التقیة فی فقه أهل البیت علیهم السلام جلد 3

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

التقية في فقه أهل البيت (علیهم السلام)

تقريراً لبحث سماحة آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري (دام ظلّه)

الجزء الثالث

محمّد علي المعلّم

اشارة

التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام ج3

تقريراً لبحث... سماحة آية الله الشيخ مسلم الداوري (دام ظله)

المؤلف : ..... محمد علي صالح المعلم

الاخراج الفني:.... السید فاخر البطاط

الناشر:..... الؤلف

المطبعة: .... العلمیة

الطبعة: .... الأولی

عدد المطبوع:.... 1000 نسخة

الشابك : 9-3-90950-964 (دوره 3 جلدی)

ISBN 964-90950-3-9

محرر رقمي:میثم حیدري

بسم الله الرحمن الرحیم

الصورة

5-2

المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد ...

فهذا الكتاب ـ عزيزي القارىء ـ هو الجزء الثالث والأخير من سلسلة البحوث الفقهية حول التقية في فقه أهل البيت (علیهم السلام) ، والتي كان يتفضّل بها سماحة الأستاذ آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري دام ظلّه في بحثه اليومي في الحوزة العلمية في عشّ آل محمد (علیهم السلام) .

ويضمّ الكتاب بين دفّتيه بقية المباحث الفقهية التي اشتملت على أحكام التقية، وهي: النكاح، والطلاق، والمكاسب، والصيد، والذباحة، والفرائض، وما يلحق بها من مباحث كما يضمّ خاتمة تشتمل على ذكر بقيّة مستثنيات التقيّة.

وبذلك يتمّ الكتاب ويكمل نظامه بأجزائه الثلاثة في سبق علمي متميّز، عالج هذه المسألة من جميع جوانبها، فإنه أول كتاب يتناول هذا الموضوع بهذا النحو من الدراسة والتحليل في جميع أبواب الفقه، إذ أنّ الدراسات الفقهية العليا وإن بحثت المسألة إلاّ أنها لم تكن بهذه الصورة من الاستيعاب والحصر والتنظيم، وكانت أغلب الدراسات التي تناولت التقية قد جاءت في بحوث استطرادية

اقتضتها المناسبة.

هذا، ومما تجدر الإشارة إليه أنّ هذا الجزء قد تميّز بالتوسع في عرض أدلةالعامة ومناقشتها على ضوء المباني الفقهية والرجالية المعتمدة لديهم، والموثقة بمصادرهم الكثيرة، مضافاً إلى مقارنتها بالمباني العلمية الدقيقة التي يعتمدها فقهاء شيعة آل محمد (صلي الله علیه وآله)، وكانت حصيلة ذلك نتائج مهمة تعين الباحثين في الفقه المقارن، وتكون رافداً لهم في دراساتهم المختلفة.

فقد تناول الكتاب مسألة المتعة أو النكاح المنقطع واستعرض فيها الجانبين التاريخي والاجتماعي عدا الجانبين الفقهي والروائي ورصد جميع أدلّتها ووضع النقاط فيها على الحروف.

ومثلها موضوع الطلاق بمسائله الخلافيّة المتعددة، وما يرتبط بها من فروع فقهيّة مهمّة.

وهكذا تناول الكتاب موضوع الغناء وبيان حدوده وموارده والأحكام المتعلّقة به.

وبحث الكتاب مسألة سوق المسلمين بحثاً تفصيلياً دقيقاً واضعاً في الاعتبار أنّ المسألة من أكثر المسائل ابتلاءً وغموضاً في زماننا.

واحتلّ موضوع الإرث ـ ولا سيما مسألتا التعصيب والعول ـ نصيباً كبيراً من الكتاب مستعرضاً الأدلة ومناقشتها على ضوء الكتاب والسنّة والعقل، إلى غير ذلك من المسائل المهمّة التي تناولها الكتاب وسيقف عليها القارىء العزيز.

وقد كانت الخطّة الموضوعة للكتاب تقضي بتقديم مبحث التقية في المكاسب كما هو المتعارف في ترتيب أبواب الفقه، وكما أشرنا إلى ذلك في آخر الجزء الثاني، إلاّ أنّ سماحة الشيخ الأستاذ دام ظلّه رأى تقديم مبحثي التقية في النكاح والطلاق نظراً لأهمّيتهما وأهميّة المسائل المتعلّقة بهما.

وقد قدّمنا دراسة مختصرة شاملة حول النكاح وأهمّيته في المجالين التكويني والاجتماعي والإلماح إلى نظرة الشريعة المقدسة في موضوع الزواج ومعالجة قضاياه بأبعاده المختلفة وسيادته على سائر الأنظمة الأخرى، بالإضافة إلى بيان انّ النكاح لا ينحصر بالإنسان أو الحيوان بل يشمل جميع ما في عالم الإمكان، ومن ثمّ البحث حول كيفيّة بدء النسل والتكاثر في البشر على ضوء الأدلّة الواردة.

وأرجو أنّي وفقت في عرض نظرات سماحة الشيخ الأستاذ وبيان مراده، وأسأل الله تعالى أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، مرعيّاً بنظر ولي الأمر وحجّة الزمان أرواحنا فداه.

كما وأبتهل إليه تعالى أن يمدّ في عمر شيخنا الأستاذ في خير وعافية.

وأن ينفع بعلومه طلاّب العلم والمعرفة في الحوزات العلمية المباركة، وأن يوفّقنا جميعاً لمراضيه، إنّه وليّ التوفيق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

محمد علي المعلم

قم المقدّسة وعش آل محمد (علیهم السلام)

الجمعة 14 / 1 / 1420 هـ

الفصل العاشر: 8 ـ التقية في النكاح

اشارة

•

النكاح حاجة روحية وجسدية

•

أهمية النكاح في المجالين التكويني والاجتماعي

•

معالجة الإسلام لجميع قضايا النكاح بأبعاده المختلفة، وعجز الأنظمة الأخرى

•

التناكح بين جميع الممكنات، وعدم اختصاصه بالإنسان والحيوان والنبات

•

كيف حدث انتشار النسل البشري؟ نقد وتحليل

•

تقسيم البحث إلى مقامات خمسة وحكم كلّ منها

•

جواز نكاح الكتابيّة وعدمه على ضوء الأدلّة

•

التحقيق حول زواج الخليفة الثاني من ابنة أمير المؤمنين (علیه السلام)

•

ثبوت حلية نكاح المتعة بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار

•

بقاء

حلّية المتعة ومشروعيتها وأهمّيتها في نظر أهل البيت (علیهم السلام) والتأكيد عليها

•

تزييف دعوى نسخ حلّية المتعة واستعراض أدلّة التحريم وتقييمها

•

الخليفة الثاني هو أول من نهى عن المتعة واعتراض الصحابة عليه

•

عبد الله بن الزبير مولود من نكاح المتعة

•

المتعة درع واقية لصيانة المجتمع عن الانحراف، وإفتاء بعض علماء السنّة بحلّيتها

•

أحكام التقية المتعلّقة بالنكاح

•

خاتمة المطاف

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين. واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

المدخل

اشارة

إنّ الحديث عن الزواج واقتران الذكر بالأنثى من أهم الأحاديث إلى القلوب وأحبّها إلى النفوس، ذلك لأنّ الزواج يشكّل الحاجة الجسدية والروحية بالنسبة إلى الإنسان، أوجدها الخالق الحكيم فيه لحفظ النوع وعمران الأرض، وإدراك حكم ومصالح أرادها الله تعالى من ذلك.

وقد أولته الشريعة المقدّسة عناية خاصّة، فأكّدت عليه نصوص الكتاب العزيز وروايات أهل بيت العصمة والطهارة، واعتبرته أمراً يحبّه الله ورسوله، ورغّبت في الإقدام عليه، وسعت إلى تيسير أمره وتسهيله، وجعلته أحد الأسباب المهمّة في صيانة الإنسان ـ الرجل والمرأة ـ عن الانحراف، ولم تأل جهداً في الترغيب فيه، بل عدّت الإعراض عنه نوعاً من الشذوذ وخروجاً عن السنن الطبيعية الفطرية التي فطر الله الناس عليها.

على أنّ الزواج لا ينحصر في الإنسان والحيوان والنبات، بل يتعدّاه إلى سائر الممكنات حتى الجمادات وغيرها، على ما سيأتي بيانه.

ونظراً لما ينطوي عليه هذا الموضوع من أسرار تسترعي الالتفات، وتثير

التساؤلات، وهي أمور تتجلّى فيها عظمة الخالق وحكمته، رأينا أنّ منالمناسب أن نستجلي ـ في هذا المدخل ـ بعض تلكم الأسرار، وأن نجيب عن بعض تلكم التساؤلات بما يتناسب مع ما نحن بصدده من البحث الفقهي حول جانب من جوانب هذا الموضوع، وهو التقية في النكاح، وسيقع البحث في أمور خمسة:

الأول: أهمية الزواج من الناحية التكوينية:

إنّ حدث التوالد والتناسل وإيجاد المثل الذي هو ركن العالم وأساسه في البقاء والدوام لهو من أعظم الأحداث وأهمّها بعد خلق الإنسان.

وذلك لأنّ نظام التكوين إنما يتمّ باستمرار بقاء النوع الإنساني في هذا العالم على نحو يطابق مقتضى حكمة الخالق الحكيم، فإنّه تعالى بعد أن أوجد الإنسان الأول ـ آدم (علیه السلام) ـ وأحسن خلقه بدأ بخلق حواء وأنشأها لتكون زوجاً وسكناً له، وجعل بينهما الألفة والمودة، وفي ذلك تمهيد وإعداد لبدء التناسل والتكاثر، فقال عزوجل: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»(1).

وقال عزّ شأنه: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا»(2). وقال تبارك وتعالى: «الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍوَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ...» (3).

ومن ذلك ندرك أهمية هذا الأمر وخطورته، حتى أنه سبحانه وتعالى جبل الفطرة الإنسانية على الميل إليه والرغبة فيه، وأودع في الطباع البشرية الشوق


1) ـ سورة الروم، الآية: 21 .

2) ـ سورة الأعراف، الآية: 189 .

3) ـ سورة النساء، الآية: 1 .

الأكيد إليه، وكأنّه إحدى الضرورات التي لا يستغني عنها الإنسان في حياته، ولذلك عدّ الإعراض عنه خللاً تكوينيّاً وخروجاً عن الفطرة السليمة.

وإنما أودع في الإنسان كلّ ذلك من أجل حتميّة تحقيقه على نحو مستمر لا توقّف فيه، وإن كان من دون شعور واختيار.

وما القوى الشهوانية والرغبات النفسانية إلاّ معدّات وآلات تمهيديّة غرزت في المخلوقات لتحقيق هذا الغرض.

وللتأكيد على ما أودع في الفطرة البشرية من ميل كلّ من الذكر والأنثى للآخر، يتوسّل كل منهما لإثارة الرغبة وتحريكها نحوه، فقد جبلت كلّ أنثى على إبراز مظاهر الجمال والزينة عندها لإحداث رغبة الرجل فيها واستجلاب مشاعره نحوها، كما أنّ همّ كلّ ذكر هو التحبّب والتودد لامتلاك قلب الأنثى بالأساليب المختلفة.

وذلك أمر قد فطر كلّ منهما عليه، فيمارسه بصورة عفوية طبيعية.

ولعلّ أغلب الناس في غفلة عن السبب والغاية، ولا يلتفت إلى أنّ وراء ذلك حكمة بالغة، فيقصر نظره وشعوره على الظاهر المحسوس، ويحسب أنّ هذا مجرّدلعب، ولهو وعبث، ويتصرّف على خلاف ما تقتضيه الحكمة والغرض الأسنى.

الثاني: أهمية الزواج من الناحية الاجتماعية:

إنّ استقرار الحياة الزوجية بين الرجل والمرأة وقيام نظامها على أسس صحيحة علامة بارزة على استقرار نظام المجتمع، ذلك لأنّ المجتمع يتألف من الأسر التي تعيش حياة مشتركة في بيئة ذات منافع عامة مشتركة، وقوام هذه الأسر إنّما هو بالأفراد، ولاشكّ في أنّ صلاح الأفراد بصلاح الأصل والمنشأ،

فإن كان المنشأ زاكياً عفيفاً كان نتاجه قويماً صالحاً ذا نفع، فإنّ الفروع ـ في الأعم الأغلب ـ تحمل خصائص الأصول، وإنّ لعامل الوراثة دوراً كبيراً في ذلك، وسيكون المجتمع المتألّف من الأصل الطيب صالحاً مستقيماً في جميع شؤونه وأحواله، وأما إذا كان الأمر بالعكس فإنّ النتائج تتبع أخسّ مقدماتها، إذ أنّ اختلال الأسر ناشىء عن اختلال في الأفراد وهو يعود بالمآل إلى الأساس والمنشأ، وفي ذلك فساد النظام الاجتماعي وتلاشيه، إذ يترتب عليه الاعوجاج في السلوك فتتحكّم الأهواء الشخصية، والنوازع الفردية والخروج عن ضوابط العدالة، والتمرد على القانون للانحراف في أصله ومنشأه عن جادة الاستقامة.

وإنّ ما عانته البشرية من ويلات الدمار والخراب وهلاك النفوس وهتك الأعراض، إنما هو نتيجة لتمرّد بعض الأفراد على الضوابط المقرّرة الناشىء عن الانحراف.

وفي التاريخ صفحات حمراء كتبها أبطال الجريمة قديماً وحديثاً بسطور من دماء الأبرياء، وملؤوها بقصص الرعب والدماء والفساد والخديعة والخيانة،ولا يبعد أن يكون السبب في ذلك هو أن بعض أولئك المجرمين قد انحدروا من أصول فاسدة غير زاكية، فهم ثمرات لعلاقات غير مشروعة، وطبيعي أنه إذا انحرف الأصل تبعه الفرع في الانحراف.

وإنّ في ما يحدّثنا به التاريخ عن بعض هؤلاء ممّن كانوا نتائج لتلك العلاقات كزياد بن أبيه(1)وعمرو بن العاص(2)وغيرهما(3)شاهداً على ما نقول،


1) ـ راجع تفاصيل مأساة الاستلحاق: كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب 10 : 216 ـ 227 .

2) ـ راجع تفاصيل أحواله ومصادرها كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب 2 : 120 ـ 176 .

3) ـ ذكر أصحاب المقاتل أنّ عمر بن سعد ـ بعد أن قتل الحسين (علیه السلام) ـ انتدب عشرة فرسان ليوطؤا الخيل صدره وظهره (علیه السلام) ، وهؤلاء العشرة: هم إسحاق بن حويّة، وأخنس بن مرتد (زيد)، وحكيم بن طفيل السنبسي، وعمر بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خيثمة الجعفي، وواحد بن ناعم (واحظ بن غانم) ، وصالح بن وهب الجعفي، وهاني بن شبث الحضرمي، وأسيد بن مالك، لعنهم الله تعالى، فداسوا الحسين (علیه السلام) بحوافر خيلهم حتى رضّوا صدره وظهره ... قال أبو عمر (و) الزاهد (ي): فنظرنا إلى هؤلاء العشرة فوجدناهم كلّهم (جميعاً) أولاد زنا ... لاحظ اللهوف على قتلى الطفوف ص 182 ـ 183 ، ومثير الأحزان المجلس العاشر ص 92 ، ومنتهى الآمال 1 : 711 .

فقد عاثوا في الأرض فساداً، وهتكوا الحرمات وأهلكوا الحرث والنسل، وكانوا سبباً في حرمان البشر من الخير الكثير.

وفي التاريخ المعاصر ذكروا أنّ ادولف هتلر وأضرابه ممّن قادوا العالم بالحديد والنار إلى هاوية الدمار والخراب كانوا ثمرات فجّة لعلاقات غير مشروعة(1).ومن هنا ندرك ضرورة أن يكون هناك نظام دقيق محكم ينظّم علاقة الرجل بالمرأة على أساس تراعى فيه جميع الأبعاد النفسية والأخلاقية وغيرها لإيجاد نسل صالح ينفع البشرية ويكون سبباً في العمران.

ولما كانت النظريات التي تناولت هذه المسألة متعددة ومختلفة، ونظراً لأهميّتها وأهمية آثارها فلابدّ من تسليط الأضواء على الأنظمة الموجودة ونظراتها حول هذه المسألة الخطيرة ومعرفة أيّ منها أحقّ بالاتباع.

الثالث: الزواج بين الإسلام والانظمة الأخرى:

إنّ استقصاء جميع الأنظمة ونظراتها حول مسألة الزواج وبيان قواعده وضوابطه ولوازمه يخرجنا عن الغرض المقصود، ونكتفي بالإشارة الإجمالية


1) ـ لاحظ تاريخ ألمانيا الهتلرية 1 : 30 ، وتاريخ المانيا النازية 1 : 9 ، والرجل الصنم كمال أتاتورك 1: 35 ـ 52 .

إليها، ونحيلك ـ عزيزي القارىء ـ على المصادر التي تناولت هذه المسألة بالدراسة والتحليل(1)، على أن يكون أكثر اهتمامنا بالنظرة الشرعية المتمثلة في الدين الإسلامي، حيث راعت قواعده وضوابطه في هذه المسألة جميع المصالح والحكم التكوينية والتشريعية الفردية منها والاجتماعية، وكان بدّقته وشموليته فوق أن يقارن بسائر القوانين والأنظمة الأخرى في هذه المسألة أو غيرها، وأما النظريات الدينية السماوية ـ غير الإسلام ـ فهي وإن كانت في حدّ ذاتها صحيحةإلاّ أنها لما كانت محدودة قد لوحظ في تشريعها زمن معيّن فلا تصلح لأن تكون منهجاً متبعاً كما لا تصحّ مقارنتها بنظرة الإسلام لعدم وفائها بالأغراض والمصالح.

وبعد هذا نقول: إنّ أهم الأنظمة(2)التي تناولت مسألة الزواج واقتران الذكر بالأنثى ثلاثة: دينية وبشرية وإباحية.

وتسمية الإباحية نظاماً من باب المجاز، وإلاّ فهي في الواقع إشاعة للفوضى وعدم النظام، ولذا لن نعتني بالحديث عنها لكونها انسلاخاً عن الإنسانية وانحداراً إلى حضيض البهيمية، والذي يعنينا هو النظام الديني المتمثل بالإسلام كما أشرنا وسيأتي الحديث عنه.

وأما النظام البشري فقد ذكر بعض المحقّقين أنّ هناك عدة أساليب اتخذها البشر في كيفية اقتران الرجل بالمرأة، وأهمها ثلاثة:

الأول: عن طريق الأسر والاستيلاء، وقد كان هذا الأسلوب هو الطريق الوحيد والمتبع في ابتداء هذا الأمر عند البشر، فعلى أثر النزاعات والحروب بين


1) ـ راجع كتاب الزواج والطلاق في جميع الأديان لعبد الله المراغي، وكتاب الزواج وتطور المجتمع لعادل أحمد سركيس، وكتاب النكاح والقضايا المتعلّقة به لأحمد الحصري، وكتاب الزواج المؤقت للسيد محمد تقي الحكيم، والعدد 169 من سلسلة اقرأ، عادات الزواج وشعائره.

2) ـ الزواج في القرآن والسنة : 51 ـ 59 .

القبائل يستولي الأقوياء على الضعفاء ويأخذون أموالهم ويأسرون نساءهم ويتخذونهنّ أزواجاً لهم، أو يتم ذلك عن طريق اختطاف القويّ امرأة الضعيف أو ابنته وتبقى القبيلة الضعيفة مسلوبة الكرامة محرومة من حقوقها.

الثاني: عن طريق البيع والشراء فتباع المرأة كما تباع سائر السلع والبضائع،وتصبح مملوكة للمشتري، وقد ذكرت المصادر أنّ ظهور هذا الأسلوب كان متبعاً في روما، ويتمّ بحضور أشخاص معينين وحامل الميزان، ومعهم الولي أو القيّم على المرأة ويعطى ثمنها على حسب ما يتقرّر بين البائع والمشتري.

وكانت هذه الطريقة مألوفة عند الشعوب الأوربية قبل المسيحية، ولا تزال آثارها باقية إلى اليوم في جنوب أسبانيا عند الفلاحين، وبعض قبائل سومطرة، والقبائل الصينية، حتى أنّ المرأة قد تباع أكثر من مرة.

الثالث: عن طريق الإجارة، فإنه إذا عجز الرجل عن دفع ثمن المرأة أو مهرها آجر نفسه عند أوليائها للعمل لهم مدة من الزمن، وبذلك تصبح المرأة زوجاً له.

وقد يقال: بأنّ هذا الأسلوب كان متبعاً في زمان موسى (علیه السلام) ، حتى أنه (علیه السلام) تزوّج إحدى ابنتي شعيب (علیه السلام) عن هذا الطريق، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: «قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ ...» (1).

هذا، ولكن من الواضح عدم صلاحية أيّ من هذه الأساليب لاقتران الرجل بالمرأة، فإنّ فيها حطّاً من قدر المرأة وشأنها إلى درجة تصبح فيها المرأة سلعة بل أخس قدراً، مضافاً إلى ما يترتّب على ذلك من هدم أساس الأسرة وعدم إمكان التربية الصحيحة لأولاد صالحين، وفي ذلك فساد المجتمع واختلال نظامه.


1) ـ سورة القصص، الآية: 27 .

واعطف على ما ذكرنا ما كان عليه أهل الجاهلية من قانون الزواج، فإنه وإنكان يتمّ عن تعاقد بين الرجل والمرأة إلاّ أنّ النظرة الجاهلية للمرأة نظرة سقيمة، حيث تعامل المرأة بالعسف والجور، وهي عندهم كالبهيمة أو أحطّ قدراً، فإنها تورث كما يورث المتاع، وتحرم من أبسط حقوقها، وإذا مات زوج المرأة جاء وليّه فألقى عليها ثوبه ليعلم أنها من مختصاته إن شاء نكحها بغير مهر، وإن شاء زوّجها وأخذ مهرها، بل تجاوز جورهم الحدّ فكانوا ينظرون إلى المرأة على أساس أنها مصدر العار والفضيحة «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ» (1).

ومن ذلك كلّه يتبيّن أنّ ما وضعه البشر من أنظمة تتعلّق بمسألة الزواج كلّها فاشلة، ولا تصلح لمعالجة هذه القضية الخطيرة، عدا أنّها تنزل بقدر المرأة إلى مستوى الحضيض.

وأما نظرة الشريعة المقدّسة المتمثّلة في الإسلام فقد أشرنا فيما تقدم إلى أنّ الإسلام قد راعى جميع المصالح والأغراض على ما تقتضيه الحكمة الإلهية، ووضع نظاماً دقيقاً كاملاً، وعالج هذه القضية كغيرها من القضايا الأخرى بل بلغ قمّة الكمال، فأعطى كل ذي حقّ حقه، مضافاً إلى أنه أبطل جميع النظريات الخاطئة والأنظمة الفاسدة التي تناولت هذه المسألة، ووضع الحلول بدقّة وإحكام على أساس من العدالة والإنصاف، مراعياً جميع الجوانب النفسية والفرديّة والاجتماعية، وذلك لأنّ هذا النظام إلهي من الخالق العالم بجميعالأشياء وكنهها، ظاهرها وباطنها ومقادير قابلياتها واستعدادتها، فجاءت الأحكام المتعلّقة بها


1) ـ سورة النحل، الآية: 59 .

على وفق الحكمة والمصالح الواقعية والآداب الأخلاقية.

وإذا كان ذلك يدلّ على شيء فإنّما يدلّ على عظمة المشرّع وحكمته وصلاحية الشريعة وانسجامها مع الفطرة التي فطر الناس عليها. وقد جاء بيان ذلك كلّه في كتابه العزيز، وفي ما أثر عن النبي (صلي الله علیه وآله) وأهل بيته الأطهار (علیهم السلام) من شروح وبيانات، فبيّن تعالى أنه خلق الرجل والمرأة من أصل واحد، وأنّ كلاًّ منهما يكمّل نقص الآخر، وجعل المرأة سكناً ومستقراً يأوي إليه الرجل، وأوجد بينهما الألفة والمودّة ليدوم الترابط بينهما على أساس من احتياج كلّ منهما للآخر، وبيّن ما لكلّ منهما من الحقوق وما عليهما من الواجبات، وفي ذلك بيان لمكانة المرأة وإعزاز لشأنها ومقامها اللائق بها وأنّها أحد الأسس التي يقوم عليها بناء المجتمع، فقال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا»(1)، وقال تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً»(2)، وقال عزّ شأنه: «هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ»(3)إلى غير ذلك من الآيات الشريفة الدالّة على أهميّة الارتباط بين الرجل والمرأة وقدسيته في نظر الإسلام.وأما بيان الحقوق والواجبات فقد ذكرت في آيات أخرى وشرحها أهل البيت(علیهم السلام) في أحاديثهم الكثيرة التي تناولت هذا الموضوع ولا غرو بعد هذا إذا قيل: إنّ ربع الفقه يتعلّق بهذا الأمر، ولا بأس بالإشارة إليها على سبيل الإجمال في ضمن المراحل التالية:

المرحلة الأولى: الاهتمام بأمر الزواج، والترغيب فيه والحثّ عليه، وتأكيده


1) ـ سورة الأعراف، الآية: 189 .

2) ـ سورة الروم، الآية: 21 .

3) ـ سورة البقرة، الآية: 187 .

من نواح شتّى:

منها: من جهة بيان فضله، حيث ورد عن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه قال: «ما بني في الإسلام بناء أحبّ إلى الله تعالى من التزويج» (1)وأنه من سنته (صلي الله علیه وآله) ومن رغب عنه فقد رغب عن سنّته(2)، وأنّ في التزويج إحراز نصف الدين(3)، وأنّ من سرّه أن يلقى الله طاهراً مطهّراً فليلقه بزوجة ...(4).

ومنها: من جهة ذمّ العزوبة وترك الزواج، حيث ورد عنه (صلي الله علیه وآله) أنه قال: رذال موتاكم العزّاب(5)، وشرار موتاكم العزّاب(6)، وأكثر أهلالنار العزّاب(7).

ومنها: من جهة السعي بالشفاعة في إنجاز الزواج بين الرجل والمرأة، حيث ورد عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: من زوّج أعزباً كان ممّن ينظر الله إليه يوم القيامة(8).

وعنه (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): أفضل الشفاعات أن يشفع بين اثنين في نكاح(9).

وعن موسى بن جعفر (علیهما السلام) قال: ثلاثة يستظلّون بظلّ عرش الله يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: رجل زوّج أخاه المسلم ...(10).


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 4 .

2) ـ نفس المصدر باب 2 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 9 .

3) ـ نفس المصدر باب 1 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 11 .

4) ـ نفس المصدر باب 10 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 4 .

5) ـ نفس المصدر باب 2 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 3 .

6) ـ جامع أحاديث الشيعة ج 20 باب 2 بدء التزويج وفضله وحكمه والحث عليه ... الحديث 52 ، ص17 .

7) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 2 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 7 .

8) ـ نفس المصدر باب 12 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 1 .

9) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

10) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

ومنها: من جهة كراهية الانفصال والطلاق، حيث ورد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): تزوّجوا وزوّجوا ... وما من شيء أبغض إلى الله عزّوجلّ من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة يعني الطلاق(1).

المرحلة الثانية: في أوصاف كل من الزوج والزوجة، وقد وردت في هذا المجال روايات كثيرة تؤكّد على اختيار المرأة العفيفة المأمونة الجميلة ذات الدين،وكذا الرجل بأن يكون مرضيّ الدين والخلق، وتضمّنت هذه الروايات ما يجوز نكاحه من الرجال والنساء وما لا يجوز، وما يكون راجحاً وما يكون مرجوحاً من الشرائط والأوصاف في كلّ من الرجل والمرأة.

ومن ذلك ما ورد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): من سعادة المرء الزوجة الصالحة(2).

وعن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير(3).

المرحلة الثالثة: في رضى كلّ من الزوجين بالآخر واقعاً، وما يترتب عليه من الأحكام، فقد روي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: تستأمر البكر وغيرها، ولا تنكح إلاّ بأمرها(4).

المرحلة الرابعة: في بيان حقوق كلّ من الزوجين على الآخر ولزوم رعايتها كالاستمتاع والإنفاق وغيرهما، فقد ورد عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنه قال: «إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحجّت بيت ربّها، وأطاعت زوجها، وعرفت حقّ علي، فلتدخل من أي أبواب الجنة شاءت» (5).


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 10 .

2) ـ نفس المصدر باب 9 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 12 .

3) ـ نفس المصدر باب 28 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 3 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 9 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث 1 .

5) ـ نفس المصدر باب 79 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 4 .

وقد أكدت النصوص على الحقوق المفروضة لكلّ من الزوجين على الآخروربما تبلغ إلى عشرة حقوق أساسية ذكرت تفاصيلها في مواضعها من الفقه.

المرحلة الخامسة: في آداب طلب النسل وبيان حقوق الوالدين على الولد وحقوقه عليهما قبل الولادة وبعدها، فقد ورد عنه (صلي الله علیه وآله): أنكحوا الأكفاء وانكحوا فيهم، واختاروا لنطفكم(1).

وعن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: من سعادة الرجل الولد الصالح(2).

وقال (صلي الله علیه وآله): من عال ثلاث بنات أو ثلاث أخوات وجبت له الجنّة ...(3).

وعن أبي الحسن (علیه السلام) قال: سأل رجل رسول الله (صلي الله علیه وآله) ما حقّ الوالد على ولده؟ قال: لا يسمّيه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس قبله، ولا يستسب به(4).

وهناك حقوق للولد على الوالد مذكورة في محلّها.

المرحلة السادسة: في معالجة ما يقع بين الزوجين من المشاكل والدعاوى كما في حالات الظهار والنشوز واللعان وغيرها وما يترتب عليها من الأحكام، فقد قال تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْيُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا»(5).

وروي عن رسول الله (صلي الله علیه وآله): من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما في القسم من نفسه وماله، جاء يوم القيامة مغلولاً مائلاً شقّه حتى يدخل النار(6).

المرحلة السابعة: في أحكام الانفصال بين الزوجين وكيفية مراعاة الحقوق


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 13 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 3 .

2) ـ نفس المصدر ج 15 باب 2 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 3 .

3) ـ نفس المصدر باب 4 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 3 .

4) ـ نفس المصدر باب 106 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1 .

5) ـ سورة النساء، الآية: 35 .

6) ـ وسائل الشيعة ج 15 باب 4 من أبواب القسم والنشوز والشقاق، الحديث 1 .

بينهما آنئذ، فقد قال الله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ » (1)وقال: «وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً»(2).

المرحلة الثامنة: في بيان أحكام مفارقة أحد الزوجين بالموت وكيفية التوارث بينهما. كما في قوله تعالى: «وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ... وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ...»(3)وغيرها من الآيات حيث حكم الشارع بالتوارث بين الزوجين وفي ذلك إسقاط لأحكام الجاهلية الجائرة التي حرمت المرأة من الميراث وجعلته من مختصات الرجل، بل جعلت المرأة كسائر ما يورث.

وبملاحظة هذه المراحل وما انطوت عليه من دقّة وإحكام ومراعاة كافة الحقوق والآداب بأدق تفاصيلها، لا يبقى مجال للمقايسة بين هذا النظام الإلهيوبين غيره من سائر الأنظمة التي وضعها البشر من خلال تصورات قاصرة تزيد الأمور تعقيداً وغموضاً وتكون منشأ للفساد والإفساد.

الرابع: في عدم اختصاص التناكح بالإنسان والحيوان:

قد أشرنا في مطلع الحديث إلى ذلك، وقلنا بأنّ التناكح لا ينحصر بالإنسان والحيوان، بل هو جار في سائر الممكنات، ويمكن الاستدلال على ذلك:

أولاً: بالكتاب فإنه مضافاً إلى ما ورد في الآيات الكثيرة الدالة على وقوع التزاوج بين الطوائف الثلاث: الإنسان والحيوان والنبات كما في قوله تعالى: «فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى»(4)وقوله تعالى: «قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ»(5)


1) ـ سورة البقرة، الآية: 229 .

2) ـ سورة البقرة، الآية: 231 .

3) ـ سورة النساء، الآية: 12 .

4) ـ سورة القيامة، الآية: 39 .

5) ـ سورة هود، الآية: 40 .

وقوله تعالى: «وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ»(1).

وقوله تعالى: «وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى»(2)وغيرها من الآيات، وردت أيضاً آيات أخرى تدلّ على أنه ثابت في جميع الأشياء.

منها: قوله تعالى: «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(3)،وقوله تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ»(4).

فأشار سبحانه وتعالى إلى أنّ توالد الأشياء وتكاثرها من فاعل وقابل وهما بمثابة الذكر والأنثى من الإنسان والحيوان والنبات. وفي قوله تعالى: «وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ » نصّ في جريان هذا الأمر في غير الثلاثة من سائر الممكنات.

وثانياً: بما قرّره الفلاسفة، وخلاصته: أنّ المتأمّل في ما حواه هذا الكون ليشاهد التمازج بين الممكنات والتفاعل فيما بينها، وما يترتب على ذلك من وقوع التوالد والتكاثر فيها، وقد عبّروا عن الإنسان والحيوان والمعدن بالمواليد الثلاثة، وهي نتيجة تزاوج أو فعل وانفعال حاصل بين العناصر الأربعة ـ الماء والتراب والهواء والنار ـ المعبّر عنها عندهم بالأمهات الأربع، كما هي نظرية قدماء الفلاسفة.

وقرّروا أنّ كل ما سوى الله تعالى ممكن، وكل ممكن زوج تركيبي، فإن لوحظت الممكنات من قوسها النزولي فعالم العقول المجردة ـ بناء على القول به ـ وإن كان لا كثرة فيه، وأنّ كلّ نوع منحصر في فرد، إذ الكثرات إنما تنشأ من المادة ومقارناتها، إلاّ أنه لا يخرج عن دائرة الإمكان، فيكون مركباً من ماهية ووجود، والماهية وإن كانت أمراً اعتبارياً إلاّ أنه من الاعتبار النفس الأمري، وهي عبارة


1) ـ سورة الرعد، الآية: 3 .

2) ـ سورة النجم، الآية: 45 .

3) ـ سورة الذاريات، الآية: 49 .

4) ـ سورة يس، الآية: 36 .

عن حدّ الوجود والدلالة على الإمكان والاحتياج، فهو ثنائي بهذا الاعتبار، وأما وصفه بالوحدة فهو وصف إضافي بالقياس إلى ما يتلوه من عالم النفوس، فإنّها ثوالث في المرتبة من جهة أنّ النفوس وإن كانت مجردة عن المادة ذاتاً إلاّ أنّ لهاماهية ولها تعلّق تدبيري بالأبدان، ويتلوها الروابع وهي الصور النوعية، فإنّ لها بالإضافة إلى ما تقدّم حلولاً وانطباعاً في المادة .

وإن لوحظت الممكنات من قوسها الصعودي فالأمر أوضح.

وأما الوحدة الحقّة الحقيقية فهي من الصفات الذاتية للباري الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.

ومما يؤيد ذلك ما ذهب إليه العرفاء من أنّ دائرة مفهوم النكاح ـ عندهم ـ واسعة جدّاً بحيث تشمل الكليات فضلاً عن الجزئيات، فقد فسّروه بأنه ازدواج شيئين لإنتاج ثالث، أو توجّه نحو الإنتاج أيّاً كان ذلك التوجّه، فالنكاح في عالم العناصر هو الاتصال بين ذكر وأنثى لإنتاج النسل، وقد يصدق على اتحاد عنصرين أيّاً كانا لإنتاج عنصر ثالث، والنكاح في عالم الأرواح هو التوجّه الإلهي نحو الطبيعة وفتح صور العالم فيها، والنكاح في عالم المعاني هو الإنتاج العقلي، أو توليد النتيجة من المقدمات في القياس المنطقي.

وبغض النظر عن صحّة ما قرروه وعدمها ولكن المستفاد أنّ التناكح جار في جميع الممكنات.

وثالثاً: بما قرّره الحكماء أيضاً في مباحث القوة والفعل من أنّ بقاء العالم دليل على التوالد الناتج عن التزاوج بين الأشياء ولولاه لم يبق العالم، إذ من الضروري أنّ كل مادة حادثة لها قوة محدودة وأمد محدود طال أو قصر، ومن المعلوم أنّ المادة في حدّ ذاتها لا فعلية لها، وإنما فعليتها باقترانها بالصورة، وبانتهاء أمدها يزول أثرها وتأثيرها، فإما أن ترتفع فعليتها لتصبح أساساً لفعلية

أخرى، وإما أن تكون في حركة اشتدادية طولية أي مع الاحتفاظ بخصائصالفعلية السابقة.

وبعبارة أخرى: إما أن تكون بطريق اللبس بعد الخلع كما هو مذهب فلاسفة المشّاء، وإما بطريق اللبس بعد اللبس كما هو مذهب الحكمة المتعالية وعلى كلا التقديرين فلابدّ من صورة تقارن المادة وإلاّ لزم من انتهاء أمدها وزوال أثرها وتأثيرها من دون أحد الأمرين فناء العالم وزواله.

ومما يؤكّد ذلك ما قرره علماء الطبيعة من أنّ الذرّة التي هي أصل الأشياء عندهم، تتألف من جزئين متزاوجين.

ومنه يعلم أنّ التزاوج والفعل والانفعال وإيجاد المثل أمور حتمية وضرورية لبقاء العالم بمقتضى قانون السببية الذي أودعه الباري تعالى في كلّ الأشياء.

هذا والعمدة في المقام هو ما ذكرناه أولاً وهو كاف في إثبات المطلوب.

الخامس: في كيفية انتشار النسل البشري بعد آدم وحواء(علیهما السلام):

اشارة

والبحث فيه يقع من جهات:

الجهة الأولى: في الأقوال:

اختلف الخاصّة والعامة في كيفية انتشار النسل، وفي المسألة نظريتان مشهورتان.

فالمشهور عند الخاصة هو أنه بعد أن كبر أولاد آدم وبلغوا مبالغ الرجال أنزل الله سبحانه وتعالى حوريتين من الجنة فتزوج شيث أو هبة الله من واحدة وتزوج يافث من الأخرى، أو أنه تعالى أنزل حورية وجنية فتزوّج شيث أو هابيل من الحورية كما تزوج هبة الله أو قابيل من الجنية، وولد لكلّ منهما ذكر وأنثى،

فلما بلغ هؤلاء الأربعة تزوج ابن العمّ من ابنة عمّه، وهكذا نشأت طبقات النسل، وإليه ذهب بعض العامة كما نسبه الرازي إلى بعض مشايخه(1).

وأما المشهور عند العامة كما ذكره الطبري في تاريخه وتفسيره(2)، وابن الأثير في كامله(3)، والمسعودي في مروجه(4)، والرازي في تفسيره(5)، فهو أنّ آدم (علیه السلام) زوّج كل ابن له من ابنته من بطن آخر، ونشأ النسل عن طريق التناكح بين الأخوة والأخوات، ثم حرّم هذا النكاح بعد ذلك، وإليه ذهب بعض الخاصة كالمقداد السيوري في لوامعه(6)، والعلامة الطباطبائي في ميزانه(7).

وهناك احتمال ثالث تأتي الإشارة إليه.

الجهة الثانية: في الأدلّة:

وقد استند كلّ من الطرفين إلى أدلة تدعم موقفه.

أما قول العامة فقد استدل له بعدة روايات، وهي من طرق العامة والخاصة.

أما الروايات الواردة من طرق العامة فهي:الأولى: ما رواه الطبري في تفسيره، قال: حدثني موسى بن هارون، ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي(صلي الله علیه وآله)، كان لا يولد لآدم مولود إلاّ ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن


1) ـ التفسير الكبير 10 : 26 .

2) ـ تاريخ الطبري 1 : 139 ـ 140 ، وجامع البيان (تفسير الطبري) 5 : 121 ـ 126 .

3) ـ الكامل في التاريخ 1 : 45 .

4) ـ مروج الذهب 1 : 38 .

5) ـ التفسير الكبير 10 : 26 .

6) ـ تنزيه الصفوة : 9 .

7) ـ الميزان في تفسير القرآن 4 : 145 .

جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر...(1).

الثانية: ما رواه الطبري أيضاً قال: حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريح، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجمرة، وهو متقنّع متوكىء على يدي حتى إذا وازينا بمنزل سمرة الصراف وقف يحدّثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها توأمها، وينكحها غيره من أخوتها ... فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء فنكح ابنة عمّه، وذهب نكاح الأخوات(2).

وهاتان الروايتان نقلهما السيوطي في الدر المنثور(3).

الثالثة: ما رواه أيضاً عن ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول، أنّ آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل،وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل ...(4).

الرابعة: ما نقله السيوطي عن ابن إسحاق بن بشر في المبتدأ، وابن عساكر في تاريخه من طريق جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: ولد لآدم أربعون ولداً، عشرون غلاماً وعشرون جارية ...(5).

وأما ما ورد من طرق الخاصة فروايتان:

الأولى: ما رواه الحميري في قرب الإسناد بسنده عن أحمد بن محمد عن البزنطي، قال: وسألته (الرضا (علیه السلام)) عن الناس كيف تناسلوا من آدم (علیه السلام) ؟ فقال: حملت حواء هابيل وأختاً له في بطن، ثم حملت في البطن الثاني قابيل وأختاً له


1) ـ جامع البيان (تفسير الطبري) 5 : 121 .

2) ـ نفس المصدر ص 126 .

3) ـ الدر المنثور 3 : 54 ـ 55 .

4) ـ جامع البيان (تفسير الطبري) 5 : 121 .

5) ـ الدر المنثور 3 : 55 .

في بطن، فتزوّج هابيل التي مع قابيل، وتزوّج قابيل التي مع هابيل، ثم حدث التحريم بعد ذلك(1).

الثانية: ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت علي بن الحسين (علیهما السلام) يحدّث رجلاً من قريش، قال: لما تاب الله على آدم واقع حواء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلاّ في الأرض، وذلك بعدما تاب الله عليه، قال: وكان آدم يعظّم البيت وما حوله من حرمة البيت، وكان إذا أراد أن يغشى حوّاء خرج من الحرم وأخرجها معه، فإذا جاز الحرم غشيها في الحلّ ثميغتسلان إعظاماً منه للحرم، ثم يرجع إلى فناء البيت، قال: فولد لآدم من حواء عشرون ولداً ذكراً وعشرون أنثى، فولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فأول بطن ولدت حواء هابيل ومعه جارية يقال لها إقليما، قال: وولدت في البطن الثاني قابيل ومعه جارية يقال لها لوزا، وكانت لوزا أجمل بنات آدم، قال: فلما أدركوا خاف عليهم آدم الفتنة فدعاهم إليه وقال: أريد أن أنكحك يا هابيل لوزا، وأنكحك يا قابيل إقليما، قال قابيل: ما أرضى بهذا أتنكحني أخت هابيل القبيحة وتنكح هابيل أختي الجميلة؟ قال آدم: فأنا أقرع بينكما فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزا وخرج سهمك يا هابيل على إقليما زوّجت كلّ واحد منكما التي خرج سهمه عليها، قال: فرضيا بذلك فاقترعا، قال: فخرج سهم هابيل على لوزا أخت قابيل، وخرج سهل قابيل على اقليما أخت هابيل، قال: فزوّجهما على ما خرج لهما من عند الله، قال: ثم حرّم الله نكاح الأخوات بعد ذلك. قال: فقال له القرشي: فأولدهما؟ قال: نعم، قال: فقال القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم، قال: فقال علي بن الحسين (علیهما السلام): إنّ المجوس إنما فعلوا ذلك بعد التحريم من الله، ثم قال علي بن الحسين (علیهما السلام): لا تنكر هذا، أليس الله قد خلق زوجة آدم منه، ثم أحلّها له؟


1) ـ قرب الاسناد ـ باب قرب الاسناد عن الرضا (علیه السلام) ـ الحديث 1311 ، ص 366 .

فكان ذلك شريعة من شرائعهم، ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك(1).

وهذه الروايات كلها واضحة الدلالة على ما ذهب إليه مشهور العامة. مضافاً إلى أنها موافقة لظاهر قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً...» (2).

فإنّ الظاهر من البثّ هو التفريق والانتشار، ومفاد الآية الشريفة أنّه من آدم وحواء (علیهما السلام) من دون واسطة كما عليه القول الآخر، وإلاّ لزم التأويل في الآية وتكلّف حملها على غير ظاهرها، إذ الانتشار حينئذ منهما ومن غيرهما.

لا يقال: إنّ المرأة إنما هي وعاء للحمل، ولا دخل لها في تكوّن الولد وخلقته، فوجود الواسطة لا أثر له، وعليه فالأولاد ينتسبون للأب وحده لأنهم منه.

لأنّه يقال: لو كان الأمر كذلك فلماذا نسب البثّ إلى حواء أيضاً؟ حيث ثنّي الضمير في قوله تعالى: «وَبَثَّ مِنْهُمَا» فإنه يعود على آدم وحواء معاً، ونتيجة ذلك أنّ لوعاء الحمل دخلاً في خلق الولد وتكوّنه، وحيث إنّ البثّ منحصر في آدم وحواء كما هو ظاهر الآية فلا واسطة بينهما.

وأما قول الخاصة فقد استدلّ له بعدّة من الروايات:

الأولى: ما رواه الصدوق بسنده عن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّ آدم (علیه السلام) ولد له شيث، وأنّ اسمه هبة الله، وهو أوّل وصي أوصى إليه من الآدميين في الأرض، ثم ولد له بعد شيث يافث، فلما أدركا أراد الله عزوجل أن يبلغ بالنسل ما ترون وأن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرّم الله عزوجل من الأخوات على الأخوة، أنزل بعد العصر في يوم خميس حوراء من الجنة اسمها «نزلة» فأمر الله عزوجل آدم أن يزوّجها من شيث فزوّجها منه،ثم أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنة واسمها «منزلة» فأمر الله عزوجل آدم أن يزوجها من


1) ـ الاحتجاج 2 : 142 ـ 143 .

2) ـ النساء: 1.

يافث فزوّجها منه، فولد لشيث غلام، وولد ليافث جارية، فأمر الله عزوجل آدم حين أدركا أن يزوّج ابنة يافث من ابن شيث ففعل، فولد الصفوة من النبيين والمرسلين، ومعاذ الله أن يكون ذلك على ما قالوا من أمر الأخوة والأخوات(1).

الثانية: ما رواه فيه أيضاً بسنده عن القاسم بن عروة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ الله تبارك وتعالى أنزل على آدم حوراء من الجنة فزوّجها أحد ابنيه، وتزوج الآخر ابنة الجانّ، فما كان في الناس من جمال كثير أو حسن خلق فهو من الحوراء، وما كان فيهم من سوء خلق فهو من ابنة الجانّ(2).

الثالثة: ما رواه الكليني في الصحيح عن خالد بن إسماعيل عن رجل من أصحابنا من أهل الجبل عن أبي جعفر (علیه السلام) ، قال: ذكرت له المجوس وأنهم يقولون نكاح كنكاح ولد آدم، وأنّهم يحاجّونا بذلك، فقال: أما أنتم فلا يحاجّونكم به، لما أدرك هبة الله قال آدم: يا ربّ زوج هبة الله، فأهبط الله عزوجل له حوراء فولدت له أربعة غلمة، ثم رفعها الله، فلما أدرك ولد هبة الله قال: يا ربّ زوج ولد هبة الله، فأوحى الله عزوجل إليه أن يخطب إلى رجل من الجنّ وكان مسلماً أربع بنات له على ولد هبة الله، فزوّجهنّ، فما كان من جمال وحلمفمن قبل الحوراء والنبوّة، وما كان من سفه أو حدّة فمن الجنّ(3).

الرابعة: ما رواه الصدوق بسنده عن زرارة قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) كيف بدء النسل من ذرية آدم (علیه السلام) ؟ فإنّ عندنا أناس يقولون: إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم (علیه السلام) أن يزوج بناته من بنيه، إنّ هذا الخلق كلّه أصله من الأخوة


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 ، باب 3 من أبواب ما يحرم بالنسب، الحديث 1 .

2) ـ جامع أحاديث الشيعة ج 20 ، باب 1 من أبواب ما يحرم بالنسب والرضاع، الحديث 16 ، ص392 ـ 393 .

3) ـ الفروع من الكافي ج 5 كتاب النكاح ـ باب نوادر ـ الحديث 58 ، ص 569 .

والاخوات، قال أبو عبد الله (علیه السلام): سبحان الله وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، يقول من يقول هذا إنّ الله عزوجل جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورسله وحججه والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال، وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر الطاهر الطيب، والله لقد نبئت أنّ بعض البهائم تنكّرت له أخته فلما نزا عليها ونزل كشف له عنها وعلم أنها أخته، أخرج عزمو له ثم قبض عليه بأسنانه ثم قلعه ثمّ خرّ ميتاً(1)الحديث.

الخامسة: ما ورد في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً من تفسير النعماني بسنده عن علي بن أبي طالب (علیهما السلام) في بيان المحكم من القرآن، قال: ومنه قوله عزوجل: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ» فتأويله في تنزيله. ومنه قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ » إلى آخر الآية، فهذا كلّه محكم لم ينسخه شيءقد استغني بتنزيله عن تأويله، وكل ما يجري هذا المجرى(2).

السادسة: ما رواه الصدوق بأسناده عن الأصبغ بن نباتة، قال: لما جلس علي(علیه السلام) في الخلافة وبايعه الناس (إلى أن قال:) سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كيف تؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي؟ قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتاباً وبعث إليهم نبياً، وكان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها، فلما أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيها الملك دنّست علينا ديننا وأهلكته فاخرج نطهّرك ونقم عليك الحدّ، فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي فإن


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 3 من أبواب ما يحرم بالنسب، الحديث 4 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 ، باب 1 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3 .

يكن لي مخرج مما ارتكبت وإلاّ فشأنكم، فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم أنّ الله لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم وأمنا حواء؟ قالوا: صدقت أيها الملك قال: أفليس قد زوّج بنيه من بناته؟ قالوا: صدقت هذا هو الدين، فتعاقدوا على ذلك، فمحا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب، والمنافقون أشدّ حالاً منهم، فقال الأشعث: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت إلى مثلها أبداً(1).ورواه المفيد في الاختصاص(2).

السابعة: ما نقله صاحب المستدرك من كتاب المختصر للشيخ حسن بن سليمان الحلّي تلميذ الشهيد الأول نقلاً من كتاب الشفاء والجلاء بإسناده عن معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن آدم أبي البشر أكان زوّج ابنته من ابنه؟ فقال: معاذ الله، لو فعل ذلك آدم لما رغب عنه رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وما كان آدم إلاّ على دين رسول الله (صلي الله علیه وآله)، فقلت: وهذا الخلق من ولد من هم ولم يكن إلاّ آدم وحواء (علیهما السلام) ؟! لأنّ الله يقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً» فأخبرنا أنّ هذا الخلق من آدم وحواء، فقال (علیه السلام): صدق الله وبلّغت رسله وأنا على ذلك من الشاهدين، فقلت: ففسّر لي يابن رسول الله، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لمّا أهبط آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتاً فسمّاها عناقا، فكانت أول من بغى على وجه الأرض، فسلط عليها ذئباً كالفيل ونسراً كالحمار فقتلاها، ثم ولد له إثر عناق قابيل بن آدم، فلما أدرك قابيل ما يدرك الرجل أظهر الله عزوجل جنّية من


1) ـ جامع أحاديث الشيعة ج 20 ، باب 1 من أبواب ما يحرم بالنسب والرضاع، الحديث 21 ، ص395 ـ 396 .

2) ـ مصنفات الشيخ المفيد ج 12 ـ كتاب الاختصاص ـ ص 235 ـ 237 .

ولد الجان يقال لها جهانة في صورة الإنسية، فلما رآها قابيل ومقها، فأوحى الله إلى آدم أن زوّج جهانة من قابيل فزوجها من قابيل، ثم ولد لآدم هابيل، فلما أدرك هابيل ما يدرك الرجل أهبط الله إلى آدم حوراء واسمها ترك الحوراء، فلما رآها هابيل ومقها، فأوحى الله إلى آدم أن زوّج تركاًمن هابيل ففعل ذلك، فكانت ترك الحوراء زوجة هابيل من آدم(1)الخبر.

الثامنة: ما نقله أيضاً من أصل من أصول قدمائنا عن عمرو بن أبي المقدام، قال: سألت مولاي أبا جعفر (علیه السلام) كيف زوّج آدم ولده؟ قال: أيّ شيء يقول هذا الخلق المنكوس؟ قلت: يقولون: إنه إذا كان ولد آدم ولداً جعل بينهما بطناً بطناً، ثم يزوّج بطنه من البطن الآخر، فقال: كذبوا هذه المجوسية محضاً، أخبرني أبي عن جدّه (صلي الله علیه وآله) قال: لما وهب آدم هابيل وهبة الله بعث إليهما حورائين ناعمة ومدية، وأمره أن يزوج ناعمة من هابيل ومدية من هبة الله فزوّجهما إياهما فتزاوجا، فكانت تزويج بنات العم(2).

التاسعة: ما رواه العياشي في تفسيره بسنده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال لي: ما يقول الناس في تزويج آدم ولده؟ قال: قلت: يقولون: إنّ حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلاماً وجارية فتزوج الغلام الجارية التي من البطن الآخر الثاني، وتزوج الجارية الغلام الذي من البطن الآخر الثاني حتى توالدوا، فقال أبو جعفر (علیه السلام): ليس هذا كذلك، ولكنّه لما ولد آدم هبة الله وكبر سأل الله أن يزوّجه فأنزل الله له حوراء من الجنة فزوجها إياه فولد له أربعة بنين، ثم ولد لآدم ابن آخر فلما كبر أمره فتزوّج إلى الجان فولد له أربع بنات، فتزوج بنو هذا بنات هذا، فما كان من جمال فمن قبل الحوراء، وما كان من حلم فمن


1) ـ مستدرك الوسائل ج 14 ، باب 2 من أبواب ما يحرم بالنسب، الحديث1 ، ص 361 ـ 362 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 5 ، ص 364 .

قبل آدم، وما كان من خفّة فمن قبل الجان، فلماتوالدوا صعدت الحوراء إلى السماء(1).

العاشرة: ما رواه في تفسيره بسنده عنه أيضاً عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ آدم له أربعة ذكور فأهبط الله إليهم أربعة من الحور العين فزوّج كلّ واحد منهم واحدة فتوالدوا، ثم إنّ الله رفعهنّ وزوّج هؤلاء الأربعة أربعة من الجنّ فصار النسل فيهم، فما كان من حلم فمن آدم، وما كان من جمال فمن قبل الحور العين، وما كان من قبح أو سوء خلق فمن الجنّ(2).

الحادية عشرة: ما رواه في تفسيره أيضاً بسنده عن سليمان بن خالد، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): جعلت فداك إنّ الناس يزعمون أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): قد قال الناس ذلك، ولكن يا سليمان أما علمت أنّ رسول الله(صلي الله علیه وآله) قال: لو علمت أنّ آدم زوج ابنته من ابنه لزوّجت زينب من القاسم، وما كنت لأرغب عن دين آدم، فقلت: جعلت فداك إنهم يزعمون أنّ قابيل إنما قتل هابيل لأنهما تغايرا على أختهما، فقال له: يا سليمان تقول هذا؟! أما تستحي أن تروي هذا على نبي الله آدم؟ فقلت: جعلت فداك ففيم قتل قابيل هابيل؟ فقال: في الوصية، ثم قال لي: يا سليمان إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل فغضب فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية، فأمرهما أن يقرّبا قرباناً بوحي من الله إليه ففعلا، فقبل الله قربان هابيل فحسدهقابيل فقتله، فقلت له: جعلت فداك فممّن تناسل ولد آدم؟ هل كانت أنثى غير حواء؟ وهل كان ذكر غير آدم؟ فقال: يا سليمان إنّ الله تبارك وتعالى رزق آدم من حواء قابيل، وكان ذكر ولده من بعده هابيل، فلما


1) ـ تفسير العياشي 1 : 216 .

2) ـ تفسير العياشي 1 : 215 .

أدرك قابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له جنية وأوحى إلى آدم أن يزوجها قابيل ففعل ذلك آدم ورضي بها قابيل وقنع، فلما أدرك هابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له حوراء وأوحى الله إلى آدم أن يزوّجها من هابيل ففعل ذلك، فقتل هابيل والحوراء حامل فولدت حوراء غلاماً فسمّاه آدم هبة الله، فأوحى الله إلى آدم أن ادفع إليه الوصية واسم الله الأعظم، وولدت حواء غلاماً فسماه آدم شيث بن آدم، فلما أدرك ما يدرك الرجال أهبط الله له حوراء وأوحى إلى آدم أن يزوجها من شيث بن آدم ففعل فولدت الحوراء جارية فسماها آدم حورة، فلما أدركت الجارية زوج آدم حورة بنت شيث من هبة الله بن هابيل فنسل آدم منهما، فمات هبة الله بن هابيل فأوحى الله إلى آدم أن ادفع الوصية واسم الله الأعظم وما أظهرتك عليه من علم النبوة وما علمتك من الأسماء إلى شيث بن آدم، فهذا حديثهم يا سليمان(1).

الثانية عشر: ما رواه الصدوق في الأمالي بسنده عن مقاتل بن سليمان عن الصادق (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): ... ثم أوحى الله عزوجل إليه يا آدم أوص إلى شيث، فأوصى آدم إلى شيث وهو هبة الله بن آدم، وأوصى شيث إلى ابنه شبان وهو ابن نزلة الحوراء التي أنزلها الله على آدممن الجنة فزوّجها ابنه شيثاً ... الخبر(2).

وذكر المسعودي مضمونها في إثبات الوصية(3).

الثالثة عشر: ما ورد في صحيفة الرضا (علیه السلام) بإسناده إلى الحسين بن علي(علیهما السلام) قال: جاء رجل إلى الحسن بن علي (علیهما السلام) فقال: حقّ ما يقول الناس أنّ آدم زوّج


1) ـ تفسير العياشي 1 : 312 .

2) ـ الأمالي ـ المجلس الثالث والستون ـ الحديث 3 ، ص 486 ـ 487 .

3) ـ إثبات الوصية : 15 .

هذه البنت من هذا الإبن؟ فقال: حاشا لله، كان لآدم (علیه السلام) ابنان وهو شيث وعبد الله، فأخرج الله لشيث حوراء من الجنة، وأخرج لعبد الله امرأة من الجنّ، فولد لهذا وولد لذاك، فما كان من حسن وجمال فمن ولد الحوراء، وما كان من قبح وبذاء فمن ولد الجنية(1).

وهذه الروايات كلّها تدل على عدم وقوع التناكح بين الأخوة والأخوات، وتشدد النكير عليه وأنه لا يقع بين البهائم فضلاً عن أن يشرّعه الله لعباده، وأنّ في فعله تبريراً لما سلكه المجوس، مضافاً إلى أن فيه خدشاً لمقامات الأنبياء والأولياء وتدنيساً لساحات شرفهم، تعالوا عن ذلك علوّاً كبيراً.

ومدلول هذه الروايات يعارض ما استدل به على القول الأول.

الجهة الثالثة: في النظر في ما يستفاد من كلّ من أدلّة القولين:

ومع الإغماض عن وقوع التعارض بين الأدلة فقد يناقش في كل منها.أما ما استدل به للقول الأول ففيه:

أولاً: لا يمكن الالتزام بحلية نكاح الأخت من أخيها لحرمته في الكتب السماوية، مضافاً إلى أنّه في عداد الفواحش، وله أثر وضعي سيّىء ينزّه عنه الأنبياء والأولياء وصفوة الصالحين بل سائر المؤمنين.

وثانياً: إنّ المستفاد من الروايات أنّ كل ما يفعله آدم (علیه السلام) ـ كما في الحج وغيره ـ فهو مشروع وأسوة لمن بعده، وذلك لأنّه خليفة الله في أرضه وحجّته على البشر، فإذا كان آدم (علیه السلام) قد زوّج الأخت من أخيها فينبغي أن يكون ذلك جائزاً وحلالاً إلى الأبد.

وقد يجاب عن كلتا المناقشتين بأنّ هذا النكاح لم يكن محرّماً لمكان


1) ـ مستدرك الوسائل ج 14 ، باب 2 من أبواب ما يحرم بالنسب، الحديث 3 ، ص 363 .

الحاجة والاضطرار، ثم حرّم بعد ذلك كما نطقت به بعض الأخبار المتقدمة.

هذا ولكن يبقى في المقام إشكالان آخران:

الأول: إذا كان الاضطرار هو المناط في حلية الأخت لأخيها فلابدّ من الالتزام بذلك في كل مورد لا يكون فيه غير الأخوات، فيقال بجواز نكاح الأخوات عند الاضطرار، والحال أنه لا يمكن تصوّر صدور الحكم أو الالتزام به من أحد.

الثاني: على فرض الإغماض عن جميع ذلك إلاّ أنّ الاضطرار يرتفع بتزويج اثنين أي أخ من أخته في حين أنّ الروايات المذكورة قد صرّحت بأن آدم (علیه السلام) كان يزوّج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، وأنه لم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، وأين الاضطرار في ذلك؟وأما ما استدل به على القول الثاني ففيه:

أولاً: إنّ الروايات الكثيرة المذكورة وإن كانت تتفق في النتيجة إلاّ أنها في أنفسها مختلفة، فإنّ بعضها يدلّ على إنزال حوريتين من الجنّة، وبعضها يدلّ على إنزال حورية واحدة، كما أنّ بعضها يدل على أن قابيل هو الذي تزوج الجنية، وبعضها يدل على أنّ الذي تزوج الجنية غيره، بل في بعضها أنّهن أربع وغيرهما من الاختلافات، ومع ذلك فكيف يمكن الاعتماد على شيء منها؟

وثانياً: إنّ الحور والجن طبيعتان مغايرتان لطبيعة البشر، فهما غير قابلتين للحمل والولادة مع أنّ ظاهر الأمر أنه كان على النحو العادي الطبيعي، ولو كان على نحو الإعجاز لأمكن أن يخلق الله تعالى نساء ابتداءً كما خلق نفس آدم وحواء من دون تزاوج بين الذكر والأنثى، ثم بعد ذلك ينتشر النسل عن طريق التناكح.

وثالثاً: إنّ هناك طريقاً آخر للتوالد من الحلال من دون حاجة إلى إنزال الحورية من الجنة وتزويجها أو التزويج من الجنية، وهو الطريق الذي تمّت به ولادة مريم بنت عمران (علیه السلام) بعيسى (علیه السلام) ، فما وجه انتخاب الحورية والجنية بدلاً عن هذا الطريق الأسهل؟

ورابعاً: أنّ هذه الروايات قد تضمنت أمراً لا يمكن تصديقه، وهو: أنّ حواء ولدت بنتاً اسمها عناق، وكانت أول من بغى على وجه الأرض ... وهذا مما لا يمكن قبوله إذ لم يكن هناك موجود آخر غير آدم وحواء.

وقد يجاب عن هذه المناقشات:

أما عن الأول: فإنّ الروايات وإن كانت مختلفة في نفسها إلاّ أنها كلّها تتفقعلى عدم زواج الأخت من أخيها وهو كاف في إثبات المطلوب.

على أنّ الاختلاف في الروايات قابل للتوجيه بأن يقال: لعلّ التزويج قد وقع أكثر من مرة، واختلاف الروايات إشارة إلى التعدد، وإنّ المستفاد من صحيحة زرارة أنّ آدم (علیه السلام) زوّج ابنيه شيثاً ويافث من حوريتين من الجنّة.

ويظهر من مرسلة الكافي أنّ هبة الله تزوج من حورية فولدت له أربعة غلمان تزوجوا بأربع من بنات الجن، وفي بعض الروايات أن قابيل هو الذي تزوّج من الجنية، وعلى أي تقدير فهذا الاختلاف لا يستدعي ردّ الروايات لإمكان توجيهها بما ذكرنا أو يقال: بأنّ ذلك من اشتباه الراوي في النقل وليس ذلك بعزيز.

والحاصل: أنّ جميع هذه الروايات تشترك في نفي زواج الأخ من أخته.

وأما عن الثاني: فهو أنّ الإشكال بعدم قابلية الحورية والجنية للحمل والولادة غير وارد، وذلك لأنّ القرآن الكريم قد نصّ على قابلية الحور للزواج

فقال تعالى: «وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ»(1)على أنّ بعض الروايات قد ورد فيها أنّ الله تعالى لما أنزل الحورية من الجنة خلق لها رحماً(2)، وذلك مما يرفع الاستبعاد.

وأما اختلاف الجنس والطبيعة فقد أجاب القرآن الكريم عنه في قضية هاروت وماروت(3).وأما عن الثالث فلعلّ عدم انتخاب الطريق الذي تمّت به ولادة عيسى بن مريم (علیهما السلام) إنما هو من أجل اختصاصهما بهذه المعجزة دون غيرهما، أو لأنّ الظرف الذي كانا فيه اقتضى أن تكون ولادة عيسى (علیه السلام) على هذا النحو من الإعجاز أو لغير ذلك من الأسرار والمصالح التي لا نعلمها، وهذا لا يوجب نقض ما دلّت عليه الروايات.

وأما الرابع ففيه:

أولاً: إنّ قصة عناق قد وردت في رواية واحدة فقط، على أنها ضعيفة السند، وهذا لا يوجب الإشكال في غيرها من سائر الروايات.

وثانياً: إنه لا دليل على عدم موجود آخر غير آدم وحواء بل الدليل قائم على العكس، وأنّ هناك موجودات أخرى كما سنشير إلى ذلك قريباً.

الجهة الرابعة: في علاج التعارض:

وعلى فرض التسليم بأدلة كل من القولين يقع التعارض فيما بينها، ومقتضى القاعدة ـ في التعارض ـ تقديم ما يقترن بالمرجّح ـ بناء على جريانه في مثل المقام ـ ومع عدمه يسقط كلّ من الطرفين عن الحجيّة ويكون المرجع حينئذ إلى


1) ـ سورة الدخان، الآية: 54 .

2) ـ الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) 6 : 134 .

3) ـ سورة البقرة، الآية: 102 .

الأصول اللفظية أو العملية.

وبعد ملاحظة وقوع التعارض بين الطائفتين لاشتمال كل منهما على الصحيح السند إذ أنّ رواية قرب الإسناد الدالة على القول الأول صحيحة، كما أنّ رواية زرارة في الفقيه الدالة على القول الثاني صحيحة أيضاً.

والمشهور أنّ المرجحات أربعة: فإما أن تكون من جهة الراوي ككونه أعدلأو أفقه أو نحو ذلك، وإما أن تكون من جهة شهرة الرواية، وإما أن تكون من جهةالموافقة للكتاب، وإما أن تكون من جهة المخالفة للعامة.

أما المرجّح الأول فهو في جانب الطائفة الثانية لأنّ العمدة فيها هي الصحيحة، وراويها زرارة، وهو من أجلّ الأصحاب، وأعلاهم كعباً، وأرفعهم مقاماً، وأكثرهم علماً، وهو من القوّامين بالقسط القوّالين بالصدق(1)، وهو من أحبّ الناس إلى أبي عبد الله (علیه السلام) حيّاً وميّتاً(2)، وقد ترحّم عليه الإمام الصادق (علیه السلام) فقال: رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي(علیه السلام)(3)، وقال (علیه السلام): لولا زرارة لظننت أنّ أحاديث أبي ستذهب(4)، إلى غير ذلك من الروايات الدالة على جلالة قدره وأنه من السابقين المقرّبين(5).

وأما المرجّح الثاني فهو في جانب الطائفة الثانية أيضاً، فإنّ عدد رواياتها أكثر من اثني عشر رواية، ولم نقف على أكثر من روايتين من طرق الخاصة في الطائفة الأولى.

وأما المرجّح الثالث فقد يقال: إنّه في جانب الطائفة الأولى؛ لأنّها موافقة


1) ـ معجم رجال الحديث 8 : 229 .

2) ـ نفس المصدر ص 231 .

3) ـ نفس المصدر ص 232 .

4) ـ نفس المصدر ص 230 .

5) ـ نفس المصدر ص 229 .

لظاهر الكتاب حيث قال الله سبحانه وتعالى: «وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً» وظاهر ذلك أنه لم يكن لغير آدم وحواء دخل في البثّ وانتشار النسل كما تقدم بيان ذلك، وأما بناء على القول الثاني فليس البثّ منحصراً فيهما بل معهما غيرهما من الحور والجن.

هذا، ولكنا نقول: إن كان المراد بالبث هو انتشار النسل على نحو الإطلاق أي الشامل للطبقات المتأخرة أيضاً فالكلام تام، ويكون المرجّح في جانب الطائفة الأولى.

وأما إذا كان المراد بالبثّ هو الانتشار الأول أي انتشار الرجال والنساء من آدم وحواء فقط ولا يشمل الطبقات المتأخرة فليست روايات الطائفة الثانية مخالفة له، كما أنّ روايتي الطائفة الأولى ليستا موافقتين له، بل الآية ساكتة عن الطبقات المتأخرة.

واستفادة هذا المعنى من الآية الشريفة قريبة جداً، فإنه قد ورد في بعض الأخبار المتقدمة أنّ حواء قد ولدت لآدم عشرين بطناً في كل بطن ذكر وأنثى، وفي بعضها أنها قد ولدت ماءة وعشرين بطناً وفي كل بطن ذكر وأنثى، وفي رواية العلل أنّ آدم ولد له سبعون بطناً في كل بطن غلام وجارية(1).

وإذا كان عدد الذكور والإناث ماءتين وأربعين، أو ماءة وأربعين، أو أربعين فإنه يصدق عليه أنّ البثّ من آدم وحواء ولا يتوقّف على شموله للطبقاتالمتأخرة.

وهو الظاهر من بعض تفاسير العامة، فإنّ السيوطي في درّه المنثور قد اكتفى في تفسير قوله تعالى: «وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً» برواية ابن عباس


1) ـ علل الشرائع ج 1 ، باب 17 علة كيفية بدء النسل، الحديث 2 ، ص 19 .

الدالّة على أنّ حواء ولدت لآدم عشرين بطناً في كل بطن ذكر وأنثى(1).

وقال المراغي في تفسيره بعد قوله تعالى: «وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً»: أي ونشر من آدم وحواء نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث فجعل النسل من الزوجين كليهما ...(2).

مضافاً إلى أنّ وصف الرجال بالكثرة دون النساء يؤيّد أنّ المراد بالبثّ هو الانتشار الأول، وذلك لأنّ الله تعالى عوّض آدم بعد مقتل هابيل بشيث ويافث كما في بعض الروايات، فصار عدد الرجال أكثر من عدد النساء، ولو كان الملحوظ في الآية جميع الطبقات لم يصدق ذلك، إذ قد يكون النساء أكثر عدداً من الرجال.

والحاصل: أنّ هذا المرجّح ـ وهو العمدة في ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي في الميزان ـ غير تام.

وأما المرجّح الرابع فهو في جانب الطائفة الثانية أيضاً كما هو واضح، لأنه مخالف للمشهور عند العامة.والنتيجة أنّ المرجحات كلّها تقتضي تقديم الطائفة الثانية. ما عدا المرجّح الثالث فإنّه ليس مع أحدهما، فالظاهر هو صحّة القول الثاني الموافق لقواعد الشرائع، ومذاق أهل الشرع، والموجب لتطهير ساحة الأنبياء والأولياء وصفوة الخلق من دنس الفحشاء والمنكر.

ويؤيد ما رجّحناه، ما ثبت علمياً كقاعدة مسلّمة بين علماء الطب المتخصّصين في أمراض الدم، من أنّ فصائل دم الأولاد تابعة لدم أحد الوالدين (الأب أو الأم) ، ولا يمكن أن يخرج عن أحدهما، فلو كان تكاثر طبقات البشر ناشئاً من التناكح بين الأخوة والأخوات للزم أن تكون جميع فصائل دم أفراد


1) ـ الدر المنثور 2 : 423 .

2) ـ تفسير المراغي 2 : 177 .

البشر لا تتجاوز فصيلتين مع أنها متعددة بلا إشكال كما هو مقرّر عندهم.

فيمكن أن يقال: إنّ هذا التعدّد في فصائل الدم ناشىء من التزاوج الحاصل بين الإنسان وبين غيره من الأجناس الأخرى كالحور أو الجن في بداية التناسل البشري، على ما تقدم بيانه.

ويعضد ذلك ما سنذكره قريباً.

ثم إنّ هناك نظرية ثالثة في كيفية تكاثر البشر وتناسلهم وقد ذكرت على أنها مجرّد احتمال، وحاصلها أنّ آدم (علیه السلام) قد زوّج أبناءه من بقايا السلالات البشرية السابقة عليه التي كانت تعيش على الأرض قبل أن يهبط آدم إليها من الجنة، فقد ورد في بعض الروايات أنّ الله تعالى خلق ألف ألف عالم وألف ألفآدم (ونحن) في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين(1).

وقد يؤيّد ذلك أولاً: بأنّ الفترة الزمنية الفاصلة بيننا وبين آدم (علیه السلام) لا تتجاوز عشرة آلاف سنة، وهي فترة زمنية قصيرة بالنسبة إلى ما قرره علماء طبقات الأرض وما توصّلوا إليه من مكتشفات قدّروا أعمارها بمئات الآلاف من السنين.

وثانياً: بأنه وردت بعض الروايات تدلّ على وجود بعض المخلوقات كانت تعيش على الأرض قبل آدم (علیه السلام) بزمن طويل، ومن ذلك ما ورد في معتبرة جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: إنّ الله تبارك وتعالى أراد أن يخلق خلقاً بيده وذلك بعدما مضى من الجنّ والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة، وكان من شأنه خلق آدم ...(2).

وغيرها من الروايات(3)الدالة على وجود الحياة على الأرض قبل آدم (علیه السلام) .


1) ـ الخصال ـ باب ما بعد الألف ـ الحديث 54 ، ص 652 .

2) ـ تفسير القمي 1 : 65 .

3) ـ بحار الأنوار 57 : 322 ـ 326 ، وذكر العلامة المجلسي ! عدة روايات في عدة مواطن من أجزاء البحار.

وهذه النظرية وإن ذكرناها على أنها مجرد احتمال وهي من جهة الثبوت تامة، ويرتفع بها كثير من الإشكالات، إلاّ أن الكلام في جهة الإثبات وقيام الدليلعليها.

وبعد: فهذا ما أردناه في هذا المدخل. وأما المقصود بالذات فهو ما سيأتي في ضمن الفصول القادمة.

والحمد لله رب العالمين

التقية في النكاح

اشارة

وهي من المسائل الابتلائية ولا سيّما في زماننا هذا، ونظراً لأهمّيتها وكثرة الابتلاء بها لابدّ من البحث حولها بما يناسب المقام.

وينبغي أولاً تعيين مواضع البحث من هذه المسألة، وثانياً بيان الأحكام المتعلّقة بها على ضوء الأدلة الأولية والثانوية.

أما مواضع البحث فهي مناكحة الكافر والمخالف، وذلك لأنّها تارة تكون مع الكافر الكتابي أو مع من له شبهة كتاب كالمجوسي، وأخرى مع الكافر غير الكتابي، وثالثة مع من حكم بكفره كالنواصب والغلاة والخوارج، ورابعة مع المخالف غير من تقدّم.

ثمّ إنّ هذه الأقسام الأربعة تارة يكون النكاح فيها ابتدائياً، وأخرى بقائياً كما أنه تارة يكون نكاحاً دائماً، وأخرى منقطعاً، والزوج تارة يكون رجلاً وأخرى امرأة والحاصل من ذلك ستة عشر قسماً.

وأما بيان أحكام هذه المواضع فيقع الكلام فيها في مقامات خمسة:

الأول: مع المشرك والكافر غير الكتابي.

الثاني: مع أهل الكتاب.

الثالث: مع من له شبهة كتاب كالصابئة والمجوس والسامرة.

الرابع: مع المخالف.

الخامس: في مناكحة هذه الأصناف فيما بينهم.

أما المقام الأول: وهو الكافر غير الكتابي ـ رجلاً كان الزوج أو امرأة ـ فمناكحته باطلة بجميع أقسامها الثمانية، بإجماع المسلمين فضلاً عن المؤمنين كما في الجواهر(1)، مضافاً إلى دلالة الكتاب والسنة المستفيضة على ذلك.

وأما المقام الثاني: وهو الكافر الكتابي فقد اختلفت كلمات الخاصة على ستّة أقوال:

الأول: التحريم مطلقاً وهو مذهب المرتضى(2)، والشيخ المفيد في أحد قوليه(3)، وهو أحد قولي الشيخ الطوسي أيضاً(4)، وقواه ابن إدريس(5).

قال السيد المرتضى: مما انفردت به الإمامية حظر نكاح الكتابيات(6).

وقال الشيخ في الخلاف: المحصّلون من أصحابنا يقولون: لا يحلّ نكاح من خالف الإسلام لا اليهود ولا النصارى ولا غيرهم، وقال قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا يجوز ذلك، وأختار في كتابي الأخبار التحريم أيضاً مطلقاً(7).

الثاني: الجواز مطلقاً وهو منقول عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه(8)وابنه(9)وابن عقيل(10).

قال الشيخ علي على ما نقله عنه في المختلف: وإن تزوجت يهودية أو


1) ـ جواهر الكلام 30 : 27 الطبعة السادسة.

2) ـ الانتصار: 279 ، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.

3) ـ المقنعة: 500 الطبعة الثانية.

4) ـ النهاية: 457 الطبعة الأولى.

5) ـ كتاب السرائر 2 : 541 الطبعة الثانية.

6) ـ الانتصار: 279 مؤسسة النشر الإسلامي.

7) ـ الخلاف ج 4 كتاب النكاح المسألة 84 ، ص 311 .

8) ـ الحدائق الناضرة 24 : 3 .

9) ـ المقنع : 308 الطبعة الأولى المحققة ـ مؤسسة الإمام الهادي (علیه السلام) .

10) ـ مختلف الشيعة 7 : 90 مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية.

نصرانية فامنعها من شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير(1)، وقواه صاحب الجواهر(2).

الثالث: جواز المتعة اختياراً والدوام اضطراراً، وهو مذهب الشيخ في النهاية(3)، وابن حمزة(4)، وابن البرّاج(5).

الرابع: عدم جواز العقد بحال، وجواز الوطىء بملك اليمين، وهو مذهب الشيخ المفيد(6)في قوله الآخر.

الخامس: جواز المتعة وملك اليمين وتحريم الدوام، ونقل عن أبي الصلاح(7)وسلاّر وهو ظاهر الشيخ في المبسوط(8)واختاره المتأخرون(9).السادس: تحريم نكاحهن مطلقاً اختياراً، وتجويزه مطلقاً اضطراراً، وتجويز الوطي بملك اليمين، ونقل عن ابن الجنيد(10).

وأما العامة فقد نقل الشيخ في الخلاف بعض ما هم عليه، قال بعد أن ذكر مذهب الخاصّة:

... وأجاز جميع الفقهاء التزويج بالكتابيّات، وهو المروي عن عمر، وعثمان، وطلحة، وحذيفة، وجابر. وروي أنّ عماراً نكح نصرانية، ونكح طلحة نصرانية، ونكح حذيفة يهودية. وروي عن عمر كراهية ذلك، وإليه ذهب


1) ـ مختلف الشيعة 7 : 90 ، الطبعة الأولى.

2) ـ جواهر الكلام 30 : 31 الطبعة السادسة.

3) ـ النهاية : 457 الطبعة الأولى.

4) ـ مختلف الشيعة 7 : 92 الطبعة الأولى.

5) ـ مختلف الشيعة 7 : 92 الطبعة الأولى.

6) ـ المقنعة: 508 الطبعة الثانية.

7) ـ مختلف الشيعة 7 : 92 الطبعة الأولى.

8) ـ المبسوط في فقه الإمامية 4 : 209 الطبعة الثانية.

9) ـ الحدائق الناضرة 24 : 5 نشر مؤسسة النشر الإسلامي.

10) ـ مختلف الشيعة: 91 الطبعة الأولى.

الشافعي(1).

وقال في موضع آخر: لا يحل للمسلم نكاح أمة كتابية، حرّاً كان أو عبداً، وبه قال في الصحابة عمر، وابن مسعود، وفي التابعين الحسن البصري، ومجاهد، والزهري. وفي الفقهاء مالك والشافعي، والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وأحمد، وإسحاق(2).

والفرق بين الموضعين أنّ الأول في نكاح الحرائر، والثاني في الإماء.

وقال في المغني: ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حلّ حرائر نساء أهل الكتاب، وممّن روي عنه ذلك عمر، وعثمان، وطلحة، وحذيفة، وسلمان، وجابر، وغيرهم، وقال ابن المنذر: ولا يصحّ عن أحد من الأوائل أنه حرّم ذلك ... وبه قال سائر أهل العلم، وحرمته الإماميّة تمسكاً بقوله تعالى: «وَلاتَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ » «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»(3).

وقال في المحلّى: جائز للمسلم نكاح الكتابية، وهي اليهودية والنصرانية والمجوسية بالزواج، ولا يحلّ له وطىء أمة غير مسلمة بملك اليمين، ولا نكاح كافرة غير كتابية أصلاً، قال عليّ روينا عن ابن عمر تحريم نكاح نساء أهل الكتاب جملة ... وأباح أبو حنيفة ومالك والشافعي نكاح اليهودية والنصرانية ووطىء الأمة اليهودية والنصرانية بملك اليمين، وحرّموا نكاح المجوسية جملة ووطئها بملك اليمين، إلاّ أنّ مالك حرّم زواج الأمة اليهودية والنصرانية، وأباح نكاح المجوسية بملك اليمين(4)، وقال: لا يحلّ لمسلم نكاح غير مسلم أصلاً(5).


1) ـ الخلاف كتاب النكاح ج 4 ، مسألة 84 ، ص 311 .

2) ـ نفس المصدر، مسألة 94 ، ص 319 .

3) ـ المغني والشرح الكبير 7 : 500 الطبعة الأولى.

4) ـ المحلّى ج 9 ، مسألة 1817 ، ص 445 .

5) ـ نفس المصدر، مسألة 1818 ، ص 449 .

وقال في الفقه على المذاهب الأربعة: المخالفون للمسلمين في العقيدة ثلاثة أنواع:

الأول: لا كتاب لهم سماوي ولا شبهة كتاب ... ويلحق بهؤلاء المرتدون الذين ينكرون المعلوم من الدين الإسلامي بالضرورة، والرافضة الذين يعتقدون أنّ جبرئيل غلط في الوحي، فأوحى إلى محمد مع أنّ الله أمره بالإيحاء إلى علي، أو يعتقدون أنّ علياً إلهاً، أو يكذب بعض آيات القرآن فيقذف عائشة ... .

الثاني: قسم لهم شبهة كتاب، وهؤلاء هم المجوس.

الثالث: قسم لهم كتاب محقّق تؤمن به كاليهود الذين يؤمنون بالتوراة، والنصارى الذين يؤمنون بالتوراة والإنجيل، فهؤلاء تصحّ مناكحتهم بمعنى أنهيحلّ للمؤمن أن يتزوّج الكتابية ولا يحلّ للمسلمة أن تتزوّج الكتابي، كما لا يحلّ لها أن تتزوّج غيره، فالشرط في صحّة نكاح المسلمة أن يكون الزوج مسلماً ...(1).

ومن ذلك يتبين أنّ نكاح الكتابية عندهم جائز بل عليه دعوى إجماعهم، كما أنّ المشهور عندهم عدم جواز نكاح المسلمة للكتابي، وأنّ في نكاح الأمة الكتابية بملك اليمين خلافاً ولعلّ المشهور عندهم فيه هو الجواز.

ثم إنّ ما يثير الدهشة والعجب ما نسبه صاحب الفقه على المذاهب الأربعة إلى الرافضة من اعتقادهم بغلط الوحي وتأليه علي وقذف عائشة، فإن كان مراده الشيعة الإمامية فليته أشار إلى مصدر من مصادرهم ذكروا فيه ذلك، وكان على هذا الكاتب بدل أن يلقي الكلام على عواهنه ويجترّ ما سطّره أسلافه أن يتثبّت في الأمر ونحن في عصر الانفتاح ـ كما يُدّعى ـ وهو من المعاصرين، وكان بإمكانه أن يتعرّف على عقائد الشيعة عن كثب، فليست النجف الأشرف


1) ـ الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 75 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان.

حاضرة العلم الشيعي، أو قم المقدسة عش آل محمد بعيدتين عن مصر التي ألف فيها الكاتب كتابه وأهداه إلى شيخ الأزهر، فهل هذا هو مقتضى الأمانة العلمية؟! أليس ما فعله هذا الكاتب أسلوباً من أساليب الخداع والتضليل وتشويه الحقائق والتدليس، ولو رجع هذا الكاتب إلى مصادر الشيعة لرأى أنّ فقهاء الشيعة يفتون بكفر من يقول بذلك ويعتقد به، وكم فرق بين الأمرين، ولكن كلّ إناء بالذي فيه ينضح، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها، وإنها لشنشنة نعرفها ... ، نعوذ بالله من الخذلان والزور والبهتان والظلم والعدوان، وإنا للهوإنّا إليه راجعون.

ثمّ إنّ المشهور عند الإمامية هو القول الأول والخامس، وهو عدم جواز نكاح الكتابية مطلقاً، والتفصيل بين النكاح الدائم وبين المنقطع وملك اليمين فلا يجوز في الأول دون الأخيرين، نعم قوّى صاحب الجواهر القول الثاني كما تقدّم.

هذا وقد استدلّ لكل من الحرمة والجواز بالآيات والروايات.

أما ما استدلّ به على الحرمة من الكتاب فعدة آيات:

الأولى: قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ ...»(1).

وهي واضحة الدلالة في النهي عن نكاح المؤمنين للمشركات ونكاح المؤمنات للمشركين، والآية وإن كان ظاهرها يختصّ بالمشركين والمشركات إلاّ أنّ شمولها لليهود والنصارى إما لجهة أنهم مشركون في الواقع كما يظهر من بعض الآيات الأخرى على ما حققناه في محلّه في الجزء الأول من هذا الكتاب، وإما من جهة تعليق المنع على الغاية وهو الإيمان فيدلّ على اشتراطه


1) ـ سورة البقرة، الآية: 221 .

في النكاح، وإما من جهة ما ورد في ذيل الآية الشريفة وهو قوله تعالى: «أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَىالنَّارِ » فالعلّة عامة لا تختصّ بالمشرك بل تشمل اليهود والنصارى أيضاً.

الثانية: قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» (1).

ومحل الشاهد قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» فإنّ العصم جمع عصمة وهو ما يعتصم به من عقد وسبب(2)كملك اليمين، والنهي في الآية عن الإمساك بعصم الكوافر مطلق لا يختصّ بالمشركة فيشمل الكتابية أيضاً، وعليه فدلالة الآية واضحة، ويؤكدها ما ورد في الآية الشريفة، وهو قوله تعالى: « فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ » .

الثالثة: قوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ...» (3).

وقد استدلّ بهذه الآية على عدم جواز نكاح الكتابيات بوجوه:

الأول: بمفهوم المخالفة، وذلك لأنّ منطوق الآية يدلّ على أنّ من لم يستطع نكاح المحصنات المؤمنات فعليه بنكاح الإماء المؤمنات، ومفهومه عدم جواز نكاح غير المؤمنات، ولو كان نكاح غير المؤمنات جائزاً لما كانت حاجة إلى تعيينالنكاح بالإماء المؤمنات، ولكانت الكتابيات عدلاً للمؤمنات، ولم يقل بذلك أحد، فالاختصاص بالإماء المؤمنات عند عدم التمكّن من نكاح


1) ـ سورة الممتحنة، الآية: 10 .

2) ـ مجمع البحرين 6 : 116 الطبعة المحققة الثانية.

3) ـ سورة النساء، الآية: 25 .

الحرائر يدلّ على عدم جواز نكاح غير المؤمنات.

الثاني: بمفهوم الموافقة وذلك لأنّه إذا كان مع عدم الطول لا يجوز نكاح الكتابية فعدم الجواز مع الطول من باب أولى.

الثالث: بمفهوم الوصف ـ في خصوص المورد ـ فإنّ قوله تعالى: «فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ » يدلّ على عدم جواز نكاح غير المؤمنات.

الرابعة: بمقتضى قوله تعالى: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ »(1).

والآية الشريفة تنهى عن موادة الكافر، وإنّ من أجلى مصاديق الموادّة الزواج كما أشير إلى ذلك في قوله تعالى: «وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً »(2).

الخامسة: بمقتضى قوله تعالى: «لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ»(3).

والآية الشريفة تنفي الاستواء مطلقاً من جميع الجهات ومنها المناكحة، فإنّ المعتبر في المناكحة الكفاءة والاستواء ولا أقل من جهة الدين.والحاصل: أنّ المستفاد من هذه الآيات عدم جواز نكاح الكتابيات.

وأما ما استدلّ به من الكتاب على حلّية نكاح نساء أهل الكتاب فهو قوله تعالى: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ...»(4).


1) ـ سورة المجادلة، الآية: 22 .

2) ـ سورة الروم، الآية: 21 .

3) ـ سورة الحشر، الآية: 20 .

4) ـ سورة المائدة، الآية: 5 .

فقد قيل: إنّ هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة، وهي تدلّ على جواز نكاح الكتابية، ودلالتها واضحة على ذلك، فلا مناص عن الأخذ بها دون الآيات المتقدمة.

ولكن قد يقال: إنّ هذه الآية منسوخة لا ناسخة، ويدلّ على ذلك عدّة روايات:

منها: صحيحة زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» فقال: هي منسوخة بقوله: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» (1).

وهي واضحة في دلالتها وتامة في سندها.

ومنها: موثقة الحسن بن الجهم، قال: قال لي أبو الحسن الرضا (علیهالسلام): يا أبا محمد ما تقول في رجل تزوج نصرانية على مسلمة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما قولي بين يديك؟ قال: لتقولنّ فإنّ ذلك يعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على مسلمة ولا غير مسلمة، قال: ولم؟ قلت: لقول الله عزوجل: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» قال: فما تقول في هذه الآية: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» قلت: فقوله: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» نسخت هذه الآية، فتبسم ثم سكت(2).

وظاهر هذه الرواية حيث إنّ الإمام (علیه السلام) قرّر كلام الحسن بن الجهم بتبسّمه وسكوته، أنّ الآية منسوخة، وسند الرواية معتبر.

غاية الأمر أنّ الناسخ للآية في هذه الرواية هو قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» وفي صحيحة زرارة هو قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 3 .

وذلك لا يوجب الإشكال فإن النسخ متحقق على كل حال بإحدى الآيتين والثانية تأكيد لها، على أنه سيأتي في بعض الروايات أنّ كلتا الآيتين ناسختان.

ومما يؤيد هاتين الروايتين عدة روايات أخرى:

منها: رواية أخرى لزرارة بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) ، قال: لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت: جعلت فداك وأين تحريمه؟ قال: قوله : «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»(1).والرواية من جهة دلالتها واضحة، إلاّ أنها من جهة السند غير تامة، فإنّ أحمد بن عمر الواقع في سندها ـ وهو ابن كيسبة(2)بقرينة أنه الراوي لكتاب درست الواسطي ـ لم يرد فيه توثيق، فهي ضعيفة السند فتكون مؤيدة لما تقدم، نعم يمكن تصحيح الرواية ـ بناء على أنها من كتاب درست كما هو الظاهر ـ عن طريق حميد بن زياد الواقع في طريقي الشيخ(3)والنجاشي(4)إلى كتاب درست الواسطي.

ومنها: ما رواه الطبرسي في مجمع البيان عند قوله تعالى: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» قال: روى أبو الجارود عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه منسوخ بقوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» وبقوله: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»(5).

والرواية واضحة الدلالة وقد ذكر فيها أنّ كلتا الآيتين ناسختان، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، إلاّ أنها من جهة السند غير تامة.


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 4 .

2) ـ الفهرست: 95 الطبعة الثانية.

3) ـ نفس المصدر ص 95 .

4) ـ رجال النجاشي 1 : 373 الطبعة الأولى المحققة.

5) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 7 .

ومنها: ما رواه العياشي في تفسيره عن مسعدة بن صدقة قال: سئل أبو جعفر(علیه السلام) عن قول الله : «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» قال: نسختها «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» (1).ومنها: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن تزويج اليهودية والنصرانية قال: لا، قلت: قوله تعالى: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» قال: هي منسوخة، نسخها قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»(2).

ومنها: خبر الدعائم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي صلوات الله عليهم، أنه قال: إنّما أحلّ الله نساء أهل الكتاب للمسلمين إذا كان في نساء المسلمين قلة، فلما كثرت المسلمات قال الله عزوجل: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» وقال: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ».

ونهى رسول الله (صلي الله علیه وآله) أن يتزوّج المسلم غير المسلمة وهو يجد مسلمة، ولا ينكح مشرك مسلمة(3).

وهذه الرواية واضحة الدلالة، وقد اشتملت على بيان العلّة في الحلّية والتحريم.

والحاصل: أنّ الآية منسوخة ولا تنافي بينها وبين الآيات الدالة على التحريم.

هذا، ولكن للمناقشة في دلالة هذه الآيات مجال.

أما الآية الأولى ففيها: أنّ ظاهرها مختصّ بالمشركة، فإنّ المتبادر من لفظ المشركات ـ كما في الآية الشريفة ـ في إطلاق أهل الشرع غير أهل الكتاب.ويؤيده عطف المشركين على أهل


1) ـ مستدرك الوسائل ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 5 .

3) ـ مستدرك الوسائل ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 3 .

الكتاب وبالعكس في آيات عديدة من القرآن على ما بيّنا في البحث حول نجاسة الكفار في الجزء الأول من هذا الكتاب.

ثم إنّ أهل الكتاب وإن كانوا مشركين في العقيدة على ما يظهر من بعض الآيات، إلاّ أن الكلام في إطلاق لفظ المشرك عليهم لا نفي الشرك عنهم في عقيدتهم، ولا ملازمة بين الأمرين بمعنى صحّة إطلاق لفظ المشرك على كلّ مشرك في العقيدة، وإلاّ لزم إطلاق لفظ المشرك على المرائي في عبادته أيضاً لرجوع الرياء إلى الشرك في العقيدة.

وأما التمسك بالغاية وهي قوله تعالى: «حَتَّى يُؤْمِنَّ» وأن المنع علّق عليها.

ففيه: أنّ المراد من الإيمان هنا هو المعنى المقابل للشرك أي الإقرار والاعتراف بالله تعالى، وأما أن يكون المراد به خصوص الإسلام فغير ظاهر.

وأما التمسك بذيل الآية وهو قوله تعالى: «أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ...» وأنّ هذه العلة لا تختصّ بالشرك.

ففيه: أنّ الصغرى ممنوعة، ولا نصّ على أنّ ذلك هو العلّة في التحريم، ولعلّ هناك مصالح أخرى للحكم بحرمة التزوّج من المشركة.

وأما الآية الثانية ففيها: أنّ جواز إبقاء النكاح والتمسّك بعقد الذمية بعد إسلام الزوج مما لا إشكال فيه بل هو مورد وفاق، وعليه فلابدّ من حمل النهي في الآية على التنزيه، وإذا كانت دلالة الآية على الحرمة في موردها غير تامة فكيف يمكن التمسّك بها في غير موردها وهو النكاح الابتدائي، ومنه يظهر ما في التأكيد بصدر الآية الشريفة.

وأما الآية الثالثة فدلالتها غير ثابتة، لاحتمال اهتمام الشارع بالفتيات المؤمنات والترغيب في نكاحهنّ وإن كنّ إماءً دون الكافرات وإن كن حرائر، مضافاً إلى أنّ عدم الطول ربما يقتضي بنفسه عدم التمكّن من نكاح حرائر أهل الكتاب أيضاً كالمسلمات، وعلى فرض التمكّن فيأتي احتمال الخصوصية المتقدم، لعدم الشكّ في أنّ نكاح الكتابيات مرغوب عنه في نظر الشرع، ومن ذلك تظهر الفائدة في الوصف بالمؤمنات فإنه لا مفهوم له في المقام، وبذلك تبطل الأولوية أيضاً.

وأما الآية الرابعة ففيها: أنّ النهي عن الموادّة من جهة المحادة لله لا مطلقاً، والنكاح وإن كان مقتضياً للموادة لكن لا من هذه الجهة فلا تدل على الحرمة، مضافاً إلى منع أن تكون جميع أفراد النكاح توجب المودّة دائماً وفي جميع الأحوال.

وأما الآية الخامسة ففيها: أنّ الظاهر منها هو الإخبار عن عدم الاستواء في المرتبة والمقام عند الله كما يظهر من نظائر هذه الآية، كقوله تعالى: « قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»(1)، وقوله تعالى: «لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»(2)، وقوله : «قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ»(3)، وقوله: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ»(4)، وقوله: «وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُوَلا الأَمْوَاتُ»(5)، وقوله تعالى: «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا»(6)وغيرها من الآيات


1) ـ سورة الزمر، الآية: 9 .

2) ـ سورة النساء، الآية: 95 .

3) ـ سورة المائدة، الآية: 100 .

4) ـ سورة الأنعام، الآية: 50 .

5) ـ سورة فاطر، الآية: 22 .

6) ـ سورة الحديد، الآية: 10 .

الكثيرة، ولولا ذلك لشمل العصاة من المؤمنين أيضاً، ويترتب عليه عدم جواز المناكحة، ولم يقل بذلك أحد.

وأما الآية الأخيرة فقد نوقش في كونها منسوخة بوجوه:

الأول: أنّ هذه الآية جزء من سورة المائدة وهي آخر سورة نزلت على النبي(صلي الله علیه وآله)، فإنها نزلت قبل أن يقبض رسول الله (صلي الله علیه وآله) بشهرين كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (علیهما السلام) عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في حديث طويل ... إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين(1).

وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام): ... إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة(2).

وقد ورد في بعض الروايات أن هذه السورة نزلت كملاً ونزل معها سبعون ألف ملك(3)وهي مدنية كلها إلاّ قوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » فإنه نزلفي يوم غدير خم بعد منصرف النبي (صلي الله علیه وآله) من حجة الوداع(4).

ومما يؤيد أن سورة المائدة هي آخر ما نزل على النبي (صلي الله علیه وآله) ما رواه العياشي في تفسيره بإسناده عن قيس بن عبد الله عن أبيه عن جدّه عن علي (علیه السلام) قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله (صلي الله علیه وآله) بآخره. فكان آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء، ولقد نزلت عليه وهو على بغلة شهباء، وثقل عليها الوحي حتى وقفت وتدلّى بطنها حتى رأيت سرّتها تكاد تمس الأرض، وأغمي على رسول الله (صلي الله علیه وآله) حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي، ثم رفع ذلك عن رسول الله (صلي الله علیه وآله)،


1) ـ تفسير نور الثقلين 1 : 583 المطبعة العلمية نقلاً عن تهذيب الأحكام.

2) ـ وسائل الشيعة ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء، الحديث 6 .

3) ـ تفسير نور الثقلين 1 : 583 .

4) ـ نفس المصدر ص 588 .

فقرأ علينا سورة المائدة، فعمل رسول الله وعملنا(1).

وما رواه العياشي أيضاً عن زرارة وأبي حنيفة جميعاً عن أبي بكر بن حزم قال: توضأ رجل فمسح على خفّيه فدخل المسجد يصلّي فجاء علي (علیه السلام) فوطأ على رقبته وقال: ويلك تصلّي على غير وضوء، فقال: أمرني به عمر بن الخطّاب قال: فأخذ به فانتهى به إليه، فقال: انظر ما يروي هذا عليك، ورفع صوته فقال: نعم أنا أمرته، إنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) مسح على خفّيه فقال: قبل المائدة أو بعدها؟ قال: لا أدري، قال: فلم تفتي وأنت لا تدري؟!سبق الكتاب الخفين(2).

وما رواه السيد المرتضى في رسالة (المحكم والمتشابه) نقلاً من تفسير النعماني بإسناده عن علي (علیه السلام) قال: وأما الآيات التي نصفها منسوخ ونصفها متروك بحاله لم ينسخ وما جاء من الرخصة في العزيمة فقوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ» وذلك أنّ المسلمين كانوا ينكحون في أهل الكتاب من اليهود والنصارى وينكحونهم حتى نزلت هذه الآية نهياً أن ينكح المسلم من المشرك أو ينكحونه، ثم قال تعالى في سورة المائدة ما نسخ هذه الآية فقال: «وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» فأطلق الله مناكحتهن بعد أن كان نهى، وترك قوله: «وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا» على حاله لم ينسخه(3).


1) ـ تفسير نور الثقلين 1 : 582 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 18 باب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 48 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 6 .

ونحوه ما ذكره علي بن إبراهيم القمي في تفسيره(1)وهو وإن لم يسنده إلى المعصوم إلاّ أنّ الظاهر أن ما يورده في كتابه هو من تفسير الإمام (علیه السلام) كما هي طريقة المحدثين.

وروى السيوطي في الدر المنثور أنّ سورة المائدة هي آخر ما نزل على النبي(صليالله علیه وآله)(2).

فإذا كان الأمر كذلك فكيف تكون الآية منسوخة؟!

وأما ما ورد من صحيحة زرارة وموثقة الحسن بن الجهم وغيرهما من الروايات الدالة على أنها منسوخة فهي وإن كانت معارضة لهذه الروايات إلاّ أنّ الظاهر أنّ الترجيح لهذه الروايات لكونها منسجمة مع زمان نزول السورة.

الثاني: أنّ في دلالة الروايات الدالة على أنّ هذه الآية منسوخة ضعفاً من جهتين:

الأولى: من جهة التنافي بينها فإنّ رواية زرارة تدل على أنّ الناسخ هو قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» وموثقة الحسن بن الجهم تدل على أنّ الناسخ هو قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» والظاهر أنّه لا يمكن الجمع بينهما لأنّ النسخ لا يقع مرتين إلاّ أن يُأَوّل بأنّ النسخ يتحقق بإحداهما ويكون إطلاق النسخ على الأخرى من باب التوسع لكونه بمنزلة الناسخ من حيث الدلالة على الحكم المخالف للمنسوخ، أو بمعنى أنّ لها شأنية النسخ وإن لم تكن ناسخة بالفعل، أو يقال بتكرر النسخ.

ولا تخلو هذه الوجوه عن تكلّف ظاهر.

الثانية: أنّ الآيتين في نفسهما ليس فيهما اقتضاء للنسخ وذلك؛ لأنّ آية


1) ـ تفسير القمي 1 : 191 الطبعة الأولى المحققة.

2) ـ الدر المنثور 3 : 3 و 4 الطبعة الثانية.

«وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» واردة في مقام النهي عن الإبقاء إذ الإمساك ظاهر في الإبقاء على النكاح وهو ليس بمحرم إجماعاً فكيف يكون ناسخاً؟وأما قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» فعدم اقتضاء النسخ فيها من جهة اختلاف الموضوع، فإنّ مورد هذه الآية النهي عن نكاح المشركات، وأما آية المائدة فموردها نساء أهل الكتاب، وظاهر الإطلاق في الآيات أنّ بينهما فرقاً كما ذكرنا، وعلى فرض التعميم يدور الأمر بين النسخ والتخصيص ولا إشكال أنّ التخصيص أولى من النسخ.

وبعبارة أخرى: إما أن يكون قوله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» ناسخاً لآية المائدة؛ بناء على إطلاق لفظ المشركات على نساء أهل الكتاب بمقتضى عمومها، وإما أن تكون آية المائدة مخصّصة لقوله: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ» والحمل على التخصيص أولى من الحمل على النسخ.

الثالث: أنّ آية المائدة لا تحتمل أن تكون منسوخة وذلك لجهتين أيضاً:

الأولى: أنّ سياق الآية حيث صدّرت بقوله: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ» يفيد أنّه كان محرّماً من قبل ثم حكم بحليته، وكان الحكم بالحلية حادث بعد الحرمة فالمناسبة تقتضي أنّ الآية ناسخة لا منسوخة.

الثانية: أنّ المستفاد من الآية أنها واردة في مقام الامتنان والحكم الامتناني لا يحتمل فيه النسخ.

الرابع: أنّ هذه الآية موافقة للروايات الكثيرة الدالة على جواز نكاح الكتابيات، حتى أنّ صاحب الجواهر احتمل تواترها بخلاف صحيحة زرارة وموثقة الحسن بن الجهم والروايات المؤيدة لهما الدالّة على المنع، ومقتضى القاعدة في المقام هو إما أن تُأَوّل وإما أن يردّ علمها إلى أهلها.

والحاصل: أنه لا دليل على حرمة نكاح حرائر أهل الكتاب.

والتحقيق: إنّ دلالة الآيات تارة تلحظ في أنفسها مع قطع النظر عن الروايات، وأخرى مع ملاحظة الروايات، فإن كان النظر فيها على النحو الأول فلا نسخ لأيّ من هذه الآيات الثلاث للأخرى، وذلك لأنّ آية البقرة وردت في النهي عن نكاح المشركات فموردها يختلف عن مورد آية المائدة الواردة في جواز نكاح الكتابيات، ولا تنافي بينهما حتى يوجب نسخ أحدهما بالأخرى، وعلى فرض التعميم وشمول آية البقرة للكتابيات أيضاً فهي مخصّصة بآية المائدة كما تقدم، والمستفاد من ذلك حلّية نكاح الكتابية مطلقاً أي دائماً ومنقطعاً أو خصوص المنقطع، بناء على ما قيل من أنّ قوله تعالى: «إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» قرينة على إرادة النكاح المنقطع دون الدائم، وعلى أي تقدير يكون إطلاق النسخ على آية المائدة ليس على حقيقته.

وأما آية الممتحنة فهي مختصّة بالدوام وأن قوله تعالى: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ» يدلّ على عدم جواز النكاح الدائم حدوثاً وبقاء.

وأما آية المائدة فعلى فرض كونها ظاهرة في النكاح المنقطع فموردها أيضاً يختلف عن مورد آية الممتحنة، ولعلّ تقييد الحكم بقوله تعالى: «الْيَوْمِ» مع ذكر المحصنات من المؤمنات، قرينة على تشريع حكم النكاح المنقطع، وعليه فلا تنافي بين الآيتين، وعلى فرض التعميم وشمول آية المائدة للنكاح الدائم تكون النسبة بين الآيتين عموم من وجه حيث إنّ آية الممتحنة أعمّ من جهة الكفر وأخصّ من جهة الدوام وآية المائدة بالعكس فهي أعم من جهة الدوام والانقطاع وأخصّ من جهة الكتابية، ومورد الاجتماع هو نكاح الكتابية دواماً، وبناء على ذلك فإمّا أن يقال بتقديم آية المائدة لكونها متأخرة زماناً وهي ناسخةلآية الممتحنة.

وإما أن يقال بالتساقط والمرجع حينئذ إلى أصالة الحل .

وإن كان النظر إلى الآيات مع ملاحظة الروايات الواردة وقطع النظر عن التعارض بين الآيتين فيحكم ـ بمقتضى صحيحة زرارة المؤيدة بعدة روايات أخرى ـ بأنّ آية الممتحنة هي الناسخة للتصريح بذلك في الرواية، بخلاف موثقة الحسن بن الجهم فإنّ سكوت الإمام (علیه السلام) وإن كان يدلّ على أصل الحكم وهو الحرمة، إلاّ أن استدلال الحسن بن الجهم بآية البقرة على النسخ ليس في صراحة صحيحة زرارة فدلالتها على ذلك ضعيفة، ولم يرد في رواية معتبرة أخرى أنّ آية البقرة هي الناسخة.

فإن قلنا بأنّ آية الممتحنة هي الناسخة ودلالتها على الحرمة تامة فلابدّ من التعويل عليها، وحينئذ يمكن القول إنّ ظاهر الكتاب يدل على الحرمة.

وما يقال من أنّ سورة المائدة هي آخر ما نزل على النبي (صلي الله علیه وآله) محمول على أنّ المراد به هو المجموع لا الجميع أو لغيره من الوجوه.

وإن قلنا: بعدم دلالة آية الممتحنة على الحرمة لقيام الإجماع والنصوص على عدم الحرمة في موردها وهو النكاح البقائي، وكذا بناء على القول بتحقّق التعارض بين الروايات فلا تصحّ لأن تكون ناسخة، ولابدّ من التماس طرق المعالجة كما سيأتي.

وأما الروايات التي استدل بها على ذلك فهي على قسمين:القسم الأول: ما يدلّ على الحرمة مطلقاً وهي عدة روايات:

منها: صحيحة زرارة بن أعين(1)المتقدمة.

ومنها: موثقة الحسن بن الجهم(2)المتقدمة أيضاً، فإنها تدلّ على الحرمة من تقرير الإمام (علیه السلام) وقوله (علیه السلام): «لتقولنّ فإنّ ذلك يعلم به قولي» .


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 3 .

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن نصارى العرب أتؤكل ذبائحهم؟ فقال: كان علي (علیه السلام) ينهى عن ذبائحهم، وعن صيدهم، وعن مناكحتهم(1).

وهذه الرواية وإن رواها الكليني(2)عن سهل بن زياد، إلاّ أن الشيخ(3)قد رواها بسند صحيح، فلا إشكال في اعتبار الرواية من حيث السند، كما أنها من جهة الدلالة واضحة.

ومنها: رواية زرارة بن أعين(4)المتقدمة وفي سندها أحمد بن عمر بن كيسبة،وقد تقدم الكلام فيه، وقلنا بإمكان تصحيح سندها وذكرنا وجهه.

ويؤيد ذلك غيرها مما تقدم.

القسم الثاني: الروايات الدالة على الجواز وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما يدل على كراهة نكاح الكتابية، وهي عدة روايات:

منها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: وما أحبّ للرجل المسلم أن يتزوّج اليهودية ولا النصرانية، مخافة أن يتهوّد ولده أو يتنصّر(5).

وهي ظاهرة في الكراهة، فإنّ قوله (علیه السلام): «وما أحبّ» ظاهر في ذلك.

ومنها: صحيحة معاوية بن وهب وغيره جميعاً عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الرجل المؤمن يتزوّج اليهودية والنصرانية، فقال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ فقلت له: يكون له فيها الهوى، قال: إن فعل فليمنعها من


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 2 .

2) ـ الفروع من الكافي ج 6 باب ذبائح أهل الكتاب، الحديث 4 ، ص 239 مع اختلاف يسير.

3) ـ تهذيب الأحكام ج 9 باب 2 من أبواب الذبائح والأطعمة وما يحل من ذلك وما يحرم منه، الحديث 13 ، ص 65 ـ 66 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 24 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 4 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 5 .

شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلم أنّ عليه في دينه غضاضة(1).

ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): «واعلم أنّ عليه في دينه غضاضة» فإنه ظاهر في الكراهة بقرينة قوله: «إن فعل فليمنعها ...» .

ومنها: موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث قال: لاينبغي للمسلم أن يتزوّج يهودية ولا نصرانية وهو يجد مسلمة حرّة أو أمة(2).

ومنها: موثّقة يونس عنهم (علیهم السلام) قال: لا ينبغي للمسلم المؤسر أن يتزوج الأمة إلاّ أن لا يجد حرّة، وكذلك لا ينبغي له أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب إلاّ في حال ضرورة حيث لا يجد مسلمة حرّة ولا أمة(3).

والظاهر من قوله (علیه السلام) في كلتا الروايتين: «لا ينبغي» هو الجواز على كراهية. نعم قيّد الجواز في الرواية الثانية بحال الضرورة.

ومنها: موثقة حفص بن غياث، قال: كتب بعض إخواني أن أسأل أبا عبد الله(علیه السلام) عن مسائل، فسألته عن الأسير هل يتزوّج في دار الحرب؟ فقال: أكره ذلك، فإن فعل في بلاد الروم فليس هو بحرام هو نكاح، وأما في الترك والديلم والخزر فلا يحلّ له ذلك(4).

والمستفاد من الرواية هو التفصيل بين المشركات والكتابيات فيجوز في الثاني دون الأول، وقوله (علیه السلام): «أكره ذلك» نصّ في الدلالة على الكراهة.

ومما يؤيد ذلك رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه أنه كره مناكحة أهل الحرب(5)والرواية بإطلاقها شاملة لنكاح الكتابيات.الطائفة الثانية: ما يدل على جواز نكاح البله من الكتابيات.


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 2 .

3) ـ نفس المصدر، الحديث 3 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 4 .

5) ـ نفس المصدر باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 6 .

ومنها: موثّقة زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية ولا نصرانية، إنما يحلّ منهنّ نكاح البله(1).

ومنها: موثقة حمران بن أعين، قال: كان بعض أهله يريد التزويج فلم يجد مسلمة موافقة، فذكرت ذلك لأبي عبد الله (علیه السلام) فقال: أين أنت من البله الذين لا يعرفون شيئاً(2).

الطائفة الثالثة: ما يدل على جواز نكاح الكتابية مطلقاً استشهاداً بعمل بعض أصحاب النبي (صلي الله علیه وآله) .

ومنها: موثقة أبي مريم الأنصاري، قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن طعام أهل الكتاب، ونكاحهم حلال هو؟ قال: نعم، قد كانت تحت طلحة يهودية(3).

ومحل الشاهد هو جواب الإمام (علیه السلام) ، وأما فعل طلحة وإن كان ليس بحجة إلاّ أنه لما كان بمرأى من النبي (صلي الله علیه وآله) وسكوته عن ذلك فيعلم من ذلك جوازه.

ويدلّ على ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال:سألته عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا بأس به، أما علمت أنه كانت تحت طلحة بن عبيد الله يهودية على عهد النبي (صلي الله علیه وآله) (4).

والشاهد قوله (علیه السلام): «لا بأس به» وتقرير النبي (صلي الله علیه وآله) لفعل طلحة.

وكلتا الروايتين بإطلاقهما تدلاّن على الجواز سواء كان النكاح بقائياً أو ابتدائياً.


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 3 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 1 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 3 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 3 .

3) ـ نفس المصدر باب 5 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 3 .

4) ـ نفس المصدر باب 5 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 4 .

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على جواز نكاح المسلمة على الذمية، وهي عدة روايات:

منها: موثقة سماعة بن مهران، قال: سألته عن اليهودية والنصرانية أيتزوجها الرجل على المسلمة؟ قال: لا، ويتزوج المسلمة على اليهودية والنصرانية(1).

ومنها: موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) هل للرجل أن يتزوّج النصرانية على المسلمة والأمة على الحرّة؟ فقال: لا تزوج واحدة منهما على المسلمة، وتزوج المسلمة على الأمة والنصرانية، وللمسلمة الثلثان، وللأمة والنصرانية الثلث(2).

والرواية من حيث الدلالة تامة، وأما من جهة السند ففيه عبد الله بن محمد، والظاهر أنه عبد الله بن محمد بن عيسى المسمى بنان(3)لرواية محمد بن يحيى عنه(4)وهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(5)، ولم يستثنه ابن الوليد وذلك كاف للحكم بوثاقته، وعليه فالرواية معتبرة من حيث السند.

هذا وقد وردت هذه الرواية في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى بسند آخر معتبر ليس فيه عبد الله بن محمد، وهو عن القاسم عن أبان عن عبد الرحمن عن أبي عبد الله (علیه السلام) (6). نعم لم يذكر فيها القسمة إلى الثلثين والثلث.


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 2 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 3 .

3) ـ رجال النجاشي 2 : 209 ، الطبعة الأولى المحققة.

4) ـ معجم رجال الحديث 4 : 274 الطبعة الخامسة.

5) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 138 الطبعة الأولى.

6) ـ مستدرك الوسائل ج 14 باب 5 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 3 .

ثمّ إنّ الرواية بإطلاقها تدلّ على الجواز سواء كان النكاح ابتدائياً أو بقائياً، وأصرح منها في الدلالة على ذلك صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل تزوّج ذمية على مسلمة قال: يفرّق بينهما، ويضرب ثمن حدّ الزاني اثنا عشر سوطاً ونصفاً، فإن رضيت المسلمة ضرب ثمن الحد ولم يفرّق بينهما، قلت: كيف يضرب النصف؟ قال: يؤخذ السوط بالنصف فيضرب به(1).

فهذه الرواية تدل على صحة النكاح مع رضا المسلمة، ومن سؤال الراوي وجواب الإمام (علیه السلام) يعلم أنّ النكاح ابتدائي لا بقائي.

ومنها: صحيحة أبي بصير ـ المرادي ـ عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن رجل له امرأة نصرانية، له أن يتزوج عليها يهودية؟ فقال: إنّ أهل الكتاب مماليك للإمام، وذلك موسّع منا عليكم خاصة، فلا بأس أن يتزوج، قلت: فإنه تزوج عليها أمة، قال: لا يصلح له أن يتزوج ثلاث إماء، فإن تزوج عليهما حرةمسلمة ولم تعلم أن له امرأة نصرانية ويهودية ثم دخل بها فإنّ لها ما أخذت من المهر، فإن شاءت أن تقيم بعدُ معه أقامت، وإن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت، وإذا حاضت ثلاث حيض أو مرّت لها ثلاثة أشهر حلّت للأزواج، قلت: وإن طلق عليها اليهودية والنصرانية قبل أن تنقضي عدّة المسلمة، له عليها سبيل أن يردها إلى منزله؟ قال: نعم(2).

وهي واضحة الدلالة.

الطائفة الخامسة: ما يدلّ على جواز التمتع بالكتابية في الجملة وهي عدّة روايات:

منها: مضمرة إسماعيل بن سعيد الأشعري، قال: سألته عن الرجل يتمتع


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 7 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 4 .

2) ـ نفس المصدر باب 8 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 1 .

من اليهودية والنصرانية، قال: لا أرى بذلك بأساً، قال: قلت: فالمجوسية؟ قال: أما المجوسية فلا(1).

والرواية من حيث الدلالة واضحة، وأما من حيث السند فهي وإن كانت مضمرة إلاّ أنها لا تقصر عن الصحيحة.

ومنها: معتبرة زرارة قال: سمعته يقول: لا بأس أن يتزوّج اليهودية والنصرانية متعة وعنده امرأة(2).

والرواية واضحة الدلالة، وأما من جهة السند ففيه محمد بن سنان وقد رجّحنا الأخذ بروايته، فلا إشكال فيه من هذه الجهة، وأما الإضمار فيها فهوأيضاً مما لا يضر باعتبار السند.

ومنها: معتبرة محمد بن سنان عن الرضا (علیه السلام) قال: سألته عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا بأس، فقلت: فمجوسية؟ فقال: لا بأس به يعني متعة(3).

والمستفاد من هذه الرواية جواز نكاح المجوسية متعة بخلاف ما دلت عليه مضمرة الأشعري المتقدمة.

ومما يؤيّد ذلك مرسلة ابن فضّال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حرّة(4).

ورواية الحسن التفليسي قال: سألت الرضا (علیه السلام) أيتمتع من اليهودية والنصرانية؟ قال: يتمتع من الحرّة المؤمنة أحبّ إليّ وهي أعظم حرمة منهما(5).


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 13 من أبواب المتعة، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 2 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 13 من أبواب المتعة، الحديث 4 .

4) ـ نفس المصدر، الحديث 2 .

5) ـ نفس المصدر، الحديث 6 .

والرواية بظاهرها تدل على الجواز، وإنما جعلناها مؤيدة لما تقدم لأنّ الحسن التفليسي لم يرد فيه توثيق.

والحاصل: أنّ هذه الطوائف من الروايات كلها تدلّ على جواز نكاح المرأة الكتابية وهي في مقابل روايات القسم الأول الدالّة على الحرمة، وظاهر ذلك هو وقوع التعارض بين القسمين.

الجمع بين الروايات:

ويمكن الجمع بينها بأحد الوجوه الخمسة التالية:

الأول: حمل الروايات المجوزة على الضرورة، وشاهد الحمل على ذلك هو روايات الطائفة الأولى من القسم الثاني، وهو مستند القائلين بالجواز حال الضرورة كابن الجنيد على ما تقدم.

الثاني: حمل الروايات المجوّزة على جواز نكاح البله والمستضعفات، وشاهد الحمل على ذلك هو روايات الطائفة الثانية.

الثالث: حمل الروايات المجوّزة على المتعة وملك اليمين دون الدوام، وشاهد الحمل على ذلك هو روايات الطائفة الخامسة، وهو مستند القائلين بذلك كأبي الصلاح، وسلار، وظاهر الشيخ في المبسوط، وخيرة المتأخرين.

الرابع: حمل روايات الجواز على التقية لكونها موافقة للعامة بقرينة التعليل الوارد في بعض رواياتها واستنكاف الإمام (علیه السلام) عن التصريح بالحكم كما يظهر من موثقة الحسن بن الجهم، وعليه فيقال بالحرمة مطلقاً وهو مستند القائلين بذلك كالسيد المرتضى والشيخ المفيد والشيخ الطوسي في أحد قوليهم وهو ما قوّاه ابن إدريس.

إلاّ أنّ هذا ينافي ما ورد في الطائفة الأخيرة الدالة على جواز المتعة

بالكتابية؛ لعدم احتمال التقية فيها، وكذا ينافي ما ورد في الطائفة الثانية للتصريح بأنهنّ لا يعرفن شيئاً كما تقدّم، وفي بعضها إنّهن لا يعرفن ما أنتم عليه(1)، وهذا لا يجتمعمع التقية.

الخامس: حمل روايات المنع على الحكم التنزيهي، ويقال بالجواز مطلقاً ويحمل الاختلاف في روايات الجواز على تعدد مراتب الكراهة.

والوجه في هذا الجمع هو أن مورد بعض روايات المنع كصحيحة زرارة بن أعين(2)هو النهي التنزيهي، وأما المعتبرتان الأخريان(3)فلا تأبيان عن ذلك مع فرض أنّ روايات الجواز صريحة في دلالتها.

وعلى فرض التعارض وعدم إمكان الجمع بهذا الوجه فلابدّ من ملاحظة المرجحات، وهي إما الشهرة، وإما موافقة الكتاب، وإما مخالفة العامّة.

أما الشهرة فهي مفقودة في المقام، وأما الموافقة للكتاب فقد تقدم الكلام في ما يمكن استفادته من الآيات، وقلنا: بإمكان استفادة الجواز في صورتين واستفادة المنع في صورة واحدة وهي غير تامة، وبناء على ذلك فتكون روايات الجواز موافقة للكتاب، فلا تصل النوبة إلى المرجح الثالث وهو مخالفة العامة.

ومما يؤيد هذا المرجح أنّ علي بن إبراهيم القمي مع أنه يروي بعض روايات المنع كصحيحة زرارة إلاّ أنه قال في تفسيره(4)بعد أن ذكر قوله تعالى من سورة المائدة: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ»: فقد أحلّ الله نكاح أهل الكتاب بعد تحريمه في قوله في سورة البقرة: «وَلا تَنكِحُوا


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 3 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 2 .

2) ـ نفس المصدر، باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر، الحديثان 2 و 3 .

4) ـ تفسير القمي 1 : 191 الطبعة الأولى المحققة.

الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىيُؤْمِنَّ » .

والحاصل: أنّ مقتضى القاعدة في المقام هو تقديم روايات الجواز، وهو ما ذهب إليه الصدوقان وابن أبي عقيل وقواه صاحب الجواهر كما تقدم، وهو الظاهر من السيد الأستاذ ! (1).

ولكن مع دعوى السيد المرتضى الإجماع(2)على المنع مطلقاً ونفي الخلاف عنه في الغنية(3)وقد يستظهر من قول الحسن بن الجهم في محاورته مع الإمام(علیه السلام)، مضافاً إلى أنه لم يذهب أحد من القدماء إلى القول بالجواز مطلقاً إلاّ الصدوقان وابن أبي عقيل فالاحتياط في محله.

المقام الثالث: في نكاح من له شبهة كتاب كالمجوس والصابئة والسامرة.

أما الأول فقد اختلف في المجوس هل أنّ حكمهم حكم أهل الكتاب أو لا؟

ذهب جماعة منهم الشيخ في النهاية(4)، والمحقق في الشرائع(5)، والشيخ الأنصاري (في رسالة التحريم من جهة المصاهرة)(6)إلى أنهم من أهل الكتاب، وإن كان مختارهم في الكتابية جواز التمتع والوطي بملك اليمين.وذهب جماعة آخرون كصاحب الجواهر(7)، وصاحب الرياض(8)، إلى الثاني، وأنهم ليسوا من أهل الكتاب وفي الجواهر: بل لعلّ الشهرة على


1) ـ المسائل المنتخبة: 280 الطبعة الثانية عشرة.

2) ـ الانتصار: 279 مؤسسة النشر الإسلامي.

3) ـ غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع : 341 الطبعة الأولى المحققة.

4) ـ النهاية: 292 الطبعة الأولى.

5) ـ شرائع الإسلام 2 : 264 الطبعة المحققة الأولى.

6) ـ رسالة في التحريم من جهة المصاهرة المطبوعة ضمن كتاب المكاسب: 392 الطبع القديم.

7) ـ جواهر الكلام 30 : 44 الطبعة السادسة.

8) ـ رياض المسائل 2 : 105 الطبع القديم مؤسسة آل البيت ( .

الخلاف(1)، وفي التبيان(2)والسرائر(3)دعوى الإجماع عليه وعدم الخلاف فيه.

واستدل للقول الأول بوجهين:

أحدهما: بما ورد من الروايات على أنّ المجوس من أهل الكتاب وهي عدّة روايات:

منها: مرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا قال: سئل أبو عبدالله(علیه السلام) عن المجوس أكان لهم نبي؟ فقال: نعم، أما بلغك كتاب رسول الله إلى أهل مكة: أسلموا وإلاّ نابذتكم بحرب، فكتبوا إلى النبي (صلي الله علیه وآله): أن خذ منّا الجزية ودعنا على عبادة الأوثان، فكتب إليهم النبي (صلي الله علیه وآله): إني لست آخذ الجزية إلاّ من أهل الكتاب، فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه، زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلاّ من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر، فكتب إليهم رسول الله (صلي الله علیه وآله): إنّ المجوس كان لهم نبي فقتلوه، وكتاب أحرقوه أتاهم نبيهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور(4).وهذه الرواية تدلّ على أنّ لهم كتاباً وأنّ حكمهم حكم أهل الكتاب.

ومنها: رواية الأصبغ بن نباتة أنّ علياً (علیه السلام) قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث فقال: يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ الجزية من المجوس ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي؟ فقال: بلى يا أشعث، قد أنزل الله عليهم كتاباً وبعث إليهم نبياً(5).


1) ـ جواهر الكلام 3 : 44 الطبعة السادسة.

2) ـ التبيان في تفسير القرآن 2 : 218 دار إحياء التراث العربي.

3) ـ السرائر 2 : 542 الطبعة الثانية المحققة.

4) ـ وسائل الشيعة ج 11 باب 49 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 1 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 11 باب 49 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 7 .

ومنها: مرسلة المفيد عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال: المجوس إنما ألحقوا باليهود والنصارى في الجزية والديات، لأنه قد كان لهم فيما مضى كتاب(1).

ومنها: رواية علي بن علي بن دعبل ـ أخي دعبل بن علي ـ عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي بن الحسين (علیهما السلام) أنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) قال: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب، يعني المجوس(2).

ثانيهما: الروايات الدالة على جواز المتعة بالمجوسيات ووطيهن بملك اليمين وهي عدة روايات:

منها: معتبرة محمد بن سنان(3)المتقدمة.

ومنها: رواية منصور الصيقل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا بأسبالرجل أن يتمتع بالمجوسية(4).

ومثلها مرسلة حمّاد بن عيسى(5)عن أبي عبد الله (علیه السلام) .

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم ـ الواردة في الوطي بملك اليمين ـ عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل المسلم يتزوّج المجوسية؟ فقال: لا ، ولكن إذا كانت له أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها ويعزل عنها ولا يطلب ولدها(6).

والحاصل: أنّ المستفاد من هذه الروايات أنّ المجوس من أهل الكتاب وأنه يجوز نكاح نسائهم متعة أو بملك اليمين.

هذا ولكن أشكل في الجواهر(7)على كلا الوجهين:


1) ـ وسائل الشيعة ج 11 باب 49 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 8 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 6 .

3) ـ نفس المصدر ج 14 ، باب 13 من أبواب المتعة، الحديث 4 .

4) ـ نفس المصدر، الحديث 5 .

5) ـ نفس المصدر، ذيل الحديث 5 .

6) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 6 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1 .

7) ـ جواهر الكلام 30 : 43 الطبعة السادسة.

أما على الوجه الأول: فمن جهتين الأولى: من جهة السند فإنّ الروايات المذكورة كلها ضعيفة الأسناد وليست منجبرة بعمل المشهور، بل المشهور على خلافها، بل قد ورد في بعضها: «غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» (1).

وأنّ المراد من قوله (صلي الله علیه وآله): «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» إنما هو في الجزية والديات، كما دلّت عليه مرسلة المفيد لا في جميع الأحكام، ومنه يعلم أنّهم ليسوا بأهل كتاب، مضافاً إلى أنّ المتبادر من إطلاق أهل الكتاب انصرافه إلى اليهود والنصارى لا غير، على أنّ المراد بأهل الكتاب من أظهر اتّباعه والانقياد له، لا من أحرقه وأعرض عنه.

والحاصل: أنّه لا يجوز نكاح المجوسيات إلاّ بملك اليمين بمقتضى صحيحة محمد بن مسلم(2)المتقدمة.

وأما إشكاله على الوجه الثاني فبأنّ الروايات التي استدلّ بها على الجواز كلّها ضعيفة، والصحيح هو ما دلّ على عدم جواز نكاح المجوسية إلاّ بملك اليمين كما دلّت عليه صحيحة محمد بن مسلم(3).

ولكنّ الظاهر أنّ الإشكال ـ بكلا شقيه ـ غير وارد على الوجه الأول.

أما الإشكال بالنسبة إلى ضعف السند ففيه أنّه قد وردت بعض الروايات المعتبرة تدل على أنّ المجوس من أهل الكتاب وأنّ حكمهم حكم اليهود والنصارى.

ومنها: موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: بعث النبي (صلي الله علیه وآله) خالد بن الوليد إلى البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس، فكتب إلى النبي (صلي الله علیه وآله): إني أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى


1) ـ جواهر الكلام 30 : 42 الطبعة السادسة.

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 6 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر، الحديث 1 .

فوديتهم ثمانمائة درهم ثمانمائة، وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدت إليّ فيهم عهداً، فكتب إليه رسول الله (صلي الله علیه وآله): إنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال: إنهم أهلالكتاب(1).

وهذه الرواية صريحة في دلالتها ومعتبرة في سندها.

مضافاً إلى أنّ رواية أبي يحيى الواسطي المتقدمة(2)وإن وردت مرسلة إلاّ أن الشيخ(3)قد رواها بسند متصل لا إرسال فيه، وينتهي إلى أبي يحيى الواسطي الذي يروي عن الإمام (علیه السلام) وهو زكريا بن يحيى الثقة(4)، ومن القوي أنها رواية أخرى غير تلك المرسلة.

ويؤيد ذلك رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وقال أيضاً: إنّ للمجوس كتاباً يقال له: جاماس(5).

وهذه الرواية من جهة الدلالة واضحة إلاّ أنها من جهة السند اشتملت على علي عن أبي بصير، فإن كان هو ابن أبي حمزة البطائني كما هو الظاهر فالرواية ضعيفة السند ولذلك جعلناها مؤيدة.

ويمكن استفادة ذلك من صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیهالسلام) عن الجزية، فقال: إنما حرّم الله الجزية من مشركي العرب(6).

ومنه يعلم أنّ أخذ الجزية من المجوس لأنهم أهل كتاب لا أنهم مشركون.


1) ـ وسائل الشيعة ج 19 باب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 7 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 11 باب 49 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر، الحديث 3 .

4) ـ رجال النجاشي 1 : 392 الطبعة الأولى المحققة.

5) ـ وسائل الشيعة ج 19 باب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 4 .

6) ـ نفس المصدر ج 11 باب 49 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 4 .

والحاصل: أنّ ما أورده صاحب الجواهر من أنّ جميع الروايات ضعيفة الأسناد في غير محلّه .

وأما الإشكال على الدلالة من أنّ المنصرف عند الإطلاق هم اليهود والنصارى، وأنّ المستفاد من مفهوم بعض الروايات عدم شمول جميع أحكام أهل الكتاب للمجوس بل بعضها كالجزية والديات وغير ذلك من المناقشات فهي ضعيفة جداً، إذ بعد أن ثبت في الروايات المعتبرة أنهم أهل الكتاب فهي حاكمة على الإطلاقات التي يُتبادر منها اليهود والنصارى، وكذا بالنسبة إلى اختصاص المجوس ببعض الأحكام دون بعض، بل إنما جاز أخذ الجزية منهم ومساواتهم باليهود والنصارى في الديات لأنهم أهل الكتاب في جميع الأحكام.

وأما الإشكال على الوجه الثاني فهو غير وارد أيضاً، وذلك بناء على ما تقدّم من اعتبار رواية محمد بن سنان الدالّة على جواز نكاح المجوسية متعة المؤيدة بحسنة منصور الصيقل ومرسلة حماد بن عيسى، ومقتضى الجمع بينها وبين صحيحة الأشعري هو الحمل على الكراهة بالنسبة إلى المتعة وجواز الوطي بملك اليمين بمقتضى صحيحة محمد بن مسلم بلا كراهة.

والحاصل: أنّ حكم المجوس حكم اليهود والنصارى في أصل الجواز.وأما الثاني وهم الصابئة فالكلام يقع فيه تارة في أصل دينهم ومعتقدهم وأخرى في حكمهم.

أما دينهم: فقد اختلفت الكلمات فيه على أقوال كثيرة، فقيل ـ كما في المصباح المنير ـ : إنهم طائفة من الكفار يقال: إنها تعبد الكواكب في الباطن وتنسب إلى النصرانية في الظاهر، ويدّعون أنّهم علي دين صابىء بن شيث بن آدم(1).


1) ـ المصباح المنير 1 : 454 الطبعة السابعة.

وقيل ـ كما في المجمع ـ : إنّ أصل دينهم دين نوح فمالوا عنه(1).

وقيل ـ كما في الكشّاف ـ : هم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة(2).

وقيل ـ كما في الصحاح ـ : إنهم جنس من أهل الكتاب(3).

وفي القاموس: إنهم يزعمون أنّهم على دين نوح، وقبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار(4).

وعن قتادة: أنهم يعبدون الملائكة، ويصلّون إلى القبلة، ويقرأون الزبور(5).

وفي الجواهر: عن أبي علي أنهم قوم من النصارى(6).وفي التبيان(7): إنهم ليسوا من أهل الكتاب.

وفي الخلاف الإجماع على عدم جريان حكم أهل الكتاب عليهم(8).

وذكرهم صاحب الملل والنحل وفصّل في بيان معتقداتهم، ثم قال: والصابئون كلّهم يصلّون ثلاث صلوات، ويغتسلون من الجنابة، ومن مس الميت، وحرّموا أكل الجزور والخنزير والكلب، ومن الطير كل ما له مخلب والحمام، ونهوا عن السكر في الشراب، وعن الاختتان، وأمروا بالتزويج بوليّ وشهود، ولا يجوزون الطلاق إلاّ بحكم حاكم، ولا يجمعون بين امرأتين(9).


1) ـ مجمع البحرين 1 : 259 الطبعة المحققة الثانية.

2) ـ الكشاف 1 : 285 دار المعرفة.

3) ـ الصحاح 1 : 59 الطبعة الأولى دار العلم للملايين.

4) ـ القاموس المحيط 1 : 20 دار الفكر.

5) ـ مجمع البحرين 1 : 259 الطبعة المحققة الثانية.

6) ـ جواهر الكلام 30 : 45 الطبعة السادسة.

7) ـ التبيان في تفسير القرآن 1 : 283 دار إحياء التراث العربي.

8) ـ الخلاف ج 4 كتاب النكاح المسألة 93 ، ص 318 .

9) ـ كتاب الملل والنحل 2 : 60 الطبعة الثانية.

وعلى كلّ فلم يظهر من هذه الأقوال أنهم من أهل الكتاب.

ومما يؤكد ذلك ما ورد في تفسيرالقمي حيث قال: الصابئون لا مجوس ولا يهود ولا نصارى ولا مسلمون، وهم يعبدون الكواكب والنجوم(1).

وما في المجمع حيث قال: وفي حديث الصادق (علیه السلام): سمّي الصابئون لأنهم صبوا إلى تعطيل الأنبياء والرسل والشرائع، وقالوا: كلما جاؤا به باطل، فجحدوا توحيد الله ونبوة الأنبياء ورسالة المرسلين ووصية الأوصياء،فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا رسول(2).

هذا وقد ورد ذكرهم في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم(3)، وفي جميع هذه الموارد ذكروا بالعطف على اليهود تارة وعلى النصارى أخرى، وفي ذلك إشعار بأنهم ليسوا من إحدى الفئتين، فإنّ ظاهر العطف يقتضي المغايرة.

والحاصل: أنّ إجراء حكم أهل الكتاب عليهم مشكل، وعلى فرض الشك فالشبهة مصداقية ولا يمكن التمسك فيها بالعام على ما قرر في محله من علم الأصول.

والمرجع حينئذ هو الأصل العملي وهو يقتضي الفساد، فالقول بصحة مناكحتهم مما لا دليل عليه.

وأما الثالث وهم السامرة فالكلام فيهم على غرار ما تقدم.


1) ـ تفسير القمي 1 : 76 الطبعة الأولى المحققة.

2) ـ مجمع البحرين : 259 الطبعة المحققة الثانية.

3) ـ وهي قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» سورةالبقرة، الآية: 62 ، وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» سورة المائدة، الآية: 69 ، وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» سورة الحج، الآية: 17 .

والظاهر ـ كما في الجواهر ـ أنهم قوم من اليهود يسكنون بيت المقدس وقرايا من أعمال مصر، يتقشّفون في الطهارة أكثر من سائر اليهود، أثبتوا نبوّة موسى وهارون ويوشع، وأنكروا من بعدهم رأساً إلاّ نبياً واحداً، وقالوا: التوراة إنمابشّرت بنبي واحد يأتي بعد موسى يصدّق ما بين يديه من التوراة ويحكم بحكمها، ولا يخالفها البتّة، وقبلتهم الطور الذي كلّم الله تعالى عليه موسى ...(1).

وفي المصباح: والسامرة فرقة من اليهود(2).

وفي الملل والنحل: قبلتهم جبل يقال له: غريزم بين بيت المقدس ونابلس، وقال: إنّ اليهود على أربع فرق كبار أحدها السامرة(3).

وبناء على ذلك فحكمهم حكم أهل الكتاب وقد تقدّم بيانه مفصّلاً.

بقي شيء:

وهو هل أنّ المعتبر في إجراء أحكام أهل الكتاب على شخص ما، أن يكون دينه أصلياً بمعنى أنه نشأ وتربّى عليه، لا ما إذا كان انتقالياً كما إذا كان وثنياً أو بلا دين ثم تهوّد أو تنصّر فلا تجري عليه أحكام أهل الكتاب مطلقاً؟ أو أنّ عدم إجراء أحكام أهل الكتاب مخصوص بما إذا كان الانتقال بعد مجيء الإسلام وبعثة النبي(صلي الله علیه وآله) كما في زماننا، أو في زمان الأئمة (علیهم السلام) ، دون ما إذا كان الانتقال قبل ذلك؟

وجوه بل أقوال.

والظاهر من الجواهر(4)وكشف اللثام(5)هو الأخير.


1) ـ جواهر الكلام 30 : 44 الطبعة السادسة عن الملل والنحل 1 : 199 الطبعة الثانية.

2) ـ المصباح المنير 1 : 392 الطبعة السابعة.

3) ـ كتاب الملل والنحل 1 : 195 و 199 و 200 الطبعة الثانية.

4) ـ جواهر الكلام 30 : 36 الطبعة السادسة.

5) ـ كشف اللثام ج 1 ـ كتاب النكاح ـ ص 39 الطبع القديم.

قال في الجواهر: لا عبرة عندنا بمن تهوّد أو تنصّر بعد البعثة، لأنّ كلّ من انتقل من الإسلام أو من دين من أديان الكفر إلى دين أهل الكتاب بعد مبعث النبي(صلي الله علیه وآله) لم يقبل منه عندنا من غير خلاف يعرف فيه ... بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه(1).

وذهب الشيخ إلى إقرار الكتابي المنتقل إلى غير ملّته إذا كان الثاني مما يقرّ عليه مدّعياً الإجماع على ذلك(2).

واستدلّ لما ذهب إليه صاحب الجواهر بثلاثة أدلّة:

الأول: بقوله تعالى: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» (3)وهو بعمومه يشمل من كان له دين أو ليس له دين، واختار غير الإسلام فإنه لا يقبل منه إلاّ الإسلام.

الثاني: بعموم قوله (صلي الله علیه وآله): «من بدّل دينه فاقتلوه» (4)وهو شامل لمن انتقل عن دينه إلى دين آخر غير الإسلام.

الثالث: إنّ كل دين ـ ما عدا الإسلام ـ منسوخ فلا تبقى له حرمة، والانتقال إلى ما عدا الإسلام من سائر الأديان غير مقبول.

ولكن للمناقشة في هذه الأدلة مجال.

أما الأول: فإنّ ظاهر معنى عدم القبول هو عدم القبول في الواقع وفي الآخرة ومن جهة الثواب والعقاب.

ويؤيده ذيل الآية الشريفة وهو قوله تعالى: «وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ»(5).


1) ـ جواهر الكلام 30 : 36 .

2) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب النكاح المسألة 104 ، ص 324 .

3) ـ سورة آل عمران، الآية: 85 .

4) ـ مستدرك الوسائل ج 18 باب 1 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 2 ، ص 163 .

5) ـ سورة آل عمران، الآية: 85 .

وأما الثاني فمضافاً إلى أنّ الرواية ضعيفة السند بالإرسال، أنّ الظاهر منها أنّ المراد هو المرتد عن فطرة لا كل من بدل دينه.

وأما الثالث: فبأنّ عدم بقاء الحرمة وكون الدين منسوخاً لا ينافي إجراء أحكام الذمة وجواز المناكحة.

وبناء على ذلك فإن تمّ هناك إجماع على عدم إجراء أحكام أهل الكتاب فهو، وإلاّ فمقتضى إطلاقات الأدلة الدالة على جواز نكاح الذمية مطلقاً هو ما اختاره الشيخ من عدم الفرق بين كون الانتقال للدين الآخر قبل البعثة أو بعدها فضلاً عن اعتبار كونه أصلياً، فالمناط هو صدق كونها من أهل الكتاب وعدّها منأتباعه، وإن كان الاحتياط في ذلك حسناً.

نعم إذا كان مسلماً ثم تهوّد أو تنصّر فهو ارتداد ويجري عليه حكمه من القتل أو الحبس إذا كان الارتداد عن فطرة، أو الاستتابة إذا كان عن ملّة وهو واضح.

المقام الرابع: في مناكحة المخالف:

والكلام يقع فيه في أمور:

الأول: في نكاح المؤمن للمرأة المخالفة.

الثاني: في العكس، أي: نكاح المخالف للمرأة المؤمنة.

الثالث: في مناكحة الناصبي ومن بحكمه.

أما الأول فقد ذكر صاحب الجواهر أنه لا خلاف في جوازه، كما اعترف به في كشف اللثام، بل قال: لم يحك أحد هنا الخلاف في ذلك عمّن علم أنّ مذهبه كفر المخالفين ونجاستهم، كالمرتضى وابن إدريس وغيرهما، نعم ربما حكي عن سلاّر عدم جواز ذلك، ولم نتحققه إذ المحكي عنه أنه إنما منع من

المعانِدة وهي المناصبة التي ستعرف كفرها(1).

هذا، ولكن ذهب صاحب الحدائق إلى عدم الجواز، ونسب القول بالجواز إلى أكثر المتأخرين(2)، قال: وأما على مذهب المتقدمين القائلين بكفر المخالفين ونصبهموعدم جواز إجراء شيء من أحكام الإسلام عليهم ... فلا يتم، بل يجب الحكم بعدم صحّة مناكحتهم كسائر أفراد الكفّار(3).

ثم إنه قد استدلّ للقول بالجواز ـ كما في التذكرة(4) ـ بالأصل، وبما ورد من الروايات الدالة على ذلك.

ومنها: صحيحة زرارة بن أعين عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تزوّجوا في الشكّاك ولا تزوّجوهم، فإنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه(5).

والمراد من الشكّاك الذين لا يكونون معاندين للحق ولا تحملهم العصبية على ردّه وإن كانوا غير عارفين به.

ومنها: صحيحته الأخرى(6)قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أتزوّج بمرجية أو حرورية؟ قال: لا، عليك بالبله من النساء، قال زرارة: فقلت: والله ما هي إلاّ مؤمنة أو كافرة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): فأين أهل ثنوى الله عزوجل، قول الله أصدق من قولك: «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِوَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً»(7).

وبمضمونها صحيحته الثالثة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إني أخشى أن لا


1) ـ جواهر الكلام 30 : 92 ـ 93 الطبعة السادسة.

2) ـ الحدائق الناضرة 24 : 53 نشر جامعة المدرسين.

3) ـ نفس المصدر ص 54 .

4) ـ تذكرة الفقهاء 2 : 605 الطبع القديم.

5) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 2 .

6) ـ نفس المصدر، الحديث 1 .

7) ـ سورة النساء، الآية: 98 .

يحلّ لي أن أتزوّج ممن لم يكن على أمري، فقال: وما يمنعك من البله، قلت: وما البله؟ قال: هنّ المستضعفات من اللاتي لا ينصبن ولا يعرفن ما أنتم عليه(1).

ومنها: موثقته عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت: ما تقول في مناكحة الناس فإنّي بلغت ما ترى وما تزوجت قطّ؟ قال: وما يمنعك من ذلك؟ قال: ما يمنعني إلاّ أنّي أخشى أن يكون لاتحلّ لي مناكحتهم فما تأمرني؟ قال: كيف تصنع وأنت شابّ أتصبر؟ قلت: أتّخذ الجواري، قال: فهات الآن فبم تستحلّ الجواري؟ أخبرني، فقلت: إنّ الأمة ليست بمنزلة الحرّة إن رابتني الأمة بشيء بعتها أو اعتزلتها، قال: حدثني فبم تستحلّها؟ قال: فلم يكن عندي جواب، فقلت: جعلت فداك أخبرني ما ترى أتزوّج؟ قال: ما أبالي أن تفعل، قلت: أرأيت قولك ما أبالي أن تفعل فإنّ ذلك على وجهين: تقول: لست أبالي أن تأثم أنت من غير أن آمرك، فما تأمرني أفعل ذلك عن أمرك؟ قال (علیه السلام): فإنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) قد تزوّج، وكان من امرأة نوح وامرأة لوط ما قصّ الله عزوجل، وقد قال الله عزوجل: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَنُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا»(2)فقلت: إنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) لست في ذلك مثل منزلته، إنما هي تحت يديه وهي مقرّة بحكمه مظهرة دينه، قال: أما والله ماعنى بذلك إلاّ في قول الله عزوجل: «فَخَانَتَاهُمَا » ما عنى بذلك إلاّ (الفاحشة)(3)، وقد زوّج رسول الله (صلي الله علیه وآله) فلاناً، قال: قلت: أصلحك الله فما


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 3 .

2) ـ سورة التحريم، الآية: 10 .

3) ـ هذه اللفظة ساقطة من نسخة الوسائل ووردت في أصول الكافي ج 2 باب الضلال الحديث 2 ، ص402 ، وفسرت في ذيل الرواية بالشرك والكفر أو الذنب العظيم، ثم أن بين ما في الوسائل وما في الكافي اختلافاً يسيراً، وللرواية تتمة ذكرها الكليني واقتصر صاحب الوسائل على نقل موضع الحاجة.

تأمرني أنطلق فأتزوج بأمرك؟ فقال: إن كنت فاعلاً فعليك بالبلهاء من النساء، قلت: وما البلهاء؟ قال: ذوات الخدور العفائف، فقلت: من هي على دين سالم بن أبي حفصة؟ فقال: لا، قلت: من هي على دين ربيعة الرأي؟ قال: لا، ولكن العواتق اللاتي لا ينصبن ولا يعرفن ما تعرفون(1).

وغيرها من الروايات.

هذا ولعلّ مراد العلاّمة الحلي من الأصل هو العمومات الدالة على صحة التناكح بالإسلام، وهي روايات كثيرة عبّر عنها صاحب الجواهر(2)بالنصوصالمتواترة الدالة على اشتراك المسلم والمؤمن في بعض الأحكام كالمناكحة.

ومنها: موثقة سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال: إنّ الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله (صلي الله علیه وآله)، به حقنت الدماء وجرت عليه المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس ...(3).

ومنها: صحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الإيمان ما استقرّ في القلب وأفضي به إلى الله عزوجل وصدّقه العلم بالطاعة لله والتسليم لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح(4).

ومنها: صحيحة فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 9 .

2) ـ جواهر الكلام 30 : 97 الطبعة السادسة.

3) ـ الأصول من الكافي ج 2 باب أن الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان، الحديث 1 ، ص25 .

4) ـ نفس المصدر، الحديث 5 ، ص 26 .

الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام، إنّ الإيمان ما وقر في القلوب والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء ...(1).

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) بم يكون الرجل مسلماً تحلّ مناكحته وموارثته وبم يحرم دمه؟ قال: يحرم دمه بالإسلام إذا ظهر، وتحلّ مناكحته وموارثته(2).

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الإيمان، فقال: الإيمان ما كان في القلب، والإسلام ما كان عليه التناكح والمواريث وتحقن به الدماء. الحديث(3).ومنها: صحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الإيمان ما استقرّ في القلب وأفضي به إلى الله عزوجل وصدّقه العلم بالطاعة لله والتسليم لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح(4).

ومنها: صحيحة فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام، إنّ الإيمان ما وقر في القلوب والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء ...(5).

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) بم يكون الرجل مسلماً تحلّ مناكحته وموارثته وبم يحرم دمه؟ قال: يحرم دمه بالإسلام إذا ظهر، وتحلّ مناكحته وموارثته(6).

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الإيمان، فقال: الإيمان ما كان في القلب، والإسلام ما كان عليه التناكح والمواريث وتحقن به الدماء. الحديث(7).ومنها: خبر العلاء بن رزين أنه سأل أبا جعفر (علیه السلام) عن جمهور الناس، فقال: هم اليوم في هدنة، تردّ ضالّتهم، وتؤدّى أمانتهم، وتحقن دماؤهم، وتجوز مناكحتهم وموارثتهم في هذه الحال(8).

فهذه الروايات وغيرها واضحة الدلالة على جواز نكاح غير المؤمنة ما لم تكن ناصبة معاندة وإن لم تكن عارفة بما عليه أهل الحق من أمر الولاية وغيرها.

ومما يدلّ على ذلك أيضاً ما ورد في موثّقة الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إنّ لامرأتي أختاً مسلمة لا بأس بها، وليس بالبصرة أحد فما ترى في تزويجها من الناس؟ فقال: لا تزوجها إلاّ ممن هو على رأيها وتزويج المرأة التي ليست بناصبية لا بأس به(9).


1) ـ الأصول من الكافي ج 2 ، باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان، الحديث 3، ص26 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 17 .

3) ـ نفس المصدر باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 13 .

4) ـ نفس المصدر، الحديث 5 ، ص 26 .

5) ـ الأصول من الكافي ج 2 ، باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان، الحديث 3، ص26 .

6) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 17 .

7) ـ نفس المصدر باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 13 .

8) ـ نفس المصدر باب 12 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1 .

9) ـ جامع أحاديث الشيعة ج 20 ، باب حكم تزويج الناصب والناصبية ... الحديث 6 ، ص 534 .

والرواية تامة سنداً وهي تدلّ على جواز نكاح المرأة المخالفة ما لم تكن ناصبة، بل هي أصرح من الروايات السابقة في الدلالة، وصدرها موافق لصحيحة الفضيل الآتية.

ويؤيّده ما روي أنّ سلمان الفارسي خطب إلى عمر فأجابه إلى ذلك، فكره عبد الله بن عمر ذلك، فقال له عمرو بن العاص: أنا أكفيك، فلقي عمرو بن العاص سلمان الفارسي فقال: ليهنئك يا سلمان، فقال: وما هو؟ فقال: تواضع لك أميرالمؤمنين فقال سلمان: لمثلي يقال هذا؟! والله لا نكحتها أبداً(1).

وسلمان كان من العجم، فأجابه عمر إلى التزويج، وابن عمر لم ينكر وإنما كرهه(2).

والرواية وإن كانت واردة في الكفاءة في النسب إلاّ أنه يمكن استفادة الجواز في ما نحن فيه، فإنّ سلمان من أهل الولاية والإيمان ومع ذلك خطب إلى عمر ابنته، ومن البعيد أن تكون ابنة عمر على خلاف رأي أبيها وأخيها، نعم الكلام في سندها فإن الرواية عامية ونقلها الشيخ في الخلاف وأشار إليها السيد المرتضى في المسائل الناصريات(3)ولذا جعلناها مؤيدة لما تقدّم.

وأما ما ورد من النهي عن نكاح المرجئة والحرورية كما في صحيحة زرارة المتقدمة(4)فلا يكون مانعاً عما ذكرنا لأنّ المرجئة والحرورية محكومتان بالكفر كما في صحيحة أبي مسروق قال: سألني أبو عبد الله (علیه السلام) عن أهل البصرة، فقال لي: ما هم؟ قلت: مرجئة وقدرية وحرورية، قال: لعن الله


1) ـ كتاب البحر الزخار 4 : 50 الطبعة الثانية مؤسسة الرسالةـ بيروت.

2) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب النكاح، المسألة 33 ، ص 276 .

3) ـ المسائل الناصريات ـ المطبوعة ضمن كتاب الجوامع الفقهية ـ المسألة الثالثة والخمسون والمائة، ص211 الطبع القديم.

4) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1 .

تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء(1).

وغيرها من الروايات.

فما ورد من الروايات الدالة على أنّ جميع المخالفين نواصب وأنّهم بحكم الكفار، إنما هو بحسب الواقع ونفس الأمر لا بحسب الظاهر، إلى أن يأذن الله تعالى في ظهور الحجة ابن الحسن أرواحنا فداه، كما تدلّ عليه بعض الروايات، ومنها رواية العلاء بن رزين المتقدمة، وهذا هو مقتضى الجمع بين الطائفتين من الروايات، وبناء على ذلك فما استدلّ به صاحب الحدائق(2)من الروايات على عدم جواز مناكحتهم مطلقاً وإن كان من طرف المرأة المخالفة وتشدّده في النكير على من أجاز ذلك في غير محلّه.

وأما الأمر الثاني وهو تزوّج المرأة المؤمنة من الرجل المخالف.

ففيه أقوال ثلاثة:

الأول: عدم الجواز وهو المنسوب إلى مشهور المتأخرين، بل في الرياض(3)عن الخلاف والمبسوط والسرائر وسلار والغنية دعوى الإجماع عليه.

الثاني: الجواز على كراهة وهو المنسوب إلى المفيد وابن حمزة والمحقق(4)واختاره صاحب الجواهر(5).

الثالث: اختصاص الجواز بالزوج دون الزوجة(6).


1) ـ الأصول من الكافي ج 2 باب الكفر، الحديث 13 ، ص 387 .

2) ـ الحدائق الناضرة 24 : 61 طبعة جامعة المدرسين.

3) ـ رياض المسائل 2 : 108 الطبع القديم.

4) ـ مسالك الأفهام 1 : 496 الطبع القديم.

5) ـ جواهر الكلام 30 : 101 الطبعة السادسة.

6) ـ رياض المسائل 2 : 108 الطبع القديم.

واستدل للقول الأول بوجوه:

الأول: الإجماعات المستفيضة على المنع.

وأجيب: بأنّ الإجماع لم يثبت على اعتبار الإيمان بالمعنى الأخص، بل المراد بالإيمان في كلام المجمعين هو الإسلام، ويدلّ على ذلك قرائن، منها: ما قرره السيد المرتضى ! في المسائل الناصرية بقوله: الذي يذهب إليه أصحابنا أنّ الكفاءة في الدين معتبرة، لأنه لا خلاف في أنه لا يجوز أن تتزوج المرأة المسلمة المؤمنة بالكفار(1).

والمستفاد من ذلك أنّ المعتبر عند الجميع هو الإسلام، وعلى فرض التسليم لا يكون الإجماع حجة في المقام لذهاب جماعة إلى خلاف ذلك كما تقدم واحتمال أن يكون مدركه ما يأتي من الروايات.

الثاني: النصوص الكثيرة الدالة على كفر المخالفين(2)، ومن المعلوم عدم جواز مناكحة الكفار.

وأجيب: بما تقدم في الأمر السابق بأنهم كفار في الواقع وفي الآخرة وأما في دار الدنيا وزمان الهدنة فيعدّون من المسلمين وتجري عليهم أحكام الإسلام منالمناكحة والتوارث وحرمة دمائهم وأموالهم كما صرّحت بذلك الروايات المعتبرة وقد تقدمت جملة منها.

الثالث: الروايات الدالة على عدم جواز مناكحة الناصبي وأنه كافر بل شرّ من اليهودي(3)، وبانضمام هذه الروايات إلى ما دلّ على أنّ كل مخالف ناصبي ـ

ومنها: ما أورده في الوسائل عن مستطرفات السرائر نقلاً من كتاب مسائل


1) ـ المسائل الناصريات ـ المطبوعة ضمن كتاب الجوامع الفقهية ـ المسألة الثالثة والخمسون والمائة: 211 الطبع القديم.

2) ـ وسائل الشيعة ج 18 باب 10 من أبواب حد المرتد، الأحاديث 1 ـ 57 .

3) ـ نفس المصدر ج 14 باب 10 من أبواب مايحرم بالكفر، الأحاديث 1 ـ 17 .

الرجال عن محمد بن أحمد بن زياد وموسى بن محمد بن علي بن عيسى قال: كتبت إليه يعني علي بن محمد (علیهما السلام) أسأله عن الناصب، هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب(1).

ومنها: رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا(2).

ومنها: رواية المعلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد أحداً يقول: أنا أبغض آل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتبرأون منأعدائنا، وقال: من أشبع عدوّاً لنا فقد قتل ولياً لنا(3).

وغيرها من الروايات ـ يستفاد عدم جواز مناكحة المخالف لكونه ناصبياً.

وأجيب: بأنه مضافاً إلى المناقشة في أسناد هذه الروايات، أنّ المراد هو الناصب لأهل البيت (علیهم السلام) لا المخالف، وأما الروايات الدالة على كفر المخالف فهي محمولة على أنّ الكفر في الواقع وفي الآخرة لا في الدنيا، وذلك لما ورد من الروايات الدالة على الفرق بين المخالف والناصب.

ومنها: رواية الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن المرأة العارفة هل أزوّجها الناصب؟ قال: لا، لأنّ الناصب كافر، قلت: فأزوّجها الرجل غير الناصب ولا العارف؟ فقال: غيره أحبّ إليّ منه(4).


1) ـ وسائل الشيعة ج 6 باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 14 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 3 .

3) ـ نفس المصدر ج 19 باب 68 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 11 .

وغيرها من الروايات والمستفاد منها: أنّ هناك صنفاً ثالثاً وليس هو إلاّ المخالف ولكنه بعيد وسيأتي ما فيه.

الرابع: النصوص الدالة على أنّ المؤمنين بعضهم أكفاء بعض.

ومنها: ما رواه الكليني قال: سقط عني إسناده قال: إنّ الله عزوجل لم يترك شيئاً مما يحتاج إليه إلاّ وعلّمه نبيّه (صلي الله علیه وآله)، فكان من تعليمه إياه أنه صعد المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنّ جبرئيل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إنّ الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدركثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس، ونثرته الرياح، وكذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهنّ دواء إلاّ البعولة وإلاّ لم يؤمن عليهنّ الفساد لأنّهنّ بشر، قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله فمن نزوّج؟ فقال: الأكفاء فقال: ومن الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، المؤمنون بعضهم أكفاء بعض(1).

وغيرها من الروايات، وهي تدلّ على أنّ المؤمنة كفؤها المؤمن ومن المعلوم أنّ المخالف ليس كفؤاً للمؤمنة.

وأجيب: بأنّ المراد من الإيمان في هذه الروايات ولا سيّما ما ورد على لسان النبي (صلي الله علیه وآله) هو الإسلام، وأما الإيمان بالمعنى الأخصّ فهو اصطلاح حادث فلا تحمل عليه الروايات الواردة في ذلك الظرف.

الخامس: النصوص الدالة على تزويج البنت ممن يُرضى خلقه ودينه.

ومنها: معتبرة علي بن مهزيار قال: كتب علي بن أسباط إلى أبي جعفر (علیه السلام) في أمر بناته، وأنه لا يجد أحداً مثله، فكتب إليه أبو جعفر (علیه السلام): فهمت ما ذكرت من أمر بناتك، وأنك لا تجد أحداً مثلك، فلا تنظر في ذلك رحمك الله، فإنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه، إلاّ تفعلوه


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 23 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 2 .

تكن فتنة في الأرض وفساد كبير(1).

وغيرها من الروايات، ومن المعلوم أنّ المخالف ممّن لا يرضى دينه.لا يقال: إنّ هذه الروايات محمولة على الإرشاد بقرينة قوله: ترضون خلقه والخلق هو السجية، وهو غير شرط في صحة النكاح إجماعاً.

فإنه يقال: إنّ الخلق قد يأتي بمعنى الدين(2)والملة أيضاً فيكون تأكيداً، وليس معناه منحصراً في السجية حتى تحمل الروايات على الإرشاد.

وأجيب أولاً: أنّ الحمل على التأكيد خلاف الظاهر، بل الظاهر أنه بمعنى السجية وهو يقوّي الحمل على الإرشاد.

وثانياً: أنّ الرواية واردة على لسان النبي (صلي الله علیه وآله)، وقد تقدم أنّ المراد بالإيمان في زمانه هو الإسلام لا الإيمان بالمعنى الأخص.

وعلى فرض التسليم إلاّ أنّ الأمر بتزويج من يرضى دينه لا يدلّ على فساد التزويج من غيره، مضافاً إلى أنه قد ورد في بعض الروايات(3)اشتراط الأمانة أيضاً وهي ليست شرطاً في صحة النكاح.

السادس: النصوص الدالة على النهي عن تزويج المؤمنة من الشاك معللاً أنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها، كما في موثقة زرارة بن أعين عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تزوّجوا في الشكّاك ولا تزوّجوهم، فإنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه(4).

فإذا كان لا يجوز تزويج المؤمنة من الشاك وهو الجاهل المتردّد في


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 28 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 1 .

2) ـ النهاية في غريب الحديث والأثر 2 : 70 الطبعة الأولى المكتبة الإسلامية ـ ولسان العرب 10 : 86 نشر أدب الحوزة.

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 28 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث 3 .

4) ـ نفس المصدر باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 2 .

عقيدته ودينه فبطريق أولى لا يجوز من المعتقد بالخلاف الثابت عليه.

هذا مضافاً إلى أنّ التعليل بأنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها جار في المخالف أيضاً.

وأجيب عن ذلك: بأنّ المراد بالشكّاك في الرواية مجمل غير معلوم، فإن كان المراد به هو المستضعف فالتعليل يناسب الأمر بالتزويج، إذ ربما يكون ذلك سبباً لهدايته ونجاته، ولا يناسب النهي، لأنّ المستضعف لا يخشى منه القهر والغلبة، مضافاً إلى أنّ الرواية معارضة بما دلّ على جواز مناكحة المستضعف، والمناسب هو حمل الرواية على الكراهة.

السابع: ـ وهو العمدة في المقام ـ النصوص الخاصة الدالة على المنع من تزويج المؤمنة من المخالف وهي عدة روايات:

منها: صحيحة الفضيل(1)بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ لامرأتي اختاً عارفة على رأينا، وليس على رأينا بالبصرة إلاّ قليل فأزوجها من لا يرى رأيها؟ قال: لا ولا نعمة، إن الله عزوجل يقول: «فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ»(2).

والظاهر من قوله: «وليس على رأينا بالبصرة إلاّ قليل» شموله للمخالف، لا أنّ كل من في البصرة ناصبي أو خارجي، فالرواية بظاهرها تدل على عدمالجواز.

ومنها: صحيحته الأخرى قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن نكاح الناصب فقال: لا والله ما يحلّ، قال فضيل: ثم سألته مرة أخرى فقلت: جعلت فداك ما تقول في نكاحهم؟ قال: والمرأة عارفة، قلت: عارفة، قال: إنّ العارفة لا


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 ، باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 4 .

2) ـ سورة الممتحنة، الآية: 10 .

توضع إلاّ عند عارف(1).

ومورد السؤال في الرواية وإن كان هو الناصب إلاّ أنّ الحصر في الجواب وقوله (علیه السلام): «إنّ العارفة لا توضع إلاّ عند عارف» يدل على عدم جواز تزويج المؤمنة من المخالف.

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الناصب الذي قد عرف نصبه وعداوته، هل يزوّجه المؤمن وهو قادر على ردّه، وهو لا يعلم بردّه؟ قال: لا يتزوج المؤمن الناصبة، ولا يتزوّج الناصب المؤمنة، ولا يتزوّج المستضعف مؤمنة(2).

ومحل الشاهد من هذه الرواية الجملة الأخيرة وهو قوله (علیه السلام): ولا يتزوج المستضعف مؤمنة .

فهذه الروايات وغيرها تدل على عدم جواز تزويج المرأة المؤمنة من الرجل المخالف .هذا، ولكن ورد في مقابل هذه الروايات ما يدل على الجواز ومن ذلك: رواية الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن المرأة العارفة هل أزوّجها الناصب؟ قال: لا لأنّ الناصب كافر، قلت: فأزوجها الرجل غير الناصب ولا العارف؟ فقال: غيره أحبّ إليّ منه(3).

والرواية تدلّ على أنّ هناك صنفاً ثالثاً لا يكون ناصباً ولا عارفاً وهو المخالف، إلاّ أن يقال إنّ الضمير في قوله (علیه السلام): غيره أحبّ إليّ، راجع إلى الناصب فيدلّ على جواز التزويج من غير العارف، وأما إرجاع الضمير على الناصب وغير العارف معاً فهو بعيد وإلاّ لقال: غيرهما.


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 5 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 3 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 11 .

ومعتبرة حمران قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ»(1)قال: هم أهل الولاية، قلت: وأي ولاية؟ فقال: أما أنها ليست بولاية في الدين، ولكنّها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفّار وهم المرجون لأمر الله(2).

وبمضمونها صحيحة عمر بن أبان قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المستضعفين، فقال: هم أهل الولاية، فقلت: أيّ ولاية؟ فقال: أما أنها ليست بالولاية في الدين ولكنّها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة، وهمليسوا بالمؤمنين ولا بالكفّار، منهم المرجون لأمر الله عزّوجلّ(3).

فهذه الروايات تدل على الجواز.

وأجيب: أنّ الرواية الأولى ضعيفة السند والروايتان الأخريان وإن كانتا معتبرتين من حيث السند إلاّ أنّ حكمهما من حيث الدلالة حكم الروايات الدالة على جواز المناكحة والتوارث جرياً على ظاهر الإسلام كما تقدّم، فتكون هاتان الروايتان ملحقتين بها.

فإن قلنا بأنّ الروايات الخاصة مخصصة لتلك الروايات فمقتضى القاعدة عدم جواز نكاح المؤمنة من المخالف.

وإن قلنا: إنّها آبية عن التخصيص كما ادّعاه صاحب الجواهر!(4)إذ جواز المناكحة والتوارث لكلا الطرفين، فلابدّ من حمل الروايات الخاصة على الكراهة.

والتحقيق أن يقال: إنّه لا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتزوّج من الرجل


1) ـ سورة النساء، الآية: 98 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 12 .

3) ـ نفس المصدر، الحديث 5 .

4) ـ جواهر الكلام 30 : 100 الطبعة السادسة.

المخالف مطلقاً إلاّ مع الاطمئنان بأنها لا تأخذ من دينه، ولا تقهر على متابعته في معتقده، وذلك لما ورد في صحيحة زرارة بن أعين المتقدمة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تزوّجوا في الشكّاك ولا تزوّجوهم، فإنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه(1).

وهذه الرواية وردت بطريقين صحيحين أحدهما عن زرارة والآخر عن أبيبصير، ورواها في النوادر عنهما كليهما(2)فهي من حيث السند في غاية الاعتبار.

وأما من حيث الدلالة فإنّ الإمام (علیه السلام) قد فصّل بين جواز تزويج غير المؤمنة من الرجل المؤمن، وعدم جواز تزوّج المؤمنة من غير المؤمن، وعلّل عدم الجواز بأنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه، فالحمل على عدم الجواز يتوقف على أمرين:

الأول: تحديد معنى الشكّاك، وقد فسره المجلسي الأول بأمور:

أحدهما: أنّ المراد من الشكّاك هم غالب الناس منهم ممن ليس له عداوة، فإنّه يقبل التشكيك والرجوع إلى الحق.

ثانيهما: المستضعف الذي ليس له عداوة مع الأئمة ولا مع شيعتهم، ولكن لا يلعنون الصحابة فإنّهم يرجعون إلى الحق بالنصيحة.

ثالثها: من لا عقل له ولا عداوة فإنّهم أيضاً يمكن رجوعهم(3).

والأظهر من هذه المعاني هو الأول، ويدلّ عليه صحيحة فضيل بن يسار عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ الله عزوجل نصب علياً علماً بينه وبين خلقه، فمن


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 2 .

2) ـ جامع أحاديث الشيعة ج 2 باب حكم مناكحة المستضعفين والشكاك المظهرين للإسلام، الحديث 13 ، ص 545 .

3) ـ روضة المتقين 8 : 221 المطبعة العلمية ـ قم.

عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالاًّ، ومن نصب معه شيئاً كان مشركاً، ومن جاء بولايته دخل الجنة، ومن جاء بعداوته دخلالنار(1).

والمراد بالمشرك في الرواية هو المتردد الذي لم يتيقّن بإمامته، وبناء على هذا فالمستفاد من قوله (علیه السلام): «الشكّاك» هم غالب الناس من العامة الجاهلين بأمر الإمامة، وهذا هو محل الكلام ونتيجته عدم الجواز.

وإن كان المراد هو المعنيين الأخيرين فيدلّ بطريق أولى على عدم جواز تزويج المرأة المؤمنة من الرجل المخالف الذي لا يكون مستضعفاً، أو له عقل، وعلى كلا التقديرين فدلالة الرواية واضحة على عدم جواز تزويج المرأة المؤمنة من الرجل المخالف على الإطلاق، والتعليل الوارد في الرواية من أنها تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه هو وجه الجمع، فإنّ المستفاد منه أنّ المنع ليس من جهة الكفر كما في الناصب، بل من جهة أخذها من أدبه وقهرها على دينه، فلابدّ من الحكم بالحرمة مطلقاً بمقتضى هذه الرواية إلاّ إذا حصل الاطمئنان بأنها لا تأخذ من أدبه ولا يتمكّن من قهرها بأن كانت عالمة مثقفة محصّنة بالمعارف الحقّة.

هذا، وقد ذهب السيد الأستاذ ! إلى القول بالجواز على كراهة إلاّ مع خوف الضلال فيحرم(2).

وأما الاستدلال على الجواز بفعل أمير المؤمنين (علیه السلام) وتزويجه أمّ كلثوم من عمر فغير تام وذلك :

أولاً: لما ورد من الروايات الصحيحة أنّ ذلك كان عن تقيّة واضطرار، كما في صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في تزويج أمّ كلثوم فقال: إنّ ذلك


1) ـ الأصول من الكافي ج 2 باب الكفر، الحديث 20 ، ص 388 .

2) ـ منهاج الصالحين ج 2 كتاب النكاح ـ مسائل أخرى متفرقة المسألة الثانية، ص 278 الطبعة الثانية.

فرج غصبناه(1).

وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لمّا خطب إليه قال له أمير المؤمنين (علیه السلام): إنها صبيّة، قال: فلقي العباس، فقال: ما لي؟ أبي بأس؟ فقال: وما ذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردّني، أما والله لأغورنّ زمزم، ولا أدع لكم مكرمة إلاّ هدمتها، ولأقيمنّ عليه شاهدين بأنّه سرق، ولأقطعنّ يمينه، فأتاه العباس فأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه فجعله إليه(2).

ففي هاتين الروايتين دلالة على أنّ الأمر ـ على فرض وقوعه ـ لم يكن عن اختيار وإنما كان عن تقية ودفعاً لما هو أشد، وقد ذكر صاحب الاستغاثة(3)القضية بالتفصيل، وناقش الشيخ المفيد في ثبوت القضية سنداً ودلالة ثم وجهها ـ على فرض صحّتها ـ بوجهين لا ينافيان مذهب الشيعة وعقيدتهم(4).

وثانياً: لما نقله صاحب الوافي في رواية عن الصادق (علیه السلام) من أنّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) إنما زوّج عمر بامرأة يهودية ولم يزوجه بأم كلثوم(5).


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 12 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 2 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 3 .

3) ـ الاستغاثة: 77 .

4) ـ أجوبة المسائل السروية المطبوع ضمن كتاب عدة رسائل ص 226 المسألة العاشرة، منشورات مكتبة المفيد، قم.

5) ـ قال: روى في كتاب خرائج الجرائح عن أبي بصير عن جدعان بن نصر قال: حدثنا أبو عبد الله بن أبي سعدة قال: حدثنا محمد بن حمويه بن إسماعيل، عن أبي عبد الله الرنيني، عن عمر بن أذينة قال: قيل لأبي عبد الله (علیه السلام) : إنّ الناس يحتجون علينا ، ويقولون: إنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) زوّج فلاناً ابنته أمّ كلثوم، وكان متكّئاً فجلس وقال: يقولون ذلك، إنّ قوماً يزعمون ذلك لا يهتدون إلى سواء السبيل، سبحان الله ما كان أمير المؤمنين (علیه السلام) يقدر أن يحول بينه وبينها فينقذها، كذبوا ولم يكن ما قالوا، وإنّ فلاناً خطب إلى علي بنته أمّ كلثوم فأبى عليّ، فقال للعباس: والله لئن لم يزوّجني لأنتزعنّ منك السقاية وزمزم، فأتى العباس علياً (علیه السلام) وكلّمه فأبى عليه فألح العباس عليه، فلما رأى أمير المؤمنين شنعة كلام الرجل على العباس وأنه سيفعل بالسقاية ما قال فأرسل أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى جنّية من أهل نجران يهودية، يقال لها سخيفة بنت جريرية فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم، وحجبت الأبصار عن أمّ كلثوم وبعث بها إلى الرجل فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يوماً فقال: ما في الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر ذلك للناس فقتل وحوت الميراث وانصرفت إلى نجران، فأظهر أمير المؤمنين (علیه السلام) أمّ كلثوم ـ راجع كتاب الوافي ج 21 ص 111 الطبعة الأولى المحققة.

وأما الأمر الثالث: وهو مناكحة الناصبي ومن بحكمه كالغالي ومن حكم بكفره لإنكاره ضرورياً من ضرويات الدين.

فلا إشكال في عدم جواز مناكحة هذه الأصناف وذلك:

أولاً: لِما ذكره في الجواهر من عدم الخلاف، بل الإجماع بقسميه على ذلك(1).

وثانياً: للنصوص المتواترة أو القريبة من التواتر الدالّة على كفرهم وعدمجواز مناكحتهم.

وثالثاً: للروايات الخاصة الناهية عن مناكحتهم وهي عدة روايات.

منها: صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الناصب الذي قد عرف نصبه وعداوته، هل يزوّجه المؤمن وهو قادر على ردّه، وهو لا يعلم بردّه؟ قال: لا يتزوج المؤمن الناصبة، ولا يتزوج الناصب المؤمنة ولا يتزوّج المستضعف مؤمنة(2).

ومحلّ الشاهد قوله (علیه السلام): «لا يتزوج المؤمن الناصبة، ولا يتزوج الناصب المؤمنة» فإنه واضح الدلالة في النهي عن مناكحة الناصبي والناصبية، كما أنّ الرواية تامة من حيث السند.

ومنها: موثقة فضيل بن يسار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ذكر النصّاب،


1) ـ جواهر الكلام 30 : 102 الطبعة السادسة.

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 3 .

فقال: لا تناكحهم ولا تأكل ذبيحتهم ولا تسكن معهم(1).

ومنها: موثقته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا يتزوج المؤمن الناصبة المعروفة بذلك(2).

والرواية واردة في خصوص نكاح المرأة الناصبة.

ومنها: موثقته الثالثة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن نكاح الناصب فقال: لا، والله ما يحلّ، قال فضيل: ثم سألته مرة أخرى فقلت: جعلت فداك ماتقول في نكاحهم؟ قال: والمرأة عارفة؟ قلت: عارفة، قال: إنّ العارفة لا توضع إلاّ عند عارف(3).

وهذه الرواية واردة في خصوص نكاح الناصب.

ومنها: صحيحته عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال له الفضيل: أزوّج الناصب قال: لا، ولا كرامة، قلت: جعلت فداك والله إنّي لأقول لك هذا ولو جاءني بيت ملآن دراهم ما فعلت(4).

وغيرها من الروايات الدالة على النهي عن تزوج المؤمن من المرأة الناصبة أو تزوج المرأة المؤمنة من الناصبي فلا إشكال في المسألة.

والحاصل: أنّ المستفاد من الروايات هو حرمة مناكحة المحكوم بالكفر ناصباً كان أو غالياً أو منكراً لما هو ضروري من الدين.


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 16 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر، الحديث 5 .

4) ـ نفس المصدر، الحديث 2 .

بقي شيئان:

الأول: هل يعتبر في الناصبي إعلانه النصب كما هو ظاهر المحقق(1)؟ أو لا يعتبر كما هو ظاهر الجواهر؟(2)

مقتضى إطلاق النصوص والأخبار الواردة عدم الفرق في ذلك، بل يكفي أنيعرف بالنصب.

وقد يتوهم اعتبار ذلك، لما ورد في معتبرة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: دخل رجل على علي بن الحسين (علیهما السلام) فقال: إنّ امرأتك الشيبانية خارجية تشتم علياً(علیه السلام) ، فإن سرّك أن أسمعك ذلك منها أسمعتك، قال: نعم، قال: فإذا كان حين تريد أن تخرج كما كنت تخرج فعد فاكمن في جانب الدار، قال: فلما كان من الغد كمن في جانب الدار وجاء الرجل فكلّمها فتبيّن منها ذلك فخلّى سبيلها وكانت تعجبه(3).

فظاهر الرواية يوهم أنّ المعتبر في عدم الجواز هو الإعلان بالنصب، وأما مع عدمه فيجوز.

وفيه: أنّ الدلالة على ذلك غير تامة، لأنّ المستفاد من الرواية أنها كانت معلنة بالنصب لغير الإمام (علیه السلام) ، ولعلّ الإمام (علیه السلام) إنما امتحنها لكشف الواقع لا من جهة إعلانها، ولكن يبقى السوال كيف خفي ذلك على الإمام (علیه السلام) وهو العالم بالواقع؟ ولا ندري السرّ في ذلك، ولعلّ فعل الإمام (علیه السلام) إنما هو لإظهار الاهتمام بشأن هذا الأمر فإنّ الفعل ـ أحياناً ـ أبلغ من القول فتزوّجها (علیه السلام) وخلّى سبيلها اهتماماً منه (علیه السلام) بذلك، وأما إبقاؤها تحته فيمكن أن يكون من باب الملك والولاية لأنها بحكم الكافرة الحربية.


1) ـ شرائع الإسلام 2 : 299 الطبعة المحققة الأولى.

2) ـ جواهر الكلام 30 : 102 الطبعة السادسة.

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 7 .

الثاني: يتحقّق النصب ببغض أحد الأئمة (علیهم السلام) ، ولا يعتبر خصوص النصب لأمير المؤمنين (علیه السلام) أو لجميع الأئمة (علیهم السلام) لصدق الناصب لهم أهل البيت (علیهم السلام) بذلك.

وبناء على هذا فمن يقول بإمامة إسماعيل ـ مثلاً ـ وينصب العداوة للإمام الكاظم (علیه السلام) لا تجوز مناكحته، وهكذا الحكم في سائر الفرق.

ثم إنّ هاهنا مسائل:

الأولى: بناء على ما تقدم من إجماع المسلمين كافة على عدم جواز مناكحة الكافر غير الكتابي فلا يتحقق ـ حينئذ ـ موضوع للتقية، فإذا نكح المسلم امرأة كافرة غير كتابية فإن كان مع العلم والاختيار فلا إشكال في حرمة النكاح وبطلانه، ويعتبر الولد بالنسبة للمسلم ابن زنا، فلا نسب ولا توارث بينهما، وأما بالنسبة إلى المرأة فالحكم على طبق ملّتها، فإن كان هذا النكاح جائزاً بحسب دينها فهو صحيح وينسب الولد إليها وتترتب آثاره وإلاّ فلا، وكذا الكلام لو تزوجت المرأة المسلمة من رجل كافر غير كتابيّ.

ويبقى الكلام في إقامة الحدّ على المسلم أو المسلمة.

والذي يظهر من السيد الأستاذ ! أنه لا فرق بين كون الزاني مسلماً أو كافراً، وكذا لا فرق بين كون المزني بها مسلمة أو كافرة وذلك لإطلاقات الأدلّة(1).

ومقتضى إطلاق كلامه أنّ حكم المسلم أو المسلمة في إقدامهما على النكاح منالكافرة أو الكافر غير الكتابيين مع العلم والاختيار حكم الزاني والزانية من حيث إقامة الحد عليهما.


1) ـ مباني تكملة المنهاج 1 : 187 المسألة 150 مطبعة الآداب النجف.

نعم استثنى ! في مسألة(1)بعد ذلك وهي ما إذا زنى الذمي بمسلمة فحكم عليه بالقتل، وهذا حكم خاصّ قام الإجماع(2)ودلّ النصّ الصريح عليه(3)، وإذا كان هذا حكم الذمي إذا زنى بمسلمة فثبوته بالنسبة إلى الكافر غير الكتابي بطريق أولى.

وإن كان نكاح المسلم للمرأة الكافرة عن جهل فهو وطىء شبهة وتترتب عليه أحكامه.

وأما إذا كان النكاح عن غير اختيار، فتارة يكون ـ غير الاختيار ـ بمعنى الاحتياج الشديد كما إذا كان في بلاد الكفر ولم يجد غير الكافرة فحكمه عدم الجواز أيضاً، وذلك:

أولاً: للأصل. وثانياً: لما ورد في موثقة حفص بن غياث قال: كتب بعض إخواني أن أسأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن مسائل، فسألته عن الأسير هل يتزوّج في دار الحرب؟ فقال: أكره ذلك، فإن فعل في بلاد الروم فليس بحرام هو نكاح، وأما في الترك والديلم والخزر فلا يحلّ له ذلك(4).والإمام (علیه السلام) فصّل بين النكاح في بلاد الروم فيجوز لأنهم من أهل الكتاب، وبين الترك والديلم والخزر فلا يجوز لأنهم من أهل الشرك.

ويؤيد ذلك: ما رواه الزهري عن علي بن الحسين (علیهما السلام) قال: لا يحلّ للأسير أن يتزوّج ما دام في أيدي المشركين مخافة أن يولد له فيبقى ولده كافراً في أيديهم(5).


1) ـ مباني تكملة المنهاج ج 1 مطبعة الآداب النجف، ص 152 ، المسألة 152 .

2) ـ نفس المصدر ص 152 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 18 باب 36 من أبواب حد الزنا، الحديث 1 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 4 .

5) ـ نفس المصدر، الحديث 5 .

وتارة يكون ـ أي عدم الاختيار ـ بمعنى الخوف على النفس، ولا إشكال في جواز النكاح في هذه الصورة، وذلك لما تقدّم من الأدلة العامة، بل وجوبه لوجوب حفظ النفس.

هذا بالنسبة للحكم التكليفي، وأما بالنسبة للحكم الوضعي من إلحاق الولد وترتب الآثار الأخرى فالظاهر هو ذلك لأنّ العقد إما أن يكون محكوماً بالصحة شرعاً، وإما أن يكون ملحقاً بوطىء الشبهة وعلى كلا التقديرين تترتب الآثار إلاّ في التوارث بين الزوجين فإنه يتحقق على التقدير الأول، لكن من طرف المسلم لا من طرف الكافر، وأما على التقدير الثاني فلا توارث بينهما أصلاً.

الثانية: إذا اقتضت التقية مناكحة الكافر الكتابي ـ بناء على القول بعدم الجواز حال الاختيار، فلا إشكال في الجواز بل الوجوب، لما تقدم من الأدلة العامة ولما ورد في خصوص المقام من أنه إذا لم يجد المسلم حرّة مسلمة أو أمة جاز له أن يتزوّج امرأة من أهل الكتاب كما في موثقة يونس عنهم (علیهم السلام) قال: لاينبغي للمسلم المؤسر أن يتزوّج الأمة إلاّ أن لا يجد حرّة وكذلك لا ينبغي له أن يتزوّج امرأة من أهل الكتاب، إلاّ في حال الضرورة حيث لا يجد مسلمة حرّة ولا أمة(1).

والرواية واضحة الدلالة على الجواز عند عدم وجدان المرأة المسلمة الحرة أو الأمة فعند الخوف على النفس يجوز بطريق أولى.

ويترتّب على هذا النكاح آثار الصحة من إلحاق الولد وغيره من الآثار إلاّ في التوارث فإنه لا يكون إلاّ من طرف المسلم دون العكس.

فإذا ارتفعت التقية فهل يحكم ببقاء النكاح وصحّته وتدخل المسألة


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 3 .

حينئذ في مسألة ما إذا أسلم أحد الزوجين؟ أو يقال بالبطلان؟

ويمكن الاستدلال للأول بوجهين:

الأول: وحدة المناط في كلتا المسألتين.

الثاني: أنّ العقد إذا وقع صحيحاً ـ كما هو المفروض ـ فلا ينقلب عما هو عليه.

ولكن يمكن المناقشة في كلا الوجهين.

أما في الأول فيقال: بأنّ مقتضى الجمود على مورد الأدلة في إسلام أحد الزوجين هو اختصاص الحكم بمورده لعدم العلم بمناط الحكم، فتعديته إلى ما نحن فيه قياس باطل.

وأما في الثاني فيقال في جوابه: إنّ الاستدامة شرط أيضاً كالحدوث كما تقدمتفصيل ذلك في مسائل الطهارة والنجاسة، وبناء عليه فإذا ارتفعت التقية رجع الأمر إلى حكمه الواقعي الأولي.

الثالثة: لا تجوز مناكحة الناصبي ومن يلحق به، فإذا وقعت المناكحة مع العلم بالحرمة والاختيار فحكمها حكم مناكحة الكافر غير الكتابي المتقدّم في المسألة الأولى.

وأما إذا وقعت في حال التقية فلا إشكال في الجواز وذلك:

أولاً: للأدلة العامة الدالة على وجوب التقية في كل ضرورة.

وثانياً: للأدلة الخاصة الواردة في المقام.

ومنها: صحيحة زرارة(1)المتقدمة الواردة في تزويج أمّ كلثوم (علیها السلام) فإنّ قوله(علیه السلام): «إن ذلك فرج غصبناه» يدلّ على جواز وقوع ذلك عن تقية.


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 12 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 2 .

ومنها: صحيحة هشام بن سالم(1)المتقدمة أيضاً والواردة في نفس هذه القضية.

ويمكن استفادة الجواز أيضاً من صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الناصب الذي قد عرف نصبه وعداوته، هل يزوّجه المؤمن وهو قادر على ردّه، وهو لا يعلم بردّه؟ قال: لا يتزوّج المؤمن الناصبة ولايتزوّج الناصب المؤمنة، ولا يتزوّج المستضعف مؤمنة(2).

ومحل الشاهد قوله: وهو لا يعلم بردّه، فإنه وإن كان من كلام السائل إلاّ أنّ الإمام (علیه السلام) قرّر ذلك، وجوابه (علیه السلام) وإن كان في حال عدم التقية إلاّ أن المفهوم منه الجواز في حال التقية، ولولا ذلك لكان على الإمام (علیه السلام) البيان بتعميم النهي حتى في صورة علم الناصب بسبب الرد كأن يقول (علیه السلام) ـ مثلاً ـ : وإن علم بردّه.

وأما إذا كان النكاح مع عدم العلم بالنصب فيجوز، ويقع العقد صحيحاً ويدلّ على ذلك:

صحيحة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: دخل رجل على علي بن الحسين (علیهما السلام) فقال: إنّ امرأتك الشيبانية خارجية تشتم علياً (علیه السلام) فإن سرّك أن أسمعك ذلك منها أسمعتك، قال: نعم، قال: فإذا كان حين تريد أن تخرج كما كنت تخرج فعد فاكمن في جانب الدار، قال: فلما كان من الغد كمن في جانب الدار، وجاء الرجل فكلّمها فتبيّن منها ذلك فخلّى سبيلها، وكانت تعجبه(3).

وموثقة مالك بن أعين أنه دخل على أبي جعفر (علیه السلام) وعليه ملحفة حمراء فقال: إنّ الثقفية أكرهتني على لبسها وأنا أحبها (إلى أن قال:) ثم دخلت عليه


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 12 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 3 .

2) ـ نفس المصدر باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 3 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 7 .

وقد طلّقها، فقال: سمعتها تبرأ من عليّ فلم يسعني أن أمسكها وهي تبرأمنه(1).

ويؤيده رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث أنه كان له امرأة يقال لها: أمّ علي، وكانت ترى رأي الخوارج، قال: فأدرتها ليلة إلى الصبح أن ترجع عن رأيها وتولّى أمير المؤمنين (علیه السلام) فامتنعت عليّ، فلما أصبحت طلّقتها(2).

والمستفاد من هذه الروايات جواز النكاح مع عدم العلم بالنصب، وأما بعد العلم فإن حصلت التوبة فهو وإلاّ فيجب الطلاق.

وأما ما يمكن أن يستشكل به في خصوص مورد الروايات، وهو كيف يخفى ذلك على الإمام (علیه السلام) وهو العالم بالواقع؟ فقد أجبنا عنه فيما تقدم.

المقام الخامس: في مناكحة الكفار فيما بينهم:

وهذا المقام وإن كان خارجاً عن محلّ الكلام إلاّ أننا نتعرّض له تتميماً للفائدة، وهو يحتوي على كثير من الفروع والمسائل ونقتصر على ذكر المهمّ منها على نحو الاختصار، فنقول:

الظاهر عدم الخلاف في صحة المناكحة فيما بينهم، واستدل على ذلك بأمور:

الأول: الإجماع المدّعى في كلام غير واحد كالشيخ في الخلاف(3)والعلاّمة فيالتذكرة(4)وغيرهما في غيرهما.

الثاني: الأخبار والروايات العامة والخاصّة.


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 8 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 9 .

3) ـ الخلاف ج 4 كتاب النكاح المسألة 112 ، ص 334 .

4) ـ تذكرة الفقهاء 2 : 648 الطبع القديم.

أما الروايات العامة فمنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الأحكام، قال: يجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلّون(1).

ومنها: معتبرة أبي الحسن الحذّاء، قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) فسألني رجل ما فعل غريمك؟ قلت: ذاك ابن الفاعلة؟ فنظر إليّ أبو عبد الله (علیه السلام) نظراً شديداً قال: فقلت: جعلت فداك إنه مجوسيّ أمّه أخته، فقال: أو ليس ذلك في دينهم نكاحاً؟(2)

والرواية وإن كانت واردة في خصوص المجوسي، إلاّ أن المستفاد من جواب الإمام (علیه السلام) واستنكاره شمول الحكم لكل ذوي دين ولا خصوصية لمورد الرواية.

ومنها: موثقة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: نهى رسول الله(صلي الله علیه وآله) أن يقال للإماء: يا بنت كذا وكذا، وقال: لكل قوم نكاح(3).وهي واضحة الدلالة.

ويؤيد ذلك رواية عمرو بن نعمان الجعفي، قال: كان لأبي عبد الله (علیه السلام) صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينا هو يمشي معه في الحذّائين ومعه غلام له سنديّ يمشي خلفهما إذ التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرّات فلم يره، فلما نظر في الرابعة قال: يابن الفاعلة أين كنت؟ قال: فرفع أبو عبد الله (علیه السلام) يده فصكّ بها جبهة نفسه، ثم قال: سبحان الله تقذف أمّه!! قد كنت أرى (أو أريتني) أنّ لك ورعاً، فإذا ليس لك ورع، فقال: جعلت فداك إنّ أمّه سنديّة مشركة، فقال: أما علمت أنّ لكل أمّة نكاحاً، تنحّ عنّي، قال: فما رأيته يمشي


1) ـ وسائل الشيعة ج 18 باب 4 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 4 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 18 باب 1 من أبواب حدّ القذف، الحديث 3 .

3) ـ تهذيب الأحكام ج 7 باب من الزيادات في فقه النكاح، الحديث 99 ، ص 472 .

معه حتى فرّق بينهما الموت(1).

وغيرها من الروايات.

وأما الروايات الخاصة فهي كثيرة:

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: سألته عن رجل هاجر وترك امرأته مع المشركين، ثم لحقت به بعد ذلك أيمسكها بالنكاح الأول أو تنقطع عصمتها؟ قال: بل يمسكها وهي امرأته(2). وغيرها من الروايات.

الثالث: السيرة القطعية الثابتة عن النبي (صلي الله علیه وآله) من إقرارهكلّ من يدخل الإسلام على نكاحه من دون أن يأمر (صلي الله علیه وآله) بتجديد العقد، وذاك أمر محقّق ولم يناقش فيه أحد.

ويؤيد ذلك:

أولاً: أنّ التعبيرات الواردة في القرآن من نسبة النساء إلى أزواجهم وإن كانت أنكحتهم جاهلية، كما في قوله تعالى: «وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ»(3)، وقوله تعالى: «وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ...»(4)وغيرهما من الآيات الدالة على إضافة النساء إلى أزواجهن بنكاحهن على طبق مللهم وأديانهم.

وثانياً: ما ذكره الشيخ في كتاب الخلاف عن العامة من الروايات الدالة على إقرار النبي (صلي الله علیه وآله) لنكاح من يدخل في الإسلام ، ومنها:


1) ـ وسائل الشيعة ج 11 باب 73 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 ، إلاّ أن الوارد في روضة المتقين 10 : 106 عمرو بن شمر بدلاً من عمرو بن نعمان ولعله تصحيف فإنه لم يرد عن عمرو بن نعمان إلاّ هذه الرواية.

2) ـ نفس المصدر ج 14 باب 5 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1 .

3) ـ سورة المسد، الآية: 4 .

4) ـ سورة القصص، الآية: 9 .

أنّ غيلان بن مسلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبي (صلي الله علیه وآله): أمسك أربعاً وفارق سائرهن، وفي رواية أخرى أمره النبي (صلي الله علیه وآله) أن يختار أربعاً ويفارق البواقي(1). وغيرها من الروايات.

والحاصل: أنه لا إشكال في أصل المسألة وأنّ بعض أنكحة الجاهلية صحيحة وقد أقرّها الإسلام وأمضاها.

فإذا أسلم الزوجان أو أحدهما ففيه ثلاث صور:

الأولى: أن يكون الإسلام من كلا الطرفين، الزوج والزوجة.الثانية: أن يكون من طرف الزوج دون الزوجة.

الثالثة: أن يكون من طرف الزوجة دون الزوج.

أما الصورة الأولى فإن كان عدد النساء أربعاً أو أقلّ من أربع فلا إشكال في بقاء النكاح بلا خلاف ولا إشكال كما في الجواهر(2)، إلاّ أنه مشروط بما إذا لم يكن النكاح مشتملاً على ما يقتضي فساده بقاءً، كما إذا كان فيه جمع بين الأختين أو بين الأم والبنت، أو كان بإحدى المحارم نسباً أو سبباً، وغير ذلك من الموارد التي توجب الفساد بقاءً، وكذا الكلام بالنسبة للمرأة كما إذا كانت متزوجة ـ حال الكفر ـ برجلين على نحو التقارن بمعنى أنّ كلا العقدين وقعا في زمان واحد.

وأما إذا كان وقوعهما على نحو الترتيب فيحكم بصحّة العقد الأول دون الثاني.

وأما إذا كان المقتضي للفساد منقضياً كما إذا كان العقد من الأول وقع في


1) ـ الخلاف ج 4 كتاب النكاح المسألة 102 ، ص 323 .

2) ـ جواهر الكلام 30 : 58 الطبعة السادسة.

العدّة وكان صحيحاً بحسب ملّتهم فانقضت العدّة حين الإسلام فالنكاح باق على حاله، ويحكم بصحّته ولا يحتاج إلى تجديد العقد بعد الإسلام.

وإن كان النساء أكثر من أربع وجب على الزوج أن يختار أربعاً منهن مع ملاحظة الشرط المتقدم، أي: بأن لا يكون في اختياره ما يقتضي الفساد بقاءً، وقدادّعي عدم الخلاف في ذلك كما في التذكرة(1)، بل الإجماع عليه كما في الخلاف(2).

ويدلّ على ذلك أيضاً رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (علیه السلام) في مجوسيّ أسلم ولم سبع نسوة وأسلمن معه كيف يصنع؟ قال: يمسك أربعاً ويطلق ثلاثاً(3).

وهي واضحة الدلالة، وأما من جهة السند فهي وإن اشتمل سندها على شخصين لم يرد فيهما توثيق وهما محمد بن عبد الله بن هلال، وعقبة بن خالد، إلاّ أنهما واقعان في أسناد كتاب نوادر الحكمة(4)وذلك أمارة على التوثيق على ما قرّرناه في محلّه، وبناء عليه فالرواية معتبرة والاستدلال بها تام.

ويؤيد ذلك عدة من الروايات الواردة عن طرق الخاصّة(5)والعامة، ومن الثاني ما تقدم ذكره عن الشيخ في الخلاف(6)من أنّ غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة.

والحاصل: أنّ هذا الحكم مما لا إشكال فيه.

وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان الإسلام من طرف الزوج دون


1) ـ تذكرة الفقهاء 2 : 648 الطبع القديم.

2) ـ الخلاف ج 4 كتاب النكاح، المسألة 102 ، ص 323 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 6 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث 1 .

4) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 142 و 145 الطبعة الأولى.

5) ـ مستدرك الوسائل ج 14 ، باب 4 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الأحاديث 1 و 2 ، ص427 ـ 428 .

6) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب النكاح، المسألة 102 ، ص 323 .

الزوجة، فإن كانت الزوجة كتابية فالنكاح باق على حاله، سواء كان إسلامه قبل الدخول أو بعده، وسواء أسلمت الزوجة بعد ذلك أو لا، وذلك لدعوى عدم الخلاف فيه كما في الجواهر(1)بل هو موضع وفاق كما في المسالك(2).

ولما دلّ من الروايات الخاصة على جواز استدامة نكاح الكتابية إذا أسلم زوجها، ومنها صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة(3).

نعم ورد في خصوص المجوسية أنّ بقاء النكاح يتوقف على إسلام المرأة قبل انقضاء عدّتها كما في رواية منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل مجوسيّ كانت تحته امرأة على دينه فأسلم أو أسلمت، قال: ينتظر بذلك انقضاء عدّتها، فإن هو أسلم أو أسلمت قبل أن تنقضي عدّتها فهما على نكاحهما الأول، وإن هي لم تسلم حتى تنقضي العدّة فقد بانت منه(4).

وإن كانت الزوجة كافرة غير كتابية انفسخ العقد في الحال إن كان قبل الدخول، وأما إذا كان إسلام الزوج بعد الدخول، فبقاء النكاح يتوقف على إسلامها قبل انقضاء عدتها، فإن أسلمت قبل الانقضاء فهو وإلاّ بانت منه.وقد ادّعى في الجواهر(5)نفي الخلاف على ذلك فتوى ونصاً، بل احتمل الاتّفاق عليه نقلاً وتحصيلاً.

وأما الصورة الثالثة وهي ما إذا كان الإسلام من طرف الزوجة دون الزوج فإن كان إسلامها قبل الدخول انفسخ العقد لحرمة تزويج المسلمة من الكافر كتابيّاً كان أو غيره.


1) ـ جواهر الكلام 30 : 50 الطبعة السادسة.

2) ـ مسالك الأفهام 1 : 490 الطبع القديم.

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 5 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1 .

4) ـ نفس المصدر باب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 3 .

5) ـ جواهر الكلام 30 : 54 الطبعة السادسة.

وإن كان إسلامها بعد الدخول توقف بقاء النكاح على إسلامه قبل انقضاء عدتها، فإن أسلم فهو وإلاّ بانت منه من حين إسلامها وفاقاً للأكثر بل للمشهور، كما في الجواهر(1)وذلك لنفي السبيل(2)وللنصوص الدالة على ذلك:

ومنها: معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (علیهم السلام) أنّ امرأة مجوسية أسلمت قبل زوجها، فقال علي (علیه السلام): لا يفرّق بينهما، ثم قال: إن أسلمت قبل انقضاء عدّتها فهي امرأتك، وإن انقضت عدّتها قبل أن تسلم ثم أسلمت فأنت خاطب من الخطّاب(3).

ومنها: رواية منصور بن حازم المتقدمة(4).

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذاأسلمت امرأة وزوجها على غير الإسلام فرّق بينهما(5).

ومنها: صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن الرجل تكون له الزوجة النصرانية فتسلم هل يحلّ لها أن تقيم معه؟ قال: إذا أسلمت لم تحلّ له، قلت: فإن الزوج أسلم بعد ذلك أيكونان على النكاح؟ قال: لا، يتزوج بتزويج جديد(6).

ثم إنه لا فرق ـ كما ذكرنا ـ في الحكم بين كون الزوج ذميّاً أو غيره، نعم ذهب الشيخ في النهاية(7)والتهذيبين(8)إلى الحكم ببقاء النكاح إذا كان الزوج


1) ـ جواهر الكلام 30 : 52 الطبعة السادسة.

2) ـ سورة النساء، الآية: 141 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 2 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

6) ـ نفس المصدر باب 5 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 5 .

7) ـ النهاية ونكتها 2 : 300 الطبعة الأولى المحققة.

8) ـ تهذيب الأحكام ج 7 باب من يحرم نكاحهن بالأسباب دون الأنساب، الحديثان 12 و 17 ، والاستبصار ج 3 باب الرجل والمرأة إذا كانا ذميين فتسلم المرأة دون الرجل، الحديثان 1 و 6 .

ذميّاً، وكان على شرائط الذمة إلاّ أنه لا يمكّن من الدخول إليها ليلاً، ولا من الخلوة بها، ولا من إخراجها من دار الهجرة إلى دار الحرب.

وذهب في المبسوط(1)إلى ما عليه المشهور من عدم الفرق بين الذمي وغيره واستدلّ على بقاء النكاح برواية جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما(علیهما السلام) أنه قال في اليهودي والنصراني والمجوسي إذا أسلمت امرأته ولم يسلم قال: هما على نكاحهما، ولا يفرق بينهما، ولا يترك أن يخرج بهامن دار الإسلام إلى دار الهجرة(2).

وبرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ أهل الكتاب وجميع من له ذمّة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما، وليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها، ولا يبيت معها، ولكنّه يأتيها بالنهار، وأما المشركون مثل مشركي العرب وغيرهم فهم على نكاحهم إلى انقضاء العدّة، فإن أسلمت المرأة ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدّتها فهي امرأته، وإن لم يسلم إلاّ بعد انقضاء العدّة فقد بانت منه، ولا سبيل له عليها الحديث(3).

ولكن كلتا الروايتين ضعيفتان بالإرسال، وبمقتضى الروايات المعتبرة المتقدّمة هو القول بعدم الفرق بين الذمّي وغيره في الحكم وهو ما عليه المشهور.


1) ـ المبسوط في فقه الإمامية 4 : 220 الطبعة الثانية.

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر، الحديث 5 .

المتعة أو النكاح المنقطع

اشارة

ومما يناسب المقام ـ تتميماً للفائدة ـ التعرّض لإحدى المسائل الخلافية والتي لا تقلّ أهمية عما تقدّم، وهي مسألة النكاح المنقطع، والتحقيق حول بقاء مشروعيّته وعدمه، إذ وقع الخلاف بين الخاصّة والعامة بعد إجماع المسلمين قاطبة على حلّيته في زمان النبي (صلي الله علیه وآله)، فذهب الخاصة إلى القول ببقاء الحلية، بل عدّوا ذلك من ضروريات مذهبهم، كما صرّح به صاحب الجواهر(1).

وذهب العامة إلى القول بأنّ هذا النكاح منسوخ، وأنكروا بقاء الحلية وتشددوا في ذلك، بل جاوز بعضهم حدّ الاعتدال فاتهم الشيعة الإمامية ـ زوراً وبهتاناً ـ بأنهم يبيحون الزنا والعياذ بالله.

والسبيل إلى معرفة الحق في هذه المسألة هو الاهتداء بالقرآن الكريم، والأخذ بما أثر عن النبي (صلي الله علیه وآله)، والبحث حول هذا الأمر على ضوء الموازين الشرعية المقرّرة، بعيداً عن العصبية، وتجرّداً عن الهوى، والتزاماً بالعدل والإنصاف.

ولابدّ قبل الشروع أن نذكر أقوال بعض الفقهاء من كلا الفريقين في هذهالمسألة فنقول وبالله التوفيق:

أما من الخاصة فقد قال الشيخ ! في الخلاف: نكاح المتعة عندنا مباح


1) ـ جواهر الكلام 30 : 149 الطبعة السادسة.

جائز... وبه قال علي (علیه السلام) على ما رواه أصحابنا، وروي ذلك عن ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، وابن جريح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء.

وحكى الفقهاء تحريمه عن علي (علیه السلام) وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن الزبير، وابن عمر، وقالوا: إنّ ابن عباس رجع عن القول بإباحتها(1).

وقال ابن إدريس في السرائر: النكاح المؤجّل مباح في شريعة الإسلام، مأذون فيه، مشروع بالكتاب، والسنة المتواترة، وبإجماع المسلمين، إلاّ أنّ بعضهم ادّعى نسخه فيحتاج في دعواه إلى تصحيحها ودون ذلك خرط القتاد(2).

وقال: وأيضاً فقد سبق إلى القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الأقوال من الصحابة والتابعين كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیهما السلام) ، وابن عباس، ومناظرته لابن الزبير معروفة، رواها الناس كلّهم ونظم الشعراء فيها الأشعار فقال بعضهم:

أقول للشيخ لما طال مجلسه *** ياصاح هل لك في فتوى ابن عباس

هل لك في قينة بيضاء بهكنة *** يكون مثواك حتى مصدر الناس

وعبد الله بن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن جبير، وابن جريح، فإنهم كانوا يفتون بها فادّعاء الخصم الاتفاق على حظر النكاح المؤجّل باطل(3).

وأما من العامة فقد قال الرازي في تفسير قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ


1) ـ الخلاف ج 4 ـ كتاب النكاح ـ مسألة 119 ، ص 340 .

2) ـ السرائر ج 2 ـ كتاب النكاح ـ باب النكاح المؤجل وما في ذلك من الأحكام ص 618 .

3) ـ نفس المصدر ص 619 ـ 620 .

مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ»(1): المسألة الثالثة: في هذه الآية قولان: أحدهما: وهو قول أكثر علماء الأمة أنّ قوله: «أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ»(2)المراد منه ابتغاء النساء بالأموال على طريق النكاح، وقوله: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» فإن استمتع بالدخول آتاها المهر بالتمام، وإن استمتع بعقد النكاح آتاها نصف المهر.

والقول الثاني: أنّ المراد بهذه الآية حكم المتعة، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معيّن فيجامعها، واتفقوا على أنها كانت مباحة في ابتداء الإسلام، روي أنّ النبي (صلي الله علیه وآله) لما قدم مكّة في عمرته تزين نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول (صلي الله علیه وآله) طول العزوبة، فقال: استمتعوا من هذه النساء، واختلفوا في أنها هل نسخت أم لا؟ فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها منسوخة، وقال السواد منهم: إنها بقيت مباحةكما كانت، وهذا القول مرويّ عن ابن عباس، وعمران بن الحصين(3).

وقال ابن حزم في المحلّى: ولا يجوز نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجل، وكان حلالاً على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) ثم نسخها الله تعالى على لسان رسوله(صلي الله علیه وآله) نسخاً باتاً (تاماً) إلى يوم القيامة، وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله (صلي الله علیه وآله) جماعة من السلف رضي الله عنهم، منهم من الصحابة رضي الله عنهم، أسماء بنت أبي بكر الصديق، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث، وأبو سعيد الخدري، وسلمة ومعبد ابنا أميّة بن خلف، ورواه جابر بن عبد الله عن جميع الصحابة مدة رسول الله، ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، واختلف في إباحتها عن ابن


1) ـ سورة النساء، الآية: 24 .

2) ـ سورة النساء، الآية: 24 .

3) ـ التفسير الكبير 10 : 49 الطبعة الثالثة.

الزبير، وعن علي فيها توقف، وعن عمر بن الخطاب أنه إنّما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، وإباحتها بشهادة عدلين، ومن التابعين طاووس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة أعزّها الله، وقد تقصّينا الآثار المذكورة في كتابنا الموسوم بالإيصال، وصحّ تحريمها عن ابن عمر، وعن ابن أبي عمرة الأنصاري، واختلف فيها عن علي، وعمر، وابن عباس، وابن الزبير، وممّن قال بتحريمها وفسخ عقدها من المتأخرين، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأبو سليمان، وقال زفر: يصحّ العقد ويبطل الشرط(1).

إذا تبيّن هذا فيقع البحث في أربعة مواضع:الأول: في بيان مقتضى الأصل والقاعدة في حكم المتعة.

الثاني: في حكم المتعة بمقتضى أدلة العامة.

الثالث: في حكمها بمقتضى أدلة الخاصّة.

الرابع: في أحكام التقية في المتعة.

حكم المتعة:

أما الموضع الأول فإن مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن أدلة الطرفين هو حلية كلّ عقد قرّره الشارع ولم يردع عنه سواء كان العقد تأسيساً أو إمضاءاً.

وقد قامت الأدلة الشرعية القطعية من السنة وإجماع المسلمين قاطبة على حلّية المتعة، كما أنّ بعضهم قد استند إلى الكتاب الكريم في الحكم بالحلية.

أما السنة فقد بلغت الروايات الدالة على الحلية حدّ التواتر بل فوق التواتر عند العامة والخاصة، وتتفق جميع الروايات في دلالتها على أنها كانت مشروعة في زمان مّا، وإذا كان ثمّة اختلاف فإنّما هو في بقاء مشروعيتها أو


1) ـ المحلّى ج 9 ـ كتاب النكاح ـ المسألة 1854 ، ص 519 ـ 520 .

ارتفاعه بعد ذلك.

وأما الإجماع على الحلية فهو ثابت عند كافة المسلمين ولم يخالف في ذلك أحد على الإطلاق.

وأما الكتاب فإنه وإن استند جمع من الأصحاب إلى قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ»(1)في الحكم بحلّية المتعة، وأنّ الآية نزلتفي نكاح المتعة لا في النكاح الدائم، كما اعترف بذلك الرازي(2)والجصّاص(3)وغيرهما(4)من علماء العامة، إلاّ أنه لما لم تتفق الكلمة بينهم على نزول الآية الشريفة في المتعة، وإنما اتفقت كلمة الخاصة فقط على ذلك فلذا نرجىء البحث حول الآية إلى الموضع الثالث الذي نتناول فيه أدلة الخاصة.

وبالجملة فيكفينا في المقام قيام الدليلين القطعيين السنة والإجماع على الحكم بالحلية، ولم يرد الإنكار أو الخلاف عن أحد من المسلمين.

فمقتضى القاعدة هو بقاء الحلّية واستمرارها إلاّ أن يقوم دليل قطعي أو حجّة شرعية على النسخ أو التحريم، فإنّ استصحاب عدم النسخ هو أحد الأمور المسلّمة عند فقهاء المسلمين، فإن تمّ دليل القائلين بالنسخ فهو، وإلاّ فلابدّ من الرجوع إلى مقتضى الأصل والعمل على طبقه.

أدلة تحريم المتعة:

وأما الموضع الثاني وهو البحث عن حكم المتعة على ضوء أدلة العامة فالمستفاد من كلماتهم أنّ المتعة كانت مباحة في أوائل زمان النبي (صلي الله علیه وآله) ثم


1) ـ سورة النساء، الآية: 24 .

2) ـ التفسير الكبير 10 : 49 .

3) ـ أحكام القرآن ج 2 باب المتعة، ص 147 .

4) ـ أنوار التنزيل 1 : 213 .

نسخت، وحكم بحرمتها، وصارت بمنزلة الزنا؛ وذلك لوجوه:

الأول: بالروايات الكثيرة، وقد ادّعى ابن رشد وغيره تواتر الأخبار في ذلكحيث قال: وأما نكاح المتعة فإنه وإن تواترت الأخبار عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) بتحريمه إلاّ أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم(1).

الثاني: بالإجماع وقد ادّعاه غير واحد منهم(2).

الثالث: بالآيات وهي وإن كانت محل خلاف عندهم إلاّ أنّ بعضهم حيث سلّم بأنّ الآية الشريفة «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ»(3)نزلت في نكاح المتعة، ادّعى أنها منسوخة بقوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»(4)نظراً إلى أنّ المرأة المتمتع بها ليست بزوجة، ولا بملك يمين. أو بقوله تعالى: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ...»(5)نظراً إلى أن نكاح المتعة لا طلاق فيه، فلا تكون المرأة المتمتع بها داخلة في النساء، أو بقوله تعالى: «وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ ...»(6)، نظراً إلى أنّ المرأة المتمتع بها لا ميراث لها، فيعلم أنهاليست بزوجة.

هذه مجموع أدلّتهم على الحرمة إجمالاً ولابدّ من البحث حولها تفصيلاً وبيان مقدار دلالتها.


1) ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2 : 57 ، وأحكام القرآن 2 : 152 .

2) ـ نيل الأوطار 6 : 271 ـ 272 . والجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) 5 : 133 .

3) ـ سورة النساء، الآية: 24 .

4) ـ سورة المؤمنون، الآية: 5 ـ 6 .

5) ـ سورة الطلاق، الآية: 1 .

6) ـ سورة النساء، الآية: 12 .

أما ما دلّ من السنة على الحرمة فعدّة روايات.

الأولى: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا ابن عيينه أنه سمع الزهري يقول: أخبرني الحسن بن محمد بن علي، وأخوه عبد الله، عن أبيهما، أنّ علياً رضي الله عنه قال لابن عباس: إنّ النبي (صلي الله علیه وآله) نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر(1).

وقد وردت هذه الرواية بألفاظ مختلفة.

الثانية: ما رواه أيضاً عن محمد بن بشار، حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن أبي جمرة، قال: سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء فرخّص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة، فقال ابن عباس: نعم(2).

الثالثة: ما رواه أيضاً عن علي، حدثنا سفيان قال عمرو: عن الحسن بن محمد، عن جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، قالا: كنّا في جيش فأتانا رسول الله(صلي الله علیه وآله) فقال: إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا(3).الرابعة: ما رواه البخاري أيضاً قال: وقال ابن أبي ذئب: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، عن رسول الله (صلي الله علیه وآله): أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة (بعشرة) ما بينهما ثلاث ليال، فإن أحبّا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا، فما أدري أشيء كان لنا خاصّة أم للناس عامّة(4).

قال أبو عبد الله (البخاري): و (قد) بيّنه علي عن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه منسوخ(5).


1) ـ صحيح البخاري ج 7 ـ كتاب النكاح ـ باب نهي رسول الله (صلي الله علیه وآله) عن نكاح المتعة آخر ص 16 .

2) ـ نفس المصدر ص 16 .

3) ـ نفس المصدر ص 16 .

4) ـ صحيح البخاري ج 7 ـ كتاب النكاح ـ باب نهي رسول الله (صلي الله علیه وآله) عن نكاح المتعة، آخر ص 16 .

5) ـ نفس المصدر، ص 16 .

الخامسة: ما رواه المتقي الهندي في كنز العمال عن ابن قانع عن حارث بن غزية: متعة النساء حرام، ولا أعلم أحداً أعدى على الله ممن استحلّ حرمات الله وقتل غير قاتله، وإنّ مكة هي حرم الله عزوجل(1).

السادسة: ما رواه في الكنز أيضاً: إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع، وإنّ الله تعالى قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً(2).

ورواه مسلم في صحيحه بسنده عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه(3).السابعة: ما رواه أبو داود والبيهقي في سننهما بسنديهما عن الزهري، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز ، فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل يقال له ربيع ابن سبرة: اشهد على أبي أنه حدّث أنّ رسول الله نهى عنها في حجّة الوداع(4).

الثامنة: ما رواه البيهقي عن سالم بن عبد الله أنّ رجلاً سأل عبد الله بن عمر عن المتعة فقال: حرام، قال: فإنّ فلاناً يقول فيها، فقال: والله لقد علم أنّ رسول الله(صلي الله علیه وآله) حرّمها يوم خيبر وما كنّا مسافحين(5).

التاسعة: ما نقله في نيل الأوطار من حديث جابر، قال: خرجنا مع رسول الله(صلي الله علیه وآله) إلى غزوة تبوك، حتى إذا كنّا عند الثنية مما يلي الشام جاءتنا نسوة تمتعنا بهن يطفن برحالنا، فسألنا رسول الله (صلي الله علیه وآله) عنهن، فأخبرناه، فغضب، وقام فينا خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ونهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ ولم نعد ولا نعود فيها أبداً، فلهذا سميت بثنية الوداع(6).


1) ـ كنز العمال ج 16 ، الحديث 44755 ، ص 328 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 44753 ، ص 328 .

3) ـ صحيح مسلم ج 2 ـ كتاب النكاح ـ باب ما جاء في نكاح المتعة، الحديث 21 ، ص 1025 .

4) ـ سنن ابن داود 2 : 227 ، والسنن الكبرى 7 : 204 .

5) ـ السنن الكبري 7 : 202 .

6) ـ نيل الأوطار 6 : 272 .

قال الحافظ: وهذا اسناد ضعيف لكن عند ابن حبان من حديث أبي هريرة ما يشهد له(1).

العاشرة: ما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله(صلي الله علیه وآله) في غزوة تبوك، فنزلنا بثنية الوداع، فرأى نساء يبكين،فقال: ما هذا؟ قيل: نساء تمتع بهنّ أزواجهن ثم فارقوهن، فقال رسول الله: حرّم أو هدم المتعة النكاحُ والطلاقُ والعدةُ والميراثُ(2).

ورواه الدارقطني أيضاً في سننه(3).

الحادية عشرة: ما رواه السيوطي في الدر المنثور عن ابن مسعود قال: كنّا نغزو مع رسول الله (صلي الله علیه وآله) وليس معنا نساؤنا، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ »(4).

الثانية عشر: ما رواه البيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أول الإسلام، وكانوا يقرأون هذه الآية «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى» الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس بها معرفة فيتزوّج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته لتحفظ متاعه وتصلح شأنه، حتى نزلت هذه الآية «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ » إلى آخر الآية، فنسخ الأولى فحرمت المتعة، وتصديقها من القرآن «إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ» وما سوى هذا الفرج فهو حرام(5).


1) ـ نيل الأوطار 6 : 273 .

2) ـ السنن الكبرى 7 : 207 .

3) ـ سنن الدارقطني ج 3 كتاب النكاح، الحديث 54 ، ص 259 .

4) ـ الدر المنثور 2 : 485 .

5) ـ نفس المصدر ص 484 ، وسنن الترمذي 3 : 430 .

الثالثة عشر: ما نقله السيوطي عن ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن أبي مليكة قال: سئلت عائشة عن متعة النساء فقالت: بينيوبينكم كتاب الله، وقرأت: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ» فمن ابتغى وراء ما زوّجه الله أو ملكه فقد عدا(1).

الرابعة عشر: ما رواه البيهقي عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر بن الخطاب (رض) قال: صعد عمر على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة؟ وقد نهى رسول الله (صلي الله علیه وآله) عنها، ألا وإني لا أوتي بأحد نكحها إلاّ رجمته(2).

الخامسة عشر: ما ذكره السيوطي قال: وأخرج البيهقي عن أبي ذر، قال: إنما حلّت لأصحاب رسول الله متعة النساء ثلاثة أيام، نهى عنها رسول الله(صلي الله علیه وآله)(3).

السادسة عشر: ما رواه البيهقي عن بسام الصيرفي قال: سألت جعفر بن محمد عن المتعة فوصفتها (له) فقال لي: ذلك الزنا(4).

هذه هي الروايات الواردة في كتب العامة التي يمكن الاستدلال بها على التحريم وما عداها مما لم نذكره يرجع إلى أحد هؤلاء الرواة.

وفيها أولاً: ان بعض هذه الروايات لا دلالة فيها على التحريم كالثانية،والثالثة، والرابعة، والحادية عشر، فإنها كلها تدلّ على الإباحة فقط، وبعضاً آخر منها ليس من كلام النبي (صلي الله علیه وآله) بل من كلام الأصحاب كالخامسة والسادسة والثانية عشر والثالثة عشر، مضافاً إلى أنّ الروايتين الأخيرتين ليستا


1) ـ الدر المنثور 6 : 88 .

2) ـ السنن الكبرى 7 : 206 .

3) ـ الدر المنثور 2 : 486 .

4) ـ السنن الكبرى 7 : 207 .

صريحتين في التحريم لأنّ المدّعى أنّ المرأة المتمتع بها داخلة في الأزواج، وعلى فرض دلالتهما على التحريم فهو اجتهاد من ابن عباس وعائشة، على أنه سيأتي من أنّ ابن عباس كان من المتشدّدين في القول بالحلّية، ويؤكده أنّ الروايات الواردة في رجوع ابن عباس عن القول بالحلّية كلها ضعيفة الأسناد كما صرّح بذلك الشوكاني في نيل الأوطار(1).

وأما الروايتان الأولى والأخيرة فلم تثبتا لأن المعروف من مذهب أمير المؤمنين وجعفر بن محمد خلاف ذلك كما سيأتي أيضاً.

وأما الرواية الثامنة فهي محل كلام للاختلاف في نسبة التحريم إلى ابن عمر.

وأما الرواية الرابعة عشر فهي غريبة إذ سيأتي أنّ عمر نفسه قد شهد بأنّ المتعة كانت حلالاً على عهد رسول الله، وهو الذي حرّمها وتوعّد بالعقاب عليها.

وأما الرواية الخامسة عشر فيبعّدها أنّ أبا ذر من شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) وأتباعه، ومذهب علي (علیه السلام) فيها معروف كما ذكرنا.

فتبقى في المقام ثلاث روايات يمكن الاستدلال بها، وهي السابعة والتاسعة والعاشرة، على ما فيها من التأمل في أسناد بعضها.وثانياً: هل يمكن أن يدّعى التواتر بهذا المقدار حتى مع فرض التسليم بصحّة جميع الروايات سنداً ودلالة، أليس مما يثير العجب أن يدّعي ابن رشد تواتر الأخبار على التحريم؟ وأين موقع هذه الدعوى من العلم والتحقيق؟

وثالثاً: لو سلّمنا بتحقق التواتر بهذا المقدار، فهل يكون مفيداً للعلم إذا كان هناك تواتر على خلافه كما هو الحال في المتعة؟ فإنّ الروايات الدالة على الحلّية أضعاف ما دلّ على التحريم وقد ادّعي التواتر فيها.


1) ـ نيل الأوطار 6 : 271 .

ورابعاً: إنّ هذه الروايات لا يمكن الاستناد إليها والأخذ بها، إما لجهة الضعف في أسناد بعضها كما أشرنا، وإما لجهة التعارض فيما بينها ففي بعضها أنّ التحريم كان في يوم الفتح، وفي بعضها في يوم خيبر، وفي بعضها يوم تبوك، وفي بعضها في عمرة القضاء، وفي بعضها في يوم أوطاس، وفي بعضها يوم حنين وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها أنّ المتعة حرّمت، ثم حلّلت، ثم حرّمت، إلى غير ذلك من الاختلافات حتى بلغت أقوال العامة فيها إلى عشرة أقوال متضاربة، مضافاً إلى خلوّ خطب النبي (صلي الله علیه وآله) في يوم خيبر ويوم الفتح وحجة الوداع عن التلويح فضلاً عن التصريح بالتحريم، وقد تنبّه إلى ذلك السهيلي وهو من علماء العامة فأورده مورد الإشكال حيث قال: ومما يتصل بحديث النبي عن أكل لحوم الحمر تنبيه على إشكال في رواية مالك عن ابن شهاب فإنه قال فيها: نهى النبي (صلي الله علیه وآله) عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثرأنّ المتعة حرمت يوم خيبر ...(1).

وخامساً: إنّ الروايات الدالة على التحريم كلّها مخالفة لما ورد في روايات كثيرة اشتملت على الصحاح والحسان من أنّ النهي كان في زمان عمر، وأنها كانت حلالاً على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) وعهد أبي بكر، بل وشطر من زمان عمر.

ومنها: ما رواه أبو نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت، فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما على عهد رسول الله(صلي الله علیه وآله)، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما، وفي لفظ آخر: وعلى عهد أبي بكر فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إنّ رسول الله هذا الرسول، وإنّ القرآن هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتين على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهما وأعاقب


1) ـ المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي : 82 .

عليهما، إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى اجل إلاّ غيبته بالحجارة والأخرى متعة الحج(1).

ومنها: ما روي عن عمر أنه قال في خطبته: متعتان كانتا على عهد رسول الله،وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، متعة الحج، ومتعة النساء(2).

ومنها: ما روي عنه أيضاً أنه قال: ثلاث كنّ على عهد رسول الله، أنا محرمهنّ ومعاقب عليهنّ، متعة الحج، ومتعة النساء، وحي على خير العمل في الأذان(3).

ومنها: ما عن سعيد بن المسيب قال: نهى عمر عن متعتين، متعة النساء ومتعة الحج(4).

ومنها: ما عن عروة بن الزبير أنه قال لابن عباس: أهلكت الناس، قال: وما ذاك؟ قال: تفتيهم في المتعتين وقد علمت أنّ أبا بكر وعمر نهيا عنهما، فقال: ألا للعجب، إني أحدّثه عن رسول الله، ويحدّثني عن أبي بكر وعمر !! فقال: هما كانا أعلم بسنة رسول الله وأتبع لها منك(5).

ومنها: ما رواه عمران بن سواد الليثي، قال: صلّيت الصبح مع عمر فقرأ سبحان وسورة معها، ثم انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة؟ قلت: حاجة، قال:


1) ـ صحيح مسلم ج 2 كتاب النكاح باب المتعة، الأحاديث15 و 16 و 17 ، ص 1023، والحديث27 ص 1026 ، ومسند أحمد ج 4 الحديث 14420 ، ص 325، والحديث 14500 ص337، والسنن الكبرى ج 5 ص 21 ، وج 7 ص 207 ، وكنز العمال ج 16 ، الحديث 45715، ص519 .

2) ـ كنز العمال ج 16 الحديث 45723 ص 521 ، وتاريخ ابن خلكان ج 6 ص 150، وفيه زيادة: وعلى عهد أبي بكر، وزاد المعاد ج 3 ص 463 ، وفيه: ثبت عن عمر، والمبسوط ج 4 ص 27 ، وفيه: وقد صح أنّ عمر ... .

3) ـ شرح التجريد آخر مبحث الإمامة الطبع القديم، والمسترشد ص 516 .

4) ـ الدر المنثور ج 2 ص 487 ، وكنز العمال ج 16 الحديث 45718 ص 520 .

5) ـ كنز العمال ج 16 الحديث 45713 ص 519 .

فالحق، قال: فلحقت فلمّا دخل أذن، فإذا هو على رمال سرير ليس فوقه شيء، فقلت: نصيحة، قال: مرحباً بالناصح غدوّاً وعشيّاً، قلت: عابت أمّتك ـ أو قال:رعيتك ـ عليك أربعاً، قال: فوضع رأس درّته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، وقال: هات، قال: ذكروا أنك حرّمت المتعة في أشهر الحج، وهي حلال ولم يحرمها رسول الله(صلي الله علیه وآله)، ولا أبو بكر (رض)، فقال: أجل إنكم إذا اعتمرتم في أشهر حجّكم رأيتموها مجزئة عن حجّكم فقرع حجّكم، فكانت قابية قوب عامها، والحج بهاء من بهاء الله، وقد أصبتَ، قال: وذكروا أنك حرّمت متعة النساء، وقد كان رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث، قال: إنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) أحلّها في زمان ضرورة، ورجع الناس إلى السعة ثم لم أعلم أحداً من المسلمين عاد إليها ولا عمل بها، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق وقد أصبتَ...(1).

ومنها: ما روي عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، الأيام على عهد رسول الله وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث(2).

ومنها: ما روي عن جابر أيضاً قال: كانوا يتمتّعون من النساء حتى نهاهم عمر بن الخطاب(3).

ومنها: ما رواه ابن جريح قال: أخبرني أبو الزبير عن جابر، قال: قدم عمروبن حريث الكوفة، فاستمتع بمولاة، فأتي بها عمر وهي حبلى، فسأله فاعترف، قال: فذلك حين نهى عنها عمر(4).


1) ـ شرح نهج البلاغة 12 : 121 .

2) ـ فتح الباري 9 : 141 ، وصحيح مسلم ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة، الحديث 16 ص1023 ، وزاد المعاد 3 : 462 ، وكنز العمال ج 16 الحديث 45132 ص523 .

3) ـ كنز العمال ج 16 الحديث 45719 ص 520 .

4) ـ فتح الباري 9 : 141 .

ومنها: ما روي عن عطاء قال: قدم جابر بن عبد الله معتمراً، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا المتعة، فقال: استمتعنا على عهد رسول الله(صلي الله علیه وآله) وأبي بكر وعمر، وفي لفظ أحمد: حتى إذا كان في آخر خلافة عمر، ثم نهى الناس عنه(1).

ومنها: ما روي عن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، قالا: تمتعنا إلى نصف من خلافة عمر (رض) حتى نهى الناس عنها في شأن عمرو بن حريث(2).

ومنها: ما روي عن عروة بن الزبير إنّ خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب (رض) فقالت: إنّ ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولّدة فحملت منه، فخرج عمر (رض) يجرّ رداءه فزعاً، فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدّمت فيه لرجمته(3).

ومنها: ما روي عن الحكم إنه سئل عن هذه الآية ـ آية متعة النساءأمنسوخة؟ قال: لا . وقال علي: لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي(4).

ومنها: ما روي عن ابن عباس أنّه قال: ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله رحم بها أمة محمد، ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلاّ شفا(5).

ومنها: ما روي عن نافع أن ابن عمر سئل عن المتعة فقال: حرام، فقيل له: ابن عباس يفتي بها، قال: فهلاّ ترمرم (تزمزم) بها في زمان عمر(6).


1) ـ صحيح مسلم ج 2 كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة، الحديث 15 ص 1024 ، ومسند أحمد ج 4 الحديث 14655 ، ص 365 .

2) ـ فتح الباري 9 : 141 .

3) ـ الموطأ ج 2 ـ كتاب النكاح ـ الحديث 42 ص 542 ، والأم ج 1 كتاب النكاح باب ما جاء في المتعة ص 235 .

4) ـ جامع البيان (تفسير الطبري) 5 : 9 .

5) ـ بداية المجتهد 2 : 58 .

6) ـ الدر المنثور 2 : 487 .

ومنها: ما روي عن سليمان بن يسار عن أمّ عبد الله، ابنة أبي خيثمة، إنّ رجلاً قدم من الشام فنزل عليها، فقال: إنّ العزبة قد اشتدّت عليّ فابغيني امرأة أتمتع معها، قالت: فدللته على امرأة فشارطها وأشهدوا على ذلك عدولاً، فمكث معها ما شاء الله أن يمكث، ثم إنّه خرج فأخبر عن ذلك عمر بن الخطاب، فأرسل إليّ فسألني أحقّ ما حدّثت؟ قلت: نعم، قال: فإذا قدم فأذنيني، فلما قدم أخبرته، فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الذي فعلته؟ قال: فعلته مع رسول الله(صلي الله علیه وآله)، ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهياً، فقال عمر: أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح(1).ومنها: ما روي عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله (صلي الله علیه وآله) وتمتعنا مع رسول الله(صلي الله علیه وآله) ومات ولم ينهنا عنها حتى قال رجل بعد برأيه ما شاء(2).

ومنها: ما روي أنه سأل رجل من أهل الشام ابن عمر عن متعة النساء، قال: حلال، فقال: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وسنّها رسول الله (صلي الله علیه وآله) نترك السنة ونتّبع أبي؟(3)

ومنها: ما روي عن أيوب، قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ترخّص في المتعة؟ فقال ابن عباس: سل أمّك يا عريّة فقال عروة: أمّا أبو بكر وعمر فلم يفعلا، فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذّبكم الله نحدّثكم عن النبي (صلي الله علیه وآله) وتحدثونا عن أبي بكر وعمر!!(4)


1) ـ كنز العمال ج 16 الحديث 45726 ، ص 522 .

2) ـ تفسير البحر المحيط 3 : 218 .

3) ـ جواهر الكلام 30 : 145 .

4) ـ راجع كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب 6 : 208 .

ومما يؤيد ذلك ما ذكره الراغب في المحاضرات، قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة بمن اقتديت في جواز المتعة؟ قال: بعمر بن الخطّاب (رض) قال: كيف وعمر كان أشد الناس فيها؟ قال: لأنّ الخبر الصحيح أنه صعد إلى المنبر فقال: إنّ الله ورسوله قد أحلاّ لكم متعتين وإنّي محرّمهما عليكم وأعاقب عليهما فقبلناشهادته ولم نقبل تحريمه(1).

وما ذكره أيضاً في محاضراته قال: عيّر عبد الله بن الزبير عبد الله بن عباس بتحليله المتعة، فقال له: سل أمّك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك؟ فسألها فقالت: ما ولدتك إلاّ في المتعة(2).

وقال ابن عباس: أوّل مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير(3).

وذكر ابن أبي الحديد أنّ ابن الزبير خطب بمكة على المنبر، وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر، فقال: إنّ هاهنا رجلاً أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله، ويفتي في القملة والنملة، ... فقال ابن عباس: يابن الزبير، أما العمى فإن الله تعالى يقول: «فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»(4).

وأما فتياي في القملة والنملة، فإنّ فيها حكمين لا تعلمها أنت ولا أصحابك... .

وأما المتعة فسل أمك إذا نزلت عن بردي عوسجة ... فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بردي عوسجة، فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس، وعن بني هاشم، فإنهم كُعُم الحواب إذا بدهوا، فقال: بلى، وعصيتك، فقالت: يا بني


1) ـ محاضرات الأدباء 3 : 314 .

2) ـ نفس المصدر 3 : 314 .

3) ـ العقد الفريد 4 : 99 .

4) ـ سورة الحج، الآية: 46 .

أحذر هذاالأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن، واعلم أنّ عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها...(1).

هذا، وقد تقدّمت بعض الروايات الدالة على جواز المتعة وإباحتها في زمان الرسول (صلي الله علیه وآله) .

وعند المقارنة بين هذه الروايات، والروايات المتقدمة الدالة على التحريم نرى:

أولاً: إنّ الروايات الدالة على التحريم قليلة جداً بالقياس إلى روايات الإباحة، فإنّ بعض رواتها غير معروفين كسبرة الجهني مع الاضطراب الواضح في رواياته، وأبي عمرة الأنصاري، والحارث بن غزية، كما أن بعضهم متهم في رواياته كأبي هريرة، وبعضهم قد نسب إليه القول بالتحليل كابن عمر.

وأما الروايات الدالة على الحلية فهي كثيرة جداً حيث رويت عن كثير من الصحابة المعروفين بالعلم والفقه، كأمير المؤمنين (علیه السلام) وهو باب مدينة علم النبي(صلي الله علیه وآله)، وابن عباس وهو حبر الأمة، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وعن عمر بن الخطاب، وعمرو بن حريث، وعمران بن الحصين، وعمران بن سوادة وقد نسبه إلى الأمة، وعن أبي بكر، وأسماء بنت أبي بكر، وغيرهم، ومن التابعين طاووس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة، وعن يحيى بن أكثم، والحكم بن عيينة وغيرهم، مضافاً إلى أنّ الروايات الدالة على التحريم كانت موافقة لرغبةالحاكم آنذاك وهو عمر بن الخطاب، بخلاف الروايات الدالة على الحلّية فإنّها ليست مشوبة بالتهمة، بل رواها بعضهم في زمان الخوف والتهديد بالرجم، فقد ذكر سبط ابن الجوزي أنّ عمر(رض) كان يقول: والله لا أوتى برجل أباح المتعة إلاّ رجمته(2).


1) ـ شرح نهج البلاغة 20 : 129 ـ 130 .

2) ـ راجع كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب 6 : 208 .

وثانياً: إنّ الروايات الدالة على حلية المتعة موافقة للكتاب العزيز، ولروايات أخر كثيرة دلّت على الحلّية كما سيأتي.

وثالثاً: على فرض التسليم بروايات التحريم وتكافؤها مع روايات الإباحة يقع التعارض بين الطائفتين، ومقتضاه التساقط فلابد من الرجوع إلى الأصل كما تقدم، وهو يقتضي حلية المتعة الثابتة في الشرع أولاً بالاتفاق.

شبهة ودفع:

قد يعرض على بعض الأذهان التساؤل عن نهي عمر عن المتعة على مسمع من الصحابة خلافاً للكتاب والسنة وسكوتهم عن ذلك.

وقد ذكره الفخر الرازي وأجاب عنه بقوله: إنّ عمر قال في خطبته: «متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما» ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة، وما أنكر عليه أحد فالحال هنا لا يخلو إما أن يقال إنهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا إباحتها ولاحرمتها فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك.

والأول هو المطلوب، والثاني يوجب تكفير عمر وتكفير الصحابة، لأنّ من علم أنّ النبي (صلي الله علیه وآله) حكم بإباحة المتعة قال: إنها محرّمة محظورة من غير نسخ لها فهو كافر بالله، ومن صدقه عليه مع علمه بكونه مخطئاً كافراً كان كافراً أيضاً، وهذا يقتضي تكفير الأمة وهو على ضدّ قوله: «كنتم خير أمة» .

والقسم الثالث وهو أنهم كانوا غير عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة فلهذا سكتوا، فهذا أيضاً باطل لأنّ المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح، واحتياج الناس إلى معرفة الحال في كل واحد منهما عام في حق الكلّ، ومثل

هذا يمنع أن يبقى مخفيّاً، بل يجب أن يشتهر العلم به فكما أنّ الكل كانوا عارفين بأنّ النكاح مباح وأن إباحته غير منسوخة وجب أن يكون الحال في المتعة كذلك، ولما بطل هذان القسمان ثبت أنّ الصحابة إنما سكتوا عن الإنكار على عمر(رض) لأنهم كانوا عالمين بأن المتعة صارت منسوخة في الإسلام(1).

ولعلّ قائلاً يقول إذا كان الأمر كذلك فما بال عمر ينسب النهي عن المتعة إلى نفسه دون الرسول (صلي الله علیه وآله) .

فأجاب الرازي عن ذلك بقوله: كان مراده المتعة كانت مباحة في زمن الرسول (صلي الله علیه وآله) وأنا أنهى عنها لما ثبت عندي أنّه (صلي الله علیه وآله) نسخها(2).ونقول: إنّ الفخر الرازي وهو الذي يعدّ من فحول العلماء وله في الكلام والتفسير والفقه باع طويل قد اختلطت عليه السبل، وزلّت قدماه ـ وما أكثر زلاّته ـ حيث حاول تصحيح الواقع كما وقع وتبرير ما حدث فتمحّل في الجواب بما لا ترضى به أمانة العلم والبحث والإنصاف.

وجوابنا عن ذلك:

أولاً: إنّ الصحابة قد أنكروا على عمر ولم يسكتوا، وفي ما تقدّم من الروايات ما يدلّ على ذلك، وكأنّ الرازي قد تغافل عنها، على أنّ الخوف من الرجم كان مانعاً عن المجاهرة، وفي قول

ابن عمر يعني ابن عباس: فهلاّ تزمزم بها في زمان عمر، وفي قول عمران بن حصين، فقال رجل بعد برأيه ما شاء، ما يشعر بذلك.

وثانياً: إنّ ما ذكره الرازي من التوجيه لا يرضى به عمر نفسه فإنّه قال ـ وهو على المنبر ـ إنّ الله ورسوله قد أحلاّ لكم متعتين، وإنّي محرّمهما عليكم.


1) ـ التفسير الكبير 10 : 50 .

2) ـ نفس المصدر 10 : 54 .

فلو كان التحريم صادراً عن النبي (صلي الله علیه وآله) فلِمَ ينسبه إلى نفسه؟ وحين حاوره الشامي وذكر له أنّها كانت حلالاً ولم ينه عنها رسول الله وأبو بكر إلى أن قال: ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهياً، لم يجبه عمر بأنّ النبي نهى عنها، وإنما أجاب بما يؤكد أنّ التحريم صدر منه، حيث قال: أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك.

على أنّ ما ورد عن علي (علیه السلام) ، وابن عباس، وجابر، وغيرهم من التصريح بأنّ عمر هو الذي نهى، يكفي في المقام فإنه لو صدر النهي من رسول الله (صلي الله علیه وآله) لعلمه هؤلاء قبل غيرهم.

وثالثاً: إنّ ما جرى من النهي عن المتعة ليس هو أول قارورة، فما أكثر الأوامروالنواهي الصادرة عن عمر في مختلف القضايا الشرعية حيث رأى أنّ المصلحة على خلاف ما جاء به النبي (صلي الله علیه وآله)، ومن ذلك متعة الحج فقد روى البخاري عن عمران بن حصين: تمتعنا على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) فنزل القرآن، قال رجل برأيه(1).

وفسّر ابن حجر أنّ المراد برجل هو عمر، فإنه أول من نهى عنها، وكان من بعده تابعاً له في ذلك، ففي مسلم: إنّ ابن الزبير كان ينهى عنها وابن عباس يأمر بها فسألوا جابراً فأشار إلى أنّ أول من نهى عنها عمر(2).

وقد روي أنّ ابن عمر قد خالف أباه في ذلك، حدّث سالم بن عبد الله أنه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله أأمر أبي


1) ـ صحيح البخاري ج 2 باب التمتع على عهد النبي (صلي الله علیه وآله)، ص 176 .

2) ـ فتح الباري 3 : 339 .

نتّبع أم أمر رسول الله ؟ فقال الرجل: أمر رسول الله ، فقال: لقد صنعها رسول الله (صلي الله علیه وآله) (1).

وروى ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: والله إنّي لأنهاكم عن المتعة، وإنهالفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله يعني العمرة في الحج(2).

إلى غير ذلك من الروايات، ولا ندري هل يوجّه الرازي هذه المسألة بما وجّه به مسألة متعة النساء أم أنه يتمحّل وجهاً آخر؟

ورابعاً: كان بإمكان الفخر الرازي أن يتخلص من المأزق فيحمل نهي عمر على الاجتهاد، وأنه رأى أن مصلحة الأمة في الحكم بالحرمة كما صنع القوشجي حيث حمل فعل عمر على الاجتهاد(3)، وليس هذا أمراً جديداً عليه، فنظائره في سيرة عمر كثيرة، وقد تقدم آنفاً أنه أول من نهى عن متعة الحج، وذكروا أيضاً أنه أول من أسقط حيّ على خير العمل من الأذان، وهو أول من أمضى الطلاق ثلاثاً، وهو أول من أمر بالجماعة في النوافل وذكر أبو هلال العسكري أن عمر هو أول من سنّ قيام شهر رمضان، وقال: بدعة وأيّ بدعة، وأول من عسّ بالليل، و أول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، وأول من أعال الفرائض(4)، وغير ذلك من أوّليّاته التي كان يرى فيها أنّ المصلحة في مخالفة النصوص، وما ذكره الفخر الرازي لا يغني طائلاً في دفع الشبهة، على أنّ الاجتهاد في مقابل النصوص مما لا يمكن المصير إليه فإنّ فيه ما لا يخفى.


1) ـ الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي ج 3 ، كتاب الحج باب 12 ما جاء في التمتع، الحديث 82 ، ص185.

2) ـ سنن النسائي ج 5 ، كتاب الحج ، باب التمتع، ص 153 .

3) ـ شرح التجريد آخر مبحث الإمامة الطبع القديم.

4) ـ الأوائل ص 105 ـ 122 الطبعة الأولى.

والمتحصّل إلى هنا أنّ الاستدلال بالروايات على التحريم لا يمكن الاعتماد عليه.

وأما الإجماع فقد ذكرنا أنه قد ادّعاه غير واحد من علماء العامة، إلاّ أنّ هذهالدعوى ساقطة عن الاعتبار، وذلك لمخالفة كثير من الصحابة والفقهاء، والتزامهم بالقول بالحلية بعد زمان رسول الله (صلي الله علیه وآله) وقد ذكر ابن حزم في المحلّى أنّ عدداً من الصحابة والتابعين على ذلك منهم أسماء بنت أبي بكر، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث، وأبو سعيد الخدري، وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، ورواه جابر بن عبد الله عن جميع الصحابة مدة رسول الله (صلي الله علیه وآله) ومدة أبي بكر، وعمر، إلى قرب آخر خلافة عمر، ومن التابعين طاووس وعطاء وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة(1).

وذكر ابن إدريس أن من ذهب إلى القول بالحلية أمير المؤمنين علي (علیه السلام) ومجاهد، وسلمة بن الأكوع والمغيرة بن شعبة، وابن جريح(2).

وقال الرازي في تفسيره: وقال السواد منهم إنها بقيت مباحة كما كانت وهذا القول مروي عن ابن عباس، وعمران بن الحصين(3).

وهو الظاهر من خالد بن مهاجر بن خالد المخزومي فقد روى مسلم في صحيحه قال: بينما هو جالس عند رجل، جاءه رجل فاستفتاه في المتعة، فأمر بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً. فقال: ما هي والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين(4).


1) ـ المحلّى ج 9 ـ كتاب النكاح المسألة 1854 ، ص 519 ـ 520 .

2) ـ السرائر ج 2 ، كتاب النكاح ، ص 619 .

3) ـ التفسير الكبير 10 : 49 .

4) ـ صحيح مسلم ج 2 كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ذيل الحديث 27 ، ص 1026 .

ونقل صاحب الجواهر عن مسلم في صحيحه وأبي الحسن بن علي بن زيد في كتاب الألفة أنهما زادا في الصحابة معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمر بن جويدة، وربيعة بن أمية، وسلمة بن أمية، وصفوان بن أمية، ومعلّى بن أمية، والبراء بن عازب، وربيع بن ميسرة، وسهل بن سعد الساعدي.

وعن أبي الحسن علي بن الحسين الحافظ في كتاب سير العباد الزيادة في التابعين الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن حبيب، وابن جريح، وعمر بن دينار(1).

وزاد أبو جعفر محمد بن حبيب في كتاب المحبر خالد بن عبد الله الأنصاري، وزيد بن ثابت الأنصاري، وعمران بن الحصين الخزاعي، وسلمة بن الأكوع الأسلمي(2).

وهو الظاهر من أبيّ بن كعب حيث روي عنه أنه كان يقرأ الآية: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» (3)كما سيأتي.

وهو الظاهر أيضاً من سمير أو سمرة بن جندب(4)، والسدي(5)، وزفر(6)، وغيرهم.

ونقل ابن حجر في تهذيب التهذيب عن الشافعي أن ابن جريح ـ فقيه مكة ـ استمتع بسبعين امرأة(7)كما ذكر ذلك الذهبي في ميزان الاعتدال(8)فإذا


1) ـ جواهر الكلام 30 : 150 .

2) ـ المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي: 64 .

3) ـ جامع البيان (تفسير الطبري) 5 : 9 .

4) ـ الإصابة في تمييز الصحابة 2 : 81 الطبعة الأولى.

5) ـ الدر المنثور 2 : 484 .

6) ـ البحر الرائق شرح كنز الدقائق 3 : 108 ، المكتبة الماجدية باكستان.

7) ـ تهذيب التهذيب 6 : 306 .

8) ـ ميزان الاعتدال 2 : 659 .

كان الأمر كذلك فأين موقع دعوى الإجماع؟!

والحاصل: أنّ دعوى الإجماع أسوأ حالاً من دعوى ثبوت التحريم بالروايات.

وأما الآيات فقد ذكرنا أنّ بعضهم ادّعى أنّ آية المتعة منسوخة إما بآية حفظ الفروج، أو بآية الطلاق، أو بآية الميراث.

إلاّ أنّ هذه الدعوى ساقطة أيضاً بل هي أخس من الدعويين السابقتين.

أما دعوى النسخ بالآية الأولى ففيها:

أولاً: المنع من خروج المرأة المتمتع بها عن الأزواج، غاية الأمر أنها زوجة إلى أجل، فإنّ النكاح على قسمين دائم ومنقطع «ولم يختلف العلماء من السلف والخلف إنّ المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه» كما نقله القرطبي في تفسيره عن أبي عمر(1).

على أنّ ما ذكروه منقوض بالأمة الموهوبة، فإنه يجوز للموهوب وطؤها مع أنها ليست بزوجة ولا ملك يمين.

مضافاً إلى أنه لا فرق بين من تزوّج امرأة عازماً على طلاقها بعدة مدة معيّنةكما ذهب إليه أبو حنيفة(2)وبين من تزوج امرأة بعقد منقطع بنفس تلك المدة.

وثانياً: إنّ قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»(3)ورد في سورتين هما المؤمنون والمعارج وكلتاهما مكيّتان، فكيف يمكن النسخ، والحال أنّ آية المتعة مدنية


1) ـ الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) 5 : 132 .

2) ـ البحر الرائق شرح كنز الدقائق 3 : 108 المكتبة الماجدية باكستان، ولاحظ: الإمام زفر وآراؤه الفقهية 2 : 3 الطبعة الثانية.

3) ـ سورة المؤمنون، الآية: 5 و 6 .

متأخرة في النزول؟

وأما دعوى النسخ بالآية الثانية ففيها:

أولاً: إنّ في إرث المرأة المتمتع بها خلافاً بين القائلين بحلّية المتعة، وليس الحكم بعدم إرثها اتفاقياً بينهم ليصحّ الاستدلال بها.

وثانياً: إنّه منقوض طرداً وعكساً، أما طرداً فلأنه لا ملازمة بين الزوجية والميراث، كما في الكتابية، والقاتلة، والأمة، والمعقود عليها إذا مات الزوج قبل الدخول، وأمّا عكساً فلأنّ المرأة قد ترث مع خروجها عن الزوجية كما إذا طلّق زوجته في مرض الموت، ومات بعد خروجها من العدة قبل انقضاء الحول.

وأما دعوى النسخ بآية الطلاق ففيها:

أولاً: إنّ الآية وردت في مقام بيان كيفية الطلاق، لا في مطلق البينونة، إذ قد تحصل البينونة من دون طلاق كما في الملاعنة، والمرتدة، والأمة المبيعة.

وثانياً: على فرض التسليم إلاّ أنّ عموم الآية غير آب عن التخصيص بأنيقال لابد من الطلاق إلاّ في نكاح المتعة وأنّ طلاقها يتحقق بانقضاء الأجل من دون حاجة إلى إنشاء.

هذا كله مع أنّه يرد على دعوى النسخ بالآيات ما اعترف به جماعة من أكابر علماء العامة حيث ذكروا أنّ آية المتعة غير منسوخة منهم الزمخشري في الكشاف، فإنه نقل عن ابن عباس أنها محكمة يعني لم تنسخ(1)، مضافاً إلى أنّ القول بالنسخ مخالف لجميع ما تقدم من الروايات الدالة على أنّ المنع إنما وقع في زمان عمر، وأنه أول من نهى عنها.

ولو كانت الآية منسوخة فما الداعي إلى نسبة عمر النهي إلى نفسه وهلّا


1) ـ الكشاف 1 : 519 .

قال: إنّ آية المتعة منسوخة بالكتاب. ولكن ...

والذي يظهر: أنّ القوم حاولوا تصحيح ما وقع فتكلّفوا وجوهاً واهية من الاستدلال لإثبات وقوع التحريم قبل نهي عمر، غير أنّ البحث العلمي يثبت عكس ما راموه، وإن كان ثمة من توجيه فهو ما ذكرناه من أنّ النهي عن المتعة كان اجتهاداً من عمر حيث رأى المصلحة في ذلك كما يظهر من كلماته حيث قال: «بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح» فكأنه كان يرى أنّ المتعة نوع من الزنا ولذلك نهى عنها.

وقد يقال: إنّ دافعه إلى التحريم هو ارتفاع الاضطرار إليها، ولا سيّما بعد اتساع البلاد وانتشار الفتوحات ورخاء البلاد والعباد، بخلاف ما كان عليهالحال في زمان النبي (صلي الله علیه وآله) من الشدة والضيق، إلاّ أنّ الذي يظهر من كلماته هو الأول كما ذكرنا.

وعلى أيّ تقدير فلا يخرج الأمر عن كونه اجتهاداً منه في مقابل نصّ الكتاب والسنة، وعلى الذين يرون ويعتقدون أنّ رأي عمر مقدّم على رأي النبي (صلي الله علیه وآله) وأنّ له حق التشريع تحليلاً وتحريماً أن يعدّوا جواباً لذلك، وقد قال الله تعالى: «الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ » أعاذنا الله من الجهل والشطط والهوى والعصبية وهو من وراء القصد.

أدلة حلّية المتعة:

وأما الموضع الثالث وهو البحث عن حكم المتعة على ضوء أدلة الخاصة فقد استدلوا مضافاً إلى أصالة الحلية واستصحاب عدم النسخ كما تقدم، بوجوه ثلاثة من الكتاب والسنة والإجماع.

أما من الكتاب فبقوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ

فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً» (1)حيث استدلّ بها الإمامية، وكثير من مفسري العامة على أنها نزلت في مشروعية المتعة، وأنكر بعض العامة دلالتها على ذلك، وذهبوا إلى أنها نزلت في حكم النكاح الدائم، لأنّ الاستمتاع الوارد في الآية بمعنى التلذذ وهو كناية عن النكاح فلا ظهور للآية في نكاح المتعة.إلاّ أنّ مقتضى ظاهر الآية والقرائن الخارجية دلالتها على الأول.

أما ظاهر الآية فمن جهتي اللفظ والمعنى، فإنّ لفظ الاستمتاع وإن كان لغة بمعنى التلذذ والجماع، إلاّ أنه في العرف الشرعي ولا سيما بإضافته إلى النساء، منصرف إلى نكاح المتعة، ويظهر ذلك أيضاً من مراجعة موارد استعمال اللفظ في الروايات الواردة من العامة والخاصة، وقد تقدمت جملة منها وستأتي جملة أخرى.

وبناء على ذلك فلا وجه للحمل على المعنى اللغوي إلاّ أن تقوم قرينة عليه.

وأما من جهة المعنى فإنه وإن ورد لفظ الأجور مستعملاً في المهر والصداق في مورد واحد من القرآن إلاّ أن ترتّبه ووجوب إعطائه على الاستمتاع في الآية يقتضي أن يكون المراد به عقد المتعة فقط.

ولو كان المراد به النكاح الدائم لم يصح سواء قلنا بأنّ المراد بالاستمتاع هو مجرد العقد، أو قلنا بأنه الالتذاذ والجماع، إذ على كلا التقديرين لا يصح ترتب تمام الأجر ووجوب إعطائه.

أما على الأول فلأنّ الواجب بمجرد العقد هو نصف المهر لا تمامه، كالطلاق قبل الدخول.


1) ـ سورة النساء، الآية: 24 .

وأما على الثاني فلأنّ ترتب تمام المهر وجوداً وعدماً على الالتذاذ، والحال أنه ليس كذلك بل الترتب والإعطاء لازم وإن لم يتحقق الالتذاذ.

وعليه فترتّب تمام المهر لا يصح إلاّ على المعنى الاول وهو أن يكون المراد به عقد المتعة.

ويؤيد ذلك أولاً: إن وجوب إيتاء المهر قد ذكر في آية سابقة على هذه الآيةوهي قوله تعالى: «وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ...»(1)، فلو كان المراد فيما نحن فيه هو ذلك لزم التكرار بلا داعي، وأما حمله على نكاح المتعة فلا يلزم منه التكرار.

وثانياً: إنّ مقتضى المناسبة بين ما ذكرنا وبين قوله تعالى: «وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» أنّ المراد بقوله: (فيما تراضيتم به) هو أجل النكاح من حيث الزيادة والنقيصة، لا أنّ المراد زيادة الأجر أو نقصانه لكونه أمراً عرفياً لا يحتاج إلى بيان.

والحاصل: أنّ المستفاد من الآية صدراً وذيلاً هو النكاح إلى أجل لا النكاح الدائم.

وأما القرائن الخارجية الدالة على أنّ المراد بالآية هو نكاح المتعة فأمور:

الأول: ما ورد من القراءات حيث روي عن جماعة من الصحابة أنهم قرأوا الآية: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فآتوهنّ أجورهنّ» منهم ابن عباس، وقد روى كثير من المفسرين وغيرهم عنه هذه القراءة كالطبري والزمخشري والقرطبي والبغوي والبيهقي والجصاص والأندلسي وغيرهم.

روى الطبري في تفسيره عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء، قال: أما تقرأ سورة النساء قال: قلت: بلى، قال: فما تقرأ فيها، فما


1) ـ سورة النساء، الآية: 4 .

استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى؟ قلت له: لو قرأتها ما سألتك، قال: فإنهاكذا. وفي حديث قال ابن عباس: والله لأنزلها الله كذلك، ثلاث مرات(1).

وعن أبي ثابت: إنّ ابن عباس أعطاني مصحفاً فيه: فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى(2).

ومنهم: أبي بن كعب فقد أخرج عن قتادة في قراءته: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى» (3).

ومنهم: سعيد بن جبير، فقد روى عمر بن مرّة أنّه سمع سعيد بن جبير يقرأ: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى» (4).

الثاني: ما ورد من الروايات الكثيرة الواردة في تفسير الآية الشريفة والدالة على أنّ الآية محكمة ولم تنسخ وقد رواها العامة كما تقدم، والخاصة كما سيأتي.

الثالث: ما ورد في عدة من روايات العامة من أنّ الآية منسوخة، إما بالكتاب أو بالسنة، فإنّ ذلك يدل بالتضمن على أنّ الآية نزلت في المتعة إذ أنّ النسخ متفرع على دلالة الآية على حلّية المتعة، وهذا الوجه الزامي كما لا يخفى، وإلاّ فالنسخ لم يثبت كما حققناه.

الرابع: ما ورد من الروايات الواردة عن الأئمة (علیهم السلام) الدالة على حلّية المتعة استناداً إلى الآية الشريفة، وهي كثيرة جداً، وستأتي الإشارة إليها.

والحاصل: أنّ الظاهر عدم الإشكال في أنّ الآية نزلت في مشروعية المتعة، بعد إجماع الإمامية وذهاب كثير من فقهاء العامة ومفسريهم إلى القول


1) ـ جامع البيان (تفسير الطبري) 5 : 9 .

2) ـ نفس المصدر ص 9 .

3) ـ جامع البيان (تفسير الطبري) 5 : 9 .

4) ـ نفس المصدر: 10 .

بها، وبما ذكرناه من الشواهد والقرائن على ذلك.

وأما من السنة فقد استدلّ الخاصة على حلّية المتعة بروايات كثيرة جداً تجاوزت حد التواتر وهي على طوائف، وذكر المحدّث الحرّ ! في الوسائل فقط أكثر من مائتين وثلاثين رواية، جعلها في ست وأربعين طائفة، اشتملت على بيان جواز المتعة وأحكامها، بل وأهميتها ففي بعض الروايات ما يدل على استحبابها وكراهية تركها، وفي بعضها أنها جعلت من محض شرائع الدين، وأنها لهو المؤمن وعوض له عن الأشربة المحرمة، وأن فعلها إحياء للسنة، وأن الشرط أو العهد على تركها باطل، وغير ذلك مما يتعلق بالمتعة.

ولعل السر في اهتمام الأئمة (علیهم السلام) والتأكيد على حلية المتعة حتى بلغت الروايات الواردة عنهم (علیهم السلام) حداً فوق التواتر، هو الوقوف أمام بدعة التحريم، باعتبارهم اُمناء الله على دينه ، مضافاً الى ما يترتب على ذلك من التحصين والحد من انتشار فاحشة الزنا، وقد روى العامة والخاصة أنّ أمير المؤمنين علياً(علیه السلام) قال: «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي» وغيره من الآثار.

ونظراً لحصول العلم القطعي بحلّية المتعة فلا نرى حاجة لنقل جميع الروايات الواردة فيها إلاّ أننا نتيمّن بذكر بعض الروايات المتضمنة لما أشرنا إليه.

أما ما دل على جواز المتعة فعدة روايات:

منها: ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بسنده الصحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن المتعة فقال: نزلت في القرآن: «فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهنّ فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة» (1).


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب المتعة، الحديث 1 .

ومنها: معتبرة عبد الله بن سليمان قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: كان علي(علیه السلام) يقول: لولا ما سبقني به بني الخطّاب ما زنى إلاّ شقيّ «شفى خ» (1).

ومنها: معتبرة ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنما نزلت فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى فآتوهنّ أجورهنّ فريضة(2).

ومنها: صحيحة زرارة قال: جاء عبد الله بن عمر «عمير خ ل» الليثي إلى أبي جعفر (علیه السلام) فقال: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: أحلّها الله في كتابه وعلى سنّة نبيه، فهي حلال إلى يوم القيامة، فقال: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرمها عمر ونهى عنها؟ فقال: وإن كان فعل، فقال: فإنّي أعيذك بالله من ذلك أن تحلّ شيئاً حرّمه عمر، فقال له: فأنت على قول صاحبك وأنا علىقول رسول الله (صلي الله علیه وآله) فهلمّ اُلاعنك أنّ الحق ما قال رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وأنّ الباطل ما قال صاحبك، قال: فأقبل عبد الله بن عمير فقال: يسرّك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمّك يفعلن؟ قال: فأعرض عنه أبو جعفر (علیه السلام) حين ذكر نساءه وبنات عمّه(3).

ولعلّ إعراض الإمام (علیه السلام) عنه إشارة إلى خروجه عن أدب المحاورة والجدال.

ومنها: موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن المتعة، فقال: عن أيّ المتعتين تسأل؟ قال: سألتك عن متعة الحج فأنبئني عن متعة النساء أحق هي؟ قال: سبحان الله!! أما تقرأ كتاب الله: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً » فقال أبو حنيفة: والله لكأنّها آية لم أقرأها قطّ(4).


1) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب المتعة، الحديث 2 وفي بعض المصادر (ابن) بدل (بني) .

2) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب المتعة، الحديث 6 .

وغيرها من الروايات.

وأما ما يدلّ على استحبابها فعدة روايات أيضاً.

منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: يستحب للرجل أن يتزوج المتعة، وما أحبّ للرجل منكم أن يخرج من الدنيا حتى يتزوج المتعة ولو مرّة(1).

ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إني لأحبللرجل أن لا يخرج من الدنيا حتى يتمتع ولو مرّة وأن يصلّي الجمعة في جماعة(2).

وأما ما يدل على كراهية تركها فعدة روايات:

منها: صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن المتعة، فقال: إني لأكره للرجل المسلم أن يخرج من الدنيا وقد بقيت عليه خلّة من خلال رسول الله (صلي الله علیه وآله) لم يقضها(3).

وأما ما دلّ على أنّ المتعة من محض شرائع الإسلام فهو ما رواه الصدوق في العيون بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون: محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله «إلى أن قال:» وتحليل المتعتين اللذين أنزلهما الله في كتابه، وسنّهما رسول الله (صلي الله علیه وآله) متعة النساء ومتعة الحج(4).

وسند هذه الرواية قابل للاعتبار، وذلك لأنّ للصدوق إلى روايات الفضل بن شاذان ثلاثة طرق الأول: وفيه علي بن محمد بن قتيبة، الثاني: وفيه قنبر بن علي بن شاذان عن أبيه، الثالث: وفيه محمد بن شاذان بن نعيم.


1) ـ نفس المصدر باب 2 من أبواب المتعة، الحديث 10 .

2) ـ نفس المصدر، الحديث 7 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 2 من أبواب المتعة، الحديث 1 .

4) ـ عيون أخبار الرضا ج 2 باب 35 ما كتبه الرضا للمأمون في محض الإسلام وشرائع الدين، الحديث 1 ، ص 124 ـ 125 .

ولم يرد في هؤلاء توثيق إلاّ ما ورد في علي بن محمد بن قتيبة من أنه فاضل(1)،وعليه اعتمد أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال(2)، ولا يعدّ ذلك توثيقاً، نعم قد يستفاد وثاقة محمد بن شاذان بن نعيم الواقع في الطريق الثالث مما ورد في التوقيع الشريف المروي عن الحجة أرواحنا فداه حيث جاء فيه: «وأما محمد بن شاذان بن نعيم فهو رجل من شيعتنا» (3)، فإنّ فيه إشعاراً بمكانته الاجتماعية، الأمر الذي دفع إسحاق بن يعقوب للسؤال عنه، كما أن في جواب الإمام (علیه السلام) تصريحاً بأنّ محمد بن شاذان ذو شأن عند الأئمة (علیهم السلام) ولذا أضافه (علیه السلام) إليهم وعدّه من شيعتهم، فقد يقال: إنّ ذلك وإن لم يدل صراحة على الوثاقة إلاّ أنه لا يقصر عنها، وبناء على اعتبار سند التوقيع الشريف كما حققناه في محلّه من هذا الكتاب(4)فالظاهر اعتبار هذه الرواية؛ لأنّ محمد بن شاذان بن نعيم يرويها عن الفضل بن شاذان.

ويترتّب على ذلك اعتبار جميع روايات الصدوق عن الفضل الواردة عن طريق محمد بن شاذان بن نعيم.

وأما ما دلّ على أنّ المتعة قد جعلت لهواً للمؤمن وعوضاً له عن شرب الحرام فهو ما ورد في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ الله تبارك وتعالى حرّم على شيعتنا المسكر من كل شراب، وعوّضهم من ذلك المتعة(5).


1) ـ رجال الشيخ ـ في من لم يرو عنهم ـ ص 487 .

2) ـ رجال النجاشي 2 : 85 الطبعة الأولى المحققة.

3) ـ كمال الدين وتمام النعمة ج 2 باب 45 ذكر التوقيعات الواردة عن القائم  ، الحديث 4، ص483.

4) ـ التقية في فقه أهل البيت 2 : 403 ـ 404 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب المتعة، الحديث 9 .

ومعتبرة زرارة بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لهو المؤمن في ثلاثة أشياء: التمتع بالنساء، ومفاكهة الأخوان، والصلاة بالليل(1).

وأما ما دلّ على أنّ التمتع إحياء للسنة فهو ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال لي: تمتعت؟ قلت: لا، قال: لا تخرج من الدنيا حتى تحيي السنة(2).

وأما ما دل على بطلان العهد على تركها فهو ما ورد في صحيحة علي السائي قال: قلت لأبي الحسن (علیه السلام): إني كنت أتزوّج المتعة فكرهتها وتشأمت بها، فأعطيت الله عهداً بين الركن والمقام وجعلت عليّ في ذلك نذراً أو صياماً أن لا أتزوّجها قال: ثم إنّ ذلك شقّ عليّ وندمت على يميني، ولم يكن بيدي من القوة ما أتزوّج به في العلانية، قال: فقال لي: عاهدت الله أن لا تطيعه؟ والله لئن لم تطعه لتعصينّه(3).

وما نقله صاحب الوسائل عن الاحتجاج من أنّ محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري قد كتب إلى صاحب الزمان  يسأله عن الرجل ممّن يقول بالحق، ويرى المتعة، ويقول بالرجعة إلاّ أن له أهلاً موافقة له في جميع أموره، وقدعاهدها أن لا يتزوج عليها ولا يتمتع ولا يتسرّى، وقد فعل هذا منذ تسعة «بضع خ ل» عشر سنة، ووفى بقوله فربما غاب عن منزله الأشهر فلا يتمتع، ولا يتحرك نفسه أيضاً لذلك، ويرى أن من معه من أخ وولد وغلام ووكيل وحاشية مما يقلّله في أعينهم ويحبّ المقام على ما هو عليه محبّة لأهله وميلاً إليها وصيانة لها ولنفسه، لا لتحريم المتعة، بل يدين الله بها، فهل عليه في ترك ذلك


1) ـ نفس المصدر باب 2 من أبواب المتعة، الحديث 6 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 2 من أبواب المتعة، الحديث 11 .

3) ـ نفس المصدر باب 3 من أبواب المتعة، الحديث 1 .

مأثم أم لا؟

الجواب: يستحبّ له أن يطيع الله تعالى بالمتعة ليزول عنه الحلف في المعصية ولو مرّة واحدة(1).

وهذه الرواية وإن وردت في الاحتجاج مرسلة إلاّ أنّ الشيخ رواها في كتاب الغيبة عن جماعة عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمي، قال: وجدت بخطّ أحمد بن إبراهيم النوبختي، وإملاء أبي القاسم الحسين بن روح على ظهر كتاب فيه جوابات ومسائل انفذت من قم ...(2).

ولا إشكال في وثاقة محمد بن أحمد بن داود فإنه شيخ هذه الطائفة وعالمها وشيخ القميين في وقته وفقيههم، وحكى أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله أنه لم ير أحداً أحفظ منه ولا أفقه ولا أعرف بالحديث(3).

إلاّ أنّ الكلام في أحمد بن إبراهيم النوبختي فإنّه لم يرد فيه توثيق، نعم ذكر ابنطاووس أنّ بني نوبخت أعيان الشيعة(4)، وهو وإن كان لا يدل على الوثاقة صريحاً إلاّ أنّ فيه إشعاراً بالحسن.

وممّا يؤيّده أنّه كان كاتباً للحسين بن روح، فإن أوجب ذلك كلّه الاطمئنان بوثاقته فهو، وإلاّ فالرواية مؤيّدة.

وغيرها من الروايات الدالة على إباحة المتعة وأهميتها.

وقد وردت عدة روايات تدلّ على عظم ثواب المتمتع ويمكن استفادة الاستحباب منها أيضاً إلاّ أنّها ضعيفة الأسناد.


1) ـ نفس المصدر، الحديث 3 .

2) ـ كتاب الغيبة الحديث 345 ، ص 383 .

3) ـ رجال النجاشي 2 : 305 الطبعة الأولى المحققة.

4) ـ فرج المهموم: 121 منشورات الرضي قم.

ومنها: ما رواه الصدوق بإسناده عن صالح بن عقبة، عن أبيه عن أبي جعفر(علیه السلام) قال: قلت: للمتمتع ثواب؟ قال: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وخلافاً على من أنكرها لم يكلّمها كلمة إلاّ كتب الله له بها حسنة، ولم يمد يده إليها إلاّ كتب الله له حسنة، فإذا دنا منها غفر الله له بذلك ذنباً، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره، قلت: بعدد الشعر؟ قال: بعدد الشعر(1).

ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً قال: وقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّ النبي (صلي الله علیه وآله) لما أسري به إلى السماء قال: لحقني جبرئيل (علیه السلام) فقال: يا محمد إنّ الله تبارك وتعالى يقول: إنّي قد غفرت للمتمتعين من أمّتك منالنساء(2).

والحاصل: أنّه لا إشكال في دلالة الروايات الواردة عن الأئمة (علیهم السلام) على مشروعية المتعة واستحبابها والثواب عليها.

وأمّا الإجماع فممّا لا ريب في ثبوته، قال صاحب الجواهر: أمّا من الطائفة المحقّة فهو واضح، بل هو من ضروريات مذهبهم، وأمّا من غيرهم فلاتفاق الصحابة ومن كان في صدر الإسلام على إباحتها وشرعيتها من غير نكير، كما يظهر من أخبار جابر وغيرها، حتى ما روي عن المحرّم نفسه، فإنّه يدلّ على أنّ الحكم بالحلّ كان شائعاً معروفاً في زمان النبي (صلي الله علیه وآله)، ومدة خلافة أبي بكر، وبرهة من خلافته، فالقول بالتحريم بعد ذلك مخالف لإجماع الأمّة التي لا تجتمع على ضلالة(3).

وموضع الشاهد في كلامه هو الجملة الأولى فإنّها تدلّ على ثبوته قطعاً وأنّه كاشف عن رأي الإمام (علیه السلام) مع قطع النظر عن الكتاب والسنّة.


1) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، كتاب النكاح باب المتعة، الحديث 18 ، ص 295 .

2) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، كتاب النكاح، باب المتعة، الحديث 19 ، ص 295 .

3) ـ جواهر الكلام 30 : 149 .

بقي شيء:

وهو هل تعدّ المتعة في نظر العقل بملاحظة المصالح والمفاسد من الحسن أو القبح؟

وبعبارة أخرى: هل أنّ العقل يرى أنّ المتعة جائزة سائغة أو أنّها قبيحة بغضالنظر عن جميع النصوص المتقدمة؟

وللجواب عن ذلك نقول: إذا ثبت وجود المفسدة الملزمة في المتعة فلابدّ من حكم العقل بقبحها وإلاّ حكم بالجواز.

وما يقال أو يتصوّر فيها من المفسدة أمران:

الأول: أنّ المتعة نوع من السفاح ونحو من أنحاء الزنا، وفي ذلك من المفسدة ما لا يخفى.

الثاني: أنّ المتعة تستوجب الشنعة والعار على ذوي الشأن والمروءات.

وكلا الأمرين غير ثابتين في المقام.

أمّا الأول فلأنّه مجرّد كلام فارغ عن الحقيقة والمحتوى، وذلك لأنّ السفاح من السفح وهو أن يصبّ الماء ضائعاً والسفاح هو الزنا(1)، والإضاعة إما من جهة عدم معلومية الولد، بسبب اختلاط المياه، وعدم تمييز الأنساب، وإما من جهة ضياع الولد عن التربية والأخلاق اللازمة أو غير ذلك كما ورد التعليل به فيما كتبه الإمام الرضا (علیه السلام) إلى محمد بن سنان في جواب مسائله فقال (علیه السلام): وحرّم الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس، وذهاب الأنساب، وترك التربية للأطفال، وفساد المواريث، وما أشبه ذلك من وجوه الفساد(2).

ويترتّب على ذلك اختلال نظام المجتمع وفساده.


1) ـ مجمع البحرين 2 : 272 ـ 273 .

2) ـ عيون أخبار الرضا ج 2 ، باب 33 ، ص 92 .

وهذا كله أجنبي عن النكاح المؤقت، فإنه كالنكاح الدائم من لزوم العقد، وإثبات النسب، والتزام الأب بتربية الأولاد، واعتبار العدة، وغيرها من الأحكام، وإنّما الفرق في المدة وبعض الأحكام الجزئية الأخرى، فما يترتّب على السفاح من المفاسد لا يترتب على هذا النكاح.

وأمّا الثاني فلأنّه من آثار العادات والتقاليد الخاصة التي لا تصلح لأن تكون مناطاً للأحكام كعادة أهل الجاهلية في وأد بناتهم، وشعورهم بالعار عند ولادة البنت كما صوّر القرآن حالهم في قوله تعالى: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ» (1)ولولا نهي عمر عن المتعة لكان موقعها في النفوس كالنكاح الدائم، بل لعلّها أفضل منه في بعض الأحوال، فإنّ من حكمته التسهيل لمن لا يستطيع النكاح الدائم لقلّة مال أو لسفر أو نحو ذلك سواء في ذلك الرجل والمرأة، ولا سيّما في زماننا حيث اختلط فيه الرجال بالنساء في ميادين الحياة المختلفة العلمية والعملية في الداخل والخارج، وإذا دار الأمر بين أن يبقى الإنسان في غاية العسر والمشقّة أو يرتكب فاحشة الزنا وينحرف في أخلاقه ويسلك طريق الشيطان، وبين أن يتزوّج إلى أجل على طبق الضوابط الشرعية المقرّرة فلا إشكال في أنّ النكاح المنقطع رحمة من الله تعالى رحم بها أمة محمد (صلي الله علیه وآله) كما ورد في حديث ابنعباس، مضافاً إلى ما ذكرناه من أنّ ذلك يحدّ من انتشار فاحشة الزنا كما ورد في عدة أحاديث عن أمير المؤمنين (علیه السلام) .

وقد تنبّه لذلك بعض علماء العامة المعاصرين ومنهم الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصري حيث استفتاه بعض طلبة الجامعات الذين


1) ـ سورة النحل، الآية 58 ـ 59 .

يدرسون في بلاد الغرب ولا يستطيعون النكاح الدائم، فأفتاهم بالمتعة(1).

وكفى بذلك أثراً حيوياً للمتعة حيث تكون درعاً واقية للمسلم عن الانحراف.

ولكن لمّا خولف القرآن وصحّفت السنّة، وغيّرت الأحكام، وجعلت البدعة شريعة متّبعة، وسمي الدواء باسم الداء، والوقاية باسم المرض، والمتعة باسم الزنا، نفرت القلوب واشمأزّت النفوس وشبّت وشابت على ذلك ورأتها عاراً وعيباً وما سببه إلاّ الانحراف عن جادّة الحقّ، وعدم التمسك بالثقلين اللذين أمر الله عزوجل عباده بالاهتداء والاقتداء بهما أماناً لهم من الضيعة والضلال.

وأما نحن الشيعة الإمامية ـ بحمد الله ـ حيث تمسّكنا بالثقلين، وركبنا سفينة النجاة فالأمر واضح عندنا لا يحتاج الى بيان.

ثبّتنا الله على الحق والهدى وأعاذنا من الزلل والانحراف بحق محمد وآله الطاهرين.

وأما الموضع الرابع وهو حكم المتعة حال التقية فيقع الكلام فيه من جهتين:

الأولى: في الحكم التكليفي.الثانية: في الحكم الوضعي.

أما الجهة الأولى فالظاهر هو الحرمة وعدم الجواز عند الخوف على النفس أو العرض أو المال.

وذلك أولاً للأدلة العامّة الدالة على أنّ التقية في كلّ ضرورة.

وثانياً: للأدلّة الخاصة الواردة في المقام.

ومنها: ما رواه الكليني بسنده عن عمّار قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) لي


1) ـ مع رجال الفكر في القاهرة: 54 ، الطبعة الأولى 1394 هـ ـ 1974 م القاهرة.

ولسليمان بن خالد: قد حرّمت عليكما المتعة من قبلي ما دمتما بالمدينة، لأنّكما تكثران الدخول عليّ وأخاف أن تؤخذا فيقال: هؤلاء أصحاب جعفر(1).

وهذه الرواية وإن كان في سندها سهل وهو ضعيف، والحكم بن مسكين ولم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه يمكن تصحيح السند من جهة أخرى وهي أنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى أصل وروايات علي بن أسباط(2)الواقع في سند الرواية بعد سهل، كما أنّ الحكم بن مسكين واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(3)، وقد روى عنه المشايخ الثقات(4)وذلك كاف في الحكم باعتبار روايته على ما حققناه في محلّه.وحيث إنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع روايات الكليني وكتبه(5)، فتكون الرواية معتبرة.

وبناء على ذلك فالرواية معتبرة ولا إشكال في الاستناد إليها من هذه الجهة.

ويؤيدها: ما رواه الشيخ المفيد ! في خلاصة الإيجاز في المتعة، قال: وروى أصحابنا من غير واحد عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال لإسماعيل الجعفي ولعمّار الساباطي: حرّمت عليكما المتعة ما دمتما تدخلان عليّ، ذلك لأني أخاف أن تؤخذا وتضربا وتشهّرا، فيقال: هؤلاء أصحاب جعفر بن محمد(6).

كما يؤيّدها ما رواه الشيخ المفيد ! في الخلاصة أيضاً عن سهل عن عدة من أصحابنا، أنّ أبا عبد الله (علیه السلام) قال لأصحابه: هبوا لي المتعة في الحرمين،


1) ـ الفروع من الكافي ج 5 ، كتاب النكاح ، باب النوادر، الحديث 10 ، ص 467 .

2) ـ الفهرست: 116 الطبعة الثانية.

3) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 139 الطبعة الأولى.

4) ـ نفس المصدر ص 431 .

5) ـ الفهرست: 161 الطبعة الثانية.

6) ـ مصنفات الشيخ المفيد ج 6 ، خلاصة الإيجاز في المتعة، ص 58 ـ 59 الطبعة الأولى.

وذلك أنكم تكثرون الدخول عليّ فلا آمن أن تؤخذوا، فيقال: هؤلاء أصحاب جعفر.

قال جماعة من أصحابنا (رضي الله عنهم) العلة في نهي أبي عبد الله (علیه السلام) عنها في الحرمين أنّ أبان بن تغلب كان أحد رجال أبي عبد الله (علیه السلام) والرؤساء منهم، فتزوج امرأة بمكة وكان كثير المال فخدعته المرأة حتى أدخلته صندوقاً لها، ثم بعثت إلى الحمّالين فحملوه إلى باب الصفا، ثم قالت: يا أبان هذا باب الصفا، إنّا نريد أن ننادي عليك: هذا أبان بن تغلب يريد أن يفجر بامرأة، فافتدى نفسه بعشرة آلاف درهم، فبلغ ذلك أبا عبد الله (علیه السلام)فقال لهم: لا تأتوهن في منازلهن وهبوها لي في الحرمين(1).

وهاتان الروايتان وإن كانتا ضعيفتي السند إلاّ أنّ في الرواية الأولى بناء على اعتبار سندها وما تقدم من الأدلّة العامّة كفاية.

والحاصل: أنّه لا إشكال في وجوب التقية عند حدوث دواعيها.

وأما ما ورد في رواية الفتح بن يزيد قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن المتعة، فقال هي حلال مباح مطلق لمن لم يغنه الله بالتزويج فليستعفف بالمتعة، فإن استغنى عنها بالتزويج فهي مباح له إذا غاب عنها(2).

فهي بمفهومها تدلّ على عدم الحلّية في الحضر، ولمن استغنى بالتزويج.

ولابدّ من حملها على ما لا ينافي ما تقدم من حليتها مطلقاً، ولعل المراد بها أنّ التمتع ببعض الموارد لا يخلو من حزازة كالتمتع بالأبكار والمشهورات بالفجور وأمثالهن، على أنّ الرواية ضعيفة السند فلا تصح للمعارضة.

وأما الجهة الثانية: وهي الحكم الوضعي فالظاهر صحة العقد والنكاح وإن


1) ـ مصنفات الشيخ المفيد ج 6 ، خلاصة الإيجاز في المتعة، ص 58 الطبعة الأولى.

2) ـ وسائل الشيعة ج 14 باب 5 من أبواب المتعة، الحديث 2 .

استوجب الإثم بالمخالفة، وذلك لأنّ الحرمة عرضية كالوطىء في الحيض، وبناء على ذلك فالولد يلحق به، وتترتّب عليه جميع آثار العقد الصحيح.

هذا وقد بقي في المقام بيان أركان المتعة وشرائطها وهو موكول إلى محلّه من كتب الفقه.

هذا تمام الكلام حول التقية في النكاح.

والحمد لله ربّ العالمين.

الفصل الحادي عشر: 9 ـ التقية في الطلاق

اشارة

الطلاق ونظام المجتمع، واهتمام الشارع المقدّس بأحكامه

الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع إلاّ واحدة

استعراض أدلّة العامّة وتقييمها

عمر بن الخطاب هو أول من أمضى الطلاق ثلاثاً

التصدّي لمغالطات ابن حزم وكشفها

تحليل الأفعال الصادرة عن الإنسان من حيث قابليتها للتكرار وعدمها

حكم المرأة المطلقة ثلاثاً، وتطبيق قاعدة الإلزام على بعض مواردها

الإشهاد على الطلاق ثابت بنصّ الكتاب

اعتراف بعض علماء السنّة بصحّة ما ذهب إليه الإمامية من اشتراط الإشهاد على الطلاق

مسائل خلافيّة أخرى في الطلاق

التقية في الطلاق

الطلاق لغة: اسم من طلق يطلّق، والمصدر التطليق كالسلام بمعنى التسليم(1)، والطلاق: الترك والإرسال والتخلية عن وثاق وتقييد، ثم استعير لتخلية المرأة عن حبالة عقد النكاح وقيد الزوجية، فصار حقيقة شرعية في ذلك بكثرة الاستعمال.

وقد جعل الله تعالى قوام النكاح بيد المرأة فإنّها طرف الإيجاب، كما جعل الطلاق بيد الزوج فإنّه هو الذي يحلّ عقد الزوجية بعد قبوله، ولذلك جعل له حقّ الرجوع ما دامت المرأة في العدة.

وحيث إنّ موضوع الطلاق من القضايا الاجتماعية المهمّة، وله مدخلية في حلّ وتنظيم كثير من مشاكل الأسرة والمجتمع، اهتمّ به الشارع المقدّس ووضع له الضوابط والحدود، كما هو شأنه في جميع مجالات الحياة، وذلك من خلال النصوص القرآنية وما ورد على ألسنة أهل بيت العصمة والطهارة (علیهم السلام) ، ففي القرآن الكريم ـ مثلاً ـ قول الله تعالى: «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ


1) ـ مجمع البحرين 5 : 207 .

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّمِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (1).

وغيرها من الآيات البيّنات.

وأما الروايات فقد حفلت بها الموسوعات الروائية كالوسائل(2)وغيره(3).

وستأتي الإشارة إلى بعض تلك الروايات.

هذا، وقد وقع الخلاف بين الخاصّة والعامّة في عدة مسائل وأهمها ثلاث:

المسألة الأولى: هل يقع الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد في مجلس واحد أو لا يقع إلاّ واحدة أو لا يقع شيء؟

قال الشيخ في الخلاف: إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد، كان مبدعاً، ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا، وفيهم من قال: لا يقع شيء أصلاً، وبه قال علي (علیه السلام) ، وأهل الظاهر، وحكى الطحاوي عن محمدبن إسحاق أنه قال: تقع واحدة كما قلناه .

وروي أنّ ابن عباس وطاووساً كانا يذهبان إلى ما يقوله الإمامية، وقال الشافعي: المستحب أن يطلّقها طلقة ليكون خاطباً من الخطّاب قبل الدخول،


1) ـ سورة البقرة، الآية: 228 ـ 230 .

2) ـ وسائل الشيعة 15 : 266 ـ 505 .

3) ـ جامع أحاديث الشيعة 22 : 1 ـ 275 .

ومراجعاً لها بعد الدخول، فإن طلقها ثنتين أو ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه دفعة، أو متفرّقة، كان ذلك مباحاً غير محظور ووقع، وبه قال في الصحابة عبد الرحمن بن عوف، ورووه عن الحسن بن علي (علیهما السلام) ، وفي التابعين ابن سيرين، وفي الفقهاء أحمد، وإسحاق، وأبو ثور .

وقال قوم: إذا طلّقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثاً دفعة واحدة أو متفرّقة فعل محرماً، وعصى وأثم، ذهب إليه في الصحابة علي (علیه السلام) وعمر، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، قالوا: إلاّ أنّ ذلك واقع(1).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار: واعلم أنّه قد وقع الخلاف في الطلاق الثلاث إذا أوقعت في وقت واحد هل يقع جميعها ويتبع الطلاق أم لا؟ فذهب جمهور التابعين وكثير من الصحابة وأئمّة المذاهب الإسلامية وطائفة من أهل البيت منهم أمير المؤمنين علي (علیه السلام)، والناصر، والإمام يحيى، حكى ذلك عنهم في البحر، وحكاه أيضاً عن بعض الإمامية إلى أنّ الطلاق يتبع الطلاق، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّ الطلاق لا يتبع الطلاق بل يقع واحدة فقط، وقد حكى ذلك صاحب البحر عن أبي موسى، ورواية عن علي (علیه السلام)وابن عباس، وعطاء، وجابر بن زيد، والهادي، والقاسم، والباقر، والناصر، وأحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى بن عبد الله، ورواية عن زيد بن علي، وإليه ذهب جماعة من المتأخرين منهم ابن تيمية وابن القيم وجماعة من المحققين، وقد نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق عن محمد بن وضّاح، ونقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة، كمحمد بن بقى، ومحمد بن عبد السلام، وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس، كعطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار.


1) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق، مسألة 3 ، ص 450 ـ 451 .

وحكاه ابن مغيث أيضاً في ذلك الكتاب عن علي (علیه السلام) ، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وذهب بعض الإمامية إلى أنه لا يقع بالطلاق المتتابع شيء، لا واحدة ولا أكثر منها، وقد حكي ذلك عن بعض التابعين، وروي عن ابن عليّة، وهشام بن الحكم، وبه قال أبو عبيدة، وبعض أهل الظاهر، وسائر من يقول إنّ الطلاق البدعي لا يقع لأنّ الثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة منه، وعدم وقوع البدعي هو أيضاً مذهب الباقر، والصادق، والناصر، وذهب جماعة من أصحاب ابن عباس، وإسحاق بن راهويه، أنّ المطلقة إن كانت مدخولة وقعت الثلاث وإن لم تكن مدخولة فواحدة(1). ومن ذلك يظهر أنّ المشهور عند العامة أنّ الطلاق الثلاث يقع جميعها . والمشهور عند الخاصة أنّه يقع واحدة .

ثم إنّ البحث يقع في ثلاثة مواضع:

الأول: في الدليل على وقوع الطلاق ثلاثاً.الثاني: في أنّه هل يقع واحدة كما هو مشهور الخاصة أو لا يقع شيء كما اختاره جماعة منهم؟

الثالث: في حكم المطلقة ثلاثاً.

أما الموضع الأول فالمشهور عند العامة كما ذكرنا أنّه يقع ثلاثاً، وقد استدلّوا بالكتاب والسنة والإجماع.

أما من الكتاب فلإطلاق الآيات، قال الشوكاني: استدلّ القائلون بأنّ الطلاق يتبع الطلاق بأدلة منها: قوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»(2)وظاهرها جواز إرسال الثلاث أو الثنتين دفعة أو مفرّقة


1) ـ نيل الأوطار 7 : 16 .

2) ـ سورة البقرة، الآية: 229 .

ووقوعها، قال الكرماني: إنّ قوله (الطلاق مرتان) يدل على جواز جمع الثنتين، وإذا جاز جمع الثنتين دفعة جاز جمع الثلاث، وقال: إنّ التسريح بإحسان يتناول اتباع الثلاث دفعة(1).

وقال ابن حزم: وأما قولهم معنى قوله: (الطلاق مرتان) أنّ معناه مرة بعد مرة فخطأ، بل هذه الآية كقوله تعالى: «نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ»(2)أي مضاعفاً معاً، وهذه الآية أيضاً تعليم لما دون الثلاث من الطلاق، وهو حجة لنا عليهم، لأنّهم لا يختلفون ـ يعني المخالفين لنا ـ في أنّ طلاق السنة هو أن يطلّقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدّتها في قول طائفة منهم، وفي قول آخرين منهم أن يطلّقها في كلطهر طلقة، وليس شيء من هذا في هذه الآية، وهم لا يرون من طلّق طلقتين متتابعتين في كلام متصل طلاق سنة، فبطل تعلّقهم بقوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ»(3).

وحاصل عبارته أنه استظهر من الآية أنّ الطلاق مرتين في مجلس واحد جائز.

قال: ثم وجدنا من حجّة من قال إنّ الطلاق الثلاث مجموعة سنّة لا بدعة قول الله تعالى: «فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ»(4)فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرّقة، ولا يجوز أن يخصّ بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص، وكذلك قوله تعالى: «إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا»(5)عموم لإباحة الثلاث والاثنتين والواحدة وقوله تعالى: «وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ»(6)فلم


1) ـ نيل الأوطار 7 : 16 .

2) ـ سورة الأحزاب، الآية: 30 .

3) ـ المحلّى 10 : 168 .

4) ـ سورة البقرة، الآية: 230 .

5) ـ سورة الأحزاب، الآية: 49 .

6) ـ سورة البقرة، الآية: 241 .

يخصّ تعالى مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثاً(1).

وأما من السنة فقد ذكر ابن حزم عدة روايات وحاول الاستدلال بها على المدّعى قال: وجدنا ما رويناه من طريق مالك، عن ابن شهاب، أنّ سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث اللعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخرهإنه قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله (صلي الله علیه وآله) ثم قال: وأنا مع الناس عند رسول الله (صلي الله علیه وآله) .

قال ابن حزم: لو كانت الثلاث مجموعة معصية لله لما سكت رسول الله عن بيان ذلك، فتصحّ يقيناً أنها سنّة مباحة(2).

قال: ومن طريق البخاري نا محمد بن بشار، نا يحيى ـ هو ابن سعيد القطان ـ عن عبيد الله بن عمر، نا القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: إنّ رجلاً طلّق امرأته ثلاثاً فتزوّجت فطلّق، فسئل رسول الله (صلي الله علیه وآله) أتحلّ للأول؟ قال: لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول، فلم ينكر عليه الصلاة والسلام هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك(3).

وخبر فاطمة بنت قيس المشهور، رويناه من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ فاطمة بنت قيس أخبرته أنّ زوجها ابن حفص بن المغيرة المخزومي طلّقها ثلاثاً، ثم انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله (صلي الله علیه وآله) في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إنّ ابن حفص طلّق امرأته ثلاثاً فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله (صلي الله علیه وآله): ليس لها نفقة، وعليها العدة وذكر باقي الخبر، ثم نقل هذه الرواية عن ثلاثة طرق أخرى وفي بعضها: أنّ فاطمة أخبرت النبي فقال (صلي الله علیه وآله): ليس لها سكنى ولا نفقة.


1) ـ المحلّى 10 : 170 .

2) ـ نفس المصدر ص 171 .

3) ـ نفس المصدر ص 171 .

ثم قال: إنّ هذا نقل تواتر عن فاطمة وأنّه (صلي الله علیه وآله) حكم في المطلّقة ثلاثاً ولم ينكر عليه الصلاة والسلام ذلك، ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه(1).

ثم احتجّ بعمل الصحابة(2)والتابعين(3).

هذا، ولكن في كلا الدليلين ما لا يخفى من الوهن والضعف، ولا سيّما ما ذكره ابن حزم من ظهور الآية في الجمع فإنه منه عجيب، ولا ندري كيف يسوغ لفاضل فضلاً عن عالم أن يفسر المرّتين بما فسره ابن حزم؟! ولذا علّق الدكتور عبد الغفار البنداري على كلامه بقوله: لقد غاب عن الشيخ ابن حزم رشده في هذا الأمر فتخبّط حتى قال هذا الرأي البعيد عن الحق الخالي عن الصواب، وظنّ بسرعة استدلاله من غير تمحيص أنّ لفظ الثلاث مجموعة يفكّ العقد ثلاثاً، فوقع في سوء الاستدلال وأخطأ خطأً شديداً(4).

وقد أوضح الدكتور البنداري الوجه في اشتباه ابن حزم في تفسير الآية وقياس معناها على معنى الآية الأخرى وهي قوله تعالى: «نُؤْتِهَا أَجْرَهَامَرَّتَيْنِ» ببيان برهاني وحجّة رصينة ومن شاء فليراجع(5).

وقال الرازي: حجة القائلين بالقول الأول ـ وهو عدم وقوع الطلاق ثلاثاً ـ أنّ لفظ الطلاق يفيد الاستغراق لأنّ الألف واللام إذا لم يكونا للمعهود أفاد الاستغراق فصار تقدير الآية: كلّ الطلاق مرّتان، ومرة ثالثة، ولو قال هكذا لأفاد أنّ الطلاق المشروع متفرّق لأنّ المرّات لا تكون إلاّ بعد تفرّق


1) ـ المحلّى 10 : 172 .

2) ـ نفس المصدر ص 172 .

3) ـ نفس المصدر ص 173 .

4) ـ المحلى بالآثار 9 : 389 الطبعة المحققة.

5) ـ نفس المصدر ص 388 ـ 395 .

بالإجماع(1).

وقال الجصاص: (الطلاق مرّتان) يقتضي التفريق لا محالة، لأنه لو طلق اثنتين معاً لما جاز أن يقال طلّقها مرتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين حتى يفرّق الدفع، فحينئذ يطلق عليه، وإذا كان هذا هكذا فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدّى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المرّتين إذا كان هذا الحكم ثابتاً في المرة الواحدة إذا طلق اثنتين، فثبت بذلك أنّ ذكره للمرّتين إنما هو أمر بإيقاعه مرّتين ونهي عن الجمع بينهما في مرّة واحدة(2).

وما ذكره هؤلاء في فقه الآية الشريفة واضح، فإنه سبحانه وتعالى أوجب في الطلاق تحقيق المرّتين والتحريم بعد الثالثة، وهو لا يلتئم مع ما ذكره ابن حزم من جمع التطليقات بلفظ ثلاثاً أو بتكرير الطلاق في مجلس واحد.

وبيان ذلك: إنّ الأفعال الصادرة عن الإنسان في نظر العرف من حيثصلاحيتها للتكرار والإعادة على ثلاثة أقسام:

الأول: ما يكون صالحاً للتكرار دائماً كالأكل، والشرب، والصلاة، والصوم، والقراءة، ونحو ذلك فالقارىء لسورة مثلاً يمكنه تكرارها عشراً.

الثاني: ما لا يكون صالحاً مطلقاً كالقتل حيث يرتفع الموضوع بالفعل الأول فلا يمكن تكراره.

الثالث: ما يكون صالحاً للتكرار في حين وغير صالح في حين آخر، كما في الاتصال والانفصال والرجعة والفراق والطلاق والقطيعة ونحو ذلك، فانقطاع المحبّة مثلاً عن شخص مّا لا تقبل الانقطاع ثانياً إلاّ بعد تجدّد الصلة والعلاقة.


1) ـ التفسير الكبير 6 : 103 .

2) ـ أحكام القرآن ج 1 باب عدد الطلاق، ص378 .

إذا تبين هذا فنقول: إذا أخبر شخص بأنه فعل الشيء الفلاني مكرراً أو أنه أمر بالإتيان بفعل مّا مكرّراً فإن كان من القسم الأول فالمتبادر منه أنّ المراد هو تكرار نفس الفعل، لا الإتيان بالفعل مرّة ثم إردافه بقوله: عشر مرات مثلاً، فإنّ ذلك لا يعدّ تكراراً للفعل، ومثله ما إذا استؤجر شخصٌ لقراءة القرآن عشر مرات فلا يكفي أن يقرأه مرة واحدة ثم يقول: عشراً، أو كما ورد من استحباب صلاة ألف ركعة فيصلّي ركعة واحدة ويقول بعدها ألف ركعة، وهذا في غاية الوضوح، ولا فرق في ذلك بين أن يذكر العدد أو يكرر نفس اللفظ.

ولاشكّ أنّ الاكتفاء بذلك خلاف للظاهر، وهو مجاز ويحتاج إلى قرينة.

وإن كان من القسم الثاني فلا يصحّ وصفه بالتكرار أصلاً إلاّ على ضرب من التأويل.

وإن كان من القسم الثالث ـ كما نحن فيه ـ فالفعل وإن كان يصحّ وصفه بالتكرار إلاّ أنه يتوقف على تحقق شرطه وهو تجدد الموضوع، فإنّ تعدّد الطلاق ـوهو حلّ عقدة النكاح وفكّ قيد الزوجية والفراق بين الزوجين ـ لا يمكن تكراره بلفظ ثلاثاً أو بلفظ طالق، لأنّ المفروض تحقّق الفرقة بينهما باللفظ الأول، فما لم تتجدّد العلاقة فلا موضوع لإحداث الفرقة ثانية وثالثة، نعم إذا تجدّدت العلاقة بالرجعة أمكن تكرار الطلاق ثانياً وهكذا.

والمتحصل: أنّ التكرار في هذا القسم من الأفعال لا يمكن تحقّقه إلاّ مع التفريق، والآية الشريفة من هذا القبيل فإنّه لا إطلاق فيها بالنسبة إلى التفريق والجمع فضلاً عن الظهور في الجمع ـ كما ادّعاه ابن حزم ـ بل إنّ المتعين هو ظهور الآية في التفريق، فالقول بتحقق التكرار في الجمع باطل.

وأما التمسّك بإطلاق سائر الآيات الأخرى فهي إما لا إطلاق فيها أصلاً،

كقوله تعالى: «فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»(1)وقوله تعالى: «فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ»(2)لكونها واردة عقيب ما دلّ على أنّ الطلاق مرّتان يتخللهما الاعتداد بعد كل مرة، فإن رجع فإمساك بمعروف وإلاّ طلقها ثالثاً، وهو التسريح بالإحسان، فإذا طلّقها ثالثاً حرمت، فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً آخر، فأيّ إطلاق يتصوّر في هذه الآيات.

وإما أنّ الإطلاق في مقام بيان حكم آخر غير التعدد كقوله تعالى: «إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍتَعْتَدُّونَهَا»(3)فإنّها واردة في مقام بيان عدم لزوم العدّة إذا كان الطلاق قبل المماسّة.

وهكذا غيرها من سائر الآيات فإنّها ليست واردة في بيان كمّية الطلاق حتى يصحّ التمسّك بإطلاقها.

فما نقله الشوكاني وما ذكره ابن حزم ضعيف جداً لا يمكن التعويل عليه.

وأما ما استدلّ به من الروايات ففيها أوّلاً: إنه لم يرد في جميع هذه الروايات التصريح بوقوع الثلاث مجموعة، ومن المحتمل أنها وقعت على نحو التفريق، فهي لإجمالها لا يمكن الأخذ بها، إذ لابدّ من البيان، والمتكفل لذلك هو ما دلّ على لزوم التفريق وبه يتمّ الجمع بين الروايات.

وثانياً: على فرض إفادتها وقوع الطلاق بالجمع ثلاثاً إلاّ أنها معارضة بالروايات الكثيرة الصحيحة سنداً والصريحة دلالة على أنها إما تقع باطلة أو تردّ إلى الواحدة وسنذكر بعض هذه الروايات فيما يأتي.

وثالثاً: إنّ رواية عويمر العجلاني لا ربط لها بالطلاق فإنّها واردة في اللعان


1) ـ سورة البقرة، الآية: 228 .

2) ـ سورة البقرة، الآية: 230 .

3) ـ سورة الأحزاب، الآية: 49 .

وسكوت النبي (صلي الله علیه وآله) بعد قوله (عويمر): فطلّقتها ثلاثاً، لا يدلّ على التقرير والرضا بقوله، لتحقق البينونة بينه وبين امرأته باللعان فما تفوّه به من الطلاق لا يخرج عن كونه لغواً لا أثر له سواء كان واحدة أو ثلاثاً.

ورابعاً: إنّ قضيّة فاطمة بنت قيس التي وصفها بأنها نقل متواتر، لم تكنبالصورة التي ذكرها ابن حزم، وقد غالط في بيانها وحاول إخفاء الحقيقة بقوله: وذكر باقي الخبر. ولو أنه أورد القصة كاملة وذكر الروايات الواردة في قصّتها لتبيّن أن الروايات قد وردت في بيان حكم خروج المطلّقة من بيتها قبل انقضاء عدتها وفي استحقاقها السكنى والنفقة بعد إكمال التطليقات وعدمه، وأما الطلاق فقد وقع مفرّقاً لا مجموعاً، فقد روى أحمد في مسنده بسنده عن فاطمة بنت قيس قالت: كنت عند أبي عمر بن حفص بن المغيرة، وكان قد طلّقني تطليقتين، ثم إنه سار مع علي إلى اليمن حين بعثه رسول الله (صلي الله علیه وآله) فبعث بتطليقتي الثالثة ...(1).

وروى أيضاً بسنده عن عبيد الله بن عبد الله أنّ زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها(2).

وفي سنن الدارقطني بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أنها أخبرته أنها كانت عند أبي عمر بن حفص بن المغيرة فطلّقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت أنها جاءت رسول الله فاستفتته في خروجها من بيتها(3).

وغيرها من الروايات الواردة في قصة فاطمة بنت قيس الدالة على أنّ الطلاق وقع مفرّقاً، فكيف يدّعي ابن حزم أنّ طلاقها وقع على نحو الجمع ويبهم في البيان؟!

والحاصل: أنّ التمسّك بهذه الروايات موهون جداً ولا يمكن الاستناد


1) ـ مسند أحمد ج 7 ، الحديث 26789 ، ص 563 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 26792 ، ص 564 .

3) ـ سنن الدارقطني ج 4 ، كتاب الطلاق، الحديث 80 ، ص 29 .

إليها في مقام الاستدلال.

هذا وقد نقل الشوكاني روايات أخرى ـ غير ما تقدم ـ وناقش في سندها ودلالتها، ونحن وإن كنّا نرى عدم الحاجة إليها إلاّ أنّه لا بأس بذكرها تتميماً للبحث واستيفاء لأدلّة المسألة.

قال: منها ما عن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلّق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين آخرتين عند القرأين، فبلغ ذلك رسول الله(صلي الله علیه وآله)، فقال: يابن عمر ما هكذا أمرك الله تعالى، إنّك قد أخطأت السنّة، والسنّة أن تستقبل الطهر فتطلّق لكلّ قرء، وقال: فأمرني رسول الله (صلي الله علیه وآله) فراجعتها، ثم قال: إذا هي طهرت فطلّق عند ذلك أو أمسك، فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلّقتها ثلاثاً أكان يحلّ لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك وتكون معصية، رواه الدارقطني(1).

وناقش في السند بقوله: إنّ في أسناده عطاء الخراساني، وهو مختلف فيه، وثّقه الترمذي، وقال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وكذّبه سعيد بن المسيّب، وضعّفه غير واحد، وقال البخاري: ليس فيمن روى عنه مالك من يستحق الترك غيره، وقال شعبة: كان نسيّاً، وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله غير أنه كان كثير الوهم، سيّىء الحفظ، يخطىء ولا يدري، فلمّا كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به، وأيضاً الزيادة التي هي محلّ الحجّة أعني قوله: أرأيت لوطلّقتها ... الخ ممّا تفرّد به عطاء، وخالف فيها الحفّاظ فإنّهم شاركوه في أصل الحديث ولم يذكروا الزيادة، وأيضاً في اسنادها شعيب بن زريق الشامي وهو ضعيف(2).


1) ـ نيل الأوطار 7 : 12 ، وسنن الدارقطني ج 4 ، كتاب الطلاق، الحديث 84 ، ص31 .

2) ـ نيل الأوطار 7 : 13 .

وأمّا الدلالة فقد ناقش فيها بأنّ لفظ ثلاثاً محتمل، فيقيّد بروايات التفريق(1).

أقول: إنّ الظاهر من الرواية بقرينة صدرها أنّ المراد هو الطلاق مع التفريق.

ومنها: ما ورد في حديث ركانة بن عبد الله: أنّه طلّق امرأته سهيمة البتّة فأخبر النبي (صلي الله علیه وآله) بذلك، فقال رسول الله (صلي الله علیه وآله): والله ما أردت إلاّ واحدة؟ قال ركانة: والله ما أردت إلاّ واحدة، فردّها إليه رسول الله (صلي الله علیه وآله) وطلّقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان(2).

ووجه الاستدلال بها أنّه لو كان قد طلّقها ثلاثاً لما ردّها رسول الله (صلي الله علیه وآله) إليه، وسؤاله (صلي الله علیه وآله) ركانة ليعرف منه عدد التطليقات، وإلاّ فلا معنى له، فالسؤال يدلّ على أنّ الطلاق لو وقع ثلاثاً لكان صحيحاً.

وناقش الشوكاني في سند الرواية ودلالتها.

أما من جهة السند ففيه الزبير بن سعيد الهاشمي، وقد ضعّفه غير واحد، وقيلإنه متروك، وذكر الترمذي عن البخاري أنّه يضطرب فيه، تارة يقال: فيه ثلاثاً، وتارة قيل: واحدةن وأصحّها أنه طلّقها البتّة وأنّ الثلاث ذكرت فيه على المعنى.

وأما من جهة الدلالة فبوجهين: الأول أنّها مضطربة أخرجها أبو داود عنه أنه قال: يا رسول الله إنّي طلّقتها ثلاثاً، قال: قد علمت، أرجعها ثمّ تلا «إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ» الآية، وأخرج أحمد أنه طلّق ركانة امرأته في مجلس واحد فحزن عليها، وقيل: واحدة، وقيل: طلقها البتّة.


1) ـ نيل الأوطار 7 : 13 .

2) ـ نفس المصدر ص 11 .

الثاني: أنّها معارضة بما روي عن ابن عباس أنّ طلاق الثلاث كان واحدة وهو أصحّ أسناداً وأوضح متناً(1).

ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق في مصنّفه عن يحيى بن العلاء، عن عبد الله بن الوليد الوصافي، عن إبراهيم بن عبد الله بن عبادة بن الصامت، عن داود، عن عبادة بن الصامت، قال: طلّق جدّي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول الله فذكر ذلك، فقال النبي (صلي الله علیه وآله): ما اتقى الله جدّك أمّا ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذّبه وإن شاء غفر له .

وفي رواية: إنّ أباك لم يتّق الله فيجعل له مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنّة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه(2).

وناقش في سند الرواية بأنّ يحيى بن العلاء ضعيف، وعبد الله بن الوليد هالك، وإبراهيم بن عبد الله مجهول، فأيّ حجّة في رواية ضعيف، عن هالك،عن مجهول، ثم والد عبادة بن الصامت لم يدرك الإسلام فكيف بجدّه؟!(3).

فظهر من ذلك كلّه ضعف كلا الدليلين، ولا يمكن الاعتماد على شيء منهما بوجه أصلاً، وما ادّعاه ابن حزم وأضرابه مجازفة، وعار عن التحقيق.

وأمّا الإجماع ـ وهو عمدة أدلتهم ـ فقد استدلوا به على أنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ كما قرّره العيني في عمدة القارىء حيث قال:

فإن قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر (رض) لاينسخ؟ وكيف يكون النسخ بعد النبي (صلي الله علیه وآله) ؟

قلت: لما خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار صار إجماعاً، والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا بطريق أنّ الإجماع موجب علم اليقين


1) ـ نيل الأوطار 7 : 11 .

2) ـ نفس المصدر ص 17 .

3) ـ نفس المصدر ص 17 .

كالنصّ، فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان النسخ جائزاً بالخبر المشهور في الزيادة على النص فجوازه بالإجماع أولى.

فإن قلت: هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم، فلا يجوز ذلك في حقّهم.

قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نصّ أوجب النسخ، ولم ينقل إلينا ذلك(1).

وفيه أولاً: إنه من الثابت أنّ عمر هو أول من أمضى هذا النوع من الطلاق، وإنه لم يكن معهوداً في زمان النبي (صلي الله علیه وآله) ولا في زمان أبي بكر بل حتى في أوائل زمان عمر نفسه، ويدلّ على ذلك عدّة من الروايات.منها: ما ورد عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر (رض) طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر (رض): إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم(2).

ومنها: ما أخرجه الطحاوي ـ وصحح أسناده ـ عن طريق ابن عباس قال: لمّا كان زمن عمر قال: أيها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنه من تعجّل أناة الله ألزمناه إياه(3).

ومنها: ما روي عن طاووس قال: إنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وأبي بكر (رض)


1) ـ عمدة القارىء 20 : 222 .

2) ـ صحيح مسلم ج 2 ، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث، الحديث 15 ، ص 1099 ، ومسند أحمد ج 1 ، الحديث 2870 ، ص 516 ـ 517 .

3) ـ عمدة القارىء 20 : 233 .

وثلاثاً من إمارة عمر (رض) ؟ قال ابن عباس: نعم(1).

وفي لفظ البيهقي: فلما كان في عهد عمر (رض) تتابع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم(2).

وفي سنن أبي داود: فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزهن عليهم(3).ومنها: ما رواه طاووس أيضاً قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم، وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك(4).

ومنها: ما رواه الحسن أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس، أن أجعلها واحدة ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزم كلّ نفس ما لزم نفسه، من قال لامرأته: أنت عليّ حرام فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنت بائنة فهي بائنة، ومن قال: أنت طالق ثلاثاً فهي ثلاثاً(5).

وغيرها من الروايات .

والمستفاد منها أنّ عمر هو أول من أجاز هذا الطلاق وأمضاه خلافاً لحكم الله ورسوله .

وثانياً: إنه مع تحقّق الخلاف في المسألة، وذهاب كثير من الصحابة والتابعين إلى عدم صحّة الطلاق ثلاثاً، وإرجاعها إلى الواحدة ـ كما مرّ ـ فكيف تتمّ دعوى الإجماع؟


1) ـ صحيح مسلم ج 2 ، كتاب الطلاق ، باب طلاق الثلاث، الحديث 16 ، ص 1099.

2) ـ السنن الكبرى 7 : 336 .

3) ـ سنن أبي داود ج 2 ، كتاب الطلاق، الحديث 2199 ، ص 261.

4) ـ كنز العمال ج 9 ، الحديث 27942 ، ص 676 .

5) ـ كنز العمال ج 9 ، الحديث 27944 ، ص 676 دار الرسالة.

على أنه قد ادّعي الإجماع على العكس من ذلك، قال صاحب عون المعبود ـ وهو أسبق زماناً من العيني ـ : وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد واحدة، ولم ينقض هذا الإجماع بخلافه، بل لا يزال في الأمة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا(1).ولا ندري كيف يمكن التوفيق بين الإجماع على النقيضين؟

وثالثاً: على فرض التسليم فهل يكون سكوت الناس كاشفاً عن وجود نصّ يدلّ على النسخ؟ إذا كانت قلوبهم قد امتلأت رعباً من الدرة وبطش الخليفة، على أنّ هذه الدعوى على خلاف ما تقدّم من الروايات الدالة على أنّ عمر نفسه هو الذي رأى هذا الرأي وأمضاه، وهو القائل: قد كان لكم في الطلاق أناة وإنه من تعجّل أناة الله ألزمناه إياه، كما رواه العيني نفسه في عمدة القاري(2).

فلو كان هناك نصّ فلا وجه للتشبث بمثل هذا الرأي لتغيير حكم الله، ولو كان هناك نصّ يدلّ على النسخ كما ادّعاه العيني لما أفتى أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، والليث، بأنّ الجمع بدعة، ولما قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، بأولوية التفريق ولما استظهر السندي الحرمة(3).

ورابعاً: وعلى فرض التسليم بوجود النصّ، فكيف ساغت مخالفة المسلمين من الصحابة والتابعين، من زمان رسول الله (صلي الله علیه وآله) وأبي بكر، وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر كما ورد في كثير من الروايات، وقد تقدم بعضها وهل في هذا إلاّ الطعن على مسلمي الصدر الأول!!


1) ـ راجع كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب 6 : 183 .

2) ـ عمدة القاري 20 : 233 .

3) ـ سنن النسائي ج 6 ، هامش ص 143 دار إحياء التراث العربي.

على أنّه قد ورد في حديث محمود بن لبيد ما يدل على خلاف ذلك، قال: أخبر رسول الله (صلي الله علیه وآله) عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضباناً، ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجل فقال:يا رسول الله ألا أقتله(1).

وصحّح ابن حجر أسناده حيث قال: ورواته موثوقون(2)، وقال ابن كثير: أسناده جيد(3)، واحتجّ به النسائي في سننه(4).

فما أشكل به ابن حزم على سند الحديث من أنّه مرسل في غير محلّه(5).

والحاصل: أنّه لا دليل في المقام يمكن التمسك به على صحة هذا الحكم، ولم يبق إلاّ ما دلّت عليه الروايات من أنه اجتهاد من عمر، ورأي قد رآه على خلاف ما أنزل الله.

ولنا أن نتساءل هل أنّ اجتهاد الخليفة في مقابل النصّ حجّة نافذة، يسوّغ إلغاء النص النازل في القرآن والصادر عن الرسول (صلي الله علیه وآله) ويكون حكم البدعة هو الجاري على الناس؟

وقد وقفنا على جواب ذلك وقد حررته أقلام بعض أتباع الخليفة السائرين على خطاه، ونكتفي بأقوال أربعة منهم:

1 ـ قال الشيخ ابن حزم: ولا أضعف من قول من يقرّ أنه ينفذ البدعة ويحكمبما لا يجوز بغير نصّ من الله تعالى ولا رسوله (صلي الله علیه وآله) (6).


1) ـ سنن النسائي ج 6 ، هامش ص 142 ، دار إحياء التراث العربي.

2) ـ بلوغ المرام، الحديث 1105 ، ص 224 .

3) ـ نيل الأوطار 7 : 12 دار الجيل.

4) ـ سنن النسائي 6 : 142 .

5) ـ المحلّى 10 : 168 دار الآفاق الجديدة.

6) ـ المحلّى 10 : 170 .

2 ـ وقال الشيخ محمد بن علي الشوكاني: الحاصل أنّ القائلين بالتتابع قد استكثروا من الأجوبة على حديث ابن عباس، وكلّها غير خارجة عن دائرة التعسّف، والحقّ أحقّ بالاتباع، فإن كانت تلك المحاماة لأجل مذاهب الأسلاف فهي أحقر وأقل من أن تؤثّر على السنة المطهّرة، وإن كانت لأجل عمر بن الخطاب فأين يقع المسكين من رسول الله (صلي الله علیه وآله) ؟ ثم أيّ مسلم من المسلمين يستحسن عقله وعلمه ترجيح قول صحابي على قول المصطفى؟(1)

3 ـ وقال الشيخ صالح العمري المالكي: إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب الله تعالى أو سنّة رسول الله (صلي الله علیه وآله) وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يعارض نصّ الكتاب والسنة بالاحتمالات العقلية والخيالات النفسانية والعصبية الشيطانية بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النص وتركه لعلّة ظهرت له، أو أنّه اطّلع على دليل آخر ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين وأطبق عليه جهلة المقلّدين(2).

4 ـ وقال الدكتور عبد الغفار البنداري في وصف أخلاق الخليفة عمر: كانشديداً في الحقّ غيوراً عليه، لكن ربّ شدة في الحقّ تفصمه أو غيرة عليه تغيّره(3).

ونكتفي بهذا المقدار في بيان هذا الموضع من هذه المسألة وهو بحمد الله واضح لمن ألقى السمع وهو شهيد، وحاله في الوضوح كحال مسألة المتعة المتقدمة.

وأما الموضع الثاني ـ وهو أنّ الطلاق ثلاثاً هل يقع باطلاً أو يقع واحدة؟


1) ـ نيل الأوطار 7 : 19 .

2) ـ راجع كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب 6 : 183 .

3) ـ المحلّى بالآثار ج 9 ، هامش ص 390 الطبعة المحققة، دار الفكر.

فقد اختلف الأعلام فيه، فنسب الأول إلى جماعة إذا كان الطلاق بكلمة واحدة على نحو الإرسال ـ بأن يقول: هي طالق ثلاثاً ـ كما عن السيد المرتضى في الانتصار(1)، وابن أبي عقيل، وابن حمزة، وسلاّر، ويحيى بن سعيد(2)، وإليه ذهب صاحب الحدائق(3).

ونسب الثاني ـ وهو الوقوع واحدة ـ إلى المشهور كما عن السيّد في قوله الآخر في المسائل الناصريات(4)، والشيخ(5)، وابن إدريس(6)، والعلاّمة(7)، وجماعة آخرين منهم السيد الأستاذ(8)، بل يظهر من كلمات بعضهم دعوى الإجماع عليه(9).وأما إذا كان الطلاق ثلاثاً على نحو التتابع ـ بأن يقول: هي طالق، هي طالق ـ فلا خلاف عندهم في وقوعه واحدة، وقد قام الإجماع بقسميه على ذلك(10).

وأما عدم وقوع الثلاث فهو من ضروريات مذهب الشيعة فضلاً عن قيام الإجماع عليه(11).

واستدل للقول الأول بأمور:


1) ـ الانتصار ـ كتاب الطلاق ـ مسألة 172 ، ص 308 .

2) ـ جواهر الكلام 32 : 81 .

3) ـ الحدائق الناضرة 25 : 239 ـ 240 .

4) ـ المسائل الناصريات (المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية) المسألة 163 ، ص 214 .

5) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق، مسألة 3 ، ص 450 .

6) ـ السرائر 2 : 678 .

7) ـ مختلف الشيعة ج 7 ، كتاب الطلاق، مسألة 10 ، ص 350 .

8) ـ منهاج الصالحين ، كتاب الطلاق، فصل في أقسام الطلاق، ص 300 الطبعة الثانية.

9) ـ جواهر الكلام 32 : 82 .

10) ـ جواهر الكلام 32 : 81 .

11) ـ جواهر الكلام 32 : 81 .

الأول: بالأصل، وهو اعتبار اللفظ المخصوص في وقوع الطلاق، فلا يترتب الأثر بكلّ لفظ أو فعل وإن كان يدلّ عليه، وقد دلّت عدّة من الروايات على انحصار ترتب آثار الطلاق في ألفاظ مخصوصة، ومنها ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم... إنما الطلاق أن يقول لها في قبل العدة بعدما تطهر من محيضها قبل أن يجامعها: أنت طالق، أو اعتدّي، يريد بذلك الطلاق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين(1).

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الطلاق أن يقول لها: اعتدّي أو يقول لها: أنت طالق(2).

ومنها: ما رواه بكير بن أعين أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع: أنتطالق ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهي ملغى(3).

ومقتضى الحصر عدم انفصام العقد وانحلاله بغير ما نصّت عليه الروايات من الألفاظ، وهو شامل للمقام فإنّ الطلاق ثلاثاً مرسلاً أو متتابعاً مما لم يرد في النصوص فلا يترتب على إيقاعه أي أثر.

الثاني: إنه لم يقع من المطلّق قصد الطلاق الصحيح وهو الواحدة، وما أوقعه وهو الثلاث بدعة فلا أثر له، مضافاً إلى أنه مخالف للكتاب والسنّة.

أما مخالفته للكتاب فلأنّ قوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ»(4)يدلّ على أنّ الطلاق الشرعي إنما هو مرّتان تفصل بينهما العدة في كل مرّة، وما أوقعه المطلّق على خلاف ذلك، فلا يكون نافذاً لمخالفته لنصّ الكتاب.


1) ـ وسائل الشيعة ج 15، باب 16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 3 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 1 .

4) ـ سورة البقرة، الآية 229 .

وأمّا مخالفته للسنّة فلأنّه ورد في عدّة من الروايات الصحيحة(1)أنّ ابن عمر طلّق امرأته ثلاثاً فأمره رسول الله (صلي الله علیه وآله) أن يراجعها، وفي بعضها أنّ النبي (صلي الله علیه وآله) قال لابن عمر: أمسك أو طلّق على السنّة إن أردت الطلاق(2).

ولو كان الطلاق ثلاثاً شرعياً لما أمره النبي (صلي الله علیه وآله) بمراجعة امرأته.

الثالث: بما ورد من الروايات المعتبرة الدالة على بطلان الطلاق ثلاثاً.

ومنها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من طلّق ثلاثاً في مجلس فليس بشيء، من خالف كتاب الله عزوجل ردّ إلى كتاب الله عزّوجلّ وذكر طلاق ابن عمر(3).

ومنها: معتبرة صفوان الجمال عن أبي عبد الله (علیه السلام) أن رجلاً قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثاً في مجلس، قال: ليس بشيء، ثم قال: أما تقرأ كتاب الله: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ » إلى قوله: «لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً » ثم قال: كلما خالف كتاب الله والسنة فهو يرد إلى كتاب الله والسنّة(4).

ومنها: رواية هارون بن خارجة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت: إنّي ابتليت فطلقت أهلي ثلاثاً في دفعة واحدة فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشيء وإن المرأة قالت: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله (علیه السلام) فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء(5).


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 8 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1 و 8 و 10 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 8 .

3) ـ نفس المصدر باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 8 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 25 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 29 .

ومنها: رواية علي بن إسماعيل قال: كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن(علیه السلام): روى أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزمه تطليقةواحدة، فوقّع بخطه، أخطأ على أبي عبد الله (علیه السلام) ، إنه لا يلزم الطلاق، ويرد إلى الكتاب والسنة إن شاء الله (1).

ومنها: موثقة حفص بن البختري عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً فإنّهنّ ذوات أزواج(2).

ومنها: معتبرة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس واحد فإنّهنّ ذوات أزواج(3).

والرواية وإن وصفها صاحب الجواهر(4)بالخبر، ولعلّه لوقوع عمر بن حنظلة في سندها وهو لم يرد فيه توثيق، إلاّ أنّنا قد حققنا في مباحثنا الرجالية(5)وثاقته وإمكان الاعتماد على روايته فلا إشكال ـ بناء على ذلك ـ في اعتبار الرواية. ثم إنّ في كون الراوي عن الإمام (علیه السلام) هو عمر بن حنظلة أو غيره بحثاً سيأتي.

والمستفاد من هذه الروايات عدم وقوع الطلاق أصلاً وأن المرأة لم تخرج من حبالة زوجها وما صدر منه فهو لغو لا أثر له.

واستدل للقول المشهور بعدة روايات:

منها: صحيحة أبي بصير الأسدي، ومحمد بن علي الحلبي، وعمر بن


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 8 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1 و 8 و 10 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 21 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 15 باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 20 .

4) ـ جواهر الكلام 32 : 82 .

5) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 551 ـ 555 .

حنظلة،جميعاً عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: الطلاق ثلاثاً في غير عدّة إن كانت على طهر فواحدة، وإن لم تكن على طهر فليس بشيء(1).

ومنها: صحيحة زرارة عن أحدهما (علیهما السلام) قال: سألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد وهي طاهر، قال: هي واحدة(2).

ومنها: صحيحته الأخرى عن أحدهما (علیهما السلام) قال: سألته عن الذي يطلّق في حال طهر في مجلس ثلاثاً، قال: هي واحدة(3).

وهذه الرواية بنفس مضمون الرواية السابقة ولعلّهما رواية واحدة.

ومنها: صحيحة شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: قلت: فطلقها ثلاثاً في مقعد، قال: تردّ إلى السنّة فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة(4).

ومنها: صحيحة أبي أيوب الخزّاز عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كنت عنده فجاء رجل فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، قال: بانت منه، قال: فذهب ثم جاء رجل آخر من أصحابنا فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً، فقال: تطليقة. وجاء آخر فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً فقال: ليس بشيء، ثم نظر إليّ فقال: هو ما ترى، فقال: قال: قلت: كيف هذا؟ قال: هذا يرى أنّ من طلّق امرأته ثلاثاً حرمت عليه،وأنا أرى أنّ من طلّق امرأته ثلاثاً على السنة بانت منه، ورجل طلّق امرأته ثلاثاً وهي على طهر فإنّما هي واحدة، ورجل طلّق امرأته ثلاثاً على غير طهر فليس بشيء(5).


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 2 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 3 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 16 .

وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): تطليقة، وبيانه ذلك بقوله (علیه السلام): ورجل طلّق امرأته ثلاثاً وهي على طهر فإنّما هي واحدة.

ومنها: موثقة بكير بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إن طلّقها للعدّة أكثر من واحدة فليس الفضل على الواحدة بطلاق(1).

ومنها: مضمرة سماعة قال: سألته عن رجل يطلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فقيل له: إنها واحدة، فقال لها: أنت امرأتي فقالت: لا أرجع إليك أبداً فقال: لا يحلّ لأحد أن يتزوجها غيره(2).

وموضع الشاهد صدر الرواية حيث أمضى (علیه السلام) ما سمعه من سماعة، وأما الإضمار في قوله سألته، فإن قلنا: إنّ سماعة لا يضمر إلاّ وهو يعني الإمام (علیه السلام) ـ كما لا يبعد ذلك ـ فالرواية معتبرة من حيث السند وإلاّ فهي مويّدة.

ومنها: معتبرة أبي محمد الوابشي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل ولّى امرأته رجلاً وأمره أن يطلّقها على السنة فطلّقها ثلاثاً في مقعد واحد، قال: يردّإلى السنّة، فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه(3).

والمستفاد من هذه الروايات المعتبرة أنّ الطلاق ثلاثاً يقع واحدة ويؤيّدها عدّة من الروايات الأخرى.

ومنها: رواية محمد بن سعيد «سعد السندي خ ل» الأموي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل طلّق ثلاثاً في مقعد واحد، قال: فقال: أما أنا فأراه قد لزمه، وأما أبي فكان يرى ذلك واحدة(4).

وموضع الشاهد هو الجملة الأخيرة من الرواية، وهي صريحة في دلالتها


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 12 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 30 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 13 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 14 .

إلاّ أنّ الإشكال في سند الرواية فإنّها مضافاً إلى الإرسال في سندها لم يرد في الأموي توثيق.

ومنها: رواية موسى بن أشيم، قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فسألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس، فقال: ليس بشيء، وأنا في مجلسي إذ دخل عليه رجل فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس، فقال تردّ الثلاث إلى واحدة فقد وقعت واحدة ولا يردّ ما فوق الثلاث إلى الثلاث ولا إلى الواحد، فنحن كذلك إذ جاءه «رجل خ» آخر فقال له: ما تقول في رجل طلّق امرأته في مجلس؟ فقال: إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً بانت منه، فلم تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، فأظلم عليّ البيت وتحيّرت من جوابه في مجلس واحد بثلاثة أجوبة مختلفة في مسألة واحدة، فقال: يابن أشيم أشككت؟ ودّ الشيطانأنك شككت، إذا طلّق الرجل امرأته على غير طهر ولغير عدّة كما قال الله عزوجل، ثلاثاً أو واحدة فليس طلاقه بطلاق، وإذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً وهي على طهر من غير جماع بشاهدين عدلين فقد وقعت واحدة وبطلت الثنتان، ولا يردّ ما فوق الواحدة إلى الثلاث ولا إلى الواحدة، وإذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً على العدّة كما أمر الله عزوجل فقد بانت منه ولا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، فلا تشكنّ يابن أشيم ففي كلّ والله من ذلك الحق(1).

وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة ومضمونها قريب من صحيحة أبي أيوب الخزّاز المتقدمة والشاهد فيها قوله (علیه السلام): تردّ الثلاث إلى واحدة فقد وقعت واحدة، إلاّ أنّ الإشكال في سندها من جهة الإرسال وعدم ما يدلّ على وثاقة موسى بن أشيم.

ومنها: رواية إسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول:


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 28 .

طلّق عبد الله بن عمر امرأته ثلاثاً فجعلها رسول الله واحدة وردّه إلى الكتاب والسنّة(1).

وهذه الرواية غير تامّة سنداً ودلالة أما من جهة السند فإنّ الطيالسي الواقع في سندها لم يوثق.

وأمّا من جهة الدلالة فقد اضطربت الروايات الواردة في قضية طلاق ابن عمر ففي بعضها ورد أنّه طلّقها وهي حائض، وفي بعضها ورد أنّه طلّقها ثلاثاً،كما اختلفت الروايات الواردة في ذلك من طرق العامة أيضاً، ولكن لما كانت هذه الرواية بخصوصها واضحة الدلالة على المدّعى فلا بأس في جعلها مؤيّدة لما تقدم.

وهناك روايات أخرى مؤيدة وفي ما ذكرناه كفاية.

هذا ما استدلّ به لكلّ من القولين، والعمدة في المقام هي الروايات، فإن الروايات التي استدل بها للقول الأول تدلّ على عدم وقوع الطلاق مطلقاً، بينما الروايات التي استدل بها للقول الثاني تدلّ على وقوع الثلاث واحدة، وظاهر ذلك التنافي، فلابدّ من التماس وجه للجمع بين الروايات أو الحكم بالتعارض وترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى.

وأمّا ما استدلّ به للقول الأول من الأصل والمخالفة للكتاب والسنة فهما متفرعان على الروايات، فإن تمّ الجمع بين الطائفتين أو رجّحت الروايات الدالّة على وقوع الثلاث واحدة فلابدّ من رفع اليد عنهما لإرتفاع موضوعهما، بخلاف ما إذا رجّحت الروايات الدالّة على عدم الوقوع مطلقاً، فإنّهما حينئذ يكونان دليلين آخرين في المقام.

هذا، والذي يمكن أن يقال في الجمع بين الروايات ـ غير ما سيأتي عن صاحب


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 26 .

الجواهر ـ أحد وجهين:

الأول: أن تحمل الروايات الدالّة على عدم الوقوع مطلقاً على ما إذا وقع الطلاق في حال عدم تحقق الشرائط، وأما الروايات الدالّة على الصحّة فتحمل على ما إذا كانت الشرائط متحققة.

ويشهد لهذا عدّة من الروايات:منها: صحيحة أبي بصير الأسدي، ومحمد بن علي الحلبي، وعمر بن حنظلة(1)، المتقدمة فإنها صريحة في الدلالة على التفصيل بين اجتماع الشرائط وعدمه، حيث قال (علیه السلام): الطلاق ثلاثاً في غير عدّة إن كانت على طهر فواحدة، وإن لم تكن على طهر فليس بشيء.

ومنها: صحيحتا زرارة(2)المتقدّمتان أيضاً، فإنّهما تدلاّن على أنّ وقوع الثلاث واحدة مشروط بما إذا وقع الطلاق في حال الطهر، نعم الرواية الأولى أصرح دلالة من هاتين الروايتين لورود التفصيل فيها على لسان الإمام (علیه السلام) دونهما.

ومنها: صحيحة أبي أيّوب الخزّاز(3)المتقدمة أيضاً، وشاهد الجمع فيها قوله(علیه السلام): ورجل طلّق امرأته ثلاثاً وهي على طهر فإنّما هي واحدة، ورجل طلّق امرأته ثلاثاً على غير طهر فليس بشيء.

ودلالته على التفصيل واضحة.

ومنها: رواية موسى بن أشيم(4)المتقدمة أيضاً، وهي على نحو ما ورد في صحيحة أبي أيّوب الخزّاز من التفصيل.


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 2 و 3 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 16 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 28 .

ومنها: معتبرة سماعة بن مهران، قال: سألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً فيمجلس واحد، فقال: إنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) ردّ على عبد الله بن عمر امرأته، طلّقها ثلاثاً وهي حائض، فأبطل رسول الله (صلي الله علیه وآله) ذلك الطلاق، وقال: كلّ شيء خالف كتاب الله والسنّة ردّ إلى كتاب الله والسنّة(1).

ومنها: رواية علي بن أبي حمزة، قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا طلاق إلاّ على السنّة، إنّ عبد الله بن عمر طلّق ثلاثاً في مجلس وامرأته حائض فردّ رسول الله(صلي الله علیه وآله) طلاقه، وقال: ما خالف كتاب الله ردّ إلى كتاب الله(2).

ومنها: رواية الكلبي النسابة عن الصادق (علیه السلام) في حديث قال: قلت له: رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء، فقال: ويحك أما تقرأ سورة الطلاق؟ قلت: بلى، قال: فاقرأ، فقرأت: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ» فقال: أترى هاهنا نجوم السماء؟ قلت: لا، فقلت: فرجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، فقال: تردّ إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ثم قال: لا طلاق إلاّ على طهر من غير جماع بشاهدين مقبولين(3).

هذا، ولكن يعارض هذا الجمع ما ورد في رواية علي بن إسماعيل ـ المتقدمة ـ قال: كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (علیه السلام): روى أصحابنا عن أبيعبد الله(علیه السلام) في الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزمه تطليقة واحدة، فوقّع بخطّه: أخطأ على أبي عبد الله (علیه السلام) إنه لا يلزم الطلاق ويردّ إلى الكتاب والسنّة إن شاء الله(4).

فإنّها تدلّ على أنّ الطلاق وقع في حال اجتماع الشرائط ومع ذلك وقّع


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 16 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 22 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 5 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 19 .

الإمام(علیه السلام) بأنه لا يلزمه الطلاق.

وسند هذه الرواية قابل للاعتبار، وذلك لأنّ علي بن إسماعيل ـ في هذه الطبقة ـ مردّد بين ثلاثة أشخاص، الأول: علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار وهو وجه من وجوه المتكلّمين من أصحابنا(1)، وقد روى عنه المشايخ الثقات(2)، وذلك كاف في الحكم بوثاقته.

الثاني: علي بن إسماعيل بن عيسى ولم يرد فيه توثيق.

الثالث: علي بن إسماعيل بن عمار وهو من وجوه من روى الحديث(3)، وروى عنه المشايخ الثقات أيضاً(4)وهو أمارة على الوثاقة كما ذكرنا.

والظاهر أنّ المراد به هنا هو الأول، لما ورد في ترجمته من أنّ له كتاب الطلاق، ولنقل الشيخ الرواية من كتابه حيث التزم في التهذيب بالبدء باسم صاحبالكتاب(5)، مضافاً إلى أنه وقع في أسناد نوادر الحكمة(6)مجرداً، وهو كاف للحكم بوثاقة علي بن إسماعيل أيّاً كان من بين هؤلاء الثلاثة.

وأمّا الطريق إلى الكتاب فهو وإن لم يذكره الشيخ في مشيخة التهذيبين أو الفهرست إلاّ أن طريق الصدوق إليه صحيح(7)وحيث إنّ للشيخ طريقاً صحيحاً إلى جميع روايات الصدوق وكتبه، فيكون داخلاً في القسم الثالث من الطرق الموجبة لتصحيح الشيخ على ما حققناه في محلّه(8).


1) ـ رجال النجاشي 2 : 72 الطبعة الأولى المحققة.

2) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 436 .

3) ـ رجال النجاشي 1 : 193 الطبعة الأولى المحققة.

4) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 426 .

5) ـ تهذيب الأحكام ج 10 ، المشيخة، ص 4 .

6) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 142 .

7) ـ مشيخة الفقيه: 120 .

8) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 111 .

وبناء على أنّ طريق الصدوق شامل لكتاب علي بن إسماعيل ـ كما هو الراجح ـ لا خصوص ما يرويه في الفقيه ودخوله في مرويّات الشيخ يكون سند الرواية معتبراً، إلاّ أنّ دلالتها على المدّعى غير تامّة، ويمكن مناقشتها بأمور:

الأول: إنّ الشيخ قد وصف الرواية بالشذوذ وأنّها مخالفة للأخبار الكثيرة فلا تصلح للمعارضة(1).

الثاني: إنّ المستفاد منها أنّ الحكم بتطليقة واحدة كان مشهوراً عند الأصحاب بقرينة قول الراوي: روى أصحابنا، فلعلّ الإمام قال ذلك تقية كما حملهاصاحب الوسائل(2)، وهذا الحمل وإن كان مخالفاً للعامة إلاّ أنه لا يبعد أن يكون أهون من ردّه إلى الواحدة لخصوصية في المورد.

ويؤيد هذا الحمل كيفية بيان الإمام (علیه السلام) حيث قال: أخطأ على أبي عبد الله(علیه السلام)، ولم يقل كذبوا عليه. وقال: إنّه لا يلزم الطلاق، ولم يقل إنه ليس بشيء وفي هذا الأسلوب من بيان الإمام (علیه السلام) نوع إخفاء، ويحتمل أن يكون مراده (علیه السلام) هو عدم وقوع الثلاث، وفي قوله: ويردّ إلى الكتاب والسنّة، إشارة إلى أنّه يقع واحدة كما فسّر ذلك في بعض الروايات كما سيأتي.

الثالث: إنّ الشيخ ! حمل الرواية على صدور الطلاق من سكران أو مجبر أو غير مريد(3)وبناء على هذا فالرواية خارجة عن محلّ الكلام.

والحاصل: أنّ هذه الرواية لا تنهض لمعارضة الروايات المتقدّمة الدالّة على التفصيل.


1) ـ تهذيب الأحكام ج 8 ، باب أحكام الطلاق، الحديث 101 ، ص 56 ، والاستبصار ج 3 ، باب في من طلق امرأته ثلاث تطليقات ... الحديث 15 ، ص 289 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 19 .

3) ـ تهذيب الأحكام ج 8 ، باب أحكام الطلاق، الحديث 101 ، ص 56 ، والاستبصار ج 3 ، باب في من طلّق امرأته ثلاث تطليقات ... الحديث 15 ، ص 289 .

الثاني ـ من وجهي الجمع ـ : أن تحمل الروايات الدالة على البطلان على ما إذا كان الطلاق وقع على نحو الإرسال أي بكلمة واحدة، وأما الروايات الدالة على الصحّة فتحمل على ما إذا كان الطلاق وقع على نحو الترتيب والتتابع، وذلك بدعوى أنّ قوله: ثلاثاً إما أنه ظاهر في التتابع ولا ينصرف إلى ما كان بكلمةواحدة كما في ظهور التسبيح عشر مرات في التكرار والتتابع، لا في التسبيح مرة وإردافها بقوله: عشراً. وإما أنّه ـ على فرض عدم الظهور ـ مخصّص بما يستفاد من الروايات الدالة على الصحة إذا وقع على نحو التتابع لكونه القدر المتيقّن.

ويشهد لهذا الجمع عدّة من الروايات.

منها: معتبرة إسحاق بن عمار الصيرفي عن جعفر، عن أبيه: إنّ علياً (علیه السلام) كان يقول: إذا طلّق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها ثلاثاً في كلمة واحدة فقد بانت منه، ولا ميراث بينهما ولا رجعة حتى تنكح زوجاً غيره، وإن قال هي طالق، هي طالق، هي طالق، فقد بانت منه بالأولى، وهو خاطب من الخطّاب، إن شاءت نكحته نكاحاً جديداً، وإن شاءت لم تفعل(1).

وشاهد الجمع في هذه الرواية قوله (علیه السلام): وإن قال هي طالق ... الخ. فإنّ الإمام (علیه السلام) قيّد الطلاق بكيفية معيّنة وهو التكرار على نحو التتابع، فيستفاد من ذلك التفصيل بين ما يكون بكلمة واحدة وبين ما يكون مكرراً، وإلاّ لزم لغوية التقييد في كلام الإمام (علیه السلام) . نعم صدر الرواية محمول على التقية لكون ما ذكر فيه على خلاف المذهب.

ومنها: رواية هارون بن خارجة(2)المتقدمة، وشاهد الجمع فيها هو


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 15 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 29 .

دلالتها على أنّ الطلاق ثلاثاً في دفعة ليس بشيء، وقد أبطل الإمام (علیه السلام) طلاقه وأمره بالرجوع إلى أهله.ومنها: رواية الكلبي النسابة المتقدمة أيضاً، فإنها ظاهرة في أنّ الطلاق عدد النجوم إنما وقع في دفعة واحدة، وشاهد الجمع فيها أنّه حين سأل الإمام (علیه السلام) بأنّ رجلاً قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، فقال: تردّ إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، ومعنى ذلك أنّ

الطلاق الواقع ليس بشيء.

هذا وقد ذهب إلى هذا الجمع صاحب الحدائق !(1)، وقوّاه صاحب الجواهر! إلاّ أنه توقّف فيه لمخالفته للمشهور مع ضعف المعارض ـ كما سيأتي ـ وعدم الجابر(2).

وقد احتمل ! وجهاً آخر للجمع وهو التفصيل بين من قصد التقييد بالثلاث، وبين من قصد بها التأكيد فيصح الثاني دون الأول، وبيانه أنّ الروايات الدالة على البطلان حيث وقع الطلاق على نحو التقيد بالثلاث فيرجع إلى قصد الطلاق الصحيح. وأما الروايات الدالة على الصحة حيث قصد معنى الصيغة أولاً وأضاف إليها ثلاثاً بقصد آخر مستقل فيقع الطلاق صحيحاً وتلغو الزيادة(3).

وما ذكره ! وإن كان على مقتضى القاعدة إلاّ أنه جمع تبرّعي خارج عن الفهم العرفي.

هذا، ولكن ما ذكرناه من الجمع الثاني يعارضه ما ورد في رواية عمرو بنالبراء، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ أصحابنا يقولون: إنّ الرجل إذا طلّق امرأته مرّة أو مائة مرّة فإنّما هي واحدة، وقد كان يبلغنا عنك وعن آبائك أنّهم


1) ـ الحدائق الناضرة 25 : 240 .

2) ـ جواهر الكلام 32 : 86 .

3) ـ نفس المصدر ص 87 .

كانوا يقولون: إذا طلّق مرة أو مائة مرّة فإنّما هي واحدة، فقال: هو كما بلغكم(1).

فإنّ الظاهر منها أنّ لفظ مائة صدر بكلمة واحدة، وقد ردّه (علیه السلام) إلى الواحدة، على أنّ الحكم بالواحدة كان معروفاً عند الأصحاب كما هو مفاد الرواية.

وهذه الرواية وإن كانت من جهة الدلالة واضحة إلاّ أنها من جهة السند ضعيفة فإنّ عمرو بن البراء لم تثبت وثاقته، فلا تصلح الرواية للمعارضة.

هذا، ولكنّ ما ذكر من شواهد الجمع قابل للمناقشة وأنّ الروايات المذكورة كلّها ضعيفة.

أما موثقة إسحاق بن عمار الصيرفي فهي وإن كانت معتبرة السند إلاّ أنّ الإشكال في دلالتها، وذلك لأنّ استفادة التفصيل منها إنّما هو من جهة مفهوم القيد، وحجّيته تتوقف على عدم ترتب فائدة أخرى عليه، والفائدة في المقام متحققة، إذ من المحتمل أن عدم الإطلاق في كلامه (علیه السلام) إنّما هو لكونه في حال التقية، وعليه فدلالة الرواية على التفصيل ليست واضحة.

وأما رواية هارون بن خارجة فهي ضعيفة سنداً ودلالة.أما من جهة السند فلعدم العلم بطريق الراوندي إلى هارون بن خارجة.

وأما من جهة الدلالة فلأنّ قوله (علیه السلام): ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء، لا يدلّ على بطلان هذا الطلاق بل ينسجم مع وقوعه واحدة، وأمره (علیه السلام) بالرجوع ليس من جهة وقوع الطلاق وعدمه، وإنّما من جهة عدم المحذور في الرجوع بمعنى أنّه لم تقع البينونة التي يترتّب عليها عدم جواز الرجوع، ولذا عقّب الإمام (علیه السلام) كلامه بقوله: فليس عليك شيء.

وأما رواية الكلبي النسابة فهي أيضاً ضعيفة سنداً ودلالة.


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 7 .

أما من جهة السند فلأنّ الكلبي لم يرد فيه توثيق.

وأما من جهة الدلالة فلأنّه لم يصرّح في هذه الرواية ببطلان الطلاق، وإنما قال تردّ إلى كتاب الله وسنّة نبيه. وهو قابل للتصحيح بالحمل على وقوع الطلاق واحدة، كما في صحيحة شهاب بن عبد ربه المتقدمة(1)، فهذه الرواية كسابقتيها في عدم الصلاحية للشهادة.

والحاصل: أنّ ما ذكر من الروايات الدالة على الجمع كلّها ضعيفة فليس هناك ما يصلح أن يكون شاهداً عليه.

بل يمكن أن يقال: إنّ الجمع في نفسه غير تام وذلك:

أولاً: لما ذكره صاحب الجواهر من أنّه على خلاف ما اشتهر بين الأصحابقديماً وحديثاً بل الإجماع(2)...

وثانياً: من جهة أنّ المراد من الطلاق ثلاثاً هو ما يكون مشهوراً بين العامة ومتعارفاً عليه عندهم، وهو إيقاعه بكلمة واحدة، فلا يبعد القول بأنّ هذه الروايات إما أنّها ظاهرة في الطلاق دفعة واحدة فلا يمكن الجمع بين الروايات، وإما أن يقال: إنها ظاهرة في العموم وليس هناك ما يخصّصها.

وأما ما ذكر في الدليلين الأولين اللذين استدلّ بهما للقول الأول من حصر الطلاق في ألفاظ معيّنة والتعدّي عنها إلى غيرها يوجب عدم ترتيب الأثر ومن كون الطلاق ثلاثاً مخالفاً للكتاب والسنّة، فهما غير تامين.

أما عدم تمامية الأول فلأنّ لفظ ـ ثلاثاً بعد التلفّظ بصيغة الطلاق ليس مخالفاً للحصر، وإنما هو تأكيد للصيغة ولا تنافي بين المؤكّد والمؤكّد، نعم لو كان الطلاق على نحو التعليق بحيث يعدّ تصرّفاً في المعنى فهو مخالف للحصر


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 4 .

2) ـ جواهر الكلام 32 : 87 .

ولا يترتب الأثر.

وأما عدم تمامية الثاني فلأنه إذا طلّقها ثلاثاً فهو قاصد للواحدة بلا إشكال كمن سبّح مائة مرة مثلاً فهو قاصد للتسعين قطعاً، وهكذا من طلّق ثلاثاً فإنه قاصد للواحدة، نعم لو قصد بقوله ثلاثاً التقييد من دون قصد للواحدة لكان مخالفاً، فإضافة لفظ ثلاثاً بعد تحقّق قصد الواحدة لا يعدّ من المخالفة في شيء وإنما هو من قبيل التأكيد أو اللغو.

والنتيجة: أنّ الإتيان بالثلاث دفعة لا يعدّ مخالفة للكتاب والسنّة كما لا يكونمخالفة للحصر في الألفاظ المعينة أيضاً.

والحاصل: أنّ القول الأول بأدلّته والجمع الثاني بشواهده كليهما غير تامّين.

والظاهر أنّ الصحيح هو الجمع الأول من أنّه إذا طلّقها ثلاثاً مع اجتماع الشرائط ترتب الأثر على تطليقة واحدة، ومع فقدان بعض الشرائط لا يترتب عليه شيء ويحكم ببطلانه.

وبذلك يمكن الجمع أيضاً بين ما ورد في الروايات من أنّه إذا طلّقها ثلاثاً في مقعد سواء كان بكلمة واحدة أو متتابعاً تردّ إلى السنة، حيث حكم فيها بوقوعها واحدة، كما في صحيحة شهاب بن عبد ربّه المتقدمة(1)، وبين ما ورد من أنّه إذا طلّقها ثلاثاً في مجلس ردّ إلى كتاب الله، حيث حكم فيها بأنّه ليس بشيء كما في صحيحة أبي بصير المتقدمة(2)أيضاً.

ووجه الجمع هو أنّه إن كان الطلاق واجداً للشرائط فمقتضى الرجوع إلى الكتاب والسنة هو الحمل على وقوعه واحدة، وإن كان فاقداً لها أو لبعضها.


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 4 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 8 .

فمقتضى ذلك هو البطلان فلا تنافي بين هذه الروايات.

وبذلك يظهر أنّ هذا الجمع موافق للكتاب والسنة والأصل معاً.

وأما الموضع الثالث وهو في حكم المطلّقة ثلاثاً فيقع الكلام فيه في فروع ثلاثة:

الأول: في جواز نكاح المؤمن المرأة المطلّقة ثلاثاً.الثاني: في ما إذا استبصر المطلّق وأراد الرجوع إليها فهل يجوز له ذلك؟ أو أنّها بانت منه فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره.

الثالث: فيما إذا كان المطلّق مؤمناً والمرأة مخالفة وقد أوقع الطلاق على مذهبها فهل تتحقّق البينونة بينهما أو لا؟

أما الأول فالظاهر من جماعة كما في الرياض(1)، والحدائق(2)، والجواهر(3)، هو الجواز مطلقاً أي سواء كان مع العلم أو بدونه، وسواء كانت المرأة مؤمنة أو مخالفة.

واستدل على ذلك بأمور:

الأول: بدعوى عدم الخلاف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه كما في الجواهر(4).

الثاني: بالنصوص العامة المستفيضة الدالة على الإلزام.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الأحكام قال: تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلون(5).


1) ـ رياض المسائل 2 : 172 الطبع القديم.

2) ـ الحدائق الناضرة 25 : 243 .

3) ـ جواهر الكلام 32 : 87 .

4) ـ نفس المصدر ص 87 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الاخوة والأجداد، الحديث 3 .

ومنها: صحيحة أيوب بن نوح قال: كتبت إلى أبي الحسن (علیه السلام) أسأله هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم أم لا؟ فكتب(علیه السلام): يجوز لكم ذلك إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم والمداراة(1).

ومن المعلوم أنّ ما ذكره الإمام (علیه السلام) من شرط الجواز متحقّق وهو التقية والمداراة.

ومنها: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن ميّت ترك أمّه وأخوة وأخوات، فقسّم هؤلاء ميراثه، وأعطوا الأم السدس، وأعطوا الأخوة والأخوات ما بقي، فمات الأخوات فأصابني من ميراثه، فأحببت أن أسألك هل يجوز لي أن آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة أم لا؟ فقال: بلى، فقلت: إنّ أمّ الميّت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر أعني الدين، فسكت قليلاً ثم قال: خذه(2).

فالمستفاد من الرواية أنّ القسمة لم تكن على مذهب الإمامية وإلاّ فالأخوة والأخوات لا نصيب لهم في الميراث لأنّهم من الطبقة الثانية إلاّ أنّ الإمام (علیه السلام) أمضى ذلك لإلزام المخالفين بما التزموا به.

ويؤيد ذلك: رواية عبد الله بن محرز قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمّه فقال: المال كلّه لابنته وليس للأخت من الأب والأم شيء، فقلت: فإنّا قد احتجنا إلى هذا، والميّت رجل من هؤلاء الناس وأخته مؤمنة عارفة، قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سننهم وقضاياهم، قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: إنّ على ما جاء بهابن محرز لنورا(3).


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الاخوة والأجداد، الحديث 3 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 6 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 1 .

وموضع الشاهد من هذه الرواية قوله: خذوا منهم كما يأخذون منكم في سننهم وقضاياهم، فإنه شامل لما نحن فيه.

وأمّا سند الرواية ففيه عبد الله بن محرز، وهو وإن كان من الشيعة كما يظهر من الرواية إلاّ أنه لم يرد فيه توثيق، نعم إن حصل الاطمئنان من قول زرارة بصدور الرواية عن الإمام (علیه السلام) فهو وإلاّ فهي مؤيّدة كما ذكرنا.

ويؤيّد ذلك أيضاً: رواية علي بن أبي حمزة، أنه سأل أبا الحسن (علیه السلام) عن المطلّقة على غير السنّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوجوهنّ فلا بأس بذلك(1).

وموضع الشاهد منها قوله: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، فإنّه صريح في الدلالة على الإلزام، وحيث إنّ الرواية ضعيفة السند فهي مؤيّدة لما تقدّم.

وغيرها من الروايات.

الثالث: بالنصوص الخاصّة الواردة في المقام وهي عدّة روايات:

منها: معتبرة إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام) مع بعض أصحابنا، فأتاني الجواب بخطّه: فهمت ما ذكرت من أمر ابنتك وزوجها «إلى أن قال:» ومن حنثه بطلاقها غير مرّة، فانظر فإن كانممن يتولاّنا ويقول بقولنا فلا طلاق عليه لأنّه لم يأت أمراً جهله، وإن كان ممّن لا يتولاّنا ولا يقول بقولنا فاختلعها منه فإنّه إنّما نوى الفراق بعينه(2).

والرواية من حيث السند معتبرة فإنّ إبراهيم بن محمد أحد وكلاء الناحية(3)، وقد بيّنا في محلّه(4)أنّ ذلك أمارة على الوثاقة، مضافاً إلى وقوعه


1) ـ نفس المصدر ج 15 ، باب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 5 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1 .

3) ـ رجال الكشي 2 : 866 ـ 867 .

4) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 483 ـ 486 .

في أسناد نوادر الحكمة(1)، وهو كاف في الحكم بوثاقته أيضاً، فلا إشكال في السند.

وأما من حيث الدلالة فكذلك حيث أمر (علیه السلام) بالتفريق بينهما ووقوع الطلاق بما هو باطل في مذهبنا وصحيح في مذهبهم، ومنه الحنث بالطلاق، والظاهر عدم الفرق في اختلال شرائط الطلاق بين شرط وآخر، نعم لا صراحة في الرواية بجواز الزواج من هذه المرأة.

ومنها: موثّقة عبد الرحمن البصري، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: امرأة طلّقت على غير السنّة، فقال: يتزوّج هذه المرأة لا تترك بغير زوج(2).

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألته عن رجل طلّق امرأته لغير عدّة ثم أمسك عنها حتى انقضت عدّتها، هل يصلح لي أن أتزوّجها؟ قال: نعم، لاتترك بغير زوج(3).

وهاتان الروايتان وإن كانتا مطلقتين إلاّ أنه لابدّ من تقييدهما بكون المطلّق عامياً إذ لو كان إمامياً لم يكن الطلاق صحيحاً ولا يجوز زواجها لأنّها ذات بعل.

ومنها: معتبرة جعفر بن محمد بن «عبيد خ ل» عبد الله العلوي عن أبيه قال: سألت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) عن تزويج المطلّقات ثلاثاً، فقال لي: إنّ طلاقكم «الثلاث» لا يحلّ لغيركم، وطلاقهم يحلّ لكم، لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها(4).

وهذه الرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند فإنّ فيه جعفر بن محمد بن عبد الله، عن أبيه كما رواها الشيخ في التهذيب(5)، وهما وإن لم


1) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 137 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 3 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 4 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 9 .

5) ـ تهذيب الأحكام ج 8 ، باب أحكام الطلاق، الحديث 112 ، ص 59 .

يرد فيهما توثيق إلاّ أنّهما واقعان في أسناد نوادر الحكمة(1)، وذلك كاف في الحكم بوثاقتهما وعليه فتكون الرواية معتبرة.

ومنها: رواية عبد الأعلى، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً، قال: إن كان مستخفّاً بالطلاق ألزمته ذلك(2).

والرواية واضحة الدلالة، فإنّ في قوله: «إن كان مستخفّاً بالطلاق»إشعاراً بأنّ المطلّق عامّي ... وأما من جهة السند ففيه عبد الأعلى وهو مشترك، وينصرف إمّا إلى عبد الاعلى بن أعين العجلي وهو ثقة حيث عدّه الشيخ المفيد من فقهاء أصحاب الأئمة (علیهم السلام) ، والأعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام، والذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذمّ واحد منهم(3)... ، وأما إلى عبد الأعلى مولى آل سام بناء على عدم اتحادهما، ولم يرد فيه توثيق ولكن حيث روى المشايخ الثقات(4)عنه، كما رووا عن عبد الأعلى مجرداً، وبناء على كفاية ذلك في الحكم بالوثاقة تكون الرواية معتبرة.

هذا ولا يبعد أن يكون المراد بعبد الأعلى في هذه الرواية هو ابن أعين العجلي بقرينة الراوي عنه وهو يونس بن يعقوب(5). وعلى كلا التقديرين فلا إشكال في سند الرواية.

ومنها: رواية علي بن أبي حمزة(6)المتقدمة حيث أجاز (علیه السلام) الزواج من المطلّقة على غير السنّة فقال: وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك.


1) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 138 و 145 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 7 .

3) ـ مصنفات الشيخ المفيد ج 9 ، جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية، ص 25 .

4) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 434 الطبعة الأولى.

5) ـ معجم رجال الحديث 10 : 277 الطبعة الخامسة.

6) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 5 .

وقد تقدّم أنّ سند الرواية ضعيف فتكون مؤيدة.

هذا إذا كانت المطلّقة مخالفة، وأما إذا كانت مؤمنة فالإطلاقات المتقدمة تشملها كما يشملها إطلاق صحيحة الأشعري، قال: كتب بعض موالينا إلى أبيجعفر (علیه السلام) معي: إنّ امرأة عارفة أحدث زوجها فهرب من البلاد، فتبع الزوج بعض أهل المرأة فقال: إمّا طلّقت وإمّا رددتك فطلّقها، ومضى الرجل على وجهه فما ترى للمرأة؟ فكتب بخطّه: تزوّجي يرحمك الله(1).

فإنّه لم يعلم أنّ الطلاق ـ حين إيقاعه ـ كان واجداً للشرائط أم لا، ولم يبيّن ذلك الإمام (علیه السلام) مع الحاجة إلى البيان، فيمكن الأخذ بإطلاقها، مضافاً إلى دلالة خصوص معتبرة إبراهيم بن محمد الهمداني المتقدمة الواردة في شأن المرأة العارفة.

ولكن بإزاء هذه الروايات عدة روايات أخرى تدلّ على عدم الجواز وهي على طائفتين:

الطائفة الأولى: ما دلّ على عدم الجواز مطلقاً.

منها: معتبرة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إيّاكم والمطلّقات في مجلس واحد فإنّهن ذوات أزواج(2).

وهذه الرواية أوردها الشيخ في التهذيب(3)، والاستبصار(4) بسنده عن عمر بن حنظلة، ورواها الكليني(5)بسنده عن علي بن حنظلة.

والظاهر أنّ الصحيح هو ما ذكره الكليني وأنّ الراوي هو علي بن حنظلة


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 26 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 4 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 26 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 20 .

3) ـ تهذيب الأحكام ج 8 ، باب أحكام الطلاق ، الحديث 102 ، ص 56 .

4) ـ الاستبصار ج 3 ، باب في من طلق امرأته ثلاث تطليقات، الحديث 16 ، ص289.

5) ـ الفروع من الكافي ج 5 ، باب تزويج المرأة التي تطلق على غير السنة، الحديث 4، ص 424 .

لا عمر، ويؤيده ما رواه الشيخ نفسه في التهذيب بسنده عن جعفر بن سماعة أنه سئل عن امرأة طلّقت على غير السنة ألي أن أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: ألست تعلم أنّ علي بن حنظلة روى: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً على غير السنّة فإنّهنّ ذوات أزواج؟ فقال: يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس، روى عن أبي الحسن (علیه السلام) أنّه قال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك(1).

وموضع الشاهد واضح، ومن ذلك يظهر أنّ الراوي علي بن حنظلة، وأنّ ما وقع في التهذيبين من سهو واشتباه النساخ حيث جعلوا عمر مكان علي، اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّهما معاً قد سمعا الإمام (علیه السلام) في مجلس واحد، وروى موسى بن بكر عنهما معاً، وهو تارة يرويها عن علي، وأخرى عن عمر، وأما حديث جعفر بن سماعة فلا ينافي الرواية عن عمر لاحتمال أنّ ما بلغه إنّما كان عن علي لا عن عمر، وعلى كلا التقديرين فالرواية معتبرة فإنّ علي بن حنظلة مما لا إشكال في وثاقته، وقد ورد في حقّه أنّه رجل ورع(2)، وأما عمر بن حنظلة فكذلك، بناء على ما حقّقناه في محلّه(3).ومنها: موثّقة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً فإنّهنّ ذوات أزواج(4).

ومنها: رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: وإذا طلّقت المرأة بعد العدّة ثلاث مرات لم تحلّ لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره.


1) ـ تهذيب الأحكام ج 8 ، باب أحكام الطلاق، الحديث 109 ، ص 58 .

2) ـ بصائر الدرجات ج 7 ، باب في الأئمة أنهم يتكلمون على سبعين وجهاً كلها المخرج ... الحديث2 ، ص 348 .

3) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 551 ـ 555 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 21 .

قال: وقال أمير المؤمنين (علیه السلام): اتّقوا تزويج المطلّقات ثلاثاً في موضع واحد فإنّهنّ ذوات أزواج(1).

وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): وقال أمير المؤمنين (علیه السلام): اتّقوا ...

وأما سند الرواية فقد تقدّم البحث فيه وقلنا بإمكان اعتبار روايات الصدوق عن الفضل بن شاذان الواردة عن طريق محمد بن نعيم بن شاذان.

ومنها: مرسلة عثمان بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: إيّاكم وذوات الأزواج المطلّقات على غير السنّة، قال: قلت له: فرجل طلق امرأته من هؤلاء ولي بها حاجة قال: فيلقاه بعدما طلّقها وانقضت عدتها عند صاحبها فيقول له: أطلّقت فلانة؟ فإذا قال: نعم، فقد صارت تطليقة على طهر، فدعها من حين طلّقها تلك التطليقة حتى تنقضي عدّتها ثم تزوّجهاوقد صارت تطليقة باينة(2).

وموضع الشاهد هو صدر الرواية حيث أمر (علیه السلام) باجتناب المطلّقات على غير السنّة فإنّهن ذوات أزواج، وهي مؤيدة للروايات المتقدمة.

الطائفة الثانية: ما دلّ على جواز نكاحهنّ بعد تصحيح الطلاق الواقع.

منها: موثّقة إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل يريد تزويج امرأة قد طلّقت ثلاثاً كيف يصنع فيها؟ قال: يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يأتي زوجها ومعه رجلان فيقول له: قد طلّقت فلانة؟ فإذا قال: نعم، تركها حتى تمضي ثلاثة أشهر ثم خطبها إلى نفسه(3).

ومنها: موثّقة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل طلّق امرأته ثلاثاً فأراد رجل أن يتزوّجها كيف يصنع؟ قال: يأتيه فيقول له: طلّقت


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 24 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 14، باب 36 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2 .

3) ـ نفس المصدر ج 15 ، باب 31 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 2 .

فلانة؟ فإذا قال: نعم، تركها ثلاثة أشهر ثم خطبها إلى نفسها(1).

ومضمون هاتين الروايتين واحد إلاّ أنّ الثانية لم يذكر فيها الإمهال حتى تحيض وتطهر وإتيان الزوج بالشاهدين، فإن لم تكونا رواية واحدة وقد سقط من سند الثانية إسحاق بن عمار إذ أنّ الراوي عنه في الأولى هو حفص بن البختري فلابدّ من تقييد الثانية بالأولى.

هذا ولكن يمكن حمل الطائفة الأولى على أحد وجهين:الأول: أن يكون المراد بالمطلّقات فيها ما كان المطلق لهنّ مؤمناً لا مخالفاً، وإنما ورد النهي عن نكاحهنّ لأنّ المؤمن لا يراه شيئاً.

والشاهد على هذا الحمل معتبرة جعفر بن محمد بن عبيد الله عن أبيه(2)المتقدمة حيث فصّل (علیه السلام) بين طلاق المؤمن وطلاق المخالف فمنع في الأول وأجاز في الثاني وعلّله بقوله (علیه السلام): لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها.

ويؤيدها رواية عبد الله بن طاووس قال: قلت لأبي الحسن الرضا (علیه السلام): إنّ لي ابن أخ زوّجته ابنتي وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق، فقال: إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، وإن كان من هؤلاء فأبنها منه فإنّه عنى الفراق، قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: إياكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس فإنّهن ذوات الأزواج؟ فقال: ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء، إنه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم(3).

وهي صريحة في التفصيل بين المؤمن والمخالف في الطلاق ثلاثاً.

وأما من جهة السند فهي ضعيفة ولذا جعلناها مؤيدة.

وأما ما ورد في مرسلة عثمان بن عيسى(4)المتقدمة حيث جاء فيها ...


1) ـ نفس المصدر الحديث 1 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 9 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 11 .

4) ـ نفس المصدر ج 14 ، باب 36 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2 .

قال: قلت له: فرجل طلّق امرأة من هؤلاء ولي بها حاجة، قال: فيلقاه بعدما طلّقهاوانقضت عدّتها عند صاحبها فيقول له: أطلّقت فلانة؟

والمستفاد منها أنّ المطلّق مخالف وذلك مناف للحمل المذكور.

ففيه: أنّ هذه الرواية لا تصلح للمعارضة وذلك أولاً: لعدم تمامية السند. وثانياً: أنّ مورد الرواية هو غير الطلاق ثلاثاً، وإنما هو فقدان سائر الشرائط فالرواية قاصرة عن المعارضة سنداً ودلالة.

ومثلها في قصور

الدلالة عن المعارضة أيضاً حديث جعفر بن سماعة المتقدّم، حيث استظهر من رواية علي بن حنظلة أنّ المراد بالمطلّقة ثلاثاً هي المخالفة لا المؤمنة، وذلك لأنّ ما أجاب به جعفر بن سماعة لم يكن رواية عن المعصوم وإنّما هو اجتهاد منه وليس بحجة علينا، ولا يصلح للمعارضة وإن كان السند معتبراً.

الثاني: أن تحمل الروايات على أنّ المراد هو أنّ الطلاق وقع على غير طهر، ويشهد لهذا الحمل ما تقدم في صحيحة(1)أبي بصير، والحلبي، وعمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، حيث قال (علیه السلام): الطلاق ثلاثاً في غير عدّة إن كانت على طهر فواحدة، وإن لم تكن على طهر فليس بشيء.

وما تقدم أيضاً في صحيحة(2)أبي أيوب الخزّاز عن أبي عبد الله (علیه السلام) حيث جاء فيها: ورجل طلّق امرأته ثلاثاً وهي على طهر فإنّما هي واحدة، ورجل طلّق امرأته ثلاثاً على غير طهر فليس بشيء.وغيرها من الروايات.

إلاّ أنّ هذا الوجه ضعيف، وذلك لأنّ الظاهر أنّ الحكم بالتفصيل بين


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 16 .

وقوع الطلاق ثلاثاً على طهر واحدة، ووقوعه على غير طهر ليس بشيء، إنما هو للمؤمن لا للمخالف، لما تقدم من أنّ طلاق المخالف يلزمه بأي نحو وقع.

وبناء على هذا فما ذكرناه من الوجه الأول هو الأرجح.

وأما الطائفة الثانية فهي وإن كان الحكم فيها بالجواز ـ بعد تصحيح الطلاق الواقع ـ مطلقاً إذ لم يقيّد بكون المطلّق موافقاً أو مخالفاً إلاّ أنه لابدّ من حمل مفادها على الحكم التنزيهي ومراعاة الاحتياط، ولا سيّما أنّ المسألة ترتبط بالفروج والاحتياط فيها مطلوب، إذ غالباً ما يقع الإخلال ببعض الشروط المعتبرة في الطلاق بلا فرق بين المؤمنين والمخالفين، فمن أجل تحقيق الدقّة والضبط وتحصيل الاطمئنان في هذا الموضوع المهم جاءت هذه الروايات لتبيّن كيفية تحقّق ذلك وتأمر بالتريّث قبل الإقدام عليه.

فهذا الحكم على تقدير شموله للمؤمن لا ينافي ما تقدم.

والحاصل: أنّ هاتين الطائفتين ليستا معارضتين للروايات المتقدمة الدالة على إمضاء طلاقهم وجواز نكاح نسائهم وإن كان الحكم ظاهرياً لأجل مداراتهم.

وأما الفرع الثاني وهو حكم رجوع المخالف بعد استبصاره فقد ذهب السيد الحكيم(1)والسيد الأستاذ(2)قدّس سرهما إلى جواز رجوع المستبصر إلى مطلّقته أوالزواج منها، من دون الحاجة إلى أن تنكح زوجاً غيره.

وذهب الشيخ حسين الحلي ! (3)إلى عدم الجواز.

وحاصل كلام السيد الحكيم في الاستدلال على ذلك: أنّ النصوص


1) ـ مستمسك العروة الوثقى ج 14 ، ملحق كتاب النكاح، رسالة في حكم طلاق المخالف بعد استبصاره، ص 524 .

2) ـ منهاج الصالحين ج 2 ، المسألة 1434 ، ص 295 .

3) ـ بحوث فقهية: 292 .

الواردة في ذلك على ثلاث طوائف:

الأولى: ما دلّ على قاعدة الإلزام.

والمستفاد منها: جواز الإلزام أو وجوبه، ولا تدلّ على صحّة الطلاق المذكور، وإنّما تدلّ على مشروعية الإلزام بما ألزم به نفسه، والإلزام إنما يصحّ مع بقائه على الخلاف، وأما مع استبصاره فلا يرى نفسه ملزماً بالطلاق بل بالزوجية.

ومثل هذه الطائفة ما ورد من الروايات المتضمنة للأمر بالتزويج وترتيب الأثر على فعلهم كصحيحة ابن سنان، ومكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني، ورواية عبد الله بن طاووس، وموثقة عبد الرحمن البصري، ورواية عبد الله بن محرز.

فإنّ الأمر بالتزويج في الأولى والرابعة، والاختلاع في الثانية، والإبانة في الثالثة، والأخذ بالتعصيب في الأخيرة لا يدلّ على الصحّة بل يمكن أن يكون هذا حكماً عليهم، فيجوز للمؤمن أن ينكح زوجة المخالف فتخرج بذلك عن زوجيتها له، نظير استرقاق الكافر الحر، وحيازة المباح الموجبة لملكية ما كان مباحاً قبل الحيازة، واسترقاق زوجة الكافر، فالأمر بالتزويج لا يدلّ على صحّةالطلاق.

الطائفة الثانية: ما تتضمّن اللزوم دون الإلزام، كرواية عبد الله بن طاووس، ورواية عبد الأعلى وغيرهما.

وهذه الروايات ليست صريحة في دلالتها على صحّة الطلاق فإنّ اللزوم أعم، خصوصاً إذا كان أحد الزوجين مخالفاً والآخر مستبصراً، فإنّ المستبصر يراه فاسداً والمخالف يراه صحيحاً، ولا يمكن الجمع بين الحكمين، لأنّ الطلاق لا يقبل الوصف بالصحة والفساد من جهتين في مورد واحد، فلابدّ أن يكون

المراد مجرّد الحكم على من دان منهما بما دان ما دام باقياً على ما هو عليه، فإذا استبصر فلا يرى نفسه ملزماً بما كان يدين به.

الطائفة الثالثة: ما تتضمّن تحريم المطلّقة ثلاثاً على الزوج كرواية الهيثم بن أبي مسروق عن بعض أصحابه قال: ذكر عند الرضا (علیه السلام) بعض العلويين ممن كان ينتقصه، فقال: أما إنه مقيم على حرام، قلت: جعلت فداك وكيف وهي امرأته؟ قال: لأنّه قد طلّقها، قلت: كيف طلّقها؟ قال: طلّقها وذلك دينه فحرمت عليه(1).

وهذه الرواية مع ضعف سندها وقصور دلالتها ـ لعدم تعرّضها إلى أنّ الطلاق كان على خلاف المشروع ـ لا تصلح لإثبات نفوذ الطلاق غير الجامع للشرائط إذا كان مذهب المطلّق ذلك، لأنّ التحريم عليه أعمّ إذ من الجائز أن يكون التحريم بما أنه دينه، ولو استبصر فصار دينه حلّية الزوجة كانت له حلالاً، بل قوله: «ذلكدينه» ظاهر في ذلك، فيدل على التحليل لو استبصر، ومثلها رواية العلوي.

والحاصل: أنّ الظاهر من روايات الطلاق بأجمعها عدم الدليل على صحّة الطلاق، وإنما تدلّ على إلزامهم بذلك حيث كان دينهم، فيدور الحكم مدار بقائه فإذا تغيّر ودانوا بالخلاف فلا دليل على الإلزام، ويجوز الرجوع أو الزواج بحسب ما دان به أخيراً، نعم إذا تزوّجت المرأة قبل ذلك فلا يبقى مجال للرجوع، ولا يوجب أبطال النكاح، نظير ما إذا قسّم ميراث المخالف أو المسلم ثم استبصر أحد الورّاث أو أسلم فإنه لا يوجب إبطال القسمة(2).

وحاصل ما استدل به الشيخ الحلي ! أنّ مقتضى الحكم الواقعي الثانوي


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 2 .

2) ـ مستمسك العروة الوثقى ج 14 ، ملحق كتاب النكاح، رسالة في حكم طلاق المخالف بعد استبصاره، ص 524 ـ 530 .

هو صحّة الطلاق، وحيث إنّه ليس محدوداً بما دام سنّياً بل إنّ تسنّنه يكون علة في تحقق الحكم بالانفصال وبقائه، فحينئذ لا فائدة في تشيّعه بعد ذلك، ولا يتمكّن من الرجوع إليها بدون محلّل(1).

والظاهر هو القول الأول، وذلك لأنّ غاية ما تدلّ عليه الروايات هو الحكم بالصحة ظاهراً في حقه وعليه بما هو سنّي حين تسنّنه، وأما الحكم عليه بعد الاستبصار فلا ظهور للروايات في ذلك، مضافاً إلى أنّه مشمول لإطلاق أدلة جواز التزويج لكلّ شيعي فتجري عليه أحكام الشيعي، وعليه فإذا كانت في العدّة جاز له الرجوع إليها، وإذا انقضت عدّتها جاز له العقد عليها من دونحاجة إلى المحلّل.

وقد يستدل على ذلك أيضاً بما ورد في مكاتبة علي بن سويد لأبي الحسن موسى (علیه السلام) وهي طويلة اشتملت على مسائل جليلة وسندها معتبر وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): وسألت عن أمهات أولادهم، وعن نكاحهم، وعن طلاقهم، فأمّا أمّهات أولادهم فهنّ عواهر إلى يوم القيامة، نكاح بغير ولي، وطلاق في غير عدّة، وأما من دخل دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكّه(2).

وقد قرّب السيد الحكيم ! الاستدلال بها بأن قال: إنّ الاستبصار يهدم ما قبله، فالتحريم الثابت للمطلّق ثلاثاً يتبدّل بالتحليل وعقّبه بقوله: لكن لا يخلو عن إشكال وغموض لعدم وضوح رجوع الفقرة إلى ما ذكر، بل من المحتمل رجوعها إلى مسألة أخرى غير هذه المسألة فلا تنفع فيما نحن فيه(3).


1) ـ بحوث فقهية: 292 .

2) ـ الروضة من الكافي، الحديث 95 ، ص 125 .

3) ـ مستمسك العروة الوثقى ج 14 ، ملحق كتاب النكاح، رسالة في حكم طلاق المخالف بعد استبصاره، ص 530 .

وفيه: أنّ هذه الفقرة وهي قوله (علیه السلام): «وأما من دخل دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكّه» راجعة إلى نفس هذه المسألة لا إلى مسألة أخرى كما احتمله السيد بقرينة المسائل السابقة واللاحقة الواردة في نفس الرواية، نعم قد يقال: إنّ هذه الفقرة وإن كانت من تتمة الجواب عن هذه المسألة إلاّ أنّها ناظرة إلى حكمهم من جهة الأصول الاعتقادية لا إلى حكمهم فيالفروع.

ويؤيّد ذلك التعبير بالإيمان والضلال واليقين والشك فإنّ هذه الألفاظ إنما تستعمل غالباً في مسائل الاعتقاد، وحينئذ فالرواية أجنبية عن المقام، وأما إذا كانت ناظرة إلى حكم عبادتهم ومعاملاتهم وأنها ممضاة بعد الاستبصار فلا تدلّ على المطلوب، بل على عكسه، لأنّ لازم ذلك صحّة طلاقه في حال تسنّنه، وحينئذ فالرواية معارضة للاستظهار المتقدم.

والحاصل: أنّ المراد من هذه الفقرة غير واضح، وفي قول السيد ! لا يخلو عن إشكال وغموض إشارة إلى ذلك، ولابدّ من الفحص والتأمل.

وأما الفرع الثالث وهو ما إذا كانت الزوجة مخالفة والزوج مؤمناً وطلّقها ثلاثاً على مذهبها فمقتضى قاعدة الإلزام أنها بحكم المطلّقة ويترتب على ذلك عدم استحقاقها المطالبة بالحقوق الزوجية كالنفقة ونحوها.

وأما بالنسبة إلى الزوج فله كامل حقوقه عليها كالاستمتاع ونحوه، لأنها لم تخرج عن حبالته وعصمته.

فإن كان الطلاق الواقع منه مستوفياً لسائر الشرائط فيعتبر تطليقة واحدة، وله حق الرجوع إليها إن كانت في عدتها، وإلاّ جاز له العقد عليها.

نعم في جواز تمكين الزوجة وعدمه، وغلبة حق الزوج على الزوجة أو بالعكس، وجوه ولا يبعد الأول، وسيأتي تفصيله إن شاء الله.

المسألة الثانية: إذا طلّق الرجل امرأته وهي حائض أو في طهر واقعها فيه،

فهل يقع الطلاق وتترتب آثاره أو لا؟

ذهب الخاصّة إلى بطلان الطلاق، ولا خلاف فيه عندهم نصاً وفتوى، بلالإجماع بقسميه عليه(1).

وذهب جمهور العامة إلى صحّته ووقوعه وإن كان بدعيّاً.

قال الشيخ ! في الخلاف: الطلاق المحرّم هو أن يطلّق مدخولاً بها غير غائب عنها غيبة مخصوصة في حال المحيض أو في طهر جامعها فيه، فما هذا حكمه فإنه لا يقع عندنا، والعقد ثابت بحاله، وبه قال ابن عليّة، وقال جميع الفقهاء: إنّه يقع وإن كان محظوراً، وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي(2).

وقال الشوكاني بعد أن ذكر الروايات الواردة في طلاق عبد الله بن عمر، وأنه طلّق تطليقة فحسبت من طلاقها. وقد تمسّك بذلك من قال بأنّ الطلاق البدعي يقع وهم الجمهور، وذهب الباقر، والصادق، وابن حزم، وحكاه الخطابي عن الخوارج، والروافض إلى أنّه لا يقع، وحكاه ابن العربي عن ابن عليّة يعني إبراهيم بن إسماعيل بن عليّة وهو من فقهاء المعتزلة، قال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلاّ أهل البدع والضلال قال: وروى مثله عن بعض التابعين وهو شذوذ(3)... إلى أن قال: وممّن ذهب إلى هذا المذهب أعني عدم وقوع البدعي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم(4).

وقال ابن قدامة: فصل: فإن طلّق للبدعة وهو أن يطلّقها حائضاً أو في طهر أصابها فيه أثم ووقع طلاقه في قول عامّة أهل العلم، قال ابن المنذر، وابن


1) ـ جواهر الكلام 32 : 29 .

2) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق، المسألة 2 ، ص 446 .

3) ـ نيل الأوطار 7 : 7 .

4) ـ نفس المصدر ص 10 ـ 11 .

عبد البر: لم يخالف في ذلك إلاّ أهل البدع والضلال، وحكاه أبو نصر عن ابن علية، وهشام بن الحكم، والشيعة، قالوا: لا يقع طلاقه لأنّ الله أمر به في قبل العدة، فإذا طلّق في غيره لم يقع، كالوكيل إذا أوقعه في زمن أمره موكّله بإيقاعه في غيره(1).

ومن ذلك يظهر أنّ المشهور عند العامة هو صحّة الطلاق وإن كان على غير السنّة، ومخالفاً لمدلول الآية كما سيأتي.

وأما الخاصة فقد اتفقت كلمتهم على عدم صحّة هذا الطلاق ولا يترتّب عليه شيء من الآثار.

استدلّ الخاصة على اعتبار الخلوّ عن الحيض، وأن يكون في طهر لا وقاع فيه ـ مضافاً إلى الأصل المتقدّم في المسألة السابقة ـ بالأدلّة الثلاثة، الكتاب والسنّة والإجماع.

أما من الكتاب فبقوله تعالى: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ...»(2)الآية. فإنّ المراد من قوله: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» هو زمان عدّتهنّ، وذلك أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، كما عن ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك،والسدي، فهذا هو الطلاق للعدّة لأنّها تعتدّ بذلك الطهر من عدّتها وتحصل في العدّة عقيب الطلاق، فالمعنى فطلّقوهنّ لطهرهنّ الذي يحصينه من عدّتهنّ(3).

ونفى الشيخ ! في الخلاف الخلافَ في ذلك(4).

وذكر الرازي أنّ معنى لعدّتهنّ أي لزمان عدّتهنّ وهو الطهر بإجماع الأمّة(5).


1) ـ المغني والشرح الكبير 8 : 238 ـ 239 .

2) ـ سورة الطلاق، الآية: 1 .

3) ـ مجمع البيان في تفسير القرآن 10 : 303 .

4) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق، المسألة 2 ، ص 446 .

5) ـ التفسير الكبير 30 : 30 .

على أنّه قد وردت بعض الروايات من طرق الخاصّة والعامّة فسرت فيها الآية بهذا المعنى(1).

وأما من السنّة فقد بلغت الروايات حدّ الاستفاضة بل قد يدّعى فيها التواتر كما في الجواهر(2)وغيره(3).

منها: ما ورد في صحيحة عمر بن أذينة عن زرارة، وبكير بن أعين، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، والفضيل بن يسار، وإسماعيل الأزرق، ومعمّر بن يحيى بن سام (بسام خ ل) ، كلّهم سمعه من أبي جعفر، ومن ابنه (علیه السلام) بصفة ما قالوا، وإن لم أحفظ حروفه، غير أنه لم يسقط عنّي جمل معناه: أنّ الطلاق الذي أمر الله به في كتابه وسنّة نبيه (صلي الله علیه وآله) أنه إذاحاضت المرأة وطهرت من حيضها أشهد رجلين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقة، ثم هو أحقّ برجعتها ما لم تمض لها ثلاثة قروء، فإن راجعها كانت عنده على تطليقتين، وإن مضت ثلاثة قروء قبل أن يراجعها فهي أملك بنفسها، فإن أراد أن يخطبها مع الخطّاب خطبها، فإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين، وما خلا هذا فليس بطلاق(4).

ومنها: صحيحة ابن بكير، وغيره، عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: الطلاق الذي أمر الله عزوجل به في كتابه والذي سنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) أن يخلّي الرجل عن المرأة، فإذا حاضت وطهرت من محيضها أشهد رجلين عدلين على تطليقة وهي طاهر من غير جماع، وهو أحقّ برجعتها ما لم تنقض ثلاثة قروء، وكلّ


1) ـ البرهان في تفسير القرآن 5 : 405 ، الطبعة الأولى، مؤسسة البعثة، والدر المنثور 8 : 189 ـ 191.

2) ـ جواهر الكلام 32 : 29 .

3) ـ الحدائق الناضرة 25 : 177 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 3 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث 7 .

طلاق ما خلا هذا فباطل ليس بطلاق(1).

ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: كل طلاق لا يكون على السنّة أو طلاق على العدّة فليس بشيء، قال زرارة: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): فسّر لي طلاق السنة، وطلاق العدة، فقال: أما طلاق السنة فإذا أراد الرجل أن يطلّق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث وتطهر، فإذا خرجت من طمثها طلّقها تطليقة من غير جماع، ويشهد شاهدين على ذلك، ثم يدعها حتى تطمث طمثتين فتنقضي عدتها بثلاث حيض وقد بانت منه، ويكون خاطباً من الخطاب إن شاءت تزوّجته وإن شاءت لم تزوّجه، وعليه نفقتها والسكنى مادامت في عدتها، وهما يتوارثان حتى تنقضي عدّتها. الحديث(2).

وقد أورد صاحب الوسائل تتمة الرواية في موضع آخر وهي:

وأما طلاق العدّة الذي قال الله عزوجل: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ» فإذا أراد الرجل منكم أن يطلّق امرأته طلاق العدّة فلينتظر بها حتى تحيض وتخرج من حيضها، ثم يطلّقها تطليقة من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين ويراجعها من يومه وذلك إن أحبّ أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض ويشهد على رجعتها ويواقعها حتى تحيض، فإذا حاضت وخرجت من حيضها طلّقها تطليقة أخرى من غير جماع ويشهد على ذلك، ثم يراجعها أيضاً متى شاء قبل أن تحيض ويشهد على رجعتها ويواقعها، وتكون معه إلى أن تحيض الحيضة الثالثة، فإذا خرجت من حيضتها الثالثة طلّقها التطليقة الثالثة بغير جماع ويشهد على ذلك، فإذا فعل ذلك فقد بانت منه ولا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، قيل له: وإن كانت ممّن لا تحيض؟ فقال: مثل هذه تطلّق طلاق السنّة(3).


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 1 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث 5 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 1 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 2 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث 1 .

وغيرها من الروايات الكثيرة.

وأما الإجماع فقد ورد في كلام غير واحد من الأصحاب كما في كشف اللثام(1)والرياض(2)والحدائق(3)والجواهر(4).ومن ذلك يتبين أنّ المسألة عند الخاصة واضحة جداً ولا وجه لبسط الكلام فيها.

وأما العامة فقد خالفوا الحق في ذلك، وجعلوا ـ بزعمهم ـ أدلّة نسجوها بأوهامهم وهي أوهن من بيت العنكبوت.

منها: ما رواه مسلم من أنّ عبد الله بن عمر طلّق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي (صلي الله علیه وآله) فسأله، فقال: مره فليراجعها ثم يطلّقها قبل عدّتها قال: قلت: فتعتدّ بها؟ فقال: فمه؟ أرأيت إن عجزوا واستحمق(5).

وروى قريباً منه البخاري في صحيحه(6).

وفي رواية أخرى: أنّ عبد الله بن عمر قال: طلّقت امرأتي وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي (صلي الله علیه وآله) فتغيّظ رسول الله، ثم قال: مره فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة سوى حيضتها التي طلّقها فيها، فإن بدا له أن يطلّقها طاهراً من حيضها قبل أن يمسّها فذلك الطلاق للعدّة كما أمر الله(7).

بدعوى أنّ قوله: (مره فليراجعها) يدلّ على وقوع الطلاق وصحّته.ومنها: ما ورد من أنّ عبد الله بن عمر طلّقها تطليقة واحدة فحسبت من


1) ـ كشف اللثام 1 : 117 الطبع القديم.

2) ـ رياض المسائل 2 : 170 الطبع القديم.

3) ـ الحدائق الناضرة 25 : 177 .

4) ـ جواهر الكلام 32 : 29 .

5) ـ صحيح مسلم ج 2 ، كتاب الطلاق، ص 1097 .

6) ـ صحيح البخاري 7 : 52 و 54 .

7) ـ صحيح مسلم ج 2 ، كتاب الطلاق، ص 1095 .

طلاقها(1). وفي لفظ البخاري: حسبت عليّ بتطليقة(2).

بدعوى أنّ احتساب التطليقة دليل على وقوع الطلاق وصحّته.

وغيرها من الروايات التي زعموا دلالتها على صحة الطلاق حال الحيض وهذه الأدلة كلها غير تامة وذلك:

أولاً: إنّ هذه الروايات مضافاً إلى عدم صراحتها قاصرة الدلالة في إفادة المدّعى فإنّ قوله «مره فليراجعها» لا يدل على وقوع الطلاق، بل إنّ دلالته على بطلانه أوضح، بقرينة أنه (صلي الله علیه وآله) عرّفه كيفية الطلاق الصحيح بقوله: «فليطلّقها قبل عدّتها» كما أن تغيّظه (صلي الله علیه وآله) من فعل ابن عمر شاهد آخر على أنّ ما أوقعه من الطلاق باطل لا يعتدّ به.

وأما قوله (صلي الله علیه وآله): فمه؟ فليس صريحاً في إمضاء الطلاق الواقع حال الحيض، ولا سيّما إنه قال ذلك بعد بيانه (صلي الله علیه وآله) لكيفية الطلاق الصحيح، فيكون سؤال عمر واستنكار النبي (صلي الله علیه وآله) عليه راجعين إلى ما ذكره (صلي الله علیه وآله) من الكيفية الصحيحة، على أنّ قوله (صلي الله علیه وآله): «فإن بدا له أن يطلّقها ...» صريح في عدم الاعتداد بما وقع .

وثانياً: إنّ قوله فحسبت من طلاقها أو حسبت عليّ بتطليقة ليس من قولالنبي (صلي الله علیه وآله)، وإنما هو إما من الراوي وإما من ابن عمر وأي حجّة فيه؟

وثالثاً: على فرض تمامية الدلالة إلاّ أنّ هذه الروايات مخالفة لما هو أقوى دلالة منها، وهو ما ورد عن ابن عمر نفسه، فقد روى نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلّق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتدّ لذلك(3).


1) ـ صحيح مسلم ج 2 ، كتاب الطلاق، ص 1095 .

2) ـ صحيح البخاري 7 : 53 .

3) ـ المحلّى 10 : 163 ، م1949 .

وقد قال الشوكاني عن سند هذه الرواية بأنه صحيح(1).

وفي رواية أخرى من طريق عبد الله بن مالك، عن ابن عمر، أنه طلّق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله (صلي الله علیه وآله): ليس بشيء(2).

ورابعاً: وعلى فرض التعارض بين الروايات إلاّ أنّ الروايات الدالّة على البطلان هي الأرجح ـ كما ذكر الشوكاني(3)ـ لموافقتها للكتاب والسنة.

أما موافقتها للكتاب فلأن قوله تعالى: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ»(4)يدلّ على أنّ المطلّق في حال الحيض أو الطهر الذي وطأ فيه لم يطلّق بتلك العدة التي أمر الله بتطليق النساء لها.وأنّ قوله تعالى: «فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»(5)يدل على أنّ الطلاق حال الحيض ليس من التسريح بإحسان، بل هو قبيح، ولا أقبح من التسريح الذي حرّمه الله.

وأنّ قوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ»(6)يدل على أنّ المراد هو الطلاق المأذون، فما عداه ليس بطلاق لما في هذا التركيب من الصيغة الصالحة للحصر أي تعريف المسند إليه بلام الجنس.

وأما موافقتها للسنّة فلقوله (صلي الله علیه وآله): «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (7)وهو حديث صحيح ـ كما يقول الشوكاني ـ شامل لكل مسألة مخالفة لما عليه أمر رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ الله لم يشرّع هذا


1) ـ نيل الأوطار 7 : 10 .

2) ـ نفس المصدر ص 10 .

3) ـ نيل الأوطار 7 : 10 .

4) ـ سورة الطلاق، الآية: 1 .

5) ـ سورة البقرة، الآية: 229 .

6) ـ سورة البقرة، الآية: 229 .

7) ـ مسند أحمد ج 7 ، الحديث 24605 ، ص 210 .

الطلاق ولا أذن فيه، فليس من شرعه وأمره(1).

هذا وقد ناقش ابن حزم في المحلّى دعوى صحة الطلاق بوجوه أخرى فإن شئت فراجع(2).

ونكتفي بما ذكرنا فإنّ المسألة واضحة لا تحتاج إلى أكثر من هذا البيان.

والخلاصة: أنّ الطلاق في حال الحيض أو في طهر المواقعة باطل لا يترتبعليه أيّ أثر، ثم إنّ الحكم ببطلان الطلاق جارٍ فيما إذا وقع حال النفاس أيضاً.

المسألة الثالثة: هل يعتبر الإشهاد على الطلاق أو لا؟

ذهب الخاصّة إلى أنّ وقوع الطلاق من دون حضور شاهدين عدلين يسمعان صدوره من الزوج باطل.

وخالف العامة في ذلك وقالوا بصحة الطلاق وإن لم يكن في حضور الشاهدين، واعتبروا الإشهاد في النكاح.

قال الشيخ في الخلاف: كل طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان ـ وإن تكاملت سائر الشروط ـ فإنه لا يقع، وخالف جميع الفقهاء في ذلك ولم يعتبر أحد منهم الشهادة(3).

وقال سيد سابق في فقه السنة: ذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف إلى أنّ الطلاق يقع بدون إشهاد لأنّ الطلاق من حقوق الرجل ولا يحتاج إلى بيّنة كي يباشر حقّه، ولم يرد عن النبي (صلي الله علیه وآله) ولا عن الصحابة ما يدل على مشروعية الإشهاد، وخالف في ذلك فقهاء الشيعة الإمامية ... وممّن ذهب إلى وجوب الإشهاد واشتراطه لصحّته من الصحابة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،


1) ـ نيل الأوطار 7 : 10 .

2) ـ المحلّى 10 : 161 ـ 164 .

3) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق المسألة 5 ، ص 453 ـ 454 .

وعمران بن حصين، رضي الله عنهما، ومن التابعين الإمام محمد الباقر، والإمام جعفر الصادق، وبنوهما أئمة آل البيت رضوان الله عليهم،وكذلك عطاء، وابن جريج وابن سيرين ...(1).

والظاهر أنّ في كلامه تهافتاً واضحاً، حيث نفى ورود ما يدل على مشروعية الإشهاد عن الصحابة، وأثبت أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعمران بن الحصين ـ وهما من الصحابة ـ قد اشترطا الإشهاد لصحّة الطلاق وذهبا إلى القول بالوجوب فضلاً عن المشروعية.

وقال الشيخ محمد جواد مغنية في الفقه على المذاهب الخمسة: قال الشيخ أبو زهرة في الأحوال الشخصية: قال فقهاء الشيعة الإمامية الإثنا عشرية والإسماعيلية: إنّ الطلاق لا يقع من غير إشهاد عدلين لقوله تعالى في أحكام الطلاق وإنشائه في سورة الطلاق: «وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»(2)، فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعاً إليه، وأنّ تعليل الإشهاد بأنه يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يرشّح ذلك ويقوّيه، لأنّ حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله سبحانه وتعالى، وإنه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي فيشترط لوقوع الطلاقحضور شاهدين عدلين ...(3).

وذكر الشيخ مغنية أنّ عمل الحكومة المصرية على ذلك، وأنّها قد


1) ـ فقه السنة 2 : 230 .

2) ـ سورة الطلاق، الآية: 2 ـ 3 .

3) ـ الفقه على المذاهب الخمسة 2 : 415 .

أحسنت بأخذها في كثير من شؤون الطلاق بالمذهب الإمامي وأنّ المذاهب الأربعة لم تشترط الإشهاد لصحة الطلاق بخلاف الإمامية حيث اعتبروه ركناً من أركانه(1).

هذا وقد استدلّ الخاصة للقول بالوجوب، بالكتاب والسنة والإجماع.

أما من الكتاب فبقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ»(2)وهو صريح في الدلالة على الأمر بالإشهاد وقد تقرر في محلّه أنّ الأمر يقتضي الوجوب.

وأما من السنة فقد دلّت على اعتباره عدة روايات بلغت حدّ الاستفاضة أو التواتر، كما في الجواهر(3)منها:

صحيحة زرارة ـ المتقدمة ـ عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: كلّ طلاق لا يكون على السنة أو طلاق العدّة فليس بشيء، قال زرارة: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): فسّر لي طلاق السنّة وطلاق العدّة، فقال: أمّا طلاق السنّة ـ إلى أن قال: ـ ويشهد شاهدين على ذلك، ثم يدعها حتى تطمث طمثتين فتنقضي عدّتها بثلاثحيض ...(4)الحديث.

ومنها: صحيحة بكير وغيره ـ المتقدمة أيضاً ـ عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: الطلاق الذي أمر الله عزوجل به في كتابه والذي سنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله): أن يخلّي الرجل عن المرأة، فإذا حاضت وطهرت من محيضها أشهد رجلين عدلين على تطليقة وهي طاهر من غير جماع ـ إلى أن قال: ـ وكل طلاق ما خلا هذا


1) ـ الفقه على المذاهب الخمسة 2 : 415 .

2) ـ سورة الطلاق، الآية: 2 .

3) ـ جواهر الكلام 32 : 102 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 1 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1 .

فباطل ليس بطلاق(1).

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال: إنّي طلّقت امرأتي للعدة بغير شهود، فقال: ليس طلاقك بطلاق، فارجع إلى أهلك(2).

ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث قال: جاء رجل إلى علي (علیه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إنّي طلّقت امرأتي، فقال (علیه السلام): ألك بيّنة؟ قال: لا ، قال: اغرب(3).

وهي بمضمون الرواية السابقة، ومثلها روايته الثالثة قال: قدم رجل إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) بالكوفة فقال: إنّي طلّقت امرأتي بعدما طهرت من محيضها قبل أن أجامعها، فقال أمير المؤمنين (علیه السلام): أشهدت رجلينذوي عدل كما أمرك الله؟ فقال: لا، فقال: اذهب فإنّ طلاقك ليس بشيء(4).

ومنها: صحيحة زرارة، ومحمد بن مسلم، وبكير، وبريد، وفضيل، وإسماعيل الأزرق، ومعمر بن يحيى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنه قال: وإن طلّقها في استقبال عدّتها طاهراً من غير جماع ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق(5).

وهي أصرح في الدلالة من جميع الروايات المتقدمة.

ومنها: موثقة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه سئل عن امرأة سمعت أنّ رجلاً طلّقها وجحد ذلك أتقيم معه؟ قال: نعم، وإنّ طلاقه بغير شهود ليس بطلاق،


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 1 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 5 .

2) ـ نفس المصدر باب 10 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 9 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 10 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 7 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

والطلاق لغير العدة ليس بطلاق، ولا يحلّ له أن يفعل فيطلّقها بغير شهود ولغير العدة التي أمر الله عزوجل بها(1).

ومنها: رواية محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (علیه السلام) أنه قال لأبي يوسف: إنّ الدين ليس بقياس كقياسك وقياس أصحابك، إنّ الله أمر في كتابه بالطلاق وأكّد فيه بشاهدين، ولم يرض بهما إلاّ عدلين، وأمر في كتابه بالتزويج وأهمله بلا شهود، وأتيتم بشاهدين فيما أبطل الله، وأبطلتم شاهدين فيما أكّد الله عزوجل، وأجزتم طلاق المجنون والسكران ...(2).والرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند ففيه سهل بن زياد(3)وهو ممن لا يعتمد على روايته، وهي وإن كان بالإمكان تصحيح طريقها من جهة أخرى غير أنه لا يمكن الاعتماد عليها لضعف محمد بن الفضيل(4)الراوي عن الإمام (علیه السلام) فتكون الرواية مؤيدة لما تقدّم.

وعلى كل تقدير فإنّ في ما ذكرناه من الروايات الصحيحة سنداً والتامة دلالة كفاية في ثبوت الحكم بالوجوب.

وأما الإجماع فهو أحد أدلة الفرقة كما في الخلاف(5)، وفي الجواهر أنّه ثابت بقسميه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر(6)، ولم تختلف كلمة أحد من الخاصة في ذلك.

فالمسألة بحمد الله واضحة ولا تحتاج إلى أكثر من هذا البيان. وبعد: فهذه هي أهم المسائل الخلافية في الطلاق، وهناك عدة مسائل أخرى وقع الخلاف


1) ـ وسائل الشيعة ج 15 ، باب 10 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 5 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 12 .

3) ـ ذكر صاحب الوسائل الرواية مسندة في ج 9 باب 66 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 2 .

4) ـ رجال الشيخ: 360 .

5) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق، المسألة 5 ، ص 454 .

6) ـ جواهر الكلام 32 : 102 .

فيها بين الخاصة والعامة.

منها: طلاق السكران، فذهب جمهور فقهاء العامة(1)إلى صحّته وترتّب آثاره.

ومنها: صحة طلاق المكره كما هو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وغيرهما(2).ومنها: صحة الطلاق المعلّق على مشيئة الله أو على فعل يقع في المستقبل، كما هو مذهب أكثر العامة(3).

ومنها: وقوع الطلاق بالحلف وقد اتفق جمهور العامة على صحّته(4).

ومنها: صحّة طلاق الجزء كاليد والرأس والإصبع ووقوعه على الكل كما هو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأبي القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي(5).

ومنها: صحة الطلاق بالكتابة كما هو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك وغيرهم(6).

وذهب الخاصة إلى القول بالبطلان في جميع هذه المسائل.

ومنها: الجمع بين العمة وابنة الأخ، والخالة وابنة الأخت، وقد أجمع العامة على الحرمة(7).


1) ـ بداية المجتهد 2 : 81 ، والمغني والشرح الكبير ج 8 فصل 5839 ص 256 ، والخلاف ج 4 كتاب الطلاق، مسألة 45 ، ص 480 .

2) ـ المغني والشرح الكبير ج 8 فصل 5846 ص 260 ، والخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق، مسألة 44 ، ص 478 .

3) ـ بداية المجتهد 2 : 78 ، والخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق، مسألة 40 ، ص 476 ـ 477 .

4) ـ بداية المجتهد 2 : 418 ـ 429 ، والخلاف ج6 ، كتاب الأيمان، المسألتان 69 و70 ، ص165 ـ 166.

5) ـ المغني والشرح الكبير ج 8 ، فصل 6027 ، ص 417 ، والخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق، المسألة50 ، ص 482 .

6) ـ المغني والشرح الكبير ج 8 ، فصل 7022 ، ص 413 ، والخلاف ج 4 ، كتاب الطلاق، المسألة 29 ، ص 469 .

7) ـ الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 69 ، والمغني والشرح الكبير ج 7 ، فصل 5351 ، ص 478 ، والخلاف، كتاب النكاح، المسألة 64 ، ص 296 .

وذهب الخاصة إلى الجواز مشروطاً بإجازة العمة أو الخالة إذا كانتا مأخوذاً عليهما لا في صورة العكس.

ومنها: الإشهاد على النكاح حيث أوجبه أبو حنيفة، والشافعي، ومالك(1).

ومنها: العدة على اليائسة، والصغيرة دون التسع، وقد اتفق العامة(2)على وجوبها.

وذهب الخاصة إلى القول بعدم الوجوب في كلتا هاتين المسألتين.

وغيرها من المسائل، وقد أقام الخاصّة أدلّتهم الواضحة الوافية على ما ذهبوا إليه خلافاً للعامة، وهي على غرار ما تقدّم، وما ذكرناه من أحكام التقية والإلزام جارٍ في هذه المسائل حرفاً بحرف، ولا نرى حاجة إلى التفصيل.

وبهذا يتمّ الكلام حول التقية في الطلاق.

والحمد لله ربّ العالمين.


1) ـ بداية المجتهد 2 : 17 ، والخلاف ج 4 ، كتاب النكاح، المسألة 13 ، ص 261 .

2) ـ الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 549 ، وبداية المجتهد 2 : 88 و 91 ، والخلاف ج 5 ، كتاب العدة، المسألة 1 ، ص 53 .

الفصل الثاني عشر: 10 ـ التقية في المكاسب

اشارة

•

القرآن الكريم وقدسيّته ووجوب صيانة حرمته

•

الخلاف في جواز بيع المصحف إلى الكافر

•

التفصيل في جواز بيع المصحف للكافر

•

نظرة حول ما ينقش على الأوراق النقدية من الأسماء المقدّسة والمشاهد المباركة

•

هل يجوز بيع العبد المسلم إلى الكافر؟

•

استعراض الأدلة ونقدها وترجيح جانب الاحتياط

•

مسائل مهمّة في التعامل مع الكافر

•

قاعدة الإلزام وتطبيقها على بعض مواردها

•

حكم الغناء وحرمته بالكتاب والسنة وعرض الأدلة

•

الغناء عش النفاق

•

عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وبعض آخر من الصحابة والتابعين يرون حلّية الغناء وسماعه

•

التحقيق في بيان موضوع الغناء وحدوده وحكم التغنّي بالقرآن والمراثي

•

استثناء بعض الموارد من الغناء

•

الآلات اللهوية وحكم استعمالها وبيعها وشرائها

•

الرقص وحكمه

•

أحكام التقية في الغناء

التقية في المكاسب

اشارة

ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب ـ في مبحث التقية مع الكفار ـ أنّ هناك أحكاماً تختصّ بالكفّار كبيع المصحف وما في حكمه إليهم، وكذا مناكحتهم، وحكم ذبائحهم، وقد وعدنا بالبحث عن هذه المسائل، وقد تقدم بعضها. وسيأتي البحث عن بقيّتها في مواضعها المناسبة من هذا الكتاب.

وفي هذا الفصل نتناول موردين منها، ونضيف مورداً آخر لمناسبته للمقام وإن كان لا يختصّ بالكفار، وعليه فيقع الكلام في ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: في حكم بيع المصحف للكافر:

إنّ الخلاف في جواز بيع المصحف للكافر وعدمه إنما يصحّ بناء على القول بجواز بيعه للمسلم بأيّ نحو كان، وإلاّ فمع القول بعدم الجواز فلا مجال للبحث عن هذه المسألة إذ الحرمة حينئذ ثابتة بالنسبة إلى الكافر بطريق أولى.

قال شيخنا الأنصاري !: المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر، ذكره الشيخ، والمحقق في الجهاد، والعلاّمة في كتبه، وجمهور من تأخر عنه، وعن الإسكافي أنه قال: ولا أختار أن يرهن الكافر مصحفاً، وما يجب على المسلمتعظيمه، ولا صغيراً من الأطفال انتهى(1).


1) ـ المكاسب ـ كتاب البيع ـ ص 160 الطبع القديم.

واستدل على ذلك بوجوه:

الأول: بفحوى ما دل على عدم جواز تملك الكافر للمسلم، فإذا لم يجز للكافر أن يمتلك المسلم فعدم الجواز بالنسبة إلى القرآن ثابت بطريق أولى، لأشرفية القرآن وأنه أعظم حرمة من العبد المسلم.

أما عدم جواز تملّك الكافر للمسلم فلقوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»(1).

وقوله تعالى: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ»(2).

ومعتبرة المعلّى بن خنيس عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول: قال الله عزوجل: ليأذن بحرب منّي من أذلّ عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن(3).

وبناء على ذلك فلا يجوز بيع العبد المسلم للكافر، ولا إجارته، بل كلّ شيء يقع تحت يد الكافر من أمر المسلم، لأنّ فيه إذلالاً له أو احتمال إذلاله، وجعلاً للسبيل عليه، وهذه الأمور ثابتة للقرآن بطريق أولى كما ذكرنا، وسيأتي البحث حول حكم بيع العبد المسلم وما يتعلق بذلك في المبحث الثاني.

الثاني: بما رواه الصدوق وهو النبوي المعروف قال: وقال (علیه السلام): الإسلام يعلو ولا يعلى عليه(4).

واستدل الشيخ بهذه الرواية على عدم جواز بيع المسلم إلى الكافر(5).


1) ـ سورة النساء، الآية: 141 .

2) ـ سورة المنافقون، الآية: 8 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 8 ، باب 147 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 .

4) ـ نفس المصدر ج 17 ، باب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 11 .

5) ـ المكاسب: 67 الطبع القديم، ولم نقف على ذلك في كتب الشيخ، وإنما استدل على الحرمة بآية نفي السبيل لاحظ المبسوط 2 : 167 ، الطبعة الثانية، نعم استدل بالرواية على عدم ثبوت الخيار لمن اشترى عبداً واشترط أن يكون كافراً فخرج مسلماً لاحظ المبسوط 2 : 130 .

الثالث: أنّ بيع المصحف للكافر موجب لهتكه ـ وهو محرّم قطعاً ـ لعدم مبالاة الكافر بهتك حرمات الله.

الرابع: أنّ ذلك يستلزم تنجيس القرآن للعلم العادي بمسّ الكافر إياه مع الرطوبة، إما بناء على نجاسة أعيانهم، أو لعدم مبالاتهم بالنجاسة العرضية، وفي ذلك تعريض القرآن للنجاسة وهو حرام.

هذا ما استدل به على عدم الجواز، ولا يخفى أنّ بعض هذه الأدلة راجع إلى عدم الجواز تكليفاً، وبعضها راجع إليه وضعاً.

ولكن قد نوقش في جميع هذه الأدلة.

أما الوجه الأول ففيه: أولاً: إنكار أصل الحكم لعدم تمامية الأدلة على حرمة بيع العبد المسلم، بل قام الدليل على وجوب بيع العبد المسلم على الكافر وهو وإن كان قهرياً عليه إلاّ أنه يدلّ بالالتزام على تملّكه، ومثله ما ثبت من الحكم بانعتاق العمودين إذا اشتراهما الولد مع أنّه لا عتق إلاّ في ملك.وثانياً: على فرض التسليم إلاّ أنّ الأولوية ممنوعة، لأنّ في تملّك الكافر للمسلم إذلالاً وسبيلاً بخلاف تملّكه للمصحف لأنّه قد يكون موجباً لمزيد احترامه للقرآن وعنايته به، بل ربما يكون موجباً لهدايته.

وأما الوجه الثاني ففيه: مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال، أنّ الرواية تحتمل وجوهاً خمسة ذكرها السيد الطباطبائي ! في حاشيته على المكاسب أحدها: بيان كون الإسلام أشرف المذاهب، وثانيها: بيان أنه يعلو من حيث الحجة والبرهان.

وثالثها: أنه يعلو بمعنى يغلب على سائر الأديان. ورابعها: أنه لا ينسخ. وخامسها: ما أراده الفقهاء من إرادة بيان الحكم الشرعي الجعلي بعدم

علوّ غيره عليه(1).

ومع هذه الاحتمالات فلا مجال للاستدلال بها على المدعى.

وأما الوجه الثالث: ففيه: أولاً: أنه لا ملازمة بين البيع والهتك ـ كما ذكرنا ـ فإنّ النسبة بينهما عموم من وجه، فقد يتملّك الكافر المصحف ويحترمه ويعظّمه.

وثانياً: أنه على فرض التسليم بالملازمة لكنّ الهتك إنما يتحقق بالتسلّط عليه خارجاً لا بمجرد بيعه، فلو كان له وكيل مسلم على بيعه وشرائه والتصرف فيه فإنّه لا يترتب عليه أي هتك من ناحية الكافر.

وأما الوجه الرابع: فيرد عليه ما تقدم، إذ لا ملازمة بين الشراء والتنجيس، وعلى فرض التسليم فإنه يدخل حينئذ في صغرى الإعانة على الإثم ولم تثبت حرمة ذلك.

والحاصل: أنّ هذه الأدلة غير كافية للحكم بحرمة بيع المصحف للكافر،فالقاعدة تقتضي الجواز إذا لم يستلزم منه مهانة وهتكاً للكتاب العزيز، والتفصيل بين ما إذا علم أنّ غرض الكافر من شرائه هو التعلّم والتدبر في آياته، وبين ما إذا كان غرضه الاتجار والاسترباح منه كسائر الكتب فيجوز في الأول دون الثاني، كما يظهر من الشيخ ! (2)، وقد أفتى بذلك السيد الأستاذ ! في رسائله العملية(3).

ولا فرق حينئذ بين البيع والرهن وسائر ما يتحقق به تسلّط الكافر على المصحف خارجاً، كما أنه لا فرق في ذلك بين أقسام الكافر، فكلّ من حكم بكفره ونجاسته كالنواصب والغلاة فهو مشمول لهذا الحكم.

وأما غير المصحف من سائر الكتب المشتملة على الأحاديث الشريفة


1) ـ حاشية المكاسب : 31 الطبع القديم.

2) ـ كتاب المكاسب: 67 الطبع القديم.

3) ـ منهاج الصالحين ج 2 ، كتاب التجارة، مسألة 14 ، ص 6 الطبعة الثانية.

والأدعية فلا دليل على عدم جواز بيعها للكافر إلاّ بناء على تنقيح المناط باشتمالها على أسماء الله تعالى والأنبياء والأئمة (علیهم السلام) .

تنبيه:

إذا قلنا: إنّ المناط في حرمة بيع المصحف إلى الكافر هو لزوم الهتك والمهانة مضافاً إلى حرمة الإعانة وأنه من المنكر الذي لا يرضى به الشارع مطلقاً ويجب الردع عنه لا من جهة التعبد بالروايات فهذا جار في أبعاض القرآن أيضاً كالسور والآيات، وكذا الأحاديث الشريفة والأدعية المأثورة وأسماء الله سبحانه وتعالى وأسماء الأنبياء والأئمة (علیهم السلام) .بل لا يبعد شمول ذلك لصورهم وصور المشاهد المقدسة والأماكن المباركة، فإنّه إذا علم أنّ بيع هذه الأمور للكافر تستلزم المهانة والهتك فلا يجوز، ومن ذلك يظهر حكم ما يكتب على الأوراق النقدية من السور والآيات والأسماء المباركة وما ينقش عليها من صور المشاهد المقدسة، وحيث إنّ ذلك يستلزم الهتك والمهانة عادة لوضعها في غير مواضعها المناسبة غالباً، وتمكين الأطفال منها وكذا الكفّار والعصاة الذين لا يراعون احترامها، ومع العلم بذلك فالإعطاء أو البيع أو التمكين مشكل ومع عدمه لا بأس.

والذي ينبغي أن يقال هنا هو: إنه لابدّ من توجّه المسؤولين والقائمين على طبع هذه الأمور ونقشها على هذه الأوراق والالتفات إلى قدسيتها والعمل على صيانتها، ولا يخفى أنّ الجمع بين مظاهر الدعوة إلى التنزّه عن الدنيا وحطامها وبين طبعها ونقشها على نفس الأوراق المالية أيضاً غير مناسب(1).

والله العالم وهو العاصم عن الخطأ والزلل.


1) ـ قد ورد في بعض الأخبار أنّ الإمام الباقر (علیه السلام) علّم عبد الملك بن مروان ضرب الدراهم والدنانير، وأمره أن ينقش عليها سورة التوحيد واسم النبي محمد (صلي الله علیه وآله) ولكن لم يرد ذلك بطريق معتبر. راجع كتاب أئمتنا 1 : 389 عن المحاسن والمساوىء للبيهقي 2 : 129 .

المبحث الثاني: في بيع العبد المسلم للكافر:

والمشهور بين الأصحاب عدم الجواز بل في الجواهر عدم تحقق الخلاف فيهصريحاً(1)وفي الغنية دعوى الإجماع عليه(2).

وقد استدل على ذلك بوجوه:

الأول: التسالم من الأصحاب بل دعوى الإجماع على عدم الجواز.

الثاني: أنّ الكافر يمنع من استدامة مالكيّته للمسلم كما إذا ملكه قهراً بإرث أو أسلم في ملكه، فإنّه يباع عليه فيمنع من ابتدائه وحدوثه كالنكاح، وذلك لحصول العلم بعدم رضا الشارع بأصل وجوده حدوثاً وبقاء من دون مدخلية لخصوص البقاء، كما لو أمر الولي بإخراج رجل من الدار أو بإزالة النجاسة عن المسجد فإنّ المفهوم من ذلك عرفاً عدم رضاه بدخوله من الأول.

الثالث: أنّ الاسترقاق سبيل على المؤمن وهو منفي عنه بقوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»(3).

الرابع: بما ورد من النبوي المشهور الوارد في كلمات الفقهاء والاستدلال به في موارد متعددة، وهو ما رواه الصدوق قال: وقال (علیه السلام): الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه(4)، حتى أنهم استدلوا به على عدم جواز علوّ بناء الكافر على بناء المسلم، بل على عدم مساواته، والاستدلال به على ما نحن فيه أولى.

الخامس: بما ورد في رواية حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) أتي بعبد ذمي قد أسلم، فقال: اذهبوا فبيعوه من المسلمين، وادفعوا ثمنه إلى صاحبه ولا تقرّوه عنده(5).


1) ـ جواهر الكلام 22 : 334 الطبعة السابعة.

2) ـ الغنية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 585 الطبع القديم.

3) ـ سورة النساء، الآية: 141 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 11 .

5) ـ نفس المصدر ج 12 ، باب 28 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1 . ورواها الشيخ في التهذيب والنهاية إلاّ أن فيها: أتي بعبد لذمي قد أسلم ... الخ وسيتعرض لها سماحة الشيخ الأستاذ، ونقلها صاحب المستدرك من كتاب فقه الرضا (علیه السلام) عن أبي جعفر عن أبيه أنّ علياً (علیه السلام) ... راجع مستدرك الوسائل ج 13 ، باب 1 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1 .

بناء على أنّ تخصيص البيع بالمسلمين في مقام البيان والاحتراز فيدل على المنع من بيعه للكافر.

ويقع الكلام في هذه المسألة تارة في بيان الأصل فيها، وأخرى في ما يستفاد من الأدلة.

أما الأول: فالأصل العملي في المعاملات هو الفساد للشك في ترتب الأثر وحصول النقل والانتقال، والأصل عدمه، إلاّ أن يقال: إنّ الأصل في المقام هو الصحة وذلك لاستصحابها في بعض الموارد، كما إذا كان العبد كافراً فأسلم أو كان مسلماً سابقاً فالبيع في هذين الموردين كان صحيحاً حين وقوعه، فعند الشك تستصحب الصحة، وحيث إنّ الحكم واحد في كلا الموردين وفي سائر الموارد لعدم القول بالفصل فيحكم بالصحة في جميع الموارد.

وقد أشكل السيد الأستاذ ! على هذا بوجوه:

أولاً: إنّ الاستصحاب هنا تعليقي لا نقول به، لعدم ثبوت الحكم المنجز هناليستصحب.

وثانياً: إنه من الاستصحاب في الأحكام ولا نقول به.

وثالثاً: إنّ الموضوع متعدد لأنّ الكافر غير المسلم فلا يصح الاستصحاب لتعدد الموضوع.

ورابعاً: أنه لا وجه لعدم القول بالفصل في الأحكام الظاهرية، وإنما هو في الأحكام الواقعية، وأما الأحكام الظاهرية فالتفكيك فيها من الكثرة بمكان، وإلاّ يلزم إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، وهو قياس باطل، وعلى فرض تمامية عدم القول بالفصل فلا وجه لمعارضة أصالة الفساد في مورد آخر،

وهو بيع العبد المسلم ابتداء من الكافر مع أصالة الصحة في الموردين المذكورين الذين جرى فيهما الاستصحاب، نعم جريانها في مورد واحد ومعارضتها فيه وتقديم أصالة الصحة على أصالة الفساد للحكومة لا ريب فيه، ولكنه غير تعارضها إذا جريا في موردين، بل يعمل بكلّ منهما في مورده من غير تعارض وتمانع أصلاً(1).

والظاهر أنّ الإشكالين الأولين لا يردان على مبنى من يلتزم بصحة الاستصحاب التعليقي وجريانه في الأحكام كما هو مبنى الشيخ ! ، وأما الأخيران فهما واردان، ولعلّ أمر الشيخ بالتأمل إشارة إلى ذلك(2).

والنتيجة أنّ مقتضى الأصل العملي هو الفساد.وأما الأصل اللفظي فمقتضى عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» الشامل لكلّ عقد، وإطلاقات «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و«تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» و«الناس مسلّطون على أموالهم» هو الصحة في المقام، ولكن في مقابلها عموم قوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» فإن قلنا: إنّ المراد من الآية هو نفي السبيل مطلقاً سواء كان واقعياً في الآخرة، أو في مقام الحجة، أو اعتبارياً من جهة التملّك وغيره، فحينئذ يقع التعارض بينهما ويتساقطان في مورد الاجتماع، ويرجع إلى الأصل العملي وهو يقتضي الفساد.

وإن قلنا: إنّ المراد هو نفي السبيل في الآخرة فقط، أو في مقام الاحتجاج والمخاصمة، فحينئذ تكون أصالة الصحة سليمة عن المعارض، وكذلك إذا قلنا: إنّ المراد هو نفي السبيل في الآخرة، أو في مقام الحجة، أو التسلط الخارجي لا الاعتباري ففي هذه الصورة لا تتحقق المعارضة أيضاً.


1) ـ مصباح الفقاهة 5 : 88 ـ 89 .

2) ـ المكاسب، كتاب البيع : 159 الطبع القديم.

فعدم الأصل اللفظي إنما يتمّ في صورة واحدة وهي الأولى، وأما في الصورتين الأخيرتين فالأصل اللفظي هو أصالة الصحة من دون معارض.

وأما تعيين أحد هذه الاحتمالات فسيأتي. هذا بالنسبة إلى الأصل الجاري في المقام.

وأما بالنسبة إلى ما يستفاد من الأدلة فالأول منها: الإجماع.

وفيه: مضافاً إلى أنّه منقول يحتمل أن يكون مستنده أحد الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة فلا يمكن الاعتماد عليه، وكذا الكلام في الشهرة فهذا الوجه غير تام إلاّ لمن حصل له الاطمئنان به.

وأما الثاني فهو وإن كان الظاهر منه تحقق الملازمة عرفاً بين حرمة البقاء والحدوث ولكن لابد أن يكون الحكم في الحدوث تابعاً للحكم في البقاء، وأنّعدم الرضا في الحدوث لابد أن يكون على نهج عدم الرضا في البقاء، ومن المعلوم أنّ حرمة البقاء حكم تكليفي محض وكذا في الحدوث، وهذا لا يدلّ على فساد الملكية والبيع حدوثاً، نعم لو دلّ الدليل على انعتاق العبد على الكافر لا وجوب البيع عليه لكان دالاًّ على الحرمة الوضعية أيضاً.

وأما الثالث وهو الآية الشريفة فقد قال الشيخ !: إنّ باب الخدشة فيها واسع(1)، وذلك لأنّ السبيل إن كان المراد به هو الأعم الشامل للملكية الاعتبارية ففيه:

أولاً: لزوم التخصيص في الآية بالموارد التي تسالم الأصحاب فيها على صحّة تملّك الكافر، مثل ما إذا ملك الكافر العبد المسلم قهراً بإرث ونحوه، أو اشترى من ينعتق عليه، أو أسلم العبد في ملكه، أو وكّل الكافر مسلماً في شراء عبد وعتقه عنه، وغيرها من الموارد، ففي جميع هذه الموارد يلزم التخصيص


1) ـ المكاسب، كتاب البيع: 158 الطبع القديم.

في الآية مع أنّ سياقها آب عن التخصيص، وذلك لدلالة لن على التأبيد، وإناطة عدم جعل السبيل على الإيمان وهو لا يقيّد بحال دون حال.

وثانياً: أنّ الظاهر من سياق الآية صدراً وذيلاً هو أنّ المراد جعل السبيل في الآخرة، وتعميمه إلى نفي السبيل في الدنيا فضلاً عن شموله للأمور الاعتبارية خلاف الظاهر ولا أقلّ من كونه غير محرز.

وثالثاً: أنه ورد في تفسير الآية بأنّ المراد هو الحجّة والبرهان وهو مساوق لقوله تعالى: «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ»(1)، وقوله (صلي الله علیه وآله): الإسلاميعلو ولا يُعلى عليه(2).

ومعناه أنّ حجة المؤمنين وبراهينهم فوق كل حجة وبرهان.

ويؤيده: رواية الصدوق في العيون بإسناده عن أبي الصلت الهروي ـ وقد جاء فيها ... قال: قلت: يابن رسول الله وفيهم قوم يزعمون أنّ الحسين بن علي(علیهما السلام) لم يقتل، وأنه ألقي شبهه على حنظلة بن أسعد الشامي، وأنه رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم (علیهما السلام) ، ويحتجّون بهذه الآية: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» فقال: كذبوا عليهم غضب الله ولعنته، وكفروا بتكذيبهم لنبي الله(صلي الله علیه وآله) في إخباره بأنّ الحسين بن علي (علیهما السلام) سيقتل، والله لقد قتل الحسين (علیه السلام) وقتل من كان خيراً من الحسين، أمير المؤمنين والحسن بن علي (علیهما السلام) ، وما منّا إلاّ مقتول، وإنّي والله لمقتول بالسمّ باغتيال من يغتالني أعرف ذلك بعهد معهود إليّ من رسول الله (صلي الله علیه وآله) أخبر به جبرئيل عن رب العالمين عزوجل.

وأما قول الله عزوجل: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» فإنه يقول: لن يجعل الله لكافر على مؤمن حجّة، ولقد أخبر الله عزوجل عن


1) ـ سورة الأنعام، الآية: 149 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 11 .

كفّار قتلوا النبيين بغير الحق، ومع قتلهم لن يجعل الله على أنبيائه (علیهم السلام) سبيلاً من طريق الحجة(1).وبناء على ذلك فتعميم الآية بحيث يشمل الملكية يتوقف إما على تعميم الحجة على وجه يشمل الاستيلاء بالملكية وإما بتعميم السبيل حتى يشمل كلاًّ من الحجة والملكية، وتكون الحجة أحد المصاديق، وأنّ الآية واردة لبيان بعض المصاديق، والجامع لها هو السبيل إلاّ أن فيه تكلّفاً.

فالمعنى الجامع الذي لا محذور فيه هو القول بأنّ المراد من السبيل في الآية هو الاعم، وهذا الوجه وإن استلزم التقييد في عموم أدلة: الناس مسلّطون على أموالهم، إلاّ أنه أهون من التخصيص في الآية.

والحاصل: هو عدم شمول الآية لما نحن فيه.

وأما الرابع فيرد عليه ما تقدم في المسألة المتقدمة من ضعف السند والدلالة وقد ذكرنا كلام السيد الطباطبائي ! في حاشيته حول المعاني المحتملة في الرواية، مضافاً إلى أنه إذا كان المراد هو نفي العلوّ مطلقاً يلزم الإخبار بخلاف الواقع فإنّ الكفار متسلّطون على المؤمنين في كثير من الأزمنة بل من زمان آدم إلى يومنا هذا، إلاّ أن يقال: بأنّ المراد هو عدم علوّهم في مقام الجعل والإنشاء لا مطلقاً، بمعنى أنّ الرواية وإن كانت في صورة الإخبار إلاّ أنّ المراد هو الإنشاء.

وأما الخامس ففيه:

أولاً: أنّ الرواية ضعيفة السند وذلك لأنّ الشيخ رواها في النهاية(2)عن


1) ـ عيون أخبار الرضا ج 2 ، باب 46 ما جاء عن الرضا (علیه السلام) في وجه دلائل الأئمة( والرد على الغلاة والمفوضة، الحديث 5 ، ص 203 .

2) ـ النهاية، كتاب القضايا والأحكام، باب جامع في القضايا والأحكام، الحديث 2 ، ص 349 .

حمادبن عيسى من دون أن يذكر طريقه إليه ورواها في التهذيب(1)بإسناده عن محمد بن يحيى مرفوعاً عن حماد، وكلا الطريقين ضعيفان، نعم يمكن تصحيح الطريق الأول إذا كان الشيخ رواها عن كتاب حمّاد، فإنّ له طريقاً إلى كتب حماد(2)، إلاّ أنّ إحراز ذلك مشكل.

وثانياً: أنّ دلالة الرواية غير تامة، إذ يرد عليها ما ورد على الوجه الأول من أنّ النهي عن استدامة الملك لا يدل على فساد البيع ابتداء، وأما قوله (علیه السلام): «فبيعوه من المسلمين» فإنما يدل على المفهوم، فيما إذا لم تكن هناك فائدة أخرى من اختصاص البيع بالمسلمين، والفائدة متحققة في المقام، وهي أنّ عدم استدامة الملك في يد الكافر لا تتم إلاّ ببيعه من المسلمين فليس تخصيص المأمور به ـ وهو البيع للمسلمين ـ لاختصاص الصحّة به، فهذا الوجه غير تام أيضاً.

والحاصل: أنّ الوجوه التي استدل بها على الجواز كلّها قابلة للمناقشة كما ذكره الشيخ(3)والسيد الأستاذ(4)! وإن كان لبعض الأعلام كلاماً في بعض هذه المناقشات(5)، ولكن لا تخلو هذه الوجوه من حيث المجموع عن الإشكال.ثم إنه يرد على الوجه الثاني ـ مضافاً إلى ما تقدّم ـ : أنّه لا دليل على عدم استدامة الملك في يد الكافر إلاّ ما ورد في الوجه الخامس، وفيه ما تقدم، ويرد على الوجه الثالث أيضاً أنّ مجرد العقد والملكية الاعتبارية لا يعدّ سبيلاً عرفاً.


1) ـ تهذيب الأحكام ج 6 ، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، الحديث 2 ، ص 287 .

2) ـ الفهرست: 86 الطبعة الثانية.

3) ـ المكاسب ـ كتاب البيع ـ ص 159 الطبع القديم.

4) ـ مصباح الفقاهة 5 : 90 مؤسسة أنصاريان ـ قم.

5) ـ منية الطالب في حاشية المكاسب 1 : 332 الطبع القديم.

نعم التسلّط الخارجي الذي يترتب على البيع أحد مصاديق السبيل، وعليه فيمكن التفكيك بين صحة البيع وبين الأثر وهو التسلّط، والقول بأنّ المبيع حينئذ مسلوب المنفعة والإقدام عليه سفهي وهو باطل ـ كما في الجواهر ـ (1)غير تام، وذلك لأنّ الأغراض تختلف من شخص لآخر، فقد تكون المنفعة في نفس الشراء كما يمكن أن تكون لتحصيل الربح فيما إذا بيع عليه، وغير ذلك من المنافع والأغراض.

والحاصل: أنّ الوجه الوحيد في الاستدلال على المنع هو الاعتماد على مفاد الآية الشريفة ولكنّه غير تام كما تقدم.

فمقتضى القاعدة هو صحة العقد وتحقق الملكية لعمومات (أوفوا بالعقود) و (أحل الله البيع) وغيرها.

هذا ولكن لما كان الكافر محجوراً عليه وممنوعاً عن التصرّفات الموجبة لتسلّطه على المؤمن لكونها داخلة تحت عنوان السبيل وهو منفيّ بالآية الشريفة فالاحتياط يقتضي عدم مخالفة ما عليه المشهور.

ثم إنّ ها هنا مسائل:

الأولى: إنّ المراد بالكافر هو كل من حكم بكفره مطلقاً سواء كان أصلياً أو كان منتحلاً للإسلام كالغلاة والنواصب والخوارج، غاية الأمر عدم وجود هذه الأصناف في زمان نزول الآية الشريفة، ولا إشكال في ذلك ولا فرق بين الصغير والكبير فيشمل الحكم حتى الأطفال منهم، هذا إذا كان المستند في الحكم هو مفاد الآية الشريفة، وأما إذا كان المستند هو الإجماع والشهرة فيقتصر فيه على القدر المتيقن وهو الكافر الأصلي الكبير دون الصغير ولا


1) ـ جواهر الكلام 22 : 335 الطبعة السابعة.

يشمل الحكم غيره من سائر الأصناف.

الثانية: إنّ المراد بالمسلم هو كل من حكم بإسلامه سواء كان مؤمناً أو مخالفاً من أي فرقة من فرق المخالفين، فكلّ من أقرّ بالشهادتين ـ ما لم يكن محكوماً بالكفر ـ لا يجوز بيعه إلى الكافر، وذلك لأنّ المراد بالمؤمنين في الآية الشريفة هو المعنى المقابل للكافرين، والإيمان والإسلام بمعنى واحد في زمان نزول الآية، وأما التقابل بين الإسلام والإيمان فهو اصطلاح حدث في زمان الأئمة (علیهم السلام) لتمييز الإمامية القائلين بإمامة أئمة أهل البيت (علیهم السلام) عمّن عداهم، والروايات وإن كانت تدلّ على أنّ المخالف كافر واقعاً لعدم اعتقاده بالولاية إلاّ أنّه يعامل معاملة المسلم وتجري عليه أحكام الإسلام من التناكح والمواريث وحقن الدماء وعصمة الأموال.

ويدل على ذلك ما ورد في معتبرة حمران بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الإيمان ما استقر في القلب وأفضى به إلى

الله عزوجل وصدّقه العمل بالطاعة والتسليم لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذيعليه جماعة الناس من الفرق كلّها وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج فخرجوا بذلك من الكفر وأضيفوا إلى الإيمان، والإسلام لا يشرك الإيمان، والإيمان يشرك الإسلام وهما في القول والفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد والمسجد ليس في الكعبة، وكذلك الإيمان يشرك

الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان، وقد قال الله عزوجل: «قالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»(1)فقول الله عزوجل أصدق القول، قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل والأحكام


1) ـ سورة الحجرات، الآية: 14 .

والحدود وغير ذلك؟ فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحد ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما وما يتقرّبان به إلى الله عزوجل...(1).

وغيرها من الروايات، هذا بناء على كون المستند هو الآية الشريفة، وأما بناء على أنه الشهرة والإجماع فظاهر كلماتهم هو ذلك أيضاً حيث عبّروا كثيراً بأنه لا سبيل للكافر على المسلم، ومقتضى ذلك عدم جواز بيع المخالف للكافر مطلقاً حتى أطفالهم.

الثالثة: هل يجوز بيع العبد المؤمن للمخالف أو لا؟

وهذه المسألة تبتني على ما تقدم، نعم قال الشيخ ! : إذا قلنا بحرمة تزويجالمؤمنة من المخالف لأخبار دلّت على ذلك، فإنّ فحواها يدل على المنع من بيع الجارية المؤمنة، لكن الأقوى عدم التحريم(2).

الرابعة: لا فرق بين البيع وبين سائر التمليكات المتعلقة بالعين كالوصية والهبة والمصالحة، لوحدة المناط في الجميع، وهو تمليك الكافر وتسلّطه على العين، سواء كان المستند في ذلك الآية الشريفة أو الشهرة والإجماع، لوجود الملاك فيهما معاً.

الخامسة: في تمليك المنافع كالإجارة فهل تجوز إجارة المسلم إلى الكافر أو لا؟

وهذه المسألة محلّ خلاف بين الأعلام فذهب بعضهم إلى القول بالجواز مطلقاً، كما يظهر من التذكرة(3)والخلاف(4)، وذهب آخرون إلى القول بعدم


1) ـ الأصول من الكافي ج 2 ، باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان، الحديث 5، ص 26 ـ 27 .

2) ـ المكاسب ـ كتاب البيع ـ ص 159 الطبع القديم.

3) ـ تذكرة الفقهاء 1 : 463 الطبع القديم.

4) ـ الخلاف ج 3 ، كتاب البيوع، مسألة 319 ، ص 190 .

الجواز مطلقاً، وهو ظاهر القواعد(1)والإيضاح(2)، والقول الثالث هو التفصيل بين ما تكون الإجارة في الذمة فيجوز لعدم تحقّق السبيل والسلطنة على المسلم وهو الظاهر من حواشي الشهيد(3)وجامع المقاصد(4)والمسالك(5)، وبين ما تكون متعلقة بعينهفلا تجوز، ورابع الأقوال هو التفصيل بين كونه حراً فيجوز، وبين كونه عبداً فلا يجوز، وهو ظاهر الدروس(6).

والذي يظهر من الشيخ(7)والمحقق النائيني(8)والسيد الأستاذ(9)وغيرهم قدس الله أسرارهم هو التفصيل الأول، لأنه إذا كان في الذمة فهو كالاقتراض من الكافر، ولا يصدق عليه أنه سبيل على المؤمن، وقد ورد في بعض الروايات أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) قد استقرض ثلاثة أصوع من شعير من يهودي(10)وفي بعضها أنه استقرضها منه في مقابل أن تغزل فاطمة (علیها السلام) له صوفاً(11)بل في بعض الروايات أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) آجر نفسه ليسقي نخلاً بشيء من شعير(12)، كما ورد في تفسير قوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً»(13).


1) ـ قواعد الأحكام 1 : 124 الطبع القديم.

2) ـ أيضاح الفوائد في شرح القواعد 1 : 413 الطبعة الأولى.

3) ـ المكاسب ـ كتاب البيع: 159 الطبع القديم.

4) ـ جامع المقاصد 4 : 63 الطبعة الأولى.

5) ـ مسالك الأفهام 1 : 173 الطبع القديم.

6) ـ الدروس الشرعية في فقه الإمامية 3 : 199 الطبعة الأولى.

7) ـ المكاسب ـ كتاب البيع ـ : 159 الطبع القديم.

8) ـ منية الطالب في حاشية المكاسب 1 : 333 الطبع القديم.

9) ـ مصباح الفقاهة 5 : 91 مؤسسة أنصاريان ـ قم.

10) ـ تفسير نور الثقلين ج 5 ، تفسير سورة الدهر، الحديث 18 ، ص 470 .

11) ـ نفس المصدر الحديث 21 ، ص 471 .

12) ـ نفس المصدر الحديث 19 ، ص 470 .

13) ـ سورة الدهر، الآية: 8 .

وروى صاحب الوسائل عن قرب الأسناد بإسناده عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (علیهم السلام) قال: لقد قبض رسول الله (صليالله علیه وآله) وأنّ درعه لمرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير استلفها نفقة لأهله(1).

وغيرها من الروايات، ولا فرق بين كون الأجير حرّاً أو عبداً وهو ظاهر إطلاق كثير من الفقهاء كما تقدم عن التذكرة، وحواشي الشهيد، وجامع المقاصد، بل صريح الخلاف نفي الخلاف فيه حيث قال: إذا استأجر كافر مسلماً لعمل في الذمّة صحّ بلا خلاف، وإذا استأجره مدة من الزمان شهراً أو سنة ليعمل له عملاً صحّ أيضاً عندنا(2).

وكذا يظهر من الإيضاح فإنه ادّعى أنه لم ينقل من الأمة فرق بين الدين وبين الثابت في الذمة بالاستئجار فإنّ طريقهما واحد(3).

هذا، ولكن الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان المستند هو الشهرة والإجماع فلا يشمل تمليك المنافع، وحينئذ تجوز الإجارة مطلقاً، وبين ما إذا كان المستند هو الآية الشريفة وقلنا بأنّ مجرّد البيع والتمليك سبيل كما عليه المشهور فالتفصيل ـ بين كون الإجارة على العمل في الذمة وبين كونها على النفس فيجوز في الأول دون الثاني ـ في محله، كما نسب إلى الأكثر. وأما بناء على القول بأنّ المنفي بالآية هوالتسلّط الخارجي كما استظهره الشيخ(4)وقواه


1) ـ وسائل الشيعة ج 13 ، باب 2 من أبواب الدين والقرض، الحديث 9 ، وروى العامة أنّ علياً (علیه السلام) آجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة، وأتى بذلك النبي (صلي الله علیه وآله) فأكله، وفعل ذلك رجل من الأنصار وأتى به النبي (صلي الله علیه وآله) فلم ينكره، راجع المغني والشرح الكبير 4 : 332 ، فصل3181.

2) ـ الخلاف ج 3 ، كتاب البيوع، مسألة 319 ، ص 190 .

3) ـ إيضاح الفوائد في شرح القواعد 1 : 413 .

4) ـ المكاسب ـ كتاب البيع ـ : 159 الطبع القديم.

السيد الأستاذ(1)قائلاً بأنه لا منافاة بينه وبين كون المراد بالسبيل في الآية هو الحجّة في الدنيا أو الآخرة لأنّها أحد مصاديقه لا أنّه تمام المراد من الآية ولعلّه هو الأقوى، فلا وجه حينئذ لبطلان نفس الإجارة مطلقاً سواء كانت في الذمة أو على النفس، وذلك لأنّ تمليك العين بناء على هذا الوجه ليس باطلاً فكيف بتمليك المنافع، نعم يلزم محجوريته بالنسبة إليها، فإذا كان له وكيل مسلم للاستيفاء فلا إشكال حينئذ، وإلاّ فلابدّ إما من تبديل الإجارة إلى الذمة وتعيين العمل ويكون للكافر حقّ العمل فقط، وإما أن تباع المنافع ـ كما إذا كان عبداً ـ أو يصالح عليها ـ كما إذا كان حرّاً ـ ويعطي بدلها للكافر كما في البيع.

السادسة: في تمليك الانتفاع فهل يجوز للمسلم أن يرهن شيئاً من أمواله عند الكافر أو لا؟

وقد اختلفت كلمات الفقهاء في ذلك ففي نهاية الأحكام(2)القول بالجواز مطلقاً، وفي القواعد(3)والإيضاح(4)القول بالمنع مطلقاً، وظاهر المبسوط(5)والدروس(6)وجامع المقاصد(7)والقواعد(8)والإيضاح(9)في كتاب الرهن القول بالتفصيل بين ما إذا لم يكن تحت يد الكافر كما إذا وضع عند مسلم فيجوز، وإلاّ فلا، وتردّد العلاّمة في التذكرة(10)وقد رجّح الشيخ(11)والمحقق


1) ـ مصباح الفقاهة 5 : 84 مؤسسة أنصاريان ـ قم.

2) ـ نهاية الأحكام في معرفة الأحكام 2 : 458 الطبعة الأولى المحققة.

3) ـ قواعد الأحكام 1 : 124 الطبع القديم.

4) ـ إيضاح الفواعد في شرح القواعد 1 : 414 الطبعة الأولى.

5) ـ المبسوط في فقه الإمامية 2 : 232 الطبعة الثانية.

6) ـ الدروس الشرعية في فقه الإمامية 3 : 390 الطبعة الأولى.

7) ـ جامع المقاصد 4 : 63 الطبعة الأولى.

8) ـ قواعد الأحكام 1 : 158 الطبع القديم.

9) ـ إيضاح الفوائد في شرح القواعد 2 : 11 الطبعة الأولى.

10) ـ تذكرة الفقهاء 1 : 463 الطبع القديم.

11) ـ المكاسب ـ كتاب البيع ـ : 159 الطبع القديم.

النائيني(1)والسيد الأستاذ(2)القول الأخير لأنّ كون الرهن تحت يده سبيل بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، فإنّ مجرّد استحقاقه الأخذ من ثمنه لا يعدّ سبيلاً.

هذا ولكن الظاهر أنّ ما ذكرناه في الإجارة يأتي في المقام فإنّه لا إشكال في نفس الارتهان، نعم يلزم أن لا يكون تحت يده للحجر عليه كما قلنا هناك، فإن رضي بأن تكون العين تحت يد مسلم فلا إشكال وإلاّ فيجبر على ذلك.

السابعة: في العقود الأمانية كالوديعة والعارية، فهل يجوز الإيداع عند الكافر وإعارته أو لا؟

قد يقال بالمنع وعدم الجواز لأنّ ذلك أقوى منعاً من الارتهان، وفصّل الشيخ!(3)بين العارية فقال: بأنها سبيل، لأنّ المقصود منها هو الاستفادة من العين بخلافالوديعة فإنّه ملزم بحفظها فقط وليس له عليها سبيل.

والظاهر هو التفصيل في الوديعة أيضاً كالتفصيل في الرهن فإنّ الوديعة إذا كانت تحت يده فإنه وإن لم يكن له حق التصرف فيها بل هو ملزم بحفظها ولكن لما كانت العين تحت اختياره يقلبها كيف شاء ويحملها وينقلها من مكان إلى آخر وغير ذلك من التصرفات فلا يبعد أن يعدّ ذلك سبيلاً عرفاً وهو منفي فالأحوط المنع، وأما إذا كانت تحت يد مسلم فلا إشكال.

الثامنة: إذا وقف الكافر عبده المسلم على أهل ملّته فهل يعدّ ذلك سبيلاً أو لا؟

وذلك يتحقق فيما إذا كان العبد كافراً فأوقفه ثم أسلم.

والظاهر من كلمات الفقهاء صدق السبيل عليه، لأنّه أحد منافع الموقوف


1) ـ منية الطالب في حاشية المكاسب 1 : 333 الطبع القديم.

2) ـ مصباح الفقاهة 5 : 92 مؤسسة أنصاريان ـ قم.

3) ـ المكاسب ـ كتاب البيع ـ : 159 الطبع القديم.

عليهم فيكون سبيلاً، والحكم في هذه المسألة هو الحكم المتقدم في مسألة الإجارة وما مرّ من التفاصيل هناك يأتي هنا.

التاسعة: في عقد الوكالة فهل يصح إجراؤه بين المسلم والكافر أو لا؟

وهي تارة تكون من الكافر للمسلم ولا إشكال فيها لأنّها توجب تسلّط المسلم على الكافر وعلى أمواله، وتارة بالعكس، فإن كانت على أموال المسلم فجائزة، وإن كانت على نفسه وشؤونه أو أطفاله وعبيده فهي محلّ إشكال، وكذا الكلام في الوصية العهدية له.

العاشرة: قد ظهر مما تقدم حكم الإشتغال للكافر اختياراً سواء كان في بلاد الإسلام أو في خارجها، فإن كان بعنوان الإجارة على العمل في الذمة فلا إشكال فيه، وإن كان على المنافع فحكمه يبتني على ما تقدم من الأقوال والتفاصيل،وعلى ما ذكرناه من التفصيل تكون الإجارة صحيحة، نعم لا يستحق الكافر الاستيفاء للحجر عليه في ذلك، وعليه فإمّا أن يوكّل مسلماً لذلك وإلاّ ألزم بالبيع أو المصالحة أو بتبديلها إلى الذمّة وتعيين العمل، وإن لم يقبل ذلك فللمسلم أن يأخذ الأجرة التي يستحقها بالغلبة والاستعلاء إذا لم يكن الكافر ذمّياً وأما إذا كان ذميّاً فله أجرة المثل.

الحادية عشر: إذا اضطرّ المسلم إلى الإيجار أو الارتهان، أو الإيداع، أو الإعارة إلى الكافر، من جهة المعيشة، أو للتقية على القول ببطلان البيع وفساده مطلقاً، أو في بعض الموارد على التفصيل المتقدم، فهل يحكم بصحّتها وضعاً كعدم الإشكال في جوازها أو لا؟

وقد تقدم الكلام في هذه المسألة مفصّلاً في أوائل بحث التقية من الجزء الأول من هذا الكتاب فراجع.

تنبيهان:

الأول: قد استثني من حرمة بيع العبد المسلم عدّة موارد وحيث إنّ المسألة ليست ابتلائية فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الكتب التي تناولتها بالبحث كمكاسب الشيخ وغيره، وكذا الكلام في حقّ الكافر في الخيار والفسخ.

الثاني: يجوز إجراء قاعدة الإلزام في الموارد التي يختلف حكمها بيننا وبين العامة، ويسوغ أخذ الحق منهم إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها.

فمنها: ثبوت خيار الرؤية على مذهب الشافعي لمن اشترى شيئاً بالوصف ثمرآه، وإن كان المبيع حاوياً للوصف المذكور في عقد البيع(1)، وعليه فلو اشترى الإمامي من شافعي شيئاً بالوصف ثم رآه ثبت له الخيار بقاعدة الإلزام وإن كان المبيع مشتملاً على الوصف.

ومنها: أنه لا يثبت خيار الغبن للمغبون عند الشافعي(2)، وعليه فلو اشترى إمامي من شافعي شيئاً ثم انكشف أن البائع مغبون فللإمامي إلزامه بعدم حق الفسخ له.

ومنها: أنه يشترط عند

الأحناف في صحة عقد السلم أن يكون المسلم فيه موجوداً(3)، ولا يشترط ذلك عند الإمامية، وعليه فلو اشترى الإمامي من حنفي شيئاً ولم يكن المسلم فيه موجوداً جاز للإمامي إلزامه ببطلان العقد، وهكذا الحكم في سائر الموارد في باب التجارة.


1) ـ المجموع شرح المهذب 9 : 288 دار الفكر.

2) ـ الوجيز في فقه الإمام الشافعي 1 : 143 دار المعرفة بيروت ـ لبنان.

3) ـ المحلى 9 : 114 دار الآفاق الجديدة ـ بيروت.

المبحث الثالث: في الغناء:

والغناء من المسائل الخلافية بين الخاصة والعامة، ونظراً لكونه من القضايا الابتلائية وله مدخلية بوجه في باب المكاسب، كما أنّ له ارتباطاً بموضوع التقية فلابدّ من البحث فيه بما يناسب المقام فنقول:

لا خلاف بين الخاصة في أنّ الغناء محرّم في الجملة، بل عن غير واحد دعوىالإجماع إلى حدّ الاستفاضة، بل الإجماع المحقق نقلاً وتحصيلاً كما في المستند(1)والجواهر(2)، بل في الأول دعوى كونه ضرورة دينية، وفي الثاني أنه يمكن دعوى كونه ضرورياً في المذهب.

وأما عند العامة فالذي يظهر من كلماتهم أنّ المشهورعندهم هو إباحته في نفسه، ففي الفقه على المذاهب الأربعة: أنّ التغنّي من حيث كونه ترديد الصوت بالألحان مباح لا شيء فيه، ولكن قد يعرض ما يجعله حراماً أو مكروهاً(3).

وفي الإحياء: ونقل أبو طالب المالكي إباحة السماع من جماعة ... وقال: لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا(4).

وفي نيل الأوطار بعد أن نقل الخلاف في الحرمة والجواز حكى عن ابن النحوي في العمدة قوله: روى الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمر كما رواه ابن عبد البر وغيره، وعثمان كما نقله


1) ـ مستند الشيعة 2 : 341 الطبع القديم.

2) ـ جواهر الكلام 22 : 44 .

3) ـ الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 42 .

4) ـ إحياء علوم الدين 2 : 269 .

الماوردي وصاحب البيان والرافعي، وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن أبي شيبة، وأبو عبيدة بن الجراح كما أخرجه البيهقي، وسعد بن أبي وقاص كما أخرجه ابنقتيبة... (إلى أن عدّ زهاء عشرين شخصاً من الصحابة).

وأما التابعون فسعيد بن المسيب، وسالم بن عمرو بن حسان، وخارجة بن زيد، وشريح القاضي، وسعيد بن جبير، وعامر الشعبي ... .

وأما تابعوهم فخلق لا يحصون منهم الأئمة الأربعة، وابن عيينة، وجمهور الشافعية(1)ومن هذا يتبين أن المشهور عندهم هو الإباحة.

ويقع الكلام في هذه المسألة في خمسة مواضع:

الأول: في حكم المسألة.

الثاني: في موضوع الغناء وحدوده.

الثالث: في الموارد المستثناة منه.

الرابع: في حكم الآلات اللهوية.

الخامس: في حكم الأفعال اللهوية.

أما الموضع الأول ـ وإنما قدّمناه بالذكر تبعاً للشيخ، ولاستفادة بعض الخصوصيات المتعلقة بالموضع الثاني من خلال بيان الحكم وإلاّ فالطبع يقتضي تقديم الموضوع على الحكم ـ فقد استدل على الحرمة بأمور:

الأول: الإجماع ـ كما تقدم عن المستند والجواهر ـ محصّلاً ومنقولاً إلى حدّ الاستفاضة، فلا إشكال في تحقّقه وإن لم يحرز كونه تعبّدياً.

الثاني: الآيات وهي عدة، منها: قوله تعالى: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِوَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ»(2).


1) ـ نيل الأوطار 8 : 266 دار الجيل.

2) ـ سورة الحج، الآية: 30 .

والاستدلال بهذه الآية من جهتين:

الأولى: الاستدلال بها مع قطع النظر عن الروايات الواردة في تفسيرها.

الثانية: الاستدلال بها مع ملاحظة الروايات التفسيرية.

أما الجهة الأولى: فإنّ قوله تعالى: «اجْتَنَبُوا» أمر بالاجتناب عن قول الزور مطلقاً سواء كان على نحو السماع أو التكلم أو غيرهما، وأما القول فهو الكلام مصدراً كان أو اسم مصدر، والثاني هو الأظهر، وأما الزور فهو بمعنى الميل والانحراف ـ والمراد به هنا الانحراف عن الحق ـ وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: «تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ»(1)أي تمايل عنه، كما ورد في غير واحد من كتب اللغة كذلك .

قال في المجمع: ولذا يقال للكذوب زَوْرٌ لأنه يميل عن الحق، ويقال: تزاور عنه تزاوراً عدل عنه وانحرف(2).

وقال في المصباح: وازورّ عن الشيء وتزاور عنه مال، والزور بفتحتين الميل(3).

وقال في اللسان: والزَّور بالتحريك: المَيل ... والزُّور جمع أزور من الزَّور الميل ... والزور الكذب والباطل وقيل شهادة الباطل. رجل زور، وقوم زوروكلام مُزَوّر ومزوَّر مموه بكذب... وقولهم قد زوّر عليه كذا وكذا، قال أبو بكر: فيه أربعة أقوال، يكون التزوير فعل الكذب والباطل، والزور الكذب، وقال خالد بن كلثوم: التزوير التشبيه، وقال أبو زيد: التزويرالتزويق والتحسين وزوّرت الشيء: حسّنته وقوّمته، وقال الأصمعي: التزوير تهيئة


1) ـ سورة الكهف، الآية: 18 .

2) ـ مجمع البحرين 3 : 319 الطبعة المحققة الأولى.

3) ـ المصباح المنير 1 : 354 الطبعة السابعة.

الكلام وتقديره ...(1).

وقال في المعجم: الزور الباطل وشهادة الباطل والكذب، ومجلس اللهو والغناء(2).

والجامع بين هذه المعاني ـ في محل الكلام ـ هو الميل والانحراف عن الحقّ وتمويه الباطل، وهو منهي عنه بمقتضى الآية الشريفة بلا فرق بين ما كان موجباً للانحراف من جهة المادة كما في الكذب وشهادة الباطل، وبين ما كان من جهة الهيئة والتركيب كما في اللهو والغناء، فإنّ مقتضى إطلاق قول الزور يصدق على الغناء إذا كان موجباً للانحراف عن الحق والميل إلى الباطل، سواء كان من جهة المادة أو الهيئة، وسواء كان التغني بأمر باطل كالكذب وهجاء المؤمن أو كان بأمر حق كالقرآن أو المراثي الحسينية.

وبهذا يتم الاستدلال بالآية الشريفة على حرمة الغناء كما في حرمة شهادة الزور والكذب.

هذا ولكن أشكل على هذا الاستدلال بأمور:

الأول: أنّ كلمة قول الزور، إما أن تكون من إضافة المصدر إلى مفعوله، أوتكون من إضافة الموصوف إلى صفته بمعنى أنّ المراد هو التكلم بالباطل، أو الكلام الباطل، وعلى كلا التقديرين فلا يشمل الغناء إذا لم يكن باطلاً من جهة مادته.

أما على الأول فواضح، وأما على الثاني فكذلك، لأنّ ظاهره أنّ نفس القول باطل، فما كانت مادته حقاً فليس بباطل وإن كانت هيئته وكيفية أدائه باطلة، وبناء على هذا فالدليل أخصّ من المدّعى فلا يتم المطلوب.

والجواب: إنّ الظاهر من الإضافة أنّها من قبيل الثاني لا الأول؛ وذلك


1) ـ لسان العرب : 334 ، 336 ، 337 نشر أدب الحوزة، قم ـ إيران.

2) ـ المعجم الوسيط 1 : 406 الطبعة الثانية.

لأنّ المناسبة بين الأمر بوجوب الاجتناب عن قول الزور مطلقاً أي سواء كان من جهة السماع أو التكلم تقتضي أن يكون بمعنى اسم المصدر لا من إضافة الموصوف إلى الصفة، وعليه فكل ما أوجب الانحراف عن الحق ـ في المقام ـ يشمله قول الزور، بلا فرق فيه بين كونه من جهة المادة وحدها أو من جهة الهيئة وحدها أو من جهتهما معاً، وحينئذ فاختصاص قول الزور بما يكون من جهة المادة فقط ودعوى ظهوره في ذلك بلا وجه.

ومما يؤيد هذا المعنى ما ورد من الروايات الدالة على أنّ الهيئة وكيفية الأداء داخلة في الزور ويشملها حكمه وإن كانت المادة في نفسها خارجة عنه لكونها حقاً أو ليست بباطل، كرواية عبد الأعلى(1)فإنه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) وقال: إنهم يزعمون أنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) رخّص في أن يقال: جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيكم فقال (علیه السلام): كذبوا إنّ الله عزوجليقول: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ...» وكرواية عبد الله بن عباس(2)عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) في حديث ... إلى أن قال: فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله ويتخذونه مزامير ... ويتغنون بالقرآن...

والمستفاد من ذلك أنّ المناط ليس هو المادة وحدها بل هو شامل للهيئة أيضاً.

الثاني: أنّ المنهي عنه هو قول الزور، والقول هو الكلام المركّب المفيد فلا يشمل المفرد والمهمل ومجرد الصوت، لعدم إطلاق القول على هذه الأمور.

والجواب: أنّ هذه الأمور داخلة في المنهي عنه، إما من جهة أنّ الوصف مشعر بالعلّية، وأنّ مناط الحرمة هو كونه زوراً وباطلاً وموجباً للانحراف، وهذا


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 15 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 27 .

لا يختص بالكلام المركب المفيد، بل يشمل المفرد والمهمل والصوت، وإما من جهة القول بعدم الفصل.

ويؤيد ذلك أولاً: أنه لا إشكال في أنّ الأصوات المجرّدة والألفاظ المفردة والمهملة التي قد تقع بين أداء الحروف فيما إذا كانت المادة باطلة حرام منهي عنها بلا إشكال، ولم يقل أحد بأنّ المجموع مركب من الحرام والحلال.

وثانياً: بما ورد في بعض الروايات من أنّ المناط في الحرمة هو الصوت كرواية ياسر عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: من نزّه نفسه عن الغناء فإنّ في الجنة شجرة يأمر الله عزوجل الرياح أن تحرّكها فيسمع صوتاً لم يسمع مثله، ومن لميتنزّه عنه لم يسمعه(1).

ورواية عنبسة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع(2).

فإنّ ظاهر الرواية الأولى أنّ الشجرة تصدر صوتاً وهو ليس بكلام مركب مفيد، كما أنّ الظاهر من عطف الغناء على اللهو في الرواية الثانية أنهما متغايران، والمراد من اللهو ما لا فائدة فيه، فليس المادة وحدها هي المناط في الحكم بالحرمة.

الثالث: أنّ مقتضى ظاهر النهي والأمر بالاجتناب هو حرمة قول الزور مطلقاً أي سواء كان عن نفسه أو من غيره، ومقتضى إطلاق قول الزور هو شموله لكل باطل سواء كان حراماً أو غير حرام، ولا يمكن الجمع بينهما، فلابدّ من رفع اليد عن أحد الإطلاقين، إما عن إطلاق ظاهر النهي بحمله على الكراهة، وإما عن إطلاق قول الزور بحمله على الباطل الذي يحرم ارتكابه.

والجواب: أنّ ظاهر النهي في الحرمة أقوى من ظهور الآخر؛ ووجهه أنّ


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 101 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 1 .

الآية الكريمة اشتملت على الأمر باجتناب الرجس من الأوثان، وهو قرينة على أنّ المراد فيما نحن فيه هو الحرمة لا الكراهة، فلا مناص عن الالتزام برفع اليد عن الإطلاق الثاني وأنّ المراد هو الباطل الذي يحرم ارتكابه.ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الأخبار من أنّ شهادة الزور عدلت بالشرك بالله(1).

وأما الجهة الثانية وهي الاستدلال بالآية الشريفة مع ملاحظة الروايات التفسيرية فقد وردت عدة روايات في ذلك:

ومنها: صحيحة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوله عزوجل: «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: قول الزور الغناء(2).

ومنها: صحيحة هشام عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله تعالى: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: الرجس من الأوثان الشطرنج وقول الزور الغناء(3).

ومنها: معتبرة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله تعالى: «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: قول الزور الغناء(4).

ويؤيد ذلك ما ورد في صحيحة أبي الصباح ـ والظاهر أنه الكناني الثقة كما سيأتي ـ عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله عزوجل: «لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» قال: الغناء(5).


1) ـ مستدرك الوسائل ج 17 ، باب 6 من أبواب كتاب الشهادات، الأحاديث 4 و 8 و 10 ، ص415 ـ 416 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 26 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 8 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

وإنما جعلنا هذه الرواية مؤيدة لأنها واردة في تفسير الزور لا قول الزور.

وأما من جهة السند فهي وإن رواها الكليني عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن أبي أيوب الخزّار، عن محمد بن مسلم، عن أبي الصباح، إلاّ أن الكليني نفسه روى عين الرواية بسنده عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم وأبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» قال: «هو خ» الغناء(1).

ويشترك السندان في أبي أيوب ومن قبله، وسند الرواية الثانية هو الأصح لأنّ محمد بن مسلم لا يروي عن أبي الصباح كما جاء في سند الرواية الأولى، مع أنّ أبي أيوب يروي عن أبي الصباح بلا واسطة، والظاهر أنه وقع تصحيف في سند الرواية الأولى بإبدال الواو بعن.

والحاصل: أنّ أبا أيوب يروي الرواية عن محمد بن مسلم وأبي الصباح معاً لا عن محمد بن مسلم عن أبي الصباح.

هذا، ويؤيده أيضاً عدة روايات أخرى.

منها: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ » قال: الغناء(2).

ومنها: رواية عبد الأعلى قال: سألت جعفر بن محمد (علیهما السلام) عن قول الله عزوجل: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: الرجس من الأوثان الشطرنج، وقول الزور الغناء، قلت: قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ » قال: منه الغناء(3).


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 20 .

ومنها: رواية محمد بن عمرو بن حزم في حديث قال: دخلت على أبي عبد الله(علیه السلام) فقال: الغناء اجتنبوا الغناء اجتنبوا قول الزور، فما زال يقول: اجتنبوا الغناء اجتنبوا، فضاق بي المجلس وعلمت أنّه يعنيني(1).

والرواية الأخيرة وإن لم تكن صريحة في كونها تفسيراً لقول الزور بالغناء لاحتمال كونها بياناً للمصداق إلاّ أن ظاهرها هو التفسير.

وعلى أي حال فهذه الروايات واضحة الدلالة كما أنّ بعضها صحيح السند كالروايات الثلاث الأولى، والمستفاد من جميعها أنّ قول الزور في الآية الشريفة هو الغناء.

وقد يقال: إنّه ورد في بعض الروايات تفسير قول الزور بشهادة(2)الزور كما ورد في بعض التفاسير(3)أنّ المراد من قول الزور هو تلبية المشركين لبيك لاشريك لك، إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وهذا يخالف ما ورد في الروايات السابقة من أنّ قول الزور هو الغناء تفسيراً أو انطباقاً.

والجواب: أنّ الزور وإن كان يطلق على شهادة الزور كثيراً كما يطلق على الكذب والافتراء أيضاً، إلاّ أنّ هذا الإطلاق لم يرد مجرّداً بل مقيّداً بشهادة الزور، مضافاً إلى أنّ الروايات الواردة في تفسير قول الزور بشهادة الزور أو كونها مصداقاً له كلها ضعيفة، فلا تقاوم تلك الروايات الصحيحة الواردة في تفسيره بالغناء، ولا مناص عن الأخذ بمضمونها والعمل عليها والالتزام بأنّ المراد من قول الزور في الآية الشريفة هو الغناء.

هذا كلّه من جهة النصوص التي لابدّ من التمسك بها في تفسير الكتاب.


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 24 .

2) ـ مستدرك الوسائل ج 17 ، باب 6 من أبواب كتاب الشهادات، الأحاديث 4 ، 8 ، 10 ، ص415 ـ 416 .

3) ـ مجمع البيان في تفسير القرآن 7 : 82 .

مضافاً إلى ما ذكرناه من إمكان الاستدلال بالآية مع قطع النظر عن الروايات.

فمن القريب جداً أن يكون المراد بقول الزور هو الباطل والموجب للانحراف عن الحق في نفس القول سواء كان من جهة مادته أو هيئته.

ومنها: قوله تعالى: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ»(1).

والاستدلال بها على نحو ما تقدّم في الآية الأولى من الكلام حولها تارة مع قطع النظر عن الروايات، وأخرى مع ملاحظة الروايات الواردة في تفسيرها.

أما الجهة الأولى: فالآية الشريفة تتضمن الوعيد بالعذاب المهين لمن يشتريلهو الحديث، ولا إشكال في دلالته على الحرمة وذلك لترتب عدة أمور عليه وهي:

الأول: أن يكون ذلك موجباً للإضلال والصدّ عن سبيل الله.

الثاني: أن يكون ذلك مع الجهل وعدم العلم.

الثالث: أنه يوجب اتخاذ الحق هزواً.

الرابع: أنه موجب للعذاب المهين.

مضافاً إلى أنّ الآية التالية متفرعة على هذه الآية وهي كالنتيجة لها، وهي قوله تعالى: «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»(2).

فلا إشكال في استفادة الحرمة الشديدة بل إن ذلك من الكبائر.

وأما لهو الحديث فهو ما يشغل الإنسان ويلهيه عن الواقع والحقيقة كما يستفاد ذلك من موارد استعمالات هذه الكلمة في القرآن الكريم كقوله تعالى:


1) ـ سورة لقمان، الآية: 6 .

2) ـ سورة لقمان، الآية: 7 .

«أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ»(1)وقوله تعالى: «وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً»(2)وقوله تعالى: «لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ»(3)وغيرها من الآيات.

وكذلك بما ورد في كلمات اللغويين ففي المجمع: قوله تعالى: «لاهِيَةًقُلُوبُهُمْ» أي ساهية مشغولة بالباطل عن الحق وتذكّره، قوله تعالى: «لَهْوَ الْحَدِيثِ» أي باطله وما يلهي عن ذكر الله(4).

وفي معجم مفردات ألفاظ القرآن: اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه(5).

وفي المصباح: اللهو معروف ... قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني(6).

وقال في اللسان: اللهو ما لهوت به ولعبت به وشغلك من هوى وطرب ونحوهما، وفي الحديث : «ليس شيء من اللهو إلاّ في ثلاث» أي ليس منه مباح إلاّ هذه، لأنّ كل واحدة منها إذا تأمّلتها وجدتها معينة على حق أو ذريعة إليه، واللهو اللعب يقال: لهوت بالشيء ألهو به لهواً وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره(7).

وأما الحديث فهو معلوم وهو الخبر ويرادف الكلام ـ كما في المجمع ـ وسمي به لتجدده وحدوثه شيئاً فشيئاً(8).

وفي المصباح: والحديث ما يتحدث به وينقل(9).


1) ـ سورة التكاثر، الآية: 1 .

2) ـ سورة الجمعة، الآية: 11 .

3) ـ سورة الانبياء، الآية: 3 .

4) ـ مجمع البحرين 1 : 384 .

5) ـ معجم مفردات ألفاظ القرآن : 175 ، دار الكتاب العربي.

6) ـ المصباح المنير 2 : 768 الطبعة السابعة.

7) ـ لسان العرب 15 : 258 نشر أدب الحوزة، قم ـ إيران.

8) ـ مجمع البحرين 4 : 246 .

9) ـ المصباح المنير 1 : 171 الطبعة السابعة.

وفي اللسان: الحديث ما يحدث به المحدّث تحديثاً، وقد حدّثه الحديث وحدّثه به، الجوهري: المحادثة والتحادث والتحدّث والتحديث معروفات(1).

والمستفاد من إضافة اللهو إلى الحديث هو كل ما يلهي الإنسان ويشغله عن الحق ويوجب انحرافه سواء كان ذلك في الحديث من جهة المادة أو من جهة الهيئة أو من جهتهما معاً.

وما ورد في شأن نزول الآية الشريفة من الاختلاف في المعنى المراد وأنّ المقصود به هل هو النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي بن كلاب الذي كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم ويحدّث بها قريشاً ويقول لهم: إنّ محمداً يحدّثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستمعون حديثه ويتركون استماع القرآن(2).

أو أنه اشترى جارية تغنيه ليلاً ونهاراً(3).

أو ما كان أبو جهل وأصحابه يجيئون به من الطعن بالحق والاستهزاء به، وكان يقول: يا معشر قريش ألا أطعمكم من الزقوم الذي يخوّفكم به صاحبكم، ثم يرسل إلى زبد وتمر ويقول هذا الزقوم الذي يخوّفكم به(4)، لا ينافي ما ذكرناه في تقريب الاستدلال بالآية الشريفة لأنّ هذه الأمور من مصاديق الآية، ولايتوقف تفسير الآية على المصاديق وإلاّ لزم انتهاء القرآن وهو محال.

وبناء على ذلك فيمكن الاستدلال بالآية الشريفة على حرمة مطلق الغناء سواء كان بكلام حق أو باطل.


1) ـ لسان العرب 3 : 76 .

2) ـ مجمع البيان في تفسير القرآن 7 : 313 .

3) ـ مجمع البيان في تفسير القرآن 7 : 313 .

4) ـ نفس المصدر ص 313 .

هذا وقد أشكل على هذه الآية ـ نظير ما تقدّم في الآية السابقة ـ بأمور:

الأول: إنّ الإضافة في قوله تعالى: «لَهْوَ الْحَدِيثِ »إما أن تكون من إضافة الصفة إلى الموصوف والمراد هو الحديث الملهي كما لعله الظاهر، وإما أن تكون بالعكس أي من إضافة الموصوف إلى الصفة والمراد هو اللهو المتصف بكونه حديثاً وعلى كلا التقديرين فاللهو لا يكون محرماً مطلقاً، وإنما المحرّم منه ما كان في الحديث، ومجرّد الصوت لا تشمله الحرمة لعدم دخوله في الموضوع.

وأما احتمال أن يكون لهو الحديث من إضافة المصدر إلى مفعوله فيكون المراد هو اللهو الذي يوجب الحديث بمعنى أنّ للأصوات تنظيماً خاصاً رتبت على طبيعة الإنسان بحيث توجب إحداث الخيالات والأفكار في نفس الإنسان وقلبه، ولذا قيل: إنّ للغناء لساناً، فهو بعيد عن فهم العرف، ولا يستفاد من ظاهر الآية الشريفة.

والجواب: أنّ الآية الشريفة مطلقة، وظاهرها أنّ المناط في الحرمة هو لهو الحديث سواء كانت اللهوية في مادة الحديث أو هيئته.

الثاني: إنّ الآية الشريفة تدل بظاهرها على حرمة اشتراء لهو الحديث والقابل للاشتراء هو نفس القصص والحكايات، وأما الغناء من حيث هو كيفية مخصوصة فليس قابلاً لذلك فتكون الآية أخصّ من المدعى.

والجواب: إنّه لا موضوعية للاشتراء بل هو كناية عن التعليم والتعلّم،والغرض هو تحصيل اللهو بأي طريق كان، فهو من باب التشبيه والكناية، ولعلّ التعبير بالاشتراء في الآية الشريفة إنما كان من جهة ما ورد في شأن نزول الآية حيث ذكر أنها نزلت في النضر بن الحرث بن علقمة أو في رجل اشترى مغنّية تغنّيه ليلاً ونهاراً كما ذكرنا ذلك آنفاً، وعلى أي حال فلا خصوصية للاشتراء.

ويؤيد هذا ما ورد في الروايات من المنع عن اللهو مطلقاً.

الثالث: إنّ الحرمة بمقتضى قوله تعالى: «لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» تختصّ بما إذا كان القصد هو الإضلال وأما إذا كان بدون هذا القصد فالاستدلال بالآية على الحرمة مطلقاً غير تام.

والجواب: إنّ الظاهر من اللام في قوله تعالى: «لِيُضِلَّ» أنها للعاقبة والنتيجة لا للغاية كما في قوله تعالى: «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً»(1)، وهو المناسب لمعنى الآية إذ الإضلال عن سبيل الله واتخاذ آيات الله هزواً، وكذلك الآية التالية وهي قوله تعالى: «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً ...»(2)هي نتائج مترتبة على اشتراء لهو الحديث فحمل اللام على التعليل في غير محله.

الرابع: إنّ الظاهر من مورد الحرمة هو لهو الحديث الذي يترتب عليه الإضلال عن سبيل الله، وأما إذا لم يكن كذلك ـ بحيث يكون لهو الحديث مشتملاً على الكذب والباطل الذي يوجب الانحراف عن الحق والإضلال عن سبيل الله ـ كما إذا كانت مادته حق أو كان باطلاً في كيفيته فقط فلا تكون مشمولة للحرمة.والجواب: أنّ سبيل الله مطلق وهو شامل للأصول الاعتقادية والواجبات والمحرّمات الإلهية، وهو عبارة أخرى عن دين الله ولا وجه لاختصاصه بأصول الاعتقاد، فالحرمة شاملة لكل ما يصدّ عن الحقّ سواء كان في الاعتقاد أو غيره وهو داخل تحت المراد من الآية، ولا إشكال في أنّ الكيفية لها دخل في الصدّ عن سبيل الله سواء كان في كلام حقّ أو باطل.

على أنه يمكن أن يكون في الواقع مؤثراً وموجباً للانحراف في الأمور


1) ـ سورة القصص، الآية: 8 .

2) ـ سورة لقمان، الآية: 7 .

الاعتقادية كما ورد في بعض الروايات من أنّ استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع(1).

وبعد فهذه هي أهم الإشكالات الواردة على الآية الشريفة وهي قابلة للدفع كما تبيّن.

وأما الجهة الثانية: وهي الاستدلال بالآية مع ملاحظة الروايات، فقد وردت عدة روايات في المقام إلاّ أنّ بعضها يفسّر لهو الحديث بالغناء، وبعضها الآخر يعدّ الغناء من مصاديقه.

منها: رواية الوشّاء، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) «يقول: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) خ ل» يسأل عن الغناء، فقال: هو قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(2).

وهذه الرواية من جهة دلالتها واضحة فإنّها تفسر لهو الحديث بالغناء.وأما من جهة السند فهي ضعيفة لوقوع سهل بن زياد في سندها، وهو ممّن لم تثبت وثاقته، وهذه الرواية هي الصريحة في دلالتها على تفسير لهو الحديث بالغناء.

ومنها: معتبرة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: الغناء مما وعد الله عليه النار، وتلا هذه الآية: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ»(3).

وهذه الرواية من حيث السند معتبرة، وأما من حيث الدلالة فهي تحتمل الأمرين.

ومنها: معتبرة مهران بن محمد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول:


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 101 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 11 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6 .

الغناء مما قال الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(1).

وهذه الرواية من حيث السند معتبرة، فإنّ مهران بن محمد وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه يمكن الحكم بوثاقته لرواية ابن أبي عمير عنه، كما في هذه الرواية، وهو ـ أي ابن أبي عمير ـ الراوي لكتابه(2)، مضافاً إلى وقوعه في أسناد كتاب نوادر الحكمة(3)فلا إشكال في سند الرواية.وأما من حيث الدلالة فهي واردة لبيان أنّ الغناء أحد مصاديق لهو الحديث.

ويؤيد ذلك رواية الحسن بن هارون قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله، وهو مما قال الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(4).

وهذه الرواية من جهة الدلالة كالسابقة، وأما من جهة السند فليست بمعتبرة لأنّ الحسن بن هارون مشترك بين جماعة لم يرد فيهم توثيق، ولذلك جعلناها مؤيدة.

ومثلها في التأييد أيضاً رواية عبد الأعلى المتقدمة وهي واردة لبيان المصداق وقد جاء فيها ... قلت: قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ» قال: منه الغناء(5).

وما تقدم من الروايتين المعتبرتين كاف في الدلالة.


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 7 .

2) ـ رجال النجاشي 2 : 376 الطبعة الأولى المحققة.

3) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 146 الطبعة الأولى.

4) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 16 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 20 .

وبناء على هذا فلا مناص عن القول بأنّ الغناء هو أحد مصاديق لهو الحديث.

على أنّه لو فرضنا عدم تمامية دلالة الآية بنفسها فلابدّ من القول بذلك استناداً إلى هاتين الروايتين.

هذا، وقد استدلّ على حرمة الغناء بآيات أخر:

منها: قوله تعالى: «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّواكِرَاماً»(1)واستفادة الحرمة منها محل تأمل، فإنها واردة في تعداد صفات المؤمنين.

ومنها: قوله تعالى: «وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً»(2).

وهي كالآية السابقة في عدم تمامية دلالتها على الحرمة لاقتران اللهو بأمور أخرى.

وغيرها من الآيات التي ادعي أنها تدلّ على الحرمة، والحقّ أن استفادة الحرمة منها غير تام، ويكفي في المقام الآيتان المتقدمتان.

الثالث: الروايات وهي كثيرة جداً بل ادّعى صاحب الجواهر(3)وغيره تواترها، وفيما يلي نذكر جملة منها مع غضّ النظر عن أسنادها اتكالاً على دعوى التواتر وهي على طوائف:

الأولى: ما ورد في تفسير قول الزور، وقد تقدمت.

الثانية: ما ورد في تفسير لهو الحديث، وقد تقدمت أيضاً.

الثالثة: ما ورد في ذمّ الغناء، وما يترتب عليه من الآثار وهي عدة روايات:

منها:


1) ـ سورة الفرقان، الآية: 72 .

2) ـ سورة الجمعة، الآية: 11 .

3) ـ جواهر الكلام 22 : 44 الطبعة السابعة.

موثقة عبد الأعلى، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الغناء، وقلت: إنهم يزعمون أنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) رخّص في أن يقال:جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيّكم، فقال: كذبوا إنّ الله عزوجل يقول: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» ثم قال: ويل لفلان مما يصف، رجل لم يحضر المجلس(1).

والظاهر من هذه الرواية أنّ هذا المقدار غير مرخّص فيه لانطباق اللهو والباطل عليه، فكيف بغيره؟! وقد أشرنا إلى هذه الرواية فيما تقدم.

ومنها: رواية أبي أسامة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الغناء غشّ النفاق(2).

ومنها: رواية يونس، قال: سألت الخراساني (علیه السلام) عن الغناء، وقلت: إنّ العباسي ذكر عنك أنّك ترخّص في الغناء، فقال: كذب الزنديق، ما هكذا قلت له: سألني عن الغناء، فقلت: إنّ رجلاً أتى أبا جعفر (علیه السلام) فسأله عن الغناء، فقال: يا فلان إذا ميّز الله بين الحق والباطل فأين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل، فقال: قد حكمت(3).

والمستفاد من هذه الرواية حيث كذّب الإمامُ العبّاسيَّ في دعواه ترخيص الغناء وأنه في عداد الباطل، أنّ حكم الغناء هو الحرمة.

ومنها: ما ذكره الشيخ الصدوق في المقنع حيث نقل وصية والده إليه وفيها:وإيّاك والغناء فإنّ الله توعّد عليه النار، والصادق (علیه السلام) يقول: شرّ الأصوات الغناء(4).


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 15 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 10 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 13 .

4) ـ المقنع: 455 الطبعة المحققة.

وهي تدل بظاهرها على أنّ الغناء شرّ من الكذب والبهتان ونحوهما، وذلك يدلّ على الحرمة.

ومنها: رواية الحسن بن هارون، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: الغناء يورث النفاق، ويعقب الفقر(1).

ومنها: رواية عبد الله بن عباس عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) في حديث قال: إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل إلى الأهواء، «إلى أن قال:» فعندها يكون أقوام يتعلّمون القرآن لغير الله، ويتّخذونه مزامير، ويكون أقوام يتفقهون لغير الله، وتكثر أولاد الزنا، ويتغنّون بالقرآن، «إلى أن قال:» ويستحسنون الكوبة والمعازف، وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «إلى أن قال:» فأولئك يدعون في ملكوت السموات الأرجاس الأنجاس(2).

ومنها: رواية إسحاق بن جرير، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ شيطاناً يقال له: القفندر إذا ضرب في منزل الرجل أربعين صباحاً بالبربط، ودخل الرجال وضع ذلك الشيطان كلّ عضو منه على مثله من صاحبالبيت، ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها، حتى تؤتى نساؤه فلا يغار(3).

وهي تدل على الحرمة بناء على إلحاق البربط ـ وهو شيء من ملاهي العجم يشبه صدر البط ... قال في القاموس: ويقال له العود(4)ـ بالغناء.

ونحوها رواية أبي داود المسترق قال: من ضرب في بيته بربط أربعين يوماً سلّط الله عليهم شيطاناً يقال له: القفندر فلا يبقى عضو من أعضائه إلاّ قعد


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 23 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 27 .

3) ـ نفس المصدر باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

4) ـ مجمع البحرين 4 : 237 .

عليه، فإذا كان كذلك نزع منه الحياء ولم يبال ما قال ولا ما قيل فيه(1).

ومنها: رواية كليب الصيداوي قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة(2).

وغيرها من الروايات.

الطائفة الرابعة: ما ورد في حرمة استماع الغناء:

ومنها: صحيحة عنبسة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع(3).

ومنها: رواية العياشي في تفسيره عن الحسن قال: كنت أطيل القعود في المخرج لأسمع غناء بعض الجيران، قال: فدخلت على أبي عبد الله (علیهالسلام) فقال لي: يا حسن «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً» السمع وما وعى والبصر وما رأى والفؤاد وما عقد عليه(4).

وغيرهما من الروايات.

الطائفة الخامسة: ما ورد في ذمّ مجلس الغناء:

ومنها: صحيحة زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخله الملك(5).

ومنها: معتبرة علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) قال: سألته عن الرجل يتعمّد الغناء يجلس إليه؟ قال: لا(6).


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

3) ـ نفس المصدر باب 101 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 29 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 1 .

6) ـ نفس المصدر الحديث 32 .

ومنها: معتبرة عاصم بن حميد، قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): أنّى كنت؟ فظننت أنه قد عرف الموضع، فقلت: جعلت فداك إني كنت مررت بفلان فدخلت إلى داره ونظرت إلى جواريه، فقال: ذاك مجلس لا ينظر الله عزوجل إلى أهله، أمنت الله على أهلك ومالك(1).

وهذه الرواية إنما تدل على الحرمة بناء على أنّ الجواري كن يغنّين، وإلاّ فمجرد النظر إلى الجواري بإذن مالكها لا إشكال فيه، وإنما أوردها صاحب الوسائل في باب تحريم سماع الغناء والملاهي لاحتمال أنّ الجواري كنّ يغنّين.ويؤيد هذا الاحتمال أنّ صاحب الدعائم قد روى هذه الرواية باختلاف يسير في الألفاظ. وفيها زيادة جملة: وأخرج إليّ جارية له فغنّت(2).

ومنها: رواية إبراهيم بن محمد المدني عمّن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سئل عن الغناء وأنا حاضر، فقال: لا تدخلوا بيوتاً الله معرض عن أهلها(3).

ومنها: رواية ورّام بن أبي فراس في كتابه قال: قال (علیه السلام): لا تدخل الملائكة بيتاً فيه خمر أو دف أو طنبور أو نرد، ولا تستجاب دعاؤهم، وترفع عنهم البركة(4).

وهي تدل على الحرمة بناء على إلحاق آلات اللهو بالغناء.

الطائفة السادسة: ما ورد في حرمة ثمن المغنية وكسبها وتعليمها، وهي عدة روايات:

منها:

صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن الأول (علیه السلام): جعلت فداك إنّ رجلاً من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن أربعة عشر ألف دينار،


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 101 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .

2) ـ مستدرك الوسائل ج 13 ، باب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8 ، ص 213 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 12 .

4) ـ نفس المصدر باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 13 .

وقد جعل لك ثلثها، فقال: لا حاجة لي فيها، إنّ ثمن الكلب والمغنية سحت(1).ومنها: رواية الحسن بن علي الوشاء قال: سئل أبو الحسن الرضا (علیه السلام) عن شراء المغنية، قال: قد تكون للرجل الجارية تلهيه، وما ثمنها إلاّ ثمن كلب، وثمن الكلب سحت والسحت في النار(2).

ولا إشكال في دلالة هذه الرواية على الحرمة، وإنما الإشكال في سندها فإنّ فيه سهل بن زياد، وهو ممّن لم يوثق إلاّ أنّه يمكننا تصحيح الطريق بنحو آخر، وهو أنّ للشيخ طريقاً آخر إلى كتاب الحسن بن علي الوشاء برواية أحمد بن محمد بن عيسى(3)، وطريق الشيخ وإن كان ضعيفاً كما أنه لم يصرّح في طريقه بأنّ الكتاب هو مسائل الرضا (علیه السلام) ، ولكن للشيخ طرق معتبرة إلى جميع روايات وكتب أحمد بن محمد بن عيسى(4)، ومن جملتها كتاب مسائل الرضا، فيكون للشيخ طريق معتبر إلى هذه الرواية، ولعل انتهاء طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى قرينة على أنّ المراد بالكتاب هو كتاب مسائل الرضا (علیه السلام) ، نعم طريقه ضعيف كما ذكرنا، ولكن للنجاشي طريق آخر معتبر(5)ينتهي إلى أحمد بن محمد بن عيسى، وليس فيه سهل بن زياد، فيعلم أنّ كتاب مسائل الرضا (علیه السلام) لا تنحصر روايته بسهل.ثم إنّ الشيخ قد روى هذه الرواية في التهذيب(6)والاستبصار(7)بإسناده


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6 .

3) ـ الفهرست: 79 الطبعة الثانية.

4) ـ نفس المصدر ص 49 .

5) ـ رجال النجاشي 1 : 139 الطبعة الأولى المحققة.

6) ـ تهذيب الأحكام ج 6 ، باب 93 من المكاسب، أخبار بيع الكلب وأجر المغنية، الحديث 140 ، ص357 .

7) ـ الاستبصار ج 3 ، باب 36 باب أجر المغنية، الحديث 2 ، ص 61 .

عن الكليني فيكون للشيخ طريقان، أحدهما فيه سهل، والآخر بدونه، وبناء على ذلك يمكن اعتبار الطريق إلى الوشاء.

والظاهر ـ والله العالم ـ أنّ للكليني أيضاً طريقاً آخر إذ من البعيد جداً أن تكون طرق الكليني منحصرة بسهل مع أنّ للنجاشي والشيخ عدة طرق وهما متأخران عنه، مضافاً إلى أنّ الكليني يروي عن عدة عن سهل ومن جملة العدة محمد بن الحسن(1)وهو مشترك بين الصفار وغيره، فإن كان هو الصفار ـ كما استظهره بعضهم(2)ـ فله إلى روايات الحسن بن علي الوشاء طريقان أحدهما أحمد بن محمد بن عيسى وإبراهيم بن هاشم جميعاً كما صرح بذلك الشيخ الصدوق عند ذكر طريقه إلى روايات الحسن بن علي الوشاء(3).

وبالجملة فهذا الطريق يمكن اعتباره، كما يمكن أيضاً بما ذكرنا استظهار أنّ للكليني طرقاً أخرى عن غير سهل، وإن أورد الروايات في الكافي عن طريقه.

والحاصل: أنّ الرواية معتبرة.ومنها: رواية سعيد بن محمد الطاطري عن أبيه عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات، فقال: شراؤهن وبيعهنّ حرام، وتعليمهنّ كفر، واستماعهنّ نفاق(4).

وهذه الرواية تامة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند اشتملت على سعيد بن محمد الطاطري، وهو ممن لم يرد فيه توثيق، إلاّ أنه يمكن اعتباره بناء على أنّ روايات الطاطريين معتبرة كما ذكره الشيخ في العدة(5)، ويكون حالهم حال


1) ـ وسائل الشيعة ج 20 ، الفائدة الثالثة، ص 34 .

2) ـ بهجة الآمال في شرح زبدة المقال 1 : 326 بنياد فرهنك اسلامي.

3) ـ مشيخة الفقيه: 85 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 7 .

5) ـ عدة الأصول 1 : 379 الطبعة الأولى المحققة.

بني فضّال في الأخذ برواياتهم.

ومنها: التوقيع الشريف الوارد على إسحاق بن يعقوب عن محمد بن عثمان العمري بخط صاحب الزمان (علیه السلام) ـ وقد جاء فيه ـ ... أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك من أمر المنكرين لي ... «إلى أن قال:» وأما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام(1).

وموضع الشاهد هو الجملة الأخيرة وهي واضحة الدلالة، وأما من جهة السند فقد تقدّم البحث مفصّلاً حول سند التوقيع وقلنا بإمكان اعتباره بلا إشكال.

ثم إنّ هناك روايات أخرى تؤيد ما ذكرنا من حرمة ثمن المغنية وكسبها.

منها: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن كسبالمغنيات فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس وهو قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(2).

وموضع الشاهد قوله: «التي يدخل عليها الرجال حرام» وأما ما ذكره من نفي البأس بالنسبة إلى الأعراس فسيأتي البحث عنه، كما سيأتي الكلام حول سند هذه الرواية فإنه قابل للتصحيح.

ومنها: رواية إبراهيم بن أبي البلاد قال: أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنّيات أن تبيعهنّ (يبعن) ويحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسن (علیه السلام) قال إبراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم، وحملت الثمن إليه، فقلت له: إنّ مولى لك يقال له: إسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنيات وحمل الثمن إليك، وقد بعتهنّ وهذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم فقال: لا حاجة لي فيه، إنّ هذا


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 15 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

سحت وتعليمهنّ كفر، والاستماع منهنّ نفاق وثمنهنّ سحت(1).

ومنها: مرسلة الصدوق قال: روي أنّ أجر المغنّي والمغنّية سحت(2).

وغيرها من الروايات الدالة على حرمة ثمن المغنية وكسبها وتعلّمها وتعليمها.

هذا، ولكن ورد في مقابل هذه الطائفة روايات قد يقال بدلالتها على الجواز.

ومنها: رواية عبد الله بن الحسن الدينوري قال: قلت لأبي الحسن (علیهالسلام): جعلت فداك ما تقول في النصرانية أشتريها وأبيعها من النصراني؟ فقال: اشتر وبع، قلت: فأنكح؟ فسكت عن ذلك قليلاً، ثم نظر إليّ وقال شبه الإخفاء: هي لك حلال، قال: قلت: جعلت فداك فأشتري المغنّية أو الجارية تُحسن أن تغنّي أريد بها الرزق لا سوى ذلك؟ قال: اشتر وبع(3).

والظاهر من هذه الرواية أنّ الجارية المغنية يجوز شراؤها وبيعها، وهو مناف لما تقدم من حرمة ثمنها وأنّه سحت.

ولكن يمكن المناقشة في هذه الرواية سنداً ودلالة، أما من جهة السند فهي ضعيفة لعدم توثيق عبد الله بن الحسن الدينوري، وأما من جهة الدلالة فيمكن حملها على أنّ المغنية نصرانية وأنّ البيع والشراء من النصارى بقرينة صدر الرواية.

ومنها: رواية الصدوق قال: سأل رجل علي بن الحسين (علیهما السلام) عن شراء جارية لها صوت، فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة، يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء، فأما الغناء فمحظور(4).


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 .

2) ـ نفس المصدر باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 17 .

3) ـ نفس المصدر باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2 .

والظاهر أنّ قوله: يعني ... الخ تفسير من الصدوق لا من الإمام (علیه السلام) ، وبناء عليه فيمكن القول بدلالتها على جواز شراء المغنية.

ولكن هذه الرواية قابلة للمناقشة سنداً ودلالة، أما من جهة السند فهي ضعيفة بالإرسال، وأما من جهة الدلالة فهي غير تامة لأنّ السؤال عن الصوت،ولا دليل على أنّها مغنية فإنّ حسن الصوت أعم من الغناء، كما ذكر ذلك صاحب الوسائل(1)، وعليه فالرواية لا دلالة فيها على جواز شراء المغنّية فليس كل جارية حسنة الصوت يحرم شراؤها، بل قد يكون الشراء راجحاً كما إذا كان صوتها للتذكير بالجنة وقراءة القرآن والدعاء ونحو ذلك.

ومنها: مضمرة سماعة قال: سألته عن كسب المغنية النائحة فكرهه(2).

وقد يقال: بأنّ كراهة الإمام (علیه السلام) لكسب المغنية لا يعني الحرمة، فتدل على الجواز.

والجواب: أنّ الكراهة قد تطلق ويراد بها التحريم، ولا دلالة فيها على الجواز.

وأما سند الرواية فهي معتبرة وإن كانت مضمرة، فإنّ مضمرات سماعة لا إشكال فيها.

ومنها: رواية سعيد بن عمر الجعفي عن رجل من أهل مصر قال: أوصى إليّ أخي بجارية فارهة، وجعلها هدياً لبيت الله الحرام، فقدمت مكة فسألت فقيل: ادفعها إلى بني شيبة، وقيل لي غير ذلك من القول، فاختلف عليّ فيه، فقال لي رجل من أهل المسجد: ألا أرشدك من يرشدك في هذا إلى الحق؟ قلت: بلى، قال: فأشار إلى شيخ جالس في المسجد فقال: هذا جعفر بن


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 17 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8 .

محمد (علیهما السلام) فاسأله قال: فأتيته (علیه السلام) فسألته وقصصت عليه القصّة، فقال: إنّ الكعبة لا تأكل ولا تشرب وما أهدي لها فهو لزوّارها، بع الجارية وقم علىالحجر فناد: هل من منقطع به؟ وهل من محتاج من زوّارها؟ فإذا أتوك فسل عنهم وأعطهم واقسم فيهم ثمنها، قال: فقلت له: إنّ بعض من سألته أمرني بدفعها إلى بني شيبة فقال: أما إنّ قائمنا لو قد قام لقد أخذهم فقطع أيديهم وطاف بهم وقال: هؤلاء سرّاق الله(1).

فهذه الرواية تدل أيضاً على جواز بيع الجارية المغنية.

ولكن الرواية غير تامة سنداً ودلالة.

أما من جهة السند فلجهالة الراوي إذ لم يعلم سوى أنه من مصر.

وأما من جهة الدلالة فلعلّ المراد أنّ أمر الإمام ببيع الجارية من جهة كونها جارية لا من جهة أنها مغنية، ويحتمل أنّ السائل من العامة والأمر عندهم جائز فأفتاه الإمام على طبق مذهبه، وعلى أي حال فلا دلالة في الرواية على جواز بيع المغنية.

هذه هي الروايات الدالة على جواز شراء المغنية وإباحة كسبها وهي مخدوشة دلالة وسنداً، وأما روايات الحرمة بطوائفها الست الدالة على حرمة أصل الغناء فهي تامة الدلالة، وبعضها معتبر السند بل ادّعي فيها التواتر كما ذكرنا فلا إشكال فيها ولا مناص عن الالتزام بها.

وأما الموضع الثاني: وهو في بيان موضوع الغناء وحدوده:

فالكلام فيه تارة بملاحظة أقوال أهل اللغة، وأخرى بملاحظة أقوالالفقهاء.

أما كلمات اللغويين فهي كثيرة ومختلفة جداً، وقد تربوا على أكثر من عشرة معان ففي المصباح: والغناء مثال كتاب الصوت، وقياسه الضمّ لأنه


1) ـ وسائل الشيعة ج 9 ، باب 22 من أبواب مقدمات الطواف، الحديث 9 .

صوت، وغنّى بالتشديد إذا ترنم بالغناء(1). وقال في طرب: طرباً فهو طرب من باب تعب وطروب مبالغة، وهي خفة تصيبه لشدة حزن أو سرور، والعامة تخصّه بالسرور، وطرّب في صوته بالتضعيف رجّعه ومدّه(2).

وفي اللسان: كل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء ... والغناء من الصوت ما طُرّب به(3).

وفي المجمع: والغناء ككساء: الصوت المشتمل على الترجيع المطرب أو ما يسمّى بالعرف غناء، وإن لم يطرب، سواء كان في شعر أو قرآن أو غيرهما(4).

وفي الصحاح: والغناء من السماع(5).

وفي المعجم الوسيط: الغناء التطريب والترنّم بالكلام الموزون وغيره يكون مصحوباً بالموسيقى وغير مصحوب(6).إلى غير ذلك من المعاني.

وقد جمع صاحب المستند ! أكثر هذه المعاني فقال: إنّ كلمات العلماء من اللغويين والأدباء والفقهاء مختلفة في تفسير الغناء، ففسّره بعضهم بالصوت المطرب، وآخر بالصوت المشتمل على الترجيع، وثالث بالصوت المشتمل على الترجيع والإطراب معاً، ورابع بالترجيع، وخامس بالتطريب، وسادس بالترجيع مع التطريب، وسابع برفع الصوت مع الترجيع، وثامن بمدّ الصوت


1) ـ المصباح المنير 2 : 624 الطبعة السابعة.

2) ـ نفس المصدر ص 505 .

3) ـ لسان العرب 15 : 136 و 139 نشر أدب الحوزة قم ـ إيران.

4) ـ مجمع البحرين 1 : 321 الطبعة المحققة الثانية.

5) ـ الصحاح 6 : 2449 الطبعة الرابعة ـ دار العلم للملايين.

6) ـ المعجم الوسيط 2 : 665 الطبعة الثانية.

وتاسع بمدّه مع أحد الوصفين أو كليهما، وعاشر بتحسين الصوت، وحادي عشر بمدّ الصوت وموالاته، وثاني عشر وهو الغزالي بالصوت الموزون المفهم المحرّك للقلب(1).

وأضاف بعضهم ما يسمّى بالعرف غناء وإن لم يطرب، وبالصوت اللهوي، وبألحان أهل المعاصي والكبائر، وبما كان مناسباً لبعض آلات اللهو والرقص، وبالصوت المعدّ لمجالس اللهو، وبالصوت المثير لشهوة النكاح وغير ذلك من التفاسير(2).

وأما في كلمات الفقهاء، فالمشهور عندهم أنّ الغناء هو مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، كما نسبه صاحب المفاتيح إليهم على ما جاء في مفتاح الكرامة، وعن الشهيد في المسالك والروضة والفاضل المقداد هو ما يسمى فيالعرف غناء وإن لم يطرب، وعن السرائر وإيضاح النافع أنه الصوت المطرب(3).

ولا يخفى الاختلاف بحسب الظاهر بين هذه المعاني والتفاسير، فكم فرق بين مدّ الصوت أو رفعه وبين الترجيع والاطراب، وكذا الفرق بين قول المشهور من الفقهاء وبين غيرهم، وعلى ضوء هذا الاختلاف يختلف الحكم كثيراً وإن كان يمكن إرجاع هذه الأقوال والجمع بينها كما تصدّى إلى ذلك صاحب مفتاح الكرامة(4).

والذي يهمّنا في المقام هو الرجوع إلى الأدلة الدالة على التحريم، فإن فهمنا منها موضوع الغناء وحدوده فهو، ولابد حينئذ من الالتزام به، وإلاّ


1) ـ مستند الشيعة في أحكام الشريعة 2 : 240 الطبعة القديمة.

2) ـ مصباح الفقاهة 1 : 396 وما بعدها الطبعة الأولى ـ بيروت .

3) ـ مفتاح الكرامة 4 : 50 الطبعة القديمة.

4) ـ نفس المصدر ص 51 .

فمقتضى القاعدة هو الرجوع إلى العرف أو الأخذ بالقدر المتيقن من هذه المعاني، وأما ما زاد عليه فالمرجع فيه إلى البراءة.

والمستفاد من الآيتين ـ كما تقدم ـ هو حرمة الصوت اللهوي سواء كان من جهة المادة أو الهيئة.

وأما الروايات الواردة فهي على أقسام:

منها: ما يدل على أنّ مجرد رفع الصوت ليس من الغناء كما في الأخبار الواردة في استحباب رفع الصوت بالأذان(1)، ولم يتوهم أحد أن ذلك من الغناء، ومثله ما إذا رفع الإنسان صوته لنداء غيره أو بداع آخر.ومنها: ما يدل على أنّ رفع الصوت مع كونه حسناً لا يعدّ من الغناء فقد ورد في بعض الروايات أنه ما بعث الله نبياً إلاّ حسن الصوت(2).

ومنها: ما يستفاد من بعضها أنّ الصوت مع الترجيع ليس من الغناء فقد ورد ورجّع بالقرآن صوتك فإنّ الله عزوجل يحب الصوت الحسن يرجّع فيه ترجيعاً(3).

وورد أيضاً أنّ علي بن الحسين (علیهما السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن(4)وفي بعضها: أنه كان يقرأ القرآن فربما مرّ به المارّ فصعق من حسن صوته(5).

والظاهر أنّ حسن الصوت ملازم للترجيع وموالاته لا أنّه مجرد المدّ والرفع، ومن المستبعد جداً أن يكون هذا استثناء من الغناء المحرم، بل الظاهر


1) ـ وسائل الشيعة ج 4 ، باب 18 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 1 .

2) ـ الأصول من الكافي ج 2 ، كتاب فضل القرآن باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، الحديث 10 ، ص616 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 4 ، باب 24 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 5 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

أنه غير داخل فيه.

ومنها: ما يدل على عدم اعتبار كون مادة الكلام باطلة، بل حتى فيما إذا كان الكلام حقاً، كما في معتبرة عبد الأعلى المتقدمة في الطائفة الثالثة.

ويؤيده رواية العيون عن الرضا عن آبائه عن علي (علیهم السلام) قال: سمعت رسول الله (صلي الله علیه وآله) يقول: أخاف عليكم استخفافاً بالدين، وبيع الحكم، وقطيعة الرحم، وأن تتخذوا القرآن مزامير، تقدّمونأحدكم وليس بأفضلكم في الدين(1).

وموضع الشاهد قوله: وأن تتخذوا القرآن مزامير.

ورواية عبد الله بن عباس المتقدمة في الطائفة الثالثة وقد جاء فيها: فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله ويتخذونه مزامير ... ويتغنّون بالقرآن(2).

وقد جمع فيها بين التغنّي بالقرآن واتّخاذه مزامير، ولعل المراد من اتخاذ القرآن مزامير إما أن تكون القراءة في المزمار، وإما أن تكون مع المزمار، وإما أن تكون القراءة مزمارية وهو التغني بالقرآن، إلاّ أن التصريح بالتغني بالقرآن يقتضي حمل اتخاذ القرآن مزامير على أحد المعنيين الأوليين لئلاّ يلزم التكرار.

ورواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): اقرؤا القرآن بألحان العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر، فإنّه سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم(3).

والمستفاد من هذه الروايات وغيرها أنّ الغناء هو نفس الصوت ذو اللحن


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 18 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 27 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 4 ، باب 24 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 1 .

اللهوي من دون ملاحظة المادة ولا إشكال في حرمته.

ومنها: ـ وهي أكثر الروايات ـ ما ورد في النهي عن الغناء مطلقاً، كما ورد فيتفسير قول الزور، ولهو الحديث، وغيرهما كما تقدم وهي تنطبق على ما يصدق عليه الغناء عرفاً بلا إشكال.

والجامع بين الآيتين والروايات أنّ كل ما يعدّ غناء ويترتب عليه الإضلال شأناً بمعنى أنّ فيه اقتضاء لخروج السامع فضلاً عن المتكلم عن الحالة الطبيعية في الجملة، وهو مصداق للغناء المحرم سواء اشتمل على الترجيع أم لا، وسواء كان الأثر اللهوي من جهة المادة والصوت معاً بحيث يكون لكل منهما دخل في ذلك أو من جهة الصوت فقط، وسواء انطبقت عليه التفاسير المتقدمة أو لا، فإنّ أدلّة حرمة الغناء شاملة لكل ذلك.

ومن ذلك يظهر أنّه قد يكون للمادة دخل في صدق كون الكلام لهواً وغناء، وقد لا يكون لها ذلك.

أما الأول ففي ما إذا كان الكلام حقّاً كالقرآن والدعاء وغيرهما، ولا يعدّ ذلك مصداقاً للغناء بل هو خارج موضوعاً عنه.

وأما الثاني ففي ما إذا كان نفس الصوت لهوياً فإنه يعدّ من الغناء بلا فرق حينئذ بين كون الكلام حقاً أو باطلاً، بل وإن لم يكن هناك صوت أصلاً فإنّ مجرد الصوت فقط كالمزامير والبرابط وأصوات سائر الآلات اللهوية داخلة في الغناء، فلو جيء بالكلام الحق كالقرآن والدعاء ونحوهما بالصوت اللهوي المختص بمجالس اللهو والطرب فهو داخل في الغناء، بل قد يكون أشد كما أفاده الشيخ!(1)والسيد الأستاذ ! (2)أيضاً لكونه مصداقاً للهتك، وقد ورد


1) ـ المكاسب : 37 الطبعة القديمة.

2) ـ مصباح الفقاهة 1 : 403 الطبعة الأولى ـ بيروت.

النهي عنه بخصوصه، وكذا مجرد النفخ في آلات اللهو بما هو متعارف عند أهل الفسوق، فإنه داخل في الغناء أيضاً وتشمله أدلة التحريم.

تنبيه:

نسب القول بالتفصيل إلى المحققين صاحبي الوافي(1)والكفاية(2)وقد يميل إليهما الأردبيلي(3)والنراقي(4)في بعض الموارد، وحاصله: أنّ حرمة الغناء ليست ذاتية، وإنما تكون من جهة المحرمات التي تقترن به كدخول الرجال على النساء، وتكلّمهنّ بالأباطيل ولعبهنّ بالملاهي وأمثال ذلك.

والظاهر أنّ ذلك لا يستفاد من كلماتهما بل المستفاد أنّ الغناء على قسمين: محرّم وهو ما يكون مصداقاً للهو عرفاً، ومباح وهو ما تكون مادته غير لهوية كالقرآن والأدعية والمواعظ كالتذكير بالجنة والنار ونحوهما.

وعلى كل تقدير فالمستفاد من كلام الأول في الوافي(5)أنّ ذلك هو مقتضى الجمع بين الروايات وذلك لوجوه:

الأول: بما ورد في رواية الفقيه المتقدمة عن شراء الجارية التي لها صوت وقدجاء فيها: ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنة(6).

وقد جعل هذه الرواية وجهاً للجمع لأنّ هذا النحو من الغناء حلال.

وقد تقدم الكلام في الرواية دلالة وسنداً، وقلنا بعدم دلالتها على ذلك أصلاً.

الثاني: بما ورد في صحيحة أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): أجر


1) ـ كتاب الوافي 17 : 218 الطبعة الأولى المحققة.

2) ـ كفاية الأحكام : 86 الطبع القديم.

3) ـ مجمع الفائدة والبرهان 8 : 57 الطبعة الأولى.

4) ـ مستند الشيعة في أحكام الشريعة 2 : 342 الطبع القديم.

5) ـ كتاب الوافي 17 : 222 الطبعة الأولى المحققة.

6) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2 .

المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال(1).

كذا في الوسائل والفقيه(2)ولكن في الوافي(3)والكافي(4)والتهذيبين(5): «ليست بالتي» بدون الواو.

وعلى أي تقدير فالاستدلال بهذه الرواية مبني على أنّ قوله: وليست أو ليست، علة للحكم، وبناء على اختصاص العلة بما يكون في الأعراس لا مطلقاً وحينئذ فيجوز، ولكن من المحتمل أن لا يكون قوله وليست ... علة للحكم أصلاً بل شرط في عدم الحرمة بمعنى أنّ حلية أجر المغنية مشروط بشرطين:الأول: أن تزفّ العرائس.

الثاني: أن لا يدخل عليها الرجال.

ومع هذا الاحتمال لا يمكن التمسك بهذه الرواية لإثبات المدّعى.

الثالث: بما ورد من الحث على قراءة القرآن واستحباب قراءته بصوت حسن وهو لا ينفكّ عن الغناء.

وقد أجبنا عن ذلك فيما تقدم.

ثم إنه ربما استدل على التفصيل بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والأضحى والفرح؟ قال: لا بأس به ما لم يعص به(6).


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 15 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3 .

2) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات، الحديث 24 ، ص98.

3) ـ كتاب الوافي 17 : 206 ، الحديث 3 الطبعة الأولى المحققة.

4) ـ الفروع من الكافي ج 5 ، باب كسب المغنية وشرائها، الحديث 3 ، ص 120 .

5) ـ تهذيب الأحكام ج 6 ، باب المكاسب، الحديث 143 ، ص 357 ، والاستبصار ج 3 ، باب 36 أجر المغنية، الحديث 5 ، ص 62 .

6) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 15 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 .

وقد اختلفت النسخ في الجملة الأخيرة ففي قرب الإسناد(1)هو كما ذكره صاحب الوسائل، وقال في الوسائل: ورواه علي بن جعفر في كتابه: ما لم يؤمر به(2).

وفي البحار(3): نقلاً عن كتاب المسائل لعلي بن جعفر: ما لم يزمّر مكان ما لم يعص به.

أما بناء على ما في كتاب علي بن جعفر فالرواية خارجة عن محلّ الكلاملورودها مورد التقية، واحتمله صاحب الوسائل(4)، إلاّ أنّ الحمل على التقية إنما يصحّ فيما إذا لم يكن قوله: «لا بأس» وارد في الرواية، وإلاّ كان المعنى غلطاً وهذه العبارة لم نعثر عليها في غير كتاب الوسائل حتى كتاب علي بن جعفر نفسه فإنّ فيه ما لم يزمّر به، ولعل ما وقع في الوسائل تصحيف.

وأما بناء على ما في البحار ففيه احتمالات:

الأول: أن لا يكون على صورة النفخ في المزمار، وإن كان في نفسه غناء وبهذا الوجه يمكن الاستدلال على المدّعى.

الثاني: أن يكون الغناء مزمارياً وحينئذ لا مجال للاستدلال بالرواية على التفصيل لأنّه عبارة أخرى عن الغناء المحرم.

وينطبق هذا الاحتمال على ما ورد في نسخة قرب الإسناد وهو قوله: «ما لم يعص به» وهذا هو الأظهر لعدم الحاجة فيه إلى التقدير بخلاف الاحتمال الأول فإنه يحتاج إلى التقدير المصحح للكلام، مضافاً إلى أنّ الأخذ بالاحتمال الأول وهو إباحة الغناء إذا لم يقترن بالمحرّمات الأخرى في الموارد الثلاثة


1) ـ قرب الإسناد : 294 الطبعة الأولى المحققة.

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 15 من أبواب ما يكتسب به، ذيل الحديث 5 .

3) ـ بحار الأنوار ج 79 ، باب 101 ما جوز من الغناء وما يوهم ذلك، الحديث 3 ، ص 255 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 15 من أبواب ما يكتسب به، ذيل الحديث 5 .

المذكورة في الرواية غير تام، حيث لا يخلو الحال إما أن يكون الغناء في نفسه ليس بحرام وإنما الحرمة من جهة المقارنات، وعلى هذا فلا وجه لاختصاص الإباحة بالموارد الثلاثة، وإما أن يكون الغناء محرّماً بذاته إلاّ أن الموارد الثلاثة مستثناة، وهذا مقطوع البطلان فإنّ الحرام لا يحل بمناسبة عيد أو فرح بل كيف يباح الحرام لمناسبة الفطروالأضحى وهما من أيام الطاعة والقربات إلى الله تعالى والأعمال الصالحة، على أنه يمكن لكثير من الناس أن يرتكبوا هذا الحرام والتحايل على تحليله بإيجاد موضوع الفرح، وفي ذلك فتح لباب من أبواب الفساد، وعليه فلابدّ على هذا الاحتمال من حمل الرواية على التقية فإنها موافقة لمشهور المخالفين في الجملة.

والحاصل: أنّ هذه الرواية لا شاهد فيها على التفصيل ولا وجه له، والصحيح هو ما ذكرناه من الجمع بين الآيات والروايات.

وأما الموضع الثالث فهو في مستثنيات الغناء وقد استثني منه عدة موارد:

الأول: الغناء في زفّ العرائس.

وقد نسب الجواز إلى الشهرة كما في الجواهر(1)، وإلى أعاظم الأصحاب كما في المصباح(2)، ونسب عدمه إلى جماعة منهم المفيد في المقنعة(3)، والسيد في المراسم(4)، وصريح الحلي في السرائر(5)، والفخر في الإيضاح(6)، وظاهر المحقق في الشرائع(7)، وكل من لم يتعرض للاستثناء، وجعله في


1) ـ جواهر الكلام 22 : 48 الطبعة السابعة.

2) ـ مصباح الفقاهة 1 : 401 الطبعة الأولى ـ بيروت.

3) ـ المقنعة : 588 الطبعة الثانية.

4) ـ كتاب المراسم المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 647 الطبع القديم.

5) ـ كتاب السرائر : 208 الطبعة الثانية القديمة.

6) ـ إيضاح الفوائد 1 : 405 الطبعة الأولى.

7) ـ شرائع الإسلام 2 : 10 الطبعة الأولى المحققة.

الدروس(1)هو الأحوط.هذا وقد استدل على الجواز بروايات كلها عن أبي بصير، ولعلها رواية واحدة مختلفة الألفاظ والأسانيد بناء على ما ورد في الوسائل من أنّ المسؤول في الرواية الثالثة الآتية هو أبو عبد الله (علیه السلام) ، وأما بناء على ما ورد في الكافي(2)والتهذيبين(3)من أنّ المسؤول هو أبو جعفر (علیه السلام) فمتعددة.

فمنها: ما رواه عن الصادق (علیه السلام) قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): أجر المغنية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال(4).

وهذه الرواية من جهة السند صحيحة كما أنّها من جهة الدلالة واضحة، وقد تقدمت.

ومنها: روايته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: المغنية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها(5).

وهذه الرواية واضحة الدلالة فإنّ حلّية الكسب تدل على مشروعية العمل، وأما من جهة السند ففيه حكم الخياط، وهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه قد روىعنه المشايخ الثقات(6)، وذلك أمارة على وثاقته، كما حققناه في محلّه، وبناء عليه فلا بأس بسند الرواية.

ومنها: روايته الثالثة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن كسب المغنّيات فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس،


1) ـ الدروس الشرعية 3 : 162 الطبعة الأولى المحققة.

2) ـ الفروع من الكافي ج 5 ، باب كسب المغنية وشرائها، الحديث 1 ، ص 119 .

3) ـ تهذيب الأحكام ج 6 ، أخبار بيع الكلب وأجر المغنية، الحديث 145 ، والاستبصار ج 3 ، باب 36 أجر المغنية، الحديث 7 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 15 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

6) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 431 الطبعة الأولى.

وهو قول الله عزوجل: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»(1).

وهذه الرواية من جهة الدلالة أوضح من السابقة إلاّ أن سندها اشتمل على علي بن أبي حمزة وهو ضعيف.

ويمكن تصحيح السند من جهة أخرى، وهي أنّ الشيخ قد روى هذه الرواية في التهذيب(2)عن الحسين بن سعيد فيعلم أنه قد رواها من كتابه، مضافاً إلى ما ورد من أنّ كتب الحسين بن سعيد معمول بها عند الأصحاب(3)وهذه الرواية منها، فيمكن اعتبارها، ولا يبعد أن يكون للحسين بن سعيد طريق إلى أبي بصير غير طريق علي بن أبي حمزة.

والمستفاد من هذه الروايات حلّية الغناء الخاص بزف العرائس.

هذا وقد نوقشت هذه الروايات بوجوه:أولها: أنّ الروايات ضعيفة الأسناد.

وفيه: أنه غير تام كما تقدم.

ثانيها: أنّ أدلة حرمة الغناء متواترة كأدلة حرمة الزنا، وقد عبّر في القرآن الكريم عنه بقول الزور ولهو الحديث، وصرّحت الروايات بأنه الباعث على الفجور والفساد فتحريمه عقلي لا يقبل التخصيص، فلابدّ من حمل ما دل على الجواز إما على التقية أو الطرح.

وفيه: أنّ هذا الوجه غير سديد، وذلك لأنّ شدة حرمة الغناء وكثرة الروايات الناهية عنه ليست بأزيد من الربا، مع أنه قد ورد فيه التقييد، فما ذكر في هذا الوجه إنما هو استحسان في مقابل الدليل.


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 15 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

2) ـ تهذيب الأحكام ج 6 ، أخبار بيع الكلب والمغنية، الحديث 143 ، ص 357 .

3) ـ رجال النجاشي 1 : 172 الطبعة الأولى المحققة.

ثالثها: أنّ حلية الأجر لا يلازم حلية الغناء، ولعل الأجرة في مقابل الزفّ لا الغناء، وذلك لا ينافي حرمة الغناء.

وفيه: أنّ هذا الوجه ضعيف، لأنّ الظاهر من الروايات ولا سيما الرواية الثالثة، حيث جعلت الغناء قسمين: أحدهما حرام، والآخر حلال، وأنّ الأجرة في مقابل الحلال.

وبناء على ذلك فمقتضى القاعدة هو الأخذ بروايات الاستثناء لتمامية دلالتها واعتبار أسنادها كما قال به المشهور.

ولكن لابدّ من الاقتصار على مورد الروايات وهي:

1 ـ أن يكون ذلك في المغنية دون المغنّي.

2 ـ أن يكون في زفّ العرائس لا في غيره من سائر الأفراح.3 ـ أن يختص بوقت الزفاف لا قبله ولا بعده.

4 ـ أن لا يدخل عليهن الرجال، والظاهر عدم اختصاصه بالأجانب بل هو شامل للمحارم أيضاً، ولا يبعد اعتبار عدم سماع أصواتهن لا مجرّد عدم الدخول للقطع بحرمة استماع أصواتهنّ ولو مع عدم الدخول بالنسبة إلى الأجانب، والأحوط أن لا يكون مقترناً بسائر المحرّمات كالتغنّي بالكذب والفحش وآلات اللهو وإن كان الإطلاق يشملها.

الثاني: الحُداء كدعاء لسير الإبل.

قال في المجمع: حدا بالإبل حدواً وحداء مثل غراب: إذا زجرها وغنّى لها ليحثّها على السير(1).

وقال في المصباح: حدوت بالإبل أحدو حدواً حثثتها على السير بالحداء مثل غراب وهو الغناء لها(2).


1) ـ مجمع البحرين 1 : 96 الطبعة المحققة الثانية.

2) ـ المصباح المنير 1 : 172 الطبعة السابعة.

وقد اختلف في حكمه فقيل: إنّ جوازه مشهور كما في الكفاية(1)والرياض(2)والمستند(3)، وقال جماعة بالجواز منهم المحقق(4)في كتاب الشهادات في الشرائعوالعلاّمة(5)في القواعد والشهيد في الدروس(6).

وذهب آخرون إلى عدم الجواز ومنهم صاحب الجواهر(7)واستضعفوا القول بالشهرة، بل قيل: إنّ الشهرة على خلافه(8)، وذلك لعدم الدليل عليه.

وقد استدل على الجواز بروايتين:

الأولى: بما روي عن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه قال لعبد الله بن رواحة: حرّك بالنوق فاندفع يرتجز، وكان عبد الله جيّد الحداء وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فلما سمعه تبعه، فقال (صلي الله علیه وآله) لأنجشة: رويدك، رفقاً بالقوارير(9).

والمستفاد من الرواية أنّ النبي (صلي الله علیه وآله) أمر بتحريك النوق فلما حدا عبد الله وتبعه أنجشة لم ينههما رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وهذا يدل على الجواز.

ولكن الرواية غير تامة سنداً ودلالة، أما من جهة السند فهي عامية مرسلة ولم يحرز انجبارها بعمل المشهور، فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة.وأما من جهة الدلالة فلم يعلم أنّ الحداء من الغناء، وذلك لأنّ النبي (صلي الله علیه وآله) قال لعبد الله: حرّك بالنوق فاندفع يرتجز، والرجَز بحر من بحور الشعر ونوع من


1) ـ كفاية الأحكام : 281 الطبع القديم.

2) ـ رياض المسائل 1 : 502 الطبع القديم.

3) ـ مستند الشيعة في أحكام الشريعة 2 : 343 الطبع القديم.

4) ـ شرائع الإسلام 4 : 128 الطبعة المحققة الأولى.

5) ـ قواعد الأحكام 2 : 236 الطبع القديم.

6) ـ الدروس الشرعية 2 : 126 الطبعة الأولى المحققة.

7) ـ جواهر الكلام 22 : 50 الطبعة السابعة.

8) ـ نفس المصدر ص 51 .

9) ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل 4 : 33 و 103 ، الطبعة الثانية ، والسنن الكبرى 10 : 227 دار الفكر.

أنواعه ويستخدم عادة في الحروب لإثارة الحماس وشحذ العزيمة للقتال وتهيّج النفس لملاقاة العدو، فيكون معنى مقابلاً للغناء وإن كان كلاهما يحدثان التهيّج إلاّ أنهما يختلفان في الأثر، فلعلّه قسيم للغناء لا قسم منه كما مال إليه صاحب الجواهر(1)مستشهداً بالعرف، وعليه فهو خارج موضوعاً لا حكماً، ولعل التعبير بالاستثناء في كلماتهم لهذه الجهة كما أنّ التعبير عنه في ألسنة اللغويين مبني على المسامحة.

وعلى كل حال فالاستدلال بهذه الرواية غير تام.

الثانية: بموثقة السكوني بإسناده يعني عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): زاد المسافر الحداء والشعر ما كان منه ليس فيه جفاء وفي نسخة: ليس فيه خناء(2).

والرواية وإن كانت من جهة السند تامة إلاّ أنّ الكلام فيها من جهة الدلالة، فقد يقال بعدم دلالتها على الاستثناء، وذلك لما ورد في ذيل الرواية وهو قوله: ليس فيه جفاء أو خناء، والجفاء هو غلظ الطبع والبعد عن آداب الشرع(3).وأما الخناء فهو الفحش من القول(4)والباطل، وذكر صاحب الوسائل أنّ من معانيه الطرب(5).

ومن ذلك يعلم أنّ الحداء المحلّل هو الذي لا فحش ولا باطل فيه.

وعلى فرض عدم ظهوره في هذا المعنى فهو مجمل، ولا يمكن الاستدلال بالرواية.


1) ـ جواهر الكلام 22 : 51 الطبعة السابعة.

2) ـ وسائل الشيعة ج 8 ، باب 37 من أبواب آداب السفر إلى الحج وغيره، الحديث 1 .

3) ـ مجمع البحرين 1 : 89 الطبعة المحققة الثانية.

4) ـ نفس المصدر ص 132 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 8 ، باب 37 من أبواب آداب السفر إلى الحج وغيره، ذيل الحديث 1 .

ثم إنّ الظاهر أنّ مرجع الضمير في قوله: «ما كان منه ليس فيه» هو الشعر لا الحداء وإلاّ لجاء الضمير بالتثنية، وحينئذ فيبقى الحداء على إطلاقه شاملاً للغناء بمعنى الطرب أو الارتجاز أو غيرهما وإن كان الحداء في نفسه مجملاً، نعم ورد في بعض الروايات التوبيخ على التغنّي على ظهر الدابّة كما روي عن أبي عبد الله(علیه السلام) أنه قال: أما يستحي أحدكم أن يغنّي على دابته وهي تسبّح(1).

وما روي عنه (علیه السلام) (في حديث) قال: لا تغنّوا على ظهورها، أما يستحي أحدكم أن يغنّي على ظهر دابّته وهي تسبّح(2).

إلاّ أنّ هاتين الروايتين غير تامتين سنداً.

والحاصل: أنّه بناء على القول بجواز الحداء فالاحتياط يقتضي أن يكون بغير الغناء.الثالث: الغناء في قراءة القرآن.

وقد اشتهرت نسبة الجواز إلى صاحب الكفاية(3)حيث قال: إنّ غير واحد من الأخبار يدلّ على جواز الغناء في القرآن، بل استحبابه، بناء على دلالة الروايات على استحباب حسن الصوت والتحزين والترجيع به، والظاهر أنّ شيئاً منها لا يوجد بدون الغناء، على ما استفيد من كلام أهل اللغة وغيرهم، على ما فصّلنا في بعض رسائلنا.

ثم ذكر وجهين للجمع بين الأخبار أحدهما: تخصيص تلك الأخبار الواردة المانعة بما عدا القرآن، وحمل ما يدل على ذمّ التغنّي بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو كما يصنعه الفساق(4)، المؤيدة برواية عبد الله بن سنان


1) ـ وسائل الشيعة ج 8 ، باب 37 من أبواب آداب السفر إلى الحج وغيره، الحديث 2 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

3) ـ كفاية الأحكام : 85 الطبع القديم.

4) ـ كفاية الأحكام : 86 الطبع القديم.

الناهية عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق(1).

ثانيهما: ما نسب إليه في كلام الشيخ ! (2)من جواز الغناء في القرآن مطلقاً بناء على وقوع التعارض بين الأخبار الكثيرة المتواترة الدالّة على فضل قراءة القرآن والأدعية والأذكار، وبين ما دلّ على حرمة الغناء مطلقاً بالعموم من وجه، وبعد التساقط في مورد الاجتماع يكون المرجع هو أصالة الإباحة، والنتيجة هي الحكم بالجواز.وقد قيل: إنّ هذا الوجه لا عين منه ولا أثر في كتاب الكفاية ولا لما نسبه الشيخ إليه من العبارات(3).

وتوجيهه أن يقال: إنّ الشيخ ! إما أنه قد نقله من بعض رسائل صاحب الكفاية والتي أشار إليها في عبارته المتقدمة، وإما أنه قد استفاده من مجموع الكلام ونقله بالمعنى وشاهده قوله: وثانيهما أن يقال: ... وحاصل ما قال(4)... الخ.

وعلى أي تقدير فلا إشكال في الوجه الأول، وإنما الكلام في الوجه الثاني فقد أشكل عليه الشيخ ! بأنه لا وجه للقول بالتعارض بين أدلة المستحبات والأدلة الإلزامية من الواجبات والمحرمات، وذلك لأنّ مرجع أدلة الاستحباب إلى استحباب إيجاد الشيء بسببه المباح لا بسببه المحرّم، ولذا لا يجوز إدخال السرور في قلب المؤمن وإجابته بالمحرمات كالزنا واللواط والغناء، وسرّه أنّ دليل الاستحباب إنما يدل على كون الفعل لو خلي وطبعه كان خالياً عما يوجب لزوم أحد طرفيه، فلا ينافي ذلك طروّ عنوان من الخارج يوجب لزوم فعله أو تركه كما إذا صار مقدمة لواجب، أو صادفه عنوان محرّم،


1) ـ وسائل الشيعة ج 4 ، باب 24 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 1 .

2) ـ المكاسب : 38 الطبع القديم.

3) ـ مصباح الفقاهة 1 : 403 الطبعة الأولى ـ بيروت.

4) ـ المكاسب: 38 الطبع القديم.

وجهات الأحكام الثلاثة أي الإباحة والاستحباب والكراهة لا تزاحم جهة الوجوب أو الحرمة، فالحكم لهما مع اجتماع جهتيهما بإحدى الجهات الثلاث، ويشهد لذلك عدم تأدّي المستحباتفي ضمن المحرّمات(1).

هذا، وقد أشكل على الشيخ جماعة ممن تأخر عنه منهم السيد الأستاذ ! وحاصل ما أورده عليه: أنّ ما ذكره الشيخ إنما يتم فيما إذا كان التعارض في مقام الامتثال لا في مقام الجعل والإنشاء، وإلاّ فلا فرق بين الحكمين المتعارضين سواء أكانا إلزاميين أو أحدهما أو كلاهما غير إلزاميين، فإنّ التعارض ـ وهو تكاذب الدليلين ـ واقع لا محالة، ولذا لو صرّح ـ في محل كلامنا ـ باستحباب قراءة القرآن بالصوت اللهوي كان معارضاً لما دل على حرمة الغناء مطلقاً، مع أنّ قراءة القرآن مما لا إشكال في استحبابها، إلاّ أن يكون أحدهما مقيداً بعدم وجود الآخر، أو يكون أحدهما حكماً أولياً والآخر ثانوياً، ولابدّ من علاج آخر وهو أن يقال: لا وجه للحكم بالتساقط والرجوع إلى أصالة الإباحة بل الرجحان لأدلة المنع على أدلة الجواز لمخالفتها لما ذهب إليه العامة من الجواز(2).

هذا، ولكن ليس من البعيد أن يكون مراد الشيخ من عدم المقاومة هو تقييد أدلة الجواز بما هو مرتكز في عرف المتشرعة، بمعنى أنّ كل مستحب وإن كانت أدلّته مطلقة إلاّ أنها مقيدة بما إذا لم يترتب عليها الحرام فتدبر.

ثم إنّ لصاحب مفتاح الكرامة كلاماً لطيفاً لا بأس بذكره قال في مقام الجواب: قد قام المحدّث الكاشاني والفاضل الخراساني فنسجا على منوال الغزالي وأمثاله من علماء العامة، وخصّا الحرام منه بما اشتمل على محرّم من


1) ـ المكاسب : 39 الطبع القديم.

2) ـ مصباح الفقاهة 1 : 404 الطبعة الأولى، بيروت.

خارج، مثلاللعب بآلات اللهو ودخول الرجال والكلام في الباطل، واستندا في ذلك إلى أخبار تقرب من اثني عشر خبراً (مع أنها ضعيفة ومتعارضة) ، وهي على تقدير تسليم وضوح دلالتها مخالفة للكتاب المجيد موافقة للعامة محمولة على التقية، مع أنها معارضة بخمسة وعشرين خبراً بين صريحة الدلالة أو ظاهرة على تحريم الغناء مطلقاً من غير تقييد، ويعضدها الأخبار الدالة على تحريم استماع الغناء وهي ثلاثة أخبار، والأخبار الدالة على تحريم ثمن المغنية وهي خمسة أخبار، فلو كان الغناء حلالاً بل مستحباً في نحو القرآن والأدعية والمناجاة كما هو ظاهر كلامهما لما حكم بتحريم سماعه، وتحريم ثمن المغنية وأنه سحت وأنّ تعليمها كفر(1).

هذا، وقد تقدم منّا أنّ قراءة القرآن خارجة عن الغناء تخصّصاً واستشهدنا بما ورد في رواية عبد الله بن سنان إذ ورد فيها: اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق والكبائر(2).

ومعه فلا تصل النوبة إلى تكلّف الترجيح أو الجمع بين الروايات.

الرابع: الغناء في رثاء الحسين (علیه السلام) .

قال المحقق الأردبيلي ! في مجمع الفائدة: وقد استثني مراثي الحسين(علیه السلام) أيضاً، ودليله غير واضح، ولعل دليل الكلّ أنه ما ثبت بالإجماع إلاّ في غيرها، والأخبار ليست بصحيحة صريحة في التحريم مطلقاً، والأصل الجواز،فما ثبت تحريمه يحرم والباقي يبقى فتأمل فيه.

ويؤيده أنّ البكاء والتفجّع عليه (علیه السلام) مطلوب ومرغوب، وفيه ثواب عظيم، والغناء معين على ذلك، وأنه متعارف دائماً في بلاد المسلمين في زمن المشايخ


1) ـ مفتاح الكرامة 4 : 52 الطبعة القديمة.

2) ـ وسائل الشيعة ج 4 ، باب 24 من أبواب قراءة القرآن، الحديث 1 .

إلى زماننا من غير نكير، وهو يدلّ على الجواز غالباً ويؤيده جواز النياحة بالغناء ...

ويؤيده أنّ التحريم للطرب على الظاهر، ولهذا قيد بالمطرب، وليس في المراثي طرب بل ليس إلاّ الحزن، وأكثر هذا يجري في استثناء مطلق المراثي وكأنّه ترك للظهور(1).

والكلام في هذا المورد هو ما مر في المورد السابق، فإنّ المراثي خارجة عن الغناء موضوعاً، إذ هي ليست من أحد القسمين المحرّمين إلاّ أن يكون اللحن لهوياً بحيث يُعدّ من ألحان أهل الفسوق والكبائر، فيحكم حينئذ بحرمتها كما إذا قرىء القرآن كذلك.

فما ورد في فضل الرثاء وثواب إقامة العزاء على المعصومين (علیهم السلام) لا يعارض ما دلّ على حرمة الغناء أصلاً.

وعلى فرض إطلاق أدلة المراثي فلا تقاوم أدلة التحريم.

وأما ما ذكره من المؤيدات فهي مندفعة بأدنى تأمّل، إذ كيف يكون الغناء المحرّم معيناً على البكاء والتفجّع؟!!وكيف يقال: إنّ السيرة قائمة على الغناء في بلاد المسلمين؟! وهل هذه السيرة ـ على فرض تحققها ـ مورد للاعتبار؟ وهل هي متصلة بزمان المعصومين؟ وكذا الكلام في ما ذكره من المؤيدات الأخرى.

وأما الموضع الرابع وهو في حكم الآلات اللهوية فالذي يقال:

إنّه قد ورد النهي عن استعمال آلات اللهو كالطبل والناي والطنبور والمزمار وغيرها، والاستماع إليها في أكثر من أربعين رواية كما في الوسائل والمستدرك.


1) ـ مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان 8 : 61 ـ 63 الطبعة الأولى.

وتنقسم هذه الروايات إلى قسمين:

الأول: ما يدل على عدم جواز استعمالها بعنوان عام شامل لكل الآلات اللهوية وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما ورد في النهي عن اللهو والملاهي وهي عدة روايات منها:

موثقة عنبسة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع(1).

ومنها: معتبرة حمران عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث ـ وهو طويل يتضمّن أخبار الملاحم ـ وقد جاء فيه: ورأيت الملاهي قد ظهرت يمرّ بها لا يمنعها أحدٌ أحداً، ولا يجتري أحدٌ على منعها ...(2).

ومنها: ما في المقنع قال: واجتنب الملاهي واللعب بالخواتيم والأربعة عشر،وكلّ قمار، فإنّ الصادقين (علیهما السلام) نهوا عن ذلك(3).

ومنها: رواية عبد الله بن علي، عن علي بن موسى، عن آبائه عن علي (علیهم السلام) قال: كل ما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر(4).

والظاهر أنّ المراد بعبد الله هو عبد الله بن علي بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين (علیهما السلام) فإنّ له نسخة عن الرضا (علیه السلام) (5). ولكن لم يرد فيه توثيق.

ومنها: رواية سماعة قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) لما مات آدم شمت به إبليس وقابيل فاجتمعا في الأرض، فجعل إبليس وقابيل المعازف والملاهي


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 101 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر ج 11 ، باب 41 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الحديث 6 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 15 .

5) ـ رجال النجاشي 2 : 32 الطبعة الأولى المحققة.

شماتة بآدم (علیه السلام) فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك(1).

وهذه الرواية تدل على أنّ الملاهي من عمل الشيطان.

ومنها: رواية تحف العقول المعروفة الواردة في أقسام المعائش وقد جاء فيها: وذلك إنما حرّم الله الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكلّ ملهوّ به(2).ومنها: رواية الصدوق في العيون بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا(علیه السلام) الواردة في تعداد جملة من الكبائر، وقد جاء في آخرها: والمحاربة لأولياء الله والاشتغال بالملاهي والإصرار على الذنوب(3).

ومنها: ما في أصل زيد النرسي عن أبي عبد الله (علیه السلام): وأنّ المؤمن لفي شغل عن ذلك، شغله طلب الآخرة عن الملاهي ـ إلى أن قال ـ : وإنّ المؤمن عن جميع ذلك لفي شغل، ماله وللملاهي، فإنّ الملاهي تورث قساوة القلب، وتورث النفاق ...(4).

ومنها: ما رواه القطب الراوندي في لبّ اللباب عن النبي (صلي الله علیه وآله) قال: من استمع إلى اللهو يذاب في أذنه الآنك(5).

ويؤيد ذلك ما رواه الصدوق بإسناده عن حماد بن عمرو، وأنس بن محمد، عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) في وصية النبي (صلي الله علیه وآله) لعلي (علیه السلام)،


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 .

2) ـ نفس المصدر باب 2 ، من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 11 ، باب 46 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الحديث 33 .

4) ـ مستدرك الوسائل ج 13 ، باب 79 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 ، ص 216 .

5) ـ نفس المصدر باب 80 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 ، ص221 ـ 222 والآنك هو الرصاص.

قال: يا علي ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان(1).

الطائفة الثانية: ما ورد في النهي عن المعازف وهي على ما في كتب اللغة: آلات اللهو يضرب بها، الواحد عَزْفٌ رواية عن العرب، وإذا أفرد المعزف بكسرالميم، فهو نوع من الطنابير يتخذه أهل اليمن كذا نقل عن المغرب. وفي النهاية: العزف اللعب بالمعازف وهي الدفوف وغيرها مما يضرب بها، والعزف كفلس: واحد المعازف على غير قياس، والعازف اللاعب، وعزف عزفاً من باب ضرب - وعزيفاً: لعب بالمعازف(2).

وقد وردت فيها عدة روايات منها:

منها: معتبرة حمران المتقدمة في الطائفة الأولى وقد جاء فيها: ورأيت المعازف ظاهرة في الحرمين(3).

ومنها: رواية عبد الله بن عباس عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) في حديث قال: إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلوات واتّباع الشهوات والميل إلى الأهواء ... إلى أن قال: ويستحسنون الكوبة والمعازف(4).

ومنها: رواية الديلمي في الإرشاد قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله) يظهر في أمتي الخسف والقذف، قالوا: متى ذلك؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقينات وشربت الخمور(5).

ومنها: روايته الأخرى قال: وقال النبي (صلي الله علیه وآله): إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حلّ بهم البلاء ـ إلى أن قال: ـ واتخذوا المعازفوالقينات وشربوا


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8 .

2) ـ مجمع البحرين 3 : 174 مادة عزف.

3) ـ وسائل الشيعة ج 11 ، باب 41 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبها، الحديث 6 .

4) ـ نفس المصدر ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 27 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 30 .

الخمور وكثر الزنا، فارتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وخسفاً أو مسخاً وظهور العدوّ عليكم، ثم لا تنصرون(1).

ومنها: رواية سماعة المتقدمة في الطائفة الأولى(2).

وغيرها من الروايات.

الطائفة الثالثة: ما ورد في النهي عن الأوتار، وهي تطلق على جملة من آلات اللهو كالعود والطنبور والقيثار(3)ونحوها من الآلات اللهوية ذات الأوتار، وقد وردت فيها عدة روايات:

منها: رواية الأعمش عن جعفر بن محمد (علیهما السلام): في حديث شرائع الدين قال: والكبائر محرمة ... والمحاربة لأولياء الله، والملاهي التي تصدّ عن ذكر الله عزّوجلّ مكروهة كالغناء وضرب الأوتار، والإصرار على صغائر الذنوب(4).

والكراهة هنا إما بمعنى الحرمة وإما أنها محمولة على التقية فإنّ الغناء والإصرار على الذنوب مما لا إشكال في حرمتهما.

ومنها: ما رواه الشيخ أبو الفتوح في تفسيره عن أبي أمامة عن رسول الله(صلي الله علیه وآله) أنه قال: إنّ الله تعالى بعثني هدى ورحمة للعالمين،وأمرني أن أمحو المزامير والمعازف والأوتار والأوثان، وأمور الجاهلية ـ إلى أن قال: ـ إنّ آلات المزامير شراؤها وبيعها وثمنها والتجارة بها حرام(5).

ومنها: ما رواه صاحب الروضات عن رسالة قبائح الخمر للسيد الجليل الأمير صدر الدين الدشتكي عن الرضا (علیه السلام): استماع الأوتار من الكبائر(6).


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 31 .

2) ـ نفس المصدر باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 .

3) ـ المعجم الوسيط 2 : 567 ، 635 ، 769 الطبعة الثانية.

4) ـ وسائل الشيعة ج 11 ، باب 46 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الحديث 36 .

5) ـ مستدرك الوسائل ج 13 ، باب 79 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 16 ، ص 219 .

6) ـ نفس المصدر الحديث 19 ، ص 220 .

ويؤيد هذه الروايات ما تقدّم في رواية سماعة حيث ورد فيها: فكلّ ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك(1).

وهو معنى عام شامل لكل ما يكون من هذا القبيل.

القسم الثاني: الروايات الواردة في النهي عن استعمال واستماع الآلات اللهوية الخاصة وهي عدة روايات:

منها: موثقة إسحاق بن جرير قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ شيطاناً يقال له القفندر إذا ضرب في منزل الرجل أربعين صباحاً بالبربط ودخل الرجال، وضع ذلك الشيطان كل عضو منه على مثله من صاحب البيت، ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار(2).

ومنها: موثقة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله(صلي الله علیه وآله): أنهاكم عن الزفن والمزمار وعن الكوبات والكبرات(3).

ومنها: مضمرة أبي داود المسترق قال: من ضرب في بيته بربط أربعين يوماً سلط الله عليهم شيطاناً يقال له: القفندر فلا يبقى عضو من أعضائه إلاّ قعد عليه، فإذا كان كذلك نزع منه الحياء، ولم يبال ما قال ولا ما قيل فيه(4).

ومنها: رواية كليب الصيداوي قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة(5).

ومنها: رواية موسى بن حبيب عن علي بن الحسين (علیهما السلام) قال: لا يقدّس الله أمّة فيها بربط يقعقع وناية «فاية» تفجع(6).


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 6 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

6) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

ومنها: رواية عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن الرضا (علیه السلام) في حديث الشامي أنه سأل أمير المؤمنين (علیه السلام) عن معنى هدير الحمام الراعية (عبية) قال: تدعو على أهل المعازف والمزامير والعيدان(1).

ومنها: مرفوعة السياري عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه سئل عن السفلة، فقال: من يشرب الخمر ويضرب الطنبور(2).

ومنها: رواية نوف عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في حديث قال: يا نوف إياك أن تكون عشّاراً أو شاعراً أو شرطياً أو عرّيفاً أو صاحب عرطبة وهي الطنبور أو صاحب كوبة وهو الطبل، فإنّ نبي الله خرج ذات ليلة فنظر إلى السماء، فقال: أما إنها الساعة التي لا تردّ فيها دعوة إلاّ دعوة عرّيف، أو دعوة شاعر، أو دعوة عاشر أو شرطي أو صاحب عرطبة أو صاحب كوبة(3).

ومنها: ما رواه ورّام بن أبي فراس في كتابه قال: قال (علیه السلام): لا تدخل الملائكة بيتاً فيه خمر أو دفّ أو طنبور أو نرد، ولا تستجاب دعاؤهم، وترفع عنهم البركة(4).

ومنها: ما ورد في تحف العقول وقد تقدم في القسم الأول: وقد جاء فيها: إنما حرّم الله الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً نظير البرابط والمزامير(5).

ومنها: رواية الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (علیهم السلام) في حديث المناهي، قال: نهى رسول الله (صلي الله علیه وآله) عن اللعب بالنرد والشطرنج والكوبة والعرطبة


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 10 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 11 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 12 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 13 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

وهي الطنبور والعود، ونهى عن بيع النرد(1).

ومنها: رواية الأصبغ بن نباتة عن علي (علیه السلام) في حديث قال: ستة لاينبغي أن يُسلّم عليهم: اليهود، والنصارى، وأصحاب النرد والشطرنج، وأصحاب الخمر والبربط والطنبور، والمتفكّهون بسب الأمهات، والشعراء(2).

ومنها: ما رواه القطب الراوندي في لبّ اللباب عن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه قال: إنّ الله حرّم الدف والكوبة والمزامير وما يلعب به(3).

ومنها: ما في الجعفريات بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه قال علي (علیهم السلام) : تقوم الساعة على قوم يشهدون من غير أن يستشهدوا، وعلى الذين يعملون عمل قوم لوط، وعلى قوم يضربون بالدفوف والمعازف(4).

وغيرها من الروايات الكثيرة الناهية عن استعمال واستماع هذه الآلات.

ثم إنّ أكثر أسناد هذه الروايات وإن كان محل كلام إلاّ أننا أشرنا في مطلع هذا الفصل إلى الاكتفاء بدعوى التواتر عن البحث حول أسنادها، مع أنّه قد تقدمت بعض الروايات المعتبرة، كما أنّ كثيراً منها تكرر ذكره لاقتضاء المناسبة، وبناء على هذا فلا إشكال في حرمة استعمال واستماع جميع الآلات اللهوية سواء نصّ عليها في الروايات أم لا، وذلك لشمول روايات القسم الأول لجميع الآلات اللهوية.

وأما الموضع الخامس ففي حكم اللهو بالأفعال وهو الرقص:

وقد عرّف الرقص بأنه: تأدية حركات بجزء أو أكثر من أجزاء الجسم علىأيقاع ما، للتعبير عن شعور أو معان معينة(5). وهو ملازم لقصد اللهو.


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 104 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6 .

2) ـ نفس المصدر ج 8 ، باب 28 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 6 .

3) ـ مستدرك الوسائل ج 13 ، باب 79 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 11 ، ص 218 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 2 ، ص 216 .

5) ـ المعجم الوسيط 1 : 365 الطبعة الثانية.

وقد ورد النهي عنه في الروايات تارة بنحو عام وأخرى بنحو خاص.

أما ما ورد من النحو الأول فكما تقدم في الموضع الرابع من النهي عن الملاهي واللهو واللعب وعن كل ما يشغل الإنسان عن ذكر الله وهو شامل للرقص بلا إشكال.

وأما ما ورد من النحو الثاني فقد جاء في موثّقة السكوني المتقدمة عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): أنهاكم عن الزفن والمزمار وعن الكوبات والكبرات(1).

والزفن هو الرقص واللعب(2).

ويؤيده رواية العوالي عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) أنه نهى عن الضرب بالدف والرقص وعن اللعب كلّه، وعن حضوره وعن الاستماع إليه(3).

ورواية الدعائم عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) أنه قال: أنهى أمتي عن الزفن والمزمار وعن الكوبة والكبارات(4).

والحاصل: أنه لا إشكال في حرمة الرقص مطلقاً.بقي أمران:

الأول: يظهر من الشهيد الثاني في المسالك(5)والروضة(6)استثناء الضرب بالدف ـ في الأعراس ـ إذا لم يكن فيه صُنَج وهي حلقات من نحاس تجعل في أطراف الدف، ونسب إلى الأردبيلي في شرح الإرشاد(7)


1) ـ وسائل الشيعة ج 12 ، باب 100 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6 .

2) ـ مجمع البحرين 6 : 260 الطبعة المحققة الثانية.

3) ـ مستدرك الوسائل ج 13 ، باب 79 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 14 ، ص 218 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 6 ، ص 217 .

5) ـ مسالك الأفهام 1 : 432 الطبع القديم.

6) ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 3 : 213 الطبعة الأولى ـ النجف.

7) ـ هداية الطالب إلى أسرار المكاسب : 107 الطبعة الثانية القديمة.

والسبزواري في الكفاية(1)وجماعة آخرين، وقد نقل مضافاً إلى

الشهرة دعوى الوفاق على جوازه في النكاح والعرس كما عن الخلاف(2).

ويمكن الاستدلال على ذلك بعدة روايات:

منها: ما رواه الشيخ في أماليه بإسناده عن صنعي بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن هيّار قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده علي بن هيار قال: اجتاز النبي(صلي الله علیه وآله) بدار علي بن هيّار فسمع صوت دفّ فقال: ما هذا؟ قالوا: علي بن هيّار عرس بأهله فقال (صلي الله علیه وآله): حسن هذا للنكاح لا السفاح، ثم قال (صلي الله علیه وآله): اشتدوا النكاح وأعلنوه بينكم واضربوا عليه بالدف فجرت السنة في ذلك للنكاح(3).

ومنها: ما ورد في الجعفريات بإسناده عن علي (علیه السلام) قال: قال رسولالله(صلي الله علیه وآله): فرق بين النكاح والسفاح ضرب الدف(4).

ورواه السيد الراوندي في نوادره(5).

ومنها: ما في عوالي اللئالي عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) أنه نهى عن الضرب بالدف والرقص وعن اللعب كله وعن حضوره وعن الاستماع إليه، ولم يجز ضرب الدف إلاّ في الإملاك والدخول بشرط أن يكون في البكر ولا يدخل الرجال عليهنّ(6).

وقد نقلنا صدر هذه الرواية فيما تقدم.

ومنها: ما في الدعائم عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) أنه مرّ ببني زريق فسمع عزفاً فقال: ما هذا؟ فقالوا: نكح فلان، فقال: كمل دينه هذا النكاح لا السفاح، ولا


1) ـ هداية الطالب إلى أسرار المكاسب: 107 الطبعة الثانية القديمة.

2) ـ نفس المصدر ص 107 .

3) ـ أمالي الشيخ الطوسي 2 : 132 .

4) ـ مستدرك الوسائل ج 14 ، باب 118 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 9 ، ص 304 .

5) ـ نفس المصدر ص 305 .

6) ـ مستدرك الوسائل ج 13 ، باب 79 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 14 ، ص 218 .

نكاح في السر حتى يرى دخان أو يسمع حسّ دف، وقال: الفرق ما بين النكاح والسفاح ضرب الدفّ(1).

ومنها: ما عنه أيضاً عن جعفر بن محمد (علیهما السلام) أنه قال: لما (كان في) الليلة التي بنى فيها علي بفاطمة (علیهما السلام) سمع رسول الله (صلي الله علیه وآله) ضرب الدف فقال: ما هذا؟ فقالت أم سلمة: يا رسول الله هذهأسماء بنت عميس تضرب الدف أرادت (أن تفرح) فاطمة، لئلا ترى أنه لما ماتت أمها لم تجد من يقوم لها فرفع رسول الله(صلي الله علیه وآله) يده إلى السماء ثم قال: اللهم أدخل على أسماء بنت عميس السرور كما فرحت ابنتي، ثم دعا بها فقال: يا أسماء ما تقولون إذا نقرتن الدفّ؟ فقالت: يا رسول الله ما ندري ما نقول في ذلك، وإنما أردت فرحها، قال: فلا تقولوا هجراً (وهذراً)(2).

ومنها: ما أرسله العلاّمة في التذكرة بقوله: روي جواز ذلك في العرس(3).

هذه هي الروايات التي يمكن أن يستدل بها على الجواز وكلّها ضعيفة الأسناد، فإن قلنا بانجبارها بعمل المشهور فهو، وإلاّ فلا مناص عن الأخذ بالعمومات المتقدمة.

الثاني: ورد عن جماعة من الفقهاء منهم السيد الأستاذ ! ـ فيما نسب إليه ـ جواز رقص الزوجة لزوجها وبالعكس، وكذا جواز رقص الرجال للرجال والنساء للنساء، ولا نعرف لهذا الاستثناء مستنداً، فإنّ ما ورد من النهي عن الرقص والزفن ـ كما تقدم ـ كان مطلقاً وهو يشمل المذكورين، وهم أدرى بمستند الحكم، والمسألة تحتاج إلى فحص وتتبع.


1) ـ مستدرك الوسائل ج 14 ، باب 118 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 13 ، ص 305 ـ 306.

2) ـ نفس المصدر الحديث 12 ، ص 305 .

3) ـ تذكرة الفقهاء 2 : 581 الطبع القديم.

ثم إنّ هاهنا مسائل:

الأولى: إذا اضطرّ إنسان أو خاف على نفسه جاز له الغناء أو الاستماع إليه أو استعمال أو ممارسة الآلات والأفعال اللهوية، بل يجب بمقتضى الأدلة العامةالدالة على وجوب التقية وحرمة إلقاء النفس في التهلكة.

الثانية: إذا كان الخوف راجعاً إلى العرض فالكلام فيه هو ما تقدم في مسألة دوران الأمر بين أحد الضررين، وقد مرّ البحث عنه مفصّلاً في الجزء الثاني.

الثالثة: الظاهر عدم جواز ارتكاب هذه الأمور في التقية المداراتية، فإنّ أدلتها مختصّة بغير ارتكاب الحرام من الواجبات والمستحبات.

الرابعة: إذا كانت

التقية في السماع فهل يجوز له الاستماع أو لا؟ والظاهر عدم الجواز، لتمكنه من إشغال قلبه بأمور أخرى بحيث لا يضطرّ إلى الاستماع نظير ما تقدم في الجزء الثاني في مسألة أخذ الجائزة من السلطان الجائر مع علمه بأنها غصب، فله أخذها ولكن لا يجوز له تملّكها.

الخامسة: إذا كان مضطراً في حفظ نفسه إلى فعل أحد هذه الأمور فلا إشكال في جوازه بل وجوبه، وأما إذا كان اضطراره لجهة أخرى كتخفيف ألمه أو تهدئة أعصابه أو نحوهما فهل يجوز له ذلك أو لا؟ وهذا يبتني على مسألة حرمة الإضرار بالنفس الذي لا يوجب الهلكة ولا يعد منها، وعدم حرمته.

فعلى الأول يكون من قبيل دوران الأمر بين المحذورين وقد تقدّم حكمه في مسألة الضرر، وأما على الثاني فلا يجوز.

هذا تمام الكلام حول التقيّة في الغناء وبه يتم البحث حول التقية في المكاسب.

والحمد لله رب العالمين.

الفصل الثالث عشر: 11 ـ التقية في أحكام الذباحة

اشارة

•

أهمية هذه المسألة ومدخليتها في كثير من القضايا الشرعية

•

تقسيم البحث

•

الاتفاق على حرمة ذبيحة الكافر غير الكتابي

•

الاختلاف في حلّية ذبائح اليهود والنصارى

•

استعراض الأدلّة ونقدها

•

التحقيق في اشتراط إسلام الذابح وتسميته

•

اشتراط استقبال القبلة حالة الذبح واستثناء الناسي والجاهل والمضطر ومن لا يعتقد الوجوب وبيان ذلك

•

هل يشترط أن يكون الذبح بالحديد؟

•

أحكام التقية في الذباحة

•

بيان ما يحلّ من حيوان البحر وكيفية صيده

•

سوق المسلمين وعسر تمييز ما هو من المسلمين من غيرهم وأهمية المسألة والبحث التفصيلي فيها

•

التحقيق في ما يقتضيه الأصل ومناقشة بعض الأعلام

•

البحث حول أصالة عدم التذكية

•

استعراض النصوص في حلّية ما يباع في سوق المسلمين

•

سوق المسلمين ليس أمارة مستقلة بل هو كاشف عن الأمارة

•

فروع وقع الخلاف فيها وبيان أقسام السوق

التقية في أحكام الذباحة

اشارة

إنّ من المسائل المهمة التي يكثر الابتلاء بها ولا سيما في زماننا، حيث التقدم العلمي، والتطور في وسائل الإنتاج، وسهولة الاتصال بين أطراف الأرض، واختلاط البشر وتبادل المنتجات، مسألة لحوم الذبائح من حيث الحلية والطهارة إذ الملاحظ انتشار اللحوم المجلوبة من بلاد الكفر في أسواق المسلمين.

ولما كانت حلية أكل اللحوم تتوقف على شرائط معيّنة حددها الشارع المقدس، ونظراً لوقوع الاختلاف بين العامة والخاصة في أحكام الذباحة فلابدّ من البحث في هذه المسألة بشيء من التفصيل، بغية التوصّل إلى معرفة نظر الشارع وأحكامه الأولية والثانوية في هذه المسألة المهمة التي تترتب عليها كثير من الأحكام الشرعية والأخلاقية، وذلك من خلال النصوص والآثار الواردة.

وهذه المسألة وإن لم تكن من المسائل المستحدثة إلاّ أنها لم تكن بهذا النحو من التعقيد والإبهام كما هي عليه اليوم، وقد وعدنا ـ في الجزء الأول ـ بالبحث حولها في الموضع المناسب من هذا الكتاب وها نحن نفي بما وعدنا فنقول:

أركان الذباحة ثلاثة: الذابح، وآلة الذبح، وكيفيته.

أما الركن الأول فالكلام فيه في موضعين:

الأول: في تذكية حيوان البر.الثاني: في تذكية حيوان البحر.

أما الأول فالبحث فيه من جهات:

الأولى: في حكم ذبيحة المشرك والكافر غير الكتابي.

الثانية: في حكم ذبيحة الكافر الكتابي.

الثالثة: في حكم ذبيحة المجوسي.

الرابعة: في حكم ذبيحة المرتدّ والناصبي والغالي وأمثالهم كالمشبّهة ونحوهم.

الخامسة: في حكم ذبيحة المخالف.

أما الجهة الأولى: فلا خلاف بين المسلمين من الخاصة والعامة في حرمة ذبيحة الكافر غير الكتابي من المشركين، وعبدة الأوثان، ومن لا يعتقدون بالمبدأ، وإن توفّرت سائر الشرائط كالتسمية والاستقبال وغيرهما.

وقد أجمع المسلمون قاطبة على ذلك(1)، كما أنّ الظاهر من الآيات والمفهوم من الروايات الكثيرة الدالة على حلية ذبائح أهل الكتاب على ما سيأتي في الجهة الثانية، هو حرمة ذبائح من عداهم من الكفار كمشركي العرب ونصاراهم وغيرهم ممن لا يدين بدين.

فمن الغريب ما ذهب إليه صاحب المباني من القول بحلية ذبيحة الكافر ولو كان مشركاً مع التسمية(2)، وذلك لمخالفته إجماع الأمة، ولم نقف على قائل بالحلية غيره.قال الشيخ في الخلاف: ألا ترى أنه لو ذكر اسمَ الله الوثني أو المجوسي لم يحلّ أكله بلا خلاف(3).


1) ـ رياض المسائل 2 : 270 الطبع القديم.

2) ـ مباني منهاج الصالحين 10 : 608 .

3) ـ الخلاف ج 6 ، كتاب الصيد والذباحة، مسألة 23 ، ص 24 .

وقال المولى النراقي في مستنده: بل إجماع المسلمين في عبارات المتقدمين والمتأخرين، بل هو إجماع محقق فهو الحجة فيه(1).

وقال الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة: وأما الصائد فيشترط له شروط، منها: أن يكون مسلماً أو كتابياً، فلا يحلّ صيد المجوسي والوثني والمرتدّ وكلّ من لا يدين بكتاب كما لا تحلّ ذبيحتهم ...(2).

وأما استدلال صاحب المباني بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: كل ذبيحة المشرك إذا ذكر اسم الله عليها وأنت تسمع، ولا تأكل ذبيحة نصارى العرب(3).

ففيه: أن الرواية شاذّة، وهي مخالفة للكتاب والسنة والإجماع، ولابدّ من طرحها أو ردّ علمها إلى أهلها.

والحاصل: أنّ هذه الجهة مما لا إشكال في وضوح حكمها.

وأما الجهة الثانية: أي حكم ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

فقد وقع الخلاف فيها، والمشهور ـ عند الخاصة ـ شهرة عظيمة هو عدم الحليةبل ادّعي الإجماع عليه من زمن الصدوقين وقبلهما، بل كاد أن يكون من ضروريات المذهب إلى زماننا(4).

ونسب الخلاف إلى ابن أبي عقيل، وابن الجنيد(5)، وذهب الصدوق إلى القول بالحلّية مع سماع التسمية من الذابح(6).

واختار القول بالحلية ـ من المتأخرين ـ الشهيد الثاني في المسالك(7)،


1) ـ مستند الشيعة في أحكام الشريعة 2 : 450 الطبع القديم.

2) ـ الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 21 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 32 .

4) ـ جواهر الكلام 36 : 80 .

5) ـ مختلف الشيعة ج 8 ، كتاب الصيد وتوابعه الفصل الثالث، المسألة 28 ، ص 316 .

6) ـ المقنع: 417 .

7) ـ مسالك الأفهام 2 : 225 الطبع القديم.

ومال إليه صاحب الرياض(1).

وأما العامة فقد اتفقت كلمتهم على القول بالحلية.

قال السيد في الانتصار: ومما انفردت الإمامية به: أنّ ذبائح أهل الكتاب محرّمة، لا يحلّ أكلها ولا التصرّف فيها، لأنّ الذكاة ما لحقتها، وكذلك صيدهم وما يصيدونه بكلب أو غيره، وخالف باقي الفقهاء في ذلك(2).

وقال الشيخ في الخلاف: لا تجوز ذبائح أهل الكتاب ـ اليهود والنصارى ـ عند المحصّلين من أصحابنا وقال شذاذ منهم: إنه يجوز أكله، وخالف جميع الفقهاء في ذلك ... وإنما يخالف فيها من لا يعتد بقوله من الطائفة(3).وقال ابن حزم في المحلّى: وكلّ ما ذبحه أو نحره يهودي أو نصراني أو مجوسي نساؤهم أو رجالهم فهو حلال لنا، وشحومها حلال لنا إذا ذكروا اسم الله عليه، ولو نحر اليهودي بعيراً أو أرنباً حلّ أكله، ولا نبالي ما حرم عليهم في التوراة وما لم يحرم، وقال مالك: لا يحلّ أكل شحوم ما ذبحه اليهودي ولا ما ذبحوه مما لا يستحلّونه، وهذا قول في غاية الفساد لأنّه خلاف القرآن والسنن والمعقول(4)... وقولنا هو قول سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعيد، وأبي حنيفة والشافعي، وأبي سليمان، وأحمد، وإسحاق، وأصحابهم(5).

وقال ابن قدامة في المغني: وأجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب، لقول الله تعالى: «وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ »يعني ذبائحهم، قال البخاري: قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم، وكذلك قال مجاهد، وقتادة،


1) ـ رياض المسائل 2 : 271 الطبع القديم.

2) ـ الانتصار المسألة 231 ، ص 403 .

3) ـ الخلاف ـ كتاب الصيد والذبائح ـ المسألة 23 ، ص 23 ـ 24 .

4) ـ المحلّى ج 7 ، المسألة 1058 ، ص 454 .

5) ـ نفس المصدر ص 456 .

وروي معناه عن ابن مسعود، وأكثر أهل العلم يرون إباحة صيدهم أيضاً ... ولا نعلم أحداً حرّم صيد أهل الكتاب إلاّ مالكاً أباح ذبائحهم وحرّم صيدهم(1).

أدلة الأقوال:

استدلّ الخاصة للقول المشهور ـ مضافاً إلى الأصل حيث إنّ المستفاد من الأدلة حرمة أكل الحيوان، وأنه بمنزلة الميتة إلاّ مع التذكية، ولابدّ من إحرازها وأنّ كل مورد شك في تحقّق التذكية وعدمها فمقتضى الاستصحاب هو العدمفيكون مشمولاً لأدلّة الحرمة.

وهذا الأصل قد تسالم عليه الفقهاء وإن اختلفوا في الحكم بالنجاسة وعدمها ـ بدليلين:

الدليل الأول: الكتاب واستدل منه بآيتين:

الآية الأولى: قوله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»(2)حيث اعتبر في جواز الأكل من لحم الذبيحة وإباحته، ذكر الله تعالى وتسميته حين الذبح أو النحر، وهو لا يتحقّق من الكتابي لأنه إما لا يعتبر ذلك فلا يذكر ولا يسمّي، وإما لا يعتقد بذلك اعتقاداً صحيحاً، وإن ذكر وسمّى فهو بمنزلة عدم الذكر، لأنه ذكر من غير قصد، والمنصرف من قوله تعالى: «لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» هو تحقق التسمية على النحو الصحيح ممن يعتقد بنية صادقة، وقد ورد في بعض الروايات استدلال الإمام (علیه السلام) بالآية كما في معتبرة شعيب العقرقوفي قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) وأناس من أهل الجبل يسألونه عن ذبائح أهل الكتاب، فقال لهم أبو عبد الله(علیه السلام): قد سمعتم ما قال الله عزوجل في كتابه فقالوا


1) ـ المغني والشرح الكبير ج 11 ، فصل 7746 ، ص 36 .

2) ـ سورة الأنعام، الآية: 121 .

له: نحبّ أن تخبرنا، فقال لهم: لا تأكلوها ...(1).

فقوله (علیه السلام): «قد سمعتم ما قال الله عزوجل في كتابه» إشارة إلى هذه الآية.وقد أورد على هذا الاستدلال بوجهين:

الأول: إنّ الآية مطلقة، والمعتبر فيها هو مجرّد ذكر الله تعالى سواء صدرت التسمية من مسلم أو غيره، فالتقييد بالمسلم مما لا وجه له.

الثاني: بما ورد في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ»(2).

حيث قال الرازي في تفسيره: المراد بالطعام هاهنا وجوه ثلاثة:

الأول: أنه الذبائح ... والوجه الثاني: أنّ المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة، وهو منقول عن بعض أئمة الزيدية. والثالث: أنّ المراد جميع المطعومات والأكثرون على القول الأول رجّحوا ذلك من وجوه:

أحدها: أنّ الذبائح هي التي تصير طعاماً بفعل الذابح فحمل قوله: «وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» على الذبائح أولى.

وثانيها: أنّ ما سوى الذبائح فهي محلّلة قبل أن كانت لأهل الكتاب، وبعد أن صارت لهم، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.

وثالثها: ما قبل هذه الآية في بيان الصيد والذبائح فحمل هذه الآية على الذبائح أولى(3).

وأضاف صاحب المنار ـ كما نقله في الميزان ـ وجوهاً أخرى، أهمها وجهان:

الأول: أنّ حصر الطعام بغير الذبائح أي بالحبوبات وأشباهها مما يخالف


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 25 .

2) ـ سورة المائدة، الآية: 5 .

3) ـ التفسير الكبير 11 : 146 .

عرف القرآن في استعمال الطعام، قال: ليس هذا هو الغالب في لغة القرآن فقد قال الله تعالى في هذه السورة ـ أي سورة المائدة ـ : «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ»(1)ولا يقول أحد: إنّ الطعام من صيد البحر هو البُرّ أو الحبوب. وقال: «كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ»(2)، ولم يقل أحد: إنّ الطعام هنا البُرّ أو الحبّ مطلقاً، إذ لم يحرم شيء منه على بني إسرائيل لا قبل التوراة ولا بعدها، فالطعام في الأصل كل ما يطعم أي يذاق أو يؤكل، قال تعالى في ماء النهر حكاية عن طالوت: «فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي»(3)وقال: «فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا»(4)أي أكلتم.

الثاني: وهو قوله: وليس الحبّ مظنّة للتحليل والتحريم، وإنما اللحم هو الذي يعرض ذلك لوصف حسّي كموت الحيوان حتف أنفه، أو معنوي كالتقرّب به إلى غير الله، ولذلك قال تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً»(5).وكله يتعلّق بالحيوان وهو نصّ في حصر التحريم فيما ذكر، فتحريم ما عداه يحتاج إلى نصّ(6).

والمتحصّل من هذه الوجوه أنّ المراد من الطعام هو الذبائح، وحكمها الحلّية، ومقتضى الجمع بينها وبين الآية الأولى أنهم إذا ذكروا اسم الله على


1) ـ سورة المائدة، الآية: 96 .

2) ـ سورة آل عمران، الآية: 93 .

3) ـ سورة البقرة، الآية: 249 .

4) ـ سورة الأحزاب، الآية: 53 .

5) ـ سورة الأنعام، الآية: 145 .

6) ـ الميزان في تفسير القرآن 5 : 212 ـ 213 .

الذبيحة حلّ أكلها.

وكلا الوجهين ضعيفان.

أما الأول ففيه: أنّ الآية منصرفة إلى اعتبار التسمية في الحلّية والإتيان بها عن اعتقاد وقصد صحيحين، والقصد الفاسد لا أثر له، ولذلك لو سمّى بغير قصد الذبح فلا تحلّ الذبيحة، كما لا تحلّ ذبيحة المشرك أو المشبّه أو المجسّم ونحوهم وإن ذكروا اسم الله على الذبيحة لعدم تأتي القصد الصحيح منهم، ومع هذا الانصراف فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق.

وأما الثاني ففيه أنّ جميع تلك الوجوه باطلة.

أما بطلان الوجه الأول فلأنّ الطعام كما يصير بفعل الذابح كذلك يصير بفعل غير الذابح كالزارع، والغارس، والطاحن، والطابخ، وغيرهم، فلا يختصّ صدق الطعام بما يكون بالذبح فقط ـ كما تخيّله الرازي ـ بل صدقه على المزروع والمغروس والمطحون والمطبوخ أولى من صدقه على الذبائح وهو واضح.

وأما بطلان الوجه الثاني فهو ظاهر، لأنّ حلّية الحبوب ـ مثلاً ـ لأهل الكتابقبل أن يكون لهم وبعده، إنما هو خصوص ما كان حاصلاً قبل فعلهم، وأما حصول الطعام بفعلهم كالزرع والطبخ ونحوهما فليس له حالة سابقة حتى يقال إنها كانت محلّلة قبل ذلك، وحينئذ فللسؤال عن حكمها وجه.

وأما الوجه الثالث فهو مجرّد استحسان لا يمكن المصير إليه.

وأما بطلان الوجهين اللذين ذكرهما صاحب المنار فبما أجاب به في الميزان وحاصل الجواب عن الوجه الأول: أنّ محلّ الكلام هو لفظ الطعام المجرّد عن أيّ قرينة، وما ذكره هذا القائل إنما هو مشتقات الفعل كقوله: (يطعمه) أو قوله: (طعمتم) وذلك خارج عن محلّ الكلام، ومثله المحفوف بالقرينة كقوله: (وطعام البحر) فإنّ الإضافة أجلى قرينة، فليس ينبت في البحر

برّ ولا شعير، وقوله: «كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ » فإنّ فيه قرينة على أنّ البرّ والحبّ لم يكونا محرّمين عليهم فما ذكره أجنبي عن محلّ الكلام. وإنما الكلام في موارد استعمال الطعام مجرّداً عن القرائن والأفعال المصوغة منه، ولو راجع من القرآن موارد إطلاق لفظ الطعام لعلم أنّ المراد به هو الحبوب وأشباهها، كقوله تعالى: «فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ»(1)وقوله: «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ»(2)وقوله: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ»(3)وقوله: «فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ»(4)ونحوذلك(5).

وأما حاصل جوابه عن الوجه الثاني فهو أنه قال: وكلامه (صاحب المنار) هذا أعجب من سابقه، أما قوله ليس الحبّ مظنّة للتحليل والتحريم وإنما اللحم هو الذي يعرض له ذلك فيقال له: في أي زمان يعني ذلك؟ أفي مثل هذه الأزمنة، وقد استأنس الأذهان بالإسلام وعامة أحكامه منذ عدة قرون؟ أم في زمان النزول ولم يمض من عمر الدين إلاّ عدة سنين؟ وقد سألوا النبي (صلي الله علیه وآله) عن أشياء هي أوضح من حكم الحبوب وأشباهها وأجلى، وقد حكى الله تعالى بعض ذلك كما في قوله تعالى: «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ»(6)وقد روى عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رجالاً قالوا: كيف نتزوج نساءهم وهم على دين ونحن على دين؟ فأنزل الله: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» ... الحديث وغير ذلك(7).


1) ـ سورة البقرة، الآية: 184 .

2) ـ سورة المائدة، الآية: 95 .

3) ـ سورة الإنسان، الآية: 8 .

4) ـ سورة عبس، الآية: 24 .

5) ـ الميزان في تفسير القرآن 5 : 213 .

6) ـ سورة البقرة، الآية: 215 .

7) ـ الميزان في تفسير القرآن 5 : 213 .

هذا، وقد أفاض ! في الجواب عن ذلك، وما نقلناه عنه كاف في إفادة المطلوب، وهو متين في غاية الوضوح خصوصاً بملاحظة ما ذكرناه في الجواب عن الوجوه المتقدمة من أنّ الطعام شامل لزرعهم وغرسهم وما تباشره أيديهم، فيصحّ السؤال عنه، ولا يختصّ بما يملكونه من الحبوب وأشباهها فما ذكر من الاستبعاد لا وجه له.إلاّ أنّ جوابه ! الأول قابل للمناقشة فإنّ موارد استعمال لفظ الطعام الواردة في القرآن الكريم مجرّدة أكثر مما ذكره ! ، وليس المراد في جميع الموارد هو البُرّ والحبّ، كقوله تعالى: «وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ»(1)وقوله تعالى: «قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ»(2)وقوله تعالى:«وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ»(3)وقوله تعالى: «وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ»(4)وقوله تعالى: «وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ»(5)وقوله تعالى: «إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ»(6)وقوله تعالى: «وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ»(7)قوله تعالى : «وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ»(8)وغيرها من الآيات الدالة على أنّ المراد بالطعام هو الأعم من البرّ والحبّ، إلاّ أن يدعى أنّ استفادة ذلك لغلبة الاستعمال.


1) ـ سورة المائدة، الآية: 75 .

2) ـ سورة يوسف، الآية: 37 .

3) ـ سورة الأنبياء، الآية: 8 .

4) ـ سورة الفرقان، الآية: 7 .

5) ـ سورة الفرقان، الآية: 20 .

6) ـ سورة الأحزاب، الآية: 53 .

7) ـ سورة الحاقة، الآية: 34 .

8) ـ سورة الفجر، الآية: 18 .

وفيه: أنّ تحصيل الغلبة بما ذكره ! من الموارد المعدودة مشكل.هذا، ولكن يمكن استظهار أنّ المراد من الطعام في الآية هو الحبوب وأشباهها لا الذبائح بوجوه:

الأول: إنه بناء على أنّ معنى الطعام في الآية هو أحد وجوه ثلاثة كما تقدم عن الرازي فالأنسب بمقتضى الجمع بين الآية الأولى وهي قوله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» وبين هذه الآية، هو أن يكون المراد به خصوص الحبوب، وذلك لأنّه لو كان المراد به خصوص الذبائح أو الأعم منها ومن الحبوب لزم التنافي بين الآيتين، لأنّ أهل الكتاب إما أنهم لا يعتبرون التسمية على ذبائحهم، أو لا يسمّون، فحلّية ذبائحهم تنافي النهي الوارد عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، فلابدّ حينئذ إما أن تكون ناسخة لها، وهو مع بعده في نفسه لم يقل به أحد، وإما أن تكون مقيّدة أو مخصّصة بما إذا سمعت التسمية الصحيحة منهم، وفيه، مضافاً إلى لزوم تقدم المخصّص، لم يلتزم به العامة بل ذهبوا إلى القول بالجواز مطلقاً.

وأما إذا حمل معناه على الحبوب ـ كما هو الاحتمال الأرجح ـ فلا يرد عليه أي محذور.

الثاني: أنه يمكن استظهار ذلك أيضاً بقرينة قوله تعالى: «وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» حيث إنّ ذبائح المسلمين كانت محرّمة عندهم كما يظهر من عدّة روايات.

منها: معتبرة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبيحة أهل الكتاب قال: فقال: والله ما يأكلون ذبائحكم فكيفتستحلون أن تأكلوا ذبائحهم(1)؟ الحديث.

والرواية: وإن كانت مرسلة إلاّ أنّه يمكن الاعتماد عليها بناء على ما


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

حقّقناه في محله(1).

ومنها: صحيحة الحسين الأحمسي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال لي رجل: أصلحك الله إنّ لنا جاراً قصّاباً فيجيء يهودي فيذبح له حتى يشتري منه اليهود، فقال: لا تأكل من ذبيحته ولا تشتر منه(2).

والمستفاد من التعليل أنّ اليهود لا يأكلون من ذبائح المسلمين.

ومنها: ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره بسنده الصحيح عن أبي عبد الله(علیه السلام) في تفسير الآية قال: عنى بطعامهم هاهنا الحبوب والفاكهة غير الذبائح التي يذبحون، فإنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، ثم قال: والله ما استحلوا ذبائحكم فكيف تستحلون ذبائحهم(3).

فإذا كان أهل الكتاب لا يأكلون من ذبائح المسلمين فالمراد بالطعام هنا هو خصوص الحبوب فكذلك الحال في مقابله.

هذا بناء على أنّ هذه الجملة إخبار عن الحكم في شريعتهم، وأما إذا كانت إنشاء في شريعتنا بمعنى جواز إعطائهم الطعام كما يجوز لنا أكل طعامهم فلاتكون شاهدة على المدعى.

وهناك تفسيران آخران قد يقال بهما:

أحدهما: حمل كلتا الجملتين المتقابلتين على جواز الضيافة بمعنى إجابة دعوتهم وجواز إطعامهم ولا ربط للآية بنوعية الطعام.

ثانيهما: حمل كلتا الجملتين على الإخبار بأنّ كل ما كان عندنا حلال فهو حلال في شريعتهم، وهذا المعنى أيضاً لا ربط له بالنوع بل بالجنس من دون اعتبار الذبح وعدمه كلحم البقر والغنم ونحو ذلك.


1) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 401 ـ 424 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

3) ـ تفسير القمي 1 : 191 .

ولكن فيهما ما لا يخفى.

الثالث: بما ورد من الروايات الخاصة في تفسير هذه الآية، وهي عدة روايات:

منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله تعالى: «وطعامهم حلّ لكم»(1)فقال: العدس والحمص وغير ذلك(2).

والظاهر من قوله (وغير ذلك) نظائر العدس والحمص من أنواع الحبوب.

ويؤيّده: أنّ هذه الرواية بعينها وردت في تفسير العياشي وفيها: وأشباه ذلك(3). وعلى هذا فالرواية واضحة الدلالة كما أنها معتبرة السند.

ومنها: موثقة قتيبة الأعشى عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنهسئل عن قوله تعالى: «وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» قال: كان أبي يقول: إنما هي الحبوب وأشباهها(4).

والرواية صريحة في دلالتها، حيث حصر (علیه السلام) معناها في الحبوب وأشباهها، وليس اللحم من أشباه الحبوب قطعاً.

ومنها: معتبرة أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» قال: الحبوب والبقول.

وهي أيضاً واضحة الدلالة كما أنها من حيث السند معتبرة، فإنه وإن كان فيه محمد بن سنان إلاّ أننا قد ذكرنا غير مرة أنّ مقتضى التحقيق(5)هو اعتبار


1) ـ كذا ورد في الرواية، وهو من اشتباه النساخ، إذ ليس في القرآن آية بهذا اللفظ، والصحيح هو: Pوَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ » كما في الروايات اللاحقة.

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 51 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 5 .

3) ـ تفسير العياشي 1 : 296 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 51 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 4 .

5) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 556 ـ 573 .

روايته، ومثله أبو الجارود فإنه واقع في أسناد نوادر الحكمة، وتفسير القمي، وروى عنه المشايخ الثقات(1)، فلا إشكال في سند الرواية.

ومنها: مرسلة الصدوق في الفقيه قال: وسئل الصادق (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: «وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ» قال: يعني الحبوب(2).

وهناك روايات أخرى وردت في السؤال عن طعام أهل الكتاب وتعيينهبالحبوب وهي وإن لم تكن صريحة في تفسير الآية إلاّ أنّ الظاهر منها هو ذلك.

منها: موثقة سماعة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن طعام أهل الذمة ما يحلّ منه؟ قال: الحبوب(3).

وغيرها من الروايات.

والحاصل: أنّ المستفاد من الآية بضميمة ما ذكرنا من الوجوه أنّ المراد من الطعام فيها هو غير الذبائح.

الآية الثانية: قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ... وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ»(4).

حيث حصرت الحلّية بتذكية المسلمين المستفادة من الخطاب، وبإلغاء الخصوصية بين الصيد وغيره فالمعتبر في حلّية الذبيحة إسلام الذابح وأما غير المسلم فلا تحلّ ذبيحته.

هذا، ولكن الاستدلال بهذه الآية غير تام، وذلك لأنّه استدلال بمفهوم اللقب، وهو غير ثابت، كما قرّر في محله، نعم تدل الآية على انحصار الحلية في التذكية، وأما خصوص تذكية المسلم فلا يستفاد إلاّ بمفهوم اللقب كما ذكرنا.


1) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 140 و 166 و 433 .

2) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب الصيد والذبائح، الحديث 103 ، ص 219 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 51 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1 .

4) ـ سورة المائدة، الآية: 3 .

الدليل الثاني: السنة، والروايات الدالة على حرمة ذبائح أهل الكتاب كثيرة وهي على طوائف.الطائفة الأولى: ما دلّ على النهي عن الأكل من ذبيحة الكتابي.

منها: صحيحة الحسين الأحمسي المتقدمة، وموضع الشاهد منها قوله (علیه السلام): لا تأكل من ذبيحته ولا تشتر منه(1).

والرواية واضحة الدلالة كما أنها صحيحة السند.

ومنها: رواية زيد الشحّام قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن ذبيحة الذمّي، فقال: لا تأكله، إن سمّى وإن لم يسمّ(2).

وهي من حيث الدلالة واضحة، ولكنها من حيث السند غير تامة، فإنّ في طريقها مفضل بن صالح وهو ضعيف على ما ذكر النجاشي(3)ووقوعه في أسناد تفسير القمي(4)، ورواية المشايخ الثقات عنه(5)يجعله مورداً للتعارض، فيعامل معاملة المجهول، وعليه فالرواية مؤيدة.

ومنها: معتبرة إسماعيل بن جابر قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): لا تأكل ذبائحهم ولا تأكل في آنيتهم، يعني أهل الكتاب(6).ومنها: معتبرة إسماعيل بن جابر، وعبد الله بن طلحة، قال ابن سنان: قال إسماعيل بن جابر: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا تأكل من ذبائح اليهود والنصارى، ولا تأكل من آنيتهم(7).


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 5 .

3) ـ رجال النجاشي 1 : 314 الطبعة الأولى المحققة، ومعجم رجال الحديث 19 : 311 الطبعة الخامسة.

4) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 171 .

5) ـ نفس المصدر ص 440 .

6) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 10 .

7) ـ نفس المصدر الحديث 7 .

ولعلّ هاتين الروايتين واحدة فإنّ سندهما إلى إسماعيل بن جابر واحد، وألفاظهما متقاربة، ودلالتهما واحدة، وكون محمد بن سنان واقعاً في السند لا يضرّ باعتباره بناء على ما حقّقناه من ترجيح وثاقته.

ومنها: صحيحة شعيب العقرقوفي ـ المتقدمة ـ قال: كنت عند أبي عبد الله(علیه السلام) ومعنا أبو بصير وأناس من أهل الجبل يسألونه عن ذبائح أهل الكتاب، فقال لهم أبو عبد الله (علیه السلام): قد سمعتم ما قال الله عزوجل في كتابه، فقالوا له: نحبّ أن تخبرنا، فقال لهم: لا تأكلوها فلما خرجنا قال أبو بصير: كلها في عنقي، ما فيها قد سمعته وأباه جميعاً يأمران بأكلها فرجعنا إليه، فقال لي أبو بصير: سله فقلت: جعلت فداك ما تقول في ذبائح أهل الكتاب؟ فقال: أليس قد شهدتنا بالغداة وسمعت؟ قلت: بلى، فقال: لا تأكلها(1).

وهي واضحة الدلالة على عدم الجواز، وأما ما رواه أبو بصير عنهما (علیهما السلام) من الجواز فقد حمله صاحب الوسائل على التقية(2).

ومنها: صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال:أتاني رجلان أظنهما من أهل الجبل فسألني أحدهما عن الذبيحة، فقلت: والله لا برد لكما على ظهري، لا تأكل، قال محمد: فسألته أنا عن ذبيحة اليهودي والنصراني فقال: لا تأكل منه(3).

وهذه الرواية كالروايات السابقة في وضوح الدلالة واعتبار السند.

ومنها: صحيحة حميد بن المثنى عن العبد الصالح أنه سأله عن ذبيحة اليهودي والنصراني، فقال: لا تقربوها(4).


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 25 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، ذيل الحديث 25 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 26 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

وهي أيضاً تامة سنداً ودلالة.

ومنها: رواية الحسين بن عبد الله، قال: اصطحب المعلّى بن خنيس، وابن أبي يعفور في سفر، فأكل أحدهما ذبيحة اليهود والنصارى وأبى الآخر عن أكلها، فاجتمعا عند أبي عبد الله (علیه السلام) فأخبراه، فقال: أيكما الذي أباه؟ فقال: أنا، فقال: أحسنت(1).

وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من حيث السند غير تامة، فإنّ الحسين بن عبد الله ـ والظاهر من حيث الطبقة أنّه الأرجاني ـ لم يرد فيه توثيق.

ولكن ورد مضمون هذه الرواية بسند معتبر عن ابن أبي عمير، أنّ ابن أبي يعفور ومعلّى بن خنيس كانا بالنيل على عهد أبي عبد الله (علیه السلام) ، فاختلفا في ذبائح اليهود، فأكل المعلّى ولم يأكل ابن أبي يعفور، فلما صارا إلى أبيعبد الله (علیه السلام) أخبراه، فرضي بفعل ابن أبي يعفور وخطّأ المعلّى في أكله إياه(2).

ومنها: رواية محمد بن عذافر، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): رجل يجلب الغنم من الجبل يكون فيها الأجير المجوسي والنصراني فتقع العارضة فيأتيه بها مملّحة، فقال: لا تأكلها(3).

وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنّ في سندها أحمد بن هلال وهو ضعيف(4)، فالرواية مؤيدة لما تقدم.

الطائفة الثانية: ما دلّ على اشتراط حلية الذبيحة بالتسمية ولا يؤمن عليها إلاّ المسلم.

منها: صحيحة حسين الأحمسي عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: قال: هو


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 5 .

2) ـ نفس المصدر باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 16 .

3) ـ نفس المصدر باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 8 .

4) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 504 ـ 506 .

الاسم ولا يؤمن عليه إلاّ مسلم(1)، وفي رواية أخرى: إلاّ المسلم(2).

ومنها: معتبرة قتيبة الأعشى، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى، فقال: الذبيحة اسم، ولا يؤمن على الاسم إلاّ مسلم(3).

وهذه الرواية وإن كان في سندها محمد بن سنان إلاّ أنّنا رجحنا العمل بروايته كما ذكرنا غير مرة، فلا إشكال في السند وهي كالرواية السابقة في وضوح الدلالة.

ومنها: معتبرة ابن أبي عمير ـ المتقدمة ـ عن بعض أصحابه قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبيحة أهل الكتاب، قال: فقال: والله ما يأكلون ذبائحكم فكيف تستحلون أن تأكلوا ذبائحهم؟ إنما هو الاسم، ولا يؤمن عليه إلاّ مسلم(4).

ولا إشكال في سند الرواية بناء على ما حقّقناه من اعتبار مراسيل ابن أبي عمير كما لا إشكال في وضوح دلالتها.

ومنها: رواية حسين بن المنذر قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّا قوم نختلف إلى الجبل، والطريق بعيد، بيننا وبين الجبل فراسخ، فنشتري القطيع والإثنين والثلاثة، ويكون في القطيع ألف وخمسمائة شاة، وألف وستمائة شاة، وألف وسبعمائة شاة، فتقع الشاة، والإثنتان والثلاثة فنسأل الرعاة عن أديانهم قال: فيقولون: نصارى، قال: فقلت: أيّ شيء قولك في ذبائح اليهود والنصارى؟ قال: يا حسين الذبيحة بالاسم، ولا يؤمن عليها إلاّ أهل التوحيد(5).

وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من حيث السند غير تامة؛


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 24 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 8 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

5) ـ نفس المصدر باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .

لعدم وثاقة حسين بن المنذر فإنّ ما ورد في حقّه وإن أشعر بالحسن إلاّ أنه وارد عن طريقه(1)وذلك لا يستوجب التوثيق، وبناء على هذا فتكون الرواية مؤيدة لما تقدم.

ومنها: رواية الحسين بن عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنا نكون في الجبل فنبعث الرعاء في الغنم، فربّما عطبت الشاة أو أصابها شيء فذبحوها فنأكلها؟ فقال (علیه السلام): [لنا] هي الذبيحة، ولا يؤمن عليها إلاّ مسلم(2).

والرواية واضحة الدلالة إلاّ أنّها من حيث السند غير تامة، فتكون مؤيدة كالرواية السابقة.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على النهي عن ذبح أهل الكتاب الأضحيّة.

منها: صحيحة أبي بصير يعني المرادي، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: لا يذبح أضحيتك يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، وإن كانت امرأة فلتذبح لنفسها(3).

وهي واضحة الدلالة ومعتبرة السند.

ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا يذبح لك اليهودي ولا النصراني أضحيتك(4).ومنها: صحيحته الأخرى قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح نصارى العرب هل تؤكل؟ فقال: كان علي (علیه السلام) ينهاهم عن أكل ذبائحهم وصيدهم، وقال: لا يذبح لك يهودي ولا نصراني أضحيتك(5).

وموضع الشاهد منها الجملة الأخيرة.


1) ـ رجال الكشي 2 : 669 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

3) ـ نفس المصدر باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 20 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 42 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 19 .

ومنها: معتبرة إسحاق بن عمار، عن جعفر عن أبيه أنّ علياً (علیهم السلام) كان يقول: لا يذبح نسككم إلاّ أهل ملّتكم، ولا تصدّقوا بشيء من نسككم إلاّ على المسلمين، وتصدّقوا بما سواه غير الذكاة على أهل الذمّة(1).

ومنها: معتبرة الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (علیهم السلام) أنه كان يأمر مناديه بالكوفة أيام الأضحى ألا لا تذبح نسائككم يعني نسككم اليهود والنصارى، ولا يذبحها إلاّ المسلمون(2).

وأسناد هذه الروايات معتبرة.

ومنها: رواية سلمة أبي حفص عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّ علياً كان يقول: لا يذبح ضحاياك اليهود ولا النصارى، ولا يذبحها إلاّ مسلم(3).

وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من حيث السند غير تامة، لعدم ورود ما يدلّ على وثاقة سلمة أبي حفص، فتكون مؤيّدة.ومنها: مرسلة الصدوق عن الصادق (علیه السلام): ... وفي كتاب علي (علیه السلام) لا يذبح المجوسي، ولا النصراني، ولا نصارى العرب الأضاحي(4).

ودلالة هذه الطائفة على المدّعى يتوقّف على إلغاء الخصوصية في الأضحية، وإلاّ فلا دلالة فيها، بل قد يدّعى دلالتها على الجواز استناداً للمفهوم، بمعنى أنه إذا لم تكن الذبيحة أضحية جاز أن يذبحها اليهودي والنصراني.

الطائفة الرابعة: ما دلّ على أنّ المراد بطعام أهل الكتاب في تفسير الآية هو الحبوب وقد تقدّم ذكرها، وهي بمفهومها تدلّ على أنّ غير الحبوب كالذبائح لا يجوز أكله.


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 29 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 13 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 21 .

4) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب الصيد والذبائح، الحديث 61 ، ص 210 .

الطائفة الخامسة: ما دلّ على النهي عن أكل ذبائح نساء أهل الكتاب.

منها: صحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبيحة الغلام والمرأة هل تؤكل؟ فقال: إذا كانت المرأة مسلمة فذكرت اسم الله على ذبيحتها حلّت ذبيحتها، وكذلك الغلام إذا قوي على الذبيحة فذكر اسم الله، وذلك إذا خيف فوت الذبيحة ولم يوجد من يذبح غيرهما(1).

والرواية من حيث السند تامة وأما من حيث الدلالة فهي تدل بمفهومها على عدم جواز الأكل إذا كانت المرأة غير مسلمة.ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنه سئل عن ذبيحة المرأة فقال: إذا كانت مسلمة فذكرت اسم الله عليها فكل(2).

وهي من حيث الدلالة كالرواية السابقة ومن حيث السند معتبرة، فإنّ مسعدة من حيث الطبقة هو مسعدة بن زياد الواقع في تفسير القمي(3)، وكتاب نوادر الحكمة(4)، والذي يروي عنه هارون بن مسلم.

ومنها: رواية ابن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألت عن ذبيحة المرأة والغلام هل تؤكل؟ قال: نعم، إذا كانت المرأة مسلمة وذكرت اسم الله حلت ذبيحتها(5).

وهي كالسابقة في دلالتها إلاّ أنها من حيث السند غير تامة، فتكون مؤيّدة لما تقدم.

وهناك رواية واحدة تدلّ على النهي عن أكل ذبيحة كل من كان على


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 23 من أبواب الذبائح، الحديث 7 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 6 .

3) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 171 .

4) ـ نفس المصدر ص 145 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 23 من أبواب الذبائح، الحديث 11 .

خلاف الحق، وهي صحيحة زكريا بن آدم، قال: قال أبو الحسن (علیه السلام): إنّي أنهاك عن ذبيحة كلّ من كان على خلاف الذي أنت عليه وأصحابك إلاّ في وقت الضرورة إليه(1).

والرواية بمقتضى عمومها شاملة لأهل الكتاب، وهي تامة السند.هذه هي مجموع الروايات التي استدلّ بها على حرمة ذبيحة الكتابي، وفي مقابلها روايات أخرى تدل على الحلّية، وهي على طوائف.

الطائفة الأولى: ما دلّ على جواز أكل ذبيحة الكتابي وإن سمّى المسيح.

منها: صحيحة إسماعيل بن عيسى قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى وطعامهم فقال: نعم(2).

ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبيحة أهل الكتاب ونسائهم، فقال: لا بأس به(3).

ومنها: صحيحة شعيب العقرقوفي المتقدمة، وموضع الشاهد منها: قوله: قال أبو بصير: كلها في عنقي، ما فيها فقد سمعته وأباه جميعاً يأمران بأكلها...(4).

ومنها: رواية يونس بن بهمن قال: قلت لأبي الحسن (علیه السلام): أهدى إليّ قرابة لي نصراني دجاجاً وفراخاً قد شواها، وعمل لي فالوذجة فأكله؟ فقال: لا بأس به(5).

والرواية من حيث الدلالة واضحة وأما سندها فهو وإن اشتمل على يونس بن بهمن ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه بناء على ما حقّقناه(6)من أنّ رواية


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 9 .

2) ـ نفس المصدر باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 41 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 34 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 25 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

6) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 401 ـ 424 .

أحد المشايخالثقات عن شخص أمارة على وثاقته فيمكن الاعتماد على هذه الرواية لأنّ أحمد بن محمد بن أبي نصر قد روى عن يونس بن بهمن كما في نفس هذه الرواية، وعليه فالرواية معتبرة.

ومنها: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبيحة اليهودي فقال: حلال، قلت: وإن سمّى المسيح؟ قال: وإن سمّى المسيح فإنه إنّما يريد الله(1).

والرواية واضحة في دلالتها كالروايات السابقة إلاّ أن في سندها علياً وهو ابن أبي حمزة، وفي وثاقته خلاف فتكون مؤيدة.

ومنها: رواية عبد الملك بن عمرو قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما تقول في ذبائح النصارى؟ فقال: لا بأس بها، قلت: فإنّهم يذكرون عليها المسيح، فقال: إنّما أرادوا بالمسيح الله(2).

والرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند فإنّ عبد الملك بن عمرو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه واقع في أسناد نوادر الحكمة(3)، وذلك كاف في اعتباره والأخذ بروايته، بناء على ما حققناه في محله، نعم في دلالتها بحث سيأتي.

الطائفة الثانية: ما دلّ على حلّيّة ذبائح أهل الكتاب إذا ذكروا اسم الله على الذبيحة.

منها: موثقة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح أهل الكتاب، فقال: لا بأس إذا ذكروا اسم الله، ولكن أعني منهم من يكون على أمر


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 36 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 35 .

3) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 142 .

موسى وعيسى (علیهما السلام) (1).

والرواية وإن كان في سندها إسماعيل بن مرار إلاّ أنّه واقع في أسناد تفسير القمي(2)فتكون معتبرة السند، وأما من جهة الدلالة فهي واضحة، والمراد بقوله(علیه السلام): «أعني منهم من يكون على أمر موسى وعيسى (علیهما السلام) » إما اليهود والنصارى، وإما من ليس منحرفاً عن ملّته منهم على ما سيأتي في الطائفة التالية.

ومنها: معتبرة علي بن جعفر قال: سألته عن ذبيحة اليهود والنصارى هل تحلّ؟ قال: كُلْ ما ذكر اسم الله عليه(3).

وهي من حيث الدلالة واضحة، وأما من حيث السند فهي وإن وقع في طريقها عبد الله بن الحسن وهو لم يوثّق، إلاّ أننا ذكرنا أن بالإمكان تصحيح روايات الحميري عن عبد الله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، بعدّة وجوه(4)، وبناء على ذلك فالرواية معتبرة السند.

ومنها: صحيحة حمران قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول في ذبيحةالناصب واليهودي والنصراني: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله، فقلت: المجوسي؟ فقال: نعم إذا سمعته يذكر اسم الله، أما سمعت قول الله: «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»(5).

والرواية من حيث السند تامة، وأما من حيث الدلالة فهي وإن ذكر فيها حلّية ذبيحة الناصب والمجوسي وقد نهي عن أكل ذبيحتهما في روايات أخرى،


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 11 .

2) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 167 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 14 .

4) ـ التقية في فقه أهل البيت ( 1 : 452 ـ 454 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 31 .

إلاّ أنه لا يضرّ بموضع الشاهد في ما نحن فيه.

ومنها: صحيحة جميل ومحمد بن حمران أنهما سألا أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والمجوس، فقال: كل، فقال بعضهم: إنهم لا يسمّون، فقال: فإن حضرتموهم فلم يسمّوا فلا تأكلوا، وقال: إذا غاب فكل(1).

وهي واضحة الدلالة وتامة السند وفي هذه الرواية بحث سيأتي.

ومنها: معتبرة حريز قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والمجوس، فقال: إذا سمعتهم يسمّون وشهد لك من رآهم يسمّون فكل، وإن لم تسمعهم ولم يشهد عندك من رآهم يسمّون فلا تأكل ذبيحتهم(2).

والرواية من حيث الدلالة واضحة، وأما من حيث السند فلا بأس بها وإن اشتمل سندها على القاسم بن سليمان، فإنه واقع في أسناد تفسير القمي(3)، وذلك كاف في اعتبار روايته.

ومنها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، وزرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) ، أنهما قالا في ذبائح أهل الكتاب: فإذا شهدتموهم وقد سمّوا اسم الله فكلوا ذبائحهم، وإن لم تشهدوهم فلا تأكلوا، وإن أتاك رجل مسلم فأخبرك أنهم سمّوا فكل(4).

وهي واضحة الدلالة وتامة السند.

ومنها: رواية الورد بن زيد قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): حدّثني حديثاً وأمله عليّ حتى أكتبه، فقال: أين حفظكم يا أهل الكوفة؟ قال: قلت: حتى لا يردّه عليّ أحد، ما تقول في مجوسي قال: بسم الله ثم ذبح؟ فقال: كلْ، قلت: مسلم ذبح ولم يسمّ؟ فقال: لا تأكله، إنّ الله يقول: «فكلوا مما ذكر اسم لله عليه


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 33 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 39 .

3) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 170 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 38 .

ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه» (1).

والرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير تامة، فإنّ الورد بن زيد لم يرد فيه توثيق، فتكون مؤيدة للروايات المتقدمة.

ومنها: رواية العياشي في تفسيره، عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» قال: أما المجوس فليسوا من أهل الكتاب، وأما اليهود والنصارى فلا بأس إذا سمّوا(سمعوا)(2).

والرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير تامة لجهالة طريق العياشي إلى عمر بن حنظلة، فتكون مؤيدة.

ومنها: رواية عامر بن علي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنا نأكل ذبائح أهل الكتاب ولا ندري يسمّون عليها أم لا، فقال: إذا سمعتم قد سمّوا فكلوا(3).

والرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير تامة لاشتمالها على من لم يرد فيه توثيق فتكون مؤيدة.

ومنها: مرسلة الصدوق، وقال الصادق (علیه السلام): لا تأكلوا ذبيحة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، وجميع من خالف الدين، إلاّ إذا سمعته يذكر اسم الله عليها، وفي كتاب علي (علیه السلام) لا يذبح المجوسي ولا النصراني ولا نصارى العرب الأضاحي، وقال: تأكل ذبيحته إذا ذكر اسم الله عزوجل(4).

الطائفة الثالثة: ما دلّ على عدم حلّية ذبائح نصارى العرب لأنّهم ليسوا من أهل الكتاب.

منها: معتبرة علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن ذبائح نصارى العرب،


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 37 .

2) ـ تفسير العياشي 1 : 374 ، الحديث 84 ، ووسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 17 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 45 .

4) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب الصيد والذبائح، الحديث 61 ، ص 210 .

قال: ليس هم بأهل الكتاب، ولا تحلّ ذبائحهم(1).

وهي تدلّ بمفهومها على حلّية ذبائح أهل الكتاب إذا لم يكونوا من نصارى العرب.

ومنها: صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(علیه السلام): لا تأكلوا ذبيحة نصارى العرب فإنّهم ليسوا أهل الكتاب(2).

وهي من حيث الدلالة كالرواية السابقة كما أنها معتبرة السند.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث قال: لا تأكل ذبيحة نصارى العرب(3).

وهي من حيث الدلالة كالسابقة ومن حيث السند معتبرة.

ومنها: رواية أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا تأكل من ذبيحة المجوسي، قال: وقال: لا تأكل ذبيحة نصارى تغلب فإنهم مشركوا العرب(4).

وهي وإن كانت من جهة الدلالة كالروايات المتقدمة إلاّ أنّ في سندها علياً وهو ابن أبي حمزة وفي وثاقته خلاف كما ذكرنا، فتكون مؤيدة.ومنها: صحيحة الحلبي ـ المتقدمة ـ قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح نصارى العرب هل تؤكل؟ فقال: كان علي (علیه السلام) ينهاهم عن أكل ذبائحهم وصيدهم، وقال: لا يذبح لك يهودي ولا نصراني أضحيّتك(5).

وهذه الرواية من حيث السند تامة، ولكن دلالتها على المفهوم ليست من كلام الإمام (علیه السلام) بل من كلام الراوي، فإنّ الظاهر أنه يرى حلّية ذبائح النصارى


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 15 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 23 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 27 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 22 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 19 .

من غير العرب وإلاّ لم يكن لسؤاله عن ذبائح نصارى العرب وجه، فالرواية تدلّ بمفهومها المستفاد من كلام السائل على حلّية ذبائح أهل الكتاب.

هذه هي مجموع الروايات الواردة في حكم ذبائح أهل الكتاب.

والتحقيق في ذلك يتمّ بأمور:

الأول: إنّ الذي يستفاد من مجموع الآيات والروايات أنّ المدار في حلّية الذبيحة هو ذكر اسم الله عليها.

أما الآيات فمنها قوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ»(1)، وقوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ»(2)، وقوله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ»(3)، وقوله تعالى: «وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ»(4)،وقوله تعالى: «أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ»(5)، وقوله تعالى: «وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ»(6)، وقوله تعالى: «وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»(7).

والمستفاد من هذه الآيات أنّ ذكر اسم الله على الذبيحة ركن أساس في حلّيتها فإذا لم يذكر اسم الله عليها فلا يجوز أكلها، وهذا الركن مطلق بمعنى توقّف حلّية الذبيحة على التسمية أيّاً كان الذابح.

نعم، هناك آيات أخرى تدل على اشتراط التسمية وردت تخاطب المسلمين كقوله تعالى: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ


1) ـ سورة المائدة، الآية: 4 .

2) ـ سورة الأنعام، الآية: 118 .

3) ـ سورة الأنعام، الآية: 121 .

4) ـ سورة الأنعام، الآية: 138 .

5) ـ سورة الأنعام، الآية: 145 .

6) ـ سورة المائدة، الآية: 3 .

7) ـ سورة الأنعام، الآية: 119 .

مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ»(1)، وقوله تعالى: «وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ»(2)، وقوله تعالى: «لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ»(3)بناء على أن قوله: (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) متعلّق بقوله: (يذكروا) والمراد هو ذكر اسم الله على البهيمة عند ذبحها كما هو الظاهر.وإنما كانت هذه الآيات خاصّة بخطاب المسلمين لأنها واردة في مناسك الحج.

والحاصل: أنّ جميع الآيات تدلّ على أن ذكر اسم الله على الذبيحة شرط في حلّيتها.

وأما الروايات الدالة على ذلك فهي كثيرة:

منها: معتبرة حنان، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ الحسين بن المنذر روى لنا عنك أنّك قلت: إنّ الذبيحة اسم ولا يؤمن عليها إلاّ أهلها، فقال: إنّهم أحدثوا فيها شيئاً لا أشتهيه، قال حنان: فسألت نصرانياً فقلت له: أي شيء تقولون إذا ذبحتم؟ قال: نقول: بسم المسيح(4).

ومنها: صحيحة الحسين الأحمسي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: هو الاسم ولا يؤمن عليه إلاّ مسلم(5).

ومنها: معتبرة ابن أبي عمير ومحل الشاهد منها قوله (علیه السلام): إنما هو الاسم(6).


1) ـ سورة الحج، الآية: 34 .

2) ـ سورة الحج، الآية: 36 .

3) ـ سورة الحج، الآية: 28 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 10 .

6) ـ نفس المصدر باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

ومنها: رواية قتيبة الأعشى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: رأيت عنده رجلاً يسأله وهو يقول: إنّ لي أخاً يسلف في الغنم في الجبال، فيعطي السنّ مكان السنّ، فقال: أليس بطيبة نفس من أصحابه؟ قال: بلى، قال: فلا بأس قال: فإنّه يكون فيها الوكيل فيكون يهودياً أو نصرانياً، فتقع فيها العارضة فيبيعها مذبوحة، ويأتيه بثمنها وربما ملّحها فأتاه بها مملوحة، قال: إن أتاه بثمنها فلايخلطه بماله ولا يحركه، وإن أتاه بها مملوحة فلا يأكلها، فإنما هو الاسم، وليس يؤمن على الاسم إلاّ مسلم، فقال له بعض من في البيت: فأين قول الله عزوجل: (طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حلّ لهم) فقال: إنّ أبي (علیه السلام) كان يقول: ذلك الحبوب وما أشبهها(1).

ومنها: رواية الحسين بن المنذر، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّا نتكارى هؤلاء الأكراد في قطاع الغنم، وإنما هم عبدة النيران وأشباه ذلك، فتسقط العارضة فيذبحونها ويبيعونها، فقال: ما أحبّ أن تجعله في مالك، إنما الذبيحة اسم ولا يؤمن على الاسم إلاّ مسلم(2).

وغيرها من الروايات.

ففي جميع هذه الروايات حُصرت حلية الذبيحة في ذكر اسم الله عليها.

الأمر الثاني: إنّ المستفاد من خصوص الآيات وبعض الروايات أنّ حلية الذبيحة تتوقّف على شروط ثلاثة:

الأول: لزوم ذكر اسم الله عليها.

الثاني: إنّ الذبيحة إذا كانت أضحية فلابدّ أن يكون الذابح مسلماً وإن كان مخالفاً، وذلك لما ورد من إطلاق روايتي الحسين بن علوان وسلمة أبي حفص


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 6 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 7 .

المتقدمين، فقد ورد في الأولى: ولا يذبحها إلاّ المسلمون، وورد في الثانية: ولايذبحها إلاّ مسلم، فهما شاملتان للمخالف وأما إذا لم يكن مسلماً سواء كان كتابياً أو غيره فلا تحلّ.

الثالث: اعتبار التسمية من المسلم المباشر للصيد إذا كانت آلة الصيد حيواناً كالكلب المعلّم، فلا تجزي تسمية غير المرسل كتابياً كان أو غيره.

وأما الشرط الأول وهو لزوم ذكر اسم الله على الذبيحة فهل المعتبر أن يكون مسلماً أو موحّداً، فيه احتمالات ثلاثة:

أولها: أنّ المراد هو صدور التسمية من الموحّد المعتقد مع قصد القربة.

ثانيها: أنّ المراد هو صدورها من الموحّد المعتقد سواء كان معتقداً بالوجوب أو لا، وسواء كان بقصد القربة أو لا.

ثالثها: أنّ المراد صدورها من مطلق القائل موحّداً كان أو لا، معتقداً بالوجوب أو لا، قاصداً للقربة أو لا، بل يشمل ما إذا وقع من غير ذي شعور كآلة حفظ الصوت مثلاً، أو من غير المباشر، أو من الطفل، أو من المجنون، ونحو ذلك فإنّ مقتضى إطلاق ذكر اسم الله شموله لهذه الأفراد.

والظاهر عدم صحّة الأخير فإنّ التقييد في الآية بلفظ «عليه» ظاهر في كونه بقصد الذبح، فلا تحلّ الذبيحة إلاّ ممّن يعتقد بالله تعالى قاصداً بالذكر الذبح، وأما ما عداه كالطفل والمجنون وآلة حفظ الصوت فغير داخل في الآية وذلك لورودها في مقابل ما أهلّ به لغير الله، أي ما كان المقصود به غير الله تعالى، وأما الاعتقاد بالوجوب وعدمه فالظاهر من الآية الإطلاق بالنسبة إليه، فلا يبعد القول بالاحتمال الثاني وإن كان الاحتمال الأول هو القدر المتيقّن.

الأمر الثالث: إنّ الروايات الواردة على أقسام ثلاثة:

القسم الأول: الروايات الدالة على المنع من أكل ذبيحة أهل الكتاب

مطلقاً كمعتبرة ابن أبي عمير(1)المتقدمة الواردة في شأن ابن أبي يعفور والمعلّى بن خنيس حيث اختلفا في ذبائح اليهود فأكل المعلّى ولم يأكل ابن أبي يعفور، وموثقة سماعة(2)المتقدمة أيضاً عن أبي إبراهيم (علیه السلام) . ومعتبرة إسماعيل(3)بن جابر وعبد الله بن طلحة، وصحيحة محمد بن يحيى الخثعمي(4)، وصحيحة حميد بن المثنى(5)، وصحيحة سليمان بن خالد(6)، وموثقة مسعدة بن صدقة(7)، والروايتان الأخيرتان إنما تدلاّن على عدم حلّية ذبائح أهل الكتاب بالمفهوم.

وجميع هذه الروايات قد ذكرناها في ما تقدم.

القسم الثاني: الروايات الدالّة على الجواز مطلقاً كصحيحة العقرقوفي(8)وموضع الشاهد منها قوله: قال أبو بصير: كلها في عنقي، ما فيها فقد سمعته وأباه جميعاً يأمران بأكلها.

وصحيحة محمد الحلبي(9)، ومعتبرة يونس بن بهمن(10)، وصحيحة إسماعيل بن عيسى(11).


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 16 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 9 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 7 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 26 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 30 .

6) ـ نفس المصدر باب 23 من أبواب الذبائح، الحديث 7 .

7) ـ نفس المصدر الحديث 6 .

8) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 25 .

9) ـ نفس المصدر الحديث 34 .

10) ـ نفس المصدر الحديث 40 .

11) ـ نفس المصدر الحديث 41 .

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم(1)، وصحيحة الحلبي(2)، وصحيحة محمد بن قيس(3)، ومعتبرة علي بن جعفر(4)ودلالة الروايات الأربع الأخيرة على الجواز بالمفهوم.

وقد تقدم ذكر جميع هذه الروايات أيضاً.

القسم الثالث: الروايات الدالّة على أنّ وجه الحرمة هو عدم ائتمانهم على التسمية، وإذا سمّوا أو قامت البيّنة على أنّهم سمّوا حلت ذبيحتهم.

كصحيحتي الحسين الأحمسي(5)، ومعتبرة ابن أبي عمير(6)، ومعتبرة قتيبة الأعشى(7)، ومعتبرة معاوية بن وهب(8)، ومعتبرة علي بن جعفر(9)، وصحيحةحمران(10)، وصحيحة جميل ومحمد بن حمران(11)، وصحيحة حريز(12)، وصحيحتي حريز وزرارة(13)، ورواية عامر بن علي(14)، ورواية عمر بن حنظلة(15)، ورواية علي بن إبراهيم في تفسيره(16)، ومرسلة


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 27 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 19 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 23 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 15 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 2 و 24 .

6) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

7) ـ نفس المصدر الحديث 8 .

8) ـ نفس المصدر الحديث 11 .

9) ـ نفس المصدر الحديث 14 .

10) ـ نفس المصدر الحديث 31 .

11) ـ نفس المصدر الحديث 33 .

12) ـ نفس المصدر الحديث 39 .

13) ـ نفس المصدر الحديث 38 .

14) ـ نفس المصدر الحديث 45 .

15) ـ نفس المصدر الحديث 17 .

16) ـ تفسير القمي 1 : 191 .

الصدوق(1).

وجميع هذه الروايات قد تقدم ذكرها أيضاً.

ومنها: معتبرة حنان بن سدير قال: دخلنا على أبي عبد الله (علیه السلام) أنا وأبي فقلنا له: جعلنا فداك إن لنا خلطاء من النصارى، وإنّا نأتيهم فيذبحون لنا الدجاج، والفراخ، والجداء، أفنأكلها؟ قال: لا تأكلوها ولا تقربوها، فإنهم يقولون على ذبائحهم ما لا أحبّ لكم أكلها ـ إلى أن قال: ـ قالوا: صدق إنّا لنقول: بسم المسيح(2).ومنها: معتبرته الثانية المتقدمة(3)وهاتان الروايتان تدلان على الحرمة لأنّهم أحدثوا ما أوجب ذلك.

فالمستفاد من بعض هذه الروايات أنّ حرمة ذبائحهم إنما هي لعدم التسمية، أو لأنّهم أحدثوا في التسمية ما أوجب حرمتها، كما يستفاد من عدة منها حلّية ذبائحهم مع التسمية.

ومقتضى الصناعة والجمع بين الروايات وحمل المطلق على المقيد هو: أن يحمل القسمان الأولان على القسم الثالث، ويقال بحلّية ذبائحهم إذا صدرت التسمية الصحيحة منهم.

ولا يعارض ما ذكرنا من الجمع ما ورد من النهي عن أكل ذبائحهم وإن سمّوا وهي رواية زيد الشحام(4)وما ورد في مقابلها مما يدل على الجواز وإن سمّوا المسيح وهي رواية عبد الملك بن عمرو(5)، ورواية أبي بصير(6)؛


1) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب الصيد والذبائح، الحديث 61، ص 210 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

3) ـ نفس المصدر باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

4) ـ نفس المصدر باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 5 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 35 .

6) ـ نفس المصدر الحديث 36 .

وذلك لأنّ هذه الروايات الثلاثة كلّها ضعيفة الاسناد ولا يمكن الاعتماد عليها فلا تصلح للمعارضة.

نعم رواية عبد الملك بن عمرو معتبرة، فإنّ للصدوق طريقاً(1)معتبراً إليها، ووقوع الحكم بن مسكين في الطريق لا يضرّ باعتباره لوروده في أسناد نوادرالحكمة(2)، ورواية المشايخ الثقات عنه(3)، فيحكم بوثاقته، وأما نفس عبد الملك بن عمرو فيكفي في الحكم بوثاقته وقوعه في أسناد نوادر الحكمة، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، ولكن مع ذلك لا يمكن الاعتماد عليها لضعف دلالتها وذلك:

أولاً: إنها معارضة بما دلّ على لزوم ذكر اسم الله تعالى كما تقدم، ولما ورد من النهي عن أكل ذبائحهم لأنهم يسمّون المسيح عليها، كما في معتبرة حنان، قال: دخلنا على أبي عبد الله (علیه السلام) أنا وأبي فقلنا له: جعلنا فداك إنّ لنا خلطاء من النصارى وإنا نأتيهم فيذبحون لنا الدجاج والفراخ والجداء أفنأكلها؟ قال: لا تأكلوها ولا تقربوها، فأنهم يقولون على ذبائحهم ما لا أحبّ لكم أكلها ـ إلى أن قال: فقالوا: صدق إنا لنقول: بسم المسيح(4).

وثانياً: إنه لم يلتزم أحد من الفقهاء بالاكتفاء في حلّية الذبيحة بذكر اسم مخلوق وإن قصد به الخالق تعالى.

وبناء على ذلك فلابدّ من طرح الرواية أو ردّ علمها إلى أهلها، وما ذكرناه من الجمع سليم عن المعارضة.

ولكن الذي يضعّف هذا الجمع أمران:


1) ـ مشيخة الفقيه: 108 .

2) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 139 .

3) ـ نفس المصدر ص 431 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

الأول: استناد أكثر الأصحاب إلى روايات المنع مطلقاً وطرحهم روايات الجواز مع التسمية وحملها على التقية.ولعل الوجه في الحمل على التقية ما فهموه من سياق هذه الروايات من أنّ الأئمة (علیهم السلام) لما لم يتمكنوا من بيان الحكم ـ وهو عدم الحلّية ـ صريحاً بيّنوه بذكر العلّة المقبولة عند العامة وهي اعتبار التسمية وأنه لا يؤمن عليها إلاّ مسلم، نظير ما ورد في الصوم من قوله (علیه السلام): ذاك إلى الإمام ... (1).

فإنّ الكبرى وإن كانت مسلمة إلاّ أن الكلام في تحقّق المصداق.

ويؤيّد ما ذكرنا رواية بشير ابن أبي غيلان الشيباني قال: سألت أبا عبد الله(علیه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى والنصّاب، قال: فلوى شدقه وقال: كلها إلى يوم مّا(2).

فإنها تشعر بأنّ الحلّية مؤقتة وأنّها للتقية وقد حملها الشيخ على ذلك(3).

ويؤيده أيضاً معتبرة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح أهل الكتاب، فقال: لا بأس إذا ذكروا اسم الله، ولكن أعني منهم من يكون على أمر موسى وعيسى (علیهما السلام) (4).

وهي تشعر بأنّ هؤلاء اليهود والنصارى ليسوا على أمر موسى وعيسى.

ولعلّ حكمهم بالجواز مع سماع التسمية كما ورد في بعض الروايات المتقدمةمن باب التعليق على أمر لا يتحقّق في الخارج.

فالتقييد ـ حينئذ ـ يكون مورد الشك، ولا يصحّ رفع اليد عن إطلاقات


1) ـ وسائل الشيعة ج 7 ، باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث 5 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 28 .

3) ـ تهذيب الأحكام ج 9 ، باب الذبائح والأطعمة وما يحل من ذلك وما يحرم منه، الحديث 34 ، ص70 ـ 71 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 11 .

الروايات الناهية.

ولكنّ الذي يوهن ذلك، ما يظهر من جملة من أصحاب الأئمة (علیهم السلام) ـ كالمعلّى بن خنيس، وأبي بصير، وحريز، وزرارة، ومحمد بن مسلم، بل في رواية عامر بن علي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنا نأكل ذبائح أهل الكتاب ... (1)الدالة على أنّ أصحاب الأئمة (علیهم السلام) يرون الجواز والحلّية ـ أنّ المسألة محل خلاف عندهم وأكثرهم على القول بالحلّية.

الثاني: أنّ اللازم من هذا الجمع رفع اليد عن القدر المتيقن من الآية، وهو الاحتمال الأول، والالتزام بأنّ المراد من الذكر مطلق التلفظ باسم الله تعالى على الذبيحة سواء صدر من المسلم أو من غيره.

ويمكن أن يقوّى هذا الوجه ويصار إليه لإطلاق الذكر وشموله لكل صادر من المعتقد بالله على الذبيحة إذا كان مع القصد، ولكن الالتزام بشموله لمن لا يعتقد بالله سبحانه ـ كما هو الاحتمال الثالث ـ بعيد جداً، فإنه خلاف المنصرف.

ووجهه: أنّ صدور الذكر من غير المعتقد بالله لا يخلو إما أن يكون لغواً، وإما أن يكون استهزاءاً، وعلى كلا التقديرين لا يترتّب على الذكر أيّ أثر.

هذا، وقد قال الشيخ ! في المقام من كتابي التهذيبين بعد أن نقل أخبار الحليةوالحرمة، فأول ما في هذه الأخبار (أي الدالة على الحلّية) أنها لا تقابل تلك (أي الدالة على الحرمة) لأنها أكثر، ولا يجوز العدول عن الأكثر إلى الأقل لما قد بيّن في غير موضع، ولأنّ من روى هذه الأخبار قد روى أحاديث الحظر التي قدّمناها، وهم الحلبي، وأبو بصير، ومحمد بن مسلم، ثم لو سلّمت من هذا كلّه لاحتملت وجهين:


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 45 .

أحدهما: أنّ الإباحة فيها إنما تضمّنت في حال الضرورة دون حال الاختيار، وعند الضرورة تحلّ الميتة، فكيف ذبيحة من خالف الإسلام، والذي يدلّ على ذلك ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن حمزة القمي، عن زكريا بن آدم، قال أبو الحسن (علیه السلام): إني أنهاك عن ذبيحة كل من كان على خلاف الذي أنت عليه وأصحابك إلاّ في وقت الضرورة إليه.

والوجه الثاني: أن تكون هذه الأخبار وردت للتقية لأنّ من خالفنا ـ يجيز أكل ذبيحة من خالف الإسلام من أهل الذمّة، والذي يدلّ على ذلك ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن بشير بن أبي غفيلة الحسن بن أيوب، عن داود بن كثير الرقي، عن بشر بن أبي غيلان الشيباني، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح اليهود، والنصارى، والنصّاب، قال: فلوى شدقه وقال: كلها إلى يوم مّا(1).

وحاصل كلامه ! أنه ذكر أربعة وجوه لترجيح روايات الحرمة.أما الأولان ففيهما ما تقدّم، وأما الثالث وهي رواية زكريا بن آدم فمحمول على الكراهة وحمل الضرورة على الحاجة، وأما الرابع وهي رواية الشيباني فمع غض النظر عن سندها يمكن أن يكون المراد باليوم هو يوم ظهور الحق، وعليه فليست الرواية صريحة في دلالتها على التقية كما سيأتي، ومع ذلك كلّه فالاحتياط في محلّه.

تنبيه:

قد تقدم في روايات الطائفة الثانية الدالة على الجواز، صحيحة جميل ومحمد بن حمران أنّهما سألا أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح اليهود والنصارى


1) ـ تهذيب الأحكام 9 : 70 ، والاستبصار 4 : 86 ـ 87 .

والمجوس، فقال: كل، فقال بعضهم: إنهم لا يسمون، فقال: فإن حضرتموهم فلم يسمّوا فلا تأكلوا، وقال: إذا غاب فكل(1).

والمستفاد منها أنّ مجرّد الغيبة عنهم حال الذبح كاف في الحكم بحلّية ذبائحهم.

ولكن لا يمكن الأخذ بإطلاق هذه الرواية بل تقيّد بما ورد في بعض الروايات من توقّف الحلية على إخبار الشهود على سماع التسمية منهم، وذلك لأنّ الأخذ بإطلاقها مخالف لما تقدم ولا يمكن الالتزام به، وعلى فرض ثبوت الإطلاق وعدم إمكان تقييدها فلابدّ من طرحها أو ردّ علمها إلى أهلها لمخالفتها الكتاب والسنة.

الجهة الثالثة: في حكم ذبائح المجوس:

وقد وقع الخلاف فيها بين الفقهاء، ويظهر من جماعة القول بحرمة أكل ذبائحهم وأنهم ملحقون بالكفار، منهم الشيخ في الخلاف(2)كما تقدّم، والعماني(3)وغيرهما، واختار جماعة آخرون القول بأنهم ملحقون بأهل الكتاب، منهم السيد في الوسيلة(4)، والسيد الأستاذ في المنهاج(5)وغيرهما.

فبناء على القول الأول فلا تحل ذبائحهم، وأما بناء على القول الثاني فإن قلنا بحلية ذبائح أهل الكتاب مع التسمية حلت ذبائحهم وإلاّ فلا.

ومنشأ الاختلاف هو اختلاف الروايات وهي على طائفتين:

الأولى: وهي تدلّ على عدم حلّية ذبيحتهم.


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 33 .

2) ـ الخلاف ج 6 ، كتاب الصيد والذباحة، مسألة 23 ، ص 24 .

3) ـ مستند الشيعة 2 : 450 الطبع القديم، ومختلف الشيعة 8 : 316 .

4) ـ وسيلة النجاة ج 2 ، كتاب الصيد ـ القول في الذباحة المسألة 1 ، ص 231 .

5) ـ منهاج الصالحين ج 2 ، المسألة 1635 ، ص 335 .

منها: موثقة الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، أنّ علياً (علیه السلام) كان يقول: كلوا من طعام المجوس كلّه ما خلا ذبائحهم، فإنها لا تحلّ وإن ذكر اسم الله عليها(1).

ومنها: رواية محمد بن عذافر قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): رجل يجلب الغنم من الجبل يكون فيها الأجير المجوسي والنصراني فتقع العارضةفيأتيه بها مملّحة، فقال: لا تأكلها، الحديث(2).

ومنها: رواية عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» قال: أما المجوس فليسوا من أهل الكتاب، وأما اليهود والنصارى فلا بأس إذا سُمعوا(3).

ومنها: رواية أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا تأكل من ذبيحة المجوسي ...(4).

ومنها: رواية الحسين بن المنذر قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّا نتكارى هؤلاء الأكراد في قطاع الغنم، وإنما هم عبدة النيران وأشباه ذلك فتسقط العارضة فيذبحونها ويبيعونها، فقال: ما أحبّ أن تجعله في مالك، إنما الذبيحة اسم، ولا يؤمن على الاسم إلاّ مسلم(5).

وهذه الروايات كلها ـ ما عدا الأولى ـ ضعيفة الأسناد وإن كانت من جهة الدلالة تامة، فتكون مؤيدة.

الطائفة الثانية: وهي تدلّ على حلّية ذبيحتهم مع التسمية.


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 12 .

2) ـ نفس المصدر باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 8 .

3) ـ نفس المصدر باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 17 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 22 .

5) ـ نفس المصدر باب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 7 .

منها: صحيحة حمران قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول في ذبيحة الناصب، واليهودي، والنصراني: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله،فقلت: المجوسي؟ فقال: نعم إذا سمعته يذكر اسم الله، أما سمعت قول الله: «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»(1).

ومنها: صحيحة جميل، ومحمد بن حمران، أنهما سألا أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح اليهود، والنصارى، والمجوس، فقال: كل، فقال بعضهم: إنهم لا يسمّون، فقال: فإن حضرتموهم فلم يسمّوا فلا تأكلوا ...(2).

ومنها: معتبرة حريز قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح اليهود، والنصارى، والمجوس، فقال: إذا سمعتهم يسمّون وشهد لك من رآهم يسمّون فكل...(3).

وطريق الرواية وإن كان فيه القاسم بن سليمان إلاّ أنه حيث وقع في أسناد تفسير القمي(4)فيحكم بوثاقته فلا إشكال في سندها وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم.

ومنها: مرسلة الصدوق قال: قال الصادق (علیه السلام): لا تأكل ذبيحة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، وجميع من خالف الدين، إلاّ إذا سمعته يذكر اسم الله عليها(5).ومنها: رواية الورد بن زيد قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): حدّثني حديثاً وأمله عليّ حتى أكتبه، فقال: أين حفظكم يا أهل الكوفة؟ قال: قلت: حتى لا يردّه عليّ أحد، ما تقول في مجوسيّ قال: بسم الله ثم ذبح؟ فقال: كل ...(6).


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 31 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 33 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 39 .

4) ـ تفسير القمي 1 : 414 .

5) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب الصيد والذبائح، الحديث 61 ، ص 210 .

6) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 37 .

والظاهر وقوع التعارض بين الطائفتين، ولا يمكن الجمع بين دلالتيهما فإنّ الطائفة الأولى تدل على عدم الحلية وإن سمّوا، والطائفة الثانية تدلّ على الحلية مع التسمية، والجمع بينهما بحمل الأولى على الكراهة ليس جمعاً عرفياً فلابدّ من إجراء قواعد التعارض بينها، والترجيح بناء على الحكم بحلية ذبائح أهل الكتاب مع التسمية، للطائفة الثانية، فإنها موافقة لظاهر قوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»(1)وللأخبار الكثيرة الواردة في حلّية ذبائح أهل الكتاب مع التسمية، وقد تقدّم أنّ المجوس في عداد أهل الكتاب.

وأما بناء على الحكم بعدم حلّية ذبائح أهل الكتاب، فلا ترجيح لإحدى الطائفتين على الأخرى، وبعد التساقط يرجع إلى الأصل العملي، وهو أصالة عدم التذكية ويحكم بالاجتناب عن ذبائحهم.

الجهة الرابعة: في حكم ذبيحة المرتد، والغلاة، والنواصب، ومن حكم بكفره كالمجسمة، والمجبرة ونحوهم.

أما المرتدّ فحكمه حكم الكافر سواء كان ارتداده عن فطرة أو عن ملّة،وسواء كان عن الإسلام أو عن دينه الذي كان عليه إلى دين غير الإسلام.

والظاهر عدم حلّية ذبيحته وإن ذكر اسم الله عليها.

وأما الغلاة وهم القائلون بألوهية غير الله تعالى فكذلك، لأنهم لا يعتقدون بالوحدانية الحقّة، فتسميتهم على الذبيحة كتسمية الكفار وهي بحكم العدم.

وأما النواصب وهم المعلنون ببغض آل محمد (علیهم السلام) فقد اختلفت الروايات فيهم، ففي جملة منها ورد النهي عن أكل ذبائحهم.

كموثقة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ذبيحة الناصب لا تحلّ(2).


1) ـ سورة الأنعام، الآية: 118 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 28 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .

وصحيحته عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: لا تحلّ ذبائح الحرورية.

والحرورية قسم من النواصب، وهم الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين(علیه السلام) وعسكروا بحرورى وهي قرية بقرب الكوفة فنسبوا إليها(1).

ومعتبرته أيضاً قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يشتري اللحم من السوق، وعنده من يذبح ويبيع من إخوانه فيتعمّد الشراء من النصّاب، فقال: أي شيء تسألني أن أقول؟ ما يأكل إلاّ مثل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، قلت: سبحان الله! مثل الدم والميتة ولحم الخنزير؟ فقال: نعم، وأعظمعند الله من ذلك، ثم قال: إنّ هذا في قلبه على المؤمنين مرض(2).

والرواية من جهة السند معتبرة، فإنّ محمد بن علي الواقع في طريقها هو محمد بن علي القرشي الذي يروي عنه أحمد بن حمزة(3)، وهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(4)، ولم يستثنه ابن الوليد فيحكم بوثاقته، وأما وقوعه في تفسير القمي(5)فلا دلالة فيه على الوثاقة لأنه وارد في القسم الثاني منه.

وأما من جهة الدلالة فالظاهر أنّ المراد من قوله (علیه السلام): مثل الميتة والدم ولحم الخنزير هو مثلها في الحكم، ويؤيّده فهم أبي بصير ذلك، بل إنّ قوله (علیه السلام): «نعم وأعظم عند الله» يؤكده.

ومنها: موثّقة فضيل بن يسار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ذكر النصّاب، فقال: لا تناكحهم، ولا تأكل ذبيحتهم، ولا تسكن معهم(6).


1) ـ مجمع البحرين 3 : 265 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 28 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

3) ـ معجم رجال الحديث 2 : 115 الطبعة الخامسة.

4) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 145 .

5) ـ نفس المصدر ص 179 .

6) ـ وسائل الشيعة ج 14 ، باب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 16 .

هذا، وفي عدة من الروايات الأخرى ما يدلّ على حلّية ذبائحهم مع التسمية.

كصحيحة حمران عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: لا تأكلذبيحة الناصب إلاّ أن تسمعه يسمّي(1).

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن ذبيحة المرجىء والحروري، فقال: كل، وقر، واستقر، حتى يكون ما يكون(2).

وقد تقدم أنّ الحروري من النواصب.

ومنها: رواية حمدان، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول في ذبيحة الناصب، واليهودي، قال: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر الله، أما سمعت الله يقول: «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»(3).

ومنها: رواية بشير بن أبي غيلان الشيباني قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبائح اليهود، والنصارى، والنصاب، قال: فلوى شدقه وقال: كلها إلى يوم مّا(4).

بناء على أنّ غاية الحلية هو يوم ظهور الحق فتحرم للحكم بكفرهم، وأما إذا كان المراد هو التقية فلا شاهد فيها، ومثلها في الدلالة صحيحة الحلبي المتقدمة.

وكلتا الروايتين الأخيرتين ضعيفتان سنداً فتكونان مؤيدتين.

ثم إنّ مقتضى الجمع بين الروايات حمل المطلق منها على المقيد، فتكون النتيجة حلّية ذبائحهم مع التسمية، وحكمهم في ذلك حكم ذبائح أهل الكتاب.

هذا، ولكن ذكر صاحب الجواهر عدم الخلاف في الحرمة، بل عن


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 28 من أبواب الذبائح، الحديث 7 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 8 .

3) ـ نفس المصدر باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 18 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 28 .

المهذّب وغيره الإجماع عليه(1)فيعلم أنهم أسوأ حالاً من أهل الكتاب، وبناء على ذلك فالظاهر هو الحكم بحرمة ذبائحهم.

وأما المجبرة والمجسمة فقد ورد النهي عن أكل ذبائحهم.

كما في رواية إبراهيم بن أبي محمود عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) في حديث قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر (علیهما السلام) ، عن أبيه جعفر بن محمد بن علي (علیهم السلام) ، أنه قال: من زعم أنّ الله يجبر العباد على المعاصي، أو يكلّفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلوا وراءه ولا تعطوه من الزكاة شيئاً(2).

ورواية يونس بن ظبيان، عن الصادق (علیه السلام) ، في حديث قال: يا يونس من زعم أنّ لله وجهاً كالوجوه فقد أشرك، ومن زعم أن له جوارح كجوارح المخلوقين فهو كافر بالله، فلا تقبلوا شهادته، ولا تأكلوا ذبيحته(3).

وهاتان الروايتان وإن كانتا واضحتين من جهة الدلالة إلاّ أنهما ضعيفتان من جهة السند.

هذا، ولكن عموم صحيحة زكريا بن آدم شامل لهاتين الفرقتين، قال: قال أبو الحسن (علیه السلام): إني أنهاك عن ذبيحة كل من كان على خلاف الذي أنتعليه وأصحابك، إلاّ في وقت الضرورة إليه(4).

فهذه الرواية بحسب الظاهر شاملة لكل من خالف الحقّ من الفرق الضالّة فلا تحلّ ذبائحهم، سواء كانت مع التسمية أو بدونها إلاّ ما ورد فيه التخصيص، وهو ما كان الذبح مع التسمية، ولم يرد ذلك في المجبرة والمجسّمة، وعليه فهم


1) ـ جواهر الكلام 36 : 95 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 28 من أبواب الذبائح، الحديث 9 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 10 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 28 من أبواب الذبائح، الحديث 5 .

ملحقون بالكفّار في الحكم بعدم حلّية شيء من ذبائحهم كما تقدّم .

إلاّ أنه قد ورد في مقابل هذه الرواية ما يدلّ على الحلية، وهي صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (علیه السلام) قال أمير المؤمنين (علیه السلام): ذبيحة من دان بكلمة الإسلام وصام وصلّى لكم حلال، إذا ذكر اسم الله تعالى عليه(1).

وهي من حيث الدلالة شاملة لكلّ من المجبرة والمجسّمة فإنّ ظاهرهم الإسلام، فإذا ذكروا اسم الله تعالى على الذبيحة حلّ أكلها، اللهم إلاّ أن يقال: إنّهم ملحقون بالكفار وإن أظهروا الإسلام، وحينئذ فلا شاهد فيها، وتكون صحيحة زكريا بن آدم سليمة عن المعارض.

وأما من جهة السند فقد رواها الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن يوسف بن عقيل، عن محمد بن قيس(2). وفي النسخة القديمة منالتهذيب عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن يوسف، عن عقيل(3)، وعلى كلتا النسختين فالسند ضعيف لأنّ الحسن بن يوسف بن عقيل، أو الحسن بن يوسف مجهول.

ولكن الذي ورد في الاستبصار: عن الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن يوسف بن عقيل(4).

وهو المذكور في الوسائل(5)، والظاهر أن هذا هو الصحيح، فإنّ المراد بالحسن هو الحسن بن سعيد الذي يروي عن يوسف بن عقيل(6)، وكلاهما ثقتان(7).


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 28 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

2) ـ تهذيب الأحكام ج 9 ، باب الذبائح والأطعمة وما يحلّ من ذلك وما يحرم، الحديث 300 ، ص71 .

3) ـ معجم رجال الحديث 6 : 171 الطبعة الخامسة.

4) ـ الاستبصار ج 4 ، باب ذبائح من نصب العداوة لآل محمد ( ، الحديث 5 ، ص 88 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 28 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

6) ـ معجم رجال الحديث 21 : 182 .

7) ـ الفهرست: 78 ، ورجال النجاشي 2 : 429 .

فالرواية صحيحة.

ثم إنّ مقتضى الجمع بين الروايتين ـ بناء على الحكم بإسلام المجبرة والمجسمة إذ لم يقم دليل معتبر على إلحاقهم بالكفار ـ هو الحمل على الكراهة، لأنّ هذه الرواية نصّ في الحلّية، وهي شاملة لهاتين الفرقتين، وصحيحة زكريا بن آدم تدل على النهي عن الأكل من ذبيحة المخالف، والجمع منها يقتضي الحمل على الكراهة.

الجهة الخامسة: في حكم ذبائح المخالفين.والمشهور هو الكراهة(1)، وذهب جماعة إلى القول باشتراط الإيمان بالمعنى الأخص. منهم ابن إدريس، حيث قال: الذباحة لا يجوز أن يتولّاها غير معتقدي الحق، فمتى يتولّاها غير معتقدي الحق من أي أجناس الكفار كان ... فلا يجوز أكل ذبيحته(2). واستثنى من ذلك المستضعف فنفى البأس عن أكل ذبيحته وعنى به الذي لا منّا ولا من مخالفينا(3). ومنهم أبو الصلاح الحلبي حيث قال: الضرب الثاني: ميتة ذوات الأنفس السائلة ابتداءً ... أو بفعل كافر كاليهود والنصراني أو جاحد النصّ(4). ومنهم ابن حمزة، حيث قال: إنه يجب في الذابح أن يكون مؤمناً أو في حكمه(5). ومنهم ابن البرّاج، حيث قال: لا يجوز أن يتولّى الذبح إلاّ من كان مسلماً من أهل الحق، فإن يتولّاه غير من ذكرناه من الكفار المخالفين لدين الإسلام أو من كفّار أهل الملّة على اختلافهم في جهات كفرهم لم تصح ذكاته ولم يؤكل ذبيحته(6).


1) ـ جواهر الكلام 36 : 93 .

2) ـ كتاب السرائر 3 : 105 ـ 106 .

3) ـ نفس المصدر ص 106 .

4) ـ الكافي في الفقه : 277 .

5) ـ الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 361 .

6) ـ المهذب 2 : 439 .

والعمدة في أدلة التحريم هي صحيحة زكريا بن آدم المتقدمة.

ولكن تعارضها صحيحة محمد بن قيس المتقدمة أيضاً، وقد قلنا إن مقتضىالجمع هو الحمل على الكراهة كما هو مذهب المشهور، المؤيّد بالسيرة المتصلة بزمان الأئمة (علیهم السلام)، وبما ورد في مرسلة الصدوق المتقدمة، قال: وقال الصادق(علیه السلام): لا تأكل ذبيحة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، وجميع من خالف الدين، إلاّ إذا سمعته يذكر اسم الله عليها(1).

بناء على أنّ من خالف الدين شامل لمن خالف المذهب.

هذا تمام الكلام حول الركن الأول من أركان الذباحة.

وأما الركن الثاني وهو آلة الذبح فليس بيننا وبين العامة كثير خلاف فيه، ولا بأس بالإشارة إليه تتميماً للفائدة فنقول:

إنّ من المتسالم عليه بين الأصحاب اشتراط كون آلة الذبح من الحديد، إلاّ عند عدم الوجدان، وخيف موت الذبيحة، أو اضطرّ إلى ذبحها، فيكتفى بغير الحديد.

قال الشيخ في المبسوط: لا يجوز عندنا أن يعدل عن الحديد إلى غيره مع القدرة عليه(2).

وقال في المستند: لا تجوز التذكية إلاّ بالحديد مع الاختيار، فلا يجزىء غيره ولا تقع به الذكاة، وإن كان من المعادن المنطبعة كالنحاس، والرصاص، والذهب، والفضّة، وغيرها، بلا خلاف بيننا ـ كما صرّح به جماعة ـ بل الإجماعالمحكي مستفيضاً، بل المحقق عند التحقيق(3).

وقال في الجواهر: وأما الآلة فلا تصحّ التذكية ذبحاً ونحراً إلاّ بالحديد مع


1) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب الصيد والذبائح، الحديث 61 ، ص 210 .

2) ـ المبسوط في فقه الإمامية 6 : 263 .

3) ـ مستند الشيعة 15 : 394 ، الطبعة الأولى المحققة.

القدرة عليه، وإن كان من المعادن المنطبعة، كالنحاس، والصفر، والرصاص، والذهب، وغيرها، بلا خلاف فيه بيننا، كما في الرياض(1)، بل في المسالك(2): عندنا، مشعراً بدعوى الإجماع عليه، كما عن غيره، بل في كشف اللثام(3)اتفاقاً...، نعم لو لم يوجد الحديد وخيف فوت الذبيحة جاز بما يفري أعضاء الذبيح، ولو كان ليطة، أو خشبة، أو مروة حادّة، أو زجاجة، أو غير ذلك، عدا السنّ والظفر بلا خلاف أجده فيه(4).

وغيرها من الأقوال الدالة على أنّ الحكم مورد اتفاق بينهم.

وقد استدلّ عليه بالأصل والإجماع، والروايات وهي العمدة في المقام.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الذبيحة بالليطة(5)وبالمروة(6)، فقال: لا ذكاة إلاّ بحديدة(7).ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة، فقال: قال علي (علیه السلام): لا يصلح إلاّ بالحديدة(8).


1) ـ رياض المسائل 2 : 272 الطبع القديم.

2) ـ مسالك الأفهام 2 : 226 الطبع القديم.

3) ـ كشف اللثام 2 : 78 الطبع القديم.

4) ـ جواهر الكلام 36 : 99 ـ 100 .

5) ـ الليطة: هي قشر القصبة والقناة، وكل شيء له صلابة ومتانة، لاحظ مجمع البحرين 4 : 273 .

6) ـ المروة: حجر أبيض برّاق، وقيل: هي التي يقدح منها النار، لاحظ النهاية في غريب الحديث والأثر 4 : 323 .

7) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 1 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

8) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

ومنها: معتبرة أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا يؤكل ما لم يذبح بحديدة(1).

ومنها: معتبرة سماعة بن مهران قال: سألته عن الذكاة فقال: لا تذكّ إلاّ بحديدة، نهى عن ذلك أمير المؤمنين (علیه السلام) (2).

وهذه الروايات كلها معتبرة الأسناد حتى الرواية الأخيرة فإنّها وإن كانت مضمرة إلاّ أنه تقدّم أنّ مضمرات سماعة لا إشكال فيها، كما أنّ هذه الروايات واضحة الدلالة.

ولكن قد يناقش في دلالتها على اعتبار كون الآلة حديداً، وذلك لأنّ المذكور في هذه الروايات هو الحديدة، ولم يرد في شيء منها لفظ الحديد، إلاّ في معتبرة الحضرمي بناء على رواية الشيخ في الاستبصار(3)، فإنه ورد فيها لفظ الحديد،وأما على رواية الكافي(4)والتهذيب(5)فقد ورد فيهما لفظ الحديدة، وفي صحيحة الشحام(6)ـ الآتية ـ على رواية الشيخ في التهذيب(7)والاستبصار(8)، فإنه ورد فيهما لفظ الحديد، وأما على رواية الكليني في الكافي(9)فالوارد فيها لفظ الحديدة، وبناء على هذا فلم يثبت لفظ الحديد في الروايات، والثابت هو لفظ الحديدة. والحديدة ـ على ما يستفاد من كتب اللغة ـ مؤنث الحديد وهو فعيل بمعنى فاعل، أي الحادّ وقد سمّي المعدن المخصوص حديداً لصلابته ومنعته، والحدّ في الأصل له معنيان: المنع، وطرف الشيء، كما أنّ للحديد معنيين أيضاً أحدهما لغوي اشتقاقي وهو الحاد، ومؤنثه الحديدة أي


1) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 1 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

3) ـ الاستبصار ج 4 ، باب أنه لا يجوز الذبح إلاّ بالحديد، الحديث 1 ، ص 79 .

4) ـ الفروع من الكافي ج 6 ، باب ما تذكى به الذبيحة، الحديث 3 ، ص 227 .

5) ـ تهذيب الأحكام ج 9 ، باب الصيد والذكاة، الحديث 209 ، ص 51 .

6) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 2 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

7) ـ تهذيب الأحكام ج 9 ، باب الصيد والذكاة، الحديث 213 ، ص 51 .

8) ـ الاستبصار ج 4 ، باب أنه لا يجوز الذبح إلاّ بالحديد، الحديث 5 ، ص 80 .

9) ـ الفروع من الكافي ج 6 ، باب آخر منه في حال الاضطرار، الحديث 3 ، ص 228.

القطعة الحادّة القاطعة، وقد شاع استعمالها في الصناعات كالسلاح وآلة الذبح وهي ما يعدّ ويصنع من المعادن الصلبة على شكل سكين، أو سيف أو مدية، أو شفرة، والمعنى الآخر المعدن الخاص المعروف وهو معنى جامد ثانوي لا أصليّ، ومؤنثه حديدة أيضاً بمعنى قطعة من ذلك المعدن(1).

والمعنيان متباينان من حيث الاشتقاق والجمود، وإرادة كلا المعنيين من لفظ الحديدة الواردة في الروايات غير صحيح قطعاً، لأنه يستلزم استعمال اللفظ فيالمعنيين: المشتق والجامد، وهو إما غير صحيح وإما غير ظاهر.

فيدور الأمر بين أحدهما، والظاهر أنّ المراد بها في الروايات هو المعنى الأول أي المعنى الاشتقاقي.

ويشهد على ذلك أمور:

الأول: صراحة الروايات المتقدمة فإنها ناظرة إلى الحديدة من جهة حدّتها بقرينة المقابلة في الأسئلة والأجوبة بين الحديدة وبين العصا، والعود، والحجر، والليطة، والمروة، وغيرها مما ليس حادّاً بطبعه، ولا يتحقّق به القطع والفري، مضافاً إلى أنه هو المعنى الأصلي للفظة الحديدة، على أنه لو كان النظر إلى الجنس لكان اللازم أن تكون المقابلة بين الحديد وبين الصفر والنحاس والذهب والفضّة وغيرها من المعادن الأخرى.

الثاني: أنه قد ورد في بعض الروايات التعبير بالسكّين بدلاً عن الحديدة، كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا إبراهيم عن المروة، والقصبة، والعود، يذبح بهنّ الإنسان إذا لم يجد سكّيناً؟ فقال: إذا فرى الأوداج فلا بأس بذلك(2).


1) ـ لسان العرب 3 : 141 ـ 142 ، وتاج العروس 2 : 331 ـ 332 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 2 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

وصحيحة زيد الشحّام، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل لم يكن بحضرته سكّين أيذبح بقصبة؟ فقال: إذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود إذا لم تصب الحديدة، إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس(1).مع أنّ السؤال واحد في جميع هذه الروايات، وعليه فالمراد بالحديدة هو السكّين ونحوها مما يعدّ للقطع وفري الأوداج في قبال ما لم يعدّ لذلك، كالعصا والحجر والقصب .

الثالث: أنّ الذي يظهر من مراجعة روايات العامة(2)المنقولة عن النبي (صلي الله علیه وآله) وكلمات فقهائهم(3)في آلة الذبح هو التعبير بالسكّين والمدية في قبال الذبح بالعصا والقصب والليطة ولم يرد فيها التعبير بالحديد .

والمتحصل من ذلك: أنه لا يستفاد من الروايات اعتبار الحديد ـ بمعناه الخاصّ ـ في آلة الذبح.

ولا يخفى ما في هذه المناقشة من الوهن، فإنّ المنصرف إليه، والمتبادر منه عند العرف، والظاهر من المعاجم اللغوية كاللسان(4)، والقاموس(5)، والأقرب(6)، وغيرها(7)، أنّ الحديدة هي الآلة المصنوعة من الحديد، وأنها القطعة منه، ولم يعهد استعمالها في المعنى الأصلي أي بمعنى مطلق الحادّ، وإن كان من غير جنس الحديد، بل إنّ الذي يستفاد من كلماتهم أنه إذا أريد المعنى


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 2 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

2) ـ صحيح البخاري ج 7 ، كتاب الذبائح والصيد، ص 118 ، وصحيح مسلم ج 3 ، كتاب الصيد والذباحة باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، الحديث 1955 ، ص 1548 .

3) ـ المغني والشرح الكبير 11 : 143 ، ونيل الأوطار 9 : 18 ـ 20 .

4) ـ لسان العرب 3 : 143 .

5) ـ القاموس المحيط 1 : 286 .

6) ـ أقرب الموارد 1 : 170 .

7) ـ محيط المحيط: 154 .

الوصفيّ قيل: سكينحادّة، ومدية حادّة، أو أحدّ السكّين، وأحدّ الشفرة، وهكذا، ولا يستعمل لفظ الحديد بمعناه الاشتقاقي في هذه الموارد.

ومن ذلك يظهر أنّه لا فرق من هذه الجهة بين أن يكون في الروايات لفظ الحديد أو الحديدة.

ويؤيد هذا فهم الفقهاء جميعاً، فإنّ اعتباره في حال الاختيار اتفاقي كما في كشف اللثام، بل إجماع محقق عند التحقيق كما في المستند على ما تقدم، ولم يرد عن أحد منهم الخلاف في ذلك، مضافاً إلى أنّ إرجاع اللفظ إلى المعنى الأصلي والحكم عليه بالمناسبة خلاف الذوق الفقهي، ولو فتح هذا الباب لأمكن تغيير كثير من الأحكام.

وأما ما ذكر من الشواهد فهي أضعف مما تقدم، فإنّ المقابلة ـ كما في الشاهد الأول ـ بين الحديدة وبين الحجر، أو العصا، أو العود، لا يدلّ على أنها من جهة الحدّة والكلالة، إذ الحدّة معتبرة في جميع ما يذبح به، مع أنها من أجناس أخرى كما هو واضح، وإن كانت من غير المعادن، وإنما المقابلة من حيث الجنس، ولعلّ استثناء هذه الأمور لكون الذبح قد يقع بها، ولو كان الاستثناء من جهة اعتبار الحدّة لكان اللازم تقييدها بذلك، لا النهي عنها مطلقاً.

وأما الشاهد الثاني ففيه: أنّ ما ورد من لفظ السكّين في الصحيحتين لا شاهد فيه، لأنه ورد في كلام السائل لا في كلام الإمام (علیه السلام) ، مع أنّ المتعارف في ذلك الوقت أنّ السكّين من الحديد، ولا يدلّ ذلك على أنّ المراد بالحديدة في سائر الروايات هو السكّين وآلة القطع مطلقاً.

وأوهن من الجميع ما ذكره في الشاهد الثالث من الاستشهاد بروايات العامّة،وكلمات فقهائهم، وذلك لأنّه لم يرد في رواياتهم لفظ الحديد اصلاً،

وإنما الوارد فيها لفظ المدية(1)والشفرة(2)وتحديدهما، وهما غير الحديد، مضافاً إلى أنّ العامة لا يعتبرون في الآلة أن تكون من الحديد، بل يذهبون إلى جواز الذبح بالعصا، والقصب، والليطة، والحجر، وكل شيء سوى السنّ، والظفر، والعظم، على خلاف بينهم فيها(3)، مع أنّ الحكم عندنا هو عدم الجواز في حال الاختيار بلا خلاف كما تقدّم، وقد صرّحت الروايات الواردة عن الأئمة (علیهم السلام) وقد ذكرنا بعضها آنفاً.

والحاصل: أنّ الظاهر من الروايات هو أنّ المعتبر في آلة الذبح أن تكون من الحديد في حال الاختيار، وأما في حال الاضطرار فيجوز الذبح بغيره، ولا يبعد أن يكون المراد بالاضطرار المسوّغ للذبح بغير الحديد هو مطلق الحاجة إلى الذبح كما جعله في الجواهر(4)هو الأقوى، وذلك لما ورد في صحيحة زيد الشحّام(5)المتقدّمة، حيث سأل الإمام (علیه السلام) عن رجل لم يكن بحضرته سكّينوأجابه (علیه السلام) بجواز الذبح بغيرها، ولا يفهم من ذلك عدم التمكّن واليأس من الظفر بالآلة مع الفحص، وعليه فالمراد من الاضطرار هو مطلق الحاجة وإن أمكن تحصيل الآلة.

هذا تمام الكلام حول آلة الذبح .

وأما الركن الثالث وهو كيفية الذبح فالكلام فيه في جهتين :


1) ـ صحيح البخاري 7 : 119 .

2) ـ صحيح مسلم ج 3 ، كتاب الصيد والذبائح ـ باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة ، الحديث 1955 ، ص 1548 .

3) ـ قال ابن رشد: أجمع العلماء على أنّ كل ما أنهر الدمّ وفرى الأوداج من حديد أو صخر أو عود أو قضيب أنّ التذكية به جائزة، واختلفوا في ثلاثة: السن، والظفر، والعظم. لاحظ بداية المجتهد 1: 467 .

4) ـ جواهر الكلام 36 : 102 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 2 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

الأولى: في التسمية على الذبيحة .

الثانية: في استقبال القبلة بالذبيحة .

أما الجهة الأولى فقد تقدم الكلام حولها في ضمن البحث حول الركن الأول.

وأما الجهة الثانية فهذا موضع الكلام فيها فنقول :

وقع الخلاف في استقبال القبلة بالذبيحة، وأنه شرط في حلّيتها أو لا؟ فذهب الخاصة إلى القول بالاشتراط، فالإخلال به مع إمكانه موجب لحرمتها.

وذهب العامة إلى القول بعدم الاشتراط، وقد نصّ على ما ذكرنا علماء كل من الطرفين .

أما من الخاصة فقد قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز أكل ذبيحة تذبح لغير القبلة مع العمد والإمكان، وقال جميع الفقهاء: إنّ ذلك مستحبّ، وروي عن ابن عمر أنه قال: أكره ذبيحة تذبح لغير القبلة(1).

وقال ابن إدريس في السرائر: ولا يحلّ أكل ذباحة المحقّ إلاّ بشروط، منها:استقبال القبلة بالذبيحة مع قدرته على ذلك ...(2).

وقال صاحب الرياض: ويشترط في التذكية استقبال القبلة بالذبيحة مع الإمكان، وكذا التسمية ... فلو أخلّ بهما أو بأحدهما عمداً لم تحلّ بالإجماع المستفيض النقل ... (3).

وأما من العامة فقد قال ابن قدامة في الشرح الكبير: يستحب أن يستقبل بها القبلة، روي ذلك عن ابن عمر، وابن سيرين، وعطاء، والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي، وكره ابن عمر، وابن سيرين أكل ما ذبح لغير القبلة.


1) ـ الخلاف ج 6 ، كتاب الضحايا، المسألة 11 ، ص 50 .

2) ـ كتاب السرائر 3 : 106 .

3) ـ رياض المسائل 2 : 273 الطبع القديم.

والأكثرون على أنه لا يكره لأنّ أهل الكتاب يذبحون لغير القبلة وقد أحلّ الله سبحانه ذبائحهم...(1).

وقال ابن رشد في البداية: وأما استقبال القبلة بالذبيحة، فإنّ قوماً استحبّوا ذلك، وقوماً أجازوا ذلك، وقوماً أوجبوه، وقوماً كرهوا أن لا يستقبل بها القبلة، والكراهية والمنع موجودان في المذهب، وهي مسألة مسكوت عنها، والأصل فيها الإباحة(2).

وقال سيد سابق في فقه السنة: وأما استقبال القبلة عند الذبح فلم يرد فياستحبابه شيء(3).

ونكتفي بهذا القدر من نقل الأقوال.

والمتحصّل: أنّ مذهب الخاصة هو القول بوجوب الاستقبال، وأنّ مذهب العامة عدم الوجوب إلاّ ما ذكره صاحب البداية حيث نقل القول بالوجوب ولم يذكر القائل.

وقد استدل الخاصّة على اعتبار الاستقبال بوجهين: السنة والإجماع.

أما من السنة فبعدة روايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الذبيحة فقال: استقبل بذبيحتك القبلة، الحديث(4).

والرواية من حيث السند تامّة، ومن حيث الدلالة ظاهرة، للأمر بالاستقبال بالذبيحة وظاهر ذلك كون الاستقبال واجباً شرطياً للحلية بقرينة اقترانه بالشرائط الأخرى كما سيأتي في بقية الروايات.


1) ـ المغني والشرح الكبير 11 : 61 .

2) ـ بداية المجتهد 1 : 469 .

3) ـ فقه السنة 3 : 253 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 14 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

ومنها: صحيحته الثانية قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن رجل ذبح ذبيحة فجهل أن يوجّهها إلى القبلة، قال: كل منها، فقلت: فإنه لم يوجّهها، قال: فلا تأكل منها، ولا تأكل من ذبيحة ما لم يذكر اسم الله عليها، وقال: إذا أردتأن تذبح فاستقبل بذبيحتك القبلة(1).

وذيل هذه الرواية كالرواية السابقة من حيث الدلالة، وأما صدرها فهو ظاهر أيضاً في الدلالة على ذلك، فإنّ ظاهر قوله: قلت: فإنّه لم يوجّهها، أنّ عدم التوجيه إنما هو مع العلم لا مع الجهل، كما احتمله في الجواهر(2).

ومنها: صحيحته الثالثة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذبيحة ذبحت لغير القبلة، فقال: كل، ولا بأس بذلك ما لم يتعمده، الحديث(3).

والمستفاد من مفهوم هذه الرواية أنه إذا كان عدم التوجيه للقبلة مع التعمد ففيه بأس.

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة، فقال: لا بأس إذا لم يتعمد، الحديث(4).


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 14 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .

2) ـ جواهر الكلام 36 : 111 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 14 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الرجل يذبح على غير قبلة، قال: لا بأس إذا لم يتعمد(1).

وهاتان الروايتان كصحيحة محمد بن مسلم الثالثة من حيث الدلالة.

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذااشتريت هديك فاستقبل به القبلة وانحره أو اذبحه(2).

وهذه الرواية كالصحيحة الأولى من حيث الدلالة.

وغيرها من الروايات.

وأما الإجماع فقد ادّعاه في الانتصار(3)، والمسالك(4)، ونفى الخلاف فيه في الكفاية(5)، وجامع المدارك(6)، وادّعاه في الجواهر بكلا قسميه(7)، بل جعله في المستند هو الحجة والدليل عليه، وقال: إثباته من الأخبار مشكل، لأنّ المتبادر من الأمر الوجوب الشرعي ـ دون الشرطي ـ وهو غير مستلزم للحرمة مع ترك المأمور به(8).

ولا يخفى أنّ رفع اليد عن الظهور مع عدم المعارض مما لا وجه له، خصوصاً إذا اقترن الأمر به بالأمر بسائر الشرائط كالتسمية، على أنّ الخدشة في الروايات توجب الخدشة في الإجماع لاحتمال كون مستنده هو الروايات مضافاً إلى إمكان الخدشة في الإجماع صغروياً حيث نسب إلى السيد وابن زهرة القول بوجوباستقبال الذابح لا الذبيحة، ونقلا الإجماع عليه(9).

فالعمدة في المقام هي الروايات فإن تمّت دلالتها على الوجوب فهو، وإن شك في ذلك فمقتضى أصالة عدم التذكية هو اعتبار الاستقبال، ويحكم بوجوبه، وأنه شرط في حلية الذبيحة مع الإمكان، وذلك لما ورد في الروايات من أنّ الإخلال بالاستقبال ـ إذا كان عن عمد ـ موجب لحرمة الذبيحة، والتعمد هو القصد مع العلم بالحكم أو الموضوع، فلو نسي أو جهل الحكم أو الموضوع


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 14 من أبواب الذبائح، الحديث 6 .

2) ـ نفس المصدر ج 10 ، باب 37 من أبواب الذبح، الحديث 1 .

3) ـ الانتصار: 405 .

4) ـ مسالك الأفهام 2 : 226 الطبع القديم.

5) ـ كفاية الأحكام : 246 الطبع القديم.

6) ـ جامع المدارك 5 : 120 .

7) ـ جواهر الكلام 36 : 110 .

8) ـ مستند الشيعة 2 : 455 الطبع القديم.

9) ـ كشف اللثام 2 : 79 الطبع القديم.

كما إذا اشتبهت القبلة على الذابح فذبح لغيرها، أو اضطرّ للذبح إلى غير القبلة، أو لم يعتقد بالوجوب، فلا إشكال في حلّية ذبيحته.

والحاصل: أنّ الاستقبال شرط في حلّية الذبيحة، ويستثنى منه أربعة موارد: الناسي، والجاهل، والمضطرّ، ومن لا يعتقد بالوجوب.

أما الناسي: فتحلّ ذبيحته بلا خلاف، بل حكي الإجماع عليه عن غير واحد كما في الجواهر(1)، وهو داخل في غير التعمد المذكور في الروايات، والمؤيد بما رواه صاحب الدعائم عن أبي جعفر محمد بن علي، وعن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنهما قالا فيمن ذبح لغير القبلة: إن أخطأ أو نسي أو جهل فلا شيء عليه، وتؤكل ذبيحته، وإن كان تعمّد ذلك فقد أساء، ولا يجب أن تؤكل ذبيحته تلك، إذا تعمد خلاف السنّة(2).وأما الجاهل بالحكم أو الموضوع: فهو أيضاً كذلك، لصدق عدم التعمد عليه، لما ذكرنا من أنّ التعمّد مركب من القصد والعلم، فمع عدم العلم لا يكون متعمّداً، مضافاً إلى أنه قد ورد النصّ عليه بخصوصه في صحيحة محمد بن مسلم الثانية المتقدمة، فإنّ قوله: فإنّه لم يوجّهها قال: فلا تأكل منها، ظاهر في أنّ عدم التوجيه كان عن عمد، أي مع القصد والعلم، ويؤيد ذلك رواية الدعائم المتقدمة أيضاً.

وأما المضطرّ فإن قلنا بأنّ الاختيار داخل في مفهوم التعمّد فهو، وإلاّ فلابدّ من تقييد اشتراط الاستقبال به، كما ورد في كلمات الأعلام حيث قيّدوا اشتراطه بالإمكان، ولما ورد من الروايات في عدم اعتبار مراعاة الاستقبال في المتردّي والمستعصي ونحوهما لعدم الإمكان، فعند الاضطرار أو الضرورة


1) ـ جواهر الكلام 36 : 111 .

2) ـ دعائم الإسلام ج 2 ، الحديث 626 ، ص 174 .

يسقط الاشتراط بلا إشكال.

وأما من لا يعتقد بوجوب الاستقبال ـ كالعامة ـ : فهل يدخل في التعمد أو الجهل؟ والظاهر هو الثاني لأنه جاهل مركب، وقد جزم به في المسالك(1)، واحتمله في الجواهر(2)، وعلى تقدير الشك فيمكن إثبات حلية ذبائحهم بما ورد من النصوص الدالّة على حلّيتها كما تقدّم.

بقي أمران:

الأول: إنه يظهر من بعض الأعلام اعتبار استقبال الذابح كما تقدم عن السيد، وابن زهرة وسلار، كما يظهر أيضاً من الصدوق في الهداية حيث قال: إذا اشتريت هديك فاستقبل القبلة وانحره، أو اذبحه(3). واحتاط السبزواري في الكفاية فقال: والأحوط استقبال الذابح أيضاً(4).

ولم نقف على من استوفى البحث في هذه المسألة، نعم أشار إليها صاحب المسالك(5)والجواهر(6).

ويمكن الاستدلال على ذلك بعدة روايات.

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا يذبح لك اليهودي ولا النصراني أضحيّتك، فإن كانت امرأة فلتذبح لنفسها ولتستقبل القبلة، وتقول: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً، اللهم منك ولك(7).


1) ـ مسالك الأفهام 2 : 226 الطبع القديم.

2) ـ جواهر الكلام 36 : 111 .

3) ـ الهداية: 62 المطبعة الإسلامية.

4) ـ كفاية الأحكام : 246 الطبع القديم.

5) ـ مسالك الأفهام 2 : 226 الطبع القديم.

6) ـ جواهر الكلام 36 : 112 .

7) ـ وسائل الشيعة ج 10 ، باب 36 من أبواب الذبح، الحديث 1 .

وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): ولتستقبل القبلة، وهو صريح الدلالة، كما أنّ الرواية صحيحة السند.ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) قال: سألته عن الأضحية فقال: ضحّ بكبش أملح أقرن فحلاً سميناً ... قال: وكان علي (علیه السلام) يقول: ضحّ بثنيّ فصاعداً، واشتره سليم الأذنين والعينين، واستقبل القبلة، وقل حين تريد أن تذبح: «وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين ...»(1).

ومنها: رواية الصدوق في الهداية، بناء على صحة النسخة حيث ورد فيها:... فاستقبل القبلة، وانحره أو اذبحه(2).

وذلك لأنّ فتاوى الصدوق في الهداية نصوص الروايات، فتصلح أن تكون دليلاً أو مؤيداً في المقام، وهي صريحة الدلالة في اعتبار استقبال الذابح.

ومنها: ما رواه في الدعائم عن جعفر بن محمد (علیهما السلام) أنه قال: إذا أردت أن تذبح ذبيحة فلا تعذّب البهيمة، أحدّ الشفرة، واستقبل القبلة ...(3).

هذا، ولكن الالتزام بشرطية استقبال الذابح مشكل، لعدم القائل به غير من ذكرنا، والمعروف بين الأصحاب هو استقبال الذبيحة وقد ادعي عليه الإجماع.

نعم تصلح هذه الروايات أن تكون دليلاً على الاستحباب، مضافاً إلى اعتبار استقبال الذبيحة وإن كان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الغالب.

الثاني: قد يستظهر من بعض الروايات استحباب الاستقبال بالذبيحة لاالوجوب ومنها:


1) ـ وسائل الشيعة ج 10 ، باب 60 من أبواب الذبح، الحديث 12 .

2) ـ الهداية : 62 المطبعة الإسلامية.

3) ـ دعائم الإسلام 2 : 174 الحديث 625 .

ما رواه في الدعائم عن جعفر بن محمد (علیهما السلام) أنه سئل عن شاة تذبح قائمة، قال: لا ينبغي ذلك، السنّة أن تضجع، وتستقبل بها القبلة(1).

ومنها: ما تقدم عن الدعائم أيضاً عن أبي جعفر محمد بن علي، وعن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنهما قالا فيمن ذبح لغير القبلة: إن كان أخطأ أو نسي أو جهل فلا شيء عليه، وتؤكل ذبيحته وإن كان تعمّد ذلك فقد أساء، ولا يجب أن تؤكل ذبيحته تلك، إذا تعمّد خلاف السنّة(2).

وموضع الشاهد قوله: ولا يجب أن تؤكل ذبيحته، والمستفاد من ذلك عدم حرمة الذبيحة وإن لم يستقبل بها القبلة، فليس الاستقبال بها واجباً.

هذا، مضافاً إلى ما ورد من الروايات الكثيرة المتقدّمة الدالّة على وجوب التسمية على الذبيحة من دون أن يرد فيها ما يدلّ على اعتبار الاستقبال أصلاً، فقد يقال: إنّ الاستقبال بالذبيحة غير معتبر، ولو كان شرطاً لوجب ذكره في هذه الروايات، وغاية ما يستفاد من الروايات الأخرى هو الاستحباب.

ولكن يمكن الإجابة عن ذلك: أما روايتا الدعائم فهما مرسلتان ولا يمكن الاعتماد عليهما بحيث نرفع اليد عن ظاهر الروايات الدالة على الاشتراط.

وأما عدم ذكر الاستقبال في روايات التسمية فلا يدلّ على عدم الاشتراط فإنهكسائر الشرائط الأخرى التي لم تذكر كفري الأوداج مثلاً.

والحاصل: أنّ الحكم باعتبار استقبال الذبيحة وأنه شرط في حلّيتها هو الموافق لمقتضى الاحتياط.


1) ـ دعائم الإسلام 2 : 179 الحديث 651 .

2) ـ دعائم الإسلام 2 : 174 ، الحديث 626 .

ثم إن هاهنا مسائل:

الأولى: إذا اقتضت التقية أكل ذبيحة الكفار من المشركين، أو من لا يعتقد بدين أو كتاب، أو من بحكمهم ـ بناء على شمول إطلاقات التقية لهم ـ فلابدّ مع عدم المندوحة من الاقتصار على مقدار ما ترتفع به التقية، وتطهير ما باشر ذلك من بدنه كاليد والفم ونحوهما.

وأما إذا اقتضت التقية أكل ذبيحة أهل الكتاب، فبناء على القول بالتحريم وحمل الروايات المجوّزة على التقية فمن جهة الأكل فلا إشكال في الجواز بمقتضى إطلاقها وشمولها للتقية، هذا إذا كان الملحوظ في حمل الأخبار على التقية مراعاة حال المكلّف، ويكون حاله حينئذ حال الاختيار، وأما من جهة التطهير لما باشر ذلك من البدن فحيث لا إطلاق من هذه الناحية فلابدّ من التطهير.

وأما إذا كان الملحوظ مراعاة حال المعصوم (علیه السلام) في مقام الإفتاء دون المكلّف، فحكمه حكم الأول من الاقتصار على ما ترتفع به التقية ولزوم التطهير.

وبناء على القول بحلّية ذبائحهم فيجوز الأكل اختياراً ولا حاجة إلى التطهير إلاّ من باب الاحتياط .الثانية: إذا انتقل الكتابي عن دينه إلى دين سماويّ آخر ـ غير الإسلام ـ فهو بحكم المرتد، ولا يجوز التناول من ذبيحته، ومثله من دان ابتداءً بدين أهل الكتاب إذ بعد نبوة نبينا محمد (صلي الله علیه وآله) لا يقبل منه غير الإسلام، وقد تقدم نظيره في مبحث النكاح .

الثالثة: إنّ مقتضى ما تقدّم هو عدم الاكتفاء ـ بدلاً عن تسمية القاصد المعتقد ـ بالتسمية الصادرة عن آلة حفظ الصوت، أو بكتابة اسم الله تعالى على آلة الذبح، أو

بالإشارة من غير الأخرس، أو بتسمية غير القاصد للذبح، أو بتسمية شخص آخر غير الذابح، أو بمن كان قصده كلا قصد كالصبي غير المميز، والمجنون في حال جنونه، والسكران، والنائم .

نعم يكتفى بتسمية الصبي المميّز، والمجنون في حال إفاقته وإدراكه، كما يكتفى بتسمية المرأة إذا أجادت وتوفرت فيها سائر الشرائط وقد دلّت على ذلك عدّة من الروايات كما تقدم بعضها .

الرابعة: إذا كان الذبح على التناوب والتعاقب فلابدّ من التسمية على كل ذبيحة، وأما إذا كان على جملة من الذبائح في زمان واحد فالظاهر الاكتفاء بتسمية واحدة بقصد الجميع، لصدق ذكر اسم الله عليها .

الخامسة: يعتبر الإسلام في متولّي ذبح الأضاحي، ومرسل كلب الصيد، كما تعتبر تسمية المرسل حين الإرسال، ولا يكتفى فيهما بذبح أو إرسال الكتابي، وقد تقدّم ما يدلّ على ذلك .

السادسة: ما أخذ من سوق المسلمين من الذبائح فهو حلال طاهر، ويجوز تناوله، ولا يعتبر الفحص عن صحة التذكية، ولكن إذا غلب عليهم عدم المبالاةأو استحلالهم اللحوم كيفما كانت فهل يعتبر الفحص عن ذلك أو لا؟

فيه بحث وسيأتي، وهذه المسألة من أهمّ ما يبتلى به الناس في زماننا.

ويدلّ على جواز ما يباع في أسواق المسلمين وحلية تناوله واستعماله في الأغراض المختلفة المشروطة بالطهارة عدة من الروايات:

منها: صحيحة (الفضلاء) فضيل وزرارة ومحمد بن مسلم، أنهم سألوا أبا جعفر (علیه السلام) عن شراء اللحوم من الأسواق، ولا يدرى ما صنع القصّابون، فقال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين، ولا تسأل عنه(1).

ومنها: صحيحة (البزنطي) أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرضا (علیه السلام) .


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 29 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

قال: سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشتري الخفّ لا يدري أذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري أيصلي فيه؟ قال: نعم، أنا أشتري الخفّ من السوق ويصنع لي وأصلي فيه، وليس عليكم المسألة(1).

ومنها: موثقة إسحاق بن عمار عن العبد الصالح (علیه السلام) أنه قال: لا بأس بالصلاة في الفراء اليمانيّ، وفيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام، قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس(2).

وغيرها من الروايات الصريحة في دلالتها والمعتبرة في أسنادها وسيأتي البحثفيه مفصّلاً إن شاء الله تعالى.

الموضع الثاني: في تذكية حيوان البحر:

والبحث فيه من جهتين:

الأولى: في بيان ما يحلّ من حيوان البحر.

الثانية: في كيفية تذكيته.

أما الجهة الأولى فقد اختلف الخاصة والعامة في ما يحلّ أكله من لحم البحر وما يحرم منه، فذهب الخاصة إلى حلّية ما كان له فلس (قشر) من السمك، وما عداه فلا يجوز أكله.

وأما الإربيان فهو ضرب من السمك كما سيأتي، ونسب إلى بعض المتأخرين منهم التأمل في حرمة ما عدا السمك بل الميل إلى الحلّية(3).

وذهب أكثر العامة إلى حلّية جميع حيوانات البحر سمكاً كان أو غيره.

قال الشيخ في الخلاف: لا يؤكل من حيوان الماء إلاّ السمك، ولا يؤكل


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 6 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 5 .

3) ـ مستند الشيعة 2 : 403 الطبع القديم.

أنواع السمك إلاّ ما كان له قشر، فأما غيره مثل المارماهي، والزمير، وغيره، وغير السمك من الحيوان مثل: الخنزير، والكلب، والفأرة، والانسان، والسلحفاة، والضفادع، فإنه قيل: ما من شيء في البر إلاّ ومثله في الماء، فإنّ جميع ذلك لا يحلّ أكله بحال.

وقال أبو حنيفة: لا يؤكل غير السمك، ولم يفصل، وبه قال بعض أصحابالشافعي.

وقال الشافعي: جميع ذلك يؤكل.

وقال المزني: السمك وغيره، وقال: غير الحوت كالحوت.

وقال الربيع: سئل الشافعي عن خنزير الماء، فقال: يؤكل.

وقال في السَّلَم: يؤكل فأر الماء.

ولما دخل العراق سئل عن اختلاف أبي حنيفة، وابن أبي ليلى في هذه المسألة، فإنّ أبا حنيفة قال: لا يؤكل، وقال ابن أبي ليلى: يؤكل، فقال الشافعي: أنا على قول ابن أبي ليلى. وبه قال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن عباس، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة، ومالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى.

وفي أصحاب الشافعي من قال: يعتبر بدوابّ البرّ فما يؤكل لحمه من دوابّ البرّ فكذلك دواب البحر، وما لم يؤكل البرّي منه فكذلك البحري.

دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم ...(1).

وقال ابن إدريس تعليقاً على قول الشيخ في النهاية(2)بكراهة المارماهي والزمار والزهو: وهذا غير مستقيم ولا صحيح لأنه مخالف لأصول مذهبنا،


1) ـ الخلاف ج 6 ـ كتاب الصيد والذبائح ـ المسألة 31 ، ص 29 ـ 31 .

2) ـ النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: 576 .

ولأنّ إجماع أصحابنا بغير خلاف بينهم، أنه لا يؤكل من حيوان البحر إلاّالسمك، والسمك لا يؤكل منه إلاّ ما كان له فلس، ...(1).

وقال ابن حزم في المحلّى: وأما ما يسكن جوف الماء ولا يعيش إلاّ فيه فهو حلال كله كيفما وجد، سواء أخذ حيّاً ثم مات، أو مات في الماء، طفا أو لم يطف، أو قتله حيوان بحري أو برّي هو كله حلال أكله، وسواء خنزير الماء، أو إنسان الماء، أو كلب الماء، وغير ذلك، كل ذلك حلال أكله قتل كلّ ذلك وثنيّ، أو مسلم، أو كتابي أو لم يقتله أحد ... فخالف أصحاب أبي حنيفة هذا كله وقالوا: يحلّ أكل ما مات من السمك وما جزر عنه الماء ما لم يطف على الماء مما مات في الماء حتف أنفه خاصّة، ولا يحل أكل ما طفا منه على الماء، ولا يحلّ أكل شيء مما في الماء إلاّ السمك وحده، ولا يحلّ أكل خنزير الماء، ولا إنسان الماء ... وروي عن سفيان الثوري فيما في البحر مما عدا السمك قولان. أحدهما: أنه يؤكل، والآخر: لا يؤكل حتى يذبح ... وقد قال أبو بكر، وعمر بإباحته ولا يعلم لهما في ذلك مخالف من الصحابة(2).

وقال الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة: ويحلّ أكل حيوان البحر الذي يعيش فيه، ولو لم يكن على صورة السمك كأن كان على صورة خنزير، أو آدمي، كما يحلّ أكل الجرّيث وهو السمك الذي على صورة الثعبان، وسائر أنواع السمك ما عدا التمساح فإنه حرام.

وذكر في ذيل كلامه أنّ الأحناف قالوا: لا يحلّ أكل حيوان البحر الذي ليسعلى صورة السمك، فلا يحل أكل إنسان البحر، وخنزيره، وفرسه، ونحوها إلاّ الجرّيث، والمارماهي (سمك في صورة الحية) فإنه يحلّ. وكذا


1) ـ كتاب السرائر 3 : 99 .

2) ـ المحلى ج 7 ، المسألة 989 ، ص 393 ـ 397 .

جميع أنواع السمك إلاّ الطافي.

وذكر أيضاً أن الحنابلة قالوا: لا يحلّ أكل حيّة السمك لأنها من الخبائث عندهم(1).

ومن ذلك يعلم أنّ الخاصة لا يقولون بالحلّية إلاّ في السمك ذي الفلس، وأنّ مذهب العامة على الحلية إلاّ الأحناف.

استدل الخاصة على ما ذهبوا إليه بأمور:

الأول: بظاهر قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ»(2)والمستفاد منها الحكم بحلية صيد البحر وهو ينصرف إلى الأسماك، وما عداها من سائر الحيوانات البحرية غير مشمولة لهذا الحكم، ولو كان المراد بصيد البحر جميع الحيوانات البحرية للزم تخصيص الأكثر مما ثبت حرمته بالكتاب والسنة من جهة الخباثة، أو الضرر أو نحو ذلك(3)، كما أنّ المستفاد من لفظ الصيد أنّ ما مات من السمك في الماء، وما طفا عليه وما رماه الماء، غير داخل في الحكم لعدم صدق الصيد عليه، فإنّ الصيد هو ما يصطاد ويؤخذ أي يقصد اصطياده وأخذه، وهذا المعنى لا يشمل الميت أو الطافي أو مارماه الماء.

فالظاهر من الآية هو حلية خصوص السمك الذي وقع عليه الصيد.

وأما قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً»(4)وقوله تعالى: «وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً»(5)فهما في مقام بيان أصل


1) ـ الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 5 .

2) ـ سورة المائدة، الآية: 96 .

3) ـ جواهر الكلام 36 : 242 .

4) ـ سورة النحل، الآية: 14 .

5) ـ سورة فاطر، الآية: 12 .

المشروعية والجواز، وليستا في مقام بيان الكيفية والخصوصيات، ولذا فإنّ هاتين الآيتين مقيدتان بالآية السابقة.

الثاني: بالروايات وهي على طائفتين:

الأولى: ما دلّ على حلّية خصوص السمك وحرمة ما عداه، وهي عدة روايات:

منها: موثّقة عمار بن موسى (الساباطي) عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن الربيثا، فقال: لا تأكلها فإنّا لا نعرفها في السمك يا عمار. الحديث(1).

والرواية من جهة السند معتبرة، وأما من جهة الدلالة فهي وإن كانت واردة في خصوص الربيثا، وقد اختلفت الروايات في حكمه، فبعضها يدلّ على حلّية أكله كما سيأتي، وبعضها يدلّ على حرمته كهذه الرواية، ومقتضى الجمع هو الحمل على الكراهة إلاّ أنّ قوله (علیه السلام): فإنا لا نعرفها في السمك، بيان لعلّة الحكم فتشمل ما نحن فيه، ولا يضرّ بالاستدلال رفع اليد عن المورد إذا كانت علّة الحكم مذكورة، وعليه فالمستفاد من الرواية أنّ كلّ ما لا يكون منالسمك فلا يحلّ أكله.

ومنها: موثقة يونس بن عبد الرحمن عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك ما تقول في أكل الإربيان؟ قال: فقال لي: لا بأس، والإربيان ضرب من السمك، قال: قلت: قد روى بعض مواليك في أكل الربيثا، قال: فقال: لا بأس(2).

وهذه الرواية وإن كانت من حيث السند معتبرة إلاّ أنها من حيث الدلالة غير واضحة إذ لا يستفاد منها الحكم الكلي بأنّ كلّ ما لا يكون من السمك فهو


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 12 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 4 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 12 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 5 .

حرام، نعم يستفاد منها حلّية الإربيان لأنه ضرب من السمك، ولو لم يكن من السمك لحرم أكله، ومع ذلك فهي ليست واضحة في إفادة الحكم الكلي، فتكون مؤيدة.

ومنها: مرسلة السياري عن محمد بن جمهور عن رجل عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه سأله عن الإربيان، وقال: هذا يتّخذ منه شيء يقال له الربيثا فقال: كل، فإنه جنس من السمك، ثم قال: أما تراها تقلقل في قشرها(1).

وهذه الرواية وإن كانت من جهة الدلالة أوضح مما تقدم للتعليل بقوله: فإنه جنس من السمك، فما لا يكون منه فلا يحلّ أكله، إلاّ أنها من جهة السند ضعيفة، فتكون مؤيدة أيضاً.

الثانية: ما دلّ على حلّية خصوص ما له قشر من السمك لا مطلق أنواعالسمك وإن لم يكن ذا قشر، وهي عدّة روايات أيضاً:

منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث قال: فقلت له: رحمك الله إنّا نؤتى بسمك له قشر، فقال: كل ما له قشر من السمك، وما ليس له قشر فلا تأكله(2).

ودلالة هذه الرواية على ما نحن فيه إما من جهة التقييد بالسمك فيستفاد أن ما عدا السمك لا يحلّ أكله، وإما من جهة الأولوية لأنه إذا كان السمك الذي ليس له قشر لا يحلّ أكله فحرمة غيره من باب أولى.

ومنها: موثقة حمّاد بن عثمان، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): جعلت فداك الحيتان ما يؤكل منها؟ قال: كل ما كان له قشر. الحديث(3).

ومنها: معتبرة حنان بن سدير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: كلّ


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 12 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 10 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 8 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

ما لم يكن له قشر من السمك فلا تقربه(1).

ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) كان يركب بغلة رسول الله (صلي الله علیه وآله) ثم يمرّ بسوق الحيتان، فيقول: ألا لا تأكلوا ولا تبيعوا ما لم يكن له قشر(2).

ومنها: موثقته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعت أبي(علیه السلام) يقول: إذا ضرب صاحب الشبكة بالشبكة فما أصاب فيها من حي أو ميّت فهو حلال، ما خلا ما ليس له قشر، ولا يؤكل الطافي من السمك(3).

ومورد الرواية وإن كان موضع خلاف إلاّ أنه يمكن استفادة العموم من قوله(علیه السلام): فما أصاب فيها من حيّ أو ميّت ما خلا ما ليس له قشر.

فالمستفاد من جميع هذه الروايات اختصاص الحلّية بالأسماك ذات القشر.

ومنها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الجرّيث فقال: وما الجرّيث؟ فنعته له، فقال: «قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ» إلى آخر الآية، ثم قال: لم يحرّم الله شيئاً من الحيوان في القرآن إلاّ الخنزير بعينه، ويكره كلّ شيء من البحر ليس له قشر مثل الورق، وليس حرام، وإنما هو مكروه(4).

وهذه الرواية من حيث الدلالة واضحة، ومن حيث السند صحيحة، وهي مخالفة للروايات المتقدمة لشمولها لما ليس له قشر، وقد حملها صاحب الوسائل على أحد وجهين:


1) ـ نفس المصدر الحديث 5 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 8 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 6 .

3) ـ الفروع من الكافي ج 6 ، باب صيد السمك، الحديث 15 ، ص 218 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 9 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 19 .

الأول: على تفاوت مراتب التحريم في التغليظ، فمعنى قوله (علیه السلام): مكروه أي حرام إلاّ أن حرمته ليست مشدّدة.الثاني: الحمل على التقية(1)

الحديث 19 .

.

ولا يخفى ما في الحمل الأول، فإنه خلاف صريح الرواية حيث قال (علیه السلام): وليس بحرام إنما هو مكروه، ولا مجال بعد ذلك للحمل على تفاوت مراتب التحريم لنفيه (علیه السلام) الحرمة من الأساس.

ومنها: معتبرة ابن أبي يعفور قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن أكل لحم الخزّ قال: كلب الماء إن كان له ناب فلا تقربه وإلاّ فاقربه(2).

فقد يستفاد من الرواية أنّ حيوان البحر كحيوان البر فإن كان حيوان البحر ذا ناب حرم أكله وإلاّ فيجوز فيشمل بعض ما ليس له قشر قطعاً.

والرواية من حيث السند وإن كان في طريقها محمد بن خلف، ومحمد بن سنان، وإن لم يرد توثيق في الأول، وفي وثاقة الثاني اختلاف، إلاّ أنه بناء على ما حقّقناه في محلّه يمكن الحكم بوثاقتهما، فإنّ محمد بن خلف واقع في أسناد نوادر الحكمة(3)، وهو أمارة على التوثيق، وأما محمد بن سنان فقد عقدنا له بحثاً قوّينا فيه وثاقته، وأجبنا عن كل ما يرد عليها(4)، فلا إشكال في سند الرواية.

وإنما الإشكال في الدلالة فإنّ الروايات الواردة في الخزّ مختلفة ففي بعضهاورد المنع عن أكله(5)، وفي بعضها أنّ حكمه حكم الحيتان من جهة


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 9 من أبواب الأطعمة المحرمة، ذيل

2) ـ نفس المصدر باب 39 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 3 .

3) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 144 .

4) ـ نفس المصدر ص 556 ـ 573 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 39 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديثان 1 و 2 .

التذكية، كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سأل أبا عبد الله (علیه السلام) رجل وأنا عنده عن جلود الخزّ، فقال: ليس بها بأس، فقال الرجل: جعلت فداك إنّها علاجي (في بلادي) وإنما هي كلاب تخرج من الماء، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل: لا، قال: ليس به بأس(1).

وأصرح منها رواية ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) إذ دخل عليه رجل من الخزّازين فقال له: جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخزّ؟ فقال: لا بأس بالصلاة فيه، فقال له الرجل: جعلت فداك إنه ميت وهو علاجي وأنا أعرفه، فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): أنا أعرف به منك، فقال له الرجل: إنه علاجي، وليس أحد أعرف به منّي، فتبسم أبو عبد الله (علیه السلام) ثم قال له: أتقول إنه دابّة تخرج من الماء، أو تصاد من الماء فتخرج فإذا فقد الماء مات؟ فقال الرجل: صدقت جعلت فداك هكذا هو، فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): فإنّك تقول إنه دابّة تمشي على أربع وليس هو في حدّ الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء؟ فقال الرجل: إي والله هكذا أقول، فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): فإنّ الله تعالى أحلّه وجعل ذكاته موته كما أحلّ الحيتانوجعل ذكاتها موتها(2).

فهاتان الروايتان تدلاّن على أنّ حكم الخزّ حكم الحيتان، وأنّ ذكاته موته، وذلك مخالف لما تقدّم، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ النظر في كلتا الروايتين إلى استعمال جلده ولبسه في الصلاة كما ذهب إليه جماعة من العلماء(3)وليس المراد حلّية لحمه.

ومنها: مرسلة الصدوق قال: وقال الصادق (علیه السلام): كلّ ما كان في البحر ممّا


1) ـ وسائل الشيعة ج 3 ، باب 10 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 3 ، باب 8 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4 .

3) ـ نفس المصدر ذيل الحديث 4 .

يؤكل في البر مثله فجائز أكله، وكل ما كان في البحر مما لا يجوز أكله في البرّ لم يجز أكله(1).

وهذه الرواية من حيث الدلالة واضحة بل أوضح من جميع ما تقدم، فإنّها صريحة الدلالة على حلّية ما ليس له قشر من السمك وغيره، وأما سندها ففيه خلاف وإن كان الاعتبار غير بعيد.

وهناك روايات أخرى تدلّ على حلّية كل حيوان بحريّ إذا كان له فلس وإن لم يكن من جنس السمك:

منها: ما رواه الكشّي بسنده عن حريز، قال: دخلت على أبي حنيفة وعنده كتب كادت تحول فيما بيننا وبينه، فقال لي: هذه الكتب كلها في الطلاق وأنتم! وأقبل يقلب بيده، قال: قلت: نحن نجمع هذا كلّه في حرف، قال: وما هو؟ قال: قلت: قوله تعالى: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّوَأَحْصُوا الْعِدَّةَ» فقال لي: فأنت لا تعلم شيئاً إلاّ برواية؟ قلت: أجل ... فقال لي: ما لي أسألك عن مسألة لا يكون فيها شيء، ما تقول في جمل أخرج من البحر؟ فقلت: إن شاء الله فليكن جملاً وإن شاء فليكن بقرة، إن كانت عليه فلوس أكلناه، وإلاّ فلا(2).

وظاهر الرواية أنّ الاعتبار في الحلّية والحرمة هو وجود الفلس سمكاً كان أو غيره.

ومنها: ما رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق، عن أحمد بن إسحاق، قال: كتبت إلى أبي محمد (علیه السلام) سألته عن الإسقنقور يدخل في دواء الباءة، له مخاليب وذنب، أيجوز أن يشرب؟ فقال: إن كان له قشور فلا بأس(3).


1) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب الصيد والذبائح، الحديث 84 ، ص 214 .

2) ـ رجال الكشي 2 : 681 .

3) ـ مكارم الأخلاق: 162 .

والرواية صريحة الدلالة بناء على أنّ الإسقنقور حيوان مائي ليس من جنس السمك كما هو الظاهر من قوله له مخاليب وذنب.

ومنها: ما في الدعائم، عن جعفر بن محمد (علیهما السلام) أنه قال: لا يؤكل من دوابّ البحر إلاّ ما كان له قشر، وكره السلحفاة والسرطان، والجرّي، وما كان في الأصداف، وما جانس ذلك(1).

ومنها: ما فيه أيضاً، عن جعفر بن محمد (علیهما السلام) ، أنه ذكر ما يحلّ أكله وما يحرم بقول مجمل فقال: ... ومن صيد البحر كلّ ما كان له قشر، وماعدا من هذه الأصناف فحرام أكله(2).

ودلالتها واضحة.

ولكن هذه الروايات كلها قابلة للمناقشة.

أما الرواية الأولى ففيها أولاً: أنها ضعيفة السند، فإنّ في طريقها أحمد بن بشير، كما في نسخة جامع الأحاديث(3)، وهو ممّن استثني من كتاب نوادر الحكمة(4)، وذلك أمارة على الضعف كما حقّقناه في محلّه. أو أحمد بن شيبة كما في رجال الكشي(5)، وهو مجهول، كما أنّ يحيى بن المثنى الواقع في الطريق مجهول أيضاً، إذ لم يرد فيهما توثيق، فالرواية غير معتبرة السند.

وثانياً: أنه لم يعلم أن ما ذكره حريز كان رواية عن المعصوم (علیه السلام) ، وإن كان هو أجلّ من أن يفتي بدون مأخذ أو سماع عن المعصوم (علیه السلام) ، ولكنه لم يصرّح بمستنده في ذلك حتى يعلم اعتباره أو عدمه، ومن المحتمل أنه استفاد


1) ـ دعائم الإسلام ج 2 ، الحديث 434 ، ص 125 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 418 ، ص 123 .

3) ـ جامع أحاديث الشيعة ج 23 ، باب 26 من أبواب الأطعمة، الحديث 4 ، ص 191.

4) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 130 .

5) ـ رجال الكشي 2 : 681 .

الحكم من الروايات الواردة في السمك إذا كان له فلس.

وأما الروايات الأخرى فهي وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها ضعيفة الأسناد.الثالث: بالإجماع كما في الخلاف(1)، والغنية(2)، والمعتبر(3)، والسرائر(4)، والذكرى(5)، بل دعوى تحصيله كما في الجواهر(6)، وفي الرياض أنه الحجة بل هو ملحق بالضرورة من مذهب الإمامية(7)، وإن كان يظهر من بعض التأمّل في الحكم كالأردبيلي(8)، والسبزواري(9)، والسيد المجاهد(10)، والنراقي(11)، بل عن بعضهم الميل إلى نفي الحرمة، والظاهر أنه مذهب الصدوق(12).

هذا، ولكن هذه الأدلة قابلة للمناقشة.

أما الاستدلال بالآية ففيه أولاً: إمكان منع الانصراف المدّعى، وذلك لأنّ الصيد كما يتناول الأسماك كذلك يتناول غيرها من الحيوانات إذا قصد أخذها من البحر.

وثانياً: منع لزوم تخصيص الأكثر إذا بقي صيد البحر على عمومه؛ وذلك


1) ـ الخلاف ج 6 ، كتاب الصيد والذبائح، المسألة 31 ، ص 31 .

2) ـ غنية النزوع 2 : 398 .

3) ـ المعتبر في شرح المختصر : 149 الطبع القديم.

4) ـ كتاب السرائر 3 : 99 .

5) ـ ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: 124 الطبع القديم.

6) ـ جواهر الكلام 36 : 242 .

7) ـ رياض المسائل 2 : 280 ـ 281 الطبع القديم.

8) ـ مجمع الفائدة والبرهان 11 : 187 .

9) ـ كفاية الأحكام : 248 الطبع القديم.

10) ـ كتاب المناهل : 622 الطبع القديم.

11) ـ مستند الشيعة 2 : 403 الطبع القديم.

12) ـ نفس المصدر ص 403 الطبع القديم.

لعدم ثبوت حرمة أكثر ما في البحر بالكتاب والسنة من جهة الخباثة والضرر، وإنما هي مجرد دعوى لم ينهض عليها دليل، فمن هو الذي أحاط بحيوانات البحر كلّها خبراً، وعرف الخبائث منها والمضرّ، حتى يركن إلى صحة هذه الدعوى؟

وأما الروايات فقد قلنا: إنها على طائفتين:

أما الطائفة الأولى فقد تقدّم الكلام فيها.

وتبقى الطائفة الثانية ودعوى الإجماع، فإن تمّتا ولم يناقش فيهما فهما الحجّة في الحكم، ومقتضى ذلك الاقتصار في الحلّية على السمك الذي له فلس، وما عداه فهو حرام سمكاً كان أو غيره، وإلاّ فالأقوى دلالة هو ما ورد في رواية الفقيه المشتملة على أنّ المناط في حلّية حيوان البحر هو ما يحلّ من حيوان البرّ، وما يحرم من هذا يحرم من ذاك.

وأما سند الرواية فقد قلنا إنّ اعتبارها غير بعيد، ولنا في مرسلات الصدوق عن الصادق (علیه السلام) في الفقيه تحقيق ذكرناه في محلّه، والله هو العالم بالصواب.

وأما الجهة الثانية: وهي في تذكية حيوان البحر فقد اختلف الخاصّة والعامة.

قال في الجواهر: لا خلاف نصّاً وفتوى ولا إشكال في احتياج السمك إلىتذكية، بل الإجماع بقسميه عليه، والنصوص مستفيضة بل متواترة فيه(1).

وذكاته إخراجه أو أخذه من الماء حيّاً، فلا يحلّ الطافي، ولا ما يلقيه الماء ميتاً، أو يموت لنضب الماء عنه، ولا خلاف بين الخاصة في ذلك.

وذهب أكثر العامة إلى القول بالحلّية مطلقاً كما تقدم، وعن بعضهم التفريق


1) ـ جواهر الكلام 36 : 162 .

بين ما مات بسبب خارج فيحرم، وما مات حتف أنفه فيحلّ.

وضعفهما واضح.

ومما يدلّ على ما ذكرنا من مذهب الخاصة من الكتاب قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ...»(1)، وقد تقدم أنّ ذلك هو المستفاد من قوله تعالى: «صَيْدُ الْبَحْرِ » فإنه لا يصدق الصيد على ما مات في الماء أو طفا عليه أو رماه.

ويدل على ذلك أيضاً من السنة نصوص كثيرة:

منها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه سئل عن صيد المجوس للحيتان ... فقال: لا بأس بصيدهم، إنما صيد الحيتان أخذه(2)الحديث.

ومنها: موثّقة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن صيد المجوس للسمك حين يضربون للشبك ولا يسمّون، أو يهودي، قال: لا بأس إنماصيد الحيتان أخذها(3).

ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، في حديث، قال: وسألته عمّا يؤخذ من السمك طافياً على الماء، أو يلقيه البحر ميّتاً، فقال: لا تأكله(4).

ومنها: معتبرة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) ، قال: سألته عما حسر الماء عنه من صيد البحر وهو ميّت هل يحلّ أكله؟ قال: لا(5).

وسند الرواية وإن كان فيه عبد الله بن الحسن، ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنّنا قد ذكرنا ـ في الجزء الأول ـ أنّ روايات علي بن جعفر الواردة في قرب الإسناد لا ينحصر طريقها في عبد الله بن الحسن ، بل لها طرق أخرى معتبرة(6). وهي


1) ـ سورة المائدة، الآية: 96 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 32 من أبواب الذبائح، الحديث 9 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 32 من أبواب الذبائح، الحديث 5 .

4) ـ نفس المصدر باب 33 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 5 .

6) ـ التقية في فقه أهل البيت 1 : 452 ـ 454 .

شاملة لهذه الرواية.

ومنها: رواية زيد الشحّام، قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عما يوجد من الحيتان طافياً على الماء أو يلقيه البحر ميّتاً آكله؟ قال: لا(1).

وغيرها من الروايات الكثيرة الدالة على ما ذكرناه فلا إشكال في الحكم.ثم إنّ ها هنا مسائل وقع الخلاف فيها بين الأعلام، وهي:

الأولى: لو وثبت السمكة على الشاطىء أو السفينة، فإن أخذت قبل أن تموت فلا إشكال في حلّيتها، وإن لم تؤخذ فماتت فهل يحكم بحلّيتها إذا أدركها وهي تضطرب؟ كما هو ظاهر الشيخ في النهاية(2)، أو يكفي في الحكم بالحلّية خروجها حيّة من الماء كما هو ظاهر المحقّق في نكته(3)، أو أنّ حكمها الحرمة كما هو المشهور(4).

وقد استدل للقول المشهور بوجوه:

الأول: بظاهر الآية الشريفة، فإنّ ما وثب من الماء ومات لا يصدق عليه أنّه صيد البحر.

الثاني: بما ورد من الروايات المستفيضة الدالّة على أنّ صيد الحيتان أخذها، بل ورد التعبير في بعضها بإنّما الدالة على الحصر كما تقدّم وسيأتي.

الثالث: بما ورد في خصوص المقام، كصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) ، قال: سألته من(5)سمكة وثبت من نهر فوقعت على الجدّ


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 33 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

2) ـ النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: 576 .

3) ـ النهاية ونكتها 3 : 80 .

4) ـ جواهر الكلام 36 : 167 .

5) ـ كذا في الوسائل والصحيح (عن) كما في فروع الكافي ج 6 ، باب صيد السمك، الحديث 11 ، ص 218 .

من النهر فماتت، هل يصلح أكلها؟ قال: إن أخذتها قبل أنتموت ثم ماتت فكلها، وإن ماتت قبل أن تأخذها فلا تأكلها(1).

وصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا تأكل ما نبذه الماء من الحيتان وما نضب الماء عنه(2).

وفي رواية الصدوق: لا يؤكل ما نبذه الماء من الحيتان من الماء وما نضب الماء عنه، فذلك المتروك(3).

والظاهر أنّهما رواية واحدة اشتملت الثانية على زيادة، وهي بإطلاقها تدلّ على الحرمة بدون الأخذ.

وأما القولان الآخران فيمكن الاستدلال لهما بثلاثة أقسام من الروايات:

الأول: بما ورد من أنّ ذكاة السمك خروجه من الماء، كما في موثقة مسعدة بن صدقة قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن أكل الجراد، فقال: لا بأس بأكله ... ثم قال: إنّ علياً (علیه السلام) قال: إنّ الجراد والسمك إذا خرج حيّاً من الماء فهو ذكي ...(4).

الثاني: بما ورد من جواز أكل السمك إذا نبذه الماء، كما في مضمرة زرارة قال: قلت له: سمكة ارتفعت فوقعت على الجدد فاضطربت حتى ماتت آكلها؟ فقال: نعم(5).والرواية من حيث السند معتبرة، وقد رواها الصدوق في الفقيه(6)،


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 34 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

3) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب الصيد والذبائح، الحديث 90 ، ص 215 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 37 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 34 من أبواب الذبائح، الحديث 5 .

6) ـ من لا يحضره الفقيه ج 3 ، باب الصيد والذبائح، الحديث 36 ، ص 206 .

وطريقه إليها وإن كان فيه أبان وقد يتوهّم أنّه أبان بن تغلب، ولم تثبت روايته عن زرارة، إلاّ أن المراد به هو أبان بن عثمان، وهو يروي عن زرارة كثيراً وطريق الصدوق إلى أبان معتبر(1)فلا إشكال من هذه الناحية، وأما الإضمار في الرواية فليس بمضرّ، لأنّ زرارة أجلّ شأناً من أن يروي عن غير المعصوم (علیه السلام) فالسند معتبر.

وهي من حيث الدلالة مطلقة فتشمل بإطلاقها ما نحن فيه.

ومثلها رواية زرارة الأخرى قال: قلت: السمك يثب من الماء فيقع على الشطّ فيضطرب حتى يموت، فقال: كلها(2).

وهي كالرواية السابقة من حيث المضمون ولكنها من حيث السند مرسلة.

الثالث: بما ورد من أنّ المجوسي إذا أخذ السمك وكان المسلم ينظر إليه فهو حلال، بناء على أنّ أخذ المجوسي لا عبرة به، وإنما العبرة بنظر المسلم كما في صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن صيد الحيتان وإن لم يسمّ، فقال: لا بأس، وعن صيد المجوسي للسمك، فقال: ما كنت لآكله حتى أنظر إليه(3).

وصحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مجوسييصيد السمك أيؤكل منه؟ فقال: ما كنت لآكله حتى أنظر إليه(4).

وغيرهما من الروايات.

هذا، ولكن جميع هذه الروايات محلّ نظر.

أما روايات القسمين الأول والثاني فهي مطلقة، ومقتضى الجمع العرفي


1) ـ مشيخة الفقيه: 86 ـ 87 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 34 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 32 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

تقييدها بالروايات الدالة على الأخذ وأنه شرط في الحلّية.

وأما روايات القسم الثالث فلما يأتي من أنّ النظر طريق إلى إثبات إخراج السمك حيّاً، ولا خصوصية للنظر في نفسه.

نعم هنا رواية واحدة قد يدّعى أن المناط في الحلّية هو الإدراك دون الأخذ، وهي رواية سلمة أبي حفص، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنّ علياً (علیه السلام) كان يقول: في صيد السمكة إذا أدركتها وهي تضطرب، وتضرب بيدها، وتتحرك ذنبها، وتطرف بعينها، فهي ذكاتها(1).

ومقتضى الجمود عليها هو كفاية الإدراك من دون حاجة إلى الأخذ، كما أنّ مقتضى القاعدة حينئذ هو اعتبار أحدهما في حلّية السمك، إما الأخذ، وإما الإدراك، بل قد يقال: إنّ اشتراط الأخذ لغو، لأنه أخص من الإدراك ولا يتحقق الأخذ إلاّ بعد الإدراك.

ولكن الرواية ضعيفة سنداً ودلالة.أما ضعف السند فلعدم ما يدل على وثاقة سلمة أبي حفص.

وأما عبد الله بن محمد الواقع في الطريق فالظاهر أنه هو بنان بن محمد بن عيسى(2)، أخو أحمد بن محمد بن عيسى، وهو واقع في أسناد نوادر الحكمة(3)، وعليه فيحكم بوثاقته وضعف الرواية إنما هو من جهة سلمة فقط.

وأما ضعف الدلالة فلأنّ مورد الرواية خارج عن محلّ الكلام فإنّ الوارد فيها هو صيد السمكة، ومحلّ كلامنا هو وثوب السمكة، أو نضب الماء عنها، أو إلقائه إياها، ولا يبعد أن يكون المراد بالإدراك في الرواية هو الأخذ بقرينة ذكر الصيد.


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 34 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .

2) ـ معجم رجال الحديث 4 : 273 .

3) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 138 .

فالظاهر أنّ ما عليه المشهور هو الموافق للقاعدة.

الثانية: لا تعتبر التسمية في صيد السمك، ولا خلاف في ذلك بين الأعلام. وإنما الخلاف في اعتبار الإسلام وعدمه، فذهب المشهور إلى عدم الاعتبار(1)، بل ادّعى ابن إدريس الإجماع عليه(2)، فيحلّ صيد الكافر وإن كان غير كتابي.

وذهب الشيخ المفيد إلى الاعتبار(3)كما في الذبح، وذهب ابن زهرة إلى أنّ اعتباره أحوط(4).

ويشهد للقول المشهور مضافاً إلى إطلاق الكتاب، وإطلاق ما ورد من أنّذكاة السمك إخراجه حيّاً، عدة روايات في خصوص المقام:

منها: صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الحيتان التي تصيدها المجوس، فقال: إنّ علياً (علیه السلام) كان يقول: الحيتان والجراد ذكيّ(5).

ومنها: موثقة أبي بصير ـ المتقدمة ـ قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن صيد المجوس للسمك حين يضربون للشبك ولا يسمّون، أو يهودي، قال: لا بأس، إنما صيد الحيتان أخذها(6).

ومنها: موثقة أبي مريم، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما تقول فيما صادت المجوس من الحيتان؟ فقال: كان عليّ (علیه السلام) يقول: الحيتان والجراد ذكيّ(7).

ومنها: معتبرة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) ، قال: سألته


1) ـ جواهر الكلام 36 : 167 .

2) ـ كتاب السرائر 3 : 88 .

3) ـ المقنعة: 577 .

4) ـ غنية النزوع 2 : 397 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 32 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

6) ـ نفس المصدر الحديث 5 .

7) ـ نفس المصدر الحديث 6 .

عما أصاب [صاد] المجوس من الجراد والسمك أيحل أكله؟ قال: صيده ذكاته، لا بأس(1).

ومنها: صحيحة الحلبي ، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنه سئل عن صيد المجوس للحيتان حين يضربون عليها بالشباك ويسمّون بالشرك، فقال: لا بأسبصيدهم، إنما صيد الحيتان أخذه. الحديث(2).

ومنها: معتبرة عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: لا بأس بالسمك الذي يصيده المجوس(3).

ومنها: معتبرة أبي الصباح الكناني، أنه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن الحيتان يصيدها المجوسي، فقال: لا بأس، إنما صيد الحيتان أخذها(4).

وهذه الروايات كلها صريحة في عدم اشتراط الإسلام في حلّية السمك، ومورد الروايات وإن كان هو السؤال عن صيد المجوسي إلاّ أن مقتضى الإطلاق وعموم التعليل شمولها لغير المجوسي من سائر الكفار.

هذا، وقد استدلّ للقول الآخر ـ وهو اعتبار الإسلام ـ بصحيحة الحلبي ـ المتقدمة ـ قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن صيد الحيتان وإن لم يسمّ، فقال: لا بأس، وعن صيد المجوسي للسمك، فقال: ما كنت لآكله حتى أنظر إليه(5).

وصحيحة محمد بن مسلم ـ المتقدمة أيضاً ـ قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مجوسي يصيد السمك أيؤكل منه؟ فقال: ما كنت لآكله حتى أنظرإليه(6).

وفي هاتين الروايتين اعتبر المناط في الحلية نظر المسلم، ولولاه لما


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 32 من أبواب الذبائح، الحديث 8 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 32 من أبواب الذبائح، الحديث 9 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 10 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 11 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 1 .

6) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 32 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .

حلّ صيد المجوسي، وحيث إنّ الروايات المتقدمة مطلقة فمقتضى الجمع تقييدها بهاتين الروايتين، فلا يحلّ صيد المجوسي، أو من عداه من سائر الكفار، إلاّ أن ينظر إليه المسلم.

وفيه: أنّنا قد ذكرنا فيما تقدم أنه لا خصوصية للنظر في نفسه، وإنما هو طريق لإحراز إخراج السمك حيّاً، إذ لا اعتبار بقول المجوسي وإخباره، ويدلّ على ذلك ما ورد في معتبرة عيسى بن عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عن صيد المجوسي، فقال: لا بأس إذا أعطوكه أحياء، والسمك أيضاً، وإلاّ فلا تجوز شهادتهم إلاّ أن تشهده(1).

وهي من جهة السند معتبرة فإنّ عيسى بن عبد الله وإن كان مشتركاً في هذه الطبقة بين ثلاثة، وهم: عيسى بن عبد الله الأشعري القمي، وعيسى بن عبد الله العمري، وعيسى بن عبد الله الهاشمي، إلاّ أنّ الظاهر أنه الأول بقرينة الراوي عنه وهو أبان بن عثمان، فإنه يروي عن الأشعري كثيراً(2)ولا إشكال في جلالته ورفعة مقامه(3)، وأما ما ورد في طبقات المعجم(4)من رواية عيسى بن عبد الله عن أبان بن عثمان فهو خطأ في الطبع، والصحيح هو العكس أي رواية أبان بن عثمانعنه كما في طبعة الكافي(5).

وأما من جهة الدلالة فهي تامّة لأنّ إعطاء المجوسي للسمك حيّاً غير معتبر قطعاً، والذي يظهر من ذيل الرواية أنه من باب إحراز أخذه من الماء حيّاً، وذلك بمقتضى قوله (علیه السلام): «فلا تجوز شهادتهم إلاّ أن تشهده» ومعناه عدم جريان


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 32 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

2) ـ معجم رجال الحديث 14 : 217 و 432 .

3) ـ نفس المصدر ص 213 .

4) ـ نفس المصدر ص 432 .

5) ـ الأصول من الكافي ج 2 ، باب القول عند الإصباح والإمساء، الحديث 15 ، ص 527 .

أصالة الصحة في فعل المجوس كما تجري في فعل المسلمين، فالإعطاء أو الشهود كما في هذه الرواية، أو النظر كما في الصحيحتين المتقدمتين لما ذكرناه، وهي طرق إلى إحراز التذكية، ولا خصوصية للنظر في نفسه.

فالظاهر أنّ الصحيح هو القول المشهور، والاحتياط حسن.

الثالثة: إذا مات السمك في الشبكة، فهل يحكم بحلّيته أو لا؟

وفي

المسألة قولان:

الأول: عدم الحلّية، واختاره صاحب الجواهر ! ، ونسبه إلى المشهور شهرة عظيمة(1)، ونسبه صاحب الرياض إلى أكثر المتأخرين من أصحابنا، وفاقاً للشيخ، وابن حمزة، والحلّي من القدماء(2).

الثاني: الحلية وهو المنسوب إلى العماني(3)، ونفى عنه البعد في الكفاية(4)، ومالإليه المحقق الأردبيلي(5)، ورجحه النراقي(6)، واختاره السيد الأستاذ !(7).

ومنشأ القولين اختلاف الروايات الواردة في المقام.

أما مستند القول بعدم الحلّية فعدة روايات:

منها: صحيحة أبي أيّوب الخزاز، أنه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل اصطاد سمكة فربطها بخيط وأرسلها في الماء فماتت أتؤكل؟ فقال: لا(8).

والرواية من حيث السند معتبرة، وأما من حيث الدلالة فهي تامة، إما


1) ـ جوهر الكلام 36 : 170 .

2) ـ رياض المسائل 2 : 278 الطبع القديم.

3) ـ مختلف الشيعة 8 : 285 المسألة 6 .

4) ـ كفاية الأحكام : 248 المسألة الرابعة، الطبع القديم.

5) ـ مجمع الفائدة والبرهان 11 : 140 الطبعة الأولى المحققة.

6) ـ مستند الشيعة 2 : 463 المسألة الأولى، الطبع القديم.

7) ـ منهاج الصالحين ج 2 ، المسألة 1625 ، ص 33 الطبعة الثامنة والعشرون.

8) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 33 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

بناء على عدم الخصوصية للخيط، وإما بدلالة الفحوى لأنها إذا كانت مربوطة بالخيط لا تحلّ فعدم حلّيتها بالشبكة من باب أولى.

ومنها: رواية عبد الرحمن بن سيّابة، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن السمك يصاد ثم يجعل في شيء، ثم يعاد في الماء فيموت فيه، فقال: لا تأكل لأنّه مات في الذي فيه حياته(1).

وهذه الرواية ـ من حيث السند ـ قد عبّر عنها صاحب الجواهر بصحيح عبد الرحمن(2)، وهو لم يرد فيه توثيق إلاّ من جهة رواية ابن أبي عمير عنه(3)، وبناء علىما حققناه في محله(4)من أنّ رواية أحد المشايخ الثقات عن شخص أمارة على وثاقته فتكون الرواية معتبرة السند.

وأما من حيث الدلالة فهي تامة بناء على دخول الشبكة في مفهوم الشيء الوارد في الرواية، نعم لو قلنا بأنّ الشيء غير الشبكة فلا دلالة للرواية على ما نحن فيه.

هذا، ولكن يمكن استفادة الحكم بالتحريم من جهة التعليل فإنّ قوله: «لأنه مات في الذي فيه حياته» علّة للحرمة وهي بعمومها شاملة لما نحن فيه.

ومنها: رواية عبد المؤمن قال: أمرت رجلاً أن يسأل لي أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل صاد سمكاً وهنّ أحياء، ثم أخرجهنّ بعد ما مات بعضهنّ، فقال: ما مات فلا تأكله، فإنّه مات فيما كان فيه حياته(5).

والرواية من حيث الدلالة تامة، إما للجواب بقوله: فلا تأكله، وإما لعموم


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 33 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .

2) ـ جواهر الكلام 36 : 169 .

3) ـ أمالي الصدوق، المجلس 54 ، الحديث 13 ، ص 416 .

4) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 401 ـ 424 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 35 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

التعليل بقوله: فإنه مات فيما كان فيه حياته، كما تقدم في الرواية السابقة.

وأما من حيث السند فالظاهر أنّ المراد من عبد المؤمن هو الأنصاري وهو ثقة(1)، فإنه هو المشهور والمعروف كما أنّ له كتاباً، فإذا أطلق مجرّداً انصرف إليه،ولكن الرواية من جهة أخرى في حكم المرسلة، لأنه قال: أمرت رجلاً أن يسأل لي أبا عبد الله ... وظاهر ذلك أنه لم يكن حاضراً في مجلس السؤال، ولم يعلم من هو السائل، وعليه فالرواية من هذه الجهة غير تامة السند فتكون مؤيدة.

وأما مستند القول بالحلية فعدة روايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجل نصب شبكة في الماء، ثم رجع إلى بيته وتركها منصوبة، فأتاها بعد ذلك وقد وقع فيها سمك فيموتن، فقال: ما عملت يده فلا بأس بأكل ما وقع فيها(2).

والرواية من حيث السند معتبرة، ومن جهة الدلالة ظاهرة، وأما حمل صاحب الوسائل الرواية على ما لو مات بعض السمك ولم يتميّز، أو مات بعد ما أخرجت الشبكة من الماء وإن بقيت منصوبة(3)، فهو خلاف الظاهر من الرواية.

ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألته عن الحظيرة من القصب تجعل في الماء للحيتان، فيدخل فيها الحيتان فيموت بعضها فيها، فقال: لا بأس به إنّ تلك الحظيرة إنما جعلت ليصاد بها(4).

والرواية من حيث السند معتبرة والإضمار فيها غير مضرّ، على أنه قد


1) ـ رجال النجاشي 2 : 68 الطبعة الأولى المحققة.

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 35 من أبواب الذبائح، الحديث 2 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 35 من أبواب الذبائح، ذيل الحديث 2 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

رواها الكليني بسنده عن الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) (1)فلا إشكال فيالسند.

وهي من حيث الدلالة تامة، بل هي أوضح دلالة من الرواية السابقة.

ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعت أبي (علیه السلام) يقول: إذا ضرب صاحب الشبكة بالشبكة فما أصاب فيها من حيّ أو ميّت فهو حلال...(2).

والرواية من حيث الدلالة تامة، فإنّ الظاهر أنّ الضرب بالشبكة إنما هو في الماء، كما أنّها من حيث السند كذلك، لما تقدم من أنّ المراد من مسعدة هو مسعدة بن زياد بن صدقة، وهو موثق، فلا إشكال في الرواية.

ومنها: معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) ، قال: سألته عن الصيد تحبسه فيموت في مصيدته، أيحلّ أكله؟ قال: إذا كان محبوساً فكله فلا بأس(3).

والرواية من حيث الدلالة تامة، فإنّ قوله: إذا كان محبوساً، قرينة على أنه في الماء، إذ لا إشكال في عدم اعتبار هذا الشرط خارج الماء.

وأما من حيث السند فهي وإن كان فيها عبد الله بن الحسن، ولم يرد فيه توثيق، إلاّ أننا ذكرنا في أكثر من موضع أنّ بالإمكان تصحيح روايات هذا الطريق بعدّة وجوه، وعليه فالرواية معتبرة السند.هذه هي الروايات التي استند إليها كلّ من القائلين بالحرمة والحلية، والظاهر وقوع التنافي فيما بينها.

وقد يرفع التنافي بينها تارة بترجيح روايات الحلّية بأن يقال: إنّ الروايات الدالة على الحرمة إما ضعيفة السند، وإما غير تامّة الدلالة، فإنّ رواية


1) ـ الفروع من الكافي ج 6 ، باب صيد السمك، الحديث 9 ، ص 217 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 35 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 35 من أبواب الذبائح، الحديث 6 .

عبد المؤمن في حكم المرسلة كما تقدم، وأما صحيحة الخزاز، ومعتبرة عبد الرحمن فتختصّان بموردهما وهو ربط السمك بالخيط كما في الصحيحة، ووضعه في شيء غير الشبكة كما في المعتبرة، والأولوية في الأولى وعمومية التعليل في الثانية ممنوعتان فتبقى روايات الحلّية سليمة عن المعارض.

أو أن يقال: إنّ روايات الحرمة محمولة على الكراهة، لأنّها ظاهرة في الحرمة، بخلاف روايات الحلّية فإنّها صريحة في الجواز، ومقتضى الجمع هو الحل على كراهة.

وتارة بترجيح روايات الحرمة بأن يقال: إنّ روايات الجواز محمولة على التقية، لذهاب جمهور العامة إلى القول بالحلّية، بل ادّعوا عدم الخلاف في ذلك(1)أو أن يقال: إنّ الروايات الدالة على الحرمة معضدة بعمل المشهور، لتحقق الشهرة العظيمة بين الأصحاب على الحرمة، دون الروايات الدالة على الحلية .

ولكن للمناقشة في جميع ذلك مجال، أما الأول ففيه: أنه وإن سلّم ضعف سند رواية عبد المؤمن الأنصاري إلاّ أنّ منع الأولوية وعموم التعليل مما لا وجه له،مضافاً إلى أنّ لفظ شيء الوارد في معتبرة ابن سيّابة شامل للشبكة بلا إشكال، فإنّ مفهومه أعم المفاهيم والشبكة أحد مصاديقه كما هو واضح، فالدعوى بأنّ الشيء أمر آخر غير الشبكة غير مسموعة .

وأما الثاني ففيه: أنه وإن ورد في بعض الروايات بلفظ النهي، وهو ظاهر في التحريم وليس نصّاً فيه، إلاّ أنه قد ورد في بعضها الآخر بلفظ النفي كما سيأتي ودلالته على الحرمة أقوى، بل لا ينسجم مع القول بالكراهة، مضافاً إلى اشتمالها على التعليل بأنه مات في ما كان فيه حياته، وهو بنفسه مؤكد للحكم


1) ـ المغني والشرح الكبير ج 11 ، المسألة 7755 ، ص 41 .

وشاهد على أنّ النهي تحريمي، وأنّ حكم السمك الذي مات في الشبكة حكم الطافي .

ومما يؤكّد ما ذكرنا أنّ هذا التعليل بعينه قد ورد تعليلاً للحرمة، كما في معتبرة علي بن جعفر عن أخيه (علیه السلام) قال: سألته عن السمك يصاد ولم يوثق، فيردّ إلى الماء حتى يجيء من يشتريه فيموت بعضه، أيحلّ أكله؟ قال: لا، لأنه مات في الذي فيه حياته(1).

وهي صريحة في دلالتها على الحرمة، حيث أجاب (علیه السلام) بنفي الحلية.

هذا بناء على أن يكون المراد من قوله: (فيردّ إلى الماء) هو الماء الأول، وحينئذ فالرواية وإن كانت خارجة عن محلّ الكلام إلاّ أن المستفاد منها أنّ التعليل هو تعليل للحرمة، وأما إذا كان المراد بالماء غير الماء الأول، بل ماء آخر كمياه الأحواض المخصّصة لتربية الأسماك فالرواية حينئذ من أدلة الحرمة ولا تصلح لأن تكون مناطاًللجمع، وعلى كلا التقديرين فالتعليل في الرواية إنما هو للتحريم لا للكراهة.

وأما الثالث ففيه: أنّ الحمل على التقية وإن كان له وجه إلاّ أنه قد ورد في بعض هذه الروايات ما هو على خلاف العامة، كما في موثقة مسعدة بن صدقة المتقدمة، حيث قال (علیه السلام): ... فما أصاب فيها من حيّ أو ميّت فهو حلال، ما خلا ما ليس له قشر، ولا يؤكل الطافي من السمك(2).

فإنّ ذلك مخالف لما ذهب إليه العامة من حلّية ما ليس له قشر والطافي(3)، فحمل روايات الحلية على التقية بعيد.

وأما الرابع ففيه: أنّ الشهرة المذكورة في كلمات الأعلام إنما هي شهرة


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 33 من أبواب الذبائح، الحديث 6 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 35 من أبواب الذبائح، الحديث 4 .

3) ـ بداية المجتهد 1 : 462 ، والمغني والشرح الكبير 11 : 41 ، المسألة 7755 .

فتوائية، والترجيح إنما يكون بالشهرة الروائية، ولعل الروايات الدالّة على الحلية هي المشهورة دون روايات الحرمة.

والتحقيق في المقام أن يقال: إنّ ظاهر الطائفتين هو التعارض، وبعد تساقطهما لابدّ من الرجوع إلى الأصل، ومقتضى العمومات والإطلاقات الكثيرة في ذكاة السمك وإن كان هو صيده أو أخذه إلاّ أنها مقيّدة بعدم موته في الماء وإخراجه منه حيّاً، كما يدلّ على ذلك معتبرة علي بن جعفر المتقدمة، فإنّها صريحة في عدم الحلّية.

ويؤيدها رواية الاحتجاج عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنّ زنديقاً قال له: السمك ميتة، قال: إنّ السمك ذكاته إخراجه حياً من الماء ثميترك حتى يموت من ذات نفسه، وذلك أنه ليس له دم، وكذلك الجراد(1).

وعليه فالحكم بالحرمة في المقام هو الموافق للأصل اللفظي، كما أنه موافق للأصل العملي أيضاً.

نعم لو لم نقل بالتعارض بين الطائفتين لكان مقتضى الجمع هو الحكم بالحلية، لكثرة الروايات الدالة عليها، ووضوح دلالتها بخلاف روايات المنع، ولعل ذهاب المشهور إلى القول بالحرمة بل إجماعهم عليه(2)وإعراضهم عن روايات الحلية مع كثرتها ووضوح دلالتها، أنّهم فهموا من روايات الحلّية ما يشعر بالتقية، وعلى كل حال فالاحتياط في محلّه.

ومن ذلك يظهر أنه إذا لم يكن السمك في المصيدة بل كان مربوطاً بخيط أو في شيء آخر غير الشبكة أو أخذ ثم أعيد في الماء فمات فليس بحلال بلا إشكال، كما عليه دعوى الإجماع وعدم الخلاف(3)، وأما إذا كان في الشبكة ونضب عنه الماء ثم مات فيها فالحكم بالحلية قويّ، والله العالم.


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 31 من أبواب الذبائح، الحديث 8 .

2) ـ جواهر الكلام 36 : 170 .

3) ـ نفس المصدر ص 169 .

خاتمة: في حكم سوق المسلمين ومقدار أماريته:

وهو من الأمور ذات الابتلاء، ولا سيّما في زماننا، حيث أصبح من العسير تمييز ما هو من المسلمين من غيرهم، وقد وعدنا بالبحث حول المسألة بما يناسب المقام.فنقول: هل أنّ ما يباع في أسواق المسلمين ـ مما يعتبر في جواز استعماله الطهارة والحلّية ـ محكوم بالطهارة والحلية مطلقاً أو لا؟

وتحقيق هذه المسألة يتوقّف على البحث في مقامات ثلاثة:

الأول: في مقتضى الأصل.

الثاني: في مقتضى الأدلة الخاصة.

الثالث: في أحكام وخصوصيّات المسألة.

المقام الأول: هل أنّ مقتضى الأصل هو ثبوت الحرمة والنجاسة تكليفاً ووضعاً، أو أن مقتضاه التفصيل بين الحرمة والنجاسة، أو أنّ مقتضاه ثبوت الحلية والطهارة معاً، فيه أقوال ثلاثة: ذهب المشهور إلى الأول(1)، ونسب الثاني إلى الفاضل التوني(2)، واختاره السيد الأستاذ (3)، وذهب جماعة(4)إلى الثالث ومنهم المحقق البحراني(5).

أما الأول وهو القول المشهور فمحلّ الكلام منه هو ما إذا كان الحيوان قابلاً للتذكية وشكّ في تذكيته وعدمها، فيقال بأنّ مقتضى الأصل هو عدم التذكية.


1) ـ الحدائق الناضرة 5 : 526 .

2) ـ الوافية في أصول الفقه : 209 الطبعة المحققة الأولى.

3) ـ التنقيح في شرح العروة الوثقى ج 1 ، كتاب الطهارة، ص 561 .

4) ـ جواهر الكلام 8 : 58 .

5) ـ الحدائق الناضرة 5 : 526 ـ 527 .

ويمكن تقريب الأصل فيه بوجهين:أحدهما: أنّ المستفاد من الأدلة الواردة من الآيات والروايات هو أنّ الحلية والطهارة مترتبتان على الحيوان المذكّى، فكلّ ما لم تحرز تذكيته فهو داخل في عموم الحكم بالحرمة، كقوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ... إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ»(1)، يعني أنّ كل حيوان حكمه الحرمة إلاّ إذا ذكّي، وقوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»(2)فإذا لم تحرز التسمية عليه فهو حرام، وقوله (علیه السلام) في موثقة ابن بكير: ... فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وكل شيء جائز منه، إذا علمت أنه ذكيّ، وقد ذكّاه الذابح(3)، وقوله في رواية علي بن أبي حمزة بعد السؤال عن جلود الكيمخت، وأن منه ما يكون ذكياً ومنه ما يكون ميتة، ... : ما علمت أنه ميتة فلا تصلّ فيه(4)، وقوله في معتبرة علي بن جعفر: ... لا يلبس ولا يصلّي فيه إلاّ أن يكون ذكياً(5).

ومثلها ما ورد من الروايات الدالة على توقّف حلية الصيد(6)على الشرائط المقررة في الشرع، فإذا شك في تحققها فلا يحلّ تناوله.

ويستنتج من ذلك قاعدة كلية وهي: كلّ ما لم يحرز أنه مذكّى فهو حرام، وتعتبرأصلاً ثانوياً في اللحوم والجلود حاكماً على أصالة الحلية والطهارة في الأشياء.

وبناء على ذلك فلا يحتاج في الحكم بالحرمة إلى الاستصحاب، فإنّ


1) ـ سورة المائدة، الآية: 3 .

2) ـ سورة الأنعام، الآية: 118 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 3 ، باب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

4) ـ نفس المصدر ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 4 .

5) ـ نفس المصدر ج 3 ، باب 4 من أبواب لباس المصلي، الحديث 6 .

6) ـ لاحظ وسائل الشيعة ج 16 أبواب الصيد.

مجرّد الشكّ في التذكية كافٍ في الحكم بالحرمة.

ثانيهما: أنه على فرض التنزّل فيمكن استصحاب عدم التذكية وإثبات الحرمة، بناء على أنّ المستفاد من الأدلة أنّ موضوع الحلية هو الحيوان الذي وقعت عليه التذكية، وفي مقابلها أنّ موضوع الحرمة هو الحيوان الذي لم تقع عليه التذكية، وعلى هذا فموضوع الحرمة مركّب من جزئين: الحيوان، وعدم وقوع التذكية عليه، والجزء الثاني أي: عدم وقوع التذكية يمكن أن يكون على نحو العدم المحمولي، أو على نحو العدم النعتي، وعلى كلا التقديرين يتحقق موضوع الاستصحاب، أما الجزء الأول فهو محرز بالوجدان، وأما الجزء الثاني فبناء على العدم المحمولي فله حالة سابقة، وهي أنّه حيوان لم تقع عليه التذكية فتستصحب، ويترتب عليها الحكم بالحرمة.

وأما بناء على العدم النعتي فهو وإن لم يكن له حالة سابقة في حال الحياة، لكن الحيوان قبل وجوده لم يكن الوصف موجوداً له لعدم وجود الموضوع فالموصوف لا وجود له، وبعد وجوده يشكّ في الاتصاف وعدمه، فيستصحب العدم، وبذلك يثبت جزءا الموضوع أحدهما بالوجدان والآخر بالعدم الأزلي، نظير استصحاب عدم قرشيّة المرأة.

هذا، ولكن نوقش في كلا الوجهين:أما في الوجه الأول فقد نوقش فيه أولاً: بما ذكره صاحب المدارك(1)بأنّ هناك روايات تدل على أنّ الحرمة مترتبة على الميتة، فما لم يحرز كون الحيوان نفسه ميتة فهو حلال، منها: رواية علي بن أبي حمزة، أنّ رجلاً سأل أبا عبد الله(علیه السلام) وأنا عنده عن الرجل يتقلّد السيف ويصلّي فيه، قال: نعم، فقال الرجل: إنّ فيه الكيمخت، قال: وما الكيمخت؟ قال: جلود دوابّ منه ما يكون


1) ـ مدارك الأحكام 2 : 387 الطبعة الأولى المحققة.

ذكياً، ومنه ما يكون ميتة، فقال: ما علمت أنه ميتة فلا تصلّ فيه(1).

وهذه الرواية صريحة الدلالة على أنّ الأصل هو الجواز والحلية، وأنّ الحرمة مترتبة على العلم بأنه ميتة.

ومنها: معتبرة سماعة بن مهران، أنه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن تقليد السيف في

الصلاة وفيه الفراء والكيمخت، فقال: لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة(2).

وهي في دلالتها كالرواية السابقة.

وبناء على هذا فالأصل هو الحلية ما لم يعلم أنه ميتة، وهو حاكم على الأصل الأول.

وثانياً: بما ذكره صاحب الحدائق ! في الجلد المطروح حيث قال: المشهور في كلام متأخري أصحابنا نجاسة الجلد لو وجد مطروحاً، وإن كان في بلاد المسلمين، جديداً أو عتيقاً، مستعملاً أو غير مستعمل، لأصالة عدم التذكيةونحو ذلك اللحم.

وأنت خبير بما فيه، أما أولاً: فللقاعدة الكلية المتفق عليها نصّاً وفتوى من أنّ (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه)(3)و (كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر)(4)ومن قواعدهم المقررة أن الأصل يخرج عنه بالدليل، والدليل موجود كما ترى، فترجيحهم العمل بالأصل المذكور على هذه القاعدة المنصوصة خروج عن القواعد.


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 4 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 12 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 12، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 مع اختلاف يسير في النقل فلاحظ.

4) ـ ذكر صاحب الحدائق ! أنها ليست رواية ولم ترد في كتب الأخبار وإنما يتناقلها الفقهاء، لاحظ الحدائق الناضرة 5 : 255 .

ويعضد هذه القاعدة المذكورة جملة من الأخبار كصحيحة سليمان بن جعفر الجعفري عن العبد الصالح موسى بن جعفر (علیهما السلام) ، أنه سأله عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلّي فيها؟ قال: نعم، ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر (علیه السلام) كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك(1).

وبمضمونها روايات عديدة وقد تقدمت، والتقريب فيها، دلالتها على الحلّ في موضع الاشتباه حتى في الصلاة.

وأما ثانياً: فلما رواه الشيخ عن السكوني، عن الصادق (علیه السلام)، أنّ أميرالمؤمنين(علیه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة، كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين، فقال أمير المؤمنين (علیه السلام): يقوّم ما فيها ثم يؤكل، لأنه يفسد وليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ قال: هم في سعة حتى يعلموا(2).

وهو صريح في المطلوب(3).

وأما الوجه الثاني فقد نوقش فيه بوجوه:

الأول: بما ذكره صاحب الحدائق ! تبعاً للفاضل التوني !(4)من أنّ استصحاب عدم التذكية معارض باستصحاب طهارة الجلد حال الحياة، وتوضيحه: أنّ وجه تمسّكهم بالأصل المذكور من حيث استصحاب عدم الذبح نظراً إلى حال الحياة، ولم يعلم زوال عدم المذبوحيّة لاحتمال الموت حتف أنفه فيكون نجساً، إذ الطهارة لا تكون إلاّ مع الذبح، هكذا قالوا.


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 11 .

3) ـ الحدائق الناضرة 5 : 526 ـ 527 .

4) ـ الوافية في أصول الفقه : 209 الطبعة المحققة الأولى.

ونحن نقول: إنّ طهارة الجلد في حال الحياة ثابتة، ولم يعلم زوالها لتعارض احتمال الذبح وعدمه فيتساقطان، ويبقى الأصل ثابتاً (أي أصالتا الطهارة والحلية) لا رافع له(1).

الثاني: بما ذكره صاحب الحدائق ! تبعاً للفاضل التوني ! أيضاً من أنّ استصحاب عدم المذبوحية في المسألة لا يوجب الحكم بالنجاسة كما توهموه، لأنّ النجاسة لم تكن ثابتة في الوقت الأول وهو وقت الحياة.

وبيانه: أنّ عدم المذبوحية لازم لأمرين أحدهما: الحياة، وثانيهما: الموت حتف الأنف، والموجب للنجاسة ليس هو هذا اللازم من حيث هو، بل ملزومه الثاني أعني: الموت حتف الأنف، فعدم المذبوحية اللازم للحياة مغاير لعدم المذبوحية اللازم للموت حتف الأنف، والمعلوم ثبوته في الزمن الأول هو الأول لا الثاني، وظاهر أنه غير باق في الوقت الثاني(2).

ففي الحقيقة: تخرج مثل هذه الصورة من الاستصحاب، إذ شرطه بقاء الموضوع وعدمه هنا معلوم، وليس مثل المتمسك بهذا الاستصحاب إلاّ مثل من تمسّك على وجود عمرو في الدار في الوقت الثاني باستصحاب بقاء الضاحك المتحقق بوجود زيد في الدار في الوقت الأول وفساده غنيّ عن البيان(3).

الثالث: إنه بناء على صحة جريان أصالة عدم التذكية ـ على نحو العدم الأزلي كما تقدم ـ فلا أثر يترتّب عليه، وإنما يترتّب الأثر على الميتة، إذ أنّ موضوع الحرمة والنجاسة هو الميتة، وهي عبارة عن الحيوان الذي مات حتف أنفه، في مقابل المذكّى وهو عبارة عن الحيوان الذي مات على الوجه الشرعي، وهما ضدان، واللازم من استصحاب عدم التذكية وهو عدم الضدّ، إثبات لوازم


1) ـ الحدائق الناضرة 5 : 527 .

2) ـ الحدائق الناضرة 5 : 527 ـ 528 .

3) ـ الوافية في أصول الفقه: 210 .

وآثار الضدالآخر وهو الميتة، ولا شكّ أنّ هذا من الأصل المثبت سواء قلنا بأنّهما ضدّان لا ثالث لهما، أو قلنا بأنّ لهما ضداً ثالثاً، إذ يمكن فرض موت الحيوان بالقتل أي بدون حتف أنفه على وجه غير شرعي، فهو ليس من الموت حتف الأنف كما أنه ليس بتذكية فيكون ضدّاً ثالثاً لهما.

الرابع: بما ذكره السيد الأستاذ ! تبعاً للفاضل التوني ! من أنّ حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة حكمان مترتّبان على عنوان غير المذكّى، وذلك لقوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ»(1)... وأما النجاسة وحرمة الانتفاع على تقدير القول بها فهما من الآثار المترتبة على عنوان الميتة، والموت في عرف المتشرّعة على ما صرّح به في مجمع البحرين(2): زهاق النفس المستند إلى سبب غير شرعي، وكذلك الفيومي في مصباحه(3)أنّ الميتة ما مات بسبب غير شرعي كخروج الروح حتف الأنف، أو بالضرب، أو الشقّ، ونحوها، فيكون أمراً وجودياً لايمكن إثباته بأصالة عدم التذكية.

وعلى فرض الشك في أنّ موضوعهما هل هي الميتة أو ما لم يذكّ فأيضاً لا يمكن التمسّك باستصحاب عدم التذكية، لعدم إحراز الموضوع، وعليه فيتمّ ماذكره الفاضل النراقي(4)من معارضة أصالة عدم التذكية بأصالة عدم الموت فيتساقطان، ويرجع إلى قاعدة الطهارة، وإن كان التحقيق جريانهما معاً إذ لا


1) ـ سورة المائدة، الآية: 3 .

2) ـ كذا في مصباح الأصول، ولم نقف على هذا المعنى في مظانّه من مجمع البحرين، وسيأتي تصريح الشيخ الأستاذ بذلك.

3) ـ المصباح المنير 2 : 803 .

4) ـ الظاهر أنّ المراد هو الفاضل التوني ! كما هو المعروف، وقد صرّح السيد ! بذلك في مبحث الاستصحاب، فلعل ما وقع من اشتباه النساخ أو الطبع.

يلزم منهما مخالفة عملية، ومجرّد كون عدم التذكية ملازماً للموت ـ لأنّ التذكية والموت ضدّان لا ثالث لهما ـ غير مانع عن جريانهما، فإنّ التفكيك بين اللوازم في الأصول العملية غير عزيز، كما في المتوضّي بمايع مردّد بين الماء والبول مثلاً، فإنه محكوم بالطهارة الخبثية دون الحدثية للاستصحاب، مع وضوح الملازمة بينهما بحسب الواقع، ففي المقام يحكم بعدم جواز الأكل بمقتضى أصالة عدم التذكية، وبالطهارة لأصالة عدم الموت ، ... وعلى ذلك يحمل ما ذكره الشهيد ! من أنّ الأصل في اللحوم هو الحرمة والطهارة(1).

هذا، ولكن الظاهر صحة قول المشهور وعدم تمامية ما عداه، لا لما ذكر في التقريب الأول وهو التمسك بأصالة العموم باعتبار أنّ الحرمة وعدم الجواز مترتبان على كل حيوان لم يذكّ، لأنه وإن كان حقاً إلاّ أنه بذلك يدخل في مسألة جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وعدمه، وهي محلّ خلاف بين الأعلام، فمن قال بالجواز ذهب إلى جواز التمسك بالعموم من دون حاجة إلى استصحاب عدم التذكية، ومن قال بعدم الجواز كما لعله المشهور فلابدّ من وجود أصل فيالمقام مثل الاستصحاب حتى يحرز به أنه من أفراد العام، وقد فصّلنا ذلك في مباحثنا الأصولية، واخترنا قول المشهور وهو عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.

بل الصحيح في المقام هو ما ذكرناه من التقريب الثاني، وهو الاستصحاب، وجميع ما أورد عليه غير تام.

أما ما ذكره صاحب المدارك من أنّ في المقام روايات تدلّ على حليّة ما لا يعلم بتذكيته.


1) ـ مصباح الأصول 2 : 313 ـ 314 ، وج 3 : 117 ـ 118 ، والتنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة 1 : 533 .

ففيه: أنه قد ذكر روايتين الأولى منهما رواية ابن أبي حمزة المروية في موضع من الوسائل: عن عبد الله بن المغيرة عن علي بن أبي حمزة(1)، وفي موضع آخر: عن عبد الله بن مسكان عن علي بن أبي حمزة(2)، ورواها الشيخ في التهذيب(3): قال عبد الله وحدثني علي بن أبي حمزة ...

والظاهر أنّ المراد بعبد الله في رواية الشيخ هو: عبد الله بن مسكان، لأنه ذكره في رواية سابقة على هذه الرواية، فما في تعليقة الجواهر(4)من أنه عبد الله الحلبي في غير محلّه، كما أنّ الظاهر سقوط عبد الله بن مسكان من رواية الوسائل في الموضع الأول.وعلى أيّ حال فالرواية ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة، فلا تنهض في مقابل الروايات الكثيرة الصحيحة السند والواضحة الدلالة على اعتبار العلم بالتذكية في الحلية.

وأما رواية سماعة بن مهران، ورواية أخرى لم يذكرها صاحب المدارك وإنما نقلها صاحب الجواهر(5)عن الفقيه، وهي عن جعفر بن محمد بن يونس، أنّ أباه كتب إلى أبي الحسن (علیه السلام) يسأله عن الفرو، والخفّ، ألبسه وأصلي فيه ولا أعلم أنه ذكي، فكتب: لا بأس به(6).

وكلتا الروايتين معتبرتان من حيث السند، وهما تدلان بإطلاقهما على عدم اشتراط العلم بالتذكية بل يكفي عدم العلم في الحلية.


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 4 .

2) ـ نفس المصدر ج 3 ، باب 55 من أبواب لباس المصلي، الحديث 2 .

3) ـ تهذيب الأحكام ج 2 ، باب 17 فيما يجوز الصلاة فيه من اللباس ... الحديث 62 ، ص 368 .

4) ـ جواهر الكلام ج 8 ، هامش ص 51 .

5) ـ جواهر الكلام 8 : 52 .

6) ـ من لا يحضره الفقيه ج 1 ، باب 39 ما يصلى فيه وما لا يصلى فيه من الثياب وجميع الأنواع، الحديث 40 ، ص 167 ـ 168 .

ففيهما: أولاً: أنهما معارضتان بالروايات الكثيرة الدالة على اعتبار العلم، فلابدّ حينئذ من حملهما على ما إذا أخذ الفرو، أو الخفّ أو الكيمخت من يد المسلمين أو سوقهم، كما لا يبعد انصرافهما إلى ذلك، فإنّ الفرو والخفّ اللذين يلبسهما المصلي أو الكيمخت يكون في السيف ويتقلده المصلي ظاهر في أنه من يد المسلمين أو من سوقهم، وعليه فتكون الروايات الدالة على اعتبار العلم سليمة عن المعارض.

وثانياً: على فرض عدم صحة الحمل المذكور فإن قلنا بأنّ مقتضى التعارض هو التساقط فالمرجع هو أصالة عدم التذكية، وإن قلنا بالترجيح فهو في جانبروايات اعتبار العلم بالتذكية، لكثرتها ولأنها أبعد عن فتاوى العامة.

وعلى كل تقدير فالتمسّك بهاتين الروايتين في مقابل تلك الروايات ورفع اليد عنها مع وضوح دلالتها مما لا تخفى مرجوحيّته.

وأما ما ذكره صاحب الحدائق ! فقد أجاب عنه السيد الأستاذ ! بأنّ فساد ما ذكره واضح، لأنّ الدليل الذي لا يجري الأصل مع وجوده هو الدليل على الحكم الواقعي، والدليل المذكور في كلامه هو الدليل على البراءة التي هي من الأصول العملية لا الدليل على الحكم الواقعي ليتقدم على الاستصحاب، بل دليل الاستصحاب يخرج مورد جريانه عما لا يعلم حرمته ويدرجه في معلوم الحرمة، ومعه كيف يمكن التمسك بدليل البراءة(1)؟!

وأما ما ذكره من التأييد برواية سليمان الجعفري فلا تأييد فيه أصلاً لأنّ مورد الرواية هو سوق المسلمين، وهو أمارة على التذكية وخارج عن محلّ الكلام بالإجماع، ومثله استدلاله بمعتبرة السكوني، فإنّ الظاهر منها أنّ السفرة مطروحة في أرض الإسلام بقرينة احتمال السائل أن يكون صاحبها ذمّياً،


1) ـ مصباح الأصول 2 : 315 .

والذمي إنما يقال له ذمّي إذا كان في بلاد المسلمين، وعليه فذلك أمارة على التذكية فالرواية أجنبية عن محلّ الكلام، فما ذكره صاحب الحدائق ! لا يرجع إلى محصّل.

وأما ما أورد به على الوجه الثاني فالجواب عن الأول يظهر من كلام الشيخ(1)حيث أفاد بما حاصله: إن كان المراد من الاستصحاب هو استصحاب طهارة الجلد حال الحياة فهو استصحاب حكمي ـ كما هو ظاهر الحدائق ـ فإشكاله واضح، لأن استصحاب عدم التذكية أصل موضوعي حاكم على الأصل الحكمي، وإن كان المراد به هو استصحاب عدم حدوث سبب النجاسة وهو الموت حتف الأنف ـ كما هو ظاهر الوافية ـ فحينئذ يتعارض الاستصحابان ويتساقطان، والمرجع هو أصالة الحل والطهارة.

وفيه: أنّ هذا نفس الإيراد الآتي عن السيد الأستاذ ! تبعاً للفاضل التوني! ، وليس وجهاً آخر، وسيأتي الجواب عنه مفصّلاً.

وأما الوجه الثاني وهو ما ذكره صاحب الحدائق تبعاً للفاضل التوني ! فيرد عليه ما ذكره الشيخ ! أيضاً من أنّ العدم الأزلي مستمرّ مع حياة الحيوان وموته حتف الأنف، فلا مانع من استصحابه وترتيب أحكامه عليه عند الشك، وإن قطع بتبادل الوجودات المقارنة له، بل لو قلنا بعدم جريان الاستصحاب في القسمين الأولين من الكلي، كان الاستصحاب في الأمر العدمي ـ عدم المذبوحية ـ المقارن للوجودات خالياً عن الإشكال إذا لم يرد به إثبات الموجود المتأخر المقارن له، نظير إثبات الموت حتف الأنف بعدم التذكية ـ وكذلك إذا لم يرد به ـ ارتباط الموجود المقارن له به ـ بالاستصحاب ـ ... ويتبيّن ذلك من الفرق بين الماء المقارن لوجود الكرّ وبين الماء المتّصف بالكرّية ـ


1) ـ فرائد الأصول (الرسائل) 2 : 542 منشورات جماعة المدرسين.

فيجري استصحاب الماء المقارن للكرية دون المتصف بها ـ والمعيار عدم الخلط بين المتّصف بوصفعنواني وبين قيام ذلك الوصف بمحلّ(1)...

وبناء على ذلك حيث إنّ المقام من قبيل الثاني ـ أي من قيام الوصف بمحلّ ـ ولم يرد بإجراء الأصل إثبات الوجود المقارن فلا إشكال في جريانه، ومع انضمام هذا الجزء إلى الجزء المقارن يتحقّق الموضوع، وهو الحيوان الذي لم تقع عليه التذكية ـ أي على نحو المقارنة ـ ولولا ذلك للزم بطلان استصحاب الأعدام الأزلية المتيقنة في حال الحياة، فإنّ عدم المذبوحية كان متيقناً حال حياة الحيوان.

وأما الجواب عن

الوجهين الأخيرين الراجعين إلى الإشكال في مقام الإثبات من جهة أنّ الحرمة والنجاسة كلتيهما مترتّبتان على الميتة، ومن جهة التفصيل بين الحلية المترتّبة على الحيوان المذكّى، وبين النجاسة فقط المترتبة على الميتة، وعلى كل تقدير، فلا تجري أصالة عدم التذكية لكونها أصلاً مثبتاً، وهذا الإشكال هو المهم في المقام فلابدّ من التفصيل في الجواب عنه فنقول:

يقع الكلام فيه في جهتين:

الأولى: في مقام الثبوت.

الثانية: في مقام الإثبات.

أما الجهة الأولى فالأقسام المتصورة لموضوع الحكم بالحرمة والنجاسة وإن كانت كثيرة على ما ذكرها بعض المحققين(2)إلاّ أنّ أهمها أربعة، وهي: أنّالموضوع إن كان هو الميتة فإما أن يكون قيداً وجودياً محضاً، وهو عبارة عن الحيوان الذي خرجت روحه بحتف أنفه، ففي هذه الصورة لا مجال لجريان استصحاب عدم التذكية لإثبات الموضوع وهو الميتة، فإنّه أصل مثبت بلا


1) ـ فرائد الأصول (الرسائل) 2 : 643 منشورات جماعة المدرسين.

2) ـ نهاية الدراية في شرح الكفاية 4 : 135 ـ 157 الطبعة الأولى المحققة ـ مؤسسة آل البيت ( .

إشكال.

وإما أن يكون قيداً عدمياً محضاً، وهو عبارة عن الحيوان غير المذكّى أو اللحم الذي لم تقع عليه التذكية، ففي هذه الصورة لا إشكال في جريان استصحاب الحال وترتّب آثار الميتة عليه من الحرمة والنجاسة.

وإما أن يكون مركّباً من قيد وجودي وعدمي على نحو التوأمية والمقارنة، وهو عبارة عن الحيوان الذي خرجت روحه مع عدم كونه بسبب شرعي، ففي هذه الصورة يصحّ جريان استصحاب العدم المحمولي، وبه يثبت الموضوع المركّب بضمّ الوجدان وهو الحيوان الذي خرجت روحه مع ما ثبت بالتعبّد، وهو عدم وقوع التذكية عليه.

وإما أن يكون مركّباً من قيد وجودي وعدمي على نحو الربط والتوصيف، وهو عبارة عن الحيوان الذي خرجت روحه بغير سبب شرعي، ففي هذه الصورة لا يجري فيه استصحاب عدم التذكية، لعدم الحالة السابقة، حتى على نحو العدم الأزلي فإنه أصل مثبت.

وأما الجهة الثانية وهي مقام الإثبات وما يستظهر من الأدلة فالذي يتراءى في أول وهلة من الأدلة الواردة في المقام أنّ الموضوع مختلف.

ففي بعضها: رتّب الحكم بالحلية والطهارة على الحيوان المذكّى، أو العلم بالتذكية، كما في قوله (علیه السلام): (إذا علمت أنه ذكيّ وقد ذكّاه الذابح) علىما جاء في موثقة ابن بكير المتقدمة.

وفي بعضها: قد رتّب الحكم بالحلية على الذكاة كما في السمك، وأنّ ذكاته إخراجه من الماء فإنّ ميتته ليست بنجسة، بل حلّيته متوقفة على التذكية، كما في الروايات المتقدمة أيضاً.

وفي بعضها: رتّب الحكم بالحرمة على الميتة، كما في الآية الشريفة:

«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ...» .

وفي بعضها: رتّب الحكم بالحرمة على العلم بأنه ميتة، كما في موثقة سماعة المتقدمة.

وفي بعضها: رتّب الحكم بالنجاسة على الميتة، كما في الروايات الكثيرة الواردة في الأمر بالاجتناب عن الميتة وجلودها، ومنها رواية قاسم الصيقل(1)الآتية.

وعليه فلابد من ملاحظة أنّ الميتة في اصطلاح الشارع هل هي الحيوان غير المذكّى حتى يتحد الموضوع في هذه الموارد، ويكون الحكم هو الحرمة والنجاسة؟ أو أنّ الميتة هي الحيوان الذي خرجت روحه مطلقاً أي سواء كان بحتف الأنف أو بالقتل أو بالسبب الشرعي كما يظهر من الجواهر(2)؟ وبناء على هذا فالحيوان المذكى ميتة واقعاً إلاّ أنه خارج عنها حكماً، أو أنّ الميتة هي الحيوان الميت حتف أنفه لا غير المذكى، حتى يختصّ كلّ أثر بموضوعه من حصول الحرمة أوخصوص النجاسة؟

وفي المقام قولان: الأول: وهو الظاهر من جماعة ـ ولعله المشهور ـ منهم صاحب الجواهر(3)، والشيخ(4)، والمحقق الهمداني(5)، أنّ الميتة في لسان الشرع هي عبارة عن الحيوان غير المذكّى.

الثاني: وهو الظاهر من الفاضل التوني(6)، والسيد الأستاذ(7)أنّ الميتة


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 49 من أبواب النجاسات، الحديث 1 .

2) ـ جواهر الكلام 36 : 193 و 195 .

3) ـ جواهر الكلام 36 : 195 .

4) ـ فرائد الأصول (الرسائل) 2 : 641 .

5) ـ مصباح الفقيه كتاب الطهارة : 527 الطبع القديم.

6) ـ الوافية في أصول الفقه: 209 .

7) ـ مصباح الأصول 3 : 118 .

هي الحيوان الذي زهقت روحه بحتف الأنف، والمذكى بخلافه، أي هو الحيوان الذي زهقت روحه بسبب شرعي، فهما ضدان.

والفرق بين القولين أنّ الأول أمر عدمي، والثاني أمر وجودي.

ويمكن الاستدلال على القول الأول ـ وهو المشهور ـ بوجوه:

الأول: تصريح اللغويين، فإنّ أرباب المعاجم فسّروا الميتة بأنها الحيوان الذي لم تقع عليه التذكية، ففي لسان العرب، الميتة: ما لم تدرك ذكاته(1)، ومثله في المحيط(2)، والقاموس(3)وفي الصحاح: ما لم تلحقه الذكاة(4)، ومثله في تاجالعروس(5).

وفي ترتيب العين: والميتة في البر والبحر ما لا تدرك ذكاته(6)، وفي المعجم الوسيط: الميتة: الحيوان الذي مات حتف أنفه أو على هيئة غير مشروعة(7)، ومثله في محيط المحيط(8).

والذي يظهر منها أنّ الميتة تطلق على غير المذكى، وذلك كافٍ في الحكم بالاتحاد.

نعم، نقل السيد الأستاذ ! عن المصباح المنير أنّ الميتة من الحيوان ما مات بسبب غير شرعي، وبناء عليه فاستصحاب عدم التذكية لا يثبت الميتة بهذا المعنى وهو الأمر الوجودي، وأما ما ذكره عن مجمع البحرين في تفسير الميتة


1) ـ لسان العرب 2 : 92 .

2) ـ المحيط في اللغة 9 : 479 .

3) ـ القاموس المحيط 1 : 158 .

4) ـ الصحاح 1 : 267 .

5) ـ تاج العروس 1 : 587 .

6) ـ ترتيب العين 3 : 1735 .

7) ـ المعجم الوسيط 2 : 891 .

8) ـ محيط المحيط: 868 .

فلم نعثر عليه.

الثاني: أنه لو كانت الميتة هي خصوص الموت حتف الأنف للزم أن يكون عدد النجاسات أكثر مما هو المذكور في كلمات الفقهاء، وأن يعدّ منها الميّت من الحيوان بغير حتف الأنف، أو بذبح غير شرعي، كما إذا مات بقتل، أو شقّ، أو ضرب، ونحو ذلك، والحال أنهم قد اكتفوا بذكر الميتة فقط عند تعدادالنجاسات، ويستكشف من هذا أنه لا واسطة بين الميتة وبين المذكّى في عرف الشرع، فإنّ كلّ ما لا يكون مذكّى فهو ميتة.

الثالث: ـ وهو المهم ـ أنه يظهر من كثير من الروايات إطلاق الميتة على غير المذكّى، ولا تختصّ بالموت حتف الأنف أو بسبب غير شرعي، وهي عدة روايات:

منها: ما ورد في إليات الغنم المقطوعة حال حياتها، كما في رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال في إليات الضأن تقطع وهي أحياء: إنها ميتة(1).

ومنها: ما ورد في ما قطع من الصيد بالحبالة، كما في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام): ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يداً أو رجلاً فذروه، فإنه ميّت، وكلوا مما أدركتم حيّاً وذكرتم اسم الله عليه(2).

والمستفاد منها: أنّ الميتة هي الحيوان غير المذكى، ولا يعتبر فيها خروج الروح، فالموضوع فيها هو اللحم أو الحيوان غير المذكى.

ومنها: ما دلّ على التفصيل بين الميتة والمذكّى من دون ذكر واسطة بينهما، كما في رواية علي بن أبي حمزة(3)المتقدمة، ورواية قاسم الصيقل قال: كتبت


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 62 من أبواب النجاسات، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر ج 16 ، باب 24 من أبواب الصيد، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 4 .

إلى الرضا(علیه السلام) إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابيفأصلي فيها، فكتب إليّ: اتّخذ ثوباً لصلاتك، وكتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام): إني كتبت إلى أبيك بكذا وكذا فصعب عليّ ذلك، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشيّة الذكية، فكتب (علیه السلام) إليّ: كل أعمال البرّ بالصبر يرحمك الله، فإن كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس(1).

فإنّ الراوي قد فصّل بين الميتة والمذكّى من دون ذكر واسطة بينهما.

وهاتان الروايتان وإن كانتا ضعيفتي السند إلاّ أنهما مؤيّدتان.

وكما في مضمرة سماعة، قال: سألته عن جلود السباع ينتفع بها، قال: إذا رميت وسمّيت فانتفع بجلده، وأما الميتة فلا(2).

فإنه (علیه السلام) قد فصّل بين المذكّى وبين الميتة ولم يذكر واسطة بينهما.

والرواية من حيث السند معتبرة، وإن كانت مضمرة، فإنّ الإضمار في روايات سماعة لا يضرّ باعتبارها.

ومنها: ما دلّ من الروايات الكثيرة على أنّ بعض أجزاء الحيوان ذكي وإن كان ميتة.

كموثقة الحسين بن زرارة قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) وأبي يسأله عن السن من الميتة، والبيضة من الميتة، وأنفحة الميتة، فقال: كلّ هذا ذكي، ...(3).قال الكليني: وزاد فيه علي بن عقبة، وعلي بن الحسن بن رباط، قال: والشعر والصوف كلّه ذكيّ(4).


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 49 من أبواب النجاسات، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 4 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 5 ، والفروع من الكافي ج 6 ، باب ما ينتفع به من الميتة وما لا ينتفع به، الحديث 3 ، ص 258 .

وقد روى صاحب الوسائل نفس الرواية في موضع آخر(1)وفيها أن السؤال عن اللبن من الميتة لا عن السنّ.

وكرواية الكليني بسنده عن صفوان عن الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الشعر، والصوف، والريش، وكل نابت لا يكون ميتاً ...(2).

والمستفاد منها: أنّ الذكي بمعنى الطاهر في مقابل الميتة، فإنها غير طاهرة، كما أنّ المستفاد من رواية الكليني أنّ المذكّى أو النابت ليس بميتة، فهما متقابلان فغير المذكى هو الميتة، ولا يعتبر فيها قيد آخر وجودي فقط، أو مركّب من وجوديّ وعدمي حتى لا تكون له حالة سابقة.

فالظاهر أنّ الأصل في ما إذا شكّ من جهة الموضوع بأنّ الحيوان أو اللحم مذكّى أو لم تقع عليه التذكية هو أصالة عدم التذكية، وبه يثبت كونه ميتة وتترتب عليه آثارها من الحرمة والنجاسة.

هذا مع أنّ فهم المتشرعة ـ من أنّ الميتة هي الحيوان غير المذكّى وليسابمتغايرين ـ مؤيد لذلك.

هذا غاية ما يمكن أن يستدل به على القول المشهور.

وأما القائل بالتفصيل ـ وهو السيد الأستاذ ! ـ فقد استدلّ على دعواه بأنّ النجاسة وحرمة الانتفاع ـ على تقدير القول بها ـ هما من الآثار المترتبة على عنوان الميتة، حيث لم يقم دليل على ترتّبهما على عنوان غير المذكى، ومعه لا يمكن إثباتها عند الشكّ في التذكية، ويكفينا في ذلك:

أولاً: الشك في أنّ موضوعهما هل هو الميتة أو ما لم يذك، فلا يمكن


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 68 من أبواب النجاسات، الحديث 2 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 4 ، والفروع من الكافي ج 6 ، باب ما ينتفع به من الميتة وما لا ينتفع به منها، الحديث 3 ، ص 258 .

إثباتهما باستصحاب عدم التذكية، فيرجع حينئذ إلى قاعدة الطهارة.

وثانياً: تصريح بعض أهل اللغة كالفيومي في مصباحه على أنّ الميتة ما مات بسبب غير شرعي، ومعه إذا شككنا في تذكية لحم ـ مثلاً ـ فلا يمكن إثبات نجاسته وحرمة الانتفاع به بأصالة عدم التذكية لعدم كونهما من آثار ما لم يذك، فلا أثر لها في نفسها وإجرائها لإثبات عنوان الميتة، أعني ما مات بسبب غير شرعي من أوضح أنحاء الأصول المثبتة لأنه من إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر.

بل لو فرضنا جريان أصالة عدم التذكية لإثبات الميتة، عارضها استصحاب عدم موته بسبب غير شرعي لإثبات تذكيته(1).

وحاصل ما ذكره ! يرجع إلى أمور ثلاثة:الأول: أنّ النجاسة مترتبة على عنوان الميتة، فإذا شك في أنها غير المذكّى أو أنها أمر آخر وجودي فلا يجري استصحاب عدم التذكية، لعدم إحراز اتحاد الموضوع.

الثاني: أنه يستظهر عدم اتحاد الميتة مع غير المذكّى، وأنّ الميتة عنوان وجودي يباين عنوان غير المذكّى فإنه عنوان عدمي، كما صرح به بعض أرباب المعاجم اللغوية، وحينئذ فعدم جريان استصحاب عدم التذكية واضح لأنه من أوضح أنحاء الأصل المثبت.

الثالث: أنه على فرض التسليم والقول بجريان أصالة عدم التذكية لإثبات الميتة إلاّ أنه معارض باستصحاب عدم موته بسبب غير شرعي الذي يثبت به التذكية ومع تعارض الأصلين وتساقطهما فالمرجع هو أصالة الطهارة.

هذا ولكنّ جميع ما ذكره قابل للمناقشة.

أما المناقشة في الأولين فقد ظهرت مما تقدم عند الكلام حول دليل


1) ـ التنقيح في شرح العروة الوثقى ـ كتاب الطهارة 1 : 534 .

المشهور، إذ مع تمامية استظهار الاتحاد بين مفهومي الميتة وغير المذكى كما تشهد به أكثر معاجم اللغة على ما ذكرنا وبضميمة ما يستفاد من الروايات المتقدمة، لا يبقى مجال للقول بتعدّد المفهوم أو الشك فيه.

وأما المناقشة في الثالث فيمكن أن يقال: إنه بناء على اتحاد مفهومي الميتة وغير المذكى فلا تجري أصالة عدم الميتة لإثبات كون الحيوان مذكّى، وذلك لأنه مع اتحاد المفهومين تكون الميتة هي عبارة عن عدم كون موت الحيوان بسبب شرعي وهو أمر عدمي، أو هي عبارة عن اللحم أو الحيوان إذا كان من غير سبب شرعي، وهو أمر عدمي كذلك، وعلى كلا التقديرين فليس هو أمراً حادثاً مسبوقاً بالعدم ليستصحب عدمه، ويلزم من انتفاء عدم كونه ميتة أنه بسبب شرعي وهوالتذكية.

والظاهر أنه وقع الخلط في كلام المفصّل بين الأمرين حيث جعل الميتة أمراً وجودياً مع أنها أمر عدمي كما بيّناه.

والمتحصّل إلى هنا أن التفصيل غير تام، ولا يبعد الالتزام بما ذهب إليه المشهور، وأنّ عنواني الميتة وغير المذكى متحدان، وأنّ آثار كلّ منهما تترتب على الآخر، ويؤيد ذلك مذاق المتشرعة.

المقام الثاني: في ما تقتضيه الأدلة الخاصة:

وقد وردت عدة روايات تدل على أنّ سوق المسلمين أمارة على الحلية والطهارة.

منها: صحيحة الفضلاء (فضيل وزرارة ومحمد بن مسلم) أنهم سألوا أبا جعفر (علیه السلام) عن شراء اللحوم من الأسواق، ولا يدرى ما صنع القصابون، فقال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه(1).

ومنها: صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرضا (علیه السلام) قال: سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشتري الخفّ، لا يدري أذكيّ هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري أيصلي فيه؟ قال: نعم، أنا أشتري الخفّ من السوقويصنع لي وأصلي فيه، وليس عليكم المسألة(2).

ومنها: صحيحته الأخرى، قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أذكيّة هي أم غير ذكية أيصلّي فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر (علیه السلام) كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك(3).

ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال: أشتر وصلّ فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه(4).

ومنها: صحيحة حماد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: كان أبي يبعث بالدراهم إلى السوق فيشتري بها جبناً فيسمّي ويأكل ولا يسأل عنه(5).


1) ـ وسائل الشيعة ج 16 ، باب 29 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 6 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 8 .

ومنها: موثقة إسحاق بن عمار عن العبد الصالح (علیه السلام) أنه قال: لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني، وفيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإنّ فيها غير أهل الإسلام، قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس(1).

وهذه الرواية وإن لم يرد فيها لفظ السوق إلاّ أن قوله (علیه السلام): (وفيماصنع في أرض الإسلام) شامل للسوق بلا إشكال.

ومنها: معتبرة أبي

الجارود، قال: سألت أبا جعفر عن الجبن، وقلت له: أخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة، فقال: أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرّم في جميع الأرضين؟ إذا علمت أنه ميتة فلا تأكل، وإن لم تعلم فاشتر، وبع، وكل، والله إني لأعترض السوق فأشتري بها اللحم والسمن والجبن، والله ما أظنّ كلهم يسمّون، هذه البربر وهذه السودان(2).

ومنها: معتبرة عبد الله بن سليمان قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الجبن فقال لي: لقد سألتني عن طعام يعجبني، ثم أعطى الغلام درهماً فقال: يا غلام ابتع لنا جبناً، ثم دعا بالغداء فتغدينا معه، فأتى بالجبن فأكل وأكلنا، فلما فرغنا من الغداء قلت: ما تقول في الجبن؟ قال: أو لم ترني آكله؟ قلت: بلى، ولكني أحبّ أن أسمعه منك، فقال: سأخبرك عن الجبن وغيره، كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه(3).

وهذه الرواية وإن لم يرد فيها لفظ السوق إلاّ أن قوله (علیه السلام): (ابتع لنا جبناً) يدلّ على أنّ المراد هو الشراء من المسلم أو من سوق المسلمين، وهي شاهدة على ما نحن فيه.


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 5 .

2) ـ المحاسن ـ كتاب المآكل باب 75 ، الحديث 597 ، ص 495 ، ووسائل الشيعة ج 17 ، باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1 .

ومنها: معتبرة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) ،قال: سألته... قال: وسألته عن الرجل اشترى ثوباً من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصلّ فيه، وإن اشتراه من نصراني فلا يصلّي فيه حتى يغسله(1).

وهي من جهة دلالتها على اعتبار السوق واضحة، نعم ذيلها حيث اشترط فيه الغسل إن كان الشراء من نصراني معارض ببعض الروايات الدالة على عدم لزوم الغسل حتى وإن كان الشراء من غير مسلم.

ويؤيد ذلك: مرسلة الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسن (علیه السلام): أعترض السوق فأشتري خفّاً لا أدري أذكيّ هو أم لا، قال: صلّ فيه، قلت: فالنعل، قال: مثل ذلك، قلت: إني أضيق من هذا، قال: أترغب عما كان أبو الحسن (علیه السلام) يفعله(2).

والرواية من حيث الدلالة وإن كانت واضحة إلاّ أنها من حيث السند مرسلة، فتكون مؤيدة للروايات السابقة.

ورواية إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعونذلك، وإذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه(3).

وهذه الرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها من حيث السند غير تامة، فإنّ إسماعيل بن عيسى لم يرد فيه توثيق، فتكون مؤيّدة كالرواية المتقدمة.


1) ـ تهذيب الأحكام ج 1 ، باب 12 في تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث 766 ، ص263 ، وجامع أحاديث الشيعة ج 2 ، باب 33 من أبواب النجاسات، الحديث 18 ، ص201.

2) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 9 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 7 .

ورواية ابن أبي حمزة (الثمالي) ـ وهي طويلة ـ وقد جاء في ذيلها: فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلّين، ولا تسأل عنه، إلاّ أن يأتيك من يخبرك عنه(1).

وهذه الرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير تامة، فإنّ الظاهر من محمد بن علي الواقع في سندها هو ابن سمينة وهو ضعيف، فتكون مؤيدة.

ورواية بكر بن حبيب قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن الجبن وأنه توضع فيه الأنفحة من الميتة، قال: لا تصلح، ثم أرسل بدرهم فقال: اشتر من رجل مسلم ولا تسأله عن شيء(2).

وهذه الرواية تدل على اعتبار السوق وإن لم يصرّح فيها بلفظه، ولكنها لما كانت ضعيفة السند فهي مؤيدة.

وغيرها من الروايات الكثيرة المشتملة على لفظ السوق أو الأسواق ونحوها، وأما الروايات التي لم تشتمل على هذه الألفاظ فهي كثيرة جداً، وفي ما ذكرناهكفاية.

والمستفاد من هذه الروايات أنه لا إشكال في أصل الحكم بالجواز، وأنّ ما يباع في أسواق المسلمين حلال طاهر.

المقام الثالث: في أحكام وخصوصيات المسألة:

ويقع البحث فيه في جهتين:

الأولى: في اعتبار السوق.

ولا إشكال في اعتبار سوق المسلمين، وإنما الكلام في أنّ السوق هل هو أمارة مستقلّة على حلّية وطهارة ما يباع فيه، أو أنه أمارة على الأمارة، بمعنى


1) ـ الفروع من الكافي ج 6 ، باب ما ينتفع به من الميتة وما لا ينتفع به منها، الحديث 1 ، ص 256 . وجامع الأحاديث ج 2 ، باب 9 من أبواب النجاسات، الحديث 14 ، ص 123 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4 .

أنه كاشف عن الأمارة، وهي اليد لا أنه بنفسه أمارة؟

والظاهر هو الثاني وذلك لأنّ الغالب في أسواق المسلمين هم المسلمون، وأما غيرهم ممن يشكّ في إسلامه فهو ملحق بهم للغلبة، وليست للسوق موضوعية في الحكم بالحلية والطهارة، وإنما هو كاشف عن يد المسلم وصحّة تصرّفاته.

ويشهد على ذلك:

أولاً: ما ورد في بعض الروايات المتقدمة من أنّه لا خصوصية للسوق بما هو، وإنما الحكم لأرض المسلمين أو بلاد الإسلام أو ما كان الغالب على أهله المسلمين.

وثانياً: إنّ المراد بالسوق ليس هو مطلق السوق على نحو القضيّة الحقيقية، بل على نحو القضية الخارجية، أي أنّ المراد هو السوق الذي كان في زمان صدور الروايات عن الأئمة (علیهم السلام) ، وكان الغالب عليه ـ آنذاك ـ هم المسلمين، وقد ورد التقييد في بعض الروايات بخصوص المسلمين فلا يشملالأعم.

وبناء على هذا فلا يلزم الفحص عن حال البائعين فيه من جهة الإسلام وعدمه، أو من جهة المعرفة وعدمها، وإلاّ لكان في ذلك إلغاء لعنوان السوق، ويكون الاعتبار ـ حينئذ ـ باليد، إذ بالفحص تظهر حقيقة الحال وتترتب آثاره، فمقتضى إبقاء السوق على عنوانه واعتباره عدم لزوم الفحص كما تقدّم في المقام الثاني، حيث اشتملت بعض الروايات على الترغيب بل النهي عن السؤال.

الجهة الثانية: في ما وقع فيه الخلاف بين الأعلام من هذه المسألة.

وقد وقع الخلاف بين الأعلام في عدّة فروع، وأنّ أدلّة اعتبار السوق شاملة لها أو لا؟ ولابدّ من البحث فيها بما يناسب المقام وهي:

الأول: هل يعتبر في ما يؤخذ من يد المسلم أن يرى منه التصرّف فيه على

وجه ممنوع في الميتة كأن يصلّي فيه أو يمسّه بالرطوبة ونحو ذلك، أو لا يعتبر، بل يكفي فيه مجرّد كونه تحت يده وإن احتمل أنّه يريد إلقاءه؟

ذهب صاحب الجواهر ! (1)إلى أقوائية اعتبار ذلك، ونسب إلى أستاذه في كشفه الجزم بذلك(2).

واستدلّ عليه أولاً: بعدم ظهور أدلّة السوق في شمولها لمثل هذه الموارد، إذ ليس ما نحن فيه بعد التأمل في النصوص والفتاوى إلاّ من جزئيات أصالة صحّة فعل المسلم، وأنها أمارة على الأمارة فلابدّ من تحقّق الفعل معه، وأما مععدمه فلا يحكم بعدم الفحص.

وثانياً: أنّه على فرض الشك في ذلك فأصالة عدم التذكية جارية، وعليه فالحكم بالتذكية بمجرّد كونه في يد المسلم وإن ظن أو احتمل إرادة الإلقاء محلّ إشكال أو توقّف.

نعم إذا كان في مقام البيع ونحوه فلا إشكال في عدم الحاجة إلى الفحص(3).

والظاهر أنّ ما ذكره تام لما تقدّم من أنّ السوق أمارة على الأمارة.

الثاني: هل يعتبر في المسلم أن يكون معلوم الحال من أنه عارف يتجنّب الميتة، أو يكفي كونه في سوق المسلمين وإن جهل حاله؟

ذهب المشهور إلى القول بعدم الاعتبار، بل عليه عمل الأصحاب وفتاواهم كما في المدارك(4)، بل عليه السيرة المعلومة التي هي فوق الإجماع


1) ـ جواهر الكلام 8 : 56 .

2) ـ نفس المصدر ص 57 .

3) ـ نفس المصدر ص 56 ـ 57 .

4) ـ مدارك الأحكام 3 : 160 .

كما في الجواهر(1)والتنقيح(2).

ونسب إلى نهاية الأحكام(3)وكشف اللثام(4)أنّ الأقرب عدم إباحة ما في يد المسلم المجهول حاله.والظاهر من الروايات

المتقدّمة وضوح دلالتها على عدم الاعتبار، ويكفي في الحكم بالإباحة والحلّية كونه في سوق المسلمين وأراضيهم مع غلبة المسلمين من دون حاجة إلى الفحص أو السؤال فلا وجه للقول بتقييده بالعلم.

الثالث: هل يعتبر في الأخذ من يد المسلم أن لا يكون مستحلاًّ للميتة بالدبغ أو لذبائح أهل الكتاب أو لا؟

ذهب صاحب الجواهر(5)! ـ وهو الظاهر من السيد الأستاذ ! (6)ـ إلى أن ظاهر إطلاق الروايات المتقدمة عدم اعتبار ذلك، وأنّ الشراء من سوق المسلمين كافٍ في الإباحة من دون حاجة إلى السؤال، سواء أخبر بالتذكية أو لا، وسواء علم بإسلام البائع أو لا، فضلاً عمّن علم بإسلامه وجهل استحلاله.

ونسب إلى جماعة منهم الشيخ علي(7)، والفاضل(8)، والمحقق الثاني(9)، اعتبار ذلك، فمنعوا إباحة ما في يد مستحلّ الميتة بالدبغ وإن أخبر بالتذكية، بل ذهب الأولان إلى منع إباحة ما في يد المتهم بذلك.


1) ـ جواهر الكلام 8 : 57 .

2) ـ التنقيح في شرح العروة الوثقى ـ كتاب الطهارة ـ 1 : 537 ـ 538 .

3) ـ نهاية الأحكام 1 : 373 .

4) ـ جواهر الكلام 8 : 57 .

5) ـ جواهر الكلام 8 : 58 .

6) ـ التنقيح في شرح العروة الوثقى ـ كتاب الطهارة ـ 1 : 539 .

7) ـ جواهر الكلام 8 : 57 .

8) ـ جواهر الكلام 8 : 57 .

9) ـ جواهر الكلام 8 : 57 .

وذهب الشهيد(1)ومن تأخر عنه إلى القول بالتفصيل في ما في يد المستحلّ بينالإخبار بالتذكية وعدمه، فيقبل في الأول لأنّه ذو يد دون الثاني.

قال في الدروس: لا تجوز الصلاة في جلد الميتة ولو دبغ سبعين مرة، أو كان مما لا تتمّ الصلاة فيه منفرداً ولو شسعاً، وفي حكمه ما يوجد مطروحاً أو يؤخذ من كافر، أو من سوق الكفار، أو مستحل الميتة بالدباغ على قول، إلاّ أن يخبر بالتذكية فيقبل(2).

وقال في الذكرى: ولو وجد في يد مستحلّ بالدبغ ففيه صور ثلاث الأول: أن يخبر بأنه ميتة فليجتنب ... الثاني: أن يخبر بأنه مذكّى، والأقرب القبول لأنه الأغلب، ولكونه ذا يد عليه فيقبل قوله فيه، كما يقبل في تطهير الثوب النجس، ويمكن المنع لعموم (فتبيّنوا) ، ولأن الصلاة في الذمة بيقين فلا تزول بدونه. الثالث: أن يسكت، ففي الحمل على الأغلب من التذكية أو على الأصل من عدمها وجهان(3).

وقد استدل في الجواهر على عدم الاعتبار، بإطلاق النصوص الواضحة الدلالة، وباعتضادها بفتوى الأكثر كما عن كشف الالتباس، وبالشهرة فتوى ورواية كما عن روض الجنان، وبعمل الأصحاب وفتواهم كما في المدارك، بل وبالسيرة المعلومة التي هي فوق الإجماع خصوصاً في مجهول الحال(4).

والظاهر أنه الأقوى لما ذكره ! فإن مورد الروايات هو الأسواق الموجودة فيزمان صدور الروايات، والغالب عليها العامة الذين يرون حلّية جلود الميتة بالدباغة، ويستحلون ذبائح أهل الكتاب.


1) ـ الذكرى : 143 الطبع القديم.

2) ـ الدروس الشرعية 1 : 150 .

3) ـ الذكرى : 143 الطبع القديم.

4) ـ جواهر الكلام 8 : 57 ـ 58 .

نعم هناك روايات ثلاث قد يستدل بها على الاعتبار وهي:

الأولى: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الصلاة في الفراء، فقال: كان علي بن الحسين (علیهما السلام) رجلاً صرداً لا يدفئه فراء الحجاز لأن دباغها بالقرظ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه، فكان يسأل عن ذلك فقال: إنّ أهل العراق يستحلّون لباس جلود الميتة ويزعمون أن دباغه ذكاته(1).

وهذه الرواية تدلّ على أنه يعتبر عدم استحلال البائع جلد الميتة بالدبغ.

الثانية: رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّي أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدّعون الإسلام فأشتري منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها: أليس هي ذكية؟ فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال: لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول: قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية، قلت: وما أفسد ذلك؟ قال: استحلال أهل العراق للميتة، وزعموا أنّ دباغ جلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلاّ على رسول الله (صلي الله علیه وآله) (2).وموضع الشاهد من هذه الرواية ذيلها، فإنه قد يستدل به على المدّعى بأن يقال: إنه لا يعتبر الفحص في غير المستحلّين، وأما المستحلون كأهل العراق فلا عبرة بسوقهم وإن كانوا مسلمين.

الثالثة: رواية محمد بن الحسين (الحسن) الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني: ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال: إذا كان مضموناً فلا بأس(3).


1) ـ وسائل الشيعة ج 3 ، باب 61 من أبواب لباس المصلي، الحديث 2 .

2) ـ نفس المصدر ج 2 ، باب 61 من أبواب النجاسات، الحديث 4 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 10 .

وهذه الرواية تدلّ بمفهومها على اعتبار الفحص، أيّ إذا كان الفرو المشترى من السوق مضموناً فلا حاجة إلى الفحص، والضمان كما يشمل السلامة من العطب، كذلك يشمل الطهارة والحلّية إذا أخبر بتذكيته، فالرواية تتناسب مع القول بالتفصيل.

هذا، ولكن هذه الروايات كلّها ضعيفة.

أما الأولى فهي ضعيفة السند والدلالة، فإنّ في طريقها عبد الله بن إسحاق العلوي، وعيسى بن أسلم النجاشي ـ والصحيح هيثم كما في الكافي(1)، وفي موضع آخر من الوسائل(2)ـ وكلاهما لم يرد فيهما توثيق.

وأما من جهة الدلالة فلأنّه يحتمل أنّ إلقاء الإمام (علیه السلام) للفرو عندالصلاة إنما هو لجهة الأفضلية، وكراهية الصلاة فيه، لا من جهة كونه محكوماً بالنجاسة، إذ لو كان نجساً لما اشتراه الإمام (علیه السلام) ولبسه.

ويشهد على ذلك ما ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: تكره الصلاة في الفراء إلاّ ما صنع في أرض الحجاز، أو علمت ذكاته(3).

وأما احتمال الفرق بين الصلاة وغيرها بكفاية عدم العلم بالميتة في غير الصلاة دون اللبس في الصلاة ـ كما أومأ إليه في الذكرى(4)ـ فيردّه الإجماع على عدم الفرق، وأنه لا واسطة بين المحكوم بالتذكية وبين الميتة.

وأما الرواية الثانية فهي وإن كانت من جهة السند معتبرة إلاّ أنها من جهة الدلالة غير تامة، فإنه مضافاً إلى احتمال اختصاص هذا الحكم بالبيع والشراء، أنّ الرواية تدلّ على قبول خبره فيما لو أخبر، ولا دلالة فيها على أنه لا يجوز


1) ـ الفروع من الكافي ج3 ، باب اللباس الذي تكره الصلاة فيه وما لا تكره، الحديث 2 ، ص397.

2) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 61 من أبواب النجاسات، الحديث 3 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 3 ، باب 61 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

4) ـ الذكرى: 143 الطبع القديم.

البيع في صورة عدم الإخبار، فلا منافاة بينها وبين أدلّة اعتبار السوق من أنه يجوز البيع والشراء وإن لم يعلم حال البائع، بل ولا يعتبر الفحص عن استحلاله لجلد الميتة بالدبغ أو لا، كما تقدم.

وأما الرواية الثالثة فهي ضعيفة السند والدلالة، أما ضعف السند فلأنّ فيه سهل بن زياد ولم تثبت وثاقته، وأما ضعف الدلالة فلاحتمال أن يكون المراد بالبأس هو الكراهة كما في الرواية الأولى.

والحاصل: أنه لا دلالة في هذه الروايات على اعتبار أن لا يكون البائعمستحلاًّ لجلود الميتة بالدباغة.

الرابع: هل يعتبر العلم بإسلام البائع أو لا؟

والظاهر عدم الاعتبار، للحكم بحلّية ذبيحة مجهول الحال إذا كان في بلاد المسلمين، لأنه محكوم شرعاً بالإسلام، ولذا تجري عليه جميع أحكام المسلمين من الغسل والدفن والصلاة عليه وغيرها، مضافاً إلى أنّ إطلاق الروايات الواردة في سوق المسلمين وأراضيهم مع غلبتهم عليها شاملة له.

ويشهد على ذلك صراحة خبر السفرة المتقدم.

والحاصل: أنه لا إشكال في عدم اعتبار العلم بإسلام البائع.

الخامس: إذا علم بكفر البائع في سوق المسلمين فهل يحكم بطهارة وحلية ما في يده أو لا؟

ولهذا الفرع صورتان:

الأولى: أن يعلم أنّ المبيع كان في يد المسلم ثم انتقل إلى الكافر.

الثانية: أن لا يعلم بذلك.

أما الصورة الأولى فسيأتي البحث حولها.

وأما الصورة الثانية فقد اختار صاحب الجواهر ! لزوم الفحص، ولا

عبرة بالسوق بالنسبة إليه، ونسب الحكم بذلك إلى الشهرة بين الأصحاب أو الإجماع إلاّ ممّن لا يعتد بخلافه(1).واستدل على ذلك بما حاصله: أنّ ما عساه يتوهّم من حلّية ما في سوق المسلمين وإن كان في يد كافر لإطلاق بعض النصوص، مدفوع بما ورد في بعض النصوص، كما في رواية إسماعيل بن عيسى حيث قال (علیه السلام): (عليكم أنتم أن تسألوا ...)(2)فلابدّ من تقييد تلك الإطلاقات بها.

ودعوى التعارض بينهما من وجه فيتساقطان ويرجع إلى أصالة الحلية والطهارة، مدفوعة أولاً: بمنع الإطلاق، بل ظهور سوق المسلمين في غير الكفّار.

وثانياً: على فرض التسليم فالترجيح لروايات المنع بالشهرة بين الأصحاب أو الإجماع.

وثالثاً: أنّ المستفاد من موثّقة إسحاق بن عمار(3)، ورواية إسماعيل بن عيسى(4)أنّ يد الكافر وأرضه أمارتان على عدم التذكية، وذلك موافق لمقتضى الأصل، فلابد من تقديم هذا على تلك الإطلاقات(5).

هذا، ولكن الظاهر عدم تمامية الوجهين الأخيرين، فإنّ الشهرة المرجحة هي الشهرة الروائية لا الفتوائية كما في المقام، ورواية إسماعيل ضعيفة السند، وأما رواية إسحاق بن عمار وإن كانت معتبرة السند إلاّ أنها قاصرة الدلالة.والمهم هو الوجه الأول، وهو منع الإطلاق وانصراف سوق المسلمين إلى


1) ـ جواهر الكلام 8 : 54 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 7 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 5 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 7 .

5) ـ جواهر الكلام 8 : 54 .

غير الكفّار، وهو في محلّه، بنا على ما تقدّم من أنّ أمارية السوق ليست مستقلّة، بل هي أمارة على الأمارة، فإذا علم أنّ البائع غير مسلم فلا تتحقّق الأمارية بالنسبة إليه، فالظاهر أنّ الحكم هو كما ذكره ! .

السادس: إذا كان ما في يد المسلم مسبوقاً بيد الكافر فهل يشمله اعتبار السوق؟

استظهر في المستند(1)والجواهر القول بالاعتبار، قال في الجواهر: إذ يمكن القول برجحانها عليها ـ أي رجحان يد المسلم على يد الكافر ـ وإن قلنا بأنها أمارة، استظهاراً من النصوص المزبورة قوة يد المسلم، وأنها مع وجودها لا يلتفت إلى غيرها(2).

وقال في موضع آخر: ومنه كغيره من الأخبار الكثيرة جداً بل كادت تكون متواترة، يستفاد طهارة ما يؤخذ من يد المسلم وإن علم سبقها بيد كافر من غير فرق بين المسلم المخالف وغيره، مستحلّ ذبائح أهل الكتاب أو لا، مستطهر الجلد بالدبغ أو لا، للسيرة المستقيمة، ومحكي الإجماع، وإطلاق الأخبار، إن لم يكن ظاهرها، وسهولة الملّة وسماحتها، وعدم العسر والحرج فيها(3).

وقال: ودعوى تعارض العموم من وجه بين دليلي كل من اليدين يدفعها:

أولاً: إنّ المعلوم من مراعاة الترجيح بين المتعارضين ما كان بين نفسيهما لادليليهما، اللهمّ إلاّ أن يفرّق بانحصار طريق الترجيح في المقام بين الأدلة فتأمل.

وثانياً: إنه لا ريب في رجحان دليل يد المسلم بالتعدد، ووضوح الدلالة، ومعلومية أصالة الصحة في نقل المسلم، بخلاف أصالة الفساد في غيره.


1) ـ مستند الشيعة 1 : 286 الطبع القديم.

2) ـ جواهر الكلام 8 : 54 .

3) ـ نفس المصدر 6 : 346 ـ 347 .

وثالثاً: إنه قد يقال في المقام: إنّ التعارض بين استصحاب حكم يد الكافر ونفس يد المسلم ... والترجيح ليد المسلم(1).

هذا وفي بعض ما أفاده ! وإن كان لا يخلو من مناقشة إلاّ أنّ الظاهر من الروايات شمولها لمثل هذا المورد، فإنه قد ورد فيها الحكم بحلّية ما وجد في سوق المسلمين أو أيديهم سواء كان مسبوقاً بيد الكافر أو لا، وليس في المقام ما يوجب تقييدها فهي محكّمة ولا إشكال فيها بوجه من الوجوه.

السابع: إذا كان ما في يد الكافر مسبوقاً بيد المسلم، فهل يحكم بحليته وطهارته، لرجحان يد المسلم أو أنّ الحكم تابع للحالة الفعلية، وهو الحكم بعدم التذكية؟

استظهر الأول في الجواهر، واستدلّ عليه باستصحاب الحلية والطهارة السابقتين، وترجيحه على خصوص

الكافر(2).

وفيه: أنه مع فرض الشك يكون استصحاب عدم التذكية حاكماً على استصحاب الطهارة والحلية، لأنه أصل موضوعي، ومعه لا تصل النوبة إلى الأصلالحكمي.

والأولى أن يقال في وجه الحكم بالطهارة والحلية: إنّ أدلّة اعتبار السوق غير قاصرة عن الشمول لمثل هذا المورد، بناء على أنه أمارة على الأمارة، وهي أصالة صحة فعل المسلم، وطهارة وحلّية ما في يده، لأنّ المفروض أنّ المبيع كان في يده وحكمه الحلّية والطهارة آنذاك، فلا أثر ليد الكافر بعد انتقاله إليها، ولا يبقى مجال للشك لتجري أصالة عدم التذكية.

نعم إذا لم يعلم بأنه كان مسبوقاً بيد المسلم أو شك في ذلك فلا يجري هذا


1) ـ جواهر الكلام 8 : 55 .

2) ـ نفس المصدر ص 55 .

الحكم للأصل المؤيّد ببعض الروايات المتقدمة.

الثامن: إذا كان المبيع تحت يد كل من المسلم والكافر معاً على نحو الشركة أو غيرها فهل ترجّح يد

المسلم في الحكم بالحلية والطهارة أو يرجّح العكس؟

وحكم هذا الفرع يتبيّن من الفرع السابق، فإنّ مجرّد تحقّق يد المسلم على شيء وتصرّفه فيه أمارة على التذكية، سواء كان معها يد آخر أو لا.

وعلى فرض القول بأنّ بين دليليهما تعارضاً من وجه ويحكم بالتساقط بينهما في مورد الاجتماع، فالمرجع هو أصالة الطهارة والحلية أيضاً.

هذا، ولكن ذكر في الجواهر(1)عن الكشف أنه لو علم وجوده في السوقين أو اليدين، علم التاريخ أو جهل، بني على التذكية، وفي الأرضين مع سبق الإسلام يقوى ذلك، وفي خلافه يقوى خلافه.وذكر عنه أيضاً أنه لو ترافع الكافر والمسلم فيه، وكلٌّ يدعيه، بقي على الحكم بعدم التذكية، ولا يبنى هنا على ترجيح الأرض والسوق.

وتنظّر ! فيما ذكره عنه أولاً في تفريقه بين السوق والأرض، وفيما ذكره عنه ثانياً في عدم ترجيح الأرض والسوق معاً(2).

وإشكاله في الأول واضح بخلافه في الثاني، لاحتمال أن يكون مراده من الترافع فيما إذا لم يكن تحت يد أحد منهما ليكون موجباً للترجيح، فكلامه الثاني قابل للتوجيه، وإن كان الأولى تقييده.

التاسع: قد علم مما تقدم أن حكم أرض المسلمين كسوقهم، فإذا وجد فيها شيء وعليه آثار الاستعمال بأي نحو كان مما لا يغتفر في جلد الميتة


1) ـ جواهر الكلام 8 : 55 .

2) ـ جواهر الكلام 8 : 55 .

فحكمه الحلّية والطهارة كما اختاره في الجواهر وفاقاً للمدارك، والكشف، واللوامع، ونقل عن الأخير نسبته إلى ظاهر المعتبر، ومعظم الطبقة الثالثة، تحكيماً للظاهر على الأصل كما يومىء إليه الخبر السابق(1)والمراد من الخبر السابق هو موثق إسحاق بن عمار حيث قال (علیه السلام): لا بأس بالصلاة في الفراء اليمانيّ، وفيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإنّ فيها غير أهل الإسلام، قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا باس(2).

كما يومىء إليه أيضاً موثّقة السكوني المتقدمة في السفرة المطروحة حيثقال(علیه السلام): يقوّم ما فيها ثم يؤكل ... قيل: يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسيّ، قال: هم في سعة حتى يعلموا(3).

وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم.

وأما إذا لم يكن عليه (الشيء المطروح) آثار الاستعمال بأي نحو من الأنحاء، أو كان في أرض الكفار، أو كان في يد الكافر ـ وإن كان في أرض الإسلام ـ ولم يعلم بسبق يد المسلم عليه، فالحكم في جميع هذه الموارد هو النجاسة والحرمة، ولا يجوز استعماله فيما هو مشروط بالطهارة للأصل، ولظاهر بعض النصوص المتقدمة.

العاشر: إذا كان المبيع في أرض الكفار أو سوقهم، وكان مسبوقاً بأرض المسلمين أو سوقهم، فهل يحكم عليه بالحلية والطهارة لرجحان جانب المسلمين، أو أنّ الحكم تابع للحالة الفعلية، وهو الحكم بالحرمة والنجاسة؟

وحكم هذا الفرع هو ما مرّ في الفرع السابع، وهو ما إذا كان في يد الكافر وكان مسبوقاً بيد المسلم، وبناء عليه فحكمه الحلّية والطهارة من دون حاجة


1) ـ جواهر الكلام 6 : 347 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 5 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 11 .

إلى الفحص.

الحادي عشر: إذا كان المبيع في أرض المسلمين أو سوقهم وكان مسبوقاً بأرض الكفّار أو سوقهم كما هو الحال فعلاً في أسواق المسلمين وأراضيهم، فإنّ مصدر كثير من الصنائع والبضائع المتداولة في بلاد المسلمين وأسواقهم، هو بلاد الكفار وأسواقهم، فهل يحكم عليه بالحلّية والطهارة أو لا؟وفي هذا الفرع صورتان: الأولى: أن يعلم بعدم وقوع التذكية عليه. الثانية: أن يشكّ في ذلك.

أما الصورة الأولى: فهي أنه وإن كان ظاهر أدلّة السوق هو الحكم بحلّية وطهارة ما يوجد في أيدي المسلمين وأسواقهم إلاّ أنه مع العلم بالخلاف لا تشملها هذه الأدلة كما تقدم، إذ لا موضوع لأمارية السوق أو الأرض لتشملها أدلتها، فهي خارجة موضوعاً عن هذه الأدلة، والحكم حينئذ هو النجاسة والحرمة.

وأما الصورة الثانية: وهي صورة الشك فالظاهر أنها مشمولة لهذه الأدلة والحكم حينئذ هو الطهارة والحلية.

الثاني عشر: إذا وجد شيء في أرضي الإسلام والكفر معاً على نحو الشركة فهل يرجّح جانب الإسلام ويحكم بالحلية والطهارة، أو جانب الكفر ويحكم بالحرمة والنجاسة؟

الظاهر هو الثاني بخلاف الاشتراك في اليد كما تقدم، وذلك لأنّ المستفاد من الروايات هو: أنّ أرض المسلمين وأسواقهم إنما تكون أمارة على الحلية والطهارة إذا كان الغالب عليها المسلمين، وأما إذاكان العكس أو على نحو التساوي فلا أمارية لها، والمرجع عند الشك إلى أصالة عدم التذكية.

الثالث عشر: إذا كان سوق المسلمين في أرض الكفّار فهل الاعتبار في الحكم بالسوق أو الأرض ؟ وجهان:

الأول: هو أنّ الاعتبار بالسوق فيحكم بالحلية والطهارة، بناء على أنّ المناط في الأمارة هو الغالب على أهل السوق، وقد تقدم أنّ المعنون في الروايات هو السوق، وفي بعضها وإن لم ترد بعنوان السوق إلاّ أنّ موردها ذلك.وعليه فالمعتبر في هذه الروايات هو نفس السوق فلابدّ من ملاحظة الغالب على أهله.

الثاني: هو أنّ الاعتبار بالأرض فيحكم بالحرمة والنجاسة، لأنّ المناط ملاحظة ما هو الغالب على أهل الأرض ولا خصوصية للسوق في نفسه، كما يظهر من بعض الروايات كموثقة إسحاق بن عمار(1)المتقدمة.

فإن تمّت أرجحيّة أحدهما على الآخر فهو وإلاّ فالمرجع إلى أصالة عدم التذكية.

الرابع عشر: إذا كان سوق الكفّار في أرض المسلمين فهل يحكم بطهارة ما يباع فيه وحليته أو لا؟

وحاصل ما يمكن أن يقال: إن علم أنّ البائع كافر فقد تقدّم الكلام فيه، وعليه فلابدّ من الفحص وإن كان في سوق المسلمين.

وإن شك في ذلك فلا يبعد القول بمراعاة الغالب على أهل الأرض والحكم حينئذ هو الحليّة والطهارة.

وقد يقال بمراعاة الغالب على أهل السوق والحكم حينئذ هو الحرمة والنجاسة ولابدّ من التأمل.

هذا تمام الكلام في سوق المسلمين، وبه يتمّ البحث حول التقية في أحكام الذباحة.

والحمد لله ربّ العالمين.


1) ـ وسائل الشيعة ج 2 ، باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 5 .

الفصل الرابع عشر: 12 ـ التقية في الفرائض

اشارة

•

بيان معنى التعصيب وأقسامه واستعراض الأدلّة على إثباته

•

تفنيد أدلة القائلين بالتعصيب وإثبات بطلانه بالكتاب والسنة والعقل وأنه من أحكام الجاهلية

•

القول بالتعصيب إجحاف بالمستحقين

•

العامة يروون في كتبهم ما يدلّ على بطلان التعصيب

•

الأحكام الفقهية لمذهب أهل البيت (علیهم السلام) موافقة لمقتضى الفطرة الإنسانية ولجوء بعض السنّة إلى الأخذ بمذهب أهل البيت في قضايا الميراث

•

العول والتعصيب يغترفان من منبع واحد

•

إثبات أنّ عمر بن الخطاب هو أول من أعال الفرائض

•

الموقف الحقّ والشجاع لابن عباس في إبطال العول واستعداده للمباهلة

•

اعتراف ابن حزم ببطلان العول

•

استعراض أدلة القول بالعول وتزييفها وإثبات بطلانه بالعقل والنقل

•

تساؤلات لابدّ منها

•

اختلاف العامة في ميراث الجدّ وتناقض الخليفة في قضائه

•

قيام الأدلة على أنّ الزوجة لا ترث من بعض ما يتركها زوجها

•

عدم دخول الحبوة في الميراث وأنها من مختصات الولد الذكر الأكبر

•

أحكام التقية في جميع ذلك

•

خاتمة الكتاب في ذكر بقية الموارد الخارجة عن أحكام التقية.

التقية في الفرائض

اشارة

إنّ من أمهات المسائل الخلافية في الميراث بين الخاصة والعامة مسألتي التعصيب والعول، وقد شغلتا مساحة كبيرة من البحث العلمي بين الطرفين، ولابد من البحث عن هاتين المسألتين بما يناسب المقام على ضوء معطيات الأدلة التي استند إليها كل من الفريقين.

وليس الخلاف بين الخاصة والعامة في أحكام الميراث منحصراً في هاتين المسألتين، بل هناك مسائل أخرى قد اختلفوا فيها أيضاً كميراث الجد وميراث الزوجة ومسألة الحبوة، ولبيان الحقّ في هذه المسائل يقع البحث في مقامات أربعة:

المقام الأول: في التعصيب:

وهو من مختصّات العامّة، وتنكره الخاصّة أشدّ الإنكار.

والعَصَبة بالتحريك جمع عاصب ككفرة جمع كافر، وهم بنو الرجل وقرابته لأبيه والجمع العِصاب(1).

قال الجوهري: وإنما سمّوا عصَبَة لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به، فالأبّطرف والإبن طرف، والعم جانب والأخ جانب، والجمع العَصَبات(2).


1) ـ مجمع البحرين 2 : 122 .

2) ـ الصحاح 1 : 182 .

والمراد بهم في المقام: الذين يُعطون باقي الميراث بعد أن يأخذ ذوو السهام أنصبتهم المقدّرة لهم.

وتنقسم العصبة عندهم إلى قسمين:

الأول: عصبة بالنسب.

الثاني: عصبة بالسبب.

أما القسم الأول فهو على ثلاثة أصناف:

أحدها: عصبة بنفسه، وهي كلّ ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميّت أنثى، وتنحصر في أربعة: اـ البنوّة وتسمّى جزء الميت . ب ـ الأبوّة وتسمّى أصل الميّت. ج ـ الأخوّة وتسمّى جزء أبيه . د ـ العمومة وتسمّى جزء الجدّ.

ثانيهما: عصبة بغيره، وهي الأنثى التي يكون فرضها النصف حال الانفراد، والثلثان إذا كان معها أخت أو أكثر، فإذا كان معها أو معهنّ أخ صار الجميع عصبة به، وتنحصر في أربعة أيضاً: اـ البنت والبنات . ب ـ بنت أو بنات الإبن. ج ـ الأخت أو الأخوات الشقيقات. د ـ الأخت أو الأخوات للأب.

وهذه الأربعة عصبة بالغير وهو الأخ، ويكون الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.

وثالثها: عصبة مع الغير، وهي كل أنثى تحتاج في كونها عصبة إلى أنثىأخرى، وتنحصر في اثنين:

أ ـ الأخت الشقيقة أو الأخوات كذلك، مع البنت أو بنت الإبن.

ب ـ الأخت للأب أو الأخوات كذلك، مع البنت أو بنت الإبن.

ولهؤلاء باقي الميراث بعد أن يأخذ كلّ ذي فرض فرضه.

وأما القسم الثاني ـ وهو العصبة بالسبب ـ فهو المولى المعتق ذكراً كان أو أنثى، فإن فقد المعتق فالميراث لعصبته الذكور(1).


1) ـ فقه السنّة 4 : 398 ـ 399 .

الأقوال في المسألة:

إنّ مما أجمع عليه الإمامية وتواترت به أخبارهم عن أئمتهم (علیهم السلام) بطلان القول بالتعصيب، بل هو من ضروريات مذهبهم، والمعلوم من دين آل محمد صلوات الله عليهم(1)، بخلاف العامة حيث ذهبوا إلى القول بالجواز.

قال الشيخ في الخلاف: القول بالعصبة باطل عندنا، ولا يورّث بها في موضع من المواضع، وإنما يورّث بالفرض المسمى، أو القربى، أو الأسباب التي يورّث بها من الزوجية والولاء.

وروي ذلك عن ابن عباس ... ووافقه جابر بن عبد الله في ذلك.

وحكى الساجي: أنّ عبد الله بن الزبير قضى بذلك، وحكى الطبري مثل ذلك.وروي موافقة ابن عباس عن إبراهيم النخعي، روى عنه الأعمش ولم يجعل داود الأخوات مع البنات عصبة.

وخالف جميع الفقهاء في ذلك فأثبتوا العصبات من جهة الأب والإبن.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير(2).

وقال السيد المرتضى علم الهدى في الانتصار: اعلم أنّ مخالفينا في هذا الباب يذهبون في ذلك إلى ما لم يقم به حجة من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع ... ـ ثم ذكر ما نقلناه عن الشيخ في الخلاف إلى أن قال: ـ وذهب داود بن علي الأصفهاني إلى مثل ما حكيناه، ولم يجعل الأخوات عصبة مع البنات، فبطل ادّعاء الإجماع مع ثبوت الخلاف متقدّماً ومتأخّراً ...(3).

ونكتفي بهذين القولين في بيان مذهب الخاصة.


1) ـ جواهر الكلام 39 : 99 .

2) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الفرائض ، المسألة 80 ، ص 62 ـ 63 .

3) ـ الانتصار: 552 .

وأما العامة فلما كانت المسألة من المسلّمات عندهم أدرجوها في كتبهم الفقهية كسائر المسائل الأخرى ومع ذلك نذكر قولين لبعض علمائهم.

قال في المغني: والأخوات مع البنات عصبة، لهن ما فضل ، ... وهذا قول عامة أهل العلم، يروى ذلك عن عمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ وعائشة(رض) وإليه ذهب عامة الفقهاء، إلاّ ابن عباس ومن تابعه، فإنه يروى عنه أنه كان لا يجعل الأخوات مع البنات عصبة، فقال في بنت وأخت: للبنتالنصف ولا شيء للأخت، فقيل له: إنّ عمر قضى بخلاف ذلك، جعل للأخت النصف، فقال ابن عباس: أنت أعلم أم الله؟ يريد قول الله سبحانه: «إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ»(1)فإنما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد، والحقّ فيما ذهب إليه الجمهور(2).

وقال في نيل الأوطار بعد أن ذكر حديث ابن عباس عن النبي (صلي الله علیه وآله): (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر): ... والحديث يدلّ على أنّ الباقي بعد استيفاء أهل الفروض المقدرة لفروضهم يكون لأقرب العصبات من الرجال ولا يشاركه من هو أبعد منه، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك، وقد استدل ابن عباس ومن وافقه على أنّ الميت إذا ترك بنتاً وأختاً وأخاً يكون للبنت النصف، والباقي للأخ ولا شيء للأخت(3).

أدلة القائلين بالتعصيب:

ونبدأ أولاً بذكر أدلة القائلين بالتعصيب وهم العامة لنرى مدى صلاحيتها سنداً ودلالة لإثبات دعواهم، مع قطع النظر عن أدلة النافين، ثم نعقّب ثانياً


1) ـ سورة النساء، الآية: 176 .

2) ـ المغني والشرح الكبير ج 7 ، كتاب الفرائض، المسألة 4817 ، ص 7 .

3) ـ نيل الأوطار 6 : 170 ـ 171 .

بأدلة المنكرين وهم الخاصة.

وقد استدلّ العامة على إثبات الحكم بالتعصيب بوجهين: السنّة والإجماع:أما من السنة فقد استدلوا بعدة أحاديث:

الأول: ما ورد في ميراث العصبة، وهو ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما، قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد (وهو النرسي)، حدثنا وهيب، حدثنا ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي (صلي الله علیه وآله)، قال: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأوْلى رجل ذكر(1).

ورواه أيضاً عن أمية بن بسطام العيشي، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس(2)... .

ورواه الترمذي في سننه عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن مسلم بن إبراهيم، عن وهيب، عن ابن طاووس(3)... .

ورواه أبو داود في سننه، قال: حدثنا أحمد بن صالح ومخلد بن خالد، وهذا حديث مخلد، وهو الأشبع، قال: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): اقسم المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأوْلَى ذكر(4).

ورواه مسلم في صحيحه عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباسقال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): اقسموا المال بين أهل الفرائض(5)...


1) ـ صحيح مسلم ج3 ، كتاب الفرائض، الحديث 1615 ، 1233، وصحيح البخاري 8: 187.

2) ـ صحيح مسلم ج 3 ، كتاب الفرائض، ص 1233 ـ 1234 .

3) ـ الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي ج 4 ، الحديث 2098 ، ص 418 .

4) ـ سنن أبي داود ج 3 ، الحديث 2898 ، ص 122 .

5) ـ صحيح مسلم ج 3 ، كتاب الفرائض، ص 1234 ، وقد وردت هذه الرواية في كتب الخاصة فقد رواها الشيخ في التهذيب بسنده عن علي بن عابس عن ابن طاووس، عن أبيه عن ابن عباس عن النبي (صلي الله علیه وآله) وجاء فيها: فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر، لاحظ تهذيب الأحكام ج 9 ، باب21 في إبطال العول والعصبة، ذيل الحديث 14 ، ص 261 .

الثاني: ما ورد في ميراث البنات وهو ما رواه الترمذي في سننه، قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثني زكريا بن عدي، أخبرنا عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله (صلي الله علیه وآله)، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلاّ ولهما مال، قال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله (صلي الله علیه وآله) إلى عمّهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك(1).

ورواه أحمد في مسنده عن عبد الله، عن أبيه، عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر...(2).

كما رواه ابن ماجة في سننه، عن محمد بن أبي عمر العدني، عن سفيان بنعيينة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله(3)

الحديث 14 ، ص 260 .

...

الثالث: ما ورد في ميراث الأخوات مع البنات وهو: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدثني عمرو بن عبّاس، حدّثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي قيس عن هزيل، قال: قال عبد الله: لأقضينّ فيها بقضاء النبي (صلي الله علیه وآله)،


1) ـ الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي ج 4 ، الحديث 2092 ، ص 414 .

2) ـ مسند أحمد ج 4 ، الحديث 14384 ، ص 319 .

3) ـ سنن ابن ماجة ج 2 ، الحديث 2720 ، ص 908 وقد وردت هذه الرواية في كتب الخاصة فإن الشيخ رواها في التهذيب بسنده عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر لاحظ تهذيب الأحكام ج 9 ، كتاب الفرائض، باب 21 في إبطال العول والعصبة، ذيل

للإبنة النصف، ولابنة الإبن السدس، وما بقي فللأخت(1).

ورواه الترمذي قال: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل، قال: جاء رجل إلى أبي موسى، وسلمان بن ربيعة، فسألهما عن الإبنة، وابنة الإبن وأخت لأب وأم، فقالا: للإبنة النصف وللأخت من الأب والأم ما بقي، وقالا له: انطلق إلى عبد الله فاسأله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فذكر ذلك له وأخبره بما قالا، قال عبد الله: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، ولكن أقضي فيهما كما قضى رسول الله(صلي الله علیه وآله) للإبنة النصف ولابنة الإبن السدس تكملة الثلثين، وللأخت ما بقي(2).

ورواه ابن ماجة في سننه، عن علي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان، عن أبيقيس الأودي، عن الهزيل بن شرحبيل(3).

الرابع: ما ورد في ميراث الأخوات والبنات أيضاً وهو ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدثنا بشر بن خالد، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله)، النصف للإبنة، والنصف للأخت، ثم قال سليمان: قضى فينا ولم يذكر على عهد رسول الله (صلي الله علیه وآله) (4).

الخامس: ما ورد في من ترك مالاً، وهو ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدّثنا عبدان، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، حدّثني أبو سلمة، عن أبي هريرة(رض) ، عن النبي (صلي الله علیه وآله) قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات


1) ـ صحيح البخاري 8 : 189 .

2) ـ الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي ج 4 ، الحديث 415 .

3) ـ سنن ابن ماجة ج 2 ، الحديث 2721 ، ص 909 .

4) ـ صحيح البخاري 8 : 189 .

وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته(1).

وفي رواية أخرى عن محمود، عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (رض) ، قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وترك مالاً فماله لموالي العصبة، ومن ترك كلاًّ أو ضياعاً فأنا وليّه فلأدعى له(2).وروى مسلم في صحيحه، عن زهير بن حرب، عن أبي صفوان الأموي، عن يونس الأيلي، وحرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله (صلي الله علیه وآله) كان يؤتى بالرجل الميّت عليه الدين فيسأل هل ترك لدينه قضاء؟ فإن حدّث أنه ترك وفاء صلّى عليه، وإلاّ قال: صلّوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فهو لورثته(3).

وروى أيضاً عن محمد بن رافع، عن شبابة، عن ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي (صلي الله علیه وآله)، قال: والذي نفس محمّد بيده إن على الأرض من مؤمن إلاّ أنا أولى الناس به، فأيكم ما ترك ديناً أو ضياعاً فأنا مولاه، وأيّكم ترك مالاً فإلى العصبة من كان(4).

وفي رواية أخرى ... وأيّكم ما ترك مالاً فليؤثر بماله عصبته من كان(5).

هذه هي الروايات التي استدل بها العامة على القول بالتعصيب.


1) ـ صحيح البخاري 8 : 187 .

2) ـ نفس المصدر ص 190 .

3) ـ صحيح مسلم ج 3 ، الحديث 1619 ، ص 1237 .

4) ـ صحيح مسلم ج 3 ، ص 1237 ـ 1238 .

5) ـ نفس المصدر ص 1238 .

ولكن جميع هذه الروايات مخدوشة إما من جهة السند وإما من جهة الدلالة وإما من كلتا الجهتين معاً.

أما الحديث الأول فهو ضعيف السند والدلالة.أما ضعف السند ففيه أولاً: إن هذا الحديث مضطرب من حيث الإسناد والإرسال، فإنه ورد تارة مسنداً وأخرى مرسلاً، كما نصّ عليه الترمذي في سننه حيث قال: وقد روى بعضهم عن ابن طاووس عن أبيه عن النبي (صلي الله علیه وآله) مرسلاً(1).

وثانياً: إنّ ألفاظ الحديث اختلفت زيادة ونقيصة، ففي بعضها ورد بلفظ: «فما بقي فهو لأوْلَى رجل ذكر» كما في صحيح مسلم(2)، وفي بعضها: «فما تركت الفرائض فلأوْلَى رجل ذكر» كما في سنن أبي داود(3)، وفي بعضها: «فلأوْلَى عصبة ذكر» كما في نيل الأوطار(4)عن صاحب النهاية والغزالي وفي بعضها «لأدنى رجل ذكر» كما في عمدة القاري عن عياض أنه في رواية ابن الحذاء، عن ابن ماهان(5)، فالحديث معلول غير مضبوط المتن، وما كان كذلك فلا يمكن الاعتماد عليه.

وثالثاً: إنّ في سند الحديث عبد الله بن طاووس، وإليه تنتهي كل الطرق، وقد ختلفت الأقوال فيه، وضعّفه بعضهم كصاحب العتب الجميل(6).

ورابعاً: إنه قد روي عن ابن عباس وطاووس أنهما كذّبا هذا الحديث


1) ـ الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي ج 4 ، ذيل الحديث 2098 ، ص 418 .

2) ـ صحيح مسلم ج 3 ، الحديث 1615 ، ص 1233 .

3) ـ سنن أبي داود ج 3 ، الحديث 2898 ، ص 122 .

4) ـ نيل الأوطار 6 : 170 .

5) ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري 23 : 237 .

6) ـ العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل : 73 ـ 74 .

وتبرءا منه، فقد روى أبو طالب الأنباري قال: حدثنا محمد بن أحمد البربري، حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثني سفيان، عن أبي إسحاق، عن قارية بن مضرب، قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة، فقلت: ياابن عباس حديث يرويه أهل العراق عنك وطاووس مولاك يرويه: أنّ ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر، قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراءك: إنّي أقول: إن قول الله عزوجل: «آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ»(1)وقوله: «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ»(2)وهل هذه إلاّ فريضتان؟ وهل أبقتا شيئاً؟ ما قلت هذا، ولا طاووس يرويه عليّ، قال قارية بن مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا والله ما رويت هذا على ابن عباس قط، وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال سفيان: أراه من قبل ابنه عبد الله بن طاووس، فإنه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك، وكان يحمل على هؤلاء القوم حملاً شديداً ـ يعني بني هاشم ـ (3).

ونقله ابن حجر في تهذيب التهذيب(4)، وابن عقيل في العتب الجميل(5)، كماذكره الشيخ في الخلاف(6)إلاّ أنّ فيه أنّ الراوي هو حارثة بن مضرب (وهو الصحيح) وليس قارية بن مضرب.

والحاصل: أنّ سند الرواية مخدوش، ولا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة.


1) ـ سورة النساء، الآية: 11 .

2) ـ سورة الأنفال، الآية: 75 .

3) ـ تهذيب الأحكام ج 9 ، كتاب الفرائض، باب إبطال العول والعصبة، ذيل الحديث 14، ص262.

4) ـ تهذيب التهذيب 5 : 235 .

5) ـ العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل : 73 .

6) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الفرائض، المسألة 80 ، ص 67 ـ 68 .

وأمّا ضعف الدلالة فمع الغضّ عن اختلال لفظ الحديث وعدم صحته إعراباً حيث إنه ـ بناء على اللفظ الأول ـ جعل لفظ: ذكر صفةً لرجل، ولا فائدة فيه، بل هو لغو حتى على فرض التوكيد، وبناء على اللفظ الثاني جعل لفظ ذكر صفة لعصبة وهو غير وجيه، فإنّ عصبة جمع لعاصب فلا يوصف بالمفرد في هذا المورد فيه:

أولاً: إنّ الدلالة غير تامة، وذلك لأنّ المذكور في أصل الحديث هو اللفظ الأول، وليس فيه ذكر للعصبة، فإنّ معنى أولى رجل ذكر هو الأقرب للميّت من الذكور، فلعلّ المراد هو الإبن أو من هو في طبقته، وهذا ينطبق على قاعدة التوريث، فإنّ الزيادة تردّ للولد.

وأما بناء على أنّ اللفظ هو عصبة، فقد ذكر الشوكاني أنّ هذه اللفظة ليست محفوظة، وإنما وقعت عند صاحب النهاية والغزالي وغيرهما من أهل الفقه(1)، ثم إنّ الحديث وإن ذكر في توجيهه أكثر من عشرة وجوه ـ كما في عمدة القارىء(2) ـ إلاّ أنها من جهة المعنى ترجع إلى ثلاثة:الأول: أن يكون المراد من الرواية هو أنّ الباقي من التركة لمن لم يكن له فريضة وهو الولد، إذ بعد استيفاء الفرائض وأخذ كلّ ذي فرض فرضه يعطى الباقي لمن ليس له فريضة إذا كان في طبقة أهل الفريضة وهو الولد.

الثاني: أن يكون المراد هو أنّ الباقي يعطى للعصبة إذا كان ذكراً سواء كان هو الولد أو غيره.

الثالث: أن يكون المراد من الرواية هو أنّ الميّت إذا كان رجلاً فالباقي من المال يُعطى لقريبه الذكر، بناء على أنّ لفظ ذكر صفة لأولى لا لرجل، على ما


1) ـ نيل الأوطار 6 : 170 .

2) ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري 23 : 237 .

ذكره في عمدة القارىء ونسبه إلى السهيلي(1).

والأقرب من هذه الوجوه هو الأول، لأنّ الأخيرين على خلاف إجماعهم، ولم يذهب أحد من فقهائهم إلى القول بوجوب إعطاء باقي المال للعصبة فقط، أو إلى الباقي من الذكور فقط دون الإناث.

وعلى فرض التسليم فالرواية مجملة ولا يمكن التمسك بها في المقام.

وثانياً: إنّ هذه الرواية معارضة بعدة روايات من طرق العامّة وبروايات متواترة من طرق الخاصّة وسيأتي ذكر بعضها.

والحاصل: أنّ الحديث في نفسه غير صالح للاستدلال به على المدّعى.

وأما الحديث الثاني فإنه ضعيف السند والدلالة أيضاً.

أما ضعف السند فإنّ فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وإليه تنتهي كلّ الطرق،وهو ممّن ضعّف، كما في الجرح والتعديل(2)، والكامل(3)، ونقل العسقلاني في التهذيب عن ابن سعد أنه قال: كان منكر الحديث لا يحتجّون بحديثه، وعن ابن خزيمة أنه قال: لا أحتجّ به لسوء حفظه، وعن ابن حبان أنه قال: كان رديء الحفظ، يحدث على التوهم فيجيء بالخبر على غير سننه، فوجب مجانبة أخباره(4).

ومما يشهد على ذلك:

أولاً: إن أبا داود أخرج الحديث في سننه بلفظ آخر، قال: حدثنا مسدد، ثنا بشر بن المفضل، ثنا عبد الله بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله (صلي الله علیه وآله) حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواق، فجاءت المرأة


1) ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري 23 : 237 .

2) ـ الجرح والتعديل 5 : 154 .

3) ـ الكامل في ضعفاء الرجال 4 : 1446 ـ 1447 .

4) ـ تهذيب التهذيب 6 : 13 ـ 14 .

بابنتين [لها] فقالت: يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمّهما مالهما وميراثهما كلّه فلم يدع لهما مالاً إلاّ أخذه، فما ترى يا رسول الله؟ فوالله لا تنكحان أبداً إلاّ ولهما مال، فقال رسول الله (صلي الله علیه وآله): يقضي الله في ذلك، قال: ونزلت سورة النساء: «يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ»(1)الآية، فقال رسول الله(صلي الله علیه وآله): ادعوا لي المرأة وصاحبها فقال لعمّهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمّهما الثمن، وما بقي فلك.قال أبو داود: أخطأ [بشر] فيه [إنّما] هما بنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة(2).

ويظهر من ذلك أنّ عبد الله بن محمد بن عقيل قد نقل القضية تارة في بنتي سعد بن الربيع، وأخرى في بنتي ثابت بن قيس، وهو شاهد على سوء الحفظ وعدم التثبّت.

وثانياً: أنّ ابن كثير قد روى في جامعه عن عبد الله بن محمد ما يخالف ذلك، قال: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قال: دخلت على جابر بن عبد الله الأنصاري أخي بني سلمة، ومعي محمد بن عمرو بن حسن بن علي، وأبو الأسباط مولى لعبد الله بن جعفر، كان يتبع العلم، قال: فسألناه عن الوضوء مما مسّت النار من الطعام، فقال: خرجت أريد رسول الله (صلي الله علیه وآله) في مسجده فلم أجده، فسألت عنه، فقيل: هو بالأسواق عند بنات سعد بن الربيع أخي بلحرث بن الحرث من الخزرج، يقسم بينهنّ ميراثهنّ من أبيهنّ، قال: وكنّ أول نسوة ورثن من أبيهنّ في الإسلام، قال: فخرجت حتى جئت الأسواق، وهو مال سعد بن الربيع،


1) ـ سورة النساء، الآية: 11 .

2) ـ سنن أبي داود ج 3 ، الحديث 2891 ، ص 120 ـ 121 .

فوجدت رسول الله (صلي الله علیه وآله) في صور من نخل قد رش له فهو فيه، قال: فأتي بغداء من خبز ولحم قد صنع له، فأكل رسول الله(صلي الله علیه وآله) وأكل القوم معه، قال: ثم بال، ثم توضّأ رسول الله (صلي الله علیه وآله) للظهر، وتوضّأ القوم معه، قال: ثم صلّى بهم الظهر، قال: ثم قعد رسولالله (صلي الله علیه وآله) في بعض ما بقي من قسمته لهنّ حتى حضرت الصلاة وفرغ أمره منهنّ، قال: فردّوا على رسول الله (صلي الله علیه وآله) فضل غذائه من الخبز واللحم، فأكل، وأكل القوم معه، ثم نهض فصلّى بنا العصر، وما مسّ ماءً ولا أحد من القوم(1).

ففي هذه الرواية ذكر أنّ لسعد بنات لا بنتين، ولم يذكر فيهما الأمّ ولا العمّ، وذلك مما يؤكّد على أنّ عبد الله بن محمد بن عقيل رديء الحفظ ولا يعتمد على شيء من رواياته.

وثالثاً: إنه قد ورد في الصحيحين عن جابر بن عبد الله نفسه ما هو على خلاف ذلك.

قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: مرضت فعادني رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وأبو بكر، وهما ماشيان، فأتاني وقد أغمي علي فتوضّأ رسول الله (صلي الله علیه وآله) فصبّ عليّ وضوءه فأفقت فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث(2).

ورواه مسلم في صحيحه(3)مع اختلاف يسير.

وفي لفظ آخر لمسلم قال: عادني النبي (صلي الله علیه وآله) وأبو بكر في بنيسلمة يمشيان، فوجدني لا أعقل، فدعا بماء فتوضّأ ثم رشّ عليّ منه فأفقت فقلت:


1) ـ جامع المسانيد والسنن ج 24 ، الحديث 364 ، ص 216 ـ 217 .

2) ـ صحيح البخاري 8 : 184 ـ 185 .

3) ـ صحيح مسلم ج 3 ، كتاب الفرائض، الحديث 7 ، ص 1235 .

كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: «يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ»(1).

وفي لفظ الترمذي: جاءني رسول الله (صلي الله علیه وآله) يعودني وأنا مريض في بني سلمة، فقلت: يا نبي الله كيف أقسم مالي بين ولدي؟ فلم يردّ عليّ شيئاً، فنزلت: «يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ» الآية.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح(2).

ومن ذلك يظهر أن الرواية المذكورة ـ مع هذا الاختلاف والاشتباه ـ لا تصلح أن تكون دليلاً على المدّعى.

وأما ضعف الدلالة فمضافاً إلى أنّ فعل النبي (صلي الله علیه وآله) في هذا المورد لم يعلم وجهه إذ لم ينص على أنه توريث للعصبة، ولعله كان لوجه آخر كأن يكون المال تعويضاً للعمّ على قيامه بشأن البنتين، أو لحفظه مالهما، وقد احتمل صاحب الوسائل أنّ الحكم هنا على وجه الصلح مع رضا الوارث بذلك وإرادة تأليف قلب العمّ(3)، أو لغير ذلك، أنّ الرواية معارضة بغيرها من روايات العامة والخاصّة كما سيأتي.

وأما الحديث الثالث فهو ضعيف السند والدلالة أيضاً.أما ضعف السند ففيه أبو قيس الأودي، وهو عبد الرحمن بن ثروان، وقد اختلفوا فيه، ونقل ابن حجر في التهذيب عن أبي حاتم أنه قال عنه: ليس بقوي هو قليل الحديث وليس بحافظ، وعن عبد الله بن أحمد عن أبيه: يخالف في أحاديثه(4). وعدّه العقيلي في الضعفاء قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان، فقال: هو كذا وكذا أو حرّك


1) ـ صحيح مسلم ج 3 ، كتاب الفرائض، الحديث 6 ، ص 1235 .

2) ـ الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي ج 4 ، الحديث 2096 ، ص 417 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 8 من أبواب موجبات الارث، ذيل الحديث 8 .

4) ـ تهذيب التهذيب 6 : 138 .

يده، وهو يخالف في أحاديث(1)، فما في المحلّى عن أبي علي من أنّ أبا قيس ثقة ما نعلم أحداً جرحه بجرحة يجب بها إسقاط روايته فالواجب الأخذ بما روى(2)، غير تام.

وأما ضعف الدلالة ففيها أولاً: إنّ الاحتجاج في الرواية إنما هو بفعل النبي لا بقوله، ولعلّ فعله (صلي الله علیه وآله) كان لخصوصية في المورد لا نعلم بها.

وثانياً: إنّ هذا الحكم وإن نسب إلى فقهاء العامة إلاّ أن وجهه غير ظاهر، وذلك لأنّ بنت الإبن لا يخلو حالها من ثلاث:

الأولى: أن تكون بمنزلة الإبن، الثانية: أن تكون بمنزلة البنت، الثالثة: أن يكون لها إرث العصبة.

وعلى التقادير الثلاثة لا يكون نصيبها السدس كما هو في الرواية، بل يكون نصيبها على التقدير الأول باقي المال. وعلى التقدير الثاني يكون نصيبها الثلث، وعلى التقدير الثالث يكون المال بينها وبين الأخت مناصفة، فالحكم بأنّ لهاالسدس مما لا وجه له، وما ورد في الرواية من أنّ السدس تكملة الثلثين بلا معنى.

ولعلّه لذلك لم يخرجه مسلم والنسائي في صحيحهما إذ لا يصحّ التمسّك به.

وأما الحديث الرابع ففيه أولاً: إنه لا يصلح لأن يكون دليلاً على المدعى لأنّ قضاء معاذ إنّما هو اجتهاد من نفسه، ولم يسنده إلى النبي (صلي الله علیه وآله)، وعلى فرض صحة الاحتجاج بفعل الصحابي إلاّ أنه ليس دليلاً مستقلاًّ يمكن الاعتماد عليه وحده.

وثانياً: إنه ورد في الروايات من طرقهم ما هو على خلاف ذلك، فقد


1) ـ الضعفاء الكبير 2 : 327 .

2) ـ المحلّى ج 9 ، المسألة 1712 ، ص 257 .

أخرج البيهقي في سننه بسنده عن حيان بياع الأنماط، قال: كنت جالساً مع سويد بن غفلة فأتى في ابنة، وامرأة، ومولى، فقال: كان علي رضي الله عنه يعطي الإبنة النصف، والمرأة الثمن، ويردّ ما بقي على الإبنة(1)، وستأتي الرواية بلفظ آخر، كما سنذكر جملة من روايات العامة الدالة على عدم توريث العصبة.

هذا مضافاً إلى أنّ فقهاء العامة يذهبون إلى أنّه إذا كان للميت بنتان وعمّ، وابنة ابن، فللبنتين الثلثان، والباقي للعمّ، ولاتعطى ابنة الإبن شيئاً، ولكن إذا كان مع ابنة الإبن ابن ابن فالباقي بينهما بالسوية، وإذا كان للميت بنت وأب فللبنت النصف، وللأب السدس، والباقي يردّ عليه، ولا تعطى العصبة شيئاً.

وهذه الموارد وغيرها على خلاف مذهبهم في توريث العصبة كما هو واضح.وأما الحديث الخامس فهو أضعف الكل دلالة وإن قيل إنه من جهة السند متفق عليه، وذلك:

أولاً: لاختلاف ألفاظه، ففي بعض طرقه كما تقدم: ومن ترك مالاً فلورثته، وفي بعضها: ومن ترك مالاً فماله لموالي العصبة، وفي بعضها: ومن ترك مالاً فهو لورثته، وفي بعضها: وأيّكم ترك مالاً فإلى العصبة من كان، وفي بعضها: وأيّكم ما ترك مالاً فليؤثر بماله عصبته من كان.

ومع هذه الاختلافات فكيف يمكن الركون إليه أو جعل أحد ألفاظه مستنداً للحكم.

وثانياً: على فرض التسليم وصحة الاستناد إلى أحد هذه الألفاظ وهو لفظ العصبة، لكن الظاهر من الرواية أنّ المراد هو أنّ الميراث لأقرباء الميت وورّاثه في مقابل قوله: ومن ترك كلاًّ أو ضياعاً فأنا وليّه، أو قوله (صلي الله علیه وآله): فأيّكم ما


1) ـ السنن الكبرى 6 : 242 .

ترك ديناً أو ضياعاً فأنا مولاه، أو نحو ذلك مما تقدم، وليس المراد من العصبة هو ما اصطلح عليه العامة من إعطاء الزائد على الفريضة أقرباء الميت ممن لا فرض له أو ليس في طبقة الورّاث.

وممّا يؤكّد ذلك: أنّ الميراث قد يكون بمقدار السّهام من دون زيادة أصلاً فكيف تفسر العصبة بذلك، فالرواية أجنبية عن المدّعى وعلى فرض التنزّل فهي مجملة، ولا تصلح أن تكون دليلاً في المقام.

والمتحصل: أننا لم نقف على رواية واحدة تامة السند والدلالة يمكن الركون إليها، والاعتماد عليها، والتمسك بها، وجعلها مستنداً لهذا الحكم المهم بحيث نخرج بها عن قواعد الميراث وأحكام الفرائض وطبقاته، وتكون مسوغاً للتصرّففي أموال اليتامى والقصّر وإعطائها إلى غيرهم.

وأما الإجماع فهو وإن ادّعاه في المحلّى في مواضع متعددة(1)إلاّ أنه غير تام، وقد نقلنا قول السيد المرتضى علم الهدى ! من: أنّ ادّعاء الإجماع على قولهم في التعصيب غير ممكن، مع الخلاف المعروف المسطور فيه سالفاً وآنفاً، فإنّ ابن عباس رحمة الله عليه كان يخالفهم في التعصيب، ويذهب إلى مثل مذهب الإمامية، ويقول فيمن خلّف ابنة وأختاً: إنّ المال كلّه للإبنة دون الأخت، ووافقه في ذلك جابر بن عبد الله، وحكى الساجي أنّ عبد الله بن الزبير قضى أيضاً بذلك، وحكى الطبري مثله، ورويت موافقة ابن عباس عن إبراهيم النخعي في رواية الأعمش عنه، واختاره داود بن علي الأصفهاني حيث إنه لم يجعل الأخوات عصبة مع البنات(2).

ففي تحقق الإجماع مع هذا الخلاف تحكّم وتعسّف.


1) ـ المحلى ج 9، المسألة 1722 ، ص 269، والمسألة 1725، ص 271، والمسألة 1726 ، ص271.

2) ـ الانتصار: 553 .

وعلى فرض التسليم وتحقّقه فلا تخلو حجّية الإجماع إما أن تكون من جهة كشفه عن السنة وأنهم قد أخذوا ذلك عن رسول الله (صلي الله علیه وآله) فيرجع الأمر إلى السنّة وقد تقدم البحث فيها وأنه لم يثبت منها شيء يحتج به.

وأما أن تكون من جهة وجود المعصوم ـ في المجمعين ـ الذي يكون قوله وفعله حجّة فهذا غير محرز، بل المحرز عدمه، فالاستدلال بالإجماع ضعيفجدّاً.

ويؤيد ذلك خلوّ أكثر كتبهم عن دعواه.

أدلّة النافين:

واستدلّ الإماميّة على بطلان التعصيب بالأدلة الأربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل.

أما من الكتاب فقد استدلوا بعدة آيات أهمها ثلاث:

الأولى: قوله تعالى: «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ»(1)وهذه الآية قد وردت في موضعين من القرآن الكريم، والمراد بالأولويّة فيهما أولوية التوارث كما نصّ على ذلك المفسّرون(2)، ونطقت به الروايات الواردة في تفسير الآية الشريفة(3)، وهي تنسخ ولاية الإرث بالمؤاخاة التي أجراها النبي(صلي الله علیه وآله) بين المسلمين في أول الهجرة والموالاة في الدين وتثبت الإرث بالقرابة(4).


1) ـ سورة الأنفال، الآية: 75 ، وسورة الأحزاب، الآية: 6 .

2) ـ مجمع البيان في تفسير القرآن 4 : 563 ، والميزان في تفسير القرآن 9 : 142 ، وج 16 : 227 .

3) ـ تفسير البرهان 2 : 96 ـ 99 ، وج 3 : 291 ـ 294 .

4) ـ الميزان في تفسير القرآن 9 : 142 ، وج 16 : 227 .

وتقريب الاستدلال بالآية هو أنّ التوارث كان في الجاهلية لأولي القدرة من الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار، وقد قيل إنه كان في صدر الإسلامبالحلف والهجرة والمؤاخاة والمعاقدة، فلما نزلت هذه الآية وغيرها من الآيات الواردة في بيان الفرائض نسخت كلّ ذلك، وبيّنت أنه لا فرق بين الصغير والكبير، أو الرجل والمرأة في استحقاق الإرث، ونتج عنه ضابطة كليّة وقاعدة شاملة كما هو الظاهر من الآية المباركة، وهي أنّ المناط في الاستحقاق هو الأقربية من أولي الأرحام فالأقرب، ولا يرث المتأخر مع وجود المتقدّم بل يتعين المتقدّم، وهو من يكون أقرب إلى الميت رحماً بلا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، ولا بين الكبير والصغير، ومن ذلك تنشعب طبقات الإرث فمن كان انتسابه إلى الميت مباشراً فهو في الطبقة الأولى وهو الأولى بالإرث ممن ينتسب إلى الميت بالواسطة، ولا حقّ للمتأخر مع وجود المتقدم، وتتمثل الطبقة الأولى في الأولاد ذكوراً كانوا أو إناثاً وفي الأبوين، ثم تليهم الطبقة الثانية وهي التي تنتسب إلى الميت بواسطة واحدة، وهم الأخوة والأخوات والأجداد والجدّات لأنهم ينتسبون إلى الميت بواسطة الأب أو الأم فهم الأولى بالإرث ـ مع عدم الطبقة الأولى ـ ممن ينتسب إلى الميت بواسطتين حيث تتشكّل منهم الطبقة الثالثة وهم الأعمام والعمّات والأخوال والخالات فإنّهم ينتسبون إلى الميّت بواسطة الأب والجدّ أو الأم والجدّة.

ثم إنّ الأولاد في كلّ طبقة يقومون مقام آبائهم في استحقاق الإرث، وأما الزوجان فإنّهما يرثان مع كل هذه الطبقات.

فإذا فقدت طبقات ذوي الأرحام جميعاً انتقل الميراث إلى ولاء العتق إن كان، ومع عدمه ينتقل إلى ولاء ضمان الجريرة، ومع عدمه فإلى الإمام (علیه السلام) فإنه

وارث من لا وارث له، كما نصّت على ذلك الروايات الواردة عنهم (علیهمالسلام) (1).

والحاصل: أنّ الضابطة الكلية المستفادة من الآية الشريفة هي أنّ الأقرب يمنع الأبعد ذكراً كان أو أنثى صغيراً كان أو كبيراً.

ومن ذلك يظهر أنّ توريث العم أو ابن العم، أو ابن ابن الأخ، مع وجود البنت خروج عن الضابطة والقاعدة المستفادة، وخلاف للنصّ القرآني المقرّر بأنّ الأقرب أولى من الأبعد.

هذا، ولكن قد يقال: أولاً: إنّ ما ذكر من أنّ الآية واردة في الإرث إنما هو بناء على ما في تفاسير الشيعة ورواياتهم عن أئمتهم، وذلك مما لا يسلّم به الخصم، فكيف يستدلّ بها، وتجعل ضابطة كلية على بطلان القول بالتعصيب؟

وثانياً: إنه على فرض التسليم بأن مضمونها عام أو مطلق وقابل للتخصيص فيمكن أن يقال: بأنها مخصّصة أو مبيّنة بما ورد في السنة من توريث العصبة بعد استيفاء ذوي الفروض فروضهم، على ما تقدم من الروايات.

والجواب: أما عن الأول ففيه : ـ مع الغض عن أنّ أئمة أهل البيت (علیهم السلام) هم عدل الكتاب، وهم الأعلم بمراداته ومقاصده، فكان الواجب على الأمة اتباعهم والأخذ ببياناتهم لكتاب الله ـ أنّ الآية الشريفة وإن لم يكن موردها خصوص الإرث إلاّ أنه لا إشكال في عمومها وشمولها للإرث، وهو من أجلى مصاديق ما في كتاب الله، على أنه قد استشهد بها في موضوع الإرث جميع علماءالأمة حتى العامة من فقهائهم ومفسريهم فمن فقهائهم استشهد السرخسي في مبسوطه بالآية الشريفة(2)، وقال: والميراث ينبني على الأقرب، قال الله


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، أبواب ميراث ولاء العتق، ص 538 ـ 544 ، وأبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامة ص 445 ـ 555 .

2) ـ المبسوط 30 : 3 .

تعالى: «مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ»(1)وزيادة القرب تدلّ على قوة الاستحقاق(2)وقال أيضاً: فإن كان بعضهم أقرب فهو بالميراث أحق(3)، وقال في موضع آخر: وميراث ذوي الأرحام يبنى على القرب(4)... كما استشهد بها ابن رشد في بدايته(5)وغيرهما.

ومن المفسرين الفخر الرازي(6)، والسيوطي(7)، والقرطبي(8)، فإنهم وغيرهم من مفسري العامة ذكروا أنّ الآية شاملة بعمومها للميراث، بل لم يتعرّضوا لغير موضوع الإرث في تفسيرهم للآية.

ومن الغريب أنّ بعضهم(9)قد تمسك بالآية الشريفة على أولوية بعض العصبةعلى بعض، واعتبروا فيها الأقرب فالأقرب فقدّموا الأخ على ابن الأخ والعم على ابن العم وهكذا.

والحاصل: أنّ الآية الشريفة وإن سلّمنا أنها غير واردة في الإرث إلاّ أنها شاملة له، بل لا يبعد القول بأنها ظاهرة فيه، وقد تمسك بها العامة أنفسهم في استدلالاتهم.

وأما عن الثاني ففيه: ـ مع الغضّ أيضاً عن عدم صلاحية الاحتجاج بالروايات المتقدمة، وتخصيص الكتاب بها ـ أنّ الآية الشريفة في نفسها آبية


1) ـ سورة النساء، الآية: 7 .

2) ـ المبسوط 29 : 139 .

3) ـ المبسوط 30 : 13 .

4) ـ المبسوط 30 : 20 .

5) ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2 : 337 .

6) ـ التفسير الكبير 15 : 213 ـ 214 .

7) ـ الدر المنثور 4 : 117 ـ 118 .

8) ـ الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) 8 : 58 ـ 60 .

9) ـ الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) 8 : 58 ـ 59 ، والبحر الزخار 6 : 339 .

عن التخصيص، فكما لا يمكن التخصيص في قوله تعالى: «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى»(1)بأن يقال: إنّ العدل واجب إلاّ في المورد الفلاني. أو في قوله تعالى: «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ»(2)بأن يقال: لا بأس بالسبيل على المحسن في مورد واحد أو موردين. أو في قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ»(3)أو قوله تعالى: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ»(4)ونظائرها كذلك الآية الشريفة فإنه لا يصح التخصيص فيها بوجه لأنّ في هذه الآية ونظائرها من الآيات التي هي بمثابة القواعد المحكمة إلماحاً إلى جهة واقعية تكوينية هي السبب والعلّة والمناط في الحكم، وفي هذه الآية بيان للرابطة بين الوارث والمورّث، وهي الأقربية الرحمية إلى الميّت،فحيثما تحقّق هذا المناط فلابدّ من تحقق الحكم وترتب الأثر، ولا يصح نفيه عنه أو انسحابه على مورد خال عنه، فإذا جعلت الأقربية هي السبب في التوارث فكيف يصحّ تسرية الحكم مع وجود الأقرب إلى الأبعد، وهل هو إلاّ خلاف النص القرآني الآبي عن التخصيص ؟!

والحاصل: أنّ الآية الشريفة واضحة الدلالة على إثبات المطلوب.

الثانية: قوله تعالى: «لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً»(5).

وتقريب الاستدلال بها: أنّ المستفاد من الآية الشريفة هو اشتراك الرجال والنساء في الطبقة الواحدة في استحقاق الإرث، وهي في مقام الرّد


1) ـ سورة المائدة، الآية: 8 .

2) ـ سورة التوبة، الآية: 91 .

3) ـ سورة الفتح، الآية: 17 .

4) ـ سورة النحل، الآية: 126 .

5) ـ سورة النساء، الآية: 7 .

على شرع الجاهلية الحاكم باختصاص الإرث بالرجال دون النساء، فأبطل سبحانه وتعالى بهذه الآية ما كانوا عليه، واثبت أنّ النساء في درجة الرجال من حيث الاستحقاق، ولسن بمحرومات من الميراث، وأنّ كل مورد يرث فيه الرجل فالمرأة ترث فيه أيضاً، ولا ينفك إرث أحدهما عن الآخر إلاّ ما خرج بالدليل كالقاتل والمرتد ونحوهما.

وأما القول بالتعصيب فهو يخالف نص هذه الآية الشريفة لأنه يقتضي حرمان النساء من الإرث، ويوافق الحكم الجاهلي إذ بمقتضى القول بالتعصيب يورّث الأخ دون الأخت، والعم دون العمة، وابن الإبن دون بنت الإبن، وابن الأخ للأب دون بنت الأخ للأب أو للأم وهكذا، مع أنهم في طبقة واحدة.وبالجملة فإنه يلزم على القول بالتعصيب حرمان اثنتي عشرة طائفة من الأرحام مع استحقاقهم الإرث، إما لأنّهم نساء، وإما لأنهم ينتسبون إلى الميت عن طريقهن وهي: 1 ـ أولاد بنت البنت 2 ـ اولاد بنت الإبن 3 ـ أولاد الأخت 4 ـ أولاد الأخ للأمّ 5 ـ بنات الأخ للأب 6 ـ الجدّ والجدّة للأمّ 7 ـ أمّ جدّ الأمّ وأمّ جدّة الأمّ 8 ـ العمّ للأمّ وأولاده 9 ـ العمّة وأولادها 10 ـ الخال وأولاده 11 ـ الخالة وأولادها 12 ـ بنات العمّ وأولادهن.

مع أنّ كل هذه الطبقات ترث بنصّ الكتاب إذا وقعن في طبقة الإرث، ولا فرق بينها وبين من ينتسب إلى الميت من جهة الرجال، فلا وجه لحرمان هؤلاء من الإرث.

والحاصل: أنّ القول بالتعصيب مخالف لنص الكتاب العزيز وموافق لحكم الجاهلية في توريث الرجال دون النساء.

الثالثة: قوله تعالى: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا

اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»(1).

وهذه الآية واضحة الدلالة على أنّ الإرث إنما يصل إلى الأخ والأخت إذا لم يكن للميت ولد، ومع وجوده فلا يصل الإرث إليهما، فالقول بالتعصيبمخالف لنصّ الآية الشريفة لأنّ القائلين به يورّثون الأخ أو الأخت مع وجود الولد.

ثم إنّ الآية وردت في مقام الجواب عن طلب الفتيا في ميراث الكلالة، وهي الأخوة والأخوات فبيّن سبحانه وتعالى الحكم، وفيها دلالة على أنّ الأخ أو الأخت لا يرثان مع البنت، لأنه سبحانه شرط في ميراث الأخ والأخت عدم الولد، والولد يقع على الإبن والبنت بلا خلاف فيه(2)، ويشهد لذلك قوله تعالى:«وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ»(3)فإنّ الولد في الآية أعم من الذكر والأنثى كما لا يخفى.

هذا، مع التأكيد في آخر الآية الشريفة على أنّ الله تعالى بيّن هذا الحكم حذراً من الضلالة والخطأ فكيف يحكم بتوريث العصبة مع وجود الولد؟!

والحاصل: أنّ توريث العصبة مع وجود المتقدم من حيث الطبقة مخالف لصريح الكتاب.

وأما السنة فقد دلّ كثير من الروايات على بطلان القول بالتعصيب من طرق الخاصة والعامة.

أما الروايات من طرق الخاصّة فقد ادعي تواترها(4)وهي على طوائف:


1) ـ سورة النساء، الآية: 176 .

2) ـ مجمع البيان 3 : 149 .

3) ـ سورة النساء، الآية: 11 .

4) ـ جواهر الكلام 39 : 99 .

الطائفة الأولى: ما ورد في خصوص عدم توريث العصبة، وهي عدّة روايات:منها: معتبرة حمران بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجل ترك ابنته وأمّه، أنّ الفريضة من أربعة أسهم، فإنّ للبنت ثلاثة أسهم، وللأم السدس سهم، وبقي سهمان فهما أحق بهما من العم وابن الأخ والعصبة، لأنّ البنت والأم سمّي لهما ولم يسمّ لهم فيردّ عليهما بقدر سهامهما(1).

ومنها: معتبرة موسى بن بكر الواسطي، قال: قلت لزرارة: حدّثني بكير عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجل ترك ابنته وأمه، أنّ الفريضة من أربعة، لأنّ للبنت ثلاثة أسهم، وللأم السدس سهم، وما بقي سهمان، فهما أحقّ بهما من العم ومن الأخ ومن العصبة، لأنّ الله تعالى سمّى لهما ومن سمّى لهما فيردّ عليهما بقدر سهامهما(2).

ومضمون هاتين الروايتين واحد، وهما صريحتا الدلالة في عدم توريث العصبة.

ومنها: رواية حسين الرزّاز قال: أمرت من يسأل أبا عبد الله (علیه السلام) ، المال لمن هو؟ للأقرب؟ أو العصبة؟ فقال: المال للأقرب، والعصبة في فيه التراب(3).

ومنها: ما ورد في كتاب الإمام الرضا (علیه السلام) للمأمون في محض الإسلام وشرايع الدين، وهو ما رواه الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان في رواية طويلة جاء فيها: والفرائض على ما أنزل الله تعالى في كتابه، ولا عول فيها،ولا يرث مع الولد والوالدين أحد إلاّ الزوج والمرأة، وذو السهم أحق ممن لا سهم له، وليست العصبة من دين الله تعالى...(4).

وموضع الشاهد منها قوله: وليست العصبة من دين الله تعالى. وهو


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 17 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 3 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 6 .

3) ـ نفس المصدر باب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 1 .

4) ـ عيون أخبار الرضا ج 2 ، باب 35 ، الحديث 1 .

صريح الدلالة إلاّ أن في سندها علي بن محمد بن قتيبة، ولم يرد فيه توثيق.

ومنها: رواية عبد الله بن محرز بياع القلانص قال: أوصى إليّ رجل وترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم، وترك ابنة وقال: لي عصبة بالشام، فسألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن ذلك، فقال: أعط الابنة النصف، والعصبة النصف الآخر، فلما قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا، فقالوا: اتّقاك فأعطيت الابنة النصف الآخر، ثم حججت فلقيت أبا عبد الله (علیه السلام) فأخبرته بما قال أصحابنا، وأخبرته أنّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، قال: أحسنت، إنما أفتيتك مخافة العصبة عليك(1).

وهاتان الروايتان وإن كانتا واضحتي الدلالة إلاّ أنهما من حيث السند ضعيفتان فتكونان مؤيدتين.

الطائفة الثانية: ما ورد في ميراث البنت أو البنات مع وجود الأخ أو الأخت، وهي عدّة روايات:

منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجل مات وترك ابنتهوأخته لأبيه وأمه، فقال: المال للابنة وليس للأخت من الأب والأم شيء(2).

ومنها: رواية عبد الله بن خداش المنقري أنه سأل أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل مات وترك ابنته وأخاه، فقال: المال للابنة(3).

وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من حيث السند غير تامة، فإنّ عبد الله بن خداش قد روى عنه صفوان كما في نفس هذه الرواية، وهو أمارة على الوثاقة، ولكنّ النجاشي قال عنه: ضعيف جدّاً(4)فيكون مورداً


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 2 .

4) ـ رجال النجاشي 2 : 34 الطبعة الأولى المحققة.

للتعارض ويتوقف في حاله، فتكون الرواية مؤيدة.

ومنها: موثقة حماد بن عثمان قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل ترك أمّه وأخاه، قال: يا شيخ تريد على الكتاب؟ قال: قلت: نعم، قال: كان علي (علیه السلام) يعطي المال الأقرب فالأقرب، قال: قلت: فالأخ لا يرث شيئاً؟ قال: قد أخبرتك أنّ علياً(علیه السلام) كان يعطي المال الأقرب فالأقرب(1).

ومنها: مضمرة محمد بن الحسن الأشعري قال: وقع بين رجلين من بني عمي منازعة في ميراث، فأشرت عليهما بالكتاب إليه في ذلك ليصدرا عن رأيه فكتبا إليه جميعاً: ما تقول في امرأة تركت زوجها وابنتها وأختها لأبيها وأمها، وقلت له: جعلت فداك إن رأيت أن تجيبنا بمرّ الحقّ، فجرّد إليهما كتاباً: فهمت ما ذكرتماأنّ امرأة ماتت وتركت زوجها وابنتها وأختها لأبيها وأمّها، الفريضة للزوج الربع، وما بقي فللبنت(2).

وهذه الرواية وإن كانت مضمرة إلاّ أن القرائن تدلّ على أنّ المراد هو الإمام(علیه السلام) ، فإنّ قوله: ليصدرا عن رأيه، وقوله: جعلت فداك وغيرهما قرائن تدلّ على أنّ المقصود هو الإمام (علیه السلام) ، وهي واضحة الدلالة، نعم الكلام في وثاقة محمد بن الحسن فإنها لم تثبت فتكون الرواية مؤيدة.

ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجل مات وترك ابنته وأخته لأبيه وأمّه، فقال: المال للابنة، وليس للأخت من الأب والأمّ شيء(3).

وهي بمضمون الرواية السابقة.

ومنها: صحيحة البزنطي قال: قلت لأبي جعفر الثاني (علیه السلام): رجل هلك وترك ابنته وعمّه، فقال: المال للابنة، قال: وقلت له: رجل مات وترك ابنة له


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 6 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 9 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 13 .

وأخاً، أو قال: ابن أخيه، قال: فسكت طويلاً، ثم قال: المال للابنة(1).

ومحل الشاهد من هذه الرواية الشق الثاني منها وهو واضح الدلالة.

الطائفة الثالثة: ما ورد في ميراث البنت مع وجود العمّ، وهي عدة روايات:

منها: صحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر (علیه السلام) ، قال: قلت له: رجل مات وترك ابنته وعمّه، فقال: المال للابنة، وليس للعم شيء، أو قال: ليس للعمّ معالابنة شيء(2).

ومنها: موثقة أبي بصير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أن رجلاً مات على عهد النبي(صلي الله علیه وآله) وكان يبيع التمر، فأخذ عمّه التمر، وكان له بنات فأتت امرأته النبي(صلي الله علیه وآله) فأعلمته بذلك، فأنزل الله عزوجل عليه، فأخذ النبي (صلي الله علیه وآله) التمر من العم فدفعه إلى البنات(3).

ومنها: صحيحة البزنطي(4)المتقدمة في الطائفة الثانية ومحلّ الشاهد منها هو الشقّ الأول حيث السؤال فيه عن البنت والعمّ فأجاب (علیه السلام) بقوله: المال للابنة.

ومنها: مرفوعة العبدي، أنّ موسى بن جعفر (علیهما السلام) دخل على الرشيد فسأله عن مسائل ـ إلى أن قال: ـ لم فضّلتم علينا ونحن من شجرة واحدة، ونحن وأنتم واحد، ونحن ولد العباس وأنتم ولد أبي طالب، وهما عمّا رسول الله (صلي الله علیه وآله) وقرابتهما منه سواء؟ فقال أبو الحسن (علیه السلام): نحن أقرب لأنّ عبد الله وأبا طالب لأبّ وأمّ فأبوكم العباس ليس هو من أمّ عبد الله ولا من أم أبي طالب، قال: فلم


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 11 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 8 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 11 .

ادّعيتم أنّكم ورثتم رسول الله (صلي الله علیه وآله) والعمّ يحجب ابن العم وقبض رسول الله(صلي اللهعلیه وآله) وقد توفي أبو طالب قبله، والعباس عمّه حيّ ـ إلى أن قال: ـ قال أبو الحسن(علیه السلام): فآمني قال: قد أمنتك، فقال: إنّ في قول علي بن أبي طالب (علیهما السلام): إنه ليس مع ولد الصلب ذكراً كان أو أنثى لأحد سهم إلاّ للأبوين والزوج والزوجة، ولم يثبت للعم مع ولد الصلب ميراث، ولم ينطق به الكتاب، إلاّ أن تيماً وعدياً وبني أمية قالوا: العم والذرايا منهم، بلا حقيقة ولا أثر عن رسول الله(صلي الله علیه وآله) (1).

وهذه الرواية وإن كانت من حيث السند ضعيفة إلاّ أنّ مضمونها صحيح موافق للروايات المعتبرة السابقة فتكون مؤيدة.

الطائفة الرابعة: ما ورد في ميراث الأبوين مع الأخوة، وهي عدة روايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) ، قال: لا يرث مع الأم ولا مع الأب ولا مع الإبن ولا مع الإبنة إلاّ الزوج والزوجة، وإن الزوج لا ينقص من النصف شيئاً إذا لم يكن ولد، وإنّ الزوجة لا تنقص من الربع شيئاً إذا لم يكن ولد، فإن كان معهما ولد فللزوج الربع وللمرأة الثمن(2).

وهذه الرواية تدل على عدم استحقاق العصبة شيئاً من الإرث مع وجود الأولى بالميراث من أهل الطبقة الأولى.

ومنها: موثقة حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عنالكلالة، فقال: ما لم يكن ولد ولا والد(3).

وهذه الرواية في دلالتها كالرواية السابقة، فإنّ الأقرب يمنع الأبعد.

ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الكلالة ما لم يكن له ولد ولا والد(4).


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 14 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 1 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

ومضمون هذه الرواية كالرواية السابقة.

ومنها: صحيحة عمر بن أذينة، في حديث قال: قلت لزرارة: حدثني رجل عن أحدهما (علیهما السلام) في أبوين وأخوة لأم أنهم يحجبون ولا يرثون، فقال: هذا والله الباطل، ولا أروي لك شيئاً والذي أقول لك والله هو الحق: إنّ الرجل إذا ترك أبوين فلأمّه الثلث ولأبيه الثلثان في كتاب الله عزوجل، فإن كان له أخوة يعني الميت، يعني أخوة لأب وأم أو أخوة لأب فلأمّه السدس وللأب خمسة أسداس، وإنما وفّر للأبّ من أجل عياله، والأخوة لأمّ ليسوا لأب فإنهم لا يحجبون الأم عن الثلث ولا يرثون، وإن مات الرجل وترك أمه وأخوة وأخوات لأب وأم أو أخوة وأخوات لأب وأخوة وأخوات لأم وليس الأب حيّاً فإنهم لا يرثون ولا يحجبونها، لأنه لم يورث كلالة(1).

وهذه الرواية صريحة الدلالة في عدم استحقاق العصبة مع وجود أحد من الطبقة الأولى ولو كانت هي الأم وحدها، كما أنها تدل على أنّ الباقي يردّ علىالأب مع وجود الحاجب للأمّ عن الثلث، ولا يعطى الأخوة شيئاً من الميراث.

ومنها: موثقة زرارة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: قال لي: يا زرارة ما تقول في رجل مات وترك أخويه من أمه وأبويه؟ قال: قلت: السدس لأمه وما بقي فللأب، فقال: من أين هذا؟ قلت: سمعت الله عزوجل يقول في كتابه العزيز: «فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ»(2)فقال لي: ويحك يا زرارة أولئك الأخوة من الأب، إذا كان الأخوة من الأم لم يحجبوا الأم عن الثلث(3).

ودلالة هذه الرواية واضحة.

ومنها: رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، في رجل ترك أبويه


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 10 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4 .

2) ـ سورة النساء، الآية: 11 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 10 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 2 .

وأخوته، قال: للأم السدس، وللأب خمسة أسهم، وسقط الأخوة، وهي من ستة أسهم(1).

وهذه الرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من حيث السند ضعيفة فتكون مؤيّدة للروايات السابقة.

الطائفة الخامسة: ما ورد في ميراث أولاد الأولاد مع الأخوة، وهي عدة روايات:

منها: رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ابنك أولى بك من ابن ابنك، وابن ابنك أولى بك من أخيك، قال: وأخوك لأبيك وأمك أولى بك من أخيك لأبيك، وأخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأمك، قال: وأبنأخيك لأبيك وأمك أولى بك من ابن أخيك لأبيك، قال: وابن أخيك من أبيك أولى بك من عمك، قال: وعمّك أخو أبيك من أبيه وأمه أولى بك من عمك أخي أبيك من أبيه، قال: وعمك أخو أبيك من أبيه أولى بك من عمك أخي أبيك لأمه، قال: وابن عمك أخي أبيك من أبيه وأمه أولى بك من ابن عمك أخي أبيك لأبيه، قال: وابن عمك أخي أبيك من أبيه أولى بك من ابن عمك أخي أبيك لأمه(2).

وهذه الرواية واضحة الدلالة فإنّه (علیه السلام) فصّل في الأولى بالميراث وأنّ الأقرب يمنع الأبعد، وموضع الشاهد فيما نحن فيه قوله: (وابن ابنك أولى بك من أخيك) وقد نقلها صاحب الوسائل في موضع آخر(3)مقتصراً على موضع الشاهد.

وأما سند الرواية ففيه يزيد الكناسي فإن كان متحداً مع يزيد أبي خالد القمّاط فالرواية معتبرة، وإلاّ فهي مؤيدة ولم يستبعد السيد الأستاذ ! (4)


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 10 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 7 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 1 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 2 .

3) ـ نفس المصدر باب 8 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 2 .

4) ـ معجم رجال الحديث 21 : 111 الطبعة الخامسة.

اتحادهما.

ومنها: صحيحة الصفّار أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي (علیهما السلام): رجل مات وترك ابنة ابنه وأخاه لأبيه وأمه لمن يكون الميراث؟ فوقّع (علیه السلام) في ذلك: الميراث للأقرب إن شاء الله(1).وهذه الرواية كالروايتين السابقتين في الدلالة، فإنّ ابنة الابن تستحق الميراث كلّه دون الأخ لأنّها الأقرب إلى الميت منه.

الطائفة السادسة: ما ورد في ميراث رسول الله (صلي الله علیه وآله) وهي عدة روايات:

منها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ورث علي (علیه السلام) علم رسول الله(صلي الله علیه وآله)، وورثت فاطمة تركته(2).

وهذه الرواية واضحة الدلالة، فإنها (علیها السلام) ورثت ما تركه رسول الله (صلي الله علیه وآله) من المال والمتاع، وأما وراثة العلم فهي أمر آخر، يرتبط بمقام الإمامة والولاية.

ومنها: موثقة حمزة بن حمران قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): من ورث رسول الله(صلي الله علیه وآله) ؟ فقال: فاطمة (علیها السلام) ورثت متاع البيت والخُرثى(3)وكلّ ما كان له(4).

وهذه الرواية كالرواية السابقة من حيث الدلالة.

ومنها: معتبرة الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: لا والله ما ورث رسول الله (صلي الله علیه وآله) العباس ولا عليّ (علیه السلام) ، ولا ورثته إلاّ فاطمة (علیها السلام) ، وما كان أخذ عليّ (علیه السلام) السلاحوغيره إلاّ لأنه قضى دينه، ثم قال: «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ»(5).


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 8 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1 .

3) ـ الخرثى: بالضم أثاث البيت أو أردأ المتاع والغنائم لاحظ القاموس 1 : 165 ـ 166 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 2 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4 .

ومنها: صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّ علياً (علیه السلام) ورث علم رسول الله (صلي الله علیه وآله) وفاطمة أحرزت الميراث(1).

وهذه الرواية بمضمون الرواية الأولى المتقدمة.

ومنها: رواية الحسن بن علي الوشاء قال: سألت مولانا أبا الحسن علي بن موسى الرضا (علیهما السلام) هل خلّف رسول الله (صلي الله علیه وآله) غير فدك شيئاً؟ فقال أبو الحسن(علیه السلام): إنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) خلّف حيطاناً بالمدينة صدقة، وخلّف ستة أفراس، وثلاث نوق: العضباء، والصهباء، والديباج، وبغلتين: الشهباء، والدلدل، وحمارة اليعفور، وشاتين حلوبتين، وأربعين ناقة حلوباً، وسيفه ذا الفقار، ودرعه ذات الفضول، وعمامته السحاب، وحبرتين يمانيتين، وخاتمه الفاضل، وقضيبه الممشوق، ومراتب من ليف، وعباءتين قطوانيتين، ومخادّاً من أدم، فصار ذلك إلى فاطمة (علیها السلام) ما خلا درعه، وسيفه، وعمامته، وخاتمه، فإنه جعلها لأمير المؤمنين(علیه السلام)(2).

وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند إلاّ أنها من حيث الدلالة واضحة، فإنّفاطمة (علیها السلام) هي التي ورثت رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وأما جعله (صلي الله علیه وآله) الدرع والسيف والعمامة والخاتم لأمير المؤمنين (علیه السلام) فقد تقدم في معتبرة الفضيل بن يسار من أنه ما أخذها (علیه السلام) إلاّ لأنّه قضى دينه.

اللهم إلاّ أن يقال: إنّ هذه المستثنيات من مختصات القائم مقام رسول الله(صلي الله علیه وآله)، وهو منصب الإمامة والولاية، كما صرّحت بذلك النصوص الصحيحة، بل ورد فيها أنّ عند الأئمة (علیهم السلام) مواريث الأنبياء (علیهم السلام) كالكتب التي نزلت عليهم وعندهم ألواح موسى (علیه السلام) وعصاه وخاتم سليمان وغيرها، وقد كانوا يتوارثونها


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 7 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 8 .

إماماً بعد إمام حتى صارت إلى إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف(1)، وبناء على هذا فهي خارجة موضوعاً عن الميراث.

والحاصل: أنّ هذه الرواية لا تنافي الروايات المتقدمة، وحيث إنّ سندها غير تام فتكون مؤيّدة.

ثم إنّ هذه الروايات وإن لم يذكر فيها ميراث زوجات النبي (صلي الله علیه وآله) إلاّ أنه يمكن القول إنّ النظر في خصوص هذه الروايات إلى ميراث البنت من أبيها مع قطع النظر عن ميراث الأزواج فإنّ الزوجات والأزواج يرثون معكل الطبقات وهذا مما لا خلاف فيه.

وبعبارة أخرى: إنّ هذه الروايات واردة في مقام أنّ الميراث للبنت وليس للعصبة شيء منه ولا ينافي هذا وجود وارث آخر في طبقتها كالأزواج فإنّ لهن نصيبهن من الميراث كما هو مقرّر، وقد تقدم في الطائفة الرابعة ما يدلّ على ذلك.

ونكتفي بهذا القدر من الروايات من طرق الخاصة وهي كلّها تدل على أنّ العصبة لا تستحق شيئاً من الميراث كما أنّ أكثر روايات هذه الطوائف معتبرة الأسناد.

وأما الروايات الدالة على بطلان التعصيب من طرق العامة فهي كثيرة أيضاً.

منها: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدّثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال:


1) ـ الأصول من الكافي ج 1 ، باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء ( ، الأحاديث 1 و2 و 3 و 4 و5 ، ص331 ـ 332 ، وباب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله (صلي الله علیه وآله) ومتاعه، الأحاديث 1 و2 و3 و 4 و 5 و 6 و 7 و 8 و 9 ، ص 332 ـ 337 .

مرضت بمكة مرضاً فأشفيت منه على الموت، فأتاني النبي (صلي الله علیه وآله) يعودني، فقلت: يا رسول الله إنّ لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلاّ ابنتي أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنّك إن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس(1).

ورواه مسلم في صحيحه بلفظ آخر قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال:عادني رسول الله (صلي الله علیه وآله) في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلاّ ابنة لي واحدة، أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا، الثلث، والثلث كثير، إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس(2).

وأخرجه كما في الدر المنثور مالك والطيالسي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان(3).

وقال الترمذي بعد أن أورد الحديث: وهذا حديث حسن صحيح(4).

فلا إشكال في صحة سند الحديث عندهم.

وأما من جهة الدلالة فهي واضحة، حيث إنّ سعداً قال: وليس يرثني إلاّ ابنتي، وفي لفظ مسلم: ولا يرثني إلاّ ابنة لي واحدة، ولم ينكر عليه رسول الله(صلي الله علیه وآله)


1) ـ صحيح البخاري ج 8 ، كتاب الفرائض، باب ميراث البنات، ص 187 .

2) ـ صحيح مسلم ج 3 ، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، الحديث 1628 ، ص 1250 .

3) ـ الدر المنثور 2 : 452 .

4) ـ الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي ج 4 ، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية بالثلث، الحديث 2116 ، ص 430 ـ 431 .

بأنّ له وارثاً آخر وهم العصبة، بل قرّره على ذلك فيكون المال كلّه للبنت ولا يتحقق هذا إلاّ بالردّ عليها وعدم توريث العصبة.

ويستشعر من نفس الرواية أنها بعد نزول آية الإرث وأحكام الفرائض.

ومنها: ما أخرجه البيهقي في سننه قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطانببغداد، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا الحجاج، ثنا أبو عوانه، عن منصور، عن حيان بياع الأنماط، قال: كنت جالساً مع سويد بن غفلة (قال يعقوب وحدثني) يحيى بن عيسى، عن المبارك، عن سفيان، عن حيان الجعفي، قال: كنت جالساً مع سويد بن غفلة فأتى في ابنة وامرأة ومولى، فقال: كان علي رضي الله عنه يعطي الابنة النصف، والمرأة الثمن، ويردّ ما بقي على الابنة(1).

ورواها الدارمي في سننه بلفظ آخر قال: حدثنا أبو نعيم، ثنا زهير، عن حيان بن سليمان، قال: كنت عند سويد بن غفلة، فجاءه رجل فسأله عن فريضة رجل ترك ابنته وامرأته، قال: أنا أنبئك قضاء علي، قال: حسبي قضاء علي، قال: قضى علي لامرأته الثمن، ولابنته النصف، ثم ردّ البقية على ابنته(2).

وهذه الرواية من حيث الدلالة واضحة، فإنها بناء على اللفظ الأول ـ تدل على أنّ فعل علي (علیه السلام) كان على ذلك، وهو يفيد الاستمرار وليس في مورد واحد، فلا وجه للمناقشة بأنّ ذلك لعله في مورد لم يكن للميت عصبة، فالرواية نصّ في بطلان التعصيب.

وهي ـ بناء على اللفظ الثاني ـ صريحة الدلالة أيضاً، فإنّ قضاء علي (علیه السلام)


1) ـ السنن الكبرى 6 : 242 .

2) ـ سنن الدارمي ج 2 ، كتاب الفرائض باب فيمن أعطى ذوي الأرحام دون الموالي، الحديث3020، ص 288 .

على ذلك، وقد قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): أقضى أمتي عليبن أبي طالب(1).

ومنها: ما رواه أحمد في مسنده، قال: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يزيد بن عبد ربه، قال: ثنا محمد بن حرب الخولاني، قال: حدثني عمر بن رؤبة، قال: سمعت عبد الواحد النصري يقول: سمعت واثلة بن الأسقع يذكر أنّ رسول الله(صلي الله علیه وآله) قال: المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، والولد الذي لاعنت عليه(2).

ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار، ثنا محمد بن حرب، ثنا عمر بن رؤبة التغلبي، عن عبد الواحد بن عبد الله النصري، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي(صلي الله علیه وآله)، قال: المرأة تحوز ثلاث مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه(3).

وهذه الرواية تدل على أنّ الأم ترث ما يتركه ولدها كلّه لأنّ الأب يمنع من الإرث للملاعنة، مع أنّ للأم فرضاً في كتاب الله وهو السدس أو الثلث فما بقي من التركة يردّ عليها كما تدل عليه هذه الرواية، وهو مناف للقول بالتعصيب، إذ على القول به لا يردّ على ذوي السهام شيء، وإنما يعطى للعصبة، ومع عدمهم يردّ إلى بيت المال.

ثم إنّ هاهنا روايتان أخريان عن العامّة وقد ذكرتا في كتب الخاصة:الأولى: رواية قارية أو حارثة بن مضرب المتقدمة، وموضع الشاهد منها قول ابن عباس: وهل هذه إلاّ فريضتان؟ وهل أبقتا شيئاً؟ ما قلت هذا، ولا طاووس يرويه عليّ، قال قارية (حارثة) بن مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا


1) ـ موسوعة أطراف الحديث 2 : 101 .

2) ـ مسند الإمام أحمد ج 5 ، الحديث 16533 ، ص 78 .

3) ـ سنن ابن ماجه ج 2 ، كتاب الفرائض باب تحوز المرأة ثلاث مواريث، الحديث 742 ، ص 23 .

والله ما رويت هذا على ابن عباس قط، وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم ...(1).

وقد نقلها بعض العامة(2)أيضاً وهي واضحة الدلالة، فإنّ ابن عباس وطاووساً قد تبرءا من نسبة القول بالتعصيب إليهما، بل واستدل ابن عباس على البطلان بالآيتين الشريفتين.

الثانية: ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار، عن السندي، عن موسى بن حبيش، عن عمه هاشم الصيداني، قال: كنت عند العباس وموسى بن عيسى، وعنده أبو بكر بن عياش، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وعلي بن ظبيان، ونوح بن درّاج تلك الأيام على

القضاء، قال: فقال العباس: يا أبا بكر أما ترى ما أحدث نوح بن درّاج في القضاء، أنه ورث الخال، وطرح العصبة، وأبطل الشفعة، فقال أبو بكر بن عياش: ما عسى أن أقول لرجل قضى بالكتاب والسنة، قال: فاستوى العباس جالساً فقال: وكيف قضى بالكتاب والسنة؟ فقال أبو بكر: إنّ النبي (صلي الله علیه وآله) لما قتل حمزة بن عبد المطلب بعث علي بن أبي طالب (علیهما السلام) فأتاه بابنة حمزة فسوّغها رسولالله (صلي الله علیه وآله) الميراث كلّه، فقال له العباس: يا أبا بكر فظلم رسول الله (صلي الله علیه وآله) جدّي؟ فقال: مه أصلحك الله، شرع لرسول الله (صلي الله علیه وآله) ما صنع، فما صنع رسول الله (صلي الله علیه وآله) إلاّ الحق، ثم قال: إنّ إسماعيل بن حماد اختلف إلي أربعة أشهر أو ستة أشهر فلم أحدّثه به(3).

وهذه الرواية كالرواية السابقة في وضوح الدلالة فإنّ النبي (صلي الله علیه وآله) لم يورّث العصبة شيئاً، بل أعطى الميراث كلّه لابنة الحمزة (علیه السلام) ولم يعط أخاه (العباس بن عبد المطلب) شيئاً منه، ومن الغرابة بمكان اعتراض العباس بن عيسى على أبي بكر بن عياش بقوله: يا أبا بكر فظلم رسول الله (صلي الله علیه وآله) جدّي؟ وكأنّ القول


1) ـ تهذيب الأحكام ج 9 ، كتاب الفرائض باب إبطال العول والعصبة، ذيل الحديث 14، ص262.

2) ـ تهذيب التهذيب 5 : 235 .

3) ـ تهذيب الأحكام ج 6 ، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، الحديث 64 ، ص310 ـ 311.

بالتعصيب حقيقة مسلّمة، وقد أجابه أبو بكر بن عياش بأنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) ما صنع إلاّ الحق. ومن ذلك يظهر مدى استحكام المخالفة لما جاء به الرسول (صلي الله علیه وآله) وكم لها من نظير.

وإنما جعلنا هذه الرواية في عداد روايات العامة لأنّ أبا بكر بن عياش عامي(1)، وهو الذي شهد بأنّ نوح بن دراج قضى بالكتاب والسنّة، وأما نوح بن دراج فإنه من الشيعة، صحيح الاعتقاد، وكان يفتي ويقضي بالحق(2)، نعم ذكرالشيخ في كتاب العدة أنه من العامة، وأنّ الطائفة عملت بما رواه مع عدم المعارض من روايات الخاصّة(3).

ثم إنّ مقتضى القاعدة في العمل والجمع بين الروايات المتضاربة هو:

أولاً: إنّ الروايات المتقدمة التي استدل بها العامة على القول بالتعصيب ليست بحجّة في نفسها كما تقدم، فلابدّ من طرحها والأخذ بالروايات النافية.

وثانياً: على فرض حجيّة تلك الروايات ووقوع التعارض بينها وبين الروايات النافية فالترجيح للروايات الدالة على بطلان القول بالتعصيب، فإنها أصحّ سنداً وأوضح دلالة، مضافاً إلى اعتضادها بروايات أهل البيت (علیهم السلام) الذين هم أحد الثقلين، وقد أمرنا باتباعهم وأخذ معالم الدين منهم.

وثالثاً: على فرض وقوع التعارض والحكم بالتساقط فالمرجع هو عمومات الكتاب وإطلاقاته، وقد دلّت على بطلان القول بالتعصيب، وتقديم أولي الأرحام بعضهم على بعض كما تقدم بيان ذلك.

وبعد فأين الحكم بالتعصيب؟ ولماذا هذا التشبث بما هو أوهن من بيوت العنكبوت؟ ولماذا هذا التمسك بما لا برهان عليه ولا دليل، بل الدليل قائم على


1) ـ معجم رجال الحديث 22 : 71 الطبعة الخامسة.

2) ـ نفس المصدر 20 : 198 .

3) ـ العدة في أصول الفقه 1 : 149 .

خلافه من كتاب الله وسنة نبيه؟ ألم يأن لأهل الفتيا والمجتهدين أن يتحرّروا من تبعيّتهم العمياء، ويكون رائدهم الحق فإنّه أحق أن يتبع؟ ولا يعتمدوا على أحكام جاهلية مستندين إلى روايات قليلة العدد مخدوشة الدلالة والسند،ويفتون بالتعصيب مخالفين بذلك كتاب الله عزوجل والسنّة الصريحة الصحيحة، وهل هذا إلاّ مصداق جليّ لقوله تعالى: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ» (1)، أو قوله تعالى: «فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ» (2).

وإن تعجب فاعجب من ابن حزم في كتابه المحلّى حيث اعترف ببطلان القول بالعول، وقال: ولا عول في شيء من مواريث الفرائض(3).

وقد أطال في استعراض أدلة القائلين بالعول ومناقشتها ـ وسننقل عبارته بتمامها لاحقاً ـ وقد صرّح في آخر كلامه بأنّ القول بالعول مخالفة للقرآن بالدعوى بلا برهان(4).

ولكن ابن حزم هذا الذي يرى أنّ القول بالعول لا أساس له ولا دليل عليه نراه يصرّ على القول بالتعصيب، ويدّعي الإجماع عليه في أكثر من موضع من كلامه كما تقدم، مع أنّ كلتا المسألتين من واد واحد، وهما على خلاف القرآن والبرهان.

عصمنا الله من الزلل والخطل في القول والعمل وهدانا بلطفه إلى الصواببجاه أوليائه محمد وآله الأطياب.


1) ـ سورة المائدة، الآية: 41 .

2) ـ سورة البقرة، الآية: 79 .

3) ـ المحلى ج 9 ، المسألة 1717 ، ص 262 .

4) ـ المحلّى ج 9 ، المسألة 1717 ، ص 267 .

وأما الإجماع فهو متحقق بكلا قسميه بل إنّ القول ببطلان التعصيب من ضروريات المذهب، وهو المعلوم من دين آل محمد (علیهم السلام) كما في الجواهر(1)وغيره(2).

وأما العقل فلأنّه يلزم على القول بالتعصيب أمور شنيعة تخالف مقتضى العقل والقواعد.

منها: ما ذكره الشيخ(3)! من أنه يلزم من القول بالتعصيب أن يكون الولد الذكر للصلب أضعف سبباً من ابن ابن ابن العم، فإنه لو فرض أنّ رجلاً مات وخلّف ثمانية وعشرين بنتاً وابنا فإنّ للإبن جزئين من ثلاثين، ولكل واحدة من البنات جزء من ثلاثين بلا خلاف، فلو كان بدل الإبن ابن ابن ابن العم، كان له ـ بناء على القول بالتعصيب ـ عشرة أسهم من ثلاثين والباقي وهو عشرون سهماً للبنات، وفي هذا تفضيل للبعيد على الولد للصلب، وهو خروج عن العرف والشريعة، ومخالفة لقوله تعالى: «وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ»(4).

ومنها: ما ذكره(5)أيضاً من اشتراط توريث بعض الوراث بوجود وارث آخركما لو فرضت المسألة السابقة ومعهم بنت ابن، فإنّ للبنات ـ على القول بالتعصيب ـ الثلثين ـ وما بقي فللعصبة وليس لبنت الإبن شيء لأنّ البنات قد استكملن الثلثين، وإنما يكون لبنات الإبن إذا لم تستكمل البنات الثلثين، فإذا استكملن فلا شيء لهن، فإذا فرضت المسألة بحالها إلاّ أنه كان مع بنت الابن،


1) ـ جواهر الكلام 39 : 99 .

2) ـ رياض المسائل 2 : 346 الطبع القديم.

3) ـ تهذيب الأحكام 9 : 265 .

4) ـ سورة الأنفال، الآية: 75 .

5) ـ تهذيب الأحكام 9 : 265 .

ابن ابن فبناء على القول بالتعصيب يكون للبنات الثلثان، وما بقي فبين ابن الابن وابنة الابن، للذكر مثل حظ الأنثيين، وفي ذلك نقض للأصل حيث لم يجعل الحكم في هذا الفرض كالحكم في الفرض السابق من أنّ الباقي يكون للعصبة لأنّ البنات قد استكملن الثلثين في هذا الفرض أيضاً.

ونظير ذلك ما ذكره صاحب الجواهر من أنّه إذا خلف الميت بنتين وابنة ابن وعم، فإنّ للعم ـ بناء على القول بالتعصيب ـ ما فضل من البنتين، ولا شيء لبنت الابن إلاّ إذا كان معها ذكر في درجتها، أو فيما دونها، فإنّ الثلث يكون بينهم أثلاثاً ولا شيء للعم(1).

ومنها: أنه إذا خلّف الميّت بنتاً وابني أخ ذكراً أو أنثى للأب، فالنصف يعطى للبنت بالفرض، والنصف الباقي يعطى لابن الأخ، ولا تعطى بنت الأخ شيئاً، ولا يعصب ابن الأخ أخته، بل تسقط عن الميراث، وكذا إذا كان مكان ابني الأخ عمّاً وعمة فالنصف الباقي يعطى للعم، ولا تعطى العمة شيئاً، وهكذا إذا كان مكانهما ابني عمّ ذكراً وأنثى، فالنصف يعطى للذكر منهما دون الأنثى، هذا مع أنهم يقولون إنّ الأخ يعصب الأخت في ابني الابن ذكراً أو أنثى فيقال: لماذا تقعالعصوبة في هذا المورد دون الموارد السابقة، والمناط واحد في الجميع، وما ذكروه من التعليل لا يغني طائلاً.

ومنها: أنه إذا خلّف الميت أختاً لأب وأم، وأختاً لأب، وابن عم، فالنصف يعطى للأخت من الأبوين، والسدس للأخت من الأب، والباقي لابن العم، وذلك مناف لما رووه في حديث ابن طاووس من أنّ الباقي لابن العم من دون أن تعطى الأخت للأب شيئاً، لأنّ فيه أن المال يقسم على أهل الفرائض، وما بقي فلأولى رجل ذكر، وأهل الفريضة في المقام هي الأخت للأبوين، كما


1) ـ جواهر الكلام 39 : 104 .

دلّت عليه آية الكلالة فإنها وردت في كلالة الأبوين، وذلك مما لا خلاف فيه بين المسلمين، ولا فريضة للأخ أو الأخت للأب مع وجود من ينتسب منهما بالأبوين، وهو مما وقع الإجماع عليه أيضاً، وقد أسقط بعضهم الفرض عمن يتقرّب بالأب بالقياس، وهو غير تام كما هو مذكور في محلّه من علم الأصول.

ومنها: أنه إذا خلّف الميت بنتاً وأباً وأخاً للأب فالنصف يعطى للبنت وللأب السدس فرضاً، والباقي ردّاً ولا يعطى الأخ للأب شيئاً مع أنه بمقتضى رواية ابن طاووس لابد من تقسيم الفريضة على أهلها والباقي لغيرهم من العصبة لا أنه يردّ على ذوي الفريضة فكان ـ بناء على الرواية المذكورة ـ يجب إعطاء الباقي للأخ مع أنه في هذا المورد لا يعطى شيئاً.

فإذا كان الردّ على ذوي الفرض صحيحاً فلماذا لا يردّ عليهم في غير هذا المورد؟

ومنها: أنه إذا خلّف الميت بنتاً وأختاً للأبوين وعمّاً، فالنصف للبنت، والنصف الآخر للأخت، ولا يعطى العمّ شيئاً.

وقد قيل في توجيه ذلك: إنّ الأخت في هذه الصورة عصبة مع الغير وإنالبنت تعصبها، ولكنه مخالف لرواية ابن طاووس من أنّ الباقي يعطى لأولى رجل ذكر، مضافاً إلى أنّ تسمية ذلك بأنها عصبة مع الغير مجرّد اصطلاح لم يرد عليه دليل ولا يغير الواقع.

هذا، وهناك لوازم فاسدة أخرى تترتب على القول بالتعصيب ونكتفي بما ذكرنا.

وقد عجز القائلون بالتعصيب عن حلّ ما يرد عليهم من إشكالات، وغاية ما يعتذرون به أنه جريٌ على ما جرى عليه السلف، وهل هو إلاّ عذر أقبح من ذنب؟! فإنّ في ذلك خلافاً لكتاب الله وموافقاً لحكم الجاهلية الجائر وهو

توريث الرجال دون النساء، وإعطاء البعيد منهم من حيث الطبقة وحرمان النساء وإن كن قريبات، والحال أنّ المعلوم بالضرورة من الدين أنه جاء بالأحكام العادلة الحكيمة، وأبطل الأحكام الجاهلية الجائرة.

وأنّ أحكام الله تعالى لا تأباها الفطرة الإنسانية لأنها عين الحكمة والعدل وقد تجسّدت تلك الأحكام في تعاليم العترة النبوية قرناء الكتاب العزيز وهم عدله الآخر وترجمان آياته.

ولذا قد يلجأ بعض العامة إلى الأخذ والاستناد إلى الأحكام الواردة عن أهل بيت العصمة (علیهم السلام) ، ويأخذون بها في مقام التطبيق كما تقدّم في مباحث الطلاق، بل ذهب بعضهم ـ كما نقلنا ـ إلى أنه لو كان له أن يختار للمعمول به في مصر لاختار رأي الإمامية في مسألة الإشهاد على الطلاق، وقس على ذلك سائر الأحكام فإنها تصدر عن منبع واحد وهو الثقل الأصغر وعيبة علم رسول الله(صلي الله علیه وآله)، وفي حديث الثقلين المشهور بل المتواتر ما يدلّ على أنّ عترة النبي (صلي الله علیه وآله) هم صمّام الأمان من الضلال.وفي ما نحن فيه أيضاً شاهد آخر على ما ندّعيه فقد ذكر العلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية (ره) في كتابه الفقه على المذاهب الخمسة أنّ كثيراً من العامة كانوا يلجأون إلى الأخذ بمذهب أهل البيت (علیهم السلام) في مسألة التوريث، فقال بعد أن ذكر بعض سلبيات القول بالتعصيب: ومن هنا رأينا الكثير من أفراد الأسر اللبنانية الذين لهم بنات فقط يبدّلون مذهبهم من التسنّن إلى التشيّع، لا لشيء إلاّ خوفاً أن يشترك مع أولادهم الأخوان أو الأعمام.

ويفكر الآن الكثير من رجال السنة بالعدول عن القول بالتعصيب، والأخذ بقول الإمامية من ميراث البنت، تماماً كما عدلوا عن القول بعدم صحة الوصية للوارث، وقالوا بصحّتها كما تقول الإمامية، على الرغم من اتفاق

المذاهب على عدم الصحة(1).

وما ذلك إلاّ دليل على ما ذكرنا من أنّ أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله عليهم قد جسّدوا أحكام الله وتعاليمه، وعلموا منها ما لم يعلمه الناس، فجاءت أحكامهم وتعاليمهم مطابقة للفطرة الإنسانية لأنها عين الحكمة والعدل.

ونسأله تعالى أن يثبّتنا على القول الثابت.

هذا تمام الكلام عن المقام الأول

والله هو العاصم والمسدد للصواب

والحمد لله رب العالمين.


1) ـ الفقه على المذاهب الخمسة: 517 ـ 518 الطبعة السابعة.

المقام الثاني في العول:

وهو من مسائل الميراث التي وقع فيها الخلاف بين الفريقين.

والعول في اللغة على وزن القول من عال يعول عولاً، وقد جاء بمعان كثيرة، منها: الميل في الحكم إلى الجور، فيقال: عال أي جار ومال عن الحق، وفي التنزيل العزيز: «ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا»(1).

ومنها: النقصان، فيقال: عال الميزان عولاً فهو عائل: أي نقص.

ومنها: الخيانة يقال: عال في الميزان: خان.

ومنها: الارتفاع، فيقال: عالت الناقة بذنبها أي رفعته ومنه العويل وهو ارتفاع الصوت بالبكاء.

ومنها: الكفالة يقال: عال الرجل اليتيم: كفله وقام به.

ومنها: الزيادة يقال: عال الرجل يعول ويعيل إذا كثر عياله، ومنه زيادة الفريضة.

ومنها: الافتقار، فيقال: عال يعول إذا افتقر(2).

وغيرها من المعاني، وهو من ألفاظ الأضداد كالجون والقرء والمولى.

قال السيد المرتضى: العول في اللغة العربية اسم للزيادة والنقصان، وهو يجري مجرى الأضداد، وإنما دخل هذا الاسم في الفرائض في الموضع الذيينقص فيه المال عن السهام المفروضة فيه، فدخل هاهنا النقصان، ويمكن أن يكون دخوله لأجل الزيادة، لأنّ السهام زادت على مبلغ المال، وإذا أضيف إلى المال كان نقصاناً، وإذا أضيف إلى السهام كان زيادة(3).


1) ـ سورة النساء، الآية: 3 .

2) ـ لسان العرب 11 : 481 ـ 484 ، ومجمع البحرين 5 : 432 ، والمصباح المنير 2 : 599 .

3) ـ الانتصار: 561 .

وعلى هذا فلا يختلف معناه اللغوي عنه في محل الكلام.

فهو في الاصطلاح ـ كما في الجواهر ـ : زيادة الفريضة لقصورها عن سهام الورثة على وجه يحصل به النقص على الجميع بالنسبة(1)وهو ضد التعصيب الذي هو توريث العصبة ما فضل عن ذوي السهام(2).

وإليه ذهب مشهور العامة، وأما الخاصة فمذهبهم فيه القول بالبطلان ـ كما سيأتي.

وقد قسم السرخسي في مبسوطه الفريضة إلى ثلاثة أقسام: فريضة عادلة، وفريضة قاصرة، وفريضة عائلة(3)، وشرح كلّ قسم وذكر أمثلته.

وصور الفريضة العائلة كثيرة منها:

ما إذا كان الميت امرأة وخلّفت أبوين وبنتاً وزوجاً، فالثلث للأبوين لكل منهما السدس، وللبنت النصف، وللزوج الربع، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار نصف السدس.

ومنها: ما إذا كان الميت امرأة وخلّفت زوجاً واختين، فللزوج النصفوللأختين الثلثان، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار السدس.

ومنها: ما إذا خلفت المرأة أمّاً وأختاً وزوجاً، فللزوج النصف، وللأمّ الثلث، وللأخت النصف، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار الثلث بناء على قول العامة من أنّ الأم لا تحجب الأخت.

ومنها: ما إذا كان الميت رجلاً وخلّف أمّاً وزوجة وأختاً، فللزوجة الربع وللأم الثلث وللأخت النصف، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار نصف السدس.

ومنها: ما إذا خلّف الميّت أبوين وبنتين وزوجة، فللأبوين الثلث لكلّ


1) ـ جواهر الكلام 39 : 106 .

2) ـ مجمع البحرين 5 : 431 .

3) ـ المبسوط 29 : 160 .

منهما السدس، وللبنتين الثلثان، وللزوجة الثمن، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار الثمن.

ومنها: ما إذا خلّف الميت أمّاً وأختين من الأبوين وأختين من الأم، فللأم السدس وللأختين من الأبوين الثلثان، وللأختين من الأم الثلث، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار السدس، وهذا وهو الفرض الذي يوجب العول مع عدم الزوج أو الزوجة عند العامة.

ومنها: ما إذا خلّف الميت أختين من الأبوين وأختين من الأم وزوجة، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار الربع.

ومنها: ما إذا خلّف الميت أختاً من الأبوين وأختين من الأم وزوجاً، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار الثلث.

ومنها: ما إذا خلّف الميت أمّاً وزوجة وأختين للأبوين وأختين للأم فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار ثلث ونصف السدس.ومنها: ما إذا خلّف الميت أختين من الأبوين وأختين من الأم وزوجاً، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدار النصف.

ومنها: ما إذا خلّف الميت أختين من الأبوين وأختين من الأم وأمّاً وزوجاً، فتنقص الفريضة عن السهام بمقدارها إلاّ سدساً، وهذه الصورة عندهم تسمى أمّ الفروخ لكثرة عولها، شبّهوا أصلها بالأم وعولها بفروخها(1)، كما تسمى بالمسألة الشريحية، لأنها حدثت في زمان شريح فقضى بها كذلك(2).

ثم إنّ الكلام يقع في ثلاثة مواضع:


1) ـ المغني والشرح الكبير ج 7 ، كتاب الفرائض ، المسألة 4834 ، ص 26 .

2) ـ المجموع شرح المهذب 16 : 93 .

الأول: الأقوال في المسألة

أما من الخاصة فقد قال السيد المرتضى ! في الانتصار: والذي تذهب إليه الشيعة الإمامية: أنّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قدّم ذوو السهام المؤكّدة من الأبوين والزوجين على البنات والأخوات من الأم وعلى الأخوات من الأب والأم أو من الأب، وجعل الفاضل عن سهامهم لهنّ.

وذهب ابن عباس (ره) إلى مثل ذلك، وقال به أيضاً عطاء بن أبي رباح، وحكى الفقهاء من العامة هذا المذهب عن محمد بن علي بن الحسين الباقر (صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين) ، ومحمد بن الحنفية (رضي الله عنه)، وهو مذهب داود بن علي الأصفهاني.وقال باقي الفقهاء: إنّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قسم بينهم على قدر سهامهم كما يفعل في الديون والوصايا إذا ضاقت التركة عنها(1).

وقال في الناصريات: وذهب أصحابنا ـ بلا خلاف ـ أنّ الفرائض لا تعول، ووافقنا على ذلك ابن عباس، وداود بن علي الأصفهاني، وخالفنا باقي الفقهاء(2).

وقال الشيخ في الخلاف: العول عندنا باطل، فكلّ مسألة تعول على مذهب المخالفين فالقول عندنا فيها بخلاف ما قالوه، وبه قال ابن عباس، فإنه لم يعول المسائل، وأدخل النقص على البنات، وبنات الابن والأخوات للأب والأم أو للأب، وبه قال محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(علیهما السلام) ، وداود بن علي، وأعالها جميع الفقهاء(3).

ونكتفي بهذا من أقوال الخاصّة.


1) ـ الانتصار: 561 ـ 562 .

2) ـ مسائل الناصريات ـ كتاب الفرائض ـ المسألة التسعون والمائة: 403 .

3) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الفرائض، المسألة 81 ، ص 73 .

وأما من العامة فقد قال ابن قدامة في المغني: ولابد في أم الفروخ من زوج واثنين فصاعداً من ولد الأم، وأم أو جدة، واثنين من ولد الأبوين أو الأب، أو إحداهما من ولد الأبوين، والأخرى من ولد الأب، فمتى اجتمع فيها هذا عالت إلى عشرة، ومعنى العول أن تزدحم فروض لا يتسع المال لها كهذه المسألة، فيدخل النقص عليهم كلهم، ويقسّم المال بينهم على قدر فروضهم، كما يقسّم مال المفلسّس بين غرمائه بالحصص، لضيق ماله عن وفائهم، ومال الميت بينأرباب الديون إذا لم يفها، والثلث بين أرباب الوصايا إذا عجز عنها، وهذا قول عامة الصحابة، ومن تبعهم من العلماء (رض)، يروى ذلك عن عمر، وعلي، والعباس، وابن مسعود، وزيد، وبه قال مالك في أهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، والشافعي وأصحابه، وإسحاق ونعيم، وحماد، وأبو ثور، وسائر أهل العلم إلاّ ابن عباس، وطائفة شذّت يقل عددها، نقل ذلك عن محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعطاء، وداود، فإنّهم قالوا: لا تعول المسائل(1).

وقال ابن حزم في المحلّى: وأول من قال به (العول) زيد بن ثابت، ووافقه عليه عمر بن الخطاب، وصحّ عنه هذا، وروي عن علي، وابن مسعود، غير مسند، وذكر عن العباس، ولم يصح، وصح عن شريح، ونفر من التابعين يسير، وبه يقول أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب هؤلاء القوم إذا اجتمع رأيهم على شيء كان أسهل شيء عليهم دعوى الإجماع، فإن لم يمكنهم ذلك لم تكن عليهم مؤنة من دعوى أنه قول الجمهور، وأنّ خلافه شذوذ، وإنّ خصومهم ليرثون لهم من تورّطهم في هذه الدعاوى الكاذبة، نعوذ بالله من مثلها، ... وبقول ابن عباس هذا يقول عطاء، ومحمد بن علي بن أبي طالب،


1) ـ المغني والشرح الكبير ج 7 ، كتاب الفرائض، المسألة 4834 ، ص 26 .

ومحمد بن علي بن الحسين، وأبو سليمان، وجميع أصحابنا، وغيرهم(1).

ونكتفي بذلك من أقوالهم، ومن ذلك يظهر أنّ مذهب الخاصة هو القول ببطلان العول، وأما العامة فهم وإن اختلفت كلماتهم إلاّ أن القول به هو المشهورعندهم.

الموضع الثاني: في الأدلة

أدلة المثبتين:

استدل العامة على القول بالعول بوجوه خمسة:

الأول: بما ذكره السيدان قدس سرهما أن الشعبي والحسن بن عمارة والنخعي قد رووا عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) أنه كان يقول بالعول(2)، وذكر البيهقي في سننه أنه حكى إبراهيم النخعي عن علي مسائل أعال فيها الفرائض(3).

الثاني: بما روي أنه سئل عن ميراث أبوين، وبنتين، وزوجة، فقال: عاد ثمنها تسعاً(4).

وكان السائل ابن الكوا(5)، وتسمى هذه المسألة بالمنبرية، لأن علياً (علیه السلام) سئل عنها على المنبر ـ فأجاب (علیه السلام) ـ ومضى في خطبته(6).

وروى البيهقي: أخبرنا أبو سعيد أنبأ أبو عبد الله، ثنا محمد بن نصر، ثناإسحاق، ثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن أبي إسحاق عن الحارث، عن علي


1) ـ المحلى ج 9 ، المسألة 1717 ، ص 263 ـ 264 .

2) ـ الانتصار: 566 ، وغنية النزوع 2 : 317 .

3) ـ السنن الكبرى 6 : 253 .

4) ـ المجموع شرح التهذيب 16 : 94 ، والبحر الزخار 6 : 356 .

5) ـ البحر الزخار 6 : 356 .

6) ـ المغني والشرح الكبير 7 : 75 .

رضي الله عنه في امرأة وأبوين وبنتين، صار ثمنها تسعاً(1).

وروي أيضاً بطريق آخر سيأتي.

الثالث: بالقياس على أرباب الديون إذا عجز مال المديون عنها، فإنه إذا مات المديون وعليه ديون كثيرة لا يفي المال بها وقع النقص على جميع الغرماء بالنسبة، ولا خلاف في ذلك بين المسلمين، فكذلك الحال في الميراث فإن عالت الفريضة وقع النقص على ذوي السهام بالنسبة(2).

الرابع: بالقياس أيضاً على أرباب الوصايا إذا عجز الثلث عنها، فإنه إذا أوصى الميت بثلثه إلى كثيرين بحيث لا يفي المال بالجميع فلابدّ من تقسيم المال عليهم بالنسبة، فيقع النقص على الجميع، وكذلك الحال في الميراث(3).

الخامس: وهو العمدة من أدلتهم ـ وما مرّ من الأدلة إنما هي لتوجيه هذا الدليل ـ وهو الاستناد إلى قول عمر بن الخطاب، في ما رواه الزهري، عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب، لما التوت عليه الفرائض، ودافع بعضها بعضاً، قال: والله ما أدري أيكم قدّم الله، ولا أيّكم أخّر ... فقال: ما أجد شيئاً هو أوسع لي أن أقسم المال عليكم بالحصص، وأدخل على كل ذي حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة.وقد رواه الجصاص في أحكامه(4)، والحاكم في مستدركه، وقال عنه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(5)، والبيهقي في سننه(6)،


1) ـ السنن الكبرى 6 : 253 .

2) ـ المغني والشرح الكبير 7 : 26 و 27 .

3) ـ نفس المصدر ص 26 .

4) ـ أحكام القرآن 2 : 90 .

5) ـ المستدرك على الصحيحين 4 : 340 .

6) ـ السنن الكبرى 6 : 253 .

وغيرهم(1).

وحيث لم ينكر عليه أحد من الصحابة فيتحقق الإجماع على صحة هذا الحكم وهو حجّة.

هذه هي الوجوه المستفادة من كلماتهم في الاستدلال على القول بالعول.

ولكن هذه الوجوه كلها موهونة، ولا يمكن الاعتماد على شيء منها.

أما الأول فهو ضعيف السند والدلالة.

أما ضعف السند فلأنّ الشعبي ممن وقع الخلاف فيه، فمدحه جمع وذمّه آخرون، منهم إبراهيم النخعي، بل كان كلّ منها يكذّب الآخر، فقد روى ابن عبد البر القرطبي في الجامع بسنده عن الأعمش، قال: ذكر إبراهيم النخعي عند الشعبي، فقال: ذاك الأعور الذي يستفتيني بالليل ويجلس يفتي الناس بالنهار، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: ذاك الكذّاب لم يسمع من مسروق شيئاً(2).

وعلّق على ذلك ابن عبد البر فقال: ... وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني: حدثني الحارث وكان أحد الكذابين، ولم يبن من الحارثكذب، وإنما نقم عليه إفراطه في حبّ علي وتفضيله على غيره(3).

وقال المقبلي (ره): وأصل ذنبه (الحارث) التشيع والاختصاص بعلي كرّم الله وجهه (وتلك شكاة ظاهر عنك عارها)(4).

وكان الشعبي يقول: ماذا لقينا من علي، إن أحببناه ذهبت دنيانا، وإن أبغضناه ذهب ديننا(5).


1) ـ المبسوط 29 : 161 .

2) ـ جامع بيان العلم وفضله ج 2 ، الحديث 889 ، ص 386 ـ 387 .

3) ـ نفس المصدر ج 2 ، ذيل الحديث 890 ، ص 387 .

4) ـ العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل: 49 .

5) ـ نفس المصدر ص 48 .

مضافاً إلى أنّ الشعبي لا يمكنه أن يروي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) بلا واسطة، لأنه ولد في سنة ست وثلاثين، وكانت شهادة أمير المؤمنين (علیه السلام) سنة أربعين للهجرة(1).

وعلى فرض أنه أدرك علياً (علیه السلام) ، ولكن ذكر العسقلاني في التهذيب عن الحاكم في علومه أنه قال: ولم يسمع (الشعبي) من عائشة، ولا من ابن مسعود، ولا من أسامة بن زيد، ولا من علي إنما رآه رؤية(2)... وقالالدارقطني في العلل: لم يسمع الشعبي من علي إلاّ حرفاً واحداً ما سمع غيره، كأنه عنى ما أخرجه البخاري في الرجم عنه عن علي حين رجم المرأة، قال: رجمتها بسنّة النبي (صلي الله علیه وآله) (3).

وأما النخعي فهو وإن كان من محدّثي العامة، وفقهاء التابعين إلاّ أنه متّهم كما مرّ، مضافاً إلى أنّ ولادته كانت سنة سبع وثلاثين(4)فلا يمكنه أن يروي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) بلا واسطة.


1) ـ الانتصار: 566 ، وغنية النزوع 2 : 317 ، وفيه تأمل. وذلك لأنّ الرجاليين ذكروا في ترجمته أنه ولد في زمان عمر لست سنين خلت من خلافته على المشهور، ومات سنة ثلاث ومائة، وسنّه تسع وسبعون سنة، وقيل: مات سنة أربع ومائة، وبلغ اثنتين وثمانين سنة، وقيل غير ذلك لاحظ تهذيب الكمال 14 : 28 و 39 .

2) ـ ويؤيد ذلك ما رواه ابن هلال الثقفي في كتاب الغارات بسنده عن يزيد بن عبد الرحمن عن الشعبي، قال: دخلت الرحبة وأنا غلام في غلمان، فإذا أنا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیهما السلام) قائماً على [صبرتين من] ذهب وفضة، ومعه مخفقة، فجعل يطرد الناس بمخفقته ثم يرجع إلى المال فيقسمه بين الناس، حتى لم يبق منه شيء، ورجع لم يحمل إلى بيته منه شيئاً، فرجعت إلى أبي فقلت: لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس، قال: ومن هو يا بني؟ قلت: رأيت أمير المؤمنين علياً (علیه السلام) فقصصت عليه الذي رأيته يصنع [فبكى و] قال : يا بني [بل] رأيت خير الناس. لاحظ كتاب الغارات : 35 ـ 36 .

3) ـ تهذيب التهذيب 5 : 59 ـ 60 .

4) ـ الانتصار: 566 ، وغنية النزوع 2 : 317 .

وأما الحسن بن عمارة فهو ضعيف عند أصحاب الحديث، فقد روي عن أبي داود الطيالسي أنّ شعبة قال له: إئت جرير بن حازم فقل له: لا يحلّ لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب ...(1)وقال عنه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ساقط(2)، وقال أبو حاتم، ومسلم، والنسائي، والدارقطني متروكالحديث(3)، وقال ابو طالب أحمد بن حميد، سمعت أحمد بن حنبل يقول: الحسن بن عمارة متروك الحديث، قلت له: كان له هوى؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، وأحاديثه موضوعة، لا يكتب حديثه(4).

ولما ولي الحسن بن عمارة مظالم الكوفة بلغ الأعمش فقال: ظالم ولي مظالمنا(5).

وأما ضعف الدلالة فلأنّه لم يذكر نص الرواية، وإنما نسب إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) القول بالعول، ولعل النسبة كانت اجتهاداً من الرواة قياساً منهم على بعض المسائل، وإلاّ فإنّ المعروف من مذهب علي (علیه السلام) وأهل بيته القول ببطلان العول كما سيأتي.

ويؤيد ذلك ما رواه صاحب الجرح والتعديل: حدثنا عبد الرحمن، قال: سئل أبي عن الفرائض الذي رواه الشعبي عن علي، قال: هذا عندي ما قاسه الشعبي على قول علي، وما أرى علياً كان يتفرّغ لهذا(6).

وأما الثاني فهو ضعيف الدلالة والسند أيضاً.


1) ـ تهذيب الكمال 6 : 268 .

2) ـ نفس المصدر ص 272 .

3) ـ نفس المصدر ص 271 .

4) ـ نفس المصدر ص 270 .

5) ـ نفس المصدر ص 275 .

6) ـ الجرح والتعديل 6 : 324 .

أما من جهة السند ففيه أنّ الحارث مجهول الحال، ولم يعرف من هو، ولم يرد فيه ما يدل على وثاقته، وقد احتمل بعضهم أنه هو الحارث بن نوفل بن الحارثبن عبد المطلب(1)، ولم يذكر دليلاً على ذلك.

مضافاً إلى أنّ في السند غيره ممن اختلفت فيهم كلمات الرجاليين كأبي إسحاق وهو عمر بن عبد الله السبيعي، وشريك، وهو شريك بن عبد الله بن أبي شريك أبو عبد الله الكوفي القاضي.

أما الأول: فقد نقل العسقلاني في التهذيب عن معن أنه قال: أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش، وأبو إسحاق يعني للتدليس، وعن ابن حبان في كتاب الثقات أنه كان مدلّساً ... وكذا ذكره في المدلّسين حسين الكرابيسي وأبو جعفر الطبري(2).

وأما الثاني: فقد اختلفت الكلمات فيه أيضاً، فقد قال عنه الجوزجاني: شريك سيّىء الحفظ مضطرب الحديث مائل، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: شريك يحتج بحديثه؟ قال: كان كثير الخطأ صاحب حديث، وهو يغلط أحياناً، فقال له فضلك الصائغ: إنه حدّث بواسط بأحاديث بواطيل، فقال أبو زرعة: لا تقل بواطيل ... وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: أخطأ في أربعمائة حديث، وقال ابن المثنى ما رأيت يحيى، ولا عبد الرحمن حدثنا عنه بشيء، وقال محمد بن يحيى بن سعيد عن أبيه: رأيت في أصول شريك تخليطاً ... ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وكذا قال الدارقطني، وقال أبو أحمد الحاكم، ليس بالمتين، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حسن بن صالح أثبت من شريك، كان شريك لا يبالي كيفحدّث(3)، إلى غير ذلك من كلماتهم فيه.


1) ـ تهذيب التهذيب 2 : 144 .

2) ـ نفس المصدر 8 : 59 .

3) ـ تهذيب التهذيب 4 : 295 ـ 296 .

وبناء على هذا فالرواية ساقطة من حيث السند.

وأما ضعف الدلالة فلأنّ فيها:

أولاً: إنّ قوله (علیه السلام) (صار ثمنها تسعاً) محمول على الإنكار، وإنه (علیه السلام) أسقط همزة الاستفهام. وأراد بذلك التعريض بالعول لأنه يؤدي إلى تغيير الفرائض، وهو على خلاف ما فرض الله تعالى.

وثانياً: إنّ ذلك كان إخباراً منه عما هو في الخارج وما عليه الناس من القول بالعول، ولم يجب (علیه السلام) عن المسألة، وإنما ذكر ذلك للإيهام على السائل والسامع.

وثالثاً: لا يبعد أنّ الإمام (علیه السلام) أجاب بما تقتضيه التقية.

ويشهد على ذلك أمور:

الأول: إنّ المستفاد من كيفية السؤال والجواب أنّ المسألة لم تكن بالصورة المتعارفة، فقد كان الإمام (علیه السلام) يخطب على المنبر حتى سمّيت هذه المسألة بالمنبرية، وكان السائل هو عبد الله بن الكوّا، وهو أحد المناوئين والخارجين(1)على الإمام(علیه السلام)، فقطع الخطبة على الإمام (علیه السلام) على مشهد من الناس من دون أن تكون هناك حاجة ملحّة لطرح السؤال في تلكالحال، وإنما هو مجرّد فرض فرضه السائل وذلك يدل على أنّ الإمام (علیه السلام) لم يكن في مقام بيان الحكم الواقعي، بل في مقام التقية وتفويت الفرصة على المناوىء.

الثاني: إنّ الكوفة ـ وهي عاصمة حكمه (علیه السلام) ـ لم تكن أوضاعها مستقرة، بل كانت مضطربة، وكان بعض أهلها يعلن عصيانه وتمرّده على الإمام (علیه السلام) حتى أنه(علیه السلام) لم يستطع أن يغيّر بعض البدع التي ورثها الناس ونشأوا عليها، إذ كانت مستحكمة في نفوسهم إلى حدّ بعيد، كصلاة التراويح.


1) ـ تنقيح المقال 2 : 204 الطبع القديم.

فإنه قد روي أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) لما اجتمعوا إليه بالكوفة، فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرّفهم أنّ ذلك خلاف السنة، فتركوه، واجتمعوا لأنفسهم وقدّموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسن (علیه السلام) فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة، فلما رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: واعمراه(1). وغيرها(2).

وقد نقل ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر أنه قال: كان أهل البصرة كلهم يبغضونه (علياً (علیه السلام) ) ، وكثير من أهل الكوفة، وكثير من أهل المدينة، وأما أهل مكة فكلّهم كانوا يبغضونه قاطبة، وكانت قريش كلها على خلافه،وكان جمهور الخلق مع بني أمية عليه(3). فلم يكن (علیه السلام) مطلق اليد في إجراء الأمور كما يريد حتى أنه لم يتمكن (علیه السلام) من عزل شريح عن تولّي القضاء مع انحرافه عنه لأن أهل الكوفة قالوا: لا تعزله لأنه منصوب من قبل عمر، وبايعناك على أن لا تغيّر شيئاً قرره أبو بكر وعمر(4)، وقال لقضاته، وقد سألوه بِمَ نحكم يا أمير المؤمنين؟ فقال: اقضوا كا كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي(5).

الثالث: أنّ ابن عباس، ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما والسجاد، والباقر(علیهما السلام) ، كانوا مخالفين للقول بالعول، وهم أهل بيته (علیهم السلام) وأدرى من غيرهم بما فيه، وقد كان ابن عباس ـ تلميذه، وآخذ العلم منه (علیه السلام) ، ومن الذين دافعوا عن أمير المؤمنين (علیه السلام) ـ يجاهر ببطلان العول، ويحلف على بطلانه، ويدعو


1) ـ شرح نهج البلاغة 12 : 283 .

2) ـ الغدير في الكتاب والسنة والأدب 6 : 182 .

3) ـ شرح نهج البلاغة 4 : 103 .

4) ـ تنقيح المقال 2 : 83 الطبع القديم.

5) ـ تهذيب الأحكام 9 : 259 .

للمباهلة حتى سمّيت مسألة النصفين مع الثلث بمسألة المباهلة من البهل وهو اللعن، وروي أنها أول فريضة أعيلت في زمان عمر، وكان ابن عباس صغيراً فلما كبر أظهر الخلاف بعد موت عمر، فقيل له: لم لم تقل هذا لعمر؟ فقال: كان رجلاً مهاباً فهبته، ثم قال: إنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً لم يجعل في المال نصفاً ونصفاً وثلثاً، ذهب النصفان بالمال فأين موضع الثلث؟ ثم قال له علي: هذا لا يغني عنك شيئاً لو متّ أو متّلقسّم ميراثنا على ما عليه الناس من خلاف رأيك، قال: فإن شاؤا فلندع أبناءنا وأبناءهم، ونساءنا ونساءهم، وأنفسنا وأنفسهم، ثم نبتهل، فنجعل لعنة الله على الكاذبين، فسميت المباهلة لذلك(1).

ورواها السرخسي أيضاً في مبسوطه عن عطاء(2).

فإذا كان ابن عباس بهذه المثابة فكيف بمعلّمه أمير المؤمنين (علیه السلام) ولولا أنّ علياً(علیه السلام) كان يتقي في ذلك لجهر (علیه السلام) برأيه، وفي هذه الرواية ما يدل على ذلك حيث قال (علیه السلام) لابن عباس: هذا لا يغني عنك شيئاً لو متَّ أو متُّ لقسّم ميراثنا على ما عليه الناس.

الرابع: أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) كان على خلاف القول بالعول، ولما تمكّن (علیه السلام) من الحكم في المسألة بالحق حكم به، ويدلّ على ذلك ما رواه الشيخ في التهذيب قال: روى أبو طالب الأنباري، قال: حدثني الحسن بن محمد بن أيوب الجوزجاني، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا بكر بن أبي بكر بن شعبة، عن سماك، عن عبيدة السلماني، قال: كان علي (علیه السلام) على المنبر فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وزوجة، فقال علي (علیه السلام): صار ثمن المرأة تسعاً، قال سماك: قلت لعبيدة: وكيف ذلك؟ قال:


1) ـ مغني المحتاج 3 : 33 .

2) ـ المبسوط 29 : 161 .

إنّ عمر بن الخطاب وقعت في إمارته هذه الفريضة، فلم يدر ما صنع، وقال:للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وللزوجة الثمن، قال: هذا الثمن باقياً بعد الأبوين والبنتين، فقال له أصحاب محمد (صلي الله علیه وآله): أعط هؤلاء فريضتهم، للأبوين السدسان، وللزوجة الثمن، وللبنتين ما يبقى، فقال: فأين فريضتهما الثلثان؟ فقال له علي بن أبي طالب (علیهما السلام): لهما ما يبقى، فأبى ذلك عليه عمر وابن مسعود، فقال علي (علیه السلام): على ما رأى عمر، قال عبيدة: وأخبرني جماعة من أصحاب علي(علیه السلام) بعد ذلك في مثلها أنه أعطى للزوج الربع مع الإبنتين، وللأبوين السدسين، والباقي ردّ على البنتين، وذلك هو الحق، وإن أباه قومنا(1).

وهذه الرواية صريحة الدلالة في أنّ رأي علي (علیه السلام) هو بطلان القول بالعول، وقد حكم بذلك في محضر عمر، إلاّ أنه وابن مسعود أبيا ذلك عليه، فاضطرّ إلى الموافقة تقية، فلما تمكن من الحكم بالحق بعد ذلك حكم به، وفي ذلك تأييد لما ذكرناه.

الخامس: روى الكليني بسنده عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: الحمد لله الذي لا مقدّم لما أخّر، ولا مؤخّر لما قدّم، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: يا أيّتها الأمة المتحيّرة بعد نبيها، لو كنتم قدّمتم من قدّم الله، وأخّرتم من أخّر الله، وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها الله، ما عال ولي الله، ولا عال سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمرالله، إلاّ وعندنا علمه من كتاب الله، فذوقوا وبال أمركم، وما فرّطتم فيما قدّمت أيديكم، وما الله بظلاّم للعبيد، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون(2).


1) ـ تهذيب الأحكام ج 9 ، باب في إبطال العول والعصبة، الحديث 14 ، ص 259 .

2) ـ الفروع من الكافي ج 7 ، كتاب الفرائض باب نادر، الحديث 2 ، ص 78 .

وفي هذه الرواية دلالة على أنّ رأيه ومذهبه على خلاف القول بالعول، وفي قوله (علیه السلام): (لو كنتم قدّمتم من قدّم الله وأخّرتم من أخّر الله) ما يدلّ على أن المسألة أبعد من مسألة العول في الفريضة، فإنّ القضية ترجع إلى نفس الولاية والإمامة بعد الرسول (صلي الله علیه وآله)، حيث قدم رسول الله (صلي الله علیه وآله) علياً إماماً على الأمة وأخّر غيره ـ بأمر من الله ـ إلاّ أنّ الأمة قدّمت من أخّر الله وأخّرت من قدّم فوقعت في الضلال، وما هذا التحير والتخبّط في الأحكام على غير هدى إلاّ نتيجة طبيعية لمخالفة أوامر الله ورسوله، ولو قلّدوا علياً زمام الأمور لأمنوا من العثرات، ولما كان لظالم على مؤمن سلطان، ولما كان الحكم على خلاف ما أنزل الله تعالى.

والحاصل: أنّ الرواية مؤيدة لما تقدم من أنّ علياً (علیه السلام) يذهب إلى بطلان القول بالعول.

وإنما جعلنا الوجهين الأخيرين مؤيدين لأنّ الروايتين واردتان في كتب الخاصة لا في كتب العامة.

وأما الوجه الثالث هو باطل لأنه لا يصح قياس الإرث على الدين، وذلك لأنّ بينهما فروقاً كثيرة، منها:أنّ الدين يتعلّق بذمة المديون في حال حياته، ولابدّ من وفائه كاملاً، بخلاف الإرث، فإنه لا حقّ للوارث فيه حال الحياة، لا في الذمة ولا في المال .

ومنها: أنّه يجب على المديون وفاء الدين في دار الدنيا، فإذا لم يوفه فيها فهو مؤاخذ به في الآخرة، وليس الإرث كذلك، فإنه غير مؤاخذ على نقصان السهام عن الفريضة .

ومنها: أنّ الدين متعلّق بذمة المديون ابتداء وبماله عرضاً، فإذا لم يف مال المديون قسّم المال على أرباب الديون بالنسبة، وعرض النقص على حصصهم بحسب مقدار ديونهم، وأما الإرث فإنه لا يتعلّق بالذمة ابتداء، وإنّما

يتعلق ابتداء بالمال.

ومنها: أنّ السبب في الدين هو المديون نفسه، لإقدامه على ذلك، فيجب عليه وفاء جميع الدين، فإن لم يكن عنده ما يفي به قسّم المال بالنسبة، وتكون ذمته مشغولة بالباقي، ولابدّ من إفراغها بعد ذلك مع تمكّنه، وأما الإرث فليس كذلك، فإنه حق من الله في مال الميت للوارث ابتداء، فلابدّ أن يكون الميراث بمقدار المال، ولذا لا يمكن أن يجعل سبحانه وتعالى في المال ثلثين ونصفاً، أو نصفين وثلثاً، فإنّ ذلك يستلزم إما جهله بأنّ المال لا يتحمّل هذا النحو من التقسيم، وهو باطل بالبداهة، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً، وإما عدم جعله تعالى ذلك، بل شرّع سبحانه وتعالى الميراث بحيث لا تزيد السهام ولا ينقص المال، ولازم ذلك بطلان العول وهو المطلوب.

وأما الوجه الرابع فهو باطل أيضاً للفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك لأنّ مقتضى القاعدة في الوصية هو أنه إذا أوصى أحد بمال لأشخاص على نحو الترتيبكأن أوصى لزيد، ثم أوصى لعمرو وهكذا، فإن علم من حال أو مقال رجوعه عن الوصية للأول فهو، وحينئذ فالمال يكون لمن عداه، وإلاّ إذا لم يعلم ولم تقم قرينة على ذلك فلابدّ من البدأة بالأول وإعطائه بمقدار ما أوصي به، ثم يعطى الثاني وهكذا، فإن وفى المال بالجميع فهو، وإلاّ سقط المتأخر ولا شيء له، وذلك لأنّ الوصية إنشاء تمليك من الموصي للموصى له بعد موته، ويعتبر في التمليك وجود الملك، فإذا نفد المال بالوصية للأول أو له وللثاني فلا يبقى للثالث شيء، وحينئذ فالوصية باطلة.

وأما إذا كانت الوصية بالمال مثلاً لأشخاص مجتمعين بأن ذكر الموصي جماعة ثم أوصى لهم بمقدار من المال فإذا نقص المال الموصى به عن المقدار الذي عينه لكلّ منهم فلابدّ حينئذ من توزيع النقص عليهم بالنسبة كما يقسم بين

الشركاء كلّ بحسب حصته.

والميراث من القسم الأول، لأنّ الله تعالى قد جعل لكل من الورّاث سهماً مستقلاًّ، فلابدّ من تشخيص المقدّم والمؤخّر، وأما القول بأنّ الورّاث يشتركون في جميع المال بحيث يقع النقص على الجميع فلازمه نسبة الجهل لله تعالى بمورد النقص، وإلاّ لكان عليه أن يصرّح بالتوزيع أو ورود النقص على بعض دون بعض، لا أن يقدّم بعضاً ويؤخر بعضاً آخر، ويجعل المتأخّر شريكاً للمتقدّم، وهل هذا إلاّ تناقض؟! تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

هذا كلّه بناء على صحة الاستدلال بالقياس كما عليه العامة وإلاّ فإنّ القياس في نفسه باطل كما هو مقرر في محلّه.وأما الوجه الخامس ـ وهو عمدة أدلتهم كما ذكرنا ـ فقد قال جماعة من علماء العامة إنّ أول من أعال الفرائض هو عمر بن الخطاب، كالجصّاص في أحكامه(1)والسيوطي في تاريخه(2)، والعسكري في أوائله(3)، وذكر آخرون أنّ أول من أعال الفرائض هو زيد بن ثابت كالبيهقي في سننه(4)، وابن حزم في محلاّه(5)، وطريق الجمع أنّ عمر هو أول من أعال الفرائض بمشورة زيد وقيل: إنه بمشورة العباس بن عبد المطلب(6)حيث ذكر السرخسي في مبسوطه: أن أول من قال بالعول العباس بن عبد المطلب فإنه قال لعمر (رض) حين وقعت هذه الحادثة: أعيلوا الفرائض(7)، إلاّ أنّ ابن حزم أنكر أن يكون العباس هو


1) ـ أحكام القرآن 2 : 90 .

2) ـ تاريخ الخلفاء : 108 .

3) ـ الأوائل: 122 .

4) ـ السنن الكبرى 6 : 253 .

5) ـ المحلّى 9 : 263 .

6) ـ أحكام القرآن 2 : 90 .

7) ـ المبسوط 9 : 161 .

أول من أعال الفرائض، وقال: وذكر عن العباس ولم يصح(1).

وأما دعوى إجماع الصحابة على ذلك كما نقل عن بعضهم(2)فهي باطلة قطعاً،فقد ذكر السرخسي في المبسوط(3)أربعة أشخاص ذهبوا إلى القول بالعول على خلاف في اثنين منهم(4)، ولم يذكر غيرهم، وأما باقي الصحابة فلا يدل سكوتهم على الرضا، ولعله كان للخوف كما صرّح ابن عباس بذلك حين سأله عطاء فقال له: لم لم تقل هذا في زمن عمر (رض) ؟ فقال: كان رجلاً مهيباً فهبت(5).

وقد سخّف ابن حزم دعوى الإجماع في محلاّه(6)، وقال عنها بأنها دعوى كاذبة كما ذكرنا سابقاً.

وأما قول عمر لما التوت عليه الفرائض ودافع بعضها بعضاً: والله ما أدري أيّكم قدّم الله ولا أيّكم أخّر ـ إلى أن قال: ـ ما أجد شيئاً هو أوسع لي أن أقسم المال عليكم بالحصص، وأدخل على كل ذي حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة.

فهو مردود بوجوه:

الأول: إنّ عمر قد أقرّ بأن هناك من قدّمه الله، كما أنّ هناك من أخّره، واعترف بعدم درايته بالمقدّم والمؤخّر، فيقال: إنّ علمه بوجود المقدّم والمؤخّر إجمالاً وإدخاله النقص على الجميع موجب للمخالفة القطعية لحكم من أحكام


1) ـ المحلّى 9 : 263 .

2) ـ نفس المصدر ص 263 .

3) ـ المبسوط 29 : 161 .

4) ـ المحلى 9 : 263 .

5) ـ المبسوط 29 : 161 .

6) ـ المحلّى 9 : 263 .

الله تعالى وتعد على حدّ من حدوده، وإذا كان الأمر كذلك فهل تجب متابعة عمر في ذلك أو يستحق قوله المتابعة؟؟!!ثم بعد أن بيّن ابن عباس من قدّمه الله ومن أخّره ـ وهو حبر الأمة والآخذ علمه من باب علم النبوة فلماذا لم تعبأ الأمة برأيه، وأصرّت على موقفها في متابعة عمر، وقد وطّن ابن عباس نفسه على المباهلة في ذلك كما تقدم وكما نقله السرخسي وغيره من أنّ عطاء ـ أو علي كما في رواية مغني المحتاج ـ قال له: ولا يغني رأيك شيئاً، ولو متَّ لقسّم ميراثك بين ورثتك على غير رأيك، فغضب فقال: قل لهؤلاء الذين يقولون بالعول حتى نجتمع، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، إنّ الذي أحصى رمل مالج(1)...

ولذلك اعترف بصحة قول ابن عباس بعض الفقهاء، فقال ابن شهاب: والله لولا أنّه تقدّمه إمام عادل كان أمره على الورع فأمضى أمراً مضى ما اختلفت على ابن عباس من أهل العلم اثنان فيما قال(2).

وقال الزهري: لولا أنه يقدّم في العول قضاء إمام عادل ورع لما اختلف اثنان على ابن عباس (رضي الله عنه) في قوله في مسألة المباهلة يعني مسألة العول(3).

وقال شريح: ما أخوفني من هذا القضاء لولا أنه سبقني به إمام عادل ورع يعني عمر بن الخطاب(4).

والمستفاد من ذلك أنه لا دليل على القول بالعول من الكتاب والسنة، بلالدليل على البطلان، إذ لا إشكال في مخالفته للكتاب والسنة كما بيّنا، وكما


1) ـ المبسوط 29 : 161 ، ومغني المحتاج 3 : 33 .

2) ـ المحلى 9 : 264 .

3) ـ المبسوط 29 : 161 .

4) ـ نفس المصدر ص 164 .

دلّت عليه كلمات هؤلاء الفقهاء، على أنه لا معنى لمتابعة هؤلاء لقول عمر مع علمهم ببطلان قوله، وهلاّ تابعوا قول ابن عباس، ولماذا اختلفوا عليه؟؟

الثاني: أنه قد تقرّر في محله أن النبي (صلي الله علیه وآله) قد جاء بجميع ما تحتاج إليه الأمة من الأحكام والتعاليم، وقد كمل الدين، وتمت النعمة، وختمت الرسالة، وأنّ حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وأنّ حرامه حرام إلى يوم القيامة، وقد وضعت الضوابط العامة للأحكام، فما أفتى به عمر عدا أنه قول بلا دليل، هو اجتراء على حكم من أحكام الله، وتعلّله بقوله لا أدري لا يبرّر جرأته مع أنه قد قال في خطبة له: الا إنّ أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فأفتوا بآرائهم فأضلّوا(1)...

فكيف للخليفة أن يخالف بين قوله وفعله، وينهى عن شيء ويأتي به.

الثالث: إنّ المعروف من سيرة عمر بن الخطاب، أنه كان كثير التلوّن في قضائه، وكان يغيّر آراءه باجتهاداته عبثاً، فيأتي بالحكم في مسألة وينقضه في أخرى، حتى أنّ البيهقي روى في سننه بسنده عن عبيدة أنه قال: إنّي لأحفظ عن عمر في الجدّ ماءة قضية كلها ينقض بعضها بعضاً(2).

ومن ذلك قضاؤه في شبيه ما نحن فيه، وهي المسألة الحمارية على ما ذكره السرخسي وغيره، فقد روى البيهقي بسنده عن الحكم بن مسعود الثقفي، قال:شهدت عمر بن الخطاب (رض) أشرك الأخوة من الأب والأم مع الأخوة من الأم في الثلث، فقال له رجل: قضيت في هذا عام أول بغير هذا، قال: كيف قضيت؟ قال: جعلته للأخوة من الأم ولم تجعل للأخوة من الأب والأم شيئاً، قال: تلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا(3).


1) ـ شرح نهج البلاغة 12 : 102 .

2) ـ السنن الكبرى 6 : 245 .

3) ـ نفس المصدر 6 : 255 .

وفي رواية السرخسي: إنّ الأخوة لأب وأم سألوا عمر (رض) عن هذه المسألة، فأفتى بنفي التشريك كما كان يقوله أولاً، فقالوا: هب أنّ أبانا كان حماراً، ألسنا من أم واحدة؟! فقال عمر (رض): صدقتم ورجع إلى القول بالتشريك(1).

ومن أجل ذلك سمّيت هذه المسألة بالحمارية.

وإذا كان الخليفة على هذه الحال فأي أقواله حجّة؟ وأيها الأحق بالاتباع؟ على أنه قد اعترف غير مرة بعدم علمه، وقد اشتهر عنه قوله: كل الناس أفقه من عمر(2).

ثم كيف يكون قوله في العول هو الحجة، وهو المتبع مع وضوح بطلانه كما تقدّم وسيأتي.

هذا، وليس القول ببطلان العول منحصراً بالخاصة، بل ذهب إليه بعض علماء العامة، ومنهم ابن حزم ـ كما تقدم ـ فإنه شدّد في النكير على القائلين به، وقال في الجواب عن ذلك: فنظرنا فيما احتجّ به من ذهب إلى العول فوجدنا ماذكره عمر (رض) من أنه لم يعرف من قدّم الله تعالى، ولا من أخّر، وزاد المتأخرون منهم أن قالوا: ليس بعضهم أولى بالحطيطة من بعض، فالواجب أن يكونا كالغرماء، والموصى لهم، يضيق المال عن حقوقهم، فالواجب أن يعمّوا بالحطيطة، وادّعوا على من أبطل العول تناقضاً في مسألة واحدة فقط، وقال بعضهم في مسألة أخرى فقط: ما لهم حجّة أصلاً غير ما ذكرنا، ولا حجة لهم في شيء منه.

أما قول عمر (رض): «ما أدري أيّهم قدّم الله عزّوجلّ ولا أيّهم أخّر»


1) ـ المبسوط 29 : 154 ـ 155 .

2) ـ شرح نهج البلاغة 12 : 15 .

فصدق (رض)، ومثله لم يدّع ما لم يتبين له، إلاّ أنّنا على يقين وثلج من أنّ الله تعالى لم يكلفنا ما لم يتبيّن لنا، فإن كان خفي على عمر فلم يخف على ابن عباس، وليس مغيب الحكم عمّن غاب عنه حجة على من علمه، وقد غاب عن عمر(رض) علم جواز كثرة الصداق، وموت رسول الله (صلي الله علیه وآله)، وما الكلالة، وأشياء كثيرة، فما كدح ذلك في علم من علمها.

وأما تشبيههم ذلك بالغرماء والموصى لهم، فباطل وتشبيه فاسد، لأنّ المال لو اتّسع على ما هولوا وسع الغرماء والموصي لهم، ولوجد بعد التحاصّ مال الغريم يقسم على الغرماء والموصى لهم أبداً، حتى يسعهم، وليس كذلك أمر العول، فإن كل ما خلق الله تعالى في الدنيا والجنة والنار والعرش لا يتسع لأكثر من نصفين، أو ثلاثة أثلاث، أو أربعة أرباع، أو ستة أسداس، أو ثمانية أثمان، فمن الباطل أن يكلّفنا الله عزوجل المحال وما ليس في الوسع، ومن الباطل أن يكلّفنا من المخرج من ذلك والمخلص منه ما لم يبيّن عنّا كيف نعمل فيه.

وأما قولهم «ليس بعضهم أولى بالحطيطة من بعض» فكلام صحيح إنزيد فيه ما ينقص منه، وهو أن لا يوجب حطّ بعضهم دون بعض نصّ أو ضرورة.

ويقال لهم هاهنا أيضاً: ولا لكم أن تحطّوا أحداً من الورثة ممّا جعل الله تعالى باحتياطك وظنّك، لكن بنصّ أو ضرورة.

وأما دعواهم التناقض من المانعين بالعول في المسألة التي ذكروا فسنذكرها إن شاء الله تعالى ونرى أنّهم لم يتناقضوا فيها أصلاً.

فإذ قد بطل كلّ ما شغبوا به فالواجب أن ننظر فيما احتجّ به المبطلون للعول: فوجدنا ابن عباس في الخبر الذي قد أوردنا من طريق عبيد الله بن عبد الله عنه قد انتظم بالحجّة في ذلك بما لا يقدر أحد على الاعتراض فيه، وأول

ذلك إخباره بأنّ عمر أول من عال الفرائض باعترافه، أنه لم يعرف مراد الله تعالى في ذلك، فصحّ أنه رأي لم يتقدّمه سنّة، وهذا يكفي في ردّ هذا القول.

وأما ابن عباس: فإنه وصف أنّ قوله في ذلك هو نصّ القرآن، فهو الحقّ، وبيّن أن الكلام في العول لا يقع إلاّ في فريضة فيها أبوان وزوج وزوجة وأخوات وبنات فقط، أو بعضهم.

قال أبو محمد: ولا يشكّ ذو مسكة عقل في أنّ الله تعالى لم يرد قط إعطاء فرائض لا يسعها المال، ووجدنا ثلاث حجج قاطعة موجبة صحّة قول ابن عباس:

إحداها: التي ذكر من تقديم من لم يحطه الله تعالى قط عن فرض مسمّى، على من حطّه عن الفرض المسمّى إلى أن لا يكون له إلاّ ما بقي.

والثانية: أنه بضرورة العقل عرفنا أنّ تقديم من أوجب الله تعالى ميراثه علىكل حال، ومن لا يمنعه من الميراث مانع أصلاً، إذا كان هو والميت حرّين على دين واحد، على من قد يرث وقد لا يرث، لأن من لم يمنعه الله تعالى قط من الميراث لا يحلّ منعه مما جعل الله تعالى له، وكلّ من قد يرث وقد لا يرث، فبالضرورة ندري أنه لا يرث إلاّ بعد من لا يرث ولابدّ.

ووجدنا الزوجين والأبوين يرثون أبداً على كل حال.

ووجدنا الأخوات قد يرثن وقد لا يرثن.

ووجدنا البنات لا يرثن إلاّ بعد ميراث من يرث معهن.

والثالثة: أن ننظر فيمن ذكرنا، فإن وجدنا المال يتّسع لفرائضهن أيقنّا أنّ الله عزوجل أرادهم في تلك الفريضة نفسها بما سمّي فيها في القرآن، وإن وجدنا المال لا يتسع لفرائضهم نظرنا فيهم واحداً وحداً، فمن وجدنا ممّن ذكرنا قد اتّفق جميع أهل الإسلام اتفاقاً مقطوعاً به معلوماً بالضرورة على أنه ليس له

في تلك الفريضة ما ذكر الله عزوجل في

القرآن، أيقنّا قطعاً أن الله تعالى لم يرد قط فيما نصّ عليه في القرآن فلم نعطه إلاّ ما اتفق عليه، فإن لم يتفق له على شيء لم نعطه شيئاً، لأنه قد صحّ أن لا ميراث له في النصوص في القرآن(1)... ثم أجاب عن دعوى التناقض.

وقد أجاد فيما ذكر.

والحاصل: أنّ القول بالعول قول بالمحال، فإنه على خلاف الضرورة العقلية والشرعية.

أدلة النافين:

واستدل القائلون ببطلان العول ـ وهم الخاصة ـ بالأدلة الأربعة: الكتاب ، والسنة، والإجماع، والعقل.

وقبل ذكر أدلّتهم لا بأس أن نمهّد لها بأمور تشتمل على توضيح لما تقدم ويأتي فنقول:

أولاً: إنّ السهام المنصوصة في الكتاب العزيز ستة، وهي: الثلثان والنصف، والثلث، والربع، والسدس، والثمن.

ويمكن اختصارها بأن يقال: هي: الثلثان، والنصف، ونصفهما ونصف نصفهما، أو يقال: هي: ثلث، وربع، وضعفهما، ونصفهما، أو يقال: هي: سدس وثمن، وضعفهما، وضعف ضعفهما، ولا إشكال في ذلك فإنه مورد لاتفاق المسلمين قاطبة وقد أجمعوا عليه وبه نطق الكتاب.

وثانياً: إنّ أرباب السهام ثلاث عشرة طائفة، وبيان ذلك:

إنّ الثلثين فرض طائفتين وهما: البنتان فصاعداً مع الانفراد، والأختان


1) ـ المحلّى 9 : 264 ـ 266 .

فصاعداً من الأبوين أو من الأب.

والنصف فرض ثلاث طوائف وهم: الزوج مع عدم الولد، والبنت منفردة، والأخت منفردة من الأبوين أو من الأب.

والثلث فرض طائفتين وهما: الأم مع عدم الولد والحاجب، والأخوان أو الأختان أو أخ وأخت فصاعداً من الأم.

والربع فرض طائفتين وهما: الزوج مع الولد، والزوجة مع عدمه.

والسدس فرض ثلاث طوائف وهم: الأبوان مع الولد، والأم مع الحاجب،والأخ أو الأخت من الأم.

والثمن فرض طائفة واحدة وهي الزوجة مع الولد.

وثالثاً: إنّ صور اجتماع إحدى هذه الطوائف مع غيرها في الفريضة كثيرة، وهي على أربعة أنحاء: فبعضها صحيح عادل لا يوجب زيادة ولا نقيصة، وبعضها ممتنع، وبعضها يوجب زيادة الفريضة على أربابها، وهو المسمى بالتعصيب وقد تقدم البحث حوله مفصّلاً، وبعضها يوجب نقص الفريضة عليهم وهو المسمّى بالعول وهو موضوع البحث.

ثم إنّ ما يوجب النقص في الفريضة عند الخاصة إنما هو في إحدى عشرة صورة وهي:

الاولى: اجتماع الأبوين والبنت مع الزوج، ففيها نقصان السدس من الفريضة عن أرباب السهام.

الثانية: اجتماع الأبوين والبنتين مع الزوج، وفيها نقصان الربع.

الثالثة: اجتماع الأبوين والبنتين مع الزوجة، وفيها نقصان الثمن.

الرابعة: اجتماع أحد الأبوين والبنتين مع الزوج، وفيها نقصان نصف السدس.

الخامسة: اجتماع الأخوة من الأم والأخت من الأبوين أو الأب مع الزوجة، وفيها نقصان نصف السدس.

السادسة: اجتماع الأخوة من الأم والأختين فصاعداً من الأبوين أو من الأب مع الزوج، وفيها نقصان النصف.

السابعة: اجتماع الأخوة من الأم والأختين فصاعداً من الأبوين أو من الأبمع الزوجة، وفيها نقصان السدس.

الثامنة: اجتماع الأخ أو الأخت من الأم والأخت من الأبوين أو الأب مع الزوج، وفيها نقصان السدس.

التاسعة: اجتماع الأخ أو الأخت من الأم والأخت من الأبوين أو الأب مع الزوج، وفيها نقصان السدس.

العاشرة: اجتماع الأخ أو الأخت من الأم والأختين فصاعداً من الأبوين أو الأب مع الزوج، وفيها نقصان الثلث.

الحادية عشرة: اجتماع الأخ أو الأخت من الأم والأختين فصاعداً من الأبوين أو الأب مع الزوجة، وفيها نقصان السدس.

ويقع النقص في جميع هذه الصور على ذوي السهام من جهة وجود أحد الزوجين، وحيث إنّ العول باطل في مذهب الخاصة فإنّ النقص الواقع في الفريضة لا يدخل على جميع الأفراد، بل لابد من دخوله على المؤخّر، وهو من لا يرث بالفرض في هذه الحالة، وإنما يرث بالقرابة كالبنت والبنتين والأخت والأختين، على ما سيأتي بيانه.

وأما العامة حيث ذهبوا إلى القول بالعول وأدخلوا النقص على الجميع فتكون صور النقص عندهم كثيرة حتى من غير جهة الزوج أو الزوجة، كما في صورة اجتماع الأبوين مع الأختين فصاعداً وغيرها من الصور وقد تقدم ذكر بعضها، وبعض هذه الصور باطل على مذهب الخاصة، لاختلاف الطبقة فإنّ الأختين ـ مثلاً ـ لا ترثان مع وجود الأبوين أو أحدهما.

هذا، وقد اشتهرت بعض الصور عندهم، كالمسألة المنبرية، والحمارية وأمّالفروخ وقد تقدّم ذكرها.

إذا تبيّن ذلك نقول: استدل الخاصة على بطلان العول بالأدلة الأربعة كما ذكرنا.

أما من الكتاب فبالآيات المشتملة على بيان الفرائض وهي:

قوله تعالى: «يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ»(1).

وقوله تعالى: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِفَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»(2).


1) ـ سورة النساء، الآيتان 11 و 12 .

2) ـ سورة النساء، الآية: 176 .

وغيرها من الآيات، والمستفاد منها أن أرباب الفرائض على قسمين:

الأول: له فرضان، أعلى وأدنى، كالزوج والزوجة والأب والأم.

الثاني: له فرض واحد كالبنت والبنتين والأخت والأختين.

وأنّ النقص في الفريضة يدخل على القسم الثاني دون الأول.

وبيان ذلك: إنّ صور تقسيم المال على ذوي الفرائض لا تخلو من ثلاث حالات:

الأولى: أن يقسّم المال على ذوي الفرائض بحيث يعطى كل ذي فرض نصيبه ولا ينقص منه شيء.

وفيه: أنّه محال وخلاف البداهة العقلية، إذ لا يمكن أن يجعل في مال ثلثان وسدسان وربع، أو نصفان وثلث، ونحو ذلك وهو لا يقع في فريضة أبداً وتعالى الله أن يحكم بالمحال.

الثانية: أن يقسّم المال على ذوي الفرائض ويدخل النقص على الجميع.

وفيه: أنّ معنى ذلك أنّ الله تعالى إما أن يكون قد أراد من ألفاظ الفرائض الست المذكورة في الكتاب العزيز ـ في صورة نقص المال ـ غير معانيها الحقيقية المعروفة، كالنصف والربع والثلث والسدس وإنما أراد من النصف في بعض الحالات الثلث وفي بعض الحالات أراد منه الربع، وفي حالة أخرى أراد منه مابينهما، وهكذا بقية الفرائض الأخرى.

وإما أن يكون الله تعالى لم يجعل لهذه الألفاظ معاني ومفاهيم محدّدة مع قدرته تعالى على ذلك.

واللازم من ذلك نسبة تعمّد الخطأ إلى الله تعالى والتمويه على العباد وإتيانه بألفاظ يريد بها غير معانيها أو لا معنى لها، وهو محال، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

الثالثة: أن يقسّم المال على ذوي الفرائض ويدخل النقص على بعض معين دون بعض، وهذا هو المتعين.

وأما هذا البعض الذي يدخل عليه النقص دون غيره فهو القسم الثاني دون الأول، وذلك:

أولاً: بقرينة تقديم القسم الأول والاهتمام به في جميع الحالات دون القسم الثاني.

وثانياً: أنه قد جعل للوارث في القسم الأول حدّين: أعلى وأدنى، فإن لم يرث بالحد الأعلى انتقل إلى الميراث بالحد الأدنى ولا ينقص عنه على ما سيأتي بيانه.

وثالثاً: أنّ القسم

الثاني يرث حينئذ بالقرابة لا بالفرض، نظير ما إذا زادت الفريضة على أربابها فإنه ـ أي القسم الثاني ـ يرث بالقرابة لا بالفرض، ولذلك يردّ عليه الزائد كما سيأتي بيانه.

وهذه الاستفادة من الآيات الشريفة وإن غابت عن أذهان بعض الأفراد كالخليفة الثاني حيث حكم بدخول النقص على الجميع إلاّ أنها لم تغب عن الأذهان الصافية كابن عباس وأمثاله، حتى أنه لكمال اطمئنانه وثقته بما يقول كان يدعو للمباهلة كما تقدم وسيأتي، وحتى قال ابن شهاب: والله لولا أنه تقدّمهإمام عادل كان أمره على الورع فأمضى أمراً مضى ما اختلف على ابن عباس من أهل العلم اثنان فيما قال(1).

والحاصل: أنّ دلالة الكتاب على امتناع العول وبطلانه ودخول النقص على بعض معيّن من أهل السهام، واضحة بلا إشكال.

وأما من السنة فقد وردت روايات كثيرة عن أئمة الهدى (علیهم السلام) تدلّ على


1) ـ المحلّى 9 : 264 .

بطلان العول، بل في الجواهر: إنها متواترة عن الأئمة الهداة (علیهم السلام) (1)، وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما ورد فيها التصريح ببطلان العول وهي عدة روايات:

منها: صحيحة (الفضلاء) محمد بن مسلم، والفضيل بن يسار، وبريد العجلي، وزرارة بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: السهام لا تعول، لا تكون أكثر من ستة(2).

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: أقرأني أبو جعفر (علیه السلام) صحيفة كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول الله (صلي الله علیه وآله) وخط علي (علیه السلام) بيده، فإذا فيها: إنّ السهام لا تعول(3).

ومنها: موثقة أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): ربما أعيلالسهام حتى يكون على المائة، أو أقل، أو أكثر، فقال: ليس تجوز ستة، ثم قال: كان أمير المؤمنين (علیه السلام) يقول: إنّ الذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول على ستة، لو يبصرون وجهها لم تجز ستة(4).

ومنها: معتبرة أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كان ابن عباس يقول: إنّ الذي يحصي رمل عالج ليعلم أن السهام لا تعول من ستة، فمن شاء لاعنته عند الحجر: إنّ السهام لا تعول من ستة(5).

وغيرها من الروايات الكثيرة الدالة على بطلان العول وقد عقد صاحب الوسائل باباً خاصاً لذلك، ونكتفي بما ذكرنا.


1) ـ جواهر الكلام 39 : 108 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 6 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 2 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 11 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 9 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 12 .

الطائفة الثانية: ما ورد فيها أنّ النقص لا يدخل على الأبوين والزوجين.

منها: صحيحة أبي بصير عن ابي عبد الله (علیه السلام) قال: أربعة لا يدخل عليهم ضرر في الميراث الوالدان والزوج والمرأة(1).

والظاهر أنّ المراد بالوالدين هما الأم مطلقاً، والأب إذا كان للميت ولد، فإنّ الأب مع عدم الولد لا يرث بالفرض وإنما يرث بالقرابة، فيدخل عليه النقص والزيادة، ولكنّه لا ينقص نصيبه عن الحد الأدنى وهو السدس.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) في امرأة ماتت وتركت زوجها وأبويها وابنتها، قال: للزوج الربع ثلاثة أسهم من اثني عشرسهماً، وللأبوين لكلّ واحد منهما السدس سهمين من اثني عشر سهماً، وبقي خمسة أسهم فهي للإبنة، لأنه لو كان ذكراً لم يكن له أكثر من خمسة أسهم من اثني عشر سهماً، لأنّ الأبوين لا ينقصان كل واحد منهما من السدس شيئاً، وإنّ الزوج لا ينقص من الربع شيئاً(2).

وهذه الرواية وإن لم يذكر فيها إلاّ الزوج لأنّ الفرض هو موت الزوجة إلاّ أنّ حكم الزوجين واحد، وهو أنهما يرثان الحد الأعلى مع عدم الولد، أو الحد الأدنى مع وجوده ولا ينقصان عن ذلك.

ومنها: رواية سالم الأشل أنه سمع أبا جعفر (علیه السلام) يقول: إنّ الله أدخل الوالدين على جميع أهل المواريث فلم ينقصهما من السدس، وأدخل الزوج والمرأة فلم ينقصهما من الربع والثمن(3).

والرواية من حيث الدلالة واضحة إلاّ أنها من حيث السند غير تامة فإنّ سالماً لم يرد فيه توثيق، فتكون مؤيدة.


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 3 .

2) ـ نفس المصدر باب 18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 2 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 2 .

ومنها: رواية أبي المغرا عن رجل عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ الله أدخل الأبوين على جميع أهل الفرائض فلم ينقصهما من السدس لكل واحد منهما وأدخل الزوج والزوجة على جميع أهل المواريث فلم ينقصهما من الربع والثمن(1).وهذه الرواية كسابقتها من حيث الدلالة، ولكنها من حيث السند ضعيفة بالإرسال، فتكون مؤيدة.

ومنها: رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: أربعة لا يدخل عليهم ضرر في الميراث: للوالدين السدسان أو ما فوق ذلك، وللزوج النصف أو الربع وللمرأة الربع أو الثمن(2).

وهذه الرواية واضحة الدلالة إلاّ أن في سندها محمد بن علي ولعله ابن سمينة وهو ضعيف، فتكون مؤيدة.

ومنها: رواية عبيد الله بن عبد الله (الرحمن) بن عتبة قال: جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض في المواريث، فقال ابن عباس: سبحان الله العظيم!! أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟! فقال له زفر بن أوس البصري: فمن أول من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب لما التفّت الفرائض عنده ودفع بعضها بعضاً، فقال: والله ما أدري أيكم قدّم الله وأيكم أخّر، وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كل ذي سهم ما دخل عليه من عول الفرائض، وأيم الله لو قدّم من قدّم الله وأخّر من أخّر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر: وأيها قدّم وأيها أخّر؟ فقال: كل


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 باب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 4 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 10 .

فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلاّ إلى فريضة فهذا ما قدم الله، وأما ما أخّر فلكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر، فأما الذي قدّم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيلهعنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع، فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والأم لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم الله، وأما التي أخّر ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر، فإذا اجتمع ما قدّم الله وما أخّر، بدىء بما قدّم الله، فأعطي حقّه كاملاً فإن بقي شيء كان لمن أخّر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له(1).

وهذه الرواية وإن لم يذكر فيها الأب إلاّ أن حكمه علم مما تقدم، وإنما ذكرناها بطولها لأنّها اشتملت على بيان الحدود العليا والدنيا في الفرائض ومن يدخل عليه النقص ومن لا يدخل عليه، كما أنها تصلح شاهداً للطائفة الأولى الدالة على بطلان العول، ولكنها حيث لم ترو عن المعصوم فتكون مؤيدة.

وهناك روايات أخرى وفي ما ذكرنا كفاية.

الطائفة الثالثة: ما ورد فيها أنّ النقص لا يدخل على الزوجين أو الأبوين.

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا يرث مع الأم ولا مع الأب ولا مع الإبن ولا مع الإبنة إلاّ الزوج والزوجة، وإنّ الزوج لا ينقص من النصف شيئاً إذا لم يكن ولد، والزوجة لا تنقص من الربع شيئاً إذا لم يكن ولد، فإذا كان معهما ولد فللزوج الربع وللمرأة الثمن(2).

وهي واضحة الدلالة، وقد رواها صاحب الوسائل في موضع آخر(3)،


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 6 .

2) ـ نفس المصدر باب 1 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر، باب 1 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1 .

وهي شاهد في كل منهما.

ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي جعفر (علیه السلام): ... وإنّ الزوج لا ينقص عن النصف شيئاً إذا لم يكن معه ولد، ولا تنقص الزوجة من الربع شيئاً إذا لم يكن ولد(1).

وهي واضحة الدلالة كالصحيحة المتقدمة.

ومنها: صحيحة زرارة قال: أراني أبو عبد الله (علیه السلام) صحيفة الفرائض فإذا فيها: لا ينقص الأبوان من السدس شيئاً(2).

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في الطائفة الثانية وموضع الشاهد منها في المقام قوله (علیه السلام): ... لأنّ الأبوين لا ينقصان كل واحد منهما من السدس شيئاً(3).

الطائفة الرابعة: ما ورد فيها أنّ النقص لا يدخل على الزوج والأخوة من الأم.

منها: صحيحة بكير بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): امرأة تركت زوجها وأخوتها واخواتها لأمها واخوتها وأخواتها لأبيها، قال: للزوج النصف ثلاثة أسهم، وللأخوة من الأم الثلث الذكر والأنثى فيه سواء، وبقيسهم فهو للأخوة والأخوات من الأب للذكر مثل حظّ الأنثيين، لأنّ السهام لا تعول ولا ينقص الزوج من النصف، ولا الأخوة من الأم من ثلثهم(4).

وهي صريحة الدلالة كما أنّها صحيحة السند.

ومنها: صحيحته الأخرى قال: جاء رجل إلى أبي جعفر (علیه السلام) فسأله عن


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 9 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 11 .

3) ـ نفس المصدر باب 18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 2 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 3 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 2 .

امرأة تركت زوجها وأخوتها واخواتها لأمّها وأختاً لأبيها فقال: للزوج النصف ثلاثة أسهم، وللأخوة للأم الثلث سهمان، وللأخت من الأب السدس سهم(1).

وهي كالصحيحة المتقدمة من حيث الدلالة.

ومنها: رواية عمر بن أذينة عن زرارة قال: قلت له: إني سمعت محمد بن مسلم وبكيراً يرويان عن أبي جعفر (علیه السلام) في زوج وأبوين وابنة، للزوج الربع ثلاثة أسهم من اثني عشر سهماً، وللأبوين السدسان أربعة أسهم من اثني عشر سهماً، وبقي خمسة أسهم فهو للإبنة لأنها لو كانت ذكراً لم يكن لها غير خمسة من اثني عشر سهماً، وإن كان اثنتين فلهما خمسة من اثني عشر، لأنهما لو كانا ذكرين لم يكن لهما غير ما بقي خمسة من اثني عشر سهماً.

فقال زرارة هذا هو الحق، إذا أردت أن تلقي العول فتجعل الفريضة لا تعول فإنما يدخل النقصان على الذين لهم الزيادة من الولد والأخوات من الأب والأم،فأما الزوج والأخوة للأم فإنهم لا ينقصون مما سمّى الله لهم شيئاً(2).

وموضع الشاهد من هذه الرواية هو الجملة الأخيرة، فإنها واضحة الدلالة. وأما سندها فالظاهر أنه معتبر لأن زرارة وإن لم يسند قوله إلى المعصوم إلاّ أنه أجلّ من أن يفتي من عند نفسه، ولذا لا يبعد أنه نقل الحكم عن الإمام (علیه السلام) وإن لم يذكره.

ومنها: رواية أبي عمر العبدي، عن علي بن أبي طالب (علیهما السلام) أنه كان يقول: الفرائض من ستة أسهم: الثلثان أربعة أسهم، والنصف ثلاثة أسهم، والثلث سهمان، والربع سهم ونصف، والثمن ثلاثة أرباع سهم، ولا يرث مع الولد إلاّ الأبوان والزوج والمرأة، ولا يحجب الأم عن الثلث إلاّ الولد والأخوة، ولا يزاد


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 3 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 3 .

2) ـ نفس المصدر باب 18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 1 .

الزوج عن النصف، ولا ينقص من الربع ولا تزاد المرأة على الربع، ولا تنقص عن الثمن، وإن كنّ أربعاً أو دون ذلك فهنّ فيه سواء، ولا تزاد الأخوة من الأم على الثلث، ولا ينقصون من السدس، وهم فيه سواء الذكر والأنثى، ولا يحجبهم عن الثلث إلاّ الولد والوالد(1).

وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): «ولا تزاد الأخوة من الأم على الثلث ولا ينقصون من السدس» وهو صريح الدلالة إلاّ أنّ الرواية من حيث السند غير تامة، فتكون مؤيدة للروايات السابقة، كما أنّ فيها تأييداً لبعض روايات الطوائف المتقدمة أيضاً.ومنها: رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له: ما تقول في امرأة تركت زوجها واخوتها لأمها وأخوة وأخوات لأبيها؟ قال: للزوج النصف ثلاثة أسهم، ولأخوتها من أمها الثلث سهمان، الذكر والأنثى فيه سواء، وبقي سهم للأخوة والأخوات من الأب للذكر مثل حظّ الأنثيين، لأنّ السهام لا تعول، ولأنّ الزوج لا ينقص من النصف، ولا الأخوة من الأم من ثلثهم، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، وإن كان واحد فله السدس(2). الحديث.

والرواية من حيث الدلالة واضحة إلاّ أنها من حيث السند غير تامة، فإنّ الطريق إلى محمد بن مسلم غير معلوم.

وغيرها من الروايات.

والحاصل: أنه لا إشكال في بطلان العول كما صرّحت بذلك الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام) وهم أدرى بما فيه.


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 12 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 17 .

وأما الإجماع على بطلان العول فهو ثابت بلا ريب، وقد نصّ عليه السيد المرتضى في الانتصار(1)، والشيخ في الخلاف(2)، والعاملي في المفتاح(3)، والنراقيفي المستند، بل فيه: إنه من ضروريات المذهب(4)، ومثله في الرياض(5)، وغيرهم(6).

فلا إشكال في قيام الإجماع على ذلك.

وأما العقل فقد دلّ على امتناع العول، ودلالته على ذلك تارة على نحو الاستقلال، وأخرى بضميمة ما ورد في الروايات.

أما دلالته على النحو الأول فبيانه: أنه لو صحّ العول للزم أن يجعل الله تعالى في المال نصفين وثلثاً، أو ثلثين ونصفاً، ونحو ذلك، وهو محال ضرورة ذهاب النصفين بالمال فأين موضع الثلث؟ وقد أيّدته النصوص الواردة عن الأئمة (علیهم السلام) كما تقدم.

وأما دلالته على النحو الثاني فمن وجوه:

الأول: أنه لو صحّ العول للزم أن تكون الفرائض الست المتقدمة على غير ما فرض الله، وذلك لأنه إذا فرض أنّ الوارث أبوان وبنتان وزوج، وكانت الفريضة اثني عشر سهماً وأعيلت إلى خمسة عشر سهماً، فإذا أعطي الأبوان أربعة أسهم من خمسة عشر سهماً فلم يكن نصيبهما سدسين، وإنما خمس وثلث الخمس، وإذا أعطي الزوج ثلاثة أسهم فلم يكن نصيبه الربع وإنما الخمس،


1) ـ الانتصار: 562 .

2) ـ الخلاف ج 4 كتاب الفرائض، المسألة 81 ، ص 74 .

3) ـ مفتاح الكرامة 8 : 115 .

4) ـ مستند الشيعة 2 : 712 الطبع القديم.

5) ـ رياض المسائل 2 : 346 الطبع القديم.

6) ـ جواهر الكلام 39 : 110 .

وإذا أعطيت البنتان ثمانية أسهم فلم يكن نصيبهما الثلثين، وإنما ثلث وخمس، وذلك باطل بلا إشكال.وهذا هو الذي أشار إليه أمير المؤمنين (علیه السلام) في المسألة المنبرية حيث قال: «صار ثمنها تسعاً» فإنه أراد التعريض بالعول وأنه يؤدي إلى تغيير الفرائض ـ لأنه لو كان مكان الزوج في الفرض المذكور زوجة كانت الفريضة من أربعة وعشرين وأعيلت إلى سبعة وعشرين فإنّ نصيب المرأة ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهماً، فصار ثمنها تسعاً ـ وهو على خلاف ما فرض الله تعالى لذوي الفروض التي سمّاها(1).

الثاني: إنّ القول بالعول يستلزم أن يكون نصيب البنت أزيد من نصيب الابن، كما إذا ماتت المرأة وخلّفت زوجاً وأبوين وبنتاً، فإذا أعيلت الفريضة ارتفعت السهام إلى ثلاثة عشر سهماً، وللبنت منها ستة وللأبوين منها أربعة، وللزوج منها ثلاثة، ولو كان الإبن مكان البنت أعطي الأبوان أربعة أسهم من اثني عشر سهماً، وأعطي الزوج ثلاثة أسهم من اثني عشر سهماً، والباقي وهو خمسة أسهم نصيب الإبن وهو أقل من سهم البنت في الفرض الأول، وهكذا الحال لو كان مكان البنت بنتين فأبدلناهما بابنين، فإنّ نصيب البنتين يكون أكثر من نصيب الابنين وهذا خلاف ما نصّ عليه الكتاب، وإجماع المسلمين، فإنهم أجمعوا على أنّ الابن أكثر نصيباً من البنت في الميراث، ولا أقل من التساوي كما في الفرض المذكور لأنّ البنت ليست بأقرب إلى الميّت من الابن.

وقد ورد هذا التعليل في عدة روايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث قال (علیه السلام): … وبقيخمسة أسهم فهي للابنة، لأنه لو كان ذكراً لم


1) ـ جواهر الكلام 39 : 109 .

يكن له أكثر من خمسة أسهم من اثني عشر سهماً(1).

وغيرها من الروايات(2).

الثالث: إنّ القول بالعول يستلزم أن يكون نصيب الأخت أو الأختين من الأبوين أو من الأب أكثر من نصيب الأخ أو الأخوة من الأبوين أو من الأب، كما إذا خلّفت المرأة زوجاً وأخاً أو إخوة من الأم وأخاً أو أختاً أو إخوة من الأبوين أو من الأب، فعلى القول بالعول يكون نصيب الأخت من الأبوين ستة أسهم من ستة عشر سهماً، وللأختين من الأبوين تسعة أسهم من ثمانية عشر سهماً مع أنه لو كان مكان الأخت أخ من الأبوين أو الأب لكان نصيبه سهمين من اثني عشر سهماً، ولو كان مكان الأختين أخوة لم يعطوا شيئاً.

وهذا خلاف ما نصّ عليه الكتاب، وقد أشير إليه في صحيحة بكير المتقدمة وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): فما لكم نقصتم الأخ إن كنتم تحتجّون للأخت النصف بأنّ الله سمّى لها النصف، فإنّ

الله قد سمّى للأخ الكل والكل أكثر من النصف، لأنه قال: فلها النصف، وقال للأخ: وهو يرثها، يعني جميع مالها إن لم يكن لها ولد، فلا تعطون الذي جعل الله له الجميع في بعض فرائضكم شيئاً، وتعطون الذي جعل الله له النصف تاماً؟ فقال له الرجل: وكيف تعطى الأخت النصف ولا يعطى الذكر لو كانت هي ذكر شيئاً؟ قال: يقولون في أموزوج وأخوة لأم وأخت لأب فيعطون الزوج النصف والأم السدس والأخوة من الأم الثلث والاخت من الأب النصف فيجعلونها من تسعة وهي من ستة فترتفع إلى تسعة، قال: كذلك يقولون!! قال: فإن كانت الأخت ذكراً أخاً لأب قال: ليس له شيء(3).


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 2 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 1 .

3) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 3 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 3 .

وغيرها من الروايات(1).

هذا، وهناك محاذير أخرى، ونكتفي بما ذكرنا.

وقد تبيّن من جميع ذلك فساد القول بالعول، وأنه لعبٌ وعبث بأحكام الله، وهو إحدى ثمرات شجرة الانحراف عن أهل بيت الهدى والعصمة (علیهم السلام) ونتيجةٌ لإنكار أمر الإمامة والولاية لأمير المؤمنين (علیه السلام) وأولاده المعصومين (علیهم السلام) والتمسك بحبل العترة والعروة الوثقى التي لا انفصام لها وأثرٌ من آثار الضلال الذي أشار إليه رسول الله (صلي الله علیه وآله) بمفهوم قوله: ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي(2).

وفّقنا الله للهداية، والسير على الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

والحمد لله ربّ العالمين.


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 3 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديثان 1 و 2.

2) ـ وسائل الشيعة ج 18 ، باب 5 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9 .

المقام الثالث: في مسائل أخرى في الميراث:

ذكرنا فيما تقدم أنّ هناك مسائل ـ غير التعصيب والعول ـ قد وقع الخلاف فيها بين الخاصة والعامة، وفيما يلي نشير إليها وإلى أدلّتها فنقول:

المسألة الأولى: في ميراث الجد:

ولا خلاف عند الخاصة في أنّ الأجداد والأخوة مطلقاً أي سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم وإن علوا يشكّلون الطبقة الثانية في الميراث، ويتقدّمون على الطبقة الثالثة، وهم الأعمام والعمّات والأخوال والخالات، فإن انفرد الأجداد ورثوا المال بالفرض والقرابة، وإن اجتمعوا مع الأخوة تقاسموا المال بينهم على حسب فروضهم، ولا يسقط أحد أحداً عن الميراث.

وأما العامة فقد اختلفوا في ميراث الأجداد إذا اجتمعوا مع الأخوة من الأبوين أو الأب، واتفقوا على إسقاط الأخوة من الأم عن الميراث إذا اجتمعوا مع الأجداد.

ثم إنّ البحث يقع في هذه المسألة في جهتين:

الأولى: في الأقوال.

الثانية: في الروايات.

أما عن الجهة الأولى فقد صرّح علماء الطرفين بما ذكرنا، فمن الخاصة:

قال الشيخ في الخلاف: الأخوة من الأم مع الجد للأب يأخذون نصيبهم الثلث المفروض والباقي للجد، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: المالللجدّ ويسقطون(1).

وقال: إذا كان مع الجد للأب إخوة من الأب والأم أو إخوة من الأب فإنهم يرثون معه ويقاسمونه.


1) ـ الخلاف ج 4 كتاب الفرائض، المسألة 97 ، ص 88 .

واختلفت الفقهاء في ذلك على مذهبين:

فذهب قوم إلى أنهم لا يسقطون مع الجد ويرثون، وحكوا ذلك عن علي (علیه السلام) وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وفي التابعين جماعة، وفي الفقهاء: مالك بن أنس، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأهل الشام، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد بن حنبل.

وذهبت طائفة إلى أنّ الأخوة للأب والأم أو للأب لا يرثون مع الجد ويسقطون، روى ذلك عن أبي بكر، وابن عباس، وعشرة من مهاجري الصحابة مثل: أبي بن كعب، وعائشة، وأبي الدرداء، وغيرهم، وفي الفقهاء: أبو حنيفة، وعثمان البتي، وداود، والمزني من أصحاب الشافعي، ومحمد بن جرير الطبري، وإسحاق بن راهويه(1).

وقال أيضاً: الجد والجدة من قبل الأم بمنزلة الأخ والأخت من قبلها، يقاسمان الأخوة والأخوات من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب، والأخوة والأخوات من قبل الأم، وخالف جميع الفقهاء في ذلك(2).وقال صاحب الجواهر !: «إذا اجتمع مع الأخت أو الأختين فصاعداً للأب والأم أو للأب جدّ وجدة أو أحدهما» من قبله « كان الجد كالأخ من قبله والجدة كالأخت» من قبلها «ويقسم الباقي بعد كلالة الأم» إن كانت «بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين» بلا خلاف أيضاً أجده في تنزيل الجد معها، أو معهما، أو مع الأخوة منزلة الأخ للأب، والجدة منزلة الأخت له، بل عن ظاهر جماعة الإجماع عليه، بل عن الكليني، والشيخ، دعواه صريحاً، مضافاً إلى النصوص المتواترة التي هي ما بين مطلقة كون الجد والجدة كالأخ والأخت … وما بين


1) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الفرائض، المسألة 99 ص 89 .

2) ـ نفس المصدر المسألة 98 ص 88 .

مصرّحة بأنّ الجد مع الأخوة من الأب مثل واحد منهم كثروا أو قلّوا(1).

ومن العامة قال الشوكاني في نيل الأوطار: وقد اختلفت الصحابة في الجد اختلافاً طويلاً، ففي البخاري تعليقاً يروي عن علي، وعمر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود في الجد قضايا مختلفة، وقد ذكر البيهقي في ذلك آثاراً كثيرة، وروى الخطابي في الغريب بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: سألت عبيدة عن الجد، فقال: ما يصنع بالجد، لقد حفظت فيه عن عمر مائة قضية، يخالف بعضها بعضاً، ثم أنكر الخطابي هذا إنكاراً شديداً، وسبقه إلى ذلك ابن قتيبة.

قال الحافظ: هو محمول على المبالغة، كما حكى ذلك البزاز، وجعله ابن عباس كالأب كما رواه البيهقي عنه عن غيره، وروى أيضاً من طريق الشعبي، قال: كان من رأي أبي بكر، وعمر، أنّ الجد أولى من الأخ، وكان عمر يكره الكلام فيه … قال في البحر: مسألة علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، والأكثر، ولا يسقطالأخوة الجد بل يقاسمهم بخلاف الأب، وإن اختلفوا في كيفية المقاسمة: أبو بكر، وعائشة، وابن الزبير، ومعاذ، والحسن البصري، وبشر بن غياث، بل يسقط الأخوة كالأب، إذ سمّاه الله أباً فقال: (ملّة أبيكم إبراهيم) … .

وقد روى ابن حزم: عن قوم من السلف أنّ الأخوة يسقطون الجد، وقد قيل: إنّ المثل الذي ذكره علي، والمثل الذي ذكره ابن مسعود يستلزمان أن يكون الأخوة أولى من الأب ولا قائل به، وللأب مزايا منها: النص على ميراثه في القرآن … وأيضاً للجد مزايا منها: أنه يرث مع الأولاد، ومنها: أنه يسقط الأخوة لأم اتفاقاً(2).


1) ـ جواهر الكلام 39 : 157 .

2) ـ نيل الأوطار 6 : 177 ـ 178 .

وقال ابن قدامة في المغني: اختلفوا في الجد مع الأخوة والأخوات للأبوين أو للأب، ولا خلاف بينهم في إسقاطه بني الأخوة وولد الأم ذكرهم وأنثاهم، وذهب الصديق (رض) إلى أنّ الجد يسقط جميع الأخوة والأخوات من جميع الجهات كما يسقطهم الأب، وبذلك قال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وروي ذلك عن عثمان، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى، وأبي هريرة (رض) ، وحكي أيضاً عن عمران بن الحصين، وجابر بن عبد الله ، وأبي الطفيل، وعبادة بن الصامت، وعطاء، وطاووس، وجابر بن زيد، وبه قال قتادة، وإسحاق، وأبو ثور، ونعيم بن حماد، وأبو حنيفة، والمزني، وابن شريح، وابن اللبان، وداود، وابن المنذر.

وكان علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت (رض) يورّثونهم معه،ولا يحجبونهم به، وبه قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد(1).

وأطال ابن حزم في المحلّى، فذكر اثني عشر قولاً في المسألة مع أدلتها، وناقش في أكثرها، ونقتصر على بعض كلامه، قال: وللناس في الجد اختلاف كثير، فطائفة توقّفت فيه، كما روينا بأصحّ طريق إلى شعبة، عن يحيى بن سعيد التيمي تيم الرباب، قال: سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر، عن عمر، قال: ثلاث وددت أنّ رسول الله (صلي الله علیه وآله) لم يقبض حتى يبين لنا فيهن أمراً ينتهى إليه، في الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا.

قال أبو محمد: وليس مغيب بيان رسول الله (صلي الله علیه وآله) بالقرآن أو بسنته لحكم الجد والكلالة والربا عن عمر (رض) بموجب أنّ ذلك البيان غاب عن غيره من الصحابة (رض) وحاش لله من أن يكون له حكم في الدين، افترضه على عباده،


1) ـ المغني والشرح الكبير 7 : 65 .

ثم غاب بيانه عن جميع أهل الإسلام إذاً كان يكون ذلك حكماً من الدين قد بطل، وشريعة لازمة قد سقطت، ولكان الدين ساقطاً، وليس أحد من الفقهاء الذين قلّده المشنّعون بمثل هذا دينهم، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، إلاّ وهم قالوا: بأنّ حكم الجد والربا والكلالة قد تبيّن لهم، إما بنصّ قرآن، أو سنّة، أو نظر، أو قياس ... ولله الأمر من قبل ومن بعد، ومن طريق حماد بن زيد، نا أيوب السختياني، عن حميد بن هلال، قال: سألت سعيد بن المسيب عن فريضة فيها جد، فقال: ما تصنع إلى هذا، أو تريد إلى هذا، إنّ عمر بن الخطاب قال: أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار، وإنما يجتري علىالجد من يجتري على النار(1).

وقالت طائفة ـ وهو القول الثاني عشر الذي اختاره ابن حزم ـ لا يرث مع الجد أخ شيئاً، لا شقيق، ولا لأب، ولا لأم، وميراث الجد كميراث الأب سواء سواء، إذا لم يكن هناك أب وارث(2).

ثم نقل ابن حزم أنّ ذلك رأي جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فمن الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، وأبو الدرداء، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو هريرة.

ومن التابعين: طاووس، وعطاء، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، والحسن، وجابر بن زيد، وقتادة، وعثمان البتي، وشريح، والشعبي، وجماعة سواهم.

ومن بعدهم: أبو حنيفة، ونعيم بن حماد، والمزني، وأبو ثور، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي، وجماعة من أصحابه، وجماعة غيرهم(3).


1) ـ المحلى ج 9 المسألة 1730 ص 282 .

2) ـ نفس المصدر ص 287 .

3) ـ نفس المصدر ص 288 .

ونكتفي بما نقلناه من الأقوال، ومنها يتبين أنّ العامة يختلفون في ميراث الأخوة من الأبوين أو من الأب إذا اجتمعوا مع الجد، وأما الأخوة من الأم فقد اتفقوا على إسقاطهم عن الميراث.

وأما الخاصة فلا خلاف عندهم في أنّ الأجداد والأخوة مطلقاً يرثون الميتبحسب انتسابهم إليه.

وأما عن الجهة الثانية وهي الروايات، فقد روى العامة روايات تقدّم بعضها في ضمن نقل الأقوال ونضيف عدة روايات أخرى:

ومنها: ما أخرجه الحاكم في مستدركه بسنده عن عروة بن الزبير أنّ مروان بن الحكم حدثه أنّ عمر (رض) حين طعن قال: إني رأيت في الجد رأياً فإن رأيتم أن تتبعوه، فقال عثمان: إن نتّبع رأيك فهو رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان(1).

ورواه الدارمي في سننه(2).

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(3).

ومنها: ما رواه البيهقي في سننه بسنده عن عيسى المدني، عن الشعبي، قال: كان من رأي أبي بكر، وعمر (رض) أن يجعلا الجد أولى من الأخ، وكان عمر يكره الكلام فيه، فلما صار جدّاً قال: هذا أمر قد وقع، لابدّ للناس من معرفته، فأرسل إلى زيد بن ثابت فسأله، فقال: كان من رأي أبي بكر (رض) أن يجعل الجدّ أولى من الأخ، فقال: يا أمير المؤمنين لا تجعل شجرة نبتت فانشعب منها غصن، فانشعب في الغصن غصن، فما يجعل الغصن الأول أولى من الغصن الثاني، وقد خرج الغصن من الغصن، قال: فأرسل إلى علي رضي الله


1) ـ المستدرك على الصحيحين 4 : 340 .

2) ـ سنن الدارمي ج 2 الحديث 2916 ص 276 .

3) ـ المستدرك على الصحيحين 4 : 340 .

عنه فسأله،فقال له كما قال زيد، إلاّ أنه جعل سيلاً سال فانشعبت منه شعبة، ثم انشعبت منه شعبتان، فقال أرأيت لو أنّ هذه الشعبة الوسطى رجع، أليس إلى الشعبتين جميعاً(1).

ومنها: ما رواه البيهقي أيضاً بسنده عن عقيل بن خالد أنّ سعيد بن سليمان ابن زيد بن ثابت حدّثه عن أبيه، عن جده زيد بن ثابت: أنّ عمر بن الخطاب(رض) استأذن عليه يوماً، فأذن له ورأسه في يد جارية ترجّله، فنزع رأسه فقال له عمر: دعها ترجّلك، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ جئتك، فقال عمر (رض) : إنما الحاجة لي، إني جئتك لتنظر في أمر الجد، فقال زيد: لا والله ما يقول فيه، فقال عمر (رض) : ليس هو بوحي حتى نزيد فيه وننقص منه، إنما هو شيء نراه، فإن رأيته وافقني تبعته، وإلاّ لم يكن عليك فيه شيء، فأبى زيد، فخرج مغضباً، قال: قد جئتك وأنا أظنّك ستفرغ من حاجتي، ثم أتاه مرة أخرى في الساعة التي أتاه المرة الأولى، فلم يزل به حتى قال: فسأكتب لك فيه، فكتبه في قطعة قتب، وضرب له مثلاً: إنما مثله مثل شجرة نبتت على ساق واحد، فخرج فيها غصن، ثم خرج في الغصن غصن آخر، فالساق يسقي الغصن، فإن قطع الغصن الأول رجع الماء إلى الغصن يعني الثاني، وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى الأول، فأتى به فخطب الناس عمر، ثم قرأ قطعة القتب عليهم، ثم قال: إنّ زيد بن ثابت قال في الجدّ قولاً وقد أمضيته، وكان أول جد كان، فأراد أن يأخذ المال كله، مال ابن ابنه دون أخوته، فقسمه بعد ذلك عمر بن الخطاب (رض) (2).

ومنها: ما رواه الدارمي في سننه بسنده عن الشعبي قال: أول جدّ ورث في الإسلام عمر، فأخذ ماله، فأتاه علي وزيد فقالا: ليس لك ذلك، إنما أنت


1) ـ السنن الكبرى 6 : 247 ـ 248 .

2) ـ نفس المصدر : 247 .

كأحد الأخوين(1).

ورواه البيهقي في سننه وفيه زيادة: فقال عمر: لولا أن رأيكما اجتمع لم أر أن يكون ابني ولا أكون أباه(2).

ومنها: ما رواه الطبراني بسنده عن سعيد بن المسيب، عن عمر أنه سأل النبي(صلي الله علیه وآله) كيف قسم الجد قال: ما سؤالك عن ذلك يا عمر؟ إني أظنك تموت قبل أن تعلم ذلك، فمات قبل أن يعلم ذلك(3).

وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: ورجاله رجال الصحيح، إلاّ أن سعيد بن المسيب اختلف في سماعه من عمر(4).

ومنها: ما رواه البيهقي في سننه بسنده عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: إني لأحفظ عن عمر في الجد ماءة قضية كلها ينقض بعضها بعضاً(5).

ومنها: ما رواه أيضاً بسنده عن معتمر بن سليمان، قال: سمعت ابن عون يحدّث عن محمد، عن عبيدة، قال: حفظت عن عمر مائة قضية في الجد قال:وقال: إني قد قضيت في الجد قضايا مختلفة، كلها لا آلو فيه عن الحق، ولئن عشت إن شاء الله إلى الصيف لأقضينّ فيها بقضية تقضي به المرأة وهي على ذيلها(6).

قال ابن أبي الحديد: وكان عمر يفتي كثيراً بالحكم ثم ينقضه، ويفتي بضده وخلافه، قضى في الجد مع الأخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من


1) ـ سنن الدارمي ج 2 الحديث 2914 ص 276 .

2) ـ السنن الكبرى 6 : 247 .

3) ـ المعجم الأوسط ج 4 الحديث 4245 ص 482 ـ 483 .

4) ـ مجمع الزوائد 4 : 227 .

5) ـ السنن الكبرى 6 : 245 .

6) ـ السنن الكبرى 6 : 245 .

الحكم في هذه المسألة فقال: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنّم فليقل في الجد برأيه(1).

وأما الخاصة فقد وردت من طرقهم عن أئمتهم (علیهم السلام) روايات كثيرة جداً، حتى ادعى صاحب الجواهر (قده)(2)تواترها كما تقدم، ونكتفي بذكر بعضها تيمّناً:

منها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الجد، فقال: ما أجد أحداً قال فيه إلاّ برأيه إلاّ أمير المؤمنين (علیه السلام) قلت: أصلحك الله فما قال فيه أمير المؤمنين(علیه السلام)؟ قال: إذا كان غداً فالقني حتى أقرئكه في كتاب، قلت: أصلحك الله حدّثني فإنّ حديثك أحبّ إلي من أن تقرئنيه في كتاب، فقال لي الثانية: اسمع ما أقول لك، إذا كان غداً فالقني حتى أقرئكه في كتاب، فأتيته من الغد ... فلما أصبحت لقيت أبا جعفر (علیه السلام)، فقال لي: أقرأت صحيفة الفرائض؟ فقلت: نعم، فقال: كيف رأيت ما قرأت؟ قال: قلت:باطل ليس بشيء، هو خلاف ما الناس عليه، قال: فإنّ الذي رأيت والله يا زرارة هو الحق، الذي رأيت إملاء رسول الله (صلي الله علیه وآله) وخطّ علي (علیه السلام) بيده(3).

والرواية طويلة وقد روى الشيخ بعضها مفرّقاً بين بابين من التهذيب(4).

ومنها: ما نقله صاحب الوسائل من كتاب الحسن بن أبي عقيل، أنّ رسول الله(صلي الله علیه وآله) أملى على أمير المؤمنين (علیه السلام) في صحيفة الفرائض: أنّ الجد مع الأخوة يرث حيث ترث الأخوة، ويسقط حيث تسقط، وكذلك الجدة أخت مع الأخوات، ترث حيث يرثن، وتسقط حيث يسقطن(5).


1) ـ شرح نهج البلاغة1 : 181 .

2) ـ جواهر الكلام 39 : 157 .

3) ـ الفروع من الكافي ج 7 ، باب ميراث الولد مع الأبوين، الحديث 2 ، ص 94 .

4) ـ تهذيب الأحكام ج 9 ، باب ميراث الوالدين مع الأخوة والأخوات، الحديث 1 ، ص 280 ، وباب ميراث من علا من الآباء وهبط من الأولاد، الحديث 1 ، ص 303 .

5) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 6 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 22 .

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: في الأخوات مع الجد: إنّ لهنّ فريضتهنّ [فريضتين] إن كانت واحدة فلها النصف، وإن كانتا اثنتين أو أكثر من ذلك فلهما الثلثان، وما بقي فللجدّ(1).

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن أخ لأب وجدّ، قال: المال بينهما سواء(2).ومنها: معتبرة أبي الربيع عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كان علي يورّث الأخ من الأب مع الجدّ ينزله بمنزلته(3).

ومنها: صحيحة (الفضلاء) زرارة، وبكير، ومحمد، والفضيل، وبريد، عن أحدهما (علیهما السلام) ، قال: إنّ الجد مع الأخوة من الأب يصير مثل واحد من الأخوة ما بلغوا، قال: قلت: رجل ترك أخاه لأبيه وأمه وجدّه، أو أخاه لأبيه، أو قلت: ترك جده وأخاه لأبيه وأمه، فقال: المال بينهما، وإن كانا أخوين أو مائة فله مثل نصيب واحد من الأخوة ... وقال زرارة: هذا مما لا يؤخذ عليّ فيه، قد سمعته من أبيه ومنه، وليس عندنا في ذلك شكّ ولا اختلاف(4).

ومنها: صحيحتهم الأخرى عن أحدهما (علیهما السلام): أنّ الجدة مع الأخوة من الأب مثل واحد من الأخوة(5).

ولعلهما رواية واحدة، اقتصر في الثانية على بعضها، نعم ورد في الأولى الجد وفي الثانية الجدّة.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال: نظرت إلى صحيفة ينظر فيها أبو


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 6 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 17 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 6 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

4) ـ نفس المصدر الحديث 9 .

5) ـ نفس المصدر الحديث 4 .

جعفر(علیه السلام) فقرأت فيها مكتوباً: ابن أخ وجدّ، المال بينهما سواء، فقلت لأبي جعفر(علیه السلام): إنّ من عندنا لا يقضون بهذا القضاء، لايجعلون لابن الأخ مع الجد شيئاً، فقال أبو جعفر (علیه السلام): أما إنه إملاء رسول الله(صلي الله علیه وآله) وخط علي (علیه السلام) من فيه بيده(1).

ومنها: رواية إسماعيل الجعفي قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: الجدّ يقاسم الأخوة ولو كانوا ماءة ألف(2).

ومنها: رواية ابن عباس أنه قال: كتب إليّ علي بن أبي طالب (علیهما السلام) في ستة أخوة وجدّ أن أجعله كأحدهم وامح كتابي.

فجعله علي (علیه السلام) سابعاً معهم وقوله: وامح كتابي كره أن يشنع عليه بالخلاف على من تقدّمه(3).

وغيرها من الروايات الكثيرة.

ونستخلص من مجموع الأقوال والروايات عدة أمور أهمها:

الأول: إنّ الظاهر أنّ للعامة في إرث الجد مع الأخوة من الأبوين، أو من الأب أكثر من اثنين عشر قولاً.

الثاني: إنّ الظاهر عدم الخلاف عند العامة في أنّ الأخوة من الأم لا نصيب لهم في الميراث إذا اجتمعوا مع الجد للأب، ويلتزمون بتوريثهم إذا اجتمعوا مع الأخوة من الأبوين أو من الأب.

الثالث: إنّ الخليفة الثاني قد حكم في الجد بأحكام كثيرة مختلفة، وأنهاهابعض الرواة إلى مائة قضية.

الرابع: إنّ الخليفة الثاني كان يرى أنه لم يأل في الجد عن الحق في جميع


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 5 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 5 .

2) ـ نفس المصدر باب 6 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 6 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 8 .

هذه الأحكام والآراء المتناقضة مع أنها في موضوع واحد.

الخامس: إنّ الخليفة الثاني طلب من زيد بن ثابت أن يفتي على ما يوافق رأيه، وقد امتنع زيد في أول الأمر، ثم قبل وكتب في ذلك كتاباً قرأه الخليفة على الناس.

السادس: إنّ الخليفة الثاني كان يرى أنّ إرث الجد مما لم ينزل فيه قرآن ولم ترو فيه سنة، كما ذكره ابن حزم وأجاب عنه.

السابع: إنّ الخليفة

الثاني لم يعلم بحكم ميراث الجد مدّة حياته كما أخبره النبي (صلي الله علیه وآله) بذلك، وكان عمر يكره الكلام في ميراث الجد، وقد روى عنه أنه قال: أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار.

الثامن: لا خلاف عند الشيعة الإمامية في أنّ الجد يرث مع الأخوة من الأبوين أو من الأب ولا فرق بينهما ثبوتاً وسقوطاً.

التاسع: لا خلاف عند الشيعة الإمامية في أنّ الأخوة من الأم يرثون مع الجد بالفرض إما السدس أو الثلث ولا يسقطون من الميراث.

العاشر: لا خلاف عند الشيعة الإمامية في أنّ الجدين من الأبوين أو من الأب والجدين من الأم إذا اجتمعوا مع الأخوة ورثوا نصيب من يتقربون به.

الحادي عشر: لا خلاف عندهم في أنّ الجد يعدّ كأحد الأخوة ويقاسمهم بلا فرق بين الواحد والمتعدد من الطرفين.

الثاني عشر: ولا خلاف عندهم في أنّ حكم ميراث الجد والأخوة قد ذكر في القرآن الكريم وبيّنه النبي (صلي الله علیه وآله)، وأملاه على أمير المؤمنين(علیه السلام) ، وكتبه (علیه السلام) في صحيفة، وقد حفظها الأئمة (علیهم السلام) ، وكانوا يطلعون بعض أصحابهم عليها.

وبعد هذا كلّه فلا نرى حاجة تدعونا لذكر أدلة الطرفين، فإنّ الحق فيها أوضح من أن يبيّن وأظهر من أن يذكر، ولكن نقول: إنّ هناك عدة تساؤلات

تفرض نفسها في المقام، وطالب الحق والباحث عن الحقيقة المتجرّد عن العصبية ينتظر الجواب عنها بما تقتضيه أصول البحث العلمي من العدل والإنصاف والواقعية، وهي:

1 ـ هل أنّ الأحكام الكثيرة المختلفة التي طرحها الخليفة الثاني ـ كحلول لمسألة ميراث الجد ـ كلها مطابقة للحق، ومن قبل الله تعالى؟ وهل أنّ ما أجاب به قاضي القضاة، وما انتصر به ابن أبي الحديد(1)له يجدي نفعاً في الجواب أم أنه مجرّد تمحّل بلا طائل؟

2 ـ هل أنّ العقل السليم يرتضي لخليفة المسلمين أن يضطرب في حكم قضية واحدة ويفتي فيها بأحكام متناقضة، مع أنّ العهد برسول الله (صلي الله علیه وآله) قريب؟!

3 ـ هل ينتظر أو يتوقّع من خليفة المسلمين أن ينفي أن يكون ميراث الجدّ مذكوراً في القرآن وأنّ النبي (صلي الله علیه وآله) لم يبيّنه؟

4 ـ هل أنّ ما ذكره العامة من الآراء المختلفة في ميراث الجد تستند إلى كتابالله وسنة نبيه، أو أنها مجرد آراء أبدوها على خلاف الحق؟

5 ـ أليس في ماذكروه يتضمّن أن يكون الدين ناقصاً، وقد قال الحق تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي …»(2).

6 ـ أليس من اللائق بل المتعيّن على ذوي الفهم والإدراك أن يخلعوا عنهم رداء العصبية، ويتّبعوا الحق وإن كان على خلاف الآباء والأجداد؟

ثبتنا الله على القول الثابت، ونسأله الهداية والسداد.


1) ـ لاحظ تفاصيل ذلك في شرح نهج البلاغة 12 : 246 ـ 251 .

2) ـ سورة المائدة، الآية: 3 .

المسألة الثانية: في ميراث الزوجة:

وهي من المسائل الخلافية بين الفريقين، فقد ذهب الخاصة ـ استناداً إلى ما أثر عن أئمتهم (علیهم السلام) ـ إلى أنّ الزوجة لا ترث من كلّ ما تركه زوجها، وإنما ترث من بعض دون بعض.

وذهب العامة إلى أنّ

الزوجة ترث من جميع ما تركه الزوج وذلك مما يستفاد من أقوال علماء الفريقين.

أما من الخاصة فقد قال السيد في الانتصار: ومما انفردت به الإمامية: أنّ الزوجة لا تورث من رباع المتوفى شيئاً، بل تعطى بقيمته حقّها من البناء، والآلات، دون قيمة العراص.

وخالف باقي الفقهاء في ذلك، ولم يفرّقوا بين الرباع وغيرها في تعلّق حقالزوجات(1).

وقال الشيخ في الخلاف: لا ترث المرأة من الرباع، والدور، والأرضين شيئاً، بل يقوّم الطوب والخشب فتعطى حقها منه.

وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: لها الميراث من جميع ذلك.

ودليلنا إجماع الطائفة وأخبارهم(2).

وقال صاحب الجواهر: لا خلاف بين المسلمين في أنّ الزوج يرث من جميع ما تركته زوجته من أرض وبناء وغيرهما.

كما أنه لا خلاف معتدّ به بيننا في أنّ الزوجة في الجملة لا ترث من بعض تركة زوجها، بل في الانتصار مما انفردت به الإمامية حرمان الزوجة من أرباع الأرض، بل عن الخلاف والسرائر الإجماع على حرمانها من العقار(3).


1) ـ الانتصار المسألة 319 ، ص 585 .

2) ـ الخلاف ج 4 ، كتاب الفرائض، المسألة 131 ص 116 .

3) ـ جواهر الكلام 39 : 207 .

وقد علل ذلك في بعض الروايات: لئلاّ تتزوج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم(1).

وأما من العامة فقد يستفاد من كلمات بعضهم أنّ الزوجة ترث من کل ما تركه الزوج قال في المجموع: فأما الزوجة فلها الربع من زوجها إذا لم يكن له ولد (أو ولد ابن) وإن سفل، ولها منه الثمن إذا كان له ولد أو ولد ابن وإنسفل، ذكراً كان أو أنثى لقوله تعالى: «وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ...»(2).

وقال ابن رشد في البداية: ... وأنّ ميراث المرأة من زوجها إذا لم يترك الزوج ولداً ولا ولد ابن: الربع، فإن ترك ولداً أو ولد ابن: فالثمن، وأنه ليس يحجبهنّ أحد عن الميراث، ولا ينقصهنّ إلاّ الولد، وهذا لورود النص في قوله تعالى: «وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ»(3).

والحاصل: أنّ المتسالم عليه بين الإمامية أنّ الزوجة لا ترث من بعض ما يتركه زوجها كالأرض، وإنما تعطى نصيبها من قيمة ما عليها من الأبنية، وتفصيل ذلك موكول إلى محلّه من كتاب الميراث.

وأما العامة فلا خلاف عندهم في أنها كسائر الورّاث، وترث نصيبها من جميع ما يتركه زوجها، ولعلّ عدم التصريح بذلك في كلماتهم لأنّ المسألة لم تكن معنونة عندهم كما هي عند الخاصة.


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3 .

2) ـ المجموع شرح المهذب 16 : 71 .

3) ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2 : 339 .

المسألة الثالثة: في الحبوة:

وهي عند الخاصة ما يعطى للولد الأكبر من تركة أبيه من ثياب بدنه، وخاتمه، وسيفه، ومصحفه، وتكون كالعوض عما يؤديه الولد من قضاء صلاة أبيه وصومه.

ويشترط في اختصاصها بالولد أن لا يكون سفيهاً، ولا فاسد الرأي والمذهب،وأن يخلّف الأب مالاً غيره، وأن لا يكون عليه دين يستغرق التركة وغيرها.

وقد اختلف الخاصة والعامة في ذلك، فذهب الخاصة إلى أنّ الحبوة يختصّ بها الولد الأكبر من دون سائر الورّاث مع تحقق الشرائط، وإلاّ لم يخصّ بشيء منها، وقد ادعي الإجماع على ذلك كما سيأتي.

وذهب العامة إلى خلاف ذلك، وقالوا بعدم اختصاص الولد الأكبر بشيء.

قال السيد في الانتصار: ومما انفردت به الإمامية: أنّ الولد الذكر الأكبر يفضّل دون سائر الورثة بسيف أبيه، وخاتمه ومصحفه، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك(1).

وقال الشيخ في الخلاف: يخصّ الابن الأكبر من التركة بثياب جلد الميّت، وسيفه، ومصحفه، دون باقي الورثة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.

ودليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم(2).

هذا ولم نقف على تصريح من العامة في خصوص الحبوة إلاّ أنّ المستفاد من كلماتهم هو ذلك.

قال في مغني المحتاج: قد يوهم كلامه أنّ الملك لا ينتقل للوارث إلاّ بعد


1) ـ الانتصار المسألة 316 ، ص 582 .

2) ـ الخلاف ج 4 كتاب الفرائض المسألة 129 ، ص 115 ـ 116 .

وفاء الدين والوصية، وليس مراداً ، بل الملك في الجميع ينتقل للوارث بمجرّد الموت على الأصحّ ...(1).وقال: يبدأ من تركة الميت بمؤنة تجهيزه، ثم تقضى ديونه ثم وصاياه من ثلث الباقي(2).

ونحوه ما جاء في المبسوط(3)، والمجموع(4)وغيرهما.

ولعلّ عدم تصريحهم بذلك لما ذكرناه في المسألة السابقة.

ولا نرى حاجة تدعونا إلى عرض الأدلة على ذلك، وفي ما أشرنا إليه كفاية.

وبعد: فهذه هي أهم المسائل الخلافية في الميراث بين الخاصة والعامة، وهناك عدّة مسائل أخرى يقف عليها المتتبع، ونكتفي بما ذكرناه.


1) ـ مغني المحتاج 3 : 4 .

2) ـ نفس المصدر ص 3 .

3) ـ المبسوط 29 : 139 .

4) ـ المجموع شرح المهذب 16 : 53 .

المقام الرابع: في أحكام التقية في الميراث

ويقع الكلام فيها في مسائل:

المسألة الأولى: إذا كان الورثة والمورّث من الشيعة الإمامية وجب أن تكون قسمة الميراث على ما تقتضيه أصول مذهبهم، وذلك مما لا إشكال فيه، ولكن لو قسّموا الميراث على طبق المذهب الحق وعلم به قضاة العامة مثلاً وأوجب ذلك الخوف على النفس أو العرض فبمقتضى ما مرّ من الأدلة العامة من وجوب التقية في كلّ ضرورة يجب أن يكون التقسيم على ما يقتضيه مذهب العامة من العول أو التعصيب أو نحو ذلك، فإن أمكن بعد ذلك القسمة على طبق المذهبالحق وجب ذلك، وإلاّ فلابدّ من تسوية المسألة بين الورّاث بصلح ونحوه.

المسألة الثانية: إذا كان بعض الورثة معتقداً بالحق دون الجميع فله حالات ثلاث:

إحداها: أن يعطى نصيبه تامّاً من دون زيادة ولا نقيصة.

ثانيها: أن يعطى أكثر من نصيبه على مذهبهم.

ثالثها: أن يعطى أقل من نصيبه.

أما الحالة الأولى فلا إشكال فيها.

وأما الحالة الثانية فيقع الكلام فيها من جهتين:

الأولى: في حكمها التكليفي.

الثانية: في حكمها الوضعي.

أما بالنسبة إلى الجهة الأولى فالظاهر أنه لا إشكال في جواز الأخذ، كما إذا أعطي بالتعصيب، أو أعطيت المرأة من الأرض والعقار ونحو ذلك، وذلك لما يستفاد من جملة من الروايات الواردة، وهي على نحوين:

الأول: الروايات العامة الدالة على قاعدة الإلزام.

منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الأحكام قال: تجوز على أهل كل ذي دين ما يستحلّون(1).

ومنها: صحيحة أيوب بن نوح، قال: كتبت إلى أبي الحسن (علیه السلام)أسأله: هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم أم لا؟ فكتب (علیه السلام): يجوز لكم ذلك، إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم والمداراة(2).

والتقييد فيها بقوله (علیه السلام): إذا كان مذهبكم فيه التقية، شرط متحقق كما هو الفرض في المسألة.

ومنها: رواية علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن (علیه السلام) أنه قال: ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم(3).

ودلالة هذه الروايات واضحة، وقد تقدم الكلام فيها في مبحث التقية في الطلاق.

الثاني: الروايات الخاصة الواردة في المقام:

منها: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن ميّت ترك أمه وأخوة وأخوات، فقسّم هؤلاء ميراثه، فأعطوا الأم السدس، وأعطوا الأخوة والأخوات ما بقي، فمات الأخوات، فأصابني من ميراثه، فأحببت أن أسألك: هل يجوز لي أن آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة أم لا؟ فقال: بلى، فقلت: إنّ أمّ الميّت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر أعني الدين، فسكت قليلاً، ثم قال: خذه(4).


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 4 .

2) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 5 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 6 .

وظاهر الرواية أنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع لم يكن يستحقّ شيئاً، وقد أعطيبالتعصيب، فأمره (علیه السلام) بالأخذ، وإنما جاز الأخذ للإلزام.

ومنها: رواية عبد الله بن محرز، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه، فقال: المال كلّه لابنته، وليس للأخت من الأب والأم شيء، فقلت: فإنّا قد احتجنا إلى هذا، والميت رجل من هؤلاء الناس، وأخته مؤمنة عارفة، قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنتهم وقضاياهم، قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً(1).

والرواية صريحة الدلالة إلاّ أنّ الكلام في سندها، فإنّ عبد الله بن محرز لم يرد فيه توثيق، نعم إن أورث قول زرارة الاطمئنان بصدور الرواية عن الإمام(علیه السلام) أمكن اعتبار سندها، وقد أشرنا إلى ذلك في مبحث التقية في الطلاق.

ولا يخفى أنّ التعبير في هذه الرواية وغيرها من الروايات المتقدمة بصيغة الأمر بالأخذ لا تدلّ على الوجوب لأنها واقعة بعد توهّم الحظر فتدل على الجواز.

ثم إنّه لو فرضنا أنّ المؤمن لم يعط من المال شيئاً، فهل يسوغ له أن يقيم الدعوى والمطالبة بالمال وإن لم يكن مستحقاً في الواقع؟

والظاهر هو الجواز، وذلك لما يستفاد من الروايات المتقدمة فإنّ قوله (علیه السلام): خذ لها، أو قوله: خذوا منهم، أو قوله: ألزموهم، أو قوله: خذه، يدل على أنّ له حقاً في أموالهم، وحكمه حكم سائر الحقوق فيجوز إقامة الدعوىوالمطالبة به.

وأما بالنسبة إلى الجهة الثانية: وهي الحكم الوضعي، فهل يجوز التملّك


1) ـ وسائل الشيعة ج 17 ، باب 4 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد، الحديث 1 .

بمجرّد الأخذ؟ أو أنّ جواز التملّك مراعى بعدم استبصار صاحب الحقّ، كما إذا كان المستحقّ في الواقع عامياً ثم استبصر؟

والظاهر هو الأول، وذلك:

أولاً: إنّ مفاد قوله (علیه السلام): خذه، أو قوله: خذوا منهم، أو قوله: ألزموهم ونحوها من التعابير هو الأخذ بعنوان التملّك على نحو الإطلاق، لا التملّك المشروط بعدم الاستبصار.

وثانياً: إنّ الاعتبار في النقل والانتقال هو وقت التسليم، وهو أمر لازم، وأما الاستبصار بعد ذلك فلا أثر له، نظير الدخول في الإسلام بعد التقسيم.

وثالثاً: إنّ ذلك هو الظاهر من صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدمة، فإنّ الإمام (علیه السلام) أمره بالأخذ مع العلم باستبصار الأم.

وأما الحالة الثالثة وهي ما إذا أعطي أقلّ من حقّه، كالولد الأكبر إذا لم يعطّ الحبوة، فهل تجوز له المطالبة؟ وعلى فرض عدم إعطائه فهل يجوز له أن يأخذ عين الحق إن وجدت أو مقدارها إن لم توجد مع الإمكان أم لا؟

والجواب: أما المطالبة فالظاهر أنّه لا إشكال في جوازها كما تقدّم.

وأما أخذ عين الحق فكذلك؛ لأنّ الحق بالنسبة إليه ثابت بإطلاق الأدلة، وعدم تصديق الآخرين أو جهلهم بذلك لا يوجب بطلان حقّه.

وأما الأخذ قهراً، فلا يخلو إما أن تكون حصّته معيّنة، وإما أن تكون مشاعة، فإن كانت معيّنة كما إذا كان باقي التركة له بالردّ فأعطي العصبة كالبنت المنفردةفلا إشكال في جواز الأخذ قهراً مع الإمكان.

وإن كانت الحصّة مشاعة كما إذا دخل عليه النقص من جهة العول ففي جواز الأخذ مشروطاً بإجازة المالكين، أو إجازة الحاكم الشرعي مع التعذر، أو عدم الحاجة إلى الإجازة بحوث تقدّم الكلام حولها في مبحث التقية في الجهاد

من الجزء الثاني، كما تقدم فيه أيضاً البحث حول جواز التقاصّ بمقدار الحق وعدمه مع تعذّر أخذ نفس العين.

المسألة الثالثة: إذا كان في الورثة مستبصران، واقتضى التقسيم على مذهب المخالفين إعطاء أحدهما أو بعضه إلى الآخر، كما إذا كان الولد وإحدى البنات معتقدين بالحق، وقسّمت الحبوة بينهما مع أنها تختص بالولد، أو نحو ذلك، فالظاهر عدم جواز تملّك المال لغير المستحقّ، ويجب إرجاعه إلى المستحقّ وهو الولد؛ وذلك لأنّ الظاهر من أدلة الإلزام والروايات الخاصة الواردة في المقام هو ما إذا كان المأخوذ منه لا يرى أنّ له حقاً في المال، وإنما هو حقّ لغيره فيلزم بذلك، وأما ما نحن فيه فليس كذلك، فإنّ البنت ـ حسب الفرض ـ عارفة، وتعلم أن لا حقّ لها في مال الحبوة، وإنما هو لأخيها، فلا دليل على الإلزام في المقام، ويجب إرجاع المال إلى صاحبه .

المسألة الرابعة: إذا كان الورثة كلّهم على غير الحق فقسموا المال بينهم على طبق مذهبهم، ثم استبصروا قبل القبض والتصرف أو بعده، فهل يحكم ببطلان القسمة وأنه لابدّ من قسمة جديدة على طبق المذهب الحق أو لا؟

ونقول: إن رضي الجميع بالإقالة والقسمة على طبق المذهب الحق فهو، وإن لم يرض الجميع بذلك فالأمر مشكل؛ لأنّ القسمة على القول بلزومها ولا يعتبرفيها القبض والتصرّف، وكانت صحيحة في نظرهم في وقتها، فكيف يحكم ببطلانها؟

نعم قد يقال: إنّ هذه القسمة نظير الدعوى بأنّ القسمة غلط فيراد تصحيحها، والغلط في هذه القسمة معلوم؛ لأنها حسب الفرض على خلاف الحق، وحينئذ يحكم ببطلان القسمة وإعادتها والمسألة بحاجة إلى تأمّل.

هذا تمام الكلام في التقية في الفرائض، والحمد لله أوّلا وآخراً.

خاتمة في مستثنيات التقية

ذكرنا في الجزئين السابقين بعض الموارد الخارجة تخصيصاً أو تخصّصاً عن أدلة التقية، وبقيت موارد أخرى آثرنا ذكرها في خاتمة هذه المباحث.

أما الموارد التي مرّ ذكرها فهي:

1 ـ ما إذا استلزمت التقية إضعاف الدين، أو اضمحلاله، أو هتك مقدساته، أو التوهين من شأنه.

2 ـ التقية في البراءة من أمير المؤمنين (علیه السلام) أو أحد الأئمة (عليهم السلام) .

3 ـ التقية في إراقة دم المؤمن، فإنها إنما شرّعت ليحقن بها الدم، فإذا بلغت الدم فلا تقية.

4 ـ التقية في متعة الحجّ.

5 ـ التقية في شرب المسكر.

6 ـ التقية في المسح على الخفّين.

7 ـ التقية في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.

8 ـ ما إذا استلزمت التقية لحفظ المال، هتك عرض المؤمن، وقد قوّينا عدم الجواز.

وقد تقدّمت البحوث حول هذه الموارد، واستعرضنا أدلتها ومواطن الخلاففيها.

وأما الموارد الباقية فهي بحسب التتبّع للروايات أربعة نشير إليها وإلى أدلّتها إجمالاً دون الدخول في التفاصيل، وهي كالتالي:

9 ـ في ترك السلام على المؤمن:

إنّ مما لا شكّ فيه أنّ للمؤمن حرمة يجب أن تصان، ومنزلة ينبغي أن

تراعى، وقد وردت النصوص الكثيرة في الحثّ والتأكيد على الاهتمام بشأنه وشؤونه، وأنّ له حقوقاً واجبة ومندوبة على إخوانه المؤمنين، وبلغت من الكثرة فوق حدّ التواتر.

ومنها: صحيحة مرازم، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ما عبد الله بشيء أفضل من أداء حقّ المؤمن(1).

ومنها: صحيحة معلّى بن خنيس، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول: قال الله عزوجل: ليأذن بحرب منّي من أذلّ عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن(2).

ومنها: معتبرته الأخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله علیه وآله): قال الله عزوجل: من استذلّ عبدي المؤمن فقد بارزني بالمحاربة، الحديث(3).وغيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المقام.

وقد عدّ في بعض الروايات أنّ التسليم على المؤمن حقّ من حقوقه(4)، وهو من أبرز مصاديق الإكرام، وورد الحثّ عليه والمبادرة إليه، فقد جاء في صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنّ الله عزوجل يحبّ إفشاء السلام(5).

وفي صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: البادي بالسلام أولى بالله ورسوله(6).

وروي عن النبي (صلي الله علیه وآله) أنه قال: بين المسلم والمجيب ماءة حسنة، تسعة وتسعون منها لمن يسلّم، وواحدة لمن يجيب(7).


1) ـ وسائل الشيعة ج 8 ، باب 122 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 .

2) ـ نفس المصدر باب 147 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 3 .

4) ـ نفس المصدر باب 122 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 9 .

5) ـ الأصول من الكافي ج 2 ، كتاب العشرة، باب التسليم، الحديث 5 ص 645 .

6) ـ نفس المصدر الحديث 8 ، ص 645 .

7) ـ جامع أحاديث الشيعة ج 15 ، باب 18 استحباب السلام ... الحديث 7 ، ص 588.

هذا مضافاً إلى أنّ السلام أحد الآداب الأخلاقية الإلهية، فإنه تحية أهل الجنة(1)، وهو سنة الأنبياء، وإنّ من أخلاق الرسول (صلي الله علیه وآله) أنه كان يسلّم على الصغير والكبير(2). بل ورد التأكيد منه (صلي الله علیه وآله)على ذلك، حيث روي عنه (صلي الله علیه وآله) أنه قال: خمس لا أدعهنّ حتى الممات، الأكل على الحضيض مع العبيد ... والتسليم على الصبيان ليكون ذلك سنّة من بعدي(3).

ونظراً لأهمية هذه السنة الإلهية ولما لها من آثار جليلة ورد أنه لابدّ من مراعاتها في جميع الأحوال، وإن كان السلام في نفسه ليس من الواجبات إلاّ أن من أبرز ما ينافي مراعاة مكانة المؤمن وأداء حقوقه، الإعراض عنه وترك السلام عليه.

ولذلك ورد الأمر به ولو في حال التقية. ومنه ما رواه إسحاق بن عمار قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام)، وكنت تركت التسليم على أصحابنا في مسجد الكوفة، وذلك لتقية علينا فيها شديدة، فقال لي أبو عبد الله: يا إسحاق متى أحدثت هذا الجفاء لإخوانك، تمرّ بهم فلا تسلّم عليهم؟ فقلت له: ذلك لتقية كنت فيها، فقال: ليس عليك في التقية ترك السلام، وإنما عليك في الإذاعة، إنّ المؤمن ليمرّ بالمؤمنين فيسلّم عليهم فتردّ الملائكة: سلام عليك ورحمة الله وبركاته(4).

وهي واضحة الدلالة على عدم تسويغ التقية في ترك السلام على المؤمن، إلاّ أنّ الكلام في سندها فإنّ الرواية مجهولة الطريق.

ولكن ـ مع ذلك ـ يمكن أن يقال بأنها مطابقة لمقتضى القاعدة، فإنّ السلام من آداب الإسلام وتعاليمه، ولا خلاف بين المسلمين في استحباب الابتداء به،ووجوب الردّ فلا مجال لأن يكون مورداً للتقية، نعم قد تأتي


1) ـ جامع أحاديث الشيعة ج15 ، باب 22 كيفية التسليم وبيان صيغه، الحديث1 ، ص596 ـ 597.

2) ـ نفس المصدر باب 25 ما ورد في تسليم رسول الله (صلي الله علیه وآله) على الصبيان، الحديث4، ص 602 .

3) ـ نفس المصدر الحديث 1 ، ص 601 .

4) ـ وسائل الشيعة ج 8 ، باب 47 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 .

بالنسبة إلى غير المسلمين إلاّ أنّ الرواية غير ثابتة كما أشرنا.

10 ـ في صدّ فقراء المؤمنين خشية من الشهرة:

وإنّ مما أكّد عليه الأئمة (عليهم السلام) وأوصوا به شيعتهم: أن لا يغفلوا عن الحقوق فيما بينهم، وأن يتفقد بعضهم أحوال بعض، فيسدّ الغني منهم حاجة الفقير ويأخذ القوي منهم بيد الضعيف، لتشتدّ أواصر الأخوة الإيمانية فيما بينهم.

ومما يدلّ على ما نحن فيه ما رواه الكشي بسنده عن سليمان الديلمي قال: قال إسحاق بن عمار: لما كثر مالي أجلست على بابي بوّاباً يردّ عني فقراء الشيعة، قال: فخرجت إلى مكة في تلك السنة، فسلّمت على أبي عبد الله (علیه السلام) فردّ عليّ بوجه قاطب غير مسرور، فقلت: جعلت فداك ما الذي غيّرني عندك؟ قال: الذي غيّرك للمؤمنين، قلت: جعلت فداك والله إنى لأعلم أنهم على دين الله، ولكن خشيت الشهرة على نفسي، قال: يا إسحاق أما علمت أنّ المؤمنين إذا التقيا فتصافحا بين إبهاميهما مائة رحمة، تسعة وتسعون منها لأشدّهما حبّاً لصاحبه، فإذا اعتنقا غمرتهما الرحمة، فإذا التأما لا يريدان بذلك إلاّ وجه الله قيل لهما: غفر الله لكما، فإذا جلسا يتساءلان قالت الحفظة بعضها لبعض: اعتزلوا بنا عنهما فإنّ لهما سراً، وقد ستر الله عليهما، قلت: جعلت فداك وتسمع الحفظة قولهما ولا تكتبه وقد قال الله عزوجل: «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌعَتِيدٌ»(1)؟ قال: فنكس رأسه طويلاً، ثم رفعه وقد فاضت دموعه على لحيته وهو يقول: يا إسحاق إن كانت الحفظة لا تسمعه ولا تكتبه فقد يسمعه ويعلمه الذي يعلم السرّ وأخفى، يا إسحاق خف الله كأنّك تراه، فإن شككت في أنه يراك فقد كفرت، وإن تيقّنت أنه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته في حدّ أهون الناظرين إليك(2).


1) ـ سورة ق ، الآية: 18 .

2) ـ رجال الكشي 2 : 709 ـ 710 ، وجامع أحاديث الشيعة ج 15 ، باب 13 ثواب معانقة المؤمنين ... الحديث 2 ، ص 567 .

وموضع الشاهد قوله (علیه السلام) في جواب إسحاق: الذي غيّرك للمؤمنين، مضافاً إلى عدم قبول اعتذاره للإمام (علیه السلام) بأنّ ما صنعه من صدّ فقراء الشيعة هو الخوف من الشهرة، بل قد يستشعر من ذيل الرواية أنّ ذلك منه في عداد التجاهر بالمعصية فقد يقال بأنّ الرواية تدلّ في الجملة على عدم جواز التقية.

هذا وقد رواها الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال بسنده إلى سليمان الديلمي عن إسحاق بن عمار مع اختلاف في الألفاظ(1)، ورواها الكليني أيضاً مع تفاوت يسير(2).

ويؤيد ذلك ما ورد في أحوال علي بن يقطين، من أنّ الإمام الكاظم (علیهالسلام) اشترط عليه أن لا يأتيه وليّ أبداً إلاّ أكرمه، وضمن له الإمام (علیه السلام) في مقابل ذلك أن لا يصيبه حرّ الحديد أبداً بقتل ولا فاقة ولا سقف سجن، فوفى علي بن يقطين بما شرط الإمام (علیه السلام) ، وضمن له الإمام تلك الأمور(3)، ولعلي بن يقطين قضايا كثيرة ومنها قضيته مع إبراهيم الجمّال(4).

وأما سند الرواية فالظاهر أنه معتبر، فإنّ سليمان الديلمي وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنه واقع في أسناد تفسير القمّي(5)، وذلك أمارة على اعتبار روايته، كما حقّقناه في محلّه(6).

11 ـ في زيارة سيد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام) :

وقد تجاوزت الروايات الدالة على فضل زيارته والحث عليها من الكثرة حدّ التواتر، والذي يعنينا في المقام ما ورد في زيارته (علیه السلام) مع الخوف، وهي عدة روايات:


1) ـ ثواب الأعمال ـ باب زيارة الإخوان … الحديث 1 ، ص 176 ـ 177 .

2) ـ الأصول من الكافي ج2 ـ كتاب الإيمان والكفر ـ باب المصافحة، الحديث14 ، ص181 ـ 182.

3) ـ رجال الكشي 2 : 731 .

4) ـ بحار الأنوار 48 : 85 .

5) ـ تفسير القمي 1 : 155 .

6) ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 163 ـ 165 .

منها: ما رواه زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): ما تقول فيمن زار أباك على خوف؟ قال: يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر، وتلقاه الملائكة بالبشارة، ويقال له: لا تخف ولا تحزن، هذا يومك الذي فيه فوزك(1).ومنها: رواية ابن بكير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: إني أنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح، فقال: يابن بكير أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً، أما تعلم أنّه من خاف لخوفنا أظلّه الله في ظلّ عرشه، وكان محدّثه الحسين (علیه السلام) تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزع، فإن فزع وقّرته (قوّته) الملائكة وسكّنت قلبه بالبشارة(2).

ومنها: رواية معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: يا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين (علیه السلام) لخوف، فإنّ من تركه رأى من الحسرة ما يتمنّى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله وعلي وفاطمة والأئمة (عليهم السلام) ، أما تحب أن تكون ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ويغفر له ذنوب سبعين سنة، أما تحب أن تكون ممن يخرج من الدنيا وليس عليه ذنب يتبع به، أما تحب أن تكون غداً ممن يصافحه رسول الله (صلي الله علیه وآله) (3).

ومنها: ما رواه يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له:جعلت فداك زيارة قبر الحسين (علیه السلام) في حال التقية، قال: إذا أتيت الفرات فاغتسل، ثم


1) ـ كامل الزيارات ـ الباب الخامس والأربعون ـ ثواب من زار الحسين (علیه السلام) وعليه خوف، الحديث1، ص 135 .

2) ـ كامل الزيارات ـ الباب الخامس والأربعون ـ ثواب من زار الحسين (علیه السلام) وعليه خوف ، الحديث2 ، ص 135 ـ 136 .

3) ـ كامل الزيارات ـ الباب الخامس والأربعون ـ ثواب من زار الحسين (علیه السلام) وعليه خوف، الحديث3، ص 136 .

البس أثوابك الطاهرة (ثوبيك الطاهرين) ثم تمرّ بإزاء القبر وقل: صلّى الله عليك يا أبا عبد الله ، صلى الله عليك يا أبا عبد الله (صلى الله عليك يا أبا عبد الله) فقد تمّت زيارتك(1).

ودلالة هذه الرواية واضحة، فإنّ الراوي سأل الإمام (علیه السلام) عن الزيارة في ظرف التقية فأجابه الإمام (علیه السلام) بالأمر بالزيارة بل علّمه آدابها وكيفيتها.

ومنها: رواية محمد بن مسلم في حديث طويل قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) : هل تأتي قبر الحسين (علیه السلام) ؟ قلت: نعم على خوف ووجل، فقال: ما كان من هذا أشدّ فالثواب فيه على قدر الخوف، ومن خاف في إتيانه آمن الله روعته يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وانصرف بالمغفرة، وسلّمت عليه الملائكة، وزاره النبي (صلي الله علیه وآله) ودعا له، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء، واتبع رضوان الله، ثم ذكر الحديث(2).

والمستفاد من جميع هذه الروايات جواز الزيارة حال الخوف بل الترغيب فيذلك كما هو صريح الروايتين الثانية والأخيرة.

هذا وقد حمل العلاّمة المجلسي (قدس سره) الخوف في هذه الروايات على أنّ المراد به أحد أمرين: أولهما: الخوف الضعيف مع ظنّ السلامة، والآخر الخوف على فوات العزّة والجاه وذهاب المال لا تلف النفس والعرض، وذلك لعمومات التقية، والنهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة(3).

وعلى أي تقدير فإنّ دلالة الروايات واضحة في جواز زيارة سيد الشهداء(علیه السلام) وإن كانت في حال الخوف والتقية.


1) ـ كامل الزيارات ـ الباب الخامس والأربعون ـ ثواب من زار الحسين (علیه السلام) وعليه خوف، الحديث4، ص 136 .

2) ـ كامل الزيارات ـ الباب الخامس والأربعون ـ ثواب من زار الحسين (علیه السلام) وعليه خوف، الحديث5، ص 136 ـ 137 .

3) ـ بحار الأنوار 101 : 10 .

ولكن وردت بإزاء هذه الروايات عدة روايات أخرى تدلّ على جواز ترك الزيارة خشية الشهرة والاكتفاء بزيارته (علیه السلام) مرة في السنة.

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن زيارة الحسين(علیه السلام) قال: في السنة مرة، إني أخاف الشهرة(1).

ومنها: معتبرة عبيد الله الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت: إنّا نزور قبر الحسين (علیه السلام) في السنة مرتين أو ثلاث فقال أبو عبد الله (علیه السلام): أكره أن تكثروا القصد إلي (إليه) زوروه في السنة مرة ...(2).وغيرها من الروايات، وهي تدلّ على جواز ترك الزيارة خوفاً من اشتهار الأمر بين الظالمين، ولذلك كره الإمام (علیه السلام) كما في الرواية الثانية الإكثار من القصد إليه (علیه السلام) ، وهي بظاهرها تنافي الروايات السابقة الدالة على جواز الزيارة مع الخوف، ويمكن الجمع بينها بأن يقال: إنّ الخوف إذا كان من الناس فيكتفى بالزيارة في السنة مرة، وأما إذا كان الخوف من السلطان فلا بأس بتكرار الزيارة.

هذا، ولكن الروايات الدالة على جواز الزيارة مع الخوف كلها ضعيفة الأسناد.

12 ـ في زمان ظهور الحجة  :

وبظهوره يظهر الحق، فتنكشف غياهب الظلمات ويرتفع الجور وتملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ويظهره الله على الدين كله ولو كره الكافرون، وتنقطع التقية ويحقّ الحق، وينعم البشر بالعدل والأمان.

ويدلّ على ذلك عدّة من الروايات:

منها: معتبرة الحسين بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) : لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، وإنّ أكرمكم عند الله أعملكم


1) ـ كامل الزيارات ـ الباب الثامن والتسعون ـ أقل ما يزار فيه الحسين (علیه السلام) ... الحديث 8 ص 309 ، وورد بهذا المضمون أحاديث أخرى لاحظ الحديث 4 و 6 من نفس الباب.

2) ـ كامل الزيارات ـ الباب الثامن والتسعون ـ أقل ما يزار فيه الحسين (علیه السلام) الحديث 14 ، ص 311 .

بالتقية، فقيل له: يابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا (أهل البيت)، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا، قيل له: يابن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: الرابع من ولدي، ابن سيدة الإماء، يطهّر الله به الأرض من كل جور ويقدّسها من كل ظلم، وهو الذي يشكّ الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره، يضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحداً،وهو الذي تطوى له الأرض، ولا يكون له ظلّ، وهو الذي ينادي مناد من السماء ويسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه يقول: ألا أنّ حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه، فإنّ الحق معه وفيه، وهو قول الله عزوجل: «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ»(1).

ومنها: صحيحة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لم تبق الأرض إلاّ وفيها منّا عالم يعرف الحق من الباطل، وقال: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنّما نتقي، ولكانت التقية أحبّ إليكم من آبائكم وأمّهاتكم، ولو قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك، ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حدّ الله(2).

ومنها: ما رواه العياشي بسنده عن المفضّل قال: وسألته (الصادق (علیه السلام) ) عن قوله: «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ» قال: رفع التقية عند الكشف فانتقم من أعداء الله(3).

ودلالة الرواية واضحة، فإنّ المراد من الكشف هو ظهور الحجة عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

ومما يؤيّد هذا المعنى أنه ورد في نسخة البحار: رفع التقية عند قيام القائم(4).


1) ـ جامع أحاديث الشيعة ج 14 ، باب 1 وجوب التقية مع الخوف ... الحديث 7 ، ص 506 .

2) ـ وسائل الشيعة ج 11 ، باب 31 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الحديث 2 .

3) ـ تفسير العياشي ج 1 ، الحديث 86 ، ص 351 .

4) ـ بحار الأنوار 12 : 207 .

ومنها: ما رواه الصدوق في الهداية، قال: وقال الصادق (علیه السلام): الرياء مع المنافق في داره عبادة، ومع المؤمن شرك، والتقية واجبة لا يجوز تركها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عزوجل ونهي رسول الله (صلي الله علیه وآله) والأئمة صلوات الله عليهم(1).

وغيرها من الروايات وهي واضحة الدلالة على أنّ التقية إنما هي محدودة في دولة الظالمين، وأما إذا جاء الحق وزهق الباطل وتحقق العدل الإلهي فلا مجال للتقية لارتفاع موضوعها إذ ينجلي الغم، وينكشف الضر، ويرتفع البلاء، ويخلع ثوب التقية عن لابسيه، وينعم المؤمنون في ظل رعايته وخيره وبركاته.

نسأل الله تعالى أن يعجّل له الفرج وأن يجعلنا من شيعته وأوليائه ويرزقنا النظر إلى طلعته الرشيدة وغرّته الحميدة ويشرّفنا بخدمته والجهاد بين يديه، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، والسلام عليه وعلى آبائه الغرّ الميامين.

وحيث بلغ بنا الحديث إلى هذا المقام فليكن مسك الختام.

وبعد:

فهذا ما أردناه من الجزء الثالث من التقية في فقه أهل البيت (عليهم السلام)، وبه تنتهي هذه المباحث الفقهية التي تناولت هذا الموضوع في جميع أبواب الفقه،ونسأله تعالى أن يتقبّله بقبول حسن إنه جواد كريم، كما نبتهل إليه تعالى أن يجعله مرعيّاً بنظر وليّ النعمة مولانا الحجة بن الحسن أرواحنا فداه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

الثلاثاء 22 شوال 1419 هـ

في قم المشرفة ـ عشّ آل محمد (عليهم السلام)


1) ـ الهداية: 10 .

الفهرس

•

فهرس المصادر.

•

فهرس المحتويات.

فهرس المصادر

القرآن الكريم.

1.

أئمتنا، لعلي محمد علي دخيل، الطبعة السادسة، 1402 هـ ـ 1982 م ، دار مكتبة الإمام الرضا (علیه السلام) ، دار المرتضى، بيروت ـ لبنان.

2.

إثبات الوصية، لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ت 345 هـ ، الطبعة الثانية 1404 هـ ، منشورات الرضي ، قم.

3.

أجوبة المسائل السروية، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (الشيخ المفيد) ت 413 هـ ، المطبوع في ضمن كتاب عدة رسائل، منشورات مكتبة المفيد، قم ـ إيران.

4.

أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد الرازي الجصّاص ت 370 هـ ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

5.

إحياء علوم الدين، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي ت 505 هـ ، وبذيله كتاب المغني عن حمل الأسفار في الاسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، لزين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي ت 806 هـ ، دار الندوة الجديدة، بيروت ـ لبنان.

6.

اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ، لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، تصحيح وتعليق المعلم الثالث محمد باقر الحسيني الميرداماد الاسترآبادي، تحقيق السيد مهدي الرجائي، مطبعة بعثت 1404 هـ ، مؤسسة آل1. البيت(عليهم السلام) .

7.

الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت460 هـ ، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، نشر دار الكتب الإسلامية، 1390 هـ ، طهران.

8.

الاستغاثة، لأبي القاسم علي بن أحمد الكوفي ت 352 هـ ، لم يذكر فيه الطبعة، ولا سنة الطبع، ولا دار النشر.

9.

الإصابة في تمييز الصحابة، لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852 هـ ، وبهامشه الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر النمري القرطبي ت 463 هـ ، الطبعة الأولى 1328 هـ ، مطبعة السعادة ـ مصر، دار صادر.

10.

أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق، تقرير بحث آية الله الشيخ مسلم الداوري، لمحمد علي المعلم، الطبعة الأولى 1416 هـ ، مطبعة نمونة، قم المقدسة، إيران.

11.

الأصول من الكافي، لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ت 328 هـ أو 329 هـ ، نشر الشيخ محمد الآخوندي، مطبعة الحيدري ـ طهران.

12.

أقرب الموارد في فصيح العربية والشوارد، لسعيد الخوري الشرتوني اللبناني، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1403 هـ ، قم ـ إيران.

13.

الأمالي، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي1. (الشيخ الصدوق) ت 381 هـ ، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1417 هـ .

14.

الأمالي، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ ، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الأهلية، بغداد 1384 هـ ـ 1964 م .

15.

الأمالي، لشيخ الطائفة الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1414 هـ .

16.

الإمام زفر وآراؤه الفقهية، للدكتور أبي اليقظان عطية الجبوري، الطبعة الثانية، 1406 هـ ـ 1986 م ، دار الندوة الجديدة، بيروت ـ لبنان.

17.

الانتصار، للشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي ت436هـ، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي، شوال 1415 هـ ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة.

18.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي)، لناصر الدين أبي الخير عبد الله بن عمر البيضاوي ت791 هـ ، الطبعة الثانية 1388 هـ ـ 1968م، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

19.

الأوائل، لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، المتوفى في أواخر القرن الرابع الهجري، الطبعة الأولى 1407 هـ ـ 1987 م ، دار الكتب العلمية ، بيروت ـ لبنان.

20.

إيضاح الفوائد في شرح القواعد، لفخر المحققين الشيخ أبي طالب محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي ت 771 هـ ، الطبعة الأولى 1387هـ.

21.

بحار الأنوار، لشيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي ت 1111 هـ ، دار الكتب الإسلامية، طهران.

22.

بحار الأنوار، الأجزاء 29 ، 30 ، 31 ، للعلامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي، تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي، دار الرضا، بيروت ـ لبنان.

23.

البحر الرائق شرح كنز الدقائق، للشيخ زين الدين عمر بن إبراهيم بن محمد المصري الشهير بابن نجم ت 1005 هـ ، وبهامشه حواشي محمد أمين الشهير بابن عابدين، المكتبة

الماجدية، باكستان.

24.

البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، لأحمد بن يحيى بن المرتضى ت 840 هـ ، مؤسسة الرسالة، بيروت ـ لبنان 1394 هـ ـ 1975 م.

25.

بحوث فقهية، من محاضرات آية الله العظمى الشيخ حسين الحلي، للسيد عز الدين بحر العلوم، الطبعة الرابعة 1415 هـ ، مؤسسة المنار.

26.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي ت 595 هـ ، منشورات الرضي 1389 ـ 1969 م ، قم.

27.

البرهان في تفسير القرآن، للسيد هاشم الحسيني البحراني ت 1107 هـ ، أو 1109 هـ ، الطبعة الثانية مطبعة آفتاب، طهران، دار الكتب العلمية، قم ـ إيران.

28.

البرهان في تفسير القرآن، للسيد هاشم البحراني، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى 1415 هـ ـ قم.

29.

بصائر الدرجات الكبرى، لأبي جعفر محمد بن الحسن بن فروخ (الصفار) ت290هـ من أصحاب الإمام الحسن العسكري (علیه السلام)، تقديم وتعليق وتصحيح الميرزا محسن (كوچه باغي)، منشورات مؤسسة الأعلمي 1404هـ ـ طهران.

30.

بلوغ المرام من أدلة الأحكام، للحافظ ابن حجر العسقلاني ت 852 هـ ، تصحيح وتعليق محمد حامد الفقي، دار النهضة للطباعة والنشر.

31.

تاج العروس من جواهر القاموس، لمحب الدين بن أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي، الطبعة الأولى 1306 هـ ، منشورات مكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان.

32.

تاريخ ألمانيا النازية، لنوري الأنسي، منشورات مكتبة الطلاب ـ المكتبة العصرية.

33.

تاريخ ألمانيا الهتلرية، لوليام شيرر، تعريب خيري حماد، الطبعة الثانية 1966م ، منشورات مكتبة المثنى ـ بغداد، توزيع دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان.

34.

تاريخ الخلفاء، للحافظ جلال الدين السيوطي ت 911 هـ ، الطبعة الأولى 1408 هـ ـ 1988 م ، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.

35.

تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك) ، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت 310 هـ ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثانية، 1387 هـ ـ 1967 م ، دار

سويدان، بيروت ـ لبنان.

36.

التبيان في تفسير القرآن، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

37.

ترتيب كتاب العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي ت 175 هـ ، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي، والدكتور إبراهيم السامرائي، تصحيح الأستاذ أسعد الطيب، الطبعة الأولى 1414 هـ ، انتشارات أسوة، قم.

38.

تذكرة الفقهاء لجمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر (العلامة الحلي) ت 726 هـ ، منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران ـ الطبع القديم.

39.

تفسير البحر المحيط ، لمحمد بن يوسف (أبي حيان الأندلسي) ، الطبعة الثانية 1403 هـ ـ 1983 م ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

40.

تفسير العياشي، لأبي النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي، المعروف بالعياشي، تصحيح وتحقيق وتعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية ـ طهران.

41.

التفسير الكبير، لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي ت 604 هـ، الطبعة الأولى 1411 هـ ـ 1990 م ، دار الكتب، بيروت ـ لبنان.

42.

تفسير القمي، لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي، تصحيح وتعليق السيد طيب الموسوي الجزائري، الطبعة الأولى 1411 هـ ـ 1991 م ، دار السرور، بيروت ـ لبنان.

43.

تفسير المراغي، لأحمد مصطفى المراغي، الطبعة الثانية 1985 م ، دار إحياء التراث العربي.

44.

تفسير نور الثقلين، للشيخ عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي، تصحيح وتعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي، دار الكتب العلمية ـ قم.

45.

تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للمحدث الشيخ محمد1. حسن الحر العاملي ت 1104 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1409 هـ ، قم المشرفة.

46.

التقية في فقه أهل البيت (عليهم السلام) الجزآن 1 و 2 ، تقرير بحث آية الله الشيخ مسلم الداوري، لمحمد علي المعلم، الطبعة الأولى 1418 هـ و1419 هـ ، قم المقدسة ـ إيران.

47.

تهذيب الأحكام، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ ، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الثالثة، 1390 هـ، دار الكتب الإسلامية ـ طهران.

48.

تهذيب التهذيب، لشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852 هـ، الطبعة الأولى 1404 هـ ـ 1984 م ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

49.

تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف بن علي القضاعي المزي ت 742 هـ ، تحقيق وضبط وتعليق الدكتور بشار عواد معروف، الطبعة الثانية 1403 هـ ـ 1983 م ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت.

50.

ثواب الأعمال، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ت 381 هـ ، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، نشر كتبي نجفي ـ قم ومكتبة الصدوق ـ طهران.

51.

جامع أحاديث الشيعة، ألّف تحت إشراف آية الله العظمى آقا حسين الطباطبائي البروجردي، منشورات مدينة العلم آية الله العظمى الخوئي ـ المطبعة العلمية، قم ـ إيران.

52.

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي ت 463 هـ ، تقديم وتعليق محمد عبد القادر أحمد عطا، الطبعة الأولى 1415 هـ ـ 1995 م ، مؤسسة الكتب الثقافية.

53.

جامع البيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت 310 هـ ، وبهامشه غرائب القرآن ورغائب الفرقان، لنظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري، الطبعة الأولى 1323 هـ دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.

54.

الجامع الصحيح (سنن الترمذي) ، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ت 297 هـ ، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي.

55.

الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ت 671 هـ ، الطبعة الثانية 1372 هـ ـ 1952 م ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

56.

جامع المدارك في شرح المختصر النافع، للسيد أحمد الخوانساري، تعليق علي أكبر الغفاري، الطبعة الثانية 1405 هـ ـ 1364 ش ، مكتبة الصدوق، طهران.

57.

جامع المسانيد والسنن، للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي ت 774 هـ ، توثيق وتخريج وتعليق الدكتور عبد المعطي أمين قلعچي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

58.

جامع المقاصد في شرح القواعد، للمحقق الثاني الشيخ علي بن الحسين الكركي ت 940 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1408 هـ ، قم المشرفة.

59.

الجرح والتعديل، للحافظ شيخ الإسلام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي ت 327 هـ ، الطبعة الأولى 1371 هـ ـ 1952 م ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

60.

جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم (الشيخ المفيد) ت 413 هـ ، تحقيق الشيخ مهدي نجف، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 9 ، الطبعة الأولى 1413هـ، قم.

61.

جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، للشيخ محمد حسن النجفي ت1266هـ، الطبعة السابعة، دار الكتب الإسلامية ، طهران.

62.

حاشية المكاسب، للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، دار المعارف الإسلامية، طهران ـ دار العلم ، قم 1378 هـ ، الطبع القديم.

63.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للشيخ يوسف البحراني ت1186هـ ، تحقيق وتعليق الشيخ محمد تقي الأيرواني، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة ـ إيران.

64.

الخرائج والجرائح، لقطب الدين الراوندي ت 573 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي، الطبعة الأولى 1409 هـ ، قم المقدسة.

65.

الخصال، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري نشر مكتبة الصدوق ـ طهران 1389 هـ ق ـ1. 1348 هـ ش .

66.

خلاصة الإيجاز في المتعة، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (الشيخ المفيد) ت 413 هـ ، تحقيق علي أكبر نزاد، المطبوع ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ج 6 ، الطبعة الأولى 1413 هـ .

67.

الخلاف، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ ، تحقيق السيد علي الخراساني، والسيد جواد الشهرستاني، والشيخ مهدي طه نجف، إشراف الشيخ مجتبى العراقي، طبع ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1411 هـ .

68.

الدروس الشرعية في فقه الإمامية، لشمس الدين الشيخ محمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول) 786 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة الأولى 1414 هـ .

69.

الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للإمام عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، الطبعة الأولى 1403 هـ ـ 1983 م ، دار الفكر ، بيروت.

70.

دعائم الإسلام، لأبي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيّون التميمي المغربي ت 363 هـ ، تحقيق آصف بن علي بن أصغر فيضي، دار المعارف، 1383 هـ ـ 1963 م .

71.

ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، للشهيد الأول محمد بن جمال الدين مكي العاملي الجزيني 786 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1419 هـ .

72.

الرجال، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ ،1. تحقيق وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم، الطبعة الأولى 1381 هـ ـ 1961 م ، منشورات المكتبة والمطبعة الحيدرية في النجف الأشرف.

73.

رجال النجاشي، لأبي العباس أحمد بن علي النجاشي ت 450 هـ ، تحقيق محمد جواد النائيني، الطبعة الأولى 1408 هـ ـ 1988 م ، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان.

74.

الرجل الصنم كمال أتاتورك، لضابط تركي سابق، ترجمة عبد الله عبد الرحمن، الطبعة الرابعة 1412 هـ ـ 1992 م ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت.

75.

رسالة تنزيه الصفوة، لآية الله العظمى السيد علي الحسيني العلامة الفاني الاصفهاني، لم يذكر تاريخ الطبع ولا دار النشر.

76.

رسالة في التحريم من جهة المصاهرة، للشيخ مرتضى الأنصاري ت1281هـ، مطبوعة ضمن كتاب المكاسب ـ الطبع القديم، بخط طاهر خوش نويس.

77.

الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، للشيخ زين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني) ، إشراف السيد محمد كلانتر، الطبعة الثانية 1395 هـ ، منشورات جامعة النجف الدينية.

78.

الروضة من الكافي لثقة الإسلام الكليني، تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر

غفاري ، الطبعة الثانية 1389 هـ ، دار الكتب الإسلامية.

79.

روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، للمولى محمد تقي المجلسي ت1070هـ منشورات بنياد فرهنگ إسلامي، حاج محمد حسين كوشان بور.

80.

رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، للسيد علي الطباطبائي، منشورات مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) للطباعة والنشر، 1404 هـ ، الطبع القديم.

81.

الزواج في القرآن والسنة، للسيد عز الدين بحر العلوم، الطبعة الثالثة 1407 هـ ـ 1986 م ، دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت.

82.

سنن ابن ماجة، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجة ت 275 هـ ، تحقيق وترقيم وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر.

83.

سنن أبي داود، لأبي سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي ت 275 هـ ، مراجعة وضبط وتعليق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

84.

سنن الدارقطني، لشيخ الإسلام علي بن عمر الدارقطني ت 385 هـ ، تصحيح وتحقيق السيد هاشم يماني المدني، دار المحاسن للطباعة، القاهرة.

85.

سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي السمرقندي الدارمي ت 255 هـ ، تخريج الشيخ محمد عبد العزيز الخالدي، الطبعة الأولى 1417 هـ ـ 1996 م ، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.

86.

سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي، دار الفكر.

87.

السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ت 458 هـ ، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.

88.

سنن النسائي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي ت 303 هـ ،

الطبعة الأولى 1348 هـ ـ 1930 م ، دار الفكر ـ بيروت.

88.

شرائع الإسلام، لأبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (المحقق الحلي) ت 676 هـ ، تحقيق وإخراج وتعليق عبد الحسين محمد علي، الطبعة الأولى 1389 هـ ـ 1969 م ، مطبعة الآداب، النجف الأشرف.

89.

شرح تجريد الكلام، للقوشجي، الطبع القديم.

90.

شرح نهج البلاغة، لعز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله محمد بن أبي الحديد المدائني ت 656 هـ ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.

91.

الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية)، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الرابعة 1407 هـ ـ 1987 م ، دار العلم للملايين، بيروت ـ لبنان.

92.

صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري ت 256 هـ ، الطبعة الخامسة 1406 هـ ـ 1986 م ، عالم الكتب، بيروت ـ لبنان.

93.

صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ت 261 هـ ، تحقيق وتصحيح وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثانية 1398 هـ ـ 1987 م ، دار الفكر، بيروت.

94.

صحيح مسلم بشرح النووي، للحافظ محي الدين أبي زكريا بن شرف بن مري الحزامي الخواربي ت 676 هـ ، دار الكتاب العربي، 1407 هـ ـ 1987 م .

95.

العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل، للسيد محمد بن عقيل ت1350هـ،1. الطبعة الأولى 1410 هـ ـ 1990 م ، مؤسسة البلاغ، بيروت ـ لبنان، دار الحكمة اليمانية، صنعاء.

96.

العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل، للسيد محمد بن عقيل، منشورات

هيئة البحوث الإسلامية، اندونيسيا 1391 هـ ـ 1971 م .

97.

العدة في أصول الفقه، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ ، تحقيق محمد رضا الأنصاري القمي، الطبعة الأولى 1417 هـ .

98.

عدة الأصول، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق محمد مهدي نجف، الطبعة المحققة الأولى 1403 هـ ـ 1983 م ، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) .

99.

العقد الفريد، لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي ت 328 هـ ، شرح وتصحيح أحمد أمين، وأحمد الزين وإبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي 1406 هـ ـ 1986 م .

100.

العقد الفريد، لأحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، تحقيق الدكتور مفيد قميحة، الطبعة الأولى 1404 هـ ـ 1983 م ، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.

101.

علل الشرائع، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 هـ ، الطبعة الثانية 1385 هـ ـ 1966 م، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف، دار إحياء التراث العربي للنشر والتوزيع.

102.

عمدة القارئ شرح صحيح البخاري (العيني على البخاري) ، لبدر الدين1. أبي محمد محمود بن أحمد بن موسى ت 855 هـ دار الفكر 1399 هـ ـ 1979م .

103.

عيون أخبار الرضا، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 هـ ، تصحيح وتذييل السيد مهدي الحسيني اللاجوردي، انتشارات جهان.

104.

الغارات أو الاستنفار والغارات، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعد بن هلال المعروف بابن هلال الثقفي ت 283 هـ ، تحقيق وتعليق الخطيب السيد عبد الزهراء الحسيني، الطبعة الأولى 1410 هـ ـ 1990 م ، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي.

105.

الغدير في الكتاب والسنة والأدب، للشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، الطبعة الخامسة 1403 هـ ـ 1983 م ، دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان.

106.

الغنية، للسيد عز الدين حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، طهران، الطبع القديم.

107.

غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، للسيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي ت 585 هـ ، تحقيق إبراهيم البهادري، الطبعة الأولى 1417 هـ ، مؤسسة الإمام الصادق (علیه السلام) .

108.

فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني ت 852 هـ، الطبعة الثانية، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان.

109.

فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم، لرضي الدين أبي القاسم علي بن1. موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسني الحسيني ت 664 هـ ، منشورات الرضي، قم.

110.

الفروع من الكافي، لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني ت328هـ، أو 329 هـ ، تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر غفاري، الطبعة الثانية 1366 هـ ، مطبعة الحيدري.

111.

فقه السنة، للسيد سابق، الطبعة الشرعية الثامنة 1407 هـ ـ 1987 م ، دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان.

112.

فقه السنة، للشيخ السيد سابق، الطبعة الأولى 1418 ـ 1998 م ، دار الفتح للإعلام العربي، مصر ـ القاهرة.

113.

الفقه على المذاهب الأربعة، لعبد الرحمن الجزيري، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.

114.

الفقه على المذاهب الخمسة، للشيخ محمد جواد مغنية، الطبعة السابعة

1402 هـ ـ 1982 م .

115.

الفهرست، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ ، تصحيح وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم، الطبعة الثانية 1380 هـ ـ 1960 م ، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.

116.

القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ت 816 هـ ، دار الفكر بيروت 1403 هـ ـ 1983 م .

117.

قرب الإسناد، للشيخ أبي العباس عبد الله الحميري، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1413 هـ ، قم.

118.

قواعد الأحكام، للحسن بن يوسف بن علي بن المطهر (العلامة الحلي) ت726 هـ ، منشورات الرضي ، قم ـ إيران، الطبع القديم.

119.

الكافي في الفقه، لأبي الصلاح الحلبي ت 447 هـ ، تحقيق رضا استادي، منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (علیه السلام) ، اصفهان ـ إيران الطبع القديم.

120.

كامل الزيارات، لأبي القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه القمي ت 368 هـ ، تصحيح وتعليق بهزاد الجعفري، إشراف علي أكبر الغفاري، الطبعة الأولى 1375 هـ ش ، نشر مكتبة الصدوق.

121.

الكامل في التاريخ، لعز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير ت 630 هـ ، دار صادر، بيروت 1402 هـ ـ 1982 م .

122.

الكافي في ضعفاء الرجال، للحافظ أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني ت365 هـ ، تحقيق وضبط ومراجعة لجنة من المختصين، الطبعة الثانية 1405 هـ ـ 1985 م ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

123.

كتاب الدروس الشرعية في فقه الإمامية، لشمس الدين أبي عبد الله محمد

بن مكي العاملي (الشهيد الأول) ت 786 هـ ، تصحيح وتعليق السيد مهدي اللازوردي الحسيني، انتشارات صادقي، الطبع القديم ، قم.

124.

كتاب السرائر، لأبي عبد الله محمد بن إدريس العجلي الحلي، الطبعة الثانية 1390 هـ ، انتشارات المعارف الإسلامية طهران ـ المطبعة العلمية ، قم، الطبع القديم.

125.

كتاب السرائر، لمحمد بن إدريس الحلي ت 598 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، الطبعة الثانية 1410 هـ ، قم.

126.

كتاب الضعفاء الكبير، للحافظ أبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي ت 332 هـ ، تحقيق وتوثيق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى 1404 هـ ـ 1984 م ، دار الكتب العلمية ، بيروت ـ لبنان.

127.

كتاب الغيبة، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت460هـ، تحقيق الشيخ عباد الله الطهراني، والشيخ علي أحمد ناصح، الطبعة الأولى 1411 هـ ، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدسة.

128.

كتاب الغيبة، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الطبعة الثانية 1408 هـ ، منشورات مكتبة بصيرتي، قم.

129.

كتاب المبسوط، لشمس الدين أبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي ت 483 هـ ، الطبعة الثالثة 1398 هـ ـ 1978 م ، دار المعرفة للطباعة والنشر ، بيروت ـ لبنان.

130.

كتاب المناهل، لآية الله المجاهد السيد محمد الطباطبائي ت 1242 هـ ، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) الطبع القديم.

131.

كتاب الوافي، للمحدث محمد محسن (الفيض الكاشاني) ت 1091 هـ ، الطبعة الأولى 1406 هـ ، منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (علیه السلام) بأصفهان.

132.

كتاب الوافي، للمحدث محمد محسن بن الشاه مرتضى (الفيض الكاشاني)

منشورت مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي 1404 هـ ، قم المقدسة ـ إيران، الطبع القديم.

133.

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ت 538 هـ ، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.

134.

كشف اللثام، لبهاء الدين محمد بن الحسن بن محمد الاصفهاني (الفاضل الهندي) ت 1135 هـ أو 1137 هـ ، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1405 هـ ، قم المقدسة ـ إيران، الطبع القديم.

135.

كشف اللثام عن قواعد الأحكام، للشيخ بهاء الدين محمد بن الحسن الاصفهاني (الفاضل الهندي) ، تحقيق ونشر مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين ، الطبعة الأولى 1416 هـ ، قم.

136.

كفاية الأحكام، للمولى محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري ت 1090 هـ ، منشورات مهدوي، اصفهان، الطبع القديم.

137.

كمال الدين وتمام النعمة، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 هـ ، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين 1405 هـ ، قم المشرفة ـ إيران.

138.

كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، لعلاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي ت 975 هـ ، الطبعة الخامسة 1405 هـ ـ 1985 م ، مؤسسة الرسالة، بيروت.

139.

لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، نشر أدب الحوزة 1405 هـ ، قم ـ إيران.

140.

مباني تكملة المنهاج، للسيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، نشر لطفي 1975 م،

مطبعة الآداب النجف الأشرف.

141.

مباني منهاج الصالحين، للسيد تقي الطباطبائي القمي، إشراف الشيخ عباس الحاجياني، الطبعة الأولى 1411 هـ ، منشورات مكتبة المفيد، قم.

142.

المبسوط في فقه الإمامية، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت460 هـ ، تصحيح وتعليق السيد محمد تقي الكشفي، الطبعة الثانية 1387 هـ ، نشر المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

143.

المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي، لتوفيق الفكيكي، مطبوعات النجاح، القاهرة.

144.

مثير الأحزان في أحوال الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) أمناء الرحمن، للشيخ شريف الجواهري، الطبعة الثانية 1362 هـ ، منشورات الرضي، قم ـ إيران.

145.

مجمع البحرين، للشيخ فخر الدين الطريحي ت 1085 هـ ، تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية 1395 هـ، منشورات المكتبة المرتضوية، طهران.

146.

مجمع البيان في تفسير القرآن، للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، تصحيح وتعليق الشيخ أبو الحسن الشعراني، المطبعة الإسلامية 1373 هـ ، طهران.

147.

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي1. ت 807 هـ ، الطبعة الثالثة 1402 هـ ـ 1982 م ، منشورات دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان.

148.

مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، للمولى أحمد المقدس الأردبيلي ت933هـ، تحقيق آقا مجتبى العراقي، والشيخ علي بناه الاشتهاردي، وآقا حسين اليزدي، الطبعة الأولى 1411 هـ ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.

149.

المجموع شرح المهذب، لأبي زكريا محي الدين بن شرف النووي ت676هـ،

دار الفكر.

150.

المحاسن، للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي، تصحيح وتعليق السيد جلال الدين الحسيني (المحدّث) الطبعة الثانية، دار الكتب الإسلامية، قم.

151.

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، لأبي القاسم حسين بن محمد الراغب الاصفهاني، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.

152.

المحلّى، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ت 456 هـ ، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.

153.

المحلّى بالآثار، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري، دار الفكر ، بيروت ـ لبنان.

154.

المحيط في اللغة، لكافي الكفاة الصاحب إسماعيل بن عباد ت 385 هـ ، تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين، الطبعة الأولى 1414 هـ ـ 1994 م ،1. عالم الكتب، بيروت ـ لبنان.

155.

محيط المحيط، للمعلم بطرس البستاني، مكتبة لبنان 1987 م ، بيروت.

156.

مختلف الشيعة، لأبي منصور الحسن بن يوسف المطهر الأسدي (العلامة الحلي) ت 726 هـ ، تحقيق مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين الطبعة الأولى 1412 هـ ، قم المقدسة.

157.

مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، للحسن بن يوسف بن مطهر (العلام الحلي)، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى 1417هـ، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، قم.

158.

مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، للسيد محمد بن علي الموسوي العاملي ت 1009 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة

الأولى 1410 هـ ، قم.

159.

المراسم، لحمزة بن عبد العزيز الديلمي، (سلاّر) ت 488 هـ أو 463 ، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، طهران.

160.

المراسم في الفقه الإمامي، لحمزة بن عبد العزيز الديلمي (سلاّر) ت463هـ، تحقيق وتقديم الدكتور محمود البستاني، الطبعة الأولى، 1400 هـ ـ 1980 م ، منشورات الحرمين ، قم.

161.

مروج الذهب ومعادن الجواهر، لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ت 345 هـ ، طبعة بربيه دي منار وبافيه دي كرتاي، تنقيح وتصحيح شارل بلا، منشورات الجامعة اللبنانية ـ قم الدراسات التاريخية.

162.

المسائل المنتخبة، لزعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الخوئي، الطبعة1. الثانية عشرة ، 1399 هـ ، 1979 م .

163.

مسائل الناصريات، لعلم الهدى السيد علي بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى ت 436 هـ ، تحقيق مركز البحوث والدراسات العلمية، نشر رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية 1417 هـ ـ 1997 م .

164.

مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، للشهيد زين الدين علي العاملي الجبعي (الشهيد الثاني) ت 965 هـ أو 966 هـ ، الطبع القديم.

165.

مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، لزين الدين بن علي العاملي (الشهيد الثاني) ت 965 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى 1413 هـ ، قم.

166.

المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، للحافظ محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي، المتوفى أوائل القرن الرابع الهجري، تحقيق الشيخ أحمد المحمودي، الطبعة الأولى.

167.

المستدرك على الصحيحين في الحديث، للحاكم النيسابوري، دار الفكر 1389 هـ ـ 1978 م ، بيروت.

168.

مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، لخاتمة المحدثين الميرزا حسين النوري الطبرسي ت 1320 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1407 هـ ، قم.

169.

مستمسك العروة الوثقى، لآية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم الطبعة الرابعة 1391 هـ ، مطبعة الآداب، النجف الأشرف.

170.

مستند الشيعة في أحكام الشريعة، للمولى أحمد بن المولى مهدي النراقي ت1. 1245 هـ ، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، 1405 هـ ، قم المقدسة ـ إيران، الطبع القديم.

171.

مستند الشيعة في أحكام الشريعة، للمولى أحمد بن محمد مهدي النراقي ت1245هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، مشهد المقدسة، الطبعة الأولى 1415 هـ .

172.

مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله الشيباني ت 241 هـ ، الطبعة الثانية 1414 هـ ـ 1993 م ، مؤسسة التاريخ العربي، دار إحياء التراث العربي.

173.

مسند أحمد وبهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، دار الفكر.

174.

مشيخة الفقيه، شرح وترجمة وتعليق محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات.

175.

مصباح الفقاهة، تقرير أبحاث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي، للميرزا محمد علي التوحيدي ، الطبعة الأولى 1412 هـ ـ 1992 م ، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان.

176.

مصباح الفقاهة، من تقرير بحث الأستاذ الأكبر آية الله العظمى السيد أبو القاسم

الخوئي لمحمد علي التوحيدي، انتشارات أنصاريان ـ وجداني، قم.

177.

المصباح المنير، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي ت 770 هـ ، الطبعة السابعة 1928 م ، المطبعة الأميرية ، القاهرة.

178.

مع رجال الفكر في القاهرة، للسيد مرتضى الرضوي، الطبعة الأولى1. 1394 هـ ـ 1974 م ، مطبوعات النجاح ، القاهرة.

179.

المعتبر في شرح المختصر، لنجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن (المحقّق الحلّي) ت 676 هـ ، منشورات مجمع الذخائر الإسلامية قم ـ إيران، الطبع القديم.

180.

المعجم الأوسط، للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي الطبراني ت 360 هـ ، تحقيق الدكتور محمود الطحان، الطبعة الأولى 1405 هـ ـ 1985 م ، مكتبة المعارف، الرياض.

181.

معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، للسيد أبو القاسم الخوئي، الطبعة الخامسة 1413 هـ ـ 1992 م .

182.

معجم مفردات ألفاظ القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد بن المفضل (الراغب الأصفهاني) ، تحقيق نديم مرعشلي، دار الكتاب العربي 1392 هـ ـ 1972 م ، مطبعة التقدم العربي.

183.

المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار الكتاب المصرية 1364 هـ ، القاهرة.

184.

المعجم الوسيط، إخراج نخبة من الأدباء، الطبعة الثانية، مجمع اللغة العربية.

185.

مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، للشيخ محمد الشربيني على متن المنهاج، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي ت 676 هـ ، طبع ونشر مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده 1377 هـ ـ 1958 م ، مصر.

186.

المغني والشرح الكبير، لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة ت620هـ ، وشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ت 682 هـ ، الطبعة الأولى 1404 هـ ـ 1983 م ، دار الفكر، بيروت ـ لبنان.

187.

المقنع، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 هـ ، تحقيق لجنة التحقيق التابعة لمؤسسة الإمام الهادي (علیه السلام) ، نشر مؤسسة الإمام الهادي (علیه السلام) ، 1415 هـ ، مطبعة اعتماد ، قم.

188.

المقنعة، لفخر الشيعة أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (الشيخ المفيد) ت 413 هـ ، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثانية، 1410 هـ ، قم.

189.

مكارم الأخلاق، لرضي الدين أبي نصر الحسن بن الفضل الطبرسي، من أعلام القرن السادس الهجري تقديم وتعليق محمد الحسين الأعلمي، الطبعة السادسة، 1392 هـ ـ 1972 م ، منشورات مؤسسة الأعلمي.

190.

المكاسب، للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 هـ الطبع القديم 1375 هـ، بخط طاهر خوش نويس.

191.

الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، الطبعة الرابعة 1415 هـ ـ 1995 م ، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.

192.

الملهوف على قتلى الطفوف، للسيد علي بن موسى بن جعفر بن طاووس، ت 664 ، تحقيق وتقديم الشيخ فارس تبريزيان الحسون، الطبعة الثانية 1417 هـ، نشر دار الأسوة للطباعة والنشر.

193.

منتهى الآمال في تاريخ النبي والآل، للمحدث الشيخ عباس القمي، تعريب المؤسسة الإسلامية للترجمة، السيد هاشم الميلاني، الطبعة الأولى 1415 هـ ، طبع ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

194.

منهاج الصالحين، فتاوى مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، إخراج مرتضى الحكمي، الطبعة الثانية 1393 هـ ـ 1352 ش ، نشر مكتبة لطفي، طهران.

195.

منهاج الصالحين، فتاوى مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، الطبعة الثامنة والعشرون 1410 هـ .

196.

المهذب، للقاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي ت 481 هـ ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين 1406 هـ ، قم المشرفة.

197.

من لا يحضره الفقيه، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 هـ ، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الخامسة، 1390 هـ ، دار الكتب الإسلامية، طهران.

198.

منية الطالب في حاشية المكاسب، تقرير أبحاث الميرزا محمد حسين الغروي النائيني، للشيخ موسى النجفي الخوانساري ، الطبع القديم، بخط محمد علي التبريزي الغروي.

199.

موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف، إعداد أبو هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، الطبعة الأولى 1410 هـ ـ 1989 م ، عالم التراث، بيروت.

200.

الموطأ، للإمام مالك بن أنس، تصحيح وترقيم وإخراج وتعليق محمد فؤاد1. عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.

201.

ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت 748 هـ تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة ، بيروت ـ لبنان.

202.

الميزان في تفسير القرآن، للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الطبعة الخامسة 1412 هـ ، مؤسسة إسماعيليان، قم.

203.

الناصريات، للسيد أبي القاسم علي بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى

علم الهدى ت 436 هـ ، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، الطبع القديم.

204.

نهاية الإحكام في معرفة الأحكام، للحسن بن يوسف بن علي المطهر الحلي (العلاّمة الحلي) ت 726 هـ ، تحقيق السيد مهدي الرجائي، الطبعة الأولى 1406 هـ ـ 1986 م ، دار الأضواء، بيروت.

205.

النهاية، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ ، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان، الطبع القديم.

206.

النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، الطبعة الأولى 1390 هـ ـ 1970 م، دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان.

207.

النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري (ابن الأثير) ت 606 هـ ، تحقيق طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناجي، الطبعة الرابعة، نشر مؤسسة إسماعيليان، قم.

208.

النهاية ونكتها، لشيخ الطائفة الطوسي ت 460 هـ ، والمحقق الأول الحلي1. نجم الدين جعفر بن الحسن الهذلي، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى 1412 هـ ، قم.

209.

نهاية الدراية في شرح الكفاية، للشيخ محمد حسين الاصفهاني ت 1361 هـ، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، الطبعة الأولى 1414 هـ ، قم.

210.

نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، لقاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ت 1255 هـ ، دار الجيل، بيروت ـ لبنان.

211.

الوافية في أصول الفقه، للمولى عبد الله بن محمد البشروي الخراساني

(الفاضل التوني) ت1071هـ، تحقيق السيد محمد حسين الرضوي الكشميري، الطبعة المحققة الأولى 1412 هـ ، مجمع الفكر الإسلامي، قم.

212.

الوجيز في فقه الإمام الشافعي، لحجة الإسلام محمد بن محمد أبي حامد الغزالي ت 505 هـ ، دار المعرفة للطباعة والنشر 1399 هـ ـ 1979 م ، بيروت.

213.

وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للمحدث الشيخ محمد حسن الحر العاملي ت 1104 هـ ، تصحيح وتحقيق وتذييل الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي، الطبعة الخامسة، 1398هـ ، منشورات المكتبة الإسلامية، طهران.

214.

الوسيلة إلى نيل الفضيلة، للشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات1. جهان، طهران، الطبع القديم.

215.

الوسيلة إلى نيل الفضيلة، لعماد الدين أبي جعفر محمد بن علي الطوسي (ابن حمزة) ، تحقيق الشيخ محمد الحسون، الطبعة الأولى 1408 هـ ، نشر مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم.

216.

وسيلة النجاة، لآية الله العظمى السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني، مع تعاليق آية الله العظمى السيد محمد رضا الموسوي الگلبايگاني، الطبعة الثانية، 1397 هـ ـ 1977 م ، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.

217.

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (تاريخ ابن خلكان)، لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر 1398 هـ ـ 1978 م ، بيروت.

218.

الهداية، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 هـ ، المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية ، انتشارات

جهان، طهران، الطبع القديم.

219.

الهداية، للشيخ الأقدم أبي جعفر الصدوق، المطبوع مع كتاب المقنع ضمن سلسلة المتون الفقهية، نشر مؤسسة المطبوعات الدينية، المكتبة الإسلامية 1377 هـ ، قم ـ طهران.

220.

هداية الطالب إلى أسرار المكاسب، للميرزا فتاح الشهيدي التبريزي، الطبعة الثانية 1375 هـ ، مطبعة الاطلاعات، تبريز، الطبع القديم.