التقیة فی فقه أهل البیت علیهم السلام جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

التقية في فقه أهل البيت(علیهم السلام)

تقريراً لبحث

سماحة آية الله

الحاج الشيخ مسلم الداوري

(دام ظلّه)

الجزء الأول

محمّد علي المعلّم

محرر رقمي:محمد المنصوري

اشارة

التقية في فقه أهل البيت(علیهم السلام)

تقريراً لبحث

سماحة آية الله

الحاج الشيخ مسلم الداوري

(دام ظلّه)

الجزء الأول

محمّد علي المعلّم

التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام ج1

تقريراً لبحث سماحة آية الله الشيخ مسلم الداوري (دام ظله)

المؤلف : محمد علي صالح المعلم

الاخراج الفني:

الناشر:

المطبعة:

الطبعة:

عدد المطبوع:

الشابك ج1:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ

کلمة الشیخ الاستاد دام الظله

عکس

5

توطئة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الغر الميامين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد ...

فهذا بحث فقهي استدلالي لإحدى المسائل التي يكثر الابتلاء بها، انتزعناه من المحاضرات الفقهية المفصّلة، والتي كان يتفضّل بها سماحة العلامة الاُستاذ آية الله الشيخ مسلم الداوري (دام ظلّه) على طلابه . وقد اتسع البحث وامتد ليشمل جميع موارد التقية في جميع أبواب الفقه الواردة في روايات أهل البيت (علیهم السلام). وآثرنا إفراده في كتاب مستقل؛ نظراً لأهمية موضوعه ولتشعّب فروعه.

وقبل الدخول في موضوع البحث نمهّد له بحديث يتناول التقية عبر التاريخ؛ للتأكيد على أنّها إحدى السمات البارزة في الشرائع السماوية السابقة، ونؤيّد ذلك بذكر الشواهد التاريخية من حياة الأنبياء والأولياء والمصلحين.

ونسأل الله تبارك وتعالى أن يمدّنا بالعون والتوفيق وأن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، ومحلّاً لرضاه، بحق محمّد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

والحمد لله ربّ العالمين

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

التقية في التاريخ:

اشارة

يعود تاريخ التقية إلى اللحظة التي أحسّ فيها الإنسان بعجزه عن درء الخطر عن نفسه أو عن معتقده، ولم يكن ثمّة ما يبرّر مواجهة الخطر أو مقاومته. وهي فترة موغلة في القدم بقدم وجود الإنسان على الأرض؛ ذلك لأنّ للإنسان حالات طبيعية تعتريه ومنها الخوف. وهو أحد الحالات التي جبلت عليها فطرة الإنسان، ويستوي فيها جميع بني البشر لا يشذّ عنها أحد، إلاّ اُولئك الذين زوُّدوا بطاقات خاصة وكفاءات معيّنة أمكنتهم من الوقوف على أسرار الكون والعلم بحقائق الأشياء، وكانوا في كل حركاتهم وسكناتهم مع الله تعالى، وهؤلاء لا يعتريهم ما يعتري سائر البشر من الاضطراب النفسي والقلق وعدم الاطمئنان، وإذا كان هؤلاء يخافون فإنما يخافون على اُمور اُخر تعود إلى ما يحملون من مبادىء وقيم يخشون عليها من أن تقع في غير مواضعها فيساء استغلالها، ويتمثّل هذا المعنى في الصفوة المنتجبة من البشر، وهم السفراء بين الحق والخلق؛ فإنّ شأن المعصومين (علیهم السلام) غير شأن سائر الناس، وإن كانوا يجرون على مقتضى السنن الطبيعية لحكم ومصالح وأسرار. وعلى كل تقدير فالخوف هو المنشأ الطبيعي للتقية.

ثم إنّ التقية بمفهومها الواسع لا تقتصر على جانب من جوانب الحياة دون

آخر، بل تعم جميع ما يتّخذه الإنسان من الأساليب المتاحة له لدفع الأخطار عن نفسه أو عن من يهمه أمره، سواء كانت الأخطار طبيعية أو غير طبيعية. فالإنسان يلجأ إلى دفع ما يتهدده من أخطار الطبيعة من حرّ أو قرّ أو جوع أو مرض أو سبع أو نحو ذلك، ويتوسل بأساليب شتّى لئلّا يقع ضحيتها، بل قد يتخذ الأساليب الوقائية عن الأخطار المحتملة.

ولكن لما كانت هذه الاُمور الطبيعية لا جدال فيها ولا نقاش؛ لاتفاق البشر وغير البشر عليها، اتخذ البحث عن التقية منحى آخر، وهو ما يواجهه الإنسان من أخطار غير طبيعية ناشئة عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في ظل ظروف اجتماعية أو سياسية معينة، كما أنّها قد تكونإحدى الوسائل لإيصال المعارف الإلهيّة إلى من يصعب إفهامه إياها بصورة مباشرة.

فالتقية حالة علاجية مؤقتة قد يتوسل بها الإنسان لدفع الخطر بإظهار الموافقة وكتمان المخالفة في ظروفه الصعبة. وقد يتوصل بها لتهيئة الأذهان وإعداد النفوس لتقبّل الحقائق، نظير ملاطفة الأطفال والتصابي لهم ومداراتهم، وهي إحدى الركائز الفطرية التي يستند إليها الإنسان، وكان دور الدين فيها هو الإمضاء والتقرير، بل عدّها من صميم الدين وسنة من سنن الأنبياء (علیهم السلام) والأولياء (علیهم السلام)، وأكّدها القرآن الكريم في نصوصه الصريحة، وحدّدت كيفيتها ومواضعها الآثار الدينية الاُخرى.

وإنّ من أقسى ما يواجهه الإنسان أن تكبّل حريته فلا يسعه البوح بما يرى ويعتقد، في الوقت الذي يكون اعتقاده حقاً ورأيه صواباً، فيضطر إلى الكتمان إبقاء على نفسه وحفاظاً على حياته، الأمر الذي يمكن معه الجزم بأنّ كثيراً من الحقائق قد ضاعت أو اُهملت؛ لأنّها لم تعط الفرصة للظهور، ولو لم يكن الأمر كذلك لتغيّر وجه التاريخ، ولكانت الإنسانية تعيش ظروفاً أفضل ممّا هي عليه.

ولمّا كان موضوع التقية يتسع للكثير من القول، آثرنا الحديث عنها - في هذه المقدمة - من وجهتها التاريخية؛ لأنّ هذا الجانب هو أقوى ما تثبت به السيرة العملية - أي من خلال سيرة الأنبياء والأولياء (علیهم السلام) - التي هي أحد الأدلة المسلّمة والمتّفق عليها عند المسلمين. وليس الغرض إلّا التأكيد على صحة ما هو ثابت من مذهب أهل البيت (علیهم السلام) من أمر التقية، وإقامة الحجة على من خالفهم واتهمهم زوراً وبهتاناً؛ إمّا لقصور في الإدراك أو لاعوجاج في السليقة، وعدم الفهم الصحيح لاُصول الدين وأحكامه.

ويمكننا تقسيم البحث إلى قسمين رئيسين:

الأول: التقية قبل الإسلام.

الثاني: التقية بعد الإسلام.

القسم الأول: التقية قبل الإسلام:

اشارة

ذكرنا أن التقية تعود إلى فترة موغلة في القدم وأنها بدأت مع شعور الإنسان بعجزه عن مواجهة الخطر، ولإثبات هذا الأمر نستعرض جملة من النصوص الدينية والتاريخية تؤكد هذه الحقيقة، وسنعتمد فيما نذكر من الأدلة والشواهد على الآيات القرآنية، وعلى ما اُثر من الروايات،والحوادث التاريخية الواردة من طرق الشيعة والسنة حتى لا يبقى مجال للتوهم والإرتياب في حقيقة التقية ثبوتاً وإثباتاً:

1 - التقية في زمان آدم(علیه السلام):

إنّ أول جريمة قتل سُفِك فيها الدم الحرام هي الجريمة النكراء التي قتل الأخ فيها أخاه حسداً وعدواناً، وقد تحدّث القرآن الكريم عن تلك الواقعة فقال

تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ)(1).

كما تحدّث التاريخ عن هذا الحدث، وكشفت الروايات عن كثير من ملابساته، وقد نصّت على أن هابيل كان وصياً لآدم (علیه السلام) وبعد شهادته انتقلت الوصية إلى أخيه شيث - وتفسيره هبة الله(2)- ، وكان هذا الأخير أول من مارس التقية خوفاً من بطش قابيل وعدوانه.

روى القطب الراوندي في قصص الأنبياء بإسناده عن محمّد بن سنان عن إسماعيل بن جابر عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن قابيل أتى هبة الله (علیه السلام) فقال له: إن أبي قد أعطاك العلم الذي كان عنده، وأنا كنت أكبر منك وأحق به منك، ولكن قتلت ابنه فغضب علي فآثرك بذلك العلم عليّ، وإنك والله إن ذكرت شيئاً مما عندك من العلم الذي ورثك أبوك لتكبر به عليّ وتفتخر عليّ لأقتلنّك كما قتلت أخاك، فاستخفى هبة الله بما كان عنده من العلم لتنقضي دولة قابيل، ولذلك يسعنا في قومنا التقية لأن لنا في ابن آدم أسوة(3).

ورواها صاحب البحار عن قصص الأنبياء بسند صحيح إلى هشام بن الحكم وفيها: فحدّث هبة الله بالميثاق سراً، فجرت السنة والله بالوصية من هبة الله في ولده يتوارثونها عالم بعد عالم، فكانوا يفتحون الوصية كلسنة يوماً . الحديث(4)


1) سورة المائدة، الآية 26 - 30

2) الكامل في التاريخ 1 : 47 دار صادر - دار بيروت 1385 ه- - 1965 م بيروت

3) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب وجوب التقية الحديث 31

4) بحار الأنوار 11 : 240 دار الكتب الإسلامية - طهران

وفي رواية اُخرى عن قصص الأنبياء أيضاً بإسناده عن زرارة مثله، وزاد فيه: ثمّ قال أبو عبد الله بيده إلى فمه فأمسكه، يعلمنا أي هكذا أنا ساكت، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة معشر شيعتنا فتمكّنوا عدوكم من رقابكم فتكونوا عبيداً لهم بعد إذ أنتم أربابهم وساداتهم، فإن في التقية منهم لكم ردّاً عما قد أصبحوا فيه من الفضائح بأعمالهم الخبيثة علانية، وما يرون منكم من تورعكم عن المحارم وتنزهكم عن الأشربة السوء والمعاصي وكثرة الحج والصلاة وترك كلامهم...(1).

وجاء في كتاب مختصر بصائر الدرجات بسند صحيح إلى هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: أوصى آدم إلى هابيل فحسده قابيل فقتله، ووهب الله له هبة الله وأمره أن يوصي إليه وأن يسرّ ذلك، فجرت السنة في ذلك بالكتمان والوصية، فأوصى إليه وأسر ذلك، فقال قابيل لهبة الله: إني قد علمت أن أباك قد أوصى إليك، وأنا اُعطي الله عهداً لئن أظهرت ذلك أو تكلمت لأقتلنك كما قتلت أخاك (2)

ونقل في كتابه المحتضر عن كتاب الشفاء والجلاء بإسناده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قصة آدم مفصلة، إلى أن قال: أوحى الله إليه (آدم): قد انقضت نبوتك وفنيت أيامك، فانظر إلى اسم الله الأعظم وما علّمتك من الأسماء كلها وأثرة النبوة وما تحتاج الناس إليه فادفعه إلى شيث، وأمره أن يقبله بكتمان وتقية عن أخيه لئلاّ يقتله كما قتل هابيل، فإنه سبق في علمي أن لا أخلي الأرض من عالم يعرف به ديني ويكون فيه نجاة لمن تولاه فيما بينه وبين العالم الذي آمره بإظهار ديني ... فأقبل قابيل على شيث وقال له: أين الذي دفعه إليك أبوك مما كان دفعه إلى هابيل؟ فأنكر ذلك وعلم أنّه إن أقرّ قتله، فلم يزل شيث يخبر


1) بحار الأنوار 11 : 263 دار الكتب الإسلامية - طهران

2) مختصر بصائر الدرجات: 103

العقب من ذريته ويبشرهم ببعثة نوح ويأمرهم بالكتمان ...(1)

ونستفيد من هذه النصوص أنّ التقية وليدة العجز عن مقاومة الظالم أو اقتضاء المصلحة عدم مقاومته، وأنها أمر فطري مركوز في نفس الإنسان فإن التواصي بالكتمان، وفي التهديد بالقتل، وفي إنكار شيث أن يكون عنده شيء من الإرث، شواهد على أن حفظ الحق عن غير أهله،والإبقاء على النفس وحمايتها من شر المعتدي قد يقتضي مسايرة الظالم وإظهار موافقته وإن انعقد القلب على خلافه، وهذه سنة جرى عليها الأنبياء والأولياء والمصلحون، فقد روى الصدوق بسند معتبر عن أبي حمزة الثمالي - في رواية مفصلة - جاء فيها: فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار النبوة حتى بعث نوح ... وكذلك جرى حتى بعث الله تبارك وتعالى محمّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) ... وكان ما بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين ومستعلنين ولذلك خفي ذكرهم في القرآن ... وكان بين نوح وهود الأنبياء مستخفين ومستعلنين ... فجرى بين كل نبي ونبي عشرة آباء وتسعة آباء وثمانية آباء كلهم أنبياء، وجرى لكل نبي ما جرى لنوح، وكما جرى لآدم وهود وصالح وشعيب وإبراهيم حتى انتهى إلى يوسف بن يعقوب ... ثمّ أرسل عيسى إلى بني إسرائيل خاصة فكانت نبوّته ببيت المقدس، وكان من بعده من الحواريين اثنا عشر، فلم يزل الإيمان يستتر في بقية أهله منذ رفع الله عزوجل عيسى وأرسل الله عزوجل محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الجن والإنس الحديث(2)

وروى الطبري في تاريخه هذا المعنى فقال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو داود عن يعقوب عن جعفر بن سعيد ... وذكر أن آدم (علیه السلام) مرض قبل موته أحد عشر يوماً، وأوصى إلى ابنه شيث (علیه السلام) وكتب وصيته، ثمّ دفع كتاب وصيّته


1) بحار الأنوار 11 : 226 دار الكتب الإسلامية

2) كمال الدين ج 1 باب 22 الحديث 2 ص 211 دار الكتب الإسلامية - طهران 1395 ه-

إلى شيث، وأمره أن يخفيه عن قابيل وولده لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسداً منه حين خصّه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به(1)

ونقله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المنتظم في تاريخ الأمم والملوك(2)

وقال ابن الأثير في الكامل: ذكر أن آدم مرض أحد عشر يوماً وأوصى إلى ابنه شيث، وأمره أن يُخفي علمه عن قابيل وولده لأنه قتل هابيل حسداً منه له حين خصّه آدم بالعلم، فأخفى شيث وولده ما عندهممن العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به(3)

وفي ذلك دلالة على أن ممارسة التقية أمر خاضع للظروف الدائرة بين المد والجزر والشدة والضعف، ولذلك كان الاستخفاء من بعض الأنبياء والاستعلان من آخرين.

2 - التقية في زمان إبراهيم الخليل (علیه السلام):

إن خليل الرحمن وهو بطل التوحيد - الذي وقف يقارع الشرك ويفنّد مزاعم المشركين، كما أشار القرآن الكريم إلى بعض مواقفه العظيمة في جهاده ضد الكفر والكافرين حتى ضاق به قومه ذرعاً فتآمروا على إحراقه بالنار: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل


1) تاريخ الأمم والملوك 1 : 107 مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1358 ه- - 1939 م

2) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 1 : 227 الطبعة الأولى 1412 ه- - 1992 م دار الكتب العلمية / بيروت

3) الكامل في التاريخ 1 : 49 - دار صادر - دار بيروت 1385 ه- - 1965 م بيروت

رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ)(1)- قد واجه في حياته من القضايا ما دفعه إلى التقية، إبقاء على حياته ودينه.

روى البخاري - بعدة طرق - قال: لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلاّ ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم، وقال: بينا ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة، فقيل: إن هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه وسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: اُختي فأتى سارة قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك اُختي فلا تكذّبيني...(2).

وأوردها الثعلبي في قصصه وجاء فيه: إنه تخوّف إن قال: هي امرأتي أن يقتله(3)، ورواها ابن كثير في قصص الأنبياء(4)، ونقلها الطبري في تاريخه(5)،


1) سورة الأنبياء من الآية 50 إلى الآية 62

2) صحيح البخاري 4 : 112، كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) طبع استانبول افست دار الفكر - بيروت ، وروى مسلم في صحيحه نحوه لاحظ صحيح مسلم 4 : 1840 باب فضائل إبراهيم الخليل (علیه السلام) من كتاب الفضائل طبع دار إحياء التراث العربي. وإنما أوردنا هذه الرواية - مع ما فيها - ومثلها رواية الطبري التالية للاستشهاد على المفروغية عن مشروعية التقية عند العامة، وأن كبار محدثيهم ومؤرخيهم قد رووا بعض ما يتعلق بالتقية في صحاحهم، ولا معنى بعد هذا للتشنيع والتحامل على الشيعة في موضوع متفق عليه بين الطرفين

3) قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: 79 الطبعة الرابعة

4) قصص الأنبياء: 131 دار التراث

5) تاريخ الأمم والملوك 1 : 172 مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1358 ه- - 1939 م

وذكر نحوها أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم(1)

وقال الطبري في تاريخه أيضاً : ... ثمّ خرج إبراهيم مهاجراً إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجراً، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربّه حتى نزل حرّان فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثمّ خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى، وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال فكانت لا تعصي إبراهيم شيئاً وبذلك أكرمها الله عزوجل، فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلى إبراهيم فقال: ما هذه المرأة التي معك؟ قال: هي أختي، وتخوّف إبراهيم إن قال: هي امرأتي أن يقتله عنها، فقال لإبراهيم: زيّنها ثمّ أرسلها إليّ حتى أنظر إليها، فرجع إبراهيم إلى سارة وأمرها فتهيّأت ثمّ أرسلها إليه، فأقبلت حتى دخلت عليه، فلما قعدت إليه تناولها بيده فيبست إلى صدره ...(2)

وقد جاء في روايات أهل البيت (علیهم السلام) الإشارة إلى ذلك، فقد روى صاحب الوسائل في صحيحة أبي بصير، قال أبو عبد الله (علیه السلام): التقية من دين الله قلت: من دين الله !! قال: إي والله من دين الله، ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: إني سقيم، والله ما كان سقيماً(3)

ويمكن تفسير ما ورد على لسان إبراهيم (علیه السلام) من قوله: إني سقيم وقوله:بل فعله كبيرهم وهكذا بالنسبة إلى قصة سارة بالتقية، فإنه أخفى دينه وعقيدته وحفظ نفسه بذلك وإن كان في صورة الإخبار بخلاف الواقع، وأما بالنسبة إلى


1) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 1 : 263 الطبعة الأولى 1412 ه- - 1992 م دار الكتب العلمية - بيروت

2) تاريخ الأمم والملوك 1 : 171 مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1358 ه- - 1939 م

3) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر والنهي الحديث 4

يوسف فتفسير قوله: أيتها العير إنكم لسارقون بالتقية غير واضح وسيأتي بعض التوضيح، نعم روى الثعلبي عن كعب قال: (يوسف) لا يمكنني حبسك إلاّ باشتهارك بأمر فظيع، فقال: لا أبالي إفعل ما تريد، فقال يوسف: أن أدس صاعي هذا في رحلك، ثمّ أنادي عليكم بالسرقة ليتهيّأ لي ردّك بعد تسريحك قال: افعل ...(1)

وروى الصدوق في معاني الأخبار بسنده عن سفيان بن سعيد قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ' يقول: عليك بالتقية، فإنها سنة إبراهيم الخليل، (إلى أن قال:) وإن رسول الله إذا أراد سفراً دارى بغيره، وقال -: أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض، ولقد ادّبه الله عزوجل بالتقية فقال: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم(2).

وهذه الرواية وإن جاءت بسند ضعيف إلاّ أن فيها تأييداً لما نحن فيه.

فإذا كانت التقية سنة إبراهيم الخليل وهو أحد اُولي العزم - في مواطن الخوف والدفاع عن النفس - فما ظنك بغيره من سائر الناس؟ الأمر الذي يؤكد أن موضوع التقية يستوي فيه جميع بني البشر عند حدوث دواعيه.

3 - التقية في زمان يوسف الصديق (علیه السلام):

ونبي الله يوسف (علیه السلام) قد مارس التقية وهو في أوج عزه وسلطانه وقد اُوتي الجمال والعلم والكمال وأصبح الآمر الناهي في دولة الفراعنة و (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(3)وقد مني بحسد إخوته وابتلي بمحن شديدة كان السجن أحب إليه وأهون مما لاقاه، وقد تحدث القرآن الكريم عن ذلك


1) قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: 132 الطبعة الرابعة

2) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 16 ، معاني الاخبار : 386

3) سورة يوسف، الآية: 55

وأشارت إلى ذلك عدة من النصوص، ومنها ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا جعفر يقول: لا خير فيمن لا تقية له: ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون وما سرقوا(1)

وفي رواية اُخرى - في سندها جعفر بن محمّد بن مسعود - عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: التقية من دين الله، قلت: من دين الله !! قال: إي والله من دين الله لقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون والله ما كانوا سرقوا شيئاً(2).

وذكرنا آنفاً رواية اُخرى تشير إلى هذا المعنى أيضاً، كما ذكرنا ما أورده الثعلبي وقلنا: إنّ وجه التقية في ذلك غير واضح.

ولكن من المحتمل أنّ يوسف (علیه السلام) لم يكن قادراً على إبقاء أخيه عنده بغير هذا التدبير، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الله)(3)، وكان يوسف (علیه السلام) آنذاك تحت قدرة الملك وسلطانه ودينه، غير أنّه بحكمته (علیه السلام) وحسن سلوكه وتدبيره استطاع أن يجعل الملك - بعد ذلك - يتراجع عن دينه ويعتنق دين يوسف (علیه السلام) ويقرّ بنبوّته ويسير بسيرته في الناس وأصبح يوسف (علیه السلام) الآمر الناهي والسيد المطاع، وقد ورد هذا المعنى في بعض النصوص، روى الطبرسي ! بسنده الصحيح عن الحسن بن علي بن بنت إلياس (الوشاء) قال: سمعت الرضا (علیه السلام) يقول: وأقبل على جمع الطعام فجمع في السبع السنين المخصبة فكبسه في الخزائن، فلما مضت تلك السنون وأقبلت المجدبة، أقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الاُولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم إلاّ صار في مملكة يوسف، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 17

2) نفس المصدر الحديث 18

3) سورة يوسف، الآية: 76

جوهر إلاّ صار في مملكته ... وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حر إلاّ صار عبد يوسف فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم، وقال الناس: ما رأينا ولا سمعنا بملك أعطاه الله من الملك ما أعطاه هذا الملك حكماً وعلماً وتدبيراً.

ثم قال يوسف للملك: أيها الملك ما ترى فيما خوّلني ربي من ملك مصر وأهلها، أشر علينا برأيك فإني لم أصلحهم لأفسدهم، ولم أنجهم من البلاء لأكون بلاءً عليهم، ولكن الله تعالى أنجاهم على يدي، قال له الملك: الرأي رأيك، قال يوسف: إني اُشهد الله واُشهدك أيها الملك أني قد أعتقت أهل مصر ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم ورددت عليك أيها الملك خاتمك وسريرك وتاجك على أن لا تسير إلاّ بسيرتي ولا تحكم إلاّبحكمي، قال له الملك: ذلك لزيني وفخري أن لا أسير إلاّ بسيرتك ولا أحكم إلاّ بحكمك، ولولاك ما قويت عليه، ولا اهتديت له، ولقد جعلتك سلطاناً عزيزاً لا يرام، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّك رسوله، فأقم على ما ولّيتك فإنك لدينا مكين أمين(1)

4 - التقية في زمان موسى الكليم:

لقد تحدث القرآن الكريم في العديد من الآيات عن موسى (علیه السلام) وعن مواقفه الشجاعة في مواجهة فرعون، وأشاد بمقامه وفضّله على كثير من الرسل حيث اختصه بكلامه (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ ...)(2)، إلاّ أنّه مع ذلك قد مارس التقية في بعض أدوار حياته في تبليغه الرسالة للناس وقد فسر ما ورد في الآيات التي ذكرت خوفه بأنه لم يكن يخاف على نفسه من القتل والإيذاء، وإنما كان يخاف من غلبة الباطل على الحق، وكان يتوارى


1) مجمع البيان في تفسير القرآن 5 : 244 المطبعة الإسلامية - طهران

2) سورة البقرة، الآية: 252

ويترقب لئلاّ يؤخذ ويقتل فيضيع الحق بقتله، وكان يجري في اُموره على مقتضى السنن الطبيعية كما هو شأن سائر الأنبياء، فإنهم لا يلجأون إلى الوسائل الغيبية والإعجازية إلاّ في ظروف معينة مذكورة في محلها من علم الكلام.

ومما يدلّ على أن موسى (علیه السلام) قد مارس التقية ما ورد في صحيحة أبي حمزة الثمالي (وقد تقدم شطر منها) وجاء فيها: إنّ الله عزوجل قال لموسى وهارون: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) يقول الله عزوجل: كنيّاه وقولا له: يا أبا مصعب(1)الحديث.

فالموقف اقتضى الملاينة في القول، لا إعلان الحرب عليه مع أن فرعون كان في أوج طغيانه.

والمستفاد من الآية الكريمة أن التقية مع فرعون مداراتية لا خوفية ويراد بها ترقيق القلب وتليينه، هذا بالنسبة إلى موسى (علیه السلام) .

وأما بالنسبة إلى أصحاب موسى (علیه السلام) فقد أشار القرآن الكريم إلى أن زمان فرعون كان زمان رهبة وبطش وقهر، ولم يكن الناس آمنين فيهعلى أرواحهم وأعراضهم (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ)(2)وتمادى فرعون في غيّه وضلاله: (فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى)(3)(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ)(4)، وكان الخوف مهيمناً على الناس، وفي قصة ولادة موسى (علیه السلام) - كما تحدث عنها القرآن الكريم -


1) كمال الدين ج 1 باب 22 الحديث 2 ص 211 دار الكتب الإسلامية طهران 1395 ه-

2) سورة القصص، الآية: 4

3) سورة النازعات، الآية : 23 ، 24

4) سورة القصص، الآية: 38

ما يكشف عن معاناتهم إلى حد لم يتمكن أحد من البوح بما في نفسه فضلاً عن إظهار المخالفة، فلما ظهر موسى بدعوته آمن به من آمن وكان إيمانهم في طي الكتمان، وقد حفظ لنا التاريخ أسماء بعض المؤمنين واشار القرآن إلى بعضهم فمنهم:

5 - مؤمن آل فرعون:

كما تحدث عنه القرآن: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)(1)وذكر ابن كثير في قصصه: (أن هذا الرجل هو ابن عم فرعون وكان يكتم إيمانه من قومه خوفاً منهم على نفسه، وزعم بعض الناس أنّه كان إسرائيلياً وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظاً ومعنى)(2)، واختلف في اسمه فقيل: شمعان، قال الدارقطني: لا يعرف من اسمه شمعان بالشين المعجمة إلاّ مؤمن آل فرعون، حكاه السهيلي، وفي تاريخ الطبراني: أن اسمه خير(3)

والغرض أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه، فلما همّ فرعون بقتل موسى (علیه السلام) وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه، خاف هذا المؤمن على موسى فتلطّف في ردّ فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب، فقال على وجه المشورة والرأي: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ...)(4)وقال فرعون في جوابه: (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى ...)(5)

وذكر الثعلبي أنّه كان حزقيل وهو من أصحاب فرعون وكان نجاراً، وهو الذي صنع لأم موسى التابوت حين ولدته وألقته في البحر، وقيل: إنه كان خازناً لفرعون قد خزن له مائة سنة، وكان مؤمناً مخلصاً يكتم إيمانه، إلى أن ظهر موسى


1) سورة غافر، الآية: 28

2) قصص الأنبياء: 289

3) نفس المصدر: 290

4) سورة غافر، الآية: 28

5) سورة غافر، الآية: 29

على السحرة فأظهر حزقيل أمره(1)وجاء في روايات أهل البيت (علیهم السلام) تشبيه أبي طالب في إيمانه وكتمانه بمؤمن آل فرعون، فقد روى فخار بن معد الموسوي بإسناده عن ابن بابويه عن محمّد بن القاسم المفسر عن يوسف بن محمّد بن زياد عن العسكري (علیه السلام) في حديث قال: إن أبا طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه(2)وسيأتي تشبيهه بأصحاب الكهف كما سيأتي الحديث - مفصلاً - عن أبي طالب (علیه السلام) .

وجاء في تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: سبّاق الاُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين أبداً، علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون، وعليّ أفضلهم(3)

وقد روى السيوطي في الدرّ المنثور روايات قريبة من هذا المضمون(4).

6 - ومنهم امرأة مؤمن آل فرعون:

وكانت مؤمنة من إماء الله الصالحات، إلاّ أنها كانت مع بنات فرعون تخدمهن، ولها في إيمانها قصة معروفة ذكرها الثعلبي في قصص الأنبياء(5)

7 - ومنهم آسية بنت مزاحم:

وهي امرأة فرعون (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِيمِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(6)، وقد جاء في روايات أهل البيت (علیهم السلام) أنّها من زوجات النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)


1) قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: 187 الطبعة الرابعة

2) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر والنهي الحديث 19

3) الميزان في تفسير القرآن 17 : 83 الطبعة الخامسة 1412 ه-

4) الدر المنثور 5 : 262 المطبعة الميمنية مصر 1314 ه-

5) قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: 187 الطبعة الرابعة

6) سورة التحريم، الآية: 11

في الجنة(1)

وقال الثعلبي: إن امرأة فرعون آسية، كانت من بني إسرائيل، وكانت مؤمنة مخلصة، وكانت تعبد الله سراً حتى إنها كانت لتتعلّل في قضاء حاجتها فتبرز فتصلي يومها في مبرزها خوفاً من فرعون، وكانت على تلك الحالة إلى أن قتل فرعون امرأة حزقيل ...(2)

8 - ومنهم مؤمن آخر من بني إسرائيل:

فقد ذكر المؤرخون أنّ الملك لاجب وامرأته اربيل، وكان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم، وهي تبرز للناس كما يبرز زوجها، وتركب كما يركب، وتجلس كما يجلس في مجلس القضاء، وتقضي بين الناس، وكانت قتّالة للأنبياء، وكان لها كانت مؤمن حكيم يكتم إيمانه وكان قد خلّص من بين يديها ثلاثمائة نبي كانت تريد قتلهم(3)

9 - ومنهم الخضر (علیه السلام):

الذي صحبه موسى (علیه السلام) كما تحدث القرآن عنه (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)(4)واختلف في أنّه لا زال حياً وعلى ذلك كثير من الروايات، وذهب آخرون إلى أنّه توفي، وقد كان له من التقية نصيب، فقد جاء في قصص الأنبياء: أنّه كان ابن الملك فسلمه إلى المؤدب يؤدبه، وكان يختلف إليه، وكان بين منزله ومؤدبه رجل عابد كان يمرّ به فأعجبه حاله فألفه، وكان يجلس عنده والمعلم يظنّ أنّه في المنزل


1) تفسير نور الثقلين 5 : 377 دار الكتب العلمية قم

2) قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: 188 الطبعة الرابعة

3) نفس المصدر: 253

4) سورة الكهف، الآية: 65

وأبوه يظن أنّه عند المعلم حتى شبّ ونشأ فزوجه ... فقال لها: أنا مخبرك بأمر إن أنت سمعته صرف الله عنك شرّ الدنيا وعذاب الآخرة ... قال: إني رجل مسلم لست على دين أبي وليست النساء من حاجتي ...(1)

وقال ابن كثير: وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى السدي: أن الخضر وإلياس كانا أخوين، كان أبوهما ملكاً، فقال إلياس لأبيه: إن أخيالخضر لا رغبة له في الملك فلو أنك زوجته لعله يجيء منه ولد يكون الملك له، فزوجه أبوه بامرأة حسناء بكر، فقال لها الخضر: إنه لا حاجة لي في النساء، فإن شئت أطلقت سراحك وإن شئت أقمت معي تعبدين الله عزوجل وتكتمين عليّ سرّي فقالت: نعم وأقامت معه سنة ...(2)

هذا ولا يبعد أن يكون هناك آخرون آمنوا بالله وبموسى وكتموا إيمانهم وعاشوا بالتقية آنذاك ولم تصل إلينا أنباؤهم.

10 - التقية وأصحاب الكهف:

تحدّث القرآن الكريم عن أصحاب الكهف فقال: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) (3)وأشار إلى ما لاقاه هؤلاء في حياتهم، وأن الله تعالى أرجعهم إلى الحياة بعد أن أماتهم مدة من الزمن بلغت أكثر من ثلاثمائة سنة. ويستفاد من قوله تعالى: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً)(4)، أنهم آمنوا بالله أولاً وربط الله على قلوبهم، ثمّ قاموا في مجلس الملك أو فيما بينهم وأعلنوا إيمانهم، وقد كشفت


1) قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: 220 الطبعة الرابعة

2) قصص الأنبياء: 391

3) سورة الكهف، الآية: 13

4) سورة الكهف، الآية: 14

روايات الخاصة والعامة عن بعض التفاصيل التي أشار إليها القرآن حول أصحاب الكهف، فمن الخاصة ما جاء في موثقة درست الواسطي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف أن كانوا يشهدون الأعياد ويشدّون الزنانير، فأعطاهم الله أجرهم مرتين(1)

وفي تفسير العياشي عن عبد الله بن يحيى عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه ذكر أصحاب الكهف، فقال: لو كلّفكم قومكم ما كلّفهم قومهم، فقيل: وما كلّفهم قومهم؟ فقال: كلّفوهم الشرك بالله العظيم، فأظهروا الشرك وأسروا الإيمان حتى جاءهم الفرج ...(2)

وفي إرشاد القلوب في حديث الجاثليق والأساقفة مع أبي بكر ثمّ مع أمير المؤمنين (علیه السلام) ... فإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، وكونوا في أهل ملتكم كأصحاب الكهف، وإيّاكم أن تفشوا أمركم إلى أهل أو ولد أوحميم أو قريب، فإن دين الله عزوجل الذي أوجب له التقية لأوليائه الحديث(3)

وروى الكاهلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر، وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجراً منهم على إسرار الإيمان(4)

وفي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم أجرهم مرتين(5)

وروى فخار بن معد الموسوي في كتابه (الحجة على الذاهب) بسنده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث إن جبرئيل نزل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: يا محمّد إنّ ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: إن أصحاب الكهف


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 26 من أبواب الأمر والنهي الحديث 1

2) نفس المصدر باب 29 من أبواب الأمر والنهي الحديث 14

3) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب 1 من أبواب التقية الحديث 40

4) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر والنهي الحديث 16

5) نفس المصدر الحديث 1

أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله بالجنة(1)

ونقل الطبرسي في مجمع البيان اختلاف الأقوال في أحوالهم فقال: وقالوا: هؤلاء الفتية قوم آمنوا بالله تعالى وكانوا يخفون الإسلام خوفاً من ملكهم، وكان اسم الملك دقيانوس واسم مدينتهم افسوس، وكان ملكهم يعبد الأصنام ويدعو إليها ويقتل من خالفه، وقيل: إنه كان مجوسياً يدعو إلى دين المجوس والفتية كانوا على دين المسيح لما برح أهل الإنجيل، وقيل: كانوا من خواص الملك، وكان يسرّ كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه، ثمّ اتفق أنهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم فأووا إلى الكهف، عن عبيد بن عمير، وقيل: إنهم كانوا قبل بعث عيسى(علیه السلام) (2)

وأما ما ورد عن طريق العامة فقد روى الثعلبي: ... فخرجوا في عيد عظيم في زي وموكب، وأخرجوا معهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، فقذف الله في قلوبهم الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم الإيمان عن صاحبه ...(3)

وفي الدر المنثور: أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة الضيق نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن ... فقال: (ابن عباس): إنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة فجعلوا يعبدون حتى عبدوا الأوثان، وهؤلاء الفتية في المدينة فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله على غير ميعاد، فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون؟ أين تذهبون؟ فجعل بعضهم يخفي على بعض


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر والنهي الحديث 17

2) مجمع البيان 6 : 453 منشورات شركة المعارف الإسلامية 1379 ه-

3) قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: 419 الطبعة الرابعة

لأنه لا يدري هذا على ما خرج هذا، ولا يدري هذا، فأخذوا العهد والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضاً، فإن اجتمعوا على شيء وإلاّ كتم بعضهم بعضاً، فاجتمعوا على كلمة واحدة، فقالوا: ربنا رب السموات والأرض ...(1)

ونقل السيوطي في تفسيره ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أصحاب الكهف أعوان المهدي  (2)

11 - التقية في زمان عيسى (علیه السلام):

لم نقف على شيء من الآثار ينص على أن النبيّ عيسى (علیه السلام) قد مارس التقية إلاّ أنّه ورد أن بعض حواريه قد مارسها، ومنهم صاحب يس، وتختلف الروايات في التعريف بهذه الشخصية ففي بعض الروايات أنّه حبيب النجار أحد سباق الاُمم، فقد روى الثعلبي بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): سبّاق الاُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين، حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو أفضلهم(3)، وفي بعضها أنّه شمعون الصفا رأس الحواريين(4)، وقيل هو سمعان(5)، وقيل: شلوم(6)، وأكثر المفسرين على أنّه شمعون الصفا(7)

وقد أشار القرآن الكريم إلى قصة اشتملت على التظاهر بعبادة الأصنام فقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)(8)


1) الدر المنثور 5 : 366 الطبعة الاُولى 1402 دار الفكر

2) نفس المصدر: 370

3) قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: 406 الطبعة الرابعة

4) نفس المصدر: 404

5) نفس المصدر

6) نفس المصدر

7) نفس المصدر

8) سورة يس، الآية : 14

نقل الطبرسي في تفسيره ... فلما كذِّب الرسولان وضربا، بعث عيسى شمعون الصفا رأس الحواريين على أثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلد متنكراً، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثمّ قال له ذات يوم: أيها الملك أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل سمعت قولهما؟ ...(1)

قال: وقد روى مثل ذلك العياشي بإسناده عن الثمالي وغيره عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) (2)وأورد القمي في تفسيره القصة كاملة بسنده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (علیه السلام) وجاء فيها: فبعث الله الثالث، فدخل المدينة فقال: ارشدوني إلى باب الملك، فلما وقف على باب الملك قال: أنا رجل كنت أتعبد في فلاة من الأرض وقد أحببت أن أعبد إله الملك، فأبلغوا كلامه الملك فقال: أدخلوه إلى بيت الآلهة، فأدخلوه فمكث سنة مع صاحبيه، فقال: بهذا ينقل قوم من دين إلى دين بالحذق (بالحرف)، أفلا رفقتما؟ ثمّ قال لهما: لا تقرّا بمعرفتي، ثمّ أدخل على الملك فقال له: بلغني أنك تعبد إلهي فلم أزل وأنت أخي فاسألني حاجتك ... وفيها أنّ الله تعالى أحيى ابن الملك بدعائهما، وأنّ الملك آمن بالله وآمن أهل مملكته(3)

وقال الثعلبي في قوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ) : أي فقوينا برسول ثالث، وهو شمعون الصفا رأس الحواريين، إلى أن قال: وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل لدخوله ويصلّي كثيراً ويتضرّع حتى ظنوا أنّه على ملّتهم(4)


1) مجمع البيان 7 : 419 منشورات شركة المعارف الإسلامية 1379 ه-

2) نفس المصدر: 420

3) تفسير القمي 2 : 214 الطبعة الاُولى المحققة

4) قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: 404 الطبعة الرابعة

هذا بعض ما وقفنا عليه مما ورد في التقية قبل الإسلام كما جاء في القرآن الكريم وكتب التفسير والتاريخ وروايات الشيعة والسنة، وليس الغرض من حشد هذا الكم من النصوص والشواهد التاريخية إلاّ التنبيه على أن التقية أمر ثابت في الشرائع السماوية السابقة، كما هو ثابت في شريعة الإسلام، وأنها أمر فطري وعلاج مؤقت يلجأ إليه الإنسان عندالحاجة دفاعاً عن نفسه وحفاظاً على معتقده واتقاء لشر الظالمين كما أنها قد تكون إحدى وسائل البلاغ، بل التقية هي إحدى السمات البارزة في حياة الصفوة من البشر وهم الأنبياء، كما لاحظنا من خلال ما ذكرناه من سيرة شيث وإبراهيم ويوسف وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والأولياء.

ويؤيد ما ذكرنا ما ورد في تفسير العسكري (علیه السلام) قال الحسن بن علي ': قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن الأنبياء إنما فضلهم على خلقه أجمعين بشدة مداراتهم لأعداء دين الله، وحسن تقيّتهم لأجل إخوانهم في الله(1)

وسيوافيك - أيها القارىء العزيز - من أمر التقية ما يكتمل به عقدها ويتسق به نظامها فانتظر وكن معي ولن يطول الانتظار.

القسم الثاني: التقية بعد الإسلام:

اشارة

والبحث فيها يتسع للكثير من القول إلاّ أنّه لما كانت التقية من الاُمور الفطرية - كما ذكرنا - وهي لا تخضع لزمان معيّن إلاّ زمان الداعي إليها، فإنها تابعة للظرف الذي يقتضيها، وحيث إنّنا في صدد البحث التاريخي للتقية فإعطاء الملامح والشواهد التاريخية لهذا الأمر يقتضي مراعاة المراحل الزمنية المختلفة وعلاقتها بالتقية، ومن خلال ذلك نستطيع تصنيف البحث حول التقية بعد الإسلام إلى مرحلتين


1) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب 2 من أبواب التقية الحديث 4

زمنيتين مختلفتين الاُولى: التقية في زمان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)، والثانية: التقية بعد زمانه -.

المرحلة الاُولى: التقية في زمان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم):

اشارة

ذكر في تاريخ تلك الحقبة أن الإسلام بدأ غريباً، ولم تكن نفوس الناس آنذاك - إلاّ القليل - مهيأة للاستضاءة بنور تعاليم الدين الجديد، فقد كانوا فريسة الأوهام والخرافات والضلالات، وقد أشار القرآن الكريم إلى المعاناة التي قاساها النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) لينقذ الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(1)، (وَأَلَّفَ بَيْنَقُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ)(2)، (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (3)، ثمّ إن من خصائص تعاليم النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) أنها جاءت لترفع من كرامة الإنسان، وتضع عنه الأغلال التي كبل بها عقله ونفسه، وتجعل جميع بني البشر على قدم المساواة، وإن كان ثمة من تفاوت فإنما هو بما يكتسبه الإنسان من الفضائل والكمالات: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)(4)وكان ذلك نذيراً للإطاحة بسلطان الجبابرة والظالمين الذين كانوا يعيشون على دماء المستضعفين من الفقراء والعبيد وغيرهم ممن لا حول لهم ولا قوة، فما كان من هؤلاء الذين لا يملكون إلاّ السيادة الوهمية التي قامت على أشلاء الضعفاء والمساكين إلاّ مقاومة هذه الرسالة الجديدة التي جاءت تهدد مصالحهم، لذلك بدأ الإسلام غريباً.


1) سورة الجمعة، الآية: 2

2) سورة الأنفال، الآية: 63

3) سورة آل عمران، الآية: 159

4) سورة الحجرات، الآية: 13

ولمّا كانت هذه الرسالة هي الخاتمة فلابد من معالجة مختلف القضايا بحكمة ورويّة لكسب الموقف لصالح الإسلام في أيامه الاُولى، فكانت المواقف البطولية الشجاعة التي وقفها من آمن بالنبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وبدعوته، وفي طليعة هؤلاء شيخ الأباطح أبو طالب (علیه السلام) .

12 - أبو طالب في التاريخ:
اشارة

إنّ ممّا مني به تاريخ المسلمين أن تحكّمت فيه الأهواء والرؤى الضيقة، وسيطرت شهوات النفس وحب الدنيا على بعض كتابه طمعاً في حفنة من دراهم، أو تزلّفاً لظالم، أو إرضاء لحقد وعداء، وكان من جرّاء ذلك أن أصبح بعض تاريخ المسلمين المكتوب موضع ريب أو توقف.

إن عنصر الأمانة المفتقد في كتابة التاريخ - وهو عنصر أساس - أدّى إلى تلبيس وتدليس في صياغة الأحداث، فأشاد بمن لا يستحق الذكر، وأغفل - عن عمد - ذكر من يستحق التخليد والإكبار. وكان أحد ضحايا هؤلاء المؤرخين أبا طالب فقد نسب إليه زوراً وبهتاناً أنّه مات وهو من المشركين، وكان في هذه الفرية تطاولٌ على كرامة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ومساس بمقام النبوة الأقدس من حيث لا يشعرون.

إن أبا طالب في شخصيته وعظمته ومواقفه البطولية صفحة بيضاءفي تاريخ الإسلام، وإن له الشرف العظيم في حماية الإسلام بحماية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) من كيد قريش الذين خانهم سوء الحظ والفهم والتقدير فاجتمعت كلمتهم على قتل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والقضاء على دعوته.

وما كان ذلك (شرف حماية الإسلام بحماية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)) ليكون لولا إيمانه العميق بالله تعالى ويقينه الصادق بدعوة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) كيف لا وهو القائل يخاطب

النبيّ الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم):

والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسّد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وابشر بذاك وقرّ منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي *** ولقد دعوت وكنت ثمّ أمينا

ولقد علمت بأنّ دين محمد *** من خير أديان البريّة دينا(1)

لم يكن أبو طالب أغنى بني هاشم وأكثرهم مالاً ليكون النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في حمايته، وما كان لتحركه العصبية القبلية لحماية ابن أخيه، بيد أنّه كان المؤمن الصادق بما جاء به النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ولذاك تفانى في حب النبيّ ورعايته وخدمته وكان يوصي أبناءه بذلك.

إنّ المتيقّن من سيرة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته (علیهم السلام) أنهم ما كانوا ليحابون أحداً على حساب الدين، وشاهده أنهم يبرؤن من كل مشرك لم يؤمن بالله وبالرسول ولو كان من أقرب الناس إليهم وهذا أبو لهب - وهو عم النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) - ينزل فيه قرآن يُتلى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) (2)إخباراً من الله تعالى بأنه لن يؤمن وأن مصيره بئس المصير (سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ) (3)وأمّا أبو طالب فقد شهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) - كما سيأتي - بإيمانه وأن الله أتاه أجره مرتين حيث بذل وجوده في خدمة نبي الإسلام بل والدعوة إلى الإسلام(4)

إن علياً وجعفراً ثقتي *** عند ملمّ الزمان والكُرَبِ

والله لا أخذل النبيّ ولا *** يخذله من بنيّ ذوي حسب

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما *** أخي لأمي من بينهم وأبي

لاحظ كنز الفوائد: 79 الطبع القديم

:

1) الغدير 7 : 334 الطبعة الثالثة

2) سورة المسد، الآية: 1

3) سورة المسد، الآية: 3

4) نقل الكراجكي في كنز الفوائد أن أبا طالب (علیه السلام) قال لابنه جعفر وقد أمره بالصلاة مع النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال: يا بني صل جناح ابن عمك، فلما أجابه قال:

ولولا أبو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصاً فقاما

فهذا بمكة آوى وحامى *** وهذا بيثرب جسّ الحماما(1)

ولم يكن ليتسنى لأبي طالب حماية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو في مجتمع الوحوش إلاّ أن يسلك طريقاً يضمن من خلاله أن يوفر الحماية الكاملة للنبي(صلی الله علیه و آله و سلم) من أناس يتربصون به الدوائر لزعمهم أنّه جاء يسفه أحلامهم ويسخر بآلهتهم، فكان السبيل الأقوم والطريقة المثلى لأبي طالب أن يتقي من قومه.

وأما رميه بالكفر وأنه مات على الشرك فهي «شنشنة أعرفها من أخزم» ولنضرب عنها صفحاً ونكتفي بالإشارة إلى أن أبا طالب (علیه السلام) لو لم يكن أباً لعلي (علیه السلام) لكان سيداً من سادات المسلمين ومن السابقين الأولين بلا منازع.

وأما الأدلة على إيمان أبي طالب فنحن وإن كنا في غنى عن ذكرها ويكفينا الوقوف على سيرته وأقواله وأفعاله إلاّ أننا نذكر بعضها رغبة في إظهار الحق وتفنيداً لمزاعم المغرضين، وأداءاً لبعض حقوق أبي طالب (علیه السلام) علينا فنقول:

استدلّ على إيمان أبي طالب باُمور:

أولها: الإجماع على إيمانه، وقد ادعاه الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والطبرسي والسيد فخار بن معد الموسوي والفتال النيسابوري والسيد ابن طاووس والعلامة المجلسي وغيرهم(2)، ونقل ابن أبي الحديد إجماع الشيعة وأكثر الزيدية وجملة من أعاظم المعتزلة على ذلك(3)

وثانيها: الروايات وقد تقدم بعضها وأنه شبيه مؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف وأنّ الله أتاه أجره مرتين.

وممّا ورد أيضاً ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سألت رسول


1) الغدير 7 : 330 الطبعة الثالثة 1387 ه-

2) منية الراغب في إيمان أبي طالب: 65 الطبعة الثانية

3) شرح نهج البلاغة 14 : 65 دار إحياء الكتب العربية 1962 م

الله(صلی الله علیه و آله و سلم) عن ميلاد أمير المؤمنين (علیه السلام) ؟ فشرح - ولادته، إلى أن قال: ثمّ انصرف أبو طالب إلى مكة، قال جابر: يا رسول الله، الله أكبر !! إن الناس يقولون إن أبا طالب مات كافراً !!! قال: يا جابر الله أعلم بالغيب، لما كانت الليلة التي اُسري بي فيها إلى السماء انتهيت إلى العرش، فرأيت أربعة أنوار فقلت: إلهي ما هذه الأنوار؟ فقال: يا محمّد هذا عبد المطلب، وهذا أبو طالب، وهذا أبوك عبد الله، وهذا أخوه طالب، فقلت: إلهيوسيدي فبم نالوا هذه الدرجة؟ قال: بكتمانهم الإيمان وإظهارهم الكفر وصبرهم على ذلك حتى ماتوا(1)

وروى الكراجكي في كنز الفوائد بسنده عن مفضّل بن عمر عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام): أنّه كان جالساً في الرحبة، والناس حوله، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنك بالمكان الذي أنزلك الله، وأبوك معذب بالنار !! فقال له: مه، فضّ الله فاك، والذي بعث محمداً بالحق نبياً لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله، أأبي معذب في النار وابنه قسيم الجنة والنار؟ والذي بعث محمداً بالحق إن نور أبي طالب يوم القيامة ليطفي أنوار الخلائق إلاّ خمسة أنوار، نور محمّد ونور فاطمة ونور الحسن والحسين ونور ولده من الأئمة إلاّ أن نوره من نورنا، خلقه الله من قبل خلق آدم بألفي عام(2)

وروى السيد فخار بن معد الموسوي بسنده عن أبي بصير ليث المرادي قال: قلت لأبي جعفر: سيدي إن الناس يقولون: إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، فقال (علیه السلام): كذبوا والله، إن إيمان أبي طالب لو وضع في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في كفة ميزان لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم، ثمّ قال: كان والله أمير المؤمنين يأمر أن يحج عن أب النبيّ واُمه، وعن أبي طالب، أيام


1) بحار الأنوار 35 : 10 دار الكتب الإسلامية - طهران

2) كنز الفوائد: 80 الطبع القديم

حياته، ولقد أوصى في وصيته بالحج عنهم بعد مماته(1)

وروى الكراجكي بإسناده عن يونس بن نباتة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب؟ قلت: جعلت فداك يقولون: هو في ضحضاح من نار يغلي منها رأسه، فقال: كذب أعداء الله، إن أبا طالب من رفقاء النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً(2)

وروى أيضاً بإسناده عن أبان بن محمّد قال: كتبت إلى الإمام الرضا علي بن موسى ': جعلت فداك قد شككت في إيمان أبي طالب، قال: فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فمن يبتغ غير سبيل المؤمنين نولّهما تولى، إنك إن لم تقرّ بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار(3)

وأما الروايات الواردة من طرق العامة فقد استقصاها العلامة الأميني في الجزء السابع من كتابه الغدير فراجع.

ثالثها: إن من الثابت في شريعة الإسلام - كما هو مقرّر في محلّه من كتب الفقه - عدم جواز نكاح الكافر من المرأة المسلمة، ولذا فرّق الإسلام بين زينب وبين أبي العاص بن ربيعة حين أسلمت إلى أن أسلم أبو العاص فردها النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) إليه بنكاح جديد أو بالنكاح الأول(4)، ولاشك أن فاطمة بنت أسد من السابقات وهي أول امرأة هاجرت إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من مكة إلى المدينة على قدميها، وكانت من أبرّ الناس برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) (5)، ولما ماتت جاء أمير


1) منية الراغب في إيمان أبي طالب: 40 الطبعة الثانية

2) كنز الفوائد: 80 الطبع القديم

3) نفس المصدر: 80 ، وأوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج باختلاف يسير راجع شرح نهج البلاغة 14 : 68 دار إحياء الكتب العربية

4) تنقيح المقال في علم الرجال 3 : 79 فصل النساء الطبع القديم

5) روى الكليني بسنده عن عبد الله بن مسكان عن أبيه قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): إن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب لتبشره بمولد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال أبو طالب: اصبري سبتاً أبشرك بمثله إلاّ النبوة، وقال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمير المؤمنين (علیه السلام) ثلاثون سنة. أصول الكافي ج 1 باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه الحديث 1 ص 452 وفي الرواية من لطائف الدلالات ما لا يخفى

المؤمنين (علیه السلام) إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يبكي، فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : ما يبكيك؟ فقال: ماتت أمي فاطمة، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أمي والله، وقام - مسرعاً حتى دخل فنظر إليها وبكى، وفعل النبيّ أشياء معها لم يفعلها مع أحد من قبل، وسأله المسلمون عن ذلك فقال: اليوم فقدت برّ أبي طالب، إن كانت لتكون عندها الشيء فتؤثرني به على نفسها وولدها ...(1)

فإذا كانت فاطمة بنت أسد بهذه المثابة من الإيمان، وبهذا المقام عند النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فكيف يبقيها في عصمة أبي طالب لو كان كافراً ؟! وهل يتصور في حق النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) أن يعطل حكماً من أحكام الإسلام !؟

وبهذا استدل الإمام زين العابدين (علیه السلام) فقد جاء في رواية أبي علي الموضح قال: تواترت الأخبار بهذه الرواية وغيرها عن علي بن الحسين أنّه سئل عن أبي طالب أكان مؤمناً؟ فقال: نعم، فقيل له: إن هاهنا قوماً يزعمون أنّه كافر! فقال (علیه السلام): واعجباه أيطعنون على أبي طالب، أو على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) !! وقد نهاه الله أن يقرّ مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن، ولايشك أحد أن بنت أسد من المؤمنات السابقات، وإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب رضي الله عنه(2)

هذا ومما يؤيد أن إيمان أبي طالب (علیه السلام) حقيقة ثابتة لا يتطرق إليها ريب أمران:

الأول: شهادة أبي بكر نفسه بإسلام أبي طالب (علیه السلام) ، فقد ذكر المؤرخون أن أبا بكر جاء بأبي قحافة إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عام الفتح يقوده، وهو شيخ كبير أعمى،


1) لاحظ الرواية مفصلة عن الصادق (علیه السلام) في أصول الكافي ج 1 باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه الحديث 2

2) بحار الأنوار 35 : 115 دارالكتب الإسلامية طهران. وأوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج باختلاف يسير راجع شرح نهج البلاغة 14 : 69 دار إحياء الكتب العربية

فقال رسول الله: ألا تركت الشيخ حتى نأتيه ! فقال: أردت يا رسول الله أن يأجره الله ! أما والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحاً بإسلام عمك أبي طالب مني بإسلام أبي ...(1)

الثاني: ما استنتجه الكاتب المصري عبد الفتاح عبد المقصود من خلال عرضه لصورة من صور بغي معاوية بن أبي سفيان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، حيث قال: إن سياسة ابن هند كما هو معلوم، وكما هي سياسة مثله من البغاة الطغاة، كانت تقوم على تزييف الحقائق، وابتداع الادعاءات، ثمّ ترديد ما زيف وابتدع ترديداً يضمن لزوره أن يظل دائماً - كوسوسة الشيطان الخنّاس - يملأ الأسماع، ويحشو الأرواع، ويلتوى بالأذهان فينال من قدر علي ويمسخ صورته في مدارك الناس فبذلك وحده يلتوي بالحق باطله، ويبدو - وإنه لظالم ! - كأنه مظلوم ! ... ولقد ركب الرجل إلى غرضه هذا كل مطاياه !

وها هي صفحات تاريخه تسربت في تحديثنا بادعاءاته على الإمام، وبفراه الغالية في البهتان، وبقدحه في بنيه وذويه، وبخوضه بالباطل في سير صحابته الأبرار، فأي نصيب كان نصيب «أبي طالب» من هذه الأراجيف(2)

ومن جانب آخر كان أبو الحسن (علیه السلام) في منتهى الصراحة في كشف واقع ابن أبي سفيان وأسلافه ومصيرهم المنتظر، وأنهم أحقر من أن يُقرنوا ببني هاشم، وقد استعرض الكاتب مقاطع من المكاتبات التي دارتبين الإمام (علیه السلام) وبين معاوية وكان من بينها قول الإمام (علیه السلام) في جوابه على كتاب لمعاوية: وأما قولك: إنا بنو عبد مناف، فكذلك نحن، ولكن ليس أميّة كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصّريح كاللصيق، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً هوى في نار


1) شرح نهج البلاغة 14 : 68 الطبعة الثانية 1387 ه- - 1967 م

2) إيمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب) مقدمة الطبعة الثالثة ص 16

جهنم(1)

«ولم نسمع معاوية يرد هذا الاتهام، ولا رأيناه يحاول الكيل لعلي صاعاً بصاع، فيخوض في إيمان أبي طالب زاعماً أنّه مات على غير الإسلام لو وسعه لفعل فأفحش في القول، وأوفى الكيل ... فأمّا وقد كف ادعاءه، وابتلع خيلاءه، فذلك لأنه لم يكن يملك في إيمان أبي طالب اثارة شبهة أو دليل ينفد من خلالها إلى نقض هذا الإيمان، سواء أكانت هذه الاثارة رأي شانىء معاصر عايش شيخ بني عبد مناف، أم رواية لاحق آثر الانحراف.

ولمن يشاء أن يحاج في هذا الذي نراه، فليأتنا من رسائل ابن أبي سفيان إلى الإمام، أو في أحاديثه التي ملأ بها آذان مناصريه، بكلمة تشير من قريب أو من بعيد، إلى ما يخدش إيمان أبي طالب وينال من صدق إسلامه»(2).

أقوال العلماء في إيمان أبي طالب:

ذكرنا فيما تقدم إجماع الشيعة على إيمان أبي طالب (علیه السلام) ونكتفي هنا بذكر أقوال بعض علماء السنة تأييداً لهذه الحقيقة فمن ذلك:

1 - قال ابن الأثير في جامع الاُصول: وما أسلم من أعمام النبيّ غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت (علیهم السلام) (3)

2 - وقال البرزنجي بعد استشهاده بأبيات أبي طالب واثبات إيمانه:

وهذا نطق بالوحي قبل صدوره من النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنه أخبر بذلك بعد مدة من قول أبي طالب، والحديث وحي كالقرآن، فثبت بهذه الأخبار والأشعار أن أبا طالب كان مصدقاً بنبوة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وذلك كاف في نجاته(4)


1) نهج البلاغة 3 : 17 دار التعارف

2) إيمان أبي طالب (الحجة على المذاهب إلى تكفير أبي طالب) مقدمة الطبعة الثالثة ص 22

3) منية الراغب في إيمان أبي طالب: 62 الطبعة الثانية

4) نفس المصدر: 60

وقال: فمن وقف على ما ذكره العلماء في ترجمته علم يقيناً أنّه كان على التوحيد، وهكذا بقية آبائه إلى آدم، وبهذا يعلم أن قول أبي طالب هو على ملة عبد المطلب إشارة إلى أنّه على التوحيد ومكارم الأخلاق، ولو لم يصدر من أبي طالب من الاشارات الدالة على توحيده إلاّ قوله: وهو على ملة عبد المطلب كان ذلك كافياً(1)

3 - وقال التلمساني في حاشيته على الشفاء عند ذكر أبي طالب: لا ينبغي أن يذكر إلاّ بحماية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لأنّه حماه ونصره بقوله وفعله، وفي ذكره بمكروه أذية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومؤذي النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) كافر، والكافر يقتل(2)

4 - وقال أبو طاهر: من أبغض أبا طالب فهو كافر(3)

هذا ومن شاء الوقوف على المزيد من الأقوال فليرجع إلى الجزء السابع من الغدير وإلى كتاب منية الراغب في إيمان أبي طالب وكتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب.

ثم إنّ هناك جوانب اُخرى في حياة أبي طالب (علیه السلام) جديرة بالإكبار إلاّ أن لها مقاماً آخر.

وخلاصة القول إن إيمان أبي طالب حقيقة ثابتة لا يرتاب فيها إلاّ مريض القلب والإيمان.

13 - عمار بن ياسر والتقية:

وهو أحد السابقين الأولين، ومن الذين واكبوا مسيرة الإسلام منذ أيامها الاُولى مع النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وختم حياته شهيداً في معركة الحق والباطل يوم صفين.


1) منية الراغب في إيمان أبي طالب: 60 الطبعة الثانية

2) نفس المصدر: 58

3) نفس المصدر

وبلغ من المقام أن قال فيه النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) : «عمار جلدة ما بين العين والأنف»(1)بل جعله مقياساً للحق، فقال -: «تقتله الفئة الباغية»(2)الأمر الذي جعل بعضهم ينتظر شهادة عمار ليحدد موقفه يوم صفين(3)، وقد علّل بعض الكتّاب انصراف الزبير يوم الجمل عن محاربة علي (علیه السلام) بأنهرأى عماراً في صفوف جيش الإمام (علیه السلام) فترك المعركة خوفاً من قتله(4)

وليس غريباً أن يكون عماراً كذلك، بل الغريب أن لا يكون، فهو الذي مُلىء حباً للحق وأهله وبذل حياته في سبيل الحق والدفاع عنه والموت دونه، وقد لاقى من الشدائد والمحن ما اضطره إلى إعلان كلمة الكفر.

قال الزمخشري في كشافه بعد قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ): روي أن اُناساً من أهل مكة فتنوا، فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من اُكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد بالإيمان، منهم عمار بن ياسر وأبواه ياسر وسميّة وصهيب وبلال وخباب وسالم عذبوا، ... فأمّا عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً(5)

وقال المراغي في تفسيره: فمن نطق بكلمة الكفر وقاية لنفسه من الهلاك وقلبه مطمئن بالإيمان لا يكون كافراً، بل يعذر كما فعل عمار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مُليء بالإيمان، وفيه نزلت آية: (... مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ... ) ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم وبذل المال لهم


1) بحار الأنوار: 31 : 196

2) تنقيح المقال في علم الرجال 2 : 321 الطبع القديم

3) نفس المصدر: 321

4) الانتقال الصعب في المذهب والمعتقد: 240 الطبعة الأولى 1414 ه- ، دار النخيل للطباعة والنشر بيروت - الحمرا

5) الكشاف 2 : 430 دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت

لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله -: ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة(1)

وقد ورد في روايات أهل البيت (علیهم السلام) أن ما جاء به عمار بن ياسر هو عين الصواب، ففي موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (علیه السلام) ... والله ما ذلك عليه، وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فقال له النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عندها: يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا(2)

وفي موثقة محمّد بن مروان قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): ما منع ميثم رحمه الله من التقية، فوالله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) (3)وهناك روايات اُخرى بهذا المضمون وسيأتي ذكر بعضها في مباحث الكتاب.

المرحلة الثانية: التقية بعد وفاة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم):

اشارة

قلنا: إن التقية لا تخضع لزمن معين إلاّ أنها اقترنت بعد رحيل النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) باسم أئمة أهل البيت (علیهم السلام) وشيعتهم إلى يوم الناس هذا، ولا تحصى شواهدها كثرة، حتى أن أغلب الأزمنة التي عاشها أئمة أهل البيت (علیهم السلام) (4)وشيعتهم كانت على التقية.

والذي نؤكد عليه - بعد كل ما ذكرنا - أن التقية لم تكن وليدة فكرة مذهبية


1) تفسير المراغي 1 : 137 الطبعة الثانية دار إحياء التراث العربي

2) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر والنهي الحديث 2

3) نفس المصدر الحديث 3

4) كما في سكوت الإمام علي (علیه السلام) عن حقه في الخلافة مدة طويلة، وفي قضية التحكيم بعد معركة النهروان، وفي صلح الإمام الحسن (علیه السلام) مع معاوية بن أبي سفيان، وفي سكوت الإمام الحسين (علیه السلام) بعد شهادة الإمام الحسن (علیه السلام) في زمان معاوية، وفي ولاية العهد للإمام الرضا (علیه السلام) وغيرها من القضايا والأحداث التي عاشها أئمة أهل البيت (علیهم السلام)

انبثقت عن الخلاف القائم بين مذاهب المسلمين كما يحلو للبعض أن ينعتها بذلك، وليست هي غطاءً يخفي وراءه تنظيماً سرّياً يهدف إلى هدم الدين وتقويض دعائمه كما يرجف بذلك آخرون أو يحاول الإرجاف، بل هي أمر فطري أكّده القرآن وأيّده البرهان.

وإذا كانت التقية قد اقترنت باسم الشيعة بعد وفاة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فليس لأن الشيعة هي الأساس فيها، وإنما هي إحدى الضحايا التي اضطرتها الظروف العصيبة لممارسة التقية على مرّ الزمان، كنتيجة طبيعية لما لاقاه الشيعة في سبيل الحفاظ على منهجها عبر التاريخ، وهناك عوامل عديدة ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في اقتران التقية باسم الشيعة.

إنّ الشيعة الإماميّة - وهي الفئة المؤمنة - التي انتهجت طريقاً رسمه لها قادتها - الأئمة المعصومون (علیهم السلام) - وكان طريقاً صعباً - أرادت الحفاظ على السير قدماً فيه لتقطعه إلى نهايته، فاستسهلت فيه كل عسير، واسترخصت من أجله كل ثمين، لأن غايته أشرف الغايات، ونهايته أسعد النهايات، وكان لزاماً عليها أن تدفع ضريبة ولائها لأهل البيت الطاهر، وتتحمل في سبيل ذلك كلّ مشقّة وعناء، ولم يكن ذلك نتيجة جبر أو إكراه، بل كان بمحض القناعة والرضا والإرادة، اقتداء بمسيرة أئمةالهدى (علیهم السلام) في سيرتهم واستجابة لنداء القرآن والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم).

إن تاريخ الشيعة كما هو حافل بالعطاء في مجالات الفكر والعلم والعمل كذلك هو حافل بالمآسي والآلام، فقد صبّ أعداؤهم عليهم العذاب صبّاً، ولم يألوا جهداً في التنكيل بهم، قتلاً وسجناً وتشريداً، حتى اصطبغت صفحات التاريخ بدمائهم الزاكية، وضاقت بهم غياهب المعتقلات، وشتتوا لا يلجأون إلى مأوى، في محاولات مسعورة من أعدائهم لمحو كل أثر لهم في الوجود، لا لشيء إلاّ لأنّهم قالوا ربنا الله ثمّ استقاموا.

وإنّ الشرارة التي أذكت نارالتقية، وأصبحت بعد ذلك مقترنة بالشيعة بدأت برحيل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ولقائه بالرفيق الأعلى، حينما اُقصي أمير المؤمنين (علیه السلام) عن منصب قيادة الاُمة بالحق ومع الحق وإلى الحق فالتزم الصمت عن المطالبة بحقه إبقاءاً على الدين، وحفاظاً على مبادىء السماء، وإلاّ فقد كان بمقدوره أن يشعلها حرباً لا هوادة فيها - وهو الفارس المهاب - لتكون بعد ذلك فتنة لا ينجو منها أحد، بيد أنّه - وعند تزاحم المقتضيات - آثر السكوت وإن جُهل قدره ومقامه أو سُلب حقه المشروع.

ولم يكن أمير المؤمنين (علیه السلام) قد خسر في ذلك شيئاً، فما كانت الخلافة لتضيف إلى مقامه شأناً، أو ترفع من قدره مقداراً، فهو علي وكفى به تعريفاً. وإنما وقع الخسران على الناس، حيث حرموا أنفسهم وأضاعوا حظهم، (وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)(1)(ويعرف التّالون غبّ ما أسسه الأولون)(2).

وتوالت الأحداث مؤلمة، على علي وأولاد علي، وشيعة علي، وكأنما لم يكن علي أخا الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ونفسه وقرين بضعته وباب مدينة علمه وحامل لوائه، وكأنما لم يكن أولاد علي (علیه السلام) ذريّة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وعترته والقربى الذين أمر الله بمودتهم ومحبتهم(3)، وكأنما لم يكن شيعة علي (علیه السلام) هم الذين صدّقوا الرسول فيما قال اتّبعوه فيما أمر.

وتمخضت تلك الأحداث المؤلمة عن مصرع علي في محرابه، وقتل أولاده غيلة وصبراً، وتشريد شيعته في الآفاق.


1) سورة الجن، الآية: 15

2) من خطبة الصديقة فاطمة الزهراء (علیها السلام) لاحظ كشف الغمة في معرفة الأئمة 1 : 494 المطبعة العلمية قم 1381 ه-

3) إشارة إلى قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) سورة الشورى، الآية: 23

صور من الظلم والمعاناة:

ويحدثنا التاريخ عن فجائع مروعة، لولا أنها وصلت إلينا عن طرق الثقات لكانت ضروباً من الخيال والأساطير (لقد بلغت الاُمور حداً استقرّت فيه قناعة عامة لدى الأكثرية بأن الرافضة ويعنون بهم الشيعة هم من مذهب خارج عن الإسلام، وبالتالي فليس ثمة أيّة حرمة لنفوسهم وأعراضهم وأموالهم، وعلى أثر هذه القناعة المجحفة والاعتقاد الظالم هدرت دماء مئات الآلاف من الأبرياء حتى بات من الصعب أن تجد بقعة وإن كانت في أطراف العالم الإسلامي لم تلطخ بدماء الشيعة)(1)

ويرسم لنا الإمام الباقر (علیه السلام) صورة عما لاقاه آل البيت (علیهم السلام) وشيعتهم من الأذى والاضطهاد، قال ابن أبي الحديد: وقد روي أن أبا جعفر محمّد بن علي الباقر ' قال لبعض أصحابه: يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبّونا من الناس ! إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش، حتى أخرجت الأمر من معدنه، واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا، ثمّ تداولتها قريش واحد بعد واحد، حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتى قتل، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثمّ غدر به، وأسلم، ووثب عليه أهل العراق، حتى طعن بخنجر في جنبه، ونهبت عسكره، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته، وهم قليل حق قليل، ثمّ بايع الحسين (علیه السلام) من أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غدروا به، وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم وقتلوه ثمّ لم نزل - أهل البيت - نُستَذَل ونُستظام، ونقصَى ونُمتهن، ونُحرم ونُقتل، ونخاف، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون


1) الشيعة - نص الحوار مع المستشرق كوربان - ص 80 الطبعة الاُولى المترجمة

الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله، وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (علیه السلام) فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن، أو نهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد، قاتل الحسين (علیه السلام) ، ثمّ جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظِنّة وتهمة، حتى إن الرجل ليقالله: زنديق أو كافر، أحبّ إليه من أن يقال له: شيعة علي، وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع(1)

ولقد حوت صفحات التاريخ من الأحداث ما يندى له جبين الشرف والإنسانية خجلاً، وإن منها لما تعفّ المروءة حياء من ذكره، وإن منها لما يفتت الأكباد.

وتكاد تتفق كلمة المتسلطين على رقاب الاُمة على مناهضة الشيعة والسعي الحثيث لطمس معالمهم يتوارثه الأجيال جيل بعد جيل.

ومما ينبغي إلفات الأنظار إليه أن الشيعة الإمامية وإن كانت تُعدّ أقلّية - من حيث العدد - بالقياس إلى بعض من عداها، إلاّ أن ذلك لا يعني شيئاً في مقياس تقييم الحقائق والأشخاص، فليست الأقلّية عنصر ضعف في الحجة والبرهان، كما أن الأكثرية ليست دليلاً على الأحقية والصواب، بل قد يكون الأمر على العكس تماماً، وفي النصوص الدينية ما يؤكد هذا المعنى، فقد ورد في العديد من الآيات


1) شرح نهج البلاغة11 : 43 الطبعة الاُولى - دار إحياء التراث العربية

القرآنية مدح الأقلّية(1)والثناء عليهم، بينما جاء الذم للأكثرية(2)، مضافاً إلى أن ما تمخض عن الوقائع والأحداث يؤيد هذه الحقيقة، فإن الأكثرية هي التي حاربت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وهضمت علياً (علیه السلام) وظلمت الزهراء (علیها السلام) ، وإن الأكثرية هي التي اعتدت على الحسن (علیه السلام) وقتلت الحسين(علیه السلام) ، وإن الأكثرية هي التي شرّدت أهل البيت وأذاقتهم الويلات، وارجع إلى ما سطره التاريخ لتقف على هذه الحقيقة في كل زمان ومكان، وهي أن الأكثرية ما كانت ولن تكون المقياس في التقييم والترجيح.

أقول: إنّ هذا الاتفاق - من قبل الفئات التي أحكمت القبضة على زمام الاُمور - على اتخاذ علي (علیه السلام) وأولاده وشيعته أعداء أدّى إلى اتّباع مختلف الوسائل والأساليب في القهر والبطش والاضطهاد، وعلى مر العصور ابتداء من قضية مالك بن نويرة(3)، وما سبقها، وما أعقبها من أحداث وإلى يومنا هذا.

فممّا يحدثنا به التاريخ في العهد الاُموي: أن معاوية بن أبي سفيان دعا بُسر بن أرطأة وكان قاسي القلب سفّاكاً للدماء، لا رأفة عنده، ولا رحمة، فوجهه إلى اليمن وأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة، حتى ينتهي إلى اليمن، وقال له: لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلاّ بسطت عليهم لسانك، حتى يروا أنهم لا نجاة لهم منك، وأنك محيط بهم، ثمّ اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي فمن


1) منها قوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ ) سورة سبأ، الآية: 13 ، ومنها قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) سورة ص، الآية: 24 ، ومنها قوله تعالى: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) سورة هود، الآية: 40 ، وغيرها من الآيات

2) منها قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) سورة الشعراء، الآية: 8 ، ومنها قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) سورة الزخرف، الآية78 ، ومنها قوله تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) سورة الأعراف، الآية: 102 ، وغيرها كثير

3) راجع تفاصيل القضية ومصادرها الشيعية والسنية في البحار 30 : 471 - 495 الطبعة الاُولى المحققة

أبى فاقتله، واقتل شيعة علي حيث كانوا.

وسار بسر بن أرطأة حتى دخل المدينة فخطب الناس وشتمهم وتهدّدهم ... ثمّ شتم الأنصار فقال: يا معشر اليهود وأبناء العبيد بني زريق، وبني النجار، وبني سالم، وبني عبد الأشهل، أما والله لأوقعنّ بكم وقعة تشفي غليل صدور المؤمنين وآل عثمان، أما والله لأدعنّكم أحاديث كالأمم السالفة ...

وفي طريقه إلى مكة قتل رجالاً، وأخذ أموالاً، حتى إذا دخل مكة أدخل في قلوب أهلها الرعب والخوف، وتركهم متوجهاً بجيشه نحو اليمن حيث شيعة أمير المؤمنين.

ويتفق المؤرخون على أن بُسر بن أرطأة عاث في اليمن فساداً وأهلك الحرث والنسل، فقد غار على همدان وسبى نساءهم، فكن أول مسلمات سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بني سعيد، وروى أبو عمر الشيباني بإسناده عن أبي ذر: أنّه دعا وتعوّذ في صلاة صلاها، أطال قيامها وركوعها وسجودها، فسئل ممّ تعوّذت وفيم دعوت؟ قال: تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني، ويوم العورة أن أدركه، فقيل له: وما ذاك؟ فقال: أما يوم البلاء فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضاً، وأما يوم العورة فإن نساءً من المسلمات يُسبين فيكشف عن سوقهن، فأيتهن كانت أعظم ساقاً اشتُريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ... ثمّ أرسل معاوية بُسر بن أرطأة إلى اليمن فسبى نساء مسلماتفأقمن في السوق. ووجد ابنين لعبيد الله بن العباس صبيّين، فأخذهما بُسر لعنه الله وذبحهما بيده بمدية كانت معه، فأصاب أم حكيم بنت قارظ - زوجة عبيد الله - ولهٌ على ابنيها، فكانت لا تعقل ولا تصغي إلاّ إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس ابنيها بهذه الأبيات:

يامن أحسّ بابني اللذين هما *** كالدرتين تشظّى عنهما الصّدف

يامن أحسّ بابني اللذين هما *** سمعي وقلبي فقلبي اليوم مردهف

يامن أحسّ بابني اللذين هما *** مخّ العظام فمخي اليوم مختطف

نبّئت بُسراً وما صدّقت ما زعموا *** من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا

أنحى على ودجَي ابنيّ مرهفة *** مشخوذة وكذاك الافك يقترف

حتى لقيت رجالاً من أُرومته *** شُمّ الأنوف لهم في قومهم شرف

فالآن ألعن بُسراً حقّ لعنته *** هذا لعمر أبي بسر هو السرف

من دلّ والهة حرّى مولهة *** على صبيين ضلاّ إذ غدا السّلف

قالوا: ولما بلغ علي بن أبي طالب ' قتل بسر الصبيين جزع لذلك جزعاً شديداً ودعا على بسر لعنه الله ...(1)

هذه صورة تنبئك عما تلاها من أحداث، فإذا كان هذا بعض ما فعله سيد الأمويين معاوية فما ظنك بمن جاء من بعده!؟

ومما يحدّث به التاريخ في العهد العباسي: أن المنصور لما بنى الأبنية ببغداد جعل يطلب العلوية طلباً شديداً، ويجعل من ظفر به منهم في الاسطوانات المجوّفة المبنية من الجص والآجر، فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه، عليه شعر أسود من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب (علیهم السلام) فسلّمه إلى البنّاء الذي كان يبني له وأمره أن يجعله في جوف اسطوانة بمشهده، فجعله البناء في جوف اسطوانة فدخلته رقة عليه ورحمة له، فترك في الاسطوانة فرجة يدخل منها الروح، وقال للغلام: لا بأس عليك، فاصبر فإني سأخرجك من جوف هذه الاسطوانة إذا جنّ الليل، ولما جنّ الليل جاء البنّاء في ظلمته وأخرج ذلك العلوي من جوف تلك الاسطوانة، وقال له: إتّق الله في دمي ودم الفعلة الذين معي، وغيّب شخصك،


1) الغدير 11 : 17 - 20 الطبعة الخامسة 1372 ه- نقلاً عن عدة مصادر

فإني إنما أخرجتك في ظلمة هذه الليلة من جوف هذه الاسطوانة لأنّي خفت إنتركتك في جوفها أن يكون جدك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم القيامة خصمي بين يدي الله عزوجل، ثمّ أخذ شعره بآلات الجصّاصين كما أمكن، وقال له: غيّب شخصك وانجُ بنفسك، ولا ترجع إلى اُمك، قال الغلام: فإن كان هذا هكذا فعرّف اُمي أني قد نجوت وهربت لتطيب نفسها، ويقلّ جزعها وبكاؤها إن لم يكن لعودي إليها وجه، فهرب الغلام ولا يُدرى أين قصد من أرض الله، ولا إلى أي بلد وقع، قال ذلك البنّاء: وقد كان الغلام عرّفني مكان اُمه وأعطاني العلامة شعره، فانتهيت إليها في الموضع الذي كان دلّني عليه، فسمعت دويّاً كدويّ النحل من البكاء، فعلمت أنها اُمّه فدونت منها وعرّفتها خبر ابنها وأعطيتها شعره وانصرفت(1).

وغيرها من الفجائع التي عاناها العلويون إبّان الحكم العباسي، وقد ذاق أئمة أهل البيت (علیهم السلام) ألواناً من القهر والاضطهاد حتى استشهد ستة منهم على أيدي حكام بني العباس، وكانت شهادة بعضهم في غياهب السجون، وهكذا كان بنو العباس مع بني عمهم آل أبي طالب، وقد وضع أبو الفرج الاصفهاني كتاباً سمّاه مقاتل الطالبيين ذكر فيه أسماء العشرات ممن قتل أيام بني العباس من العلويين، وأما من قتل من شيعتهم فحدّث عن ذلك ولا حرج.

ومما يحدّث به التاريخ أيضاً في العهد العثماني(2): أن السلطان سليم كان شديد التعصب على أهل الشيعة، ولا سيما أنّه كان في تلك الأيام قد انتشرت بين رعاياه تعاليم شيعية تتنافى مع مذهب أهل السنة، وكان قد تمسك بها جماعة من الأهالي، فأمر السلطان سليم بقتل كل من يدخل في هذه الشيعة فقتلوا نحو أربعين ألف رجل،


1) بحار الأنوار 47 : 206 الطبعة الإسلامية نقلاً عن عيون أخبار الرضا (علیه السلام)

2) تنسب الدولة العثمانية - التي تأسست سنة 699 ه- - إلى عثمان الأول بن طغرل مؤسس السلالة العثمانية وكانوا أول أمرهم أمراء على البلاد التركية ثمّ استقلوا بالخلافة سنة 923 ه- ، راجع دائرة معارف القرن العشرين 2 : 546 - 667 الطبعة الثالثة، دار المعرفة - بيروت

وأخرج فتوى شيخ الإسلام بأنه يؤجر على قتل الشيعة وإشهار الحرب ضدهم(1)

ويقول الشيخ المظفّر في كتابه «تاريخ الشيعة» : ولا تسل عما لقيته الشيعة من ذريع الفتك عندما استلبه (العراق) العثمانيون في هذه المرة (عام 1045 ه-) وهذه النكبة الكبرى إحدى النكبات الفظيعة التي شاهدهاالشيعة في أدوار حياتهم من جرّاء المذهب وما أكثرها(2)

ويستعرض جملة من النكبات التي ذهب ضحيتها الآلاف من الشيعة في مناطق أخرى ويقول: وهكذا استمر التشيع في حلب رفيع البناء، لم تقلعه تلك الهزّات العنيفة، ولم تردمه تلك العواصف الشديدة، إلى أن أفتى الشيخ نوح الحنفي في كفر الشيعة واستباحة دمائهم وأموالهم تابوا أو لم يتوبوا، فزحفوا على شيعة حلب وأبادوا منهم أربعين ألفاً أو يزيدون، وانتهبت أموالهم، وأخرج الباقون منهم من ديارهم ... واختبأ الشيعة في أطراف حلب في هذه القرى والبلدان، ولم يبق في حلب شيعي أبداً ... ويوجد اليوم في حلب قليل من الشيعة سكنوها بعد تلك الحادثة المؤلمة، وهذه إحدى الوقائع الممضّة التي شاهدها الشيعة من أجل ولائهم لأهل البيت وتمسكهم بعرى مذهبهم ... وهاجم الأمير ملحم بن الأمير حيدر بسبب هذه الفتوى جبال عاملة عام (1048 ه-)، فانتهك الحرمات واستباح المحرمات يوم وقعة قرية أنصار فلا تسل عما أراق من دماء، واستلب من أموال، وانتهك من حريم، فقد قتل ألفاً وخمسمائة، وأسر ألفاً وأربعمائة، فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت(3)

وأما الجرائم البشعة التي أحدثها الجزّار في لبنان وأهلك فيها الحرث والنسل فقد سود فيها صفحات من التاريخ.

ولا تكاد تقف على حقبة زمنية مرت على شيعة أهل البيت (علیهم السلام) في أي بقعة


1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 244 الطبعة الثانية 1390 ه-

2) تاريخ الشيعة: 83 منشورات مكتبة بصيرتي - قم

3) نفس المصدر: 147

من بقاع الأرض إلاّ وقد اصطبغت بدمائهم وكانوا فيها ضحايا البطش والقهر والاضطهاد، فإذا كان هذا حال الشيعة عبر التاريخ فماذا تراهم فاعلين؟؟

لقد كانت التقية أنجع وسيلة لحفاظ الشيعة على عقائدهم وأرواحهم بالقدر الممكن حيث استطاعوا من خلالها الإبقاء على أنفسهم، ولم يكن ثمّة مناص عنها إذا ما أرادوا أن يعيشوا كسائر الناس.

إنّ التقية أمر فرضته الظروف القاسية والأجواء الرهيبة التي مر بها الشيعة عبر التاريخ، وقد دفعوا إليها دفعاً اضطرهم إلى مسايرة الجائرين في الظاهر إبقاءً على أنفسهم وحفاظاً على أرواحهم وأعراضهم، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولم يكن ذلك بدعاً من الفعل، ولا تنكّراً للفطرة ولا خلافاً لقوانين الإسلام وتعاليمه، ولعمر الحق إن قضية التقية أمر لا مراءفيه غير أن المغرضين أرادوا نبز الشيعة بها فكان مآلهم الخسران.

هذا كله ما لم تكن هناك مصلحة أهم من الإبقاء على النفس، وغاية أسمى يسترخص من أجلها كل ثمين، الأمر الذي يفسر لنا إقدام البعض على معانقة الموت واستقبال أهواله في عمليات فدائية حدّدها الشارع الحكيم وعيّن مواطنها.

شبهات مغرضة:

ولكن مع ذلك قد نجد بعض من لا يبصر أبعد من أنفه يتّخذ من التقية موضوع نبز وافتراء، فيتّهم الشيعة بالنفاق لقولهم بالتقية، لأن ملاكها إظهار خلاف ما انطوت عليه النفس وانعقد عليه القلب، وهو عبارة اُخرى عن النفاق. وقد فات هذا القائل أن معنى النفاق هو عبارة عن إظهار الإيمان وإخفاء الكفر(1)، وأما التقية فهي وسيلة اتقاء مع اطمئنان القلب بالإيمان، وقد تضطر الإنسان لإظهار الكفر ومجاراة من يخافه ويخشاه في القول والعمل، على أن


1) مجمع البحرين 5 : 241 الطبعة المحققة الثانية

القرآن الكريم قد تحدّث عن النفاق والمنافقين ووعدهم بالدرك الأسفل من النار، بينما تحدّث عن أولئك الذين مارسوا التقية فأثنى عليهم وآتاهم أجرهم مرتين، فليست التقية - مفهوماً ومصداقاً - تلتقي مع النفاق في شيء أبداً.

وقد يحلو للبعض أن يصم التقية بأنها تنطوي على تنظيم سرّي يهدف إلى تقويض الدين وزعزعة أركانه ببث الأفكار الهدّامة للدين في الخفاء.

أقول: إنّ الشيعة الإمامية أتقى وأبرّ من أن تدنّس شرف ولائها لأهل البيت الطاهر (علیهم السلام) بذلك، فإنها قد اعتصمت بحبل الله المتين، واستسهلت في سبيله كل عسير، وما فتىء تاريخها حافلاً بمواقف التضحية والفداء دفاعاً عن حريم الدين والمعتقد الحق.

وتتهاوى كل الافتراءات التي تلصق بالشيعة في ممارستهم لهذا المبدأ، فإنها ما مارست التقية في سيرتها العملية في بعض الظروف إلاّ لأجل الإبقاء على نفوسها حيث دفعت إلى ذلك دفعاً، واضطرها إليها جور الجائرين واستبداد الظالمين، ولو أن هؤلاء الذين يحلو لهم هذا النوع من العبث السخيف لاقوا بعض ما لاقاه الشيعة في حياتهم عبر تاريخهم المرير لعرفوا وعلموا أن ما يفعله الشيعة لا يعدو الحق ولا يحيد عن الصواب.ثم إنّ التقية حافظت على قيم الإسلام وتعاليمه، واستطاع رجال الشيعة في تاريخهم أن يساهموا في صيانة الدين والدفاع عنه والمحافظة عليه من عبث العابثين، وتكون التقية بذلك قد أسدت للدين خدمة جُلّى ستبقى آثارها حيّة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

التقية في الفقه الإمامي:

إنّ المعاناة الروحية والجسدية التي واجهها الشيعة في تاريخهم المظلوم دفعت بأئمتهم (علیهم السلام) من أجل الحفاظ على شيعتهم إلى بيان الأحكام في صورتين:

الأولى: بيانها في الصورة الصريحة الواضحة، كما جاء بها النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم)، وكما

هي في القرآن الكريم، وهي المعبر عنها بالأحكام الأوّلية، وذلك في حالات الأمن من العدو والاطمئنان من تربّصه أو انشغاله بغيرهم، وهذا ما نجده في الموسوعات الشيعية الروائية، فإنها زاخرة ببيانات الأئمة(علیهم السلام) في مختلف شؤون الحياة.

الثانية: بيانها وقد ارتدت لباس التقية وهي المعبّر عنها بالأحكام الثانوية في بعض وجوهها، وذلك في حالات الخوف والتربّص بالأئمّة (علیهم السلام) وشيعتهم، وقد امتزجت الروايات في التبويب والتصنيف مما أدّى إلى ظهور التعارض البدوي بينها في بعض جهاته، الأمر الذي احتاج - في عملية الفصل بين الصورتين - إلى مهارة فقهية وتضلع راسخ في معرفة ما يتناسب ومذهب أهل البيت (علیهم السلام) من غيره، ورد كل حكم إلى منشئه، ويحتاج إلى قدرة علمية فائقة وذوقاً فقهياً رفيعاً لمعرفة الضوابط وعمليات الجمع بين الروايات مما جعل البحث في ذلك شاقاً وعسيراً.

وقد بحث فقهاء الإمامية قدس الله أسرارهم - على مر تاريخهم المعطاء - مسألة التقية بجميع أبعادها في جميع أبواب الفقه إلاّ أن أبحاثهم جاءت بحسب اقتضاء المناسبة فكانت مبعثرة في جميع أبواب الفقه ولم تنتظم في سلك عقد واحد، ومن هنا جاء هذا الكتاب ليكون نواة في هذا المجال، ورائد السبق في هذا المضمار حيث يقوم بحصر جميع موارد التقية في الفقه الإمامي الواردة في روايات أهل البيت (علیهم السلام) على نحو استدلالي لوحظت فيه جميع الأدلة الأخرى.

ويمكننا إيجاز منهجية الكتاب على النحو التالي:

أولاً: بيان أصل الحكم الأولي والدليل عليه في المسألة المبحوث عنها.

ثانياً: الإشارة إلى جهات الاختلاف فيها.ثالثاً: ذكر ما عليه العامة - في أغلب الأحيان - وبيان جهة اختلافهم مع الخاصة.

رابعاً: بيان الحكم عند عروض التقية وما يترتب عليه من الآثار.

وستقف - قارئي العزيز - على مواطن ذلك في صفحات هذا الكتاب.

وهذا هو الجزء الأول من هذا الكتاب ويتناول موضوع التقية في أصول الدين والتقية في بعض الفروع وهي الطهارة والصلاة والصوم والحج والزكاة،

وأما بقية الفروع وما يتعلق بها من المسائل والأحكام ففي ما سيليه.

وهذا الكتاب هو مجموعة المحاضرات الفقهية التي كان سماحة العلامة الأستاذ آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري دام ظلّه، يتفضّل بها في مجلس بحثه اليومي في الحوزة العلمية في عشّ آل محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) بقم المقدسة.

وإن من ألطاف الله تعالى - وله الحمد - أن حالفني التوفيق للتشرف بالحضور في مجلس البحث وتدوين هذه المحاضرات تحت إشرافه ورعايته.

وقد حظيت من قبل بشرف تدوين محاضراته في علم الرجال وكان من ثمراتها المباركة كتاب أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق.

وكنت قد ذكرت في مقدمته طرفاً من حياة شيخنا الأستاذ دام ظله، والتي كانت أنموذجاً يحتذى في الدأب والجد في العلم والعمل، وهو مصداق من أعطي العلم كلّه، ورهن حياته في خدمة مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) وفقه آل محمّد(صلی الله علیه و آله و سلم).

أسأل الله الكريم المنّان أن يديم ظله وارفاً، وأن ينفع ببركاته أبناء الحوزات العلمية المقدسة، كما أسأله تعالى أن يشمل بعين رعايته هذا الجهد وينظر إليه نظرة القبول والرضا، وأن يكون موضعاً لعناية السادة الأطهار (علیهم السلام) ولا سيما بقية الله في أرضه إمام العصر وصاحب الزمان أرواحنا فداه، وأن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين

محمّد علي المعلم

عش آل محمّد - قم المقدسة20 جمادى الثانية 1417 ه-

المدخل التقية وأدلتها

· التحديد اللغوي والاصطلاحي للتقية.

· الأدلة الأربعة على مشروعية التقية بل وجوبها.

· دفاع عن حريم التشيع.

· فهرسة إجمالية لفصول الكتاب.

· الموارد المستثناة من حكم التقية.

· منهجية البحث في هذا الكتاب.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمّد وآله الطاهرين.

التقية في اللغة والاصطلاح:

اختلف في تحديد لفظ التقية، من جهة كونه مصدراً أو اسم مصدر، فالذي يظهر من شيخنا الأنصاري ): أنّ التقية اسم لاتقى يتقي(1)

والذي يذهب إليه السيد الأستاذ !: أن التقية مصدر تقي يتقي والاسم التقوى، وهي مأخوذة من الوقاية وتاؤها بدل من الواو(2)

والمستفاد من المعاجم اللغوية أن التقية مصدر ثان لتقي أتقي، والاسم هو التقوى.

قال في القاموس: واتَّقَيْتُ الشيءَ وَتَقيْتهُ أتَّقيه وأتْقِيه تُقىً وتَقِيّةً وتِقاءً ككساء حَذِرْتهُ، والاسم التَّقْوى(3)

وقال في اللسان: وقد توقَّيتُ واتَّقَيتُ الشيء وتَقَيْتهُ أتَّقيه واتْقِيه تُقىً وتَقِيّةً وتقاء: حذرته، الأخيرة عن اللحياني، والاسم التقوى، التاء بدل من الواو والواو بدل من الياء(4)

وجاء في بعض الكتب اللغوية: أن مصدر اتقيت هو الإتقاء.

قال في المصباح: اتقيت الله اتقاءً، والتقية، والتقوى اسم منه والتاء مبدلة من واو، والأصل وقوى من وقيت لكنه أبدل ولزمت التاء في تصاريف الكلمة،


1) رسالة في التقية وهي مطبوعة ضمن كتاب المكاسب: 320 الطبع القديم

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 5 : 253 الطبعة الثانية

3) القاموس المحيط 4 : 582 الطبعة الأولى

4) لسان العرب 15 : 378 الطبعة الأولى

والتقاة مثله وجمعها تُقى(1)

وقال في المجمع: والتقوى فَعْلَى كنجوى، والأصل فيه وقوى من وقيته: منعته قلبت الواو تاء، وكذلك تقاة، والأصل وقاة، قال تعالى: (إِلاَّأَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(2)، أي اتقاءً مخافة القتل، وجمع التقاة تقى كطلى للاعناق وقرىء تقية، والتقية والتقاة اسمان موضوعان موضع الاتقاء(3)

ويقرّب هذا المعنى: أنّ الوارد في كثير من الروايات أنسب بالاسم المصدري، كقوله (علیه السلام): «التقية ديني ... الخ»، و «التقية ترس المؤمن»، و «التقية حرز المؤمن» وغير ذلك من الموارد التي وردت محكوماً عليها بنحو الإخبارأو متعلقة للحكم كسائر المتعلقات مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها.

وعلى كل تقدير فالتقوى أو التقية أو الإتقاء لها معنيان أحدهما عام، والآخر خاص، أما المعنى الأول فهو التحفّظ والحذر من الوقوع في المحرمات والإخلال بالواجبات، وبعبارة أخرى: أن يجعل الإنسان بينه وبين غضب الله حاجزاً، وهذا إنما يتم بالعمل الصالح.

وقد أسند هذا المعنى في الكتاب العزيز إلى الله تعالى في آيات كثيرة، ومنها: (وَاتَّقُوا اللهَ )(4)، (وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)(5)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)(6)، وغيرها من الآيات.

وهذا المعنى يشمل بمقتضى عمومه، التحفّظ عن كل ضرر، والإتّقاء من كلّ ما يخاف ويخشى، دينياً كان أو دنيوياً، وليس لهذا المعنى حكم شرعي


1) المصباح المنير 2 : 922 الطبعة السابعة

2) سورة آل عمران، الآية: 28

3) مجمع البحرين 1 : 452 الطبعة المحققة الثانية 1395 ه-

4) سورة البقرة، الآية: 194

5) سورة البقرة، الآية: 197

6) سورة النساء، الآية: 1

مولوي بل حكمه الوجوب العقليّ، وما ورد من الأمر فهو محمول على الإرشاد إلى ما أدركه العقل.

وأما المعنى الثاني فهو اصطلاحي خاص، وهو: التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في القول والعمل.

قال في معجم الفقهاء: التّقِيّة: بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء المفتوحة، مصدر وقي، الحذر والمخافة: إظهار غير ما يعتقد وقاية لنفسه من أذى قد يصيبها(1)

ولهذا المعنى حكم المولويّة، ويتّصف بالأحكام الشرعية الخمسة من الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة، وهو محلّ البحثوالكلام.

أدلة التقية:
اشارة

ويمكن الاستدلال على التقية بالأدلة الأربعة:

الدليل الأول: من الكتاب:

وقد استدلّ بعدة آيات:

الأولى: قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )(2).

الثانية: قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)(3).

والآيتان صريحتا الدلالة في التقية، وقد ذكر المفسرون أن الآية الثانية نزلت في شأن عمار بن ياسر في قصة مشهورة تقدم ذكرها(4)

الثالثة: قوله تعالى (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ )ورد في الرواية أن


1) معجم لغة الفقهاء: 142 الطبعة الثانية

2) سورة آل عمران، الآية: 28

3) سورة النحل، الآية: 106

4) مجمع البيان 6 : 387 منشورات شركة المعارف الإسلامية 1379 ه-

المراد من الحسنة هي التقية(1)، وستأتي الرواية في الدليل الثاني.

الرابعة: قوله تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ )أي أشدّكم تقيّة، كما في صحيحة عبد الله بن حبيب عن أبي الحسن (علیه السلام) (2)

الخامسة: قوله تعالى: (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) ورد في رواية المفضل عن الصادق (علیه السلام) أنها التقية، وقوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً)، قال: إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقبا(3)

السادسة: قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )، ورد عن حذيفة عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: هذا في التقية(4)

السابعة: قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) وردفي صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله قال: بما صبروا على التقية(5)، وسيأتي نصّ الرواية في الدليل الثاني.

الثامنة: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا )ورد في رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... )قال: اصبروا على المصائب وصابروهم على التقية ورابطوا على من تقتدون به، واتقوا الله لعلكم تفلحون(6).

وغيرها من الآيات .

والحاصل: أنّ التقية ثابتة بالكتاب العزيز، وبعض الآيات وإن لم تكن


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 30

3) نفس المصدر الحديث 33

4) نفس المصدر الحديث 35

5) نفس المصدر الحديث 1

6) نفس المصدر الحديث 15

صريحة في دلالتها، وإنما دلّت بمعونة الروايات التفسيرية، إلاّ أنّ بعضها الآخر صريح في دلالته كما هو بيّن.

الدليل الثاني: من السنة:

والروايات الواردة في التقية كثيرة تبلغ أكثر من سبعين رواية، ولذا لا يبعد القول بأنها متواترة إجمالاً بحيث تطمئن النفس بصدورها عن المعصومين (علیهم السلام) .

وبعض هذه الروايات ورد في بيان أصل مشروعية التقية، وبعضها الآخر في بيان الحكم بالوجوب.

أما الطائفة الأولى: وهي التي يستفاد منها المشروعية فمنها:

ما ورد في صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله عزوجل: (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا)، قال: بما صبروا على التقية (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ )قال: الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة(1)

ومنها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال: التقية ترس الله بينه وبين خلقه(2)

ومنها: صحيحة هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «ماعبد الله بشيء أحب إليه من الخباء» ، قلت: وما الخباء؟ قال: «التقية» (3)

ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به(4)

ومنها صحيحة إسماعيل الجعفي ومعمّر بن يحيى بن سالم، ومحمّد بن مسلم، وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر (علیه السلام) يقول: «التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 1 المكتبة الإسلامية

2) نفس المصدر الحديث 12

3) نفس المصدر الحديث 14

4) نفس المصدر باب 25 من أبواب الأمر والنهي الحديث 1

فقد أحلّه الله له» (1)

ومنها: رواية محمّد بن مروان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: كان أبي(علیه السلام) يقول: وأي شيء أقرّ لعيني من التقية، إنّ التقيّة جنّة المؤمن(2)

ومنها: رواية حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية، يا حبيب: إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله. يا حبيب: إن الناس في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا(3)

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على أنّ التقية أمر مشروع.

أما الطائفة الثانية: وهي التي يستفاد منها وجوب التقية فهي أيضاً روايات كثيرة:

منها: صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «اتّقوا على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقيّة له، إنما أنتم في الناس كالنّحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السرّ والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا»(4).

ودلالة هذه الرواية صريحة في الوجوب فإنّها تنفي الإيمان عمّن لا تقية له.

ومثلها في الدلالة صحيحة معمّر بن خلاّد، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام)عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر (علیه السلام): التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقيّة له(5)

وهكذا صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول:


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر والنهي الحديث 2 المكتبة الإسلامية

2) نفس المصدر باب 24 الحديث4

3) نفس المصدر الحديث 8

4) نفس المصدر الحديث 7

5) نفس المصدر الحديث 3

«التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له»(1)

ومعتبرة أبان بن عثمان، عن الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «لا دين لمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا ورع له» (2)

وصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «لا خير فيمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا تقية له» (3)

وما أورده صاحب السرائر في خاتمة كتابه، نقلاً من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا علي بن محمّد ' من مسائل داود الصرمي، قال: قال لي: «يا داود لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً» (4)

ورواية الحسين بن خالد، عن الرضا (علیه السلام) ، قال: «لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، قيل: يابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى قيام القائم، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا» (5)

إلى غير ذلك من الروايات الدالة على وجوب هذا الحكم، بل إنه من أعظم الواجبات، فاتصاف التقية بالوجوب مما لا إشكال فيه.

وأما كيفية ذلك فسيأتي بيانه.

الدليل الثالث: الإجماع منقولاً ومحصّلاً، قولاً وعملاً:

فإنّ المتسالم عليه عند الفقهاء، أنّ التقية واجبة، بل لا نظن أن أحداً منالفقهاء يخالف في ذلك. نعم المتيقن به أنها محلّ اتفاق في الجملة لا في كل مسألة مسألة، فلا خلاف فيها بين الفقهاء، بل قد تعدّ من ضروريات المذهب، وقد ذهب بعض العامة إلى القول


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 6

2) نفس المصدر الحديث 22

3) نفس المصدر الحديث 29

4) نفس المصدر الحديث 26

5) نفس المصدر الحديث 25

بوجوبها، كما نسب ذلك إلى الشافعي وغيره، وهكذا سيرة العلماء والمتشرعة على ذلك، وهذه السيرة تنتهي إلى الأئمة (علیهم السلام) ، وإنها ممضاة من قبلهم (علیهم السلام) عملاً، وهذا مما لا يعتريه ريب بل تتصل بالأنبياء والأوصياء السابقين قبل الإسلام، كما تقدم في الحديث - مفصلاً - عن تاريخ التقية.

الدليل الرابع: العقل:

فإنّ التقية موافقة لمقتضى حكم العقل، والاستدلال به على التقية على نحوين:

الأوّل: استقلال العقل بهذا الحكم، فيقال: إن العقل يرى أن أحكام الدين إنما شرعت لسعادة الإنسان في حياته إلى الأبد، فإذا كانت هذه السعادة وإدامة الأحكام متوقفة على التقية والإخفاء عن الأعداء في فترة من الزمن، فالعقل يستقل بالحكم بحسن التقية تقديماً للأهم على المهم، نظير سكوت أمير المؤمنين(علیه السلام) عن حقه رعاية لبقاء الدين.

والشاهد على ذلك سيرة العقلاء في حياتهم العملية، فإنهم في حالات الخوف من الأعداء يخفون عقائدهم ويظهرون الموافقة لخصومهم تحفظاً على أنفسهم، وذلك أمر شايع بيّن، وقد تحدث القرآن عن ذلك في العديد من الآيات ومن ذلك:

أصحاب الكهف فإنهم فتية آمنوا بربهم إلاّ أن الخوف على أنفسهم وإيمانهم دفعهم للتقية، فكانوا يشدون الزنانير ويشهدون أعياد الناس، فآتاهم الله أجرهم مرتين كما نطقت بذلك الروايات.

كما تحدث القرآن عن إبراهيم الخليل (علیه السلام) فإنه مارس التقية مع قومه حيث قال: إني سقيم، وهكذا بالنسبة إلى موسى الكليم (علیه السلام) فإنه عاش في بيت فرعون بالتقية إلى أن صار مأموراً بالتبليغ، ومثله يوسف الصديق (علیه السلام) فإنه أصبح خازن

الملك الكافر وقد عاش في تلك الأجواء بالتقية، وكذلك تحدثت السيرة عن أبي طالب (علیه السلام) وتمكنه من الدفاع عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) بواسطة التقية وقد اشار القرآن الكريم إلى قضية عمار بن ياسر كما مر.

وغيرهم من الأنبياء والأوصياء والأخيار والعقلاء الذين كانوا يمارسون التقية.

وإذا كان الأمر كذلك فلا ندري كيف ساغ للعامة الإنكار على الشيعةلقولهم بالتقية؟ وكيف اجترأوا على الشيعة بالتشنيع لذلك، وهل هذا إلاّ ضلال منهم عن الصراط المستقيم وانحراف عن الحق والهداية، حيث لم يدخلوا البيوت من أبوابها ولم يأخذوا الأحكام من معادنها ولم يتبعوا أئمة الهدى (علیهم السلام) وأهل بيت العصمة والطهارة الذين هم أحد الثقلين الذين أمرنا بالتمسك بهم(1).

الثاني: الاستدلال بالعقل غير المستقل، بأن يقال: إن نظر الشارع المقدس في أحكامه أنه: إذا دار الأمر بين الضرر كالقتل والقطع وأمثالهما وبين حكم شرعي بوجوب شيء ما مثلاً فالعقل يحكم بتقديم الضرر على الحكم الشرعي، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وأحلّ الله ما اضطروا إليه، فتدخل المسألة بهذه المقدمة في الأدلة الحاكمة على الأحكام الأولية وحينئذ يرتفع الحكم الشرعي، وتجب التقية بحكم العقل لا مستقلاًّ بل بمعونة الشارع.

ويمكن الاستدلال أيضاً بالقواعد الكلية إذا تحققت صغريات بعض المسائل، كما إذا كان هناك ضرر راجع إلى النفس، أو العرض، أو المال الخطير، فيقدم على الحكم الشرعي، ولابد حينئذ من التقية، وإن كان هذا يرجع إلى النحو الأول كما لا يخفى.

ثم أنّه ليس في سرد بقيّة أحكام التقية من الحرمة والاستحباب والكراهة


1) تقدم في مطلع الكتاب حديث ضاف حول نشأة التقية في التاريخ فراجع

والإباحة كثير فائدة، ولهذا نقتصر على الحكم الأول وهو الوجوب، وقد نتعرض لبعض هذه الأحكام تبعاً، ونعطف الكلام على ذكر ما هو المهم في المقام، وهو البحث حول موارد التقية المشهورة الواردة في الروايات في جميع أبواب الفقه كما ذكرنا آنفاً، والتحقيق في كل مورد بخصوصه بحسب ما تقتضيه طبيعة المورد نظراً لأهمية التقية في مجال التشريع ولعموم الابتلاء بمواردها واستمراره في مجالي العمل والتطبيق، فقد ورد في الاحتجاج عن أبي محمّد الحسن بن علي العسكري ' ، في حديث أن الرضا (علیه السلام) جفا جماعة من الشيعة وحجبهم، فقالوا: يابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ما هذا الجفاء العظيم، والاستخفاف بعد الحجاب الصعب؟ قال: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وأنتم في أكثر أعمالكم مخالفون ومقصرون في كثير من الفرائض، وتتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لابدمن التقية(1)

وغيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.

ولما كان تشخيص مواردها وبيان الوظيفة العملية فيها وكيفية التعامل معها في جهتي الموافقة والمخالفة من الأهمية بمكان، ولم نقف إلى الآن على كتاب جامع يخدم هذا الغرض وإن كان علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم بحثوا موضوع التقية ووضعوا فيها كتباً ورسائل إلاّ أنها تناولت كليات مسائلها وبعضاً من مواردها، ولذلك انعقد العزم بتوفيق الله على التعرّض لموارد التقية المشهورة في جميع أبواب الفقه والتي صارت مورداً للبحث والكلام أو وردت في روايات أهل البيت (علیهم السلام) (2).

وينبغي أولاً الإشارة إلى العناوين التي تنطبق عليها التقية.

وثانياً: الموارد المستثناة التي لا يجوز فيها التقية.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر والنهي الحديث 9

2) قد أشرنا إلى ذلك في مقدمة الكتاب فراجع

أما بالنسبة للأمر الأول فقد أحصينا العناوين التي تتعلق بها التقية ووردت في الآيات والروايات فوجدناها تبلغ إلى أكثر من أربعين مورداً وهي:

أ - التقية في أصول الدين وتتضمّن المباحث التالية:

1 - إظهار الكفر أو إنكار أحد أصول الدين.

2 - البراءة.

3 - سبّ أحد الأنبياء أو أحد الأئمة (علیهم السلام) .

ب - التقية في فروع الدين وهي تارة تلاحظ بالإضافة إلى الكفار فقط وأخرى على نحو أعم، أما الأول فيتضمن المباحث التالية:

1 - في حكم مودتهم واتخاذهم أولياء.

2 - في حكم الابتداء بالتسليم عليهم.

3 - في الحكم بطهارتهم أو نجاستهم.

4 - في جواز إطعامهم وعدمه.

5 - في حكم دخولهم المساجد.

6 - في إلحاق أهل الكتاب والمخالفين بالكفار وعدمه.

7 - في حكم بيع المصحف وما في حكمه إليهم.

8 - في حكم طعامهم وذبائحهم.9 - في حكم مناكحتهم.

10 - في بيان آثار الحكم التكليفي والوضعي في حال التقية وبعدها.

وأما الثاني فهو تارة يكون في أمر غير مشروط بقصد القربة، وأخرى يكون في أمر مشروط بها، وثالثة في العقود والمعاملات، ورابعة في الإيقاعات، وخامسة في الأحكام.

أما الأول فيتضمن المباحث التالية:

1 - التقية في كتمان الدين والولاية، والحديث عن الكفار والمخالفين.

2 - التقية في تسمية الحجة .

3 - في حكم الجمع بين اسمه (علیه السلام) وكنيته في المولود.

وأما الثاني فهو يشمل المباحث التالية:

أولاً: التقية في الوضوء وتتناول:

1 - في غسل الوجه واليدين مرة أو ثلاثاً.

2 - في غسلهما من الأعلى أو من الأسفل.

3 - في مسح الرأس كلاًّ أو بعضاً مع الأذنين أو بدونهما.

4 - مسح الرأس والرجلين بماء الوضوء أو بماء مستأنف.

5 - في جواز المسح على الخفين وعدمه.

ثانياً: التقية في الوقت وتتناول:

1 - وقت صلاة المغرب والإفطار من الصوم هل هو ذهاب الحمرة المشرقية أو سقوط قرص الشمس.

2 - في حكم الصلاة قبل غروب الشمس.

ثالثاً: التقية في الصلاة وتتناول:

1 - جواز الاقتداء والائتمام بالمخالف تقية وعدمه.

2 - حكم الاقتداء بسائر فرق الشيعة من غير الإمامية تقية.

3 - حكم الاقتداء بالموافق تقية مع عدم إحراز الشرائط.

4 - في حكم الجهر بالبسملة وإخفائها.

5 - في حكم التأمين في الصلاة.

6 - في حكم التكفير في الصلاة.

7 - في حكم السجود على الأرض أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس وغيرها.

رابعاً: التقية في الصوم وتتناول:

1 - حكم الإفطار في حال التقية.

2 - في وجوب القضاء وعدمه.

خامساً: التقية في الحج وتتناول:

1 - حكم التظليل حال الإحرام تقية.

2 - حكم الوقوف بعرفات والمشعر ومنى في حال التقية.

سادساً: التقية في الزكاة وتتناول:

1 - شرائط المستحق للزكاة.

2 - في حكم إعطاء الزكاة للمخالف.

سابعاً: التقية في الجهاد وتتناول:

1 - أقسام الجهاد.

2 - اشتراط الجهاد الابتدائي بإذن المعصوم (علیه السلام) وعدمه.

3 - التحقيق حول الجهاد الابتدائي في زمان النبيّ (علیه السلام) .

4 - التهمة بأن الإسلام دين الدم والسيف والجواب عنها.

وأما الثالث فيتضمّن المباحث

التالية:

أوّلاً: التقية مع السلطان الجائر وتتناول:

1 - حكم معاونة السلطان الجائر.

2 - حكم قبول الولاية من قبل السلطان الجائر في القضاء والفتوى.

3 - حكم قبول الولاية من قبله في السياسة وتدبير الأمور.

4 - حكم التقية في الإضرار بالناس والتفصيل في أقسام الإضرار بالغير.

5 - حكم جوائز السلطان وأقسامها.

6 - حكم أموال السلطان بالنسبة إلى الورثة والمستحقين والحاكم الشرعي.

7 - ولاية الحاكم الشرعي - حدودها وأحكامها.

ثانياً: التقية في الغناء ويتناول:

1 - موضوع الغناء وحدوده وحكمه.

2 - حكم الآلات والأفعال اللهوية.

3 - الموارد المستثناة من الغناء والتحقيق حولها.

4 - حكم الغناء حال التقية.

ثالثاً: التقية في النكاح ويتناول مناكحة أهل الكتاب والمخالفين.

وأما الرابع فهو يتضمن:

التقية في الطلاق.وأما الخامس فيتضمن:

التقية في الميراث.

وأما بالنسبة للأمر الثاني وهو الموارد التي لا يجوز فيها التقية فهي ستة:

1 - التقية في الدم.

2 - التقية في ما يوجب الفساد في الدين.

3 - التقية في البراءة من أمير المؤمنين (علیه السلام) .

4 - التقية في متعة الحج.

5 - التقية في المسح على الخفين.

6 - التقية في شرب النبيذ.

ثم إنّ الضابط في دخول المورد في التقية هو كل ما يكون الحكم الإلزامي فيه الثابت عند المخالف إجماعاً أو شهرة على خلاف ما هو عند أهل البيت (علیهم السلام) ولا

يمكن التقصي عنه أو علاجه إلاّ بالتقية، وأما الضابط في الموارد المستثناة فهو كل ما ثبت فيه الحكم الإلزامي ولم يرخص الشارع بمخالفته إلى التقية.

ويقع الكلام حول هذه الموارد من جهات ثلاث:

الأولى: التحقيق حول الحكم الواقعي في المسألة.

الثانية: بيان الحكم الثانوي وهو العمل على طبق ما تقتضيه التقية، والآثار المترتبة عليها تكليفاً ووضعاً.

الثالثة: التحقيق حول ما إذا خالف المكلف وظيفته الفعلية وأتى بالواقع بدلاً من العمل على طبق التقية وبيان ما يترتب عليه من جرّاء ذلك.

ومما نلفت إليه أننا لن نتقيد بحرفية هذا الترتيب فقد تقتضي المناسبة تقديم بعض الموارد وتأخير بعضها عن مواقعها من هذا الترتيب، نعم نلتزم بالترتيب العام بجعل كل مورد في موقعه كما هو الحال في ترتيب أبواب الفقه.

ثم إنّ تفصيل الموارد والتحقيق حولها يتم في عدة فصول:

الفصل الأول: التقية في أصول الدين

اشارة

إمكان التقية في أصول الدين.

الأدلة من الكتاب والسنة.

البراءة والسب والفرق بينهما.

هل تجوز التقية في البراءة أو لا؟

الجمع بين الروايات المختلفة.

الوجوه التي من أجلها لم يبرأ أصحاب

علي (علیه السلام) منه.

التقية

في أصول الدين

وهي تشمل أموراً ثلاثة:

المقام الاول: في الأدلة علی القول بالجواز

الأول: إظهار الكفر أو إنكار أحد الأصول.

الثاني: البراءة من النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) .

الثالث: سب أحد الأنبياء (علیهم السلام) أو أحد الأئمة (علیهم السلام) .

وقد قيل بجواز التقية في جميع هذه الأمور، ويقع الكلام فيها في مقامات:

الأول: في الأدلة. وقد استدل له بالآيات والروايات:

الدليل الأول:

الآيات ومنها قوله تعالى: (لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (1)

وقوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)(2)وقد وردت هذه الآية في قضية عمار بن ياسر كما ذكرنا سابقاً ، وغيرها من الآيات . وقد ذكرنا جملة منها في ادلة التقية .

الدليل الثاني: الروايات: وهي على طائفتين:

الأولى: الروايات العامّة، وهي متعددة، واشتملت على الصحاح،


1) سورة البقرة، الآية: 195

2) سورة النحل، الآية: 106

وحاصلها أنّ التقية في كل ضرورة، ومن جملة الضرورات التقية في أصول الدين.

الثانية: الروايات الخاصة ومنها: رواية معمّر (عمر) بن يحيى بن سالم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: التقية في كل ضرورة (1)، وهذه الروايةوإن كان في سندها معمّر أو عمر وهما محل كلام إلاّ أن البرقي يرويها في المحاسن بسند صحيح عن الحارث بن المغيرة عن أبي جعفر (علیه السلام) (2)

ومنها صحيحة إسماعيل الجعفي، ومعمر بن يحيى بن سالم، ومحمّد بن مسلم، وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر (علیه السلام) يقول: التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له(3)

ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) ، قال: التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به(4)

ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول وسئل عن إيمان من يلزمنا حقه وأخوته، كيف هو؟ وبما يثبت؟ وبما يبطل؟ فقال: إن الإيمان قد يتخذ على وجهين: أما أحدهما فهو الذي يظهر لك من صاحبك، فإذا ظهر لك مثل الذي تقول به أنت حقت ولايته وأخوته، إلاّ أن يجيء منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك فإن جاء منه ما تستدل به على نقض الذي أظهر لك خرج عندك مما وصف لك وأظهر وكان لما أظهر لك ناقضاً، إلاّ أن يدعي أنّه إنما عمل ذلك تقية، ومع ذلك ينظر فيه، فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله، لم يقبل منه ذلك، لأنّ للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له،


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث 8

2) المحاسن كتاب مصابيح الظلم باب التقية الحديث 307

3) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث 2

4) نفس المصدر الحديث 1

وتفسير ما يتقى مثله [أن يكون] قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية بما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز(1)

ومنها: صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين(2)

ومنها: موثقة أخرى لمسعدة بن صدقة، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن الناس يروون أن علياً (علیه السلام) قال على منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعونإلى سبّي فسبوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤا مني، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي (علیه السلام) ، ثمّ قال: إنما قال إنكم ستدعون إلى سبّي فسبوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم يقل ولا تبرؤا مني، فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذلك عليه، وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان فأنزل الله عزوجل فيه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فقال له النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عندها: يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا(3).

ومنها: معتبرة محمّد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): ما منع ميثم ) من التقية؟! فوالله لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ )(4)، وهذه الرواية وإن كان في سندها محمّد بن مروان وهو مشترك بين جماعة إلاّ أن الظاهر أن المراد به عند إطلاقه هو محمّد بن مروان


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث 6 وجامع الاحاديث 14 ، باب وجوب التقية مع الخوفي في كل ضرورة ...، ح 53

2) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر والنهي الحديث 1

3) نفس المصدر الحديث 2

4) نفس المصدر الحديث 13

الذهلي وأما الحناط فهو قليل الحديث، وأما البصري فقد حدث عنه أسيد بن زيد، وأما الأنباري فهو متأخر من حيث الطبقة وقد روى عنه محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري فالظاهر انحصار الراوي عن الصادق (علیه السلام) في محمّد بن مروان الذهلي، وهو المعروف وإن له كتاباً وما عداه فليس بمعروف وهو وإن لم يوثق صراحة إلاّ أن المشايخ الثقات قد رووا عنه فيحكم بوثاقته واعتبار روايته(1)، وسيأتي له ذكر أيضاً عما قريب.

ومنها: رواية عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: سألته فقلت له: إن الضحاك قد ظهر بالكوفة ويوشك أن تدعى إلى البراءة من علي (علیه السلام) فكيف نصنع؟ قال: فابرأ منه قلت: أيهم أحب إليك؟ قال: أن تمضوا على ما مضى عليه عمّار بن ياسر أخذ بمكة فقالوا له: ابرأ من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فبرأ منه، فأنزل الله عزوجل عذره (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) (2).

وبعض هذه الروايات صريح الدلالة في جواز السب تقية، كما أنبعضها شامل للبراءة، إلاّ أن في البراءة كلاماً سيأتي.

وهناك روايات أخرى يمكن عدّها طائفة ثالثة مؤيدة لما تقدم، منها:

رواية عبد الله بن يحيى، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنّه ذكر أصحاب الكهف فقال: لو كلّفكم قومكم ما كلفهم قومهم فقيل له: وما كلفهم قومهم؟ فقال: كلفوهم الشرك بالله العظيم فأظهروا لهم الشرك وأسرّوا الإيمان حتى جاءهم الفرج(3)

ومنها: رواية درست، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: ما بلغت تقية أحد ما بلغت تقية أصحاب الكهف ، إنهم كانوا يشدون الزنانير، ويشهدون الأعياد،


1) معجم رجال الحديث 18 : 230 - 233 الطبعة الخامسة وأصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق ص 439 الطبعة الأولى

2) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 3 ، أقول: هكذا أوردت الرواية، ولعل الصحيح هو: (أن ندعى) بصيغة التكلم لا الخطاب

3) نفس المصدر الحديث 14

فآتاهم الله أجرهم مرتين(1)

ومنها: رواية الكاهلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر، وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجراً منهم على إسرار الإيمان(2)

ومنها: رواية عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في (حديث)، أن جبرئيل (علیه السلام) نزل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: يا محمّد إن ربك يقرؤك السلام ويقول لك: إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك ، فآتاهم الله أجرهم مرتين، وأن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله بالجنة(3)

وهناك روايات أخرى لا يخرج مفادها عما يستفاد من الروايات المتقدمة من جواز التقية في أصول الدين، وهكذا بالنسبة إلى سبّ أحد المعصومين (علیهم السلام) .

المقام الثاني: في حكم التقية في أصول الدين:

وفيه جهتان:

الأولى: في أصول الدين الخمسة.

الثانية: في سب المعصوم.أما بالنسبة إلى أصول الدين من التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد، فيحتمل القول بالجواز كما يحتمل القول بالوجوب.

أمّا الجواز فلأن الآية الشريفة (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (4)،


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 15

2) نفس المصدر الحديث 16

3) نفس المصدر الحديث 17

4) سورة النحل، الآية: 106

وإن كانت واردة في قضية الإيمان وإخفائه وإظهار الكفر وإبرازه، إلاّ أنها لا تشتمل على الأمر بالتقية، نعم فيها أن المقام خارج عن غضب الله وعقابه، وإنما يتوجّه العقاب لمن شرح صدره بالكفر كما هو صريح الآية.

وكذلك الحال بالنسبة للروايات الواردة في ذيل هذه الآية، فإنها وردت في عمار وقضيته مع أهل مكة، وأصحاب الكهف وقومهم، وأبي طالب (علیه السلام) وقريش.

كما ورد أن هؤلاء يعطون الأجر مرتين أجر الإيمان وأجر الإخفاء، ولم يرد في هذه الروايات أمر بالإخفاء، فيمكن حمل ذلك على الاستحباب.

وأما القول بالوجوب فذلك:

أولاً: للأدلة العامة التي دلّت على أن التقية في كل ضرورة، ومنها أصول الدين.

وثانياً: لما ورد في ذيل موثقة مسعدة بن صدقة وهو قوله (علیه السلام) لعمار: إن عادوا فعد ... وقد أمرك أن تعود الحديث(1)

إلاّ أنّه يمكن الجواب عنهما - أما عن الأول - فبأنها في مقام بيان أصل المشروعية والجواز، وأما عن الثاني فبأن مقتضى الجمع بينها وبين ما تقدم هو الرجحان، مضافاً إلى ما في الرواية من قوله: فقد أنزل الله عذرك، وأمرك أن تعود، فوجود الأمر هنا بعد قبول العذر نظير الأمر بعد الحظر وليس في ذلك دلالة على الوجوب، مضافاً إلى أنّه قد ورد المدح في كثير ممّن لم يتق كما في آسية بنت مزاحم، فإنها عذبت من أجل أن تعلن الكفر فأبت ولم تعلنه حتى استشهدت وورد فيها من الفضائل والمناقب الشيء الكثير(2)

والحاصل: أن المستفاد من جميع الآيات والروايات الواردة في المقام أن


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر والنهي الحديث 2

2) مجمع البيان ج 10 تفسير سورة التحريم ص 319

التقية ليست بواجبة، نعم ربما تكون راجحة في بعض الموارد، كمافي أصحاب الكهف وعمار وغيرهم، فإنه ورد عنهم (علیهم السلام) استحسانهم فعل عمار بن ياسر كما ورد أن التقية رخصة وهي أحب إليهم (علیهم السلام) ، والأخذ بالرخصة أمر راجح في نفسه، فيمكن حمل ذلك على الاستحباب.

وأما بالنسبة إلى الجهة الثانية وهي سب الأنبياء أو أحد الأئمة (علیهم السلام) فمقتضى الأدلة أن التقية فيها واجبة، فإنه لم يرد دليل على الجواز كما في الجهة الأولى، فإن من وقع بين الأعداء وطلب منه أن يسب نبياً أو إماماً فبمقتضى ما مر من الروايات العامة - من أن من لا تقية له لا دين له وغيرها - والروايات الخاصة - كما يأتي في البراءة فإنه قد أمر فيها بالسب عند الاضطرار وخوف النفس - أنّه يجب عليه أن يعلن السب بلسانه تقية منهم وحفاظاً على نفسه.

نعم ورد في بعض الروايات: أن حكم من سب النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أو الإمام(علیه السلام) القتل إلاّ أن هذا الحكم في غير التقية وسيأتي الكلام عنه في موضعه إن شاء الله، وأما بالنسبة إلى مورد التقية فهي واجبة.

المقام الثالث في البراءة:

والمسألة محل خلاف لاختلاف النصوص الواردة فيها، ويمكن تقسيمها على نحو الإجمال إلى ثلاث طوائف:

الأولى: ما يستفاد منها وجوب التقية.

الثانية: ويستفاد منها عدم الوجوب.

الثالثة: ويستفاد منها التخيير.

وقد يقال: إن المستفاد من مجموع الروايات أرجحية التقية من عدمها،

ومال إليه الشيخ الأنصاري!(1)، إلاّ أنّ بعضهم استفاد العكس، ومال إليه السيد الأستاذ !، فإنه يذهب إلى القول بالتساوي أو أرجحية عدم التقية(2)

ولتحقيق الأمر لابد أولاً أن نذكر الروايات الواردة في المقام، ومن ثمّ ملاحظة ما قيل أو ينبغي أن يقال.

أما الروايات فقد جاءت على طوائف ثلاث كما ذكرنا:

الطائفة الأولى: وهي الروايات التي يستفاد منها وجوب التقية، وهي عدة روايات، منها: ما تقدم من الروايات العامة من أن التقية في كلضرورة، وهي شاملة لهذا المورد كما هو واضح.

ومنها: معتبرة مسعدة بن صدقة، وقد تقدم ذكرها أيضاً، وهي عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن الناس يروون أن علياً (علیه السلام) قال على منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤا مني، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي (علیه السلام) . ثمّ قال: إنما قال: إنكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولم يقل ولا تبرؤا مني فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذلك عليه وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله عزوجل فيه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فقال له النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عندها: يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا(3)

والرواية معتبرة سنداً فإن مسعدة بن صدقة ثقة، لوقوعه في أسناد تفسير


1) رسالة في التقية المطبوعة ضمن كتاب المكاسب: 325 الطبعة القديمة

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 263 الطبعة الثالثة 1410 ه-

3) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 2

علي بن إبراهيم القمي(1)، كما أنها واضحة دلالة، وأنه لابد من التقية، فإن الإمام (علیه السلام) قال: والله ما ذلك عليه وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر.

ومنها: معتبرة محمّد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): ما منع ميثم ) من التقية؟! فوالله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (2).

وظاهر هذه الرواية أن ميثم ) كان عليه أن يتقي، وكلام الإمام (علیه السلام) وارد مورد التعجّب من فعل ميثم، مع أنّه يعلم أن الآية نزلت في عمار وأصحابه، ففيها دلالة على لزوم التقية، إما على نحو الوجوب أو الاستحباب.

الطائفة الثانية: وهي الروايات التي يستفاد منها أن البراءة ليست من موارد التقية وهي أيضاً عدة روايات منها:

رواية الحسن بن محمّد الطوسي )، عن أبيه، عن محمّد بن محمّد بن عمر الجعابي، عن أحمد بن محمّد بن سعيد، عن يحيى بن زكريا بنشيبان، عن بكر بن مسلم، عن محمّد بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(علیه السلام): ستدعون إلى سبّي فسبّوني، وتدعون إلى البراءة فمدوا الرقاب، فإني على الفطرة(3)

والرواية من حيث الدلالة واضحة، إلاّ أن سندها ضعيف فإن بكر بن مسلم ومحمّد بن ميمون لم يرد فيهما توثيق.

ومنها: ما رواه ابن الشيخ أيضاً، عن أبيه، عن هلال بن محمّد الحفار، عن إسماعيل بن علي الدعبلي، عن علي بن علي، أخي دعبل بن علي الخزاعي، عن


1) تفسير القمي 1 : 203 الطبعة الأولى المحققة

2) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر بالمعروف ... الحديث 3

3) نفس المصدر الحديث 8

علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) أنّه قال: إنكم ستعرضون على سبّي، فإن خفتم على أنفسكم فسبّوني، ألا وإنكم ستعرضون على البراءة مني فلا تفعلوا فإني على الفطرة(1)والرواية كسابقتها، فهي وإن كانت تامة الدلالة إلاّ أن في سندها ضعفاً، فإن إسماعيل بن علي لم يرد فيه توثيق.

ومنها: ما ورد في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد فاقتلوه، ولن تقتلوه ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تبرؤا (تتبروا) مني، فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة(2)

ولا إشكال من حيث الدلالة، وإنما الكلام من حيث الطريق فإنه وإن كان معتبراً إلى السيد الرضي، إلاّ أن طريق السيد الرضي إلى الإمام (علیه السلام) غير مذكور.

ومنها: ما أورده صاحب الوسائل عن الشيخ المفيد في الإرشاد قال: استفاض عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: ستعرضون من بعدي على سبّي فسبّوني، فمن عرض عليه البراءة مني فليمدد عنقه فإن برىء مني فلا دنيا له ولا آخرة(3)وفي النقل اختلاف يسير فلاحظ(4)

إلاّ أن الكلام في السند، فإن الاستفاضة أقصى ما تفيده الظن، مضافاً إلى أنّه لم يذكر طريقاً لها، وبناء عليه فلا يمكن التعويل على ما ادعاه الشيخ المفيد في مقام الاستدلال.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر بالمعروف ... الحديث 9

2) نفس المصدر الحديث 10

3) نفس المصدر الحديث 21

4) الإرشاد: 169 منشورات مكتبة بصيرتي

ثم إن هنا رواية أخرى ذكرت في ذيل هذا الباب من الوسائل ولم يذكرها الحر العاملي في متن الوسائل، وهي ما رواه الصدوق في عيون الأخبار بإسناده عن محمّد بن عمر الجعابي، عن الحسن بن عبد الله بن محمّد بن العباس الرازي التميمي، عن الرضا (علیه السلام) ، عن آبائه (علیهم السلام) ، عن علي (علیه السلام) قال: إنكم ستعرضون على البراءة مني فلا تبرؤا مني فإني على دين محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) (1)

وهذه الرواية وإن كانت دلالتها تامة إلاّ أن الإشكال في سندها، فإن الحسن بن عبد الله بن محمّد بن العباس الرازي التميمي لم يرد في حقه توثيق.

هذه هي الطائفة الثانية من الروايات ولا إشكال فيها من حيث الدلالةوإنما الإشكال من جهة السند فبينها وبين الطائفة الأولى تهافت في الدلالة.

الطائفة الثالثة: وهي التي يستفاد منها التخيير وبمقتضاها تكون التقية جائزة، وتكون جامعة بين الطائفتين الاُوليين، وهي أيضاً روايات عديدة، منها:

ما رواه الكشي، عن جبرئيل بن أحمد، عن محمّد بن عبد الله بن مهران، عن محمّد بن علي الصيرفي، عن علي بن محمد، عن يوسف بن عمران الميثمي، قال: سمعت ميثم النهرواني يقول: دعاني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ' وقال: كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني اُمية عبيد الله بن زياد إلى البراءة مني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أنا والله لا أبرأ منك، قال: إذاً والله يقتلك ويصلبك، قلت: أصبر فذاك في الله قليل فقال: يا ميثم إذاً تكون معي في درجتي(2)الحديث.

والمستفاد من هذه الرواية عدم وجوب التقية، فإن أمير المؤمنين (علیه السلام) لم يلزم (ميثم) ميثماً بالتقية، وإنما أخبره بما يجري عليه وما يصير إليه مآله.

ثم إن هذه الرواية رواها الكشي بهذا السند وهو ضعيف.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر بالمعروف ... ذيل الحديث 21

2) رجال الكشي 1 : 219 مؤسسة آل البيت

وذكر صاحب الوسائل(1)أن القطب الراوندي أورد الرواية في كتابه الخرائج، عن عمران، عن أبيه ميثم، إلّا أن الموجود في الخرائج عن يوسف بن عمران، عن ميثم التمار، نعم اُشير في ذيل الحديث من كتاب الخرائج أن في الأصل عمران عن أبيه ميثم(2)

وعلى كل تقديم فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية لعدم تمامية الطريق أو تصحيحه، فإن القطب الراوندي وإن كان له طريق إلى كتب الشيخ ورواياته إلاّ أن الطريق من الشيخ إلى يوسف بن عمران، أو عمران غير مذكور.

ومنها: رواية عبد الله بن عطا قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): رجلان من أهل الكوفة اُخذا فقيل لهما: ابريا عن أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فبرىء واحد منهما وأبى الآخر، فخلّي سبيل الذي برىء وقتل الآخر، فقال: أما الذيبرىء فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلى الجنة(3)

والمستفاد من الرواية الرخصة في البراءة تقية، ولهذا عبّر الإمام (علیه السلام) عن الذي اتقى بالفقيه، وعبر عن الثاني بأنه تعجّل إلى الجنة.

ومنها: رواية أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) أنّه قيل له: مدّ الرقاب أحب إليك أم البراءة من علي (علیه السلام) ؟ فقال الرخصة أحب إليّ، أما سمعت قول الله عزوجل في عمار: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)(4)

وهذه الرواية تفيد أن الإنسان مخير في البراءة وعدمها، وإن كانت التقية أحب إلى الإمام (علیه السلام) .

ومنها: رواية عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته فقلت


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر بالمعروف ذيل الحديث 7

2) الخرائج والجرائح 1 : 229 الطبعة الأولى الكاملة المحققة

3) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 4

4) نفس المصدر الحديث 12

له: إن الضحاك قد ظهر بالكوفة ويوشك أن تدعى إلى البراءة من علي(علیه السلام) فكيف نصنع قال: فابرء منه قلت: أيهما أحب إليك؟ قال: أن تمضوا على ما مضى عليه عمار بن ياسر، اُخذ بمكة فقالوا له: ابرأ من رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فبرأ منه وأنزل الله عزوجل عذره (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (1)

وقد تقدمت هذه الرواية عند الكلام حول التقية في اُصول الدين، والمستفاد منها في المقام التخيير كالرواية السابقة، فإنها لم تشتمل على الأمر أو النهي، وأما قوله (علیه السلام): فابرأ منه فهو وإن كان أمراً والأمر يقتضي الوجوب، إلاّ أن في المقام قرينة تصرفه عن الحمل على الوجوب وهو قوله(علیه السلام): أحبّ إلي ... بعد سؤال الراوي أيهما أحب إليك؟

والحاصل: أن الرواية تحمل على الرخصة.

المقام الرابع: في حكم التقية في البراءة:

اشارة

وأما كيفية استفادة الحكم من مجموع هذه الروايات وهل أنّ التقية هي الأرجح؟ كما يظهر من كلام الشيخ الأنصاري ) أو أن عدمها هو الأرجح؟ أو أنّه لا أقل من عدم دلالة شيء من الروايات على أرجحيةأحدهما على الآخر، فالأمران متساويان، كما ذهب إليه السيد الأستاذ ) فهذا هو محل الكلام.

وتحقيق المقام يقتضي تنقيح الروايات سنداً ودلالة بالنسبة إلى كلا الدعويين فنقول:

إن روايات الطائفتين الثانية والثالثة كلها ضعيفة من جهة السند، وأما الطائفة الاُولى فهي بالإضافة إلى الروايات العامة تشتمل على روايتين معتبرتين، الاُولى: معتبرة مسعدة بن صدقة، والثانية معتبرة محمّد بن مروان،


1) وسائل الشيعة ج 11 ب 29 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 13

وكلتاهما دالتان على لزوم التقية، ففي الاُولى أنكر الإمام عدم التقية، وقال (علیه السلام): والله ما ذلك عليه، وفي الثانية قال (علیه السلام): ما منع ميثم ... فوالله لقد علم ... الخ.

ودلالة قول الإمام (علیه السلام) على لزوم التقية واضحة.

إلاّ أن السيد الاُستاذ ! ناقش في الرواية الاُولى بأنها لا تدل على لزوم التقية لقصور دلالتها على حرمة القتل ووجوب التبري عند الإكراه(1)

وناقش في الرواية الثانية بأن كلمة منع يمكن أن تقرأ بالبناء للفاعل فتكون واردة في مقام التعجب، ويكون مفاد الرواية حينئذ أن ميثم (ميثماً) خالف التقية وعرّض نفسه للهلاك، ويمكن أن تقرأ بالبناء للمفعول ويكون مفادها حينئذ أن ميثم لم يكن ممنوعاً من التقية ولو كانت التقية واجبة عليه لامتنع، والشاهد على ذلك أن لفظ ميثم وردت مرفوعة، فهي واقعة موقع الفاعل ونائبة منابه.

وقد يقال: إن ميثم اسم غير منصرف، وجوابه أنّه غير ممنوع من الصرف وبناء على هذا فلا دلالة في الرواية على لزوم التقية(2)

وفي ما أورده السيد الاُستاذ من المناقشة في كلتا الروايتين نظر.

أمّا الرواية الاُولى: فإن قوله (علیه السلام): والله ما ذلك عليه، ولا له إلاّما مضى عليه عمار بن ياسر، يمكن أن يكون راجعاً إلى بيان التكليف والوظيفة، ومعناه أن التكليف لابد وأن يكون من الشارع، والتكليف من الشارع في هذه المسألة هو لزوم التقية، ولذلك لما قال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة، بيّن له الإمام (علیه السلام) أن الوظيفة هي المضيّ على ما مضى عليه عمار، فإنه اتّقى، ووظيفة السائل هي أن يتقي أيضاً، فإن اختيار الإنسان وظيفته العملية ليست بيده بل بيد الشارع، وعليه فماذكره السيد الأستاذ في غير محلّه، ولا قصور في دلالة الرواية على لزوم التقية، لأنّ الإمام (علیه السلام) في مقام بيان الوظيفة العملية


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 5 : 262 الطبعة الثانية

2) نفس المصدر: 264

للسائل.

وأما الرواية الثانية: فهي واردة في مقام التعجب كما ذكرنا سابقاً، وكلمة منع جاءت للبناء للفاعل، وأما كلمة ميثم فجاءت مرفوعة إما تصحيفاً وإما أنها غير منصرفة لأنه ورد في بعض الروايات(1)أن ميثم اسم أعجمي، فيكون غير منصرف.

والحاصل: أن الجملة ظاهرة في التعجب سواء كان لفظ ميثم منصرف أو غير منصرف، وبناء على هذا فالمستفاد من الرواية هو لزوم التقية.

وقد حكم السيد الأستاذ ! بالتعارض بين الروايات المثبتة والروايات النافية، وجمع بينها بحمل الروايات المثبتة على التخيير بقرينة الطائفة الثالثة، إلاّ أن الذي يوجب الاستغراب في كلام السيد الأستاذ ! أنّه ناقش في الروايات الدالة على لزوم التقية سنداً ودلالة، والحال أنها من حيث السند معتبرة على مبناه في التوثيق، فإن مسعدة بن صدقة واقع في أسناد تفسير القمي، وقد ذكرنا ذلك سابقاً، وهكذا محمّد بن مروان في الرواية الثانية، فهو وإن كان مشتركاً بين الثقة وغيره إلاّ أن المنصرف إليه هو محمّد بن مروان الذهلي الثقة، فإنه المعروف الذي له كتاب، وأما غيره ممن سمي بمحمّد بن مروان من أصحاب الصادق (علیه السلام) فليس فيهم رجل معروف(2)، وقد تقدم منا قريباً تحقيق ذلك وعليه فالرواية معتبرة، وأما مناقشته في الدلالة ففيها ما تقدم.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الروايات الدالة على الجواز كلها ضعيفة، ولم نظفر برواية معتبرة، فكيف حكم السيد الأستاذ ! بأن الروايات متعارضة؟! إذ المفروض ملاحظة أسناد الروايات أيضاً لتتم بها أركان التعارض، فمقتضى الصناعة لابد وأن نقول بلزوم التقية، وذلك لدلالة الروايات


1) الإرشاد: 170 منشورات مكتبة بصيرتي

2) معجم رجال الحديث 18 : 229 الطبعة الخامسة

العامة المشتملة على الصحاح والخاصة المعتبرة، والروايات المقابلة لها كلها ضعيفة الأسناد فلا تعارض بين الروايات، نعم إذا قلنا: إن الروايات ثابتة إجمالاً وغضضنا الطرف عن المناقشة في أسنادها، وبضميمة ما وقع في الخارج كما في أحوال ميثم، ورشيد، وحجر، وقنبر، وغيرهم رضوان الله ورحمته عليهم، فحينئذ يصح الجمع بين الروايات بالحمل على التخيير وإن كان التبري أرجح.والحاصل: أن المستفاد من الروايات أن التقية هي الأرجح كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري !.

بقي أمران:

الأول: الفرق بين السب والتبري:

أما السب فهو الشتم واستنقاص الغير باللسان، فهو يرجع إلى الكلام اللفظي، وقد يستوجب الحد كما في سب الإمام كما سيأتي، أو التعزير وسقوط العدالة كما في سب المؤمن، وتفصيل ذلك في محلّه.

وأما التبرّي فالمستفاد من الاستعمال اللغوي هو انقطاع العصمة ومعناه التخلّص والبينونة. وقد ورد التبرّي في القرآن الكريم كقوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) (1)أي خروج من عهودهم وتخلص منهم، وقد أمهلوا أربعة أشهر ثمّ يقتلوا حيث وجدوا(2)

فإن كانت البراءة من شيء معين كعهد ونحوه فهو، وإلاّ فهي مطلقة ومعناها انقطاع العصمة من جميع الجهات، والبراءة من النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والإمام(علیه السلام) من هذا القبيل، وإن كان الأظهر منها هو التبري من ولايته وهي بهذا المعنى تكون داخلة في مسائل الاعتقاد بخلاف السب فإنه من الأحكام.

فبناء على أن معنى التبري هو عدم الاعتقاد بالإمام وانقطاع الصلة به


1) سورة التوبة، الآية: 1

2) تفسير شبّر: 199 الطبعة الثالثة

تكون المسألة من أصول الدين، وكل ما ذكرناه هناك يجري هنا، كما وقع لعمار بن ياسر وقد ورد الاستشهاد في التبري بقضية عمار كما تقدم.

ويكون حينئذ معنى البراءة من الإمام (علیه السلام) وولايته هو البراءة من الدين فإنه (علیه السلام) قال: فإني ولدت على الفطرة، وعليه فيلاحظ إن كان التبري بالقلب فهو المحرم، وإن كان بالقول فهو شبيه بفعل عمار وقد مرّ أن التقية فيه جائزة.

ومما يؤيده ما ورد في الرواية من قوله (علیه السلام): «وإن إظهارك براءتك منّا عند تقيتك لا يقدح فينا ولا ينقصنا، ولئن تبرأ منا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، ومالها الذي به قيامها، وجاهها الذي به تمسكها، وتصون من عرف بذلك أولياءناوإخواننا، فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك ... الخ» (1)

والحاصل: أن الإظهار باللسان لا إشكال فيه، وإنما الإشكال والحرمة في التبري الواقعي.

الثاني: هل تختص البراءة بالإمام أمير المؤمنين علي (علیه السلام) ، أو أنها تشمل الأئمة والأنبياء والمؤمنين؟

قد يقال: إن المستفاد من عنوان المسألة والتعليل الوارد في الرواية هو التعميم، نعم ورد في رواية واحدة زيادة جملة: «وسبقت إلى الإيمان والهجرة»(2)، وأما غيرها من الروايات فلم يرد فيها إلاّ الولادة على الفطرة.

فإن قلنا: إن السبق إلى الإيمان والهجرة دخيل في التعليل فلا يجري في غيره، وإن قلنا: إن التعليل هو خصوص الولادة على الفطرة فيشمل الأئمة(علیهم السلام) والأنبياء والمؤمنين فإنهم ولدوا على الفطرة، ويكون المراد هو التبري من الدين والإيمان، وبناء على هذا يمكن التعدي إلى غير أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا خصوصية


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 11

2) نفس المصدر الحديث 10

لأمير المؤمنين (علیه السلام) في هذا المقام بالذات بمقتضى التعليل الوارد إذ التعليل يعمم ويخصّص.

وها هنا مسألتان:

الأولى: قد تبيّن مما ذكرنا أن التقية في هذا المورد مشروعة فيما إذا كان لها فائدة، كحفظ النفس والعرض ونحوهما، أما إذا لم يترتب عليها شيء من ذلك فلا يستفاد من الأدلة مشروعيتها.

الثانية: إذا كانت مصلحة التقية في أصول الدين أكثر من تركها فهي سائغة وتكون مشمولة للأدلة المتقدمة. وأما إذا كان العكس أي إذا كانت المصلحة في ترك التقية كما إذا لزم من تركها ترويج للدين وإظهاره، أو كان في التقية إذلالٌ أو إضعافٌ للدين فليست بمشروعة.

وبهذا يمكن تفسير ما صدر من خواص أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) مثل ميثم ورشيد وحجر وغيرهم رضوان الله عليهم، فإن أدلة التقية وإن كانت تشملهم إلاّ أن عملهم على خلاف التقية يمكن أن يوجه بأمور:

الأول: ما تقدم من الأدلة، فإن المستفاد من بعضها التخيير وإن كاناختيار التقية هو الراجح إلاّ أن هؤلاء اختاروا الشق الآخر من التخيير لجهة أخرى هي الموجبة للترجيح عندهم، وهي التعجّل إلى الجنة، فمع أنهم يعلمون برجحان التقية إلاّ أنهم تركوها فراراً من الدنيا ولحوقاً بأمير المؤمنين (علیه السلام) في الدار الآخرة، وقد كشفت بعض الروايات عن ذلك.

الثاني: أن هؤلاء يعدون من أركان الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) وخواص أصحابه وحملة أسراره، وأمرهم في الولاء لعلي (علیه السلام) ظاهر مشهور، فالتقية بالنسبة إليهم توجب وهن الولاية وضعف المذهب، بينما صمودهم وتركهم للتقية يوجب

ترويج أمر الولاية وإعزاز المذهب، وليس حالهم كحال سائر الناس العاديين في اتخاذ موقف معين، فكان فعلهم هذا سبباً لرفع شأن الدين والمذهب والولاية حتى في حال موتهم فإن لهم شأناً بعد شهادتهم إذ صاروا مقصداً للناس كما كانوا في حياتهم، فمن أجل إعزاز الدين وحمايته أقدموا على ذلك.

الثالث: أن هؤلاء قد علموا أن الأعداء لا يكتفون منهم بإظهار البراءة، بل يراد منهم الترويج للظلمة وأن يكونوا منهم ومعهم وهذا مما لا يلتزمون به، فالتبري لو كان بالقول فقط لأمكن ذلك إلاّ أن التبري تترتب عليه لوازم أخرى وإنما أقدموا على ما أقدموا عليه من مخالفة التقية لئلاّ يُلزموا بما لا يلتزمون به.

الرابع: أنهم علموا بعدم الفائدة من إظهار التبري وإنما هو ذريعة للتوصّل إلى قتلهم سواء تبرؤا أم لا، يعني إنهم وإن أظهروا التبري فسيقتلون لا محالة، لأنهم عرفوا بولائهم لأمير المؤمنين (علیه السلام) وحبهم له وتفانيهم في الدفاع عنه فلما علموا أن لا فائدة من إظهار التبري وأنهم يقتلون على كل حال أقدموا على مخالفة التقية.

الخامس: أن هؤلاء بلغوا من حب علي (علیه السلام) وولائه مبلغاً بحيث لا يستطيعون أن يظهروا البراءة منه وكأنما تجسد في أنفسهم هذا الحب والولاء والمعرفة بمقام أمير المؤمنين (علیه السلام) فلا يمكن فرض الانفصال في أنفسهم عنه ولو بالقول، فيكون طلب التبري منه أمراً غير مقدور بالنسبة إليهم وشاهد ذلك أن الإمام (علیه السلام) لما أخبر ميثم بما يجري عليه وكأنما الإمام كان يمتحن صلابته في الحق وولاءه وحبه لأمير المؤمنين (علیه السلام) فقال ميثم: والله لا أبرأ منك - وكان هذا قبل وقوع وبلوغ الأمر مرحلة الفعلية - ولما قال له الإمام(علیه السلام): إذن والله يقتلك ويصلبك، أجابه ميثم قائلاً: أصبر فذاك في الله قليل، فقال: يا ميثم إذن تكون معي في درجتي.

والحاصل: أنّه يمكن أن يوجّه فعل هؤلاء - من تركهم التقية - أنهم لا

يستطيعون ، لأنهم ملؤا حباً لأمير المؤمنين (علیه السلام) ، ولا ينافي هذا ما ورد من أنّه (علیه السلام) سئل عن ذلك فقال: أحب أن تبرأ وتأخذ بما أخذ عمار، وقد قلنا إن هذه الروايات الدالة على الجواز ضعيفة الأسناد.

فبهذه الوجوه يمكن أن يوجه فعل هؤلاء من تركهم للتقية، ولا يمكن أن نقول: إن فعلهم مرجوح كما أنّه يمكن أن تكون هناك وجوه أخر يفسر بها فعلهم ويحمل على أمر لا ينافي العمل بالتقية لخصوصية فيهم دون سواهم.

وبهذا يتم الكلام عن الفصل الأول وهو التقية في أصول الدين.

الفصل الثاني

اشارة

التقية في فروع الدين التي لا يشترط فيها قصد القربة

حكم موالاة الكفار

والمخالفين على ضوء الكتاب والسنة.

كيفية التعامل مع الكفار في شؤون الحياة.

التحقيق حول نجاسة الكفار وأهل الكتاب وأهمية هذه المسألة.

· حكم طعام الكفار وإطعامهم ودخولهم المساجد والسلام عليهم ابتداءً.

جريان هذه الأحكام في أهل الكتاب والمخالفين وعدمه.

التحقيق في أن المأتي به تقية هل يجزي عن الواقع أو لا؟

في بيان موضوع الكتمان وحكمه.

الخلاف في جواز ذكر اسم الإمام الثاني عشر الحجة بن الحسن' وكنيته والتحقيق في ذلك.

هل يجوز الجمع بين اسمه الشريف وكنيته أو لا

التقية في فروع الدين التي لا يشترط فيها قصد القربة:

ذكرنا فيما سبق أن موارد التقية في الفروع على نحوين عبادية وغير عبادية، كما ذكرنا أن منهجية بحثنا حولها تقتضي التكلم فيها من خلال جهات ثلاث وهي:

بيان الحكم الواقعي لكل مورد ثمّ بيان حكم التقية فيه وآثاره التكليفية والوضعية ومن ثمّ بيان الحكم عند المخالفة وما يترتب على ذلك.

وآثرنا تقديم النحو الثاني لانسجامه مع بحوث الفصل الأول، مضافاً إلى طول الحديث في بحوث النحو الأول وتعدد مواضيعه.

ويقع الكلام في هذا الفصل في عدة موارد:

المورد الأول: اتخاذ الكافرين أولياء:

فإن كان في مورد التقية فلا بأس، وإلاّ فهو محرم حرمة شديدة، ويدل على ذلك الكتاب والسنة وغيرهما من سائر الأدلة.

أما الكتاب فقد وردت عدة آيات تتضمن النهي عن مودة الكفار والمخالفين إلاّ ما كان في حال التقية ومن ذلك:

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً) (1).

ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) (2).

وهذه الآية دالة على المراد، إلاّ أنها مقيدة بمن اتخذوا الدين هزواً ولعباً، سواء كانوا من أهل الكتاب أو من الكفار.

ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(3).وهذه الآية جاءت مطلقة غير مقيدة بشيء.

ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) (4)


1) سورة النساء، الآية: 144

2) سورة المائدة، الآية: 57

3) سورة المائدة، الآية: 51

4) سورة التوبة، الآية: 23

ومنها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقّ) (1)

وهذه الآيات وردت مورد الخطاب، وصدّرت بيا أيها الذين آمنوا، ومن الآيات الواردة في هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)(2).

ومنها: قوله تعالى: (بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلهِ جَمِيعاً)(3)

هذه هي الآيات الواردة في الكتاب، وهي صريحة في النهي الشديد والحرمة المغلظة عن اتخاذ الكفار أولياء، ولعل هناك آيات أخرى وفي ما ذكرناه كفاية.

نعم إن لفظة الولي جاءت بعدة معان منها الصديق، ومالك الأمر، والناصر، وغيرها من المعاني، وأظهرها في الآيات هو المعنى الأول، وإليه أشارت بعض الآيات المتقدمة، فالتودد والتحبب إلى الكفار حرام، وإنه ليس من الله في شيء، وأشارت بعض الآيات إلى أنها صفة من صفات المنافقين.

وأما بالنسبة إلى الروايات فهي كثيرة وجاءت على طوائف:

الطائفة الأولى: وتدل على النهي عن مودة الكافر وعدم جوازها، ويستفاد هذا من عدة روايات، وبعضها صحيح السند ومنها:

معتبرة الحسن بن علي الخزاز قال: سمعت الرضا (علیه السلام) يقول: إن ممن


1) سورة الممتحنة، الآية: 1

2) سورة المجادلة، الآية: 22

3) سورة النساء، الآية: 138 - 139

ينتحل مودتنا أهل البيت من هو أشد فتنة على شيعتنا من الرجال، فقلت: بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا، إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل واشتبه الأمر، فلم يعرف مؤمن من منافق(1)

ومنها: موثقة ابن فضال، عن الرضا (علیه السلام) قال: من والى أعداء الله فقد عادى أولياء الله، ومن عادى أولياء الله فقد عادى الله، وحق على الله أن يدخله نار جهنم(2).

وهاتان الروايتان معتبرتان من حيث السند واضحتان من حيث الدلالة، فإن الموالاة أعم وتشمل الكافر والمخالف.

ومنها: رواية العلاء بن الفضيل، عن الصادق جعفر بن محمّد ' قال: من أحب كافراً فقد أبغض الله، ومن أبغض كافراً فقد أحب الله، ثمّ قال(علیه السلام): صديق عدو الله عدو الله(3)

والرواية من حيث الدلالة لا إشكال فيها وأما من جهة السند ففيها محمّد بن سنان وقد رجحنا وثاقته فتكون الرواية معتبرة.

ومنها: رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون، قال: وحب أولياء الله واجب، وكذلك بغض أعداء الله والبراءة منهم ومن أئمتهم(4)

وهذه الرواية أوردها الصدوق في الخصال(5)بإسناده عن الأعمش عن الصادق(علیه السلام) وسندها قابل للاعتبار.

ومنها: معتبرة الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا' ، في حديث قال: إنما وضع الأخبار عنا في الجبر والتشبيه، الغلاة الذين صغّروا


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 17 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 9

2) نفس المصدر الحديث 11

3) نفس المصدر الحديث 12

4) نفس المصدر الحديث 16

5) الخصال أبواب المائة فما فوقه 2 : 603 الحديث 9

عظمة الله، فمن أحبهم فقد أبغضنا ومن أبغضهم فقد أحبنا، ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن جفاهم فقد برّنا، ومن برّهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن ردهم فقد قبلنا، ومن قبلهم فقد ردّنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدّقهم فقد كذّبنا، ومن كذّبهم فقد صدّقنا، ومنأعطاهم فقد حرمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا، يابن خالد: من كان من شيعتنا فلا يتخذنّ منهم ولياً ولا نصيراً(1)

وهذه الرواية تامة الدلالة إلاّ أنها مختصة بالغلاة ولا تشمل جميع الكفار.

وهناك روايات أخرى كثيرة، وبعضها صحيح السند وكلها تدل على حرمة موالاة الكفار، وأعداء الله والأئمة (علیهم السلام) .

الطائفة الثانية: ما ورد فيها أن الحب والبغض في الله، وهي كثيرة وقد تصل إلى سبعين رواية وبعضها صحيح السند.

الطائفة الثالثة: ما ورد فيها من الروايات الدالة على حرمة التشبّه بالكفار، ويمكن الاستدلال بها بالملازمة على حرمة موالاتهم ومحبتهم، فإنه إذا كان التشبّه بهم حراماً فكذلك موالاتهم بالطريق الأولى.

والحاصل: أنّه يمكن دعوى التواتر الإجمالي للروايات الواردة في هذا المعنى.

وأما بالنسبة إلى الإجماع فهو ثابت بحسب الظاهر، فإن المتسالم عليه عند الخاصة حرمة موالاة الكفار، وإن حرمتها شديدة وهكذا بالنسبة إلى العامة فإنه ورد عنهم حرمة موالاة الكفار، وهم وإن ناقشوا في التقية بأنها منحصرة في زمان الضعف وعدم الشوكة ولا تشمل جميع الأحوال، كما ذكر ذلك عن الحسن البصري وغيره، إلاّ أن نقاشهم في التقية بما هي تقية، أما مسألة الموالاة للكفار


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 17 من أبواب الأمر والنهي الحديث 17

فلا إشكال في حرمتها عندهم.

وعلى كل تقدير فإجماع الطائفة المحقة ثابت على حرمة الموالاة للكفار.

ولا حاجة بعد ذلك إلى بيان الدليل العقلي فإن المهم هو ثبوت ذلك من الكتاب والسنة والتسالم عند الخاصة والعامة.

ثم لا يخفى أنّا قد جعلنا الكلام في الأعم من الكفار وأهل الكتاب وإن كان المستفاد من آيات القرآن الكريم أن الكفار فئة أخرى غير أهل الكتاب، وإنما عمّمنا ذلك لأن بعض الأدلة شاملة لكلتا الفئتين وسيأتي بعض ما يتعلق بالمقام عند الكلام حول نجاسة الكافر.

وهاهنا مسألتان:

المسألة الأولى: هل أن حرمة التولي مطلقة أو مقيدة بما يرتبط بعقيدتهم؟

يمكن أن يقال: إنها على نحو الإطلاق كما يمكن أن يقال: إنها علىنحو التقييد.

وقد يستدل على تقييد الحرمة بما تشعر به بعض الأدلة المتقدمة كما في الآية الكريمة (لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)(1)أي غير المؤمنين أو عند المؤمنين، وفي هذا إشعار بأن ولاء الكافر إنما حرم من جهة عقيدته، ومثلها في الإشعار بذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ)(2)وقوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ )(3)فأخذ عنوان العدو أو عنوان المحادة لله يشعر أن التولي من هذه الجهة أي من جهة كونهم عدو أو كافرين أو محادين لله ورسوله، فتكون التقية


1) سورة النساء، الآية: 144

2) سورة الممتحنة، الآية: 1

3) سورة المجادلة، الآية: 22

حينئذ لهذه الجهة.

ولكن يمكن أن يقال: إنه لا دلالة في هذه الآيات على التقييد بذلك، بل هي واردة في مقام بيان الحكمة في التحريم أي بما أنهم عدو أو كافرون أو محادون لله ولرسوله، وفي هذا تأكيد للحرمة وترغيب للانتهاء لا أن الحيثية تقييدية.

ثم على فرض الشك في ذلك فالأصل هو الأخذ بسائر الإطلاقات وهي الدلالة على الحرمة المطلقة والتولي المطلق، نعم إذا لم يكن هناك إطلاق وشككنا في أن ولاءهم هل هو من جهة الكفر أو غيرها، فهذه شبهة بدوية ونقتصر فيها على القدر المتيقن. وحينئذ نرجع إلى الأصل العملي، وهو يقتضي البراءة بالنسبة إلى الإطلاق.

ولكن بما أن الأصل اللفظي قائم في المقام فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي، والأصل اللفظي يقتضي حرمة التولي مطلقاً من جهة العقيدة وغيرها.

قد يقال: إن هذه الإطلاقات غير تامة لأن هنا رواية معارضة وهي ما أورده صاحب الوسائل، عن مستطرفات السرائر، نقلاً عن جامع البزنطي، عن أبي جعفر وأبي الحسن ': لا لوم على من أحب قومه وإن كانوا كفاراً قال: فقلت له: فقول الله: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) فقال: ليس حيث تذهب، إنه يبغضه في الله، ولا يواده ويأكله ولا يطعمه غيره من الناس(1)

فهذه الرواية معارضة للإطلاقات المتقدمة.

ولكن في هذه الرواية شيء وهو أن ظاهرها التنافي في المدلول، إلاّ أن يحمل الحب على الحب الظاهري، بمعنى أنّه لا يحبه واقعاً وإنما في الظاهر بمعاشرته لأنه من قومه، فيحمل بقرينة الذيل على هذا المعنى وإن كان ظاهر صدر الرواية


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 17 من أبواب الأمر والنهي الحديث 18

أنّ الحب هو الميل القلبي.

والحاصل: أن الرواية ليست معارضة لتلك الروايات فإن حب الكفار ليس حباً واقعياً، فتكون الروايات المطلقة سليمة عن المعارض، والمستفاد منها الحرمة المطلقة.

المسألة الثانية: أن حرمة الولاية للكافر هل هي مشروطة بالاتخاذ أم أنها مطلقة؟

والمفهوم من الآيات أنها مقيدة بالاتخاذ المفسر بالركون إليهم فأكثر الآيات الواردة اشتملت على النهي عن الاتخاذ، إلاّ في آية واحدة لم يرد فيها ذكر وهي قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) (1)

ولا يخفى أن الاتخاذ غير التولي مفهوماً، والمنهي عنه في الآيات هو الاتخاذ فيمكن التفريق بينهما، وعليه فقد يقال بالتفصيل بين الاتخاذ ونفس التولي الذي هو الميل القلبي والمحبة، إلاّ أن الظاهر من الروايات عدم الفرق بينهما.

ثم إن المراد من الولاية هنا هي المحبة - كما ذكرنا ذلك في مطلع الحديث - فإن من أحب شيئاً تولاه، ويستفاد ذلك أيضاً من الروايات، وهو الظاهر من القرائن.

ولابد أن تكون المحبة أمراً اختيارياً وإلاّ لما ساغ أن يتعلق به النهي، وأما ما ورد من الروايات التي يستفاد منها عدم الفرق بين الاتخاذ وغيره.

فمنها:

رواية عمرو بن مدرك، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لأصحابه: أيّ عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، وقال بعضهم:


1) سورة المجادلة، الآية: 22

الصلاة وقال بعضهم: الزكاة، وقال بعضهم: الصوم، وقال بعضهم: الحج والعمرة، وقال بعضهم: الجهاد، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : لكل ما قلتم فضل وليس به، ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغضفي الله وتوالي أولياء الله، والتبري من أعداء الله(1)

والرواية ضعيفة السند بعمرو بن مدرك ورواها البرقي في المحاسن(2)بنفس السند كما رواها الصدوق في معاني الأخبار(3)بسند ينتهي إلى علي بن مروك(4)

ومنها: رواية يوسف بن محمّد بن زياد، وعلي بن محمّد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي العسكري، عن آبائه (علیهم السلام) ، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله احبب في الله وابغض في الله، ووال في الله وعاد في الله، فإنه لن «لا خ ل» تنال ولاية الله إلاّ بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا عليها يتوادون وعليها يتباغضون وذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً فقال الرجل: يا رسول الله فكيف لي أن أعلم أني واليت في الله وعاديت في الله؟ ومن ولي الله حتى أواليه ومن عدوه حتى أعاديه؟ فأشار له رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) إلى علي (علیه السلام) فقال: أترى هذا؟ قال: بلى، قال: ولي هذا ولي الله فواله، وعدو هذا عدو الله فعاده، وال ولي هذا ولو أنّه قاتل أبيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنّه أبوك أو ولدك(5)

وهذه الرواية واردة في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري(علیه السلام) وفي سنده كلام ذكرناه في محله(6)


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 17 من أبواب الأمر والنهي ... الحديث 4

2) المحاسن كتاب مصابيح الظلم باب الحب والبغض في الله الحديث 334 ص 264

3) وسائل الشيعة ج 11 باب 17 من أبواب الأمر والنهي ذيل الحديث 4

4) نفس المصدر ذيل الحديث 4

5) نفس المصدر الحديث 7

6) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 283 الطبعة الأولى

ومنها: رواية الحسن بن علي الخزاز قال: سمعت الرضا (علیه السلام) يقول: إن ممن ينتحل مودتنا أهل البيت من هو أشد فتنة على شيعتنا من الدجّال، فقلت: بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا، إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل واشتبه الأمر فلم يعرف مؤمن من منافق(1)

وهذه الرواية معتبرة السند واضحة الدلالة وقد تقدم ذكرها في ما سبق.

ومنها: موثقة ابن فضال، عن الرضا (علیه السلام) قال: من وال أعداء الله فقدعادى أولياء الله، ومن عادى أولياء الله فقد عادى الله، وحق على الله أن يدخله نار جهنم(2)

ودلالتها تامة فإنها مطلقة تشمل الاتخاذ وعدمه، وقد ذكرنا هذه الرواية أيضاً فيما سبق.

ومنها: رواية أخرى وقد تقدم ذكرها أيضاً وهي رواية العلاء بن الفضيل عن الصادق جعفر بن محمّد ' قال: من أحب كافراً فقد أبغض الله، ومن أبغض كافراً فقد أحب الله، ثمّ قال (علیه السلام): صديق عدو الله عدو الله(3)

ومنها: أيضاً رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: وحب أولياء الله واجب، وكذلك بغض أعداء الله، والبراءة منهم ومن أئمتهم(4).

وغيرها من الروايات وفيها الصحاح وغيرها وكلها مطلقة شاملة للاتخاذ وغيره فيمكن على فرض التقييد بالاتخاذ الجمع بجعل الاتخاذ مقدمة للموالاة وعليه فلا تنافي بين الآيات والروايات.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 17 من أبواب الأمر والنهي الحديث 9

2) نفس المصدر الحديث 11

3) نفس المصدر الحديث 12

4) نفس المصدر الحديث 16

المورد الثاني: في التسليم على الكفار ابتداء:

لقد وردت عدة روايات - وبعضها صحيح السند - تنهى عن التسليم عليهم، منها: صحيحة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين: لا تبدؤا أهل الكتاب بالتسليم، وإذا سلموا عليكم فقولوا: عليكم(1)

ويؤيدها رواية أبي البختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: لا تبدؤا أهل الكتاب (اليهود والنصارى) بالسلام، وإن سلموا عليكم فقولوا: عليكم، ولا تصافحوهم ولا تكنوهم إلاّ أن تضطروا إلى ذلك(2).

ورواية الجعفريات بسنده عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جده عليبن الحسين، عن أبيه، عن علي (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن يهود خيبر يريدون أن يلقوكم فلا تبدؤوهم بالسلام، فقالوا: يا رسول الله فإن سلموا علينا فما نرد عليهم؟ قال -: تقولون: وعليكم(3)

ورواية الدعائم عن أمير المؤمنين (علیه السلام): إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نهى عن النزول على أهل الكنائس في كنائسهم، وقال: إن اللعنة تنزل عليهم ونهى أن يبدؤوا بالسلام وإن بدرهم (بدأهم) (بدؤوا) به قيل له: عليكم(4)

نعم قد يستفاد من بعض الروايات الكراهة، كما في رواية المستطرفات نقلاً عن رواية أبي القاسم بن قولويه، عن الأصبغ، قال: سمعت علياً (علیه السلام) يقول: ستة لا ينبغي أن تسلم عليهم: اليهود والنصارى، وأصحاب النرد، والشطرنج، وأصحاب خمر وبربط وطنبور، والمتفكهين بسب الأمهات والشعراء(5)


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 49 من أبواب أحكام العشرة الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 9

3) مستدرك الوسائل ج 8 باب 43 من أبواب أحكام العشرة الحديث 1

4) نفس المصدر الحديث 4

5) وسائل الشيعة ج 8 باب 49 من أبواب أحكام العشرة الحديث 8

والمستفاد من هذه الرواية هو الكراهة لاشتمالها على ما ليس بمحرم قطعاً كالسلام على الشعراء والمتفكهين وورود كلمة «لا ينبغي» قرينة على الكراهة في جميع الموارد.

ومما يستدل به على الكراهة أيضاً، ما ورد في كتاب محمّد بن مثنى الحضرمي، عن جعفر بن شريح الحضرمي، عن ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن التسليم على اليهودي والنصراني والرد عليهم في الكتب؟ فكره ذلك كله(1)

ولكن يمكن الخدشة في كلتا الروايتين سنداً ودلالة.

أما من حيث السند فكلتاهما ضعيفتان.

وأما من حيث الدلالة ففي الأولى أولاً: لا منافاة في الجمع بين موارد الحرمة والكراهة في سياق واحد، وثانياً: أن الإتيان بلفظ «لا ينبغي» قد يرد ويراد منه الحرمة كما وقع نظيره في بعض الروايات.

وفي الثانية أولاً: أن الكراهة قد تطلق ويراد منها الحرمة، وثانياً: أن مورد الرواية هو الكتابة، وهي مما استثني كما سيأتي، ولكن عمدة الإشكال ضعف سند الروايتين، نعم ورد في صحيحة عبد الرحمن بنالحجاج كما سيأتي: «نعم إنه لا ينفعه دعاؤك» (2)وهذا التعليل وإن كان وارداً في مقام الحاجة إلى الكافر ولكنه عام يشمل كلتا الحالتين، وبناء على ذلك فيقوى القول بالكراهة كما هو المشهور بين الفقهاء، وعلى فرض الشك فمقتضى البراءة عدم الحرمة.

والحاصل: أن مقتضى ما تقدم هو رفع اليد عن ظاهر الرواية الناهية وحملها على الكراهة.

والذي يظهر من رواية أبي البختري عدم جواز المصافحة وتسميتهم


1) مستدرك الوسائل ج 8 باب 43 من أبواب أحكام العشرة الحديث 3

2) وسائل الشيعة ج 8 باب 53 من أبواب العشرة الحديث 1

بالكنى، ويدل على الأول صحيحة الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في (حديث المناهي) نهى عن مصافحة الذمي(1)

ويمكن أن يحمل النهي هنا على التنزيه أو على الاجتناب عنهم من جهة نجاستهم وملاقاتهم مع الرطوبة وسيأتي تفصيل ذلك في المسألة التالية.

ويستثنى من ذلك ما إذا دعت الحاجة إلى الكافر، فيجوز السلام عليه والدعاء له بلا فرق بين المشافهة والكتابة، ويدل على الأول ما ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي الحسن (علیه السلام): أرأيت إن احتجت إلى طبيب وهو نصراني أسلم عليه وأدعو له؟ قال: نعم إنه لا ينفعه دعاؤك(2)

وفي رواية محمّد بن عرفة، عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) بيان لكيفية الدعاء قال: قيل لأبي عبد الله (علیه السلام) كيف أدعو لليهودي والنصراني؟ قال: تقول: بارك الله لك في دنياك(3)

ويدل على الثاني ما رواه أبو بصير قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن الرجل تكون له الحاجة إلى المجوسي أو إلى اليهودي أو إلى النصراني أو أن يكون عاملاً دهقاناً من عظماء أهل أرضه فيكتب إليه الرجل في الحاجة العظيمة أيبدأ بالعلج ويسلّم عليه في كتابه وإنما يصنع ذلك لكي تقضى حاجته؟ فقال: أما أن تبدأ به فلا ولكن تسلم عليه في كتابك، فإن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) كان يكتب إلى كسرى وقيصر(4)وقد عنون صاحب الوسائل الباب بما إذا كانت الحاجة لأهل الذمة، إلاّ أن الروايات مطلقة تشمل الكافر أيضاً.


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 127 من أبواب أحكام العشرة الحديث 7

2) نفس المصدر باب 53 الحديث 1

3) نفس المصدر الحديث 2

4) نفس المصدر باب 54 الحديث 2

المورد الثالث: في إطعام الكفار:

وقد وردت فيه عدة روايات منها: ما رواه الكليني ! عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أشبع مؤمناً وجبت له الجنة، ومن أشبع كافراً كان حقاً على الله أن يملأ جوفه من الزقوم، مؤمناً كان أو كافراً(1)

وهذه الرواية تفيد النهي ولكن عن الإشباع لا مجرد الأكل، كما أن الظاهر منها أن الإشباع منهي عنه مطلقاً أي سواء كان بالمباشرة أو مع الواسطة.

ومنها: ما في معاني الأخبار عن محمّد بن علي ماجيلويه عن عمه محمّد بن أبي القاسم عن النهيكي رفعه إلى أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: من مثل مثالاً أو اقتنى كلباً فقد خرج من الإسلام، فقلت له: هلك إذاً كثير من الناس، فقال: إنما عنيت بقولي: من مثل مثالاً، من نصب ديناً غير دين الله ودعا الناس إليه، وبقولي: من اقتنى كلباً، مبغضاً لأهل البيت اقتناه فأطعمه وسقاه، من فعل ذلك فقد خرج من الإسلام(2)

والرواية وردت في المبغض لأهل البيت (علیهم السلام) ، وهو أخص من الكافر وموضوعه الاقتناء، والاقتناء يراد به الملك، وقد يراد به الاختيار، كما أن المقصود هو الأكثر من الإشباع.

ومنها: ما عنه أيضاً - أي عن محمّد بن علي ماجيلويه - عن عمه، عن محمّد بن علي، [عن ابن فضال]، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد أحداً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكنّ الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتبرؤن من أعدائنا،


1) وسائل الشيعة ج 16 باب 19 من أبواب آداب المائدة الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 2

ثمّ قال (علیه السلام): من أشبع عدواً لنا فقد قتل وليّاً لنا(1)

وهناك روايات أخرى في المقام إلاّ أن العمدة هذه الروايات الثلاث ويمكن الاستدلال بها على حرمة إشباع الكافر، والرواية الأولى صريحة في الكافر.إلاّ أن هذه الروايات الثلاث كلها ضعاف فالأولى مرسلة، والثانية مرفوعة، والثالثة فيها محمّد بن علي ماجيلويه ولم يرد فيه التوثيق، نعم هو أحد مشايخ الصدوق ! وقد أكثر الرواية عنه في الفقيه وغيره مترضياً عليه(2)، فيمكن الحكم بوثاقته، إلاّ أن الرواية اشتملت على محمّد بن علي وهو الصيرفي المعروف بأبي سمينة، فإن محمّد بن أبي القاسم يروي عن الصيرفي(3)، وعليه فالرواية ضعيفة لا يمكن الاستناد إليها، وفي مقابل هذه الروايات وردت الآية الشريفة وهي قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(4)

وإذا كان الكافر غير حربي فلا نهي عن برّه والقسط له، وبناء على اعتبار الروايات فيمكن التخصيص بالإشباع، وأما إذا قلنا بعدم اعتبارها كما هو الظاهر فلا يمكن القول بأن إشباع الكافر حرام، وقد ذهب بعضهم إلى القول بالكراهة، وأما الإطعام ودعوته للأكل فقد صُرّح في بعض الروايات بجوازه كما تقدم في المسألة المتقدمة.


1) وسائل الشيعة ج 16 باب 19 من أبواب آداب المائدة الحديث 3

2) معجم رجال الحديث 18 : 59 الطبعة الخامسة

3) نفس المصدر 15 : 307

4) سورة الممتحنة، الآية: 8

المورد الرابع: في دخول الكفار إلى المساجد:

اشارة

ويقع الكلام فيه في مقامين:

الأول: بالنسبة إلى الدخول في المسجد الحرام، ولا إشكال في حرمة دخولهم فيه لصريح الآية المباركة (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ... )(1)مضافاً إلى عدم الخلاف فيه، بل في الجواهر: أنّه إجماعي بين المسلمين محصّلاً ومحكيّاً مستفيضاً، بلا فرق بين اللبث وعدمه، ولا بين تعدي النجاسة وعدمها(2).

الثاني: بالنسبة إلى الدخول في المساجد غير المسجد الحرام.

والمشهور عند الخاصة عدم الجواز بل ادعي الإجماع عليه، كما عن الشهيد(3)، وفي كنز العرفان أنّه الموافق لنصوص أهل البيت (علیهم السلام) (4)بلعن المنتهى نسبته إلى مذهب أكثر أهل العلم(5)

وأما العامة فالمشهور عندهم هو الجواز، قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام ولا شيء من المساجد لا بإذن ولا بغير إذن، وبه قال مالك، وقال الشافعي: لا يجوز لهم أن يدخلوا المسجد الحرام بحال لا بإذن الإمام ولا بغير إذنه، وما عداه من المساجد لا بأس أن يدخلوها بالإذن، وقال أبو حنيفة: يدخل الحرم والمسجد الحرام وكل المساجد بإذن(6)


1) سورة التوبة، الآية: 28

2) جواهر الكلام 6 : 93 الطبعة السابعة

3) كتاب الطهارة - النظر السادس في البحث حول وجوب إزالة النجاسة

4) كنز العرفان 1 : 45 الطبعة الخامسة

5) جواهر الكلام 6 : 93 الطبعة السابعة

6) الخلاف 1 : 196 الطبعة الثانية

وقال العلامة في التذكرة: لا يجوز لأحد من المشركين دخول المساجد مطلقاً سواء أذن له المسلم أو لا، ولا يجوز للمسلم الإذن فيه، وبه قال مالك، لقوله تعالى: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا )وغيره من المساجد مشاركة له في كونه مسجداً، ولقوله (علیه السلام): جنبوا مساجدكم النجاسة، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) وقال الشافعي: لا يجوز له دخول المسجد الحرام بكل حال، ويجوز له دخول غيره بإذن المسلمين لأن النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) أنزل المشركين في المسجد، وربط تمامة بن أثال الحنفي في سارية المسجد وهو كافر، ونمنع ذلك بعد التحريم، وقال أحمد: لا يجوز له دخول الحرمين، وفي سائر المساجد روايتان المنع والجواز بالإذن، وقال أبو حنيفة: يجوز له دخول سائر المساجد والمسجد الحرام أيضاً لقوله (علیه السلام) يوم الفتح: من دخل المسجد فهو آمن، وهو خطاب للمشركين، وأنه مسجد كسائر المساجد، والآية ناسخة لقول أبي حنيفة(1)

والذي يظهر من كلماتهم أن المشهور عندهم هو الجواز مطلقاً أو مع الإذن، بل يظهر من بعضهم الخلاف في المسجد الحرام أيضاً، وأما المشهور عندنا فهو المنع وعدم الجواز.

ويمكن الاستدلال على ذلك مضافاً إلى دعوى الإجماع بوجوه:

الأول: الآية الشريفة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ... ) وذلك بأحد وجهين:

أ - عدم القول بالفصل بين المسجد الحرام وبين غيره للاشتراك في كون الجميع مساجد وبيوتاً لله تعالى وأماكن لعبادته، كما في التذكرة - ولافرق في ذلك بين كونه من جهة نجاستهم أو لا.

ب - أن الحكم بالتعميم من جهة نجاستهم المصرح بها في الآية الشريفة،


1) تذكرة الفقهاء 1 : 91 الطبع القديم

فيستفاد المنع، إما من التفريع في الآية من أن كل نجس لا يجوز له أن يقرب المسجد، وإما من النجاسة التي لا يجوز إدخالها المسجد لصريح الروايات الواردة في المنع، وهي عدة روايات منها: موثقة إسحاق بن عمار عن محمّد الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقال: أين نزلتم؟ فقلت: نزلنا دار فلان فقال: إن بينكم وبين المسجد زقاقاً قذراً أو قلنا له: إن بيننا وبين المسجد زقاقاً قذراً؟ فقال: لا بأس إن الأرض تطهر بعضها بعضاً، قلت: والسرقين الرطب أطأ عليه؟ فقال: لا يضرك مثله(1)

والمستفاد من هذه الرواية: عدم جواز إدخال النجاسة إلى المسجد.

ومنها: ما ورد في آخر السرائر نقلاً عن نوادر البزنطي بسنده عن محمّد الحلبي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته؟ فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى قال: فلا بأس، إن الأرض تطهر بعضها بعضاً، قلت: فأطأ على الروث الرطب؟ قال: لا بأس، أنا والله ربما وطأت عليه، ثمّ أصلي ولا أغسله(2)

ومنها: ما ورد في النبوي عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: جنبوا مساجدكم النجاسة(3).

ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ' قال: سألته عن الدابة تبول فتصيب بولها المسجد أو حائطه أيصلّى فيه قبل أن يغسل؟ قال: إذا جف فلا بأس(4)

والمستفاد من السؤال في الرواية: أن المرتكز في أذهان المتشرعة وجوب


1) وسائل الشيعة ج 2 باب 32 من أبواب النجاسات الحديث 4

2) مستطرفات السرائر - من كتاب نوادر البزنطي: 473 الطبع القديم

3) وسائل الشيعة ج 3 باب 24 من أبواب أحكام المساجد الحديث 2

4) نفس المصدر ج 2 باب 9 من أبواب النجاسات الحديث 18

إزالة النجاسة عن المسجد، هذا من جانب ومن جانب آخر وجود الملازمة بين وجوب تطهير النجاسة عن المسجد وحرمة تنجيسه، فيظهر من الرواية أن هذين الأمرين كانا مركوزين في أذهانهم، وأنهما حكمان قطعيان عندهم، والسؤال إنما هو عن وقت ذلك، ولذا لم يردع الإمام (علیه السلام) السائل من هذا الاعتقاد والارتكاز، وإن كان مورد الرواية هو بول الدابة.ثم إن الرواية وإن كانت معتبرة سنداً إلاّ أنها نوقشت من حيث الدلالة بأنه لم يظهر منها وجه السؤال وهل هو من جهة اللزوم أو الاستحباب، إذ من المحتمل أن بول الدابة من المستقذرات، والسائل إنما سأل عن أفضلية الصلاة أو التطهير قبلها، ولذلك أجابه الإمام (علیه السلام) بقوله: إذا جف فلا بأس، ولو كان نجساً فالجفاف لا ينفع بل لابد من التطهير.

ومنها: ما ورد من الروايات المستفيضة في جواز اتخاذ الكنيف مسجداً بعد تنظيفه ومواراته بالتراب(1)، ولا بأس بالاستدلال بها على اعتبار طهارة المسجد، هذا ولكن يمكن المناقشة في جميع ذلك.

أما في الوجه الأول فبعدم إحراز الاشتراك، إذ من الواضح أن بعض الأحكام تختص بالمسجد الحرام دون غيره من المساجد ولعل هذا منها.

وأما في الوجه الثاني فالجواب: أن التفريع المذكور في الآية إنما يتم ذلك بناء على تمامية الصغرى، وهو الحكم بنجاستهم الذاتية، والحال أن المسألة محل خلاف.

وأما الجواب عن الروايات فيقال: أولاً: إنه لم يعلم من روايتي الحلبي أن الوجه في السؤال هو دخول المسجد أو الصلاة في النجاسة، بل المستفاد من ذيل الرواية الثانية أن السؤال من جهة الصلاة فيها حيث قال (علیه السلام): أنا والله ربما وطأت عليه ثمّ أصلي ولا أغسله.


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 11 من أبواب أحكام المساجد الأحاديث 1 و 3 و 4 و 5

وثانياً: إنه لم يحرز أن ذلك من جهة السراية أو مطلقاً أي حتى إذا كانت جافة ولم تتعد، وبذلك يمكن الجواب عن الروايات المستفيضة الدالة على جواز اتخاذ الكنيف مسجداً بعد تنظيفه وردمه بالتراب.

والحاصل: أنّ هذه الروايات على فرض تمامية دلالتها فهي إنما تدل على الحرمة فيما إذا كانت النجاسة مسرية وموجبة للتعدي لا مطلقاً.

وأما عن الرواية الثالثة فهي مضافاً إلى إرسالها لم يعلم عمل الأصحاب عليها، لأن غير واحد حمل المساجد فيها على مواضع السجود(1)إلاّ أن في هذا الحمل بعداً لورود نظير هذا المعنى في الروايات كقوله (علیه السلام): جنبوا مساجدكم صبيانكم ...(2)

الوجه الثاني الاستدلال بالروايات الخاصة الواردة في المقام، ومنها: ما ورد في المستدرك عن الجعفريات بسنده عن علي (علیه السلام) قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): لتمنعن من مساجدكم يهودكم ونصاراكم وصبيانكم أو ليمسخنكم الله قردة أو خنازير ركعاً أو سجداً(3)

ورواها السيد الراوندي في نوادره وصاحب الدعائم في دعائمه.

وهذه الرواية وإن جمع فيها بين الكفار والصبيان في الحكم إلاّ أن هذا ليس دليلاً على الكراهة، فإن الجمع بينها وبين الحرمة في الأخبار غير عزيز، وإنما الإشكال في سند الرواية فإن الطريق إلى الجعفريات غير ثابت، وطريق الراوندي غير معتبر، ومثله في عدم الثبوت الطريق إلى روايات الدعائم، وقد حققنا ذلك في محلّه من علم الرجال(4)، وبناء على ذلك فلا يمكن الاعتماد على هذه


1) كتاب الطهارة من مصباح الفقيه: 584 الطبع القديم

2) وسائل الشيعة ج 3 باب 27 من أبواب أحكام المساجد الحديث 1

3) مستدرك الوسائل ج 3 باب 18 من أبواب أحكام المساجد الحديث 1

4) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 152 و 320

الرواية من هذه الجهة.

الوجه الثالث: إنه يلزم من دخولهم الإهانة والهتك لحرمة المساجد، وهي بيوت الله وأماكن عبادته، وبناء على أن كلما يوجب إهانة وهتكاً بالمسجد فلا يجوز إدخاله فيه، وهذا الوجه وإن كان تاماً من جهة الكبرى إلاّ أن الكلام فيه من جهة الصغرى.

وإلى هنا تبين أنّه يحكم بعدم جواز الدخول في صورتين:

الأولى: ما إذا كان الدخول موجباً للهتك والإهانة.

الثانية:ما إذا كان الدخول موجباً لسراية النجاسة وتلويثهم المسجد بها كما أفاده السيد الأستاذ ! (1)

وها هنا وجه آخر يمكن جعله مانعاً مطلقاً من دخولهم المساجد وهو أن الكفار لما كانوا لا يغتسلون عن الجنابة فهم محكمون بحدثها، ومن المعلوم عدم جواز دخول المحدث بالجنابة في المسجد كما لا يجوز تمكينهم من الدخول في صورة العلم بذلك على وجه، وهذا لا يبتني على شيء مما تقدم.

هذا تمام ما يمكن أن يستدل به على الحكم.

ولكن على ما تقدم مما اخترناه من دلالة الآية الشريفة على النجاسة، وهي المناط في عدم دخولهم المسجد الحرام، فالمستفاد أن النجس لا يجوز دخوله أو إدخاله المسجد، ولا يفرق فيه بين مسجد وآخر، فمن هذه الجهة يقوى القول: بعدم جواز إدخال النجاسة في المسجد مطلقاً شركاً كان أو غيره من النجاسات، نعم بالنسبة إلى غير الشرك يبتني الحكم فيهعلى القول بالنجاسة كما تقدم.


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2 : 282 الطبعة الثالثة

مسائل:

المسألة الأولى:
اشارة

أن الكافر نجس العين، ولابد من الاجتناب عنه فيما يشترط فيه الطهارة، وهذا هو المشهور عند الفقهاء، وهنا بحث طويل والمسألة ابتلائية وهي محل خلاف بين الفقهاء، ونظراً لأهميتها وعموم الابتلاء بها فلابد من التحقيق حولها بالتفصيل فنقول:

إن هذه المسألة محل خلاف بين الخاصة والعامة، أما الخاصة فقد اشتهر - عندهم - القول بنجاسة الكافر بجميع أقسامه شهرة عظيمة، ويستوي فيه المنكر للتوحيد، والمشرك، وأهل الكتاب، كما يستوي فيه الكافر الأصلي، أو المرتد، وكذا من يلحق بهم من الأولاد، والنواصب والغلاة، ومن أنكر ضرورياً من ضروريات الدين، على خلاف في الأخير، وقد ادعى الإجماع على ذلك كما نسب إلى السيد المرتضى، والشيخ، وابن زهرة، والعلاّمة(1)

ونسب إلى المفيد في رسالته الغرية(2)القول بكراهة أسآرهم، إلاّ أنّه في بقية كتبه حكم بالنجاسة، وذهب ابن الجنيد وابن أبي عقيل إلى القول بعدم النجاسة(3)ولعل الشيخ المفيد كان على هذا ثمّ رجع عنه، ولذا ذكر تلاميذه دعوى الإجماع والاتفاق على النجاسة، وأما مخالفة ابن الجنيد وابن أبي عقيل فلا تضرّ بالإجماع.

وأما العامة فالأمر بالعكس، إذ المشهور عندهم هو القول بالطهارة،


1) جواهر الكلام 6 : 41 الطبعة السابعة دار الكتب الإسلامية

2) نفس المصدر: 41

3) نفس المصدر: 42

وذهب بعضهم إلى القول بالنجاسة.

قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز استعمال أواني المشركين من أهل الذمة وغيرهم، وقال الشافعي: لا بأس باستعمالها ما لم يعلم فيها نجاسة، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: لا يجوز استعمالها(1)وقال في المغني: الآدمي طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلماً أو كافراً عند عامة أهل العلم(2)

وقال في عمدة القارىء: إن المؤمن لا ينجس، وإنه طاهر، سواء كان جنباً أو محدثاً حيّاً أو ميتاً وكذا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه وكذا الكافر في هذه الأحكام(3)

وقال في البدايع: سؤر الطاهر المتفق على طهارته سؤر الآدمي بكل حال مسلماً كان أو مشركاً(4)

وكذا في غيرها من كتب العامة.

وفي مقابل هذا ذهب الرازي في تفسيره إلى القول بنجاسة المشرك لظاهر الآية الشريفة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ... )ونقل عن الحسن: من صافح مشركاً توضّأ. وقال هذا قول الهادي من أئمة الزيدية(5)

ونسب في فتح الباري القول بالنجاسة إلى أهل الظاهر وقال: الآدمي الحي ليس بنجس العين(6)

وفي المحلّى ذهب إلى النجاسة، وتعجب ممن يقول بالطهارة(7)


1) الخلاف ج 1 المسألة 16 ص 8 الطبعة الثانية

2) المغني والشرح الكبير 1 : 72 الطبعة الأولى 1404 ه-

3) عمدة القارىء شرح صحيح البخاري 3 : 238 دار الفكر - بيروت

4) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 1 : 63 الطبعة الثانية 1402 ه- دار الكتاب العربي

5) مفاتيح الغيب 16 : 20 دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الطبعة الأولى 1411 ه-

6) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1 : 310 الطبعة الثانية 1402 ه-

7) المحلّى 1 : 130 تحقيق لجنة إحياء التراث العربي - دار الجيل - دار الآفاق الجديدة، بيروت لبنان

والذي يظهر من مجموع أقوال العامة أن المشهور عندهم هو القول بالطهارة على خلاف مشهور الخاصة من القول بالنجاسة.

أدلة الخاصة:

أما القول المشهور فقد استدل له بأمور:

أ - الكتاب.

ب - السنة .

ج - الإجماع.

وحيث إن الحكم بالنجاسة ينتهي إلى الإجماع فنبدأ أولاً به تبعاً للفقهاءقدس الله أسرارهم(1)

ولابدّ من ملاحظة أقوال فقهاء الطائفة في المسألة، ومن ثمّ ملاحظة الآيات والروايات فنقول:

قال الشيخ المفيد في المقنعة: وإذا صافح الكافر المسلم ويده رطبة بالعرق أو غيره غسلها من مسه بالماء، وإن لم تكن رطوبة مسحها ببعض الحيطان أو التراب(2)

وذكر في رسالته الغرية كراهة سؤر اليهودي والنصراني(3)كما ذكرنا آنفاً.

وظاهر كلامه في المقنعة نجاسة الكافر، فيحمل كلامه في الرسالة على أنّه عدل عن القول بالكراهة بقرينة أن تلاميذه كالسيد والشيخ وغيرهما، ادعوا الاتفاق والإجماع على النجاسة، ومن البعيد جداً أنهم لم يلاحظوا فتوى شيخهم المفيد ولم يطلعوا عليها، فيحتمل قوياً رجوعه عما في الرسالة، وإن كان يمكن القول أن حكمه بالنجاسة في المقنعة تنزيهي لا تحريمي بقرينة قوله: وإن لم تكن


1) مستمسك العروة الوثقى 1 : 367 الطبعة الرابعة

2) المقنعة: 71 الطبعة الثانية

3) جواهر الكلام 6 : 41 الطبعة السابعة

رطوبة مسحها ببعض الحيطان أو التراب.

وقال الشيخ الصدوق في المقنع: ولا تصل في جلد الميتة على كل حال ولا تصل في السواد ... ولا تجوز الصلاة في شيء من الحديد إلاّ إذا كان سلاحاً ... ولا تصل على بواري اليهود والنصارى(1)

وقال في الهداية: ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي ولا النصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الإسلام(2)

وقال في الفقيه: ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي ولا النصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الإسلام، وأشد من ذلك سؤر الناصب(3)

وقال: فإن اجتمع مسلم مع ذمي في الحمام اغتسل المسلم من الحوض قبل الذمي، ولا يجوز التطهير بغسالة الحمام لأنه يجتمع فيه غسالةاليهودي والنصراني والمجوسي والمبغض لآل محمّد (علیهم السلام) وهو شرهم(4)

وأورد في باب الصيد والذبائح من الفقيه عدة روايات تنهى عن مؤاكلة اليهود والنصارى وأكل أسآرهم، واستعمال آنيتهم، وفي بعضهم الأمر بغسل آنية المجوس عند الاضطرار إليها(5)

وظاهر كلماته يحمل على القول بالنجاسة، وإن كان احتمال النجاسة التنزيهية وارداً، لعطف سؤر ولد الزنا في الموردين الثاني والثالث، وعدم جواز الصلاة في السواد والحديد في المورد الأول.

وقال السيد ابن زهرة في الغنية: والثعلب والأرنب نجسان بدليل الإجماع المذكور، والكافر نجس بدليله أيضاً، وبقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) وهذا


1) المقنع: 80 تحقيق مؤسسة الإمام الهادي (علیه السلام)

2) الهداية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 48 الطبع القديم

3) من لا يحضره الفقيه 1 : 9 الطبعة الثانية منشورات جماعة المدرسين

4) نفس المصدر: 12

5) نفس المصدر 3 : 330 و 348

نص وكل من قال بذلك في المشرك قال به في من عداه من الكفار، والتفرقة بين الأمرين خلاف الإجماع(1)

وكلامه صريح في الحكم بنجاسة الكافر بجميع أقسامه.

وقال السيد المرتضى في الانتصار: مسألة: ومما انفردت به الإمامية القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني وكل كافر وخالف جميع الفقهاء في ذلك ... ويدل على صحة ذلك مضافاً إلى إجماع الشيعة عليه قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ...(2)

وقال في الناصريات عند شرح قوله: «سؤر المشرك نجس» : عندنا أن سؤر كل كافر بأي ضرب من الكفر كان كافراً نجس، لا يجوز الوضوء به، وأجاز الوضوء بذلك أبو حنيفة وأصحابه، وحكى الطحاوي عن مالك في سؤر النصراني أو المشرك أنّه لا يتوضأ به، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )وفي هذا تصريح بنجاسة أسآرهم، وروى عبد الله بن المغيرة، عن سعيد الأعرج، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني فقال: لا(3)

وقال سلار في المراسم: وإزالة النجاسة على أربعة أضرب أحدها بالمسح على الأرض والتراب، وهو ما يكون في النعل والخف، والآخربالشمس وهو البول إذا وقع على الأرض والبواري والحصر، والآخر برش الماء على ما مسه كمس الخنزير والكلب والفأرة والوزغة وجسد الكافر، إذا كان كل من ذلك يابساً وكذلك من ظن أن في ثوبه نجاسة ولم يتيقن ذلك فإنه يرش الثوب بالماء، والآخر ما عدا ما ذكرناه من النجاسات فإنه لا يزول إلاّ بالماء ولا يجزي فيه


1) الغنية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 551 الطبع القديم

2) الانتصار المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 93 الطبع القديم

3) الناصريات المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 180 الطبع القديم

غيره(1)

وصريح كلامه أن الكافر نجس كالكلب والخنزير.

وقال ابن حمزة في الوسيلة: وإذا لم يبلغ (الماء) كراً نجس بوقوع كل نجاسة فيه، وبمباشرة كل نجس العين مثل الكلب والخنزير وسائر المسوخ، وكل نجس الحكم مثل الكافر والناصب وبارتماس الجنب فيه(2)

وقال في موضع آخر من الوسيلة: فما تجب إزالة قليله وكثيره أربعة أضرب: أحدهما يجب غسل ما مسه إن كانا رطبين أو كان أحدهما رطباً، والثاني يابساً يجب رش الموضع الذي مس يابساً بالماء إن كان ثوباً، والثالث يجب مسحه بالتراب إن مسه البدن يابسين، والرابع يجب غسل ما أصابه بالماء على كل حال، فالأول والثاني والثالث تسعة أشياء الكلب والخنزير والثعلب والأرنب والفارة والوزغة وجسد الذمي والكافر والناصب، فإنه يجب غسل الموضع الذي مسه رطباً بالماء ثوباً كان أو بدناً إن مس الثوب يابسين، ومسحه بالتراب إن مس البدن يابسين، والرابع أحد وعشرون شيئاً ...(3)

وظاهر كلامه في أن الكافر كسائر النجاسات.

وقال الشيخ في الخلاف: ... لا يجوز استعمال أواني المشركين من أهل الذمة وغيرهم، وقال الشافعي: لا بأس باستعمالها ما لم يعلم فيها نجاسة وبه قال أبو حنيفة ومالك وقال أحمد بن حنبل وإسحق: لا يجوز استعمالها.

دليلنا: قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) فحكم عليهم بالنجاسة، فيجب أن يكون كلما باشروه نجساً، وعليه إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط تقتضي تنجيسها (تجنبها).


1) المراسم المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 631

2) الوسيلة المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 668

3) نفس المصدر: 669

وروى محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن آنية أهل الذمةوالمجوس؟ قال: لا تأكلوا في آنيتهم، ولا من طعامهم الذي يطبخونه ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر(1)

وقال في التهذيب: أجمع المسلمون على نجاسة المشركين والكفار إطلاقاً(2).

ولا يبعد أن يكون مراده من المسلمين هم الشيعة.

وقال في المبسوط: فسؤر الآدمي كله طاهر، إلاّ من كان كافراً أصلياً أو مرتداً أو كافر ملة، ولا يجوز استعمال ما شربوا منه أو باشروه بأجسامهم من المياه وسائر المايعات، وكذلك ما كان أصله مايعاً فجمد أو جامداً فغسلوه بأيديهم وجففوه، فلا يجوز استعماله إلاّ بعد تطهيره فيما يمكن تطهيره من غسل الثياب، وما عداه فإنه يجتنب على كل حال(3)

وقال أيضاً: وأواني المشركين ما يعلم منها استعمالهم لها في المايعات لا يجوز استعمالها إلاّ بعد غسلها، وإذا استعملوها في مايع طاهر ينجس بمباشرتهم، وما لم يستعملوها اصلاً أو استعملوها في شيء طاهر ولم يباشروها بأجسامهم فلا بأس باستعماله، وحكم سائر الكفار في هذا الباب سواء كانوا عباد الأوثان وأهل الذمة أو مرتدين أو كفار ملة من المشبهة والمجسمة والمجبرة وغيرهم(4)

وقال في التبيان في تفسير قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ... )(5): وذلك يختص عند أكثر أصحابنا بالحبوب، لأنها المباحة من أطعمة أهل الكتاب، فأمّا ذبائحهم وكل مائع يباشرونه بأيديهم فإنه نجس(6)


1) الخلاف ج 1 كتاب الطهارة مسألة 16 ص 8 الطبعة الثانية

2) تهذيب الأحكام 1 : 223 دار الكتب الإسلامية

3) المبسوط في فقه الإمامية 1 : 10 الطبعة الثانية

4) نفس المصدر: 14

5) سورة المائدة، الآية: 5

6) التبيان في تفسير القرآن 3 : 444 - دار إحياء التراث العربي

وقال في النهاية: ولا يجوز استعمال أسآر من خالف الإسلام من ساير أصناف الكفار، وكذلك أسؤر (أسآر) الناصب لآل محمّد (علیهم السلام) العداوة(1)

وقال: وماء الحمام سبيله سبيل الماء الجاري إذا كانت له مادة من المجرى، فإذا (فإن) لم يكن له مادة فهو على طهارته ما لم تعلم فيه نجاسة، فإن علمت فيه نجاسة أو أدخل يده فيه يهودي أو نصراني أومشرك أو ناصب ومن ضارعهم من أصناف الكفار فلا يجوز استعماله على حال(2)

وقال في باب تطهير الثياب: وكذلك إن مس الإنسان بيده أحد ما ذكرناه أو صافح ذمياً أو ناصباً معلناً بعداوة آل محمّد (علیهم السلام) وجب عليه غسل يده إن كان رطباً، وإن كان يابساً مسحها بالتراب(3)

وقال في باب الأطعمة المحظورة والمباحة: ولا يجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال أوانيهم إلاّ بعد غسلها بالماء، وكل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز أكله، لأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه، وقد رخص في جواز استعمال الحبوب وما أشبهها مما لا يقبل النجاسة وإن باشروهم، بأيديهم ... إلى أن قال: ويكره أن يدعو الإنسان أحداً من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، وإن دعاه فليأمره بغسل يديه ثمّ يأكل معه إن شاء(4)

وقوله: فليأمره ... الخ محمول على الدعوة إلى الأكل من طعام لا يقبل النجاسة كالحبوب ونحوها.

وقال العلامة في المختلف في باب الأطعمة والأشربة: قال الشيخ في النهاية:


1) النهاية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 227 الطبع القديم

2) نفس المصدر: 237

3) نفس المصدر: 238

4) نفس المصدر: 339

يكره أن يدعو الإنسان أحداً من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، وإن دعاه فليأمره بغسل يديه، ثمّ يأكل معه إن شاء، وقال شيخنا المفيد: لا تجوز مؤاكلة المجوس، وقال ابن البراج: لا يجوز الأكل والشرب مع الكفار، وقال ابن إدريس: قول شيخنا في النهاية رواية شاذة أوردها إيراداً لا اعتقاداً، وهذه الرواية لا يلتفت إليها ولا يعرج عليها لأنها مخالفة لأصول المذهب، لأنا قد بيّنا بغير خلاف أن سؤر الكفار نجس ينجس المايع بمباشرته، وأيضاً الإجماع على خلافها، وقال السيد المرتضى في انتصاره: مما انفردت به الإمامية أن كلّ طعام عالجه الكافر من اليهود والنصارى وغيرهم ممن ثبت كفرهم بدليل قاطع فهو حرام، لا يجوز أكله ولا الانتفاع به، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والمعتمد ما اختاره ابن إدريس لنا أنهم أنجاس ... الخ(1)

وقال في باب لباس المصلي: قال الشيخ في النهاية: إذا عمل مجوسيثوباً يستحب أن لا يصلي فيه، وكذلك إذا استعار ثوباً من شارب الخمر أو مستحلّ شيء من النجاسات يستحب أن يغسل أولاً بالماء ثمّ يصلي فيه، وقال في المبسوط: إذا عمل كافرٌ ثوباً لمسلم فلا يصلي فيه إلاّ بعد غسله، لأن الكافر نجس، وكذلك إذا صبغه له، لأن الكافر نجس، وسواء كان أصلياً أو كافر ردة أو كافر ملة، وتعليل الشيخ يؤذن بالمنع وهو اختيار ابن إدريس، وجعل قول الشيخ في النهاية خبراً واحداً أورده إيراداً لا اعتقاداً بل اعتقاده وفتواه ما ذكره في المبسوط.

وقال ابن الجنيد: فإن كان استعاره من ذمي أو ممن الأغلب على ثوبه النجاسة أعاد، خرج الوقت أم لم يخرج، وهو يؤذن بقول الشيخ في المبسوط مع أنّه قال قبل ذلك: واستحب تجنب ثياب المشركين، ومن لا يرى غسل النجاسة


1) مختلف الشيعة: 134 الطبع القديم

من ثوبه والتنظيف لجسده منها وخاصة ميارزهم وما سفل من أثوابهم التي يلبسونها وما يجلسون عليه من فرشهم، ولو صلى فيه أو عليه ثمّ علم بنجاسته اخترت له الإعادة في الوقت وغير الوقت(1)

ثم قال العلامة: والوجه عندي اختيار الشيخ في النهاية، وأجاب عما تمسك به ابن إدريس من دعوى الإجماع على نجاسة أسآر الكفار، ومن رواية عبد الله بن سنان بأن السؤر يستلزم المباشرة فينجس بخلاف الثوب فالأصل فيه الطهارة، وحمل الرواية على الاستحباب(2)

وقال في التذكرة: الأسآر كلها طاهرة إلاّ سؤر نجس العين وهو الكلب والخنزير والكافر على الأشهر(3)

وقال: الكافر عندنا نجس لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) والحذف على خلاف الأصل والوصف بالمصدر جايز لشدة المعنى، وقوله تعالى كذلك: (يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) ولقول النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد سئل إنّا بأرض قوم أهل كتاب نأكل في آنيتهم؟ : لا تأكلوا فيها إلاّ أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثمّ كلوا فيها، وسؤال الصادق (علیه السلام) عن سؤر اليهودي والنصراني فقال: لا.

ثم قال: لا فرق بين أن يكون الكافر أصلياً أو مرتداً، ولا بين أن يتدين بملة أو لا، ولا بين المسلم إذا أنكر ما يعلم ثبوته من الدين ضرورةوبينه، وكذا لو اعتقد المسلم ما يعلم نفيه من الدين ضرورة(4)

وقال في المنتهى: مسألة: الكفار أنجاس وهو مذهب علمائنا أجمع، سواء كانوا أهل كتاب أو حربيين أو مرتدين وعلى أي صنف كانوا خلافاً للجمهور.


1) مختلف الشيعة 2 : 91 - 92 جامعة المدرسين - قم

2) نفس المصدر: 94

3) تذكرة الفقهاء 1 : 5 الطبع القديم

4) نفس المصدر: 8

لنا قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) لا يقال: إنه مصدر فلا يصح وصف الجنس (المشبه) إلاّ مع حرف التشبيه ولا دلالة فيه حينئذ، لأنا نقول: إنه يصح الوصف بالمصادر إذا كثرت معانيها في الذات كما يقال: رجل عدل، وذلك يؤيد ما قلناه.

وما رواه الجمهور عن أبي تغلبة، قال: قلت: يا رسول الله إنّا بأرض أهل كتاب أفنأكل في إنائهم؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها متفق عليه. وما رووه عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: «المؤمن ليس ينجس» ، وتعليق الحكم على الوصف يدل على سلبه عما عداه. ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: سألته عن فراش اليهودي ... الخ.(1)

وقال المحقق في المعتبر: وأما الكفار فقسمان يهود ونصارى ومن عداهما، أما القسم الثاني فالأصحاب متفقون على نجاستهم سواء كان كفرهم أصلياً أو ارتداداً لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) ولقوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) لا يقال: الرجس العذاب رجوعاً إلى أهل التفسير، لأنا نقول: حقيقة اللفظ يعطي ما ذكرناه فلا يستند إلى مفسر برأيه ولأن الرجس اسم لما يكره فهو يقع على موارده بالتواطي، فيحمل على الجميع عملاً بالإطلاق. وأما اليهود والنصارى فالشيخ قطع في كتبه بنجاستهم، وكذا علم الهدى، والاتباع، وابنا بابويه، وللمفيد قولان أحدهما: النجاسة ذكره في أكثر كتبه والآخر: الكراهية ذكره في الرسالة الغرية(2)ثمّ استدل على الحكم بما رواه الخاصة والعامة.

ونكتفي بهذا القدر من كلمات الفقهاء.


1) منتهى المطلب في تحقيق المذهب: 168 الطبع القديم

2) المعتبر في شرح المختصر: 24 الطبع القديم

والمتحصّل من مجموع هذه الأقوال أمور:

الأول: نسبة المخالفة في المسألة إلى ابن أبي عقيل فقط ولم نقف علىكلامه وأما ابن الجنيد فنسب إليه الاحتياط في بعض كلماته، والحكم بالنجاسة في البعض الآخر.

الثاني: الظاهر من كلمات من ذكرنا أن هذا الحكم مطابق للإجماع واستدلالهم به، بل عن السرائر أنّه من أصول مذهب الإمامية.

الثالث: أن عمدة حكمهم بالنجاسة هو الاستشهاد بالآية الشريفة (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) كما ورد في كلمات ابن زهرة، والسيد المرتضى، والشيخ، والعلامة، والمحقق، كما استشهد بعضهم مضافاً إلى هذه الآية بقوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) كما في كلمات العلامة، والمحقق.

الرابع: لم يظهر الفرق بين الشرك وغيره في كلماتهم إلاّ ما جاء في كلام المحقق من أنّه قسّم الكافر إلى قسمين، بل إن بعضهم نفى الفرق صريحاً كما في كلام ابن زهرة المتقدم.

وأما الدليل الثاني وهو الكتاب فالمستفاد من كلمات الفقهاء أن مدرك الإجماع لما اعتمدوه في الحكم بالنجاسة هو الآيات، وقد استدلوا بآيتين الأولى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا... )(1)، والثانية قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)(2)

أما الآية الأولى فقد استدل بظاهرها على أن المراد من قوله تعالى: (نَجَسٌ ) هو النجاسة الاصطلاحية، والآية وإن كانت مطلقة بمعنى أن النجس يطلق ويراد به القذر وما ليس بطاهر، إلاّ أن النجاسة تشمل الذاتية والواقعية ولا


1) سورة التوبة، الآية: 28

2) سورة الأنعام، الآية: 125

سيما مع تفريع الأثر وهو عدم جواز دخولهم المسجد الحرام بل سائر المساجد فالمستفاد من الآية هو القذارة الذاتية.

وإليه ذهب صاحب الحدائق(1)، وصاحب الجواهر(2)، وغيرهما، كما مر وسيأتي.

وذهب آخرون كالسيد الأستاذ ! (3)وغيره إلى عدم استفادة هذا المعنى من الآية وناقشوا دلالتها بأمور:الأول: في أن كلمة نجس مصدر ولا يصح حمل المصدر على الذات إلاّ بتقدير ذي ونحوها أو التأويل بالمشتق فإذا قيل: فلان نجس فالمقصود ذو نجاسة وهذا أعم من كونه نجساً ذاتاً أو عرضاً، وحيث إن من المعلوم من سيرة الكفار والمشركين وطريقتهم، عدم تجنبهم عن النجاسات كالميتة والخمر والبول وغيرها فالمناسب هو الحمل على النجاسة العرضية ولا أقل من عدم الاختصاص بالنجاسة الذاتية، وبناء على ذلك فلا يمكن الاستدلال بالآية فإنها أعم من المدعى.

الثاني: أن لفظ نجس في اللغة بمعنى القذارة وفيها محتملات أربعة:

الأول: القذارة القائمة بالجسم القابلة للتعدي.

الثاني: القذارة المعنوية وهي الخبث الباطني القائم بالنفس.

الثالث: القذارة المعنوية القائمة بالجسم غير القابلة للتعدي كالجنابة والحيض ونحوهما.

الرابع: القذارة بمعنى النجاسة الاصطلاحية وهي أمر اعتباري وتترتب عليه الآثار من السراية والتعدي مع الرطوبة.


1) الحدائق الناضرة 5 : 196 مطبعة النجف

2) جواهر الكلام6 : 42 الطبعة السابعة

3) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2 : 44 الطبعة الثالثة 1410 ه- - قم

وحيث إن المعنى المراد دائر بين هذه المعاني الأربعة فلا وجه لتخصيصه بالأخير إذ لا دليل عليه بخصوصه.

الثالث: أن لفظ المشركين مختص بفئة معينة من الناس، ولا يشمل كل من لا يدين بدين الإسلام، فهو أخص من الكفار ويكون مقابلاً لأهل الكتاب، نعم هو يشمل الوثنيين وغيرهم ممن يقولون بتعدد الآلهية، وأما أهل الكتاب فلا يشملهم لفظ المشركين فلا يستفاد من الآية شمول الحكم لجميع الأصناف.

وقد يجاب بعدم القول بالفصل بين هذه الأصناف.

وفيه أولاً: عدم ثبوت القول بعدم الفصل.

وثانياً: أن هذا ليس استدلالاً بالآية وحدها بل بضميمة أمر آخر.

وقد يقال: إن المشرك قد يطلق ويراد به أهل الكتاب أيضاً بمفاد الآيات الواردة ومنها قوله تعالى: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُعَمَّا يُشْرِكُونَ) (1)

وفي هذه الآية نص صريح بنعت اليهود والنصارى بالشرك، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ... ) (2)

والمستفاد: أن إطلاق لفظ المشركين شامل لليهود والنصارى.

وأما المجوس فكذلك لأنهم ثنوية قائلون بتعدد الآلهة وأن مبدأ الخير هو يزدان، كما أن مبدأ الشر هو اهرمن أو النور والظلمة(3)


1) سورة التوبة، الآية: 30 - 31

2) سورة المائدة، الآية: 115

3) درر الفوائد 1 : 457 مركز نشر الكتاب - طهران

والمتحصل: أن أهل الكتاب داخلون في الآية.

وفيه: أن نعت أهل الكتاب بأنهم مشركون إنما هو بالعناية والالتفات إلى واقعهم، والتعريف بحقيقتهم وأنهم مشركون واقعاً لا بالإطلاق، والظاهر من الآيات وإطلاقها انصراف لفظ المشركين إلى الوثنيين في مقابل أهل الكتاب، ولذا فإن القرآن الكريم في العديد من آياته ولاسيما في سورة التوبة تناول هذه الأصناف وجعل لكل منها أحكاماً خاصة بها.

هذا وقد أجيب عن هذه الإشكالات.

أما عن الإشكال الأول فيقال في جوابه أولاً: إن لفظة نجس قد تأتي صفة لا مصدراً.

وثانياً: على فرض كون نجس مصدراً فما المانع من حمله على الذات؟ كما يقال: زيد عدل على نحو المبالغة بلا حاجة إلى تقدير، فيصح أن يقال: المشركون نجس كما هو ظاهر الآية الشريفة، وهذا هو الأرجح لاحتمال الخدشة في الوجه الأول بعدم التطابق بين الصفة والموصوف.

هذا وقد قرر سيدنا الأستاذ ! (1)الإشكالين الأخيرين والتزم بهما.

أما الإشكال الثاني فقد قرره بوجهين:

الأول: أنّه لا دليل لنا على أن النجاسة استعملت بالمعنى الأخير، وذلك لأن الأحكام كانت تنزل بصورة تدريجية فلم يعلم أن هذا المعنى ثابت وقت نزول الآية الشريفة، وحيث إن أصل ثبوته غير معلوم فكيف يمكن صرف الآية عن بقية المعاني وحملها على معنى يشك في وجوده؟

الثاني: أن الأنسب بمعنى الآية هو المعنى الثاني وهو الحمل علىالقذارة الباطنية والخبث المعنوي وأنهم رجس ينبغي اجتنابه، وذلك لمناسبة عدم جواز


1) التنقيح في شرح العروة 2 : 43 الطبعة الثالثة

دخولهم المسجد الحرام، فإن النجاسة بالمعنى الأخير لا تتنافى مع دخول المسجد الحرام - على الخلاف فيه - إذا لم تستلزم الهتك، وعليه فالمناسب لتفريع هذا الحكم هو المعنى الثاني من المعاني الأربعة.

ولكن يمكن أن يقال: إن الوجه الأول لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأن عدم ثبوت هذا المعنى في زمان نزول الآية بعيد جداً إذ الآية الشريفة وردت في سورة التوبة وهي من آخر السور نزولاً على النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فهل يتصور عدم ثبوت هذا المعنى إلى أواخر زمان دعوة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟

نعم لو كان نزول الآية في أول البعثة لكان له وجه، وأما كون زمان نزولها أواخر سني الدعوة فلا يتصور ذلك، فإن كان مراد السيد الأستاذ! هذا المعنى فغير تام، وإن كان مراده هو عدم ثبوت الحقيقة الشرعية فكذلك، فإن الوقوف على الروايات والكلمات الواردة في زمان الوحي يعطي أن لفظ النجاسة كان مستعملاً في نفس هذا المعنى الشرعي بلا قرينة، وقد تتبعنا جملة من روايات العامة والخاصة.

أما في روايات العامة فقد استعمل هذا اللفظ في المعنى الشرعي في عدة موارد:

الأول: ما رواه حذيفة بن اليمان بطرق متعددة متفق عليها عندهم، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لقيه في الطريق وهو جنب فحاد عنه فاغتسل ثمّ جاء فقال: كنت جنباً، فقال: المسلم لا ينجس(1)وفي رواية السنن الكبرى: إن المؤمن لا ينجس(2)

الثاني: ما رواه أبو سعيد الخدري بطرق صحيحة عندهم أيضاً: قيل يا رسول الله أتتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يطرح فيها لحوم الكلاب والحيض والنتن؟


1) جامع المسانيد والسنن ج 3 مسند حذيفة بن اليمان ص 427

2) السنن الكبرى 1 : 293 الطبعة الأولى

فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): الماء طهور لا ينجسه شيء(1)

الثالث: ما رواه عبد الله بن عمر - وقد رواها الخمسة - قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يُسأل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض ... إلى أن قال (صلی الله علیه و آله و سلم): إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث(2)وفي لفظ ابن ماجه: لاينجسه شيء(3)

الرابع: ما روته كبشة بنت كعب بن مالك - ورواها الخمسة أيضاً - في الهرة، إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: إنها ليست بنجس إنما هي من الطوّافين عليكم والطوّافات(4).

الخامس: ما رواه أنس (متفق عليه) قال: أتانا منادي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس(5)

السادس: ما رواه ابن مسعود أنّه أمره رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن يؤتيه بثلاثة أحجار، فقال: وجدت الحجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيت بهن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذه ركس(6)وفي لفظ ابن ماجه(7)وابن خزيمة: رجس وهما بمعنى نجس(8)

السابع: انزاله (صلی الله علیه و آله و سلم) وفد ثقيف في المسجد فقال الأصحاب: إنهم قوم أنجاس، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء إنما أنجاس القوم على أنفسهم(9)وورد عن ابن عباس - كما نقل البخاري - أنّه قال: المؤمن


1) سنن النسائي ج 1 باب ذكر بئر بضاعة ص 174

2) نفس المصدر باب 44 من الطهارة الحديث 52 ص 49

3) سنن ابن ماجة 1 : 75 من كتاب الطهارة وسننها الحديث 517 ص 172

4) سنن النسائي 1 : 54 من الطهارة الحديث 68 ص 58

5) نفس المصدر ج 1 باب سؤر الحمار

6) سنن النسائي ج 1 باب 38 من الطهارة الحديث 12 ص 43

7) سنن ابن ماجة ج 1 باب 16 من كتاب الطهارة وسننها الحديث 314 ص 114

8) سنن النسائي ج 1 باب 38 ذيل الحديث 42 ص 43

9) نيل الأوطار 1 : 20 دار الجيل

لا ينجس حياً ولا ميتاً(1)

وغير هذه من الموارد التي وردت فيها هذه الكلمة بنفسها وبمشتقاتها.

هذا من جهة العامة.

وأما من جهة الخاصة فقد وردت عدة روايات أيضاً على لسان النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم)، وأمير المؤمنين (علیه السلام) ، منها ما ذكره صاحب الوسائل قال: وروى جماعة من أصحابنا في كتب الاستدلال عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: جنبوا مساجدكم النجاسة(2).

ومنها ما رواه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي مولى محمّد بن علي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: بينا أمير المؤمنين (علیه السلام) ذات يوم جالساً معمحمّد بن الحنفية، إذ قال له: يا محمّد ايتني بإناء من ماء أتوضأ للصلاة، فأتاه محمّد بالماء فأكفأه فصبه بيده اليسرى على يده اليمنى، ثمّ قال: بسم الله وبالله، والحمد لله الذين جعل الماء طهوراً ولم يجعله نجساً ... الخ(3)

ومنها ما نقله صاحب الوسائل عن المحقق الحلي في المعتبر قال: قال(علیه السلام): خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلاّ ما غير لونه أو طعمه أو ريحه(4)

ورواه ابن إدريس مرسلاً في أول السرائر، إلاّ أنّه نسبه إلى النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) (5)

ومنها ما رواه في المستدرك، عن الجعفريات بسنده عن علي بن أبي طالب ': لو أن رجلاً جامع في ثوبه ثمّ عرق فيه منه حتى ينعصر لأمرناه بالصلاة فيه، ولم نأمره بغسل ثوبه لأن الثوب لا ينجسه شيء(6)

ومنها ما في المستدرك أيضاً عن الجعفريات بسنده عن علي (علیه السلام) قال: أربع


1) نيل الأوطار 1 : 21

2) وسائل الشيعة ج 3 باب 24 من أبواب أحكام المساجد الحديث 2

3) نفس المصدر ج 1 باب 16 من أبواب الوضوء الحديث 1

4) نفس المصدر باب 1 من أبواب الماء المطلق الحديث 9

5) السرائر: 8 الطبع القديم

6) مستدرك الوسائل ج 2 باب 20 من أبواب النجاسات والأواني الحديث 1

لا ينجسهن شيء، الأرض والجسد والماء والثوب، فسئل ما نجاسة الجسد؟ - إلى أن قال : - قالوا: فالأرض يا أمير المؤمنين قال: إذا أصابها قذر ثمّ أتت عليها الشمس فقد طهرت(1)

ومنها ما رواه عن الدعائم عن أمير المؤمنين (علیه السلام): أنّه رخص في الادام والطعام يموت فيه خشاش الأرض والذباب ما لا دم له، وقال: لا ينجس ذلك شيئاً ولا يحرمه ... الخ(2)

ومنها ما رواه عن الجعفريات بسنده أن علياً (علیه السلام) كان يقول: من صلى حتى يفرغ من صلاته وهو في ثوب نجس فلم يذكره إلاّ بعد فراغه ليعد صلاته(3)

ومنها ما رواه عن نوادر الراوندي بإسناده عن موسى عن جعفر عن آبائه قال: قال علي (علیه السلام): من صلى في ثوب نجس فلم يذكره إلاّ بعد فراغه فليعد صلاته(4)ومنها ما رواه في الدعائم، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي صلوات الله عليهم، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نهى عن الصلاة بجلود الميتة وإن دبغت وقال: الميتة نجس وإن دبغت(5)

ومنها ما رواه عن الإرشاد بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال في ذكر فضل نبينا (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمته على سائر الأنبياء وأممهم: إن الله سبحانه رفع نبينا إلى ساق العرش فأوحى إليه فيما أوحى: كانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى نجس قرضوا من أجسادهم وقد جعلت الماء طهوراً لأمتك من جميع الأنجاس والصعيد في الأوقات(6)


1) مستدرك الوسائل ج 2 باب 22 من أبواب النجاسات والأواني الحديث 1

2) نفس المصدر باب 28 من أبواب النجاسات والأواني الحديث 3

3) نفس المصدر باب 33 من أبواب النجاسات والأواني الحديث 1

4) نفس المصدر الحديث 3

5) نفس المصدر باب 39 من أبواب النجاسات والأواني الحديث 6

6) نفس المصدر ج 1 باب 1 من أبواب الماء المطلق الحديث 6

ومنها ما رواه عن الدعائم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: ليس ينجس الماء شيء(1)

ومنها ما رواه عن عوالي اللئالي عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: الماء لا ينجسه شيء(2)

وفي حديث آخر: خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلاّ ما غير لونه أو طعمه أو رائحته(3)

ومنها ما رواه عن الجعفريات بسنده عن علي (علیه السلام) قال: الماء الجاري لا ينجسه شيء(4)

ومنها ما رواه عن الجعفريات ونوادر الراوندي بسندهما عن علي (علیه السلام) قال: الماء الجاري يمر بالجيف والعذرة والدم فيتوضأ منه ويشرب منه ليس ينجسه شيء(5)

وعن الجعفريات أيضاً بسنده عنه (علیه السلام) قال: أربع لا ينجسهن شيء، الأرض، والجسد، والماء، والثوب، ثمّ فسر (علیه السلام) مراده في كل واحد منها، إلى أن قال: والماء الجاري يمر بالجيف ... الخ(6)إلى غير ذلك من الروايات.

والمستفاد من مجموع هذه الروايات أن لفظ النجاسة كان مستعملاً في عصر النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في المعنى الرابع، ولم يكن استعماله بأقل إن لم يكن أكثر من سائر المعاني الأخرى للنجاسة، فالمناقشة في أن هذا اللفظ لم يستعمل في هذا المعنى


1) مستدرك الوسائل ج 1 باب 3 من أبواب الماء المطلق الحديث 5

2) نفس المصدر الحديث 9

3) مستدرك الوسائل ج 1 باب 3 من أبواب الماء المطلق الحديث 10

4) نفس المصدر باب 5 من أبواب الماء المطلق الحديث 1

5) نفس المصدر الحديث 2

6) نفس المصدر الحديث 3

ليست في محلها.

والحاصل: أنّه لا إشكال في حمل ما ورد من لفظ النجاسة في الآية الشريفة على معناها الشرعي.

ثم إنه إذا كان هذا المعنى هو الأظهر من هذه المعاني حيث ورد الاستعمال فيه في زمان الوحي، فما ذكره الراغب في مفرداته من قوله: النجاسة القذارة، وذلك ضربان ضرب يدرك بالحاسة وضرب يدرك بالبصيرة، والثاني وصف الله تعالى به المشركين فقال: إنما المشركون نجس(1)، وما ذكره غيره من اللغويين، فليس بحجة لأنه ناشىء عن تأثر بفقهائهم. فتأمل.

وأما الوجه الثاني فهو قابل للمناقشة أيضاً، فإنه وإن تعددت المعاني لكن يمكن حمله على المعنى الأخير وهو الأنسب لا المعنى الثاني كما ذكرنا، ولا سيما مع استعمال لفظ إنما الدالة على الحصر والاخبار عنهم بأنهم نجس. والتفريع المذكور في الآية يتلاءم مع المعنى الأخير، ويكون حال المشركين حال الكلاب من عدم جواز تمكينهم الدخول في المساجد، مضافاً إلى ما تقدم من استعمال لفظ النجاسة في معناها الشرعي في زمان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم).

والحاصل: أن هذا الوجه غير تام فالإشكال غير وارد، وعلى فرض الاغماض عن ذلك فما ذكر من الترجيح والأنسبية بالآية سواء كان بالمعنى الثاني أو الرابع أو غيرهما فإنما هي استحسانات عقلية.

وأما الإشكال الثالث فقد قرره السيد الأستاذ ! بوجهين أيضاً:

الأول: أن المراد من المشركين في الآية مرتبة خاصة وهي المقابلة لأهل الكتاب وليس المراد جميع المراتب، وإلاّ لشمل المسلم المرائي في عمله فإن الرياء في العمل شرك، ولا يمكن الالتزام بنجاسة المرائي وعدم جواز دخوله المسجد.


1) معجم مفردات ألفاظ القرآن: 503 مطبعة التقدم العربي 1392 ه- - 1972 م

الثاني: أن الظاهر من الآيات الواردة في المقام - ومنها هذه الآية - أنالمشركين هم في مقابل أهل الكتاب لا الأعم، وذلك لأن لكل من أهل الكتاب والمشركين أحكاماً خاصة بكل صنف فمثلاً لا يجوز للمشرك السكنى في بلاد المسلمين، ويجب عليه الخروج منها، وأما أهل الكتاب فلا بأس بسكناهم في بلادهم مع الالتزام بأحكام الجزية ونحوها، فدعوى أن المشركين في

الآية أعم من أهل الكتاب خلاف الظاهر(1)

ولكن هذا الإشكال قابل للدفع أيضاً وذلك:

أولاً: أن لفظ المشركين أطلق على أهل الكتاب أيضاً في آيات عديدة منها ما جاء قبل هذه الآية الكريمة وهو قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ) (2)

والمشركون هنا في مقابل المؤمنين وهو يشمل أهل الكتاب.

ومنها ما جاء بعد الآية وهو قوله تعالى: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (3)

وهنا تصريح بأنهم مشركون.

ومنها أيضاً ما ورد بعد ذلك في سياق بيان أوصاف اليهود والنصارى وهو


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى2 : 44 الطبعة الثالثة

2) سورة التوبة، الآيتان: 17 و 18

3) سورة التوبة، الآيتان: 30 و 31

قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )(1)

ومنها ما ورد في غير هذه السورة وهو قوله تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) (2)وفي هذه الآية تعريض باليهود والنصارى بأنهم مشركون.

ومنها ما ورد في وصفهم بالشرك وهو قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَقَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (3)

وهذه الآية بيان لحقيقة شركهم وقولهم بتعدد الآلهية.

وغيرها من الآيات الكثيرة الواردة في بيان أن أهل الكتاب قد يطلق عليهم لفظ المشركين.

وثانياً: أن مناسبة الحكم والموضوع ومقتضى الفهم العرفي كون الحكم بالنجاسة إنما هو من جهة عدم الإيمان بالله ولا فرق في هذا بين الوثنيين وأهل الكتاب وغيرهم من أقسام الكفار.

ويؤيده: أن بعض الفقهاء - كما تقدم - قال بعدم الفصل حيث حكم بنجاسة الجميع، نعم ورد في كلام المحقق تقسيم الكفار وهو مشعر بالفصل، ولم يصرح بذلك بل استدل بالآية على النجاسة، فليس في المقام قول صريح بالفصل.

ويؤيده أيضاً: ما ورد في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: (يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) فإن قوله (لا يؤمنون) عام شامل لجميع أقسام الكفار بناء على أن الرجس هو النجاسة، وسيأتي الكلام حول الآية ومفادها


1) سورة الصف، الآية: 9

2) سورة البقرة، الآية: 135

3) سورة المائدة، الآية: 73

قريباً كما يمكن تأييد ذلك أيضاً بما ورد من الروايات المعتبرة من أن المؤمن لا ينجس كما سيأتي، وجاء في روايات العامة بهذا اللفظ، وفي بعضها بلفظ المسلم كما تقدم عن ابن عباس، ومفهوم هذه الروايات: أن غير المؤمن نجس بلا فرق بين أقسامهم، وإلاّ فلا فضل لاختصاص هذا بالمؤمن.

والمستفاد من هذين الوجهين إمكان إطلاق لفظ المشركين على أهل الكتاب، ولا يختص بمرتبة معينة من الكفار كما ذكر السيد الأستاذ !.

وأما ما ذكره ! من اختصاص كل صنف منهم بأحكام لا تشمل الآخر فيمكن الجواب عنه أولاً: بأنا لا نقول: إن لفظ المشركين حقيقة في الجميع بل نقول: إن للفظ صلاحية في إطلاقه عليهم كما ذكرنا، وثانياً: أن كون كل صنف له أحكام خاصة مما لا إشكال فيه عند الاجتماع، ويكون من قبيل الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.

والحاصل: أن لفظ المشركين في الآية الشريفة أطلق على جميع أصناف الكفار بلا فرق بين فئة دون أخرى، هذا بناء على تماميةالوجهين وإلاّ فلابد من الاقتصار على الشرك بمعناه الأخص ومن ساواه ومن دونه كالملحد كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.

وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ )(1)فقد استدل بها على نجاسة الكفار قاطبة بظاهر قوله تعالى: (لا يُؤْمِنُونَ ) فإنه عام شامل لجميع أقسام الكفار، وإن الرجس بمعنى النجس، ويتألف قياس من الشكل الأوّل تكون نتيجته: أن كل من لا يؤمن فهو نجس.

أما عموم قوله تعالى: (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) فواضح، وأما أن الرجس بمعنى النجس فقد استعمل في القرآن بهذا المعنى.


1) سورة الأنعام الآية: 125

قال الشيخ في التهذيب - في نجاسة الخمر - : والذي يدل على أن هذه الأخبار - أي أخبار طهارة الخمر - محمولة على التقية ما تقدم ذكره من الآية، وأن الله تعالى أطلق اسم الرجاسة على الخمر، ولا يجوز أن يرد من جهتهم ( ما يضاد القرآن وينافيه ... إلى أن قال: وإذا عملنا على تلك الأخبار - أي أخبار النجاسة - كنا عاملين بما يلائم ظاهر القرآن ... (1)

وتقدم كلام العلاّمة في التذكرة، وأنه استشهد بالآية الشريفة على نجاسة الكافر.

وقد أشكل على الآية بنظير الإشكال على الآية الأولى: بأن الرجس قد ورد بعدة معان كاللعنة والعذاب والقذر والأعمال القبيحة والمآثم ولطخ الشيطان ووسوسته وفسر قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) بالشطرنج(2)، وبناء على هذا فكون الرجس بمعنى النجاسة غير ثابت ولا يمكن حمل الآية عليه.

والتحقيق: أنّه جاء في أكثر التفاسير أن الرجس بمعنى اللعن في الدنيا والعذاب في الآخرة. وجاء في الميزان(3)بمعنى القذارة وهو معنى مطلق فيشمل ما ذكر من المعاني من العذاب والوسوسة والأعمال القبيحة وغيرها، فإن القذر هو ما تنفر منه الطباع كما تنفر من الغذاء المتلطخ بالقذر، وورد في تفسير العياشي(4)بمعنى الشك وهو من مصاديق القذارة. قال في المصباح: الرجس النتن والرِّجس القذر والرجس القَذَر قال الفارابي: وكل شيء يستقذر فهو رجس، وقال النقاش: الرجس النجس وقال في البارع: وربما قالوا: الرجاسة والنجاسة أي جعلوها بمعنى وقال الأزهري: النجس القذر الخارج من بدن الإنسان، وعلى هذا فقد


1) تهذيب الأحكام 1 : 280 دار الكتب الإسلامية

2) مجمع البيان في تفسير القرآن 7 : 82 منشورات شركة المعارف الإسلامية

3) الميزان في تفسير القرآن 7 : 343 الطبعة الخامسة

4) تفسير العياشي 1 : 377 المكتبة العلمية الإسلامية

يكون الرجس والقذر والنجاسة بمعنى، وقد يكون القذر والرجس بمعنى غير النجاسة، ورجس رجساً من باب تعب ورجس من باب قرب لغة(1)

وقال في المجمع: قال بعض الأفاضل: الرجس وإن كان في اللغة بمعنى القذر وهو أعم من النجاسة إلاّ أن الشيخ قال في التهذيب: إن الرجس هو النجس بلا خلاف، وظاهره أنّه لا خلاف بين علمائنا في أنّه في الآية: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ... ) بمعنى النجس(2)

وقال في المعجم: رجس يرجَس رجَسَاً ورَجَاسَةً: نَجُسَ ورجُس يرجُس رجاسة قَذِرَ والرجْسُ القَذَر والشيء القدر والفعل القبيح والحرام واللعنة والكفر والعذاب، وفي التنزيل العزيز (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) ورجس الشيطان وسوسته(3)

والمستفاد من ذلك: أن الرجس بمعنى القذارة هو أبرز المعاني، وهو المعنى الأعم الشامل للنجاسة وغيرها، ومع الشك في المراد من الآية أي أن الرجس جاء بمعان متعددة ولا يعلم أنّه في الآية بمعنى النجس إلاّ أنّه يمكن استفادة ذلك من رواية خيران الخادم، وقد رواها الكليني بسنده عن خيران الخادم قال: كتبت إلى الرجل (علیه السلام) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلّى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم: صل فيه فإن الله إنما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه، فكتب (علیه السلام): لا تصل فيه فإنه رجس(4)الحديث.

ولابد من التكلم حول سند الرواية ودلالتها فنقول:

أما من جهة السند فقد رواها الكليني(5)بسنده عن خيران وفيه سهل بن


1) المصباح المنير 1 : 298 الطبعة السابعة

2) مجمع البحرين 4 : 74 الطبعة المحققة الثانية

3) المعجم الوسيط 1 : 330 الطبعة الثانية

4) وسائل الشيعة ج 2 باب 38 من أبواب النجاسات الحديث 4

5) فروع الكافي 1 : 405 باب الرجل يصلي في الثوب وهو غير طاهر عالماً أو جاهلاً الحديث 5 - دار الكتب الإسلامية الطبعة الثانية

زياد، كما أن الشيخ(1)رواها بإسناده وفيه سهل أيضاً، فلا يمكن الاعتمادعلى الرواية من هذه الجهة ولكن يمكن تصحيح سند الرواية عن طريق النجاشي، حيث ذكر خيران فقال: مولى الرضا (علیه السلام) له كتاب أخبرنا أحمد بن محمّد بن هارون قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن عبد الرحمن بن فنتي قال: حدثنا محمّد بن عيسى العبيدي قال: حدثنا خيران(2)

وفي هذا السند أحمد بن محمّد بن عبد الرحمن بن فنتي، وهو ممن لم يرد فيه التوثيق فلا يمكن الاعتماد عليه، إلاّ أنّه قد وقع في السند محمّد بن عيسى العبيدي الراوي المباشر عن خيران وحيث إن للنجاشي(3)وللشيخ(4)طريقاً معتبراً إلى جميع رواياته وكتبه، فهذا الكتاب - وهو كتاب خيران مشمول لروايات محمّد بن عيسى وداخل فيها، وبهذا يصبح طريق النجاشي إلى خيران الخادم معتبراً وهذا النحو من التصحيح للسند هو أحد مصاديق المورد الرابع من موارد تصحيح الروايات التي ذكرناها في مباحثنا الرجالية وخلاصته: أنّه إذا كان للنجاشي طريق صحيح إلى شخص يروي به جميع رواياته وكتبه، وكان للشيخ طريق فيه ضعف، وحيث إن كلا الطريقين يلتقيان في شخص واحد فيكون طريق الشيخ صحيحاً لصحة طريق النجاشي(5)، وبناء على هذا فطريق الشيخ معتبر ولا بأس بالاعتماد على الرواية من حيث السند .

هذا كله على أن يكون خيران مولى الرضا (علیه السلام) هو خيران الخادم كما هو


1) تهذيب الأحكام 1 : 279 باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات دار الكتب الإسلامية الطبعة الرابعة

2) رجال النجاشي 1 : 358 الطبعة الأولى المحققة

3) نفس المصدر 2 : 220

4) الفهرست: 167 الطبعة الثانية

5) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 115 الطبعة الأولى

الظاهر، وذلك لأن النجاشي(1)ذكر خيران مولى الرضا ولم يذكر خيران الخادم والشيخ(2)بالعكس، ومن البعيد جداً أن يكون هناك شخصان ويتعرض الشيخ لواحد منها والنجاشي للآخر، مضافاً إلى أنهما في طبقة واحدة فإن محمّد بن عيسى يروي عنهما كليهما فلا إشكال في اتحادهما .

وأما من جهة الدلالة فالاحتمالات فيها ثلاثة:

الأول: أن قوله (علیه السلام): «فإنه رجس» إشارة إلى الآية الشريفة: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ...).والظاهر أن الرجس بمعنى النجس ولذلك أمر (علیه السلام) بالاجتناب ونهى عن الصلاة في ثوب أصابه الخمر لنجاسته، ومنه يظهر أن الرجس في لسان الشرع بمعنى النجاسة ولا فرق بين هذه الآية وغيرها إلاّ أن يرد دليل خاص على الخلاف.

الثاني: أن يكون قوله (علیه السلام) علة مستقلة ولا ربط له بالآية ولكنه (علیه السلام) استعمل الرجس في معناه العرفي أي: بمعنى النجس وليس اصطلاحاً حديثاً، وبذلك يعلم أن زمان نزول الآية كان على هذا المعنى.

الثالث: أن يكون قوله (علیه السلام) اصطلاحاً حديثاً، ولم يكن مستعملاً في هذا المعنى من قبل بل هو أمر حادث.

وعلى ضوء الاحتمالين الأولين تتم دلالة الآية، وعلى الثالث لا تتم لعدم الملازمة بين المعنى الحديث والمعنى السابق عند نزول الآية، إذ لا يعلم إرادة المعنى الحديث عند نزول الآية، ثمّ إن هذا الاحتمال بعيد في نفسه ويتوقف الاستدلال بالآية على ثبوت الاحتمالين الأولين أو أحدهما.

هذا ولا يخفى أنّ ورود لفظ الرجس في الروايات قليل جداً عند الخاصة


1) رجال النجاشي 1 : 358 الطبعة الأولى المحققة

2) رجال الشيخ: 414 الطبعة الأولى

والعامة، نعم ورد في القرآن الكريم في تسعة موارد بمعان مختلفة منها قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ)(1)) ومنها قوله تعالى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (2)ومنها قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) (3)ومنها آية التطهير(4)وغيرها.

والنتيجة: هي توقف الاستدلال بالآية الشريفة على نجاسة الكفار على استظهار أحد الاحتمالين الأولين كما هو ليس ببعيد.

وأما الدليل الثالث وهو الروايات فقد وردت في المقام عدة روايات وهي على ست أو سبع طوائف:

الطائفة الأولى: ما ورد في النهي عن سؤر الكافر، ومنها ما ورد في الكافي، والتهذيب، وهي صحيحة سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عنسؤر اليهودي والنصراني؟ فقال: لا(5)، وفي الفقيه: عن سعيد الأعرج أنّه سأل الصادق(علیه السلام) عن سؤر اليهودي والنصراني أيؤكل أو يشرب؟ قال: لا(6)

ومنها: ما أورده صاحب المستدرك نقلاً عن كتاب درست بن أبي منصور عن أبي المغرا، عن سعيد الأعرج عن أبي عبد الله وأبي الحسن (علیه السلام) قال: لا نأكل (تأكل) من فضل طعامهم ولا نشرب (تشرب) من فضل شرابهم(7)

ومنها صحيحة علي بن جعفر ... وسأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده


1) سورة التوبة، الآية: 125

2) سورة التوبة، الآية: 95

3) سورة يونس، الآية: 100

4) سورة الأحزاب، الآية: 33

5) وسائل الشيعة ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 8

6) نفس المصدر ج 16 باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1

7) مستدرك الوسائل ج 2 باب 10 من أبواب النجاسات الحديث 1

في الماء أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلاّ أن يضطر إليه(1)

وإنما أوردنا هذه الرواية والرواية التالية في هذه الطائفة بناء على أن السؤر هو مباشرة الجسم للماء وعدم اختصاصه بالفم(2)

ومنها: موثقة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم، فإن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه(3)

والظاهر من روايتي الأعرج وموثقة ابن أبي يعفور هو نجاسة الكافر، فإن الحكم بعدم جواز الشرب والأكل من فضل شرابهم وطعامهم، وعدم استعمال غسالتهم أسند إلى مباشرة أنفسهم وأعيانهم للطعام والشراب، لا لنجاسة عرضية وإن كان احتمال النجاسة العرضية وارداً إلاّ أنّه خلاف الظاهر.

وأما صحيحة علي بن جعفر فصدرها واضح الدلالة، إلاّ أن قوله (علیه السلام): إلاّ أن يضطر إليه يوهنها، نعم إن حمل الاضطرار على التقية كما حملها الشيخ(4)فالدلالة تامة، وإلاّ فلابد من حمل الرواية على الكراهة أو على النجاسة العرضية، فإن الماء إذا كان كثيراً فالحكم بعدم التوضي منهلجهة الكراهة، إلاّ أن يضطر إليه فيجوز، وإن كان الماء قليلاً فالحكم بعدم التوضي منه لجهة النجاسة العرضية، إذ الغالب أن الكفار لا يجتنبون النجاسات من البول وغيره، وحينئذ يحتاط بالاجتناب عنه إلاّ مع الاضطرار إليه.

وقد حمل السيد الأستاذ ! (5)الرواية على الاحتمال الثالث وهو النجاسة


1) وسائل الشيعة ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 9

2) مجمع البحرين 3 : 322 الطبعة المحققة الثانية

3) وسائل الشيعة ج 1 باب 11 من أبواب الماء المضاف الحديث 5

4) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2 : 48

5) نفس المصدر: 48

العرضية بينما حملها صاحب الوسائل(1)على الاحتمال الثاني وهو كثرة الماء وكريته، فيكون مفادها الكراهة ولا ينافي ما ورد في السؤر.

الطائفة الثانية: ما ورد من النهي عن مصافحتهم وهي عدة روايات منها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) ، في رجل صافح رجلاً مجوسياً فقال: يغسل يده ولا يتوضأ(2)

والمقصود أن المصافحة لا تنقض الوضوء ويكفي التطهير.

ومنها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة وأرقد معه على فراش واحد وأصافحه؟ قال: لا(3)

ومنها: صحيحته الأخرى عن أخيه موسى بن جعفر ' قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس، ولا يصلي في ثيابهما، وقال: لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة ولا يقعده على فراشه ولا مسجده ولا يصافحه(4)) .

ومنها: موثقة أبي بصير عن أحدهما ' في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني قال: من وراء الثوب فإن صافحك بيده فاغسل يدك(5)

ومنها: رواية الحسين بن زيد عن الصادق (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)، في حديث المناهي: نهى عن مصافحة الذمي(6)

والظاهر من هذه الروايات هو النجاسة، وأن النهي عن المصافحةوالأمر بغسل اليد بعدها - لو وقعت المصافحة - ليس إلاّ لأنهم أنجاس، نعم لابد من تقييد


1) وسائل الشيعة ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات ذيل الحديث 9

2) وسائل الشيعة ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 3

3) نفس المصدر الحديث 6

4) نفس المصدر الحديث 10 . (علیه السلام)

5) نفس المصدر الحديث 5

6) نفس المصدر ج 8 باب 127 من أبواب أحكام العشرة الحديث 7

المصافحة بأن تكون مع الرطوبة المسرية.

وقد استشكل السيد الأستاذ ! في هذه الروايات بأنها لا دلالة فيها وحاصل ما أفاده: أن الأخذ بإطلاقها أي سواء كانت المصافحة مع الرطوبة أو بدونها يقتضي أن يكون النهي تنزيهاً، وحملها على وجود الرطوبة حمل على غير الغالب والفرد النادر، إذ الغالب هو عدم الرطوبة في اليد، وليس الحمل الثاني أقرب من الأول ليرجح، هذا أولاً. وثانياً: أن ما ورد في موثقة أبي بصير من التفريق في المصافحة بين الثوب وغيره لم يظهر له وجه، لأنه إن كان المصافحة مع الرطوبة فلا فرق بين الثوب وغيره فكما أن اليد تنجس بملاقاة يد الكافر فكذلك الثوب ولابد من الاجتناب، وإن كانت بدون الرطوبة فتجوز المصافحة بدون الثوب.

ولكن يمكن المناقشة في كلا الوجهين:

أما في الوجه الأول فيقال: إن الحمل ليس على الفرد النادر لأن مورد الروايات هو المناطق الحارة والغالب فيها أن تعرق اليد فتحصل الرطوبة المسرية، ولا أقل من التساوي بين الرطوبة وعدمها فدعوى الندرة غير تامة.

وأما في الوجه الثاني فلعل المراد - على فرض وجود الرطوبة - هو أن المصافحة من وراء ثوب الكافر لا ثوب المسلم حتى يتنجس، كما قد يستظهر ذلك من الروايات.

ويؤيد ما ذكرنا: ما رواه الشيخ بسنده عن سيف بن عميرة، عن عيسى بن عمر مولى الأنصار، أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يحلّ له أن يصافح المجوسي؟

فقال: لا، فسأله يتوضأ إذا صافحهم؟ قال: نعم، إن مصافحتهم ينقض الوضوء(1)


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 11 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 5

وقد حمل الشيخ الوضوء(1)في هذه الرواية على غسل اليد، كما جاء في اللغة استعمال الوضوء بمعنى الغسل، قال في المجمع: وقد يطلق الوضوء على الاستنجاء، وغسل اليد، إلى أن قال: ومن الثاني حديثهما في المؤاكلة حيث قال: إذا أكل طعامك وتوضأ فلا بأس، والمراد به غسل اليد إلى قوله ومنه صريحاً من غسل يده فقد توضأ ومنه صاحب الرجل يشرب أول القوم ويتوضأ آخرهم، ومنه ... ومنه الوضوء قبل الطعامينفي الفقر والوضوء بعد الطعام ينفي الهم، ونحو ذلك(2).. الخ.

إلاّ أن الإشكال في سند الرواية فإن فيه من لم يرد فيهم توثيق ومنهم عيسى بن عمر، وتكون الرواية حينئذ مؤيدة لما سبق.

وبناء على اندفاع كلا الأمرين فلا بأس بالاستدلال بهذه الطائفة أيضاً.

الطائفة الثالثة: ما ورد في النهي عن مؤاكلتهم في قصعة واحدة أو من طعامهم وهي عدة روايات منها:

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى (علیه السلام) قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة ... قال: لا(3)، وقد تقدم ذكر هذه الرواية في الطائفة الثانية.

ومنها: صحيحته الأخرى أيضاً، عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه قال: لا بأس، ولا يصلي في ثيابهما، وقال: لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة(4)

وهذه الرواية ذكرها الشيخ عن نوادر الحكمة، وهي غير الصحيحة الأولى


1) تهذيب الأحكام ج 1 باب 14 من الطهارة الحديث 12 ص 347

2) مجمع البحرين 1 : 441 الطبعة المحققة الثانية

3) وسائل الشيعة ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 6

4) نفس المصدر الحديث 10

فإنا قد تتبعنا روايات كتاب علي بن جعفر ولم نعثر عليها فيه.

ومنها: صحيحة هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ فقال: لا(1)

وقد نوقش في الرواية الأولى بأنها متضمنة لقوله: وأرقد معه على فراش واحد، وهذا قرينة على كون النهي تنزيهياً لأن النوم معاً على فراش واحد لا يوجب سراية الرطوبة من أحدهما إلى الآخر.

ويمكن الجواب عنه: بأن النهي ظاهره الحرمة، وعلى فرض وجود قرينة في فقرة من الرواية على أن النهي فيها تنزيهي لا يوجب ذلك في سائر الفقرات، وله نظائر كثيرة في الروايات.

وأما كون الحرمة لجهة النجاسة فيدل عليه الرواية الثانية، فقد ورد في ذيلها: وسألته عن رجل اشترى ثوباً من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، وإن اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه حتى يغسله.

والجملة الأخيرة شاهد على أن النهي إنما هو لجهة النجاسة لا غيرها.وأما الصحيحة الثالثة فظاهر إطلاق الحكم بعدم جواز الأكل من طعامهم يدل على نجاستهم، لا لأجل كونه ميتة أو لنجاسة عرضية، وإلاّ فلابد من بيان ذلك.

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن آنية أهل الذمة والمجوس؟ فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر(2)

وهذه الصحيحة كصحيحة هارون بن خارجة المتقدمة فإن إطلاق قوله من طعامهم الذي يطبخون، دال على نجاستهم.


1) وسائل الشيعة ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 7

2) نفس المصدر الحديث 1

ومنها: صحيحة العيص، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مؤاكلة اليهودي والنصراني والمجوسي أفآكل من طعامهم؟ قال: لا(1)

وهذه الرواية كالروايتين السابقتين في الدلالة بمقتضى الإطلاق.

ومنها: صحيحة عبد الله بن يحيى الكاهلي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم؟ فقال: أما أنا فلا أواكل المجوسي، وأكره أن أحرم عليكم شيئاً تصنعون في بلادكم(2).

وهذه الرواية محمولة على التقية، ولا منافاة بينها وبين ما تقدم من حيث الدلالة.

الطائفة الرابعة: ما ورد في النهي عن استعمال آنيتهم ومنها:

صحيحة محمّد بن مسلم - المتقدمة - قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن آنية أهل الذمة والمجوس؟ فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر.

وهذه الرواية تدل على النجاسة للإطلاق في قوله (علیه السلام): لا تأكلوا في آنيتهم وأما ما ذكر بعد ذلك من قوله: ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر فلا يمنع الظهور، وذلك لأن الأصل عدم التكرار وإلاّ لزم كون النهي الأول لغواً، وعليه فتخصيص النهي ثانياً بالذكر لتأكد النجاسة الذاتية بالعرضية فما أشكل به على هذه الرواية من أن ذكر الآنية ثانياً مانع عن الإطلاق في غير محله.ومنها: صحيحة إسماعيل بن جابر، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): لا تأكل ذبائحهم ولا تأكل في آنيتهم، يعني أهل الكتاب(3)

ومنها: صحيحته الأخرى قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا تأكل من ذبائح اليهود


1) وسائل الشيعة ج 16 باب 52 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3

2) نفس المصدر ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 2

3) نفس المصدر ج 16 باب 27 من أبواب الذبائح الحديث 10

والنصارى ولا تأكل من آنيتهم(1)

والروايتان بإطلاقهما تدلان على النجاسة، إلاّ أن يقال: إن قوله (علیه السلام): لا تأكل من ذبائحهم، كما في الأولى وقوله: لا تأكل من ذبائح اليهود والنصارى، كما في الثانية قرينتان على أن المراد بالآنية، الآنية التي تجعل فيها الذبائح، وهو بعيد.

ومنها: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في آنية المجوس، قال: إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء(2)

وهذه الرواية صريحة الدلالة على نجاستهم لأنه إذا كان يجب غسل الآنية في حال الاضطرار ففي غيره بطريق أولى، ولا وجه لذلك إلاّ النجاسة، والاضطرار هنا بمعنى الحاجة كما هو شائع في الاستعمال.

فهذه الطائفة من الروايات تدل على النجاسة بمقتضى الإطلاق.

الطائفة الخامسة: ما ورد من النهي عن الصلاة في لباسهم وعلى فرشهم ومنها:

صحيحة علي بن جعفر - المتقدمة - عن أخيه موسى بن جعفر ' قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس ولا يصلي في ثيابهما ... قال: وسألته عن رجل اشترى ثوباً من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، وإن اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه حتى يغسله(3)، وورد ذيلها في قرب الإسناد(4)وفي السرائر عن جامع البزنطي(5)هكذا: قال: وسألته عن الرجل يشتري من السوق لبيساً لا تدري لمن كان ... الخ.


1) وسائل الشيعة ج 16 باب 27 من أبواب الذبائح الحديث 7

2) نفس المصدر ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 12

3) نفس المصدر الحديث 10

4) قرب الإسناد ج 2 مسائل علي بن جعفر ص 96 الطبع القديم

5) مستطرفات السرائر - من جامع البزنطي: 477 الطبع القديم

والرواية صدراً وذيلاً تدل على النجاسة.

ومنها: صحيحته الأخرى - ولم نعثر عليها في الوسائل بل في نفس كتاب علي بن جعفر - عن أخيه، قال: وسألته عن ثياب اليهودي والنصراني أيصلح أن يصلي فيه المسلم؟ قال: لا(1)

ومنها: صحيحته الثالثة عن أخيه موسى بن جعفر (في حديث) قال: سألته عن الصلاة على بواري النصارى واليهود الذين يقعدون عليها في بيوتهم أتصلح؟ قال: لا تصلّ عليها(2)

ولا وجه للنهي عن ذلك إلاّ النجاسة.

وأما ما ورد من الروايات الدالة على جواز الصلاة في الثياب التي يصنعها المجوس، ومنها: صحيحة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله(علیه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث (أجناب) ، وهم يشربون الخمر، ونساؤهم على تلك الحال، ألبسها ولا أغسلها وأصلّي فيها؟ قال: نعم، قال معاوية: فقطعت له قميصاً وخططته وفتلت له إزاراً ورداء من السابري، ثمّ بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار، فكأنه عرف ما أريد فخرج بها إلى الجمعة(3)

ومنها: صحيحة المعلى بن خنيس، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: لا بأس بالصلاة في الثياب التي تعملها المجوس والنصارى واليهود(4)

وغيرها من الروايات.

فهي لا تنافي الروايات الناهية لإمكان الجمع بينها بأن ما يصنعه المجوسي واليهودي أو النصراني من الثياب لا يجب غسلها، بخلاف ما يلبسها فإنه يجب


1) كتاب علي بن جعفر: 135 الحديث 135 تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم 1409 ه-

2) وسائل الشيعة ج 2 باب 73 من أبواب النجاسات الحديث 4

3) نفس المصدر الحديث 1

4) نفس المصدر الحديث 2

غسلها إلاّ إذا كان قد استعارها من مسلم فلا يجب الغسل كما دلت عليه صحيحة عبد الله بن سنان الآتية.

ومما يدل على هذا الجمع، معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عن أبيه: أن علياً (علیه السلام) كان لا يرى بالصلاة بأساً في الثوب الذي يشترى من النصارى والمجوس واليهود قبل أن تغسل يعني: الثياب التي تكون في أيديهم فينجّسونها وليست ثيابهم التي يلبسونها(1)

فالتفصيل في الثياب شاهد على ما ذكرنا من الجمع، هذا إذا كان قوله:يعني ... الخ من الإمام لا من الراوي، وإلاّ فلا شاهد فيها، فهذه الطائفة لا بأس بدلالتها على المدعى.

وهنا رواية أخرى تدل على نجاستهم من جهة النهي عن المشاركة مع النصراني في الاغتسال بماء واحد وهي صحيحة علي بن جعفر، أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر ' عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام؟ قال: إذا علم أنّه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلاّ أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثمّ يغتسل(2)..

ويمكن الاستدلال بها على المدعى من جهتين:

الأولى: إن الإمام (علیه السلام) أمره بالاغتسال بغير ماء الحمام.

الثانية: إنه إذا أراد أن يغتسل بماء الحمام ينتظر فراغ النصراني ثمّ يطهر المكان ويغتسل بعد ذلك، وقد حمل صاحب الوسائل صدر الرواية على أن الماء لا مادة له وذيلها على كرية الماء(3)، إلاّ أن هذا الحمل بعيد والصحيح أن يقال: إن الأول أي الحكم بالاغتسال بغير ماء الحمام مبني على عدم غسل أطراف الحوض، والثاني مبني على أن الاغتسال بعد غسل أطرافه بشرط


1) وسائل الشيعة ج 2 باب 74 من أبواب النجاسات الحديث 3

2) نفس المصدر باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 9

3) نفس المصدر ذيل الحديث 9

الانفراد، لا مع النصراني لئلاّ يصيبه شيء من الماء الملاقي لبدن النصراني فإنه موجب للتنجس، والماء في كلا الحالين له مادة.

وبناء على هذا المعنى فيمكن الاستدلال بهذه الرواية على النجاسة.

ثم إن هنا طائفة أخرى يمكن الاستدلال بمفهومها على نجاستهم وهي على قسمين:

القسم الأول: ما ورد في حلية طعامهم المذكور في قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ )(1)المفسر في بعضها بالحبوب، وفي بعضها بالعدس والحبوب، وفي بعضها بالحبوب والبقول وأشباه ذلك، وهي عدة روايات، منها:

موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن طعام أهل الذمة ما يحل منه؟ قال: الحبوب(2)

وهذه الرواية وإن كان في سندها محمّد بن سنان إلاّ أننا رجحنا الأخذ بروايته.ومنها: موثقة أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ )قال: الحبوب والبقول(3)

ومنها صحيحة هشام بن سالم عن الصادق (علیه السلام) قال: العدس والحمص(4)وغير ذلك.

والمستفاد من هذه الروايات انحصار حلية طعامهم في هذه الأشياء، وبدلالة


1) سورة المائدة، الآية: 5

2) وسائل الشيعة ج 16 باب 51 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 2

3) نفس المصدر الحديث 3

4) نفس المصدر الحديث 7

مفهوم التحديد، يمكن القول: إن ما عدا هذه الأشياء ليس بحلال مطلقاً أي سواء كان من ذبائحهم أو غيرها، وما تباشره أيديهم مطبوخاً كان أو غيره، ووجه عدم الحلية هو النجاسة لا غير.

نعم ورد في تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق (علیه السلام) في تفسير الآية قال: عنى بطعامهم هاهنا الحبوب، والفواكه غير الذبائح التي يذبحون، فإنهم لا يذكرون اسم الله عليها أي على ذبائحهم ثمّ قال: والله ما استحلوا ذبائحكم فكيف تستحلون ذبائحهم(1)؟

وفيه أولاً: ان هذا ليس تخصيصاً بل من باب ذكر بعض المصاديق.

وثانياً: إن الرواية مرسلة فلا تنهض لمعارضة الروايات المتقدمة.

والحاصل: أنّه يمكن التمسك بمفهوم التحديد للدلالة على نجاسة الكفار لنجاسة طعامهم إلاّ ما استثني، وان مطلق ما لم يستثن غير حلال، وهو شامل لجميع أطعمتهم، ولا وجه لذلك إلاّ كون المستند هو نجاستهم.

القسم الثاني: ما ورد في أن المؤمن لا ينجسه شيء، كما في صحيحة زرارة، ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إنما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وان المؤمن لا ينجسه شيء إنما يكفيه مثل الدهن(2)

وليس المراد بالنجاسة في الرواية النجاسة العرضية إذ لا فرق فيها بين المؤمن وغيره، بل المراد هي النجاسة الذاتية، وبدلالة مفهوم التحديد يكون غير المؤمن نجساً وإلاّ فلا وجه لتخصيص المؤمن بذلك.


1) تفسير القمي 1 : 191 الطبعة الأولى المحققة

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 52 من أبواب الوضوء الحديث 1 وأوردها مرسلة عن الصدوق في الباب 31 مع اختلاف يسير

والحاصل: أنّه يمكن الاستدلال بهذين القسمين من الروايات علىالنجاسة بدلالة المفهوم وإن لم يرد في كلمات الأصحاب.

هذه هي الروايات التي يمكن الاستدلال بها على نجاسة الكفار.

وفي إزاء هذه الروايات عدة روايات تدل على طهارتهم.

أما ما ورد في مقابل الطائفة الأولى فمنها: موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على أنّه يهودي؟ فقال: نعم فقلت: من ذلك الماء الذي يشرب منه؟ قال: نعم(1)

وهذه الرواية - بحسب ظاهرها - معارضة لتلك الروايات وقد حمل الشيخ(2)قوله: على أنّه يهودي، على الظن وعدم التحقق من كونه يهودياً إذ لا يحكم عليه بالنجاسة إلاّ مع اليقين، وحملها صاحب الوسائل(3)على التقية ولعل التأكيد وتكرار السؤال يؤيده، وقد تقدم في ذيل صحيحة علي بن جعفر من قوله (علیه السلام): إلاّ أن يضطر إليه، وبناء على كون الماء قليلاً تكون هذه الصحيحة معارضة أيضاً.

ومنها: صحيحة علي بن جعفر أيضاً الواردة في كتابه، قال: عن اليهودي والنصراني يشرب من الدورق أيشرب منه المسلم؟ قال: لا بأس(4)

وظاهر الرواية أن الشرب من سؤر اليهودي والنصراني فتكون الرواية دالة على الطهارة، إلاّ أن يحمل السؤال عن استعمال الدورق لا الشرب من بقية الماء ولكنه بعيد.

وأما ما ورد في مقابل الطائفة الثانية فموثقة خالد القلانسي، قال: قلت لأبي


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 3 من أبواب الأسآر الحديث 3

2) تهذيب الأحكام 1 : 224

3) وسائل الشيعة ج 1 باب 3 من أبواب الأسآر ذيل الحديث 3

4) كتاب علي بن جعفر: 171 الحديث 292

عبد الله (علیه السلام): ألقى الذمي فيصافحني قال: امسحها بالتراب أو بالحائط، قلت: فالناصب قال: اغسلها(1)

وظاهر هذه الرواية الدلالة على التنزيه لا على النجاسة، فإن المسح بالتراب أو الحائط لا يوجب الطهارة، وفي الجمع بين الروايات حمل صاحب الوسائل هذه الرواية على عدم الرطوبة والمسح والغسل على الاستحباب، وما تقدم من الروايات الدالة على وجوب الغسل محمول علىوجود الرطوبة.

وأما ما ورد في مقابل الطائفة الثالثة فعدة روايات منها:

صحيحة عبد الله بن يحيى الكاهلي - المتقدمة - قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم؟ فقال: أما أنا فلا أواكل المجوسي، وأكره أن أحرم عليكم شيئاً تصنعون في بلادكم(2)

وظاهر قوله (علیه السلام) أكره ... الدلالة على التنزيه، وإلاّ فلو كان حراماً فهو حرام على السائل أيضاً، إلاّ أن تحمل على التقية كما تقدم.

ومنها: صحيحة عيص بن القاسم - على رواية الكليني - قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مواكلة اليهود والنصراني والمجوسي؟ فقال: إن كان من طعامك وتوضأ فلا بأس(3)

وفي رواية الشيخ والصدوق بإسنادهما عن العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مؤاكلة اليهودي والنصراني فقال: لا بأس إذا كان من طعامك وسألته عن مؤاكلة المجوسي؟ فقال: إذا توضأ فلا بأس(4)

والفرق بين الروايتين: أن رواية الكافي ورد فيها التقييد بكون الطعام من


1) وسائل الشيعة ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 4

2) نفس المصدر الحديث 2

3) نفس المصدر ج 16 باب 53 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1

4) نفس المصدر الحديث 4

طعامك أي: من طعام السائل مع اشتراط الوضوء، وحينئذ فلا بأس في المؤاكلة، وأما إذا كان الطعام من المجوسي فلا يجوز مطلقاً.

ولكن في رواية الشيخ ورد فيها التقييد بكون الطعام من طعام السائل فقط من دون اشتراط الوضوء إلاّ مع مؤاكلة المجوسي فلابد من الوضوء من دون فرق بين كون الطعام منه أو من المسلم، وعلى كل تقدير فالتقييد بأنه من طعامك واشتراط التوضي يستفاد منهما عدم النجاسة، نعم لما كان طعامهم مشتملاً على النجاسة العرضية أو لمباشرته بأيديهم مع عدم توقِّيهم عن النجاسة العرضية اشترط الوضوء عند المؤاكلة.

هذا إذا كان الطعام رطباً وإلاّ فلا حاجة إلى التوضي، فكلتا الروايتين تدلان على الطهارة.

ومنها: صحيحة إسماعيل بن جابر، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ماتقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله، ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: لا تأكله ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: لا تأكله ولا تتركه تقول: إنه حرام ولكن تتركه تتنزه عنه، إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير(1)

والرواية واضحة الدلالة فإن التعليل المذكور للنهي هو النجاسة العرضية، إلاّ أن تحمل الرواية على التقية ويكون التعليل ناظراً إلى ذلك أي: إلى بيان الوجه في التقية.

ومنها: صحيحة علي بن جعفر الواردة في كتابه، قال: سألته عن أهل الأرض (أهل الذمة) أنأكل في إنائهم إذا كانوا يأكلون

الميتة والخنزير؟ قال: لا، ولا في آنية الذهب والفضة(2)

ويمكن الاستدلال بهذه الرواية على جواز الأكل من آنيتهم إذا لم يأكلوا


1) وسائل الشيعة ج 16 باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 4

2) كتاب علي بن جعفر: 149 الحديث 190

فيها الميتة والخنزير، إلاّ أن هذا المفهوم مستفاد من كلام السائل لا من كلام الإمام (علیه السلام) .

ثم إن الجمع بين هذه الطائفة وبين الطائفة المقابلة لها الدالة على النجاسة يتم بأحد وجوه:

الأول: حمل روايات هذه الطائفة على التقية، فتكون روايات النجاسة سليمة عن المعارض، ولكن هذا لا يتأتى في جميع هذه الروايات كصحيحة العيص بن القاسم وغيرها إذ لا وجه للأكل من طعامه لو كان للتقية.

الثاني: حمل روايات النهي على أن الممنوع هو طعامهم المطبوخ الذي تباشره أيديهم فقط، وأما طعام المسلم أو طعامهم غير المطبوخ كالحبوب والعدس والبقول والفواكه فيجوز أكله.

الثالث: حملها على النهي التنزيهي دون التحريمي، وشاهده ما دلت عليه - صريحاً - صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة.

وأما ما ورد في معتبرة ابن القداح، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمّت اليهودية النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذراع، وكان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) يحب الذراع والكتف، ويكره الورك لقربها من المبال(1)

فقد يستدل بها على الطهارة لأن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) تناول من طعام اليهود الذيباشرته أيديهم، فلو كان نجساً ولا يجوز استعماله فكيف تناوله النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ وبناء على هذا تكون هذه الرواية داخلة في الطائفة الثالثة من الروايات الدالة على الطهارة.

ولكن يمكن القول إن الرواية غير قابلة للاستدلال، وذلك لما ورد في مختصر البصائر بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: سُمّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) يوم خيبر، فتكلم اللحم فقال: يا رسول الله صلوات الله عليك وعلى آلك إني مسموم


1) وسائل الشيعة ج 17 باب 24 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 2

فقال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عند موته: اليوم قطعت مطاياي الأكلة التي أكلتها بخيبر، وما من نبي ولا وصي إلاّ شهيد(1)

ومن المعلوم أن فتح خيبر كان في السنة السابعة من الهجرة، وإلى ذلك الوقت لم يشرّع الحكم بنجاسة الكفار بعد، فإن سورة البراءة نزلت في السنة التاسعة من الهجرة(2)ومع هذا الاحتمال لا يمكن الاستدلال بالرواية المذكورة إلاّ أن يقال: إن سورة البراءة وإن كان نزولها في السنة التاسعة إلاّ أن الآية الثانية نزلت قبل الهجرة فإنها واردة في سورة الإنعام وآياتها مكية إلاّ ست(3)آيات وهذه الآية ليست منها، وعلى هذا فالآية نزلت قبل قضية خيبر، وهذا مما يوهن المناقشة في معتبرة ابن القداح، بل في الاستدلال بالآية الثانية، مضافاً إلى أن سند رواية المختصر يشتمل على علي بن أبي حمزة(4)، وهو ممن وقع الخلاف فيه.

وأما ما ورد في مقابل الطائفة الرابعة فمنها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما ' قال: سألته عن آنية أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير(5)

وظاهر الرواية أن النهي عن الأكل في آنيتهم مشروط بأكلهم فيها الميتة والدم ولحم الخنزير، وينتفي المشروط بانتفاء شرطه، ونتيجة ذلك هي الطهارة.

ومنها: رواية زكريا بن إبراهيم، قال: كنت نصرانياً فأسلمت فقلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إن أهل بيتي على دين النصرانية فأكون معهم في بيت واحدوآكل من آنيتهم ؟ فقال لي (علیه السلام): أيأكلون لحم الخنزير؟ قلت: لا، قال: لا بأس(6)


1) مختصر بصائر الدرجات: 15 المطبعة الحيدرية في النجف 1370 ه- . ق - 1950 م

2) مجمع البيان في تفسير القرآن 5 : 1

3) نفس المصدر 4 : 271

4) مختصر بصائر الدرجات: 15 المطبعة الحيدرية في النجف 1370 ه- ق - 1950 م

5) وسائل الشيعة ج 16 باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 6

6) نفس المصدر باب 53 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3

ودلالة هذه الرواية تامة إلاّ أن في سندها زكريا بن إبراهيم السائل للإمام (علیه السلام) وهو ممن لم يرد فيه توثيق، فتكون الرواية مؤيدة.

وأما ما ورد في مقابل الطائفة الخامسة فمنها: صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (علیه السلام): الخياط أو القصار يكون يهودياً أو نصرانياً، وأنت تعلم أنّه يبول ولا يتوضأ ماتقول في عمله؟ قال: لا بأس(1)

وظاهر هذه الرواية يدل على الطهارة، فإن الخياطة وإن كانت لا تستلزم الرطوبة إلاّ أن القصارة تستلزمها، مضافاً إلى أن السائل مهّد لسؤاله بقوله: وأنت تعلم أنّه يبول ولا يتوضأ والغرض منه الإشارة إلى النجاسة العرضية، وجواب الإمام (علیه السلام) يرجع إلى عدم النجاسة الذاتية، إلاّ أن يحمل قوله (علیه السلام): لا بأس على نفي البأس عن العمل بقرينة أن السؤال عن العمل، وليس ناظراً إلى حكم الثوب من حيث الطهارة والنجاسة.

ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي؟ فقال: يرش بالماء(2)

وهذه الرواية واضحة الدلالة فإنها تدلّ على أنّ الثوب لا يحتاج إلى التطهير، ولو كان نجساً فرشّه بالماء ليس تطهيراً له.

ولكن يمكن حمل الرواية على ما تقدم من التفصيل بين الثياب التي يلبسونها، والثياب التي يصنعونها، ويكون المراد من ثوب المجوسي في الرواية هو ما يصنعه المجوسي، وحينئذ لا تكون الرواية شاهدة على ما نحن فيه.

ومنها: صحيحة إبراهيم بن أبي محمود الأخرى قال: قلت للرضا (علیه السلام): الجارية النصرانية تخدمك، وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة؟ قال: لا بأس، تغسل يديها(3)


1) تهذيب الأحكام ج 6 باب 22 من المكاسب الحديث 223 ص 385

2) وسائل الشيعة ج 2 باب 73 من أبواب النجاسات الحديث 3

3) نفس المصدر باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 11

وظاهر الرواية يدل على طهارة الكتابي فإن أكثر الخدمة من الجواري أو جلّها ملازمة لاستعمال اليد مع الرطوبة وخصوصاً مع قوله (علیه السلام): تغسليديها.

وأما ما قيل: من أن الرواية محمولة على التقية بقرينة الخطاب وأن الإمام (علیه السلام) كان مضطراً إلى ذلك فبعيد.

ويرده أولاً: أن الإمام الرضا (علیه السلام) لم يبلغ إلى هذا الحد من التقية بل كان (علیه السلام) مرجعاً في الأحكام في مقابل العامة.

وثانياً: أن السائل في معرض التمثيل والفرض، لا في معرض التقرير بمعنى أن الإمام (علیه السلام) كان له جارية نصرانية تخدمه، بل كان في مقام طرح المسألة على نحو القضية الحقيقية لا على نحو القضية الشخصية، فليس للخطاب في هذا المورد وأشباهه ظهور.

وثالثاً: تقدم في صحيحة إبراهيم بن أبي محمود السابقة وخطابه للرضا(علیه السلام) بنحو هذا الخطاب من قوله وأنت تعلم ... وليس مراده قضية معينة.

والحاصل: أن الرواية تامة الدلالة على الطهارة.

ثم إن في مقابل الطائفة الأخيرة وهي الدالة على النجاسة بمفهومها روايات أخرى كثيرة تدل بمفهومها على الطهارة، ومنها: ما ورد في تغسيل الكتابي للميت المسلم عند فقدان المغسّل المسلم(1)

ومنها: ما ورد في اتخاذ الظئر الكتابية(2)

وصحيحة الحلبي قال: سألته عن رجل دفع ولده إلى ظئر يهودية أو نصرانية أو مجوسية ترضعه في بيتها أو بيته؟ قال: ترضعه لك اليهودية والنصرانية في بيتك، وتمنعها من شرب الخمر وما لا يحل مثل لحم الخنزير ولا يذهبن بولدك إلى بيوتهم، والزانية لا ترضع ولدك فإنه لا يحل لك، والمجوسية لا ترضع لك ولدك إلاّ أن تضطر إليها - الوسائل ج 15 باب 76 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 6


1) ومن ذلك ما رواه عمار بن موسى عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: قلت: فإن مات رجل مسلم وليس معه رجل مسلم ولا امرأة مسلمة من ذوي قرابته ومعه رجال نصارى ونساء مسلمات ليس بينه وبينهن قرابة؟ قال: يغتسل النصارى ثمّ يغسلونه فقد اضطر، وعن المرأة المسلمة تموت وليس معها امرأة مسلمة ولا رجل مسلم من ذوي قرابتها ومعها نصرانية ورجال مسلمون (ليس بينها وبينهم قرابة)؟ قال: تغتسل النصرانية ثمّ تغسلها - الوسائل ج 2 باب 19 من أبواب غسل الميت الحديث 1

2) ومن ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحبّ إليّ من ولد الزنا الحديث. الوسائل ج 15 باب 76 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 2 .

بناء على القول بحرمة إعطاء النجاسة للطفل.

ومنها ما ورد في التسرّي بالكتابية(1)أو النكاح المنقطع بها(2)فهي تدلبمفهومها على الطهارة.

الجمع بين الروايات:

إن المتراءى بعد استعراض جميع ما يمكن أن يستدل به من الروايات على الطهارة والنجاسة هو التعارض بين الروايات، فلابد من رفعه وإنما يتم رفع التعارض بالجمع بينها بأحد وجوه الجمع وهي:

الأول: أن تحمل روايات النجاسة على الحكم التنزيهي والكراهية دون الحكم التحريمي، بأن ترفع اليد عن دلالة الروايات على النهي وتحمل على الكراهة، وأن تحمل روايات الطهارة على وجود الحزازة بأن ترفع اليد عن دلالة الروايات على الجواز المطلق وتحمل على أن فيه غضاضة، فتكون النتيجة في كلا الأمرين هي الكراهة.

ووجه هذا الجمع لا يخلو إما أن يكون للتجنب عن النجاسة العرضية المظنونة في أهل الكتاب عادة، ولئلاّ يقع المكلف في هذه المظنة يحكم تنزيهاً بذلك.

وإما أن يكون للحزازة الباطنية وهو كفرهم، ويحكم تنزيهاً بالتجنب عنهم لذلك، وقد يعبر عن هذا بالحكم الأخلاقي.

ثم إن هذا الجمع ينسجم مع جلّ هذه الروايات لا كلها كما تقدم في مواردها.


1) ومن ذلك معتبرة ابن القداح عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): عليكم بأمهات الأولاد فإن في أرحامهم البركة. الوسائل ج 14 باب 1 من أبواب نكاح العبيد والإماء الحديث 1 وغيرها من الروايات الكثيرة

2) ومن ذلك صحيحة زرارة قال سمعته يقول: لا بأس أن يتزوج اليهودية والنصرانية متعة وعنده امرأة - الوسائل ج 14 باب 13 من أبواب المتعة الحديث 3

الثاني: أن تحمل روايات المنع على النجاسة العرضية، وروايات الطهارة على عدم النجاسة الذاتية.

وهذا الوجه يلتئم مع جميع الروايات وفي بعضها دلالة على هذا الجمع كما تقدم.

الثالث: أن تحمل روايات الطهارة على التقية لموافقتها مشهور العامة كما تقدمت كلماتهم، وهذا الوجه ينطبق على أكثر روايات الطهارة لا كلها كما مر.

فهذه هي الوجوه المتصوّرة في مقام الثبوت، والمهم هو تعيين أحدها في مقام الدلالة، وقد يقال في ترجيح الوجه الأخير: إن الفقهاء قاطبةفهموا ذلك، وحملوا أخبار الطهارة على التقية، ولا ينبغي وقوع الخطأ عن مثل هؤلاء الأعلام ومهرة الفن بجميع طبقاتهم مع ملاحظة أنهم على التفات للوجهين الأولين كما يظهر ذلك من كلمات الشيخ كما تقدم، مضافاً إلى أن المنشأ لهذا الحمل إما أنهم رأوا أن روايات الطهارة مخالفة للكتاب دون روايات النجاسة إذ أنّ بعضهم - كالشيخ والمحقق وغيرهما - استدل بالآيات وقد تقدم البحث عن ذلك مفصلاً، وإما أنهم رأوا أن السيرة القطعية المتصلة بزمان الأصحاب والأئمة (علیهم السلام) قائمة على ذلك، فكان هذا الحكم معلوماً ومفروغاً عنه عندهم حتى عدّه صاحب السرائر من أصول المذهب(1)، أو أن المنشأ كلا الأمرين معاً، وبناء على ذلك حكموا بالنجاسة وحملوا روايات الطهارة على التقية جمعاً بين الروايات.

ولكن يلاحظ على الأمر الثاني أن

الذي يظهر من غير واحدة من الروايات أن الحكم ليس بهذه المثابة من الارتكاز في أذهان الأصحاب، بل الظاهر أن المرتكز في أذهانهم هو النجاسة العرضية، ويدل على ذلك عدة روايات تقدم أكثرها ومنها:

صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (علیه السلام): الخياط أو القصار


1) السرائر: 371 الطبع القديم

يكون يهودياً أو نصرانياً وأنت تعلم أنّه يبول ولا يتوضأ(1)

ومنها: صحيحته الأخرى قال: قلت للرضا (علیه السلام): الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة(2)..

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث (أجناب) ، وهم يشربون الخمر، ونساؤهم على تلك الحال(3)..

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله (علیه السلام) وأنا حاضر: أني أعير الذمي ثوبي، وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير، فيرده عليّ فأغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله (علیه السلام): صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنّه نجسه(4)ومنها: ما رواه في الاحتجاج عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنّه كتب إلى صاحب الزمان  : عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة لا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ثياباً فهل تجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل؟ فكتب إليه في الجواب: لا بأس بالصلاة فيها(5)

ومنها: رواية أبي جميلة عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه سأله عن ثوب المجوسي ألبسه وأصلي فيه؟ قال: نعم قلت: يشربون الخمر، قال: نعم، نحن نشتري الثياب السابرية فنلبسها ولا نغسلها(6)

ومنها: رواية زكريا بن إبراهيم قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلت:


1) تهذيب الأحكام ج 6 باب 22 من المكاسب الحديث 223 ص 385

2) وسائل الشيعة ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات الحديث 11

3) نفس المصدر باب 73 الحديث 1

4) نفس المصدر باب 74 الحديث 1

5) نفس المصدر باب 73 الحديث 9

6) نفس المصدر الحديث 7

إني رجل من أهل الكتاب، وإني أسلمت وبقي أهلي كلهم على النصرانية، وأنا معهم في بيت واحد لم أفارقهم بعد، فآكل من طعامهم؟ فقال لي: يأكلون الخنزير فقلت: لا، ولكنهم يشربون الخمر فقال لي: كل معهم واشرب(1)

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما ' قال: سألته عن آنية أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير(2).

ومنها: صحيحة المعلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: لا بأس بالصلاة في الثياب التي تعملها المجوس والنصارى واليهود(3)

وغيرها من الروايات فالقول بأن السيرة القطعية قائمة، وأن المركوز في أذهانهم هو النجاسة الذاتية لا يمكن المساعدة عليه.

اللهمّ إلاّ أن يقال: إن هذه الإضافات والتقييدات للإيهام بإرادة الأمر المقبول عند التقية، ولكن التصديق بهذا مشكل.

والمتحصل: أن الحكم بالنسبة إلى المشرك ومن ساواه، ومن هو دونه كالملحد ونحوه، هو النجاسة بلا خلاف بين الفقهاء، لدلالة الآية والروايات ولمقتضى القاعدة.

وأما بالنسبة إلى أهل الكتاب فالحكم بنجاستهم موضع تأمل، والاحتياط لا يترك.

المسألة الثانية:

إنّ ما مرّ من حرمة تولّي الكفار وكراهة بدئهم بالسلام وغيرهما، لا ينافي التعامل معهم بسائر الأخلاق الشرعية والإنسانية كحق الجوار، والمصاحبة، والمجالسة، والبشاشة في وجوههم، وعلى المسلم أن يتحلّى بالآداب الإسلامية


1) وسائل الشيعة ج 16 باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 5

2) نفس المصدر الحديث 6

3) نفس المصدر ج 2 باب 73 من أبواب النجاسات الحديث 2

والأخلاق الشرعية بغض النظر عن حقيقة الطرف الآخر.

وبناء على ذلك فالحب والموالاة للكفار شيء ومعاشرتهم بالتي هي أحسن شيء آخر، ولا ملازمة بينهما، وقد ورد في بعض الروايات أن أمير المؤمنين (علیه السلام) كان على ذلك ففي معتبرة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عن آبائه (علیهم السلام) : أن أمير المؤمنين (علیه السلام) صاحب رجلاً ذمياً فقال له الذمي: أين تريد يا عبد الله؟ قال: أريد الكوفة، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى أن قال: فقال له الذمي: لم عدلت معي؟ فقال له أمير المؤمنين (علیه السلام): هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبينا. الحديث، وفيه أن الذمي أسلم لذلك(1)

المسألة الثالثة:

هل الحرمة تختص بالكافر أو أنها شاملة لأهل الكتاب والمخالفين؟

أما ما ورد من الآيات فأكثرها متعلق بالكفار، وبعضها يتعلق بأهل الكتاب.

وأما بالنسبة إلى المخالفين فلم يرد من الآيات فيهم شيء، نعم يمكن استظهار ذلك من الروايات، ومنها ما تقدم ذكره من الروايات التي لم يرد فيها عنوان الكافر، وإنما ورد فيها عنوان العدو فإن عدو أهل البيت (علیهم السلام) عدو لله، وهذا شامل للمخالفين المنكرين ولاية آل محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإن كان في بعض الروايات اختصاص للحرمة بالمخالفين الغلاة كما في رواية الحسين بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا ' ، إلاّ أن بعضها عام كما في رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) ، فإنه ورد فيها: وحب أولياء الله واجب وكذلك بغض أعداء الله ...

وهو شامل للغلاة وغيرهم من المخالفين، ومثلها في الدلالة رواية يعقوب بن ميثم التمارمولى علي بن الحسين ' قال: دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) فقلت له: إني


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 92 من أبواب أحكام العشرة الحديث 1

وجدت في كتب أبي أن علياً(علیه السلام) قال لأبي: يا ميثم احبب حبيب آل محمّد وإن كان فاسقاً زانياً، وابغض مبغض آل محمّد وإن كان صواماً قواماً، فإني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يقول: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية» ثمّ التفت إليّ وقال: هم والله أنت وشيعتك وميعادك وميعادهم الحوض غداً غراً محجّلين متوّجين، فقال أبو جعفر (علیه السلام): هكذا هو عندنا في كتاب علي(علیه السلام) (1)

إلاّ أن هذه الرواية اشتملت على الأمر ببغض مبغض آل محمّد فهي تختص ببعض المخالفين لا كلهم.

والحاصل: أنّه يمكن الاستدلال بها للتعميم أي سواء كان كافراً، أو مبغضاً لآل محمد، أو منكراً للولاية، فإن محبة هؤلاء منهي عنها وبغضهم مأمور به.

ثم إن هناك أحكام أخرى تختص بالكفار نشير إليها على نحو الإجمال وهي:

1 - حرمة بيعهم المصحف وما في حكمه، والمسألة وإن كانت خلافية إلاّ أن القول بالحرمة هو المشهور.

2 - حرمة بيع العبد المسلم للكافر، وحرمة ذبيحة الكافر ومن بحكمه من المسلمين كالغلاة والنواصب والخوارج وكل من أنكر ضرورياً من ضروريات الدين، وهذه المسألة طويلة الذيل وردت فيها روايات مختلفة والمشهور هو القول بالحرمة.

3 - حرمة مناكحتهم وعدم جواز تزوج المؤمنة من الكافر وكذلك العكس، إلاّ ما استثني من جواز المتعة بالكتابية، وما عداها محل إشكال وسيأتي البحث حول هذه المسائل في مواضعها من هذا الكتاب.

هذه جملة من الأحكام المتعلّقة بالكفار ولعل هناك غيرها أيضاً.

وسيأتي الكلام بعد هذا حول التقية في هذه الأحكام.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 17 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 19

التقية مع الكفار:

ذكرنا فيما تقدم جملة من الأحكام المتعلقة بالكفار، وهنا نذكر شمول التقية لهذه الأحكام وعدمه، فنقول:أما الحكم الأول وهو التولي فقد تقدم، والآيات والروايات الواردة في المقام تشير إلى أنّه من موارد التقية، ومن ذلك قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(1).

وأما بالنسبة إلى سائر الأحكام فهي على قسمين:

الأول: ما يكون أخف من التولي. الثاني: ما لا يعلم حاله.

أما الأول فأدلة التقية الواردة في التولي شاملة له كالسلام، والكتابة، والدعاء ابتداء، والأكل من الذبيحة، والدخول في المسجد، وهذا بالأولوية القطعية لأنه إذا كانت التقية جارية في التولي فهي في السلام والكتابة والدعاء من باب أولى. فدليل التقية الوارد هناك شامل لما نحن فيه، مضافاً إلى ورود الروايات الخاصة في المقام، كما في مورد الحاجة إلى الطبيب مثلاً، والحاجة أعم من أن تكون لضرورة أو لا.

والحاصل: أنّه لا إشكال في شمول أدلة التقية لهذا القسم.

وأما القسم الثاني كالمناكحة وبيع العبد والمصحف فالتمسك بأدلة التولي مشكل، ولابد من التماس دليل آخر غير دليل التقية في التولي.

ويمكن الاستدلال على ذلك بما تقدم من الأدلة العامة من أن التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم، وإن التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين


1) سورة آل عمران، الآية: 28

تنزل به، وغيرها من الروايات الصحيحة الدالة بمنطوقها على المراد.

كما أنّه وردت بعض الروايات يستفاد من مفهومها جواز التقية في موارد هذا القسم، ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً : شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج(1).

فيفهم أن ما عداها يتقى فيه.

ولكن لابد من بيان ضابط الضرورة والاضطرار، فهل هما بمعنى واحد؟ أو متغايران؟ والظاهر هو الأول فقد جاء في بعض الروايات تفسير أحدهما بالآخر كما في صحيحة زرارة، ورواية الفضلاء المتقدمتين فهما من حيث المفهوم شيء واحد.

وهاهنا مبحثان:

الأول: هل يعتبر في التقية مع الكافر عدم المندوحة أم لا؟

الظاهر أنها تعتبر فلا تجوز

التقية مع وجود المندوحة، وذلك لأنه مقتضى القاعدة الأولية، إذ مع المندوحة لا يصدق الاضطرار الموجب للتقية، وليس لنا دليل مستقل على أن التقية مع الكافر مطلقة، فلابد من الاقتصار في التقية على عدم المندوحة، نعم في التقية مع المخالف لا تعتبر المندوحة.

قد يقال: إن عدم اعتبارها مع الكافر بالأولوية، وذلك لأنه إذا كانت مع المخالف غير معتبرة والتقية معه مطلقة فهي مع الكافر من باب أولى.

وجوابه: أن الأولوية محل كلام فإنه يمكن القول: إن في مسألة المخالف مصلحة تقتضي المداراة، وتوجب عدم اعتبار قيد المندوحة، وهذه المصلحة مفقودة في مسألة الكافر، مضافاً إلى أن كون الكافر أشد من المخالف في هذا الحكم محل كلام.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 5

وبناء على هذا فلابد من ملاحظة المندوحة وينبغي مراعاتها، وإذا لم تكن في البين مندوحة أمكنه الاتقاء سواء كان في التولي أو غيره من الأحكام.

الثاني: هل المرفوع بالنسبة إلى التقية مع الكافر هو الحكم التكليفي؟ أو يشمل الحكم الوضعي الذي نسبته إلى الفعل كنسبة الحكم إلى موضوعه مثل الضمان والكفارة والحد وغير ذلك؟ أو يعمهما ويعم الشرطية والمانعية والجزئية؟ وهذه المسألة عامة تأتي في جميع موارد التقية التي تكون مشتملة على الحكم الوضعي أيضاً، فلابد من التحقيق فيها، والكلام يقع في جهات ثلاث:

أما الجهة الأولى - وهي ارتفاع الحكم التكليفي بواسطة التقية - فهي القدر المتيقن، وذلك لأن التقية وإن كان يظهر منها رفع المؤاخذة والعقاب إلاّ أن المؤاخذة منتزعة من الأحكام التكليفية، والشارع بما هو شارع لا نظر له إلى الثواب والعقاب، فإنه أمر آخر، وإنما نظره إلى الأحكام التكليفية، وبناء عليه فكل حكم وجوبي يرتفع بواسطة التقية وهكذا الحرمة، فإذا اضطر الإنسان إلى أن يخالف واجباً تقية أو يفعل محرماً كذلك، فلا يبقى الحكم الإلزامي، وتجوز له المخالفة إذ لا يجتمع حكمان في شيء واحد، وهذا مما لا إشكال فيه.

وأما الجهة الثانية - وهي ارتفاع الحكم الوضعي كالملكية والزوجية ونحوهما وما يترتب عليها من الآثار - فقد وقع الخلاف في ذلك بين الأعلام، فمنهم من قال: بالارتفاع مطلقاً، ومنهم من قال: بالمنع مطلقاً،ومنهم من فصل في المقام.

ذهب إلى القول الأول سيدنا الأستاذ ! وأفاد: إن ذلك هو مقتضى القاعدة، مضافاً إلى الأدلة الخاصة الواردة في خصوص المقام، نعم استثنى من ذلك موردين تأتي الإشارة إليهما.

أما أنّه مقتضى القاعدة فلأن المرفوع في حال الاضطرار هو العمل، ومعناه

أنّ عمله كلا عمل، فإذا لم يعمل بالوظيفة الأولية تقية فلا يترتب على ذلك بطلان عمله أو يُلزم بالكفارة مثلاً، فإن هذا هو معنى الرفع، فكأنه لم يأت به أصلاً، أو أن ما أتى به من عمل - تقية - هو من الدين، فإذا كان الحال كذلك فترتفع عنه جميع الآثار المترتبة عليه لارتفاع الموضوع تعبداً، فالقاعدة تقتضي ارتفاع جميع الآثار المترتبة على الفعل عند التقية والاضطرار(1)

وأما أنّه مفاد الروايات الخاصة فقد وردت عدة روايات منها:

صحيحة أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن صفوان، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر، جميعاً عن أبي الحسن (علیه السلام) ، في الرجل يستكره على اليمين، فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك يلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا وما أخطأوا(2)

وهذه الصحيحة مؤيدة لمقتضى القاعدة، حيث استشهد الإمام (علیه السلام) بعدم الإلزام بالعتق والطلاق لأنه مستكره ومضطر إليه، والاضطرار رافع لما يترتب من الآثار فلا يلزم بمضمون يمينه.

ووجه التأييد: أن الحلف بهذه الأمور وإن كان غير صحيح حتى اختياراً إلاّ أن استشهاد الإمام (علیه السلام) بقول النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لرفعها بالحديث يدل على أن الرفع يشمل جميع الآثار.

ومنها: رواية داود بن الحصين، عن رجل من أصحابه، عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس: إني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم، وهو والله من شهر رمضان فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله أصمت اليوم؟ فقلت: لا، والمائدة بين يديه، قال: فادن فكل، فدنوت فأكلت، قال: وقلت: الصوم معك والفطر معك، فقال الرجل لأبيعبد الله (علیه السلام): تفطر يوماً


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 267 الطبعة الثانية

2) وسائل الشيعة ج 16 باب 12 من أبواب الأيمان الحديث 12

من شهر رمضان؟ فقال: إي والله أفطر يوماً من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي(1)

وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا، وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام عليّ بالمائدة فأكلت معه، وأنا أعلم والله أنّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله(2)

وفي الرواية الثانية ذكر أمر القضاء ولم يذكر الكفارة، ولو كانت الكفارة لازمة لكان الأولى ذكرها لأن الكفارة أشد من القضاء، ففيه إثبات لبعض الآثار، ولكن لقيام الدليل الخاص عليه، وإلاّ فكان عليه أن يلزم بالكفارة أيضاً، وعلى أي حال فالرواية مؤيدة لما تقتضيه القاعدة.

ومنها: رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد ' في (حديث شرائع الدين) قال: ولا يحل قتل أحد من الكفار والنصاب في التقية إلاّ قاتل أو ساع في فساد، وذلك إذا لم تخف على نفسك ولا على أصحابك، واستعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلماً عن نفسه(3)

والرواية وإن كان في سندها ضعف إلاّ أنّه يمكن جعلها مؤيدة لمفاد القاعدة.

ثم إنّ السيد ! قد استثنى من ذلك موردين:

الأول: ما إذا كان ذلك يستوجب خلاف الامتنان على نفس الفاعل، كما إذا اضطر إلى بيع داره أو ثيابه لصرف ثمنها في معالجة أو معاش، فإن الحكم ببطلان البيع خلاف الامتنان، لأنه يوقعه في ضرر أشد.


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4

2) نفس المصدر الحديث 5

3) نفس المصدر باب 24 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 21

الثاني: ما إذا كان يستوجب خلاف الامتنان في حق الغير، كما إذا اضطر إلى إتلاف مال الغير فإن الحكم بعدم الضمان لمال الغير يوقع مالك المال في الضرر، وهو خلاف الامتنان(1)

هذا وقد ذهب إلى ذلك أيضاً الشيخ الأنصاري ! ، وأضاف إلى ما تقدم بعض الروايات التي يمكن الاستدلال بها.ومنها: موثقة سماعة، عن الرجل يصلي فدخل الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: إن كان إماماً عادلاً فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى، ويجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، ثمّ يتم صلاته معه على ما استطاع، فإن التقية واسعة، وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله(2).

وحاصل هذه الرواية: أنّه يأتم بالإمام ويصلي في نفس الوقت مع اتساعه، ودلالتها واضحة، فإن الإمام (علیه السلام) أمره بالائتمام مع اتساع الوقت، ولم يأمره بالإعادة أو القضاء.

ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث: إن المؤمن إذا أظهر الإيمان، ثمّ ظهر منه ما يدل على نقضه خرج بما وصف وأظهر، وكان له ناقضاً، إلاّ أن يدعي أنّه إنما عمل ذلك تقية، ومع ذلك ينظر فيه فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لأن للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له، وتفسير ما يُتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 268 الطبعة الثانية

2) رسالة التقية المطبوعة ضمن كتاب المكاسب الطبع القديم: 324

لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز(1).

ومحل الشاهد من الرواية هو قوله (علیه السلام): فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز.

ثم إن قوم السوء مطلق يشمل كل من ينطبق عليه هذا الوصف أي: سواء كان كافراً أو مخالفاً أو كان من الشيعة.

وحاصل الرواية: أنّه لا يترتب عليه شيء من الآثار لأنه جائز، والجواز معناه عدم الإشكال فيه، وإن ما أتى به نافذ ومشروع.

ومنها: قوله (علیه السلام) في رواية أبي الصباح: ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة(2)

وهذه الرواية نظير قوله (علیه السلام): هم في سعة ما لم يعلموا(3)والحاصل: أنّه لا يترتب في مقام التقية أثر من الآثار كالكفارات والقضاء والإعادة ونحو ذلك.

وبناء على ذلك فيمكن الاستدلال بهذه الروايات على المدعى، كما يمكن الاستدلال بمفهوم الروايات المشتملة على استثناء النبيذ أو المسكر ومتعة الحج والمسح على الخفين، وقد تقدمت، وبمقتضى مفهومها: أن التقية في غير هذه الموارد جائزة.

هذه هي الأدلة التي استدل بها الشيخ الأنصاري على دعواه.

ثم إن الأثر - أي لما عمله تقية - هل يرتفع بارتفاع موضوعها أم أنّه يبقى؟

ذهب المحقق الهمداني - في حاشية المصباح - إلى القول: ببقاء الأثر وعدم ارتفاعه، وذكر وجهه وهو استصحاب أثر الحكم الوضعي، فإن من صلى تقية أو


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر والنهي الحديث 6

2) نفس المصدر ج 16 باب 12 من أبواب الأيمان الحديث 2

3) المحاسن كتاب المآكل الحديث 365 ص 452

توضأ كذلك فهو محكوم بالصحة، وبعد ارتفاع موضوع التقية لا ندري هل ارتفع أم لا؟ ومع الشك في ارتفاعه نستصحب بقاءه.

وقد استشكل فيه ! بما نصه: والإنصاف أن استفادة صحة ما صدر من الأعمال تقية إذا أخلّ بشيء من أجزائها وشرائطها التي هي من مقومات ماهية ذلك العمل كالطهارة في الصلاة أو إطلاق الماء في الوضوء أو طهارته ما لم يرد فيه دليل بالخصوص من عمومات أخبار التقية في غاية الإشكال، بل غاية ما يمكن استفادته منها إنما هو كون التقية من الأعذار المسوغة للإخلال بأجزاء العبادات وشرائطها التي ينتفي اعتبارها لدى الضرورة، فتصح العبادات في مثل الفرض لا مطلقاً حتى فيما لو أخل بما يختص شرطيته بحال التمكن كالأمثلة المتقدمة، ولذا لو صلى الظهر جمعة تقية لم يجز فتوى ونصاً، فكذا لو صلى بلا طهارة فإنها ليست بصلاة لا اختيارية ولا اضطرارية، وكذلك الوضوء بالمسكر أو بماء متنجس فإنه ليس بوضوء أصلاً، فالتقية إنما تبيح فعله بدلاً عن الواقع لا صحته ... الخ(1)

وأما الجهة الثالثة وهي حول التحقيق في المقام فالكلام فيها يقتضي تقسيم هذه الآثار إلى أقسام أربعة:

1 - الإعادة والقضاء.

2 - الآثار الوضعية من الطهارة والنجاسة والصحة والبطلان.

3 - الضمان والكفارات.

4 - الجزئية والشرطية والمانعية.

والأخير من الأحكام الغيرية لا النفسية، وعليه فالكلام يقع في ثلاثة مواضع:

الأول: ما كان داخلاً في المؤاخذة والقرارات الشرعية كالكفارات


1) كتاب الطهارة، من مصباح الفقيه: 168 الطبع القديم

والحدود ونحوها، والذي يظهر أنها مرتفعة في حالة التقية سواء كانت من الكافر أو من غيره وذلك:

أولاً: أنّه مقتضى القاعدة الأولية وقد تقدم ذلك، فإن العمل الصادر من الإنسان تقية هو كلا عمل، فلا يترتب عليه الحد أو الكفارة وغيرها من الآثار التي لوحظت فيها المؤاخذة، إذ بعد أن جعل الشارع ذلك من الدين فلا معنى لمؤاخذته بشيء، فالقاعدة تقتضي عدم ترتب شيء من ذلك.

وثانياً: قيام الأدلة الخاصة، فقد وردت عدة روايات في هذا المعنى، منها: رواية إسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) في حديث قال: سألته عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف؟ قال: لا جناح عليه، وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف لينجو به منه؟ قال: لا جناح عليه، وسألته هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله؟ قال: نعم(1)

ومنها: صحيحة أبي الصباح قال: والله لقد قال لي جعفر بن محمّد': إن الله علم نبيه التنزيل فعلمه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) علياً، قال: وعلمنا والله، ثمّ قال: ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة(2).

وقد تقدم أن الشيخ الأنصاري ! قد ذكر الرواية ونقلنا موضع الشاهد منها وهذه الرواية أوسع دائرة من السابقة لأن قوله: ما صنعتم من شيء شامل لغير الحلف أيضاً.

ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): نمر بالمال على العشار فيطلبون منا أن نحلف لهم ويخلّون سبيلنا ولا يرضون منا إلاّ بذلك؟ قال: فاحلف لهم، فهو أحل [احلى] من التمر والزبد(3)


1) وسائل الشيعة ج 16 باب 12 من أبواب الأيمان الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 2

3) نفس المصدر الحديث 6

ومنها: ما رواه صاحب الوسائل عن الصدوق في الخصال بإسناده عنالأعمش، عن جعفر بن محمّد ' (في حديث شرائع الدين) قال: ولا يحل قتل أحد من الكفار والنصاب في التقية إلاّ قاتل أو ساع في فساد . وذلك إذا لم تخف على نفسك ولا على أصحابك، واستعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلماً عن نفسه(1)

وهذه الرواية رواها الصدوق في عيون الأخبار(2)بإسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (علیه السلام) وسند الصدوق إلى الفضل في هذه الرواية فيه بحث، وقد تقدم ذكر هذه الرواية.

ومنها: الصحيحة المتقدمة عن أبي الحسن (علیه السلام) في

الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك أيلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطأوا(3)

والرواية صريحة الدلالة في عدم الإلزام بآثار الحلف.

وقد يقال: إن الرواية واردة في غير التقية فهي قابلة للمناقشة من هذه الجهة مع إمكان الاستدلال بها.

ومنها: رواية زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له: إنا نمر على هؤلاء القوم فيستحلفونا على أموالنا وقد أدّينا زكاتها، فقال: يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤا [بما شاؤا] قلت: جعلت فداك بالطلاق والعتاق قال: بما شاؤا(4)

ثم قال صاحب الوسائل: وعنه عن معمر بن يحيى قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إن معي بضايع للناس ونحن نمر بها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر بالمعروف ... الحديث 21

2) عيون أخبار الرضا ج 2 باب 35 الحديث 1

3) وسائل الشيعة ج 16 باب 12 من أبواب الأيمان الحديث 12

4) نفس المصدر الحديث 14

فنحلف لهم؟ فقال: وددت أني أقدر على أن أجيز أموال المسلمين كلها وأحلف عليها، كلما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة، فله فيه التقية(1)

وقد ذكر في ذيل الروايتين الأخيرتين أن مصدرهما كتاب فقه الرضا،وهذا الكتاب فيه بحث ذكرناه مفصلاً في بحوثنا الرجالية(2)، ولعلنا نشير إلى بعض ما يتعلق به فيما يأتي.

والحاصل: أن هذه الأحكام في حال التقية مرتفعة بلا إشكال.

الثاني: وهو الآثار الوضعية من الطهارة والنجاسة والصحة والبطلان.

أما بالنسبة إلى أحكام الطهارة والنجاسة فالظاهر عدم ارتفاعها بناء على القول بأنها آثار واقعية، بل هي غير قابلة للرفع لأن رفعها ووضعها ليس بيد الشارع، نعم الشارع كاشف عنها فمن اغتسل غسلاً باطلاً فالحدث باق، وبعد ارتفاع التقية لابد من رفع الحدث بغسل صحيح، وهكذا الحال بالنسبة للطهارة من الخبث.

وبالجملة هذه الآثار باقية ببقاء الموضوع، نعم المرفوع هو الحكم التكليفي كحرمة أكل النجس، وكذلك بالنسبة إلى المؤاخذة كما تقدم.

وهكذا أيضاً بناء على القول بأنها مجعولة من الشارع، وذلك لعدم الدليل الواضح على رفع هذه الآثارلأن الأدلة المتقدمة إما راجعة إلى الأحكام التكليفية أو إلى الأحكام الوضعية، وأما دلالتها على ارتفاع آثار الطهارة والنجاسة فليست تامة. فإن المستفاد من أدلة الاضطرار والإكراه - كما ذكرنا - هو الحلية ورفع المؤاخذة، وشمولها للطهارة والنجاسة بعد ارتفاع التقية والحكم بالطهارة وعدم النجاسة مشكل جداً، فإن الأدلة اللفظية خاصة بالأحكام التكليفية، وأما الأدلة اللبية فلم يقم إجماع، أو تثبت سيرة متصلة بالشارع بحيث يمكن أن يستدل


1) وسائل الشيعة ج 16 باب 12 من أبواب الأيمان الحديث 16

2) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 365

بها، فالأدلة اللفظية واللبية قاصرة عن شمول آثار الطهارة والنجاسة، ولعل هذا هو المتسالم عليه عند المتشرعة فإنهم لا يرتبون أحكام الطهارة على المتنجس بعد زوال التقية.

ثم إن الابتلاء مع الكفار كان قليلاً، فلم تعلم كيفية التعامل معهم من هذه الناحية.

والحاصل: أنّه لا دليل لنا على ارتفاع أحكام الطهارة والنجاسة.

وأما بالنسبة إلى آثار الصحة والبطلان بمعنى أن ما أتى به من عمل حالة التقية كما إذا باع أو اشترى أو عقد على امرأة أو نحو ذلك، فهل يحكم بالصحة أو يحكم بالبطلان بعد ارتفاع التقية؟

وبيانه: أن الصحة والبطلان إما أن تكون راجعة إلى الجزء أوالشرط أو المانع، وإما أن تكون راجعة إلى أصل العمل، فإن كانت راجعة إلى الأول فسيأتي الكلام عنه قريباً، وإن كانت راجعة إلى الثاني فما ذكرناه بالنسبة إلى آثار الطهارة والنجاسة يأتي هنا حرفاً بحرف، فإن الأدلة اللفظية واللبية قاصرة عن إثبات ذلك، وغاية ما تدل عليه رفع الحكم التكليفي والمؤاخذة عليه، أما من جهة الصحة فلا دليل عليها، فمن تزوج بامرأة كافرة أو بعقد فاسد فلا يمكن الحكم بصحة العقد بعد ارتفاع التقية، ولا يستفاد ذلك من أدلة التقية كما ذكرنا في آثار الطهارة والنجاسة، وإن كانت آثار الولدية مثلاً مترتبة ولا ربط لها بالصحة والبطلان، فإنها مسألة أخرى.

وبناء على هذا فلابد من القول بالبطلان وعدم ترتب آثار العقد، ولابد من الإعادة.

الثالث: وهو ما يرجع إلى الصحة والبطلان بالنسبة إلى الأجزاء والشرائط والموانع، فمن اضطر في حالة التقية إلى الإخلال بجزء أو الإتيان بمانع فهل يوجب ذلك بطلان عمله أم لا؟ ويترتب على هذا الأمر مسألة القضاء والإعادة.

وبيانه: أن المانعية تارة تكون مترتبة على الحكم التكليفي لا أنها مستقلة في مورد التكليف، فمثلاً حينما يقال: الغصب حرام، فهذا الحكم موجب لمانعية الغصب في الصلاة من جهة المكان أو اللباس أو الماء، فالصلاة في اللباس المغصوب باطلة، إذ لا يتحقق قصد القربة بذلك، فمن هذه الجهة يكون الغصب مانعاً وهكذا بالنسبة إلى الشرطية والجزئية.

وتارة يكون الشيء بنفسه مانعاً لا أنّه ناشىء من حكم تكليفي.

فإن كانت المانعية على النحو الأول فالظاهر أنّه ملحق بالقسم الأول من الآثار وهو المؤاخذات والقرارات، فإذا صدر الأمر فيه تقية كما إذا لبس ثوباً مغصوباً وصلى أو توضأ بماء مغصوب فصلاته ووضوءه صحيحان، ولا تلزمه الإعادة أو القضاء، وهذا يجري في كل أمر يكون دليله منتزعاً من الأحكام التكليفية، وذلك لأنه إذا ارتفعت المانعية وهي حرمة الغصب فلا يبقى ما يمنع من الحكم بالصحة، فإن المفروض أن المانعية هي الحرمة فإذا صارت جائزة بواسطة التقية فيحكم تبعاً بصحة الصلاة لعدم وجود المانع حينئذ.

وما يقال: إن ملاك الحرمة موجود فلا يمكن الحكم بالصحة لعدم ارتفاع المانعية.

فجوابه: أن الملاك هو الحكم التكليفي ومع ارتفاع الحرمة يرتفعملاكها تبعاً لها، وبناء عليه فيحكم بالصحة ولا حاجة إلى الإعادة أو القضاء.

وإن كانت المانعية على النحو الثاني وهي ما إذا لم تكن ناشئة من الحكم التكليفي بل بنفسها مانعاً مستقلاً وتسمى بالأحكام الغيرية فهي على صورتين:

الأولى: أن لا يكون لأدلتها إطلاق إما لفقدانه كأن يكون الدليل منحصراً في الإجماع والسيرة، وإما لأن الدليل اللفظي وإن كان موجوداً إلاّ أنّه لا إطلاق له.

الثانية: أن يكون لأدلة المانعية والجزئية والشرطية إطلاق.

أما الصورة الأولى: فالحكم فيها هو الصحة، وذلك لأنه بعد فرض عدم الإطلاق لهذه الأدلة وعدم علمنا أن الشرط أو المانع في جميع الأحوال، أو أنّه مختص بحال الاختيار فقط، فالقدر المتيقن من ذلك هو حال الاختيار، وأما في حال التقية والاضطرار فلا نعلم أنّه شامل للحالين أم لا، فإن كان لدليل الواجب إطلاق فلنا أن نتمسك به ونحكم بصحة الصلاة حتى مع عدم وجود الشرط، وإن لم يكن له إطلاق فالحكم هو البراءة عن التكليف الزائد، فمثلاً إذا لم نعلم أن لدليل المانعية أو الشرطية في الصلاة إطلاقاً أم لا فالقدر المتيقن اعتبار ذلك في حال الاختيار، ثمّ إن كان هناك إطلاق من جهة المتعلق وهو الواجب أخذنا به وحكمنا بصحة الصلاة حتى مع عدم وجود الشرط، وإن لم يكن لدليل الواجب إطلاق نحكم بالبراءة، لأن الشك حينئذ يكون في التكليف بين الأقل والأكثر وحكمه الأخذ بالأقل، فنحكم بالصحة مع عدم الشرط أو وجود المانع في حال التقية.

والحاصل: أنّه إذا لم يكن لأدلة الجزئية والشرطية والمانعية إطلاق سواء كان لدليل الواجب إطلاق أو لم يكن فعلى الأول نأخذ بالإطلاق وعلى الثاني نأخذ بالبراءة وعلى كلا الحالين نحكم بالصحة.

وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان للأدلة إطلاق فهل الحكم هو الصحة أو البطلان؟ والمسألة محل خلاف.

فذهب بعضهم إلى القول بالصحة، واستدل له بأدلة الاضطرار كحديث الرفع(1)ونحوه فهي تدل على عدم التكليف به، فإذا كانت الأجزاء والموانع والشرائط مرفوعة وكأنها لم تكن مجعولة فتكون الصلاة بدونهاصحيحة، وهذا نظير الجهل قصوراً، ونظير ما لا يعلم إلاّ أن يقوم دليل خاص.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 56 من أبواب الجهاد الحديث 1

ويؤيده رواية عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل، قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(1)امسح عليه(2)

فإن الإمام (علیه السلام) أحاله على هذه الآية ومعناه رفع الشرط وهو المسح بالمباشرة، ويستفاد من ذلك أن رفع الحرج كرفع الاضطرار ولا أولوية لأحدهما على الآخر فيكون هذا مؤيداً لما تقدم، ووجه التأييد: أن الرواية محل كلام من جهة السند والدلالة.

أما من جهة السند فإن فيه عبد الأعلى مولى آل سام وقد نوقش في جميع الوجوه التي ذكرت للدلالة على وثاقته(3)

وأما من جهة الدلالة فكذلك نوقش فيها بأن قوله (علیه السلام): يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله وارد في مورد الرفع، وأما الحكم بالمسح فإنه من الإمام لا من الكتاب فلا يمكن جعل أحدهما كالآخر(4)

ولكن نقول: إن كل هذا يفهم من الكتاب فإن الإمام أحال التكليف إلى الآية الشريفة، لا أن الإمام في مقام التفصيل وأن بعضها من الكتاب وبعضها منه (علیه السلام) ، فإن الحكم وإن كان دقيقاً ولا يلتفت إليه كل أحد إلاّ أنّه يستفاد من الكتاب سواء فهمنا ذلك أم لم نفهمه، وبناء على ذلك فيبقى الإشكال من جهة السند فتكون الرواية مؤيدة لما تقدم كما ذكرنا.

والحاصل: أن حالها حال الأحكام التكليفية فكما أن نفس الأحكام


1) سورة الحج، الآية: 78

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء الحديث 5

3) معجم رجال الحديث 10 : 279 الطبعة الخامسة

4) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 236 الطبعة الثانية

التكليفية مرفوعة حال التقية فكذلك الجزئية والشرطية والمانعية، وأما ما عداها فلابد من الإتيان به ويحكم بصحته، وإلى هذا ذهب صاحب الوسائل(1)وغيره.

ولكن هذا الاستدلال يتوقف على ما يفهم من الروايات من أن المرفوع ما هو؟ هل هو المؤاخذة؟ أو الأحكام التكليفية؟ أو مطلق الآثار؟ وقد تقدمالكلام فيه مفصلاً.

وذهب جماعة إلى أن المرفوع هو المؤاخذة والعقاب فقط، كما ذهب بعض إلى أن المرفوع هو الأحكام التكليفية فقط، وذهب غيرهم إلى أن المرفوع هو الآثار.

ويمكن تأييد القول الثاني بأن المؤاخذة أمر مترتب على الأحكام التكليفية، وليس وضعها ورفعها بيد الشارع فالمرفوع والموضوع شرعاً هو ما يكون تحت تصرّف الشارع.

وعليه فينحصر الكلام في اختيار أحد القولين الأخيرين، وهما أن المرفوع هو منشأ المؤاخذة وهي الأحكام التكليفية، أو أنّه مطلق الآثار وإن كانت بالواسطة بمعنى أنّه ليس حكماً تكليفياً مجعولاً ابتداء من الشارع كالجزئية والشرطية والمانعية بمعنى أنها مجعولات تبعاً للمشروط والمركب لا أنها مجعولات على نحو الاستقلال.

وقد ادعي أن الظاهر من الرواية أن المرفوع هو خصوص ما جعله الشارع ابتداء، أي: الأحكام التكليفية ولا تشمل ما جعله الشارع بالواسطة فقوله (علیه السلام): رفع يعني ما يكون حكماً تكليفياً، نعم ترتفع تبعاً له المؤاخذة والآثار المترتبة عليه.

وذلك لأن المجعول لا مستقلاً تابع لجعل منشئه، فلابد أن يكون المرفوع والمجعول هو المنشأ وهو نفس المركب والمشروط، وأما نفس الجزئية والشرطية فهي تابعة لنفس المركب والمشروط، وبناء على هذا فإذا اضطر المكلف إلى ترك


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء

جزء أو شرط والإتيان بمانع فالباقي لا يقتضي الإجزاء ولا تسقط الإعادة أو القضاء.

أما عدم سقوط الإعادة فلأنه مع بقاء الوقت لا يصدق عليه عنوان الاضطرار إلى طبيعي المأمور به إذ يمكنه أن يأتي بالمأمور به شاملاً للأجزاء والشرائط في جزء آخر من الوقت وحينئذ فالإشكال صغروي.

وأما إذا خرج الوقت أو كان الوقت مضيقاً فكذلك لأن الدليل لا يفيد سقوط القضاء، وإنما المستفاد من الرواية هو رفع منشأ الجزئية والشرطية أي الحكم المتعلق بالمركب والمشروط، ورفعه في الوقت لا يقتضي إيجاب الباقي والاجتزاء به، وإذا كان الأمر كذلك وقام دليل على القضاء وجب القضاء خارج الوقت، وإلى هذا ذهب أكثر المحققين(1)وهكذا الحال بالنسبة إلى الجهل إلاّ أن يقوم دليل على الاكتفاء بالباقي،وحينئذ لا تجب الإعادة ولا القضاء، ومع عدمه فالقاعدة تقتضي عدم الإجزاء والاجتزاء.

وقد تتبعنا أدلة الأجزاء والشرائط وظفرنا بعدة روايات وبضمها إلى أدلة العسر والحرج والاضطرار يمكن استفادة القول بسقوط الإعادة والقضاء.

أما الروايات فهي:

الأولى: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله؟ فقال: إن كان جاهلاً فليس عليه شيء، وإن لم يكن جاهلاً فإن عليه أن يسوق بدنة، ويفرق بينهما حتى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، وعليه الحج من قابل(2)

وهذه الرواية واردة في الجاهل فإنه إذا كان جاهلاً فليس عليه شيء، فإن قلنا: إن الجهل داخل في قوله (علیه السلام): «ما لا يعلمون» فالرواية شاهدة على ما نحن فيه من سقوط الإعادة والقضاء.


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 272 الطبعة الثانية

2) وسائل الشيعة ج 9 باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 2

الثانية: صحيحة عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (علیه السلام) - في حديث - إن رجلاً أعجمياً دخل المسجد يلبّي وعليه قميصه، فقال لأبي عبد الله (علیه السلام) إني كنت رجلاً أعمل بيدي واجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحداً عن شيء، وأفتوني هؤلاء أن أشق قميصي وأنزعه من قبل رجلي، وأنّ حجي فاسد، وأنّ علي بدنة، فقال له: متى لبست قميصك أبعد ما لبّيت أم قبل؟ قال: قبل أن ألبّي، قال: فأخرجه من رأسك، فإنه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت سبعاً وصل ركعتين عند مقام إبراهيم (علیه السلام) ، واسع بين الصفا والمروة، وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهلّ بالحج واصنع كما يصنع الناس(1).

والرواية وإن كانت واردة في فساد الحج إلاّ أنّه يمكن تعميمها للأمور التكليفية كالقضاء والإعادة، مضافاً إلى أن مورد الرواية هو الحكم بالحج من قابل وإن كان غير ثابت في نفسه.

والحاصل: أن الرواية يمكن الاستدلال بها في كل الموارد بمقتضى مفاد كلمة شيء الشاملة لكل الموارد، والقضاء شيء داخل في العموم، ودلالة الرواية قوية جداً.الثالثة: صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن متمتع وقع على امرأته قبل أن يقصّر؟ قال: ينحر جزوراً، وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه(2)

ومحل الشاهد هو الجملة الأخيرة، ولا كلام لنا في انثلام حجه فإنه منوط بالعلم، وهذه الرواية يمكن أن تكون أيضاً كالصحيحة الأولى مصداقاً لقوله (علیه السلام): «ما لا يعلمون» ، فإن قلنا بذلك فهو شامل لجميع ما يُضطر إليه في جميع الأحكام سواء كان بالواسطة أو عدمها.


1) وسائل الشيعة ج 9 باب 45 من أبواب تروك الإحرام الحديث 3

2) نفس المصدر باب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 4

وإذا ضممنا إلى هذه الروايات أدلة العسر والحرج والاضطرار يتم الدليل العام الشامل للتكليف الابتدائي أو مع الواسطة.

وقد استشكل السيد الأستاذ ! في دلالة هذه الروايات على المدعى بأن غاية ما يفيده هذا الدليل هو رفع الجزء والشرط برفع منشئه، أما أن يكون الباقي واجباً أم لا، فلا دلالة فيه(1)

ونقول: إن الروايات التي ذكرناها يمكن الاستدلال بها على عدم لزوم الإعادة، والقضاء في الحج كما هو الظاهر منها، كما أن أدلة الاضطرار كافية في عدم لزوم الإعادة والقضاء، ونضيف أيضاً: أنّه بناء على قاعدة الميسور يمكن الاستدلال بها على ثبوت الباقي، وفي القاعدة بحث أشرنا إليه في أبحاثنا الفقهية وذكرنا أنها وإن كانت واردة في كتاب العوالي(2)إلاّ أن لنا تحقيقاً حول الكتاب فصلناه في أبحاثنا الرجالية(3)، ونتيجته إمكان القول بثبوت القاعدة والاستدلال بها، وحينئذ فهي شاملة للأجزاء والشرائط فمن ترك جزءاً أو شرطاً فالباقي باق على وجوبه بمقتضى هذه القاعدة ولا حاجة إلى الإعادة أو القضاء.

ثم إن هنا وجهاً آخر يمكن الاستدلال به وهو استصحاب وجوب الباقي، فإنّنا بعد ارتفاع الجزء أو الشرط نشك في وجوب الباقي فنستصحب بقاءه، إلاّ أن الاستدلال بالاستصحاب محل إشكال، وفي ما ذكرناه من الوجهين الأولين كفاية.

هذا وقد وردت في المقام روايات أخرى استدل بها على الإجزاء وعدم الحاجة إلى الإعادة أو القضاء:منها: صحيحة أبي الصباح وقد تقدم ذكرها وفيها: ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة(4)


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 276 الطبعة الثانية

2) عوالي اللئالي 4 : 58 الطبعة المحققة الأولى 1405 ه- - 1985 م

3) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 233 الطبعة الأولى

4) وسائل الشيعة ج 16 باب 12 من أبواب الأيمان الحديث 2

ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): فأنتم منه في سعة، فإنه عام يشمل الأجزاء والشرائط والإعادة والقضاء.

وقد ناقش السيد الأستاذ ! في دلالة هذه الجملة على المدعى: بأن ذلك فيما إذا كان فيه ضيق، وأما ما ليس فيه ضيق فلا يرد هذا، فمورد الرواية هو الضيق لا السعة، والإعادة والقضاء ليسا من موارد الضيق وما جاء به ناقصاً في حالة التقية يقتضي الإعادة لأنّ التبعية أمر واقعي وهذا مقتضى النقصان.

واستشهد على ذلك بأن من غسل ثوبه المتنجس بالبول مرة تقية فهل ترتفع النجاسة بعد ارتفاع التقية؟ ولا يمكن الالتزام بذلك، وهكذا الحال بالنسبة إلى ما نحن فيه، فإن التمامية والنقصان والصحة والبطلان ليست من حكم الشارع(1)

ويمكن المناقشة في ما أفاده ! بأن السعة أعم من الأحكام التكليفية وما يترتب عليها، بل تشمل حتى القضاء والإعادة، فإن الحكم بهما لا يتناسب مع التوسعة، ثمّ إن ما أفاده من أن التمامية والنقصان ليسا بيد الشارع، في غير محلّه وذلك لأن الشارع إذا حدد مقدار ما يكتفي به من المكلف وذلك أمر بيد الشارع، فالقضاء والإعادة وإن كانا مترتبين على المأتي به لكن المأتي به بيد الشارع، فإذا حكم بالإتيان بمقدار معين وهو تكليفه الفعلي فما أتى به المكلف على طبق تحديد الشارع له لا يحتاج إلى إعادة أو قضاء، سواء كانت الإعادة تشتمل على حرج ومشقة أم لا، فالموضوع لا يختص بالحكم التكليفي.

وأما ما ذكره ! من الاستشهاد فهذا له دليل خاص.

ولكن مع ما في كلام السيد الأستاذ ! من المناقشة إلاّ أن الجزم بالحكم وشموله للإعادة والقضاء مشكل، نعم فيه إشعار بأنه شامل لكون السعة شاملة


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 279 وما بعدها

للقضاء والإعادة والمسألة ترجع إلى الاطمئنان.

ومنها: رواية أبي (ابن خ) عمر الأعجمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنّه قال: لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلاّ في النبيذوالمسح على الخفين(1).

واستدل الشيخ الأنصاري(2)! وجماعة بهذه الرواية على الشمول للأجزاء والشرائط، وذلك:

أولاً: بقوله (علیه السلام): كل شيء فإنه عام يشمل الأحكام التكليفية مع الواسطة أو بدونها.

وثانياً: بدلالة الاستثناء فإن الرواية استثنت النبيذ والمسح على الخفين، والأول حكم والثاني شرط، فيكون المستثنى منه دالاًّ على العموم ويشمل الأجزاء والشرائط.

إلاّ أن الرواية محل نقاش سنداً ودلالة.

أما من جهة السند فإن الأعجمي لم يرد فيه توثيق، وإن كان الراوي عنه هشام بن سالم وهو من الأجلاء ورواية الأجلاء عن شخص لا تدل على وثاقته كما حققناه في محلّه(3)، كما أنّه لم يثبت أن هشام بن سالم لا يروي إلاّ عن الثقات.

وروى الصدوق ! هذه الرواية في الخصال عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن أبي سعيد الآدمي، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن جندب، عن أبي عمر الأعجمي، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ... الخ(4)، وقد ذكرناها فيما تقدم، ووردت أيضاً في المحاسن(5)إلاّ أن فيها عن هشام وعن أبي عمر العجمي، فإذا كان الأمر كذلك فالرواية معتبرة، إذ الراوي لها شخصان، ولكن في بقية المصادر: هشام بن سالم عن أبي عمر الأعجمي، ولما لم نحرز أن الراوي شخصان فلا يمكن الاعتماد


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر والنهي الحديث 3

2) رسالة في التقية المطبوعة ضمن كتاب المكاسب: 323 الطبع القديم

3) اصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 488 الطبعة الأولى

4) الخصال 1 : 22 مكتبة الصدوق طهران مطبعة الحيدري

5) المحاسن كتاب مصابيح الظلم الحديث 309 ص 359

عليها والقول بأن السند معتبر، ثمّ إنه ورد بمضمون هذه الرواية روايات أخرى وقد تقدم ذكر بعضها كصحيحة زرارة، وصحيحة محمّد بن الفضيل بن هاشم، وغيرهما إلاّ أنها وردت خالية عن ذكر المستثنى.

وأما من جهة الدلالة فقد ناقش فيها السيد(1)الأستاذ ! : بأن المسكرمما وقع الاتفاق على تحريمه عند الجميع، وأنه ليس من موارد التقية، وأما المسح على الخفين فلم يقل أحد بوجوب المسح عليهما، فلا يمكن حمل الاستثناء على التخصيص، فالموردان لم يشرع فيهما التقية حتى يمكن الاستثناء وإثبات العموم في ما عداهما للمستثنى منه.

ثم يضيف السيد: والعجب من الشيخ كيف استدل بهذه الرواية؟ ولم يلتفت إلى هذه النقطة مع وجود القرينة، وهو أن شرب المسكر مما لا تقية فيه، فهو خارج تخصصاً لا تخصيصاً، مضافاً إلى الروايات الواردة في أن المسكر لا تقية فيه.

وما أفاده السيد الأستاذ ! قابل للمناقشة وذلك:

أولاً: أن خروج مورد واحد تخصصاً لا يعني خروج جميع الموارد كذلك، فمثلاً إذا قلت: جاء القوم إلاّ زيد وعمرو وبكر وعلمنا بدليل خاص أن أحد هؤلاء الثلاثة خارج تخصصاً فلا معنى لإخراج الآخرين تخصصاً أيضاً، وهكذا بالنسبة إلى ما نحن فيه، وبناء على هذا فلا تكون القرينة تامة على الشمول بمجرد علمنا أن فرداً واحداً خارج تخصصاً وأنه شامل لكل الأفراد.

وثانياً: أن قابلية المورد للدخول في المستثنى منه كافية للتخصيص رفعاً للتوهم، وإن كان المورد في نفسه خارجاً بدليل خاص. وهكذا الجزء والشرط فإذا فرضنا أنهما خارجان تخصصاً ولكن قابليتهما لأن يكونا من موارد التقية يكفي في ذلك، ويتمسك حينئذ بإطلاق المخصص من هذه الجهة.


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 284 الطبعة الثانية

وعليه فالتقية كما تجري في الأحكام التكليفية كذلك تجري في الأجزاء والشرائط.

ولكن مع ذلك نقول: إن الرواية في تمامية دلالتها على المدعى محل تأمّل، مضافاً إلى عدم الاعتماد عليها من حيث السند.

ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: إن كان إماماً عدلاً فليصلّ أخرى وينصرف، ويجعلهما تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبنِ على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى ويجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثمّ ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإنالتقية واسعة وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله(1)

واستدل الشيخ(2)! بقوله (علیه السلام): ما استطاع، أن صلاته صحيحة، وإن زاد أو نقص، وهو شامل للأجزاء والشرائط.

ولكن الاستدلال بذلك مشكل جداً، لأن قوله (علیه السلام): ما استطاع، مجمل غير مبين، فيحتمل أن المراد أنّه ما استطاع متابعته، كما يحتمل أنّه ما استطاع من تحقيق صورة الائتمام كما إذا كان المأموم في الرابعة والإمام في الثانية، وأما أن ذلك شامل لزيادة ركعة أو نقصانها فغير معلوم، ومورد الرواية أن الإمام دخل الصلاة والمأموم في الثانية، فالتمسك بهذه الرواية للاستدلال بها على المدعى محل نظر.

وقد ذكر السيد الأستاذ(3)أن الرواية لا دلالة لها على المدعى أصلاً.

ونقول: إنه على فرض الدلالة إلاّ أنها ليست بواضحة، مضافاً إلى أن الرواية مضمرة، وإن كان الإضمار لا يضر في روايات سماعة.


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 56 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2

2) رسالة التقية المطبوعة ضمن كتاب المكاسب: 324 الطبعة القديمة

3) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 285 الطبعة الثانية

ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة المتقدمة، وورد فيها: إن المؤمن إذا أظهر الإيمان ثمّ ظهر منه ما يدل على نقضه خرج مما وصف وأظهر، وكان له ناقضاً، إلاّ أن يدعي أنّه إنما عمل ذلك تقية، ومع ذلك ينظر فيه، فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لأن للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له، وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، وكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز(1)

ومحل الشاهد هو الجملة الأخيرة: فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز، واستدل بها على الأجزاء فإن مفادها أن ما أتى به ممضى من قبل الشارع فلا يحتاج إلى الإعادة أو القضاء.

وقد استدل بذلك الشيخ ! وغيره، إلاّ أن السيد الأستاذ ! ناقش في الرواية من جهة السند وقد تقدم أن الرواية معتبرة فالمناقشة من هذهالجهة غير واردة، كما ناقش فيها من جهة الدلالة بأن ظاهر الرواية أن المفهوم من الجواز هو الجواز التكليفي لا الوضعي بمعنى أن فعله ليس بحرام لا بمعنى أن ما جاء به صحيح، فإنه خلاف المتفاهم العرفي المستفاد من ظاهر الرواية، مضافاً إلى أن صدر الرواية قرينة على أن المورد هو جهة التكليف (إلاّ أن يدعي التقية)، أما أن ما أتى به صحيح أو غير صحيح فأجنبي عن مورد الرواية، لأنها في مقام تشريع التقية لا في مقام تصحيح العمل أو الحكم بصحته، وبناء على هذا فلا مجال للاستدلال بها على المدعى، وما أفاده ! من المناقشة في محله ومع التنزل فلا أقل من الشك في شمول الرواية وحينئذ فالدلالة ساقطة.

ومنها: رواية السيد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه، نقلاً من تفسير


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 25 من أبواب الأمر والنهي الحديث 6

النعماني بإسناده عن علي (علیه السلام) قال: وأما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار فإن الله نهى المؤمن أن يتخذ الكافر ولياً، ثمّ منّ عليه بإطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر «إلى أن قال:» قال الله تعالى: (لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ) فهذه رحمة تفضّل الله بها على المؤمنين رحمة لهم ليستعملوها عند التقية في الظاهر، وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه(1).

هذا ما ذكره صاحب الوسائل من هذه الرواية إلاّ أنّه ورد في ذيلها من كتاب الوسائل مكان قوله: «إلى أن قال» هذه العبارة: في الظاهر أن يصوم لصيامه ويفطر بإفطاره ويصلي بصلاته ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك موسعاً عليه فيه، وعليه أن يدين الله تعالى في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين المستولين على الأمة. قال الله ... الخ، كما أن صدر الرواية يختلف عما في الذيل، والمهم أن محل الشاهد هو قوله (علیه السلام): «ويظهر له استعمال ذلك موسعاً عليه فيه» فإذا كانت هذه الأعمال الصادرة منه تقية مظهراً للجواز والرخصة فلازمه أن تكون ممضاة من قبل الشارع بمقتضى كونه موسعاً عليه فيه، مضافاً إلى ما ورد في نفس الرواية إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه.

والحاصل: أن دلالة الرواية على الأجزاء تامة.

إلاّ أن الكلام في سند الرواية فإن السيد المرتضى يرويها عن كتاب التفسير لأبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني، والسند المذكور في الوسائل أن النعماني يرويها عن أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، عن أحمد بن يونس بن يعقوب الجعفي، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسين بن علي بن أبي حمزة، عن


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 29 من أبواب الأمر والنهي الحديث 20

أبيه، عن إسماعيل بن جابر، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ' يقول: وذكر الحديث عن آبائه عن أمير المؤمنين(1)

ومحل الكلام هو أحمد بن يونس بن يعقوب الجعفي فمع أنّه شيخ ابن عقدة إلاّ أنّه لم يرد فيه توثيق، وبناء عليه تكون الرواية غير معتبرة.

وقد ورد هذا السند في كتاب جامع أحاديث الشيعة في رواية أخرى هكذا: عن ابن عقدة عن أحمد بن يوسف بن يعقوب، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن إسماعيل بن جابر(2)، والاختلاف بين السندين في شخصين ففي الوسائل: أحمد بن يونس بن يعقوب والحسين بن علي بن أبي حمزة وفي الجامع: أحمد بن يوسف بن يعقوب والحسن بن علي بن أبي حمزة، ومن المعلوم أن هذا سند واحد فلابد أن يكون قد حصل اشتباه في أحد النقلين والأكثر أن التصحيف والاشتباه وقع في نسخة صاحب الوسائل وذلك لأنّ السند عين الطريق إلى كتاب الحسن بن علي بن أبي حمزة(3)، والطريق إلى الحسن بن علي فيه أحمد بن يوسف لا أحمد بن يونس.

ثم إن أحمد بن يوسف ثقة كما ذكر ذلك الشيخ في رجاله وأنه من أصحاب الرضا(علیه السلام) (4)

والحاصل: أن السند المذكور في الجامع هو الصحيح، وهو الموافق للمذكور في رسالة المحكم والمتشابه المطبوعة ضمن كتاب بحار الأنوار(5)

وبناء على ذلك يكون محل الكلام هو الحسن بن علي بن أبي حمزة فإن كان


1) وسائل الشيعة ج 20 الفائدة الثانية ص 32 المكتبة الإسلامية

2) جامع أحاديث الشيعة ج 2 باب تعيين موضع المسح ومقداره للرجال والنساء ... الحديث 3 ص302

3) رجال النجاشي 1 : 132 الطبعة الأولى المحققة

4) رجال الشيخ: 367 الطبعة الأولى

5) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 20 : 155 الطبعة الأولى

هو البطائني كما هو الصحيح فالسند ضعيف، وإن كان هوالثمالي فالرواية معتبرة.

ومنها: ما رواه الكليني بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رسالة إلى أصحابه، قال: وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحمّلوا الضيم منهم، وإياكم ومماظتهم، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم الحديث(1)

والرواية طويلة وفيها مطالب جمّة.

ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): دينوا فيما بينكم وبينهم ... بالتقية أي اجعلوها ديناً فهي شاملة لما نحن فيه.

ولكن دلالتها على المراد ليست بواضحة.

وأما من جهة السند فلها طريقان:

الأول: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن حفص المؤذن، عن أبي عبد الله (علیه السلام) .

والثاني: عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن محمّد بن سنان عن إسماعيل بن جابر(2)

أما الأول ففيه حفص المؤذن ولم يرد فيه توثيق.

وأما الثاني ففيه محمّد بن سنان وقد استظهرنا وثاقته كما حققنا ذلك في بحوثنا الرجالية خلافاً للسيد الأستاذ ! ، وبناء على ذلك فالرواية معتبرة سنداً إلاّ أن الكلام في الدلالة.

ومنها: صحيحة المعلى بن خنيس، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا معلّى اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولا يذيعه، أعزّه الله في الدنيا، وجعله نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنة، يا معلّى، إن التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، يا معلّى: إن الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية، والمذيع لأمرنا كالجاحد له(3)


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 13

2) نفس المصدر ج 20 الفائدة الثانية

3) نفس المصدر ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 23

وهذه الرواية قد يستظهر منها صحة المأتي به تقية، وإن كان غير تام الأجزاء والشرائط وذلك بمفاد قوله (علیه السلام): «إن الله يحب أن يعبد في السر» ، فإن معنى ذلك هو التقية، وأن ما يأتي به تقية هو عبادة سرية، ومقتضى كونه محبوباً أن يكون صحيحاً ومجزياً فلا حاجة إلى الإعادة أوالقضاء.

ولكن مع أن الرواية معتبرة السند إلاّ أن دلالتها على المدعى ليست بواضحة، إذ يتوقف هذا على أن المراد من قوله (علیه السلام): «أن يعبد سراً» أي الإتيان بالعمل تقية مع ترك الواقع رأساً - وأما إذا كان المراد به هو الإتيان بالواقع سراً وخفيةً وإن كان يعمل في الظاهر والعلانية بخلافه فلا يكون شاهداً على المدّعى، وإن كان المعنى الأولى أظهر فحينئذ لا ملازمة بين كتمان العبادة وصحتها، ولا يمكن الالتزام بعدم لزوم الإعادة والقضاء.

ومنها: رواية الكشي بإسناده عن داود الرقي قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلت له: جعلت فداك كم عدة الطهارة؟ فقال: ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثاً ثلاثاً فلا صلاة له أنا معه في ذا حتى جاء داود بن زربي، فأخذ زاوية من البيت فسأله عما سألته في عدة الطهارة، فقال له: ثلاثاً ثلاثاً من نقص عنه فلا صلاة له.

قال: فارتعدت فرائصي وكاد أن يدخلني الشيطان، فأبصر أبو عبد الله(علیه السلام) إليّ وقد تغيّر لوني، فقال: اسكن يا داود هذا هو الكفر أو ضرب الأعناق، قال: فخرجنا من عنده، وكان بيت ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر المنصور، وكان قد ألقي إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي، وأنه رافضي يختلف إلى جعفر بن محمد. فقال أبو جعفر: إني مطّلع على أمر طهارته فإن هو توضأ وضوء جعفر بن محمّد فإني لأعرف طهارته حققت عليه القول وقتلته، فاطلع وداود يتهيأ للصلاة من حيث لا يراه، فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثاً ثلاثاً كما أمره أبو عبد الله (علیه السلام)

فما تم وضوؤه حتى بعث إليه أبو جعفر فدعاه.

قال: فقال داود: فلما دخلت عليه رحب بي وقال: يا داود، قيل فيك شيء باطل وما أنت كذلك، قال: قد اطلعت على طهارتك وليست طهارتك طهارة الرافضة فاجعلني في حل، فأمر له بمائة ألف درهم.

قال: فقال داود الرقي: التقيت أنا وداود بن زربي عند أبي عبد الله(علیه السلام) فقال له داود بن زربي: جعلني الله فداك حقنت دماءنا في دار الدنيا ونرجوا أن ندخل بيمنك وبركتك الجنة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): فعل الله ذلك بك وبإخوانك من جميع المؤمنين، فقال أبو عبد الله (علیه السلام) لداود بن زربي: حدّث داود الرقي بما مر عليكم حتى تسكن روعته، قال: فحدثته بالأمر كله، قال: فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لهذا أفتيته لأنه كان أشرف على القتل منيد هذا العدو، ثمّ قال: يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى، ولا تزيدن عليه، وإنك زدت عليه فلا صلاة لك(1)

وهذه الرواية أصرح من جميع الروايات السابقة في الدلالة على أن ترك الجزء والشرط تقية لا يوجب البطلان، وذلك بمفاد قوله (علیه السلام): «ثلاثاً ثلاثاً من نقص عنه فلا صلاة له» فالمستفاد من هذه العبارة صحة الصلاة يقيناً، فمن أتى بالثلاث حال التقية فصلاته صحيحة بلا إشكال، أما من خالف التقية فهل تكون صلاته صحيحة أم لا؟ فهذا أمر آخر .

والحاصل: أن الرواية من حيث دلالتها على المدعى لا إشكال فيها، إلاّ أن يقال: بأنها واردة في خصوص الوضوء للصلاة والأجزاء فيهما لا إشكال فيه، وإنما الكلام في غيرهما .

وأما من حيث السند فقد رواها الكشي عن حمدويه وإبراهيم، عن محمّد بن إسماعيل الرازي، عن أحمد بن سليمان، عن داود الرقي، والإشكال في أحمد بن سليمان، فإنا في حدود ما فحصنا لم نعثر على توثيق وارد في


1) رجال الكشي 2 : 600 مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)

حقه، فإن ورد في حقه توثيق فالرواية معتبرة سنداً ودلالة، وإلاّ فالإشكال في سندها فقط .

ومنها: صحيحة هشام بن سالم قال: «سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخباء، قلت: وما الخباء؟ قال: التقية» (1)

وجه الاستدلال: أن ما أتى به في حال التقية من العبادات أحب العبادات عند الله، ومن البديهي امتناع اجتماع المحبوبية مع الفساد والبطلان، لأنهما كاشفان عن عدم المحبوبية - فهذه الرواية واضحة دلالة ومعتبرة سنداً، ولكن ربما يشكل بأن المراد بالتقية إذا كان العمل الذي يتقى به فالدلالة تامة، وأما إذا كان المراد به نفس

الاتقاء فهو محبوب وعبادة والعمل مقدمة لذلك لا أنّه محبوب في نفسه، فلا يدل على ذلك كما ورد في الروايات من أن التقية من الدين أو دين آبائي وأمثال ذلك، ومما يؤيد المعنى الأول ما ورد في رواية إسحاق بن عمار من قوله (علیه السلام): « ... فادخل معهم في الركعة واعتد بها فإنها من أفضل ركعاتك ...» (2)إلاّ أن في سندها محمّد بن الحصين على نسخة وكذلك محمّد بن الفضيل -وكلاهما موردان للإشكال ولولا ذلك لكان دليلاً مستقلاً على الأجزاء وعدم لزوم الإعادة والقضاء في الصلاة .

هذا مجموع ما ذكره الشيخ والسيد الأستاذ وغيرهما قدس سرهم مما يمكن الاستدلال به على عدم لزوم الإعادة والقضاء، وقلنا: إن العمدة في الروايات هي الطائفتان الأولى والثانية، وأما بقية الروايات فهي محل نقاش من جهة الدلالة أو السند أو من كلتا الجهتين، ونحن نلتزم بالإجزاء في مقام التقية جزءاً كان المتقى فيه أو شرطاً، خلافاً للسيد الأستاذ ! ، ثمّ لا يخفى أن هذه المسألة هي من أهم مسائل هذا الباب .


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث 14

2) نفس المصدر ج 5 باب 34 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4

أقسام التقية مع الكافر والمخالف:

ولا يخفى أن التقية تختلف باختلاف الدوافع، فتارة تكون اضطرارية والدافع فيها الخوف على النفس والمال والعرض، وتارة يكون الدافع فيها المداراة لا من جهة الخوف، وثالثة يكون الدافع هو الكتمان، وهو أعم من الخوف وعدمه، فالأقسام ثلاثة.

فهل الأقسام الثلاثة مشروعة مع الكافر والمخالف أو يختص الحكم ببعض دون بعض؟

أما القسم الأول فلا إشكال في مشروعية التقية فيه مطلقاً، فإن من خاف على نفسه أو ماله أو عرضه أو إخوانه وجبت التقية عليه، بلا فرق بين الكافر والمخالف أو غيرهما.

وأما القسم الثاني فالظاهر أنها ليست مشروعة مع الكافر، فإنا لم نظفر بدليل يسوّغ التقية بدافع المداراة، وأدلة هذا القسم تختص بالمخالفين في المذهب، أما بالنسبة إلى الكفار فلم يثبت الدليل على ذلك، إذ لا خوف ولا موجب لإخفاء العقيدة عن الكفار ولا سيما في هذا الزمان.

وأما القسم الثالث - وهو المورد الخامس من الموارد المبحوث عنها في هذا الفصل - فهو محل الكلام ولذلك أفردناه بالبحث وجعلناه عنواناً مستقلاً ويقع الكلام فيه من جهتين:

الأولى: الكتمان عن الكافر والمخالف وغيرهما.

الثانية: موضوع الكتمان.

أما الجهة الأولى فبالنسبة إلى الكافر فإن كان سببه الخوف فقد تقدم، وإن كان سببه غير الخوف فحيث إنّ بعض الروايات الواردة في المقام مطلقة فتكون

شاملة للكافر، وأمّا بالنسبة إلى المخالفين فلا إشكال في مشروعية التقية معهم بل في وجوبها للأدلة الخاصة الواردة فيخصوص المخالفين.

وأما بالنسبة إلى غير الكافر والمخالف كمن يخشى منه إذاعة السر وإن كان من الخاصة فهو مشمول لإطلاق الروايات.

أما الروايات التي يستفاد منها الإطلاق فهي عدة روايات.

منها: رواية عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اتقوا الله على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجوف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا(1).

وسند الرواية معتبر فإن عبد الله بن أبي يعفور من الأجلاء وجابر المكفوف قد عده ابن شهراشوب من خواص أصحاب الصادق (علیه السلام) ، وأما دلالتها فالمستفاد من قوله (علیه السلام): «اتقوا الله على دينكم واحجبوه بالتقية» ، هو الإطلاق فيشمل الكتمان عن الكافر وغيره إلاّ أن المستفاد من قوله (علیه السلام): «ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت» وقوله (علیه السلام): «رحم الله عبداً كان على ولايتنا» أنّه خاص بأمر الولاية وينبغي كتمانها، فإن قلنا: إنّ الدين هو الولاية فالرواية مطلقة وحينئذ تكون شاملة للكافر والمخالف وإن قلنا إنّ الولاية أمر خاص فالرواية لا تشمل الكافر بل هي خاصة بالمخالفين، وبناء على ذلك فدلالة الرواية على المراد غير صريحة.

ومنها: ما تقدم ذكره من رسالة الإمام الصادق (علیه السلام) إلى أصحابه قال: وعليكم بمجاملة أهل الباطل ... دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي ... الحديث 7

وخالطتموهم ونازعتموهم بالتقية ...(1)

وقد ذكرنا أن لها سندين واحدهما معتبر، وأما من جهة الدلالة فالمقدار المنقول في الوسائل مطلق لأنّ «أهل الباطل» شامل للكافر والمخالف، وبعد الوقوف على متن الرسالة من كتاب روضة الكافي(2)تبيّن أنها وردت على شبه فصول ومقاطع، وهي بمثابة منهاج خاطب به الإمام (علیه السلام) شيعته يوجههم فيه لإدراك سعادة الدارين، ولم يرد في المقطع الذياشتمل على ما نقله صاحب الوسائل منها على قرينة خاصة تختص بالعامة، بل جاء كلام الإمام(علیه السلام) عاماً كقوله (علیه السلام): «فإن أعداء الله إن استطاعوا صدوكم عن الحق» ونحوه من التعابير العامة الشاملة للكافر وغيره، كما استشهد (علیه السلام) في هذا المقطع من كلامه ببعض الآيات الواردة في صبر الأنبياء وتكذيب أممهم لهم، وليس في هذا المقطع ما يشير إلى أمر الولاية، نعم في بقية الفصول الأخرى من كلامه (علیه السلام) الإشارة إلى اختلاف الأمّة بعد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والرد على أهل البدع والمقاييس والأهواء ونحو ذلك.

فإن كان ذلك قرينة يصح التعويل عليها فالرواية خاصة بالمخالفين، وإلاّ فهي مطلقة شاملة للكافر وغيره.

ومنها: رواية جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد ' يقول: المؤمن علوي، (إلى أن قال: ) والمؤمن مجاهد، لأنه يجاهد أعداء الله عزوجل في دولة الباطل بالتقية، وفي دولة الحق بالسيف(3)

والرواية وإن كانت من جهة الدلالة تامة فإن دولة الباطل شاملة للكفار وغيرهم، إلاّ أن سند الرواية غير تام.

ومنها: رواية المعلى بن خنيس قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا معلى اكتم


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 13

2) الروضة من الكافي ص 2 الحديث 1 دار الكتب الاسلامية

3) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 19

أمرنا...(1)

وقد تقدمت الرواية وقلنا: إنّ سندها معتبر، ووردت في موضع آخر من كتاب الوسائل بسند آخر(2)ينتهي إلى حريز عن المعلى، وفيها بعض الإضافات وكأنما هي رواية واحدة وردت بطريقين.

وهذه الرواية يمكن أن يستدل بها على الشمول، لأنّها مطلقة إلاّ أن يقال: إنّ قوله (علیه السلام): «أمرنا» إشارة إلى أمر الولاية، فإن جعلنا هذا قرينة على ذلك فهي خاصة بالمخالفين، وإلاّ فهي عامة تشمل الكفار وغيرهم.

ومنها: رواية خالد بن نجيح عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إن من أمرنا مستور مقنع بالميثاق، فمن هتك علينا أذلّه الله(3)ومنها: رواية عيسى بن أبي منصور قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: نفس المهموم لنا المغتم لظلمنا تسبيح، وهمّه لأمرنا عبادة، وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله، قال لي محمّد بن سعيد: أكتب هذا بالذهب، فما كتبت شيئاً أحسن منه(4)

ومنها: صحيحة محمّد الخزاز عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقنا، قال: وقال للمعلى بن خنيس: المذيع لحديثنا كالجاحد له(5)

والروايات في هذا المعنى كثيرة، وهي من قبيل رواية المعلى بن خنيس، ومن مجموعها يستفاد أن كتمان السر وعدم الإذاعة أمر اهتم به الأئمة (علیهم السلام)، وهو شامل للكفار وغيرهم.

ويستثنى من ذلك ما إذا كان للإرشاد مع قابلية المحل للرشاد، وورد الحثّ


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 23

2) نفس المصدر الحديث 6

3) نفس المصدر باب 34 الحديث 8

4) نفس المصدر الحديث 9

5) نفس المصدر الحديث 11

عليه في عدة روايات، وأما مع عدمه فالكتمان هو المرجّح.

هذا وقد وردت روايات في الحثّ على الكتمان بالنسبة إلى الكفار في خصوص سبّ آلهتهم ومقدساتهم.

منها: ما رواه علي بن إبراهيم (في تفسيره) عن أبيه، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنه سئل عن قول النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): إنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء، فقال: كان المؤمنون يسبّون ما يعبد المشركون من دون الله، وكان المشركون يسبّون ما يعبد المؤمنون، فنهى الله المؤمنين عن سبّ آلهتهم لكي لا يسبّ الكفار إله المؤمنين، فيكون المؤمنون قد أشركوا بالله من حيث لا يعلمون، فقال: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم» (1)

ووردت هذه الرواية في تفسير قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ...)(2)من تفسير القمّي(3)

وأما الجهة الثانية وهو متعلق الكتمان فالروايات الواردة مختلفة، ففي بعضها ورد فيها مطلق الحديث.ومنها: صحيحة ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له إن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيدين الله عزوجل به فيما بينه وبينه فيكون له عزّاً في الدنيا ونوراً في الآخرة، وإن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه فيكون له ذلاًّ في الدنيا وينزع الله ذلك النور منه(4)

ومنها: صحيحة محمّد الخزاز عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقنا، قال: وقال للمعلى بن خنيس: إن المذيع لحديثنا كالجاحد له(5)وقد تقدمت الرواية قريباً .


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 36 من أبواب الأمر والنهي الحديث 3

2) سورة الأنعام، الآية: 108

3) تفسير القمّي 1 : 241 الطبعة الأولى المحققة

4) وسائل الشيعة ج 18 باب 8 من أبواب صفات القاضي الحديث 41

5) نفس المصدر ج 11 باب 34 من أبواب الأمر والنهي ... الحديث 11

ومنها: صحيحة ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان(1)

ومنها: مرسلة يونس بن يعقوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ ولكن قتلنا قتل عمد(2)

وغيرها من الروايات الصريحة في أن المنهي عنه هو إذاعة مطلق الحديث.

وفي بعضها ورد فيها النهي عن إذاعة الأمر، وقد تقدمت عدة روايات كرواية خالد بن نجيح، ورواية المعلى بن خنيس، ومن ذلك أيضاً صحيحة داود الرقي ومفضل وفضيل في حديث قالوا: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا تذيعوا أمرنا ولا تحدثوا به إلاّ أهله، فإنّ المذيع علينا أمرنا أشد علينا مؤنة من عدونا، انصرفوا رحمكم الله ولا تذيعوا سرنا(3)

ومرسلة الحسين بن عثمان عمن أخبره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من أذاع علينا شيئاً من أمرنا فهو كمن قتلنا عمداً ولم يقتلنا خطأ(4)

وفي هذا المعنى روايات كثيرة.

وفي بعضها ورد فيها الصعب من حديثنا وقد وردت في ذلك عدة روايات: منها:

رواية حفص الأبيض، قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) أيام قتلالمعلى بن خنيس وصلب، فقال: يا حفص إني نهيت المعلّى عن أمر فأذاعه، فاقبل بما ترى، قلت له: إن لنا حديثاً من حفظه حفظ الله عليه دينه ودنياه، ومن أذاعه علينا سلبه الله دينه، يا معلّى لا تكونوا أسرى في أيدي الناس لحديثنا إن شاؤا منّوا عليكم، وإن شاؤا قتلوكم، يا معلّى إنه من كتم الصعب من حديثنا جعله الله نوراً بين عينيه ورزقه العزّ في الناس، يا معلّى من أذاع الصعب من حديثنا لم يمت


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 34 من أبواب الأمر والنهي الحديث 12

2) نفس المصدر الحديث 13

3) نفس المصدر الحديث 18

4) نفس المصدر الحديث 16

حتى يعضه السلاح أو يموت بخبل، إني رأيته يوماً حزيناً فقلت: ما لك؟ أذكرت أهلك وعيالك؟ فقال: نعم فمسحت وجهه فقلت: أنّى تراك، فقال: أراني في بيتي مع زوجتي وعيالي، فتركته في تلك الحال مليّاً، ثمّ مسحت وجهه فقلت: أين تراك؟ فقال: أراني معك في المدينة، فقلت له: احفظ ما رأيت فلا تذعه، فقال لأهل المدينة: إنّ الأرض تطوى لي فأصابه ما قد رأيت(1)

وهذه الرواية أوردها الكشي (2)مع اختلاف في صدر السند وفي بعض ألفاظ المتن، كما وردت هذه الرواية في جامع أحاديث الشيعة(3)، نقلاً عن بصائر الدرجات مع الاختلاف في السند وبعض العبارات فلاحظ، فإن محل الشاهد من الرواية وهو قوله (علیه السلام): فلا تذعه ... الخ لم يرد في رواية الكشي والجامع، وإنما ورد: أنت مقتول فاستعد.

ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: حديثنا صعب مستصعب ذكوان، أجرد، مقنع، قال: قلت فسر لي جعلت فداك قال: ذكوان ذكي أبداً قلت: أجرد قال: طري أبداً، قلت: مقنع، قال: مستور(4)

ومنها رواية أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: إن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ثلاث: نبيّ مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، ثمّ قال: يا أبا حمزة ألا ترى أنّه اختار لأمرنا من الملائكة المقربين ومن النبيين المرسلين ومن المؤمنين الممتحنين(5)

وغيرها من الروايات الكثيرة.

وفي بعضها ورد السر وسرنا وقد تقدمت جملة من الروايات، ومن ذلك


1) مختصر بصائر الدرجات باب في كتمان الحديث وإذاعته: 98 الطبعة الأولى

2) رجال الكشي 2 : 676 مؤسسة آل البيت

3) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب 4 من أبواب التقية الحديث 36

4) مختصر بصائر الدرجات: 124 الطبعة الأولى

5) نفس المصدر: 123

أيضاً: رواية جابر، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ أمرنا سر في سر، وسر مستسر، وسر لا نعيده، إلاّ سر، وسر على سر، وسر مقنع بسر(1)

وهذه الرواية معتبرة على الأظهر فإنّ في سندها محمّد بن سنان وجابر وقد استظهرنا وثاقتهما.

ورواية مرازم، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): إن أمرنا هو الحق، وحق الحق، وهو الظاهر، وباطن الظاهر، وباطن الباطن، وهو السر، وسر السر، وسر المستسر، وسر مقنع بسر(2)

وغيرهما من الروايات.

هذه هي العناوين الواردة في الروايات والظاهر من مطلق الحديث هو حديث الإمامة والولاية وما يكون من مختصات أهل البيت (علیهم السلام) من المعجزات، والأحكام الخاصة بالإمامية التي لا يفتي بها غيرهم، وليس المراد هو كل حديث عنهم (علیهم السلام) وإن كان في غير هذه الأمور.

كما أنّ الظاهر من أمرهم (علیهم السلام) هو الولاية، ويشهد على ذلك بعض الروايات.

وأما المراد من الصعب والسر فهو ما لا يكون قابلاً للتحمل كالمغيبات ونحوها فيكون شاملاً لخوارق العادة والمعجزات، ويحتمل أن يكون المراد من الصعب هو أمر الولاية وقد فسرت الأمانة في الآية الكريمة: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ...)(3)بالإمامة وهي لا يتحملها كل أحد.

وعليه فيمكن الجمع بهذا النحو من الجمع بين هذه العناوين الواردة في الروايات.

ويمكن أن يستشهد على ما ذكرنا ببعض الروايات الأخرى: منها: رواية عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: أتى الحسين (علیه السلام) أناس فقالوا له:


1) مختصر بصائر الدرجات: 126 الطبعة الأولى

2) نفس المصدر: 127 راجع نفس الباب تجد فيه روايات أخرى في هذا المعنى

3) تفسير القمي 2 : 198 الطبعة الأولى المحققة

يا أبا عبد الله حدثنا بفضلكم الذي جعله الله لكم ، فقال: إنكم لا تحتملونه ولا تطيقونه، فقالوا: بلى نحتمل قال: إن كنتم صادقين فليتنح اثنان وأحدّث واحداً، فإن احتمله حدّثتكم، فتنحّى اثنان وحدّث واحداً، فقام طاير العقل ومرّ على وجهه وذهب فكلمه صاحباه فلم يرد عليهما شيئاًوانصرفوا(1)

وفي روايته الأخرى: «فما فرغ الحسين (علیه السلام) من حديث حتى ابيض رأس الرجل ولحيته وأنسي الحديث.

وهاتان الروايتان واضحتان من حيث الدلالة إلاّ أنهما من حيث السند غير تامتين فإن فيها عبد الرحمن بن كثير وهو محل كلام.

ومنها: رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا ' عن الرؤيا؟ فأمسك عني، ثمّ قال: لو أنا أعطيناكم ما تريدون كان شراً لكم، وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر، قال أبو جعفر (علیه السلام): «ولاية الله أسرّها إلى جبرئيل (علیه السلام) وأسرّها جبرئيل (علیه السلام) إلى محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) وأسرّها محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى علي (علیه السلام) وأسرّها علي صلوات الله عليه إلى من شاء، ثمّ أنتم تذيعون ذلك من الذي أمسك حرفاً سمع به؟» (2)والرواية طويلة وهي معتبرة السند.

وغيرها من الروايات.

ثم إنّ بعض الروايات اشتملت على عنوان آخر وإن كان غير خارج في المراد منه عن العناوين المتقدمة، وهو عنوان الدين فقد وردت صحيحة سليمان بن خالد في هذا المعنى، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): إنكم على دين من كتمه أعزّه الله ومن أذاعه أذله الله(3)

والظاهر من الدين هو الولاية كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم وليس المراد من الدين هو الإسلام.


1) مختصر بصائر الدرجات: 107 الطبعة الأولى

2) نفس المصدر: 104

3) وسائل الشيعة ج 11 باب 34 من أبواب الأمر والنهي الحديث 20

مسألتان:

الأولى: هل يجب الكتمان عن مطلق المخالفين أم لا؟

والذي يظهر من الروايات جواز الإظهار لمن يوثق به، سواء كان الأصحاب أو الأهل أو غيرهم، وأما غيرهم فلا يجوز سواء كان من المخالفين أو غيرهم، فيكون شاملاً لبعض أفراد الخاصة ممّن لا يوثق به أو لا يتحمل.

ويدل على ذلك عدة روايات:منها: صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن حديث، فقال: هل كتمت علي شيئاً قط؟ فبقيت أتذكر فلما رأى ما بي، قال: ما حدثت به أصحابك فلا بأس، وإنما الإذاعة أن تحدّث به غير أصحابك(1)

واصرح منها صحيحة داود بن فرقد قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): لا تحدّث حديثنا إلاّ أهلك أو من تثق به(2)

وقوله (علیه السلام): «أو من تثق به» مطلق سواء كان من الأصحاب أو من غيرهم.

وبناء على هذا فالشخص إذا كان من الأهل، أو كان مورداً للوثوق فلا مانع من التحدّث إليه بمقتضى مفاد هذه الرواية.

ومنها: رواية عبد الأعلى بن أعين عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد' أنّه قال: ليس هذا الأمر معرفته وولايته فقط حتى تستره عمن ليس من أهله، وبحسبكم أن تقولوا ما قلنا وتصمتوا عما صمتنا، فإنكم إذا قلتم ما نقول وسلمتم لنا فيما سكتنا عنه فقد آمنتم بمثل ما آمنا به، قال الله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا ) (3)قال علي بن الحسين ': حدثوا الناس بما يعرفون، ولا


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 34 من أبواب الأمر والنهي ... الحديث 21

2) مختصر بصائر الدرجات: 102 الطبعة الأولى

3) سورة البقرة، الآية: 137

تحملونهم ما لا يطيقون فتغروهم بنا(1)

ويؤيده رواية عبد الأعلى (مولى آل سام) قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): إنه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته عن غير أهله، فاقرأهم السلام وقل لهم: رحم الله عبداً اجترّ مودة الناس إلى نفسه، حدثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون، ثمّ قال: والله ما الناصب لنا حرباً بأشدّ علينا مؤنة من الناطق علينا بما نكره، فإذا عرفتم من عبد إذاعة فامشوا إليه وردوه عنها، فإن قبل منكم وإلاّ فتحملوا عليه بمن يثقل عليه ويسمع منه، فإن الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تقضى له، فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم، فإن هو قبل منكم وإلاّ فادفنوا كلامه تحت أقدامكم ولا تقولوا إنه يقول ويقول، فإنّ ذلك يحمل عليّ وعليكم، أما والله لو كنتم تقولون ما أقول لكم لأقررت أنكم أصحابي، هذا أبو حنيفة له أصحاب، وهذا الحسن البصري له أصحاب، وأنا امرؤ من قريش قد ولدني رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلمت كتاب الله وفيه تبيان كل شيء، بدء الخلق وأمر السماء، وأمرالأرض، وأمر الأولين وأمر الآخرين، وأمر ما كان، وأمر ما يكون، كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني(2)

وفي هذا المعنى روايات كثيرة.

والحاصل مما ذكرنا: أنّه يجوز التحدث للأهل ولمن يوثق به.

الثانية: هل الكتمان واجب من جهة الخوف فقط؟ أو يشمل حالة المداراة وجلب القلوب والمودة وإن لم يكن فيه خوف؟

والظاهر من كثير من الروايات أنّه من جهة الخوف، وذلك للتعليل الوارد في بعض هذه الروايات كقوله (علیه السلام): «ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ ولكن


1) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب 4 من أبواب التقية الحديث 10

2) نفس المصدر الحديث 6

قتلنا قتل عمد» (1)، فإنّ الإذاعة توجب الهتك والقتل فيكون مرجع وجوب الكتمان إلى الخوف، ثمّ إنّ الإذاعة لا يشترط فيها أن تكون لشخص يخاف منه، بل هي في نفسها كافية بمعنى أنّه لو لم يكن هناك من يخاف منه فالإذاعة أيضاً غير جائزة، لأن إذاعة السر تنتهي بالمآل إلى الخوف، وبناء على هذا فإذاعة السر غير جائزة مطلقاً إلاّ في ما استثني مما تقدم.

وأما إذا كان من جهة المداراة فقد وردت عدة روايات، منها ما تقدم من رواية عبد الأعلى بن أعين، ورواية عبد الأعلى مولى آل سام، وورد فيهما: رحم الله عبداً اجتر مودة الناس إلى نفسه وإلينا، وورد في إحدى الروايتين «حدثوا الناس بما يعرفون ولا تحملونهم ما لا يطيقون» وهاتان الروايتان وردتا بأسانيد متعددة، كما أنّ هناك بعض الروايات اشتملت على هذا المضمون، منها رواية مدرك بن زهير (الهزهازك) قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد ': يا مدرك إن أمرنا ليس بقبوله فقط، ولكن بصيانته وكتمانه عن غير أهله، أقرأ أصحابنا السلام ورحمة الله وبركاته وقل لهم: رحم الله امرءاً اجترّ مودة الناس إلينا فحدثهم بما يعرفون وترك ما ينكرون(2).

إلاّ أن استفادة الوجوب من ذلك مشكل، فإن لسان الدليل لا يساعد عليه فإنّ قوله (علیه السلام): «رحم الله عبداً» لا يدل على الوجوب، ومع الشك فالأصل عدمه، نعم القول بالاستحباب المؤكّد له وجه، وعليه فجلب القلوبواجترار مودة الناس إلى أهل البيت (علیهم السلام) مستحب مؤكد.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 34 من أبواب الأمر والنهي ... الحديث 13

2) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب ما ورد في كتم الدين عن غير أهله ... الحديث 3333

المورد السادس: التقية في تسمية الحجة  :

اشارة

اختلفت الأقوال في جواز تسمية الإمام الثاني عشر الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف مطلقاً أي: في حال التقية وعدمها، وأشهر هذه الأقوال خمسة:

الأول: الجواز مطلقاً إلاّ في زمن التقية، وهو قول صاحب الوسائل ! وغيره(1)

الثاني: المنع مطلقاً ونسب إلى المشهور، وهو ظاهر كلام الشيخ المفيد(2)والصدوق(3)والطبرسي(4)والمحدث النوري(5)وغيرهم(6)قدس الله أسرارهم.

الثالث: الحرمة في المحافل والمجالس ومجمع الناس، ونسب إلى المحقق الداماد ! (7)

الرابع: الكراهة ونسب إلى الشيخ الأنصاري ! (8)

الخامس: التفصيل بين زمان الغيبة الصغرى وزمان الغيبة الكبرى، فيحرم في الأول دون الثاني.

والقول الأخير ذكره العلامة المجلسي ! ولم ينسبه إلى قائل معين(9).


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 33 من أبواب الأمر والنهي

2) الإرشاد: 363 منشورات مكتبة بصيرتي

3) كمال الدين وتمام النعمة ج 2 الباب السادس والخمسون - النهي عن تسمية القائم ص648

4) اعلام الورى بأعلام الهدى: 417 الطبعة الثالثة

5) مستدرك الوسائل ج 12 باب 31 من أبواب الأمر والنهي ص 287

6) نفس المصدر ص 288

7) شرعة التسمية: 24 منشورات مؤسسة مهدية ميرداماد

8) مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم 2 : 110 الطبعة الثالثة

9) بحار الأنوار ج 51 باب النهي عن التسمية ص 32

ثم إن اختلاف الأقوال متفرع على اختلاف الروايات الواردة ولابد من استعراض جملة منها لنتبيّن حقيقة الحال.

ثم لا يخفى أن هذا وارد في حق الإمام الثاني عشر  كما ذكرنا، وأمابقية الأئمة (علیهم السلام) والسيدة فاطمة الزهراء (علیها السلام) فلا إشكال في جواز تسميتهم، وإن صعب على بعض العامة سماع اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ' وفاطمة الزهراء (علیها السلام)كما ورد في بعض الروايات: فإنّ الناس ليس شيء أبغض إليهم من ذكر علي وفاطمة(1)

وأما الروايات فيمكن تقسيمها إلى أربع طوائف:

الطائفة الأولى: الروايات الدالة على حرمة التسمية وعدم جواز ذكره بالاسم مطلقاً.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على الجواز بل ورد التصريح فيها باسمه الشريف.

الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على المنع عن ذكر اسمه لعدم الأمن عليه وللخوف من وقوع الطلب من الأعداء.

الطائفة الرابعة: الروايات الدالة على المنع عن ذكر اسمه في المحافل ومجامع الناس.

أما الطائفة الأولى فهي عدة روايات:

منها: صحيحة داود بن القاسم الجعفري عن أبي جعفر (علیه السلام) ، (في حديث الخضر (علیه السلام) ) أنّه قال: واشهد على رجل من ولد الحسن لا يسمى ولا يكنى حتى يظهر أمره فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً إنه القائم بأمر الحسن بن علي ' (2)

وهذه الرواية بالإضافة إلى صحة السند واضحة الدلالة فإن قوله (علیه السلام): لا


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 33 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث2

2) نفس المصدر الحديث 3

يسمى ولا يكنى دال على الحرمة، ونظير ذلك قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)(1)، فمفاد الرواية النهي عن التسمية.

ومنها: صحيحة ابن رئاب عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: صاحب هذا الأمر لا يسميه باسمه إلاّ كافر(2)

وهذه الرواية أوردها الصدوق في كمال الدين عن علي بن الريان، وفي نسخة عن علي بن زياد، عن أبي عبد الله (علیه السلام) فإن كان الراوي هوابن الريان أو ابن رئاب فلا بأس، والرواية حينئذ معتبرة وهي واضحة الدلالة.

ومنها: موثقة الريان بن الصلت، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) وسُئل عن القائم  ، فقال: لا يرى جسمه ولا يسمى اسمه(3)

والمستفاد من الرواية النهي عن الرؤية والتسمية إلاّ أن الأول تكويني والثاني تشريعي.

ومنها: معتبرة داود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري(علیه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ قلت: ولم جعلني الله فداك؟ قال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه، قلت: كيف نذكره؟ قال: قولوا الحجّة من آل محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) (4)

ودلالة الرواية واضحة، وأما من جهة السند فهو وإن كان فيه محمّد بن أحمد العلوي إلاّ أنّه وارد في أسناد تفسير القمي(5)وفي نوادر الحكمة في المستثنى منه(6)وقد ذكرنا غير مرة أن وقوع الراوي في أسناد أحد هذين الكتابين علامة


1) سورة البقرة، الآية: 197

2) وسائل الشيعة ج 11 باب 33 من أبواب الأمر والنهي الحديث 4

3) نفس المصدر الحديث 5

4) نفس المصدر الحديث 6

5) تفسير القمي 2 : 272 الطبعة الأولى المحققة

6) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 144

على الوثاقة، وقد حققنا ذلك في محله وعليه فلا إشكال في اعتبار السند.

ومنها: موثقة السيد عبد العظيم الحسني عن سيدنا علي بن محمّد ' أنّه عرض عليه اعتقاده وإقراره بالأئمة (علیهم السلام) «إلى أن قال:» ثمّ أنت يا مولاي، فقال له (علیه السلام): ومن بعدي ابني الحسن، فكيف للناس بالخلف من بعده؟ قلت: فكيف ذلك؟ قال: لأنه لا يرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، «إلى أن قال: » فقال (علیه السلام): فهذا ديني ودين آبائي(1)

ومنها: موثقة أبي أحمد محمّد بن زياد الأزدي عن موسى بن جعفر' في حديث أوصاف الإمام الثاني عشر وغيبته، قال: تخفى على الناس ولادته، ولا تحل لهم تسميته حتى يظهره الله فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً،كما ملئت جوراً وظلماً(2)

ودلالة هاتين الروايتين واضحة فإن ذكر اسمه منهي عنه إلى أن يظهر عجل الله تعالى فرجه.

ومنها: معتبرة صفوان بن مهران عن الصادق (علیه السلام) أنّه قيل له: من المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته(3)

والرواية وإن جاء في سندها محمّد بن سنان إلاّ أننا استظهرنا وثاقته كما ذكرنا سابقاً، فالرواية من جهة سندها لا إشكال فيها، كما أنها من جهة الدلالة واضحة.

ومنها: رواية عبد العظيم الحسني قال: قلت لمحمّد بن علي بن موسى': إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 33 من أبواب الأمر والنهي الحديث 9

2) نفس المصدر الحديث 10

3) نفس المصدر الحديث 11

ملئت جوراً وظلماً، فقال (علیه السلام): يا أبا القاسم ما منّا إلاّ قائم بأمر الله عزوجل وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهر الله عزوجل به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأها عدلاً وقسطاً هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله (علیه السلام) وكنيّه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب، ويجتمع من أصحابه عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي الأرض، وذلك قول الله عزوجل: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(1)فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله عزوجل، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عزوجل، قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيدي وكيف يعلم أن الله عزوجل قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما(2)

ومنها: رواية محمّد بن عبد الجبار، قال: قلت لسيدي الحسن بن علي': يابن رسول الله جعلت فداك أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ قال: إنّ الإمام والحجة بعدي ابني سمي رسول اللهوكنيه الذي هو خاتم حجج الله وخلفائه، إلى أن قال (علیه السلام): فلا يحل لأحد أن يسميه أو يكنيه باسمه وكنيته قبل خروجه صلوات الله عليه(3)

وغيرها من الروايات الدالة على حرمة التسمية مطلقاً.

أما الطائفة الثانية: وهي الروايات التي صرح فيها باسمه الشريف في كلمات الأئمة (علیهم السلام) والرواة فهي أيضاً عدة روايات: منها:


1) سورة البقرة، الآية: 148

2) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب 6 من أبواب التقية الحديث 9 ص 561

3) نفس المصدر الحديث 16 ص 566

رواية محمّد بن إبراهيم الكوفي أن أبا محمّد الحسن بن علي العسكري' بعث إلى بعض من سماه شاة مذبوحة وقال: هذه من عقيقة ابني محمد(1)

ومنها: رواية أبي غانم الخادم قال: ولد لأبي محمّد (علیه السلام) مولود، فسماه محمداً وعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم وهو القائم(2)

وفي هذه الرواية نقل الراوي أنّ الإمام سماه بذلك.

ومنها: رواية علان الرازي عن بعض أصحابنا، أنّه لما حملت جارية أبي محمّد قال: ستحملين ولداً واسمه محمد، وهو القائم من بعدي(3)

ومنها: رواية جابر بن عبد الله أنّه رأى قدام فاطمة (علیها السلام) لوحاً يكاد ضوؤه يغشي الأبصار، فيه اثنا عشر اسم، قال: فقلت: اسماء من هؤلاء؟ قالت: أسماء الأوصياء أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي، آخرهم القائم، قال جابر: فرأيت فيه محمداً محمداً محمداً في ثلاثة مواضع وعلياً علياً علياً علياً في أربعة مواضع(4)

وحديث اللوح ورد بعدة طرق وبعضها صحيح وورد بعبارات مختلفة وبمضمون واحد، وإن هذا اللوح ضم أسم القائم وكنيته وخصوصياته، وكان جابر يحدث بما رآه في ذلك اللوح.

ومنها: ما رواه المفضّل بن عمر قال: دخلت على سيدي جعفر بن محمّد ' فقلت له: يا سيدي لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك، فقال لي: يا مفضّل الإمام من بعدي موسى والخلف المأمول المنتظر محمّد بنالحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى(5)


1) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب 6 من أبواب التقية الحديث 22 ص 568

2) وسائل الشيعة ج 11 باب 33 من أبواب الأمر والنهي الحديث 16

3) نفس المصدر الحديث 17

4) نفس المصدر الحديث 21

5) نفس المصدر الحديث 22

ومنها: ما ذكره محمّد بن عثمان العمري عن أبيه عن أبي محمّد الحسن بن علي ' في الخبر الذي روي عن آبائه (علیهم السلام) أنّ الأرض لا تخلو من حجة الله على خلقه، وإن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، فقال: إن هذا حق كما أن النهار حق، فقيل: يابن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمّد هو الإمام والحجة بعدي، فمن مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية(1)

ومنها: رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عن آبائه (علیهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام) على المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان - وذكر صفة القائم وأحواله إلى أن قال: - له اسمان: اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يعلن فمحمّد الحديث(2)

فهذه الروايات تشتمل على التصريح باسم الحجة  على لسان الأئمة(علیهم السلام) أو على ألسنة الرواة.

وأما الطائفة الثالثة: وهي الدالة على المنع من جهة الخوف، ووقوع الطلب عليه لا مطلقاً فهي عدة روايات:

الأولى: رواية أبي عبد الله الصالحي، قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمّد(علیه السلام) أن أسأل عن الاسم والمكان؟ فخرج الجواب: إن دللتم على الاسم أذاعوه وإن عرفوا المكان دلّوا عليه(3)

الثانية: رواية عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عثمان العمري (في حديث) أنّه قال له: أنت رأيت الخلف؟ قال: إي والله «إلى أن قال:» قلت: فالاسم قال: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي فليس لي أن أحلّل ولا أحرّم، ولكن عنه (علیه السلام) فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمّد مضى ولم


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 33 من أبواب الأمر والنهي الحديث 23

2) نفس المصدر الحديث 19

3) نفس المصدر الحديث 7

يخلف ولداً «إلى أن قال:» وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وامسكوا عن ذلك(1)

الثالثة: معتبرة أبي خالد الكابلي، قال: لما مضى علي بن الحسين دخلت على محمّد بن علي الباقر ' فقلت: جعلت فداك قد عرفت انقطاعيإلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس، قال: صدقت يا أبا خالد تريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك قد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفة لو رأيته في بعض الطريق لأخذت بيده، قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قال: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه، فقال: سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمر ما لو كنت محدثاً به أحداً لحدثتك، ولقد سألتني عن أمر لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة(2)

الرابعة: رواية الحسين بن حمدان الحضيني في كتابه، عن علي بن الحسين بن فضال، عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا علي بن موسى' يقول: القائم المهدي  ابن ابني الحسن، لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه بعد غيبته أحد حتى يراه ويعلن باسمه فليسمه كل الخلق، فقلنا له: يا سيدنا فإن قلنا: صاحب الغيبة، وصاحب الزمان والمهدي، قال: هو كله جائز مطلقاً وإنما نهيتكم عن التصريح باسمه الخفي عن أعدائنا فلا يعرفوه(3).

ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): الخفي عن أعدائنا فلا يعرفوه، فالإخفاء إنما هو عن الأعداء، وأما غير الأعداء فلا نهي.

فهذه الروايات صريحة الدلالة على أن المنع عن ذكر اسمه الشريف إنما هو للخوف عليه من طلب الأعداء.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 33 من أبواب الأمر والنهي الحديث 8

2) البحار ج 51 باب النهي عن التسمية ص 31

3) مستدرك الوسائل ج 12 باب 31 من أبواب الأمر والنهي الحديث 15 ص 285

وأما الطائفة الرابعة: وهي الروايات الدالة على المنع عن التسمية في محافل الناس ومجامعهم فهما روايتان:

الأولى: رواية علي بن الحسين الدقاق وإبراهيم بن محمّد قالا: سمعنا علي بن عاصم الكوفي يقول: خرج في توقيعات صاحب الزمان  : ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس(1)

الثانية: معتبرة محمّد بن عثمان العمري قال: خرج توقيع بخط أعرفه: من سماني في مجمع من الناس فعليه لعنة الله(2)

هذه جملة من الروايات الواردة في التسمية، وهناك روايات أخرى غير ما ذكرنا لكنها لا تخرج عن واحدة من هذه الطوائف الأربع، ولعلنانشير إلى بعضها فيما سيأتي.

هذا وقد استدل للقول بالمنع عن التسمية مطلقاً بأدلة ثلاثة:

الأول: الروايات المانعة.

الثاني: الإجماع.

الثالث: السيرة العملية.

أما الروايات فسيأتي الكلام عنها.

وأما الإجماع فلا يمكن الاعتماد عليه لأنه لم يحرز أنّه إجماع تعبدي، وإن ورد في كلمات المحقق الداماد وغيره، ونسبوا القول بالمنع إلى قاطبة الأصحاب والمشايخ.

وأما السيرة فكذلك لأنه لا يعلم دلالتها على الحرمة أو الكراهة، ولم يحرز أنها متصلة بزمن الأئمة فتبقى الروايات المانعة وهي معارضة بالطوائف الثلاث الأخرى فلابد من البحث والتأمل.


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 33 من أبواب الأمر والنهي الحديث 12

2) نفس المصدر الحديث 13

والتحقيق: أن الروايات الدالة على المنع مطلقاً هي الأرجح من بين الروايات لأن أكثرها صحيح السند وواضح الدلالة، وظاهر النهي هو التحريم فالذي يقوى في النفس هو القول بالنهي عن التسمية مطلقاً ولابد حينئذ من توجيه بقية الروايات فنقول:

أما الطائفة الثانية: وهي التي ورد فيها التصريح باسمه الشريف فهي على نحوين:

الأول: ما ورد التصريح فيها على ألسنة الأئمة (علیهم السلام) .

الثاني: ما ورد التصريح فيها على ألسنة الرواة.

أما بالنسبة إلى النحو الأول فهو غير مشمول للحرمة والدليل الوارد في النهي عن التسمية خاص بما عدا الأئمة (علیهم السلام) ، فتصريح الأئمة (علیهم السلام) بالاسم الشريف للحجة لا مانع منه، وأكثر هذه الروايات من هذا القبيل كخبر اللوح الذي رآه جابر بن عبد الله، ورواية تسمية الإمام العسكري (علیه السلام) ابنه وغيرها كرواية المفضل ورواية السؤال عن معرفة إمام الزمان، مضافاً إلى أن بعضها ضعيف السند، كرواية أبي الجارود فإن في سندها إسماعيل بن مالك وهو لم يعرف.

والمتحصّل إن هذا القسم من هذه الطائفة خارج عن محل الكلام، ولا يصلح لأن يعارض به الروايات الناهية عن التسمية مطلقاً.

وأما بالنسبة إلى النحو الثاني فمع الإغماض عن المناقشة في أسناد هذه الروايات إلاّ أنّه يمكن القول إن الراوي ينقل نفس الألفاظ الواردة عنالمعصوم فتكون من قبيل الحكاية للدعاء أو القراءة للمكتوب، وهذا غير مشمول للأدلة فلابد من ملاحظة الرواية، فإن كانت التسمية من الراوي حكاية عن الإمام ونقلاً لألفاظه فلا إشكال، والإشكال فيما إذا كانت التسمية من نفس الراوي وفعل الراوي ليس حجة علينا، نعم لو صدرت التسمية من الراوي في محضر الإمام

ومجلسه وسكت الإمام كان ذلك تقريراً من المعصوم، ولم نعثر على شيء من ذلك في الروايات، هذا بالنسبة إلى الطائفة الثانية من الروايات.

وأما بالنسبة للطائفة الثالثة وهي الواردة في النهي عن التسمية لجهة الخوف وطلب الأعداء فقد ذكرنا أربع روايات وهي محل نقاش إما من جهة الدلالة، وإما من جهة السند، وإما من كلتا الجهتين.

ففي الرواية الأولى أبو عبد الله الصالحي وورد في بعض الروايات الأخرى أبو عبد الله بن صالح فلعلهما واحد، وعلى كل تقدير فهو مجهول فالرواية لا يعتمد عليها من جهة السند.

وأما من جهة الدلالة ففيها غموض وذلك لأن قوله (علیه السلام): إن دللتم على الاسم أذاعوه وإن عرفوا على المكان دلوا عليه وإن كان وارداً في مقام التعليل من جهة الخوف، ولكن إذا كان الإمام غائباً ولا يرى جسمه ولا شخصه فأي خوف عليه من معرفة الاسم أو المكان، فالحق أن دلالة الرواية غامضة وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها سنداً ودلالة.

وأما الرواية الثانية فهي من حيث السند معتبرة إلاّ أن الكلام من حيث الدلالة، فقد يستدل بها على أن الحرمة مخصوصة بظرف معين، وذلك بجملتين من الرواية الأولى قوله: «فإنّ الأمر عند السلطان أن أبا محمّد مضى ...» ، فالحرمة خاصة بزمان السلطان، والثانية: قوله: «إذا وقع الاسم وقع الطلب فاتقوا الله» ، فالتسمية توجب أن يقع عليه الطلب، ولذلك تحرم تسميته وهذه الجملة وإن كانت متفرعة عن الأولى إلاّ أنّه يمكن أن يقال: إن المقصود من السلطان الأعم من سلطان زمانه أو غيره، فيمكن الاستدلال بها على أن الحرمة خاصة بزمان الغيبة الصغرى أو مطلقاً، وعلى كل تقدير فالحرمة خاصة لأجل الخوف عليه من طلب الأعداء.

والجواب: أنّ الرواية وإن كانت معتبرة السند إلاّ أنها من حيث الدلالة

غير تامة، وذلك لأنّ التعليل الوارد في الرواية لم يعلم أنّه من الإمام (علیه السلام) بل من العمري، فإنه هو الذي علل الكلام بذلك، نعم الحكم بالحرمة من الإمام إلاّ أن التعليل من غيره، ومع الشك في ذلك لا يمكن الاستدلال بهاعلى المدعى، مضافاً إلى أنّه يرد على الرواية على أحد التقديرين ما يرد على الرواية الأولى، فتكون دلالتها غامضة.

والحاصل: أنّ هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لتقييد الروايات الناهية عن التسمية مطلقاً حتى يظهر.

وأما الرواية الثالثة وهي رواية الكابلي فهي معتبرة السند ولا إشكال فيها من هذه الناحية فإن عبد الواحد بن عبد الله(1)ثقة ومحمّد بن جعفر - كما في سند البحار نقلاً عن غيبة النعماني - ثقة أيضاً، وذلك لأنّ محمّد بن جعفر الذي يروي عن ابن أبي الخطاب اثنان: أحدهما ثقة وهو الرزاز(2)، والآخر ضعيف وهو ابن بطة(3)، والوارد في الرواية هو الأول دون الثاني، فإن النعماني في غيبته(4)صرح بأنه محمّد بن جعفر القرشي وهو أبو الحسين الكوفي الرزاز، ولولا ذلك لتوقفنا في سند الرواية، ثمّ إنّ ابن أبي الخطاب(5)ومحمّد بن يحيى الخثعمي(6)وضريس(7)وأبا خالد الكابلي(8)كلهم ثقات ومحمّد بن سنان وإن كان فيه نقاش إلاّ أننا استظهرنا وثاقته.

والحاصل: أن سند الرواية معتبر كما أنها وردت في غيبة الطوسي بسند


1) رجال الشيخ باب من لم يرو عنهم (علیهم السلام) ص 481 الطبعة الأولى

2) رجال النجاشي 2 : 284 الطبعة الأولى المحققة

3) نفس المصدر : 282

4) كتاب الغيبة: 114 ما جاء في جيش الغضب الحديث 4

5) رجال النجاشي 2 : 220 الطبعة الأولى المحققة

6) نفس المصدر: 258

7) لوقوعه في أسناد تفسير القمي راجع الجزء 1 ص 258 الطبعة الأولى المحققة

8) لوقوعه في أسناد تفسير القمي راجع الجزء 2 ص 147 الطبعة الأولى المحققة

صحيح(1)

وأما من جهة الدلالة فهي تامة أيضاً، فإن الإمام الباقر (علیه السلام) تحفّظ على الاسم ولم يذكره لأبي خالد، ومنه يعلم أنّ التحريم لا يختص بزمان ولادته بل قبل ولادته أيضاً، وإذا كان يخاف على الإمام من بني فاطمة وهم أقرب الناس إلى الأئمة فكيف بغيرهم؟

ولكن هذا التعليل لا يستفاد منه اختصاص الحرمة بزمان دون زمان بل إلى زمان الظهور، فيكون وجهاً لحرمة التسمية مطلقاً ومؤيداً للطائفة الأولى من الروايات.وأما الرواية الرابعة وهي رواية المستدرك فسندها صحيح، وقلنا: إنّ محل الشاهد قوله: «الخفي عن أعدائنا» ، وغير الأعداء لا تقية عنهم، وقد استدل بعضهم بهذه الرواية على اختصاص النهي عن التسمية بالخوف من الأعداء.

والجواب: أنّ الرواية وإن كانت صحيحة السند إلاّ أنّ الكلام في صاحب الكتاب وهو الحسين بن حمدان الحضيني، فقد قال عنه النجاشي: فاسد المذهب(2)وقال عنه ابن الغضائري كذّاب فاسد المذهب ...(3)، ولا أقل من أنّه لم يرد فيه توثيق، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية، هذا ما يتعلق بالطائفة الثالثة.

وأما الطائفة الرابعة التي يستفاد منها أنّ النهي عن التسمية في المجامع والمحافل فقد قلنا إنّها روايتان:

أما الرواية الأولى فهي من حيث السند ضعيفة، فإنّ فيه آدم بن محمّد البلخي وهو لم يوثق وإن كان بقية أفراد السند لا بأس بهم.


1) كتاب الغيبة: 333 الحديث 278 الطبعة الأولى المحققة مؤسسة المعارف الإسلامية - قم

2) رجال النجاشي 1 : 187 الطبعة الأولى المحققة

3) معجم رجال الحديث 6 : 244 الطبعة الخامسة

وأما من جهة الدلالة فقد استدل بها على أن المراد من الناس في الرواية هم العامة كما يطلق ذلك عليهم كثيراً، وأن النهي مختص بمحافلهم وهو مظنة التقية والمفسدة، وذهب إلى ذلك صاحب الوسائل.

والجواب: أن المقصود من الرواية هو شدة الحرمة وتأكدها في المحافل لا أنّ النهي مختص بها، وبناء على ذلك فالرواية سنداً ودلالة غير تامة.

وأما الرواية الثانية فهي من حيث السند معتبرة فإن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق من مشايخ الصدوق وقد ترضى عنه، وبناء على أن الترضي علامة على الوثاقة كما حققناه في محله فيكون محمّد بن إبراهيم ثقة، كما أن محمّد بن همام، ومحمّد بن عثمان ثقتان فلا إشكال في اعتبار السند.

وأما من جهة الدلالة فقد قيل: إنّ الناس هم العامة كما قيل في الرواية السابقة، وبناء عليه فحرمة التسمية مختصة بالتقية من العامة.

وفيه: أولاً: لم يحرز أن الناس هم خصوص العامة وقد وردت روايات أخرى يستفاد منها أن الناس هم مطلق الناس، كما وردت روايات أخرى يستفاد منها أن الناس هم العامة، والظاهر من الرواية هو مطلق الناس وليس فيها قرينة تعينهم بالعامة.

وثانياً: أنّ النهي عن التسمية في مجمع الناس لا يدل على أنّه في غيرالمجمع غير منهي عنه.

وثالثاً: لم تشتمل الرواية على ما يصرف ظاهرها إلى التقية.

وبناء عليه فلا يمكن رفع اليد عن الإطلاقات الكثيرة بهذه الرواية، فإنّ التمسك بها لرفع اليد عن الروايات الصحيحة سنداً والتامة دلالة يلزم منه تخصيص الأكثر.

والذي تحصل: أننا لم نقف على رواية معتبرة السند والدلالة تنهض

لمعارضة الروايات المتعددة الصحيحة في سندها والصريحة في دلالتها على أن الحرمة لا تختص بزمان دون زمان، فالتقييد بزمان الغيبة أو بالخوف أو بمحافل الناس ضعيف جداً، والقول بالحرمة مطلقاً هو الأقوى.

فروع:

الأول: هل تختص الحرمة بذكر الاسم الشريف للغير؟ أو أنها مطلقة فتشمل الذكر للنفس أيضاً؟

ظاهر الروايات هو الأول وإن كان الذكر في نفسه شاملاً لكلا الحالتين.

وقد ورد الذكر في روايتين الأولى: معتبرة داود بن القاسم الجعفري ففيها: ... ولا يحل لكم ذكره باسمه.

والثانية: موثقة عبد العظيم الحسني وفيها: ... ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج.

والروايتان مطلقتان إلاّ أن انصراف التحريم عرفاً هو الذكر بالنسبة إلى الغير، ولا ينافيه كون الذكر شاملاً للذكر للنفس.

ويؤيد ذلك الروايات المانعة عن التسمية في محافل الناس ومجامعهم، أو عند الخوف من الطلب، ومع الشك في الشمول فالقدر المتيقن هو الذكر للغير، وما عداه يكون مجرى أصالة البراءة للشك في التكليف حينئذ، فالظاهر هو الجواز والاحتياط لا يترك.

الثاني: هل تشمل الحرمة كتابة الاسم الشريف أو أنها تختص بالتلفظ؟

يمكن القول بأن الكتابة خارجة وهي غير مشمولة للحرمة، وذلك لأن الكتابة لا يصدق عليها أنها تسمية، مضافاً إلى ما تقدم من التصريح في النهي عن الذكر، والكتابة ليست من الذكر.

وما يقال: من أن المناط واحد فكما أن الذكر محرم فكذلك الكتابة، مدفوع

بأنّ المناط هنا غير معتبر، فإن الناس وإن كانوا يعرفون الاسم إلاّأن الذكر في نفسه محرم، فلم يحرز أن العلم هو المناط في الحرمة، فالقول بالجواز هو الأقوى والاحتياط في محله.

الثالث: هل تختص الحرمة بناء على القول بها بالاسم الشريف؟ أم أنها تعم الكنية أيضاً؟

والوارد من الروايات في هذا المعنى ثلاث روايات:

الأولى: صحيحة أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري - المتقدمة - عن أبي جعفر (علیه السلام) (في حديث الخضر (علیه السلام) ) أنّه قال: واشهد على رجل من ولد الحسن لا يسمى ولا يكنى حتى يظهر أمره، فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً إنه القائم بأمر الحسن بن علي ' (1)

وهذه الرواية وإن كانت صحيحة السند إلاّ أن دلالتها على الحرمة ليست واضحة، بخلاف الاسم فإنّ الروايات الناهية عن التسمية صريحة الدلالة، كما أنها صحيحة الأسناد.

الثانية: ما أورده صاحب المستدرك نقلاً عن كتاب الغيبة للفضل بن شاذان، عن محمّد بن عبد الجبار، قال: قلت لسيدي الحسن بن علي ': يابن رسول الله جعلت فداك - أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ قال: إنّ الإمام والحجة بعدي ابني سمي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وكنيه الذي هو خاتم حجج الله وخلفائه «إلى أن قال (علیه السلام): » فلا يحل لأحد أن يسميه أو يكنيه باسمه وكنيته قبل خروجه صلوات الله عليه(2)

الثالثة: ما رواه الفضل بن شاذان أيضاً في كتاب الغيبة عن إبراهيم بن محمّد بن فارس النيسابوري، قال: لما همّ الوالي عمرو بن عوف بقتلي، وهو رجل


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 33 من أبواب الأمر والنهي الحديث 3

2) مستدرك الوسائل ج 12 باب 31 من أبواب الأمر والنهي الحديث 3 ص 280

شديد وكان مولعاً بقتل الشيعة، فأخبرت بذلك وغلب عليّ خوف عظيم، فودّعت أهلي وأحبائي وتوجهت إلى دار أبي محمّد (علیه السلام) لأودعه، وكنت أردت الهرب، فلما دخلت عليه رأيت غلاماً جالساً في جنبه، وكان وجهه مضيئاً كالقمر ليلة البدر، فتحيرت من نوره وضيائه، وكاد أن أنسى ما كنت فيه من الخوف والهرب، فقال: يا إبراهيم، لا تهرب فإن الله تبارك وتعالى سيكفيك شره فازداد تحيري، فقلت لأبي محمّد (علیه السلام): يا سيدي جعلني الله فداك من هو وقد أخبرني بما كان في ضميري؟! فقال: هو ابني وخليفتي من بعدي. وهو الذي يغيب غيبة طويلة، ويظهر بعد امتلاء الأرض جوراًوظلماً، فيملأها قسطاً وعدلاً فسألته عن اسمه، فقال: هو سمي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وكنيّه، ولا يحلّ لأحد أن يسميه أن يكنيه بكنيته إلى أن يظهر الله دولته وسلطنته، فاكتم يا إبراهيم ما رأيت وسمعت منّا اليوم إلاّ عن أهله، فصليت عليهما وآبائهما وخرجت مستظهراً بفضل الله تعالى واثقاً بما سمعت من الصاحب (علیه السلام) الخبر(1)

والروايتان وإن كانتا معتبرتين سنداً وواضحتين دلالة وهما أصرح في الحرمة من الرواية الأولى، واحتمال أن الحرمة فيهما إنما هي للجمع بين الاسم والكنية مدفوع بأنّ الإمام (علیه السلام) عبّر بأو دون الواو، إلاّ أن الكلام في الطريق إلى كتاب الغيبة، فبناء على ثبوت الطريق فالحكم بالحرمة ثابت، وأمّا بناء على عدم ثبوت الطريق وانحصاراستفادة الحكم من الرواية الأولى فلا، لعدم وضوح الدلالة فيها على الحرمة كما ذكرنا، ومع الشك فأصالة البراءة جارية.

الرابع: في الجمع بين الاسم والكنية (في المولود).

ظاهر المشهور الحكم بالكراهة.

قال في الجواهر: «ويكره أن يكنيه أبا القاسم إذا كان اسمه محمداً» (2)ولم


1) مستدرك الوسائل ج 12 باب 31 من أبواب الأمر والنهي الحديث 4 ص 281

2) جواهر الكلام 31 : 256 الطبعة السادسة

ينقل في المسألة خلافاً وقال في المقنع: «وإذا كان اسمه محمداً فلا تكنه بأبي القاسم» (1)

وقال في الهداية: «ولا يكنّيه بعيسى ولا بالحكم ولا بالحارث لا بأبي القاسم، إذا كان الاسم محمداً» (2)ولم يعبر الشيخ الصدوق بالكراهة أو الحرمة بل عبر بالنهي.

وقال السيد الأستاذ في منهاج الصالحين: يستحب غسل المولود والأذان في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى وتحنيكه بتربة الحسين (علیه السلام) وتسميته باسم أحد الأنبياء والأئمة (علیهم السلام) وتكنيته (ولا يكنى محمّد بأبي القاسم) (3)، وهكذا في كلمات غيرهم.

وجاء في الروايات النهي عن الجمع بين الاسم والكنية ومنها:

معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) نهى عن أربع كنىعن أبي عيسى وعن أبي الحكم وعن أبي مالك وعن أبي القاسم إذا كان الاسم محمداً(4)

وهذه الرواية أوردها الكليني في الكافي (5)والصدوق في الخصال(6)والشيخ في التهذيب(7)

ومنها: ما جاء في المستدرك نقلاً عن دعائم الإسلام عن رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، أنّه نهى عن أربع كنى عن أبي عيسى، وأبي الحكم، وعن أبي مالك، وعن أبي القاسم إذا كان الاسم محمداً، نهى عن ذلك سائر الناس، ورخص فيه لعلي (علیه السلام) ، وقال المهدي من ولدي يضاهي اسمه اسمي وكنيته كنيتي(8)


1) المقنع: 335 تحقيق مؤسسة الإمام الهادي (علیه السلام)

2) كتاب الهداية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 60 الطبع القديم

3) منهاج الصالحين 2 : 292 الطبعة الثالثة

4) وسائل الشيعة ج 15 باب 29 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 2

5) فروع الكافي ج 6 باب الأسماء والكنى الحديث 15

6) الخصال باب الأربعة ص 250 الحديث 117

7) تهذيب الأحكام ج 8 باب الولادة والنفاس والعقيقة الحديث 15 (1751)

8) مستدرك الوسائل ج 15 باب 20 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 1

ومنها: ما عن فقه الرضا (علیه السلام) ولا تكنِّ بأبي عيسى ولا بأبي الحكم، ولا بأبي الحارث، ولا بأبي القاسم إذا كان الاسم محمداً(1)

ومنها: ما عن الجعفريات بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ' ، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): إني لا أحل لأحد أن يتسمى باسمي ولا يتكنى بكنيتي، إلاّ مولود لعلي(علیه السلام) من غير ابنتي فاطمة (علیها السلام) ، فقد نحلته اسمي وكنيتي وهو محمّد بن علي(2).

ومقتضى الرواية الأخيرة هو الحرمة في الجمع بين الاسم والكنية إلاّ لمن استثني .

إلاّ أن الكلام في سند الكتاب، فإن كان معتبراً أمكن القول بالاحتياط، وقد ذكرنا في بحوثنا الرجالية أن كتاب الجعفريات لم يثبت منه عندنا إلاّ بمقدار الثلث، وما عداه فهو محلّ نظر .

وأما كتاب فقه الرضا فهو أيضاً محلّ كلام وبحث، وفصلنا القول فيه في محله، وهكذا الكلام بالنسبة إلى كتاب دعائم الإسلام .

فتبقى معتبرة السكوني وهي غير تامة الدلالة، لأنّ النهي مطلق يشمل الكراهة والحرمة، مضافاً إلى أن التكنية بأبي عيسى وأبي الحكم وأبي مالك مكروهة، ولم يقل أحد بحرمتها فهذه كذلك، فإنها جميعاً على نسقواحد، نعم ورد النهي عن التسمية بحكم وحكيم وخالد ومالك وحارث وحرب ومرة وضرار وظالم وضريس(3)وهو أيضاً محمول على الكراهة .

وأما التسمية بمحمّد فهي من المستحبات كما يستفاد ذلك من جملة من الروايات ولا بأس بإيراد بعضها تيمناً .


1) مستدرك الوسائل ج 15 باب20 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 4

2) مستدرك الوسائل ج 15 باب 20 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 4

3) وسائل الشيعة ج 15 باب 28 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 1 ، 2 ، 5 ، 6

منها: رواية عاصم الكوزي عن أبي عبد الله أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: من ولد له أربعة أولاد ولم يسم أحدهم باسمي فقد جفاني(1)، وفي رواية أخرى ثلاث بنين(2).

ومنها: رواية جابر، عن أبي جعفر (علیه السلام) ، في حديث أنّه قال لابن صغير ما اسمك؟ قال: محمد، قال: بم تكنى؟ قال: بعلي، فقال أبو جعفر (علیه السلام): لقد احتظرت من الشيطان احتظاراً شديداً، إنّ الشيطان إذا سمع منادياً ينادي يا محمّد أو يا علي ذاب كما يذوب الرصاص، حتى إذا سمع منادياً ينادي باسم عدو من أعدائنا اهتز واختال(3)

ومنها: رواية أبي هارون مولى آل جعدة، قال: كنت جليساً لأبي عبد الله(علیه السلام) بالمدينة ففقدني أياماً، ثمّ إني جئت إليه فقال: لم أرك منذ أيام يا أبا هارون فقلت: ولد لي غلام، فقال: بارك الله لك فما سميته؟ قلت: سميته محمداً، فأقبل بخده نحو الأرض وهو يقول محمّد محمّد محمد، حتى كاد يلصق خده بالأرض، ثمّ قال: بنفس وبولدي وبأهلي وبأبوي وبأهل الأرض كلهم جميعاً الفداء لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، لا تسبه ولا تضربه ولا تسيء إليه، واعلم أنّه ليس في الأرض دار فيها اسم محمّد إلاّ وهي تقدّس كل يوم الحديث(4)

ومنها: ما رواه في عدة الداعي قال: قال الرضا (علیه السلام): البيت الذي فيه محمّد يصبح أهله بخير ويمسون بخير(5)

ومنها: ما ورد في صحيفة الرضا عن آبائه، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: إذا سميتم


1) وسائل الشيعة ج 15 باب 24 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 5

3) نفس المصدر الحديث 3

4) نفس المصدر الحديث 4

5) نفس المصدر الحديث 6

الولد محمداً فأكرموه وأوسعوا له في المجلس ولا تقبّحوا لهوجهاً(1)

وغيرها من الروايات الكثيرة التي يستفاد منها الترغيب في التسمية بمحمد.

والحاصل مما ذكرنا: أنّ النهي عن الجمع بين الاسم والكنية محمول على الكراهة، ولم نجد قولاً بالحرمة، وقد تقدم أنّ صاحب الجواهر ذكر قولاً واحداً وهو الكراهة ومع الشك فالقدر المتيقّن هو الكراهة، وما زاد فهو مجرى أصالة البراءة .

الخامس: ذكرنا فيما تقدم في الطائفة الثانية رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (علیه السلام) وفيها أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) قال على المنبر: إنّ لصاحب الأمر اسمين أحدهما معلن والآخر خفي وقد عثرنا على رواية أخرى جاءت في مختصر بصائر الدرجات، وهي أخبرنا جماعة عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري، عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن علي بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن محمّد المصري، عن عمه الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن الباقرعن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين(علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي(علیه السلام): يا أبا الحسن احضر صحيفة ودواة فأملى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: يا علي إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً ، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أول الاثني عشر الإمام، سمّاك الله في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصديق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون والمهدي، فلا تصلح هذه الأسماء لأحد غيرك، يا علي أنت وصيي على أهل بيتي حيهم وميتهم، وعلى نسائي فمن ثبّتها لقيتني غداً، ومن طلقتها فأنا بريء منها لم ترني ولم أرها في عرصات القيامة، وأنت خليفتي على


1) وسائل الشيعة ج 15 باب 24 من أبواب أحكام الأولاد الحديث 7

أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الشهيد المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمّد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمّد التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذاحضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد صلى الله عليه وعليهم، فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المهديين، له ثلاثة أسامي اسم كاسمي واسم أبي وهو عبد الله، وأحمد، والاسم الثالث المهدي، وهو أول المؤمنين(1)

ووردت بهذا المعنى روايات متعددة، إلاّ أنها غير واضحة الدلالة فلعل المراد منها هو الرجعة، ويحتمل أن الأسماء الثلاثة ترجع إلى المهدي الأول، وهو أول المؤمنين لا إلى آخر الأئمة، مضافاً إلى أنّ هذه الرواية يرد عليها ما ورد على الرواية المتقدمة في الطائفة الثانية.

هذا من جهة الدلالة، وأما من جهة السند فهي تشتمل على عدة من المجاهيل، وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها، والداعي لذكر الرواية هو ورود التسمية بأحمد كما في الرواية المتقدمة في الطائفة الثانية.

السادس: ما هو الوجه والحكمة لحرمة التسمية؟

أما ما تقدم من بعض الروايات من أنّه للخوف عليه من طلب الأعداء فلم نفهم له معنى، إذ من الثابت أن له غيبة لا يرى فيها شخصه فكيف يخاف عليه؟!


1) مختصر بصائر الدرجات باب الكرات وحالاتها: 39 الطبعة الأولى

مضافاً إلى أن اسمه معروف فإنه سمي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأما ما ذكر من أن المنع إنما هو للتقية فهذا لا كلام فيه، فإن التقية في كل شيء حتى بالنسبة لغير الحجّة  من سائر الأئمة (علیهم السلام) .

وقد ذكرت وجوه أخرى لذلك.

والذي نراه أنّ وراء هذه الحرمة المشددة والنهي المؤكد شيئاً آخر، وهو أن وجه المنع في ذلك إنما هو لسد الباب على المدعين لهذا الأمر، حتى يظهر بنفسه ويعلن عن نفسه مؤيداً بالدلائل والآيات، وإن في التحفّظ عن ذكر اسمه الشريف إحداث شوق في نفوس المؤمنين، وحرص على التمسك به، وتطلّع إليه، والشعور بأهميته كما أنّ في كتمان اسمه والتحفّظ عليه ربطاً بالإمام الحجّة  ، لأن المؤمن إذا التفت إلى أنّه يحمل أمانة وسرّاً ازداد تعلّقه وارتباطه، وليس المنع هو مجرد الخوف عليه من طلب الأعداء، وهكذا الأمر بالنسبة إلى عدم الرؤية، ولعل في الروايات التي تتحدّث عن الظهور وما بعده إشارة إلى ما ذكرناه.

ويحتمل أن هناك وجوهاً ومصالح أخرى لم ندركها بعد.عجّل الله تعالى فرجه الشريف وجعلنا من أنصاره وأعوانه وثبّتنا على القول بعصمته وغيبته.

والحمد لله ربّ العالمين

وبهذا يتم الكلام عن الفصل الثاني

الفصل الثالث

اشارة

فروع الدين المشروطة بقصد القربة التقية في الوضوء

· تعيين موارد البحث من هذا الموضوع.

· بيان الوضوء الواقعي المستفاد من الكتاب والسنة وعمل النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (علیهم السلام) .

· الدليل على أنّ الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة وأنّ الثالثة بدعة.

· الدليل على أنّ الغسل من الأعلى لا من الأسفل.

· في بيان أنّ الواجب هو مسح مقدم الرأس لا جميعه.

· الدليل على وجوب مسح الرجلين لا غسلهما.

· بطلان المسح على الخفين، واعتراف كثير من الصحابة بذلك.

· أحكام التقية في هذه الموارد وبيان الأحكام المترتبة عند المخالفة.

التقية في الوضوء:

وهذا البحث هو من أهم البحوث في هذا الموضوع وذلك لعموم البلوى به، واحتجاج كل من الفريقين بعدة أدلة على صحة عمله، وكثرة الروايات الواردة فيه واختلافها.

ونظراً لأهمية البحث لا بأس بمعالجة الموضوع من جميع أطرافه بما يناسب المقام، فنقول: إنّ موارد التقية من الوضوء ستة هي:

الأول: في غسل الوجه واليدين من حيث الكمية (مرة أو ثلاث).

الثاني: في غسل الوجه واليدين من حيث الكيفية (من الأعلى إلى الأسفل أو بالعكس).

الثالث: في مسح الرأس كلاًّ أو بعضاً مع الأذنين أو بدونهما.

الرابع: في غسل الرجلين أو مسحهما.

الخامس: في مسح الرأس والرجلين بماء الوضوء أو بماء مستأنف.

السادس: في جواز المسح على الخفين وعدمه.

أما المورد الأول: فالخلاف بيننا وبينهم بيّن، فهم قائلون بالغسل ثلاثاً وعملهم عليه، حتى أنّه يمكن أن يشخّص الإمامي من غيره بهذا الفعل، فإن المتسالم عليه عند الإمامية أن الواجب في الوضوء هو غسل الوجه واليدين مرة مرة، والثانية مستحبة على خلاف سيأتي، وأما الثالثة فهي بدعة، قال الشيخ في

الخلاف:الفرض في غسل الأعضاء مرة واحدة، واثنتان سنة، والثالثة بدعة، وفي أصحابنا من قال: إنّ الثانية بدعة، وليس بمعول (بمعتمد) عليه، ومنهم من قال الثالثة تكلّف، ولم يصرّح بأنها بدعة، والصحيح الأول. وقال الشافعي: الفرض واحد واثنتان أفضل، والسنة ثلاثة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك: مرة أفضل من المرتين، وحكى عن بعضهم أن الثلاث مرات واجب(1)

والمقصود من قوله: وفي أصحابنا من قال: إنّ الثانية بدعة هو الشيخ الصدوق، فقد نسب إليه ذلك كما في السرائر(2)، كما أن المراد من قوله:ومنهم من يقول: الثالثة تكلف، هو الشيخ المفيد ! (3)

والحاصل: أنّ المشهور عند الإمامية استحباب الثانية وحرمة الثالثة حرمة تكليفية ووضعية، ونسب الجواز إلى ابن أبي عقيل(4)، وابن الجنيد(5)، والشيخ المفيد(6)وإلى المحقق في المعتبر حيث استوجه عدم البطلان(7)

كما نسب إلى الشهيد(8)في الدروس والذكرى القول بأنّ الغسلة الثالثة مفسدة للوضوء من جهة أنّ الماء المستخدم فيها ماء جديد مستأنف، فيكون المسح بماء غير ماء الوضوء .

وهنا قول آخر ينسب إلى النهاية(9)والمدارك(10)وهو أنّ فساد الوضوء إنما يتحقق إذا كان الغسل بالماء الثالث وقع على اليد اليسرى لا على غيرها من


1) الخلاف 1 : 15 الطبعة الثانية

2) كتاب السرائر: 17 الطبع القديم

3) المقنعة : 49 الطبعة الثانية

4) جواهر الكلام 2 : 276 الطبعة السابعة

5) نفس المصدر

6) نفس المصدر

7) المعتبر في شرح المختصر: 44 الطبع القديم

8) الحدائق الناضرة 2 : 347

9) نفس المصدر

10) جواهر الكلام 2 : 281

سائر الأعضاء، وهذا القول أخص من قول الشهيد وسيأتي بيان الحق في ذلك عند تحقيق المقام .

ثم إنّ كل من يرى أنها بدعة يقول: إنها مفسدة للوضوء بقول مطلق.

هذه هي أقوال الخاصة في المسألة، وأما العامة فقد ذكرنا بعض أقوالهم في العبارة المتقدمة للشيخ .

وقال ابن رشد في البداية: اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الاعضاء المغسولة مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنتين والثلاث مندوب إليهما(1).

وفي المهذب: والمستحب أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً ... فإن اقتصر على مرة وأسبغ أجزأه(2)

وفي المغني: الوضوء مرة مرة والثلاث أفضل، هذا قول أكثر أهل العلم، وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: الوضوء ثلاث ثلاث إلاّ فيغسل الرجلين(3)

وفي فتح الباري: ومن الغرائب ما حكاه الشيخ أبو حامد الاسفرايني، عن بعض العلماء أنّه لا يجوز النقص من الثلاث ... وهو محجوج بالإجماع(4)

هذه أقوال العامة، ومنها يتبين أنّ الثلاث عندهم سنة بخلاف الخاصة، فإنهم يرونها بدعة وتشريعاً محرماً، ولعل التزام العامة بهذه السنّة عملاً وكأنما يرونها واجباً لهذه الجهة أي لجهة أنّ الخاصة يرون أن الثالثة بدعة .

ثم إنّ الكلام ينبغي أن يكون في مورد الخلاف بيننا وبين العامة وهو خصوص الغسلة الثالثة، وأما الكلام بالنسبة إلى الغسلة الأولى والثانية فهو خارج عن المقام، وقد فصلنا القول فيه في مبحث الطهارة من مباحثنا الفقهية،


1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1 : 8 دار الفكر

2) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 : 18 دار الفكر

3) المغني والشرح الكبير 1 : 158 الطبعة الأولى1404 ه- - 1983 م دار الفكر

4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1 : 188 الطبعة الثانية 1402 ه-

وإن كان سيأتي خلال الأبحاث الآتية ما يتعلق بالغسلة الأولى والثانية .

وأما ما يتعلق بما نحن في صدده فالحق أنّ الغسلة الثالثة بدعة منهي عنها، وهي توجب فساد الوضوء، وإلى ذلك ذهب الشيخ كما تقدم، والدليل على ذلك من الكتاب والروايات الكثيرة المتواترة، ويمكن دعوى الإجماع للعلم بشخص المخالف في ذلك وإن جلّ الفقهاءمن الطائفة يعتبرون الثالثة بدعة مفسدة للوضوء .

أما ما يستدل به من الكتاب فقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) (1)بتقريب: أنّ الواجب هو غسل الوجه واليدين فمتى تحقق الغسل فقد امتثل المكلف الأمر، وتحقق المأمور به، وهذا إنما يتم بغسلة واحدة، وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل خاص، وقد قام الدليل الخاص على مشروعية الغسلة الثانية بل على استحبابها وأنها متممة للغسلة الأولى، وأما ما زاد على الثانية فلا دليل لنا عليه، فلا يمكن القول بأنّ الثالثة جائزة، وهو لا يخرج عن دائرة التشريع المحرم لأنّ العبادات أمور توقيفية، والمقدار الذي دلّ عليه الدليل هو الغسلة الأولى بالأصل والثانية بواسطة الروايات الخاصة في المورد والزايد على الثانية لم يرد فيه دليل بل ورد النهي عنه .وأما بالنسبة إلى الروايات فيمكن الاستدلال بها أيضاً على عدم جواز الغسلة الثالثة، وهي على طوائف :

الأولى: ما تدل على الاكتفاء بمرة واحدة ولا يجوز التعدي عنها، وإذا كان لا يجوز التعدي عن المرة إلى الثانية فبالأولى لا تجوز الثالثة.

الثانية: ما تدل على جواز الغسل مرتين، وأن الثانية مستحبة، وأن الاستحباب لا يكون أزيد من مرتين .

الثالثة: ما تنص على أنّ الثالثة بدعة .


1) سورة المائدة، الآية: 6

أما الطائفة الأولى فهي عدة روايات منها الروايات البيانية التي تحكي وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهي :

1 - صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء فوضعه بين يديه، ثمّ حسر عن ذراعيه، ثمّ غمس فيه كفه اليمنى، ثمّ قال: هكذا إذا كانت الكف طاهرة، ثمّ غرف مِلأها ماء فوضعها على جبهته، ثمّ قال: بسم الله وسدله على أطراف لحيته، ثمّ أمرّ يده على وجهه وظاهر جبهته مرة واحدة، ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى فأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثمّ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلّة يمناه .

قال: وقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّ الله وتر يحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك، وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى، قال زرارة: قال أبو جعفر (علیه السلام): سأل رجل أمير المؤمنين(علیه السلام) عن وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فحكى له مثل ذلك(1)

ويستفاد من قوله (علیه السلام): إنّ الله وتر يحب الوتر ... الخ أنّ الواحدة تجزي، وأن الاقتصار على الواحدة ينفي - بحسب ظاهرها - استحباب الزائد حتى الاثنتين لأنه ينافي التعليل .

2 - صحيحة زرارة وبكير، أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): فدعا بطست أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى فغرف بهاغرفة فصبّها


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 2

على وجهه فغسل بها وجهه، ثمّ غمس كفه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق، ثمّ غمس كفه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق وصنع بها مثل ما صنع باليمنى، ثمّ مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماء جديداً، ثمّ قال: ولا يدخل أصابعه تحت الشراك، قال: ثمّ قال: إنّ الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلاّ غسله، وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلاّ غسله، لأنّ الله تعالى يقول: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ).

ثم قال: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه، قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: هاهنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق والكعب أسفل من ذلك، فقلنا: أصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله(1)

وصدر الرواية واضح الدلالة في أن وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان بالغسل مرة مرة، نعم قوله (علیه السلام) في ذيل الرواية: والثنتان تأتيان على ذلك كله، غير ظاهر فهل المراد هو الثنتان على كل عضو؟ أو للذراعين؟ ولذا وقع الخلاف في تفسير هذه الجملة.

3 - موثقة بكير بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ فأخذ بكفه اليمنى كفاً من ماء فغسل به وجهه، ثمّ أخذ بيده اليسرى كفاً فغسل به يده اليمنى، ثمّ أخذ بيده اليمنى كفاً من ماء فغسل به يده


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 3

اليسرى، ثمّ مسح بفضل يديه رأسه ورجليه(1)

والرواية واضحة الدلالة كما أنها تامة السند.

4 - صحيحة زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر (علیه السلام) وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بقدح من ماء، فأخذ كفاً من ماء فأسدله على وجهه (من أعلى الوجه) ثمّ مسح (على) وجهه من الجانبين جميعاً، ثمّ أعاد يده اليسرى في الإناء فأسدلها على يده اليمنى ثمّ مسح جوانبها، ثمّ أعاد اليمنى في الإناءفصبّها على اليسرى، ثمّ صنع بها كما صنع باليمنى، ثمّ مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء(2).

5 - صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده والماء أوسع، ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ قلت: بلى، قال: فأدخل يده في الإناء ولم يغسل يده فأخذ كفاً من ماء فصبه على وجهه، ثمّ مسح جانبيه حتى مسحه كله، ثمّ أخذ كفاً آخر بيمينه فصبه على يساره، ثمّ غسل به ذراعه الأيمن، ثمّ أخذ كفاً آخر فغسل به ذراعه الأيسر، ثمّ مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه(3)

6 - موثقة ميسر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)؟ ثمّ أخذ كفاً من ماء فصبها على وجهه، ثمّ أخذ كفاً فصبها على ذراعه، ثمّ أخذ كفاً فصبها على ذراعه الأخرى، ثمّ مسح رأسه وقدميه ثمّ وضع يده على ظهر القدم، ثمّ قال: هذا هو الكعب، وقال: وأومأ بيده إلى الأسفل العرقوب ثمّ قال: إنّ هذا هو الظنبوب(4)

هذه جملة من الروايات البيانية الحاكية لوضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكلها


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 4

2) نفس المصدر الحديث 6

3) نفس المصدر الحديث 7

4) نفس المصدر الحديث 9

تنص على أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) يكتفي بالمرة الواحدة في غسل الوجه واليدين.

وهناك روايات أخرى تنص على المرة الواحدة أو تنفي ما زاد عليها منها:

1 - موثقة عبد الكريم بن عمرو قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء فقال: ما كان وضوء علي (علیه السلام) إلاّ مرة مرة(1)

وهذه الرواية صريحة الدلالة على أن الفرض غسلة واحدة ولا يتعدى عنها، وذلك لأنّ الإمام (علیه السلام) نقل فعل أمير المؤمنين (علیه السلام) ولو كان الزائد مستحباً لكان أمير المؤمنين (علیه السلام) أولى بالالتزام به.

2 - موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الوضوء قال: اعلم أنّ الفضل في واحدة ومن زاد على اثنتين لم يوجر(2)

والرواية من جهة السند تامة فإنها واردة في نوادر البزنطي، وهي مما استطرفه صاحب السرائر في آخر كتابه والطريق إليها معتبر، كما أنلصاحب السرائر طريقاً إلى الشيخ، وطريق الشيخ إلى البزنطي صحيح فلا إشكال في سند الرواية، وإنما الكلام في دلالتها إذ يحتمل أن المراد من قوله(علیه السلام): الفضل في واحدة أنّ الزائد على الواحدة لا فضل فيه إلاّ أن قوله: ومن زاد على اثنتين ينفي هذا الاحتمال، فهل يستفاد من ذلك استحباب الثانية؟ أو أنها مسكوت عنها؟ كل ذلك محتمل، وعلى كل تقدير فالرواية تنفي الثالثة وهي واضحة الدلالة من هذه الجهة.

3 - رواية ميسر (ميسرة) عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: الوضوء واحد ووصف الكعب في ظهر القدم(3)هذا في رواية الشيخ، وفي رواية الكليني واحدة


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 31 من أبواب الوضوء الحديث 7

2) نفس المصدر الحديث 27

3) نفس المصدر الحديث 1

واحدة(1)

والرواية من جهة الدلالة لا بأس بها فهي في مقابل الاثنتين أو الثلاث، وتنفي الزائد بنحو الإطلاق وهو الظاهر من الرواية، ويحتمل أنها واردة في مقام بيان الواجب فقط من دون تعرض لما زاد عليه.

ولكن الرواية من جهة السند غير نقية فإنّ فيه علي بن (بن أبي) المغيرة وهو محل اختلاف، هل هو بن المغيرة؟ أو ابن أبي المغيرة؟ وحيث لا يمكن الاعتماد على الرواية من جهة السند فتصبح مؤيدة للروايات السابقة.

وهناك روايات أخرى كثيرة لا يخلو أكثرها عن ضعف السند، وفي ما أوردناه كفاية، وهي بمجموعها تدل على أنّ الغسل في الوضوء مرة مرة.

وأما الطائفة الثانية وهي التي تدل على استحباب الغسل مرتين فهي عدة روايات، منها:

1 - صحيحة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء، فقال: مثنى مثنى(2)

2 - وصحيحة صفوان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الوضوء مثنى مثنى(3).

3 - و منها معتبرة علي بن يقطين، أنّه كتب إلى أبي الحسن موسى (علیه السلام) يسأله عن الوضوء، فكتب إليه أبو الحسن (علیه السلام): فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، وتستنشقثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلل شعر لحيتك وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً، ولا


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 31 من أبواب الوضوء ذيل الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 28

3) نفس المصدر الحديث 29

تخالف ذلك إلى غيره، فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم له أبو الحسن (علیه السلام) فيه مما جميع العصابة على خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال، وأنا أمتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالاً لأمر أبي الحسن(علیه السلام) ، وسعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد، وقيل: إنه رافضي فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر، فلما نظر إلى وضوئه ناداه كذب يا علي بن يقطين من زعم أنك من الرافضة، وصلحت حاله عنده، وورد عليه كتاب أبي الحسن(علیه السلام): ابتدأ من الآن يا علي بن يقطين وتوضأ كما أمرك الله تعالى: اغسل وجهك مرة فريضة، وأخرى اسباغاً، واغسل يديك من المرفقين كذلك وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف منه عليك. والسلام(1)

ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله (علیه السلام): «وتوضأ كما أمرك الله تعالى أغسل وجهك مرة فريضة وأخرى اسباغاً واغسل يديك من المرفقين كذلك» وهي واضحة الدلالة في استحباب الثانية.

4 - رواية داود الرقي، قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلت له: جعلت فداك، كم عدة الطهارة؟ فقال: ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليه رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثاً ثلاثاً فلا صلاة له، أنا معه في ذا حتى جاءه داود بن زربي، فسأله عن عدة الطهارة، فقال له: ثلاثاً ثلاثاً من نقص عنه فلا صلاة له، قال: فارتعدت فرائصي وكاد أن يدخلني الشيطان، فأبصر أبو عبد الله (علیه السلام) إليّ وقد تغيّر لوني فقال: اسكن يا داود هذا هو الكفر، أو ضرب الأعناق، قال: فخرجنا من عنده وكان ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر المنصور، وكان قد أُلقي إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي وأنه رافضي يختلف


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 3

إلى جعفر بن محمد، فقال أبو جعفر المنصور: إني مطلع إلى طهارته فإن هو توضأ وضوء جعفر بن محمّد فإني لأعرف طهارته حققت عليه القول وقتلته، فاطلع وداود يتهيأ للصلاة من حيث لا يراه، فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثاً ثلاثاً كما أمره أبو عبد الله (علیه السلام) ، فما تم وضوءه حتى بعث إليه أبو جعفرالمنصور فدعاه، قال: فقال داود: فلما أن دخلت عليه رحب بي وقال: يا داود قيل فيك شيء باطل، وما أنت كذلك، قد أطلعت على طهارتك وليس طهارتك طهارة الرافضة، فاجعلني في حلّ وأمر له بمائة ألف درهم، قال: فقال داود الرقي: التقيت أنا وداود بن زربي عند أبي عبد الله (علیه السلام) ، فقال له داود بن زربي: جعلت فداك حقنت دماءنا في دار الدنيا ونرجوا أن ندخل بيمنك وبركتك الجنة، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): فعل الله ذلك بك وبإخوانك من جميع المؤمنين، فقال أبو عبد الله (علیه السلام) لداود بن زربي: حدّث داود الرقي بما مرّ عليكم حتى تسكن روعته، قال: فحدثته بالأمر كله، قال: فقال أبو عبد الله (علیه السلام): لهذا أفتيته لأنه كان أشرف على القتل من يد هذا العدو، ثمّ قال: يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى، ولا تزدن عليه، وإنك إن زدت عليه فلا صلاة لك(1)

والرواية وإن كانت واردة في التقية كالرواية السابقة إلاّ أنّ محل الشاهد منها قوله (علیه السلام) في صدر الرواية: «ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) واحدة لضعف الناس» ، وقوله (علیه السلام) في ذيلها: «يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى، ولا تزدنّ عليه فإنك إن زدت عليه فلا صلاة لك» والعبارتان صريحتان في الدلالة على استحباب الغسلة الثانية، فلا إشكال في الرواية من هذه الناحية وإنما الإشكال من جهة السند، فإنّ فيه أحمد بن سليمان وهو لم يوثق فتحمل الرواية على التأييد.


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 2

وهناك روايات أخرى منها ما روي أنه: «من زاد على مرتين لم يوجر»(1)

وكذلك ما روي «أنّ مرتين أفضل»(2)، وكذلك ما روي «في مرتين أنّه اسباغ»(3).

وغيرها من مرسلات الصدوق، وأيضاً ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا(علیه السلام) أنّه قال: الوضوء مرة فريضة واثنتان اسباغ (4)

والمستفاد من روايات هذه الطائفة أنّ الغسلة الثانية مستحبة، وأنّ الثالثة غير جائزة.وأما الطائفة الثالثة وهي التي تدل على عدم جواز الثالثة صراحة فهي عدة روايات منها:

1 - مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الوضوء واحدة فرض، واثنتان لا يوجر، والثالث بدعة(5)

والرواية صريحة في أنّ الثالثة بدعة، فلا إشكال من هذه الجهة وأما من جهة السند فهي وإن كانت مرسلة إلاّ أنّ مراسيل ابن أبي عمير معتبرة كما ذكره الشيخ من دعوى الإجماع على العمل بمراسيله، وقد بسطنا القول فيه في مباحثنا الرجالية، فراجع(6)

2 - ومنها معتبرة علي بن يقطين(7)المتقدمة فإنّ الإمام (علیه السلام) أمر علي بن يقطين أن يغسل ثلاثاً في حال التقية، وبعد ارتفاع التقية أمره أن يغسل مرّة


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 31 من أبواب الوضوء الحديث 18

2) نفس المصدر الحديث 19

3) نفس المصدر الحديث 20

4) نفس المصدر الحديث 23

5) نفس المصدر الحديث 3

6) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 401 - 442

7) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 3

فريضة والثانية اسباغاً، فيعلم أنّه في غير حال التقية لا يجوز الغسل ثلاثاً، كما أنّ الرواية فيها دلالة على أنّ الغسل ثلاثاً على خلاف ما عليه جميع الشيعة، فيكون تسويغ الامام عليه السلام لعلي بن يقطين الغسل ثلاثاً لمكان التقية وبه يجمع بين صدر الرواية وذيلها .

3 - رواية داود الرقي(1)المتقدمة أيضاً، والشاهد هو ما ذكرناه فيما تقدم عند ذكر الرواية .

4 - صحيحة داود بن زربي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء، فقال لي: توضأ ثلاثاً ثلاثاً، قال: ثمّ قال لي: أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟ قلت: بلى قال: فكنت يوماً أتوضأ في دار المهدي فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به فقال: كذب من زعم أنك فلاني وأنت تتوضأ هذا الوضوء، قال: فقلت: لهذا والله أمرني(2)

ودلالة الرواية واضحة فإنّ الإمام (علیه السلام) إنما أمر داود بالوضوء ثلاثاً ثلاثاً لشهوده بغداد وعساكر المخالفين، فيعلم من ذلك أنّه فيما عدا ذلك لا يجوز الثلاث، بل إنّ المركوز في ذهن داود هو عدم الجواز ولذلك لما اطلع عليه بعضهم وقال ما قال، قال داود: لهذا والله أمرني، فالثلاث ليست بمشروعة، والعمل عليها إنما هو من جهة التقية.5 - صحيحة زرارة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: الوضوء مثنى مثنى، من زاد لم يوجر عليه، وحكى لنا وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فغسل وجهه مرة واحدة، وذراعيه مرة واحدة، ومسح رأسه بفضل وضوئه ورجليه(3)

وظاهر الرواية أنّ المراد من مثنى هو الغسل مرتين، وبعضهم حمل مثنى


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 1

3) نفس المصدر باب 31 من أبواب الوضوء الحديث 5

مثنى على أنّ المراد غسلات ومسحات، أو أن المراد هو التجديد، وغير ذلك من التأويلات، إلاّ أن الظاهر هو ما ذكرناه من أنّ الغسل مرتان، وما زاد فليس بمشروع.

6 - رواية ابن أبي يعفور(1)الواردة في نوادر البزنطي وقد ذكرناها في الطائفة السابقة ومحل الشاهد هنا هو قوله (علیه السلام): ومن زاد على اثنتين لم يوجر، فتكون الثالثة إما لغواً وإما بدعة، ومثلها في الدلالة ما مر من مرسلة الصدوق(2): من زاد على مرتين لم يوجر.

وغيرها من الروايات الدالة على أنّ الثالثة ليست بمشروعة.

والحاصل: أنّ الروايات بطوائفها الثلاث تدل بالمطابقة والالتزام على أنّ الغسلة الثالثة في الوضوء بدعة، وهي على خلاف الشرع.

التحقيق في المقام:

وبعد أن استعرضنا جملة من الروايات الدالة على الغسل في الوضوء مرة أو اثنتين أو ثلاث، وحيث يتراءى من ظاهر بعضها التنافي مع البعض الآخر، مضافاً إلى ما يمكن استفادته من بعض الروايات من حيث الصحة والبطلان والحرمة وعدمها فيقع الكلام في جهات:

الجهة الأولى: في الجمع بين الروايات الدالة على المرة، والروايات الدالة على الاثنتين، فنقول: إننا قد ذكرنا في مبحث الطهارة مفصلاً وجوه الجمع، وأن المشهور بل ادعي الإجماع على أنّ الغسلة الثانية مستحبة، ولا إشكال فيها من هذه الناحية، وقد أشرنا فيما سبق إلى أنّ هذه المسألة خارجة عن محل كلامنا.

إلاّ أننا نشير هنا إلى ناحية أخرى من نواحي البحث وهي: أنّه لا إشكال -


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 31 من أبواب الوضوء الحديث 27

2) نفس المصدر الحديث 18

كما ذكرنا - في استحباب الغسلة الثانية، غير أنّه قد نسب الخلاف إلى عدد من القدماء وهم الشيخ الصدوق، والشيخ الكليني والبزنطي،وأنهم لا يرون جواز الغسلة الثانية ونقول: إنّ هذه النسبة لكل من هؤلاء غير متحققة ولا صراحة في عباراتهم على ذلك.

أما البزنطي فقد ذكر في نوادره هذه العبارة: واعلم أنّ الفضل في واحدة ومن زاد على اثنتين لم يوجر(1)وهذه العبارة ليست صريحة في الحرمة بل لعلها ظاهرة في الإباحة، فإن الاثنتين مسكوت عنهما وليس في كلامه دلالة على عدم الجواز.

وأما الكليني فإنه بعد أن أورد رواية عبد الكريم بن عمرو وسؤاله أبا عبد الله(علیه السلام) عن الوضوء وجواب الإمام (علیه السلام) له بأنه: ما كان وضوء علي(علیه السلام) إلاّ مرة مرة. قال: هذا دليل على أن الوضوء إنما هو مرة مرة، لأنه إذا كان ورد أمران كلاهما طاعة لله أخذ بأحوطهما وأشدهما على بدنه ... إلى أن قال: ومن زاد على مرتين لم يوجر، وهذا أقصى غاية الحد في الوضوء الذي من تجاوزه أثم، ولم يكن له وضوء وكان كمن صلى الظهر خمس ركعات، ولو لم يطلق (علیه السلام) في المرتين لكان سبيلهما سبيل الثلاث(2)

وعبارته كالصريحة في أنّ الثانية مباحة وليست هي كالثالثة، فلم يتّضح أنّ الكليني قائل بعدم جواز الثانية.

وأما الصدوق ! فإنه بعد أن ذكر - في الفقيه - الروايات البيانية والتي تدل على المرة، وذكر الروايات التي تدل على المرتين، وتأول بعضها بالتجديد وبعضها بالإسباغ، أورد رواية وهي «من توضأ مرتين لم يوجر» وفسرها بأنّ من أتى بغير ما أمر به فلا يستحق به أجر(3)


1) مستطرفات السرائر - نوادر البزنطي:473 الطبع القديم

2) فروع الكافي ج 1 باب صفة الوضوء الحديث 9 ص 27

3) من لا يحضره الفقيه ج 1 باب صفة وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، الحديث 83 ص 41 الطبعة الثانية

وقال في الهداية: ومن توضأ مرتين لم يوجر ومن توضأ ثلاثاً فقد أبدع(1).

ولا دلالة في هذه العبارات على أن الصدوق قائل بعدم جواز الثانية، نعم هو يرى أنّ الثالثة بدعة، وأما أنّ الثانية محرمة فلا دلالة في قوله لم يوجر عليها.

فتحصل: أنّه ليس في القدماء من يرى أن المرة الثانية محرمة، ولا يظهر ذلك من كلماتهم صراحة، والصحيح أنّ الظاهر من كلماتهم القولبالجواز كما في كلمات البزنطي، والكليني. فالغسل مرتين في الوضوء جائز بل مستحب، وقد ذكرنا وجوه الجمع بين الروايات في غير المقام.

الجهة الثانية: في الغسلة الثالثة:

ويقع الكلام تارة في حكمها التكليفي وأخرى في حكمها الوضعي.

أما بالنسبة إلى الأول فأكثر علمائنا قائلون بالحرمة، وأنها بدعة كما ذكر ذلك العلامة في المختلف، بل إنّ دعوى الإجماع غير بعيدة، فإنه لم ينسب الخلاف إلاّ إلى ثلاثة من العلماء وهم الشيخ المفيد، وابن الجنيد، وابن أبي عقيل، فقد نسب إليهم القول بالجواز حيث قال الشيخ المفيد في المقنعة: وتثليثه تكلف ومن زاد على الثلاث أبدع وكان مأزوراً(2). وقال ابن الجنيد: الثالثة زيادة غير محتاج إليها(3)، وقال ابن أبي عقيل: فإنه إن تعدّ المرتين لم يوجر عليه(4)، ولا يخفى أنّ خلاف هؤلاء الأعلام لا يضرّ بدعوى الإجماع، فإن من عداهم من العلماء قائل بالحرمة.

وأما كون الغسلة الثالثة غير مستحبة ولا رجحان فيها فهذا بالإجماع نقلاً وتحصيلاً، ولا خلاف فيه بين علماء الإمامية. هذا بالنسبة إلى الحكم التكليفي.


1) كتاب الهداية - المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 49 الطبع القديم

2) المقنعة: 49 الطبعة الثانية

3) جواهر الكلام: 2 : 276 الطبعة السابعة

4) نفس المصدر

وأما بالنسبة إلى الحكم الوضعي ففي المقام أربعة أقوال وقد أشرنا إليها فيما سبق وهي:

الأول: القول بالافساد مطلقاً وهو قول أبي الصلاح(1)

الثاني: القول بعدم الافساد مطلقاً وقد استوجهه المحقق في المعتبر(2)

القول الثالث: إنها مفسدة للوضوء من جهة استخدام ماء جديد وهو ظاهر الدروس والذكرى والبيان(3)

القول الرابع: إنها مفسدة للوضوء إذا كانت على اليد اليسرى أما بالنسبة إلى سائر الأعضاء فلا يوجب الإفساد، وهو منسوب إلى النهاية(4)والمدارك(5).

ويمكن القول إنّ جميع الأقوال تذهب إلى البطلان، إلاّ أن جهة البطلان تختلف من أنها تشريع محرم، أو أنها لاستخدام ماء جديد، إلاّ القول الثاني وهو قول المحقق ).

الجهة الثالثة: في ما يستفاد من الروايات

ورفع التنافي فيما بينها فنقول: إنّ الروايات المتقدمة الدالة على أنّ الغسل مرة مرة، وهكذا الروايات الدالة على المرتين تنفي الغسلة الثالثة، فكما أنّ هذه الروايات تثبت مشروعية المرة والمرتين كذلك تنفي المرة الثالثة، مضافاً إلى ما ورد بالخصوص على عدم مشروعية الثالثة، ومن ذلك رواية ابن أبي عمير المتقدمة فقد جاء فيها: والثالثة بدعة، وقد قلنا: إنّ الرواية وإن كانت مرسلة إلاّ أنها معتبرة بناء على أن مراسيل ابن أبي عمير كالمسانيد كما استظهرناه في محلّه(6)، فهذه الرواية تامة سنداً ودلالة.


1) جواهر الكلام: 2 : 279 الطبعة السابعة

2) نفس المصدر

3) نفس المصدر: 2 : 281

4) الحدائق الناضرة: 2 : 347 مطبعة النجف 1377 ه- - 1958 م

5) جواهر الكلام: 2 : 281 الطبعة السابعة

6) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 401 الطبعة الأولى

ومن ذلك أيضاً معتبرة علي بن يقطين، فقد جاء في ذيلها «وتوضأ كما أمرك الله تعالى اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى اسباغاً ...» (1)فهذه الرواية تدل على أن ما أمر الله به هو أنّ المرة الأولى فريضة والثانية اسباغاً وما زاد فهو ما لم يأمر به الله. فيكون تشريعاً محرماً.

ويؤيد ذلك: رواية داود الرقي، فإنه قد جاء فيها: يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى، ولا تزدن عليه، وأنك إن زدت عليه فلا صلاة لك(2)

والرواية من جهة الدلالة واضحة فإن الزيادة منهي عنها موجبة لبطلان الصلاة، وأما من جهة السند فقد ذكرنا أنّ فيه أحمد بن سليمان وهو لم يوثق ولذلك جعلناها مؤيدة.

ومما يؤيد ذلك أيضاً: ما رواه القطب الراوندي في لب اللباب قال: وقد توضأ- مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به، فمن ترك شيئاً منه اختياراً، فلا صلاة له، ثمّ توضأ مرتين مرتين، فقال: هذا وضوء من أتى به يضاعف له الأجر مرتين، فمن زاد أو نقص فقد تعدى وظلم»(3)

والرواية من جهة الدلالة تامة إلاّ أن الكلام فيها من جهة السند.

وفي مقابل هذه الروايات هناك روايات أخرى يمكن الاستدلال بها على عدم الحرمة، منها صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الوضوء مثنى مثنى، من زاد لم يوجر عليه ...(4)

وسند الرواية وإن كان فيه القاسم بن عروة وهو لم يذكر بشيء، إلاّ أنّه قد روى عنه ابن أبي عمير فيكون السند معتبراً بناء على ما حققناه في محله من أنّ


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 1

3) مستدرك الوسائل 1 باب 28 من أبواب الوضوء الحديث 7

4) وسائل الشيعة ج 1 باب 31 من أبواب الوضوء الحديث 5

رواية مثل ابن أبي عمير عن شخص أمارة على التوثيق.

وأما من جهة الدلالة فإنّ الرواية لم يرد فيها أنها بدعة بل قال (علیه السلام): لم يوجر عليه، فهو بحسب الظاهر فعل لغو والتحريم أخص منه.

ومثلها في الدلالة ما تقدم من مرسلة الصدوق حيث قال: وروى من زاد على مرتين لم يوجر(1)، وهكذا موثقة ابن أبي يعفور المتقدمة أيضاً، وقد جاء فيها: ومن زاد على اثنتين لم يوجر(2)، ولم يرد في هذه الروايات عنوان أنها بدعة أو محرمة.

ولكن يمكن الجمع بين هذه الروايات والروايات المتقدمة وذلك بأن يقال: إنّ قوله (علیه السلام): لم يوجر مطلق، وهو إما ساكت عن الحرمة وعدمها، أو مجمل، وأما تلك الروايات فهي صريحة في التحريم وكونها بدعة، فالجمع بين هذه الروايات بأن يؤخذ بالروايات الصريحة في دلالتها وتكون بياناً للروايات الأخرى ورافعة لإجمالها، ويكون المستفاد من الروايات هو حرمة الغسلة الثالثة وأنها بدعة.

هذا ولكن هنا روايتان صريحتان في الدلالة على جواز الغسلة الثالثة:

الأولى: موثقة عثمان بن زياد أنّه دخل على أبي عبد الله (علیه السلام) فقال له رجل: إني سألت أباك عن الوضوء فقال: مرة مرة فما تقول أنت؟ فقال: إنك لن تسألني عن هذه المسألة إلاّ وأنت ترى أني أخالف أبي، توضأ ثلاثاً وخلل أصابعك(3)وهذه الرواية واضحة الدلالة في الأمر بالغسل ثلاثاً.

الثانية: موثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي (علیه السلام) قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حين ابتدأت في الوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن،


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 31 من أبواب الوضوء الحديث 18

2) نفس المصدر الحديث 27

3) نفس المصدر باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 4

ثمّ غسلت وجهي ثلاثاً فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، قال: فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، قال: فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تُخلّل بالنار(1)

وقد أورد الشيخ هذه الرواية في الاستبصار، وعقبها بقوله: فهذا خبر موافق للعامة، وقد ورد مورد التقية لأنّ المعلوم الذي لا يتخالج فيه الشك من مذاهب أئمتنا (علیهم السلام) القول بالمسح على الرجلين، وذلك أشهر من أن يدخل فيه شك أو ارتياب بيّن، ذلك أنّ رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به على ما بين في غير موضع(2)

فالشيخ ! ناقش في الرواية من جهة الدلالة وحملها على التقية والمناقشة في محلها، فإن هذه الرواية والرواية السابقة عليها واردتان مورد التقية ويشهد لذلك القرائن الواردة في كلتا الروايتين.

وأما سند الروايتين فمعتبر، فإنّ رجال سند(3)الرواية الأولى كلهم ثقات، ولا إشكال من هذه الجهة وسند(4)الرواية الثانية: محمّد بن الحسن الصفار عن عبد الله بن المنبه، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي وهو معتبر وإن كان أغلب رجاله من العامة.

أما الحسين بن علوان فهو ثقة على الظاهر قال النجاشي: الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامي، وأخوه الحسن يكنى أبا محمد، ثقة رويا عن أبي عبد الله (علیه السلام) ...(5)

والظاهر رجوع التوثيق للمترجم لا لأخيه كما قيل(6)


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 25 من أبواب الوضوء الحديث 15

2) الاستبصار ج 1 باب 37 وجوب المسح على الرجلين الحديث 8 ص 65

3) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 4

4) نفس المصدر باب 25 من أبواب الوضوء الحديث 15

5) رجال النجاشي: 1 : 161 الطبعة الأولى المحققة

6) تنقيح المقال في علم الرجال: 1 : 289 الطبع القديم

وأما عمرو بن خالد فقد وثقه ابن فضال(1)، وأما زيد فلا إشكال فيوثاقته.

وأما عبد الله بن المنبه فلم يرد في كتب الرجال بهذا الاسم إلاّ في هذا المورد، والظاهر أنّ فيه تصحيفاً بالتقديم والتأخير، والصحيح هو المنبه بن عبد الله وهو ثقة، وقال عنه النجاشي: صحيح الحديث(2)

والحاصل: أنّ رجال سند الرواية وإن كانوا زيدية كما قال الشيخ إلاّ أنهم موثقون.

أما دلالة الرواية فهي وإن كانت تامة إلاّ أنها محمولة على التقية كما ذكره الشيخ ! ، فالمستفاد من الروايات أنّ المرة الثالثة محرمة، لأنها بدعة وإدخال في الدين ما ليس منه، ولكن القدر المتيقن من هذا أنّ الحرمة تختص بما إذا أتى بها بنية الجزئية، وأما مع عدمها فقد يقال: بأنها ليست محرمة في نفسها ولا إشكال فيها من هذه الناحية .

هذا بالنسبة إلى الحكم التكليفي .

وأما بالنسبة إلى الحكم الوضعي أي من حيث الصحة والفساد فالمشهور هو القول بالفساد وقد استدل له بأمور :

الأول: بالأصل وهو أصل الاشتغال أو الاستصحاب، أما الأول فلأن الشك في براءة الذمة من التكليف مع الإتيان بالغسلة الثالثة يرجع إلى الشك في المحصل والمكلف به، مع العلم بالتكليف وهو يقتضي الفراغ اليقيني ومقتضاه الاحتياط والإتيان بوضوء خال من هذه الزيادة، وإلاّ فهو محكوم بالبطلان وعدم الصحة .

وأما الثاني فلاستصحاب الحدث لأنا كنا على يقين منه وبعد الإتيان


1) رجال الكشي 2 : 498 مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)

2) رجال النجاشي 2 : 373 الطبعة الأولى المحققة

بالزيادة نشك في ارتفاعه فنستصحب بقاءه .

ولكن في كليهما نظر:

أما بالنسبة إلى أصالة الاشتغال فقد تقدم منا سابقاً أن الشك في مثل هذا المورد من حيث الجزئية والشرطية يختلف باختلاف المباني، فإن كانت الطهارة أمراً واقعياً تكوينياً والشارع كاشف عنه - كما قواه الشيخ الأنصاري! (1)- فالمقام من موارد أصالة الاشتغال لأنه شك في المحصل إذ لا نعلم بحصول الطهارة الواقعية، والمرجع حينئذ أصالة الاشتغال.وإن كانت الطهارة أمراً اعتبارياً فهو من موارد مجرى البراءة لأنه شك في اشتراط عدم الزائد إذ لا نعلم أنّ الشارع اعتبر عدم الزائد أم لا فيعود إلى الشك في التكليف، والمرجع حينئذ هو البراءة .

إلاّ أنّه قد تقدم منا أيضاً أنّه يمكن أن يجعل المورد مجرى للبراءة لا للاشتغال حتى على القول الأول، وذلك لأنّ الطهارة وإن كانت أمراً واقعياً إلاّ أننا لسنا مكلفين بالواقع، وإنما مكلفون بما هو محدد لنا من قبل الشارع إذ ليس لنا طريق إلى الواقع إلاّ من طريقه، فكلما حدده الشارع فهو مورد التكليف وما عداه فلا تكليف به .

وعلى هذا فلابد من تحصيل ما

تيقنا به وندفع ما نشك فيه زيادة أو نقيصة بإجراء البراءة فيه لأنه حينئذ يرجع إلى الشك في التكليف .

وأما بالنسبة إلى استصحاب الحدث فلا مورد له فيما نحن فيه، إذ تقرر في علم الأصول: أنّه مع إجراء البراءة في الجزء أو الشرط لا يبقى موضوعٌ للاستصحاب وتكون البراءة حاكمة على الاستصحاب، وإن كان الأمر في غير هذا المورد بالعكس .


1) فرائد الأصول 2 : 603 منشورات جامعة المدرسين، ومصباح الأصول 3 : 84 مطبعة النجف 1376 ه-

الثاني: أنّ الغسلة الثالثة موجبة لفوات الموالاة في غسل الأعضاء فينخرم أحد شرائط الوضوء وذلك موجب للبطلان.

وفيه: أنّ هذا الوجه لا يفيد مطلقاً لأنّ فوت الموالاة لا يتحقق بغسلة واحدة فإنها لا تستغرق زمناً طويلاً بحيث تفوّت الموالاة بين الأعضاء، ولو سلمنا أن ذلك يتحقق بالنسبة إلى بعض الأشخاص إلاّ أن هذا ليس ضابطاً كلياً وعلى نحو الإطلاق، فلا يمكن الحكم بفساد الوضوء لهذه الجهة.

الثالث: أنّ الغسلة الثالثة توجب المسح بماء جديد غير ماء الوضوء ويكون الماء الواقع على أعضاء المسح ممزوجاً بماء الوضوء وغيره، وهذا يوجب الفساد.

وفيه: أنّ هذا يمكن منعه في بعض الموارد كما إذا كانت الغسلة الثالثة للوجه واليد اليمنى دون اليد اليسرى، وعلى فرض أن غسل اليد اليمنى يوجب امتزاج الماء إلاّ أن غسل الوجه بالغسلة الثالثة لا علاقة له بالمسح، نعم يمكن تصور ذلك في اليد اليمنى فيما إذا كان الماء الباقي من غسلة اليد اليمنى غالباً على ما غسل اليد اليسرى، فيمتزج الماءان ويشكل المسح به على الرأس والرجل اليمنى، ولكنه إذا غسلت اليد اليمنى بغسلة ثالثة ثمّ جففت أو جفت من الهواء فحينئذ لا يلزم من ذلك المسح بماء جديد، فهذه الموارد لا توجب الغسلة الثالثة فيها بطلان الوضوء.وأما بالنسبة إلى اليد اليسرى فيمكن تصويره بأن تغسل اليد اليسرى بغسلة ثالثة ثمّ تجفف أو تجف، وللمسح يؤخذ الماء من اللحية فيما إذا كان الوجه مغسولاً بغسلة ثالثة، ففي بعض الحالات يمكن تصوير المسألة في اليد اليسرى من دون إشكال ولا ملازمة كلية في جميع الحالات.

ولكن الغالب هو امتزاج ماء الوضوء بماء أجنبي خارج عنه إما لعدم غلبة الماء واستهلاكه أو لعدم الجفاف، وهذا يوجب البطلان، وعليه فما نسب إلى

المحقق ! (1)- من أن المسح بماء الوضوء غير صحيح فإن الماء ليس خالصاً بل ممزوجاً بماء خارج عن الوضوء - لا بأس به مع ملاحظة الصور التي ذكرناها.

الرابع: أنّ مقتضى الروايات الواردة في المقام هو الفساد، لأنّ في الزيادة خروجاً عن حدّ الوضوء ويكون حالها حال النقصان.

وفيه: أنّ الوارد في المقام روايتان:

الأولى: رواية داود الرقي وقد تقدم ومحل الشاهد منها فيما نحن فيه قوله (علیه السلام) في ذيلها: «ولا تزدن عليه وأنك إن زدت عليه فلا صلاة لك» (2)

وهي من جهة الدلالة تامة ولا إشكال فيها وظاهرة في الفساد إلاّ أنها من جهة السند ضعيفة بأحمد بن سليمان فإنه لم يوثق كما تقدم.

الثانية: معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من تعدى في الوضوء كان كناقضه(3)

وهي من جهة السند معتبرة ولا إشكال فيها، وأما من جهة الدلالة ففيها: أنّ قوله (علیه السلام): من تعدى ... يحتمل أن يكون التعدي من جهة الكم، ويحتمل أن يكون من جهة الكيف، فهي شاملة لمحل الكلام فإنّ الثلاث تعدٍ بلا إشكال، وقوله(علیه السلام): كناقضه هذا في أكثر النسخ وقد رواها الصدوق في الفقيه(4)وفي العلل(5)كذلك، كما وردت أيضاً في تحف العقول(6)ولكن فيحاشية الفقيه ورد: أنّه في بعض النسخ - وهي نسخة مراد علي التفريشي(7)- كناقصه بالصاد كما أنها


1) المعتبر في شرح المختصر: 44 الطبع القديم

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 2

3) نفس المصدر الباب 31 من أبواب الوضوء الحديث 24

4) من لا يحضره الفقيه ج 1 باب صفة وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الحديث 79 ص 39 الطبعة الثانية

5) علل الشرائع باب 189 الحديث 2 ص 279

6) تحف العقول: 368 الطبعة الخامسة

7) من لا يحضره الفقيه 1 : 39 ذيل الحديث 79 الطبعة الثانية

في حاشية الوافي(1)كذلك. وحينئذ يفسر التعدي بالنقصان.

فإن كانت بالصاد فهي أقوى في الدلالة من نسخة الضاد فإنه (علیه السلام) جعل التعدي بمنزلة النقصان فتكون الرواية دالة على البطلان، وإن كانت بالضاد فهي ليست صريحة في الدلالة على الفساد، لأنه إن كان المراد بالعبارة من تعدى فهو ناقض للوضوء فالدلالة تامة، وإن كان المراد كناقضه فليست صريحة في إفادة البطلان، فإنه كالناقض وليس ناقضاً وحيث لم يتبين المراد من هذه الرواية ولم تحرز قوة دلالتها فلا يمكن التمسك بها من هذه الجهة.

والحاصل: أنّه لم يرد في الروايات ما يدل على أنّ الغسلة الثالثة موجبة لبطلان الوضوء، ولكنها لما كانت توجب المسح بماء جديد فيحكم ببطلانه وفساده، ويتأكد هذا في الإتيان بها في اليد اليسرى.

وأما استفادة الحكم بالبطلان من جهة الأصل، أو لفوات الموالاة، أو من جهة الروايات، فغير تامة.

وبناء على ذلك فإذا جاء المكلف بالغسلة الثالثة ناوياً بها الجزئية والاستحباب اجتمعت الحرمة التكليفية والوضعية معاً، وأما إذا جاء بها من دون أن ينوي بها الاستحباب وإنما أتى بها لمجرد أنها فعل من الأفعال فهذا وإن لم يكن محرماً تكليفاً إلاّ أنّه محرم وضعاً ويحكم ببطلان الوضوء.

الجهة الرابعة: في حكم المسألة حال التقية:

والكلام فيها من نواح أربع:

الناحية الأولى: في الحكم، ولا إشكال في وجوب الإتيان بالغسلة الثالثة في حال التقية للأدلة العامة وقد تقدمت، وللروايات الخاصة الواردة في المقام،


1) كتاب الوافي 6 : 321 الطبعة الأولى منشورات مكتبة أمير المؤمنين (علیه السلام) العامة بأصفهان

ومنها معتبرة علي بن يقطين فإنّ الإمام (علیه السلام) أمره بالغسل ثلاثاً(1)ومنها: موثقة داود بن زربي - المتقدمة أيضاً - قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الوضوء، فقال لي: توضأ ثلاثاً ثلاثاً، قال: ثمّ قال لي: أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟ قلت: بلى، قال: فكنت يوماً أتوضأ في دار المهدي فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به، فقال: كذب من زعم أنك فلاني وأنت تتوضأ هذا الوضوء، قال: فقلت: لهذا والله أمرني(2)

ويؤيد ذلك رواية داود الرقي وقد تقدمت الإشارة إليها في أكثر من موضع والحاصل: أنّه لا إشكال في وجوب الإتيان بالثلاث حال التقية.

الناحية الثانية: في التطبيق العملي:

وحاصل الكلام فيه: أنا إذا قلنا بأن الغسلة هي الغرفة فكل غرفة غسلة فالأمر واضح، وأما إذا قلنا بأن الغرفة ليست هي الغسلة وإنما الغسلة هي غسل جميع أجزاء العضو فما لم يتحقق غسل الجميع لم تتحقق المرة، وحينئذ فإن كان العامة يعتبرون ذلك وأن مرادهم من الغسلة الثالثة غسلة كاملة فالتقية أيضاً واجبة ولابد من الإتيان بالغسلة الثالثة ولا مجال للتورية فيها.

أما إذا كانوا يكتفون بالغرفة وإن لم تستوعب جميع الأجزاء، ونحن نقول بأن الغسل هو استيعاب الأجزاء بغسلة واحدة فحينئذ لا يتحقق موضوع التقية لأنّ الثالثة ليست حراماً ما لم يكمل غسل العضو بالثانية، فالتطبيق العملي للتقية يتوقف على أحد الأمرين الأولين دون الثالث.

الناحية الثالثة: في القصد وعدمه:

وقد تقدم أنّ الإتيان بها بقصد الجزئية أو الاستحباب تشريع محرم، وأما إذا جيء بها لا بهذا القصد فلا يكون بدعة ولا تشريعاً وحينئذ فهل يجب على


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 3

2) نفس المصدر الحديث 1

المكلف عدم هذا القصد؟ فإنّ التقية لا تتوقف على القصد، بمعنى: أنّ التقية قد تتحقق ولو لم يقصد.

وبعبارة أخرى: هل يجب على المكلف التورية أم لا ويكفي عدم قصد الجزئية؟

ومقتضى القاعدة في غير المورد أنّه إذا كان هناك مندوحة وجبت التورية، ولكن في مثل المقام وبعض الموارد الأخرى حيث إنّ الدليل ورد على نحو الإطلاق كما في معتبرة علي بن يقطين، وموثقة داود بن زربي، فإنه ورد الأمر فيهما بالغسل ثلاثاً مطلقاً ولم يفصل المعصوم (علیه السلام)بين القصد وغيره، مع أن المورد مما تعم به البلوى وهو (علیه السلام) في مقام البيان فالظاهر من ذلك عدم وجوب التورية في هذا المقام فيجوز له أن ينوي ويقصد الجزئية ويأتي بها بعنوان كونها جزءاً ويفعل كما يفعل العامة، فإنّ الإطلاق محكم ومقتضاه الجواز مطلقاً سواء قصد أو لم يقصد.

هذا بالنسبة للحكم التكليفي.

وأما بالنسبة للحكم الوضعي أي فساد الوضوء وعدمه، من جهة ما ذكرنا من أنّه يلزم استعمال ماء خارج عن الوضوء والمسح به، فلا يفرق فيه هنا بين القصد وعدمه فإنه موجب لبطلان الوضوء، ولكن في حال التقية دل الدليل الخاص على عدم البطلان ولا يفرق فيه بين القصد وعدمه، وأما في غير حال التقية فهو موجب للفساد.

الناحية الرابعة: في مخالفة التقية:

إذا خالف المكلف وظيفة التقية وأتى بالوضوء بوظيفته الأولية فهل يحكم ببطلان وضوئه أم لا؟

وقد تقدم نظير هذه المسألة وهنا نقول: إنّ الغسلة الثالثة لما كانت ليست جزءاً ولا شرطاً ولا دخل لها في أي منهما فمقتضى القاعدة الحكم بصحة الوضوء، والاقتصار على المرتين حال التقية لا يوجب بطلانه، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ

التكليف الخاص لهذا المكلف المعين هو الوضوء على نحو التقية، والوضوء الاختياري ليس واجباً في حقه بل مبغوضاً عند الشارع وحينئذ يحكم ببطلان وضوئه.

وهذا الأمر لا يختص بهذا المورد وقد تقدم الكلام فيه، وقلنا: بأن استفادة المبغوضية عند الشارع من الروايات مشكل.

والحاصل: أنّ مقتضى القاعدة الحكم بصحة الوضوء وإن لم يأت بالغسلة الثالثة أي لم يأت بوظيفة التقية وأتى بالوظيفة الواقعية.

هذا من جهة القاعدة، وأما من جهة الرواية فقد يقال: إنّ رواية داود الرقي تدل على بطلان الوضوء فإنّ الإمام (علیه السلام) لما سأله داود بن زربي عن عدة الطهارة قال له: ثلاثاً ثلاثاً من نقص عنه فلا صلاة له.

ودلالة الرواية تامة، وإن أمكن المناقشة بأن قوله: لا صلاة له لا تدل على البطلان بل على عدم تمامية الصلاة من جهة الثواب مثلاً أو نحو ذلك إلاّ أن هذه المناقشة غير تامة، فإنّ الظاهر من هذا التعبير هو نفي الطبيعة وهو يقتضي بطلان الصلاة كما في ذيل الرواية وهو شاهد على ذلك وهو قوله (علیه السلام): وإن زدت فلا صلاة لك.ولكن الرواية وإن كانت تامة دلالة إلاّ أنها ضعيفة سنداً، وعليه فلا مناص من العمل على طبق القاعدة وهي تقتضي الحكم بالصحة.

المورد الثاني:

في غسل الوجه واليدين من حيث الكيفية أي من الأعلى إلى الأسفل أو بالعكس، وهو محل الخلاف بين الخاصة والعامة، فالمتسالم عليه عند الخاصة هو وجوب الغسل من قصاص الشعر إلى الذقن في الوجه ومن المرفق إلى أطراف الأصابع في اليدين، بل ادعي عليه الإجماع، ونسب الخلاف إلى السيد المرتضى ! في أحد قوليه فقد نقل عنه في المصباح(1)القول بعدم الوجوب وذهب ابن إدريس في السرائر(2)إلى القول بكراهة النكس ومال إليه بعض المتأخرين.

وأما العامة فقالوا بجواز النكس، بل نسب إلى بعضهم القول بالاستحباب، ففي مفاتيح الغيب للرازي أنّه جعل من السنة الابتداء من الأصابع، ونسبه إلى جمهور الفقهاء(3)وقريب منه ما في الفقه على المذاهب الأربعة(4)ومثله ما في البدايع(5)

فهم بين من يقول بالجواز وبين من يقول بالاستحباب.

ويقع البحث في جهتين:

الأولى: فيما تقتضيه الأدلّة.

الثانية: في حكم المسألة حال التقية.

أما الجهة الأولى: فالكلام فيها تارة في الأصل العملي وأخرى في الأصل اللفظي وثالثة في الأدلة الخاصة الواردة في المقام.


1) كتاب الطهارة من مصباح الفقيه: 135 الطبع القديم

2) السرائر: 17 الطبع القديم

3) مفاتيح الغيب 11 : 126 الطبعة الأولى

4) الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 67 دار الكتب العلمية - بيروت

5) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 1 : 22 الطبعة الثانية 1402

أمّا بالنسبة إلى الأصل العملي فنقول: قد تقدم منا أنّ الأصل العملي ومقتضاه يبتني على كون الواجب هو الطهارة المسببة عن الغسلات والمسحات، أو هو نفس الأفعال وبعبارة أخرى يتوقف الأصل على أنّ الطهارة أمر تكويني وهو الواجب، فيجب تحصيله والشارع إنما هو كاشف عنه فتكون الأجزاء والشرائط محصلة لذلك الأمر التكويني أيالطهارة الواقعية، أو ليس الأمر كذلك بل الطهارة هي نفس الغسلات والمسحات، وقد تقدم منّا أنّ الأصل يختلف باختلاف المباني في المقام فإن قلنا: بالأول فالمشهور أنّ الشك هنا شك في المحصل ولابد من الاحتياط بمعنى أنا إذا شككنا أنّ الابتداء من الأعلى معتبر أم لا في تحصيل الواجب فمقتضى الاشتغال اليقيني إبراء الذمة بلزوم الابتداء من الأعلى.

وأما إذا قلنا: بالثاني وليس وراء الغسلات والمسحات شيء آخر فالشك حينئذ في اعتبار الابتداء من الأعلى أو بالعكس شك في الزائد، ومرجعه إلى الشك في التكليف وهو مجرى أصالة البراءة، بناء على أنّ مجرى الشك بين الأقل والأكثر هو البراءة، وأما على القول بعدم جريان البراءة عند الشك فيه فمقتضى الأصل حينئذ هو الاحتياط، ولكن قد قلنا: إنه حتى على المبنى الأول يمكن إجراء البراءة، وذلك فيما إذا كان المدار هو الطهارة المحددة من قبل الشارع لا طبيعي الطهارة الواقعية.

وأما بالنسبة إلى الأصل اللفظي فها هنا أمور:

الأول: الآية الشريفة وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... )(1)

فإنّ الآية مطلقة بالنسبة إلى الوجه واليدين، وإنما وردت لتحديد مواضع الغسل وحدودها، وأما كيفية الغسل هل هو من الأعلى أو بالعكس؟ فهي غير


1) سورة المائدة، الآية: 6

دالة على أحدهما، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ الآية منصرفة إلى ما هو المتعارف بين الناس من أنهم يبدأون في الغسل من الأعلى فتكون الآية دليلاً على ما ذهب إليه الخاصة.

وأما بيان الإطلاق في الآية فهو من جهة المعاني المحتملة في كلمة (إلى) المذكورة في الآية، وهي ثلاثة:

أ - أن تكون بمعناها الظاهر منها وهو الانتهاء.

ب - أن تكون بمعنى من كما فسرت في بعض الروايات.

ج - أن تكون بمعنى مع كما ورد في بعض الآيات مثل قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)(1)أي مع أموالكم، وورد في بعض الروايات أن إلى بمعنى مع تفسيراً لآية الوضوء أي اغسلوا اليدين مع المرافق، ولم يخالف في ذلك أحد إلاّ نفر من العامة، فإنهم قالوا: إنّالمرفق ليس داخلاً في اليد(2)، ومن عداهم من كافة المسلمين متفقون على دخول المرفق في المغسول، والظاهر من هذه الاحتمالات هو الأول، وأن (إلى) بمعنى الانتهاء والآية مع ذلك مطلقة لأن الانتهاء المستفاد من إلى: إما أن يكون قيداً للمغسول، أو قيداً للغسل، أو قيداً لكليهما، والأول هو المتيقن دون الأخيرين، وذلك لأنّ اليد لفظ مشترك أو كالمشترك يستعمل في معان متعددة بواسطة الأفعال المتعلقة بها، فتارة تطلق على جميع العضو أي: من المنكب إلى أطراف الأصابع كما في العرف واللغة(3)، وأخرى تطلق على المرفق فما تحته كما في آية الوضوء(4)، وثالثة تطلق على الزند فما تحته كما في آية التيمم(5)، وقد تطلق على أصول الأصابع كما في آية السرقة(6)،


1) سورة النساء، الآية: 2

2) مفاتيح الغيب 11 : 125 الطبعة الأولى

3) المصباح المنير 2 : 936 الطبعة السابعة

4) سورة المائدة، الآية: 6

5) سورة النساء، الآية: 43

6) سورة المائدة، الآية: 38

ومن خلال هذه الاستعمالات يتبين أنّ معنى اليد مجمل، ولابد في بيان المراد منها من قرينة وهي تختلف باختلاف الموارد، وحيث إنّ الغسل لا قرينة فيه على تعيين العضو المغسول فهو قابل للانطباق على جميع هذه المعاني.

وإذا كان قد تقرر أنّ المراد ليس هو جميع العضو فلابد من البيان فهذا القيد وهو «إلى» مبين للمقدار المغسول وهو إلى المرفق، وحينئذ فالقدر المتيقن هو أن «إلى» قيد للمغسول هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنّ كون إلى قيداً إلى المغسول وهو اليد أقرب منه إلى الغسل، وعند الدوران بين رجوع القيد إلى الغسل أو إلى اليد فالمرجح رجوعه إلى اليد، وأما القول برجوع القيد إلى الغسل فهو باطل قطعاً وذلك لأنّه يلزم الحكم بخلاف ما أجمعت الأمة عليه - كما في مجمع البيان(1)- فإنّ الأمة قاطبة من الخاصة والعامة اتفقت على جواز الغسل من المرفق إلى الأصابع ولا يوجبون العكس، وغاية ما ذهب إليه العامة هو القول باستحباب النكس لا بوجوبه، ولم يذكر في ذلك خلاف إلاّ عن بعض العامة، فعلى القول برجوع القيد إلى الغسل لابد من الالتزام بعدم جواز الغسل من المرفق إلى الأصابع ولا يمكن الالتزام به حتى من العامة، فإنهم لا يقولون بذلك، فإنّ الآية عندهم مطلقة وإنما قالوا بجواز النكس أواستحبابه للروايات التي استندوا إليها.

والحاصل: أنّ هذا الاحتمال غير صحيح.

وأما القول برجوع القيد إلى كل منهما فهو أيضاً لا يمكن الالتزام به وذلك:

أولاً: لزوم المحذور المتقدم وهو الحكم بخلاف ما أجمعت عليه الأمة.

وثانياً: لزوم استعمال اللفظ وهو القيد في أمرين أي الغسل والمغسول ومحذوره أشدّ من محذور استعمال اللفظ في معنيين، وذلك لأنّ الغسل والمغسول هنا في مرتبتين فإنّ المغسول بمنزلة الموضوع وهو متعلق الغسل فلابد من فرض


1) مجمع البيان 3 : 164المطبعة الإسلامية

وجوده قبل الغسل حتى يجب غسله فيكون قيداً في حال واحد - من حيث هو واحداً - متقدماً ومتأخراً وفيه ما لا يخفى، وبناء على ذلك فالقاعدة تقتضي أن يكون القيد راجعاً إلى المغسول فيتعين الاحتمال الأول.

والنتيجة: أنّ الآية مطلقة إن لم نقل بالانصراف كما ذكرنا.

الثاني: الروايات فقد ورد في كثير منها الأمر بغسل الوجه واليدين من دون بيان لكيفية الغسل، فهي مطلقة من هذه الناحية وحينئذ تصل النوبة إلى الدليل الثالث الخاص الوارد في المقام وبه يقيد الإطلاق.

الثالث: بناء على ثبوت الإطلاق من الآية الشريفة ومن بعض الروايات لابد من التماس دليل آخر - كما ذكرنا - على تعيين كيفية الغسل، وهذا الأمر مشترك بيننا وبين العامة فكما أنّ علينا أن نستدل بالأدلة الخاصة من السنة وغيرها لإثبات اعتبار الابتداء في الغسل من الأعلى، كذلك العامة لابد لهم من دليل خاص على استحباب النكس لأنّه تقييد لإطلاق الآية، ولابد من بيانه ولعلنا نشير إلى ذلك.

أما أدلتنا على وجوب الابتداء في الغسل من الأعلى فهي الروايات والإجماع والسيرة، وعمدتها الروايات الواردة في المقام.

ونقول: إنّ جميع ما ورد من الروايات دال على وجوب الابتداء من الأعلى ولم يرد ولو في رواية واحدة الدلالة على جواز النكس، وأما هذه الروايات فهي على طوائف.

الأولى: الروايات البيانية التي تحكي فعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهي عدة روايات منها: صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء فوضعه بين يديه، ثمّ حسر عن ذراعيه، ثمّ غمس فيه كفه اليمنى، ثمّ قال: هكذا إذا كانت الكف طاهرة،

ثمّ غرف ملأها ماء فوضعها على جبهته، ثمّ قال: بسم الله وسدله على أطراف لحيته، ثمّ أمر يده على وجهه وظاهر جبهته مرةواحدة، ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها، ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثمّ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه ...(1)

والرواية صريحة الدلالة في أن الابتداء في غسل الوجه من الجبهة وهي أعلى الوجه وفي غسل اليدين من المرفقين، والإمام (علیه السلام) في مقام الحكاية لفعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ولو كان هناك استحباب للنكس أو غيره لكان على الإمام (علیه السلام) أن يحكيه فعدم حكايته إلاّ هذه الصورة واقتصاره على هذه الكيفية دليل على عدم وجود غيرها.

ومنها: صحيحة زرارة وبكير، أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)، فدعا بطست أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على وجهه فغسل بها وجهه، ثمّ غمس كفه اليسرى فغرف بها غرفة وأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق، إلى الكف لا يردها إلى المرفق، ثمّ غمس كفّه اليمنى وأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق وصنع بها مثل ما صنع باليمنى ...(2)

وهذه الرواية أظهر من الرواية السابقة، وفيها تأكيد على أنّ الغسل كان من الأعلى وهو قوله: فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق، وهذه العبارة وما بعدها وإن كانت من كلام الراوي إلاّ أنّه كان ينقل فعل الإمام(علیه السلام) الذي هو حكاية لفعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فهي دالة على ما نحن فيه .

ومنها: رواية بكير وزرارة ابني أعين، أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 3

رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بطست أو بتور فيه ماء ... إلى أن قال: ثمّ غمس كفه اليمنى في الماء واغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع لا يرد الماء إلى المرفقين ...(1)

وهذه الرواية عين الرواية السابقة إلاّ في بعض الألفاظ وقد رواها الشيخ في التهذيب(2)بطريقه إلى بكير وزرارة، وأما الرواية السابقة فهي بطريق الكليني ولا يبعد أنها رواية واحدة كما أشار إليه صاحبالوسائل(3)

الطائفة الثانية: الروايات التي تدل على أنّ لفظ «إلى» بمعنى «من» في الآية الشريفة:

ومنها: ما رواه الكليني في الكافي عن محمّد بن الحسن وغيره، عن سهل بن زياد، عن علي بن الحكم، عن الهيثم بن عروة التميمي، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) فقلت: هكذا ومسحت من ظهر كفي إلى المرفق، فقال: ليس هكذا تنزيلها وإنما هي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم «من» إلى المرافق، ثمّ أمر يده من مرفقه إلى أصابعه(4)

والرواية من جهة دلالتها واضحة، فإنّ الإمام (علیه السلام) أمر يده من مرفقه إلى أصابعه وفسر المراد من الآية بهذه الكيفية، فلابد من الغسل بهذا النحو، إلاّ أن الرواية وردت بلفظ «من» على نسخة ولفظ «إلى» على نسخة أخرى كما في نسخة الوافي(5)، والظاهر أنّ النسخة الصحيحة هي المشتملة على لفظ «من» كما في نسخة جامع الأحاديث(6)وإلاّ فلا فرق بين كلام الراوي وكلام الإمام (علیه السلام) في قراءة


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 11

2) تهذيب الأحكام ج 1 باب صفة الوضوء والفرض منه ... الحديث 7 ص 56

3) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء ذيل الحديث 3

4) نفس المصدر باب 19 من أبواب الوضوء الحديث 1

5) كتاب الوافي 6 : 280 الطبعة الأولى منشورات مكتبة أمير المؤمنين (علیه السلام) العامة بأصفهان

6) جامع أحاديث الشيعة ج 1 باب 18 كيفية غسل الوجه واليدين ... الحديث 1

الآية، ولا معنى لاعتراض الإمام (علیه السلام) على السائل بقوله: ليس هكذا تنزيلها، مضافاً إلى أنّ الشيخ حملها على أن هذا قراءة جائزة في الآية، أو بحمل التنزيل على التفسير، وهذا دليل على أنّ نسخة الشيخ جاءت بمن أيضاً وإلاّ فلا حاجة إلى التماس المحامل، ثمّ إنّ معنى التنزيل في الرواية يدور بين محتملات ثلاثة:

الأول: أنّ المراد من قوله: «ليس هكذا تنزيلها» أي نزول الوحي بها يعني أنّ الوحي نزل بها بلفظ «من» لا بلفظ «إلى» ، فإن كان هذا هو المراد فالرواية ساقطة عن الاعتبار ولا يمكن الأخذ بها لأنها حينئذ منافية لما تقدم من الروايات البيانية وغيرها من أنّ الآية بلفظ «إلى» كما أنّها منافية لما ورد من أنّها بمعنى مع .

الثاني: أنّ المراد هو جواز القراءة بها بمعنى أنّ في الآية قراءتينإحداهما بمن ، والاُخرى ب- «الى» . لكن هذا الاحتمال خلاف ظاهر الرواية من قوله عليه السلام: «ليس هكذا تنزيلها» .

الثالث: أنّ المراد من التنزيل هو التأويل أو التفسير بمعنى أن تفسير الآية هو ما ذكره لا ما فعله الراوي، وحينئذ فلا يرد إشكال عليه ويكون موافقاً للروايات البيانية، ولا يتنافى مع تفسير «إلى» بمعنى «مع» ، ومع قطع النظر عن هذه الجملة فذيل الرواية صريح في أنّ الغسل إنما هو من المرفق، هذا من جهة الدلالة، وأما من جهة السند ففيه سهل بن زياد وهو مورد للخلاف وقد رجحنا في محله عدم ثبوت وثاقته، إلاّ أنّه يمكن تصحيح طريق هذه الرواية من جهة أنّ لعلي بن الحكم المذكور في الرواية بعد سهل كتاباً وليس له رواية، وقد روى كتابه جماعة(1)من الأصحاب وللشيخ طرق متعددة إلى كتابه، وجاء في فهرست(2)الشيخ ورجال النجاشي(3)أنّ محمّد بن السندي وأحمد بن محمد، ومحمّد بن


1) الفهرست: 113 الطبعة الثانية

2) نفس المصدر

3) رجال النجاشي 2 : 109 الطبعة الأولى المحققة

إسماعيل وأحمد بن أبي عبد الله يروون الكتاب فلا يختص الطريق بسهل بن زياد، وبناء على هذا فيمكن تصحيح الرواية ولا بأس بالاستدلال بها.

ومنها: ما رواه في المستدرك عن كشف الغمة إلى أن قال: وذكر حديثاً في ابتداء النبوة يقول فيه: فنزل عليه جبرئيل وأنزل عليه ماء من السماء فقال له: يا محمّد قم توضأ للصلاة، فعلّمه جبرئيل (علیه السلام) الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين(1)

ومنها: ما رواه في المستدرك أيضاً عن كتاب الاستغاثة قال: وفي مصحف أمير المؤمنين (علیه السلام) برواية الأئمة من ولده صلوات الله عليهم من المرافق وإلى الكعبين، حدثنا بذلك علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب، عن جعفر بن محمد، عن آبائه صلوات الله عليهم أنّ التنزيل في مصحف أمير المؤمنين (علیه السلام): (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق) .

ورواية كشف الغمة وإن لم تشتمل على الآية وتفسير إلى بمعنى من، إلاّ أنّه لما كان فيها: فعلّمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين منالمرفق، فتدخل في هذه الطائفة.

ثم إنّ الروايتين الأخيرتين غير تامتين من حيث السند فيمكن اعتبارهما مؤيدتين للرواية الأولى.

الطائفة الثالثة: الروايات الواردة في أنّ الغسل إلى المرافق حال التقية ولزوم الغسل من المرافق بعد ارتفاعها، ومنها:

معتبرة علي بن يقطين فقد جاء في هذه الرواية: والذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلل شعر لحيتك، وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً ... .


1) مستدرك الوسائل ج 1 باب 1 من أبواب الوضوء الحديث 1

وجاء في ذيل الرواية بعد ارتفاع التقية: ابتدء من الآن يا علي بن يقطين وتوضأ كما أمرك الله تعالى اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى اسباغاً، واغسل يديك من المرفقين ...(1)

والرواية تامة السند صريحة الدلالة على أن ابتداء الغسل من المرفقين في حال الاختيار.

الطائفة الرابعة: الروايات التي تدل على عدم رد الشعر في غسل اليدين ومن ذلك صحيحة زرارة بن أعين قال لأبي جعفر (علیه السلام): أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ الذي قال الله عزوجل، فقال: الوجه الذي قال الله تعالى وأمر الله بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه، إن زاد عليه لم يوجر وإن نقص منه أثم، ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الاصبعان مستديراً فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه، فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال(علیه السلام): لا، قال زرارة: قلت له: ما أحاط به الشعر؟ فقال: كلما أحاط به من الشعر فليس على العباد أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء، وحد غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع، وحد مسح الرأس أن تمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدم الرأس، وحد مسح الرجلين أن تضع كفيك على أطراف أصابع رجليك وتمدهما إلى الكعبين فتبدأ بالرجل اليمنى في المسح قبل اليسرى، ويكون ذلك بما بقي في اليدين من النداوة من غير أن تجدد له ماء ولا ترد الشعر في غسل اليدين ولا في مسح الرأس والقدمين(2).

ومحل الشاهد من هذه الرواية هي الجملة الأخيرة فلا معنى لقوله (علیه السلام):ولا ترد الشعر، إلاّ عدم جواز النكس وهو لزوم الغسل من المرفق، وهذه الجملة


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 3

2) من لا يحضره الفقيه ج 1 باب حد الوضوء ... الحديث 88 ص 44

منه (علیه السلام) تأكيد لقوله: وحد غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع.

ومنها: ما رواه في المستدرك عن العياشي في تفسيره، عن صفوان قال: سألت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) عن قول الله عزوجل: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فقال (علیه السلام): قد سأل رجل أبا الحسن (علیه السلام) عن ذلك، فقال: سيكفيك - أو كفتك - سورة المائدة يعني المسح على الرأس والرجلين قلت: فإنه قال: اغسلوا أيديكم إلى المرافق فكيف الغسل؟ قال: هكذا، أن يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبه في اليسرى، ثمّ يفضه (يفيضه) على المرفق ثمّ يمسح إلى الكف قلت له: مرة واحدة؟ فقال: كان يفعل ذلك مرتين قلت: يرد الشعر؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل، وإلاّ فلا(1)

ومفاد الجملة الأخيرة أنّه لا يجوز رد الشعر إلاّ في حال التقية.

وهذه الرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير معتبرة لعدم وضوح طريق العياشي إلى صفوان، نعم إذا كان كتاب صفوان مشهوراً معروفاً أمكن الاستدلال بها وإلاّ فهي مؤيدة .

الطائفة الخامسة: الروايات الواردة في استحباب البدئة في الغسل بباطن الذراع للنساء وبظاهره للرجال، ومنها :

صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) قال: فرض الله على النساء في الوضوء للصلاة أن يبتدئن بباطن أذرعهن وفي الرجال بظاهر الذراع(2)

ومنها: مرسلة الصدوق في الفقيه قال: قال الرضا (علیه السلام): فرض الله عزوجل على النساء في الوضوء أن تبدأ بباطن ذراعيها والرجل بظاهر الذراع(3).

ومنها: رواية الصدوق في الخصال بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي، عن


1) مستدرك الوسائل ج 1 باب 18 من أبواب الوضوء الحديث 2

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 40 من أبواب الوضوء الحديث 1

3) نفس المصدر الحديث 2

أبي جعفر محمّد بن علي ' في حديث قال: وتبدأ في الوضوء بباطن الذراع، والرجل بظاهره(1)

وهذه الروايات تدل على ما ذكرنا، وأنه لا يستحب الغسل من الأصابعبل المستحب هو من الذراع إما باطنه أو ظاهره، وهذا الاستحباب في مقابل القول باستحباب البدئة من الأصابع، وإلاّ فالواجب هو الابتداء من الأعلى وهو المرفق.

ولكن هذا الاستحباب يتوقف على أنّ المراد من الذراع غير الكف والأصابع كما هو الظاهر، وأما إذا كانت الذراع شاملة للكف والأصابع فلا دلالة فيها.

والحاصل: أنّ هذه الروايات بطوائفها الخمس وغيرها تدل على عدم جواز النكس، بل المعتبر هو الغسل من المرفق، وقد ادعى صاحب الوسائل تواتر النصوص على ذلك، ونضيف: أنّه لم يرد ولو في رواية واحدة جواز النكس - في غير التقية - فضلاً عن الاستحباب، هذا، ويمكن الاستدلال على ذلك أيضاً بسيرة المتشرعة القائمة على أنّ الوضوء من المرفق، والمراد من سيرة المتشرعة هي سيرة الخاصة فإنها متصلة بزمان الأئمة (علیهم السلام) بلا إشكال.

كما يمكن الاستدلال بالإجماع المدعى في المقام ولا يقدح فيه مخالفة من ذكرنا.

والمتحصل: أنّ المتسالم عليه عند الخاصة استناداً إلى الروايات والسيرة والإجماع أنّ الغسل في الوضوء مشروط بالابتداء من الأعلى في الوجه من قصاص الشعر وفي اليدين من المرفقين.

والعجب مما ذهب إليه العامة من القول باستحباب النكس من دون أن يذكروا دليلاً على مدعاهم.


1) مستدرك الوسائل ج 1 باب 35 من أبواب الوضوء الحديث 1

الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:

ويقع الكلام فيها من ناحيتين:

الأولى: في حكم المسألة.

ولا إشكال في وجوب الغسل منكوساً حال التقية.

وذلك أولاً: لما تقدم من الأدلة العامة من أن التقية لكل ضرورة وهي شاملة لهذا المورد بلا إشكال.

وثانياً: الأدلة الخاصة الواردة في المقام ومنها: معتبرة علي بن يقطين المتقدمة، فإنّ الإمام (علیه السلام) كتب إليه: والذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلل شعر لحيتك، وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً.ويؤيدها رواية العياشي عن صفوان المتقدمة أيضاً ومحل الشاهد منها قول صفوان: قلت يرد الشعر؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل وإلاّ فلا.

فالحكم بوجوب العمل على مقتضى التقية ومتابعة العامة في ذلك لا إشكال فيه.

الثانية: فيما إذا لم يعمل بما تقتضيه التقية وعمل بالوظيفة الأولية فهل يحكم بصحة وضوئه أم لا؟

والظاهر هو الحكم بالصحة وذلك لما تقدم من أنّ وظيفة المكلف أن يأتي بالغسل جرياً وعكساً، فالمكلف قد أتى بأصل الواجب فيحكم بصحة فعله وإن لم يراع اعتبار النكس، نعم إذا كان الواجب خصوص الغسل نكساً فلم يأت بوظيفته الفعلية وحينئذ فما أتى به لم يكن مأموراً به بل هو مبغوض عند الشارع ومقتضى القاعدة هو الحكم بالبطلان.

المورد الثالث: في مسح الرأس كلاًّ أو بعضاً مع الأذنين أو بدونهما:

ويقع الكلام فيه في جهات:

الجهة الأولى: في المسح على الرأس:

ذهب الخاصة إلى وجوب المسح على جزء من الرأس، والمشهور هو الاكتفاء بمسمى المسح، وخالف في ذلك الشيخ الصدوق فقد قال في الفقيه: وحد مسح الرأس أن تمسح بثلاثة أصابع مضمومة من مقدم الرأس(1)، وهكذا ظاهر النهاية قال: لا يجوز أقل من ثلاث أصابع مضمومة مع الاختيار(2)

وأما المسح على جميع الرأس فقد أجمعت الطائفة على عدمه.

وما ذهب إليه المشهور هو الموافق للروايات الواردة في تفسير الآية الشريفة وللروايات الأخرى كما سيأتي.

وأما العامة فقد اختلفت كلماتهم في ذلك:

قال في المغني: روي عن أحمد مسح جميعه في حق كل أحد، وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب مالك، وروي عنه إجزاء مسح بعضه ... إلاّأن الظاهر عن أحمد رحمه الله في حق الرجل وجوب الاستيعاب وأن المرأة يجزئها مسح مقدم رأسها(3).

وفي بداية المجتهد ذهب مالك أنّ الواجب مسحه كله، وذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث، ومنهم من حده بالثلثين، وأما أبو حنيفة فحده بالربع، وحد مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه، وأما الشافعي فلم يحد في الماسح ولا في الممسوح حدّاً(4)

وفي المحلّى: وأما قولنا في المسح فإن الناس اختلفوا فقال مالك: بعموم مسح الرأس في الوضوء، وقال أبو حنيفة: يمسح من الرأس فرضاً مقدار ثلاث


1) من لا يحضره الفقيه ج 1 باب حد الوضوء وترتيبه ... الحديث 88 ص 45

2) كتاب النهاية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 229 الطبع القديم

3) المغني والشرح الكبير 1 : 141 الطبعة الأولى

4) بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1 : 8 دار الفكر

أصابع، وذكر عنه تحديد الفرض بما يمسح من الرأس بأنه ربع الرأس وأنه إن مسح رأسه باصبعين أو بأصابع لم يجزه ذلك، فإن مسح بثلاث أصابع أجزأه، وقال سفيان الثوري: يجزىء من الرأس مسح بعضه ولو شعرة واحدة، ويجزىء مسحه بإصبع وببعض إصبع، وحد أصحاب الشافعي ما يجزي من مسح الرأس بشعرتين ويجزي باصبع وببعض اصبع، وأحب ذلك إلى الشافعي العموم بثلاث مرات، وقال أحمد بن حنبل: يجزىء المرأة أن تمسح بمقدم رأسها، وقال الاوزاعي والليث: يجزىء مسح مقدم الرأس فقط ومسح بعضه كذلك، وقال داود: يجزي من ذلك ما وقع عليه اسم مسح وكذلك بما مسح من أصبع أو أقل أو أكثر وأحب إليه العموم ثلاثاً(1)

وقد استدلّ الخاصة على ما ذهبوا إليه بالآية الشريفة وهي قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ )(2)

وقد فسرت الباء في قوله تعالى: (بِرُءُوسِكُمْ) بأنها للتبعيض(3)أي ببعض رؤسكم، فيكون مفاد الآية المسح ببعض الرأس وهو الواجب، وذلك لأنّ الظاهر من الآية الشريفة هو الفرق بين تعدية الفعل بالحرف وعدمه، فإنه لما كان المراد هو غسل جميع الوجه واليدين عدّي الغسل بنفسه، وأما المسح فإنه حيث عدي بالباء علم أنّ المراد بعض الرأس،ولو كان المراد مسح كل الرأس لعدي المسح بنفسه من دون حاجة إلى الباء، فالفرق بين التعدية وعدمها مع أنّ الفعل - وامسحوا - يتعدى بنفسه يدل على أنّ المراد غسل جميع الوجه واليدين، وأما المسح فالمراد منه بعض الرأس والرجلين.

ثمّ إنّ الآية بمعونة الروايات الواردة في تفسير الآية تدل على ما ذكرنا من أن الباء تفيد التبعيض ومن تلك الروايات:


1) المحلّى 2 : 52 دار الجيل

2) سورة المائدة، الآية: 6

3) مجمع البيان 3 : 164 المطبعة الإسلامية

صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين، فضحك، فقال: يا زرارة قاله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ونزل به الكتاب من الله عزوجل، لأنّ الله عزوجل قال: فاغسلوا وجوهكم فعرفنا أنّ الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: وأيديكم إلى المرافق فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: وامسحوا برؤسكم فعرفنا حين قال: برؤسكم أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: وأرجلكم إلى الكعبين فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما ثمّ فسّر ذلك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) للناس فضيعوه(1)الحديث.

ومنها: صحيحة زرارة وبكير المتقدمة وقد جاء فيها ... ثمّ قال: إنّ الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلاّ غسله، وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلاّ غسله، لأنّ الله تعالى يقول: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، ثمّ قال: وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين، فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه ...(2)

ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): فإذا مسح بشيء من رأسه، وهو صريح في الدلالة على أنّ المراد هو مسح بعض الرأس لا جميعه.

ومنها: صحيحة زرارة وبكير ابني أعين - أيضاً - عن أبي جعفر(علیه السلام) أنّه قال في المسح: تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطرافالأصابع فقد أجزأك(3)


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 23 من أبواب الوضوء الحديث 1

2) نفس المصدر باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 3

3) نفس المصدر باب 23 من أبواب الوضوء الحديث 4

وهي صريحة الدلالة أيضاً في أنّ المسح ببعض الرأس، ولا يجب استيعاب جميع الرأس، وغيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى، وسيأتي ذكر بعض الروايات الأخرى.

والحاصل: أنّه لا إشكال في أنّ المسح يختص ببعض الرأس لدلالة الكتاب والسنة وهكذا السيرة العملية بين المتشرعة المتصلة بزمان المعصوم(علیه السلام) ، وكذلك الإجماع على عدم مسح الجميع.

وأما حمل بعض العامة الباء في الآية الشريفة على الزيادة قياساً على آية التيمم وهو قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم ففيه: أن هذا قياس باطل لا نقول به، مضافاً إلى ورود المناقشة في أصل المقيس عليه، والصحيح أنّ الباء للتبعيض في كلتا الآيتين ولا موجب لحمل الباء على الزيادة.

وبناء على ما ذكرنا فلا إشكال في ثبوت الحكم وهو المسح ببعض الرأس لا جميعه.

الجهة الثانية: في الإتيان بالمسح على جميع الرأس:

فتارة يكون بقصد الجزئية، وأخرى بلا قصد، فإن أتى المكلف به بقصد الجزئية فلا إشكال في حرمة الفعل لأنه تشريع منهي عنه، ولكن لا يحكم ببطلان الوضوء لأنه أتى بمقدار الواجب من المسح، والزيادة لا تضر بما وقع صحيحاً، وأما إذا كان بغير هذا القصد فلا إشكال فيه.

هذا في حال الاختيار، وأما في حال التقية فيجب المسح على جميع الرأس وذلك أولاً: للأدلة العامة وهي شاملة لهذا المورد بلا إشكال.

وثانياً: للرواية المعتبرة الواردة في خصوص التقية وهي معتبرة علي بن يقطين المتقدمة وقد جاء فيها: وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما(1).

فالإمام (علیه السلام) يأمره بمسح الرأس كله فلا إشكال من هذه الجهة ولا فرق


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 3

حينئذ بين قصد الجزئية والاستحباب وعدمه فإن إطلاق أمره (علیه السلام) يقتضي الشمول.

الجهة الثالثة: في مسح الأذنين:

وقد أجمعت الإمامية على أن مسحهما ليس جزءاً من الوضوء ولا خلاف بينهم في عدم الوجوب، واختلفت العامة في ذلك فذهب بعضهم إلى القول بالاستحباب وبه قال الشافعي، وابن حزم، وذهب أبو حنيفة إلى وجوب مسحهما وقال: إنهما من الرأس يمسحان معه، وذهب بعضهم إلى القول بوجوب غسلهما وإليه ذهب الزهري، وقال: بأنهما من الوجه يغسلان معه، وذهب مالك وأحمد إلى أنهما من الرأس لكنهما يمسحان بماء جديد، وذهب الشعبي والحسن البصري وإسحاق إلى التفصيل فما أقبل منهما يغسل وما أدبر يمسح مع الرأس(1)

استدل الإمامية على عدم الوجوب - مضافاً إلى إجماعهم - بالكتاب والسنة، أما الكتاب فبالآية الشريفة وهي قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) .

بتقريب: أنّ الواجب هو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين وحيث لم تذكر الأذنان فعلم أنّه لا حكم يتعلق بهما في الوضوء فلا يجب غسلهما ولا مسحهما.

وأما السنّة ففي المقام عدة روايات منها:

صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الأذنان ليسا من الوجه ولا من الرأس(2)

والرواية صريحة الدلالة، وحينئذ فلا تدخل الأذنان في الغسل أو المسح.

ومنها: موثقة زرارة قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) قلت: إن أناساً يقولون: إن


1) الخلاف 1 : 15 الطبعة الثانية

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 18 من أبواب الوضوء الحديث 1

بطن الأذنين من الوجه وظهرهما من الرأس، فقال: ليس عليهما غسل ولا مسح(1).

ولكن في مقابل ذلك وردت رواية صحيحة السند وفيها أن الإمام (علیه السلام) جعل الأذنين من الرأس، وحينئذ يجري عليهما حكم الرأس من وجوب المسح وهي صحيحة علي بن رئاب، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) الأذنان من الرأس؟ قال: نعم، قلت: فإذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ قال: نعم، كأني اليه أنظر إلى أبي وفي عنقه عكنة، وكان يحفي رأسه إذا جزّه، كأني أنظر اليه والماء ينحدر على عنقه(2).وهذه الرواية بحسب ظاهرها مخالفة للروايتين السابقتين كما ذكرنا، وقد حملهما الشيخ على التقية(3)وهكذا صاحب المنتقى(4)

ولعل التقية فيها واضحة وذلك أولاً: أنّ السائل بعد أن أجابه الإمام (علیه السلام) بأن الأذنين من الرأس سأل مرة أخرى: إذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ فكأن السائل في شك من الأمر والمرتكز في ذهنه عدم وجوب المسح.

وثانياً: أنّ الإمام (علیه السلام) علل كلامه بشيء آخر اجنبي عن موضوع السؤال ولا علاقة له به ولا مناسبة بين المسح وبين انحدار الماء على العنق.

واحتمل صاحب الوسائل كون السؤال عن مسح الرأس المستحب بعد الحلق بقرينة قوله: كان يحفي رأسه إذا جزه، والإمام (علیه السلام) كان يغسل رأسه والماء ينحدر على عنقه، وإلاّ لو كان يمسح رأسه لما كان يلزم من ذلك انحدار الماء على عنقه.

والحاصل: أنّ الرواية محمولة على التقية، والحكم في المسألة واضح وليس على الأذنين مسح ولا غسل لا ظاهراً ولا باطناً.


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 18 من أبواب الوضوء الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 3

3) تهذيب الأحكام ج 1 باب صفة الوضوء والسنة والفضيلة فيه الحديث 18 ص 62

4) منتقى الجمان 1 : 126 طبعة جاويد

الجهة الرابعة: في حكم المسألة حال التقية:

ولا إشكال في لزوم المسح على الأذنين أو غسلهما بحسب ما تقتضيه الحال من التقية، وذلك لما ذكرنا من شمول الأدلة العامة لهذا المورد.

وأما إذا خالف التقية وأتى بالوظيفة الواقعية فهل يحكم بصحة الوضوء أم لا؟

وهذا الأمر يجري في مسح كل الرأس أيضاً، فيما إذا خالف مقتضى التقية ومسح على بعض الرأس فكلتا المسألتين من واد واحد.

والظاهر أنّه لا إشكال في الصحة لأنّهما خارجان عن الوضوء وعن المسح الواجب، وهو بحسب الفرض قد أتى بالواجب وإنما لم يأت بشيء زائد وهذا لا يوجب بطلان الوضوء، وعليه فمخالفة التقية في كلا الموردين لا توجب فساد الوضوء.

المورد الرابع: في غسل الرجلين أو مسحهما:

لا خلاف عند الإمامية في وجوب المسح على الرجلين فقط، دون الغسل ودون التخيير، ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء بل عد من ضروريات المذهب عندهم، وهذا هو المطابق لظاهر الكتاب والأخبار المتواترة من طريق الخاصة ومن طرق المخالفين.

وأما العامة فقد اختلفت كلماتهم في ذلك، فذهب بعضهم إلى وجوب المسح فقط، وذهب بعضهم إلى وجوب الغسل فقط، وذهب آخرون إلى التخيير، ومنهم من قال الجمع بين المسح والغسل وقد جمع الشوكاني كلماتهم وحاصل كلامه: أنّ الآية الشريفة اختلف في قراءتها، فقرأ نافع والحسن البصري، والأعمش، بالنصب - في وأرجلكم - واستدل بهذه القراءة على وجوب الغسل، وذهب جمهور العلماء على هذه القراءة.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، بالجر، ومن قال بالمسح استدل بهذه القراءة وإليه ذهب ابن جرير الطبري وهو مروي عن ابن عباس، ثمّ قال: وقال

ابن العربي: اتفقت الأمة على وجوب غسلهما وما علمت من رد ذلك إلاّ الطبري من فقهاء المسلمين والرافضة من غيرهم، قال الطبري قد روي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، وقال: وكان عكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل وإنما نزل فيهما مسح، وقال عامر الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح، وقال قتادة: افترض الله المسحتين والغسلتين، قال: وذهب ابن جرير الطبري إلى أنّ فرضهما التخيير بين الغسل والمسح وجعل القراءتين كالروايتين وقواه النحاس(1)

هذه هي كلماتهم حول الآية الشريفة وقد رووا في ذلك روايات في كيفية وضوء النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وأنه غسل أو مسح.

والحاصل أنّ آراءهم مختلفة.

ويقع الكلام في المقام في جهتين:

الجهة الأولى:

اشارة

في ما تقتضيه الأدلة، فنقول: أما الكتاب وهو قوله تعالى: (فَاغْسِلُواوُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(2). فهل الآية الشريفة تقتضي وجوب المسح كما يقوله الإمامية؟ أو غيره كما يقوله غيرهم؟

والظاهر من الآية هو وجوب المسح - كما اعترف به كثير من علماء العامة - وذلك لأنّ قوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ) إما أن يقرأ بالجر كما هو قراءة أربعة من القراء، وإما أن يقرأ بالنصب كما هو قراءة ثلاثة منهم، وعلى كلا التقديرين فالمستفاد من الآية هو وجوب المسح، أما على قراءة الجر كما هو المعروف بين القراء وغيرهم من الصحابة والتابعين فيكون قوله تعالى: (أَرْجُلَكُمْ) معطوفاً على رؤسكم والمستفاد حينئذ هو وجوب المسح كالرأس.


1) نيل الأوطار 1 : 207 دار الجيل بيروت 1973 م

2) سورة المائدة، الآية: 6

وما قيل: من احتمال أن يكون الجر للجوار - كما ذكره بعض العامة - كما في جُحر ضبّ خرب، فهو فاسد، وذلك:

أولاً: لأنّ الجر للجوار مخالف للقواعد العربية، وهو شاذ نادر وإنما يرتكب للضرورة، وما يكون هذا شأنه لا يحمل القرآن عليه وينزه كلام الله تعالى عنه.

وثانياً: إنّ الجر للجوار إنما يصار إليه فيما إذا أمن اللبس كما في المثال المتقدم فإن جعل خرب مجروراً عطفاً على الجوار لا لبس فيه، ولا يحتمل أن يكون نعتاً للضبّ، وأما الآية فهي توجب الوقوع في الالتباس.

وثالثاً: أنّ العطف على الجوار لا يستعمل بالحرف وفي الآية الكريمة جيء بالواو قبل المعطوف، وعلى هذا فالقول بأنّ الجر عطفاً على الجوار غير صحيح، والصحيح هو العطف على الرؤوس وهو يقتضي المسح.

وأما على قراءة النصب فالأمر كذلك أيضاً وذلك لأنّ النصب يحتمل فيه أمران:

الأول: العطف على محل الرؤوس لأنها وإن كانت مجرورة لفظاً إلاّ أنها منصوبة محلاًّ لما تقرر في العربية من أنّ الجار والمجرور مفعول به في المعنى.

الثاني: العطف على الوجوه والأيدي.والظاهر بل الصحيح هو الأول لأنه أولاً: أنّ الرؤوس أقرب إلى المعطوف والعطف على الأقرب أولى.

وثانياً: أن العطف على المحل سائغ ولا محذور فيه.

وثالثاً: أنّ في العطف على الوجوه والأيدي فصلاً بالأجنبي وذلك غير جائز بحسب القواعد العربية، وعلى هذا فالعطف - بناء على قراءة النصب - على محل رؤوسكم ويكون أرجلكم متعلق بقوله وامسحوا.

والنتيجة: أن مقتضى الآية الشريفة - على كلا التقديرين - بحسب القواعد العربية هو المسح ولا مجال لاستفادة الغسل منها أصلاً.

وأما ما قيل: من أنّ قوله تعالى: وامسحوا جاء بمعنيين فهو في الرأس بمعناه الظاهر، وفي الأرجل بمعنى الغسل، ففيه من التكلف والتعسف بما لا يصدر

عن منصف، وأما القول بالتخيير بين المسح والغسل فهو خلاف ظاهر الآية، فإنها لم تذكر إلاّ المسح فقط ومقتضى التخيير أن يذكر العدل الآخر.

ويؤيد ما ذكرنا: قراءة الجر، وذهاب عدة من الصحابة والتابعين إلى القول بوجوب المسح، وأنهم قرأوا الآية بالجر ويبلغ عددهم قريباً من ثلاثين شخصاً منهم أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وابن عباس، وتميم بن زيد الأنصاري وعبد الله بن زيد الأنصاري، وحذيفة بن اليمان وغيرهم فإنهم قرأوا بالجر وأفتوا بالمسح ونقلت أقوالهم وفتاواهم في تفاسير العامة ومسانيدهم وكتبهم الفقهية.

تنبيهان:

الأول: ذكرنا آنفاً أنّ كثيراً من علماء العامة قد اعترف بدلالة الآية على المسح ومنهم الرازي فإنه قال: لا يمكن رفع اليد عن ظاهر الآية بالروايات لأنها آحاد(1)، ومع ذلك فقد تمسك الرازي بأنّ الغسل مشتمل على المسح والاتيان بالغسل أحوط وهو المتعين، وهو كما ترى إذ لازم كلامه دلالة الآية على المسح إلاّ أنّه قال بالغسل لاشتماله على المسح فكأن الآية في نظره قاصرة عن تأدية المعنى، أليس في ذلك نسبة العجز إلى الله تعالى عن تأدية المراد؟!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

الثاني:

قد ظهر مما ذكرنا من ذهاب عدة من الصحابة والتابعين إلىالقول بالمسح وقراءتهم الآية بالجر وفتواهم على لزوم المسح واعتراف عدة من علماء العامة كالرازي وابن حزم وغيرهما بدلالة الآية على المسح ما في كلام بعضهم - كما نقلناه حيث قال: اتفقت الأمة على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك إلاّ


1) مفاتيح الغيب 11 : 128 الطبعة الأولى

الطبري من فقهاء المسلمين والرافضة من غيرهم، فكيف يكون كلامه هذا مطابقاً للواقع !!! وفي قوله: من غيرهم، ما لا يخفى فتأمل.

وأما السنة: وهي الروايات الواردة في المقام فهي كثيرة جداً من طرقنا ومن طرق المخالفين.

أما الروايات - من طرقنا - على وجوب المسح فهي من الكثرة بلغت إلى حد التواتر، حتى نسب إلى السيد المرتضى - كما في الجواهر(1)- بأنها أكثر من الرمل والحصى.

وهي على طوائف، ونحن نكتفي بذكر بعضها:

منها: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): ألا تخبرني من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال: يا زرارة قاله رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ونزل به الكتاب من الله عزوجل، لأنّ الله عزوجل قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ )فعرفنا أنّ الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ )فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) فعرفنا حين قال: (بِرُءُوسِكُمْ ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسر ذلك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) للناس فضيعوه(2)الحديث.

ومنها: معتبرة محمّد بن مروان قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): إنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة، قلت: كيف ذلك؟ قال: لأنّه يغسل ما أمر الله بمسحه(3).


1) جواهر الكلام 2 : 206 ، الطبعة السابعة

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 23 من أبواب الوضوء الحديث 1

3) نفس المصدر باب 25 من أبواب الوضوء الحديث 2

وهذه الرواية يشير فيها الإمام (علیه السلام) إلى ما عليه المخالفين من التزامهم بغسل الرجلين خلافاً لما أمر الله به ، فالصلاة باطلة وغير مقبولة لذلك.

ومنها: رواية سالم وغالب بن هذيل، قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عنالمسح على الرجلين، فقال: هو الذي نزل به جبرئيل(1)

ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) وابن عباس عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) : أنّه توضأ ومسح على قدميه ونعليه(2)

ومنها: ما روي أيضاً عن ابن عباس أنّه وصف وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فمسح على رجليه(3)

ومنها: ما روي عنه أيضاً أنّه قال: إن في كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلاّ الغسل(4)

ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) وأنه قال: ما نزل القرآن إلاّ بالمسح(5)

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على أن الواجب هو المسح فقط ولا يجزي الغسل أصلاً ... والحكم في ذلك أوضح من أن يبيّن.

وما ورد من بعض الروايات الدالة على جواز الغسل فهي بالإضافة إلى شذوذها وندرتها وحملها على التقية لا تقاوم روايات المسح ولا تعارضها.

هذا بالنسبة إلى روايات الخاصة.

وأما روايات العامة فقد ظفرنا بأكثر من عشرين رواية في صحاحهم ومسانيدهم وكتبهم، وأسانيدها معتبرة عندهم، وهي تدل على المسح، نعم


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 25 من أبواب الوضوء الحديث 4

2) نفس المصدر الحديث 5

3) نفس المصدر الحديث 6

4) نفس المصدر الحديث 7

5) نفس المصدر الحديث 8

وردت عنهم بعض الروايات في مقابلها حيث يدل بعضها على وجوب الغسل، وهذه الروايات القليلة في مقابل تلك الروايات الكثيرة المعتضدة بالكتاب العزيز الدالة على المسح.

فهل تقتضي القواعد العلمية الترجيح لتلك الروايات وإسقاط هذه العدة القليلة؟ أو أنها تقتضي إسقاطهما معاً لتعارضهما والرجوع إلى الكتاب؟ أو أنها تقتضي الأخذ بخصوص هذه الروايات ورد تلك الروايات المعتضدة بالكتاب؟ أو أنها تقتضي الاعتماد على الاستحسانات والأقيسة والخيالات؟ وهذا أمر متروك إليهم وهم أدرى بما يفعلون.

وأما عندنا فلا إشكال في وضوح الحكم، وأنّ المسح واجب بالكتاب والسنة، هذا ويمكن الاستدلال أيضاً بالإجماع والسيرة العملية المتحققةولم ينقل عن أحد خلاف في ذلك.

الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:

والكلام فيها في ناحيتين:

الأولى: هل يجب غسل الرجلين حال التقية أم لا؟

الظاهر هو الوجوب وذلك للأدلة العامة فإنها شاملة لهذا المورد بلا إشكال، مضافاً إلى الدليل الخاص الوارد في المقام، ومنه معتبرة علي بن يقطين فإن الإمام(علیه السلام) أمره بذلك فقال: وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً(1)، وذلك يدل على وجوب متابعة المخالفين حال التقية ولابد من غسل الرجلين.

الثانية: إذا خالف التقية وأتى بالوظيفة الواقعية فمسح على الرجلين ولم يغسلهما، فهل يحكم بصحة الوضوء؟

والظاهر أنّ مقتضى القاعدة هو بطلان الوضوء، لأنه لم يأت بالواجب فإن


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 2

المسح لم يكن واجباً عليه، وإنما الواجب حال التقية هو الغسل، فما أتى به لم يكن واجباً عليه فقد أنقص جزءاً واجباً من الوضوء، وعليه فالقاعدة تقتضي البطلان.

المورد الخامس: في مسح الرأس والرجلين بنفس ماء الوضوء أو بماء مستأنف:

لا خلاف بين الأصحاب رضوان الله عليهم في أنّ المسح لابد أن يكون بنداوة الوضوء ما دامت النداوة باقية، فإذا جفت فالمشهور أن يأخذ من سائر أعضائه كلحيته أو حاجبيه ولا يعيد وضوءه، وذكر الشيخ في الخلاف(1)أنّ أكثر الأصحاب لا يجوّز أن يستأنف لمسح الرأس والرجلين ماء جديداً.

وفي مختلف(2)العلامة نسب إلى ابن الجنيد أنّه قال: إذا لم يستبق النداوة - أي ماء الوضوء - أخذ ماءاً جديداً لرأسه ولرجليه.وإطلاق كلامه يشمل ما إذا كان الجفاف وعدم البقاء في يديه مع بقاء النداوة في لحيته وسائر أعضائه وعدمه.

وأما العامة فقد نقل الشيخ في الخلاف(3)عنهم أنهم يوجبون استئناف الماء إلاّ مالكاً فإنه أجاز المسح ببقية الماء وإن كان الأفضل عنده الاستئناف.

وفي المغني(4): ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعيه وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قاله الترمذي وجوزه الحسن وعروة والاوزاعي... ، ولنا ما روى عن عبد الله بن زيد قال: مسح رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بماء غير فضل يديه ... ولأن البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزي المسح به كما لو فصله في إناء ثمّ استعمله.

وفي بداية المجتهد(5): أكثر العلماء أوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياساً


1) الخلاف 1 : 12 الطبعة الثانية

2) مختلف الشيعة 1 : 296 منشورات جامعة المدرسين

3) الخلاف 1 : 12

4) المغني والشرح الكبير 1 : 147 الطبعة الأولى 1404 ه-

5) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 9 دار الفكر

على سائر الأعضاء.

وفي جامع الترمذي(1)بعد ذكر رواية عبد الله بن زيد قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديداً.

وفي أحكام القرآن(2): أخذ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لكل عضو ماءً جديداً.

ومن ذلك يتبيّن مورد الخلاف بيننا وبينهم، فإنا نعتبر أن يكون المسح بماء الوضوء وهم يعتبرونه بماء جديد.

ويقع الكلام في جهتين:

الأولى: في ما تقتضيه الأصول العملية واللفظية وما يستفاد من الأدلة الخاصة.

أما الأصل العملي فتقريره بوجهين:

الأول: أنّه يمكن أن يقال: إنّ الأمر دائر بين اعتبار أن يكون المسح بماء الوضوء وبالنداوة الباقية أو لا يعتبر ذلك، بل يجوز أخذه من الخارج، ويستفاد هذا مما تقدم الكلام في نظائره من أنّه هل يكون المقاممورداً للبراءة أو للاشتغال؟ من جهة الاختلاف الواقع في الطهارة وكونها أمراً بسيطاً يحصل من الغسلات والمسحات، أو كونها أمراً مركباً هي نفس الغسلات والمسحات وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً.

الثاني: أنّه إذا قلنا بأنّ المكلف به مردد بين أن يكون الواجب هو المسح بالنداوة الباقية كما ذهب إليه أكثر الخاصة، أو أنّ الواجب هو استئناف ماء جديد للمسح به كما ذهب إليه العامة، وحينئذ فمقتضى الأصل هو الاحتياط لأنّ الشك فيه يرجع إلى الشك في المكلف به وبراءة الذمة من الفعل المأتي به، ومقتضاه الاحتياط، وذلك لأننا نعلم يقيناً بالتكليف وهو وجوب المسح ولكن لا ندري أنّ الواجب أي الفردين، فمقتضى العلم الإجمالي هو لزوم الاحتياط على المكلف والإتيان بهما معاً، ولكن هذا مخالف للإجماع المتفق عليه بين الإمامية وغيرهم أنّ


1) الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي ج 1 باب 27 من أبواب الطهارة ص 52 دار إحياء التراث العربي - بيروت

2) أحكام القرآن 2 : 573 دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت

الواجب أحدهما لا الجمع بينهما.

وبناء على هذا الوجه فليس في المقام أصل عملي يرجع إليه عند الشك.

وأما الأصل اللفظي فمقتضى الآية الشريفة وبعض الروايات الدالة على وجوب مسح الرأس والرجلين هو الإطلاق، إذ لم يبين فيها اعتبار كون المسح بنداوة اليد أو باستئناف ماء جديد، وغاية ما تفيده الآية الشريفة أنها تتكفل ببيان أصل الوجوب فقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ )(1)مطلق وهكذا غير واحدة من الروايات.

وما يقال: إنّ الظاهر من المطلقات هو المسح بنداوة اليد لأن استئناف ماء جديد يدخل في الغسل ولا يصدق عليه المسح، لا يمكن الالتزام به، وذلك لأنّ بين الموردين عموم من وجه إذ قد يبقى في اليد ماء كثير أو زائد يمكن الغسل به، كما أنّه يمكن أخذ ماء قليل جداً لا يسع الغسل، فالتلازم بين الماء الجديد وبين الغسل لا يكون صحيحاً في جميع الموارد.

وبناء على هذا فلا يمكن التمسك بإطلاق الآية الشريفة والروايات.

وأما ما يستفاد من الأدلة الخاصة ففي المقام روايات كثيرة ادعي تواترها تدل على وجوب المسح بما بقي من ماء الوضوء وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: الروايات البيانية التي تحكي وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومنها: صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): ألا أحكي لكم وضوءرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟ إلى أن قال: ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه، وقال في ذيل الرواية: وقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّ الله وتر يحب الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى(2)


1) سورة المائدة، الآية: 6

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 2

ومنها: صحيحة زرارة وبكير انهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بطست أو تور فيه ماء ... إلى أن يقول: ثمّ مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماءً جديداً(1)

ومنها: صحيحة بكير بن أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ... إلى أن قال: ثمّ مسح بفضل يديه رأسه ورجليه(2)

ومنها: صحيحة زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر (علیه السلام) وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بقدح من ماء ... إلى أن قال: ثمّ مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء(3)

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده والماء أوسع، ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ قلت: بلى، قال: فأدخل يده في الإناء ... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه(4)

ومنها: صحيحة زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر (علیه السلام) وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بقدح من ماء فأدخل يده اليمنى ... إلى أن قال: ثمّ مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء(5)

ومنها: صحيحة بكير وزرارة ابني أعين أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بطست أو بتور فيه ماء فغسل كفيه ... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماء(6)

وهي عين الصحيحة الثانية المتقدمة مع اختلاف في الألفاظ.


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 3

2) نفس المصدر الحديث 4

3) نفس المصدر الحديث 6

4) نفس المصدر الحديث 7

5) نفس المصدر الحديث 10

6) نفس المصدر الحديث 11

وغيرها من الروايات وهي صريحة الدلالة على أنّ المسح يجب أن يكون بنداوة ماء الوضوء.

لا يقال: إنّ هذه الطائفة من الروايات حكاية لفعل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وغاية ما تدل عليه هو المشروعية لا الوجوب، فلا يمكن استفادة الحكم من فعله- .

لأنا نقول: إنّ الإمام المعصوم (علیه السلام) في حكايته لفعل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) إنما حكاه لأنه حجة لا أنّه فعل، وذكر هذه الخصوصية من كيفية المسح والتركيز عليها دليل على الوجوب ولو كان غيرها جائزاً لما كان لذكر هذه الخصوصية وجه.

والحاصل: أنّ المتأمل لا يرتاب في دلالة هذه الروايات على الوجوب لا على المشروعية فقط.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على وجوب ذلك من قول الأئمة (علیهم السلام):

ومنها: صحيحة زرارة المتقدمة، وهي الرواية الأولى من الطائفة المتقدمة وقد جاء فيها: وقال أبو جعفر (علیه السلام): إنّ الله وتر يحب الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمينك ناصيتك وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى.

وهذه الجملة قول أبي جعفر (علیه السلام) بعد أن حكى فعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) .

ومنها: صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: وضأت أبا جعفر (علیه السلام) بجمع إلى أن قال: ثمّ مسح بفضلة الندى رأسه ورجليه(1)

والرواية وإن لم تكن قولاً للإمام (علیه السلام) وإنما هي حكاية لفعله (علیه السلام) إلاّ أنها تدخل في القول بوجه.

ومنها: صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث طويل) أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: لما أسري بي إلى السماء أوحى الله إليّ: يا محمّد ادن من صاد


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 8

فاغسل مساجدك وطهرها، وصل لربك، فدنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الأيمن، فتلقى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الماء بيده اليمنى فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين، ثمّ أوحى

الله إليه أن اغسل وجهك فإنك تنظر إلى عظمتي، ثمّ اغسل ذراعيك اليمنى واليسرى فإنك تلقى بيديك كلامي، ثمّ امسح بفضل ما بقي في يدك من الماء ورجليك إلى كعبيك فإني أبارك عليك وأوطئك موطئاً لم يطأه أحدغيرك(1)

وهذه الرواية صريحة الدلالة على أن الواجب هو المسح بفضل ما بقي من الماء ولا يجوز أخذ الماء من الخارج.

الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على جواز أخذ البلل من اللحية أو الحاجبين عند جفاف اليدين:

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا ذكرت وأنت في صلاتك أنك تركت شيئاً من وضوئك (إلى أن قال:) ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك(2)

وهذه الرواية وإن كان موضوعها الناسي إلاّ أنها تدل على أنّ المسح لابد وأن يكون بماء الوضوء لا بغيره، ولا بأس بدلالتها وإن كانت بالمفهوم.

ومنها: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، في الرجل ينسى مسح رأسه حتى دخل في الصلاة قال: إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصلّ(3)الحديث.

وهذه الرواية كالرواية السابقة في دلالتها على عدم أخذ الماء من الخارج بالمفهوم، وأصرح من هاتين الروايتين رواية مالك بن أعين عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من نسى مسح رأسه ثمّ ذكر أنّه لم يمسح رأسه فإن كان في لحيته بلل فليأخذ


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 5

2) نفس المصدر باب 21 من أبواب الوضوء الحديث 2

3) نفس المصدر الحديث 3

منه وليمسح رأسه، وإن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء(1)

فهي صريحة في عدم أخذ الماء من الخارج بل ينصرف ويعيد الوضوء، هذا من جهة الدلالة، وأما من جهة السند ففيها مالك بن أعين وهو ممّن لم يرد فيه توثيق، وقد عبر السيد الأستاذ ! في التنقيح عن الرواية بالموثقة(2)إلاّ أن هذا على مبناه السابق في أسناد كامل الزيارات فإن مالك بن أعين ورد في أسناد بعض رواياته(3)، ولكنه ! عدل عن هذاالرأي إلى اختصاص شهادة ابن قولويه بمشايخه، وبناء على هذا فالتوثيق لا يشمل مالك بن أعين، إلاّ أنّه يمكن توثيقه من جهة أخرى وهي بناء على ما حققناه في مباحثنا الرجالية من أن إحدى علائم التوثيق رواية المشايخ - الذين لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة - عن شخص وقد روى ابن أبي عمير عن مالك بن أعين(4)، وعليه فلا مانع من الاستناد إلى روايته والاستدلال بها، ثمّ لا يخفى أن المراد من مالك بن أعين هو الجهني الذي هو من أصحاب الباقر والصادق ' (5)لا الشيباني أخو زرارة فإنه لا رواية له عن المعصوم (علیه السلام) كما استظهره السيد الأستاذ ! (6)

ومنها: رواية الصدوق، قال: قال الصادق (علیه السلام): إن نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك، فإن لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شيء فخذ ما بقي منه في لحيتك وامسح به رأسك ورجليك، وإن لم يكن لك لحية فخذ من حاجبك وأشفار عينيك وامسح به رأسك ورجليك، وإن لم يبق من بلة وضوئك شيء أعدت الوضوء(7)


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 7

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 208 الطبعة الثالثة

3) كامل الزيارات باب 27 في بكاء الملائكة على الحسين بن علي ' الحديث 15

4) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 438 الطبعة الأولى

5) رجال الشيخ : 135 و 308 الطبعة الأولى

6) معجم رجال الحديث 15 : 161 الطبعة الخامسة

7) وسائل الشيعة ج 1 باب 21 من أبواب الوضوء الحديث 8

وهذه الرواية واضحة الدلالة ولا إشكال في عدم جواز أخذ الماء من الخارج إلاّ أن الكلام في سند الرواية فإنها مرسلة وقد أوردها الصدوق في الفقيه ونسبها إلى الإمام (علیه السلام) ، وقد تحقق عندنا(1): أن مرسلات الصدوق في الفقيه يمكن الاعتماد عليها، وذلك لشهادته في أوله ثلاث شهادات على روايات الكتاب وهي أنها صحيحة وحجة بينه وبين الله، وأنها مأخوذة من كتب مشهورة معروفة، وأنها معوّل عليها(2)، ورد الرواية بعد هذه الشهادات مشكل وعليه يمكن اعتبار هذه الرواية والاستناد إليها.

وهناك روايات أخرى تدخل في هذه الطائفة نكتفي بما ذكرنا، وكلها تدل على جواز أخذ الماء من اللحية والحاجبين وأشفار العين ومع جفاف الماء عنها يبطل الوضوء ولا يجوز أخذ الماء من الخارج.

الطائفة الرابعة: الروايات الواردة في حال التقية ومنها:معتبرة علي بن يقطين فإن الإمام (علیه السلام) كتب إليه بعد ارتفاع التقية، ابتدأ من الآن يا علي بن يقطين وتوضأ كما أمرك الله تعالى، اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى اسباغاً، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف منه عليك والسلام(3)

فالمسح الواجب الذي أمر الله به أن يكون من فضل نداوة الوضوء لا من الخارج، وغيرها من الروايات.

هذه جملة من الروايات وهناك روايات كثيرة جداً كلها تدل على أن المسح ينبغي أن يكون بماء الوضوء لا بماء مستأنف.

ولكن بإزاء هذه الروايات ورد ما يدل على جواز أخذ الماء من الخارج ومن ذلك صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن مسح الرأس، قلت:


1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 63 الطبعة الأولى

2) من لا يحضره الفقيه 1 : 3 الطبعة الثانية

3) وسائل الشيعة ج 1 باب 32 من أبواب الوضوء الحديث 2

امسح بما على يدي من الندى رأسي؟ قال: لا ، بل تضع يدك في الماء ثمّ تمسح(1).

ومنها: معتبرة معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام): أيجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه: لا، فقلت: أبماء جديد؟ فقال برأسه: نعم(2)

وقد حمل الشيخ هاتين الروايتين على التقية(3)والرواية الثانية في دلالتها على التقية أوضح فإنّ الإمام (علیه السلام) أجاب برأسه ولم يجب بلسانه.

ومنها: رواية جعفر بن عمارة بن أبي عمارة قال: سألت جعفر بن محمّد ' أمسح رأسي ببلل يدي؟ قال: خذ لرأسك ماءاً جديداً ...(4)

وقد حملها الشيخ على التقية أيضاً، وقال: لأنّ رواته رجال العامة والزيدية(5).

والأمر كما ذكره الشيخ فإن ابن عقدة زيدي، وفضل بن يوسف مجهول ولم يرد له رواية في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية، فإنّ الشيخ رواها في التهذيب(6)ومثله محمّد بن عكاشة وأما جعفر بن عمارة فهووإن ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (علیه السلام) ولكنه من العامة(7)

والحاصل: أنّ الرواية ضعيفة السند مضافاً إلى حملها على التقية.

ومنها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) في رجل نسي أن يمسح على رأسه ذكر وهو في الصلاة، فقال: إن كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه، وعلى رجليه واستقبل الصلاة، وإن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 21 من أبواب الوضوء الحديث 4

2) نفس المصدر الحديث 5

3) تهذيب الأحكام ج 1 باب صفة الوضوء والفرض منه ص 58

4) وسائل الشيعة ج 1 باب 21 من أبواب الوضوء الحديث 6

5) تهذيب الأحكام ج 1 باب صفة الوضوء والفرض منه ... الحديث 15 ص 59

6) نفس المصدر

7) رجال الشيخ : 162 الطبعة الأولى

لحيته إن كانت مبتلّة وليمسح على رأسه، وإن كان أمامه ماء فليتناوله منه فليمسح رأسه(1)

وهذه الرواية وإن ورد فيها أخذ الماء من الخارج إلاّ أنها ليست محلاًّ للشاهد وذلك:

أولاً: إن الرواية موردها الشك.

وثانياً: إنّ المراد هو الاستحباب لأن الشك في مثل هذه الحال لا يعتنى به لجريان قاعدة الفراغ.

وثالثاً: على فرض أنها شاملة لما نحن فيه إلاّ أنها لا تقاوم الروايات الصحيحة السابقة، ولا يمكن ترجيح هذه الرواية على تلك الروايات الكثيرة.

والحاصل: أنّ هذه الروايات المقابلة لتلك الطوائف لابد من حملها على التقية لشذوذها وعدم مقاومتها لتلك الروايات وأنها موافقة للعامة، فلا إشكال في الأخذ بالروايات المتقدمة الدالة على أنّ المسح يجب أن يكون بماء الوضوء.

وهذا هو مذهب الإمامية ولم يستشكل في ذلك إلاّ ما نسب إلى ابن الجنيد كما تقدم. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.

الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:

والكلام فيها من ناحيتين:

الأولى: هل يجب استئناف الماء للمسح حال التقية أم لا؟

الظاهر هو الوجوب، وذلك:

أولاً: لما تقدم من الأدلة العامة فإنها شاملة للمورد بلا إشكال.

وثانياً: للأدلة الخاصة الواردة في المقام ومنها معتبرة علي بن يقطين فقد ورد فيها: وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما وتغسل رجليك إلى


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 42 من أبواب الوضوء الحديث 8

الكعبين ثلاثاً.

فإنّ الأمر بغسل الرجلين ثلاثاً ظاهر في استئناف الماء إذ لا يتحقق الغسل إلاّ به والرواية واردة في مقام التقية فلا إشكال في وجوب ذلك، نعم الأمر بمسح الرأس كله والأذنين ظاهرهما وباطنهما مطلق، ولم يبين الإمام(علیه السلام) أنّه بماء مستأنف، ولعل الاكتفاء بهذا المقدار - وعدم ذكره أخذ ماء جديد لمسح الرأس والأذنين - محقق للتقية، مضافاً إلى أن مسألة مسح الرأس والأذنين ليست اتفاقية عندهم، بل هي محل خلاف كما تقدم وإن كان المشهور عندهم هو مسح جميع الرأس والأذنين، ويترتب على هذا أنّ الاحتياط يقتضي الاقتصار على ما يحقق التقية ولا يتعدى إلى غيره، فلا يستأنف ماء جديد لمسح الرأس والأذنين لعدم الحاجة إليه اكتفاء بغسل الرجلين.

الثانية: فيما إذا خالف التقية وعمل المكلف بوظيفته الأولية فهل يحكم بصحة وضوئه أم لا؟

والظاهر مما تقدم هو الحكم بالصحة، لأنّ المسح قد تحقق سواء كان بالنداوة الباقية أو المستأنفة، واشتراط كونه من المستأنفة غير دخيل في تحققه، نعم الغسل يتحقق وهو أمر آخر وقد تقدم الكلام فيه وفي نظائره.

والحاصل: أنّه إذا أتى المكلف بالمسح ولم يستأنف ماء جديداً فالحكم بالبطلان حينئذ مشكل.

المورد السادس: في المسح على البشرة وجوازه على الحائل خفاً كان أو غيره وعدمه:

لا إشكال عند الإمامية بل ادعي عليه الإجماع بل هو مذهب أهل البيت(علیهم السلام) في اعتبار كون المسح على البشرة، ولم ينقل في ذلك خلاف من أحد.

وأما العامة فقد خالفوا في ذلك كما نقله الشيخ عنهم قال في الخلاف: لا

يجوز المسح على الخفين لا في الحضر ولا في السفر وخالف جميع الفقهاء في ذلك على اختلاف بينهم في مقدار المسح في السفر والحضر(1). وذهب بعضهم إلى الجواز للمسافر والحاضر مطلقاً(2)، وبعضهم جوزه للمسافر مطلقاً(3)، وبعضهم يرى عدم الجواز بقول مطلق كما نقل ذلك عن مالك(4)

واختلفوا أيضاً في تحديد محل المسح فبعضهم أوجب المسح من أعلى الخف وأسفله مستحب وهو رأي الشافعي، وبعضهم ذهب إلى أن الواجب هو مسح ظهورها وبطونها وهو مذهب ابن نافع(5)، وبعضهم ذهب إلى مسح الظهور دون البطون وقال بأن البطون ليس مسحها واجباً ولا مستحباً وهو مذهب أبي حنيفة وداود، وسفيان وجماعة(6)، إلى غير ذلك من الاختلافات الكثيرة العجيبة بينهم، وأعجب من هذا كله أنهم لا يجيزون المسح على الرجلين ويوجبون غسلهما ومع ذلك يجيزون المسح على الخفين ويكتفون بذلك فالترجيح للخفين على الرجلين في المسح والتفريق بينهما عجيب منهم وأي عجيب !!!

ثم أنّ الكلام يقع في جهتين:

الأولى: فيما تقتضيه الأصول العملية واللفظية وما يستفاد من الأدلة الخاصة، أما الأصل العملي فالمستفاد من الأدلة أنّ الواجب هو مسح الرجلين كما هو الحق، أو غسلهما كما هو مذهب العامة فإذا شككنا في مسح الخفين بدلاً من مسح الرجلين أو غسلهما فالظاهر أن مقتضى الأصل هو الاشتغال، لأنّ الشك ليس شكاً في التكليف وإنما هو شك في المكلف به، مضافاً إلى أنّه شك في المصداق لا في المفهوم بمعنى أنّ المسح على الخفين هل هو مسح على الرجلين أو لا؟


1) الخلاف 1 : 18 الطبعة الثانية

2) نيل الأوطار 1 : 181 دار الجيل

3) نفس المصدر : 182

4) مفاتيح الغيب 11 : 129 الطبعة الأولى

5) نفس المصدر

6) نيل الأوطار 1 : 184

فإذا شككنا في ذلك وليس لنا دليل في المقام - كما هو الفرض - فمقتضى الأصل العملي هو الاشتغال ولابد من الاحتياط، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، وهذا الأصل جار حتى بناء على ما تقدم من كون الغسلات والمسحات هو الواجب لا أنّه الأثر التكويني الذي كشف عنه الشارع بالأمر بتحصيله.

والحاصل: أنّ أصالة الاشتغال جارية على اختلاف المباني في المقام.

وأما الأصل اللفظي فالمستفاد من الآية الكريمة ومن بعض الرواياتهو الإطلاق، فإن قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(1)، يقتضي بإطلاقه وجوب المسح كما هو الحق وقد تقدم الكلام فيه، فإذا شككنا في جواز المسح على غير الرجلين كالخفين أو أي حائل آخر فبحسب ظاهر الآية بل نصها عدم الاكتفاء، فإنّ الآية محكمة وليست من المتشابه، ومفرداتها واضحة الدلالة، فلا يلتبس مفهوم الرجلين بمفهوم الخفين ولا يصدق أحدهما على الآخر، وبناء على هذا فلا يجوز المسح على غير الرجل بمقتضى الأصل اللفظي المستفاد من الكتاب العزيز، وهكذا الروايات المطلقة في دلالتها على وجوب المسح على الرجلين لا على الخفين أو أي حائل آخر، ومثله غسل الوجه فإنّه لا يصدق على غسل عضو آخر أو حائل بل لابد من غسل البشرة وإيصال الماء إليها، وهكذا بالنسبة إلى وضوح معنى المسح وموضوعه.

وما قيل: من أنّ الآية منسوخة بفعل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فهو مردود بإجماع الفريقين على عدم النسخ، وقد ذكر الرازي في تفسيره(2)إجماع المفسرين على عدم نسخ هذه الآية وسيأتي في الروايات ما يدل على عدم النسخ.

والحاصل: أنّ مقتضى الأصلين العملي واللفظي هو عدم جواز المسح على الحائل ومنه الخفين، وأما ما يستفاد من الأدلة الخاصة ففي المقام روايات كثيرة


1) سورة المائدة، الآية: 6

2) مفاتيح الغيب 11 : 128 الطبعة الأولى

تدل على عدم جواز المسح على الخفين وهي على طوائف:

الأولى: الروايات البيانية التي تحكي فعل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومنها:

صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فقلنا: بلى ... إلى أن قال: ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه(1)

والظاهر من المسح على ظهر القدمين أنّه مسح على بشرة القدمين.

ومنها: صحيحة زرارة وبكير أنهما سألا أبا جعفر (علیه السلام) عن وضوء رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) فدعا بطست أو تور فيه ماء ... إلى أن قال: فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه(2).والرواية ظاهرة في أنّ المسح على البشرة.

ومنها: معتبرة ميسر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(علیه السلام) ؟ ... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه وقدميه، ثمّ وضع يده على ظهر القدم ثمّ قال: هذا هو الكعب(3)

إلى غير ذلك من الروايات الحاكية لفعل الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وهي تدل على أنّ المسح كان على نفس بشرة القدمين.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على أنّ المسح على الخفين مخالف للكتاب:

ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وفيهم علي (علیه السلام) فقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يمسح على الخفين فقال علي (علیه السلام): قبل المائدة أو بعدها فقال: لا أدري فقال علي(علیه السلام): سبق الكتاب الخفين، إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة(4)


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 3

3) نفس المصدر الحديث 9

4) نفس المصدر باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 6

والمستفاد من الرواية أنّ المسح على الخفين على خلاف كتاب الله.

ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المسح على الخفين فقال: لا تمسح، وقال: إنّ جدي قال: سبق الكتاب الخفين(1)

ومنها: مضمرة أبي بكر الحضرمي قال: سألت عن المسح على الخفين والعمامة فقال: سبق الكتاب الخفين وقال: لا تمسح على خف(2)

ومنها: رواية أبي الورد قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إنّ أبا ظبيان حدثني أنّه رأى علياً (علیه السلام) أراق الماء ثمّ مسح على الخفين، فقال: كذب أبو ظبيان أما بلغك قول علي (علیه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ قال: لا، إلاّ من عدو تتقيه، أو ثلج تخاف على رجليك(3)

والرواية من حيث الدلالة واضحة، وأما من جهة السند ففيه أبو الورد وهو لم يوثق ولكنه واقع في أسناد تفسير علي بن إبراهيم القمي(4)، فتكون الرواية معتبرة.ومنها: رواية قيس بن الربيع قال: سألت أبا إسحاق عن المسح يعني المسح على الخفين، فقال: أدركت الناس يمسحون حتى لقيت رجلاً من بني هاشم لم أر مثله قط يقال له: محمّد بن علي بن الحسين ' فسألته عن المسح فنهاني عنه، وقال: لم يكن علي أمير المؤمنين (علیه السلام) يمسح على الخفين وكان يقول: سبق الكتاب المسح على الخفين، قال: فما مسحت منذ نهاني(5)

والرواية في دلالتها واضحة، إلاّ أن الكلام في سندها فقد رواها الشيخ المفيد في الإرشاد(6)عن مخول بن إبراهيم عن قيس بن الربيع وكلاهما لم يرد فيهما


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء الحديث 7

2) نفس المصدر الحديث 9

3) نفس المصدر الحديث 5

4) تفسير القمي 2 : 63 الطبعة الأولى المحققة

5) وسائل الشيعة ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 20

6) الإرشاد 2 : 161 مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)

توثيق فتحمل على التأييد لما سبق من الروايات.

ومنها: رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) أنّه كتب إلى المأمون... ثمّ الوضوء كما أمر الله، (إلى أن قال:) ومن مسح على الخفين فقد خالف الله ورسوله وترك فريضته وكتابه(1)

والرواية وإن كانت صريحة الدلالة في أنّ المسح على الخفين مخالف للكتاب إلاّ أن سند الرواية غير تام وقد ذكرنا ذلك فيما سبق فتكون الرواية مؤيدة كالرواية المتقدمة.

والحاصل: أنّ هذه الطائفة من الروايات تدل على أنّ المسح على الخفين على خلاف الكتاب.

الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على النهي عن المسح على الخفين وعدم إجزائه.

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما ' أنّه سئل عن المسح على الخفين وعلى العمامة فقال: لا تمسح عليهما(2)

ومنها: صحيحة الحلبي المتقدمة وهي الرواية الثانية من الطائفة الثانية.

ومنها: رواية سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) متعمدين لخلافه، ولو حملت الناس على تركها لتفرق عني جندي، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي كان فيه (إلى أن قال:) وحرمتالمسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، (إلى أن قال:) إذاً لتفرقوا عني الحديث(3)


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 17

2) نفس المصدر الحديث 8

3) نفس المصدر الحديث 3

وموضع الشاهد قوله (علیه السلام): وحرمت المسح على الخفين، فإنه مخالف لأمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهو بدعة أحدثوها بعده، والرواية من جهة دلالتها واضحة كما أنها من جهة السند معتبرة فقد ذكرنا في مباحثنا الرجالية(1)إمكان تصحيح روايات كتاب سليم بن قيس.

ومنها: موثقة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المريض هل له رخصة في المسح؟ فقال: لا(2)

والمراد من المسح هو المسح على الخفين رخصة في مسحهما، وليس المراد هو ترك المسح، فيجب أن يكون المسح على القدمين ولو بمشقة.

ومنها: موثقة حبابة الوابلية (الوالبية) في حديث عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قالت: سمعته يقول: إنّا أهل بيت لا نمسح على الخفين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا، وليستن بسنتنا(3)

والرواية واضحة الدلالة، وأما من جهة السند فإنها وردت في الفقيه بسنده إلى المفضل بن عمر، وطريق الصدوق إلى المفضل معتبر(4)، وإن كان فيه محمّد بن سنان إلاّ أننا قد استظهرنا وثاقته كما حققناه في محله، فلا إشكال في الرواية دلالة وسنداً.

وهناك روايات أخرى غير تامة السند فتكون مؤيدة لمضمون هذه الروايات:

منها: رواية رقبة (رقية) بن مصقلة قال: دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) فسألته عن أشياء، (إلى أن قال:) فقلت له: ما تقول في المسح على الخفين؟ فقال: كان عمر يراه ثلاثاً للمسافر ويوماً وليلة للمقيم، وكان أبي لا يراه في سفر ولا حضر، فلما خرجت من عنده فقمت على عتبة الباب، فقال لي: اقبل فأقبلت


1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 278 الطبعة الأولى

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 2

3) نفس المصدر الحديث 12

4) مشيخة الفقيه: 24 دار التعارف للمطبوعات

عليه فقال: إنّ القوم كانوا يقولون برأيهم فيخطئون ويصيبون وكان أبي لا يقول برأيه(1)ومنها: رواية الكلبي النسابة عن الصادق (علیه السلام) (في حديث) قال: قلت له: ما تقول في المسح على الخفين؟ فتبسم ثمّ قال: إذا كان يوم القيامة وردّ الله كل شيء إلى شيئه، ورد الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم(2)

وكلتا الروايتين مؤيدتان لما سبق فإن رقبة بن مصقلة والكلبي النسابة لم يرد فيهما توثيق، فلا يمكن الاستناد إلى رواياتهما في مقام الاستدلال.

الطائفة الرابعة: الروايات التي تدل على عدم جواز الصلاة خلف من يمسح على الخفين:

ومنها: رواية حسان المدائني قال: سألت جعفر بن محمّد ' عن المسح على الخفين، فقال: لا تمسح ولا تصلّ خلف من يمسح(3)

وهذه الرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير تامة فقد رواها الحميري في قرب الاسناد(4)عن محمّد بن علي بن خلف العطار عن حسان المدائني وكلاهما لم يرد فيهما توثيق.

ومنها: معتبرة إبراهيم بن شيبة، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (علیه السلام) وهو يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح، فكتب (علیه السلام): إن جامعك وإياهم موضع فلم تجد بداً من الصلاة فأذن لنفسك وأقم فإن سبقك إلى القراءة فسبّح(5).


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 10

2) نفس المصدر الحديث 4

3) نفس المصدر الحديث 19

4) نفس المصدر

5) نفس المصدر ج 5 باب 33 من أبواب الجماعة الحديث 2

والرواية من جهة الدلالة واضحة، فإنّ الإمام (علیه السلام) لا يرى الصلاة خلف من يمسح على الخفين، ومن اضطر إلى ذلك فليصل منفرداً ولم يأذن (علیه السلام) في الاقتداء.

وأما من جهة السند فهي وإن كان فيها إبراهيم بن شيبة إلاّ أنّه يمكن اعتبار روايته برواية البزنطي(1)عنه، وبناء على ذلك فلا إشكال في الرواية سنداً ودلالة.

الطائفة الخامسة: الروايات التي تدل على عدم مراعاة التقية في المسح على الخفين:منها: صحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً، شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج ...(2)

والرواية تدل على عدم جواز المسح حال التقية، فهي بالأولوية تدل على عدم الجواز في غير التقية.

ومنها: ما في الخصال بإسناده عن علي (علیه السلام) في حديث الأربع مائة قال: ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية(3)

والرواية تدل بالأولوية على عدم الجواز في غير حال التقية.

ومنها: رواية أبي عمر الأعجمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنّه قال: لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلاّ في النبيذ، والمسح على الخفين(4).

والرواية في دلالتها كالروايتين السابقتين إلاّ أنها من جهة السند غير تامة فإنّ أبا عمر الأعجمي لم يرد فيه توثيق، وقد ذكرناه في ما تقدم فلا يمكن الاعتماد على الرواية، نعم يمكن عدها مؤيدة لما سبق.


1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 427 الطبعة الأولى

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 1

3) نفس المصدر الحديث 18

4) نفس المصدر ج 11 باب 25 من أبواب الأمر والنهي الحديث 3

ومنها: رواية محمّد بن فضل (الفضيل) الهاشمي قال: دخلت مع أخوتي على أبي عبد الله (علیه السلام) فقلنا له: إنا نريد الحج وبعضنا صرورة، فقال: عليك بالتمتع، ثمّ قال: إنا لا نتقي أحداً بالتمتع بالعمرة إلى الحج، واجتناب المسكر، والمسح على الخفين معناه أنا لا نمسح(1)

فهذه الرواية من حيث الدلالة تامة إلاّ أن الكلام في سندها فإنّ محمّد بن فضيل لم يرد فيه توثيق، فتكون مؤيدة كالرواية السابقة.

ومنها: ما أورده في المستدرك عن الشيخ الطوسي في أماليه، عن الحسين بن عبيد الله عن التلعكبري، عن محمّد بن علي بن معمر، عن محمّد بن صدقة، عن الكاظم، عن آبائه (علیه السلام) ، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : إنا أهل بيت لا نمسح على خفافنا(2)

وهي من حيث الدلالة لا إشكال فيها، إلاّ أنها من جهة السند غير تامة، فإن فيها محمّد بن علي بن معمر ومحمّد بن صدقة وهما لم يرد فيهما توثيق فتحمل الرواية على التأييد كالروايتين السابقتين.هذه خمس طوئف من الروايات، وهناك روايات أخرى كثيرة وكلها تدل على عدم جواز المسح على الخفين.

وفي مقابل هذه الطوائف وردت روايات تدل على جواز المسح على الحائل ومنه الخف في غير تقية ولا ضرورة، وهي على طائفتين:

الأولى: الروايات التي تدل على إجزاء المسح على غير البشرة وقد فعله النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأمير المؤمنين (علیه السلام):

منها: مرسلة الصدوق قال: وروى أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) توضأ ثمّ مسح على نعليه، فقال له المغيرة: أنسيت يا رسول الله؟ فقال له: بل أنت نسيت هكذا أمرني ربي(3)


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 3 من أبواب أقسام الحج الحديث 5

2) مستدرك الوسائل ج 1 باب 33 من أبواب الوضوء الحديث 6

3) وسائل الشيعة ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 13

ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: توضأ علي (علیه السلام) فغسل وجهه وذراعيه، ثمّ مسح على رأسه وعلى نعليه، ولم يدخل يده تحت الشراك(1).

ومنها: معتبرة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) أنّ علياً (علیه السلام) مسح على النعلين، ولم يستبطن الشراكين(2)

ومنها: صحيحة زرارة وبكير ابني أعين عن أبي جعفر (علیه السلام) أنّه قال: في المسح تمسح على النعلين، ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك(3)

وهذه الروايات واضحة الدلالة على أنّ المسح لم يكن على البشرة، وهي مطلقة من جهة وصول الماء إلى البشرة وعدمه.

الطائفة الثانية: الروايات التي تدل على جواز المسح على الخف إذا كان مخرقاً.

ومنها: ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى عن علي بن إسماعيل، عن علي بن النعمان بن محمد، عن جعفر بن سليمان عمه، قال: سألت أبا الحسن موسى (علیه السلام) قلت: جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقاً فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه أيجزيه ذلك؟ قال: نعم(4)ورواها الصدوق مرسلة قال: وسُئل موسى بن جعفر ' عن الرجل يكون خفه مخرقاً فيدخل يده ويمسح ظهر قدميه أيجزيه؟ فقال: نعم(5)

ولعل هناك روايات أخرى بهذا المضمون وهذه الطائفة هي شاهدة جمع وتفصيل بين الروايات المانعة عن المسح وبين الروايات المجوزة وذلك:

أولاً: أنّ الوارد في الروايات المجوزة عنوان النعلين وليس الخفين وهي


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 23 من أبواب الوضوء الحديث 3

2) نفس المصدر باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 11

3) نفس المصدر باب 23 من أبواب الوضوء الحديث 4

4) نفس المصدر الحديث 2

5) نفس المصدر ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 16

النعل العربية، والقرينة عليه ذكر الشراك والشراكين وليس في الخف شراك، مضافاً إلى أنّ الشراك لا يوجب ستر ظاهر القدم بل يغطي بعض أطرافه، ولهذا قال (علیه السلام): ولم يستبطن الشراكين.

والحاصل: أنّ النعل إذا كانت عربية فهي لا تمنع من وصول الماء إلى الرجل، وحينئذ فلا إشكال.

وثانياً: إنه على فرض أنّ المراد من الروايات هو الخف إلاّ أنّه إذا كان مخرقاً بحيث لا يمنع من إدخال اليد ومسح القدم فلا إشكال، وعليه فما ورد من الروايات في الطائفة الأولى من جواز المسح على النعل على تقدير أنّ المراد منه هو الخف لا ينافي تلك الروايات الكثيرة بطوائفها الخمس، لأنّ النهي الوارد فيها عن المسح على الخف المانع من مباشرة اليد لظاهر القدمين.

ويؤيد هذا ما ذكره الصدوق في الفقيه قال: ولم يعرف للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خف إلاّ خف أهداه له النجاشي، وكان موضع ظهر القدمين منه مشقوقاً فمسح النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) على رجليه وعليه خفاه، فقال الناس: إنه مسح على خفيه على أنّ الحديث في ذلك غير صحيح الاسناد(1)

ومراده من الحديث هو الذي أورده مرسلاً وفيه اعتراض المغيرة على النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) وقد تقدم.

وثالثاً: على تقدير أنّ الرواية صحيحة وأنّ النبيّ مسح على الخفين لا على النعل العربية، ولم يكن الخف مشقوقاً إلاّ أنّه يمكن أن يقال: إنّ رواية المغيرة منسوخة بآية الوضوء فعلى فرض أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فعل ذلك فإنما فعله قبل نزول الآية، ولا منافاة بين هذه الرواية على تقدير صحتها وبين تلك الروايات المتواترة على عدم الجواز.

هذا ما يستفاد من الأدلة الخاصة وهي الروايات الواردة في المقام.


1) من لا يحضره الفقيه ج 1 باب حد الوضوء وترتيبه الحديث 97 ص 48

كما يمكن أن يستدل على عدم الجواز بالإجماع بين الفريقين، وذلك لأنّ الحكم المتفق عليه بين الخاصة والعامة هو إما المسح على البشرة أو الغسل للرجلين، وأما المسح على الخفين فهو محل خلاف عند الجميع، فالخاصة لم تختلف كلمتهم في عدم الجواز وكذا جماعة من غيرهم كما ذكرنا ذلك عن مالك، فإنه يرى عدم الجواز بقول مطلق مع أنهم يقولون عنه: إنه في الحديث كالشمس الطالعة(1)، ولو كان المسح على الخفين جائزاً لم يخالف في ذلك، ونقل الخلاف أيضاً عن ابن عباس(2)، وابن عمر(3)، فإنّ ابن عمر أنكر على سعد بن أبي وقاص مسحه على الخفين، وهكذا عائشة فإنها أنكرت وقالت: لأن تقطع قدماي أحب إليّ من المسح على الخفين(4)وروي عن ابن عباس أنّه قال: امسح على جلد حمار أحب إليّ من أنْ أمسح على الخف(5)، وهكذا غيرهم كالرازي فإنه ذكر خمسة أوجه استدلالاً على عدم المسح على الخفين(6)وإن كان لم يرجح في الأخير شيئاً، وعلى أي حال فالمسح على الخفين محل خلاف بين الجميع فلا وجه للعدول إليه وترك ما هو متفق عليه أو لا أقل ما يدور بين محتملي الآية.

تنبيه:

نقل الشوكاني دعوى تواتر الروايات على جواز المسح على الخفين(7)ونقل عن غير واحد كالحسن البصري وغيره أنّ عدداً من الصحابة بلغوا أربعين أو سبعين أو ثمانين رووا جواز المسح(8)ولكنه مع هذا العدد الكبير لم يورد من


1) مفاتيح الغيب 11 : 129 الطبعة الأولى

2) نفس المصدر

3) نيل الأوطار 1 : 178

4) مفاتيح الغيب 11 : 129 الطبعة الأولى

5) نفس المصدر

6) نفس المصدر

7) نيل الأوطار 1 : 176

8) نفس المصدر

الروايات إلاّ عدداً قليلاً جداً لا يتجاوز عدد الأصابع كرواية المغيرة(1)وسعد بن أبي وقاص(2)وأبي هريرة(3)، ثمّ نقل عنابن المنذر اختلاف العلماء وهل الترجيح لغسل الرجلين أو للمسح على الخفين؟ وقال: إنّ الترجيح عندي المسح على الخفين وذلك لمخالفة من يرى عدم الجواز كالإمامية وغيرهم إحياء للسنة وإماتة للبدعة(4)

أقول: ما ذنب الإمامية إذا كانوا يستندون في أحكامهم إلى كتاب الله وسنة رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وعترته الطاهرين (علیهم السلام) ، وما تقصيرهم إذا كانوا لا يخالفون الله والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا يفعلون ما يفعله غيرهم من اتباع الهوى والتهالك على الحطام وإن استلزم ذلك التلاعب بالأحكام، وأنها لشنشنة أعرفها من أخزم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

وعلى أي حال فالحكم واضح بالنسبة إلينا الإمامية ولابد من المسح على بشرة ظاهر القدمين، وهو الموافق للكتاب والأصل والروايات وإجماع الأمة والحمد لله رب العالمين.

الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:

ظاهر الأصحاب التسالم على وجوب المسح على الخفين إذا اقتضت التقية ذلك، ولم ينقل خلاف فيه، بل يظهر من المختلف الإجماع على ذلك(5)، غير أن الذي يظهر من الهداية(6)والفقيه(7)بعد ذكر روايات استثناء التقية في هذا المورد عدم العمل عليها، بل عدم جواز التقية فيه، وإن كان في الفقيه ذكر روايات


1) نيل الأوطار 1 : 179

2) نفس المصدر ص 178

3) نفس المصدر ص 181

4) نفس المصدر ص 176 دار الجيل

5) مختلف الشيعة 1 : 303 منشورات جامعة المدرسين

6) كتاب الهداية - المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية ص 49 الطبع القديم

7) من لا يحضره الفقيه ج 1 باب حد الوضوء ... الحديث 95 ص 48

الجواز أوّلاً ثمّ عقبها بروايات الاستثناء.

وقد استدلّ للقول بوجوب التقية بأمور:

الأول: الروايات العامة الدالة على وجوب التقية في كل شيء فهي شاملة لهذا المورد.

الثاني: الأدلة الدالة على نفي الحرج من الآية والروايات الخاصة.

الثالث: فحوى ما يدل على المسح على الجبائر، فإنه يدل بالأولوية على جواز المسح على الخفين لأنه ضرورة، ومنه رواية عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعيمرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(1)امسح عليه(2)

إلاّ أن الإشكال في سند الرواية وقد تقدم الكلام فيه.

وفي مقابل هذه الوجوه وردت عدة روايات تدل على عدم جواز التقية في المسح وأنه من الموارد المستثناة.

ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية، فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً، شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحداً(3)

والرواية وإن كانت مضمرة إلاّ أن إضمار زرارة لا يضر بسندها ودلالة الرواية تامة.

ومنها: ما رواه الكليني في الكافي وهي صحيحة زرارة عن غير واحد قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام) في المسح على الخفين تقية؟ قال: لا يتقى في ثلاثة قلت: وما هن؟ قال: شرب الخمر أو قال: (شرب المسكر) والمسح على الخفين، ومتعة


1) سورة الحج، الآية: 78

2) وسائل الشيعة ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء الحديث 5

3) نفس المصدر باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 1

الحج(1)

وقد ورد في جميع نسخ الكافي لفظ لا يتقى بالبناء للمفعول فتكون رواية أخرى لزرارة، إلاّ أنّه جاء في الوافي(2)لفظ لا نتقي بالبناء للفاعل بصيغة المتكلمين وعليه فيحتمل أن تكون هذه الرواية والرواية السابقة رواية واحدة مع اختلاف في الألفاظ وسيأتي ما ينفع في المقام.

ومنها: رواية محمّد بن فضيل (الفضيل) الهاشمي قال: دخلت مع أخوتي على أبي عبد الله (علیه السلام) ، فقلنا له: إنا نريد الحج وبعضنا صرورة فقال: عليك بالتمتع، ثمّ قال: إنا لا نتقي أحداً بالتمتع بالعمرة إلى الحج، واجتناب المسكر، والمسح على الخفين، معناه أنا لا نمسح(3)

ومنها: رواية أبي عمر الأعجمي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث أنّه لادين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلاّ في النبيذ، والمسح على الخفين(4).

ومنها: حديث الأربعمائة عن علي (علیه السلام) قال: ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية(5)

ومنها: معتبرة حبابة (الوابلية) في حديث عن أمير المؤمنين، قالت: سمعته يقول: إنا أهل بيت لا نمسح على الخفين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا وليستن بسنتنا(6)

وجميع هذه الروايات واضحة الدلالة عدا الرواية الأخيرة فليست صريحة في عدم جواز التقية، نعم تدل على التشدد في أمر المسح إلاّ أنّه لم يصرّح فيها


1) فروع الكافي ج 6 باب من اضطر إلى الخمر للدواء أو العطش أو للتقية الحديث 12 ص 415

2) كتاب الوافي ج 3 باب 159 من اضطر إلى الخمر والمسكر الحديث 12 ص 86 الطبع القديم

3) وسائل الشيعة ج 8 باب 3 من أبواب أقسام الحج الحديث 5

4) نفس المصدر ج 11 باب 25 من أبواب الأمر والنهي ... الحديث 3

5) نفس المصدر ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 18

6) نفس المصدر الحديث 12

بشمولها للتقية وعدمها.

وأما من جهة السند فرواية الهاشمي والأعجمي ضعيفتان بهما كما تقدم ورواية الوالبية لا دلالة فيها فلم يبق إلاّ رواية زرارة، وقد ذكر السيد الأستاذ !(1)أنّ العمدة هي الرواية الأولى، وأما الرواية الثانية فقد استظهر أنها متحدة مع الأولى وذلك بأمور:

الأول: أنّ زرارة فهم من الرواية أنّ عدم جواز التقية من خصائص الإمام(علیه السلام) ولذلك عقب الرواية بقوله: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يسوغ له أن يروي رواية أخرى بعين ذلك السند على خلاف ما استفاده من الصحيحة الأولى؟ وإلاّ فلا معنى لما فهمه زرارة.

الثاني: اتحاد السند في كلتا الروايتين.

الثالث: أنّ نسخة الوافي ورد فيها لا نتقي والمراد منها ومن لفظ لا أتقي الوارد في صحيحة زرارة الأولى واحد، إذ ليس المقصود هو شخص الإمام (علیه السلام) بل أهل البيت (علیهم السلام) .

الرابع: الظاهر أنّ نسخة الوسائل لا نتقي أيضاً ولذا لم يذكر الرواية الثانية في الوسائل، فعدم ذكره قرينة على أنّ فماد الروايتين واحد، وهكذا يظهر من صاحب الحدائق فإنه قال: ومثل خبر زرارة المذكور أيضاً مارواه في الكافي(2)، ثمّ نقل الصحيحة الثانية إلى آخرها، فيعلم من ذلك أنّ نسخته فيها لا نتقي، ومن هذه القرائن يمكن أن يطمأن إلى أنهما رواية واحدة أو روايتان ذاتا مفاد واحد، ولا أقل من الاحتمال وهو كاف في عدم ثبوت نسخة لا يتقى بالبناء للمفعول، وحينئذ لا يبقى لنا دليل على عموم الاستثناء بل الحكم بعدم جواز التقية خاص بهم (علیه السلام) ، وأما سائر الناس فليس حكمهم إلاّ وجوب المسح حال التقية، وتكون


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 252 الطبعة الثالثة

2) الحدائق الناضرة 2 : 311 دار الكتب الإسلامية

الأدلة على الجواز سليمة عن المعارض.

ثم على فرض الإغماض عن ذلك يمكن أن يقال: ليس في المقام استثناء في الحكم بل هو استثناء في الموضوع في الموارد الثلاثة: شرب المسكر، ومتعة الحج، والمسح على الخفين، فإنها خارجة موضوعاً عن المقام، أما بالنسبة لشرب المسكر فلا خلاف فيه لأنّ العامة قائلون بالحرمة، نعم بالنسبة إلى الكفار يمكن ذلك إلاّ أنّه لا يكون حينئذ مما نحن فيه أي التقية الاصطلاحية.

وأما بالنسبة إلى متعة الحج، فالأمر كذلك فإنّ الفرق بيننا وبينهم في النية والتقصير، والنية أمر قلبي، والتقصير أمر يسير يمكن إخفاؤه عن كل أحد، لأنه يتحقق بأخذ شيء من الشعر أو الظفر فلا يتحقق فيه موضوع التقية، وأما بالنسبة إلى المسح على الخفين فإن أكثر علمائهم يذهبون إلى التخيير بين المسح عليهما أو نزعهما وغسل الرجلين، نعم نسب إلى بعضهم القول بأفضلية المسح على الغسل كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، ويترتب على هذا أنّه إذا دار الأمر بين المسح على الخفين وبين غسل الرجلين في حال التقية تعين غسل الرجلين، وبناء على هذا يرتفع التنافي بين المستفاد من هذه الروايات وبين الأدلة المتقدمة الدالة على وجوب التقية بخروج الموضوع عن مقام التقية.

والتحقيق يقتضي المصير إلى القول بعدم جريان التقية بحسب الموضوع وهو الوجه الثاني من كلام السيد الأستاذ ! (1)وذلك:

أولاً: إنّ قوله (علیه السلام) لا أتقي يريد به عدم جواز التقية مطلقاً، لا بيان تكليف نفسه وما فهمه زرارة حجة عليه لا علينا، وإلاّ فلا معنى لأن يسأل الإمام عن الحكم ويجيب (علیه السلام) عن تكليف نفسه، ولو كان المسح جائزاً لأجاب الإمام وبيّن الحكم للمكلف فمن البعيد جداً الحمل على أنّالإمام أجاب عن حكم نفسه إذ لا معنى له، وعليه فلا فرق بين قوله: لا أتقي أو لا يتقى، فكلا الجملتين لبيان الحكم


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 252 الطبعة الثالثة

و وظيفة المكلف، ويستفاد الاستثناء على النسختين ولا وجه لترجيح إحداهما على الأخرى، وجعل الروايتين رواية واحدة.

ويؤيد ذلك رواية محمّد بن الفضل (الفضيل) الهاشمي(1)فإنّ الإمام (علیه السلام) قال: عليك بالتمتع ثمّ قال: إنا لا نتقي أحداً بالتمتع بالعمرة، ومن البعيد أن يريد بذلك نفسه.

وثانياً: أنّ السيد ! لم يذكر حديث الأربعمائة فقد جاء فيه ليس في شرب المسكر، والمسح على الخفين تقية. وهو من حيث الدلالة واضح وليس الحكم مختصاً بالمعصوم (علیه السلام) كما أن سنده معتبر، وبناء على هذا فالصحيح في المقام هو ما ذكره السيد ! أخيراً وهو أنّ المسح على الخفين خارج موضوعاً لا حكماً بمعنى أنّ التقية لا تتحقق في هذا المورد.

نعم ورد في رواية أبي الورد المتقدمة وهي قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام) إنّ أبا ظبيان حدثني أنّه رأى علياً (علیه السلام) أراق الماء ثمّ مسح على الخفين، فقال: كذب أبو ظبيان أما بلغك قول علي (علیه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلاّ من عدو تتقيه، أو ثلج تخاف على رجليك(2)

والرواية من جهة السند معتبرة فإن أبا الورد واقع في أسناد تفسير القمي(3)كما ذكرنا، كما أن ظاهرها يفيد أن المسح على الخفين من موارد التقية، فيقع التنافي بين مدلول هذه الرواية وبين ما تقرر أخيراً من أنّ المسح على الخفين خارج موضوعاً عن التقية، ولكن يمكن أن يقال إنّ قوله (علیه السلام): إلاّ من عدو تتقيه مطلق شامل للعدو الديني أي بالنسبة للمذهب وللعدو الدنيوي أي بالنسبة إلى النفس والمال والعرض، وأما ما تقدم من الروايات فهو نص صريح في عدم المسح على الخفين وأنه لا تقية فيه، وحينئذ فبمقتضى الجمع بين هذه الرواية وتلك


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 3 من أبواب أقسام الحج الحديث 5

2) نفس الصدر ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 5

3) تفسير القمي 2 : 63 الطبعة الأولى المحققة

الروايات برفع اليد عن إطلاقها وحملها على أنّ المراد من العدو هو العدو الدنيوي وتصبح المسألة من صغريات الضرورة لا التقية، ومثله في الحكم الثلج عندالخوف على الرجلين فيسقط معه المسح على البشرة وبذلك يرتفع التنافي بين هذه الرواية وبين تلك الروايات، وهذا المعنى جار في كل ضرورة كما لا يخفى.

مسألتان:

الأولى: إذا اقتضت التقية المسح على الخفين فمسح المكلف عليهما ولم يخالف فهل يحكم بصحة وضوئه وإجزائه أم لابد من الإعادة؟

الذي يظهر من كلام سيدنا الأستاذ ! عدم الإجزاء(1)وذلك بناء على ما ذكره من أنّ الإجزاء لا يستفاد من الدليل اللفظي، وإنما يستفاد من السيرة القائمة ففي كل مورد تحققت فيه السيرة يقال بالإجزاء، وإلاّ فلا، وعليه فما وقع مورداً لكثرة الابتلاء ولم يرد الأمر بالإعادة عد ذلك إمضاء من الشارع وحكم فيه بالصحة ولا حاجة إلى الإعادة، وأما الموارد التي لم تتحقق فيها السيرة ولم تكن مورداً لكثرة الابتلاء كالموقف بعرفة يوم الثامن، والمسح على الخفين ونحوهما فلا يحكم فيها بالإجزاء لقلة الابتلاء بذلك إذ لم تثبت السيرة فيها.

ولكننا قد ذكرنا فيما تقدم إمكان القول بالإجزاء والحكم بالصحة، وأوردنا الروايات الدالة على ذلك بما لا حاجة إلى تكراره، ونتيجته القول بالإجزاء وعدم لزوم إعادة ما أتى به تقية إلاّ أن يقوم دليل خاص على عدم الإجزاء.

والحاصل: أنّ القاعدة تقتضي الإجزاء بلا فرق بين ما كان كثير الابتلاء أو قليله.

المسألة الثانية: إذا اقتضت التقية المسح على الخفين إلاّ أن المكلف خالف في ذلك ولم يمسح عليهما فهل يحكم بصحة وضوئه أم لا؟

والكلام يقع تارة في فرض عدم تحقق التقية، وأخرى في فرض تحقق موضوعها، أما على الفرض الأول فالأمر واضح، لأنه إن أتى بوظيفته فلا إشكال


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 256 الطبعة الثالثة

في الحكم بالصحة إذ لا تقية في المقام، وإن لم يأت بوظيفته فلا إشكال في الحكم بالبطلان.

وأما على الفرض الثاني - وهو فرض تحقق موضوع التقية - فتارة يترك المكلف المسح على الخفين ويأتي بغسل الرجلين وأخرى يأتيبالمسح على الرجلين.

أما في الصورة الثانية - وهي المسح على الرجلين - فالظاهر هو الحكم بالبطلان لأنه أتى بخلاف الوظيفة، وما أتى به لم يكن مأموراً به فلا معنى للحكم بالصحة.

وأما في الصورة الأولى فإن أتى بالمسح على الخفين فلا إشكال في الحكم بالصحة بناء على ما تقدم لأنه أتى بوظيفته، وأما إذا أتى بغسل الرجلين ولم يمسح على الخفين فإن قلنا بأن الوظيفة منحصرة في المسح عليهما فالأمر مشكل لأنّه مأمور بفعل معين لا يتعداه إلى غيره وإن كان يتحقق به التقية والاحتياط في محله وكيفيّته أن يبتدأ بالمسح على الخفين ثمّ يغسل رجليه ولا يكون حينئذ مخالفاً لروايات الاستثناء، مضافاً إلى أنّه إن كان مأموراً بالغسل واقعاً فقد أتى به، وإن قلنا بعدم الانحصار وأنّ التقية تتحقق بأحد فرديها فلا إشكال في الحكم بالصحة.

وبهذا يتم الكلام عن التقية في الوضوء.

والحمد لله رب العالمين.

الفصل الرابع: التقية في الوقت

اشارة

· تحرير موضع الخلاف من هذا البحث

· استفادة أوقات الصلوات الخمس من الآيات

· الملازمة بين وقت صلاة المغرب والإفطار من الصوم

· هل يتحقق الغروب بسقوط قرص الشمس أو باستتاره الواقعي وذهاب الحمرة المشرقية؟

· استعراض الروايات والتحقيق حول اسنادها ودلالاتها ورفع التنافي بينها

· التزام الشيعة بطريقة أهل البيت (علیهم السلام)

· دفاع وبيان

التقية في الوقت:

ويختص موقع الخلاف بيننا وبين العامة في وقت صلاة المغرب، وأما بقية أوقات الصلوات فلا خلاف بيننا وبينهم، وإن التزم العامة بالتفريق بين الصلوات وجعلوا لكل صلاة وقتاً خاصاً بها، ولم يلتزم الخاصة عملاً بذلك، وقالوا: إن صلاة الظهر تختص من أول الوقت بمقدار أدائها، كما تختص صلاة العصر من آخره بمقدار أدائها، ولا تزاحم كل منهما الأخرى وقت اختصاصها، وجعلوا ما بين المقدارين وقتاً مشتركاً بين الصلاتين مع مراعاة الترتيب بينهما، وهكذا بالنسبة إلى العشائين، كما أنهم جمعوا بين الصلاتين حتى أنهم ميزوا بذلك عمن سواهم، وهذا لا يوجب الخلاف بين الفريقين، فإنّ الخاصة لا ترى وجوب الجمع بين الصلاتين، بل قد يكون التفريق أولى عندهم من الجمع على بعض الوجوه، فيتمحض الخلاف في وقت صلاة المغرب، وليس الخلاف بين الفريقين في وقت صلاة المغرب من حيث هو، فإنه لا خلاف بين جميع المسلمين أن أول وقت صلاة المغرب هو غروب الشمس، وإنما الخلاف في تحديد وقت الغروب، فذهب الخاصة إلى أن وقت صلاة المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس، وهو المشهور(1)بينهم، وعليه أكثر القدماء والمتأخرين، بل ادعي الإجماع(2)


1) جواهر الكلام 7 : 109 الطبعة السابعة

2) نفس المصدر

عليه بل كاد أن يكون من ضروريات مذهبهم(1)وبه يعرفون.

وأما العامة فقد اختلفوا في العلامة التي يتحقق بها الغروب، فقيل(2): - كما في نيل الأوطار : - إنه يتحقق بسقوط قرص الشمس بكماله، وهذا إنما يتم في الصحراء، وأما في العمران فلا، وقيل: برؤية الكوكب الليلي وبه قالت القاسمية، وقيل: بالاظلام وإليه ذهب زيدبن علي، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسى، والإمام يحيى، وذكر الروايات الواردة من طرقهم في المقام، وجمع بينها بأنها علامات علىالغروب ولا تكون دخيلة في الوقت(3)، وهم وإن اختلفوا في الفتوى إلاّ أن عملهم وسيرتهم قائمة على أنّ الغروب يتحقق بسقوط القرص وغيابه عن العين في الأفق، ونسب ذلك إلى جماعة من الإمامية، كالشيخ، والسيد المرتضى، والمحقق، وابن الجنيد، والصدوق وغيرهم، وقد ناقش صاحب الجواهر ! في نسبة ذلك إليهم، ولم يبق في هذه الجماعة إلاّ الصدوق في علله، واعتذر عن ذلك بأنّ كتاب العلل ليس بحوزته ليرى صحة النسبة وعدمها إليه(4)

وهناك قول ثالث وهو: أنّ المغرب يتحقق بذهاب الحمرة المشرقية عن مجموع ناحية الشرق، وزوالها عن تمام ربع الفلك، وهذا إنما يكون بعد ذهاب الحمرة عن قمة الرأس قليلاً، وقد جعله السيد في العروة(5)هو الأحوط، إلاّ أن هذا القول لم ينسب إلى قائل بعينه.

هذه هي الأقوال في المسألة، ومنها يعلم موقع الخلاف بين الخاصة والعامة، ويرتبون الآثار الشرعية من الصلاة والصوم والإفطار وغيرها كل بحسب رأيه.


1) جواهر الكلام 7 : 109 الطبعة السابعة

2) نيل الأوطار 2 : 2 دار الجيل

3) نفس المصدر

4) جواهر الكلام 7 : 110

5) مستمسك العروة الوثقى 5 : 82 متن الطبعة الثالثة

وبعد هذا يقع الكلام في جهتين:

الأولى: في ما تقتضيه الأدلة من الكتاب والسنة:

أما من الكتاب فأظهر الآيات الواردة في وقت صلاة المغرب ثلاث آيات الأولى: قوله تعالى: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً )(1)، وقد اختلف في تفسير الدلوك، ففي أكثر التفاسير وبعض الروايات هو الزوال، وهو المروي عن أهل البيت(علیهم السلام) (2)وبه قال ابن عباس وابن عمر وجابر وأبي العالية والحسن والشعبي وعطا ومجاهد وقتادة(3)وقيل: الدلوك هو غروب الشمس وهو قول النخعي والضحاك والسدي(4)، والأول هو المشهور.وأما غسق الليل فقد فسر بانتصاف الليل، وهو المروي عن أهل البيت(علیهم السلام)(5).

وبناء على التفسير المروي عن أهل البيت (علیهم السلام) للدلوك والغسق يكون قوله تعالى: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) مشتملاً على أربع صلوات، فصلاتا دلوك الشمس الظهر والعصر، وصلاتا غسق الليل المغرب والعشاء.

وقد فسر غسق الليل بتفاسير أخرى منها أنّه بدء الليل، وهو قول ابن عباس وقتادة(6)، وقيل: هو غروب الشمس وهو قول مجاهد(7)وقيل: هو سواد الليل وظلمته وهو قول الجبائي(8)وأما قرآن الفجر فهو وقت صلاة الصبح(9)


1) سورة الإسراء، الآية: 78

2) مجمع البيان في تفسير القرآن 6 : 434 ، المطبعة الإسلامية - طهران

3) نفس المصدر

4) نفس المصدر

5) نفس المصدر

6) نفس المصدر

7) نفس المصدر

8) نفس المصدر

9) نفس المصدر

والآية الشريفة وإن اشتملت على أوقات الصلوات الخمس إلاّ أننا لا يمكننا استفادة خصوص وقت صلاة المغرب منها.

الثانية: قوله تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ)(1)واختلف في المراد من طرفي النهار فقيل: صلاة الفجر والمغرب، والمراد من قوله: (وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ) صلاة العشاء الآخرة والزلف أول ساعات الليل، وهو المروي عن أهل البيت (علیهم السلام) (2)، وبه قال ابن عباس وابن زيد(3)، وقيل: صلاة طرفي النهار الغداة والظهر والعصر، وصلاة زلف الليل المغرب والعشاء الآخرة، وبه قال مجاهد والضحاك ومحمّد بن كعب القرظي والحسن(4)وقيل: المراد من طرفي النهار صلاة الفجر وصلاة العصر(5)

وبناء على القول الأول تكون صلاة المغرب في طرف النهار، ولا يستفاد من الآية أنها من الليل، وأما بناء على القول الثاني فتكون صلاة المغرب داخلة في زلف من الليل، وأما بناء على القول الثالث فالأمرواضح.

وهذه الآية كالآية السابقة في عدم إمكان استفادة خصوص وقت المغرب.

الثالثة: قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلهِ قَانِتِينَ)(6)، وقد اختلفوا أيضاً في المراد من الصلاة الوسطى، وفيها ستة أقوال: الأول: أنها صلاة الظهر وعليه الأكثر، وهو المروي عن أهل البيت(علیهم السلام) (7)الثاني: أنها صلاة العصر(8)الثالث: أنها صلاة المغرب(9)


1) سورة هود، الآية: 114

2) مجمع البيان في تفسير القرآن 5 : 200

3) نفس المصدر

4) نفس المصدر

5) نفس المصدر

6) سورة البقرة، الآية: 238

7) مجمع البيان في تفسير القرآن 2 : 343

8) نفس المصدر

9) نفس المصدر

الرابع: أنها صلاة العشاء الآخرة(1). الخامس: أنها صلاة الفجر(2)السادس: أنها إحدى الصلوات الخمس وليست واحدة بعينها(3)

والآية الشريفة لا تدل على أوقات الصلاة، والمستفاد من ظاهرها الحث والتأكيد على المحافظة على الصلوات ولا سيما الصلاة الوسطى.

والحاصل: أنّ الآيات الشريفة بحكم المجملة، ولا يمكننا استفادة خصوصية الأوقات كما ذكرنا، وإن كانت معينة في الواقع يعلمها من خوطب بالقرآن وهم أهل البيت (علیهم السلام) ، ولذا نستعين في فهم الآية بما ورد عنهم (علیهم السلام) من الروايات في تفسير الآيات، وممّا ورد في ذلك صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عما فرض الله عزوجل من الصلاة؟ فقال: خمس صلوات في الليل والنهار، فقلت: هل سماهن الله وبينهن في كتابه؟ قال: نعم، قال الله تعالى لنبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) : (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) ودلوكها زوالها، وفيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن، وغسق الليل هو انتصافه، ثمّ قالتبارك وتعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ) فهذه الخامسة، وقال تبارك وتعالى في ذلك: (أَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ) وطرفاه المغرب والغداة (وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ)، وهي صلاة العشاء الآخرة، وقال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى )وهي صلاة الظهر، وهي أول صلاة صلاها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهي وسط النهار، ووسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر، وفي بعض القراءة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين، قال: وأنزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في سفره فقنت فيها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وتركها على حالها في السفر والحضر، وأضاف


1) نفس المصدر

2) نفس المصدر

3) نفس المصدر

للمقيم ركعتين وإنما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم) يوم الجمعة لمكان الخطبتين مع الإمام، فمن صلى يوم الجمعة في غير جماعة فليصلها أربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الأيام(1)

والرواية وإن كانت صحيحة السند وواضحة الدلالة إلاّ أنها لم تنص على خصوص وقت المغرب، فلذا لا يمكن استفادة ذلك منها.

والتحقيق: أنّه يمكننا استفادة وقت المغرب من نفس الآيات الشريفة وإن الإجمال الذي يتراءى منها بدوي يرتفع بإنعام النظر فيها وبيان ذلك:

أنه تقدم أن من جملة الآيات قوله تعالى: (أقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ)(2)والمراد من طرفي النهار على بعض الأقوال صلاة الصبح وصلاة العصر، هذا من جانب، ومن جانب آخر ورد قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(3)ومن المعلوم أنّ الصوم خارج عن الليل كما أنّ وقت المغرب هو وقت الإفطار فهما متلازمان، وهذا مما لا إشكال فيه، فإذا كان الصوم واجباً إلى الليل فمقتضى التلازم أن تكون صلاة المغرب في الليل أيضاً، وحينئذ فالمراد من قوله تعالى: (زُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ) صلاتي المغرب والعشاء، كما أنّ المراد من الليل هو أوله، والليل أمر عرفي يتحقق بانتشار الظلمة الملازمة لذهاب الحمرة المشرقية، فبمعونة آية الصوم يمكننا التعرف على أنّ المراد من وقت صلاة المغرب هو أول الليل، ومنه يعلم المراد أيضاً من قوله تعالى: (زُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ) .

ثم إنه مع غض النظر عن الروايات الواردة في تحديد وقت المغرب إذا شككنا في ذلك فالمرجع هو أصالة الاشتغال لأنه شك في المفهوم، وهو مجرى الاشتغال، وأما سقوط القرص فلا يعلم منه تحقق الليل ولا يصدق عليه الليل


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 2 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها الحديث 1

2) سورة هود، الآية: 114

3) سورة البقرة، الآية: 187

عرفاً.

والحاصل: أن الظاهر من الآية بضميمة آية الصوم أن أول الليل ليس هو سقوط القرص، بل انتشار الظلمة في الأفق الملازم لذهاب الحمرة المشرقية وذلك بشهادة العرف.

وأما بالنسبة إلى السنّة وهي الروايات الخاصة الواردة في المقام فقد وردت في ذلك عدة روايات مختلفة وهي على طائفتين:

الطائفة الأولى: الروايات التي تدل على أن علامة المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية، كما هو مذهب الإمامية وهي روايات كثيرة:

منها: رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها(1).

وقد نوقش في الرواية من جهتين: السند والدلالة.

أما من جهة السند ففيه القاسم بن عروة وهو لم يوثق فتكون الرواية غير معتبرة.

وأما من جهة الدلالة: فلأنّ قوله (علیه السلام): إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق، شرط والشرط هنا فيه احتمالان: الأول: أن يكون المراد هو ناحية المشرق بمعنى تمام ناحية الشرق، الثاني: أن يكون المراد هو النقطة التي خرجت منها الشمس بمعنى الموضع الذي هو مطلع الشمس.

فإن كان المراد هو الاحتمال الأول فالدلالة تامة لأنّ ذهاب الحمرة من جميع ناحية المشرق علامة على سقوط القرص وتحقق الغروب.

وإن كان المراد هو الاحتمال الثاني فليس فيه دلالة على تحقق الغروب وقد ذكر السيد الأستاذ ) أنّ الظاهر من الرواية هو الاحتمال الثاني(2)وقد


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 1

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 241 الطبعة الثالثة

أشارت إليه مرسلة علي بن أحمد بن أشيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبتالحمرة عن المشرق وتدري كيف ذلك؟ قلت: لا، قال: لأن المشرق مطل على المغرب هكذا ورفع يمينه على يساره فإذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا(1)

وبناء على هذا فالرواية إنما تدل على أنّ ارتفاع الحمرة من خصوص النقطة التي خرجت منها الشمس، ولا دلالة في ذلك على الغروب كما هو مفاد الاحتمال الثاني فدلالة الرواية غير تامة، يضاف إلى ذلك أنّه على فرض بقاء الاحتمالين وعدم ترجيح أحدهما على الآخر تكون الرواية مجملة الدلالة.

ولكن يمكن الجواب عن كلتا الجهتين:

أما من جهة السند فإنّ القاسم بن عروة وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه وقع في أسناد كتاب نوادر الحكمة(2)ولم يستثن منه، مضافاً إلى رواية ابن أبي عمير(3)، وأحد هذين الأمرين كاف في الحكم بوثاقته على ما بيناه في محله فلا إشكال في الرواية من هذه الجهة.

وأما من جهة الدلالة فالظاهر أنّ المراد هو الاحتمال الأول لا الثاني، وذلك:

أولاً: من نفس عبارة الرواية فإنّ الظاهر من قوله: من هذا الجانب، هو ناحية المشرق لا المطلع، لأنّ المطلع مكان مخصوص كما أنّ قوله من المشرق تفسير للجانب، والمراد من المشرق هو المشرق العرفي أي جهة الشرق، مضافاً إلى أن قوله: فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها أمر مترتب على ذهاب الحمرة من ناحية المشرق، والمراد من شرق الأرض وغربها الأفق الخاص بالمكلف، وغياب الشمس عن الشرق والغرب غيابها الموجب لترتب الآثار الشرعية عليه من الصلاة والإفطار.


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 3

2) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 143 الطبعة الأولى

3) نفس المصدر: 438

والحاصل: أنّ ظاهر الرواية هو الاحتمال الأول.

وثانياً: أنّ القرينة الخارجية قامت على ذلك وهي: أنّ الذين يعتبرون ذهاب الحمرة هم الإمامية، ويعتبرون ذهابها من ناحية المشرق لا خصوص المطلع، ولم ينسب ذلك لأحد غيرهم وهو المراد من قولهم تجاوز الحمرة من المشرق وليس لهم قول آخر بذهاب الحمرة من المطلع فهذا الاحتمال لا وجه له ولا قائل به.والحاصل: أنّ القرينة الداخلية والخارجية تدلان على أنّ المراد هو ذهاب الحمرة المشرقية من ناحية الشرق، ومما يؤيد ذلك أنّ هذه الرواية وردت عن بريد بن معاوية العجلي أيضاً قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني ناحية المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها(1)

وفيها التصريح بتفسير الجانب بالناحية، والمراد هو جميع الأفق لا خصوص مطلع الشمس، وقد اعتمد صاحب الجواهر على هذه الرواية فيما اعتمد عليه من الروايات(2)

وأورد صاحب الوسائل(3)هذه الرواية في موضع ثالث عن بريد أيضاً مع اختلاف في الألفاظ، ولكن لا شاهد فيها صراحة على ما نحن فيه، وإنما ورد فيها إذا غابت من المشرق وعليه فلا بأس بالرواية سنداً ودلالة.

ومنها: رواية ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جاوزت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 7

2) جواهر الكلام 7 : 113

3) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 11

الإفطاروسقط القرص(1)

وهذه الرواية أوضح الروايات دلالة وأصرح رواية فيما يستدل به كما صرح بذلك السيد الأستاذ ! (2)، إلاّ أنّه ناقش في الرواية من كلتا جهتيها.

أما من جهة السند فهي ضعيفة من وجهين:

الأوّل: وجود سهل بن زياد في سندها.

الثاني: الارسال بعد ابن أبي عمير، فهي من هذه الجهة غير معتبرة(3).

ويمكن الجواب عن كلا الوجهين:

أما عن الأول فإنّ الرواية وإن كان فيها سهل بن زياد في طريق كلمن الكليني(4)والشيخ(5)، إلاّ أن للشيخ طريقاً آخر وهو معتبر إلى جميع كتب وروايات ابن أبي عمير(6)وهو شامل لهذه الرواية قطعاً فلا ينحصر طريق الشيخ بسهل بن زياد، ووجوده في السند لا يضر في اعتبار الرواية.

وأما من الوجه الثاني فقد ذكرنا أنّ مراسيل المشايخ الثقات ومنهم ابن أبي عمير معتبرة لشهادة الشيخ بذلك وقد حققنا في مباحثنا الرجالية أنّ مراسيل هؤلاء المشايخ معتبرة بلا إشكال(7)

إلاّ أنّ السيد ! ناقش في الإرسال من جهة أخرى وهي أننا وإن سلمنا الكبرى إلاّ أنّ الصغرى غير تامة وذلك لأنّ الرواية ليست من مرسلات ابن أبي عمير، بل هي مرسلة الراوي الذي نقلهاعن ابن أبي عمير وهو محمّد بن عيسى، فإنه إما نسي اسمه، أو لم يذكره لداع آخر(8)، فلا تكون الرواية داخلة في


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 4

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 244 الطبعة الثالثة

3) نفس المصدر

4) فروع الكافي 3 باب وقت المغرب والعشاء الآخرة الحديث 4 ص 279

5) تهذيب الأحكام ج 4 باب 43 علامة وقت فرض الصيام وأيام الشهر الحديث 5 ص 185

6) الفهرست: 169 الطبعة الثانية

7) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 401

8) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 245 الطبعة الثالثة

مرسلات ابن أبي عمير حتى تكون مشمولة لشهادة الشيخ.

ولكن هذه المناقشة غير واردة، وذلك لأنّ هذا الاحتمال وإن كان صحيحاً وأن ابن أبي عمير ذكر اسم الراوي ولم يذكره محمّد بن عيسى إلاّ أنّ ذلك لا يضرّ بالمدعى لأنّ شهادة الشيخ شاملة للمسندات أيضاً فإنه قال: الذين لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة(1)، فليست الشهادة مختصة بالمرسلات ليرد الإشكال.

نعم لو روى ابن أبي عمير عن شخص وكان مورداً للخلاف، أو ورد فيه تضعيف فحينئذ يدخل في باب التعارض على ما بينّاه في محله ومع عدمه فلابد من اعتبار الرواية والحكم بوثاقة رواتها.

وأما المناقشة من جهة الدلالة فمن ناحيتين أيضاً:

الأولى: أنّ مدلولها غير مطابق لما هو المشاهد بالوجدان، ومن نظر إلى المشرق عند الغروب رأى أنّ الحمرة قد ارتفعت من ناحية ثمّ زالت وحدثت حمرة أخرى في ناحية المغرب، والواقع المشاهد كذلك فليستالحمرة باقية سارية تتعدى من

المشرق إلى المغرب كما هو مفاد الرواية(2)

الثانية: ما المراد من سقوط القرص؟ هل هو السقوط الحسي تحت الأفق؟ أو المراد هو سقوطه الحقيقي ودخوله تحت الأرض؟

فإن كان المراد هو الأول فهذا واضح البطلان لأنّ السقوط الحسي دائماً يقع قبل ذهاب الحمرة المشرقية بمدة زمنية تتفاوت من مكان إلى آخر لاختلاف انبساط الأرض وارتفاعها، وذهاب الحمرة المشرقية كلية إنما يتم بعد تجاوزها عن قمة الرأس بمدة.

وإن كان هو السقوط الحقيقي عن الأفق ودخوله تحت الأرض فهذا أمر مبهم لا طريق إلى معرفته ولم يدل عليه الكتاب والسنة(3)


1) عدة الأصول 1 : 386 الطبعة الأولى المحققة

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 245 الطبعة الثالثة

3) نفس المصدر

ويمكننا الجواب عن كلتا الناحيتين:

أما عن الناحية الأولى فأولاً: إنّ الوارد في الرواية هو قوله: فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب، ومعنى جازت هو التجاوز ولم يذكر في الرواية أنّ الحمرة المشرقية عين الحمرة المغربية ولا غيرها.

وثانياً أنّ سبب الحمرة سواء كانت مشرقية أو مغربية هو الشمس، وحينئذ فكيف يقال بتعددها؟ نعم لو كان سبب الحمرة في المشرق غير سببها في المغرب لأمكن القول بالتعدد والحدوث التعاقبي وإنما الذي يحصل هو الحدوث والانعدام التدريجي للحمرة، لا أنّ هناك حمرتين لأنّ السبب فيهما واحد، وتشتد الحمرة وتضعف ببعد الشمس وقربها فكلما بعدت الشمس اشتدت الحمرة وإذا كانت قريبة طالعة فتضعف.

والنتيجة: أنّ القول بحدوث حمرتين إحداهما في المشرق والأخرى في المغرب، وأنّ الثانية غير الأولى لا وجه له.

وأما عن الناحية الثانية فالمراد هو السقوط الحسي الحقيقي لأنّ استتار القرص تارة يكون حسياً غير حقيقي بمعنى أنّه يتراءى للناظر غياب قرص الشمس عن الأفق إلاّ أنّه في الواقع ليس بغايب، بناء على كروية الأرض ولا يقع الغروب حينئذ إلاّ تدريجاً، وأما الوقوع الدفعي فقد يتصور أو يتحقق في الأرض المنبسطة كالصحراء المترامية الأطراف، وتارة يكون السقوط حسياً حقيقياً بمعنى أنّه غايب في الواقع لا مجرد الغياب عن حسِّنا، والرواية تدل على هذا المعنى وذلك لأنّ المشرق مطلعلى المغرب كما صرحت به الرواية المتقدمة وليس للشمس حاجب، نعم بالنسبة إلينا قد يكون هناك حاجب من جبال أو تلال أو نحو ذلك، فمع عدم وجود الحاجب بالنسبة للشمس فإن كانت الحمرة المشرقية موجودة فهذه علامة واضحة على عدم حصول السقوط الحقيقي، وهو الموافق لما

ذكره الفلكيون من الحسابات، وبناء عليه فتحقق المغرب إنما يتم عند ذهاب الحمرة المشرقية، وبمقدار ما يرى من الحمرة في المشرق تكون الشمس في جهة المغرب بعد لم تسقط، فإن ارتفعت الحمرة تحقق السقوط الحقيقي، وحينئذ فما أورده السيد الأستاذ ! من المناقشة على الرواية من هذه الناحية غير وارد، بل هي أصرح الروايات دلالة كما اعترف بذلك كما تقدّم.

ومنها: معتبرة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أي ساعة كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوتر؟ فقال: على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب(1)

والمستفاد من الرواية أنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) يأتي بركعة الوتر في زمن، مقداره هو مقدار المدة من مغيب الشمس إلى صلاة المغرب، وهو مقدار زوال الحمرة المشرقية، ومن هذه الرواية يعلم أنّ هناك فصلاً زمانياً بين غياب الشمس وبين وقت الصلاة.

وقد ناقش السيد الأستاذ ! في الرواية سنداً ودلالة.

أما من جهة السند فالرواية ضعيفة بإسماعيل بن أبي سارة فإنه لم يرد فيه توثيق، فلا يعتمد على شيء من روايته.

وأما من جهة الدلالة فالرواية لا تدل على أن وقت الصلاة متأخر عن استتار القرص، وإنما تدل على أنّ نفس صلاة المغرب أي الإتيان بها كان متأخراً عن الاستتار، ولعل هذا أمر متعارف ولا سيما في الجماعات فإن الصلاة غالباً تقع متأخرة فيقع الفاصل الزماني بين استتار القرص وبين الصلاة فلا دلالة في الرواية على المدعى(2)

ولكن يمكن الجواب عن كلتا الجهتين:

أما عن الجهة الأولى فإن إسماعيل بن أبي سارة وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه قد روى عنه المشايخ الثقات الذين لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، ومنهم


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 5

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 1 : 246 ، كتاب الصلاة

ابن أبي عمير(1)في نفس هذه الرواية وهو كاف في الحكمباعتبار روايته.

وأما عن الجهة الثانية فإنه من البعيد جداً أن يكون ما ذكره السيد الأستاذ ! هو المراد من الرواية بل الظاهر هو الإشارة إلى وقت الصلاة لا الاتيان بالصلاة، وذلك لأنّ الصلاة فعل من الأفعال ويختلف باختلاف الأشخاص ولا ضابطة كلية له، فإن من الناس من يتهيأ للصلاة قبل وقتها ويأتي بها أول الوقت، ومنهم من يأتي بها في آخره، وهكذا. ثمّ إنّ الرواية في مقام إعطاء ضابطة كلية بغض النظر عن الأشخاص فقوله (علیه السلام): على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب، وقياسه على الفجر من حيث المقدار الزماني ليس ناظراً إلى إتيان الصلاة بل نظره إلى الوقت فظهوره في الوقت واضح، وأما نفس الإتيان فهو احتمال بعيد وأبعد منه حمل الرواية عليه.

ومنها: صحيحة بكر بن محمّد عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه سأله سائل عن وقت المغرب، فقال: إنّ الله يقول في كتابه لإبراهيم: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي) وهذا أول الوقت، وآخر ذلك غيبوبة الشفق، وأول وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة، وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل(2)

وقد استدل بهذه الرواية على المدعى وأن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية، لأنّ السؤال الوارد كان عن وقت المغرب والجواب كان بالآية الشريفة ورؤية الكوكب مقترن غالباً بزوال الحمرة المشرقية، وقد ذكر صاحب الوسائل في ذيل هذه الرواية(3): أنّ بعض المحققين ذكر أنّ ذهاب الحمرة المشرقية يستلزم رؤية كوكب غالباً.

وقد ناقش السيد الأستاذ ! بأن الرواية لا تدل على المدعى، بل على


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 5

2) نفس المصدر الحديث 6

3) نفس المصدر ذيل الحديث 6

خلافه، وذلك بمنع الملازمة بين ذهاب الحمرة المشرقية ورؤية الكوكب، فإنّ بعض الأنجم قد ترى قبل ذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس بزمان، ولا تتوقف رؤية كوكب أو كوكبين على تجاوز الحمرة، وذلك بالتجربة والملاحظة العملية وعليه فلا دلالة في الرواية على المدعى، بل هي دالة على أنّ تحقق المغرب بسقوط القرص(1)

ولكن هذه المناقشة لا يمكن المساعدة عليها وذلك لما ذكرنا من أنالتقارب بين رؤية الكوكب وزوال الحمرة غالبي لا دائمي، وإن كان ما ذكره السيد الأستاذ ! صحيحاً ولا نشك في صدق تجربته إلاّ أنّ الآفاق تختلف ورؤية الكوكب قد تتقدم وقد تتأخر، ولكن الغالب هو ما ذكرنا فيكفي في كونه علامة غالبية، ولعل أفق السائل كان هكذا أي رؤية الكوكب في أفقه ملازم لزوال الحمرة، وعلى فرض التنزل فلا أقل من الدلالة على نفي القول بأنّ المغرب يتحقق بالاستتار، وذلك لأنّ الاستتار يتحقق قبل رؤية الكوكب يقيناً.

والحاصل: أنّ الرواية إن حملناها على الغالب فهي موافقة للمدعى، وإن حملناها على غير الغالب فهي تنفي القول الآخر وهو أنّ المغرب يتحقق بسقوط القرص، فما ذكره السيد ! لا يخلو من نظر.

ومنها: موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنما أمرت أبا الخطاب أن يصلي المغرب حين زالت الحمرة من مطلع الشمس فجعل هو الحمرة التي من قبل المغرب وكان يصلي حين يغيب الشفق(2)

والرواية تدل على أنّه (علیه السلام) قد أمر أبا الخطاب أن يصلي المغرب عند زوال الحمرة المشرقية، إلاّ أنّه خالف ذلك وكان يصلي عند ذهاب الحمرة المغربية.

وقد أورد السيد الأستاذ على الرواية إيرادين : الأول: أنها ضعيفة السند


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 247 الطبعة الثالثة

2) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 10

بعلي بن يعقوب، فهي ساقطة عن الاعتبار.

الثاني: أن الرواية اشتملت على لفظة «مطلع الشمس» والمستفاد من ذلك أنّ أبا الخطاب مأمور بالصلاة عند الاستتار وارتفاع الحمرة عن مطلع الشمس ونقطة خروجها لا عن ناحية الشرق كلها.

وهذا الإيراد هو عين ما تقدم إيراده على رواية بريد بن معاوية وهي الرواية الأولى، فإنه هناك حمل الرواية على أنّ المراد هو زوال الحمرة من مطلع الشمس لا من ناحية المشرق، فلا تدل الرواية على المدعى بل هي على القول بالاستتار أدل.

والإيرادان قابلان للدفع:

أما بالنسبة إلى الإيراد الأول فإنّ علي بن يعقوب وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه يمكن تصحيح هذه الرواية من طريق آخر وذلك من طريقالشيخ، فإنّ له طريقاً إلى كتاب عمار الساباطي(1)وقد ذكر الشيخ في الفهرست أن له كتاباً كبيراً جيداً معتمداً وذكر طريقه إليه، بل يمكن القول أنّ كتاب عمار لا يحتاج إلى الطريق لأنه من الكتب المعروفة المعتمدة، وبناء على ذلك فيمكن تصحيح الرواية والاعتماد عليها من جهة السند.

وأما بالنسبة إلى الإيراد الثاني فقد تقدم الجواب عنه، وحاصله: إن كان المراد من مطلع الشمس هو مكان طلوعها ونقطة خروجها فالإشكال وارد، وإن كان المراد منه الناحية أي ناحية المشرق فلا يرد، والظاهر أنّ المراد هو الثاني لا الأول، وذلك:

أولاً: أنّ الرواية وإن ورد فيها لفظة مطلع الشمس ولكن بقرينة أنّ المشهور عند الإمامية هو تحقق المغرب بزوال الحمرة المشرقية فيحمل المطلع على


1) الفهرست: 143 الطبعة الثانية

الجانب والناحية.

وثانياً: أنّه (علیه السلام) قال: فجعل الحمرة التي من قبل المغرب، ومراده من قبل المغرب ناحيته، ويقابله قبل المشرق فيكون المراد منه هو الناحية أيضاً بمقتضى المقابلة لا نقطة الطلوع، وعلى هذا فالرواية من جهة الدلالة بحسب الظاهر لا بأس بها.

ومنها: رواية شهاب بن عبد ربه قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): يا شهاب إني أحب إذا صليت المغرب أن أرى في السماء كوكباً(1)

والمستفاد من الرواية رؤية الكوكب علامة على وقت المغرب لأنها ملازمة لذهاب الحمرة المشرقية.

وقد أشكل السيد الأستاذ على الرواية من وجهين:

الأول: من جهة السند، فإنّ محمّد بن حكيم لم يرد فيه توثيق.

الثاني: أنّ الرواية دالة على استحباب التأخير لا أنّه أمر لازم حتمي(2).

مضافاً إلى أنّه ورد في روايات أخرى استحباب التأخير كما في معتبرة يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال لي: مسوا بالمغرب قليلاً فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب عندنا(3)

وسيأتي الكلام حول هذه الرواية ودلالتها ويمكن الجواب عن كلاالوجهين:

أما عن الوجه الأول فإن محمّد بن حكيم وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه قد روى عنه ابن أبي عمير(4)وهذا يكفي للحكم بوثاقته لشهادة الشيخ بذلك.

وأما عن الوجه الثاني فقد ناقش بعضهم في ذلك بأن لفظ أحب الوارد في الرواية محمول على الوجوب لا الاستحباب، لأنّ مقتضى الموافقة للتقية هو


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 9

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 250 الطبعة الثالثة

3) وسائل الشيعة ج 3 باب 6 من أبواب المواقيت الحديث 13

4) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 438 الطبعة الأولى

التعجيل لا التأخير فإنّ التأخير مناف للتقية، وحيث إنّ التقية واجبة فيعلم أنّ معنى أحب هو الوجوب لا الاستحباب.

ويمكن المناقشة من جهة أخرى وهي: أنّ قوله (علیه السلام): أحب إذا صليت المغرب أن أرى في السماء كوكباً، جملة شرطية والجزاء مترتب على تحقق الشرط فللرواية ظهور في أن رؤية الكوكب إنما تمت عقيب الصلاة، وإن كان يحتمل المقارنة بين إيقاع الصلاة ورؤية الكوكب، وعلى كلا التقديرين لا دلالة للرواية على المدعى فهي خارجة عن المقام فلا يمكن الاستدلال بها.

فنحن وإن كنا نوافق السيد في عدم دلالة الرواية إلاّ أنّه بوجه آخر غير ما ذكره.

ومنها: رواية محمّد بن شريح عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن وقت المغرب؟ فقال: إذا تغيرت الحمرة في الأفق، وذهبت الصفرة وقبل أن تشتبك النجوم(1)

والرواية من جهة الدلالة واضحة بحسب الظاهر، فإنّ السائل سأل عن وقت المغرب فأجابه الإمام (علیه السلام) بتغير الحمرة وهو إنما يتم بتبدلها بالسواد قبل اشتباك النجوم، إلاّ أن السيد الأستاذ قد ناقش في الرواية سنداً ودلالة.

أما من جهة السند فهي ضعيفة، بعلي بن الحارث لجهالته، وبكار بن بكير لعدم توثيقه، وأما من جهة الدلالة فإنها واردة في قبال من قال: إن الوقت هو اشتباك النجوم، وهو أبو الخطاب الذي جعل ذلك وقتاً من تلقاء نفسه(2)

ويمكن الجواب عن كلتا الجهتين:

أما عن الجهة الأولى فإنّ محمّد بن شريح له كتاب وطريق الشيخ إليههكذا: أخبرنا به جماعة عن أبي المفضل عن حميد عن ابن سماعة عنه(3)وهذا


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 12

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 251 الطبعة الثالثة

3) الفهرست: 168 الطبعة الثانية

الطريق يشتمل على ضعف قبل حميد بن زياد، وأما ما بعد حميد إلى محمّد بن شريح فصحيح وللشيخ طريق معتبر إلى جميع روايات وكتب حميد(1)، ومن ضمنها كتاب محمّد بن شريح، فطريق الرواية وإن كان فيه ضعف إلاّ أنّه يمكن تصحيحها بما ذكرناه فلا بأس بالاعتماد على الرواية من هذه الجهة.

وأما عن الجهةالثانية فالمراد من قوله (علیه السلام): إذا تغيرت الحمرة في الأفق وذهبت الصفرة، هو زوال الحمرة المشرقية وهو المحقق لوقت المغرب كما هو واضح، والرواية في مقام إعطاء ضابطة كلية لمعرفة الوقت فإنّ كلامه (علیه السلام) واقع في جواب السائل عن وقت المغرب ولا مانع أن يتضمن الرد على أبي الخطاب في ما ذهب إليه، أما أنّ الرواية واردة للرد عليه فقط فلم يظهر ذلك من الرواية، وقد اعترف! بأنّ الرواية لها دلالة قوية على المراد.

ومنها: صحيحة عبد الله بن وضاح، قال: كتبت إلى العبد الصالح (علیه السلام): يتوارى القرص، ويقبل الليل، ثمّ يزيد الليل ارتفاعاً، وتستتر عنا الشمس، وترتفع فوق الجبل حمرة، ويؤذن عندنا المؤذنون، أفأصلي حينئذ وأفطر إن كنت صائماً، أو أنتظر حتى يذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب إليّ: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك(2)

واستدل بهذه الرواية على أن تحقق وقت المغرب بذهاب الحمرة المشرقية، والرواية من حيث السند معتبرة فإنها وإن اشتمل سندها على سليمان بن داود المنقري وهو ممن ضعفه ابن الغضائري(3)إلاّ أن النجاشي وثقه(4)وتضعيف ابن الغضائري معتبر لو ثبتت نسبة كتابه إليه، وحيث لم تثبت فيكون


1) تهذيب الأحكام ج 10 المشيخة ص 38

2) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 14

3) معجم رجال الحديث 9 : 269 الطبعة الخامسة

4) رجال النجاشي 1 : 416 الطبعة الأولى المحققة

توثيق النجاشي سليماً عن المعارضة.

مضافاً إلى أنّ سليمان بن داود المنقري واقع في أسناد القسم الأول من تفسير علي بن إبراهيم القمي(1)، وفي المستثنى منه من كتاب نوادرالحكمة(2)، وبناء على ذلك فلا إشكال في الرواية من حيث السند، وقد اعتبر السيد الأستاذ الرواية موثقة(3)ولم يشكل في سندها، وإنما أشكل في دلالتها بأنّ قوله (علیه السلام): أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك، إما أن يكون محمولاً على التعليل بالاحتياط تقية، ولازم ذلك أن يكون من الاحتياط في الشبهة الحكمية بأن يكون وقت المغرب عبارة عن ذهاب الحمرة المشرقية من باب الاحتياط.

وإما أن يكون محمولاً على الاحتياط في الشبهة الموضوعية وأن مجرد استتار القرص عن الأنظار لا يستلزم الاطمئنان بدخول الوقت، وذلك لبقاء الحمرة فوق الجبل فلعل الشمس لم تدخل تحت الأفق، وإنما استترت بالجبال والأطلال، وحينئذ فالاحتياط في محله، ويكون من الاحتياط في الشبهة الموضوعية وهو يقتضي الانتظار والتأخير إلى أن تذهب الحمرة.

والاحتمال الثاني هو المتعين دون الأول، لأنّ الاحتياط في الشبهة الحكمية يتنافى مع مقام الإمام والإمامة؛ إذ فيه إقرار للجاهل على جهله. وعليه فالاحتياط ليس مستنداً للتقية والرواية صادرة لبيان الحكم الواقعي من جهة الشبهة الموضوعية، ويترتب على ذلك أنّ الرواية لا دلالة فيها على أنّ المغرب يتحقق بذهاب الحمرة وتجاوزها عن قمة الرأس(4)


1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 169 الطبعة الأولى

2) نفس المصدر : 140

3) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 255 الطبعة الثالثة

4) نفس المصدر : 254

ولنا في الرواية احتمال آخر وهو: أنّ الرواية واردة في مورد التقية ومع ذلك فالاحتياط فيها محمول على الاحتياط في الشبهة الحكمية وبيان ذلك:

أولاً: أنّ الرواية وردت هكذا: كتبت إلى العبد الصالح (علیه السلام) ، وهذا التعبير من الرواة يريدون به الإمام الكاظم (علیه السلام) ، وكانوا يخفون ذكر اسمه لشدّة التقية في زمانه (علیه السلام) .

ثانياً: أنّ الراوي ذكر الحمرة مجردة عن الوصف وهو لا يريد الحمرة المغربية قطعاً، لأنها لا ترتفع إلاّ بعد العشاء وهذا يكشف عن التفات الراوي إلى التقية.

ثالثاً: أنّ قوله وترتفع فوق الجبل حمرة من دون التصريح بجهتها زيادة في الإخفاء والإيهام، إذ يتوهم أنّ هذه الحمرة هي حمرة الشمسقبل استتارها عن الأفق، فيظن حينئذ أنّ السائل إنما يسأل عن استتار القرص لا عن زوال الحمرة المشرقية.

رابعاً: أنّ جواب الإمام (علیه السلام) أيضاً موافق لمقتضى التقية، فإنه أجاب(علیه السلام) بقوله: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، من دون أن يبين جهتها.

خامساً: أنّ الأمر بالاحتياط ليس واقعياً ليكون فيه إقرار على الجهل بل إنما ذكر مراعاة للتقية، فإن أمره (علیه السلام) بالانتظار جواب واقعي ولكن بملاحظة التقية.

سادساً: أنّ أمر الإمام (علیه السلام) بالانتظار للتيقن من سقوط القرص في نظر العامة الذين يكتفون بسقوط القرص، ومراده في الواقع هو ذهاب الحمرة المشرقية وإن فهمها العامة أنها الحمرة المغربية التي تكون فوق الجبل قبل سقوط القرص، ومن ذلك يتبين أنّ الشبهة في ظاهرها موضوعية ولكنها في الواقع شبهة حكمية.

هذا ما تيسر لنا فهمه من الرواية وإنما ذكرناه بعنوان الاحتمال لا بعنوان المناقشة.

هذا كله بناء على أنّ الوارد في الرواية هو قوله (علیه السلام): «وترتفع فوق الجبل حمرة» ، وأما على القول بأنّ الوارد هو «ترتفع فوق الليل» أو «وترتفع وقت الليل» فالدلالة أوضح وقد أشار صاحب الوسائل(1)إلى اختلاف النسخ كما أشير إليه في جامع الأحاديث(2)

ومنها: معتبرة جارود، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا جارود ينصحون فلا يقبلون ، إذا سمعوا بشيء نادوا به، أو حدثوا بشيء أذاعوه، قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلاً، فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصليها إذا سقط القرص(3)

وهذه الرواية معتبرة السند، وهي تدل على أنّ الإمام (علیه السلام) أمر بالمس بالمغرب قليلاً لكن بحيث لا تشتبك النجوم كما هو الظاهر منها، إلاّ أن هؤلاء الذين أمرهم الإمام (علیه السلام) بذلك ولعلهم أبو الخطاب وأصحابه لم يقبلوا وخالفوا وكانوا يصلون المغرب عند اشتباك النجوم. وفيها دلالة على أنّ وقت المغرب ليس هو سقوط القرص، وإنما هو المس بالمغرب، ومعناهالتأخير قليلاً حتى تقع الظلمة وذلك يلازم زوال الحمرة المشرقية عن قمة الرأس.

وأما قوله (علیه السلام): فأنا الآن أصليها إذا سقط القرص، فهو ظاهر في التقية والسبب أن هؤلاء أذاعوا ما أمرهم به الإمام (علیه السلام) وكأن المخالفين اطلعوا على ذلك فأظهر الإمام التقية بقوله إنه يصلي إذا سقط القرص، وفي تقييد كلامه ب- «الآن» ما يشعر بذلك.


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 52 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ... الحديث 2

2) جامع أحاديث الشيعة ج 4 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 40

3) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 15

والحاصل: أنّ الرواية دالة على المدعى وهي واردة في مقام التقية.

وقد ناقش السيد الأستاذ ! في دلالة الرواية بأنّ الأمر بالمس محمول على الندب والأفضلية، لا على الوجوب، ولم يوجب التأخير إلى تجاوز الحمرة مضافاً إلى أنّ صلاته (علیه السلام) إنما كانت في الوقت وهو عند سقوط القرص لا قبله، نعم إن كان في المقام تقية فهي في عدوله (علیه السلام) من الوقت الأفضل إلى الوقت المفضول، بل يمكن القول إن اختياره للوقت المفضول لا للتقية بل لمصلحة أخرى ولا مانع من ذلك، والنتيجة: أنّ الرواية لا دلالة فيها على ما يدعى من أنّ وقت صلاة المغرب هو زوال الحمرة المشرقية عن قمة الرأس(1)

وما ذكره السيد الأستاذ يمكن الجواب عنه:

أولاً: أنّ ظاهر الأمر هو الوجوب، وحمله على الاستحباب خلاف الظاهر.

وثانياً: أنّ اهتمام الإمام (علیه السلام) بهذا واهتمام أولئك بالتأخير حتى تشتبك النجوم ليس لجهة الاستحباب، وإنما لجهة أنّ تحقق الوقت في نظر الإمام (علیه السلام) هو بالمس قليلاً الملازم لزوال الحمرة المشرقية، وتحققه في نظرهم هو باشتباك النجوم.

وثالثاً: أنّ فعل الإمام (علیه السلام) ظاهر في التقية، ويشير إلى ذلك أنّه صار يصلي عند سقوط القرص بعد إذاعتهم ومخالفتهم لأمره (علیه السلام) .

والحاصل: أنّ ظاهر الرواية بمعونة القرينة الخارجية واردة لبيان الوقت لا لفضيلته.

ومنها: موثقة يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال لي: مسوا بالمغرب قليلاً، فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب منعندنا(2).

وظاهر هذه الرواية كالرواية السابقة، فإنّ وقت المغرب عند تحقق الظلمة في أول الليل بعد المس بالمغرب قليلاً وهو ملازم لزوال الحمرة المشرقية عن قمة


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 255 الطبعة الثالثة

2) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 13

الرأس، وأما التعليل الوارد في كلام الإمام (علیه السلام) بقوله: فإنّ الشمس تغيب من عندكم ... الخ معناه أنّ الشمس وإن كانت بحسب الظاهر قد غابت عندكم إلاّ أنها في الواقع لم تغب، ولا يتحقق غيابها إلاّ بالمس الملازم لزوال الحمرة المشرقية.

وقد ناقش السيد الأستاذ ! في دلالة الرواية على المدعى بما حاصله: أنّ مقتضى كروية الأرض اختلاف البلدان في طلوع الشمس وغروبها، ويختلف مقدار التفاوت الزماني بين الطلوع في بلد والطلوع في آخر باختلاف البعد والقرب بين البلدين، وهكذا بالنسبة للغروب، وعليه فإن كان البلدان متوافقين في الأفق كان طلوع الشمس وغروبها واحداً وإلاّ اختص كل بلد بزمن خاص. وبناء على ذلك فإنّ قوله (علیه السلام): فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا، يدل على توافق البلدين في الأفق أي بلد الإمام(علیه السلام) وبلد يعقوب بن شعيب، وإلاّ فلا معنى لهذا التعليل، وإنما أمره الإمام (علیه السلام) بالتأخير والمس من أجل الاحتياط لاحتمال عدم الغروب في الواقع واستناد الاستتار إلى جبل أو طلل ونحوهما، ولا ربط لذلك بذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس. مضافاً إلى أنّ الأمر بالمس محمول على الندب والاستحباب لا على الوجوب، وأن العادة جرت على تأخير صلاة المغرب قليلاً ولا سيما في الجماعات كما تقدم(1)

والجواب عن ذلك:

أولاً: أنّ الأمر في الرواية ظاهر في الوجوب ولا وجه لحمله على الاستحباب، وقد تقدم كما تقدم الجواب عما ذكره أخيراً من أنّ العادة جرت على تأخير صلاة المغرب وذلك لاختلاف الناس وتفاوتهم في الاستعداد للصلاة.

وثانياً: أن يعقوب بن شعيب من العراق - من أهل الكوفة - فهو يعقوب بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمار مولى بني أسد. والإمام (علیه السلام) في المدينة والأفق مختلف،


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 252 الطبعة الثالثة

مضافاً إلى أنّ أرض العراق قليلة الجبال على العكس منالمدينة فإنها محاطة بالجبال العالية، فالتعليل منه ! بأنّ الأمر بالتأخير من أجل الاحتياط لاحتمال عدم الغروب في الواقع، واستناد الاستتار إلى جبل أو طلل في غير محلّه.

وثالثاً: أنّ خطاب الإمام (علیه السلام) ليس قضية شخصية بل خطابه على نحو العموم فليس الحكم خاصاً بيعقوب بن شعيب ولا يفرق فيه بينه وبين غيره.

وبناء على ذلك فليس مراد الإمام إلاّ بيان وقت صلاة المغرب وهو لا يتحقق إلاّ بذهاب الحمرة المشرقية المترتب على المس بالمغرب قليلاً.

ومنها: رواية محمّد بن علي قال: صحبت الرضا (علیه السلام) في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد(1)

وظاهر الرواية أن إقبال الفحمة من المشرق معناه زوال الحمرة المشرقية التي يتحقق بها وقت المغرب.

وقد ناقش السيد الأستاذ ! في الرواية من حيث السند والدلالة.

أما من حيث السند فهي ضعيفة لعدم توثيق محمّد بن علي، وأما من حيث الدلالة فمن جهتين:

الأولى: أنّ فعله (علیه السلام) لا دلالة له على أنّ سقوط القرص ليس بوقت المغرب بل لعله للاستحباب فإنّ الإمام (علیه السلام) يأتي بأفضل الأفعال، وقد تقدم استحباب المس بالمغرب قليلاً.

الثانية: أنّه لا ملازمة بين إقبال الفحمة وزوال الحمرة المشرقية، وذلك لأنّ الفحمة إنما تقبل من النقطة التي تطلع منها الشمس لا من ناحية المشرق كله، وهذه الفحمة في طلوعها وتصاعدها كالشيء يخرج من بئر عميق ويتصاعد شيئاً فشيئاً وتأخذ بالارتفاع تدريجياً(2)


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 8

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 250 الطبعة الثالثة

ونقول: إنّ المناقشة في سند الرواية في محلها فإنّا لم نقف على توثيق لمحمّد بن علي فلا يمكن الاعتماد على الرواية من هذه الجهة.

وأما المناقشة من حيث الدلالة فقد يقال: إنّ فعل الإمام (علیه السلام) في نفسه لا يدل على المدعى إلاّ أن اهتمام الراوي بملاحظة الإمام في صلاته ربما يشعر بالعناية بالوقت، وليس الأمر كما يفعله العامة من اكتفائهم بسقوط القرص هذا.وأما المناقشة من الجهة الثانية فهي غير واردة، وذلك لأنّ الفحمة التي تظهر في الأفق على نحوين: عرضية وطولية، أما العرضية فهي ملازمة لذهاب الحمرة المشرقية عن الأفق كله أي ناحية المشرق لا خصوص مطلع الشمس، فكما أنّ الحمرة المشرقية تنتشر على الأفق فكذلك الفحمة تحل مكانها، وكما أنّ حدوث الحمرة دفعي فكذلك حدوث الفحمة دفعي لا تدريجي وتنتشر على سطح الأفق في عرض واحد لا في خصوص نقطة معينة من السطح وهي نقطة طلوع الشمس.

وأما الفحمة الطولية وتصاعدها في الأفق فهي كما ذكر السيد الأستاذ! فإنّ حدوثها تدريجي ولكن لا على نحو العمود الأسود المتصاعد، بل إنّ السواد في الأفق كله يتصاعد، وحينئذ فما أورده السيد الأستاذ ! ناظر إلى الجهة الطولية لا العرضية، ولكن بما ذكرناه من البيان ومورد الرواية هو الجهة العرضية فالمناقشة من هذه الجهة غير واردة إلاّ أنّ الرواية لما كانت ضعيفة السند فهي مؤيدة للروايات السابقة وليست دليلاً على المدعى.

ومنها: رواية علي بن أحمد بن أشيم، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وتدري كيف ذلك؟ قلت: لا ، قال: لأنّ المشرق مطل على المغرب هكذا، ورفع يمينه فوق

يساره، فإذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا(1)

والرواية في دلالتها صريحة حيث جعل تحقق المغرب ذهاب الحمرة المشرقية لكروية الأرض وكون المشرق مطل على المغرب، إلاّ أن السيد ناقش في الرواية سنداً ودلالة.

أما من جهة السند فلأنها مرسلة، والمراسيل غير قابلة للاستدلال بها على شيء.

وأما من جهة الدلالة فلأنّ المقصود من المشرق في الرواية هو نقطة طلوع الشمس لا ناحية المشرق، وحينئذ فلا دلالة لها على أنّ الغروب هو ذهاب الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الرأس(2)

ونقول: أما ما ذكره ! من جهة ضعف السند فالأمر كما قال: فإنّ الرواية مرسلة وليس علي بن أحمد بن أشيم ممن ثبت أنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة بل إنّ الرواية ضعيفة من جهة علي بن أحمد نفسه، فإنه لم يوثقفي كتب الرجال، وقد اعتمد السيد الأستاذ ! في توثيقه على وقوعه في أسناد كامل الزيارات(3)، إلاّ أنّه! قد عدل عن هذا المبنى إلى اختصاص شهادة ابن قولويه بمشايخه وليس هو منهم فيبقى بلا توثيق، وعليه فالرواية ضعيفة السند من جهتين.

وأما ما ذكره من جهة الدلالة فقد تقدم الكلام فيه، إلاّ أنّه مع ذلك يمكننا المناقشة فيما أفاده من وجوه:

الأول: أنّ ما ذكره ! بعيد في نفسه، وذلك لأنّ نقطة المشرق غير مستقرة بل تتغير كل يوم تقريباً فلا يمكن إعطاء ضابطة كلية لمعرفة وقت المغرب كما هو ظاهر الرواية.


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 3

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 243 الطبعة الثالثة

3) نفس المصدر ص 244

الثاني: أنّ قوله: المشرق مطل على المغرب، صريح في أنّ جميع ناحية المشرق مطلة على جميع ناحية المغرب، وهذا معنى كروية الأرض، فلا وجه لاختصاص ذلك بنقطة الطلوع فإنه خلاف صريح الرواية.

الثالث: لا معنى لذهاب الحمرة من نقطة الطلوع أولاً، ثمّ ذهابها من أطرافها ثانياً، وذلك لأنّ زوال الحمرة عن الأفق تارة يكون عرضياً وأخرى طولياً فإن كان على النحو الأول فزوالها دفعي عن سطح الأفق بأجمعه لا من نقطة دون أخرى، وإن كان على النحو الثاني فالانعدام وإن كان تدريجياً إلاّ أنّه يتصاعد من جميع الأفق لا من نقطة معينة، وقد تقدم الكلام حول ذلك عند المناقشة في الرواية السابقة.

والحاصل: أنّ الرواية تامة من حيث الدلالة إلاّ أنها ضعيفة من حيث السند فتكون بذلك مؤيدة لما سبق كالرواية المتقدمة.

وهناك روايات أخرى - غير ما ذكرنا ولم يتعرض لها السيد الأستاذ! - يمكن الاستدلال بها على أنّ وقت المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية.

منها: ما ورد في الصوم كصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عن وقت إفطار الصائم؟ قال: حين يبدو ثلاثة أنجم(1)

والرواية تدل على أنّ وقت الإفطار عند ظهور ثلاثة أنجم وهو مقارن لذهاب الحمرة المشرقية بلا إشكال، وقد علمنا أنّ وقت الإفطار وهو وقت صلاة المغرب للتلازم بينهما فلا محالة تكون الرواية دالة على وقتالمغرب أيضاً.

وأما حمل الرواية على استحباب تأخير الإفطار - كما حملها صاحب الوسائل(2)- فغير ظاهر لأنّ السؤال عن وقت الإفطار لا عن فضيلته، فدلالة الرواية واضحة.


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 52 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3

2) نفس المصدر ذيل الحديث 3

وصحيحة زرارة الأخرى أيضاً عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: يحل لك الإفطار إذا بدت ثلاثة أنجم، وهي تطلع من (مع) الشمس(1)

وهذه الرواية وإن كانت بنفس مضمون الرواية السابقة إلاّ أنها أصرح دلالة منها، لأنّ الإمام (علیه السلام) في مقام بيان حلية الإفطار من الصوم في أول الوقت وهو غروب الشمس الملازم لبدو ثلاثة أنجم الملازم لذهاب الحمرة المشرقية، إذ المراد من الغروب هو الغروب الحقيقي لا مجرد سقوط القرص لأنه لا يستلزم ذهاب الحمرة، وقد سبق أن وقت الإفطار هو وقت صلاة المغرب فتكون الرواية دالة عليه بلا إشكال.

ومنها: ما ورد في أحكام الحج والإفاضة من عرفات، كصحيحة يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): متى تفيض الناس من عرفات؟ فقال: إذا ذهبت الحمرة من هاهنا، وأشار بيده إلى المشرق وإلى مطلع الشمس(2)

والرواية صريحة الدلالة على أنّ الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس، وبمقتضى الملازمة بين الغروب وذهاب الحمرة المشرقية تكون الرواية أيضاً دالة على وقت صلاة المغرب، وإشارته (علیه السلام) إلى المشرق وإلى مطلع الشمس مفادها: أنّه (علیه السلام) أشار إلى جميع ناحية الشرق، فلا ترد المناقشة بأنه أراد نقطة الطلوع كما هو الظاهر.

وصحيحته الأخرى قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): متى الإفاضة من عرفات؟ قال: إذا ذهبت الحمرة، يعني من الجانب الشرقي(3)

وهذه الرواية أصرح في الدلالة من الرواية السابقة، فإنّه (علیه السلام) صرح بالجانب الشرقي ومراده ناحية المشرق بأجمعها.


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 52 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4

2) نفس المصدر ج 10 باب 22 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث 2

3) نفس المصدر الحديث 3

ومن المحتمل أنّ كلتا الروايتين رواية واحدة وردت بطريقين مع اختلاف في الألفاظ إلاّ أن صاحب الوسائل عدها روايتين.ومنها: ما ورد في المواقيت والفرق بين وقت المغرب في السفر والحضر كصحيحة علي بن يقطين قال: سألته عن الرجل تدركه صلاة المغرب في الطريق، أيؤخرها إلى أن يغيب الشفق؟ قال: لا بأس بذلك في السفر، فأما في الحضر فدون ذلك شيئاً(1)

والظاهر أنّ المراد من الشفق هو الحمرة المغربية، والمستفاد من الرواية أنّه يجوز تأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء في السفر، وأما في الحضر فدون ذلك شيئاً أي قبل ذلك، وهو وقت ذهاب الحمرة المشرقية، فتكون الرواية دالة على وقت صلاة المغرب، ولكن دلالة الرواية على المدعى غير واضحة لاحتمال كونها في مقام بيان آخر الوقت.

ومعتبرة علي بن الريان قال: كتبت إليه: الرجل يكون في الدار تمنعه حيطانها النظر إلى حمرة المغرب ومعرفة مغيب الشفق ووقت صلاة العشاء الآخرة متى يصليها؟ وكيف يصنع؟ فوقع (علیه السلام): يصليها إذا كان على هذه الصفة عند قصرة النجوم، والمغرب (العشاء) عند اشتباكها وبياض مغيب الشمس(2)

والظاهر أنّ في الرواية تقديماً وتأخيراً، والشاهد على ذلك أنّ هذه الرواية رواها ابن إدريس في المستطرفات(3)وجاء فيها: عند اشتباك النجوم والمغرب عند قصرة النجوم. وفسر الشيخ(4)والكليني(5)قصرة النجوم ببيانها وهي محل الشاهد من الرواية، فإن جعل قصرة النجوم علامة على وقت صلاة المغرب يلائم


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 19 من أبواب المواقيت الحديث 15

2) نفس المصدر باب 24 من أبواب المواقيت الحديث 1

3) مستطرفات السرائر - مسائل الرجال : 479 الطبع القديم

4) تهذيب الأحكام ج 2 باب المواقيت الحديث 75 ص 261

5) فروع الكافي ج 3 باب وقت المغرب والعشاء الآخرة الحديث 15 ص 281

ذهاب الحمرة المشرقية فلا يكون معنى الغروب هو سقوط القرص.

إلاّ أنّ الرواية مع ذلك ليست واضحة الدلالة لاحتمال أنها بيان لحالة خاصة لمن لا طريق إليه لمعرفة المغيب، أو معرفة الشرق والغرب، فهذه الرواية كالرواية السابقة، وفي ما ذكرناه من الروايات كفاية والعمدة منها ما أضفناه مما لم يتعرض له السيد الأستاذ ! ، ومن مجموع هذه الروايات يستفاد أنّ وقت صلاة المغرب هو زوال الحمرة المشرقية وإن كان بعض هذه الروايات مورداً للمناقشة من حيث السند والدلالة إلاّ أنأكثرها صالح للدلالة وما أورد به عليها مردود.

الطائفة الثانية: الروايات التي تدل بظاهرها على أنّ وقت صلاة المغرب هو استتار القرص وهي عدة روايات:

منها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: سمعته يقول: وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها(1)

وهذه الرواية واضحة الدلالة حيث جعل فيها أنّ وقت المغرب منوط بغروب الشمس وغياب القرص ، كما أنها من حيث السند معتبرة.

ومنها: صحيحة زرارة، قال: قال أبو جعفر (علیه السلام): وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيت بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة ومضى صومك، وتكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئاً(2)

وهذه الرواية تدل على أنّ وقت المغرب هو غياب القرص وعلى فرض الخطأ وتبين أن الشمس لم تغب، فأما الصلاة فلابد من إعادتها لأنه أتى بها في غير وقتها، وأما الصيام فلا حاجة إلى الإعادة لأنّ الإفطار كان عن أمارة شرعية، نعم لابد من الإمساك فيما بقي من الوقت.

ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا زالت الشمس دخل


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 16

2) نفس المصدر الحديث 17

الوقتان الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة(1)

وفي هذه الرواية جعل المناط في تحقق الوقت غياب الشمس.

ومنها: موثقة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يصلي المغرب حين تغيب الشمس حيث تغيب حاجبها(2).

والمراد من الحاجب هو ضوؤها، فإذا غاب ضوؤها فقد دخل وقت الصلاة.

ومنها: موثقة إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: سألته عن وقت المغرب؟ قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق(3)وفي هذه الرواية جعل أول وقت المغرب هو غروب الشمس، فدلالتها على المدعى واضحة.

ومنها: صحيحة صفوان بن مهران الجمال، قال: قلت لأبي عبد الله(علیه السلام): إنّ معي شبه الكرش المنشور فأوخر صلاة المغرب حتى عند غيبوبة الشفق، ثمّ اُصليهما جميعاً يكون ذلك أرفق بي، فقال: إذا غاب القرص فصل المغرب، فإنما أنت ومالك لله(4)

والمراد بالكرش هنا كثرة العيال أو كثرة الجمال كما يشهد به حاله، والغرض: أني لكثرة عيالي محتاج إلى العمل، أو لكثرة جمالي وخوف انتشارها وتفرقها لا أقدر على تفريق الصلاتين(5)

ثمّ إنّ الرواية واضحة الدلالة فإنّ الإمام (علیه السلام) أمره بالصلاة عند غياب القرص، وأما من جهة السند فهي معتبرة فإنّ لها طريقين صحيحين.


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 17 من أبواب المواقيت الحديث 1

2) نفس المصدر باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 27

3) نفس المصدر باب 18 من أبواب المواقيت الحديث 14

4) نفس المصدر الحديث 24

5) بحار الأنوار ج 83 باب وقت العشائين الحديث 23 ص 61 المطبعة الإسلامية

ومنها: موثقة سماعة بن مهران، قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): في المغرب إنا ربما صلينا ونحن نخاف أن تكون الشمس خلف الجبل، أو قد سترنا منها الجبل؟ قال: فقال: ليس عليك صعود الجبل(1)

وقد نوقش في سند الرواية ودلالتها إلاّ أنّ المناقشة غير واردة أما من جهة السند فهي وإن كان فيها أحمد بن هلال وهو محل خلاف إلاّ أنّه يمكن تصحيحها بواسطة طريق الصدوق إلى سماعة(2)، وأيضاً من جهة طريق الشيخ إلى محمّد بن أبي عمير الوارد في سند هذه الرواية بعد أحمد بن هلال فإنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع رواياته وكتبه(3)

وأما من جهة الدلالة فقد حملها بعضهم على التقية لأنّ المراد من غياب الشمس غيابها الواقعي لا الخيالي فلابد من إحرازه.

وقد أجاب عن ذلك السيد الأستاذ ! وحاصله: أنّ من الجائز أن تكون هناك أمارة معتبرة على الغروب بحيث يكون تحققها ملازماً - في الواقع - لتحقق الغروب ودخول الشمس تحت الأفق مثل استتار القرص وغيابه عن الأنظار، ولذا نهاه الإمام (علیه السلام) عن صعود الجبل اكتفاء بتلك الأمارة التي غفل عنها السائل وشك في التلازم بين الغروب الواقعي وبين تلك الأمارة، وبناء على ذلك فلا مقتضي لحمل الرواية على التقية فتكونالرواية دالة على المدعى(4)

وسيأتي الكلام فيها عند الجمع بين الطائفتين.

وهناك روايات أخرى أيضاً يمكن الاستدلال بها على أنّ وقت المغرب هو سقوط القرص ولم يتعرض لها السيد الأستاذ ! كما في الطائفة الأولى: ومنها:


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 20 من أبواب المواقيت الحديث 1

2) مشيخة الفقيه ص 13 دار التعارف للمطبوعات

3) الفهرست: 169 الطبعة الثانية

4) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 260

موثقة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلاّ أنّ هذه قبل هذه، وإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلاّ أن هذه قبل هذه(1)

والرواية من جهة الدلالة واضحة كما أنها من جهة السند معتبرة، فإنّ القاسم بن أبي أيوب الوارد في سندها هو القاسم بن عروة مولى أبي أيوب الخوزي كما جاء في ترجمته(2)، وقد تقدم أنّه ثقة على بعض المباني، مضافاً إلى أنّ هذه الرواية أوردها صاحب الوسائل بسنده عن الكليني وفيها التصريح بالقاسم بن عروة(3).

ومنها: صحيحة أبي أسامة أو غيره قال: صعدت مرة جبل أبي قبيس والناس يصلون المغرب فرأيت الشمس لم تغب وإنما توارت خلف الجبل عن الناس، فلقيت أبا عبد الله (علیه السلام) فأخبرته بذلك فقال لي: ولم فعلت ذلك بئس ما صنعت، إنما تصليها إذا لم ترها خلف جبل غابت أو غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها، وإنما عليك مشرقك ومغربك وليس على الناس أن يبحثوا(4)

والرواية صريحة الدلالة وأمّا سندها وإن كان مردداً بين ابي اُسامة أو غيره، إلاّ أنّه لا يضرّ بصحة الرواية؛ لأنها واردة في كتاب حريز وهو من الكتب المشهورة المعروفة المعول عليها بشهادة الصدوق في أول الفقيه(5)فلا تحتاج إلى سند.

ومنها: معتبرة بكر بن محمد، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن وقت صلاة المغرب؟ فقال: إذا غاب القرص. ثمّ سألته عن وقت العشاء الآخرة؟


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 24

2) رجال النجاشي 2 : 181 الطبعة الأولى المحققة

3) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب المواقيت الحديث 11

4) نفس المصدر باب 20 من أبواب المواقيت الحديث 2

5) من لا يحضره الفقيه 1 : 3 الطبعة السادسة 1405 ه- - 1985 م دار الأضواء

فقال: إذا غاب الشفق. قال: وآية الشفق الحمرة، ثمّ قال بيدههكذا(1).

والرواية واضحة الدلالة حيث جعل المناط في وقت المغرب هو غياب القرص وهي من حيث السند معتبرة.

ومنها: رواية زريق عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه كان يصلي الغداة بغلس عند طلوع الفجر الصادق أول ما يبدو قبل أن يستعرض، وكان يقول: «وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً» إن ملائكة الليل تصعد وملائكة النهار تنزل عند طلوع الفجر، فأنا أحب أن تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار صلاتي، وكان يصلي المغرب عند سقوط القرص قبل أن تظهر النجوم(2)

والرواية من حيث الدلالة واضحة، نعم هي من حيث السند ضعيفة فإنّ سندها مشتمل على محمّد بن خالد الطيالسي، وأبي العباس زريق الزبير الخلقاني وهما لم يرد فيهما توثيق، فتكون الرواية مؤيدة لما سبق.

ومنها: رواية علي بن الحكم عمن حدثه، عن أحدهما ' ، أنّه سئل عن وقت المغرب؟ فقال: إذا غاب كرسيها. قلت: وما كرسيها؟ قال: قرصها، فقلت: متى يغيب قرصها؟ قال: إذا نظرت إليه فلم تره(3)

والرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند فهي وإن كانت مرسلة إلاّ أن صاحب الوسائل ذكر أنّ هذا الحديث رواه الصدوق في (المجالس) عن محمّد بن الحسن، عن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن داود بن فرقد، قال: سمعت أبي يسأل أبا عبد الله (علیه السلام) متى يدخل وقت المغرب؟ وذكر الحديث(4)وهذا السند


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 23 من أبواب المواقيت الحديث 3

2) نفس المصدر باب 28 من أبواب المواقيت الحديث 3

3) نفس المصدر باب 18 من أبواب المواقيت الحديث 25

4) نفس المصدر ذيل الحديث 25

لا إرسال فيه وهو معتبر.

ومنها: موثقة عمر بن أبي نصر قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: في المغرب إذا توارى القرص كان وقت الصلاة وافطر(1)

هكذا وردت الرواية في الوسائل إلاّ أن الوارد في الاستبصار: عمرو بن أبي نصر(2)وهو الصحيح وورد: الإفطار بدل افطر.ثم إنّ الرواية من جهة الدلالة واضحة، وأما من جهة السند ففيها موسى بن جعفر البغدادي، ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه واقع في أسناد كامل الزيارات فكان على السيد الأستاذ ! أن يستدل بهذه الرواية آنذاك لأن نظره يومئذ وثاقة كل من اشتمل عليه كتاب كامل الزيارات، وحيث إنه عدل عن ذلك فلا يكون مشمولاً للتوثيق لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه، فتكون الرواية ضعيفة السند إلاّ أنّه يمكن تصحيحها من جهة عبد الله بن سنان الواقع في السند بعد موسى بن جعفر وذلك لأنّ ابن سنان له كتاب معروف رواه جماعات من الناس(3)، فهو ليس بحاجة إلى الطريق، كما أن للشيخ طريقاً معتبراً إلى كتابه(4)، وعليه فلا إشكال في الاعتماد على هذه الرواية من جهة السند.

ومنها: صحيحة أبي أسامة وقد رواها الشيخ بإسناده عن جعفر بن سماعة، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الصباح بن سيابة، وأبي أسامة قالا: سألوا الشيخ(علیه السلام) عن المغرب فقال بعضهم: جعلني الله فداك ننتظر حتى يطلع كوكب؟ فقال: خطابية، إن جبرئيل نزل بها على محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) حين سقط القرص(5)

وبإسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي أسامة الشحام قال: قال رجل


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 30

2) الاستبصار ج 1 باب 149 - وقت المغرب والعشاء الآخرة الحديث 1 ص 262

3) رجال النجاشي 2 : 9 الطبعة الأولى المحققة

4) الفهرست: 127 الطبعة الثانية

5) وسائل الشيعة ج 3 باب 18 من أبواب المواقيت الحديث 16

لأبي عبد الله: أؤخر المغرب حتى تستبين النجوم؟ قال: فقال: خطابية، إن جبرئيل نزل بها على محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) حين سقط القرص(1)

والظاهر أنهما رواية واحدة وهي من حيث الدلالة واضحة، كما أنها من جهة السند تامة فلها عدة طرق وكلها معتبرة.

ومنها: رواية داود بن أبي يزيد قال: قال الصادق جعفر بن محمّد ': إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب(2)

وهذه الرواية رواها ابن الشيخ في المجالس عن أبيه عن سعد عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وموسى بن جعفر بن أبي جعفر البغدادي، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت، عن الحسن بن علي بن فضال، عن داود بن أبي يزيد(3)وهي بهذا السند معتبرة ودلالتها تامة، والمراد من داودبن أبي يزيد هو داود بن فرقد، فلا إشكال في السند، ولكن رواها الشيخ بإسناده عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وموسى بن جعفر، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت، عن الحسن بن علي بن فضال، عن داود بن أبي يزيد وهو داود بن فرقد عن بعض أصحابنا(4).. الحديث، وفيه زيادة ليست في رواية ابن الشيخ والسند واحد وصدر الرواية واحد في كلتا الروايتين إلاّ أن سند الشيخ فيه إرسال.

والرواية وإن كانت واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند غير نقية لذا لا يمكن الاعتماد عليها في مقام الاستدلال، نعم يمكن عدّها مؤيدة كما فعل السيد الأستاذ ! فإنه أضاف عدة روايات ضعيفة السند واعتبرها مؤيدة للمدعى(5).

ومنها: رواية ابن الشيخ في المجالس أيضاً عن أبيه، ومحمّد بن الحسن


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 18 من أبواب المواقيت الحديث 18

2) نفس المصدر باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 21

3) نفس المصدر

4) تهذيب الأحكام ج 2 باب 4 أوقات الصلاة ... الحديث 33 ص 28

5) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 261 وما بعدها

وأحمد بن محمّد بن يحيى جميعاً، عن سعد بن عبد الله عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن موسى بن يسار العطار، عن المسعودي، عن عبد الله بن الزبير، عن أبان بن تغلب، عن الربيع بن سليمان، وأبان بن أرقم، وغيرهم، قالوا: أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلي، ونحن ننظر إلى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا، فجعل يصلي ونحن ندعوا عليه، حتى صلى ركعة ونحن ندعوا عليه ونقول: هذا شباب بن شباب أهل المدينة، فلما أتيناه إذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمّد ' ، فنزلنا فصلّينا معه وقد فاتتنا ركعة، فلما قضينا الصلاة قمنا إليه فقلنا: جعلنا فداك هذه الساعة تصلي؟ فقال: إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت(1)

وقد استدل بصدر هذه الرواية وذيلها على كل من القولين، أما الاستدلال بصدر الرواية فعلى أن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية وذلك لأن المرتكز عند الإمامية أن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة، ولذلك كان هؤلاء يدعون على ذلك الشاب المصلي، فلما علموا أنّه الإمام سألوه عن صلاته في ذلك الوقت، فيعلم من ذلك أنّ وقت صلاة المغرب لم يحن بعد، وحينئذ فصلاة الإمام(علیه السلام) محمولة على التقية.

وأما الاستدلال بذيل الرواية فعلى أن وقت المغرب هو غياب الشمس وسقوط القرص، وذلك لأنّ الإمام (علیه السلام) كشف لهم الواقع وأخبرهم أنّه إذاغابت الشمس فقد دخل الوقت.

ولكن الذي يسهل الخطب أن سند الرواية ضعيف ففيه عدة مجاهيل كموسى بن يسار العطار، والمسعودي، وعبد الله بن الزبير، فلا تكون الرواية صالحة للاستدلال لأي من القولين.


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 23

هذا ما وقفنا عليه من الروايات ويمكن أن يستفاد من روايات أخرى غير ما ذكرنا.

والمتحصل من مجموعها: أنّ وقت المغرب هو غياب الشمس وسقوط القرص لا ذهاب الحمرة المشرقية كما هو مفاد الطائفة الأولى.

الجمع بين الروايات:

ويقع الكلام في ناحيتين:

الأولى: هل يمكن الجمع بين الطائفتين أم لا؟

الثانية: على فرض عدم الإمكان فأيهما المقدم؟

أما عن الناحية الأولى فقد ذكر للجمع بين الطائفتين وجهان:

الوجه الأول: أنّ روايات الطائفة الثانية الدالة على أنّ وقت المغرب هو سقوط القرص مجملة في نفسها لأنّ سقوط القرص يحتمل وجوهاً:

أحدها: أنّ الموضوع بالنسبة إلى المصلي هو سقوط القرص مطلقاً واستتار الشمس عنه، سواء كان السقوط مع الحاجب أو بدونه فبمجرد سقوط القرص يتحقق وقت صلاة المغرب.

ثانيها: أن يكون الموضوع هو سقوط القرص واستتار الشمس لا مطلقاً بل فيما إذا لم يكن هناك حاجب، فإذا سقط القرص واستترت الشمس ولم يكن ثمة ما يحجب فقد دخل الوقت.

ثالثها: أنّ الميزان في دخول الوقت هو سقوط القرص في أفق المصلي تحت الأرض التي يكون أفقه عليها لا سقوطه في أفق آخر في أرض أخرى.

وهذه المحتملات الثلاثة لا تعيّن لواحد منها، والسقوط وإن كان لا إجمال فيه إلاّ أن متعلقه هو المجمل، وحينئذ فتكون الطائفة الأولى بيان لهذا الإجمال إذ بها يتعين أنّ المراد هو الاحتمال الثالث من هذه المحتملات، وأن المناط هو استتار القرص عن أفق المصلي ولازم ذلك زوال الحمرة المشرقية، ويظهر ذلك بوضوح

من صحيحة بريد المتقدمة بطرقها الثلاثة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانبيعني من المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها(1).. والمراد من غياب الشمس من غرب الأرض هو أفق المصلي.

فالرواية تدل على أنّ تحقق الغروب لا يتم إلاّ بذهاب الحمرة المشرقية.

وهكذا معتبرة ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار وسقط القرص(2)

ومثلهما موثقة يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: قال لي: مسوا بالمغرب قليلاً فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا(3)

وهكذا غيرها من الروايات.

والمستفاد منها: أنّ المراد هو استتار القرص عن أفق المصلي.

ويؤيد ذلك أيضاً: ما ورد في المستدرك عن فقه الرضا: أول وقت المغرب سقوط القرص وعلامة سقوطه أن يسوّد أفق المشرق(4)

وقال (علیه السلام) في موضع آخر: وقت المغرب سقوط القرص إلى مغيب الشفق إلى أن قال: والدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق وفي الغيم سواد المحاجر(5)

وكذا ما ورد فيه أيضاً عن الدعائم، عن جعفر بن محمد، عن آبائه(علیهم السلام): أنّ أول وقت المغرب غياب الشمس وهو أن يتوارى القرص في أفق المغرب لغير


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 4

3) نفس المصدر الحديث 13

4) مستدرك الوسائل ج 3 باب 13 من أبواب المواقيت الحديث 3

5) نفس المصدر ذيل الحديث 3

مانع من حاجز يحجز دون الأفق مثل جبل، أو حائط ، أو غير ذلك، فإذا غاب القرص فذلك أول وقت صلاة المغرب، وهو [إجماع وعلامة سقوط القرص] إن حال حائل دون الأفق فعلامته أن يسوّد أفق المشرق(1)

وفي موضع آخر عن الدعائم أيضاً: وسمع أبو الخطاب أبا عبد الله(علیه السلام)وهو يقول: إذا سقطت الحمرة من هاهنا - وأومأ بيده إلى الشرق - فذلك وقت المغرب، فقال أبو الخطاب لأصحابه لما أحدث ما أحدثه: وقت صلاة المغرب ذهاب الحمرة من أفق المغرب فلا تصلوها حتى تشتبك النجوم(2)

وهذه الموارد صريحة الدلالة على أنّ المراد هو غياب الشمس عن أفق المصلي، وعلامته زوال الحمرة من ناحية المشرق إلاّ أن أسنادها لما كانت غير تامة جعلت مؤيدة.

والحاصل: أنّه يمكن الجمع بين الطائفتين بهذا الوجه بالنسبة إلى أكثر روايات الطائفة الثانية، وما عداها مما لا يلتئم مع هذا الوجه وهي بعض الروايات القليلة التي يستفاد منها أنّ وقت المغرب هو خصوص سقوط القرص كالواردة في النهي عن صعود الجبل فهي محمولة على التقية.

الوجه الثاني: أنّ روايات الطائفة الأولى محمولة على الاستحباب، يعني أن وقت صلاة المغرب هو سقوط القرص كما هو مفاد روايات الطائفة الثانية ولكن بمقتضى روايات الطائفة الأولى يستحب تأخير الصلاة حتى تزول الحمرة المشرقية، وإلى هذا ذهب بعض الأعاظم منهم السيد الأستاذ! .

والإنصاف: أنّه لا يمكن المساعدة على كل من الوجهين.

أما الوجه الأول فهو وإن تكرر في كلمات غير واحد من الأعلام حتى أن صاحب الوسائل(3)ذكر وجوهاً لهذا الجمع إلاّ أن هذا الوجه قابل للانطباق على


1) مستدرك الوسائل ج 3 باب 13 من أبواب المواقيت الحديث 4

2) نفس المصدر باب 15 من أبواب المواقيت الحديث 3

3) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت ذيل الحديث 15

بعض الروايات، وهي ما ورد فيها: أنّ المناط هو غيبوبة الشمس عن الأفق وهو الاحتمال الثالث، ولكن أكثر روايات الطائفة الثانية جاء فيها أنّ المناط هو سقوط القرص وتواريه لا غياب الشمس واقعاً، وفرق بين الأمرين، وحمل سقوط القرص على غيابه بعيد بل هو ظاهر في الاحتمالين الأولين اللذين جاء فيهما أنّ المناط هو استتار القرص وسقوطه، ويبلغ عدد الروايات التي ورد فيها ذلك عشر روايات منها صحيحة زرارة(1)، ومعتبرة عبد الله بن سنان(2)، ومعتبرة داود بن فرقد(3)، وصحيحة أبي أسامة الشحام(4)، وصحيحة صفوان(5)، وموثقةسماعة بن مهران(6)، وغيرها كما تقدم . وهذه الروايات بحسب الظاهر آبية عن الجمع بما ذكر.

وأما الوجه الثاني فلا يمكن المصير إليه لمخالفته لعدة من الروايات كما ذكر ذلك صاحب الجواهر(7)وغيره، لأنّ وقت المغرب ضيق ولابد من الصلاة في أول الوقت.

وأما الروايات الدالة على ذلك (أي على ضيق وقت صلاة المغرب) فهي كثيرة منها:

صحيحة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن وقت المغرب؟ فقال: إنّ جبرئيل أتى النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لكل صلاة بوقتين غير صلاة المغرب فإن وقتها واحد، وإن وقتها وجوبها(8)


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 17

2) نفس المصدر الحديث 16

3) نفس المصدر الحديث 25

4) نفس المصدر باب 18 من أبواب المواقيت الحديث 18

5) نفس المصدر الحديث 24

6) نفس المصدر باب 20 من أبواب المواقيت الحديث 1

7) جواهر الكلام 7 : 115 الطبعة السابعة

8) وسائل الشيعة ج 3 باب 18 من أبواب المواقيت الحديث 1

ومنها: رواية إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضا (علیه السلام): (إلى أن قال) فكتب: كذلك الوقت غير أنّ وقت المغرب ضيق، وآخر وقتها ذهاب الحمرة، ومصيرها إلى البياض في أفق المغرب(1)

ومنها: رواية ليث، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يؤثر على صلاة المغرب شيئاً إذا غربت الشمس حتى يصليها(2)

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: وقت المغرب حين تجب الشمس إلى أن تشتبك النجوم(3)

ومنها: رواية أديم بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إنّ جبرئيل أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالصلوات كلها فجعل لكل صلاة وقتين إلاّ المغرب، فإنه جعل لها وقتاً واحداً(4)

ومنها: مرسلة محمّد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (علیه السلام)قال: ملعون من أخر المغرب طلب فضلها(5)

والمستفاد من هذه الروايات المبادرة إلى الإتيان بالصلاة أول وقتها، ولم يرد فيها استحباب التأخير، وعليه فهذا الوجه كالوجه الأول في عدم إمكان جمع روايات الطائفتين به .

هذا وقد يقال بوجه آخر للجمع بين الروايات وهو: أنّ ما ورد من الروايات الدالة على أنّ وقت المغرب هو سقوط القرص واستتاره مختص بما إذا كان المصلي في مكان لا حاجب فيه من جبال أو بناء كالصحراء مثلاً .

وما ورد من الروايات الدالة على أن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 18 من أبواب المواقيت الحديث 4

2) نفس المصدر الحديث 9

3) نفس المصدر الحديث 10

4) نفس المصدر الحديث 11

5) نفس المصدر الحديث 20

المشرقية أو طلوع كوكب أو كوكبين مختص بما إذا كان هناك حاجب كالجبال والعمران، وبهذا يمكن الجمع بين الطائفتين .

ويستفاد ذلك من معتبرة علي بن الريان المتقدمة قال: كتبت إليه: الرجل يكون في الدار تمنعه حيطانها النظر إلى حمرة المغرب...(1)

كما يمكن استفادته مما تقدم من رواية الفقه الرضوي، ورواية الدعائم، ولكن هذا الوجه غير تام فإنّ دلالة المعتبرة غير واضحة وكتاب الفقه الرضوي لا يعتمد على رواياته، ومثله كتاب الدعائم .

الناحية الثانية: في ترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى .

ومع عدم إمكان الجمع بين الروايات فلابد من تقديم إحداهما على الأخرى، والمتعيّن حينئذ هو ترجيح الطائفة الأولى وذلك لوجهين :

الأول: أنّ روايات الطائفة الأولى موافقة للكتاب بما استفدناه من ضميمة آية الصوم كما تقدم، وأن صلاة المغرب صلاة ليلية.

الثاني: أنها موافقة لعمل الأصحاب وفتواهم ومرتكز الشيعة على ذلك ويؤيده ما تقدم من رواية المجالس بإسناده عن الربيع بن سليمان وأبان بن أرقم وغيرهم، قالوا: أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا فجعل يصلي ونحن ندعوا عليه(2).. الخ.

وما ذكره السيد الأستاذ ! من أنّ الارتكاز أعم من كونه لجهة الوجوب أو الاستحباب، وأنّ التأخير إلى زوال الحمرة وإن كان شعاراً للشيعة إلاّأنّه على نحو الاستحباب، ومثله القنوت فإنه شعار للشيعة مع أنّه مستحب بلا كلام(3)،


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 24 من أبواب المواقيت الحديث 1

2) نفس المصدر باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 23

3) التنقيح في شرح العروة الوثقى - كتاب الصلاة 1 : 257 الطبعة الثالثة

لا يمكن المساعدة عليه لأنّ عملهم على الوجوب لا على الاستحباب، ويؤيده الرواية المتقدمة فإنهم إنما دعوا على المصلي لأنه صلى في نظرهم قبل الوقت لا أنّه خالف المستحب أو لمجرد كونه مخالفاً.

وهذا بخلاف الطائفة الثانية فإنها موافقة للعامة، وحينئذ يترجح حملها على التقية.

قد يقال: إن روايات هذه الطائفة كثيرة وأكثرها صحيح السند فيبعد حملها على التقية، والجواب أنّ كثرة الروايات ناشئة من كثرة الابتلاء فإنّ الصلوات تؤدى في اليوم خمس مرات، واختلاط العامة بالشيعة كثير آنذاك فالمناسبة تقتضي هذه الكثرة من الروايات، ولا محذور في ذلك.

والحاصل: أنّ الذي يترجح في النظر بملاحظة الأدلة من الآيات والروايات هو تقديم الطائفة الأولى على الطائفة الثانية التي يترجح حملها على التقية، هذا كله بالنظر للأدلة اللفظية الواردة في المقام.

ومع الغض عن ذلك فيمكن الاستدلال على المدعى بالأصل العملي، أما بناء على ما استفدناه من الكتاب وبضميمة آية الصوم فالأمر واضح كما تقدم من أنّ صلاة المغرب من الصلوات الليلية، فإذا شككنا في تحقق الوقت بين أن يكون بسقوط القرص أو بذهاب الحمرة المشرقية فالقاعدة تقتضي الاحتياط، لأنّ الشبهة حينئذ مفهومية وهي مجرى قاعدة الاحتياط.

وأما على فرض عدم استفادة ذلك من الآية الشريفة فالشبهة وإن كانت موضوعية إلاّ أنها دائرة بين الأقل والأكثر وبيان ذلك: أننا لا ندري هل أنّ وقت صلاة المغرب يتحقق بسقوط القرص أو بذهاب الحمرة وحيث إنّ من المعلوم خارجاً أنّ كلاً من الصلوات الخمس موقتة بوقت خاص كما هو صريح الكتاب في

قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(1)وقد فسرت بالتوقيت.

وهكذا الروايات الكثيرة الواردة في تحديد أوقات الصلوات ومنها صلاة المغرب فإنها موقتة بوقت خاص كسائر الصلوات، وحينئذ إذا شككنا في تحقق هذا الوقت الخاص بصلاة المغرب بين أن يكون بذهابالحمرة المشرقية وبين أن يكون بسقوط القرص فالشك حينئذ بين الأقل والأكثر ومقتضى الدوران بينهما هو الأخذ بالأقل لأنّه القدر المتيقن، والأقل في المقام هو ذهاب الحمرة بالنسبة إلى سقوط القرص.

مضافاً إلى أنّه موافق للاستصحاب عند الشك في دخول الوقت، نعم عند ذهاب الحمرة لا يجري الاستصحاب لليقين بدخول الوقت حينئذ.

فعلى كلا التقديرين أي سواء كانت الشبهة مفهومية أو موضوعية فمقتضى القاعدة هو الاحتياط.

والحاصل: أنّ المسألة واضحة من جهاتها الثلاث أي الآيات، والروايات والأصل العملي، مضافاً إلى ما ذكرناه من أنّ المرتكز عند الإمامية ذلك وهو أنّ تحقق الوقت إنما يتم بذهاب الحمرة المشرقية، ولكن الاحتياط في عدم تأخير صلاة الظهرين إلى وقت زوال الحمرة المشرقية لا يترك، وينبغي تقديم الصلاتين على ذلك الوقت، وبهذا يتم الكلام في بيان أصل الحكم في المسألة.

تنبيهان:

الأول: نسب إلى المحقق الوحيد ! القول بأنّه بناء على أنّ ذهاب الحمرة المشرقية علامة على تحقق الغروب فلازمه أن يقال به بالنسبة للطلوع، وأنّ وجود الحمرة المغربية علامة على طلوع الشمس، وبعبارة أخرى: إنّ الزمان الفاصل


1) سورة النساء، الآية: 103

بين الغروب وبين ذهاب الحمرة - وهو مقدار عشر دقائق أو خمسة عشر دقيقة تقريباً - لابد من مراعاته في جانب الطلوع أيضاً فإذا كان القرص بعد السقوط باقياً فكذا في حال الطلوع فلابد قبل أن ترى الشمس، يحكم بطلوعها بنفس المقدار ويترتب على ذلك أنّ حدّ صلاة الفجر قبل طلوع الشمس ولا يلتزم بذلك أحد(1)

وقد أجيب عن ذلك في الجواهر بوجوه أربعة وأهمها:

أولاً: بمنع الملازمة بين الوقتين وذلك لما ورد في بعض الأخبار - وقد تقدمت - أنّ المشرق مطل على المغرب لا العكس، وحيث إنّ الأمر كذلك فوجود الحمرة في جانب المشرق علامة على بقاء الشمس في الأفق وعدم سقوطها واقعاً، وأما المغرب فليس مطلاً على المشرق حتى تتصور المساواة فالإشكال غير وارد من أصله.وثانياً: على فرض القول بالملازمة إلاّ أنّ بين الموردين فرقاً من جهة النص، فقد ورد أنّ وقت المغرب هو سقوط القرص عن الأفق واقعاً وتحققه بذهاب الحمرة المشرقية، ولم يرد ذلك بالنسبة إلى طلوع الشمس، وإنما الوارد هو طلوعها بحيث يظهر شعاعها، وأما قبل ظهوره فهو امتداد لوقت الفجر، فبناء على ذلك فالمساواة بين الموردين في غير محلها والإشكال غير وارد.

الثاني: جاء في كتاب نيل الأوطار أنّ الإمامية يذهبون إلى أنّ وقت صلاة المغرب إنما يتحقق عند اشتباك النجوم وهو مخالف للنصوص الواردة، والإجماع(2)

ونقول: إن كان مراده من الروافض أو الشيعة هم الإمامية الاثنا عشرية فقد بان الصبح لذي عينين، وإن أراد غيرهم كان من اللازم عليه أن يعيّن المقصود، ولا يلقي الكلام على عواهنه، فإنّ في كلامه إلباساً كما لا يخفى

.

1) جواهر الكلام 7 : 119

2) قال في نيل الأوطار: وقد عكست الروافض القضية، فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم، والحديث يرده، قال النووي في شرح مسلم: إنّ تعجيل المغرب عقيب غروب الشمس مجمع عليه، قال: وقد حكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له. (نيل الأوطار 2 : 3).

وهذه النسبة - كما تبين - خالية عن الواقع وفارغة عن الحق، وهي محض افتراء وليست هذه أول قارورة كسرت والله المستعان.

نعم إنّ هذا القول منسوب إلى الخطابية الذين برء منهم الإمام المعصوم(علیه السلام) وأمر بالبراءة منهم ولعنهم ورد عليهم كما تقدمت الإشارة إليه، وهو أمر مسطور في كتب الإمامية ورواياتهم عن أئمتهم (علیهم السلام) ، فليس هذا القول مذهباً للإمامية ولم يقل به أحد منهم.

الجهة الثانية: فيما تقتضيه الأدلة بالنسبة إلى التقية.

ويقع الكلام تارة في الحكم التكليفي وأخرى في الحكم الوضعي.

أما بالنسبة إلى الأول فلا إشكال في وجوب العمل على طبق التقية وذلك:

أولاً: للأدلة العامة المتقدمة وهي شاملة لهذا المورد بلا كلام.

وثانياً: للأدلة الخاصة الواردة في المقام وقد تقدم بعضها ومنها: معتبرة جارود قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): يا جارود ينصحون فلا يقبلون، وإذا سمعوا بشيء نادوا به، أو حدثوا بشيء أذاعوه، قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلاً، فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصليها إذاسقط القرص(1)

وهي ظاهرة في التقية كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

ويؤيد ذلك ما تقدم أيضاً من رواية الربيع بن سليمان، وأبان بن أرقم، وغيرهم قالوا: أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الأخضر، إذا نحن برجل يصلي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا، فجعل يصلي ونحن ندعوا عليه حتى صلى ركعة، ونحن ندعوا عليه ونقول: هذا شباب من شباب أهل المدينة،


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 15

فلما أتيناه إذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمّد ' ...(1)الخ.

ومحل الشاهد قولهم: «نحن ننظر إلى شعاع الشمس» يعني أنّ الإمام كان يصلي قبل دخول الوقت، والوجه في ذلك أنّ فعله (علیه السلام) محمول على التقية، وحيث إنّ الرواية غير تامة سنداً لاشتمالها على عدة من المجاهيل فتكون مؤيدة لما نحن فيه.

وأما الثاني أي الحكم الوضعي فقد يقال: بأنّ الصلاة محكومة بالبطلان وذلك لأنّ المكلف وإن صلى تقية إلاّ أن الصلاة مشروطة بدخول الوقت وعلامته ذهاب الحمرة المشرقية، فإيقاع الصلاة خارج الوقت غير مجز ولا يكتفى بها ولابد من الإعادة، ولا فرق في ذلك بين التقية وغيرها، فمن يعلم أنّ صلاته كانت قبل الوقت أو شك في ذلك فصلاته غير صحيحة، مضافاً إلى ما ورد من الأدلة على بطلان الصلاة قبل الوقت.

ولكن يمكن القول بالإجزاء وكفاية ما أتى به المكلف من الصلاة تقية وذلك لوجوه:

الأول: إطلاق بعض الروايات الواردة في الأمر بالصلاة معهم كما سيأتي، وهي شاملة لصلاة المغرب قطعاً، وحيث إنّ المورد عام البلوى ولم يرد في هذه الروايات الأمر بإعادة الصلاة فمن مجموع ذلك يستفاد الإجزاء وعدم الحاجة إلى الإعادة.

الثاني: ما ورد من الروايات في خصوص صلاة المغرب ومن ذلك رواية إسحاق بن عمار (في حديث) قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أدخل المسجد فأجد الإمام قد ركع، وقد ركع القوم فلا يمكنني أن أوذن وأقيم وأكبر، فقال لي: فإذا كان ذلك فادخل معهم في الركعة واعتد بها فإنها من أفضل ركعاتك، قال إسحاق: فلما سمعت أذان المغرب وأنا على بابيقاعد، قلت للغلام: انظر أقيمت


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب المواقيت الحديث 23

الصلاة فجاءني فقال: نعم، فقمت مبادراً فدخلت المسجد فوجدت الناس قد ركعوا فركعت مع أول صف أدركت واعتددت بها، ثمّ صليت بعد الانصراف أربع ركعات، ثمّ انصرفت فإذا خمسة أو ستة من جيراني قد قاموا إلي من المخزوميين والأمويين فأقعدوني ثمّ قالوا: يا أبا هاشم جزاك الله عن نفسك خيراً، فقد والله رأيناك خلاف ما ظننا بك وما قيل فيك، فقلت: أي شيء ذلك؟ قالوا: اتبعناك حين قمت إلى الصلاة ونحن نرى أنك لا تقتدي بالصلاة معنا، فقد وجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا وصليت بصلاتنا فرضي الله عنك وجزاك الله خيراً، قال: قلت لهم: سبحان الله ألمثلي يقال هذا؟ قال: فعلمت أنّ أبا عبد الله (علیه السلام) لم يأمرني إلاّ وهو يخاف عليّ هذا وشبهه(1)

وهذه الرواية وإن لم يرد فيها الإشارة إلى خصوص صلاة المغرب من لسان الإمام (علیه السلام) بل وردت على نحو الإطلاق إلاّ أنّ الراوي طبق كلامه على صلاة المغرب.

ثم إنّ مورد الرواية وإن كان حالة استثنائية وهي التقية ولذا أمره الإمام (علیه السلام) بالاقتداء بهم والاعتداد بالصلاة معهم إلاّ أنّه (علیه السلام) لم يأمره بإعادة الصلاة بعد ارتفاع التقية، فبمقتضى إطلاق كلام الإمام (علیه السلام) وبمعونة فهم الراوي يمكن استفادة الإجزاء وعدم الحاجة إلى الإعادة.

الثالث: ما يستفاد من الروايات الواردة في خصوص وقت المغرب والتي ذكر فيها أنّ الإمام (علیه السلام) يصلي عند غياب الشمس، ويأمر أصحابه بذلك، وقد تقدمت جملة منها، وهذه الروايات لا تخرج عن أحد أمرين: إما أن تكون دالة على كون وقت صلاة المغرب هو سقوط القرص وحينئذ لا حاجة إلى الإعادة فلا إشكال، وإما أن تحمل على التقية كما هو الأقوى، وحيث إنّ الإمام (علیه السلام) كان يفعل


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 34 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4

ذلك ويأمر أصحابه به ولم يرد فيها أنّه (علیه السلام) أعاد صلاته أو أمر بالإعادة فيمكن استفادة الاكتفاء بما أتي به، وأنّ الصلاة قبل ذهاب الحمرة المشرقية تقية مجزية مطلقاً أي في جماعة كانت أو انفراد من دون حاجة إلى الإعادة.

ولكن مع ذلك لا يترك الاحتياط لإطلاق الروايات بأن من صلى عالماً أو ظاناً أو شاكاً بعدم دخول الوقت فعليه الإعادة، والجمع بين الأدلة يقتضي الاحتياط بالإعادة.وأما لو خالف التقية ولم يصل معهم قبل ذهاب الحمرة المشرقية بل صلى بعد ذلك فلا إشكال في صحة الصلاة لأنّها وقعت في الوقت قطعاً حتى عندهم، نعم في ذلك مخالفة للحكم التكليفي وهو يستوجب الإثم.

هذا تمام الكلام عن التقية في الوقت والحمد لله رب العالمين.

الفصل الخامس

اشارة

3 - التقية في الصلاة

· اشتراط العدالة في إمام الجماعة

· الروايات الواردة في الحث على الصلاة خلف المخالف والروايات المخالفة لها والجمع بينها

· بيان سيرة أئمة أهل البيت (علیهم السلام) في الصلاة خلف المخالفين

· حكم الصلاة خلف المخالف تقية

· حكم الصلاة تقية خلف الإمامي مع عدم إحراز الشرائط

· الإشارة إلى أنّ البسملة آية من القرآن وحكم الجهر بها في الصلاة

· التحقيق حول قول آمين بعد الحمد والتكفير في الصلاة وحكمهما

· الدليل على وجوب السجود على الأرض أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس والتحقيق حول صحة السجود على القطن والكتان

· شرف التربة الحسينية وقدسيتها وأهمية السجود عليها

التقية في الصلاة خلف المخالف:

إنّ من المتسالم عليه عند فقهاء الإمامية اشتراط الإيمان والعدالة في إمام الجماعة، وهذا مما لا ريب فيه، ولم يتوقف فيه أحد فيما إذا كان الأمر حال الاختيار، وهكذا الحال بالنسبة إلى التقية والاضطرار، ولكن وقع الكلام في أنّ الاقتداء بالمخالف هل يسقط معه الفرض، فلا تجب الإعادة في الوقت والقضاء خارجه أم لا؟

والروايات الواردة في المقام كثيرة جداً، وبينها شبه تعارض - كما سيأتي - فلابد من ذكرها أولاً، ثمّ رفع التعارض ثانياً، ثمّ استخلاص النتيجة.

أما الروايات فهي على نحوين:

الأول: الروايات الواردة في تجويز الاقتداء بالمخالف.

الثاني: الروايات المانعة عن ذلك.

وكل من روايات هذين النحوين جاءت على طوائف.

أما طوائف النحو الأول فهي:

الأولى: ما ورد من الحث والترغيب في الصلاة خلف المخالف على نحو الإطلاق، وهي عدة روايات، وفيها الصحاح ومنها:

صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: من صلى معهم في

الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الصف الأول(1).

ومنها: معتبرة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: يحسب لك إذا دخلت معهم وإن كنت لا تقتدي بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من تقتدي به(2).

ومعناه أنّ الثواب يحسب له كمن يصلي خلف الإمام الجامع للشرائط.

وفي قوله (علیه السلام): «وإن كنت لا تقتدي به» إن كان المراد هو الواقع - لا في صلاة الجماعة - فالرواية داخلة في ما نحن فيه، وإن كان المراد هو عدم الاقتداء فعلاً - أي في صلاة الجماعة - فهذا خارج عن البحث، ولا يكون دليلاً على ما نحن فيه.ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) (3)

وهذه الرواية كالرواية الأولى، إلاّ أن الأولى فيها إضافة في «الصف الأول» ولعل هاتين الروايتين رواية واحدة ففي هذه الرواية يروي حماد عن الحلبي، وفي تلك الرواية ينقلها حماد بلا واسطة، والظاهر أنّ المراد من حماد في الرواية الثانية هو حماد بن عثمان كما في الرواية الأولى.

ومنها: موثقة إسحاق بن عمار قال: قال لي أبو عبد الله: يا إسحاق أتصلي معهم في المسجد؟ قلت: نعم، قال: صل معهم، فإنّ المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله(4)

ومنها: معتبرة زيد الشحام عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم، صلوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم،


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 5 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 3

3) نفس المصدر الحديث 4

4) نفس المصدر الحديث 7

وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا، فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية فعل الله بجعفر، ما كان أسوأ ما يؤدب أصحابه(1).

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: أوصيكم بتقوى الله، ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلوا، إنّ الله عزوجل يقول في كتابه: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)(2)ثمّ قال: عودوا مرضاهم، واحضروا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلوا معهم في مساجدهم حتى يكون التمييز، وتكون المباينة منكم ومنهم(3)

ومنها: رواية كثير بن علقمة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله، والورع، والعبادة وطول السجود، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الجوار، فبهذا جاءنا محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) صلوا في عشائركم، وعودوا مرضاكم، واشهدوا جنائزكم، وكونوا لنا زيناً ولا تكونوا لنا شيناً، حببونا إلى الناس ولا تبغضونا إليهم، فجرّوا إلينا كلّ مودّة وادفعوا عنا كلّ شرّ(4)ومحل الشاهد قوله: صلوا في عشائركم، فإنه مطلق أي وإن كانوا من العامة إلاّ أنّ سند الرواية ضعيف فإنّ كثير بن علقمة مجهول.

ومنها: موثقة حبيب الخثعمي، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: عليكم بالورع والاجتهاد، واشهدوا الجنائز، وعودوا المرضى، واحضروا مع قومكم مساجدكم، واحبوا للناس ما تحبون لأنفسكم، أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حقّ جاره(5)


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 75 من أبواب الجماعة الحديث 1

2) سورة البقرة، الآية: 83

3) وسائل الشيعة ج 8 باب 1 من أبواب أحكام العشرة الحديث 6

4) نفس المصدر الحديث 8

5) نفس المصدر الحديث 4

والظاهر من الرواية أنّ المراد هو العامة وإن جاءت الرواية بصيغة الخطاب كالرواية السابقة.

ومنها: رواية هشام الكندي قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إياكم أن تعملوا عملاً نعيّر به، فإن ولد السوء يعيّر والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً، صلوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم، والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخباء قلت وما الخباء؟ قال: التقية(1)

ومنها: رواية عمر بن أبان قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) ، يقول: يا معشر الشيعة: إنكم قد نسبتم إلينا، كونوا لنا زيناً ولا تكونوا شيناً، كونوا مثل أصحاب علي (علیه السلام) في الناس، إن كان الرجل منهم ليكون في القبيلة فيكون إمامهم ومؤذنهم وصاحب أماناتهم وودايعهم، عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وصلوا في مساجدهم، ولا يسبقوكم إلى خير فأنتم والله أحقّ منهم به(2)

ومنها: رواية عبد الله بن بكر قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) ومعي رجلان، فقال أحدهما لأبي عبد الله (علیه السلام): آتي الجمعة؟ فقال له أبو عبد الله(علیه السلام): ائت الجمعة والجماعة، واحضر الجنازة، وعد المريض، واقض الحقوق، ثمّ قال: أتخافون أن نضلكم؟ لا والله لا نضلكم(3)

وغيرها من الروايات الدالة على الترغيب في الصلاة معهم في مساجدهم وهي مطلقة.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على مشروعية الصلاة معهم من دونالاجتزاء بها وهي عدّة روايات منها:


1) وسائل الشيعة ج 11 باب 26 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 2

2) البحار ج 88 باب أحكام الجماعة الحديث 83 ص 119 المطبعة الإسلامية

3) نفس المصدر ذيل الحديث 83

صحيحة عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: ما منكم أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها، ثمّ يصلي معهم صلاة تقية وهو متوضىء إلاّ كتب الله له بها خمساً وعشرين درجة، فارغبوا في ذلك(1)

ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: ما من عبد يصلي في الوقت ويفرغ، ثمّ يأتيهم ويصلي معهم وهو على وضوء إلاّ كتب الله له خمساً وعشرين درجة(2)

ومنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، عن أحمد بن محمّد بن يحيى الخارقي، عن الحسين بن الحسن، عن إبراهيم بن علي المرافقي وعمر بن ربيع، عن جعفر بن محمّد ' في (حديث) أنّه سأل عن الإمام إن لم أكن أثق به أصلي خلفه وأقرأ؟ قال: لا، صلّ قبله أو بعده، قيل له: أفأصلي خلفه واجعلها تطوعاً؟ قال: لو قبل التطوع لقبلت الفريضة، ولكن اجعلها سبحة(3)

والشاهد قوله: أجعلها سبحة، وستأتي في ذلك طائفة من الروايات.

والرواية من جهة السند فيها الخارقي كما هو المذكور في الوسائل، إلاّ أن السيد الأستاذ ذكر في المعجم(4)أنّ بعض النسخ فيها الخازني وفي بعضها الحازمي، فإن كان هو الخارقي فلم يرد فيه توثيق، وأما الحسين بن الحسن فالظاهر أنّه تصحيف والصحيح هو الحسن بن الحسين السكوني الثقة فإنه الذي يروي عن عمر بن ربيع كثيراً، وأما إبراهيم بن علي المرافقي فهو لم يوثق إلاّ أنّه لا يضر بالسند من هذه الناحية لأنّ الرواية فيها شخصان ويكفي وثاقة أحدهما، وحيث إنّ عمر بن ربيع ثقة(5)فلا إشكال من هذه الجهة وإنما الإشكال من جهة


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 6 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

2) نفس المصدر

3) نفس المصدر الحديث 5

4) معجم رجال الحديث 3 : 119 الطبعة الخامسة

5) رجال النجاشي 2 : 128 الطبعة الأولى المحققة

الخارقي وعليه فالرواية غير معتبرة.

ثم إنّ هذه الرواية لا تختص بالمخالف بل الأعم منه فإن مورد السؤال هو الإمام الذي لم يثق به المأموم.

ومنها: معتبرة نشيط بن صالح عن أبي الحسن الأول (علیه السلام) قال: قلت له:الرجل منا يصلي صلاته في جوف بيته مغلقاً عليه بابه، ثمّ يخرج فيصلي مع جيرته، تكون صلاته تلك وحده في بيته جماعة؟ فقال: الذي يصلي في بيته يضاعف الله له ضعفي أجر الجماعة تكون له خمسين درجة والذي يصلي مع جيرته يكتب له أجر من صلى خلف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ويدخل معهم في صلاتهم فيخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتهم(1)

والرواية من حيث دلالتها على المدعى تامة ومن جهة السند معتبرة.

ومنها: رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت: إني أدخل المسجد وقد صليت فأصلي معهم فلا (ولا) أحتسب بتلك الصلاة؟ قال: لا بأس، فأما أنا فأصلي معهم وأريهم أني أسجد وما أسجد(2)

وهذه الرواية وإن كانت من جهة الدلالة تامة إلاّ أنّ في سندها القاسم بن عروة وهو لم يوثق صراحة، ولكنه ذكر في المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة مضافاً إلى رواية ابن أبي عمير عنه وبناء على ما حققناه في محله(3)تكون الرواية معتبرة.

ومنها: رواية عبد الله الأرجاني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: من صلى في منزله ثمّ أتى مسجداً من مساجدهم فصلى فيه خرج بحسناتهم(4)


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 6 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 6

2) نفس المصدر الحديث 8

3) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 438 الطبعة الأولى

4) وسائل الشيعة ج 5 باب 6 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 9

وغيرها من الروايات الدالة على عدم الاجتزاء بالصلاة معهم مع مشروعية الصلاة خلفهم.

الطائفة الثالثة: ما تدل على الاجتزاء بالصلاة خلف المخالف وهي أربع روايات:

الأولى: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحصين، عن محمّد بن الفضيل، عن إسحاق بن عمار (في حديث) قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أدخل المسجد فأجد الإمام قد ركع وقد ركع القوم فلا يمكنني أن أوذن وأقيم وأكبر، فقال لي: فإذا كان ذلك فادخل معهم في الركعة واعتد بها فإنها من أفضل ركعاتك، قال إسحاق: فلما سمعت أذان المغرب وأنا على بابي قاعد، قلت للغلام: انظر أقيمت الصلاة؟ فجاءني فقال: نعم، فقمت مبادراً فدخلت المسجد فوجدت الناس قد ركعوا فركعت مع أول صف أدركت واعتددت بها، ثمّ صليت بعد الانصراف أربع ركعات، ثمّ انصرفت فإذا خمسة أو ستةمن جيراني قد قاموا لي من المخزوميين والأمويين فأقعدوني، ثمّ قالوا: يا أبا هاشم، جزاك الله عن نفسك خيراً فقد والله رأيناك خلاف ما ظننا بك وما قيل فيك، فقلت: وأي شيء ذاك؟ قالوا: اتبعناك حين قمت إلى الصلاة ونحن نرى أنك لا تقتدي بالصلاة معنا فقد وجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا وصليت بصلاتنا فرضي الله عنك وجزاك الله خيراً، قال: قلت لهم: سبحان الله ! ألمثلي يقال هذا؟ قال: فعلمت أن أبا عبد الله لم يأمرني إلاّ وهو يخاف علي هذا وشبهه(1)

ومحل الشاهد من هذه الرواية أنّه صلى خلفهم صلاة المغرب واجتزى بما أتى به من دون إعادة، وصلاته أربع ركعات بعدها يحتمل أن تكون نافلة المغرب كما يحتمل أن تكون صلاة العشاء.


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 34 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4

الثانية: معتبرة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا بأس أن تصلي خلف الناصب ولا تقرأ خلفه فيما يجهر فيه، فإن قراءته يجزيك إذا سمعتها(1)

ودلالة الرواية على الاعتداد واضحة، وإنما قلنا إنّ الرواية معتبرة فلأنّ فيها القاسم بن عروة وقد تقدم أنّه يمكن القول بوثاقته.

والحاصل: أنّ هاتين الروايتين تدلان على الاجتزاء بما أتى به المكلف من الصلاة خلفهم من دون حاجة إلى الإعادة قبل الصلاة معهم أو بعدها.

الثالثة: رواية علي بن سعد البصري - والصحيح علي بن سعيد البصري - قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني نازل في قوم بني عدي، ومؤذنهم وإمامهم وجميع أهل المسجد عثمانية يبرؤن منكم ومن شيعتكم، وأنا نازل فما ترى في الصلاة خلف الإمام؟ فقال (علیه السلام): صل خلفه واحتسب بما تسمع، ولو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار وأخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولي، قال علي: فقدمت البصرة فأخبرت فضيلاً بما قال فقال: هو أعلم بما قال ولكني قد سمعته وسمعت أباه يقولان: لا تعتد بالصلاة خلف الناصبي، واقرأ لنفسك كأنك وحدك(2)

وأورد صاحب الوسائل هذه الرواية في موضع آخر(3)وفيها علي بن سعيد كما ذكرنا، ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله: «واحتسب بما تسمع» إلاّ أن ذيل الرواية يدل على عدم الاجتزاء، وسيأتي الكلام عنذلك.

الرابعة: ما أورده صاحب المستدرك نقلاً عن التهذيب عن سعد بن عبد الله، عن موسى بن الحسن والحسن بن علي، عن أحمد بن هلال عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أحمد بن عائذ، قال: قلت لأبي الحسن (علیه السلام): ادخل مع هؤلاء في


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 34 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 5

2) نفس المصدر باب 10 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4

3) نفس المصدر باب 33 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 7

صلاة المغرب فيعجلون إليّ من أن أذن وأقيم فلا أقرأ شيئاً حتى إذا ركعوا واركع معهم فيجزؤني ذلك؟ قال: نعم(1)

وهذه الرواية صريحة الدلالة على الاجتزاء بقراءتهم، وأما من جهة السند فعلى مبنى السيد الأستاذ ! فهو معتبر لأنّ فيه أحمد بن هلال وهو ثقة عنده(2)، وأما على ما ذهبنا إليه فالسند غير معتبر كما حققنا ذلك في محله، وأما الحسن بن علي فهو وإن لم يوثق إلاّ أن معه آخر وهو موسى بن الحسن وهو ثقة(3)

والحاصل: أنّ الرواية على مبنى السيد معتبرة السند واضحة الدلالة، وسيأتي الكلام حولها عند الجمع بين الروايات.

الطائفة الرابعة: وهي الروايات التي تدل على الحضور في جماعتهم وتشييع جنائزهم وقد تقدمت جملة منها، وسيأتي البحث حول هذا الموضوع تحت عنوان مستقل.

وأما طوائف النحو الثاني من الروايات فهي أربع طوائف أيضاً:

الطائفة الأولى: ما ورد في عدم جواز الاقتداء خلف المخالف ممن لا يعتقد بالولاية، وهي عدة روايات:

منها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال: ما هم عندي إلاّ بمنزلة الجدر(4)

ومنها: صحيحة أبي عبد الله البرقي، أنّه قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني: أيجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدك؟ فأجاب لا تصل وراءه(5)

وهذه الرواية خاصة بالواقفة.


1) مستدرك الوسائل ج 6 باب 30 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2

2) معجم رجال الحديث 3 : 152 الطبعة الخامسة

3) رجال النجاشي 2 : 338 الطبعة الأولى المحققة

4) وسائل الشيعة ج 5 باب 10 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

5) نفس المصدر الحديث 5

ومنها: رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمونقال: لا يقتدى إلاّ بأهل الولاية(1)

وهذه الرواية وإن كانت صريحة الدلالة إلاّ أنّ الكلام في الطريق إلى الفضل بن شاذان لكتابه العلل، وقد وقع الخلاف في أنّ الفضل بن شاذان أدرك الإمام الرضا (علیه السلام) أم لا، ومع الإغماض عن ذلك فإنّ الطريق إلى روايات الفضل فيه علي بن محمّد بن قتيبة، وبناء على عدم وثاقته لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية، نعم روى الشيخ الصدوق في العيون عن أبي عبد الله الشاذاني أنّه سأل الفضل بن شاذان فقال: جمعتها من الإمام(2)فإن فهم من ذلك أنّ الشاذاني راو عن الفضل فحينئذ يتعدد الطريق إلى الفضل، ولابد من الرجوع إلى كتاب العيون لملاحظة ما إذا أمكن الاستفادة منه أنّ الشاذاني يروي عنه كتاب العلل أم لا.

ثم إنّ الشاذاني معاصر للكشي كما أنّه معاصر للصدوق أيضاً، ومن هنا فإن الصدوق يروي عنه بلا واسطة وحينئذ يقع الكلام في وثاقته، فإن كان ثقة أمكن تصحيح الطريق إلى روايات الفضل بن شاذان، وسيأتي أنّ السيد الأستاذ ! لا يرى وثاقته، وهو وإن لم يرد التصريح بوثاقته إلاّ أنّه يمكن استظهار حسنه من كثير من القرائن.

والحاصل: أنّ تصحيح الطريق إلى الفضل بن شاذان يتوقف على أمرين: وثاقة الشاذاني وروايته عن الفضل كتاب العلل.

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: لا تصل خلف من يشهد عليك (لك) بالكفر، ولا خلف من شهدت عليه بالكفر(3)

وهذه الرواية بإطلاقها تشمل بعض المخالفين.


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 10 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 11

2) عيون أخبار الرضا (علیه السلام) ج 2 باب 34 الحديث 3 ص 121 انتشارات جهان - طهران

3) وسائل الشيعة ج 5 باب 10 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 7

ومنها: رواية إسماعيل الجعفي قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): رجل يحب أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا يتبرأ من عدوه، ويقول: هو أحبّ إليّ ممن خالفه؟ فقال: هذا مخلط وهو عدو، فلا تصل خلفه ولا كرامة، إلاّ أن تتقيه(1)

وهذه الرواية شاملة لكل المخالفين لأنهم لا يبرؤن من عدو أمير المؤمنين(علیه السلام).

الطائفة الثانية: ما تدل على لزوم القراءة خلف من لا يقتدى به وهي عدة روايات:منها: معتبرة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الرجل يصلي خلف من لا يقتدى بصلاته، والإمام يجهر بالقراءة؟ قال: اقرأ لنفسك وإن لم تسمع نفسك فلا بأس(2)

وهذه الرواية شاملة للمخالف وغيره وإن كانت ظاهرة في خصوص المخالف.

ومنها: رواية إبراهيم بن شيبة قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (علیه السلام) وهو يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح؟ فكتب (علیه السلام): إن جامعك وإياهم موضع فلم تجد بداً من الصلاة فأذن لنفسك وأقم، فإن سبقك إلى القراءة فسبح(3).

والظاهر أنّ المراد منها العامة إذ ليس في الشيعة من يرى المسح على الخفين، نعم في قوله: «يحرم وهو يمسح» يحتمل أن يكون من الخاصة وإنما مسح للتقية، ومحل الشاهد من الرواية قوله: فأذن لنفسك وأقم، وأما قوله: فإن سبقك إلى القراءة فسبح فلعل المراد السبق بالنسبة إلى الأذان والإقامة ويحتمل السبق في


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 10 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 3

2) نفس المصدر باب 33 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

3) نفس المصدر الحديث 2

القراءة فيجعل التسبيح بدلاً عنها كما سيأتي في الطائفة التالية.

ومنها: رواية علي بن أسباط عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله وأبي جعفر (علیه السلام) في الرجل يكون خلف الإمام لا يقتدى به فيسبقه الإمام بالقراءة؟ قال: إذا كان قد قرأ أم الكتاب أجزأه يقطع ويركع(1)

وهذه الرواية وإن كانت مرسلة إلاّ أنها صالحة للتأييد.

ومنها: رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: قلت له: إني أدخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلون إلي ما أن أؤذن وأقيم ولا أقرأ إلاّ الحمد حتى يركع أيجزيني ذلك؟ قال: نعم يجزيك الحمد وحدها(2)

وسيأتي الكلام حول هذه الرواية.

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا صليت خلف إماملا يقتدى به فاقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع(3)

ومنها: رواية قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، قال: كان الحسن والحسين ' يقرآن خلف الإمام(4)

ويدخل في هذه الطائفة الروايات الدالة على استحباب ذكر الله بعد الفراغ من القراءة قبل الإمام، وهي عدة روايات.

منها: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) أكون مع الإمام فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ، قال: ابق آية ومجد الله واثن عليه، فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع(5)

ومنها: صحيحة صفوان الجمال قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إنّ عندنا مصلى


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 33 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 5

2) نفس المصدر الحديث 6

3) نفس المصدر الحديث 9

4) نفس المصدر الحديث 11

5) نفس المصدر باب 35 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

لا نصلي فيه، وأهله نصاب، وإمامهم مخالف، فأتم به؟ قال: لا، فقلت: إن قرأ أقرأ؟ قال: نعم، قلت: فإن نفدت السورة قبل أن يفرغ؟ قال: سبح وكبر، إنما هو بمنزلة القنوت وكبر وهلل(1)

ومنها: رواية عمر بن أبي شعبة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قلت له: أكون مع الإمام فأفرغ قبل أن يفرغ من قراءته؟ قال: فأتم السورة ومجد الله واثن عليه حتى يفرغ(2)

وغيرها من الروايات.

الطائفة الثالثة: ما تدل على جعل الصلاة خلف المخالف صلاة تطوع من دون ائتمام به.

منها: ما تقدم من رواية عمر بن ربيع عن جعفر بن محمّد ' في حديث أنّه سأل عن الإمام إن لم أكن أثق به أصلي خلفه وأقرأ؟ قال: لا ، صل قبله أو بعده، قيل له: أفأصلي خلفه وأجعلها تطوعاً؟ قال: لو قبل التطوع لقبلت الفريضة، ولكن اجعلها سبحة(3)

ومحل الشاهد قوله: ولكن اجعلها سبحة، إلاّ أنّ الإشكال في سند الرواية وقد تقدم الكلام فيه.

ومنها: رواية ناصح المؤذن قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): إني أصلي فيالبيت وأخرج إليهم؟ قال: اجعلها نافلة، ولا تكبر معهم فتدخل معهم في الصلاة فإن مفتاح الصلاة التكبير(4)

الطائفة الرابعة: ما تدل على أنّ المصلي خلف المخالف يأتي بوظيفة المنفرد


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 35 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4

2) نفس المصدر الحديث 3

3) نفس المصدر باب 6 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 5

4) نفس المصدر الحديث 7

وهي عدة روايات:

منها: صحيحة حمران عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: في كتاب علي إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، ولا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين أخريين، قلت: فأكون قد صليت أربعاً لنفسي لم أقتد به؟ فقال: نعم(1)

ومنها: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إنّ أناساً رووا عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه صلى أربع ركعات بعد الجمعة لم يفصل بينهن بتسليم، فقال: يا زرارة إنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) صلى خلف فاسق فلما سلم وانصرف قام أمير المؤمنين (علیه السلام) فصلى أربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم، فقال له رجل إلى جنبه: يا أبا الحسن صليت أربع ركعات لم تفصل بينهن فقال: (أما) أنها أربع ركعات مشبّهات وسكت، فوالله ما عقل ما قال له(2)

ومنها: صحيحة حمران بن أعين، قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): جعلت فداك إنا نصلي مع هؤلاء يوم الجمعة وهم يصلون في الوقت فكيف نصنع؟ فقال: صلوا معهم فخرج حمران إلى زرارة فقال له: قد أمرنا أن نصلي معهم بصلاتهم فقال زرارة: هذا ما يكون إلاّ بتأويل، فقال له حمران: قم حتى نسمع منه، قال: فدخلنا عليه فقال له زرارة: إنّ حمران أخبرنا عنك أنك أمرتنا أن نصلي معهم فأنكرت ذلك؟ فقال لنا: كان الحسين بن علي ' يصلي معهم الركعتين، فإذا فرغوا قام فأضاف إليها ركعتين(3)

والرواية تدل على أنّ المصلي معهم يأتي بوظيفة المنفرد، ويحتمل أن الإمام (علیه السلام) يرى بطلان الصلاة في نفسها لأنّ هؤلاء ليسوا أهلاً لإقامة صلاة الجمعة لاختصاصها بالمعصوم أو الإمام العادل على الخلاف في المسألة.


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 29 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 4

3) نفس المصدر الحديث 5

ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: إن كان إماماً عدلاً فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو، ويصلي ركعة أخرى ويجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، ثمّ ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإنّ التقية واسعة وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله(1)

والمستفاد من هذه الرواية أنّ المكلف يأتي بوظيفة المنفرد وإن أظهر ذلك في صورة الجماعة.

ومنها: صحيحة زرارة قال: كنت جالساً عند أبي جعفر (علیه السلام) ذات يوم إذ جاءه رجل فدخل عليه، فقال له: جعلت فداك إني رجل جار مسجد لقومي فإذا أنا لم أصل معهم وقعوا فيَّ وقالوا: هو هكذا وهكذا، فقال: أما لئن قلت ذلك لقد قال أمير المؤمنين (علیه السلام) من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له، فخرج الرجل فقال له: لا تدع الصلاة معهم وخلف كل إمام، فلما خرج قلت له: جعلت فداك كبر علي قولك لهذا الرجل حين استفتاك، فإن لم يكونوا مؤمنين؟ قال: فضحك ثمّ قال: ما أراك بعد إلاّ هاهنا يا زرارة فأية علة تريد أعظم من أنّه لا يأتم به، ثمّ قال: يا زرارة أما تراني قلت: صلوا في مساجدكم وصلوا مع أئمتكم(2)

والمستفاد من هذه الرواية أنّ الإمام لم يجوز الصلاة خلف المخالف إلاّ أن الراوي توهم أنّ الإمام (علیه السلام) أجاز له ذلك، ويحتمل أن تكون القضية خاصة بهذا الشخص، والنتيجة أنّ الصلاة خلفهم غير جائزة.

هذه هي جملة من الروايات المجوزة والمانعة ولعل هناك روايات أخرى إلاّ


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 56 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2

2) نفس المصدر باب 5 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 5

أنها لا تخرج عن إحدى هذه الطوائف الثمان، وهنا لابد من الكلام حول كيفية الجمع بين هذه الروايات واستفادة الحكم منها، وهذا هو محل الكلام في البحث التالي، وسنشير إلى ما كان عليه الأئمة (علیهم السلام) وعمل الأصحاب واستفادة الفقهاء.

الجمع بين الروايات:

إنّ ما استفاده الفقهاء قدس الله أسرارهم لا يخرج عن مفاد هذه الروايات وترجع كلماتهم إلى خصوصيات ومقتضيات هذه الروايات.

والذي يستفاد من مجموع كلماتهم أنّ المكلف إذا صلى خلف المخالف فلابدّ له من الإتيان بأحد أمرين:

الأوّل: أن يأتي بوظيفة المنفرد في جميع أفعال الصلاة، وإنما كان الاقتداء بالمخالف صورياً لا واقعياً، ويلزم المكلف حينئذ أن يأتي بالقراءة وسائر الأذكار وأن يراعي أحكام الزيادة والنقصان وغيرهما مما يغتفر في صلاة الجماعة، بل نص بعضهم على الإتيان بالأذان والإقامة كما هو مفاد بعض الروايات، وادعي في ذلك عدم الخلاف، ونسب إلى العلامة في المنتهى ، وإلى السرائر(1)، وهو خيرة المقنع(2)، والهداية(3)، والنهاية(4)، والمبسوط(5)، واللمعة والروضة(6)

الثاني: أن يصلي قبل انعقاد جماعتهم أو بعدها كما ورد ذلك في عدة من الروايات كما تقدم، ويجعل الصلاة معهم نافلة وتطوعاً من دون اقتداء.

وأما الاجتزاء والاعتداد بالصلاة خلفهم من دون أحد الأمرين فهو محل


1) جواهر الكلام 13 : 195 الطبعة السابعة

2) المقنع : 114 الطبعة المحققة

3) كتاب الهداية المطبوع ضمن كتا الجوامع الفقهية : 52 الطبع القديم

4) كتاب النهاية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية : 249 الطبع القديم

5) المبسوط في فقه الإمامية 1 : 154 الطبعة الثانية

6) اللمعة الدمشقية 1 : 389 الطبعة الثانية

إشكال بل منع، وقد صرح بعضهم بعدم الاجتزاء وحكم بوجوب الإعادة كما سيأتي فيما إذا لم يأت بالقراءة ولو بالفاتحة، إلاّ أن بعضهم استظهر من الأدلة الاجتزاء كما يظهر من صاحب المستند(1)

ولابد من الفحص في هذه الصورة لمعرفة كيفية الاستفادة من ذلك، ولعلنا نشير إلى بعض هذا فيما يأتي.

والمهم في المقام هو النظر إلى نفس الروايات وما يستفاد منها.

والذي نستفيده من خلال التأمل في جميع هذه الروايات والقرائن الحافة بها أنها بأسرها غير متنافية بل هي قابلة للجمع إلاّ ما يتراءى بدواًمن منافاة الطائفة الثالثة من الروايات المجوزة.

وأما بقية الطوائف فلا تنافي بينها وبيان ذلك:

أنّ الطائفة الأولى واردة في مقام الترغيب ولا دلالة فيها على الاقتداء وكيفية الائتمام بالمخالف فهي مطلقة من هذه الناحية.

وأما الطائفة الثانية فكذلك لأنّ فيها بيان وظيفة المكلف وأن عليه أن يصلي من قبل أو من بعد.

وأما الطائفة الرابعة فهي تدل على الحضور إلى مساجدهم وهو أعم من الائتمام وعدمه، فهي مطلقة ولا دلالة فيها على الاجتزاء بالصلاة خلف المخالف.

والحاصل: أنّ الطوائف الثلاث المجوزة لا تنافي الروايات المانعة ويبقى الكلام في الطائفة الثالثة فإنّ الظاهر منها المنافاة بينها وبين الروايات المانعة وقد يتمسك بروايات الطائفة الثالثة للقول بجواز الاعتداد بالصلاة خلف المخالف.

والتحقيق: أنّ روايات هذه الطائفة كما ذكرنا أربع روايات.

أما الرواية الأولى وهي رواية إسحاق بن عمار فالكلام فيها تارة من جهة


1) مستند الشيعة في أحكام الشريعة 1 : 529 الطبع القديم

السند وأخرى من جهة الدلالة.

أما من جهة السند ففيه محمّد بن الحصين ومحمّد بن الفضيل أما الأول فهو غير معروف وإن ورد في تفسير القمي إلاّ أنّه في القسم الثاني(1)فلا يشمله التوثيق، وأما الثاني فهو وإن كان مشتركاً إلاّ أنّه ينصرف إلى الأزدي وهو غير موثق بل معروف بالضعف، واحتمال أنّه محمّد بن القاسم بن الفضيل مردود وقد قرر ذلك السيد الأستاذ في المعجم فلاحظ(2)

وأما من جهة الدلالة ففيها أولاً: أنّ المستفاد من ذيل الرواية عدم الإجزاء فإن سؤال إسحاق بن عمار عن وظيفته عند عدم التمكن من الأذان والإقامة والتكبير يكشف عن علمه بأن وظيفته الانفراد، ثمّ إن كان مراده من التكبير هو تكبيرة الإحرام فلم تنعقد الجماعة ولم يتحقق الائتمام منه فالصلاة حينئذ باطلة، إلاّ أن يقال: إنّ المراد من التكبير غير تكبيرة الإحرام، ومع الغضّ عن هذا فإنّ المستفاد أن إسحاق يعلم أن وظيفته أن يأتي بصلاته منفرداً.وثانياً: أن ذيل الرواية قرينة على أنّ الحكم خاص بهذا الشخص إذ أنّه في مقام الاضطرار فلا يتعدى إلى غيره وشاهده ما جرى بينه وبينهم من المحاورة وقول إسحاق: «فقلت: إنّ أبا عبد الله لم يأمرني إلاّ وهو يخاف عليّ هذا وشبهه» فيعلم من ذلك أنّ الحكم فيها استثنائي ولا يشمل من عداه، والنتيجة أن الرواية سنداً ودلالة محل نظر.

وأما الرواية الثانية وهي معتبرة زرارة فهي من حيث السند لا إشكال فيها فإننا رجحنا وثاقة القاسم بن عروة لوقوعه في المستثنى منه في كتاب نوادر الحكمة، مضافاً إلى رواية ابن أبي عمير عنه وإن كان على مبنى السيد الأستاذ وغيره ممن يرى التوثيق الصريح فالرواية غير معتبرة السند. وأما من حيث الدلالة فهذه


1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 179 الطبعة الأولى

2) معجم رجال الحديث 18 : 153 الطبعة الخامسة

الرواية معارضة بالروايات المتعددة والناهية عن الصلاة خلف المخالف بل هي مخالفة لما رواه نفس زرارة فإنه سأل الإمام(علیه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين فقال: ما هم عندي إلاّ بمنزلة الجدر - كما تقدم - فإذا كان السؤال عن الصلاة خلف المخالف وهو أعم من الناصب وغيره فيكون الناصب من باب أولى.

مضافاً إلى أنّ هذه الرواية مخالفة لرأي زرارة نفسه ويدل على ذلك ما تقدم من محاورته لحمران بن أعين وقوله له: «هذا ما يكون إلاّ بتأويل» ، وقوله للإمام (علیه السلام) في رواية أخرى - وقد تقدمت أيضاً - : «جعلت فداك كبر عليّ قولك لهذا الرجل حين استفتاك» وأيضاً هناك روايات أخرى ذكرناها كصحيحة الحلبي والفضيل وصفوان وبعضها وارد في خصوص الناصب فهذه الرواية شاذة ولا يمكن الأخذ بها فلابد من رد علمها إلى أهلها.

ومع غضّ النظر عن ذلك كله فلا يستفاد من الرواية التعميم إذ الوارد فيها: «فإن قراءته يجزيك إذا سمعتها» فيستفاد منها حالة مخصوصة أي في هذه الحالة أما أنّه يعمم إلى بقية الصلوات فليس في الرواية ما يدل على ذلك، فلا تكون الرواية دالة على صحة الصلاة مطلقاً.

وأما الرواية الثالثة - وهي رواية علي بن سعيد البصري - فهي من جهة السند غير معتبرة فإنّ البصري لم يوثق، وأما من جهة الدلالة فإنّ صدر الرواية وذيلها يدلان على التقية، وقد صرّحت الرواية بعدم الاعتداد بالصلاة خلف الناصب، فالرواية مختصة بشخص خاص في قضية خاصة في وقت خاص، ولم يكن الإمام (علیه السلام) في مقام بيان الحكم الواقعي وشاهده أنّه قال له: «فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولي» فيعلم من ذلك أنّ الإمام (علیه السلام) في مقام بيان وظيفة هذا الشخص في حالة خاصة فلايمكن الاعتماد على هذه الرواية لا من حيث السند ولا من حيث الدلالة.

وأما الرواية الرابعة وهي رواية أحمد بن عائذ فهي مختلفة في السند والمتن فإنّ صاحب الوسائل أورد الرواية بنفس السند باستثناء أحمد بن عائذ وفي المتن إضافة جملة: «يجزيك الحمد وحدها» وقد جعلنا هذه الرواية في الطائفة الثانية الدالة على لزوم الإتيان بالقراءة، فيحتمل أنهما سندان لرواية واحدة ينتهي الأول إلى أحمد بن عائذ، والثاني إلى ابن أبي نصر، وقد ذكر في أحوال ابن أبي نصر أنّ له ثلاثة كتب اثنين منها بعنوان النوادر(1)وطريق الشيخ والنجاشي إلى كتاب النوادر المعروف واحد(2)، فيمكن تصحيح الطريق إليه وإن كان فيه أحمد بن هلال.

إلاّ أن الكلام في كتاب النوادر الثاني فإنّ له طريقاً مختصاً به وفيه أحمد بن هلال(3)أيضاً وليس له طرق متعددة حتى نتمكن من تصحيح الكتاب بها أو ببعضها.

ويحتمل أنّهما رواية واحدة سقط من أحدهما شخص من سندها ومن الأخرى جملة من متنها وصدر السند والمتن في كل منهما واحد، وبناء على ذلك فلا يمكن الاعتماد على الرواية في مقام الاستدلال، ومع الإغماض عن ذلك فإنّ الرواية غير تامة السند من جهة أحمد بن هلال فإنه ضعيف ووردت اللعنة عليه والأمر بالبراءة منه وقد ذكرنا ذلك في محلّه.

نعم بناء على ما ذهب إليه السيد الأستاذ ! من أنّه ثقة في نفسه وإن كان فاسد العقيدة فسند الرواية معتبر.

وأما من جهة الدلالة فمضافاً إلى ما ذكرنا من اختلاف المتن أنّ هذه الرواية فيها دلالة على أنّ السائل يعلم أنّ وظيفته الإتيان بالصلاة منفرداً ولهذا


1) رجال النجاشي 1 : 203 الطبعة الأولى المحققة

2) نفس المصدر والفهرست ص 43 الطبعة الثانية

3) نفس المصدر 1 : 203 الطبعة الأولى المحققة

قال: «فيعجلوني إلى ما أن أوذن وأقيم ولا أقرأ» ولو كان يمكنه ذلك لأتى بوظيفة المنفرد فبناء على صحة المتن فالرواية خاصة بمورد شخصي ولا تعميم فيها، ويبقى الكلام في سند الرواية فإنه محل إشكال.

والحاصل: أنّ الروايات التي تمسك بها على الإجزاء مخدوشة سنداً ودلالة، فالإفتاء بالاجتزاء بالصلاة خلف المخالف لم نرَ له وجهاً، هذا بالنسبة إلى الروايات.وأما بالنسبة إلى عمل الأئمة (علیهم السلام) فقد تقدم أنهم (علیهم السلام) يعملون بوظيفة المنفرد معهم في الصلاة كما في صحيحة زرارة وفيها: «قام أمير المؤمنين(علیه السلام) فصلى أربع ركعات ولم يفصل بينهن بتسليم» وفي صحيحة حمران بن أعين وفيها: «فقال لنا: كان الحسين بن علي يصلي معهم الركعتين فإذا فرغوا قام فأضاف إليها ركعتين» وفي رواية قرب الاسناد وسندها معتبر «كان الحسن والحسين يقرأن خلف الإمام» ورواية عبيد بن زرارة وفيها: «فأما أنا فأصلي معهم وأريهم أني أسجد وما أسجد» (1)وغيرها من الروايات والمستفاد منها أنّ الأئمة (علیهم السلام) لا يعتدون بالصلاة خلفهم ويأتون بالصلاة منفردين عنهم.

وأما بالنسبة إلى عمل الأصحاب فالمستفاد من الروايات المتقدمة هو أنّ الوظيفة هي الانفراد، ويدل على ذلك جواب الفضيل لعلي بن سعيد البصري حيث قال: «ولكني قد سمعته وسمعت أباه يقولان: لا تعتد بالصلاة خلف الناصبي واقرأ لنفسك كأنك وحدك» وما مر من محاورة زرارة مع حمران، ورواية إسحاق بن عمار، ورواية أحمد بن عائذ أو ابن أبي نصر من أن وظيفتهم هي الانفراد وغيرها من الموارد.

ومما يؤيد ذلك ما أورده صاحب المستدرك عن الكشي ) في رجاله: سأل


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 6 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 8

أبو عبد الله الشاذاني أبا محمّد الفضل بن شاذان: إنا ربما صلينا مع هؤلاء صلاة المغرب فلا نحب أن ندخل البيت عند خروجنا من أهل المسجد فيتوهموا علينا أن دخولنا المنزل ليس إلاّ لإعادة الصلاة التي صلينا معهم فندافع بصلاة المغرب إلى صلاة العتمة، فقال: لا تفعلوا هذا من ضيق صدوركم ما عليكم لو صليتم معهم فتكبروا في مرة ثلاثاً أو خمس تكبيرات وتقرأ في كل ركعة الحمد وسورة - أية سورة شئتم - بعد أن تتموها عندما يتم إمامهم، وتقول في الركوع: سبحان ربي العظيم وبحمده، بقدر ما يتأتى لكم معهم، وفي السجود مثل ذلك، وتسلموا معهم، وقد تمت صلاتكم لأنفسكم، وليكن الإمام عندكم والحائط بمنزلة واحدة، فإذا فرغ من الفريضة فقوموا معهم فصلوا السنّة بعدها أربع ركعات.

فقال: يا أبا محمّد أفليس يجوز إذا فعلت ما ذكرت؟ قال: نعم، فهل سمعت أحداً من أصحابنا يفعل هذه الفعلة؟ قال: نعم، كنت بالعراق وكان صدري يضيق عن الصلاة معهم كضيق صدوركم، فشكوت ذلك إلى فقيههناك يقال له نوح بن شعيب، فأمرني بمثل الذي أمرتكم به، فقلت: هل يقول هذا غيرك؟ قال: نعم، فاجتمعت معه في مجلس فيه نحو من عشرين رجلاً من مشايخ أصحابنا، فسألته - يعني نوح بن شعيب - أن يجري بحضرتهم ذكراً لما سألته، فقال ابن شعيب: يا معشر من حضر، ألا تعجبون من هذا الخراساني الغمر، يظن في نفسه أنّه أكبر من هشام بن الحكم، ويسألني هل يجوز الصلاة مع المرجئة في جماعتهم؟ فقال جميع من كان حاضراً من المشايخ، كقول نوح بن شعيب، فعندها طابت نفسي [وفعلته] (1)

فالفضل بن شاذان ونوح بن شعيب وسائر المشايخ يرون أنّ الوظيفة هي الانفراد، وهذه الرواية لطيفة في بابها، ودلالتها صريحة إلاّ أنّ الكلام في أحمد بن


1) مستدرك الوسائل ج 6 باب 29 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4

محمّد بن شاذان فإنّ السيد الأستاذ ! حكم بجهالته مع أنّه من المشايخ ومن تلاميذ الفضل، ووردت في حقه روايات مادحة فعلى فرض عدم وثاقته تكون الرواية مؤيدة لما نحن فيه.

ومما يؤيد أيضاً: ما أورده في المستدرك نقلاً عن أمالي ابن الشيخ، عن أبيه عن أحمد بن هارون، عن الصلت، عن أحمد بن محمّد بن عقدة، عن القاسم بن جعفر بن أحمد، عن عباد بن أحمد القزويني، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن ثابت، عن حسان بن عطية، عن عمر بن ميمون الأزدي، قال: كنت مع معاذ بالشام، فلما قبض أتيت عبد الله بن مسعود بالكوفة، وكنت معه، فأنكر بعض الوقت في زمانه، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن كيف ترى في الصلاة معهم؟ فقال: صل الصلاة لوقتها، واجعل صلاتك معهم سبحة، فقلت: أبا عبد الرحمن يرحمك الله، ندع الصلاة في الجماعة! فقال: ويحك يابن ميمون، إنّ جمهور الناس الأعظم قد فارقوا الجماعة، إنّ الجماعة من كان على الحق وإن كنت وحدك، فقلت: أبا عبد الرحمن وكيف أكون جماعة وأنا وحدي؟ فقال: إنّ معك من ملائكة الله وجنوده المطيعين لله أكثر من بني آدم أولهم وآخرهم(1)

وهذه الرواية وإن كانت لا تصلح دليلاً فهي عن غير المعصوم إلاّ أنها مؤيدة لما نحن فيه.

والحاصل: أنّ أصحاب الأئمة (علیهم السلام) يرون أنّ الوظيفة في الصلاة معهم هي الانفراد.

وأما بالنسبة إلى من تأخر من فقهاء الإمامية عن زمان الأئمة (علیهم السلام) فالذي يظهر من صاحب الجواهر(2)وصاحب الحدائق(3)، أنّه لا خلاف في عدم


1) مستدرك الوسائل ج 6 باب 6 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2

2) جواهر الكلام 13 : 198 الطبعة السابعة

3) الحدائق الناضرة 11 : 79 طبعة النجف سنة 1382 ه-

الاجتزاء بالصلاة خلف المخالف وأن المصلي لابد وأن يعمل بوظيفة المنفرد، وإنما الخلاف في حالة واحدة وهي: ما إذا كان المصلي في تقية شديدة وأعجلوه فلم يتمكن من العمل بوظيفة المنفرد فهل ما أتى به من الصلاة معهم في هذه الحالة مجز أم لا؟

وهذا هو محل الخلاف عندهم فبعضهم قال بالإجزاء، ونسب إلى الشيخ في التهذيب(1)وهو ظاهر الهداية(2)والمقنع(3)، وقال بعضهم بلزوم الإعادة، وذهب صاحب الحدائق إلى الإجزاء(4)، وأما صاحب الجواهر فذهب إلى أنّ الأولى هو الإعادة(5)، وذهب إلى الاحتياط في الإعادة صاحب المدارك(6)

قال في الحدائق: الثالث: قد اختلفت الأخبار المتقدمة في القراءة خلف المخالف فجملة منها دلت على الأمر بذلك وإن سمع قراءته وعليه عمل الأصحاب رضوان الله عليهم، وهو الأوفق بالقواعد الشرعية والضوابط المرعية لأنه منفرد يجب عليه الإتيان بما يجب على المنفرد من قراءة وغيرها، وجملة منها دلت على المنع من القراءة خلفه إذا سمعه والاجتزاء بقراءته، والظاهر حملها على شدة التقية بحيث لا يتمكن من القراءة ولو خفياً مثل حديث النفس وعلى ذلك حمل الشيخ الأخبار المذكورة، ويحتمل حمل هذه الأخبار على خصوص السائلين لما يعلمونه صلوات الله عليهم من لحوق الضرر لهم بترك ذلك كما في أمر إسحاق بن عمار مما أمره به (علیه السلام) إلى أن قال: وبالجملة فإنّ العمل على الأخبار الأولى كما عليه كافة


1) الحدائق الناضرة 11 : 82 طبعة النجف سنة 1382 ه-

2) كتاب الهداية المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية ص 52 الطبع القديم

3) المقنع: 114 الطبعة المحققة

4) الحدائق الناضرة 11 : 82 طبعة النجف 1382 ه-

5) جواهر الكلام 13 : 198 الطبعة السابعة

6) الحدائق الناضرة 11 : 82 طبعة النجف سنة 1382 ه-

الأصحاب ... الخ ومحل الشاهد من كلامه ! قوله: كما عليه كافة الأصحاب.

وقال في الأمر الرابع: قد عرفت أنّ الواجب على هذا المصلي تقيةالقراءة لانتفاء القدوة وكونه منفرداً وهو مما لا خلاف فيه ... إلى أن قال: وإنما الخلاف لو ركع الإمام قبل إتمامه الفاتحة فقيل: إنه يقرأ في ركوعه وقيل: إنه تسقط القراءة للضرورة وبه قطع الشيخ في التهذيب(1)

وقال في الجواهر بعد ذكر الخلاف في الاجتزاء بقراءة الفاتحة خلف المخالف وعدمه واشتراط إتمامها وعدمه: فعدم الاعتداد بالصلاة المزبورة حينئذ ووجوب إعادة غيرها لا يخلو من قوة وفاقاً للتذكرة وعن نهاية الأحكام بل قيل إنه قضية ما في المبسوط والنهاية، ولعله أولى منه بذلك ما إذا لم يتمكن من شيء من القراءة كما لو أدركهم في الركوع لكن عن ظاهر الهداية والمقنع والبيان ونص التهذيب الانعقاد بمجرد تكبيره ودخوله معهم، ولعله لخبر إسحاق بن عمار ... إلى أن قال: لكن فيه بعد إرادة التكبير المستحب من التكبير فيه وبعد الغض عن سنده أنّه لعله لمصلحة لخصوص السائل كما وقع نظيره في غير المقام، فالأولى عدم الاعتداد بها(2)

فما أفاده السيد الأستاذ ! من القول بالصحة والإجزاء وعدم وجوب الإعادة والقضاء(3)مطلقاً حال التقية عجيب منه، نعم ذكر في بحث اعتبار عدم المندوحة وعدمه - تحت عنوان (ما ينبغي التنبيه عليه) أنّ الصلاة معهم ليست كالصلاة خلف الإمام العادل، وإنما هي على ما يستفاد من الروايات صورة صلاة يحسبها العامة صلاة وائتماماً بهم، ومن هنا لم يرد في الروايات عنوان الاقتداء بهم، بل ورد عنوان الصلاة معهم فهو يدخل الصلاة معهم ويؤذن ويقيم ويقرأ


1) الحدائق الناضرة 11 : 81 طبعة النجف سنة 1382 ه-

2) جواهر الكلام 13 : 198 الطبعة السابعة

3) التنقيح في شرح العروة: 300 الطبعة الثالثة

لنفسه على نحو لا يسمع همسه فضلاً عن صوته ولا دلالة في شيء من الروايات على أنها صلاة حقيقة(1)وهذا موافق للجمع الذي ذكرناه.

وأعجب منه استشهاده بالروايات المطلقة التي لا دلالة فيها على الاقتداء وعدمه، وأقصى ما تدل عليه الحضور في مساجدهم وجماعتهم فقط من دون نظر إلى الاقتداء بهم في الصلاة، ولا سيما بعد ما ذكرنا أن الخلاف إنما وقع بين الأعلام في فرع واحد وهو: عدم التمكن من إتمام الفاتحة حال الصلاة خلفهم تقية، وقد تقدم نفي الخلاف عما عداه وأنّوظيفة المكلف هي الانفراد، ومما ذكرنا قريباً يظهر وجه الإشكال في كلامه ! فلاحظ.

فروع:

الأول: الظاهر من الروايات المتقدمة استحباب الصلاة خلف المخالف حال التقية والإتيان بوظيفة المنفرد سواء كانت التقية عن خوف منهم أو كانت لمداراتهم، ولا يشترط عدم وجود المندوحة، وذلك لإطلاق الروايات الكثيرة وقد تقدم بعضها، مضافاً إلى أنّه لم يرد من الروايات ما يعارضها إلاّ رواية إبراهيم بن شيبة، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (علیه السلام) وهو يرى المسح على الخفين، أو خلف من يحرم المسح وهو يمسح فكتب (علیه السلام): إن جامعك وإياهم موضع فلم تجد بداً من الصلاة فأذن لنفسك وأقم فإن سبقك إلى القراءة فسبح(2)

فالمستفاد من الرواية أنّ الصلاة معهم بشرط الاجتماع، وأما في حال الاختيار فلا يفهم ذلك منها، إلاّ أنّ الرواية من حيث السند - على مبنى السيد الأستاذ (رحمه الله) - ضعيفة السند لأنّ إبراهيم بن شيبة لم يوثق، أما على ما ذكرناه في


1) التنقيح في شرح العروة: 313 الطبعة الثالثة

2) وسائل الشيعة ج 5 باب 33 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2

محله من أنّ رواية مثل ابن أبي نصر عن شخص علامة على الوثاقة فيمكن الحكم بوثاقة إبراهيم بن شيبة ويكون سند الرواية معتبراً ولا إشكال من هذه الناحية، وإنما الإشكال من جهة الدلالة فهي في نفسها شاذة نادرة مخالفة لجميع الروايات فلا يمكن التعويل عليها.

الثاني: قد ظهر من الروايات المتقدمة أنّ الصلاة مع المخالف لا تعد جماعة ولا يترتب عليها آثارها، فلابد من الإتيان بوظيفة المنفرد كما ذكرنا حتى بالنسبة إلى الأذان والإقامة وغيرهما من المستحبات، ولابد للمصلي من قراءة الفاتحة والسورة، ومع عدم التمكن من قراءة السورة فهل يسقط وجوبها أم لا؟

قد اختلفت الروايات في ذلك فالمستفاد من بعضها سقوط السورة، كما أنّه يستفاد من بعضها الآخر عدم السقوط، ولابد للمصلي أن يأتي بالقراءة ومن ذلك معتبرة محمّد بن عذافر عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عندخولي مع من أقرأ خلفه في الركعة الثانية فيركع عند فراغي من قراءة أم الكتاب، فقال: تقرأ في الأخراوين كي تكون قد قرأت في ركعتين(1)وقد وردت هذه الرواية في كتاب العلل(2)بسند معتبر.

والمستفاد من هذه الرواية أنّ السورة لا تسقط ولابد من الإتيان بها.

وفي مقابل هذه الرواية وردت روايات تدل على السقوط كما تقدم منها: مرسلة علي بن أسباط وفيها: قال: إذا كان قد قرأ أم الكتاب أجزأه يقطع ويركع(3).

ومنها: رواية أحمد بن عائذ أو أحمد بن محمّد بن أبي نصر - على الخلاف المتقدم - وفيها فيعجلوني إلى ما أن أؤذن وأقيم، ولا أقرأ إلاّ الحمد حتى يركع(4)


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 33 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 3

2) نفس المصدر ذيل الحديث 3

3) نفس المصدر الحديث 5

4) نفس المصدر الحديث 6

أيجزيني ذلك؟ قال: نعم يجزيك الحمد وحدها.

إلاّ أن رواية علي بن أسباط مرسلة والثانية محل خلاف متناً وسنداً وإن كانت من جهة دلالتها على المدعى لا بأس بها، ويبقى الكلام في سندها فإنّ فيه أحمد بن هلال وقد تقدم الكلام فيه، نعم إذا أمكن تصحيح الرواية عن طريق الشيخ كأن يكون للشيخ طريق معتبر إلى جميع روايات أحمد بن محمّد بن أبي نصر فهو وإلاّ فالرواية الأولى الدالة على عدم السقوط محكمة، وحينئذ لابد من الإتيان بالسورة، وأما مع تمامية السند فالوظيفة هي التخيير، وتحمل الرواية الأولى على الاستحباب جمعاً بين الروايتين.

الثالث: إذا لم يتمكن من قراءة الفاتحة فهل يجزيه ذلك أم لابد من إعادة الصلاة؟

والكلام تارة في تقية دافعها الخوف، وأخرى يكون دافعها المداراة، أما على الثاني فالظاهر عدم الدليل على الإجزاء، لما ذكرنا من أنّ الأدلة التي تمسك بها على الإجزاء كلها واردة في موارد الخوف، فلا دليل على الإجزاء بالنسبة إلى التقية للمداراة، مضافاً إلى أنّ الروايات الدالة على الإجزاء محل نقاش كما تقدم، فالإطلاقات الأولية من أنّه لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب محكمة في المقام ولابد من الإعادة، وأما على الأول أي فيما إذا كانت التقية بدافع الخوف فالأدلة الواردة في المقام كلها محلتأمل، فإن رواية أحمد بن عائذ لا يمكن الاستناد إليها لاختلاف متنها، ورواية زرارة معارضة بما هو أقوى، ورواية علي بن سعيد البصري وإن كان فيها دلالة على الإجزاء لأنّ قوله: «احتسب بما تسمع» أعم من الفاتحة والسورة فيشمله الإجزاء إلاّ أن الرواية ضعيفة السند فلا يمكن التعويل عليها، ورواية إسحاق بن عمار كرواية البصري وهي ضعيفة.

والحاصل: أنّه لم ينهض دليل على الإجزاء، فالاحتياط يقتضي الإعادة

بمقتضى الأدلة الأولية.

الرابع: هل يسقط وجوب الجهر بالقراءة حال التقية في الصلوات الجهرية؟

الظاهر هو السقوط بلا فرق بين التقية للمداراة أو للخوف، ويدل عليه: صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الرجل يصلي خلف من لا يقتدى بصلاته والإمام يجهر بالقراءة؟ قال: اقرأ لنفسك، وإن لم تسمع نفسك فلا بأس(1)

ويؤيدة رواية محمّد بن إسحاق ومحمّد بن أبي حمزة عمن ذكره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: يجزيك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس(2)

وهذه الرواية وإن كانت دلالتها واضحة إلاّ أنها مرسلة فتكون مؤيدة ويمكن استفادة ذلك من غيرها من الروايات.

الخامس: هل تلحق الطوائف الأخرى - غير الإمامية - من فرق الشيعة بالمخالفين في الحكم أم لا؟ بمعنى هل يستحب الحضور في صلاتهم أم لا ؟ وعلى فرض الاستحباب هل الأحكام المذكورة تترتب على ذلك من سقوط القراءة والجهر أم لا؟ وعلى فرض عدم السقوط هل يجوز الصلاة خلفهم منفرداً أم لا؟

يمكن القول بوحدة المناط أو الأولوية لأنه إذا كان مع المخالف يستحب فكيف مع من يعترف ببعض الأئمة؟ وإن كان في نظر الشارع لا فرق بينهم فإن من أنكر واحداً من الأئمة فقد أنكر الجميع وقد قامت الأدلة على ذلك، هذا ولكن الأخذ بالمناط غير تام، لأنّ العبادة توقيفية وثبوت حكم بالنسبة إلى المخالفين لا يعني ثبوته لغيرهم من فرق الشيعة، وهكذا الحال بالنسبة إلى الأولوية.

نعم في حال الخوف لا فرق بين فرقة وأخرى، لقيام الدليل على أنّ التقية تبيح كل محذور، إلاّ ما استثني، وأما التقية من أجل مداراتهم فلا يعلم لاحتمال


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 33 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 4

وجود الملاك بالنسبة إلى المخالفين ولا يحرز وجوده بالنسبة إلى غيرهم، فلابد من الدليل.

والتحقيق في المقام أن يقال: إنّ الصلاة خلف غير الإمامي من سائر الفرق عدا المخالفين إن كانت لتقية خوفية فلا إشكال في الجواز بل في الوجوب، وأما استحباب الحضور في جماعتهم كما هو الحال بالنسبة للمخالفين فمقتضى الروايات الناهية المتقدمة والآتية هو عدم الجواز، وقد ذكرنا سابقاً عدة روايات شاملة لهذه الفرق ومن ذلك:

رواية أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): إنّ مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعاً؟ فقال (قال): لا تصل إلاّ خلف من تثق بدينه(1)

والرواية من حيث دلالتها تامة إلاّ أن الكلام في سندها فإنّ فيه سهل بن زياد وهو ممن اختلف في وثاقته، وقد استظهرنا اعتبار الرواية من جهة أنّ للشيخ ! طريقاً صحيحاً إلى جميع كتب وروايات علي بن مهزيار الواقع بعد سهل.

ومنها: رواية إسماعيل الجعفي قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): رجل يحب أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا يتبرأ من عدوه ويقول: هو أحب إلي ممن خالفه، فقال: هذا مخلط، وهو عدو فلا تصل خلفه ولا كرامة إلاّ أن تتقيه(2)

وسند هذه الرواية معتبر على الظاهر ودلالتها واضحة.

ومنها: صحيحة البرقي قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (علیه السلام): أيجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدك؟ فأجاب: لا تصل وراءه(3)

ومنها: معتبرة إسماعيل بن مسلم أنّه سأل الصادق (علیه السلام) عن الصلاة خلف رجل يكذب بقدر الله؟ قال: ليعد كل صلاة صلاها خلفه(4)


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 10 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 3

3) نفس المصدر الحديث 5

4) نفس المصدر الحديث 8

ومنها: صحيحة علي بن مهزيار قال: كتبت إلى محمّد بن علي الرضا': أصلي خلف من يقول بالجسم، ومن يقول بقول يونس؟ فكتب: لاتصلوا خلفهم، ولا تعطوهم من الزكاة، وابرؤوا منهم برأ الله منهم(1)

ومنها: رواية إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (علیه السلام) عن أبيه عن الصادق ' قال: من زعم أن الله يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئاً(2)

وغيرها من الروايات.

ومقتضى هذه الروايات الناهية عن الصلاة خلف المنحرف عن جادة الحق عدم الجواز فضلاً عن الاستحباب، وما يقال: من أنّه إذا كان الحضور في جماعة المخالفين جائزاً فهنا كذلك من باب أولى ففيه: أنّ

الأولوية ممنوعة بما ذكرناه من أنّ الملاك غير تام، وتماميته بالنسبة إلى المخالف لا تعني تماميته هنا، نعم يمكن أن يقال: إن ما ورد من النهي في هذه الروايات ينصرف إلى عدم جواز الاقتداء بهم والاعتداد بالصلاة خلفهم لا إلى الحضور في جماعتهم، ولعل القرائن تساعد على ذلك، ومنها قوله (علیه السلام): «ولا تعطوهم من الزكاة» ونحو ذلك فإذا تمت هذه القرائن فالمنع حينئذ عن الاقتداء بهم لا مجرد الحضور في جماعتهم، فالقول بالإطلاق في الاقتداء وعدمه غير ثابت، ومع الشك في حرمة الحضور فأصالة البراءة جارية، فالقدر المتيقن بمعونة القرائن أن المنع إنما هو عن الاقتداء بهم والاعتداد بالصلاة خلفهم، وأما نفس الحضور فحرمته غير ثابتة ولا يثبت بذلك الاستحباب لأنه يحتاج إلى الدليل وهو مفقود في المقام، فإنّ غاية ما تفيده الأدلة عدم الحرمة أما الدلالة على الاستحباب فلا، وأما بالنسبة إلى المخالفين فقد قامت الأدلة على استحباب الحضور في جماعتهم، وعليه فالحضور في جماعة هذه الفرق لا بأس به


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 10 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 10

2) نفس المصدر الحديث 14

ولكن ما لم يترتب على ذلك عنوان آخر من مفسدة ونحوها كتقوية شوكتهم، أو تغرير المؤمنين بهم، أو إضعاف المذهب الحق ونحو ذلك وإلاّ فلا يجوز.

السادس: هل الحضور في جماعة الفرقة المحقة مع عدم إحراز الشرائط - لا إحراز العدم - في إمام الجماعة كما إذا لم تعلم عدالته أو صحة قراءته أو نحو ذلك جائز أم لا؟ بمعنى أنّ المكلف يأتي بوظيفة المنفرد وإن كان في صورة الاقتداء. وهذه المسألة وإن كانت خارجة عنالباب إلاّ أن لها ارتباطاً ما به، مضافاً إلى أنها مورد للابتلاء فناسب ذكرها استطراداً.

ولم تذكر هذه المسألة في الكتب الفقهية إلاّ في كتاب مجمع المسائل(1)وقال فيه بعدم الجواز مستدلاً بأن ما ورد من جواز هذا العمل خاص بالعامة، وأما مع غيرهم - كما في ما نحن فيه - فلم يرد ذلك.

ولتوضيح المسألة لابد من افتراض عدة صور:

الأولى: أن يكون في مقام التقية الخوفية وفي هذه الحالة لا إشكال في جواز الحضور بل في وجوبه للأدلة العامة والخاصة، ومنها ما تقدم من رواية سماعة وجاء فيها: «وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو، ويصلي ركعة أخرى»، إلى أن قال: «ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فإنّ التقية واسعة وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله» (2)

ففي هذه الرواية إن قلنا بكفاية عدم إحراز العدالة في إمام الجماعة فوظيفة المكلف الانفراد في صلاته، وتكون الرواية من محل الكلام وإن قلنا بأنّ إمام الجماعة معلوم الفسق فلا تكون الرواية شاهداً على ما نحن فيه.

الثانية: أن لا يكون في مقام التقية فتارة يكون الحضور في الجماعة بعنوان الاستحباب وتارة يكون الحضور لعنوان آخر.


1) مجمع المسائل (فارسي) : 1 : 246 المسألة 71 الطبعة الثالثة

2) وسائل الشيعة ج 5 باب 56 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2

أما على الأول فالأمر مشكل لأنّ استحباب الحضور في الجماعة مختص بجماعة المخالفين وما عداه غير ثابت والأولوية ممنوعة كما تقدم.

وأما على الثاني بأن كان الحضور لأمر آخر كإدراك ثواب أول الوقت أو ثواب الصلاة في المسجد فتارة يترتب على الحضور عنوان تقوية إمام الجماعة مما يوجب تغرير المؤمنين كأن يكون من ذوي الشأن ويتوهم من حضوره تعديلاً للإمام بحيث يترتب على ذلك جملة من المفاسد كتصديق الإمام والأخذ بشهادته ونحو ذلك فالحضور حينئذ مشكل، وإن كان في خصوص الصلاة لا إشكال.

وبعبارة أخرى: إذا كان الأثر المترتب على حضوره في الجماعة هو اعتقاد الغير بعدالة الإمام فصلاة الغير خلفه لا إشكال فيها وقد تقرر فيمحله: أن من صلى خلف إمام معتقداً عدالته فبان فسقه فصلاته صحيحة، وإنما الكلام في الآثار المترتبة على الحضور غير الصلاة.

وتارة لا يترتب أي أثر على الحضور كأن يكون من سائر الناس وكان دخوله مع الجماعة لا بعنوان الاستحباب فالحضور - بمقتضى القاعدة - لا محذور فيه، ولم نقف على ما يوجب المنع من ذلك عدا ما إذا لم يلزم من حضوره مع إتيانه بوظيفة المنفرد في صلاته هتكاً للإمام أو الجماعة، فمقتضى القاعدة في هذه الحالة هو الجواز.

ولكن وردت طائفتان من الروايات يستفاد من أحدها الجواز ومن الأخرى عدم الجواز.

أما ما يدل على عدم الجواز فروايتان:

الأولى: رواية الصدوق قال: وقال الصادق(علیه السلام): ثلاثة لا يصلى خلفهم: المجهول، والغالي وإن كان يقول بقولك، والمجاهر بالفسق وإن كان مقتصداً(1)


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 11 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4

والرواية بحسب الظاهر مرسلة ولكن الرواية الأولى المتقدمة عليها فيها أنّ عمر بن يزيد سأل أبا عبد الله (علیه السلام) فإن كان مرجع الضمير في قال هو عمر بن يزيد المذكور في الرواية المتقدمة عليها فالرواية مسندة، وإن كان يرجع إلى الصدوق فهي مرسلة، وكان مبنى السيد الأستاذ ! في مثل هذه الموارد إرجاع الضمير إلى الراوي لا إلى الصدوق وبناء على هذا فيمكن اعتبار السند.

وأما من جهة الدلالة فيمكن المناقشة بأنّ المجهول لم يعلم أنّه من جهة الدين، أو من جهة العدالة، وقد يستظهر من قوله: «الغالي» أنّ المراد هو الدين والمذهب، وبناء على ذلك فلا تكون الرواية مورداً للاعتماد، مضافاً إلى أنّ المستفاد من بقية فقرات الرواية أنّ النهي عن الاقتداء والائتمام لا عن مجرد الحضور، وبهذا تخرج الرواية عن محل الكلام، وفي ما تقدم من الصلاة خلف المخالف قرائن تدل على الحضور وعدم الاقتداء.

والحاصل: أنّ هذه الرواية غير تامة الدلالة.

الثانية: رواية يزيد بن حماد عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: قلت له: أصليخلف من لا أعرف؟ فقال: لا تصل إلاّ خلف من تثق بدينه(1)

وهذه الرواية - بناء على صحة سندها - كالرواية المتقدمة من حيث الدلالة فإنّ قوله: «لا أعرف» قد يكون من جهة الدين وقد يكون من جهة العدالة مضافاً إلى أنّ مورد السؤال هو الاقتداء لا مجرد الحضور، وعليه فالحضور في جماعة من لا يوثق بدينه أو عدالته جائز.

وأما الروايات الدالة على الجواز فمنها:

رواية عمر بن يزيد أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن إمام لا بأس به في جميع أموره عارف غير أنّه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال: لا


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 12 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

تقرأ خلفه ما لم يكن عاقاً قاطعاً(1)

والمستفاد من هذه الرواية أنّ الإمام إذا كان عادلاً فلا يقرأ خلفه وإذا خرج عن حد العدالة فلابد من القراءة، وحينئذ فجواز الحضور مع من لم يعلم حاله من باب أولى.

ومنها: موثقة يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الصلاة خلف من أرتضي به أقرأ خلفه؟ قال: من رضيت به فلا تقرأ خلفه(2)

والرواية بدلالة المفهوم - بناء على القول به - يستفاد منها جواز الحضور والقراءة خلفه.

ومثل هذه الرواية في الدلالة صحيحة زرارة عن أحدهما ' قال: إذا كنت خلف إمام تأتم به فانصت وسبح في نفسك(3)

وهناك روايات كثيرة في هذا المعنى فإنّ جواز القراءة وعدمها مترتب على الحضور ولم يرد ما يدل على النهي عنه، وبناء على ذلك فمقتضى القاعدة هو الجواز كما أنّه يستفاد من نفس هذه الروايات.

وبهذا يتم الكلام حول التقية في الصلاة خلف المخالف.


1) وسائل الشيعة ج 5 باب 11 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

2) نفس المصدر باب 31 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 14

3) نفس المصدر باب 32 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 4

مسائل: التقية في الصلاة

الأولى: الجهر بالبسملة في الصلاة:

وقع الخلاف بين الخاصة والعامة في مفتتح السور القرآنية، ومورد الخلاف في المسألة من جهتين:

الجهة الأولى: هل أنّ البسملة آية من الآيات القرآنية.

الجهة الثانية: في الجهر والإخفات بها في الصلوات.

والداعي للتعرض للمسألة هو الجهة الثانية باعتبارها مورداً من موارد التقية.

أما الجهة الأولى فقد ذهبت الخاصة إلى أنّ البسملة آية من كل سورة بلا خلاف بينهم بل ادعي الضرورة على ذلك.

واختلف العامة فيما بينهم فذهب بعضهم إلى ما ذهب إليه الخاصة، وذهب آخرون إلى أنها آية من سورة الفاتحة، وذهب قسم ثالث إلى أنها جزء آية من كل سورة وأنها تتم بما بعدها فتصير آية، وقد نقل الشيخ الطوسي! خلافهم في الخلاف حيث قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية في (من) كل سورة من جميع القرآن وهي آية من أول سورة الحمد، وقال الشافعي إنها آية من أول سورة الحمد بلا خلاف بينهم، وفي كونها آية من كل سورة قولان أحدهما أنها آية من أول كل سورة والآخر أنها بعض آية من كل سورة وأنها (إنما) تتم بما بعدها فتصير آية، وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيدة وعطا والزهري وعبد الله بن المبارك: إنها آية من أول كل سورة حتى أنّه قال: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم ترك مائة وثلاث عشرة آية، وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وداود:

ليست آية من فاتحة الكتاب ولا من سائر السور ... وكان أبو الحسن الكرخي يقول: ليست من هذه السورة ولا من سائر السور سوى سورة النمل، هكذا روى عنه أبو بكر الرازي وقال أبو بكر: ثمّ سمعناه بعد ذلك يقول: إنها آية تامة مفردة في كل موضع أثبتت فيه إلاّ في سورة النمل فإنها بعض آية في قوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)(1)ولسنا في صدد التحقيق في هذه الجهة ومناقشة العامة فيما ذهبوا إليه فإن لذلك موطناً آخر، والثابت من مذهب الإمامية أنها آية من كل سورة عدا سورة البراءة، وأنها بعض آية من آية النمل وعلى ذلك قام إجماعهم وصحت رواياتهم عن الأئمة (علیهم السلام) ، بل ادعي الضرورة عليه كما ذكرنا آنفاً.

وأما الجهة الثانية - وهي محل البحث - فقد ذهب الخاصة إلى وجوب الجهر بالبسملة في الصلوات الجهرية بلا خلاف بينهم، وإنما وقع الخلاف في الصلوات الإخفاتية وفي المقام خمسة أقوال:

قال المحقق الهمداني: وقد اختلفت كلمات الأصحاب في هذه المسألة على ما حكى عنهم بعد اتفاقهم على وجوب الجهر بها في مواضع يجب الجهر فيها بالقراءة كسائر أجزائها على خمسة أقوال:

الأول: استحبابه مطلقاً سواء كان في حق الإمام أو غيره في الأوليين وغيرهما، ومنه ثالثة المغرب وأخيرتا العشاء، وهذا القول هو المشهور على ما ادعاه غير واحد.

الثاني: اختصاصه بالأوليين، وأما الأخيرتان فلا يستحب الجهر فيهما في شيء من الصلوات، بل لا يجوز، اختاره في السرائر.

الثالث: اختصاص استحباب الجهر بها للإمام خاصة دون من عداه،


1) كتاب الخلاف ج 1 مسألة 82 ص 112 الطبعة الثانية

حكي ذلك عن ابن الجنيد.

الرابع: وجوبه مطلقاً، نسب هذا القول إلى القاضي ابن البراج في المهذب حيث عد من واجبات الصلوات الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر أو يخافت، وكذا إلى ظاهر الصدوق في الخصال حيث قال: والإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلوات واجب ... .

خامس الأقوال: هو ما حكي عن أبي الصلاح في الكافي من وجوبه في ابتداء الجهر والسورة في الأوليين من جميع الصلوات(1)

واختلف العامة في المسألة على ثلاثة أقوال: قال الشيخ في الخلاف: يجب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الحمد وفي كل سورة بعدها كما يجب بالقراءة، هذا فيما يجب الجهر فيه فإن كانت الصلاة لا يجهر فيها استحب أن يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن جمع في النوافل بين سور كثيرة وجب أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة، وهو مذهب الشافعي، إلاّ أنّه لم يذكر استحباب الجهر فيما يسر فيه بالقراءة،ذكر ذلك في البويطي، وفي اختلاف العراقيين، وذكر ابن المنذر عن عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وروي مثل ذلك عن ابن عي (ابن عمرى) أنّه كان لا يدع الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن والسورة التي بعدها، وذهب أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبو عبيدة وأحمد إلى أنّه يسر بها، وقال مالك: المستحب أن لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين(2)

هذه جملة الأقوال في المسألة عند الخاصة والعامة.

وأما الجهة الثانية فالكلام فيها في موضعين:


1) كتاب الصلاة من مصباح الفقيه: 302 الطبع القديم

2) الخلاف 1 : 113 الطبعة الثانية

الأول: في مستند القول بالوجوب، والقول بالاستحباب باعتبارهما أهم الأقوال عند الخاصة.

الثاني: في ارتباط المسألة بموضوع التقية.

أما بالنسبة إلى الموضع الأول فإن مستند القولين هو الأخبار الواردة في المقام وما يستدل به على الوجوب خبران هما:

الأول: رواية سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) متعمدين لخلافه، ولو حملت الناس على تركها لتفرق عني جندي، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي كان فيه (إلى أن قال:) وحرمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (إلى أن قال:) إذاً لتفرقوا عني الحديث(1)

ومحل الشاهد قوله (علیه السلام): «وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» فإن الإلزام ظاهر في الوجوب ولا سيما أنّ الإمام (علیه السلام) في مقام بيان المحدثات والبدع بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وإنّ إرجاع الناس إلى جادة الحق يقتضي إلزامهم بذلك، فيعلم أنّ الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واجب.

الثاني: رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد ' (في حديث شرايع الدين)قال: والإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة واجب(2)

وهذه الرواية صريحة في الحكم بالوجوب وهي والرواية المتقدمة مستند القائلين بوجوب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة.

وأما بقية الروايات الواردة في المقام فهي محتملة للوجوب وعدمه ولذا


1) وسائل الشيعة ج 1 باب 38 من أبواب الوضوء الحديث 3

2) نفس المصدر ج 4 باب 21 من أبواب القراءة الحديث 5

يمكن أن تكون مستنداً للقول بالاستحباب وهذه الروايات هي:

الأولى: رواية صفوان الجمال قال: صليت خلف أبي عبد الله (علیه السلام) أياماً فكان إذا كانت صلاة لا يجهر فيها جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان يجهر في السورتين جميعاً(1)

وبضم هذه الرواية إلى رواية (صلوا كما رأيتموني أصلي) (2)يستفاد الوجوب وهناك من استفاد منها الاستحباب وأن جهر الإمام (علیه السلام) بالبسملة من خصوصياته، بمعنى أن الإمام (علیه السلام) هكذا كان يفعل، والراوي يحكي هذه الخصوصية وإلاّ فلو كان الحكم معروفاً ومشهوراً بين الناس فلا معنى لنقل الراوي ذلك لأنّ حال الإمام (علیه السلام) كحال سائر الناس في التكاليف العامة فتخصيص الراوي لهذا الفعل بالذكر يكشف عن أنّه من خصوصيات الإمام(علیه السلام) والمستفاد من ذلك الاستحباب وإليه ذهب السيد الأستاذ ! (3).

الثانية: رواية عبد الرحمن بن أبي نجران عن صفوان قال: صليت خلف أبي عبد الله (علیه السلام) أياماً فكان يقرأ فاتحة الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخفى ما سوى ذلك(4)

وهذه الرواية بنفس مضمون الرواية السابقة، والظاهر أن صفوان هو صفوان الجمال وليس هو صفوان بن يحيى، إذ لا يمكن لصفوان بن يحيى أن يروي عن الإمام الصادق (علیه السلام) لأنه لم يدرك زمان الإمام (علیه السلام) وقد ذكر ذلك في المعجم(5)

الثالثة: عن أحمد بن محمّد الكوفي والظاهر أنّه ابن عقدة - عن علي بن


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 21 من أبواب القراءة الحديث 1

2) عوالي اللئالي 1 : 198 الطبعة الأولى

3) مستند العروة الوثقى ج 3 كتاب الصلاة ص 415 الطبعة الأولى

4) وسائل الشيعة ج 4 باب 11 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1

5) معجم رجال الحديث 1 : 140 الطبعة الخامسة

الحسن بن علي بن عبد الرحمن بن أبي نجران عن هارون - وهومشترك بين جماعة إلاّ أن كل من له كتاب منهم هو من أصحاب الصادق(علیه السلام) وكلهم ثقات - فالسند معتبر - عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال لي: كتموا بسم الله الرحمن الرحيم فنعم والله الأسماء كتموها، كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إذا دخل إلى منزله واجتمعت قريش يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته، فتولي قريش فراراً فأنزل الله في ذلك: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً )(1)

والمستفاد من ظاهر الرواية: أنّ الكتمان منهم في الصلاة، إلاّ أنها لم تتعرض للصلوات الجهرية أو الإخفاتية، ولذا لا يمكن استفادة أحد الحكمين بخصوصه (الوجوب أو الاستحباب) من هذه الرواية.

الرابعة: رواية حنان بن سدير قال: صليت خلف أبي عبد الله (علیه السلام) أياماً فتعوذ بإجهار ثمّ جهر ببسم الله الرحمن الرحيم(2)

وهذه الرواية كالرواية السابقة من جهة أنها لم تتعرض للصلوات الجهرية أو الإخفاتية، وقد وردت الرواية بسند آخر وفيها: أنّه قال: (صليت المغرب) فتتعين للصلاة الجهرية وتخرج عن محل الكلام.

الخامسة: رواية أبي حمزة قال: قال علي بن الحسين ': يا ثمالي إن الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان إلى قرين الإمام فيقول: هل ذكر ربه؟ فإن قال: نعم ذهب، وإن قال: لا ركب كتفيه، فكان إمام القوم حتى ينصرفوا، قال: فقلت: جعلت فداك أليس يقرؤن القرآن؟ قال: بلى، ليس حيث تذهب يا ثمالي، إنما هو الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(3)

ولعل المقصود من قرين الإمام هو الملك الموكل به والمستفاد من الرواية:


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 21 من أبواب القراءة الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 3

3) نفس المصدر الحديث 4

أن خاصية الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم إبعاد الشيطان عن إمام الجماعة، إلاّ أن الرواية قاصرة من حيث السند فإنها مرسلة ومن حيث الدلالة فإنه لا يستفاد منها الوجوب في الصلاة الإخفاتية.

السادسة: رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: والإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنة(1)

والرواية وإن كانت عامة لجميع الصلوات إلاّ أنها تخصص بالصلوات الجهرية فإنّ الإجهار بالبسملة فيها واجب بلا خلاف كما تقدم.السابعة: رواية رجاء بن أبي الضحاك عن الرضا (علیه السلام) أنّه كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلاته بالليل والنهار(2)

الثامنة: رواية أبي حفص الصائغ قال: صليت خلف جعفر بن محمّد' فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(3)

هذه جملة الروايات الواردة في الباب، وقد ذكر صاحب المستدرك خمسة عشر رواية في فضل الجهر بالبسملة وعقد باباً في استحبابه، وسيأتي التعرض لبعضها، والمستفاد من مجموع الروايات هو الاستحباب ولا سيما من صحيحتي صفوان المتقدمتين فإنهما في مقام الحكاية عن خصوصية من خصوصيات الإمام (علیه السلام) كما ذكرنا - إذ لو كان الجهر واجباً لما كان معنى لنقل الراوي ذلك كما هو رأي السيد الأستاذ ! وقد ذكرناه آنفاً.

فدلالتها على الاستحباب أقوى وإن كان الإتيان بالفعل أعم من الوجوب والاستحباب، إلاّ أنّه بملاحظة روايات الخصوصيات يكون فعل الإمام (علیه السلام) داخلاً في الآداب وله ظهور في الاستحباب.


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 21 من أبواب القراءة الحديث 6

2) نفس المصدر الحديث 7

3) نفس المصدر الحديث 8

والحاصل: أنّ الروايتين لا تدلان على الوجوب وهكذا بقية الروايات مع الغض عن المناقشة في إسناد بعضها.

وأما ما يستدل به على الوجوب فقد ذكرنا أنّه روايتان رواية سليم ورواية الأعمش.

أما رواية سليم فهي قابلة للمناقشة من جهة السند والدلالة.

أما من جهة السند فهي وإن وردت في الكافي بسند معتبر وهو عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان، عن سليم بن قيس الهلالي(1)إلاّ أن الكلام في الراوي عن سليم وهو إبراهيم بن عثمان وهو أبو أيوب الخزاز وهو متأخر من حيث الطبقة عن سليم فإنه من أصحاب الصادق والكاظم (علیه السلام) ، وغاية ما يقال في سليم إنه من أصحاب الباقر (علیه السلام) فإبراهيم بن عثمان بحاجة إلى الواسطة للرواية عن سليم، نعم لو كان مكان إبراهيم بن عثمان، إبراهيم بن عمر اليماني لأمكن ذلك إلاّ أن الرواية وردت عن إبراهيم بن عثمان فاحتمال الإرسال في الرواية وارد، وعليه فالرواية محل تأمّل من حيث السند.أما من حيث الدلالة فيمكن المناقشة فيها بأن يقال: إنّ قوله (علیه السلام): «وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» مطلق قابل للتقييد والقدر المتيقن هو الصلوات الجهرية، وحينئذ فتحمل الرواية على أنّ المراد من الإلزام هو في الصلوات الجهرية لا جميع الصلوات، إضافة على ذلك هناك عدة روايات تدل على الاستحباب كما تقدم، فالجمع بين الروايات يقتضي حمل الروايات الدالة على الاستحباب بالنسبة للصلوات الإخفاتية، ورواية سليم تحمل على الصلوات الجهرية ولا يمكن القول بوجوب الجهر في جميع الصلوات، وذلك لأنّ المشهور تحصيلاً ونقلاً على خلاف ذلك، كما صرّح به صاحب الجواهر(2)ولا دليل على أنّ


1) الروضة من الكافي الحديث 21 ص 58

2) جواهر الكلام 9 : 365 الطبعة السابعة

الجهر واجب حتى في الصلوات الإخفاتية.

هذا وقد يقال: إنّ رواية سليم ورواية الأعمش معارضتان برواية أخرى صريحة في عدم الوجوب وهي صحيحة الحلبيين أنهما سألاه: عمن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم، إن شاء سراً وإن شاء جهراً فقالا: أفيقرأها مع السورة الأخرى؟ فقال: لا(1)

وظاهر الرواية أنّ السؤال عن القراءة في الصلاة وقرينتها قوله (علیه السلام): «لا» إلاّ أنّ الحق أنّ هذه الرواية لا تصلح للمعارضة لأنها واردة مورد التقية والتفكيك بين صدر الرواية وذيلها بأن يقال: إنّ الصدر لا تقية فيه والذيل وارد في التقية مشكل.

فالأقوى في المسألة بأنّ الإجهار بالبسملة في الصلوات الإخفاتية مستحب لا واجب، وعليه فلا تقية في الصلاة الإخفاتية وإنما التقية في الصلاة الجهرية. هذا ما يتعلق برواية سليم وسيأتي ما ينفع في المقام.

وأما رواية الأعمش فهي أيضاً محل نظر سنداً ودلالة.

أما من حيث السند ففيها عدة مجاهيل وإن كان الأعمش في نفسه لا بأس به، فالرواية غير معتبرة.

وأما من جهة الدلالة فيمكن المناقشة فيها بأن يقال: إنّ قوله (علیه السلام): «والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واجب» هو في مقابل العامة القائلين بوجوب السر فليس له إطلاق، وهذا الاحتمال وارد أيضاً في رواية سليم، فإنّ إلزام الناس بالجهر في الصلاة الجهرية في مقابل قول العامة لأنهم يلتزمون بالسر وهو بدعة والإمام (علیه السلام) يريد رفعها، وليس الإمام في مقام بيان أنّ الجهر واجب مطلقاً حتى في الصلاة الإخفاتية، وعليه فالإطلاق غير محرز ولا أقل هو محل شك، وبناء على


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 12 من أبواب القراءة الحديث 2

ذلك فالمرجع حينئذ أصالة البراءة.

ويؤيد هذا عمل المشهور وإن كنا لا نقول إنّ عمل المشهور موجب للتقوية أو التضعيف، لكن إذا كان العمل مشهوراً ومورداً لكثرة الابتلاء بل وادعي عليه الإجماع فذلك يوجب الاطمئنان بعدم تحقق الإطلاق، ومع الشك فقاعدة البراءة محكمة، هذا ما يتعلق بالروايتين وما يرد عليهما من جهة السند والدلالة.

وأما إذا أغمضنا الطرف عن المناقشة فيهما وقلنا بتماميتهما سنداً ودلالة فلابد من القول بالوجوب لأنه دليل لفظي مقدم على الأصل العملي، نعم ذكر السيد الأستاذ ) أن الروايتين - على فرض تماميتهما - معارضتان بصحيحتي صفوان المتقدمتين فتكونان مقيدتين لهاتين الروايتين(1).

ولكن على القول بعدم التعارض - كما هو احتمال في المقام - وعلى فرض تماميتهما لابد من القول بالوجوب وإلاّ بالعدم لأصالة البراءة.

هذا ما يتعلق بالموضع الأول وحاصله: أنّه لا حجة لنا على أنّ الجهر بالبسملة في الصلاة الإخفاتية واجب وإنما هو مستحب، ويؤيده الإجماع وعمل المشهور.

وأما بالنسبة إلى الموضع الثاني - وهو ارتباط المسألة بالتقية - فقد اختلفت كلمات الفقهاء في ذلك: فذهب صاحب الجواهر إلى وجوب العمل على ما تقتضيه التقية(2)، وذهب ابن أبي عقيل إلى أنّه لا تقية في الجهر بالبسملة ونقل عنه صاحب المدارك، أنّه قال: قد تواترت الروايات بأنه لا تقية في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(3)

هذا وقد نقل صاحب المستدرك عن كتاب الدعائم قوله: روينا عن


1) مستند العروة الوثقى ج 3 كتاب الصلاة ص 415 الطبعة الأولى

2) جواهر الكلام 9 : 391 الطبعة السابعة

3) نفس المصدر ص 385

رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعن علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمّد بن علي وجعفر بن محمّد صلوات الله عليهم أجمعين أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر بالقراءة من الصلوات في أول فاتحةالكتاب وأول السورة في كل ركعة، ويخافتون بها فيما يخافت فيه من السورتين جميعاً، وقال الحسين بن علي ': «اجتمعنا ولد فاطمة (علیها السلام) على ذلك وقال جعفر بن محمّد ' التقية ديني ودين آبائي، ولا تقية في ثلاث: شرب المسكر والمسح على الخفين وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» (1)

ونقل أيضاً عن الشيخ أبي الفتوح الرازي في تفسيره عن الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه الصادق (علیه السلام) قال: اجتمع آل محمّد (علیهم السلام) على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وعلى قضاء ما فات من الصلاة في الليل والنهار، وقضاء ما فات بالنهار في الليل(2)

هذا ما يستدل به على عدم التقية، وفي مقابل ذلك روايات التقية التي تدل بإطلاقها على وجوب التقية وتحريم تركها ومنها هذا المورد، نعم لو كان المخصص تاماً سنداً ودلالة فلا بأس كما قلنا به في المسح على الخفين ونحوه، وأما مع عدم تماميته فلابد من العمل بالعام.

والذي يقتضيه النظر: أنّ كلام ابن أبي عقيل في حكم الرواية المرسلة فإنه خبر واحد، ولم يذكر رواية على مدعاه، فهو من هذه الناحية غير تام.

وأما رواية الدعائم فهي أولاً: إنّ الرواية في نفسها مخالفة لصحيحة صفوان المتقدمة.

وثانياً: إنّ قوله: «لا تقية في ثلاث ... الخ» مخالف لما ورد في المتعة، نعم يمكن القول إنه وردت روايتان أحدهما في المتعة والأخرى في البسملة.


1) مستدرك الوسائل ج 4 باب 17 من أبواب القراءة الحديث 14

2) نفس المصدر الحديث 15

وثالثاً: إننا ذكرنا في مباحثنا الرجالية(1)أنّ الطريق إلى الكتاب غير ثابت والنتيجة: أنّ الرواية لا يمكن الاعتماد عليها.

وأما عن رواية أبي الفتوح فهي أولاً: مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها من جهة السند.

وثانياً: أنّ قوله اجتمع آل محمّد ... الخ معناه أنهم لا يتقون، وهذا تكليف خاص بهم كما في المسح على الخفين لأنه نهي عملي عن البدعة، والنهي عن البدعة لا تقية فيه إذ هم الأئمة ومسؤلية الشرع أنيطت بهم (علیهم السلام)فيمكن أن ترتفع البدعة بعملهم.

وثالثاً: أنّ هذه الرواية مؤيدة لمضمون الرواية السابقة، وعلى كل تقدير فهي ضعيفة سنداً ولا يعتمد عليها، وبناء على ذلك فلم يثبت المخصص لأدلّة التقية العامة فالقول بوجوب الإخفات بالبسملة حال التقية على مقتضى القواعد ولم يثبت ما ينافيه.

فإذا خالف المكلف وظيفته وجهر حال التقية فالظاهر هو بطلان صلاته لأنه جزء وهو محرم منهي عنه والنهي عن العبادة إذا كانت جزءاً أو شرطاً موجب لفسادها، وقد تقدم أنّه لو كان خارجاً عن الجزء والشرط أمكن الحكم بالصحة وإن كان منهياً عنه وبناء على هذا تكون صلاته باطلة وعليه الإعادة.

وهذا المعنى يجري أيضاً في التربة والسجود عليها ومخالفة التقية في ذلك وسيأتي الكلام عن ذلك في محله والله العالم.

المسألة الثانية:

في التأمين في الصلاة وهو قول المصلي: آمين بعد الفراغ من قراءته أو سماعه سورة الفاتحة.


1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 153 الطبعة الأولى

وقد وقع الخلاف بين العامة والخاصة في حكم هذه المسألة، فذهب العامة إلى القول بالاستحباب(1)وذكروا في ذلك روايات عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) استفادوا منها الاستحباب، إلاّ أنهم من جهة الالتزام العملي يأتون به على نحو الوجوب وكأنه شعار لهم، حتى أنّ جهلتهم يأتون به على نحو الجزئية.

وأما الخاصة فالمشهور عندهم أنّه لا يجوز الإتيان به، وهو مناف للصلاة ولذلك تشمله الحرمة التكليفية والوضعية(2)، وقد نسب إلى بعضهم دعوى الإجماع على الحرمة كالسيد في الانتصار(3)والشيخ في الخلاف(4)والنهاية(5)، ولكن نسب إلى أبي الصلاح والإسكافي القولبالكراهة وإن كان في النسبة كلام(6)كما نسب ذلك إلى المحقق في المعتبر إلاّ أنّه قال بالكراهة في صلاة الجماعة، وأما في صلاة المنفرد فقال بعدم الجواز(7)

ونسب إلى صاحب المدارك التفصيل بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي فقال بالحرمة في الثاني دون الأول(8)

هذه جملة الأقوال في المسألة ويقع الكلام في جهتين:

الأولى: في ما تقتضيه القاعدة.

الثانية: في المستفاد من الأدلة الخاصة الواردة في المسألة.

أما بالنسبة إلى الجهة الأولى فيقال: إنّ الإتيان بالتأمين في الصلاة يتصور على أنحاء:


1) المعتبر في شرح المختصر: 177 الطبع القديم

2) جواهر الكلام 10 : 3 الطبعة السابعة

3) الانتصار المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 101 الطبع القديم

4) الخلاف ج 1 مسألة 84 ص 114 الطبعة السابعة

5) جواهر الكلام 10 : 2 الطبعة الثانية

6) نفس المصدر ص 3

7) المعتبر في شرح المختصر: 177 الطبع القديم

8) مدارك الأحكام 3 : 374 الطبعة الأولى المحققة

1 - أن يؤتى به على نحو الجزئية - كما يفعله جهلة العامة - ولاشك أنّه موجب للبطلان، لتحقق الزيادة - المبطلة - في الصلاة وإدخال ما ليس منها فيها.

2 - أن يؤتى به بعنوان أنّه ذكر فإنه تأمين على الدعاء لأنّ القراءة تتضمن دعاء فإن كان الأمر كذلك فلا إشكال في الصحة، إلاّ أن هذا يتوقف على أمرين:

الأول: أن يكون هناك دعاء فقد يقال بالعدم لأنّ القراءة حكاية لكلام الله تعالى لا بالإنشاء، والدعاء إنشاء.

الثاني: أن يكون التأمين في نفسه دعاء، فقد يقال بأنّ التأمين ليس دعاء كما في بعض الروايات فإن ثبت هذان الأمران أمكن الحكم بالصحة وإلاّ فلا.

3 - أن يؤتى به من دون قصد الجزئية أو الدعاء بل مماشاة مع الغير وهذا لا إشكال في أنّه موجب لبطلان الصلاة لأنه إدخال لكلام الآدميين فيها.

هذا ما تقتضيه القاعدة بقطع النظر عن الأدلة الخاصة وسيأتي تحقيق المقام.

وأما بالنسبة إلى الجهة الثانية وهي الروايات الواردة في المقام فقد وردت عدة روايات ويمكن جعلها في طائفتين:الأولى: تدل على النهي.

الثانية: ما يستفاد منها رجحان الإتيان به.

أما روايات الطائفة الأولى فهي عدة روايات منها:

صحيحة جميل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا كنت خلف إمام فقرأ الجهر وفرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد لله رب العالمين، ولا تقل آمين(1)

والرواية من حيث السند معتبرة ومن جهة الدلالة واضحة فقد اشتملت على النهي الصريح إلاّ أنّ مورده صلاة الجماعة.

ومنها: صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أقول: آمين


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 17 من أبواب القراءة الحديث 1

إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟ قال: هم اليهود والنصارى، ولم يجب في هذا(1)

والظاهر أنّ قوله: «ولم يجب في هذا» من الراوي، وقال صاحب الجواهر(2): إنّ الجملة من كلام صاحب الوسائل، والمستفاد من الرواية أنّ الإمام (علیه السلام) لم يقل للسائل: قل أو لا تقل، إلاّ أن قوله (علیه السلام): «هم اليهود والنصارى» قد يحمل على أنّ قول آمين من فعل اليهود والنصارى وليس ذلك من شريعة الإسلام، ويحتمل أنّ هذا تشبيه من الإمام (علیه السلام) للقائلين باليهود والنصارى، كما يحتمل أنّ الإمام عدل عن الجواب وفسر المراد من المغضوب عليهم والضالين.

فالرواية على بعض المحتملات تدل على النهي عن قول آمين، ثمّ إنّ مورد الرواية هو صلاة الجماعة كالرواية السابقة.

ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام): أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب: آمين؟ قال: لا(3)

والرواية وإن كان في سندها محمّد بن سنان وهو محل خلاف، إلاّ أننا استظهرنا وثاقته فالسند معتبر، كما أنّ الرواية من حيث الدلالة واضحة وهي لا تختص بصلاة الجماعة.

ومنها: حديث زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام): ولا تقولنّ إذا فرغت منقراءتك: آمين، فإن شئت قلت: الحمد لله رب العالمين(4)

وسند الرواية وإن كان فيه محمّد بن ماجيلويه وهو ممن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه قد ترضى عنه الشيخ الصدوق(5)، وقد تقرر في محله أنّ الترضي علامة على


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 17 من أبواب القراءة الحديث 2

2) جواهر الكلام 10 : 4 الطبعة السابعة

3) وسائل الشيعة ج 4 باب 17 من أبواب القراءة الحديث 3

4) نفس المصدر الحديث 4

5) مشيخة الفقيه ص 7 دار التعارف

التوثيق فلا إشكال في سند الرواية، وأما من جهة الدلالة فهي واضحة.

هذا بالنسبة إلى روايات الطائفة الأولى.

وأما روايات الطائفة الثانية وهي الدالة على الجواز بل على الرجحان فمنها:

صحيحة جميل قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب: آمين، قال: ما أحسنها واخفض الصوت بها(1).

وقد اختلف في قراءة جملة الجواب على وجهين:

الأول: أن يكون على معنى التعجب أي ما أفضلها، ثمّ أمر الإمام (علیه السلام) بخفض الصوت عند قولها.

الثاني: ما أحسنها أي على معنى أنّ الإمام لا يحسن هذا القول، ثمّ إنّ الإمام أخفض من صوته عند قولها.

والأظهر من القراءتين هو الوجه الأول، وحينئذ يقع التعارض بينها وبين الروايات المتقدمة في الطائفة الأولى ولهذا حملها بعضهم على الكراهة جمعاً بين الروايات كما هو رأي المحقق الحلي ) المتقدم ذكره.

هذا حاصل الروايات، والمستفاد منها النهي عن بعضها والجواز في بعضها الآخر.

والتحقيق في المقام أن يقال: إنّ مقتضى القاعدة كما ذكرنا البطلان في صورتين هما الأولى والثالثة، وأما الصورة الثالثة فالحكم بالصحة يتوقف على أمرين: أن يكون في المقام دعاء ليكون التأمين على الدعاء، وأن التأمين في نفسه دعاء وليس من كلام الآدميين.

وقد نوقش في كلا الأمرين، أما بالنسبة إلى الأمر الأول فقد قيل: إنه لا دعاء قبل التأمين وإنما هو قراءة سورة الفاتحة، ولا يمكن حملها على الدعاء لأنه يستلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى.

والجواب: أنّه قد ذكر في علم الأصول أن القراءة وهي الإتيان بلفظ الغير


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 17 من أبواب القراءة الحديث 5

سواء قصد المعنى أو لا، وقصد المعنى لا يخالف عنوان القراءة فلا إشكال من هذه الجهة. وقد ذكر أيضاً هناك أنّ قراءة القرآن تستدعي قصد المعنى فإن مرت آية عذاب استعاذ بالله منها، وإن مرت آية رحمة تمناها وسأل ربه إياها، وهكذا الحال بالنسبة إلى الصلاة، فإنّ المصلي يحسن به أن يتأمل حال القراءة في معاني ما يقرأ ليكون مقبلاً بكله على الصلاة، وعليه فقصد المعنى لا ينافي القراءة.

وأما بالنسبة إلى الأمر الثاني فقد نوقش بأن للفظ آمين عدة معان منها: أنّه بمعنى اللهم استجب، ومنها: أنّه بمعنى كذلك فليكن أو كذلك فليفعل، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن آمين صوت أي لفظ للفظ، أي: بمعنى استعمال اللفظ في اللفظ مثل حيهل وصه ومه ونحوها من أسماء الأفعال التي تكون معانيها معاني الأفعال وليس لها معان مستقلة فهي أصوات أي ألفاظ أريد بها ألفاظ أخرى.

ثم على فرض التسليم بكلا الأمرين إلاّ أنّ الحكم بالصحة موقوف على عدم ورود النهي، ومع وروده فلا إشكال في البطلان.

والجواب: أنّ كثرة المعاني وتعددها لا تضر بالمقام إذا كان هناك معنى شائع من بين هذه المعاني.

والظاهر من معنى آمين هو استجب وشاهده القرينة الدالة عليه وهي أن السورة تتضمن الدعاء بالهداية للصراط المستقيم، فالمناسب في المقام أن يكون معنى آمين هو استجب.

وأما كون آمين لفظ استعمل في لفظ آخر وليس له معنى في نفسه فهذا أيضاً غير تام، وذلك لأنّه وإن كان الأمر كذلك إلاّ أن اللفظ له معنى بالمآل وإن كان بتوسط لفظ آخر، فالقول بأنه ليس له معنى في غير محله.

والمهم في المقام هو ورود النهي فإن كان النهي وارداً على نحو الإطلاق فلابد من رفع اليد عن القاعدة بل لا تصل النوبة إليها، وقد ذكرنا أن الأخبار

الواردة في المقام على طائفتين الأولى ناهية والثانية آمرة على أحد القرائتين من قوله (علیه السلام): «ما أحسنها» وهي القراءة المعروفة، وبناء على هذه القراءة فهذه الرواية تكون في مقابل روايات الطائفة الأولى فلابد من حمل الرواية على التقية لأنّ قوله: «ما أحسنها» يدل على الاستحباب وأنه أمر مرغوب في الصلاة، والحال أنّه لم يقل أحد من العلماء قديماً وحديثاً بالاستحباب، مضافاً إلى منافاته مع الرواياتالناهية، والنهي كما تقرر في محله يدل على الفساد إذا كان المنهي عنه عبادة، فيقع التعارض في المقام، إلاّ أن هذه الرواية لما كانت موافقة للعامة فلابد من حملها على التقية، فتكون الروايات الناهية سليمة عن المعارض، وأما على القراءة الأخرى فالمراد منها أنّ الإمام (علیه السلام) لا يحسن ذلك فلابد من الحمل على التقية أيضاً إذ يستشعرمن قوله: «ما أحسنها» أنّه أمر غير صحيح إذ لو كان مستحباً لعرفه الإمام وعمل به فقوله: ما أحسنها، ليس على ظاهره، بل المراد لا أعرفه لا فرضاً ولا مستحباً، وأما قوله: «واخفض الصوت بها» فهو محل خلاف لأنه لم يستعمل أخفض بل المستعمل هو الثلاثي المجرد أي خفض، هذا بناء على أنّه فعل ماض ومرجع الضمير هو الإمام، ولعل هذا خطأ وقع من السائل أو يقال: إن المراد هو أنّ الفعل من باب المفاضلة فالإمام كان صوته منخفضاً ثمّ أخفض صوته أكثر. وبناء على هذه القراءة فلا تعارض بينها وبين الروايات المتقدمة الناهية بل موافقة لها لأنّها حينئذ واردة في النهي عن التأمين، هذا وقد ادعى الشيخ الإجماع(1)على ذلك.

ثم إنّ الروايات بإطلاقها تدل على النهي عن التأمين في الجماعة وغير الجماعة ولا وجه للتفصيل.

والحاصل أنّه إذا أخذنا بالإطلاق وقلنا: إنّ الروايات واردة على نحو


1) تهذيب الأحكام ج 2 باب في كيفية الصلاة وصفتها ... ذيل الحديث 45 والاستبصار ج 1 باب النهي عن قول آمين بعد الحمد ذيل الحديث 3

الإطلاق فالتأمين غير جائز، وحينئذ يقدم على القاعدة سواء كان بعنوان الاستحباب أو الجزئية ويحكم ببطلان الصلاة.

وأما إذا قيل إنّ الإطلاق غير محرز، وأن المراد من النهي في الروايات هو النهي عما يفعله العامة أي أنّ الروايات ناظرة إلى ما يفعله المخالفون من إتيانهم بها على نحو الجزئية فلا يمكن حينئذ الأخذ بالإطلاق، ولا يكون التحريم مطلقاً وإنما الحرمة تختص بالمأتي به على نحو الجزئية، وأما الإتيان به بغير قصد الجزئية فلا يكون مشمولاً للروايات، ولكن لا يبعد القول بوجود الإطلاق وذلك:

أولاً: ورود السؤال والجواب في الروايات ولم يقيد الإمام جوابه، بل ورد النهي عنه بنحو الإطلاق مع أنّه كان (علیه السلام) في مقام البيان.

وثانياً: أنّ عوامهم وجهلتهم كانوا يفعلون ذلك أي الإتيان به على نحو الجزئية ولم يحرز أن زمان صدور الروايات أنهم كانوا على هذا النحو،فقد يقال: إنّ هذا يوجب تقوية الإطلاق وحينئذ فالاحتياط يقتضي عدم جواز الإتيان لا بقصد الدعاء ولا بقصد الجزئية.

هذا بالنسبة إلى أصل المسألة في حالة الاختيار.

وأما بالنسبة إلى حال التقية فقد ذكر صاحب الجواهر: أنّه لابد من الإتيان به لشمول أدلة التقية لهذا المورد(1)وأن يكون إتيانه به بقصد الدعاء.

وأما تركه مع وجوب التقية فهل يوجب ذلك بطلان الصلاة؟

الظاهر عدم البطلان لأنّه أمر خارج عن الصلاة، فلم يأت بما ينافي الصلاة، مضافاً إلى أنّه أمر عدمي.

وعليه فالصلاة صحيحة وإن خالف فيها مقتضى التقية.


1) جواهر الكلام 10 : 10 الطبعة السابعة

المسالة الثالثة:

في التكفير أو التكتف حال القيام في الصلاة وهو وضع إحدى اليدين على الأخرى، على أية كيفية كانت كوضع اليدين على الصدر، أو اليمنى على اليسرى فوق السرة أو تحتها بدعوى أنّ هذا العمل موجب للخضوع والخشوع في الصلاة.

وأصل هذا العمل حدث في زمان عمر، وذلك لما جيء بأسارى العجم وأوقفوا أمامه ورآهم يفعلون ذلك فسأل عن ذلك فأجابوه: بأنا نستعمله خضوعاً وتواضعاً لملوكنا، فاستحسن هو فعله مع الله تعالى في الصلاة(1)وقد التزم أكثر العامة بذلك.

ومن ثمّ أصبحت المسألة خلافية بين العامة والخاصة، وبين العامة أنفسهم فالمشهور عند الخاصة القول بعدم الجواز وأنه موجب للبطلان(2)، بل ادعي الإجماع عليه كما عن الشيخ في الخلاف(3)، والسيد في الانتصار(4)، وغيرهما، ونسب الخلاف إلى الإسكافي فجعل تركه مستحباً، وإلى أبي الصلاح حيث جعل فعله مكروهاً(5)، واختار المحققفي المعتبر الكراهة(6)، وذهب صاحب المدارك إلى التفصيل بين الحرمة والبطلان فقال بالحرمة دون البطلان(7)كما في المسألة السابقة.

والمشهور عند العامة وعليه جمهورهم أنّه من مسنونات الصلاة، وذهب مالك إلى كراهته في الفريضة دون النافلة، وله قول آخر بالاستحباب في الفريضة والنافلة، قال في عمدة القارىء: قال في أصل الوضع فعندنا يضع وبه قال


1) جواهر الكلام 11 : 19 الطبعة السابعة

2) نفس المصدر ص 15

3) الخلاف 1 : 109 الطبعة الثانية

4) الانتصار المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية: 101 الطبع القديم

5) جواهر الكلام 11 : 15 الطبعة السابعة

6) المعتبر في شرح المختصر: 196 الطبع القديم

7) جواهر الكلام 11 : 20 الطبعة السابعة

الشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل العلم، وهو قول علي وأبي هريرة والنخعي والثوري وحكاه ابن المنذر عن مالك، وفي التوضيح وهو قول سعيد بن جبير وأبي محلز وأبي ثور وأبي عبيد وأبي جرير وداود، وهو قول أبي بكر وعائشة وجمهور العلماء قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وحكى ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير والحسن البصري وابن سيرين أنّه يرسلهما، وكذلك عند مالك في المشهور يرسلهما وإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة قاله الليث بن سعيد وقال الأوزاعي: هو مخير بين الوضع والإرسال(1)

والحاصل أنّ المشهور عند جمهور العامة القول بأنه سنة.

ويقع الكلام في تحقيق المقام في جهتين:

الأولى: في ما تقتضيه القاعدة.

الثانية: في المستفاد من الأدلة الخاصة.

أما بالنسبة إلى الجهة الأولى فالإتيان بهذا العمل على أنحاء ثلاثة كما في المسألة السابقة:

1 - أن يكون الإتيان به بعنوان الجزئية، ولا إشكال في حرمته وأنه مبطل للصلاة.

2 - أن يكون الإتيان به بعنوان الخضوع والخشوع، وهذا أيضاً تشريع محرم، أما أنّه مبطل أو غير مبطل فهو محل الكلام وسيأتي بيانه.

3 - أن يكون الإتيان به لا بنية، بل محاكاة للعامة، أو لغرض الاستراحة، فهذا وإن لم يكن تشريعاً محرماً إلاّ أن كونه مفسداً للصلاة وعدمه يتوقف على أنّ العمل بنفسه هل هو ماح لصورة الصلاة أو لا؟ وسيأتي تحقيقه من خلال الكلام عن الجهة الثانية.


1) عمدة القارىء شرح صحيح البخاري 5 : 279 دار الفكر

وأما بالنسبة إلى الجهة الثانية فقد استدل على عدم الجواز بأدلة خمسة:

الأول: الإجماع.

الثاني: أنّ العبادة توقيفية.

الثالث: أنّ القول بعدم الجواز موافق لقاعدة الاحتياط.

الرابع: أنّ هذا الفعل مناف للصلاة.

الخامس: الروايات.

أما الأدلة الثلاثة الأولى فهي غير تامة، والإشكال عليها واضح فلا تنهض لإثبات الحرمة.

وأما الدليل الرابع فهو محل إشكال أيضاً من جهة أنّ العمل المنافي للصلاة إنما يكون مبطلاً إذا كان ماحياً لصورة الصلاة فذلك منهي عنه وموجب للفساد، وأما إذا كان غير ماح لصورة الصلاة فلا يكون مبطلاً، نعم قد يكون مكروهاً كالعبث باللحية، وفرقعة الأصابع ونحو ذلك، ولم يرد أن مطلق العمل مبطل للصلاة، وهنا وقع الخلاف في التكفير هل هو ماح لصورة الصلاة فيكون مبطلاً أو لا، فلا يكون كذلك؟

قد يقال: بالأول وذلك لما ثبت أن هذا الفعل أمر مستحدث ولم يفعله النبيّ(صلی الله علیه و آله و سلم)، وإنما كانت يداه - حال قيامه أثناء الصلاة مرسلتين وورد في بعض الروايات أنّ المستحب وضع اليدين على الفخذين حال القيام وأنه هو الموجب للخشوع والخضوع فغير هذه الكيفية - أو غير الإرسال - عمل ماح للصلاة كضم اليدين على الصدر أو على السرة أو فوقها أو تحتها فإذا رؤي المصلي يفعل ذلك فكأنه ليس في الصلاة.

هذا غاية ما يقال في تقريب كونه عملاً ماحياً لصورة الصلاة.

ولكن نوقش في هذا بأنه ليس من شرائط الصلاة وضع اليدين على نحو

الإرسال أو من الخلف أو على الصدر، نعم ضم اليدين إلى الفخذين هو المستحب أما تقييد الصلاة بأحد هذه الأمور فلم يثبت، والمكلف مخير في وضع يديه بأية كيفية شاء، وليس فيه محو لصورة الصلاة، نعم لما كان هذا العمل - التكتف - موجب لترك المستحب ففيه حزازة من هذه الناحية، ولذا ذهب بعضهم إلى القول بالكراهة لأنّ فيه تشبهاً بالمجوس.

فكون هذا العمل منافياً للصلاة وماحياً لصورتها لم يثبت.

وعلى فرض التسليم بأنه مخالف لهيئة المصلي إلاّ أن هذا لا يثبت المدعى على نحو الإطلاق، وذلك لأنّه لو كان ماحياً لصورة الصلاة للزم أن يكون مستمراً في مقدار معتد به من الصلاة كتمام القيام أو نصفه، وأما إذا كان في زمان يسير جداً من الصلاة - كحال القيام فقط - كما إذا كانالمصلي يرتدي عباءة أو رداء أو نحو ذلك فلا يكون الفعل ماحياً لصورة الصلاة.

والحاصل: أنّ القول بأنّ التكتف عمل مناف للصلاة وماح لصورتها غير تام.

وأما الدليل الخامس - وهو أهم الأدلة في المسألة - فهو الروايات الواردة في المقام وهي على طائفتين:

الأولى: الروايات الدالة على النهي والمنع أو ظاهرها عدم الجواز.

الثانية: الروايات التي يظهر منها الجواز.

أما روايات الطائفة الأولى فهي:

1 - صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما ' قال: قلت له الرجل يضع يده في الصلاة، وحكى اليمنى على اليسرى، فقال: ذلك التكفير لا يفعل(1)

وفسر قوله: وحكى اليمنى على اليسرى، بأنّ الراوي محمّد بن مسلم هو


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 15 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 1

القائل لهذه الجملة، وأنّ الفعل صدر من الإمام (علیه السلام) للبيان، ويحتمل أن هذا القول من العلاء الراوي عن محمّد بن مسلم يصف فعل محمّد بن مسلم أمام الإمام (علیه السلام) ويحتمل أيضاً أنّ الضمير راجع إلى الرجل، وعلى كل تقدير فدلالة الرواية واضحة في النهي عن التكفير.

2 - رواية حريز عن رجل عن أبي جعفر (علیه السلام) (في حديث) قال: ولا تكفر إنما يصنع ذلك المجوس(1)

والرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها مرسلة.

3 - رواية الخصال بسنده عن علي (علیه السلام) (في حديث الأربعمائة) قال: لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي الله عزوجل يتشبه بأهل الكفر يعني المجوس(2)

وهذه الرواية تامة سنداً ودلالة، فإن التشبه بأهل الكفر - ولا سيما في الصلاة - غير جائز.

وظاهر هذه الروايات النهي والنهي ظاهر في الحرمة وإرشاده إلى الفساد.

وأما الطائفة الثانية وهي الروايات الدالة على الجواز فهي:

1 - صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا قمت إلى الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك فإنما لك منها ما أقبلت عليه، ولا تعبث فيها بيديك، ولا برأسك، ولا بلحيتك ولا تحدث نفسك، ولا تتثأب، ولا تتمط، ولا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس، ولا تلثم، ولا تحتفز، وتفرج كما يتفرج البعير، ولا تقع على قدميك، ولا تفترش ذراعيك، ولا تفرقع أصابعك، فإن ذلك كله نقصان من الصلاة، ولا تقم إلى الصلاة متكاسلاً ولا متناعساً ولا متثاقلاً فإنها من خلال النفاق، فإنّ الله سبحانه نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى، يعني


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 15 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 7

سكر النوم، وقال للمنافقين: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس، ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً(1)

والرواية واردة في بيان آداب الصلاة وما ذكر فيها فهو إما مستحب أو مكروه، ومن المكروهات التكفير وشاهده قوله (علیه السلام): «فإن ذلك كله نقصان من الصلاة» فالرواية ظاهرة في الكراهة.

2 - رواية علي بن جعفر قال: قال أخي: قال علي بن الحسين ': وضع الرجل إحدى يديه على الأخرى في الصلاة عمل، وليس في الصلاة عمل(2).

وهذه الرواية لا دلالة فيها إلاّ على الكراهة لأنّ العمل له فردان مبطل وغير مبطل، وصدر الرواية ليس فيه ظهور في الحرمة فلا تدخل في القسم الأول وذيلها له ظهور في الكراهة فتحمل عليه وذلك لأنّ علي بن جعفر روى نحو هذه الرواية وفيها زيادة وهي: وسألته: عن الرجل يكون في صلاته أيضع إحدى يديه على الأخرى بكفه أو ذراعه؟ قال: لا يصلح ذلك، فإن فعل فلا يعود له(3)

وضم هذه الزيادة الموجودة في كتاب علي بن جعفر إلى الرواية مشعر بالكراهة فإنّ قوله: «لا يصلح» ظاهر في الكراهة مضافاً إلى أنّ الإمام (علیه السلام) لم يحكم بالإعادة وإنما قال: «لا يعود له» فهذه الرواية صدراً وذيلاً ظاهرة في الكراهة وإن كانت ليست كالأولى في الظهور.

وأما سند الرواية ففيها عبد الله بن الحسن ولم يرد فيه توثيق إلاّ أنّ في تصحيح رواياته تحقيقاً سيأتي قريباً.

3 - رواية الدعائم عن جعفر بن محمّد ' أنّه قال: إذا كنت قائماً في الصلاة، فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى، ولا اليسرى على اليمنى،فإن ذلك تكفير أهل


1) وسائل الشيعة ج 4 باب 1 من أبواب أفعال الصلاة الحديث 5

2) نفس المصدر الحديث 4

3) نفس المصدر الحديث 5

الكتاب، ولكن أرسلهما إرسالاً فإنه أحرى أن لا يشغل (تشغل) نفسك عن الصلاة(1)

والمستفاد من قوله: فإنه أحرى الدلالة على الكراهة، وأما سند الرواية فهو غير تام على ما حققناه في محله.

4 - رواية العياشي في تفسيره عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: قلت له: أيضع الرجل يده على ذراعه في الصلاة؟ قال: لا بأس، إنّ بني اسرائيل كانوا إذا دخلوا في الصلاة دخلوا متماوتين كأنهم موتى، فأنزل الله على نبيه خذ ما أتيتك بقوة، فإذا دخلت الصلاة فادخل فيها بجلد وقوة، ثمّ ذكرها في طلب الرزق فإذا طلبت الرزق فاطلبه بقوة(2)

والمستفاد من قوله: «لا بأس» هو الجواز، فالدلالة واضحة إلاّ أن الاستدلال بهذه الرواية على المدعى محل إشكال وذلك:

أولاً: أنّ الرواية مجملة بل في غاية الإجمال كما ذكر ذلك صاحب البحار(3).

وثانياً: احتمال أنّ الرواية واردة في مقام التقية.

وثالثاً: احتمال أنّ ذيل الرواية لا علاقة له بصدرها وإنما ذكر للمناسبة.

رابعاً: أنّ سند العياشي للرواية غير معلوم.

والحاصل: أنّ ما يمكن الاستدلال به على الجواز هو هذه الروايات الأربع إلاّ أن الروايتين الأخيرتين غير معتبرتين لما ذكرنا، والعمدة هي الروايتان الأوليان فيقع شبه التعارض بينهما وبين ما دل على عدم الجواز.

ومقتضى الجمع بين الطائفتين هو حمل الروايات الناهية على الكراهة، مضافاً إلى أنّه يمكن المناقشة في دلالة صحيحة زرارة بأنها غير صريحة في التحريم


1) مستدرك الوسائل ج 5 باب 14 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 4

3) بحار الأنوار 84 : 327 المطبعة الإسلامية

لأنّ الإمام (علیه السلام) قال: «لا يفعل» وهكذا بالنسبة إلى رواية الخصال فإنّ حديث الأربعمائة جله آداب وسنن وبيان حكمة التشريع ولم يرد فيه واجبات، وإن ورد فهو قليل جداً، مضافاً إلى ذكر بعض المحرمات فيمكن القول بأنّ الرواية ظاهرة في الكراهة وخصوصاً عند التشبه بالمجوس فإنّ فيه حزازة من هذه الناحية.والحاصل: أنّ هاتين الروايتين ليستا صريحتين في الحرمة وتلك الروايات واضحة الدلالة في الكراهة فحينئذ يجمع بينهما بالحمل على الكراهة، وبها قال المحقق كما تقدم، ونسب صاحب البحار إلى العلامة القول بالتوقف في المنع(1)، ومال إليه صاحب الحدائق(2)، وهكذا السيد الأستاذ(3)فإنهم قالوا بالكراهة، وإن كان الأقوى عدم التكفير وادعي نقل الإجماع على ذلك.

هذا بالنسبة إلى أصل المسألة.

وأما علاقة المسألة بالتقية: فعلى القول بالكراهة لا مجال للبحث لأنّ التكفير حينئذ جائز وإن كان مكروهاً، وأما على القول بالحرمة فأدلة التقية تشمله فيكون واجباً ومخالفته تكون حراماً فإذا لم يتق المصلي وصلى بلا تكفير فهل تكون الصلاة صحيحة أو لا؟

ذهب صاحب العروة إلى أنّه مشكل(4)وإن كان الأقوى هو الحكم بالصحة، والاحتياط بالإعادة، وجهة الإشكال تبتني على أمرين:

الأول: أن يكون الأمر بالتقية موجباً للنهي عن ضده.

الثاني: أنّ النهي هنا يوجب الفساد.

فإن تم هذان الأمران فهو وإلاّ فلا وجه للإشكال في الصحة، والمقام كذلك


1) بحار الأنوار 84 : 328 المطبعة الإسلامية

2) الحدائق الناضرة 9 : 13 طبعة النجف 1382 ه-

3) مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة 4 : 450 الطبعة الأولى

4) نفس المصدر ص 453 متن الطبعة الأولى

فإنه أولاً: لا نهي في المقام، وثانياً: على فرض ورود النهي إلاّ أن التكفير أمر خارج عن الصلاة وغير داخل في الأجزاء والشرائط، نعم لو كان من الأجزاء والشرائط لأوجب البطلان، وثالثاً: أنّه ليس عملاً ماحياً لصورة الصلاة.

فالذي يظهر أن ترك التكفير حال التقية بناء على حرمته لا يوجب بطلان الصلاة والله العالم.

المسألة الرابعة:

في السجود على غير الأرض أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس.

وهي من المسائل الخلافية بين الخاصة والعامة.فذهب العامة إلى عدم اعتبار شيء من ذلك ولم ينقل عنهم خلاف فيه.

وأما الخاصة فهم يعتبرون في صحة السجود أن يكون على الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل ولا يلبس، وقد ادعي عليه الإجماع تحصيلاً ونقلاً متواتراً كما في الجواهر(1)، بل يمكن أن يدعى أنّه من ضروريات المذهب، وتدل عليه روايات كثيرة قيل إنها متواترة.

وإنما وقع الخلاف بين الخاصة في بعض الموارد منها السجود على القطن والكتان، فقد نقل الإجماع على عدم جواز السجود عليهما كما في المختلف(2)، ونسب إلى السيد المرتضى في كتابي الجمل والانتصار(3)، ولكن نسب إليه في المسائل الموصلية القول بالكراهة(4)، وكذا نسب إلى العلامة في النهاية(5)،


1) جواهر الكلام 8 : 412 الطبعة السابعة

2) الحدائق الناضرة 7 : 249 طبعة النجف 1382 ه-

3) نفس المصدر

4) نفس المصدر ص 245

5) جواهر الكلام 8 : 426 الطبعة السابعة

وظاهر المحقق في المعتبر الميل إلى ذلك(1)، وهكذا المحدث الكاشاني(2)

وإنما ذكرنا هذا المورد بخصوصه لأنه محل الابتلاء وإلاّ فهناك موارد أخرى وقع فيها الخلاف بين فقهاء الطائفة.

ويقع الكلام في جهات ثلاث:

الأولى: في أصل الحكم في المسألة.

الثانية: في حكم السجود على القطن والكتان.

الثالثة: في ارتباط المسألة بالتقية.

أما بالنسبة إلى الجهة الأولى فقد ذكرنا أنّه لم يذكر فيه خلاف بين الأعلام وقد وردت فيه عدة روايات تدل عليه وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: الروايات التي تحدد ما يصح السجود عليه من غيره، وهي عدة روايات:

منها: صحيحة هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبد الله (علیه السلام): أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز؟ قال: السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لبس، فقال له: جعلتفداك ما العلة في ذلك؟ قال: لأنّ السجود خضوع لله عزوجل، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها الحديث(3)

وهذه الرواية صحيحة السند وواضحة الدلالة وجهة التعليل مؤكدة للمراد.


1) الحدائق الناضرة 7 : 249 طبعة النجف 1382 ه-

2) نفس المصدر

3) وسائل الشيعة ج 3 باب 1 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 1

ومنها: صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله أنّه قال: السجود على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لبس(1)

ومنها: صحيحة الفضيل بن يسار، وبريد بن معاوية جميعاً عن أحدهما، قال: لا بأس بالقيام على المصلّى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الأرض، وإن كان من نبات الأرض فلا بأس بالقيام عليه والسجود عليه(2)

وهذه الرواية مضافاً إلى دلالتها على ما نحن فيه، تدل أيضاً على عدم جواز السجود على الشعر والصوف.

ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له: أسجد على الزفت يعني القير؟ فقال: لا، ولا على الثوب الكرسف، ولا على الصوف، ولا على شيء من الحيوان، و لا على طعام، ولا على شيء من ثمار الأرض، ولا على شيء من الرياش(3)

ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن حمران عن أحدهما ' قال: كان أبي(علیه السلام) يصلي على الخمرة يجعلها على الطنفسة ويسجد عليها، فإذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد(4)

وهذه الرواية وإن كانت حكاية لفعل الإمام (علیه السلام) إلاّ أنّه لما كان في مقام البيان فهي دالة على المراد من عدم صحة السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس.

ومنها: صحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): دعا أبي بالخمرةفأبطأت عليه، فأخذ كفاً من حصى فجعله على البساط ثمّ سجد(5)


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 1 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 5

3) نفس المصدر باب 2 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 1

4) نفس المصدر الحديث 2

5) نفس المصدر الحديث 3

وهذه الرواية كالرواية السابقة من حيث المضمون، وأما من حيث السند فهي وإن كان فيها محمّد بن سنان وفي وثاقته خلاف إلاّ أنّه ثقة كما هو نتيجة التحقيق، ولذلك عبرنا عنها بالصحيحة.

ومنها: رواية المحقق الحلي في المعتبر عن الحلبي عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلي على البساط والشعر والطنافس؟ قال: لا تسجد عليه وإن قمت عليه وسجدت على الأرض فلا بأس، وإن بسطت عليه الحصير وسجدت على الحصير فلا بأس(1)

والرواية من حيث الدلالة واضحة، وأما من حيث السند فالحلبي مشترك بين عبيد الله الحلبي ومحمّد بن علي الحلبي وكلاهما ثقتان(2)، والظاهر أنّ المراد هو الأول وهو صاحب الكتاب المعروف المشهور المصحح من الإمام (علیه السلام) وهذا الكتاب يرويه جماعات من الناس وللشيخ عدة طرق إليه(3)

وللمحقق طريق صحيح إلى جميع روايات وكتب الشيخ، كما أنّ لابن إدريس وابن طاووس طرقاً إلى روايات الشيخ وكتبه، وحينئذ فالرواية معتبرة.

وأما إذا كان المراد هو الثاني فكتابه مشهور أيضاً إلاّ أنّه لم يرد فيه أنّه صحّح على الإمام، ولابد حينئذ من الفحص لمعرفة أنّ للشيخ طريقاً صحيحاً إلى الكتاب فإن الطريق المذكور في الفهرست(4)ينتهي إلى أبي جميلة المفضل بن صالح.

ومنها: رواية ياسر الخادم قال: مرّ بي أبو الحسن (علیه السلام) وأنا أصلي على الطبري وقد ألقيت عليه شيئاً أسجد عليه، فقال لي: مالك لا تسجد عليه؟ أليس هو من نبات الأرض(5)


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 2 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 4

2) رجال النجاشي 2 : 37 و 202 الطبعة الأولى المحققة

3) الفهرست: 132 الطبعة الثانية

4) نفس المصدر ص 156

5) وسائل الشيعة ج 3 باب 2 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 5

والرواية من جهة السند لا إشكال فيها فإنّ ياسر الخادم واقع في أسناد تفسير القمي كما ذكرنا ذلك فيما تقدم، فيحكم بوثاقته، وأما من جهةالدلالة فهي واضحة وإن اختلف في معنى الطبري، فقيل: هو حصير ينسب إلى طبرستان، وقيل: كتان منسوب إليها(1)وقيل: هو بساط مخلوط بالقطن، وعلى كل حال فلا إشكال في دلالة الرواية، ولاسيما أن الطبري موضوع خارجي فالأمر فيه سهل.

وغيرها من الروايات.

الطائفة الثانية: الروايات التي تدل على جواز السجود على ما لا يصح السجود عليه حال التقية.

ومنها: صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن الماضي (علیه السلام) عن الرجل يسجد على المسح والبساط؟ قال: لا بأس إذا كان في حال التقية(2).

ورواها الشيخ أيضاً كذلك بزيادة: «ولا بأس بالسجود على الثياب في حال التقية»(3)، والمفهوم من ذلك أنّه في حال عدم التقية لا يجوز السجود على ما ذكر.

ومنها: صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يسجد على المسح؟ فقال: إذا كان في تقية فلا بأس به(4).

والمسح بالكسر فالسكون واحد المسوح ويعبرعنه بالبلاس وهو كساء معروف(5)

الطائفة الثالثة: الروايات التي تدل على جواز السجود على غير الأرض


1) مجمع البحرين3 : 376 الطبعة المحققة الثانية

2) وسائل الشيعة ج 3 باب 3 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 1

3) نفس المصدر ذيل الحديث 1

4) نفس المصدر الحديث 3

5) مجمع البحرين 2 : 414 الطبعة المحققة الثانية

في حال الضرورة.

ومنها: موثقة عيينة بياع القصب قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) أدخل المسجد في اليوم الشديد الحر فأكره أن أصلي على الحصى، فأبسط ثوبي فأسجد عليه؟ قال: نعم، ليس به بأس(1)

وبهذا المضمون عدة روايات وجميعها تتضمن سؤال الإمام (علیه السلام) عن السجود حال الضرورة، ومنه يفهم أن المرتكز في أذهان السائلين عدم الجواز حال الاختيار، ولم يرد التعبير من الإمام (علیه السلام) بالاضطرار إلاّ في رواية واحدة وهي رواية علي بن جعفر، عن أخيه (علیه السلام) قال: سألته عنالرجل يؤذيه حر الأرض وهو في الصلاة ولا يقدر على السجود، هل يصح له أن يضع ثوبه إذا كان قطناً أو كتاناً؟ قال: إذا كان مضطراً فليفعل(2)

وهذه الرواية من جهة الدلالة واضحة إلاّ أن الكلام من جهة السند، وذلك لأنها وردت في قرب الاسناد، وفي سندها عبد الله بن الحسن وهو ممن لم يرد فيه توثيق، ولهذا فهو ضعيف في نظر السيد الأستاذ ! وسيأتي تحقيقه قريباً.

والمتحصل من هذه الروايات وغيرها مما لم نذكره: عدم جواز السجود على البساط والمسح والصوف والشعر في حال الاختيار.

وأما بالنسبة إلى الجهة الثانية وهي السجود على القطن والكتان فقد وقع الخلاف بين فقهاء الطائفة، والمشهور عدم الجواز حال الاختيار، وقد ذكرنا أنّ العلامة في المختلف نقل الإجماع على ذلك ومنشأ الاختلاف هو الروايات، فقد دلت عدة روايات على عدم الجواز كما دلت روايات أخرى على الجواز.

أما الروايات الدالة على عدم الجواز فهي قسمان:

الأول: الروايات الدالة على عدم الجواز بنحو الإطلاق وهي عدة روايات


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 4 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 9

وتقدم ذكرهاه وهي بإطلاقها تشمل القطن والكتان وغيرهما مما يؤكل أو يلبس.

الثاني: الروايات الواردة في خصوص القطن والكتان ومنها:

1 - معتبرة أبي الفضل بن عبد الملك قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لا يسجد إلاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلاّ القطن والكتان(1)

والرواية من حيث الدلالة واضحة فإن استثناء القطن والكتان مما أنبتت الأرض يدل على عدم جواز السجود عليهما، فلا إشكال في الدلالة إلاّ أن الرواية من حيث السند فيها القاسم بن عروة وهو لم يرد فيه توثيق، ولكنه واقع في أسناد نوادر الحكمة ولم يستثنه ابن الوليد فيحكم بوثاقته فتكون الرواية معتبرة.

2 - رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد (في حديث شرايع الدين) قال: لا يسجد إلاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلاّ المأكول والقطنوالكتان(2).

والرواية صريحة في الدلالة وهي كالرواية السابقة بإضافة المأكول في المستثنى إلاّ أنها من جهة السند تشتمل على عدة مجاهيل كما تقدم.

3 - رواية قرب الاسناد المتقدمة عن علي بن جعفر عن أخيه (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يؤذيه حر الأرض وهو في الصلاة، ولا يقدر على السجود على الأرض، هل يصلح له أن يضع ثوبه إذا كان قطناً أو كتاناً؟ قال: إذا كان مضطراً فليفعل(3).

والمفهوم من الرواية عدم الجواز في غير حال الاضطرار.

4 - صحيحة زرارة المتقدمة أيضاً عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قلت له أسجد على الزفت يعني القير؟ فقال: لا، ولا على الثوب الكرسف، ولا على الصوف، ولا على شيء من الحيوان، ولا على طعام، ولا على شيء من ثمار الأرض، ولا


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 1 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 6

2) نفس المصدر الحديث 3

3) نفس المصدر باب 4 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 9

على شيء من الرياش(1)

ومحل الشاهد قوله: «ولا على الثوب الكرسف» وقد فسر: بأنه الثوب القطني(2)، فإذا كان الثوب الكرسف من القطن فهو مشمول لعدم الجواز.

5 - رواية قرب الاسناد عن علي بن جعفر قال: وسألته عن الرجل يسجد فتحول عمامته وقلنسوته بين جبهته وبين الأرض؟ قال: لا يصلح حتى يضع جبهته على الأرض(3)

والروايات صريحة في أن السجود لا يتحقق إلاّ بوضع الجبهة على الأرض، فلا يجوز وضعها على غيرها كالعمامة والقلنسوة، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ مورد الرواية في بيان وجوب تمكين الجبهة على الأرض فإذا وضعت على العمامة ارتفعت عن الأرض، ويجاب: بأن ذلك وإن كان وارداً في العمامة إلاّ أنّه غير وارد بالنسبة إلى القلنسوة فتدخل الرواية في المقام، ثمّ إنّ الغالب في العمامة أن تكون من القطن، وأما القلنسوة فقد تكون من القطن وقد تكون من غيره، هذا من جهة الدلالة، وأما من جهة السند فالرواية واردة في قرب الاسناد وفي سندها عبد الله بن الحسن وهو ضعيف في نظر سيدنا الأستاذ ! وقد وعدنا بتحقيق الحال في رواياته فيما تقدم وهذا موضع الوفاء، ويجري هذا التحقيق في جميع روايات قرب الاسناد المتقدمة والآتية المروية عن علي بن جعفر فإنّ عبد الله بن الحسن واقع في طريقها فنقول: إنه يمكن تصحيح روايات الحميري عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر بعدة وجوه:

الأول: ذكر النجاشي(4)أن لعلي بن جعفر كتاباً مبوباً وغير مبوب بمعنى أن


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 2 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 1

2) مجمع البحرين 5 : 110 الطبعة المحققة الثانية

3) وسائل الشيعة ج 3 باب 14 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 6

4) رجال النجاشي 2 : 72 الطبعة الأولى المحققة

الكتاب يروى بطريقين أحدهما: للمبوب والآخر لغير المبوب، ثمّ ذكر طريقه إلى المبوب وهو طريق صحيح، وذكر طريقه إلى غير المبوب وفيه عبد الله بن الحسن(1)وليس بين النسختين اختلاف، وإلاّ لنبّه النجاشي على ذلك كما هي عادته، وبضم الطريق المجهول إلى الطريق المعتبر تصبح الروايات كلها معتبرة، وذلك لأنّ الطريقين ينتهيان إلى كتاب واحد، هذا من جانب ومن جانب آخر فإنّ النجاشي يروي كتاب قرب الاسناد بطريق معتبر، فتكون النتيجة أن الروايات التي يرويها الحميري عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر من المسائل كلها معتبرة، هذا ويمكن تصحيح الطريق من جهة الشيخ أيضاً، وذلك لأنّ الشيخ(2)يروي جميع روايات وكتب الحميري ومنها قرب الاسناد المصحح بطريق النجاشي إلى علي بن جعفر.

الثاني: إنّ الشيخ(3)ذكر أنّ لعلي بن جعفر كتاباً اسمه المناسك والمسائل وذكر طريقه إليه، والظاهر أنّ هذا الكتاب هو كتاب الحلال والحرام الذي ذكره النجاشي(4)لا أنهما مختلفان، ولو كانا مختلفين لذكر الشيخ والنجاشي ذلك، فبناء على عدم التعدد وإن ذكره الشيخ بعنوان المناسك والمسائل وذكره النجاشي بعنوان الحلال والحرام إلاّ أنهما عنوانان لكتاب واحد، فينطبق ما ذكره الشيخ على ما ذكره النجاشي، وطريق النجاشي(5)وإن كان فيه عبد الله بن الحسن إلاّ أنّ طريق الشيخ(6)إليه معتبر فهو عن جماعة عن محمّد بن علي بن الحسين (الصدوق) عن أبيه عن محمّد بن يحيى عن العمركي الخراساني البوفكي عن علي


1) رجال النجاشي 2 : 73 الطبعة الأولى المحققة

2) الفهرست: 128 الطبعة الثانية

3) نفس المصدر ص 114 الطبعة الثانية

4) رجال النجاشي 2 : 72 الطبعة الأولى المحققة

5) نفس المصدر ص 73

6) الفهرست: 114 الطبعة الثانية

بن جعفر.

فهذا الطريق معتبر ويكون طريقاً لما رواه الحميري عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر كما ذكره النجاشي.

الثالث: أنّ الشيخ يروي كتاب مسائل علي بن جعفر بعدة طرق أحدها: الطريق المتقدم عن البوفكي، وثانيها: عن الصدوق عن أبيه عن سعد والحميري - صاحب قرب الاسناد - وأحمد بن إدريس وعلي بن موسى - كلهم - عن أحمد بن محمّد عن موسى بن القاسم البجلي عنه(1)

فمع قطع النظر عن اتحاد الكتابين لكن يعلم من هذا الطريق أنّ للشيخ طريقاً إلى ما رواه الحميري من مسائل علي بن جعفر وهو طريق معتبر، كما يعلم أيضاً أن طريق الحميري لا ينحصر في عبد الله بن الحسن، بل له طريق آخر وهو عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن موسى بن القاسم البجلي عن علي بن جعفر.

وقال الشيخ الصدوق في المشيخة: ورويته عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه عن محمّد بن الحسن الصفار، وسعد بن عبد الله جميعاً عن أحمد بن محمّد بن عيسى، والفضل بن عامر، عن موسى بن القاسم البجلي، عن علي بن جعفر(2)

وعلى كل تقدير فيمكن تصحيح روايات الحميري من مسائل علي بن جعفر بعدة وجوه فكلّ ما ورد من قبل ومن بعد من روايات الحميري عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر فيما سأله أخاه موسى الكاظم (علیه السلام) فهو معتبر ولا يحتاج إلى ملاحظة السند، وعليه فما ورد عن السيد الأستاذ! (3)في تضعيف الروايات الواردة عن هذا الطريق وطرحها من جهة ضعف السند لا يخلو من


1) الفهرست: 114 الطبعة الثانية

2) مشيخة الفقيه: 6 دار التعارف للمطبوعات

3) مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة 6 : 93 الطبعة العلمية 1364 ه- ش

إشكال.

هذا بالنسبة إلى الروايات المانعة وأما الروايات المجوزة فهي:

1 - رواية ياسر الخادم قال: مر بي أبو الحسن (علیه السلام) وأنا أصلي على الطبري وقد ألقيت عليه شيئاً أسجد عليه، فقال لي: مالك لا تسجد عليه، أليس هو من نبات الأرض(1)؟

وقد تقدمت الرواية وذكرنا الأقوال في تفسير الطبري ومفاد الرواية هو الجواز كما أنّ سند الرواية معتبر.

2 - رواية داود الصرمي قال: سألت أبا الحسن الثالث (علیه السلام) هل يجوز السجود على القطن والكتان من غير تقية؟ فقال: جائز(2)

والرواية في دلالتها واضحة، ولكنها من جهة السند فيها داود الصرمي وهو وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه واقع في كتاب نوادر الحكمة(3)ولم يستثن فيحكم بوثاقته فتكون الرواية معتبرة.

3 - رواية الحسين بن علي بن كيسان قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث: أسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية ولا ضرورة؟ فكتب: ذلك جائز(4).

والرواية واضحة الدلالة إلاّ أنها من جهة السند محل كلام، فإنّ الصنعاني لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه ورد في نوادر الحكمة الحسن بن علي بن كيسان فإن كان هذا هو الحسن وصحف بالحسين فيمكن الحكم بوثاقته واعتبار الرواية، وإن كان شخصاً آخر فالرواية غير معتبرة.


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 2 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 5

2) نفس المصدر الحديث 6

3) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 140 الطبعة الأولى

4) وسائل الشيعة ج 3 باب 2 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 7

4 - وهناك روايات أخرى ذكرها صاحب الوسائل، ومنها: رواية عن تحف العقول عن الصادق (علیه السلام) (في حديث) قال: وكل شيء يكون غذاء الإنسان في مطعمه، أو مشربه، أو ملبسه، فلا تجوز الصلاة عليه، ولا السجود، إلاّ ما كان من نبات الأرض من غير ثمر، قبل أن يصير مغزولاً، فإذا صار غزلاً فلا تجوز الصلاة عليه إلاّ في حال الضرورة(1)

وهذه الرواية تصلح لأن تكون تفصيلاً في القطن والكتان قبل الغزل وبعده.

وأما بالنسبة إلى سند الرواية ففيه وفي جميع روايات تحف العقول تحقيقاً ذكرناه في مباحثنا الرجالية فراجع(2)

هذه جملة الروايات الواردة في الجواز وعدمه.

وأما الجمع بين الروايات فقد ذكروا للجمع بينها أربعة وجوه:

الأول: حمل الروايات الدالة على عدم الجواز على الكراهة جمعاً بينها وبين ما دل على الجواز، وإليه ذهب السيد المرتضى ! في الموصليات،ونسب إلى العلامة في النهاية، وهو ظاهر المحقق في المعتبر كما تقدم.

الثاني: ما ذكره الشيخ كما نقله صاحب الوسائل وهو حمل الروايات المجوزة على حال الاضطرار(3)

الثالث: حمل الروايات المجوزة على التقية.

الرابع: أن يقال بالتفصيل بمقتضى رواية تحف العقول بحمل الروايات المانعة على ما كان بعد الغزل والمجوزة على ما قبل الغزل.

وقد استشكل السيد الأستاذ ! في ثلاثة منها واختار الوجه الثالث وهو الحمل على التقية.


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 1 من أبواب ما يسجد عليه الحديث11

2) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 274 الطبعة الأولى

3) وسائل الشيعة ج 3 باب 1 من أبواب ما يسجد عليه ذيل الحديث 7

أما الوجه الأول فقد ناقشه: بأنه لا يمكن المصير إليه لأنه جمع غير عرفي فإن الجواز وعدم الجواز غير قابلين للحمل على الكراهة، وذلك لأنّ الجواز إرشاد إلى الصحة وعدم الفساد، كما أنّ عدم الجواز إرشاد إلى عدم الصحة والفساد، نعم لو كان الأمر يدور بين النهي أو المنع مع الجواز لأمكن حمل النهي على الكراهة والمقام ليس كذلك.

ثم إنّ هذا الوجه إنما يتم في رواية واحدة دلت على عدم الجواز وهي صحيحة هشام بن الحكم وقد تقدمت.

وفيها قال (علیه السلام): لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض، إلاّ ما أكل أو لبس.

وحينئذ يقع التعارض بينهما فتقدّم الروايات المانعة على المجوزة وذلك لوجهين: أنها مشهورة وأنها مخالفة للعامة.

والروايات المجوزة غير مشهورة، وموافقة للعامة فتحمل على التقية.

قد يقال: إنّ هذه الروايات المجوزة قد افترض السائل فيها عدم التقية وأجابه الإمام (علیه السلام) على طبق سؤاله ويردّه: أنّ الإمام إنما يجيب بحسب مطابقة جوابه للمصلحة، فعلى السائل أن يسأل ولا يلزم الإمام أن يجيب على طبق السؤال، فإن الإمام أعلم بما تقتضيه المصلحة، وقد يقتضي الجواب أن يكون على طبق التقية، وفي هذا المعنى روايات وردت عنهم (علیه السلام) وأشار إلى ذلك صاحب الحدائق ! .

وأما الوجه الثاني وهو مذهب الشيخ فقد ناقشه السيد الأستاذ: بأنه لا وجه لهذا الحمل لأنّ بعض الروايات افترض فيها عدم الضرورة فينبغي أن يكون الجواب هنا مطابقاً للسؤال، وليس الحال هنا كما في الموردالسابق حتى لا يراعى فيه حال السائل، فإنه هناك تراعى المصلحة في الجواب، أما هنا فيراعى حال

السائل والسؤال، وعليه فهذا الحمل غير تام.

وأما الوجه الرابع وهو التفصيل بين المغزول وغير المغزول، فقد ناقش فيه السيد: بأنّ الجمع غير صحيح، وذلك:

أولاً: أنّ المستند ضعيف وهي رواية تحف العقول، فإنها محكومة بالإرسال.

وثانياً: أنّ دلالة الرواية غير تامة فإن الروايات المانعة غير قابلة للحمل على ما بعد الغزل بل الظاهر أنها شاملة لما قبل الغزل أيضاً، إذ ورد في صحيحة هشام المتقدمة: «إلاّ القطن والكتان» أي الذي يكون معداً للبس لا أنّه ملبوس فعلاً، وذلك لأنّ الظاهر من الاستثناء أن يكون متصلاً والاتصال في الاسثتناء يقتضي أن يكون ما قبل الغزل لا ما صار مأكولاً أو ملبوساً لأنه والحال هذه لا يقال له نبات الأرض، وأما إذا قلنا بأن المراد هو الملبوس والمأكول كان الاستثناء منقطعاً وهو خلاف الظاهر، فلعدم لزوم المحذور يحمل على ما يعدّ للأكل واللبس وهو شامل لما قبل الغزل أيضاً.

ويؤيده ما ورد في بعض الروايات ما أكل أو لبس أي ما يعد للأكل واللبس لا ما كان قد أكل أو لبس فإنه سالب بانتفاء الموضوع، ومنه يستظهر أن هذا التفصيل غير تام.

فالمتيقن هو الوجه الثالث وهو القول بالتعارض ولزوم الرجوع إلى المرجح السندي، ومقتضاه حمل أخبار الجواز على التقية وتقديم الروايات المانعة(1)

والتحقيق: أنّ الذي يمكن أن يقال هنا: إنّ الروايات الواردة في المقام على ثلاثة أقسام:

الأول: الروايات المانعة عن السجود على الملبوس إذا كان من القطن


1) مستند العروة الوثقى ج 2 كتاب الصلاة ص 145 الطبعة الأولى

وهي عدة روايات وقد تقدمت كصحيحة زرارة، وصحيحة هشام، ورواية علي بن جعفر.

وهي تقيد المنع بما هو ملبوس بالفعل كالثوب الكرسف والعمامة، والقلنسوة.الثاني: الروايات المانعة عن السجود على القطن والكتان مطلقاً مغزولاً أو غير مغزول، ومنها رواية أبي الفضل بن عبد الملك، ورواية الأعمش، وغيرها مما تقدم.

الثالث: الروايات الدالة على جواز السجود على القطن والكتان من غير تقية أو ضرورة، كرواية داود الصرمي، ورواية الصنعاني، وغيرهما.

فروايات القسمين الأخيرين مطلقة أي المنع مطلقاً والجواز مطلقاً، وأما القسم الأول فهي دالة على المنع في خصوص اللباس، ولم ترد رواية تدل على الجواز مطلقاً، في خصوص اللباس، وحينئذ فالروايات المجوزة تقيد الروايات المجوزة مطلقاً فتكون الروايات المانعة مخصصة بالروايات المقيدة فيكون من انقلاب النسبة، فإنا لما قيدنا أحد المطلقين يكون المطلق الآخر خاصاً فتكون النتيجة: أن الروايات الدالة على الجواز قبل الغزل في غير اللباس سليمة عن المعارض ويصبح الحكم هكذا: لا يجوز السجود على القطن والكتان إلاّ ما كان غير الملبوس وغير المغزول، وبناء على هذا فيكون مقتضى القاعدة هو: أنّ الروايات الدالة على اللباس مقيدة لروايات الجواز وروايات الجواز تكون خاصة بالنسبة إلى روايات المنع فيقيد بها الروايات الدالة على المنع مطلقاً، فإذا كان الثوب غير مغزول جاز السجود عليه وإلاّ فلا يجوز.

ويؤيد ذلك رواية تحف العقول، وقد ذكرنا في مباحثنا الرجالية أنّه لابد من الاحتياط في روايات الكتاب، ولاسيما أن صاحب الكتاب يقول إنها غير

مرسلة بل مسندة وهو الذي حذف أسنادها، مضافاً إلى ما يظهر من كلامه من أنّ الرواة ثقات.

هذا إذا قلنا إنّ القطن والكتان لهما إطلاق فيكون مقتضى القاعدة ما ذكرناه، وأما إذا كان المراد من القطن والكتان هو اللباس لا المعد للبس - وقد يدعى الظهور في ذلك - فهنا يكون مقتضى القاعدة جواز السجود عليه قبل الغزل، وذلك لأنّ الروايات قيدت باللباس فهو خارج عن المقام وما عدا اللباس يحكم فيه بالجواز، وعلى كلا التقديرين فالحكم هو جواز السجود على القطن والكتان ولكن مع ذلك فالاحتياط يقتضي عدم السجود كما هو المشهور، وقد ادعي عليه الإجماع.

وأما الجهة الثالثة: وهي ارتباط المسألة بالتقية فلا إشكال في أنّ التقية واجبة، وذلك:

أولاً: للعمومات الدالة على أنّ التقية واجبة في كل شيء إلاّ مااستثني، وهذا المورد ليس من المستثنى.

وثانياً: الروايات الخاصة الواردة في المقام وهي عدة روايات منها: صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن الماضي (علیه السلام) عن الرجل يسجد على المسح والبساط؟ قال: لا بأس إذا كان في حال التقية(1)

وفي نفس الرواية زيادة رواها الصدوق والشيخ وهي: لا بأس بالسجود على الثياب في حال التقية(2)

ومنها: صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يسجد على المسح؟ فقال: إذا كان في تقية فلا بأس به(3)


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 3 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 1

2) نفس المصدر ذيل الحديث 1

3) نفس المصدر الحديث 3

وقد تقدمت هذه الروايات وهي تدل على خصوص هذا الحكم في حال التقية وأنه يجوز السجود على ما لا يصح السجود عليه، فإذا أتى المكلف بوظيفة التقية حكم بصحة صلاته، وأما إذا خالف التقية وسجد على ما يصح السجود عليه مخالفاً لوظيفته، فهل يحكم بصحة صلاته أم لا؟

فنقول: قد تقدم ضابط هذه المسألة وهو أنّ الفعل المأتي به مخالفاً للتقية تارة يكون من أجزاء الواجب أو شرائطه وتارة لا يكون، وعلى كلتا الصورتين فتارة يعيد العمل ويأتي بوظيفة التقية وأخرى لا يعيد، فإذا لم يأت المكلف بوظيفة التقية كما في السجدة وهي من الأجزاء فحينئذ يحكم ببطلان صلاته لأنّ ما أتى به ليس بواجب عليه بل منهي عنه - لأنّ الواجب هو الإتيان بوظيفة التقية ولم يمتثل - فيكون في صلاته نقص في الواجب من جهة الشرط أو الجزء على الخلاف والأكثر أنّه شرط لا جزء لأنّ السجدة تتحقق سواء على ما يصح أو لا، ولكن شرطها أن يكون على ما يصح وهذا النقص وقع من المكلف عمداً وهو موجب لنقصان الصلاة وبطلانها، وكذا يحكم ببطلان الصلاة فيما إذا أتى بسجدة أخرى موافقة للتقية، وجهة البطلان أنها زيادة عمدية موجبة لبطلان الصلاة، فبطلان الصلاة للمخالفة في الأول وللزيادة في الثاني.

وبهذا يتم الكلام عن هذه الجهة وهي السجود حال التقية.

وتتميماً للمسائل السابقة لا بأس بالتعرض إلى مطلق مهم له ربط وثيق بالمقام وهو:

أنه يجوز السجود على ثلاثة أشياء: الأول: التراب وهو أفضل، الثاني:النبات غير الملبوس والمأكول، الثالث: القرطاس.

وهذه الأمور مورد تسالم عند الفقهاء، وقد ادعي الإجماع عليها وإن كان في القرطاس خلاف، ولا فرق في القرطاس بين أن يكون متخذاً من القطن

والكتان أو من غيرهما، وهذا يؤيد ما ذكرنا من أنّ القطن والكتان غير الملبوس يجوز السجود عليه، وقد اعترف بذلك صاحب الجواهر(1)نعم لو قلنا إنّ القطن والكتان لا يجوز السجود عليه مطلقاً فنحتاج إلى دليل خاص في جواز السجود على القرطاس، وأما على القول بالجواز فلا نحتاج إلى هذا الدليل الخاص، ثمّ إنّ الأفضلية من هذه الأقسام للأول ثمّ الثاني ثمّ الثالث كما ذكرنا.

ولا إشكال في أنّ أفضل أفراد التراب هو التراب المنسوب لسيد الشهداء (علیه السلام) المعبر عنه بالتربة الحسينية وذلك بدليل عام ودليل خاص.

أما أن التراب أفضل من سائر الأشياء فهذا يظهر من كثير من الروايات سيرة وعملاً، ومنها: الرواية المشهورة: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً(2)

ومنها: صحيحة إسحاق بن الفضيل أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن السجود على الحصر والبواري فقال: لا بأس وأن يسجد على الأرض أحبّ إليّ، فإن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يحب ذلك أن يمكن جبهته من الأرض، فأنا أحبّ لك ما كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يحبّه(3)

ومنها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: السجود على الأرض أفضل لأنّه أبلغ في التواضع والخضوع لله عزوجل(4)

ومنها: رواية الصدوق في الفقيه والعلل ورواها الشيخ في التهذيب، قال الصادق (علیه السلام): السجود على الأرض سنّة(5)

وفي هذه الرواية بيان لأفضلية السجود على الأرض، وكأنما التفاوت بين الأرض وغيرها في الأفضلية كالتفاوت بين الفريضة والسنّة وغيرها من


1) جواهر الكلام 8 : 421 الطبعة السابعة

2) وسائل الشيعة ج 3 باب 1 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 8

3) نفس المصدر باب 17 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 4

4) نفس المصدر الحديث 1

5) نفس المصدر الحديث 2

الروايات الدالة على أفضلية السجود على الأرض.

هذا ما يتعلق بالدليل العام فإنّ التربة الحسينية أحد أفراد تراب الأرضفهي داخلة تحت عموم الأرض.

وأما ما يتعلق بالدليل الخاص وهو تخصيص التربة الحسينية من دون غيرها من أفراد التراب وفيه جهتان: الأولى الروايات الخاصة، الثانية بيان جهة التعليل.

أما الجهة الأولى فهنا عدة روايات منها:

1 - رواية الصدوق في الفقيه قال: قال الصادق (علیه السلام): السجود على طين قبر الحسين (علیه السلام) ينور إلى الأرضين السبعة، ومن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين (علیه السلام) كتب مسبحاً وإن لم يسبح بها(1)

والرواية معتبرة فإنّ الصدوق شهد بصحة روايات كتابه وقد حققنا ذلك في محله.

2 - رواية الطبرسي في الاحتجاج عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (علیه السلام) أنّه كتب يسأله عن السجدة على لوح من طين القبر، هل فيه فضل؟ فأجاب (علیه السلام): يجوز ذلك وفيه الفضل ...(2)

والرواية وإن كانت في مقام بيان اصل الفضل إلاّ أنّه كاف في أفضليته على غيره.

3 - رواية الشيخ في المصباح بإسناده عن معاوية بن عمار قال: كان لأبي عبد الله (علیه السلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله (علیه السلام) فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه، ثمّ قال: إنّ السجود على تربة أبي عبد الله (علیه السلام) يخرق الحجب السبع(3)


1) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 2

3) نفس المصدر الحديث 3

والظاهر أنّ هذه الرواية صحيحة وذلك لأنّ الشيخ(1)يروي جميع كتب معاوية بن عمار بسند صحيح، وهي وإن لم يذكر سندها إلاّ أنها مروية من كتاب معاوية فإنّ معاوية ليس له روايات بل كتب.

4 - رواية الديلمي في الإرشاد، قال: كان الصادق (علیه السلام) لا يسجد إلاّ على تربة الحسين (علیه السلام) تذللاً واستكانة إليه(2)

ومن استمرار الإمام (علیه السلام) على ذلك يعلم أنّ لهذا الفعل فضيلة.وغيرها من الروايات التي يستفاد منها أنّ تربة أبي عبد الله (علیه السلام) أفضل أفراد التراب.

وقد ذكر في بعض الروايات أنّ التسبيحة الواحدة بتربة الحسين بسبعين وفي بعضها بسبع تسبيحات وفي بعضها كتب مسبحاً وإن لم يسبح.

فهذه الروايات يستفاد منها أفضلية التربة الحسينية على غيرها وقد ذكر في الروايات حدود التربة الحسينية من أرض كربلاء والمواضع الذي يؤخذ منها التراب وأمور أخرى تتعلق بالتربة وليرجع في ذلك إلى كتاب كامل الزيارات فإنه اشتمل على كثير من الروايات المتعلقة بالمقام.

هذا بالنسبة إلى الجهة الأولى.

أما الجهة الثانية وهي جهة التعليل الواردة في بعض الروايات فقد تقدم في صحيحة هشام: أنّ السجود على الأرض أفضل لأنّه أبلغ في التواضع والخضوع لله عزوجل، وعين هذه الفضيلة جارية في تربة الحسين (علیه السلام) ، بل أبلغ وأكثر تذللاً وخشوعاً من سائر التراب، فإنّ بقاع الأرض متفاوتة، ولما كانت تربة كربلاء قد امتزجت بالأجسام الطاهرة والدماء الزاكية الطيبة والتي كانت مجسدة للتواضع والخشوع والتسليم والعبودية المحضة لله تعالى كانت أخشع المخلوقات وأخضعها إلى الله عزوجل وأكثرها تسليماً لأمره تعالى، وقد ضم ثراها تلك الأجساد


1) الفهرست: 194 الطبعة الثانية

2) وسائل الشيعة ج 3 باب 16 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 4

الشريفة التي هي المظهر الأتم للخضوع والخشوع لله تعالى.

إنّ هذه الأرض لما كانت مجسدة للتذلل والاستكانة إلى الله كان لها هذا الشأن العظيم، وقد ظهر ذلك حيث استشهد الحسين (علیه السلام) وأصحابه امتثالاً لأمر الله ورضى بقضائه، وتسليماً له، وإحياء لدينه وإعلاء لكلمته، وإنما نقول إنّ ذلك كان تجسيداً وإظهاراً لأنّ نفس النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) هي أخشع النفوس وهي الأقرب لله تعالى في خضوعها وعبوديتها من كل أحد إلاّ أن تجسيد ذلك وإظهاره كان على يد سيد الشهداء (علیه السلام) ، ولا غرو في ذلك فإنّ الحسين(علیه السلام) هو نفس النبيّ والنبيّ هو نفس الحسين (علیه السلام) وقد قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : حسين مني وأنا من حسين(1)

فمن هنا كان لأرض كربلاء هذه الخصوصية من دون سائر بقاع الأرض ولها الأثر الأكبر في احداث الخشوع والخضوع في القلوبوالأجساد ومن ذلك يكون حمل هذا التراب والتسبيح والدعاء والاستشفاء به أكثر ثواباً وأقرب إلى الله وأسرع إجابة وأعظم تأثيراً لأنه يقتضي القرب والخشوع والتذلل ويؤثر في نفس المؤمن الأثر العظيم، الأمر الذي يؤكد أنّ تربة الحسين (علیه السلام) تنبض بالحياة، ولذا كان لها هذا التأثير في النفوس، والحامل لها كأنما يحمل معه شيئاً يقربه من الله زلفى، وإن من خصوصياتها أنها جعلت سبباً من أسباب الشفاء من كل داء، كما كشفت عن ذلك النصوص الشريفة وما ذلك إلاّ لأنّ وراءها أسرار غيبية وألطاف إلهية تقصر عن إدراكها العقول، فلما كانت تربة الحسين بهذه المثابة والمكانة والأثر كانت أفضل ما يسجد عليه من غيره.

والحمد لله رب العالمين.

وبهذا يتم الكلام عن التقية في الصلاة.


1) بحار الأنوار ص 271 المطبعة الإسلامية

الفصل السادس

اشارة

4 - التقية في الصوم

· تعيين موضع الخلاف

· استعراض الروايات ومفاد دلالاتها

· في بيان أنّ التقية في الإفطار لا في الصوم

· المناط في ثبوت الهلال

· الملاك في القضاء والكفارة

· الإحالة على الفصل الأول

التقية في الصوم

والكلام يقع فيه من جهتين:

الجهة الأولى: في الحكم التكليفي كما إذا كان اعتقاد المخالفين أنّ الارتماس في الماء جائز، أو لا يبطل به الصوم، وأن الأكل والشرب عند سقوط قرص الشمس كذلك.

الجهة الثانية: في الموضوع كما إذا ثبت العيد عندهم في يوم ولم يثبت عندنا، أو ثبت أنّه أول يوم من شهر رمضان ولم يثبت عندنا ذلك بحجة شرعية، فإذا اضطر المكلف إلى المخالفة تقية في صوم أو إفطار أو إلى الإتيان بما ينافي حكماً من أحكام الصوم فهل يسوغ له ذلك؟

لا إشكال في لزوم التقية في هذه الموارد، وإنما وقع الكلام بين الفقهاء في صحة الصوم وعدمه وفي المسألة أقوال ثلاثة:

الأول: القول بالإجزاء مطلقاً حكماً كان أو موضوعاً.

الثاني: عدم الإجزاء مطلقاً ولابد من القضاء وإليه ذهب صاحب المسالك(1)وصاحب الحدائق(2)والسيد الأستاذ(3)

الثالث: التفصيل بين الحكم والموضوع فيجزي في الأول دون الثاني، وإليه


1) مسالك الأفهام 1 : 71 الطبع القديم

2) الحدائق الناضرة 13 : 69 طبعة النجف 1382 ه-

3) مستند العروة الوثقى ج 1 كتاب الصوم ص 262 المطبعة العلمية - قم

ذهب صاحب الجواهر(1)والسيد الحكيم(2)وغيرهما.

ولتحقيق المقام لابد من ذكر المستند لهذه الأقوال وما تقتضيه القواعد فنقول: إنّ الأدلة تنحصر في قسمين من الروايات.

القسم الأول: الروايات العامة الدالة على أنّ التقية في كل أمر يضطر إليه، وأن من لا تقية له لا دين له، وقد تقدم الكلام فيها فلا نعيد.

القسم الثاني: الروايات الخاصة وهي أربع:

الأولى: صحيحة عيسى بن أبي منصور أنّه قال: كنت عند أبي عبد الله(علیه السلام) في اليوم الذي يشك فيه، فقال: يا غلام اذهب فانظر أصام السلطان أم لا؟ فذهب ثمّ عاد فقال: لا فدعا بالغذا فتغدينا معه(3)

وهذه الرواية من جهة السند معتبرة فإنّ عيسى بن أبي منصور ثقة خير فاضل من الفقهاء، كما ورد في الرسالة العددية(4)، وذكر الصدوق في مشيخته رواية في حقه، فقد روى بإسناده إلى ابن أبي يعفور، قال: كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) إذ أقبل عيسى بن أبي منصور فقال لي: إذا أردت أن تنظر خياراً في الدنيا خياراً في الآخرة فانظر إليه(5)

وطريق الصدوق إليه صحيح فالرواية من حيث السند معتبرة.

وأما من جهة الدلالة فكذلك فإنها واردة في مقام التقية.

الثانية: رواية داود بن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبي عبد الله(علیه السلام) أنّه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس: إني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم، وهو والله من شهر رمضان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله أصمت


1) جواهر الكلام 16 : 261 الطبعة السابعة

2) مستمسك العروة الوثقى 8 : 285 الطبعة الثانية

3) وسائل الشيعة ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

4) معجم رجال الحديث 14 : 192 الطبعة الخامسة

5) مشيخة الفقيه : 90 دار التعارف للمطبوعات

اليوم؟ فقلت: لا والمائدة بين يديه، قال: فادن فكل، قال: فدنوت فأكلت، قال وقلت: الصوم معك والفطر معك، فقال الرجل لأبي عبد الله (علیه السلام): تفطر يوماً من شهر رمضان!! فقال: إي والله أفطر يوماً من شهر رمضان أحبّ إلي من أن يضرب عنقي(1)

والرواية وإن كانت من جهة الدلالة واضحة إلاّ أنها من جهة السند غير معتبرة، فإنّ داود بن الحصين من الثقات(2)ولكنه رواها عن رجل من أصحابه فهي مرسلة.

الثالثة: رواية رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: دخلت على أبي العباس بالحيرة، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقال: ذلك إلى الإمام إن صمت صمنا، وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام عليّ بالمائدة فأكلت معه، وأنا أعلم والله أنّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله(3)

وهذه الرواية من جهة السند مرسلة وإن كان رفاعة من الأجلاءمسكون إلى روايته ... حسن الطريقة(4)إلاّ أنّه روى عن رجل فإن قلنا إن حسن الطريقة يوجب التمسك برواياته وإن كانت مرسلة فهو إلاّ أن ذلك مشكل.

وأما من جهة الدلالة فواضحة.

الرابعة: رواية خلاد بن عمارة قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): دخلت على أبي العباس في يوم شك، وأنا أعلم أنّه من شهر رمضان، وهو يتغدى فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا من أيامك، قلت: لم يا أمير المؤمنين؟! ما صومي إلاّ بصومك، ولا


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4

2) رجال النجاشي 159 / 421

3) وسائل الشيعة ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5

4) رجال النجاشي 1 : 379 الطبعة الأولى المحققة

إفطاري إلاّ بإفطارك، قال: فقال: ادن، قال: فدنوت فأكلت وأنا والله أعلم أنّه من شهر رمضان(1)

وهذه الرواية من حيث الدلالة كالروايات السابقة.

وأما من حيث السند ففيها خلاد بن عمارة ولم يرد في حقه توثيق، كما أنّه لم يرو له في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية، ولكن - كما قررنا في محله - أنّ رواية المشايخ الثقات قرينة على الوثاقة فيكون خلاد بن عمارة ثقة لرواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر عنه، كما في سند نفس هذه الرواية، وبناء على هذا فالرواية معتبرة من حيث السند والدلالة.

هذه هي الروايات الخاصة التي يتمسك بها في المقام.

وهناك روايات أخرى قد يستدل بها على المدعى إلاّ أن في دلالتها نظراً.

ومنها: رواية أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام): إنا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، فلما دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) وكان بعض أصحابنا يضحي، فقال: الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يصوم الناس(2)

والرواية من جهة السند وإن أمكن القول باعتبارها نظراً إلى وقوع أبي الجارود في أسناد تفسير القمي(3)، وعدم استثنائه من كتاب نوادر الحكمة(4)، ورواية المشايخ الثقات عنه(5)، وهذه قرائن تدلّ على الوثاقةكما حققناها في محلّها،


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 6

2) نفس المصدر الحديث 7

3) تفسير القمي 1 : 129 الطبعة الأولى المحققة وجاء فيه عن زياد بن المنذر عن أبي الجارود وهو خطأ والصحيح زياد بن المنذر أبي الجارود كما في تفسير البرهان وقد نبّه عليه السيد الخوئي في المعجم عند ترجمة زياد

4) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 140 الطبعة الأولى

5) نفس المصدر ص 433 الطبعة الأولى

مضافاً إلى أنّ الشيخ المفيد قد عدّه من الفقهاء الذين ليس فيهم قدح ولا طعن(1)وهذا كاف للأخذ بروايته، فلا بأس بالرواية من حيث السند إلاّ انها من حيث دخوله في المقام مشكل، وذلك:

أولاً: إنه لا يعلم أن الرواية واردة في مورد التقية، إذ من المحتمل أن المراد من كلام الإمام (علیه السلام) هو الشياع بين الناس الموجب للاطمئنان.

وثانياً: لو كانت واردة في مقام التقية لما كان بعض الأصحاب يرتب الأثر ويضحي.

وثالثاً: إنّ الصوم لا تقية فيه، وإنما التقية في عدم الصوم.

ورابعاً: إنّ المناط هو الاطمئنان، والشياع بين الناس يوجب الاطمئنان نوعاً ولذلك أحال الإمام (علیه السلام) على فعل الناس.

وخامساً: إنه وردت بعض الروايات تؤيد هذا المعنى وهو الشياع الموجب للاطمئنان، ومن ذلك رواية عبد الحميد الأزدي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس؟ فقال: إذا كان كذلك فصم لصيامهم وافطر لفطرهم(2)

ورواية سماعة أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟ قال: إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل مصر خمسمائة إنسان(3)

ورواية أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي' يقول: صم حين يصوم الناس وافطر حين يفطر الناس، فإنّ الله عزوجل


1) معجم رجال الحديث 8 : 335 الطبعة الخامسة

2) وسائل الشيعة ج 7 باب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4

3) نفس المصدر الحديث 7

جعل الأهلة مواقيت(1)

ومحل الشاهد من الرواية الأخيرة هي الجملة الأخيرة وهي قوله: فإنّ الله جعل الأهلة مواقيت.

والذي يقوى في النظر: أنّ هذه الروايات جاءت لبيان أنّ المراد: شياع ثبوت الهلال بين الناس، وأنّ الشك الشخصي لا يعتنى به، ولذلك أحال الإمام(علیه السلام) على فعل الناس، وقريب من هذه الرواية في الدلالة الروايتان المتقدمتان عليها.ثمّ إنّ الرواية الأخيرة لا بأس بها من حيث السند فإنها وإن وقع في سندها محمّد بن سنان إلاّ أننا رجحنا العمل بروايته.

وقد أورد صاحب المستدرك عين هذه الرواية نقلاً عن تفسير العياشي(2)

ومن ذلك يعلم أنّ الإحالة على الناس من هذه الجهة، أي من جهة الأهلة والرؤية لا من جهة التقية، ويمكن استفادة ذلك من الروايات الواردة في اختلاف الأمصار ورؤية الهلال عندهم فيؤخذ بقولهم.

والحاصل: أنّ هذه الرواية خارجة عن محل الكلام فلا يمكن الاستدلال بها على خصوص التقية، وسيأتي في مبحث التقية في الحج أن أكثر الفقهاء يستدلون بهذه الرواية، فإذا قلنا إنّ هذه الرواية خارجة عن المقام فكيف يستدل بها؟

ومنها: ما رواه السيد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني عن علي (علیه السلام) في حديث قال: وأما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار فإن الله نهى المؤمن أن يتخذ الكافر ولياً، ثمّ منّ عليه بإطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر أن يصوم بصيامه، ويفطر بإفطاره، ويصلي بصلاته، ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك موسعاً عليه فيه، وعليه أن يدين الله في الباطن بخلاف ما يظهر


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5

2) مستدرك الوسائل ج 7 باب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1

لمن يخافه من المخالفين(1)

وهذه الرواية من جهة الدلالة لا بأس بها، وأن الإفطار سائغ إذا كان لتقية، إلاّ أن الكلام في سند هذه الرواية وقد تقدم الكلام حول ذلك مفصلاً فراجع.

المستفاد من الروايات:

اشارة

ذكرنا فيما تقدم من هذا البحث أنّ الأقوال في المسألة مختلفة، ومنها القول بعدم الإجزاء وأنه لابد من القضاء، وقد تعرّضنا لهذه المسألة على نحو العموم في بحث التقية مع الكفار، وذكرنا أيضاً هنا وهناك أنّ السيد الأستاذ! يذهب إلى القول بعدم الإجزاء، ولزوم الإعادة والقضاء ونقلنا استدلال الطرفين.وهنا تعرّض السيد ! لهذه المسألة في هذا البحث وناقش في الأدلة التي يمكن الاستدلال بها على الصحة، وكلامه هنا يتضمن أموراً لم تذكر هناك، وتتميماً للبحث واستيفاء لجميع أطراف المسألة لا بأس بالتعرّض إلى ما ذكره ! - كما وعدنا - وحاصل ما أفاده ! في المقام: أنّ ما يمكن الاستدلال به على الصحة أمور ثلاثة:

الأول: الروايات العامة الدالة على الرفع وعلى التقية مطلقاً.

وقال ! عن هذه الروايات بأنها لا تدل على الإجزاء، وإنما تدل على رفع الحكم التكليفي، وقد تقدم البحث في ذلك وأنها لا تشمل الأحكام الوضعية.

الثاني: الروايات التي وردت بالنسبة إلى استثناء المسح على الخفين، والمسكر، ومتعة الحج من التقية.

وناقش في هذه الروايات أولاً: بضعف السند، وثانياً: أنّ هذه الروايات في نفسها متعارضة، فهناك روايات تدل على عدم ذلك، وثالثاً: أنّ نفي الاتقاء


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 8

لانتفاء الموضوع، ورابعاً: أنّ القدر المتيقن هو رفع الحكم التكليفي، وأما إثبات غيره من الأحكام الوضعية فلا دلالة فيها على ذلك.

وأما الاستدلال بصحيحة أبي الصباح الكناني في قوله (علیه السلام): «ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين فأنتم فيه في سعة» (1)على الإجزاء فغير تام، لأنّ الرواية واردة في مقام ما يلزم منه الضيق وعدمه، وموضوعه الفعل لا الترك، فما يلزم منه ترك الواجب غير مشمول للسعة، والرواية لا تدل عليه، وبناء على هذا فالعمل الناقص لا يكون مورداً للرواية، مضافاً إلى أن مورد الرواية هو الحلف فيكون المدلول هو رفع الحكم تكليفاً لا الرفع من جميع الجهات، ولذلك لو كان الأمر - مثلاً - يرتبط بالكفارة فلا يشمله الرفع.

الثالث: الروايات الدالة على أنّ العمل بالتقية عمل بالدين، وأنه من الدين، وحينئذ لا حاجة إلى الإعادة أو القضاء، لأنّ ما أتى به على طبق التقية هو من الدين.

وناقش في هذا: بأنّ الدلالة تامة لو كان المراد أنّ العمل من الدين أي نفس ما أتى به هو من الدين، وحينئذ لابدّ من الحكم بالصحة والإجزاء، أما إذا كان المراد هو أنّ الاتقاء من الدين، والعمل هو مقدمة يتحقق به الاتقاء، فالاتقاء من الدين، لا أنّ العمل هو من الدين، وبناء على هذاالاحتمال - وهو احتمال قوي - فلا يمكن الاستدلال بهذه الروايات.

والحاصل: أنّ الروايات التي استدل بها على الإجزاء لا دلالة فيها على ذلك، مضافاً إلى أنّ القاعدة لا تقتضي الإجزاء، نعم إذا قام الدليل الخاص كالأمر - مثلاً - بالإتيان بالمانع أو ترك الجزء إذا أمر به بخصوصه فلا إشكال في صحة ما أتى به والاكتفاء به ولا حاجة معه إلى الإعادة أو القضاء، وأما إذا لم يكن مورداً


1) وسائل الشيعة ج 16 باب 12 من أبواب الأيمان الحديث 2

للأمر فهنا يلاحظ المورد فإن كان مما يقع الابتلاء به كثيراً ومع ذلك لم يرد فيه دليل خاص على الإجزاء وعدمه، كالتكتف في الصلاة مثلاً، وغسل الرجلين والنكس في الوضوء ونحو ذلك، وكان بمرأى من الأئمة (علیهم السلام) ، أمكن القول بالإجزاء مطلقاً حكماً وموضوعاً وعدم الحاجة إلى القضاء، وإن كان الابتلاء به قليلاً ونادراً كما نحن فيه مثل الصوم في يوم الشك أو الموقف في عرفات ونحو ذلك، فلا يمكن القول بالإجزاء، إذ ليس لنا سيرة متصلة بزمان الأئمة (علیهم السلام) لنكتشف منها الصحة وعدمها فإن القاعدة تقتضي عدم الإجزاء.

وأما إذا لم يأت بالواجب أصلاً للتقية فهذا لا إجزاء فيه قطعاً لعدم الإتيان بالواجب، لا أنّه أتى به ناقصاً فإذا لم يصل تقية أو لم يصم في جميع اليوم كذلك وجب القضاء لعدم إتيانه بشيء من الواجب.

والحاصل: أنّه لا فرق بين الأحكام التكليفية والوضعية من حيث الإجزاء وعدمه إلاّ في هذه الصورة الأخيرة وهي عدم الإتيان بالواجب.

هذا حاصل كلامه ! في المقام(1)

ولكنا قد استفدنا من الأدلة - فيما تقدم في مبحث التقية مع الكفار - الإجزاء مطلقاً حتى في الأجزاء والشرائط لكن لا بهذه الأدلة الثلاثة التي ذكرها السيد الأستاذ ! ولم نتمسك بها على الإجزاء، كما أنّه لا كلام لنا في الصورة الأخيرة وهي ما إذا لزم من التقية ترك الواجب، وإنما محل الكلام فيما إذا لم يأت بشرط أو جزء أو أتى بمانع، هذا أولاً.

وثانياً: أنّه ورد في الروايات أن القضاء في الصوم موضوعه الإفطار بمعنى أنّ المكلف نوى الصوم وأفطر، فإن كان الإفطار يقابل الصوم ويناقضه فلابد حينئذ من القضاء لهذه الجهة، وقد أشار إلى هذا صاحب الجواهر(2)، ويمكن أن


1) مستند العروة الوثقى ج 1 كتاب الصوم ص 261 المطبعة العلمية

2) جواهر الكلام 16 : 259 الطبعة السابعة

يستشهد له ببعض الروايات التي تدل على أنّالمناط في القضاء هو الإفطار ومن ذلك: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، أنّه سئل عن رجل نسي فأكل وشرب؟ قال: لا يفطر، إنما هو شيء رزقه الله فليتم صومه(1)

ومن هذه الرواية يعلم أنّ الأكل والشرب ليس مفطراً في حال النسيان.

ومنها: رواية محمّد بن قيس عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: كان أمير المؤمنين يقول: من صام فنسي فأكل وشرب فلا يفطر من أجل أنّه نسي، فإنما هو رزق رزقه الله تعالى فليتم صيامه (صومه) (2)

وهذه الرواية كالسابقة في دلالتها على أنّ الأكل والشرب نسياناً لا يعد إفطاراً فلا يلزم القضاء، ومن ذلك يستفاد أن موضوع القضاء هو الإفطار لا مجرد الأكل والشرب ولو كان عن نسيان، وبعبارة أخرى أن القضاء في الصوم لازم بأحد وجهين:

الأول: ما ذكره السيد الأستاذ ! (3): من أنّ ظاهر الروايات هو الإجزاء فيما إذا كان من جهة النقص لا من جهة ترك الإتيان بالواجب رأساً.

الثاني: ما أشار إليه صاحب الجواهر(4): من أنّ موضوع القضاء هو الإفطار، وإذا تحقق الموضوع لزم الحكم، أما بالنسبة إلى الوجه الأول فهو في محله، فإنّ القول بشمول الأدلة لما لم يأت بالواجب رأساً مشكل، وقد ورد في نظائره الأمر بالقضاء كما إذا نسي الواجب أو جهل حتى انقضى زمانه، ومثل ما إذا فات الواجب لنوم أو مرض أو نحو ذلك، ففي هذه الموارد لابد من القضاء.

وهكذا الحال بالنسبة إلى المعذور كمن كان محبوساً ولم يستطع التشخيص،


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 9

3) مستند العروة الوثقى ج 1 كتاب الصوم ص 268 المطبعة العلمية

4) جواهر الكلام 16 : 259 الطبعة السابعة

فقد ورد في روايات صحيحة(1)أنّه يتوخى شهراً فيصومه، ويلاحظ بعد ذلك أن صيامه وقع متقدماً أو متأخراً أو موافقاً فإن كان موافقاً أو متأخراً فلا قضاء، وأما إذا كان الصيام متقدماً على زمان الواجب - أي شهر رمضان - فلابد من القضاء مع أنّه معذور.نعم ورد استثناء حالة الإغماء وهي محل كلام بين الفقهاء ولسنا في مقام تحقيقها.

وبناء على هذا ففي ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ المكلف إذا ترك الواجب وإن كان معذوراً إلاّ أنّه يجب عليه القضاء.

وأما بالنسبة إلى الوجه الثاني فقد ذكرنا روايتين يمكن أن يستشهد بهما على المدعى، إلاّ أن في دلالتهما تأمّلاً، فإنه وإن ورد فيهما: «لا يفطر ويتم صومه» إلاّ أنّه يمكن أن يقال: إن معنى لا يفطر أي لا يجب عليه أن يأكل بعد ذلك ويتم صومه، ولا تدلان على أن موضوع القضاء هو الإفطار، وهناك روايات أخرى قيل بدلالتها على ذلك.

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال في رجل احتلم أول الليل أو أصاب من أهله، ثمّ نام متعمداً في شهر رمضان حتى أصبح، قال: يتم صومه ثمّ يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان ويستغفر ربه(2)

والرواية وإن كانت واردة في موضوع الاحتلام إلاّ أن الحكم كلي وهو الإفطار في شهر رمضان.

ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عن أبيه ' أنّه قال: من تقيأ متعمداً وهو صائم فقد أفطر وعليه الإعادة، فإن (وإن) شاء الله عذّبه وإن شاء غفر له، وقال: من تقيأ وهو صائم فعليه القضاء(3)

ومنها: موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألته عن رجل أفطر يوماً


1) وسائل الشيعة ج 7 باب7 من أبواب أحكام شهر رمضان

2) نفس المصدر باب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1

3) نفس المصدر باب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 6

من شهر رمضان متعمداً؟ قال: يتصدق بعشرين صاعاً ويقضي مكانه(1).

وغيرها من الروايات التي علق فيها الحكم بالقضاء على الإفطار فعند تحقق الموضوع يترتب الحكم.

ولكن يمكن المناقشة في هذه الاستفادة وذلك:

أولاً: أن الروايات المذكورة أجنبية عن محل الكلام، وذلك لأنّها ناظرة إلى الإفطار العمدي الصادر عن قصد واختيار، وما نحن فيه هو التقية فشمولها للمقام أول الكلام.

وثانياً: أنّ الصحيح من روايات المقام اثنتان الأولى: رواية عيسى بنأبي منصور والثانية: رواية خلاد بن عمارة ولم يرد فيهما ذكر الإفطار، نعم ورد الإفطار في الروايتين الأخريين إلاّ أنهما مرسلتان كما تقدم.

والحاصل: أنّ هذا الوجه لا يمكن الاعتماد عليه لعدم الدليل على إناطة وجوب القضاء بالإفطار، ولكن مع عدم ثبوت هذا الوجه هل يجب القضاء فيه بخصوصه أم لا؟ فمن اضطر تقية إلى الإتيان بمانع أو إنقاص شرط أو جزء فهل حاله حال المتعمد، أم أن القضاء يسقط عنه كسقوط الحكم التكليفي؟ ونفس الكلام يرد بالنسبة إلى الجاهل فمن أفطر عن جهل هل يلزمه القضاء أم لا؟ إذ فرق في المقام بين الموردين.

أما الروايات فقد قلنا بعدم دلالتها على شيء من ذلك وإتمام الحكم من جهة القواعد مشكل.

وقد ذهب السيد الأستاذ(2)! تبعاً لصاحب العروة(3)إلى القول بوجوب القضاء في كلا الموردين مع أنّ الأمر في الجهل - بحسب الظاهر - أسهل من التقية،


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4

2) مستند العروة الوثقى ج 1 كتاب الصوم ص 251 المطبعة العلمية

3) نفس المصدر المتن

فإنّ الوارد في الروايات عنوان التعمد في لزوم القضاء، والتعمد ظاهر في أنّ الإتيان بالمنافي عن علم وإرادة فلا يشمل الناسي والجاهل، ولذلك جعل التعمد مقابلاً للجاهل خصوصاً في مسائل الحج وأحكامه كالصيد وغيره على ما سيأتي.

وأما بالنسبة إلى الاضطرار فإن كان في حال بحيث يسلب عنه الاختيار كما إذا أوجر في حلقه فهذا لا تعمد فيه فلا قضاء.

وأما إذا كان عن اختيار إلاّ أنّه صدر منه لتقية فقد استظهر السيد من الأدلة شمولها لهذه الحالة، لأنه عن قصد وعلم فيكون حاله حال من أفطر متعمداً فيجب القضاء ولا تشمله الأدلة العامة كحديث الرفع ونحوه فإنها واردة في رفع الحكم التكليفي لا الوضعي.

وأما بناء على ما ذكرناه، من أنّ حديث الرفع مطلق بالنسبة إلى الحكم التكليفي والوضعي، كما أنّ أدلة الإفطار مطلقة بالنسبة إلى المتعمد وغيره كالتقية فيقع التعارض بين الإطلاقين فعلى القول بالتساقط فالمرجع هو الأصل العملي وهو البراءة وعلى القول بتقديم أحد الإطلاقين على الآخر، فإن قدمت الأدلة الأولية - كما يظهر من السيد الأستاذ(1)- لأنّ تقييدها بالعلم بعيد في نفسه، مضافاً إلى أنّه خلافالظاهر بل هو أمر مستهجن ويحتاج إلى الدليل، وهي شاملة لأدلة التقية أيضاً، فالحكم حينئذ هو وجوب القضاء.

وإن قلنا بتقديم أدلة الرفع على الأدلة الأولية - كما هو ليس ببعيد - فالحكم هو عدم وجوب القضاء وتكون النتيجة مع القول بالتساقط واحدة، فإن الأصل العملي بناء عليه هو البراءة.

وقد ذكرنا أن حديث الرفع يشمل الحكم التكليفي والوضعي خلافاً لسيدنا الأستاذ ! ، والأدلة الأولية إما أنها غير شاملة لحاكمية أدلة الرفع عليها، وإما


1) مستند العروة الوثقى ج 1 كتاب الصوم ص 253 المطبعة العلمية

أنها معارضة، فالقاعدة تقتضي عدم وجوب القضاء، ومع الشك في الدلالة تصبح المسألة من الشك في دوران الأمر بين الأقل والأكثر، وذلك لأنّ من أفطر يوماً تقية يجب عليه إتمامه أما وجوب صيام يوم آخر فمشكوك فيه، وحينئذ يؤخذ بالقدر المتيقن وهو إتمام صيام ذلك اليوم فقط، وتفصيل المسألة في علم الأصول، ولكن مقتضى الاحتياط وخصوصاً لما ورد في مرسلة رفاعة هو القضاء، فقد ورد فيها: إفطاري يوماً وقضاوه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي.

فروع:

الأول: إنّ الحكم بجواز الإفطار أو وجوبه مختص بعدم المندوحة، وأما معها فلا يجوز الإفطار، وذلك لأنّ التقية الخوفية - كما في ما نحن فيه - مقيدة بعدم المندوحة، ولا فرق في الخوف بين أن يكون على النفس أو المال أو العرض، وبناء على هذا فإذا تحققت التقية بشرائطها وجب الإفطار وإلاّ فلا، وما ورد من الروايات من فعله (علیه السلام) ودخوله على أبي العباس وإفطاره فهو محمول على أنّه فعل خارجي، لا بيان فيه، أو أنّه صدر منه (علیه السلام) في حالة عدم المندوحة.

الثاني: يقتصر في الإفطار على ما تتوقف عليه التقية، ولا يجوز التعدي إلى ما زاد عليه إذ لا دليل على الجواز، فمن اضطر إلى الأكل لا يجوز له الشرب وهكذا العكس، كما أنّه إذا كان رفع التقية بمرة واحدة لا يجوز له التكرار اقتصاراً على مقدار الضرورة، وهذا هو المستفاد من الأدلة كما ذكره صاحب المسالك وغيره.

وما ورد من الروايات كرواية عيسى بن أبي منصور وقوله: «فتغذينا معه» لا يستفاد منها كيفية الأكل لكونه فعلاً خارجياً لا بيان فيه كما ذكرنا.

الثالث: بناء على وجوب الإمساك بقية النهار لمن أفطر تقية، فإذا أفطر

بعد ذلك فهل تجب الكفارة أم لا؟

الذي يظهر من المسالك(1)أنّ الكفارة واجبة لصدق الإفطار العمدي فإن أدلة الكفارة موضوعها الإفطار عن عمد وإذا صدق العنوان ترتب الحكم.

وناقش في ذلك صاحب الجواهر(2)وصاحب المدارك(3)وغيرهما: بأن موضوع الكفارة الإفطار عن صوم لم يفطر فيه، وما نحن فيه ليس كذلك فإن إفطاره مسبوق بالإفطار عن تقية، فالحكم بوجوب الكفارة مورد للإشكال إذ لا يصدق على المفطر عنوان الإفطار عن عمد.

والتحقيق: أنّه إن قلنا بصحة صوم من أفطر عن تقية وعدم وجوب القضاء عليه فالظاهر وجوب الكفارة، لأنّ صومه - حسب الفرض - صحيح وحاله كحال من أكل ناسياً ثمّ أكل متعمداً، ولا إشكال في هذه الصورة بلزوم الكفارة.

وإن قلنا بعدم صحة الصوم ووجوب القضاء كما أفاده صاحب العروة وتبعه السيد الأستاذ ! فالقول بشمول أدلة الكفارة له مشكل، وذلك لأنّ القدر المتيقن من الروايات هو لزوم الكفارة في حالة الحكم بصحة الصوم، وأما شمولها للصوم الباطل فغير محرز، فيكون مورداً للشك فلا يتمسك بالإطلاق ويقتصر فيه على القدر المتيقن فإذا أفطر بعد الإفطار عن تقية، فلا تلزمه الكفارة.

وبعبارة أخرى: إذا شككنا في شمول الأدلة للحالتين فالقدر المتيقن أن الحكم بوجوب الكفارة منوط بالحكم بصحة الصوم، وأما مع عدم الحكم بصحة الصوم فمقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الكفارة.

وبهذا يتم الكلام حول التقية في الصوم.


1) مسالك الأفهام 1 : 71 الطبع القديم

2) جواهر الكلام 16 : 260 الطبعة السابعة

3) الحدائق الناضرة 13 : 71 طبعة النجف 1382

الفصل السابع

اشارة

5 - التقية في الحج

· الاتفاق على حرمة تظليل الرجل المحرم حال المسير اختياراً

· الكفارة وتكررها في إحرام واحد أو إحرامين

· في بيان المراد من الحج الأكبر والشاهد والمشهود من خلال الروايات

· التحقيق حول ركنية الزمان والمكان في عرفات

· الفرق بين يوم عرفة وبين سائر الأيام

· حكم الموقف إذا ثبت عند المخالفين أن يوم التروية هو يوم عرفة

· مخالفة الواقع تقية هل تجزي عن الواقع أو لا؟

التقية في الحج

اشارة

وفيها مسألتان:

الأولى: في التظليل:

اشارة

والكلام فيها يقع في مقامات:

المقام الأول: في حكم التظليل حال الإحرام:

لاشك في حرمة التظليل للرجل الماشي أو الراكب بمظلة أو غيرها ولو كان بسقف المحمل أو السيارة أو الطائرة حال الإحرام، وهو من المتسالم عليه بين الفقهاء بل ادعي عليه الإجماع(1)، وإن نسب إلى ابن الجنيد القول بالاستحباب(2).

وقد استفاضت الروايات الدالة على حرمته بالنسبة للرجل المحرم الماشي أو الراكب، وموضع البحث التقية في التظليل وما يترتب عليه من آثار، وقد تقدم أنّ التقية علة تبيح كل محذور إلاّ ما استثني وليس منه التظليل، فيكون داخلاً في المستثنى منه وتشمله الأدلة العامة الرافعة للحرمة التكليفية، بل قد ينعكس الأمر


1) جواهر الكلام 18 : 394 الطبعة السابعة

2) نفس المصدر

ويصبح التظليل واجباً بعد أن كان حراماً.

وهذه المسألة وإن لم يرد لها ذكر في الروايات ولا في كلمات الفقهاء إلاّ عن بعضهم كالسيد الأستاذ !(1)وغيره، وكان بناؤنا على التعرّض لموارد التقية الواردة في الروايات، ولكن لما كانت هذه المسألة معرضاً للابتلاء ناسب البحث عنها من هذه الجهة، وذلك لأنّ التقية داخلة في سائر الأعذار، بل المستفاد من الروايات الكثيرة والأدلة العامة الواردة في التقية أنها من أقوى العلل المسوّغة للمخالفة، وبناء على هذا فلا إشكال في ارتفاع الحكم التكليفي حال التقية.وأما بالنسبة إلى الآثار فقد يقال: إنّ القاعدة تقتضي ارتفاع الحكم الوضعي أيضاً، فلا تجب الكفارة ولا القضاء أو الإعادة، ولكن لا يبعد القول: إنّ المستفاد من الأدلة أن للمورد خصوصية تقتضي عدم ارتفاع الحكم الوضعي وأن التظليل مطلقاً ملازم للكفارة، ويدل على ذلك عدة روايات:

منها: صحيحة علي بن جعفر قال: سألت أخي (علیه السلام) أظلل وأنا محرم؟ فقال: نعم وعليك الكفارة، قال: فرأيت علياً إذا قدم مكة ينحر بدنة لكفارة الظل(2).

وظاهر السؤال في الرواية أنّ التظليل كان للضرورة بقرينة سائر الروايات المخصصة لها كحرارة الشمس ونحوها، ومحل الشاهد من الرواية هو أنّ الكفارة ملازمة للتظليل.

ومنها: صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) قال: سألته عن المحرم يظلل على نفسه؟ فقال: أمن علة؟ فقلت: يؤذيه حرّ الشمس وهو محرم، فقال: هي علة يظلل ويفدي(3)

والمستفاد من هذه الرواية والرواية السابقة أنّ الكفارة أو الفداء ملازم


1) المعتمد في شرح المناسك 4 : 245 الطبعة الأولى

2) وسائل الشيعة ج 9 باب 6 من أبواب بقية كفارات الإحرام الحديث 2

3) نفس المصدر الحديث 4

للتظليل سواء وقع عن اختيار أم لا، كما أنّ المستفاد من بعض الروايات الأخرى أنّ المرتكز في أذهان أصحاب الأئمة (علیهم السلام) أنّ الكفارة واجبة مع التظليل ومن ذلك:

موثقة عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن الأول (علیه السلام): أظلل وأنا محرم، قال: لا، قلت: أفأظلل وأكفر؟ قال: لا، قلت: فإن مرضت قال: ظلل وكفر، ثمّ قال: أما علمت أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: ما من حاج يضحي ملبياً حتى تغيب الشمس إلاّ غابت ذنوبه معها(1)

هذا فيما إذا صدر التظليل عن اختيار المكلف، وأما إذا كان التظليل عن غير اختيار فهو خارج لأنّ التظليل غير مستند إليه.

ثم إنه لا فرق في ذلك بين أن يعلم بتحقق التقية من أول الأمر أعني قبل الإحرام، كما إذا علم - وهو في بلده - أنّه إذا قصد الحج أو العمرة يبتلي بالتقية ولابد له من التظليل من أول إحرامه أو في أثنائه، أو لم يعلم بذلك - فإنّ التقية حكمها حكم المرض بلا فرق بين علمه السابق بذلك وعدم علمه، وعليه فيجوز له التظليل أو يجب ولا يوجب ذلك الإخلالبصحة حجه وعمرته بل لا يكون من باب التزاحم كما لا يخفى.

المقام الثاني: في تعيين الكفارة:

والروايات الواردة في ذلك مختلفة، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث طوائف:

الأولى: ما دل على أنّ الكفارة شاة وهي عدة روايات:

منها: صحيحة محمّد بن إسماعيل قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس؟ فقال: أرى أن يفديه بشاة ويذبحها بمنى(2)

ومنها: معتبرة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (علیه السلام): المحرم يظلل


1) وسائل الشيعة ج 9 باب 64 من أبواب تروك الإحرام الحديث 3

2) نفس المصدر باب 6 من أبواب بقية كفارات الإحرام الحديث 3

على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضرّان به؟ قال: نعم، قلت: كم الفداء؟ قال: شاة(1)

ومنها: صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (علیه السلام) قال: سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس وأنا أسمع، فأمره أن يفدي شاة ويذبحها بمنى(2)

الثانية: ما دل على مطلق الفداء من دون تعيين ومن ذلك:

رواية علي بن محمّد قال: كتبت إليه: المحرم هل يظلل على نفسه إذا أذته الشمس أو المطر أو كان مريضاً أم لا؟ فإن ظلل هل يجب عليه الفداء أم لا؟ فكتب: يظلل على نفسه ويهريق دماً إن شاء الله(3)

والرواية من حيث الدلالة مطلقة إذ لم يعين فيها شيء بخصوصه.

وأما من حيث السند فالظاهر أنّ المراد من علي بن محمّد هو القاساني الذي يروي عنه الصفار كثيراً، وقد اختلف في وثاقته فقال عنه النجاشي: كان فقيهاً مكثراً من الحديث فاضلاً، غمز عليه أحمد بن محمّد بن عيسى، وذكر أنّه سمع منه مذاهب منكرة، وليس في كتبه ما يدل على ذلك(4)، وضعفه الشيخ في رجاله حيث قال: علي بن محمّد القاشاني ضعيف(5)وقد ورد في كتاب نوادر الحكمة(6)ولم يستثنه ابن الوليد.

ومن جهة أخرى عد الشيخ في أصحاب الهادي (علیه السلام) علي بن شيرة وقال: ثقة وقد جزم العلامة بالاتحاد(7)

فإن كان متحداً فكلام الشيخ مضطرب، ويحمل التضعيف على مذهبه أو


1) وسائل الشيعة ج 9 باب 6 من أبواب بقية كفارات الإحرام الحديث 5

2) نفس المصدر الحديث 6

3) نفس المصدر الحديث 1

4) رجال النجاشي 2 : 79 الطبعة الأولى المحققة

5) رجال الشيخ : 417 الطبعة الأولى

6) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 143 الطبعة الأولى

7) رجال العلامة: 232 الطبعة الثانية

على أن له حالتين، وإن كان متعدداً فلا إشكال على كلام الشيخ.

وقد ذكر السيد الأستاذ في المعجم(1)أنّ إحراز الاتحاد مشكل، لاحتمال أن يكون علي بن شيرة عم علي بن محمد، وبناء على احتمال التعدد لا يمكن الحكم بالاتحاد والوثاقة.

ويؤيد عدم الاتحاد اختلاف الطبقة، وبناء على عدم إحراز الاتحاد وعلى ما قررناه في بحوثنا الرجالية من أن عدم الاستثناء من نوادر الحكمة علامة التوثيق يكون علي بن محمّد بن شيرة القاساني مورداً للتعارض فلا يمكن الأخذ بروايته والنتيجة سقوط الرواية عن الاعتبار، مضافاً إلى أنّ الرواية مطلقة فتحمل على الروايات الأخرى المقيدة.

ومنها: موثقة علي بن جعفر المتقدمة، وهي أيضاً مطلقة كالرواية السابقة، فتقيد بما دل على وجوب الشاة، وأما ما صدر من علي بن جعفر وأنه كفر ببدنة فلا دلالة فيه لأنه فعل خارجي لا بيان فيه، مضافاً إلى أنّ علي بن جعفر ليس بإمام ليكون فعله حجة بالنسبة إلينا، وإذا كان الواجب هو التكفير بشاة كما هو رأي السيد الأستاذ(2)فلا وجه لحمل صاحب الوسائل فعل علي بن جعفر على الأفضلية(3)، والأولى حمله على أنّه فعل خاص.

الثالثة: ما دل على التصدق بمد من الطعام ومن ذلك:

رواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير قال: سألته عن المرأة يضرب عليها الظلال وهي محرمة؟ قال: نعم، قلت: فالرجل يضرب عليه الظلال وهو محرم؟ قال: نعم إذا كانت به شقيقة، ويتصدق بمد لكل يوم(4)


1) معجم رجال الحديث 13 : 160 الطبعة الخامسة

2) مناسك الحج : 107 الطبعة التاسعة

3) وسائل الشيعة ج 9 باب 6 من أبواب بقية كفارات الإحرام الحديث 2

4) نفس المصدر الحديث 8

والرواية وإن كانت دلالتها تامة إلاّ أنها ضعيفة السند بشخصين هما سهل بن زياد، وعلي بن أبي حمزة، فلا يمكن الاستدلال بها في المقام ولا ترفع اليد عن الروايات الصحيحة الدالة على لزوم التكفير بشاة، ومع الإغماض عن سند الرواية تحمل على الإعسار كما حملها صاحب الوسائل(1).

والحاصل: أنّ كفارة التظليل شاة.

المقام الثالث:

في تكرر الكفارة بتكرر الفعل وعدمه وفيه صورتان:

الأولى: أن يكون ذلك في إحرامين مستقلين كالعمرة والحج مثلاً، وفي هذه الصورة تتكرر الكفارة بلا إشكال، لأنّ

الأصل عدم تداخل الأسباب، ويكون حاله حال الإفطار في يومين، مضافاً إلى التصريح بذلك في الروايات.

الثانية: أن يكون ذلك في إحرام واحد.

ومقتضى القاعدة هو تكرر الكفارة لأنّ الأصل عدم تداخل الأسباب، وإذا تعددت الأسباب فلكل سبب كفارة، والتظليل إذا تكرر وإن كان في إحرام واحد فهو من هذا القبيل.

ولكن الظاهر عدم التكرر والحكم بالتداخل في إحرام واحد وذلك:

أولاً: لعدم ورود دليل عليه مع أنّه مورد الابتلاء، كما أنّه لم يرد عنهم(علیهم السلام) الحكم بتعدد الكفارة مع أن كلامهم في مقام البيان.

وثانياً: أنّه ورد في بعض الروايات التصريح بذلك، والتفريق بين ما وقع في إحرام واحد وبين ما وقع في إحرامين، ومن ذلك:

صحيحة أبي علي بن راشد قال: قلت له (علیه السلام): جعلت فداك إنه يشتد عليّ كشف الظلال في الإحرام لأني محرور يشتد عليّ حر الشمس؟ فقال: ظلل وأرق دماً، فقلت له: أو دمين، قال: للعمرة؟ قلت: إنا نحرم بالعمرة وندخل مكة فنحل


1) وسائل الشيعة ج 9 باب 6 من أبواب بقية كفارات الإحرام ذيل الحديث 8

ونحرم بالحج قال: فأرق دمين(1)

والرواية واضحة الدلالة ومعتبرة السند.

والحاصل: أنّه لا يجب إهراق أكثر من دم واحد وإن تكرر التظليل فيإحرام واحد.

المسألة الثانية: في التقية في عرفات والمشعر ومنى وأحكامها:

اشارة

ويقع الكلام فيها في مقامين:

الأول: في الأدلة على لزوم الإتيان بالأعمال الخاصة في الأيام المخصوصة اختياراً أو اضطراراً.

الثاني: في ما تقتضيه أدلة التقية عموماً وخصوصاً.

أما بالنسبة إلى المقام الأول فلا إشكال في وجوب الوقوف في عرفات من زوال يوم التاسع من ذي الحجة إلى غروب الشمس، وقد ادعي إجماع المسلمين على ذلك(2)، نعم نسب إلى أحمد الخلاف(3)في مبدأ الوقوف، فقد أوجبه من فجر يوم التاسع لا من الزوال، هذا في الوقوف الاختياري، وأما الوقوف الاضطراري فهو الوقوف برهة من الليل، والوقوف في المشعر فالاختياري منه من طلوع فجر يوم العيد إلى طلوع الشمس، وأما الاضطراري فهو الوقوف وقتاً ما بعد طلوع الشمس إلى زوال يوم العيد.

وأما أعمال منى من الرمي والذبح والحلق أو التقصير فيجب الإتيان بها يوم العيد اختياراً، وأما الاضطراري من ذلك ففيها تفاصيل ليس هنا موضع ذكرها.

والحاصل: أنّ أصل وجوب هذه الأعمال الخاصة في الأيام المخصوصة مما لا خلاف فيه، وقد ذكر العلامة في التذكرة والمنتهى أن ذلك محل إجماع من


1) وسائل الشيعة ج 9 باب 7 من أبواب بقية كفارات الإحرام الحديث 1

2) الخلاف 1 : 453 الطبعة الثانية

3) نفس المصدر

المسلمين(1)

وقد دلت على ذلك روايات كثيرة وهي على طوائف.

الطائفة الأولى: ما حكي فيها فعل النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ومن ذلك:

صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (علیه السلام): إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثمّ أنزل الله عليه : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (2)، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يحج من عامه هذا،فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب، فاجتمعوا فحجّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وإنما كانوا تابعين ينتظرون ما يؤمرون به فيتبعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه، فخرج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس اغتسل ، ثمّ خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلى فيه الظهر، وعزم (أحرم) بالحج مفرداً، وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأوّل، فصفّ الناس له سماطين فلبّى بالحجّ مفرداً وساق الهدي ستاً وستين بدنة أو أربعاً وستين، حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجّة، فطاف بالبيت سبعة أشواط، وصلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثمّ عاد إلى الحجر فاستلمه، وقد كان استلمه في أول طوافه، ثمّ قال: إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فابدؤا بما بدأ الله به، وإن المسلمين كانوا يظنون أنّ السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)(3)ثمّ أتى الصفا فصعد عليه فاستقبل الركن اليماني، فحمد الله وأثنى عليه ودعا مقدار ما تقرأ سورة البقرة مترسلاً، ثمّ انحدر إلى المروة فوقف عليها كما


1) جواهر الكلام 19 : 101 الطبعة السابعة

2) سورة الحج، الآية: 27

3) سورة البقرة، الآية: 158

وقف على الصفا، ثمّ انحدر وعاد إلى الصفا فوقف عليها، ثمّ انحدر إلى المروة حتى فرغ من سعيه، ثمّ أتى جبرئيل وهو على المروة، فأمره أن يأمر الناس أن يحلوا إلاّ سائق هدي، فقال رجل: أنحل ولم نفرغ من مناسكنا؟! فقال: نعم، فلما وقف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالمروة بعد فراغه من السعي أقبل على الناس بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ هذا جبرئيل (وأومأ بيده إلى خلفه) يأمرني أن آمر من لم يسق هدياً أن يحل، ولو استقبلت من أمري مثل الذي استدبرت لصنعت من ما أمرتكم، ولكني سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه، قال: فقال «له» رجل من القوم: لنخرجن حجاجاً وشعورنا تقطر؟ فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أما إنك لن تؤمن بعدها أبداً، فقال له سراقة بن مالك بن خثعم الكناني: يا رسول الله علمنا ديننا كأنما خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟ فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم):بل هو للأبد إلى يوم القيامة، ثمّ شبك أصابعه بعضها إلى بعض وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وقدم علي (علیه السلام) من اليمن على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو بمكة فدخل على فاطمة(علیها السلام) وهي قد أحلّت، فوجد ريحاً طيبة، ووجد عليهاثياباً مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟! فقالت: أمرنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فخرج عليّ (علیه السلام) إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مستفتياً ومحرشاً على فاطمة (علیها السلام) ، فقال: يا رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) إني رأيت فاطمة قد أحلّت، عليها ثياب مصبوغة، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أنا أمرت الناس بذلك، وأنت يا علي بما أهللت؟ قال: قلت: يا رسول الله إهلالاً كإهلال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): كن على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هديتي، قال: فنزل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بمكة بالبطحاء هو وأصحابه، ولم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحج، وهو قول الله الذي أنزله على نبيه:

(فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)(1)فخرج النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وأصحابه مهلين بالحج حتى أتوا منى، فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والآخرة والفجر، ثمّ غدا والناس معه، فكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع، ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله وقريش ترجو أن يكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله على نبيه: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ)(2)يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم، فلما رأت قريش قبة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهوا إلى نمرة وهي بطن عرفة بجبال الأراك، فضربت قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثمّ صلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته «يقضون» يقفون إلى جنبها فنحاها ففعلوا مثل ذلك فقال: أيها الناس إنه ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كله موقف، وأومأ بيده إلى الموقف، فتفرّق الناس، وفعل مثل ذلك بمزدلفة، فوقف حتى وقع القرص قرص الشمس، ثمّ أفاض وأمر الناس بالدعة، حتى إذا انتهى إلى المزدلفة وهي المشعر الحرام فصلى المغرب والعشاء والآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثمّ أقام حتى صلى الفجر وعجّل ضعفاء بني هاشم بالليل وأمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس، فلما أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى فرمى جمرة العقبة، وكانالهدي الذي جاء به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أربعاً وستين، أو ستاً وستين، وجاء علي (علیه السلام) بأربعة وثلاثين، أو ستّ وثلاثين، فنحر رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ستاً وستين، ونحر علي (علیه السلام) أربعاً وثلاثين بدنة،


1) سورة آل عمران، الآية: 95

2) سورة البقرة، الآية: 199

وأمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يؤخذ من كل بدنة منها حذوة «جذوة» من لحم ثمّ تطرح في مرقة «برمة» ثمّ تطبخ فأكل رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) منها وعلي (علیه السلام) ، وحسيا من مرقها، ولم يعطوا الجزارين جلودها ولا جلالها ولا قلائدها، وتصدق بها، وحلق وزار البيت ورجع إلى منى فأقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق، ثمّ رمى الجمار ونفر حتى انتهى إلى الأبطح، فقالت عائشة: يا رسول الله ترجع نساؤك بحجة وعمرة معاً، وأرجع بحجة، فأقام بالأبطح، وبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فأهلت بعمرة، ثمّ جاءت وطافت بالبيت وصلت ركعتين عند مقام إبراهيم (علیه السلام) ، وسعت بين الصفا والمروة، ثمّ أتت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فارتحل من يومه ولم يدخل المسجد الحرام، ولم يطف بالبيت ودخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين، وخرج من أسفل مكة من ذي طوى(1).

ومحل الشاهد من هذه الرواية أنّ الموقف هو عرفة، وأنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وقف في بطنها، وأنه في اليوم التاسع عند الزوال، وإنما أوردنا الرواية على طولها لما اشتملت عليه من وصف أفعاله - في تأدية المناسك.

الطائفة الثانية: ما ورد من الروايات في حكاية فعل إبراهيم الخليل (علیه السلام) وغيره من الأنبياء (علیهم السلام):

ومنها: موثقة أبان بن عثمان عن أبي بصير، أنّه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله (علیه السلام) يذكران: أنّه لما كان يوم التروية، قال جبرئيل (علیه السلام) لإبراهيم(علیه السلام): تروه من الماء فسميت التروية، ثمّ أتى منى فأباته بها، ثمّ غدا به إلى عرفات، فضرب خباءه بنمرة دون عرفة، فبنى مسجداً بأحجار بيض وكان يعرف أثر مسجد إبراهيم، حتى أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة حيث يصلي الإمام يوم عرفة فصلى بها الظهر والعصر، ثمّ عمد إلى عرفات، فقال: هذه


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 4

عرفات فاعرف بها مناسكك، واعترف بذنبك، فسمى عرفات، ثمّ أفاض إلى المزدلفة، فسميت المزدلفة، لأنه ازدلف إليها، ثمّ قام على المشعر الحرام، فأمره الله أن يذبح ابنه وقد رأى فيه شمائله وخلائقه، فلما أصبح أفاض من المشعر إلى منى، ثمّ قال لأمه: زوريالبيت واحتبس الغلام الحديث(1).

ومنها: موثقة أبان بن عثمان أيضاً عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) : إنّ آدم لما اُمر بالتوبة قال جبرئيل له: قم يا آدم فخرج به يوم التروية فأمره أن يغتسل ويحرم، فلما كان يوم الثامن من ذي الحجة أخرجه جبرئيل إلى منى فبات فيها، فلما أصبح توجه إلى عرفات، وكان قد علّمه الإحرام وأمره بالتلبية، فلما زالت الشمس يوم عرفة قطع التلبية وأمره أن يغتسل، فلما صلى العصر أوقفه بعرفات (إلى أن قال:) فبقي آدم إلى أن غابت الشمس رافعاً يديه إلى السماء يتضرع ويبكي إلى الله، فلما غابت الشمس رده إلى المشعر فبات به، فلما أصبح قام على المشعر فدعا الله بكلمات فتاب عليه، ثمّ أفاض إلى منى وأمره جبرئيل أن يحلق الشعر الذي عليه فحلقه، ثمّ رده إلى مكة فأتى به إلى عند الجمرة الأولى، فعرض له إبليس عندها فقال: يا آدم أين تريد؟ فأمره جبرئيل أن يرميه بسبع حصيات وأن يكبّر مع كل حصاة تكبيرة ففعل آدم، ثمّ ذهب فعرض له إبليس عند الجمرة الثانية، فأمره أن يرميه بسبع حصيات فرمى وكبر مع كل حصاة تكبيرة، ثمّ عرض له عند الجمرة الثالثة فأمره أن يرميه بسبع حصيات فرمى وكبّر مع كل حصاة، فذهب إبليس، فقال له: إنك لن تراه بعد هذا أبداً، ثمّ انطلق به إلى البيت الحرام وأمره أن يطوف به سبع مرات ففعل، فقال له: إنّ الله قد قبل توبتك وحلّت لك زوجتك(2)(3).


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 24

2) نفس المصدر الحديث 34

3) ومما يؤيد ذلك ما رواه الصدوق في الفقيه قال أبو جعفر (علیه السلام): أتى آدم (علیه السلام) هذا البيت ألف أتية على قدميه، منها سبعمائة حجة وثلثمائة عمرة، وكان يأتيه من ناحية الشام، وكان يحج على ثور، والمكان الذي يبيت فيه (علیه السلام) الحطيم وهو ما بين باب البيت والحجر الأسود، وطاف آدم (علیه السلام) قبل أن ينظر إلى حواء مائة عام، وقال له جبرئيل: حياك الله وبياك (لباك) يعني أصلحك الله. (جامع أحاديث الشيعة ج 10 باب 13 باب ما ورد في حج آدم (علیه السلام) وكيفيته الحديث 8 ص 430)

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إنّ إبراهيم أتاه جبرئيل عند زوال الشمس من يوم التروية، فقال: يا إبراهيم ارتو من الماء لك ولأهلك، ولم يكن بين مكة وعرفات يومئذ ماء، فسميت التروية لذلك، ثمّ ذهب به حتى أتى منى، فصلى بها الظهر والعصر والعشائين والفجر، حتى إذا بزغت الشمس خرج إلى عرفات، فنزل بنمرة وهي بطن عرفة، فلما زالت الشمس خرج وقد اغتسل فصلى الظهر والعصربأذان واحد وإقامتين وصلى في موضع المسجد الذي بعرفات (إلى أن قال:) ثمّ مضى به إلى الموقف فقال: يا إبراهيم اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فلذلك سميت عرفة، حتى غابت الشمس، ثمّ أفاض به إلى المشعر، فقال: يا إبراهيم ازدلف إلى المشعر الحرام، فسميت المزدلفة، وأتى به المشعر الحرام فصلّى به المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثمّ بات بها حتى إذا صلى الصبح أراه الموقف، ثمّ أفاض به إلى منى، فأمره فرمى جمرة العقبة وعندها ظهر له إبليس ثمّ أمره بالذبح الحديث(1)

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار أيضاً قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن عرفات لم سميت عرفات؟ فقال: إنّ جبرئيل (علیه السلام) خرج بإبراهيم (علیه السلام) يوم عرفة، فلما زالت الشمس قال له جبرئيل: يا إبراهيم اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فسميت عرفات لقول جبرئيل: اعترف فاعترف(2)(3)

ومنها: ما رواه العياشي في تفسيره عن الحلبي قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن البيت أكان يحج قبل أن يبعث النبي؟ قال: نعم وتصديقه في القرآن قول شعيب (علیه السلام) حين قال لموسى (علیه السلام) حين تزوج: (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ )ولم يقل ثماني سنين، وإن آدم ونوح ' حجا، وسليمان بن داود قد حج بالجن والإنس والطير والريح، وحج موسى على جمل أحمر، يقول: لبيك لبيك وإنه كما قال الله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ). (جامع أحاديث الشيعة ج 10 باب بدؤ البيت وعلة بنائه وطوافه الحديث 18 ص 16 ) .

وغيرها من الروايات الكثيرة الدالة على حج الأنبياء، بل فيها ما يدل على أنّ الحج كان قبل آدم (علیه السلام) ، ومن ذلك ما رواه الصدوق عن بكير بن أعين عن أخيه زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): جعلني الله فداك أسألك في الحج منذ أربعين عاماً فتفتيني فقال (علیه السلام): يا زرارة بيت يحج قبل آدم بألفي عام تفنى مسائله في أربعين عاماً. (علیهم السلام)جامع أحاديث الشيعة ج 10 باب حج موسى وعيسى وداود وسليمان ( الحديث 17 ص 16)


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 35

2) مستدرك الوسائل ج 10 باب 14 من أبواب إحرام الحج الحديث 7

3) ويؤيد ذلك عدة روايات أخرى منها رواية زيد الشحام عمن رواه عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: حج موسى بن عمران (علیه السلام) ومعه سبعون نبياً من بني إسرائيل، خطم إبلهم من ليف يلبون وتجيبهم الجبال، وعلى موسى عباءتان قطوانيتان يقول: لبيك عبدك وابن عبدك (علیهم السلام)جامع أحاديث الشيعة ج 10 باب حج موسى وعيسى وداود وسليمان (علیهم السلام) الحديث 1 ص 444 .

والذي يستفاد من هذه الطائفة أنّ الأنبياء السابقين - ولا سيّما إبراهيم الخليل(علیه السلام) الذي شيّد البيت - كانوا يقفون في اليوم التاسع في عرفات، وأن ما يأتون به من المناسك لا يختلف عما فعله النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فكأن أعمال الحجواحدة منذ زمان آدم وإلى يومنا هذا.

ثم إنه لا إشكال في هذه الروايات من حيث السند ولا سيما أن معاوية بن عمار له كتاب في الحج، والطريق إليه صحيح وقد ذكرنا ذلك في بحوثنا الرجالية.

الطائفة الثالثة: ما ورد من تعيين الموقف في وقت محدد وهي عدة روايات:

منها: صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: ينبغي للإمام أن يصلي الظهر من يوم التروية بمنى، ويبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس ثمّ يخرج(1)

وهذه الرواية وإن لم يصرّح فيها بالخروج إلى عرفات إلاّ أن رواية الصدوق بإسناده عن جميل بن دراج قد صرح فيها بذلك وهي: عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: على الإمام أن يصلي الظهر بمنى، ويبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس ثمّ يخرج إلى عرفات(2)


1) وسائل الشيعة ج 10 باب 4 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 6

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة، ونمرة هي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، فإنما تعجل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء فإنه يوم دعاء ومسألة(1)

ومنها: رواية ابن يزيد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية واغتسل، وعليك بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح والثناء على الله، وصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين(2)

وغيرها من الروايات التي تدل على تعيين الموقف وتحديده بيوم عرفة.

الطائفة الرابعة: ما ورد فيها أن يوم عرفة هو الشاهد أو المشهود ومن تلك الروايات: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة(3)ومنها: معتبرة أبي الجارود عن أحدهما ' في قول الله عزوجل : (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)(4)قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة(5).

ومنها: رواية الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله عزوجل: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة(6).


1) وسائل الشيعة ج 10 باب 9 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 4

3) نفس المصدر باب 19 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث 4

4) سورة البروج، الآية: 3

5) وسائل الشيعة ج 10 باب 19 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث 7

6) نفس المصدر الحديث 3

وسند الرواية ليس بنقي، فإن فيه أبا جميلة وهو محل خلاف، ولنا حوله تحقيق ذكرناه في محله.

ومنها: مرسلة محمّد بن هاشم عمن روى عن أبي جعفر (علیه السلام) (في حديث) قال: الشاهد هو يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة(1)

وغيرها من الروايات الدالة على هذا المعنى.

ويلحق بهذه الطائفة الروايات الدالة على معنى الحج الأكبر وأنه يوم عرفة أو غيره، ومن ذلك: رواية الفضيل بن عياض عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن الحج الأكبر، فقال: أعندك فيه شيء؟ فقلت: نعم، كان ابن عباس يقول: الحج الأكبر يوم عرفة، يعني من أدرك يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد ادرك الحج، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، فجعل ليلة عرفة لما قبلها ولما بعدها، والدليل على ذلك أنّه من أدرك ليلة النحر إلى طلوع الفجر فقد ادرك الحج وأجزأ عنه من عرفة فقال أبو عبد الله (علیه السلام): قال أمير المؤمنين (علیه السلام): الحج الأكبر يوم النحر واحتج بقول الله عزوجل: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ )(2)فهي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الآخر، ولو كان الحج الأكبر يوم عرفة لكان السيح أربعة أشهر ويوماً(3)، الحديث.

والمستفاد من روايات هذه الطائفة تعيين يوم التاسع من شهر ذي الحجة بأنه يوم عرفة وهو يوم الموقف، ومحل الشاهد من الرواية الأخيرة، أن من أدرك عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدركالحج، وهذا إشارة إلى الموقف الاضطراري، ولذلك جعل ليلة عرفة لما قبلها وما بعدها، وأما معنى الحج الأكبر


1) وسائل الشيعة ج 10 باب 19 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث 6

2) نفس المصدر باب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 20

3) سورة التوبة، الآية: 2

فقد استدل الإمام (علیه السلام) على أنّه يوم العيد بالآية الشريفة، ولولا ذلك لكان مقدار السيح أكثر من أربعة أشهر.

الطائفة الخامسة: ما ورد فيها من انقلاب الحج من التمتع إلى الافراد وهي عدة روايات:

منها: صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثمّ تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال ابن أبي عمير: كما صنعت عائشة(1)

ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعاً، ثمّ قدم مكة والناس بعرفات فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف؟ قال: يدع العمرة فإذا أتم حجه صح، كما صنعت عائشة ولا هدي عليه(2).

ومنها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة، ويهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر ويمضي إلى عرفات، فيقف مع الناس، ويقضي جميع المناسك، ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم، ولا شيء عليه(3).

ومنها: رواية زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة؟ قال: لا متعة له يجعلها عمرة مفردة(4).

ومنها: صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن موسى (علیه السلام) عن


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 21 من أبواب أقسام الحج الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 6

3) نفس المصدر الحديث 7

4) نفس المصدر الحديث 8

الرجل والمرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج ثمّ يدخلان مكة يوم عرفة كيف يصنعان؟ قال: يجعلانها حجة مفردة، وحد المتعة إلى يوم التروية(1)

وغيرها من الروايات والمستفاد منها: أنّ من ضاق به الوقت عن الإتيان بعمرة التمتع إلى يوم التروية انقلب حجه إلى الافراد ولزمه التوجه إلى عرفات.هذه جملة من الروايات التي يمكن أن يستدل بها على تعيين يوم الموقف وبيان الحد الواجب منه اختياراً واضطراراً، وهناك روايات أخرى دالة على هذا المعنى ولا تبعد دعوى التواتر على ذلك، ويترتب على تحديد يوم عرفات ما يتلوه من أعمال، كالموقف في المزدلفة وأنه بين الطلوعين من يوم العاشر، وكذلك أعمال يوم العاشر من الرمي والذبح والحلق أو التقصير.

وبهذا يتم الكلام حول المقام الأول.

المقام الثاني:
اشارة

في ما يمكن أن يستدل به على الإجزاء فيما إذا أتى المكلف بالأعمال موافقاً للعامة عن تقية، وعلى ضوء تمامية الأدلة تكون أعماله صحيحة ولا حاجة إلى القضاء والإعادة، وهذه الأدلة على نحوين: الأول: الأدلة العامة. الثاني: الأدلة الخاصّة.

أما الأدلة العامة فأمور:

أحدها: أدلة التقية وقد تقدمت.

ومنها: الروايات الدالة على أنّ التقية من الدين، وبناء على ذلك فإن ما يأتي به المكلف من أعمال، تقية فهي محكومة بالصحة لأنّها من الدين، فالموقف عن تقية وإن كان مخالفاً للواقع إلاّ أنّه مراد للمولى، وهكذا ما ورد من هذه النظائر من الروايات العامة الدالة على سقوط التكليف بالواقع والاجتزاء بغيره، ولا حاجة حينئذ إلى القضاء أو الإعادة.


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 21 من أبواب أقسام الحج الحديث 11

ثانيها: قاعدة الميسور، فإن من لم يتمكن من الإتيان بالواجب بجميع أجزائه وشرائطه كالموقف مثلاً أجزأه الإتيان بأصل الواجب وإن كان في زمان آخر.

ثالثها: أدلة الاضطرار وأحاديث الرفع، فإنّ من مصاديق الاضطرار التقية في الموقف بناء على شمولها للأحكام التكليفية والوضعية، فتكون الشرطية حينئذ مرفوعة، وأمّا بناء على القول باختصاصها بالأحكام التكليفية فلا إطلاق ولا شمول.

وأما الأدلة الخاصة فهي أمور أيضاً:

الأول: الإجماع، وقد ادعي في المقام أنّ العمل المأتي به تقية مجز عن الواقع.

الثاني: السيرة المستمرة والمتصلة بزمان الأئمة (علیهم السلام) ، وأنّ العمل قائم على متابعة العامة في الموقف من دون أن يرد عنهم (علیهم السلام) الأمر بالقضاء،وعدم الورود دليل على قيام السيرة العملية الممضاة من قبلهم (علیهم السلام) ، ولا سيما أنّ المسألة مورد للابتلاء، وأن ذلك على مرأى من الأئمة (علیهم السلام) في أكثر من قرنين من الزمان، ومن ذلك يستفاد صحة العمل وإلاّ لنبّه الأئمة (علیهم السلام) عليه.

الثالث: معتبرة أبي الجارود(1)وقد تقدمت، ومحل الشاهد منها قوله(علیه السلام): «والأضحى يوم يضحي الناس»، ومعنى هذا تنزيل الأضحى عند العامة منزلة الأضحى الواقعي وبالملازمة ينزل ما قبله وما بعده كذلك، فيكون يوم عرفة عندهم كيوم عرفة في الواقع فيثبت المطلوب، ولا حاجة إلى الإعادة والقضاء بل تترتب جميع آثار الصحة.

الرابع: الروايات الواردة في المقام عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) الآمرة بالحج كما يحج


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك الحديث7

الناس، وبناء على هذا فنحن مأمورون بمتابعتهم، وهذا دليل على الإجزاء.

الخامس: ما ورد من الحكم بالإجزاء في سائر الموارد لا في خصوص الحج كالتكتف في الصلاة تقية، والصلاة جماعة اقتداء بإمامهم كذلك، وهكذا بالنسبة إلى الصوم والإفطار وغيرها من الموارد الخاصة، وبتنقيح المناط وإلغاء الخصوصيات يتعدى من هذه الموارد إلى ما نحن فيه، فيحكم حينئذ بالإجزاء في الموقف وإن كان مخالفاً للواقع.

هذا غاية ما يستدل به للقول بالإجزاء على نحو الإجمال.

وأما تحقيق ذلك فالبحث يقتضي الكلام تارة في الأدلة الخاصة، وأخرى في الأدلة العامة.

أما الأدلة الخاصة فأولها الإجماع وقد نوقش فيه صغرى وكبرى.

أما من جهة الصغرى فهذا الإجماع غير معلوم التحقق، وذلك لأنّ هذه المسألة لم تذكر في أكثر الكتب الفقهية والمتعرض لها قليل فكيف يدعى الإجماع في المقام؟

وأما من جهة الكبرى فعلى فرض تمامية الصغرى إلاّ أن الكلام في حجية هذا الإجماع، إذ يحتمل أن يكون مدركياً فلا اعتبار به في نفسه بل المناط حينئذ هو المدرك، وبناء على هذا فلا يمكن الاعتماد على هذا الإجماع المدعى.

الثاني: السيرة العملية المتصلة بزمان الأئمة (علیهم السلام) ، وحيث لم يرد عنهم (علیهم السلام) الخلاف في ذلك ولا الاحتياط لا بالنسبة إليهم أنفسهم، ولا إلى شيعتهم،فيمكن القطع بهذه السيرة وفيه:

أولاً: أنّه لم يحرز الاختلاف في تلك الأزمنة، وعلى فرضه لم يعلم أنّ الأئمة (علیهم السلام) كانوا يحجّون في زمان الاختلاف فلعل حجهم كان في زمان الموافقة.

وثانياً: من المحتمل أن المرجع عند حصول الاختلاف هو قول الأئمة(علیهم السلام)

باعتبارهم من العلماء عند عامة المسلمين، ومن أهل تلك البلاد، فلم يحرز الأخذ بخلاف رأيهم، ولا سيما أنّه لم تتحدد آنذاك معالم المذاهب ويمتاز بعضها عن بعض.

وثالثاً: على فرض التسليم بأنّ الأئمة (علیهم السلام) يحجون في زمان المخالفة لكن من أين لنا أن نعلم أنهم (علیهم السلام) لا يأتون بالوظيفة الواقعية؟ وعدم وصول ذلك إلينا ليس دليلاً على العدم، ولا سيما أنّ المسألة ليست خلافية في المذهب، وقد ذكرنا أنّ الجميع يتفق على أنّ الموقف هو يوم التاسع، والخلاف حينئذ إنما هو في الموضوع الخارجي لا الحكم التكليفي.

والحاصل: أنّه يمكن أن يقال: إن كلاًّ منهم يأتي بوظيفته بحسب تشخيصه ولا دليل لنا على أنّ تلك الأزمنة مثل هذه الأزمنة في التشديد على وحدة الموقف.

ومما يؤيد ذلك: أولاً ما ذكره صاحب أعيان الشيعة ! في معرض الجواب عن اتهام الشيعة بمخالفة سائر المسلمين في بعض مناسك الحج كالوقوف بعرفة ... حيث قال: ... وما ندري ما يريد بالوقوف بعرفة الذي زعم مخالفتهم فيه، فإن عرفة مكان مخصوص معلوم محدود عند جميع المسلمين سنيهم وشيعيهم يقفون فيه يوم التاسع من ذي الحجة، ولعله يريد أن الشيعة قد يقفون في ثاني اليوم الذي يقف فيه غيرهم، وهذا لا لوم فيه عليهم إذا لم يروا الهلال ولم يثبت عندهم كون يوم وقوف غيرهم يوم عرفة، ولم يحصل حكم حاكمهم الشرعي بذلك سيّما في أيام قضاة الترك الذين علمت حالهم في التساهل في أمر إثبات الهلال، وكانوا يبذلون الجهود في تدبير الشهود لجعل وقوف عرفة يوم الجمعة لينالوا الخلعة السلطانية، ولم لا يكون اللوم على غيرهم في ذلك أو لا لوم على الفريقين في عملهم بما أوجبه مذهبهم لا عناداً ولا خلافاً للحق، وفي كثير من السنين كان يتّحد يوم الوقوف للكل، ونحن قد حججنا مرتين كانالوقوف فيهما واحداً ... (1)


1) كشف الارتياب : 80 الطبعة الثالثة

وثانياً: ما ذكره أمير الحاج المصري في كتابه (مرآة الحرمين) قال - وهو يصف رحلته إلى الحج - : ... وبعد أن عرف كل منّا محلّه أسرعنا جميعاً إلى جبل الرحمة المعروف بعرفات حيث وقفنا هنالك على سبيل الاحتياط لجواز أن يكون هذا اليوم يوم عرفة مع أنّه ثامن ذي الحجة(1)

وبناء على ذلك فإحراز أن العمل سيرة متصلة بالأئمة (علیهم السلام) غير ممكن وليست هذه السيرة مورداً للاطمئنان.

الثالث: الروايات الخاصة، وأهمها رواية أبي الجارود، ويتوقف الاستدلال بها على ثبوت أمور أربعة:

أولها: اعتبار سندها.

وثانيها: أنّ الرواية واردة في مقام التقية ولا خصوصية للشك، بل حتى في صورة العلم ليكون الحكم فيها مطلقاً والكبرى كلية، وأما مع اختصاصها بمورد الشك فهي خارجة عن المقام كما سيأتي.

وثالثها: أن تكون الملازمة بين العيد وعرفات متحققة بمعنى أن يكون مفاد الرواية أن يوم عرفة يوم يعرف الناس، وهكذا بالنسبة إلى ما قبله وما بعده.

ورابعها: أنّ الرواية ليست واردة في مقام بيان حجية الشهرة والشياع، وإلاّ فهي أجنبية عما نحن فيه، وهذا الأمر يلازم الأمر الثاني وذلك لأنّه إذا ثبت أن الرواية واردة في مقام بيان حجية الشياع فهي غير واردة في مقام التقية.

هذا، إلاّ أن إحراز هذه الأمور بحيث يكون للرواية ظهور في ذلك مشكل، نعم الأمر الأول منها لا إشكال فيه، فإنّ أبا الجارود وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه واقع في القسم الأول من تفسير القمي، كما أنّه لم يستثن من كتاب نوادر الحكمة، مضافاً إلى ثناء الشيخ المفيد ! عليه، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم فيمكن الحكم بوثاقته.


1) مرآة الحرمين 1 : 44 الطبعة الأولى - دار الكتب المصرية بالقاهرة 1344 ه- - 1925 م

وأما الأمر الثاني ففيه:

أولاً: أنّ قول أبي الجارود: وكان بعض أصحابنا يضحي فيه إشعار بأن المقام ليس مقام تقية، وإلاّ فلا معنى لتضحية بعض الأصحاب،فالمسألة تتناول موضوعاً خارجياً لا حكماً شرعياً حتى يرجع فيه للإمام (علیه السلام) .

وثانياً: أنّ قوله (علیه السلام): «والصوم يوم يصوم الناس» أي تقية فيه؟ فإن مورد التقية إنما هو الإفطار لا الصوم، وما ورد في بعض الروايات من هذا القبيل فهو من باب الأشباه والنظائر، وإلاّ فلا تقية في الصوم لأنّ المكلف يمكنه إظهار أنّه صائم وهو غير صائم في الواقع.

وثالثاً: أنّ الشيخ روى في التهذيب هذه الرواية بسند آخر عن نفس أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي ' يقول: صم حين يصوم الناس، وافطر حين يفطر الناس، فإنّ الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت(1)

وهذه الرواية لم تشتمل على صدر تلك الرواية ولم يذكر فيها التضحية، والمذكور هو الفقرتان الأخيرتان بإضافة التعليل بقوله: «فإنّ الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت» ومعنى ذلك: أنّ الاعتبار إنما هو بالهلال لأنه أمر توقيفي فالحجة من جهة رؤيتهم الهلال، وهذه الرواية ظاهرة في أن المقام ليس مقام تقية بل من جهة الرؤية والشهادة.

فإن قلنا: إنّ هذه الرواية عين الرواية السابقة كما لا يبعد - فإنّ الراوي واحد والإمام واحد، وإن اشتملت على زيادة ونقيصة - فحينئذ لا تكون الرواية واردة في مقام التقية، والحكم بمتابعة الناس في إفطارهم وصيامهم إنما هو من جهة الشك، مضافاً إلى أنّ الرواية ليست واردة في الحج، وذكر التضحية لا يخصصها


1) تهذيب الأحكام ج 4 باب علامة أول شهر رمضان وآخره، الحديث 34 ص 164

بالحج لأنّ التضحية أعم من أن تكون في الحج أو في غيره.

والحاصل: أنّ هذا الأمر لم يحرز أنّه المراد من الرواية، فلا يمكن الاستدلال بها على المدعى.

وأما الأمر الثالث فهو وإن كان في النظر البدوي كذلك فإنه لا خصوصية للعيد والأضحى، بل يشمل يوم عرفة أيضاً، كما يشمل أول الشهر وغيره من سائر الأيام، إلاّ أنّه يمكن أن يناقش فيه: بأنّ هناك فرقاً بين عرفة وغيره، وذلك لأنّ الوقوف يوم عرفة ركن من أركان الحج ويبطل الحج بفوات ركنه مطلقاً سواء كان عن جهل أو نسيان أو تقية، وأما أعمال يوم العيد فليست هي من الأركان فيمكن إجراء أحكام التقيةفيها، وبعبارة أخرى: تنزيل الزمان غير الواقعي منزلة الواقعي تارة يكون مطلقاً، وأخرى من جهة العمل فقط، فإن كان الأول فلا فرق بين يوم العيد وغيره.

وإن كان الثاني فلا ملازمة بينهما وتنزيل الأضحى تقية منزلة الواقع لا يلازم تنزيل يوم عرفة كذلك وسيأتي ما ينفع في المقام.

وأما الأمر الرابع فلا يبعد القول بأن الرواية واردة في مقام حجية الشياع والشهرة ويؤيده عدة من الروايات :

منها: رواية عبد الحميد الأزدي قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس، فقال: إذا كان كذلك فصم لصيامهم وافطر لفطرهم(1).

ومنها: صحيحة علي بن جعفر: أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر ' عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده، لا يبصره غيره، له أن يصوم؟ قال: إذا لم يشك فليفطر، وإلاّ فليصم مع الناس(2).


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4

2) نفس المصدر باب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1

والمستفاد من هذه الرواية والرواية السابقة: أنّ صيام الناس حجة في مورد الشك، ومع عدمه فالعمل على اليقين، ومضمون الروايتين واحد.

ومنها: رواية سماعة أنّه سأل أبا عبد الله (علیه السلام) عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟ قال: إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه، إذا كان أهل مصر خمسمائة إنسان(1).

والمستفاد من الرواية هو حجية الشهرة والشياع وإلاّ فالعدد لا مفهوم له ولا خصوصية لصيام خمسمائة إنسان أو إفطارهم.

ومنها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: فيمن صام تسعة وعشرين، قال: إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً(2)

والرواية واضحة الدلالة في أنّ الاعتبار بصيام أهل مصر ثلاثين يوماً، فيستفاد: أنّ الشياع حجة مضافاً إلى أنّ الرواية صحيحة من حيث السند.

ومنها: موثقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن هلالرمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: لا تصمه إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه(3)

وهذه الرواية صريحة الدلالة على أنّ التعويل في الصيام وترتيب القضاء على صيام البلد الآخر وشيوع ثبوت الهلال عندهم.

ومن مجموع هذه الروايات يستكشف أن رواية أبي الجارود واردة في هذا المقام وهو حجية الشياع، وأن قوله (علیه السلام): «الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس» يكون من هذا القبيل.


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 7

2) نفس المصدر باب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 13

3) نفس المصدر باب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 3

وعلى فرض عدم تعينه فلا أقل من كونه احتمالاً قوياً يعتد به، ومعه فلا يمكن الاستدلال بالرواية على أنها واردة في مقام التقية، وقد تقدم في صحيحة علي بن جعفر ما يستفاد منه حجية الشياع وفي رواية أخرى له عن أخيه قال: سألته عمن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره أله أن يصوم؟ فقال: إذا لم يشك فيه فليصم وحده، وإلاّ يصوم مع الناس إذا صاموا(1)

والوارد في الرواية السابقة: فليفطر، فيعلم أن السؤال فيها عن شهر شوال وفي هذه الرواية عن شهر رمضان، وبناء على هذا ففي أول الشهر وفي آخر الشهر يكون الشياع حجة في حالة الشك فقط، فإن قلنا: إنّ المراد من رواية أبي الجارود هو: حجية الشياع كما هو احتمال قوي فلا تصل النوبة إلى حملها على التقية، وما أوردناه من الروايات شاهد على هذا، ولا سيما الرواية الأخرى لأبي الجارود الواردة في جعل الأهلة مواقيت، كما تقدم فتخرج الرواية عن المقام، وإن قلنا: إنّ المراد منها هو خصوص التقية فلابد من تقييدها بروايتي علي بن جعفر المتقدمتين، فإنّ موردهما الشك وفي ما عدا الشك يكون العمل على طبق اليقين، وبناء على ذلك فلا يمكن التعدي من مورد الرواية - وهو الشك - إلى مورد العلم بالخلاف فيقال بلزوم المتابعة حتى في حال العلم بالخلاف.

ثم إنّ روايتي علي بن جعفر وإن لم يرد فيهما ذكر العيد والأضحى إلاّ أنّه لا خصوصية لهما لأنّهما واردتان في الفطر والصيام.

والحاصل: أنّ رواية أبي الجارود لا إطلاق فيها، ومفادها الإجزاء والحكم بأن العيد عيدهم، والصيام صومهم مختص بيوم الشك، وأما اليقين بالخلاف فغير مشمول للرواية.

وأما الأخبار النبوية الواردة في المقام ومنها قوله - : صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون(2)، ومنها قوله - : الصوم يوم تصومون،


1) وسائل الشيعة ج 7 باب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2

2) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال 8 : 488 الحديث 23759

والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون(1)وقوله - : فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وعرفة يوم تعرّفون(2)وغيرها.

ففيها أنّ هذه الروايات عامية ولا وجود لها في روايات الخاصة كما أن دلالتها على المدعى غير تامة مضافاً إلى ضعفها من جهة الأسناد.

هذا وقد تقدم أنّ هذا الأمر يلازم الأمر الثاني في الثبوت، وحيث إنه لم يثبت - كما مر - فمقتضى الملازمة عدم ثبوت هذا الأمر أيضاً.

هذا ما يتعلق بالأدلة الخاصة.

وأما الأدلة العامة فالكلام تارة يقع في أدلة التقية وأخرى في قاعدة الميسور، وثالثة في أدلة العسر والحرج.

أما الأدلة العامة فسيأتي الكلام عنها، وأما قاعدة الميسور فقد أشكل عليها بضعف المستند وقد تقدم الكلام حول أسانيدها على نحو الإجمال، وتفصيل ذلك في بحوثنا الرجالية(3)

وأشكل على دلالتها صغرى وكبرى، أما من جهة الكبرى فإنّ هذه القاعدة إنما يعمل على طبقها فيما إذا عمل عليها المشهور، وما نحن فيه ليس كذلك.

وأما من جهة الصغرى فمحل الكلام لا مجال فيه للتمسك بهذه القاعدة لإمكان الاحتياط، ولا أقل من إدراك البديل وهو الموقف الاضطراري، ومع إمكان الاحتياط أو إدراك البديل لا تصل النوبة إلى هذه القاعدة، ثمّ إنه على فرض عدم إمكان الاحتياط لا يفوت الواجب بل يبقى على حاله ويأتي به من قابل إذ ينكشف أنّه غير مستطيع فلم يتحقق الشرط فلا يجب، لا أنّه وجب


1) كنز العمال 8 : 488 الحديث 23760

2) نفس المصدر الحديث 23761

3) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 233 الطبعة الأولى

وعرض عدم التمكن.

وأما بالنسبة إلى أدلة العسر فالنقاش فيها صغروي وذلك: لأنّ العسر إنما يصدق فيما إذا كان الواجب مؤقتاً ويفوت الواجب بفوات وقته كالمسح على المرارة (كما ورد في رواية عبد الاعلى مولى آل سام)، أو الإتيان بالصلاة جالساً، أو الاضطرار إلى شرب الماء حال الصوم، أو نحو ذلك، أما إذا كان الواجب غير موقت كالحج فلا يصدق عليه الاضطرار إذ يمكنه أن يأتي بالواجب البديل، أو يؤخره إلى زمان آخر، فأدلة العسر أجنبية عن المقام.

وأما بالنسبة إلى أدلة التقية العامة، فقد أشكل عليها بأنّ هذه الأدلة لا يستفاد منها الإجزاء والصحة، وأقصى ما تفيده هو ارتفاع الحكم التكليفي، وما نحن فيه حكم وضعي وهكذا بالنسبة إلى حديث الرفع والكلام فيه هو الكلام.

أقول: قد تقدم الكلام منّا مفصلاً حول دلالة هذه الأدلة واستفادة الإطلاق منها وعدمه، وقد قوينا دلالتها على الإجزاء لكونها مطلقة فتشمل الأحكام التكليفية والوضعية معاً، إلاّ أنّ دلالتها على الإجزاء في خصوص المقام محل إشكال، وذلك لأنّ إفادة الأدلة للإجزاء موقوف على ما إذا لم يكن للواجب إطلاق وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وقلنا: إذا كان للواجب أو للجزء أو للشرط إطلاق أي يستفاد من دليله أنّه واجب مطلق لا فرق في وجوبه بين حالتي الاضطرار والاختيار فهنا لا نقول بالإجزاء، ومحل كلامنا من هذا القبيل.

فإن الواجب وهو الوقوف بعرفات - كما يستفاد من أدلته - واجب مطلق أي في جميع الحالات، ويدل على ذلك: ما ورد من أنّ الوقوف بعرفات ركن وأن الإخلال به سواء كان عن عمد أو غير عمد وعن اضطرار أو غير اضطرار، موجب لفساد الحج وإن كان الركن هو الوقوف في الجملة.

أما ما هو الركن من الموقف هل هو المكان أي عرفات وإن كان في زمان

آخر غير يوم التاسع، أو هو الزمان، أو هو المجموع من الزمان والمكان فقد اختلفت الروايات في ذلك .

أما ركنية المكان أو الحدود المكانية فيمكن أن تستفاد من عدة روايات:

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الموقف: ارتفعوا عن بطن عرنة، وقال: أصحاب الأراك لا حج لهم(1)

ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا وقفت بعرفات فادن من الهضاب «الهضبات» والهضاب هي الجبال فإنّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قال:إنّ أصحاب الأراك لا حج لهم، يعني الذين يقفون عند الأراك(2)

والأراك موضع قريب من عرفات.

والمستفاد من هاتين الروايتين: أنّ الموقف هو المكان، وفواته موجب لفساد الحج بلا فرق بين الاختيار والاضطرار.

وأما ركنية الزمان فيدل عليها عدة روايات:

منها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يأتي بعدما يفيض الناس من عرفات؟ فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات في ليلته فيقف بها ثمّ يفيض فيدرك الناس بالمشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات من ليلته ليقف بها(3)الحديث.

وهذه الرواية صريحة في أنّ إدراك الموقف الاضطراري بدلاً عن الاختياري كاف في إتمام الحج فالمناط هو الزمان.

ومنها: صحيحة حريز قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل مفرد للحج فاته الموقفان جميعاً، فقال: له إلى طلوع الشمس يوم النحر، فإن طلعت الشمس


1) وسائل الشيعة ج 10 باب 19 من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث 10

2) نفس المصدر الحديث 11

3) نفس المصدر الحديث 1

من يوم النحر فليس له حج ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل(1)

والرواية واضحة الدلالة على أنّ الركن هو الزمان سواء كان باختياره أو بدونه.

ومنها: موثقة عبد الله بن المغيرة قال: جاءنا رجل بمنى، فقال: إني لم أدرك الناس بالموقفين جميعاً، إلى أن قال: فدخل إسحاق بن عمار على أبي الحسن (علیه السلام) فسأله عن ذلك؟ فقال: إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن تزول الشمس يوم النحر فقد أدرك الحج(2)

وهذه الرواية شبيهة بصحيحة الحلبي المتقدمة.

ومنها: رواية ابن أبي عمير - وهي معتبرة على ما حققناه في محله - عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال: أتدري لم جعل المقام ثلاثاً بمنى؟ قال: قلت: لأي شيء جعلت فداك؟ أو لماذا جعلها؟ قال: من أدرك شيئاً منها فقد أدرك الحج(3)وغيرها من الروايات التي يستفاد منها أنّ ركنية الموقف من جهة الزمان.

وأما ركنية المجموع من الزمان والمكان فيدل عليها جملة من الروايات:

منها: صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: وسألته عن قول الله عزوجل: «الحج الأكبر» فقال: الحج الأكبر الموقف بعرفة، ورمي الجمار(4)

ومنها: رواية زرارة عنه (علیه السلام) قال: الحج الأكبر الوقوف بعرفة وبجمع، وبرمي الجمار بمنى، والحج الأصغر العمرة(5)

وهاتان الروايتان دالتان على أنّ المراد من الحج الأكبر هو الموقف بعرفة


1) وسائل الشيعة ج 10 باب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 6

3) نفس المصدر الحديث 7

4) نفس المصدر باب 19 من أبواب الحج والوقوف بعرفة الحديث 9

5) مستدرك الوسائل ج 10 باب 20 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 6

من جهة الزمان والمكان، ثمّ إنّ هنا عدة من الروايات - وبعضها صحيح السند - تدل على أنّ الحج الأكبر هو يوم النحر، وقد تقدمت رواية الفضل بن عياض وفيها أنّ الإمام (علیه السلام) طبق الحج الأكبر الوارد في الآية الكريمة على يوم النحر.

ولا منافاة بين هذه الروايات ويمكن الجمع بينها بأنّ إدراك اليومين معاً هو الحج الأكبر ومما يؤيد ما نحن فيه:

أولاً: ما ورد في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني بإسناده عن علي (علیه السلام) (في حديث) قال: وأمّا حدود الحج فأربعة وهي: الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في الموقفين، وما يتبعها ويتصل بها، فمن ترك هذه الحدود وجب عليه الكفارة والإعادة(1)

والمستفاد من هذه الرواية أنّ الوقوف بعرفة حد من حدود الحج وتركه يستوجب الإعادة، وإنما جعلناها مؤيدة لما في ذيلها من ترتب الكفارة مضافاً إلى عدم صراحتها في إفادة الركنية بالنسبة للوقوف بعرفة.

وثانياً: ما ورد من أنّ يوم عرفة هو اليوم المشهود، وقد تقدمت عدة روايات في الطائفة الرابعة تدل على ذلك، وفيها إشعار بالاهتمام بهذا اليوم ومنها يستكشف ركنيته.

وثالثاً: ما ورد في المصدود وهو ما رواه في الكافي عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الفضل بن يونس، عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالماً له يوم عرفة قبل أن يعرف، فبعث به إلى مكة فحبسه، فلما كان يوم النحر خلّى سبيله، كيف يصنع؟ فقال: يلحق فيقف بجمع، ثمّ ينصرف إلى منى فيرمي ويذبح ويحلق ولا شيء عليه، قلت: فإن خلى عنه يوم النفر كيف يصنع؟ قال: هذا مصدود عن الحج، إن كان دخل متمتعاً بالعمرة


1) وسائل الشيعة ج 8 باب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 31

إلى الحج فليطف بالبيت اسبوعاً ثمّ يسعى اسبوعاً ويحلق رأسه ويذبح شاة، فإن كان مفرداً للحج فليس عليه ذبح ولا شيء عليه(1)

والمستفاد من هذه الرواية أنّ عدم إدراكه للموقف يستوجب بطلان حجه مع أنّه مضطر، فيمكن استفادة الركنية من ذلك، نعم إذا فاته الموقف الاختياري والاضطراري في عرفة وأمكنه إدراك الموقف الاختياري بمزدلفة أغناه ذلك عن إدراك عرفة، وأما إذا فاته الموقف في مزدلفة أيضاً فقد فاته الحج كما هو ظاهر الرواية.

والحاصل: أنّه إذا ثبت أنّ وجوب الوقوف على نحو الإطلاق أي سواء كان على نحو الاضطرار أو الاختيار فأدلة العسر والحرج وأدلة التقية غير نافعة في المقام، فلا يمكن الحكم بالإجزاء ولابد من إدراك الموقف على كل حال ويترتب على هذا البحث:

أولاً: تجب المتابعة في حالة الشك، إما من جهة التقية، وإما من جهة الأمارية والشياع.

وثانياً: لا دليل على صحة المتابعة في حالة العلم بالخلاف، كما إذا رأى الهلال بنفسه، وكذا إذا قامت البينة على الخلاف على القول بتقديم الشهادة على الشياع، وفيه بحث ليس هنا محل ذكره.

وبناء على ما ذكرناه من الأدلة فالحكم بالإجزاء والصحة مشكل جداً والقول به بعيد في النظر.

الفرع الأول:
اشارة

قال السيد ! في مناسك الحج: «ومن خالف ما تقتضيه التقية بتسويل نفسه أنّ الاحتياط في مخالفتهم ارتكب محرماً وفسد وقوفه. والحاصل: أنّه تجب متابعة الحاكم السني تقية، ويصح معها الحج، والاحتياط


1) وسائل الشيعة ج 9 باب 3 من أبواب الاحصار والصد الحديث 2

حينئذ غير مشروع، ولا سيما إذا كان فيه خوف تلف النفس ونحوه، كما قد يتفق ذلك في زماننا هذا» (1)

وهذا الفرع له صورتان:

الأولى: أن يترك المكلف متابعتهم ولا يأتي بالموقف رأساً.

الثانية: أن يترك المتابعة ويأتي بالموقف مخالفاً لهم.

أما بالنسبة للصورة الأولى فلا إشكال في بطلان حجه لتركه الوقوف عمداً، وقد ذكرنا فيما تقدم أنّ الوقوف ركن ويبطل الحج بتركه، أما على القول بعدم إجزاء الموقف تقية فواضح، وأما على القول بأنّ التقية تبدل الواقع ولازمها الإجزاء فكذلك، وهكذا بناء على القول بأنّ دليل التقية السيرة المتصلة بالأئمة(علیهم السلام) . وبعبارة أخرى: لا فرق في الحكم بالبطلان بين أن يكون دليل التقية لفظياً أو لبياً وذلك لأنّه لم يأت بوظيفته، فلا وجه للحكم بصحة عمله.

إلاّ أن يقال: بأنّ أدلة التقية إذا كانت لفظية واستفدنا منها رفع الحكم الواقعي فقط من دون إثبات لجزء أو شرط فيمكن القول بالصحة إذا أتى ببقية الأعمال وقد ذهب بعضهم إلى ذلك.

ولكن بناء على ما تقدم من أنّ لأدلة الإجزاء والشرائط إطلاقاً لا يختص بحال الاضطرار وعدمه، وقد استظهرنا من الروايات ركنية الوقوف فلا مناص من القول بالبطلان.

وأما بالنسبة إلى الصورة الثانية ففيها تفصيل وحاصله: أن ما أتى به المكلف من العمل تارة يكون مخالفاً لمقتضى التقية، وأخرى لا يكون، فعلى الأول يكون عمله باطلاً كما هو ظاهر كلامه ! لأنه وقع منهياً عنه والنهي في العبادة يقتضي فسادها، كما أنّ مخالفة التقية حرام، فما أتى به من العمل محرم عليه ومحكوم


1) مناسك الحج : 146 المسألة 371 الطبعة التاسعة

بالفساد.

وعلى الثاني فتارة يكون عمله موافقاً للحجة الشرعية من بيّنة، أو شياع، أو اكمال عدة، أو نحو ذلك، وأخرى لا يكون، فإن كان غير موافق للحجة فالعمل باطل إلاّ أن يتبين موافقته للحجة وقد أتى به رجاء.

وإن كان موافقاً للحجة الشرعية مخالفاً للتقية فقد قيل: ببطلان العمل أيضاً واستدل عليه بوجوه:

الأول: أن ما أتى به من العمل مخالف للتقية، ومخالفة التقية حرام فالعبادة باطلة.

الثاني: أن مخالفة التقية وإن لم نقل بحرمتها إلاّ أنّ التقية واجبة، وما يكون خلاف التقية يقع منهياً عنه من جهة اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده، فالعمل على خلاف التقية ضد للواجب فيكون من هذه الجهة محرماً ويقع فاسداً.

الثالث: أنّ العمل على خلاف التقية حرام لا من باب التقية، بل من باب إذاعة السر، فإنه مصداق من مصاديق الإذاعة وقد تقدم أنّ إذاعة السر في نفسها حرام، فالعمل المأتي به الموجب لإذاعة السر منهي عنه فيقع فاسداً.

الرابع: دلالة الاقتضاء في خصوص المورد وبيانه: أنّ الشارع المقدس أوجب التقية وبين الكيفية، وأنه لابد أن يؤتى بالعمل على طبق ما حدده الشارع ولازمه عدم كفاية غيره من الأعمال وإن كان هو الوظيفة الأولى، نظير التيمم بدلاً من الوضوء عند عدم التمكن من استعمال الماء، فمن كانت وظيفته التيمم وخالف وأتى بالوضوء فوضؤه باطل، كما ذهب إليه المحقق النائيني(1)وهذا معنى قولهم إن التفصيل قاطع للشركة، فليس للمكلف إلاّ أن يتعبد بما حدده له الشارع، إذ العبادات أمور توقيفية لا مجال فيها للاختيار، إلاّ أن ينص الشارع على ذلك، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن المكلف مأمور في حالة الخوف أن يعمل بعملهم ،


1) فوائد الأصول 1 : 368 منشورات جامعة المدرسين 1404 ه-

وليس له أن يأتي بوظيفته الأولى، فإنه منهي عنها نظير التيمم بدلاً من الوضوء.

ويؤيده ما تقدم من رواية الكشي(1)بسنده عن داود الرقي وحاصلها أنّ من عمل بالتقية فعمله صحيح، وإلاّ فباطل والرواية صريحة الدلالة إلاّ أن الكلام من جهة السند.

وبناء على هذا فيمكن استفادة حرمة العمل المخالف للتقية وفساده.

هذه هي الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على فساد العمل المخالفللتقية، وأقربها إلى الاعتبار هو الوجه الرابع، وأما بقية الوجوه فللمناقشة فيها مجال وإن كان بعضها لا يخلو من قوّة.

أما الوجه الأول فالنقاش في الكبرى، وذلك لأنّ إثبات حرمة مخالفة التقية من الروايات مشكل جداً، نعم لا إشكال في أنّ التقية واجبة بل هي من أعظم الواجبات.

وورد أنّ التقية ديني ودين آبائي، وإن من لا تقية له لا دين له، كما يقال: إن من لا يصلي لا دين له، يعني أنّ ترك الواجب بمنزلة عدم الدين، أما أن تركها حرام ويلزمه عقابان فهذا لم يتضح من الروايات الكثيرة، وقد يقال: إنه يمكن أن يستفاد من بعض الروايات أن ترك التقية مصداق للإلقاء في التهلكة وقد ورد النهي عن ذلك في قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة)(2)فإذا كان ذلك مصداقاً للتهلكة وهي محرمة فتقع العبادة حينئذ باطلة ويدل على ذلك عدة روايات:

منها: ما ورد في تفسير العياشي عن حذيفة قال: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال: هذا في التقية(3)


1) رجال الكشي 2 : 600 مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)

2) سورة البقرة، الآية: 195

3) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب وجوب التقية مع الخوف في كل ضرورة ... الحديث 37

ومنها: ما عن الهداية: وقال الصادق (علیه السلام): الرياء مع المنافق في داره عبادة، ومع المؤمن شرك، والتقية واجبة لا يجوز تركها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عزوجل، ونهي رسول الله، والأئمة صلوات الله عليهم(1)

ومحل الشاهد قوله: «دخل في نهي الله عزوجل» وظاهره التحريم.

ولكن ورد في تفسير هذه الآية أنّ المراد هو مخالفة السلطان، ومن ذلك ما أورده في تفسير البرهان عن ابن بابويه قال: حدثنا محمّد بن عيسى (على خ) بن بشار رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم القطان قال: حدثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي قال: حدثنا أحمد بن بكر قال: حدثنا أحمد بن مصعب قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) : «طاعة السلطان واجبة ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله عزوجل ودخل في نهيه، إن الله عزوجل يقول: ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة» (2)وغيرها من الروايات.

وبناء على هذا فروايتا العياشي والهداية وإن كانتا مطلقتين إلاّ أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاقهما، هذا مع الغض عن المناقشة في سند الروايتين، فاستظهار أن ترك التقية من المحرمات لم يتضح دليله، نعم قد يستفاد من بعض الروايات الأخر أن ترك التقية أحد مصاديق الإلقاء في التهلكة وليست خاصة بمخالفة السلطان، ومن ذلك معتبرة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له، إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا(3)


1) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب وجوب التقية مع الخوف في كل ضرورة ... الحديث 38

2) البرهان في تفسير القرآن 1 : 192 الطبعة الثانية

3) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 7

والمستفاد من هذه الرواية أنّ ترك التقية يوجب الضرر، وما فيه ضرر فهو حرام، والرواية من جهة السند معتبرة فإن العباس بن عامر ثقة(1)، وجابر المكفوف ثقة أيضاً فقد عده ابن شهراشوب(2)من خواص أصحاب الصادق (علیه السلام) كما أنّ عبد الله بن أبي يعفور من الثقات(3)أيضاً، ومن جهة الدلالة واضحة، فالرواية معتبرة سنداً ودلالة.

ويؤيد ذلك روايتان:

الأولى: ما ورد في كتاب سليم بن قيس الهلالي عن الحسن البصري قال: سمعت علياً (علیه السلام) يقول يوم قتل عثمان: قال: رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: سمعته يقول: إن التقية من دين الله ولا دين لمن لا تقية له، والله لولا التقية ما عبد الله في الأرض في دولة إبليس، فقال رجل: وما دولة إبليس؟ فقال: إذا ولي إمام هدى فهي في دولة الحق على إبليس، وإذا ولى إمام ضلالة فهي دولة إبليس الخبر(4)

والمستفاد من هذه الرواية: أنّ الحكم بالتقية إنما هو لرفع الضرر، فإنّ عدم العبادة ضرر، ولذلك شرعت التقية لرفع الضرر والتمكن منالعبادة.

والرواية من جهة السند غير معتبرة ولذلك جعلناها مؤيدة.

الثانية: ما ورد في تحف العقول(5)من وصية الصادق (علیه السلام) لأبي جعفر محمّد بن النعمان الأحول: يابن النعمان إني لأحدث الرجل منكم بحديث فيتحدث به عني فاستحل بذلك لعنته والبراءة منه، فإن أبي كان يقول: وأي شيء أقرّ للعين من التقية، إن التقية جنة المؤمن ولولا التقية ما عبد الله، وقال الله عزوجل: (لا


1) رجال النجاشي 2 : 120 الطبعة الأولى المحققة

2) معجم رجال الحديث 4 : 37 الطبعة الخامسة

3) رجال النجاشي 2 : 7 الطبعة الأولى المحققة

4) جامع أحاديث الشيعة ج 14 باب وجوب التقية مع الخوف في كل ضرورة ... الحديث3 ص504

5) تحف العقول : 228 الطبعة الخامسة 1394 ه-

يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(1).

وهذه الرواية كالرواية الأولى من حيث المضمون.

والحاصل: أنّه يمكن استفادة حرمة ترك التقية من هذه الروايات من جهة أنّ مخالفة التقية تستوجب الضرر وهو محرم.

وأما الوجه الثاني وهو أنهما ضدان ففيه:

أولاً: أنّ من شرائط الضدين اتحاد الزمان وما نحن فيه ليس كذلك.

وثانياً: على فرض تحقق الضدية إلاّ أنا ذكرنا في محله من مباحثنا الأصولية: أنّ الحرمة إما أن تكون من باب التلازم، أو من باب المقدمية، وقد ناقشنا في كلا الأمرين وذكرنا أنّ الضد من باب المقدمة لا يكون محرماً إلاّ مع سائر الشرائط، ومنها الإرادة وبدونها لا تتحقق الحرمة.

والحاصل: أنّ هذا الوجه غير تام.

وأما الوجه الثالث وهو أنّ الحرمة من باب إذاعة السر لا من جهة التقية فقد تقدم الكلام حول هذا الأمر مفصلاً، وذكرنا جملة من الروايات الدالة على حرمة الإذاعة، وقد استظهرنا أنّ الروايات واردة في مورد خاص وهو ما يتعلق بالأحاديث الراجعة إلى الولاية، ورجحنا في ما سبق أنّ المراد منها خصوص أمر الولاية وما يرتبط بها من أسرار فلا تكون الروايات مطلقة لتشمل جميع الأمور حتى الأعمال، فتعميم التحريم غير تام، ويكفي ورود الشك فلا يمكن التعدي، وبناء على هذا فإذا لم نقل بأنّ العمل على خلاف التقية مصداق للإذاعة فالحكم بالحرمة محل إشكال، ولكن قد يستفاد الإطلاق من بعض الروايات وإن كل إذاعة حرام، وهي أعم من موضوع الولاية، ومن ذلك صحيحة هشام بن سالم


1) سورة آل عمران، الآية: 28

عن أبي عبدالله (علیه السلام) في قول الله عزوجل: (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا )قال: بما صبروا على التقية (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)(1)قال: الحسنة التقية والسيئة الإذاعة(2).

والرواية مطلقة والمستفاد منها: أنّ الإذاعة في مقابل التقية وعبر عن الإذاعة بأنها سيئة وهي حرام.

وورد مضمون هذه الرواية في مرسلة حريز(3)عمن أخبره عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله عزوجل: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ) قال: الحسنة التقية والسيئة الإذاعة، وقوله عزوجل: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) قال: التي هي أحسن التقية، (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )(4).

ولا يمكن التقييد بتلك الروايات المذكورة الواردة في إذاعة أحاديث الولاية لأنّ الإذاعة هنا جعلت في مقابل التقية كما ذكرنا، ولا منافاة بين تلك الروايات الخاصة الواردة في الولاية وبين هذه الروايات، وذلك لأنّ هذه الروايات واردة في الأعمال، وأما تلك الروايات فهي واردة في أمر الولاية فالموضوع في كلتا الطائفتين مختلف، وبناء على هذا يمكن أن يقال: إنّ الإذاعة مطلقاً في مقابل التقية.

والمتحصل مما ذكرنا: أنّه يمكن استفادة حرمة مخالفة التقية من الوجه الأول والثالث مضافاً إلى الوجه الرابع الذي قلنا عنه إنه هو الأقرب إلى الاعتبار، ولعل من قال بالحرمة استند إليه أو إلى ما تسالم عليه القدماء من أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، لا من جهة الروايات وإلاّ لاستدلوا بها.


1) سورة القصص، الآية 54

2) وسائل الشيعة ج 11 باب 24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 1

3) نفس المصدر الحديث 9

4) سورة فصلت، الآية: 34

بقي شيء:

وهو أنّ المكلف إذا أتى بالفعل الآخر احتياطاً فهل يحكم عليه باللغوية وعدم الاتصاف بالوجوب والحرمة؟

قد يقال ذلك إذ لا أمر في المقام فما أتى به فهو لغو وعبث.

وفيه: أنّ الحكم باللغوية مطلقاً لا يمكن المساعدة عليه، لإمكان أنيكون له أثر في صحة العمل، وذلك في صورة انكشاف الخلاف، وأن ما أتى به احتياطاً موافق للواقع وقد أتى به رجاء، وحينئذ يحكم بصحة عمله بخلاف ما لم يأت به فالحكم باللغوية مطلقاً محل نظر.

الفرع الثاني:

إذا علم المكلف بالخلاف.

والكلام يقع تارة في الحكم التكليفي وأخرى في الحكم الوضعي.

أما من جهة الحكم التكليفي فالظاهر من السيد الأستاذ ! هو وجوب العمل على طبق التقية وإن كان خلاف الواقع، وهو وإن لم يصرّح بذلك إلاّ أن ذلك يظهر من إشكاله في الحكم الوضعي دون التكليفي(1)

هذا مع عدم المندوحة، وأما معها فالمتابعة ليست واجبة ولا دليل عليها، وما أتى به المكلف من العمل مع وجود المندوحة محكوم بالبطلان.

وأما من جهة الحكم الوضعي فقد استشكل السيد الأستاذ ! - كما ذكرنا - بأنه لا وجه للإجزاء لأنّ أدلة التقية لا تفي للحكم بالإجزاء بل لا تتكفل ببيان الحكم الوضعي.

أما الأدلة الخاصة كالسيرة ورواية أبي الجارود فهي واردة في مقام الشك وما نحن فيه هو العلم بالخلاف.


1) المعتمد في شرح المناسك 5 : 157 الطبعة الأولى

وأما الأدلة العامة ففيها:

أولاً: أنها واردة في مقام بيان الحكم التكليفي.

وثانياً: على فرض الشمول للحكم الوضعي إلاّ أن ذلك مشروط بتحقق موضوع التقية، وفي المقام لم يتحقق الموضوع، إذ أنّ تحققه إنما يتم في ما إذا كان الحكم المخالف الصادر عنهم هو مبنى عقيدتهم ومذهبهم، وأما إذا كان عن جهل منهم في التطبيق واشتباه في التشخيص فهذا خطأ منهم، والفارق بين هذا وذاك أنهم لو علموا بالواقع لما حكموا على خلافه.

والحاصل: أنّ موضوع التقية لم يتحقق فلا يمكن الحكم بالإجزاء والصحة(1).

هذا ما أفاده السيد الأستاذ ! وقد تقدم منا القول بإمكان استفادة الإطلاقمن الأدلة وأنها شاملة للحكم الوضعي والتكليفي معاً. وذكرنا أيضاً أنّ الأدلة وإن كانت مطلقة إلاّ أن للمورد خصوصية لا يمكن معها الأخذ بهذه الأدلة ليحكم بالإجزاء، وذلك لأنّ أدلة الموقف لها إطلاق تقتضي الوجوب على كل حال وقد تقدم الكلام فيه فلا نعيد، كما أنّ الأدلة الخاصة غير ناهضة فإن السيرة غير ثابتة ولا يمكن الاعتماد عليها، ورواية أبي الجارود واردة في مقام حجية الشهرة بناء على القول بأن موردها التقية، وما نحن فيه هو صورة العلم بالخلاف.

والحاصل: أنّ ما ذكره من الإشكال في الحكم بالإجزاء في محله، وحينئذ يتبدل الحج بالعمرة المفردة، فإن كان على استطاعته من قابل فعليه أن يحج، وإلاّ سقط عنه الوجوب والله هو العالم بالصواب.

هذا تمام الكلام حول التقية في الحج.

والحمد لله ربّ العالمين.


1) المعتمد في شرح المناسك 5 : 157 الطبعة الأولى

الفصل الثامن

اشارة

6 - التقية في الزكاة

موضوع البحث وتعيينه

الإمامة من أصول الدين

إعطاء الزكاة للمخالف وبراءة الذمة

بذلك وعدمها

التفصيل بين الاختيار والإكراه

التقية في الزكاة

اشارة

ويقع الكلام فيها في جهتين:

الجهة الأولى: في أوصاف المستحقين للزكاة وهي أمور، ومحل الكلام منها أمران:

الأول: الإيمان بالمعنى الأخص:

وهو عبارة عن الإسلام مع الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثني عشر (علیهم السلام) واعتبار ذلك مجمع عليه بين الأصحاب(1)مضافاً إلى دلالة كثير من الروايات كما سيأتي.

واستدل عليه في المنتهى(2)أيضاً بأنّ الإمامة من أركان الدين وأصوله، وقد علم ثبوتها من النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ضرورة، فالجاحد بها لا يكون مصدّقاً للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في جميع ما جاء به، فيكون كافراً فلا يستحق الزكاة. ولأنّ الزكاة معونة وإرفاق فلا تعطى لغير المؤمن، لأنه محاد لله ولرسوله، والمعونة والإرفاق مودة فلا يجوز فعلها مع غير المؤمن لقوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ) (3)، وقد قرر صاحب الحدائق كلا الوجهين:


1) جواهر الكلام 15 : 377 الطبعة السابعة

2) منتهى المطلب في تحقيق المذهب: 522 الطبع القديم

3) سورة المجادلة، الآية: 22

أما الوجه الأول فبأن حديث الغدير مما تواتر بين الفريقين، وأجمع على نقله رواة الطرفين، بل تواتره من طرق العامة أشهر وارتكاب بعض متعصبي المخالفين فيه التأويلات الباردة والتمحلات الشاردة تعصباً وعناداً على الله ورسوله لا يخرجه عن الدلالة، ولا سيما مع اعتراف جمع منهم بالدلالة على ذلك.

وأما الوجه الثاني فبأن ظاهر الأخبار الواردة في العلة في وضع الزكاة تدل على أنها وضعت للإرفاق والمعاونة، ولا يشمل ذلك المخالف لأنّ نصبهم للشيعة الذي هو أظهر من الشمس في دائرة النهار بل للأئمة(علیهم السلام) كما صرحت به جملة من الأخبار معلوم وواضح(1)

هذا وقد تنظر صاحب المدارك في كلا الوجهين وقال: وفي الدليلين بحث(2)

والذي نراه: أنّ من آمن بالله ورسوله، وسلم ذهنه وعقله من الشبهات، وتجرد عن موروثات الآباء والأجداد، وألقى السمع وهو شهيد، ونظر نظرة العاقل المنصف إلى مجموع ما ورد من الآيات، كآية التطهير وآية المباهلة وآية المودة وآية الإنذار يوم الدار وآية الولاية وغيرها، وتأمل في الروايات الكثيرة كحديث المنزلة وحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرها مما تواتر نقله يرى هل تكون بمجموعها تقبل الشك والريب في صدورها ودلالتها؟ وهل هناك أمر من أمور الشيعة بل من أمور الدين قد ورد فيه هذا المقدار من الأدلة والبراهين؟ وهل اعتنى القرآن والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بأمر كعنايتهما بهذا الأمر تثبيتاً وتركيزاً عليه في النفوس؟ وليجعل من نفسه وعقله ووجدانه حكماً في ذلك. ثبتنا الله على الحق وهدانا وإياهم إلى الصراط المستقيم.

وعلى كل حال فالعمدة في المقام هي الروايات الواردة عنهم (علیهم السلام) وقد ورد كثير من الروايات تدل على اشتراط الإيمان في مستحق الزكاة: منها:


1) الحدائق الناضرة 12 : 204

2) مدارك الأحكام 5 : 237 الطبعة الأولى المحققة

صحيحة بريد بن معاوية العجلي عن أبي عبد الله (علیه السلام) (في حديث) قال: كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثمّ منّ الله عليه وعرفه الولاية فإنه يوجر عليه إلاّ الزكاة، لأنّه يضعها في غير موضعها، لأنها لأهل الولاية، وأما الصلاة والحج والصيام فليس عليه قضاء(1)

والرواية صريحة الدلالة في اعتبار الإيمان في مستحق الزكاة، وأن وضعها في غير موضعها يستوجب الضمان والإعادة.

ومنها: صحيحة زرارة وبكير والفضيل ومحمّد بن مسلم وبريد العجلي (وهي رواية الفضلاء) كلهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) أنهما قالا: في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية، والمرجئة، والعثمانية والقدرية، ثمّ يتوب، ويعرف هذا الأمر، ويحسن رأيه، أيعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال: ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة، ولابد أن يؤديها لأنه وضعالزكاة في غير موضعها، وإنما موضعها أهل الولاية.

وفي هذه الرواية حصر موضع الزكاة بأهل الولاية(2)ولا يجزي غيره.

ومنها: صحيحة ابن أذينة قال: كتب إليّ أبو عبد الله (علیه السلام): إن كل عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ثمّ منّ الله عليه وعرفه هذا الأمر فإنه يوجر عليه ويكتب له إلاّ الزكاة فإنه يعيدها، لأنه وضعها في غير موضعها وإنما موضعها أهل الولاية، فأما الصلاة والصوم فليس عليه قضاؤهما(3)

وهذه الرواية بمضمون الرواية السابقة.

ومنها: صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري عن الرضا (علیه السلام) قال: سألته عن


1) وسائل الشيعة ج 6 باب 3 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 2

3) نفس المصدر الحديث 3

الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف؟ قال: لا، ولا زكاة الفطرة(1)

ومنها: رواية ضريس قال: سأل المدايني أبا جعفر (علیه السلام) قال: إن لنا زكاة نخرجها من أموالنا ففي من نضعها؟ فقال: في أهل ولايتك، فقال: إني في بلاد ليس بها أحد من أوليائك، فقال: ابعث بها إلى بلدهم تدفع إليهم، ولا تدفعها إلى قوم إذا دعوتهم غداً إلى أمرك لم يجيبوك وكان والله الذبح(2)

ومنها: معتبرة علي بن بلال قال: كتبت إليه أسأله: هل يجوز أن أدفع زكاة المال والصدقة إلى محتاج غير أصحابي؟ فكتب: لا تعط الصدقة والزكاة إلاّ لأصحابك(3)

ومنها: رواية يعقوب بن شعيب الحداد عن العبد الصالح (علیه السلام) قال: قلت له: الرجل منا يكون في أرض منقطعة كيف يصنع بزكاة ماله؟ قال: يضعها في إخوانه وأهل ولايته، قلت: فإن لم يحضره منهم فيها أحد؟ قال: يبعث بها إليهم، قلت: فإن لم يجد من يحملها إليهم؟ قال: يدفعها إلى من لا ينصب، قلت: فغيرهم؟ قال: ما لغيرهم إلاّ الحجر(4)

وهذه الرواية تدل على أنّ الناصب لا يعطى، وأما غير الناصب فيعطى مع عدم وجود المؤمن، ولكن الرواية ضعيفة السند بإبراهيم بنإسحاق فإن المراد به النهاوندي الضعيف المتهم في دينه(5)

ومنها: رواية زرارة وابن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیه السلام) أنهما قالا: الزكاة لأهل الولاية، قد بين الله لكم موضعها من كتابه(6)


1) وسائل الشيعة ج 6 باب 5 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1

2) نفس المصدر الحديث 3

3) نفس المصدر الحديث 4

4) نفس المصدر الحديث 7

5) الفهرست: 29 الطبعة الثانية

6) وسائل الشيعة ج 6 باب 5 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 9

ومنها: معتبرة علي بن جعفر أنّه سأله أخاه موسى بن جعفر ' عن الزكاة هل هي لأهل الولاية؟ قال: قد بين لكم ذلك في طائفة (طالع) من الكتاب(1)

والرواية وإن وردت في قرب الاسناد وفي سندها عبد الله بن الحسن، إلاّ أنّه قد تقدم أنّ روايات علي بن جعفر الواردة في قرب الاسناد كلها معتبرة.

ومنها: صحيحة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): الرجل يموت ويترك العيال أيعطون من الزكاة؟ قال: نعم، حتى ينشأوا ويبلغوا ويسألوا، من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم؟! فقلت: إنهم لا يعرفون، قال: يحفظ فيهم ميتهم ويحبّب إليهم دين أبيهم فلا يلبثون أن يهتموا بدين أبيهم، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم(2)

ومنها: رواية أبي بصير أيضاً قال: سأله رجل وأنا أسمع قال: أعطي قرابتي (من) زكاة مالي وهم لا يعرفون (يعرفونك) ؟ قال: فقال: لا تعط الزكاة إلاّ مسلماً، وأعطهم من غير ذلك، ثمّ قال أبو عبد الله (علیه السلام): أترون إنما في المال الزكاة وحدها؟ ما فرض الله في المال من غير الزكاة أكثر، تعطى منه القرابة والمعترض لك مما يسألك فتعطيه ما لم تعرفه بالنصب، فإذا عرفته بالنصب فلا تعط إلاّ أن تخاف لسانه فتشتري دينك وعرضك به(3)

والذي يظهر من الرواية أنّ النواصب غير مسلمين، وأنهم لا يعطون من مال الزكاة شيئاً، ويعطى من لم يعرف بالنصب من غير مال الزكاة، كما يعطى الناصب منه - أي من غير مال الزكاة - في حال التقية.

ومنها: معتبرة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): الرجل يكون له الزكاة وله قرابة يحتاجون غير عارفين أيعطيهم من الزكاة؟ فقال: لا ولاكرامة،


1) وسائل الشيعة ج 6 باب 5 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 15

2) نفس المصدر باب 6 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1

3) نفس المصدر باب 16 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1

لا يجعل الزكاة وقاية لماله يعطيهم من غير الزكاة إن أراد(1)

ومنها: معتبرة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن الرجل له قرابة وموال وأتباع يحبون أمير المؤمنين (علیه السلام) وليس يعرفون صاحب هذا الأمر أيعطون من الزكاة؟ قال: لا(2)

والرواية وإن كان في سندها سهل بن زياد إلاّ أنّه يمكن تصحيحها من طريق آخر، وهو أنّ للشيخ طرقاً صحيحة إلى كتب أحمد بن محمّد بن أبي نصر فتكون الرواية معتبرة.

وهذه الروايات وغيرها تدل دلالة واضحة على اعتبار الايمان في مستحق الزكاة، ولا يعطى أحد ممن لا يعرف هذا الأمر مطلقاً ناصباً كان أو غيره، إلاّ ما دلت عليه رواية يعقوب بن شعيب الحداد من جواز إعطاء غير الناصب مع عدم وجود المؤمن، إلاّ أنّ الرواية ضعيفة السند كما تقدم.

الثاني: العدالة:

وقد اختلف في اشتراطها فنسب إلى جماعة منهم الشيخ(3)والسيد وابن البراج وابن حمزة وغيرهم(4)اعتبارها، وأن لا يرتكب المستحق معصية.

ونقل عن ابن الجنيد(5)اشتراط عدم ارتكاب الكبائر خاصة.

وذهب آخرون منهم صاحب العروة(6)إلى أنّ الشرط هو عدم العلم بصرف المال في المعصية، واحتاط السيد الأستاذ ! (7)إضافة إلى ما ذهب إليه صاحب العروة بأن لا يكون تاركاً للصلاة، ولا متجاهراً بالفسق.


1) وسائل الشيعة ج 6 باب 16 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 2

2) نفس المصدر الحديث 3

3) الخلاف 1 : 388 الطبعة الثانية

4) جواهر الكلام 15 : 388 الطبعة السابعة

5) نفس المصدر : 392

6) مستمسك العروة الوثقى 9 : 283 المتن، الطبعة الثالثة

7) منهاج الصالحين 1 : 310 الطبعة الثانية

ويظهر من الصدوقين والديلمي عدم اشتراط شيء إلاّ الإيمان(1)وقد استدل للقول الأول - كما عن السيد المرتضى - بإجماع الطائفة، وأنه مقتضى الاحتياط واليقين ببراءة الذمة، مضافاً إلى ما ذكره من إمكان الاستدلال بكل ظاهر من القرآن والسنة المقطوع بها يقتضي النهي عن معاونة الفساق والعصاة وتقويتهم في ذلك(2)

وللمناقشة في ذكره من الإجماع والاحتياط واليقين ببراءة الذمة، مجال، وأما ظاهر الكتاب والسنة فهو أخص من المدعى.

وعليه فلابد من الرجوع إلى الإطلاقات المستفادة من الروايات الواردة في المقام:

ومنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن عيسى عن داود الصرمي، قال: سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئاً؟ قال: لا(3)

والرواية من جهة الدلالة واضحة، ومفادها أنّ شارب الخمر لا يعطى شيئاً من الزكاة، إلاّ أنها من جهة السند تشتمل على داود الصرمي، ولم يرد فيه توثيق كما أنّ المسؤل غير معلوم، فهي بحسب الاصطلاح مضمرة.

ولكن يمكن القول باعتبار الرواية ودفع ما يرد عليها من جهة السند.

أما وثاقة داود الصرمي فهو وإن لم يرد فيه توثيق في الكتب الرجالية، إلاّ أنّه وقع في المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة(4)، وقد حققنا في محله أنّ وقوع الراوي في كتاب نوادر الحكمة دليل على وثاقته ما لم يستثن، وبهذا يمكن اعتبار روايته، وأما وقوعه في أسناد كامل الزيارات(5)فليس توثيقاً له إذ ليس هو من


1) جواهر الكلام 15 : 389 الطبعة السابعة

2) الانتصار المطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية : 112 الطبع القديم

3) وسائل الشيعة ج 6 باب 17 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1

4) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 140 الطبعة الأولى

5) كامل الزيارات باب 101 ثواب زيارة أبي الحسن علي بن موسى ' بطوس الحديث 1 و 2

مشايخ ابن قولويه لتشمله الشهادة.

وأما الإضمار في الرواية فيقال في جوابه: إنّ الرواية رواها الشيخ المفيد في المقنعة(1)، والشيخ الكليني في الكافي(2)، وقد ذكر الأخير أنّه لا يورد في كتابه إلاّ الروايات الواردة عن الصادقين '، فلا يبعد أنتكون الرواية عن المعصوم(علیه السلام) مضافاً إلى أنّه قد ورد في ترجمة داود الصرمي(3)روى عن الرضا (علیه السلام) ، يكنى أبا سليمان، وبقي إلى أيام أبي الحسن صاحب العسكر، وله مسائل إليه، وهذه الرواية من مسائله فالرواية معتبرة سنداً ودلالة.

ومنها: ما رواه الصدوق عن محمّد بن الحسن، عن أحمد بن إدريس، ومحمّد بن يحيى جميعاً، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن بشر بن بشار، قال: قلت للرجل يعني أبا الحسن(علیه السلام): ما حد المؤمن الذي يعطى من الزكاة؟ قال: يعطى المؤمن ثلاثة آلاف، ثمّ قال: أو عشرة آلاف، ويعطى الفاجر بقدر، لأنّ المؤمن ينفقها في طاعة الله والفاجر في معصية الله(4)

والرواية تتضمن السؤال عن مقدار ما يعطى المستحق، وقد فرق الإمام(علیه السلام) بين المؤمن والفاجر في مقدار ما يعطى كل منهما، معللاً ذلك بإنفاق المؤمن ماله في طاعة الله وإنفاق الفاجر ماله في معصية الله، ويستفاد من الرواية بمقتضى إطلاقها جواز إعطاء الفاسق، فهي من جهة الدلالة لا إشكال فيها وبها تقيد الرواية المتقدمة، ويكون الممنوع من الإعطاء هو خصوص شارب الخمر، وما عداه يجوز إعطاؤه.

ولكن هذه الرواية غير معتبرة من جهة السند لأنّها مرسلة، ولا يمكن


1) المقنعة : 242 الطبعة الثانية منشورات جامعة المدرسين

2) الفروع من الكافي ج 3 باب من يحل له أن يأخذ الزكاة ومن لا يحل له ... الحديث 15 ص563

3) رجال النجاشي 1 : 370 الطبعة الأولى المحققة

4) وسائل الشيعة ج 6 باب 17 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 2

الاعتماد عليها ولا مجال للاستدلال بها.

ومنها: رواية محمّد بن سليمان عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمّد قال: سأل الرضا (علیه السلام) رجل وأنا أسمع، فقال له: جعلت فداك إنّ الله عزوجل يقول: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)(1)أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله عزوجل في كتابه لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر إليه لابد له من أن ينتظر، وقد أخذ مال هذا الرجل وأنفقه على عياله وليس له غلة ينتظر إدراكها، ولا دين ينتظر محله، ولا مال غائب ينتظر قدومه، قال: نعم، ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام، فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عزوجل، فإن كان أنفقه في معصية الله عزوجل فلا شيء له على الإمام، قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه؟ في طاعة الله أمفي معصيته؟ قال: يسعى له في ماله فيرده عليه وهو صاغر(2)

والشاهد في الرواية قوله: «إذا كان أنفقه في طاعة الله عزوجل فإن كان أنفقه في معصية الله عزوجل فلا شيء له على الإمام» .

وهو صريح في أنّ من أنفق ماله في المعصية مطلقاً صغيرة كانت أو كبيرة فلا يستحق شيئاً من مال الزكاة، فالرواية من حيث الدلالة تامة إلاّ أنّ الإشكال فيها من جهة السند فإنها مرسلة ولا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة.

ومنها: رواية الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم أنّه ذكر في تفسيره تفصيل هذه الثمانية الأصناف فقال: فسر العالم (علیه السلام) فقال: الفقراء: هم الذين لا يسألون وعليهم مؤنات من عيالهم، والدليل على أنهم هم الذين لا يسألون قول الله تعالى: (لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً)(3)


1) سورة البقرة، الآية: 280

2) وسائل الشيعة ج 13 باب 9 من أبواب الدين والقرض الحديث 3

3) سورة البقرة، الآية: 273

والمساكين: هم أهل الزمانات وقد دخل فيهم الرجال والنساء والصبيان، والعاملين عليها: هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتى يؤدوها إلى من يقسمها، والمؤلفة قلوبهم قال: هم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من دون الله ولم يدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمداً رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يتألفهم ويعلمهم ويعرفهم كيما يعرفوا، فجعل لهم نصيباً في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا، وفي الرقاب: قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ، وفي الظهار وفي الايمان، وفي قتل الصيد في الحرم وليس عندهم ما يكفرون وهم مؤمنون، فجعل الله لهم منها (منها سهماً) في الصدقات ليكفر عنهم، والغارمين: قوم وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف فيجب على الإمام أن يقضي عنهم ويفكهم من مال الصدقات، وفي سبيل الله: قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما يتقوون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجون به، أو في جميع سبل الخير، فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج والجهاد، وابن السبيل: أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى الإمام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات(1).

قال صاحب الوسائل(2): ورواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادق(علیه السلام) نحو ما نقله الشيخ، ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله: والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف، ويستفاد من ذلك: أنهم إذا أنفقوا المال في الطاعة استحقوا وإلاّ فلا، فالرواية من جهة الدلالة تامة، إلاّ أن الإشكال فيها من جهة السند فهي وإن وردت في تفسير القمي وهو كتاب مشهور معروف والطريق إليه معتبر، إلاّ أن طريق علي بن إبراهيم إلى الإمام (علیه السلام) غير مذكور فهي بحسب الاصطلاح مرفوعة السند لأنّ علي بن إبراهيم لا يمكن أن


1) وسائل الشيعة ج 6 باب 1 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 7

2) نفس المصدر ذيل الحديث 7

يروي عن الإمام الصادق أو الكاظم(علیه السلام) بغير وسائط، وحينئذ لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية في مقام الاستدلال.

ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل عارف فاضل توفي وترك عليه ديناً قد ابتلى به لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة، هل يقضي عنه من الزكاة الالف والالفان؟ قال: نعم(1)

وهذه الرواية قد يستدل بها على المدعى لقوله: «لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة» وإذا كان كذلك فهو مستحق فيعطى من مال الزكاة.

وفيه: أنّ هذا وارد في كلام السائل لا في كلام المعصوم (علیه السلام) ، والإمام أجابه على طبق سؤاله، ولا يدل ذلك على اختصاص الزكاة بمن ذكره في سؤاله، كما لا يدل على عدم استحقاق غيره، فالرواية وإن كانت من جهة السند معتبرة إلاّ أنها من جهة الدلالة غير تامة.

ومنها: معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عن أبيه: أنّ علياً(علیه السلام) كان يقول: يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كله ما بلغ، إذا استدانوا في غير سرف الحديث(2)

والمستفاد من الرواية: أن من استدان مالاً وأنفقه في غير سرف فهو مستحق، وأما إذا كان أنفقه في سرف فلا يعطى، ومن أجلى مصاديق السرف صرف المال في المعصية فإنه إنفاق للمال في غير موضعه، ومنفق المال في المعصية لا يستحق أن يعطى من مال الزكاة شيئاً، فالرواية من جهة الدلالةتامة.

وأما من جهة السند فقد يقال: إنّ الحسين بن علوان غير موثق، وما ذكره النجاشي من التوثيق(3)راجع لأخيه الحسن، ولكن الظاهر رجوع التوثيق إلى


1) وسائل الشيعة ج 6 باب 46 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1

2) نفس المصدر باب 48 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 2

3) رجال النجاشي 1 : 161 الطبعة الأولى المحققة

الحسين لا إلى أخيه، ويعلم ذلك من الوقوف على طريقة النجاشي في تراجمه للرجال، وقد تقدم أنّ بعضهم فهم من ذلك رجوع التوثيق إلى الحسن، وقلنا هناك إنه خلاف الظاهر، فالرواية معتبرة سنداً ودلالة.

وهناك روايات أخرى وردت بهذا المضمون وفي بعضها جاء بعنوان الإسراف بدلاً من السرف.

والحاصل: أنّ من صرف المال في المعصية لا يستحق، ولا يجوز إعطاؤه في دين كان أو في غيره.

ومنها: رواية أبي خديجة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا تعط من الزكاة أحداً ممن تعول، وقال: إذا كان لرجل خمسمائة درهم وكان عياله كثيراً قال: ليس عليه زكاة ينفقها على عياله يزيدها في نفقتهم وفي كسوتهم وفي طعام لم يكونوا يطعمونه، وإن لم يكن له عيال وكان وحده فليقسمها في قوم ليس بهم بأس، أعفّاء عن المسألة لا يسألون أحداً شيئاً، وقال: لا تعطين قرابتك الزكاة كلها، ولكن أعطهم بعضها، واقسم بعضها في سائر المسلمين، وقال: الزكاة تحل لصاحب الدار والخادم ومن كان له خمسمائة درهم بعد أن يكون له عيال، ويجعل زكاة الخمسمائة زيادة في نفقة عياله يوسع عليهم(1)

ومحل الشاهد من الرواية قوله: «فليقسمها في قوم ليس بهم بأس أعفاء عن المسألة لا يسألون أحداً شيئاً» .

واستدل بذلك على اشتراط العدالة في المستحق فإن إطلاق عدم البأس يقتضي كونهم غير عصاة أي: لا بأس بهم من جهة الإيمان والعمل وذلك هو معنى العدالة والاستقامة.

وقد أشكل على هذه الرواية بوجهين الأول: من جهة السند فإنّ فيه سالم


1) وسائل الشيعة ج 6 باب 14 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 6

بن مكرم وهو أبو خديجة وقد ضعفه الشيخ(1)الثاني: من جهة الدلالة وذلك :

أولاً: أنّ قوله: ليس بهم بأس لا دلالة فيه على أنّ العاصي لا يعطى، وأن الإعطاء منحصر في خصوص هذا المورد، فلعله من باب الأولوية ويجوز إعطاء من به بأس وإن كان على خلاف الأولوية.

وثانياً: أنّه من المحتمل أن يكون قوله: «لا يسألون أحداً شيئاً» تفسيراً لقوله: «ليس بهم بأس» ويكون المعنى إن الإعطاء مشروط بعدم المسألة، فلا تكون دليلاً على اعتبار عدم المعصية في المستحق.

ونقول: أما الإشكال من جهة السند فقد حققنا في محله من مباحثنا الرجالية أنّ أبا خديجة وإن ضعفه الشيخ إلاّ أن النجاشي قد وثقه(2)، وأفردنا بحثاً خاصاً حول أبي خديجة(3)وذكرنا سبب تضعيف الشيخ له، وقد رجحنا قول النجاشي، وقلنا بوثاقته والاعتماد على روايته، وبناء على ذلك فالرواية من حيث السند لا إشكال فيها.

وأما الإشكال من جهة الدلالة فالظاهر من الرواية هو اعتبار الإيمان، فإن نفي البأس عنهم باعتبار أنهم من أهل الولاية وحينئذ لا يبقى مجال للأخذ بالإطلاق الشامل للعاصي هذا أولاً.

وثانياً: أن ظاهر الرواية هو الانحصار فإن قوله: «فليقسمها ... الخ» يفيد أنّ التقسيم خاص بهم ولا يشمل غيرهم.

وثالثاً: أن جعل جملة «لا يسألون أحداً شيئاً» تفسيراً لقوله: «ليس بهم بأس» بعيد، نعم هذه الجملة من تتمة الكلام وبيان لبعض أوصافهم.

والحاصل المستفاد من الرواية: أنّ البأس راجع إلى المخالفين الذين هم


1) الفهرست : 105 الطبعة الثانية

2) رجال النجاشي 1 : 423 الطبعة الأولى المحققة

3) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 518 الطبعة الأولى

ليسوا من أهل الولاية ولا ربط لها بالعصاة، وعليه لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية على اشتراط العدالة في المستحق.

ومنها: رواية محمّد بن سنان عن الرضا (علیه السلام) أنّه كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: أنّ علة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء، لأن الله عزوجل كلّف أهل الصحة القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى، كما قال الله تبارك وتعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ)(1)في أموالكم إخراج الزكاة وفي أنفسكم توطين الأنفس على الصبر، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم الله عزوجل، والطمع في الزيادة، مع ما فيه منالزيادة والرأفة والرحمة لأهل الضعف والعطف على أهل المسكنة والحث لهم على المواساة، وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين، و (هو خ ل) موعظة لأهل الغنى وعبرة لهم ليستدلوا على فقراء الآخرة بهم، ومالهم من الحث في ذلك على الشكر لله تبارك وتعالى لما خولهم وأعطاهم والدعاء والتضرع والخوف من أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة والصدقات وصلة الأرحام واصطناع المعروف(2)

ومحل الشاهد من هذه الرواية قوله: «والمعونة لهم على أمر الدين» وهذه الجملة هي إحدى العلل الموجبة لإعطاء الزكاة، ويستفاد منها: أن من كان على خلاف ذلك فلا يستحق شيئاً.

وقد نوقش في سند الرواية بأنّ طريق الصدوق إلى كتاب مسائل محمّد بن سنان ضعيف، وقد ذكر السيد الأستاذ ! في المعجم أنّ ضعف الطريق بعلي بن العباس(3)فإنه لم يوثق مضافاً إلى الخلاف في وثاقة محمّد بن سنان وعليه فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية من هذه الجهة.


1) سورة آل عمران، الآية: 186

2) وسائل الشيعة ج 6 باب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ... الحديث 7

3) معجم رجال الحديث 17 : 171 الطبعة الخامسة

ولكن يمكن الجواب عنه أولاً: أننا قد رجحنا وثاقة محمّد بن سنان(1)والأخذ بروايته.

وثانياً: أنّ الطريق إلى مسائل محمّد بن سنان وإن كان ضعيفاً إلاّ أنّه يمكن تصحيحه بالطريق العام فإنّ للصدوق طريقاً معتبراً إلى جميع روايات وكتب محمّد بن سنان(2)، ومنها كتاب المسائل فضعف هذا الطريق بخصوصه لا يضر، مضافاً إلى ما ذكره ابن عقدة من أنّ الكتاب معروف(3)فقد يقال بعدم الحاجة إلى الطريق. فلا إشكال في الرواية من جهة السند.

نعم يمكن المناقشة في الرواية من جهة الدلالة وذلك بأن يقال: إنّ المال إذا أعطي من يصرفه في المعصية فالإشكال في محله، وأما إذا علمنا أنّه لا يصرفه في المعصية فلا دليل على عدم الإعطاء ولا يكون مورداً للإشكال. نعم تدل الرواية على أنّ الإعطاء والصرف في الطاعة والمعونة على أمر الدين، فالرواية موافقة لرواية الحسين بن علوانالمتقدمة الدالة على عدم صرف المال في المعصية.

ومنها: رواية صباح بن سيابة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أيما مؤمن أو مسلم مات وترك ديناً لم يكن في فساد ولا إسراف فعلى الإمام أن يقضيه، فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك، إن الله تعالى يقول: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ )الآية، فهو من الغارمين وله سهم عند الإمام، فإن حبسه فإثمه عليه(4).

والرواية من حيث الدلالة واضحة، فإن دين المدين يؤدى من الزكاة إذا لم يكن في فساد ولا إسراف.

إلاّ أنها من جهة السند غير تامة وإن أوردها الكليني في الكافي(5)وذلك


1) أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 556 الطبعة الأولى

2) نفس المصدر ص 108 ومعجم رجال الحديث 17 : 172 الطبعة الخامسة

3) رجال النجاشي 2 : 208 الطبعة الأولى المحققة

4) جامع أحاديث الشيعة ج 8 باب 10 من أبواب من يستحق الزكاة الحديث 1 ص 190

5) الأصول من الكافي ج 1 باب ما يجب من حق الإمام على الرعية وحق الرعية على الإمام الحديث7 ص407

لأنّ صباح بن سيابه لم يرد فيه توثيق، نعم ورد عنه روايتان تشيران إلى كونه من الشيعة الإمامية وهذا لا يكفي في الحكم بوثاقته، فالرواية لا يمكن الاعتماد عليها لضعف سندها.

وقد يستدل على اشتراط العدالة بما ورد في بعض الروايات كقوله- : لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن(1)ونحوها، فلا يستحق المرتكب لهذه المعاصي ونحوها شيئاً من الزكاة .

ولكن المناقشة فيها واضحة فإن للإيمان مراتب كما أن عدم الإيمان أيضاً يتفاوت فيه الناس شدة وضعفاً، ولذا لا يحكم بكفر مرتكب المعصية وبنجاسته، نعم تتفاوت درجات العصاة كما تتفاوت درجات المؤمنين، فلا يمكن الاعتماد على هذه الروايات في مقام الاستدلال.

والمتحصل إلى هنا: أنّ ما يعتمد عليه من الأدلة هو عدم كون المستحق شارب الخمر بمقتضى دلالة رواية داود الصرمي المتقدمة، وان لا يكون صرف المال في المعصية بمقتضى معتبرة الحسين بن علوان ومعتبرة محمّد بن سنان، وأما اعتبار شيء آخر فلم نعثر على دليل عليه، نعم ما يكون من المعاصي في درجة شرب الخمر أو أعظم منه كترك الصلاة مثلاً فهو بتنقيح المناط والأولوية يلحق بشرب الخمر، فلا يجوز إعطاء تارك الصلاة شيئاً من الزكاة، ومثله المتجاهر بالفسقفإن في إعطائهما تشجيعاً وتقوية لهما، ومقتضى الاحتياط عدم إعطائهما شيئاً، وأما في غير ما ذكرنا فليس لنا دليل عليه فاشتراط العدالة مطلقاً لا وجه له.

هذا تمام الكلام عن الجهة الأولى.

الجهة الثانية:

فيما تقتضيه الأدلة بالنسبة إلى التقية.

لا إشكال في وجوب وضع الزكاة في موضعها، وهي الأصناف الثمانية على طبق ما تقدم في الجهة الأولى، فإذا عرض للمكلف أن يضعها في غير موضعها


1) أمالي الشيخ المفيد - المجلس الثالث ص 13 المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف

تقية، أو أكره على إعطائها لمن لا يستحق أو أخذت منه قهراً من سلطان أو جائر فهل يكون الإعطاء مجزياً ويحسب من الزكاة أم لابد من ضمانها؟

قال الشيخ في الخلاف: المتغلب إذا أخذ الصدقة لم تبرأ بذلك ذمته من وجوب الزكاة عليه، لأنّ ذلك تحكم ظلم به، والصدقة لأهلها ويجب عليه إخراجها، وقد روي أنّ ذلك مجز عنه، والأول أحوط. وقال الشافعي: إذا أخذ الزكاة إمام غير عادل أجزأت عنه لأن إمامته لم تزل بفسقه، وذهب أكثر الفقهاء من المحققين وأكثر أصحاب الشافعي إلى أنّه إذا فسق زالت إمامته، وقال أحمد بن حنبل وعامة أصحاب الحديث: لا تزول الإمامة بفسقه، وهو ظاهر قول الشافعي وقال أصحابه: لا تجيء على أصوله، فأما فسق الإمام فعندنا لا يجوز لأنه لا يكون إلاّ معصوماً، وليس هذا موضع الدلالة عليه، والذي يدل على أنّ ذمته لم تبرأ مما أخذه المتغلب: أنّ الزكاة حق لأهلها فلا تبرأ ذمته بأخذ غير من له الحق، ومن أبرأ الذمة بذلك فعليه الدلالة(1)

والتحقيق في المسألة يتوقف على ذكر الروايات الخاصة الواردة في المقام وهي على طائفتين:

الأولى: الروايات الدالة على الإجزاء:

ومنها: صحيحة يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن العشور التي تؤخذ من الرجل أيحتسب بها من زكاته؟ قال: نعم إن شاء(2)ومنها: معتبرة السكوني عن جعفر عن آبائه (علیهم السلام) قال: ما أخذه منك العاشر فطرحه في كوزة فهو من زكاتك: وما لم يطرح في الكوز فلا تحتسبه من زكاتك(3)، والكوز إناء يوضع فيه المال والمراد به صندوق السلطان.

ومنها: صحيحة سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: إن


1) الخلاف 1 : 312 مسألة 31 الطبعة الثانية

2) وسائل الشيعة ج 6 باب 20 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1

3) نفس المصدر الحديث 2

أصحاب أبي أتوه فسألوه عما يأخذ السلطان؟ فرقّ لهم، وإنه ليعلم أنّ الزكاة لا تحل إلاّ لأهلها، فأمرهم أن يحتسبوا به، فجال فكري والله لهم فقلت (له) : يا أبه إنهم إن سمعوا إذا لم يزك أحد! فقال: يا بني حق أحب الله أن يظهره(1).

ومنها: صحيحة عبيد الله بن علي الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن صدقة المال يأخذه (ها) السلطان؟ فقال: لا آمرك أن تعيد(2)

ومنها: مرسلة الصدوق قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) (أبو الحسن (علیه السلام)) عن الرجل يأخذ منه هؤلاء زكاة ماله أو خمس غنيمته أو خمس ما يخرج له من المعادن أيحسب ذلك له في زكاته وخمسه؟ فقال: نعم(3)

والرواية وإن كانت مرسلة إلاّ أنّه قد تقدم أنّ مرسلات الصدوق في الفقيه يمكن الاعتماد عليها.

وهذه الروايات كلها صريحة الدلالة في أنّ ما يأخذ السلطان أو وكيله يحتسب من مال الزكاة ولا حاجة للإعادة.

الثانية: ما يدل على عدم الاحتساب من الزكاة، وأن دفعها إليهم لا يجزي، وهي رواية واحدة وهي صحيحة أبي أسامة، قال: قلت لأبي عبد الله(علیه السلام): جعلت فداك إنّ هؤلاء المصدقين يأتونا ويأخذون منا الصدقة فنعطيهم إياها أتجزي عنا؟ قال: لا، إنما هؤلاء قوم غصبوكم أو قال: ظلموكم أموالكم، وإنما الصدقة لأهلها(4)

والرواية صريحة في عدم الإجزاء، وحملها على الاستحباب بعيد لا يمكن المصير إليه، ويمكن الجمع بين هذه الرواية وبين الروايات السابقة بما دلت عليه بعض الروايات من عدم جواز الإعطاء اختياراً، فإن أعطىعن اختيار فلا يجزي، وأما إذا أخذ قهراً فيحتسب من الزكاة، والشاهد عليه صحيحة عيص بن


1) وسائل الشيعة ج 6 باب 20 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 4

2) نفس المصدر الحديث 5

3) نفس المصدر الحديث 7

4) نفس المصدر الحديث 6

القاسم عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الزكاة قال: ما أخذوا منكم بنو أمية فاحتسبوا به، ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم، فإنّ المال لا يبقى على هذا أن يزكيه مرتين(1)

ففي هذه الرواية تفصيل بين ما أخذ قهراً فيحتسب من الزكاة وبين ما أعطى عن اختيار فلا يحتسب، وصحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن طلاق المكره وعتقه؟ فقال: ليس طلاقه بطلاق، ولا عتقه بعتق، فقلت: إني رجل تاجر أمر بالعشار ومعي مال؟ فقال: غيبه ما استطعت وضعه مواضعه. فقلت: فإن حلفني بالطلاق والعتاق؟ فقال: احلف له، ثمّ أخذ تمرة فحفر بها من زبد كان قدامه فقال: ما أبالي حلفت لهم بالطلاق والعتاق أو آكلها(2)

والمستفاد منها عدم جواز إعطائهم المال عن طواعية واختيار، ولابد من التحفظ على المال ووضعه في موضعه.

ويؤيد ذلك: رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه: أنّ علياً (علیه السلام) كان يقول: اعتد في زكاتك بما أخذ العشار منك، واحفظها عنه ما استطعت(3)

والرواية صريحة في دلالتها إلاّ أن في سندها ضعفاً ولذا جعلناها مؤيدة لما تقدم.

والحاصل: أنّ مقتضى الأدلة هو التفصيل في المقام بين الاختيار والإكراه، والإجزاء إنما هو في الثاني دون الأول، لا كما ذهب إليه الشيخ من عدم الإجزاء مطلقاً.

وبهذا يتم الكلام عن التقية في الزكاة.

وبعد:

فهذا آخر ما أردناه في الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني، وأوّله التقية في الجهاد.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين.


1) وسائل الشيعة ج 6 باب 20 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 3

2) نفس المصدر ج 15 باب 37 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه الحديث 1

3) نفس المصدر ج 6 باب 20 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 8

الفهرس

· فهرس المصادر

· فهرس المحتويات

مصادر الكتاب

القرآن الكريم.

1- أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي ت 543 ه- - تحقيق علي بن محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان.

2- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) لشيخ الطائفة الطوسي تصحيح وتعليق المعلم الثالث ميرداماد الاسترابادي تحقيق السيد مهدي الرجائي نشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) مطبعة بعثت - قم 1404 ه- .

3- الإرشاد للشيخ المفيد منشورات مكتبة بصيرتي - قم.

4- الإرشاد للشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (الشيخ المفيد) ت 413 ه- ، تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1413 ه- .

5- الاستبصار لشيخ الطائفة (الطوسي) تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية 1390 ه- .

6- إشارة السبق للشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية، انتشارات جهان - الطبع القديم.

7- أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق تقريراً لبحث الشيخ مسلم الداوري، لمحمد علي المعلم، الطبعة الأولى 1416 ه- ، مطبعة نمونة - قم.

8- الأصول من الكافي لثقة الإسلام الكليني، نشر الشيخ محمد الاخوندي، مطبعة الحيدري طهران.

9- إعلام الورى بأعلام الهدى لأمين الإسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي ت 548 ه- ، الطبعة الثانية، منشورات دار الكتب الإسلامية.

10- أمالي الشيخ المفيد لفخر الشيعة أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد ت 413 ه- ، منشورات مكتبة بصيرتي، قم.

11- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر الطبعة الثانية 1390 ه- 1969 م ، دار الكتاب العربي بيروت - لبنان.

12- الانتقال الصعب في المذهب والمعتقد للكاتب السيد إدريس الحسيني، الطبعة الأولى 1414 ه- - 1994 م ، دار النخيل للطباعة والنشر - بيروت.

13- إيمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب) لشمس الدين أبي المعالي فخار بن معد الموسوي ت 630 ، تحقيق الدكتور السيد محمد بحر العلوم ، الطبعة الثالثة 1408 ه- - 1987 م ، منشورات دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت.

14- بحار الأنوار لشيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي ت 1111 ه- دار الكتب الإسلامية، طهران.

15- بحار الأنوار الأجزاء 29 ، 30 ، 31 للعلامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي دار الرضا، بيروت - لبنان.

16- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي ت 587 ه- ، الطبعة الثانية 1402 ه- - 1982 م ، دار الكتاب العربي بيروت - لبنان.

17- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي ت 595 منشورات الرضي - قم 1406 ه- .

18- البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم الحسيني البحراني ت 1107 ه- أو 1109 ه- ، الطبعة الثانية مطبعة آفتاب - طهران، دار الكتب العلمية قم - إيران.

19- تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت 310 ه- تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم دار سويدان، بيروت - لبنان.

20- تاريخ الشيعة للشيخ محمد حسين المظفر منشورات مكتبة بصيرتي.

21- التبيان في تفسير القرآن لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ت 460 تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي دار إحياء التراث العربي.

22- تحف العقول عن آل الرسول للشيخ أبي محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، الطبعة الخامسة منشورات مكتبة بصيرتي 1394 ه- - قم.

23- تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي من منشورات المكتبة الرضوية لإحياء الآثار الجعفرية - طهران - الطبع القديم.

24- تفسير العياشي أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي، تصحيح وتحقيق وتعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي المكتبة العلمية الإسلامية - طهران.

25- تفسير القرهن الكريم للسيد عبد الله شبر ت 1242 ه- ، الطبعة الثالثة 1385 - 1966 م منشورات دار الهجرة قم - إيران.

26- تفسير القمي لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمي تصحيح وتعليق السيد طيب الموسوي الجزائري الطبعة الأولى 1411 ه- - 1991 م دار السرور، بيروت - لبنان.

27- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي ت 604 الطبعة الأولى 1411 ه- - 1990 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.

28- تفسير المراغي لأحمد مصطفى المراغي، الطبعة الثانية 1985 م ، دار إحياء التراث العربي.

29- تفسير نور الثقلين للشيخ عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي

تصحيح وتعليق وإشراف السيد هاشم الرسولي المحلاتي الطبعة العلمية، قم - دار الكتب العلمية - إسماعيليان نجفي، إيران - قم.

30- التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريراً لبحث آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي للميرزا علي الغروي التبريزي الطبعة الثالثة 1410 ه- مطبعة صدر - قم.

31- تنقيح المقال في علم الرجال للشيخ عبد الله المامقاني - انتشارات جهان - طهران - الطبع القديم.

32- تهذيب الأحكام لشيخ الطائفة الطوسي تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الثالثة 1390 ه- ، دار الكتب الإسلامية.

33- جامع أحاديث الشيعة ألف تحت إشراف السيد حسن الطباطبائي البروجردي منشورات مدينة العلم لآية الله العظمى الخوئي، قم - إيران.

34- الجامع الصحيح (سنن الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ت 297 ه- تحقيق وشرح أحم محمد شاكر دار إحياء التراث العربي.

35- جامع المسانيد لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي ت 774 ه- توثيق وإخراج وتعليق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي دار الفكر 1415 ه- - 1994 م .

36- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي ت 1266 ه- الطبعة السابعة 1400 ه- نشر دار الكتب الإسلامية - طهران.

37- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة للشيخ يوسف البحراني ت 1186 ه- ، دار الكتب الإسلامية، النجف، مطبعة النجف 1376 ه- - 1957 م.

38- الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ت 573 ه- تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي قم المقدسة، ا لطبعة الأولى 1409 ه- .

39- الخصال لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) ت 381 ه- ، تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري، منشورات جامعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدسة.

40- الخلاف لشيخ الطائفة (الطوسي) الطبعة الثانية 1377 ه- مطبعة رنكين طهران.

41- الخلاف لشيخ الطائفة (الطوسي) إصدار مكتب الكتب المتنوعة الطبع القديم.

42- دائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي الطبعة الثالثة - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.

43- الدر المنثور في التفسير بالمأثور لعبد الرحمن جلال الدين السيوطي ت 911 الطبعة الثانية 1409 ه- - 1988 م دار الفكر.

44- درر الفوائد وهو تعليقة على شرح ا لمنظومة للسبزواري للشيخ محمد تقي الآملي من منشورات مركز نشر الكتاب بطهران مطبعة المصطفوي.

45- رجال الطوسي لشيخ الطائفة (الطوسي) تحقيق وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم الطبعة الأولى 1381 ه- - 1961 م ، منشورات المكتبة والمطبعة الحيدرية في ا لنجف.

46- رجال العلامة الحلي (الخلاصة) للحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي ت 726 ه- ا لطبعة الثانية 1381 ه- - 1961 م ، منشورات المطبعة الحيدرية النجف.

47- رجال النجاشي لأبي العباس أحمد بن علي النجاشي الكوفي الأسدي ت 450 ه- تحقيق محمد جواد النائيني الطبعة الأولى 1408 ه- -1- 1988 م دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت.

48- رسالة في التقية للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 ه- مطبوعة في ضمن كتاب المكاسب الطبع القديم 1375 ه- بخط طاهر خوش نويس.

49- الروضة البهية في شرح ا للمعة الدمشقية للشيخ الشهيد زين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني) إشراف السيد محمد كلانتر الطبعة الثانية 1395 ه- منشورات جامعة النجف الدينية.

50- الروضة من الكافي لثقة الإسلام الكليني تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر غفاري الطبعة الثانية 1389 ه- نشر دار الكتب الإسلامية.

51- سنن ابن ماجة لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ت 275 ه- تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي دار الفكر.

52- سنن النسائي لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي ت 303 ه- الطبعة الأولى 1348 ه- - 1930 م دار الفكر بيروت.

53- السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي ا لبيهقي ت 458 ه- دار المعرفة بيروت - لبنان.

54- شرح نهج البلاغة لعز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن أبي الحديد المدائني ت 656 ه- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة.

55- شرعة التسمية للمعلم الثالث الأمير السيد محمد باقر (الداماد) ت 1041ه- إعداد رضا الاستادي الطبعة الأولى 1409 ه- نشر مؤسسة ميرداماد - اصفهان.

56- الشيعة - نص الحوار مع المستشرق كوربان - للسيد محمد حسين الطباطبائي ترجمة جواد جواد علي (خالد توفيق) الطبعة الأولى 1416 ه- مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر.

57- صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري ت 256 ه- الطبعة الخامسة 1406 ه- - 1986 م ، عالم الكتب - بيروت.

58- عدة الأصول لشيخ الطائفة الطوسي تحقيق محمد مهدي نجف الطبعة الأولى المحققة 1403 - 1983 م ، نشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - مطبعة سيد الشهداء، قم.

59- علل الشرائع للشيخ الصدوق، دار إحياء التراث العربي - منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف 1385 ه- - 1966 م .

60- عمدة القارىء شرح صحيح البخاري لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني ت 855 ه- دار الفكر 1399 ه- - 1979 م .

61- عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية للشيخ محمد بن علي بن إبراهيم الإحسائي (ابن أبي جمهور) ت 940 ه- ، تحقيق الحاج الشيخ مجتبى العراقي الطبعة الأولى 1403 ه- - 1993 م ، مطبعة سيد الشهداء ، قم - إيران.

62- عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق تصحيح وتعليق السيد مهدي اللاجوردي انتشارات جهان.

63- الغدير في الكتاب والسنة والأدب للشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي الطبعة الخامسة 1403 ه- - 1983 م نشر دار الكتاب العربي بيروت.

64- الغنية للسيد أبي المكارم عز الدين حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي - مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان - الطبع القديم.

65- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لأبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي الطبعة الثانية 1402 ه- ، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

66- فرائد الأصول (الرسائل) للشيخ مرتضى الأنصاري المشتملة على حواشي وتعاليق الهمداني وصاحب الاوثق ورحمة الله طبع باهتمام الميرزا حسين آقا المصطفوي الطبع القديم.

67- فرائد الأصول (الرسائل) للشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281 تحقيق عبد الله النوراني الطبعة السادسة 1416 ه- ، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

68- الفروع من الكافي لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي ت 328 أو 329 تصحيح ومقابلة وتعليق علي أكبر غفاري الطبعة الثانية 1366 ه- مطبعة الحيدري.

69- الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان 1406 ه- - 1986 م.

70- الفقه على المذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر الطبعة الثانية 1390 ه- - 1969م دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان.

71- فوائد الأصول تقرير أبحاث الميرزا محمد حسين الغروي النائيني للشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني تعليق آقا ضياء الدين العراقي تحقيق الشيخ رحمة الله رحمتي الأراكي الطبعة الأولى 1409 ه- نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

72- الفهرست لشيخ الطائفة (الطوسي) تصحيح وتعليق السيد محمد صادق آل بحر العلوم الطبعة الثانية 1380 ه- - 1960 م منشورات المطبعة الحيدرية في النجف.

73- القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ت 816 ه- دار الفكر - بيروت 1403 ه- - 1983 م.

74- قرب الاسناد لأبي العباس عبد الله بن جعفر الحميري القمي، اصدار مكتبة نينوى الحديثة - طهران الطبع القديم.

75- قصص الأنبياء لأبي الفداء عماد الدين اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي ت 774 دار التراث.

76- قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالثعلبي ت 427 ه- الطبعة الرابعة - دار الرائد العربي، بيروت - لبنان.

77- كامل الزيارات للشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ت 367 ه- تصحيح وتعليق الشيخ ميرزا عبد الحسين الأميني التبريزي المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف 1356 ه- .

78- الكامل في التاريخ لعز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير ت 630 دار صادر، بيروت 1402 - 1982 م .

79- كتاب السرائر لأبي عبد الله محمد بن إدريس العجلي الحلي الطبعة الثانية 1390 ه- انتشارات المعارف الإسلامية - المطبعة العلمية - قم الطبع القديم.

80- كتاب الطهارة من مصباح الفقيه للشيخ آقا رضا الهمداني مطبعة الحيدري من منشورات مكتبة الصدر - طهران الطبع القديم.

81- كتاب الطهارة للشيخ مرتضى الأنصاري مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث الطبع القديم.

82- كتاب الغيبة لشيخ الطائفة (الطوسي) تحقيق عباد الله الطهراني والشيخ أحمد ناصح الطبعة الأولى المحققة 1411 ه- ، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة.

83- كتاب مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث قم المشرفة - الطبعة الأولى 1409 ه- مطبعة مهر قم.

84- كتاب الوافي لمحمد محسن بن الشاه مرتضى (الفيض الكاشاني) ت 1091 ه- الطبعة الأولى 1406 ه- منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) العامة اصفهان.

85- كتاب الوافي للفيض الكاشاني الطبع القديم منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة 1404 ه- .

86- كتاب الهداية للشيخ الصدوق مطبوع في ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان - الطبع القديم.

87- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ت 538 ه- دار المعرفة ، بيروت - لبنان.

88- كشف الغمة في معرفة الأئمة لأبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي تعليق السيد هاشم الرسولي المطبعة العلمية قم 1381 ه- .

89- كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم ا لمشرفة، إيران 1405 ه- .

90- كنز العرفان في فقه القرآن للشيخ جمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري ت 826 ه- منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

91- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال لعلاء الدين المتقي بن حسام الدين الهندي ت 975 ه- الطبعة الخامسة 1405 ه- - 1985 م مؤسسة الرسالة - بيروت.

92- كنز الفوائد لأبي الفتح محمد بن علي الكراجكي ت 449 ه- مكتبة مصطفوي قم - الطبع القديم.

93- لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري ت711 ه- نشر أدب الحوزة 1405 ه- .

94- المبسوط في فقه الإمامية لشيخ الطائفة (الطوسي) تصحيح وتعليق السيد محمد تقي الكشفي الطبعة الثانية 1387 ه- نشر المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

95- مجمع البحرين للشيخ فخر الدين ا لطريحي ت 1085 ه- تحقيق السيد أحمد الحسيني الطبعة المحققة الثانية 1395 ه- منشورات1- المكتبة المرتضوية - طهران.

96- مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي ت 548 ه- من منشورات شركة المعارف الإسلامية 1379 ه- - طهران.

97- مجمع المسائل (فارسي) للسيد محمد رضا الكلبيكاني الطبعة الثالثة 1411ه- نشر دار القرآن الكريم - قم مطبعة أمير - قم.

98- المحاسن للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي تصحيح وتعليق السيد جلال الدين الحسيني (المحدث) الطبعة الثانية دار الكتب الإسلامية، قم.

99- المحلّى لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ت 456 ه- تحقيق لجنة إحياء التراث العربي - دار الآفاق الجديدة - بيروت.

100- مختصر بصائر الدرجات للشيخ حسن بن سليمان الحلي انتشارات الرسول المصطفى - قم .

101- مختلف الشيعة لأبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلامة الحلي) ت 726 تحقيق مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة الطبعة الأولى 1412 ه- .

102- مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام للسيد محمد بن علي الموسوي العاملي ت 1009 ه- تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث الطبعة الأولى 1410 ه- مطبعة مهر - قم.

103- مرآة الحرمين لأمير الحاج المصري إبراهيم رفعت باشا الطبعة الأولى مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة 1344 ه- - 1925 م.

104- المراسم للشيخ أبي يعلى سلار بن عبد العزيز الديلمي مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان - الطبع القديم.

105- مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام للشيخ الشهيد زين الدين بن علي العاملي الجبعي ت 966 ه- الطبع القديم.

106- مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل للشيخ ميرزا حسين النوري الطبرسي ت1320 ه- تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم الطبعة الأولى 1407 ه- مطبعة سعيد - مشهد المقدسة.

107- المستطرفات لأبي عبد الله محمد بن إدريس العجلي الحلي المطبوع ضمن كتاب السرائر الطبعة الثانية 1390 ه- - انتشارات المعارف الإسلامية

المطبعة العلية قم الطبع القديم.

108- مستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الطباطبائي الحكيم الطبعة1- الرابعة 1391 ه- مطبعة الآداب النجف الأشرف، دار الكتب العلمية قم - إيران.

109- مستند الشيعة في أحكام الشريعة للمولى أحمد بن المولى مهدي النراقي ت 1244 ه- منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - 1405 ه- الطبع القديم.

110- مستند العروة الوثقى محاضرات زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي للشيخ مرتضى البروجردي الطبعة الأولى 1414ه- منشورات مدرسة دار العلم المطبعة العلمية قم.

111- مشيخة الفقيه شرح وترجمة وتعليق الشيخ محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات.

112- المصباح المنير لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي ت 770 ه- الطبعة السابعة بالمطبعة الأميرية بالقاهرة 1928 م.

113- المعتبر في شرح ا لمختصر لنجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن (المحقق الحلي) ت 676 ه- منشورات مجمع الذخائر الإسلامية - قم - إيران - الطبع القديم.

114- معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة للسيد أبي القاسم الخوئي الطبعة الخامسة 1413 ه- - 1992 م.

115- معجم مفردات ألفاظ القرآن للعلامة الراغب الاصفهاني تحقيق نديم مرعشلي دار الكتاب العربي مطبعة التقدم العربي 1392 ه- - 1972 م.

116- معجم لغة الفقهاء وضع 1 . د محمد رواس قلعجه جي و د . حامد صادق قيبني الطبعة الثانية 1408 ه- - 1988 م دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان.

117- المعجم الوسيط ، إخراج نخبة من الأساتذة - الطبعة الثانية مجمع اللغة العربية.

118- معتمد العروة الوثقى كتاب الحج - محاضرات آية الله العظمى الخوئي للسيد رضا الخلخالي منشورات مدرسة دار العلم - لطفي 1364 ه- . ش المطبعة العلمية - قم.

119- المغني والشرح الكبير لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة ت 620 ه- ولشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ت 682 ه- الطبعة الأولى 1404 ه- - 1983 م دار الفكر بيروت - لبنان.

120- المقنع للشيخ الصدوق تحقيق لجنة التحقيق التابعة لمؤسسة الإمام الهادي(علیه السلام) نشر مؤسسة الإمام الهادي (علیه السلام) 1415 ه- مطبعة اعتماد.

121- المقنعة للشيخ المفيد تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة الثانية 1410 ه- .

122- مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم للسيد ميرزا محمد تقي الاصفهاني الطبعة الثانية 1398 ه- - المطبعة العلمية - قم.

123- مناسك الحج لمرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي الطبعة التاسعة 1399 ه- مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

124- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي ت 597 ه- دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا الطبعة الأولى 1312 ه- - 1992 م ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

125- منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان للشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن زين الدين الشهيد ت 1011 - طبع جاويد.

126- منتهى المطلب في تحقيق المذهب للعلامة الحلي ت 726 ه- - الطبع القديم.

127- منية الراغب في إيمان أبي طالب للشيخ محمد رضا الطبسي النجفي إشراف عماد الدين الطبسي الطبعة الثانية 1395 ه- المطبعة العلمية - قم.

128- من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري الطبعة الثانية منشورات جامعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم.

129- منهاج الصالحين للسيد أبي القاسم الخوئي الطبعة الثامنة والعشرون 1410 ه- مطبعة مهر، قم.

130- المهذب في فقه الإمام الشافعي لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي ت 476 دار المعرفة - بيروت لبنان.

131- الميزان في تفسير القرآن للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي الطبعة الخامسة 1412 ه- نشر مؤسسة إسماعيليان - قم.

132- الناصريات للسيد أبي القاسم علي بن الحسين بن موسى المرتضى علم الهدى - مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان - الطبع القديم.

133- نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده دار التعارف للمطبوعات - بيروت، لبنان ، دار التبليغ الإسلامي.

134- نهج البلاغة ضبط وفهرسة الدكتور صبحي الصالح الطبعة الثانية 1982 م دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة بيروت - لبنان.

135- نيل الأوطار لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني ت 1255 ه- دار الجيل - بيروت ، لبنان.

136- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة للشيخ محمد حسن الحر العاملي ت 1104 ه- الطبعة الثالثة، منشورات المكتبة الإسلامية.

137- الوسيلة للشيخ عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي مطبوع ضمن كتاب الجوامع الفقهية انتشارات جهان الطبع القديم.

فهرس المحتويات الکتاب

کلمة الشیخ الاستاد دام الظله... 5

توطئة... 7

المقدمة... 9

التقية في التاريخ:... 9

القسم الأول: التقية قبل الإسلام:... 11

التقية في زمان آدم(علیه السلام):... 11

2 - التقية في زمان إبراهيم الخليل (علیه السلام):... 15

3 - التقية في زمان يوسف الصديق (علیه السلام):... 18

4 - التقية في زمان موسى الكليم(علیه السلام):... 20

5 - مؤمن آل فرعون:... 22

6 - ومنهم امرأة مؤمن آل فرعون:... 23

7 - ومنهم آسية بنت مزاحم:... 23

8 - ومنهم مؤمن آخر من بني إسرائيل:... 24

9 - ومنهم الخضر (علیه السلام):... 24

10 - التقية وأصحاب الكهف:... 25

11 - التقية في زمان عيسى (علیه السلام):... 28

القسم الثاني: التقية بعد الإسلام:... 30

المرحلة الاُولى: التقية في زمان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم):... 31

12 - أبو طالب في التاريخ:... 32

أقوال العلماء في إيمان أبي طالب:... 39

13 - عمار بن ياسر والتقية:... 40

المرحلة الثانية: التقية بعد وفاة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم):... 42

صور من الظلم والمعاناة:... 45

شبهات مغرضة:... 47

التقية في الفقه الإمامي:... 53

المدخل التقية وأدلتها... 57

التقية في اللغة والاصطلاح:... 59

أدلة التقية:... 61

الدليل الأول: من الكتاب:... 61

الدليل الثاني: من السنة:... 63

الدليل الثالث: الإجماع منقولاً ومحصّلاً، قولاً وعملاً:... 65

الدليل الرابع: العقل:... 66

الفصل الأول التقية في أصول الدين.... 75

المقام الأول:... 77

المقام الثاني: في حكم التقية في أصول الدين:... 81

المقام الثالث في البراءة:... 83

المقام الرابع: في حكم التقية في البراءة:... 89

بقي أمران:... 92

وها هنا مسألتان:... 94

الفصل الثاني التقية في فروع الدين التي لا يشترط فيها قصد القربة... 97

المورد الأول: اتخاذ الكافرين أولياء:... 100

وها هنا مسألتان... 104

الاولى : هل أن حرمة التولي مطلقة أو مقيدة ؟... 104

الثانية : هل أن حرمة الموالاة للكافر مشروطة بالاتخاذ أو لا ؟... 106

المورد الثاني: في التسليم على الكفار ابتداء:... 109

المورد الثالث: في إطعام الكفار:... 112

المورد الرابع: في دخول الكفار إلى المساجد:... 114

مسائل:... 120

المسألة الأولى:... 120

المسألة الثانية:... 170

المسألة الثالثة:... 171

التقية مع الكفار:... 173

وها هنا مبحثان... 174

الاول : هل يعتبر في التقية مع الكافر عدم المندوحة أم لا... 174

الثاني : هل المرفوع بالنسبة الى التقية مع الكافر هو الحكم التكليف أو يشمل الحكم الوضعي... 175

أقسام التقية مع الكافر والمخالف:... 203

الاول : الاضطرار والخوف... 203

الثاني : المداراة ... 203

الثالث : الكتمان - و هو المورد الخامس -... 203

الكتمان عن الكافر والمخالف وغيرهما... 203

متعلق الكتمان ....

مسألتان:... 212

الأولى : هل يجب الكتمان عن مطلق المخالفين أو لا ؟... 212

الثانية : هل يجب الكتمان من جهة الخوف فقط أو يشمل المداراة... 213

المورد السادس: التقية في تسمية الحجة (علیه السلام):... 215

فروع:... 229

الأول : هل تختص الحرمة بذكر الاسم الشريف للغير أو انها مطلقة فيشمل الذكر للنفس ؟... 229

الثاني : هل تشمل الحرمة كتابة الاسم الشريف أو أنها تختص بالتلفظ ؟... 229

الثالث : هل تختص الحرمة بالاسم أو تعم الكنية... 230

الرابع : في الجمع بين الاسم والكنية في المولود... 231

الخامس : حول الاسم المعلن والاسم الخفي... 235

السادس : ما هو وجه الحكمة لحرمة التسمية... 236

الفصل الثالث فروع الدين المشروطة بقصد القربة... 239

التقية في الوضوء:... 241

التحقيق في المقام:... 254

الجهة الاولی:... 254

الجهة الثانية: في الغسلة الثالثة:... 256

الجهة الثالثة: في ما يستفاد من الروايات ورفع التنافي فيما بينها... 257

الجهة الرابعة: في حكم المسألة حال التقية:... 265

المورد الثاني: 269

الجهة الاولی:... 269

الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:... 281

المورد الثالث: في مسح الرأس كلاًّ أو بعضاً مع الأذنين أو بدونهما:... 282

الجهة الأولى: في المسح على الرأس:... 282

الجهة الثانية: في الإتيان بالمسح على جميع الرأس: 285

الجهة الثالثة: في مسح الأذنين:... 286

الجهة الرابعة: في حكم المسألة حال التقية:... 288

المورد الرابع: في غسل الرجلين أو مسحهما:... 288

الجهة الأولى:... 289

تنبيهان:... 291

الاول : اعتراف كثير من العامة بدلالة الآية على المسح... 291

الثاني : ذهاب عدة من الصحابة الى القول بالمسح وقراءتهم الآية بالجر... 291

الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:... 294

المورد الخامس: في مسح الرأس والرجلين بنفس ماء الوضوء أو بماء مستأنف:... 295

الجهة الاولى : في ما تقتضيه الاصول العملية واللفظية... 296

الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:... 304

المورد السادس: في المسح على البشرة وجوازه على الحائل خفاً كان أو غيره وعدمه:... 305

الجهة الأولى : في ما تقتضيه الاصول العملية واللفظية... 306

تنبيه:... 317

الجهة الثانية: في حكم المسألة حال التقية:... 318

مسألتان:... 324

الأولى : إذا اقتضت التقية المسح على الخفين فهل يحكم بصحة الوضوء... 324

الثانية : إذا اقتضت التقية المسح على الخفين وخالف المكلف في ذلك... 324

الفصل الرابع: التقية في الوقت... 327

التقية في الوقت:... 329

الجهة الأولى: في ما تقتضيه الأدلة من الكتاب والسنة:... 331

الجمع بين الروايات: 439

تنبيهان:... 374

الاول : في ما نسب إلى المحقق البهبهاني من الملازمة بين الطلوع والغروب... 374

الثاني : الافتراء على الشيعة والجواب عنه... 375

الجهة الثانية : في ما تقتضيه الادلة بالنسبة إلى التقية... 376

الفصل الخامس : التقية في الصلاة... 381

التقية في الصلاة خلف المخالف... 383

فروع... 408

الأول : استحباب الصلاة خلف المخالف تقية... 408

الثاني : أن الصلاة خلف المخالف لا تعد جماعة... 409

الثالث : إذا لم يتمكن من قراءة الفاتحة فهل يجزيه ذلك... 410

الرابع : هل يسقط الجهر بالقراءة حال التقية... 410

الخامس : هل تلحق طوائف الشيعة الأخرى غير الامامية بالمخالفين... 411

السادس : هل الحضور في جماعة الفرقة الحقة مع عدم احراز الشرائط جائز أم لا ؟... 414

مسائل التقية في الصلاة... 418

الأولى : الجهر بالبسملة في الصلاة... 418

الجهة الأولى : هل أن البسملة آية من القرآن... 418

الجهة الثانية : في الجهر والاخفات... 420

الموضع الاول : في . مستند القول بالوجوب... 421

الموضع الثاني : ارتباط المسألة بالتقية... 427

المسألة الثانية : في التأمين في الصلاة... 429

الجهة الاولى : في ما تقتضيه القاعدة... 430

الجهة الثانية : الروايات الواردة في المقام... 431

التحقيق في المقام... 433

المسألة الثالثة : التكفير... 437

الجهة الأولى : في ما تقتضيه القاعدة... 438

الجهة الثانية : في المستفاد من الأدلة... 439

المسألة الرابعة : في السجود على غير الأرض... 445

الجهة الأولى : في أصل الحكم في المسألة... 446

الجهة الثانية : في السجود على القطن والكنان... 450

الجهة الثالثة : في ارتباط المسألة بالتقية... 460

تنعيم : حول التربة الحسينية... 460

الجهة الاولى : في الروايات الخاصة... 463

الجهة الثانية : التعليل الوارد في بعض الروايات... 464

الفصل السادس : التقية في الصوم... 467

التقية في الصوم... 469

الجهة الاولى : في الحكم التكليفي... 469

الجهة الثانية : في الموضوع... 469

المستفاد من الروايات... 475

فروع... 482

الاول : ان الحكم بجواز الافطار أو وجوبه مختص بعدم المندوحة... 482

الثاني : يقتصر في الافطار على ما تتوقف عليه التقية... 482

الثالث : إذا افطر تقية ثم افطر اختياراً فهل تجب الكفارة أو لا ؟... 482

الفصل السابع : التقية في الحج... 485

التقية في الحج وفيها مسألتان... 487

الاولى : في التظليل... 487

المقام الاول : حكم التظليل حال الاحرام... 487

المقام الثاني : في تعيين الكفارة... 489

المقام الثالث : في تكرر الكفارة بتكرر الفعل وعدمه... 492

المسألة الثانية : التقية في عرفات والمشعر ومنى... 493

المقام الاول : في الأدلة على لزوم الاتيان بالاعمال الخاصة في أوقاتها... 493

المقام الثاني : في ما يمكن أن يستدل به على الاجزاء... 504

فرعان... 518

الاول : في من خالف ما تقتضيه التقية... 518

الصورة الاولى : ان يترك المكلف متابعتهم ولا يأتي بالموقف رأساً... 519

الصورة الثانية : ان يترك المتابعة ويأتي بالموقف مخالفاً لهم... 519

الفرع الثاني : إذا علم المكلف بالخلاف وبيان الحكم التكليفي والوضعي... 526

الفصل الثامن : التقية في الزكاة... 529

التقية في الزكاة... 531

الجهة الاولى : شرائط المستحقين ومحل الكلام منها... 531

الاول : الايمان... 531

الثاني : العدالة... 536

الجهة الثانية : فى ما تقتضيه الادلة بالنسبة للتقية... 546

الفهرست... 551

مصادر الكتاب... 553

محتويات الكتاب... 567