصا، فضربوه ، وقد اشتدّ به الألم والوجع ، فأخذ يتوسل لهارون ويناشده الله والرحم الماسة من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، و قرابته منه أن يعفو عنه ، وهارون يقول له بعنف : ما بيني وبينك قرابة ، ثم أمر بردّه إلى المطبق وقال لشرطته : كم أجريتم عليه -أي من الرزق - ؟
قالوا : أربعة أرغفة وثمانية أرطال من الماء .
قال : اجعلوه على النصف .
ثمّ أخرجه في الليلة الثانية ، وأمر بجلده مائة عصا ، فجلد ، ثمّ قال لجلاوزته : كم أجريتم عليه ؟
قالوا : رغيفين وأربعة أرطال من الماء.
قال : اجعلوه على النصف .
وأخرجوه في الليلة الثالثة ، وقد ثقل حاله ، وألم به المرض ، فقالوا له : هو عليل
مدنف ، فلم يكتف بذلك ، وانطلق يقول لهم : كم أجريتم له ؟
قالوا: رغيفين ورطلين من الماء .
قال : فاجعلوه على النصف .
ثم أمر بإخراجه فلم يبق إلا قليلاً حتى انتقل إلى جوار ربه .
وقيل : إنّه بنى عليه اسطوانة وهو حيّ .
وقيل : إنّه سقاه السمّ ، وأمر بإخراجه إلى بلاطه ، فجعل يكلّمه وهو لا يجيبه ،فقال الرشيد لجلسائه : ألا ترون أنّه لا يجيبني ؟
فأخرج إليهم يحيى لسانه وقد صار أسوداً مثل الفحمة نظراً لتأثير السم فيه ، فتغيّر الرشيد ، وقال : إنّه يريكم أنّي قد سقيته السم ، ثم أمر بإخراجه فأخرج من عنده ، فما وصل إلى وسط الدار حتّى توفّي .
وفي رواية أنه لما تردّت حالته أمر هارون بأن تبنى عليه اسطوانة بالرافقة ، وكانت وفاته سنة 177ه-.
لقد لاقى ربّه شهيداً سعيداً قد فاز برضا الله وياء خصمه بغضب الله وسخطه ، وقد أحدث قتله ضجّة أسى فى الأوساط الإسلامية ، ورثته الشعراء ، وقد رثاه علي بن إبراهيم العلوي بقوله :
يا بُقْعَةً ماتَ بِها سَيِّدٌ*** ما مِثْلُهُ في الأَرضِ مِنْ سَيِّدِ
ماتَ الهُدَى مِنْ بَعدِهِ وَالنَّدى*** وَسَمى إِلَى المَوتِ بِهِ مُعْتَدي
لكُمْ حَيّاً حُزْتَ مِنْ وَجْهِهِ*** وَكَمْ نَدَى يَحْيِي بِهِ المُجْتَدِي
لا زلتَ غَيثَ اللهِ يا قَبرَهُ*** عَليكَ مِنْهُ رائِحٌ مُعْتَدي
كانَ لنا غَيْئاً بِهِ نَرتَوي*** وَكانَ كَالنُّجمِ بِهِ نَهْتَدِي
فَإِنْ رَمانَا الدَّهرُ عَنْ قَوسِهِ*** وخائنا في مُنْتَهى السُّودَدِ
فَعَنْ قَرِيبٍ نَبْتَغِي ثارَهُ *** بِالحَسَنِي الثائِرِ المُهْتَدِي
إِنَّ ابْنَ عَبدِ اللَّهِ يَحْيَى تَوى*** وَالمَجْدَ وَالسُّؤْدَدَ في مَلْحَدِ
إنّ هارون لم يراقب الله تعالى في إراقته لدماء ذرّيّة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)و التنكيل بهم ، وقد دلّ ذلك على هتكه لحرمات الله ، وانحرافه عن الطريق القويم (1).
ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن أمير المؤمنين(عليه السلام)، أمه خديجة بنت إبراهيم التميمي ، سجنه بكار بن عبد الله الزبيري والي يثرب من قبل هارون وضيق عليه ، وأثقله بالحديد ، فقال محمّد :
إِنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَزيدُهُمْ*** قسْواً وَصَبْراً شِدَّةُ الحَدَثَانِ
ولم يزل محبوساً مضيّقاً عليه حتى أمر بإخراجه من السجن ، فلما حضر عنده طلب منه أن يكفله أحد ، فلم يحصل له ذلك ، فوثب وأنشأ يقول :
وما العودُ إلّا نابت في أرومة*** أبي صالح العيدانِ أَنْ يَتَقَطَّرا (2)
بنو الصّالِحينَ الصّالحونَ وَمَنْ يَكُنْ*** لآباءِ صِدْقٍ تَلْقَهُمْ حَيثُ سَرا(3)
فردّه إلى السجن ، فلم يزل فيه حتى انتقل إلى جوار ربه(4).
ابن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الله ، أمّه حمادة بنت معاوية بن عبدالله بن جعفر ، قبض عليه بكار الزبيري والي هارون على المدينة ، فضربه بالسوط ضرباً مبرحاً ، فتوفّى من أثر ذلك الضرب(1).
ابن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب الله ، أمه أمّ ولد ، حبسه هارون فمات في سجنه (2).
ونظراً لما لاقاه العلويون من الجور والاضطهاد، فقد هرب الكثيرون منهم، فمن جملة الهاربين أحمد بن عيسى بن زيد ابن الإمام زين العابدين، هرب إلى البصرة، وكان يدعو الناس لنفسه سرّاً، فاغتم هارون من أمره ، وجعل لمن جاء به أموالاً طائلة فطلبته العيون والجواسيس فلم تعثر عليه ، فعثروا على صاحبه (حاضر) فحملوه إلى الرشيد ، فلما صار بباب الكرخ رفع صوته قائلاً: أيها الناس ، أنا حاضر صاحب أحمد بن عيسى بن زيد العلوي ، وقد أخذني السلطان.
فمنعته الشرطة من الكلام ، وجيء به مخفوراً إلى الرشيد ، فلما وقع نظره عليه سأله عن المكان الذي يقيم فيه أحمد وعن أعوانه وأنصاره ، فأبى أن يخبر بأي شيء ، فتهدّده الرشيد وتوعده بالعذاب الأليم .
فانبرى إليه وهو غير مكترث بتهديده، ولا معتن بسلطانه قائلا له : « والله ، لو كان تحت قدمي هذه ما رفعتها عنه ، وأنا شيخ قد جاوزت التسعين ، أفأختم عملي بأن أدلّ على ابن رسول الله حتّى يُقتل ؟ » .
وثار الرشيد ، وفقد صوابه واختياره ، فأمر بضربه ، فضرب ضرباً مؤلماً ، فمات تحت السياط ، وأمر بصلبه فصلب في بغداد ، وخفي أمر أحمد ولم يعلم له خبر بعد ذلك (1)
وفي عمدة الطالب : 259 : « إن أحمد كان عالماً ، فقهيهاً كبيراً ، زاهداً ، أمّه عاتكة بنت الفضل بن عبدالرحمن بن العباس بن الحارث الهاشمية ، مولده سنة 158ه-، ووفاته سنة 240ه- ، وعمي في آخر عمره .
وروى أبو الفرج الأصفهاني أنّ إسحاق بن إبراهيم الموصلي لما نعي إلى المتوكل اغتم وحزن عليه ، وقال : ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته ، ونعي إليه بعد ذلك أحمد بن عيسى ، فقال : تكافأت الحالتان » .
وبهذا نقف على مدى تسيب الأخلاق في تلك الأدوار المظلمة التي كان يعد فيها الماجنون من جمال الملك وبهائه وزينته.
.هذا بعض ما صبّه هارون على العلويين من المآسي والكوارث ، فلا يكاد يجفّ دم علوي منهم حتّى يسفك دم علوي آخر .
والخلاصة أنّه أشاع فيهم القتل والتنكيل ، ونشر الحزن والحداد في بيوتهم حتى هرب الكثيرون منهم فزعين تطاردهم الشرطة والعيون، قد شاهدوا من الارهاب والأذى ما لا نظير له في فظاعته ومرارته ، وأما ما لاقاه الإمام موسى(عليه السلام)من هذا الطاغية فقد عقدنا له فصلاً خاصاً تحدثنا فيه عمّا جرى عليه من التعذيب والارهاق .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن دور هارون ، وقد وقفنا بما ذكرناه على جانب كبير من خلاعته ومجونه ، واستهتاره بالقيم الإسلامية ، فقد كان لا يبارح العود والشراب ومنادمة المغنين ، وقد عاش عيشة طرب ولهو ، غارقاً في اللذة والعبث والمجون .
وقد أجمع فقهاء المسلمين على أن من يتولى منصب الخلافة الإسلاميّة لا بد أن تتوفّر فيه جميع النزعات الخيّرة من العلم ، والتقوى ، والحريجة في الدين ،
1) تاريخ اليعقوبي : 3 : 154 .
والاحتياط الشديد بأموال المسلمين ، وأن يكون بلاطه قاعدة إسلاميّة ، ومركزاً للحق والعدل، ومصدراً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع أنحاء البلاد ، وأن تعمل الهيئة الحاكمة بجد ونشاط لصالح المجتمع ، وتطوير البلاد في مجالاتها الثقافية والاقتصادية ، فتزيل جميع عوامل التأخر والانحطاط ، وتنشر الأمن والدعة والاستقرار ، وتراقب الحياة الاقتصادية فلاتدع ظلاً للبؤس والحرمان .
هذا واجب السلطة التي تضفي على نفسها النيابة عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وتدعي أنها تمثل الواقع الإسلامي والديني، ولكنا مع الأسف الشديد لم نر أي جانب من الحكم الإسلامي المشرق في ظل الدولة الأموية والعباسية ، ولم تطبق على واقع الحياة الأهداف العريضة التي ينشدها الإسلام.
فلم نرَ إلَّا الظلم الفاحش ، والاستهانة البالغة بحق الأمة ، والاستبداد بثرواتها ، وبذلها بسخاء على ما حرم الله ، ومطاردة القوى الواعية التي تأمر بالعدل الاجتماعي والسياسي ، فقد لاقت تلك القوى الخيّرة التي يمثلها العلويون جميع صنوف الارهاب والتنكيل والآلام .
وبعد هذا هل يصح أن يقال : إنّ ملوك بني أمية وبني العباس حماة الإسلام وخلفاء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) على أمته ؟
وعلى أي حال ، فإنّ الأعمال التي أثرت عن هارون قد جافى بها الحق والعدل ، وكان من الضروري فيما نحسب الوقوف على ذلك ، فإنّه من الأسباب التمهيدية المعرفة محنة الإمام وبلاثه في ذلك الدور الرهيب الذي انعدمت فيه جميع
الحريات ، وقد عانى الإمام وغيره من قادة الفكر أقسى ألوان المحن والخطوب
واتسم عصر الإمام(عليه السلام)بموجات رهيبة من النزعات الشعوبيّة والعنصرية والنحل الدينيّة ، والاتجاهات العقائدية التي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، ولا تلتقي معه بطريق ، وقد تصارعت تلك الحركات الفكرية تصارعاً لا هدوء فيه ولا استقرار . حتى امتد ذلك الصراع إلى أكثر العصور.
ويعود السبب في ذلك إلى أنّ الفتح الإسلامي قد نقل ثقاقات الأمم وسائر علومهم إلى العالم العربي والإسلامي ، بالإضافة إلى أنّ الإسلام قد جاء بموجة عارمة من العلوم والأفكار، ودعا المسلمين في نفس الوقت إلى الانطلاق والتخصص في جميع ألوان المعارف، وقد أحدث ذلك انقلاباً فكرياً في المجتمع الإسلامي ، وتبلورت الأفكار بألوان من الثقافة لم يعهد لها المجتمع نظيراً في العصور السالفة .
وقد اتّجهت تلك الطاقات العلميّة التي تفجّرت في ذلك العصر إلى الجانب العقائدي من واقع الحياة ، فحدثت المذاهب الإسلاميّة والفرق الدينية ، وتشعبت الأمّة إلى طوائف وقع فيما بينها من النزاع والمخاصمات والجدال الشيء الكثير ، فكانت النوادي تعج بالمعارك الدامية والصراع العنيف، خصوصاً فيما يتعلّق بإثبات الخالق وصفاته الإيجابيّة والسلبيّة ، والقضاء والقدر، ومسألة خلق القرآن ، وكان من أبرز المتصارعين في هذه الساحة هم علماء الكلام والمتكلّمون .
وقد ألّفت كثير من الكتب في هذا الموضوع ، وهي حافلة بصور كثيرة من تلك
المشاجرات والخصومات .
وكانت من أخطر الدعوات المحمومة التي اندلعت في ذلك العصر هي الدعوة الإلحادية ، فقد بشر بها الدخلاء الذين يحملون في قرارة نفوسهم الحقد على الإسلام والمسلمين، وقد ثقل عليهم امتداد حكم الإسلام ، وانتشار سلطانه في الأرض ، فرأوا أن لا طول لهم إلى مقابلته من طريق الحرب والقوّة ، فأخذوا يبتون سمومهم في نفوس الناشئة الإسلامية ، ويلقون الشبه والأوهام في نفوس المسلمين، حتّى استجاب لهم جمع من المخدوعين والمغرورين.
وكان موقف الإمام موسى(عليه السلام)وكبار القادة ورجال الفكر من أصحابه ، هو التصدّي لنقد تلك الأفكار الوافدة بالأدلة العلمية الرصينة ، وبيان فسادها ، وبعدها عن منطق الواقع ، وكانت احتجاجاتهم تحمل طابع الإخلاص للحق ، والحرص على صالح المسلمين ، وقد اعترف قسم كبير من حملة تلك المبادئ بخطئهم ، وفساد اتجاههم ، فرجعوا إلى حضيرة الحق والصواب ، وقد لمعت بسبب ذلك حركة التشيّع ، وذاعت المقدرة العلميّة لقادتها، حتّى دان بها قسم كبير من المسلمين وقد ثقل ذلك الأمر على المسؤولين ، فتصدوا لهم بالاضطهاد والتنكيل ، ومنعوهم من الكلام في مجالات العقيدة حتى اضطر الإمام موسى(عليه السلام)في أيام المهدي أن بعث إلى هشام أن يكفّ عن الكلام نظراً لخطورة الموقف ، فكف هشام عن ذلك حتى مات المهدي(1).
ولا بدّ لنا من التحدّث أوّلاً عن هذه الجهات ، كما أنّ من الضرورة عرض بعض الأحداث الجسام التي وقعت في ذلك العصر ، ومعرفة سياسة الحكم القائم آنذاك فإنّ الإحاطة بهذه الأمور مما تتوقف عليه دراسة حياة الإمام(عليه السلام)، كما أنها تكشف لنا جانباً كبيراً عن المشاكل السياسية والاجتماعية السائدة في ذلك العصر،
1) رجال الكشي : 479/265 .
وفيما نحسب أنّه لا غنى للباحث من الإحاطة بذلك .
وذهب المستشرق روايت مرونلدس إلى أنّ أهم الأحداث التي جرت في عصر الإمام موسى(عليه السلام) انبثاق الحركة الشعوبية ، واشتداد التنافر بين العرب وبقية القوميات الأخرى(1).
وهذا الرأي سطحي للغاية، قد دلّ على عدم عمق صاحبه في التاريخ الإسلامي ، وعدم وقوفه على نشأة الأحداث وتطوّرها في التاريخ ، فإنّ الشعوبيّة لم تكن وليدة ذلك العصر ، وإنّما نشأت قبله بكثير من الوقت ، كما سندلّل عليه .
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذا الحادث الخطير الذي هو من أعظم ما مني به العالم الإسلامي من الرزايا والخطوب، وفيما يلي ذلك :
واختلف اللغويون في تحديدهم لهذه الكلمة .
ففي اللسان : « الشعوبي الذي يصغر شأن العرب، ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم».
وفي الصحاح : « الشعوبيّة فرقة لا تفضل العرب على العجم».
ففي التحديد الأول : أنّ الشعوبي هو الذي يحطّ من قيمة العرب وكرامتهم ، ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم .
أمّا التحديد الثاني : فيرى أنّ الشعوبي من يساوي بين العرب وغيرهم ، وقد ذهب إلى هذا ابن عبدربه في العقد الفريد ، فقال : « إنّ الشعوبية هم أهل التسوية » .
1) عقيدة الشيعة : 163 .
واختلف الكتّاب المحدثون في تحديدها ، فذهب العدوي إلى أن الشعوبية مأخوذة من الشعوب ، وهو العودة إلى ماضي الشعوب ، والتفاخر فيما بينها بالعصبيات الجغرافية والتاريخيّة ، ونبذ رسالة العرب الهادفة إلى خلق مجتمع جديد قوامه تقدير قيمة الشخص بعمله وخدماته(1)
وذهب الدوري إلى أن مفهوم الشعوبية معقد ، وأن الحركات السرية التي تتظاهر بالإسلام ، وتعمل على هدم السلطان العربي الإسلامي ، أو على هدم الإسلام ، أو الاتجاهات التي تحاول نسف الإسلام والعرب من الداخل هي التي يمكن أن يُطلق عليها اسم الشعوبيّة(2).
ويرى كرد عليّ « أنّ الشعوبية قوم متعصبون على العرب ، يفضّلون عليهم العجم»(3).
هذا هو مفهوم الشعوبية في اللغة ، وعند المحدثين من الكتاب ، وهم جميعاً لم يتفقوا على مفهوم معيّن لهذا اللفظ .
ونشأت هذه الحركة الهدّامة حسب التحقيق التاريخي في عهد الخليفة الثاني ، حتى ذهب ضحيتها ، فقد اغتاله أبو لؤلؤة نتيجة للتآمر بين تلك القوى الحاقدة عليه .
أما عوامل نشأتها فترجع إلى عدم قيام السلطة بمساواة الموالي مع بقية المسلمين في الحقوق والواجبات ، فقد عمد الخليفة الثاني إلى الفتوى بعدم إرث
أحد من الأعاجم إلا من ولد في بلاد العرب(1).
وكذلك شدّد عليهم في وضع الضرائب ، كما عمد في سياسته المالية إلى خلق الطبقيّة في الإسلام ، ففضّل البدريين في العطاء على غيرهم ، والمهاجرين على الأنصار .
وقد استدعى ذلك إلى تصنيف الناس بحسب قبائلهم وأصولهم ، فنشط النسابون لتدوين الأنساب، وتصنيف القبائل بحسب أصولها ، وقد أدّى ذلك بطبيعة الحال إلى حنق الموالي ، وكراهيتهم للعرب ، والامعان في التفتيش عن مثالبهم .
وانتهج عثمان هذه السياسة ، فكتب إلى ولاته بالعراق أن يفضّلوا العرب على الموالي(2).
وقد أدّت هذه السياسة التي لا تحمل أي طابع من التوازن إلى خلق كثير من المصاعب والفتن بين المسلمين، فقد فرقت بين صفوفهم ، وأدّت إلى شيوع البغضاء والكراهية بين كثير منهم .
وتطوّرت الحركة الشعوبية تطوّراً هائلاً أيّام الحكم الأموي والعباسي ، فقد حدثت النعرات البغيضة بين المسلمين ، وأخذ العرب يفخرون على بقية القوميات الأخرى ، ويشيدون بذكر مآثرهم ، فكانوا يقولون : إنّ لهم صفات خلقية امتازوا بها ، فهم أكرم الناس للضيف ، وأنجدهم للملهوف ، وأكثرهم عوناً للمستغيث ، يعقر أحدهم ناقته التي لا يملك سواها للطارق الذي ينزل بساحته ، ولهم في نفس الوقت حسن البديهة ، وقول الأمثال السائرة، والإبداع في الكلام ، وهم أحفظ الناس
لأنسابهم ، فليس أحد منهم إلا يعرف نسبه ويسمّي آباءه .
مضافاً إلى ذلك نشأة الإسلام فيهم ، وانتشاره على أيديهم ، فهم الناشرون له ، والحاملون لدعوته ، وهذه أهم الأدلة التي اعتمد عليها العرب في امتيازهم وتقدّمهم على غيرهم .
وثقلت هذه العصبية المتطرفة من قبل العرب على بقيّة شعوب الامبراطورية الإسلامية ، فغالوا مثل مغالاة ،العرب ، وراحوا يحطون من شأنهم ، ويذكرون مساوئهم ، ويعدون مثالبهم من وأدهم البنات خشية إملاق ، واعتماد حالتهم الاقتصادية على الغزو والسلب ، ويزرون عليهم جدب الأرض وبساطة العيش ، كما راحوا في الوقت نفسه يذكرون عظمة السلطان عند الرومان ، وحكمة الهند ، ومنطق اليونان وفلسفتهم ، وصناعة الصين وفنونها، وترف فارس وحضارتها ، والعرب أقل الأمم شأناً في ذلك ، فليس لهم فخر يذكر ، ولا مجد يباهي به.
وأمّا تمشدقهم وفخرهم بالإسلام فليس هو دين العرب وحدهم ، بل هو دين الناس جميعاً ، والإسلام نفسه قد حارب النزعات الجاهلية ، وقبر أفكارها ، وحطم امتيازاتها ، واعتبر المسملين جميعاً صفاً واحداً ، لا امتياز لأحد منهم على أحد ، وجعل المقياس في التفوّق والفضل والتقوى والعمل الصالح . قال تعالى :إنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ(1).
وقد ألفت كتب كثيرة في ذكر مثالبهم والازدراء بهم ، فقد كتب في ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنّى عدة كتب منها : لصوص العرب ، وأدعياء العرب ، وفضائل الفرس ، وكتب الهيثم بن عدي جملة كتب في هذا الموضوع ، منها كتاب« المثالب الكبير» ، وكتاب « مثالب ربيعة » ، وأسماء بغايا قريش في الجاهليّة ، وأسماء من ولدن ، وألف سعيد بن حميد بن البختكان كتاب «انتصاف العجم من العرب » ، وكتاب «فضل
1) الحجرات 49: 13 .
العجم على العرب وافتخارها»(1).
لقد شاعت الحزازات ، وانتشر التنافر بين المسلمين في ذلك العصر ، فكان
شعراء الموالي الذين أصلهم من فارس يعتزون بقوميتهم ، ويبالغون في الحطّ من كرامة العرب ، فهذا أبو نؤاس الذي كان فارسيّاً من ناحية أمه راح يهجو العرب ويقول فيهم :
عاجَ الشَّقِيُّ عَلى رَسْمِ يُسائِلُهُ*** وَعجْتُ أَسأَلُ عَنْ خَمَارَةِ البَلَدِ
يَبكي عَلى طَلَلِ المَاضِينَ مِنْ أَسَدٍ*** لا دَر دَرُكَ ! قُلْ لى مَنْ بَنو أَسَدِ ؟
وَمَنْ تَميم ؟ وَمَنْ قَيسٌ وَلَفُهُما ؟*** لَيسَ الأَعاريبُ عِندَ اللَّهِ مِنْ أَحَدِ
وتحدّث مرّة أخرى في شعره عن ظاهرة من ظواهر العرب وهي شيوع التفاخر والتنافر بين أفراد قبائلهم ، فلا يكاد يجتمع عربيان من قبيلتين إلا حدث بينهما التشاجر والتفاخر ، فكل واحد منهما يعتز بقبيلته وأسرته ، ولا يوجد ذلك مطلقاً عند أبناء فارس .
يقول أبو نؤاس :
نادَمْتُهُمْ أَرْتاضُ في آدابِهِمْ*** فَالفُرسُ عادي سُكْرِهِمْ مَحْسومُ
مُتَوَقُرِينَ كَلامُهُمْ ما بَيْنَهُمْ*** وَمُزَمُرينَ خَفاؤُهُمْ مَفهوم
وَلفارِسِ الأَحْارُ أَنْفَسُ أَنْفُس*** وَفَخارُهُمْ في عَشْرَةٍ مَعدوم
وَإِذا أُنادِمُ عُصْبَةٌ عَرَبِيَّةٌ *** بَدَرَتْ إِلى ذِكرِ الفَخارِ تَميمُ
وَعَدَتْ إِلى قَيْسٍ وَعَدَّتْ قَوسَها*** سبِيَتْ تَميمُ وَجَمْعُهُمْ مَهزوم
وَيَنو الأعاجم لا أُحاذِرُ مِنْهُمْ*** شَرّاً فَمَنطِقُ شُرْبِهِمْ مَزْمُومُ
1) فهرست ابن الندیم : 137
لا يَبْذَحُونَ عَلَى النَّدِيمِ إِذا انْتَشَوا*** وَلَهُمْ إذا العُرْبُ اعْتَدَتْ تَسْليم
وَجَميعُهُمْ لي حينَ أَقْعُدُ بَينَهُمْ*** بِتَذَلُّلٍ وَتَهَيُّبٍ مَوْسوم
لقد أوجب ذلك شيوع التنافر بين العرب وبقيّة القوميات الأخرى ، وتعصب كلّ فريق لقوميّته ، وكان في طليعة الشعوبيين الذين يواصلون هجاء العرب بشار بن برد ، فقد كان لا يفتأ عن ذكر انتقاصهم والحط من كرامتهم فقد دخل أعرابي على مجزأة ابن ثور السدوسي بالبصرة ، وبشار كان حاضراً في مجلسه ، وعليه بزّة الشعراء ، فقال الأعرابي يسأل عن بشار : من الرجل ؟
شاعر.
أمولى هو أم أعرابي ؟
بل مولى .
ما للموالي والشعر !
فغضب بشار وسکت برهة والتفت إلى مجزأة قائلاً له : أتأذن لي يا أباثور أن أقول ؟
فاندفع بشار قائلاً:
خَلِيلي لا أَنامُ عَلَى اقْتِسارٍ*** وَلَا أَبي عَلى مَوْلى وَجارِ
سَأُخبِرُ فَاخِرَ الأَعْرَابِ عَنِّي*** وَعَنهُ حينَ تَأْذَنُ بِالفَخارِ
أحينَ كُسِيتَ بَعدَ العُرْيِ خَزَاً*** وناديتَ الكِرامَ عَلى العُقار
تُفاخِرُ يابْنَ راعِيَةٍ وَراعِ*** بَني الأَحْرارِ حَسبُكَ مِنْ خَسارِ
وَكُنتَ إِذا ظَمِثْتَ إِلَى قِراحٍ*** شَرِكْتَ الكَلْبَ في وَلْعُ الإطار
تريدُ بخُطةٍ كَسْرَ المَوالي*** ويُنسيك المكارمُ صَيد فارِ
وتغدو لِلقَنافِذِ تَدْرِيها*** وَلَمْ تَعْقِلْ بِدرَاجِ الدِّيارِ
وَتَتَّشِحُ الشِّمال للابسيها*** وَتَرْعى الضَّأْنَ بِالبَلَدِ القِفارِ(1)
وبلغت الحركة الشعوبية أوجها في أيام المهدي ، وبلغت الذروة في عهد هارون ، وذلك لنفوذ البرامكة وقبضهم على أزمة الدولة.
ومهما يكن من أمر ، فإنّ هذه النزعة قد أولدت العداء بين المسلمين وفرقت صفوفهم ، وانطلق شعراء ذلك العصر والأدباء من العرب أو من الموالي يهجو بعضهم بعضاً ، ويسبّ كل فريق منهم الفريق الآخر.
فهذا الخزيمي كان يقول :
أَبِالصُّعْدِ بَأْسٌ إِذْ تُعَيِّرُني جَمْلُ(2)*** شَفاهاً وَمِنْ أَخْلاقِ جارَتِيَ الجَهْلُ
فَإِن تَفْخَري يا جَمْلُ ، أَوْ تَتَجَمَّلى*** فَلا فَخْرَ إِلَّا فَوقَهُ الدِّينُ وَالعَقْلُ
أرَى النَّاسَ شَرْعاً في الحَياةِ وَلَا أَرى*** لقَبْرِ عَلى قَبْرٍ عَلاءٌ وَلَا فَضْلُ
وَما ضَرَّني إِنْ لَمْ تَلِدْني يُحابِرٌ*** وَلَمْ تَشْتَمِل جَرْمٌ عَلَيَّ وَلَا عَكْلُ (3)
إِذا أَنْتَ لَمْ تَحْمِ القَديمَ بِحادِثِ*** مِنَ المَجْدِ لَمْ يَنْفَعْكَ ما كانَ مِنْ قَبْلُ(4)
والحديث عن الشعوبية حديث مؤلم ، فإنّ هذه النزعة وغيرها من النزعات الفاسدة تدعو إلى تفريق الصفوف ، وتصديع الشمل ، وإشاعة العداء والبغضاء بين المسلمين.
وتميّز موقف الإسلام بالشدّة والصرامة لكل نزعة فاسدة توجب تصديع شمل المسلمين ، وإشاعة التنافر فيما بينهم ، فقد أعلن الإسلام منذ بزوغ نوره أنّ المسلمين يد واحدة ، وأن رابطة الدين أقوى من رابطة النسب .
وقد شجب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) جميع النعرات الشعوبية والقومية ، فقد هزأ بعض المنافقين من أذان بلال الحبشي لأنه لم يكن يستطيع النطق بالشين ، فكان يبدلها سيناً ، وكان يقول : أسهد أن لا إله إلّا الله ، فانطلق بلال إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فأخبره بسخرية القوم واستهزائهم به ، فساء ذلك رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وانبرى يقول : إِن سِينَ بِلال شِينٌ عِنْدَ اللهِ .
وقال(صلی الله علیه وآله وسلم)مندداً بهؤلاء المنافقين : إنَّ سِينَ بِلالٍ خَيْرٌ مِنْ شِينِكُمْ .
وكان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)جالساً مع سلمان الفارسي ، وبلال الحبشي ، وصهيب الرومي ، وعمار ، وخباب ، وغيرهم من ضعفاء المؤمنين، فأقبل عليه الأقرع بن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاري، وغيرهم من مشايخ العرب ، فالتفتوا إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فقالوا له : يا رسول الله ، لو نحيت هؤلاء عنك حتى نخلوا بك ، فإنّ وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرونا مع هؤلاء الأعبد ، فإذا انصرفنا فعد إلى مجالستهم . فأنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية الكريمة : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(1).
فدنا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، منهم ، وأقبل عليهم يحادثهم ، ولم يعن بأولئك المنافقين (2).
وأخذ بعض المؤلفة قلوبهم يفخرون بأنسابهم ، ويذكرون أيام آبائهم في الجاهلية
أمام سليمان الفارسي ، وقد تكرر ذلك منهم في غير مجلس ، فقام سلمان وأخبر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بذلك ، فانبرى(صلی الله علیه وآله وسلم)إلى مسجده وهو فزع قد علاه الأسى والذهول ، فأعلن أمام الناس قوله الشهير : « سلمان منا أهل البيت» .
وقال(صلی الله علیه وآله وسلم): « الصدقة حرام على سلمان ».
وقد شجب(صلی الله علیه وآله وسلم) جميع ألوان التفرقة بين المسلمين ، فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): « لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» .
وقال الله تعالى في كتابه الكريم : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ(1).
وطبّق هذه السياسة النيّرة وصي النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وباب مدينة علمه ، الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فإنه حينما تسلّم زمام السلطة ساوى بين جميع المسلمين في العطاء وغيره ، فعاملهم معاملة واحدة ، من دون تمييز فيما بينهم، فهم جميعاً عنده بمنزلة سواء .
وقد أدلى(عليه السلام)بهذه المساواة في دستوره الدولي الذي أعلن فيه حقوق الإنسان، قال(عليه السلام)المالك : «فَإِنَّهُمْ - أي الناس - صِنْفَانِ : إِما أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ »(2).
ووفدت عليه سيّدة قرشيّة تطلب منه زيادة مرتّبها ، فرأت على باب الجامع امرأة عجوز ، فسألتها عن معاشها فأجابتها بأنّها تتقاضى من بيت المال ، وكان ما تتقاضاه بقدر ما تأخذه تلك السيّدة ، فساءها ذلك، وتمسكت بالعجوز ، وجعلت تصيح : هل من العدل والانصاف أن يساوي عليّ بيني وبين هذه الفارسيّة ؟
و دخلت الجامع وهي ترفع عقيرتها بذلك ، فلمّا انتهت إلى أمير المؤمنين قالت له
بعنف : كيف تساوي بيني وبين هذه الأمة ؟
فرمقها الإمام (عليه السلام) بطرفه ، وأخذ قبضة من التراب ، وجعل يقلبها بيده وهو يقول :
لَمْ يَكُنْ بَعْضُ هَذَا التُراب أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ
وتلا قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.
وقد أثارت عليه هذه السياسة أحقاد العرب وأضغان قريش ، فانبرى إليه بعض أصحابه فطلبوا منه أن يغير سياسته قائلين : يا أمير المؤمنين ، اعط هذه الأموال ، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم .
فلذعه هذا المنطق الرخيص وقال لهم : أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ ؟!
إن تفضيل العرب على العجم جور واعتداء على حقوق المسلمين في نظر ابن أبي طالب ، رائد المساواة والعدالة في الأرض .
وقد أدّت هذه السياسة العادلة إلى تكتل القوى الباغية ، وتظافرها على مناجزته ، وقد نص على ذلك المدائني بقوله : ( إنّ من أهم الأسباب في تخاذل العرب عن عليّ بن أبي طالب كان اتباعه لمبدأ المساواة بين الناس حيث كان لا يفضّل شريفاً على مشروف ، ولا عربياً على عجمي ، ولا يصانع الرؤساء والقبائل (1).
وكانت هذه السياسة النيّرة امتداداً لرسالة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، واتباعاً لمنهجه . وقد رأى العجم والموالي هذا العدل المشرق الذي سار عليه أمير المؤمنين(عليه السلام)، فتمسكوا به، واتخذوه قدوة فذة ، وطالبوا حكّام المسلمين بالاقتداء به ، وتطبيق منهجه ، وقد لاقوا صنوف الارهاق والتنكيل من أولئك الحكّام الطغاة الذين ساسوا الأمّة بسياسة نكراء لا ظلّ فيها للعدل والحق .
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 179 .
وأحمد أمين من أولئك الحاقدين على الشيعة ، فقد قال : إنّ التشيع كان مأوى للشعوبية وستاراً لهم (1).
حفنة من التراب على أحمد أمين وغيره من الذين لا يكتبون للحق ، ولا للتاريخ ، ولا لصالح الأمّة ، وإنّما يكتبون وفق أهداف معيّنة يمليها عليهم الاستعمار ليفرّق بذلك صفوف المسلمين ، ويستبد بثرواتهم ، ويجعلهم تحت مناطق نفوذه .
إنّ الشيعة تستمد تعاليمها من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين ناهضوا جميع الحركات الهدّامة ، ووقفوا من الشعوبية وغيرها موقفاً حاسماً يتسم بالشدة والصلابة ، فقد دعا الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)أن يعلى بالسيوف وجه كل من يدعو إلى عنصريّة تشتّت جمع المسلمين .
هل يستطيع أحمد أمين وغيره من الذين يقولون بمقالته أن يدللوا على أن الشيعة كانت مأوى للشعوبية وغيرها من النزعات الهدّامة ؟
إن الشيعة بكل اعتزاز وفخر قد رفعت منار العدالة الإسلامية ، وأنارت التاريخ الإسلامي بكفاحها المشرق البطولي ، ولولا تضحياتها الجبارة ومواقفها الكريمة أمام الطغاة والظالمين لما بقي للإسلام اسم ولا رسم .
فهي مأوى للإسلام والحق والعدل، ومأوى لكلّ حركة اجتماعية تهدف إلى بسط العدل والقضاء على الظلم .
وعلى أي حال ، فإنّ الشعوبية وسائر الشعارات الأخرى لا تتفق مع الواقع الشيعي المستمدّ من صميم الإسلام وجوهره.
إنّ هذه الاتهامات التي ألصقت بالشيعة لم يكن القصد منها إلا خلق ثغرة بين
1) ضحى الإسلام : 1: 63 .
صفوف المسلمين تستهدف إذلالهم وإضعافهم وإبعادهم عن واقع دينهم الذي ينشد لهم العزة والكرامة والاستقلال.
إنّ المسلمين في أمس الحاجة في هذا العصر إلى جمع الكلمة ، وتوحيد الصفوف ، ونبذ الخلافات والنعرات ، فأمامهم الاستعمار الأمريكي ، وحليفته إسرائيل التي تكيد للعرب والمسلمين في وضح النهار وغلس الليل ، وتعمل جاهدة على محاربة الإسلام ، والاستيلاء على الوطن العربي ، وإجلاء أهله عنه ، وإقامة وطن إسرائيلي مكانه . ومن المؤسف غفلة المسلمين عن الخطر العظيم والبلاء المحدق بهم .
إنّ إسرائيل تمدّها أمريكا وسائر دول الغرب بجميع الأسلحة الفتاكة ، وتزوّدها بجميع المعونات الاقتصادية والعسكرية لإبادة العرب واستئصال شأفتهم حتى تستولي على البترول العربي وسائر المعادن الأخرى.
فيجب على كلّ كاتب أن يوجه جهده الفكري إلى إيقاظ المسلمين وتحذيرهم من هذا البلاء العظيم .
وعلى أي حال، فقد خرجنا عن قصد الجادة ، ولكن الظروف المؤلمة وما تعانيه هذه الأمة من الويلات والنكبات ، قد دفعتنا إلى الخروج عن هذا الموضوع ، ولنعد بعد هذا إلى عرض بعض مشاكل عصر الإمام(عليه السلام)، وهي :
وظهرت الحركة الإلحادية في العصر العباسي الأوّل ، وانتشرت فيه المبادئ الشاذة الداعية إلى الفوضى والتفسخ ، وقد اعتنقها جمع من البسطاء الذين تلوّنهم الدعاية كيفما شاءت ، فانطلقوا بغير وعي ولا هدى معهم ، ولكنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)مع أعلام تلاميذهم من قادة الفكر الإسلامي قد تصدوا إلى مناهضة ذلك الغزو العقائدي، وتزييف الأفكار الوافدة ، وردّ شبهات الملحدين ، وإنقاذ المسلمين منها .
لقد بذل الإمام الصادق(عليه السلام)جميع جهوده في إنقاذ الوطن الإسلامي من الملحدين والمضلّلين، وعمل معه في ميدان هذا الجهاد المقدس ولده الإمام موسى(عليه السلام)، كما قام معهما جماعة من تلامذتهما ممن تسلّحوا بالمناهج العقلية ، وعُرفوا بقوّة البيان، وحسن الرأي ، ونفاذ البصيرة ، وقوّة الحجّة ، فعقدوا المجالس والمناظرات في الأماكن العامة ، وفي بيوت الوزراء والملوك ، وخاضوا مع الملحدين في المباحث الكلاميّة .
وقد أثبتوا بقوّة البرهان والدليل زيف تلك العقائد حتى أن جماعة من أعلام الدهريين قد رجعوا عن أفكارهم، وثابوا إلى طريق الحق والصواب . كما أن الحكومات المحلّيّة قد قامت بدورها باضطهاد الملحدين وتنكيلهم ، ولكن بمزيد الأسف كانت الحملة على الأبرياء أكثر منها على الزنادقة ، وقد اتخذت تهمة الإلحاد وسيلة إلى زج الأبرياء في السجون ، ولا بد لنا من الحديث ولو إجمالاً عن هذا الموضوع الخطير الذي هو من أهم الأحداث التي جرت في العصر العبّاسي .
الإلحاد ظاهرة نفسيّة من أخطر الأمراض الاجتماعية ، وأشدها فتكاً بحضارة الإنسان وتقدمه ، وهو يدعو إلى إنكار الخالق العظيم ، وجحود البعث ، وتكذيب الرسل ، والاعتقاد بأنّ الإنسان لا يخضع لقوّة أخرى ، وأن حياته وجميع شؤونه إنما هي من تدبيره وصنعه .
وينشأ هذا الداء من ثورة عنيفة في النفس تفصل يقظة الإحساس عن العقيدة والإيمان بالله ، وهي إما أن تكون منبعثة من شهوات النفس أو من مرض الحرمان العالق بها(1).
إنّ الإنسان إذا أصيب بهذا الداء الخطير ، فإنّ الحواجز النفسية التي تصده عنارتكاب الإثم والمنكر تنهار انهياراً كلياً ، وتنمحي عن النفس جميع النزعات الخيّرة ، ويسدر الإنسان في تيّارات قائمة من الظلمة والتمرّد ، وإلى ذلك يشير الذكر الحكيم بقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ(2).
إنّ النفس إذا تمادت في الإثم فإنّها تنطلق بغير هوادة في ميادين سحيقة من الرذائل ، لا يعوقها عنها أي قانون في العالم ، ومن ثم كانت التربية الدينية ضرورة اجتماعيّة لأنها تعني بتهذيب الضمير، وتوجيه الإنسان الوجهة الصالحة ، وتغرس في أعماق النفس جميع النزعات الفذة التي تبعثه على الإيمان بالله واليوم الآخر، وتصدّه عن ارتكاب الجرائم والموبقات .
ولما انعدمت هذه التربية واجهت الإنسانية سيلاً من المشاكل في ميادين السلوك والأخلاق ، وانعدام الروابط الاجتماعية وغيرها من القيم الإنسانية .
وعلى أي حال، فإنّ الإلحاد وسائر النزعات الشريرة تشكل خطراً هائلاً على المجتمع الإنساني ، وتنذر بالدمار الشامل لجميع مقوّمات الحياة .
للإلحاد ضروب متنوّعة كإنكار الخالق تعالى ، وجحود إحدى صفاته الثبوتية أو السلبية ، وعدم الإيمان بالأنبياء والرسل ، وإنكار البعث والنشور ، والعنوان الجامع لها هو إنكار إحدى ضروريات الدين.
وأخطر أنواع الإلحاد جحود الله تعالى، وهذا هو الإلحاد الغربي الذي عبّر عنه(نيتشه )بقوله : « لقد مات الله »(1).
وعليه ترتكز الفكرة الماركسية كما أوضحناه في بعض مؤلّفاتنا (2)
أما الإلحاد في العصور الإسلامية الأولى ، فإنّه كان متجهاً إلى التشكيك في إحدى صفات الله وجحود الإسلام كما سنبينه
وظهرت بوادر الزندقة في العصر الأموي ، فقد أعلن بعض ملوك الأمويين كلمة الكفر والمروق من الدين، فهذا يزيد بن معاوية حينما قتل سبط الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وريحانته سيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسين(عليه السلام)جعل يتمثل بقول ابن الزبعرى :
لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالمُلْكِ فَلاَ ***خَبَرٌ جَاءَ وَلا وَحَيَّ نَزَلْ
وقد ورث هذه النزعة الإلحادية من أبيه وجده أبي سفيان ، فجده قال أمام
عثمان بن عفّان مخاطباً لفتيان بني أمية : « تلاقفوها يا بني أمية تلاقف الكرة بأيدي الصبيان ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنّة ولا نار ، ولم يوجه له عثمان عتاباً ، ولم ينزل به عقاباً .
وكانت هذه الظاهرة ماثلة عند أغلب ملوكهم ، فهذا الوليد حينما استفتح بكتاب الله العزيز، وخرجت الآية : وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ(1)غضب وعمد إلى جعل الكتاب العظيم غرضاً لسهامه حتى مزقه ، وهو يقول :
تُهددني بِجَبَّارٍ عَنيد*** فَها أَنا ذاكَ جَبَارٌ عَنيد
إذا ما جِئْتَ رَبَّكَ يَومَ حَشْرِ*** فَقُلْ يا رَبِّ مَزَّقَني الوَليدُ
وهذا يدلّ بوضوح على كفره وارتداده عن الدين ، وقد تغذى أكثرهم بهذه النزعة الإلحاديّة ، فقد عمدوا إلى جعل المربين لأبنائهم من الزنادقة ، فكان عبد الصمد بن عبد الأعلى مربي الوليد ومؤدبه زنديقاً (2)
وكان الجعد بن درهم (3)زنديقاً .
وهو مربّي آخر ملوك الأمويين ، مروان بن محمد(4)
ويرى ابن النديم : « أنّ الجعد قد أدخل مروان وولده في الزندقة »(5)
ونصّ الدوري أنّ الجعد كان في طليعة من بشِّر في المانوية في عصر عصره(6).
ومن أبرز الزنادقة في العصر الأموي يونس بن أبي فروة ، وعمارة بن حمزة ،
والمطيع بن أياس ، ومخضر مو الدولتين الأموية والعبّاسيّة ، وهم الحمّادون الثلاث : حماد عجرد ، وحماد الزبرقان ، وحماد الراوية (1).
لقد تكوّنت جذور الفكرة الإلحاديّة أيّام الحكم الأموي الذي كان مصدراً لجميع الحركات الهدّامة في الإسلام .
وظهرت الدعوة الإلحادية سافرة في العصر العباسي الأوّل ، ونشطت جميع المبادئ الهدّامة ، ويرى ( فلهوزن ) أنّ هناك صلة وثيقة بين الدعوة العباسية والزنادقة ، ويقول : «إنّ العبّاسيّين في ذلك الوقت جمعوا الزنادقة حولهم ، ولم ينبذوهم إلا فيما بعد»(2)
وقد انطلقت الدعوة إلى المانوية ، والمزدكيّة ، والخرميّة ، والزرادشتية ، وقد حملت الخرمية راية الثورة المسلّحة ، وانتشرت دعوتها في فارس ، وكانت تدعو إلى شيوعية مزدك(3).
ونعرض فيما يلي إلى بعض تلك المبادئ الوافدة :
وأكثر المبادئ الإلحادية انتشاراً في ذلك العصر الفكرة « المانوية » ، وهي فكرة قديمة أسسها ماني بن فاتك الفارسي الحكيم ، وقد ولد سنة 215 أو 216م ، وقد ظهر في زمن شابور ، وقتله بهرام ، وكان يقول بنبوة المسيح ، وينكر نبوّة موسى ، وزعم أنّ
العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين : النور والظلمة ، وأنهما أزليان ، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم(1).
وقد ذهبت المانويّة إلى التناسخ استناداً إلى ما ذكره ماني في بعض كتبه حيث قال : « إنّ الأرواح التي تفارق الأجسام نوعان : أرواح الصدّيقين وأهل الضلالة ، أما أرواح الصدّيقين إذا فارقت الأجساد أسرت في عمود الصبح إلى النور الذي فوق الفلك ، فبقيت في ذلك العالم على السرور الدائم ، وأما أرواح أهل الضلال إذا فارقت الأجساد ، وأرادت اللحوق بالنور الأعلى ردّت منعكسة إلى السفل ، فتتناسخ في أجسام الحيوانات إلى أن تصفو من شوائب الظلمة ثم تلتحق بالنور العالي»(2).
وقد فرض ماني على أصحابه العشر في الأموال كلها ، والصلوات الأربع في اليوم والليلة والدعاء إلى الحق ، وترك الكذب والقتل والسرقة والزنا والسحر وعبادة الأوثان ، وأن يأتي على ذي روح ، كما أنّه عد وجود الإنسان جناية جناها أهله ويجب انقراضه (3).
كما أنه يرى أنّ ما يصدر عن الإنسان من خير فمصدره إله الخير ، وما يصدر منه من شرّ فمصدره إله الشرّ ، وقد صوّر بعض أفكاره أبو نؤاس في هجائه لأبان ، أحد أقطاب هذه الفكرة بقوله :
جالَسْتُ يَوْماً (أبانا)*** لا دَرُ دَرُ (أبان)
وَنَحنُ حُضُرُ رَواقِ ال-*** -أمیر النَّهْرَوانِ
حَتَّى إِذا ما صَلاةُ (4)الأُ*** ولى دُنْيَتْ لأذان
فقامَ ثَمَّ بِهِ ذو*** نصاحة وَبَيانِ
وَكُلما قالَ قُلْنا (1)***إلى انقضاء الأذانِ
فَقالَ(2): كَيفَ شَهِدْتُمْ*** بِذا بِغَيرِ عِيان ؟
لا أَشْهَدُ - الدهرَ - حَتّى*** تُعاين العينان
فَقُلتُ: «سُبْحانَ رَبِّي ! » *** فَقالَ : (سُبْحانَ ماني)
فَقُلتُ : « عِيسَى رَسولُ اللهِ »*** فَقالَ : مِنْ شَيْطانِ
فَقُلتُ مُوسى نَجِيُّ ال-*** -هَيْمِنِ المَنانِ
فقالَ : رَبُّكَ ذو مُقْ-*** -لة إذا ولسان ؟
أنَفْسُه خَلَفَتْهُ*** أمْ مَنْ ؟ فَقُمتُ مَكاني
عَنْ كَافِرٍ يَتَمَرَى(3)*** بِالكُفْرِ بِالرَّحْمَنِ(4)
وقامت المانوية ببثَّ الحركات الإلحادية في العصر العباسي ، وكان من أعلامها ابن المقفع ، فقد قام بترجمة كتب ماني ، وابن ديصان ، ومرقيون من الفارسية إلى العربية(5).
كما وضع كتاباً يبشر بالمانوية ، ويحمل فيه على المبادئ الإسلامية ، وقد افتتحه باسم النور الرحمن الرحيم .
وقال المهدي : ما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع(1)، واجتاز على بیت نار للمجوس فتمثّل :
يابيت عائِكَةَ الذى أتَغَزل*** حَذَرَ العِدى وَبِكَ الفُؤادُ مُوَكَّلُ
إنِّي لَأَمْنَحُكَ الصُّدودَ وَإِنَّني*** قَسَماً إِلَيْكَ مَعَ الصُّدودِ لَأَمْيَلُ (2)
ونسب إليه قلة الاحترام للقرآن ومحاولته لمعارضته (3).
وشكّك فرنشيكو جبرييلي في نسبة ذلك إليه (4)، وأن قتله لم يكن سببه الاتّهام بالزندقة ، وإنما كان من أجل كتابته للأمان لعبد الله بن على على المنصور، والذي لم يجد فيه المنصور ثغرة ينفذ منها لنقض ذلك العهد مما أثار غضب المنصور فأمر بقتله (5).
وعلى أي حال، فإنّ المانوية كانت من أكثر المبادئ التي دهمت المسلمين في ذلك العصر.
من المبادئ التي انتشرت في العصر العباسي الأول« المزدكيّة» ، وهي نوع من أنواع الشيوعيّة تدعو إلى التحلّل من جميع القيم الاجتماعيّة ، وقد نص الشهرستاني على بعض مبادئها ، فقال :« إنّ مزدك أحلّ النساء ، وأباح الأموال ، وجعل الناس
شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلاء»(1).
وقال الطبري : «قال مزدك وأصحابه إنّ الله جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتاسي ، ولكنّ الناس تظالموا فيها ، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء ، ويردّون من المكثرين على المقلّين، وإنّ من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى من غيره ، فافترس السفلة ذلك واغتنموه»(2).
واعتنق هذه المبادئ الحاقدون على القيم الإسلامية ، فراحوا ينشرونها بين المسلمين ، واعتنقها خلق من الناس إرضاءاً لشهواتهم وفجورهم ، فكانت نتيجة ذلك إن شاع الفسق والمنكر بين أوساط الناس كما سنذكره .
من المبادئ الإلحادية التي ظهرت في العصر العباسي «الزرادشتية » ، وهي تقول بوجود إلهين : إله للخير ، وإله للشرّ ، وقد تحدّث عن بعض مبادئهم الخربوطلي يقول : « وجوهر مبادئ زرداشت أن في العالم حوادث كثيرة متنوعة ، فمنها الخير ومنها الشرّ ، وهذه الحوادث لا توجد نفسها بل لا بد لها من أصل تستند عليه .
ویری زرادشت استحالة نسبة الخير والشر إلى أصل واحد . ولهذا كان من الضروري عنده لتفسير ما يجري في العالم الإيمان بوجود قوتين متضادتين مختلفتين ، فواحدة طاهرة ومقدّسة، تفيض عنها الحياة والعناصر الطيبة ، والأخرى خبيثة دنسة ، تصدر عنها الآفات والهلاك والتدمير، وكلّ ما ينزل بالإنسان من شرّ وبلاء .
فالأولى تسمّى ( اهريمان) ومعناه إله الشرّ أو الشيطان ، الثانية ( يزدان ) ومعناه
إلنه الخير والنور» (1).
ويرى زرادشت أن الروح لا تفنى ، وأنها تنعم أو تشقى بلذائذ الحياة ، وأن محنتها ثلاثة أيام بعد الموت ، وبعد ذلك تحملها الرياح حتى تصل إلى الصراط وتحاكم هناك ثلاثة أيام ، والأرواح الخيّرة تمضي إلى الجنّة والأرواح الشريرة تساق إلى النار.
وقد راجت الزرادشتية في العصر العباسي الأول ، واعتنقها خلق من البسطاء المغرر بهم ، وقد عملت على محاربة القيم الإسلامية ، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وتحلّل المسلمين من الخلق والآداب الإسلامية .
وعلى أي حال ، فإنّ هذه المبادئ التي انتشرت في العصر العباسي تكشف لنا بوضوح عن الفراغ العقائدي ، وضحالة التفكير ، وسيادة الجهل ، وعدم إحاطة المسلمين بواقع دينهم الذي يدعو إلى اليقظة الفكرية، والتحرّر من جميع رواسب الجهل والجمود .
وقد ظهرت البدع والأضاليل في ذلك العصر بصورة تدعو إلى الدهشة والاستغراب ، فقد حدثت الراوندية التي زعمت أن المنصور الدوانيقي ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم(2).
كما ظهرت بدعة المقنع الخراساني الذي نادى بتناسخ الأرواح وادعى الألوهية ، فزعم أنّ الله خلق آدم فتحوّل في صورته ، ومن بعده إلى صورة نوح ، ثمّ إلى إبراهيم ، ومنه إلى صورة الأنبياء ، ثم في صورة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، ثم تحوّل إلى صورة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومن بعده إلى أولاده، ثمّ إلى صورة أبي مسلم الخراساني ، وانتقل من بعده إليه ، وطلب من أنصاره أن يعبدوه ويسجد واله(3)، وقد أسقط عن أتباعه
الصلاة والصوم والزكاة ، وأباح لهم النساء(1).
وكان المقنع ماهراً في الهندسة ، فقد أظهر للناس قمراً يطلع ويراه الناس على مسيرة شهر ، ثمّ يأفل ، وقد أغرى الناس بذلك ، ويقول أبو العلاء المعري عن زيف ذلك القمر :
أَفِقْ إِنَّمَا البَدرُ المُقَنَّعُ رَأْسُهُ*** صَلالٌ وَغَيٌّ مِثلُ بَدرِ المُقَنْعِ
وعلى أي حال، فإنّ هذه الحركات الهدّامة قد أدت إلى تفكك المجتمع الإسلامي ، واضطراب الحركة الفكرية فيه .
واستندت الدعوة إلى الإلحاد وسائر المبادئ الهدّامة - في ذلك العصر - إلى جماعة كانوا مغمورين في أنسابهم ، ومصابين بعاهات نفسيّة ، وكان من أشهرهم يزدان بن باذان الذي عرف بالكفر والزندقة ، سافر إلى بيت الله الحرام أيام موسم الحجّ ، فنظر إلى الناس يهرولون في الطواف ، فقال : « ما أشبههم ببقر تدوس في البيدر» ، وأثار ذلك موجات من الغضب والاستياء في نفوس الأخيار والمتحرّجين في دينهم .
فقد اندفع العلاء بن الحداد يخاطب الخليفة موسى الهادي ويحفزه على قتله ، يقول له :
أَيا أَمينَ اللهِ في خَلْقِهِ*** ووارِثَ الكَعْبَةِ وَالمِنْبَرِ
ماذا ترى في رَجُلٍ كافِرٍ*** يُشَبهُ الكَعْبَةَ بِالبَيْدَرِ
وَيَجْعَلُ النَّاسَ إِذا ما سَعَوا*** حُمْراً تَدوسُ البُرُ وَالدَّوسَر
1) وفيات الأعيان : 1: 453 .
فأمر موسى الهادي بقتله وصلبه (1).
ومنهم بشار بن برد ، فقد تمادى في الدعوة إلى الكفر ، وكان يدعو إلى عبادة النار ، وقد أعلن ذلك بقوله :
إبليس أَفْضَلُ مِنْ أَبِيكُمْ آدَم*** فَتَبَيَّنوا يا مَعْشَرَ الأَشْرارِ
النّارُ عُنْصُرُهُ وَآدَمُ طينَةٌ*** والطِّينُ لا يَسْمو سُمُو النّارِ
وَالأَرْضُ مُظْلِمَةٌ وَالنَّارُ مُشْرِقَةٌ*** وَالنَّارُ مَعْبودَةٌ مُذْ كانَتِ النّارُ(2)
وبقي مصرّاً على عقيدته وقتل من أجلها (3).
ومنهم صالح بن عبد القدوس ، وكان من كبار الزنادقة ، وحكم عليه المهدي بالإعدام ، فأعلن توبته ، وكاد المهدي أن يُطلق سراحه ، إلا أنه سمعه ينشد :
ما يَبْلُغُ الأَعْداءُ مِنْ جاهل*** ما يَبْلُغُ الجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ
وَالشَّيخُ لَا يَترُكُ أَخْلاقَهُ*** حتَّى يُوارى في تَرى رَمْسِهِ
فلمّا سمع المهدي البيت الأخير أمر بقتله ، وقال له : أنت لا تدع أخلاقك حتّى تموت (4).
ومن أعلامهم الحمّادون الثلاثة : حمّاد عجرد ، وحمّاد الراوية ، وحمّاد الزبرقان ، ومنهم ابن المقفع ، ويونس بن أبي فروة ، ومطيع بن أياس ، وعبد الكريم بن أبي العوجاء ، وعليّ بن الخليل ، ويحيى بن زياد الحارثي .
وقد أثبت المترجمون لهم بوادر كثيرة من بدعهم وأضاليلهم دلّت على كفرهم
ومروقهم من الدين(1).
وعلى أي حال، فقد عمد هؤلاء الملحدون إلى إفساد المجتمع الإسلامي ، وإشاعة الفوضى والتحلّل بين المسلمين ، كما عمدوا إلى تشويه الإسلام ، وذلك بافتعال الأخبار الكاذبة التي تحطّ من كرامة الإسلام ، وقد اعترف عبدالكريم بن أبي العوجاء بذلك ، فقد صرّح قبل أن ينفّذ فيه حكم الإعدام ، فقال : لئن قتلتموني فلقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوب » .
وعملوا على إفساد الأدب العربي وتشويهه ، وقد قام بذلك خلف الأحمر وحماد الراوية .
ويقول عنه السيّد المرتضى : «إنّ حمّاد مشهور بالكذب في الرواية ، وعمل الشعر وإضافته إلى الشعراء المتقدمين ودسه في أشعارهم ، حتى أن كثيراً من الرواة قالوا : قد أفسد حماد الشعر لأنه كان رجلاً يقدر على صنعته ، فيدس في شعر كلّ رجل منهم ما يشاكل طريقته ، فاختلط لذلك الصحيح بالسقيم»(2).
وهكذا استهدفوا إفساد الدين واللغة وسائر مقوّمات الأمّة العربية والإسلامية ، ووقف المد الإسلامي من الانتشار في ربوع العالم .
وقامت السلطات الحاكمة في العصر العباسي باضطهاد الزنادقة اضطهاداً رسمياً في السنوات الأخيرة من خلافة المهدي ، وإبان خلافة الهادي القصيرة الأجل ، ففي سنة 163ه- بدأت حملة المهدي على الزنادقة بأن أمر عبد الجبار المحتسب الذي لقبه صاحب الأغاني بلقب ( صاحب الزنادقة ) بالقبض على كلّ الزنادقة الموجودين
داخل البلاد، فقبض على من استطاع القبض عليه ، وجيء بهم مخفورين إلى الخليفة الذي كان مقيماً آنذاك في ( دابق ) ، فأمر بقتل بعضهم والتنكيل بالبعض الآخر ، حتى بلغ غايته ما بين سنة 166ه- إلى سنة 170ه-.
وكان يقوم بتعذيبهم قضاة مخصوصون أشهرهم عبد الجبار الذي ذكرناه آنفاً ، وعمر الكلوزي الذي عيّن في هذه الوظيفة سنة 167ه- ، ثم محمد بن عيسى الذي خلف عمر .
لقد قام المهدي بحملة واسعة النطاق ضدّ الزنادقة ، فأنشأ ديواناً خاصاً بهم ، وقد اجتهدت سلطات الأمن والمباحث في التفتيش عنهم ، فمن ظفروا به نفّذوا فيه حكم الإعدام ، إلا أن يعلن التوبة ويثوب إلى الرشاد ، ولم يكتف المهدي بذلك وإنّما قام يجوب في الأقطار للتفتيش عنهم ، فرحل إلى بلاد الشام ، وأقام بها يبحث عنهم ، فعلم أنّ جماعة منهم قد هربوا من العراق إلى حلب ، فأمر بإلقاء القبض عليهم ، وسوقهم إلى المحاكم ، وبعد إلقاء القبض عليهم ثبت اتهامهم بالزندقة ، فأمر بإعدامهم جميعاً (1).
لقد أمعن المهدي في تتبع الزنادقة وقتلهم . يقول السيوطي : « وجد المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم ، والبحث عنهم في الآفاق ، والقتل على التهمة »(2).
ولمّا حضرته الوفاة عهد إلى ولده الهادي في قتلهم ، وقد أوصاه بهذه الوصية :
« يا بنيّ ، إن صار لك هذا الأمر فتجرّد لهذه العصابة - أي الزنادقة - فإنّها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن ، كاجتناب الفواحش، والزهد في الدنيا ، والعمل للآخرة ، ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ، ومس الماء الطهور ، وترك قتل الهوام تحرجاً وتحوباً ، ثم تخرجها من هذا إلى عبادة اثنين: أحدهما النور ، والآخر الظلمة ، ثمّ تبيح بعد
هذا نكاح الأخوات والبنات ، والاغتسال بالبول ، وسرقة الأطفال من الطريق ، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور ، فارفع فيها الخشب ، وجرّد فيها السيف ، وتقرّب بأمرها إلى الله الذي لا شريك له ، فإنّي رأيت جدك العباس في المنام قلدني سيفين ، وأمرني بقتل أصحاب الاثنين»(1).
وقد نفّذ الهادي وصيّة أبيه ، فأشاع القتل والإعدام في الزنادقة ، وسار من بعده الرشيد وسائر ملوك بني العباس ، فلم يتركوا مجالاً للأوكار التخريبية أن تعمل في إفساد المسلمين ، وقضوا على جميع دعاة الإلحاد والزندقة .
لقد كان الخلفاء يستخدمون جميع الوسائل لمحاربة الزندقة والقضاء على هذه الروح الخبيثة ، فإذا قبضوا على الزنديق طلبوا منه أن يبصق على صورة ماني أو يذبح طائراً اسمه ( التذرج ) .
أما البصق على صورة ماني فالمقصود منه تحقير مبتدع الفكرة المانوية ، وهو دليل في نفس الوقت على رجوع الزنديق عن فكرته ، والمقصود من ذبح الطائر أنّ ذبح الحيوان الحي كان محرّماً عند المانوية ، أما الحكمة في ذبح الطائر ( تذرج) فلا تكشف عنها المصادر التي بأيدينا ، كما يقول الأستاذ جورج فيدا (2).
ومهما يكن من أمر ، فإنّ الحملة التي شنّها الخلفاء على الزنادقة كانت شديدة للغاية ، ولكن بمزيد الأسف أنّ العقاب الصارم كان على الأبرياء أكثر منه على الزنادقة الحقيقيين كما سنبينه.
ولم يكن كلّ هؤلاء الذين اتهموا بالإلحاد والمروق عن الدين زنادقة حقيقيّين ،
بل كان بعضهم يتهم بالزندقة لأسباب سياسيّة ، فقد اتخذ الخلفاء من هذا الاتهام وسيلة للقضاء على خصومهم من الهاشميين، وعلى هذا النحو انّهم أحد أبناء داود بن عليّ ، ويعقوب بن الفضل ، وأتي بهما إلى المهدي .
ولمّا كان الخليفة المهدي قد ارتبط من قبل بعهد ألا يقتلهما ، فلم يستطع ذلك وإنّما حبسهما ، وأشار إلى ابنه الهادي أن يقتلهما حينما يتولّى الخلافة .
وتعدّى الاتهام بالزندقة إلى جميع من لا يرضى بحكم الخلفاء ، أو لا يرى جواز الصلاة خلفهم، فهذا شريك بن عبد الله القاضي كان لا يرى الصلاة خلف المهدي ، فأمر به فأحضر عنده ، فقال له في جملة كلامه - : يابن الزانية .
فقال شريك : مه يا أمير المؤمنين ، فلقد كانت صوّامة قوّامة . فقال له المهدي : يا زنديق ، لأقتلنّك .
فضحك شريك ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ للزنادقة علامات يعرفون بها :
شربهم القهوات ، واتخاذهم القينات، فأطرق المهدي ولم يطق جواباً (1)
و دلّت هذه البادرة على مدى إسرافهم بإطلاق الزندقة على كل من يكرهونه ولا يرضون عنه ، كما دلّ جواب شريك على أنّ المدار في الزندقة هو شرب الخمر واتخاذ القينات .
فعلى هذا يطلق الزنديق على كل ماجن خليع ، وبهذا الاعتبار ألقي القبض على آدم حفيد عمر بن عبد العزيز ، فقد انّهم بالزندقة لأنّه كان خليعاً ماجناً مسرفاً في الشراب ، وجرت على لسانه أبيات - وهو سكران - فيها مساس للدين . قال فيها :
اسْقِني وَاسْقِ خَلِيلي*** في مدى اللَّيلِ الطُّويل
لونُها أَصْفَرُ صافٍ*** وَهْيَ كَالمِسْكِ الفَتيلِ
1) البداية والنهاية : 10: 53 .
في لِسانِ المَرْءِ مِنْها*** مِثْلُ طَعْمِ الزَّنْجَبيلِ
ريحُها يَنفَحُ مِنْها*** ساطعاً مِنْ رَأْسِ ميل
مَنْ يَنَلْ مِنْها ثَلاثاً*** يَنْسَ مِنهاجَ السَّبِيلِ
فَمَتى ما نالَ خَمْساً*** تَرَكَتْهُ كَالقَتيل
لَيسَ يَدْري حينَ ذَاكُمْ*** ما دبيرٌ مِنْ قَبيل
إِنَّ سَمْعِي عَنْ كَلام*** اللايمي فيها ثقيل
لشديدُ الوَقْرِ إِنِّي*** غَيرُ مِطواع ذليل
قُلْ لِمَنْ يَلْحاكَ فيها*** ين فقيه أو نَبيل
أَنتَ دَعْهَا وَارْجُ أُخْرى*** مِنْ رَحيق السلسبيل
تَعْطَشُ اليَومَ وَتُسْقى*** في غَدٍ نَعْتَ الطُّلولِ
من أجل ذلك أخذه المهدي ورماه بالزندقة، وضربه ثلاثمائة سوط على أن يقرّ بذلك ، وهو ينفي عنه التهمة ، ويقول : والله ، ما أشركت بالله طرفة عين ، ومتى رأيت قرشيّاً تزندق ؟ ولكنّه طرب غلبني وشعر طفح على قلبي ، وأنا فتى من فتيان قريش أشرب النبيذ ، وأقول ما قلت على سبيل المجون ، ثم هجر الشراب بعد ذلك وكره أن يرى الخمر ويقول :
شَرِبْتُ فَلَمّا قيلَ لَيسَ بِنازع*** نَزَعْتُ وَثَوبِي مِنْ أَذِى اللُّؤْمِ طَاهِرُ(1)
لقد اتّهم آدم بالزندقة وهو لم يكن ،زنديقاً ، وإنّما غلبه الشعر بقول فيه هجر ، ولم يقتصر الخلفاء على ذلك ، فقد أطلقوا لفظ الزنديق على كل من يناقش أحاديث الصحابة أو يردّها (2)
والغرض من ذلك الحكم على الشيعة بالمروق عن الإسلام ليستحلوا بذلك إراقة دمائهم.
يقول عبد الرحمن بدوي : « إنّ الاتهام بالزندقة في ذلك العصر كان يسير جنباً إلى جنب مع الانتساب إلى مذهب الرافضة ، كما لاحظ ذلك الأستاذ ( فيدا)»(1).
لقد كان الانتساب لمذهب التشيع في تلك الفترات المظلمة من أهم الجرائم ، فإنّ هذه التهمة في نظر المسؤولين فوق جريمة الإلحاد ، فإنّ المتهم بالكفر والإلحاد تقبل توبته ويعفى عنه ، أما المتهم بالولاء لأهل البيت(عليهم السلام)، فإنه يحكم عليه بالكفر والمروق عن الدين مع إيمانه بالله ورسوله وإقامته لفرائض الإسلام .
ومهما يكن من أمر فقد اتخذ خلفاء بني العباس الاتهام بالزندقة في كثير من الأحيان وسيلة للحكم بالإعدام على الشيعة وزجهم في غياهب السجون ، وإنما تعسّفوا في ذلك لأنّ الشيعة قد أعلنت الحرب بغير هوادة على كل ظالم جائر ، وقدمت المزيد من التضحيات للقضاء على الظالمين ، واعتبرت أولئك الحاكمين من أئمّة الظلم والضلال ، فانبرت إلى مناجزتهم وبذلت جميع القوى لتحطيم عروشهم ، وسنذكر ذلك مشفوعاً بالتفصيل عمّا قريب .
وتميّز ردّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على الملحدين بالمنطق العلمي والأدلّة الحاسمة التي تثبت أصالة العقيدة الإسلامية بجميع مناحي تشريعاتها ، وزيف أضاليل الملحدين ، وبطلان معتقداتهم ، وكان تأثير تلك الاحتجاجات في نفوسهم أقوى من جميع الوسائل التي استخدمتها الحكومات المحلية لقمعهم ، فقد التجأت بعد أن أعوزها المنطق إلى قوة الحديد والنار ، والزج في السجون إلى قهرهم وإبادتهم ،
1) تاريخ الإلحاد في الإسلام : 37
ولكن هذا سلاح العاجزين ، فإنّ المبادئ لا يمكن أن تردّ أو تقهر إلا بالوسائل العلميّة ويستحيل أن تغلب بغير ذلك .
وقد اعتمد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في احتجاجاتهم على الوسائل العلمية الحافلة بجميع أساليب الاقناع ، والتي لم تدع مجالاً للشك أو الريبة في بطلان معتقدات خصومهم ، وقد اعترف كثيرون منهم بضلال ما هم فيه ، وثابوا إلى طريق الحق والصواب ، كما أدلى بعضهم بأنّ الأئمة سادة البشر ، وأنّ الإنسانية الكاملة لا يصح إطلاقها إلا عليهم ، وقد اعترف بذلك ابن المقفع وعبد الكريم بن أبي العوجاء حينما كانا يلاحظان طواف المسلمين حول الكعبة ، فقال ابن المقفع لأصحابه : ليس واحد من هؤلاء - وأشار إلى من في البيت الحرام - يستحق اسم الإنسانية إلا هذا . وأشار إلى الإمام جعفر بن محمد(عليه السلام)- أما الباقي فرعاع وبهائم .
وبادر ابن أبي العوجاء إلى الإمام الصادق الا فقال له: رحمك الله أيّها الشيخ : أيّ شيء نقول ؟ وأي شيء نقوله نحن ؟ وأي شيء يقولونه هم؟ وما نؤمن به ، وما به يؤمنون واحد .
فأجابه الإمام(عليه السلام): إِنِّي لِمَا تَقولُ أَنْ يَكُونَ كَما يَقولونَ هُمْ يَقولونَ بِالْمَعادِ وَالوَعِيدِ ، وَإِنَّ لِلسَّمَاءِ إِلهاً وَبِها عُمْرَاناً ، بَيْنَما تَزْعُمُونَ أَنَّ السَّمَاءَ خَرَابٌ ، وَلَيْسَ بِهَا أَحَدٌ .
قال عبد الكريم : لو كان الأمر كما تقول، فما منع الله من الظهور لجميع خلقه ، ودعاهم إلى عبادته حتى لا يصبح اثنان منهم على خلاف ؟ لماذا اختفى عنهم ومع ذلك أرسل إليهم رسلاً ؟ لو كان قد ظهر بذاته لكان ذلك أسهل إلى الاعتقاد به .
فأجابه الإمام : كَيْفَ اخْتَفى مَنْ أَظْهَرَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ أَنْتَ وَفِي نَمَائِكَ ؟
وأخذ الإمام(عليه السلام)يدلي عليه بالحجج والبراهين على وجود الله ، وانهزم ابن أبي العوجاء مهرولاً إلى أصحابه ، وهو يقول لهم : ما هذا ببشر ! وإن كان في الدنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهراً، ويتروّح إذا شاء باطناً ، فهو هذا - وأشار
إلى الإمام(عليه السلام)(1)
ولا بد لنا من وقفة قصيرة إلى ذكر بعض الاحتجاجات التي أثرت عنهم ، وفيما يلى ذلك :
وحفلت كتب الكلام والحديث بالشيء الكثير مما أثر عن الإمام الصادق لا في هذا المجال ، وهو مدعم بأوثق الأدلّة على صحة العقيدة الإسلامية وزيف معتقدات خصومها ، ونشير فيما يلي بعضها :
1- دخل ابن أبي العوجاء على الإمام الصادق(عليه السلام)، فقال له الإمام : يابن أبي الْمَوْجَاءِ ، أَمَصْنوعٌ أَنْتَ أَوْ غَيْرُ مَصْنوع ؟
لست بمصنوع .
لَوْ كُنْتَ مَصْنوعاً كَيْفَ كُنْتَ ؟
فتحيّر ابن أبي العوجاء ، ولم يطق جواباً ، وخرج منهزماً يتعثر في خطاه(2).
2- دخل أبو شاكر الديصاني ، وكان زنديقاً، على الإمام الصادق(عليه السلام)فقال له : يا جعفر بن محمد ، دلّني على معبودي ؟
فقال أبو عبد الله : اجلس ، وأقبل غلام في كفّه بيضة ، فأمر(عليه السلام) الغلام أن يناوله البيضة ، فناولها إيّاه .
فقال(عليه السلام): يا دَيْصاني ، هذا حِصْنٌ مَكْنونَ لَهُ جِلْدٌ غَلِيظٌ ، وَتَحْتَ الْجِلْدِ الغليظ جِلْدٌ رَقِيقٌ ، وَتَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ ،مائِعَةٌ ، وَفِضَّةٌ دَائِبَةٌ ، فَلَا الذَّهَبَةُ المائِعَةُ تَخْتَلِطُ
بِالْفِضَّةِ الذَائِبَةِ ، وَلَا الْفِضَّةُ الذَائِبَةُ تَخْتَلِطُ بِالذَّهَبَةِ الْمَائِعَةِ ، فَهِيَ عَلَى حالِها لَا يَخْرُجُ مِنْها خارج مُصْلِحُ فَيُخْبِرُ عَنْ صَلاحِها ، وَلَا يَدْخُلُ إِلَيْها داخِلٌ مُفْسِدٌ فَيُخْبِرُ عَنْ فَسادِها ، لَا يُدْرى لِلذَّكَرِ خُلِقَتْ أَمْ لِلأنثى ، تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْل ألوانِ الطُّواويس ، أَتَرى لَها مُدَبِّراً ؟
وأطرق الديصاني برأسه للأرض يفكر في قول الإمام ، ولم يلبث أن رفع رأسه وهو يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وأنك إمام وحجّة الله على خلقه ، وأنا تائب ممّا كنت فيه(1).
3 - وحدّث هشام بن الحكم ، قال : «كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله(عليه السلام)علم ، فخرج إلى المدينة ليناظره ، فلم يصادفه بها ، وقيل هو بمكة فخرج إلى مكة ، ونحن مع أبي عبد الله(عليه السلام)، فانتهى إليه - وهو في الطواف - فدنا وسلّم .
فقال له أبو عبد الله : ما اسْمُكَ ؟
عبد الملك .
ما كُنْيَتُكَ ؟
أبو عبد الله .
مَنْ ذَا الْمَلِكُ الَّذِي أَنْتَ عَبْدُهُ ؟ أَمِنْ مُلوكِ الْأَرْضِ ، أَمْ مِنْ مُلوكِ السَّماءِ ؟ وَأَخْبِرْني عَنِ ابْنِكَ أَعَبْدُ إِلهِ السَّمَاءِ أَمْ عَبْدُ إلَهِ الْأَرْضِ ؟
فسكت الزنديق ولم يطق جواباً .
فقال له أبو عبد الله : قُلْ .
فتحيّر الزنديق ولم يدر ما يقول ، فرمقه الإمام(عليه السلام)بطرفه وقال له : إِذا فَرِغْتَ مِنَ الطُّوافِ فَانْتِنا .
1) الاحتجاج : 2 : 201 و 202. أصول الكافي : 1 : 80.
ولما فرغ(عليه السلام)من الطواف أقبل الزنديق فقال له : أَتَعْلَمُ أَنَّ لِلْأَرْضِ تَحْتاً وَفَوْقاً ؟
نعم .
دَخَلْتَ تَحْتَها ؟
لا.
هل تَدْري ما تَحْتَها ؟
لا أدري ، إلا أني أظن أن ليس تحتها شي.
الظَّنُّ عَجْرُ ما لَمْ تَسْتَيْقِنُ
ثم قال(عليه السلام) له : صَعَدْتَ إِلَى السَّمَاءِ ؟
لا.
أَفَتَدْرى ما فيها ؟
-لا .
-لا.
ما كلّمني بهذا غيرك .
فَأَنْتَ مِنْ ذلِكَ في شَكٍّ ؟ فَلَعَلَّهُ هُوَ ، وَلَعَلَّهُ لَيْسَ هُوَ .
لعلّ ذلك .
أَيُّها الرَّجُلُ ، لَيْسَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ حُجَّةُ عَلى مَنْ يَعْلَمُ ، وَلَا حُجَّةَ لِلْجاهِلِ عَلَى الْعالِم . يا أخا أَهْلَ مِصْرَ ، تَفَهُمْ عَنِّي ، فَإِنَّا لَا نَسُلُّ في اللَّهِ أَبَداً ، أَما تَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ،
وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، يَلِجانِ وَلَا يَسْتَبِقانِ ، يَذْهَبَانِ وَيَرْجِعانِ ، قَدِ اضْطَرًا لَيْسَ لَهُما مَكانٌ إِلَّا مَكانَهُما ، فَإِنْ كانا يَقْدِرانِ عَلى أَنْ يَذْهَبًا فَلَا يَرْجِعانِ ؟ وَإنْ كانا غَيْرَ مُضْطَرَّيْنِ فَلِمَ لا يَصيرُ اللَّيْلُ نَهَاراً ، وَالنَّهَارُ لَيْلاً ؟! اضْطَرًا وَاللهِ يا أَخا أَهْلَ مِصْرَ ...
إِنَّ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ ، وَتَظُنُّونَ مِنَ الدَّهْرِ ، فَإِنْ كانَ هُوَ يُذْهِبُهُمْ فَلِمَ يَرُدُّهُمْ ؟ وَإِنْ كَانَ يَرُدُّهُمْ فَلِمَ يَذْهَبُ بِهِمْ ؟!
يا أَخا أَهْلَ مِصْرَ ، أَما تَرى السَّماءَ مَرْفُوعَةٌ ، وَالْأَرْضَ مَوْضُوعَةٌ ، لَا تَسْقُطُ السَّماء عَلَى الْأَرْضِ ، وَلَا تَنْحَدِرُ الْأَرْضُ فَوْقَ ما تَحْتَهَا ؟ أَمْسَكَهَا وَاللَّهِ خَالِقُها وَمُدَبِّرُها
ووجم المصري ، ولم يطق جواباً ، وفكر في أبعاد كلام الإمام ، فرأى فيه الهداية والحقِّ ، فثاب إلى الرشاد وأعلن إسلامه وإيمانه(1).
4- وقصد أحد الزنادقة الإمام(عليه السلام) فقال له : أرأيت الله حين عبدته ؟
ما كُنْتُ أَعْبُدُ شَيْئاً لَمْ أَرَهُ .
كيف رأيته ؟
لَمْ تَرَهُ الأَبْصَارُ بِمُشاهَدَةِ الْعِيانِ ، وَلكِنْ رَأَتْهُ الْقُلوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ لَا يُدْرَكُ بالحَواس ، وَلَا يُقاسُ بالنّاسِ ، مَعْروفٌ بِغَيْر تَشبيه(2).
5 - وفد بعض الزنادقة على الإمام(عليه السلام) فسأله عن مسائل كثيرة وممّا سأله قال : كيف يعبد الله الخلق ، ولم يروه .
وَمُحْكَماتُها ، وَاقْتَصَرَتِ الْعُلَماءُ عَلى ما رَأَتْ مِنْ عَظَمَتِهِ دونَ رُؤْيَتِهِ.
وقد أقام له في هذه المناظرة كثيراً من الأدلة على وجود الله ووحدانيته ، وقد أثر عنه في هذا المجال الشيء الكثير ، وذكره يستدعي الإطالة والخروج عن الموضوع ، فنکتفى بهذا النزر اليسير منه .
وقام الإمام موسى(عليه السلام) بدوره في الدفاع عن العقيدة الإسلامية ، وإبطال شبه الملحدين ، وزيف أفكارهم ، ونعرض فيما يلي إلى بعض المسائل الكلامية التي سئل عنها :
جاء في بعض الروايات من طرق العامة أنّ الله سبحانه ينزل في الثلث الأخير من
الليل فينادي في السماء : هل من داع ؟ هل من مستغفر والمجسّمون يحملون هذه الأخبار على ظواهرها من دون تأويل أو نظر في سندها ، وأثبتوا أن الله تعالى له جسم، وقد عرض ذلك على الإمام(عليه السلام)، فبين فساد ذلك .
قال(عليه السلام): إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِلُ ، وَلَا يَحْتاجُ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ ، إِنَّما مَنْظَرُهُ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ سَواءٌ (1)، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَرِيبٌ ، وَلَمْ يَقْرُبْ مِنْهُ بَعِيدٌ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى
1) المراد أنّه تعالى منزّه عن الحركة والانتقال ، لأنّ الذي يتصف بالحركة هو الممكن ، فإن نسبته إلى الأمكنة ليست نسبة واحدة ، فإذا حضر في مكان غاب عنه الآخر ، وإذا قرب من شيء بعد عن الشيء الآخر ، وإذا تعلّق له غرض بمكان لا بد له من الحركة والانتقال إليه لايجاد غرضه ، وجميع ذلك بالنسبة إليه تعالى محال ، فإن نسبته إلى جميع الأمكنة والإمكانيات نسبة واحدة ، وليس شيء منها أقرب إليه من شيء آخر ، فلذا يحتج إلى الحركة ، فإنّ منظره في القرب والبعد سواء .
شَيْءٍ ، بَلْ يُحْتاجُ إِلَيْهِ وَهُوَ ذُو الطَّوْلِ(1)لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
أَما قَوْلُ الْواصِفِينَ : إِنَّهُ يَنْزِلُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَإِنَّما يَقولُ بِذلِكَ مَنْ يَنْسِبُهُ إلى نَقْصٍ أَوْ زِيادَةٍ (2)، وَكُلُّ مُتَحَرِّكِ مُحْتاج إلى مَنْ يُحَرِّكُهُ أَوْ يَتَحَرَّكُ به(3)
« أو يتحرك به، والحركة صفة حادثة ، وهي باعتبارها وصفاً تحتاج إلى قابل ، وباعتبار حدوثها تحتاج إلى فاعل ، ولا بد أن يكون فاعلها غير القابل ، إذ لا يعقل أن يكون ذلك ، فكل متحرّك يحتاج إلى محرّك يغايره ، والمغاير أيضاً يحتاج إلى محرّك ، وهكذا فيلزم منه التسلسل المجمع على بطلاته .
، فَمَنْ ظَنَّ بِاللَّهِ الظُّنونَ فَقَدْ هَلَكَ (4).1) إنّ كلّ شيء محتاج إلى الله تعالى ، فهو الذي يفيض عليه الوجود ، ولو احتاج تعالى إلى شيء لزم افتقار الشيء إلى ما يفتقر إليه من حيثية واحدة ، وذلك محال لاستلزامه الدور المجمع على بطلانه .
2) أشار إلى المفاسد التي تترتب على القول بنزوله تعالى من السماء ، فإن ذلك يستلزم الله الحركة ، وكلّ من يتحرّك، سواء أكانت الحركة في الأين أم في غيره ، فإنّها توجب الخروج من النقص إلى الكمال أو إلى الزيادة ، وهي الخروج من القوة إلى الفعل ، وكلّ ما يوصف بنقص أو زيادة ففي ذاته إمكان للانفعال من غيره، ولازمه تركب الذات من القوة والفعل حسب ما نص عليه الفلاسفة - وكل مركب فهو ممكن الوجود محتاج إلى غيره ، ولازمه أن يكون تعالى ممكن الوجود، وهو محال حسب ما دلّل عليه في البحوث الفلسفية .
3) أشار(عليه السلام) إلى حجّة أخرى على بطلان من زعم بنزوله تعالى من السماء ، فإنّ ذلك يلزم منه الحركة ، وكلّ متحرّك لا بد له من محرّك ، سواء أكان مبايناً له كالحركات النفسية وهي المعبر عنها بقوله : « من يحرّكه » ، أم مقارناً له كالحركات الطبيعية ، وقد عبر عنها (عليه السلام) بقوله :
4) حذر(عليه السلام)من الظنون الفاسدة ، فإنّها توجب الهلكة والمروق من الدين ، فإنّه تعالى
فَاحْذَرُوا فِي صِفاتِهِ مِنْ أَنْ تَقِفُوا لَهُ عَلَى حَدَّ تَحُدُّونَهُ بِنَقْصٍ أَوْ زِيادَةٍ ، أَوْ تَحْرِيكِ أَوْ تَحَرُّ ، أَوْ زَوالِ أَوِ اسْتِنْزالٍ ، أَوْ نُهُوضِ أَوْ قُعودٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ صِفَةِ الْواصِفِينَ ، وَنَعْتِ النَّاعِتينَ ، وَتَوَهُم الْمُتَوَهّمينَ ، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حينَ تَقومُ ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (1).
وتحدث (عليه السلام)مع أصحابه عن نفي الحركة عن الله تعالى ، فقال :
« لَا أَقولُ إِنَّهُ قائِمٌ فَأزِيلُهُ عَنْ مَكانِهِ، وَلَا أَحدُّهُ بِمَكان يَكونُ فيه، وَلَا أَحَدُهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَرْكَانِ وَالْجَوارِحِ ، وَلَا أَحُدُّهُ بِلَفْظِ شَرٌّ فَم ، وَلكِنْ كَما قالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعالى: كُنْ فَيَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ ، صَمَداً فَرْداً ، لَمْ يَحْتَجْ إِلى شَرِيكٍ يَذْكُرُ لَهُ مُلْكَهُ ، وَلَا يَفْتَحُ لَهُ أَبْوابَ عِلْمِهِ » (2).
أراد(عليه السلام)أنه لا يصف الله تعالى بالقيام بالمعنى الذي يقول به اللغويون كي يلزم زواله عن المكان الذي كان به قبل قيامه ، وأيضاً لا يصفه بالكون في مكان ليلزم منه كونه جسماً محدوداً ، ولا يصفه أيضاً بالحركة بكله أو بالحركة التي تكون للجوارح ، فإنّ ذلك يلزم منه التغيير والحاجة إلى الغير، تعالى الله عن جميع ذلك.
وبين(عليه السلام)كيفية صنعه للأشياء بأنّ ذلك ليس بلفظ شقّ فم اللافظ عند تكلّمه ، بل إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، وهو تعالى يفعل ما يريد بنفس مشيئته من غير استعمال آلة أو جارحة ، ومن غير تردّد وتفكر ، لا يفتقر في إيجاده للأشياء إلى شريك بعينه ، ولا وزير يدبر له أمره ، ويستعين به أو يذكر له ملكه وسلطانه .
وممّا قال به الملحدون في ذلك العصر : إن الله تعالى له جسم كبقية الموجودات ، وقد قال بذلك هشام بن الحكم قبل هدايته ورجوعه إلى طريق الحق ، وقد عرض قوله على الإمام موسى(عليه السلام).
فقال في الردّ عليه : « أَيُّ فَحْشِ أَوْ خَنا أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَصِفُ خَالِقَ الْأَشْياءِ بِجِسْمِ أَوْ صُورَةٍ ، أَوْ بِخِلْقَةٍ (1)، أَوْ بِتَحْدِيدٍ وَأَعْضاءٍ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كبيراً »(2).
وذكر الشهرستاني أن هشام بن الحكم له مقالات في التشبيه ، ووافقه على ذلك هشام بن سالم الجواليقي، وممّا قالوه : إن الله تعالى طوله سبعة أشبار بشبر نفسه ، وأنّه في مكان مخصوص ، وجهة مخصوصة ، وأنّه تعالى على صورة إنسان أعلاه مجوّف ، وأسفله مصمت ، وهو ساطح يتلألأ ، له حواس خمس ، ورجل وأنف وأذن وعين ، وله وفرة سوداء ، لكنه ليس بلحم ولا دم(3).
وطعن جملة من المحققين في نسبة ذلك إلى هشام نظراً لوثاقته وعلمه ، وأنه في طليعة رجال الإسلام ، فكيف تصح نسبة ذلك إليه ، إلا أنّه لا مانع من ذلك ، فإنّه كان في بداية أمره قبل أن يتعرّف بالإمام قد جرفته الأفكار الإلحادية ، وبعد اتصاله بالإمام(عليه السلام) ثابت إلى طريق الحق والصواب، وصار من أعلام الفكر الإسلامي ، وسنوضح ذلك عند التحدّث عن ترجمته .
وعرض عبدالرحمن على الإمام(عليه السلام)قولاً لهشام في التجسيم ، وهو : « إنّ الله
جسم ليس كمثله شيء ، عالم سميع ، بصير قادر ، متكلّم ناطق ، والكلام والقدرة والعلم تجري مجرى واحد ليس شيء منها مخلوقاً».
فردّ الإمام عليه ذلك بقوله : « قاتَلَهُ اللهُ ، أَما عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدودٌ ، وَالْكَلامَ غَيْرُ الْمُتَكَلَّم ، مَعَاذَ اللَّهِ! وَأَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، لَا جِسْمٌ، وَلَا صورَةٌ، وَلَا تَحْدِيدٌ ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِواهُ مَخْلُوقٌ ، إِنَّما تَكُونُ الْأَشْياءُ بِإِرادَتِهِ وَ مَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ كَلامٍ ، وَلَا تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ ، وَلَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ»(1).
ومن جملة الأمور التي سئل عنها(عليه السلام) فيما يتعلق بصفات الله أنه سئل عن جسم الله وصورته ، فأجاب(عليه السلام): سُبْحانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، لَا جِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ(2).
وانتشرت الأضاليل في ذلك العصر ، وسادت البدع ، وقد وجهت الأسئلة الكثيرة إلى الإمام (عليه السلام)فيما يتعلق بذات الله وصفاته ، ومن الأسئلة التي وجهت إليه هو ما معنى الله ؟
فأجاب(عليه السلام): اسْتَوْلى عَلى ما دَقٌ وَجَلَّ(3).
وهذا التفسير الذي أدلى به الإمام تفسير للشيء بما يلازمه ، فإن معنى الإلهية يلزمه الاستيلاء على جميع الأشياء ، جليلها ودقيقها ، وحاضرها وغائبها ، وكلّ شيء فيها .
وروي في المحاسن أنه سئل عن معنى قول الله : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
ورفع إلى الإمام سؤال عن علم الله تعالى جاء فيه : هل إنّ الله كان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكوّنها ، أو أنّه لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها ، فعلم ما خلق عندما خلق ، وما كوّن عندما كوّن .
فأجاب(عليه السلام): لَمْ يَزَلِ اللهُ عَالِماً بِالْأَشْياءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ كَعِلْمِهِ بِالْأَشْياءِ بَعْدَ ما عَلِمَ خَلْقَ الْأَشْياءِ (3).
وكتب إليه محمّد بن حمزة رسالة يسأله فيها عن علم الله ، وهذا نصها: «إنّ مواليك اختلفوا في العلم ، فقال بعضهم : لم يزل الله عالماً قبل فعل الأشياء ، وقال بعضهم : لا نقول ، لم يزل الله عالماً لأن معنى يعلم يفعل ، فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئاً ، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه .
فكتب(عليه السلام)إليه : لَمْ يَزَلِ اللهُ عَالِماً تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرُهُ (4)
وكان جوابه(عليه السلام) عن هذه المسألة مجملاً نظراً لقصر فهم السائل عن إدراك الجواب، فإنّ هذه المسألة من أشكل المسائل الفلسفيّة ، وقد وقع الاختلاف فيها بين أعاظم الفلاسفة القدامى، فالمشائيون تبعاً لمعلّمهم أرسطاطاليس ذهبوا إلى أنّ علمه تعالى بالأشياء متقدّم عليها ، والإشراقيون تبعاً لمعلّمهم افلاطون ذهبوا إلى أنّ
علم الله عزّ اسمه بالأشياء مقارن لايجاد الشيء ، وقد استدل الفريقان بأدلة كثيرة فيها لون من الغموض والابهام ، وحيث إنّ السائل لم يفقه أمثال هذه البحوث فلذا أجمل (عليه السلام) في جوابه .
وسأل صفوان بن يحيى الإمام عن الإرادة ، هل هي من الله أو من الخلق ؟
فأجابه(عليه السلام): الْإِرادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ ، وَما يَبْدو لَهُمْ بَعْدَ ذلِكَ مِنَ الْفِعْلِ ، وَأَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرادَتُهُ إِحْداتُهُ لَا غَيْرُ ذلِكَ ، لأَنَّهُ لَا يُرَوِّي ، وَلَا يَهِمُ ، وَلاَ يَتَفَكَّرُ، وَهَذِهِ الصَّفاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ ، وَهِيَ صِفاتُ الْخَلْقِ ، فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ ، يَقولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظِ ، وَلَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ ، وَلَا هِمَّةٍ ، وَلَا تَفَكَّرِ ، وَلَا كَيْفَ لِذلِكَ ، كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ(1)
وإيضاح كلامه (عليه السلام)أن إرادة الإنسان عبارة عن كيفية نفسانية تحدث عقيب تصوّره للشيء الملائم له ، والتصديق بثبوته ونفعه تصديقاً علمياً أو ظنّيّاً ، فإذا بلغ الشيء في قرارة النفس حدّ الرجحان حصل العزم لإيجاده ، وأما إرادة الله تعالى فليست صفة حادثة على ذاته الكريمة لاستحالة حدوث صفة أو كيفية في ذاته وليست الإرادة بالنسبة له إلا إحداثه الشيء لا غير لتعاليه سبحانه عن الروية والفكر .
قال علي بن إبراهيم : « سمعت أبا الحسن موسى(عليه السلام) يقول : لَا يَكونُ شَيْءٌ إلا ما شاءَ اللَّهُ وَأَرادَ وَقَدَّرَ وَقَضى.
1) أصول الكافي : 1 : 127.
فقلت له : ما معنى شاء ؟
قال(عليه السلام): ابْتِداءُ الفِعْل .
قلت : ما معنى قدر ؟
قال : تَقْدِيرُ الشَّيْءِ مِنْ طُوْلِهِ وَعَرْضِهِ
قلت : ما معنى قضى ؟
قال(عليه السلام) : إذا قضى أَمْضاهُ ، فَذلِكَ الَّذى لَا مَرَدَّ لَهُ (1).
وإيضاح كلامه(عليه السلام)على وجه الإجمال أنّ للإنسان أفعالاً اختيارية منها مشيئته وإرادته وتقديره وإمضاؤه ، وحيث إنّه تعالى عدّ الموجودات الخارجيّة من أفعال نفسه وصادرة عن علمه وقدرته ، فلابد أن تكون مسبوقة بالمشيئة والإرادة ، والتقدير والقضاء ، والمشيئة والإرادة لا بد من تحققهما في إيجاد الفعل الاختياري ، فالمعنى القائم في النفس من حيث ارتباطه بالفاعل يسمّى مشيئتة، ومن حيث ارتباطه بالفعل يسمّى إرادة ، والتقدير تعيين مقدار الفعل ، والقضاء هو الحكم الأخير الذي لا واسطة بينه وبين الفعل وإذا تعلق قضاؤه تعالى بشيء أمضاه وهو الذي لا مردّ له .
قال(عليه السلام): إِنْ لِلَّهِ إِرادَتَيْنِ وَ مَشيئَتَيْنِ : إِرادَةَ حَتْم ، وَإِرادَةَ عَزْمٍ ، يَنْهَى وَهُوَ يَشاءُ ، وَيَأْمُرُ وَهُوَ لَا يَشَاءُ ، أَو رَأَيْتَ أَنَّهُ نَهى آدَمَ وَزَوْجَتَهُ أَنْ يَأْكُلا مِنَ الشَّجَرَةِ ، وَشَاءَ ذلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَأْكُلا لَما غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُما مَشيئَةَ اللهِ تعالى ، وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ إِسْحَاقَ وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَذْبَحَهُ وَلَوْ شَاءَ لَما
1) أصول الكافي : 1: 150 .
غَلَبَتْ مَشيئَةُ إِبْرَاهِيمَ مَشيئَةَ اللهِ تَعالى(1).
وبيان مراده(عليه السلام) أن الإرادة تنقسم إلى الإرادة التكوينية الحقيقية وإلى الإرادة التشريعية الاعتبارية ، فإرادة الإنسان التي تتعلّق بفعل نفسه إرادة تكوينية تؤثر في أعضائه إلى إيجاد الفعل ، ويستحيل معها تخلّف الأعضاء عن المطاوعة إلا لمانع .
وأمّا الإرادة التي تتعلق بفعل الغير كما إذا أمر بشيء أو نهى عنه ، فإن هذه الإرادة ليست تكوينية ، بل هي تشريعية لأنها لا تؤثر في إيجاد الفعل أو تركه من الغير ، بل تتوقف على الإرادة التكوينية له .
وأما إرادة الله تعالى التكوينية فهي التي تتعلّق بالشيء ، ولا بدّ من إيجاده ويستحيل فيها التخلّف ، وأما إرادته التشريعية فهي التي تتعلق بالفعل من حيث أنه حسن وصالح ، وأما نهي الله لآدم عن الأكل وقد شاء ذلك وأمره تعالى لإبراهيم بالذبح لإسحاق وقد شاء ذلك ، فإنّ النهي والأمر فيهما تشريعيان ، كما أن المراد بالمشيئة هي المشيئة التكوينيّة .
وقد صرّحت الرواية بأنّ إبراهيم قد أمر بذبح ولده إسحاق دون إسماعيل ، وهو مخالف لما تظافرت به الأخبار الواردة عن أئمة أهل الهدى(عليه السلام)بأن الذي جعل قرباناً للبيت الحرام هو إسماعيل دون إسحاق .
ونكتفي بهذا المقدار من ردّه على الملحدين وتفنيده لشبههم ، وله تراث آخر يتعلّق في النبوة والإمامة ذكره المجلسي في بحاره ، كما دونه الكليني في أصول الكافي ، والتعرّض له يستدعي مجلّداً ضخماً ، لذا نكتفي بما ذكرناه للاستدلال على سهره(عليه السلام)على ردّ الشبه وتفنيد الأضاليل التي دهمت المسلمين.
وعلى أي حال ، فإنّ عصر الإمام قد غزته موجة من الإلحاد فجرها المعادون
1) أصول الكافي : 1 : 151 .
للإسلام والحاقدون على انتصاراته ، فرأوا أن لا وسيلة لهم لمقاومته إلا بإشاعة المبادئ الهدّامة بين المسلمين ليضعف بذلك الجانب العقائدي ، ولكن لم تلبث أن تلاشت تلك الأفكار، وقبرت تلك الأضاليل والبدع بواسطة المساعي الحميدة التي بذلها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقادة الفكر من تلامذتهم، فقد انطلقوا بحماس بالغ يعملون لصيانة الإسلام وحمايته من شبه الملحدين والمضللين.
إن تلك الموجات الإلحادية التي انتشرت في ذلك العصر تدل على أن المجتمع كان يعيش عيشة متحللة يسودها الخلاف المذهبي ، والشك في العقيدة الإسلامية ومما لا شك فيه أنّ لاحتجاجات الأئمة علال الهلال الأثر الفعّال في إرجاع المسلمين إلى طريق الحقّ والصواب.
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن الغزو العقائدي الذي مُني به المسلمون ، ولعله من أهم أحداث ذلك العصر .
كان العصر العباسي في أغلب أدواره عصر لهو ومجون قد أقبل الناس فيه على الطرب والغناء ، واندفعوا إلى الاستمتاع بجميع أنواع المحرمات من الادمان على شرب الخمر، واستعمال الميسر، ومنادمة الجواري والغلمان ، وغيرها مما حرّمه الله ، وقد شجعهم على ذلك الجهاز الحاكم ، فإنّه قد غرق في المنكر والإثم ، ودفع الناس إلى ذلك اللهو ، وإنا لنتخذ المقياس في فساد الأخلاق من شعراء ذلك العصر ، فإنّهم يمثلون المجتمع في جميع اتّجاهاته وميوله تمثيلاً صحيحاً.
فقد كان شعرهم لايصوّر جدّاً ولا نشاطاً في الحياة العامة ، ولا يصوّر أي واقع للحياة الفكرية ، وإنّما كان شعرهم في وصف العقار والقيان ،والبعث إلى اللذة والشهوات ، وكان ما أثر عنهم في هذا المجال وصمة في تراث الأدب العربي ،
وفيما يلي هذه البادرة التي تدل على ذلك :
اجتمع شعراء البلاط العباسي ، فقالوا : أين نقضي هذه الليلة سهرتنا ، فأخذ كلّ واحد يدعوهم إلى بيته ، فاقترح أبو نواس أن تكون هذه الدعوة شعراً لا نثراً، وأن تذهب الجماعة إلى أحسنهم نظماً في ذلك ، فقال داود بن رزين الواسطي :
قوموا لِمَنزِلِ لَهْوِ*** وَظِلٌ بَيتٍ كَنينِ
فيهِ مِنَ الوَردِ وَالنَّرْ*** جس والياسمين
ورَيحُ مِسْكِ ذَكَيَّ*** وَفائِحُ المَرْزَجون(1)
وَقَيْنَةٌ ذاتُ غَنْجٍ*** وَدَاتُ عَقْلِ رَصين
تَشد و بِكُلِّ طَريف*** مِنْ مُحْكَمِ ( ابْنِ رَزِينِ )
وقال أبو نؤاس :
لَا بَلْ إِلَى ثُقاتِي*** قوموا بنا لِحَياتي
قوموا نَلَذُّ جَميعاً*** بقول هاك وهاتي
وذكر لوناً من الخلاعة ننزه الكتاب عن ذكره .
وقال الخليع :
إلى ( الخليعِ ) فقوموا ***إِلى شَرابِ الخَليعِ
إلى شراب لذيذ*** وَأَكْلِ جَدْيِ رَضِيعِ
وَنَيل أخوى رخيمٍ*** بالخَندَريس صريع(2)
في رَوْضَةٍ جَادَها صَو*** بُ غادِياتِ الربيع
قوموا تنالوا وشيكا*** مَنالَ كُلُّ رَفيعِ
وقال الرقاشي:
للهِ دَر عُقار*** حَلَّتْ بِبَيتِ ( الرقاشي )
عَدْراءَ ذاتِ احْمِرارٍ*** إنّي بها لا أحاشي
وقال عمرو الورّاق :
عَرَّجوا إِلَى بَيْتِ (عمرو)*** إلى سماع وَخَمْرِ
وناشجاتٍ عَلَيْنا*** تُطاعُ في كُلُّ أَمْرٍ
هُناكَ أحلى وأشهى*** مِنْ صَيْدِ باز وَصَفْرِ
هذا وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ*** أَوْلى وَلَا وَقْتُ عَصْرِ
وقال الحسين الخيّاط :
قَضَتْ عِنانٌ عَلَينا*** بِأَنْ نَزور ( حُسَيْنا )
وَأَن نَفرٌ لَدَيْهِ*** باللَّهْوِ وَالقَصْفِ عَيْنا
فَما رَأَيْنا كَظَرف ( الحُ-*** -سَيْنِ ) فيما رأينا
وقالت عنان :
مَهْلًا أُفَدِّيكَ مَهْلاً***( عِنانُ) أخرى وَأَوْلى
بأن تَنالَ لَدَيْها ***أَشْهَى النَّعِيمِ وَأَحْلى
لَا تَطْمَعوا في سِوايَ*** من البَرِيَّةِ كُلا
يا إِخْوَتِي خَبروني*** أَجازَ حُكْمِي أَمْ لا ؟ !
ومضى كل واحد ينظم أبياتاً فيها ترغيب على اللذة وحثّ على اللهو والمجون ،
فاقترح أبو نؤاس الذهاب إلى حانة خمّار ، فقال :
ألا قوموا إلى الكَرْخ*** إِلَى مَنزِلِ خَمّارِ
إِلَى صَهْباءَ كَالمِسْكِ*** إِلَى جُونَةِ عَطَارِ
وَيُسْتانِ بِهِ نَخْلُ*** لَهُ زَهْرٌ بِأَشْجَارٍ
فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ لَهْواً*** أَتَيْنَاكُمْ بِمِزْمارِ(1)
إنّ هذا اللون من الأدب المكشوف قد دلّ على انتشار الميوعة وفساد الأخلاق والتحلّل من الرواسب الدينية التي تحرم ذلك .
إن سمة الحياة في ذلك العصر يمثلها الشعراء ، فقد استأثرت عواطفهم وأحاسيسهم باللهو والمجون ، وتعلّقت قلوبهم بالخمر فعكفوا على وصفها والثناء عليها ، وقد كرّس أبو نؤاس مجهوده الفكري على وصف الأكواب والكؤوس والدنان والسقاة والخمارين والندمان والكروم ، ولم يفته أن يذكر أصناف الخمور ، وطريقة صنعها ، ولم ينس أن يفرّق بين هذه وتلك في الطعم واللون والرائحة ، ولم يقصر في بيان النشوة ، ودبيبها في الأعضاء وسورتها في الرؤوس ، ولم يكن بيانه بيان الذي يتعمد ذلك لغرض فني فحسب، بل كان بيان الذي تمكن من نفسه الحبّ ، فجعله يلتفت إلى كلّ ما يتصل بها وينظر إلى ما لا يراه سواه ، ويحسّ فيها بما لم يحس به أحد .
وقد وصل حبّه إلى الخمر إلى حدّ العبادة والتقديس ، وقد شاعت خمرياته ، وافتتن الناس بها ، وكان الجاحظ معجباً إعجاباً شديداً بهذه الأبيات :
ودارُ نَدامى عطلوها وَأَدْلَجوا*** بها أثرٌ مِنْهُمْ جَديدٌ وَدارِسُ
مَساحِبُ مِنْ جَرِّ الزَّقاقِ عَلَى الثّرى*** وَأَضْغَاثُ رَيْحَانٍ جَنِيٌّ وَيَابِسُ
1) حديث الأربعاء : 2 : 46 - 48 .
حبَسْتُ بِها صَحْبي فَجَدَّدْتُ عَهْدَهُمْ*** وَإِنِّي عَلَى أَمْثَالِ تِلْكَ لِحابِسُ
أَقَمْنا بها يَوْماً وَيَوْماً وثالثاً*** وَيَوْماً لَهُ يَومُ التَّرَجُل خامسُ
تدارُ عَلَيْنَا الرّاحُ في عَسْجَدِيةٍ*** حبَتْها بألوان التصاوير فارس
قَرارَتُها كِسْرَى وَفي جَنَباتِها*** فهي تدريها بِالْقِسِيِّ الفَوارِسُ
فَلِلخَمْرِ مَا زَرَّتْ عَلَيْهِ جُيوبُها*** وللماء ما دارَتْ عَلَيْهِ القَلانِسُ(1)
وقد ذكر في مطلعها حنينه وحبه للخمر ، وقد اقترن شرب الخمر مع الغناء والرقص في ذلك العصر ، وكانت الأميرات وسيدات الطبقة الراقية في بغداد يشتركن في حفلات موسيقية خاصة(2).
كما انتشرت الدور الخاصة التي أعدت للخمر والغناء وضرب الدفوف والطبول ، كما كانت البساتين في ضواحي بغداد تعج بحانات الخمر التي يختلف إليها الشعراء والشباب والفتيات وقد وصف مطيع بن إياس في بعض شعره حانة بستان صباح(3)التي كان يتعاطى فيها الخمر ، كما استحالت الأديرة إلى حانات شرب ، وميادين إلى الغزل والمجون، وقد وصف أبو نؤاس راهباتها وخمرها بقوله :
ياديرَ حَنَّةَ مِنْ ذاتِ الأُكَيْراحِ*** مَنْ يَصْحُ عَنْكِ فَإِنِّي لَسْتُ بِالصّاحِي
رَأَيْتُ فيكِ ظباءٌ لَا قُرون لَها ***يَلْعَبْنَ مِنَا بِأَلْبابِ وَأَرْواحِ (4)
وقد تحوّلت بغداد ، بل جميع أنحاء العراق ، إلى دور للهو والعبث والمجون وانساب الناس وراء الشهوات، ونبذوا القيم الإسلامية التي تحرم ذلك ، وأدّى ذلك
إلى انحطاط الأخلاق ، وانغماس الناس في الإثم والمنكر والفساد ، وامتد الفجور إلى الغزل بالغلمان ، وقد أفرط أبو نؤاس وأمثاله من الشعراء في ذلك ، الأمر الذي أدّى إلى انحلال الأخلاق وشيوع الخلاعة والابتذال .
وممّا لا شبهة فيه أنّ سياسة الحكم العباسي الأوّل هي المسؤولة عن هذه الموجة من التحلّل والفجور ، فإن أولئك الملوك قد أسهموا في إيجاد هذا العبث واللهو ، وإشاعة المنكر والفساد فلم تكن هناك سوءة إلا وتضاف إليهم ، ولا استهانة بالعرف الاجتماعي أو القيم الإسلامية إلا وهم سببها وأصلها .
كانت الأكثرية الساحقة في البلاد الإسلامية تعاني الفقر والحرمان ، وترزح تحت كابوس ثقيل من الظلم والبؤس، فالأموال قد تكدست عند طبقة خاصة من المغنين والماجنين، وقد تفننوا في جميع أنواع الملذات ، كما أسرفوا في الشهوات ، أما عامة الناس فقد استولى عليها الجوع والفقر بسبب ظلم الولاة وجورهم في أخذ الخراج ، وقد صوّر اضطهاد المجتمع وسوء الحياة الاقتصادية الشاعر الاجتماعي الكبير أبو العتاهية بقصيدته التي وجهها إلى عاهل بغداد ، وقد جاء فيها :
مَنْ مُبْلِغْ عَنّي الإما*** م نصائحاً مُتَوالِيه
إِنِّي أَرى الأَسْعَارَ أَسْ-*** -عارَ الرَّعيَّة غاليه
وَأَرى المَكاسِبَ نَزْرَةٌ*** وَأرى الضرورة فاشيه
وَأرى عُمومَ الدَّهْرِ را ***يْحَةٌ تَمُرُّ وَغَادِيَه
وَأَرى اليَتامى في البيو*** تِ البائساتِ الخاليه
مِنْ بَينِ راجِ لَمْ يَزَلْ*** يَسْمو إِلَيْكَ وَراجِيَه
يَشكونَ مَجْهَدَةٌ بِأَصْ-*** -واتٍ ضعاف عاليّه
يَرجونَ رِفْدَكَ كَي يَرَوا*** مِمّا لقوه العافيّه
وَمُصَيِّبَاتِ الجوع إذْ*** تُمْسِي وَتُصْبِحُ طَاوِيَه
مَنْ لِلْبُطون الجائعا*** تِ وَالْجُسوم العاريّه
أَلْقَيْتُ أخباراً إِلَيْ-*** -ك مِنَ الرَّعيَّةِ شافيّه (1)
هذه هي الحالة الاجتماعية السائدة في عصر هارون ، الملايين من الشعب تعرى وتجوع ، بينما قد زخرت خزائن بغداد بأموال المواطنين ، غير أنها لم تكن إلّا للخلفاء وأبنائهم ووزرائهم والمقربين عندهم من الظلمة والماجنين والمخنّثين .
وأما الذين لا يمرّغون جباههم على أعتاب الولاة فهم في فقر ويؤس ، ولندع الحديث إلى أبي العتاهية يصوّر لنا بوضوح ما يتمناه في ذلك العصر الذهبي الذي اصطلح المؤرّخون على تسميته بذلك ، فيقول :
رَغيفُ خُبْزِ يَابِسٍ*** تَأكُلُهُ في زاويه
وَغُرفَةٌ ضَيَّقَةٌ*** نَفْسُكَ فيها خالِيَه
أو مسجد بِمَعزَلٍ *** عَنِ الوَرى في ناحِيَه
خَيْرٌ مِنَ السّاعاتِ في*** فَيءِ القصور العاليه
فهذِهِ وَصِيَّۀ*** مخبرةٌ بحاليَه
طوبي لِمَنْ يَسْمَعُها*** تلك لعَمْري كافيه
فَاسْمَعْ لنُصْح مُشْفِق*** يُدعى أبا العَتاهيه (2)
إنّ هذا اليأس والتشاؤم ، وهذه الآلام التي ردّدها شاعر المجتمع العبّاسي كانت
من نتائج فساد الحكم القائم ، ومن مساوئ سلطانهم ، فقد قضت سياستهم الملتوية بإشاعة الحرمان والفقر بين الناس ، ونشر الثروة عند طبقة خاصة أسرفت في التفنّن في أنواع الملذات ، فكانوا يزينون مجالسهم بالفرش الفاخر والمتاع الثمين ، ويلبسون الحيطان بالوشي والديباج ، ويغرسون الزهور في جنانهم حتى كانوا يجلبون لها الرياحين من بلاد الهند ، وأخذوا يمعنون في ابتكار أساليب المتع ، حتّى إذا ما ملوا من واحدة منها مالوا إلى أخرى ، وحتّى كان بعضهم يكاد ينطح العمود برأسه من حسن الغناء » كما يقول الأصفهاني ، وكانت نتيجة ذلك انتشار الإعواز والفقر عند طبقات الشعب .
ومهما يكن من أمر ، فإنّ الحكومات العبّاسيّة في العصر الأول قد نهبت أموال الشعوب الإسلامية ، وأشاعت الحاجة في البلاد ، وصرفت الخزينة المركزية على الدعارة واللهو وفساد الأخلاق ، وقد أيقنت الجماهير بفساد تلك السلطات وعدم شرعية حكمها ، كما آمنت بالعلويين واعتقدت بأنّهم دعاة العدل الاجتماعي ومأوى المظلومين والمضطهدين.
كان الحكم العبّاسي في أكثر أدواره قائماً على الظلم والجور ، فلا ظلّ فيه للعدل السياسي والعدل الاجتماعي ، فقد نهج العباسيون في حكمهم منهجاً فردياً خالصاً ، قد تسلّموا جميع السلطات الإدارية والقضائيّة، ولم يكن ثمة مجلس إداري أو استشاري تعالج فيه شؤون الرعيّة ، وسائر مصالحها ، ووسائل تطوّرها وتقدّمها ، فقد كان طابع الحكم استبدادياً، يحكم الخليفة بحسب رأيه وهواه ، فهو ظلّ الله في الأرض- كما يقولون - وإذا بهذا الظل يمعن في الاستبداد ونهب الأموال ، ومصادرة الحريات ، وإرغام الناس على ما يكرهون .
لقد كان الحكم العبّاسي في أكثر فترات تاريخه يضارع الحكم الأموي في مادته
وصورته ، يقول ليفي ديللا فيدا : « إنّ النظام الإداري الذي جرى عليه العبّاسيّون هو في جوهره نظام الأمويين»(1).
وقد أجحفت الدوائر الرسميّة في حقوق العامة في حين كان تصانع الوجوه والرؤساء وذوي النفوذ .
يقول أمين الريحاني : « وكانت الدوائر تدور كلّها لا على الباغين - الظالمين والسفاحين - بل على الأهالي المساكين، على أولئك الذين يدفعون الضرائب ويلبون الدعوة للجهاد » .
وعلى هؤلاء كان الظلم والجور ، فقد هان أمرهم عند أولئك الحكام الذين استأثروا في توزيع الخير والشر على من يحبّون ويكرهون ، فأنفقوا أموال الشعوب الإسلامية البائسة على شهواتهم وعلى من يسير في ركابهم ، فقد يعجب أحدهم ببيت من الغناء فيهب الثراء العريض ، وقد يكره ، كلمة من مصلح فيهدر الدم ويصادر الأموال .
فقد كان المعتضد العبّاسي إذا غضب على قائد أمر بإلقائه في حفرة وردم عليه(2)، وعرف الكثيرون منهم بالبطش والبغي وسفك الدماء .
ووصف العتابي حالة الحكم القائم عندما سئل : لِمَ لا تتقرب بأدبك إلى السلطان ؟
فقال : إني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء ويرمي من السور في غير شيء ، ولا أدري أي الرجلين أكون (3).
ودعي محمّد بن الحارث إلى الواثق في يوم لم يكن يدعى فيه ، فقال : « داخلني
فزع شديد ، وخفت أن يكون ساع قد سعى بي ، أو بليّة قد حدثت في رأي الخليفة على فتقدمت بما أراد»(1).
ولما قتل المأمون وزيره الفضل بن سهل ، عرض الوزارة على أحمد بن أبي خالد ، فأبى أن يقبلها وقال : « لم أرَ أحداً تعرّض للوزارة وسلمت حاله»(2).
والسبب في ذلك أنّ الحكم لم يكن جارياً على قانون أو دستور معيّن ، بل كان كيفياًّ حسب ما يتفق مع ميول الخليفة ، فهو يوزع الموت والحياة على من كره وأحب .
وكانت الأحكام بالإعدام تصدر من البلاط بالجملة بمجرد الوشاية ، من غير أن يطمئن أو يوثق بقول المخبر بذلك ، فقد وشي برجل يقال له الفضيل بن عمران إلى أبي جعفر المنصور ، وكان كاتباً لابنه جعفر ووليّاً لأمره ، فقد وشي به أنه يعبث بجعفر ، فبعث المنصور رجلين ، وأمرهما بقتل الفضيل حيث وجداه ، وكتب إلى جعفر يعلمه ما أمرهما به وقال للرجلين : لا تدفعا الكتاب إلى جعفر حتى تفرغا من قتله ، فلما انتهيا إليه ضربا عنقه . وكان الفضيل عفيفاً صالحاً .
فقيل للمنصور إنّه أبرأ الناس ممّا رمي به ، وقد عجلت عليه ، فندم على ذلك ، ووجّه رسولاً ، وجعل له عشرة آلاف درهم إن أدركه قبل أن يقتل ، فقدم الرسول فوجده جثة هامدة ، فاستنكر جعفر ذلك ، وقال لمولاه : « ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل عفیف ، دین ، مسلم ، بلا جرم ولا جناية ؟!».
فأجابه سويد : هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء ، وهو أعلم بما يصنع .
وهكذا كانت أرواح الناس ودماؤهم يتصرفون فيها حسب ما شاءوا ، فالملك يفعل ما يصنع فهو ظلّ الله في الأرض لا يسأل عن ذنب ولا جرم .
لقد كانت البلاد الإسلاميّة أيّام الحكم العباسي ترزح تحت كابوس ثقيل من الظلم والجور ، فقد عمد العباسيون إلى استعمال العنف في تنفيذ خططهم ، ولأوّل مرّة في تاريخ الإسلام صار النطع إلى جانب كرسي الخلافة، واتّخذ منه ومن الجلاد أداة لتوطيد الوصول إلى العرش ، كما يقول فيليب حتّي .
على هذا الأساس كان الحكم العباسي في أكثر أدواره وعهوده ، فلم يخضع لمنطق الحق والعدل، وإنما كان خاضعاً للأهواء والعواطف ، فالغلمان والنساء والعابثون من الندماء كان لهم الضلع الكبير في إدارة شؤون الحكم وتوزيع الهبات والأرزاق ، أو الحرمان ، ولم يكن ذلك كله مستنداً إلى شريعة الله ، وإنّما كان مبعثه الرغبات الشخصية التي هي أبعد ما تكون عن منطق العدل .
ولعلّ من أهمّ ما حفل به العصر العباسي الأوّل من الأحداث ، حدوث المذاهب الإسلامية ، وتشعب المسلمين إلى عدة طوائف وفرق ، قد اختلفت فيما بينها في أصول الدين وفروعه ، وفي كلّ شيء .
والشيء المحقق أنّ السلطات العباسية في عصورها الأولى هي التي أحدثت المذاهب الإسلامية ، وغذتها ونمتها ، وحملت الناس بالقهر والقوة على اعتناقها ، وفيما نحسب أن السبب في ذلك إبعاد المسلمين عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين يمثلون واقع الإسلام واتجاهاته الثوريّة في القضاء على الظلم الاجتماعي ، والغبن الاجتماعي ، وإنقاذ الناس من الجور السياسي ، والاستبداد السياسي.
لقد اندفع العلويون في العصر الأموي إلى ساحات الجهاد المقدس لصيانة المجتمع من عنف الأمويين وبطشهم ، وإعادة المبادئ الكريمة التي
ينشدها الإسلام، ويؤمن بضرورة توفيرها على جميع المواطنين، وهي تتركز على بسط العدالة والحرية والمساواة ، ونشر الدعة والاستقرار، والإيمان الكامل بحق الفرد ، وتوفير أسباب معيشته ورزقه وأمنه ، واعتبر ذلك قاعدة أساسية لتطوّر المجتمع ، وانطلاقه في آفاق من الحياة الحرّة الكريمة.
من أجل هذه المبادئ العليا هب العلويون إلى ميادين الكفاح والنضال ، فلاقوا أعنف المشاكل وأكثرها صعوبة وتعقيداً ، فتقطعت أوصالهم ، وأريقت دماؤهم ، وارتفعت أجسامهم على أعواد المشانق ، وقد آمنت الجماهير بأنّ العلويين حماة هذه الأمة وقادتها وولاة أمرها، وأنّه لا يمكن بأي حال أن تتوفّر للمجتمع أسباب معيشته ورخائه إلا في ظل حكمهم .
وقد التفّوا حولهم ، فكانت هتافات الثوّار والمتظاهرين الدعوة إلى« الرضا من آل محمّد »وقد قضت الثورة العارمة التي اندلعت في جميع أنحاء البلاد على الحكم الأموي حتى أطاحت به ، وأزالت جميع آثاره ، ولكنّ العباسيين قد اختلسوا الحكم من أهله ، وحينما استتب لهم الأمر عملوا جاهدين على إبادة العلويين وشيعتهم الذين هم مصدر القوى الواعية في الإسلام.
وكان المخطّط الرهيب الذي اتخذته الحكومة العبّاسيّة لتصفية الشيعة وسائر القوى المعارضة لهم يحتوي على ما يلي :
أوّلاً: إحداث المذاهب الإسلامية ، وفصم عرى الوحدة بين المسلمين، وإشغالهم بالناحية العقائدية من حياتهم عن النظر في أي شأن من الشؤون السياسيّة ، وقد عجّت النوادي في بغداد والكوفة والبصرة ويثرب وسائر أنحاء العالم الإسلامي بالمناظرات الكلامية ، والاحتجاجات الفلسفية ، وكلّها تحوم حول الاطار العقائدي في الإسلام ، وقد وجهت الحياة العلميّة في تلك العصور إلى هذه الناحية الخاصة ، ولم تتجه إلى أي جانب من جوانب الحياة السياسية التي يعيشها المسلمون .
ثانياً : عزل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)عن القافلة الإسلامية ، وفرض الرقابة عليهم ، ومنع الاتصال بهم ، وعدم أخذ معالم الدين منهم .
وقد شعر العباسيون بحاجة الناس إلى التفقه فى شؤون دينهم ، فعهد المنصور الدوانيقي إلى الإمام مالك - أحد رؤساء المذاهب الأربعة - بأن يضع كتاباً في الفقه يحمل الناس على العمل به قهراً ، فامتنع مالك من ذلك أولاً ، ثم أجابه أخيراً بعد الضغط فوضع الموطأ(1).
وقد ساندت الحكومات العبّاسيّة بقيّة أئمة المذاهب ، ونشرت فقههم ، وحملت الناس على العمل به ، كما أغدقت عليهم الأموال الطائلة ، وكرّمتهم تكريماً منقطع
1) شرح الموطأ / الزرقاني : 1 : 8
النظير ، فكان الرشيد يأمر عامله على المدينة بأن لا يقطع أمراً دون أن يأخذ رأي مالك ، كما كان يجلس على الأرض لاستماع حديثه(1).
وأمر بأن يهتف في أيّام الحج أن لا يفتي إلا مالك ، وقد ازدحم الناس عليه ، وكثرت عليه الوفود من سائر الأقاليم الإسلامية ، لاستماع حديثه ، وأخذ الأحكام الشرعية منه ، وكان لا يدنو إليه أحد لما أحيط به من التقدير الرسمي .
فقد احتف به غلمان من السود غلاظ شداد يأتمرون بأمره ، وينكلون بمن شاء أن ينكّل به ، وقد حدّث إسماعيل الفزاري ، قال : « دخلت على مالك وسألته أن يحدثني فحدّثني اثني عشر حديثاً ، ثم أمسك .
فقلت له : زدني أكرمك الله ، وكان له سودان قيام على رأسه ، فأشار إليهم فأخرجوني من داره(2).
إنّ العناية البالغة التي أولتها الحكومة العبّاسيّة لمالك وغيره من أئمة المذاهب تدل بوضوح على أنّ الغرض من ذلك هو إضعاف كيان أئمة أهل البيت(عليهم السلام)والقضاء على الشيعة الذين هم من أقوى الجبهات المعادية للحكم العباسي ، ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن الطائفة الشيعية التي حملت لواء الاصلاح وثارت في وجه الطغاة والمستبدين ، وحفل تاريخها بالمآثر والمفاخر ، وخدمة المسلمين ، وفيما يلي ذلك .
الشيعة - في اللغة - هم الأتباع والأنصار ، وغلب هذا الاسم على كلّ من يتولّى أمير المؤمنين(عليه السلام)وأهل بيته : .
قال الفيروزآبادي : « شيعة الرجل - بالكسر - أتباعه وأنصاره ، وقد غلب هذا الاسم على كلّ من يتولّى عليّاً وأهل بيته(عليهم السلام)، حتى صار اسماً خاصاً لهم »(1).
وقال ابن منظور الأفريقي : « أصل الشيعة الفرقة من الناس ، ويقع على الواحد والإثنين ، والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ، ومعنى واحد ، وقد غلب وصار اسماً على من يتولّى عليّاً وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين ، حتى صار اسماً خاصاً ، فإذا قيل : فلان من الشيعة عُرف أنه منهم»(2).
وقد أجمع اللغويون على تفسير الشيعة بما ذكرناه .
والشيء المحقق أنّ الشيعة قد تكوّنت في عهد الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)، فهو أوّل من وضع هذه البذرة الطيبة ونماها وتعاهدها بالسقي والعناية .
قال الإمام كاشف الغطاء ( قدّس الله مثواه ) : « إنّ أوّل من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية ، يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب ، وسواء بسواء ، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية ، حتى نمت وأزهرت في حياته ، ثمّ أثمرت بعد وفاته .
وشاهدي على ذلك نفس أحاديثه الشريفة ، لا من طرق الشيعة ورواة الإمامية حتى يقال : إنهم ساقطون لأنهم يقولون بالرجعة ، أو أنّ راويهم
( يجرّ النار إلى قرصه) ، بل من نفس أحاديث علماء السنّة وأعلامهم ، ومن طرقهم الوثيقة » .
ثم ذكر (رحمۀ الله علیه) ما رواه السيوطي في كتاب ( الدرّ المنثور ) في تفسير قوله تعالى :
أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(1) قال : أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبدالله ، قال : «كنا عند النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فأقبل علي الا ، فقال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم): وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ هذا وَشِيعَتَهُ هُمُ الْفائِزونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ ».
وذكر(رحمۀ الله علیه) جملة من الأخبار المعتمد عليها المؤيدة لما ذكره»(2)
وقال أبو حاتم الرازي : « إنّ أوّل اسم ظهر في الإسلام هو الشيعة ، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة هم : أبو ذر ، وسلمان ، وعمار ، والمقداد ، حتى أن أوان صفين ، فاشتهر بين موالي على(رضی الله عنه)» (3).
هذه الفكرة قد نشأت منذ فجر التاريخ ، أنشأها النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)واعتنقها كبار الصحابة الذين آمنوا بالإسلام، وأبلوا في سبيله بلاءاً حسناً ، وهم : أبو ذر ، وسلمان ، وعمار ، والمقداد .. وأشباههم من أعلام الإسلام.
وأكد أصالة هذا الرأي جميع البحاث من مؤلفي الشيعة .
يقول المرحوم الشيخ المظفّر :« إنّ الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)صارخاً بكلمة لا إله إلا الله ، فإنّه لما نزل قوله تعالى :وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(4)جمع بني هاشم وأنذرهم قائلاً: أَيُّكُمْ يُوَازِرُنِي لِيَكُونَ أَخي وَوارِثي وَوَصِنِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ مِنْ بَعْدِي ؟
فلم يجبه أحد إلى ما أراد غير المرتضى .
فقال لهم الرسول : هذا أخي وَوارِثي وَوَزِيري وَوَصِنِّي وَخَليفَتي فيكُمْ بَعْدي ،
فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعوا .
وأضاف المظفّر بعد ذلك يقول : « فكانت الدعوة إلى التشيع لأبي الحسن من صاحب الرسالة تمشي معه جنباً لجنب مع الدعوة للشهادتين، ومن ثمّ كان أبو ذرّ الغفاري من شيعة علي»(1).
إنا إذا نظرنا إلى الواقع نظرة مجردة من جميع الميول والعواطف، ومتّسمة بالتحقيق العلمي نجد واقعيّة هذا القول وأصالته وعمقه ، ويدعم ذلك ما يلي:
1 - إن الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) ترك لأمته من بعده المبادئ العظيمة التي تتطوّر بها حياتهم الفردية والاجتماعية ، وخلّف لها أعظم تراث لم تجد له الإنسانية مثيلاً في جميع فترات تاريخها ، فقد أعلن حقوق الإنسان ، وجاء بالأهداف العريضة التي تحقق أمن الإنسان ورخائه وسعادته.
والنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)الحريص على أداء رسالته وبقائها واستمرارها ، كان لا بد له أن يقيم من بعده من يحمي مبادئه ، ويصون رسالته ، ويعمل على نشرها بين جميع شعوب الأرض ، ومن الطبيعي أن ذلك ضرورة حتمية لكل صاحب دعوة ورسالة .
2 - وهناك ضرورة تلزم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بأن يعهد بالأمر من بعده ، وهي أن هناك قوى حاقدة على الإسلام تكيد له في وضح النهار وفي غلس الليل ، وتسعى جاهدة لإطفاء نوره ، وإخماد ضوئه ، وهي فئات المنافقين الذين ذمّهم القرآن الكريم ، وحذر منهم الرسول العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم)، ويمثل هذه القوى الغادرة أبو سفيان، وأكثر بني أمية ، فكيف يترك النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أمر الخلافة من بعده ويجعل الأمر فوضى ، فإن معنى ذلك أن يمكن قوى البغي والشرّ أن تنقض على أهدافه، وتطوي مبادئه ورسالته ، ومن المستحيل أن يصدر من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ذلك .
1) تاريخ الشيعة : 9 .
ومضافاً إلى لذلك فإنّ الجزيرة العربية لم تألف الدعوة إلى النظام والاستقرار التي عنت بهما رسالة الإسلام ، ففيها التطوّر الهائل في عالم الاقتصاد والسياسة والإدارة ، وسائر التنظيمات الأخرى التي تعنى بالأمن العام، والحفاظ على الاستقرار السياسي ، والتوازن العام في حياة الجماعة والفرد، ولم تع الجزيرة بصورة جازمة هذا التطوّر الهائل ، ولا الأبعاد الحقيقية لرسالة الإسلام ، ونهضته الجبارة ، فكان من المحتم أن ينصب الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) قائماً من بعده لتستمر رسالته في فعالياتها ومعطياتها .
وشيء آخر بالغ الخطورة يلزم الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)بنصب خليفة من بعده وهو الوضع الخارجي ، فالروم والفرس وغيرهما من دول العالم كانت تشعر بخوف بالغ من تقدّم الإسلام وانتشاره، وتعطش شعوبها إلى اعتناقه لينقذها من الجور والظلم ويحميها من الاستبداد والاستغلال .
وكانت تلك الدول تتربص بالإسلام الدوائر ، وتستعد بزج جميع قواها العسكرية للقضاء عليه ، ومن الطبيعي أن جميع ذلك يعلمه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ولم يغب عنه ، فكيف يهمل أمر الخلافة من بعده ، وهي بمنزلة العمود الفقري لأمّته .
إنّ الفوضى الداخلية ، والخطر الخارجي يحتمان على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أن يعني أشدّ العناية بأمر الخلافة ، وأن يوليها المزيد من اهتمامه ، والقول بأنه(صلی الله علیه وآله وسلم) قد أهمل ذلك لا يحمل أي طابع من التحقيق العلمي ، كما أنّه بعيد كل البعد عن منطق القيادة الواعية الحكيمة الماثلة في شخصية الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)التي لم تجد لها الإنسانية مثيلاً في وعيها وإدراكها لحقائق الأمور.
ولا أحسب أنّ هناك شخصاً يتجرّد من رواسب العصبية والتقليد وينظر إلى الواقع بدقة وعمق يشكّ في أنّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)قد أهمل أمر الخلافة ، وأنّه لم يجعلها من جوهر الأمور التي عنى بها أشدّ العناية والاهتمام .
3- وإذا لاحظنا سير الأحداث التي أثرت على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) نجد أنه قد عيّن الرائد ، ودلّل على القائد الذي يتحمّل مسؤوليّة القيادة الفكرية والسياسية من بعده،
وأنّه بصورة جازمة قد تبنّى هذه الجهة بشكل إيجابي ، وفرغ من إعدادها ، وذلك للحفاظ على مستقبل دعوته ، وحماية مكاسبها الاجتماعية من الانهيار والاضمحلال.
لقد اختار الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) المرجعية العامة والقيادة الزمنية الإمام أمير المؤمنين كما سندلّل عليه ، ولم يكن هذا الاختيار بدوافع الإثرة ، وحبّ القرابة ، فإن ذلك بعيد أشدّ البعد عن منطق النبوّة التي لا تخضع لغير الحق والعدل وصالح الأمة.
وإنّما رشح الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) الإمام(عليه السلام)لهذا المنصب الخطير لما تتوفر فيه من القابليات الفذة والنزعات الكريمة، والقدرة الفائقة على تحمل المسؤوليات الضخمة ، فقد كان الإمام الصق الناس برسول الله ، وأكثرهم إدراكاً ووعياً لأهدافه ومبادئه ، وأشبههم به في التزامه بحرفية الإسلام ، وقد صحب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) منذ طفولته اليافعة ، وغذّاه(صلی الله علیه وآله وسلم) بعلومه ، ونمى ملكاته ، وقد أعرب(عليه السلام) عن ذلك بقوله :
وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِالْقَرابَةِ الْقَرِيبَةِ ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَني فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ ، يَضُمُّني إِلَى صَدْرِهِ ، وَيَكْتُفُني فِي فِرَاشِهِ ، وَيُمِسُّني جَسَدَهُ ، وَيُشِمُني عَرْفَهُ. وَكَانَ يَمْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ ، وَما وَجَدَ لي كِذْبَةٌ فِي قَوْلٍ ، وَلَا خَطْلَةٌ في فِعْلٍ .
وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيمَا أَعْظَمَ مَلَكِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُك بِهِ طَرِيقَ الْمَكارِمِ ، وَمَحاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ ، لَيْلَهُ وَنَهارَهُ. وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّباعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً ، وَيَأْمُرُنِي بِالْاِقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِراءَ
فَأَراهُ ، وَلَا يَراهُ غَيْرِي . وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَخَدِيجَةَ وَأَنا ثَالِتُهُما أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرّسالَةِ ، وَأَشْمُ رِيحَ النُّبُوَّةِ (1).
صلى الله إن هذه المسيرة الكبرى التي قطعها الإمام مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وتعاهده(صلی الله علیه وآله وسلم)له بالرعاية والعطف ،وخوض الإمام معه في ميادين الكفاح وميادين التجربة العلمية لنجاح الدعوة الإسلامية، ومعرفته بأساليبها وفلسفتها ، وما يتمتع به من المواهب والعبقريات ، كل ذلك يوجب ترشيحه لمنصب الخلافة تقديماً للأفضل على غيره وضماناً لصالح الأمة .
4- أما الأحداث التي أثرت عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في ترشيحه وتعيينه للإمام خليفة من بعده ، فقد بلغت من الكثرة ما وضعت لها كتب خاصة كإثبات الوصية للمسعودي ، والألفين للعلّامة ، وتلخيص الشافي للشيخ الطوسي ، وغيرها ، وقد دوّن العلّامة الحلّي في كتابه ما يربو على ثلاثين كتاب ألفت في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(2).
وقد تمسّك المتكلمون من الشيعة على ذلك بسيل من الأدلة ، ونشير إلى بعضها :
أوّلاً : استدلّت الشيعة على ما ذهبت إليه بحديث المنزلة ، فقد قال(صلی الله علیه وآله وسلم)لعلي : «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»(3).
ويرى الشيخ المفيد أنّ هذا الحديث نص على إمامة الإمام « لأنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)
1) نهج البلاغة : 2 : 157 . بحار الأنوار: 15: 361 ، الحديث 18.
2) إثبات الوصية : 3 و 4 .
3) مسند الإمام أحمد بن حنبل : 1: 179 . حلية الأولياء : 7: 195 . تاريخ بغداد : 1: 324 . خصائص النسائي : 14. أسد الغابة : 4 : 46 صحيح الترمذي : 2 : 301 تاريخ الأمم والملوك : 2 : 368 . كنز العمال : 3 : 154 . مجمع الزوائد : 9 : 109.
حكم له بالفضل على الجماعة والنصرة والوزارة والخلافة في حياته وبعد وفاته ، والإمامة له بدلالة أنّ هذه المنازل كلّها كانت لهارون من موسى في حياته ، وإيجاب جميعها لأمير المؤمنين ، إلا ما أخرجه الاستثناء منها ظاهراً، وأوجبه بلفظة بعدله من بعد وفاته بتقدير ما كان يجب لهارون من موسى لو بقي بعد أخيه ، فلم يستثنه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فبقي لأمير المؤمنين بعموم ما حكم له من المنازل»(1)
ثانياً : إنّ من أوثق الأدلّة وأكثرها وضوحاً واستيعاباً للموقف الذي تذهب إليه الشيعة حديث غدير خم ، فقد نصب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في ذلك اليوم الخالد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) علماً من بعده ، وطلب من المسلمين أن يبايعوه بالإمرة ، وقد أخذ الله بيد علي وهو يخاطب الناس قائلاً: «هذا خَليفَتي فِيكُمْ مِنْ بَعْدِي ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا »(2).
وحديث الغدير من الأدلة الحاسمة التي لا تقبل الجدل والنقاش ، وهو جزء من رسالة الإسلام ، فمن أنكره فقد أنكر الإسلام ، كما يقول العلائلي .
ثالثاً : إنّ هناك كوكبة من الأخبار تدلّ على ما تذهب إليه الشيعة ، كقوله الله أمام المسلمين ، وقد أخذ بيد علي :« إِنَّ هذا أخِي وَوَصِنِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ ، فَاسْمَعوا لَهُ وَأَطِيعُوا »(3).
وهناك العشرات من أمثال هذا الحديث ، وهي تدل بوضوح على أنه(صلی الله علیه وآله وسلم)قد فرغ من تعيين الإمام(عليه السلام) وجعله خليفة على المسلمين من بعده.
رابعاً : إن الأحداث الخطيرة التي رافقت وفاة الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)تدل على أنه
كان يسعى في آخر لحظة من حياته لتعزيز خلافة الإمام ودعمها بجميع الوسائل ، ويتضح ذلك مما يلي :
1 - تجهيزه(صلی الله علیه وآله وسلم)ليش أسامة - وهو صلى لجيش أسامة - وهو في الساعة الأخيرة من حياته - وإلزامه للمسلمين، وفيهم كبار الصحابة بالالتحاق الفوري والسريع بالجيش ، وأمره(صلی الله علیه وآله وسلم) بمغادرتهم يثرب بأسرع وقت، ومن الظاهر أن غرضه من ذلك إخلاء عاصمته من الحزب الطامع بالخلافة ، ولكنّ القوم تثاقلوا ، ولم يخضعوا للأوامر المشدّدة ، وراحوا يلتمسون لهم المعاذير .
2 - استدعاء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)الداوة والكتف ليكتب للأمة كتاباً لن تضلّ من بعده في جميع مراحل أجيالها الصاعدة، وعلم الطامعون بالحكم قصده من تعزيزه لخلافة الإمام ، فأثاروا نزاعاً حاداً ، واتهموا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بالهجر ، فأفسدوا عليه الأمر ، وحالوا بينه وبين قصده ، فزجرهم(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأمرهم بمغادرة بيته ، والتفت إلى الحاضرين فأوصاهم بأهل بيته خيراً .
ومن البديهي أنه(صلی الله علیه وآله وسلم)أراد بهذه العملية تدعيم بيعة الغدير وتوثيقها ، ولكنّ القوم قد حجبوه عن ذلك .
خامساً: : احتجاج العترة الطاهرة على أبي بكر ، وامتناعها عن بيعته ، وخصوصاً الموقف الايجابي الذي وقفته سيدة النساء فاطمة(عليها السلام) من أبي بكر واحتجاجها الرائع عليه ، ووصيتها بأن يدفنها الإمام في غلس الليل البهيم ، ولا يعلم أي أحد من أعضاء حكومة أبي بكر ، كل ذلك يدلّ بوضوح لا خفاء فيه على قيام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بنصب الإمام خليفة من بعده.
إنّ الاحتجاجات الصارخة التي صدرت من سيّدة النساء(عليه السلام) والعترة الطاهرة ، ومن أعلام الإسلام وقادة نضاله ، كعمار بن ياسر ، وأبي ذر ، وسلمان الفارسي ، والمقداد ، من أوثق الأدلة على ما ذكرناه .
وفيما أحسب أن خصوص احتجاج بضعة النبي الله وريحانته ، وموقفها المتسم بالشدّة والعنف مع أبي بكر قد ركز الفكرة الشيعية ، وأمدّها بالأصالة والبقاء ، فقد اتخذت الشيعة من ذلك أدلة وثيقة على ما يذهبون إليه من أحقية أهل البيت (عليها السلام) بالخلافة.
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن تأسيس الشيعة ، وأنها حسب هذا العرض الموجز من الأدلّة قد نشأت في عهد صاحب الرسالة(صلی الله علیه وآله وسلم)، فهو أول من غرس بذرتها ونمى أصولها .
وتدين الشيعة بجميع ما أثر عن الإسلام في الأصول العقائدية ، سواء فيما يتعلّق بصفات الله الايجابية والسلبيّة ، أو فيما يتعلّق بالقضاء والقدر، وغير ذلك مما عرضته كتبهم الكلامية ، كما أنّها تلتزم بالإمامة ، وهي عندهم من أصول الدين التي يجب الاعتقاد بها ، واشترطوا في الإمام أن يكون معصوماً، وأن يكون أعلم أهل زمانه ، وقد حققنا ذلك بصورة موضوعية في الجزء الأول من هذا الكتاب .
أمّا الناحية التشريعية ، فإنّها تأخذ فروع الدين ومسائله عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) فجميع ما أثر عنهم بعد القطع أو الظنّ بصدوره من السنة التي يجب التعبد بها ، وهي إحدى الأدلة الأربعة التي يرجع إليها الفقيه الشيعي في استنباط الحكم الشرعي . إنّ الاطار العقائدي في أصول الدين وفروعه عند الشيعة مقتبس من واقع الإسلام ، وممّا أثر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين فرض الله مودتهم ، وجعلهم
الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) عدلاء للذكر الحكيم .
إنّ من أوليات مبادئ الشيعة الحبّ العميق لأهل البيت(عليهم السلام)، فهم يكنون لهم
خالص الحب والولاء امتثالاً لأمر الله . قال تعالى : قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى(1).
فقد حصر تعالى أجر رسالة نبيّه العظيم في مودّة ،قرباه ، وقد تواتر عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أنّ حبّهم علامة الإيمان ، وأنّ بغضهم علامة النفاق، وأنّ من أحبّهم فقد أحبّ الله ورسوله ، ومن أبغضهم فقد أبغض الله ورسوله ، وقد ضمن(صلی الله علیه وآله وسلم) لمن تمسك بهم أن لا يزيغ عن طريق الحق والصواب كما في حديث الثقلين، وقد شبههم(صلی الله علیه وآله وسلم) بسفينة نوح ، فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): « مَثَلُ أَهْلِ بَيْنِي فِيكُمْ كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ ، مَنْ رَكِبَهَا نَجا ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْها غَرِقَ وَهَوى» من أجل ذلك كان الولاء لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)والقول بإمامتهم أمر جوهري عند الشيعة ومن صميم عقيدتهم ، وجعلوا الحاقد عليهم والمنكر لفضائلهم كالمنكر لإحدى ضروريات الإسلام الثابتة ، بل هو على التحقيق منكر للرسالة وإن أقرّ في ظاهر الحال بالشهادتين .
أمّا مظاهر ذلك الحبّ عند الشيعة فلا غلو فيه ، وإنّما تقتصر على وجوب الأخذ بما أثر عنهم من الأحكام الشرعية والآداب الاجتماعية ، وقد أوضحنا ذلك بالتفصيل في مقدّمتنا للجزء الأول من هذا الكتاب .
وحفل تاريخ الشيعة بالنضال المرير ، والثورات الصاخبة على حكّام الظلم والجور ، فقد انطلقوا إلى ساحات الجهاد المشرق منذ فجر تاريخهم ، ورفعوا شعار العدالة الإسلامية ، وطالبوا الحكّام بتحقيقها على مسرح الحياة ، كما ناهضوا الظلم الاجتماعي بجميع أشكاله وألوانه ، فكانت بحق الينبوع الفياض الذي جرت منه الثورة ضدّ الطغاة والمستبدين.
1) الشورى 42 :23
لقد انطلقت الدعوة الأولى إلى الاصلاح الشامل من رجال الشيعة في تلك الفترات العصيبة التي ساد فيها الارهاب وعمّ فيها الجور ، فمن تكلم بالاصلاح أو دعا إليه ، سيق إلى السجون، ولكنّ أئمة الشيعة وأعلامهم اندفعوا إلى ميدان الشرف والتضحية ، فندّدوا بأعمال الظالمين ، وشجبوا تصرفاتهم، وقاموا بثورات صاخبة سجّلها لهم التاريخ بمداد من الشرف والنور ، وقد غذاهم بروح الثورة والتضحية في سبيل الله الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) زعيم العدالة الإنسانية في الأرض .
فهو أول زعيم مسلم ثار في وجه الطغاة ، وهتف بالعدالة والمساواة ، وقد خلق في الفترة القصيرة التي حكم فيها وعياً أصيلاً وثورة في نفوس شيعته على كل ظالم مستبدّ .
فقد ثار حجر بن عدي وزمرته الصالحة في وجه معاوية ، وثار غيرهم من صلحاء هذه الطائفة مطالبين بالعدل الإسلامي وتطبيق أحكام القرآن ، وكان أول شهيد من أئمتهم سيّد الشهداء الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد نقم على الظلم السائد في عصره ، وثار في وجه الطاغية المستبد يزيد بن معاوية ، وقد غيّر(عليه السلام) بثورته مجرى التاريخ ولقن الظالمين درساً رائعاً خلاقاً لا ينسى إلى يوم الدين، وقام من بعده أحفاده وأحفاد أخيه الحسن الهلال بثورات متصلة أذهلت الظالمين ، وشتتت شمل المستبدين ، ونوّرت الرأي العام، وغذته بروح الثورة على كل جائر مستبد إنّ الشيعة ترى أن الحكم إذا لم يكن بيد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فإن الأمة تعاني الظلم والطغيان ، ولا يمكن بأي حال أن تسود فيها العدالة والمساواة ، إلّا في ظل حكمهم .
يقول الوردي : « الشيعة أوّل من حمل الثورة الفكرية في الإسلام ضدّ الطغيان ،وفي نظريّاتهم تكمن روح الثورة ، وإن عقيدة الإمامة التي آمن بها الشيعة حملتهم على انتقاد الطبقة الحاكمة ، ومعارضتها في جميع مراحل تاريخهم ، وجعلتهم يرون كل حكومة غاصبة ظالمة مهما كان نوعها ، إلا إذا تولّى أمرها إمام معصوم ، لذلك
كانوا في ثورة مستمرة لا يهدأون ولا يفترون»(1).
لقد أراد رجال الشيعة بثوراتهم المتصلة تطبيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على جميع أفانين الظلم وألوان الفساد، فلذا قدّموا المزيد من التضحيات في سبيل تحقيق هذه الغاية النبيلة التي تهدف إلى إزالة الحكم الفاسد من البلاد .
وانطلاقاً مع هذا المبدأ الثوري ، فقد حرّم أئمّة الشيعة التعاون مع حكام الجور والدخول في وظائف الدولة ، فقد قال الإمام الصادق(عليه السلام) لأصحابه : « ما اُحِبُّ أَنْ أَعْقِدَ لَهُمْ - أي للظلمة - عُقْدَةٌ ، أَوْ وَكَيْتُ لَهُ وِكاءً ، وَلَا مَدَّةٌ بِقَلَم . إِنَّ أَعْوانَ الظُّلَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي سُرادِقٍ مِنْ نارِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ الْعِبادِ »(2).
وقال الإمام موسى الزياد بن أبي سلمة : « يا زيادُ ، لَئِنْ أَسْقِطَ مِنْ شَاهِقٍ فَأَنْقَطِعَ قِطْعَةٌ قِطْعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَولَّىٰ لَهُمْ عَمَلاً ، أَوْ أَطَأَ بِساطُ رَجُلٍ مِنْهُمْ » .
وقد حرم الأئمة(عليهم السلام)المرافعة إلى حكام الدولة الجائرة، وأفتوا أن ما يقضي به القضاة من أحكام فهي غير نافذة ، وكما حذر الإمام الصادق(عليه السلام) الفقهاء من الاتصال بأولئك الظالمين.
فقد قال(عليه السلام) :« الْفُقَهَاءُ أَمَناءُ الرُّسُلِ ، فَإِذا رَأَيْتُمُ الْفُقَهَاءَ قَدْ رَكِبوا إِلَى السَّلاطين فَاتَّهِموهُمْ »(3).
وقد استجابت الطبقة الخيّرة في الإسلام إلى نداء أهل البيت(عليهم السلام)، فامتنعوا من الاتصال بالحكّام ، وقابلوا كل من يتوظف بالاستهانة والتحقير ، فهذا إسماعيل بن
إبراهيم القرشي لما ولي القضاء كتب إليه ابن المبارك هذه الأبيات ، وهو يشجب فيها قبوله للقضاء :
يا جاعِلَ العِلمِ لَهُ بازياً*** يَصْطادُ أَمْوالَ المساكين
تحْتالُ لِلدُّنْيا وَلَذَاتِها*** بحيلَةٍ تُذهِبُ بِالدِّينِ
فَصِرْتَ مَجْنوناً بها بعدما*** كُنتَ دَواءاً لِلمَجانين
أين رواياتك فيما مضى*** عَنِ ابْنِ عَونٍ وَابْنِ سِيرينِ
أين رواياتُكَ في سَرْدِها*** في تَرْكِ أَبوابِ السَّلاطينِ
إِن قُلتَ أكْرِهْتُ فَذا باطل*** زَلُّ حِمارُ العِلمِ في الطِّينِ(1)
لقد قدمت الشيعة جميع الخدمات القيمة للإسلام والمسلمين ، ورفعت منار العدالة في الأرض ، وأنّها أكثر الفرق الإسلامية انطلاقاً في ميادين الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق والعدل .
وملكت قادة الشيعة وأعلامها رصيداً قوياً من الجرأة والإقدام ، فلم يتهيبوا من السلطة ولم يخضعوا لجور الحكم وقسوته ، فقد اندفعوا بكل بسالة وشجاعة إلى إعلان كلمة الله وشجب المنكر .
فهذا عبد الله بن عفيف الأزدي الأعمى الذي ذهب بصره ونور الله قلبه بالإيمان، قد ثار في وجه الطاغية عبيد الله بن زياد حينما خطب بعد مقتل سيد الشهداء ، فأظهر السب والشتم للإمام الحسين(عليه السلام)، فردّ عليه عبد الله بمقالته الخالدة التي ستدور مع الفلك، ثمّ ترسم فيه قائلاً له أمام الجماهير الحاشدة في جامع الكوفة :
1) تهذيب التهذيب : 1 : 278
«إنّما الكذاب أنت وأبوك ، ومن استعملك وأبوه ، يا عبد بني علاج ، أتقتلون أبناء النبيين وتصعدون على منابر المسلمين ، أين أبناء المهاجرين والأنصار لينتقموا منك ومن طاغيتك اللعين ابن اللعين - مشيراً إلى يزيد وأبيه معاوية - على لسان النبي الأمين».
وبهذا المنطق العظيم يقضى على الظلم ويزال كابوس الشقاء والجور من المجتمع ، وتحقق الأهداف العريضة للأمة ، وقد ظلّ زعماء الشيعة يشجبون جميع أعمال الولاة والملوك في كثير من مراحل التاريخ .
فهذا الكميت بن زيد الأسدي قابل بالهجاء المقذع سياسة الأمويين ، وقارن بينهم وبين العلويين ، فقال :
ساسَةٌ لا كَمَنْ يَرى رِعْيَةَ النَّا***سَ سواءٌ وَرِعْبَةَ الْأَغْنام
لا كَعَبْدِ المَلكِ ، أَوْ كَوَليدٍ*** أَوْ سُلَيمانَ بَعْدُ أَوْ كَهُشام(1)
وهجا مرة أخرى هشاماً وبني مروان ، فقال :
مُصيبٌ عَلى الأَعداءِ يَومَ رُكوبها*** يما قال فيها مُخْطِيٌّ حينَ يَنزِلُ
كَلامُ النَّبِيِّينَ الهُداةِ كَلامنا*** وَأَفَعالُ أَهْلِ الجاهِلِيَّةِ نَفْعَلُ
وخاطب الأمويّين بهذا القول الجريء :
فَقُلْ لِبَني أُمَيَّةَ حَيثُ كانوا*** وَإِن خِفْتَ المُهند والقطيعا
أَجاعَ اللهُ مَنْ أَشْبَعْتُمُوهُ*** وَأَشْبَعَ مَنْ بِجَورِكُمْ أُجِيعا (2)
واضطهده الأمويّون ، فسجنوه وعذّبوه ونكّلوا به ، ولكنّه ازداد تصلّباً لعقيدته وإيماناً بمبدئه .
وظهر شاعر آخر في ذلك العصر هو الفرزدق ، فانتقد الأمويين وجاهر في ذمّهم . ودافع عن عقيدته بكل جرأة وإقدام ، ومن أهم مواقفه المشرّفة التي لا يزال ذكرها نديّاً عاطراً على ممرّ العصور والأجيال مدحه للإمام زين العابدين ، وانتقاصه لهشام بن عبدالملك الذي تجاهل معرفة الإمام .
فقال له أمام الجمع الحاشد :
هذا الذي تعرفُ البطحاء وَطأتَهُ*** وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحل والحَرَمُ
هذا ابْنُ خَير عِبادِ اللهِ كُلّهم*** هذا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
فَليس قولك مَنْ هذا بضائرِهِ*** العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالْعَجَمُ
وتعرّض على هذه الجرأة لسخط الأمويين ونقمتهم ، ولكنه لم يعتن بذلك ، فانطلق يذكر معائبهم ، فقال في هجاء هشام بن عبدالملك عندما سجنه :
يُقَلِّبُ رَأْساً لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سَيْدٍ*** وعينٌ لَهُ حَوْلاهُ بادِ عُيوبُها(1)
وتسلّط أدباء الشيعة وشعراؤهم على انتقاص الظالمين وهجائهم، فهذا دعبل الخزاعي قد شهر ببني العباس وفضح أعمالهم ، وهجاهم بعدد من قصائده التي زعزع بها كيانهم ، وسبب سخط الجماهير عليهم ، فقد هجا الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم وإبراهيم بن المهدي ، وقد هجا المعتصم بهذا القول الموجع :
وَقامَ إِمَامٌ لَمْ يَكُنْ ذا هِدايَةٍ*** فَلَيسَ لَهُ عَقْلٌ ، وَلَيسَ لَهُ لُب
ملوك بني العَبّاسِ فى الكتب سَبْعَةُ*** وَلَمْ يَأْتِنا عَنْ ثَامِن لَهُمْ كُتُبُ
1) نهاية الارب : 21 : 327 - 331. بشارة المصطفى : 377 ، وفيه : « أتحبسني » .
كَذلِكَ أَهْلُ الكَهْفِ فى الكَهْفِ سَبْعَ-*** -ة خيارٌ إِذا عُدَوا وَثَامِنُهُمْ كَلْبُ
وَإِنِّي لأُغلي كَلْبُهُمْ عَنْكَ رِفْعَةٌ*** لأنكَ ذُو ذَنْبٍ وَلَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
وهكذا اندفع دعبل بوحي من عقيدته إلى مخاصمة الظالمين والنقمة عليهم ، فقد هجا بني العباس وندّد بهم ، حتى ظلّ مشرداً عن وطنه يطارده الرعب والخوف ، وقد قال كلمته الشهيرة : « إنّي أحمل خشبتي على كتفي منذ أربعين سنة ، ولست أجد أحداً يصلبني عليها».
إن تاريخ الشيعة حافل بالبطولات والتمرّد على الظلم ، والنقمة على الغبن الاجتماعي، والمطالبة بحقوق الجماهير ، والدفاع عن مصالح البؤساء والضعفاء الذين سلبتهم تلك الدول الجائرة حقوقهم .
ولمّا كانت الشيعة أقوى المنظمات التي تطالب المسؤولين بالعدالة الاجتماعية والقيم الإنسانيّة، تعرّضت للنقمة البالغة من قبل الولاة والملوك ، فاستعملوا معهم جميع أساليب القهر والبطش ، وحرموهم من الحياة والحرية ، فأودعوهم في غياهب السجون والطوامير ، وطاردوهم ونكلوا بهم أمر التنكيل وأفظعه ، فقطعوا أيديهم وأرجلهم ، وسملوا أعينهم ، وصلبوهم على جذوع النخل(1).
وقد انفتح عليهم باب الظلم والجور من أيام معاوية ، فقد رفع مذكرة إلى جميع عماله وولاته جاء فيها :« انظروا إلى من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه » .
ثمّ شفع ذلك بنسخة أخرى جاء فيها : « ومن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم - يعني
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 15 .
العلويين - فنكلوا به واهدموا داره»(1).
وتحدّث الإمام الباقر(عليه السلام)عن المحن والخطوب التي صبّها الظالمون على شيعتهم ، فقال :« وَقُتِلَتْ شِيعَتُنا بِكُلِّ بَلْدَةٍ ، وَقُطِعَتِ الأيْدي وَالْأَرْجُلُ عَلَى الظُّنَّةِ ، وَكانَ مَنْ يُذْكَرُ بِحُبِّنا وَالانْقِطاع إِلَيْنا سُجِنَ ، أَوْ نُهِبَ مالُهُ ، أَوْ هُدِمَتْ دارُهُ» (2).
لقد لاقت الشيعة في تلك الأدوار المظلمة من المشكلات السياسية والمعضلات الاجتماعية الشيء الكثير ،الذي لاسبيل إلى تصويره في فظاعته ومرارته .
وقد نسب إلى بعض أئمة الشيعة شعر ذكر فيه الكوارث التي حلت بهم ، فقال :
نَحنُ بنو المُصْطَفَى ذُوو مِحَنٍ*** يَجْرَعُها في الأَنامِ كاظِمُنا
عَظيمَةٌ في الأنام مختتنا*** أولُنَا مُبْتَلَى وَآخِرُنا
يفرح هذا الورى بعيدهِمُ*** وَنَحنُ أعيادنا ماتِمُنا
إنّ الأعياد الإسلامية التي يفرح بها جميع المسلمين ، قد جعلوها ماتماً لهم نظراً لما لحقهم من الهوان ، فإنّ التهمة بالتشيّع في ذلك العصر كانت من أهم الجرائم التي تستوجب الارهاق والتنكيل ، بل كان مجرد الاتصال بالشيعة أو السلام عليهم موجباً للقتل والتنكيل .
فهذا إبراهيم بن هر ثمة لما دخل المدينة أتاه رجل من العلويين فسلّم عليه .
فقال له إبراهيم : « تنح عنّي لا تشط بدمي »(3).
وقد أشار منصور النمري في بعض قصائده إلى الأذى والجور الذي لحق الشيعة بقوله :
آلُ النَّبِي وَمَنْ يُحِبُّهُمْ*** يَتَطَامَنونَ مَخافَةَ القَتْلِ
أَمِنَ النَّصارى وَاليَهودُ وَهُمْ*** عَنْ أُمَّةِ التَّوحيدِ فِي أَزْلِ
وكان الفضل بن دكين يتشيّع ، فجاء إليه ولده وهو يبكي ، فقال له : ما لك ؟
فقال : يا أبتي ! إنّ الناس يقولون إنك تتشيّع ، فأنشأ يقول :
وَما زالَ كثمانيكَ حَتّى كَأَنَّني*** بِرَجْعِ جَوابِ السَّائِلِي عَنْكَ أَعْجَمُ
لأَسْلَمَ مِنْ قَولِ الوُشاةِ وَتَسْلَمي*** سَلِمْتَ وَهَلْ حَيٌّ عَلَى النَّاسِ يَسْلَم(1)
إنّ بكاء ولده إنّما كان من الخوف الذي داخله من هذه التهمة التي تستوجب البطش والنقمة من المسؤولين، فقد كان كلّ من يتهم بالولاء لأهل البيت الا معرضاً للمحنة والبلاء ، فهذا عبد الله بن عامر الشاعر الشهير المعروف ب- ( العبلي ) يشير في بعض قصائده إلى ما لاقاه من الارهاق في سبيل محبته للإمام علي وأبنائه(عليهم السلام)بقوله :
شَرَّدوا بي عِندَ امْتِداحِي عَلِيّاً*** وَرَأَوا ذاك في داءاً دَوِيّا
فَوَرَبِّي ما أَبْرَحُ الدهرَ حَتّى*** تَخْتَلي مُهْجَتي بِحُبِّي عَلِيّا
وَيَنيهِ لِحُبِّ أَحْمَدَ إِنِّي*** كُنْتُ أَخْبَيْتُهُمْ بِحُبّي النَّبِيا
حُبُّ دينِ لَا حُبُّ دُنْيا وَشَرُّ*** الحُبِّ حُبِّ يَكون دنيويا
صاغَني الله في الذوابَةِ مِنْهُم*** لا ذميماً ولا سنيداً دَعِیا
وقال الطغرائي :
حُبُّ اليَهُودِ لآلِ مُوسى ظَاهِرٌ*** وَوَلاؤُهُمْ لِبَني أخيه بادي
1) تاریخ بغداد 12 : 351
وإمامهُمْ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ الأولى*** بِهِمُ اهْتَدَوا وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادِ
وكذا النَّصارى يُكرمونَ مَحَبَّةٌ*** لِنَبِيِّهِمْ نَجْراً مِنَ الأَعْوادِ
وَمَتى تَوَلَّى آلَ أَحْمَدَ مُسلِمٌ*** قَتَلوهُ أَوْ وَصَموهُ بِالإِلْحادِ
هذا هُوَ الدّاءُ العُضالُ لِمِثلِهِ ***ضَلَّتْ عُقولُ حَواضِرٍ وَبَوادِ
لَمْ يَحفَظوا حَقَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ*** في آلِهِ وَاللهُ بِالمِرْصَادِ
وقال شاعر آخر :
إِنَّ اليهودَ بِحُبُها لِنَبيها*** أَمِنَتْ مَعَرَّةً دَهْرِها الخَوَانِ
وذوو الصليب بِحُبُ عِيسَى أَصْبَحوا*** يَمْشُونَ زَهْواً في قُرى نَجْرانِ
وَالمُؤْمِنونَ بِحُبُ آلِ مُحَمَّدٍ*** يُرمون في الآفاق بالنيران
واتخذت السلطات جميع التدابير ضد من يمدح العلويين أو يذكرهم بخير كما عمدت إلى إرهاق العلويين . فقد صدر مرسوم ملكي من بغداد إلى مصر ، جاء فيه : أن لا يُقبل لعلوي ضيعة ، ولا يركب فرساً ، ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها ، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد ، وإن كان بين علوي وبين أحد من سائر الناس خصومة فلا يقبل قول العلوي ويقبل قول خصمه دون بيّنة (1).
وكانوا يسفّرون بين آونة وأخرى من أطراف البلاد إلى العاصمة ليكونوا تحت الرقابة ، وقد أمر الرشيد عامله على المدينة أن يضمن العلويون بعضهم بعضاً، ويعرضوا في كلّ يوم على السلطة المحليّة ، فمن غاب عوقب(2).
وهكذا اتخذ الجائرون جميع الوسائل للتنكيل بالعلويين وشيعتهم حتى بلغ بهم الحقد أنّ من يذكر أئمة أهل البيت(عليه السلام)نال العقوبة والبطش .
فقد ذكر المقريزي : « أن يزيد بن عبد الله أمير ،مصر ، أمر بضرب جندي تأديباً لشيء صدر منه ، وكان عقابه بسيطاً ، فلما أحسّ الجندي بألم السوط أقسم على الأمير بحق الحسن والحسين(عليهم السلام)أو يعفو عنه ، فأمر الأمير بضربه ثلاثين سوطاً جزاءاً لهذا القسم .
وكتب إلى المتوكل في بغداد يخبره بأمر الجندي ، فأمره المتوكل أن يضربه مائة سوط وأن يحمله إلى بغداد(1)
وألقى بعض الشعراء عند المتوكل قصيدة نال فيها من العلويّين وشيعتهم فأمر أن ينثر على رأسه ثلاثة آلاف دينار، وأن تلتقط له، وعقد له على إمارة البحرين واليمامة ، وخلع عليه أربع خلع(2).
لقد كانت محنة الشيعة في تلك العهود شاقة وعسيرة ، فقد لاقت أعنف المشاكل السياسية والاجتماعية ، ومنيت بالحرمان من جميع الحقوق الطبيعية ، ولا نحسب أنّ هناك طائفة واجهت من الاضطهاد والجوركما واجهته الشيعة ، فقد أمعن حكام الأمويين والعباسيين في إذلالهم وإرغامهم على ما يكرهون .
وصمدت الشيعة في وجه الأعاصير ، ووقفت تجاهد عن مبادئها ، وتنافح عن رسالتها غير معتنية بجور الحكام وإرهابهم ، وقامت بما يلي من الأعمال الرائعة :
وعملت الشيعة تحت الخفاء باستمرار لمكافحة جور العباسيين وظلمهم،
فقد قامت بدعاية واسعة النطاق ضد خصومهم ، وكانت تعرض إلى ظلمهم وطغيانهم واحتقارهم للرعيّة، واستبدادهم بشؤونها ، وغير ذلك مما يوغر الصدور ، ويشيع الكراهية والبغضاء للحكم القائم آنذاك . وقد استطاعت الدعاية الشيعية في العصر الأموي أن تخلق شعوراً جماعياً ضدّ ذلك الحكم حتّى أطاحت به ، وفي العصر العباسي عملت على تجريد حكم العباسيين من المشروعيّة ، وأنّ جميع من ينضم إليه أو يتعاون معه فهو آثم وغير متحرّج في دينه ، وقد أيقظت تلك الحملات الرأي العام ، وفتحت باب الثورات المتصلة ضدّ أولئك الحكّام الطغاة، وجرّدتهم من ثقة الجماهير بهم .
وانشأت الشيعة في عصورها الأولى أحزاباً سرّيّة، وقد استطاعت تلك الأحزاب أن تشكل الخلايا والمنظمات، وكان على رأس كلّ منظمة وخلية رئيس يشرف عليها يسمّى ( الداعي )(1).
وقد كان لها دور خطير في المجتمع الدولي آنذاك ، فقد استطاعت أن تقيم حكماً يحمل طابع التشيع في بعض الأقاليم الإسلامية ، فقد تأسست لهم دولة في المغرب أقامها عبيد الله المهدي سنة 296ه- ، وامتدت رقعتها إلى صقلية وجنوب إيطاليا ، كما أقاموا دولة في مصر على يد القائد العظيم جوهر الصقلي سنة 358ه- ، كما أسسوا دولة ( الموت النزارية في فارس ) سنة 483ه- على يد الحسن بن الصباح ، وأسسوا لهم دولة في البحرين على يد الحسن الأهوازي ، وحمدان بن الأشعث ، وأبي سعيد الجنابي بن مهرويه سنة 270ه-.
وقد أقامت الدولة الفاطمية في مصر جامع الأزهر، وهو أول مؤسسة شيعية
1) العقيدة والشريعة في الإسلام : 177 .
علمية في ذلك العصر ، كما أقامت القلاع والحصون المنيعة في ديار الشام .
ومرد ذلك النجاح السياسي الخطير يرجع إلى المنظمات السرية التي أنشأوها في عصورهم الأولى ، كما كانت لهم سجّلات تحتوي على أسماء الدعاة للشيعة ، وقد عمد محمد بن عبد الله إلى إحراقه بالنار حينما أحس بالخذلان وعدم النصر(1).
وكذلك كانت هناك سجلات خاصة سريّة بأسماء الشيعة عند بعض أصحاب الأئمة ، وقد جهدت السلطات الحاكمة آنذاك على العثور عليها فلم تتمكن .
وعلى أي حال ، فإنّ تلك الخلايا قد قامت بدور مهم ضدّ الحكم القائم ، وبلورت العقلية الاجتماعية ، وفتحت الطريق أمام الثوار والمناضلين لتحرير بلادهم من الذل والجور ، كما عملت على نشر التشيّع في جميع الأقاليم الإسلامية حتى أصبح قوة كبيرة ، وصار من العسير إرغام معتنقيه وإخضاعهم إلى رغبات السلطة ، الأمر الذي ألجأ المأمون إلى أن يعقد ولاية العهد للإمام الرضا(عليه السلام).
وبالرغم من كثرة الرقابة والضغط الهائل على الشيعة فقد انطلق أعلامها إلى عقد المناظرات والاحتجاجات مع أئمة المذاهب الإسلامية وقادتها للتدليل على ما تذهب إليه الشيعة في المسائل الكلامية ، ومن أهمها الإمامة بجميع خطوطها ، وكانت تلك المناظرات تعقد في الأماكن العامة ، وعند يحيى البرمكي ، وربما عقدت في بلاط هارون ، وكان يستمع لها ويبدي إعجابه بها ، وكان يقوم بتلك المناظرات كل من هشام بن الحكم ، وهشام بن سالم ، ومؤمن الطاق ، وقد انتشر مبدأ أهل البيت(عليهم السلام) ببركة الحجج القوية والبراهين الحاسمة التي أقامها هؤلاء
1) عمدة الطالب : 82
الأعلام على صحة عقيدتهم .
إنّ الشيعة من أكثر الفرق الإسلامية انطلاقاً في ميادين البحوث الكلامية ، فقد تركزت أصول عقائدهم على المنطق والبحث الموضوعي المجرد ، وقد نعتهم (كراد فوا) بأنّهم أصحاب الفكر الحرّ(1).
وعلى أي حال، فقد أقام أعلام الشيعة سيلاً من الاحتجاجات الرائعة على صحة ما يذهبون إليه في مجالاتهم العقائدية ، وقد أدّت إلى انتشار التشيع وذيوع أفكاره بين المسلمين .
ونظراً للمحن الشاقة والخطوب العسيرة التي واجهتها الشيعة في تلك الظروف السود ، فقد كانوا لا يجدون سبيلاً لبثّ آلامهم وأحزانهم ، فإنّ المراقبة الشديدة والتتبع البالغ لهم قد منعهم من عرض خطوبهم ، فالتجأ بعضهم إلى أن يكتب على الجدران ما نابه من الخوف والارهاق ، ليطلع على ذلك الجمهور من الناس .
فقد كتب بعض العلويين على جدار يجتاز عليه المهدي العباسي هذه الأبيات :
وَاللهِ ما أَطْعَمُ طَعَمَ الرُّقادُ ***خوفاً إِذا نامَتْ عُيونُ العِباد
شَرَّدَني أَهلُ اعْتِداء وَما*** أَذنَبتُ ذَنْباً غَيرَ ذكر المعاد
آمنتُ بِاللهِ وَلَمْ يُؤْمِنوا*** فكان زادي عِندَهُمْ شَرَّ زاد
أَقولُ قَولاً قالَهُ خَائِفٌ*** مُطَّرِدٌ قَلْبِي كَثِيرُ السُّهادُ
مُنْخَرِقُ الخُفِّينِ يَشْكُو الوجى*** تنكُبُهُ أَطرافُ مَرُو حِداد
شَرْدَهُ الخَوفُ فَأَزْرى بهِ*** كَذاكَ مَنْ يَكْرَهُ حَرَّ الجلاد
1) الحضارة الإسلامية : 1 : 127
قَدْ كانَ في المَوتِ لَهُ راحَةُ*** وَالمَوتُ حَتْم فِي رِقابِ العِبادُ
فلما رأى المهدي ذلك رق له ، وكتب تحت كل بيت : « لك الأمان من الله ومنّي ، فاظهر متى شئت » .
فسأله بعضهم عن قائلها .
فقال : إنه عيسى بن زيد(1).
وذكر ذوالنون المصري : « إنّه اجتاز على قرية ، فرأى بعض جدرانها وقد كتبت عليه هذه الأبيات:
أَنَا ابْنُ مِنى وَالمَشعَرَينِ وَزَمْزَمٍ*** ومَكةَ وَالبَيتِ العتيق المُعظم
وَجَدّي النَّبِيُّ المُصْطَفى وأبى الذي*** وَلايَتُهُ فَرضٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ
وأمّي البَتولُ المُستَضاءُ بِنورِها ***إذا ما عَدَدْناها عَديلَةَ مَريَم
وَسِبْطا رَسولِ اللهِ عَمّي ووالدي*** وَأَوْلادُهُ الأَطهارُ نِسعَةُ أَنْجُمِ
مَتى تَعْتَلِقُ مِنْهُمْ بِحَبلٍ وَلايَةٍ*** تَغُزْ يَومَ يُجْزى الفائِزُونَ وَتَنْعُمِ
أَئِمَّةُ هذَا الخَلقِ بَعدَ نَبِيِّهِمْ*** فَإِنْ كُنتَ لَمْ تَعلَمْ بِذلِكَ فَاعْلَم
أَنَا العَلَوِيُّ الفَاطِمِيُّ الَّذِي ارْتَمى*** بِهِ الخَوفُ وَالأَيَّامُ بِالمَرءِ تَرْتَمي
فَضاقَتْ بي الأَرضُ الفَضاءُ بِرَحْبها*** وَلَمْ أَسْتَطِعْ نَيلَ السَّماءِ بِسُلَّم
فَأَلْمَمْتُ بِالدّارِ الَّتي أَنَا كَاتِبٌ*** عَلَيْها بِشِعْرِي فَاقْرَ إِنْ شِئتَ وَالْمُم
وَسَلم لأمر الله في كُل حالة ***فَلَيْسَ أَخو الإِسْلامِ مَنْ لَمْ يُسَلِّم(2)
قال ذو النون: فعلمت أنّه علويّ قد هرب من السلطة وذلك في خلافة هارون ، واحتمل المجلسي أن تكون هذه الأبيات للإمام الكاظم(عليه السلام) ، وقد ذكرنا في الجزء
الأوّل من هذا الكتاب مناقشتنا لذلك.
ومهما يكن من أمر ، فإنّ العلويين وشيعتهم قد قاسوا أمر المحن والخطوب في تلك الفترات المظلمة ، حتى التجأوا إلى رسم آلامهم على الجدران لتطلع الجماهير على مدى ما لحقهم من الضيم والاضطهاد.
وصوّرت الأبيات الأخيرة جانباً من احتجاج العلويين على أحقيتهم بالخلافة والرعاية لشؤون المسلمين ، فهم أولى الناس بالنبي العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم)وأنهم خلفاؤه على أمته ، وأنّ من تمسك بهم فاز في يوم حشره ونشره كما أعلن ذلك جدّهم(صلی الله علیه وآله وسلم)- ومع هذا النسب الوضاح الذي لهم بالإضافة إلى ما يتمتعون به من الفضائل والمآثر ، فهم خائفون وجلون مشرّدون ، يطاردهم الرعب والفزع خوفاً من الظالمين والغاصبين لحقوقهم وتراثهم ، وقد جلبت لهم هذه الجهات التي أعلنوها العطف والرقة والحنان في نفوس المسلمين والتذمر والاستياء من أعدائهم .
وعمد العبّاسيون إلى اضطهاد الشيعة رسمياً في جميع المجالات ، فطاردتهم السلطة ونكلت بهم حتى حقت بهم الأخطار الهائلة التي تنذرهم بالفناء والدمار ، فاضطر أئمة الشيعة آنذاك إلى الأمر بالتقيّة ، حفظاً على أرواح البقية الباقية من شيعتهم وصيانة لدمائهم وأموالهم .
والتقيّة عبارة عن الحيطة والحذر وكتمان العقيدة وخفائها ، وقد نص القرآن الكريم على جوازها ، قال الله تعالى :لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ(1).
1) آل عمران 3: 28
وقد شدّد أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على شيعتهم بكتمان عقيدتهم وعدم إظهارها ، وإخفاء الولاء لهم ، فقد روى معمر بن خلاد قال :« سألت أبا الحسن موسى(عليه السلام)عن القيام للولاة ، فقال : قال أبو جَعْفَر التَّقِيَّةُ دِينِي وَدِينُ آبَائِي، وَلَا إِيْمَانَ لِمَنْ لا تقيَّةَ لَهُ»(1).
وحدث درست بن أبي منصور ، قال : «كنت عند أبي الحسن موسى وعنده الكميت بن زيد ، فقال له الإمام : أَنْتَ الَّذى تَقولُ :
فَالآنَ صِرْتُ إِلَى أُمَيَّةَ*** والأمور إلى مصائر(2)
فقال الكميت : قد قلت ذلك ، والله ما رجعت عن إيماني ، وانّي لكم لموال لعدوّكم لقال ، ولكن قد قلته في التقيّة .
فقال (عليه السلام): إِنَّ التَّقِيَّةَ لَتَجوزُ عَلى شُرْبِ الْخَمْرِ»(3)
ولقد أوجدت التقيّة السخط البالغ من الشيعة على خصومهم ، كما أوجبت تعصبهم لعقيدتهم ومبدئهم .
يقول الأستاذ ( أجناس جولد تسهير ) : « إن عجز الشيعي عن المجاهرة بعقيدته الحقيقية التي يؤمن بها هو في نفس الوقت مدرسة للسخط الكامن الذي يكنه الشيعة الخصومهم الأقوياء ، وهو سخط سخط مبعثه عاطفة من الحقد الجامح والتعصب الثائر»(4).
وقد عاب على الشيعة بعض خصومهم الأغبياء أمر التقية ، فراحوا يكيلون لهم
الطعون عليها ، مع أنّه لولا هذه الخطة الحكيمة لما بقي مذهب التشيع على وجه الأرض ، وذهب ذكر أهل البيت(عليهم السلام)أدراج الرياح، نظراً للمحن الشاقة التي أحاطت بهم ، والنكبات السود التي واجهوها منذ فجر تاريخهم ، واستمرت معهم متوالية إلى مئات من السنين.
يقول الشيخ الطوسي : « لم تلق فرقة ، ولا بلي أهل مذهب بما بليت به الشيعة ، من التتبع والقصد ، وظهور كلمة أهل الخلاف حتّى إنا لا نكاد نعرف زماناً - تقدّم - سلمت فيه الشيعة من الخوف ولزوم التقيّة ، ولا حالاً عريت فيه من قصد السلطان و عصبته وميله وانحرافه» (1).
إن تشريع التقيّة لم يكن المقصود منه ، إلّا الحفظ على دماء الشيعة ، وصيانة أموالهم وأعراضهم من أولئك الحكّام الجائرين الذين بذلوا المزيد من الجهود لتصفيتهم والقضاء عليهم ، وإنّما تشرع التقيّة فيما إذا لم تكن رواجاً للباطل وإحياء للظلم ، وضياع الحقِّ حسب ما نص عليه الفقهاء .
وانقسمت الشيعة إلى طوائف وفرق كثيرة ، وقد حدثت تلك الفرق بسبب الضغط الذي حلّ بهم ، وعدم إمكان التقائهم بأئمة أهل البيت ، وقد اتخذ بعض المنافقين ذلك وسيلة إلى تفريق صفوفهم ، وقد تحدث عن أسباب انقسامهم الدكتور عبدالرزاق محيي الدين : « وكانت الفكرة - أي فكرة التشيع - معرّضة دائماً إلى التهديد من جانب الخلفاء ، ممّا حمل أصحابها إلى التنادي بها في خفاء وستر ، وإلى العمل بها بعيدة عن الآفاق الضاحية المتحرّرة ، ورأي يعمل به في السر لا بد أن يتعرّض في نفسه إلى كثير من البلبلة ، وإلى غير قليل من الانقسام في أعيان الأئمة
1) تلخيص الشافي : 1 : 59 .
وفي عددهم ، ولهذا كثرت الفرق الشيعية واختلفت فيما بينها ، وزاد الطين بلة أنّ خصومهم من الأمويين والعباسيين يملكون من وسائل القوة والدعاية ما لا قبل لهؤلاء به ، فأكثروا من القول في مذاهبهم ، ونسبوا إليهم ما قد يكونوا براء منه ، وما لو مكنوا من الافصاح عنه لبرأوا منه ، ولنفوه عن مقالتهم .
فإذا أضفنا إلى ذلك خوف أئمة الإمامية أحياناً من الجهر بمقالتهم وانزوائهم بحكم الحجر عليهم عن أتباعهم ، والعمل بالتقيّة التي قد تقضي على الإمام أن يجاري أهل السنّة في فقههم أو في أصول عقائدهم ، ثم جهل عدد كبير من الشيعة بأصول المذهب الإمامي»(1).
إنّ هذه العوامل التي ذكرها الأستاذ (محيي الدين)هي التي أوجبت انقسام الشيعة إلى فرق وطوائف ، واختلافهم في أعيان الأئمة وعددهم ، وفيما يلي عرض موجز لبعض فرقهم :
هم أصحاب المختار بن أبي عبيد الثقفي، وإنما سميت بذلك نسبة إلى كيسان. قيل : إنّه اسم المختار ، سمّاه بذلك محمد ابن الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام)، حينما عهد إليه بالطلب بثأر سيّد الشهداء(2)، وقيل غير ذلك .
وتذهب هذه الفرقة إلى أنّ الإمام بعد الحسين(عليه السلام)هو محمّد ، وأنه هو المهدي -الذي بشر به الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)- الذي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، وأنه حي لا يموت ، وقد غاب في جبل رضوى ومعه عسل وماء .
وفي ذلك يقول السيّد الحميري :
أَلَا إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيش*** ولاهُ الْحَقِّ أَرْبَعَةٌ سَواءُ
عَلى وَالثلاثَةُ مِنْ بَنِيهِ ***هُمُ الْأَسْبَاطُ لَيسَ بِهِم خَفاءُ
فَسِبْطُ سِبْطُ إِيمانٍ وَبِرٍّ*** وَسِبطُ غَيَّبَتْهُ كَرْبَلاءُ
وَسِيطٌ لَا يَذوقُ الْمَوْتَ حَتَّى*** يقودَ الْخَيْلَ يَتْبَعُهُ اللواء
تغيَّب لا يُرى فيهمْ زَماناً*** برَضُوى عِنْدَهُ عَسَل وماءُ (1)
وغالى بعضهم فقال : إن ابن الحنفية هو الإمام بعد أمير المؤمنين(عليه السلام)دون الحسنين(عليه السلام)، وأنّ الحسن إنّما دعا في الباطن إليه بأمره ، والحسين إنّما ظهر بالسيف بإذنه ، وأنّهما كانا داعيين إليه ، وأميرين من قبله »(2).
وتعتقد الكيسانية بتناسخ الأرواح من جسد وحلولها في جسد آخر ، وهذا الرأي مأخوذ من الفلسفة الهندية التي ذهبت إلى ذلك ، ولم يقولوا بالتناسخ على الإطلاق ، وإنما خصوه بالأئمة فقط(3).
وقد انعدمت هذه الطائفة ، ولم يكن لها أتباع في جميع الأقاليم الإسلاميّة .
وبنت الزيدية اطارها العقائدي على الثورة لإزالة حكم البغي ، وإقامة حكم العدل، وقد ذهبت إلى أنّ كلّ من يخرج بالسيف من العلويين فهو إمام مفترض الطاعة ، وأنّ كلّ من ادعى الإمامة وهو مقيم في بيته مرخی علیه ستره ، فلا يجوز اتّباعه ، ولا يجوز القول بإمامته (4).
وأكبر الظنّ أنّهم إنّما ذهبوا إلى ذلك نظراً لما لاقته الشيعة في تلك الأدوار الرهيبة من الجور والاضطهاد ، فقد حكمت السلطة الأموية على أنّ حبّ أهل البيت(عليهم السلام)كفر ومروق من الدين، وإلى ذلك يشير شاعر الإسلام الكميت بقوله :
يشيرونَ بِالأَيْدي إِلَيَّ وَقَوْلَهُمْ*** أَلا خاب هذا وَالمُشيرونَ أَخْيبُ
فَطَائِفَةٌ قَدْ كَفَرَتْنِي بِحُبِّكُمْ*** وطائفةٌ قالوا مُسِيءٌ وَمُذْنِبُ
يَعِيبونَني مِنْ خِبَّهِمْ وَضَلالِهِمْ*** على حُبِّكُمْ بَلْ يَسْخِرونَ وَأَعْجَبُ
وَقالُوا تُرابِيُّ هَواهُ وَرَأْيه*** بذلك أدعى فِيهِمْ وَالقُبُ (1)
ويرد عبد الله بن كثير السهمى على من عابه على موالاته لآل الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) بقوله :
إن امْراً أَمْسَتْ مَعَايِبُهُ ***حُبُّ النَّبِيِّ لِغَيرُ ذِي ذَنْبِ
وَبَني أَبِي حَسَنِ وَوَالدُّهُمْ*** مَنْ طَابَ فِي الأَرْحَامِ وَالصُّلْبِ
أيعَد ذَنْباً أَنْ أُحِبُهُمْ !*** بَلْ حُبُّهُمْ كُفَارَةُ الذَّنْبِ (2)
ويردّ السيّد الحميري على من قال له : يا رافضي في محاولة للحطّ من شأنه بقوله :
وَنَحنُ عَلَى رَغْمِكَ الرّافِضو*** نَ لأَهْلِ الضَّلالَةِ وَالمُنْكَرِ(3)
وقد خلقت هذه الاجراءات الظالمة في نفوس الشيعة أعظم الأثر ، فدفعتهم إلى الإيمان بالثورة كقاعدة أساسيّة لبناء كيانهم العقائدي، وقد ذهبت الزيدية إلى ذلك فآمنت بأنّ الثائر العظيم زيد بن عليّ هو الإمام ، ومن بعده ولده يحيى الذي اقتدى بأبيه في رفع علم الثورة على الحكم الأموي ، ولم يتعبدوا بالنص الذي هو قاعدة
أساسية للإمامة عند الشيعة ، ورفضوا القول بإمامة أئمة الهدى(عليه السلام)المنصوص عليهم لأنهم لم يتجاوبوا معهم في إعلان الثورة على الحكم الأموي ، وكان عذرهم في ذلك أنّ المقاومة الإيجابية لا تجدي ، وأنها فاشلة ، وتجرّ إلى المسلمين أعظم المصاعب والخطوب ، وقد أقرّوا المقاومة السلبيّة للسلطة ، وحرموا التعاون معها .
ولقد اعتقدت الزيدية بإمامة زيد لأنّه قد ناهض الأمويين ، وقد انطلق إلى ساحات الجهاد وهو يقول: «ماكره قوم حرّ السيوف إلا ذلّوا» وكان هذا شعار الزيديين .
وقال يحيى بن زيد يناجي نفسه ويردد شعار أبيه :
يابْنَ زَيْدٍ أَللَيسَ قَدْ قَالَ زَيْدٌ*** مَنْ أَحَبَّ الحَياةَ عاشَ ذَليلا
كُنْ كَزَيْدٍ فَأَنْتَ مُهْجَةُ زَيْد ***وَاتَّخِذْ في الجِنانِ ظِلاً ظليلا (1)
وقد بحثنا بالتفصيل عن الزيدية في كتابنا( عقائد الزيدية ) وقد نشر بعضه(2).
تمسكت هذه الطائفة بجوهر الإسلام وواقعه وسايرت موكب العترة الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس - ودانت بجميع ما أثر عنها في أصول الإسلام وفروعه ، حتى عرف مذهبها بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وهي تمتاز عن بقية المذاهب الإسلامية بما يلي :
1 - إنّها فتحت آفاق العقل ، ولم تجعله بمعزل عن واقع الحياة ، وجعلت مدركاته إحدى الأدلة الأربعة التي يستنبط منها الفقيه الحكم الشرعي ، كما جعلته حاكماً في
الأخبار المتعارضة ، فما اتفق منها مع حكمه كان حجّة ، وما شذ عنه فهو زخرف ، وبذلك كانت من أشدّ الطوائف الإسلامية وغيرها عناية بحكم العقل وتحرّره ، وتحكيمه في جميع الأحداث.
2 - إنّها فتحت باب الاجتهاد ولم تغلقه ، وبذلك فقد ساير فقهها تطوّر الزمن ، وعالج جميع الأحداث المستجدة التي لم يرد فيها نص ، وقد أوجب ذلك تطوّراً هائلاً في الفقه الشيعي ، واحتل الصدارة في الفقه الإسلامي من حيث جدته وعمقه وتطوّره ، وقد نالوا بذلك إعجاب رجال الفقه والقانون في العالم .
يقول الأستاذ محمد أبو زهرة : « وأنّهم - أي الشيعة - لم يخضعو النظام السلطة في غلق باب الاجتهاد ، ولم يكن تعليمهم يدخل تحت نظام الدولة ، ولم تخضع مدارسهم لذلك المنهج الذي سارت عليه أكثر المدارس الإسلامية ، بل ساروا على منهج أهل البيت في عدم مؤازرة الدولة ، وباب الاجتهاد عندهم لم يغلق ، ولا زال مفتوحاً ، وهذا مما يفاخر به الشيعة سائر جماعات المسلمين اليوم » (1).
3 - إنّها تملك تراثاً نديّاً ضخماً مما أثر عن أئمّتهم(عليهم السلام)، وهو حافل بجميع مقومات النهوض والارتقاء ، ففيه عرض رائع لقواعد الآداب والسلوك والاجتماع ، والحكم والأخلاق كما عرض إلى الأسس الخلاقة للتطور الاقتصادي والاجتماعي للأمّة ، وعنى بالشؤون الإدارية والسياسية، وغيرها من المقومات الفكريّة والاجتماعيّة لحياة الإنسان وحضارته .
وقد عرض إلى ذلك كله نهج البلاغة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو أجل كتاب بعد القرآن الكريم ، وهو يشتمل على رصيد هائل من العلوم ، وبصورة جازمة أنّه لم تكتشف بعض أسرار فصوله ، خصوصاً فيما يتعلّق بخلق السماوات وغيرها ، فإنّها لا تزال غامضة عند الكثيرين من شرّاح كلامه(عليه السلام)، وعند الشيعة الصحيفة السجادية
1) الشافعي : 234 .
التي هي إنجيل آل محمّد(صلی الله علیه وآله وسلم)وهي حافلة بأروع تراث فكري لم تجد له الإنسانية مثيلاً.
وهذا الكتاب العظيم من أدعية الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وله رسالة الحقوق ، وقد عنت بذكر حقوق الأمة على الدولة وبحقوق الدولة على الأمة ، وحقوق أفراد المجتمع فيما بينهم ، وهو على إيجازه من أجل ما ألف في الإسلام .
وإذا استعرضنا مما أثر عن الإمام الصادق(عليه السلام)وبقيّة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فإنّا نجد سيلاً من العلوم والفنون قد فتقوا أبوابها ، ووضعوا أسسها ، كعلم النبات والكيمياء والطب ، وغيرها من العلوم التي ساهمت في تطوّر الحياة العلمية والفكرية فی تلك العصور، وامتدت موجاتها إلى بقيّة العصور .
إنّ الطائفة الإمامية بكل اعتزاز وفخر تملك أضخم تراث علمي لا تملكه أي طائفة أخرى ، سواء أكانت دينية أم من ذوي المذاهب الاجتماعية .
4 - إنّها عنت بفلسفة الحكم بصورة موضوعيّة وعميقة ، فقد التزمت بالإمامة ، وهي حسب ما حدد لها المتكلمون من قيم ومفاهيم - إنّما تهدف إلى الحكم الصالح الذي جاء به الإسلام ، وهو بجميع خطوطه العريضة مبني على العدل الخالص ، والحق المحض الذي تتطوّر به الأمة في مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية ، وتصان في ظلاله جميع حقوقها ومصالحها .
إنّ فلسفة الإمامة التي تذهب إليها الشيعة الإمامية إنّما تعني بشكل إيجابي وبناء سياسة الحكم في البلاد ، فهي تقوم عندهم على أساس وثيق من العدل لا يمكن بأي حال أن ينفذ خطوطه وأهدافه إلّا الإمام المعصوم الذي لا يخضع لمنطق العاطفة والميول ، وإنّما يسير على وفق منطق الصالح العام ، وقد رأينا ذلك في حكومة الإمام علي(عليه السلام)، فقد سار بين المسلمين بسياسة لم يشاهد المسلمون وغيرهم نظيراً لها في جميع مراحل التاريخ ، عدلاً في الرعية ، ومساواة بين الناس ،
وتنكراً للمصالح الفرديّة الخاصة ، وغير ذلك مما لم يؤثر بعضه عن أي حاكم في الإسلام .
وعلى أي حال، فالإمامة بشكلها الموضوعي عند الإمامية تقوم على أساس عميق من الوعي والإدارك ، وهي مدعمة بأروع الأدلة وأوثقها من الكتاب والسنّة ، وحكم العقل حسب ما دلّل عليه متكلّموهم ، ولا مجال فيه للحكم عليهم بالانزلاق في تيارات الميول والعواطف ، كما يقول بذلك بعض خصومهم .
5 - إنّها تبرأ من الغلو في الأئمة(عليه السلام)، وتحكم بأنه مروق من الدين ، كما سنذكره . الها هذه بعض الأمور الجوهرية التي تمتاز بها الإمامية على بقية طوائف الشيعة .
وذهبت هذه الفرقة إلى القول بانتقال الإمامة من الإمام الصادق(عليه السلام)إلى ولده عبد الله الأفطح ، وهو أخو إسماعيل لأمه وأبيه ، وكان أسنّ أولاد الإمام ، وقد استدلوا على دعواهم بحديث أخذوا أوّله ، وتركوا آخره ، وهو قول الإمام الصادق(عليه السلام):
«إِنَّ الإِمامَةَ لَا تَكونُ إِلَّا فِي الْوَلَدِ الْأَكْبَرِ ، إِلَّا أَنْ تَكونَ بِهِ عاهَةٌ »، وعبد الله كان من ذوي العاهات ، فقد كان أفطح الرأس - أي عريضه - ، وقيل كان أفطح الرجلين .
وقد أضاف إليه أتباعه بعض المناقب والمآثر ، ولم يعش عبدالله بعد وفاة أبيه إلّا سبعين يوماً ، ولم يعقب ولداً ذكراً(1).
وتسمى هذه الفرقة ب-« العمارية »(2)نسبة إلى أحد زعمائها وهو « عمّار»(3)
ولعلّه عمّار بن موسى الساباطي الذي اختلف في قبول رواياته .
وزعموا بأنّ الإمام بعد جعفر بن محمد ولده محمد ، ثمّ هي في ولده من بعده ، وقد نسبوا إلى أحد رؤسائهم وهو يحيى بن أبي سميط(1)
وقيل : إنّه يحيى بن شميط ، وكان من قادة جيش المختار الثقفي(2).
وقد زعم هؤلاء أنّ الإمام المنتظر في أولاد محمد بن جعفر(3).
وهم أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع ، وقد خرجوا في حياة الإمام الصادق الله ، فحاربوا عيسى بن موسى، وكان عاملاً على الكوفة ، وكانوا سبعين رجلاً ، فقتلهم جميعاً ، ولم يفلت منهم إلا رجل واحد ، أصابته جراحات كثيرة ، فعدّ في القتلى ، فتخلّص وبرأ من جرحه ، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقب ب- ( أبي خديجة ) ، وأسر أبو الخطاب زعيم هذه الطائفة ، فجيء به إلى عيسى بن موسى ، فأمر بقتله ، فقتل في دار ( الرزق ) على شاطئ الفرات وصلبه مع جماعة من أصحابه ، ثم أمر بإحراقهم فأحرقوا ، وبعث برؤوسهم إلى المنصور فصلبها على باب مدينة بغداد ثلاثة أيام ثم أحرقها
وقال بعض أتباع أبي الخطاب : إنّه لم يقتل لا هو ولا أصحابه ، وإنّما شبّه عليهم، كما زعموا أنهم إنّما حاربوا بأمر من الإمام الصادق(عليه السلام)، وأن الإمام(عليه السلام)أرسل أبا الخطاب نبيّاً إلى الناس(4)
وهؤلاء ذهبوا إلى أنّ الإمام جعفر بن محمد(عليه السلام)حيّ لم يمت ، ولا يموت ، وهو القائم المهدي ، ولقبت هذه الفرقة ب- ( الناووسيّة ) لأنّ رئيسها يقال له ( عجلان ابن ناووس ) من أهل البصرة (1).
وذهب هؤلاء إلى أنّ الإمام بعد الصادق(عليه السلام) هو ولده إسماعيل ، وأنكروا موت إسماعيل في حياة أبيه ، وقالوا : لا يموت حتى يملك (2).
وقد حارب الإمام الصادق(عليه السلام)هذه الفكرة في حياته ، ولما توفي ولده إسماعيل أحضر جماعة من أصحابه وأشهدهم على موته ، وقد ذكرنا حديث ذلك بالتفصيل في الجزء الأول من هذا الكتاب .
وأصرّت الإسماعيلية على جحود موت إسماعيل ، وأنّ الإمام الصادق(عليه السلام)إنما كتب محضراً بوفاة ولده إسماعيل ، وطلب الاشهاد عليه من قبل الشيعة ، لأنه شعر بالأخطار التي تهدد حياة ولده الذي نص عليه بالإمامة - حسب ما يقولون - وأصبح وليّاً لعهده ، وأوعز إليه بالإستتار .
وفور قيام الإمام الصادق(عليه السلام) بذلك خرج إسماعيل مختفياً من يثرب ، واتجه إلى دمشق ، وقد علم المنصور بذلك ، فكتب إلى عامله أن يلقي القبض عليه ، ولكنّ عامله كان اعتنق المذهب الإسماعيلي ، فعرض الكتاب على إسماعيل ، فخرج من دمشق واتجه نحو العراق ، ويدعون أنّه شوهد بالبصرة عام 151ه- ، وأنه مرّ على مقعد، وكان مريضاً فشفاه الله بإذنه ، وقد لبث إسماعيل ينتقل سراً بين أتباعه حتّى
توفّي بالبصرة عام 158ه- ، وقد رزق من الأولاد محمد وعلي وفاطمة ، وقد نص على إمامة ولده الأكبر محمّد بحضور نخبة من الدعاة المخلصين
(1) ولم تؤيّد المصادر التاريخية الموثوق بها هذه المزاعم ، فقد أجمعت على وفاته فى حياة أبيه حسب ما نقلناه في الجزء الأوّل من هذا الكتاب .
وقد أعطت الإسماعيلية الإمامة مركزاً سامياً ومقدّساً ، وغالت في ذلك.
يقول ابن هاني في مدحه للإمام المعزّ أحد أئمة الإسماعيلية :
ما شِئْتَ لا ما شاءَتِ الأَقْدَارُ*** فَاحْكُمْ فَأَنتَ الواحِدُ القَهَارُ
وَكَأَنَّما أَنتَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ*** وَكَأَنما أَنْصارِكَ الأَنصارُ
أنتَ الذي كانَتْ تُبَشِّرُنَا بِهِ*** في كُتبها وَالأَخْبارُ
هذا إمامُ المُتَّقِينَ وَمَنْ بِهِ*** قَدْ دُوَّخَ الطَّغْيانُ وَالكُفَارُ
هذا الَّذي تُرْجَى النَّجاةُ بِحُبِّهِ*** ويهِ يُحَطُّ الإصْرُ وَالأَوْزار
هذا الَّذي تُجْدِي شَفاعَتُهُ غداً*** حقاً وتَخْمُدُ إِن تَراهُ النّارُ
ويستمر ابن هاني في قصيدته ، وهو يضفي بها أسمى النعوت والألقاب على المعز لدين الله ، وهو يعبّر بذلك عن عقيدة الإسماعيلية التي غالت في أئمتهم فأضافت إليهم كثيراً من صفات الله تعالى.
وغالى شاعر آخر من شعرائهم في وصف أئمتهم فيقول :
محبتُهُمْ فَرضٌ عَلى النَّاسِ واجب*** وَعِصيانهُمْ كُفْرٌ إِلى النَّارِ موبق
هُمُ العُروَةُ الوُثْقَى هُم مَنْهَجُ الهُدى*** هُمُ الغايةُ القُضوى التى لَيْسَ تُلحَقُ
وَلَولاهُمْ لَمْ يَخْلُقِ اللهُ خَلْقَهُ*** وما كان في الدُّنْيا ضياء وَرَونَقُ
1) تاريخ الدعوة الإسلامية : 142 و 143
هُمْ دَوْحَةُ الدِّينِ الَّتى تُثْمِرُ الهُدى*** وَبِاليُمْنِ وَالتَّقوى تُظلُ وَتَسبق
تُجيرُ مِنَ الأَيَّامِ مَنْ يَسْتَظِلُّها*** وَتَحْمِي مِنَ المَوتِ الجهولِ وَتَطلق
والذي يلاحظ العقيدة الإسماعيلية يراها طافحة بالغلو والإفراط في الحبّ لأئمتهم ، وقد اعتبروا إمامهم الحاضر الشاب كريم شاه الحسيني النبراس الكوني الموجود في كل الوجود ، ومنجي النفوس من الشقاء الأبدي ، وقائد العالم إلى الحقيقة المثلى.
وهي الطائفة الضالة المارقة من الدين، التي خانت الله ورسوله ، ونهبت أموال المسلمين ، وقد ادّعت أن الإمام موسى(عليه السلام)حيّ لم يمت ولا يموت ، وأنه رفع إلى السماء كما رفع المسيح عيسى بن مريم(عليه السلام)، وأنه هو القائم المنتظر الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً ، وزعموا أن الذي في سجن السندي بن شاهك ليس هو الإمام موسى(عليه السلام)، بل إنّه شبه وخيل إليهم أنه هو ، ولا بدّ لنا من التعرّض ولو إجمالاً لبعض شؤون هذه الطائفة ، وفيما يلي ذلك :
ويعود السبب في وقف هؤلاء على الإمام موسى(عليه السلام)وإنكارهم لموته أنّ الإمام(عليه السلام)لمّا كان في ظلمات السجون ونصب وكلاء اله على قبض الحقوق الشرعية التي ترد إليه من بعض المؤمنين ، وقد اجتمعت أموال ضخمة عند بعضهم ، فكان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند عليّ بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، وهكذا عند غيرهم .
فلما توفّي الإمام(عليه السلام)جحد هؤلاء القوم موته ، واشتروا بالأموال المودعة عندهم الضياع والدور واستأثروا بها ، وقد طلبها منهم الإمام الرضا (عليه السلام)فأبوا أن يدفعوها له ،
وأنكروا موت أبيه(1).
وذكر الحسين بن محمد : « إنّه اجتمع ثلاثون ألف دينار عند الأشاعرة من زكاة أموالهم وبقيّة الحقوق الأخرى ، فحملوا تلك الأموال إلى وكيلين للإمام موسى(عليه السلام) بالكوفة ، أحدهما حيان السرّاج ، وكان الإمام(عليه السلام)آنذاك في السجن ، فلما قبضا الأموال اشتريا بها الدور والغلات .
ولمّا قبض الإمام أنكرا موته وأذاعا أنّه لا يموت ، وأنّه هو القائم المنتظر(2).
لكنّ بعضهم رجع إلى طريق الحق والصواب ، فدفع الأموال التي اختلسها إلى الإمام الرضا(عليه السلام) وأقرّ بإمامته .
وانتشر مبدأ الوقف واعتنقه خلق كثير من الناس ، وكان منهم عدد كبير من أصحاب الإمام (عليه السلام)ورواة حديثه ، وسنذكرهم بالتفصيل في كوكبة الرواة والأصحاب ، والسبب في انتشار هذه الفكرة أنّ الذين كانوا يبشرون بها قد عرفوا من قبل بحسن السيرة والحريجة في الدين ، فأغروا بسطاء الشيعة بذلك وأضلوهم إلى حد بعيد ، كما بذلوا الأموال الطائلة بسخاء في شراء الضمائر .
فقد حدث يونس بن عبد الرحمن ، قال : « مات أبو إبراهيم موسى(عليه السلام)وليس من قومه أحد إلا وعنده المال الكثير ، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته طمعاً في الأموال ، فكان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند عليّ بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار ، فلما رأيت ذلك وتبيّنت الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا(عليه السلام)ما عرفت تكلمت ودعوت الناس إليه ، فبعثا - أي زياد وعلي إلي وقالا ما
يدعوك إلى هذا ؟
إن كنت تريد المال فنحن نغنيك ، وضمنالي عشرة آلاف دينار ، وقالا لي : كف فأبيت وقلت لهما : إنا روينا عن الصادقين(عليهم السلام)أنهم قالوا إِذا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فَعَلَى الْعالِم أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُلِبَ نورَ الْإِيمَانِ ، وَما كُنْتُ لأَدَعَ الْجِهَادَ فِي أَمْرِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حالٍ ، فناصباني وأضمرا لي العداوة(1).
بمثل هذه الأساليب والمغريات انتشر مبدأ الوقف ، ولكن ما لبث أن تحطّم وانكشف زيفه للمؤمنين ، وظهر دجل دعاته
شجب الأئمة(عليه السلام)لهم
وردت أخبار كثيرة من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في شجب فكرة الوقف والطعن بقادته ، ورد أحاديثهم ، وتحذير الناس من أضاليلهم .
فقد ذكر الحكم بن العيص ، قال : « دخلت مع خالي سليمان بن خالد على أبي عبد الله(عليه السلام) فقال الإمام : مَنْ هذا الْغُلامُ ؟ - وأشار لي-.
ابن أختي .
هَلْ يَعْرِفُ هذا الأمْرَ ؟ - يعني الإمامة ..
نعم .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْهُ شَيْطَاناً ، أعَوَّذُ وَلَدَكَ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ شِيعَتِنا .
وما تلك الفتنة ؟
إِنْكَارُهُمُ الْأَئِمَّةَ وَوُقوفَهُمْ عَلَى ابْني مُوسى ، يُنْكِرُونَ مَوْتَهُ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا إِمَامَ بَعْدَهُ ، أُولئِكَ شَرُّ الْخَلْق»(2).
وقال الإمام موسى(عليه السلام) لعلي بن أبي حمزة البطائني - أحد أعلام الواقفية :
«يا عَلِيُّ ، إِنَّما أَنْتَ وَأَصْحابُكَ أَشباه الحمير» (1).
ودخل محمّد بن الفضيل على الإمام أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، فالتفت له محمد قائلاً: جعلت فداك ، إنّي خلفت ابن أبي حمزة وابن مهران وابن أبي سعيد - وهم زعماء الواقفية - أشدّ أهل الدنيا عداوة الله تعالى .
فقال له الإمام : ما ضَرَّكَ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتَ ، إِنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَكَذَّبوا فلاناً ، وَفُلاناً ، وَكَذَّبُوا جَعْفَرَ وَمُوسَى(عليهم السلام)، وَلِى بِآبائِي أَسْوَةٌ .
جعلت فداك ، إنا نروي إنّك قلت لابن مهران : أَذْهَبَ اللَّهُ نُورَ قَلْبِكَ ، وَأَدْخَلَ الفَقْرَ بَيْتَكَ .
يا سيدي ، هم بأشد حال مكروبون ببغداد ، لم يقدر الحسين أن يخرج إلى العمرة»(2).
وكتب بعض الشيعة إلى الإمام الرضا(عليه السلام) يسأله عن الواقفة ، فأجابه(عليه السلام) : « الْواقِفُ حائِدٌ عَنِ الْحَقِّ ، وَمَقِيمٌ عَلى سَيِّئَةٍ ، إِنْ ماتَ بِها كَانَتْ جَهَنَّمُ مَأْواهُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ»(3).
وسأله بعضهم عن جواز إعطاء الزكاة لهم ، فنهاه عن ذلك ، وقال : « إِنَّهُمْ كُفَّارٌ مُشْرِكُونَ زَنَادِقَةٌ »(4).
ووردت أخبار كثيرة من أهل البيت(عليهم السلام)في ذمهم والقدح في رواياتهم ولزوم الابتعاد عنهم ، وأنهم مشركون لا صلة لهم بالإسلام ، ولا علاقة لهم بأهل البيت(عليهم السلام)،
وعلى هذا فلا ينبغي عدّ هذه الطائفة ولا بعض الطوائف المتقدمة من الشيعة ، فإنّ بعضها قد أنكر بعض أصول الدين ، كالخطّابية الذين زعموا بأن الإمام الصادق(عليه السلام) أرسل أبا الخطاب نبياً إلى الناس .
ومع هذا كيف يصح عدّ هذه الفرقة وأمثالها من الشيعة التي تعبد الله تعبد الله وحده لا شريك له ، وتعتقد بأنّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) هو خاتم النبيين وسيّد المرسلين .
إنّ عدّ بعض هذه الطوائف من الشيعة التي لا تقول بالتوحيد من فرق الشيعة ، إنّما هو ظلم صارخ لهذه الطائفة التي اعتنقت الإسلام وآمنت بجميع ما أنزل الله وبذلت المزيد من الجهود في سبيل إعلاء كلمة التوحيد.
وعلى أي حال، فإنّ الواقفية لسوء حالهم ، وازدراء أهل البيت(عليهم السلام)بهم لقبوا بالممطورة تشبيهاً لهم بالكلاب ، وأنّهم إنّما ابتدعوا فكرة الوقف طمعاً بالأموال التي اختلسوها من الشيعة ، وقد بادت هذه الطائفة واندرست معالمها وآثارها .
هذه بعض الفرق التي حسبت على الشيعة وعدّت منها ، وهناك بعض الفرق الأخرى نشأت ونمت في ذلك العصر وما بعده ، وأن أكثرها لا يلتقي مع مبدأ التشيع الذي بني على التوحيد والإيمان بجميع ما جاء به الإسلام .
والحقت هذه الفرقة بالشيعة ، وهي لم تكن منها ، بل ولا تحمل طابع الإسلام ، وقد سمّيت بهذا الاسم لأنّ رئيسهم كان يلقب «قرموطيه » فسميت به ، وقد زعموا أنّ الإمام بعد جعفر الصادق هو حفيده محمد بن إسماعيل ، وأنه حتي لم يمت ، ولا يموت حتى يملك الأرض ، وينشر العدل والخير في ربوع العالم ، وأنّه هو المهدي الذي بشر به النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)(1).
1) فرق الشيعة / النوبختي : 83 - 85 .
وقد ظهرت شوكتهم في خلافة المعتضد بالله العبّاسي ، فثاروا على الحكومة القائمة، واستولوا على كثير من المناطق الإسلامية ، ولهم معتقدات خاصة لاتتفق مع مبادئ الإسلام، وقد ذكرت أخبارهم وأيامهم في كثير من المصادر التاريخيّة(1).
ومن أهمّ المشاكل التي واجهتها الشيعة هي حركة الغلاة الإلحاديّة ، فقد أُلصقت بهم هذه التهمة لتشويه حقيقة التشيّع .
وأكبر الظنّ أنّ للسلطة دخلاً كبيراً في ذلك ، فقد شجعوها وبالغوا في تأييدها ليستحلوا بذلك دماء الشيعة ، ويثبتوا عليهم مادة المروق عن الإسلام .
ومن الجدير أن نشير إلى بعض معتقداتهم الفاسدة، فقد زعموا أن الأئمة الهة، وزعم بعضهم أنّهم أنبياء ، وقال بعضهم بالتناسخ والتعديل ..إلى غير ذلك من المعتقدات المنكرة التي تتنافى مع الإسلام، وقد ثقل على أئمة أهل البيت(عليهم السلام)هذا الكفر والإلحاد، فاندفعوا إلى إنكاره وتحذير المسلمين من دعاته ، فقد أثر عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)أنه قال : « بُنِيَ الْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمِ : الْفِسْقِ ، وَالْغُلُوِّ ، وَالشَّكَ ، وَالشُّبْهَةِ(2).
وأعلن الإمام الصادق(عليه السلام)لعن محمد بن مقلاص الكوفي أحد زعماء الغلاة ،وكتب الله إلى جميع البلدان بلعنه والبراءة منه (3).
وألزم(عليه السلام)أصحابه بلزوم مقاطعتهم ، فكان يقول لهم: «لَا تُقاعِدوهُمْ ، وَلَا تُوا كلوهُمْ ، وَلَا تُشارِبُوهُمْ ، وَلَا تُصافحوهُمْ ، وَلَا تُوارِثوهُمْ»(4).
وقال(عليه السلام): « إِنَّ أَدْنى ما يَخْرُجُ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يَجْلِسَ إِلى غالٍ فَيَسْتَمِعَ حَدِيثَهُ ، وَيُصَدِّقَهُ عَلَى قَوْلِهِ . إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) قَالَ : صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا نَصِيبَ لَهُما فِي الْإِسْلام : الْغُلاةُ وَالْقَدْرِيَّةُ»(1).
ولما قتل أبو الخطاب بالكوفة ، قال(عليه السلام): «لَعَنَ اللَّهُ أَبَا الْخَطَابِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ دَخَلَ في قَلْبِهِ الرَّحْمَةُ لَهُمْ »(2).
ودخل بشار الشعيري - وكان من دعاة الغلاة - على الإمام الصادق(عليه السلام)، فقال(عليه السلام)له : اخْرُجْ عَنِّي لَعَنَكَ اللهُ ، لَا وَاللَّهِ لَا يُظِلُّني وَإِيَّاكَ سَقْفٌ أَبَداً.
فخرج بشار يسحق بأذياله من الخجل ، فقال الإمام لأصحابه : وَيْلَهُ أَلا قالَ بما قالَتْ بِهِ الْيَهُودُ ؟ أَلَا قَالَ بِما قالَتْ بِهِ النَّصارى ؟ أَلَا قالَ بِمَا قالَتْ بِهِ الْمَجُوسُ ؟ وَاللَّهِ ما صَغَرَ اللَّهَ تَصْغِيرَ هَذَا الْفَاجِرِ أَحَدٌ ، إِنَّهُ شَيْطَانٌ ، وَإِنَّهُ خَرَجَ لِيُغْوِي أَصْحَابِي ، فَاحْذَرُوهُ ، وَلْيُبلغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ، ابْنُ عَبْدِ اللهِ ، ضَمَّتْنِي الْأَصْلابُ وَالْأَرْحَامَ ، وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ، وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ ، ثُمَّ مَسْئُولٌ ، وَاللهِ لأَسْأَلُنَّ عَمَا قالَ فِي هَذَا الْكَذَابُ وَادَّعَاهُ عَلَيَّ ، مَا لَهُ غَمَّهُ اللَّهُ ! فَلَقَدْ أَمِنَ عَلَى فِرَاشِهِ ، وَأَفْزَعَني وَأَقْلَقَنِي عَنْ رُقادِي»(3).
وقال(عليه السلام)في المغيرة بن سعيد : لَعَنَ اللهُ الْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ ، لَعَنَ اللهُ يَهُودِيَّةٌ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا ، يَتَعَلَّمُ مِنْهَا السِّحْرَ وَالشَّعْبَذَةَ وَالْمَحَارِيقَ.
إِنَّ الْمُغِيرَةَ كَذَبَ عَلَى أَبِي فَسَلَبَهُ اللهُ الْإِيمَانَ ، وَإِنَّ قَوْماً كَذَبُوا عَلَيَّ ، ما لَهُمْ أَذاقَهُمُ اللَّهُ حَرَّ الْحَديدِ ، فَوَاللَّهِ ما نَحْنُ إِلَّا عَبِيدٌ خَلَقَنا اللهُ وَاصْطَفَانَا ، مَا نَقْدِرُ عَلَى ضُرٍّ وَلَا نَفْعِ إِلَّا بِقُدْرَتِهِ ، إِنْ رَحِمَنا فَبِرَحْمَتِهِ ، وَإِنْ عَذَّبَنا فَبِذُنوبنا ، وَاللهِ ما بِنا عَلَى اللهِ مِنْ حُجَّةٍ ،
وَلَا مَعَنا مِنَ اللهِ بَراءَةٌ ، وَإِنَّا لَمَيِّتُونَ ، وَمَقْبورونَ ، وَمَنْشورونَ ، وَمَبْعُوثُونَ ، وَمَوْقوفونَ ، وَمَسؤولونَ ، ما لَهُمْ لَعَنَهُمُ اللهُ ، فَقَدْ آذَوا اللهَ ، وَآذَوا رَسولَ اللهِ فى قَبْرِهِ ، وَأَميرَ الْمُؤْمِنِينَ وَفاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ، وَها أَنا ذا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ أَبِيتُ عَلَى فِراشي خائِفاً وَجِلاً ، يَأْمَنونَ وَأَفْزَعُ ، وَيَنامُونَ عَلَى فِرَاشِهِمْ وَأَنَا خَائِفٌ سَاهِرٌ وَجِلٌ . أَبْرَأَ إِلَى اللَّهِ مِمَّا قَالَ فِيَّ الأَجْدَعُ وَعَبْدُ بَني أَسَدٍ أَبو الْخَطَابِ لَعَنَهُ اللهُ .
إلى أن قال : أَبْرَأَ إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ ، إِنِّي امْرُؤٌ وَلَدني رَسولُ اللهِ وَما مَعي بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ، وَإِنْ أَطَعْتَهُ رَحِمَني، وَإِنْ عَصَيْتَهُ عَذَّبَنِي عَذَابًا شَدِيداً.
وتواترت الأخبار عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وهي تدلّ على كفر الغلاة والحادهم ، ولزوم مكافحتهم ، وعدم الاختلاط بهم ، ووجوب عزلهم عن الجماهير الإسلامية .
والغريب من بعض المؤلّفين أنّهم أخذوا الشيعة بهذه الطائفة الملحدة وحسبوها عليهم ، مع العلم أنّها لا تمت إلى الشيعة بصلة ولا تلتقي معها بطريق .
إنّ مبدأ التشيع قد بني على توحيد الله وتنزيهه عن الشريك والمثيل ، وإن الغلو وغيره من الأفكار الإلحادية لا تلتزم بها هذه الطائفة المحقة التي عملت على صيانة الإسلام والذب عنه منذ فجر تاريخها .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن محنة الإسلام في ذلك العصر من انشقاق أبنائه إلى فرق وطوائف عملت على إيجادها السلطة لإخماد حركة الشيعة أوّلاً ، وإشغال المسلمين ثانياً بالناحية العقائدية من حياتهم حتى لا تحاسب السلطة على تصرفاتها الكيفية واستبدادها الغادر بأمور المسلمين وأموالهم .
وحدثت في عصر(عليه السلام)الإمام الا مشكلة خطيرة هي مسألة خلق القرآن ، فقد اختلف فيها العلماء اختلافاً كثيراً، وعانى جماعة منهم سخط الدولة ونقمتها
وغضب الجمهور ، وقد حدثت هذه الفكرة في أواخر الدولة الأموية ، وقد ابتدعها الجعد بن درهم معلّم مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية .
فهو أوّل من تكلّم بخلق القرآن ، وقد حرّر المسألة وأذاعها في دمشق ، ثم طلبته السلطة فهرب منها ونزل الكوفة ، فتعلم منه الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة ( الجهميّة ) .
وقيل : إنّ الجعد أخذ ذلك من أبان بن سمعان ، وأبان أخذه من طالوت بن أعصم اليهودي (1).
وقتل الجعد على يد خالد بن عبد الله القسري والي الكوفة ، قتله في يوم عيد عبدالله الأضحى ، وقال إنّه يقول : ماكلم الله موسى تكليماً ، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلاً(2).
وظلّت هذه الفكرة بعد مقتل الجعد تحت الخفاء وفي طي الكتمان إلى دور هارون عندما ظهر أمر المعتزلة وانتشرت أفكارها ، فأعلنوا القول بخلق القرآن ، وكان أهم دعاتها هو بشر المريسي ، فقد ظل يدعو لذلك وألف في المسألة كتباً ، فبلغ الرشيد خبره ، فقال : بلغني أن بشر المريسي يقول : القرآن مخلوق ، والله لئن أظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلتها أحداً.
ولما علم بشر بذلك ظلّ متوارياً طوال أيام الرشيد(3).
وقال بعضهم :« دخلت على الرشيد و بین یدیه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول ، فقال الرشيد : قتله لأنه قال : القرآن مخلوق»(4).
وأخذت الفكرة بالنمو والاتساع حتى جاء دور المأمون ، وكان يرى ذلك ، فنشطت
الحركة وأصبحت حديث المجتمع ، وقد ساندت السلطة المعتزلة والشيعة على ذلك ، وأعلن المأمون رأيه في خلق القرآن ، وحمل الناس على ذلك بالقوة والقهر.
ومهما يكن من أمر ، فإنّ القائلين بهذه الفكرة قد قاموا بثورة ضد الجمود الفكري ، وأعطوا للعقل الحرية والانطلاق ، وقد تعرّضوا للمحنة والعذاب والتنكيل ، وتعتبر هذه المسألة من أهم الأحداث الخطيرة التي حدثت في ذلك العصر، وقد تعرض لبسطها وإيضاحها الفلاسفة من المعتزلة وغيرهم وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالكلام النفسي ، فهي من مسائله وفروعه ولولا خوف الإطالة والخروج عن الموضوع لتحدّثنا عنها بالتفصيل .
واستشف الإمام موسى(عليه السلام) من وراء الغيب بما يجري على البرامكة من الخطوب والنكبات وزوال النعمة وفجاءة النقمة ، فأخبر (عليه السلام)بذلك وقال : « مَساكِينُ آلُ بَرْمَكٍ ، لا يَعْلَمُونَ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ ».
فقد جرت عليهم أعظم نكبة جرت في التاريخ ، فبعدما كانت الدنيا بأيديهم قد زهرت لهم وتمتعوا بلذائذها وظفروا بنعيمها ، فغزاهم الدهر بنكباته ، فصاروا من الذل والهوان بأقصى مكان ، فصودرت أموالهم ، وقتل جعفر ، وقذف أبوه يحيى وباقي أسرته في ظلمات السجون ، حتى بلغ سوء حالهم أنّ من يذكر أيامهم ومعروفهم ومكارمهم نال العقوبة والعذاب ، ونعرض بإيجاز إلى بعض أسباب نكبتهم ، فقد اختلف المؤرخون فيها اختلافاً كثيراً ، وهي كما يلي :
ويرى بعض المؤرّخين أنّ السبب في نكبة البرامكة هي قصة (العبّاسة بنت المهدي) وموجزها : أنّ الرشيد كان لا يصبر عن جعفر بن يحيى وأخته العباسة إذا
أراد الشراب ، فزوجها من جعفر وشرط عليه عدم الاتصال بها ، ولكنه لم يف بعهده و شرطه ، فاتّصل بها، فحملت منه ، وبعد وضعها خافت على طفلها من هارون ، فأبعدته إلى مكة ، فلما علم الرشيد بذلك قتل الطفل ونكل بالبرامكة(1).
وهذه الرواية لا يمكن المساعدة عليها بوجه :
أولاً إنّ الرشيد لا يعني بذلك ، فقد كان خليعاً ، منساباً وراء الشهوات -كما ذكرنا ذلك بالتفصيل - .
ولو كان عنده هذا الشعور الديني أو الاجتماعي لما سمح لأخته عليّة أن تغنّيه وتهدي له الخمر ، حتى انتشر تهتكها وخيانتها عند جميع الأوساط .
ثانياً : إنّ جعفر قد استولى على الرشيد وملك قلبه ومشاعره ، حتّى كان يجلس معه في حلّة واحدة قد اتخذ لها جيبين(2).
وبلغ من نفوذ جعفر أن زوّج العالية من إبراهيم بن عبدالملك بن صالح العبّاسي ، ولا يعلم هارون بذلك ، فلما أخبره أجاز تصرّفه .
إلى غير ذلك من استبداده بشؤون الرشيد، وهي تدلّ على مدى نفوذه عنده .
فكيف يضنّ عليه وهو أعز الناس ، وآثرهم لديه باتصاله بأخته العبّاسة . ثالثاً : إن كثيراً من المصادر التاريخية الموثوق بها قد فندت هذه القصة ، فقد فندها الجهشياري مستدلاً بقول مسرور خادم الرشيد، حيث سئل عن السبب في إيقاع الرشيد بالبرامكة ، فقال :« كأنك تريد ما تقوله العامة فيما ادعوه من أمر المرأة، لا والله ما لشيء لهذا من أصل»(3).
أما ابن خلدون فينفي ذلك نفياً باتاً ويرى أنه من الأساطير ، فيقول : « إن مركز العبّاسة الديني والاجتماعي لا يسمح لها بارتكاب جريمة كهذه ، لا سيما مع مولى من مواليها»(1).
ومهما يكن من أمر ، فإنّ هذه القصّة إلى الخيال أقرب منها إلى المنطق ، لكن قسماً من المؤرّخين قد اهتموا بها ، وتناولتها الأقلام الحديثة فأخرجتها بأسلوب خيالي لا نصيب له من الصحّة .
وذهب فريق من المؤرّخين إلى أنّ العامل الوحيد في نكبة البرامكة هو ميلهم إلى العلويين ، فقد ذكر الطبري عن أبي محمد اليزيدي الذي كان من أعلم الناس بالبرامكة أنّه قال :« من قال إنّ الرشيد قتل جعفر بغير سبب يحيى بن عبدالله فلا تصدّقه » .
وذكر الجهشياري : « أنّ الرشيد انّهم يحيى بميله إلى يحيى العلوي، وأنه أمده بمائتي ألف دينار إبان ثورته»(2).
وذكر صاحب الأغاني : « إنّ البرامكة يكرهون تعصب الرشيد على العلويين ، ويعدون عمله حراماً» (3).
وهذا القول كالأوّل في ضعفه، فإنّ البرامكة كانوا يتقربون إلى الرشيد بالسعي على العلويين، وكانوا من المستبين لسجن الإمام(عليه السلام) وقتله ، وقد روى الصدوق عن صفوان بن معن: « أن يحيى البرمكي لم يكتف بإغرائه للرشيد في قتل الإمام
الكاظم(عليه السلام)، فأغراه بقتل الإمام الرضاء(عليه السلام).
فقال له هارون : أما يغنينا ما صنعنا بأبيه ؟ أتريد أن نقتلهم جميعاً ؟ !(1)
وقال السيّد نعمة الله الجزائري : « إنّ السبب الحقيقي في هلاك البرامكة هو دعاء أبي الحسن الرضا(عليه السلام)عليهم في موقف عرفة ، لأنهم سعوا بأبيه الكاظم(عليه السلام)»(2)
إن البرامكة من دون شك لا يحملون أي طابع من الودّ للعلويين ، وقد أسرفوا في التنكيل بهم باستثناء الفضل بن يحيى ، فإنّه كان يميل إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) وقد رفّه عليه حينما كان بالبصرة في سجنه ، وهو الذي سمح ليحيى العلوي بالوفادة إلى بيت الله الحرام ، ولعلّ القول بميلهم إلى التشيع جاء بسببه .
لعلّ من أهمّ الأسباب الرئيسية التي دعت الرشيد للتنكيل بالبرامكة هي سعة نفوذهم واستيلائهم على جميع مقدّرات الدولة، حتّى خاف الرشيد من زوال ملكه ، وقد مال إلى ذلك الأستاذ محمد كرد على ، فقال : « ولمّا رأى - الرشيد - أنّ ملكه في خطر محقق من نفوذ آل برمك لانصراف الوجوه إليهم لكثرة ما أحسنوا إلى الناس ، حتى ساووا الخليفة وأربوا عليه في المكانة ، أمر بالقبض عليهم ومصادرة أموالهم وقتلهم .. وذلك لأنه خافهم على ملكه»(3).
وقد ظهرت منهم بوادر تدلّ على عزمهم بقيام انقلاب عسكري يقضون فيه على حكمه ، وينقلون الخلافة من العبّاسيّين إلى غيرهم ، فقد تحدّث جعفر عن أبي مسلم وأهميته في نقل الخلافة من الأمويين إلى العباسيين ، فقال : « إن أبا مسلم نقل
الدولة من قوم إلى قوم بالقتل وإراقة الدم، وإنّما الرجل من ينقلها من غير سفك دم» .
وقد نقل حديثه إلى الرشيد فخاف وبادر إلى نكبة البرامكة(1).
ومهما يكن من أمر ، فإنّ العامل الوحيد الذي حفّز هارون - فيما نحسب - إلى التنكيل بجعفر وباقي أسرته هو سعة نفوذهم ، وقبضهم على زمام الحكم بيد من حديد ، فقد كان بداره من الموظفين من أبناء يحيى بن خالد خمسة وعشرون ما بين صاحب سيف وقلم»(2).
وكان من الصعب القضاء عليهم لولا استعمال المباغتة والمفاجأة في البطش بهم ، فإنّهم لو علموا بذلك لما تمكن من القيام بأي حركة انقلابية ، ولقضي عليه نظراً لاتصالهم الوثيق بزعماء الجيش وقادته ونعمهم الوفيرة على الكثيرين من الناس ، فلو قاموا بانقلاب عسكري لوجدوا تأييداً شاملاً من الجماهير الإسلامية الكارهة لحكم العبّاسيّين، بالإضافة إلى أنّ لهم الصلات التامة بالفرس الذين هم أهم ركيزة في الدولة الإسلامية .
وهناك عوامل أخرى ذكرها المؤرخون أحصاها بعضهم إلى أربعين عاملاً، ومال إلى كلّ واحد منها فريق من المؤرّخين والكتاب، أدّت إلى نكبة البرامكة ، كالوشاية بهم من حاسديهم ، وغيرها .
ونكتفي بها العرض الموجز من أسباب البطش بهم.
كان جعفر في قصره يلهو ويلعب ولا يعلم ما دبّر له ، وكان أبو زكار الأعمى يغنيه بهذا البيت :
فَلا تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتى سَيَأْتي*** عَليهِ المَوْتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغادي
وكان فيه تنبؤ عن وقوع الحادث الخطير ، فبينما كان المغنون يعزفون له بهذا البيت ، إذ دخل عليه مسرور الخادم بغير إذنه وهو مسلّح ، فلما رآه جعفر جفل منه ، وأخذته رعدة الذعر والخوف وأخبره مسرور بما أمر به ، فجعل جعفر يتضرع إليه ویذكّره بأياديه ونعمه عليه ، وطلب منه أن يمهله إلى الصبح لعل هارون يرجع إلى صوابه ورشده فيعفو عنه ، فامتنع من إجابته ، وأخيراً طلب منه أن يأتي به إلى مضرب الخليفة ليسمع مقالته وحكمه فيه .
فأجابه إلى ذلك ، ونهضا معاً ، ودخل مسرور على هارون ، فقام إليه وهو ثائر لم يملك أعصابه ، قد تغيّرت أحواله ، فبادره مسرور قائلاً له : يا أمير المؤمنين ، قد انتهى كلّ شيء ، ورأس جعفر قريب منك .
ففهم هارون الأمر ، فوعده بالقتل على تأخيره لحكم الإعدام قائلا له : نفيت من المهدي ، إن أنت جئتني ولم تأتني برأسه لأرسلن إليك من يأتيني برأسك أولاً ثمّ برأسه آخراً .
فخرج ونفّذ بالفور ما أمر به وحمل رأس جعفر إليه .
ويقي الرشيد ليلته لم يذق طعم الرقاد ينتظر بفارغ الصبر ضوء الصباح ، وقبل أن يندلع نور الفجر أمر هرثمة بن أعين بحمل جنّة جعفر وإعطائها إلى مدير الشرطة العام السندي بن شاهك ، ليعلّق رأسه في الساحة الوسطى من مدينة المنصور،
ويقسم جنّته إلى نصفين ، فيصلب كل نصف منها على رأس جسر في بغداد . كما أمره بإعلان حالة الطوارئ ، وأن يكون الجيش على أهبة الاستعداد خوفاً من الانتفاضات الشعبية ، كما فرض المراقبة الشديدة على الجيش خوفاً من تمرده وعصيانه ، وأمر بالوقت بتطويق دور البرامكة ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة ، واعتقالهم وزجهم في ظلمات السجون .
وانتشر حديث البرامكة في شرق البلاد وغربها ، وصار أحدوثة المجالس ، بل حديث الأجيال والأحقاب ، فذابت قلوب أنصارهم وإخوانهم ، وشمت بهم خصومهم وحسّادهم ، فقد اندك ذلك الحصن المنيع الشامخ ، وذهبت صولة البرامكة أدراج الرياح .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن نكبة البرامكة ، وقد دلّت على بطش هارون وفتكه وكيده ، فقد أنزل العقاب الصارم بأحب الناس إليه ، وبذلك يعلم مدى القسوة البالغة التي عامل بها العلويين وشيعتهم، فقد استعمل جميع إمكانياته في إرهاقهم وذعرهم والبطش بهم . وكانت محنة الإمام موسى(عليه السلام) من أقسى ألوان المحن وأفجعها ، فقد انعدمت الرأفة والرحمة من نفسه ، فصبّ عليه وابلاً من العقاب .
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن عصر الإمام(عليه السلام)، وقد ذكرنا بعض الأحداث الجسام في ذلك العصر ، أما الإحاطة بجميع شؤونه فإنّها تستدعي الاطالة والخروج عن الموضوع .
وعملت مدرسة الإمام الصادق(عليه السلام)عملاً متواصلاً، وبذلت مجهوداً غير قليل لتثقيف العقل الإنساني ، وتطوير النهضة الفكرية ، وتقدّم المسلمين في ميادين الحضارة والعلم ، وقد ربّت جيلاً صالحاً سبّاقاً إلى فعل الخير والمساعي الجليلة ، قد أدّى رسالته الإصلاحية الشاملة إلى الأجيال الصاعدة، فببركتها نضجت العقلية الإسلامية ، وبرزت معارف الإسلام وتعاليمه وآدابه إلى الوجود العملي في مشارق الدنيا ومغاربها .
ولمّا فجع العالم الإسلامي بوفاة الإمام الصادق(عليه السلام)، وقام الإمام موسى(عليه السلام)بعد أبيه بإدارة شؤون تلك المدرسة الكبرى التي أعزّت العلم ورفعت مناره ، فقد أصبح منذ اليوم الأول بعد وفاة أبيه عميداً وزعيماً للهيئة العلمية والنهضة الفكرية في عصره .
وقد أقبل عليه العلماء ، واحتف به رجال الفكر ، لا يفارقونه ولا يفترقون عنه ، حتى بلغ من احتفائهم به وإقبالهم عليه أنه إذا نطق بكلمة أو أفتى فتوى بنازلة بادروا إلى تسجيل ذلك(1).
وقد روى عنه هؤلاء العلماء جميع أنواع العلوم على اختلافها وتباعد أطرافها من الحكمة ، وتفسير الذكر الحكيم ، والفقه الإسلامي بجميع أبوابه .
1) الأنوار البهيّة : 91 .
كما رووا عنه الآداب الاجتماعية ، والنصائح الرفيعة ، والحثّ على التضلّع في العلم على اختلاف أنواعه .
ولم تكن تلك الكوكبة من العلماء والرواة التي كان يربو عددها على أربعة آلاف شخص على مستوى واحد من حيث الثقة والعدالة ، فقد كان فيهم عدد غير قليل من المنافقين والكذابين الذين لم يتحرّجوا من الكذب والوضع ، فقد كانوا يضعون الحديث والأخبار على لسان النبي الأمين (صلی الله علیه وآله وسلم) وعترته الميامين ، ليأخذوا عوض ذلك الثمن من السلطة الحاكمة التي حاربت الإسلام ، وأفسدت عقائد المسلمين ، ومزّقتهم شيعاً وأحزاباً كُلَّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(1).
وهناك جمهرة أخرى من المجهولين الذين لم يوثقوا ولم يجرحوا ، وطائفة أخرى من الضعفاء ، كما أنّ فيهم عدداً ضخماً من الثقات والعدول الذين تحرجوا من الوضع ، وعُرفوا بالصدق والأمانة ، وإليهم يستند الفضل في ضبط الأحكام الإسلامية ، ونشر فقه آل البيت(عليه السلام)، ونظراً لوجود هذه الطوائف في رواة الأثر فقد انقسم الخبر بلحاظهم إلى صحيح وحسن وضعيف وموثق .
وعلى أي حال ، فإنّ الكثيرين من أصحاب الإمام قد قاموا بدور مهم في التأليف والتصنيف، ونشر الحضارة الإسلاميّة، حتّى ملأوا المكتبة العربية والإسلامية في عصورهم بنتاجهم القيم ، الأمر الذي دلّ بحق على أنّ لهم اليد الطولى في رفع منار العلم ، وتقويم الأخلاق ، وتهذيب الأفكار .
أما عدد أصحابه فقد ذكر أحمد بن خالد البرقي أنهم كانوا مائة وستين شخصاً(2)، وهو اشتباه ظاهر إن كان مراده الحصر ، فإنّ الظاهر من التحقيق أن أغلب المنتمين لمدرسة الإمام الصادق(عليه السلام)قد بقوا بعد وفاة الإمام ينتهلون من نمير علم
الإمام الكاظم ويتلقون العلوم والفقه منه ، ولعلّ البرقي أراد بهذا العدد الأعلام والنابهين منهم دون من يليهم في مراتب الفقه والحديث والعلم. وها نحن نعرض ترجمة طائفة من أصحابه ورواة حديثه قد رتبناها على حروف الهجاء ، وهي كما يلي :
أبان بن عثمان اللؤلؤي ، يُعرف بالأحمر البجلي(1).
كان يسكن الكوفة والبصرة ، وقد روى عن أبي عبدالله الصادق وولده الكاظم ، وذكر أبو عمرو الكشي أنّ العصابة أجمعت على تصحيح ما يصح عنه ، والإقرار له بالفقه(2).
وقد أخذ عنه من أهل البصرة : أبو عبيدة معمر بن المثنّى ، وأبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي . ألف كتاباً جمع فيه المبدأ والمعاد ، والمبعث ، والمغازي ، والوفاة ، والسقيفة ، والردّة(3).
وذكره ابن حبّان في الثقات ، وقال : « يخطئ ويهم ، وكان يكنى أبا عبد الله . سكن البصرة والكوفة ، وكان أديباً عالماً بالأنساب ، أخذ عنه أبو عبيدة ومحمّد بن سلام الجحمي، وذكره الطوسي في رجال الشيعة ، وقال : حمل عن جعفر بن محمد وموسى بن جعفر ، وقال محمد بن أبي عمير : كان أبان من أحفظ الناس »(4).
قيل : إنّه ابن أبي سمّال ، وثقه جماعة من الأعلام ، ورمي بالوقف ، وعرف بالصدق والتحرّز عن الكذب . له كتاب النوادر(1).
أبو البلاد : اسمه يحيى بن سليم ، وكنّي بأبي البلاد . كان إبراهيم ثقة ، جليلاً، رفيع المنزلة ، عظيم الشأن .
روى عن أبي عبد الله والكاظم والرضا(عليهم السلام)، وأرسل له الإمام الرضا(عليه السلام)رسالة أعرب فيها عن ثنائه وإكباره له (2).
العقرقوفي(3). كان من الواقفية . روى عنه ابن وهب ، والواقدي ، وعده ابن حبّان من الثقات (4).
الصنعاني(5). روى عن الإمام الصادق وأبي الحسن وولده الرضا(عليه السلام)، وكان يجلس في مسجد الكوفة ويحدّث الناس ويقول : « أخبرني أبو إسحاق - يعني الإمام الصادق(عليه السلام)-» رمي بالوقف ، ووثقه ابن شهرآشوب (6).
1) رجال النجاشي : 30/21
2) جامع الرواه : 11 : 16 . لسان الميزان : 1 : 41 . رجال النجاشي : 32/22
3) العقرقوفي : نسبة إلى عقرقوف ، ناحية من نواحي الدجيل ، وقيل : إنّها من نواحي نهر عيسى ، وبينها وبين بغداد أربع فراسخ .
4) تنقيح المقال : 2 : 86.
5) الصنعاني : نسبة إلى صنعاء ، بلدة باليمن كثيرة الأشجار والمياه
6) معجم رجال الحدیث : 1 192/224.
وقال الفضل بن شاذان : « إنّه صالح »(1).
القمّي . روى عن الإمام الكاظم والرضا(عليه السلام)، وثقه جماعة من الأعلام(4).
ابن القعقاع الجعفي كوفي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وثقه النجاشي وقال : إنّه ثقة ، صحيح الحديث ، وذكر الطوسى أنّ له كتاباً (5).
العبدي الكناني ، ثقة ، جليل ، من عيون هذه الطائفة ، ومن الأعلام الذين أخذت منهم الأحكام والفتيا . روى عن أبي عبدالله الصادق وولده موسى (عليه السلام). توفي سنة 170ه- (6)
الكندي الطحّان ، ثقة ، صحيح صحيح الحديث ، رفيع الشأن ، من المؤلّفين ، وله كتاب
1) جامع الرواة : 1 : 24 رجال الكشي : 839/446.
2) الجعدي - بضم الجيم - : نسبة إلى جعدة أي حي من قيس ، وهو جعدة بن كعب ، ومنهم النابغة الجعدي.
3) رجال الطوسي : 4936/331 .
4) فهرست الطوسي : 14/288 .
5) رجال النجاشي : 28/21. فهرست الطوسي : 18/42 .
6) رجال النجاشي : 24/19. التحرير الطاووسي : 11. الخلاصة : 20/52 . رجال ابن داود : 30/33
النوادر(1).
يُعرف بالسراج ، كوفي ، ثقة ، مقبول الحديث ، رمي بالوقف . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)، وله كتاب(2).
يُعرف بالأنماطي ، كان واقفياً . روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وكان من أصحاب أبي الحسن ، وله كتاب(3).
ابن إسماعيل التمار ، مولى بني أسد ، رمي بالوقف ، وكان من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(4).
وروى عن الإمام الرضا(عليه السلام)، وقال النجاشي : « هو على كل حال ثقة ، صحيح الحديث ، معتمد عليه ، له كتاب «نوادر»(5)
يُعرف بالخزاز ، من أصحاب الإمام(عليه السلام)، وقد رمى بالوقف(6).
ابن أبي شعبة الحلبي . روى عن الإمام الكاظم والرضا(عليهم السلام)، وروى أبوه عن أبي
عبد الله(عليه السلام)، وهو من بيت عُرف بالتقوى والصدق والولاء لأهل البيت(عليهم السلام)(1).
الخزاعي ، من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، رمي بالوقف ، وله كتاب(2).
وروى الكشي أنّه من أصحاب موسى وعلي بن موسى(عليهم السلام) (3).
كوفي ، وهو أخو كامل بن محمد من أصحاب الإمام(عليه السلام)، وله رواية في فضل زيارة الحسين ذكرها في التهذيب(4)
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(5)
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(6)
روى عن أبي الحسن(عليه السلام)، وذكر روايته صاحب الوافي(7)
كان ثقة عدلاً، وكان قيماً للإمام الكاظم(عليه السلام)(1)
مولى لبني عدي من كندة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)، وله كتاب(2).
ثقة ، من أهل العلم . روى عن الإمام أبي عبد الله(عليه السلام)، وله كتاب : عده الشيخ من أصحاب الكاظم(عليه السلام)، وأنه من الواقفية(3).
ابن مالك الأشعري القمي ، ثقة ، عدل . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام)(4)
الكوفي الصيرفي ، مولى لبني تغلب ، من شيوخ الشيعة وثقاتها . روى عن الصادق والكاظم(عليهم السلام)(5)، وهو غير إسحاق بن عمار الساباطي الذي كان فطحيّاً ، وقد نشأ الخلط والاشتباه عند البعض حيث توهّموا بأنهما واحد ، كما أفاد ذلك المحقق شيخنا المامقاني(6).
وجاء في بعض الروايات ما ينافي وثاقته وعدالته ، فقد روي أنّه كان عند الإمام
موسى(عليه السلام)جالساً ، إذ دخل عليه بعض شيعته ، فالتفت له الإمام قائلاً: يا فلانُ ، جَدِّدْ تَوْبَتَكَ ، وَأَحْدِتْ عِبادَةٌ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِكَ إِلَّا شَهْرٌ .
يقول إسحاق : فقلت في نفسي : واعجباه ، كأنه يخبرنا بأجال شيعته !
فالتفت إليه الإمام وهو مغضب ، فقال له : وَما تُنْكِرُ مِنْ ذلِكَ ؟ وكان الهجري مستضعفاً(1)، وكان عنده علم المنايا ، والإمام أولى بذلك من رشيد الهجري .
يا إِسْحَاقَ ، إِنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِكَ سَنَتانِ ، أَما إِنَّهُ سَيَتَشَنَّتْ أَهْلُكَ ، وَيُفْلِسُ عِيالُكَ إفلاساً شديداً. وما لبث إسحاق حتى توفي في الوقت الذي عينه الإمام ، وحلّ الفقر والبؤس بأهله وعياله(2).
الساباطي(3). كان يسكن بغداد ، وقد روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام) وكان فطحياً(4).
من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، ووثقه جماعة من الأعلام(5).
وقيل : ابن أبي سماك ، وقال النجاشي : «إنّه ثقة ، واقفي ، فلا أعتمد على
1) الاستضعاف : هو العجز عن التحمّل لأعباء الإمامة ، وليس المراد به الإستضعاف من ناحية الدين ، وإلا لنافاه قوله : « وكان يعلم علم المنايا والبلايا ، فإن ذلك يتوقف على نور القلب بالإيمان والمعرفة وقوة العقيدة .
2) تنقيح المقال : 1 : 151 .
3) الساباطي : نسبة إلى ساباط قرية قريبة من المدائن.
4) فهرست الطوسي : 52/54 .
5) رجال الطوسي : 4923/331 .
روايته »(1).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)من غير توصيف(2).
مولى لبني أسد ، وجه من وجوه الشيعة ، وفقيه من فقهائها ، وقد عُرف أهله بالعدالة والولاء لأهل البيت(عليهم السلام). روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام)، وله کتاب(3)
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنه واقفي(6). وضعفه جماعة (7).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(8)
وفي جامع الرواة : « أنّه روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وروى عنه إسماعيل بن مهران »(1)
الكوفي ، مولى بني طريف : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(2).
الجعفي ، ثقة ، جليل . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)(3).
روى عنه يحيى بن عمران الحلبي وأبو عبد الله البرقي(4).
وقال الشيخ : « إنّه ثقة ، وله كتاب »(5)
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وأضاف إلى ذلك أنه روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)(6).
أبو إسماعيل الكوفي . روى عن الإمام ، ووثقه جماعة من الأعلام(7).
الرازي ، مولى بني ضَبّة . روى عن الإمام الكاظم(عليه السلام). قال ابن الغضائري : «إنه ضعيف جداً ، كثير التفرد بالغرائب ، وضعفه جماعة من الأعلام»(1).
ابن جناح ، من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقد رمي بالوقف(2)
ابن نُعيم الأزدي الغامدي(3)
قيل : إنما لقب بذلك لأنه أصلح أمراً كان بينه وبين قومه فسماه أحد الملوك بغامد .
، ثقة ، جليل ، من بيت رفيع بالكوفة : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، عمر عمراً طويلاً ، وله كتاب ، وروى عنه عبدالله بن مسكان وأحمد(4).الأسدي الكوفي . قال النجاشي : كان وجهاً من أصحابنا ، قارئاً ، فقيهاً ، نحويّاً ، لغوياً ، راويةً ، وكان حسن العمل ، كثير العبادة والزهد . روى عن أبي عبدالله وأبي
1) رجال النجاشي : 276/109 .
2) رجال الطوسي : 4958/333 .
3) الغامدي : نسبة إلى غامد، علم في الأصل إلى أبي قبيلة من جهينة ، وقيل : من اليمن ، ينسب إليها الغامديون من المحدثين وغيرهم، والغامدي هذا بقرينة كونه أزدياً منسوب إلى بني غامد بطن من الأزد ، وهم بنو غامد واسم غامد عمر بن عبدالله ، وقيل : كعب بن عبد الله .
4) رجال النجاشي : 273/109. رجال الطوسي : 4955/333. لسان الميزان : 2 : 84
الحسن . له كتاب تختلف الرواية عنه ، قد رواه جماعة من الناس»(1)
وحكي أنّه لمّا حجّ هارون مرّ بالكوفة ، فلمّا صار إلى الموضع الذي يُعرف بمسجد ( سماك ) كان ثعلبة ينزل في غرفة على الطريق ، فسمعه هارون يدعو بلسان فصيح ، فوقف يسمع دعاءه، وأقبل على الفضل بن الربيع فقال له : تسمع ما أسمع ؟
فقال له : نعم .
فقال هارون : إن أخيارنا بالكوفة (2).
وكان يلقب بأبي إسحاق الفقيه ، ويعد في الطليعة من علماء هذه الطائفة ، بالإضافة إلى ورعه وتقواه(3)
وقد روى عنه : محمد بن عبد الله المزخرف ، وعلي بن أسباط ، والحسن بن عليّ الخزاز ، وظريف بن ناصح(4).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنه واقفي (5)
الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنه سمع الإمام
الأسماموسي بن جعفر
الج التاسع والعشرون
يقول : سَعِدَ امْرُؤٌ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مِنْهُ خَلَفاً ، وَقَدْ أَرَانِيَ اللَّهُ ابْني هذا خَلَفاً - وأشار لولده الرضا(عليه السلام)-(1).
44 - جعفر بن سليمان
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)من غير توصيف بكنية أو لقب ، وعده الأردبيلي من جملة الرواة عن الإمام(2)
45 - جعفر بن سماعة
عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)، وأخرى من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وأضاف إلى ذلك أنّه واقفي(3).
46 - جعفر بن محمّد
ابن حكيم الخثعمي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)(4).
47 - جميل بن درّاج
ابن عبد الله النخعي الكوفي ، من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)، وولده أبي الحسن موسى(عليه السلام)،وكان ثقة ، جليلاً، من كبار العلماء ، وهو أحد السنّة الذين أجمعوا على تصحيح ما يصح عنهم ، وكان كثير الحديث روى عنه خلق كثير ، كالحسن بن محبوب ، وصالح بن عقبة ، وأبو مالك الحضرمي ، وغيرهم .
له مؤلفات، منها : كتاب اشترك في تأليفه هو ومرازم بن حكيم ، وله أصل انفرد بتأليفه. توفى فى أيام الرضا(عليه السلام)(5).
الأسدي الكوفي ، ثقة ، جليل ، من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)وولده أبي الحسن(عليه السلام)، له أصل. روى عنه جماعة منهم: عمّار بن موسى الساباطي ، وغيره(1).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنّه واقفي ، وكذلك قال العلامة(2).
ثقة ، جليل الشأن ، رفيع المنزلة . روى عن الإمام موسى(عليه السلام)، له أصل(3).
51 - حبيب بن المعلّل
الخثعمي المدائني . قال النجاشي : « روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن الرضا(عليه السلام)، ثقة ، صحيح الحديث»، وأضاف: «أنّ له كتاباً »(4).
أبو علي الأزدي المدائني . قال النجاشي : « إنّه ثقة ، وجه ، متكلم . روى عن أبي
الخزاعي ، بياع السابري. قال النجاشي :« إنّه ثقة . روى عن أبي جعفر وأبي عبدالله وأبي الحسن(عليه السلام). له كتاب يرويه عدة من أصحابنا ، وثقه الشيخ المفيد ، ولكن ابن الغضائري غمز فيه ، وقال : « إن حديثه غير نقي ، يروي الصحيح والسقيم ، وأمره ملتبس ، ونقل عنه أنّه كان والياً عند بني أمية »(3).
الجمال ، مولى بني كاهل من بني أسد . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام)،ثقة ، حديثه أصبح من حديث صفوان ، وله كتاب (4).
الكوفي ، من كندة : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)، وأخرى من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(5).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وأنه له كتاب(6)، والظاهر أنه إمامي
لم يقف له على مدح(1).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وأضاف أنه مجهول(2).
ابن بكير بن أعين ، أبو محمد الشيباني : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)ووثقه ، وقال النجاشي : «إنّه ثقة . روى عن أبي الحسن موسى وولده الرضا ، وله كتاب »(3).
مولى بني العباس . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)، ضعيف في روايته . وعن البرقي : إنّه كان وزيراً للمهدي وموسى الهادي وهارون(4)
المدائني . قال ابن عقدة : « روى هو وأخوه مصدق عن أبي عبدالله وأبي الحسن ، وكانا من الثقات»(5).
كان من أعبد أهل زمانه ، وكان يتقيه السلطان لجرأته وتقواه ، وكانت هدايته على يد الإمام ، وقد ذكرنا ذلك في الجزء الأوّل من هذا الكتاب .
ابن يقطين بن موسى ، مولى بني هاشم ، وقيل : مولى بني أسد ، ثقة ، فقيه ، متكلّم. روى عن الإمام موسى(عليه السلام)وولده الرضا وله كتاب أسماه « مسائل أبي الله ، الحسن موسى»(1).
ابن فضال بن عمر بن أيمن ، مولى تيم الله. روى عن الإمام موسى(عليه السلام)والإمام علي بن موسى(عليه السلام)وإبراهيم بن محمد الأشعري ، ومحمد بن عبدالله بن زرارة ، وعلي بن عقبة ، وغيرهم . روى عنه الفضل بن شاذان ، وبالغ في الثناء عليه بالزهد والعبادة، وكان من المؤلّفين . له كتاب « الزيارات وكتاب « البشارات » وكتاب النوادر » وكتاب« الردّ على الغالية » وكتاب « الناسخ والمنسوخ » وكتاب
« التفسير»وكتاب « الابتداء والمبتدأ » . توفي سنة 224ه-(2).
ابن سليمان . قال ابن داود : « إنّه من أصحاب الصادق والكاظم (عليهم السلام)(3).
السراد (4)، ويقال له : الزراد ، مولى البجيلة ، كوفي ، ثقة : عده الشيخ من أصحاب الكاظم(عليه السلام). وروى عن الإمام الرضا(عليه السلام)وروى عن ستين رجلاً من أصحاب أبي
عبد الله(عليه السلام)، وكان جليل القدر ، يعد من أعلام عصره، ألف كتباً كثيرة ، منها كتاب «الحدود»وكتاب «الديات »وكتاب «الفرائض»وكتاب
« النوادر» يقع في ألف ورقة ، وكتاب التفسير »(1).
ابن سماعة الكندي الصيرفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)وقال : «إنّه واقفي المذهب ، إلا أنه جيد التصانيف ، نقي الفقه ، حسن الاعتقاد ، ألف ثلاثين كتاباً ، منها : كتاب« الصلاة » ، وكتاب« الصيام » ، ومنها : كتاب « وفاة أبي عبد الله الصادق له وكتاب«الزهد» وكتاب« البشارات » ، وغيرها .
توفّي في جمادى الأولى سنة 263ه- ، وصلى عليه إبراهيم بن محمد العلوي(2).
ابن موسى : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3)
المدائني ، مولى زياد ، ثقة، صحيح الحديث روى عن الإمام الكاظم(عليه السلام)وقد رمي بالوقف ، وقال الكشي : « إنه رجع عن ذلك ، وقال بالحق ، وأنا أعتمد على ما يرويه بشهادة الشيخين له »(4).
ووثقه الشيخ الطوسى والعلّامة(5).
ابن بكير بن أعين. ذكره العلّامة في القسم الأوّل من الخلاصة ، وقال : « إنّه من أصحاب الكاظم ، وأنه ثقة »(1).
الصيرفي ، من أصحاب الإمام الكاظم والرضا(عليهم السلام)، وروى عنهما (عليهم السلام)(2)
مولى لبني العباس ، بغدادي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3).
ابن علي بن الحسين ، يلقب بذي الدمعة » ، كان الإمام الصادق(عليه السلام) قد تبنّاه وربّاه وزوجه بنت الأرقط . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام)(4)
وقال رواة الأثر :« إنّه نشأ في حجر الإمام الصادق منذ قتل أبوه ، وأخذ منه علماً كثيراً ، وكان لا يجالس أحداً ، ولا يدخل إليه ، إلا من يثق به ، وإنّما لقب بذي الدمعة لكثرة بكائه ، وقد قالت له زوجته : ما أكثر بكاؤك ؟ !
فقال لها : وهل ترك لي السهمان والنار سروراً يمنعني من البكاء ، أراد بالسهمين اللذين قتل بهما أبوه زيد وأخوه يحيى ، وبالنار التي أحرق فيها أبوه زيد . توفّي سنة 140ه- ، وقيل : 135ه- ، وعمره ست وسبعون سنة (5).
من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وثقه جماعة من الأعلام(1).
ابن شريك بن عدي العامري الوحيدي الكوفي . قال النجاشي : «إنّه ثقة . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليه السلام)، وله كتاب»(2).
العباسي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : « إنّه واقفي»، وكذا قال العلّامة وابن داود ، وذكر الكليني له حديثاً مع الإمام الرضا (عليه السلام) دلّ على ذمّه وسوء سريرته (4)
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال :« إنّه واقفي » ، وكذا ذكر العلامة وابن داود(5)
ابن الفضل الهاشمي ، ثقة ، جليل ، من شيوخ بني هاشم . روى عن أبي عبدالله
وأبي الحسن(عليه السلام)، وله كتاب كبير(1).
وقال الشيخ المفيد : «كان الحسين بن محمد من خاصة الكاظم وثقاته ، ومن أهل الورع والعلم والفضل من شيعته»(2).
القلانسي الكوفي ، واقفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : «له كتاب» ، وأطرى عليه الشيخ المفيد وجعله في طليعة أصحاب الإمام الرضا(عليه السلام)(3).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وكان واقفياً(4)
السكوني . . روى عن الإمام الكاظم والإمام الرضا(عليهم السلام)، وكان من الواقفية ، وله «مسائل»(5)
وقال العلامة : « إنّه كان ضعيف اليقين ، له كتاب عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، لا أعتمد على روايته(6)
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام) ورماه بالوقف (7).
وقال ابن الغضائري : «إنّه ضعيف ، ونقل عن ابن عقدة أنه كان يضع الحديث وأنه من الزيدية (1).
البغدادي : ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)(2).
عده الشيخ - من غير لقب ولا كنية - من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3).
العمري ، مولى عمرو بن حريث المخزومي . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليه السلام). ثقة ، وله أصل(4).
النخعي الكوفي ، ولي القضاء ببغداد الشرقية من قبل هارون ، ثم تولى قضاء الكوفة .روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)، وله كتاب . توفّي بالكوفة سنة 194ه-(5). وقد اختلف في توثيقه وجرحه(6).
الحناط ، مولى لقريش . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وله كتاب(7).
ابن عمرو بن خالد الفزاري الكوفي .كان يسكن « عَرْزم »فنسب إليها ، ثقة. روى عن أبي عبد الله والكاظم والرضا(عليهم السلام). توفي بالكوفة سنة 190ه-(1).
ابن زياد الرواسي الملقب بالناب ، ثقة ، جليل القدر ، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، والإقرار له بالفقه ، وله كتاب . روى عن الإمام موسى وولده الرضا(عليهم السلام) . توفي سنة 190ه-(2).
الجهني البصري . قال الكشي : « هو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، والإقرار له بالفقه » . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن والرضا(عليهم السلام)، وكان متحرّزاً في الحديث ومن المؤلّفين ، له كتاب النوادر » وكتاب « الصلاة »وكتاب« الزكاة » وقد دخل على الإمام الكاظم(عليه السلام) فقال له : جعلت فداك ، ادع الله لي أن يرزقني داراً وزوجة وخادماً ، والحج ، فدعا الإمام له بذلك ، وأضاف إلى دعائه أن يرزقه خمسين حجّة ، فرزقه الله جميع ذلك ، وحجّ خمسين عاماً ، فلما انتهت الخمسون جاء إلى واد ليغتسل منه ، فجاءه سیل عارم فغرق فيه وذلك في سنة 209ه- (3).
الصبيحي . روى عن الإمام موسى وولده الرضا(عليه السلام). روى عنه مسعدة بن صدقة ، له كتاب « شرائع الإيمان» وكتاب« الإهليلجة » . توفّي سنة 265ه- ،
وقد صادفت وفاته حين دخول أصحاب العلوي البصري قُسِّيْن فاتحين لها(1)
الأشعري القمى : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(2).
العجلي أبو المغرّا الكوفي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليه السلام)، وله كتاب (3).
الصيرفي الكوفي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، له كتاب في صفة الجنّة والنار(4).
القلانسي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)(5)
أبو سعيد القماط ، كوفي : عده الشيخ في باب الكنى من أصحاب الكاظم(عليه السلام)(6).
ووثقه النجاشي وقال : « إنّه روى عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)، وله كتاب»(1)
القلانسي الكوفي . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام)، مولى ثقة ، له کتاب(2)
الجوان ، مولى كوفي ، يكنى أبا عبد الله . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)(3).
قال الكشي : «كان خالد خادماً عند أبي الحسن موسى ، وهو الذي روى عنه في شأن ولده الرضا(عليه السلام)أنه قال فيه : عهدي إلى ابني عليّ أكبر ولدي وخيرهم وأفضلهم»(4).
ابن جبل ، كوفي ، ثقة . روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله كتاب رواه يحيى بن زكريا اللؤلؤي(5)
وهو أخو عليّ بن يقطين : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وظاهره أنه إمامي(6).
ابن ناشر بن المُسَيِّب ، كوفي ، ثقة ، ثقة ، سمع من الإمام موسى(عليه السلام)، له كتاب يرويه جماعة ، منهم : محمد بن الحسين بن أبي الخطاب(1).
وقال ابن الغضائري : « إن أمره مختلط يعرف حديثه تارة وينكر أخرى ، ويجوز أن يخرج شاهداً »(2).
الكوفي : من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وروى عنه عنه(3)
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنه مجهول ، وكذا قال العلامة في الخلاصة(4).
البصري : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم والرضا(عليهمالسلام)(5).
الأسدي الكوفي . قال النجاشي : روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن ، ثقة،
له كتاب » .
وقال الشيخ : إنّه واقفى ، وكذا قال ابن عقدة(1)
106 - داود بن أبي يزيد
الكوفي العطار، مولى ، ثقة ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام). له كتاب(2).
107 - داود بن زربی
الخندقي البندار ، وثقه النجاشي ، وقال الشيخ المفيد في إرشاده : « إنّه من خاصة أبي الحسن(عليه السلام)وثقاته ، ومن أهل الورع والعلم والفقه ، وممن روى النصّ على إمامة أبي الحسن الرضا ل ، فقد حمل إلى الإمام موسى(عليه السلام)مالاً فأخذ منه وترك الباقي ، فقال له داود : لِمَ لا تأخذ الباقي ؟
قال(عليه السلام) له : إِنَّ صَاحِبَ الْأَمْرِ بَعْدِي يَطْلُبُهُ مِنْكَ .
ولمّا توفّي الإمام موسى(عليه السلام) لطلب الإمام الرضا من داود ما تبقى من الأموال ، وكانت له خاصية بالرشيد ، وله كتاب ، وترجمه الشيخ في الفهرست ، وقال : « إن له أصلاً»(3).
108 - داود بن سرحان
العطّار الكوفي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)، وله كتاب(4).
109 - داود بن سلیمان
عدّه الشيخ المفيد من خاصة أبي الحسن الموسى(عليه السلام)وثقاته ، ومن أهل الورع
والعلم والفقه ، وممن روى النصّ عن الإمام موسى(عليه السلام)على إمامة ولده الرضا(عليه السلام)، فقد قال له : إني سألت أباك - يعني الإمام الصادق(عليه السلام)- من الذي يكون بعده ؟ فأخبرني أنك أنت ، فلمّا توفّي أبو عبد الله ذهب الناس يميناً وشمالاً ، وقلت بك أنا وأصحابي ، فأخبرني من الذي يكون بعدك ؟
فقال(عليه السلام)له : ابني فُلانٌ - يعني الرضا(عليه السلام)(1)
اليعقوبي الهاشمي ، ثقة. روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وقيل : روى عن الرضاء(عليه السلام)، وله كتاب(2)
مولى آل بني السمّال الأسدي ، كوفي ، ثقة . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله كتاب(3).
مولى بني أسد . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى والرضا(عليهم السلام)، وله كتاب« الإهليلجة » ، وقد اختلف في توثيقه ، فجزم ابن الغضائري في تضعيفه ، فقال : « إنّه كان فاسد المذهب ، ضعيف الرواية ، لا يلتفت إليه» .
ووافقه النجاشي على ذلك وزاد عليه أنّ الغلاة تروي عنه ، ووثقه الشيخان وابن فضّال والصدوق وابن طاووس وغيرهم . توفّي بعد وفاة الإمام الرضاء(عليه السلام) بقليل(4).
مولى بني هاشم ، وهو أخو عليّ بن النعمان . روى عن الإمام أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله كتاب(1).
الواسطي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام). له كتاب يرويه جماعة منهم سعد بن محمّد الطاطري(2)، وكان من الواقفية(3).
ابن يزيد أبو الوليد المحاربي ، عربي بن محارب ، من بني خصفة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)ذكره ابن عقدة وابن نوح ، وله كتاب (4)، ووثقه الشيخ(5)، والعلّامة(6)، وغيرهما .
ابن الجارود بن أبي سبرة الهذلي ، أبو نعيم ، بصري ، ثقة . روى عن أبي عبدالله
وأبي الحسن(عليه السلام)، وصحب الفضيل بن يسار وأكثر الأخذ عنه ، وكان خصيصاً به(1).
وقال الشيخ : « له أصل»(2).
الأسدي النخاس . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)، كان ثقة في حديثه ، مسكوناً إلى روايته ، لا يتعرّض عليه بشيء من الغمز ، حسن الطريقة . له كتاب مبوّب في الفرائض(3).
ذكره العلامة في القسم الأوّل من الخلاصة ، وورد توثيقه في الوجيزة ، ومشتركات الكاظمي، والحاوي وغيرها(4).
ابن أعين الشيباني ، مولاهم كوفي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام)، ثقة ، قليل الحديث .
وله کتاب رواه ابن عيّاش(5).
وورد توثيقه في الوجيزة والبلغة والحاوي(6).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(7).
الحضرمي ، ثقة . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليه السلام)، وكان قد صحب سماعة وأكثر عنه . له كتاب يرويه عنه جماعة(1).
وقال الشيخ : «إنّه واقفى المذهب »(2).
القمي ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن والرضا(عليه السلام)، وكان وجيهاً عند الإمام الرضا(عليه السلام)، وله كتاب(3).
القمي ، يكنى أبا جرير، ثقة، من أصحاب الإمام الكاظم والرضا(عليهم السلام)(4).
الفياض أبو يحيى . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وقال ابن نوح : « روی عن أبي جعفر(عليه السلام)، وله كتاب يرويه جماعة عنه »(5).
روى عن الإمام الكاظم(عليه السلام)في باب« الوقت » ، وذكرت روايته في الاستبصار(6).
أبو عبدالله المؤمن . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى(عليهم السلام)، ولقي الرضا(عليه السلام)في المسجد الحرام ، وحكى عنه ما يدّل على أنّه من الواقفة ، وكان مختلطاً في حديثه ، له كتاب « منتحل الحديث» (1).
وورد ضعفه في الوجيزة والحاوي، وذكره ابن النديم في الفهرست من فقهاء الشيعة .
كان والياً عند الحكومة العبّاسيّة ، فدخل على الإمام موسى(عليه السلام)، فالتفت إليه الإمام قائلاً : إِنَّكَ لَتَعْمَلُ عَمَلاً لِلسُّلْطَانِ .
أجل ، أنا رجل ذو مروّة ، وعلي عيال ، وليس وراء ظهري شيء .
يا زيادُ ، لَئِنْ أَسْقِطَ مِنْ حَالِقٍ فَأَنْقَطِعَ قِطْعَةٌ قِطْعَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَولَّى لَأَحَدٍ مِنْهُمْ عَمَلاً ، أَوْ أَطَأَ بِساطُ أَحَدِهِمْ ، إِلَّا لِتَفْريحِ كُرْبَةِ مُؤْمِنٍ ، أَوْ فَكَ أَسْرِهِ ، أَوْ قَضاءِ دَيْنِهِ . يا زيادُ ، إِنَّ أَهْوَنَ ما يَصْنَعُ اللَّهُ بِمَنْ تَوَلَّى لَهُمْ عَمَلاً أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمْ سُرَادِقاً مِنَ النَّارِ إِلَى أَنْ يَفْرُعَ اللَّهُ مِنْ حِسَابِ الْخَلْقِ .
يا زياد ، فَإِنْ وَلَّيتَ شَيْئاً مِنْ أَعْمَالِهِمْ فَأَحْسِنُ إِلَى إِخْوَانِكَ ، فَوَاحِدَةً بِوَاحِدَةٍ ، وَاللَّهُ مِنْ وَراءِ ذلِكَ .
يا زيادُ ، أَيَّمَا رَجُلٍ تَوَلَّى لَأَحَدٍ مِنْهُمْ عَمَلاً ثُمَّ سَاوِى بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ فَقُولُوا لَهُ : أَنْتَ مُنْتَحِلٌ كَذَابُ .
با زياد ، إذا ذَكَرْتَ مَقْدِرَتَكَ عَلَى النَّاسِ ، فَاذْكُرْ مَقْدِرَةَ اللهِ عَلَيْكَ غَداً ، وَنَفَاذَ مَا أَتَيْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ عَنْهُمْ ، وَبَقاءَ مَا أَبقيتَ إِلَيْهِمْ عَلَيْكَ.
1) رجال النجاشي : 453/172 .
قالوا : يستفاد من هذا الخبر كونه مؤمناً ممدوحاً(1).
الوشاء : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(2).
البلخي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3).
القندي الأنباري ، أبو الفضل ، مولى لبني هاشم . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام)، ووقف في الرضا(عليه السلام)، وله كتاب ، وعده الشيخ المفيد في إرشاده من أهل الورع والعلم والفقه ، وأحد رواة النصّ على إمامة علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، وقيل : إن السبب في رمايته بالوقف إنّه كانت عنده سبعون ألف دينار مودعة للإمام موسى(عليه السلام)، فلما توفي الإمام جحدها وقال بالوقف(4).
الوشاء : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(5).
الجعفي الكوفي ، من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وهو واقفي(6).
وقيل ابن موسى ، أبو أسامة الشحّام ، مولى شديد بن عبدالرحمن بن نعيم الأزدي الغامدي ، كوفي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام). له كتاب يرويه عنه جماعة (1).
روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام). له كتاب يرويه عنه جماعة (2).
ابن عبدالله ، أبو خديجة ، ويقال أبو سلمة الكناسي ، مولى بني أسد . يقال : إنّ الإمام الصادق(عليه السلام)كناه بأبي سلمة ، وإنّه ثقة . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام). له كتاب رواه جماعة (3).
قال الشيخ الطوسي : « إنّه ضعيف جداً ، وقيل : إنه كان من أصحاب أبي الخطاب وتاب بعد ذلك»(4).
قيل : إنّ اسمه عبد الرحمن بن مسلم ، أبو الحسن العامري ، مولى أبي العلاء، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وعمر عمراً طويلاً ، وله كتاب(5).
يُعرف بالزام مولى بني زُهرة بن كلاب ، كوفي ، ثقة . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام). له كتاب يرويه جماعة منهم ابن أبي عمیر(1).
عدّه ابن داود في القسم الأوّل من رجاله ، وورد توثيقه في الوجيزة والبلغة والحاوي(2).
الزام: عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنّه ثقة ، وذكره العلّامة في القسم الثاني من الخلاصة(5).
البلخي : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(6).
القمّي : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(7).
القابوسي اللخمي(1)
اللخمي : نسبة إلى حي باليمن اسمه لخم بن عدي بن الحرث .
الكوفي ، ثقة في حديثه ، وجه بالكوفة ، وآل أبي الجهم بيت كبير بالكوفة . روى عن أبان بن تغلب فأكثر عنه ، وروى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام). له كتاب في أنواع من الفقه والقضايا والسنن(2).كوفي الأصل ، نشأ في بغداد ومات بها ، مولى للأزد ، ويقال مولى جهينة ، وأخوه أبو عامر . روى عن أبي الحسن والرضا(عليه السلام). له كتاب في توصيف الجنّة والنار ، وكتاب « قبض روح المؤمن والكافر(3).
عده ابن داود في القسم الأوّل ، ووثقه في الوجيزة والبلغة(4).
الضبعي ، مولى بني ضُبَيْعة بن عجل ، كوفي . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليه السلام)، ثقة . له كتاب يرويه عدة من أصحابنا منهم محمد بن أبي حمزة(5).
وقيل ابن حيان كما عن الشهيد الثاني ، كان من الواقفية ، ذكره العلامة في القسم الثاني من الخلاصة ، وقال : « هو غير موثوق برواياته ولا يعتمد عليها»(6).
كوفي . روى عن أبي الحسن . له كتاب(1).
ذكره الفاضل المجلسي في الوجيزة والبحراني في البلغة .
روى عن الإمام موسى(عليه السلام)، وروى عنه ابن أبي عمير (2).
كوفي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، ثقة .
له كتاب يرويه جماعة منهم محمد بن أبي عمير(3).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليهم السلام)(4)
روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وروى عنه صفوان بن يحيى(5).
الخطاب : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(6).
ابن عبد الله الهمداني : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(1)
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، ولم يتعرّض له بمدح أو قدح(2).
ابن عبدالرحمن الحضرمي ، مولى عبد بن وائل بن حجر الحضرمي ، يكنّى أبا ناشرة ، وقيل : أبا محمد ، كان يتجر في القزّ، ويخرج به إلى حرّان ، نزل في الكوفة في محلّة كندة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وله بالكوفة مسجد ، وله كتاب يرويه عنه جماعة . توفّي بالمدينة(3).
الثوري : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وروى عنه أبو حنيفة سائق الحجاج(4).
البغدادي . روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام). له كتاب يرويه صفوان بن يحيى وغيره (5).
ابن عبد الله بن سعد الأشعري ، قمّي ، ثقة . روى عن الإمام الكاظم والرضا(عليهم السلام)
وله كتاب(1).
المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : « له كتاب»(2).
النخعي ، عربي ، كوفي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)وأبي الحسن(عليه السلام). له کتاب ترویه جماعات من أصحابنا (3)
وقال الشهيد : « وربّما ضعف سيف ، والصحيح أنّه ثقة»(4).
وعده ابن النديم من فقهاء الشيعة (5)
حرف الشين
العقرقوفي ، ابن أخت أبي بصير يحيى بن أبي القاسم . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، ثقة . له كتاب يرويه حمّاد بن عيسى وغيره(6).
ودخل يعقوب على الإمام الكاظم(عليه السلام)، فلما تشرّف بالمثول بين يديه قال له : يا يَعْقُوبُ ، قَدِمْتَ أَمْسِ وَوَقَعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَخِيكَ نِزاعٌ حَتَّى شَتَمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ، وَلَيْسَ هذا ديني ، وَلا دِينُ آبَائِي، وَلا تَأْمُرُ بِهذا أَحَداً مِنَ النَّاسِ ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ
لَهُ ، أَما إِنَّكُما سَتَفْتَرِقانِ بِمَوْتٍ ، أَما إِنَّ أَخَاكَ سَيَموتُ في سَفَرِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَسَتَنْدَمُ أَنْتَ عَلى ما كانَ مِنْكَ ، وَذلِكَ أَنَّكُما نَقاطَعْتُما فَبَتَرَ اللهُ أَعْمارَكُما»(1).
وورد توثيقه في الوجيزة والبلغة والحاوي .
المحاملي ، أبو شعيب الكناسي ، مولى علي بن الحكم بن الزبير . روى عن الإمام الكاظم(عليه السلام). له كتاب يرويه عنه جماعة ، منهم عبّاس بن معروف(2)، وثقه الشيخ في رجاله في باب الكنى ، كما ورد توثيقه في الوجيزة والبلغة.
الأحول : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وأضاف أنه مجهول الحال(3)
الساباطي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)(4).
ابن المغيرة الأسدي الكوفي ، ثقة . له كتاب . روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)(5).
دخل على الإمام موسى(عليه السلام) فقال له : يا صَفْوانُ ، كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ حَسَنٌ جَميلٌ ،
ما خَلا شَيْئاً واحداً .
جعلت فداك ، أي شيء ؟ !
كِراؤُكَ جمالكَ مِنْ هذَا الرَّجُل - يعني هارون ..
والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ، ولا للصيد ولا للهو ، ولكن أكريته لهذا الطريق -يعني طريق مكة - ولا أتولاه بنفسي ، ولكن أبعث معه غلماني .
يا صَفْوانُ ، أَيَقَعُ كِرَاكَ عَلَيْهِمْ ؟
نعم ، جعلت فداك .
أَتُحِبُّ بَقَاءَهُمْ حَتَّىٰ يَخْرُجَ كِرَاؤُكَ ؟
نعم .
مَنْ أَحَبَّ بَقَاءَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ كانَ مِنْهُمْ كانَ وارداً للنار .
وقام صفوان بالوقت فباع جماله ، وأعرض عن مهنته ، فبلغ ذلك هارون ، فأرسل خلفه ، فلما مثل عنده قال له وهو يتميّز من الغيظ :
یا صفوان ، بلغني أنك بعت جمالك .
نعم.
ولم ؟
أنا شيخ كبير ، وإن الغلمان لا يفون بالأعمال .
هيهات هيهات!! إنّي لأعلم من أشار عليك بهذا ، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر .
ما لي ولموسى بن جعفر .
دع عنك هذا ، فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك (1)
1) رجال الكشي : 440 و 828/441.
ودلّ هذا الحديث على حسن إيمانه وعقيدته ، وقد ورد توثيقه في الوجيزة والبلغة .
أبو محمد البجلي بياع السابري ، كوفي ، ثقة ، قال الشيخ الطوسي : « إنه أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث وغيرهم ، وكان يصلي في كلّ يوم وليلة خمسين ومائة ركعة ، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ، ويخرج زكاة ماله في كلّ سنة ثلاث مرّات ، والسبب في ذلك أنّه تعاقد هو وعبدالله بن جندب وعلي بن النعمان في بيت الله الحرام أنّه إن مات واحد منهم أن يقوم من بقي منهم بالصلاة والزكاة والحج عنهم ، فمات صاحباه وبقي صفوان ، فوفى لهما بذلك ، فكان جميع ما يفعله من البر والخير يجعله ثلاثة أقسام ، قسم له وقسمان لصاحبيه .
وكان من الزهاد المحتاطين ، فقد كلّفه شخص وهو مسافر أن يحمل معه دينارين إلى أهله في الكوفة ، فقال له : إنّ جمالي مكرية فلابد أن أستأذن الأجراء .
ويكفي للتدليل على وثاقته أنه كان له منزلة عند الإمام الرضا(عليه السلام)، وكان وكيلاً له . وصنّف ثلاثين كتاباً ، منها كتاب «الصلاة » ، كتاب «الصوم »، كتاب« الحجّ »، كتاب« الزكاة » ، كتاب « الطلاق » ، كتاب «الفرائض » ، كتاب « الشراء والبيع » ، كتاب« العتق والتدبير » ، كتاب« البشارات » ،«مسائل عن أبي الحسن موسى » ، وغير ذلك .
توفّي سنة ( 210ه-) بالمدينة ، وبعث إليه أبو جعفر بحنوطه وكفنه ، وأمر إسماعيل ابن موسى بالصلاة عليه(1).
1) فهرست الطوسي : 145 و 356/146 . رجال النجاشي : 524/197 .
ابن الحسن الأنباري : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(1).
أبو مالك ، كوفي عربي ، أدرك أبا عبد الله(عليه السلام)، وقال قوم : إنّه روى عنه ، الله وقال آخرون : لم يرو عنه وروى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، وكان متكلّماً ، ثقة في الحديث . له كتاب في التوحيد رواه عليّ بن الحسن الطّاطري(2).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنّه واقفى (3).
التميمي الأسَيدي(4)، بصري ، سكن الكوفة ، ثقة . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام).له كتاب مبوب في الحلال والحرام يرويه جماعة(5).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنه مجهول (6)
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام(عليه السلام)(7).
العطّار الكوفي ، ثقة . روى عن الإمام الكاظم(عليه السلام)(8).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وروى عنه صفوان بن يحیي(1).
الطائي الكسائي : عده الشيخ من أصحاب الإمام أبي عبد الله(عليه السلام) والإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنّه ثقة(2).
البجلي ، مولاهم ، كوفي ، بياع السابري، سكن بغداد . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام) ، اعتنق مذهب الكيسانية ، ورجع بعد ذلك إلى الحق ، وأقر بالأئمة(عليهم السلام). له كتب يرويها عنه جماعات من أصحابنا (3).
وكان أبو عبد الله(عليه السلام) يقول له : يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، كَلَّمْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُرى في رِجالِ الشَّيعَةِ مِثْلُكَ.
توفّي في حياة الإمام الرضا(عليه السلام)(4)
العقيلي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(5).
القرشي ، الهاشمي ، اللهبي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام).
روى عن أبي عبدالله(عليه السلام)، وهو ثقة(1).
ابن صالح الخثعمي ، مولاهم ، كوفي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)وكان واقفياً، وهو ثقة ، عين ، يلقب (كَرَاماً ) . له كتاب يرويه عدة من أصحابنا(2).
ولكن الشيخ قال : « إنه واقفي خبيث »(3).
وقال ابن الغضائري : «إنّ الواقفية تدّعيه والغلاة تروي عنه كثيراً، والذي أراه التوقف فيما يرويه »(4).
ابن حيان بن أبجر : عده الشيخ فى رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(5).
قال النجاشي :« كان واقفاً ، وكان فقيهاً ، ثقة ، مشهوراً. له كتب منها : كتاب «الرجال » ، وكتاب « الصفة في الغيبة على مذهب الواقفة » ، كتاب « الصلاة » ، كتاب «الزكاة » ، كتاب « الفطرة » ، كتاب« الطلاق » ، كتاب «النوادر » ، أخبر بجميعها الحسين بن عبید الله . توفى سنة 219ه- (6).
البجلي ، عربي ، كوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم والرضا(عليهم السلام)(7)
قال الشيخ الطوسي : «كان وكيلاً للإمام موسى وولده الرضا، وكان عابداً ، رفيع المنزلة »(1).
وروى الكشي في حقه أنه قال عبد الله بن جندب للإمام أبي الحسن : ألست عنّي راضياً ؟
قال : إِي وَاللهِ ، وَرَسولُ اللَّهِ ، وَاللَّهُ عَنْكَ راضٍ .
قال : قيل لأبي الحسن :إنّ يونس مولى آل يقطين يزعم أن مولاكم والمتمسّك بطاعتكم عبدالله بن جندب يعبد الله على سبعين حرفاً ويقول: إنّه شاك .
فقال(عليه السلام): هُوَ وَالله أَوْلَى بِأَنْ يَعْبُدَ اللهَ عَلَى حَرْفٍ ، ما لَهُ وَلِعَبْدِ اللهِ بْنِ جُنْدَبٍ ، إِنَّ عَبْدَ اللهِ لَمِنَ الْمُخْبِتِينَ(2).
وعن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : رأيت عبد الله بن جندب بالموقف - أي موقف عرفة - فلم أرَ موقفاً كان أحسن من موقفه، ما زال ماداً يده إلى السماء ، ودموعه تسيل على خديه حتّى تبلغ الأرض ، فلما انصرف الناس .
قلت له : يا أبا محمد ، ما رأيت قط أحسن من موقفك !
قال لي : والله ما دعوت فيه إلا لإخواني ، وذلك لأن أبا الحسن موسى(عليه السلام)أخبرني أَنَّهُ مَنْ دَعا لأخيهِ الْمُؤْمِن بِظَهْرِ الْغَيْبِ نودِيَ مِنَ الْعَرْشِ ، وَلَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَانَةُ أَلْفِ ، وكرهت أن أدع مائة ألف لواحدة لا أدري تستجاب أم لا ؟(3)
وقد وثق الرجل في الوجيزة والحاوي ومشتركات الطريحي ، وقد أجمع المترجمون له أنه لم يغمز بوجه وأنه ثقة بلا خلاف (4).
المخزومي ، أمّه من ولد جعفر بن أبي طالب ، وقد وثقه الشيخ المفيد في الإرشاد، وعده من خاصة الإمام الكاظم(عليه السلام)وثقاته ، ومن أهل الورع والعلم والفقه(1).
الأنصاري : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : له كتاب(2)
قال النجاشي : « أبو خداش المَهْرِيّ ضعيف جداً ، وفي مذهبه ارتفاع له كتاب أخبرنا به ابن شاذان»(3)
وقال الكشي :« قال محمد بن مسعود: حدثني يوسف بن : حدثني يوسف بن السخت ، قال : سمعت أبا خداش يقول : ما صافحت ذمّيّاً قط ، ولا دخلت بيت ذمّي ، ولا شربت دواءاً قط ، ولا افتصدت ، ولا تركت غسل الجمعة قط ، ولا دخلت على والقط ، ولا دخل على قاض قط»(4).
ابن طريف مولى بني هاشم ، قيل : مولى لبني أبي طالب . وقيل : مولى لبني العباس ، كان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد ، كوفي ، ثقة ، من أصحابنا ، جليل ، لا يُطعن عليه في شيء . روى عن الإمام الصادق(عليه السلام)(5)
وعدّه الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : « له كتاب يوم وليلة »(1)
الخثعمي . روى عن الإمام الصادق وولده موسى(عليهم السلام)، وعن علي بن أبي حمزة ، قال : « أرسلني أبو الحسن موسى إلى عبد الله بن صالح ، وأعطاني ثمانية عشر درهماً ، وقال قل له : يَقولُ لَكَ أَبو الْحَسَنِ : انْتَفِعْ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ ، فَإِنَّهَا تَكْفِيكَ حَتَّى تَموتَ ، وساق حديثاً طويلاً. إلى أن قال : فلمّا توفّى عبد الله بعت داره ، وحملت الثمن إلى أبي الحسن وأخبرته بما أوصاني به ، فقال(عليه السلام): رَحِمَهُ اللهُ ، قَدْ كانَ مِنْ شيعَتِنا ، وترحم الإمام يدل على توثيقه(2).
183 - عبدالله بن عثمان
الخيّاط : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : « إنه واقفي »(3).
وكذا ذكره العلّامة في الخلاصة(4).
الأسدي ، الشاعر ، الفقيه . روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)،ثقة . له كتاب(5).
الحضرمي ، المعروف بالبطل ، المعروف بالبطل ، كذاب ، غال . يروي عن الغلاة ، لا خير فيه
ولا يعتمد على روايته . له كتاب يرويه عنه جماعة(1).
الأهوازي ، ذكر بعضهم أنه رأى له مسائل عن الإمام موسى(عليه السلام)(2).
الشعيري اليماني : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3)
الأزدي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(4)، وذكر الصدوق في العيون عن عبد الله بن مرحوم ، قال : « خرجت من البصرة أريد المدينة ، فلما صرت في بعض الطريق لقيت أبا إبراهيم(عليه السلام)، وكان في طريقه إلى الاعتقال في البصرة ، فأرسل(عليه السلام)نحوي ، فلما مثلت عنده ، دفع إلى كتباً وأمرني أن أوصلها إلى المدينة ، فقلت له : إلى من أدفعها جعلت فداك ؟
فقال : إلى ابْنِي عَلِيَّ ، فَإِنَّهُ وَصِيّي ( وَالْقَيْمُ ) بِأَمْرِي(5).
أبو محمد ، مولى عنزة ، ثقة ، عين . روى عن أبي الحسن(عليه السلام)، وقيل : إنه روى عن أبي عبد الله(عليه السلام). له كتب ، منها : كتاب في الإمامة ، وكتاب في الحلال والحرام (6).
وقال الكشّي : « هو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم وتصديقهم لما يقولون ، وأقروا لهم بالفقه . توفّي في أيّام أبي الحسن موسى(عليه السلام)»(1).
قال النجاشي : « هو أبو محمد البجلي ، مولى جُنْدَب بن عبدالله بن سفيان العلقي ، كوفي ، ثقة ، لا يعدل به أحد لجلالته ودينه وورعه . روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام). قيل : إنّه صنف ثلاثين كتاباً ، والذي رأيت أصحابنا يعرفون منها كتاب «الوضوء » وكتاب « الصلاة ، وقد روى هذه الكتب كثير من أصحابنا » (2).
وقال الكشّي : « قال عبد الله بن المغيرة : كنت واقفاً فحججت على تلك الحالة ، فلما صرت بمكة خلج في صدري شيء ، فتعلقت بالملتزم ، فقلت : اللهم قد علمت طلبتي وإرادتي ، فأرشدني إلى خير الأديان ، فوقع في نفسي أن آتي الرضا(عليه السلام)فأتيت المدينة ووقفت على باب الرضا، وقلت للغلام : قل لمولاك : رجل من أهل العراق بالباب ، فسمعت نداء الإمام الرضا(عليه السلام)وهو يقول : ادْخُلْ يا عَبْدَاللهِ بْنَ الْمُغيرة ، فدخلت .
فلما نظر إلى قال : قَدْ أَجابَ اللهُ دَعْوَتَكَ ، وَهَداكَ لِدِينِهِ .
فقلت : أشهد أنك حجّة الله وأمينه على خلقه»(3)
قال النجاشي : « هو أبو محمد الكاهلي ، عربي ، أخو إسحاق ، رويا عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام)، وكان عبد الله وجهاً عند أبي الحسن ووصى به عليّ بن يقطين ، فقال له : اضْمَنْ لي الْكاهِلِيَّ وَعِيالَهُ ، أَضْمَنُ لَكَ الْجَنَّةَ ، وقال محمد بن عَبْدَة :
الناسب عبد الله بن يحيى الذي يقال له الكاهلي ، هو تميمي النسب ، وله كتاب يرويه جماعة ، منهم أحمد بن محمد بن أبي نصر»(1)
وقال الكشي : « دخل عبد الله الكاهلي على أبي الحسن موسى (عليه السلام)، فقال له الإمام : اعْمَلْ خَيْراً في سَنَتِكَ هَذِهِ ، فَإِنَّ أَجَلَكَ قَدْ دَنا ، فأخذ عبد الله يبكي ، فقال له الإمام : ما يبكيك ؟
جعلت فداك ، نعيت إلى نفسي .
أَبْشِرْ فَإِنَّكَ مِنْ شِيعَتِنا .
وتوفي عبدالله بعد ذلك بیسیر(2).
عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)، وقال : «إنّه واقفي»(3).
عده الشيخ من أصحاب الإمام موسى (عليه السلام)، وقال : « إنه واقفى »(4).
الخثعمي ، كوفي ، ثقة ، عين . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام). له كتاب يرويه جماعة(5)
الصيرفي ، كوفي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام). له الكتاب
المنسوب إلى عبد الملك بن عتبة الهاشمي اللهبي (1).
أبو عمرو العامريّ الكلابي ، من ولد عُبيد بن رُؤاس ، كان شيخ الواقفة ووجهها ، وأحد الوكلاء المستبدين بمال الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام). روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)(2).
وذكر نصر بن الصباح : أنّ عثمان بن عيسى كان واقفاً ، وكان وكيلاً لأبي الحسن موسى ، وكان في يده مال للإمام الرضا (عليه السلام)، فأنكره ، فسخط عليه الامام ، ثم تاب وبعث بالمال إليه(3).
صنف كتباً، منها : كتاب « المياه » ، وكتاب «القضايا والأحكام» ، وكتاب «الوصايا » ، وكتاب« الصلاة »(4).
(5) مولى للأنصار ، كوفي ، كان قائداً لأبي بصير يحيى بن ( أبي ) القاسم . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، كان من عيون الواقفية ومن دعائمها(6).
قال فيه ابن الغضائري : « إنّه أصل الوقف ، وأشدّ الخلق عداوة للولي - يعني الإمام الرضا(عليه السلام)»(7).
وقال علي بن الحسن بن فضّال : « عليّ بن أبي حمزة كذاب ، متهم ، ملعون»(1).
وقد وردت أخبار كثيرة في ذمه . روى أحمد بن محمد ، قال : « وقف علي أبو الحسن الرضاء(عليه السلام)في بني زريق(2)فقال لي : يا أَحْمَدُ .
لبيك .
إِنَّهُ لَمَا قُبِضَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) جَهِدَ النَّاسُ فِي إِطْفَاءِ نورِ اللَّهِ ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نورَهُ بِأَميرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)، وَلَمَّا تُوُفِّيَ أبو الْحَسَنِ مُوسى(عليه السلام)جَهِدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ في إطفاءِ نورِ اللَّهِ ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ .
وَإِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ إِذا دَخَلَ فيهِمْ َداخِلٌ سُرُّوا بِهِ ، وَإِذا خَرَجَ مِنْهُمْ خَارِجٌ لَمْ يَجْزَعوا عَلَيْهِ ، وَذلِكَ لأَنَّهُمْ عَلَى يَقِينِ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَإِنَّ أَهْلَ الْبَاطِلَ إِذا دَخَلَ فِيهِمْ داخِلٌ سُرُّوا بِهِ ، وَإِذا خَرَجَ مِنْهُمْ خَارِجٌ جَزِعوا عَلَيْهِ ، وَذلك لأنَّهُمْ عَلى شَكٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ .
إنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ يَقولُ :فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَع (3)
ثم قال : قال أبو عبد الله : الْمُسْتَقَرُ : الثَّابِتُ ، وَالْمُسْتَوْدَعُ: الْمُعارُ »(4)
وتواترت الأخبار في ذمه وقدحه ، وكان السبب في وقفه أنه كانت بيده ثلاثون ألف دينار للإمام موسى(عليه السلام)، فلما توفي الإمام أخذها ولم يدفعها إلى ولي عهده.
صنّف كتباً ، منها : كتاب الصلاة » ، وكتاب «الزكاة»، وكتاب « التفسير » ، وغيرها (5).
توفّي في حياة الإمام الرضا(عليه السلام)، ولما أخبر الإمام بهلاكه قال: «قَدْ دَخَلَ النّارَ »(1).
أخو الإمام موسى(عليه السلام)، ثقة ، جليل ، من عيون الهاشميين ومن خيارهم ، وفي طليعة الرواة الثقات. روى عن أبيه ، وبعد وفاته اختص بأخيه موسى ، وروى عنه الشيء الكثير ، وقد أفرد المجلسي في بحاره فصلاً لرواياته عنه ، وقد ألف رسالة في الأحاديث التي رواها عن أخيه موسى ، وكان قوي الإيمان ، صلب العقيدة ، دخل عليه بعض الواقفية فقال له : ما فعل أخوك أبو الحسن ؟
قدمات .
وما يدريك بذلك ؟
قسّمت أمواله ، ونطق الناطق من بعده.
ومن الناطق ؟
ابنه عليّ .
قال : فما فعل ؟
قال له : مات
قال : ومن الناطق بعده ؟
قال له : أبو جعفر .
فالتفت إليه الواقفي وهو يحاول العبث به والاغراء قائلا له : أنت في سنّك وقدرك ، وأبوك جعفر بن محمّد تقول هذا القول في هذا الغلام !
ولم يخف عليه هذا الخداع فرمقه بطرفه ، وقال له : ما أراك إلّا شيطاناً ، ثم أخذ
1) رجال الكشي : 833/444 .
بلحيته فرفعها إلى السماء ، وقال : ما حيلتي إن كان الله رآه أهلاً لهذا ، ولم يرَ هذه الشيبة لهذا أهلاً »(1)
ودلّت هذه البادرة على مدى إيمانه وعقيدته ، ألف كتاباً في الحلال والحرام(2).
روى عنه جماعة منهم ابنه أحمد بن عليّ وأحمد بن محمد ، وحفيده عبد الله بن الحسن . توفّى سنة 210 ه-(3).
ابن حكيم المدائني الأزدي الساباطي . روى عن الإمام أبي الحسن موسى(عليه السلام) ، وله كتاب (4).
الطاطري (5)، يكنى أبا الحسن ، وكان فقيهاً ثقةً في حديثه ، ومن وجوه الواقفية وشيوخهم . له كتب منها :« التوحيد »، « الإمامة » ،« الوفاة » ، « الصلاة » ، « المتعة » ،« الفرائض » ، « الغيبة » ، « المعرفة » ، « النكاح » ، « الطلاق » ، « الحج » ، « الولاية » ، الحيض » ، « النفاس »(6)
قال الشيخ في ترجمته : كان شديد العناد في مذهبه ، صعب العصبيّة على من خالفه من الإمامية ، وله كتب كثيرة في نصرة مذهبه »(7).
1) رجال الكشي : 803/429
2) رجال الكشي : 662/252
3) تهذيب التهذيب : 7: 93
4) رجال النجاشي : 717/274 .
5) الطاطري : نسبة إلى بيع الثياب الطاطريّة المنسوبة إلى طاطري . قال الحموي في معجم البلدان : « إنّ كلّ من يبيع الكرابيس والثياب البيض يسمّى بمصر ودمشق طاطرياً».
6) رجال النجاشي : 667/255.
7) فهرست الطوسي : 390/156
ابن الحسن بن عبيد الله بن العباس ابن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو والد سيدنا حمزة المدفون بقرب الحلّة الذي يزار ويتبرك بقبره ، وهو ثقة . روى وأكثر الرواية ، له نسخة يرويها عن الإمام موسى(عليه السلام)(1).
الحلال : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم(عليه السلام)، وأضاف أنه واقفي(2).
أبو الحسن مولى جَرْم - بطن من قضاعة -، وقيل : مولى بني سعد بن بكر ، الطحان ، كوفي . روى عن أبي عبد الله ، ذكره أبو العباس وغيره ، وروى عن أبي الحسن(عليه السلام). له كتب ، منها :« الوصيّة والإمامة » ، وكتاب « الديات » (3).
قال الشيخ : « إنّه ثقة ، جليل القدر له أصل كبير »(4).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : « إنه واقفي»(5)
التمار : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم(عليه السلام)(6)، والظاهر أنه إمامي (7).
السائي(1). روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وقيل : إنه روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وروى رسالة لأبي الحسن موسى(عليه السلام) (2).
وسنذكر نصها عند التحدّث عن أحوال الإمام في سجنه ، وورد توثيقه في الوجيزة والحاوي والبلغة .
الضبي : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3).
والظاهر أنه إمامي مجهول الحال(4).
ابن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، قال فيه النجاشي : إنه أزهد آل أبي طالب وأعبدهم في زمانه ، اختص بالإمام موسى(عليه السلام)والإمام الرضا(عليه السلام)،وقال : «إنّ له كتاباً في الحج يرويه كله عن الإمام موسى(عليه السلام)»(5).
عدّه الشيخ في رجاله من غير توصيف من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(6).
وقال في الفهرست : إنّ له كتاباً(7).
ابن رزين : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(1).
والظاهر كونه إماميّاً مجهول الحال(2).
الصائغ ، لقبه أبو الأكراد . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام). له كتاب يرويه عنه جماعة(3)
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(4).
ابن موسى البغدادي ، مولى لبني أسد ، من وجوه ، من وجوه هذه الطائفه هذه الطائفه ومن أعيانها . له المنزلة المرموقة ، والمكانة العليا عند الإمام أبي الحسن موسى (عليه السلام)، ونقدم عرضاً موجزاً لبعض شؤونه وأحواله :
ولادته : ولد بالكوفة سنة 124ه-(5)، وذلك في أواخر دولة الأمويين .
نشأته : نشأ بالكوفة وبها ترعرع ، وكان بها يبيع الأبزار(6).
وكان أبوه يقطين ممن يقول بالإمامة ، وكان يحمل الأموال والألطاف إلى الإمام
الصادق(عليه السلام)(1)
وكان من دعاة الدولة العبّاسيّة ، فطلبه مروان الحمار ، فهرب منه ، وهربت زوجته بولديها على وعبيد الله إلى المدينة ، ولما انتهت الدولة الأموية وتشكلت الحكومة العباسية عادت بولديها إلى وطنها ، وفى ذلك الوقت ظهر أمر يقطين وانتشر صيته ، فقد اتصل بأبي العباس السفّاح وبالمنصور والمهدي ، وقد وشي عليه بأنه يذهب إلى ( الإمامة ) ، ولكنّ الله تعالى صرف عنه كيد الغادرين به .
ولما انتقل يقطين إلى دار الحق قام ولده علي مقامه ، فاتصل اتصالاً وثيقاً بالعباسيين ، وتولّى بعض المناصب المهمة في الدولة ، وكان في نفس الوقت غوثاً وعوناً للشيعة ، يدفع عنهم الخطوب والكوارث ، وكان من عيون المؤمنين والصالحين ، فكان يستنيب جماعة في كلّ سنة ليحجوا عنه ، فقد حدث سليمان بن الحسين كاتبه ، فقال : « أحصيت لعليّ بن يقطين من يحج عنه في عام واحد مائة وخمسين رجلاً ، أقل من أعطاه منهم سبعمائة درهم ، وأكثر من أعطاه عشرة آلاف درهم» .
وحدّث العبيدي ، عن يونس ، أنّه أحصى لعلي بن يقطين في الموقف مائة وخمسين ملبيّاً(2)
وقد أنفق أموالاً ضخمة في وجوه البرّ والإحسان ، فقد أوصل الإمام بصلات كبيرة تتراوح ما بين المائة ألف درهم إلى ثلاثمائة ألف درهم ، وقد زوّج ثلاثة أو أربعة من أولاد الإمام ، منهم أبو الحسن الرضا(عليه السلام)، وكان المهر الذي دفعه لهم عشرة آلاف دینار ، كما دفع ثلاثة آلاف دينار للوليمة ، وكان يعول ببعض عوائل الشيعة ، فقد قام بنفقة الكاهلي وعياله حتّى توفّي ، إلى غير ذلك من وجوه البر والخير الذي قام به ،
الأمر الذي دلّ على إيمانه وحسن عقيدته(1).
منصبه : تقلّد عليّ منصب أزمة الأزمة في أيّام المهدي (2).
ومن بعده عيّنه هارون وزيراً له ، وقد تقدّم إلى الإمام موسى(عليه السلام)يطلب منه الإذن في ترك منصبه والاستقالة منه ، فنهاه(عليه السلام) عن ذلك وقال له : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّ لَنَا بِكَ أنساً ، وَلإِخْوانِكَ بِكَ عِزّاً ، وَعَسَى اللهُ أَنْ يَجْبُرَ بِكَ كَسِيراً ، أَوْ يَكْسِرَ بِكَ نَائِرَةَ الْمُخَالِفِينَ عَنْ أَوْلِيائِهِ .
يا عَلِيُّ ، كَفَارَةُ أَعْمَالِكُمُ الْإِحْسَانُ إِلى إِخْوَانِكُمْ اضْمَنْ لي واحِدَةً أَضْمَنُ لَكَ ثَلاثاً : اضْمَنْ لى أَنْ لَا تَلْقَى أَحَداً مِنْ أَوْلِيَائِنَا إِلَّا قَضَيْتَ حاجَتَهُ ، وَأَكْرَمْتَهُ ، وَأَضْمَنُ لَكَ أَنْ لا يُظِلُّكَ سَقْفُ سِجْنِ أَبَداً ، وَلَا يَنالُكَ حَدُّ السَّيْفِ أَبَداً ، وَلَا يَدْخُلُ الْفَقْرُ بَيْتَكَ أَبَداً .
يا عَلِيُّ ، مَنْ سَرَّ مُؤْمِناً فَبِاللهِ بَدَأَ ، وَبِالنَّبِيِّ تَنَى ، وَبِنا ثَلَّتَ»(3).
ودلّ هذا الحديث الشريف على جواز الولاية من قبل الجائر إن أسدى الموظف معروفاً أو دفع غائلة عن المؤمنين ، فإنّه يباح له ذلك ، وقد تمسك الفقهاء بهذا الحديث لجواز الولاية من قبل الجائر.
ولما قدم الإمام(عليه السلام) إلى العراق زاره على فشكا إليه حاله ، وطلب منه الإذن في التخلي عن منصبه ، فنهاه(عليه السلام)عن ذلك وقال له : يَا عَلِيُّ ، إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْلِيَاءاً مَعَ أَوْلِياءِ الظُّلَمَةِ لِيَدْفَعَ بِهِمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ يَا عَلِيُّ .
وقد أعرب الإمام في حديثه عن رغبته في بقائه في وظيفته ليقوم بالإفراج عن الشيعة الذين اضطهدتهم السلطات العبّاسيّة حتى حرمتهم من جميع الحقوق
المشروعة .
حبّ الإمام له : كان الإمام (عليه السلام)يكن لعليّ أخلص الود والولاء ، فقد زاره يوماً ، فقال لأصحابه : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَرى رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)فَلْيَنْظُرْ إِلى هذا الْمُقْبِلِ وأشار إلى عليّ .
فانبرى إليه بعض الحاضرين قائلاً: أهو من أهل الجنة ؟
وأرسل عليّ إلى الإمام شخصاً يطلب منه الدعاء له ، فلما مثل الرسول بين يدي الإمام(عليه السلام) قال له : يابن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ، أرسلني ابن يقطين لتدعو الله له .
وحدّث داود الرقي ، قال : « دخلت على أبي الحسن ( يوم النحر ) فقال لي مبتدئاً : ما عَرَضَ فِي قَلْبِي أَحَدٌ وَأَنَا عَلَى الْمَوْقِفِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينَ ، فَإِنَّهُ ما زَالَ مَعِي ، وَما فارَقَنَى حَتَّى أَفَضْتُ(2).
وقال إسماعيل بن موسى : رأيت العبد الصالح على الصفا يقول : إلهي في أَعْلى عَلِّيِّينَ ، اغْفِرْ لِعَلِيِّ بْنِ يَقْطِينَ ».
وقال(عليه السلام):« مِنْ سَعادَةِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينَ أَنِّي ذَكَرْتُهُ في الْمَوْقِفِ »(3)، ودلّت هذه « البوادر على مدى ما يحمله الإمام(عليه السلام)من الحب والإخلاص له ، ومما لا ريب فيه أن
إخلاص الإمام له ينم عن أن الرجل كان مثالاً رائعاً للتقوى والصلاح ، وعنواناً رفيعاً للمثل العليا .
تسديد الإمام له : كان الإمام(عليه السلام)حريصاً على ابن يقطين ، وكان يخاف عليه من سطوة هارون وبطشه ، فإنّ أمر تشيّعه لم يكن خافياً على الأذناب والعملاء الذين يتقربون إلى السلطة بكل وسيلة مهما بلغت من الفضاعة ، وقد علم(عليه السلام)أنهم لا يتركونه حتى يقضون عليه ، فتصدى(عليه السلام) إلى تسديده ، ورفع الحظر عنه ، وقد كان ذلك في موضعين :
1 - الدرّاعة: وأهدى الرشيد إلى ابن يقطين ثياباً فاخرة ، كانت فيها دراعة فاخرة سوداء ، منسوجة بالذهب يلبسها الخلفاء ، فلما وصلت إليه قام من فوره فأهداها إلى الإمام(عليه السلام)، فردّها الامام وكتب إليه : احتفظ بها ، وَلَا تُخْرِجُها عَنْكَ ، فَسَيَكونُ لَكَ بِها شَأْنٌ تَحْتاجُ مَعَهُ إِلَيْهَا .
فلمّا ردّت إليه واطّلع على رسالة الإمام احتفظ بها ، وجعلها في سفط ، وختم عليها ، ومضت فترة من الزمن تغيّر ابن يقطين على بعض غلمانه ممّن كان مطلعاً على شؤونه وأحواله ، فسعى من فوره إلى هارون وقال له : إن علي بن يقطين يقول بإمامة موسى الكاظم ، وأنه يحمل إليه في كل سنة زكاة أمواله ، والهدايا والتحف ، وقد حمل إليه في هذه السنة ذلك مع الدراعة السوداء التي أكرمته بها في وقت كذا. وتغير حال الرشيد حينما سمع بذلك ، فكأن حساماً قد أصاب وجهه ، وقال والغضب قد استولى عليه : لأكشفن عن ذلك ، فإن كان الأمر على ما ذكرت أزهقت روحه ، وذلك من بعض جزائه . ثمّ أنفذ رسولاً خلف ابن يقطين ، فلما مثل عنده التفت إليه قائلاً: ما فعلت بالدراعة السوداء التي كسوتك بها وخصصتك بها من بين سائر خواصّي ؟
فالتفت إليه ابن يقطين وهو مثلوج القلب قد أحرز الانتصار قائلاً: هي عندي يا أمير المؤمنين في سفط فيه طيب ، مختوم عليها .
احضرها الساعة .
نعم ، على السمع والطاعة
واستدعى بعض خدمه، فعيّن له المكان الذي وضعت فيه الدراعة وناوله المفاتيح ، فمضى الخادم مسرعاً فلم يلبث قليلاً حتى جاء بها ، فوضعها بين يدي الرشيد، فأمر بفك الختم وفتح السفط ، وإذا بالدراعة مطوية على حالها لم تتغيّر، ولم يصبها شيء ، فسكن غضب الرشيد وهدأت ثورته ، وقال له : ردّها إلى مكانها ، وخذها وانصرف راشداً ، فلن نصدق بعدها عليك ساعياً .
ثم أمر له بجائزة ، وأمر بالساعي اللثيم أن يُضرب ألف سوط ، فضُرب خمسمائة سوط وهلك(1). وخرج ابن يقطين وهو ناعم البال ، مسرور القلب ، قد أنقذه الله من بطش هارون وطغيانه ، وقد نظم بعض الشعراء هذه الكرامة بقوله :
وَابْنُ يَقْطِينَ حِينَ رَدَّ عَلَيهِ*** الطُّهْرُ أَثوابَهُ وَقالَ وَحَذَرس
قالَ خُذْها فَسَوفَ تُسْأَلُ عَنْها*** وَمُعادِيكَ فِيَّ لَا شَلَّ يَخْسَرُ(2)
2- الوضوء : كان عليّ بن يقطين يتوضأ وضوء أبناء السنة والجماعة ، وقد طلب من الإمام أن يرشده إلى الوضوء الذي يتوضأ به ، فأمر(عليه السلام)بالبقاء على حاله إلى أجل فيرشده إلى ذلك ، وسعى الأذناب بعلي إلى الرشيد ، وأكثروا القول بأنه من الشيعة ، فأراد هارون أن يختبره ليقف على حقيقة حاله ، فرأى أحسن طريق إلى ذلك أن يختبره في وضوئه ، فأطل من بعض شرفات قصره من حيث يخفى في وقت الصلاة ، فشرع ابن يقطين في وضوئه ، فتوضأ وضوء السنة ، فعندها لم يطق الرشيد صبراً ، وطفق يقول : « لا صدقت عليك واشياً أبداً».
وكتب له الإمام بعد ذلك بكيفية الوضوء الذي يراه . وذكر له : قَدْ َزالَ عَنْكَ ما كُنا نَخافُهُ عَلَيْكَ ، ونظم بعض الشعراء هذه الكرامة بقوله :
ثُمَّ حال الوضوء حال عجيب*** كَيفَ أَنْباهُ بِالضّميرِ وَخَبِّر
هُوَ عَينُ الحَياةِ وَهُوَ نَجاةٌ ***وَرَشادٌ لِمَنْ فَرَّ أَوْ يَتَدَبُرُ (1)
ونظم بعضهم ذلك بقوله :
فلولا ما كانَ ابْنُ يَقطين تاركاً*** طَريقَتَهُ الأولى الَّتِي لَيسَ تُجْهَلُ
على حين قد كانَ الرَّشيدُ بِمَرصَدٍ*** يُراقِبُهُ في أَمْرِهِ كَيفَ يَفْعَلُ
فَعايَنَ مِنْهُ غَيرَ ما كانَ سامِعاً*** وَكَذَّبَ ما عَنْهُ الوشاةُ تَقَوَّلُ
مؤلّفاته : كان ابن يقطين من عيون أهل العلم ، ومن فضلاء عصره ، هذه بعض مؤلّفاته :
1 - الملاحم ، أخذها من الإمام الصادق(عليه السلام)(2).
2 - مناظرة الشاك(3)
3 - المسائل ، أخذها من الإمام موسى(عليه السلام).
وله كتب قد أخبر بهذه الكتب والمسائل محمّد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد ، والحسين بن عبيد الله ، ومحمد بن الحسن ، وجماعة (4).
وفاته : انتقل إلى دار الحقِّ بمدينة السلام سنة ،182ه- ، وله من العمر سبع وخمسون سنة ، وصلّى عليه ولي عهد الرشيد محمد ، وكان الإمام موسى آنذاك في
ظلمات السجون(1).
الساباطي، أبو اليقظان ،كوفي ، سكن المدائن. روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وعن أبي الحسن موسى(عليه السلام)أنه قال : اسْتَوْهَبْتُ عَمَارَ السّاباطِيُّ مِنْ رَبِّي فَوَهَبَهُ لي»(2).
وذكر المترجمون له أنّه كان فطحيّاً . قال الشيخ : « قد ضعف عمّار الساباطي جماعة من أهل النقل ، وذكروا أنه من أهل النقل ، كما ذكروا أن ما ينفرد بنقله لا يعمل به ، لأنه كان فطحيّاً ، غير أنا لا نطعن عليه بهذه الطريقة ، لأنه وإن كان كذلك فهو ثقة في النقل ، لا يُطعن عليه فيه»(3).
وقال الشيخ البهائي :« إنّه ثقة ، جليل ، من أصحاب الصادق والكاظم(عليهم السلام)، وحديثه يجري مجرى الصحاح»(4)
وعده الشيخ المفيد من الأعلام المأخوذ منهم الحلال والحرام(5)، والفتيا والأحكام ، الذين لا يُطعن عليهم . له كتاب يرويه جماعة(6).
روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وكان واقفاً، وكذا كان أولاده من
1) رجال الكشي : 805/430 .
2) رجال الكشي : 471/253 ، اثنا عشر رسالة / المحقق الداماد : 2 : 25 .
3) الاستبصار : 3: 95 ، الحديث .9 تهذيب الأحكام : 7 : 101 ، باب البيع ، الحديث 41.
4) خاتمة المستدرك : 5 : 12 .
5) الرسالة الهلالية ( المخطوطة ) والتي ألفها الشيخ المفيده(رحمۀ الله علیه)في الردّ على من يقول بأن شهر رمضان ثلاثون يوماً ، وقد ورد ذلك في الفوائد الرجالية / السيد بحر العلوم : 3: 163 و 164 .
6) رجال النجاشی : 779/290
الواقفية ، وقال العلّامة والسيد ابن طاووس إنه كان بتريّاً، وهم فرقة من الزيدية(1).
ابن يزيد ، أبو الأسود ، بياع السابري، مولى لثقيف ، كوفي ، ثقة ، جليل الشأن . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)(2)، وأثنى عليه الإمام أبو عبدالله(عليه السلام)، فقال له : أَنْتَ وَاللَّهِ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ.
جعلت فداك ، من آل محمد ؟ !
إِي وَاللَّهِ مِنْ أَنفُسِهِمْ.
من أنفسهم ؟!
إِي وَاللَّهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ .
يا عُمَرُ ، أَما تَفْرَأُ كِتابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ:إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(3).(4)
له من المؤلفات كتاب «مناسك الحج وفرائضه ».(5).
ابن مقلاص القيسي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليه السلام). له ولدان : أحمد والحسن من أهل الحديث . له كتاب(6).
ورد توثيقه في الوجيزة والبلغة .
النجار ، كوفى ، من أصحابنا ، قليل الرواية . روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام).له كتاب« التفسير»(1)
ابن سعد بن مالك الأشعري . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وله مسائل للرضا(عليه السلام)(2).
وروى في حقه يونس بن يعقوب ، قال : كنت بالمدينة ، فاستقبلني جعفر بن محمّد في بعض أزقتها ، فقال : اذْهَبْ يا يُونُسُ فَإِنَّ فِي الْبَابِ رَجُلاً مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ .
قال : فجئت إلى الباب ، فإذا عيسى بن عبد الله القمّي جالس.
قال : فقلت له : من أنت ؟
وفي الوقت جاء الإمام(عليه السلام)، فأمرهما بالدخول إلى الدار ، فلما استقر بهما المجلس التفت إلى يونس قائلاً : يا يُونُسُ ، أَحْسَبُكَ أَنْكَرْتَ قَوْلِي لَكَ . إِنَّ عِيسَى بْنَ عَبْدِ اللهِ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ .
إي والله ، إنه رجل من أهل قم !
يا يُونُسُ، إِنَّ عِبَسى بْنَ عَبْدِ اللهِ هُوَ مِنَا حَيّاً ، وَهُوَ مِنّا مَيْناً» (3).
وفي هذا الخبر دلالة على عدالته ووثاقته ومزيد اتصاله بأهل البيت(عليهم السلام).
ابن ثابت بن عبید بن مهران ، البجلي، كوفي، عربي ، يكنى أبا القاسم ، ثقة، عين . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى(عليهم السلام) ، وله كتاب(1).
كوفي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام). له كتاب يرويه عثمان بن عیسی(2).
الأزدي ، عربي ، سكن الأهواز ، ثقة في حديثه . روى عن الإمام موسى(عليه السلام) .
له كتاب ( الصلاة »(1).
وعده الكشي ممن أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم من أصحاب أبي عبد الله(عليه السلام)، وتصديقهم والإقرار لهم بالفقه والعلم (2).
الكاتب البغدادي ، كان يكتب للمنصور والمهدي على ديوان الخراج . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، ألف كتاب « يوم وليلة (3)».
الكاتب البغدادي. روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله كتاب (4)
وقال الشيخ :« إنه واقفى»(5).
روى عليّ بن إبراهيم بن هاشم ، عن محمد بن سالم ، قال : «لما حمل سيّدي موسى بن جعفر إلى هارون جاء إليه هشام بن إبراهيم فقال له : يا سيدي ، قد كتب لي صك إلى الفضل بن يونس ، فتسأله أن يروّج أمري ، فمشى إليه الإمام ، فلما انتهى إليه دخل عليه الحاجب فعرفه بتشريف الإمام ، فقال له والسرور باد عليه : إن كنت صادقاً فأنت حرّ، وأوعده بأموال يعطيها له إن تبيّن صدقه ، ثم خرج حافياً .
فلما رأى الإمام وقع على قدميه يقبلهما ، ثمّ التمس منه أن يشرف ثويه ، فأجابه الإمام إلى ذلك ، وبعد ما استقر به المجلس سأله أن يقضي حاجة هشام ، فقضاها
له »(1). وفي هذا الخبر دلالة على إخلاصه وولائه للإمام(عليه السلام).
الجُعْفِيّ ، كوفي . روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، ثقة ، عين . له كتاب يرويه ابنه جعفر(2).
وهو أوّل شخص سمع النص من أبي عبدالله على إمامة ولده موسى(عليه السلام). وقد تقدّم حديثه في الجزء الأول من هذا الكتاب .
الجوهري ، كوفي ، سكن بغداد . روى عن الإمام موسى(عليه السلام). له كتاب(3).
وقد رمي بالوقف(4)
الساباطي ، أخو عمار الساباطي . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وهو ثقة ، مقبول الحديث(5).
من رواة حديث الإمام(عليه السلام)، وقد ذكرت رواياته في التهذيب » من باب تطهير المياه ، وفي« الاستبصار » في باب كيفية قضاء النوافل ، وقد رمي بالجهالة كما في المسالك والذخيرة (1)
المرادي ، يكنّى أبا بصير، ثقة في حديثه . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وفي صحيح جميل بن درّاج : إِنَّ أَوْتادَ الْأَرْضِ أَرْبَعَةٌ ، وَأَعْلامَ الدِّين أَرْبَعَةٌ : مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَبُرَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَلَيْتُ بْنُ الْبَخْتَرِي الْمُرَادِيُّ ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَعْيَن ، وقيل فيه غير ذلك(2).
قال ابن الغضائري : «كان أبو عبد الله (عليه السلام)يتضجر ويتبرم منه ، وأصحابه مختلفون في شأنه ، وعندي أنّ الطعن إنّما وقع في دينه ، لا في حديثه ، وقد وثقه جماعة من الأعلام المحققين ، واعتبروا الأخبار الواردة في ذمّه مطعون فيها ، وأنه من الطائفة العليا في الإسلام (3).
الموصلي : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام) مرتين(1).
وظاهره كونه إماميّاً مجهول الحال(2).
الأزدي ، بغدادي الأصل والمقام ، من أشهر علماء هذه الطائفة ، ومن عيون رواتها ، وقد أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصح عنه ، وقد عد مراسيله مسانيد ، عاصر الإمام الكاظم والرضا والجواد(عليه السلام)، وإلى القرّاء بعض شؤونه وأحواله :
علمه : كان من عيون العلماء ، ومن كبار الفقهاء ، وقد أجمعت العصابة على الإقرار له بالفقه والعلم(3).
وقد لازم ثلاثة من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وانتهل من نمير علومهم ، وقد زوّد الفقه الإسلامي بالشيء الكثير من أحاديثه التي سمعها من الأئمة الميامين ، وأنّ مراسيله بمنزلة الصحاح عند الفقهاء ، وفي هذا دلالة على سموّ منزلته العلمية وعدالته .
مؤلّفاته : ألّف من الكتب أربعاً وتسعين كتاباً ، منها : كتاب « المغازي » ، ومنها کتاب الكفر والإيمان ، ومنها كتاب « البداء » ، ومنها كتاب « الاحتجاج في الإمامة » ، ومنها كتاب «الحج» ، ومنها كتاب «فضائل الحج » ، ومنها كتاب المتعة » ، ومنها كتاب« الاستطاعة» ، ومنها كتاب « الملاحم » ، ومنها كتاب« يوم
وليلة» ، ومنها كتاب« مناسك الحج » ، ومنها كتاب « الصيام » ، ومنها كتاب «اختلاف الحديث » ، ومنها كتاب « المعارف » ، ومنها كتاب « الطلاق » ، ومنها كتاب «الرضاع»(1)
ولكن من المؤسف أن هذه المؤلّفات قد تلفت ، ويعزى السبب في ذلك إلى أنه تركها في غرفة فسال عليها المطر فأتلفها ، وقيل : إن أخته دفنت كتبه في حال حبسه ، فضاعت ، وعلى كل فإنّ العلم قد خسر مؤلّفات هذا العالم الكبير .
عبادته : كان محمّد من عيون المتقين والصالحين، فقد تربى في بيت الإمامة ، وسار على خطة آل البيت(عليهم السلام) من رفض الدنيا ، وعدم الاعتناء بملاذها وشهواتها ، ويكفي للتدليل على مدى عبادته ما رواه الفضل بن شاذان ، قال : « دخلت العراق فرأيت شخصاً يعاتب صاحبه ، ويقول له : أنت رجل ذو عيال ، وتحتاج أن تكسب لهم ، وما آمن عليك أن تذهب عيناك لطول سجودك ، وأكثر عليه التوبيخ والتقريع .
فالتفت إليه وقال له : لو ذهبت عين أحد في السجود لذهبت عين ابن أبي عمير ، ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر ، فما رفع رأسه إلا بعد زوال الشمس » .
وأخذ يحدثه عن عبادة ابن أبي عمير ، فقال له : « أخذ يوماً شيخي بيدي وذهب بي إلى ابن أبي عمير ، فصعدنا إليه في غرفة ، وحوله مشايخ له يعظمونه ويبجّلونه ، فقلت لأبي : مَن هذا ؟
قال أبي : هذا ابن أبي عمير .
قلت : الرجل الصالح العابد ؟
قال : نعم (2)
وهكذا كان محمّد في تقواه وورعه ، وإن تعظيم أولئك الأتقياء الصالحين له وإكبارهم لمنزلته ممّا يدلّ على سموّ مكانته وشأنه .
في السجون : وكان محمد بن أبي عمير من الشخصيات البارزة في العالم الإسلامي نظراً لاتصاله الوثيق بأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وفي نفس الوقت كان عنده السجل العام الذي فيه أسماء الشيعة ، ولقد ضاق على هارون ذلك فأمر أن يلقى في ظلمات السجون ، فبقي فيها سبعة عشر عاماً(1).
وجيء به وهو مكبّل بالقيود ، فأمره هارون أن يعرّفه بأسماء الشيعة ، فامتنع من ذلك أشدّ الامتناع ، فأمر أن يضرب مائة سوط ، فضرب وبلغ منه الألم القاسي مبلغاً عظيماً ، يقول : فكدت أن أسمّي إلا أني سمعت نداء يونس بن عبدالرحمن يقول لي : يا محمد بن أبي عمير، اذكر موقفك بين يدي الله ، فتقوّيت بقوله ، وصبرت ولم أخبر ، والحمد الله(2).
وبهذا نقف على مدى الضغط الهائل الذي واجهته الشيعة في تلك الأدوار المظلمة ، وقد عرضنا بعض ذلك عند التحدّث عن عصر الإمام(عليه السلام).
وفاته : انتقل محمد إلى دار الخلود في سنة 217ه- (3)
ابن عمار بن حيان التغلبي الصيرفي ، ثقة ، عين . روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله كتاب(4).
قال الشيخ المفيد : « إنّه من ثقات الإمام وخاصته ، ومن أهل الورع والعلم»(1).
وقال أبو جعفر بن بابويه إنه من الواقفية ، ويفنّد ذلك ، أنه سأل الإمام موسی رجال النجاشي : 968/361 . فقال له : ألا تدلّني على من أخذ عنه ديني ؟
وتدلّ هذه الرواية على عدم كونه واقفيّاً (3).
ابن بزيع ، من صلحاء هذه الطائفة ومن عيونها ، وأحد رواة حديث الإمام موسی(عليه السلام)، كان مولى للمنصور وأحد وزراء الدولة العبّاسيّة ، قال له الإمام الرضا(عليه السلام) :
إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَبْوابِ الظَّالِمِينَ ، مَنْ نَوَّرَ اللهُ لَهُ الْبُرْهَانَ ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي الْبِلادِ ، لِيَدْفَعَ بهِمْ عَنْ أَوْلِيانِهِ ، وَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أُمورَ الْمُسْلِمِينَ ، إِلَيْهِمْ مَلْجَأَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الضَرّ ، وَإِلَيْهِمْ يَفْزَعُ ذو الْحَاجَةِ مِنْ شيعَتِنا ، وَبِهِمْ يُؤْمِنُ اللَّهُ رَوْعَةَ الْمُؤْمِن في دارِ الظُّلَمَةِ ، أَوْلَئِكَ أَمَناء اللهِ في أَرْضِهِ ، أُولئِكَ نورُ اللهِ في رَعِيَّتهم يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَيُزْهِرُ نورُهُمْ لأَهْلِ السَّمَواتِ كَما يُزْهِرُ الْكَواكِبُ الدُّرِّيَّةُ لأَهْلِ الْأَرْضِ ، أولئِكَ مِنْ نُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُضِيءُ مِنْهُمُ الْقِيامَةُ ، خُلِقوا وَاللَّهِ لِلْجَنَّةِ ، وَخُلِقَتِ الْجَنَّةُ لَهُمْ ، فَهَنِيئاً لَهُمْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ لَوْ شَاءَ لنالَ هذا كلّه .
فقال له محمّد : بماذا ؟ جعلني الله فداك .
قال(عليه السلام) : يَكونُ مَعَهُمْ فَيَسُرُّنَا بِإِدْخالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنينَ مِنْ شِيعَتِنا ، فَكُنْ مِنْهُمْ يا مُحَمَّدُ(1)
ألف كتباً ، منها : كتاب « الحجّ » ، وكتاب « ثواب الحجّ»(2).
من غلاة الواقفية ، وممن باع دينه وآخرته بدنياه ، وكان صاحب شعوذة وأباطيل و مخاريق وبدع ، وقد حاول بكل جهوده إفساد المسلمين ، وتمزيق شملهم ، وفيما يلي عرض موجز لبعض شؤونه :
1 - بدعه : كان هذا الرجل من المخرّبين والمفسدين، وقد خرج عن ربقة الإسلام بما أوجده من البدع والأضاليل ، ومن بدعه قوله : « إن كل من ادعى الإمامة من ولد الإمام موسى(عليه السلام) فهو كاذب غير طيب الولادة » .
وكفّر جميع من قال بإمامتهم ، واستحل دماءهم ، وابتدع هو وجماعته أموراً منكرة ، فقالوا : إنّ الفرض عليهم من الله تعالى إقامة الصلوات الخمس ، وصوم شهر رمضان لا غير ، فأنكروا الزكاة والحج وسائر الفرائض الإسلامية ، وقالوا بإباحة المحارم والفروج والغلمان ، وبالتناسخ ، وادعوا غير ذلك من الأباطيل التي تدلّ على كفرهم وجحودهم الله تعالى .
2 - شعوذته : وكان ابن بشير عالماً بجميع أنواع الشعوذة ، وكان وحيد عصره في ذلك ، وقد اتخذ من شعوذته وسيلة إلى إغراء السذج والبسطاء ، ومن عجائب شعوذته أنه اتخذ صورة قد عملها بنفسه وأقامها شخصاً تحكي صورة الإمام
موسى(عليه السلام) قد وضع عليها ثياباً من حرير ، وكان يطويها ، فإذا أراد إغراء أصحابه قال لهم : إن أبا الحسن موسى(عليه السلام)عندي ، فإن أحببتم أن تروه فهلموا معي لأعرضه عليكم ، فيقوموا معه فيدخلهم إلى البيت ، والصورة مطوية عنده ، فيقول لهم : هل ترون أحداً مقيماً في البيت فيجيبونه بالنفي ، فيأمرهم بالخروج ، فإذا نزحوا عنه عمد إلى تلك الصورة فأخرجها ، ثم يرفع الستر بينه وبينهم فينظرون إلى صورة قائمة تحكي صورة الإمام موسى(عليه السلام)، ويقف هو بالقرب من تلك الصورة فيناجيها ويكلّمها ثم يدنو منها ، كأنه يريد أن يسر إليها بشيء ، ثم يغمز إليهم بالخروج فيلقي عليها الستار ويطويها ، وكانت هذه حالته مدة من الزمن في الاغراء والتضليل والخداع والفتن بين الناس (1).
ومن شعوذته أنّ هارون الرشيد لما قبض عليه وأراد قتله قال له : يا أمير المؤمنين ، فإنّي اتخذ لك أشياءاً يرغب الملوك فيها ، فأطلق سراحه ، فاتخذ له الدوالي بصورة عجيبة ، فقد صنع ألواحاً وجعل الزئبق في تلك الألواح ، فكانت الدوالي تمتلئ بالماء وتصبّ في تلك الألواح فينقلب الزئبق منها فتتسع الدوالي ، وكانت تعمل بهذه الصورة من غير آلة أو محرّك لها ، فأعجب هارون بذلك ، وعمل له أعمالاً أخرى دلّت على مهارته .
إنكاره للإمام (عليه السلام): وأنكر ابن بشير الإمام موسى(عليه السلام)وادّعى أنه رفع إلى السماء ، وأن الذي هو في السجن غير الإمام موسى محاولاً بذلك إفساد عقيدة الشيعة والاستيلاء على حقوقهم الشرعيّة، لأنّه ادّعى الوكالة عن الإمام .
دعاء الإمام(عليه السلام)عليه : ولمّا شاعت بدع هذا الملحد وأضاليله بين الناس، وإفساده للناشئة الإسلامية ، جعل الإمام موسى(عليه السلام) يدعو عليه ويحذر الناس منه ،
1) رجال الكشّي : 480 و 907/481.
فقد حدث ابن أبي حمزة البطائني ، قال : «سمعت الإمام موسى(عليه السلام)يقول : لَعَنَ اللهُ مُحَمَّدَ بْنَ بَشِيرٍ ، وَأَذاقَهُ اللهُ حَرَّ الْحَدِيدِ ، إِنَّهُ يَكْذِبُ عَلَيَّ ، بَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ ، وَبَرِثْتُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا يَدَّعِي فِي ابْنُ بَشِيرٍ . اللَّهُمَّ أَرِحْنِي مِنْهُ .
والتفت لها إلى ابن أبي حمزة ، فقال : يا عَلِيُّ ، ما أَحَدٌ اجْتَرَأَ أَنْ يَتَعَمَّدَ عَلَيْنا الْكَذِبَ إِلا أَذاقَهُ اللهُ حَرَّ الْحَدِيدِ ، وَإِنَّ بَيانَا كَذِبَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَأَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَديدِ ، وَإِنَّ الْمُغِيَرَةَ بْنَ سَعِيدٍ كَذِبَ عَلَى أَبي جَعْفَرٍ فَأَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ ، وَإِنَّ أَبَا الْخَطَّابِ كَذِبَ عَلَى أَبِي فَأَذاقَهُ اللهُ حَرَّ الْحَدِيدِ ، وَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَشِيرٍ لَعَنَهُ اللَّهُ يُكَذِّبُ عَلَيَّ ، بَرِئْتُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ.
اللهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا يَدَّعِيهِ فِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ . اللَّهُمَّ أَرِحْنِي مِنْهُ ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُخَلِّصَنِي مِنْ هَذَا الرِّجْسِ النَّجِسِ» .
ويلمس من دعاء الإمام مدى تأثره وانزعاجه من هذا الوغد الذي ابتلي به الإمام كما ابتلي آباؤه الطيبون بأمثال هذا الرجس الخبيث .
قتله : ولما ظهرت بدع هذا الرجس وانتشرت أباطيله ، قبضت عليه السلطة المحلّيّة فعذبته بأنواع العذاب ، وقتلته أسوأ قتلة (1).
وقد لاقى جزاءه العادل في الدنيا قبل الآخرة .
ابن جناح : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)، وقد رمي بالوقف(2).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام مرّتين، وأضاف في المرة الثانية
أنه مجهول(1).
ابن سعد الأسلمي ، وهو الذي كتب وصيّة الإمام موسى(عليه السلام)الأولى ، وشهد في وصيّته الثانية(2).
وسنذكر نص الوصيّتين في بعض فصول هذا الكتاب .
الأنصاري : عده الشيخ فى رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3).
كما أنه أحد الشهود في وصيّة الإمام الثانية على رواية الكليني .
الخثعمي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، يكنى أبا جعفر . له كتاب يرويه جعفر بن محمد بن بن حكيم(4).
وأثنى عليه في الوجيزة.
أبو عبد الله البرقي(5): عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(6)وكان أديباً ، حسن المعرفة بالأخبار وعلوم العرب . له كتب ، منها : كتاب « التنزيل والتعبير » ، وكتاب« يوم وليلة » ، وكتاب « التفسير » ، وكتاب «مكة والمدينة » ،
وكتاب «حروب الأوس والخزرج » ، وكتاب « العلل » ، وكتاب «علم الباري» ، وكتاب« الخطب » (1).
وقال فيه ابن الغضائري : « إن حديثه يعرف وينكر ، ويروي عن الضعفاء كثيراً ، ويعتمد المراسيل»(2).
وقال النجاشي : « إنه ضعيف في حديثه ، ووثقه جماعة آخرون(3).
ابن الحباب صاحب الإمام موسى(عليه السلام)، وله نسخة يرويها عنه(4)، ومصاحبته للإمام (عليه السلام)تدلّ على وثاقته ونباهة شأنه .
البصري الديلمي ، من أصحاب الإمام ، وقد رمي بالغلو ، ولا يعتمد على حديثه وروايته نظراً لسوء عقيدته(5).
أبو جعفر الزاهري الخزاعي :عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام موسى (عليه السلام)(6)، وقد اختلف المترجمون له ، فبين قادح له وموثق .
قال فيه ابن الغضائري : «إنّه ضعيف ، غال ، يضع الحديث ، لا يلتفت إليه » .
وضعفه المحقق في المعتبر ، والعلّامة في المختلف ، والشهيد الثاني في
المسالك ، والشيخ في الاستبصار ، وقدح فيه غير هؤلاء من الأعلام.
ووثقه الشيخ المفيد ، فقال : «إنّه من أهل الورع والعلم والفقه والدين».
ووثقه الشيخ المجلسي ، والشيخ الحر العاملي ، والحسن بن أبي شعبة في تحف العقول ، وروى الكشي في حقه أنه دخل على أبي الحسن موسى (عليه السلام) قبل أن يحمل إلى العراق بسنة ، وكان عند الإمام وولده الرضاء الله ، فالتفت الا الله إليه قائلاً: يا مُحَمَّدُ .
لبيك .
ستكون في هذه السنة حركة ولا تخرج منها .
وأطرق الإمام برأسه إلى الأرض ، ثمّ رفع رأسه والتفت إلى محمد قائلا له :
وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ(1).
وما ذاك ؟ جعلت فداك .
مَنْ ظَلَمَ ابْنى هذا - وأشار لولده الرضا(عليه السلام) - حَقَّهُ ، وَجَحَدَ إِمَامَتَهُ مِنْ بَعْدِى كانَ كَمَنْ ظَلَمَ عَلِيَّ بْنَ أَبي طالب(عليه السلام)حَقَّهُ ، وَجَحَدَ إِمَامَتَهُ مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ(صلی الله علیه وآله وسلم).
وأدرك محمّد أنّ الإمام قد نعى إليه نفسه ، وإن لقاءه بربه لقريب ، فأراد الوقوف على بعض الخفايا التي لا يعلمها إلا الإمام ، فقال له : والله لئن مدّ الله في عمري لأسلمن إليه حقه ، ولأقرّنّ له بالإمامة . أشهد أنّه من بعدك حجة الله على خلقه ، والداعي إلى دينه.
فقال لي: يا مُحَمَّدُ ، يَمُدُّ اللَّهُ في عُمُركَ ، وَتَدْعو إلى إِمَامَتِهِ وَإِمَامَةِ مَنْ يَقومُ مَقامَهُ مِنْ بَعْدِهِ .
ومَن ذاك ؟
مُحَمَّدٌ ابْنُهُ .
1) إبراهيم 14 : 27
الرضا والتسليم .
كَذلِكَ ، وَقَدْ وَجَدْتُكَ في صَحِيفَةِ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ ، أَما إِنَّكَ فِي شِيعَتِنا أَبْيَنُ مِنَ الْبَرْقِ فِي اللَّيْلَةِ الظُّلْماءِ(1).
وهذا الخبر دلّ على أنّه من عيون المؤمنين والصالحين، ووردت أخبار أخرى أشادت بفضله ووثاقته وقرب منزلته من أهل البيت(عليه السلام)، ذكر هذه الأقوال المحقق المامقاني(عليه السلام)، وقال : « إنّ الأقوى كون الرجل ثقة ، صحيح الاعتقاد ، مقبول الرواية ، وإن رمي من رماه بالغلو، إما لاشتباهه من ميله أوّلاً الغلو وثباته بمكالمة صفوان معه ، أو لما سمعته آنفاً من بعض الأتقياء من أنّه كان من أصحاب أسرار الأئمة وروى من أسرارهم ما تمسك به الغلاة ، فجرحه الأصحاب دفعاً للأفسد ، وهو تقوّي الغلاة بالفاسد ، وهو جرح محمد بن سنان ، ولو كان ضعيفاً واقعاً لما رو روى عنه جم غفير من أجلاء أصحابنا» (2).
وألّف محمّد من الكتب كتاب « الطرائف » ، وكتاب « الأظلّة » ، وكتاب« المكاسب » ، وكتاب « الحج » ، وكتاب « الصيد والذبائح » ، وكتاب « الشراء والبيع » ، وكتاب « الوصيّة » ، وكتاب «النوادر » . توفي سنة 220ه- (3).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(4).
وقال فيه النجاشي : «إنّه كوفي ، ثقة . له كتاب أخبرنا عنه أحمد بن عبد الواحد(5).
وذكره ابن داود في القسم الأوّل من رجاله»(1).
العنبري البصري ، أبو جعفر . روى عن أبي الحسن موسى، وعن الرضا(عليهم السلام). له كتاب عن موسى بن جعفر(عليه السلام)(2).
الجلاب البصري : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وهو واقفي(3).
ابن عيسى الصيرفي المدائني ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)،وعمّر إلى أيام الرضا(عليه السلام)، وله كتاب تختلف الرواة فيه ، توفّي وله من العمر ثلاث وتسعون سنة (4).
ابن النعمان ، أبو جعفر المعروف بمؤمن الطاق، من عمالقة الفكر الإسلامي ، ومن عظماء الزمن الذين فتحوا باب التاريخ على مصراعيه ، ودخلوا فيه أحراراً ، فسجّلوا لأمتهم ولعصرهم العز والافتخار ، كان مؤمن الطاق في طليعة علماء الإسلام في فقهه وعلمه، ودفاعه عن حوزة الدين، ولكن بعض المؤرّخين القدامى لم يجودوا إلّا بنتف يسيرة من آرائه وتراثه .
وطعن الحاقدون عليه فالصقوا به شتّى التهم والظنون ، وحملوه أوزاراً كثيرة ،
وسبب ذلك - فيما نحسب - مواقفه الشهيرة التي حاجج بها أئمة المذاهب الإسلامية، وسائر علماء عصره ، فأثبت بوضوح فكرة الإمامة والتقاءها بواقع الإسلام وهديه ، ممّا أدّى إلى إثارة الأحقاد عليه .
وعلى أي حال، فقد لقبت الشيعة هذا العملاق العظيم ب-«مؤمن الطاق» ، ولقبه خصومه وأعداؤه بشيطان الطاق »، وسبب ذلك فيما قالوا أنه كان يجلس للصرف في سوق يقع بطاق المحامل بالكوفة ، فاختصم مع شخص في درهم مزيف ، فغلب على خصمه ، فلقب بذلك(1).
ولا يحمل هذا التعليل أي طابع علمي ، فإنّ هذه البادرة لا تستد ندعي لقبه بذلك وشيوعه بين الناس ، والصحيح أنّ أوّل من لقبه بذلك أبو حنيفة عقب مناظرة جرت بحضرته بينه وبين بعض الحرورية (2).
ولقبته الشيعة بمؤمن الطاق ردّاً على أبي حنيفة .
وحمل بعض المؤلّفين عليه ، فقال : «إنّه الأحول الخبيث شيطان الطاق»(3).
وهذا السباب الهزيل ينمّ عن حقد بالغ على هذا المجاهد العظيم الذي نافح عن أهل البيت ، وانتصر لقضاياهم ، ولا بد لنا من وقفة قصيرة للحديث عنه :
تخرّجه : انتمى مؤمن الطاق إلى مدرسة الإمام الصادق(عليه السلام)، وانتهل من نمير علومها ، وتخصص في الفلسفة الإسلامية ، وفي مباحث علم الكلام، وكان من جهابذة هذا الفنّ لا يجاريه فيه أحد، وقد انتدبه الإمام الصادق(عليه السلام)للقيام بالمناظرات العلمية مع بقية المذاهب الإسلاميّة ، وظل ملازماً للإمام يتغذّى من
علومه ، وبعد انتقال الإمام الصادق(عليه السلام)إلى دار الخلود اختص بالإمام موسى(عليه السلام)، وأخذ عنه الكثير من العلوم والمعارف، فكان من أبرز علماء الإسلام في عصره .
سموّ مكانته : كان مؤمن الطاق من قادة الفكر الإسلامي ، وقد أجمع علماء عصره على الاعتراف بمنزلته العلميّة، وأشاد الإمام الصادق(عليه السلام) بفضله وقربه منه(1).
فقرنه بعظماء العلماء من أصحابه ، فقال(عليه السلام) : «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَحْيَاءٌ وَأَمْواتاً أَرْبَعَةٌ : بُرَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعِجْلِيُّ ، وَزُرارَةً ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَالأَحْوَلُ »(2).
ويدلّ هذا الحديث على مدى أهميته ومكانته عند الإمام(عليه السلام)، فقد قرنه بالأفذاذ من عيون أصحابه .
اختصاصه : واختص مؤمن الطاق كما ذكرنا - في المباحث الكلامية ، فقد كان من الماهرين بهذا الفنّ ، وقد عهد إليه الإمام الصادق(عليه السلام)بالخوض في هذه البحوث مع علماء عصره ،کمانهى بعض أصحابه عن القيام بذلك نظراً لقلة بضاعتهم في هذا العلم .
يقول أبو خالد الكابلي : « رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة أزراره وهو دائب يجيبهم ويسألونه ، فدنوت منه فقلت : إن أبا عبد الله (عليه السلام) ينهانا عن الكلام.
فقال : أمرك أن تقول لي ؟
فقلت : لا والله ، ولكن أمرني أن لا أكلم أحداً. قال : فاذهب فأطعه فيما أمرك .
فدخلت على أبي عبد الله(عليه السلام)فأخبرته بقصة صاحب الطاق ، وما قلت له ، وقوله لي : اذهب وأطعه فيما أمرك ، فتبسم أبو عبد الله لا وقال : يا أبا خالِدٍ ، إِنَّ صاحِبَ الطَّاقِ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَيَطيرُ وَيَنْقَضُ، وَأَنْتَ إِنْ فَصُوكَ لَنْ تَطير »(1).
ودلّت هذه البادرة على مدى ما يتمتع به من الفضل والعلم وسعة الاطلاع ، ومضافاً إلى اختصاصه بهذا الفنّ ، فإنّه كان من الشعراء الموهوبين ، ولكنّه أعرض واشتغل بعلم الكلام(2).
مناظراته ودلّت مناظراته الفائقة مع خصومه على مهارته وتفوقه عليهم ، وقد عرف بمتانة الجدل وقوة الاستدلال والاستنباط ، وفيما يلي بعض مناظراته :
1- مع مع الضحاك : وثار الخوارج في الكوفة فاستولوا عليها ، وتزعم حركتهم الضحاك ، ولقب نفسه بأمير المؤمنين ، فأتاه مؤمن الطاق ، فلما رآه أصحابه وثبوا إليه وأحاطوا به ، فنهاهم الضحاك من التعرّض له ، والتفت إليه مؤمن الطاق قائلا له : أنا رجل على بصيرة من ديني ، وسمعتك تصف العدل ، فأحببت الدخول معك.
فاستبشر الضحاك واعتبر ذلك نصراً له ، فقال لأصحابه : إن دخل هذا معكم نفعكم .
وأقبل مؤمن الطاق على الضحاك فوجّه إليه السؤال الآتي قائلا له : لم تبرأتم من عليّ بن أبي طالب ، واستحللتم قتله وقتاله ؟
وكل من حكم في دين الله استحللتم قتله وقتاله والبراءة منه ؟
ولم يجد الضحّاك بدأ من الإجابة ، فقال له : هذا الحكم بيننا ، فهو عالم بالدين .
وهنا وجد مؤمن الطاق السبيل إلى مؤاخذته وبطلان اعتقاده ، فقال له : وقد حكّمت هذا في الدين الذي جئت أناظرك فيه ؟
وأقبل مؤمن الطاق على الخوارج فأوقفهم على خطأ صاحبهم قائلاً: إنّ هذا صاحبكم قد حكم في دين الله ، فشأنكم به .
فأقبلوا عليه الخوارج فقطعوه بسيوفهم »(1).
وخرج مؤمن الطاق وترك الخزي والعار يحزان في نفوسهم .
2-مع أبي حنيفة : وله مع أبي حنيفة مناظرات رائعة بديعة دلّت على انتصاره وتفوقه عليه ، فقد اجتمع به ، فقال له أبو حنيفة مستهزئاً به : بلغني عنكم معشر الشيعة شيء ؟
ماهو ؟
إن الميت منكم إذا مات كسرتم يده اليسرى لكي يعطى كتابه بيمينه.
وبالوقت سدّد مؤمن الطاق له سهماً من منطقه الفياض ، فقال له : مكذوب علينا يا نعمان ، ولكن بلغني عنكم معشر المرجئة أن الميت منكم إذا مات قمعتم (2)في دبره قمعاً فصببتم فيه جرّة من ماء لكي لا يعطش يوم القيامة
فلم يطق أبو حنيفة جواباً ، فقال : : مكذوب علينا وعليكم(1).
واجتمع به مرّة فقال له أبو حنيفة : يا أبا جعفر ، تقول بالرجعة ؟
فقال أبو حنيفة مستهزئاً وساخراً : أقرضني من كيسك خمسمائة دينار ، فإذا عدت أنا وأنت رددتها إليك.
فقال مؤمن الطاق : أريد ضميناً يضمن لك أنك لا تعود قرداً لأتمكن من استرجاع ما أخذت منى(2).
ولم يتمكن أبو حنيفة من الردّ عليه ، وانصرف وهو مخذول .
واجتمع به مرّة أخرى، فقال له: يا أبا جعفر، ما تقول في المتعة ؟ أتزعم أنها حلال ؟
نعم .
فما يمنعك أن تأمر نساءك أن يستمتعن ويكتسبن لك ؟
ليس كل الصناعات يرغب فيها ، وإن كانت حلالاً ، وللناس مراتب ترتفع بها أقدارهم ، ولكن ما تقول يا أبا حنيفة في النبيذ ؟ أتزعم أنه حلال ؟
نعم .
فما يمنعك أن تقعد نساءك في الحوانيت نباذات يكتسبن لك .
واحدة بواحدة ، وسهمك أنفذ (3).
ولمّا توفّي الإمام أبو عبد الله(عليه السلام)، قال له أبو حنيفة متشمتاً بوفاة الإمام(عليه السلام):
يا أبا جعفر ، إنّ إمامك قد مات .
وله مناظرات أخرى مع أبي حنيفة ، دلّت على تفوقه عليه واستحضاره للجواب .
3- مع ابن أبي العوجاء : واجتمع مؤمن الطاق بابن أبي العوجاء رأس الإلحاد في العالم العربي ، فوجّه إليه ابن أبي العوجاء السؤال الآتي : أليس من صنع شيئاً واحداً أو أحدثه حتى يعلم أنه من صنعه فهو خالقه ؟
أجلني شهراً أو شهرين ثمّ تعال إليَّ حتى أريك .
قال مؤمن الطاق : فسافرت إلى بيت الله الحرام ، فدخلت على أبي عبد الله(عليه السلام)، فعرضت عليه الأمر ، فقال(عليه السلام): إِنَّهُ قَدْ هَيَّا لَكَ شَاتَيْنِ ، وَمَعَهُ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، ثُمَّ يُخْرِجُ الشَّاتَيْنِ وَقَدِ امْتَلا تا دوداً فَيَقولُ لَكَ : هذِهِ الدّودُ قَدْ حَدَثَتْ مِنْ فِعْلى .
قُلْ لَهُ : إِنْ كانَ مِنْ صُنْعِكَ فَمَيَّرْ ذُكورَها مِنْ إِنائِها .
وَيَقولُ لَكَ : لَيْسَتْ هذِهِ مِنْ أَبْزارِكَ ، إِنَّما حَمَلْتَها مِنَ الْحِجازِ .
ثُمَّ يَقولُ لَكَ : أَلَيْسَ تَزْعَمُ أَنَّهُ غَنِيٌّ ؟
قُلْ لَهُ : بَلَى.
وَيَقُولُ لَكَ : أَيَكونُ الْغَنِيُّ عِنْدَكَ مَعْقولاً في وَقْتِ مِنَ الْأَوْقَاتِ لَيْسَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّة ؟
قُلْ لَهُ : نَعَمْ
يَقولُ لَكَ : كَيْفَ يَكونُ هذا غَنِيّاً ؟
1) رجال الكشي : 329/187 .
قُلْ لَهُ : إِنْ كَانَ الْغِنى بَيْنَنَا مِنْ قِبَلِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ أَوِ التِّجَارَةِ فَهذا كُلُّهُ مِمَّا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ، فَأَيُّ شَيْءٍ فِي الْقِياسِ أَكْبَرُ وَأَوْلَى بِأَنْ يُقالَ : غَنِيٌّ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ الْغِنى ، فَأَغْنى بِهِ النّاسَ قَبْلَ أَنْ يَكونَ شَيْءٌ وَهُوَ وَحْدَهُ أَوْ مَنْ أَفَادَ مَالاً مِنْ هِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وتجارة .
وعاد مؤمن الطاق إلى بلاده، فاجتمع بابن أبي العوجاء ، فجرى الحديث السالف بينه وبينه ، فقال متبهّراً : هذه والله ليست من أبزارك ، هذه والله مما تحملها الإبل(1).
وله مناظرات أخرى دلّت على سعة معارفه وعلومه .
مؤلّفاته : ألف مؤمن الطاق جملة من الكتب في مختلف العلوم ، وهذه بعضها :
1 - افعل ولا تفعل ، وهو كتاب كبير ، حسن ، رآه النجاشي عند أحمد بن الحسين ، وقال فيه : إنّ بعض المتأخرين أدخل فيه أحاديثاً تدلّ فيه على الفساد.
2 - كلامه مع الخوارج، ويتضمن مناظراته معهم وفساد عقيدتهم .
3- مجالسه مع أبي حنيفة والمرجئة .
4- الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)(2).
5 - المعرفة .
6 - الردّ على المعتزلة في إمامة المفضول .
الجمل ، يشرح فيه قصة طلحة والزبير وعائشة .
إثبات الوصيّة(3).
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن هذا الفذ العظيم الذي جاهد طويلاً، وناضل كثيراً
في سبيل الله ، والذب عن كيان الإسلام في وقت كانت السلطة الحاكمة تطارد المصلحين وتنكل برجال العلم والعقيدة الذين كانوا ينشرون فضائل أهل البيت(عليهم السلام) .
النيسابوري ، من ثقات الشيعة ، وهو الذي أوفده أهالي نيسابور ممثلاً عنهم بعد وفاة الإمام الصادق(عليه السلام)لمعرفة الحجّة والإمام بعد أبي عبد الله(عليه السلام)، وقد ذكرنا حديثه في الجزء الأول من هذا الكتاب .
عده الشيخ من أصحاب الإمام(عليه السلام)، وهو واقفي(1).
ابن يزيد بياع السابري . روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله كتاب(2)
ابن كثير الأزدي الصيرفي الكوفي . روى عن أبي الحسن موسى وولده الرضا(عليهم السلام)، وله كتاب ومسائل (5).
الطائي ، كوفي ، عربي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام). له . کتاب(1).
النهرواني : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(2).
وهو مجهول الحال(3).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام موسى(عليه السلام)، وقال : إنه ثقة(4)، وكذا ذكره العلامة في الخلاصة ، وورد توثيقه فى كل من الوجيزة والبلغة(5).
الأزدي ، المدائني ، مولى ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، أحضره الرشيد ومعه أخواه محمد وحديد مع عبدالحميد بن عواض فأمر الرشيد بقتل عبدالحميد ونجا مرازم وأخواه من شرّه . توفي في أيام الإمام الرضا(عليه السلام)، وله كتاب يرويه جماعة(6).
العبدي ، يكنى أبا محمد ، وقيل : أبو بِشر . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن
موسى(عليهم السلام)، وله كتب ، منها : كتاب « خطب أمير المؤمنين(عليه السلام)»(1).
ابن مسمع بن شيبان ، أبو سيّار الملقب بكُردين شيخ بكر بن وائل بالبصرة ، ووجهها وسيّد المسامعة . روى عن أبي جعفر(عليه السلام) روايات يسيرة ، وروى عن أبي عبد الله(عليه السلام)، واختص به ، وأكثر من الرواية عنه . قال له أبو عبد الله(عليه السلام): « إِنِّي لَأَعُدكَ لأَمْرِ عَظيم يا أبا السَّيَارِ» .
روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله نوادر كثيرة ، وهو الذي روى أيام البسوس(2).
مولى أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): عده الكشي من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقد اشترى الإمام الكاظم(عليه السلام)ضيعة ووهبها لولد مصادف (3)، وضعفه ابن الغضائري(4)
ابن أبي معاوية البجلي الدهني ، كوفي ، كان وجهاً في أصحابنا ومقدماً ، كبير الشأن ، عظيم المنزلة ، ثقة ، وكان أبوه عمّار ثقة عند العامة . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليه السلام). له كتب، منها : كتاب« الحجّ» ، وكتاب« الصلاة » ، وكتاب«يوم وليلة» ، وكتاب« الدعاء» ، وكتاب« الطلاق » ، وكتاب «مزار أمير المؤمنين(عليه السلام)».توفّی سنة 175ه- (5)
البجلي ، أبو الحسن ، عربي صميم ، ثقة ، حسن الطريقة . روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام) ، له كتب ، منها كتاب فضائل الحج »(1).
وثقه جماعة من الأعلام(2).
مولى أبي عبد الله : عده الشيخ من أصحاب أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وأضاف إلى ذلك أنه ثقة ، وقال في حقه الإمام أبو عبد الله (عليه السلام): مَوالِيَّ عَشَرَةٌ خَيْرُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ معتب (3).
المخزومي الكوفي : عدّه الشيخ المفيد في إرشاده من خاصة الإمام الكاظم(عليه السلام)وثقاته ، ومن أهل الورع والعلم والفقه ، وأحد رواة النصّ على إمامة الرضا(عليه السلام)(4).
أبو جميلة النخاس . قال فيه ابن الغضائري : « إنّه كذاب ، كان يضع الحديث ، وقد روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)»(5).
الجعفي الكوفي ، من كبار العلماء ، ومن عيون المتقين والصالحين، ومن أفذاذ عصره . له المنزلة المرموقة ، والمكانة العليا عند أهل البيت
(عليه السلام)، وفيما يلي عرض
لبعض شؤونه :
ولادته : ولد بالكوفة في نهاية القرن الأول ، في أيام الإمام الباقر(عليه السلام) .
نشأته : نشأ بالكوفة في وقت كان الجوّ السياسي مضطرباً ، وكانت الأحزاب السياسية والجمعيات الدينية منتشرة في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي ، خصوصاً في الكوفة ، فقد كانت مصدر الانطلاق لجميع الأحزاب ، ونشأ المفضّل في وسط ذلك المعترك الهائل ، وقد تغذّى بحبّ أهل البيت(عليه السلام)، لأن مجتمعه كانت الصبغة السائدة فيه هو الولاء للأئمة الكرام(عليه السلام)، واتصل بهم اتصالاً وثيقاً ، كما
سنبينه .
علمه : كان من كبار العلماء ، ومن قادة الفكر في الإسلام ، اقتبس العلوم من الإمام الصادق(عليه السلام)، فقد اختص به حفنة من السنين ، وكان من عيون أصحابه الذين أخذوا العلم عنه ، ويكفي للتدليل على غزارة علمه كتابه القيم المسمّى «توحيد المفضّل الذي أملاه عليه الإمام الصادق(عليه السلام)، فإن الكتاب من مفاخر التراث الإسلامي الذي يعتز به ، وقد قرّض المحقق صدر الدين العاملي الكتاب وأثنى على المفضّل بقوله : ومن نظر في حديث المفضّل المشهور عن الصادق العلم أن ذلك الخطاب البليغ ، والمعاني العجيبة ، والألفاظ الغريبة ، لا يخاطب الإمام بها إلّا رجلاً عظيماً ، كثير العلم ، ذكي الحسّ ، أهلاً لتحمّل الأسرار الرفيعة ، والدقائق البديعة »(1).
وأقرّ الإمام الصادق(عليه السلام) بمواهبه العلمية ، فقد حدّث الفيض بن المختار ، قال : قلت للإمام الصادق(عليه السلام): جعلني الله فداك، إنّي لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أشك في اختلافهم في حديثهم حتى أرجع إلى المفضل بن عمر فيقضي من ذلك ، على ما تستريح إليه نفسي ، ويطمئن إليه قلبي .
1) شرح توحيد المفضّل : 17 .
فقال له الإمام : أَجَلْ هُوَ كَذلِك(1).
وعده الشيخ المفيد من ثقات الفقهاء الصالحين(2).
وثاقته : كان المفضّل من عيون الثقات الصالحين، ومن ذوي البصيرة في دينهم، ويكفي للتدليل على ورعه وكالته عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهم السلام)في قبض أموالهما ، وقبض الحقوق الشرعية الراجعة لهما ، وصرفها بحسب نظره من إصلاح ذات البين وإعطائها للفقراء والبائسين.
ومن الطبيعي أنّ هذا التفويض ينم عن سموّ منزلته ، ونباهة شأنه .
وقال في حقه الإمام الصادق(عليه السلام):« نِعْمَ الْعَبْدُ وَاللهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرِ الْجُعْفِيُّ» (3).
وقال الإمام الرضا(عليه السلام)في تأبينه : «إِنَّ الْمُفَضَّلَ كَانَ أَنْسِي وَمُسْتَراحي»(4).
ووردت أخبار كثيرة في الثناء عليه ، وهي تدلّ على إيمانه الصادق ، وورعه واجتهاده في طاعة الله تعالى ، وعزوفه عن الدنيا .
جرحه: اتّهمه جماعة بالغلو وبالخطابية ، وبغير ذلك من المذاهب الفاسدة ، متمسكين بأخبار ضعيفة لا يمكن التمسك بها في جرح هذا العملاق العظيم الذي هو من دعائم الإسلام ، فإنّ أغلب ثقات الإسلام من رجال الشيعة كهشام بن الحكم وغيره قد اتهموا بما هم بريئون منه .
مؤلّفاته : وألّف المفضّل عدة من الكتب دلّت على مقدرته العلمية ، وهذه
بعضها :
1 - كتاب يوم وليلة .
2 - كتاب فكِّر .
3- كتاب بدء الخلق والحثّ على الاعتبار.
4- كتاب علل الشرائع .
5 - كتاب وصيّة المفضّل (1).
ومن أجل الكتب التي ألفها هو « التوحيد » ، والذي يسميه النجاشي بكتاب «فکر » ، وقد شكك الأستاذ البحاثة السيد مصطفى جواد في نسبته إلى المفضّل في مقال نشره في مجلة الوحدة الإسلامية تحت عنوان ( أتوحيد المفضّل أم توحيد الجاحظ ؟ ) ، وقد تمسّك فيما ذهب إليه بأدلّة واهية ، وتعرّض لإبطالها جماعة من الكتاب والمحققين ، في طليعتهم المغفور له صديقنا الأستاذ الشيخ محمد الخليلي في مقدّمته للكتاب المذكور ، وقد شرحه شرحاً مستفيضاً وقيماً على ضوء العلم الحديث ، واعتمد على ما أفاده في نسبة الكتاب إلى المفضّل بأدلة وافرة وحجج قاطعة .
وصيّته للشيعة : وأوصى المفضل جماعة من إخوانه الشيعة بهذه الوصية القيّمة الحافلة بأخلاق أهل البيت(عليهم السلام) وآدابهم وسيرتهم .
وينبغي أن تكون درساً ومنهاجاً لكل مسلم ، وذلك لما فيه من النصائح الرفيعة ، والمثل الفذّة، وهذا نصها :
«أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله . اتقوا الله وقولوا قولاً معروفاً ، وابتغوا رضوان الله ، واخشوا سخطه ،
1) رجال النجاشي : 1112/416 .
وحافظوا على سنة الله ، ولا تتعدوا حدود الله ، وراقبوا الله في جميع أموركم ، وارضوا بقضائه فيما لكم وعليكم.
ألا وعليكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ألا ومن أحسن إليكم فزيدوه إحساناً ، واعفوا عمّن أساء إليكم ، وافعلوا الخيربالناس ما تحبّون أن يفعلوه بكم . ألا وخالطوهم بأحسن ما تقدرون عليه ، وإنّكم أحرى أن لا تجعلوا عليكم سبيلاً. عليكم بالفقه في دين الله ، والورع عن محارمه ، وحسن الصحبة لمن صحبكم براً كان أو فاجراً .
ألا وعليكم بالورع الشديد ، فإنّ ملاك الدين الورع . صلّوا الصلوات لمواقيتها ، وأدوا الفرائض على حدودها.
ألا ولا تقصروا فيما فرض الله عليكم ، وبما يرضى عنكم ، فإنّي سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول : تَفَقَّهُوا في دينِ اللهِ ، وَلَا تَكونوا أَعْراباً ، فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهُ في دينِ اللهِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ . وعليكم بالقصد في الغني والفقر ، واستعينوا ببعض الدنيا على الآخرة ، فإنّي سمعت أبا عبد الله يقول : اسْتَعينوا بِبَعْضِ هَذِهِ عَلَى هَذِهِ ، وَلَا تَكونوا كَلَا عَلَى النَّاسِ ، عليكم بالبر بجميع من خالطتموه وحسن الصنيع إليه .
ألا وإياكم والبغي ، فإنّ أبا عبد الله كان يقول : إِنَّ أَسْرَعَ الشَّرِّ عُقوبَةٌ الْبَغْى. أدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والصوم وسائر فرائض الله ، وأدوا الزكاة المفروضة إلى أهلها ، فإنّ أبا عبد الله قال : يا مُفَضّل ، قُلْ لأصحابِكَ : يَضَعُونَ الزَّكَاةَ في أَهْلِها ، وَإِنِّي ضامِنٌ لِما ذَهَبَ لَهُمس . عليكم بولاية آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم). اصلحوا ذات بينكم، ولا يغتب بعضكم بعضاً. تزاوروا وتحابوا وليحسن بعضكم إلى بعض. وتلاقوا وتحدّثوا ولا يبطننّ بعضكم عن بعض(1)، وإياكم والتصارم ، وإياكم والهجران ،
1) في بعض النسخ : « لا يبطئن »
فإنّي سمعت أبا عبد الله يقول : وَاللهِ لَا يَفْتَرِقْ رَجُلانِ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى الْهِجْرَانِ إِلَّا بَرِئْتُ مِنْ أَحَدِهِما وَلَعَنْتُهُ ، وَأَكْثَرُ ما أَفْعَلُ ذلِكَ بِكِلَيْهما .
فقال له معتب(1): جعلت فداك ، هذا الظالم ما بال المظلوم ؟
قال : لأَنَّهُ لَا يَدْعو أخاهُ إِلى صِلَتِهِ ، سَمِعْتُ أبي يقولُ : إِذا تَنَازَعَ اثْنَانِ مِنْ شيعَتِنا فَفَارَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَلْيَرْجِعِ الْمَظْلُومُ إِلى صاحِبِهِ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: يا أخي ، أَنَا الظَّالِمُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْهِجْرانُ فيما بَيْنَهُما ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَكَمٌ عَدْلٌ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِم .
لا تحقروا ولا تجفوا فقراء شيعة آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، والطفوهم واعطوهم من الحقّ الذي جعله الله لهم في أموالكم ، وأحسنوا إليهم ، ولا تأكلوا أموال الناس .
لا تأكلوا الناس بآل محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، فإني سمعت أبا عبد الله يقول : افْتَرَقَ النَّاسُ فِينا عَلَى ثَلاثِ فِرَقٍ : فِرْقَةً أَحَبّونَا انْتِظارَ قائِمِنا لِيُصيبوا مِنْ دُنْيانَا ، فَقَالُوا وَحَفِظُوا كَلامَنا ، وَقَصَّروا عَنْ فِعْلِنا ، فَيَحْشُرُهُمُ اللهُ إِلَى النَّارِ ، وَفِرْقَةٌ أَحَبّونا ، وَسَمِعوا كَلامَنَا ، وَلَمْ يُفَصِّرُوا عَنْ فِعْلِنا ، لِيَسْتَأْكِلُوا النَّاسَ بِنا ، فَيَمْلَأُ اللهُ بُطُونَهُمْ نَاراً يُسَلَّطُ عَلَيْهِمُ الْجوع وَالْعَطَشَ ، وَفِرْقَةٌ أَحَبّونَا وَحَفِظوا قَوْلَنَا ، وَأَطاعوا أَمْرنا ، وَلَمْ يُخالِفُوا فِعْلَنَا ، فَأُوْلِئِكَ مِنَا وَنَحْنُ مِنْهُمْ .
ولا تدعوا صلة آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)من أموالكم ، من كان غنياً فبقدر غناه ، ومن كان فقيراً فبقدر فقره ، فمن أراد أن يقضي الله لهم أهم الحوائج فليصل آل محمد وشيعتهم بأحوج ما يكون إليه من ماله ، لا تغضبوا من الحق إذا قيل لكم ، ولا تبغضوا أهل الحق إذا صدعوكم به ، فإنّ المؤمن لا يغضب من الحق إذا صدع به .
1) معتب : مولى أبي عبد الله(عليه السلام)، ومن خواص أصحابه
وقال أبو عبد الله مرة وأنا معه : يا مُفَضِّلُ ، كَمْ أَصْحابُكَ ؟
فقلت : قليل .
فلما انصرفت إلى الكوفة أقبلت علَيَّ الشيعة فمزقوني كلّ ممزق ، يأكلون لحمي ، ويشتمون عرضي ، حتى أن بعضهم استقبلني فوثب في وجهي ، وبعضهم قعد لي في سكك الكوفة يريد ضربي ، ورموني بكل بهتان حتى بلغ ذلك أبا عبد الله(عليه السلام)، فلما رجعت إليه في السنة الثانية كان أوّل ما استقبلني به بعد تسليمه علَيَّ أن قال : يا مُفَضَّلُ ، ما هذَا الَّذي بَلَغَني أَنَّ هؤلاءِ يَقولونَ لَكَ وَفِيكَ ؟
قلت : وما علَى من قولهم .
علَيَّ قال : أَجَلْ بَلْ ذلِكَ عَلَيْهِم ، أَيَغْضَبونَ بُوساً لَهُمْ ، إِنَّكَ قُلْتَ إِنَّ أَصْحَابَكَ قَلِيلٌ ، لَا وَاللَّهِ ما هُمْ لَنا شيعَةٌ ، وَلَوْ كانوا لنا شيعَةً ما غَضِبوا مِنْ قَوْلِكَ ، وَما اشْمَأَزُوا مِنْهُ ، لَقَدْ وَصَفَ الله شيعَتَنا بِغَيْر ما هُمْ عَلَيْهِ ، ما شيعَةُ جَعْفَر إِلا مِنْ كَفَّ لِسانَهُ ، وَعَمِلَ لِخَالِقِهِ ، وَرَجا سَيِّدَهُ ، وَخافَ اللَّهَ حَقَّ خِيفَتِهِ ، وَيْحَهُمْ أَفِيهِمْ مَنْ قَدْ صَارَ كَالْحَنايَا مِنْ كَثْرَةِ الصَّلاةِ ، أَوْ قَدْ صَارَ كَالنَائِهِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، أَوْ كَالضَّرِيرِ مِنَ الْخُشوع ، أَوْ كَالضَّنِي مِنَ الصِّيامِ ، أَوْ كَالْأَخْرَسِ مِنْ طُولِ الصَّمْتِ وَالسُّكوتِ ، أَوْ هَلْ فيهمْ مَنْ قَدْ أَدْأَبَ لَيْلَهُ مِنْ طول الْقِيامِ ، وَأَدْأَبَ نَهَارَهُ مِنَ الصِّيامِ ، أَوْ مَنَعَ نَفْسَهُ لذَاتِ الدُّنْيَا وَنَعِيمِها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ، وَشَوْقاً إِلَيْنا أَهْلَ الْبَيْتِ ...» إلى آخر وصيّته ، وقد حفلت بالحث على تقوى الله وطاعته ، وفعل الخير(1).
الأسدي الكوفي . قال فيه ابن الغضائري : « إنّه روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهم السلام)، وهو كوفي ، ضعيف ، في مذهبه غلوّ ، وقد اتفق جميع المترجمين له
1) تحف العقول : 513 - 515 .
على رميه بالغلو والضعف ، وله كتاب في التفسير »(1).
مولى أبي الحسن(عليه السلام) : عده الشيخ في رجاله بهذا العنوان من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(2).
أبو أيوب البَجَلي الكوفي، ثقة ، عين، صدوق، من أجلاء الشيعة ، ومن عيون الفقهاء. روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى(عليهم السلام)، ألف جملة من الكتب ، منها : كتاب « أصول الشرائع » ، ومنها كتاب« الحج »(3). وظاهره أنه إمامي مجهول الحال(4).
وأجمع المترجمون له على توثيقه ، وسعة علمه ، وفقاهته(5).
قال فيه النجاشي : « إنّه أبو يحيى ، وقيل : أبو سعيد ، كوفي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى(عليهم السلام) ، وله كتاب» (6). عليها
ورماه الشيخ بالوقف ، وروى الكشي أنه دخل على أبي الحسن موسى (عليه السلام)، فقال له الإمام : أما عَلِمْتَ مَا أَحْدَثْتُ فِي يَوْمِي هذا ؟
فقال له : لا.
فقال(عليه السلام) : قَدْ صَيَّرْتُ عَلِيّا ابْني وَصِنِّي وَالْخَلَفَ مِنْ بَعْدِي ، فَادْخُلْ عَلَيْهِ فَهَنْتُهُ بِذلِكَ ، وَأَعْلِمْهُ أَنّي أَمَرْتُكَ بِهذا.
فدخل على الإمام الرضاء(عليه السلام) فهناه بذلك ، وأعلمه بمقالة أبيه .
ولما توفي(عليه السلام) جحد موته ، والسبب في ذلك أنه كانت بيده أموال للإمام موسى ، فطمع بها ، فأنكرها وأنكر إمامة الإمام الرضا(عليه السلام)، وقد أسقط بعضهم ذلك عن الاعتبار ، وبنى على عدالة الرجل ووثاقته(1).
المروزي، اختص بالإمام موسى(عليه السلام) لما كان في سجن الطاغية السندي بن شاهك ، لأنه كان معلماً لولده ، وقد فسح له المجال للاتصال بالإمام ، وقد ألف كتاباً مما سمعه من الإمام(عليه السلام)(2)، وقد أسماه مسند الإمام موسى بن جعفر .
توجد نسخة منه في المكتبة الظاهرية بدمشق ضمن المجموع رقم ( 34 - 70 ) وقد استنسخها ، وصوّر بعض فصولها العلّامة الجليل السيّد محمّد الحسين الحسيني الجلالي ، وهي حسب تحقيقه يرجع عهدها إلى القرن السادس للهجرة ، وعليها عدة تواريخ أقدمها سنة 531ه- ، وهي من موقوفات الحافظ المحدّث ضياء الدين أبي عبدالله محمد بن عبد الله الواحد السعدي المقدسي الصالحي الحنبلي .
وقد عنى العلامة الجلالى عناية بالغة بتحقيق المسند ، فترجم لمؤلّفه ترجمة وافية ، فذكر شيوخه ، ومن روى عنه ، كما ذكر سند الكتاب حسب ما نص عليه الشيخ الطوسي والنجاشي ، وأبو المكارم البادرائي الذي هو سند النسخة وعليها عدّة سماعات قديمة التاريخ ، ويحتوي على 59 حديثاً ، وفيما يلي بعضها :
1- حدّثنا محمد بن محمد خلف ، حدثنا موسى بن إبراهيم ، حدّثنا موسى بن
جعفر ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، قال : « قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : مَنْ أَصْبَحَ مِنْ أُمَّتِي وَهَمَّهُ غَيْرُ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ » .
2- وبنفس هذا الإسناد ، قال : « قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم): مَنْ رَوى عَنِّى حَديثاً وَهُوَ يَرى أَنَّهُ كَذِبٌ ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» .
3- قال(عليه السلام) : «كانَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه وآله وسلم)يُعْجِبُهُ أَنْ يَكونَ الرَّجُلُ خَفِيفَ الصَّوْتِ ، وَيَكْرَهُ أَنْ يَكونَ الرَّجُلُ جَهِيرَ الصَّوْتِ » .
4 -قال (عليه السلام):« قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : إِنَّ الْعُجْبَ يُفْسِدُ عَمَلَ سَبْعِينَ سَنَةٌ ».
5- قال(عليه السلام) :« قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم): إِذا أَرَدْتُمْ أَنْ تُزَكَّوا صَلاتَكُمْ فَقَدِّموا خِيارَكُمْ» .
6- قال(عليه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) : لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ».
7-قال(عليه السلام) : «قالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ حَشَرَهُ اللهُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ».
8-قال (عليه السلام): «قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم): مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ في طُرُقِهِمْ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ »
9- قال (عليه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ حافَظَ عَلَى الصَّلَواتِ الْخَمْسِ فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغافِلِينَ».
10 - قال (عليه السلام): «وقالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : ما ازْدادَ عَبْدٌ مِنَ الشَّيْطَانِ دُخولاً إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللهِ بُعْداً» .
11 - قال(عليه السلام) : قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم): اصْنَعِ الْمَعْرُوفَ إِلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ ، وَإِلى مَنْ لَيْسَ هُوَ أَهْلَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ».
12- وبنفس هذا الإسناد ، قال(عليه السلام) : «قال علي(عليه السلام) : الْمُصافَحَةُ أَثْبَتْ لِلْمَوَدَّةِ ».
13 - قال (عليه السلام): قال رسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : الْمَرْءُ عَلى دينِ خَلِيلِهِ ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ
مَنْ يُخالِلْ ».
14 - قال(عليه السلام) : قال(عليه السلام) : إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ(عليهم السلام)كَانَا لَا يَقْبَلانِ جَوَائِزَ مُعَاوِيَةَ بْنِ
أَبِي سُفْيانَ » .
15 - قال(عليه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم): مَنْ أَذِنَ لَهُ بِالدُّعاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ» .
16 - قال(عليه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم): ظُلْمُ بر أَجْرَهُ مِنَ الكَبائِرِ» .
17 - قال(عليه السلام) :« قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : إِذا أَرادَ اللهُ بِعَبْدِ خَيْراً فَقُهَهُ فِي الدِّينِ ، وَبَصَّرَهُ بِعُيوبِ خَلْقِهِ ، وَزَهَّدَهُ فِي الدُّنْيا» .
18 - قال(عليه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم): ما عَلَّمَ عِلْماً وَالِدٌ وَلَدَهُ أَفْضَل مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ» .
19 - قال(عليه السلام) :« قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) : يَوَدُّ قَوْمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ سَقَطُوا مِنَ الدُّرَيَا ، وَلَمْ يُؤمروا عَلَى شَيْءٍ» .
20 - قال(عليه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم): ثلاث لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ : الإمامُ الْعادِلُ ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» .
21- قال(عليه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : مَنْ قالَ : إِنّى عالِمٌ فَهُوَ جاهِلٌ».
22 - قال(عليه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : أَفْضَلُ أَخْلاقِ الْمُؤْمِنِينَ الْعَفْوُ » .
23 - قال(عليه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : مَن عَفَا عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ» .
24 - قال (عليه السلام):« قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) : الإيمانُ مَعْرفَةٌ بِالْقَلْبِ ، وَإِقْرَارٌ بِاللسانِ ، وَعَمَل بِالارْكان ».
هذه بعض أحاديث المسند ، وقد سمعها موسى بن إبراهيم من الإمام(عليه السلام)، حينما كان في سجن السندي بن شاهك .
الواسطي ، كوفي الأصل . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى(عليهما السلام)،
وهو من جملة رواة النصّ من الإمام موسى (عليه السلام)على إمامة ولده الرضا(عليه السلام)، ولكنه بعد وفاة الإمام موسى(عليه السلام)وقف ولم يقر بإمامة الرضا(عليه السلام)، وله كتاب(1).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام موسى(عليه السلام)(2)، وظاهره أنه إمامي مجهول الحال(3).
الحناط الكوفي . روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله كتاب(4). قال ابن الغضائري : « إنّه ضعيف ، في مذهبه غلوّ »، وكذا ذكر العلّامة في الخلاصة(5).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام(عليه السلام)(6)، والظاهر أنه إمامي مجهولالحال(7)
القواس العطّار : عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(عليه السلام)(8)
وروى الكشي عن محمد بن عيسى أنّ نجيّة كان شيخاً صادقاً ، صديقاً لعلي بن يقطين(1).
ابن لفافة ، مولى بني عجل ، ثقة . روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله كتاب(2). وروى العلّامة أنه كان خادماً عند الإمام موسى (عليه السلام)(3)، وهو أحد رواة النصّ على إمامة الرضا(عليه السلام)(4)
اللخمي ، القابوسي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى والإمام الرضا(عليهم السلام)، وكانت له منزلة عندهم . له كتاب(5)
وعده الشيخ المفيد من خاصة الإمام الكاظم(عليه السلام)ومن ثقاته ، ومن أهل الورع والعلم من شيعته(6)
وقال الشيخ الطوسي : « إنّه كان وكيلاً عند الإمام الصادق(عليه السلام)عشرين سنة »(7).
وهو أحد رواة النصّ على إمامة الإمام الرضا(عليه السلام)(8)، وذلك يكشف عن وثاقته وعدالته .
الصيرفي ، كوفي ، ثقة : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وله كتاب(1).
عده الشيخ المفيد من خاصة الإمام الكاظم(عليه السلام)ومن ثقاته ، ومن أهل الورع والعلم والفقه من شيعته(2).
وروى الكليني أنه أحد الذين رووا النصّ على إمامة الرضا(عليه السلام)(3).
مولى أبي الحسن : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(4)، وظاهره أنه إمامي مجهول الحال(5).
المرادي : عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام موسى(عليه السلام)، ونقل عنه في التهذيب رواية عن الإمام(عليه السلام)(6).
الجُريري ، مولى بني أسد . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وكان من
الواقفية ، وهو ثقة صنّف عدّة من الكتب ، منها : كتاب «التفسير » ، وكتاب« الشرائع»(1).
البغدادي المشرقي . قال فيه الكشي : «إنّه ثقة . روى الحديث الذي ذكرناه في ترجمة الفضل بن يونس(2).
الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3)، وظاهره كونه إماميّاً مجهول الحال(4).
من أفذاذ الأمة الإسلامية ، ومن كبار علمائها ، وفي طليعة المنافحين عن مبدأ أهل البيت(عليهم السلام)، ناضل كثيراً ، وجاهد طويلاً في نصرة الحق ، والذب عن كيان الإسلام ، خصوصاً في ذلك العصر الذي انعدمت فيه الحريات العامة ، وكان الذاكر الفضائل أهل البيت(عليهم السلام) عرضة للانتقام والتنكيل من قبل السلطة الحاكمة التي بذلت جميع إمكانياتها في إضعاف كيان آل الرسول الله(عليه السلام)، ولكن هشاماً لم يعن بذلك ، فقد ناظر خصومه ، وفاق عليهم ، وتحدثت الأندية العلميّة عن قوة استدلاله وروعة برهانه الأمر الذي ينم عن مدى تعلقه وحبه لأهل البيت(عليه السلام) ، ونعرض فيما يلي
بإيجاز لبعض شؤونه وأحواله .
ولادته : ولد بالكوفة ، وقيل : بواسط(1)، وليس عندنا نص يعيّن لنا السنة التي ولد فيها .
نشأته: واختلف المترجمون له في نشأته ، فقيل : إنه نشأ بالكوفة(2).
والمعروف أنه نشأ في مدينة واسط (3)
وكان يتعاطى التجارة ، وانتقل أخيراً إلى بغداد ، فنزل في جانب الكرخ في قصر وضاح(4).
وفي فترة شبابه اعتنق فكرة الجهمية ، وهي فكرة تدعو إلى الجبر، وإن الإنسان مسلوب القدرة والاستطاعة ، وأخيراً رفض ذلك وتبرأ منه ، والسبب في ذلك ما حدث به عمر بن يزيد عمّ هشام ، قال : «إنّه أقبل إلى يثرب ليناظر أبا عبد الله الصادق(عليه السلام)، فطلب مني أن أدخله عليه ، فأعلمته أنّي لا أفعل ما لم أستأذنه ، فدخلت على أبي عبدالله فاستأذنته في إدخال هشام عليه ، فأذن لي .
فقمت من عنده وخطوت خطوات ، فذكرت رداءته وخبثه ، فقال لي أبو عبد الله(عليه السلام): أتتخوّف عَلَيَّ ؟
فخجلت من قولي ، وعلمت أنّي قد عثرت ، فخرجت خجلاً، وأعلمت هشاماً بالإذن ، فدخل ودخلت معه .
فلما استقر بنا المجلس سألنا أبو عبد الله عن مسألة ، فحار فيها هشام ويقي ساكتاً،
فسأله هشام أن يؤجّله ، فأجّله أبو عبد الله ، فذهب هشام فاضطرب في طلب الجواب أياماً ، فلم يقف عليه ، فرجع إلى أبي عبد الله فأخبره أبو عبدالله بها ، وسأله الإمام عن مسائل أخرى بيّن فيها فساد مذهبه ، وبطلان عقيدته ، فلم يطق الجواب ، ولم يتمكن على حلّ ما أورده الإمام عليه ، فخرج من عنده وقلبه مترع بالألم والحزن والحيرة ، وبقي أياماً والهموم قد طافت به .
قال عمر بن يزيد : فسألني أن أستأذن على أبي عبدالله ، فاستأذنت له ، فقال أبو عبد الله(عليه السلام) : لِيَنتَظِرْنِي فِي مَوْضِعِ بِالْحِيرَةِ لألْتَقي مَعَهُ فِيهِ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ إِذا راحَ النَّهَارُ.
قال عمر : فخرجت إلى هشام فأخبرته بمقالته وأمره ، فسُر بذلك واستبشر ، وسبقه إلى الموضع الذي سمّاه واجتمع بالإمام ، ثم رأيت هشاماً بعد ذلك فسألته عما كان بينهما ، فأخبرني أنه سبق أبا عبد الله إلى الموضع الذي كان سمّاه ، فبينما هو بالانتظار ، وإذا بأبي عبدالله قد أقبل على بغلة ، فلما بصرت به وقرب مني هالني منظره وأرعبني ، حتى بقيت لاأجد شيئاً أتفوّه به ، ولا انطلق لساني لما أردت من مناطقته ، ووقف على أبو عبد الله مليّاً ينظر ما أكلّمه ، وكان وقوفه علَيَّ لا يزيدني إلا تهيّباً وتحيّراً .
فلما رأى ذلك منّي ضرب بغلته وسار حتى دخل في بعض السكك ، وتيقنت أن ما أصابني من هيبته لم يكن إلا من قبل الله عزّ وجلّ ، من عظم موقعه ومكانه من الرب الجليل .
قال عمر : فانصرف هشام إلى أبي عبد الله وترك مذهبه ، ودان بدين الحق ، وفاق أصحاب أبي عبد الله كلهم »(1).
ودلّت هذه القصّة كما يقول الشيخ عبد الله نعمة - على قوة العنصر الجدلي في هشام ، فالمحدّث لهذه القصّة يعبّر عنه أنه كان خبيثاً في الجهمية ، ثم هو يتخوّف
1) رجال الكشّي : 256 و 476/257 .
على الإمام الصادق(عليه السلام)أن ينقطع معه ، ويبالغ في رداءته وخبثه ، ويقصد بذلك طبعاً شدّة عارضته وقوّة جدله .
وعنصر آخر تجده فيها ، هو تعطشه إلى المعرفة برغبة شديدة يواصل إليها سیره ، ويبذل لها جهده ، حتّى يلتقي معه في صعيد وما بقاؤه متحيراً أياماً لا يفيق من حيرته على حسب تعبير عمر بن يزيد ، ومعاودته للاتصال بالإمام الصادق(عليه السلام)الذي انتهى به أمره إلى ترك مذهبه والتحاقه به ، إلا صدى حيّاً لرغبته الملحة ، وحبّه للمعرفة، والتماسها أينما كانت(1).
ومهما يكن من أمر ، فإنّه منذ ذلك الوقت اتّصل بالإمام(عليه السلام)اتصالاً وثيقاً ، وأخذ يتلقى العلم والمعارف منه حتى أصبح في طليعة العلماء ومن كبارهم بعد ما كان من مشاهير أصحاب الجهم بن صفوان(2).
:تخرّجه : وانقطع هشام إلى الإمام الصادق(عليه السلام)وعكف على الاتصال به حتّى أصبح من أبرز رجال مدرسته ، ولما انتقل الإمام الصادق(عليه السلام)إلى دار الخلود اختص بولده الإمام موسى(عليه السلام)، و أخذ يتلقى منه العلم والفضل ، وبذلك فقد أخذ العلم من منبعه الصحيح ، ونال شرف التلمذة عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
مَن روى عنه : وروى عنه جماعة من كبار الرواة الأحاديث التي سمعها من أهل البيت(عليهم السلام)، و هم زمرة كبيرة توجد رواياتهم عنه في كتب الفقه والحديث وإلى القرّاء بعضهم :
1 - محمد بن أبي عمير ( المتوفى سنة 217ه-).
2 - صفوان بن يحيى البجلي الكوفي .
3- النضر بن سويد الصيرفي الكوفي .
4 - نشيط بن صالح العجلي الكوفي .
5 - يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين .
6- حمّاد بن عثمان بن زياد الرواسي الكوفي .
7- علي بن معبد البغدادي .
8- يونس بن يعقوب(1)
وروى عنه غير هؤلاء من كبار الرواة ممّن اختصّوا به ، وتتلمذوا عنده .
اختصاصه : اختص هشام في علم الكلام ، فكان من كبار المتكلمين في عصره، فإنّ مناظراته دلّت على تفوّقه في هذا الفنّ ، قال ابن النديم في ترجمته: «كان هشام بن الحكم من متكلمي الشيعة ، وممن فتق الكلام في الإمامة ، وهذب المذهب والنظر ، وكان حاذقاً بصناعة الكلام»(2).
ونظراً لاختصاصه في هذا الفن فقد حلّى يحيى بن خالد البرمكي مجلسه به ، وجعله قيماً بمجالس كلامه(3).
وقد ناظر هشام الفلاسفة في مختلف الميادين العلمية حتى تفوّق عليهم ، وكانت نوادي بغداد تعج بمناظراته القيمة التي دلّت على مهارته في هذا الفنّ .
مؤلّفاته : كان هشام خصب الانتاج ، ألف في مختلف الفنون والعلوم ، وحلّق في جميعها ، ولكن من المؤسف أن أغلب تراثه العلمي لم يعثر عليه سوى اليسير ، وإلى القرّاء بعض مؤلّفاته :
1 - كتاب الإمامة .
2 - كتاب الدلالة على حَدَث الأجسام .
3- كتاب الردّ على الزنادقة .
4 - كتاب الردّ على أصحاب الاثنين .
5 - كتاب التوحيد .
6 - كتاب الردّ على هشام الجواليقي .
7- كتاب الردّ على أصحاب الطبائع .
8- كتاب الشيخ والغلام في التوحيد .
9 - كتاب التدبير في الإمامة .
10 - كتاب الميزان .
11 - كتاب الميدان .
12 - كتاب الردّ على من قال بإمامة المفضول .
13 - کتاب اختلاف الناس في الإمامة .
14 - كتاب الوصيّة والردّ على من أنكرها .
15 - كتاب في الجبر والقدر.
16 - كتاب الحكمين
17 - كتاب الردّ على المعتزلة في طلحة والزبير .
18 - كتاب القدر .
19 - كتاب الألفاظ .
20 - كتاب المعرفة .
21 - كتاب الاستطاعة .
22 - كتاب الثمانية أبواب
23 - كتاب الردّ على شيطان الطاق .
24 - كتاب الأخبار كيف تفتح .
25 - كتاب الردّ على أرسطاليس في التوحيد .
26 - كتاب الردّ على المعتزلة .
27 - كتاب المجالس في الإمامة .
28 - كتاب الردّ على القدرية ، وقد اطلع عليه الإمام موسى(عليه السلام)، فقرّضه قائلاً: « ما تَرَكَ شَيْئاً » .
29 - كتاب علل التحريم .
30 - كتاب الفرائض(1).
وهذه المجموعة الضخمة من المؤلّفات تدلّ على ثروته العلمية الضخمة وسعة اطلاعه .
مناظراته وخاض هشام مع علماء الأديان والمذاهب في ميدان الاحتجاج مستدلاً على صحة مبدئه وبطلان أفكارهم ومعتقداتهم ، ونظراً لخطورة استدلاله ، وقوة حججه ، كان الرشيد يحضر من وراء الستار فيصغي إليها ، ويعجب بها ، وفيما يلي بعضها :
1 - مع عمرو بن عبيد : طلب الإمام الصادق (عليه السلام)من هشام أن يقص عليه مناظراته مع عمرو بن عبيد الزعيم الروحي للمعتزلة
فقال له هشام : إنّي أجلك ، وأستحيي منك ، فلا يعمل لساني بين يديك.
فامتثل هشام أمر الإمام وأخذ يحدثه بقصته مع عمرو قائلا له : « بلغني ما كان فيه
1) رجال النجاشي : 1164/431 .
عمرو بن عبيد ، وجلوسه في مسجد البصرة ، وعظم ذلك علَيَّ ، فخرجت إلي-ه فدخلت البصرة يوم الجمعة ، فأتيت مسجد البصرة ، فإذا أنا بحلقة كبيرة، وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء من صوف متزر بها ، وشملة مرتدي بها، والناس يسألونه ، فاستفرجت الناس[ فانفرجوا لى] ، ثمّ قعدت آخر القوم على ركبتي ثمّ قلت : أيها العالم ، أنا رجل غريب فأذن لي فأسألك عن مسألة ؟
قال : فقال : نعم .
قال : قلت له : ألك عين ؟
فأنكر عليه عمر و هذا السؤال ، وقال : يا بني ، أي شيء هذا من السؤال ، أرأيتك شيئاً كيف تسأل ؟
فقلت : هكذا مسألتي .
فقال : يا بني ، سل وإن كان مسألتك حمقاء .
واستأنف هشام مسألته
قلت : أجبني فيها ؟
قال : فقال لي : سل .
قال : قلت : ألك عين.
قال : نعم .
قلت : فما ترى بها ؟
قال : الألوان والأشخاص.
قال : قلت : فلك أنف ؟
قال : نعم .
قلت : فما تصنع به ؟
قال : أشم الرائحة .
قال : قلت : فلك فم ؟
قال : نعم .
قال : قلت : فما تصنع به ؟
قال : أذوق به الطعم .
قال : قلت : ألك قلب ؟
قال : نعم .
قال : قلت : فما تصنع به ؟
قال : أُميّز به كل ما ورد على هذه الجوارح .
قال : قلت : أليس في هذه الجوارح غنى عن القلب ؟
قال : لا .
قلت : وكيف ذاك وهي صحيحة سليمة ؟
قال : يا بني ، إن الجوارح إذا شكت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته ردّته إلى القلب ، فيتيقّن اليقين ، ويبطل الشك .
قال : قلت : وإنّما أقام الله القلب لشك الجوارح ؟
قال : نعم .
قال : قلت : فلابد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح ؟
قال : نعم .
وبعدها أخذ هشام من عمر و هذه المقدّمات كردّ عليه في إبطال ما ذهب إليه من أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)مات بلا وصيّ ، فقال له : يا أبا مروان ، إن الله لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً يصحح لها الصحيح ، ويتيقن لها ما شكت فيه ، ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكّهم واختلافاتهم ، لا يقيم لهم إماماً يردون إليه شكهم
وحيرتهم ، ويقيم لك إماماً لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك ؟
فسكت عمر و ولم يطق جواباً ، فقد سدّ عليه هشام كل نافذة يخرج منها ، والتفت إليه بعد أن استولى عليه صمت رهيب قائلا له : أنت هشام ؟
قال : قلت : لا .
فقال : أجالسته ؟
قال : قلت : لا .
قال : فمن أين أنت ؟
قلت : من أهل الكوفة .
قال : فأنت هو .
قال : ثمّ ضمني إليه وأقعدني في مجلسه وما نطق حتى قمت(1).
فسرّ الإمام بذلك سروراً بالغاً ، وأعجبته هذه المناظرة الرائعة أي إعجاب .
2 - مع يحيى بن خالد البرمكي ووجه يحيى بن خالد سؤالاً إلى هشام بحضرة هارون الرشيد قائلاً له : يا هشام، اخبرني عن الحق هل يكون في جهتين مختلفتين ؟
-لا.
-فأخبرني عن نفسين اختصهما في حكم الدين، وتنازعا واختلفا ، هل يخلو من أن يكونا محقين أو مبطلين ، أو يكون أحدهما مبطلاً والآخر محقاً ؟
1) رجال الكشي : 271 - 490/273 . مروج الذهب : 2 : 382 و 383 . الأمالي : 686 .
فاستولت الحيرة على هشام ، وحدث عما أصابه من الذهول بقوله :
إن قلت : إنّ عليّاً كان مبطلاً كفرت وخرجت عن مذهبي ، وإن قلت : إنّ العبّاس كان مبطلاً ضرب الرشيد عنقي ، حقاً إنّها لمشكلة ، ولكنه لم يلبث حتى استرجع إليه صوابه وتذكر قول الصادق -كما يقول : يا هشام ، لَا زِلْتَ مُؤَيَّداً بِرُوحِ الْقُدُسِ ما نَصَرْتَنا بِلِسَانِكَ ، فعلم عند ذلك أنه لا يخذل ، وحضر له الجواب .
فقال له : لم يكن من أحدهما خطأ ، وكانا جميعاً محقين ، ولهذا نظير قد نطق به القرآن في قصة داود حيث يقول الله جل اسمه : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَوُا الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ(1)، فأي الملكين كان مخطئاً ؟ وأيهما كان مصيباً ، أم تقول إنّهما كانا مخطئين ، فجوابك في ذلك جوابي بعينه .
فقال يحيى : لست أقول إنّ الملكين أخطئا ، بل أقول إنّهما أصابا ، وذلك أنهما لم يختصما في الحقيقة ولا اختلفا في الحكم ، وإنّما أظهرا ذلك لينتها داود على الخطيئة ويعرّفاه الحكم ويوقفاه عليه .
فقال هشام : كذلك عليّ والعبّاس لم يخلفا في الحكم ، ولا اختصما في الحقيقة ، وإنّما أظهرا الاختلاف والخصومة لينبها أبا بكر على غلطه ويوقفاه على خطيئته ، ويدلاه على ظلمه لهما في الميراث ، ولم يكونا في ريب من أمرهما ، وإنما ذلك منهما على ما كان من الملكين.
فتحيّر يحيى ولم يطق جواباً ، واستحسن الرشيد هذا البيان الرائع الذي تخلّص
1) ص 38 21 و 22
به هشام(1)
بحار الأنوار: 10: 293 ، الحدیث 2.
.3 - مع النظام ويذهب النظام إلى أن أهل الجنة غير مخلدين فيها ، وأنه لا بدّ أن يدركهم الموت ، وقد التقى بهشام فوجّه إليه هذا القول : إنّ أهل الجنّة لا يبقون فى الجنّة بقاء الأبد ، فيكون بقاؤهم كبقاء الله ومحال يبقوا كذلك.
فردّ عليه هشام بأبلغ الحجّة قائلاً : : إن أهل الجنّة يبقون بمبق لهم ، والله يبقى بلا مبقٍ .
وأصرّ النظام على عقيدته قائلاً : محال أن يبقوا إلى الأبد .
هشام إلى ما يصيرون ؟
النظام : يدركهم الخمود .
هشام : بلغك أنّ في الجنّة ما تشتهي الأنفس ؟
النظام : نعم .
هشام : فإذا اشتهوا وسألوا ربهم بقاء الأبد ؟
النظام : إنّ الله لا يلهمهم ذلك .
هشام: «لو أنّ رجلاً من أهل الجنة نظر إلى ثمرة على شجرة ، فمد يده ليأخذها فتدلّت إليه الشجرة والثمار ، ثمّ كانت منه لفتة ، فنظر إلى ثمرة أخرى أحسن منها ، فمد يده ليأخذها فأدركه الخمود ويداه متعلقتان بشجرتين ، فارتفعت الأشجار وبقي هو مصلوباً ، أفبلغك أن في الجنّة مصلوباً ؟
النظام : هذا محال .
هشام : فالذي أتيت به أمحل منه ، أن يكون قوم قد خلقوا وعاشوا وأدخلوا الجنة
1) الفصول المختارة : 49، ووردت هذه المناظرة باختصار في أعيان الشيعة : 10: 264 .
أن يموتوا فيها»(1).
وانصرف النظام مخذولاً لا يجد برهاناً على ما يذهب إليه .
4 - مع ضرار الضبي : وكان ضرار الضبّي من الجاحدين للإمامة ، قد التقى بهشام ، فسأله هشام : أتقول إن الله عدل لا يجور ؟
نعم .
لو كلف الله المقعد المشي إلى المساجد ، والجهاد في سبيل الله ، وكلّف الأعمى قراءة المصاحف والكتب ، أتراه كان عادلاً أم جائراً ؟
ما كان الله ليفعل ذلك .
قد علمنا ما كان يفعل ذلك ، ولكن على سبيل الجدل والخصومة أن لو فعل ذلك ، أليس كان في فعله جائراً ؟ وكلّفه تكليفاً لا يكون له السبيل إلى إقامته وأدائه .
لو فعل ذلك لكان جائراً .
-أخبرني عن الله عزّ وجلّ هل كلّف العباد ديناً واحداً لا اختلاف فيه لا يقبل منهم إلا أن يأتوا به كما كلفهم ؟
بلى .
جعل لهم دليلاً على وجود ذلك الدين أو كلّفهم ما لا دليل على وجوده ، فيكون بمنزلة من كلّف الأعمى قراءة الكتب، والمقعد المشي إلى المساجد والجهاد .
ووجم ضرار فلم يجد منفذاً يسلك فيه ، وقد أعياه الأمر ، والتفت إلى هشام قائلاً : لا بد من دليل ، وليس بصاحبك - يعني الإمام علياً(عليه السلام) -.
فضحك هشام وقال له : لا خلاف بيني وبينك إلا في التسمية .
1) رجال الكشي : 274 : 274 و 493/275
وطفق ضرار قائلاً: إنّي أرجع إليك في هذا القول .
قال هشام : هات .
ضرار : كيف تعقد الإمامة ؟
:هشام : كما عقد الله النبوّة .
ضرار : فإذن هو نبيّ .
هشام : لا لأنّ النبوّة يعقدها أهل السماء والإمامة يعقدها أهل الأرض ، فعقد النبوة بالملائكة وعقد الإمامة بالنبي ، والعقدان جميعاً بإذن الله.
ضرار : ما الدليل على ذلك ؟
هشام : الاضطرار في هذا .
ضرار : وكيف ذلك ؟
هشام : لا يخلو الكلام في هذا من أحد ثلاثة وجوه ، أما أن يكون الله رفع التكليف عن الخلق بعد الرسول ، فلم يكلّفهم ولم يأمرهم ولم ينههم وصاروا بمنزلة السباع والبهائم التي لا تكليف لها أفتقول : هذا يا ضرار ؟
ضرار : لا أقول هذا .
هشام الوجه الثاني الذي ينبغي أن يكون الناس المكلفون قد استحالوا بعد الرسول علماءاً في مثل حدّ الرسول في العلم حتّى لا يحتاج أحد إلى أحد فيكونوا كلّهم قد استغنوا وأصابوا الحق الذي لا اختلاف فيه ، أفتقول هذا يا ضرار ؟
ضرار لا أقول هذا ، ولكنّهم يحتاجون إلى غيرهم .
هشام : يبقى الوجه الثالث، لأنه لا بد من علم يقيمه الرسول لهم ، لا يسهو ، ولا يغلط ، ولا يحيف ، معصوم من الذنوب، مبرأ من الخطايا ، يُحتاج إليه ولا يحتاج إلى أحد»(1).
1) بحار الأنوار :48: 197 - 200 ، الحدیث 7.
وسكت ضرار أمام هذا المنطق الفياض المدعم بالدليل العقلي الذي هو بعيد عن عنصر الجدل والنقاش .
هذه بعض مناظرات هذا العملاق العظيم ، وقد فتق بها مباحث الفلسفة الكلامية ، وبقيت من بعده غذاءاً لمن يخوضون هذه البحوث ، فقد «بقي جماعة يناظرون على مبادئه حتى في عصور متأخرة ، مثل أبي عيسى محمد بن هارون الورّاق ، وأحمد بن الحسين الراوندي وغيرهما ، وقد وضع هذا الأخير كتابه (فضيحة المعتزلة ) وهاجم فيه الآراء الاعتزالية ورجالها مهاجمة شديدة ، معتمداً في كثير منها على آراء هشام ، كما يظهر تأثيره من كتابه الذي وضعه في حدوث العلم .
ونجد أثر ذلك في دفاع المعتزلة أنفسهم الذين عنوا بردها ونقضها، ومنهم بشر بن المعتمر من أفضل علماء المعتزلة كما يقول الشهرستاني فقد وضع كتاباً في الردّ على هشام بن الحكم »(1).
الحملات المسعورة: وانتشر اسم هشام في ربوع العالم الإسلامي ، وأخذت نوادي بغداد تعج في ذكر احتجاجاته ، وما مني به خصومه من الاندحار والخذلان ، وكان من الطبيعي أن يولد ذلك حقداً بالغاً في نفوسهم عليه ، فاتّهموه بأنواع التهم وشتّى الطعون ، وفيما يلي بعضهم :
1 - القاضي عبد الجبّار : وقد حمل عبد الجبار على كثير من شخصيات الشيعة ، وقال في خصوص هشام :« إنّه قال في التجسيم، وبحدوث العلم ، وبجواز البداء ، إلى غير ذلك ممّا لا يصح معه التوحيد ، وقال بالجبر وما يتصل بالتكليف بما لا يُطاق، ولا يصح معه التمسك بالعدل »(2).
2- محمّد بن أحمد : وتكلّم محمد بن أحمد الملطي الشافعي عن الشيعة ، فنسب لهم الشبه الباطلة ، وألصق بهم الأكاذيب المزيفة ، وقال فيهم وفي هشام ما نصه : « الفرقة الثانية عشرة من الإمامية هم أصحاب هشام بن الحكم يعرفون بالهشاميّة ، وهم الرافضة الذين يرفضون الدين بحب علي(عليه السلام)فيما يزعمون ، وكذب أعداء الله وأعداء رسوله وأصحابه ، وإنّما يحبّ عليّاً مَن يحبّ غيره ، وهم أيضاً ملحدون لأن هشاماً كان ملحداً دهريّاً ، ثمّ غلبه الإسلام فدخل فيه كارها ، فكان قوله فيه بالتشبيه والرفض، وأما قوله بالإمامة فلم نعلم أن أحداً نسب إلى علي عيباً مثل هشام.
والله نحمده قد نزع عن عليّ وولده العيوب والأرجاس ، وطهرهم تطهيراً، وما قصد هشام التشيّع ولا محبّة أهل البيت ، ولكن طلب بذلك هدم أركان الإسلام والتوحيد والنبوّة»(1).
ولا واقعيّة لهذه الطعون ، ولا تحمل أي طابع من الصحة ، وهي تنم عن حقده ، أو عن عدم وقوفه على حقيقة الشيعة وواقعية هشام .
3- عبد القاهر البغدادي : قال عبد القاهر في بيان مذهب المشبهة ما نصه :« ومن هذا الصنف هشاميّة منتسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان ، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه ، وأنه جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق ، وذولون وطعم ورائحة ، وقد روي عنه أنّ معبوده كسبيكة الفضة المستديرة »(2).
ابن حجر وقال ابن حجر في ترجمة هشام : « وكان من كبار الرافضة ومشاهيرهم ، وكان مجسّماً يزعم أنّ ربّه سبعة أشبار بشبر نفسه ، ويزعم أن علم الله
محدث»(1).
وهذه الحملات المسعورة التي وجّهت ضدّ هذا الفذ العظيم لم يكن الغرض منها إلّا الحطّ من شأنه، والتوهين به ، وبعض هذه الطعون كان لها نصيب من الصحّة وذلك قبل أن يرجع إلى الإمام ، فقد أثر عنه القول بذلك ، إلا أنه ثاب إلى الحقِّ كما ذكرناه - ويتضح ذلك فيما ذكره المدافعون عنه .
9 - الدفاع عنه : وتعرّض جمع من أعلام الإسلام إلى الدفاع عن هشام ، وردّ هذه الأباطيل والشبه التي حامت حوله ، وفيما يلي بعضهم :
السيّد المرتضى : وفنّد السيّد المرتضى جميع المزاعم التي رُمي بها هشام، ونحن نسوق كلامه بأسره لما فيه من مزيد الفائدة ، قال(رحمۀ الله علیه): « فأما ما رُمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم ، فالظاهر من الحكاية عنه القول : بجسم لا كالأجسام ، ولا خلاف في أن هذا القول ليس بتشبيه ، ولا ناقض لأصل ، ولا معترض على فرع ، وأنّه غلط في عبارة يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللغة ، وأكثر أصحابنا يقولون : إنه أورد ذلك على سبيل المعارضة للمعتزلة ، فقال لهم : إذا قلتم إن القديم تعالى شيء لا كالأشياء فقولوا : إنّه جسم لا كالأجسام ، وليس كل من عارض بشيء وسأل عنه أن يكون معتقداً له ومتديناً به، وقد يجوز أن يكون قصد به إلى استخراج جوابهم عن هذه المسألة ، ومعرفة ما عنده ، ومعرفة ما عندهم فيها ، أو إلى أن يبين قصورهم عن إيراد المرتضى في جوابها ، إلى غير ذلك مما لا يتسع ذكره ، فأما الحكاية أنه ذهب في الله تعالى أنه جسم له حقيقة أجسام الحاضرة ، وحديث ( الأشبار) المدعى عليه ، فليس نعرفه إلا من حكاية الجاحظ عن النظام ، وما فيها إلا متهم قائليها وأصحابهم المختصين بهم ، ومَن هو مأمون في الحكاية عنهم ، ولا يرجع إلى دعاوى الخصوم ، فإنّه إن يرجع إلى ذلك اتسع الخرق وجلّ الخطب ، ولم نثق بحكاية في مذهب .
1) لسان الميزان : 6: 194.
ولو كان هشام يذهب إلى ما يدّعونه من التجسيم لوجب أن نعلم ذلك ليزول اللبس فيه كما يعلم قول الخوارزمي في ذلك ، ولا نجد له دافعاً ، ومما يدل على براءة هشام من هذه التهم ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)في قوله : لَا تَزالُ يا هشام مُؤَيَّداً بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِكَ .
وقوله لا حين دخل عليه وعنده مشايخ الشيعة ، فرفعه على جماعتهم وأجلسه إلى جانبه ، وهو إذ ذاك حدث السن ، فقال : هذا ناصِرُنَا بِقَلْبِهِ وَلِسانِهِ وَيَدِهِ(1).
وقوله (عليه السلام): هشامُ بْنُ الْحَكَم رائِدُ حَقًّنا ، وَسائِقُ قَوْلِنا ، الْمُؤَيَّدُ لِصِدْقِنا ، وَالدّافِعُ لِباطِلِ أَعْدائِنا ، مَنْ تَبِعَهُ وَتَبِعَ أَثَرَهُ تَبِعَنا ، وَمَنْ خَالَفَهُ وَأَلْحَدَ فِيهِ فَقَدْ عَادَانَا ، وَأَلْحَدَ فينا .
وأنه(عليه السلام) كان يرشد إليه في باب النظر والحجاج ، ويحثّ الناس على لقائه ومناظرته ، فكيف يتوهم عاقل - مع ما ذكرناه في هشام - هذا القول بأنّ ربّه سبعة أشبار بشبره وهل ادّعاء ذلك عليه- رضوان الله عليه مع اختصاصه المعلوم بالصادق(عليه السلام) وقربه منه وأخذه عنه - إلا قدح في أمر الصادق ، ونسبته إلى المشاركة في الاعتقاد ، وإلا كيف لم يظهر عنه من النكير عليه والتبعيد له ما يستحقه المقدم على هذا الاعتقاد المنكر والمذهب الشنيع .
وأما حدوث العلم ، فهو أيضاً من حكاياتهم المختلقة ، وما نعرف للرجل فيه كتاباً ولا حكاه عنه ثقة ، فأما الجبر وتكليفه بما لا يُطاق مما لا نعرفه مذهباً له ، ولعله لم يتقدّم صاحب الكتاب (2)في نسبة ذلك إليه غيره .
اللهم إلا أن يكون شيخه أبو علي الجبائي فإنّه يملي ذلك تحاملاً وعصبية ، وقليل هذه الحكايات ككثيرها في أنّها إذا لم تنقل من جهة الثقة ، وكان المرجع فيها إلى قول
الخصوم المتهمين لم يحفل بها ولم يلتفت إليها، وما قدمناه من الأخبار المروية عن الصادق(عليه السلام)، وما يظهر من اختصاصه به وتقريبه له من بين أصحابه يبطل كلّ ذلك ويزيف حكاية روايته عنه»(1).
وهذا الدفاع الذي أفاده الإمام المرتضى لم يبق أي اتهام على هشام ، فقد دفع عن جميع الشبه التي طعن بها .
المحقق الفيض: وأفاد المحقق الحجّة الشيخ محسن الفيض(رحمۀ الله علیه)في الدفاع هشام ، قال :« وكلّ ما نسب إلى الهشامين(2)فظنّي أنّه إنّما نشأ من سوء الفهم لكلامهما ، وإلا فالرجلان أجل قدراً من ذلك ، وأما قول الإمام له : « قاتله الله » ، فإنّما ذلك لتكلّمهما بمثل ذلك عند من لا يفهم ، وكان لهما ولأمثالهما من موالي أئمتنا رموز كرموز الحكماء وتجوز كتجوزاتهم لا تصل إليها أفهام الجماهير، ولهذا نسبوا إلى التجسيم والتصوير ، ولعلّ نقلة كلامهما أيضاً تصرّفوا في الألفاظ وحرّفوا الكلم عن مواضعه »(3).
ونكتفي بما أفاده السيّد المرتضى والفيض عن بقيّة ما ذكره بعض الأعلام من الدفاع عنه وتنزيهه عن الشبه التي ألصقت به، والذي نراه - حسب ما ذكرناه - أنّ المناظرات التي تكلّم فيها هشام واتهم في بعضها بالإلحاد والخروج عن الدين تنحل إلى قسمين من الناحية الزمنية:
الأول : التي تتعلق بالفترة التي كان يذهب فيها مذهب « الجهميّة » .
الثاني : يتعلّق بالفترة التي اتصل فيها بالإمام الصادق والإمام موسى(عليه السلام)وقد تبرّأ فيها عما ذهب إليه أوّلاً من آراء الجهمية وغيرها من المبادئ التي لا تمتّ إلى
الإسلام بصلة ، وغنيّ عن البيان أنه توفي على مذهب الإمامية ، صحيح العقيدة ، طاهر الأفكار والآراء ، فلا يؤاخذ بما صدر منه في ة الأولى ، ولا يعتد بغير آرائه التي صدرت في فترة اتصاله بالإمام(عليه السلام)، ولم يعلم منه أنه قد صدر منه في هذه الفترة ما ينافي عقيدته .
وفاته : وجاهد هشام في سبيل الله ، وناضل كثيراً ، وحاجج خصومه في الذبّ عن عقيدته ومبدئه إلى أن لقي الله تعالى وهو مجاهد قد أبلى بلاءاً حسناً في الدفاع عن الإسلام .
أمّا سبب وفاته فتعزوه بعض المصادر إلى يحيى بن خالد البرمكي ، فقد وجد عليه لأنه قد مال إلى الرشيد ونال إعجابه وتقديره ، فأغرى به الرشيد إلى أنه يقول بالإمامة وجمع له المتكلمين بعد أن اختفى الرشيد من وراء الستر ، ولا يعلم بذلك هشام فجرت بينه وبين الفلاسفة مجادلة حول الإمامة ، وأخيراً بعد حوار طويل بينه وبينهم صرّح هشام بأنّ الإمام إذا أمره بحمل السيف أذعن لقوله ولبي طلبه .
ولما سمع الرشيد بذلك تغيّرت حالته واستولى عليه الغضب ، فأمر يحيى بإلقاء القبض عليه وعلى أصحابه ، وعلم بما كمن له من الشرّ ، فهام على وجهه فزعاً مرعوباً حتى انتهى إلى الكوفة واعتل بها ، ومات في دار ابن شراف في الكوفة(1).
وقيل في كيفية وفاته غير ذلك . أمّا سنة وفاته ، فقيل : إنّه توفي سنة 179ه- ، وقيل : سنة 199ه- ، وقيل غير ذلك ،وقد بسط البحث في ذلك العلّامة الشيخ عبدالله نعمة العاملي(2).
الجواليقي الجعفي ، مولى بشر بن مروان، وهو من عظماء هذه الطائفة ،
ومن عيونها . روى عن أبي الحسن ، وقد عيّنه الإمام الصادق(عليه السلام)للمناظرة في التوحيد مع رجل من أهل الشام.
وفي هذا دلالة على وفور علمه وتقدّمه في الفضل ، وقد ألصقت بالرجل التهم ورمي بالإلحاد ، وقد رماه بذلك حسّاده وأعداؤه والدفاع الذي ذكرناه عن هشام يأتي في رفيقه وسميه ، وقد اعترف له بالفضل والوثاقة كثير من مترجميه(1).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وذكر المترجمون له حديثاً مع الإمام سوف نذكره عند التحدث عن سجن الإمام ، وهو يدلّ على وثاقة الرجل ومزيد اختصاصه بالإمام(عليه السلام)(2).
الرماني الكوفي . روى عن الإمام موسى والرضا(عليهم السلام)، وله كتاب(3).
حرف الياء
الزيات البصري، لقى الإمام(عليه السلام)بالبصرة حينما سجن فيها ، واختص به وروى عنه ، وصنّف كتاباً(4).
ابن زيد بن علي بن الحسين(عليه السلام)، و من أصحاب الإمام(عليه السلام)، وكان يرى مذهب الوقف(1).
وهو أحد الشهود في وصيّة الإمام(عليه السلام) وقد طلب من أبيه أن يدلّه على الموضع الذي اختفى فيه عمه عيسى ليمضي إليه ويراه ، فأبى أبوه أن يخبره بذلك خوفاً على عيسى من أن يظهر أمره فتعرفه السلطة ، وبعد الالحاح عليه قال له : إن هذا أمر يثقل عليه ، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إياه فتزعجه ، فتلطف يحيى بأبيه مدة من الزمن حتى طابت نفسه ، فأجابه إلى ذلك وجهزه إلى الكوفة ، وقال له : إذا صرت إلى الكوفة ، فاسأل عن دور بني حيّ ، فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية ، وسترى في وسط السكة داراً لها باب صفته كذا ، فاعرفه واجلس بعيداً منها في أوّل السكة ، فإنّه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه(2)، قد أثر السجود في جبهته ، عليه جبّة صوف ، يستقي الماء على جمل ، وقد انصرف بسوق الجمل، ولا يضع قدماً ولا يرفعها إلا ذكر الله عزّ وجلّ ، ودموعه تنحدر على وجهه ، فقم وسلّم عليه وعانقه ، فإنّه سيذعر منك كما يذعر الوحش ، فعرفه نفسك ، وانتسب له ، فإنّه يسكن إليك ويحدّثك طويلاً، ويسألك عنا جميعاً ، ويخبرك بشأنه ، ولا يضجر بجلوسك معه .
ولا تطل عليه ، وودعه ، فإنّه يستعفيك من العودة إليه ، فافعل ما يأمرك به من ذلك ، فإنّك إذا عدت إليه توارى عنك ، واستوحش منك ، وانتقل عن موضعه ، وعليه في ذلك مشقّة.
وخرج يحيى قاصداً إلى الكوفة ، فلما انتهى إليها قصد سکّة بني حي بعد العصر ،
فجلس خارجها بعد ان تعرّف على البيت ، فلما غربت الشمس أقبل عيسى على وصف الحسين(عليهم السلام)يرفع قدماً ولا يضعها حتى يذكر الله تعالى ودموعه تترقرق في عينيه ، فقام إليه يحيى فعانقه ، فذعر عيسى منه ، فقال له : يا عم ، أنا يحيى بن الحسين بن زيد ابن أخيك .
فلمّا سمع عيسى ذلك ضمه إليه وبكى حتى كاد أن يتلف ثم أناخ جمله ، وجلس معه ، فجعل يسأله عن أهله رجلاً رجلاً، وامرأة امرأة ، وصبياً صبياً ، ويحيى يشرح أخبارهم وعيسى آخذ بالبكاء .
ثمّ قال له : يا بنيّ ، أنا أستقي على هذا الجمل الماء فأصرف ما اكتسب به من أجرة إلى صاحبه ، وأتقوّت بباقيه ، وربّما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البريّة - يعني ظهر الكوفة - فالتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوّته .
وقد تزوجت من هذا الرجل ابنته ، وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا ، فولدت مني بنتاً ، فنشأت وبلغت ، وهي أيضاً لا تعرفني ولا تدري من أنا ، فقالت لها أمها : زوج ابنتك من ابن فلان السقاء رجل من جيراننا يسقي الماء - فإنّه أيسر منا ، وقد خطبها ، وألحت علَيَّ ، فلم أقدر على إخبارها بأن ذلك الشخص غير كفء لها فيشيع خبري ، فجعلت تلخ فلم أزل أستكفى الله أمرها حتى ماتت بعد أيام ، فما أجدني أسي على شيء من الدنيا أساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) .
ثمّ أقسم على ابن أخيه يحيى أن ينصرف ولا يعود إليه ، وودعه(1).
وهكذا كان أهل البيت ما بين قتيل وسجين ، ومشرد يطاردهم الرعب والفزع خوفاً من نقمة الظالمين ، ففي ذمّة الله ما لاقوه من الفجائع والمصائب والخطوب.
الأزرق ، كوفي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام). له كتاب يرويه عدة
1) مقاتل الطالبيين : 408 - 410 .
البصري : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(3)، وظاهره أنه إمامي مجهول الحال (4).
ابن علي بن أبي شعبة الحلبي . روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهم السلام)، ثقة ،صحيح الحديث . له كتاب يرويه جماعة(5).
النوفلي : عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام الكاظم(عليهم السلام)(6).
الحذاء ، يكنى أبا بصير ، وقيل : أبو محمد من أصحاب الإمام الكاظم(عليهم السلام)، اختلف العلماء فيه ، فقال الطوسي : «إنّه واقفي»(7).
وروى الكشّي عن محمد بن مسعود ، قال : « سألت عليّ بن الحسن بن فضّال عنأبي بصير : هل كان متهماً بالغلوّ ؟
فقال : لا ، ولكن كان مخلّطاً »(1).
وقال النجاشي : « يحيى بن : « يحيى بن القاسم أبو بصير الأسدي ، وقيل : أبو محمد ، ثقة ، وجيه . روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله لا ، وقيل : يحيى بن أبي القاسم واسم أبي القاسم إسحاق . روى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام). له كتاب يوم وليلة . توفي سنة 150ه-(2).
وذكر الكشي عن ابن أبي عمير عن شعيب العقرقوفي ، قال : « قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل ؟
فقال (عليه السلام): عليك بالأسدي - يعني أبا بصير - وفي هذا دلالة على وثاقته وغزارة علمه(3).
عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(4)
وظاهره أنه إمامي مجهول الحال(5).
الحارثي الحلواني ، من أصحاب الإمام(عليه السلام)، رُمي بالوقف ، وروى الكشي عن
النضر بن سويد ، قال : « دخل رجل على أبي عبد الله يقال له يزيد بن خليفة ، فقال(عليه السلام) له : مَنْ أَنتَ ؟
فقال : من الحارث بن كعب .
فقال أبو عبد الله : لَيْسَ مِنْ بَيْتٍ إِلّا وَفَيهِمْ نَجيبٌ أَوْ نَجيبانِ ، وَأَنْتَ نَجِيبُ بالحارِثِ بْنِ كَعْبٍ»(1)
وفي هذا الخبر دليل على وثاقته ، ونوقش في هذا الخبر واستدلوا على عدم وثاقته(2).
الزيدي : عده الشيخ في رجاله والكشي وغيرهما من أصحاب الكاظم(عليه السلام)، وذكر بعضهم أنّه من خاصّة الإمام ومن ثقاته ، ومن أهل الورع والعلم والفقه وأحد الراوين النصّ على إمامة الإمام الرضاء(عليه السلام)، وله حديث طويل مع الإمام(عليه السلام)(3).
ابن محمد : عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام موسى(عليه السلام)(4).
ابن يعقوب الهاشمي . روى عن الإمام أبي عبدالله الصادق والإمام أبي الحسن(عليهم السلام)(5).
عده الشيخ من أصحاب الإمام موسى(عليه السلام)، وقد رمي بالوقف(1).
مولى عليّ بن يقطين ، من أفذاذ الأمة الإسلامية ، ومن كبار علمائها ، وكان وحيد عصره في تقواه وورعه ، تربّى في مدرسة الإمام الكاظم(عليه السلام)، وأخذ منه العلوم والمعارف ، ومن بعده اختص بولده الإمام الرضاء(عليه السلام)، وفيما يلي بعض شؤونه وأحواله :
ولادته : كانت ولادته في أيام هشام بن عبدالملك(2)
نشأته : نشأ يونس على التقوى والصلاح ، وتغذى من علوم أهل البيت(عليهم السلام)وكان في جميع أدوار حياته مثالاً فذاً للتكامل الإنساني ، وقضى حياته في تحصيل العلوم من منبعها ومعدنها ، وهم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، حتى صار وحيد عصره في تقواه وورعه وعلمه.
سموّ منزلته : كان يونس بن عبد الرحمن جليل الشأن ، عظيم المنزلة ، له المكانة العليا عند أهل البيت(عليهم السلام)، وقد وردت في حقه والثناء عليه أخبار كثيرة من الأئمة(عليهم السلام)، كما أثنى عليه بعض كبار صحابتهم ، وفيما يلي ذلك :
1 - الإمام الرضا(عليه السلام): روى عبد العزيز بن المهتدي ، قال :« سألت الإمام الرضا(عليه السلام)فقلت له : إني لا ألقاك، فممن أخذ معالم ديني ؟
فقال : خُذْ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ»(3)
وإشارة الإمام له في الفتيا والعلم آية على وثاقته وتقدّمه في العلم والفضل .
وقال الإمام الرضا(عليه السلام)في حقه أيضاً : «أبو حَمْزَةَ الثَّمَالِيُّ فِي زَمَانِهِ كَسَلْمَانِ فِي زَمانِهِ ، وَذلِكَ أَنَّهُ خَدَمَ مِنَا أَرْبَعَةٌ : عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيُّ ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَبُرْهَةٌ مِنْ عَصْرِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ، وَيُونُسُ في زَمَانِهِ كَسَلْمَانِ فِي زَمَانِهِ»(1).
2 - الإمام الجواد(عليه السلام): روى أحمد بن أبي خلف ، قال : «كنت مريضاً فدخل علَيَّ أبو جعفر(عليه السلام)يعودني في مرضي وكان عند رأسي كتاب يوم وليلة - وهو من مؤلّفات يونس - فأخذه الإمام وجعل يتصفحه ورقة ورقة ، حتى أتى على آخره ، وجعل يقول : رَحِمَ اللهُ يُونُسَ ، رَحِمَ اللهُ يُونُسَ»(2).
وقد ضمن(عليه السلام)ليونس الجنّة
3- الفضل بن شاذان : وقال الفضل في حقه : « ما نشأ في الإسلام من سائر الناس كان أفقه من سلمان الفارسي ، ولا نشأ رجل بعده أفقه من يونس بن عبد الرحمن»(3).
وهنا طائفة أخرى من الأخبار وكلمات الثناء من الأعلام ، وهي تشيد بفضله وسمو مكانته .
(4) علمه : كان علامة زمانه كما قال ابن النديم (4)-، واعترف جميع المترجمين له بعلمه الغزير، وسعة اطلاعه ، وإشارة الإمام له بالفتيا والعلم تدلّ على غزارة علمه ، ويقال إنّه انتهى علم الأئمة(عليهم السلام)إلى أربعة نفر ، وهم : سلمان الفارسي ، وجابر ،
والسيد ، ويونس بن عبد الرحمن ، كما ذكر الكشّي(1).
مؤلّفاته : وألف يونس كتباً كثيرة دلّت على تضلّعه في كثير من العلوم ، فقد روى الفضل بن شاذان ، فقال : « إنّه ألف ألف جلد ردّاً على المخالفين»(2).
وإلى القرّاء بعض تأليفه :
1 - كتاب يوم وليلة ، وقد قرّضه الإمام الجواد(عليه السلام) بما تقدم ذكره ، وقد عرض الكتاب على أبي محمد العسكري(عليه السلام)، فقال (عليه السلام) : أَعْطاهُ اللهُ بِكُلِّ حَرْفٍ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ(3).
2 - كتاب علل الأحاديث .
3 - كتاب الصلاة .
4 - كتاب الصيام .
5 - كتاب الزكاة .
6-كتاب الوصايا والفرائض
7 - كتاب جامع الآثار .
8- كتاب البداء .
9 - كتاب السهو .
10 - كتاب الأدب والدلالة على الخير .
11 - كتاب الفرائض .
12 - كتاب الجامع الكبير في الفقه .
13 - كتاب التجارات .
14 - كتاب الحدود .
15 - كتاب تفسير القرآن .
16 - كتاب الآداب .
17 - كتاب المثالب .
18 - كتاب علل النكاح وتحليل المتعة .
19 - کتاب نوادر البيع .
2 - كتاب الردّ على الغلاة .
21 - كتاب ثواب الحج .
22 - كتاب النكاح .
23 - كتاب الطلاق .
24 - كتاب المكاسب .
25 - كتاب الوضوء .
26 - كتاب البيوع والمزارعات .
27 کتاب اللؤلؤ في الزهد .
28 - كتاب الإمامة .
29 - كتاب فضل القرآن .
30 - كتاب اختلاف الحديث .
31 - کتاب مسائله عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)(1).
ودلّت هذه المؤلّفات على إحاطته بمختلف العلوم والفنون .
1) النجاشي : 447 و 1208/448 . فهرست الطوسي : 812/266. فهرست ابن ندیم: 323.
تقواه : كان يونس على جانب عظيم من التقوى والصلاح ، فمن مظاهر عبادته وتقواه أنّه حجّ إحدى وخمسين حجّة ، وصام عشرين سنة ، وسأل ربه عشرين سنة(1).
مع الواقفية : كان يونس بن عبد الرحمن صلب العقيدة ، راسخ الإيمان، وقد بذلت الواقفية بعد موت الإمام موسى(عليه السلام)جميع جهودها على ضمه إليهم ، فلم يفلحوا ، وقد حدث يونس عن أسباب تلك الفئة التي حلّت بأصحاب الإمام ، ومن إغراء الواقفية له ، وذكرنا حديثه في الفصول المتقدّمة .
حسّاده : كلما ازداد شأن الإنسان ، وعلت مكانته الاجتماعية كثر حسّاده ، وما من عبقري أو عظيم إلا مني بكثرة الحاقدين عليه ، وكان يونس بن عبدالرحمن من أولئك الأفذاذ الموهوبين الذين خصهم الله بمزيد العلم والفضل ، وكان بطبيعة الحال أن يكثر حسّاده وأعداؤه ، وقد شكا ذلك إلى الإمام موسى(عليه السلام)، فقال له : إنّهم يقولون لي زنديق ، فهدأ روعه وقال له : ما يَضُرُّكَ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِكَ لُؤْلُوةٌ فَيَقولُ النَّاسُ : هِيَ حَصاةٌ ، وَما يَنْفَعُكَ أَنْ يَكونَ في يَدِكَ حَصاةٌ فَيَقولُ النَّاسُ لُؤْلُوةٌ »(2).
وشكا مرّة إلى الإمام الرضا(عليه السلام)ما يلقاه من أصحابه ، فقال(عليه السلام)له : دراهم فَإِنَّ عُقولَهُمْ لَمْ تَبْلُغْ(3).
وقيل ليونس إنّ كثيراً من هذه العصابة يقعون فيك ، ويذكرونك بغير الجميل ، فقال : أشهدكم أنّ كلّ من له في أمير المؤمنين(عليه السلام) نصيب فهو في حلّ(4)، لقد عفا
عن جميع من أساء إليه من أصحابه ، وصفح عمّن أذنب إليه .
وقد اقتبس هذا الخلق الرفيع من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين عناهم الله في كتابه الكريم بقوله : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ(1).
وفاته : اختاره الله إلى لقائه وهو نقي الثوب ، قد أبلى بلاءاً حسناً في الدفاع عن الإسلام والتبشير بمبدأ أهل البيت(عليه السلام)، وقد توفي في يثرب سنة 208ه- (2).
ولما بلغ موته الإمام الرضا(عليه السلام)، قال : انْظُروا إلى ما خَتَمَ اللَّهُ لِيُونُسَ قَبَضَهُ بِالْمَدِينَةِ مُجاوراً لِرَسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)(3).
رحم الله يونس ، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء ، وحشره مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً(4).
ابن قيس ، أبو علي البجلي الدهني الكوفي ، اختص بأبي عبد الله(عليه السلام)وأبي الحسن(عليه السلام)، وكان يتوكل لأبي الحسن(عليه السلام)(5)
وعدّه الشيخ المفيد من فقهاء أصحاب الصادقين(عليهم السلام)، ومن الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام ، والفتيا والأحكام الذين لا يُطعن فيهم ولا طريق إلى ذمّ واحد منهم ، وهم أصحاب الأصول المدوّنة ، والمصنفات المشهورة(6).
ومما يدل على وثاقته أنه وكله أبو عبد الله وأبو الحسن(عليه السلام)ليشتري لهما بعض الأشياء ، فلما اشترى ذلك وأوصله إليهما قال له أحدهما : ما أَنْتَ عِنْدَنا بِمُتَّهَم ، إِنَّما أَنْتَ رَجُلٌ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ، فَجَعَلَكَ اللهُ مَعَ رَسولِ اللهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَاللَّهُ فَاعِلٌ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ الله (1)
توفّي في يثرب وتولّى تجهيزه الإمام الرضا(عليه السلام)، فبعث بحنوطه وكفنه وجميع ما يحتاج إليه ، وأمر مواليه وموالي أبيه وجده أن يحضروا جنازته ، وقال لهم : هذا مَوْليَ لأبي عَبْدِ اللهِ(عليه السلام)وَكَانَ يَسْكُنُ الْعِراقَ .
وقال لهم : احْفِرُوا لَهُ فِي الْبَقيع ، فَإِنْ قالَ لَكُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِنَّهُ عِرَاقِيُّ لَا نَدْفِنُهُ فِي الْبَقيع ، فقولوا لَهُمْ : هذا مَوْلى لأبي عَبْدِ اللهِ(عليه السلام)، وَكَانَ يَسْكُنُ الْعِراقَ ، فَإِنْ مَتَعْتُمونا أَنْ نَدْفِنَهُ فِي الْبَقيع مَنَعْناكُمْ أَنْ تَدْفِنوا مَوالِيكُمْ فِي الْبَقيع .
وأمر(عليه السلام)محمد بن الحباب بالصلاة عليه ، فصلّى عليه ودفن في البقيع(2).
وقبل أن نلقي الستار على هذا الفصل نذكر بعض أصحاب الإمام الذين عُرفوا بكنيتهم ، واشتهروا بها ، وهم :
عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال :« إنه واقفي»(5)،
ونص العلامة على ذلك في الخلاصة(1).
الذيال ، هكذا عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وأضاف أنه مجهول(2)
الزبالي : عده الشيخ من أصحاب الإمام(عليه السلام)(3).
وقد ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب مرور الإمام(عليه السلام)عليه في زبالة لمّا اعتقله المهدي ، وما جرى له من الحديث معه .
الأعور : عده الشيخ فى رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، مضيفاً إلى ذلك : أنه ثقة ، وأنه قد روى عن علي بن رباط(4).
القمّاط : عده الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(5).
عدپه الشيخ في رجاله في باب الكنى من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام).
وأضاف إلى ذلك قيل إنّ اسمه خلف بن خلف اللفائفي خادم أبي الحسن (6)،
وظاهره كونه إماميّاً مجهول الحال(1).
المحاملي ، مولى علي بن الحكم بن الزبير الأنباري ، كوفي ، ثقة ، من رجال أبي الحسن موسى(عليه السلام)، وله كتاب(2).
ابن جناح . روى عن الإمام أبي الحسن والرضا (عليهم السلام)، وكان ثقة(3).
الحضرمي : عده الشيخ بهذا العنوان في رجاله في باب الكنى من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(4).
وظاهره كونه إماميّاً مجهول الحال(5).
الكوفي ، ثقة . روى عن أبي عبد الله ، ومن أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(6).
الزيدي ، ثقة : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)(7).
عده الشيخ في باب الكنى من رجاله من أصحاب الإمام موسى(عليه السلام) ، وقال في الفهرست : « إن له كتاباً»(1).
قال الحائري : « الظاهر أنّه من الإماميّة»(2).
المكفوف : عدّه الشيخ في باب الكنى ، من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام). روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وقال في الفهرست : « له كتاب»(3)
وكذا قال النجاشي ، واستفاد الحائري من مصاحبته للإمام أنّه محلّ اعتماد(4). إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن ذكر بعض أصحاب الإمام ورواة حديثه وحملة علمه ، وكان أكثرهم من عظماء العلماء وكبار المؤلفين الذين زوّدوا العالم الإسلامي في عصرهم بنتاجهم القيّم ممّا دلّ على أنّ النهضة الفكرية كانت تستند إلى أئمة أهل البيت(عليه السلام)، فهم الذين فجروا طاقاتها في دنيا العرب والإسلام.
إنّ هذه الكوكبة من الرواة قد كشفت لنا جانباً مهمّاً من حياة الإمام(عليه السلام)، ودللت على أهميّة الدور الذي قام به في رفع منار العلم وتشييد صروحه ، ونشر الوعي الثقافي في ربوع العالم .
إن مدرسة الإمام(عليه السلام)قد بلورت الحياة الفكرية في العالم الإسلامي ، وعملت على تقديم المسلمين في جميع الميادين ، وكان الانتماء لها من موجبات الاعتزاز
والفخر ، فقد عيب على الإمام مالك - أحد رؤساء المذاهب الأربعة - لتركه أخذ الرواية عن الإمام(1)، ومنه يتضح مدى الأهمية البالغة لمدرسة الإمام وللرواية عنه في الأوساط العلمية .
1) لسان المیزان : 2: 277
أنجب الإمام موسى(عليه السلام)الذرّية الطاهرة والنسل الطيب ، فكانوا من خيرة أبناء المسلمين - في ذلك العصر - تقوى وصلاحاً وهدياً وورعاً وابتعاداً عن مآثم الحياة وأباطيلها ، وقد نشأ الكثيرون منهم نشأة دينية كاملة ، لأنّ الإمام(عليه السلام) قد وجههم.
الله الوجهة الصالحة ، فسكب في نفوسهم المثل العليا، والإيمان بالله ، والتفاني في سبيل العقيدة، والعمل على خدمة الحق .
قال ابن الصباغ في حقهم : «إنّ لكلّ واحد من أولاد أبي الحسن موسى الا فضلاً مشهوداً»(1).
وقال الشيخ الطبرسي :« إنّ لكلّ واحد من أولاد أبي الحسن موسى(عليه السلام) فضلاً ومنقبة مشهورة »(2).
لقد ورثوا الفضل والشرف والمجد عن آبائهم ، فكانوا في سلوكهم وهديهم أمثلة رائعة للفضيلة والكمال .
واندفع بعضهم إلى إعلان الثورة على حكومة بني العباس لأجل إسعاد المسلمين ، وإنقاذهم من جور العباسيين واستبدادهم ، كما سنذكر ذلك.
وقبل عرض تراجمهم نعرض إلى أنّ النسابين ورواة الأثر قد اختلفوا في عددهم
اختلافاً كثيراً ، وفيما يلي ذلك :
1 - إنّهم ثلاثة وثلاثون الذكور منهم 16 ، والإناث 17(1).
2 - سبعة وثلاثون : الذكور 18 ، والإناث 19(2).
3- أربعون الذكور منهم 18 ، والإناث 22(3).
4 - ستون : الذكور 23 ، والإناث 37 (4).
وهناك أقوال غير هذه ، أما أسماء الذكور والإناث منهم ، فكما يلي :
الذكور : الإمام الرضاء(عليه السلام)، إسماعيل ، جعفر ، هارون ، حمزة ، محمد ، أحمد ، قاسم ، عبّاس ، إبراهيم ، حسن ، عبد الله ، زید ، حسین ، الفضل ، سليمان، سالم ،سعید(5)،عقيل، إبراهيم الأكبر ،عبد الله(6).
الإناث : قسيمة ، لبابة ، أم جعفر ، أمامة ، كلثم ، بربهة ، أم القاسم ، محمودة ، أمينة الكبرى ، علية ، زينب ، رقيّة ، حسنة ، عائشة ، أم سلمة ، أسماء ، أم فروة ، آمنة ، أمّ أبيها ، حليمة ، رملة ، ميمونة ، أمينة الصغرى ، أسماء الكبرى ، زینب ، زينب الكبرى ، فاطمة الكبرى ، فاطمة ، أم كلثوم الكبرى ، أم كلثوم الوسطى ، أم كلثوم الصغرى .
وزاد الأشناني : عطفة ، وعبّاسة ، وخديجة الكبرى ، وخديجة(7)، وصرحة (8)،
1) صحاح الأخبار : 461 .
2) كشف الغمّة : 3 29 تحفة الأزهار وزلال الأنهار 2 122 . تذكرة الخواص : 439 .
3) تذكرة الخواص : 439 .
4) المجدي : 106 . عمدة الطالب : 196 .
5) عمدة الطالب : 196 و 197.
6) الجريدة في أصول أنساب العلويين : 3: 118 ، الحدیث 32 . بحار الأنوار: 48 : 283 .
7) المجدي في أنساب الطالبيين / علي بن محمد العلوي : 107 .
8) تحفة الأزهار: 2 : 123 .
وعلى هذا فتكون عدد السيّدات من أبنائه سبعاً وثلاثين ، ونظم الشيخ الأفتوني في أرجوزته أسماءهم بقوله :
وَوُلْدُهُ عَلِي النَّبْراسُ*** يتْلُوهُ إِبْراهِيمُ وَالْعَبّاسُ
وَقاسِمٌ وَجَعفَرٌ مُحَمَّدٌ*** هارون إِسماعِيلُ ثُمَّ أَحْمَدُ
وَحَمزَةُ إسْحَاقُ وَعَبد الله*** زَيْدٌ سُلَيْمَانُ عُبَيدُ اللهِ
رُقَيَّنَانِ حَسَنْ ثُمَّ حَسَنْ*** زينَبُ أُمُّ سَلَمَةٍ فَاسْتَبْصِرَن
أم أبيها وبها تَمَّ العَدَدُ *** وَالكُلُّ أَولادُ سَراري لاقُعَدْ(1)
لقد نظم الأفتوني في أرجوزته اثنين وعشرين شخصاً ، وهو ممن يذهب إلى أنّ ذلك هو تمام عددهم ، وهو قول ضعيف للغاية ، فإنّ عددهم يربو على ذلك بكثير . ونقدّم عرضاً موجزاً لتراجم من عثرنا على ترجمته منهم :
هو الا الإمام الثامن من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وقد أحيى الله به الإسلام وأعزّ به المسلمين ، فكان سلام الله عليه من المجددين لهذا الدين، والمنافحين عنه ، والمجاهدين في سبيله .
ونتحدث بايجاز عن بعض شؤونه وأحواله :
ولد الله في يثرب سنة 148ه- (2)
وقيل : سنة 153ه- (1)، لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول(2)، وحفلت الأسرة النبوية في ذلك اليوم الزاهر بالأفراح والمسرات ، فقد أطلّ عليها خير أهل الأرض بعد آبائه ، وقام الإمام موسى(عليه السلام)فأجرى على وليده المبارك مراسيم الولادة ، فأذن في أذنه اليمنى ، وأقام فياليسرى ، وفي اليوم السابع عق عنه بكبش ، وحلق رأسه ، وتصدق بزنته فضّة على المساكين.
نشأ الا في حجر الإسلام، وتربّى في مدرسة الإيمان ، وقد تولى تربيته أبوه الإمام موسى(عليه السلام)، فسكب في نفسه مثله العليا، وتعاهده بالرعاية والعطف ، ورسم له الطريق في سلوكه وهديه ، وقد ظفر في سنّه المبكر بأسمى ألوان التربية الإسلامية التي تعنى بغرس روح الفضيلة والكمال في النفوس .
وضارع الإمام الرضا(عليه السلام)في أخلاقه أخلاق آبائه من الأئمة الطاهرين التي امتازوا بها على سائر الناس ، وقد تحدّث إبراهيم بن عباس عن سمو أخلاق الإمام(عليه السلام)، فقال : « ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، ما جفا أحداً قط ، ولا قطع على أحد كلامه ، ولا ردّ أحداً عن حاجة ، وما مد رجليه بين جليسه ، ولا اتكأ قبله ، ولا شتم مواليه ومماليكه ، ولا قهقه في ضحكه ، وكان يجلس على مائدته مماليكه ومواليه ، قليل النوم بالليل ، يحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى آخرها ، كثير المعروف والصدقة ، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة ، فمن زعم أنه رأى مثله في
فضله فلا تصدقوه»(1).
وهذه الصفات الرفيعة هي السرّ في إجماع المسلمين على إكباره وتعظيمه والقول بإمامته .
كان الإمام الرضا(عليه السلام)على غرار آبائه في عبقرياته ومواهبه العلمية ، وقد أجمع الرواة على أنّه كان أعلم أهل عصره ، وقد أفتى الناس بمسجد جده رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)وهو ابن نيف وعشرين سنة(2).
وقال عبد السلام بن صالح الهروي : « ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا ، ما رأه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي ، ولقد جمع المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين ، فغلبهم عن آخرهم ، حتى ما بقي منهم أحد إلا أقر له بالفضل ، وأقر له على نفسه بالقصور ، ولقد سمعته يقول : كنت أجلس في ( الروضة) والعلماء بالمدينة متوافرون ، فإذا عيي الواحد منهم عن مسألة أشاروا إلي بأجمعهم ، وبعثوا إلى المسألة فأجيب عنها»(3).
وقد عني محمد بن عيسى بتدوين المسائل التي سئل عنها الإمام الرضا(عليه السلام)، فكانت ثمانية عشر ألف مسألة(4).
وقد أشاد الإمام موسى(عليه السلام)بمواهب ولده الرضا(عليه السلام)وعلمه ، فقال لبنيه : هذا أخوكُمْ عَلِيُّ بْنُ موسى عالِمٌ آلِ مُحَمَّدٍ(صلی الله علیه وآله وسلم)، سَلوهُ عَنْ أَدْيَانِكُمْ ، وَاحْفَظُوا مَا يَقولُ لَكُمْ ،
فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ لا يَقولُ لي : إِنَّ عَالِمَ آلِ مُحَمَّدٍ(صلی الله علیه وآله وسلم)لَفِي صُلْبِك ، وَلَيْتَنى أَدْرَكْتُهُ ، فَإِنَّهُ سَمِيُّ أميرُ الْمُؤْمِنِينَ(1).
إنّ الشيعة منذ فجر تأسيسها حتى يوم الناس هذا تعتقد اعتقاداً جازماً لا يخامره أدنى شك أنّ الإمام لا بد أن يكون أعلم أهل عصره، ولا بد أن يتمتع بطاقات ضخمة من العلم بحيث لا يجاريه أحد في فضله ومواهبه .
وكان المأمون وهو أعلم ملوك بني العباس وأذكاهم لا يؤمن بذلك ، ويعتقد بأنه ضرب من الغلوّ ، فرأى أنّ خير وسيلة إلى انقاصه أن يعهد إلى كبار العلماء على اختلاف أديانهم ومذاهبهم بسؤال الإمام في مختلف العلوم والفنون التي اختصّوا بها ، لعله يعجز عن جوابهم فيتّخذ من ذلك وسيلة إلى إفساد المذهب الشيعي وإبطال فكرة الإمامة ، وهو منطق وثيق للغاية .
فأحضر الجاثليق ورأس الجالوت - وهما من كبار علماء النصارى - وكذلك أحضر علماء الصابئة منهم عمران الصابي والهربذ الأكبر، وأحضر أصحاب زرداشت ، وفسطامي ، وأحضر علماء الكلام منهم سليمان المروزي ، وأمرهم بأن يسألوا الإمام الرضا(عليه السلام)، فتقدّموا إليه ، وسألوه عن أمهات المسائل الفلسفية والكلامية وغيرها، فأجابهم(عليه السلام)عنها بالتفصيل(2).
وقد اعترفوا بعجزهم وقصورهم ، وباء المأمون بالخيبة والخزي ، فقد اعتقد كثير من أولئك العلماء بفكرة الإمامة، وزادت الحادثة إيمان الشيعة ووثوقها بما تذهب إليه .
وروى عنه ابنه محمّد الجواد(عليه السلام)، وأبو عثمان المازني النحوي ، وعلي بن عليّ ،
وأيوب بن منصور النيسابوري ، وأبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي ، والمأمون ابن الرشيد ، وعلي بن مهدي بن صدقة . له عنه نسخة ، وأبو أحمد داود بن سليمان ابن يوسف القزويني . له عنه نسخة ، وعامر بن سليمان الطائي . له عنه نسخة كبيرة ، وأبو جعفر محمد بن محمد بن حيان التمار .
وروى عنه من أئمة الحديث : آدم بن أبي إياس ، ونصر بن علي الجهضمي ، ومحمّد بن رافع القشيري ، وغيرهم (1).
وللإمام الرضا(عليه السلام)تراث فكري رائع حافل بالمثل الكريمة والقيم العليا، وقد احتوت على آداب السلوك ومناهج التربية ، كما أنّ له بحوثاً ممتعة في الفلسفة ، وعلم الكلام ، والتفسير ، والطب ، وغير ذلك .
ونعرض إلى بعض حكمه وآرائه :
1- قال(عليه السلام) :« وخَمْسٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلَا تَرْجُوهُ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ : مَنْ لَمْ تَعْرِفِ الوثاقة في أرومَتِهِ ، وَالْكَرَمَ فِي طِباعِهِ ، وَالرَّصانَةَ فِي خُلُقِهِ ، وَالنُّبُلَ فِي نَفْسِهِ ، وَالْمَخَافَةَ لِرَبِّهِ »(2).
2 - قال : «لَا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقيقَةُ الإِيمَانِ حَتَّى تَكونَ فيهِ خِصالٌ ثَلاثٌ : التَّفَقَّهُ فِي الدِّينِ ، وَحُسْنُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعيشَةِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى الرّزايا »(3).
3- قال(عليه السلام): إِنَّ الَّذِي يَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ يَكُفُّ بِهِ عِيالَهُ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الْمُجَاهِدِ فی سبيل الله» (4).
قال(عليه السلام): الْإِيْمَانُ أَرْبَعَةٌ : التَّوَكُلُ عَلَى اللهِ ، وَالرّضا بِقَضاءِ اللهِ ، وَالتَّسْلِيمُ لأَمْرِ اللهِ ، وَالتَّقْويضُ إِلَى اللهِ .
قالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ - يعني مؤمن آل فرعون - وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ(1)فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا (2)»(3).
5- قال(عليه السلام): «لَيْسَ الْحَمْيَةُ مِنَ الشَّيْءِ تَرْكَهُ ، وَلَكِنِ الْإِقْلَالُ مِنْهُ»(4).
6 - قال(عليه السلام): « أَوْحَشُ ما يَكونُ هَذَا الْخَلْقُ فِي ثَلاثَةِ مَواضِعِ : يَوْمَ يُولَدُ إِلَى الدُّنْيا ، وَيَخْرُجُ الْمَوْلودُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَرَى الدُّنْيا ، وَيَوْمَ يَموتُ فَيُعَايِنُ الْآخِرَةَ وَأَهْلَهَا ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرى أَحْكاماً لَمْ يَرَها في دارِ الدُّنْيا ، وَقَدْ سَلَّمَ اللهُ تَعَالَى عَلَىٰ يَحْيِي فِي هَذِهِ الْمَواطِن الثَّلاثَةِ وَآمَنَ رَوْعَتَهُ ، فَقالَ :وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً(5).
وَقَدْ سَلَّمَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْمَواطِنِ الثَّلاثَةِ فَقالَ : وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً(6)»(7).
7 - قال(عليه السلام): « إِنَّ مَشْيَ الرِّجالِ خَلْفَ الرِّجالِ فِتْنَةٌ لِلْمَتبوع ، وَمَذَلَّةٌ لِلتّابع »(8)
8- قال(عليه السلام):« اسْتِعْمَالُ الْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ مُؤذِنٌ بِدَوامِ النَّعْمَةِ»(1).
9 - قال(عليه السلام):«لَا يَجْتَمِعُ الْمَالُ إِلَّا بِخِصَالٍ خَمْسٍ : بِبُخْلٍ شَديدٍ ، وَأَمَلٍ طَويلٍ ، وَحِرْصِ غَالِبٍ ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِم ، وَإِيثَارِ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ»(2).
10 - قال(عليه السلام): «عَوْنُكَ لِلضَّعِيفِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ »(3).
11 - قال(عليه السلام): « مَنْ أَحَبَّ عَاصِياً فَهُوَ عاصِ ، وَمَنْ أَحَبَّ مُطيعاً فَهُوَ مُطيعٌ ، وَمَنْ أَعانَ ظَالِماً فَهُوَ ظَالِمٍ ، وَمَنْ خَذَلَ عادِلاً فَهُوَ ظَالِمٌ ، إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ، وَلَا يَنالُ أَحَدٌ وَلايَةُ اللَّهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : انْتَوني بِأَعْمالِكُمْ لَا بِأَحْسَابِكُمْ وَأَنْسَابِكُمْ . قالَ اللهُ تَعَالَى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(4)»(5).
12 - قال(عليه السلام): «وإِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الْقِيلَ وَالْقَالَ ، وَإِضاعَةَ الْمَالِ ، وَكَفْرَةَ السُّؤالِ»(6).
وبهذه الشذرات الموجزة من كلامه ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أثر عنه من الحكم والآداب .
وتواترت النصوص من الإمام موسى(عليه السلام)على إمامة ولده الرضا(عليه السلام)، وقد روى
عنه النصّ كلّ من داود بن كثير الرقيّ ، ومحمد بن إسحاق بن عمار، وعلي بن يقطين، ونعيم القابوسي ، والحسين بن المختار، وزياد بن مروان، وداود بن سليمان ، ونصر بن قابوس ، وداود بن رزین، ویزید بن سليط ، ومحمد بن سنان المخزومي(1).
والشيء المحقق أنّ الإمام الرضا(عليه السلام) قد أكره على قبول ولاية العهد ، فقد أقسره المأمون على ذلك ، وتهدّده بالقتل إن لم يستجب له ، فاضطر(عليه السلام) على كره إلى إجابته(2).
وإنّما رشّحه لولاية العهد لعوامل سياسيّة خطيرة ألجأته إلى الإقدام على ذلك ، ولم يكن سببه ميله للعلويين، وشدّة عطفه وحبّه لهم كما يقول بذلك البعض - فإنّه لا واقعيّة له ، والذي يذهب إليه لا ينظر إلى الأحداث بدقة وعمق وشمول ، فإنّ المأمون لم يقدم على هذا الأمر الخطير إلا بعد أن اضطرّ إليه.
أمّا العوامل السياسيّة فأهمها فيما نحسب هي ما يلي :
1 - إن الدولة العباسية كانت مهددة بالخطر بواسطة الثورات الداخلية التي تزعم قيادتها أبناء الإمام موسى(عليه السلام)، وهم إبراهيم الأكبر، وزيد ، وغيرهما ، فقد أعلنوا الثورة على الحكم العبّاسي بسبب ما عانوه من الظلم والجور والاضطهاد ، وقد تولى قيادة الثورة أبو السرايا ، وكان كأبي مسلم الخراساني في عزمه ويقظته وشدّة بأسه، واستجابت أكثر الشعوب الإسلامية لهذه الثورة ، وسقط قسم كبير من الأقاليم الإسلامية كالحجاز واليمن ، وقسم من العراق ، وغيرها بأيدي الثوّار ، وسنبيّن
تفصيل ذلك فيما يأتي من البحوث .
وأنفق المأمون لياليه ساهراً، وهو يفتش عن الوسائل التي يتخلّص بها من هذا الخطر المحدق به ، وبعد تفكير جاد رأى أنّ خير وسيلة لإطفاء نار الحرب والتخلّص من خصومه أن يعهد بالأمر من بعده إلى الإمام الرضا(عليه السلام)ويشركه في الخلافة ليكتسب بذلك ميل الثوّار ، ورجوعهم عن التمرّد والعصيان . كما يكسب بذلك ميل العلويين الذين أجمعوا على تقديم الإمام عليهم لعلمه وفضله وزهده .
وكانت هذه الخطّة السياسيّة موفقة إلى أبعد الحدود ، فقد فشلت الثورة ، وفلّلت جميع قواعدها فور إعلان المأمون لذلك ، فقد تراجع الثوار عن نيتهم وتصميمهم ، وأعلنوا رضاهم وسرورهم بذلك ، كما أعلنوا تأييدهم للمأمون ، والاذعان لسلطانه وحكمه ، وقد استراح المأمون وأمن من أهم الأخطار التي كانت محدقة بدولته .
2 - إنّ القوات المسلّحة التي اعتمد عليها المأمون لمحاربة أخيه الأمين كان القسم الكثير من قوادها وزعماء فرقها ممّن يميلون إلى العلويين ، وقد شرطوا عليه فيما يقول بعض المؤرّخين أنّهم لا يفتحون نار الحرب على الأمين ، إلّا أن يجعل الإمام الرضا(عليه السلام)وليّاً لعهده ، فأجابهم إلى ذلك ، فإذا صح ذلك فهو مضطر إلى إجابتهم خوفاً من الانتفاضة عليه .
3- إن الأحداث الرهيبة التي جرت بين الأمين والمأمون ، قد أوجبت إجماعالرأي العام على بغض المأمون وكراهته ، فقد عاثت جيوشه فساداً في بغداد فخرّبت كثيراً من قصورها ومساكنها ، وفقدت بهجتها وزينتها ومحاسنها، وعملت فيها المراثي ، ومما قيل فيها :
بَكَتْ عَيْنِي عَلى بَعْدادَ لَمّا*** فَقَدتِ غَضارَةَ العَيْشِ الأَنيقِ
أَصابَتْنَا مِنَ الحُسَادِ عَيْنٌ*** فَأَفْنَتْ أَهْلَنَا بِالمَنْجَنيقِ(1).
1) تاريخ الخلفاء : 299
وتعرّضت البلاد للمجاعة الشاملة، وفقدان الأمن ، وفزع البغداديون ، وداخلهم أعظم الخوف وأقساه ، ولم ينسوا محنتهم في تلك الأيّام فظلوّا يتحدّثون عنها بعد عشرات من السنين .
ومما زاد في نقمة العامة على المأمون أنّ جيوشه لما ظفرت بأخيه الأمين لم ترحمه ولم تعفوا عنه ، وإنّما نكلت به ، فعمدت إلى قتله وقتل مؤيديه ، وأبردت برؤوسهم إلى المأمون ، وقد نفرت العامة من قتل الأخ لأخيه ، وأجمعت على بشاعة ذلك ، وأن صاحب هذا العمل لا يملك ذرّة من العاطفة والنبل ، ولا يستحق أن يتولّى أمر المسلمين ، ويكون حاكماً عليهم .
وأراد المأمون بعد هذه الأحداث أن يكسب ود الناس ، ويبدل نقمتهم بالمحبة والرضا ، فعهد بالأمر من بعده إلى سليل النبوة، وعالم آل محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)الذي أجمع المسلمون على حبّه وتعظيمه وإكباره، وأنّه أحق بأمر المسلمين من غيره .
وقد نال المأمون بذلك ودّعامة الناس وتقديرهم والثناء عليه ، وأنه قد أوصل أرحاماً قد قطعت ، وآمن نفوساً قد فزعت ، وأحيى أسرة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)التي أتلفها جور العبّاسييّن وظلمهم .
هذه بعض العوامل التي حفزت المأمون على تعيينه للإمام ولياً لعهده ، ولم يكد يخفى على الإمام(عليه السلام)ذلك ، فقد امتنع أشدّ الامتناع من قبول الأمر ، ولما لم يجد سبيلاً إلى الرفض شرط عليه شروطاً ليظهر للناس كراهته وزهده في الحكم ، وهي :
1 - لا يأمر ولا ينهى .
2 - لا يفتي ولا يقضي .
4- لا يغير شيئاً مما هو قائم(1)
1) مناقب آل أبي طالب : 3 : 472 .
وهذه الشروط دلّلت على زهده في الحكم ، فقد جعلته بمعزل عنه ، كما جعلته منفصلاً عن الهيئة السياسية الحاكمة ، ولو كان الإمام(عليه السلام)يعلم بواقعية ذلك وصدق المأمون لما شرط ذلك عليه ، ولما ابتعد عن الاشتراك بأي عمل إيجابي للدولة .
وعلى أي حال ، فإنّ المأمون أظهر سروره البالغ بذلك ، وأصدر مرسوماً ملكيّاً بإقامة المهرجانات والزينة في جميع أنحاء البلاد، وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام الذي كان شعاراً للعباسيين ، وتبديله باللباس الأخضر الذي هو شعار العلويين ، وضرب اسم الإمام الرضا الله على الدرهم والدينار، وفرّق الجوائز الثمينة ، والهبات الضخمة على الناس ، وعهد إلى الشعراء أن يمدحوا الإمام ويثنوا عليه .
وانبرى العباس الخطيب فتكلّم ، وأثنى على المأمون أحسن الثناء ، وختم ذلك بقوله :
لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ شَمْسٍ وَمِنْ قَمَرِ*** فَأَنْتَ شَمْسُ ، وَهذا ذلِكَ القَمَرُ(1)
وتبارى الشعراء في مدح الإمام الرضا(عليه السلام)والثناء على المأمون ، ولم يشترك في هذه الحلبات شاعر البلاد أبو نؤاس ، فعاتبه المأمون، وقال له : قد علمت مكان علي بن موسى الرضا وما أكرمته به ، فلماذا أخرت مدحه وأنت شاعر زمانك ، وقريع دهرك .
فتأمل أبو نؤاس ، ونظم هذه الأبيات الخالدة التي سارت مع الزمن قائلاً :
قيلَ لي أَنتَ أَوْحَدُ النَّاسِ طُرّاً*** في فنونِ مِنَ الْكَلامِ(2)النَّبِيهِ
لكَ مِنْ جَوهَرِ الْكَلامِ نِظام*** يُشمِرُ الدُّر في يدي مُجْتَنِيهِ
فَعَلى مَ(1)تَرَكْتَ مَدْحَ ابْنِ موسى*** وَالخِصالِ الَّتي تَجَمَّعنَ فيهِ
قُلْتُ لَا أَهْتَدي لِمَدحِ إِمَامٍ*** كان جبريل خادماً لأبيه
وفازت هذه الأبيات الرائعة على كافة ما ألقاه الشعراء من قصائد المدح ، واستحسنها المأمون وأعجب بها- كما أعجب بها غيره - فأوصله من المال بمثل ما أوصل به كافة الشعراء ، وفضله عليهم(2).
ونظر أبو نؤاس إلى الإمام فرأى أنوار الإمامة والتقوى قد علت من الإمام ، فتقدّم إليه وقال له : يابن رسول الله ، قد قلت فيك أبياتاً أحبّ أن تسمعها منّي .
فقال(عليه السلام): هاتها ، فأنشأ يقول :
مُطَهَّرُونَ نَقِيّاتٌ ثِيابهم*** تَجْري الصَّلاةُ عَلَيْهِمْ كُلَّما ذُكِروا
مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَويّاً حينَ تَنْسِبُهُ*** فَما لَهُ في قَديم الدَّهْرِ مُفْتَخَرُ
وَاللهُ لَمّا بَرا خَلْقاً فَصَوَّرَهُ*** صَفَاكُمْ وَاصْطَفاكُمْ أَيُّها البَشَرُ
أولئِكَ الْقَومُ أَهْلُ البَيْتِ عِنْدَهُم*** عِلْمُ الْكِتابِ وَما جاءَتْ بِهِ السَّوَرُ (3)
فقال له الإمام الرضا(عليه السلام): قَدْ جِئْتَنا بِأَبْيَاتٍ مَا سَبَقَكَ إِلَيْهَا أَحَدٌ.
وقال لغلامه : ما مَعَكَ مِنْ فَاضِل نَفَقَتِنا ؟
ثلاثمائة دينار.
أعطها إياه .
ثم قال لغلامه : لَعَلَّهُ اسْتَقَلها ، سُقْ إِلَيْهِ الْبَغْلَةَ ، فساقها له »(4).
وأخذت البيعة بولاية العهد للإمام(عليه السلام)في جميع الأقطار الإسلامية ، وقام الخطباء على المنابر يدعون للإمام ، ويشيدون بفضله وعلمه ، ورأى بعض الشيعة الإمام وهو لابس الخلع ، والألوية تخفق على رأسه ، فغمرته موجات من الفرح والسرور ، وبان ذلك على سحنات وجهه ، فأشار إليه الإمام بالدنو منه ، فأسر إليه قائلاً: لَا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِشَيْءٍ مِمَّا تَرى مِنْ هذَا الْأمْرِ ، وَلَا تَسْتَبْشِرْ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُ(1).
فكان كما أخبر(عليه السلام)، فلم يمض قليل من الوقت حتى تنكر له المأمون ، وأخذ يسعى جاهداً في اغتياله كما سنذكره .
وحقد المأمون على الإمام حقداً كثيراً ، وأترعت نفسه بالبغي والشرّ عليه ، وذلك لما ظهر من فضل الإمام ، فقد عجّت النوادي بذكر مآثره ومناقبه ، وتحدثت الركبان بمواهبه وعبقرياته ، فصار الناس لا يذكرون إلا فضله وفضل آبائه .
ومما زاد في حقد المأمون خروج الإمام(عليه السلام)إلى صلاة العيد حيث طلب منه المأمون أن يؤمّ الناس ، فامتنع(عليه السلام)من إجابته ، وأصرّ عليه المأمون إصراراً شديداً ، فاضطر إلى إجابته ، ولكنه شرط عليه أن يخرج إلى الصلاة كما كان يخرج جده رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وجده الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) .
فقال له المأمون : اخرج كيف شئت .
وأوعز المأمون إلى قادة الجيش وسائر الناس أن يتجهوا إلى أبي الحسن ، وأقبلت الجماهير تتقدّمها قادة الجيش إلى باب الإمام الرضا (عليه السلام)، فلما طلعت الشمس قام الالها فاغتسل وتعمّم بعمامة بيضاء وألقى طرفاً منها على صدره ، وطرفاً بين كتفيه ، وقال لمواليه :« افْعَلوا مِثْلَ ما فَعَلْتُ »، وأخذ بيده عكازاً ومشى ، وأبى أن
1) الفصول المهمّة : 238 .
يركب ، وكبر أربع تكبيرات ، وقد تهيأ الجيش واستعد استعداداً رسمياً ، فلبسوا السلاح ، وتزينوا بأحسن زينة ، وطلع عليهم الإمام كأنه البدر ، فوقف على الباب فكبر أربعاً ، وقال : اللهُ أَكْبَرُ عَلى ما هَدَانَا ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا رَزَقَنَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. الْحَمْدُ للهِ عَلى ما أَبْلانا ...
وضجّت الأرض بالتكبير والبكاء ، فقد تذكّر الناس في صورة الإمام وحالته جدّه الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)الذي جاء لإنقاذ العالم ، وعرفوا ضلال أولئك الملوك الذين تجبّروا وتكبّروا .
وكان لها في كلّ عشر خطوات يكبر ثلاثاً، وتخيّل الناس أن السماء والأرض تجاوبه ، وصارت مروضجّة واحدة من البكاء ، وبلغ المأمون ذلك ، فارتاع ، فقال له الفضل بن سهل : يا أمير المؤمنين ، إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس ، فالرأي أن تسأله أن يرجع .
فرأى المأمون الصواب في رأيه ، فبعث للإمام يسأله الرجوع ، فقفل(عليه السلام)راجعاً من دون أن يصلي بالناس(1).
وقد أظهرت هذه البادرة للناس روحانية آل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وزهدهم في الدنيا ، ورفضهم لمباهج الملك والسلطان ، وقد أكبرها الناس أي إكبار ، وفيها يقول البحتري :
ذَكَرُوا بِطَلعَتِكَ النَّبِيَّ فَهَللوا*** لَمّا طَلَعتَ مِنَ الصُّفوفِ وَكَبَّروا
حتى انتهيت إلى المُصَلّى لابساً*** نورَ الهُدى يَبْدو عَلَيكَ فَيَظْهَرُ
وَمَشَيتَ مَشيَةَ حَاضِعِ مُتَواضِعٍ*** لِلهِ لَا يَزهو وَلَا يَتَكَبَرُ
1) أصول الكافي : 1 : 189 و 190 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 2: 150 و 151. مناقب آل أبي طالب : 3 : 479 و 480 .
. . . . .
وَلَو أَنَّ مُشتاقاً تَكَلَّفَ غَيرَ ما*** في وُسْعِهِ لَمَشى إِلَيكَ المِنْبَرُ(1)
ويقول الرواة : إن خروج الإمام إلى الصلاة بهذه الكيفية كان من أقوى الأسباب
التي أدت إلى حقد المأمون على الإمام ، وإقدامه على اغتياله .
وانتشرت فضائل الإمام الرضا(عليه السلام)و سرت بين الناس كالضوء ، وعجّت النوادي بذكر مآثره ومناقبه ، وازدحمت العلماء من جميع الأقطار على باب داره تستفتيه وتسأله عن أمهات المسائل على اختلاف أنواعها من الفقه والتفسير وعلم الكلام والفلسفة والطبّ وغيرها .
فكان(عليه السلام)يجيبهم من فيض علمه الذي ورثه من جده الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)الذي هو باب مدينة علم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)،وكانت العلماء تذيع بين العامة ما تراه من علوم الإمام وفضائله، حتى سرى حبّه في القلوب ، وتعلقت به الناس، وكانت الاستخبارات تنقل إلى المأمون ذلك ، فكان يتميّز من الغيظ والحقد على الإمام ، فأوعز إلى محمد بن عمرو الطوسي بطرد الناس عنه ، ومنعهم من الحضور في مجلسه .
وخاف المأمون على ملكه ، وخشي على سلطانه ، وحذر من انتفاضة الناس عليه ، فقدم على أعظم جريمة ، وأفحش موبقة في الإسلام ، فقام باغتيال الإمام ، فأخذ عنباً مسموماً ، ثم دعا الإمام ، وناوله العنقود فسمّه ، وقال له : يابن رسول الله ، ما رأيت عنباً أحسن من هذا !
فرمقه الإمام بطرفه ، وقال له : رُبَّمَا كَانَ عِنَبَاً حَسَناً مِنْهُ فِي الْجَنَّةِ .
وامتنع الإمام من إجابته ، فأصرّ عليه المأمون وأجبره على تناول شيء منه،
1) مناقب آل أبي طالب : 3 : 480 .
فأخذ منه قليلاً، ثم رمى به ، وقام من مجلسه ، فقال له المأمون : إلى أين ؟
فقال له بصوت خافت : إِلَى حَيْثُ وَجَهْتَني (1).
ومضى الإمام مسرعاً إلى ثويه ، وقد أخذ منه الألم القاسي مأخذاً عظيماً ، فقد تقطعت أمعاؤه من السم ، وهو يعاني ألم الغربة ، والبعد عن أهله ووطنه ، ولم يمض قليل من الوقت حتى وافاه الأجل المحتوم ، فصعدت تلك الروح العظيمة إلى بارئها .
لك الروح التي هي قبس من نور الله خلقها ليضيء بها غياهب الظلمات، ويرشد بها الحائر ، ويأمن بها المظلوم ، ويلجأ إليها الخائف والمستجير ، ولكن قوى الشرّ والطغيان قد أطفأت ذلك الكوكب ، وحرمت الإنسان من الاستضاءة بنوره .
لقد رزئ العالم الإسلامي بتلك الفاجعة الكبرى ، وخسر بموته خيراً كثيراً ، لقد انطوى عزّ المسلمين ومجدهم ، وغاب عنهم من كان يحنو عليهم ويعطف ، ومن كان يوجههم إلى الخير ، ويبعدهم عن الآثام والشرور .
وكان المأمون يترقب وفاة الإمام بفارغ الصبر ، فلما وافاه النبأ بموته انبرى وهو يظهر الحزن ، ويقول أمام الناس لنفي الجريمة عنه : كنت أمل أن أقدم قبلك ، ولكن أبى الله إلّا ما أراد(2).
وأخذ المأمون في تجهيز الإمام وتكفينه ، وبعد الفراغ منه حمل إلى مقره الأخير ، وقد جرى له تشييع هائل لم تشهد نظيره خراسان في جميع مراحل تاريخها ، ومشى خلف النعش العظيم المأمون وهو حاف حاسر ، رافعاً عقيرته قائلاً : لقد تلم الإسلام بموتك ، وغلب القدر تقديري فيك(3).
وجاء بالجثمان المقدس فشقّ له لحداً إلى جانب قبر الرشيد ، فواراه فيه ، وقد وارى معه الحلم والعلم والسخاء ، فقد أودع في أرض فارس مصباح من أئمّة الهدى ، وقد تقدّست تلك البقعة الطاهرة، وبلغت القمة شرفاً ومجداً ، فقد أحيطت بهالة من التكريم والتقديس عند
جميع المسلمين .
وسئل المأمون عن السبب في مواراة الإمام إلى جانب أبيه ، فقال : ليغفر الله لهارون بسبب جواره للرضا.
وهو منطق هزيل ، فإنّ كلّ إنسان يدفن بعمله ، ولا يجديه شرف الجوار ، وقد انبرى دعبل الخزاعي إلى الردّ عليه بقوله :
أَربعْ بِطُوسٍ عَلَى قَبرِ الزَّكِي بِها*** إِن كُنتَ تَرِيعُ مِنْ دِينِ عَلَى وَطَرِ(1)
ما يَنفَعُ الرَّجسَ مِنْ قُرْبِ الزَّكِي وَلا*** عَلَى الزَّكِي بِقُرْبِ الرِّجْسِ مِنْ ضَرَرِ
هَيْهاتَ كُلُّ امْرِىءٍ رَهْنٌ بِمَا كَسَبَتْ*** لَهُ يَداهُ ، فَخُذْ ما شِئْتَ أَوْ فَذَرِ
قبران في طوسِ خَيرُ النّاسِ كُلهم*** وَقَبرُ شَرْهِمُ هذا مِنَ العِبَرِ
وهذا هو منطق العدل والحق ، فماذا يجدي هارون قربه من الإمام وجواره منه ، وقد تلطخت يداه بدماء ذرّيّة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فأشاع فيهم القتل والإعدام ، وأسكن بيوتهم الشكل والحزن والحداد .
وبهذا العرض الموجز ينتهي بنا المطاف عن حياة هذا الإمام العظيم ، وعسى أن يساعدنا التوفيق فنتشرف بالبحث عن شؤونه وأحواله .
والشيء الذي يدعو إلى البحث والاستقصاء هو أن طائفة من المؤرّخين ذهبوا
1) أي قف وانتظر .
إلى أنّ المسمّى بإبراهيم من أبناء الإمام إنّما هو شخص واحد ، وليس له ابن آخر يسمّى بهذا الاسم ، وذهب آخرون إلى التعدّد، ونصوا على أنهما اثنان يلقب أحدهما بالأكبر، والآخر بالأصغر.
وقد حقق ذلك آية الله المرحوم السيّد مهدي بحر العلوم في رجاله ، قال ما نصه : ظاهر الأكثر كالمفيد في الإرشاد ، والطبرسي في الإعلام، والسروي في المناقب والإريلي في كشف الغمة أن المسمّى بإبراهيم من أولاد أبي الحسن موسى(عليه السلام)رجل واحد ، فإنّهم ذكروا عدة أولاد ولم يذكروا غير رجل ».
ثمّ قال : « والظاهر تعدّد إبراهيم ، كما نص عليه صاحب العمدة وغيره من علماء الأنساب ، فإنّهم أعلم من غيرهم بهذا الشأن، وليس في كلام غيرهم ما يصرّح بالاتحاد، فلا يعارض النصّ على التعدّد »(1).
ورأي الحجّة السيد بحر العلوم رأي وثيق، فإنّ الأعلام الذين ذكروا إبراهيم لم ينصوا على عدم التعدّد ، كما أنهم لم يذكروا جميع أبناء الإمام ، وإنما ذكروا بعضهم بالإضافة إلى أنّ علماء النسب قد أثبتوا التعدّد وهم أدرى وأثبت من غيرهم في هذه الأمور، وبعد هذا فلنعد إلى البحث عن شؤون هذا السيد الزكي إبراهيم.
كان إبراهيم سيّداً جليلاً، عظيم الشأن، ومن علماء عصره البارزين ، وروى الحديث عن آبائه(2).
ونقل ابن شدقم عن جده أن إبراهيم كان عالماً ، فاضلاً، كاملاً ، من أئمة الزيدية ، وكان شيخاً جليلاً كبيراً كريماً(3).
وقال الشيخ المفيد : «كان إبراهيم شيخاً كريماً »(1).
ومما يدل على نباهة شأنه أنّ الإمام موسى(عليه السلام)جعله من جملة أوصيائه في الظاهر لأجل التنويه باسمه والتشريف له ، وإعلاء مكانته ، ونعرض بعض أحواله :
ورماه بعض المترجمين له بالوقف مستنداً إلى رواية بكر بن صالح ، قال : «دخلت عليه بعد وفاة أبيه فقلت له : ما قولك في أبيك ؟
-هو حيّ .
ما قولك في أخيك أبي الحسن ؟
ثقة ، صدوق .
إنّه يقول : إن أباك قد مضى ؟
هو أعلم .
وطلب إبراهيم من بكر أن يخبره بقول أخيه الإمام الرضا(عليه السلام)في ذلك ، فأجابه أنّه يذهب إلى وفاته ، وبعد ما سمع بذلك قال : إنّه أعلم بما يقول.
فقال له أبو بكر : أفأوصى أبوك ؟
ودلّ هذا الخبر على ميله إلى الواقفية ، كما دلّ على تقديره وإكباره لأخيه الإمام
الرضا(عليه السلام)، واستفاد المحقق المامقاني من هذا الخبر توثيقه ، وحسن نيته ، فقال : وبالجملة فمن أمعن النظر في هذا الخبر علم أنّ الرجل في غاية درجة التقوى ، حيث أنّ الشبهة كانت دينية لم توجب رفع اليد عن الحق في توثيق أخيه وتصديقه إياه ، واعترافه بوصيّة أبيه ، وكون الأوصياء مجموعهم ، وأنّ الإمام الرضا(عليه السلام)مقدم عليهم ، بل لو لم يكن في ترجمة الرجل إلا الخبر هذا الكفى الفطن البصير في عدالته وديانته ، وكون الوقف لشبهة عرضت عنده وزالت »(1).
ومهما يكن من أمر ، فإنّ الكثير من المحققين قد صرّحوا بعدالته وبراءته من هذه التهمة .
وذكر الكليني أن إبراهيم وأخاه العبّاس قد خاصما الإمام الرضا(عليه السلام)، كما سنذكر ذلك في ترجمة العبّاس ، ومن المعلوم أنّ ذلك مضر بوثاقته وعدالته ، ولكنه لم ينص على أنه إبراهيم الأكبر أو الأصغر ، ومع هذا الاهمال فلادلالة فيه على قدحه بوجه من الوجوه .
ولا بد لنا من الاحاطة - ولو إجمالاً بحادثة أبي السرايا لأنها تلتقي مع غير واحد من أولاد الإمام(عليه السلام).
لقد فجر تلك الثورة الخطيرة في بدايتها ، ووضع تصميمها ومخططاتها الزعيم العظيم محمّد بن إبراهيم المعروف بالطباطبائي(2)، فقد رأى ما مُني به المسلمون
من الظلم الفاحش، وما عاناه العلويون من صنوف التنكيل والارهاق، وأنّه كان شديد الرقة والعطف على الضعفاء والمحرومين ، وقد حفّزته روحه الطاهرة إلى إعلان الثورة .
فقد حدّث المؤرّخون عنه أنّه كان في بعض شوارع الكوفة إذ وقع بصره على عجوز تتبع أحمال الرطب فتلتقط ما يسقط منها ، فتجمعه في كساء رثّ ، فسألها عن ذلك .
فقالت له : إني امرأة لا رجل لي ليقوم بمؤونتي ، ولي بنات لا يعدن أنفسهنّ بشيء ، فأنا اتتبع هذا في الطريق وأتقوّته أنا وولدي .
ولما سمع ذلك انفجر باكياً والتفت إليها قائلاً : والله أنت وأشباهك تخرجوني غداً حتى يسفك دمي(1).
وكان من الطبيعي أن يدفعه هذا الاحساس والحدب على الفقراء إلى المطالبة بحقوقهم وإعلان الثورة على الظالمين.
وأخذ يدبّر أموره ، فاتصل بزعماء العرب، وشخصيّات المسلمين طالباً منهم المساعدة والاشتراك معه في مقاومة الظلم وقلب الحكم القائم آنذاك ، وقد التقى بالزعيم العربي نصر بن شيث (2)، فاندفع يحرّضه على الانتفاضة ، وذكر ما جرى على أهله وشيعته من الظلم والجور قائلاً حتى متى توطأون بالخسف ، وتهتضم شيعتكم ، وينزى على حقكم ؟(3).
فألهبت هذه الكلمات قلبه ، ودفعته إلى الاسراع في ثورته ، ومن الأسباب المهمة التي حفّزته إلى المبادرة في نهضته هو اختلاف العبّاسيّين، وتفرّق كلمتهم بسبب
الفتنة التي حدثت بين الأمين والمأمون ، فقد أوجبت فقدان الاستقرار والأمن وشيوع الاضطراب بين الناس ، وتطلعهم إلى من ينقذهم ممّا هم فيه .
ومما زاد في إحكام الثورة وخطورتها انضمام القائد المحنّك أبي السرايا إليها وكان علوي الرأي ، يكنّ في نفسه للعلويين أعظم الولاء والحبّ ، ويتحرق على ما أصابهم من العنف والاضطهاد ، ويسعى جاهداً إلى قلب الحكم العباسي ، وإعادته إلى العلويين ، ونتحدّث بايجاز عن شؤون هذا القائد الملهم العظيم .
إنّه السري بن منصور من بني شيبان ، من ولد هاني بن مسعود ، وقيل : من بني تميم القاطنين في الجزيرة ، أقام مدّة من الزمن في شرقي الفرات . خاض في كثير من الحروب، ومارس عمليّاتها ، اشترك مع القائد يزيد بن مزيد في «أرمينية » لمقاتلة «الخرّميّة».
ولما توفي يزيد وتولى ابنه قيادة الجيش انضم إليه أبو السرايا ، وصار معه إلى أن عزل .. والتحق بعد ذلك بأحمد بن مزيد ، وقد أرسل الأمين أحمد بن مزيد لحرب هر ثمة بعد أن أعلن العصيان والتمرّد ، وقد أوعز إليه أن يجتمع به ليطلع على شؤونه .
والتقى به أحمد فشرح له هر ثمة أسباب خروجه ، وما تعانيه الأمة من ظلم العباسيين وجورهم ، فمال إليه أحمد ولحق بمعسكره ، وقدم بني شيبان إلى الجزيرة ، فاستخرج لهم الأرزاق من هرثمة ، فانضم إليه ما يزيد على ألفي فارس ، وبعد مقتل الأمين نقص هرثمة من عطايا الجيش ومرتباتهم ، فساء ذلك أبا السرايا ، وعزم على التخلّى عنه ، واستأذنه أن يحجّ ، فأذن له وأعطاه عشرين ألف درهم ، فأخذها وفرّقها بين أصحابه ، وقد استمال بذلك قلوبهم، وملك عواطفهم، وأوصاهم باتباعه إلى ( عين التمر ) .
فلما انتهوا إليها أخذوا عاملها ، ونهبوا أمتعته ، ولقوا عاملاً آخر لبني العباس فأخذوا أمواله وقسموها بينهم .
وأرسل هرثمة جيشاً ليناجز أبا السرايا الحرب ، ولما التقى الجيشان انهزم جيش هرثمة ، ومني بالخسائر الفادحة ، وسار أبو السرايا قاصداً نحو الأنبار ، فلما انتهى إليها استولى على الإدارة المحلّيّة ، وقتل عاملها إبراهيم الشروري ، وصادر جميع أمواله ، وأخذ يواصل الزحف بجيوشه ويبيد عمال بني العباس وعملائهم ، حتى انتهى إلى الرقة ، فالتقى بمحمّد بن إبراهيم ، وصمما على القضاء على الحكم العبّاسي ، وإعلان البيعة للرضا من آل محمّد»(1).
لقد مارس أبو السرايا الحروب ، وخاض غمارها ، وعرف أساليبها ، وقد منح قوّة الإرادة والعزم والتصميم ، وقد أسند له محمد بن إبراهيم القيادة العسكرية العامة ، ومنحه ثقته ، وفوّض إليه أمور الثورة وتخطيطها .
واتفق محمد وأبو السرايا على إعلان الثورة ، والاطاحة بالحكم العباسي ، فزحف أبو السرايا بجيوشه نحو نينوى ، واتجه إلى قبر سيّد الشهداء(عليه السلام)، فزار المرقد العظيم ، وأطال الزيارة ، وجعل يتمثل بأبيات منصور النمري قائلاً:
نَفْسي فِداءُ الحُسينِ يَومَ غَدا*** إلى المَنايا عَدْوَلاً قافِل
ذاكَ يَومَ أَنْحى بِشَفْرَتِهِ*** عَلى سَنامِ الإِسْلامِ وَالكَاهِلِ
كَأَنَّما أَنْتَ تُعْجِبُنِي أَلَّا*** يَنزِلَ بِالْقَومِ نِقْمَةُ الْعَاجِلِ
لا يَعجَلُ اللهُ إِنْ عَجِلْتَ وَما*** رَبُّكَ عَمّا تَرينُ بِالْغَافِلِ
مظلومة والنبي والدها*** يُديرُ أَرْجاءَ مُقْلَةٍ حافِلِ
1) تاریخ ابن خلدون : 4 :8
أَلا مَساعِيرَ يَغْضَبون لها*** بِسِلةِ البِيْضِ وَالْقَنا الذابل
ووثب فقال : من كان هاهنا من الزيدية فليقم إلي .
فوثب إليه جماعات من الناس فدنوا منه ، فخطبهم خطبة طويلة ذكر فيها أهل البيت(عليهم السلام)وفضلهم ، وما خصوا به ، وذكر فعل الأمة بهم، وظلمها لهم ، ثم ذكر الإمام الحسين(عليه السلام)، فقال : «أيها الناس ، هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه ، فما يقعدكم عمّن أدركتموه ولحقتموه وهو غداً خارج طالب بثأره وحقه ، وتراث آبائه ، وإقامة دين الله ، وما يمنعكم من نصرته ومؤازرته، إنّي خارج من وجهي هذا إلى الكوفة للقيام بأمر الله ، والذب عن دينه ، والنصر لأهل بيته ، فمن له نية في ذلك فليلحق بي».
واتجه بجيوشه إلى الكوفة ، وأما محمد قد أعلن الثورة في اليوم الذي اتفق فيه مع أبي السرايا ، وقد بايعه جمهور غفير من الناس ، وظل يترقب بفارغ الصبر قدوم أبي السرايا عليه حتى يئس منه أصحابه ، ولاموا محمداً على الاستعانة به ، واغتم محمد لتأخره عنه ، وبينما هم في قلق واضطراب إذ طلعت عليهم جيوش أبي السرايا ، ففرح محمد وسرّ سروراً بالغاً .
ولما بصر به أبو السرايا ترجّل عن فرسه ، وأقبل إليه فاعتنقه ، وسارا معاً إلى الكوفة ، فلما انتهى إليها ازدحمت الناس وبايعته بالإجماع ، وأظهروا فرحتهم الكبرى بذلك ، وكانت بيعتهم في موضع بالكوفة يُعرف بقصر الضرّتين(1).
ولمّا توفّرت الجيوش لمحمّد أعلن ثورته ، وكانت في سنة 199ه- من شهر جمادى الثانية (2).
وزحف الثوّار إلى الكوفة فاحتلوها، وهجموا على واليها الفضل بن عيسى ،
فنهبوا جميع ما في قصره ، ولكن أبا السرايا لم يكن راغباً في ذلك ، وأصدر الأوامر المشدّدة بالكفّ عن السلب والنهب ، ومراقبة العابثين ، كما أصدر أوامره بإرجاع المنهوبات إلى أهلها ، وانهزم الفضل بن عيسى ، فقوى أمر أبي السرايا ، وأحرز نصراً رائعاً ، وقد أرسل والى العراق الحسن بن سهل جيشاً يربو على ثلاثة آلاف فارس بقيادة زهير بن الحسن لحرب أبي السرايا .
فلما انتهى الجيش إلى الكوفة قاومه أبو السرايا بقوّة وعزم ، فهزمه وردّه على أعقابه ، وقد مني بالفشل والخسران ، واستولى على جميع أمتعته(1).
وانتصر أبو السرايا ، واندحر عدوّه ، وسرى الرعب والفزع في نفوس العبّاسييّن ، فقد أيقن الكثيرون منهم أنّ الثورة قد نجحت .
ومن المؤسف الذي يحز في النفس أنّه في تلك الفترة الحاسمة قد مُني الثوّار بوفاة الزعيم محمد بن إبراهيم ، ونصت أكثر المصادر أنه توفي وفاة طبيعية ، وعزت بعض المصادر أن أبا السرايا دسّ إليه السمّ فاغتاله ليتخلّص منه ، وأكبر الظنّ أنه توفي حتف أنفه ، لأنّ الثورة كانت في بداية أمرها ، وليس من الممكن بأي حال من الأحوال أن يقدم أبو السرايا على اغتياله في تلك الفترة الحرجة التي لم يتيقن فيها بنجاح ثورته.
ومهما يكن من أمر ، فإنّ أبا السرايا قام بتجهيز الجثمان المقدّس ، وبعدما غسله وأدرجه في أكفانه خرج في غلس الليل البهيم ومعه جماعة من الزيدية ، فحملوا النعش الطاهر وجاء وا به إلى الغريّ فدفنوه فيه(2).
ولما انبلج نور الصبح جمع الناس فنعى إليهم محمّداً ، وعزاهم بوفاته ، فارتفعت الأصوات من جميع الجهات بالبكاء والعويل .
ثم التفت إليهم قائلاً: «لقد أوصى أبو عبد الله إلى شبيهه ، ومن اختاره ، وهو أبو الحسن علي بن عبيد الله ، فإن رضيتم به فهو الرضى ، وإلا فاختاروا لأنفسكم ».
فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض ، ولم ينطق أحد منهم ببنت شفة ، وساد عليهم الوجوم، وانبری محمد بن محمد بن زيد ، وهو غلام حدث السنّ ، فقال : يا آل علي ، إن دين الله لا يُنصر بالفشل ، وليست يد هذا الرجل - يعني أبا السرايا - عندنا بسيّئة ، وقد شفى الغليل ، وأدرك الثأر .
والتفت إلى عليّ بن عبيد الله ، فقال له : ما تقول يا أبا الحسن ، فقد وصانا بك . امدد يدك نبايعك .
ثم قال : إن أبا عبيد الله(رحمۀ الله علیه) قد اختار ، فلم يعدم الثقة في نفسه ، ولم يألو جهداً في حق الله الذي قلّده ، وما ردّ وصيّته تهاوناً بأمره ، ولا أدع هذا نكولاً عنه ، ولكن أتخوّف أن اشتغل به عن غيره مما هو أحمد وأفضل عاقبة ، فامض رحمك الله لأمرك ، واجمع شمل بني عمّك ، فقد قلّدناك الرئاسة علينا ، وأنت الرضى عندنا ، الثقة في أنفسنا .
ثم قال لأبي السرايا : ما ترى ، أرضيت به ؟
فقال : رضاي من رضاك ، وقولي من قولك .
وجذبوايد محمد بن محمد فبايعوه ، وفي الوقت نظم شؤونه ، وبعث عماله إلى الأقطار الإسلامية ، فولّى إسماعيل بن عليّ على الكوفة ، وروح بن الحجاج على شرطته ، وعاصم بن عامر للقضاء، وجعل أحمد بن السري على شرطته ، وولّى نصر بن مزاحم السوق ، وعقد لإبراهيم بن موسى على اليمن ، وولّى زيد بن موسى على الأهواز ، وولى العباس بن محمد على البصرة ، والحسن بن الحسن الأفطس
على مكة ، وعقد لجعفر بن محمد بن زيد والحسين بن إبراهيم بن الحسن على واسط(1).
وضربت النقود بالكوفة ، وكتب عليها الآية الكريمة : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفَا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ(2).
واستتب الأمر إلى أبي السرايا ، وأخذت الثورة تتسع في مناطق العالم الإسلامي ، وأدرك العبّاسيّون الخطر الذي يهدّدهم بزوال حكمهم بين عشية وضحاها ، وقد مني والي العراق الحسن بن سهل بالفشل الذريع، فكتب إلى طاهر بن الحسين لينفذه إلى قتال أبي السرايا ، كما كتبت إليه رقعة فيها هذه الأبيات ، وقد أخفى صاحبها اسمه وهي :
قناعُ الشَّكُ يَكْشِفُهُ اليَقينُ*** وَأَفضَلُ كَيدِكَ الرَّأْيُ الرَّصِينُ
تَثَبِّتْ قَبلَ يَنفَذُ فيك أَمْرٌ*** يهيجُ لِشَرِّهِ داءٌ دَفينُ
اتَنْدِبُ طَاهِراً لِقِتالِ قَومِ*** بِنُصرَتِهِمْ وَطاعَتِهِمْ يَدينُ
سَيُطلِقُها عَلَيكَ مُعَقَلاتِ*** تَصُرُّ ودونَها حَربٌ زَبونُ
وَيَبْعَثُ كامِناً في الصدرِ مِنْهُ*** وَلا يَخْفى إذا ظَهَرَ المَصون
فَشَأْنُكَ وَاليَقينُ فَقَدْ أَنَارَتْ*** مَعالِمُهُ وَأَظْلَمَتِ الظُّنون
ودونَكَ ما تُريدُ بِعَزمِ رَأْيِ*** تُدَبِّرُهُ وَدَعْ ما لا يَكونُ (3)
فلما قرأها رجع عن رأيه، وكتب إلى هرثمة بن أعين يسأله التعجيل، وأوفد إليه السندي بن شاهك، إلا أنه كانت بين الحسن بن سهل وهرثمة شحناء وتنافر.
فلمّا انتهى إليه الكتاب ، قال : نوطئ نحن الخلافة ، ونمهد لهم أكنافها ، ثمّ يستبدّون بالأمور ويستأثرون بالتدبير علينا ، فإذا انفتق عليهم فتق بسوء تدبيرهم وإضاعتهم الأمور أرادوا أن يصلحوه بنا ، لا والله ، ولا كرامة حتى يعرف أمير المؤمنين - يعني المأمون - سوء آثارهم ، وقبيح أفعالهم.
وتباعد السندي عنه حين يئس منه ، ولكن وردته رسالة من المنصور بن المهدي فقرأها وأجاب بعد ذلك ورجع إلى بغداد، فلما صار إلى النهروان خرج لاستقباله البغداديون والقوّاد والوجوه وترجّلوا جميعاً حينما رأوه حتى أتى إلى منزله ، وأمر الحسن بن سهل بدواوين الجيش ، فنقلت إليه ليختار من الرجال ما شاء ، وأطلق له بيوت الأموال ، وأخذ يجمع الجيوش حتى صار عنده ثلاثون ألف مقاتل ما بين فارس وراجل .
ولما تمّ له ما أراد من العدد والعدّة زحف بجيشه نحو الكوفة ، فاجتاز على المدائن ، وكانت خاضعة لحكم أبي السرايا ، فاستولى عليها ، وهزم عاملها ، ثمّ زحف نحو الكوفة فالتقى العسكران عند قصر ابن هبيرة ، فوقع بينهما الحرب ، فقتل من أصحاب أبي السرايا خلق كثير ، وألح عليه هرثمة بالحرب ، فأجابه إلى ذلك حتى تفتت جميع قواه ، ولم يعد قادراً على حماية الكوفة التي هي عاصمته ، ومركز ثورته ، فاضطر لمغادرتها قاصداً نحو القادسية، واستولى هرثمة على الكوفة ، وترك أبو السرايا القادسية منهزماً حتّى أتى إلى ( السوس ) فأغلق أهله الأبواب ، فطلب منهم أن يفتحوها له ففتحوها ، وطلب منه عاملها مغادرتها ، فأبى ، فوقعت الحرب بينهم ، فقتل جماعة من أصحابه .
وانهزم أبو السرايا قاصداً إلى خراسان ، فنزل قرية يقال لها ( برقانا ) ، فخرج إليهم عاملها فاجتمع بهم ، وأعطاهم الأمان على أن يرسلهم إلى الحسن بن سهل ، فأجابوه إلى ذلك ، وبالوقت حملهم إليه ، وكان آنذاك مقيماً بالمدائن ، فلما وصلت إليه الأسرى أمر بقتل أبي السرايا ، وبعد قتله أمر بصلب رأسه في الجانب الشرقي من
بغداد ، كما أمر بصلب بدنه في الجانب الغربي منها(1).
وكانت المدة بين خروجه وقتله عشرة أشهر(2).
إنّ حادثة أبي السرايا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بزيد وبإبراهيم وبغيرهما من أولاد الإمام ، فقد اشترك الكثيرون منهم فيها ، إلا أنّ زيداً وإبراهيم كانا في الطليعة ممّن ساهم فيها ، وقد أسندت لهما الولاية على بعض الأقطار الإسلامية .
أما ما وقع لإبراهيم بعد فشل الحركة والقضاء عليها ، فقد وردت عدة روايات وهي :
الأولى : إنّه بعد ما ولاه أبو السرايا على اليمن مضى إليها ، فأذعن له أهلها بعد اصطدام يسير وقع بينهم وبينه(3).
الثانية : أنه كان أميراً على مكة المشرفة ، فلما بلغه خبر أبي السرايا ظهر بمكة سنة 201ه- ، ودعا الناس لنفسه ، فاستجاب له جمهور غفير من الناس ، فقام بالأمر وقتل خلقاً كثيراً ممّن يرى رأي العبّاسيّة ، وأقام الحجّ في تلك السنة ، وهو أول علوي أقام فيها الحجّ ، فخاف منه المأمون ، فخادعه باستخلافه على اليمن ، فقدم صنعاء ، وكان فيها ابن فاهان فخاذله حتى أسره(4).
الثالثة : أنّه كان بمكّة حين مقتل أبي السرايا ، فلما بلغه ذلك سار إلى اليمن واستولى على كثير من مناطقها ، ودعا الناس لنفسه(5).
الرابعة : إنّه استولى على اليمن، وامتدت حكومته إلى الساحل وإلى القرن
الشرقي من اليمن ، وحج بالناس في عهد المأمون ، وقد خطب في الناس في الحرم الشريف، فدعا للمأمون ولولي عهده الإمام الرضا(عليه السلام)(1).
الخامسة : أنّه حارب المأمون ، وانكسر جيشه ففرّ هارياً إلى مكة، ولما جاء المأمون إلى بغداد جاء إبراهيم إليه فآمنه (2).
هذه بعض الروايات التي وردت فيه ، وأكبر الظنّ أنّه فتح اليمن واستولى عليها ، وبعد فشل حركة أبي السرايا انهار عزمه ، فطلب الأمن من المأمون فآمنه ، ومما يؤيد ذلك ما روي أنّ الإمام الرضا قد تشفّع فيه عند المأمون لما كان في خراسان فشفّعه فيه وخلى سبيله(3).
انتقل السيد الزكي إبراهيم إلى جوار ربه في بغداد سنة 213ه- (4).
وقيل سنة 210ه- (5)، وقد أجمع المترجمون له أنه مات مسموماً ، وأن المأمون هو الذي دسّ إليه السمّ ، وقد شيّع جثمانه المقدّس بتشييع حافل ، وأنزله في ملحودة قبره الفقيه ابن السمّاك(6)
هو أبو العبّاس محمد بن صبيح ، مولى بني عجل الكوفي الزاهد ، كان حسن الكلام ، صاحب مواعظ ، لقي جماعة من الصدر الأوّل فأخذ عنهم الحديث ، مثل هشام بن عروة ، والأعمش ، وغيرهما .
وروى عنه أحمد بن حنبل وغيره ، قدم بغداد زمن الرشيد ، فمكث فيها مدة ، دخل على الرشيد فقال له : ناشدتك الله ، لو منعك الله من شربة ماء ماكنت فاعلاً ؟
قال : كنت أفتديه بنصف ملكي .
قال له : ناشدتك الله لو منعك الله من خروج الماء منك ما كنت فاعلاً ؟ أعيان الشيعة :229:2
قال : كنت أفتديه بنصف ملكي .
فقال له : إن ملكاً يفتدى به بشربة ماء لخليق أن لا ينافس عليه
توفي بالكوفة . الكنى والألقاب : 1: 305.
.وأنشد حينما ألحده :
مات الإمامُ المُرتَضى مَسْموماً*** وَطَوى الزَّمانُ فَضائِلاً وَعُلوما
قد مات في الزوراء مظلوماً*** كَمَا أَضْحَى أَبوهُ بِكَرَبَلا مَظْلُوما
فَالشَّمسُ تَندِبٌ مَوتَهُ مُصفَرَّةً*** وَالبَدرُ يَنطِمُ وَجْهَهُ مَعْموما (1)
دفن جثمانه الطاهر بالقرب من قبر أبيه الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال السيد الأعرجي : إنه دفن في القطيعة ، وعليه مشهد وهو ظاهر يزار ويتبرك به ، والعامة تزعم أنه قبر المرتضى علم الهدى ، وهو وهم ، فإنّ المرتضى حمل إلى الحائر الشريف ودفن عند أخيه وأبيه بإجماع العلماء ، وإنّما المدفون هناك هو إبراهيم المرتضى ابن الكاظم(2).
يلقب بالمرتضى ، وهو أصغر ولد أبيه ، وأمّه نوبيّة اسمها نجيّة(3).
وذكر العبيدلي النسّابة أنّ إبراهيم الصغير ابن الكاظم كان عالماً عابداً ، وليس هو صاحب أبي السرايا ، وإنما ذاك أخوه إبراهيم الأكبر(1).
ونصت بعض المصادر أنه ظهر في اليمن أيّام أبي السرايا(2).
وهو المعقب المكثر جد المرتضى والرضي ، وجد الأشراف الموسويّة(3)
هذا جميع ما عثرنا عليه في ترجمته . دفن في كربلاء خلف قبر جده الحسين(عليه السلام)بستة أذرع(4).
وقيل : توفّي في بغداد في الجانب الشرقي، ودفن في مقبرة باب (راز )(5).
أمّه أم ولد ، وهي أم أخويه محمد وحمزة ، وكانت من السيدات المحترمات تُدعى أمّ أحمد ، وكان الإمام موسى(عليه السلام)شديد التلطف بها ، ولما توجه من المدينة إلى بغداد أودع عندها مواريث الإمامة ، وقال لها : كلّ من جاءك وطلب منك هذه الأمانة في أي وقت من الأوقات فاعلمي بأنّي قد استشهدت، وأنه هو الخليفة من بعدي، والإمام المفترض الطاعة عليك وعلى سائر الناس وأمر ابنه الرضا(عليه السلام)بحفظ الدار ، ولمّا سمّه الرشيد في بغداد ، جاء إليها الإمام الرضا(عليه السلام)فطالبها بالأمانة ، فقالت له أمّ أحمد : لقد استشهد والدك .
فقال : بلى ، والآن فرغت من دفنه ، فأعطيني الأمانة التي سلّمها إليك أبي حين خروجه إلى بغداد وأنا خليفته والإمام بالحق على جميع الإنس والجن ، فشقت اُمّ
أحمد جيبها ، وردّت عليه الأمانة ، وبايعته بالإمامة(1)، وفيما يلي لمحة عنه :
كان الإمام موسى(عليه السلام)كثير الاعتناء بولده أحمد ، وكانت له المنزلة السامية عنده ، فكان يقدمه على بعض أولاده ، ووهب له بعض ضياعه(2)، وجعله من جملة أوصيائه في الظاهر(3).
وحدّث إسماعيل ابن الإمام عن مدى اهتمام أبيه بأخيه أحمد ، قال : « خرج أبي بولده إلى بعض أمواله ، وكان مع أحمد عشرون رجلاً من خدم أبي وحشمه ، إن قام أحمد قاموا معه ، وإن جلس جلسوا معه ، وأبي مع ذلك يرعاه ببصره ما يغفل عنه ، وما انقلبا حتى انشج أحمد(4)، إنّ رعاية الإمام له وعدم الغفلة عنه تدلّ على ما يكنّه له من الحب والإخلاص
كان أحمد من عيون المتقين والصالحين، وقد أعتق ألف مملوك(5)، متقرباً بها إلى الله تعالى ، وقد نظم ذلك بعض الشعراء بقوله :
شاه چراغ(6)أَحمَدُ بْنُ كاظِمِ*** أَعتَقَ أَلْهَا سَيْدِ الأَعاظم(7)
وممّا يدلّ على صلاحه وورعه أنّه لمّا شاع خبر وفاة الإمام موسى في المدينة اجتمع أهلها على باب أمّ أحمد ، وخرج الناس ومعهم أحمد وقد ظنوا أنه الإمام من بعد أبيه وذلك لما عليه من الجلالة ووفور العبادة، وإظهار تعاليم الإسلام ، فظنوا أنه هو الخليفة والإمام بعد أبيه ، فبايعوه بالإمامة فأخذ منهم البيعة ، وصعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة كانت في منتهى البلاغة والفصاحة ، ثمّ قال : « أيّها النّاس ، كما أنكم جميعاً في بيعتي ، فإنّي في بيعة أخي علي بن موسى الرضا، واعلموا أنه الإمام والخليفة من بعد أبي وهو ولي الله ، والفرض عليَّ وعليكم من الله والرسول طاعته بكل ما يأمرنا فكل من كان حاضراً خضع لكلامه ، وخرجوا من المسجد يقدمهم أحمد ، وحضروا عند الإمام الرضا(عليه السلام)، فأقروا بإمامته(1).
وفي هذا الخبر دلالة على إيمانه وتقواه .
وذهبت بعض فرق الشيعة المنقرضة إلى إمامته ، وادعت أنّه الإمام بعد أبيه .
كان من فضلاء عصره، وقد روى عن أبيه وآبائه أحاديث كثيرة ، وقد كتب المصحف الكريم بيده المباركة(2).
ولكنّا لم نعثر على تراث له .
ونصت بعض المصادر أن أحمد كان من جملة الخارجين مع أبي السرايا . فقد حدّث إبراهيم وإسماعيل ابنا أبي سمّال ، قالا : «لما كان من أمر أبي الحسن
ما كان كنّا نأتي إلى أحمد ابنه زماناً ، فلما خرج أبو السرايا خرج أحمد معه ، فقصد محمد بن أحمد بن أسيد، إبراهيم وإسماعيل ، فقال لهما : إن هذا الرجل قد خرج مع أبي السرايا فما تقولان ؟
فأنكرا ذلك منه ورجعا عنه ، وقالا : أبو الحسن حي نثبت على الوقف(1).
وذهب بعضهم أن خروجه مع أبي السرايا قادح في عدالته (2).
ولكنا نشجب ذلك نظراً لتوثيق الشيخ المفيد وغيره من العلماء الأعلام له .
والمشهور أنّه توفّي وفاة طبيعية ، فقد ذكر معين الدين ( المتوفى حدود 791ه-) أنّ السيد الأمير أحمد بن موسى قدم شيراز فتوفّي بها في أيام المأمون بعد وفاة أخيه على الرضا(عليه السلام)(3).
وذكرت بعض المصادر أنّه قتل شهيداً ، وذلك حينما بلغه غدر المأمون بأخيه الرضا(عليه السلام)، وكان آنذاك في بغداد ، فحزن عليه حزناً شديداً، وخرج من بغداد للطلب بثأره ، وكان معه ثلاثة آلاف من أحفاد الأئمة الطاهرين قاصدين حرب المأمون ، ولما وصلوا إلى قم حاربهم عاملها ، فاستشهد جماعة من أصحابه ، فرحل إلى الري فحاربه عاملها ، فاستشهد جماعة من أصحابه ،ففرّواحتّى وصلوا إلى (اسفراين ) إحدى نواحي خراسان ، فنزلوا في أرض سبخة بين جبلين ، فهجم عليهم عسكر المأمون فحاربهم وقتلهم واستشهد أحمد ودفن هناك ، وقبره يزار في ذلك الموضع .
وعلّق السيّد محسن الأمين(رحمۀ الله علیه)على ذلك بقوله : « وهذا غريب مخالف للمشهور من أن مشهده بشيراز ..
وأضاف يقول: «إنّ هذا الخبر يشبه أن يكون من الأقاصيص والحكايات الموضوعة»(1).
ومهما يكن من أمر ، فإنّ المعروف أنه توفي في شيراز ودفن هناك(2).
ويُعرف قبره قبل بسيد السادات ، ويُعرف الآن ب- ( شاه چراغ )(3).
ويقي قبره مخفيّاً ، ولكنه ظهر في عهد الأمير مقرّب الدین مسعود بن بدر ، فبنی عليه بناءاً ، وقيل : وجد في قبره كما هو صحيحاً طرياً لم يتغير ، وفي يده خاتم نقش عليه : « العزة لله ، أحمد بن موسى فعرفوه به ، ثم بنى عليه الأتابك أبو بكر بناءاً أرفع من البناء الأوّل ، وعمّرته أخيراً الخاتون تاشي، وكانت امرأة صالحة زاهدة عُرفت بالعبادة والنسك، فبنت على المرقد الشريف قبة رفيعة، وبنت بجنبها مدرسة عالية ، وجعلت مرقدها بجواره ، وذلك في سنة 750ه-(4).
وحدّث الرحالة الشهير أبو عبدالله الطنجي المعروف بابن بطوطة عن زيارته للمرقد الكريم ، وعن تكريم الشعب الايراني النبيل لذلك الضريح المقدّس ، قال تحت عنوان ( ذكر المشاهد بشيراز ) : «فمنها مشهد أحمد بن موسى أخي الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وهو مشهد معظم عند أهل شيراز يتبركون به ، ويتوسلون إلى الله بفضله ، وبنت عليه طاش خاتون أمّ السلطان أبي إسحاق مدرسة كبيرة وزاوية فيها الطعام
للوارد والصادر ، والقراء يقرأون القرآن على التربة دائماً ، ومن عادات الخاتون أنّها تأتي إلى هذا المشهد في كلّ ليلة اثنين ، ويجتمع في تلك الليلة القضاة والفقهاء والشرفاء ، وشيراز من أكثر بلاد الله شرفاء ، سمعت من الثقات أن الذين لهم بها المرتبات من الشرفاء ألف وأربعمائة ونيف بين صغير وكبير ، ونقيبهم عضد الدين الحسيني ، فإذا حضر القوم بالمشهد المبارك ختموا القرآن قراءة في المصاحف ، وقرأ القرّاء بالأصوات الحسنة ، وأوتي بالطعام والفواكه والحلواء ، فإذا أكل القوم وعظ الواعظ ، ويكون ذلك كله من بعد صلاة الظهر إلى العشاء ، والخاتون في غرفة مطلّة على المسجد لها شبّاك ، ثمّ تضرب الطبول والأنقار والبوقات على باب التربة ، كما يفعل ذلك عند أبواب الملوك »(1)
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن ترجمة هذا السيد الجليل .
يلقب بالأمين(2)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)(3).
وروى له الكليني في الكافي حديثاً رواه عن عمه ، وعن جده الإمام الصادق(عليه السلام).
وله بنات منهنّ : السيدة رقية ، وقد عمّرت طويلاً، وتوفيت في بغداد سنة 316ه- ، ومن أحفاده الورع أبو طالب المهلوس ، وأبو جعفر محمد الصوراني الذي قتل في شيراز(4).
توفّى فى المدينة المنوّرة سنة 240ه- ودفن بها ، وذكر حمد الله المستوفي أنه
توفّي في (ساوة) ودفن بها(1).
من عيون علماء عصره ، وفي طليعة المتقين والصالحين ، كان أميراً على فارس من قبل أبي السرايا (2)، وبعد فشل الحركة سكن مصر ، وسكنها من بعده أولاده وأحفاده.
ومما يدل على سموّ مكانته وتقواه أنّه لمّا توفّى صفوان بن يحيى أمره الإمام أبو جعفر(عليه السلام)بالصلاة عليه ، والنيابة عنه في ذلك(3). ألف عدة من الكتب رواها عن آبائه ، منها :
1 - كتاب الطهارة .
2 - كتاب الصلاة .
3 - كتاب الزكاة .
4 - كتاب الصوم .
5 - كتاب الحج .
6 - كتاب الجنائز .
7 - كتاب الطلاق
8- كتاب النكاح .
9- كتاب الحدود .
10 - كتاب الدعاء .
11 - كتاب السنن والآداب .
12 - كتاب الرؤيا (1).
ومن أجل كتبه التي يعوّل عليها« الجعفريات »(2).
وذكر النوري : أن الجعفريات » من الكتب القديمة المعروفة المعوّل عليها(3).
وقد استدل علماؤنا الأعلام على مدحه ، وغزارة علمه وفضله بكثرة تأليفه(4). توفّي في مصر ودفن بها(5)
يكنى أبا الحسن ، أمه أم ولد (6)، ويُعرف بالخواري ، نسبة إلى خوار، وهي إحدى قرى مكة المعظمة ، كان ينزلها في أكثر أوقاته ، فنسب إليها هو وبنوه ، فقيل لهم : « الخواريون » ، ويقال لهم :« الشجريون » أيضاً ، لأنهم ينزلون في المواضع الكثيرة الشجر(7).
وقد أعقب 14 ولداً الذكور سنة ، والإناث ثمان(8).
1) رجال النجاشي : 48/26 . فهرست الطوسي : 32/46 .
2) تسمّى بالأشعثيات ، والعلويات.
3) مستدرك الوسائل : 1 : 15 .
4) رجال أبي داود : 198/52 .
5) تحفة العالم : 2 34 الفوائد الرجالية : 2 : 120 . تذكرة جامع الأنساب : 39 .
6) تحفة الأزهار 2 200 . بحار الأنوار: 48 283 .
7) مناهل الغرب : 567 .
8) عمدة الطالب : 218. سرّ السلسلة العلوية : 41 .
أمه أمّ ولد ، عقبه قليل جداً . قال أبو نصر البخاري : « والحسن بن موسى له ولد يسمّى جعفراً من أمّ ولد ، يقال : إنّه أعقب ، ويقال غير ذلك ، وقال ابن طباطبا وأبو الحسن العمري :« أعقب الحسن بن موسى بن جعفر وحده ، وأعقب جعفر من ثلاث : محمد ، والحسن ، وموسى»(1).
ولم تعين لنا كتب التاريخ والأنساب التي بأيدينا الزمان الذي توفّي فيه ، والمحل الذي دفن فيه.
يلقب بالسيد علاء الدين(2)، وكان سيّداً جليل القدر ، رفيع الشأن ، ومما يدل على سموّ مكانته رواية البزنطي ، فقد جاء فيها أنّه سئل الإمام الجواد(عليه السلام): أي عمومتك أبربك ؟
فقال : الْحُسَيْنُ .
قال الإمام الرضا(عليه السلام) : صَدَقَ وَاللهِ ، هُوَ وَاللهِ أَبَرُّهُمْ بِهِ وَأَخْبَرُهُمْ (3).
وحدث الحسين ، قال : «كنا حول أخي أبي الحسن الرضا(عليه السلام)ونحن شبّان من بني هاشم ، إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي، وهو رثّ الهيئة ، فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئته ، فقال لنا الإمام الرضا(عليه السلام): لِتَرَوْنَهُ عَنْ قَرِيبٍ كَثِيرَ الْمَالِ ،كَثيرَ التَّبَع(4).
قال : فما مضى إلا شهر حتى ولي المدينة ، وحسنت حاله ، وكان يمر بنا ومعه الحشم(1)
قال البراقي : «توفّي بالكوفة ودفن بالعباسية ، ويقع قبره بالقرب من (أمّ البعرور ) ، ويعرف عند المجاورين له بقبر الحسن»(2).
وقال المرحوم السيد جعفر آل بحر العلوم : « إنّ قبره بشيراز ، ذكره شيخ الإسلام شهاب الدين في تاريخه المعروف ( بشيراز نامه ) ، وملخص ما ذكره أن قتلغ كان والياً علی شیراز ، وكان له حديقة في مكان ، حيث هي مرقد السيد المذكور ، وكان بواب تلك الحديقة رجلاً من أهل الدين والمروءة ، وكان يرى في ليالي الجمعة نوراً يسطع من مرتفع في تلك الحديقة ، فأبدى حقيقة الحال إلى الأمير قتلغ ، وبعد مشاهدته لما كان يشاهده البوّاب ، وزيادة تجسّسه وكشفه عن ذلك المكان ظهر له قبر وفيه جسد عظيم في كمال العظمة والجلالة والطراوة والجمال بإحدى يديه مصحف ، وبالأخرى سيف مصلت ، فبالعلامات والقرائن علموا أنه قبر الحسين بن موسى ، فبنى له قبة ورواقاً ، والظاهر أن قتلغ خان هذا غير الذي حارب أخاه السيد أحمد ، ويمكن أن تكون الحديقة باسمه، والوالى الذي أمر ببناء مشهده غيره ، فإنّ «قتلغ » لقب جماعة كأبي بكر بن سعد الزنكي .
وقال أيضاً : وكتب بعضهم أنّ السيد علاء الدين حسين كان ذاهباً إلى تلك الحديقة ، فعرفوه أنّه من بني هاشم فقتلوه في تلك الحديقة ، وبعد مضي مدة وزوال آثار الحديقة بحيث لم يبق منها إلا ربوة مرتفعة عرفوا قبره بالعلامات المذكورة ، وكان ذلك في دور الدولة الصفويّة .
وجاء رجل من المدينة يقال له ميرزا علي فسكن شيراز ، وكان مثرياً ، فبنى عليه
قبّة عالية ، وأوقف عليه أملاكاً وبساتيناً ، ولما توفّي دفن بجنب البقعة ، وتولية الأوقاف كانت بيد ولده ميرزا نظام الملك أحد وزراء تلك الدولة ، ومن بعده إلى أحفاده ، والسلطان خليل حاكم شيراز من قبل الشاه إسماعيل الصفوي رمّم البقعة المذكورة وزاد على عمارتها السابقة فى سنة 810ه-(1).
يكنى أبا القاسم ، أمه أم ولد ، كان عالماً فاضلاً كاملاً، مهيباً ، جليلاً، رفيع المنزلة ، عالي المرتبة ، مقدّراً عند الخاصة والعامة ، سافر مع أخيه الإمام عليّ الرضا(عليه السلام)إلى خراسان ، وكان واقفاً في خدمته ، ساعياً في مآربه ، طالباً لرضائه ، ممتثلاً لأمره ، فلما وصل إلى ( سو سعد ) إحدى قرى (ترشز ) خرج عليهم قوم من أتباع المأمون فقتلوه ، وقبره في( بستان )، وقد أعقب ولدين : أحدهما عليّ ، والآخر أبا محمد القاسم . وإليه تنتمي السادة الصفويّة(2).
وصرّحت بعض المصادر أن قبره في الري بالقرب من قبر السيّد الجليل شاه عبد العظيم(3)، وقيل : إنّه مدفون في قم .
أمّه أمّ ولد ، ويُعرف بزيد النار ، وكان زيديّاً في رأيه ، أي أنّه يذهب مذهب الزيدية في الخروج على السلطة ، لا أنه يعتقد بإمامة الخارج كما هو مذهبهم ، وكان مزاحاً (4).
وفيما يلي بعض شؤونه :
وأجمع المترجمون لزيد أنّه ممن خرج مع أبي السرايا ، وأنه كان والياً من قبله على البصرة ، ولكنّ الروايات اختلفت في بيان حاله بعد فشل تلك الثورة ، وهذه بعضها :
الأولى : إنّه لما دخل البصرة ، وغلب عليها ، أحرق دور بني العباس ، وأضرم النار في نخيلهم وجميع أسبابهم ، فقيل له ( زيد النار ) ، وحاربه الحسن بن سهل فظفر به ، وأرسله إلى المأمون ، فأدخل عليه بمرو مقيداً فأرسله المأمون إلى أخيه الرضا ووهب له جرمه ، فحلف الإمام الرضا (عليه السلام) أن لا يكلمه أبداً(1).
الثانية : إنّه لمّا كان من أمر أبي السرايا ما كان ، استتر زيد ، فطلبه الحسن بن سهل فدلّ عليه ، فحبسه ، فلم يزل في الحبس ببغداد حتى ظهر إبراهيم المهدي المعروف بابن شكلة ، فاجتمع أهالي بغداد على السجن فأخرجوه منه ، فمضى إلى المدينة فأحرق الدور وقتل جماعة ، ودعا لبيعة محمّد بن جعفر بن محمد ، فبعث إليه المأمون جيشاً فأسره وحمله إليه ، فقال له : يا زيد ، خرجت بالبصرة ، وتركت أن تبدأ بدور أعدائنا من بني أمية وثقيف وغني(2)وباهلة وآل زياد ، وقصدت دور بني عمك .
فقال له : أخطأت يا أمير المؤمنين من كل جهة، إن عدت للخروج بدأت بأعدائنا .
فضحك المأمون وبعثه إلى أخيه الرضا(عليه السلام)، وقال : قد وهبت لك جرمه ، فأحسن
أدبه .
فلمّا مثل عند الإمام عنّفه وخلّى سبيله، وحلف أن لا يكلمه أبداً ما عاش(1).
الثالثة : إنّه لما قتل أبو السرايا تفرّق الطالبيّون ، فتوارى بعضهم ببغداد ، وبعضهم بالمدينة ، وبعضهم بالكوفة ، وكان ممّن توارى زيد، فطلبه الحسن بن سهل ، فدلّ عليه ، فلما جيء به إليه أمر بحسبه ثمّ أخرجه من السجن ، وأمر بضرب عنقه .
فانبرى إليه الحجّاج بن خثيمة ، فقال له : أيها الأمير ، إن رأيت أن لا تعجل وتدعوني إليك ، فإنّ عندي نصيحة ، فأجابه إلى ذلك ، فقال له : أيّها الأمير ، أتاك بما تريد أن تفعله أمر من أمير المؤمنين ؟
فقال : لا .
فقال : علام تقتل ابن عم أمير المؤمنين من غير إذنه وأمره ، واستطلاع رأيه فيه ؟
ثم حدثه بحديث أبي عبد الله بن الأفطس ، وأن الرشيد حبسه عند جعفر بن يحيى ، فأقدم عليه جعفر فقتله من غير إذنه ، وبعث برأسه إليه في طبق مع هدايا النيروز ، وأنّ الرشيد لما أمر مسرور الكبير بقتل جعفر بن يحيى قال له : إذا سألك جعفر عن ذنبه الذي تقتله به ، فقل له : إنّما أقتلك بابن عمي ابن الأفطس الذي قتلته من غير أمري .
ثمّ قال الحجّاج للحسن :أفتأمن أيّها الأمير أن تحدث حادثة بينك وبين أمير المؤمنين ، وقد قتلت هذا الرجل فيحتج عليك بما احتج به الرشيد على جعفر بن يحيى ؟
فقال : جزاك الله خيراً ، ثم أمر برد زيد إلى محبسه ، فلم يزل محبوساً إلى أن ظهر أمر إبراهيم بن المهدي، فهجم أهالي بغداد على السجن فأخرجوه منه ، ولكنّ
1) تذكرة جامع الأنساب : 65.
الشرطة قبضت عليه وحمل إلى المأمون ، فبعث به إلى أخيه الرضا فأطلقه(1).
الرابعة : لما ثار زيد فى البصرة أرسل المأمون عليه الحسن بن سهل فظفر به ، فأرسله إلى المأمون مقيداً إلى (مرو).
ثمّ إنّ المأمون قال لأخيه الرضا : قد خرج علينا أخوك ، وفعل ما فعل ، وقد خرج قبله زيد بن عليّ ، والآن قد عفونا عنه إكراماً لك ، ووهبناه إياك ، ولولا عظيم منزلتك لأمرت بصلبه ، وليس ما أتاه بحقير .
فقال له الإمام الرضا(عليه السلام): لَا تَقِسٌ زَيْداً إِلَى زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ عُلَماءِ آلِ مُحَمَّدٍ ، فَقَدْ غَضِبَ لِدِينِ اللهِ ، وَخَرَجَ مُجاهِداً الأعداء في سبيل اللهِ حَتَّى قُتِلَ شَهيداً .
ثمّ إنّ الإمام أمر بإطلاق زيد وحلف أن لا يكلمه(2).
هذه بعض الروايات التي بينت حاله بعد فشل ثورة أبي السرايا ، وهي مختلفة في بيان حاله ، ولكنّها متفقة على أنّ المأمون قد أطلق سراحه وعفا عنه ، وأنه لم ينل عقوبة من السلطان ولم يتعرّض لأي مكروه .
ولم تكن العلاقة بينه وبين الإمام الرضا(عليه السلام) على ما يرام، فقد ورد من الإمام الرضا(عليه السلام)ما يدل على انتقاصه والحط من شأنه ، فقد حدّث الحسن بن موسى بن علي الوشاء البغدادي ، قال : كنت بخراسان عند عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)، وكان أخوه زيد في مجلسه وهو يتحدّث مع جماعة ويفخر عليهم ويقول : نحن ونحن ، وكان أبو الحسن مشغولاً مع جماعة يحدثهم ، فلما سمع مقالة زيد تأثر وتغيّر حاله والتفت إليه قائلاً: يا زَيْدُ ، أَغَرَّكَ قَوْلُ ناقِلى الْكُوفَةِ أَنَّ فاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَحَرَّمَ اللهُ
ذُرِّيَّتها عَلَى النّارِ ، فَلا وَاللهِ إِلا لِلْحَسَن وَالْحُسَيْن وَوَلَدِ بَطْنِها خاصَّةً ، أما أَنْ يَكونَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ يُطيع الله وَيَصومُ نَهارَهُ ، وَيَقومُ لَيْلَهُ ، وَتَعْصيهِ أَنْتَ ، ثُمَّ تَجِينانِ يَوْمَ الْقِيامَةِ سَواءٌ لأنْتَ أَعَزُّ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ؟
إِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ يَقولُ : لِمُحْسِنِنَا كِفْلانِ مِنَ الْأَجْرِ ، وَلِمُسِيئِنَا ضِعْفَانِ مِنَ الْعَذَابِ .
ثم التفت(عليه السلام)إلى الحسن فقال له : كَيْفَ تَقْرَأونَ هَذِهِ الْآيَةَ : قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ(1).
فقال الحسن : من الناس من يقرأ إنّه عمل غير صالح، ومنهم من يقرأ إنّه عمل غير صالح ، فمن قرأ إنّه عمل غير صالح فقد نفاه عن أبيه .
فقال(عليه السلام): كَلَّا لَقَدْ كانَ ابْنُهُ ، وَلكِنْ لَمّا عَصَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ ، كَذَا مَنْ كَانَ مِنَا وَلَمْ يُطِعِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلَيْسَ مِنَا ، وَأَنْتَ إِذا أَطَعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَأَنْتَ مِنَا (2).
وحدّث الحسن بن جهم ، قال : كنت عند الرضا(عليه السلام) وعنده زيد بن موسى أخوه ، وقد أقبل الإمام عليه يؤنبه قائلاً له : يا زَيْدُ ، اتَّقِ اللهَ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنا ما بَلَغَنا بالتَّقوى ، فَمَنْ لَمْ يَتَّقِ اللهَ وَلَمْ يُراقِبُهُ فَلَيْسَ مِنّا وَلَسْنا مِنْهُ.
يا زَيْدُ ، إِيَّاكَ أَنْ تُهينَ مَنْ بِهِ تَصولُ مِنْ شِيعَتِنا فَيَذْهَبَ نُورُ وَجْهك .
يا زَيْدُ ، إِنَّ شِيعَتَنا إِنَّما أَبْغَضَهُمُ النَّاسُ وَعادُوهُمْ وَاسْتَحَلُوا دِماءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ لِمَحَبَّتِهِمْ لَنَا ، وَاعْتِقادِهِمْ لِوَلايَتِنا ، فَإِنْ أَنْتَ أَسْأتَ إِلَيْهِمْ ظَلَمْتَ نَفْسَكَ ، وَبَطَّلْتَ حقك»(3).
وقد وردت أخبار أخرى عنه(عليه السلام)دلّت على تذمره منه ، وعدم رضائه عنه.
واختلف المترجمون له في زمن وفاته ، فقيل : إنه توفي في أيام المأمون ، وأنّه هو الذي سقاه السمّ ، فمات منه(1).
وقيل : إنه عاش إلى آخر خلافة المتوكل ، ومات بسر من رأى(2).
وأما قبره فعند أهل القول الأول يقع في (صلهد) إحدى قرى أصفهان وعليه قبّة من زجاج(3).
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقال : إنه ثقة ، وشجب بعضهم وثاقته وعدالته نظراً لمخاصمته للإمام الرضا لل ومنازعته له بغير حق .
فقد روى الكليني في أصول الكافي ، في باب النصّ على إمامة الإمام الرضا (عليه السلام)وصيّة أبيه الإمام موسى(عليه السلام)له ، وسنذكر نصها في الفصول الآتية من هذا الكتاب ، وقد الزم الإمام أبناءه فيها بعدم فضها
ولما توفي(عليه السلام)تقدّم بعض أبنائه بالشكاية على الإمام الرضا (عليه السلام)عند قاضي المدينة ، فأمر بإحضار الإمام الرضا(عليه السلام) مع إخوانه ، فلما حضروا انبرى العباس فخاطب القاضي بقوله :« أصلحك الله ، وأمتع بك ، إن في أسفل هذا الكتاب كنزاً وجوهراً يريد أن يحتجبه ويأخذه دوننا ولم يدع أبونا شيئاً إلا وجعله لنا، وتركنا
عالة ، ولولا إني أكفّ نفسي لأخبرتك بشيء على رؤوس الملأ .
فوتب إليه إبراهيم بن محمد وقد غاظه هذا الكلام القاسي ، فقال له : إذا والله تخبر بما لا نقبله منك ، ولا نصدّقك عليه ، ثمّ تكون عندنا ملوماً مدحوراً ، نعرفك بالكذب صغيراً وكبيراً ، وكان أبوك أعرف بك لو كان فيك خير ، وقد كان أبوك عارفاً بك في الظاهر والباطن ، وما كان ليأمنك على تمرتين .
ووثب إليه إسحاق بن جعفر عمّه ، فأخذ بتلابيبه وقال له : إنّك لسفيه ، ضعيف ، أحمق . هذا مع ما كان منك بالأمس.
وأجمع القوم على لومه وتقريعه، فالتفت القاضي إلى الإمام الرضا(عليه السلام) قائلا له : قم يا أبا الحسن ، حسبي لا يلعنني أبوك(1)اليوم ، ولا والله ما أحد أعرف بالولد من والده ، ولا والله ما كان أبوك عندنا بمستخف في عقله ولا ضعيف في رأيه .
التفت إليه العبّاس قائلا له : أصلحك الله ، فض الخاتم واقرأ ما تحته .
حسبي لا يلعنني أبوك .
أنا أفضّه .
ذاك إليك .
فقام العباس بلا حياء ، فأخذ الوصيّة ففتحها ، فإذا فيها إخراجهم من الوصية والتنصيص على انفراد الإمام الرضا(عليه السلام)، بوصيّته ، فافتضح العبّاس ، وأصابه الذلّ والهوان ، فالتفت الإمام الرضا(عليه السلام) فقال له ولإخوته : يا أخى ، إِنِّي أَعْلَمُ إِنَّما حَمَلَكُمْ عَلَى هَذِهِ الْغَرَائِمُ وَالدُّيونُ الَّتي عَلَيْكُمْ.
والتفت(عليه السلام)إلى مولاه سعيد فأمره بأن يسدد ديون إخوته وينفق عليهم ، وقال لهم : وَاللَّهِ لَا أَدَعُ مُواساتَكُمْ وَبِرُكُمْ ما مَشيتُ عَلَى الْأَرْضِ ، فَقولوا ما شِئْتُمْ .
1) نظراً إلى أن وصيّة الإمام قد جاء فيها اللعن على من فضّها.
فقال له العباس : ما تعطينا إلا من فضول أموالنا ، وما لنا عندك أكثر .
فانبرى إليه الإمام(عليه السلام)فأجابه بمنطق الحلم والرأفة والعفو قائلا له : قُولوا ما شِئْتُمْ ، فَالْعَرْضُ عَرْضُكُمْ ، فَإِنْ تُحْسِنُوا فَذاكَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَإِنْ تُسيئوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَاللهِ إِنَّكُمْ لَتَعْرِفُونَ أَنَّهُ ما لى في يَوْمى هذا وَلَدٌ وَلَا وارِثٌ غَيْرُكُمْ ، وَلَئِنْ حَبَسْتُ شَيْئاً مِمَّا تَظُنُّونَ أَوِ ادْخَرْتُهُ ، فَإِنَّما هُوَ لَكُمْ وَمَرْجِعُهُ إِلَيْكُمْ ، وَاللَّهِ مَا مَلَكْتُ مِنْذُ مَضَى أَبوكُمْ شَيْئاً إِلَّا وَقَدْ سَيَّيْتُهُ حَيْثُ رَأَيْتُمْ .
فوثب إليه العبّاس قائلاً: والله ما هو كذلك ، وما جعل الله لك من رأي علينا ، ولكن حسداً بيننا لنا ، وتكلم بكلام تمثلت فيه الجفوة.
فقال له الإمام : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ ، أَمَا أَنَا يَا إِخْوَتِي فَحَرِيصٌ عَلى مَسَرَّتِكُمْ .
اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّى مُحِبُّ صَلاحَهُمْ ، بار بِهِمْ ، واصِلٌ إِلَيْهِمْ ، رَفِيقٌ عَلَيْهِمْ ، مَعْني بِأُمورِهِمْ لَيْلاً وَنَهَاراً ، فَأَجْزِنِي بِهِ خَيْراً ، وَإِنْ كُنْتُ عَلى غَيْرِ ذلِكَ فَأَنْتَ عَلَامُ الْغُيُوبِ ، فَاجْزِنِي بِهِ ما أَنَا أَهْلُهُ ، إِنْ كانَ شَرَا فَشَرَاً ، وَإِنْ كَانَ خَيْراً فَخَيْراً .
اللهمَّ اصْلِحْهُمْ ، وَأَصْلِحْ لَهُمْ ، وَاخْسِى عَنا وَعَنْهُمُ الشَّيْطَان ، وَأَعِنْهُمْ عَلى طَاعَتِكَ ، وَوَفِّقْهُمْ لِرُشْدِكَ ، أما أنا يا إِخْوَتِي فَحَرِيصٌ عَلى مَسَرَّتِكُمْ ، جَاهِدٌ عَلَى صَلاحِكُمْ ، وَاللهُ عَلى ما نَقولُ وَكِيلٌ .
فوثب إليه العباس ، فردّ عليه بصلافة ووقاحة قائلاً: ما أعرفني بلسانك ، وليس لمسحاتك عندي طين »(1).
هكذا ذكر الرواة عنه، والله العالم بحقيقة الحال .
1) تنقيح المقال : 2 : 130 .
وأعقب العبّاس القاسم ، وأمه أم ولد تدعى ندام، وقد اختفى من السلطة في (سورى ) ، وأخذ يزرع البقل ويتقوّت من ثمنه ، ولم يكن أحد هناك يعرفه ، وقد احتف به الناس نظراً لزهده وعبادته ، وكلما حاولوا أن يخبرهم باسمه ونسبه فيمتنع أشدّ الامتناع ، وقد تزوّج بامرأة ، وولدت له بنتاً، وجاء إليه شخص يدعى عيسى وهو يريد الحج ، فجاء ليودعه ، فسأله عن حاجته ، فقال له : إنّ لي إليك حاجة !
وما هي ؟
تحمل ابنتي هذه إلى المدينة ، فإذا وصلت إليها فسل عن الطريق الفلاني -وعيّن له الطريق - فإذا دخلته فاترك هذه الصبيّة هناك ، واذهب لشأنك وسافر عيسى إلى الحج ، فلما انتهى إلى يثرب ترك الطفلة في المحل الذي عينه له ، فجاءت إلى دار فطرقت بابها ففتحت لها الباب ، فدخلت ، وبأسرع ما يكون علا الصراخ والعويل من داخل الدار ، فسأل عيسى عن سبب ذلك .
فقيل له : قد وصل الخبر بوفاة القاسم بن العباس ، وأن هذه الطفلة ابنته ، فتعجب عيسى ، وبعد رجوعه إلى بلده أخبره الناس بوفاة القاسم ، فأعلمهم عيسى بأنّه حفيد الإمام موسى ، وحدّثهم بشأن طفلته، فانبرى طائفة من المؤمنين فبنوا على جدثه الطاهر قبة ، وهو يزار حتى الآن(1).
أمه أمّ ولد ، ويُعرف بالعوكلاني ، ويقال لولده العوكلانية ، وحدّث عنه علي بن إبراهيم ، قال : « لمّا توفّي الإمام الرضاء الا حججنا فدخلنا على أبي جعفر ، وقد حضر خلق من الشيعة من كل بلد لينظروا إلى أبي جعفر ، فدخل عمه عبدالله بن
1) ذكر ذلك البراقي على هامش تحفة الأزهار الذي استنسخه بيده ، وجاء في سبك الذهب لابن معية : « أنّ القاسم بن العباس مدفون بشوش » .
موسى ، وكان شيخاً كبيراً نبيلاً، عليه ثياب خشنة ، وبين عينيه أثر السجود ، فجلس وخرج أبو جعفر وعليه قميص قصب(1)، ورداء قصب ، وفي رجليه نعل أبيض .
فقام إليه عبدالله فاستقبله ، وقبل ما بين عينيه ، وقامت إليه الشيعة تكريماً وإجلالاً له ، فجلس أبو جعفر على كرسي ونظر الناس بعضهم إلى بعض نظراً لحداثة سنّ الإمام ، فقد كان عمره آنذاك تسع سنين.
وانبرى رجل من القوم فتقدّم إلى عبد الله فقال له : ما تقول أصلحك الله في رجل أتى بهيمة ؟
فأجابه عبدالله : تقطع يمينه ، ويضرب الحدّ .
ولما سمع الإمام الجواد(عليه السلام) بهذه الفتوى التي لا تتفق مع الشريعة الإسلامية غضب ، وقال له : يا عَمّ ، اتَّقِ اللَّهَ ، إِنَّهُ لَعَظيمٌ أَنْ تَقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُولَ لَكَ : لِمَ أَفْتَيْتَ النَّاسَ بِما لَا تَعْلَمُ.
فقال له عبدالله : أليس قال هذا أبوك ؟
فقال أبو جعفر: إِنَّما سُئِلَ أَبِي عَنْ رَجُلٍ نَبَشَ قَبْرَ امْرَأَةٍ فَنَكَحَهَا ، فَقَالَ أَبِي : تُقْطَعْ يمينُهُ لِلنَّبْشِ ، وَيُضْرَبْ حَدَّ الزَّنا ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الْمَينَةِ كَالْحَيَّة
فقال عبدالله : صدقت يا سيدي، استغفر الله ، وتعجب الناس ، وأقبلوا على الإمام يسألونه وهو يجيبهم(2).
وهذه الرواية وإن دلّت على تسرع عبدالله وخطئه في المسألة الفقهية ، ولكن إظهاره الندم وتصاغره أمام الإمام يرفع عنه ذلك القدح ، ويرفعه إلى مدارج الأولياء والمتقين ، هذا ولم تعيّن لنا المصادر التي بأيدينا الزمان الذي توفّي فيه ، والمحلّ
الذي دفن فيه .
أمّه أمّ ولد ، وقد أعقب ثلاث بنات ، وهنّ : أسماء ، وزينب ، وفاطمة ، وثمانية رجال ، وهم : محمد اليمامي ، وجعفر، والقاسم ، وعلي ، وموسى ، والحسن ، والحسين ، وأحمد(1).
وإليه ينتمي كثير من البيوتات العلوية الرفيعة الشأن ، الجليلة القدر ، وقد توفّي بالكوفة ودفن بها(2).
فرع زاك من فروع الإمامة ، ونفحة قدسية من نفحات النبوة ، وحيد عصره في تقواه وصلاحه ، ومحنته ويلائه ، ونعرض فيما يلي إلى بعض شؤونه :
كان الإمام موسى(عليه السلام) يمكن في نفسه أعظم الحب والود لولده القاسم لما يراه منه من الهدي والصلاح ، وما يتمتع به من الفضل والقابليات الفذة ، فكان(عليه السلام)يثني عليه ويشيد به ، ويقدمه على سائر أبنائه ، ما عدا ولده الإمام الرضا ، فقد روى يزيد بن سليط ، قال : طلبت من الإمام موسى(عليه السلام) أن يعين لي الإمام من بعده .
فقال(عليه السلام): أخْبِرُكَ يا أبا عِمارَةَ إِنِّي خَرَجْتُ فَأَوْصَيْتُ إِلَى ابْنِي عَلِيٌّ ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ لي لَجَعَلْتُهُ فِي الْقَاسِمِ ابْني لِحُبِّي وَرَأْفَتِي عَلَيْهِ ، وَلكِنَّ ذلِكَ إِلَى اللهِ تَعَالَى»(3).
ولم يمنح الإمام موسى (عليه السلام) هذا الحب للقاسم إلا لأنه رآه من خيرة أبنائه ورعاً وتقوى وتحرّجاً في الدين .
ومن مظاهر تكريمه له أنّه كان ينتدبه للقيام ببعض مهامه ، فقد روی سلیمان الجعفري ، قال : « رأيت أبا الحسن يقول لابنه القاسم : قُمْ يا بُنَيَّ ، فَاقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِ أخيك سُورَةَ الصَّافات حتى تتمَّها .
فأخذ القاسم في قراءتها ، فلما بلغ قوله تعالى :أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا(1)لفظ الفتى نفسه الأخير ، وأخذ القوم في تجهيزه .
فانبرى يعقوب بن جعفر إلى الإمام فقال له : كنا نعهد الشخص إذا نزل به الموت يقرأ عنده سورة يس ، فصرت تأمرنا بقراءة سورة الصافّات ؟
فقال(عليه السلام):« لَمْ تُقْرَأْ عِنْدَ مَكْرُوبٍ مِنْ مَوْتٍ قَطُّ إِلَّا عَجَلَ اللهُ راحَتَهُ »(2).
ويدلّل هذا الحديث على مزيد ثقة الإمام(عليه السلام) به وتقديمه على غيره ، ومن الطبيعي أنّ ذلك ناشئ عن فضائله ومآثره .
ولمّا أمعن هارون في تتبع العلويين وقتلهم وإرهاقهم نزح القاسم من يثرب مختفياً كاتماً لاسمه حتى لا يُعرف ، فانتهى إلى (سورى ) فأقام فيها غريباً مشرداً عن أهله ووطنه ، خائفاً على نفسه ، وقد كتم أمره لئلا يعرفه أحد، ولم تعطنا المصادر الموثوق بها شيئاً عن سيرته ، وما جرى عليه في غربته .
وأقام القاسم في( سورى ) طيلة حياته القصيرة الأمد ، وهو يعاني ألم الغربة والخوف من السلطة ، وقد أحاطت به الهواجس ، وراودته الآلام القاسية التي جرت على أهله وأسرته ، وكان أعظم ما يحز في نفسه ما حلّ بأبيه موسى(عليه السلام) من الرزء القاصم ، واعتقاله في ظلمات السجون، وتشريد إخوانه ، وغير ذلك من النكبات والأرزاء ، وقد نخر الحزن قلبه ، وأضناه السقام ، حتى دنا إليه الموت وهو في فجر الصبا وريعان العمر.
ولما شعر بدنو الأجل المحتوم والقدوم على الله ، عرف نفسه ، فقد فات ماكان يحذر منه ، ثمّ لفظ أنفاسه الأخيرة ، فوالهفتاه على ما عاناه أبناء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) من المحن والخطوب التي لم يعهد لها نظير في فظاعتها ومرارتها .
وقام المسلمون في تلك المنطقة وهم يذرفون الدموع على تقصيرهم تجاه حفيد نبيهم الذي لم يوفّوه حقه لجهلهم ،به ، وواروا جثمانه الطاهر في مقره الأخير، وقد واروا معه العلم والتقوى والصلاح .
أما سنة وفاته فلم نعثر عليها ، والمظنون قوياً أنه توفي في عهد هارون ، وليس من المقطوع به أنّه توفّي في عهد المأمون ، وذلك لعدم اختفاء العلويين في عهده.
أما مرقده الشريف فيقع فى ( سورى) وتُعرف البقعة الطيبة في هذا الوقت بناحية القاسم ، فقد نسبت إلى اسمه الشريف ، وهي إحدى نواحي قضاء الهاشمية التابع إلى محافظة بابل - الحلّة سابقاً-.
وذكر الحموي : « أنّ المرقد الشريف يقع في ( شوشة ) ، وقال في تعيينها : إنّها تقع بأرض بابل أسفل من حلّة بني سعد ، وبها يقع قبر القاسم بن موسى بن جعفر ،
وبالقرب منها قبر ذي الكفل»(1).
وتبعه على ذلك صفي الدين(2)، والزبيدي(3)، وهو اشتباه محض، فإنّ المدفون في هذه البقعة هو القاسم بن العباس بن الإمام موسى(عليه السلام) ، كما نص على ذلك جمال الدين أحمد بن عنبة النسابة(4)، والحجّة السيّد القزويني (5).
ومما لا شبهة فيه أنّ هؤلاء السادة من النسابين أعرف بقبور آبائهم .
وما ذكره المجلسي(6)من أن قبر القاسم بالقرب من الغري ، فمراده القرب المجازي لا الحقيقي ، كما أفاد ذلك الشيخ المامقاني(7).
وقد جدّد القبة الشريفة ، ونوّرها بالمصابيح الكهربائية فقيد العلم والفضيلة العلّامة الكبير المرحوم الشيخ قاسم محيي الدين .
ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا عقب للقاسم ، كما نص على ذلك غير واحد من علماء النسب(8).
ونص السيد الجليل عليّ بن طاووس على استحباب زيارة المرقد الطاهر ، وقرنه بزيارة قبر العباس بن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وبزيارة عليّ الأكبر نجل الإمام
الحسين(عليه السلام)، وذكر له زيارة خاصة(1).
ونسب إلى الإمام الرضا(عليه السلام)، أنه قال في فضل زيارة القاسم : « مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى زِيارَتي فَلْيَزُرْ أَخِيَ الْقاسِمَ»، ونظم هذا الحديث السيد علي بن يحيى بن حديد الحسيني بقوله :
أَيُّها السَّيِّدُ الَّذي جاءَ فيهِ*** قَولُ صِدقٍ تُقاتُنا تَرويهِ
يصحيح الإِسْنَادِ قَدْ جاءَ حَقًّاً*** عَنْ أَخِيهِ لأُمِّهِ وَأَبِيهِ
إِنَّنِي قَدْ ضَمِنتُ جَنَّاتِ عَدْنٍ*** للّذي زارني بلا تمويه
وَإِذا لَمْ يَطِقْ زِيارَةَ قَبْرِي*** حَيثُ لَمْ يَستَطِعْ وُصولاً إِلَيهِ
فَلْيَزُرْ إِنْ أَطاقَ قَبْرَ أَخي*** القاسِمِ وَلْيُحْسِنِ الثَّناءَ عَلَيهِ (2)
وبهذا العرض الموجز ينتهي بنا الحديث عن حياة هذا السيّد العظيم ، فإنّ المصادر التي بأيدينا قد ضنت علينا بإعطاء صورة مفصلة عن حياته الكريمة .
يكنى أبا إبراهيم ، كان كريماً جليلاً ، موقراً ، يُعرف بالعابد لكثرة وضوئه وصلاته فكان في كل ليلة يتوضأ ويصلي ، ويرقد قليلاً ثم يقوم لعبادة الله تعالى حتّى ينبلج نور الصبح ، قال بعض شيعة أبيه :« ما رأيته قط إلا وذكرت قول الله تعالى : كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(3).
وقال الرواة : إنّه دخل شيراز واختفى بها ، وأخذ يستنسخ القرآن الكريم ،
ومن أجرته أعتق ألف مملوك(1).
أعقب سبعة أولاد ، منهم أربع بنات، وهنّ : السيدة حكيمة ، وكلثم ، وبريهة ، وفاطمة ، والرجال : جعفر، ومحمد ، وإبراهيم(2)الذي يُعرف بالمجاب ،وسبب تلقيبه بذلك - فيما يقول المؤرّخون - إنّه سلّم على قبر جده الإمام الحسين(عليه السلام)،فسمع صوت من القبر الشريف:وعليك السلام يا ولدي(3).
وقد ظهر على العباسيين واستولى على الجزيرة ، وقد دفن بجوار جده الإمام الحسين(عليه السلام). وفيه يقول بعض ولده مفتخراً به وبجده الإمام موسى(عليه السلام):
مِنْ أَيْنَ للنَّاسِ مِثلُ جَدِّيَ*** مُوسى وَابْنِهِ المُجابِ
إذْ خَاطَبَ السَّبْطَ وَهُوَ رَمْسٌ*** أجابَهُ أَكْرَمَ الجَوابِ
وعقب محمد من إبراهيم(4).
توفّي السيد الزكي محمد بشيراز ، ودفن فيها ، وكان قبره مخفياً إلى زمان بك بن سعد بن زنكي ، فبنى له قبة في محلّة ( باغ قتلغ ) ، وقد جدد بناؤه عدّة مرّات في زمان السلطان نادر خان .
وفي سنة 1296ه- رقمه النواب أويس بن النوّاب الأعظم الشاه زاده فرهاد القاجاري(5).
وفي الوقت الحاضر له مزار يتبرك به ، وتسكنه السادة الأخيار والصلحاء الأبرار ،
وتعقد له النذور(1).
أمّه أمّ ولد ، أعقب ثمانية لم يعقب أحد منهم غير ولده أحمد(2).
وقيل : إنه لم يعقب(3).
قيل : إنّ الحكومة العبّاسيّة ضغطت عليه ، ووقعت بينه وبين الشرطة مصادمة أدت إلى إصابته ببعض الجراحات، ففرّ هارباً إلى شهرستان ، فلجأ إلى قرية هناك فيها مزارع ، وقد أصابه الضعف، فقام صاحب المزرعة بمعالجته حتى برئ ، وأقام هناك مدّة من الزمن حتى شاع أمره .
فبينما هو يتناول الطعام إذ هجمت عليه شرطة المأمون فقتلوه ، ودفن هناك(4).
والمشهور أنه توفّي في إحدى قرى طالقان ، ودفن هناك، وله مرقد يزار ، وقد أسس سنة 853ه- وكتب على ضريحه :«هذا قبر امام زاده هارون ابن سلطان الأتقياء ، وإمام الأولياء موسى الكاظم»(5).
هذا مجموع ما عثرنا عليه من تراجم بعض أولاد الإمام ، ولم تذكر الكتب التي بأيدينا تراجم الباقين منهم ، ونصت بعض المصادر على ذكر أسماء أخر من أولاد الإمام غير الذين ذكرناهم، وقد أهملت أسماءهم وتراجمهم أكثر كتب الأنساب، وفيما يلي أسماؤهم مع عرض موجز لبعض أحوالهم:
ذكره الشبلنجي ، وقال : « إليه يرجع نسب سيدنا ومولانا الشيخ الكبير المقرّب ، جامع الشرفين : شرف النسب وشرف المعرفة بالله، والأدب ذي الكرامات الظاهرة أبي الحسن ، وأبي الأشبال علي الأهدل بن عمر بن محمد بن سلیمان بن عبید بن عیسی بن علوي بن محمد بن حمحام بن عون بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
وقد نظم ذلك بعض الفضلاء :
عَلِيُّ بْنُ فاروقِ أَبو مُحَمَّدُ*** ثُمَّ سُلَيْمَانُ الرّضا الْمُسَدَّدُ
عبَیدُ عِيسَى عَلَوِي مُحَمَّدُ*** حمحامُ عَون كاظم المُؤَيَّدُ
جعفَرُ الصَّادقُ قُلْ مُحَمَّدٌ*** زَيْنُ حُسَيْنٌ وَعَلِيُّ السَّيِّدُ(1)
وإليه ينتمي السيّد خواجة معين الدين السنجري(2).
وإليه ينتمي السادة الخلخالية ، وقد أثبتت شجرة لهم(1).
أعقب السادة الشهيرين بالشجعان ، ولهم شجرة ، وقد توفي في تجريش ، وقبره مشيّد وعليه بناية ضخمة(2)
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن تراجم السادة من أولاد الإمام(عليه السلام)، وبقي علينا أن نشير إلى تراجم بعض السيدات من بناته :
توفّيت في مصر ، وقبرها هناك يزار ، وحكى سادن روضتها عن كرامة لها ، وهي أن شخصاً جاء له بمقدار من الزيت وطلب منه أن يوقده للضياء في ليلة واحدة ، فجعله السادن في القناديل ، فلم يوقد منه شيء ، فتعجب من ذلك ، ورأى في منامه السيدة آمنة تقول له : ردّ عليه زيته، واسأله من أين اكتسبه ؟ فإنّا لا نقبل إلا الطيب » ، فلمّا أصبح الصبح جاء صاحب الزيت فقال له السادن : خذ زيتك .
لِمَ؟
إنّه لم يوقد منه شيء ، ورأيتها في المنام فقالت : لا نقبل إلا الطيّب.
صدقت السيّدة ، إنّي رجل مكاس(3)
ثم أخذ الزيت وانصرف(1).
أمرها أخوها الإمام الرضا(عليه السلام)بأن تحضر عند الخيزران أم الإمام الجواد(عليه السلام)عند ولادتها به ، وقد روت كيفية ولادته ، وما جرى له من المعجز آنذاك(2).
وهي الشهيرة بالسيدة معصومة ، وقد روت هي وأختاها زينب وأمّ كلثوم حديثاً في فضل جدّهنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)، وفي فضل شيعته(3)
وكانت تحبّ أخاها الرضا حباً شديداً، ولما حمله المأمون إلى مروليعهد له بولاية العهد خرجت فاطمة في أثره ، وذلك في سنة 201ه- ، فلما وصلت إلى ( ساوة ) مرضت ، فسألت عن المسافة التي بينها وبين قم ، فقالوا لها عشرة فراسخ ، فأمرت بحملها إلى قم ، فحملت إليها ، ونزلت في بيت موسى بن خزرج الأشعري .
وقيل : إنّ أهالي قم استقبلوها ، فلما وصلت أخذ موسی بن خزرج بزمام ناقتها وأقدمها إلى داره ، وكانت عنده سبعة عشر يوماً ثم توفيت ، فأمر بتغسيلها وتكفينها ، وصلى عليها ودفنها في أرض كانت له ، وبنى على مرقدها سقيفة من البواري إلى أن بنت عليها زينب بنت محمد بن على الجواد عليها قبّة(4).
وحدّث الحسن بن محمد القمّي عن فضل زيارتها ، قال :« كنت عند الإمام
الصادق(عليه السلام)، فقال : إِنَّ لِلَّهِ حَرَماً وَهُوَ مَكَّةَ ، وَلِرَسُولِهِ حَرَماً وَهُوَ الْمَدِينَةُ ، وَلأمير الْمُؤمِنينَ حَرَماً وَهُوَ الْكوفَةَ ، وَلَنا حَرَماً وَهُوَ قُم ، وَسَتَدْفَنُ فِيهِ امْرَأَةٌ مِنْ وُلْدِي تُسَمّى فاطِمَةُ ، مَنْ زَارَها وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ .
قال(عليه السلام) ذلك قبل ولادة الإمام موسى(1).
وفي بعض كتب التاريخ : أنّ القبة التي على ضريحها المقدّس قد بنيت سنة 529ه- بأمر المرحومة السيّدة شاه بيكم بنت عماد بيك، وأما تذهيب القبة مع بعض الجواهر الموضوعة على القبر فهي من آثار السلطان فتح علي شاه القاجاري(2).
قبرها في ( بادكوبه ) يقع في وسط مسجد بناؤه قديم(3).
هذا مجموع ما عثرنا عليه من تراجم السادة والسيدات من أبنائه(عليه السلام).
إنّ في سيرة أبناء الإمام ملتقى أصيل لكل فضيلة ومأثرة ، فقد أترعت حياة بعضهم بالثورة والنقمة على الظالمين ، فاندفعوا إلى ساحات الجهاد والنضال لإنقاذ الأمة ممّا هي فيه من واقع مرير ، ومن استبداد فظيع بشؤونها واقتصادها ، ولكن لم تحالفهم الظروف ، فباءت بالفشل ، إلا أنّ المأمون لم يتخذ معهم موقفاً حاسماً ، وإنما عفا عنهم إرضاءاً للعامة التي تعطف كثيراً على ذرّيّة نبيّها(صلی الله علیه وآله وسلم)، وتكن لها أعظم الود والولاء.
وبذلك ينتهي بنا المطاف فى شرح أحوال أولاد الإمام موسى بن جعفر(عليهم السلام)في هذا الفصل .
ولا بد~ لنا من الحديث عن الأسباب التي دعت الرشيد لسجن الإمام موسى(عليه السلام)، واعتقاله في غياهب السجون ، وظلمات الطوامير بعيداً عن أهله ووطنه ، ومحروماً من الالتقاء بشيعته ، ولعل ذلك - فيما نحسب - من أقسى المحن والخطوب التي عاناها في حياته .
لقد أطلنا الحديث عن ملوك عصره، ودراسة شؤونهم ، وما أثر عنهم في الميادين السياسية والاجتماعيّة، وما قاموا به من الاضطهاد البالغ لعموم المسلمين وللشيعة بصورة خاصّة ، كما أسهبنا بعض الاسهاب في بيان ما اتسم به عصر الإمام من المشاكل الجسام والأحداث، فإن اطالة البحث في ذلك قد يعد خروجاً عن الموضوع ، ولكنا لم نر بداً من عرض ذلك ، فإنّ الإحاطة به أمر لا بد منه لمن يريد دراسة شخصيّة تعدّ في القمة من المجتمع الإسلامي ، ومن الطبيعي أن الوقوف على ذلك يكشف لنا جانباً كبيراً من حياة الإمام(عليه السلام).
ونعتقد بأنّ القراء يهمهم الاطلاع - قبل كل شيء على الأسباب التي سجن من أجلها الإمام ، والتعرّف على دور محنته الكبرى أيام اضطهاده في سجن الطاغية هارون ، وسنذكر ذلك كله مشفوعاً بالتفصيل ، وفيما يلي بعض علل اعتقاله :
الإمام موسى(عليه السلام)من ألمع الشخصيات الإسلامية في ذلك العصر ، فهو من أئمة
المسلمين، وأحد أوصياء الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)على أمته ، كما دان بإمامته جمهور كبير من المسلمين ، وقد أجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم على إكبار الإمام وتقديره ، وقد ذكرنا في الجزء الأوّل من هذا الكتاب سيلاً من أقوال كبار المؤلّفين والعلماء على تبجيل الإمام ، والثناء عليه .
وقد تحدّث الناس في عصره عن علومه وتقواه وورعه ومكارمه ، وكان هارون نفسه ممّن يجله ويعتقد بأنّ الإمام أولى بالخلافة الإسلامية منه كما حدث بذلك المأمون ، فقد قال لندمائه : أتدرون من علّمني التشيّع ؟
فانبروا جميعاً قائلين : لا والله ما نعلم ؟
فقالوا كيف ذلك ، والرشيد كان يقتل أهل البيت ؟ !
قال : كان يقتلهم على الملك؛ لأنّ الملك عقيم .
ثم أخذ يحدّثهم عن ذلك قائلاً : لقد حججت معه سنة ، فلما انتهى إلى المدينة قال : لا يدخلن على رجل من أهلها أو من المكّيّين، سواء كانوا من أبناء المهاجرين والأنصار ، أو من بني هاشم ، حتى يعرفني بنسبه وأسرته .
فأقبلت إليه الوفود تترى وهي تعرّف الحاجب بأنسابها ، فيأذن لها ، وكان يمنحها العطاء حسب مكانتها ومنزلتها .
وفي ذات يوم أقبل الفضل بن الربيع حاجبه وهو يقول له : رجل على الباب ، زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام).
فلمّا سمع ذلك هارون أمر جلساءه بالوقار والهدوء ، ثمّ قال لرئيس تشريفاته : ائذن له ، ولا ينزل إلا على بساطي .
وأقبل الإمام(عليه السلام)وقد وصفه المأمون ، فقال : إنّه شيخ قد أنهكته العبادة ، كأنّه
شن بال(1)قد كلم (2)السجود وجهه .
فلمّا رآه هارون قام إليه ، وأراد الإمام أن ينزل عن دابته ، فصاح الرشيد : لا والله ، إلا على بساطي ، فمنعه الحجاب من الترجّل ، ونظرنا إليه بالإجلال والإعظام ، وسار راكباً إلى البساط ، والحجاب وكبار القوم محدقون به ، واستقبله هارون ، فقبل وجهه وعينيه ، وأخذ بيده حتى صيّره في صدر مجلسه ، وأقبل يسأله عن أحواله ويحدثه ، ثم قال له : يا أبا الحسن ، ما عليك من العيال ؟
قال الإمام : يَزيدُونَ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ .
قال هارون : أولاد كلهم ؟
قال الإمام : لا أَكْثَرُهُمْ مَوَالِي وَحَشَمٌ ، فَأَمَّا الْوَلَدُ فَلَي نَيِّفٌ وَثَلاثون ، ثمّ بيّن له عدد الذكور والإناث.
فقال هارون : لِمَ لا تزوّج النسوة من بني عمومتهنّ؟
-اليَد تَقْصُرُ عَنْ ذلِكَ .
فما حال الضيعة ؟
تُعْطِي فِي وَقْتٍ ، وَتَمْنَعُ فِي آخَرَ .
فهل عليك دين ؟
نَعَمْ .
كم ؟
نَحْو مِنْ عَشَرَةِ آلاف دينار
يابن العم ، أنا أعطيك من المال ما تزوّج به أولادك ، وتعمر به الضياع .
وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يا بْنَ الْعَمَ ، وَشَكَرَ الله هَذِهِ النِّيَّةَ الْجَمِيلَةَ وَالرَّحِمُ ماسةٌ ، وَالْقَرابَةُ واشِجَةٌ ، وَالنَّسَبُ واحِدٌ ، وَالْعَبَاسُ عَمُ النَّبِيِّ(صلی الله علیه وآله وسلم)، وَصِنْوَ أَبِيهِ ،وَعَمُ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِب(عليه السلام)وَصِنْوُ أَبِيهِ ،وَمَا أَبَعْدَكَ اللهُ مِنْ أَنْ تَفْعَلَ ذلِكَ ، وَقَدْ بَسَطَ يَدَكَ ، وَأَكْرَمَ عُنْصُرَكَ ، وَأَعْلَى مَحْتِدَكَ(1).
فقال هارون: افعل ذلك يا أبا الحسن ، وكرامة .
فقال له الإمام(عليه السلام): إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَى وُلاةِ الْعَهْدِ أَنْ يُنْعِشوا فُقَراءَ الأُمَّةِ ، وَيَقْضوا عَنِ الْعَارِمِينَ ، وَيُؤَدُّوا عَنِ الْمُنْقَلِ ، وَيَكْسو الْعارِيَ ، وَيُحْسِنُوا إِلَى الْعَاني(2)، فَأَنْتَ أولى مَنْ يَفْعَلُ ذلِك .
قال هارون : افعل ذلك يا أبا الحسن .
ثم انصرف الإمام(عليه السلام)، فقام هارون تكريماً له ، فقبل ما بين عينيه ووجهه ، ثم التفت إلى أولاده فقال لهم : قوموا بين يدي عمّكم وسيدكم ، وخذوا بركابه ، وسووا عليه ثيابه ، وشيّعوه إلى منزله ، فانطلقوا مع الإمام بخدمته .
وأسر(عليه السلام) إلى المأمون فبشّره بالخلافة ، وأوصاه بالإحسان إلى ولده ، ولما فرغوا من القيام بخدمة الإمام وإيصاله إلى داره ، قال المأمون : كنت أجرأ ولد أبي عليه ، فلما خلا المجلس قلت له : يا أمير المؤمنين ، من هذا الرجل الذي قد عظمته وقمت من مجلسك إليه ، فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس ، وجلست دونه ، ثمّ أمرتنا يأخذ الركاب له .
قال هارون : هذا إمام الناس ، وحجّة الله على خلقه ، وخليفته على عباده .
قال المأمون : يا أمير المؤمنين ، أوليست هذه الصفات كلّها لك وفيك ؟
قال هارون : أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر ، وموسى بن جعفر إمام حق ، والله يا بني ! إنّه لأحق بمقام رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)منّي ومن الخلق جميعاً، ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عينيك ، فإنّ الملك عقيم .
ويقي هارون في يثرب مدّة من الأيام ، فلمّا أزمع على الرحيل منها أمر للإمام بصلة ضئيلة قدرها مائتا دينار ، وأوصى الفضل بن الربيع أن يعتذر له عند الإمام .
فانبرى إليه المأمون وهو مستغرب من قلة صلته مع كثرة تعظيمه وتقديره له قائلاً: يا أمير المؤمنين ، تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش وبني هاشم، ومَن لا يُعرف نسبه خمسة آلاف دينار، وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار أخسّ عطية أعطيتها أحداً من الناس.
فثار هارون وصاح في وجهه قائلاً: اسكت لا أمّ لك ، فإنّي لو أعطيت هذا ما ضمنته له ، ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه ، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم(1).
ودلّت هذه الرواية بوضوح على اعتقاد هارون بإمامة الإمام موسى(عليه السلام)، وأنّه خليفة الله في أرضه وحجّته على عباده ، وأن الخلافة الإسلامية من حقوقه الخاصة ، وأنّه ليس هناك أحد أولى بها منه ، ولكن الذي دعاه ودعا غيره إلى سلبها منه من آبائه هو حب الدنيا ، فالملك عقيم ، كما كشف هارون بحديثه عن السبب في حرمانه للإمام من عطائه حسب منزلته ، وهو خوفه من انتفاضة الإمام وخروجه عليه إن تحسنت حالته الاقتصادية، وهذه هي الحرب الاقتصادية التي تستعملها بعض الدول مع خصومها لأجل انهاكها وإضعافها.
لقد كان الرشيد يعلم بمكانة الإمام ، ويعتقد أنّه خليفة الله على عباده ، وأنّه وارث
1) بحار الأنوار: 48 : 130 و 131.
علوم الأنبياء ، وكان يسأله عما يجري بعده من الأحداث ، فكان(عليه السلام) يخبره بذلك ، وقد سأله عن الأمين والمأمون ، فأخبره بما يقع بينهما ، فحرّ ذلك في نفسه ، وتألم أشد الألم وأقساه.
فقد روى الأصمعي ، قال : « دخلت على الرشيد ، وكنت قد غبت عنه بالبصرة حولاً ، فسلمت عليه بالخلافة ، فأومأ لي بالجلوس قريباً منه ، فجلست قريباً ، ثمّ نهضت ، فأومأ لي أن أجلس ، فجلست حتّى خف الناس ، ثم قال لي : يا أصمعي ، ألا تحب أن ترى محمداً وعبد الله ابني ؟
قلت : بلى يا أمير المؤمنين ، إنّي لأحبّ ذلك ، وما أردت القصد إلا إليهما لأسلّم عليهما .
وأمر الرشيد بإحضارهما ، فأقبلا حتّى وقفا على أبيهما وسلّما عليه بالخلافة ، فأومأ لهما بالجلوس ، فجلس محمد عن يمينه ، وعبد الله إلى يساره ، ثم أمرني بمطارحتهما الأدب ، فكنت لا ألقي عليهما شيئاً في فنون الأدب إلا أجابا فيه وأصابا .
فقال الرشيد : كيف ترى أدبهما ؟
يا أمير المؤمنين ، ما رأيت مثلهما في ذكائهما ، وجودة فهمهما وذهنهما ، أطال الله بقاء هما ، ورزق الله الأمّة من رأفتهما ومعطفتهما .
فأخذهما الرشيد وضمّهما إلى صدره، وسبقته عبرته فبكى ، حتى انحدرت دموعه على لحيته ، ثمّ أذن لهما في القيام ، فنهضا ، وقال : يا أصمعي ، كيف بهما إذا ظهر تعاديهما ، وبدا تباغضهما ، ووقع بأسهما بينهما ، حتّى تسفك الدماء ، ويود كثير من الأحياء أنهما كانا موتى ؟
فبهر الأصمعي من ذلك وقال له : يا أمير المؤمنين ، هذا شيء قضى به المنجّمون عند مولدهما ، أو شيء أثرته العلماء في أمرهما ؟
فقال الرشيد وهو واثق بما يقول : لا بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما .
قال المأمون : كان الرشيد قد سمع جميع ما يجري بيننا من موسى بن جعفر»(1).
إن علم الرشيد بمنزلة الامام ، وبما تذهب إليه طائفة من المسلمين من القول بإمامته هو الذي أثار أحقاده وأضغانه عليه ، ودعاه إلى زجه في ظلمات سجونه .
كان الحقد من مقومات ذات الرشيد ، ومن أبرز صفاته النفسية ، فكان يحمل حقداً لكلّ شخصيّة مرموقة لها المكانة العليا في عصره، فلم يرق له بأي حال أن يسمع الناس أو يتحدّثوا عن أي شخص يتمتع بمكانة عليا في المجتمع ، والسبب فيذلك لئلا يزهد الناس فيه ، وقد حاول أن يحتكر الذكر الحسن لنفسه ولذاته .
لقد حسد الرشيد البرامكة لما ذاع اسمهم ، وتحدثت الناس عن مكارمهم ، فقد أخذ الحقد ينخر في قلبه حتى أنزل بهم العقاب الأليم ، فمحا وجودهم ، وأزال ظلّهم في الأرض .
وكان من الطبيعي أن يحقد على الإمام موسى(عليه السلام)لأنه ألمع شخصيّة في عصره ، فقد تناقل الناس فضائله، وتحدّثت جميع الأوساط عن علمه ومواهبه ، وذهب جمهور غفير من المسلمين إلى إمامته ، وأنّه أحق بمنصب الخلافة منه ، وكان يذهب إلى فكرة الإمامة كبار الموظفين في سلك دولته ، كعلي بن يقطين ، وابن الأشعث ، وغيرهما .
وكان هارون نفسه من الذين يؤمنون بأنّ الإمام هو أولى منه بهذا المنصب
1) حياة الحيوان / الدميري: 1 : 77
الخطير ، كما أدلى بذلك .
لم يرق لهارون أن يرى في المجتمع من هو أفضل منه ، ولم يهدأ له فكر أن ينظر إلى الجماهير وسائر الأوساط الشعبية وهي تؤمن بأنّ الإمام هو أولى بالأمر من غيره ، وأنّه في القمة العليا علماً وفضلاً ومأثراً ، وأن المسلمين قد أجمعوا على تعظيمه وتناقلوا فضائله وعلومه ، فساءه ذلك ، فقدم على ارتكاب الجريمة ، فأودع الإمام في ظلمات السجون وغيّبه عن الناس .
كان هارون حريصاً على ملكه ، متفانياً في حبّ سلطانه ، فهو يضحي في سبيله جميع المقدّسات والقيم ، وقد عبّر عن مدى حرصه على سلطته بكلمته المعروفة التي تناقلتها الأجيال والأحقاب ، وهي : «لو نازعني رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)لأخذت الذي فيه عيناه » .
أجل ، إنّه لو نازعه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) في ملكه لأخذ الذي فيه عيناه ، ومع هذا الحرص الشديد والتهالك على السلطة ، كيف يطلق سراح الإمام ، وكيف تطيب نفسه وقد رأى الناس قد أجمعوا على حبّ الإمام وتقديره .
لقد كان هارون يقظاً ، فكان يخرج بغير زيّه متنكراً ليسمع أحاديث العامّة ، ويقف على اتجاهاتهم ورغبتهم ، فكان لايسمع إلا الذكر العاطر للإمام والثناء عليه وحبّ الناس له ، ورغبتهم في أن يتولى شؤونهم ، فلذلك أقدم على ارتكاب الموبقة ، وأنهى به الحرص والحقد إلى قتله له.
لقد أترعت نفس هارون ببغض العلويّين، فقد ورث عداءهم من آبائه وسلفه الذين نكلوا بالعلويين ، وصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم ، وساقوهم إلى القبور
والسجون، وطاردوهم حتى هربوا هائمين على وجوههم خائفين يلاحقهم الرعب والفزع .
وزاد هارون على أسلافه في إرهاق العلوي~ين ، فدفنهم وهم أحياء ، وأشاع في بيوتهم الشكل والحزن والحداد ، واستعمل جميع إمكانياته للبطش بهم ، ففرض عليهم الإقامة الجبرية في بغداد ، وجعلهم تحت المراقبة ، ولم يسمح الاتصال بهم ، وحرمهم من جميع حقوقهم الطبيعية .
وكان أبغض شيء عليه أن يرى عميد العلويين وسيّدهم الإمام موسى في دعة واطمئنان وأمان ، فلم يرق له ذلك دون أن ينكّل به ، فدفعه لؤمه وعداؤه الموروث إلى سجنه وحرمان الأمة الإسلامية من الاستفادة من علومه ونصائحه وتوجيهاته .
وعمد فريق من باعة الضمير والدين الذين انعدمت من نفوسهم الإنسانية إلى السعي بالإمام(عليه السلام) والوشاية به عند الطاغية هارون ليتزلّفوا إليه بذلك ، وينالوا من دنياه، وقد بلي بهم الإسلام والمسلمون ، وبهؤلاء الأوغاد يستعين الظالمون في جميع مراحل التاريخ على تنفيذ خططهم الرامية إلى إشاعة الظلم والجور والفساد في الأرض .
وكانت وشاية هؤلاء المجرمين بالإمام ذات طوابع متعدّدة ، وهي :
وانطلق بعض الأشرار فأخبر هارون بأنّ الإمام تجبى له الأموال الطائلة من شتّى الأقطار الإسلامية ، وأنّه قد اشترى بها ضيعة تسمّى ( البسريّة ) اشتراها بثلاثين ألف دينار، فأثار ذلك كوامن الغيظ والحقد في نفس هارون ، فإن سياسته كانت تجاه
العلويّين تقضي بفقرهم ووضع الحصار الاقتصادي عليهم ، فإنّ فقرهم أحب إليه من غناهم كما قال لولده المأمون - وقد ذهب ابن الصباغ إلى أن الوشاية من جملة الأسباب التي دعت لسجن الإمام(1).
لقد بلي المجتمع الإسلامي منذ فجر تاريخه بطائفة من باعة الضمير الذين لايقدسون سوى المادة وما يحقق رغباتهم الرخيصة، فنكلوا بالمسلمين وأضروهم إلى حد بعيد ، وذلك بنكايتهم بالمصلحين الذين يطالبون بالصالح العام لأوطانهم وأمّتهم.
لقد كان تاريخ الإسلام حافلاً بالشيء الكثير من أعمال هؤلاء المخربين الذين هم من أقوى عوامل الشر والفساد ، ولولاهم لما تمكنت السلطة على الظلم والجور، وقد سعى فريق من هؤلاء بالإمام موسى(عليه السلام)إلى هارون ، فأوغروا صدره عليه ، وأثار واكوامن الحقد عليه ، فقد قالوا : إنّه يطالب بالخلافة ، ويكتب إلى سائر الأقطار والأمصار الإسلامية يدعوهم إلى نفسه ، ويحفزهم إلى الثورة ضد حكومته .
وكان في طليعة هؤلاء الوشاة يحيى البرمكي ، وكان السبب في وشايته -فيما يقول الرواة - هو أن الرشيد قد جعل ولي عهده محمد بن زبيدة عند جعفر بن محمد بن الأشعث ، فساء ذلك يحيى ، وأحاطت به هواجس مريرة، وخاف أن تنقضي دولته ودولة ولده إذا أفضى الأمر إلى محمّد ، وأنّ زمام الدولة سيكون بيد جعفر ، وكان يحيى قد عرف ميوله واتجاهه نحو العلويين ، وأنه يذهب إلى إمامة موسی الا ، فاختلی به وعرفه بفكرته ، وأنّ له ميولاً نحو العلويين فسر جعفر بذلك ، وعرّفه بفكرته .
1) الفصول المهمة : 252 .
ولما علم يحيى ذلك منه سعى به إلى الرشيد فتأثر منه ، ولكنه لم يوقع به أي مكروه لأنه تذكر أياديه وجميل آبائه على العباسيين.
ودخل جعفر على الرشيد فوسّع له في مجلسه ، وجرى بينهما حديث استطابه هارون ، فأمر له بعشرين ألف دينار ، فغضب يحيى ، فلما كان اليوم الثاني دخل عليه فقال له : يا أمير المؤمنين ، كنت قد أخبرتك عن جعفر ومذهبه ، فتكذب ذلك ، وهاهنا أمر فيه الفيصل.
قال الرشيد : ما هو ؟
قال يحيى : إنّه لا يصل إليه مال من جهة من الجهات إلا أخرج خمسه ، فوجّه به إلى موسى بن جعفر ، ولست أشك في العشرين ألف دينار أنه وجه خمسها إليه .
قال هارون : إنّ في هذا الفيصلاً.
فأرسل في الوقت خلف جعفر ، فلما انتهى إليه الرسول عرف سعاية يحيى به فلم يشك في أنّ هارون إنّما دعاه في غلس الليل ليقتله ، فأفاض عليه الماء ، واغتسل غسل الأموات، وأقبل إلى الرشيد ، فلما وقع بصره عليه وشم منه رائحة الكافور ، قال له : ما هذا ؟
-يا أمير المؤمنين ، قد علمت أنه قد سعي بي عندك ، فلما جاءني رسولك في هذه الساعة لم آمن من أن يكون قد انقدح في نفسك ما يقال عليَّ ، فأرسلت إليَّ لتقتلني .
قال هارون: كلّا ، ولكن قد أخبرت أنّك تبعث إلى موسى بن جعفر من كلّ ما يصير إليك بخمسه ، وأنك قد فعلت ذلك في العشرين ألف دينار التي وهبتها لك ، فأحببت أن أعلم ذلك ؟
قال جعفر: الله أكبر يا أمير المؤمنين، تأمر بعض خدمك ليذهب فيأتيك بها بخواتيمها .
فأمر الرشيد بعض خدمه فأتاه بها على ما هي عليه لم يؤخذ منها شيء ، فبدا السرور على سحنات وجهه ، وقال له : هذا أوّل ما نعرف كذب من سعى بك إليَّ ، صدقت يا جعفر ، انصرف آمناً ، فإنّي لا أقبل فيك قول أحد .
فخجل يحيى ، وباء بالخزي والخسران وازداد غيظه وحنقه ، وأخذ يعمل جاهداً في إسقاط مكانة جعفر وزوال نعمته ، فرأى أن يسعى بالإمام موسى(عليه السلام) ليتوصّل بذلك إلى النكاية به ، فقال ليحيى بن أبي مريم : ألا تدلّني على رجل من آل أبي طالب له رغبة في الدنيا فأوسع له منها ؟
فقال له : نعم ، ذاك عليّ بن إسماعيل بن جعفر ، فأرسل خلفه يحيى ، وكان آنذاك في الحج ، فلما اجتمع به قال له يحيى : اخبرني عن عمّك موسى، وعن شيعته ، وعن المال الذي يُحمل إليه ؟
فقال : عندي الخبر ، وحدّثه بما يريد ، فطلب منه أن يرحل معه إلى بغداد ليجمع بينه وبين الرشيد ، فأجابه إلى ذلك ، فلما سمع الإمام موسى
(عليه السلام) بسفره مع يحيى بعث خلفه فقال له : بَلَغَنى أَنَّكَ تُريدُ السَّفَرَ ؟
نعم .
إِلى أَيْنَ؟
إلى بغداد .
ما تَصْنَعُ ؟
عليَّ دين وأنا مملق .
أَنا أَقْضِي دَيْنَكَ ، وَأَكْفِيكَ أُمورَكَ .
فلم يلتفت إلى الإمام ، ووسوست له نفسه، وأجاب داعي الهوى ، فترك الإمام وقام من عنده .
قال(عليه السلام) له : لَا تُيْنِمْ أَوْلادي .
ثم أمر(عليه السلام) له بثلاثمائة دينار وأربعة آلاف درهم ، وقال(عليه السلام): وَاللهِ لَيَسْعى في دمي وَيُؤْتِمَ أَوْلادي .
فقال له أصحابه : جعلنا الله فداك، فأنت تعلم هذا من حاله وتعطيه ؟ !
فقال(عليه السلام): نَعَمْ ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبائِهِ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)، أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الرَّحِمَ إذا قُطِعَتْ فَوُصِلَتْ قَطَعَها الله .
وخرج عليّ يطوي البيداء حتّى انتهى إلى بغداد ، فدخل على الرشيد ، فقال له بعد السلام عليه : ما ظننت أنّ في الأرض خليفتين حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يسلّم عليه بالخلافة .
وقيل : إنّه قال له : إنّ الأموال تحمل إليه من المشرق والمغرب ، وأنّه له بيوت أموال ، وأنّه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار، وسمّاها ( البسريّة ) .
فلمّا سمع ذلك الرشيد فقد صوابه وأحرقه الغيظ، وأمر لعلي بمائتي ألف درهم على أن يستحصلها من بعض نواحي المشرق، فمضت الرسل لجباية المال إليه ، فدخل بيت الخلاء فزحر فيه وسقطت أمعاؤه ، فأخرج منه وهو يعاني آلام الموت ، فقيل له : إن الأموال قد وصلتك .
فقال : ما أصنع بها وقد أتاني الموت.
وقيل : إنه رجع إلى داره فهلك فيها في تلك الليلة التي اجتمع بها مع هارون(1).
وقد باع آخرته بدنياه ، ولم ينتفع بها ، وباء بالخزي والعذاب الأليم .
وذكرت بعض المصادر أن من جملة الوشاة بالإمام يعقوب بن داود(2).
وهذا القول ضعيف للغاية ، فإنّ يعقوب قد سجنه المهدي في المطبق لاطلاقه
بعض العلويين ، وبقي في السجن طيلة خلافة المهدي والهادي .
فلما ولى هارون الخلافة توسّط في إطلاق سراحه البرامكة ، فأخرج من السجن وقد فقد بصره ، فخيره الرشيد بين المقام في بغداد أو السكنى في بعض الأقاليم الإسلامية ، فاختار سكنى يثرب ، فمكث فيها بعيداً عن السياسة مشغولاً بنفسه حتى وافاه الأجل المحتوم ، وبعد هذا فكيف يظنّ بوشايته بالإمام ؟ !
من الأسباب التي حفزت هارون لاعتقال الإمام وزجّه في غياهب السجون احتجاجه(عليه السلام)عليه بأنّه أولى بالنبي العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم)من جميع المسلمين ، فهو أحد أسباطه ووريثه ، وأنّه أحق بالخلافة من غيره ، وقد جرى احتجاجه الا معه في مرقد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وذلك حينما زاره هارون وقد احتف به الوجوه والأشراف وقادة الجيش وكبار الموظفين في الدولة ، فقد أقبل بوجهه على الضريح المقدّس وسلّم على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) قائلاً: السلام عليك يابن العم .
وقد اعتز بذلك على من سواه ، وافتخر على غيره برحمه الماسة من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)،وأنّه إنّما نال الخلافة لقربه من الرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وكان الإمام آنذاك حاضراً فسلّم على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)قائلاً : السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَبَتِ ، ففقد الرشيد صوابه ، واستولت عليه موجات من الاستياء حيث قد سبقه الإمام إلى ذلك المجد والفخر ، فاندفع قائلاً بنبرات تقطر غضباً : لِمَ قلت إنّك أقرب إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)منّا ؟
فأجابه(عليه السلام) بجواب لم يتمكن الرشيد من الردّ عليه أو المناقشة فيه : لَوْ بُعِثَ رَسولُ الله (صلی الله علیه وآله وسلم)حَيّاً وَخَطَبَ مِنْكَ كَرِيمَتَكَ هَلْ كُنْتَ تُجِيبُهُ إلى ذلِكَ ؟
فقال هارون : سبحان الله ! وكنت أفتخر بذلك على العرب والعجم .
فانبرى الإمام مبيناً له الوجه في قربه من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) دونه قائلاً : لَكِنَّهُ لَا يَخْطِبُ مِنّي
وَلَا أَزَوِّجُهُ، لأَنَّهُ والِدُنا لا والدُكُم، فَلِذلِكَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ.
وأراد(عليه السلام)أن يدعم قوله ببرهان آخر فقال لهارون : هَلْ كَانَ يَجوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى حَرَمِكَ وَهُنَّ مُكَشَّفاتِ ؟
فقال هارون : لا.
فقال الإمام : لكِنْ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى حَرَمي ، وَيَجوزُ لَهُ ذلِكَ ، فَلِذلِك نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ(1)
وجاء في وفيات الأعيان: 1 : 394 ومرآة الجنان : 1 : 395 : « أنّ الإمام(عليه السلام) لمّا سلّم على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)بقوله : يا أَبَتِ تغير وجه هارون ولم يطق جواباً ، وقال : هذا هو الفخر حقاً يا أبا الحسن ».
وجاء في الاتحاف بحبّ الأشراف : 55 : « أن هارون بعد ما سمع كلام الإمام ودليله على القرب من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)قال له : لله درّك إنّ العلم شجرة نبتت في صدوركم ، فكان لكم ثمرها ولغيركم الأوراق».
.وكان دليل الإمام(عليه السلام)حجّة دامغة أذهل به خصمه ، ولم يترك له منفذاً يسلك فيه للدفاع عنه ، فقد ألبسه ثوب الفشل والخزي وأبان لمن حوله بطلان ما ذهب إليه هارون ، فالإمام(عليه السلام) أولى بالنبي منه وأحق بالخلافة فهو سبطه ووارثه .
واندفع هارون بعد ما أعياه الدليل إلى منطق العجز ، فأمر باعتقال الإمام(عليه السلام)وزجه في السجن .
ومن الأسباب التي ملأت نفس هارون بالحقد على الإمام(عليه السلام)ودعته إلى اعتقاله والعزم على قتله ، تعيينه(عليه السلام)لفدک ذلك بأنها تشمل أكثر المناطق الإسلامية ، وذلك حينما
1) أخبار الدول : 113 .
سأله هارون عنها ليرجعها إليه ، فأبى(عليه السلام)أن يأخذها إلا بحدودها
فقال الرشيد : ما حدودها ؟
فقال(عليه السلام): إن حدّدتها لم تردّها .
فأصرّ هارون عليه أن يبيّنها له قائلاً: بحق جدّك إلا فعلت .
ولم يجد الإمام بداً من إجابته ، فقال له : أَمَا الْحَدُّ الأَوَّلُ : فَعَدَنْ.
فلمّا سمع الرشيد ذلك تغير وجهه ، واستمر الإمام(عليه السلام) في بيانه قائلاً: وَالْحَدُّ الثاني سَمَرْقَند ، فأريد وجه الطاغيه ، واستولت عليه موجة من الغضب الهائل ، ولكن الإمام(عليه السلام) لم يعتن به ، فقد أخذ يستمر في بيانه قائلاً: وَالْحَدُّ الثَّالِثُ أَفْرِيقيا ، فاسود وجه هارون ، وقال بنبرات تقطر غيظاً : هيه ، وانطلق الإمام يبيّن الحد الأخير قائلاً : وَالْحَدُّ الرّابعُ فَسَيْفُ الْبَحْرِ مِمَا يَلِي الْجُزُرَ وَأَرْمِينِيا .
فثار الرشيد ولم يملك أعصابه دون أن قال : لم يبق لنا شيء.
وتركه الإمام والكمد يحز في نفسه ، فعزم حينئذ على التنكيل به (1)
لقد بين(عليه السلام)له أنّ العالم الإسلامي بجميع أقاليمه من عدن إلى سيف البحر ترجع سلطته له ، وأنّ هارون ومن سبقه من الخلفاء قد استأثروا بالأمر وغصبوا الخلافة من أهل البيت(عليهم السلام).
كان موقف الإمام موسى(عليه السلام) من الطاغية هارون موقفاً سلبيّاً تمثلت فيه صرامة الحق وصلابة العدل كما بيّناه في بعض فصول هذا الكتاب - فقد حرم على شيعته
1) مناقب آل أبي طالب : 3: 435
التعاون مع السلطة الحاكمة بأي وجه من الوجوه ، فكره لصاحبه صفوان الجمال أن يكري جماله لهارون مع أنها تكرى لحج بيت الله الحرام .
فاضطرّ صفوان لبيع جماله ، ففهم هارون فملئ قلبه بالحقد على صفوان وهمّ بقتله ، وكذلك منع زياد بن أبي سلمة من وظيفته ، وقد شاعت في الأوساط الإسلامية فتوى الإمام بحرمة الولاية من قبل هارون وأضرابه من الحكام الجائرين ، فأوغر ذلك قلب هارون وساءه إلى أبعد الحدود.
إنّ الإمام(عليه السلام) لم يصانع هارون ولم يتسامح معه ، فكان موقفه معه صريحاً واضحاً ، فقد دخل عليه في بعض قصوره المشيدة الجميلة التي لم ير مثلها في بغداد ولا في غيرها ، فانبرى إليه هارون وقد أسكرته نشوة الحكم قائلاً: ما هذه الدار ؟
فأجابه الإمام غير معتن بسلطانه وجبروته قائلاً له : هذِهِ دارُ الْفَاسِقِينَ . قالَ اللهُ تَعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سيلاً (1).
ومشت الرعدة في جسم هارون، واستولت عليه موجة من الاستياء ، فقال للإمام : دار مَن هي ؟
هي لِشيعَتِنا فَتْرَةٌ ، وَلِغَيْرِهِمْ فِتْنَةٌ
ما بال صاحب الدار لا يأخذها .
أُخِذَتْ مِنْهُ عامِرَةً ، وَلَا يَأْخُذَها إلّا مَعْمورَةٌ.
أين شيعتك ؟
1) الأعراف 7: 146 .
فتلا الإمام(عليه السلام) قوله تعالى :لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ(1)
فثار هارون ، وقال بصوت يقطر غضباً : أنحن كفار ؟
لا ، وَلكِنْ كَما قالَ اللهُ تَعَالَى: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار(2).
فغضب هارون وأغلظ في كلامه على الإمام(3).
إن موقف الإمام(عليه السلام)كان مع هارون موقفاً لا لين فيه ، فإنّه يراه غاصباً لمنصب الخلافة ومختلساً للسلطة والحكم .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بيان بعض الأسباب التي دعت الرشيد إلى اعتقال الإمام(عليه السلام) .
لعلّ من أقسى المحن وأفجعها هي التي ألمت بالإمام موسى شبيه عيسى بن مريم في تقواه وورعه وصلاحه.
فقد قضى زهرة حياته في ظلمات السجون محجوباً عن أهله وشيعته ، ومحروماً من نشر علومه .
وقد جهد هارون في ظلمه وإرهاقه وأمعن في التنكيل به مع علمه أنّ الإمام لم يكن يبغي الحكم والسلطان ، وإنما كان يبغي نشر العدل والحق والدعة بين الناس ، وينعى على أولئك الحكّام ظلمهم وجورهم واستبدادهم بأمور المسلمين . لقد حفل تاريخ الإنسانية قديماً وحديثاً بالثورات الصاخبة التي قام بها المصلحون على حكّام الظلم والجور في سبيل إسعاد أوطانهم وأبناء نحلتهم حتى عانوا في سبيل ذلك جميع ضروب الأذى وأنواع الاضطهاد والتنكيل .
وفي طليعة المجاهدين والمنافحين عن كرامة المسلمين أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد قدّموا أروع التضحيات وخاضوا أقسى ألوان النضال في سبيل الله ، ورفع كلمة المسلمين ، وإنقاذهم من الجور السياسي والاستبداد السياسي الذي تمثل على مسرح سياسة خصومهم من حكّام الأمويين والعباسيين ، تلك السياسة الجائرة التي لم يتحقق فيها ظلّ للعدل لا قليل ولا كثير ، والتي قضت على التلاعب في مقدرات المجتمع ، وسلب أموال المسلمين ، وصرفها بسخاء على المجون والدعارة ، وبذلها للعملاء الذين يساندونها ويضفون عليها سيماء العدالة والحقّ .
وكان الواجب الديني يحتم على أئمة أهل البيت(عليهم السلام) باعتبارهم مسؤولين عن رعاية الدين وحماية المسلمين أن يناهضوا ذلك الحكم وينفروا في وجه الظلم ، وينقذوا المجتمع الإسلامي من الاستبداد والجور اللذين حلّا فيه ، وفعلاً قد قاموا بما يجب عليهم من أداء رسالتهم الإنسانية ، والذب عن كرامة الإسلام وحماية المسلمين.
وكان الإمام موسى(عليه السلام)زعيم المعارضين لسياسة هارون ، وقد ذكرنا - غير مرّة - موقفه السلبي تجاهه، وعمل هارون ما وسعه في إرهاق الإمام والانتقام منه ، اعتقله في سجونه وحجبه عن شيعته ، وقضى زمناً طويلاً في السجون حتى لفظ أنفاسه الأخيرة فيها ، وهو غريب شهيد ، عانى أمر الآلام وأدهى الخطوب ، ونقدّم عرضاً سريعاً حسب تتبعنا لبيان ما جرى عليه في ظلمات السجون .
وثقل الإمام موسى(عليه السلام)على هارون ، وضاق صدره منه ، وأزعجه إلى أبعد الحدود انتشار اسمه ، وذيوع فضله ، وتحدّث الناس عن مآثره وعلمه ، فجاء الطاغية إلى قبر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وكان آنذاك في يثرب، فسلّم على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وخاطبه قائلاً :
« بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، إنّي أعتذر إليك من أمر عزمت عليه ، إنّي أريد أن آخذ موسى بن جعفر فاحبسه لأني قد خشيت أن يلقي بين أمتك حرباً يسفك فيها دماءهم »(1).
والغريب أن يعتذر إلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في انتهاك حرمته ، والتنكيل بفلذة كبده ، وقد حسب أنّ الاعتذار من ارتكاب الجريمة يجديه عن المسؤولية في يوم يخسر فيه المبطلون .
1) بحار الأنوار: 48 : 213 .
وفي اليوم الثاني ! أوامره بإلقاء القبض على الإمام ، فألقت الشرطة القبض عليه القبض وهو قائم يصلّي لربه عند رأس جده النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقطعوا عليه صلاته ولم يمهلوه من إتمامها ، فحمل من ذلك المكان الشريف ، وقيد وهو يذرف الدموع ويوجّه شكواه إلى جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) قائلاً : إليك أشكو يا رسول الله(1)
ولم يحترم هارون قداسة القبر الشريف، فهتك حرمته ، وحرمة أبنائه التي أولى بالرعاية والمودّة من كلّ شيء ، كما لم يحترم الصلاة التي هي أقدس عبادة في الإسلام ، فقطع عليه صلاته ، وأمر بتقييده ، وحمل إليه الإمام وهو يرسف في ذلّ القيود ، فلما مثل عنده جفاه وأغلظ له في القول، وكان اعتقاله في سنة 179ه- في شهر شوال لعشر بقين منه (2).
ولما اعتقل الإمام(عليه السلام)جزع المسلمون وفزعوا ، فلم يبق قلب إلّا تصدّع من الأسى والحزن ، فقد حجب عنهم من كان يحن على فقرائهم ، ويعول بأيتامهم وأراملهم ، ومن كان يتعهدهم بالرعاية والعطف والحنان ، ومَن كان مفزعاً لهم عند الكوارث والخطوب .
وخاف الرشيد من وقوع الفتنة وحدوث الاضطراب ، فأمر بتهيئة قبتين ، فأوعز بحمل إحداهما إلى الكوفة والأخرى إلى البصرة ليوهم على الناس أمر الإمام ويخفي عليهم خبر اعتقاله بأي مكان، وأمر بحمل الإمام(عليه السلام) إلى البصرة في غلس الليل البهيم ، فحُمل إليها وقد خيّم على يثرب الحزن واللوعة والمصاب.
وسير الإمام(عليه السلام) معتقلاً إلى البصرة ، قد أحاطت به الآلام والهموم ، ووكّل حسّان السروي بحراسته والمحافظة عليه(1).
وقبل أن يصل إلى البصرة تشرّف بالمثول بين يديه عبد الله بن مرحوم الأزدي ، فدفع له الإمام كتباً ، وأمره بإيصالها إلى ولي عهده الإمامالرضا (عليه السلام) وعرفه بأنه الإمام من بعده(2).
وسارت القافلة تطوي البيداء حتى انتهت إلى البصرة ، وذلك قبل التروية بيوم(3).
فأخذ حسّان الإمام ودفعه إلى عيسى بن أبي جعفر فحبسه في بيت من بيوت المحبس، وأقفل عليه أبواب السجن ، فكان لا يفتحها إلا في حالتين : إحداهما في خروجه إلى الطهور، والأخرى لإدخال الطعام له(4).
أمّا شؤونه في سجن البصرة ، فهي :
وأقبل الإمام(عليه السلام)على عبادة الله ، فحيّر الألباب ، وأبهر العقول بعبادته وانقطاعه إلى الله ، فكان يصوم في النهار ، ويقوم في الليل ، يقضي أغلب أوقاته في الصلاة والسجود والدعاء لم يضجر ولم يسأم من السجن ، واعتبر تفرّغه للعبادة من أعظم
النعم التي منحها الله له ، فكان يشكر ربه على ذلك ، ويدعو بهذا الدعاء : اللهم ،إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتَ أَسْأَلُكَ أَنْ تُفَرِّغَنى لِعِبادَتِكَ ، اللهُمَّ وَقَدْ فَعَلْتَ ، فَلَكَ الْحَمْدُ »(1).
وكشف لنا هذا الدعاء جانباً كبيراً من صبر الإمام(عليه السلام) ورضائه بقضاء الله كما دلّ على مدى حبّه وشوقه إلى العبادة والطاعة .
اتّصال العلماء به(عليه السلام)
ولمّا شاع اعتقال الامام(عليه السلام) في البصرة أقبل علماؤها ورواة الحديث إلى الإمام فاتصلوا به من طريق خفيّ ، وقد رووا عنه بعض العلوم والأحكام ، فاتصل به ياسين الزيات، وروى عنه(2)، واتصل به جماعة آخرون من العلماء البارزين فرووا عنه ، الشيء الكثير مما يتعلّق بالتشريع الإسلامي .
وانتشر خبر سجن الإمام (عليه السلام) في البصرة ، وتناقل الناس حديثه مقروناً بالحسرة واللوعة ، فخاف هارون من حدوث الفتن والاضطرابات ، فأوعز إلى عيسى يطلب منه فوراً القيام باغتيال الإمام(عليه السلام) ليستريح منه ويهدأ باله بذلك .
ولمّا وصلت أوامر الرشيد العيسي باغتيال الإمام (عليه السلام)ثقل عليه الأمر ، فجمع خواصه وثقاته ، فعرض عليهم الأمر ، فأشاروا عليه بالحذر من ارتكاب الجريمة ، فاستصوب رأيهم ، وكتب إلى الرشيد رسالة يطلب فيها إعفاءه عن ذلك ، وهذا
نصّها :
«يا أمير المؤمنين ، كتبت إليَّ في هذا الرجل ، وقد اختبرته طول مقامه في حبسي بمن حبسته معه عيناً عليه ، لينظروا حيلته، وأمره وطويته ممّن له المعرفة والدراية ، ويجري من الإنسان مجرى الدم، فلم يكن منه سوء قط ، ولم يذكر أمير المؤمنين إلا بخير، ولم يكن عنده تطلّع إلى ولاية ، ولا خروج ، ولا شيء من ن أمر الدنيا ، ولا دعا قط على أمير المؤمنين ، ولا على أحد من الناس ، ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين مع ملازمته للصيام والصلاة والعبادة ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره ، أو ينفذ من يتسلمه مني وإلا سرحت سبيله ، فإنّي منه في غاية الحرج»(1).
و دلّت هذه الرسالة على إكبار عيسى وتقديره البالغ للإمام(عليه السلام)، فقد راقبه ووضع العيون عليه ، فلم يره إلّا مشغولاً بذكر الله وطاعته، ولم يتعرّض لذكر أحد بسوء حتى الظالمين له ، لذا خاف عيسى ، وراقب الله من اغتياله ، وقد بقى(عليه السلام)في سجن عيسى سنة كاملة (2)، وقد عانى فيها آلام السجن ومرارة القيود .
واستجاب الرشيد لطلب عيسى ، وخاف منه أن يطلق سراح الإمام(عليه السلام)ويخلي سبيله ، فأمره بحمله إلى بغداد ، وفرح عيسى بذلك لأنّ الله قد أنقذه من ارتکاب الموبقة ، وفي الوقت أمر عيسى بحمله إلى بغداد ، فحمل مقيّداً تحف به الشرطة والحرّاس ، وساروا به مسرعين حتى انتهوا به إلى بغداد، فعرفوا الرشيد بذلك ، فأمر باعتقاله ، أما ما جرى عليه في بغداد فهو كما يلي :
ولما انتهى الإمام(عليه السلام) إلى بغداد أمر الرشيد باعتقاله عند الفضل بن الربيع(1)
يكنى أبا العباس ، كان حاجباً لهارون الرشيد ومحمد الأمين، وكان أبوه حاجب المنصور والمهدي ، ولما أفضت الخلافة إلى الأمين قدم عليه الفضل من خراسان - وكان في صحبة الرشيد إلى أن توفّي بطوس - فأكرمه الأمين، وألقى أزمة الأمور إليه ، وعوّل عليه في مهماته ، وقد روى عن أبيه أنه روى عن المنصور عن جده عن ابن عباس أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قال :« مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مولاه» . توفي سنة 207ه- ، وقيل : 208ه-. تاریخ بغداد : 12: 343 و 344 .
،فأخذه الفضل وحبسه في بيته .وإنما حبسه هارون في بيوت وزرائه ، ولم يعتقله في السجون العامة كالمطبق وغيره ، نظراً لخطورة الإمام(عليه السلام)وسمّو مكانته ، وعظم شخصيته ، فإنّ الشخصيات النابهة كانت لا تعتقل في السجون العامة ، فقد سجن عبد الملك بن صالح لما غضب عليه الرشيد عند الفضل بن الربيع(2).
وكذلك سجن إبراهيم بن المهدي عند أحمد بن أبي خالد(3)ولذلك سجن الإمام في بيوت الوزراء وكبار رجال الدولة .
وأقبل الإمام(عليه السلام) على طاعة ربّه ، فكان يقضي أغلب أوقاته في الصلاة والسجود والابتهال إلى الله والتضرّع إليه حتّى فاق بطاعته جميع الأولياء ، وقد بهر الفضل
بعبادته ، فكان يحدّث عنها ونفسه مترعة بالإكبار والتقديس للإمام ، فقد حدث عبدالله عبد الله القزويني ، قال : « دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح داره ، فقال لي : ادن منّي ، فدنوت منه حتى حاذيته فقال لي : اشرف على الدار .
فأشرف عبد الله على الدار ، فقال له الفضل : ما ترى في البيت ؟
أرى ثوباً مطروحاً .
انظر حسناً.
فتأمل عبد الله في نظره ، فقال له : رجل ساجد .
هل تعرفه ؟
لا.
هذا مولاك .
مَن مولاي ؟!
تتجاهل على .
ما أتجاهل ، ولكن لا أعرف لي مولى.
هذا أبو الحسن موسى بن جعفر .
وأخذ الفضل يحدّث عبد الله عن عبادة الإمام وطاعته الله قائلاً: إنّي أتفقده الليل والنهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أخبرك بها إنّه يصلي الفجر ، فيعقب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس ، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس ، وقد وكل من يترصد له الزوال ، فلست أدري متى يقول الغلام قد زالت الشمس ، إذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير أن يجدّد الوضوء ، فاعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى ، فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر . فإذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس ، فإذا غابت
وثب من سجدته فصلّى المغرب من غير أن يحدث حدثاً، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلّي العتمة ، فإذا صلّى العتمة أفطر على شوي(1)يؤتى به ، ثمّ يجدد الوضوء ، ثمّ يسجد ، ثمّ يرفع رأسه فينام نومة خفيفة ، ثم يقوم فيجدّد الوضوء ، ثمّ يقوم ، فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر ، فلست أدري متى يقول الغلام إنّ الفجر قد طلع ، إذ قد وثب هو لصلاة الفجر فهذا دأبه منذ حوّل إليَّ .
ولما رأى عبدالله إكبار الفضل للإمام(عليه السلام)حذره من أن يستجيب لداعي الهوى فينقذ رغبة الرشيد باغتياله ، فقال له : اتق الله ، ولا تحدث في أمره حدثاً يكون منه
زوال النعمة ، فقد تعلم أنّه لم يفعل أحد بأحد سوءاً إلا كانت نعمته زائلة .
وكان الفضل مؤمناً بذلك ، فقال له : قد أرسلوا إليَّ غير مرّة يأمرونني بقتله ، فلم أجبهم إلى ذلك ، وأعلمتهم أني لا أفعل ذلك ، ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني(2).
وهكذا كان الإمام (عليه السلام) لمن أروع أمثلة التقوى والإيمان بالله ، قد طبع حبّ الله في قلبه ومشاعره ، وهامت نفسه بطاعته وعبادته .
كان هارون يتوجس في نفسه الخوف من الإمام (عليه السلام) فلم يثق بالعيون التي وضعها عليه في سجنه ، فكان بنفسه يراقبه ، ويتطلع على شؤونه خوفاً من أن يتصل به أحد من الناس ، أو يكون الفضل قد رفّه عليه ، فأطل من أعلى القصر على السجن فرأى ثوباً مطروحاً في مكان خاص لم يتغيّر عن موضعه ، فقال للفضل : ما ذاك الثوب
الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع ؟
فتبهّر هارون وقال : أما إن هذا من رهبان بني هاشم !
والتفت إليه الربيع بعد ما سمع منه اعترافه بزهد الإمام قائلا له : يا أمير المؤمنين ، ما لك قد ضيّقت عليه في الحبس ؟!
فأجابه هارون بما انطوت عليه نفسه من الشر وفقدان الرأفة قائلاً: هيهات ، لا بدّ من ذلك(1).
إن هارون يعلم منزلة الإمام وعزوفه عن الدنيا ، وإقباله على الله ، ولكنّ حبّه للدينا وحسده له هو الذي دفعه إلى ذلك .
وسأم الإمام(عليه السلام) من السجن وضاق صدره من طول المدة ، وقد أحاطت به آلام مرهقة ، وخطوب مريرة ، فقد حجب عن عياله وأطفاله وشيعته ، ينقل من حبس إلى حبس ، تراقبه الشرطة والعيون خوفاً من اتصال أحد من شيعته به ، وقد لجأ(عليه السلام)إلى الله تعالى في أن يخلّصه من هذه المحنة .
ولما طالت مدة الحبس على الإمام(عليه السلام)وهو رهين السجون ، قام في غلس الليل البهيم فجدّد طهوره وصلّى لربّه أربع ركعات، وأخذ يناجي الله ويدعوه بهذا الدعاء :
1) بحار الأنوار: 48: 220 و 221 .
«يا سَيِّدي ، نَجِّنِي مِنْ حَبْسِ هارونَ ، وَخَلِّصْني مِنْ يَدِهِ، يَا مُخَلِّصَ الشَّجَرِ مِنْ بَيْنِ رَمْلٍ وَطينٍ، وَيَا مُخَلِّصَ النَّارِ مِنْ بَيْنِ الْحَدِيدِ وَالْحَجَرِ ، وَيا مُخَلَّصَ اللَّبَنِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ، وَيَا مُخَلِّصَ الْوَلَدِ مِنْ بَيْنِ مَشيمَةٍ وَرَحِمٍ، وَيَا مُخَلِّصَ الرُّوحِ مِنْ بَيْنِ الْأَحْشَاءِ وَالْأَمْعَاءِ ، خَلَّصْنِي مِنْ يَدِ هارونَ »(1).
واستجاب الله دعاء العبد الصالح ، فأنقذه من سجن الطاغية هارون وأطلقه في غلس الليل ، وذلك بسبب رؤيا رآها ، فحدّث عبد الله بن مالك الخزاعي ، وكان على دار الرشيد وشرطته ، قال : « أتاني رسول الرشيد في وقت ما جاءني فيه قط ، فانتزعني من موضعي ، ومنعني من تغيير ثيابي ، فراعني ذلك ، فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم ، فعرف الرشيد خبري ، فأذن لي في الدخول ، فدخلت ، فوجدته جالساً على فراشه ، فسلّمت ، فسكت ساعة ، فطار عقلي وتضاعف جزعي ، ثم قال لي : يا عبد الله ، أتدري لم طلبتك في هذا الوقت ؟
لا والله يا أمير المؤمنين.
إني رأيت الساعة في منامي كأنّ حبشيّاً قد أتاني ، ومعه حربة ، فقال : إن لم تخل عن موسى بن جعفر الساعة ، وإلا نحرتك بهذه الحربة ، اذهب فخلّ عنه.
ولم يطمئن عبد الله بأمر الرشيد بإطلاق سراح الإمام ، فقال له : أطلق موسى بن جعفر ؟ قال له ذلك ثلاث مرات .
فقال الرشيد : نعم ، امض الساعة حتى تطلق موسى بن جعفر ، وأعطه ثلاثين
1) مناقب آل أبي طالب : 3 : 422. عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 1 : 87 و 88
ألف درهم ، وقل له إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحبّ ، وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك إليك.
ومضى عبد الله مسرعاً إلى السجن يقول : لما دخلت وثب الإمام(عليه السلام)قائماً ، وظنّ أني قد أمرت فيه بمكروه ، فقلت له : لا تخف ، قد أمرني أمير المؤمنين بإطلاقك ، وأن أدفع إليك ثلاثين ألف درهم ، وهو يقول لك : إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحبّ ، وإن أحببت الانصراف فالأمر في ذلك مطلق لك ، وأعطيته الثلاثين ألف درهم (1)وقلت له : لقد رأيت من أمرك عجباً .
وأخذ الإمام(عليه السلام) يحدّثه عن السبب في إطلاق سراحه قائلاً: « بَيْنَما أَنا نائِمٌ إِذْ أَتاني رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)فَقالَ لي : يا مُوسى ، حُبِسْتُ مَظْلُوماً ، قُلْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّكَ لَا تَبِيتُ هذِهِ اللَّيْلَةَ فى الْحَبْسِ .
فَقُلْتُ لَهُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، ما أَقولُ .
فَقالَ : قُلْ :
يا سامِعَ كُلِّ صَوْتٍ ، وَسابِقَ الْقَوْتِ ، وَيا كاسِي الْعِظَامِ لَحْماً وَمُنْشِرَها بَعْدَ الْمَوْتِ ، أَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى ، وَبِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ الْأَكْبَرِ الْمَخْرُونِ الْمَكْنونِ الَّذي لَمْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَيا حَلِيماً ذا أناةٍ لَا يُقْوى عَلَىٰ أَناتِهِ ، يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ أَبَداً ، وَلَا يُحْصى عَدَداً ، فَرِّجْ عَنِّى فَكانَ ما تَرى(2).
وفرّج الله عن الإمام ، فخلّى هارون سبيله ، وقد مكث في سجن الفضل مدّة
طويلة من الزمن لم يعينها لنا التاريخ .
ويقي الإمام بعد إطلاق سراحه في بغداد لم ينزح عنها إلى يثرب ، وكان يدخل على الرشيد في كل اسبوع مرّة في يوم الخميس(1)، وكان يحتفي به إذا رآه .
وقد دخل عليه يوماً ، وقد استولى الغضب على هارون من أجل رجل ارتكب جرماً ، فأمر أن يضرب ثلاثة حدود ، فنهاه الإمام الها عن ذلك وقال : إنّما تغضب الله ، فلا تغضب له بأكثر ممّا غضب لنفسه(2).
وربّما جرت بينهما بعض المناظرات ، فقد دخل عليه في بعض الأيام فانبرى إليه الرشيد قائلاً: أتقولون إنّ الخمس لكم ؟
وطلب منه الرشيد في بعض اجتماعاته به في بغداد أن يكتب له كلاماً موجزاً يحتوي على أصول الدين وفروعه ، فأجابه الإمام إلى ذلك ، وكتب بعد البسملة هذه الرسالة :
أمورُ الدُّنْيا أَمْرانِ : أَمْرُ لَا اخْتِلافَ فِيهِ ، وَهُوَ إِجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى الضَّرورَةِ الَّتي يَضْطَرُونَ إِلَيْهَا ، وَالْأَخْبارُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا ، الْمَعْرُوضُ عَلَيْهَا شُبْهَةٌ ، وَالْمُسْتَنْبَطُ مِنْهَا كُلُّ حادِثَةٍ ، وَأَمْرٌ يَحْتَمِلُ الشَّلَّ وَالْإِنْكارَ ، وَسبيلُ ذلِك اسْتِنْصَاحُ أَهْلِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ، فَمَا ثَبَتَ لِمُنتَحِليهِ مِنْ كِتَابٍ مُسْتَجْمَع عَلَى
تأويلِهِ أَوْ سُنَّةٍ عَنِ النَّبِيِّ(صلی الله علیه وآله وسلم) لَا اخْتِلافَ فِيهَا ، أَوْ قِياسِ تَعْرِفُ الْعُقولُ عَدْلَهُ ضاقَ عَلَى مَنِ اسْتَوْضَحَ تِلْكَ الْحُجَّةَ رَدُّها ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ قَبولُهَا ، وَالْإِقْرَارُ وَالدِّيانَةُ بِها ، وَما لَمْ يَثْبُتْ لِمُنتَحليهِ بِهِ حُجَّةٌ مِنْ كِتَابٍ مُسْتَجْمَع عَلَى تَأْوِيلِهِ أَوْ سُنَّةٍ عَنِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه وآله وسلم) لَا اخْتِلافَ فيها أَوْ قِياسِ تَعْرِفُ الْعُقولُ عَدْلَهُ وَسِعَ خاصَّ الأُمَّةِ وَعامَّهَا الشَّكُ فِيهِ ، وَالْإِنْكَارَ لَهُ ، كَذلِكَ هذَانِ الْأَمْرانِ مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ ، فَما دونَهُ إِلَى أَرْشِ الْخَدْشِ ، فَمَا دُونَهُ فَهَذَا الْمُعروضُ الَّذي يُعْرَضُ عَلَيْهِ أَمْرُ الدِّينِ ، فَما ثَبَتَ لَكَ بُرْهَانُهُ اصْطَفَيْتَهُ ، وَمَا غَمَضَ عَنْكَ ضَوْؤُهُ نَفَيْتَهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ، وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ».
وعرض هذا الكتاب على هارون ، فقال : هو كلام موجز جامع(1).
وجرت مناظرات أخرى بينهما ذكرناها في الجزء الأوّل من هذا الكتاب ، وقد طلب الإمام من هارون أن يمسح له بالرحيل إلى يثرب لرؤية عياله وأطفاله ، وذكر المجلسي في بحاره أنّه أذن له بذلك(2).
وذكر مرة أخرى أنّه قال انظر في ذلك ولم يجبه إلى شيء حتى حبسه عند السندي بن شاهك(3).
وأكبر الظنّ أنّ الرشيد فرض عليه الإقامة الجبرية في بغداد ولم يسمح له بالسفر إلى وطنه ، فمكث(عليه السلام)في بغداد مدة من الزمن لم يتعرّض له هارون بسوء ، وقد ذهب لذلك السيد مير علي الهندي ، فقال : « وقد حدث مرتين أن سمح الرشيد لهذا
الإمام الوديع بالرجوع إلى الحجاز ، ولكن شكوكه كانت في كلتا المرتين تتغلب على طيبة قلبة فيبقيه في الحبس»(1).
ومهما يكن من أمر فإنّه في تلك الفترة قد بذل جهوده لإرشاد الناس وهدايتهم إلى طريق الحق ، فقد اهتدى بشر الحافي وتاب على يده حتى صار من عيون الصالحين والمتقين ، وذكرنا حديثه مشفوعاً بالتفصيل في الجزء الأول من هذا الكتاب ، كما أنه توسط لهارون في بعض القضايا الخاصة التي كلّفه بها بعض شيعته فقضاها له .
وعلى أي حال ، فإنّ التاريخ ضنّ بتعيين المدة التي خلّي فيها عن سبيل الإمام ، والذي أظنّ أنّها فترة قصيرة ، لذا لم يذكرها قسم كبير من المؤرّخين ، فذكروا أنه انتقل من سجن الفضل بن الربيع إلى سجن الفضل بن يحيى ، وأهملوا إطلاق سراحه .
ولما شاع ذكر الإمام وانتشرت فضائله ومآثره في بغداد ضاق الرشيد من ذلك ، وخاف منه ، فعزم على قتله ، لولا أنه رأى برهاناً من ربّه فعفا عنه، فقد حدث الفضل ، قال : «كنت حاجباً عند الرشيد ، فأقبل علي يوماً وهو غضبان وبيده سيف يقلبه فقال لي : بقرابتي من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) لئن لم تأتني بابن عمي ، لأخذت الذي فيه عيناك .
فخاف الفضل ومشت الرعدة في أوصاله وقال لي : بمن أجيئك ؟
بهذا الحجازي .
وأي الحجازيين ؟
1) مختصر تاريخ العرب : 209 .
فقال لي : لج ، فليس له حاجب ولا بوّاب . فولجت إليه ، فإذا بغلام أسود بيده مقص يأخذ اللحم من جبينه وعرنين أنفه من كثرة سجودة ، فسلمت عليه ، وقلت : أجب الرشيد .
ووثب مسرعاً، وهو يقول : لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ في خَبَرٍ عَنْ جَدِّي رَسولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)أَنَّ طاعَةَ السُّلْطانِ لِلتَّقِيَّةِ واجِبَةٌ ما جِئْتُ .
وانطلق(عليه السلام) مع الفضل فقال له : استعد للعقوبة يا أبا إبراهيم .
قال الفضل : رأيت الإمام وقد أداريده يلوّح بها على رأسه الشريف ثلاث مرات ، ولما وصل الفضل استقبله الرشيد وهو مذهول قد استولى عليه الخوف والذعر ، فقال له : يا فضل .
لبيك
جئتني بابن عمّي ؟
نعم .
لا تكن أزعجته ؟
ودخل الإمام(عليه السلام) ، فلما رآه وثب إليه قائماً وعانقه ، وقال له : مرحباً بابن عمّي وأخي ووارثي ، ما الذي قطعك عن زيارتنا ؟
فأجابه الإمام(عليه السلام) غير معتن به قائلاً : سَعَةُ مُلْكِكَ ، وَحُبُّكَ لِلدُّنْيا .
وأمر الرشيد أن يؤتى بغالية ، فأتي بها ، فطيب الإمام بيده وأمر أن يحمل بين يديه خلع ويدرتان ودنانير .
فقال الإمام(عليه السلام) : لَوْلا أَنِّي أَرى أَنْ أَزَوَّجَ بِها مِنْ عَذَابِ بَنِي أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا يَنْقَطِعَ نَسْلُهُ ما قَبلْتُها أبداً .
وانصرف(عليه السلام) وهو يقول : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، والتفت هارون إلى الفضل قائلاً له : يا فضل ، إنك لما مضيت لتجيئني به رأيت أقواماً قد أحدقوا بداري بأيديهم حراب قد غرسوها في أصل الدار ، يقولون : إن أذى ابن رسول الله خسفنا به ویداره الأرض ، وإن أحسن إليه انصرفنا عنه وتركناه .
وانطلق الفضل مسرعاً نحو الإمام قائلاًله : ما الذي قلت حتى كفيت أمر الرشيد ؟
اللهمَّ بِكَ أَساوِرُ، وَبِكَ أحاوِرُ ، وَبِكَ يُجاوِرُ ، وَبِكَ أَصولُ ، وَبِكَ أَنْتَصِرُ ، وَبِكَ أموتُ، وَبِكَ أَحْيى . أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَني وَرَزَقْتَنِي وَسَتَرْتَنِي عَنِ الْعِبَادِ ، بِلُطْفِ مَا خَوَّلْتَني أَغْنَيْتَنِي ، فَإِذا هَوَيْتُ رَدَدْتَني ، وَإِذا عَثَرْتُ قَوَّمْتَني ، وَإِذا مَرِضْتُ
شَفَيْتَنِي ، وَإِذَا دَعَوْتُ أَجَبْتَنِي.
يا سَيِّدي ، ارْضَ عَنِّي ، فَقَدْ أَرْضَيْتَنى(1).
ولكن هارون لم يؤمن بما يراه من الآيات والمعجزات التي ظهرت للإمام(عليه السلام)فقد أعماه حبّ الملك والسلطان إلى الإصرار على الجريمة والتنكيل بالإمام(عليه السلام).
وألقى هارون القبض على الإمام ثانياً ، فأمر باعتقاله عند الفضل بن يحيى ، ونشير إلى بعض شؤونه عند سجنه في بيت الفضل :
ولما رأى الفضل عبادة الإمام(عليه السلام)وإقباله على الله ، وانشغاله بذكره أكبر الإمام ورفه عليه ، ولم يضيق عليه ، وكان في كل يوم يبعث له بمائدة فاخرة من الطعام ، وقد رأى الله من السعة في سجن الفضل ما لم يرها في بقية السجون .
وأوعز الرشيد للفضل باغتيال الإمام ، فامتنع من ذلك ولم يجبه وخاف من الله .
إنّ الفضل كان ممّن يذهب إلى الإمامة ويدين بها ، وهذا هو السبب في اتهام البرامكة بالتشيّع ، وقد امتنع أشدّ الامتناع عن تنفيذ رغبات الرشيد في قتل الإمام .
1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 2 : 74 - 76 ، الحديث 5. الدر النظيم : 657. بحار الأنوار: 48 : 216 و 217.
وانطلق بعض الأوغاد إلى هارون ، فأخبره بترفيه الفضل على الإمام(عليه السلام).
ولمّا سمع ذلك الطاغية تحرّق من الغيظ والغضب ، وكان آنذاك في الرقة ، فأنفذ في الوقت مسرور الخادم إلى بغداد ليكشف له حقيقة الحال ، فإن كان الأمر على ما بلغه مضى إلى العبّاس بن محمد وأوصله رسالة يأمره فيها بجلد الفضل، وكذلك أمره بالوصول إلى السندي بن شاهك مدير شرطته ليكون منفذاً لأوامره .
وقدم مسرور إلى بغداد ، فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريده ، ثمّ دخل على الإمام موسى(عليه السلام) فوجده مرفهاً عليه ، كما بلغ الرشيد فمضى من فوره إلى العباس وأمره بتنفيذ أمر الرشيد، وكذلك سار إلى السندي فأمره بإطاعة العباس ، وأرسل العبّاس بالفور الشرطة إلى الفضل ، فأخرجوه من داره وهو يهرول والناس من حوله ، فدخل على العباس فأمر بتجريده ، ثمّ ضربه مائة سوط.
وخرج الفضل متغيّراً ، قد انهارت قواه وأعصابه ، فجعل يسلّم على الناس يميناً وشمالاً ، وهو لا يشعر بذلك .
وكتب مسرور إلى الرشيد بما فعله ، فأمره بأخذ الإمام(عليه السلام)واعتقاله عند السندي ابن شاهك ، وجلس الرشيد مجلساً حافلاً ضمّ جمهوراً غفيراً من الناس ، فرفع صوته قائلاً: أيها الناس ، إن الفضل بن يحيى قد عصاني ، وخالف طاعتي ، ورأيت أن العنه ، فالعنوه .
فارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل باللعن والسباب والشتم على الفضل ، حتّى اهتزت الأرض من أصوات اللعن .
وبلغ يحيى بن خالد ذلك ، فأسرع إلى الرشيد فدخل عليه من غير الباب الذي يدخل منه الناس ، حتى جاءه من خلفه فأسره قائلاً يا أمير المؤمنين ، إن الفضل حدث ، وأنا أكفيك ما تريد .
فسرّ الرشيد بذلك ، وظهر السرور على وجهه ، وذهب عن نفسه ما يحمله من الحقد على الفضل ، فأراد يحيى أن يستعيد كيان ولده ويرد له كرامته ، فقال للرشيد : يا أمير المؤمنين ، قد غضضت من الفضل بلعنك إيَّاه ، فشرّفه بإزالة ذلك .
وأقبل هارون بوجهه على الناس ، فرفع عقيرته قائلاً: إن الفضل قد عصاني في شيء فلعنته ، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولّوه .
وارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل وهي تعلن التأييد الشامل لتلك السياسة المتناقضة ، ، وهي ذات لهجة واحدة أعلنها أولئك الناس الذين لا يؤمنون بالقيم ولا بالمثل العليا قائلين : يا أمير المؤمنين ، نحن أولياء من واليت ، وأعداء من عاديت ، وقد توليناه(1).
ودلّت هذه البادرة على ما منيت به الجماهير الإسلامية في ذلك العصر من فقدان الوعى والانحراف عن المبادئ الأصيلة ، ولو كان عندهم أي شعور ديني لما سجن الإمام ، وما نكل به ، ويعود السبب في ذلك كله إلى عبث السياسة الملتوية في الأوساط الاجتماعية ، ونشرها الفساد والتسيب في ربوع ذلك المجتمع ، حتّى كان من نتائجه مواقفه المذمومة التي لا يحمد عليها بحال ، كما كشفت لنا هذه البادرة مدى الحقد والكراهية التي يكنها هارون في نفسه للإمام(عليه السلام)، فقد نكل بالفضل وهو أعز الناس عنده ، وأقربهم إليه ، وأعلن سبه وشتمه لأنّه رفّه على الإمام ولم يضيق عليه في مأكله ومشربه. أما المدة التي قضاها(عليه السلام) في سجن الفضل فكانت قصيرة للغاية ، وذكر الرواة أنها كانت أياماً .
وقبل أن ننهي المطاف عن هذا الفصل نود التنبيه إلى أنه قد شاع أن الإمام سجن في واسط سنة كاملة ، ولكنّ المصادر التي بأيدينا لم تنص على ذلك ، ولعله ذكر ولم نعثر عليه .
1) مقاتل الطالبيين : 503 و 504 .
أي خطب مريع هذا الذي حل بسبط النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وديعته في أمته ، وشبيه المسيح عيسى بن مريم في تقواه وورعه ، فقد سدّت عليه نوافذ الحياة ، وحفّت به جميع ألوان المصاعب والمكاره ، وصبّ عليه الطاغية هارون جام غضبه ، فأذاقه جميع صنوف الهوان والتنكيل ، فكبّله بالقيود ، وزجّه في السجون ، وأرصد عليه العيون خوفاً من العطف أو الترفيه عليه ، فأخذ ينقله من سجن إلى سجن ، ونكل بكل من أكرمه ورعى جانبه ، فجلد ابن يحيى ، وأعلن سبّه ، وشهر به لأنه لم يضيق عليه .
لقد أعيا الرشيد أمر الإمام(عليه السلام)، وأقض مضجعه انتشار اسمه ، وذيوع فضله ، وتحدّث الناس عن محنته واضطهاده ، فأوعز إلى كبار رجال دولته باغتياله ، فلم يجيبوه لذلك ، لما رأوه من كرامات الإمام(عليه السلام)، وانقطاعه إلى الله ، وإقباله على العبادة ، فخافوا على نعمتهم من الزوال إن تعرّضوا له بمكروه .
وأخيراً لم يجد شريراً ينفذ رغباته سوى السندي بن شاهك(1)
هو أبو المنصور، ومولى المنصور الدوانيقي ، ولي دمشق من قبل موسى بن عيسى في خلافة الرشيد ، ذكر ذلك الصفدي في كتابه أمراء دمشق : 39 ، ونظمه أيضاً في أرجوزته التي ذكر فيها أمراء دمشق : 122 ، بقوله :
وَكانَ قَدْ وَلّى بها ابْنَ شَاهِكِ*** خِلافَةٌ وَلَمْ يَكُنْ بِمَالِكِ
وذكر الجاحظ في حياة الحيوان : 5 : 393 حديثاً عنه حينما ولي الشام يتعلّق في تسويته بين القحطانية والعدنانية ، وذكر الجهشياري في الوزراء والكتاب : 188 : أن السندي في أيام الرشيد كان يلي الجسرين في بغداد ، وأنّه وكّل بحراسة دور البرامكة لما أراد الرشيد الانتقام منهم .
وجاء في المصايد والمطارد : 7 ، كان له ولدان : أحدهما الحسين والآخر إبراهيم ، وأن حفيده كشاجم الشاعر المشهور والكاتب المعروف ، إنّه من ألمع شخصيات عصره في علمه وأدبه، وأفاد المحقق القمي في الكنى والألقاب: 3: 93 :« أن كشاجم من شعراء أهل البيت(عليهم السلام) المجاهرين ، وله قصائد في مدح آل محمد ، وذكر ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب أنّ الله انتقم من السندي في اليوم الذي توفّي فيه الإمام ، فقد نفر به فرسه ، وألقاه في نهر دجلة فمات فيه .
ولكنّ المسعودي ذكر في مروج الذهب : 3 : 322 أنّه بقي إلى أيام المأمون ، وذكر له حديثاً يتعلّق في حصار بغداد .
الوغد الأثيم الذي1) السندي بن شاهك :
لا يؤمن بالآخرة ولا يرجو الله ،وقاراً، فنقله إلى سجنه وأمره بالتضييق عليه ، فاستجاب الأثيم لذلك ، فقابل الإمام بكل جفوة وقسوة ، والإمام صابر محتسب ، قد كظم غيظه ، وأوكل أمره إلى الله .
يا لهول الفادحة الكبرى التي مني بها الإمام حينما نقل إلى سجن السندي بن شاهك ، فقد جهد في ارهاقه وتنكيله ، وبالغ في أذاه ، والتضييق عليه في مأكله ومشربه ، وتكبيله بالقيود ، وما رآه إلا سبّه وشتمه ، كل ذلك ليتقرب لهارون وينال من دنياه .
ونعرض لما جرى عليه في هذا الدور الرهيب الذي هو آخر أدوار حياته وأقساها ، كما نذكر بعض شؤونه الأخرى كوصاياه وأوقافه ، وغيرها مما يرتبط بالموضوع :
سجن(عليه السلام) في المحبس المعروف بدار المسيب الواقع قرب باب الكوفة وقد بني على كل باب قبة مذهبة ، وحولها مجالس ومرتفعات يجلس فيها فيشرف على كل ما يعمل به ، وباب الكوفة هو الطريق الذي يسلك فيه إلى الحج ، وكان باباً عظيماً لا يغلقه إلا جماعة من الناس ، ولما غرقت بغداد في فيضان 330 ه- هدمت طاقات باب الكوفة ، جاء ذلك في دليل خارطة بغداد ، وجاء في خارطة بغداد أن باب الكوفة تقع في قرية الوشاش الحديثة في محلة الكرخ ، وسمعت من بعض الأفواه أن المحل الذي سجن فيه الإمام معروف عند بعض الأوساط البغدادية ، وهو أحد قصور آل الباججي .(1).
1) باب الكوفة : هو أحد الأبواب الأربعة الرئيسية لمدينة بغداد حينما بناها المنصور ،
وفيه كانت وفاته (1)، وقال بعض المؤرخين إنّه حبس في بيت السندي ، وأنه كان مع أهله وعياله ، ولم نعلم أنّ دار السندي هل هي دار المسيب أم غيرها ؟
وأمر الرشيد جلّاده السندي أنّ يضيق على الإمام ، وأن يقيده بثلاثين رطلاً من الحديد ، ويقفل الباب في وجهه ، ولا يدعه يخرج إلا للوضوء(2)، وامتثل بمحافظته بشاراً مولاه ، وكان من أشدّ الناس بغضاً لآل أبي طالب ، ولكنّه لم يلبث أن تغير حاله ، وثاب إلى طريق الحق ، وذلك لما رآه من كرامات الإمام(عليه السلام) ومعاجزه ، وقام ببعض الخدمات له(3).
إن السندي لم يرع حرمة الإمام وتعرّض لاساءته ، فقد حدث أبو الأزهر بن ناصح البرجمي ، قال : «اجتمعت مع ابن السكيت(4)
قال ابن خلكان : « قال بعض العلماء ما عبر على جسر بغداد كتاب من اللغة مثل إصلاح المنطق ، ولا شك أنّه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة ، ولا نعرف في حجمه مثله في بابه ، وقد عني به جماعة ، واختصره الوزير المغربي ، وهذبه الخطيب التبريزي .
وقال ثعلب : أجمع أصحابنا أنّه لم يكن يعدّ ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت ، قتله المتوكل في خامس رجب سنة 244ه- ، وسبب قتله أنّه قال له يوماً : أيهما أحب إليك ابناي هذان - أي المعتز والمؤيد - أم الحسن والحسين .
فقال ابن السكيت : والله إن قنبر خادم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) خير منك ومن ابنيك . فقال المتوكل للأتراك : سلّوا لسانه من قفاه ، ففعلوا ذلك ، فمات .
و من الغريب أنه قبل قتله بقليل قال :
يُصابُ الفَتى مِنْ عَشْرَةٍ بِلِسانِهِ*** وَلَيْسَ يُصابُ الْمَرْءُ مِنْ عَشْرَةِ الرُّجل
فَعَثْرَتُهُ في القَوْلِ تُذْهَبُ رَأْسَهُ*** وَعَثْرَتُهُ في الرَّجُلِ تَبْرَأَ عَنْ مَهْلِ
الكنى والألقاب : 1: 303 و 304 .
في مسجد يقع بالقرب من دارالسندي ، فدارت بيننا مذاكرة في علم العربيّة ، وكان في الجامع رجل لا نعرفه ، فالتفت إلينا قائلاً: يا هؤلاء ، أنتم إلى إقامة دينكم أحوج منكم إلى إقامة ألسنتكم .
وأخذ الرجل يدلى علينا بالأدلة الوافرة على ضرورة الإمامة ، ثم قال : ليس بينكم وبين امام العصر غير هذا الجدار - وأشار إلى جدار السندي-.
لعلّك تعني هذا المحبوس ؟
نعم .
يقول أبو الأزهر فعرفنا الرجل من الشيعة ، وأنّه يذهب إلى الإمامة ، فقلنا له : قد سترنا عليك ، وطلبنا منه أن يذهب عنا لئلا نبتلي بسببه ، فانبرى الرجل لنا وقال : والله لا يفعلون ذلك أبداً، والله ما قلت لكم إلا بأمره ، وإنه ليرانا ويسمع كلامنا ،
ولو شاء أن يكون ثالثنا لكان .
يقول أبو الأزهر وفي أثناء الحديث دخل علينا رجل من باب المسجد تكاد العقول أن تذهب لهيبته ووقاره ، علمنا أنه الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)، فبادرنا قائلاً: أنا ذلِكَ الرَّجُلُ الَّذي حَدَّثَكُمْ عَنّي صاحِبي ، وفي الوقت أقبل السندي ومعه جماعة من شرطته فقال للإمام بغير حياء ولا خجل : يا ويحك ! كم تخرج بسحرك وحيلتك من وراء الأبواب والأغلاق ، فلو كنت هربت كان أحبّ إليَّ من وقوفك هاهنا ، أتريد یا موسى أن يقتلني الخليفة ؟
قال : فقال موسى ونحن نسمع كلامه : كَيْفَ أَهْرُبُ والله في أيديكم موقت لي يسوق إليها أقداره وَكَرامَتي - أي نيلي الشهادة - عَلى أَيْدِيكُمْ .
ثم أخذ بيد الإمام وأودعه السجن(1).
وهكذا كان يبتلي هذا الطاغية الإمام(عليه السلام) بكل ما يسوءه ويؤلمه ويزعجه ، والإمام(عليه السلام) صابر محتسب قد كظم غيظه ، وبثّ همومه وأشجانه إلى الله.
وأقبل الإمام(عليه السلام)على عبادة الله ، فكان يصوم في النهار ، ويقوم في الليل ، ويقضى أغلب أوقاته بالسجود والعبادة ، لا يفتر عن ذكر الله ، وقد ذكرنا حديث أخت السندي عن عبادته في الجزء الأوّل من هذا الكتاب ، وأنها لما رأت إقبال الإمام على الطاعة والعبادة أثر ذلك في نفسها ، وأصبحت من الصالحات ، فكانت تعطف على الإمام وتقوم بخدمته ، وإذا نظرت إليه أرسلت ما في عينيها من دموع وهي تقول : « خاب قوم تعرّضوا لهذا الرجل»(2).
واتصل جماعة من العلماء والرواة بالإمام(عليه السلام) من طريق خفي ، فانتهلوا من نمير علومه ، فمنهم موسى بن إبراهيم المروزي ، وقد سمح له السندي بذلك لأنه كان معلّماً لولده ، وقد ألف موسى بن إبراهيم كتاباً مما سمعه من الإمام(1).
وقد ذكرنا ذلك عند عرض أصحابه ورواة حديثه .
واتّصل به هند بن الحجّاج وغيره من قادة الفكر الإسلامي ، كما دخل عليه في غلس الليل أبو يوسف ومحمد بن الحسن(2)
مولاهم الكوفي الفقيه . ولد بواسط ، ونشأ بالكوفة ، أخذ الفقه من أبي يوسف ثمّ من أبي حنيفة ، وسمع مالك بن أنس ، وأخذ عنه الشافعي وأبو عبيد ، وكان فقيهاً ، محدثاً . النجوم الزاهرة : 2 : 130 .
وفي انباه الرواة : 2 : 268 أنه توفي سنة 180ه- ، وقيل : سنة 183ه- ، توفي هو والكسائي في يوم واحد ، ودفنهما الرشيد ، وقال اليوم دفنت الفقه والنحو ، ورثاهما اليزيدي بقصيدة جاء فيها :
تَصَرَّمَتِ الدُّنْيا فَلَيسَ خُلودُ*** وَما قَدْ تَرى مِنْ بَهْجَةٍ سَيَبيدُ
سَيُفْنيك ما أَفْنى القُرونَ الَّتي مَضَتْ ***فَكُنْ مُسْتَعِداً فالفناءُ عَتيدُ
أَسَيتُ عَلى قاضي القضاةِ مُحَمَّدٍ*** فَأَذْرَيتُ دَمْعِي وَالفُؤادُ عَميدُ
وَقُلتُ إذا ما الخَطْبُ أَشْكَلَ مَنْ لَنَا*** بِإيضاحِهِ يَوْماً وَأَنْتَ فَقيدُ
وَأَوْجَعَني مَوتُ الكِسائي بَعدَهُ*** وَكادَتْ بِيَ الْأَرْضُ الفَضاءُ تَميدُ
وقد أرادا اختباره في بعض المسائل المهمة ليطلعا على مدى علمه ، ولما استقرّ بها المجلس جاء إلى الإمام بعض الموظفين في السجن ، فقال له : إن نوبتي قد فرغت ، وأريد الانصراف ، فإن كانت لك حاجة فامرني أن آتيك بها غداً.
فقال(عليه السلام): ليس لي حاجة ، انصرف ، فلما انصرف التفت لها إلى أبي يوسف وصاحبه فقال لهما : إنّي لأعجب من هذا الرجل يسألني أن أكلّفه حاجة يأتيني بها غداً إذا جاء وهو ميت في هذه الليلة ، فأمسكا عن سؤاله وقاما ، وقد استولى عليهما الذهول وجعل كل واحد منهما يقول لصاحبه : أردنا أن نسأله عن الفرض والسنّة ، فأخذ يتكلّم معنا في علم الغيب ! والله لنرسلن خلف الرجل من يبيت على باب داره لينظر ماذا يكون من أمره ؟
وأرسلا في الوقت شخصاً فجلس على باب دار الرجل يراقبه ، فلما استقر في مكانه سمع الصراخ والعويل قد علا من الدار ، فسأل عن الحادث ، فأخبر بأنّ الرجل قد توفّي ، فقام مبادراً وأخبرهما بالأمر ، فتعجبا من علم الإمام(عليه السلام).
وقد روى هذه القصة الكثيرون من رواة الأثر(1).
وهي إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على علم الإمام بالمغيبات ، وانكشاف الحجاب له ، وهذا ما تعتقده الشيعة في الإمام ، وقد أقامت على ذلك الأدلة الوافرة .
إن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) قد أخبروا بالملاحم والأمور الغيبية التي تحققت جميعها ، وأنهم من دون شك ورثة علم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، قد ألهمهم الله جميع أنواع العلوم ، وأطلعهم على خفايا الأمور.
وكانت بعض الأقاليم الإسلامية التي تدين بالإمامة ترسل عنها مبعوثاً خاصّاً إلى
1) نور الأبصار : 126 و 127 . الاتحاف بحبّ الأشراف: 57 و 58 . بحار الأنوار : 48 : 65 وجاء فيه زيادة على ذلك أنهما رجعا إلى الإمام فقالا له : « قد علمنا أنك أدركت العلم في الحلال والحرام ، فمن أين أدركت أمر هذا الرجل الموكل بك أنه يموت في هذه الليلة ؟ فقال(عليه السلام): مِنَ الْبابِ الَّذِي عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فلما ردّ عليهما بذلك بقيا حائرين لا يطيقان الجواب ، وكذلك ذكره الإربلي في كشف الغمة : 3 : 42 .
الإمام(عليه السلام)حينما كان في سجن السندي فتزوده بالفتاوى والرسائل ، فكان(عليه السلام)يجيبهم عنها ، وممن جاءه علي بن سويد ، فقد اتّصل بالإمام وسلّم إليه الكتب والفتاوى ، فأجابه(عليه السلام)عنها ، وسوف نذكر حديثه .
وأقام الإمام(عليه السلام)جماعة من تلاميذه وأصحابه ، فجعلهم وكلاء له في بعض المناطق الإسلامية ، وأرجع إليهم شيعته لأخذ الأحكام الدينية منهم ، كما وكلهم في قبض الحقوق الشرعية ، لصرفها على الفقراء والبائسين من الشيعة، وإنفاقها في وجوه البر والخير .
فقد نصب المفضّل بن عمر وكيلاً له في قبض الحقوق ، وأذن له في صرفها على مستحقيّها .
وكذلك أقام له كلاً من حيان السراج وزياد بن مروان القندي وعلي بن أبي حمزة وغيرهم .
وقد وصلت لهؤلاء أموال ضخمة من الشيعة ، إلا أنهم خانوا الله ورسوله ، فاشتروا بها الضياع والقصور، وذهبوا إلى الوقف ، وأنكروا إمامة الرضا(عليه السلام).
ونصب الإمام الله من بعده ولده الإمام الرضا(عليه السلام)، فجعله علماً لشيعته ، ومرجعاً لأمة جدّه ، فقد حدث الحسين بن المختار ، قال : «لما كان الإمام موسى(عليه السلام) في السجن خرجت لنا ألواح من عنده وقد كتب فيها : عَهْدي إِلى أَكْبَرِ وَلَدي»(1).
لقد عيّن ولده الرضا من بعده ، وذلك قبل أن يعتقله الطاغية هارون ، وقلّده
1) بحار الأنوار: 49: 19. أصول الكافي : 1 : 313. عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 2 : 39 و 40.
منصب الإمامة ، ودلّ عليه الخواص من شيعته .
فقد روى حيدر بن أيوب ، عن محمد بن زيد بن عليّ بن الحسين ، قال : « دعانا أبو إبراهيم ونحن سبعة عشر من ولد علي وفاطمة(عليها السلام)، فأشهدنا لعلي ابنه بالوصية والوكالة في حياته وبعد موته(1).
لقد بيّن (عليه السلام) لهم الحجّة من بعده ، ولم يهمل أمر الإمامة ، فهدى الشيعة إلى طريق الحقّ والصواب.
وأوصى الإمام(عليه السلام) ولده الإمام الرضا(عليه السلام)، وعهد إليه بالأمر من بعده ، وقد أوصاه بوصيتين، وهما يتضمنان ولايته على صدقاته ، ونيابته عنه في شؤونه الخاصة والعامة ، وقد أشهد عليهما جماعة من المؤمنين.
أمّا الوصيّة الأولى فلم أعثر عليها ، وأمّا الثانية فقد ذكرها جماعة من الأعلام ، وقبل أن يدلي بها ويسجلها أمر بإحضار الشهود ، وهم كل من : إبراهيم بن محمد الجعفري، وإسحاق بن محمد الجعفري، وإسحاق بن جعفر بن محمد ، وجعفر بن صالح ، ومحمد الجعفري ، ويحيى بن الحسين بن زيد، وسعد بن عمران الأنصاري ، ومحمد بن الحارث الأنصاري ، ويزيد بن سليط الأنصاري ، ومحمد بن جعفر بن سعد الأسلمي - وهو كاتب وصيته الأولى -.
فلم~ا حضر هؤلاء شرع(عليه السلام) بذكر وصيته ، وهذا نصها: إِنَّ مُوسى يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، وَأَنَّ الْبَعْثَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ
1) زيد الشهيد : 199.
حَقٌّ ، وَأَنَّ الْوَعْدَ حَقٌّ ، وَأَنَّ الْحِسَابَ حَقٌّ ، وَالْقَضَاءَ حَقٌّ ، وَأَنَّ الْوقوفَ بَيْنَ يَدَى اللَّهِ حَقٌّ ، وَأَنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ(صلی الله علیه وآله وسلم) حَقٌّ ، وَأَنَّ مَا نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمينُ
حَقٌّ . عَلى ذلِكَ أحْيِي وَعَلَيْهِ أَمُوتُ ، وَعَلَيْهِ أَبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَأَشْهِدُهُمْ أَنَّ هَذِهِ وَصِيَّتي بِخَطِّي ، وَقَدْ نَسَحْتُ وَصِيَّةَ جَدّي أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ، وَوَصِيَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٌّ قَبْلَ ذلِكَ نَسَخْتُها حَرْفاً بِحَرْفٍ ، وَوَصِيَّةَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى مِثْلِ ذلِكَ ، وَإِنِّي قَدْ أَوْصَيْتُ بِها إِلى عَلِيٌّ وَبَنيَّ بَعْدَهُ مَعَهُ إِنْ شَاءَ وَآنَسَ مِنْهُمْ رُشْداً ، وَأَحَبَّ أَنْ يُقرَّهُمْ فَذاكَ لَهُ ، وَلَا أَمْرَ لَهُمْ مَعَهُ ، وَأَوْصَيْتُ إِلَيْهِ بِصَدَقَاتِي وَأَمْوالي وَمَوالِيَّ وَصِبْياني الَّذِينَ خَلَّفْتُ ، وَوَلَدي إِلى إِبْرَاهِيمَ وَالْعَبَّاسِ وَقاسِم وَإِسْمَاعِيلَ وَأَحْمَدَ وَأَمِّ أَحْمَدٍ ، وَإِلى عَلِيٌّ أَمْرُ نِسائي دونَهُمْ ، وَثُلُثُ صَدَقَةِ أَبِي ، وَثُلُثَى يَضَعُهُ حَيْثُ يَرَى ، وَيَجْعَلُ فيهِ ما يَجْعَلُ ذو الْمَالِ في مالِهِ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَبيعَ أَوْ يَهَبَ أَوْ يَنْحَلَ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِها عَلَى مَنْ سَمَّيْتُ لَهُ ، وَعَلى غَيْرِ مَنْ سَمَّيْتُ فَذاكَ لَهُ.
وَهُوَ أَنا في وَصِيَّتي في مالي ، وَفِي أَهْلي وَوَلَدِي ، وَإِنْ يَرَى أَنْ يُقِرَّ إِخْوَتَهُ الَّذينَ سَمَّيْتَهُمْ فِي كِتابي هذا أَقَرَّهُمْ ، وَإِنْ كَرِهَ فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ غَيْرَ مَثْرَبٍ عَلَيْهِ(1)وَلَا مَرْدودٌ ، فَإِنْ آنَسَ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي فَارَقْتُهُمْ عَلَيْهِ فَأَحَبَّ أَنْ يَرُدَّهُمْ فِي وَلايَةٍ فَذاكَ لَهُ ، وَإِنْ أَرادَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يُزَوِّجَ أَخْتَهُ فَلَيْسَ لَهُ
1) مشرب : مأخوذ من التثريب ، وهو التوبيخ والتعيير .
أَنْ يُزَوِّجَهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَأَمْرِهِ ، فَإِنَّهُ أَعْرَفُ بِمَناكِح قَوْمِهِ ، وَأَيُّ سُلْطَانٍ أَوْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ كَفَّهُ عَنْ شَيْءٍ أَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُ فَهُوَ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ بَرِيءٌ ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بُراءٌ ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَغَضَبُهُ وَلَعْنَةُ اللَّاعِنينَ وَالْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ مِنَ السَّلاطِينِ أَنْ يَكُفَّهُ عَنْ شَيْءٍ ، وَلَيْسَ لي عِنْدَهُ تَبِعَةٌ ، وَلَا تَباعَةٌ ، وَلا لأحَدٍ مِنْ وَلَدى وَلَهُ قِبلى مالٌ ، فَهْوَ مُصَدِّقٌ فيما ذَكَرَ ، فَإِنَّ أَقَلَّ فَهُوَ أَعْلَمُ ، وَإِنْ أَكْثَرَ فَهُوَ الصَّادِقُ كَذلِكَ .
وَإِنّما أَرَدْتُ بِإِدْخالِ الَّذِينَ أَدْخَلْتُهُمْ مَعَهُ مِنْ وَلَدي التَّنْوِيهَ بِأَسْمَائِهِمْ ، وَالتَّشْرِيفَ لَهُمْ ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلادي مَنْ أَقامَتْ مِنْهُنَّ فِي مَنْزِلِها وَحِجابِها فَلَها ما كانَ يَجْرِي عَلَيْهَا فِي حَياتي ، إِنْ رَأى ذلِكَ ، وَمَنْ خَرَجَتْ مِنْهُنَّ إِلَى زَوْجٍ فَلَيْسَ لَها أَنْ تَرْجِعَ إِلى مَحْوايَ(1)، إِلَّا أَنْ يَرَى عَلَى غَيْرَ ذلِكَ وَبَناتِي بِمِثْلِ ذلِكَ ، وَلَا يُزَوِّجُ بَناتِي أَحَدٌ مِنْ إِخْوَتِهِنَّ مِنْ أُمَّهَاتِهِنَّ ، وَلَا سُلْطَانٌ وَلَا عَمَّ إِلَّا بِرَأْيهِ وَمَشورَتِهِ ، فَإِنْ فَعَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ ، وَجَاهَدُوهُ فِي مُلْكِهِ ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَناكِحَ قَوْمِهِ ، فَإِنْ أَرادَ أَنْ يُزَوِّجَ زَوَّجَ ، وَإِنْ أَرادَ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ ، وَقَدْ أَوْصَيْتُهُنَّ بِما ذَكَرْتُ فِي كِتابي هذا ، وَجَعَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِنَّ شَهيداً ، وَهُوَ وَأُمُّ أَحْمَدٍ شَاهِدَانِ وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَكْشِفَ وَصِيَّتى ، وَلَا يَنْشُرَها ، وَهُوَ مِنْها عَلى غَيْرِ
1) المحوى : اسم المكان الذي يحوي الشيء ، أي يضمه ويجمعه .
ما ذَكَرْتُ وَسَمَّيْتُ ، فَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهِ ، وَمَنْ أَحْسَنَ فَلِنَفْسِهِ ، وَما رَبُّكَ بِظَلام لِلْعَبِيدِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَلَيْسَ لَأَحَدٍ مِنْ سُلْطَانٍ وَلَا غَيْرِهِ أَنْ يَفُضَ كِتابِي هَذَا الَّذِي خَتَمْتُ عَلَيْهِ الأَسْفَلَ ، فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ ، وَالْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ، وَجَمَاعَةِ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَعَلى مَنْ فَضَّ كِتابي هذا »(1).
ووقع(عليه السلام) الوصية وختمها ، وكذلك وقع عليها الشهود السالفة أسماؤهم ، وقد دلّت بوضوح على أن وصيّه والحجّة من بعده ولده الإمام الرضا(عليه السلام)، فقد فوّض إليه جميع شؤونه ، وألزم أبناءه باتباعه والانصياع لأوامره ، كما أمر(عليه السلام)أن يكون زواج كريماته بيد الإمام الرضا (عليه السلام)وتحت مشورته ورأيه ، فإنّه أعرف بمناكح قومه من غيره ، فإنّهنّ ودائع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وكريماته ، فينبغي أن لا يتزوجن إلا بمؤمن تقي يعرف مكانتهنّ ، ويقدّر منزلتهنّ ، ولا يعرف الكفوء لهنّ إلّا ولده الرضا .
وأكبر الظنّ أنّه إنّما أمر بإخفاء وصيّته وعدم ذيوعها خوفاً على ولده من السلطة العبّاسيّة التي لم تأل جهداً في محاربة الأئمة وإرهاقهم ، فأراد الله إخفاءها خوفاً على ولده من نقمتهم وتنكيلهم به .
وذكر اليعقوبي ! الإمام أوصى أن لا تتزوّج بناته من بعده ، فلم تتزوج واحدة منهنّ إلا أمّ سلمة ، فإنّها تزوّجت بمصر ، تزوّجها القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد ، فجرى في هذا بينه وبين أهله شيء شديد حتى حلف أنه ما كشف لها كنفاً ، وأنه ما أراد إلا أن يحجّ بها (2).
وهذا القول لا يمكن المساعدة عليه بوجه من الوجوه ، فإن وصيّة الإمام(عليه السلام)التي
ذكرناها لم تنص على منع بناته من الزواج ، وإنما جعلت أمر ذلك بيد الإمام الرضا(عليه السلام)، وهذا القول من الغرابة بمكان ، لم يذكره أحد سواه وهو من الموضوعات إذ كيف يمنع الإمام بناته من الاقتران الذي حثّ عليه الإسلام وندب إليه .
وتصدّق الإمام(عليه السلام) ببعض أراضيه على أولاده، وسجّل ذلك في وثيقة وألزم أبناءه بتنفيذ مضامينها ، والعمل على وفقها . كتب(عليه السلام) بعد البسملة ما نصه :
هذا ما تَصَدَّقَ بِهِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ، تَصَدَّقَ بِأَرْضِهِ مَكَانَ كَذَا وَكَذا وقد عيّن ذلك - كُلُّها ، نَخْلِها وَأَرْضِها ، وَمائِهَا وَأَرْجَائِهَا ، وَحُقوقِهَا وَشِرْبها
من الْماءِ ، وَكُلٌّ حَقٌّ هُوَ لَها في مَرْفَعِ(1)، أَوْ مَظْهَر(2)، أَوْ عِيصٍ(3)، أَوْ مَرْفَقِ ، أَوْ سَاحَةٍ ، أَوْ مَسيلٍ ، أَوْ عَامِرٍ ، أَوْ عَامِرٍ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ مِنْ (4)ذلِكَ عَلى وَلَدِهِ مِنْ صُلْبِهِ الرِّجالِ وَالنِّساءِ يَقْسِمُ واليها ما أَخْرَجَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ غِلَّتِها بَعْدَ الَّذى يَكْفيها مِنْ عِمارَتِها وَمَرافِقِها وَبَعْدَ ثَلاثِينَ عِذْقاً يُقْسَمُ في مَسَاكِينِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ، بَيْنَ وَلَدِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَإِنْ تَزَوَّجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ وَلَدِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ فَلاحَقٌّ لَهَا فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيْهَا بِغَيْرِ زَوْجٍ ، فَإِنْ رَجَعَتْ كَانَ لَهَا مِثْلُ حَظِّ التي
لَمْ تَتَزَوَّجْ مِنْ بَناتِ مُوسَى .
وَمَنْ تُوُفِّي مِنْ ولدِ مُوسى وَلَهُ وَلَدٌ ، فَوَلَدُهُ عَلى سهم أَبِيهِمْ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عَلَى مِثْلِ ما شَرَطَ مُوسَى بَيْنَ وَلَدِهِ مِنْ صُلْبِهِ ، وَمَنْ تُوْفَيَ مِنْ وَلَدِ مُوسى وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَداً رُدَّ حَقَّهُ عَلى أَهْلِ الصَّدَقَةِ ، وَلَيْسَ لِوَلَدِ بناتي في صَدَقَتي هذِهِ حَقٌّ ، إِلَّا أَنْ يَكونَ آبَاؤُهُمْ مِنْ وَلَدى وَلَيْسَ لأَحَدٍ في صَدَقَتي حَقٌّ مَعَ وَلَدي وَوَلَدِ وَلَدي وَأَعْقابِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، فَإِنِ انْقَرَضُوا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَصَدَقَتِي عَلَىٰ وَلَدِ أَبِي مِنْ أُمِّي مَا بَقِيَ أَحَدٌ ، ما شَرَطْتُ بَيْنَ وَلَدي وَعَقبي ، فَإِنِ انْقَرَضَ وَلَدُ أَبي مِنْ أُمِّي وَأَوْلادُهُمْ فَصَدَقَتي عَلَى وَلَدِ أَبي وَأَعْقَابِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَصَدَقَتي عَلَى الْأُولَى فَالْأَوْلَى حَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الَّذِي يَرِثُهَا وَهُوَ خَيْرُ الوارثين.
تَصَدَّقَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بِصَدَقَتِهِ هَذِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ، صَدَقَةً حَبِيساً بَنّا بَتْلاً لَا مَثْنَوِيَّةَ فيها(1)، وَلَا رَدّاً إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَالدّارِ الْآخِرَةِ ، وَلَا يَحِلُّ لِمُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبيعَهَا أَوْ يَبْتَاعَهَا أَوْ يَنْحِلَهَا ، أَوْ يُغَيِّرَ شَيْئاً مِمّا وَضَعْتُها عَلَيْهِ حَتَّى يَرِثِ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ، وَجَعَلَ صَدَقَتَهُ هذِهِ إِلى عَلِيَّ وَإِبْرَاهِيمَ ، فَإِنِ انْقَرَضَ أَحَدُهُما دَخَلَ الْقِسْمُ مَعَ الْباقي في مَكانِهِ ، فَإِنِ انْقَرَضَ أَحَدُهُما دَخَلَ إِسْمَاعِيلُ مَعَ الْبَاقِي مِنْهُما ، فَإِنِ انْقَرَضَ
1) لا مثنوية فيها : أي لا استثناء
أَحَدُهما دَخَلَ الْعَبّاسُ مَعَ الْباقي مِنْهُما ، فَإِنِ انْقَرَضَ أَحَدُهُما فَالْأَكْبَرُ مِنْ وَلَدي يَقومُ مَقامَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَلَدي إِلّا َواحِدٌ فَهُوَ الَّذي يَقومُ بِهِ» (1).
إنّ هذا الوقف الذري هو بعض مبرّاته وخيراته ، وقد خص به أبناءه وذريته لأجل أن تقوم تلك الغلة بشؤونهم وتغنيهم عما في أيدي الناس .
وبعد ما مكث الإمام(عليه السلام) زماناً طويلاً في سجن هارون تكلّم معه جماعة من خواصّ شيعته فطلبوا منه أن يتكلّم مع بعض الشخصيّات المقرّبة عند الرشيد ليتوسّط في إطلاق سراحه ، فامتنع(عليه السلام)وترّفع عن ذلك وقال لهم :
حَدَّثني أبي ، عَنْ آبَائِهِ : أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَىٰ داودَ : يا داودُ ، إِنَّهُ مَا اعْتَصَمَ عَبْدٌ مِنْ عِبادِي بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي دوني ، وَعَرَفْتُ ذلِكَ مِنْهُ ، إِلّا قَطَعْتُ عَنْهُ أَسْبَابَ السَّماءِ ، وَأَسَخْتُ الأَرْضَ مِنْ تَحْتِهِ(2).
ودلّت هذه البادرة على مدى إيمانه بالله، وانقطاعه إليه ، ورضائه بقضائه ، وترفّعه من سؤال أي أحد من المخلوقين .
وأرسل الإمام(عليه السلام)وهو فى السجن رسالة لهارون أعرب فيها عن سخطه البالغ عليه ، وهذا نصها :
ۚإِنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ الْبَلاءِ حَتَّى يَنْقَضِيَ عَنْكَ يَوْمٌ مِنَ الرَّحَاءِ ،
حَتَّى يَفْضِي بِنا ذَلِكَ إِلَى يَوْمٍ يَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ ، إِلَى يَوْمِ لَيْسَ لَهُ انْقِضاءٌ ، وَهُناكَ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ »(1).
ودلّت هذه الرسالة على مدى الآلام المرهقة التي حلت به ، وجزعه من السجن ، وأنّه سيحاكم خصمه الطاغي عند الله تعالى في يوم يخسر به المبطلون والظالمون .
وأنفذ هارون إلى الإمام(عليه السلام)جارية وضاءة بارعة في الجمال والحسن ، أرسلها بيد أحد خواصه لتتولّى خدمة الإمام ظانّاً أنّه سيفتتن بها ، فلما وصلت إليه قال(عليه السلام)لمبعوث هارون : قُلْ لِهارونَ : بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ(2)، لا حاجَةً لي في هذِهِ وَلَا فِي أَمْثالِها.
فرجع الرسول ومعه الجارية، وأبلغ هارون قول الإمام ، فالتاع غضباً وقال له : ارجع إليه وقل له : ليس برضاك حبسناك ، ولا برضاك أخدمناك ، واترك الجارية عنده وانصرف .
فرجع ذلك الشخص وترك الجارية عند الإمام وأبلغه بمقالته ، وأنفذ هارون خادماً له إلى السجن ليتفحص عن حال الجارية ، فلما انتهى إليها رآها ساجدة لربها لا ترفع رأسها وهي تقول في سجودها :« قدّوس قدّوس » ، فمضى الخادم مسرعاً فأخبره بحالها ، فقال هارون سحرها والله موسى بن جعفر ، عليَّ بها .
فجيء بها إليه وهي ترتعد قد شخصت ببصرها نحو السماء ، وهي تذكر الله وتمجّده ، فقال لها هارون : ما شأنك ؟
فقال الإمام : وَما حاجَتي إِلَيْكِ ؟
قلت : إني أدخلت عليك لحوائجك .
قال الإمام : فَما بال هؤلاء - وأشار بيده إلى جهة - فالتفت ، فإذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري ، ولا أوّلها من آخرها ، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج ، وعليها وصائف ووصايف لم أرَ مثل وجوههم حسناً ، ولا مثل لباسهم لباساً ، عليهم الحرير الأخضر ، والأكاليل والدرّ والياقوت ، وفي أيديهم الأباريق والمناديل ، ومن كلّ الطعام ، فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم ، فرأيت نفسي حيث كنت . فقال لها هارون وقد أترعت نفسه بالحقد : يا خبيثة ، لعلك سجدت فنمت فرأيت هذا في منامك ؟
فالتفت الرشيد إلى خادمه ، وأمره باعتقال الجارية ، وإخفاء الحادث لئلا يسمعه أحد من الناس ، فأخذها الخادم واعتقلها عنده ، فأقبلت على العبادة والصلاة ، فإذا سئلت عن ذلك قالت : هكذا رأيت العبد الصالح ، وقالت : إنّي لما عاينت من الأمر نادتني الجواري يا فلانة ابعدي عن العبد الصالح حتى ندخل عليه ، فنحن له دونك ، وبقيت عاكفة على العبادة حتّى لحقت بالرفيق الأعلى(1).
لقد كان هارون يشاهد أنواع الكرامات من الإمام الله، ولكنه لم يؤمن بها لأنّه قد زاغ قلبه ، واستولت على نفسه دكنة قائمة أنسته ذكر الله وأبعدته عن اليوم الآخر .
1) مناقب آل أبي طالب : 3: 416 . مدينة المعاجز : 6: 424. بحار الأنوار: 48 : 238 و 239 .
ولما انتشرت مناقب الإمام (عليه السلام) وفضائله ، وتحدّث الناس عن علمه وحلمه ، وصبره وبلواه، ضاق هارون من ذلك ، فعزم على قتله ، فدعا برطب فأكل منه ، ثم أخذ إناءاً فوضع فيه عشرين رطبة ، وأخذ سكيناً فعركه في السمّ ، وأدخله في سمّ الخياط ، وأخذ رطبة من ذلك الرطب فوضع فيها ذلك السلك وأخرجه منها حتى تكللت بالسم ، ووضعها في ذلك الرطب ، وقال لخادمه : احمله إلى موسى بن جعفر ، وقل له : إن أمير المؤمنين أكل من هذا الرطب ، ولا تتركه يبقي منه شيئاً، ولا يُطعم منه أحداً .
فحمل الخادم الرطب وجاء به إلى الإمام، وأبلغه برسالة هارون ، فأمره(عليه السلام)أن يأتيه بخلال ، فجاء به إليه ، وقام بازائه ، فأخذ الإمام يأكل من الرطب ، وكانت للرشيد كلبة عزيزة عنده ، فجذبت نفسها وخرجت تجرّ بسلاسلها الذهبية حتى حاذت الإمام ، فبادر(عليه السلام) بالخلال إلى الرطبة المسمومة ورمى بها إلى الكلبة ، فأكلتها فلم تلبث أن ضربت بنفسها الأرض وماتت ، واستوفى الإمام باقي الرطب وحمل الغلام الإناء إلى الرشيد ، فلما رآه بادره قائلاً: قد أكل الرطب عن آخره ؟
نعم يا أمير المؤمنين.
كيف رأيته ؟
ما أنكرت منه شيئاً ، ثمّ قص عليه حديث الكلبة وموتها ، فاضطرب الرشيد وقام بنفسه فأشرف عليها فرآها وقد تهرأت وتقطعت من السم ، فوقف مذهولاً قد مشت الرعدة بأوصاله ، وقال : ما ريحنا من موسى إلا أن أطعمناه جيّد الرطب ،وضيعنا سمّنا ، وقتلنا كلبتنا ، ما في موسى حيلة »(1).
1) بحار الأنوار : 48 : 224 .
لقد باء بالفشل والخيبة فلم تنجح محاولته في اغتيال الإمام(عليه السلام)، فأنقذه الله منه وصرف عنه السوء.
ولما انتشرت معاجز الإمام ومناقبه تحيّر هارون من أمره ، فكلّ وسيلة يسلكها للقضاء عليه تبوء بالفشل، فاستدعى وزیره یحیی بن خالد ، فقال له: يا أبا علي ، أما ترى ما نحن فيه من هذه العجائب ؟ ألا تدبر في أمر هذا الرجل تدبيراً تريحنا من غمّه .
فأشار عليه بالصواب وأرشده إلى الخير ، فقال له : الذي أراه لك يا أمير المؤمنين أن تمنّ عليه وتصل رحمه ، فقد والله أفسد علينا قلوب شيعتنا
فاستجاب الرشيد لنصحه ، وقال له : انطلق إليه وأطلق عنه الحديد ، وأبلغه عنّي السلام ، وقل له : يقول لك ابن عمك : إنّه قد سبق منّي فيك يمين أنّي لا أخليك حتى تقرّ لي بالإساءة ، وتسألني العفو عمّا سلف منك ، وليس عليك في إقرارك عار ، ولا في مسألتك إياي منقصة ، وهذا يحيى بن منقصة ، وهذا يحيى بن خالد ثقتي ووزيري وصاحب أمري ، فاسأله بقدر ما أخرج من يميني .
وقد أراد هارون بذلك أن يأخذ من الإمام اعترافاً بالإساءة والذنب ليصدر مرسوماً ملكيّاً بالعفو عنه ، فيتّخذ من ذلك وسيلة إلى التشهير به ، كما أنه يكون مبرراً في نفس الوقت على سجنه له ، ولم يخف على الإمام(عليه السلام) ذلك ، فإنّه لمّا مثل يحيى عنده وأخبره بمقالة هارون انبرى إليه أوّلاً ، فأخبره بما يجري عليه وعلى أسرته من زوال النعمة على يد هارون ، وحذره من بطشه ، ثمّ ردّ ثانياً على مقالة هارون ، فقال له : يا أَبا عَلِيٍّ ، أَبْلِغْهُ عَنِّي ، يَقُولُ لَكَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ يَأْتي رَسولي يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُخْبِرَكَ بِما تَرى - أي بموته - وَسَتَعْلَمُ غَداً إِذا جَانَيْتُكَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ مَنِ الظَّالِمُ وَالْمُعْتَدِي عَلَى صاحِبِهِ ؟
يا لمهزلة الزمن من فقدان المقاييس، وضياع الحقيقة ، أمثل الإمام موسى(عليه السلام) فريد عصره في تقواه وورعه يريد أن يلبسه هارون ثوب الإساءة إليه ، ويتبرأ من الذنب.
وخرج يحيى وهو لا يبصر طريقه من الألم والجزع قد احمرت عيناه من البكاء لما رأى الإمام(عليه السلام) بتلك كل الحالة ، فأخبر هارون بمقالته ، فقال مستهزئاً وساخراً : إن لم يدع النبوة بعد أيام فما أحسن حالنا ؟ !
ولم تمض الجمعة حتى التحق الإمام بالرفيق الأعلى ، فكان كما أخبر(عليه السلام)(1).
ولما علم الإمام موسى(عليه السلام)أن لقاءه بربّه لقريب نعى نفسه لبعض شيعته ، وعزاهم بمصيبته ، وأوصاهم بالتمسك بالعروة الوثقى من آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، وذلك في جوابه عن المسائل التي بعثها عليّ بن سويد ، فقد حدّث أنّه بعث له حينما كان في السجن ببعض المسائل يسأله عنها ، فتأخّر الجواب عنه أشهراً ، وبعد ذلك أجابه بهذا الجواب ، وقد جاء فيه بعد البسملة ما نصّه :
أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّكَ امْرُؤٌ أَنْزَلَكَ اللَّهُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ بِمَنْزِلَةٍ حَاصَّةٍ ، وَحَفِظَ مَوَدَّةَ ما اسْتَرْعَاكَ مِنْ دِينِهِ ، وَما أَلْهَمَكَ مِنْ رُشْدِكَ ، وَبَصَّرَكَ مِنْ أَمْرِ دينِكِ بِتَفْضِيلِكَ إِيَّاهُمْ ، وَبِرَدِّكَ الأُمورَ إِلَيْهِمْ .
كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُني عَنْ أُمورٍ كُنْتَ مِنْهَا فِي تَقِيَّةٍ ، وَمِنْ كِثْمَانِهَا فِي سَعَةٍ ، فَلَمَّا انْقَضى سُلْطانُ الْجَبَابِرَةِ ، وَجَاءَ سُلْطَانُ ذِي السُّلْطَانِ الْعَظيمِ بِفِراقِ
1) بحار الأنوار : 48 : 23 .
الدُّنْيا الْمَذْمُومَةِ إِلى أَهْلِها، الْعُتاةِ عَلى خَالِقِهِمْ، رَأَيْتُ أَنْ أُفَسِّرَ لَكَ ما سَأَلْتَنى عَنْهُ مَخافَةَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيْرَةُ عَلى ضِعَافِ شِيعَتِنا مِنْ قِبَلِ جُهَالِهِمْ.
فَاتَّقِ اللهَ عَزَّ ذِكْرُهُ ، وَخَصَّ بِذلِكَ الْأمْرَ أَهْلَهُ ، وَاحْذَرْ أَنْ تَكونَ سَبَبَ بَلِيَّةٍ عَلَى الْأَوْصِياءِ ، أَوْ حَارِشاً عَلَيْهِمْ(1)بِإِفْشاءِ مَا اسْتَوْدَعْتُكَ ، وَإِظْهَارِ ما اسْتَكْتَمْتُكَ ، وَلَنْ تَفْعَلَ إِنْ شاءَ اللهُ .
إِنَّ أَوَّلَ مَا أُنْهِي إِلَيْكَ أَنِّي أَنْعَى نَفْسِي فِي لَيَالِيَّ هَذِهِ غَيْرُ جازعِ وَلَا نادِمِ وَلَا شال فيما هُوَ كَائِنٌ مِمّا قَدْ قَضَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَخَتَمَ ، فَاسْتَمْسِكَ بِعُرْوَةِ الدِّينِ ، آلِ مُحَمَّدٍ وَالْعُرْوَةِ الوثْقَى الْوَصِيَّ بَعْدَ الْوَصِيَّ ، وَالْمُسالَمَةِ لَهُمْ ، وَالرّضا بِما قالوا ، وَلَا تَلْتَمِسُ دِينَ مَنْ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِكَ ، أَوَ تَدْري ما خانوا أَمَانَتَهُمْ ؟ اثْتُمِنوا عَلَى كِتابِ اللهِ فَحَرَّفوهُ وَبَدَّلُوهُ ، وَدُلُّوا عَلَى وُلاةِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ فَانْصَرَفوا عَنْهُمْ ، فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانوا يَصْنَعُونَ.
وَسَأَلْتُ عَنْ رَجُلَيْنِ اغْتَصَبا رَجُلاً مالاً كانَ يُنْفِقُهُ عَلَى الْفُقَراءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْناءِ السَّبِيلِ ، وَفي سَبيلِ اللَّهِ ، فَلَمَّا اغْتَصَباهُ ذَلِكَ لَمْ يَرْضَيا حَيْثُ غَصَباهُ حَتَّى حَمَّلَاهُ إِيَّاهُ كُرْهَا فَوْقَ رَقَبَتِهِ إِلَى مَنازِلِهِما ، فَلَمّا أَحْرِرْاهُ تَوَلَّيا إِنْفَاقَهُ أَيَبْلُغَانِ بِذلِكَ كُفْراً ؟
1) التحريش : هو إغراء بعض القوم ببعض
فَلَعَمْرِي لَقَدْ نافَقا قَبْلَ ذلِكَ وَرَدًا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كلامَهُ ، وَهَزِئا بِرَسولِهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) وَهُمَا الْكافِرانِ عَلَيْهِما لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَاللَّهِ ما دَخَلَ قَلْبَ أَحَدٍ مِنْهُما شَيْءٌ مِنَ الْإِيْمَانِ مُنْذُ خُروجهما مِنْ حالَتَيْهِما ، وَما زادا إِلَّا شَكَاً ، كانا خَدّاعَيْنِ مُنافِقَيْنِ حَتَّى تَوَفَّتْهُما مَلائِكَةُ الْعَذَابِ إِلى مَحَلِّ الْخِزْيِ في دارِ الْمَقامِ .
وَسَأَلْتَ عَمَّنْ حَضَرَ ذلِكَ الرَّجُلَ وَهُوَ يُغْصَبُ مَالُهُ وَيُوضَعُ عَلَى رَقَبَتِهِ مِنْهُمْ عارِفٌ وَمُنْكِرٌ ، فَأُولئِكَ أَهْلُ الرَّدَّةِ الأولى مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ ، فَعَلَيْهِمُ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَسَأَلْتَ عَنْ مَبْلَغ عِلْمِنا، وَهُوَ عَلى ثَلاثَةِ وُجوه : ماضٍ وَغابِرِ وحادثٍ ، فَأَمَّا الْماضِي فَمُفَسَّرٌ ، وَأَمَّا الْغَابِرُ فَمَزْبورٌ(1)، وَأَمَّا الْحادِثُ فَقَذْفٌ فِي الْقُلوبِ ، وَنَقْرٌ فِي الْأَسْماعِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ عِلْمِنا ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ(صلی الله علیه وآله وسلم).
وَسَأَلْتَ عَنْ أُمَّهَاتِ أَوْلادِهِمْ وَعَنْ نِكَاحِهِمْ وَعَنْ طَلَاقِهِمْ ، فَأَمَّا أُمَّهَاتُ أَوْلادِهِمْ فَهُنَّ عَواهِرٌ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَليَّ وَطَلَاقٌ فِي غَيْرِ
عِدَّةٍ ، وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي دَعْوَتِنا فَقَدْ هَدَمَ إِيمَانُهُ ضَلالَهُ ، وَيَقينُهُ شَكَّهُ.
وَسَأَلْتَ عَنِ الزَّكَاةِ فِيهِمْ ، فَمَا كَانَ مِنَ الزَّكَاةِ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ ، لأَنَا قَدْ أَحْلَلْنا ذلِكَ لَكُمْ مَنْ كانَ مِنْكُمْ وَأَيْنَ كانَ .
1) في بعض النسخ :«فمرموز».
وَسَأَلْتَ عَن الضُّعَفَاءِ ، فَالضَّعيفُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ إِلَيْهِ حُجَّةٌ ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْإِخْتِلافَ ، فَإِذا عَرَفَ الْإِخْتِلافَ فَلَيْسَ بِضَعِيفٍ .
وَسَأَلْتَ عَنِ الشَّهَادَةِ لَهُمْ ، فَأَقِمِ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ وَالْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فيما بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، فَإِنْ خِفْتَ عَلى أَخِيكَ ضَيْماً فَلَا وَادْعُ إِلَى شَرائِطِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ مَنْ رَجَوْتَ إِجَابَتَهُ ، وَلَا تَحَصَّنْ بِحِصْنِ رياء(1).
وَوالِ آلَ مُحَمَّدٍ وَلَا تَقُلْ لِما بَلَغَكَ عَنّا وَنُسِبَ إِلَيْنا هذا باطِلاً، وَإِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ مِنَا خِلافَهُ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي لِما قُلْناهُ ، وَعَلى أَيَّ وَجْهِ وَضَعْناهُ ، آمِنْ بِمَا أُخْبِرُكَ ، وَلَا تُفْشِ بِمَا اسْتَكْتَمْناكَ مِنْ خَبَرِكَ ، إِنَّ مِنْ واجِبِ حَقِّ أَخِيكَ أَنْ لَا تَكْتُمَهُ شَيْئاً تَنْفَعُهُ بِهِ لأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ وَلَا تَحْقِدْ عَلَيْهِ وَإِنْ أَسَاءَ ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ إِذَا دَعَاكَ .
وَلَا تُخَلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ مِنَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْكَ ، وَعُدْهُ فِي مَرَضِهِ ، لَيْسَ مِنْ أَخْلاقِ الْمُؤْمِن الغِضُّ وَلَا الأذى ، وَلَا الْخِيانَةُ ،
وَلَا الْكِبْرُ، وَلَا الْخَنا ، وَلَا الْفُحْشُ، وَلَا الْأَمْرُ بِهِ.
فَإِذا رَأَيْتَ الْمُشَوَّهَ الْأَعْرابِيَّ في جَحْفَلٍ جَرَارٍ فَانْتَظِرْ فَرَجَكَ وَلِشِيعَتِكَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِذا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى السَّمَاءِ وَانْظُرْ مَا فَعَلَ اللهُ بِالْمُجْرِمِينَ ، فَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ جَمْلاً مُجْمَلاً ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ
1) في بعض النسخ : « ولا تحضر حصن زنا».
وَآلِهِ الْأَخْيَارِ »(1).
وقد احتوت هذه الرسالة على أمور خطيرة ، قد ذكرت بالتفصيل في مرآة العقول .
لقد عانى الإمام أقسى ألوان الخطوب والتنكيل ، فتكبيل بالقيود ، وتضييق شديد ، وأذى مرهق ، وبعد ما صبّ عليه الرشيد جميع النكبات الموجعة دسّ إليه سماً فاتكاً ، فقضى عليه ، ومضى لربه شهيداً سعيداً .
واتفق أكثر المؤرّخين أنّ الإمام لم يمت حتف أنفه ، وإنّما توفّي مسموماً ، وأنّ الرشيد هو الذي أوعز في سمّه واغتياله ، ولكنهم اختلفوا فيمن تولّى ذلك ، وهذه بعض الأقوال :
واعتقدت القطعية أن يحيى بن خالد دسّ إلى الإمام سمّاً في رطب ي رطب وعنب فقتله(2)، وممّا يؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن طاووس ، قال : « سألت الإمام الرضا(عليه السلام)قلت له : هل أنّ يحيى بن خالد سمّ أباك موسى بن جعفر ؟
فقال الإمام : نَعَمْ ، سَمُهُ فى ثَلاثِينَ رُطْبَةٌ مَسْمومَةٌ »(3).
وذكر أبو الفرج الاصفهاني أن الرشيد لما غضب على الفضل بن يحيى لترفيهه
على الإمام حينما كان في سجنه ، وأمر بجلده خرج يحيى من عند الرشيد وقد ماج الناس واضطرب أمرهم ، فجاء إلى بغداد ودعا السندي بن شاهك وأمره بقتل الإمام ، فاستدعى السندي الفراشين وكانوا من النصارى فأمرهم بلف الإمام في بساط وهو حي ، فجلس عليه الفراشون حتّى توفّي(1).
وذكر ابن المهنا أنّ الرشيد لما سافر إلى الشام أمر يحيى بن خالد السندي بقتله فقتله(2).
وهذه الروايات قد اتفقت على أن يحيى هو الذي أمر بقتل الإمام الله، ولكنّها مخالفة لما عليه المشهور في أنّ الرشيد عهد إلى السندي بقتله.
ونصت بعض المصادر أن الفضل بن يحيى هو الذي سمّ الإمام وذلك حينما نقل إلى سجنه ، فكان الفضل بن الربيع يبعث له في كل يوم مائدة من الطعام ، وفي اليوم الرابع قدّم له الفضل بن يحيى مائدة ، فرفع الإمام(عليه السلام) يده إلى السماء وقال : يا رَبِّ ، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَوْ أَكَلْتُ قَبْلَ الْيَوْمِ كُنْتُ قَدْ أَعَنْتُ عَلى نَفْسي ، ثمّ أكل الإمام من تلك المائدة ، فمرض منها .
فلما كان اليوم الثاني ألم به المرض ، فجيء له بطبيب ليسأله عن علّته ، فقال له : ما حالك ؟
فتغافل الإمام عن إجابته ، فألح عليه الطبيب بالسؤال ، فأخرج له الإمام راحته ، ثم قال له : هذِهِ عِلْتي .
وكانت يده الشريفة قد اخضرّ وسط راحتها من السم ، فلمّا رآها الطبيب انصرف
وقال له : والله لهو أعلم بما فعلتم به منكم(1)
وهذه الرواية لا يمكن المساعدة عليها، وذلك لما عرف به الفضل من الميل للعلويين، وأنّه قد رفّه على الإمام حينما كان في سجنه ، فاستحق بذلك التنكيل والجلد والتشهير من قبل الرشيد ، ومع هذا فكيف يتصوّر إقدامه على اغتيال الإمام وقتله .
وذهب أكثر المؤرّخين والمترجمين للإمام إلى أن الرشيد أوعز إلى السندي بن شاهك الوغد الأثيم في قتل الإمام ، فاستجابت نفسه الخبيثة لذلك ، وأقدم على تنفيذ أفظع جريمة في الإسلام، فاغتال سبط النبي وأزكى ذات خلقت في دنيا الوجود بعد آبائه الطيبين ، فعلى السندي لعنة اللاعنين ، وله الخزي والعذاب الأليم.
والمشهور أنّ الرشيد عمد إلى رطب فوضع فيه سماً فاتكاً، وأمر السندي أن يقدّمه إلى الإمام ويحتّم عليه أن يتناول منه(2).
وقيل إنّ الرشيد أوعز إلى السندي في ذلك ، فأخذ رطباً ووضع فيه السم ، وقدّمه للإمام ، فأكل منه عشر رطبات .
فقال له السندي : زد على ذلك .
فرمقه الإمام بطرفه وقال له : حَسْبُكَ ، قَدْ بَلَغْتَ مَا تَحْتاجُ إِلَيْهِ (1).
ولما تناول الإمام(عليه السلام) تلك كل الرطبات المسمومة تسمم بدنه ، وأخذ يعاني آلاماً مبرحة وأوجاعاً قاسية ، وأحاط به الأسى والحزن، قد حقت به الشرطة القساة ، ولازمه السندي بن شاهك الوغد الخبيث ، فكان يسمعه في كل فترة أخشن الكلام وأغلظه وأقساه ، ومنع عنه جميع الاسعافات ليعجّل له النهاية المحتومة ، وعاني الإمام العظيم في تلك الفترات الرهيبة ما لم يعانه أي إنسان ، فآلام السمّ قد أذابت قلبه ، وقطعت أوصاله ، وأحزنه أي حزن انتهاك حرمته وغربته ،وعدم مشاهدة أعزائه وأحبائه ، وهو قد أشرف على مفارقة الحياة .
ولمّا أقدم السندي على ارتكاب الجريمة الخطيرة اضطرب اضطراباً شديداً ، وخاف خوفاً بالغاً من المسؤولية أمام الشيعة والعلويين، فاستدعى الشخصيات والوجوه إلى قاعة السجن، وكانوا ثمانين شخصاً كما حدث بذلك بعض شيوخ العامّة - يقول :« أحضرنا السندي ، فلما حضرنا انبرى إلينا فقال : انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث ؟ فإنّ الناس يزعمون أنّه قد فعل به مكروه، ويكثرون من ذلك ، وهذا منزله وفراشه موسع عليه غير مضيق ، ولم يرد به أمير المؤمنين - يعني هارون - سوءاً ، وإنما ينتظره أن يقدم فيناظره ، وها هو ذا موسع عليه في جميع أموره فاسألوه .
يقول ذلك الشيخ : ولم يكن لنا هم سوى مشاهدة الإمام ومقابلته ، فلما دنونا منه لم نر مثله قط في فضله ونسكه ، فانبرى إلينا وقال لنا : أَما ما ذُكِرَ مِنَ التَّوْسِعَةِ ، وَما أَشْبَة ذلِكَ ، فَهُوَ عَلى ما ذُكِرَ ، غَيْر أَنِّي أخْبِرُكُمْ أَيُّهَا النَّفَرُ أَني قَدْ سُقِيتُ السُّمَّ في تِسْعِ
1) بحار الأنوار: 48 247 . عيون المعجزات : 95
تَمْراتٍ ، وَإِنِّي أَصْفَرُّ غَداً ، وَبَعْدَ غَدٍ أَموتُ.
ولمّا سمع السندي ذلك انهارت قواه ، ومشت الرعدة بأوصاله ، واضطرب مثل السعفة التي تلعب بها الرياح العاصفة(1)
وجاء في بحار الأنوار: «أنّ الإمام(عليه السلام)التفت إلى الشهود ، فقال لهم : اشْهَدُوا عَلَى أَنَّى مقتول بالسُّمَّ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّام، اشْهَدُوا أَنَّى صَحيحُ الظَّاهِرِ، لَكنِّي مَسْمومٌ وَسَأَحْمَرُ في هذا الْيَوْمِ حُمْرَةً شَدِيدَةَ، وَأَبْيَضُ بَعْدَ غَدٍ، وَأَمْضِي إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوانِهِ .
فمضى(عليه السلام)كما قال في آخر اليوم الثالث » .
وجاء في قرب الإسناد للحميري أنه(عليه السلام) قال للشهود : « إِنِّي سُقِيتُ السُّمَّ في سَبْع تَمراتٍ » .
، فقد أفسد عليه الإمام ما رامه من الحصول على البراءة من المسؤولية في قتله .وروى أنه على أثر ذلك أمر بالإمام الله فلف في بساط وأجلس الفراشين عليه حتّى فارق الحياة .
كان المسيب بن زهير موكلاً بحراسة الإمام لها أو أنّه نقل من حبس السندي إلى داره على ما يستفاد من بعض المصادر، وكان الرجل من دعاة الدولة العباسية ، فقد ولي شرطة بغداد أيام المنصور والمهدي والرشيد ، كما ولي خراسان أيّام المهدي(2)
وجاء فيه : « أنّ وفاته كانت سنة 275ه- ، وقيل : سنة 276ه- ، وهذا لا يتفق مع ما ذكر من أنّ الإمام كان في سجنه أو كان موكلاً بحراسته ، فإنّ الإمام(عليه السلام)توفي سنة 183ه- ،والصحيح أنه توفي سنة 185ه- أو 186ه- ، ويدل على ذلك أنه كان والياً على شرطة بغداد أيام الرشيد، فلابد أن تكون وفاته قريبة ممّا ذكرناه ، ولعلّ ما ذكر كان اشتباهاً مطبعيّاً .
، وكان على جانب من الغلظة والشدّة ، فكان أبو جعفر المنصور إذا أرادبأحد خيراً أمر بتسليمه إلى الربيع، وإذا أراد برجل شراً أمر بتسليمه إلى المسيب(1). ولما حبس الإمام عنده أو وكل بحبسه أثر عليه الإمام وهيمن على مشاعره ، فاهتدى إلى طريق الحق والصواب ، فكان من خلّص الشيعة ومن حملة أسرار الأئمة(2).
وقد استدعاه الإمام قبل وفاته بثلاثة أيام ، فلما مثل عنده قال له : يا مُسَيَّبُ .
لبيك يا مولاي .
إِنِّي ظَاعِنٌ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، مَدِينَةِ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) لَأَعْهَدَ إِلَى عَلِيَّ ابْني ما عَهِدَهُ إِليَّ آبائي ، وَأَجْعَلَهُ وَصيِّي وَخَليفَتي ، وَآمُرَهُ بِأَمْرِي .
يا مولاي ، كيف تأمرني أن أفتح لك الأبواب وأقفالها والحرس معي على الأبواب ؟!
يا مُسَيَّبُ ، ضَعُفَ يَقِينُكَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِينا ؟
لا ، يا سيدي ادع الله أن يثبتني .
اللهم ثَبِّتْهُ .
ثم قال : ادعو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِاسْمِهِ الْعَظيمِ الَّذِي دَعَا بِهِ آصِفُ حَينَ جَاءَ بِسَرِيرِ بَلْقِيسَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَي سُلَيْمَانَ قَبْلَ ارْتِدادِ طَرْفِهِ إِلَيْهِ ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيُّ ابْني بِالْمَدِينَةِ.
قال المسيّب : فسمعته يدعو ، ففقدته عن مصلاه ، فلم أزل قائماً على قدمي
حتى رأيته قد عاد إلى مكانه ، وأعاد الحديد إلى رجليه ، فوقعت على وجهي ساجداً شاكراً الله على ما أنعم به علي من معرفته .
والتفت الإمام(عليه السلام) إلى المسيب فقال : يا مُسَيَّبُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَاعْلَمْ أَنِّي رَاحِلٌ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ثَالِثِ هَذَا الْيَوْمِ .
قال المسيب : فبكيت ، فلما رآني الإمام(عليه السلام)وأنا باك حزين قال لي : لَا تَبْكِ يا مُسَيَّبُ ، فَإِنَّ عَلِيّا ابْني هُوَ إِمَامُكَ وَمَوْلاكَ بَعْدِي ، فَاسْتَمْسِكْ بِوَلايَتِهِ فَإِنَّكَ لَنْ تَضِلُّ ما لَزِمْتَهُ .
قال المسيّب : الحمد لله على ذلك(1).
وسرى السم في جميع أجزاء بدن الإمام(عليه السلام)، فأخذ يعاني أشدّ الآلام والأوجاع ، وقد علم(عليه السلام)أن لقاءه بربّه لقريب فاستدعى السندي ، فلما مثل عنده أمره أن يحضر مولى له ينزل عند دار العبّاس بن محمّد في مشرعة القصب ليتولى غسله ، وسأله السندي أن يأذن له في تكفينه ، فأبى(عليه السلام)، وقال : إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُهورُ نِسَائِنا ، وَحَجُ صَرورَتِنَا ، وَأَكْفان مَوْتانا ، مِنْ طَاهِرِ أَمْوَالِنَا ، وَعِنْدِي كَفَني»(2).
وأحضر له السندي مولاه ، وثقل حال الإمام وأشرف على النهاية المحتومة ، فأخذ يعاني آلام الموت ، فاستدعى المسيب بن زهرة فقال له : إِنِّي عَلى ما عَرَّفْتُكَ مِنَ الرَّحيلِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِذَا دَعَوْتُ بِشُرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبْتُهَا وَرَأَيْتَنِي قَدِ انْتَفَخْتُ ، وَاصْفَرَّ لَوْنِى وَاحْمَرَّ وَاخْضَرَّ وَتَلَوَّنَ أَلْواناً فَأَخْبِرِ الطَّاغِيَةَ بِوَفاتِي .
قال المسيب : فلم أزل أراقب وعده حتى دعا(عليه السلام) بشرية فشربها ، ثم استدعاني ،
فقال لي: يا مُسَيَّبُ ، إِنَّ هَذَا الرِّجْسَ السِّنْدِيَّ بْنَ شاهِكِ سَيَزْعَمُ أَنَّهُ يَتَوَلَّى غُسْلى وَدَفْنِي ، وَهَيْهاتَ هَيْهَاتَ أَنْ يَكونَ ذلِكَ أَبَداً ، فَإِذا حُمِلْتُ إِلَى الْمَقْبَرَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمَقابِرِ قُرَيْشٍ فَأَلْحِدوني بها ، وَلَا تَرْفَعُوا قَبْرِي فَوْقَ أَرْبَعِ أَصابع مُفَرَّجاتٍ ، وَلَا تَأْخُذوا مِنْ تُرْبَتِي شَيْئاً لِتَتَبَرَّكُوا بِهِ ، فَإِنَّ كُلَّ تُرْبَةٍ لَنا مُحَرَّمَةٌ إِلَّا تُرْبَةُ جَدِّي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(عليه السلام)، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَهَا شِفاء الشيعَتِنا وَأَوْلِيَائِنا .
قال المسيب : ثم رأيت شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه ، وكان عهدي بسيدي الرضا(عليه السلام)وهو غلام ، فأردت أن أسأله ، فصاح بي سيدي موسى ، وقال : أَلَيْسَ قَدْ نَهَيْتُكَ .
ثمّ إنّ ذلك الشخص قد غاب عنّي ، فجئت إلى الإمام وإذا به جثة هامدة قد فارق الحياة فأنهيت الخبر إلى الرشيد بوفاته(1).
لقد لحق الإمام بالرفيق الأعلى، وفاضت نفسه الزكيّة إلى بارئها، فأظلمت الدنيا لفقده، وأشرقت الآخرة بقدومه ، وقد خسر الإسلام والمسلمون ألمع شخصيّة كانت تذبّ عن كيان الإسلام، وتنافح عن كلمة التوحيد ، وتطالب بحقوق المسلمين ، وتشجب كل اعتداء غادر عليهم .
لقد مات أبر الناس بالناس ، وأعطفهم على الضعفاء والفقراء ، الذي أثلج قلوبهم بصراره وهباته وعطاياه، وكشف عنهم شقاء الحياة ومرارة العيش .
لقد مات أحلم الناس ، وأكظمهم للغيظ والمكروه ، وقد طويت بموته صفحة منأروع صفحات العقيدة الإسلامية ، ولفّ علم من أعلام الجهاد والكفاح.
ففي ذمّة الله أيّها الإمام العظيم ، لقد مضيت إلى الله شهيداً سعيداً قد تلفعت بثوب الشهادة والكرامة ، وقد لحقت بالله وأنت مظلوم مقهور، قد صبّ عليك
1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 2 : 96 .
الطاغية الأثيم جام غضبه، وأذاقك جميع ضروب الأذى وأنواع الارهاق ، لأنك لم تجاره ولم تصانعه ، بل كنت من أقوى خصومه تنعى عليه ظلمه ، وتندد بإسرافه وتبذيره بأموال المسلمين ، وتشجب استبداده وجوره .
لقد مضيت إلى الله وأنت شهيد سعيد قد فزت برضاء الله لأنك لم توارب ولم تخادع ، بل رفعت راية الحق ، وهتفت بالعدل، وأردت الخير والسعادة لجميع المسلمين ، وقد خسر خصمك ، وبطل سعيه ، وأخمد ذكره، فها هو لا يذكر إلّا قرين الخيبة والخسران .
فسلام عليك يابن رسول الله يوم ولدت ، ويو يوم ولدت ، وبو مت ، ويوم تبعث حياً .
والمشهور أن شهادة الإمام(عليه السلام)كانت سنة 183 لخمس بقين من شهر رجب(1).
وقيل : سنة 181ه-(2)
وقيل : سنة 186ه-(3).
وكانت وفاته في يوم الجمعة وعمره الشريف كان الجمعة وعمره الشريف كان يوم وفاته أربعاً وخمسين سنة(4)، وكان مقامه منها مع أبيه عشرين سنة ، وبعد أبيه خمساً وثلاثين سنة(5).
1) ابن خلکان : 2 : 173 تاریخ بغداد : 13 : 32 . الكامل في التاريخ : 6 : 54 . تاريخ اليعقوبي : 2 : 414 . الفصول المهمة في معرفة الأئمة : 238 تاريخ الخميس : 2: 371. البداية والنهاية : 2 : 17 تهذيب التهذيب : 10 : 340 میزان الاعتدال: 3 : 209 . عمدة الطالب : 85. الدروس : 2 : 13.
2) الدروس : 2 : 13
3) مروج الذهب : 3: 273
4) مناقب آل أبي طالب : 3 : 437 و 438 .
5) الفصول المهمة : 2 : 238
والمشهور أن وفاته كانت في حبس السندي بن شاهك ، وقيل : إنّه توفي في دار المسيّب بن زهير بباب الكوفة الذي تقع فيه السدرة (1).
وقيل : إن وفاته في مسجد هارون ، وهو المعروف بمسجد المسيّب ، ويقع فیالجانب الغربي من باب الكوفة لأنه نقل من دار تعرف بدار عمرو (2)
وقامت الشرطة بدورها في التحقيق في هذا الحادث الخطير لتبرأ ساحة هارون من المسؤولية ، أما التحقيق فقد قام به السندي أولاً ، والرشيد ثانياً ، أما ما قام به السندي فكان في مواضع ثلاثة :
الأول : ما حدث به عمرو بن واقد ، قال : أرسل إلي السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد يستحضرني ، فخشيت أن يكون لسوء يريده بي ، فأوصيت عيالي بما احتجت إليه ، وقلت إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم ركبت إليه ، فلما رآني مقبلاً قال لي : يا أبا حفص ، لعلنا أرعبناك وأزعجناك ؟
نعم.
ليس هنا إلا الخير .
فرسول تبعثه إلى منزلي ليخبرهم خبري .
نعم .
-ولمّا هدأ روعه وذهب عنه الخوف ، قال له السندي : يا أبا حفص ، أتدري
لم أرسلت إليك ؟
-لا.
أتعرف موسى بن جعفر ؟
إي والله إنّي أعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر.
هل ببغداد ممن يقبل قوله تعرفه أنه يعرفه ؟
نعم.
ثمّ إنّه سمّى له أشخاصاً ممّن يعرفون الإمام ، فبعث خلفهم ، فقال لهم : هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفر ؟
فسمّوا له قوماً ، فأحضرهم وقد استوعب الليل بفعله حتّى انبلج نور الصبح ، ولما كمل عنده من الشهود نيف وخمسون رجلاً أمر بإحضار كاتبه - ويعرف اليوم بكاتب الضبط - فأخذ في تسجيل أسمائهم ومنازلهم وأعمالهم وصفاتهم ، وبعد انتهائه من الضبط دخل على السندي فعرفه بذلك ، فخرج من محله ، والتفت إلى عمر و فقال له : قم يا أبا حفص ، فاكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر .
قال عمرو : فكشفت الثوب عن وجه الإمام وإذا به قد مات ، والتفت السندي إلى الجماعة فقال لهم : انظروا إليه ، فدنا واحد بعد واحد فنظروا إليه ، ثم قال لهم : تشهدون كلّكم أن هذا موسى بن جعفر ؟
نعم .
ثمّ أمر غلامه بتجريد الإمام من ملابسه ، ففعل الغلام ذلك ثمّ التفت إلى القوم فقال لهم : أترون به أثراً تنكرونه ؟
فقالوا : لا ، ثمّ سجّل شهادتهم وانصرفوا»(1).
1) بحار الأنوار : 48 : 226 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 2 : 92 .
الموضع الثاني : إنّه استدعى الفقهاء ووجوه أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي(1)
أبو عبدالرحمن المنيحي . قال البخاري : « ليس بثقة ، كان يكذب . وقال النسائي وغيره : إنّه متروك الحديث ، وحدثت جارية له ، فقالت : إن مولاي كان يقوم عامة الليل يصلّي ، فإذا أصبح جلس يكذب . ميزان الاعتدال : 3: 265 و 266.
وقيل : إنّه كان يرى رأي الخوارج ، وكان له اختصاص بالمنصور والمهدي والرشيد ، دخل عليه أبو نؤاس فسأله عن مسألة فتقاعس عن جوابه ، فقال في هجائه :
يا هَيْثَمَ بْنَ عَدِيٌّ لَسْتَ لِلعَرَبِ ***وَلَستَ مِنْ طَيْءٍ إِلَّا عَلَى شَغَبِ
إِذا نَسَبْتَ عَدِيّاً مِنْ بَني شَعَلٍ*** فَقَدِّمِ الدَّالَ قَبلَ العَيْنِ فِي النَّسَبِ
توفي سنة 208ه-. الوافي بالوفيات : 27 : 237. وفيات الأعيان وأنباء الزمان : 6: 112.
وغيره ، فنظروا إلى الإمام وهو ميت لا أثر به ، وشهدوا على ذلك(2).الثالث : إنّه لما وضع الجثمان المقدّس على حافة القبر جاء رسول من قبل السندي فأمر بكشف وجه الإمام للناس ليروه أنه صحيح لم يحدث به حدث(3).
وهذه الاجراءات المهمة التي اتخذها السندي بن شاهك إنما جاءت لتبرير ساحة الحكومة من المسؤولية ، وتنزيهها عن ارتكاب الجريمة ، ولكنّ الإمام(عليه السلام) قد أفسد عليه صنعه وكشف للناس أن هارون هو الذي اغتاله بالسم ، كما ذكرناه سابقاً .
وأما ما اتخذه هارون من الاجراءات لرفع الشبهة التي حامت حوله ، فإنّه جمع شيوخ الطالبيين والعباسيين ، وسائر أهل مملكته ، والحكام ، فقال لهم : هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه ، وماكان بيني وبينه ما استغفر الله منه - يعني في قتله - فانظروا إليه .
فدخل على الإمام سبعون رجلاً من شيعته ، فنظروا إليه وليس به أثر جراحة
ولا خنق(1).
ولم يجد ذلك هارون فإنّ الحق لا بد أن يظهر ، ولا يخفيه الدجل ولا يستره الخداع والتضليل ، فقد عرف الخاص والعام أنه هو الذي اغتال الإمام وهو المسؤول عن دمه ، وأنّ جميع ما اتّخذه من الاجراءات والتدابير لتبرير ساحته قد باءت بالفشل .
يا الله وللمسلمين، مثل الإمام موسى(عليه السلام) سبط النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وإمام المسلمين ، وسيّد المتقين والعابدين، وعملاق الفكر الإسلامي يلقى على جسر الرصافة وهو ميت ينظر إليه القريب والبعيد، وتتفرّج عليه المارّة، قد أحاطت بجثمانه المقدّس الشرطة ، وكشفت وجهه للناس قاصدين بذلك انتهاك حرمته ، والحط من كرامته ،والتشهير به، ولم يرع هارون الرحم الماسة التي بينه وبين الإمام ، ولا حرمته وهو
ميّت ، وقد قيل :
وَاحْتِرَامُ الْأَمْوَاتِ حَتْمٌ وَإِنْ كَا*** نوا بُعاداً فَكَيفَ بِالقُرَباءِ
لقد حاول الرشيد بفعله هذا إذلال الشيعة وإهانتهم ، وقد أثر ذلك في نفوسهم أي تأثير، فظلوا يذكرونه في جميع مراحل تاريخهم مقروناً باللوعة والحزن ، واندفع شعراؤهم إلى نظم هذا الحادث المفجع مقروناً بالأسى والحسرات .
يقول المرحوم الشيخ محمّد ملّة :
مَنْ مُبْلِغ الإِسْلامَ أَنَّ زَعيمَهُ*** قد ماتَ في سِجْنِ الرَّشِيدِ سَميما
فَالغَى بات بِمَوتِهِ طَربَ الحَشا*** وَغَدا لِمَأْتَمِهِ الرَّشادُ مُقيما
ملقى على جسر الرّصافَةِ نَعشُهُ*** فيهِ المَلاتِكُ أَحْدَقوا تَعْظيما
1) بحار الأنوار : 48: 228 تاريخ اليعقوبي : 2 : 414 . الإرشاد : 2 : 243 .
وقال الخطيب الفذ المرحوم الشيخ محمد علي اليعقوبي :
مِثْلُ مُوسى يُرْمَى عَلَى الْجِسْرِ مَيتاً*** لَمْ يُشَيِّعْهُ لِلقبورِ مُوَحّد
حَمَلُوهُ وَلِلحَديدِ بِرِجْليْه هز*** يج لَهُ الأَهاضِيبُ تَنْهَدُ
لقد ملأ الرشيد قلوب الشيعة بالحقد والحنق ، وتركهم يتذكرون ذلك الاعتداء الصارخ على كرامة إمامهم في جميع مراحل تاريخهم .
يا لروعة الخطب ، يا لهول المصاب ! لقد انتهك السندي حرمة الإسلام ، وكرامة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد أمر جلاوزته أن ينادوا على جثمان الإمام بذلك النداء المؤلم الذي تذهب النفوس لهوله أسى وحسرات ، فبدل أن يأمرهم بالحضور لجنازة الطيب ابن الطيب أمرهم أن ينادوا بعكس ذلك(1).
وانطلق أولئك العبيد يجوبون في الشوارع والطرقات رافعين عقيرتهم بذلك النداء القذر الموحش ، وأمرهم مرّة ثانية أن يهتفوا بنداء آخر وهو : « هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت ، فانظروا إليه ميّتاً »(2)
وجاء فيه : أن يحيى بن خالد هو الذي أمر أن ينادى على جثمان الإمام بذلك النداء.
.ومن الطبيعي أنّ السندي لم يقدم على ذلك من تلقاء نفسه ، وإنّما أوعزت إليه السلطة العليا للنكاية بالشيعة وإذلالها ، والنيل من كرامة أهل البيت
وعلينا أن نذكر بعض العوامل التي دعت السلطة إلى القيام بمثل هذه الأعمال
المنكرة ، وهي :
وأرادت السلطة بوضع جثمان الإمام على الجسر ، والنداء عليه بذلك النداء المحقِّر أن تقف على العناصر الفعّالة عند الشيعة ، وتعرف مدى نشاطها وحماسها بهذا الاعتداء الصارخ على كرامة إمامها لينساقوا إلى القبور والسجون ، وأكبر الظنّ أنّ الشيعة قد عرفت هذا القصد ، فلذا لم تقم بأي عمل إيجابي ضدّه .
واتخذت السلطة الحاكمة من اندساس الواقفية في صفوف الشيعة وسيلة للتشهير بهم ، فقد ذهبت الواقفية إلى أن الإمام حتي لم يمت ، وأنه رفع إلى السماء کما رفع المسيح عيسى بن مريم ، وقد رأت حكومة هارون أن تنسب هذا الرأي الفاسد لعموم الشيعة لتشوه بذلك حقيقتهم أمام الرأي العام .
وإنّما نفذ السندي بن شاهك ما أمر به ، مع علمه بفظاعته وخطورته ليحرز بذلك رضا هارون وطاعته حتى ينال من دنياه، ويتقرب إليه ، ولم يحفل السندي بما يلاحقه من العار والخزي في سبيل ذلك .
وبقي الإمام ثلاثة أيام لم يوار جثمانه المقدّس(1)، فتارة موضوع في قاعة السجن ، قد أجرت عليه الشرطة التحقيق في حادث وفاته ، وأخرى ملقى على جسر
1) عمدة الطالب : 185 .
الرصافة تتفرّج عليه المارة ، كلّ ذلك للاستهانة به ، والتوهين بمركزه .
وانبرى سليمان بن أبي جعفر المنصور(1)
أمه فاطمة بنت محمّد من ولد طلحة بن عبيد الله التيمي ، كما في تاريخ الأمم والملوك : 6 341 الكامل في التاريخ : 6: 23.
كان أميراً على دمشق من قبل الرشيد ، ووليها من قبل الأمين مرتين ، وولي إمرة البصرة
مرتين ، ولما ولي إمرة دمشق قال لإبراهيم بن المهدي : خلا لك الجوّ فبيضي واصفري . فقال له إبراهيم : لك والله خلا الجو لأنك تقعد في صدر مجلسك وتأكل إذا اشتهيت ليس من هو يأكل على شبع ويلف على جوع ، ويخدم على كسل . تاریخ دمشق : 22:
وقد نظم الصفدي في أرجوزته تولية سليمان لإمرة دمشق بقوله :
ثُمَّ سُلَيمانُ بْنُ عَبدِ اللهِ*** مَنْ ذا لَهُ في مَجْدِهِ يُباهي
أخْرِجَ مِنْها خائِفاً ما عَقبا*** فَرْدٌ مِنَ السُّفيانِ إِذ تَوَثّبا
وَقَدْ وَليها بَعدُ للأمين*** في مَرَّتَينِ فَاسْتَمِعْ تَبْييني
وجاء في تاريخ بغداد : 9: 25 : أنه توفي سنة 199ه-.
أمراء دمشق : 123
فتولى تجهيز الإمام وتشييعه ، فقد كان قصره مطلّاً على نهر دجلة ، فسمع الصياح والضوضاء ، ورأى بغداد قد ماجت واضطربت ، فهاله ذلك ، فالتفت إلى ولده وغلمانه قائلاً: ما الخبر ؟فقالوا له : هذا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر ، وأخبروه بذلك النداء القاسي الفظيع .
فثارت عواطفه وتغيّر حاله، واستولت عليه موجة من الغيظ ، فصاح بولده قائلاً : انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم ، فإن مانعوكم فاضربوهم ، وخرّقوا ما عليهم
1) سليمان بن أبي جعفر المنصور :
من سواد - وهو لباس الشرطة والجيش -.
وانطلق أبناء سليمان وغلمانه مسرعين إلى الشرطة ، فأخذوا جثمان الإمام منهم ، ولم تبد الشرطة معهم أية معارضة ، فسليمان عمّ الخليفة ، وأهم شخصيّة لامعة في الأسرة العبّاسيّة ، وأمره مطاع عند الجميع ، وحمل الغلمان نعش الإمام فجاءوا به إلى سليمان ، فأمر بالوقت أن ينادي في شوارع بغداد بنداء معاكس لنداء السندي ، فانطلق غلمانه رافعين أصواتهم بهذا النداء : ألا من أراد أن يحضر جنازة الطيب ابن الطيب موسی بن جعفر فليحضر .
وخرج الناس على اختلاف طبقاتهم لتشييع جثمان إمام المسلمين، وسيد المتقين ، وخرجت الشيعة وهي تذرف الدموع، وتلطم الصدور ، قد استولى عليها الأسى والحزن ، ففرّج عنها سليمان الكروب ، وكشف عنها الآلام .
أما الأسباب التي حفّزت سليمان لقيامه بمواراة الإمام وتشييعه بذلك التشييع الحافل الذي لم تُشاهد بغداد نظيراً له ، فهي :
كان سليمان قد حنكته التجارب ، وقام على تكريمه عقل متزن ، فرأى أنّ الأعمال التي قام بها الرشيد تجاه الإمام إنّما هي لطخة سوداء في جبين الأسرة العبّاسيّة ، فإنّ هارون كان يكفيه اغتيال الإمام ودسّ السم إليه عن القيام بهذه الأعمال البربرية التي إن دلّت فإنّما تدلّ على نفس لا عهد لها بالشرف والنبل ،
(1) وجاء في مناقب ابن شهرآشوب : 3: 441: «إن سليمان كان في دهليزه في يوم ممطر إذ مرّت به جنازته (عليه السلام)فقالوا : سلوا هذه جنازة من ؟
فقيل : هذا موسى بن جعفر مات في الحبس قد أمر الرشيد أن يدفن بحاله .
فقال سليمان: موسى بن جعفر يدفن هكذا ؟ فإن في الدنيا من كان يخاف على الملك في الآخرة لا يوفّى حقّه ؟
كما تدلّ في نفس الوقت على فقدان المعروف والإنسانية عند العباسيين ، فقام سليمان بما يفرضه الواجب للحفاظ على سمعته وسمعة أسرته ولمحو العار عنهم .
إنّها الرحم الماسة التي تربط بينه وبين الإمام هي التي هزت مشاعره ، وأثارت عواطفه ، فلم يستطع صبراً أن يسمع أولئك العبيد وهم ينادون بذلك النداء المنكر على جثمان عميد العلويين وزعيم الهاشميين، بالإضافة إلى ذلك فإنّه لم يكن بينه وبين الإمام ما يوجب البغضاء والشحناء ، فلذا أثرت فيه أواصر الرحم ، وانطلق إلى إنقاذ جثمان ابن عمه من أيدي الجلاوزة وصنع ما صنع له من الحفاوة والتكريم .
وأكبر الظنّ أنّ سليمان خاف من انتفاضة الشيعة وتمرد الجيش وحدوث الاضطرابات والفتن الداخليّة، فإنّ ذلك الاعتداء الصارخ على كرامة الإمام (عليه السلام) إنما هو طعنة نجلاء في صميم العقيدة الشيعية ، فكان من الطبيعي أن يثير ذلك عواطفهم ويحفّزهم على الثورة ،والانتقام من خصومهم .
ولم تكن الشيعة قلة في ذلك العصر ، فقد اعتنق عقيدتهم خلق كثير من رجال الدولة ، وقادة الجيش، وكبار الموظفين والكتاب ، ولذا تدارك الموقف وقام بالواجب ، وأنقذ حكومة هارون من الفتن والاضطراب ، كما أسدى في نفس الوقت يداً بيضاء على عموم الشيعة تذكر له بالخير والثناء .
وقام سليمان بتجهيز الإمام (عليه السلام) فغسله ، وكفنه ، ولفّه بحبرة قد كُتب عليها القرآن
الكريم بأسره كلفته ألفين وخمسمائة دينار (1).
وحدث المسيب بن زهير يقول :« والله لقد رأيت القوم بعيني وهم يظنّون أنّهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه ، ويظنون أنهم يحنطونه ويكفنونه وأراهم أنهم لا يصنعون شيئاً، ورأيت ذلك الشخص الذي حضر وفاته - وهو الإمام الرضا(عليه السلام)- هو الذي يتولّى غسله وتحنيطه وتكفينه ، وهو يظهر المعاونة لهم ، وهم لا يعرفونه ، فلمّا فرغ من أمره التفت إلى فقال :
يا مُسَيَّبُ ، مَهُما شَكَكْتَ فِي شَيْءٍ فَلا تَشُكُنَّ فِيَّ ، فَإِنِّي إِمَامُكَ وَمَوْلاكَ وَحُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْكَ بَعْدَ أَبِي.
يا مُسَيَّبُ ، مَثَلي مَثَلُ يُوسفَ الصَّدِّيقِ ، وَمَثَلُهُمْ مَثَلُ إِخْوَتِهِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُمْ لَهُ مُنْكرونَ»(2).
وبعد انتهاء الغسل حمل الإمام إلى مقره الأخير .
وهرعت بغداد إلى تشييع الإمام ، فكان يوماً مشهوداً لم تر مثله في أيامها ، فقد خرج البرّ والفاجر ، والصالح والطالح لتشييع سبط النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)والفوز بحمل جثمانه ، وسارت المواكب وهي تجوب الشوارع والطرقات ، وتردّد أهازيج اللوعة والحزن ، ويتقدّم جماهير المشيعين الرشيد - فيما يروي بعض المؤرّخين - وهو واجم حزين يترحم على الإمام ، ويظهر البراءة من دمه ، وخلفه البرامكة والمشهور أنّ الرشيد لم يحضر جنازة الإمام(عليه السلام)، وأنه كان بالرقة . (3)وكبار الموظفين
والمسؤولين من رجال الحكم يتقدّمهم سليمان وهو حافي القدمين أمام النعش مجامير العطور ، وحمل الجثمان العظيم على أطراف الأنامل ، قد أحاطته الهيبة والجلال ، وجيء به فوضع في سوق سمّي بعد ذلك بسوق الرياحين ، كما بني على الموضع الذي وضع فيه الجثمان المقدّس بناء لئلا تطأه الناس بأقدامهم تكريماً له (1)
وجاء فيه : « أنّه حكى عن صاحب تاريخ مازندران أنّه قال في كتابه : إنه مر بذلك المكان عدّة مرّات وقبل الموضع الشريف» .
.وانبرى بعض الشعراء فأنشد هذه الأبيات :
قَدْ قُلتُ للرَّجُلِ المُوَلّى غُسْلَهُ*** هلا أطعتَ وَكُنتَ مِنْ نُصحائِهِ
جَنِّبْهُ ماءَكَ ثُمَّ غَسَلْهُ بِما*** أَذْرَتْ عُيونُ المَجْدِ عِندَ بُكائِهِ
وَأَزِلْ أفاوية الحنوط وَنَحْها*** عَنهُ وَحَنْطُهُ بِطيبٍ ثَنائِهِ
وَمُرِ المَلائِكَةَ الكِرامَ بِحَملِهِ*** كَرَماً أَلَسْتَ تَراهُمُ بِإِزائِهِ
لاثوه أَعْناق الرّجالِ بِحَملِهِ*** يَكفي الذي حَمَلوهُ مِنْ نَعْمَانِهِ (2)
وسارت المواكب متجهة إلى محلة باب التين(3)
وقد ذكرت شؤون هذه البقعة بالتفصيل في دليل خارطة بغداد : 102 .
، وقد ساد عليها الوجوم والحزن ، وخيم عليها الأسى والمصاب .وأحاطت الجماهير بالجثمان المقدّس وهي تتسابق إلى حمله والتبرك به ، فجاءت به إلى مقابر قريش ، فحفر له قبر هناك وأنزله في مقره الأخير سليمان بن أبي جعفر ، وهو مذهول اللبّ ، خائر القوى ، وبعد فراغه من مراسيم الدفن أقبلت إليه الناس وهي تعزيه وتواسيه بالمصاب الأليم ، وهو واقف يشكرهم على ذلك .
وانصرف المشيعون وهم يعدّدون فضائل الإمام ومناقبه ، ويذكرون ما عاناه من المحن والخطوب، وكان فقده من أعظم النكبات التي مني بها العالم الإسلامي في ذلك العصر ، فقد فقد المسلمون علماً من أعلام العقيدة الإسلامية ، وغصناً يانعاً من دوحة النبوّة ، وإماماً من أئمة المتقين والمنيبين .
لقد عاش الإمام(عليه السلام)في حياته عيشة المتقين والصالحين ، فآثر طاعة الله على كلّ شيء ، وعمل جاهداً على رفع كلمة الحق وتحطيم الباطل ، فلم يجار هارون ، ولم يصانعه ، بل كان من أقوى الجبهات المعادية له ، وقد تحمّل في سبيل ذلك جميع ضروب الأذى والآلام ، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وهو في ظلمات السجون ، ففاز بالشهادة ، وجعل الله ذكره خالداً وحياته قدوة، ومرقده ملجاً للمنكوبين ، وملاذاً للملهوفين ، كما منّ عليه فجعله من أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .
وبعد : فإنّي قد فرغت من تأليف هذا الكتاب ، وأتمت المطبعة صفحاته الأخيرة ، وأود أن أسجل شيئاً من الخير أن لا يضيع ، وهو أن هذا الكتاب ما هو إلا صفحة من تاريخ هذا الإمام العظيم ، وترجمة موجزة لحياته ، ولا أزعم أني قد ألممت بسيرته ، أو ترجمت له ترجمة صوّرت جميع أبعاد حياته ، فذاك أمر غير ممكن ، فإنّ العشرات من أمثال هذا الكتاب بصورة جازمة لا يمكن أن تحكي واقعه أو تلمّ بسيرته وبجميع ما أثر عنه .
لا أقول ذلك لأغضُ من هذا الجهد الشاقّ الذي أنفقته ، ولا لأصنع التواضع ، ولا أنا مدفوع بدافع الغلو والافراط في الحبّ ، وإنّما الواقع يمليه عليَّ ، فإنّ ما روي عنه من الأخبار المتعلقة بأحكام الدين وفروعه من العبادات والمعاملات والعقود والإيقاعات تستدعي وضع عدّة كتب لها ، فموسوعات الحديث وموسوعات الفقه الاستدلالي قد حفلت بالشيء الكثير من رواياته التي هي من مدارك الفتيا في الفقه الشيعي .
مضافاً إلى ما أثر عنه من الحكم والآداب وقواعد السلوك والأخلاق ، وآرائه في السياسة والاقتصاد والفلسفة وعلم الكلام، وغيرها مما لم نذكر منه إلا النزر اليسير ، فإذن ليس هذا الكتاب كما كنت أعتقد - واستغفر الله - أنّه ملم بحياة الإمام(عليه السلام)، ومستوعب السيرته وشؤونه ، وإنّما يصوّر لحظة من حياته ، ويعطي مثلاً موجزاً عنها .
لقد أصبحت وأنا مؤمن أشدّ الإيمان أنّ هذا الإمام العظيم كنز من كنوز الإسلام التي لا تنفد ، وأنّه ملأ فم الدنيا بفضائله ومناقبه ومآثره ، وأن سمو شخصيته العظيمة التي ملكت قلوب المسلمين فآمنوا بإمامته ، هي التي أثارت عليه أحقاد هارون الرشيد وأضغانه ، فقدم على ترويعه ، وزجّه في ظلمات السجون ، وقتله مع علمه أنه لم يحرّض عليه ، ولم يوجب على شيعته الخروج على سلطانه .
وإنّي أعود إلى الاعتذار من سيدي العظيم خوفاً من أن أكون قد جافيت الواقع ، أو ابتعدت عن القصد في بعض ما كتبته عنه ، راجياً أن يمنحني القبول ، وأن يتلطّف علَيَّ بالرضا، وأن تنالني شفاعته يوم الوفادة على الله .
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين
1 - أبو نؤاس قصّة حياته : عثمان صدقي ، عبد الرحمن بن محمد ( 1896 - 1973م ) :
2 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف الشبراوي الشافعي ، عبد الله بن محمد بن عامر ( - 1172ه-) : تحقيق سامي الغريري، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1423ه- / 2002م.
3 - إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب : المسعودي الهذلي ، أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي( - 345ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.
4 - أثر الأسرة والمجتمع في الأحداث : منظمة اليونسكو.
5 - الاثنا عشرية : الحسيني ، محمد بن الحسن بن عبدالله بن محمد بن قاسم ( 717 - 776 ) :
6 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي ، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب( - 560ه-) : تحقيق : إبراهيم البهادري و محمد هادي به ، الناشر : دار أسوة - ايران ، الطبعة السادسة / 1425ه-.
7 - أحسن القصص : فكري ، عليّ : دار الكتب العلمية - بيروت / 1975م.
8- أحسن الكبار في معرفة الأئمة الأطهار : ابن عربشاه الوراميني ، محمد بن أبي زيد ( من أعلام القرن الثامن العجري ) .
9 - الأحكام السلطانية والولايات الدينية : الماوردي = أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي ( 364 - 450ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م.
10 - أخبار الدول وآثار الأول : القرماني ، أحمد بن يوسف ( 939 - 1019ه-) : الحلبي - القاهرة / 1982م.
11 - إخبار العلماء بأخبار الحكماء : القفطي ( 646ه- ) : مكتبة المتنبي - القاهرة .
12- الاختصاص : الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413ه-) : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1413ه-.
13 - الإدارة الإسلامية في عزّ العرب : كرد علي ، محمّد : مطبعة مصر - القاهرة / 1981م 14 - أدب المرتضى: محيي الدين ، عبدالرزاق : المعارف - بغداد / 1957م .
15 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمد بن محمدالنعمان العكبري البغدادي( 336 - 413ه- ) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) - قم المقدسة / 1416ه-.
16 - الأرض والتربة الحسينية : الإمام كاشف الغطاء ، محمد حسين ( 1877 - 1954م ) : المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام) - قم المقدسة / 1995م.
17 - أساس البلاغة : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر ( 467 - 538 ه-) : تحقیق : عبدالرحیم محمود ، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي - قم المقدسة .
18 - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى : السلاوي = أحمد بن خالد الناصري ( - 1312ه- ) :
19 - أسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري = عز الدين علي بن محمد بن محمد (555 - 630ه-) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2006 م .
20 - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وآل بيته الطاهرين : الصبان ، محمّد بن عليّ ( - 1206ه-) ، نشر دار الفكر - بيروت.
21 - الإسلام : أمين زين الدين ، محمد .
22 - الإسلام والحضارة العربية : كرد علي ، محمّد : لجنة التأليف - القاهرة / 1968م.
23 - أصل الشيعة وأصولها : آل كاشف الغطاء ، محمد حسين ( 1877 - 1974م ): تحقيق : علاء آل جعفر ، مؤسسة الإمام علي(عليه السلام) - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1415ه-.
24- اعتقاد فرق المسلمين والمشركين : الفخر الرازي = خطيب الريّ ، فخر الدين أبي عبدالله محمد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين ( 544 - 606ه- ) :
25 - الأعلام : الزركلي ، خير الدين بن محمود بن محمد ( - 1410ه-) : دار العلم للملايين بيروت ، الطبعة التاسعة / 1990م.
26 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسيّ ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن ( من أعلام القرن السادس ) : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث - قم المقدسة / 1417ه-.
27 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي ، محسن ( 1865 - 1952م) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000م .
28 - الأغاني : أبو الفرج الأصفهاني ، علي بن حسين ( 284 - 356ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.
29- إقبال الأعمال : السيد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه- ) : تقديم وتعليق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه- / 1996م.
30 - الله والعلم الحديث : نوفل ، عبدالرزاق ، المكتبة الإسلامية - القاهرة / 1988ه-.
31 - الله يتجلى في عصر العلم : جماعة من العلماء الغربيين .
32 - الأمالي : شيخ الأمالي : شيخ الطائفة الطوسي ، أبو جعفر محمد بن الحسن ( 385 - 460ه- ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة ، دار الثقافة - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1414ه-.
33 - الأمالي والنوادر : القالي البغدادي = إسماعيل بن القاسم ( 288 - 356ه- ) :
34 - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : أسد حيدر ( 1911 - 1980م) : دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية 1390ه- / 1969م.
35 - الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمد عبدالله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : المكتبة الحيدرية - قم المقدّسة / 2007م .
36 - أمراء دمشق : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبدالله ( 696 - 764ه- ) :
37- إنباه الرواة على أنباء النحاة : القفطي = علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبدالواحد الشيباني : دار الكتب المصرية - القاهرة 1374ه- / 1955م.
38 - الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء: ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي ( 368 - 463ه- ) : دار الكتب العلمية - بيروت ،
39 - الأنساب : القلقشندي .
40 - الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية : القمي ، الشيخ عباس ( 1254 - 1319ه-) ، تحقيق : فارس حسون ،کریم، انتشارات فدك - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1433ه- / 2012م .
........
41 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلّامة المجلسي = محمدباقر بن محمّد تقي ( 1037 - 1111ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
42 - بحر الأنساب : الحسيني النجفي ، عميد الدين محمد بن أحمد : دار المجتبى للنشر والتوزيع - المدينة المنورة / 1419ه-.
43 - البداية والنهاية في التاريخ = تاريخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي ، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير ( 700 - 774ه- ) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث ، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م.
44 - براءة العبّاسة : الطنطاوي .
45 - بغية الطالب : اليماني ، محمّد.
46 - بلغة : البحراني :
47 - البيان في تفسير القرآن ( تفسير ) : السيد الخوئي 1 ، أبو القاسم الموسوي ( 1278 - 1371ه-) : دار الثّقلين - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1401ه- / 1981م ، مجلد .
48- البيان والتبيين : الجاحظ ، عمرو بن بحر ( 150 - 255ه-) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1968م.
49- بين الخلفاء والخلعاء : في استرانج : تعریب رشید فرنسیس : د . منجد ، صلاح الدین دار الكتاب الحديث - بيروت، الطبعة الثالثة / 1980م.
50 - التاج في أخلاق الملوك : الجاحظ ، عمرو بن بحر ( 150 - 255ه-) : دار الفكر - بيروت / 1955م.
51- تاج العروس من جواهر القاموس : الزبيدي الحنفي = محب الدين أبي فيض السيّد محمد مرتضى الحسيني الواسطي ( 1145 -1205ه-) : دراسة وتحقيق : علي شيري ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1414ه- / 1994م ( 20 مجلداً ) .
52 - تاریخ ابن خلدون = العبر: ابن خلدون = أبو زيد ولي الدين عبدالرحمن بن محمد الحضرمي الإشبيلي : ( 732 - 808ه- ) : المكتبة العصرية - بيروت / 2008 م .
51 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان( 673 - 748ه- ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004 م .
54 - تاريخ الإسلام السياسي : إبراهيم حسن ، حسن : دار الكتاب - بيروت / 1401ه- .
55 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد ( 224 - 310ه- ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الخامسة 1409 ه- / 1989م .
56 - تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن عليّ ( 392 - 463ه-) : تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه- / 1997م.
57 - تاريخ التمدن الإسلامي : زيدان ، جرجي : دار مكتبة الحياة - بيروت / 1964م .
58 - تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام : جوزة ، بندلي : مطبعة بيت المقدس - القدس / 1928م.
59 - تاريخ الخلفاء : جلال الدين السيوطي ، عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعي ( 849 - 911ه-) : السعادة - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1952م.
60 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس : الدياربكري = حسين بن محمد بن حسن ( - 966ه- ) : مؤسسة شعبان - بيروت / 1990م.
61 - تاريخ الدعوة الإسماعيلية : غالب ، مصطفى : دار الأندلس - بيروت ، الطبعة الثانية / 1965م.
62 - تاريخ العلويين : غالب الطويل ، محمد أمين : دار الأندس - بيروت / 1966م.
63 - تاريخ كربلاء : الكليدار ، عبدالجواد: مطبعة النجاح - بغداد / 1947م.
64 - تاريخ الكوفة : البراقي ، السيد حسين النجفي( - 1332ه-) : المكتبة الحيدرية 1424ه-.
65- تاریخ مدينة دمشق : ابن عساكر = أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي ( 499 - 571ه- ) : دار الفكر - دمشق / 1419ه-.
66 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (- 278ه- ) : دار صادر - بيروت / 1984م .
67 - تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : الصدر ، السيد حسن ( 1354ه-) : شركة النشر - بغداد / 1951م.
68- التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين : الاسفراييني = أبو مظفّر طاهر بن محمد (- 471ه-) : تحقيق : الإمام الكوثري ، مطبعة الأنوار / 1359ه-.
69 - التبيان في تفسير القرآن : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460 ) : تحقيق : أحمد حبيب قصير العاملي ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى / 1409ه- .
70 - تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية : العلامة الحلّي = أبو منصور الحسن بن يوسف المطهر الأسدي ( 648 - 726ه-) : تحقيق : الشيخ إبراهيم البهادري ، مؤسسة إمام الصادق(عليه السلام) - قم المشرّفة ، الطبعة الأولى / 1420ه- .
71 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّاني ، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين ( من أعلام القرن الرابع الهجري ) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة / 1421ه-.
72 - تحفة الأزهار وزلال الأنهار ( م ) : ابن شدقم الحسيني المدني ، ضامن.
73- تحفة العالم : آل بحر العلوم ، جعفر الغري - النجف الأشرف / 1254ه-.
74- تحفة العروس ونزهة النفوس : التجاني ( البجائي ) = أبو عبدالله محمد بن أحمد - موجوداً (710ه-) : مكتبة التراث الإسلامي - القاهرة .
75- تحفة النظار في غرائب الأمصار: ابن بطوطة ، محمد بن محمد الطبخي ( - 779ه-) :
76 - تذكرة الحفاظ : الذهبي ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان( - 748ه-) : وضع حواشیه : زكريا عميرات ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 1419ه- / 1998م ( 4 أجزاء في مجلّدين).
77 - تذكرة خواص الأمة : سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبد الله البغدادي( 581 - 654ه- ) :منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1418ه- / 1997م.
78 - تزيين الأسواق : الأنطاكي ، داود : مطبعة الأزهرية المصرية - القاهرة / 1319ه-.
79- التعليقات : الشيخ الرئيس = ابن سينا : مركز النشر التابع للمكتب الإسلامي - قسم التبليغ ، الطبعة الرابعة 1421ه-.
80- تفسير القرآن العظيم : ابن كثير الدمشقي ، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي ( 701 - 774ه-) : تحقيق : سامي بن محمد سلامة ، دار طيبة ، الطبعة الثانية 1420ه- / 1999م.
81 - تفسير الجواهر : الطنطاوي الجوهري : مؤسسة التاريخ العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1991ه- / 1412م ( 26 جزءاً في 13 مجلداً ) .
82 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن = تفسير الطبري : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير ( - 310ه- ) : تحقيق : الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي ، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر - القاهرة ، الطبعة الأولى 1422ه- / 2001م ، ( 24 مجلداً + مجلدا الفهارس ) .
83- التفسير الكبير = مفاتيح الغيب : الفخر الرازي - خطيب الري ، فخر الدين أبي عبدالله محمد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين ( 544 - 606ه-) : تقديم : الشيخ خليل ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت ، الطبعة الأولى 1415ه- / 1995م ( 32
محيي جزءاً في 16 مجلداً + مجلد الفهرس ) .
84 - تقريب التهذيب : ابن حجر العسقلاني ، شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي الشافعي ( 133 - 5852 ) : تحقيق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية 1417ه- / 1997م ( جزءان في مجلد ) .
85 - التكامل في الإسلام : أمين ، أحمد : النعمان - النجف الأشرف ، الطبعة الخامسة / 1974م.
86 - تلخيص الشافي : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : تحقيق : السيد حسين بحر العلوم ، مؤسسة انتشارات المحبّين ، الطبعة الأولى / 1382ه- .ش.
87- تلخيص المستدرك : الذهبي ، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان ( - 748ه- ) - المطبوع في ذيل المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري دراسة وتحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1411ه- /
1990م.
88 - التنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع : الملطي الشافعي ، أبو الحسين محمد بن أحمد :( - 377ه-) : تعليق : الكوثري ، نشر السيّد عزّة العطّار، الطبعة الأولى - القاهرة / 1369ه-.
89 -تنقيح المقال في علم الرجال : المامقاني ، الشيخ عبد الله ( - 1351ه- ) : المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف / 1352ه-.
90 - تهذيب التهذيب : ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي بن محمد ( 773 - 852ه- ) : دار الفكر - بيروت / 1995م .
91 - ثمار القلوب : أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمد ( - 429ه- ) : المدني - القاهرة / 1965م.
......
92 - جامع الأنساب : الروضاتي ، محمد علي : أصفهان / 1376ه- . ش .
93 - جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والاسناد الأردبيلي الحائري ، محمد بن عليّ : دار الأضواء - بيروت 1403ه- / 1983م .
94 - جامع كرامات الأولياء : النبهاني ، يوسف بن إسماعيل : تحقيق : إبراهيم عطوة عوض ، دار الفكر - بيروت 1412ه- / 1992م.
95 - الجذور التاريخيّة للقوميّة العربية : الدوري، عبد العزيز : دار العلم للملايين - بيروت / 1960م.
96 - جعفر بن محمّد : سيّد الأهل ، عبدالعزيز : دار الشرق الجديد - بيروت ، الطبعة الأولى / 1945م.
97- الجماهر في الجواهر : أبو ريحان البيروني ، محمد بن أحمد الخوارزمي ( 362 - 440ه- ) :
98 - جمهرة أنساب العرب : ابن حزم الأندلسي = أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري ( 456384ه- ) : دار المعارف - القاهرة / 1962م.
99- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام الشيخ النجفي ، محمد حسن ابن الشيخ باقر ابن الشيخ عبدالرحيم ( 1200 - 1266 ) : حققه وعلّق عليه وأشرف على طبعه : الشيخ عباس القوچاني ، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1400ه-.
100 - جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : القراغولي البغدادي ، السيد محمود : الآداب - بغداد / 1329ه- .
101 - حاوي الأقوال في معرفة الرجال ( م ) : الجزائري ، عبدالنبي ( - 1021ه- ) :
102 - حديث الأربعاء : د . حسین ، طه ( 1889 - 1973م) : دار المعارف - القاهرة / 1952م .
103 - حركات الشيعة المتطرفين وأثره في الحياة الاجتماعية : عبدالعال ، محمد جابر : بولاق - القاهرة / 1982م.
104 - حضارة الإسلام في دار السلام : نخلة ، جميل : الأميرية - القاهرة / 1937م .
105 - الحضارة الإسلامية : متز ، آدم : لجنة التأليف - القاهرة / 1957م.
106 - حقيقة النفس وأمراضها : فراج ، عبدالرحمن.
107 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني ، الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران ( 336 - 430ه- ) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.
108 - حياة الإمام الحسن بن عليّ : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (عليهم السلام) ) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه- / 2009م .
109 - الحيوان : عمرو بن بحر الجاحظ.
110 - حياة الحيوان الكبرى : الدميري ، كمال الدين محمد بن موسى ( 742 - 5808 ) : ناصر خسرو - طهران ) اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة (1390ه- / 1970م) .
111- خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب : النسائي= أبو عبدالرحمن أحمد بن شعیب بن علي بن بحر ( 215 - 303ه- ) : تحقيق : السيد جعفر الحسيني ، دار الثقلين - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1419ه- .
112 - الخصائص الكبرى السيوطي ، جلال الدین عبدالرحمن بن الكمال ( 849 - 911ه- ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1405ه- .
113 - الخصال : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381ه-) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين / 1424ه-.
114 - خطط الشام = المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن عليّ ( 766 - 845 ) : مشهد المقدّسة / 1379ه- . ش .
115- خلاصة الأقوال في معرفة الرجال = رجال العلامة الحلّيّ : العلامة الحلّي = أبو منصور الحسن بن يوسف المطهر الأسدي ( 648 - 726ه-) : تحقيق : الشيخ جواد القيومي ، مؤسسة نشر الفقاهة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417ه- .
116 - خلاصة تهذيب الكمال : الخزرجي الأنصاري ، أحمد .
117 - خلاصة الذهب المسبوك : بدر الدين الإريلي ، أبو محمد : مكتبة المثنى - بغداد .
118 - دائرة معارف القرن العشرين : فريد وجدي ، محمد : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثالثة / 1971م.
119-الدر النظيم في مناقب الأئمة : الشامي العاملي ، يوسف بن حاتم ( من أعلام القرن السابع الهجري ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة / 1409ه-.
120-دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام القاضي التميمي المغربي، أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور( - 363ه-) : اسماعيليان - قم المقدسة / 1372ه- . ش .
121 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير( - 310ه- ) : مؤسسة البعثة ( - قم المقدسة / 1412ه-) .
122 - دليل خارطة بغداد : جواد البغدادي ، د. مصطفى و د. أحمد سوسة : مطبعة المجمع العلمي العراقي / 1958م.
123 - دولة القرآن : عبدالباقي سرور ، طه : النموذجية - القاهرة .
124 - الديارات: الشابشتي : دار الرائد العربية - بيروت، الطبعة الثالثة / 1986م .
125 - الديارات النصرانية في الإسلام : الزيات ، حبيب .
126 - ديوان بحر العلوم : آل بحر العلوم ، محمد صالح : دار التضامن - بغداد ، الطبعة الأولى / 1968م.
127 - ديوان الجواهري : مهدي الجواهري ، محمد ( 1903 - 1998ه-) : دار المعرفة - بيروت / 2005م .
128 - ديوان العمري : العمري ، عبد الباقي : صححه عثمان المولوي : الحجر الفاخرة - القاهرة / 1287ه-.
129 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة : آقا بزرك الطهراني ، محمد محسن ( 1255 - 1389ه- ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثالثة / 1403ه-.
130 - ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة : الشهيد الأول ، شمس الدین محمد بن جمال الدین مكي العاملي الجزيني ( 734 - 786ه- ) : نشر وتحقيق : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1419ه- .
131 - ربيع الأبرار ونصوص الأخبار : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر ( 467 - 538ه-) : دار الذخائر - قم المقدسة / 1410ه-.
132- رجال ابن داود : ابن داود الحلّي ، الحسن بن عليّ( - 707ه-) : المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف 1392ه- / 1972م.
رجال بحر العلوم : آل بحر العلوم ، مهدي .
134 - رجال البرقي : البرقي ، أحمد بن محمد بن خالد( - 274 أو 280ه-) : جواد القيومي الاصفهاني ، مؤسسة القيومي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1419ه-.
135- رجال الكشي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : تحقيق : محمد تقي فاضل الميبدي والسيد أبو الفضل الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الأولى / 1382ه- . ش .
136 - رجال الخاقاني : الخاقاني ، علي ( - 1334ه-) : تحقيق : محمد صادق بحرالعلوم : الآداب - النجف الأشرف ، الطبعة الأولى / 1986م.
137 - رجال النجاشي : أبو العباس الأسدي الكوفي ، أحمد بن علي ( 372 - 450ه- ) : جماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1407ه-.
138 -رسائل الجاحظ : الجاحظ ، عمرو بن بحر ( 150 - 255ه-) : اعتناء : السندوبي : دارمكتبة الهلال - بيروت / 1995م.
139 - تفسير روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني : الآلوسي البغدادي ، أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود (1217 - 1270ه- ) : دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1417ه- / 1997م ( 30 جزءاً في 16 مجلداً ) .
140- روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: الخوانساري ، الميرزا محمد باقر الموسوي( - 1313ه- ) ، مكتبة إسماعيليان - قم المقدسة / 1390ه-.
141- روضة الواعظين وبصيرة المتعلمين : الفعّال النيشابوري ، محمد بن أحمد ( - 508ه- ) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1386 ش .
142 - الرياض النضرة في مناقب العشرة: محبّ الدين الطبري ، أبي جعفر أحمد بن عبدالله الشافعي ( 615 - 694ه- ) : تحقيق عبدالمجيد الحلبي ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الأولى 1418ه- / 1997م ( 4 أجزاء في مجلد ) .
143 - زندگانی حضرة موسى بن جعفر : سحاب ، أبو القاسم .
144 - زهر الآداب وثمر الألباب : أبو إسحاق القيرواني ، إبراهيم بن علي الحصري : دار الجيل - بیروت / 1973م.
145 - زهر الربيع : الجزائري ، نعمة الله بن عبدالله ( 1050 - 1112ه-) : الحيدرية - النجف الأشرف / 1956م.
146 - الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية : أبو حاتم الرازي ، أحمد بن حمدان ( - 322ه- ) : الحلبي - القاهرة / 1412م .
147 - سبك الذهب في شبك النسب : ابن معية الديباجي = تاج الدين محمد بن القاسم الحلّي ( - 776ه- ) :
147- سراج الأنساب (م) : عبدالرحمن الجيلاني ، أحمد بن محمد ( من أعلام القرن 10) باللغة الفارسية .
149 - سرّ السلسلة العلويّة : البخاري ، أبو نصر سهل بن عبدالله بن داود( - 341ه- ) : الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1413ه- .
150 -سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار : الشيخ القمّيّ ، عباس بن محمد رضا ( 1254 - 1359ه-) : دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1427ه-.
151- سقط الزند ( ديوان ) : أبو العلاء المعري = أحمد بن عبد الله( - 449ه- ) :
152- سنن البيهقي = السنن الكبرى : أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ( 384 - 458ه- ) : مكتبة دار الفكر - بيروت 1416ه- / 1996م .
153- السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات : فلوتن، خراوف فان ( 1866 - 1903م ) : القاهرة / 1934م.
154 - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعيّة : ابن تيمية الحراني = تقي الدين أحمد - بن عبد الحليم الدمشقي ( 661 - 782ه- ) : مطبوعات الجامعة الإسلامية - المدينة المنوّرة 1379ه- / 1960م.
155- سيدات البلاط العباسي : جواد ، مصطفى .
156 - الشافعي : أبو زهرة ، محمد .
157 - الشافي في الإمامة : السيد المرتضى ، علي بن الحسين الموسوي ( 355 - 436ه- ) : مؤسسة الصادق للطباعة والنشر - طهران / 1426ه-.
158 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن عماد الحنبلي ، أبو الفلاح عبدالحي بن أحمد ( 1032 - 1089ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1967 م .
159 - شرح الإرشاد : الكاشاني ، سليمان .
160 - شرح أصول الكافي : صدر المتألهين= الملا صدرا = صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي القوامي (979 -ه- ):
161 - شرح توحيد المفضّل : الخليلي ، محمد ( 1900 - 1968م ) : مطبعة النعمان - النجف الأشرف / 1957م.
162 - شرح زهر الآداب : مبارك ، زكي .
163 - شرح شافية أبي فراس ( م ) : الحسسيني ، محمد بن أمير الحاج : دار الطباعة - طهران / 1296ه- . ش .
164 - شرح قصيدة ابن عبدون كمامة الزهر وفريدة الدهر : ابن بدرون = عبدالملك بن عبدالله : مصر / 1340ه- .
165 - شرح الموطأ : الزرقاني ، محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان المصري الأزهري المالكي( - 1122ه-) .
166 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد ، عز الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني المعتزليّ
( 586 - 656ه- ) ، قدّم له وعلّق عليه : الشيخ حسين الأعلميّ ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى / 1415ه--1995م.
167- شعراء الغدير : العلامة الأميني ، عبدالحسين ( 1281 - 1349ه-) : مركز الغدير للدراسات الإسلامية - قم المقدّسة / 1995م .
168 - الشعر في بغداد : جواري : دار الكشاف - بيروت / 1956م.
169 - الشيعة في التاريخ : الزين ، محمد حسين مطبعة العرفان - صيدا / 1938ه-.
...
170- صبح الأعشى في صناعة الإنشا : القلقشندي = أحمد بن علي بن أحمد ( - 21ه-) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1987م .
171 - الصحاح = تاج اللغة وصحاح العربية : الجوهري ، إسماعيل بن حماد ( قيل : 332 - 393ه-) : تحقيق : أحمد عبد الغفور عطّار ، دار العلم للملايين - بيروت ، الطبعة الرابعة / 1990م.
172 - صحاح الأخبار : الرفاعي ، مصطفى : البهية المصرية / 1306ه-.
173-صحيح البخاري : البخاري ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي ( 194 - 256ه-) : ضبطه ورقمه : الدكتور مصطفى ديب البغا ، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق . الطبعة الخامسة 1414ه- / 1993م ( 6 مجلدات + مجلد الفهارس).
174 - صحيح الترمذي : الترمذي ، محمد بن عیسی ( 209 - 279ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1985م.
175 - صحيح مسلم = الجامع الصحيح : القشيري النيسابوري ، أبو الحسين مسلم بن حجاج ( 206 - 261ه-) : دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1416ه- / 1995م.
176 - صحيفة الأبرار التبريزي ، محمدتقي : صوت الخليج - الكويت .
177- صفة الصفوة : ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد( - 597ه- ) : دار المعرفة - بيروت / 1979 م .
178 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي ، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن عليّ ( 909 - 974ه- ) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمد الخراط ، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه- / 1997م ( مجلدان ) .
179 - ضحى الإسلام : أمين ، أحمد : نشر دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة العاشرة .
180 - طبقات الشعراء: ابن المعتز ( - 296ه-) : تحقيق : عبدالستار أحمد فراج ، دار المعارف - القاهرة / 1968م.
181 - طبقات الفقهاء : أبو إسحاق الشيرازي ، إبراهيم بن علي ( 393 - 476ه- ) : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم المقدسة / 1418ه-.
182 - الطبقات الكبرى : ابن سعد الواقدي، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (168 - 230ه-) : تحقیق : محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1410ه- / 1990م ( 8 مجلدات + مجلد الفهارس ) .
183 - العرب : حتّى ، فيليب
184- العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي : د . النص ، إحسان : دار اليقظة العربية - بيروت / 1964م.
185 - العصر العباسي الأول : الدوري ، عبدالعزيز : مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت ، الطبعة الأولى / 2006م.
186- عصر المأمون : الرفاعي ، أحمد فريد : مطبعة جامعة البصرة / 1980م.
187- عقائد الإمامية : المظفّر ، محمد رضا ( - 1381ه- ) : تقديم : د . حامد حفني داود ، انتشارات انصاريان - قم المقدّسة
188- عقائد الزيدية :
189 - العقد الفريد : ابن عبدربه الأندلسي ، أبو عمر أحمد بن محمد ( 246 - 328ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
190- عقيدة الشيعة : م . دو نلاسن، دوایت تعریب ، ع . م ، مكتبة الخانجي -مصر.
191 - العقيدة والشريعة في الإسلام : جولد زيهر ، أجناس : ترجمة : محمد يوسف ، دار النهضة - بيروت / 1990م.
192 - علم النفس في الحياة ماندر .
193 -العلم يدعو للإيمان : موريسون ، كرس : مكتبة النهضة المصرية - القاهرة ، الطبعة الخامسة / 1965م.
194 - العمدة في محاسن الشعر ابن رشيق القيرواني ، الحسن بن رشيق ( - 456ه- ) : دار الجيل - بيروت / 1972م.
195 - عمدة الأخبار في مدينة المختار : عبدالحميد العباسي ، أحمد .
196 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ابن عنبة = جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الحسيني ( 741 - 828 ) : المكتبة الثقافية - قم المقدسة / 2004 م .
197 - العمل وحقوق العامل في الإسلام القرشي ، باقر شریف ( 1926 - م ) : تحقیق مهدي باقر القرشي .
198 - عيون الأخبار : ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : دار الكتب المصرية - القاهرة / 1996م.
199 - عيون أخبار الرضا(عليه السلام): الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381ه-) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى / 1404ه-.
200 - غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار : الحسيني الحلبي ، ابن زهرة ، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف / 1382ه- .
201 - فجر الإسلام : أمين ، أحمد : دار الكتاب العربي - بيروت ، الطبعة الحادية عشر / 1975م.
202 - الفرج بعد الفرج بعد الشدّة : القاضي التنوخي ، أبو علي الحسن بن القاسم ( - 384ه- ): منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1364ه-.
203 - فرق الشيعة : النوبختي ، الحسن بن موسى ( - 310ه-) : تعليق : السيد محمد صادق(عليه السلام)
بحر العلوم ، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف 1355ه- / 1936م.
204 - الفرق بين الفرق : البغدادي ، عبدالقاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الاسفرائيني التميمي ( 429ه-) : تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد ، مكتبة دار التراث - القاهرة .
205- الفصول المختارة : الشريف المرتضى = علم الهدى عليّ بن الحسين بن موسى الموسوي ( 355 - 436ه-) : تحقيق : السيد نور الدين جعفريان الأصبهاني والشيخ يعقوب الجعفري والشيخ محسن الأحمدي، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت ، الطبعة الثانية 1414ه- / 1993م.
206- الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة : ابن الصّباغ = علي بن محمد بن أحمد المالكي ( - 855 ه-) : دار الأضواء - بيروت ،الطبعة الثانية 1409ه- / 1988م.
207 - الفقه الإسلامي في مدخل نظام المعاملات : يوسف ، محمد .
208 - فكرة الأفريقية الآسيوية في مؤتمر باندونج : الجزائري ، مالك.
209 - فلك النجاة ( م ) : القزويني النجفي ، مهدي( - 1300ه- ) : ایران / 1297ه- .
210 - فوات الوفيات : ابن شاكر الكتبي = محمد بن شاكر ( 681 - 764ه- ) : تحقيق : علي محمد بن يعوض الله و عادل أحمد عبد الموجود ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 2000م .
211 - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة : ابن تيمية الحراني ، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم الدمشقي ( 661 - 782ه- ) : الرياض / 1404ه- .
212 - القاموس المحيط: الفيروزآبادي = أبو طاهر مجدالدين محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم ( 729 - 817ه- ) : تقديم وتعليق : الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني المصري الشافعي ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1425ه- / 2004م.
213- قرب الإسناد : الحميري ، أبو العباس عبد الله بن جعفر ( - 310ه-) : مؤسسة آل 2004م. البيت(عليهم السلام) الاحياء التراث - بيروت، الطبعة الأولى 1413ه- / 1993م.
214 - الكافي : ثقة الإسلام الكليني ، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي ( 328 - 329ه-) : مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1426ه- / 2005م .
215- الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، عزّ الدين أبي الحسن عليّ بن محمّد بن أبي الكرم الشيباني ( 555 - 630ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1408ه- / 1989م.
216 - كشف الغمّة في معرفة الأئمة : الإريلي ، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح ( 467 - (538ه-) : دار الأضواء - بيروت / 1985م .
217 - كشف المحجّة : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه- ) :
218 - كنز العلوم : وجدي ، محمد فريد : الوعظ - القاهرة / 1905م.
219 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال : المتقي الهندي = علاء الدين علي بن حسام الدين ( 888 - 975ه-) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 2004 م .
220 - كنوز الحقائق : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي ( 952 - 1031ه-) : المكتبة الإسلامية - القاهرة / 1986م.
221 - الكنى والألقاب : الشيخ القمي ، عبّاس ( 1254 - 1319ه-): مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة ، الطبعة الأولى / 1425ه- .
222 - الكواكب الدرية في مناقب الصوفية : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي ( 952 - 1031ه- ):
223 - لسان العرب : ابن منظور ، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري ( 630 - 711ه-) : تنسيق وتعليق : علي شيري ، دار صادر - بيروت / 1995م.
224 - لسان الميزان : ابن حجر العسقلاني ، شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي الشافعي ( 133 - 5852 ) : تحقيق : عادل أحمد وعلي معوّض ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1416ه- / 1996م (7 مجلدات ) .
225 - مآثر الإنافة في معالم الخلافة : القلقشندي = أحمد بن علي ( 756 - 821ه- ) : دار الثقافة - القاهرة / 1985م.
226 - المجالس السنيّة : الأمين العاملي ، محسن ( 1865 - 1952م ) : دار المعارف - بيروت / 1992م.
المجتمع العربي ومناهضة الشعوبية : حسن الخربوطلي ، عثمان غالب بن محمد ( 1261 - 1338ه- ) :
228 - المجدي في أنساب الطالبيين : العلوي العمري ، نجم الدين أبو الحسن علي بن محمد : مكتبة آية الله العظمى المرعشي 1 - قم المقدّسة / 1409ه-.
229 - مجلة حياتك - مقال البروفسور ثورندك -:
230 - مجمع البيان ( تفسير ) : الطبرسي - أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي ( 468 - 548ه-) : تحقيق : السيد هاشم الموسوي المحلّاتي والسيد فضل الله اليزدي الطباطبائي : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية / 1408ه- - 1998م .
231 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : الهيثمي ، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر المصري الشافعي ( 35 - 807ه- ) : دار الكتب العلمية - بيروت 1408ه- / 1988م.
232 - مجموعة ورّام = تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: المالكي الأشتري ، الأمير أبو الحسين ورام بن أبي فراس( - 605ه-) : دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الثانية / 1368ه-.
233 - المجوس والمجوسية : حسن الخربوطلي ، عثمان غالب بن محمد ( 1261 - 1338ه-) :
234 - المحاسن والمساوئ : البيهقي = إبراهيم بن محمد ( من أعلام القرن الرابع ) : دار بيروت - بيروت 1404ه- / 1984م.
235 - محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية : الخضري ، محمد بك : المكتبة التجارية - القاهرة ، الطبعة الثامنة / 1382ه-.
236 - المحصل : الرازي .
237 - مختار صفة الصفوة : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654ه- ) :
238- مختصر أخبار الخلفاء : ابن الساعي البغدادي = تاج الدين علي بن أنجب ( 593 - 674ه-) : مصر .
239 - مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي : علي ، أمير : دار الآفاق - القاهرة / 2001م .
240 - مختصر التحفة الاثنى عشرية : الآلوسي .
241 - المذاهب الإسلاميّة : محمود أبو زهرة ، محمد : مكتبة الآداب - القاهرة .
242 - المراجعات: الإمام شرف الدین ، عبدالحسين الموسوي العاملي ( 1873 - 1958م ) : دار الأنصار - قم المقدسة / 1386ه- .
243 - مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع: صفي الدين البغدادي ، عبد المؤمن بن عبدالحق : دار المعرفة - بيروت / 1374 ه- .
244- مرآة العقول العلامة المجلسي ، محمد باقر بن محمد تقي( 1037 - 1111ه- ): منشورات دار الكتب الإسلامية - طهران / 1404ه-.
245 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان: اليافعي = أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان (- 768ه- ) : وضع حواشيه خليل المنصور، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417ه- / 1997م.
246-مروج الذهب ومعادن الجوهر المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين بن عليّ ( - 346ه- ) : تحقيق : عبدالأمير المهنا ، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1411ه- / 1991م.
247 - مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام : الشهيد الثاني = الشيخ زين الدين بن عليّ بن أحمد بن جمال الدين العاملي الجعبي (911 - 965ه-) : تحقيق ونشر : مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة ، الطبعة الثالثة / 1421ه-.
248 - محاضرة الأبرار و مسامرة الأخيار : محيي الدين ابن العربي = أبو عبدالله محمد بن عليّ بن محمد بن عبدالله الحاتمي الطائي ( 560 - 638ه-) : دار صادر - بيروت .
249- مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل : المحدّث النوري ، الحاج الميرزا حسين بن محمد تقي بن تقي الطبرسي ( 1254 - 1320ه- ) : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)لإحياء التراث - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1408ه-.
250- المستدرك على الصحيحين : الحاكم النيسابوري ، محمّد ( - 405ه-) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، نشر دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411ه- / 1990م.
251 - مستند الشيعة في أحكام الشريعة : النراقي ، المولى أحمد بن محمد مهدي ( 1185 أو 1186 - 1245ه-) : تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)لإحياء التراث - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1415ه- .
252 - المستطرف : شهاب الدين الأبشهيّ ، أحمد : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة / 1942م.
253- مسند أحمد بن حنبل : ابن حنبل ، أحمد( - 241ه-) : مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1420ه- / 1999م.
254 - مشاهد العترة الطاهرة وأعيان الصحابة والتابعين : كمونة ، عبدالرزاق الحسيني : نشر مطبعة الآداب - النجف الأشرف / 1387ه- .
255 - مشكل الآثار : الطحاوي ، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة ( 239 - 321ه- ) : مؤسسة الرسالة - بيروت 1408ه- / 1987م.
256 - المصائد والمطارد : كشاجم = أبو الفتح ( الفتوح ) الرملي ، محمود ( محمد ) بن الحسين ( الحسن بن السندي بن شاهك( - 350ه- ) : دار المعرفة - بغداد / 1954م .
257 - مطالع البدور : البهائي ، علي .
258 - المعارف : ابن قتيبة الدينوري ، أبو محمد عبد الله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : دار الكتب العلمية ، بيروت / 1407ه- .
259 - معالم العلماء : ابن شهر آشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني ( 488 - 588ه- ) : المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف / 1380ه-.
260 - معاوية أمام محكمة الجزاء : القرشي ، مهدي ؛ دار المحجة البيضاء - بيروت / 1998م.
261 - المعتبر في شرح المختصر : المحقق الحلّي ، أبو القاسم نجم الدین جعفر بن الحسن الهُذَلي( 602 - 676ه-) : مؤسسة سيّد الشهداء (عليه السلام)- قم المقدسة / 1364ه-.
262 - معجم الأدباء : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي البغدادي ( 574 - 626ه- ) : دار المأمون - القاهرة / 2001م .
263- معجم البلدان : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبد الله الرومي البغدادي ( 626ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399ه-.
264- معجم الشعراء : المرزباني ، محمد بن عمران ( 297 - 384ه- ) : المكتبة الإسلامية - القاهرة / 1354ه-.
265- المغني : القاضي عبدالجبار الأسدآبادي : أبو الحسن( - 415ه-) : الدار المصرية - القاهرة .
266- مفاتيح الجنان : الشيخ القمي ، عبّاس بن محمد رضا ( 1254 - 1359ه-) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت - / 1992م .
267 - مفتاح الجنّات : الأمين ، محسن : أبو محمد الباقر محسن السيد عبد الكريم ابن العلامة الفقيه السيّد عليّ بن محمّد الأمين ( 1284 - 1371ه-) :
268- مقاتل الطالبيين : أبو الفرج الأصفهاني ، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد ( - 356ه- ) : مكتبة الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1416ه-.
269 - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين : الأشعري ، علي بن إسماعيل ( - 330ه- ) : القاهرة / 1950م.
270 - مقدمة ابن خلدون : عبدالرحمن بن محمد بن خلدون ( 732 - 8808) : دار إحياء التراث - بيروت / 1995م.
271 - المكاسب المحرمة : الشيخ الأعظم - مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري ( 1214 - 1281ه-) : دار الحكمة - قم المقدسة / 1416ه-.
272 - المكافأة : ابن الداية البغدادي = أحمد بن يوسف بن إبراهيم المصري(- 340ه- ) :
273 - الملل والنحل : الشهرستاني ، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم ( 479 - 548ه-) : مؤسسة الصادق(عليه السلام)- طهران / 1387ه-.
274 - ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام: دوزي .
275 - تفسير المنار= تفسير القرآن العظيم : محمد رشيد بن علي رضا بن محمد ( 1282 - 1354ه-) عن دروس أستاذه الشيخ محمد بن عبدة بن حسن خير الله من آل التركماني ( 1266 - 1323ه-) : تعليق وتصحيح : سمير مصطفى رباب ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الأولى 1423ه- / 2002م ( 12 مجدّداً ) .
276 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني ( 488 - 588ه- ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1412ه- / 1991م.
277 - مناهل الضرب في أنساب العرب : الأعرجي ، جعفر.
278- من تاريخ الإلحاد في الإسلام : د. بدوي ، عبد الرحمن : بيروت / 1405ه-.
279- منتخب التواريخ : ملا هاشم.
280 - منتهى المقال في أحوال الرجال : الحائري ، أبو علي : تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) الطبعة الأولى / 1416ه-
281- منظومة نخبة المقال : الحسيني البروجردي ، حسين : بيروز - قم المقدسة .
282 - من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى 1426ه- / 2005م .
283- منهاج السنة النبوية : ابن تيمية الحراني ، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم الدمشقي ( 661 - 782ه-) : إدارة الثقافة - مكة المكرمة / 1412ه- .
284 - منهاج الكرامة : العلامة الحلّي = أبو منصور الحسن بن يوسف المطهر الأسدي ( 648 - 726ه- ) : تحقيق : عبدالرحيم مبارك ، نشر الهادي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1379ه- . ش.
285 - منهاج المقال في تحقيق أحوال الرجال : الاسترآبادي ، محمد بن علي ( - 1028ه- ) : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم المقدسة / 1422ه- .
286 - مهج الدعوات في منهج العبادات : السيد ابن طاووس ، رضي الدين أبي القاسم عليّ بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر
( 589 - 644ه- ) : دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الأولى / 1416ه-.
287 - ناسخ التواريخ : تقي خان سپهر ، الميرزا محمد : قلم - قم المقدسة ، الطبعه الأولى 2007م .
288 - النبراس : ابن الخطاب .
289 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: الأتابكي ، أبو المحاسن يوسف بن تغری بردي ( 813 - 784ه- ) : وزارة الثقافة والإرشاد القومي - القاهرة / 1972م .
290 - نزهة المجالس ومنتخب النفائس : الصفوري الشافعي ، عبدالرحمان بن عبد السلام ( - 894ه- ) : المعارف - الاسكندرية / 2001م.
291 - نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : الحلواني ، أبو عبدالله الحسين بن محمد ( القرن الخامس الهجري ) : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه)- قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1408ه-.
292 - نساء الخلفاء ابن الساعي : دار المعارف - القاهرة .
293 - النظام التربوي في الإسلام : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ، مهر أمير المؤمنين(عليه السلام)، الطبعة الأولى / 1427ه- .
294 - نفح الطيب : المقري ، أحمد : الأزهرية - مصر ، الطبعة الأولى / 1302ه-.
295 - النفحة العنبرية في أنساب خير البرية : اليماني ، كاظم .
296 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار : الشبلنجي ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمد عليّ ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1418ه- / 1997م.
297 - النور الجلي في نسب النبي : البخشي .
298 - الوافي : الفيض الكاشاني ، الملا محسن بن مرتضى محمد محسن( - 1091ه- ) : تحقيق : ضياء الدين حسين الأصفهاني ، مكتبة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)- اصفهان ، الطبعة الأولى / 1406ه-.
299 - وجيزة : الفاضل المجلسي .
300 - الوزراء والكتاب : الجهشياري ، محمد بن عبدوس : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1938م .
301 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحر العاملي ، محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين ( 1033 - 1104ه- ) : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)- قم المقدسة ، الطبعة الثانية / 1416ه-.
302 - وعاظ السلاطين : الوردي ، علي : بغداد / 1954م .
303 - الولاة والقضاة: الكندي = أبو عمر محمد بن يوسف ، مكتبة الخانجي - القاهرة /1988م.
304 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلكان ، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر( - 681ه- ) : تحقيق : د . إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1406ه- .
305 - هارون الرشيد أمين، أحمد : دار الهلال - القاهرة .
306 - هارون الرشيد : الجومرد.
307 - هارون الرشيد : عمر أبو النصر : المكتبة الأهلية - بيروت، الطبعة الأولى / 1934م .
308 - هشام بن الحكم : نعمة ، عبدالله : 1959م.
تقديم ...7
عَهْدُ الرشيد
107 - 17
سياسته المالية ...24
ميزانيته العامة ...27
الهبات للمغنّين ....30
هباته للشعراء ...35
الإسراف في الموائد...38
الإسراف في الجواري...40
ولعه بالجواهر ...45
إسراف زبيدة ....47
بذخ البرامكة ...49
رسالته لسفيان ...54
جواب سفیان ...55
كلمة ابن خلدون...57
دفاع الجومرد ...58
ولعه بالغناء ...61
شربه للخمر ....66
لعبه بالنرد ...70
موقف الامام(عليه السلام)...73
التنكيل بالعلويين ...75
نفيهم من بغداد ...75
انتقاصهم ...76
مجزرة رهيبة...82
هدم مرقد الإمام الحسين(عليه السلام)...84
إعدام العلويين واغتيالهم ...86
1 - عبد الله بن الحسن ...86
2 - العباس بن محمد ...87
3- إدريس بن عبدالله ...88
4 - يحيى بن عبدالله ...89
صفته ...89
منزلته العلمية ...90
نشأته ....90
اشتراكه في ثورة الحسين ...90
هر به إلى الديلم ...90
خروج الفضل لحربه...92
تفرّق أصحاب يحيى ....92
عقد الصلح ...93
قدومه لبغداد ....93
مع الإمام موسى (عليه السلام)....97
نقض الأمان ...99
شهادته ... 100
5 - محمد بن يحيى ...102
6 - الحسين بن عبدالله ...103
7- إسحاق بن الحسن ...103
عصر الامام(عليه السلام)
221-107
الشعوبية ...111
تعريف الشعوبية ...111
نشأتها ...112
تطوّرها ...113
موقف الإسلام منها ...118
مخاريق أحمد أمين.... 121
الإلحاد والزندقة ...123
منشأ الإلحاد ....125
أنواع الإلحاد ... 125
في العصر الأموي...125
في العصر العباسي ....127
المانوية ...127
المزدكية ...130
الزرادشتية ...131
دعاة الإلحاد....133
اضطهاد الملحدين....135
الإسراف في الاتهام ...137
احتجاجات الأئمة(عليهم السلام) معهم...140
احتجاجات الإمام الصادق (عليه السلام)....142
الإمام موسى(عليه السلام)...146
1 - إبطاله لحركة الله تعالى....146
2 - نفي الجسم عن الله تعالى...149
3 - معنى الله ...150
4 - علمه تعالى ...151
5- إرادة الله تعالى..152.
6 - مشيئة الله تعالى...152
7- الإرادة التكوينية والتشريعية ...153
تسيّب الأخلاق .....155
بؤس وشقاء ...160
سياسة الحكم العباسي ....162
الفرق الإسلامية ....166
معنى الشيعة ....168
نشأتها ...169
اطارها العقائدي...177
الولاء لأهل البيت(عليهم السلام)...177
الثورة على الظلم ....178
جرأة وإقدام ....181
التنكيل بالشيعة....184
الصمود الرائع ....188
1 - الدعاية السرية ....188
2 - تشكيل الخلايا ...189
3 - المناظرات ...190
4 - الكتابة على الجدران...191
5 - الالتجاء إلى التقية ....193
فِرق الشيعة ....195
1 - الكيسانية ....196
2 - الزيدية ....197
3 - الإمامية ....199
4 - الفطحية ....202
5 - السمطية ....203
6 - الخطابية ....203
7 - الناووسية ....204
8 - الإسماعيلية ....204
9 - الواقفية ....206
سبب الوقف ....206
انتشاره ....207
شجب الأئمة(عليه السلام) لهم ...208
10 - القرامطة ...210
مشكلة الغلاة ....211
مشكلة خلق القرآن...213
نكبة البرامكة ....215
1 - خيانة جعفر للعبّاسة ....215
2 - الاتهام بالتشيع ....217
3 - سعة نفوذهم ....218
إعدام جعفر ...219
أصْحَابُهُ ورُواة حديثة (عليه السلام)
223- 368
حرف الألف ...227
1 - أبان بن عثمان ...227
2 - إبراهيم بن أبي بكر....228
3 - إبراهيم بن أبي البلاد ...228
4 - ابراهيم بن شعيب ....228
5 - إبراهيم بن عبد الحميد....228
6 - إبراهيم بن محمد ....229
7- إبراهيم بن محمد الأشعري ...229
8- إبراهيم بن نصر ...229
9- إبراهيم بن نعيم...229
10 - إبراهيم بن يوسف...229
11 - أحمد بن أبي بشر ....230
12 - أحمد بن الحارث ...230
13 - أحمد بن الحسن....230
14 - أحمد بن زياد ....230
15 - أحمد بن عمرو ....230
16 - أحمد بن الفضل ...231
17 - أحمد بن محمد ...231
18 - أحمد بن محمد ....231
19 - أحمد بن مخلّد النخّاس ....231
20 - أحمد بن يزيد ....231
21 - أسامة بن حفص ....232
22 - أسباط بن سالم ...232
23 - إسحاق بن جرير ...232
24 - إسحاق بن عبدالله...232
25 - إسحاق بن عمّار ...232
26 - إسحاق بن عمار ....233
27 - إسحاق بن محمد ...233
28 - إسماعيل بن أبي سمّال....233
29 - إسماعيل بن الحسن ....234
30 - إسماعيل بن عبد الخالق....234
31 - إسماعيل بن محمد المنقري....234
32 - أمية بن عمرو ....234
33 - أيمن بن محرز .....234
34 - أيوب بن أعين ....235
35 - أيوب بن الحرّ ....235
حرف الباء ....235
36 - بشير الدهّان...235
37 - بكر بن الأشعث...235
38 - بكر بن صالح ....236
39 - بكر بن محمد ...236
40 - بكر بن محمد ...236
حرف الثاء ...236
41 - ثعلبة بن ميمون....236
حرف الجيم ....237
42 - جعفر بن حيان...237
43 - جعفر بن خلف ....237
44 - جعفر بن سليمان ....238
45 - جعفر بن سماعة ....238
46 - جعفر بن محمّد ....238
47 - جميل بن درّاج ....238
48 - جميل بن صالح ...239
49 - جندب بن أيوب ...239
50 - جهم بن أبي جهم ...239
حرف الحاء .....239
51 - حبيب بن المعلّل....239
52 - حديد بن حكيم .....239
53 - حذيفة بن منصور ....240
54 - حسان بن مهران ...240
55 - الحسن بن أبي العرندس....240
56 - الحسن بن أيوب ....240
57 - الحسن بن بشير ....241
58 - الحسن بن الجهم ....241
59 - الحسن بن راشد ....241
60 - الحسن بن صدقة ...241
61 - الحسن بن عبدالله ....241
62 - الحسن بن علي ...242
63 - الحسن بن عليّ ....242
64 - الحسن بن عمر ...242
65 - الحسن بن محبوب...242
66 - الحسن بن محمد ...243
67 - الحسين بن إبراهيم ....243
68 - حسين بن بشّار ....243
69 - الحسين بن الجهم....244
70 - الحسين بن خالد ....244
71 - الحسين بن راشد ...244
72 - الحسين بن زيد ...244
73 - الحسين بن صدقة...245
74 - الحسين بن عثمان ....245
75 - الحسين بن القاسم ...245
76 - الحسين بن قياما ...245
77 - الحسين بن كيسان....245
78 - الحسين بن محمد ...245
79 - الحسين بن المختار ....246
80 - الحسين بن موسى ...246
81 - الحسين بن مهران ...246
82 - الحصين بن مخارق ...246
83- حفص بن البختري ...247
84 - حفص بن سليمان ...247
85 - حفص بن سوقة ...247
86 - حفص بن غياث ...247
87 - الحكم بن أيمين ...247
88- حمّاد بن عثمان ...248
89 - حمّاد بن عثمان ...248
90 - حماد بن عيسى ....248
91 - حمدان بن المعافى...248
92 - حمزة بن اليسع ....249
93 - حميد بن المثنى...249
94 - حنان بن سدير ...249
حرف الخاء ....249
95 - خالد بن زیاد...249
96 - خالد بن سعيد ....249
97 - خالد بن مادّ ...250
98 - خالد بن نجيح ....250
99 - خالد بن يزيد ....250
100 - خزيمة بن يقطين ...250
101 - خلف بن حماد ...251
102 - خلف بن حماد ...251
103 - خلف بن خلف ...251
104 - خلف بن سلمة ...251
حرف الدال ...251
105 – داود بن الحصين...251
106 - داود بن أبي يزيد ...252
107 - داود بن زربي ....252
108 - داود بن سرحان ....252
109 - داود بن سليمان ....252
110 - داود بن عليّ ...253
111 - داود بن فرقد ...253
112 - داود بن كثير ....253
113 - داود بن النعمان ...254
114 - درست بن أبي منصور....254
حرف الذال .....254
115 - ذريح بن محمد ...254
حرف الراء ....254
116 - ربعي بن عبدالله ...254
117 - رفاعة بن موسى ....255
118 - رومي بن زرارة ...255
119 - رهم الأنصاري ...255
حرف الزاي ....256
120 - زرعة بن محمد ...256
121 - زكريا بن إدريس ...256
122 - زكريا بن عبدالصمد...256
123 - زكريا بن عبدالله ...256
124 - زكريا بن عمران ...256
125 - زكريا بن محمد ...257
126 - زياد بن أبي سلمة ...257
127 - زياد بن الحسن...258
128 - زياد بن سلمان ...258
129 - زياد بن مروان ....258
130 - زياد بن الهيثم ...258
131 - زيد بن موسى ...258
132 - زيد بن يونس ...259
133 - زيد النَّرْسي ...259
حرف السين ....259
134 - سالم بن مكرم ...259
135 - سعدان بن مسلم ...259
136 - سعد بن أبي خلف خلف ...260
137 - سعد بن أبي عمران...260
138 - سعد بن أبي خلف ...260
139 - سعد بن سعيد ...260
140 - سعد بن عمران ...260
141 - سعيد بن أبي الجهم...261
142 - سعيد بن جناح ...261
143 - سعيد بن يسار ...261
144 - سلمة بن حنان ...261
145 - سلمة بن محمد ....262
146 - سليم( مولى علي بن يقطين ) ...262
147 - سليم الفرّاء ...262
148 - سليمان بن أبي زيد...262
149 - سليمان بن أبي زينبة ...262
150 - سليمان بن خالد ...262
151 - سليمان بن ربعي ....263
152 - سليمان المؤمن ....263
153 - سماعة بن مهران ...263
154 - سنان بن طريف ....263
155 - سندي بن الربيع ...263
156 - سهل بن اليسع ....263
157 - سيّابة بن ناجية ....264
158 - سيف بن عميرة ....264
حرف الشين ....264
159 - شعيب بن يعقوب ...264
حرف الصاد ....265
160 - صالح بن خالد....265
161 - صالح بن سعيد ....265
162 - صباح بن موسى ....265
163 - صفوان بن مهران ....265
164 - صفوان بن يحيى ....267
165 - صندل بن محمد ...268
حرف الضاد ....268
166 - الضحاك الحضرمي...268
حرف العين ....268
167 - عاصم بن الحسن ...268
168 - عبّاس بن عامر ....268
169 - عبد الحميد بن سالم ....268
170 - عبد الحميد بن سعيد ....269
171 - عبد الحميد بن عواض ....269
172 - عبد الرحمن بن الحجاج ....269
173 - عبدالرحمن بن يحيى ....269
174 - عبد الكريم بن عتبة ....269
175 - عبد الكريم بن عمرو ....270
176 - عبد الله بن جبلة ....270
177 - عبدالله بن جندب ....270
178 - عبد الله بن الحارث ....272
179 - عبدالله بن حمّاد ....272
180 - عبدالله بن خداش ....272
181 - عبد الله بن سنان ....272
182 - عبدالله بن صالح ....273
183 - عبد الله بن عثمان ....273
184 - عبد الله بن غالب ...273
185 - عبد الله بن القاسم ....273
186 - عبد الله بن محمد ....274
187 - عبدالله بن محمد ....274
188 - عبد الله بن المرحوم ....274
189 - عبد الله بن مسكان ...274
190 - عبد الله بن المغيرة ...275
191 - عبد الله بن يحيى 275
192 - عبد الله القصير ....276
193 - عبدالله النخاس ....276
194 - عبدالملك بن حكيم...276
195 - عبدالملك بن عُتْبَة ....276
196 - عثمان بن عيسى ....277
197 - عليّ بن أبي حمزة ....277
198 - علي بن جعفر ....279
199 - علي بن حديد ....280
200 - علي بن الحسن ....280
201 - علي بن حمزة ....281
202 - علي بن الخطاب ....281
203 - علي بن رئاب ....281
204 - علي بن سعيد ....281
205 - علي بن سويد ....281
206 - علي بن سويد ...282
207 - علي بن عبدالحميد...282
208 - علي بن عبيدالله ....282
209 - علي بن عطية ...282
210 - عليّ بن عيسى ....283
211 - علي بن ميمون ....283
212 - علي بن يقطين ....283
213 - علي بن يقطين ....283
214 - عمّار بن موسى ....290
215 - عمر بن رباح ...290
216 - عمر بن محمد ....291
217 - عمرو بن منهال ....291
218 - عيسى بن داود ....292
219 - عيسى بن عبدالله ....292
220 - عيص بن القاسم ....293
حرف الغين ....293
221 - غالب بن عثمان....293
222 - غياث بن إبراهيم ....293
حرف الفاء ....293
223 - فائد الحناط ...293
224 - فضالة بن أيوب....293
225 - الفضل بن سليمان....294
226 - الفضل بن يونس ....294
227 - الفيض بن المختار ....295
حرف القاف ....295
228 - القاسم بن محمد....295
229 - قيس بن موسى ....295
حرف الكاف ....296
230 - كردويه الهمداني....296
حرف اللام ....296
231 - ليث بن البختري296
حرف الميم ....297
232 - محمد بن إبراهيم ....297
233 - محمد بن أبي عمير ....297
234 - محمد بن إسحاق ....299
235 - محمد بن إسماعيل ...300
236 - محمد بن بشير ....301
237 - محمد بن بكر ....303
238 - محمد بن ثابت ....303
239 - محمد بن جعفر ....304
240 - محمد بن الحارث....304
241 - محمد بن حكيم ....304
242 - محمد بن خالد ....304
243 - محمد بن زرقان ....305
244 - محمد بن سليمان ....305
245 - محمد بن سنان ....305
246 - محمد بن الصباح ....307
247 - محمد بن صدقة...308
248 - محمد بن عبدالله ...308
249 - محمد بن عذافر ....308
250 - محمد بن عليّ ....308
251 - محمد بن علي ....308
252 - محمد بن عمرو ....316
253- محمد بن عمر ....316
254 - محمد بن الفرج ...316
255 - محمّد بن فُضَيْل ...316
256 - محمد بن مسعود ...317
257 - محمد بن يزيد ....317
258 - محمد بن يونس ....317
259 - مُرازِم بن حكيم ....317
260 - سعدة بن صدقة ....317
261 - مِسْمَع بن عبدالملك....318
262 - مصادف ...318
263 - معاوية بن عمّار...318
264 - معاوية بن وَهْب ....319
265 - معتب ...319
266 - المغيرة بن توبة....319
267 - المفضل بن صالح....319
268 - المفضل بن عمر ....319
269 - مُنَظَّل بن جميل ....325
270 - منصور بن أبي بصير...326
271 - منصور بن حازم ....326
272 - منصور بن يونس ....326
273 - موسى بن إبراهيم ...327
274 - موسى بن بكر ....329
275 - موسى بن الحسن ....330
276 - موسى بن سعدان ....330
277 - مهران بن أبي بصير ....330
حرف النون ....330
278 - نجية بن الحارث ....330
279 - نشيط بن صالح ....331
280 - نصر بن قابوس ....331
281 - النضر بن سويد ...332
282 - نعيم القابوسي ....332
حرف الواو .... 332
283 - الوليد بن سعيد ...332
284 - الوليد بن هشام ....332
285 - وهيب بن حفص ...332
حرف الهاء ....333
286 - هشام بن إبراهيم ...333
287 - هشام بن أحمر ...333
288 - هشام بن الحكم ....333
289 - هشام بن سالم ...352
290 - هند بن الحجاج ....353
291 - الهيثم بن عبدالله ....353
حرف الياء ....353
292 - ياسين الضرير....353
293 - يحيى بن الحسين ....354
294 - يحيى بن عبدالرحمن....355
295 - يحيى بن عبدالله ...356
296 - يحيى بن عمران ...356
297 - يحيى بن الفضل ....356
298 - يحيى بن القاسم ....356
299 - يحيى الأزرق ....357
300 - يزيد بن خليفة ....357
301 - يزيد بن سليط ...358
302 - يعقوب بن جعفر ....358
303 - يعقوب بن الفضل ...358
304 - يوسف بن يعقوب ....359
305 - يونس بن عبدالرحمن .... 359
306 - يونس بن يعقوب ....362
307 - أبو جبل ...365
308 - أبو جعدة ....365
309 - أبو خالد ....366
310 - أبو خالد ....366
311 - أبو زكريا ....366
312 - أبو سعيد ....366
313 - أبو سلمة ....366
314 - أبو شعيب ....367
315 - أبو عامر....367
316 - أبو العلاء ....367
317 - أبو المحتمل....367
318 - أبو مصعب ....367
319 - أبو يحيى ...367
320 - أبو يحيى ....368
ابناء الإمام (عليه السلام)
371 - 436
1 - الإمام الرضا(عليه السلام)....375
ولادته(عليه السلام)....375
نشأته(عليه السلام)....376
معالي أخلاقه (عليه السلام)...376
علمه (عليه السلام)...377
رواة حديثه (عليه السلام)...378
بعض حكمه وآرائه (عليه السلام)...379
إمامته (عليه السلام)...381
ولاية العهد ...382
حقد المأمون على الإمام(عليه السلام)...387
اغتيال الإمام (عليه السلام)...389
2 - إبراهيم الأكبر ...391
1 - مع الواقفية ...393
2 - مع الإمام الرضا(عليه السلام)...394
3 - مع أبي السرايا ...394
انضمام أبي السرايا إلى الثورة ...396
إعلان الثورة ...397
وفاة محمد ...399
وفاته ...404
3 - إبراهيم الأصغر ...405
4 - أحمد ...406
مكانته عند أبيه....407
تقواه وعبادته ...407
علمه ...408
مع أبي السرايا ...408
وفاته ...409
5 - إسحاق ... 411
6 - إسماعيل ...412
7 - جعفر ....413
8- الحسن ...414
9 - الحسين ....414
10 - حمزة ....416
11 - زید ....416
1 - مع أبي السرايا ...417
2- مع الإمام الرضا(عليه السلام)....419
3 - وفاته...421
12 - العبّاس ....421
13 - عبد الله .....424
14 - عبيد الله ...426
15 - القاسم...426
حب الإمام(عليه السلام) له...426
هربه من السلطة ....427
وفاته ...428
مرقده ...428
استحباب زيارته ...429
16 - محمد ....430
17 - هارون ...432
18 - عون ...433
19 - إدريس ...433
20 - شمس ...433
21 - شرف الدین...434
22 - صالح ...434
اسباب سجنۀ(عليه السلام)
4372 - 456
1 - سمو شخصية الإمام(عليه السلام)...439
2- حقد هارون ....445
3- حرصه على الملك ...446
4 - بغضه للعلويّين ...446
5 - الوشاية به ...447
6 - احتجاج الإمام(عليه السلام)...452
7- تعيينه(عليه السلام) لفدك .... 453
8- صلابة موقف الإمام(عليه السلام)...454
فی ظلمات السُّجون
457 - 478
1 - القبض على الإمام(عليه السلام)...460
2 - فزع المسلمين ....461
3- اعتقاله(عليه السلام) في البصرة...462
تفرّغه(عليه السلام) للعبادة ... 462
اتصال العلماء به (عليه السلام)....463
الايعاز لعيسى باغتياله ...463
استعفاؤه عن ذلك ....463
4 - حمله(عليه السلام) إلى بغداد...464
اعتقاله(عليه السلام) عند الفضل .....465
انشغاله (عليه السلام) في العبادة ....465
إشراف هارون عليه(عليه السلام)...467
سأم الإمام(عليه السلام)...468
دعاؤه (عليه السلام)....468
إطلاق سراحه (عليه السلام)...469
5 - عزم هارون على قتله (عليه السلام)...473
6 - اعتقاله الا عند الفضل ...476
الترفيه عليه (عليه السلام)...476
الايعاز باغتياله (عليه السلام)...476
التنكيل بالفضل .....477
إلى جنة الماوى
525-479
1 - محل سجنه (عليه السلام)....482
2 - التضييق عليه (عليه السلام)...483
3 - تفرّغه (عليه السلام) للعبادة ...485
4 - اتصال العلماء به (عليه السلام)...486
5 - إرسال الفتاوى إليه (عليه السلام)...487
6 - نصب الوكلاء ...488
7- تعيينه(عليه السلام) لولي عهده...488
8- وصيّته (عليه السلام)...489
9 - أوقافه وصدقاته(عليه السلام)....489
10 - ترفعه(عليه السلام) عن المطالبة بإطلاقه ...495
11 - كتابه(عليه السلام) لهارون ....495
12 - إرسال جارية للإمام(عليه السلام)....496
13 - فشل اغتياله(عليه السلام)....498
14 - توسط يحيى في إطلاقه(عليه السلام)...499
15 - الإمام(عليه السلام) ينعى نفسه ....500
16 - اغتياله (عليه السلام)...504
17 - الأقوال في سمّه(عليه السلام)...504
18 - كيفيّة سمّه (عليه السلام)....506
19 - اضطراب السندي ...507
20 - مع المسيب بن زهير...508
21 - إلى الرفيق الأعلى ...510
22 - زمن شهادته(عليه السلام) ....512
23 - محل شهادته(عليه السلام)...513
24 - تحقيق الشرطة في الحادث ...513
25 - وضعه(عليه السلام)على الجسر ....516
26 - النداء الفظيع...517
27 - أسبابه ...517
28 - بقاؤه (عليه السلام) ثلاثة أيام ...518
29 - قيام سليمان بتجهيزه ...519
30 - تجهيز الإمام(عليه السلام) ....521
31 - مواكب التشييع...522
32 - في مقره(عليه السلام) الأخير...524
مصادر الكتاب...527
محتويات الكتاب...557