ghaemiyeh.com
موسوعه سيرة اهل البیت(عليهم السلام)
الجزء السادس عشر
الأمام زین العابدين (عليه السلام)
تأليف باقر شریف القرشی
تحقيق مهدی باقر القرشی
موسسه الإمام الحسن(عليه السلام)
لاحياء تراث أهل البيت (عليه السلام)
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: محسن حقاني فر
موسوعة
سيرة اهل البیت(عليهم السلام)
الأمام زينَ العَابدِينَ (عليه السلام)
موسوعة
سيرة اهل البيت(عليهم السلام)
الجزء السادس عشر
لأمام زين العابدين (عليه السلام)
تأليف باقر شریف القرشي
تحقيق مهدي باقر القرشي
موسوعة سيرة اهل البیت(عليه السلام)
لاحياء تراث أهل البيت (عليه السلام)
تأليف : باقر شريف القرشي
تحقيق : مهدی باقر القرشي
الناشر : ...... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن(عليه السلام)
المطبعة :.... ستار
الطبعة الثانية: ..... 1433هـ / 2012م
عدد النسخ : ...1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء (16) : 2 - 58 - 1275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)
مكتبة الإمام الحسن(عليه السلام) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1- لعلّ من أجمل ثروات الإمام(عليه السلام) العلمية ، بل من أهمها وأكثرها عطاءاً في تنمية الفكر الإسلامي ، هي أدعيته الجليلة التي عُرفت بالصحيفة السجادية ، والتي أسماها العلماء تارة بزبور آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأخرى بإنجيل آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، وعدوها بعد القرآن الكريم ونهج البلاغة في الأهمية ، وهي بحق منهج متكامل للحياة الإسلامية الرفيعة ، وذلك بما حوته من معالم الأخلاق ، وقواعد الاجتماع .
ومن الجدير بالذكر أنها احتلت المكانة المرموقة عند الأوساط العلمية الإماميه ، فعكفوا على دراستها وشرحها ، وقد تجاوزت شروحها أكثر من خمسة وستين شرحاً(1).
كما أنّ من مظاهر اهتمامهم بها أنهم كتبوا نسخاً منها بخطوط جميلة تعد من أنفس الخطوط العربية ، كما زخرفت بعضها بالزخرفة الثمينة التي هي من أنفس الذخائر في الخطوط العربيّة .
2 - ونعود مرة أخرى للحديث عن الصحيفة السجّاديّة ، فنقول : إنّ أهميّتها لم تقتصر على العالم العربي والإسلامي ، وإنما تعدت إلى العالم الغربي ، فقد ترجمت إلى اللغة الإنكليزية والألمانية والفرنسيّة ، وأقبل علماء تلك الأمم
1) الذريعة في تصانيف الشيعة : 13 : 345
والشعوب على دراستها ، والإمعان في محتوياتها ، وقد وجدوا فيها كنزاً من كنوز الفكر والعلم ، كما وجدوها تفيض بالعطاء لتربية النفس وتهذيبها بمكارم الأخلاق ..
ومن الحقّ أنّها أضافت إلى ذخائر الفكر الإنساني ثروة لا تطاول ، ولن تثمّن ، وأنّها قد حوت من ألوان الثقافة العالية ما ندر وجوده في الكتب الدينيّة والأخلاقيّة ، كما أنّها من أهمّ المصادر في دراستنا عن شخصيّة الإمام(عليه السلام).
3 -وكان المسلمون يرون في سيرة الإمام زين العابدين(عليه السلام) تجسيداً حيّاً لقيم الإسلام وامتداداً مشرقاً لجدّه الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)، فهو يحكيه في منهجه وسيرته ومآثره ، وقد ملك القلوب والعواطف بأخلاقه الرفيعة ، وكانوا لا يرون غيره أهلاً لقيادتهم الروحية والزمنيّة ، وكانوا يزدرون ملوكهم الأمويين الذين لم تتوفّر فيهم أية نزعة من نزعات الفضيلة ، وقد دلّل على ذلك ما حدث في البيت الحرام في موسم الحج، وكان مزدحماً بالوفود من كل حدب وصوب ، فأطل عليهم الإمام ليطوف بالبيت ، وكأنّما أطلّ عليهم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، فصعدوا تهليلهم وتكبيرهم ، وازدحموا عليه كازدحامهم على الحجر الأسود ، فكان السعيد منهم من يلمس ثيابه أو يقبل يديه أو يأخذ التراب من تحت أقدامه للتبرّك به.
في حين أنّ خصمه هشام بن عبدالملك عميد الأسرة الأمويّة كان من جملة الحجيج ، إلّا أنّه لم يعن به أي أحد ، وقد خفّ إليه أهل الشام يسألونه عن هذا الرجل العظيم الذي قابله الجمهور بهذه الحفاوة والتكريم ، فأنكر الطاغية معرفته لئلا يزهد فيه أهل الشام ، فانبرى شاعر البلاط الأموي الفرزدق ، وعرفه للجماهير برائعته الخالدة التي مثلت وعي الفكر ويقظة الضمير ، وقد استحال البيت الحرام إلى سوق عكاظ ، وتعالت من جميع جنبات المسجد الهتافات بالإعادة لرائعة الفرزدق والدعاء له ، وقد تميّز هشام غيظاً وانتفخت أوداجه .
لقد كان الأمويون يشعرون بدخالتهم على هذه الأمة ، وأنّهم ليسوا أهلاً لقيادتها ، وإنّما فرضوا سلطانهم عليها بقوة السلاح ، وإنّما معدن الحكم والقيادة للإمام عليّ بن
الحسين ع ، فلذلك كانوا يحقدون عليه ، وقد أدلى الوليد بذلك ، قال : « لا راحة لي وعلي بن الحسين موجود في دار الدنيا ...»(1).
وقد عمدوا إلى اغتياله كما اغتالوا غيره من أئمة المسلمين ، وأعلام الإسلام من الذين كانوا يشكلون خطراً عليهم .
4 -وكان لا بدّ في هذه الدراسة أن تعنى بدراسة العصر الذي نشأ فيه الإمام الا ، فإن دراسة العصر أصبحت من الشؤون المنهجية التي لا غنى للباحث عنها ، فهي تمثل الاستقرار السياسي أو الاضطراب السياسي ، كما تصوّر الحياة الاجتماعية بما فيها من إبداع وتقدّم أو جمود وانحطاط .
ومن الطبيعي أن البحث عن هذه الفترة ممّا له الدخل المباشر في الكشف عن شؤون الشخصيّة التي تتناولها الدراسة والبحث .
أمّا عصر الإمام(عليه السلام) فإنّه فيما أحسب من أسوأ العصور الإسلامية على امتداد التاريخ ، فقد حدثت فيه كثير من الأحداث الجسام التي ابتلي بها المسلمون ، وأخلدت لهم المحن والخطوب، وكان من أقساها وأفجعها وأشدّها هولاً مأساة كربلاء ، التي هي من أفجع القضايا العالمية ، فقد انتهكت فيها حرمة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في ذريّته وأهل بيته ، ولم ترع له فيهم أية حرمة .
وقد شاهد الإمام (عليه السلام) بأسى بالغ جميع مآسي تلك الكارثة الخالدة في دنيا الأحزان ، فكانت فصولها المؤلمة تلاحقه في كل ساعة من حياته حتى لحق بالرفيق الأعلى ، ومن بين الأحداث المفجعة التي عاناها الإمام(عليه السلام) واقعة الحرة التي انتهكت فيها حرمة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في مدينته ومركز دعوته ، فقد استباحها جلاوزة يزيد بن معاوية ، فاقترفوا فيها كلّ ما حرّمه الله من إثم وحرام ، وسحقوا جميع القيم
1) حياة الإمام محمد الباقر(عليه السلام): 1 : 57 .
والأعراف .. ومضافاً لذلك ثورة التوابين ، وثورة الملهم العظيم المختار بن أبي عبيد الثقفي ، وهذه الثورات التي سنتحدّث عنها في غضون هذا الكتاب إنما كانت امتداداً لثورة أبى الشهداء(عليه السلام).
و من الأحداث البارزة في ذلك العصر ثورة ابن الزبير التي كانت وليدة للأطماع السياسية ، فلم يكن ابن الزبير - فيما أعتقد - قد ثار من أجل تحرير الأمة ، وإنقاذها من عنف الأمويين وبطشهم ، وإنّما ثار ليأخذ الملك من أيديهم، وينفرد بالملك والسلطان ، ويتلذذ بخيرات البلاد ، وغطرسة الحكم ، فما كان مثل هذا الإنسان ممن يعنى بصالح الأمة واستقلالها وكرامتها .
5- وثمة مشكلة أخرى في عصر الإمام زين العابدين(عليه السلام)، هي تصارع الأحزاب السياسية ، وتهالكها على الظفر بالحكم ، والفوز بالسلطة ، وقد أغرقت البلاد بالمحن والخطوب .
ومن المؤكد أنّ الأحزاب السياسية القائمة في ذلك العصر لم تنشد أي هدف من أهداف الأمة ، ولم تسع لمعالجة أي قضيّة من قضاياها المصيرية ، وإنما كانت تسعى وراء أطماعها ومصالحها المادية .
وكان من أبرز تلك الأحزاب الحزب الأموي الذي تدعمه الدولة ، وتسانده بجميع طاقاتها ، وكان يضم الزعماء والطبقة المترفة في البلاد.
ومن بين تلك الأحزاب الحزب الزبيري ، وهو يضم الكثير من أبناء الحجاز ، الذين كانوا يسعون إلى أن ترجع لهم عاصمة الدولة الإسلامية ، وينفردون بالحكم .
ومن بين تلك الأحزاب حزب الخوارج ، وهو حزب ثوري كان ناقماً على حصر السلطة بالقرشيين ، إلّا أنّ ذلك الحزب قد مُني بالجمود والانحطاط الفكري ، فقد اختلطت عليه الأمور ، فانساب في متاهات سحيقة من الضلال معتقداً عن غباوة وجهل أنها الحق ، ومن غبائه أنه نصب العداء للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) رائد الحقّ والعدالة
الاجتماعية في الأرض ، كما استباح إراقة دماء المسلمين من الذين لا يؤمنون بفكرتهم ،وسوف نتحدث عن هذه الأحزاب عند البحث عن الحياة السياسية في عصر الإمام .
6- ومن الأحداث الجسام في عصر الإمام(عليه السلام)هو ما عمدت إليه السلطة الأموية من فرضهم سبّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) والعترة الطاهرة على المنابر والمآذن وخطب الجمعة ، وجعل بغضهم جزءاً من الحياة الدينية للمسلمين ، بالإضافة إلى مطاردتهم الشيعة أهل البيت (عليهم السلام)تحت كل حجر ومدر ، وإشاعة القتل والتنكيل فيهم ، وقد امتحنت الشيعة في عهدهم كأشد ما يكون الامتحان ، وكان ذلك بمرأى ومسمع من الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وهو لم يتمكن من حمايتهم وإنقاذهم مما هم فيه ،وكان ذلك من أشق الآلام وأشدّها عليه.
7 - ولا بدّ لنا من إعطاء صورة متميّزة عن سيرة الملوك الذين حكموا الأمّة في عصر الإمام(عليه السلام)، وذكر اتجاهاتهم السياسية والفكرية ، وما جرى للإمام(عليه السلام)معهم ، فإنّ ذلك فيما أحسب من متممات البحث عن شخصيته العظيمة .
وإنّا إذ نذكر شؤون أولئك الملوك ، فإنّا لا نتعصب ولا نتحيّز لأية جهة ، كما لا نقسو بالحكم على أي أحدٍ منهم ، وإنما نعرض لما أثر عنهم من الأحداث المؤسفة التي وضعتهم أمام محكمة التاريخ .
ومن الطبيعي أنّ حملهم على الصحة والتبرير لأعمالهم إنّما هو شطط على المنطق ، وتمرد على الأدلّة ، وبعد عن الصواب ، وانحراف عن الحقّ .
8 -أما دراستنا في هذا الكتاب ، فإنّها تعتمد على أوثق المصادر المخطوطة والمصوّرة والمطبوعة التي هي لأعلام المؤرّخين والرواة ، ومن الجدير بالذكر أن أكثر الأحداث والصور التي نرسمها لا نكتفي في ذكر مصدر واحد لها ، بل ننقلها من عدة مصادر ليكون ذلك أكد وأدلّ على المقصود .
وقد بذلت جهداً شاقاً وعسيراً في مراجعة المخطوطات والمصوّرات التي اقتبسنا منها هذه البحوث ، وقد أشرت في هامش الكتاب إلى الخزانة التي توجد فيها .
9-وإنّي إذ أسير في نهاية هذا التقديم أعلن بصورة جازمة أني لم استوعب في هذا الكتاب على ما فيه من جهد وتتبع ، إلا أقل القليل من حياة هذا الإمام العظيم الذي هو ملء فم الدنيا في فضائله وعلومه ، فإنّي لم أفتش في كتب الأخلاق والحديث والتفسير والفقه وغيرها من سائر العلوم الإسلامية إلّا وجدت له كلمة ذهبية ، أو رأياً أصيلاً ، أو حديثاً ممتعاً ، فإذن لم يكن هذا الكتاب على ما فيه من سعة وشمول إلا صفحة موجزة عن حياته أو مؤشّراً خافتاً على بعض معالم حياته وشخصيته .
لقد كرّرت نفس هذه المقالة أو ما يشبهها في كثير من مقدمات الكتب التي ألفتها عن حياة الأئمة الطاهرين ، ولم يكن ذلك - يعلم الله - عن غلوّ في الحبّ لهم ، أو اندفاع لعاطفة الوراثة لآبائي الذين هاموا بالولاء لأهل البيت(عليهم السلام)، وإنما كان ذلك ناشئاً عن دراسة جادّة ، وتتبع دقيق لحياتهم .
ومن المؤكد أنّ من يقرأ سيرتهم يؤمن إيماناً لا يخامره أدنى شك بأنهم سلام الله عليهم يمثلون سيرة الأنبياء في إشراقها وسموها ، وأنهم المثل الأعلى لكمالات العقل الإنساني والأنموذج الفريد لكلّ ما يعتز به هذا الإنسان من القيم والآداب .
10- ولا بدّ لنا من الإشارة إلى أن نشر أمثال هذه البحوث من سيرة الأئمة الطاهرين(عليهم السلام)، لا غنى لنا عنها ، فإنّا نعيش في عصر تعيش فيه الإنسانية في مستنقع آسن ، وفي درك هابط ، وفي ظلام بهيم ، قد انحرفت عن سنن الكون ، وشدّت عن الفطرة الأصيلة التي فطرها الله عليها ، وقد واجهت الطغيان والاضطهاد والبغي والتهديد والتشريد .
إنّ البشريّة تعيش قلقة حائرة سائرة في متاهات المادة ، وجحيم الحروب ،
وجفاف الأرواح والقلوب ، وإنها في حاجة إلى أن تستنشق نسائم الحياة الكريمة من هدي العترة الطاهرة الذين هم نفحة من رحمات الله التي تفضّل بها على عباده ، وهم كجدهم الرسول الله الذي بعثه الله رحمة للبشرية لمن آمن به ، ومن لم يؤمن به على حدّ سواء .
والله ولي التوفيق
مکتبۀ الإمام الحسن العامّۀ
باقرشریف القرشی
النّجف الاشرف
من المحقّق أنّ أوّل من ألّف ودوّن في دنيا الإسلام هم أئمّة أهل البيت(عليه السلام)، والعلماء العظام من شيعتهم(1)، فهم الروّاد الأوائل الذين خطّطوا مسيرة الأمّة الثقافية وفجروا ينابيع العلم والحكمة في الأرض.
ومن الجدير بالذكر أنّ مؤلفاتهم وسائر بحوثهم لم تقتصر على علم خاص ، وإنّما تناولت جميع أنواع العلوم ، كعلم الفقه والتفسير ، والحديث ، والأصول ، وعلم النحو ، والكلام ، والفلسفة ، بالإضافة إلى وضعهم لقواعد الأخلاق ، وآداب السلوك ، وأصول التربية .
وكان أوّل من سبق في هذا المضمار عملاق هذه الأمة ، ورائد نهضتها الفكرية والعلمية الإمام أمير المؤمنين ا ا ، فهو الذي فتق أبواب العلوم العقلية والنقليه ، وأسس أصولها وقواعدها .
يقول العقاد : « إنّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قد فتق أبواب اثنين وثلاثين علماً ، فوضع قواعدها، وأرسى أصولها»(2).
ويقول ابن شهرآشوب : « الصحيح أنّ أوّل من صنف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ثمّ سلمان ، ثمّ أبو ذرّ ، ثمّ الأصبغ بن نباتة ، ثمّ عبيد الله بن أبي رافع ، ثمّ صنّفت
الصحيفة الکاملۀ»(1).
وممن ألف من الأئمة الطاهرين الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فقد كانت مؤلّفاته نموذجاً رائعاً لتطور الفكر الإسلامي ، وتقدّم الحركة الثقافية والعلمية ، ومن مؤلفاته القيمة ما يلي :
أمّا الصحيفة السجّاديّة فهي من ذخائر التراث الإسلامي ، ومن مناجم كتب البلاغة والتربية والأخلاق والأدب في الإسلام ، ونظراً لأهمّيّتها البالغة فقد سمّاها كبار رجال الفكر والعلم بأخت القرآن ، وإنجيل أهل البيت ، وزبور آل محمّد (2).
وممّا زاد في أهمّيتها أنّها جاءت في عصر طغت فيه الأحداث الرهيبة ، والمشاكل السياسيّة القائمة على حياة المسلمين ، فأحالتها إلى سحب مظلمة ليس فيها أي بصيص من نور الإسلام وهديه وإشراقه ، فقد انشغل المسلمون بالتكتل الحزبي والسياسي ، سعياً وراء مصالحهم وأطماعهم ، ولم يعد هناك أي ظلّ الروحانية الإسلام وتعاليمه وآدابه وحكمه .
لقد فتحت الصحيفة السجّاديّة آفاقاً جديدة للوعي الديني ، لم يكن المسلمون يعرفونه من ذي قبل ، فقد دعت إلى التبتل وصفاء الروح ، وطهارة النفس ، والتجرّد من الأنانية ، والجشع ، والطمع ، وغير ذلك من النزعات الشريرة ، كما دعت إلى الاتصال بالله تعالى خالق الكون ، وواهب الحياة الذي هو مصدر الفيض والخير لجميع الكائنات ، ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن هذا السفر الجليل .
أما سند الصحيفة، فينتهي إلى الإمام الأعظم أبي جعفر محمد الباقر(عليه السلام)، وإلى الشهيد الخالد زيد بن علي بن الحسين الله ، وقد ذكرت سلسلة السند في مقدمة الصحيفة ، وقد حظي بالتواتر حتى زاد على ستة وخمسين ألفاً ، وما زال العلماء يتلقونها موصولة الإسناد بالإسناد(1).
قال السيّد محسن الأمين العاملي : « وبلاغة ألفاظها - أي الصحيفة - وفصاحتها التي لا تبارى ، وعلوّ مضامينها ، وما فيها من أنواع التذلل الله تعالى ، والثناء عليه ، والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه ، والتوسل إليه أقوى شاهد على صحة نسبتها ، وأنّ هذا الدرّ من ذلك البحر ، وهذا الجوهر من ذلك المعدن ، وهذا الثمر من ذلك الشجر ، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب ، وتعدّد أسانيدها المتصلة إلى منشئها صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين ، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعدّدة المتصلة إلى زين العابدين(عليه السلام)، وقد كانت منها نسخة عند زيد الشهيد ، ثمّ انتقلت إلى أولاده، وإلى أولاد عبد الله بن الحسن المثنى ، كما هو مذكور في أوّلها ، مضافاً إلى ما كان عند الباقر(عليه السلام)من نسختها ، وقد اعتنى بها الناس أتم اعتناء بروايتها ، وضبط ألفاظها ، ونسخها ، وواظبوا على الدعاء بأدعيتها في الليل والنهار ، والعشي والإبكار» (2)
إنّ سند الصحيفة قطعي لا يقبل الجدل ولا الشك ، فقد تواتر إلى حد اليقين، مضافاً إلى بلاغتها الفائقة التي لا تصدر إلّا عن هذا الإمام العظيم : « سبوح لها منها عليها شواهد»(3)
وتمتاز الصحيفة السجّاديّة، بل وغيرها من سائر أدعيته ، بأمور بالغة الأهمية ، كان من بينها ما يلي :
أولاً: إنّها تمثل التجرّد التام من عالم المادة ، والانقطاع الكامل إلى الله تعالى والاعتصام به الذي هو أثمن ما في الحياة ، ولنستمع إلى ما قاله اله الإمام في ذلك :
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَخْلَصْتُ بِانْقِطاعي إِلَيْكَ ، وَأَقْبَلْتُ بِكُلِّي عَلَيْكَ ، وَصَرَفْتُ وَجْهِي عَمَّنْ يَحْتاجُ إِلى رِفْدِكَ ، وَقَلَبْتُ مَسْأَلَتِي عَمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ فَضْلِكَ ، وَرَأَيْتُ أَنَّ طَلَبَ الْمُحْتاجِ إِلَى الْمُحْتاجِ سَفَهُ مِنْ رَأْيِهِ، وَضَلَّةٌ مِنْ عَقْله .
فَكَمْ قَدْ رَأَيْتُ يا إلهي مِنْ أُناسٍ طَلَبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِكَ فَذَلوا ، وَرامُوا الثَّرْوَةَ مِنْ سَواكَ فافْتَقَرُوا ، وَحاوَلُوا الْإِرْتِفَاعَ فَاتَّضَعُوا ، فَصَحَ بِمُعايَنَةِ أَمْثَالِهِمْ
حازِمٌ وَفَقَهُ اعْتِبارُهُ ، وَأَرْشَدَهُ إِلى طَرِيقِ صَوابِهِ اخْتِيَارُهُ .
فَأَنْتَ يا مَولايَ دُونَ كُلِّ مَسْؤُولٍ مَوْضِعُ مَسْأَلَتِي ، وَدُونَ كُلٌّ مَطْلُوبٍ إِلَيْهِ وَليُّ حاجَتي ، أَنْتَ الْمَخْصُوصُ قَبْلَ كُلِّ مَدْعُو بِدَعْوَتِي ، لَا يَشْرَكُكَ أَحْدٌ في رَجَائِي ، وَلَا يَتَّفِقُ أَحَدٌ مَعَكَ فِي دُعائي ، وَلَا يَنْظِمُهُ وَإِيَّاكَ نِدائي .
لك يا إلهي وَحْدانِيَّةُ الْعَدَدِ ، وَمَلَكَةُ الْقُدْرَةِ الصَّمَدِ ، وفَضيلَةُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ ، وَدَرَجَةُ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ ، وَمَنْ سِواكَ مَرْحُومٌ فِي عُمُرِهِ ، مَغْلُوبٌ عَلى أَمْرِهِ ، مَقْهُورٌ عَلَى شَأْنِهِ ، مُخْتَلِفُ الْحالاتِ، مُتَنَقِّل في الصِّفاتِ،
فَتَعالَيْتَ عَن الْأَشْباءِ وَالْأَضْدادِ ، وَتَكَبَّرْتَ عَن الْأَمْثَالِ وَالْأَنْدادِ ، فَسُبْحانَكَ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ»(1).
ومثلت هذه اللوحة الذهبية مدى انقطاع الإمام(عليه السلام) إلى الله تعالى ، وتمسكه به ، وانصرافه عمّن سواه ، وزهده في غيره ، وقد علّل(عليه السلام) ذلك بما يلي :
1- إنّ من السفاهة والعبث أن يرجو الإنسان غير خالقه ، فإنّ ذلك الغير مهما عظم شأنه ، فإنّه ضعيف محتاج إلى الرفد والعطاء ، فكيف يرجوه الإنسان ويأمل منه الخير ؟
2 - إن التجارب دلّت الإمام(عليه السلام)على أنّ فريقاً من الناس راموا الشرف والعزة والرفعة من غير طريق الله تعالى ، إلا أنّ آمالهم قد خابت ، وخسروا خسراناً مبيناً ، كما أن قسماً كبيراً من الناس طلبوا الثراء من غير الله ففوجئوا بالفقر والحرمان ، الأمر الذي زاد الإمام(عليه السلام) بصيرة ويقيناً إنّ التعلق بغير الله إنّما هو بعث وسراب .
3- إنّ الحول والقوّة إنّما هما بيد الله تعالى ، وأما غيره فهو مرحوم في عمره ، مغلوب على أمره ، مقهور على شأنه ، مختلف حالاته ، آيل أمره إلى الفناء والزوال .
وهذه الأمور هي التي زهدت الإمام(عليه السلام) بغير الله .
ثانياً : إنّها كشفت عن كمال معرفة الإمام(عليه السلام) بالله تعالى ، وعميق إيمانه به ، ولم يكن ذلك ناشئاً عن عاطفة أو تقليد ، وإنّما كان ذلك قائماً على العلم والعرفان ، وقد أدلى(عليه السلام) في صحيفته بكثير من البحوث الكلامية انتهل منها علماء الكلام والفلاسفة المسلمون في ما كتبوه عن واجب الوجود ، ولنستمع إلى قطعة من دعائه عرض فيها إلى عظمة الخالق الحكيم .
يقول(عليه السلام) : «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ بِلَا أَوَّلِ كَانَ قَبْلَهُ ، وَالْآخِرِ بِلَا آخِرٍ يَكُونُ
1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الثامن والعشرون .
بَعْدَهُ ، الَّذِي قَصُرَتْ عَنْ رُؤْيَتِهِ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ ، وَعَجَزَتْ عَنْ نَعْتِهِ أَوْهامُ الْواصِفينَ.
ابْتَدَعَ بِقُدْرَتِهِ الْخَلْقَ ابْتِداعاً ، وَاخْتَرعَهُمْ عَلَى مَشِيَّتِهِ اخْتِرَاعاً ...»(1).
والجهات التي ذكرها الإمام الله الخالق العظيم من أهم المباحث الكلامية ، هي:
1 - أوليته تعالى من دون أن يكون أوّل قبله .
2- آخريته من دون أن يكون آخر بعده ، وقد دلّل على هاتين الجهتين في علم الكلام .
3- قصور الأبصار عن رؤيته إذ كيف يستطيع الممكن أن يرى ويبصر تلك القوةالكبرى المكوّنة والمبدعة لهذا الكون .
4- عدم استطاعة وصفه ونعته تعالى ، فإنّ جميع الألفاظ لا تستطيع أن تلمّ ببعض أوصافه ونعوته .
5- ابتداعه للخلق وتكوينه لهم من دون أن يكون له شريك في خلقه أو شبيه في عظمته ، ولنستمع إلى لوحة أخرى من دعائه في وصف عظمة الخالق العظيم .
قال(عليه السلام): «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بِقُوَّتِهِ ، وَمَيَّزَ بَيْنَهُما بِقُدْرَتِهِ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما حَداً مُحْدُوداً ، وَأَمَداً مَمْدُوداً ، يُولِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما في صاحِبِهِ ، ويُولِجُ صاحِبَهُ فِيهِ بِتَقْدِيرِ مِنْهُ لِلْعِبَادِ فيما يَغْذُوهُمْ بِهِ ، وَيُنْشِتُهُمْ عَلَيْهِ ، فَخَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ حَرَكاتِ التَّعَبِ وَنَهَضاتِ النَّصَبِ ، وَجَعَلَهُ لِباساً لِيَلْبَسُوا مِنْ رَاحَتِهِ وَمَنامِهِ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ جَمَاماً وَقُوَّةٌ ، وَلِيَنالُوا بِهِ لَذَّةٌ وَشَهْوَةٌ ، وَخَلَقَ لَهُمُ النَّهارِ مُبْصِراً
1) الصحيفة السجادية : الدعاء الأوّل .
لِيَبْتَغُوا فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ ، وَلِيَتَسَبِّبُوا إِلَى رِزْقِهِ ، وَيَسْرَ حُوا فِي أَرْضِهِ »(1).
واستدلّ الإمام الحكيم على عظمة الله تعالى بخلقه لليل والنهار وولوج كلّ منهما في الآخرة ، بحركة خفيّة لا يملك أحد وقفها ولا ضبطها، ولا تقسيمها وتحديدها . إنّ دخول الليل في النهار ، أو دخول النهار في الليل إنّما يتم في تدرّج وتداخل لا يمكن فيه فرز اللحظات، وفصل التغيّرات شيئاً فشيئاً يتسرب غبش الليل إلى وضاءة النهار ، وشيئاً فشيئاً يتنفس الصبح في غياهب الظلام، وكلاهما مشهد مكرّر(2).
كما ذكر الإمام(عليه السلام) الحكمة من خلق الليل والنهار، فقد خلق تعالى الليل ليسكن فيه الإنسان من حركات التعب، ونهضات النصب ، وإن جميع ما يستهلكه الإنسان من طاقات في أثناء عمله في النهار يسترده في منامه ، وخلق تعالى النهار وجعله مبصراً ليبتغي الإنسان فيه من فضله ، ويتسبب إلى رزقه ، ويعمل لإعاشة نفسه وعياله .
لقد احتوت أدعية الإمام (عليه السلام) على مجموعة من أدلة التوحيد ، وقد دلّلت على أنّه من سادات العارفين بالله والمنيبين له .
ثالثاً : إنّها احتوت على كمال الخضوع والتذلّل أمام الله تعالى ، وبذلك قد امتازت على بقيّة أدعية الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) .
قال الفاضل الإصفهاني في ديباجة صحيفته : « إن أدعية مولانا زين العابدين(عليه السلام)على كثرتها قد امتازت عن أدعية باقي المعصومين
(عليهم السلام)بما فيها من أفانين التضرعات ، وإظهار التذلّل والمسكنة الله تعالى مما ليس في غيرها » .
وأضاف يقول : «إنّ الله تعالى قد خص كل واحد منهم بمزية وخصوصية لا توجد في غيره ، كالشجاعة في أمير المؤمنين الله وابنه الحسين لا ، والرقة والتفجع في أدعية زين العابدين ، لا سيّما أدعية الصحيفة الكاملة ، المعروفة بين أصحابنا الإمامية تارة بزبور آل محمد ، وأخرى بإنجيل أهل البيت» (1).
ولنستمع إلى قطعة من بعض أدعيته الشريفة التي يتضرّع بها إلى الله .
قال(عليه السلام) : « رَبِّ أَفْحَمَتْني ذُنُوبي ، وَانْقَطَعَتْ مَقالَتي ، فَلَا حُجَّةَ لي ، له فَأَنَا الْأَسيرُ بِبَلِيَّتي ، الْمُرْتَهَنُ بِعَمَلي ، الْمُتَرَدِّدُ في خَطيئَتي ، الْمُتَحَيِّرُ عَنْ قَصْدِي ، الْمُنْقَطَعُ بِي.
قَدْ أَوقَفْتُ نَفْسى مَوْقِفَ الأَذِلَاءِ الْمُذْنِبِينَ ، مَوْقِفَ الْأَشْقِياءِ الْمُتَجَرِّئينَ عَلَيْكَ، الْمُسْتَخِفِّينَ بِوَعْدِكَ ، سُبْحانَكَ أَيَّ جُرْأَةِ اجْتَرَأَتُ عَلَيْكَ وَأَيَّ تَغْرِيرٍ غَرَّرْتُ بِنَفْسِي .
مَوْلايَ ارْحَمْ كَبْوَتِي لِحُرِّ وَجْهِي ، وَزَلَّةَ قَدَمِي، وَعُدْ بِحِلْمِكَ عَلى جَهْلي ، وَبِإِحْسانِكَ عَلى إِساءَتي ، فَأَنَا الْمُقِرُّ بِذَنْبي ، الْمُعْتَرِفُ بخَطيئَتِي ، وَهَذِهِ يَدي وَناصِيَتِي ، أَسْتَكِينُ بِالْقَوَدِ مِنْ نَفْسي ، ارْحَمْ شَيْبَتِي وَنَفَادَ أَيَّامي ، وَاقْتِرابَ أَجَلِي ، وَضَعْفِي وَمَسْكَنَتِي ، وَقِلَّةَ حِيلَتي .
مَوْلايَ وَارْحَمْنِي إِذَا انقَطَعَ مِنَ الدُّنْيا أَثَرِي ، وَامَّحَى مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ذِكْرِي ، وَكُنْتُ فِي الْمَنْسِيِّينَ كَمَنْ قَدْ نُسِيَ .
1) الصحيفة الخامسة السجادية : 13 و 14
مَوْلايَ وَارْحَمْنِي عِنْدَ تَغَيَّرِ صُورَتي وَحالي إِذا بَلِيَ جِسْمي ، وَتَفَرَّقَتْ أَعْضائي ، وَتَقَطَّعَتْ أَوْصالي ، يا غَفْلَتِي عَمَّا يُرادُ بِي .
مَوْلايَ وَارْحَمني في حَشْرِي وَنَشْرِي ، وَاجْعَلْ فِي ذَلِكَ الْيَومِ مَعَ أَوْلِيَائِكَ مَوْقِفي ، وَفي أَحِبَائِكَ مَصْدَرِي ، وَفي جِوارِكَ مَسْكَني ، يا رَبَّ الْعالَمينَ» (1).
ويفيض هذا الدعاء الشريف بالفزع والخوف من الله تعالى ، والانقطاع إليه ، فقد ذاب هذا الإمام العظيم أمام الخالق الحكيم، وتحبّب إليه ، وعمل كلّ ما يقربه إليه زلفى طالباً منه المغفرة والرضوان .
رابعاً : إنّها فتحت أبواب الأمل والرجاء برحمة الله التي وسعت كل شيء ، فإنّ الإنسان مهما كثرت ذنوبه وخطاياه لا ينبغي له أن يقنط من رحمة الله تعالى وعفوه وكرمه .
يقول الإمام(عليه السلام)في بعض أدعيته : « إلهي وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ ، لَئِنْ طَالَبْتَني بِذُنُوبِي لَا طَالِبَنَّكَ بِعَفْوِكَ ، وَلَئِنْ طَالَبتَني بِلُؤْمِي لَا طالِبَنَّكَ بِكَرَمِكَ »(2)
وكثير من أدعية الإمام(عليه السلام) تفيض بالرجاء الذي يملأ النفس إشراقاً وطمعاً وثقة بعفو الله ومغفرته .
خامساً : إنّها فتحت للمناظرات البديعة مع الله تعالى ، وهي مليئة بالحجج البالغة في طلب العفو منه تعالى ، ولنستمع إلى بعضها .
يقول(عليه السلام) : إلهي وَسَيِّدي ، إِنْ كُنْتَ لَا تَغْفِرُ إِلَّا لِأَوْلِيَائِكَ وَأَهْلِ طاعَتِكَ ، فَإِلَى مَنْ يَفْزَعُ الْمُذْنِبُونَ؟ وَإِنْ كُنْتَ لا تُكْرِمُ إِلَّا أَهْلَ الْوَفَاءِ لَكَ ،
فَبِمَنْ يَسْتَغِيثُ الْمُسيئُونَ ؟ ...
اللهُمَّ إِنَّكَ أَنْزَلْتَ فِي كِتابِكَ الْعَفْوَ، وَأَمَرْتَنا أَنْ نَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنا ، وَقَدْ ظَلَمْنا أَنْفُسَنَا ، فَاعْفُ عَنَّا فَإِنَّكَ أَوْلى بِذَلِكَ مِنَا ، وَأَمَرْتَنا أَنْ لانَرُدَّ سائِلاً عَنْ أَبْوابِنا ، وَقَدْ جِئْتُكَ سَائِلاً ، فَلا تَرُدَّني إِلَّا بِقَضاءِ حَاجَتي ، وَأَمَرْتَنا بِالْإِحْسَانِ إِلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُنا ، وَنَحْنُ أَرِقَاؤُكَ ، فَأَعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ» (1).
وقال(عليه السلام) في دعاء آخر له :
« اللَّهُمَّ فَإِنِّي امْرُؤٌ حَقيرٌ ، وَخَطَري يَسيرٌ ، وَلَيْسَ عَذابِي مِمَا يَزيدُ في مُلْكِكَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، وَلَوْ أَنَّ عَذابي مِمَّا يَزيدُ في مُلْكِكَ لَسَأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ لَكَ ، وَلكِنَّ سُلْطانَكَ اللَّهُمَّ أَعْظَمُ ، وَمُلْكَكَ أَدْوَمُ مِنْ أَنْ تَزِيدَ فِيهِ طاعَةُ المُطيعينَ ، أَوْ تَنْقُصَ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ الْمُذْنِبِينَ»(2).
وعلّق العلّامة المغفور له الشيخ محمد جواد مغنيّة على هذه اللوحة من الدعاء بقوله : « أرأيت دفاعاً أقوى من هذا الدفاع ؟ أو حجّة أبلغ من هذه الحجّة ؟ ماذا يصنع الله بعقاب الناس ، ما دام لا ينقص من ملكه، والعذاب لا يزيد من سلطانه ،
وقد احتج الإمام بنفس الشريعة التي كتبها الله على نفسه وعلى الناس أجمعين حيث قال عزّ وجلّ : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾(1)، يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ا، عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(2).
لقد وضع الإمام زين العابدين النقاط على الحروف ، وقدّم الأرقام للحاكم العظيم مع التقديس ، وإذا كان قول الله حقاً وصدقاً ، فإن احتجاج الإمام جاء وفقاً لهذا الحق »(3).
سادساً : إنّ أكثر أدعية الصحيفة قد وضعت برامج للأخلاق الروحية التي يسمو بها الإنسان ، كما رسمت آداب السلوك ، وأصول الفضائل النفسية .
ومن أدعيته قوله(عليه السلام):
«اللَّهُمَّ َصلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَبَلِّغْ بِإِيمَانِي أَكْمَلَ الإِيمَانِ ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إِلَى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ ، وَبِعَمَلِي إِلَى أَحْسَنِ الْأَعْمَالِ. اللَّهُمَّ وَفِّرْ بِلُطْفِكَ نِيَّتي ، وَصَحْحْ بِمَا عِنْدَكَ يَقِينِي ، وَاسْتَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ ما فَسَدَ مِنِّي.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاكْفِني ما يَشْغَلُني الاهْتِمامُ بِهِ ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَداً عَنْهُ ، وَاسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَني لَهُ ، وَأَغْنِنِي وَأَوْسِعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِكَ وَلَا تَفْتِنِّي بِالنَّظَرِ، وَأَعِزَّنِي وَلَا تَبْتَلِيَني
بِالْكِبْرِ ، وَعَبُدْنِي لَكَ وَلَا تُفْسِدْ عِبادَتِي بِالْعُجْبِ ، وَأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدَيَّ الْخَيْرَ وَلَا تَمْحَقِّهُ بِالْمَنَّ ، وَهَبْ لِي مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ ، وَاعْصِمْنِي مِنَ الْفَخْرِ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَلَا تَرْفَعْنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إِلَّا حَطَطْتَني عِنْدَ نَفْسي مِثْلَهَا ، وَلَا تُحْدِثُ لي عِزَا ظَاهِراً إِلَّا أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةٌ باطِنَةً عِنْدَ نَفْسي بِقَدَرِها .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمَتِّعْنِي بِهُدى صَالِحٍ لَا أَسْتَبْدِلُ بِهِ ، وَطَرِيقَةِ حَقٌّ لَا أَزِيغُ عَنْهَا ، وَنِيَّةِ رُشْدِ لَا أَشْكُ فِيهَا ، وَعَمِّرْني ما كانَ عُمْرِي بِذْلَةٌ فِي طَاعَتِكَ ، فَإِذَا كَانَ عُمْرِي مَرْتَعَاً لِلشَّيْطَانِ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَ مَقْتُكَ إِلَيَّ أَوْ يَسْتَحْكِمَ غَضَبُكَ عَلَيَّ. اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ خَصْلَةٌ تُعَابُ مِنِّي إِلَّا أَصْلَحْتَها ، وَلَا عَائِبَةً أُؤَنَّبُ بِها إِلَّا حَسَّنْتَهَا ، وَلَا أُكْرُومَةً فِيَّ ناقِصَةً إِلَّا أَتْمَمْتَها ...
لقد طلب الإمام(عليه السلام)من الخالق العظيم أن يمنحه كل فضيلة يسمو بها هذا الإنسان، فقد طلب منه تعالى أن يهبه أكمل الإيمان ، وأفضل اليقين، ويجعل عمله أحسن الأعمال، ويستعمله بطاعته ومراضيه ، ويوسّع عليه في رزقه، ولا يبتليه بالبؤس والحرمان ، ولا بالعظمة والكبرياء ، وأن يجعله عبداً مطيعاً له ، خاضعاً له ، وأن يجري الخير على يده للناس ، ولا يمحق إحسانه بالمن عليهم ، وأن يهب له معالي الأخلاق ومحاسن الصفات، وأن لا يرفعه عند الناس درجة إلا ويحط مثلها في نفسه ، لئلا يرى لنفسه تفوّقاً على عباد الله.
وأضاف الإمام(عليه السلام) بعد ذلك قائلاً :
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَدِّدْنِي لِأَنْ أُعارِضَ مَنْ غَشَّني بِالنُّصْح ، وأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَني بِالْبِرِّ ، وَأَثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَدْلِ ، وَأُكَافِئَ مَنْ قَطَعَني بِالصَّلَةِ ، وَأُخَالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إِلى حُسْنِ الذِّكْرِ، وَأَنْ أَشْكُرَ الْحَسَنَةَ ، وَأَغْضِيَ عَنِ السَّيِّئَةِ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَحَلَّني بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ ، وَأَلْبِسْنِي ينَةَ الْمُتَّقِينَ ، فِي بَسْطِ الْعَدْلِ ، وَكَظم الْغَيْظِ ، وَإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ ، وَضَمّ أَهْلِ الْفُرْقَةِ ، وَإِصْلَاح ذَاتِ الْبَيْنِ ، وَإِفْشاءِ الْعارِفَةِ ، وَسَتْرِ الْعَائِبَةِ ، وَلِينِ الْعَرِيكَةِ ، وَخَفْضِ الْجَناحِ ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ ، وَسُكُونِ الرِّيحِ ، وَطِيبِ الْمُخالَقَةِ ، وَالسَّبْقِ إِلَى الْفَضِيلَةِ ، وَإِيثَارِ التَّفَضْلِ ، وَتَرْكِ التَّعْبِيرِ وَالْأَفْضَالِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقُّ ، وَالْقَوْلِ بِالْحَقِّ وَإِنْ عَزَّ ، وَاسْتِقْلَالِ الْخَيْرِ وَإِنْ كَثُرَ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي ، وَاسْتِكْثار الشَّرِّ وَإِنْ قَلَّ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي ، وَأَكْمِلْ ذَلِكَ لي بِدَوَامِ الطَّاعَةِ ، وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ ، وَرَفْضِ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَمُسْتَعْمِلِ الرَّأْيِ الْمُخْتَرَع »(1).
لقد سأل الإمام(عليه السلام) من الله تعالى أن ينعم عليه بمحاسن الصفات ، ومعالي الأخلاق ، وكلّ ما يقربه إليه زلفى ، ليعيش موفور الكرامة هادياً للناس ، ومرشداً إلى طريق الحق والصواب.
سابعاً : إنّها احتوت على حقائق علمية لم تكن معروفة في عصره ، نذكر منها
1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء العشرون .
على سبيل المثال قوله(عليه السلام) في الدعاء على أعداء المسلمين: «اللهُمَّ وَامْرُج مِياهَهُمْ بِالْوَبَاءِ ، وَأَطْعِمَتَهُمْ بِالْأَدْواءِ »(1).
لقد أشار الإمام (عليه السلام) إلى حقيقة علمية اكتشفت في العصور الأخيرة ، وهي أنّ جراثيم الوباء المعروفة ( بالكوليرا ) إنّما تأتي عن طريق الماء ، فهو الذي يتلوّث بجراثيمها، وبه يصاب من يشربه ، كما أنّ جراثيم هذا الوباء تنتقل إلى الأطعمة ، فإذا أكلها الإنسان وهي ملوّثة بتلك الجراثيم فإنّه يصاب بهذا الداء حتماً ، فالإصابة بهذا الداء الخطير تأتي من طريق الماء والطعام ، ولم تعرف هذه الحقيقة إلا في هذا العصر.
ومن الحقائق العلميّة التي احتوت عليها الصحيفة السجّاديّة قوله(عليه السلام) :
« وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذى رَكَّبَ فينا الاتِ الْبَسْطِ ، وَجَعَلَ لَنا أَدَواتِ الْقَبْضِ »(2).
لقد نظر الإمام(عليه السلام) إلى اليدين والرجلين اللذين هما من عجائب الأجهزة في جسم الإنسان ، فإنّهما ينقبضان وينبسطان حسب الذبذبات التي يوجهها دماغ الإنسان إليهما .
تقول مجلة العلوم الانجليزية : « إنّ يد الإنسان في مقدّمة العجائب الطبيعية الفذة ، وإنه من الصعب جداً ، بل من المستحيل ، أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية من حيث البساطة والقدرة ، وسرعة التكيّف ، فحينما تريد قراءة كتاب تناوله بيدك ، ثمّ ثبته في الوضع الملائم للقراءة، وهذه اليد هي التي تصحح وضعه تلقائياً، وحينما تقلب إحدى صفحاته تضع أصابعك تحت الورقة وتضغط عليها بالدرجة التي تقلبها بها ، ثمّ يزول الضغط بقلب الورقة ، واليد تمسك القلم ، وتكتب به ،
وتستعمل كافة الآلات التي تلزم الإنسان من ملعقة إلى سكين إلى آلة الكتابة ، وتفتح النوافذ ، وتحمل كلّ ما يريده الإنسان، واليدان تشملان على سبع وعشرين عظماً وتسع عشرة مجموعة من العضلات لكل منهما»(1).
وقد بحث الطب الحديث بصورة موضوعيّة وشاملة عن خصائص اليدين وما فيهما من الغرائب التي تدلّل على وجود الخالق العظيم .
ثامناً : إنّها من أهم الأرصدة الروحية والأخلاقية في الفكر الإسلامي ، فهي بلسم للنفوس الحائرة ، ومنهل عذب ، يرتوي منها المنيبون والمتقون ، وهي تمثل فلسفة الدعاء الذي هو معراج المؤمن إلى الله ، والبالغ به إلى أرقى مراتب الكمال ، إذ ليس شيء في هذه الحياة ما هو أسمى من الاتصال بالله تعالى خالق الكون ، وواهب الحياة . إن النفوس الحائرة تجد في الدعاء ضالتها المنشودة ، فإنّها تشعر بالطمأنينة بعد القلق ، وبالأمل بعد القنوط ، وبالرجاء بعد اليأس .
إنّ الدعاء الخالص ليسمو بالإنسان إلى عالم الملكوت ، ويجرده من أوضار المادة، وتبعات الهوى التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق ما له من قرار .
إن هذه الفلسفة المشرقة من الدعاء قد احتوت عليها بوضوح الصحيفة السجادية الخالدة .
تاسعاً : إنّ الصحيفة السجّاديّة كانت ثورة على الفساد والتسيب والانحلال الذي ساد في ذلك العصر بسبب السياسة الأموية التي أشاعت الفساد والمجون والتحلل بين المسلمين ، وجمدت طاقات الإسلام ، فلم ير لها أي ظلّ على واقع الحياة .
لقد كانت الصحيفة السجّاديّة بما تحمل من بنود مشرقة في عالم الفكر والحياة ثورة على الجمود والانحطاط والتخلف الذي كان من متارك الحكم الأموي .
1) الله والعلم الحديث : 75
عاشراً : إنّها بلغت أرقى مراتب البلاغة والفصاحة ، فلا أكاد أعرف كلاماً عربياً بعد القرآن الكريم ونهج البلاغة ما هو أبلغ وأفصح من أدعية الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وقد كان البارز فيها جمال الأسلوب ، وبداعة الديباجة ، ورقة الألفاظ ، فلم يستعمل الإمام الكلمة إلا بعد أن تجمع مقاييس الجمال .
إن للصحيفة السجّاديّة من الخصائص البلاغية ، والمميزات الأدبيّة ما يعرفها ويثمنها أهل الاختصاص من علماء البلاغة .
وقد علق الدكتور حسين علي محفوظ عليها وعلى سائر أدعية أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حيث قال :« وعلى الرغم من أنّه -أي الدعاء المأثور عن الأئمة - نثر فنّي رائع ، وأسلوب ناصع من أجناس المنثور ، ونمط بديع من أفانين التعبير ، وطرق بارعة من أنواع البيان، ومسلك معجب من فنون الكلام ، والحق إن ذلك النهج العبقري المعجز من بلاغات النبي الله وأهل البيت(عليهم السلام)التي لم يرق إليها غير طيرهم ، ولم تَسْمُ إليها سوى أقلامهم .
فالدعاء أدب جميل ، وحديث مبارك ، ولغة غنيّة ، ودين قيم ، وبلاغة عبقرية ، إلهيّة المسحة ، نبوية العبقة »(1)
وكان من مظاهر الروعة والبلاغة في أدعية الإمام الإطناب في وصف الجنة، وما فيها من النعم والترف والقصور الجميلة ، والسبب في ذلك تشويق الناس، وترغيبهم بأعمال البرّ والخير لينالوا الجنّة ، ويفوزوا بنعيمها، كما أطنب الإمام(عليه السلام)في التهويل من أمر النار ، وقساوة العذاب ، وذلك لزجر الناس عن اقتراف الموبقات، وإبعادهم عن ارتكاب الجرائم والمنكرات ، وقد جارى الإمام بذلك القرآن الكريم الذي أطنب في كثير من آياته في وصف الجنة والنار ، وذلك للأسباب التي ألمحنا إليها ، وقد نص علماء البلاغة على أنّ الإطناب في ذلك من أرقى مراتب
1) مجلة البلاغ - العدد 6 / السنة الأولى : 56
البلاغة ، ومن أروع صورها .
هذه بعض الجهات التي امتازت بها الصحيفة السجادية ،وهي -كما ذكرنا - من ذخائر التراث الإسلامي ، ومن مناجم كتب التربية والأخلاق .
واهتمت الأوساط الإسلاميّة وغيرها اهتماماً بالغاً بالصحيفة السجادية ، وكان من مظاهر هذا الاهتمام ما يلي :
1- إن علماء المسلمين والصالحين قد واظبوا على الدعاء بها في غلس الليل البهيم وفي وضح النهار ، متضرّعين بها إلى الله ، وطالبين منه المغفرة والنجاة من النار .
2- ولم تقتصر أهمية الصحيفة على العالم العربي، وإنما تعدت إلى غيره من شعوب العالم، فقد ترجمت إلى اللغة الانكليزية والفارسيّة والألمانية والأردية والفرنسية ، وغيرها .
ومن الجدير بالذكر أنّها ترجمت إلى اللغة الفارسيّة عدّة مرّات، فقد ترجمها الحاج ميرزا أبو الحسن الشعراني ، والسيد صدر الدين البلاغي ، والحاج عماد الدين حسين الإصفهاني ، والشيخ جواد فاضل ، والسيّد عليّ نقي فيض الإسلام وقد أتحفوا شعوبهم بهذه الصحيفة التي هي كنز من كنوز الفكر والعلم والحكمة .
3 - وممّا يدلّل على مدى أهميتها أنّ الخطاطين في مختلف العصور الإسلامية انبروا إلى خطها بخط أثري كان في منتهى الروعة ، كما قاموا بزخرفتها زخرفة بديعة ، وقد حفلت بها الكثير من خزائن المخطوطات الإسلامية ، الأمر الذي يكشف عن مدى الاهتمام والاعتزاز بها.
وعكف العلماء على دراسة الصحيفة السجّاديّة وشرحها ، وإيضاح مقاصدها ، وقد ألفت في ذلك مجموعة من الكتب القيمة ذكرها شيخ المحققين الشيخ آقا بزرك الطهراني ، وفي ما يلي نص ما ذكره
1- شرح الصحيفة للميرزا إبراهيم بن محمّد علي السبزواري المعاصر الملقب بوثوق الحكماء ( المتوفى (1358هـ) ، وهو شرح فارسي ، عرفاني ، شرح فيه الغريب ، والجمل المشكلة ، طبع سنة 1342هـ .
2- شرح الصحيفة للميرزا إبراهيم بن مير محمد معصوم بن میر فصيح بن میر الحسين التبريزي ، القزويني ( المتوفى 1149هـ) . ذكره ولده السيد حسن في خاتمة المعارج ، وقال : « إنّ شرح بعض أدعية الصحيفة ..».
3- شرح الصحيفة للشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح بن إسماعيل الكفعمي صاحب المصباح ( المتوفى 1195هـ) سمّاه الفوائد الطريفة .
4 - شرح الصحيفة للمولى شريف أبي الحسن بن محمد طاهر بن عبد الحميد الفتوني ، العاملي ، الإصفهاني ، الغروي ( المتوفى فى حدود 1140هـ).
5- شرح الصحيفة فارسي لبعض الأصحاب .
6 - شرح الصحيفة لبعض الأصحاب ، يوجد في المكتبة الرضوية .
7- شرح الصحيفة لبعض الأصحاب ، يوجد في المكتبة الرضوية لا يعرف عصره .
8 - شرح الصحيفة للسيد الأجل الميرزا محمد باقر الحسين الفارسي .
9- شرح الصحيفة للعلامة محمّدباقر المجلسي ، فارسي ، مقتصر على
الموارد المهمة المشكلة .
10 - شرح الصحيفة للعلامة محمّد باقر المجلسي ، لم يتم ، اسمه ( الفوائد الطريفة ) باللغة العربية .
11 - شرح الصحيفة لبديع الهرندي ، فارسي، سماه ( رياض العابدين).
12 - شرح الصحيفة لمحمد تقي بن مقصود .
13 - شرح الصحيفة ، فارسي ، مجهول المؤلّف .
شرح الصحيفة للسيد جمال الدين الكوكباني اليماني ، نزيل الهند ( المتوفى في بغداد سنة 1339هـ).
15 - شرح الصحيفة لبعض الأصحاب ، لا يُعرف شخصه لنقص في أوّل النسخة وآخرها .
16 - شرح الصحيفة لحبيب الله بن عليّ مدد الكاشاني ، توجد نسخة منه عند أحفاده في كاشان .
17 - شرح الصحيفة للشيخ عباس بن محمد علي البلاغي النجفي صاحب تنقيح المقال ، وهو شرح مزجي ألفه في مشهد الرضاء(عليه السلام) بخراسان زائراً ، شرع فيه في غرّة جمادى الأولى سنة (1105هـ)، وفرغ منه في رجب من تلك السنة ، ونقله إلى البياض بعد مراجعته إلى إصفهان بمدة .
18- شرح الصحيفة للميرزا حسن ابن المولى عبد الرزاق اللاهيجي صاحب شمس اليقين ، غير تام ، يقع في ثلاثة مجلدات
19 - شرح الصحيفة لتاج الدين حسن بن محمد الإصفهاني ، والد الفاضل الهندي ، يوجد في مكتبة أبي الهدى الكلباسي في إصفهان .
20 - شرح الصحيفة، فارسي للمحقق الآقا حسين الخوانساري ( المتوفى سنة 1099هـ).
21 - شرح الصحيفة لحسين ابن المولى حسن الجيلاني الإصفهاني ( المتوفى سنة 1129هـ).
22 -شرح الصحيفة على نحو التعليق للسيد حسين بن الحسن بن أبي جعفر محمد الموسوي الكركي .
23 -شرح الصحيفة على نحو التعليق للشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي ، والد الشيخ البهائي ( المتوفى سنة 984هـ ) .
24 - شرح الصحيفة لخليل بن الغازي القزويني ، نسخة منه كانت في مكتبة شيخ الشريعة الإصفهاني في النجف .
25- شرح الصحيفة للسيد محمد رضا الأعرجي .
26 - شرح الصحيفة لرضا علي الطالقاني .
27 - شرح الصحيفة لمحمد سليم الرازي .
28 - شرح الصحيفة لمحمد صالح بن محمد باقر الروغني ، القزويني - فارسي .
29 - شرح الصحيفة لمحمد صالح بن محمد باقر الروغني - عربي .
30 - شرح الصحيفة للسيد صدر الدين بن المير محمد صالح الطباطبائي جدّ السادة المدرّسين في يزد .
31- شرح الصحيفة للمفتي مير عباس اللكنهوري، يوجد في مكتبة السيد ناصر حسين الكنتوري بلكنهور .
32- شرح الصحيفة لجمال السالكين عبد الباقي الخطاط التبريزي ، مسهب ، مبسوط ، على طريقة الصوفية ، كذا ذكره في الرياض .
33 - شرح الصحيفة لعبد الغفار الرشتي من علماء عصر الشاه عباس .
34 - شرح الصحيفة لابن مفتاح أبي الحسن عبدالله بن أبي القاسم بن مفتاح الزيدي اليماني .
35 - شرح الصحيفة لعبد الله أفندي صاحب رياض العلماء .
36 - شرح الصحيفة لمحمد طاهر بن الحسين الشيرازي نزيل قم .
37 - شرح الصحيفة لصدر الدين علي بن نظام الدين أحمد الأشتكي الشيرازي المعروف بالمدني ، والمتوفى سنة 1120هـ ، اسمه ( رياض السالكين).
38 - شرح الصحيفة للسيد شرف الدين علي بن حجّة الله الشولستاني الحسيني الطباطبائي.
39- شرح الصحيفة لنور الدين أبي الحسن بن عبد العال الكركي (المتوفى سنة 940هـ ) .
40 - شرح الصحيفة لأبي الحسن علي بن الحسن الزواري ، وهذا الشرح فارسي .
41 - شرح الصحيفة للشيخ علي ابن الشيخ زين العابدين من أحفاد الشهيد الثاني ، وهو شرح مبسوط يشبه تفسير مجمع البيان حيث يذكر الدعاء أوّلاً، ثم اللغة ، ثم الإعراب ، ثم المعنى .
42 - شرح الصحيفة للشيخ علي ابن الشيخ أبي جعفر ، وهو أيضاً من أحفاد الشهيد الثاني زين الدين، توجد نسخة في مكتبة السيّد محمّد المشكاة في طهران .
43 - شرح الصحيفة لمحمّد على بن نصير الجهاردهي الرشتي النجفي ( المتوفى سنة 1334هـ) مجلّد كبير بالفارسية بعنوان الحاشية .
44 - شرح الصحيفة للشيخ محمّد علي ابن الحاج سليمان الجشي البحراني الخطي ، تعرّض فيه إلى لغاته ، وبيان غريبه ، ولكنه لم يتم .
45- شرح الصحيفة لفتح الله الخطاط ، الصوفي ، بحث فيه على طريقة التصوّف .
46 - شرح الصحيفة للشيخ فخر الدين الطريحي ، النجفي ، ( المتوفّى
سنة 1085هـ) أسماه ( النكت اللطيفة ) .
47 - شرح الصحيفة للميرزا قاضي ، شرح منه أربعة من أدعيتها ، وقد أسماء (التحفة الرضويّة ) .
48 - شرح الصحيفة : ناقص الأول والآخر ، لا يعرف مؤلّفه ، يوجد عند الشيخ مهدي شرف الدين في تستر .
49 - شرح الصحيفة للسيّد محسن بن قاسم بن إسحاق الضغاني الزيدي من أهل القرن الثالث عشر .
50- شرح الصحيفة للسيّد محسن بن أحمد الشامي الحسيني اليماني الزيدي ( المتوفى سنة 1251هـ)ذكره ابن زيادة في ( نشر العرف ) المخطوط.
51 - شرح الصحيفة لمحمّد بن محمد رضا المشهدي ، مؤلّف (كنز الدقائق ) يقع في أربعة مجلدات ، نسخة منه عند السيد شهاب الدين التبريزي في قم .
52- شرح الصحيفة للسيد أفصح الدين محمد الشيرازي مؤلّف ( المواهب الإلهيّة ) في شرح نهج البلاغة . ذكره السيد شهاب الدين في المقدّمة التي كتبها للصحيفة المطبوعة .
53 - شرح الصحيفة لمحمّد المدعو بعبد الباقي ، ذكر فيه لغات الصحيفة.
54 - شرح الصحيفة للشيخ أبي جعفر محمد بن جمال الدين أبي منصور الحسن ابن الشهيد الثاني (رحمۀ الله علیه)(المتوفى سنة 1030هـ ) .
شرح الصحيفة لمحمد بن الحسين بن عبد الصمد ، الحارثي العاملي ، (المتوفى سنة 1030هـ) اسمه ( حدائق الصالحين ) ، وهو غير شرحه الآخر الذي هو على غرار التعليق .
56 - شرح الصحيفة لقطب الدين محمد بن علي اللاهيجي المولد ، الديلمي المحتد ، شرح موجز ،فارسي ، وترجمة محتوية على حاصل المعنى ، بعبارات
رائقة مألوفة ، وفيه تحقيقات دقيقة ، توجد النسخة في مكتبة السيد جلال الدين المحدّث في طهران.
57 - شرح الصحيفة للسيّد محمّد بن حيدر الحسيني الطباطبائي النجفي (المتوفى سنة 1099هـ) من علماء عصر الشاه صفي ، ومن تلاميذ الشيخ البهائي وأستاذ العلّامة المجلسي .
58 - شرح الصحيفة لمحمد المدعو بشاه محمد الاصطهباناتي الشيرازي أسماه (رياض العارفين ) أو ( روضة العارفين).
59-شرح الصحيفة أو التعليق عليها للمحدّث محمد ابن الشاه مرتضى الكاشاني المعروف بالمولى محسن الفيض ( المتوفى سنة 1091هـ) ، وقد طبع .
60- شرح الصحيفة للشيخ أبي جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن الشهيد الثاني.
61 - شرح الصحيفة الشيخ الإسلام والمسلمين بهاء الملة والدين محمد بن الحسين بن عبدالصمد ، الحارثي ، العاملي (المتوفى سنة 1030هـ) أسماه ( حدائق الصالحين)(1).
62 - شرح الصحيفة للمحدّث السيّد نعمة الله عبد الله الموسوي ، التستري الجزائري ( المتوفى سنة (1112هـ ) سمّاه ( نور الأنوار) ، وقد طبع سنة (1316هـ) .
63-شرح الصحيفة أيضاً للسيّد نعمة الله الجزائري ، وهو غير (نور الأنوار) بل هو أكبر وأقدم منه .
64- شرح الصحيفة للفاضل هادي ابن المولى محمد صالح بن أحمد المازندراني ، وهو فارسي .
1) انظر شرح الصحيفة رقم 56 الذي ورد آنفاً .
65 -شرح الصحيفة للشيخ يعقوب بن إبراهيم البختياري الحوزي( المتوفى سنة 1050هـ ). قال السيد حسن الصدر :« رأيته بخطه الشريف » .
وبهذا ينتهى ما ذكره المحقق الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني من شروح الصحيفة(1).
وقد طبع بعد ذلك شرحان للصحيفة ، وهما :
66 -شرح الصحيفة للعلامة المغفور له الشيخ محمد جواد مغنيّة ، طبع في بيروت .
67- شرح الصحيفة لسماحة الحجّة السيّد محمّد الشيرازي ، طبع في كربلاء المقدسة .
هذه بعض شروح الصحيفة السجادية ، وهي تمثل مدى اهتمام العلماء بها في مختلف العصور ، وقد وجدوا فيها كنوزاً من العلم والحكمة والعرفان ، وإنّها من أهم الثروات الفكرية في الإسلام بعد القرآن الكريم ونهج البلاغة .
وتحتوي الصحيفة السجّاديّة التي رويت عن الإمام أبي جعفر(عليه السلام) وأخيه الشهيد العظيم زيد بن علي(عليه السلام)على أربعة وخمسين دعاء لا تؤلّف مجموع الصحيفة إذ سقطت منها بعض الأدعية كما ذكر ذلك في مقدّمتها - وقد عكف العلماء على البحث عن باقي الأدعية فظفروا بطائفة منها وألحقوها بالصحيفة السجادية ، وفي ما يلي أسماء تلك الملحقات مع أسماء مؤلّفيها :
الصحيفة الأولى : جمعها المحدث الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة (المتوفى سنة 1104هـ) ، وقد استخرجها من الأصول المعتمدة عنده ، وكتب
1) الذريعة في تصانيف الشيعة : 13 : 354 - 359
آخرها : « يقول العبد محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحر العاملي عفا الله عنه : هذا ما وصل إليَّ ممّا خرج عن الصحيفة الكاملة »(1).
وتحتوي الصحيفة على ثلاثة وستين دعاء .
الصحيفة الثانية : للفاضل عبد الله بن الميرزا عيسى بن محمد بن صالح الإصفهاني المعروف بالأفندي ، مؤلّف ( رياض العلماء ) ، وقد استدرك فيها ما فات الحرّ العاملي ، وقد طبعت على الحجر(2).
الصحيفة الثالثة : للميرزا حسين النوري ، وقد استدرك فيها ما فات الميرزا عبدالله جامع الصحيفة الثانية ، وقد جمع سبعاً وسبعين دعاء غير مذكورة في سائر الصحائف (3).
الصحيفة الرابعة : للمحقق الكبير السيد محسن العاملي ، وقد استدرك فيها الصحائف السابقة ، ومجموع أدعيتها مائة واثنان وثمانين دعاء ، انفرد منها باثنين وخمسين دعاء(4).
الصحيفة الخامسة : جمعها الشيخ محمد صالح ابن الميرزا فضل الله المازندراني الحائري(5).
وقد ظفرنا بمجموعة من أدعية الإمام زين العابدين(عليه السلام) لم تدوّن في الصحيفة الأم ، وهي :
ومن أدعيته هذا الدعاء الشريف : « اللَّهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ أَنْ تُحَسِّنَ في لَوامِعِ الْعُيونِ عَلانِيَتي ، وَتُقَبِّحَ فِي خَفِيّاتِ القُلوبِ سَريرَتي. اللهُمَّ فَكَما أَسَأْتُ فَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ فَإِذا عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ»(1).
لقد طلب الإمام(عليه السلام) من الله تعالى أن يحسن سريرته ، ودخائل نفسه ، واستعاذ به من أن يحسن علانيته ظاهراً أمام الناس دون أن يمت ذلك إلى الواقع بصلة ، كما طلب منه تعالى أن يعود عليه بالمغفرة والرضوان ان عاد إلى إحدى رغباته النفسية.
كان الإمام(عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء الجليل إذا نزلت به فاقة أو خاف من أمر ، وكان يوصي أولاده بالدعاء به ، وذلك عقيب صلاة أربع ركعات أو ركعتين ، وهذا نصه :
« يا مَوْضِعَ كُلِّ شَكْوى ، يا سامِعَ كُلِّ نَجْوى ، يا شافِي كُلِّ بَلْوى ، وَيا عَالِمَ كُلِّ خَفِيَّةٍ ، وَيا كَاشِفَ ما يَشاءُ مِنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ ، أَدْعُوكَ دُعاءَ مَنِ اشْتَدَّتْ ،فاقَتُهُ ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ ، وَقَلَّتْ حيلَتُهُ ، دُعاءَ الْغَريقِ الْغَريبِ الْفَقيرِ الَّذي لا يَجِدُ لِكَشْفِ ما هُوَ فِيهِ إِلَّا أَنْتَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ».
1) صفة الصفوة : 2 52 درر :الأبكار ورقة 70 سير أعلام النبلاء : 4 : 237. العقد الفريد : 3: 155 ، وزاد فيه : « وارزقني مواساة من قترت عليه رزقه بما وسعت علَيَّ » .
وكان يقول(عليه السلام): لا يدعو أحد بهذا الدعاء إلا فرج الله عنه»(1).
وقد مثّل هذا الدعاء مدى اعتصام الإمام بالله والتجائه إليه ، فقد أيقن أنّ الله تعالى وحده هو القادر على كشف الضراء والبأساء ، فليس هناك أية قوة تستطيع أن تغيّر بؤس الإنسان وشقاءه سوى الله تعالى .
ومن أدعيته الشريفة هذا الدعاء ، وقد رواه عنه زيد بن أسلم ، وهذا نصّه :
«اللَّهُمَّ لَا تَكِلْني إِلى نَفْسي فَأَعْجَزُ عَنْهَا ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى الْمَخْلُوقِينَ فَيُضَيِّعُوني»(2).
لقد طلب الإمام (عليه السلام)من الله تعالى أن لا يكله إلى نفسه لأن النفس أمارة بالسوء ، ولا إلى المخلوقين ، فإنّه مدعاة إلى تضييعه وتحقيره ، أما الإيكال إلى الله فإنّه سبب الفلاح والنجاح في الدارين .
وكان (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء طالباً منه المغفرة والتوبة :
«يا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذَاكِرِينَ ، وَيا مَنْ شُكْرُهُ ، فَوْزُ لِلشَّاكِرِينَ ، وَيا مَنْ طاعَتُهُ نَجَاةٌ لِلْمُطيعينَ ، وَاشْغَلْ قُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ عَنْ كُلِّ ذِكْرِ ، وَأَلْسِنَتَنا بِشُكْرِكَ عَنْ كُلِّ شَكْرٍ ، وَجَوارِحَنا بِطاعَتِكَ عَنْ كُلِّ طَاعَةٍ ، فَإِنْ قَدَّرْتَ لَنا
فَراغاً عَنْ شُغْلِ فَاجْعَلْهُ فَراغَ سَلامَةٍ لَا تُدْرِكُنا فِيهِ تَبِعَةٌ وَلَا تَلْحَقْنا فِيهِ سَأْمَةٌ ، حَتَّى يَنْصَرِفَ إِلَيْكَ كُتابُ السَّيِّئاتِ عَنَا بِصُحِفٍ خالِيَةٍ مِنْ ذِكْرِ
سَيِّئاتِنا ، وَيَتَولّى كُتَابُ الْحَسَناتِ عَنا مَسْرُورِينَ بِمَا كَتَبُوا مِنْ حَسَناتِنا .
فَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ حَياتِنا ، وَتَصَرَّمَتْ مُدَدُ أَعْمارِنا ، وَاسْتَحْضَرَتْنا دَعْوَتُكَ الَّتي لا بُدَّ مِنْ إِجابَتِها ، وَاجْعَلْ خِتامَ مَا تُحْصي عَلَيْنَا الْكَتَبَةُ تَوْبَةٌ مَقْبُولَةً لَا تُوقِفْنا بَعْدَها عَلى ذَنْبِ اجْتَرَحْنَاهُ وَلَا مَعْصِيَةٍ اقْتَرَفْناها ، وَلَا تَكْشِفْ عَنَا سِتْراً سَتَرْتَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ ، يَوْمَ أَخْبارَ الْعِبادِ ، إِنَّكَ رَحيمٌ بِمَنْ دَعاكَ وَمُسْتَجِيبٌ لِمَنْ ناداک »(1).
وتضرع الإمام(عليه السلام) إلى الله تعالى سائلاً منه أن يُسخّر قلبه ولسانه وجميع جوارحه في ذكره وعبادته ، وأن يجعل نهاية المطاف من حياته التوبة الخالصة المقبولة .
ومن أدعيته الشريفة هذا الدعاء ، وكان يدعو به في الصلاة على جده الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهذا نصه :
«یا دائِمُ یا دَيْمُومُ ، يا حَيُّ يَاقَيُّومُ ، ياكاشِفَ الغَمِّ ، وَيا فارِجَ الْهَمِّ ، وَيا باعِثَ الرُّسُلِ ، وَيا صَادِقَ الْوَعْدِ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَافْعَلْ بى ما أَنْتَ أَهْلُهُ »(2)
كان الإمام(عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء عند استجابة دعائه :
اللهُمَّ قَد أَكْدَى الطَّلَبُ(1)، وَأَعْيَتِ الْحِبَلُ إِلَّا عِنْدَكَ وَضاقَتِ الْمَذاهِبُ ، وَامْتَنَعَتِ الْمَطالِبُ ، وَعَسُرَتِ الرَّغائِبُ ، وَانْقَطَعَتِ الطُّرُقُ
إِلَّا إِلَيْكَ ، وَتَصَرَّمَتِ الْآمالُ ، وَانْقَطَعَ الرَّجاءُ إِلَّا مِنْكَ ، وَخابَتِ الثَّقَةُ ، وَأَخْلَفَ الظَّنُّ إِلَّا بِكَ.
اللَّهُمَّ إِنِّى أَجِدُ سُبُلَ الْمَطالِبِ إِلَيْكَ مُنْهَجَةٌ وَمَناهِلَ الرَّجاءِ لَدَيْكَ مُتْرَعَةٌ ، وَأَبْوابَ الدُّعاءِ إِلَيْكَ مُفَتَّحَةٌ ، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لِمَنْ دَعَاكَ بِمَوْضِع إِجابَةٍ ، وَلِلصّارِخَ إِلَيْكَ بِمَرْصَدِ إِغَاثَةٍ ، وَأَنَّ الْقاصِدَ إِلَيْكَ لَقَريبُ الْمَسافَةِ مِنْكَ ، وَمُناجاةَ الْعَبْدِ إِيَّاكَ غَيْرُ مُحْجُوبَةٍ عَن اسْتِماعِكَ .
وَأَنَّ فِي التَّلَهُفِ إِلى جُودِكَ ، وَالرّضا بِعِدَتِكَ وَالْإِسْتِرَاحَةِ إِلَى ضَمَانِكَ عِوَضاً عَنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ ، وَمَنْدوحَةٌ عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ ، وَدَرْكاً مِنْ ختل(2)الْمُواربينَ(3).
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ ما مَضى مِنْ ذُنُوبِي ، وَاعْصَمْني فيما بَقِيَ مِنْ عُمُرِي ، وَافْتَحْ لي أَبْوابَ رَحْمَتِكَ وَجُودِكَ الَّتِي لا تُغْلِقُها عَنْ أَحِبَائِكَ
وَأَصْفِيائِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ»(1).
لقد تمسك الإمام(عليه السلام) بالله ، واعتصم به ، وانقطع إليه ، وتعلقت به جميع رغائبه وآماله وأمانيه ، فقد أيقن(عليه السلام)أن الالتجاء إلى غير الله إنّما هو من الوهن والضعف لأنّه أخذ بالوهم ، وسعي وراء السراب.
كان(عليه السلام) إذا وضع الطعام بين يديه يدعو بهذا الدعاء :
« اللَّهُمَّ هذا مِنْ مَنّكَ وَفَضْلِكَ وَعَطائِكَ ، فَبارِك لَنا فيهِ ، وَسَوِّغْناهُ وَارْزُقْنَا خَلَفاً إِذا أَكَلْنَاهُ ، وَرُبَّ مُحْتاج إِلَيْهِ ، رَزَقْتَ فَأَحْسَنْتَ ، اللهُمَّ
اجْعَلْنا مِنَ الشَّاكِرِينَ».
وإذا رفع الخوان عنه دعا بهذا الدعاء :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَمَلَنا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَرَزَقَنا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً »(2).
لقد كان الإمام(عليه السلام)مشغولاً بذكر الله في جميع أوقاته ، لا يفتر ولا يتخلى عنه.
ومن أدعيته هذا الدعاء الجليل :
« بسم اللهِ وَبِاللَّهِ وَمِنَ اللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
اللهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ. اللَّهُمَّ احْفَظْني بِحِفْظِ الْإِيمَانِ مِنْ
بَيْن يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِى، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمالي ، وَمِنْ فَوْقي وَمِنْ تَحْ- فادْفَعْ عَنِّي بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ ، وَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِي الْعَظِيمِ»
(1) لقد أسلم الإمام نفسه إلى الله ، وفوّض إليه أموره معتصماً به، ومتمسّكاً بحبله وموقناً أن لا حول ولا قوة إلا به.
وكان(عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء الجليل في الاستعاذة من غضب الله تعالى :
«اللَّهُمَّ مَنْ أَنا حَتَّى تَغْضَبَ عَلَيَّ ، فَوَعِزَّتِكَ ، مَا يَزِينُ مُلْكَكَ إِحْساني وَلا تُقَبِّحُهُ إِساءَتي ، وَلا يَنقُصُ مِنْ خَزائِنِكَ غِنائي ، وَلا يَزيدُ فيها فَقْري»(2).
وكان(عليه السلام) إذا أوى إلى فراشه دعا بهذا الدعاء :
« اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلا شَيْءَ قَبْلَكَ ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَا شَيْءَ فَوْقَكَ ،
وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلاشَيْءَ دونَكَ ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلا شَيْءَ بَعْدَكَ .
اللهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ ، وَرَبَّ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ.
أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دابَّةِ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِها ، إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مستقیم»(1).
وكان(عليه السلام) إذا خاف شيئاً دعا بهذا الدعاء لصرفه عنه :
« إلهي إِنَّهُ لَيْسَ يَرُدُّ غَضَبَكَ إِلَّا حِلْمُكَ ، وَلا يُنْجي مِنْ عِقابِكَ إِلَّا عَفْوَكَ ، وَلَا يُخَلِّصُ مِنْكَ إِلَّا رَحْمَتُكَ وَالتَّضَرُّعُ إِلَيْكَ ، فَهَبْ لي يا إلهي فَرَجاً بِالْقُدْرَةِ الَّتِي بِها تُحْيِي مَيْتَ الْبِلادِ، وَبِها تَنْشُرُ أَرْواحَ الْعِبادِ ، وَلا تُهْلِكُني وَعَرَّفْنِي الْإِجَابَةَ يَارَبِّ ، وَارْفَعْني وَلَا تَضَعْنِي ، وَانْصُرْني وَارْزُقْني ، وَعَافِنِي مِنَ الْآفَاتِ.
يا رَبِّ إِنْ تَرْفَعْني فَمَنْ يَضَعُني ، وَإِنْ تَضَعْني فَمَنْ ذَا الَّذِي يَرْفَعُني ، وَقَدْ عَلِمْتُ يا إلهي أنْ لَيْسَ فِي حُكْمِكَ ظُلْمٌ، وَلا فِي نَقِمَتِكَ عَجَلَةٌ ، إِنَّما يَعْجَلُ مَنْ يَخافُ الْفَوْتَ ، وَيَحْتاجُ إِلَى الظُّلْمِ الضَعِيفُ ، وَقَدْ تَعَالَيْتَ يا سَيِّدِي عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً .
1) فلاح السائل : 69 .
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي لِلْبَلاءِ غَرَضاً وَلا لِنَقِمَتِكَ نَصَباً ، وَمَهِّلْني وَنَفِّسْني وَأَقِلْني عَشْرَتي ، وَلا تُتَّبِعْنِي بِبَلاء عَلَى أَثر بَلاءِ ، فَقَدْ تَرى ضَعْفِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي فَصَبِّرْنِي ، فَإِنِّي يارَبِّ ضَعِيفٌ ، مُتَضَرّعٌ إِلَيْكَ يَا رَبِّ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ فَأَعِذْنِي ، وَأَسْتَجِيرُ بِكَ مِنْ كُلِّ بَلاءِ فَأَجِرْنِي ، وَأَسْتَتِرُبِكَ فَاسْتُرْني ياسَيِّدي مِمّا أَخافُ وَأَحْذَرُ ، وَأَنْتَ الْعَظِيمُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ عَظيم ، بِكَ اسْتَتَرْتُ يا اللهُ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّينَ الطَّاهِرينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثيراً »(1).
هذه بعض اللقطات من ملحقات الصحيفة السجادية، ومن أراد المزيد منها فعليه بمراجعة الملحقات الخمسة في الصحيفة، ومصباح الكفعمي، ومصباح الطوسي ، ومهج الدعوات ، وغيرها من كتب الأدعية .
وما دمنا مشغولين بالبحث عن الصحيفة السجّاديّة نعرض لبعض جواهرها التي لا تثمن ، والتي فاقت كل وصف في مستواها الفكري والفنّي ، وفي ما يلي ذلك .
كان الإمام(عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء الجليل ، وقد عرض فيه إلى جهود جده الرسول الأعظم الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وما عاناه من المشاق في سبيل الدعوة الإسلامية ، وإعلاء كلمة الله في الأرض ، وهذا نصه :
1) الصحيفة السجّاديّة / الحرّ العاملي : 159 و 160 .
«وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ دُونَ الأمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ السَالِفَةِ ، بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَا تَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ وَإِنْ عَظُمَ ، وَلا يَفُوتُها شَيْءٌ وَإِنْ لَطْفَ ، فَخَتَمَ بِنا عَلى جَميع مَنْ ذَراً(1)وَجَعَلَنا شُهَداءَ عَلى مَنْ جَحَدَ وَ بِمَنْهِ عَلَى مَنْ قَلَّ .
اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ أَمينِكَ عَلى وَحْيِكَ ، وَنَجيبك(2)مِنْ خَلْقِكَ ، وَصَفِيَّكَ مِنْ عِبادِكَ ، إِمامِ الرَّحْمَةِ ، وَقائِدِ الْخَيْرِ، وَمِفْتَاحَ الْبَرَكَةِ ، كَمَا نَصَبَ لِأَمْرِكَ نَفْسَةِ ، وَعَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ ، وَكاشَفَ فِي الدُّعاءِ إِلَيْكَ حَامَّتَهُ (3)، وَحارَبَ في رِضاكَ أَسْرَتَهُ ، وَقَطَعَ فِي إِحْياءِ دينِكَ رَحِمَهُ ، وَأَقْصَى الْأَدْنَيْنَ عَلَى جُحُودِهِمْ ، وَقرَّبَ الْأَقْصَيْنَ عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ ، وَوالى فيكَ الْأَبْعَدِينَ ، وَعادِى فِيكَ الْأَقْرَبِينَ .
وَأَدْأَبَ نَفْسَهُ(4)في تبليغ رِسالَتِكَ ، وَأَتْعَبَها بِالدُّعاءِ إِلى مِلَّتِكَ ، وَشَغَلَها بِالنُّصْح لأَهْلِ دَعْوَتِكَ ، وَهَاجَرَ إِلَى بِلادِ الْغُرْبَةِ (5)، وَمَحَلِّ النَّأْي عَنْ مَوْطِن رَحْلِهِ وَمَوضِعِ رِجْلِه(6)، وَمَسْقَط رَأْسِهِ ، وَمَأْنَسٍ نَفْسِهِ إِرادَةً
مِنْهُ لإعزاز دينِكَ ، وَاسْتِنْصاراً عَلى أَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ ، حَتَّى اسْتَتَبَّ لَهُ ما حاوَلَ في أَعْدائِكَ ، وَاسْتَتَمَّ لَهُ ما دَبَّرَ في أَوْلِيَائِكَ(1)فَنَهَدَ إِلَيْهِمْ(2)مُسْتَفْتِحاً بِعَوْنِكَ ، وَمُتَقَوِّياً عَلى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ ، فَغَزا هُمْ فِي عُقْرِ دِيارِهِمْ ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي بُحْبُوحَةِ قَرارِهِمْ(3)، حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُكَ ، وَعَلَتْ كَلِمَتُكَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
اللَّهُمَّ فارْفَعْهُ بِما كَدَحَ فيك (4)إِلَى الدَّرَجَةِ الْعُليا مِنْ جَنَّتِكَ حَتَّى لا يُساوى في مَنْزِلَةٍ ، وَلا يُكافاً في مَرْتَبَةٍ ، وَلا يُوازِيَهُ لَدَيْكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَعَرَّفْهُ فِي أَهْلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفَاعَةِ أَجَلَّ ما وَعَدْتَهُ ، يا نافِذَ الْعِدَةِ ، يا وافِيَ الْقَوْلِ ، يا مُبَدِّلَ السَّيِّئَاتِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ الْحَسَناتِ ، إِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، الْجَوادُ الْكَرِيمُ»(5).
لقد عرض الإمام(عليه السلام) إلى ما عاناه جده الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) من المشاق والمتاعب في سبيل نشر الإسلام ، وإعلاء كلمة التوحيد ، والتي كان منها إجماع مشركي أرحامه وقومه على مناهضته وإخماد دعوته ، وإعلانهم الحرب عليه ، وقد نبذهم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)و اتصل بالأبعدين نسباً ، كعمار بن ياسر ، وسلمان الفارسي وأبي ذرّ ، فكانوا ألصق الناس به، وأقربهم إليه ، وأدناهم منه ، ومن جملة المتاعب
التي عاناها النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) هجرته إلى الطائف ويثرب، ومعاناته في تلك الهجرة لأنواع مريرة من الأذى والاضطهاد، ولكن الله تعالى قد أعزه ونصره ، فأظهر أمره ، وأعلى شأنه، وأعزّه ، فقد غزا المشركين في عقر دراهم ، وأباد رؤوسهم وضر وسهم، وقام الإسلام على سوقه عبل(1)الذراع ، قوي الساعد ، ولم تعد أيّة قوّة في الأرض قادرة على مناهضته ، وكان ذلك هو النصر المبين للإسلام .
وأشار الإمام(عليه السلام) في هذا الدعاء بأتباع الرسل ومصدقيهم وعرض بعد ذلك لأصحاب جده الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الذين يناصروا الإسلام في أيام محنته وغربته ، قال(عليه السلام):
«اللَّهُمَّ وَأَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَمُصَدِّقوهُمْ ، مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالْغَيْبِ عِنْدَ مُعارِضَةِ الْمُعانِدِينَ لَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ ، وَالْإِشْتِياقِ إِلَى الْمُرْسَلِينَ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ ، فِي كُلِّ دَهْرٍ وَزَمانِ ، أَرْسَلْتَ فِيهِ رَسُولاً وَأَقَمْتَ لِأَهْلِهِ دَليلاً، مِنْ لَدُنْ ادَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى، وَقادَةِ أَهْلِ التُّقى عَلى جَميعِهِمُ السَّلامُ ، فاذْكُرْهُمْ مِنْكَ بِمَغْفِرَةٍ وَرِضْوانِ .
وأثنى الإمام(عليه السلام) ثناء عاطراً على أتباع الرسل ومصدقيهم من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء وسيّدهم، النبي محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهم الذين يمثلون واقع الإيمان ، فقد آمنوا بالله تعالى ، وصدّقوا رسله بما أنبأوهم به من الكائنات الغيبية ، ولم يلتفتوا إلى دعاية القوى المعادية لهم ، بل ناهضوهم وناجزوهم .
ولنستمع بعد هذا إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء الشريف . يقول(عليه السلام):
1) العبل : الضخم من كلّ شيء. لسان العرب : 11: 420 ، مادة عبل .
اللّهُمَّ وَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ َخاصَّةٌ الَّذينَ أَحْسَنُوا الصَّحابَةَ ، وَالَّذِينَ أَبْلَوا الْبَلاءَ الْحَسَنَ فِي نَصْرِهِ ، وَكانَفُوهُ(1)وَأَسْرَعُوا إِلَى وِفادَتِهِ ، وَسَابَقُوا إِلَى دَعْوَتِهِ ، وَاسْتَجابُوا لَهُ حَيْثُ أَسْمَعَهُمْ حُجَّةَ رسالاتِهِ ، وَفارقُوا الْأَزواج وَالْأَوْلادَ فِي إِظْهَارِ كَلِمَتِهِ ، وَقاتَلُوا الْآباء وَالْأَبْناءَ فِي تَثْبِيتِ نُبُوَّتِهِ ، وَانْتَصَرُوا بِهِ ، وَمَنْ كانُوا مُنْطَوينَ عَلَى مَحَبَّتِهِ يَرْجُونَ تِجَارَةٌ لَنْ تَبُورَ فِي مَوَدَّتِهِ ، وَالَّذِينَ هَجَرْتُهُمُ الْعَشَائِرُ إِذْ تَعَلَّقُوا بِعُرْوَتِهِ وَانْتَفَتْ مِنْهُمُ الْقَرابَاتُ إِذْ سَكَنُوا فِي ظِلٍّ قَرابَتِهِ.
فَلا تَنْسَ لَهُمُ اللَّهُمَّ ما تَرَكُوا لَكَ وَفيكَ ، وَارْضِهِمْ مِنْ رِضْوانِكَ وَبِما حاشُوا (2)الْخَلْقَ عَلَيْكَ وَكَانُوا مَعَ رَسُولِكَ دُعاةٌ لَكَ إِلَيْكَ وَاشْكُرْهُمْ عَلَى هَجْرِهِمْ فِيكَ دِيارَ قَوْمِهِمْ ، وَخُرُوجِهِمْ مِنْ سَعَةِ الْمَعَاشِ إِلَى ضِيقِهِ ، وَمَنْ كَثَّرْتَ فِي إِعْرَازِ دينِكَ مِنْ مَظْلُومِهِمْ.
علي مواله
وفي هذه القطعة أشاد الإمام(عليه السلام) بأصحاب جده الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) الذين أحسنوا الصحبة ، وأبلوا البلاء الحسن في نصرة الإسلام والذب عن مبادئه ، وقد آمنوا به إيماناً لا يخامره أدنى شك ، وقد عانوا في سبيله أنواعاً مريرة وشاقة ، والتي كان منها :
1- نبذهم أزواجهم وأولادهم من الذين لم يؤمنوا بالإسلام.
2 - مقاتلتهم آباءهم وأبناءهم من الذين ناهضوا الإسلام ، يتاجرون بذلك تجارة
مع الله لن تبور .
3 - هجران عشائرهم لهم على اعتناقهم للإسلام ، ودعمهم للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم) .
4 - معاناتهم لضائقة اقتصادية بسبب الإسلام ، هذه بعض الأمور التي عاناها أصحاب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) المجاهدون .
ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء :
اللَّهُمَّ وَأَوْصِلْ إِلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْلَنَا وَلِاِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ خَيْرَ جَزَائِكَ ، الَّذِينَ قَصَدُوا سَمْتَهُم وَتَحَرَّوْا وِجْهَتَهُمْ ، وَمَضَوْا عَلَى شَاكِلَتِهِمْ لَمْ يَثْنِهِمْ رَيْبٌ فِي بَصِيرَتِهِمْ ، وَلَمْ يَخْتَلِجْهُمْ شَكٍّ فِي قَفْوِ آثَارِهِمْ ، وَالْإِنْتِمامِ بِهِدايَةِ مَنارِهِمْ ، مَكَائِفِينَ وَمُواخِرينَ لَهُمْ ، يَدينُونَ بِدينِهِمْ ، وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِمْ ، يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِمْ ، وَلا يَتَّهِمُونَهُمْ فيما أَدَّوْا إِلَيْهِمْ .
اللهُمَّ وَصَلِّ عَلَى التَّابِعينَ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَعَلَى أَزْواجِهِمْ ، وَعَلَى ذُرِّيَّاتِهِمْ ، وَعَلَى مَنْ أَطَاعَكَ مِنْهُمْ ، صَلاةً تَعْصِمُهُمْ بِها مِنْ مَعْصِيَتِكَ ، وَتَفْسَحُ لَهُمْ فِي رِياضِ جَنَّتِكَ ، وَتَمْنَعُهُمْ بِها مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ ، وَتُعِينُهُمْ بِها عَلَى مَا اسْتَعانُوكَ عَلَيْهِ مِنْ بِرَّ ، وَتَقيهُمْ طَوارِقَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقاً يَطْرُقُ بِخَيْرٍ ، وَتَبْعَثُهُمْ بِهَا عَلَى اعْتِقادِ حُسْنِ الرَّجاءِ لَكَ ، وَالطَّمَع فيما عِنْدَكَ ، وَتَرْكِ التُّهْمَةِ فيما تَحْوِيهِ أَيْدِي الْعِبادِ ، لِتَرُدَّهُمْ إِلَى الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ وَالرَّهْبَةِ مِنْكَ ، وَتُزَهَدَهُمْ فِي سَعَةِ الْعَاجِلِ، وتُحَبِّبَ إِلَيْهِمُ الْعَمَلَ لِلْآجِلِ ، وَالْإِسْتِعْدادَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَتُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ
كُلَّ كَرْبٍ يَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِ الْأَنْفُسِ مِنْ أَبْدانِها ، وَتُعَافِيَهُمْ مِمَّا تَقَعُ بِهِ الْفِتْنَةُ مِنْ مَحْذُوراتِها ، وَكَبَّةِ النَّارِ وَطُولِ الْخُلُودِ فِيهَا ، وَتُصَيَّرَهُمْ إِلَى أَمْنِ مِنْ مَقِيلِ الْمُتَّقِينَ »(1).
وطلب الإمام(عليه السلام) من الله تعالى أن يصلّي على التابعين بإحسان لأصحاب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهم الذين لم يروه ، وآمنوا به في أعماق نفوسهم فساروا على الخط الذي سار عليه أصحابه، لم يثنهم ريب ، ولم يختلجهم شك في الاقتداء بهم ، والسير على هديهم، فرفعوا منار التوحيد ، وأذاعوا بين الناس مبادئ هذا الدين وقيمه ، وقد دعا لهم الإمام بما يلي :
1 - العصمة من اقتراف المعاصي.
2- الوقاية لهم من كيد الشيطان الرجيم .
3- الإعانة لهم على البر والتقوى .
4 - وقايتهم من طوارق الليل والنهار .
5 - أن يمنحهم الله حسن الرجاء به ليستغنوا عما في أيدي الناس .
6 - أن يهبهم تعالى الزهد في الدنيا ، ويحبّب لهم العمل لدار الآخرة .
هذه بعض محتويات دعائه إلى التابعين لأصحاب جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم).
ومن غرر أدعية الإمام هذا الدعاء الجليل ، وكان يدعو به لنفسه ولأهل ولايته :
«يا مَنْ لَا تَنْقَضِي عَجائِبُ عَظَمَتِهِ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاحْجُبْنا
1) الصحيفة السجادية : الدعاء الرابع .
عَنِ الْإِلْحَادِ فِي عَظَمَتِكَ.
وَيا مَنْ لَا تَنْتَهِي مُدَّةً مُلْكِهِ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَعْتِقْ رِقابَنَا مِنْ نَقِمَتِكَ.
وَيا مَنْ لَا تَفْنى خَزائِنُ رَحْمَتِهِ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاجْعَلْ لَنا نَصيباً في رَحْمَتِكَ.
وَيا مَنْ تَنْقَطِعُ دُوْنَ رُؤْيَتِهِ الْأَبْصَارُ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَدْنِنَا إِلَى قُرْبِكَ .
وَيا مَنْ تَصْغُرُ عِنْدَ خَطَرِهِ الْأَخْطَارُ(1)، صَلِّ عَلَى مَحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَكَرَّمْنا عَلَيْكَ (2).
وَ يَا مَنْ تَظْهَرُ عِنْدَهُ بَواطِنُ الْأَخْبَارِ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَلَا تَفْضَحْنا لَدَيْكَ.
اللهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ هِبَةِ الْوَهَابِينَ بِهِبَتِكَ ، وَاكْفِنا وَحْشَةَ الْقاطِعِينَ بِصِلَتِكَ حَتَّى لَا نَرْغَبَ إِلَى أَحَدٍ مَعَ بَذْلِكَ(3)، وَلَا نَسْتَوْحِشَ مِنْ أَحَدٍ مَعَ فَضْلِكَ. اللّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَكِدْ لَنا وَ لَا تَكِدْ عَلَيْنا(4)، وَامْكُرْ لَنا
وَلَا تَمْكُرْ بِنا(1)، وَأَدِلْ لَنا وَلَا تُدِلْ مِنَا(2). اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَقِنَا مِنْكَ (3)، وَاحْفَظْنَا بِكَ ، وَاهْدِنَا إِلَيْكَ ، وَلَا تُبَاعِدْنا عَنْكَ إِنَّ مَنْ تَقِهِ يَسْلَمْ(4)وَمَنْ تَهْدِهِ يَعْلَمْ ، وَمَنْ تُقَرِّبُهُ إِلَيْكَ يَغْنَمْ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَاكْفِنا حَدَّ نَوائِبِ الزَّمانِ ، وَ شَرَّ مَصائِدِ الشَّيْطانِ ، وَمَرَارَةَ صَوْلَةِ السُّلْطانِ .
لقد بدأ الإمام(عليه السلام)في هذه القطعة بالثناء على الخالق العظيم ، ثمّ سأله أن يجنّبه الإلحاد في عظمته التي بها يخرج الإنسان عن إنسانيته ، وتدرج بعد ذلك بذكر عظمة الله تعالى ، والطلب إليه أن يسدي عليه ألطافه ونعمه ، وأن يغنيه بهبته عن هبة الواهبين ، وبصلته عن وحشة القاطعين ، وأن يكفيه نوائب الزمان ، وينقذه من شرّ مصائد الشيطان ، ومرارة صولة السلطان ، وقد حفلت هذه القطعة بأفخم الألفاظ . وأروع البيان ، وهي من أجمل القطع البلاغية في الأدب العربي .
ولنستمع إلى مقطع آخر من هذا الدعاء :
اللهُمَّ إِنَّما يَكْتَفِي الْمُكْتَفُونَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاكْفِنَا ، وَإِنَّمَا يُعْطِيَ الْمُعْطُونَ مِنْ فَضْلِ جِدَتِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَعْطِنَا ، وَإِنَّمَا يَهْتَدِيَ الْمُهْتَدُونَ بِنُورِ وَجْهِكَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ،
1) وامكر لنا : المكر - في اللغة - : معالجة الأسباب الخفية للوصول إلى المسببات المرغوبة ، والمراد : ولا تمكر بنا أي لا تمكر لضعتنا وهواننا .
2) وأدل لنا : أي اصرف دولة الأعداء إلينا ، ولا تدل منا : أي لا تأخذ الدولة منا .
3) وقنا منك : أي احفظنا من جانبك .
4) إنّ من تقه يسلم : أي من تحفظه يسلم من الآفات.
وَاهْدِنا . اللَّهُمَّ إِنَّكَ مَنْ والَيْتَ لَمْ يَضْرُرْهُ خِذْلَانُ الْخَاذِلِينَ ، وَ مَنْ أَعْطَيْتَ لَمْ يَنْقُصْهُ مَنْعُ الْمَانِعِينَ ، وَمَنْ هَدَيْتَ لَمْ يُغْوِهِ إِضْلَالُ الْمُضِلّينَ.
فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَامْنَعْنَا بِعِزَّكَ مِنْ عِبادِكَ ، وَأَغْنِنَا عَنْ غَيْرِكَ بِإِزْفادِكَ (1)، وَاسْلُكْ بِنا سَبِيلَ الْحَقِّ بِإِرْشَادِكَ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَاجْعَلْ سَلَامَةَ قُلُوبِنَا فِي ذِكْرِ عَظَمَتِكَ ، وَ فَراغَ أَبْدانِنَا فِي شُكْرِ نِعْمَتِكَ ، وَانْطِلَاقَ أَلْسِنَتِنَا فِي وَصْفِ مِنَّتِكَ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَاجْعَلْنَا مِنْ دُعَاتِكَ الدّاعينَ إِلَيْكَ ، وَهُداتِكَ الدّالّينَ عَلَيْكَ ، وَ مِنْ خاصَّتِكَ الْخاصِّينَ لَدَيْكَ ، َيا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ » (2).
يا لروعة الإيمان ، يا لجلال المحبّة في الله ! أرأيتم كيف ذاب هذا الإمام في مودته وإخلاصه لله ، فقد آمن بأنّ جميع مجريات الأحداث بيد الله تعالى ، ولا حول ولا قوة لغيره ، فلذا عقد آماله ورجاءه به لا بغيره .
ومن أجل أدعية الإمام زين العابدين(عليه السلام) هذا الدعاء الشريف ، وكان يدعو به صباحاً ومساءً، وهو حافل بالأدلّة الوثيقة على وجود الخالق العظيم ، وعلى عظيم قدرته ، وهذا نصه :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بِقُوَّتِهِ ، وَمَيَّزَ بَيْنَهُما بِقُدْرَتِهِ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما حَداً مَحْدُوداً ، وَأَمَداً مَمْدُوداً ، يُولِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما في صاحِبِهِ ، وَيُولِجُ صاحِبَهُ فِيهِ بِتَقْدِيرٍ مِنْهُ لِلْعِبادِ فيما يَغْذُوهُمْ بِهِ ، وَيُنْشِتُهُمْ عَلَيْهِ ، فَخَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ حَرَكاتِ التَّعَبِ وَنَهَضاتِ النَّصَبِ ، وَ جَعَلَهُ لِباساً لِيَلْبَسُوا مِنْ رَاحَتِهِ وَمَنامِهِ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ جَمَاماً(1)وَقُوَّةً ، وَلِيَنالُوا بِهِ لَذَّةً وَشَهْوَةً .
وَخَلَقَ لَهُمُ النَّهارَ مُبْصِراً لِيَبْتَغُوا فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ ، وَلِيَتَسَبَّبُوا إِلَى رِزْقِهِ ، وَيَسْرَحُوا فِي أَرْضِهِ ، طَلَبَاً لِمَا فِيهِ نَيْلُ الْعاجِلِ مِنْ دُنْيَاهُمْ ، وَدَرَكُ الْآجِل في أَخْراهُمْ بِكُلِّ ذلِكَ يُصْلِحُ شَأْنَهُمْ ، وَيَبْلُو أَخْبارَهُمْ ، وَيَنْظُرُ كَيْفَ هُمْ فِي أَوْقاتِ طَاعَتِهِ ، وَمَنازِلِ فُرُوضِهِ ، وَمَواقِعِ أَحْكامِهِ،لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساءوا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (2).
أما هذه فإنّها من بنود أدلة التوحيد الإسلامي القائم على الفكر والحسّ فليس الإيمان بالله في الإسلام ظاهرة تقليدية أو نزعة عاطفية ، وإنما هو قائم على أوثق الأدلة ، وأكثرها وعياً وأصالة .
لقد نظر الإمام الحكيم في هذه اللوحة إلى الكون والحياة ، فأقام إيمانه العميق بالله على ذلك، نظر إلى الليل والنهار القائمين على مسيرة مرتبة مذهلة ، أعلن عنها القرآن الكريم بقوله تعالى :لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ
سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (1)مَن الذي رتب هذه المسيرة وأبدعها وقدرها بتلك الدقة المحيّرة التي لا تتجاوز ما قدر لها قيد شعرة ، بل ولا قدر ثانية . إنه الله الخالق العظيم الواهب للحياة . وذكر الإمام (عليه السلام) الفوائد الحياتية للإنسان بمسيرة الليل والنهار، فقد خلق تعالى الليل ليسكن فيه الإنسان من حركات التعب ، ونهضات النصب ، وجعله تعالى لعباده لباساً ليلبسوا فيه الراحة والقوة .
أما النهار فقد خلقه الله مبصراً وضياء اليبتغي فيه الإنسان من فضله تعالى ورزقه ، فيزرع أو يعمل أو يتجر ، وغير ذلك مما يدرّ عليه بالرزق ، لتستمر حياته على هذه الأرض التي يعيش عليها.
ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء الشريف :
اللهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ما فَلَقْتَ لَنَا مِنْ الْإِصْباحِ ،و مَتَّعتَنا بِهِ مِنْ ضَوْءِ النَّهَارِ ، وَبَصَّرْتَنَا مِنْ مَطَالِبِ الْأَقْواتِ ، وَوَقَيْتَنَا فِيهِ مِنْ طَوارِقِ الْآفَاتِ.
أَصْبَحْنا وَأَصْبَحَتِ الْأَشْياءُ كُلُّها بِجُمْلَتِها لَكَ : سَماؤُها وَأَرْضُها ، وَما بَثَثْتَ في كُلِّ واحِدٍ مِنْهُما ، ساكِنُهُ وَمُتَحَرِّكُهُ ، وَمُقِيمُهُ وَشاخِصُهُ(2)
وَما عَلَا فِي الْهَواءِ ، وَمَا كَنَّ تَحْتَ الثَّرَى .
أَصْبَحْنا في قَبْضَتِكَ يَحْوينا مُلْكُكَ وَسُلْطانُكَ ، وَتَضُمُّنا مَشِيَّتُكَ وَنَتَصَرَّفُ عَنْ أَمْرِكَ ، وَنَتَقَلَّبُ فِي تَدْبِيرِكَ . لَيْسَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ إِلَّا مَا قَضَيْتَ ،
وَلَا مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَ.
وهذا يَوْمٌ حَادِثٌ جَديدٌ ، وَ هُوَ عَلَيْنا شَاهِدٌ عَتِيدٌ(1)، إِنْ أَحْسَنًا وَدَّعَنا بِحَمْدٍ ، وَإِنْ أَسَأْنَا فَارَقَنَا بِذَمَّ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَارْزُقْنَا حُسْنَ مُصاحَبَتِهِ ، وَاعْصِمْنَا مِنْ سُوءِ مُفارَقَتِهِ بِارْتِكَابِ جَريرَةٍ ، أَوِ اقْتِرافِ صَغِيرَةِ أَوْ كَبِيرَةٍ وَأَجْزِلْ لَنَا فِيهِ مِنَ الْحَسَناتِ ، وَأَخْلِنا فيهِ مِنَ السَّيِّئَاتِ ، وَامْلَأُ لَنَا مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ حَمْداً وَشُكراً وَ أَجْراً وَذُخْراً وَفَضْلاً وَ إِحْساناً .
اللهُمَّ يَسِّرْ عَلَى الكِرام الكاتبينَ (2)مَؤُنَتَنَا ، وَامْلَالُنَا مِنْ حَسَناتِنا صَحائِفَنا ، وَلَا تُخْزِنَا عِنْدَهُمْ بِسُوءٍ أَعْمَالِنَا .
اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنا فى كُلِّ ساعَةٍ مِنْ ساعاتِهِ حَظَاً مِنْ عِبادِكَ (3)، وَ نَصيباً مِنْ شُكْرِكَ وَشَاهِدَ صِدْقٍ مِنْ مَلائِكَتِكَ .
اللهُمَّ صَلِ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَاحْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَ مِنْ خَلْفِنا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلِنا وَ مِنْ جَميع نَواحِينا ، حِفْظاً عَاصِماً مِنْ مَعْصِيَتِكَ ،
هادِياً إلى طاعَتِكَ ، مُسْتَعْمِلاً لِمَحَبَّتِكَ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَوَفِّقْنا فِي يَوْمِنا هذا ، وَلَيْلَتِنا هَذِهِ ، وَفِي جَمِيعِ أَيَّامِنا لاِسْتِعْمَالِ الْخَيْرِ ، وَهِجْرانِ الشَّرِّ ، وَشُكْرِ النِّعَمِ ، وَاتِّباع السُّنَنِ ، وَمُجانَبَةِ الْبِدَع ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَحِياطَةِ الْإِسْلَامِ ، وَانْتِقاصِ الْبَاطِلِ وَإِذْلَالِهِ ، وَنُصْرَةِ الْحَقِّ وَإِعْرَازِهِ ، وَإِرْشَادِ الضّالّ ، وَمُعاوَنَةِ الضَّعيفِ ، وَإِدْراكِ اللّهيفِ .
اللهُمَّ صَلِ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاجْعَلْهُ أَيْمَنَ يَوْمٍ عَهِدْناهُ ، وَأَفْضَلَ صاحِبِ صَحِبْناهُ ، وَخَيْرَ وَقْتٍ ظَلِلْنا فِيهِ ، وَاجْعَلْنا مِنْ أَرْضى مَنْ مَرَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِكَ ، أَشْكَرَهُمْ لِما أَوْلَيْتَ مِنْ نِعَمِكَ ، وَأَقْوَمَهُمْ بِما شَرَعْتَ مِنْ شَرائِعِكَ ، وَأَوْقَفَهُمْ عَمَّا حَذَرْتَ مِنْ نَهْيِكَ.
اللهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ وَكَفَى بِكَ شَهيداً ، وَأُشْهِدُ سَماءَكَ وَأَرْضَكَ وَمَنْ أَسْكَنْتَهُما مِنْ مَلائِكَتِكَ ، وَسَائِرِ خَلْقِكَ ، في يَوْمي هذا ، وَساعَتي هذِهِ ، وَ لَيْلَتي هذِهِ ، وَ مُسْتَقَري هذا ، أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذي لَا إِلهِ إِلَّا أَنْتَ ، قائِمٌ بِالْقِسْطِ(1)، عَدْلٌ فِي الْحُكْمِ ، رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ، مالِكُ الْمُلْكِ، رَحيمُ بِالْخَلْقِ.
وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُك وخِيَرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ ، حَمَّلْتَهُ رِسالَتَكَ فَأَدَاهَا ، وَأَمَرْتَهُ بِالنُّصْحِ لِأُمَّتِهِ فَنَصَحَ لَهَا .
1) القسط : العدل .
اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، أَكْثَرَ ما صَلَّيْتَ عَلى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، وَآتِهِ عَنَا أَفْضَلَ مَا آتَيْتَ أَحَداً مِنْ عِبادِكَ ، وَاجْزِهِ عَنَا أَفْضَلَ وَأَكْرَمَ مَا جَزَيْتَ أَحَداً مِنْ أَنْبِيائِكِ عَنْ أُمَّتِهِ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْمَنَانُ بِالْجَسيم ، وَالْغَافِرُ لِلْعَظيمِ ، وَأَنْتَ أَرْحَمُ مِنْ كُلِّ رَحيمٍ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الْأَخْيَارِ الْأَنْجَبينَ »(1).
لقد تحدّث الإمام(عليه السلام)في هذا المقطع عن خضوع جميع الأشياء لقدرة الله وإرادته ، فهو الذي يتصرف بها حسبما يشاء ، وأخذ بعد ذلك بالدعاء بالتوفيق لاستعمال الخير ، وهجران الشرّ ، وشكر النعم ، واتّباع السنن ، ومجانبة البدع ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحياطة الإسلام ، وانتقاص الباطل وإذلاله ، ونصرة الحق وإعزازه وإرشاد الضال ، ومعاونة الضعيف ، وإدراك اللهيف.
إلى غير ذلك من محاسن الأعمال ، ومكارم الأخلاق التي يسمو بها الإنسان ، وقد انتقى الإمام في هذا الدعاء أجمل الألفاظ وأبلغها ، ومن المؤكد أنه ليس في الكلام العربي بعد القرآن الكريم ونهج البلاغة ما هو أبلغ وأفصح من هذا الدعاء .
ومن أجل أدعيته هذا الدعاء الشريف ، وكان يدعو به بأن يمن الله عليه بخواتم الخير ، وهذا نصه :
«يا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذَّاكِرِينَ ، وَيا مَنْ شُكْرُهُ ، فَوْزُ لِلشَّاكِرِينَ ، وَيا مَنْ طاعَتُهُ نَجاةٌ لِلْمُطيعينَ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاشْغَلْ قُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ عَنْ
1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء السادس .
كُلِّ ذِكْرٍ ، وَأَلْسِنَتَنا بِشَكْرِكَ عَنْ كُلِّ شَكْرٍ ، وَجَوارِحَنَا بِطَاعَتِكَ عَنْ كُلِّ طاعَةٍ ، فَإِنْ قَدَّرْتَ لَنا فَراغاً مِنْ شُغْل فَاجْعَلْهُ فَراغَ سَلامَةٍ لا تُدْرِكُنا فيهِ تَبِعَةٌ ، وَلَا تَلْحَقْنا فِيهِ سَأْمَةٌ ، حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنَّا كُتَابُ السَّيِّئَاتِ بِصَحِيفَةٍ خالِيَةٍ مِنْ ذِكْرِ سَيِّئَاتِنا ، وَيَتَولّى كُتَابُ الْحَسَناتِ عَنا مَسْرُورينَ بِما كَتَبُوا مِنْ حَسَناتِنا .
وَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ حَياتِنا ، وَتَصَرَّمَتْ مُدَدُ أَعْمارِنا ، وَاسْتَحْضَرَتْنا دَعْوَتُكَ الَّتى لابُدَّ مِنْها وَمِنْ إِجابَتِها ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَاجْعَلْ ختامَ مَا تُحْصي عَلَيْنا كَتَبَةُ أَعْمَالِنَا تَوْبَةً مَقْبُولَةٌ لا تُوقِفْنَا بَعْدَهَا عَلَى ذَنْبٍ اجْتَرَحْناهُ (1)وَلا مَعْصِيَةِ اقْتَرَفْناها ، وَلا تَكْشِفْ عَنَّا سِتْراً سَتَرْتَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ ، يَوْمَ تَبْلُو أَخْبارَ عِبادِكَ ، إِنَّكَ رَحِيمٌ بِمَنْ دَعَاكَ وَ مُسْتَجِيبٌ لِمَنْ ناداك»(2).
أرأيتم هذا الإخلاص لله ، والتفاني في مودّته وحبه ؟ لقد طلب الإمام من الله أن يختم له بخير ، ويرزقه توبة نصوحاً لينجو من أهوال الآخرة ، وعذاب يوم القيامة ، وتقرّ عينه بالفردوس الأعلى .
كان(عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء طالباً من الله تعالى أن يمن عليه بالتوبة والمغفرة :
«اللَّهُمَّ إِنَّهُ يَحْجُبُني عَنْ مَسْأَلَتِكَ خِلالٌ ثَلاتٌ ، وَتَحْدُونِي عَلَيْهَا خِلَّةٌ واحِدَةٌ ، يَحْجُبُني أَمْرٌ أَمَرْتَ بِهِ فَأَبْطَأْتُ عَنْهُ، وَنَهْيَ نَهَيْتَنِي عَنْهُ فَأَسْرَعْتُ
إِلَيْهِ ، وَنِعْمَةٌ أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ فَقَصَّرْتُ فِي شُكْرِها .
وَيَحْدُونِي عَلى مَسْأَلَتِكَ تَفَضُلُكَ عَلَى مَنْ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إِلَيْكَ ، وَوَفَدَ بِحُسْنِ ظَنْهِ إِلَيْكَ ، إِذْ جَميعُ إِحْسانِكَ تَفَضُّلٌ ، وَإِذْكُلُّ نِعَمِكَ ابْتِداء .
فَها أَنا ذا يا الهي واقِفٌ بِبَابِ عِزّكَ وُقُوفَ الْمُسْتَسْلِم الزَّليلِ ، وَسائِلُكَ عَلَى الْحَياءِ مِنّي سُؤالَ الْبائِسِ الْمُعِيلِ مُقِرٌ لَكَ بِأَنِّي لَمْ أَسْتَسْلِمْ وَقْتَ إِحْسانِكَ إِلَّا بِالْإِفْلاعِ عَنْ عِصْيانِكَ ، وَلَمْ أَخْلُ في الحالاتِ كُلّها مِنِ امْتِنائِكَ .
فَهَلْ يَنْفَعُني يا إلهي إِقْرارِي عِنْدَكَ بِسُوءِ مَا اكْتَسَبْتُ ؟وَهَلْ يُنْجِيني مِنْكَ اعْتِرافِي لَكَ بِقَبيحِ مَا ارْتَكَبْتُ ، أَمْ أَوْجَبْتَ لي في مقامي هذا سُخْطَكَ ، أَمْ لَزِمَنِي فِي وَقْتِ دُعائي مَقْتُكَ .
سُبْحانَكَ لا أَيْأَسُ مِنْكَ وَقَدْ فَتَحْتَ لى بابَ التَّوْبَةِ إِلَيْكَ ، بَلْ أَقُولُ مَقالَ الْعَبْدِ الزَّليلِ الظَّالِم لِنَفْسِهِ ، الْمُسْتَخِفٌ بِحُرْمَةِ رَبِّهِ ، الَّذِي عَظُمَتْ ذُنُوبُهُ فَجَلَّتْ ، وَأَدْبَرَتْ أَيَّامُهُ فَوَلَّتْ ، حَتَّى إذا رَأى مُدَّةَ الْعَمَلِ قَدِ انْقَضَتْ ، وَغايَةَ الْعُمُرِ قَدِ انْتَهَتْ ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ لا مَحيصَ لَهُ مِنْكَ ، وَلا مَهْرَبَ لَهُ عَنْكَ .
تَلَقَّاكَ بِالْإِنابَةِ وَأَخْلَصَ لَكَ التَّوْبَةَ ، فَقامَ إِلَيْكَ بِقَلْبٍ طَاهِرِ نَقِيُّ ،
ثُمَّ دَعَاكَ بِصَوْتٍ حَائِلِ(1)خَفِيٌّ قَدْ تَطَأْطَأَ لَكَ فَانْحَنى ، وَنَكَّسَ رَأْسَهُ فانْتَنى ، قَدْ أَرْعَشَتْ خَشْيَتُهُ رِجْلَيْهِ ، وَغَرَّقَتْ دُمُوعُهُ خَدَّيْهِ .
يَدْعُوكَ بِيا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَيَا أَرْحَمَ مَنِ انْتَابَهُ(2)الْمُسْتَرْحِمُونَ ، وَيا أَعْطَفَ مَنْ أَطَافَ بِهِ الْمُسْتَغْفِرُونَ ، وَيَا مَنْ عَفْوُهُ أَكْثَرُ مِنْ نِقْمَتِهِ وَيا مَنْ رِضاهُ أَوْفَرُ مِنْ سَخَطِهِ ، وَيا مَنْ تَحَمَّدَ إِلى خَلْقِهِ بِحُسْنِ التَّجاوُزِ ، وَيا مَنْ عَوَّدَ عِبادَهُ قَبُولَ الإِنابَةِ ، وَيا مَنِ اسْتَصْلَحَ فاسِدَهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَيا مَنْ رَضِيَ مِنْ فِعْلِهِمْ بِالْيَسِيرِ، وَيا مَنْ كافَاً قَليلَهُمْ بِالْكَثِيرِ ، وَيا مَنْ ضَمِنَ لَهُمْ إِجابَةَ الدُّعاءِ ، وَيا مَنْ وَعَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِتَفَضُّلِهِ حُسْنَ
الْجَزاءِ.
ما أَنَا بِأَعْصَى مَنْ عَصاكَ فَغَفَرْتَ لَهُ ، وَمَا أَنَا بِأَلْوَمِ مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْكَ فَقَبِلْتَ مِنْهُ ، وَمَا أَنَا بِأَظْلَم مَنْ تابَ إِلَيْكَ فَعُدْتَ عَلَيْهِ.
أَتُوبُ إِلَيْكَ في مَقامِي هَذا تَوْبَةَ نَادِمِ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ ، مَشْفِقٍ. مِمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ ، خَالِصِ الْحَياءِ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ ، عالِم بِأَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ الْعَظيمِ لا يَتَعاظَمُكَ، وَأَنَّ التَّجاوُزَ عَنِ الْإِثْمِ الْجَلِيلِ لَا يَسْتَصْعِبُكَ ، وَأَنَّ احْتِمَالَ الْجِنايَاتِ الْفَاحِشَةِ لَا يَتَكَادُكَ (3)، وَأَنَّ أَحَبَّ عِبادِكَ إِلَيْكَ
مَنْ تَرَكَ الْإِسْتِكْبارَ عَلَيْكَ ، وَجانَبَ الْإِصْرارَ(1)وَلَزِمَ الْإِسْتِغْفَارَ .
وَأَنا أَبَرأُ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ أَسْتَكْبِرَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُصِرٌ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِما فَصَّرْتُ فِيهِ ، وَأَسْتَعِينُ بِكَ عَلى ما عَجَزْتُ عَنْهُ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَهَبْ لي ما يَجِبُ عَلَيَّ لَكَ ، وَعافِني مِمَّا أَسْتَوْجِبُهُ مِنْكَ ، وَأَجِرْنِي مِمَّا يَخافُهُ أَهْلُ الْإِساءَةِ ، فَإِنَّكَ مَلِيٌّ بِالْعَفْوِ، مَرْجُوِّ لِلْمَغْفِرَةِ ، مَعْرُوفٌ بِالتَّجاوُزِ، لَيْسَ لِحَاجَتي مَطْلَبٌ سِواكَ ، وَلَا لِذَنْبي غَافِرٌ غَيْرُكَ ، حاشاكَ وَلا أَخافُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا إِيَّاكَ ، إِنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَالِ مُحَمَّدٍ وَاقْضِ حاجَتي ، وَأَنْجِحْ طَلِبَتِي ، وَاغْفِرْ ذَنْبِي ، وَآمِنْ خَوْفَ نَفْسِي ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ ، وَذَلِكَ عَلَيْكَ يَسيرٌ ، آمينَ رَبَّ الْعالمین»(2).
لقد فتح الإمام(عليه السلام) في هذا الدعاء باب المحاورة مع الله تعالى ، وهو باب جديد لم يكن معهوداً ولا معروفاً فيما أحسب في الكلام العربي سوى ما أثر عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في بعض أدعيته .
لقد عرض الإمام على الله تعالى العوامل التي تحجبه عن مسألته ، كما عرض إلى ما يحفّزه إلى مسألته ، وقد ذكر ذلك بصورة مفصلة ومثيرة طالباً منه تعالى التوبة والعفو والرحمة ، وقد قال ذلك بلهجة الخائف الذليل المستكين أمام الله تعالى : فقد انحنى ونكس رأسه ، وارتعش ، وسالت دموعه ، وهو يدعو ضارعاً ، نادماً
على ما فرّط في أمره ، مستغفراً لما قصر في حقه تعالى ، وهو(عليه السلام) سيّد الساجدين ، وإمام المتقين ، وزعيم الموحدين ، فأي نفس ملائكية تلك النفس العظيمة التي صغرت وذابت إجلالاً وتعظيماً أمام الخالق العظيم ؟ !
كان(عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء الجليل إذا مرض ، أو نزل به كرب أو بليّة ، وهذا نصه : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى ما لَمْ أَزَلْ أَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ سَلامَةِ بَدَني ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ما أَحْدَقْتَ بي مِنْ عِلَّةٍ فِي جَسَدِي ، فَمَا أَدْرِي يا إلهي أَيُّ الْحالَيْنِ أَحَقُّ بِالشُّكْرِ لَكَ ، وَأَيُّ الْوَقْتَيْنِ أَوْلَى بِالْحَمْدِ لَكَ.
أَوَقْتُ الصَّحَّةِ الَّتِي هَنَّأْتَني فِيها طَيِّبَاتِ رِزْقِكَ ، وَنَشَطْتَني بِهَا لِابْتِغَاءِ مَرْضاتِكَ وَفَضْلِكَ ، وَقَوَّيْتَنِي مَعَها عَلَى مَا وَفَّقْتَنِي لَهُ مِنْ طَاعَتِكَ ، أَمْ وَقْتُ الْعِلَّةِ الَّتي مَحْضْتَني بِها ، وَالنَّعَمِ الَّتِي أَتْحَفْتَني بِها تَخْفيفاً لِما ثَقُلَ بِهِ عَلى ظَهْرِي مِنَ الْخَطيئاتِ ، وَتَطْهِيراً لِمَا انْغَمَسْتُ فِيهِ مِنَ السَّيِّئَاتِ وَتَنبيهاً لِتَناوُلِ التَّوْبَةِ ، وَتَذْكيراً لِمَحْوِ الْحَوْبَةِ(1)بِقَديم النِّعْمَةِ ، وَفي خِلالِ ذَلِكَ ما كَتَبَ لِيَ الْكَاتِبانِ مِنْ زَكِيَ الْأَعْمَالِ ، ما لَا قَلْبٌ فَكَّرَ فِيهِ، وَلا لِسانٌ نَطَقَ بِهِ ، وَلا جَارِحَةٌ تَكَلَّفَتْهُ ، بَلْ إِفْضالاً مِنْكَ عَلَيَّ ، وَإِحْساناً مِنْ صَنيعِكَ إِلَيَّ .
اللهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَحَبِّبْ إِلَيَّ مَا رَضِيتَ لي ، وَيَسِّرْ لي
1) الحوبة : الإثم.
ما أَحْلَلْتَ بي ، وَطَهُرْنِي مِنْ دَنَسِ مَا أَسْلَفْتُ ، وَامُحُ عَنِّي شَرَّما قَدَّمْتُ ، وَأَوْجِدْني حَلاوَةَ الْعَافِيَةِ ، وَأَذِقْني بَرْدَ السَّلامَةِ ، وَاجْعَلْ مَخْرَجِي عَنْ عِلَّتي إِلى عَفْوِكَ ، وَمُتَحَوَّلِي عَنْ صَرْعَتِي إِلَى تَجاوُزِكَ ، وَخَلاصِي مِنْ كَرْبِي إِلَى رَوْحِكَ(1)وَسَلامَتِي مِنْ هَذِهِ الشَّدَّةِ إِلى فَرَجِكَ ، إِنَّكَ الْمُتَفَضِّلُ بِالْإِحْسانِ ، الْمُتَطَوِّلُ بِالْإِمْتِنانِ ، الْوَهابُ الْكَرِيمُ ، ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ»(2).
لقد آمن الإمام إيماناً لا يشوبه أدنى شك بأنّ الصحة والسلامة ، والسقم والمرض ، كل ذلك بيد الله تعالى ، فهو الذي يمنح العافية ، ويبتلي بالمرض من يشاء من عباده ، وقد شكر الإمام(عليه السلام)ربّه على كلا الحالتين ، ففي حال الصحة يشكره لأنّه منحه طيّبات رزقه ، ونشطه لابتغاء مرضاته ، وقواه على طاعته ، وفي حال المرض يشكره لأنّ فيه تخفيفاً للذنب ، وتطهيراً للإثم ، وتنبيهاً لتناول التوبة ، وسأله بعد ذلك أن يمنحه حلاوة العافية ، ويذيقه برد السلامة ، ويسلمه من كوارث الشدّة ، ويذيقه طعم الفرج.
ومن غرر أدعيته هذا الدعاء الجليل ، وكان يدعو به إذا استقال من ذنوبه ، أو تضرّع إلى الله في طلب العفو عن عيوبه ، حسبما عنون به في الصحيفة ، وهذا نصّه :
اللّهُمَّ يَا مَنْ بِرَحْمَتِهِ يَسْتَغِيثُ الْمُذْنِبُونَ ، وَيا مَنْ إِلَى ذِكْرِ إِحْسانِهِ يَفْزَعُ الْمُضْطَرُونَ ، وَيا مَنْ لِخِيفَتِهِ يَنْتَحِبُ الْخاطِئُونَ ، يَا أَنْسَ كُلِّ مُسْتَوْحِشِ
غَريبٍ ، وَيا فَرَجَ كُلِّ مَكْرُوبٍ كَئيب ، ويا غَوْثَ كُلِّ مَخْذُولٍ فَريد (1)، وَيا عَضُدَ كُلِّ مُحْتاج طَرِيدٍ .
أَنْتَ الَّذي وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ، وَأَنْتَ الَّذي جَعَلْتَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ فِي نِعَمِكَ سَهْماً ، وَأَنْتَ الَّذي عَفْوُهُ أَعْلَىٰ مِنْ عِقابِهِ ، وَأَنْتَ الَّذِي تَسْعَى رَحْمَتُهُ أَمَامَ غَضَبِهِ ، وَأَنْتَ الَّذِي عَطَاؤُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَنْعِهِ ، وَأَنْتَ الَّذِي اتَّسَعَ الْخَلائِقُ كُلُّهُمْ فِي وُسْعِهِ وَأَنْتَ الَّذِي لَا يَرْغَبُ فِي جَزَاءِ مَنْ أَعْطاهُ ، وَأَنْتَ الَّذِي لا يُفْرِطُ فِي عِقابِ مَنْ عَصَاهُ.
وَأَنا يا إلهي عَبْدُكَ الَّذي أَمَرْتَهُ بِالدُّعاءِ ، فَقَالَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ها أَنا ذا يارَبِّ مَطْرُوحٌ بَيْنَ يَدَيْكَ ، أَنَا الَّذِي أَوْقَرَتِ(2)الْخَطايا ظَهْرَهُ ، وَأَنَا الَّذِي أَفْنَتِ(3)الذُّنُوبُ عُمُرَهُ ، وَأَنَا الَّذِي بِجَهْلِهِ عَصَاكَ ، وَلَمْ تَكُنْ أَهْلاً منْهُ لذاك(4).
هَلْ أَنْتَ يا إلهي راحِمٌ مَنْ دَعَاكَ فَأَبْلغَ فِي الدُّعاءِ ، أَمْ أَنْتَ غَافِرٌ لِمَنْ بكاكَ فَأَسْرِعَ فِى الْبُكاءِ؟ أَمْ أَنْتَ مُتجاوز عَمَّنْ عَفَرَ (5)لَكَ وجْهَهُ تَذَلُلاً، أَمْ أَنْتَ مُغْنِ مَنْ شَكَا إِلَيْكَ فَقْرَهُ تَوَكُلاً؟
إلهي لَا تُخَيِّبْ مَنْ لَا يَجِدُ مُعْطِياً غَيْرَكَ ، وَلَا تَخْذُلْ مَنْ لَا يَسْتَغْني عَنْكَ بِأَحَدٍ دُونَكَ.
إِلهِي فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلا تُعْرِضْ عَنِّي وَقَدْ أَقْبَلْتُ عَلَيْكَ ، وَلَا تَحْرِمْني وَقَدْ رَغِبْتُ إِلَيْكَ ، وَلا تَجْبَهُنِي بِالرَّدُّ وَقَدِ انْتَصَبْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ ، أَنْتَ الَّذِي وَصَفْتَ نَفْسَكَ بِالرَّحْمَةِ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَارْحَمْنِي ، وَأَنْتَ الَّذِي سَمَّيْتَ نَفْسَكَ بِالْعَفُو فَاعْفُ عَنِّي .
قَدْ تَرى يا إِلهِي فَيْضَ دَمْعِي مِنْ خِيفَتِكَ ، وَوَجِيبَ(1)قَلْبِي مِنْ خَشْيَتِكَ ، وَانْتِفَاضَ جَوارِحي(2)مِنْ هَيْبَتِكَ ، كُلُّ ذَلِكَ حَياءً مِنكَ لِسُوءِ عَمَلي، وَلِذَلكَ خَمَدَ صَوْتي عَنِ الْجَارِ(3)إِلَيْكَ ، وَكَلَّ لِساني عَنْ مُناجاتِكَ.
وحكى هذا المقطع عن عظيم إيمان الإمام بالله ، وعميق انقطاعه إليه ، وقد التجأ إليه في جميع أحواله وشؤونه ، واعتصم به في كل ما أهمّه لأنه مصدر الفيض والنعم والخير الذي وسعت رحمته كل شيء ، وقد تضرع إليه الإمام وتوسل ، وتملّق طالباً منه العفو والتوبة والغفران .
ولنستمع إلى مقطع آخر من هذا الدعاء :
يا إلهي فَلَكَ الْحَمْدُ ، فَكَمْ مِنْ عَائِبَةٍ سَتَرْتَها عَلَيَّ فَلَمْ تَفْضَحْنِي ،
وَكَمْ مِنْ ذَنْبٍ غَطَّيْتَهُ عَلَيَّ فَلَمْ تَشْهَرْني ، وَكَمْ مِنْ شَائِبَةٍ(1)أَلْمَمْتُ بِها(2)فَلَمْ تَهْتِكْ عَنِّي سِتْرَهَا ، وَلَمْ تُقَلِّدْنِي مَكْرُوهَ شَنارِها(3)وَلَمْ تُبْدِ سَوْءَاتِها لِمَنْ يَلْتَمِسُ مَعَايِبِي مِنْ جِيرَتي وَحَسَدَةِ نِعْمَتِكَ عِنْدِي ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَني ذلِكَ عَنْ أَنْ جَرَيْتُ إِلى سُوءِ مَا عَهِدْتَ مِنّي .
فَمَنْ أَجْهَلُ مِنّي يا إلهي بِرُشْدِهِ ، وَمَنْ أَغْفَلُ مِنِّي عَنْ حَظِّهِ ، وَمَنْ أَبْعَدُ مِنّي مِنِ اسْتِصْلاح نَفْسِهِ حِينَ أَنْفِقُ مَا أَجْرَيْتَ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ فيما نَهَيْتَنِي عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِكَ ، وَمَنْ أَبْعَدُ غَوراً فى الْباطِلِ ، وَأَشَدُّ إِقْداماً عَلَى السُّوءِ مِنِّي حينَ أَقِفُ بَيْنَ دَعْوَتِكَ وَدَعْوَةِ الشَّيْطَانِ ، فَأَتَّبِعُ دَعْوَتَهُ عَلَى غَيْرِ عَمَيَّ(4)مِنّي فِي مَعْرِفَةٍ بِهِ وَلا نِسْيانٍ مِنْ حِفْظي لَهُ ، وَأَنا حينَئِذٍ مُوقِنٌ بِأَنَّ مُنْتَهى دَعْوَتِكَ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمُنْتَهى دَعْوَتِهِ إِلَى النّارِ.
سُبْحانَكَ ما أَعْجَبَ مَا أَشْهَدُ بِهِ عَلى نَفْسِي ، وَأَعَدَّدُهُ مِنْ مَكْتُومٍ أَمْرِي ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَناتُكَ عَنِّي ، وَإِبْطاؤُكَ عَنْ مُعاجَلَتي ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ كَرَمِي عَلَيْكَ ، بَلْ تَأْنْياً مِنْكَ لي ، وَتَفَضّلاً مِنْكَ عَلَيَّ لأَنْ أَرْتَدِعَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ الْمُسْخِطَةِ وأَقْلِعَ عَنْ سَيِّئَاتِي الْمُخْلِقَةِ(5)وَلَأَنَّ عَفْوَكَ
عَنِّي أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ عُقُوبَتِي.
بَلْ أَنا يا إلهي أَكْثَرُ ذُنُوباً ، وَأَقْبَحُ آثاراً ، وَأَشْنَعُ أَفْعالاً ، وَأَشَدُّ فِي الْبَاطِلِ تَهَؤُراً ، وَأَضْعَفُ عِنْدَ طَاعَتِكَ تَيَقُظاً، وَأَقَلُّ لِوَعِيدِكَ انْتِباهَا وَارْتقاباً مِنْ أَنْ أَحْصِيَ لَكَ عُيُوبِي ، أَوْ أَقْدِرَ عَلَى ذِكْرِ ذُنُوبِي ، وَإِنَّما أُوَبِّخُ بِهذا نَفْسي طَمَعاً في رَأْفَتِكَ الَّتِي بِها صَلاحُ أَمْرِ الْمُذْنِبِينَ وَرَجَاءَ لِرَحْمَتِكَ .
الَّتِي بِهَا فَكَاكُ رِقابِ الْخَاطِئِينَ .
إن الإمام(عليه السلام) في جميع فترات حياته لم يقترف أي ذنب ، ولم يتركب أي خطيئة ، وإنما كان متحرّجاً في دينه ، ومتحرّجاً في سلوكه أشدّ ما يكون التحرّج ، ولشدّة خوفه من الله تعالى ، وإنابته وانقطاعه إليه ، فقد نزّل نفسه منزلة المذنبين ، فهو يرجو العفو والخلاص والنجاة .
ولنستمع إلى المقطع الأخير في هذا الدعاء :
اللَّهُمَّ وَهَذِهِ رَقَبَتِي قَدْ أَرَقَتْها(1)الذُّنُوبُ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَأَعْتِقْهَا بِعَفْوِكَ ، وَهَذا ظَهْرِي قَدْ أَثْقَلَتْهُ الْخَطايا ، فَصَلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِهِ ،
وَخَفِّفْ عَنْهُ بِمَنِكَ.
يا إلهي لَوْ بَكَيْتُ إِلَيْكَ حَتَّى تَسْقُطَ أَشْفَارُ عَيْنَيَّ ، وَانْتَحَبْتُ حَتَّىٰ يَنْقَطِعَ صَوْتي ، وَقُمْتُ لَكَ حَتَّى تَتَنَشَّرَ قَدَمَايَ(2)، وَرَكَعْتُ لَكَ حَتَّى
يَنْخَلِعَ صُلْبي(1)، وَسَجَدْتُ لَكَ حَتّى تَتَفَقَّأَ حَدَقَتايَ (2)، وَأَكَلْتُ تُرابَ الْأَرْضِ طُولَ عُمُرِي ، وَشَرِبْتُ ماءَ الرَّمادِ آخِرَ دَهْرِي ، وَذَكَرْتُكَ فِي خِلالِ ذلِكَ حَتَّى يَكِلَّ لِساني ، ثُمَّ لَمْ أَرْفَعْ طَرْفِي إِلَى افَاقِ السَّمَاءِ اسْتِحْيَاءٌ مِنْكَ ، ما اسْتَوْجَبْتُ بِذَلِكَ مَحْوَ سَيِّئَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ سَيِّئَاتِي.
وَإِنْ كُنْتَ تَغْفِرُ لِي حِينَ أَسْتَوجِبُ مَغْفِرَتَكَ ، وَتَعْفُو عَنِّي حِينَ أَسْتَحِقُ عَفْوَكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبِ لي بِاسْتِحْفَاقٍ، وَلا أَنَا أَهْل لَهُ بِاسْتِجاب ، إِذْ كَانَ جَزائي مِنْكَ في أَوَّلِ ما عَصَيْتُكَ النَّارَ ، فَإِنْ تُعَذِّبْني فَأَنْتَ غَيْرُ ظالم لي .
إلهِي فَإِذْ قَدْ تَغَمَّدْتَني بِسِتْرِكَ فَلَمْ تَفْضَحْنِي ، وَتَأَتَيْتَنِي(3)بِكَرَمِكَ فَلَمْ تُعاجِلْنِي ، وَحَلُمْتَ عنّی بِتَفَضّلِكَ فَلَمْ تُغَيِّرْ نِعْمَتَكَ عَلَيَّ ، وَلَمْ تُكَدِّرْ مَعْرُوفَكَ عِنْدي ، فارْحَمْ طُولَ تَضَرُّعي ، وَشِدَّةَ مَسْكَنَتِي وَسُوءَ مَوْقِفى .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَقِنِي مِنَ المَعاصى ، وَاسْتَعْمِلنی بِالطَّاعَةِ ، وَارْزُقْنِي حُسْنَ الْإِنابَةِ ، وَطَهَّرْنِي بِالتَّوبَةِ ، وَأَيَّدْنِي بِالْعِصْمَةِ ، وَاسْتَصْلِحْنِي بِالْعَافِيَةِ ، وَأَذِقْني حَلاوَةَ الْمَغْفِرَةِ، وَاجْعَلْنِي طَلِيقَ
عَفْوِكَ وَعَتيقَ رَحْمَتِكَ ، وَاكْتُبْ ِلي أَماناً مِنْ سَخَطِكَ ، وَبَشِّرْني بِذلِكَ (1)في الْعاجِلِ دُونَ الْآجِلِ بُشْرَى أَعْرِفُهَا ، وَعَرَّفْني فِيهِ عَلامَةٌ أَتَبَيَّنُها ، إِنَّ ذلِكَ لا يَضِيقُ عَلَيْكَ في وَسْعِكَ ، وَلا يَتَكَادُكَ(2)في قُدْرَتِكَ ، وَلا يَتَصَعَدُكَ(3)في أَناتِكَ ، وَلَا يَؤُودُكَ (4)في جَزِيلِ هِبَاتِكَ الَّتي دَلَّتْ عَلَيْها آياتُكَ ، إِنَّكَ تَفَعَلُ ما تَشاءُ ، وَتَحْكُمُ مَا تُريدُ ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ »(5).
لقد عمل الإمام(عليه السلام)كلّ ما يقربه إلى الله زلفى ، وقدّم لآخرته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت بمثله ، ففي ميدان العبادة لم يترك نافلة ولا مستحبّاً إلّا أتى بهما ، وقد قضى معظم حياته صائماً نهاره ، وقائماً ليله ، وفي ميدان المبرات على البائيسن والمحرومين فإنّه لم يترك لوناً من ألوان البر والإحسان إلا قدّمه لهم ، وهو مع ذلك يرى نفسه مقصراً في طاعته الله ، شأنه في ذلك شأن الأنبياء والأوصياء الذين أخلصوا في عبادتهم وطاعتهم أعظم ما يكون الإخلاص، وهم مع ذلك لم يروا لها أية أهمية في جنب الله تعالى .
ومن أدعيته هذا الدعاء الجليل ، وكان يدعو به إذا ذكر الشيطان ، فاستعاذ منه
ومن عداوته وكيده .
« اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ(1)الرَّحِيمِ وَكَيْدِهِ وَمَكائِدِهِ ، وَمِنَ الثَّقَةِ بِأَمَانِيِّهِ وَمَوَاعِيدِهِ وَغُرُورِهِ وَمَصائِدِهِ، وَأَنْ يُطْمِعَ نَفْسَهُ في إِضْلالِنا عَنْ طَاعَتِكَ ، وَامْتِهانِنا(2)بِمَعْصِيَتِكَ ، أَوْ أَنْ يَحْسُنَ عِنْدَنا ما حَسَّنَ لَنَا ، أَوْ أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْنا ما كَرَّهَ إِلَيْنا .
اللهُمَّ اخْسَأَهُ عَنَا(3)بِعِبادَتِكَ ، وَاكْبِتْهُ(4)بِدُؤُوبِنا في مَحَبَّتِكَ ، وَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَهُ سِتْراً لا يَهْتِكُهُ ، وَرَدْماً (5)مُصْمَتاً(6)لا يَفْتُقُهُ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاشْغَلْهُ عَنَا بِبَعْضِ أَعْدائِكَ ، وَاعْصِمْنا مِنْهُ بِحُسْنِ رِعايَتِكَ ، وَاكْفِنا خَتْرَهُ(7)، وَوَلَّنا ظَهْرَهُ ، وَاقْطَعْ عَنا أَثَرَهُ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَمْتِعْنَا مِنَ الْهُدَى بِمِثْلِ ضَلالَتِهِ ، وَزَوِّدْنا مِنَ التَّقْوى ضِدَّ غَوايَتِهِ ، وَاسْلُك بِنا مِنَ التَّقى خِلافَ سَبيلِهِ مِنَ الرَّدى ، اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ لَهُ في قُلُوبِنا مَدْخَلاً، وَلَا تُوطِئَنَّ لَهُ فيما
لَدَيْنا مَنْزِلاً.
اللهُمَّ وَما سَوَّلَ لَنا مِنْ باطِلِ فَعَرَّفْنَاهُ ، وَإِذَا عَرَّفْتَناهُ فَقِنَاهُ ، وَبَصَرْنا ما نُكايِدُهُ بِهِ ، وَأَلْهِمْنا ما نُعِدُّهُ لَهُ، وَأَيْقِطْنَا عَنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ بِالرُّكونِ إِلَيْهِ ، وَأَحْسِنْ بِتَوْفِيقِكَ عَوْنَنَا عَلَيْهِ ، اللَّهُمَّ وَأَشْرِبْ(1)قُلُوبَنَا إِنْكَارَ عَمَلِهِ ، وَالْطُفْ لَنا فِي نَقْضِ حِيَلِهِ .
اللَّهُمَّ صَلِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَحَوِّلْ سُلْطَانَهُ عَنَا ، وَاقْطَعْ رَجَاءَهُ مِنا ، وَادْرَأَهُ(2)عَنِ الْوُلُوعِ بِنا .
إن كل نزعة من النزعات الشريرة ، وكل فكرة عابثة تصدّ الإنسان عن الطريق القويم ، وتزين له المعاصي، وتحبّذ له الجرائم والآثام، وتحمله على الشرّ والعدوان ، إنّما هي مستوحاة من الشيطان الرجيم ، فهو العدوّ الأول للإنسان الذي يخرجه من إنسانيته ويلقي به في مستوى سحيق من الانحطاط ما له من قرار وقد دعا الإمام عليه في هذه الفقرات أن ينجيه من كيده ومكائده ، ومن الثقة بأمانيه ومواعيده وغروره ومصائده ووساوسه التي أغوى بها الناس ، وأرادهم في المهالك ، وأبعدهم من ألطاف الله ورحمته ، ولنستمع إلى بقية الدعاء :
اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاجْعَلْ اباءَنا وَأُمَّهَاتِنا وَأَوْلادَنا وَأَهالينا وَذَوي أَرْحَامِنَا وَقَرَابَاتِنا وَجيرَانَنَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنْهُ فِي حِرْزِ حارِزِ وَحِصْنٍ حافِظ ، وَكَهْفِ مانعِ ، وَأَلْبِسْهُمْ مِنْهُ جُنَنا واقِيَةً ، وَأَعْطِهِمْ
عَلَيْهِ أَسْلِحَةٌ ماضِيَةٌ .
اللَّهُمَّ وَاعْمُمْ بِذَلِكَ مَنْ شَهِدَ لَكَ بِالرُّبوبِيَّةِ ، وَأَخْلَصَ لَكَ بِالْوَحْدانِيَّةِ ، وَعادَاهُ (1)لَكَ بِحَقيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ ، وَاسْتَظْهَرَ بِكَ عَلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ الْعُلُومِ الرَّبَّانِيَّة.
اللّهُمَّ احْلُلْ ما عَقَدَ ، وَافْتُقْ ما رَتَقَ(2)، وَافْسَخْ مَا دَبَّرَ ، وَثَبِّطْهُ إِذا عَزَمَ ، وَانْقُضْ ما أَبْرَمَ اللَّهُمَّ وَاهْزِمْ جُنْدَهُ ، وَأَبْطِلْ كَيْدَهُ وَاهْدِمْ كَهْفَهُ ، وَأَرْغِمْ أَنْفَهُ .
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي نَظْمِ أَعْدائِهِ ، وَاعْزِلْنَا عَنْ عِدَادِ أَوْلِيَائِهِ ، لَا تُطِيعُ لَهُ إِذَا اسْتَهْوانا ، وَلَا نَسْتَجِيبُ لَهُ إِذا دَعانا ، نَأْمُرُ بِمُنا واتِهِ(3)مَنْ أَطاعَ أَمْرَنا ، وَنَعِظُ عَنْ مُتابَعَتِهِ مَن اتَّبَعَ زَجْرَنا (4).
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ خاتم النَّبِيِّينَ وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرِينَ ، وَأَعِذْنا وَأَهالينا وَإِخْوانَنَا وَجَميعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ مِمَّا اسْتَعَذْنَا مِنْهُ ، وَأَجِرْنَا مِمَّا اسْتَجَرْنَا بِكَ مِنْ خَوْفِهِ ، وَاسْمَعْ لَنا ما دَعَوْنَا بِهِ ، وأَعْطِنا ما أَغْفَلْناهُ ، وَاحْفِظْ لَنا مَا نَسَيْناهُ ، وَصَيَّرنا بِذَلِكَ
في دَرَجاتِ الصَّالِحِينَ ، وَمَرَاتِبِ الْمُؤْمِنِينَ ، آمينَ رَبَّ الْعالَمينَ »(1).
لقد سأل الإمام(عليه السلام)من الخالق العظيم أن يتكرّم على أولاد الإمام وأقاربه وأرحامه وجيرانه بالوقاية من مكائد الشيطان الرجيم ، ويجعلهم في حرز حريز ، وحصن منيع ، من غروره وآفاته ، كما دعا لجميع من أقر الله بالربوبيّة ، وشهد له بالوحدانية من كافة الملل والأديان أن ينقذهم من شرور الشيطان الرجيم ، ويسلمهم من الركون إليه ، ثم دعا على الشيطان الرجيم أن يثبط الله عزمه ، وينقض ما أبرم ، ويهزم جنوده ، ويبطل كيده ، وأن يعيذ المؤمنين ويجيرهم من هذا العدو الماكر الخبيث .
كان(عليه السلام) يدعو عند الاستسقاء بعد الجدب بهذا الدعاء ، وهو من غرر أدعيته :
« اللّهُمَّ اسْقِنا الْغَيْثَ ، وَانْشرْ عَلَيْنا رَحْمَتَكَ ، بِغَيْتِكَ الْمُغْدِقِ(2)مِنَ السَّحابِ الْمُنْساقِ لِنَبَاتِ أَرْضِكَ الْمُونِقِ فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ، وَامْنُنْ عَلَى عِبادِكَ بِايناعِ الثَّمَرَةِ(3)، وَأَحْيِ بِلادَكَ بِبُلُوغ الزَّهْرَةِ ، وَأَشْهِدْ مَلائِكَتَكَ الْكِرَامَ السَّفَرَةَ بَسفْيِ مِنْكَ نافِعٍ ، دائِمٍ غُزْرُهُ (4)، واسع دِرَرُهُ (5)، وابل(6)سريع عاجِلٍ ، تُحْيِي بِهِ ما قَدْ مَاتَ ، وَتَرُدُّ بِهِ ما قَدْ فاتَ ، وَتُخْرِجُ بِهِ مَا هُوَ
آتٍ ، وَتُوَسِّعُ بِهِ فِي الْأَقْواتِ ، سَحاباً مُتَراكِماً (1)، هَنيئاً مَريئاً(2)، طَبَقاً(3)مُجَلْجَلاً(4)، غَيْرَ مُلِثَّ وَدْقُهُ(5)وَلا خُلْبٍ بَرْقُهُ(6).
اللهُمَّ اسْقِنا غَيْئاً مُغِيثَاً (7)مَرِيعاً مُمْرِعاً (8)، عَريضاً واسعاً غَزيراً(9)، تَرُدُّ بِهِ النَّهيض(10)، وَتَجْبُرُ بِهِ الْمَهيض(11).
اللهُمَّ اسْقِنا سَقْياً تُسيلُ مِنْهُ الضّرابَ(12)، وَتَمْلَأُ مِنْهُ الْجِبابَ(13)، وَتُفَجِّرُ بِهِ الْأَنْهَارَ(14)، وَتُنْبِتُ بِهِ الْأَشْجَارَ ، وَتُرْخِصُ بِهِ الْأَسْعَارَ فِي جَمِيعِ
1) سحاباً متراكماً : أي بعضه فوق بعض .
2) الهني : اللذيذ الطعم . المري : المحمود العاقبة ، والأوّل للطعام ، والثاني للثواب .
3) طبقاً : أي يطبق الأرض ويعمها .
4) مجلجلاً : أي ذو رعد وصوت لأنه يكون أكثر ماءً .
5) غير ملث ودقه : الملث المقيم الوديق : المطر الدافق ، والمراد أن لا يكون المطر مقيماً فإنّه يوجب فساد الزرع ودمار الديار .
6) الخلب : البرق الذي ليس وراءه مطر .
7) مغيثاً : أي يغيثنا من القحط .
8) ممرعاً : أي موجباً للخصب والرخاء.
9) غزيراً : أي كثيراً .
10) النهيض : النبات الذي ينهض ويقوم على ساقه .
11) المهيض : النبات الذي آل إلى التلف لعدم الماء ، ويستعمل عادة للجناح الضعيف الذي لا يقوى بسببه الطائر على الطيران .
12) الظراب : الجبال الصغيرة.
13) الجباب : جمع جب ، وهو البئر لم يحفره إنسان .
14) تفجر الأنهار : أي تسيل .
الْأَمْصَارِ ، وَتَنْعَشُ بِهِ الْبَهَائِمَ وَالْخَلْقَ ، وَتُكْمِلُ لَنَا بِهِ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ ، وَتُنْبِتُ لَنَا بِهِ الزَّرْعَ ، وَتُدِرُّ بِهِ الضَّرْعَ ، وَتَزيدُنا بِهِ قُوَّةً إِلى قُوَّتِنا .
اللهم لا تَجْعَلْ ظِلَّهُ عَلَيْنا سَمُوماً (1)، وَلا تَجْعَل بَرْدَهُ عَلَيْنا حُسوماً(2)، وَلا تَجْعَلْ صَوْبَهُ(3)عَلَيْنا رُجُوماً ، وَلا تَجْعَلْ مَاءَهُ عَلَيْنا أجاجاً (4).
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْزُقْنا مِنْ بَرَكاتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (5).
واعتقد أنه لم يؤثر في الكلام العربي ما هو أبلغ وأروع من هذا الوصف الذي حفل به دعاء الإمام(عليه السلام) السحاب ، فقد نعته بأدق الصفات التي تحكي واقعه ، وما يحدثه من حياة للأرض ، وتغيير شامل لمناهج الطبيعة ، وما يجلبه من المنافع والثمرات للإنسان ، بل ولسائر الحيوانات ..
لقد أوتي هذا الإمام العظيم كآبائه جوامع الكلم وفصل الخطاب .
وكان(عليه السلام)يدعو بهذا الدعاء الجليل إذا أحزنه أمر ، أو أهمته الخطايا ، وهذا نصّه :
اللهُمَّ يَا كَافِيَ الْفَرْدِ الضَّعِيفِ ، وَوَاقِيَ الْأَمْرِ الْمَخُوفِ ، أَفْرْدَتْنِي الْخَطايا فَلَا صَاحِبَ مَعِي، وَضَعُفْتُ عَنْ غَضَبِكَ فَلا مُؤَيَّدَ لِي ، وَأَشْرَفْتُ عَلَى خَوْفِ لِقائِكَ فَلا مُسَكِّنَ لِرَوْعَتِي ، وَمَنْ يُؤْمِنُني مِنْكَ وَأَنْتَ أَخَفْتَني ، وَمَنْ يُساعِدُنِي وَأَنْتَ أَفْرَدْتَنِي ، وَمَنْ يُقَوِّينِي وَأَنْتَ أَضْعَفْتَني. لا يُجِيرُ يا إلهي إِلَّا رَبِّ عَلى مَرْبُوبٍ ، وَلا يُؤْمِنُ إِلَّا غَالِبٌ عَلى مَغْلُوبٍ ، وَلا يُعينُ إِلَّا طَالِبٌ عَلى مَطْلُوبٍ ، وَبِيَدِكَ يَا إِلهِي جَمِيعُ ذَلِكَ السَّبَبِ ، وَإِلَيْكَ الْمَفَرُّ وَالْمَهْرَبُ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَجِرْ هَرَبي وَأَنْجِحْ مَطْلَبي.
اللهُمَّ إِنَّكَ إِنْ صَرَفْتَ عَنِّي وَجْهَكَ الْكَرِيمَ ، أَوْ مَنَعْتَني فَضْلَكَ الْجَسيمَ ، أَوْ حَظَرْتَ عَلَيَّ رِزْقَكَ ، أَوْ قَطَعْتَ عَنِّي سَبَبَكَ لَمْ أَجِدِ السَّبِيلَ إلى شَيْءٍ مِنْ أَمَلِي غَيْرَكَ ، وَلَمْ أَقْدِرْ عَلى ما عِنْدَكَ بِمَعُونَةِ سِواكَ ، فَإِنِّي عَبْدُكَ وَفِي قَبْضَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، لا أَمْرَ لي مَعَ أَمْرِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ ، وَلَا قُوَّةَ لي عَلَى الْخُرُوج مِنْ سُلْطانِكَ ، وَلا أَسْتَطيعُ مُجاوَزَةَ قُدْرَتِكَ ، وَلا أَسْتَميلُ هَواكَ ، وَلا أَبْلُغَ رِضاك ، وَلا أَنالُ ما عِنْدَكَ إِلَّا بِطاعَتِكَ وَبِفَضْلِ رَحْمَتِكَ .
إلهِي أَصْبَحْتُ وَأَمْسَيْتُ عَبْداً داخِراً (1)لَك ، لا أَمْلِكُ لِنَفْسى نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا بِكَ ، أَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسي ، وَأَعْتَرِفُ بِضَعْفِ قُوَّتي ،
1) داخراً : أي ذليلاً.
وَقِلَّةِ حِيلَتي ، فَأَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني ، وَتَهُمْ لِي مَا أَتَيْتَنِي ، فَإِنِّي عَبْدُكَ الْمِسْكِينُ الْمُسْتَكِينُ(1)الضَّعيفُ الضَّريرُ (2)، الذُّليلُ الْحَقيرُ، المُهينُ الْفَقيرُ ، الْخائِفُ الْمُسْتَجِيرُ.
لقد آمن الإمام العظيم بالقدرة المطلقة الله تعالى ، وأيقن أن جميع مجريات الأحداث إنما هي بيده تعالى ، فهو المالك والقاهر والغالب الذي لا راد لأمره ، وقد جرد الإمام نفسه من جميع الامكانيات معترفاً بعبوديته وعجزه وضعفه ومسكنته، وعدم استطاعته على تحقيق أي شيء إلّا بمساعدته تعالى ، ولنستمع إلى بقيّة الدعاء :
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَلا تَجْعَلْني ناسِياً لِذِكْرِكَ فيما أَوْ لَيْتَنى ، وَلا غَافِلاً لِإِحْسانِكَ فيما أَبْلَيْتَني(3)، وَلَا آيساً مِنْ إِجَابَتِكَ لي وَإِنْ أَبْطَاتْ عَنّي(4)، في سَرَاءٍ كُنْتُ أَوْ ضَرَاءٍ ، أَوْ شِدَّةٍ أَوْ رَحَاءٍ ، أَوْ عَافِيَةٍ أَوْ بَلاء ، أَوْ بُؤْسٍ أَوْ نَعْماءَ ، أَوْ جِدَةٍ (5)أَوْ لَأواءَ (6)أَوْ فَقْرِ أَوْ غِنىّ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَاجْعَلْ ثَنائي عَلَيْكَ ، وَمَدْحِي إِيَّاكَ وَحَمْدي لَكَ في كُلِّ حالاتي ، حَتَّى لا أَفْرَحَ بِمَا آتَيْتَني مِنَ الدُّنْيا ،
وَلا أَحْزَنَ عَلَى مَا مَنَعْتَني فِيهَا ، وَأَشْعِرْ قَلْبِي تَقُواكَ ، وَاسْتَعْمِلْ بَدَني فيما تَقْبَلُهُ مِنِّي، وَاشْغَلْ بِطَاعَتِكَ نَفْسي عَنْ كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيَّ ، حَتَّى لا أُحِبَّ شَيْئاً مِنْ سُخْطِكَ ، وَلا أَسْخَطَ شَيْئاً مِنْ رِضَاكَ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَفَرّغْ قَلْبِي لِمَحَبَّتِكَ ، وَاشْغَلْهُ ، بِذِكْرِكَ . وَانْعَشْهُ بِخَوْفِكَ ، وَبِالْوَجَلِ مِنْكَ ، وَقَوِّهِ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ ، وَأَمِلْهُ إِلَى طاعَتِكَ (1)، وَأَجْرِ بِهِ فِي أَحَبِّ السُّبُلِ إِلَيْكَ ، وَذَلِّلْهُ بِالرَّغْبَةِ فيما عِنْدَكَ أَيَّامَ حَياتي كُلّها ، وَاجْعَلْ تَقْواكَ مِنَ الدُّنْيا زادي ، وَإِلى رَحْمَتِكَ رَحْلَتي ، وَفي مَرْضاتِكَ مَدْخَلي ، وَاجْعَلْ فِي جَنَّتِكَ مَثْوَايَ ، وَهَبْ لي قُوَّةً أَحْتَمِلُ بِها جَميعَ مَرْضاتِكَ ، واجْعَلْ فِراري إِلَيْكَ ، وَرَغْبَتِي فِيمَا عِنْدَكَ ، وَأَلْبِسْ قَلْبِي الْوَحْشَةَ مِنْ شِرارِ خَلْقِكَ، وَهَبْ لِي الْأَنْسَ بِكَ وَبِأَوْلِيائِكَ وَأَهْلِ طَاعَتِكَ ، وَلا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ وَلا كَافِرٍ عَلَيَّ مِنَّةٌ ، وَلا لَهُ عِنْدي يَداً وَلا بِي إِلَيْهِمْ حَاجَةٌ ، بَلِ اجْعَلْ سُكُونَ قَلْبِي وَأَنْسَ نَفْسي وَاسْتِغْنائي وَكِفايَتِي بِكَ وَبِخِيارِ خَلْقِكَ.
اللهمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَاجْعَلْني لَهُمْ قَريناً ، وَاجْعَلْني لَهُمْ نصيراً ، وَامْنُنْ عَلَيَّ بِشَوْقٍ إِلَيْكَ ، وَبِالْعَمَلِ لَكَ بِما تُحِبُّ وَتَرْضى ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ ، وَذَلِكَ عَلَيْكَ يَسيرٌ (2).
أعرب الإمام(عليه السلام)في هذا المقطع عن عظيم ثقته وإيمانه بالله سائلاً إياه أن يجعله لهجاً بذكره ، وأن لا يغفل عن إحسانه وألطافه عليه ، وأن لا يجعله آيساً من إجابته له في جميع شؤونه وأحواله، كما طلب منه أن يجعل ثناءه ومدحه له في جميع أحواله لايبغي بذلك شيئاً غير رضاه ، وأن يشغله بطاعته عن كلّ ما يرد عليه من أحداث هذه الدنيا ، كما طلب منه أن يفرّغ قلبه لمحبته ، ويشغله بذكره ، وينعشه بخوفه ، ويسلك به إلى أحبّ السبل إليه ، وأن يجعل التقوى زاده في هذه الدنيا الفانية ، وأن يجعل الفردوس الأعلى مثواه ومقره الأخير .
وطلب الإمام(عليه السلام)من الله تعالى أن يملأ قلبه من الوحشة والكراهية لشرار خلقه ، وأن يهب له الأنس بأوليائه وأحبائه والصالحين من عباده ، وأن لا يجعل لفاجر ولا كافر له عليه يداً أو إحساناً أو له عندهم حاجة ، وإنما يجعل جميع شؤونه وأحواله بيده تعالى ، فهو الذي يغنيه عن جميع خلقه .
وكان من دعائه عند الشدّة والجهد وتعسّر الأمور هذا الدعاء الجليل :
«اللَّهُمَّ إِنَّكَ كَلَّفْتَني مِنْ نَفْسي ما أَنْتَ أَمْلَكُ بِهِ مِنّي ، وَقُدْرَتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَيَّ أَغْلَبُ مِنْ قُدْرَتي فَأَعْطِنِي مِنْ نَفْسي مَا يُرْضِيكَ عَنِّي ، وَخُذْ
لِنَفْسِكَ رِضاهَا مِنْ نَفْسي في عافِيَةٍ .
اللهم لا طاقَةَ لي بِالْجَهْدِ ، وَلا صَبْرَ لِي عَلَى الْبَلاءِ، وَلَا قُوَّةَ لِي عَلَى الْفَقْرِ ، فَلا تَحْظُرْ(1)عَلَيَّ رِزْقي ، وَلَا تَكِلْني إِلَى خَلْقِكَ ، بَلْ تَفَرَّدْ
1) تحظر : أي تمنع .
بحاجَتي ، وَتَوَلَّ كِفايَتي ، وَانْظُرْ إِلَيَّ ، وَانْظُرْ لي في جميع أموري ، فَإِنَّكَ إِنْ وَ كَلْتَني إِلى نَفْسِي عَجَزْتُ عَنْهَا وَلَمْ أَقِمْ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُها ، وَإِنْ وَ كَلْتَني إِلى خَلْقِكَ تَجَهَّمُونِي(1)، وَإِنْ أَلْجَأْتَني إِلَى قَرابَتي حَرَمُونِي ، وَإِنْ أَعْطَوْا أَعْطَوْا قَليلاً نَكِداً ، وَمَنُوا عَلَيَّ طَويلاً وَذَمُّوا كَثِيراً .
فَبِفَضْلِكَ اللَّهُمَّ فَأَغْنِنِي ، وَبِعَظَمَتِكَ فَانْعَشْنِي ، وَبِسَعَتِكَ فَابْسُطْ يَدي ، وَبِمَا عِنْدَكَ فاكْفِني.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَخَلَّصْني مِنَ الْحَسَدِ، وَاحْصُرْني(2)عَنِ الذُّنُوبِ ، وَوَرِّعْني عَنِ الْمَحارِم(3)، وَلَا تُجَرِّتْني عَلَى الْمَعاصي، وَاجْعَلْ هَوايَ عِنْدَكَ ، وَرِضايَ فيما يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكَ ، وَبارِك لي فيما رَزَقْتَنِي وَفِيمَا خَوَّلْتَني وَفِيمَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ ، وَاجْعَلْنِي فِي كُلِّ حالاتي مَحْفُوظاً ، مَكْلُوءاً (4)مَسْتُوراً مَمْنُوعاً(5)مُعاذاً (6)مُجاراً .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاقْضِ عَنِّي كُلَّ ما أَلْزَمْتَنِيهِ(7)وَفَرَضْتَهُ
1) تجهموني : أي قطبوا وجوههم وعبسوا في وجهي .
2) احصرني : أي امنعني .
3) وورعني عن المحارم : أي اعطني ورعاً يصدني عن اقتراف المحارم .
4) مكلوءاً : أي محروساً ومحفوظاً.
5) ممنوعاً : أي لا يصل أحد إليَّ بسوء.
6) معاذاً : أي محفوظاً من الأعداء .
7) كلّ ما ألزمتنيه : أي من الفرائض والواجبات ، وذلك بالتوفيق لقضائها .
عَلَيَّ لَكَ فِي وَجْهِ مِنْ وُجُوهِ طَاعَتِكَ، أَوْ لِخَلْقٍ مِنْ خَلْقِكَ وَإِنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ بَدَني ، وَوَهَنَتْ عَنْهُ قُوَّتي ، وَلَمْ تَنَلْهُ مَقْدُرَتي ، وَلَمْ يَسَعْهُ مالي ولاذاتُ يَدي ، ذَكَرْتُهُ أَوْ نَسِيتُهُ هُوَ يارَبِّ مِمَّا قَدْ أَحْصَيْتَهُ عَلَيَّ وَأَغْفَلْتُهُ أَنَا مِنْ نَفْسِي ، فَأَدَّهِ عَنِّي مِنْ جَزِيلِ عَطِيَّتِكَ وَكَثِيرِ مَا عِنْدَكَ ، فَإِنَّكَ واسِعٌ كَريمٌ، حَتَّى لا يَبْقَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْهُ تُرِيدُ أَنْ تُقَاصَّنِي بِهِ مِنْ حَسَناتِي ، أَوْ تُضاعِفَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِي يَوْمَ أَلْقاكَ يَارَبِّ .
انظروا بإمعان إلى هذه الفقرات فسترون عمق الإيمان، وتمام الإخلاص ، والتجرّد الكامل من كلّ نزعة من نزعات المادة. لقد طلب الإمام من الله تعالى أن تشمله عنايته وألطافه ، وأن يتفضّل عليه بما يلي :
1 - أن لا يبليه بما لا طاقة ولا قدرة له عليه .
2 - أن لا يبليه بالفقر والبؤس، فإنّهما من أقسى الكوارث في الحياة الدنيا.
3- أن لا يكله إلى أحد من الخلق ، قريبين كانوا أو بعيدين ، فإنّهم يحتقرون من افتقر إليهم .
4 - أن يخلّصه من الحسد الذي هو من أقذر النزعات الشريرة .
5- أن يمنعه من الذنوب ، ويصده عن اقتراف المعاصي .
6 - أن يمنحه الورع والتقوى عن ارتكاب ما حرّمه الله ، ولا يجعل له أية رغبة في الجرأة على ارتكاب المعاصي .
7 - أن يجعل رغباته النفسية في ما عند الله .
8- أن يبارك له في ما رزقه الله من الأموال والأولاد .
9 - أن يحفظه في جميع أحواله وشؤونه ، ويستر عليه ، ويعيده من كل سوء.
10 - أن يوفقه لقضاء ما فاته من الواجبات والفرائض التي يلزم بقضائها .
هذه بعض طلبات الإمام(عليه السلام) ، ولنستمع إلى بقيّة هذا الدعاء :
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَارْزُقْنِي الرَّغْبَةَ فِي الْعَمَلِ لَكَ لَآخِرَتي ، حَتَّى أَعْرِفَ صِدْقَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي ، وَحَتَّى يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَيَّ الزُّهْدَ في دُنْيايَ ، وَحَتَّى أَعْمَلَ الْحَسَناتِ شَوْقاً ، وَآمَنَ مِنَ السَّيِّئاتِ فَرَقاً(1)وَخَوْفاً ، وَهَبْ لِي نُوراً أَمْشي بِهِ فِي النَّاسِ ، وَأَهْتَدي بِهِ في الظُّلُماتِ ، وَأَسْتَضيءُ بِهِ مِنَ الشَّكُ وَالشُّبُهَاتِ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَارْزُقْنِي خَوْفَ غَمِّ الْوَعِيدِ(2)، وَشَوْقَ ثَوَابِ الْمَوْعُودِ (3)، حَتَّى أَجِدَ لَذَّةَ مَا أَدْعُوكَ لَهُ ، وَكَابَةَ مَا أَسْتَجِيْرِ بِكَ مِنْهُ ، اللَّهُمَّ قَدْ تَعْلَمُ ما يُصْلِحُني مِنْ أَمْرِ دُنْيَايَ وَآخِرَتي ، فَكُنْ بِحَوائِجِي حَفِيّاً(4).
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْزُقْنِى الْحَقِّ عِنْدَ تَقْصيري في الشُّكْرِ لَكَ ، بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَالصَّحَّةِ وَالسَّقَمِ ، حَتَّىٰ أَتَعَرَّفَ مِنْ نَفْسي رَوْحَ الرّضا، وَطُمَأْنينَةَ النَّفْسِ مِنِّي بِما يَجِبُ لَكَ ، فيما يَحْدُثُ في حالِ الْخَوْفِ وَالْأَمْنِ ، وَالرّضا وَالسُّخْطِ ، وَالضُّرِّ وَالنَّفْعِ .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَارْزُقْنِي سَلَامَةَ الصَّدْرِ مِنَ الْحَسَدِ حَتَّى لا أَحْسُدَ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِكَ ، وَحَتَّى لا أَرى نِعْمَةً مِنْ نِعَمِكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فِي دِينِ أَوْ دُنْيَا ، أَوْ عَافِيَةٍ أَوْ تَقْوى ، أَوْ سَعَةٍ أَوْ رَخاءٍ ، إِلَّا رَجَوْتُ لِنَفْسِي أَفْضَلَ ذَلِكَ بِكَ وَمِنْكَ ، وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَك .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَارْزُقْنِي التَّحَفُّظَ مِنَ الْخَطايا ، وَالْإِحْتِراسَ مِنَ الزَّلَلِ فِي الدُّنيا وَالْآخِرَةِ فِي حَالِ الرِّضا وَالْغَضَبِ ، حَتَّى أَكُونَ بِما يَرِدُ عَلَيَّ مِنْهُما بِمَنْزِلَةٍ سَواءٍ ، عَامِلاً بِطَاعَتِكَ ، مُؤْثِراً لِرِضاكَ عَلَى مَاسِواهُما فِي الْأَوْلِياءِ وَالْأَعْداءِ ، حَتَّىٰ يَأْمَنَ عَدُوِّي مِنْ ظُلْمي وَجَوْرِي ، وَيَيْأَسَ وَلِيِّي مِنْ مَيْلى وَانْحِطَاطِ هَوَايَ .
وَاجْعَلْنى مِمَّنْ يَدْعُوكَ مُخْلِصاً فى الرَّخاءِ ، دُعاءَ الْمُخْلِصِينَ الْمُضْطَرِّينَ لَكَ في الدُّعاءِ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»(1).
واحتوت هذه الفقرات على بعض الرغبات النفسية الملحة للإمام ، سائلاً من الله تعالى أن يحققها له ، وهي :
1 - الرغبة في العمل للآخرة .
2 - الزهد في الدنيا .
3- القيام بأعمال الخير والمبرّات .
4 - أن يهبه الله نوراً يمشي به بين الناس ، ويهتدي به في الظلمات ، ويستضيء به في الشبهات.
1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الثاني والعشرون .
5 - أن يهبه تعالى الخوف من أهوال يوم القيامة ، والشوق للثواب الجزيل الذي أعدّه تعالى للمتقين والصالحين من عباده .
6 - أن يسلّمه الله من الحسد الذي هو من أخطر الآفات النفسية .
7- أن يرزقه الله التحفظ من الخطايا ، والاحتراس من الزلل .
هذه بعض محتويات هذه القطعة من هذا الدعاء .
وكان من أدعيته(عليه السلام) الشريفة هذا الدعاء ، وكان يدعو به إذا سأل الله العافية وشكرها :
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَلْبِسْني عافِيَتَكَ ، وَجَلَّلْني(1)عافِيَتَكَ ، وَحَصَّنِّي بِعافِيَتِكَ ، وَأَكْرِمْني بِعافِيَتِكَ ، وَأَغْنِنِي بِعافِيَتِكَ ، وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِعَافِيَتِكَ ، وَهَبْ لي عافِيَتَكَ ، وَأَفْرِشْني عافِيَتَكَ ، وَأَصْلِحْ لي عافِيَتَكَ ، وَلا تُفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَ عَافِيَتِكَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ (2).
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَعافِنى عافِيَةٌ كَافِيَةٌ (3)شافِيَةٌ عالِيَةٌ(4)نامِيَةً ، عافِيَةٌ تُوَلِّدُ في بَدَنِي الْعافِيَةَ ، عافِيَةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَامْنُنْ عَلَيَّ بِالصَّحَّةِ وَالْأَمْنِ وَالسَّلَامَةِ في ديني وَبَدَنِي ، وَالْبَصِيرَةِ فِي قَلْبِي ، وَالنَّفَادِ
في أُمُورِي ، وَالْخَشْيَةِ لَكَ ، وَالْخَوْفِ مِنْكَ ، وَالقُوَّةِ عَلَى مَا أَمَرْتَني بِهِ مِنْ طَاعَتِكَ ، وَالْإِجْتِنابِ لِما نَهَيْتَنِي عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِكَ .
اللهُمَّ وَامْنُنْ عَلَيَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَزِيارَةِ قَبْرِ رَسُولِكَ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَرَحْمَتُكَ وَبَرَكاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أَبَداً ما أَبْقَيْتَني ، في عامي هذا وَفي كُلِّ عامٍ ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ مَقْبُولاً مَشْكُوراً ، مَذْكُوراً لَدَيْكَ ، مَذْخُوراً عِنْدَكَ ، وَأَنْطِقْ بِحَمْدِكَ وَشُكْرِكَ وَذِكْرِكَ وَحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْكَ لِساني ، وَاشْرَحْ لِمَرَاشِدِ دينِكَ قَلْبِي ، وَأَعِذْني وَذُرِّيَّتي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّحِيمِ ، وَمِنْ شَرِّ السّامَّةِ(1)وَالْهامة (2)وَالْعامَّةِ(3)وَاللّامَّةِ (4)، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطَانٍ مَريدِ(5)، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ سُلْطَانٍ عَنيدٍ ،وَمِنْ شَرِّ كُلِّ مُتْرَفٍ حَفِيدِ(6)، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ضَعِيفٍ وَشَديدٍ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ شَرِيفٍ وَوَضِيعِ ، وَمِنْ شَرِّكُلِّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ قَرِيبٍ وَ بَعِيدٍ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ مَنْ نَصَبَ لِرَسُولِكَ وَلأَهْلِ بَيْتِهِ حَرْباً مِنَ الْجِنَ وَالْإِنْسِ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ اخِذٌ بِنَاصِيَتِها ، إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَمَنْ أَرَادَنِي بِسُوءٍ فَاصْرِفْهُ عَنِّي ، وَادْحَرْ عَنِّي مَكْرَهُ ، وَادْرَأُ عَنّي شَرَّهُ ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، وَاجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ سَداً حَتَّى تُعْمِيَ عَنِّي بَصَرَهُ، وَتُصِمَّ عَنْ ذِكْرِي سَمْعَهُ ، وَتُقْفِلَ دُونَ إِخْطَارِي قَلْبَهُ ، وَتُخْرِسَ عَنِّي لِسَانَهُ ، وَتَقْمَعَ رَأْسَهُ ، وَتُذِلُّ عِزَّهُ ، وَتَكْسِرَ جَبَرُوتَه ، وَتُذِلُّ رَقَبَتَهُ ، وَتَفْسَخَ (1)كِبْرَهُ ، وَتُؤْمِنَني مِنْ جَميعِ ضَرِّهِ وَشَرِّهِ ، وَغَمْزِهِ (2)وَهَمْزِهِ (3)، وَلَمْزِهِ(4)وَحَسَدِهِ وَعَداوَتِهِ ، وَحَبائِلِهِ وَمَصائِدِهِ ، وَرَجِلِهِ (5)وَخَيْلِهِ ، إِنَّكَ عَزِيزٌ قَديرٌ»(6).
إنّ أثمن شيء في الحياة الدنيا ، وأغلاه نعمة العافية ، والسلامة من الأسقام والأمراض ، وقد سأل الإمام(عليه السلام)من الله تعالى أن يمتعه بهذه النعمة ليتقوى بها على طاعته ، وأداء فرائضه ، ويجتنب بها محرماته ومعاصيه.
ثم طلب الإمام من الله أن يمن عليه بالحج والعمرة ، وزيارة قبر النبي العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم)وزيارة قبور أبنائه الأئمة الطاهرين الذين هم سفن النجاة ، وأمن العباد ، ثم تعوّذ الإمام(عليه السلام) من شرور الإنس والجنّ ، وسائر المخلوقات ، وطلب منه تعالى أن يحميه منها ، ويجعله في أمن وسلام من شرورها .
وكان من دعائه (عليه السلام) إذا قتر عليه رزقه ، وضاقت عليه وسائل معاشه :
«اللَّهُمَّ إِنَّكَ ابْتَلَيْتَنا فِي أَرْزاقِنا بِسُوءِ الظَّنِّ ،وَفِي آجَالِنَا بِطُولِ الْأَمَلِ حَتَّى الْتَمَسْنَا أَرْزاقَكَ مِنْ عِنْدِ الْمَرْزُوقِينَ ، وَطَمِعْنَا بِآمَالِنا في أَعْمارِ الْمُعَمَّرِينَ.
فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَهَبْ لَنا يَقيناً صادِقاً تَكْفينا بِهِ مِنْ مَؤُونَةِ الطَّلَبِ ، وَأَلْهِمْنا ثِقَةٌ خالِصَةً تُعْفينا بِها مِنْ شِدَّةِ النَّصَبِ ، وَاجْعَلْ ما صَرَّحْتَ بِهِ مِنْ عِدَتِكَ في وَحْيِكَ ، وَأَتْبَعْتَهُ مِنْ قَسَمِكَ فِي كِتابِكَ ، قاطعاً لاهْتِمَامِنَا بِالرِّزْقِ الَّذِي تَكَفَّلْتَ بِهِ ، وَحَسْماً لِلاِشْتِغَالِ بِما ضَمِنْتَ الْكِفايَةَ لَهُ ، فَقُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ الْأَصْدَقُ ، وَأَقْسَمْتَ وَقَسَمُكَ الأَبَرُّ الْأَوْفى:
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (1)، ثُمَّ قُلْتَ: فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقُّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(2)»(3). وتحدّث الإمام(عليه السلام) في هذا الدعاء عن ظاهرتين من الظواهر النفسية ، وهما :
1- إن الإنسان إذا قتر عليه رزقه ، وضاقت عليه سبل معيشته ، فإنّه يتّهم الله
بذلك ، ويعزوه إليه ، فيكيل له اللوم والعتاب .
إنّ الإنسان قد ابتلي بطول الأمل والبقاء في هذه الدنيا ، فإنّه ينظر نظرة حمقاء إلى المعمرين فيها ، فيحسب أنّه سيعمر مثل ما عمّروا ، وكان لذلك من المضاعفات السيئة التي منها أنّ الإنسان إذا أيقن بذلك ، فإنّه يهمل شؤون آخرته ، ويصرف همه ، وجميع قواه للظفر بالدنيا ، والحصول على خيراتها .
ثم سأل الإمام(عليه السلام) من الله تعالى أن يهب له اليقين بأنّ الأرزاق مقسومة بيده تعالى ليسلم بذلك من مؤونة الطلب ، وشدّة التعب
وكان من دعائه(عليه السلام) في المعونة على قضاء الدين :
« اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَهَبْ لِيَ الْعَافِيَةَ، مِنْ دَيْنِ تُخْلِقُ بِهِ وَجْهِي(1)، وَيَحارُفِيهِ ذِهْنِي ، وَيَتَشَعَبُ لَهُ فِكْرِي ، وَيَطُولُ بِمُمارَسَتِهِ شُغْلِي ، وَأَعُوذُ بِكَ يَارَبِّ مِنْ هَمَ الدَّيْنِ وَفِكْرِهِ ، وَشُغْلِ الدَّيْنِ(2)وَسَهَرِهِ.
فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَعِذْنِي مِنْهُ ، وَأَسْتَجِيرُبِكَ يَارَبِّ مِنْ ذِلَّتِهِ في الْحَيَاةِ، وَمِنْ تَبِعَتِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ ، فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَجِرْنِي مِنْهُ بِوَسْعِ فاضِلٍ ، أَوْ كَفَافٍ واصِلٍ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاحْجُبْنِي عَنِ السَّرَفِ وَالْإِزْدِيادِ ،
وَقَوِّمْني بِالْبَذْلِ(1)وَالْإِقْتِصادِ ، وَعَلِّمْني حُسْنَ التَّقْدِيرِ ، وَاقْبِضْني بِلُطْفِكَ عَنِ التَّبْذِيرِ ، وَأَجْرِ مِنْ أَسْبابِ الْحَلالِ أَرْزاقي ، وَوَجِّهُ فِي أَبْوابِ الْبِرِّ إِنْفاقي ، وَازْو(2)عَنِّي مِنَ الْمَالِ ما يُحْدِثُ لي مَخْيَلَةٌ أَوْتَأَدِّياً إلى بَغْيِ ، أَوْ مَا أَتَعَقَّبُ مِنْهُ طُغْياناً.
اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيَّ صُحْبَةَ الْفُقَراءِ ، وَأَعِنِّي عَلَى صُحْبَتِهِمْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ، وَما زَوَيْتَ عَنّي مِنْ مَتاعِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ فَاذْخَرْهُ لِي فِي خَزائِنِكَ الْباقِيَةِ وَاجْعَلْ ما خَوَّلْتَني مِنْ حُطامها ، وَعَجَلْتَ لِي مِنْ مَتَاعِهَا بُلْغَةً إِلَى جِوارِكَ وَوُصْلَةً إِلى قُرْبِكَ ، وَذَريعَةً إِلى جَنَّتِكَ ، إِنَّكَ ذُوالْفَضْلِ العَظِيمِ، ، وَأَنْتَ الْجَوادُ الكَريم» (3).
واحتوى هذا الدعاء الشريف على النقاط التالية :
أولاً : إنّ الإمام سأل من الله تعالى وتضرّع إليه أن يعافيه من الدين ، وذلك لما ينجم عنه من الأضرار والآلام ، والتي منها :
1 - إنّه يخلق الوجه ، ويجعله بالياً ، وذلك من كثرة الهموم التي تخالج المدين ، خصوصاً إذا لم يتمكن من وفائه .
2 - إنّه يسبّب بلبلة الذهن ، واضطراب الفكر ، وتشعبه ، فإن المدين يطيل التفكير في كيفية وفائه ، والتخلّص منه .
3 - إنّه يوجب ممارسة الكثير من الأشغال والأعمال من أجل وفائه والتخلّص منه .
4 - إنّه مذلة في الحياة ، فإنّ المدين يشعر بالذل أمام من استدان منه .
5 - إنّ ذمّة المدين بعد وفاته تكون مشغولة للدائن لا يفكها إلا وفاء الدين عنه ، ونظراً لهذه الأمور المترتبة على الدين، فقد طلب الإمام(عليه السلام) من الله تعالى أن يوسع عليه ويجزل له المزيد من رزقه لينجو من آلام الدين وأضراره .
ثانياً : إنّ الإمام طلب من الله تعالى أن يحجبه عن السرف ، وزيادة البذل والإنفاق ، فإنّ ذلك مما يوجب تلف الأموال وضياعها .
ثالثاً: إنّه لا سأل الله أن يعلمه ويهديه إلى حسن التقدير في الأموال ، وهو وضعها في محلّها ، فلا يسرف ولا يقتصد وإنّما يبتغي بين ذلك سبيلاً.
رابعاً : إنّه طلب من الله تعالى أن يجعل رزقه من الوسائل المشروعة التي لم يمنع عنها الشرع.
خامساً: إنّه سأل الله تعالى أن يجعل إنفاقه في وجوه البر والخير ، وما يرضي الله تعالى .
سادساً : إنّه سأل الله تعالى ألا يبتليه بالثراء الذي يحدث له تكبّراً على الناس ، وإعجاباً بالنفس، أو ظلماً للناس وطغياناً عليهم
سابعاً : طلب الإمام من الله تعالى أن يحبب له صحبة الفقراء والبؤساء ، وأن يعينه على مزاملتهم، وتحمّل ما يلاقيه منهم من أذى أو مكروه .
هذه بعض محتويات هذا الدعاء الجليل .
وكان من دعائه(عليه السلام) في ذكر التوبة وطلبها :
« اللّهُمَّ يا مَنْ لَا يَصِفُهُ نَعْتُ الْواصِفينَ، وَيا مَنْ لَا يُجاوِزُهُ رَجَاءُ الرّاجينَ ، وَيا مَنْ لَا يَضِيعُ لَدَيْهِ أَجْرُ الْمُحْسِنِينَ ، وَيَا مَنْ هُوَ مُنْتَهى خَوْفِ الْعابِدِينَ ، وَيا مَنْ هُوَ غايَةُ خَشْيَةِ الْمُتَّقِينَ.
هذا مَقامُ مَنْ تَداوَلَتْهُ أَيْدِي الذُّنُوبِ ، وَقادَتْهُ أَزِمَّةُ الْخَطَايَا ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ ، فَقَصَّرَ عَمَا أَمَرْتَ بِهِ تَفَريطاً ، وَتَعاطى ما نَهَيْتَ عَنْهُ تغريراً ، كالْجاهِلِ بِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ ، أَوْ كَالْمُنْكِرِ فَضْلَ إِحْسانِكَ إِلَيْهِ ، حَتَّى إِذا انْفَتَحَ لَهُ بَصَرُ الْهُدَى، وَتَقَطَّعَتْ عَنْهُ سَحَائِبُ الْعَمَى، أَحْصى ما ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَفَكَّرَ فيما خالَفَ بِهِ رَبَّهُ ، فَرَأَى كَبِيرَ عِصْيانِهِ كَبِيراً ، وَجَليلَ مُخالَفَتِهِ جَليلاً.
فَأَقْبَلَ نَحْوَكَ مُؤَمِّلاً لَكَ ، مُسْتَحْيِباً مِنْكَ ، وَوَجَّهَ رَغْبَتَهُ إِلَيْكَ ثِقَةٌ بِكَ ، فَأَمَّكَ بِطَمَعِهِ يَقَيناً ، وَقَصَدَكَ بِخَوْفِهِ إِخْلاصاً .
قَدْ خَلا طَمَعُهُ مِنْ كُلِّ مَطْمُوعِ فِيهِ غَيْرِكَ ، وَأَفْرَخَ (1)رَوْعُهُ مِنْ كُلِّ مَحْذُورٍ مِنْهُ سِواكَ ، فَمَثَلَ بَيْنَ يَدَيْكَ مُتَضَرِّعاً ، وَغَمَّضَ بَصَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ مُتَخَشُعاً ، وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ لِعِزَّتِكَ مُتَذَلُلاً، وَأَبَنَّكَ مِنْ سِرِّهِ ما أَنْتَ
1) أفرخ : ذهب .
أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ خُضُوعاً ، وَعَدَّدَ مِنْ ذُنُوبِهِ ما أَنْتَ أَحْصَى لَها خُشُوعاً ،وَاسْتَغاثَ بِكَ مِنْ عَظيم . مَا وَقَعَ بِهِ فِي عِلْمِكَ ، وَقَبيحِ مَا فَضَحَهُ فِي حُكْمِكَ ، مِنْ ذُنُوبِ أَدْبَرَتْ لَذَاتُها فَذَهَبَتْ ، وَأَقَامَتْ تَبِعَاتُها فَلَزِمَتْ ، لَا يُنْكِرُ يا إلهي عَدْلَكَ إِنْ عَاقَبْتَهُ ، وَلَا يَسْتَعْظِمُ عَفْوَكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ وَرَحِمْتَهُ ، لأَنَّكَ الرَّبُّ الْكَريمُ الَّذي لَا يَتَعاظَمُهُ غُفْرانُ الذَّنْبِ الْعَظيم.
أمّا هذا المقطع فقد احتوى على توحيد الله والثناء عليه ، وأنه لا يحيط بوصفه نعت الناعتين ، ولا وصف الواصفين ، إذ كيف يحيط الممكن المحدود في وجوده ومداركه وعلمه وقدرته ، وفي جميع فعالياته ، بواجب الوجود الذي لا انتهاء لعلمه وسائر قدراته ؟
وألقى الإمام(عليه السلام)نظرة على المذنبين من عباد الله وقد عد نفسه تواضعاً منهم وإن أزمة الخطايا والشهوات التي هي التي دفعتهم إلى مخالفة أوامر الله تعالى ، وأنّهم حينما يستيقظون تراودهم أفكار مريرة وتأنيب حاد من الضمير لمخالفتهم أوامر الله والجرأة عليه ، وأنّهم يفزعون إليه طالبين منه العفو والمغفرة والرضوان ، ولنستمع إلى مقطع آخر من هذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ فَها أنا ذا قَدْ جِئْتُكَ مُطيعاً لأمْرِكَ فيما أَمَرْتَ بِهِ مِنَ الدُّعاءِ ، مُتَنَجِّزاً وَعْدَكَ فيما وَعَدْتَ بِهِ مِنَ الْإِجابَةِ ، إِذْ تَقُولُ:ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(1).
اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَالْقَنِي بِمَغْفِرَتِكَ كَمَا لَقِيتُكَ بِإِقْرَاري ،
1) غافر 40: 60 .
وَارْفَعْني عَنْ مَصارع الذُّنُوبِ كَما وَضَعْتُ لَكَ نَفْسي ، وَاسْتُرني بِسِتْرِكَ كَما تَأَنَّيْتَني(1)عَنِ الْإِنْتِقامِ مِنِّي .
اللهُمَّ وَثَبِّتْ في طَاعَتِكَ نِيَّتي ، وَأَحْكِمْ فِي عِبَادَتِكَ بَصِيرَتي ، وَوَفِّقْني مِنَ الْأَعْمَالِ لِما تَغْسِلُ بِهِ دَنَسَ الْخَطَايَا عَنِّي ، وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِكَ
وَمِلَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إِذا تَوَفَّيْتَنِي .
اللهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ في مَقامي هذا مِنْ كَبَائِرِ ذُنُوبِي وَصَغَائِرِها ، وَبَواطِنِ سَيِّئَاتِي وَظَواهِرِها ، وَسَوالِفِ زَلَّاتِي وَحَوادِثِها ، تَوْبَةَ مَنْ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَةٍ ، وَلَا يُضْمِرُ أَنْ يَعُودَ فِي خَطيئَةٍ .
وَقَدْ قُلْتَ يا إلهي في مُحْكَم كِتابِكَ : إِنَّكَ تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِكَ وَتَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ (2)، وَتُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَما وَعَدْتَ ، وَاعْفُ عَنْ سَيِّئَاتِي كَما ضَمِنْتَ ، وَأَوْجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَما شَرَطْتَ .
وَلَكَ يا رَبِّ شَرْطِي أَلَّا أَعُودَ فِي مَكْرُوهِكَ ، وَضَمَانِي أَلَّا أَرْجَعَ في مَذْمُومِكَ ، وَعَهْدى أنْ أهْجُرَ جَميعَ مَعاصِيكَ .
اللهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِما عَمِلْتُ ، فاغْفِرْ لي مَا عَلِمْتَ ، وَاصْرِفْنِي بِقُدْرَتِكَ إلى ما أَحْيَيْتَ .
اللهُمَّ وَعَلَيَّ تَبِعَاتٌ قَدْ حَفِظْتُهُنَّ ، وَتَبِعَاتٌ قَدْ نَسيتُهُنَّ ، وَكُلُهُنَّ بِعَيْنِكَ الَّتي لَا تَنامُ ، وَعِلْمِكَ الَّذِي لَا يَنْسى ، فَعَوَّضْ مِنْهَا أَهْلَهَا ، وَاحْطُطْ عَنّى
وِزْرَها ، وَخَفِّفْ عَنِّي ثِقْلَها ، وَاعْصِمْني مِنْ أَنْ أُقارِفَ مِثْلَهَا .
اللَّهُمَّ وَإِنَّهُ لَا وَفاءَ لي بِالتَّوْبَةِ إِلَّا بِعِصْمَتِكَ ، وَلَا اسْتِمْساكَ بِي عَنِ الْخَطايا إِلَّا عَنْ قُوَّتِكَ ، فَقَوْنِي بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ ، وَتَوَلَّني بِعِصْمَةٍ مَانِعَةٍ .
اللهُمَّ أَيُّما عَبْدِ تابَ إِلَيْكَ وَهُوَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، فَاسِخٌ لِتَوْبَتِهِ وَعائِدٌ فِي ذَنْبِهِ وَخَطيئَتِهِ ، فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ كَذَلِكَ ، فَاجْعَلْ تَوْبَتي هذِهِ تَوْبَةً لا أَحْتاجُ بَعْدَها إِلى تَوْبَةٍ ، تَوْبَةٌ مُوجِبَةٌ لِمَحْو ما سَلَفَ، وَالسَّلامَةِ فيما بَقِىَ.
وفي هذا المقطع وقف الإمام خاضعاً ذليلاً منكسراً أمام الخالق العظيم ، وكله رجاء وأمل في أن يستجيب دعاءه، ويمنحه المغفرة والرضوان ، ويرفعه عن مصارع الذنوب، ويستر عليه بستره الجميل ، فقد تاب إليه توبة نصوحاً، وأناب إليه ، وأخلص في طاعته، على أن لا يعود إلى مكروه، ولا يرجع إلى مذموم ويسلك كلّ طريق فيه رضاه ، ويلح الإمام على(عليه السلام)في قبول توبته ، طالباً منه أن يعصمه من كل ذنب ، ويمحو عنه كلّ خطيئة ، ولنستمع إلى بقية دعاء الإمام(عليه السلام) الجليل :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ جَهْلي ، وَأَسْتَوْهِبُكَ سُوءَ فِعْلي ، فاضْمُمْني إِلَى كَنَفِ(1)رَحْمَتِكَ تَطَوُّلاً ، وَاسْتُرْنِي بِسِتْرِ عَافِيَتِكَ تَفَضّلاً.
1) الكنف : الجانب
اللهُمَّ وَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ ما خالَفَ إِرادَتكَ ، أَوْ زالَ عَنْ مَحَبَّتِكَ ، مِنْ خَطَراتِ قَلْبِي ، وَلَحَظاتِ عَيْنِي ، وَحِكاياتِ لِسانِي ، تَوْبَةٌ تَسْلَمُ بِها كُلُّ جَارِحَةٍ عَلى حِيالِها(1)مِنْ تَبِعاتِكَ، وَتَأْمَنُ مِمَّا يَخافُ الْمُعْتَدُونَ مِنْ أَليمٍ سَطَواتِكَ .
اللَّهُمَّ فَارْحَمْ وَحْدَتي بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَوَجيبَ قَلْبِي مِنْ خَشْيَتِكَ ، وَاضْطِرابَ أَرْكَانِي مِنْ هَيْبَتِكَ ، فَقَدْ أَقامَتْني يَا رَبِّ ذُنُوبِي مَقامَ الْخِزيِ بِفِنائِكَ ، فَإِنْ سَكَتُ لَمْ يَنْطِقُ عَنِّي أَحَدٌ ، وَإِنْ شَفَعْتُ فَلَسْتُ بِأَهْلِ الشَّفَاعَةِ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَشَفّعْ فِي خَطَايَايَ كَرَمَكَ ، وَعُدْ عَلَى سَيِّئاتِي بِعَفْوِكَ ، وَلَا تَجْزِنِي جَزائي مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَابْسُطْ عَلَيَّ طَوْلَكَ (2)، وَجَلَّلْني بِسِتْرِكَ ، وَافْعَلْ بِي فِعْلَ عَزِيزِ تَضَرَّعَ إِلَيْهِ عَبْدٌ دَليلٌ فَرَحِمَهُ ، أَوْ غَنِيٌّ تَعَرَّضَ لَهُ عَبْدٌ فَقِيرٌ فَنَعَشَهُ.
اللهُمَّ لَا خَفير(3)لي مِنْكَ ، فَلْيَخْفُرْنِي عِزُكَ ، وَلَا شَفيع لي إِلَيْكَ ، فَلْيَشْفَعْ لِي فَضْلُكَ ، وَقَدْ أَوْجَلَتْني خَطَايَايَ فَلْيُؤْمِنّي عَفْوَكَ ، فَما كُلُّ ما نَطَقْتُ بِهِ عَنْ جَهْلٍ مِنِّي بِسُوءٍ أَثَرِي(4)، وَلَا نِسْيَانٍ لِما سَبَقَ مِنْ ذَمِيمٍ
فِعْلى ، وَلكِنْ لِتَسْمَعَ سَماؤُكَ وَمَنْ فيها ، وَأَرْضُكَ وَمَنْ عَلَيْها ، ما أَظْهَرْتُ لَكَ مِنَ النَّدَمِ ، وَلَجَأْتُ إِلَيْكَ فيهِ مِنَ التَّوْبَةِ ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَرْحَمُني لِسُوءِ مَوْقِفي ، أَوْ تُدْرِكُهُ الرَّقَّةُ عَلَيَّ لِسُوءِ حالي ، فَيَنالَني مِنْهُ بِدَعْوَةٍ هِيَ أَسْمَعُ لَدَيْكَ مِنْ دُعائي ، أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْ كَدُ عِنْدَكَ مِنْ شَفَاعَتِي ، تَكُونُ بِها نَجاتي مِنْ غَضَبِكَ ، وَفَوْزَتي بِرِضاكَ .
اللَّهُمَّ إِنْ يَكُنِ النَّدَمُ تَوْبَةٌ إِلَيْكَ فَأَنَا أَنْدَمُ النّادِمِينَ ، وَإِنْ يَكُنِ النَّرْلُ لِمَعْصِيَتِكَ إِنابَةٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْمُنيبينَ ، وَإِنْ يَكْنِ الْإِسْتِغْفَارُ حِطَّةٌ لِلذُّنُوبِ فَإِنِّي لَكَ مِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ.
اللهُمَّ فَكَما أَمَرْتَ بِالتَّوْبَةِ وَضَمِنْتَ الْقَبُولَ ، وَحَذَيْتَ عَلَى الدُّعاءِ، وَوَعَدْتَ الْإِجابَةَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَاقْبَلْ تَوْبَتي، وَلَا تَرجِعنیِ مَرْجِعَ الْخَيْبَةِ مِنْ رَحْمَتِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ عَلَى الْمُذْنِبينَ ، وَالرَّحِيمُ لِلْخاطِئِينَ المُنيبينَ.
اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ كَما هَدَيْتَنا بِهِ ، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ كَمَا اسْتَنْقَذْتَنا بِهِ، وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلاةٌ تَشْفَعُ لَنا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَيَوْمَ الْفَاقَةِ إِلَيْكَ ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَهُوَ عَلَيْكَ يَسيرٌ»(1).
أرأيتم هذا التبتل والانقطاع إلى الله ؟ لقد ذاب الإمام وجلاً وخوفاً ووجيباً من الله ،
1) الصحيفة السجاية : الدعاء الحادي والثلاثون .
هذا هو سيّد المتّقين ، وإمام المنيبين ، وزعيم الموحدين .
من المقطوع به أنّ الإمام(عليه السلام)لم يقترف في جميع فترات حياته ذنباً ولا خطيئة ، فقد كانت حياته تشع بنور التقوى والإيمان ، وتتدفق بروح الهداية والتقوى ، لقد أراد الإمام بذلك أن يعطي للأمة دروساً مشرقة عن المبادئ الأصيلة في الإسلام ، التي تدعو الناس إلى الله ، فقد فتحت لهم باب التوبة ، وليس لمن شذ في سلوكه ، وابتعد عن الطريق القويم أن ييأس من روح الله ، فالطريق مفتوح له إذا تاب وأناب إلى الله ، واقتلع من نفسه نزعة الإثم والعصيان .
وكان من دعائه(عليه السلام) في الاستخارة :
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخيرُكَ بِعِلْمِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاقْضِ لي بِالْخِيَرَةِ ، وَأَلْهِمْنا مَعْرِفَةَ الْإِخْتِيارِ ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ ذَريعَةً إِلَى الرّضا بِما قَضَيْتَ لَنَا وَالتَّسْلِيمِ لِمَا حَكَمْتَ ، فَأَزِحْ عَنَا رَيْبَ الْإِرْتِيابِ (1)، وَأَيَّدْنا بِيَقِينِ الْمُخْلِصِينَ ، وَلا تَسُمْنا (2)عَجْزَ الْمَعْرِفَةِ عَمَّا تَخَيَّرْتَ فَنَغْمِطَ(3)قَدْرَكَ وَنَكْرَهَ مَوْضِعَ رِضاكَ ، وَنَجْنَحَ إِلَى الَّتِي هِيَ أَبْعَدُ مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ ، وَأَقْرَبُ إِلى ضِدُّ الْعافِيَةِ.
حَبِّبْ إِلَيْنا مَا نَكْرَهُ مِنْ قَضائِكَ ، وَسَهِّلْ عَلَيْنَا مَا نَسْتَصْعِبُ مِنْ حُكْمِكَ
وَأَلْهِمْنَا الْإِنْقِيادَ لِمَا أَوْرَدْتَ عَلَيْنَا مِنْ مَشِيَّتِكَ حَتَّى لا نُحِبَّ تَأْخِيرَ ما عَجَّلْتَ ، وَلا تَعْجِيلَ ما أَخَّرْتَ ، وَلا نَكْرَهَ مَا أَحْيَيْتَ ، وَلَا نَتَخَيَّرَ مَا كَرِهْتَ. وَاخْتِمْ لَنا بِالَّتِي هِيَ أَحْمَدُ عاقِبَةٌ ، وَأَكْرَمُ مَصيراً ، إِنَّكَ تُفيدُ الْكَرِيمَةَ وَتُعْطِي الْجَسيمَةَ ، وَتَفْعَلُ ما تُريدُ ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
دلل هذا الدعاء على التجاء الإمام الله في جميع أموره إلى الله ، وأنّه في مهامّه ، يستخير الله ويستر شده ، فإن قضى له بالفعل أتى به وإلّا تركه .
وكان من دعائه(عليه السلام)إذا ابتلي أو رأى مبتلى بفضيحة ذنب :
« اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سِتْرِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ ، وَمُعَافَاتِكَ بَعْدَ خُبْرِكَ فَكُلُّنا قَدِ افْتَرَفَ الْعَائِبَةَ فَلَمْ تَشْهَرْهُ ، وَارْتَكَبَ الْفَاحِشَةَ فَلَمْ تَفْضَحْهُ ، وَتَسَخَّرَ بِالْمَساوِي(2)فَلَمْ تَدْلُلْ عَلَيْهِ(3).
كَمْ نَهى لَكَ قَدْ أَتَيْنَاهُ ، وَأَمْرِ قَدْ وَقَفْتَنا عَلَيْهِ (4)فَتَعَدَّيْناهُ ، وَسَيِّئَةٍ اكْتَسَبْناها ، وَخَطيئَةٍ ارْتَكَبْناها ، كُنْتَ الْمُطَّلِعَ عَلَيْها دونَ النّاظِرينَ ، وَالْقادِرَ عَلَى إِعْلَانِها فَوْقَ الْقادِرِينَ ، كَانَتْ عافِيَتُكَ لَنا (5)حِجاباً دُونَ
أَبْصارِهِمْ ، وَرَدْماً(1)دُونَ أَسْمَاعِهِمْ.
فاجْعَلْ ما سَتَرْتَ مِنَ الْعَوْرَةِ ، وَأَخْفَيْتَ مِنَ الدَّخيلَةِ(2)، واعِظاً لَنا وَزاجِراً عَنْ سُوءِ الْخُلْقِ وَاقْتِرافِ الْخَطِيئَةِ ، وَسَعْياً إِلَى التَّوْبَةِ الْماحِيَةِ ، وَالطَّريقِ الْمَحْمُودَةِ ، وَقَرِّبِ الْوَقْتَ فِيهِ ، وَلَا تَسُمْنَا الْغَفْلَةَ عَنْكَ ، إِنَّا إِلَيْكَ رَاغِبُونَ ، وَمِنَ الذُّنُوبِ تائِبُونَ.
وَصَلِّ عَلى خِيَرَتِكَ اللَّهُمَّ مِنْ خَلْقِكَ ، مُحَمَّدٍ وَعِتْرَتِهِ الصَّفْوَةِ مِنْ بَرِيَّتِكَ الطَّاهِرينَ ، وَاجْعَلْنا لَهُمْ سامِعِينَ وَمُطِيعينَ كَما أَمَرْتَ»(3).
تحدث الإمام(عليه السلام)في هذا الدعاء عن ألطاف الله تعالى على العصاة والمذنبين من عباده ، فلم يفضحهم حين اقترافهم الذنوب ، ولم يشهرهم بين الناس فتسقط مكانتهم الاجتماعية ، وإنما ستر عليهم بستره المرخى لعلهم يرجعون إلى طريق الحق ، وعن الغي يرتدعون .
وكان من دعائه(عليه السلام)في الرضا إذا نظر إلى أصحاب الدنيا :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ رِضَى بِحُكْمِ اللهِ ، شَهِدْتُ أَنَّ اللَّهَ قَسَمَ مَعايِشَ عِبَادِهِ بِالْعَدْلِ ، وَأَخَذَ عَلَى جَميعِ خَلْقِهِ بِالْفَضْلِ(4).
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلَا تَفْتِنّي بِما أَعْطَيْتَهُمْ ، وَلَا تَفْتِنْهُمْ بِما مَنَعْتَني(1)، فَأَجْسُدَ خَلْقَكَ ، وَأَغْمِطَ حُكْمَك(2).
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَطَيِّبْ بِقَضائِكَ نَفْسِي ، وَوَسِّعْ بِمَواقِعِ حُكْمِكَ صَدْرِي ، وَهَبْ لِيَ الثَّقَةَ لَأُقِرَّ مَعَهَا بِأَنَّ قَضَاءَكَ لَمْ يَجْرِ إِلَّا بِالْخِيَرَةِ، وَاجْعَلْ شُكْرِي لَكَ عَلى ما زَوَيْتَ عَنِّي رَ مِنْ شَكْرِي إِيَّاكَ عَلَى ما خَوَّلْتَني ، وَاعْصِمْنِي مِنْ أَنْ أَظُنَّ بِذِي عَدَمٍ خَساسَةٌ(3)، أَوْ أَظُنَّ بِصَاحِبٍ ثَرْوَةٍ فَضْلاً ، فَإِنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْهُ طَاعَتُكَ ، وَالْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْهُ عِبادَتْكَ . فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَمَتِّعْنا بِثَرْوَةٍ لَا تَنْفَدُ ، وَأَيَّدْنا بِعِزَّ لَا يُفْقَدُ ، وَأَسْرِحْنا في مُلْكِ الْأَبَدِ(4)، إِنَّكَ الْواحِدُ الْأَحَدُ(5)الصَّمَدُ(6)، الَّذِي لَمْ تَلِدْ وَلَمْ تُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ كُفُوًا أَحَدٌ »(7).
ونعرض بايجاز إلى بعض المحتويات الرائعة في هذا الدعاء الجليل .
أولاً : ذكر الإمام أن الله تعالى قسم معايش عباده بالعدل ، وفضل بعضهم
1) ولا تفتنهم بما منعتني : أي لا تفتن الناس بما منعتني من الرزق بأن يقولوا : إنّما حجب الله عنّا الرزق لحفاوته وضعته .
2) أغمط حكمك : أي انتقص حكمك .
3) أن أظنّ بذي عدم خساسة : أي أظنّ بالفقير الدناءة والخساسة لفقره .
4) ملك الأبد : هي الجنّة التي لا زوال لها .
5) الأحد : هو الذي لا جزء له .
6) الصمد : السيد الشريف الذي يقصد إليه في الحوائج .
7) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الخامس والثلاثون.
على بعض في الرزق ، وذلك لحكمة لأنهم لو تساووا في أرزاقهم ، لهلكوا جميعاً كما في الحديث .
ثانياً : إنّ الإمام(عليه السلام)سأل الله تعالى أن لا يفتنه بما تفضل به على بعض عباده بالثراء وزيادة النعم ، فيقيه من حسده لهم .
ثالثاً: طلب الإمام(عليه السلام)من الله تعالى أن يعصمه من أن يظن بالفقراء خساسة ، وأنّهم إنّما منعوا من الرزق لنقص فيهم ، كما طلب من الله أن يعصمه من أن يظنّ بصاحب الثراء فضلاً وشرفاً ، فإنّ الشريف هو الذي تشرف بطاعة الله وعبادته .
وكان من دعائه(عليه السلام) إذا نظر إلى السحاب والبرق ، وسمع صوت الرعد :
«اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَيْنِ(1)آيَتانِ مِنْ آيَاتِكَ ، وَهَذَيْنِ عَوْنَانِ مِنْ أَعْوانِكَ ، يَبْتَدِرانِ طاعَتَكَ بِرَحْمَةٍ نافِعَةٍ أَوْ نَقِمَةٍ ضارةٍ ، فَلَا تُمْطِرْنَا بِهِما مَطَرَ السَّوْءِ (2)، وَلَا تُلْبِسْنَا بِهِمَا لِباسَ الْبَلاءِ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنا نَفْعَ هَذِهِ السَّحَائِبِ وَبَرَكَتَها، وَاصْرِفْ عَنّا أَذاها وَمَضَرَّتَها، وَلَا تُصِبْنَا فِيهَا بِآفَةٍ ، وَلَا تُرْسِلْ
عَلَى مَعايشنا عاهَةً .
اللّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ بَعَثْتَها نِقْمَةٌ ، وَأَرْسَلْتَها سَخْطَةٌ ، فَإِنَّا نَسْتَجِيرُكَ مِنْ غَضَبِكَ ، وَتَبْتَهِلُ إِلَيْكَ فِي سُؤالِ عَفْوِكَ ، فَمِلْ بِالْغَضَبِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ،
وَأَدِرْ رَحَى نَقِمَتِكَ عَلَى الْمُلْحدينَ.
اللّهُمَّ أَذْهِبْ مَحْلَ (1)بِلادِنَا بِسُفْياكَ ، وَأَخْرِجْ وَحَرَ(2)صُدُورِنا بِرِزْقِكَ ، وَلَا تَشْغَلْنا عَنْكَ بِغَيْرِكَ ، وَلَا تَقْطَعْ عَنْ كَافَّتِنا مَادَّةَ بِرِّكَ ، فَإِنَّ الْغَنِيَّ مَنْ أَغْنَيْتَ ، وَإِنَّ السَّالِمَ مَنْ وَقَيْتَ ، ما عِنْدَ أَحَدٍ دُونَكَ دِفاعٌ ، وَلَا بِأَحَدٍ عَنْ سَطْوَتِكَ امْتِنَاعٌ ، تَحْكُمُ بِمَا شِئْتَ عَلَىٰ مَنْ شِئْتَ ، وَتَقْضِي بِمَا أَرَدْتَ فيمَنْ أَرَدْتَ .
فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ما وَقَيْتَنا مِنَ الْبَلاءِ(3)، وَلَكَ الشُّكْرُ عَلى ما خَوَّلْتَنا مِنَ النَّعْمَاءِ ، حَمْداً يُخَلَّفُ حَمْدَ الْحامِدِينَ وَرَاءَهُ ، حَمْداً يَمْلَأُ أَرْضَهُ وَسَماءَهُ ، إِنَّكَ الْمَنَانُ بِجَسيم الْمِنَنِ ، الْوَهّابُ لِعَظيمِ النَّعَمِ ، الْقابِلُ يَسير الْحَمْدِ ، الشَّاكِرُ قَليلَ الشُّكْرَ الْمُحْسِنُ الْمُجْمِلُ ذُو الطَّولِ(4)، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ(5).
تحدّث الإمام(عليه السلام) في هذا الدعاء عن السحاب والبرق اللذين هما آيتان من آيات الله عزّ وجلّ ، وعونان من أعوانه ، يرسلهما إما نعمة لعباده ، فيحيي بهما الأرض بعد موتها ، ويجلب بهما النعم والخيرات لهم ، وإما أن يكونا نقمة عليهم ، فيمطرهم مطر السوء ، فيخرب به ديارهم ، ويهلك به زرعهم وحرثهم ويرسل عليهم البرق
مصحوباً بالزلازل المدمرة والمحرقة .
وقد تضرّع الإمام إلى الله تعالى أن يجعل مطر السوء على أعدائه من المشركين والملحدين والمنحرفين ، ويخص المؤمنين والمسلمين بمطر الخير والرحمة ليغنيهم من فضله ، ويرزقهم من نعمته .
وكان من دعائه(عليه السلام)إذا اعترف بالتقصير عن تأدية الشكر له تعالى .
اللهُمَّ إِنَّ أَحَداً لَا يَبْلُغُ مِنْ شُكْرِكَ عَايَةٌ إِلَّا حَصَلَ عَلَيْهِ مِنْ إِحْسَانِكَ ما يُلْزِمُهُ شُكْرَكَ ، وَلَا يَبْلُغُ مَبْلَغاً مِنْ طَاعَتِكَ ، وَإِنِ اجْتَهَدَ إِلَّا كَانَ مُقَصِّراً دُونَ اسْتِحْفَاقِكَ بِفَضْلِكَ ، فَأَشْكَرُ عِبادِكَ عاجِزٌ عَنْ شُكْرِكَ ، وَأَعْبَدُهُمْ لَكَ مُقَصِّرٌ عَنْ طَاعَتِكَ.
لَا يَجِبُ لأَحَدٍ أَنْ تَغْفِرَ لَهُ بِاسْتِحْقاقِهِ ، وَلَا يَحِنُّ لَهُ أَنْ تَرْضَى عَنْهُ باستيجابه .
فَمَنْ غَفَرْتَ لَهُ فَبِطَوْلِكَ (1)، وَمَنْ رَضِيتَ عَنْهُ فَبِفَضْلِكَ ، تَشْكُرُ يسيرَ ما شُكِرْتَهُ ، وَتُثيبُ عَلى قَليْلِ ما تُطَاعُ فِيهِ ، حَتَّى كَأَنَّ شُكْرَ عِبادِكَ الَّذِي أَوْجَبْتَ عَلَيْهِ ثَوابَهُمْ ، وَأَعْظَمْتَ فِيهِ جَزَاءَهُمْ ، أَمْرٌ مَلَكُوا اسْتِطَاعَةَ الْإِمْتِناعِ مِنْهُ دُونَكَ فَكافَأْتَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ بِيَدِكَ فَجازَيْتَهُمْ ، بَلْ مَلَكْتَ يا إلهي أَمْرَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكُوا عِبادَتَكَ ، وَأَعْدَدْتَ ثَوابَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَفِيضُوا
1) فبطولك : أي فبإحسانك .
فى طاعَتِكَ (1)، وَذَلِكَ أَنَّ سُنَّتَكَ الْإِفْضالُ ، وَعادَتَكَ الْإِحْسَانُ ، وَسَبِيلَكَ الْعَفْوُ.
فَكُلُّ الْبَرِيَّةِ مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّكَ غَيْرُ ظالِم لِمَنْ عَاقَبْتَ ، وَشَاهِدَةٌ بِأَنَّكَ مُتَفَضّلٌ عَلى مَنْ عَافَيْتَ ، وَكُلٌّ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّقْصِيرِ عَمَا اسْتَوجَبْتَ ، فَلَوْلَا أَنَّ الشَّيْطَانَ يَخْتَدِعُهُمْ(2)عَنْ طَاعَتِكَ ما عَصاكَ عاصِ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ صَوَّرَ لَهُمُ الباطِلَ فى مِثالِ الْحَقِّ ما ضَلَّ عَنْ طَريقِكَ ضال .
فَسُبْحانَكَ ما أَبْيَنَ كَرَمَكَ(3)فى مُعامَلَةِ مَنْ أَطاعَكَ أَوْ عَصاكَ ! تَشْكُرُ الْمُطِيعَ عَلى ما أَنْتَ تَوَلَّيْتَهُ لَهُ (4)، وَتُمْلي لِلْعاصي فيما تَمْلِكُ مُعاجَلَتَهُ فيهِ ، أَعْطَيْتَ كُلاً مِنْهُما ما لَا يَجِبُ لَهُ ، وَتَفَضَّلْتَ عَلى كُلِّ مِنْهُما بِما يَقْصُرُ عَمَلُهُ عَنْهُ ، وَلَوْ كافَاتَ الْمُطِيعَ عَلَى مَا أَنْتَ تَوَلَّيْتَهُ لَهُ لَأَوْشَكَ أَنْ يَفْقِدَ ثَوابَكَ ، وَأَنْ تَزُولَ عَنْهُ نِعْمَتَكَ ، وَلَكِنَّكَ بِكَرَمِكَ جَازَيْتَهُ عَلَى الْمُدَّةِ القصيرَةِ الْفانِيَةِ بِالْمُدَّةِ الطَّويلَةِ الْخالِدَةِ، وَعَلَى الْعَايَةِ الْقَرِيبَةِ الزَّائِلَةِ بِالْغَايَةِ(5)الْمَديدَةِ (6)الْباقِيَةِ.
ثُمَّ لَمْ تَسُمْهُ الْقِصَاصَ فيما أَكَلَ مِنْ رِزْقِكَ الَّذِي يَقْوى بِهِ عَلَى طَاعَتِكَ ، وَلَمْ تَحْمِلْهُ عَلَى الْمُناقَشَةِ فِي الْآلَاتِ(1)الَّتِي تَسَبَّبَ بِاسْتِعْمَالِهَا إِلَى مَغْفِرَتِكَ ، وَلَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِهِ لَذَهَبَ جَميعُ مَا كَدَحَ لَهُ ، وَجُمْلَهُ مَا سَعَى فيهِ جَزَاءً لِلصُّغْرى(2)مِنْ أياديكَ وَمِنَتِكَ ، وَلَبَقِيَ رَهْناً بَيْنَ يَدَيْكَ بِسائِرِ نِعَمِكَ ، فَمَتى كانَ يَستَحِقُّ شَيْئاً مِنْ ثَوابِكَ ؟ لا، مَتى ؟
فَهَذِهِ يا إلهي حالُ مَنْ أَطاعَكَ ، وَسَبِيلُ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ ، فَأَمَّا الْعاصي أَمْرَكَ ، وَالْمُواقِعُ (3)نَهْيَكَ ، فَلَمْ تُعاجِلْهُ بِنِقْمَتِكَ لِكَيْ يَسْتَبْدِلَ بِحالِهِ فِي
(3) مَعْصِيَتِكَ حالَ الْإِنابَةِ إِلى طَاعَتِكَ ، وَلَقَدْ كَانَ يَسْتَحِقُ يَا إِلهِي فِي أَوَّلِ ما هَمَّ بِعِصْيانِكَ كُلَّ ما أَعْدَدْتَ لِجَمِيعِ خَلْقِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، فَجَميعُ ما أَخَّرْتَ عَنْهُ مِنْ وَقْتِ الْعَذابِ ، وَأَبْطَأتَ عَلَيْهِ مِنْ سَطَواتِ النِّقْمَةِ وَالْعِقابِ ، تَرْكٌ مِنْ حَقِّكَ وَرِضَى بِدُونِ واجِبكَ.
فَمَنْ أَكْرَمُ يا إلهى مِنْكَ ؟ وَمَنْ أَشْقَى مِمَّنْ هَلَكَ عَلَيْكَ ؟ لَا ، مَن ؟! فَتَبارَكْتَ أَنْ تُوصَفَ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ ، وَكَرُمْتَ أَنْ يُحَافَ مِنْكَ إِلَّا الْعَدْلُ ، لَا يُخْشَى جَوْرُكَ عَلى مَنْ عَصَاكَ ، وَلَا يُخافُ إِغْفالُك ثَوابَ مَنْ أَرْضاك .
فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَهَبْ لي أَمَلي، وَزِدْنِي مِنْ هُداك ما أَصِلُ بِهِ
إِلى التَّوْفِيقِ في عَمَلي ، إِنَّكَ مَنَانٌ كَريمٌ »(1).
ونقف وقفة قصيرة للنظر في معطيات هذا الدعاء الجليل ، الذي احتوى على ما يلي :
أوّلاً: إنّ ألطاف الله تعالى ونعمه على عباده لا تحصى ، وإن الشاكر له مهما بلغ في شكره ، فإنّه لا يؤدّي ما عليه من حق ، لأنّ الأدوات التي يشكر بها كلها معطاة من الله تعالى ، وهي تستحق الشكر .
ثانياً : إنّ الإنسان مهما اجتهد في طاعة الله وعبادته فإنّه مقصّر في ذلك بسبب ألطاف الله اللامتناهية على عباده .
ثالثاً : إنّ الله تعالى إذ يتفضّل على المؤمنين من عباده بالمغفرة وتعويضهم عن أعمالهم الخيّرة بالفردوس الأعلى ، فإنّ ذلك ليس على سبيل الاستحقاق لهم عليه ، وإنّما هو من باب الفضل واللطف منه تعالى ، وقد دلّل على ذلك بصورة موضوعيّة في البحوث الكلامية .
رابعاً : إنّ الذي يخدع الناس عن طاعة الله تعالى ، ويغريهم بالمعاصي إنّما هو الشيطان الرجيم، ولولاه ما ضل عن الطريق ضال ، ولا غوى أحد .
خامساً : إنّ الله تعالى يشكر المطيعين من عباده ، ويمهل العاصين منهم ، فلم يجعل لهم العقوبة ، ولو عاجلهم بها ما ترك عليها من دابة .
سادساً : إن الله تعالى يجازي الصالحين من عباده في الدار الآخرة التي لا انقضاء لها ، فيهبهم جنّة المأوى يتبوّون فيها حيثما شاؤوا .
هذه بعض محتويات هذا الدعاء الجليل .
1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء السابع والثلاثون.
وكان من دعائه(عليه السلام) إذا نعي إليه ميت أو إذا ذكر الموت :
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاكْفِنا طُولَ الْأَمَلِ ، وَقَصِّرْهُ عَنَا بِصِدْقِ الْعَمَلِ ، حَتَّى لَا تُؤَمِّلَ اسْتِثْمَامَ سَاعَةٍ بَعْدَ سَاعَةٍ ، وَلَا اسْتِيفاءَ يَوْمٍ بَعْدَ يَوْمٍ ، وَلَا اتصالَ نَفَسٍ بِنَفَسٍ ، وَلَا لُحُوقَ قَدَمٍ بِقَدَمٍ ، وَسَلِّمْنَا مِنْ غُرُورِهِ ، وَآمِنًا مِنْ شُرورِهِ .
وَانْصِبِ الْمَوْتَ بَيْنَ أَيْدِينَا نَصْباً ، وَلَا تَجْعَلْ ذِكْرَنَا لَهُ غِبَاً(1)، وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ صَالِحٍ الْأَعْمَالِ عَمَلاً نَسْتَبْطِئُ مَعَهُ الْمَصِيرَ إِلَيْكَ ، وَنَحْرِصُ لَهُ عَلَى وَشْكِ اللحاقِ بِكَ ، حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ مَأْنَسَنَا الَّذِي نَأْنَسُ بِهِ ، وَمَأْ لَفَنا الَّذِي نشتاقُ إِلَيْهِ ، وَحامتَنا (2)التى نُحِبُّ الدُّنْوَ مِنْها .
فَإِذا أَوْرَدْتَهُ عَلَيْنَا ، وَأَنْزَلْتَهُ بنا ، فَأَسْعِدْنَا بِهِ زائِراً ، وَآئِسْنَا بِهِ قادِماً ، وَلَا تُشْقِنَا بِضِيافَتِهِ ، وَلَا تُخْزِنَا بِزِيارَتِهِ ، وَاجْعَلْهُ باباً مِنْ أَبْوابِ مَغْفِرَتِكَ، وَمِفْتاحاً مِنْ مَفاتيح رَحْمَتِكَ. أَمِتْنَا مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ ، طائِعِينَ غَيْرَ مُسْتَكْرِهِينَ ، تائِبِينَ غَيْرَ عاصينَ وَلَا مُصِررِّينَ ، يَا ضَامِنَ جَزَاءِ الْمُحْسِنِينَ ،
وَمُسْتَصْلِحَ عَمَل الْمُفْسِدِينَ »(3).
إنّ طول الأمل ممّا يصدّ الإنسان عن الأعمال الصالحة الأعمال الصالحة ، وينسيه الدار الآخرة ، وقد استعاذ الإمام الا بالله منه ، وتضرع إليه تعالى أن يجعله نصب عينه لا ينساه لحظة من حياته ليعمل لدار القرار، وحتّى يأنس بالموت إذا وفد عليه .
وكان من دعائه(عليه السلام)في طلب الستر والوقاية :
« اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَفْرِشْنِي مِهادَ كَرَامَتِكَ (1)، وَأَوْرِدْني مَشارِعَ (2)رَحْمَتِكَ ، وَأَحْلِلْني بُحْبُوحَة(3)جَنَّتِكَ ، وَلَا تَسُمْني بِالرَّدِّ عَنْكَ(4)، وَلَا تَحْرِمْني بِالْخَيْبَةِ مِنْكَ ، وَلَا تُقاصَّني بِما اجْتَرَحْتُ (5)، وَلَا تُناقشني (6)بِمَا اكْتَسَبْتُ ، وَلَا تُبْرِزْ مَكْتُومي ، وَلَا تَكْشِفْ مَسْتُوري ، وَلَا تَحْمِلْ عَلَى مِيزَانِ الإِنصافِ (7)عَمَلي وَلَا تُعْلِنْ عَلى عُيُونِ الْمَلَا خَبَرِي ، أَخْفِ عَنْهُمْ مَا يَكُونُ نَشْرُهُ عَلَيَّ عاراً ، وَاطْوِ عَنْهُمْ مَا يُلْحِقُني عِنْدَكَ شَناراً (8).
شَرِّفْ دَرَجَتي بِرِضْوانِكَ ، وَأَكْمِلْ كَرَامَتِي بِغُفْرانِكَ ، وَأَنْظِمْني(1)في أَصْحَابِ الْيَمِينِ(2)، وَوَجَّهْني في مَسالِكِ الْآمِنِينَ ، وَاجْعَلْني فِي فَوْجِ(3)الْفائِزینَ ، وَاعْمُرْ بِي مَجالِسَ الصَّالِحينَ ، آمينَ رَبَّ الْعالَمينَ »(4)
هنا تضرّع الإمام إلى الله تعالى خاشعاً ، وطالباً منه أن يحلّه مهاد كرامته ، ويورده مشارع رحمته ، ويمن عليه بالفردوس الأعلى ، ولا يسمه بالردّ ، ولا يحرمه بالخيبة ، كما طلب منه الستر والوقاية في الدار الآخرة ، وأن يشرف درجته برضوانه ، ويكمل كرامته بغفرانه .
إنّ هذا الإمام العظيم لا يحيط الوصف بحقيقة تقواه ، ولا يلم اللفظ بورعه وكماله ، وشدّة إنابته إلى الله تعالى
وكان من دعائه(عليه السلام)إلى نظر إلى الهلال :
«أَيُّهَا الْخَلْقُ (5)المُطيعُ(6)الدّائِبُ (7)السَّرِيعُ ،الْمُتَرَدِّدُ (8)في مَنازِلِ
1) وانظمني : أي اجعلني واسلكني .
2) أصحاب اليمين : هم الذين يؤخذ بهم إلى الجنّة ، ويقابلهم أصحاب الشمال.
3) الفوج : الجماعة.
4) الصحيفة السجادية : الدعاء الحادي والأربعون .
5) الخلق : أراد به المخلوق .
6) المطيع : أي مطيع الله تعالى .
7) الدائب : أي المستمر في عمله .
8) المتردّد : أي متردّد بمجيئه وذهابه.
التَّقْدِيرِ(1)، الْمُتَصَرِّفُ فِي فَلَكِ التَّدْبِيرِ.
آمَنْتُ بِمَنْ نَوَّرَبِكَ الظُّلَمَ ، وَأَوْضَحَ بِكَ الْبُهَمَ (2)، وَجَعَلَكَ ايَةً مِنْ آيَاتِ مُلْكِهِ(3)، وَعَلَامَةٌ مِنْ عَلاماتِ سُلْطانِهِ ، وَامْتَهَنَكَ (4)، بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصانِ ، وَالطُّلُوعِ وَالْأُقُولِ(5)، وَالْإِنارَةِ وَالْكُسُوفِ (6)فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنْتَ لَهُ مُطِيعٌ ، وَإِلَى إِرادَتِهِ سَريعُ .
سُبْحانَهُ ما أَعْجَبَ مَا دَبَّرَ فِي أَمْرِكَ ، وَأَلْطَفَ ما صَنَعَ فِي شَأْنِكَ ، جَعَلَكَ مِفْتَاحَ شَهْرٍ حادِثِ لأَمْرِ حادِثِ .
فَأَسْأَلُ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكَ ، وَخالِقي وَخالِقَكَ ، وَمُقَدِّري وَمُقَدِّرَكَ ، وَمُصَوَّرِي وَمُصوِّرَكَ ، أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَنْ يَجْعَلَكَ هِلالَ بَرَكَةٍ لَا تَمْحَقُها(7)الْأَيَّامُ ، وَطَهَارَةٍ لَا تُدَنِّسُها الآثامُ .
هِلَالَ أَمْنِ مِنَ الْآفاتِ ، وَسَلَامَةٍ مِنَ السَّيِّئاتِ ، هِلَالَ سَعْدٍ لَا نَحْسَ فِيهِ ، وَيُمْنِ لَا نَكَدَ مَعَهُ ، وَيُسْرِ لَا يُمازِجُهُ عُسْرٌ ، وَخَيْرٍ لَا يَشُوبُهُ شَرٌّ ، هِلَالَ
1) منازل التقدير : أي المنازل التي قدّرها له الله .
2) البهم : الغوامض ، جمع بهمة أي الشيء الغامض .
3) آیات ملكه : أي علامة على أنه تعالى مالك للكون.
4) وامتهنك : أي استعملك في المهنة ، أي الحرفة .
5) الأقول : الغروب .
6) الكسوف : ويحدث عندما تحول الأرض بينه وبين نور الأرض .
7) لا تمحقها : أي لا تبطلها
أَمْنِ وَإِيمانٍ ، وَنِعْمَةٍ وَإِحْسانٍ ، وَسَلامَةٍ وَإِسْلامِ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَرْضى مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ ، وَأَزْكَى مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ ، وَأَسْعَدَ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ فيهِ ، وَوَفِّقْنا فيهِ لِلتّوبَةِ ، وَاعْصِمْنَا فِيهِ مِنَ الْحَوْبَةِ ، وَاحْفَظْنَا فِيهِ مِنْ مُباشَرَةِ مَعْصِيَتِكَ ، وَأَوْزِعْنا فيهِ(1)شُكْرَ نِعْمَتِكَ ، وَأَلْبِسْنَا فِيهِ جُنَنَ الْعافِيَةِ(2)، وَأَتْمِمْ عَلَيْنا بِاسْتِكْمال طاعَتِكَ فيهِ الْمِنَّةَ ، إِنَّكَ الْمَنّانُ الحَميدُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ (3).
وتحدّث الإمام(عليه السلام) في هذا الدعاء عن آية من آيات الله العظام ، وهو القمر الكوكب الرائع الجميل ، الذي زيّن الله به سماء الدنيا ، وجعل له منازلاً يسير فيها بمسيرة مرتبة ومنظمة تنظيماً دقيقاً ، ففي طلوعه وأفوله وإنارته وكسوفه آيات رائعة على وجود الخالق الحكيم ، وعظمة تدبيره ، وعجيب صنعه ، وقد سأل الإمام(عليه السلام)من الله أن يجعل له الخير فيه ، ويجعله هلال أمن من الآفات وسلامة من السيئات ، ويجعله هلال سعد لا نحس فيه .
إلى غير ذلك من المطالب الحسان التي سأل الإمام من الله تعالى أن يحققها له .
وكان من دعائه(عليه السلام) في دفاع كيد الأعداء ، وردّ بأسهم هذا الدعاء الجليل ،
ويسمى بالجوشن(1)الصغير .
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الدعاء غير الدعاء المروي عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) المسمى بالجوشن الصغير :
« إلهِي هَدَيْتَنِي فَلَهَوْتُ ، وَوَعَظتَ فَفَسَوْتُ ، وَأَبْلَيْتَ الجَميل فَعَصَيْتُ ، ثُمَّ عَرَفْتُ ما أَصْدَرْتَ إِذْ عَرَّفْتَنيهِ ، فَاسْتَغْفَرْتُ فَأَقَلْتَ ، فَعُدْتُ فَسَتَرْتَ ، فَلَكَ إِلهي الْحَمْدُ .
تَقَدَّمْتُ أَوْدِيَةَ الْهَلَاكِ ، وَحَلَلْتُ شِعابَ (2)تَلَفٍ تَعَرَّضْتُ فيها لِسَطَواتِكَ ، وَبِحُلُولِها عُقُوباتِكَ ، وَوَسيلَتِي إِلَيْكَ التَّوْحِيدُ ، وَذَريعَتي أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِكَ شَيْئاً ، وَلَمْ أَتَّخِذْ مَعَكَ إِللَهَا ، وَقَدْ فَرَرْتُ إِلَيْكَ بِنَفْسِي ، وَإِلَيْكَ مَفَرُّ الْمُسيءِ ، وَمَفْزَعُ الْمُضَيَّعِ لِحَظَّ نَفْسِهِ الْمُلْتَجِي.
فَكَمْ مِنْ عَدُوٌّ انْتَضى(3)عَلَيَّ سَيْفَ عَداوَتِهِ ، وَشَحَذَ لي ظُبَةَ مُدْيَتِهِ(4)، وَأَرْهَفَ لي شَبا حَدِّهِ (5)، وَدافَ (6)لي قَواتِلَ سُمُومِهِ ، وَسَدَّدَ نَحْوي صَوائِبَ(7)سِهامِهِ ، وَلَمْ تَنَمْ عَنِّي عَيْنُ حِراسَتِهِ ، وَأَضْمَرَ أَنْ يَسُومَني
الْمَكْرُوهَ ، وَيُجَرِّ عَني زُعافَ (1)مَرَارَتِهِ .
فَنَظَرْتَ يا إِلهِي إِلَى ضَعْفِي عَنِ احْتِمَالِ الْفَوَادِح ، وَعَجْزِي عَنِ الْإِنْتِصارِ مِمَّنْ قَصَدَني بِمُحارَبَتِهِ ، وَوَحْدَتي فِي كَثِيرٍ عَدَدِ مَنْ نا وَأَني وَأَرْصَدَ لِيَ الْبَلاءَ فيما لَمْ أَعْمِلْ فِيهِ فِكْرِي ، فَابْتَدَ أَتَني بِنَصْرِكَ ، وَشَدَدْتَ أَزْري(2)بِقُوَّتِكَ ، ثُمَّ فَلَلْتَ لي حَدَّهُ (3)وَصَيَّرْتَهُ مِنْ بَعْدِ جَمْعِ عَدِيدٍ وَحْدَهُ ، وَأَعْلَيْتَ كَعْبي(4)عَلَيْهِ ، وَجَعَلْتَ ما سَدَّدَهُ مَرْدُوداً عَلَيْهِ ، فَرَدَدْتَهُ لَمْ يَشْفِ غَيْظَهُ ، وَلَمْ يَسْكُنْ غَلِيلُهُ ، قَدْ عَضَّ على شواهُ (5)، وَأَدْبَرَ مُوَلِّياً قَدْ أَخْلَفَتْ سَراياه(6).
وَكَمْ مِنْ باغِ بَغاني بِمَكائِدِهِ ، وَنَصَبَ لي شِراكَ مَصَائِدِهِ ، وَوَكَّلَ بي تَفَقَّدَ رِعايَتِهِ ، وَأَضْبَأَ(7)إِلَيَّ إِضْباءَ السَّبُعُ لِطَريدَتِهِ انْتِظاراً لإِنْتِهَازِ الْفُرْصَةِ لِفَرِيسَتِهِ ، وَهُوَ يُظْهِرُ لِي بَشاشَةَ الْمَلَقِ ، وَيَنْظُرُني عَلى شِدَّةِ الْحَنَقِ. فَلَمّا رَأَيْتَ - يا إلهي تَبَارَكْتَ وَتَعالَيْتَ - دَغَلَ (8)سَريرَتِهِ ، وَقُبْحَ (8)
مَا انْطَوَى عَلَيْهِ ، أَرْ كَسْتَهُ لِأُمِّ رَأْسِهِ فِي زُبْيَتِهِ(1)، وَرَدَدْتَهُ فِي مَهْوى حُفْرَتِهِ ، فانْقَمَعَ (2)بَعْدَ اسْتِطَالَتِهِ ذَليلاً فِي رِبَقِ حِبالَتِهِ(3)الَّتِي كَانَ يُقَدِّرُ أَنْ يَرَانِيَ فيها ، وَقَدْ كادَ أَنْ يَحُلَّ بي لَوْلَا رَحْمَتُكَ ما حَلَّ بِسَاحَتِهِ .
وَكَمْ مِنْ حَاسِدٍ قَدْ شَرِقَ بي بِغُصَّتِهِ ، وَشَجِيَ مِنِّي بِغَيْظِهِ ، وَسَلَقَني(4)بِحَدٌ لِسانِهِ ، وَوَحَرَني(5)بِقَرْفِ (6)عُيُوبِهِ ، وَجَعَل عِرْضی(7)غَرَضاً لِمَراميه (8)، وَقَلَّدَني خِلَالاً(9)لَمْ تَزَلْ فِيهِ ، وَوَحَرَنِي بِكَيْدِهِ ، وَقَصَدَني بِمَكيدَتِهِ .
فَنادَيْتُكَ - يا إلهي- مُسْتَغيثاً بِكَ ، واثقاً بِسُرْعَةِ إِجابَتِكَ، عَالِماً أَنَّهُ لَا يُضْطَهَدُ مَنْ أَوِى إِلَى ظِلَّ كَنَفِكَ ، وَلَا يَفْزَعُ مَنْ لَجَأَ إِلى مَعْقِلِ انْتِصارِكَ، فَحَصَّنْتَنِي مِنْ بَأْسِهِ بِقُدْرَتِكَ .
وَكَمْ مِنْ سَحَائِبِ مَكْرُوهِ جَلَّيْتَهَا عَنِّي ، وَسَحَائِبٍ نِعَمِ أَمْطَرْتَهَا عَلَيَّ ،
وَجَدَاوِلِ رَحْمَةٍ نَشَرْتَها(1)، وَعافِيَةٍ أَلْبَسْتَها، وَأَعْيُنِ أَحْداثٍ طَمَسْتَها(2)، وَغَواشِيَ كُرُبَاتٍ كَشَفْتَها .
وَكَمْ مِنْ ظَنَّ حَسَنٍ حَقَّقْتَ، وَعَدَمٍ جَبَرْتَ ، وَصَرْعَةٍ(3)أَنْعَشْتَ ، وَمَسْكَنَةٍ حَوَّلْتَ(4). كُلُّ ذلِكَ إِنْعاماً وَتَطَوُّلاً مِنْكَ، وَفِي جَمِيعِهِ انْهِماكاً مِنّي عَلى مَعاصِيكَ، لَمْ تَمْنَعْكَ إِساءَتِي عَنْ إِثْمَامِ إِحْسانِكَ ، وَلَاحَجَرَني (5)ذلِكَ عَنِ ارْتِكَابِ مَساخِطِكَ ، لَا تُسْأَلُ عَمّا تَفْعَلُ . وَلَقَدْ سُئِلْتَ فَأَعْطَيْتَ ، وَلَمْ تُسْأَلْ فَابْتَدَأْتَ ، وَاسْتُمِيحَ فَضْلُكَ فَمَا أَكْدَيْتَ(6)،أَبَيْتَ - يا مَوْلَايَ - إِلَّا إِحْسَاناً وَامْتِناناً ، وتَطَوُّلاً (7)وَإِنْعاماً ، وَأَبَيْتُ إِلَّا تَقَحُماً لِحُرُماتِكَ (8)، وَتَعَدِّياً لِحُدُودِكَ ، وَ غَفْلَةً عَنْ وَعِيدِكَ ، فَلَكَ الْحَمْدُ إلهي - مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ ، وَذي أَناةٍ(9)لَا يَعْجَلُ . هذا مَقامُ مَنِ اعْتَرَفَ بِسُبُوعِ النَّعَمِ ، وَقابَلَها بِالتَّقْصِيرِ ، وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّضْييعِ .
اللهُمَّ فَإِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِالْمُحَمَّدِيَّةِ (1)الرَّفِيعَةِ ، وَالْعَلَوِيَّةِ(2)الْبَيْضَاءِ ،وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِهِما أَنْ تُعيذَني مِنْ شَرِّ كَذَا وَكَذا ] (3)، فَإِنَّ ذلِكَ لَا يَضِيقُ عَلَيْكَ فِي وُجْدِكَ(4)، وَلَا يَتَكَأَدكَ (5)فِي قُدْرَتِكَ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ.
فَهَبْ لي يا إلهي مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَدَوامِ تَوْفِيقِك ، ما اتَّخِذُهُ سُلَّماً أَعْرُجُ بِهِ(6)إِلى رِضْوانِكَ ، وَآمَنُ بِهِ مِنْ عِقابِكَ ، يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ »(7).
لقد مرت على الإمام(عليه السلام) أزمات سياسية شاقة وعسيرة ، فقد تعرّض لضغط هائل أيّام الحكم الأموي ، إذ فرضت عليه السلطة الرقابة الشديدة ، وكانت تحصي عليه أنفاسه ، وقابلته بمزيد من الشدّة والقسوة .
لقد حكت هذه الوثيقة من الدعاء ما عاناه الإمام من ضروب المحن ، وصنوف البلاء من خصومه السياسيين ، وما دبّروا له تارة من المؤامرات التي كادت تؤدّي بحياته ، وأخرى ما كانوا يبغون له من الغوائل، وما يكيدون له في وضح النهار ، وفي غلس الليل للقضاء عليه ، فقد نصبوا له شرائك مصائدهم ، قد ملئت قلوبهم بالحقد عليه ، ولكن الله تعالى بلطفه وفضله عليه ردّ كيدهم إلى نحورهم ، فأركسهم
1) المحمّديّة : هي دين الإسلام الحنيف.
2) العلوية : هي الولاء والتديّن بولاية رائد الحق والعدل الامام أمير المؤمنين(عليه السلام)
3) من شرّ كذا وكذا : وهو الشيء الذي يخاف ويحذر منه .
4) في وُجدك : أي في ما تقدر عليه
5) لا يتكأدك : أي لا يشق عليك .
6) عرج به : أصعد به .
7) لصحيفة السجادية : الدعاء التاسع والأربعون .
في الفتنة ، وصبّ عليهم العذاب الأليم ، وأنقذ الإمام من شرورهم .
وكان من دعائه(عليه السلام)في الرهبة ، هذا الدعاء الجليل
اللهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَني سَوِيّاً(1)، وَرَبَّيْتَنِي صَغِيراً ، وَرَزَقْتَنِي مَكْفِياً (2).
اللهُمَّ إِنِّي وَجَدْتُ فيما أَنْزَلْتَ مِنْ كِتابِكَ ، وَبَشَّرْتَ بِهِ عِبَادَكَ ، أَنْ قُلْت : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً »(3).
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنّي ما قَدْ عَلِمْتَ ، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي ، فَيا سَوْأَتا مِمَا أَحْصَاهُ عَلَيَّ كِتابُكَ ، فَلَولَا الْمَوَاقِفُ الَّتي أُؤَمِّلُ مِنْ عَفْوِكَ الَّذِي شَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ لَأَلْقَيْتُ بِيَدي(4)وَلَوْ أَنَّ أَحَداً اسْتَطَاعَ الْهَرَبَ مِنْ رَبِّهِ ، لَكُنْتُ أَنَا أَحَقُّ بِالْهَرَبِ مِنْكَ ، وَأَنْتَ لا تَخْفَىٰ عَلَيْكَ حَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّماءِ إِلَّا أَتَيْتَ بِها ، وَكَفَى بِكَ جَازِياً ، وَكَفَى بِكَ حَسيباً .
اللهُمَّ إِنَّكَ طالبي إِنْ أَنَا هَرَبْتُ ، وَمُدْرِكي إِنْ أَنَا فَرَرْتُ ، فَهَا أَنَادًا بَيْنَ يَدَيْكَ حَاضِعٌ ذَليلٌ راغِمٌ ، إِنْ تُعَذِّبْني فَإِنِّي لِذَلِكَ أَهْلٌ ، وَهُوَ يارَبِّ مِنْكَ
عَدْلٌ ، وَإِنْ تَعْفُ عَنِّي فَقَدِيماً شَمَلَنِي عَفْوُكَ ، وَأَلْبَسْتَنِي عَافِيَتَكَ .
فَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِالْمَخْرُونِ مِنْ أَسْمائِكَ ، وَبِما وارَتْهُ الْحُجُبُ مِنْ بَهَائِكَ ، إِلَّا رَحِمْتَ هَذِهِ النَّفْسَ جَزُوعةَ ، وَهذِهِ الرَّمَّةَ (1)الْهَلوعَۀَ، الَّتي لَا تَسْتَطِيعُ حَرَّ شَمْسِكَ ، فَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ حَرَّ نَارِكَ ؟ وَالَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ صَوْتَ رَعْدِكَ ، فَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ صَوْتَ غَضَبِكَ ؟
فَارْحَمْنِي اللَّهُمَّ فَإِنِّي امْرُؤٌ حَقِيرٌ ، وَخَطَري(2)يَسِيرٌ ، وَلَيْسَ عَذَابِي مِمَّا يَزيدُ فِي مُلْكِكَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، وَلَوْ أَنَّ عَذَابِي مِمَّا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ لَسَأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ لَكَ ، وَلَكِنَّ سُلْطَانَكَ اللَّهُمَّ أَعْظَمُ ، وَمُلْكَكَ أَدْوَمُ مِنْ أَنْ تَزِيدَ فِيهِ طاعَةُ الْمُطيعينَ ، أَوْ تَنْقُصَ مِنْهُ مَعْصِيَةُ
الْمُذْنِبِينَ.
فارْحَمْني يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ، وَتَجاوَزْ عَنّي يَا ذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ، وَتُبْ عَلَيَّ ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (3).
واحتوى هذا الدعاء الجليل على تضرّع الإمام(عليه السلام)وتوسله إلى الله تعالى راجياً منه أن يمن عليه بالرحمة والغفران ، وأن يتلطّف عليه بعفوه الذي شمل كلّ شيء ، كما احتوى على الفزع والخوف من عذاب الله ، فإنّ هذه النفس لا تستطيع مقاومة حرارة الشمس ، فكيف تستطيع أن تقاوم وتصبر على نار جهنم وأهوالها ؟
ولنستمع بعد هذا إلى دعاء آخر من أدعيته :
إلهي أَحْمَدُكَ وَأَنْتَ لِلْحَمْدِ أَهْلَ عَلَى حُسْنِ صَنيعِكَ إِلَيَّ ، وَسُبُوعِ نَعْمَائِكَ عَلَيَّ ، وَجَزِيلِ عَطائِكَ عِنْدِي ، وَعَلَى مَا فَضَّلْتَني مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَأَسْبَغْتَ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَتِكَ ، فَقَدِ اصْطَنَعْتَ عِنْدي مَا يَعْجِزُ عَنْهُ شُكْري . وَلَوْلَا إِحْسانُكَ إِلَيَّ ، وَسُبُوعُ نَعْمَائِكَ عَلَيَّ مَا بَلَغْتُ إِحْرازَ حَظَّي ، وَ لَا إِصْلَاحَ نَفْسِي ، وَلَكِنَّكَ ابْتَدَأْتَني بِالْإِحْسَانِ ، وَرَزَقْتَنِي فِي أُمُوري كُلَّها الْكِفايَةَ ، وَصَرَفْتَ عَنِّي جَهْدَ الْبَلاءِ، وَمَنَعْتَ مِنِّي مَحْذُورَ الْقَضاءِ.
إلهي فَكَمْ مِنْ بَلاءِ جاهِدٍ(1)قَدْ صَرَفْتَ عَنِّي ؟ وَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ سَابِغَةٍ أَقْرَرْتَ بِها عَيْني ؟ وَكَمْ مِنْ صَنيعَةٍ كَريمَةٍ لَكَ عِنْدِي ؟ أَنْتَ الَّذى أَجَبْتَ عِنْدَ الْإِضْطِرارِ دَعْوَتِي ، وَأَقَلْتَ عِنْدَ الْعِمَّارِ زَلَّتِي ، وَأَخَذْتَ لِي مِنَ الْأَعْدَاءِ بِظُلَامَتي.
إلهي ما وَجَدْتُكَ بخيلاً حينَ سَأَلْتُكَ ، وَلَا مُنْقَبضاً حينَ أَرَدْتُكَ ، بَلْ وَجَدْتُكَ لِدُعائِيَ سامِعاً ، وَلِمَطالِبي مُعْطِياً ، وَوَجَدْتُ نُعْماكَ عَلَيَّ سابِغَةٌ فِي كُلِّ شَأْنٍ مِنْ شَأْني ، وَكُلِّ زَمَانٍ مِنْ زَمَانِي ، فَأَنْتَ عِنْدِي مَحْمُودٌ ، وَصَنيعُكَ لَدَيَّ مَبْرُورٌ.
1) بلاء جاهد : أي موجب للمشقة .
تَحْمَدُكَ نَفْسي وَلِسانِي وَعَقْلِي ، حَمْداً يَبْلُغُ الْوَفاءَ وَحَقيقَةَ الشَّكْرِ، حَمْداً يَكُونُ مَبْلَغَ رِضاكَ عَنِّي ، فَنَجِّني مِنْ سَخَطِكَ .
یا كَهْفى حينَ تُعْيِينِى الْمَذاهِبُ وَيا مُقيلى عَشْرَتي ، فَلَوْلَا سَتْرُكَ عَوْرَتي لَكُنْتُ مِنَ الْمَفْضُوحِينَ، وَيَا مُؤَيَّدي بِالنَّصْرِ ، فَلَوْلَا نَصْرُكَ إِيَّايَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَغْلُوبينَ ، وَيا مَنْ وَضَعَتْ لَهُ الْمُلُولُ نِيرَ الْمَذَلَّةِ (1)عَلَى أَعْناقِها ، فَهُمْ مِنْ سَطَواتِهِ خَائِفُونَ ، وَيا أَهْلَ التَّقْوى(2)، وَيا مَنْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَعْفُوَ عَنِّي ، وَتَغْفِرَ لِي ، فَلَسْتُ بَريئاً فَأَعْتَذِرَ ، وَلَا بِذِي قُوَّةٍ فَأَنْتَصِرَ ، وَلَا مَفَرَّ لِي فَأَفِرَّ . وَأَسْتَقِيلُكَ عَثَراتِي ، وَأَتَنَصَّلُ(3)إِلَيْكَ مِنْ ذُنُوبِيَ الَّتِي قَدْ أَوْبَقَتْني(4)، وَأَحاطَتْ بِي فَأَهْلَكَتْني ، مِنْهَا فَرَرْتُ إِلَيْكَ رَبِّ تائِباً فَتُبْ عَلَيَّ ، مُتَعَوِّذاً فَأَعِذْني ، مُسْتَجِيراً فَلَا تَخْذُلْني ،
سائِلاً فَلَا تَحْرِمْني ، مُعْتَصِماً فَلَا تُسْلِمْني ، داعِياً فَلَا تَرُدَّني خائِباً .
دَعَوْتُكَ يا رَبِّ مِسْكِيناً مُسْتَكيناً (5)، مُشْفِقاً خائِفاً ، وَجِلاً فقيراً ، مُضْطَرًا إِلَيْكَ . أَشْكُو إِلَيْكَ يا إلهي ضَعْفَ نَفْسي عَنِ الْمُسارَعَةِ فيما وَعَدْتَهُ أَوْلِياءَكَ ، وَالْمُجانَبَةِ عَمَا حَذَرْتَهُ أَعْداءَكَ ، وَكَثْرَةَ هُمُومِي ،
وَوَسْوَسَةَ نَفْسِي .
إلهي لَمْ تَفْضَحْني بِسَرِيرَتي ، وَلَمْ تُهْلِكُني بِجَريرَتي ، أَدْعُوكَ فَتَجيبُني وَإِنْ كُنْتُ بَطيئاً حينَ تَدْعُونِي ، وَأَسْأَلُكَ كُلَّما شِنْتُ مِنْ حَوائِجي ، وَحَيْثُ ما كُنْتُ وَضَعْتُ عِنْدَكَ سِرّي ، فَلَا أَدْعُو سِواكَ ، وَلَا أَرْجُو غَيْرَكَ ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ، تَسْمَعُ مَنْ شَكا إِلَيْكَ ، وَتَلْقَى مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ(1)، وَتُخَلِّصُ مَنِ اعْتَصَمَ بِكَ ، وَ تُفَرِّجُ عَمَّنْ لاذَ بِكَ .
إلهي فَلَا تَحْرِمْني خَيْرَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى لِقِلَّةِ شُكْري ، وَاغْفِرْ لي ما تَعْلَمُ مِنْ ذُنُوبي. إِنْ تُعَذِّبْ فَأَنَا الظَّالِمُ الْمُفَرِّطُ ، الْمُضَيعُ الْآثِمُ ، الْمُقَصِّرُ الْمُضَجِّعُ (2)، الْمُغْفِلُ حَظٍّ نَفْسى ، وَإِنْ تَغْفِرْ فَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ»(3).
واحتوى هذا الدعاء الجليل على تضرّع الإمام(عليه السلام)واستكانته أمام الخالق العظيم ، معترفاً - باعتزاز وفخر - بعظيم ألطافه ، وسبوغ نعمه عليه ، طالباً منه العفو والغفران ، والتوبة عليه . ولنستمع إلى دعاء آخر من أدعيته الجليلة :
وكان من دعائه(عليه السلام)في الالحاح على الله تعالى :
«يا اللهُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، وَكَيْفَ
يَخْفَى عَلَيْكَ يا إلهى ما أَنْتَ خَلَقْتَهُ ؟ وَكَيْفَ لَا تُحْصِى ما أَنْتَ صَنَعْتَهُ؟ أَوْ كَيْفَ يَغِيبُ عَنْكَ ما أَنْتَ تُدَبِّرُهُ ؟ أَوْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْرُبَ مِنْكَ مَنْ لَا حَياةَ لَهُ إِلَّا بِرِزْقِكَ ؟ أَوْ كَيْفَ يَنْجُو مِنْكَ مَنْ لَا مَذْهَبَ لَهُ في غَيْرِ مُلْكِكَ ؟
سُبْحانَكَ أَخْشَى خَلْقِكَ لَكَ أَعْلَمُهُمْ بِكَ ، وَأَخْضَعُهُمْ لَكَ أَعْمَلُهُمْ بِطاعَتِكَ ، وَأَهْوَنُهُمْ عَلَيْكَ مَنْ أَنْتَ تَرْزُقُهُ وَهُوَ يَعْبُدُ غَيْرَكَ.
سُبْحانَكَ لَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ أَشْرَكَ بِكَ ، وَكَذَّبَ رُسُلَكَ ، وَلَيْسَ يَسْتَطِيعُ مَنْ كَرِهَ قَضاءَكَ أَنْ يَرُدَّ أَمْرَكَ ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْكَ مَنْ كَذَّبَ بِقُدْرَتِكَ ، وَلَا يَفوتُكَ مَنْ عَبَدَ غَيْرَكَ ، وَلَا يُعَمَّرُ فِي الدُّنْيا مَنْ كَرِهَ لِقاءَكَ .
سُبْحانَكَ ما أَعْظَمَ شَأْنَكَ ، وَأَقْهَرَ سُلْطَانَكَ ، وَأَشَدَّ قُوَّتَكَ ، وَأَنْفَذَ أَمْرَكَ. سُبْحانَكَ قَضَيْتَ عَلَى جَميع خَلْقِكَ الْمَوْتَ ، مَنْ وَحَدَكَ وَمَنْ كَفَرَ
بِكَ ، وَكُلُّ دَائِقُ الْمَوتَ ، وَكُلٌّ صَائِرٌ إِلَيْكَ .
فَتَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، آمَنْتُ بِكَ ، وَصَدَّقْتُ رُسُلَكَ ، وَقَبِلْتُ كِتابَكَ ، وَكَفَرْتُ بِكُلِّ مَعْبُودٍ غَيْرِكَ ، وَبَرِثْتُ
مِمَّنْ عَبَدَ سِواكَ .
اللهُمَّ إِنِّي أُصْبِحُ وَأمْسي مُسْتَقِلَا لِعَمَلي، مُعْتَرِفاً بِذَنْبي ، مُقِرّاً بِخَطايايَ، أَنَا بِإِسْرافي عَلى نَفسي دَليلٌ ، عَمَلي أَهْلَكَني ، وَهَوايَ أَرْدانِي ،وَشَهَواتِي حَرَمَتْني.
فَأَسْأَلُكَ يا مَولايَ سُؤالَ مَنْ نَفْسُهُ لا هِيَةٌ لِطُولِ أَمَلِهِ ، وَبَدَنُهُ غَافِلٌ لِسُكُونِ عُرُوقِهِ ، وَقَلْبُهُ مَفْتونٌ بِكَثْرَةِ النَّعَم عَلَيْهِ ، وَفِكْرُهُ قَليلٌ لِما هُوَ صائِرٌ إِلَيْهِ ، سُؤالَ مَنْ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْأَمَلُ ، وَفَتَنَهُ الْهَوى ، وَاسْتَمْكَنَتْ مِنْهُ الدُّنْيا ، وَأَظَلَّهُ الْأَجَلُ ، سُؤالَ مَن اسْتَكْثَرَ ذُنُوبَهُ ، وَاعْتَرَفَ بِخَطيئَتِهِ ، سُؤالَ مَنْ لَا رَبَّ لَهُ غَيْرُكَ ، وَلَا وَلِيَّ لَهُ دُونَكَ ، وَلَا مُنْقِذَ لَهُ مِنْكَ ، وَلَا مَلْجَأَ لَهُ مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ.
إلهي أَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ الْواجِبِ عَلَى جَميعِ خَلْقِكَ ، وَبِاسْمِكَ الْعَظيمِ الَّذي أَمَرْتَ رَسُولَكَ أَنْ يُسَبِّحَكَ بِهِ ، وَبِجَلالِ وَجْهِكَ الكَريم الذي لَا يَبْلى وَلَا يَتَغَيَّرُ ، وَلَا يَحُولُ وَلَا يَفْنى ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تُغْنِيَنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِعِبَادَتِكَ ، وَأَنْ تُسَلِّيَ نَفْسي عَنِ الدُّنْيا بِمَخافَتِكَ ، وَأَنْ تُثْنِيَني (1)بِالْكَثِيرِ مِنْ كَرَامَتِكَ بِرَحْمَتِكَ .
فَإِلَيْكَ أَفِرُّ ، وَمِنْكَ أَخافُ ، وَبِكَ أَسْتَغيثُ ، وَإِيَّاكَ أَرْجُو، وَلَكَ أَدْعُو ، وَإِلَيْكَ أَلْجَأَ ، وَبِكَ أَيْقُ ، وَإِيَّاكَ أَسْتَعينُ ، وَبِكَ أُؤْمِنُ ، وَعَلَيْكَ أَتَوَكَّلُ ، وَعَلى جُودِكَ وَكَرَمِكَ أَتَّكِلُ»(2).
وحكى هذا الدعاء عن كمال معرفة الامام (عليه السلام)وعظيم إيمانه بالله ، وهذه بعض معطياته :
1 - علم الله تعالى لا حد له ، فقد أحاط بكل شيء علماً ، ولا يغيب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء .
2 -إن جميع الموجودات تفتقر إلى فيضه تعالى ، ولا تستغني عنه لحظة واحدة لأنّها في ملكه ، وتحت قبضته وسلطانه .
3 - أن أخشى خلق الله تعالى، وأكثرهم طاعة وعبادة له هم العارفون به، وفي طليعتهم السادة العلماء . قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(1).
4 - إن أهون العباد ، وأكثرهم خسراناً ، وأقلهم إدراكاً ووعياً هم الذين يعبدون غير الله ، ويشركون به ، ويكذبون رسله .
إنّ الله تعالى بسط الموت على جميع خلقه ، فكلهم صائرون إليه ليجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، ويجزي الكافرين بما كسبت أيديهم .
6-وأعلن الإمام - في هذا الدعاء - عن إيمانه المطلق بالله ، وتصديقه لرسله وأنبيائه ، وبراءته من كلّ معبود غير الله تعالى .
7 - وأعرب الإمام عن خضوعه المطلق الله تعالى ، وتذلله أمامه ، طالباً منه أن يمنحه الكرامة والعفو .
هذه بعض محتويات هذا الدعاء الجليل ·
وكان من دعائه (عليه السلام)في استكشاف الهموم هذا الدعاء الجليل :
« يا فارِجَ الْهَمِّ ، وَكاشِفَ الْغَمِّ ، يا رَحْمَنَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَرَحيمَهُم، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاخْرُجْ هَمِّي ، وَاكْشِفْ غَمّي .
1) فاطر 35 :28
يا واحِدُ يا أَحَدُ يا صَمَدُ ، يا مَنْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، اعْصِمْنِي وَطَهِّرْنِي وَاذْهَبْ بِبَلِيَّتي .
واقرأ آية الكرسي والمعوذتين وقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وقل :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سُؤالَ مَنِ اشْتَدَّتْ فَاقَتُهُ ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ وَكَثُرَتْ ذُنُوبُهُ ، سُؤالَ مَن لَا يَجِدُ لِفَاقَتِهِ مُغيثاً ، وَلَا لِضَعْفِهِ مُقَوِّياً ، وَلَا لِذَنْبِهِ غَافِراً
غَيْرَكَ.
يا ذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ، أَسْأَلُكَ عَمَلا تُحِبُّ بِهِ مَنْ عَمِلَ بِهِ ، وَيَقيناً تَنْفَعُ بِهِ مَنِ اسْتَيْقَنَ بِهِ حَقَّ الْيَقِينِ فِي نَفَاذِ أَمْرِكَ .
اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاقْبِضْ عَلَى الصِّدْقِ نَفْسي ، وَاقْطَعْ مِنَ الدُّنْيا حاجَتي ، وَاجْعَلْ فيما عِنْدَكَ رَغْبَتِي ، شَوْقاً إِلَى لِقَائِكَ ، وَهَبْ لِي صِدْقَ التَّوكُل عَلَيْكَ .
أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ كِتابٍ قَدْ خَلا ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كِتابٍ قَدْ خَلا ، أَسْأَلُكَ خَوْفَ الْعابِدِينَ لَكَ ، وَعِبادَةَ الْخاشِعِينَ لَكَ ، وَيَقِينَ الْمُتَوَكَّلِينَ عَلَيْكَ ، وَتَوَكَّلَ الْمُؤْمِنينَ عَلَيْكَ .
اللهُمَّ اجْعَلْ رَغْبَتي في مَسْأَلَتي مِثْلَ رَغْبَةِ أَوْلِيَائِكَ في مَسائِلِهِمْ ، وَرَهْبَتِي مِثْلَ رَهْبَةِ أَوْلِيَائِكَ ، وَاسْتَعْمِلْني فِي مَرْضاتِكَ ، عَمَلاً لَا أَتْرُكُ مَعَهُ شَيْئاً مِنْ دِينِكَ مَخافَةَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ.
اللهُمَّ هذِهِ حاجَتي فَأَعْظِمْ فيها رَغْبَتِي ، وَأَظْهِرْ فيها عُذْرِي ، وَلَفّني
فيها حُجَّتي ، وَعافِ فيها جَسَدي .
اللَّهُمَّ مَنْ أَصْبَحَ لَهُ ثِقَةٌ أَوْ رَجَاءٌ غَيْرُكَ ، فَقَد أَصْبَحْتُ وَأَنْتَ لِقَتِي وَرجائي فِي الْأُمورِ كُلَّها ، فاقْضِ لي بِخَيْرِها عَاقِبَةٌ ، وَنَجِّنِي مِنْ مُضِلَاتِ الْفِتَنِ ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْمُصْطَفى ، وَعَلَى آلِهِ الطّاهِرينَ »(1).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الجولة في رياض الصحيفة السجادية التي هي من أروع تراث الفكر الإسلامي .
1) الصحيفة السجادية : الدعاء الرابع والخمسون .
من المؤلّفات القيمة للإمام زين العابدين(عليه السلام)« المناجيات الخمس عشرة » ، وهي من الأرصدة الروحية في دنيا الإسلام ، فقد عالج بها الإمام الكثير من القضايا النفسية ، كما فتح بها آفاقاً مشرقة للاتصال بالله تعالى ، فقد ناجاه بقلب مفعم بالأمل والرجاء ، وتضرّع إليه بتذلّل وخشوع، وذاب أمام عظمته ، ورجاه رجاء المخلصين والمنيبين ، واتجه بقلبه ومشاعره ، فلم يبصر غيره ، فوقف يناجيه صاغراً ، ذليلاً منكسراً ، يرجو العفو ، ويطلب منه الغفران ، وقد غمرت مناجاته قلوب المتقين والصالحين من شيعة أهل البيت(عليهم السلام) فراحوا يناجون بها الله تعالى في غلس الليل البهيم ، وفي الأماكن المقدّسة راجين منه تعالى أن تشملهم عنايته وألطافه .
لقد شاعت نسبة هذه المناجيات للإمام زين العابدين(عليه السلام) ، وقد دوّنها المحقق المجلسي في بحاره ، وعدّها العلماء الذين ألفوا في ملحقات الصحيفه السجّاديّة من بنودها ، كما ذكرها المحقق الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان ، وقد نظر إليها العلماء باهتمام بالغ ، فقد ترجمت إلى بعض اللغات منها اللغة الفارسية ، ترجمها سرتيب رشدية ، وطبعت في طهران ، وقد خطت بخطوط أثرية مذهبة ومزخرفة ، تعدّ من ذخائر الخطّ العربي وقد حفلت بها خزائن المخطوطات في مكتبات العالم الإسلامي ، وتوجد منها نسخة أثرية بخط رائع في مكتبة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، تسلسل ،2098 ، وفي ما يلي تلك المناجاة :
وتُعرف هذه المناجاة بمناجاة التائبين ، فقد أناب فيها الإمام إلى الله تعالى طالباً منه الرحمة والغفران ، وهذا نصها :
إِلهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتي ، وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي ، وَأَمَات قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي ، فَأَحْيِهِ بِتَوْبَةٍ مِنْكَ يَا أَمَلِي وَبُغْيَتِي وَيَا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي ، فَوَعِزَّتِكَ ما أَجِدُ لِذُنُوبِي سِواكَ غافِراً ، وَلا أَرى لِكَسْرِي غَيْرَكَ جَابِراً ، وَقَدْ خَضَعْتُ بِالْإِنابَةِ إِلَيْكِ ، وَعَنَوْتُ بِالْإِسْتِكانَةِ لَدَيْكَ ، فَإِنْ طَرَدْتَني مِنْ بِابِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ ، وَإِنْ رَدَدْتَنِي عَنْ جَنابِكَ فَبِمَنْ أَعُوذُ ، فَوا أَسَفا مِنْ خَجْلَتي وَافْتِضاحي ، وَوَالَهُمَا مِنْ سُوءِ عَمَلي وَاجْتِراحي.
أَسْأَلُكَ يا غَافِرَ الذَّنْبِ الْكَبِيرِ وَيَا جَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ ، أَنْ تَهَبَ لِي مُوبِقاتِ الْجَرائِرِ وَتَسْتُرَ عَلَيَّ فاضِحاتِ السَّرائِرِ ، وَلا تُخْلِنِي فِي مَشْهَدِ الْقِيَامَةِ مِنْ بَرْدِ عَفْوِكَ وَمَغْفِرَتِكَ ، وَلَا تُعْرِنِي مِنْ جَمِيلِ صَفْحِكَ وَسَتْرِكَ.
الهي ظَلَّلْ عَلى ذُنُوبِي غَمامَ رَحْمَتِكَ ، وَأَرْسِلْ عَلَى عُيُوبِي سَحَابَ رَأْفَتِكَ ، إلهي هَلْ يَرْجِعُ العَبْدُ الابقُ إِلَّا إِلى مَوْلاهُ ، أَمْ هَلْ يُجيرُهُ مِنْ سَخَطِهِ أَحَدٌ سِواهُ ، إِلهِي إِنْ كَانَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ تَوْبَةٌ ، فَإِنِّي وَعِزَّتِكَ مِنَ النَّادِمِينَ ، وَإِنْ كانَ الْإِسْتِغْفَارُ مِنَ الْخَطِيئَةِ حِطَّةٌ فَإِنِّي لَكَ مِنَ
الْمُسْتَغْفِرِينَ ، لَكَ الْعُتْبِى حَتَّى تَرْضَى .
إلهي بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ تُبْ عَلَيَّ، وَبِحِلْمِكَ عَنِّى اعْفُ عَنِّي ، وَبِعِلْمِكَ بِيَ ارْفَقُ بي ، إِلهِي أَنْتَ الَّذِي فَتَحْتَ لِعِبادِكَ بابا إِلَى عَفْوِكَ سَمَّيْتَهُ التَّوْبَةَ ، فَقُلْتَ:تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً (1)، فَمَا عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ الْبَابِ بَعْدَ فَتْحِهِ.
إلهي إِنْ كانَ قَبْحَ الذَّنْبُ مِنْ عَبْدِكَ ، فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوُ مِنْ عِنْدِكَ ، إلهي ما أَنَا بِأَوَّلِ مَنْ عَصاكَ فَتُبْتَ عَلَيْهِ ، وَتَعَرَّضَ لِمَعْرُوفِكَ فَجُدْتَ عَلَيْهِ. يا مُجيبَ الْمُضْطَرِّ ، ياكاشِفَ الضُّرَّ ، يا عَظيمَ الْبِرِّ ، يا عَليماً بِما في السِّرِّ، يا جَميلَ السِّتْرِ اسْتَشْفَعْتُ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ إِلَيْكَ ، وَتَوَسَّلْتُ بِجَنابِكَ وَتَرَحُمِكَ لَدَيْكَ ، فَاسْتَجِبْ دُعائي ، وَلا تُخَيِّبْ فيك رجائي ، وَتَقَبَّلْ تَوْبَتِي ، وَكَفِّرْ خَطيئَتي بِمَنَّكَ وَرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمينِ .
ومن المقطوع به الذي ليس فيه أدنى شك أن الإمام زين العابدين(عليه السلام) لم يخالف الله تعالى طرفة عين طيلة حياته ، ولم يقترف أي ذنب، وإنما كان في الرعيل الأول من هذه الأمة في هديه وورعه وتقواه ، وإنّما كان يناجي الله تعالى بهذه المناجاة وأمثالها ليعلم الأمّة ويرشدها إلى طريق الخير والصواب ، ويدعوها إلى التوبة لأنّها تطهّر الإنسان مما اقترفه في حياته من آثام وذنوب ، وتمحو عنه سيائته وخطاياه ، وينال من الله المغفرة والرضوان .
1) التحريم 66: 8
وتُعرف بمناجاة الشاكين ، فقد شكا الإمام (عليه السلام) فيها نفسه سائلاً من الله الاصلاح الشامل لها ، وهذا نصها :
إلهي إِلَيْكَ أَشْكُو نَفْساً بِالسُّوءِ أَمَارَةٌ ، وَإِلَى الْخَطِيئَةِ مُبادِرَةٌ ، وَبِمَعاصِيكَ مُولَعَةٌ ، وَلِسَخَطِكَ مُتَعَرِّضَةٌ ، تَسْلُك بى مَسالِكَ الْمَهالِكِ ، وَتَجْعَلُنِي عِنْدَكَ أَهْوَنَ هَالِكِ ، كَثِيرَةَ الْعِلَلِ طَوِيلَةَ الْأَمَلِ ، إِنْ مَسَّهَا الشَّرُّ تَجْزَعُ ، وَإِنْ مَسَّها الْخَيْرُ تَمْنَعُ ، مَيَّالَةً إِلَى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ ، مَمْلُوءَةً بِالْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ ، تُسْرِعُ بِي إِلَى الْحَوْبَةِ(1)وَتُسَوِّفُني بِالتَّوْبَةِ .
إلهي أَشْكُو إِلَيْكَ عَدُوّاً يُضِلُّني ، وَشَيْطَاناً يَغْويني ، قَدْ مَلَاً بِالْوَسْواسِ صَدْرِي ، وَأَحاطَتْ هَواجِسُهُ بِقَلْبي ، يُعاضِدُ لِيَ الْهَوى ، وَيُزَيَّنُ لي حُبَّ الدُّنْيا ، وَيَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الطَّاعَةِ وَالزُّلْفَى .
إِلهِي إِلَيْكَ أَشْكُو قَلْباً قاسياً ، مَعَ الْوَسْواسِ مُتَقَلِّباً ، وَبِالرَّيْنِ(2)وَالطَّبْعِ مُتَلَبِّساً ، وَعَيْناً عَنِ الْبُكاءِ مِنْ خَوْفِكَ جَامِدَةً ، وَإِلى مَا يَسُرُّها طَامِحَةٌ ، إلهي لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِقُدْرَتِكَ ، وَلا نَجَاةَ لي مِنْ مَكارِهِ الدُّنْيا إِلَّا بِعِصْمَتِكَ.
فَأَسْأَلُكَ بِبَلاغَةِ حِكْمَتِكَ ، وَنَفَاذِ مَشِيَّتِكَ ، أَنْ لَا تَجْعَلْنِي لِغَيْرِ جُودِكَ
مُتَعَرِّضاً ، وَلَا تُصَيِّرْنِي لِلْفِتَنِ غَرَضاً وَكُنْ لي عَلَى الْأَعْداءِ ناصِراً ، وَعَلَى الْمَخازي وَالْعُيُوبِ ساتِراً ، وَمِنَ الْبَلايا واقِياً ، وَعَنِ الْمَعاصي عاصماً ،
بِرَأْفَتِكَ وَرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ .
وتحدّث الإمام(عليه السلام) في هذه المناجاة عن النفس الإنسانية ، وأمراضها واتجاهاتها الشريرة التي تصدّ الإنسان عن ذكر الله تعالى ، وتلقيه في شرّ عظيم ، وكان من بين تلك الأمراض الخطيرة ما يلي :
1 - المبادرة إلى الخطايا والمعاصي .
2 - التعرّض إلى سخط الله تعالى وغضبه .
3 - طول الأمل الذي يحجب الإنسان عن طاعة الله وذكره .
4 - الميل إلى اللهو واللعب .
ه - الغفلة عن ذكر الله
6 - التسويف بالتوبة وعدم الإسراع إليها .
هذه الأمراض تسلك بالإنسان في المنعطفات، وتجعله أداة طيّعة بيد الشيطان الرجيم ، أعاذنا الله تعالى منه .
وتُعرف هذه المناجاة بمناجاة الخائفين ، وقد أعرب الإمام(عليه السلام) عن عظيم خوفه من الله تعالى ، وهذا نصها :
إلهي أَتُراكَ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِكَ تُعَذِّبُنِي، أَمْ بَعْدَ حُبِّي إِيَّاكَ تُبَعْدُني، أَمْ مَعَ رَجائي لِرَحْمَتِكَ وَصَفْحِكَ تَحْرِمُني ، أَمْ مَعَ اسْتِجَارَتي بِعَفْوِكَ تُسْلِمُني،
حاشا لِوَجْهِكَ الْكَرِيم أَنْ تُخَيِّبَني ، لَيْتَ شِعْرِي أَلِلشَّقاءِ وَلَدَتْني أُمِّي ، أَمْ لِلْعَناءِ رَبَّتْني ، فَلَيْتَها لَمْ تَلِدْني وَلَمْ تُرَبِّني ، وَلَيْتَني عَلِمْتُ أَمِنْ أَهْلِ
السَّعادَةِ جَعَلْتَني ، وَبِقُرْبِكَ وَجِوارِكَ خَصَصْتَني ؟ نَتَقَرَّ بِذلِكَ عَيْني وَتَطْمَئِنَّ لَهُ نَفْسى.
إلهي هَلْ تُسَوِّدُ وُجُوهاً خَرَّتُ ساجِدَةٌ لِعَظَمَتِكَ ، أَوْ تُخْرِسُ أَلْسِنَةً نَطَقَتْ بِالثَّنَاءِ عَلَى مَجْدِكَ وَجَلالَتِكَ ، أَوْ تَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ انْطَوَتْ عَلَى مَحَبَّتِكَ ، أَوْ تُصِمُّ أَسْمَاعاً تَلَذَّذَتْ بِسَماع ذِكْرِكَ فِي إِرَادَتِكَ ، أَوْ تَغُلُّ أَكْفَاً رَفَعَتْها الأمالُ إِلَيْكَ رَجاءَ رَأْفَتِكَ ، أَوْ تُعاقِبُ أَبْدَانَا عَمِلَتْ بِطَاعَتِكَ حَتَّى نَحِلَتْ في مُجاهَدَتِكَ ، أَوْ تُعَذِّبُ أَرْجُلا سَعَتْ فِي عِبَادَتِكَ.
النهي لا تُغْلِقُ عَلَى مُوَحَدِيكَ أَبْوابَ رَحْمَتِكَ ، وَلا تَحْجُبْ مُشْتاقيك عَنِ النَّظَرِ إِلَى جَمِيلِ رُؤْيَتِكَ، إِلهِي نَفْسٌ أَعْزَزْتَهَا بِتَوحيدِكَ كَيْفَ تُذِلُّها بِمَهانَةِ هِجْرائِكَ ، وَضَمِيرٌ انْعَقَدَ على مَوَدَّتِكَ كَيْفَ تُخْرِتُهُ بِحَرارَةِ نيرانك ، إلهي أَجِرْنِي مِنْ أَلِيمٍ غَضَبِكَ وَعَظيمِ سَخَطِكَ.
يا حَنّانُ یا مَنَانُ یا رَحیمُ یا رَحْمَانُ یا جَبَارُ یا قَهَارُ ، يَا غَفَارُ یا سَتّارُ ،نَجِّنِي بِرَحْمَتِكَ مِنْ عَذابِ النّارِ ، وَفَضيحَةِ الْعَارِ، إِذَا امْنارَ الْأَخْيَارُ مِنَ الأشرار ، وحالَتِ الأحوالُ ، وَهالَتِ الأهوال ، وَقَرُبَ الْمُحْسِنُونَ ، وَبَعْدَ الْمُسيئُونَ ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ .
لقد فتح الإمام(عليه السلام) في هذه المناجاة باب المحاورة مع هذه المناجاة باب المحاورة مع الله تعانى ، فقد حاوره
بكلّ أدب وخضوع أملاً منه أن لا يعذب المؤمنين والموحدين ، وأن لا تمس النار أبدانهم ، حاشا أن يعذب تعالى الوجوه التي خرّت ساجدة لعظمته ، والألسن التي تلهج بالثناء عليه ، والأسماع التي كانت تلتذ بسماع ذكره ، والأكف التي كانت ترفع بالدعاء إليه آملة منه الرأفة والرحمة . إنّ العذاب إنّما هو للعصاة والمجرمين من أعداء الله تعالى .
وتعرف هذه المناجاة بمناجاة الراجين ، وفيها يرجو نوال الله تعالى وألطافه عليه ، وهذا نصّها :
يا مَنْ إِذا سَأَلَهُ عَبْدٌ أَعْطاهُ ، وَإِذا أَمَّلَ ، ما عِنْدَهُ بَلَّغَهُ مُناهُ ، وَإِذا أَقْبَلَ عَلَيْهِ قَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ ، وَإِذا جاهَرَهُ بِالْعِصْيانِ سَتَرَ عَلَى ذَنْبِهِ وَغَطَاهُ ، وَإِذَا تَوَكَّلَ عَلَيْهِ أَحْسَبَهُ وَكَفَاهُ.
إلهي مَنِ الَّذي نَزَلَ بِكَ مُلْتَمِساً قِراكَ (1)فَما قَرَيْتَهُ ، وَمَنِ الَّذِي أَناخَ بِبابِكَ مُرْتَجِياً نَداكَ فما أَوْلَيْتَهُ ، أَيَحْسُنُ أَنْ أَرْجِعَ عَنْ بابِكَ بِالْخَيْبَةِ مَضْرُوفاً وَلَسْتُ أَعْرِفُ سِواكَ مَوْلَى بِالْإِحْسَانِ مَوْصُوفاً ، كَيْفَ أَرْجُو غَيْرَكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِكَ ، وَكَيْفَ أُؤَمِّلُ سِواكَ وَالْخَلْقُ وَالْأَمْرُ لَكَ ، أَأَقَطَعُ رَجائي مِنْكَ ؟ وَقَدْ أَوْ لَيْتَني ما لَمْ أَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِكَ ، أَمْ تُفْقِرُني إِلى مِثْلي؟ وَأَنا أَعْتَصِمُ بِحَبْلِكَ.
1) القرى : الضيافة.
يا مَنْ سَعِدَ بِرَحْمَتِهِ الْقاصِدُونَ ، وَلَمْ يَشْقَ بِنِقْمَتِهِ الْمُسْتَغْفِرُونَ كَيْفَ أَنْساكَ وَلَمْ تَزَلْ ذاكِرِي، وَكَيْفَ الْهُو عَنْكَ وَأَنْتَ مُراقبي ، إِلهِي بِذَيْلِ كَرَمِكَ أَعْلَقْتُ يَدي ، وَلِنَيْلِ عَطَايَاكَ بَسَطْتُ أَمَلي، فَأَخْلِصْني بِخالِصَةِ تَوْحِيدِكَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ صَفْوَةِ عَبِيدِكَ .
يا مَنْ كُلُّ هَارِبِ إِلَيْهِ يَلْتَجِيُّ ، وَكُلُّ طَالِبٍ إِيَّاهُ يَرْتجِي ، يا خَيْرَ مَرْجُو ، وَيا أَكْرَمَ مَدْعُو ، وَيا مَنْ لا يُرَدُّ سَائِلُهُ ، وَلا يُخَيَّبُ امِلُهُ ، يا مَنْ بابُهُ مَفْتُوحٌ لداعيهِ ، وَحِجابُهُ مَرْفُوعٌ لِراجيهِ.
أَسْأَلُكَ بِكَرَمِكَ أَنْ تَمُنَّ عَلَيَّ مِنْ عَطَائِكَ بِمَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي ، وَمِنْ رَجَائِكَ بِمَا تَطْمَئِنُّ بِهِ نَفْسِي، وَمِنَ الْيَقِينِ بِمَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيَّ مُصيباتِ الدُّنيا ، وَتَجْلُو بِهِ عَن بَصِيرَتي غَشَواتِ الْعَمَى ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
لقد أعرب الإمام(عليه السلام) في هذه المناجاة عن عظيم أمله بعفو الله ، وعن إيمانه الوثيق بسعة رحمة الله الشاملة لمن رجاه، هو وغيره على حدّ سواء .
لقد انقطع الإمام العظيم إلى الله كأعظم ما يكون الانقطاع ، فلم يأمل في أموره وشؤونه أي أحد من المخلوقين معتقداً بأن الأمل بما في أيديهم إنما هو سراب ، وأنّ رجاءهم إنّما هو عبث وخسران .
وتُعرف هذه المناجاة بمناجاة الراغبين ، وقد رغب في ما عند الله تعالى ، وزهد في ما عند غيره .
النهي إِنْ كَانَ قَلَّ زادي في الْمَسِيرِ إِلَيْكَ ، فَلَقَدْ حَسُنَ ظَنِّي بِالتَّوَكَّلِ
عَلَيْكَ ، وَإِنْ كَانَ جُرْمِي قَدْ أَخَافَنِي مِنْ عُقُوبَتِكَ ، فَإِنَّ رَجاني قَدْ أَشْعَرَني بِالْأَمْنِ مِنْ نِقْمَتِكَ ، وَإِنْ كَانَ ذَنْبِي قَدْ عَرَّضَني لِعِقابِكَ ، فَقَدْ اذَنَنِي حُسْنُ ثقتي بِثَوابِكَ، وَإِنْ أَنَا مَتْنِي الْغَفْلَةُ عَنِ الْإِسْتِعْدادِ لِلقائِكَ ، فَقَدْ نَبَّهَتْني الْمَعْرِفَةُ بِكَرَمِكَ وَالائِكَ، وَإِنْ أَوْحَشَ مَابَيْنِي وَبَيْنَكَ فَرْطُ الْعِصْيانِ وَالطَّغْيانِ ، فَقَدْ أَنَسَنِي بُشْرَى الْغُفْرَانِ وَالرَّضْوانِ.
أَسْأَلُكَ بِسُبُحاتِ وَجْهِكَ وَبِأَنْوارٍ قُدْسِكَ ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ بِعَواطِفِ رَحْمَتِكَ وَلَطَائِفِ بِرِّكَ ، أَنْ تُحَقِّقَ ظَنّي بِمَا أُؤَمِّلُهُ مِنْ جَزيلِ إِكْرامِكَ وَجَميلِ إِنْعامِكَ ، فِي الْقُرْبَى مِنْكَ وَالزُّلْفَى لَدَيْكَ وَالتَّمَتُّع بِالنَّظَرِ إِلَيْكَ ، وَها أَنا مُتَعَرِّضٌ لِنَفَحاتِ رَوْحِكَ وَعَطْفِكَ وَمُنْتَجِعٌ غَيْثَ جُودِكَ وَلُطْفِكَ فارٌ مِنْ سَخَطِكَ إِلى رِضاكَ ، هارِبٌ مِنْكَ إِلَيْكَ ، راج أَحْسَنَ مَالَدَيْكَ ، مُعَوِّلٌ عَلى مَواهِبِكَ ، مُفْتَقِرٌ إِلى رِعايَتِكَ .
إلهي ما بَدَأْتَ بِهِ مِنْ فَضْلِكَ فَتَمِّمْهُ، وَمَا وَهَبْتَ لِي مِنْ كَرَمِكَ فَلا تَسْلِبُهُ ، وَمَا سَتَرْتَهُ عَلَيَّ بِحِلْمِكَ فَلا تَهْتِكُهُ ، وَمَا عَلِمْتَهُ مِنْ قَبيحِ فِعْلي
فاغْفِرْهُ.
إلهي اسْتَشْفَعْتُ بِكَ إِلَيْكَ ، وَاسْتَجَرْتُ بِكَ مِنْكَ ، أَتَيْتُكَ طامِعاً في إِحْسانِكَ ، راغِباً فى امْتِنانِكَ ، مُسْتَسْقِياً َوابِلَ طَوْلِكَ (1)، مُسْتَمْطِراً غَمَامَ
1) الطول: الفضل والغنى واليسر.
فَضْلِكَ ، طالباً مَرْضاتَكَ ، قاصداً جَنابَكَ ، وارداً شَريعَةَ رِفْدِكَ (1)مُلْتَمِساً سَنِيَّ (2)الْخَيْرَاتِ مِنْ عِنْدِكَ ، وافِداً إِلى حَضْرَةِ جَمَالِكَ ، مُريداً وَجْهَكَ ، طارقاً بِابَكَ ، مُسْتَكِيناً لِعَظَمَتِكَ وَجَلالِكَ ، فَافْعَلْ بي ما أَنْتَ أَهْلُهُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَلَا تَفْعَلْ بي ما أَنَا أَهْلُهُ مِنَ الْعَذَابِ وَالنِّقْمَةِ ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ .
أدلى الإمام(عليه السلام) في هذه المناجاة بحسن ظنه بعفو الله تعالى ، وعظيم رجائه بكرمه ، وإيمانه بجميل إنعامه ، وقد تمسك به ، وانقطع إليه ، راجياً عواطف رحمته ورأفته ، وقد شفعت هذه المناجاة بالتضرع والتذلل والخضوع أمام الله تعالى .
وتُعرف بمناجاة الشاكرين ، وقد سجّل فيها شكره الله تعالى على ما أولاه من جزيل الخير وفضائل النعم، وقد جاء فيها بعد البسملة :
إلهي أَذْهَلَني عَنْ إِقَامَةِ شُكْرِكَ تَتابعُ طَوْلِكَ ، وَأَعْجَزَنِي عَنْ إِحْصاءِ ثَنائِكَ فَيْضُ فَضْلِكَ ، وَشَغَلَني عَنْ ذِكْرِ مَحامِدِكَ تَرادُفُ عَوائِدِكَ ، وَأَعْيانِي عَنْ نَشْرِ عَوارِفِكَ تَوالي أَيَّادِيكَ .
وَهَذا مَقامُ مَنِ اعْتَرَفَ بِسُبُوعَ النَّعْمَاءِ ، وَقابَلَهَا بِالتَّقْصِيرِ، وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْإِهْمَالِ وَالتَّضْييعِ ، وَأَنْتَ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ ، الْبَرُّ الْكَرِيمُ ، الذي
لا يُخَيِّبُ قاصِديهِ ، وَلا يَطْرُدُ عَنْ فِنائِهِ امِليهِ ، بِساحَتِكَ تَحُطُّ رِحالُ الرّاجينَ ، وَبِعَرْصَتِكَ تَقِفُ امالُ الْمُسْتَرْفِدينَ فَلا تُقابِلْ امالنا بالتَّخْييب وَالْإِيناسِ ، وَلا تُلْبِسْنَا سِرْبالَ الْقُنُوطِ وَالْإِبْلاسِ (1).
إِلهِي تَصاغَرَ عِنْدَ تَعاظُمِ آلَائِكَ شُكْرِي ، وَتَضَاءَلَ فِي جَنْبِ إِكْرَامِكَ إِيَّايَ ثَنائي وَنَشْرِي ، جَلَّلَتْني نِعَمُكَ مِنْ أَنْوارِ الْإِيمَانِ حُلَلاً ، وَضَرَبَتْ عَلَيَّ لَطَائِفُ بِرِّكَ مِنَ الْعِزَّ كِلَلاً وَقَلَّدَتْني مِنَنُكَ قَلائِدَ لَا تُحَلُّ ، وَطَوَّقَتْني أَطواقاً لا تُفَلُّ ، فَالَاؤُكَ جَمَّةٌ ضَعْفَ لِسانِي عَنْ إِحْصَائِهَا ، وَنَعْمَاؤُكَ كَثِيرَةٌ قَصُرَ فَهُمي عَنْ إِدْراكِها فَضْلاً عَنِ اسْتِقْصائِها .
فَكَيْفَ لي بِتَحْصيلِ الشُّكْرِ وَشُكري إِيَّاكَ يَفْتَقِرُ إِلى شَكْرٍ ، فَكُلَّما قُلْتُ لَكَ الْحَمْدُ ، وَجَبَ عَلَيَّ لِذَلِكَ أَنْ أَقولَ لَكَ الْحَمْدُ .
إلهِي فَكَما غَذَّيْتَنا بِلُطْفِكَ ، وَرَبَّيْتَنا بِصُنْعِكَ ، فَتَمِّمْ عَلَينا سَوابِغَ النَّعَمِ ، وَادْفَعْ عَنا مَكارِهَ النَّقَمِ ، وَاتِنا مِنْ حُظُوظ الدّارَيْنِ أَرْفَعَهَا وَأَجَلَّها عاجلاً وَاجِلاً.
وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى حُسْنِ بَلائِكَ وَسُبُوعَ نَعْمَائِكَ ، حَمْداً يُوافِقُ رِضَاكَ ، وَيَمْتَرِى الْعَظِيمَ مِنْ بِرِّكَ وَنَداكَ ، يا عَظيمُ یا كَريمُ ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ
الرّاحِمينَ.
1) الابلاس : السكوت عند انقطاع الحجة .
لقد علمنا الإمام(عليه السلام) في هذه المناجاة كيف نشكر الله تعالى على ما أولانا من جزيل النعم ، وما أسداه علينا من عظيم الألطاف ، وإنّ الإنسان مهما بالغ في شكره فإنّه عاجز وقاصر عن أداء الشكر .
وتُعرف بمناجاة المطيعين الله تعالى ، وهذا نصها :
اللهُمَّ أَلْهِمْنا طاعَتَكَ ، وَجَنِّبْنا مَعْصِيَتَكَ ، وَيَسِّرْ لَنَا بُلُوغَ مَا نَتَمَنِّى مِنِ ابْتِغَاءِ رِضْوانِكَ ، وَأَحْلِلْنا بُحْبُوحَةً جِنانِكَ ، وَاقْشَ-عْ عَنْ بَصَائِرِنَا سَحابَ الْإِرْتِيابِ ، وَاكْشِفْ عَنْ قُلُوبِنا أَغْشِيَةَ الْمِرْيَةِ وَالْحِجابِ ، وَأَزْهِقِ الْباطِلَ عَنْ ضَمَائِرِنَا ، وَأَثْبِتِ الْحَقَّ فِي سَرائِرِنا ، فَإِنَّ الشُّكُوكَ وَالظُّنُونَ لَواقِحُ الْفِتَنِ ، وَمُكَدِّرَةٌ لِصَفْوِ الْمَنائِحِ وَالْمِنَنِ.
اللّهُمَّ احْمِلْنا فِي سُفْنِ نَجاتِكَ ، وَمَتِّعْنا بِلَذيذ مُناجاتِكَ ، وَأَوْرِدْنا حِياضَ حُبِّكَ وَأَذِقْنا حَلاوَةَ وُدِّكَ وَقُرْبكَ ، وَاجْعَلْ جِهَادَنَا فِيكَ ، وَهَمَّنا في طَاعَتِكَ ، وَأَخْلِصْ نِيَّاتِنا في مُعامَلَتِكَ ، فإِنَّا بِكَ وَلَكَ ، وَلا وَسيلَةَ لَنا إِلَيْكَ إِلَّا أَنْتَ.
إلهي إِجْعَلْنِي مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ الْأَبْرَارِ، السّابِقينَ إِلَى المَكْرُمَاتِ المُسارِعِينَ إِلَى الْخَيْرَاتِ الْعَامِلِينَ لِلْباقِياتِ الصَّالِحاتِ السَّاعِينَ إِلى رفيع الدَّرَجاتِ ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَبِالْإِجابَة جَديرٌ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
المنحيَاتُ الجنس عشر لقد طلب الإمام(عليه السلام) من الله تعالى ، وتضرع إليه أن يلهمه طاعته، ويجنّبه عن معاصيه ، ويبلغه أغلى وأعز أمانيه من ابتغاء رضوانه ، والظفر برضائه ، والقرب منه ، وأن يخلص نيّته في معاملته ، ويجعله من المسارعين للخيرات ، والعاملين للباقيات .
وتُعرف بمناجاة المريدين ، وهي من غرر مناجياته ، وهذا نصها :
سُبْحانَكَ ما أَضْيَقَ الطَّرْقَ عَلى مَنْ لَمْ تَكُنْ دَليلَهُ ، وَما أَوْضَحَ الْحَقَّ عِنْدَ مَنْ هَدَيْتَهُ سَبيلَهُ ، إِلهي فاسْلُك بِنا سُبُلَ الْوُصُولِ إِلَيْكَ ، وَسَيَّرْنا فِي أَقْرَبِ الطُّرُقِ لِلْوُفُودِ عَلَيْكَ ، قَرِّبْ عَلَيْنَا الْبَعيدَ ، وَسَهَّلْ عَلَيْنَا الْعَسِيرَ الشَّديدَ ، وَالْحِقْنا بِعِبَادِكَ الَّذِينَ هُمْ بِالْبِدارِ إِلَيْكَ يُسَارِعُونَ ، وَبَابَكَ عَلَى الدَّوامِ يَطْرُقُونَ ، وَإِيَّاكَ في اللَّيلِ وَالنَّهارِ يَعْبُدُونَ ، وَهُمْ مِنْ هَيْبَتِكَ مُشْفِقُونَ.
الَّذينَ صَفَيْتَ لَهُمُ الْمَشارِبَ ، وَبَلَّغْتَهُمُ الرَّغائِبَ ، وَأَنْجَحْتَ لَهُمُ الْمَطالِبَ ، وَقَضَيْتَ لَهُمْ مِنْ فَضْلِكَ الْمَارِبَ ، وَمَلَاتَ لَهُمْ ضَمَائِرَهُمْ مِنْ حُبِّكَ ، وَرَوَيْتَهُمْ مِنْ صافي شِرْبِكَ ، فَبِكَ إِلى لَذيذ مُناجاتِكَ وَصَلُوا، وَمِنْكَ أَقْصَى مَقاصِدِهِمْ حَصَّلُوا ، فَيا مَنْ هُوَ عَلَى الْمُقْبِلِينَ عَلَيْهِ مُقبل، وَبِالْعَطْفِ عَلَيْهِمْ عَائِدٌ مُفْضِلٌ ، وَبِالْغافِلينَ عَنْ ذِكْرِهِ رَحِيمٌ رَؤُوفٌ ، وَبِجَذْبِهِمْ إِلَى بابِهِ وَدُودٌ عَطُوفٌ.
أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَني مِنْ أَوْفَرِهِمْ مِنْكَ حَظَاً ، وَأَعْلاهُمْ عِنْدَكَ مَنْزِلاً ،
وَأَجْزَلِهِمْ مِنْ وُدِّكَ قِسْماً ، وَأَفْضَلِهِمْ فِي مَعْرِفَتِكَ نَصِيباً ، فَقَدِ انْقَطَعَتْ إِلَيْكَ هِمَّتي ، وَانْصَرَفَتْ نَحْوَكَ رَغْبَتِي ، فَأَنْتَ لا غَيْرُكَ مُرادِي ، وَلَكَ لا لِسِواكَ سَهَري وَسُهادي وَلِقاؤُكَ قُرَّةً عَيْنِي ، وَوَصْلُكَ مُنى نَفْسي ، وَإِلَيْكَ شَوْقي ، وَفِي مَحَبَّتِكَ وَلَهي ، وَالِى هَواكَ صَبابَتِي ، وَرِضاكَ بُغْيَتِي ، وَرُؤْيَتُكَ حاجَتي ، وَجِوارُكَ طَلَبِي ، وَقُرْبُكَ عَايَةُ سُؤْلِي ، وَفي مُناجاتِكَ رَوْحِي وَراحَتي ، وَعِنْدَكَ دَواءُ عِلَّتي ، وَشَفاءُ غُلَّتي ، وَبَرْدُ
لَوْ عَتِي ، وَكَشْفُ كُرْبَتى .
فَكُنْ أَنيسي فِي وَحْشَتي ، وَمُقِيلَ عَشْرَتِي ، وَعَافِرَ زَلَّتِي وَقَابِلَ تَوْبَتِي، وَ مُجِيبَ دَعْوَتِي ، وَوَلِيَّ عِصْمَتي ، وَمُغْنِيَ فاقتي ، وَلا تَقْطَعْني عَنْكَ ، وَلا تُبْعِدْني مِنْكَ ، يا نَعيمي وَجَنَّتي ، وَيا دُنْيايَ وَاخِرَتي ، يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ.
لقد انقطع الإمام(عليه السلام) في هذه المناجاة إلى الله تعالى ، وتعلقت به روحه وعواطفه وجميع مشاعره ، فلم يبصر غيره ، وقد طلب منه بإخلاص أن يسلك به سبل الوصول إليه ، ويسيّره في أقرب الطرق للوفود عليه ، ويلحقه بعباده الصالحين، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .
وتُعرف بمناجاة المحبّين ، وقد جاء فيها :
إِلهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً ، وَمَنْ ذَا الَّذِي أَنْسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلاً .
إلهي فاجْعَلْنا مِمَّنِ اصْطَفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ وَوِلايَتِكَ ، وَأَخْلَصْتَهُ لِوُدِّكَ وَ مَحَبَّتِكَ ، وَشَوَّقْتَهُ إِلى لِقائِكَ ، وَرَضَّيْتَهُ بِقَضائِكَ ، وَمَنَحْتَهُ (1)بِالنَّظَرِ إلى وَجْهِكَ ، وَحَبَوْتَهُ بِرِضاكَ ، وَأَعَذْتَهُ مِنْ هَجْرِكَ وَقِلاكَ (2)، وَبَوَّأْتَهُ مَقْعَدَ الصِّدْقِ في جَوارِكَ ، وَخَصَصْتَهُ بِمَعْرِفَتِكَ ، وَأَمَّلْتَهُ لِعِبادَتِكَ وَهَيَّمْتَ قَلْبَهُ لاِرادَتِكَ ، وَاجْتَبَيْتَهُ لِمُشاهَدَتِكَ ، وَاخْلَيْتَ وَجْهَهُ لَكَ ، وَفَرَّغْتَ فُؤادَهُ لِحُبِّكَ ، وَرَغَبْتَهُ فيما عِنْدَكَ ، وَأَلْهَمْتَهُ ذِكْرَكَ ، وَأَوْزَعْتَهُ شُكْرَكَ ، وَشَغَلْتَهُ بِطاعَتِكَ ، وَصَيَّرْتَهُ مِنْ صالِحي بَرِيَّتِكَ وَاخْتَرْتَهُ لِمُناجاتِكَ ، وَقَطَعْتَ عَنْهُ كُلَّ شَيْءٍ يَقْطَعُهُ عَنْكَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ دَابَهُمُ الْإِرْتياحُ إِلَيْكَ وَالْحَنينُ ، وَدَهْرُهُمُ الزَّفْرَةُ وَالْأَنينُ ، جِبَاهُهُمْ سَاجِدَةٌ لِعَظَمَتِكَ ، وَعُيُونُهُمْ سَاهِرَةٌ فِي خِدْمَتِكَ وَدُمُوعُهُمْ سَائِلَةٌ مِنْ خَشْيَتِكَ ، وَقُلُوبُهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحَبَّتِكَ ، وَأَفْئِدَتُهُمْ مُنْخَلِعَهُ مِنْ مَهابَتِكَ .
يا مَنْ أَنْوارُ قُدْسِهِ لأَبْصارِ مُحِبَيهِ رائِقَةٌ ، وَسُبُحاتُ وَجْهِهِ لِقُلُوبِ عَارِفِيهِ شائِقَةٌ ، يا مُنى قُلُوبِ الْمُشْتاقِينَ ، وَيا غايَةَ امَالِ الْمُحِبِّينَ ، أَسْأَلُكَ حُبَّكَ ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُوصِلُني إِلى قُرْبِكَ، وَأَنْ تَجْعَلَكَ أَحَبَّ إِليَّ مِمَّا سِواكَ ، وَأَنْ تَجْعَلَ حُبّي إِيَّاكَ قَائِداً إِلَى رِضْوانِكَ ، وَشَوْقِي
إِلَيْكَ ذائِداً عَنْ عِصْيائِكَ ، وَامْنُنْ بِالنَّظَرِ إِلَيْكَ عَلَيَّ ، وَانْظُرْ بِعَيْنِ الْوُدِّ وَالْعَطْفِ إِلَيَّ ، وَلا تَصْرِفْ عَنِّي وَجْهَكَ ، وَاجْعَلْني مِنْ أَهْلِ الْإِسْعَادِ
وَالْحِظْوَةِ عِنْدَكَ ، يا مُجِيبُ يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ .
أعرب الإمام(عليه السلام) في هذه المناجاة عن خالص حبّه ، وعميق وده إلى الله تعالى سائلاً منه أن يصطفيه لقربه ، ويشوّقه للقائه ، ويفرّغ فؤاده لحبّه ، ويجعل أنسه في طاعته ، ويحبّب إليه كلّ عمل يقربه إليه زلفى .
وتُعرف بمناجاة المتوسلين، وقد توسل وتضرّع فيها إلى الله تعالى سائلاً الرحمة والرضوان.
إلهي لَيْسَ لي وَسيلَةٌ إِلَيْكَ إِلَّا عَواطِفُ رَأْفَتِكَ ، وَلا لي ذَريعَةٌ إِلَيْكَ إِلَّا عَوارِفُ رَحْمَتِكَ وَشَفَاعَةُ نَبِيِّكَ ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ، وَمُنْقِذِ الْأُمَّةِ مِنَ الْغُمَّةِ ، فاجْعَلْهُما لي سَبَباً إِلَى نَيْلِ غُفْرانِكَ ، وَصَيَّرْهُما لي وُصْلَةٌ إِلَى الْفَوْنِ بِرِضْوانِكَ ، وَقَدْ حَلَّ رَجَائِي بِحَرَمِ كَرَمِكَ ، وَحَطَّ طَمَعِي بِفِناءِ جُودِكَ ، فَحَقِّقْ فِيكَ أَمَلي، وَاخْتِمْ بِالْخَيْرِ عَمَلي، وَاجْعَلْنِي مِنْ صَفْوَتِكَ الَّذِينَ أَحْلَلْتَهُمْ بُحْبُوحَةَ جَنَّتِكَ ، وَبَوَّأْتَهُمْ دارَ كَرَامَتِكَ ، وَأَقْرَرْتَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّظَرِ
إِلَيْكَ يَوْمَ لِقائِكَ ، وَأَوْرَثْتَهُمْ مَنازِلَ الصِّدْقِ فِي جِوارِكَ .
يا مَنْ لا يَفِدُ الْوافِدُونَ عَلى أَكْرَمَ مِنْهُ ، وَلَا يَجِدُ الْقَاصِدُونَ أَرْحَمَ مِنْهُ ، يا خَيْرَ مَنْ خَلا بِهِ وَحيدٌ ، وَيا أَعْطَفَ مَنْ أُوىٰ إِلَيْهِ طَريدٌ ، إِلَى سَعَةِ عَفْوِكَ مَدَدْتُ يَدي ، وَبِذَيْلِ كَرَمِكَ أَعْلَقْتُ كَفّي ، فَلا تُولِنِي الْحِرْمَانَ ، وَلَا تُبْلِنِي
بِالْخَيْبَةِ وَالْخُسْرانِ ، يَا سَمِيعَ الدُّعَاءِ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ .
لقد توسّل الإمام(عليه السلام) إلى الله تعالى في هذه المناجاة أن يرزقه عواطف رحمته ، وشفاعة نبيه(صلی الله علیه وآله وسلم) ويصيرهما وسيلة للفوز برضوانه ومغفرته ، وأن يختم حياته المعطّرة الكريمة بخير ، ويبوّئه في الآخرة دار كرامته ، ويجعله من صفوة عباده المصطفين الأخيار .
وتُعرف بمناجاة المفتقرين ، وقد أبدى فيها الإمام فقره وفاقته إلى الله تعالى :
إلهي كَسْرِي لا يَجْبُرُهُ إِلَّا لُطْفُكَ وَحَنانُكَ ، وَفَقْرِي لَا يُغْنِيهِ إِلَّا عَطْفُكَ وَإِحْسانُكَ ، وَرَوْعَتي لا يُسَكِّنُها إِلَّا أَمَانُكَ ، وَذِلَّتي لا يُعِزُّها إِلَّا سُلْطانُكَ ، وَأُمْنِيَتى لا يُبَلِّغُنيها إِلَّا فَضْلُكَ ، وَخَلَّتى لا يَسُدُّها إِلَّا طَوْلُكَ ، وَحاجتي لا يَقْضيها غَيْرُكَ، وَكَرْبى لا يُفَرِّجُهُ سِوى رَحْمَتِكَ، وضُرِّى لا يَكْشِفُهُ غَيْرُ رَأْفَتِكَ ، وَغُلَّتي لا يُبَرِّدُهَا إِلَّا وَصْلُكَ ، وَلَوْعَتِي لا يُطْفِيهَا إِلَّا لِمَاؤُكَ ، وَشَوْقِي إِلَيْكَ لا يَبُلُّهُ إِلَّا النَّظَرُ إِلَى وَجْهِكَ ، وَقَرَارِي لَا يَقِرُّ دُونَ دُنُوَي مِنْكَ وَلَهْفَتي لا يَرُدُّها إِلَّا رَوْحُكَ ، وَسَقَمِي لَا يَشْفِيهِ إِلَّا طِبُّكَ ، وَغَمّي لا يُزيلُهُ إِلَّا قُرْبُكَ ، وَجُرحي لا يُبْرِنُهُ إِلَّا صَفْحُكَ ، وَرَيْنُ قَلْبِي لَا يَجْلُوهُ إِلَّا عَفْوُكَ ، وَوَسْواسُ صَدْرِي لَا يُزِيحُهُ إِلَّا أَمْرُكَ .
فَيَا مُنْتَهى أَمَلِ الْامِلِينَ ، وَباغايَةَ سُؤْلِ السَّائِلِينَ ، وَيا أَقْصَى طَلِبَةِ الطَّالِبينَ ، وَيا أَعْلَى رَغْبَةِ الرّاغِبينَ ، وَيا وَلِيَّ الصَّالِحِينَ، وَيا أَمَانَ
الْخائِفِينَ، وَيا مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِينَ ، وَيَاذُخْرَ الْمُعْدِمِينَ ، وَيا كَنْزَ الْبائِسِينَ ، وَيا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ ، وَيَا قَاضِيَ حَوائِجِ الْفُقَراءِ وَالْمَسَاكِينِ ، وَيا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ ، وَيَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ، لَكَ تَخَضُعي وَسُؤالي ، وَإِلَيْكَ تَضَرُّعي وَابْتِهَالي .
أَسْأَلُكَ أَنْ تُنيلَني مِنْ رَوْحٍ رِضْوانِكَ ، وَتُديمَ عَلَيَّ نِعَمَ امْتِنانِكَ، وَها أَنَا بِبَابِ كَرَمِكَ وَاقِفٌ ، وَلِنَفَحاتِ بِرِّكَ مُتَعَرِّضٌ، وَبِحَبْلِكَ الشَّدِيدِ مُعْتَصِمٌ، وَبِعُرْوَتِكَ الْوُثْقَى مُتَمَسِّك .
إلهِي إِرْحَمْ عَبْدَكَ الذُّليلَ ، ذَا النِّسانِ الْكَيلِ وَالْعَمَلِ القَلِيلِ ، وَامْنُنْ عَلَيْهِ بِطَوْلِكَ الْجَزِيلِ ، وَاكْتُفْهُ تَحْتَ ظِلكَ الظَّليل ، يا كَريمُ یا جَميلُ ، يا أَرْحَمَ الرّاحِمينِ .
لقد هام الإمام(عليه السلام) الحبّ سيّده ومولاه خالق الكون وواهب الحياة ، فعقد جميعآماله عليه ، ورجاه في قضاء جميع أموره كأعظم ما يكون الرجاء .
وتُعرف بمناجاة العارفين ، وهذا نصها .
إلهي قَصُرَتِ الْأَلْسُنُ عَنْ بُلُوغ ثَنائِكَ ، كَمَا يَلِيقُ بِجَلالِكَ، وَعَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنْ إِدْرِاكِ كُنْهِ جَمالِكَ ، وَانْحَسَرَتِ الْأَبْصَارُ دُونَ النَّظَرِ إِلَى سُبحاتِ وَجْهِكَ ، وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَرِيقاً إِلَى مَعْرِفَتِكَ إِلَّا بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ .
إِلهِي فَاجْعَلْنا مِنَ الَّذِينَ تَرَسَخَتْ أَشْجارُ الشَّوْقِ إِلَيْكَ في حَدَائِقِ صُدُورِهِمْ ، وَأَخَذَتْ لَوْعَةُ مَحَبَّتِكَ بِمَجامِع قُلُوبِهِمْ ، فَهُمْ إِلَى أَوْ كَارِ الأفكارِ يَأْوُونَ ، وَفِى رِياضِ الْقُرْبِ وَالْمُكاشَفَةِ يَرْتَعُونَ ، وَمِنْ حِياضِ الْمَحَبَّةِ بِكَأْسِ الْمُلاطَفَةِ يَكْرَعُونَ ، وَشَرايعَ الْمُصافَاةِ يَرِدُونَ.
قَدْ كُشِفَ الْغِطَاءُ عَنْ أَبْصارِهِمْ ، وَانْجَلَتْ ظُلْمَةُ الرَّيْبِ عَنْ عَقائِدِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ ، وَانْتَفَتْ مُخالَجَةُ الشَّكِ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَرائِرِهِمْ ، وَانْشَرَحَتْ بِتَحْقِيقِ الْمَعْرِفَةِ صُدُورُهُمْ ، وَعَلَتْ لِسَبْقِ السَّعادَةِ في الزَّهادَةِ هِمَمُهُمْ ، وَعَذَّبَ فى مَعينِ الْمُعامَلَةِ شِرْبُهُمْ ، وَطابَ فِي مَجْلِسِ الْأُنْسِ سِرُّهُمْ وَأَمِنَ فِي مَوْطِنِ الْمَحَافَةِ سِرْبُهُم وَاطْمَأَنَّتْ بِالرُّجُوعِ إِلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ أَنْفُسُهُمْ ، وَتَيَقَّنَتْ بِالْفَوْزِ وَالْفَلاح أَزْواحُهُمْ ، وَقَرَّتْ بِالنَّظَرِ إِلَى مَحْبُوبِهِمْ أَعْيُنُهُمْ ، وَاسْتَقَرَّ بِإِدْراكِ السُّؤْلِ وَنَيْلِ الْمَأْمُولِ قَرَارُهُمْ ، وَرَبِحَتْ فِي بَيْعِ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ تِجارَتُهُمْ.
إِلهي ما أَلَذَّ خَواطِرَ الْإِلْهام بِذِكْرِكَ عَلَى الْقُلُوبِ ، وَما أَحْلَى الْمَسِيرَ إِلَيْكَ بِالْأَوْهامِ في مَسالِكِ الْغُيُوبِ ، وَمَا أَطْيَبَ طَعْمَ حُبِّكَ ، وَما أَعْذَبَ
شِرْبَ قُربِكَ .
فَأَعِذْنا مِنْ طَرْدِكَ وَإِبْعَادِكَ ، وَاجْعَلْنا مِنْ أَخَصَّ عارِفيكَ ، وَأَصْلَح عِبادِكَ ، وَأَصْدَقِ طَائِعِيكَ ، وَأَخْلَصِ عُبَادِكَ ، يا عَظِیمُ یا جَليلُ یا كَريمُ يا مُنيلُ ، برَحْمَتِكَ وَمَنْكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ.
حقاً إنّ الإمام زين العابدين سيّد الموحدين، وزعيم العارفين بالله ، لم تكن عبادته الله تقليديّة ، وإنّما ناشئة عن كمال معرفته بالله تعالى .
لقد أعرب الإمام(عليه السلام) في هذه المناجاة عن قصر الألسنة عن بلوغ الثناء على الله تعالى ، وعجز العقول عن إدراك كنه جماله ، إذ كيف يحيط الممكن في إدراكه بمعرفة واجب الوجود ومبدع الكون.
وتُعرف بمناجاة الذاكرين ، وقد أبدى فيها الإمام كمال الخضوع الله تعالى:
إلهي لَوْلَا الْواجِبُ مِنْ قَبُولِ أَمْرِكَ ، لَنَزَّهْتُكَ مِنْ ذِكْرِي إِيَّاكَ عَلَى أَنَّ ذِكْرِي لَكَ بِقَدْرِي لَا بِقَدْرِكَ ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَ مِقْدارِي حَتَّى أَجْعَلَ مَحَلاً لِتَقْدِيسِكَ ، وَمِنْ أَعْظَمِ النَّعَمِ عَلَيْنَا جَرَيانُ ذِكْرِكَ عَلَى أَلْسِنَتِنَا ، وَإِذْنُكَ لَنَا بِدُعائِكَ وَتَنْزيهِكَ وَتَسْبِيحِكَ.
إِلهِي فَأَلْهِمْنا ذِكْرَكَ فِي الْخَلةُ وَالْمَلَا، وَاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَالْإِعْلَانِ وَالْإِسْرارِ ، وَفِي السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ ، وَانشنا بِالذِّكْرِ الْخَفِيُّ ، وَاسْتَعْمِلْنا بِالْعَمَلِ الزَّكِي وَالسَّعْيِ الْمَرْضِيّ ، وَجازِنَا بِالْميزانِ الْوَفِي .
إلهي بِكَ هَامَتِ الْقُلُوبُ الْوالِهَةُ وَعَلَى مَعْرِفَتِكَ جُمِعَتِ الْعُقولُ الْمُتَبَايِنَةُ ، فَلا تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ إِلَّا بِذِكْراكَ ، وَلا تَسْكُنُ النُّفُوسُ إِلَّا عِنْدَ رُؤْياك .
أَنْتَ الْمُسَبَّحُ فِي كُلِّ مَكانٍ ، وَالْمَعْبُودُ فِي كُلِّ زَمَانٍ ، وَالْمَوْجُودُ في
كُلِّ أَوانٍ ، وَالْمَدْعُو بِكُلِّ لِسانٍ ، وَالْمُعَظَّمُ في كُلِّ جَنانٍ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ بِغَيْرِ ذِكْرِكَ ، وَمِنْ كُلِّ راحَةٍ بِغَيْرِ أُنْسِكَ ، وَمِنْ كُلِّ سُرُورٍ بِغَيْرِ قُرْبِكَ ، وَمِنْ كُلِّ شُغْلٍ بِغَيْرِ طَاعَتِكَ .
إلهي أَنْتَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً(1)وَقُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ :فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ(2).
فَأَمَرْتَنَا بِذِكْرِكَ ، وَوَعَدْتَنا عَلَيْهِ أَنْ تَذْكُرَنا تَشْرِيفاً لَنَا وَتَفْخيماً وَإِعْظاماً ، وَها نَحْنُ ذاكِرُوكَ كَما أَمَرْتَنا ، فَأَنْجِزْ لَنا ما وَعَدْتَنا ، يا ذاكِرَ الذَاكِرِينَ وَيا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ.
وتملكنا الرعشة ويأخذنا الذهول حينما نقرأ مناجاة الإمام(عليه السلام)، فقد أعطى فيها صورة واضحة متميّزة عن تضرعه وتذلله أمام الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .
فلم ير هذا الإمام العظيم لطاعته المذهلة لله أية أهميّة ، وهو يلتمس من الله بكلّ خشوع أن يتكرّم عليه بقبول عبادته .
وتُعرف بمناجاة المعتصمين، فقد أبدى فيها اعتصامه وتمسكه بالله تعالى :
اللهُمَّ يا مَلاذَ اللَّائِذِينَ ، وَيا مَعَاذَ الْعائِذِينَ ، وَيَا مُنْجِيَ الْهالِكينَ ،
وَيا عاصِمَ الْبائِسينَ ، وَيا راحِمَ الْمَساكينَ ، وَيا مُجيبَ الْمُضْطَرينَ ، وَيا كَنْزَ الْمُفْتَقِرِينَ ، وَيا جابِرَ الْمُنْكَسِرِينَ ، وَيا مَأْوَى الْمُنْقَطِعينَ . وَيا ناصِرَ الْمُسْتَضْعَفينَ، وَيا مُجيرَ الْخائِفِينَ ، وَيا مُغِيثَ الْمَكْرُوبينَ ، وَيا حِصْنَ اللَّاجِينَ.
إِنْ لَمْ أَعُذْ بِعِزَّتِكَ فَبِمَنْ أَعُوذُ ، وَإِنْ لَمْ أَلذ بِقُدْرَتِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ ، وَقَدْ أَلْجَأَتْنِي الذُّنُوبُ إِلَى التَّشَبُّثِ بِأَذْيالِ عَفْوِكَ ، وَأَحْوَجَتْنِي الْخَطَايَا إِلَى اسْتِفْتاح أَبْوابِ صَفْحِكَ ، وَدَعَتْنِى الْإِساءَةُ إِلَى الْإِناخَةِ بِفِناءِ عِزّكَ ، وَحَمَلَتْنِي الْمَحَافَةُ مِنْ نِقْمَتِكَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِعُرْوَةِ عَطْفِكَ ، وَمَا احَقُّ مَنِ اعْتَصَمَ بِحَبْلِكَ أَنْ يُخْذَلَ ، وَلا يَليقُ بِمَنِ اسْتَجَارَ بِعِزِّكَ أَنْ يُسْلَمَ أَوْ يُهْمَلَ .
إلهي فلا تُخْلِنَا مِنْ حِمَايَتِكَ ، وَلا تُعْرِنَا مِنْ رِعايَتِكَ ، وَذُدْنا عَنْ مَوارِدِ الْهَلَكَةِ ، فَإِنَّا بِعَيْنِكَ وَفِي كَنَفِكَ وَلَكَ.
أَسْأَلُكَ بِأَهْلِ خاصَّتِكَ مِنْ مَلائِكَتِكَ ، وَالصَّالِحِينَ مِنْ بَرِيَّتِكَ ، أَنْ تَجْعَل عَلَيْنا واقِيَةً تُنَجِّينا مِنَ الْهَلَكاتِ ، وَتُجَنِّبْنا مِنَ الْآفاتِ ، وَتُكِتُنَا مِنْ دَواهِي الْمُصيبَاتِ ، وَأَنْ تُنْزِلَ عَلَيْنا مِنْ سَكِينَتِكَ ، وَأَنْ تُغَشَّيَ وُجُوهَنا بِأَنْوارِ مَحَبَّتِكَ ، وَأَنْ تُؤْوِيَنَا إِلَى شَديدِ رُكْنِكَ ، وَأَنْ تَحْوِيَنَا فِي أَكْنَافِ عِصْمَتِكَ ، بِرَأْفَتِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
لقد علمنا الإمام(عليه السلام)في مناجاته كيف نلجأ إلى الله تعالى في المهمات والشدائد ؟ وكيف نطلب منه قضاء الحوائج ؟ فمن المؤكد أنّه لا وسيلة لنا إلا بالتضرع إليه بإخلاص ، والسؤال منه بأدب ، وأن لا نرى لأنفسنا أيّة قوّة أو حول ،
وأنّه ليس هناك أي أحد إلا وهو مفتقر إليه تعالى .
وتُعرف بمناجاة الزاهدين ، وهي من غرر مناجاته :
إلهي أَسْكَنْتَنا داراً حَفَرَتْ لَنا حُفَرَ مَكْرِها ، وَعَلَّقَتْنَا بِأَيْدِي الْمَنايا في حَبائِل غَدْرِها ، فَإِلَيْكَ نَلْتَجِيُّ مِنْ مَكائِدِ خُدَعِهَا ، وَبِكَ نَعْتَصِمُ مِنَ الْإِغْتِرَارِ بِزَخارِفِ زينَتِها ، فَإِنَّهَا الْمُهْلِكَةُ طُلابها ، الْمُتْلِفَةُ حُلَالَها ، الْمَحْشُوَّةُ بِالآفاتِ الْمَشْحُونَةُ بِالنَّكَبَاتِ.
إِلهِي فَزَهَدْنا فيها ، وَسَلَّمْنَا مِنها بِتَوْفِيقِكَ وَعِصْمَتِكَ ، وَانْزَعْ عَنّا جلابيبَ مُخالَفَتِكَ ، وَتَوَلَّ أُمُورَنا بِحُسْنِ كِفَايَتِكَ ، وَأَوْفِرْ مَزِيدَنَا مِنْ سَعَةِ رَحْمَتِكَ ، وَأَجْمِلْ صِلاتِنَا مِنْ فَيْضِ مَوَاهِبِكَ ، وَاغْرِسْ فِي أَفْئِدَتِنَا أَشْجَارَ مَحَبَّتِكَ ، وَأَتْمِمْ لَنا أَنْوارَ مَعْرِفَتِكَ ، وَأَذِقْنا حَلاوَةَ عَفْوكَ وَلَذَّةَ مَغْفِرَتِكَ ، وَأَقْرِرْ أَعْيُنَنا يَوْمَ لِقائِكَ بِرُؤْيَتِكَ ، وَأَخْرِجْ حُبَّ الدُّنْيا مِنْ قُلُوبِنا كَما فَعَلْتَ بالصّالِحِينَ مِنْ صَفْوَتِكَ وَالْأَبْرارِ مِنْ خاصَّتِكَ ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَيا أَكْرَمَ الْأَكْرَمين .
وبهذا ينتهي بنا المطاف في مناجيات الإمام(عليه السلام) مع الخالق العظيم ، وهي تمثّل روحانية الإمام ، ومدى اتصاله بالله تعالى ، وانقطاع إليه .
ونسب السيد حسين النوري في الصحيفة السجادية الرابعة إلى الإمام(عليه السلام)مقطوعتين من المناجاة المنظومة ، وذكر أنه وجدهما بخط بعض العلماء :
ألم نسمع بفضلك يا مُنايا*** دعاء من ضعيف مبتلاء(1)
غريقاً في بحار الغم حزناً*** أسيراً بالذنوب وبالخطاً
اُنادي بالتضرع كل يوم*** مجداً بالتبتل والدعاء
لقد ضاقت علَيَّ أرض طرّاً*** وأهل الأرض ما عرفوا دوائي
فخذ بيدي إنّي مستجير*** بعفوك يا عظيم ويا رجائي
أتيتك باكياً فارحم بكائي*** حيائي منك أكثر من خطائي
ولي هم وأنت لكشف همّي*** ولي داء وأنت دواء دائي
وأيقظني الرجال فقلت ربّي*** رجائي أن تحقق لي رجائي
تفضّل سيدي بالعفو عنّي*** فإنّي في بلاء من بلاء
إليك يا رب قد وجهت حاجاتي*** وجئت بابك يا ربّي بحاجاتي
أنت العليم بما يحوي الضمير به*** يا عالم السرّ علام الخفيّات
1) هكذا وردت وركاكة النظم ظاهرة ، فمن المستبعد نسبتها للامام زين العابدين(عليه السلام).
أقض الحوائج لي ربي فلست أرى*** سواك يا ربّ من قاض لحاجاتي
وهذه المقطوعة على هذا المنوال كسابقتها من الركة واختلال الوزن ، والذي أره بكل تأكيد أنّ كلا المقطوعتين من الموضوعات على الإمام(عليه السلام)، إذ كيف تنسب للإمام هذه الأبيات المفككة التي ليس فيها أية مسحة أدبية أو بلاغية ، وهو صاحب الصحيفة السجّاديّة التي لم يؤثر في الكلام العربي مثل بلاغتها وفصاحتها .
من المؤلفات المهمة في دنيا الإسلام« رسالة الحقوق »للإمام الأعظم زين العابدين(عليه السلام)، فقد وضعت المناهج الحيّة لسلوك الإنسان ، وتطوير حياته، وبناء حضارته ، على أسس تتوفّر فيها جميع عوامل الاستقرار النفسي، ووقايته من الإصابة بأي لون من ألوان القلق والاضطراب ، وغيرهما مما يوجب تعقيد الحياة .
لقد نظر الإمام الحكيم بعمق وشمول للإنسان ، ودرس جميع أبعاد حياته وعلاقاته مع خالقه ، ونفسه ، وأسرته ، ومجتمعه ، وحكومته ، ومعلمه ، وغير ذلك ، فوضع له هذه الحقوق والواجبات ، وجعله مسؤولاً عن رعايتها وصيانتها ليتم بذلك إنشاء مجتمع إسلامي تسوده العدالة الاجتماعية والعلاقات الوثيقة بين أبنائه من الثقة والمحبة ، وغيرهما من وسائل التطوّر والتقدّم الاجتماعي .
وفيما أعتقد أنّه لم يسبق نظير لمثل هذه الحقوق التي شرعها الإمام العظيم ، سواء في ذلك ما شرعه العلماء في عالم الفكر السياسي أم الاجتماعي ، وغيرهما مما قننوه لحقوق الإنسان ، وروابطه الاجتماعية ، وأصوله الأخلاقية ، وأسسه التربوية .
وعلى أي حال ، فإنّ الإمام(عليه السلام) قد كتب هذه الرسالة الذهبية ، وأتحف بها بعض أصحابه ، وقد رواها العالم الكبير ثقة الإسلام ثابت بن أبي صفية ، المعروف بأبى حمزة الثمالي(1)تلميذ الإمام(عليه السلام).
وقد رواها عنه بسنده المحدّث الصدوق(2)، وحجّة الإسلام محمد بن يعقوب
الكليني، والحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني في تحف العقول»، وننقلها عنه ، وفي ما يلي النص الكامل لها :
وقبل أن يدلي الإمام السجاد(عليه السلام) ببيان هذه الحقوق قدم عرضاً موجزاً لها، قال (عليه السلام):
اعْلَمْ رَحمَكَ اللَّهُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْكَ حُقُوقاً مُحِيطَةٌ بِكَ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكْتَها ، أَوْ سَكَنَةٍ سَكَنْتَها ، أَوْ مَنْزِلَةٍ نَزَلْتَها ، أَوْ جَارِحَةٍ قَلَّبْتَها ، وَآلَةٍ تَصَرَّفْتَ بِها بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ.
وَأَكْبَرُ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَيْكَ ما أَوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ حَقِّهِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْحُقُوقِ ، وَمِنْهُ تَفَرَّعَ .
ثُمَّ أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ لِنَفْسِكَ مِنْ قَرْنِكَ إِلى قَدَمِكَ عَلَى اخْتِلَافِ جَوارِحِكَ ، فَجَعَلَ لِبَصَرِكَ عَلَيْكَ حَقًّاً ، وَلِسَمْعِكَ عَلَيْكَ حَقًّاً ، وللسانك عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِيَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِرجْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّاً، وَلِبَطْنِكَ عَلَيْكَ حَقاً ، وَلِفَرْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً .
فَهَذِهِ الْجَوارِجُ السَّبْعُ الَّتى بها تَكُونُ الْأَفْعَالُ . ثُمَّ جَعَلَ عَزَّ وَجَلَّ لِأَفْعَالِكَ عَلَيْكَ حُقُوقاً ، فَجَعَلَ لِصَلَاتِكَ عَلَيْكَ حَقًّاً، وَلِصَوْمِكَ عَلَيْكَ حَقَّاً، وَلِصَدَقَتِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِهَدِّيكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِأَفْعَالِكَ عَلَيْكَ حقاً.
ثُمَّ تَخْرُجُ الْحُقُوقُ مِنْكَ إِلَى غَيْرِكَ مِنْ ذَوِي الْحُقُوقِ الْواجِبَةِ عَلَيْكَ ، وَأَوْجَبُها عَلَيْكَ حُقُوقُ أَئِمَّتِكَ، ثُمَّ حُقوقُ رَعِيَّتِكَ ، ثُمَّ حُقُوقُ رَحِمِكَ ، فَهَذِهِ حُقُوقُ يَتَشَعَبُ مِنْهَا حُقُوق.
فَحُقُوقِ أَئِمَّتِكَ ثَلَاثَةٌ أَوْجَبَها عَلَيْكَ حَقٌّ سَائِسَكَ (1)بِالسُّلْطانِ ، ثُمَّ سَائِسِكَ بِالْعِلْم ، ثُمَّ حَقُّ سَائِسِكَ بِالْمُلْكِ ، وَكُلِّ سائِسِ إِمَامٌ ، وَحُقُوقُ رَعِيَّتِكَ ثَلَاثَةٌ أَوْجَبُها عَلَيْكَ حَقُّ رِعِيَّتِكَ بِالسُّلْطانِ ، ثُمَّ حَقٌّ رَعِيَّتِكَ بِالْعِلْمِ ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ رَعِيَّة الْعالِمِ ، وَحَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْمِلْكِ مَنَ الْأَزْواجِ ، وَما مَلَكَتْ مِنَ الْإِيمانِ.
وَحُقُوقُ رَحِمِكَ كَثِيرةٌ مُتَّصِلَةٌ بِقَدْرِ اتِّصالِ الرَّحِم فى الْقَرابَةِ ، فَأَوْجَبُها عَلَيْكَ حَقٌّ أُمِّكَ ، ثُمَّ حَقٌّ أَبِيكَ ، ثُمَّ حَقُّ وَلَدِكَ ، ثُمَّ حَقٌّ أَخِيكَ ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فالْأَقْرَبُ ، وَالْأَوَّلُ فالْأَوَّلِ.
ثُمَّ حَقُّ مَوْلَاكَ الْمُنْعِمُ عَلَيْكَ ، ثُمَّ حَقُّ مَوْلَاكَ الْجَارِي نِعْمَتُكَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ حَقُّ ذِي الْمَعْرُوفِ لَدَيْكَ ، ثُمَّ حَقُّ مُؤَذِّنِكَ بِالصَّلَاةِ ، ثُمَّ حَقُّ إِمامِكَ في صَلَاتِكَ، ثُمَّ حَقٌّ جَلِيسِكَ ، ثُمَّ حَقٌّ جَارِكَ ، ثُمَّ حَقٌّ صاحِبِكَ ، ثُمَّ حَقُّ شَرِيكِكَ ، ثُمَّ حَقُّ مالِكَ ، ثُمَّ حَقٌّ غَرِيمِكَ الَّذِي تُطَالِبُه ، ثُمَّ حَقُّ غَرِيمِكَ الَّذِي يُطَالِبُكَ ، ثُمَّ حَقٌّ خَلِيطِكَ ، ثُمَّ حَقُّ خَصْمِكَ الْمُدَّعِي عَلَيْكَ ، ثُمَّ حَقُّ
1) السائس : القائم بالأمر والمدبر له .
خَصْمِكَ الَّذِي تَدَّعِي عَلَيْهِ ، ثُمَّ حَقٌّ مُسْتَشِيرِكَ ، ثُمَّ حَقُّ الْمُشِيرِ عَلَيْكَ ، ثُمَّ حَقُّ مُسْتَنْصِحِكَ ، ثُمَّ حَقٌّ النَّاصِحِ لَكَ ، ثُمَّ حَقٌّ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ ، ثُمَّ حَقُّ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْكَ ، ثُمَّ حَقُّ سَائِلِكَ ، ثُمَّ حَقُّ مَنْ سَأَلْتَهُ ، ثُمَّ حَقٌّ مَنْ جَرى لَكَ عَلَى يَدَيْهِ مَساءَةٌ بِقولٍ أَوْ فِعْلِ أَوْ مَسَرَّةٌ بِذلِكَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَنْ تَعَمُّدٍ مِنْهُ أَوْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُ ، ثُمَّ حَقُّ أَهْلِ مِلّتِك عامَّةً ، ثُمَّ حَقٌّ أَهْلِ الذَّمَّةِ ، ثُمَّ الْحُقُوقُ الْجارِيةُ بِقَدْرِ عِلَى الْأَحْوَالِ ، وَتَصَرُّفِ الْأَسْبابِ .
فَطُوبى لِمَنْ أَعانَهُ اللهُ عَلى قَضاءِ ما أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهِ ، وَوَفَّقَهُ وَسَدَّدَهُ .
لقد احتوت هذه الفقرات المشرقة من كلام الإمام(عليه السلام)على عرض موجز للحقوق الأصليّة التي قنّنها(عليه السلام)للإنسان المسلم.
أما تفاصيل هذه الحقوق الرائعة ، فلنستمع إلى الإمام(عليه السلام) يحدثنا عنها :
فَأَما حَقُّ اللَّهِ الْأَكْبَرُ فَإِنَّكَ تَعْبُدُهُ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ بإخلَاصٍ جَعَلَ لَكَ عَلى نَفسهِ أَنْ يَكْفَيَكَ أَمْرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَيَحْفَظَ
لَك ما تُحِبُّ مِنْهُما .
إنّ من أعظم حقوق الله تعالى على عباده أن يعبدوه بإخلاص، ولا يشركوا بعبادته أحداً ، فإن في ذلك تطهيراً لقلوبهم من الزيغ ، تحريراً لعقولهم وأفكارهم
من الرق والتبعية ، أما عبادة غير الله من الأصنام والأوثان ، فإنّها ذل وعبودية ، وقضاء على كرامة الإنسان وعزّته ، وإلقاء له في حضيض من الانحطاط ما له من قرار .
وقد ضمن الله تعالى لمن عبده بحق أن يكفيه أمور آخرته ودنياه .
وَأَمَّا حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ فَأَنْ تَسْتَوْفِيها فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، فَتُؤَدِّي إِلَى لِسَانِكَ
حَقَّهُ ، وَإِلَى سَمْعِكَ حَقَّهُ ، وَإِلَى بَصَرِكَ حَقَّهُ ، وَإِلى يَدِكَ حَقَّها وَإِلى رِجْلِكَ حَقَّهَا ، وَإِلَى بَطْنِكَ حَقَّهُ ، وَإِلى فَرَجِكَ حَقَّهُ ، وَتَسْتَعِينَ بِاللَّهِ عَلى ذلِكَ .
وعرض الإمام الله إلى حق النفس على الإنسان، وأن عليه حقوقاً وأهمها أن يستوفيها في مرضاة الله وطاعته، ولا يجعل للشيطان عليها سبيلاً، وبذلك ينقذها من المخاطر والمهالك ، وينجيها من شرّ عظيم ، وذكر الإمام أنّ لكلّ جارحة في بدن الإنسان حقاً عليه ، ولنستمع إلى حديثه التالي مفصلاً تلك الحقوق .
وأَما حَقُّ النِّسانِ فَإِكْرَامُهُ عَن الْخَنى، وَتَعْوِيدُهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَدَبِ، وَإِجْمَامُهُ(1)إِلَّا لِمَوْضِع الْحَجَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيا ،
1) إجمامه : أي إمساكه .
وَإِعْفَاؤُهُ عَنِ الْفُضُولِ الشَّيْعَةِ القَليلَةِ القائدة ، الَّتي لَا يُؤْمَنُ ضَرَرُها مَعَ قِلَّةِ عائِدَتِها ، وَيُعَدُّ شَاهِدَ الْعَقْلِ ، وَالدَّليلَ عَلَيْهِ ، وَتَزَيُّنُ الْعَاقِلِ بِعَقْلِهِ حُسْنُ سيرَتِهِ في لِسانِهِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
إنّ اللسان من أهم الجوارح في بدن الإنسان ، كما أنّه من أخطرها على حياته ، فبإقراره واعترافه في حقوق الناس وأموالهم يدان ، وقد قال الفقهاء : « إقرار المرء على نفسه جائز - أي نافذ - كما أنّ الإنسان إنّما يعزّ أو يهان بمنطقه ، فإن صدر منه خیر احترم ، وإن صدر منه شرّ حقّر، وقد دعا الإمام الحكيم الإنسان إلى السيطرة على لسانه ، وإلزامه بمراعاة الحقوق التالية :
1 - إكرامه عن الخني ، أي الفحشاء ، لأنّها مما توجب سقوط الإنسان ومهانته .
2 - تعويده على مقالة الخير ، وما ينفع الناس ولا يضرهم .
3 - حمله على التلفظ بالأدب ، وكلم الطيب الذي يرفع إلى الله تعالى.
4 - إحجامه وسكوته إلا لموضع الحاجة من الأمور الدينية أو الدنيوية .
إعفاؤه ومنعه من الخوض في فضول القول الذي لا يعود عليه ولا على الناس بخير .
هذه بعض الأمور التي ينبغي للإنسان المسلم أن يحمل لسانه عليها ، ومن المؤكد أنها ترفع شأنه، وتعزز مكانته.
وَأَمَا حَقٌّ السَّمْع فَتَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ تَجْعَلَهُ طَرِيقاً إِلى قَلْبِكَ إِلَّا لِفُوهَةٍ كَرِيمَةٍ تُحْدِثُ فِي قَلْبِكَ خَيْراً ، أَوْ تَكْسِبُ خُلْقاً كَريماً ، فَإِنَّهُ بَابُ الْكَلَام إِلَى الْقَلْبِ يُؤَدِّي إِلَيْهِ ضُرُوبُ الْمَعَانِي عَلَى مَا فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ،
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
إنّ جهاز السمع هو الأداة الفعّالة في تكوين شخصية الإنسان ، وبناء سلوكه ، وذلك بما ينقله من المسموعات التي تنطبع في دخائل الذات وقرارة النفس ، ومن حقه على الإنسان أن يجعله بريداً لنقل الآداب الكريمة ، والفضائل الحسنة ، والمزايا الحميدة ليتأثر بها ، وتكون من صفاته وخصائصه .
وَأَمَا حَقُّ بَصَرِكَ فَغَضُهُ عَمّا لَا يَحِلُّ لَكَ ، وَتَرْكُ ابْتِدَالِهِ ، إِلَّا لِمَوْضِعِ عِبْرَةٍ تَسْتَقْبِلُ بِها بَصَراً ، أَوْ تَسْتَفيدُ بِها عِلْماً ، فَإِنَّ الْبَصَرَ بَابُ الْإِعْتِبَارِ.
إنّ للبصر حقاً على الإنسان، وهو حجبه عن النظر إلى ما حرمه الله الذي هو مفتاح الولوج في اقتراف الآثام ، فينبغي للمسلم أن يغض بصره عمّا لا يحل له، وأن ينظر إلى مواضع العبر ليستفيد منها في بناء شخصيته، كما أنه ينبغي له أن يستفيد ببصره علماً يهذب به نفسه ، وينفع به مجتمعه .
وَأَمَا حَقٌّ رِجْلَيْكَ فَأَنْ لَا تَمْشِي بِهِما إلى ما لَا يَحِلُّ لَكَ ، وَلَا تَجْعَلَهُما مَطِيَّتَكَ في الطَّريقِ الْمُسْتَخِفَّةِ بِأَهْلِها فيها ، فَإِنَّها حامِلَتُكَ وَسالِكَةٌ (1)
بِكَ مَسْلَكَ الدين و لَكَ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
خلق الله الرّجلين ليمشي بهما الإنسان إلى مواطن الرزق ، فيكد ويعمل ليعيش
1) الصحيح : فإنّهما حاملتاك وسالكتان بك.
هو وأفراد أسرته ، ومن حقهما عليه أن يسعى بهما إلى طريق الخير والصلاح ، وليس له أن يسعى بهما إلى الحرام كالوشاية بمؤمن ، أو سرقة إنسان ، وغير ذلك مما حرّمه الله تعالى .
وَأَمَا حَقُّ يَدِكَ فَأَنْ لَا تَبْسُطَها إلى ما لَا يَحِلُّ لَكَ ، فَتَنالَ بِمَا تَبْسُطُهَا إِلَيْهِ مِنَ اللهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْآجِلِ ، وَمِنَ النَّاسِ بِلسانِ اللّائِمَةِ في الْعاجِلِ ، وَلَا تَقْبِضَها مِمَا افْتَرَضَهُ اللهُ عَلَيْهَا ، وَلكِنْ تُوَقِّرَهَا بِقَبْضِها عَنْ كَثِيرٍ مِمّا لَا يَحِلُّ لَهَا ، وَبَسْطِها إِلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّا لَيْسَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا هِيَ قَدْ عُقِلَتْ وَشُرِّفَتْ في الْعاجِلِ وَجَبَ لَها حُسْنُ الثَّوابِ فِي الْآجِلِ .
وعرض الإمام(عليه السلام) لحق اليدين على الإنسان ، ومن حقهما أن لا يبسطهما في ما حرمّه الله تعالى من نهب أموال الناس ، والاعتداء عليهم ، أو يعين بهما ظالماً على ظلمه ، فإنّه بذلك يستحق العقاب في دار الآخرة كما يستحق اللوم والعتاب من الناس في دار الدنيا ،فالواجب عليه أن يوقرهما بالالتزام بما أمر الله تعالى .
وَأَمَا حَقُّ بَطْنِكَ فَأَنْ لَا تَجْعَلُهُ وِعاءً لِقَليلٍ مِنَ الْحَرامِ وَلَا لِكَثِيرٍ، وَأَنْ تَقْتَصِدَ لَهُ فِي الْحَلَالِ ، وَلَا تُخْرِجَهُ مِنْ حَدِّ التَّقْوِيَةِ إِلَى حَدِّ التَّهْوين ، وَذهَابِ الْمُروَّة وَضَبْطُهُ إِذا هُمَّ بالجُوعِ وَالظَّمَا ، فَإِنَّ الشَّبَعَ الْمُنْتَهي بِصاحِبِهِ إِلَى التَّخَمِ مَكْسَلَةٌ وَمَشْبَطَةٌ وَمَقْطَعَةٌ عَنْ كُلِّ بِرَّ وَكَرَمٍ. وَإِنَّ الرَّيَّ
الْمُنْتَهى بِصاحِبِهِ إِلَى السُّكْرِ مَسْخَفَةٌ وَمَجْهَلَةٌ وَمَذْهَبَةٌ لِلْمُرَوَّةِ .
وأدلى الإمام(عليه السلام) في هذه الفقرات بحقوق البطن على الإنسان ، والتي منها :
1 - عدم التغذية بالطعام الحرام ، فإنّ له كثيراً من المضاعفات السيئة ، كقساوة القلب ، واللامبالاة الموجبة الانحراف عن الطريق القويم .
2 - الاعتدال في الأكل ، والاقتصاد في تناول الطعام الحلال .
3 - النهي عن الشبع الموجب للتخمة ، فإنّها تسبب الإصابة بالكسل ، والابتعاد عن البر والكرم ، والخلق النبيل ، كما أنّها تعطّل جميع القوى العقلية ، بالإضافة إلى ما تحدثه من الأضرار الصحية كالإصابة بمرض السكر ، وضغط الدم ، والسمنة ، وغيرها .
وَأَمَا حَقٌّ فَرْجِكَ فَحِفْظُهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ وَالْإِسْتِعَانَةُ عَلَيْهِ بِغَضُ الْبَصرِ ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْوَنِ الْأَعْوانِ ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ الْمَوْتِ ، وَالتَّهَدُّدِ لِنَفْسِكَ بِاللهِ ،
وَالتَّخْوِيفِ لَها بِه ، وَبِاللهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّأييدُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ.
تتركز الحياة الجنسيّة في الإسلام على العفّة والفضيلة ، وصيانة النفس من اقتراف الزنا والفحشاء ، أمّا الطرق الوقائية التي تحجب الإنسان عن هذه الجريمة ، فهي كما أدلى بها الإمام :
1 - غض البصر عن المحارم ، فإنّ النظر هو العامل الأول للوقوع في الحرام ، وقد عبّر عنه في بعض الأخبار بزني العين .
2 - الإكثار من ذكر الموت ، فإنه يقضي على هيجان الشهوة الجنسيّة .
3 - تهديد النفس بالله العظيم، والتخويف من عقابه ، فإنّه من عوامل القضاء على جريمة الزنا .
وبعدما تحدث الإمام(عليه السلام) عن حقوق الجوارح على الإنسان أخذ في بيان حقوق الأفعال ، وهي :
فَأَما حَقُّ الصَّلَاةِ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّها وِفادَةٌ إِلَى اللَّهِ ، وَأَنَّكَ قَائِمٌ بِهَا بَيْنَ يَدَي الله ، فَإِذا عَلِمْتَ ذلِكَ كُنْتَ خَليقاً أَنْ تَقُومَ فِيهَا مَقامَ الزَّليلِ الرَاغِبِ الرَّاهِبِ الخائِفِ الرّاجي الْمِسْكِينِ الْمُتَضَرِّعِ الْمُعَظَّمِ ، مَنْ قامَ بَيْنَ يَدَيهِ بِالسُّكُونِ وَالْإِطْراقِ وَخُشُوعِ الْأَطْرَافِ ، وَلينِ الْجَناحِ ، وَحُسْنِ الْمُناجاةِ لَهُ في نَفْسِهِ ، وَالطَّلَبِ إِلَيْهِ فِي فَكاكِ رَقَبَتِكَ الَّتي أَحاطَتْ بِهِ خَطيئتُكَ ، وَاسْتَهْلَكَتْها ذُنُوبُكَ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
أما الصلاة ، فإنّها من أعظم الطقوس الدينية وأهمها في الإسلام ، وهي «قربان كل تقي » حسبما ورد في الحديث ، وهي الوفادة إلى الله تعالى ، ومن حقها على المسلم أن يعلم المصلّي أنّه قائم بين يدي الله الملك الجبار ، خالق السموات والأرض ، وواهب الحياة ، وعليه أن يتجه بجميع مشاعره وعواطفه نحو الله فيقف أمامه موقف الذليل الراغب في ما عند الله ، والخائف من عقابه والراجي لمغفرته ورضوانه ، والمسكين الذي يرجو رفده ، وعليه أن يصلي بسكينة ووقار ، خاشع الأطراف ، حسن المناجاة ، لا يشغل فكره بأي شأن من شؤون الدنيا، وعليه أن يسأل الله أن ينقذه من التبعات والخطيئات ، وفك رقبته من النار .
وَأَمَا حَقُّ الصَّوْمِ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ حِجابٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِكَ وَسَمْعِكَ وَبَصَرِكَ وَفَرْجِكَ وَبَطْنِكَ لِيَسْتُرَكَ بِهِ مِنَ النَّارِ ، وَهَكَذا جاءَ فِي الْحَدِيثِ : « الصَّوْمُ جُنَّةٌ (1)مِنَ النَّارِ » ، فَإِنْ سَكَنَتْ أَطْرافُكَ فِي حَجَبَتِهَا رَجَوْتَ أَنْ تَكُونَ مُحْجُوباً ، وَإِنْ أَنْتَ تَرَكْتَها تَضْطَرِبُ في حجبها ، وَتَرْفَعُ جَنَباتِ الْحِجابِ فَتُطْلِعُ إِلى مَا لَيْسَ لَهَا بِالنَّظْرَةِ الدّاعِيَةِ لِلشَّهْوَةِ وَالْقُوَّةِ الْخارِجَةِ عَنْ حَدَّ التَّقيَّةِ لِلَّهِ لَمْ تَأْمَنْ أَنْ تَخْرِقَ الْحِجَابَ وَتَخْرُجَ مِنْهُ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
وأما الصوم ، فهو من العبادات المهمة في الإسلام ، وفي الحديث : « أنه جنّة من النار»،وتترتب عليه كثير من الفوائد الصحيّة والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والنفسيّة ، والتي منها تقوية فعالية الإرادة وتنشيطها ، والتي بها يحقق الإنسان أهم ما يصبو إليه في هذه الحياة .
وقد ذكر المعنيون في البحوث الإسلامية فوائد كثيرة للصوم ، كما ألفت بعض الكتب في فوائده.
وعلى أي حال، فقد تناول الإمام في حديثه ما ينبغي للصائم أن يقوم به في أثناء صومه ، فقد ذكر أنّه ينبغي له أن لا يقتصر في صومه على الإمساك عن الطعام والشراب ، وإنّما عليه أن يمسك لسانه عن الكذب وقول الباطل ، ويمسك سمعه عن سماع الغيبة ، وفرجه ممّا لا يحلّ له، وبطنه عن تناول الحرام ليكون بذلك بمنجى من عذاب الله وعقابه .
1) أي وقاية وحصن.
وَأَمَا حَقُّ الصَّدَقَةِ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّها ذُخْرُكَ عِنْدَ رَبِّكَ ، وَوَدِيعَتُكَ الَّتي لَا تَحْتاجُ إِلَى الْإِشْهَادِ ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذلِكَ كُنْتَ بِمَا اسْتَوْدَعْتَهُ سِرّاً أَوْثَقَ بِمَا اسْتَوْدَعْتَهُ عَلَانِيَةً ، وَكُنْتَ جَدِيراً أَنْ تَكُونَ أَسْرَرْتَ إِلَيْهِ أَمْراً أَعْلَنْتَهُ ، وَكانَ الْأَمْرُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فيها سِرّاً عَلى كُلِّ حالٍ ، وَلَمْ تَسْتَظْهِرْ عَلَيْهِ فِيما اسْتَوْدَعْتَهُ مِنْهَا بِإِشْهَادِ الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ عَلَيْهِ بِهَا كَأَنَّهَا أَوْثَقُ فِي نَفْسِكَ لَا كَأَنَّكَ(1)لَا تَيْقُ بِهِ فِي تَأْدِيَةِ وَدِيَعِتَكَ إِلَيْكَ .
ثُمَّ لَمْ تَمْتَنَّ بِها عَلى أَحَدٍ ؛ لأنَّها لَكَ ، فَإِذَا امْتَنَنْتَ بِهَا لَمْ تَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ بِها مِثْلَ تَهْجِينِ(2)حالِكَ مِنْهَا إِلَى مَنْ مَنَنْتَ بها عَلَيْهِ ؛ لأنَّ فِي ذلِكَ دَليلاً عَلَى أَنَّكَ لَمْ تُرِدْ نَفْسَكَ بِهَا ، وَلَوْ أَرَدْتَ نَفْسَكَ بِهَا لَمْ تَمْتَنَّ بِهَا عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
أكد الإمام (عليه السلام)على الصدقة ، واعتبرها ذخراً عند الله للمتصدق ، وهو إنّما يقدّمها لنفسه ، فإنّه يجدها عنده حاضرة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
كما أكد(عليه السلام) على ضرورة الصدقة في السرّ، وأن تكون خالية من المنّ ، لأنها في الحقيقة له ، فكيف يمن بها على المتصدق ؟ ونظراً لأهمية الصدقة في السرّ، فقد كان الإمام يعول مائة بيت في يثرب، وهم لا يعلمون من هو الذي يعيلهم ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في البحوث السابقة .
وَأَما حَقُّ الْهَدْيِ : فَأَنْ تُخْلِصَ بِها الْإِرادَةَ إِلَى رَبِّكَ ، وَالتَّعَرُّضَ لِرَحْمَتِهِ وَقَبُولِهِ ، وَلَا تُرِيدَ عُيونَ النَّاظِرِينَ دُونَهُ ، فَإِذا كُنْتَ كَذلِكَ لَمْ تَكُنْ مُتَكَلِّفاً وَلَا مُتَصَنِّعاً ، وَكُنْتَ إِنَّما تَقْصُدُ إِلَى اللهِ .
وَاعْلَم أَنَّ اللهَ يُرادُ بِالْيَسيرِ ، وَلَا يُراد بِالْعَسِيرِ ، كَمَا أَرَادَ بِخَلْقِهِ التَّيْسِيرِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِمُ التَّعْسِيرِ ، وَكَذلِكَ التَّذَلُّلِ أَوْلَى بِكَ مِنَ التَّدَهْقُنِ؛ لِأَنَّ الْكُلْفَةَ
وَالْمَؤُونَةَ فِي الْمُتَدَهْقِنِينَ.
فَأَما التَّذَلُّلُ وَالتَّمَسْكُنُ فَلَا كُلْفَةَ فِيهِما وَلَا مَؤونَةً عَلَيْهِما ؛ لِأَنَّهُما الْخِلْقَةُ وَهُما مُوْجُودانِ في الطَّبِيعَةِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
وعرض الإمام(عليه السلام)في هذه الفقرات إلى حق الهدي ، وهو ما يذبحه حجاج بيت الله الحرام في مكة أو فى منى من الأنعام ، وقد أكد على أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى غير مشفوع بأي داع من الدواعي الفاسدة ، كالرياء وطلب السمعة ، فإنّ الله تعالى لا يتقبله .
وعرض الإمام (عليه السلام)إلى أنّ الله تعالى إنّما يُتقرب إليه باليسير من الأعمال لا بالعسير، فإنّه لم يشرع أي تكليف حرجى ، ثم إنّه(عليه السلام)فرّع على ذلك بأن التذلل أولى من التصدّي للزعامة لأنّها تحتاج إلى الجهد والكلفة والعناء ، أما من لا يتصدّى إليها فإنّه في غنى عن ذلك .
فَأَمَا حَقُّ َسائِسِكَ بِالسُّلْطانِ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ جُعِلْتَ لَهُ فِتْنَةٌ ، وَأَنَّهُ مُبْتَلى فيكَ بِما جَعَلَهُ اللهُ لَهُ عَلَيْكَ مِنَ السُّلْطانِ ، وَأَنْ تُخْلِصَ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ ، وَأَنْ لَا تُماحِكَهُ (1)، وَقَدْ بُسِطَتْ يَدُهُ عَلَيْكَ فَتَكُونَ سَبَبَ هَلَاكِ نَفْسِكَ وَهَلَاكِهِ ، وَتَذَلَّلَ وَتَلَطَّفَ لإعْطائِهِ مِنَ الرّضى ما يَكُفُّهُ عَنْكَ ، وَلَا يَضُرُّ بِدينِكَ ، وَتَسْتَعينُ عَلَيْهِ فِي ذلِكَ بِاللهِ ، وَلَا تُعازه(2)وَلَا تُعائِدَهُ ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذلِكَ عَقَقْتَهُ وَعَفَقْتَ نَفْسَكَ (3)فَعَرَّضْتَها لِمَكْرُوهِهِ وَعَرَّضْتَهُ لِلْهَلَكَةِ فِيكَ ، وَكُنْتَ خَليقاً أَنْ تَكُونَ مُعيناً لَهُ عَلى نَفْسِكَ وَشَريكاً لَهُ فيما أَتى إِلَيْكَ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
وألقى الإمام(عليه السلام) في هذه الكلمات نظرة على الشؤون السياسية قبل أن يتحدّث عن الحقوق ، فنظر إلى حقوق الأئمة والحاكمين على الرعايا ، ويرى الإمام أنّ الرعايا جعلوا فتنة للملوك والأمراء والولاة ، وذلك بسبب السلطة التي هي من أهم عوامل الفتنة والإغراء .
أما الحقوق الملقاة على الرعايا الملوكهم وأمرائهم ، فهي :
أوّلاً: الإخلاص للسلطة الشرعية ، وبذل المزيد من النصيحة لها حتى تتمكّن
من القيام بأداء واجباتها تجاه الرعيّة ، من العمران، وإشاعة الأمن والرخاء ، وتطوير البلاد من جميع مجالاتها ، ومن الطبيعي أنه إذا شاع فيها القلق والاضطراب ، وعمّت فيها الفتن فإنّها لا تتمكن من أداء مسؤولياتها وواجباتها .
ثانياً : عدم مخاصمة السلطة لأنّ المخاصمة تسبب الهلاك والدمار الشاملّين .
ثالثاً : التلطّف مع السلطة واحترامها بما لا يتنافى مع الدين.
رابعاً: عدم معاندة السلطة ، وعدم الخروج على إرادتها ، لأن ذلك مما يسبب الأضرار البالغة للحكومة وللشعب.
هذه بعض الحقوق التي ينبغي على المواطنين مراعاتها تجاه السلطة الشرعيّة ، وهي ممّا توجب اتّحاد الشعب مع حكومته .
وأَما حَقٌّ سائِسِكَ بِالْعِلْم : فالتَّعْظِيمُ لَهُ ، وَالتَّوْقِيرُ لِمَجْلِسِهِ ، وَحُسْنُ الإِسْتِماعِ إِلَيْهِ ، وَالْإِقْبالُ عَلَيْهِ ،والمعُونَةُ لَهُ عَلى نفسکَ فيما لَا غِنى بِكَ
عَنْهُ مِنَ الْعِلْمِ بِأَنْ تُفَرِّغَ لَهُ عَقْلَكَ ، وَتُحْضِرَهُ فَهْمَكَ وَتُزَكِّي لَهُ قَلْبَكَ ، وَتُجَلِّي لَهُ بَصَرَكَ بِتَرْكِ اللَّذَاتِ ، وَنَقْصِ الشَّهَواتِ .
وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ فيما أَلْقَى إِلَيْكَ رَسُولُهُ إِلَى مَنْ لَقِيَكَ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ فَلَزِمَكَ حُسْنُ التَّأْدِيَةِ عَنْهُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا تَخُنْهُ فِي تَأْدِية رِسالَتِهِ ، وَالْقِيامِ بِها عَنْهُ إِذا تَقَلَّدْتَها، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
إنّ المعلّم هو صانع الفكر والحضارة ، وله الأيادي البيضاء على الإنسانية عامة ، وعلى المتعلّم خاصة ، وقد أشاد الإمام(عليه السلام) بمكانته ، وأثبت له الحقوق التالية
على المتعلم ، وجعله مسؤولاً عن رعايتها والقيام بها ، وهي :
1 - تعظيمه وتبجيله بكل ألوان التعظيم والتبجيل ، وذلك لما له من عظيم الفضل على المتعلّم .
2 - توقیر مجلسه، واستعمال الحشمة فيه .
3 - حسن الاستماع لمحاضراته والإقبال عليها .
4 - تفريغ العقل وتحضير الفهم لوعي دروسه وفهمها ، ومن الطبيعي أنّ التلميذ إذا لم يُقبل على أستاذه فإنّه لا ينتفع بحضوره في مجلس الدراسة .
5-ترك اللذات والشهوات، فإنّهما شرطان أساسيان إلى تحصيل العلوم، خصوصاً العلوم الدينية ، فإنّ من يقبل على اللذات لا يحصل غالباً على أي شيء من العلوم .
6- ومن الحقوق الأساسية للمعلم أن ينشر المتعلم المعارف والعلوم التي تلقّاها من أستاذه لأنّه بذلك قد كتب الاستمرار لرسالة أستاذه
وَأَما حَقٌّ سَائِسِكَ بِالْمِلْكِ فَنَحْو مِنْ سَائِسِكَ بِالسُّلْطَانِ إِلَّا أَنَّ هذا يَمْلِكُ ما لَا يَمْلِكُهُ ذاكَ تَلْزِمُكَ طَاعَتُهُ فيما دَقَّ وَجَلَّ مِنْكَ إِلَّا أَنْ تُخْرِجَكَ مِنْ وجُوبِ حَقٌّ اللَّهِ ، وَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ حَقِّه وَحُقُوقِ الْخَلْقِ ، فَإِذا قَضَيْتَه رَجَعْتَ إِلَى حَقِّهِ فَتَشاغَلْتَ بِهِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
والشيء المؤكد أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)لو تولوا قيادة الأمة بعد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) مباشرة لقضوا على الرقّ ، ولم يبق له أي أثر في دنيا الوجود ، وقد تقدم في البحوث السابقة عنق الإمام زين العابدين(عليه السلام) بصورة مستمرّة ، ليس الغرض منها إلا القضاء على
الرقّ ، وإنقاذ الإنسان من العبودية ، كما أن معاملة الأئمة للأرقاء كأبنائهم باللطف والرحمة والرأفة ، لا تجعل الرقّ يحمل سمة العبودية والذل.
وعلى أي حال، فقد تعرّض الإمام(عليه السلام)إلى حق المالك على رقّه ، فأوجب طاعته ، إلّا أن يدعو مولاه إلى معصية الله فلا طاعة له
فَأَمَا حُقُوقُ رَعِيَّتِكَ بِالسُّلْطانِ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ إِنَّمَا اسْتَرْعَيْتَهُمْ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُ إِنَّما أَحَلَّهُمْ مَحَلَّ الرَّعِيَّةِ لَكَ ضَعْفُهُمْ وَذُلُّهُمْ ، فَما أَوْلى مَنْ كَفاكَهُ ضَعْفُهُ وَذُلُّهُ حَتَّى صَيَّرَهُ لَكَ رَعِيَّةٌ وَصَيَّر حُكْمَكَ عَلَيْهِ نافِذاً ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْكَ بِعِزَّةٍ وَلَا قُوَّةٍ ، وَلَا يَسْتَنصِرُ فيما تَعاظَمَهُ مِنْكَ إِلَّا بِاللهِ بِالرَّحْمَةِ وَالْحِياطَةِ(1)وَالْأَناةِ ، وَما أَوْلَاكَ إِذا عَرَفْتَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ فَضْل هذِهِ الْعِزَّةِ وَالْقُوَّةِ الَّتي قَهَرْتَ بِها أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ شَاكِراً ، وَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ أَعْطاهُ فيما أَنْعَمَ عَلَيْهِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
لقد نظر الإمام العظيم(عليه السلام) إلى الحكومات القائمة في عصره فرآها قائمة على القهر والغلبة ، ولم تستند لانتخاب شعوبها فرضخت للظلم والذل ، ولم تمتنع بعزّة ولا قوّة من السلطان ، وقد أوصى الإمام أولئك الحكّام برعاية الشعوب والرحمة بها ، والحياطة لشؤونها ، والأناة في التصرف في أحوالها ، كما أوصاهم أن يذكروا ما أعطاهم الله من فضله فيشكروه بالإحسان إلى الرعية والرفق بها .
1) الحياطة: الحماية والصيانة .
وَأَمَا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْعِلْمِ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَكَ لَهُمْ فيما آتَاكَ مِنَ الْعِلْمِ ، وَوَلَاكَ مِنْ خِزانَةِ الْحِكْمَةِ ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ فِيمَا وَلَاكَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَقُمْتَ بِهِ لَهُمْ مَقامَ الْخازِنِ الشَّفيقِ النَّاصِحِ لِمَوْلَاهُ في عَبِيدِهِ ، الصَّابِرِ الْمُحْتَسِبِ الَّذِي إِذا رَأَى ذا حاجَةٍ أَخْرَجَ لَهُ مِنَ الْأَمْوالِ الَّتِي فِي يَدَيْهِ كُنْتَ راشداً وَكُنْتَ لِذلِكَ آمِلاً مُعْتَقِداً ، وَإِلَّا كُنْتَ لَهُ خَائِنَا ، وَلِخَلْقِهِ ظَالِماً ، وَلِسَلْبِهِ وَعِزِّهِ مُتَعَرِّضاً .
لقد حثّ الإمام العظيم(عليه السلام) العلماء على نشر العلم وبذله للمتعلّمين ، وجعل ذلك حقاً عليهم ، وهم مسؤولون عن رعايته ، فإنّ الله تعالى فيما رزقهم من العلم والحكمة ، قد جعلهم خزنة عليها ، فإن بذلوه إلى المتعلّمين فقد قاموا بواجبهم وأدوا رسالتهم ، وإلّا كانوا خونة وظالمين ، وتعرّضوا لنقمة الله وسخطه .
وَأَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِمِلْكِ النِّكاح : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ جَعَلَهَا سَكَناً وَمُسْتَراحاً وَأَنْساً وَواقِيَةً ، وَكَذلِكَ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُما يَجِبُ أَنْ يَحْمَدَ اللهَ على صاحِبِهِ ، وَيَعْلَمَ أَنَّ ذلِكَ نِعْمَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ ، وَوَجَبَ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ وَيُكْرِمَهَا وَيَرْفَقَ بِها وَإِنْ كَانَ حَقًّكَ عَلَيْها أَغْلَظَ ، وَطاعَتُكَ بِها أَلْزَمَ فيما أَحْبَبْتَ وَكَرِهْتَ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةٌ ، فَإِنَّ لَهَا حَقَّ الرَّحْمَةِ وَالْمُوْانَسَةِ ، وَمَوْضِعُ السّكونِ إِلَيْها قَضاءُ اللَّذَّةِ الَّتي لا بُدَّ مِنْ قَضائِهَا ، وَذَلِكَ عَظِيمٌ ،
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
وأوصى الإمام(عليه السلام)من يملك وطء امرأة بملك اليمين أن يقابلها بالرأفة والإحسان، ويقوم برعايتها ، وليعلم أنّ ما استحله منها إنّما هو نعمة من الله عليه ، فاللازم عليه رعاية تلك النعمة ورعايتها رعاية كاملة .
وَأَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ خَلْقُ رَبِّكَ ، وَلَحْمُكَ وَدَمُكَ ، وَأَنَّكَ تَمْلِكُهُ (1)لَا أَنْتَ صَنَعْتَهُ دونَ اللهِ ، وَلَا خَلَقْتَ لَهُ سَمْعاً وَلَا بَصَراً ، وَلَا أَجْرَيْتَ لَهُ رِزْقاً ، وَلَكِنَّ اللهَ كَفاكَ ذلِكَ بِمَنْ سَخَّرَهُ لَكَ ، وَانْتَمَنَكَ عَلَيْهِ ، وَاسْتَوْدَعَكَ إِيَّاهُ لِتَحْفَظَهُ فِيهِ وَتَسيرَ فِيهِ بِسِيرَتِهِ ، فَتُطْعِمَهُ مِمَّا تَأْكُلُ ، وَتُلْبِسَهُ مِمَّا تَلْبَسُ ، وَلَا تُكَلِّفَهُ ما لَا يُطِيقُ ، فَإِنْ كَرِهْتَهُ خَرَجْتَ إِلَى اللهِ مِنْهُ ، وَاسْتَبْدَلْتَ بِهِ وَلَمْ تُعَذِّبْ خَلْقَ اللهِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
لقد نظر الإمام العظيم إلى المملوك نظرة مستمدة من جوهر الإسلام وواقعه ، فالمملوك كالحرّ قد صنعه الله ، وخلق له السمع والبصر ، وأجرى له الرزق ، كما صنع ذلك للحرّ، وليس للمالك أن يتجبّر أو يتكبّر عليه ، وليس له أن يرهقه ، أو يحمله فوق طاقته ، وإنما عليه أن يعامله بالحسنى ، فيطعمه ممّا يأكل ، ويلبسه ممّا يلبس ، وينظر إليه كما ينظر إلى أفراد عائلته ، وبهذا فقد حفظ الإسلام للرق مكانته ، ونفى عنه كلّ منقصة أو حزازة .
1) في رواية : « وأنّك لم تملكه » .
ووجه الإمام(عليه السلام)نظره صوب الأرحام فأدلى بحقوقهم :
فَحَقُّ أَمَكَ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّها حَمَلَتْكَ حَيْثُ لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَداً ، وَأَطْعَمَتُكَ مِنْ ثَمَرَةٍ قَلْبِها ما لَا يُطْعِمُ أَحَداً ، وَأَنَّها وَقَتْكَ بِسَمْعِها وَبَصَرِها وَيَدِها وَرِجْلِها وَشَعْرِها وَبَشَرِها وَجَميع جَوارِحها مُسْتَبْشِرَةً بِذلِكَ ، فَرِحَةٌ ، مُوابِلَةٌ(1)، مُحْتَمِلَةٌ لِما فِيهِ مَكْرُوهُهَا وَأَلَمُها وَثِقْلُها وَغَمُها حَتَّى دَفَعَتْها عَنْكَ يَدُ الْقُدْرَةِ ، وَأَخْرَجَتْكَ إِلَى الْأَرْضِ فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَعَ وَتَجُوع هِيَ ، وَتَكْسُوكَ وَتَعْرى ، وَتَرْوِيَكَ وَتَظْمَأُ ، وَتُظِلُّكَ وَتَضْحى ، وَتُنَعمَكَ بِبُؤْسِها وَتُلَذَّذَكَ بِالنَّومِ بِأَرَقِهَا ، وَكانَ بَطْنُها لَكَ وِعاءً ، وَحِجرُها لَكَ حواء(2)، وَثَدْيُها لَكَ سِقاء ، وَنَفْسُها لك وقاءً ، تُبَاشِرُ حَرَّ الدُّنْيا وَبَرْدَهَا لَكَ وَدُونَكَ ، فَتَشْكُرها عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ.
ما أعظم حقوق الأمّ ، وما أكثر ألطافها وأياديها على ولدها ، فهي صانعة حياته ، ولولا عواطفها وحنانها لما عاش ، ولما استمرت له الحياة ، فقد تعاهدته بروحها منذ تكوينه ، وتحمّلت أعباء الحمل وأخطار الولادة، وبعد ولادته تذوب في سبيله ،وتبذل جميع طاقاتها للحفاظ عليه ، والسهر من أجله ، وتبقى تخدمه بإخلاص ،
وترعاه بعطف وحنان ، إلى أن يكبر ويأخذ طريقه في الحياة ، فإذا فارقها أو نأى عنها ، فكأنّ الحياة قد فارقتها .
وقد نظم محمد بن الوليد الفقيه عواطفها وعواطف الأب في هذه الأبيات :
لو كان يدري الابنُ أيّةً غُصْةٍ*** يتجرّعُ الأَبْوانِ عِندَ فِراقِهِ
امٌّ تهيجُ بوَجْدِهِ حَيرانَةٌ*** وأَبٌ يَسِحُ الدُّمْعُ مِنْ آماقِهِ
يَتَجرَّعانِ لِبَيْنِهِ غُصْصَ الرَّدى*** وتبوحُ ما كتَماهُ مِنْ أشْواقِهِ
لرثى لأُمَّ سُلَّ مِنْ أَحْشائِها*** وَبَكى لشيخ هام في آفاقه
وَلَبَدِّلَ الخُلُقَ الأَبي بعَطْفِهِ*** وجزاهُما بالعَذْبِ مِنْ أَخْلاقِهِ (1)
ما أعجز الإنسان عن أداء حقوق أمه ، ولو قدّم لها جميع الخدمات والمبرّات لما أدّى أبسط شيء من حقوقها .
وَأَما حَقٌّ أَبيكَ : فَتَعَلمَ أَنَّهُ أَصْلُكَ ، وَأَنَّكَ فَرْعُهُ ، وَأَنَّكَ لَوْلَاهُ لَمْ تَكُنْ ، فَمَهُما رَأَيْتَ في نَفْسِكَ مِمّا يُعْجِبُكَ فاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ ، وَاحْمِدِ اللَّهَ وَاشْكُرْهُ عَلى قَدْرِ ذلِكَ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
أمّا حق الأب على ولده فعظيم جداً ، فهو أصله ولولاه لم يكن ، ويجب عليه رعاية حقوقه ، والقيام بشؤونه ، وما يحتاج إليه ، لا سيّما عند كبره وعجزه ، فإنّه يتأكد عليه تقديم جميع المساعدات والخدمات ليؤدي بذلك بعض حقوقه .
1) معجم البلدان : 4: 3
وَأَمَا حَقٌّ وَلَدِكَ : فَتَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ ، وَمُضافُ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيا بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، وَأَنَّكَ مَسْئُولٌ عَمّا وَلَيتَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ ، وَالْمَعُونَةِ لَهُ عَلى طَاعَتِهِ فِيكَ وَفِى نَفْسِهِ ، فَمُتَابٌ عَلى ذلِكَ وَمُعاقَبٌ ، فاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ الْمُتَزَيْنِ بِحُسْنِ أَثَرِهِ عَلَيْهِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيا ، الْمُعْذِرِ إِلَى رَبِّهِ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ بِحُسْنِ الْقِيامِ عَلَيْهِ ، وَالْأَخْذِ لَهُ مِنْهُ ، وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ .
إنّ الولد إنّما هو امتداد لحياة أبيه ، واستمرار لوجوده ، فهو بعضه ، بل هو كله .
يقول الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام)في وصيته لولده الزكي الإمام الحسن(عليه السلام) :
«وَوَجَدْتُكَ بَعْضي ، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي ، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئًا لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي ، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي ، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسي» .
وتلقي التربية الإسلامية العبء الكبير على الأب في تربية ابنه ، وعليه أن يغرس في أعماقه النزعات الكريمة والصفات الشريفة ، ويعوّده على العادات الحسنة ، ويجنّبه الرذائل ، ويقيم له الأدلة على الخالق العظيم الذي بيده ملكوت كلّ شيء ، فإن قام بذلك فقد أدى واجبه نحو ابنه ونحو المجتمع بأسره ، لأن الإنسان الصالح لبنة في بناء المجتمع ، وإن لم يقم بذلك فهو مسؤول أمام الله تعالى ومعاقب على
ذلك .
وَأَما حَقُّ أَحْيِكَ : فَتَعْلَمَ أَنَّهُ يَدُكَ الَّتي تَبْسُطُهَا ، وَظَهْرُكَ الَّذِي تَلْتَجِيُّ
إِلَيْهِ ، وَعِزُكَ الَّذي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ، وَقُوَّتُكَ الَّتي تَصُولُ بِهَا ، فَلَا تَتَّخِذُهُ سِلاحاً عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ ، وَلَا عُدَّةٌ لِلظُّلْم بِحَقِّ اللَّهِ(1)
« للظلم لخلق الله » .
، وَلَا تَدَعْ نُصْرَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَعُونَتَهُ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَالْحَوْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيَاطِينِهِ ، وَتَأْدِيَةَ النَّصِيحَةِ إِلَيْهِ ، وَالْإِقْبالَ عَلَيْهِ فِي اللَّهِ ، فَإِنِ انْقَادَ لِرَبِّهِ ، وَأَحْسَنَ الْإِجَابَةَ لَهُ ، وَإِلَّا فَلْيَكُن الله آثَرَ عِنْدَكَ ، وَأَكْرَمَ عَلَيْكَ مِنْهُ.أما الأخ فهو يد لأخيه ، وعزّ ومنعة وقوة له ، وهو سنده في الملمات والشدائد ، وقد ذكر الإمام(عليه السلام) من الحقوق ما يلي :
1 - أن لا يتخذه سلاحاً على معاصي الله .
2 - أن لا يستعين به على ظلم الناس والاعتداء عليهم بغير حقّ .
3 - أن لا يدع نصرته على نفسه ، وذلك بأن يرشده إلى سبل الخير ، ويهديه إلى طرق الرشاد .
4 - أن يعینه على عدوّه إبليس فيحذره منه ، ويخوّفه من عقاب الله لئلا يغويه ويصدّه عن الطريق القويم .
5 - أن أن يمنحه النصيحة في أمور آخرته ودنياه ، فإنّ إنقاد للحق فذاك ،وإلا فليعرض عنه ، ولا يتصل به مع إعلانه للعصيان وحربه الله .
وَأَمَا حَقُّ الْمُنْعِمِ عَلَيْكَ بِالْوَلَاءِ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ أَنْفَقَ فِيكَ مَالَهُ ، وَأَخْرَجَكَ مِنْ ذُلِّ الرّقِّ وَوَحْشَتِهِ إِلى عِزّ الْحُرِّيَّةِ وَأَنْسِهَا، وَأَطْلَقَكَ مِنْ أَسْرِ الْمِلْكَةِ ،
1) في نسخة :
وَفَكَ عَنْكَ حِلَقَ الْعُبُودِيَّةِ ، وَأَوْجَدَكَ رايحَةَ الْعِزَّ ، وَأَخْرَجَكَ مِنْ سِجْنِ الْقَهْرِ ، وَدَفَعَ عَنْكَ الْعُسْرَ وَبَسَطَ لَكَ لِسَانَ الْإِنْصافِ ، وَأَبَاحَكَ الدُّنْيا كُلَّها ، فَمَلَكَكَ نَفْسَكَ ، وَحَلَّ أَسْرَكَ ، وَفَرَّغَكَ لِعِبادَةِ رَبِّكَ، وَاحْتَمَلَ بِذلِكَ النَّقْصِيرَ فِي مَالِهِ ، فَتَعْلَمَ أَنَّهُ أَوْلَى الْخَلْقِ بِكَ بَعْدَ أُولِي رَحِمِكَ في حياتِكَ وَمَوْتِكَ ، وَأَحَقُّ الْخَلْقِ بِنَصْرِكَ وَمَعُونَتِكَ وَمُكانَفَتِكَ (1)في ذاتِ اللهِ ، فَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْهِ نَفْسَكَ مَا احْتاجَ إِلَيْكَ .
إنّ للمولى المنعم على عبده بالعتق حقاً كبيراً ، فقد فك عنه الأغلال ، وأنقذه من ذلّ العبوديّة ، وأطعمه عزّ الحرية ، فله عليه الأيادي البيضاء ، والواجب عليه أن يقابله بالشكر الجزيل فينصره ويعينه ، ويكافئه في ذات الله وفاءً لجميله ومعروفه .
وَأَما حَقٌّ مَوْلَاكَ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِ نِعْمَتُكَ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ جَعَلَكَ حَامِيَةٌ عَلَيْهِ ، وَواقِيَةً وناصِراً وَمَعْقِلاً ، وَجَعَلَهُ لَكَ وَسِيلَةً وَسَبَباً بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَحْجُبَكَ عَنِ النَّارِ فَيَكُونُ في ذلِكَ ثَوَابٌ مِنْهُ فِي الْآجِلِ، وَيَحْكُمُ لَكَ بِميراثِهِ فِي الْعَاجِلِ إِذا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحِمٌ مُكافَأَةً لِما أَنْفَقْتَهُ مِنْ مالِكَ عَلَيْهِ ، وَقُمْتَ بِهِ مِنْ حَقِّهِ بَعْدَ إِنْفَاقِ مَالِكَ ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِحَقِّهِ خِيفَ عَلَيْكَ أَنْ لَا يَطِيبَ لَكَ مِيراثُهُ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
ودعا الإمام(عليه السلام) المولى إلى مراعاة حقوق أرقائه ، فإنّ الله قد جعله عليهم وكيلاً
1) المكانفة : المعاونة.
وحامية عليهم ، فاللازم علیه مراعاة حقوقهم ، ومعاملتهم معاملة كريمة ، والإحسان إليهم بكلّ ما يتمكن ، فإنّ فعل ذلك وقام به ، فإن الله يجازيه على ذلك ، ويجعل إحسانه إليهم وقاية له من النّار .
وَأَمَا حَقُّ ذِي الْمَعْرُوفِ عَلَيْكَ : فَأَنْ تَشْكُرَهُ ، وَتَذْكُرَ مَعْرُوفَهُ ، وَتَنْشُرَ لَهُ الْمَقالَةَ الْحَسَنَةَ ، وَتُخْلِصَ لَهُ الدُّعاءَ فيما بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ، فَإِنَّكَ إِذا فَعَلْتَ ذلِكَ كُنْتَ قَدْ شَكَرْتَهُ سِرّاً وَعَلَانِيَةً ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ مُكافَأَتْهُ بِالْفِعْلِ كافَأْتُهُ ، وَإِلَّا كُنْتَ مُرْصِداً لَهُ، مُوَطِّناً نَفْسَكَ عَلَيْها(1).
تبنّى الإسلام بصورة إيجابية الدعوة إلى الإحسان، وشكر المحسن ، وتشجيعه على هذه الصفة الرفيعة الهادفة إلى إيجاد التضامن بين المسلمين ، وخلق مجتمع أفضل تتوفّر فيه جميع عناصر القوّة .
لقد حنّ الإمام(عليه السلام) على شكر المحسن ، وإذاعة فضله وإحسانه تكريماً للفضيلة بين الناس ، كما حث على الإخلاص له في الدعاء ، ومكافأته بالأفعال .
وَأَمَا حَقُّ الْمُؤَذِّنِ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مُذَكِّرُكَ بِرَبِّكَ ، وَداعيكَ إِلى حَظِّكَ ، وَأَفْضَلُ أَعْوانِكَ عَلى قَضاءِ الْفَرِيضَةِ الَّتِي افْتَرَضَها اللهُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرَهُ عَلَى ذلِكَ شُكْرَكَ لِلْمُحْسِنِ إِلَيْكَ ، وَإِنْ كُنتَ في بَيْتِكَ مُهْتَمَا لِذلِكَ
1) الضمير في «عليها» عائد إلى المكافئة.
لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ فِي أَمْرِهِ مُتَهِما ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَيْكَ لَا شَكٍّ فيها ، فَأَحْسِنْ صُحْبَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ بِحَمْدِ اللهِ عَلَيْها عَلى كُلِّ حالٍ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
أمّا المؤذّن للإعلام بدخول الصلاة ، فله الفضل على المسلمين ، لأنّه يعلمهم بدخول وقت الصلاة التي هي من أهمّ الفرائض الدينية في الإسلام، وهو يستحق بذلك الشكر والتقدير ، لأنه يهيئهم لآداء هذه الفريضة الكبرى والخروج من عهدتها .
وَأَمَا حَقُّ إِمامِكَ في صَلَاتِكَ : فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ تَقَلَّدَ السَّفارَةَ فيما بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ ، وَالْوِفادَةَ إِلى رَبِّكَ ، وَتَكَلَّمَ عَنْكَ وَلَمْ تَتَكَلَّمْ عَنْهُ ، وَدَعا لك وَلَمْ تَدْعُ لَهُ ، وَطَلَبَ فيكَ وَلَمْ تَطْلُبْ فِيهِ ، وَكَفاكَ هَمَّ الْمَقامِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ، وَالْمُساءَلَةِ لَهُ فِيكَ . وَلَمْ تَكْفِهِ ذلِكَ ، فَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَقصِيرٌ كَانَ دُونَكَ ، وَإِنْ كانَ آثماً لَمْ تَكُنْ شَرِيكَهُ فِيهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْكَ فَضْلٌ فَوقىٰ نَفْسَكَ بِنَفْسِهِ ، وَوَقى صَلَاتَكَ بِصَلَاتِهِ ، فَتَشْكُرَ لَهُ عَلى ذلِكَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
أما إمام الجماعة فله الفضل الكبير على المؤتمّين به، وذلك لما يترتب من الثواب الجزيل على الجماعة، فقد تظافرت الأخبار باستحبابها المؤكد ، وأنّه كلّما ازداد عدد المصلين جماعة ازداد ثوابهم، وتضاعف أجرهم .
ومن المعلوم أنّ ما يظفر به المأموم من الثواب الجزيل إنّما هو بسبب إمام الجماعة الذي تقلّد السفارة في ما بين المأموم وبين السفارة في ما بين المأموم وبين الله تعالى ، ومضافاً لذلك فإنّ الإمام ينوب عن المأموم في قراءة الفاتحة والسورة ، وبذلك فقد تحمل عنه أعباء
القراءة في حين أنّ المأموم لم ينب عنه في شيء ، ولهذه الجهة وغيرها فقد كان للإمام الفضل الكبير على المأمومين .
وَأَمَا حَقُّ الْجَليس : فَأَنْ تُلِينَ لَهُ كَنَفَكَ(1)،وَتُطيبَ لَهُ جانِبَكَ ، وَتُنْصِفَهُ في مُجاراةِ اللَّفْظِ، وَلَا تُغْرِقَ فِي نَزْعِ اللَّحْطِ إِذا لَحَظْتَ ، وَتَقْصُدَ في اللَّفْظِ إِلَى إِنْهامِهِ إِذا لَفَظْتَ ، وَإِنْ كُنْتَ الْجَلِيسَ إِلَيْهِ كُنْتُ فِي الْقِيامِ عَنْهُ بِالْخيَارِ ، وَإِنْ كانَ الْجَالِسَ إِلَيْكَ كَانَ بِالْخِيَارِ ، وَلَا تَقُومُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
ما أروع النظام الاجتماعي الذي خططه الإسلام، فقد رعى فيه جميع الشؤون الاجتماعية والفردية ، وقارب فيه ما بين العواطف والمشاعر، وقضى فيه على جميع ألوان الحزازات التي تباعد بين المسلمين ، وتفرّق جماعتهم ، وكان من بين ما سنه الإسلام في هذا المجال حقوق الجليس ، وقد رعى فيها الآداب رعاية كاملة ، وهي حسب ما أعلنها الإمام(عليه السلام)كما يلي :
1 - أن يلين الجليس جانبه لجليسه ، ولا يستعمل معه الغلظة والشدّة التي تنفر منها الطباع .
2 - أن يطيب له جانبه ، وذلك بتوقيره وتكريمه .
3- إنصافه إذا خاض مع الحدیث ، ولا يظهر التكبر والاستعلاء عليه .
4 - عدم المبالغة في أمره .
5-إذا وجّه له الكلام فليقصد به إفهامه .
1) الكنف : الجانب .
6- إذا جاء بعده فهو بالخيار في القيام ، ولكن إذا جاء قبله فليستأذن منه إذا أراد القيام .
ومن الطبيعي أنّ هذه الآداب لو طبقها المسلمون على واقع حياتهم لسادت المحبّة والوئام في ما بينهم .
وَأمّا حَقُّ الْجارِ : فَحِفْظُهُ غائِباً ، وَكَرامَتُهُ شَاهِداً ، وَنُصْرَتُهُ وَمَعُونَتُهُ فِي الحالَيْنِ جَميعاً ، لَا تَتَبَّعْ لَهُ عَوْرَةً ، وَلَا تَبْحَتْ لَهُ عَنْ سَوءَةٍ لِتَعْرِفَهَا ، فَإِنْ عَرَفْتَها مِنْهُ عَنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْكَ وَلَا تَكَلُّفٍ ، كُنْتَ لِما عَلِمْتَ حِصْناً حصيناً ، وَسِتْراً سَتيراً ، لَوْ بَحَنَتِ الْأَسِنَّةُ عَنْهُ ضَمِيراً لَمْ تَتَّصِلْ إِلَيْهِ لانطوائِهِ عَلَيْهِ ، لَا تَسْتَمِعْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمَ لَا تُسَلِّمْهُ عِنْدَ شَدِيدَةٍ ، وَلَا تَحْسُدُهُ عِنْدَ نِعْمَةٍ ، تُقِيلُ عَشْرَتَهُ ، وَتَغْفِرُ زَلَّتَهُ ، وَلَا تَدَّخِرْ حِلْمَكَ عَنْهُ إِذا جَهِلَ عَلَيْكَ ، وَلَا تَخْرُجْ أَنْ تَكُونَ سِلْماً لَهُ. تَرُدُّ عَنْهُ لِسَانَ الشَّتيمَةِ ، وَتَبْطُلُ فِيهِ كَيْدَ حامِلِ النَّصيحَةِ، وتُعاشِرُهُ مُعاشَرَةٌ كَريمَةٌ ، وَلَاحَوْلَ وَلَاقُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
واهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بالجار ، وأوصى برعايته . يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): وأَوْصَانَا رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) بالْجَارِ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَدِّتُهُ .
وقد تظافرت الأخبار عن أئمة الهدى(عليهم السلام)بالوصاية والعناية في أموره ، وذلك لايجاد التضامن الاجتماعي بين المسلمين، وبناء مجتمع إسلامي تسوده المحبة والألفة ، ولا ثغرة فيه للخلاف والشقاق بين أبنائه ، وقد أعلن الإمام زين العابدين(عليه السلام)
له من الحقوق ما يلي :
1 - أن يحفظ الجار جاره في حال غيابه ، وذلك بالحفاظ على أمواله ، وعرضه ، ومنع إيصال أي مكروه له
2 - تكريمه في حال حضوره .
3- نصرته ومعونته في حال حضوره وغيابه.
4 - عدم التتبع لأية عورة أو منقصة له .
5-ستر أي سوءة تبدو منه ، وعدم نشرها وإذاعتها بين الناس.
عدم تسليمه إذا نزلت به شدّة أو ألمت به كارثة ، بل يقف إلى جانبه ، ويساعده في ما نزل به .
7- عدم حسده إذا أنعم الله عليه نعمة .
8- إقالة عثراته ، ومغفرة زلاته
9 - الحلم عنه إذا بدرت منه بادرة سوء ، وعدم مقابلته بالمثل .
10 - صدّ من يشتمه أو يذكره بسوء.
11 - عدم التصديق لمن ينقل عنه كلمة السوء ليلقي بينهما العداوة والبغضاء .
12 - معاشرته معاشرة كريمة .
وهذه الحقوق التي أعلنها الإمام(عليه السلام) توجب وحدة المسلمين، وعدم تصدّع شملهم ، وإشاعة المودة والألفة بينهم .
وَأَمَّا حَقُّ الصّاحِبِ : فَأَنْ تَصْحَبَهُ بِالْفَضْلِ مَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ، وَإِلَّا فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْإِنْصافِ ، وَأَنْ تُكْرِمَهُ كما يُكْرِمُكَ ، وَتَحْفَظَهُ كَما يَحْفَظُكَ ،
وَلَا يَسْبِقَكَ فيما بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِلى مَكْرَمَةٍ ، فَإِنْ سَبَقَكَ كَافَاتَهُ ، وَلَا تُقَصِّرَ بِهِ عَمَّا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْمَوَدَّةِ. تُلْزِمُ نَفْسَكَ نَصِيحَتَه وَحِياطَتَه وَمُعاضَدَتَه عَلَى طاعَةِ رَبِّهِ ومَعونَتِهِ عَلى نَفْسِهِ فيما لا يَهُم بِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِ رَحْمَةٌ ، وَلَا تَكُونُ عَلَيْهِ عَذاباً ، وَلَا قُوَّةً إِلَّا بِاللهِ .
وعرض الإمام(عليه السلام)إلى حقوق الصاحب على صاحبه ، وهي :
1 - أن تقوم المصاحبة على الفضل والمعروف.
2 - أن يحفظ كلّ منهما صاحبه .
3 - أن تقوم المصاحبه على المودة والحب والإخاء .
4- أن يسدي كلّ صاحب لصاحبه النصيحة .
5-أن يعضد كلّ منهما صاحبه على طاعة الله تعالى ، والتجنّب عن معاصيه.
6 - أن تكون الصحبة رحمة ونعمة لا عذاباً ونقمة .
وَأَمَّا حَقُّ الشَّرِيكِ : فَإِنْ غَابَ كَفَيْتَهُ ، وَإِنْ حَضَرَ سَاوَيْتَهُ ، وَلَا تَعْزِمْ عَلَى حُكْمِكَ دونَ حُكْمِهِ ، وَلَا تَعْمَلَ بِرَأَيْكِ دونَ مُناظَرَتِهِ ، وَتَحْفَظُ عَلَيْهِ مالَهُ ، وَتَنْفِي عَنْهُ خِيانَتَهُ فيما عَزَّ أَوْ هَانَ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنا : «أَنَّ يَدَ اللهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ ما لَمْ يَتَحَاوَنا » ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وتبتني الشركة الماليّة في الإسلام على تنمية المال، ونشر روح الأمانة بين الشريكين، وليس لكلّ واحد منهما الاستبداد في التصرّف في المال من دون إذن صاحبه ، وإنما عليه أن يستشيره في جميع شؤون المال المشترك من البيع والنقل
وغير ذلك ، كما أنّ على كلّ منهما القيام بحفظ المال، وعدم خيانته أو إهماله ، وإن فرّط أحدهما فيه فيترتب عليه الحكم التكليفي وهو العقاب ، بالإضافة إلى الحكم الوضعي وهو الضمان .
وَأَما حَقُّ الْمَالِ : فَأَنْ لَا تَأْخُذَهُ إِلَّا مِنْ حِلِّهِ ، وَلَا تُنْفِقَهُ إِلَّا في حِلهِ ، وَلَا تُحَرِّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَلَا تَصْرِفَهُ عَنْ حَقائِقِهِ ، وَلَا تَجْعَلَهُ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ وَسَبَباً إِلَى اللَّهِ ، وَلَا تُؤْثِرَ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ مَنْ لَعَلَّهُ لَا يَحْمَدُكَ ، وَبِالْحَرِيٌّ أَنْ لَا يُحْسِنَ خِلَافَتَهُ فِي تَرِكَتِكَ ، وَلَا يَعْمَلَ فِيهِ بِطَاعَةِ رَبِّكَ فَتَكُونَ مُعيناً لَهُ عَلى ذلِكَ ، أَوْ بِما أَحْدَثَ فِي مَالِكَ أَحْسَنَ نَظَراً لِنَفْسِهِ ، فَيَعْمَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ ، فَيَذْهَبَ بِالْغَنِيمَةِ ، وَتَبُوءَ بِالْإِثْمِ وَالْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ مَعَ التَّبِعَةِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
أمّا حق المال في الإسلام ، فأن لا يأخذه المسلم إلا من الطرق المشروعة ، كالكسب الحلال ، أما أخذه من الطرق المحرّمة ، كالربا والغش والتكسب في الأعيان المحرّمة كبيع الخمر وصنعه أو أكل أموال الناس بالباطل كالرشوة وأمثالها ، فإنّ ما يأخذه باق على ملك صاحبه ، مضافاً إلى الإثم والعقاب عند الله ، وبذلك فقد بنى الإسلام اقتصاده الخلّاق على أحدث الوسائل التي لا توجب تكدس الأموال عند فئة من الناس ، وحرمان بقيّة الشعب منها .
ثمّ إنّ الإمام(عليه السلام) دعا إلى إنفاق المال في الوسائل المحللة التي يثاب عليها ، وينال بها رضا الله ، كإنشاء المستشفيات ودور الولادة، ومعاهد التعليم ، ، وتأسيس المكتبات العامة ، وما شاكل ذلك من المشاريع التي ينتفع بها الناس ، أما إذا لم ينفقه
وادّخره لورثته ، فإن أنفقوه في معصية الله فإثمه عليه لإعانته إياهم على الإثم والحرام ، وإن أنفقوه في طاعة الله فقد ذهبوا بالغنيمة ، وباء بالحسرة والخسران .
وَأَما حَقُّ الْغَريم(1)المطالِبِ لَكَ ، فَإِنْ كُنْتَ مُوْسِراً أَوْفَيْتَهُ وَ كَفَيْتَهُ وَأَغْنَيْتَهُ وَلَمْ تَرْدُدْهُ وَتَمْطُلْهُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)قال : « مَطَلُ الْغَنيّ ظُلْمٌ»، وَإِنْ كُنْتَ مُعْسِراً أَرْضَيْتَهُ بِحُسْنِ الْقَوْلِ ، وَطَلَبْتَ إِلَيْهِ طَلَباً جميلاً ، وَرَدَدْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ رَدّاً لطيفاً ، وَلَمْ تَجْمَعْ عَلَيْهِ ذهاب مالِهِ ، وَسُوءَ مُعامَلَتِهِ ، فَإِنَّ ذلِكَ لُومٌ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
وعرض الإمام(عليه السلام) إلى حق الدائن على المدين، وأنه يجب على المدين أن يوفي دينه إن كان موسراً ، وليس له المماطلة لأنّها نوع من أنواع الظلم وهو محرّم في الإسلام ، وإن كان معسراً فعليه أن يقدّم للدائن أطيب القول وأحسنه ، ويعتذر منه ويخبره بعجزه ، وعدم قدرته على الوفاء ، أما مقابلته بالكلمات النابية والألفاظ الرخيصة ، فإنّه سدّ لباب المعروف ولون من ألوان اللؤم الذي هو من أحقر الصفات
وأمقتها عند الله .
وَأَمَّا حَقُّ الْخَلِيطِ : فَأَنْ لَا تَغُرَّهُ ، وَلَا تَغْشَهُ، وَلَا تَكْذِبَهُ ، وَلَا تُغَفَلَهُ وَلَا تَخْدَعَهُ ، وَلَا تَعْمَلَ فِي انْتِقاصِهِ عَمَلَ الْعَدُو الَّذِي لَا يَبْقَى عَلَى
1) الدائن إجمالاً ، وتأتي أحياناً بمعنى المديون .
صاحِبِهِ ، وَإِنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْكَ اسْتَقْصَيْتَ لَهُ عَلى نَفْسِكَ ، وَعَلِمْتَ أَنَّ غَبْنَ الْمُسْتَرْسِلِ رِباً ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
أمّا الخليط ، وهو الشريك في المال المختلط ، فقد ذكر له الإمام حقوقاً ، وهي :
1 - أن لا يغرّ صاحبه فيما إذا باع المال عليه.
2 - أن لا يغش المال إذا باعه عليه .
3 - 2 - أن لا يكذّبه في ما يدعيه .
4 - أن لا يغفله في أي شأن من شؤون المبيع ، بل لا بد أن يكون على علم بهو
5 - أن لا يخدعه في المعاملة التي بينهما .
6 - إذا فوّض إلى صاحبه أموره فعليه أن يبذل قصارى جهوده في النصيحة وإن غبنه ، فإنّ ذلك نوع من أنواع الربا الذي يمقته الله تعالى
وَأَما حَقُّ الْخَصْمِ الْمُدَّعِي عَلَيْكَ : فَإِنْ كانَ ما يَدَّعي عَلَيْكَ حَقّاً لم تَنْفَسِخْ فِي حُجَّتِهِ ، وَلَمْ تَعْمَلَ فِي إِبْطَالِ دَعْوَتِهِ ، وَكُنْتَ خَصْمَ نَفْسِكَ لَهُ ، وَالْحاكِمَ عَلَيْهَا ، وَالشَّاهِدَ لَهُ بِحَقِّهِ دونَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ ، فَإِنَّ ذلِكَ حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْكَ ، وَإِنْ كانَ ما يَدَّعِيهِ باطِلاً رَفِقْتَ بِهِ ، وَرَوَّعْتَهُ وَنَاشَدْتَهُ بِدينِهِ، وَ كَسَرْتَ حِدَّتَهُ عَنْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ ، وَأَلْقَيْتَ حَشْوَ الْكَلَامِ وَلَغْطَهُ الَّذِي لَا يَرُدُّ عَنْكَ عادِيَةَ عَدُوِّكَ ، بَلْ تَبُوءُ بِإِثْمِهِ ، وَبِهِ يَشْحَذُ عَلَيْكَ سَيْفَ عَداوَتِهِ ؛
لِأَنَّ لَفْظَةَ السَّوْءِ تَبْعَثُ الشَّرَّ. وَالْخَيْرُ مَقْمَعَةٌ لِلشَّرِّ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
وتحدّث الإمام لها في هذه الفقرات عن حق المدّعي على المدعى عليه ، وأن الواجب يحتّم على المدعى عليه إن كانت الدعوى حقاً أن يعطي الحق للمدعي ولا يظلمه لأن الله له بالمرصاد ، وهو الحاكم بين عباده بالحقِّ ، وإن كانت الدعوى باطلة واقعاً فعليه أن يرفق به تأدباً، ويعظه ويذكره الدار الآخرة ، ولا يقابله بالغلظة والشدّة لعلّه يرتدع عن غيّه ، وينتهي عن باطله .
وَأَمَا حَقُّ الْخَصْمِ الْمُدَّعى عَلَيْهِ : فَإِنْ كَانَ مَا تَدَّعِيهِ حَقًّا أَجْمَلْتَ فِي مُقاوَلَتِهِ بِمَخْرَج الدَّعْوى ، فَإِنَّ لِلدَّعْوى غِلظَةٌ فِي سَمْعِ المُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَقَصَدْتَ قَصْدَ حُجَّتكَ بِالرِّفْقِ ، وَأَمْهَلِ الْمُهْلَةَ ، وَأَبْيَنِ الْبَيانِ ، وَالْطَفِ اللُّطْفِ ، وَلَمْ تَتَشاغَلْ عَنْ حُجَّتِكَ بِمُنازَعَتِهِ بِالْقِيلِ وَالْقَالِ ، فَتَذْهَبَ عَنْكَ حُجَّتُكَ ، وَلَا يَكُونَ لَكَ فِي ذلِكَ دَرْلٌ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
لقد نظر الإمام(عليه السلام)إلى المدعي ، فإنّه إذا كان على حق في دعواه ، فأوصاه أن يتجنّب الكلمات النابية مع خصمه ، ويقابله بالكلمات الطيبة ، ويتجنب القيل والقال لأنهما لا يجديان شيئاً ، ولا يرجعان حقاً بل ربما تذهب حجّته ، ويضيع حقّه .
وَأَمَا حَقُّ الْمُسْتَشيرِ : فَإِنْ حَضَرَكَ لَهُ وَجْهُ رَأَي جَهَدْتَ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ ، وَأَشَرْتَ عَلَيْهِ بِمَا تَعْلَمُ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ مَكَانَهُ عَمِلْتَ بِهِ ، وذلِكَ لِيَكُنْ مِنْكَ في رَحْمَةٍ وَلينٍ ، فَإِنَّ اللَّينَ يُؤْنِسُ الْوَحْشَةَ ، وَإِنَّ الْغِلْظَ يُوحِشُ مَوْضِعَ الْأُنْسِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْكَ لَهُ رَأَيِّ ، وَعَرَفْتَ لَهُ مَنْ تَيْقُ بِرَأْيهِ ، وَتَرْضَى بِهِ
لِنَفْسِكَ دَلَلْتَهُ عَلَيْهِ ، وَأَرْشَدْتَهُ إِلَيْهِ ، فَكُنْتَ لَمْ تَألُهُ (1)خَيْراً ، وَلَمْ تَدَّخِرْهُ نُصْحاً ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
أمّا حق المستشير على المشير ، فإنّ عليه أن يخلص له في النصيحة ، ويجهد نفسه في إسداء الرأي المصيب، وأن يؤدّي نصيحته له بلين لا شدّة فيه ، فإنّ الشدّة تنفر منها الطباع ، وتستوحش منها القلوب ، وإن لم يحضر رأي ينتفع به المستشير ، فإن عرف من يثق برأيه فيدلّه عليه ، ويرشده له ، وبذلك يكون قد أسدى إليه خيراً ومعروفاً .
وَأَمَا حَقُّ الْمُشير عَلَيْكَ : فَلَا تَتَّهِمْهُ فِيمَا لَا يُوافِقُكَ عَلَيْهِ مِنْ رَأْيهِ إِذا أَشارَ عَلَيْكَ ، فَإِنَّما هى الآراء ، وَتَصَرُّفُ النّاسِ فِيها وَاخْتِلافُهُمْ . فَكُنْ عَلَيْهِ في رَأْيِهِ بِالْخِيارِ إِذَا اتَّهَمْتَ رَأْيَهُ ، فَأَمَّا تُهْمَتُه فَلَا تَجُورُ لَكَ إِذا كان عِنْدَكَ مِمَن يَسْتَحِقُّ الْمُشَاوَرَة ، وَلَا تَدَعْ شُكْرَهُ عَلى ما بدا لَكَ مِنْ إِشْحَاصِ رَأْيِهِ ، وَحُسْنِ وَجْهِ مَشُورَتِهِ ، فَإِذا وافَقَكَ حَمِدْتَ اللَّهَ ، وَقَبِلْتَ ذلِكَ مِنْ أَخِيكَ بِالشُّكْرِ وَالْإِرْصَادِ بِالْمُكافَاةِ فِي مِثْلِهَا إِنْ فَزِعَ إِلَيْكَ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
أما حقّ المشير على المستشير ، فإنّ عليه أن لا يتهمه في رأيه ، ولا يزهد في نصيحته ، وإذا اتهمه في رأيه فإنّه غير ملزم بالأخذ به، وهو على كل حال ملزم بشكره ومكافأته على إسداء النصيحة له.
1) لم تأله : أي لم تقصر .
وَأَمَّا حَقُّ الْمُسْتَنْصِحِ فَإِنَّ حَقَّهُ أَنْ تُؤَدِّي إِلَيْهِ النَّصِيحَةَ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي تَرىٰ لَهُ أَنَّهُ يَحْمِلُ ، وَتَخْرُجَ الْمَخْرَجَ الَّذِي يَلينُ عَلَى مَسامِعِه ، وَتُكَلِّمَه مِنَ الْكَلامِ بِما يُطيقُهُ عَقْلُهُ ، فَإِنَّ لِكُلِّ عَقْلٍ طَبَقَةٌ مِنَ الْكَلَامِ يَعْرِفُهُ وَيَجْتَنِبَهُ ، وَلْيَكُنْ مَذْهَبُكَ الرَّحْمَةِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
أمّا حق المستنصح على الناصح ، فإنّ عليه أن يرشده إلى الصواب ، ويهديه إلى الحق والرشاد ، وأن تكون نصيحته مشفوعة بالكلام الطيب ، وليس له أن يخاطبه بكلام فوق مستواه الفكري ، فإنّ نصيحته تذهب أدراج الرياح .
وَأَمَا حَقُّ النّاصِح : فَأَنْ تُلِينَ لَهُ جَناحَكَ ، ثُمَّ تَشْرَئِبٌ لَهُ قَلْبَكَ ، وَتَفْتَحَ لَهُ سَمْعَكَ حَتَّى تَفْهَمَ عَنْهُ نَصِيحَتَهُ ، ثُمَّ تَنْظُرَ فيها ، فَإِنْ كانَ وَفْقَ فيها لِلصَّوابِ حَمِدْتَ اللهَ عَلى ذلِكَ وَقَبِلْتَ مِنْهُ ، وَعَرَفْتَ لَهُ نَصِيحَتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَفِّقَ لَها فِيها رَحِمْتَهُ ، وَلَمْ تَتَّهِمْهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَأْلُكَ نُصْحاً إِلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مُسْتَحِقَّاً للتهْمَةِ ، فَلَا تَعْبَأُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى كُلِّ حالٍ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
أما حق الناصح على المستنصح فهو أن يلين له جناحه تكريماً وتعظيماً له ، ويتوجه إليه بقلبه وسمعه ليعى نصيحته ، ويتدبر ما فيها ، فإن كانت وفقاً للصواب حمد الله على ذلك ، وإن خالفت الواقع فليس له أن يتهمه في شيء لأنه لم يألُ جهداً
في نصيحته ، إلا أنه أخطأ في ذلك ، وليس عليه حرج أو بأس.
وَأَمَا حَقُّ الْكَبِيرِ: فَإِنَّ حَقَّهُ تُوقِيرُ سِنَهِ ، وَإِجْلَالُ إِسْلَامِهِ إِذا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ فِي الْإِسْلَامِ بِتَقْدِيمِهِ فِيهِ ، وَتَرْكِ مُقابَلَتِهِ عِنْدَ الْخِصَامِ ، وَلَا تَسْبِقهُ إلى طَريقِ ، وَلَا تَؤُمه في طريق (1)، وَلَا تَسْتَجْهِلْهُ ، وَإِنْ جَهِلَ عَلَيْكَ تَحَمَّلْتَ ، وَأَكْرَمْتَهُ بِحَقِّ إِسْلَامِهِ مَعَ سِنّهِ ، فَإِنَّما حَقٌّ السِّنَّ بِقَدْرِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
من الآداب الاجتماعية التي سنها الإسلام من أجل بناء مجتمع أصيل احترام الشيخ الكبير إذا كان من أهل الفضل والسابقة في الإسلام ، أما مظاهر تكريمه حسب ما ذكره الإمام(عليه السلام)، فهي :
1 - ترك مقابلته والردّ عليه في المسائل التي تُمنى بالجدل والخصام .
2 - إذا سارا معاً فلا يسبقه إلى الطريق .
3 - أن لا يتقدم عليه في الطريق .
4 - إذا خفيت على الشيخ مسألة فلا يظهر جهله فيها .
5- إذا اعتدى الشيخ عليه فيتحمّل اعتداءه ، ويكرمه من أجل كبره وإسلامه .
وَأَمَا حَقُّ الصَّغِيرِ: فَرَحْمَتُهُ ، وَتَنْقِيفُهُ ، وَتَعْليمُهُ ، وَالْعَفْوَ عَنْهُ ، وَالسَّتْرُ
1) لا تؤمّه في طريق : أي لا تتقدّمه .
عَلَيْهِ ، وَالرَّفْقُ بِهِ ، وَالْمَعُونَةُ لَهُ ، وَالسَّتْرُ عَلَى جَرَائِرِ حَدَاثَتِهِ ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّوْبَةِ ، وَالْمُدارَأَةُ لَهُ ، وَتَرْكُ مُماحَكَتِهِ ، فَإِنَّ ذلِكَ أَدْنى لِرُشْدِهِ.
وأعلن الإمام الان حقوقاً للصغير على الكبير، وهي من ركائز التربية الإسلامية ، وهي :
1- الرحمة بالصغير ، والعطف عليه ، وعدم مقابلته بالشدة والقسوة لأنهما يوجبان انحرافه، وخلق العقد النفسيّة فيه .
2 - تثقيفه وتعليمه ، وفتح آفاق المعرفة أمامه لينهل منها .
3 - الرفق به لأنه مما يوجب استجلابه
4 - إعانته في ما يحتاج إليه .
5- الستر على جرائر حداثته ، وعدم نشرها ، لأن ذلك يوجب إقلاعه عنها .
6 - مداراته وترك مخاصمته ، فإنّ ذلك أدنى لرشده .
وهذه الأمور التي أعلنها الإمام(عليه السلام) ممّا توجب صلاح النشء وتهذيبهم .
وأَمَا حَقُّ السّائِلِ : فَإِعْطاؤُهُ إِذا تَيَقَّتْتَ صِدْقَهُ، وَقَدَرْتَ عَلَى سَدَّ حاجَتِهِ ، وَالدُّعاءُ لَهُ فيما نَزَلَ بِهِ ، وَالْمُعاوَنَةُ لَهُ عَلى طَلَبَتِهِ، وَإِنْ شَكَكْتَ في صِدْقِهِ ، وَسَبَقَتْ إِلَيْهِ التَّهْمَهُ لَهُ ، وَلَمْ تَعْزِمْ عَلى ذلِكَ لَمْ تَأَمَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطانِ أَرادَ أَنْ يَصُدَّكَ عَنْ حَظِّكَ ، وَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّقَرُّبِ إِلَى رَبِّكَ ، فَتَرَكْتَهُ بِسَتْرِهِ ، وَرَدَدْتَهُ رَداً جميلاً ، وَإِنْ غَلَبْتَ نَفْسَكَ فِي أَمْرِهِ ، وَأَعْطَيْتَهُ عَلى ما عَرَضَ فِي نَفْسِكَ مِنْهُ ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
وحثّ الإمام(عليه السلام) على البر بالسائل وإسعافه ، وسدّ حاجته تحقيقاً للتكافل الاجتماعي في الإسلام ، وإبعاداً لشبح الفقر والمجاعة عن المسلمين ، هذا فيما إذا علم صدق السائل ، وإن شك المسؤول في أمر الفقير واتهمه ، بالكذب في إظهار الفقر ، فإنّه ليس من المستبعد أن تكون هذه التهمة من كيد الشيطان ومكره ليحرم المسؤول من الثواب الجزيل الذي أعده الله تعالى للمتصدقين ، وإن خالف المسؤول هذا الوهم فأعطى الفقير ، فإنّ ذلك من عزم الأمور.
وَأَما حَقُّ الْمَسْؤُولِ : فَحَقَّهُ إِنْ أَعْطى قُبِلَ مِنْهُ ما أَعْطَى بِالشُّكْرِ لَهُ، وَالْمَعْرِفَةِ لِفَضْلِهِ ، وَطَلَبِ وَجْهِ الْعُذْرِ فِي مَنْعِهِ ، وَأَحْسِنَ بِهِ الظَّنَّ وَأَعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ مَنَعَ فَمَالَهُ مَنَعَ ، وَأَنْ لَيْسَ التَّشْرِيبُ فِي مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ ظَالِماً ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.
وعرض الإمام(عليه السلام) إلى حق المسؤول على السائل، وإن من أوليات حقوقه أن يقابله السائل بالشكر والدعاء له فيما إذا أكرمه وأعطاه ، وأن يحسن به الظنّ فيما إذا منعه ، كما أنّ من يمنع السائل مع القدرة والتمكن على عطائه فإنّه قد حجب ماله عن نفسه ، وحرمها منه لأنّ الله قد أعد للمتصدقين أجزل الثواب .
وَأَمَّا حَقٌّ مَنْ سَرَّكَ اللهُ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ ، فَإِنْ كانَ تَعَمَّدَها لَكَ حَمِدْتَ اللهَ أَوَّلاً ، ثُمَّ شَكَرْتَهُ عَلى ذلِكَ بِقَدْرِهِ في مَوْضِعِ الْجَزاءِ ، وَكَافَأْتُهُ عَلَى فَضْلِ الْإِبْتِدَاءِ ، وَأَرْصَدْتَ لَهُ الْمُكافَاةَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَها حَمِدْتَ الله
وَشَكَرْتَهُ ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ مِنْهُ تَوَحْدَكَ (1)بِهَا ، وَأَحْبَبْتَ هذا إِذا كَانَ سَبَباً مِنْ أَسْبَابِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ ، وَتَرْجُو لَهُ بَعْدَ ذلِكَ خَيْراً ، فَإِنَّ أَسْبَابَ النَّعَمِ بَرَكَةٌ حَيْثُ ما كانَتْ ، وَإِنْ كانَ لَمْ يَتَعَمَّدْ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .
إن من يبادر إلى إدخال السرور على أخيه فهو من خيار الناس ، وقد طرق أخاه بالمعروف، وأسدى إليه يداً بيضاء ، وإن الواجب يقضي عليه بأن يقوم بشكره ، ويذكر إحسانه وألطافه عليه ، ويكافئه على معروفه تشجيعاً لهذه المكرمة ، وشكراً للمعروف .
وَأَمَا حَقُّ مَنْ ساءَكَ الْقَضاءُ عَلَى يَدَيْهِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ : فَإِنْ كَانَ تَعَمَّدَها كانَ الْعَفْوُ أَوْلَى بِكَ لِمَا فِيهِ لَهُ مِنَ الْقَمْعِ ، وَحُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ كَثِيرِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْخَلْقِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ :وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَبِيلِ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(2)وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ :وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ(3)
هذا فِي الْعَمَدِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمْداً لَمْ تَظْلِمْهُ بِتَعَمُّدِ الْإِنْتصارِ مِنْهُ فَتَكُونَ قَدْ كافَأْتَهُ فِي تَعَمُّدٍ عَلى خَطَأ ، وَرَفِقْتَ بِهِ ، وَرَدَدْتَهُ بِالْطَفِ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وتعرّض الإمام الالها إلى القضاة ، وأنّهم إذا جاروا على أحد بقول أو فعل ، وكان ذلك عن عمد ، فالأولى العفو والصفح عنهم عملاً بالآداب الإسلامية الرفيعة التي حثّت على العفو عن المسيء ، وعدم مؤاخذته ، أما إذا صدرت الإساءة منهم عن خطأ ، فلا ينبغى مؤاخذتهم لأنهم لم يتعمدوا الظلم والجور.
وَأَمَا حَقُّ أَهْلِ مِلَّتِكَ عامَّةٌ : فَإِضْمارُ السَّلَامَةِ ، وَنَشْرُ جَناحِ الرَّحْمَةِ ، وَالرِّفْقُ بِمُسِيئِهِمْ ، وَتَأَلَّفهم ، وَاسْتِصْلَاحُهُمْ ، وَشُكْرُ مُحْسِنِهم إِلى نَفْسِهِ وَإِلَيْكَ ، فَإِنَّ إِحْسَانَهُ إِلَى نَفْسِهِ إِحْسَانُهُ إِلَيْكَ إِذا كَفَّ عَنْكَ أَذَاهُ ، وَكَفاكَ مَؤُونَتَهُ ، وَحَبَسَ عَنْكَ نَفْسَهُ ، فَعَمِّهِمْ جَمِيعاً بَدَعْوَتِكَ ، وَانْصُرْهُمْ جَميعاً بِنُصْرَتِكَ ، وَأَنْزَلْتَهُمْ جَمِيعاً مِنْكَ مَنازِلَهُمْ ، كَبِيرَهُمْ بِمَنْزلَةِ الوالِد ، وَصَغِيرَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ ، وَأَوْسَطَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَحْ . فَمَنْ أَتَاكَ تَعَاهَدْتَهُ
بِلُطْفِ وَرَحْمَةٍ ، وَصِلْ أَخَاكَ بِمَا يَجِبُ لِلأَحْ عَلَى أَخِيهِ .
إن للمسلمين حقوقاً عامة على كل مسلم أن يقوم برعايتها ، وهي أعلنها الإمام(عليه السلام)كما يلي :
1 - على كل مسلم أن يضمر في دخيلة نفسه المودة والإخاء للمسلمين.
2 - أن ينشر لهم جناح الرحمة ، فلا يستعلي ولا يستكبر على أي واحد منهم .
3 - أن يرفق بمسيئهم ، ولا يقسو عليه لأن في ذلك إصلاحاً له .
4 - أن يعمل على تألفهم ووحدتهم واجتماع كلمتهم .
5- أن يشكر محسنهم على إحسانه ، ويشجّعه على هذه الظاهرة الكريمة التي تعود فائدتها على الجميع .
6 - أن يقوم بنصرتهم إذا دهمهم عدو.
7 - أن ينزل كبيرهم منزلة الوالد ، والأوسط منزلة الأخ ، والصغير منزلة الولد . ومن المؤكد أنّ هذه الحقوق لو طبقها المسلمون على واقع حياتهم لكانوا يداً واحدة ، وما اختلفت لهم كلمة ، ولا تشتت لهم شمل ، وما طمعت فيهم أمم العالم .
وَأَمَّا حَقٌّ أَهْلِ الذَّمَّةِ : فالْحُكْمُ فِيهِمْ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا قَبِلَ اللَّهُ ، وَتَفي بما جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ ذِمَّتِهِ وَعَهْدِهِ وَتَكِلَهُمْ إِلَيْهِ فيما طَلِبُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَاجْبِرُوا عَلَيْهِ ، وَتَحْكُمَ فِيهِمْ بِمَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ فِيمَا جَرى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ مِنْ مُعَامَلَةٍ ، وَلِيكُنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ظُلْمِهِمْ مِنْ رِعايَةِ ذِمَّةِ اللهِ ، وَالْوَفاءِ بِعَهْدِهِ وَعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حائِلٌ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ قال : « مَنْ ظَلَمَ مُعاهِداً كُنْتُ خَصْمَهُ ، فاتَّقِ اللهَ ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
فَهَذِهِ خَمْسُونَ حَقًّا مُحيطاً بِكَ لَا تَخْرُجْ مِنْها في حالٍ مِنَ الْأَحْوالِ يَجِبُ عَلَيْكَ رِعايَتُها ، وَالْعَمَلَ فِي تَأْدِيَتها ، وَالْإِسْتعانَةُ بِاللهِ جَلَّ تَناؤُهُ عَلى ذلِكَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ (1).
1) تحف العقول : 182 - 193 ، رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام).
ورعى الإسلام أهل الذمة ، وهم اليهود والنصارى من الذين دخلوا في ذمة الإسلام، فإنّه يعاملهم كما يعامل المسلمين في التمتّع بالحرية والرخاء والأمن والاستقرار ، وقد أعلن الامام(عليه السلام) أن لهم من الحقوق ما يلي :
1 - أن يتقبّل فيهم ما قننه الله وشرعه لهم من أحكام .
2 - الوفاء بحقوقهم التي جعلها الله لهم .
3- الحكم فيهم بما أنزل الله.
4 - حرمة ظلمهم، وعدم جواز الاعتداء عليهم بغير حقّ .
بهذا ينتهي بنا الحديث عن رسالة الحقوق التي هي من أثرى الكتب الإسلامية ، فهي على إيجازها قد وضعت المناهج الحيّة لإسعاد المسلمين وإصلاحهم .
من مؤلفات الإمام زين العابدين(عليه السلام)کتاب اسمه«کتاب علي بن الحسين»، وقد فقد هذا الكتاب كما فُقد غيره من أمهات الكتب الإسلامية ، وقد عثرنا على قطعة يسيرة منه نقلها عنه الإمام أبو جعفر محمد الباقر(عليه السلام) ، قال : « وَجَدْنا في كِتابِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ :أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(1)إِذا أَدوا فَرائِضَ اللَّهِ ، وَأَخَذُوا سُنَنَ رَسولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)، وَتَوَرَّعوا عَنْ مَحارم اللهِ ، وَزَهِدوا في عاجِلِ زَهْرَةِ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَرَغِبوا في ما عِنْدَ اللهِ ، وَاكْتَسَبوا الطَّيِّبَ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ، لَا يُريدُونَ بِهِ التَّفاخُرَ وَالتَّكَاثُرَ ، ثُمَّ أَنْفَقوا في ما يَلْزِمُهُمْ من حُقوقِ وَاجِبَةٍ ، فَأُولئِكَ الَّذِينَ بَارَكَ اللهُ لَهُمْ فِي مَا اكْتَسَبوا ، وَيُثابونَ عَلى ما قَدَّموا لآخِرَتِهِمْ (2)
لقد أشادت هذه الكلمات بأولياء الله تعالى ، وحدّدت معالم شخصياتهم ، وهي :
1 - أداء فرائض الله تعالى .
2 - الأخذ بسنن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم).
3 - الورع عن محارم الله تعالى .
4 - الزهد في الدنيا .
ه - الرغبة في ما عند الله تعالى .
6 - اكتسابهم للطيّب والحلال من الرزق .
7 - إنفاقهم للحقوق المالية الواجبة في الإسلام من الزكاة والخمس وغيرهما .
ومن الطبيعى أنّ من اتصف بهذه الصفات من المؤمنين فهو من أولياء الله الذين بارك فيهم ، وأعد لهم في دار الآخرة جنّة الفردوس يتبوؤن فيها حيث ما شاؤوا .
ونُسب للإمام زين العابدين الله ديوان من الشعر حافل بالنصائح والمواعظ وتوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة الإمام أمير المؤمنين بخط السيد أحمد بن الحسين الجزائري، وقع الفراغ من كتابتها يوم الثلاثاء 26 رحب سنة 1358هـ ، وقد استنسخها عن نسخة بخط السيّد محمّد بن السيد عبدالله الشوشتري ( المتوفى سنة 1283هـ).
ونشره الدكتور حسين علي محفوظ في مجلة البلاغ ، وقال في تقديمه له : ينسب إلى السجّاد (عليه السلام)(387) بيتاً من الشعر جمعها شيخنا المرحوم محمد علي التبريزي المدرّس ( المتوفى سنة 1373هـ ) من كتاب التحفة المهدية المطبوع في تبريز سنة ( 1357هـ) ، وهو القسم الثاني من ديوان المعصومين الذي سمّاه الدرّ المنثور ، وقد أهدى إلى صديقنا الباحث الفاضل الكريم مرتضى المدرّس الجهار، وهو نزيل طهران قبل أربعة عشر عاماً نسخة خطيّة من شرح ديوان السجاد(عليه السلام) مكتوبة في أوائل القرن الثالث عشر الهجري فيه (29) مقطوعة من بحر الوافر ذوات خمسة أبيات مرتبة على الهجاء ، عدتها (145) بيتاً ، وإذا صح أن يُنسب شيء من الشعر إلى الإمام ، فالظنّ كلّ الظنّ أنّ في المضامين إليه من المنظوم ما هو قيد كلماته، ونظم معانيه ، واتباع منهجه ، ودليل سيرته ، واقتداء بهداه»(1).
ونحن لا يخالجنا أدنى شك في عدم صحة نسبة هذا الديوان إلى الإمام زين العابدين(عليه السلام)لا لتهافت معانيه ، وإنّما لركة الكثير من ألفاظه ، والذي يقرأ الصحيفة السجّاديّة وما أثر عنه من غرر الحكم والآداب يجد أنّ الإمام قد استعمل أفخم
1) مجلة البلاغ - العدد الثامن / السنة الأولى : 24 .
الألفاظ وأعذبها ، وأكثرها جاذبية للقارئ ، فقد كان(عليه السلام) من أفصح بلغاء الأمة العربية على الاطلاق، وتعد صحيفته السجّاديّة من مناجم كتب البلاغة في الإسلام، مضافاً إلى عدم النصّ عليه في المصادر القديمة، والذي أذهب إليه بلا تردد ، ولا شك أنه ليس من نظم الإمام(عليه السلام).
وإنا ننقل بعض القطع من هذا الديوان للتدليل على ما ذكرناه .
1
تبارك ذو العلى والكبرياء*** تفرّد بالجلال والبقاء
وسوى الموت بين الخلق طرّاً*** فكلّهم رهائن للفناء
ودنيانا وإن ملنا إليها*** فطال بها المتاع إلى انقضاء
ألا أنّ الركون على غرور*** إلى دار الفناء من العناء
وقاطنها سريع الظعن عنها*** وإن كان الحريص على الثواء
2
يحول عن قريب من قصور*** مزخرفة إلى بيت التراب
فيُسلم فيه مهجوراً فريداً*** أحاط به شحوب الاغتراب
وهول الحشر أفظع كل أمر*** إذا دعي ابن آدم للحساب
وألفي كل صالحة أتاها*** وسيئة جناها في الكتاب
لقد آن التزوّد إن عقلنا*** وأخذ الحظ من باقي الشباب
3
فعقبى كلّ شيء نحن فيه*** من الجمع الكثيف إلى الشتات
وما حزناه من حلّ وحرم*** يوزع في البنين وفي البنات
وفي من لم نُوهلهم بفلس*** وقيمة حبة قبل الممات
وتنسانا الأحبة بعد عشر*** وقد صرنا عظاماً باليات
كأنّا لم نعاشرهم بود*** ولم يك فيهم خل مؤات
4
لمن يا أيها المغرور تحوي*** من المال الموفر والأثاث
ستمضى غير محمود فريداً*** ويخلو بعل عرسك بالتراث
ويخذلك الوصي بلا وفاء*** ولا إصلاح أمر ذي التياث
لقد أوقرت وزراً مرجحنا (1)*** يسدّ عليك سبل الانبعاث
فمالك غير تقوى الله حرز*** ولا وزر ومالك من غياث
5
تعالج بالتطبّب كل داء*** وليس لداء دينك من علاج
سوی ضرع إلى الرحمن محض*** بنيّة خائف ويقين راج
وطول تهجد بطلاب عفو ***بليل مدلهم الستر داج
وإظهار الندامة كل وقت ***على ما كنت فيه من اعوجاج
لعلك أن تكون غداً حظيّاً*** ببلغة فائز وسرور ناج
والديوان كله على هذا الغرار من الركة ، ومن المؤكد أنّه ليس من نظم الإمام(عليه السلام)، وإنّما نظمه بعض المعجبين بمواعظه ونصائحه وحكمه ، فنسبه إليه ، على أنّي أجزم أنّ الناظم لا يجيد النظم ، فقد صاغ أغلب الأبيات بألفاظ ركيكة ليس فيها من حسن الديباجة ، وجمال الأسلوب شيء يذكر.
1) في الأصل : « وفدت وزر» ، وما أثبتاه الأصحَ ، إن لجهة المعنى والسياق العام ، أو لجهة استقامة الوزن .
وأصيب العالم الإسلامي في عصر الإمام (عليه السلام) بركود فكري ، وتدهور خطير في حياته العلمية والثقافية ، فقد عمدت الحكومة الأموية بشكل رسمي إلى محاربة العلم وإماتة الوعي حتى يستمر لها البقاء طويلاً على كرسي الحكم ، ونهب ثروات الأمة والتحكم في مصيرها .
من المؤكد أنّه لم يكن في عصر الإمام أي ظلّ للعلوم الإسلامية وغيرها من مكوّنات العقل البشري ومنمّياته ، وقد رأى الإمام زين العابدين (عليه السلام) ذبول الحياة الفكرية ، وما مُنيت به الأمّة من الجهل ، فانبرى إلى تأسيس مدرسته الكبرى التي انضم إليها جمهرة كبيرة من رجال العلم والتشريع الذين سنتحدث عن تراجمهم . وعلى أي حال ، فلم تعرف الأمة في ذلك العصر عائدة أعظم ولا أنفع من عائدة الإمام زين العابدين الله عليها ، وذلك بما أسس في ربوعها من مدرسته العلمية ، وبما فتح لها من آفاق الفكر والعلم والعرفان .
وقبل أن نتحدّث عن مدرسته وتلاميذه نعرض لبعض شؤونه العلميّة :
لقد رأى الإمام العظيم أنّ في نشر العلم واجباً رساليّاً ، ومسؤولية إسلامية ، فاتّجه إليه ، كما وجد فيه سلواناً لنفسه التي كانت مترعة بالهموم والآلام .
يقول الشيخ أبو زهرة : « انصرف أي الإمام - إلى العلم والدراسة والفحص ،
لأنه وجد في ذلك غذاء قلبه، وسلوان نفسه، وصرفاً لها عن الهم الدائم، والألم الواصب، ولذلك طلب الحديث واتجه إليه»(1).
لقد تفرّغ الإمام لنشر العلم بين المسلمين حتى شغله عن كلّ ما سواه(2)، فقد كان همه الوحيد تثقيف المسلمين، وتهذيب طباعهم ، وتأديبهم بآداب الشريعة الإسلامية السمحاء ليحملوا بعده مشاعل الفكر والنور .
كان(عليه السلام) يشيد بفضل العلم ويحثّ على طلبه ، وقد قال : « لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في طَلَبِ الْعِلْمِ لَطَلَبُوهُ وَلَوْ بِسَفْكِ الْمُهَجِ ، وَخَوْضِ اللُّجَحِ . إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْحَى إِلَى دانيالَ : إِنَّ أَمْقَتَ عَبِيدِي إِلَيَّ الْجَاهِلُ ، الْمُسْتَخِفُ بِحَقِّ أَهْلِ الْعِلْمِ ، النَّارِلُ لِلْإِفْتِداء بِهِمْ ، وَإِنَّ أَحَبَّ عَبيدي إِلَيَّ التَّقِيُّ الطَّالِبُ لِلتَّوابِ الْجَزِيلِ ، اللازِمُ لِلْعُلَماءِ ، التَّابِعُ لِلْحُلَماءِ ، القابلُ عَن الْحُكَماءِ »(3).
أرأيتم الإمام كيف مجد العلم ، وحثّ على طلبه ، فقد آمن(عليه السلام) بأن لا حياة للأمة إلّا بنشر العلم وإشاعته بين أبنائها .
وقام الإمام زين العابدين(عليه السلام) بدور مهم بتشجيع الحركة العلمية ، فكان على ما هو عليه من الجلالة وسموّ الذات يجلس في حلقة زيد بن أسلم ، فأنكر عليه نافع بن جبير ، وقال له : غفر الله لك ، أنت سيّد الناس ، تأتي حتّى تجلس مع هذا العبد !
فأجابه الإمام : إِنَّ الْعِلْمَ يُبْتَغَى وَيُؤْتى وَيُطْلَبُ مِنْ حَيْثُ كانَ»(1).
إنّه ليس من الإسلام في شيء أن تحول الفوارق الزائفة عن الأخذ بالعلم والانتفاع من حملته أيما كانوا .
وكان الإمام(عليه السلام)يحتفي بطلبة العلوم ويكرمهم ، ويرفع منزلتهم ، ويقول المؤرّخون : « إذا جاء طالب علم رحّب به ، وقال له : مَرْحَباً بِوَصِيَّةِ رَسولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)» .
وقال الإمام أبو جعفر الباقر(عليه السلام): كانَ أَبي إذا نَظَرَ إِلَى الشَّبابِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ أَدْنَاهُمْ إِلَيْهِ ، وَقَالَ : مَرْحَباً بِكُمْ ، أَنْتُمْ وَدائِعُ الْعِلْمِ ، وَيُوشِكُ إِذَا أَنْتُمْ صِغَارُ قَوْمٍ أَنْ تَكونوا کبار آخَرينَ» (2)
ووضع(عليه السلام) آداباً للمتعلمين منها قوله : «مَنْ ضَحَكَ ضِحْكَةً مَجَ مِنَ الْعِلْمِ مَجَّةٌ »(3).
واستدل ابن جماعة بهذا الحديث على عدم جواز ضحك التلميذ بين يدي أستاذه(4)تأدباً وتكريماً له.
وشرّع الإمام(عليه السلام)أروع الحقوق ، وأكثرها أصالة بما لم تقنّن مثلها منظّمات التربية
والتعليم ، كما جاء ذلك في رسالة الحقوق آنفة الذكر.
لقد وضع الإمام(عليه السلام) البرامج الرفيعة لحقوق المعلم على تلاميذه ، تلك الحقوق التي يجب أن تقابل بالوفاء والعرفان ، فقد أسدى إليهم الأيادي البيضاء ، فأخرجهم من ظلمات الجهل إلى واحات المعرفة والحضارة ، ونمّى عقولهم ، وأضاء أفكارهم ، فيجب أن يقابل بجميع أنواع الفضل والمعروف والإحسان .
وتحدّث الإمام(عليه السلام)عن الثواب الجزيل الذي يمنحه الله تعالى لطالب العلم ، قال :
« طالِبُ الْعِلْمِ إِذا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يَضَعْ رِجْلاً عَلَى رَطِبٍ وَلَا يَابِسٍ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا سَبَّحَتْ لَهُ إِلَى الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ »(1).
وكان الإمام(عليه السلام) يرى ضرورة نشر العلم وإشاعته بين الناس مجاناً ، و ، وعدم جواز أخذ الأجرة عليه ، وقال(عليه السلام) في ذلك : « مَنْ كَتَمَ عِلْماً أَوْ أَخَذَ عَلَيْهِ أَجْراً رِفْداً فَلَا يَنْفَعُهُ أَبَداً »(2).
إنّ ممّا امتاز به الإسلام على بقيّة الأديان والمذاهب الاجتماعيّة أنّه آمن بالعلم إيماناً مطلقاً ، ويرى لزوم طلبه على كل مسلم ومسلمة ، ويكره أخذ الأجرة عليه ، خصوصاً في تعليم القرآن الكريم ، فقد روى إسحاق بن عمار ، قال : « سألت زين العابدين(عليه السلام)أن لنا جاراً يكتب أي يعلم الأطفال القراءة والكتابة - فقال له : مُرْهُ
إِذا دُفِعَ إِلَيْهِ الْغُلامُ أَنْ يَقُولَ لِأَهْلِهِ إِنَّمَا أَعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ ، وَأَتَّجِرُ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ(1)حَتَّى يَطِيبَ لَهُ كَسْبُهُ»(2).
أمّا معاش المعلّم ، فإنّ الدولة مسؤولة عنه ، ويجب أن تقوم بالانفاق عليه ، حتّى يستغني عمّا في أيدي الناس .
وحثّ الإمام الالها الأسرة التعليمية على التواضع ، ونكران الذات ، وعدم التكبّر على الناس ، فقد قال لبعض المعلمين: «فَإِنْ أَحْسَنْتَ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ وَلَمْ تَتَجَبَّرْ عَلَيْهِمْ زادَكَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَإِنْ أَنْتَ مَنَعْتَ عِلْمَكَ ، وَأَخْرَقْتَ بِهِمْ عِنْدَ طَلَبِهِمُ الْعِلْمَ مِنْكَ كانَ حَقّاً عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَسْلِبَكَ الْعِلْمَ وَبَهَاءَهُ ، وَيُسْقِطَ مِنَ الْقُلوبِ مَحَلَّكَ (3).
واتخذ الإمام(عليه السلام)الجامع النبوي مركزاً لمدرسته ، ومعهداً له ، فكان في بهوه يلقي محاضراته وبحوثه على العلماء والفقهاء ، وقد تناولت علم الفقه والتفسير ، والحديث ، والفلسفة ، وعلم الكلام ، وقواعد السلوك والأخلاق .
وقد ألمحنا إلى بعضها في البحوث السابقة . يقول المؤرّخون : « إنّه كان في كلّ جمعة يلقي خطاباً عاماً على الناس يعظهم فيه ، ويزهدهم في الدنيا ، ويرغبهم في أعمال الآخرة ، وكان الناس يحفظون كلامه ويكتبونه »(4).
ومن الجدير بالذكر أن مجلسه كان لا يخلو من المذاكرات والفوائد العلمية . يقول عبد الله بن الحسن بن الحسن : « إنّ أُمّي فاطمة بنت الحسين كانت تأمرني أن أجلس إلى خالي علي بن الحسين ، فما جلست إليه قط إلا قمت بخير قد أفدته إما خشية الله أو علم قد استفدته منه»(1).
واحتف العلماء والفقهاء والقراء بالإمام(عليه السلام)لا يفارقونه في حضر أو سفر ، فكان إذا أراد السفر إلى بيت الله الحرام رافقه جمع من العلماء والقرّاء ، وهم يسجلون فتاواه وما يلقيه عليهم من العلوم وغرر الحكم والآداب .
وتخرّج من مدرسة الإمام مجموعة كبيرة من كبار العلماء والفقهاء من الذين نشروا العلم والعرفان في العالم الإسلامي ، ونعرض لتراجمهم وتراجم أصحابه ، وفيما أحسب أنّ عرض ذلك من متممات البحث عن شخصيتّه :
عده الشيخ من أصحاب الإمام السجّاد . قال ابن الغضائري : « إنّه تابعي . روى عن أنس بن مالك ، وروى عن عليّ بن الحسين، ضعيف لا يلتفت إليه ، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه »(2).
وقال أحمد بن حنبل : « إنّه متروك الحديث ، ترك الناس حديثه منذ دهر »(1)
ابن رباح ، أبو سعيد البكري الجريري ، كان من كبار العلماء ، ومن أعلام الفكر في الإسلام ، وقد نافح عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، و حفظ علومهم وتراثهم ، فكان السادن الأمين لفقههم ، ونعرض بإيجاز لبعض شؤونه :
كانت ولادته بالكوفة ، ولم تعيّن المصادر التي بأيدينا سنة ولادته ، وكانت نشأته بالكوفة التي هي عاصمة أهل البيت(عليهم السلام) ، وكانت تعجّ مجالسها وأنديتها بذكر مآثرهم وفضائلهم ، وقد تغذّى أبان بحبّهم والولاء لهم ، حتى صار من خيار الشيعة ، ومن أعلام علمائهم ، وقد درس العلوم الإسلامية في الجامع الأعظم الذي كان من أهم المعاهد والمدارس الدينية في ذلك العصر.
كان من أبرز علماء المسلمين وأنبههم في ذلك العصر، ويقول المترجمون له : « إنه كان مقدّماً في كلّ فنّ من العلوم : في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو»(2).
ومما يدلل على سموّ مكانته العلميّة أنّه إذا قدم إلى يثرب تَقوّضَتْ إليه الحَلَق العلمية ، وأخليت له سارية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)(3)، ويحف به الفقهاء والعلماء للاستفادة من ثرواته العلمية .
وكان أبان من سدنة علوم الأئمة الطاهرين(عليهم السلام)، فقد روى عن الإمام زين العابدين الله ، وروى عن الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام) ، وروى
عن الإمام الصادق (عليه السلام)(1)، وقد روى عنه ثلاثين ألف حديث .
وقد قال (عليهم السلام)لأبان بن عثمان : «إِنَّ أَبانَ بْنَ تَغْلِبَ رَوَى عَنِّي ثَلاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ فَارُوها عَنْهُ» (2).
وروى سليم بن أبي حيّة ، قال : كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام)، فلما أردت أن أفارقه ودّعته ، وقلت : أحب أن تزوّدني .
فقال : «انْتِ أَبانَ بْنَ تَغْلِبَ ، فَإِنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنّي حَديثاً كَثيراً ، فَما رَوى لَكَ فَارْوِهِ عني»(3).
كان أبان موضع اعتزاز الأئمة وفخرهم ، وذلك لما يملكه من ثروات علميّة ، بالإضافة لما يتمتع به من التقوى والورع والتحرّج في الدين، وكان إذا وفد على الإمام الصادق (عليه السلام)قابله بمزيد من العناية والتكريم ، فكان يصافحه ويعتنقه ، ويرحّب به ، ويؤمر له بوسادة (4)
وكان الإمام أبو جعفر الباقر(عليه السلام)يقول له : « اجْلِسُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَأَفْتِ النَّاسَ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُرى في شيعَتِي مِثْلُكَ »(5)
ودلّ هذا الحديث على اجتهاد أبان ، وأنّه أهل للفتيا بين الناس .
كما دلّ على اعتزاز الأئمة(عليهم السلام) بهذا العالم العظيم الذي حوى علومهم ، وسار على منهجهم ، واقتدى بسيرتهم.
وأجمع المترجمون لأبان على وثاقته وأمانته وصدقه في نقل الحديث ، ولم يجرحه أحد من هذه الجهة ، ولكن جماعة جرحوه لحبه أهل البيت ، فقد قال الجوزجاني : « إنّه زائغ ، مذموم المذهب ، مجاهر»(1).
وقال الذهبي : « إنّه شيعي ، جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقه ، وعليه بدعته » .
وأضاف قائلاً: «كيف ساغ توثيق مبتدع ، وحدّ الثقة العدالة والاتقان ؟ فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة ؟
وجوابه : أنّ البدعة على ضربين : فبدعة صغرى ، كغلوّ التشيع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم، مع الدين والورع والصدق ، فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبويّة ، وهذه مفسدة بيّنة ، ثم بدعة كبرى ، كالرفض الكامل والغلو فيه والحط من أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع يحتج بهم ولا كرامة »(2).
ولا يحمل هذا الرأي أي طابع من الموضوعيّة ، فإن التحقيق العلمي يقضي بقبول قول الثقة الصادق الذي يتحرّج من الكذب ، ولا اعتبار بالنزعات العقائدية في ذلك .
وأنعم الله على أبان بمعرفته وولائه لأهل البيت (عليهم السلام)، وقد حفظ علومهم وآدابهم ، واجتهد في فقههم ، وراح يفتي الناس به ، ويحلّ مشاكلهم على ضوئه، كما راح يتحدّث في أندية الكوفة ومجالسها بفضائلهم ، ويحاج ويناظر خصومهم وأعداءهم ، في وقت كان من يذكرهم بخير يتعرّض لأشقّ ألوان المحن والخطوب ، فقد جهد الأمويون على التنكيل وإنزال أقسى العقوبات
بمن يحبّهم ويواليهم ، ولكنّ أبان قد وطن نفسه على ذلك لأنّ حبّه لهم لم يكن عاطفياً، وإنّما كان قائماً على الفكر والدليل ، فالكتاب والسنة قد فرضا على المسلمين الولاء لهم ، وجعلت ذلك جزءاً من الإسلام لا ينفك عنه .
وعلى أي حال، فقد كان أبان شديد الولاء لأهل البيت(عليهم السلام) ، وكان يرى فضل الصحابة ، وسموّ منزلتهم بمدى اتصالهم بالعترة الطاهرة، فقد روى عبدالرحمن بن الحجاج ، قال : «كنا في مجلس أبان بن تغلب ، فجاء شاب فقال له : يا أبا سعيد ، أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب من أصحاب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)؟
وأدرك أبان مراده ، فأجابه : وكأنك تريد أن تعرف فضل عليّ بمن تبعه من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)؟
وأسرع الشاب قائلاً: هو ذلك .
فأجابه أبان جواب العارف بحق الإمام(عليه السلام)قائلاً: والله ما عرفنا فضلهم -أي الصحابة - إلا باتباعهم إيّاه» (1)
حقّاً لقد كان الإمام أمير المؤمنين رائد الحكمة والعدالة في الإسلام هو المقياس الذي تعرف به قيم الرجال ، فمن أخلص له فهو على جانب كبير من الفضل ، ومن عاداه فقد انحرف عن الحقِّ ، ومال عن القصد .
ومن مظاهر ولاء أبان للسادة الأطهار من عترة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه مر على قوم فأخذوا يعيبون عليه لأنه يروي عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، فسخر منهم وقال : إن روايته عن الإمام الباقر(عليه السلام)كانت تتصل بالرواية عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهي أوثق الروايات وأصحها سنداً (2).
وألّف أبان مجموعة من الكتب دلّت على سعة علومه ومعارفه ، وهذه بعضها :
1 - تفسير غريب القرآن : ذكر شواهده من الشعر، وجاء فيما محمد بن عبد الرحمن بن فنتي ، فجمع بين كتاب التفسير لأبان وبين كتاب محمد بن السائب الكلبي وأبي روق عطية بن الحارث فجعلها كتاباً واحداً (1).
2 - الفضائل(2)، ولعله عرض فيه لفضائل أهل البيت(عليهم السلام).
3- الأصول في الرواية على مذهب الشيعة(3).
توفّي هذا العملاق العظيم سنة ( 141هـ ) ، وكانت وفاته خسارة كبرى للإسلام ، وقد حزن عليه الإمام الصادق(عليه السلام) ، وراح يقول بأسى وحزن : «أما واللهِ لَقَدْ أوْجَعَ قَلبي مَوْتُ أَبانَ»(4).
وقال أبو البلاد : « عض ببظر أمه رجل من الشيعة في أقصى الأرض وأدناها يموت أبان لا تدخل مصيبته عليه»(5).
رحم الله أبان ، فقد ناضل وجاهد جهاد الأبطال في سبيل الحق وإعلاء كلمة الله ،وكان موته من أعظم النكبات التي رزئ بها الدين في عصره .
مولى بني عجل : عده الشيخ من أصحاب الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)(6)
الأنصاري ، المدني : عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(1).
ابن معبد بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف : عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(2).
ابن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ابن الحنفية : عده الشيخ من أصحاب السجاد(عليه السلام)(3).
النخعي ، الكوفي ، يكنى أبا عمران . توفي سنة 96هـ ، مولى ، وكان أعور ، هكذا ذكر الشيخ(4).
وقد نقم عليه جماعة لأنّه قال : «لم يكن أبو هريرة فقيهاً »(5)
عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)(6).
ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، المدني : عدّه الشيخ بهذا
العنوان من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(1)
ابن أبي طلحة المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجّاد(عليه السلام)، كما عدّه من أصحاب الإمام الباقر(عليه السلام)(2).
المدني ، مولى قيس بن مخرمة ، والد محمد بن إسحاق صاحب الواقدي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)، كما عده من أصحاب الإمام الباقر(عليه السلام)(3)
عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(4).
المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)(5).
وقال الذهبي: «إنّه مدني معروف ، نزل البصرة ، وحدّث عن المقبري والقرطبي ، وعنه وكيع ومكي وطائفة ، وضعفه أحمد ويحيى وجماعة . وقال الدارقطني وغيره : إنّه متروك الحديث ، وقال ابن عدي : أحاديثه كلّها ممّا فيه نظر»(6)
عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)، وقال : « إنّه عاش إلى أيام أبي عبد الله
الصادق (عليه السلام)»(1).
قال النجاشي :« إنّه وجه من وجوه أصحابنا، وفقيه من فقهائنا ، وهو من بيت الشيعة، وعمومته :شهاب وعبد الرحيم ووهب ، وأبوه عبدالخالق ، كلهم ثقات . رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهم السلام)، وإسماعيل نفسه روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهم السلام)، وأضاف : إنّ له كتاباً »(2).
ابن أبي كريمة السدّي الكوفي. ذكره الشيخ من أصحاب علي بن الحسين(عليه السلام)،كما عده من أصحاب الإمام الباقر(عليه السلام)، وقال : «إنّه أبو محمد القرشي المفسّر الكوفي »(3)
ابن جعفر بن أبي طالب ، تابعي : عده الشيخ من أصحاب علي بن الحسين(عليه السلام)، كما عده من أصحاب الباقر(عليه السلام)(4).
الرواسي ، الكلابي ، الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)، وقد روى عنه ، كما روى عنه المبارك(5)
ابن علي بن أبي رافع ، مولى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، واسم أبي رافع : أسلم : عدّه الشيخ
من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(1).
الطائي ، البختري : عده الشيخ من أصحاب الإمام على بن الحسين(عليه السلام)(2)
عده الشيخ من أصحاب الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)(3)
قال النجاشي : « إنّه مولى ، مكاتب . له كتاب يرويه ابن أبي عمير »(4).
الأسدي ، الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد (عليه السلام)(5).
وعده البرقي من أصحاب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)والحسنين والسجاد(عليهم السلام)(6).
أبو المنهال الطائي ، البصري : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجّاد(عليه السلام)(7).
ابن الأشج : عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(1).
هو أبو حمزة الثمالي العالم الجليل ، والورع التقي ، الذي تربى بآداب أهل البيت الله(عليه السلام) ، وحمل علومهم ومعارفهم ، ونلمح إلى بعض شؤونه وأحواله :
نشأ أبو حمزة في الكوفة التي كانت مركزاً للتشيع والولاء لأهل البيت(عليه السلام)، وقد أخذ علومه من مشايخها الذين كانوا يحملون علوم أهل البيت وفقههم وقد صار من أبرز علمائها ومشايخها وزهادها(2).
وأجمع المترجمون له على وثاقته وعدالته ، وصدق حديثه ، وأنه كسلمان الفارسي في زمانه حسبما يقول الإمام الصادق(3). وجرحه ابن معين التشيعه وولائه لأهل البيت(عليهم السلام)(4)الذين فرض الله مودتهم على المسلمين.
كان من أبرز علماء عصره في الحديث والفقه وعلوم اللغة وغيرها ، وقد روى عنه ابن ماجة في كتاب الطهارة (5)، وكانت الشيعة ترجع إليه
في الكوفة ، وذلك لا حاطته بفقه أهل البيت(عليه السلام).
ألف مجموعة من الكتب في مختلف العلوم ، تدلل على غزارة علمه ، ومن بينها ما يلي :
1 - كتاب« النوادر»(1)
2 - كتاب « الزهد »(2).
3- كتاب تفسير القرآن(3).
4 - روايته لرسالة الحقوق للإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
5- روايته لدعاء السحر المعروف بدعاء أبي حمزة(5)، يرويه عن الإمام الأعظم زين العابدين(عليه السلام).
وروى طائفة كبيرة من الأحاديث عن الأئمة الطاهرين(عليهم السلام)، فقد روى عن الإمام زين العابدين(عليه السلام)والإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)(6)، كما روى عن أبي رزين الأسدي ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وروى عنه أبو أيوب ، وأبو سعيد المكاري ، وابن رئاب ، وابن محبوب، وابن مسكان ، وأبان بن عثمان ، وغيرهم(7).
توفّي هذا العالم الجليل سنة ( 150هـ)(8). وقد خسر المسلمون بفقده
علماً من أعلام الفكر والجهاد في عصره .
البناني القرشي ، تابعي ، سمع أنس : عده الشيخ من أصحاب السجاد(عليه السلام)(1).
ابن الزبير بن العوام ، بن أسد بن خويلد بن عبدالعزى القرشي :عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام) (2).
الفارسي ، أبو المقدام ، العجلي ، الحدّاد ، مولى بني عجل : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(3).
وقال النجاشي : روى نسخة عن علي بن الحسين(عليه السلام)رواها عنه ابنه عمرو بن ثابت»(4).
وعده العلّامة من البتريّة(5)، وقد قال الإمام أبو جعفر الباقر(عليه السلام)في البترية : إِنَّهُمْ أَضَلُّوا كَثِيراً مِمَّنْ ضَلَّ مِنْ هؤلاءِ ، وَإِنَّهُمْ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (6).
وقال الإمام الصادق(عليه السلام):« لَوْ أَنَّ الْبَتْرِيَّةَ صَف وَاحِدٌ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ما أَعَزَّ
الكوفي ، مولى أم هانئ ، وقيل : مولى زوجها جعدة (3): عده الشيخ من أصحاب الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)و من أصحاب الإمام الباقر(عليه السلام)(4).
روی ثویر ، قال : « خرجت حاجّاً فصحبني عمرو بن ذرّ القاضي ، وابن قيس الماصر ، والصلت بن بهرام ، وكانوا إذا نزلوا قالوا : انظر الآن فقد حرّرنا أربعة آلاف مسألة نسأل أبا جعفر عنها عن ثلاثين كل يوم ، وقد قلّدناك ذلك .
فقال ثوير : فغمّني ذلك ، حتى إذا دخلنا المدينة فافترقنا ، فنزلت أنا على أبي جعفر ، فقلت له : جعلت فداك ، إن ابن ذرّ وابن قيس الماصر والصلت صحبوني ، وكنت أسمعهم يقولون : قد حرّرنا أربعة آلاف مسألة نسأل أبا جعفر(عليه السلام)عنها ، فغمي ذلك .
فقال أبو جعفر : ما يَغُمُكَ مِنْ ذلِكَ ؟ فَإِذَا جَاءُوا فَأْذَنْ لَهُمْ .
فلما كان من غدٍ دخل مولى لأبي جعفر ، فقال : جعلت فداك ، إنّ بالباب ابن ذرّ ومعه قوم .
فقال لي أبو جعفر(عليه السلام): يا تُوَيْرُ ، قُمْ فَأَذَنْ لَهُمْ ، فقمت فأدخلتهم ، فلما دخلوا سلّموا وقعدوا ولم يتكلموا ، فلما طال ذلك أقبل أبو جعفر يستفتيهم الأحاديث ، وهم لا يتكلّمون ، فلما رأى ذلك أبو جعفر قال لجارية له يقال لها سرحة :
هاتي الخوان ، فلما جاءت به فوضعته ، قال أبو جعفر : الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَداً يَنْتَهِي إِلَيْهِ ، حَتَّى أَنَّ لِهَذَا الْخُوانِ حَداً يَنْتَهِي إِلَيْهِ.
فبادر ابن ذرّ قائلاً ما حده ؟
-إِذا وُضِعَ ذُكِرَ اللهُ ، وَإِذا رُفِعَ حُمِدَ اللهُ.
وأمرهم الإمام بتناول الطعام ، وأمر الإمام الجارية أن تسقيه الماء ، فجاءته بكوز من أدم(1)، فقال(عليه السلام): الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ.
وسارع ابن ذرّ قائلاً: ما حده ؟
ولما فرغوا من تناول الطعام أقبل عليهم الإمام فجعل يستفتيهم الأحاديث وهم صامتون من هيبته ، والتفت (عليه السلام)إلى ابن ذرّ فقال له : أَلَا تُحَدِّثْنا بِبَعْضِ ما سَقَطَ إِلَيْكُمْ مِنْ حَدِيثِنا ؟
بلى يابن رسول الله . قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): إني تارك فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : أَحَدُهُما أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ ، كِتابَ اللهِ وَأَهْلَ بَيْتِي ، إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا...
قال الإمام أبو جعفر : يابْنَ ذَرٍّ ، فَإِذا لَقِيتَ رَسولَ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)فَقالَ : مَا خَلَّفْتَني في الثَّقَلَيْنِ ؟ فَمَاذَا تَقولُ لَهُ ؟
فبكى ابن ذرّ، وراح يقول : أما الأكبر - يعني الكتاب - فمزقناه، وأما الأصغر -يعني العترة الطاهرة - فقتلناه .
فقال أبو جعفر : إذَنْ تَصْدُقُهُ بِابْنَ ذَرٍّ ، لَا وَاللهِ لَا تَزولُ قَدَمُ عَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى
1) الأدم : الجلد
يُسْأَلَ عَنْ ثَلاثَةٍ عَنْ عُمُرِهِ فيما أَقْناهُ ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَبْنَ اكْتَسَبَهُ ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ حبنا أَهْلَ الْبَيْت .
وخرج القوم من دار الإمام فأمر(عليه السلام)غلامه متابعتهم ليسمع ما يقولون ، ورجع الغلام فقال للإمام : سمعتهم يقولون لابن ذرّ على هذا خرجنا معك ؟
فقال : ويلكم اسكتوا ما أقول : إنّ رجلاً يزعم أن الله يسألني عن ولايته ، وكَيْفَ أسأل رجلاً يعلم حد الخوان ، وحدّ الكوز»(1).
الشامي : عده الشيخ من أصحاب الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)(2). روى عن خالد بن سعدان ، وروى عنه عبد الرحمن بن محمد العرزمي(3).
ابن أبي بكر : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجّاد(عليه السلام)(4).
الجعفري ، الهاشمي ، المدني : ذكره الشيخ من أصحاب علي بن الحسين (عليه السلام)(5)
أبو بشير النضري : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد (عليه السلام)(1).
ابن علي بن الحسين ، الصادق(عليه السلام)، هو العقل المفكر في الإسلام ، والمجدّد لهذا الدين ، والسادن لشريعة جده سيّد المرسلين ، وهو الذي نشر جميع العلوم ، وأرسى قواعدها وأصولها ، ولم تقتصر علومه ومعارفه على علوم الشريعة الإسلامية ، وإنّما شملت علوم الفلسفة والكلام والطب والكيمياء والفيزياء والتشريع وعلم الفلك ، ويعتبر عند علماء الغرب الدماغ المفكّر للإنسانية ، كما يعتبر عند علماء المسلمين المعجزة الكبرى للإسلام ، أما استيفاء البحث عن شؤونه فتستدعي وضع موسوعة عنه ومنه تعالى نستمد التوفيق للتشرّف بالبحث عن حياته ، وقد عده الشيخ من أصحاب الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)(2)، وروى عنه كثيراً من الأحاديث .
عده البرقي من أصحاب الإمام الحسن(عليه السلام)، و من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام). وقال : «إنّه كان من أصحاب أميرالمؤمنين (عليه السلام)(3)
روى عن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)، وروى عنه عمران بن أعين(4).
التيمي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد (عليه السلام)(1)
المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(2)
الأزدي الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(3)
أبو يحيى ، الأسدي ، الكوفي ، تابعي ، كان فقيه الكوفة : عده الشيخ من أصحاب الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)(4)، وكذلك عده البرقي(5). روى عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)و عن علي بن الحسين(عليه السلام)، وروى عنه عامر بن السمط وغيره (6)توفي سنة 119هـ (7).
ابن أبي الأشرس ، الأسدي ، مولاهم . روى عن الامام علي بن الحسين(عليه السلام)
وعن أبي جعفر وعن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)(1).
السجستاني : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد (عليه السلام)(2).
وقال الكشي :« إنّه كان أوّلاً شارياً ثم دخل في هذا المذهب ، وكان من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله لا منقطعاً إليهما »(3)
الأسدي ، الكوفي ، من أصحاب الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) : عده الشيخ في رجاله (4)
الأسدي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(5).
عده البرقي والشيخ من أصحاب الإمام السجاد (عليه السلام)(6)
البصري : عده الشيخ من أصحاب الإمام على بن الحسين (عليه السلام)(7)
ابن أبي رافع : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(1)
الكوفي ، عامّي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين (عليه السلام)(2).
وعده البرقي من أصحاب الباقر والصادق(عليهم السلام)(3).
ابن الحنفيّة ابن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
ابن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، من أولاد الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5)
قال عنه المفيد : «كان فاضلاً ورعاً . روى حديثاً كثيراً عن أبيه علي بن الحسين(عليهم السلام)، وعمته فاطمة بنت الحسين(عليهم السلام)، وأخيه أبي جعفر(عليه السلام)»(6).
وقال الإمام الباقر(عليه السلام) فيه : « وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَحَلِيمٌ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالوا سَلاماً»(7)
توفّي بالمدينة (157هـ ) ، ودفن بالبقيع ، وكان له من العمر أربع وسبعون سنة(1)
الهمداني ، الكوفي ، المشعاري : عده الشيخ من أصحاب السجاد(عليه السلام)(2).
أبو جويرية ، الجرمي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(3).
الأنصاري ، الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(4).
أبو محمد الكندي ، الكوفي : عده البرقي من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(5)
وكذلك عدّه الشيخ ، وأضاف: «إنّه من البترية»(6).
وذكر الكشّي طائفة من الأخبار تدلّ على جرحه وذمّه ، وأنّه من المنحرفين والضالين ، فقد روى أبو بصير ، قال : سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول : إِنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ وَسَلَمَةَ وَكُثيرَ النَّوا وَأَبَا الْمِقْدامِ وَالتَّمَارَ - يعني سالماً- ضَلُّوا كَثِيراً مِمَّنْ ضَلَّ مِنْ هؤُلاءِ ، وَإِنَّهُمْ مِمَّنْ قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (7)
وقد دلّت هذه الرواية على أن الحكم كان من مراكز الضلال في ذلك العصر ، وكان من العاملين على إفساد العقيدة الإسلامية وانحراف المسلمين عن طريق الحق .
وقد وثقه ابن حجر وأثنى عليه ، وذكر كلمات كثيرة تشيد به (1)
وأكبر الظنّ أنّ ابن حجر إنّما وثقه لانحرافه عن أهل البيت(عليه السلام)الذين هم الثقل الأكبر في الإسلام بعد القرآن الكريم حسبما نص عليه الرسول عل الله
ابن مطعم ، بن عدي بن عبد مناف القرشي المدني : عده الشيخ من أصحاب الامام زین العابدين(عليه السلام) (2)
وذكر الأستاذ الخوئي : « إنّه روى عن علي بن الحسين(عليه السلام)، وروى حنان بن سدیر عن أبيه ، عنه »(3).
(4) ابن عباد بن حنيف الأنصاري . روى عن الإمام علي بن الحسين والإمام أبي جعفر والإمام الصادق(عليه السلام)، وكان من أصحاب السجّاد (5).
الصيرفي ، الكوفي ، أبو سدير : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)، كما عدّه من أصحاب الإمام الباقر(عليه السلام)(6)
الأمم امين العابدين المرة السادي عشرة
الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)، ولعله هو الذي روی بعض أحداث كارثة كربلاء ، وكان مع أصحاب ابن سعد.
الهمداني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2)
المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين (عليه السلام)(3)
الصرمي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام) (4)
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1).
روى عن الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وروى عنه الفضيل بن عثمان (2)
أستاذ أبي حنيفة : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3).
قال ابن حجر : «ربيعة بن عثمان بن عبد الله بن الهدير التميمي أبو عثمان المدني ، أرسل عن سهل بن سعد ، وروى عن زيد بن أسلم ، وعامر بن عبدالله بن الزبير، وغيرهم .
قال أبو حاتم : إنّه منكر الحديث ، يكتب حديثه .
وقال النسائي : ليس به بأس.
قال الواقدي : مات سنة 154هـ ، وهو ابن سبع وسبعين سنة »(4)
السلولي ، الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5)
إنّه بطل من أبطال الإسلام ، وعلم من أعلام الجهاد ، ومناضل صلب عن مبادئه.
وعقيدته ، ومن ألمع الرساليين في الإسلام ، اختص بالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأخلص له ، وقد احتفى به الامام وأحبّه لما رأى فيه من وفور الإيمان ، ومزيد العقل ، وقد أخبره بما يجري عليه من الظلم والطغيان من الباغي الأثيم عبيد الله بن زياد ، فقد قال له : يا رُشَيْدُ ، كَيْفَ صَبْرُكَ إِذا أَرْسَلَ إِلَيْكَ دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَطَعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ وَلِسانَكَ ؟
واستقبل رشيد النبأ بمزيد من الاطمئنان والرضا ، فقال للإمام : يا أمير المؤمنين ، آخر ذلك إلى الجنة ؟
وبادر الإمام قائلا له : يا رُشَيْدُ ، أَنْتَ مَعي في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ»(1).
وقد علّمه الإمام علوماً كثيرة ، وعهد إليه بما يجري على الأمة من الظلم والفساد في عهد الأمويين ، ويقول المؤرّخون : « إنّه لفّنَ علم البلايا والمنايا» .
وقد خرج معه إلى بستان البرني ، وكان معه جماعة من أصحابه ، فجلس تحت نخلة ، فأمر البرني بنخلة فلقط منها بعض الرطب فقدّم إليهم ، وبهر رشيد بجودة الرطب ، فأخبره الإمام بأنّه سيصلب على جذعها ، فكان يختلف إليها طرفي النهار يسقيها ، ويتعهدها حتى قطع سعفها ، فأيقن عند ذلك بدنو أجله المحتوم(2).
وبعد ما رزئت الإنسانية بفقد رائدها الإمام أمير المؤمنين على(عليه السلام) اختص رشيد بالإمام الحسين بن علي(عليه السلام)، وبعد كارثة كربلاء اختص بالإمام علي بن الحسين(عليه السلام).
في ذمة الخلود وتتبع ابن مرجانة شيعة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد قتله سبط رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد أخبر بمكانة رشيد عند أهل البيت (عليهم السلام)، فأمر بإلقاء القبض
عليه ، فجيء به مخفوراً إلى الطاغية ، فلما مثل عنده تميّز الطاغية غيظاً وصاح به :
« تبرأ من عليّ .
لا أتبرّأ .
بأيّ ميتة قال لك أن تموت ؟
أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة منه فلا أبرأ ، فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني .
وورم أنف الطاغية ، وراح يقول أمام جلاوزته : والله لأكذبنّ قوله فيك . وأمر به أن يشدّ على الجذع الذي أخبر الإمام بأنه يصلب عليه ، وتقطع يداه ورجلاه ويترك لسانه ، فأسرعت السيدة ابنته فأخذت أعضاءه لتواريها في التراب ، وقالت له : يا أبة ، هل تجد ألماً مما أصابك ؟
فأجابها وهو غير حافل بآلامه ، بأنّه لم يصبه أي ألم إلا كالزحام بين الناس ، واجتمعت الجماهير حوله وهي تنظر إليه وقد أخذه نزيف الدم ، وجعل يخاطبهم قائلاً: ائتوني بصحيفة ودواة لأملي عليكم ما يكون إلى يوم الساعة ، وأخذ من على الجذع يحدّث الناس بما سيجري عليهم من الجور والاضطهاد في ظلّ الحكم الأموي ، وأسرع المباحث إلى ابن زياد فقالوا له : ما صنعت ؟ قطعت يديه ورجليه ، وهو يحدث الناس بالعظائم ؟
وأمر الطاغية بقطع لسانه وصلبه على ذلك الجذع ، فنفّذ فيه ذلك (1).
وانتهت بذلك حياة هذا المصلح العظيم على يد أقذر إنسان وأحط مخلوق ، وقد رفع رشيد راية الجهاد والإصلاح الاجتماعي ، فثار على الظلم والطغيان .
1) رجال الكشّي : 22/76 .
الهمداني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1).
الجريري ، الكوفي ، من الموالي : عده الشيخ من أصحاب السجاد(عليه السلام)(2).
وعده البرقي من أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام)(3).
وقد وقع في إسناد جملة من الروايات تبلغ تسعة عشر مورداً(4).
العدوي ، المدني ، مولى عمر بن الخطاب ، كان يجالسه الإمام زين العابدين(عليه السلام)كثيراً (5). وكان من الفقهاء المشهورين.
قال مالك بن عجلان : « ما هبت أحداً قط هيبتي زيد بن أسلم » .
وقال ابن سعد : «كان كثير الحديث ، وقد توفي قبل خروج محمد بن عبدالله بن الحسن»(6).
ابن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)
ذكره ابن حبان في الثقات ، وأنه كان من سادات بني هاشم ، وكان يتولّى صدقات رسول رسول الله الله بالمدينة ، وكتب عمر بن عبدالعزيز في شأنه إلى عامله في يثرب : «أما بعد ، فإنّ زيد بن الحسن شريف بني هاشم وذو سنّهم» (2).
قال الشيخ المفيد : «كان زيد جليل القدر ، كريم، الطبع ، ظريف النفس ، كثير البرّ، ومدحه الشعراء ، وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله » (3)
وهناك بعض الروايات الموضوعة تحطّ من شأنه، وأنه عارض الإمام الباقر(عليه السلام)وسعى في قتله في زمن عبد الملك بن مروان، وعلّق على هذه الرواية الإمام الخوئي( قدس سره الشریف) بقوله : «إنّ الرواية مرسلة غير قابلة للتصديق ، فإنّ عبدالملك لم يبق إلى زمان وفاة الباقر الا جزماً ، فالرواية مفتعلة »(4).
ابن الإمام الحسين(عليه السلام): عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5).
وكان على جانب عظيم من العلم والتقوى . قال الشيخ المفيد : كان زيد بن علي بن الحسين عين إخوته بعد أبي جعفر(عليه السلام)وأفضلهم ، وكان عابداً ، فقيهاً،
سخيّاً ، شجاعاً ، ظهر بالسيف يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويطلب بثارات الحسين(عليه السلام)»(1)
وقد تحدثنا عن سيرته وأدبه وعلمه وشهادته في كتابنا ( حياة الإمام محمد الباقر(عليه السلام)) ، فلا حاجة لإعادة البحث في ذلك .
البصري : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2)
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3).
الأشجعي ، الكوفي ، يكنى أبا أسماء عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4).
ووثق الأستاذ الخوئي( قدس سره الشریف) المعروفين من أسرة سالم ، وقال :« إنّه روى عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وروى عنه وروى عنه الأعمش»(5)
مولى بني عجل ، كوفي . روى عن الإمام زين العابدين(عليه السلام)وعن الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، و عن الإمام الصادق(عليه السلام). وله كتاب (1).
وعده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2)
روى الكشي فيه روايات تدلّ على انحرافه وضلاله ، فكان مما رواه بسنده عن أبي عبيدة الحذاء أنّه قال : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ سالم بن أبي حفصة يقول لي :
ما بلغك أنّه من مات وليس له إمام كانت ميتته ميتة جاهليّة ؟
فقلت له : بلى .
فقال : من إمامك ؟
فقلت له : أئمتي آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) .
فقال : : والله ما أسمعك عرفت إماماً .
فانبرى الإمام أبو جعفر قائلاً: وَيْحَ سالم ، وَما يَدْري سالِمٌ ما مَنْزِلَةُ الْإِمَامِ ؟ مَنْزِلَةُ الإمام - يا زياد - أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّا يَذْهَبُ إِلَيْهِ سالِمُ ، وَالنَّاسُ أَجْمَعونَ »(3).
واختفى سالم أيام الحكم الأموي ، وظل قابعاً في منزله خوفاً من جورهم ،فلمّا بويع لأبي العباس السفّاح خرج من الكوفة محرماً ، وهو يلبي «لبيك قاصم بني أمية لبيك » .
وظلّ يلبّي بذلك حتى أناخ راحلته بمكة المكرّمة. توفي سنة 137هـ في حياة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)(4)
ابن صهيب الصيرفي ، الكوفي ، يكنى أبا الفضل ، من الموالي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)
روى الصدوق عن حنان بن سدير ، عن أبيه ، قال : « دخلت أنا وأبي وجدي وعمي حمّاماً في المدينة ، وإذا رجل في بيت المسلخ ، فقال لنا : مِمَّنِ الْقَوْم ؟
فقلنا : من أهل العراق .
فقال : أَيُّ الْعِراق ؟
فقلنا : الكوفيون .
فقال : مَرْحَباً بِكُمْ يا أَهْلَ الْکوفَةِ وَأَهْلاً ، أَنْتُمُ الشَّعار دونَ الدَّثار.
ثم قال : وَما يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْإِزارِ ؟ فَإِنَّ رَسولَ اللهِ الله له قال : عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حرام .
فلما خرجنا من الحمّام سألنا عن الرجل في المسلخ ، فإذا هو علي بن الحسين ، ومعه ابنه محمّد بن علي»(2).
روى عن الإمام السجاد وأبي جعفر وأبي عبد الله(عليه السلام)، وعن حكيم بن جبير ، وروى عنه أبو طالب وأبو الوفاء المرادي وابنه حنان وابنه الحسين وغيرهم (3).
ابن الحارث بن العباس بن عبد المطلب : عده الشيخ من أصحاب السجاد(عليه السلام)(4)
لقبه المقبري ، لأنه كان يسكن المقابر. ذكره ابن قتيبة من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام) حسبما نص عليه الشيخ(1).
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2)
الحنظلي ، الاسكاف ، مولى بني تميم ، الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3)
قال النجاشي : روى سعد عن الأصبغ بن نباتة وعن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليه السلام)، وكان قاضياً . له كتاب رسالة أبي جعفر إليه»(4)
أبو محمد مولى بني والبة ، أصله من الكوفة ، نزل مكة ، تابعي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5)، وهو من أعلام المجاهدين والمناضلين في الإسلام، والمدافعين عن حقوق الضعفاء والمحرومين ، ونعرض بإيجاز لبعض شؤونه :
مكانته العلميّة : كان سعيد من أبرز علماء عصره، وكان يسمّى جهبذ العلماء .
وما على الأرض إلا وهو محتاج إلى علمه(1).
قال ابن كثير :« كان سعيد من أئمة الإسلام في التفسير والفقه ، وأنواع العلوم ، وكثرة العمل الصالح»(2).
تقواه وصلاحه : كان سعيد في طليعة المتقين في عصره ، وكان ملازماً لتلاوة القرآن الكريم ، وكان يجلس في الكعبة المكرّمة ، ويتلو القرآن فلا ينصرف حتى يختمه(3).
وكان كثير الخشية من الله ، وكان يقول : إنّ أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته ، وتحملك على طاعته ، فتلك هي الخشية النافعة »(4).
خروجه مع ابن الأشعث: ولمّا خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على حكومة الحجاج رأى سعيد وجماعة من القرّاء أنّ واجبهم الشرعي يقضي بتأييد ابن الأشعث والخروج معه للإطاحة بحكم الطاغية المجرم الحجّاج بن يوسف الثقفي الذي لم يبق حرمة الله إلا انتهكها ولا جريمة إلا اقترفها ، وقد مادت الأرض من جوره وظلمه وفساده،
ولمّا فشلت ثورة ابن الأشعث هرب سعيد إلى أصبهان، وكان يتردد في كلّ سنة إلى مكّة مرتين : مرّة للعمرة ، ومرة للحج ، وربما دخل الكوفة متخفياً في بعض الأحيان ، وكان يلتقى بالناس ويحدثهم بشؤونهم الدينية والعلمية (5).
شهادته: وألقت شرطة الحجّاج وجلاوزته القبض على سعيد بن جبير الذي
كان من عمالقة الفكر والعلم في الإسلام ، وجيء به مخفوراً إلى الطاغية المجرم الحجّاج بن يوسف ، فلما مثل عنده صاح به : أنت شقيّ بن كسير ؟
فأجابه بمنطق الحقِّ قائلاً : أمّي كانت أعرف باسمي ، سمتني سعيد بن جبير.
وأراد الطاغية أن يتخذ وسيلة رسميّة لاهراق دمه فقال له : ما تقول في أبي بكر وعمر ، هما في الجنّة أو في النار ؟
فردّ عليه سعيد بمنطقه الفياض قائلاً : لو دخلت الجنة فنظرت إلى أهلها لعلمت مَن فيها ، وإن دخلت النار ورأيت أهلها لعلمت من فيها .
ولم يجد الطاغية منفذاً يسلك فيه ، فراح يقول له : ما قولك في الخلفاء ؟
فأجابه جواب العالم الخبير : لست عليهم بوكيل .
فقال الخبيث المجرم : أيهم أحب إليك ؟
وقد أراد أن يستدرجه لعله أن يذكر الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بخير فيتّخذ من ذلك سبباً إلى التنكيل به ، ولم يخف على سعيد ذلك فقال له : أرضاهم لخالقه .
أيهم أرضى للخالق ؟
أبيت أن تصدقني .
وأمر الطاغية جلاديه بضرب عنقه ، فضربوا عنقه ، فسقط رأسه إلى الأرض ، فهلّل ثلاثاً أفصح بالأولى ، ولم يفصح بالثانية والثالثة(2).
وانتهت بذلك حياة هذا العالم العظيم الذي وهب حياته لنشر العلم والفضيلة
بين الناس ، وقد فجع المسلمون بقتله لأنّهم فقدوا الرائد لحياتهم العلمية ، ونقل عمرو بن ميمون عن أبيه أنه لما سمع بمقتل سعيد اندفع قائلاً بحزن : «لقد مات سعيد بن جبير ، وما على ظهر الأرض إلا وهو محتاج إلى علمه »(1).
وكانت شهادته في شهر شعبان سنة 95هـ وهو ابن (49) سنة (2).
وقد فزع الحجاج من قتله ، فكان يراه في منامه وهو يأخذ بمجامع ثوبه ، ويقول له : يا عدو الله فيم قتلتني ؟ وقد ندم الطاغية المجرم على قتله له ، فكان يقول : مالي ولسعيد بن جبير(3)، وقبله ندم معاوية بن هند على قتل حجر بن عدي الصحابي العظيم .
المدني ، عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5).
وذكره ابن حبّان في الثقات ، وقال : « إنّه كان من أفاضل أهل المدينة . توفّي سنة 97 هـ»(1)
البقال الكوفي ، الأعور ، مولى حذيفة ، قال أبو داود : «إنّه من أقرأ الناس ».
وقال العقيلي : « وثقه وكيع ، وضعفه ابن عيينة ، وجرحه قوم آخرون »(2).
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3)
ابن حزن ، أبو محمد ، المخزومي : عده الشيخ ممّن روى عن السجاد(عليه السلام)(4).
وقال بعض مترجميه : « إنّه أحد أعلام الدنيا ، وسيّد التابعين . قال ابن عمر : «لو رأى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) هذا لسرّه »(5).
ونعرض بإيجاز لبعض شؤونه :
كان من أجل علماء عصره، وأكثرهم دراية في علم الحديث ، قال مكحول : « طفت الأرض كلها في طلب العلم ، فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب»(6).
وقال علي بن المديني : « لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه» (7).
وكان من أحفظ الناس لأحكام عمر وأقضيته ، وكان عبدالله بن عمر يسأله عن شأن عمر وأمره (1).
وقال فيه الإمام زين العابدين(عليه السلام):« سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَعْلَمُ النَّاسِ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الآثارِ ، وَأَنْهَمُهُمْ فِي زَمانِهِ»(2)
حكمه : وأثر عن سعيد بن المسيب كثير من الحكم نقتطف منها ما يلي : قال : « لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم ، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة » .
وقال : ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء » .
وقال : « ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله ، ولا أهانت نفسها إلا بمعصية الله » .
وقال : «كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى عدوّه يعمل بمعصية الله » .
وقال : « مَن استغنى بالله افتقر الناس إليه » .
وقال : « الدنيا ،نذلة ، وهي إلى كلّ نذل أميل ، وأنذل منها من أخذها من غير وجهها ، ووضعها في غير سبيلها » .
وقال : « إنّه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه » .
هذه بعض حكمه وهي تكشف عن نظرته الصائبة للحياة .
تعظيمه للإمام(عليه السلام): كان سعيد يبجّل الإمام زين العابدين(عليه السلام)ويعظمه ، وكان
يقول : ما رأيت قط أفضل من علي بن الحسين ، وما رأيته قط إلا مقتُ نفسي »(1).
وقد ألمحنا في البحوث السابقة إلى شذرات من كلامه تدلّ على تعظيمه وإجلاله وإكباره للإمام(عليه السلام) .
الاختلاف في وثاقته واختلف الرواة في وثاقته ، فقد ذهب جمهور إلى عدالته ووثاقته ، واستندوا في ذلك إلى ما روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) من أنه كان من ثقات الإمام زين العابدين(عليه السلام).
كما استندوا في ذلك إلى تعظيمه للإمام ، وإشادته بفضله ، وتقدّمه على جميع المسلمين بعلمه وورعه وتقواه مما يدلل على معرفته الكاملة بالإمام وذهابه إلى إمامته .
أما القادحون له، فقد استدلوا في ذلك إلى ما روي من امتناعه عن الصلاة على جثمان الإمام زين العابدين بعد وفاته(2).
إلّا أنّ هذه الرواية مرسلة كما يقول الأستاذ الخوئي(3).
وممّا أنّهم به أنّه كان أعلم الناس بحديث أبي هريرة وزوج ابنته ، وهذا لا يصلح للحطّ من شأنه .
ويقول الأستاذ الخوئي : « إن الصحيح هو التوقف في أمر الرجل لعدم تمامية سند المدح والقدح ... ولقد أجاد المجلسي حيث اقتصر على نقل الخلاف في حال الرجل من دون ترجيح» (4).
الجعفي ، الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين وأصحاب الإمام أبي جعفر محمد الباقر(عليهم السلام)(1). روى عن الإمام الباقر(عليه السلام)، وروى عنه أبو جعفر الأحول(2).
يكنى أبا حازم ، الأعرج، الأفزر ، التمار المدني القاصّ ، مولى الأسود بن سفيان المخزومي . روى عن جماعة منهم سهل بن سعد الساعدي ، وأبي أمامة بن سهل وسعيد بن المسيب ، وابن عمر ، وغيرهم .
وثقه أحمد وأبو حاتم والعجلي والنسائي ، وقال ابن خزيمة : « ثقة ، لم يكن في زمانه مثله » .
وقال ابن سعد :« كان يقضي في مسجد المدينة ، بعث إليه سليمان بن عبد الملك بالزهري في أن يأتيه ، فقال للزهري : إن كان له حاجة فليأت ، وأما أنا فما لي إليه حاجة »(3)
وقد عدّه الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
أبو يحيى الحضرمي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5). واتهم بأنّه من أعلام البترية ، فقد روى الكشي بسنده عن الإمام أبي عبد الله الصادق(عليه السلام):
«لَوْ أَنَّ الْبَتْرِيَّةَ صَفُّ واحِدٌ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ مَا أَعَزَّ اللَّهُ بِهِمْ دِيناً»(1).
والبترية هم أصحاب كثير النوّاء ، والحسن بن صالح بن حي ، وسالم بن أبي
حفصة ، والحكم بن عتيبة ، وسلمة بن كهيل ، وأبي المقدام ثابت الحداد وهم الذين دعوا إلى ولاية الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر ويثبتون لهما إمامتهما ، ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة ، ويرون الخروج مع بطون ولد علي بن أبي طالب يذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويثبتون لكل من ولد عليّ(عليه السلام)عند خروجه الإمامة(2).
روى الكشي بسنده عن عذافر الصيرفي ، قال : «كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر(عليه السلام) فجعل يسأله وكان أبو جعفر له مكرماً ، فاختلفا في شيء ، فقال أبو جعفر لابنه : قُمْ يا بُنَيَّ فَأَخْرِجْ كِتابَ عَلِيَّ ، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً ، ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة .
فقال أبو جعفر(عليه السلام) : هذا خَطُّ عَلِيٍّ(عليه السلام)، وَإِمْلاهُ رَسولِ اللهِ ، وأقبل على الحكم وقال : يا أبا مُحَمَّدٍ ، اذْهَبْ أَنْتَ وَسَلَمَةُ - يعني سلمة بن كهيل - وأبو الْمِقْدامِ حَيْثُ شِئْتُمْ يميناً وشمالاً ، فَوَاللَّهِ لَا تَجِدونَ الْعِلْمَ أَوْثَقَ مِنْهُ عِنْدَ قَوْمٍ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ
جَبْرَئيلُ »(3).
(4) ابن شريط بن أنس، أبو فراس الأشجعي الهمداني الكوفي : عده الشيخ من
أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1).
ابن سليمان ، العبسي ، الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(2).
الهلالي ، العامري ، الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).
ومن أصحاب الإمامين الحسن والحسين (عليهم السلام)، ومن أصحاب السجّاد(عليه السلام)(5)
وعده البرقي من الأولياء من أصحاب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)(6).
وهو صاحب الكتاب المشهور المعروف بكتاب سليم بن قيس ، وهو من السابقين في التأليف في العالم الإسلامي ، وقد ذكر فيه كثيراً من الأحاديث المؤلمة التي جرت في ذلك العصر، وقد قرأ أبان بن أبي عياش الكتاب على الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فقال(عليه السلام): صَدَقَ سُلَيْمٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ ، هذا حديثٌ نَعْرِفُهُ (7)
وقد تكلّم الأستاذ الخوئي عن هذا الكتاب ، وفنّد التهم التي واجهته(8).
الذهلي ، أبو المغيرة : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)
روى عن جابر بن سمرة ، والنعمان بن بشير ، وأنس بن مالك ، وغيرهم .
قال ابن عدي : « ولسماك حديث كثير إن شاء الله ، وهو من كبار تابعي أهل الكوفة ، وأحاديثه حسان ، وهو صدوق لا بأس به »(2).
مولى ، أنصاري ، مولى بني حنظة : عده الشيخ من أصحاب السجاد (عليه السلام)(3)
وقد روى عن زيد بن ثابت ، وأبي رافع ، وأبي سعيد ، والحسن بن عليّ ، وغيرهم . كما روى عنه عكرمة .
قال ابن المديني : « قلت لسفيان بن عيينة : كان شرحبيل بن سعد يفتي ؟
قال : نعم ، ولم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : مات سنة 123هـ »(4)
الضبي ، البصري : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين (5).
المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1).
روى عن عبدالله بن حنظلة الراهب ، وسعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، وعبدالله بن أبي قتادة ، وروى عنه ابن أبي ذئب ، وخالد بن الياس . وبكير بن الأشج . ذكره ابن حبان في الثقات(2).
ابن جبير ، الأنصاري ، المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(3)
روى عن أبيه ، وخاله ، وسهل ، وعبد الله ، وثقه النسائي ، وقال ابن سعد : «إنّه كان قليل الحديث »(4)
المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5).
كان معلماً ومؤدّباً لأبناء عمر بن عبد العزيز . قال مصعب الزبيري : «كان جامعاً من الحديث والفقه والمروة ، ووثقه النسائي ، وقال الحاكم : مات صالح بن كيسان وهو ابن مائة ونيف وستين سنة (6)
الزهري المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1).
وعدّه ابن حجر من الفقهاء، وأنه روى عن ابن عمر ، وأنس ، وأبي بسرة الغفاري ، وغيرهم ، وذكر عند أحمد ، فقال : « هذا رجل يستسقى بحديثه ، وينزل القطر من السماء بذكره ، ووثقه العجلي والنسائي(2).
الصيرفي ، الكوفي ، تابعي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3).
روى عن ميثم التمار خبر صلبه ، وهو أحد السبعة الذين حملوا جنازته بعد صلبه»(4)
المشرقي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5).
الخراساني ، أصله من الكوفة ، تابعي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(6).روى عن ابن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ،
وزيد بن أرقم ، وأنس بن مالك ، وغيرهم ، وثقه ابن معين ، وأبو زرعة ، اشتهر بتفسير القرآن الكريم ، كانت وفاته سنة 106هـ.
الأحمسي ، الكوفي ، البجلي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(1). روى عن عبد الله بن أبي أوفى ، وسعيد بن المسيب، وزيد بن وهب ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم ، وثقه ابن معين والعجلي ، وقال أبو حاتم: « لا بأس به ، يكتب حديثه ، يشبه حديثه حديث مخارق » ، وقال النسائي : «ليس به بأس »(2)
أبو عبد الرحمن اليماني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3)
قال ابن حجر :« إنّه من أبناء الفرس ، كان ينزل الجند ، وقيل هو مولی همدان وقيل : اسمه ذكوان ، ولقبه طاووس . روى عن العبادلة الأربعة ، وأبي هريرة ، وعائشة ، وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وغيرهم .
قال ابن حبّان : كان من عباد أهل اليمن، ومن سادات التابعين، وكان قد حجّ أربعين حجّة ، وكان مستجاب الدعوة. توفّي 101هـ ، وقيل غير ذلك »(4).
وقد روى عن الإمام زين العابدين(عليه السلام) البعض مناجاته في بيت الله الحرام ،
وله أحاديث معه ألمحنا إليها في البحوث السابقة .
المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)
المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2).
يكنى أبا الأسود الدؤلي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3).
كان من ألمع علماء عصره ، وهو المؤسس الأول لعلم النحو بعد أن علمه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قواعده وأصوله ، وكان من الشعراء الموهوبين ، فمن شعره قوله :
وَما طَلَبُ المَعيشَةِ بِالتَّمَنِّي*** وَلِكنْ أَلْقِ دَلوَكَ في الدَّلاءِ
تَجيءُ بِمِليها طَوراً وَطَوراً*** تَجيءُ بِحَمْأَةٍ وَقَليل ماء
وكان من البلغاء النابهين ، ومن كلماته الرائعة وصيّته لابنه : « يا بني ، إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنّك ، وفاوضهم على قدر محلّك ، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستثقلوك ، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك ، فإذا وسع الله عليك فأبسط ، وإذا أمسك عليك فأمسك ، ولا تجاود الله فإنّ الله أجود منك ، واعلم أنّه لا شيء كالاقتصاد ، ولا معيشة كالتوسط ، ولا عزّ كالعلم . إنّ الملوك حكّام الناس .
والعلماء حكام الملوك ، ثم أنشأ يقول :
العَيشُ لا عَيشَ إِلَّا مَا اقْتَصَدْتَ فَإِنْ*** تُسْرِفْ وَتُبذِرْ لَقِيتَ الفَقرَ(1)
وَالْعَطَبا وَالْعِلْمُ زَينٌ وَتَشريفٌ لِصاحِبِهِ*** فَاطْلُبْ هديتَ فُنونَ العِلْم وَالأَدَبا
إلى أن قال :
العِلْمُ كَنْرٌ وَذِخَرٌ لا نَفادَ لَهُ*** نِعمَ القَرينُ إذا ما صاحِبٌ صَحِبا
قَدْ يَجْمَعُ المَرءُ شَيْئاً(2)ثُمَّ يُسْلَبْهُ ***عَمّا قَليلٍ فَيَلْقى الذُّلَّ وَالحَرَبا
وحامِلُ العِلْم مَغْبُوطٌ بِهِ أَبَداً*** وَلَا يُحاذِرُ مِنْهُ القَوتَ وَالسَّلَبا
يا جامِعَ العِلْمِ نِعْمَ الذِّخْرُ تَجْمَعُهُ ***لا تَعْدِلَنَّ بهِ دُرِّاً وَلَا ذَهَبا
وكان من أشدّ الناس ولاء وإخلاصاً ومحبّة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد حاول معاوية أن يصرفه عن ذلك فلم يفلح ، وقد توفّي بالطاعون الجارف في البصرة سنة 69هـ (3)
ابن حبيب : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
يكنى أبا يحيى : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1). روى عن الإمام زين العابدين
(عليه السلام)، وروى عنه صفوان الجمال ، كما روى عن الإمام الصادق(عليه السلام)(2).
الكناني ، يكنى أبا الطفيل : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3)، وأضاف: «إنّه كان من خواص أصحاب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)(4)، وكان شاعراً موهوباً ، ومن شعره :
وَيَدعونَني شَيْخاً وَقَدْ عِشْتُ حُقْبَةً*** وَهُنَّ مِنَ الأَزْواجِ نَحْوي نَوازِعُ
وَمَا شَابَ رَأْسِي مِنْ سِنينٍ تَنابَعَتْ*** عَلَيَّ وَلكِنْ شَيَّبَتْني الوَقائِعُ
وقد خرج مع المختار طالباً بدم سيّد الشهداء ، وكان يقول : « ما بقي من السبعين غيري » ، وينشد هذا البيت :
وَبَقيتُ سَهماً في الكِنانة*** واحداً سَيُرمى بِهِ أَوْ يَكْسِرُ السَّهْمَ كَاسِرُهُ
وكان دوماً ينشد هذا البيت :
وَإِنَّ لأهلِ الْحَقِّ لا بُدَّ دَولَةً ***عَلى النَّاسِ إِيَّاهَا أُرَجَي وَأَرْقَبُ
وكان الإمام الصادق(عليه السلام)يستشهد بهذا البيت ويقول: «أَنَا وَاللهِ مِمَّنْ يُرَجَي
وَيَرْقَبُ » ، وأراد الطاغية المجرم الحجاج قتله لولائه لأهل البيت الله ، إلا أنه نجا منه لأنه كانت له يد على عبدالملك بن مروان(1).
روى عن الإمام علي بن الحسين ، وروى عنه الفضل بن سليمان(2).
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(3).
يكنى أبا مريم : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
قال النجاشي : روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليه السلام)، ثقة . له كتاب يرويه من أصحابنا »(5)
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين (عليه السلام)(6).
ابن عمرو بن حزم الأنصاري المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد (عليه السلام)توفّي بالمدينة سنة 126هـ(7).
المخزومي ، المكي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)
المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2)
روى عن الإمام زين العابدين ، وروى عنه ابنه إسحاق(3).
مولى عمر بن الخطاب : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
أبو الزناد : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5).
قال ابن حجر : « إنّه مولى رملة ، وقيل : عائشة بنت شيبة بن ربيعة ، وقيل : مولى عائشة بنت عثمان ، وقيل : إن أباه كان أخا أبي لؤلؤة قاتل عمر . روى عن أنس وعائشة بنت سعد ، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف ، وسعيد بن المسيب ، وغيرهم .
قال ابن المديني : لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم منه ومن ابن شهاب ، ويحيى بن سعيد ، وبكير بن الأشجَ .
قال الليث : عن عبدربه بن سعيد : رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)
ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان، وعده ابن حبّان في الثقات ، وقال: كان فقيهاً صاحب کتاب ، قال خليفة وغيره : «توفي سنة 130هـ وهو ابن (66) سنة (1)
الهاشمي ، مولى آل عليّ : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2).
ابن أبي هند ، المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(3).
قال ابن حجر:« روى عن أبيه ، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف وسعيد بن المسيب ، وغيرهم، ذكره ابن حبّان في الثقات ، وقال : يخطئ. وقال ابن سعد : كان ثقة ، كثير الحديث ، مات سنة ست أو سبع وأربعين »(4).
الضبي الكوفي ، يكنى أبا شبرمة ، كان قاضياً لأبي جعفر على سواد الكوفة ، وكان شاعراً : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين
(عليه السلام)(5).
وكان منحرفاً عن أهل البيت(عليه السلام)، وكان يعتمد في فتواه على القياس، ولا يرجع إلى أئمة الهدى الذين هم سدنة علم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد قيل للإمام أبي جعفر(عليه السلام): إنّ رجلاً تزوّج صغيرة أرضعتها امرأته ، ثمّ أرضعتها امرأة له أخرى ، فقال ابن شبرمة : حرمت عليه الجارية وامرأتاه ، فقال أبو جعفر(عليه السلام): أَخْطَأَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ
الْجارِيَةُ وَامْرَأَتُهُ الَّتى أَرْضَعَتْها أَوَّلاً ، فَأَما الأخيرَةُ فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ كَأَنَّها أَرْضَعَتِ ابنتها»(1).
قال ابن المبارك : « جالسته حيناً ، ولا أروي عنه »(2).
العامري . روى عن الإمام زين العابدين والإمام أبي جعفر(عليهم السلام)، وكان يكنى أبا المحجّل ، وكان عندهما وجيهاً مقدّماً(3)، وكان في أوائل أمره من أصحاب المختار ، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما ، وليّنه النسائي ، قال ابن المديني : «جالسنا عبد الله بن شريك وهو ابن مائة سنة »(4).
الزهري : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5).
ابن أبي رباح : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(6). وروى الكليني بسنده عنه ، قال : « أرسل إلى أبو عبد الله (عليه السلام) وقد أسرج له بغل وحمار ، فقال لي : هَلْ لَكَ أَنْ تَرْكَبَ مَعَنا إِلَى مَالِنا ؟
قال : قلت : نعم .
قال : أَيُّهُما أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَرْكَبَ ؟
قلت : الحمار .
فقال : إِنَّ الْحِمارَ أَرْفَقُهُما لى.
قال : إنما كرهت أن أركب البغل وأن تركب أنت الحمار .
قال : فركب الحمار وركبت البغل ، ثمّ سرنا حتى خرجنا من المدينة ، فبينما هو يحدثني إذ انكبّ على السرج مليّاً فظننت أن السرج آذاه أو ضغطه ثمّ رفع رأسه ، قلت : فجعلت فداك ، ما أرى السرج إلا وقد ضاق عنك ، فلو تحوّلت على البغل .
فقال(عليه السلام) : كَلا »(1).
الهاشمي ، مولاهم المكي ، مولى بني عبد المطلب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2).
ابن الحسين ابن الإمام أمير المؤمنين عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3). قال السيد ابن المهنا : « ولقب عبد الله بن على بن الحسين ( الباهر ) لجماله ، قالوا : ما جلس مجلساً إلّا بهر جماله وحسنه من حضر ، وولي صدقات النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وأمه أمّ أخيه محمد الباقر(عليه السلام)، وتوفي وهو ابن سبع وخمسين سنة ،وولي صدقات أمير المؤمنين
(عليه السلام)(4).
ابن عمر ابن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): عده الشيخ من أصحاب السجاد(عليه السلام)(1).
الجعفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2).
المدني ، الهاشمي ، مولى الإمام السجاد : عده الشيخ من أصحابه(عليه السلام)(3).
المكي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4).
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5)
قال النجاشي : « قد روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليه السلام)، ثقة هو وأخوه ، وهو أخو أبي مريم عبد الغفار بن القاسم وقيس بن فهد».
وأضاف: «إنّه توفّي سنة 147هـ وهو ابن إحدى وثمانين سنة . له كتاب يرويه جماعة منهم سفيان بن إبراهيم بن مَرْثَد الحارثي»(6).
يقال له : عبيد النخعي ، أخو سالم ، مولاهم كوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)
الكوفي ، ويقال : عبيد الجنابي : عده الشيخ من أصحاب الإمام السجاد(عليه السلام)(2)
ابن موهب المدني : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3).
العمري الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
العبسي ، الكوفي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5).
الأسدي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(6).
من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)وحسب ما ذكره الشيخ (7).
التمار : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)
قال النجاشي : « إنّه مولى ، ثقة . روى عن الإمام أبي عبد الله وأبي جعفر(عليه السلام)»(2).
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين (عليه السلام)(3).
العبدي ، يرمى بالغلو والتفريط في القول : عدّه الشيخ من أصحاب السجّاد(عليه السلام)(4).
قال ابن الغضائري : فرات بن أحنف : كوفي . روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد الله(عليه السلام)-كما زعموا - لا يرتفع به ولا بذكره ، غال كذاب (5).
شاعر العرب الأكبر: عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(6).
وقد انتصر للإمام زين العابدين(عليه السلام) حينما أنكر معرفته هشام بن عبدالملك ، فقد انبرى الفرزدق بقصيدته الرائعة إلى تعداد مآثر الإمام وذكر فضائله ، فورم أنف
هشام وانتفخت أوداجه ، فأمر بسجنه .
الشيباني : عده البرقي من أصحاب الإمام زين العابدين والباقر والصادق(عليهم السلام)(1).
روى عن الإمام علي بن الحسين ومحمد بن علي(عليه السلام)، وعن جابر ، وروى عنه حنان بن سدیر(2).
أبو القاسم : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3)
146 - القاسم بن عوف
الشيباني ، عده البرقي من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
وقال الطوسي : : «إنّه كان يختلف بين علي بن الحسين ومحمد بن الحنفيّة»(5). وروى الكشي بسنده عنه ، قال :«كنت أتردّد بين علي بن الحسين ومحمد بن الحنفية ، وكنت آتي هذا مرّة وهذا مرّة ، قال : ولقيت عليّ بن الحسين(عليه السلام) فقال لي : يا هذا ، إِيَّاكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْعِراقِ فَتُخْبِرُهُمْ إِذَا اسْتَوْدَعْنَاكَ عِلْماً ، فَإِنَّا وَاللهِ ما فَعَلْنا ذلِكَ .
وَإِيَّاكَ أَنْ تَتَرَأْسَ بِنا فَيَضَعَكَ اللَّهُ.
وَإِيَّاكَ أَن تَسْتَأْكِلَ بِنا فَيَزيدُكَ اللهُ فَقْراً .
وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ تَكُنْ ذَنْباً فِي الْخَيْرِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَكونَ رَأْساً في الشَّرِّ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ يُحَدِّثُ عَنا بِحَدِيثٍ سَأَلْنَاهُ يَوْماً ، فَإِنْ حَدَّثَ صِدْقاً كَتَبَهُ اللهُ صِدِّيقاً ، وَإِنْ حَدَّثَ وَكَذَّبَ كَتَبَهُ كَذَاباً.
وَإِيَّاكَ أَنْ تَشُدَّ راحِلَةً تَرْحَلُها ، فَإِنَّ قَلَّ ما هَاهُنَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ ».
وعرض(عليه السلام) بعد ذلك إلى الإشادة بفضل ولده الباقر(عليه السلام)ودلّل على إمامته(1).
ابن أبي بكر ، كان من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، وكان أفضل أهل زمانه . روى عن جماعة من الصحابة ، وروى عنه جماعة من كبار التابعين ، قال يحيى بن سعيد : « ما أدركنا أحداً نفضّله على القاسم بن محمد ، توفي سنة 131هـ ، وقيل غير ذلك »(2)
يكنى أبا خالد الكابلي ، قيل : اسمه :وردان : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3)
روى الكشي بسنده عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول : كانَ
أَبو خالِدٍ الْكَايُلِيُّ يَخْدِمُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ دَهْراً ، وَكَانَ يَشُكُ فِي أَنَّهُ إِمَامٌ حَتَّى أَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقالَ لَهُ : جُعِلْتُ فِداكَ ، إِنَّ لي حُرْمَةً وَمَوَدَّةً وَانْقِطاعاً ، فَأَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ رَسولِ الله (صلی الله علیه وآله وسلم)وَأَميرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)، إِلَّا أَخْبَرْ تَني أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ طَاعَتَهُ عَلَى خَلْقِهِ ؟
لا قالَ : فَقالَ : يا أبا خالِدٍ ، حَلَّفْتَني بِالْعَظيم ، الإمامُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لا عَلَيَّ وَعَلَيْكَ وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ .
فَأَقْبَلَ أَبو خالِدٍ لَمّا أَنْ سَمِعَ ما قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، فَجاءَ إِلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ، فَأَخْبِرَ أَنَّ أَبا خالِدٍ بِالْبَابِ ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ دَنا مِنْهُ ، قالَ : مَرْحَباً يا كَنْكَرُ ما كُنْتَ لَنَا بِزائِرٍ ، ما بَدا لَكَ فينا ؟
فَخَّرَ أَبو خالِدٍ ساجِداً شَاكِراً لِلَّهِ تَعَالَى مِمَّا سَمِعَ مِنْ عَلِيّ بْنتَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِثْنِي حَتَّى عَرَفْتُ إِمَامي .
فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ(عليه السلام): وَكَيْفَ عَرَفْتَ إِمَامَكَ يا أَبَا خَالِدٍ ؟
قالَ : إِنَّكَ دَعَوْتَني بِاسْمِي الَّذِي سَمَّتْني أمي الَّتِي وَلَدَتْنِي ، وَقَدْ كُنْتُ فِي عَمْيَاءَ مِنْ أَمْرِي ، وَلَقَدْ خَدَمْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ دَهْراً مِنْ عُمْرِي ، وَلَا أَشْكُ إِلَّا وَأَنَّهُ إِمَامٌ حَتَّى إِذا كانَ قَريباً سَأَلْتُهُ بِحُرْمَةِ اللَّهِ وَبِحُرْمَةِ رَسُولِهِ ، وَبِحُرْمَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأَرْشَدَنِي إِلَيْكَ ، وَقالَ : هُوَ الْإِمامُ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ وَعَلى جَميعِ خَلْقِ اللهِ كَلَهم ، ثُمَّ أَذِنْتَ لِي فَجِئْتُ فَدَنَوْتُ مِنْكَ سَمَّيْتَنِي بِاسْمِي الَّذِي سَمَّتْني أمي ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ الْإِمَامُ الَّذِي فَرَضَ اللهُ طَاعَتَهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (1).
وقد اتصل بالإمام(عليه السلام)وأخذ من علومه حتى عدّ من ثقاته .
1) رجال الكشي : 56/111 .
يكنى أبا صادق : عده الشيخ من أصحاب الإمام الحسن الزكي(عليه السلام)، ومن أصحاب الإمام سيّد الشهداء الحسين الله ، ومن أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)ومن أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام)(2).
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(3).
قال النجاشي« مالك بن عطية الأحمسي أبو الحسين ، البجلي ، الكوفي ، ثقة روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)، له كتاب يرويه جماعة(4)، وفد على الإمام الصادق(عليه السلام)فقال له : إنّي رجل من بجيلة ، وأنا أدين الله عزّ وجلّ بأنكم موالي ، وقد يسألني بعض من لا يعرفني فيقول لي : ممّن الرجل ؟ فأقول له أنا رجل من العرب ، ثم من بجيلة ، فَعَلَيَّ في هذا إثم حيث لم أقل إني مولى لبني هاشم ؟
فقال : لا أَلَيْسَ قَلْبُكَ وَهَواكَ مُنْعَقِداً عَلَى أَنَّكَ مِنْ مَوالِينا ؟
فقلت : بلى والله.
فقال : لَيْسَ عَلَيْكَ فِي أَنْ تَقُولَ أَنَا مِنَ الْعَرَبِ ، إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْعَرَبِ فِي النَّسَبِ»(5).
ابن مطعم : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1)، وهو أحد الخمسة الذين دانوا بإمامته (عليه السلام)(2). وعده ابن شهر آشوب من رجاله(3).
الزهري : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام). وأضاف : إنه عدوّ »(4)، وقد نسبه الشيخ إلى جده الأعلى ، فإنّه محمد بن مسلم بن عبیدالله بن عبدالله شهاب (5). ولا بد لنا من وقفة قصيرة للبحث عنه :
كانت ولادة الزهري سنة 50ه ، وأما ما قيل من أن سنّه وسن الإمام واحد فليس بصحيح ، فإنّ الإمام أكبر منه بثلاث عشرة سنة(6)
نشأ في يثرب نشأة علمية ، وقد اتصل بالإمام(عليه السلام)، وأخذ الكثير من علومه ، كما اتصل بغيره من أبناء الصحابة .
هو أحد الأعلام من أئمة الإسلام حسب ما يقول ابن حجر وابن كثير(7).
قال الليث : « ما رأيت عالماً أجمع من ابن شهاب ، ولا أكثر علماً منه ، لو سمعته
يحدّث في الترغيب لقلت لا يحسن إلا هذا ، وإن حدث في الإنسان لقلت لا يعرف إلا هذا ، وإن حدّث عن القرآن والسنة كان حديثه نوعاً جامعاً. وروى الليث عن الزهري أنّه قال : ما نشر أحد من الناس هذا العلم نشري ، ولا بذله بذلي» (1).
كان محمّد من أسخياء العرب ، وقد قال فيه عمر بن دينار : « ما رأيت أحداً أنص للحديث من الزهري ، ولا أهون من الدينار والدرهم وما الدراهم والدنانير عنده إلا بمنزلة البعر »(2).
وفيه يقول فايد بن أقرم :
زُرْدًا وَأَثْنِ عَلى الكَرِيمِ مُحَمَّدٍ*** وَاذْكُرْ فَواضِلَهُ عَلَى الْأَصْحاب
وإذا يُقالُ من الجَوادُ بِمالِهِ*** قبلَ الْجَوادُ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ
أَهْلُ الْمَدائِن يَعْرِفُونَ مَكَانَهُ*** وربيع ناديه على الأعْرابِ
يَشْرِي وَفاءَ جِفانِهِ وَيَمُدُّها*** بِكُسورِ انْتاجِ وَفَتقِ لُبَابِ (3)
وقد عاتبه على إسرافه رجاء بن حياة ، فقال له : « لا آمن أن يحبس هؤلاء القوم يعني بني أمية - ما بأيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانيك » ، فوعده الزهري بالاقلال وعدم الاسراف، فمرّ به بعد ذلك ، وقد وضع موائد الطعام، وهي حافلة بالعسل وغيره ، فقال له رجاء : يا أبا بكر ، ما هذا الذي فارقتنا عليه ؟
فقال له الزهري : انزل ، فإنّ السخي لا تؤدبه التجارب ، وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى بقوله :
لَهُ سَحائِبُ جودٍ في أَنامِلِهِ*** أمطارُها الفِضَّةُ البيضاءُ وَالذَّهَبُ
يَقولُ في العُسْرِ إِنْ أَيْسَرْتُ ثَانِيَةً*** أَقَصْرتُ عَنْ بَعْضِ مَا أُعْطِي وَمَا أَهَبُ
حَتَّى إذا عادَ أَيامُ اليَسَارِ لَهُ*** رَأَيْتَ أَمْوَالَهُ فِي النَّاسِ تُنْتَهَبُ (1)
وكان الزهري وثيق الصلة بالأمويين ، وكانوا يغدقون عليه الأموال الطائلة لأنّه قد سار في ركابهم ، ودافع عن مظالمهم ، وقد قضى عنه هشام مرّة من الديون التي عليه ثمانين ألف درهم(2).
وقد وفد على عبدالملك بدمشق فأكرمه وقضى دينه ، وفرض له في بيت المال(3)، فأخلص لهم أعظم ما يكون الإخلاص، وكان من أصلب المدافعين عنهم .
وكان الزهري من المعجبين بالإمام السجاد(عليه السلام) ،وقد روى المؤرّخون طائفة من الكلمات القيمة التي أشاد بها بفضل الإمام وغزارة علمه وفقهه ، وقد ألمحنا إليها في البحوث السابقة .
وفرّج الإمام(عليه السلام) عن الزهري هماً وقع فيه ، فقد روى المؤرّخون أنّه حينما كان عاملاً لبني أمية عاقب رجلاً فمات الرجل في العقوبة ، فخرج الزهري هائماً على وجهه ، وتوحّش ودخل إلى غار ومكث فيه عدة سنين ، وحج الإمام زين العابدين(عليه السلام) إلى بيت الله ، فأتاه الزهري .
فقال له الإمام : إِنّي أَخافُ عَلَيْكَ مِنْ قُنوطِكَ - أي قنوطك من رحمة الله - ما لَا أَخافُ عَلَيْكَ مِنْ ذَنْبِكَ ، فَابْعَثْ بِدِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إِلى أَهْلِهِ وَاخْرُجْ إِلى أَهْلِكَ وَمَعَالِمِ دينك .
وفرح الزهري وراح يقول له : فرّجت عنّي يا سيدي ، الله أعلم حيث يجعل
رسالته في من يشاء ، وتركه وانصرف إلى أهله(1)، فقد أنقذه الإمام من هم مقيم كاد أن يؤدّي بحياته .
الأولى : كتب الإمام للزهري الرسالة التالية ، وهي من مفاخر الوثائق السياسيّة في الإسلام، فقد نعى عليه اتصاله ببني أمية ، وخدمته لهم ، وحذره من عذاب الله وعقابه لأنّه سار في ركابهم ، وهذا نصّها :
كَفَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ الْفِتَنِ وَرَحِمَكَ مِنَ النَّارِ ، فَقَدْ أَصْبَحْتَ بِحالٍ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَكَ بِها أَنْ يَرْحَمَكَ ، فَقَدْ أَثْقَلَتْكَ نِعَمُ اللَّهِ بِمَا أَصَحَ مِنْ بَدَنِكَ ، وَأَطالَ مِنْ عُمْرِكَ ، وَقامَتْ عَلَيْكَ حُجَجُ اللَّهِ بِمَا حَمَّلَكَ مِنْ كِتَابِهِ ، وَفَقَّهَكَ فيهِ مِنْ دِينِهِ ، وَعَرَّفَكَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ، فَرَضِيَ لَكَ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ بِها عَلَيْكَ ، وَفي كُلِّ حُجَّةٍ احْتَجَّ بِها عَلَيْكَ الْفَرْضَ بِما قَضى ، فَما قَضى إِلَّا ابْتَلَى شُكْرَكَ في ذلِكَ ، وَأَبْدَى فِيهِ فَضْلَهُ عَلَيْكَ ، فَقالَ :لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(2).
فانْظُرْ أَيَّ رَجُلٍ تَكونُ غَداً إِذا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَسَأَلَكَ عَنْ نِعَمِهِ عَلَيْكَ كَيْفَ رَعَيْتَها، وَعَنْ حُجَجِهِ عَلَيْكَ كَيْفَ قَضَيْتَها، وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ
قابِلاً مِنْكَ بِالتَّعْذِيرِ، وَلَا رَاضِياً مِنْكَ بالتَّقْصِيرِ .
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لَيْسَ كَذلِكَ أَخَذَ عَلَى الْعُلَماءِ فِي كِتَابِهِ إِذْ قالَ:
لَتَبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ(1). وَاعْلَمْ أَنَّ أَدْنى ما كَتَمْتَ ، وَأَخَفَّ مَا احْتَمَلْتَ أَنْ آنَسْتَ وَحْشَةَ الظَّالِم . وَسَهَّلْتَ لَهُ طَرِيقَ الْغَيِّ بِدُنُوكَ مِنْهُ حِينَ دَنَوْتَ ، وَإِجَابَتِكَ لَهُ حِينَ دُعيتَ ، فَمَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَكُونَ تَبُوءَ بِالْمِكَ غَداً مَعَ الْخَوَنَةِ ، وَأَنْ تُسْأَلَ عَمَّا أَخَذْتَ بإعانَتِكَ عَلى ظُلْم الظُّلَمَةِ، إِنَّكَ أَخَذْتَ مَا لَيْسَ لَكَ مِمَّنْ أَعْطَاكَ ، وَدَنَوْتَ مِمَّنْ لَمْ يَرِدَّ عَلى أَحَدٍ حَقًّا ، وَلَمْ تَرُدَّ باطِلاً حينَ أَدْناكَ ، وَأَحْيَيْتَ مَنْ حادَّ اللَّهَ ، أَوَلَيْسَ بِدُعَائِهِ إِيَّاكَ حينَ دَعَاكَ جَعَلوكَ قُطْباً أَداروا بِكَ رَحى مَظَالِمِهِمْ ، وَجِسْراً يَعْبُرُونَ عَلَيْكَ إِلى بَلايَاهُمْ ، وَسُلَّماً إلى ضَلالَتِهِمْ ، داعياً إلى غَيْهِمْ ، سالِكاً سَبِيلَهُمْ ، يُدْخِلونَ بِكَ الشَّكَ عَلَى الْعُلَماءِ، وَيَقْتادونَ بِكَ قُلوبَ الْجُهَالِ إِلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَبْلُغْ أَخَصُّ وُزَرَائِهِمْ وَلَا أَقْوى أَعْوانِهِمْ إِلَّا دُونَ مَا بَلَغْتَ مِنْ إِصْلَاح فَسَادِهِمْ ، وَاخْتِلافِ الْخاصَّةِ وَالْعامَّةِ إِلَيْهِمْ ، فَما أَقَلَّ ما أَعْطُوكَ فِي قَدْرِ ما أَخَذوا مِنْكَ ، وَمَا أَيْسَرَ ما عَمَرُوا لَكَ ، فَكَيْفَ ما خَرَّبوا عَلَيْكَ ؟
فانْظُرْ لِنَفْسِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنظُرْ لَها غَيْرُكَ ، وَحاسِبْهَا حِسَابَ رَجُلٍ مَسْؤولٍ.
وَانْظُرْ كَيْفَ شُكْرُكَ لِمَنْ غَذَاكَ بِنِعَمِهِ صَغِيراً وَ كَبِيراً ، فَمَا أَخْوَفَنِي أَنْ
1) آل عمران 3 : 187
تَكونَ كَما قالَ اللهُ فِي كِتَابِهِ :فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا(1)إِنَّكَ لَسْتَ في دارِ مُقامٍ ، أَنْتَ في دارٍ قَدْ آذَنَتْ بِرَحيلِ ، فَمَا بَقاءُ الْمَرْءِ بَعْدَ قُرَنائِهِ ، طُوبَى لِمَنْ كانَ فِي الدُّنْيا عَلَى وَجَلٍ ، يا بُؤْسَ لِمَنْ يَموتُ وَتَبْقَى ذُنُوبُهُ مِنْ بَعْدِهِ. احْذَرْ فَقَدْ نُبِّنْتَ ، وَبادِرْ فَقَدْ أجَلْتَ ، إِنَّكَ تُعامِلُ مَنْ لَا يَجْهَلُ ، وَإِنَّ الَّذي يَحْفَظُ عَلَيْكَ لَا يَغْفَلُ ، تَجَهَّزْ فَقَدْ دَنَا مِنْكَ سَفَرٌ بَعيدٌ ، وداوِ ذَنْبَكَ فَقَدْ دَخَلَهُ سُقْمٌ شَديدٌ .
وَلَا تَحْسَبْ أَنَّى أَرَدْتُ تَوْبِيخَكَ وَتَعْنِيفَكَ وَتَعْيِيرَكَ ، لَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَنْعَشَ اللهُ ما قَدْ فاتَ مِنْ رَأْيِكَ ، وَيَرُدَّ إِلَيْكَ ما عَزَبَ مِنْ دِينِكَ ، وَذَكَرْتُ
قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ :وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ(2).
أَغْفَلْتَ ذِكْرَ مَنْ مَضى مِنْ أَسْنانِكَ وَأَقْرانِكَ ، وَبَقيتَ بَعْدَهُمْ كَقَرْنٍ أَعْضَبَ (3)أَنْظُرْ هَلِ ابْتُلُوا بِمِثْلِ مَا ابْتُلِيتَ ، أَمْ هَلْ وَقَعوا فِي مِثْلِ ما وَقَعْتَ فيهِ ، أَمْ هَلْ تَرَاهُمْ ذَكَرْتَ خَيْراً أَهْمَلُوهُ ، وَعَلِمْتَ شَيْئاً جَهِلُوهُ ، بَلْ حَظِيتَ بِما حَلَّ مِنْ حالِكَ في صُدورِ الْعامَّةِ ، وَكَلَّفَهُمْ بِكَ إِذْ صاروا يَقْتَدُونَ بِرَایِك ، وَيَعْمَلُونَ بِأَمْرِكَ ، إِنْ أَحْلَلْتَ أَحَلُوا ، وَإِنْ حَرَّمْتَ حَرَّموا ، وَلَيْسَ
عِنْدَكَ وَلكِنْ أَظْهَرَهُمْ عَلَيْكَ رَغْبَتُهُمْ في ما لَدَيْكَ ذَهابُ عُلَمائِهِمْ ، وَغَلَبَةٌ الْجَهْلِ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ ، وَحُبُّ الرِّئَاسَةِ وَطَلَبُ الدُّنْيا مِنْكَ وَمِنْهُمْ . أَما تَرى ما أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ وَالْغِرَّةِ ، وَمَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْبَلاءِ وَالْفِتْنَةِ ، قَدِ ابْتَلَيْتَهُمْ وَفَتَنْتَهُمْ بِالشُّغْلِ عَنْ مَكاسِبِهِمْ مِمَّا رَأوا ، فَتاقَتْ نُفوسُهُمْ إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا مِنَ الْعِلْمِ ما بَلَغْتَ ، أَوْ يُدْرِكوا بِهِ مِثْلَ الَّذِي أَدْرَكْتَ ، فَوَقَعوا مِنْكَ في بَحْرٍ لَا يُدْرَكُ عُمْقُهُ ، وَفِي بَلاء لَا يُقْدَرُ قَدْرُهُ ، فاللهُ لَنا وَلَكَ وَهُوَ الْمُسْتَعانُ.
أَمَا بَعْدُ ، فَأَعْرِضْ عَنْ كُلِّ ما أَنْتَ فِيهِ حَتَّى تَلْحَقِّ بِالصَّالِحِينَ الَّذِينَ دُفِنوا فى أَسْمالِهِمْ (1)لاصِقَةٌ بُطُونُهُمْ بِظُهورِهِمْ ، لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الله حِجابٌ ، وَلَا تَفْتِنُهُمُ الدُّنْيا وَلَا يُفْتَنونَ بِها ، رَغِبوا فَطُلِبوا ، فَما لَبِثُوا أَنْ لَحِقوا ، فَإِذا كانَتِ الدُّنْيا تَبْلُغُ مِنْ مِثْلِكَ هذَا المَبْلَغَ مَعَ كِبَرِ سِنّكَ ،وَرُسوخ عِلْمِكَ ، وَحُضُورِ أَجَلِكَ ، فَكَيْفَ يَسْلَمُ الْحَدَثُ فِي سِنِّهِ ، الْجَاهِلُ في عِلْمِهِ ، الْمَأْفُونُ فِي رَأْيِهِ(2)، وَالْمَدْخولُ فِي عَقْلِهِ.
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ ، عَلَى مَنِ الْمُعَوَّلُ ؟ وَعِنْدَ مَنِ الْمُسْتَعْتَبُ ؟ نَشْكُو إِلَى اللهِ بَنَّنا ، وَمَا نَرى فيكَ وَنَحْتَسِبُ عِنْدَ اللَّهِ مُصيبَتَنا بِكَ.
فانْظُرْ كَيْفَ شُكْرُكَ لِمَنْ غَذَاكَ بِنِعَمِهِ صَغِيراً وَ كَبِيراً ؟ وَكَيْفَ إِعْظَامُكَ
لِمَنْ جَعَلَكَ بِدِينِهِ فِي النّاسِ جَمِيلاً ؟ وَكَيْفَ صِيانَتُكَ لِكَسْوَةِ مَنْ جَعَلَكَ بِكَسْوَتِهِ فِي النَّاسِ سَمِيراً ، وَكَيْفَ قُرْبُكَ أَوْ بُعْدُكَ مِمَّنْ أَمَرَكَ أَنْ تَكونَ مِنْهُ قَريباً ذَلِيلاً؟
ما لَكَ لَا تَنْتَبِهُ مِنْ نَعْسَتِكَ، وَتَسْتَقِيلُ مِنْ عَشْرَتِكَ فَتَقولَ : وَاللَّهِ مَا قُمْتُ لِلَّهِ مَقاماً واحِداً أَحْيَيْتُ بِهِ لَهُ دِيناً أَوْ أَمَتُ لَهُ فِيهِ باطِلاً ، فَهذا شُكْرُكَ مَن اسْتَحْمَلَكَ ، مَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَكونَ كَمَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ :أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً(1)اسْتَحْمَلَكَ كِتابَهُ ، وَاسْتَوْدَعَكَ عِلْمَهُ ، فَأَضَعْتَها ، فَنَحْمَدُ اللهَ الَّذِي عافانا مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ ، والسلام(2).
لا أعرف وثيقة سياسية أروع من هذه الوثيقة ، فقد حفلت بما يلي :
أوّلاً : إنّها نعت على الزهري اتصاله بالأمويين مع سموّ مكانته العلمية .
ثانياً : إنّها حرمت الاتصال بالحكم الأموي الجائر ، وإن تأييده والعمل في جهازه إنّما هو تأييد للظلم والجور ومحاربة الله ورسوله .
ثالثاً : إنّ استقطاب الأمويين للزهري ، وهو من أبرز علماء عصره ، قد جعلوه جسراً يعبرون عليه لظلم الرعيّة وسلب ثرواتها ، والحكم فيها بغير ما أنزل الله .
رابعاً : إنّ انضمام الزهري للأمويين قد جلبوا بذلك قلوب الجهال ، وسيطروا على عواطفهم ، وأضافوا الشرعيّة على حكمهم الجائر.
خامساً : إن ما استفاده الزهري من أموال الأمويين وهباتهم الوفيرة التي أغدقوها عليه لا يقاس بما سلبوه منه ، فقد سلبوا دينه وكرامته .
سادساً : إنّ انضمام الزهري للأمويين قد أغرى بذلك ناشئة المسلمين بطلب العلم لينالوا ما ناله ، وبذلك يكون طلب العلم لا الله وإنما للاتصال بالهيئة الحاكمة والظفر بخيراتها وهباتها .
سابعاً : إنّها ذكرت الزهري بألطاف الله ونعمه عليه ، وحذرته من عذابه ونقمته .
هذه بعض البنود التي احتوت عليها هذه الرسالة الذهبية.
وروى الزهري كوكبة من الأخبار عن الإمام زين العابدين(عليه السلام)، يتعلق بعضها في أحكام الشريعة ، وبعضها في آداب السلوك ومحاسن الأخلاق ، وبعضها في شؤون الإمام وأحواله ، وقد ألمحنا إليها في البحوث السابقة .
ونصّ الشيخ الطوسي في رجاله عن أن الزهري من مبغضي أهل البيت(عليهم السلام)، وذكر ذلك غير واحد من الأعلام ، إلا أنّ المصادر التي بأيدينا التي نقلت الكثير من شؤونه وأحواله لم تذكر أي بادرة تدلّ على عدائه لهم .
وقال السيد الخوئي( قدس سره الشریف): « وبما ذكرنا يظهر أنّ نسبة العداوة إليه على ما ذكره الشيخ لم تثبت ، بل الظاهر عدم صحتها»(1).
وفاته : توفّى الزهري سنة ( 124هـ ) ، وقيل غير ذلك(2).
ابن الحسين ، هو الإمام الباقر ، باقر علوم الأولين والآخرين : عدّه الشيخ ممّن
روى عن أبيه الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1).
وقد كان سلام الله عليه من أعلام الدنيا ، وممن صنع تاريخ الأمة الإسلامية ، وفجر في ربوعها ينابيع العلم والحكمة ، وقد تشرّفت - والحمد لله - بالبحث عن سيرته المشرقة التي هي امتداد ذاتي لسيرة آبائه الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، فلانرى حاجة للبحث عنه ، من أراد الاطلاع فليطلب ( حياة الإمام الباقر(عليه السلام)) .
ابن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وأضاف : « وقيل ليس له رواية عنه».
منه » (2).
وقال ابن شهر آشوب : « أساء أبوه عمر إلى الإمام علي بن الحسين، ودخل محمد بعد ذلك على الإمام وأكبّ عليه يقبله ، فقال(عليه السلام) له : « يابْنَ عَمِّ ، لَا تَمْنَعْني قَطِيعَةُ أَبيكَ أَنْ أَصِلَ رَحِمَكَ ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي خَديجَةَ »(3).
الأنصاري : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(4)
البطين : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5)
المكي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)، كما عده من أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق(عليهم السلام)(1)
وذكر الكسي أنه أحد الجماعة الذين أجمعت العصابة - يعني الشيعة - على تصديقهم والانقياد لهم بالفقه(2)
روى عن الإمام علي بن الحسين والإمام أبي جعفر(عليه السلام)، وعن أبي الطفيل، والحكم بن المستورد ، وروى عنه خنّان بن سدير ، والربيع المسلي ، وعبد الله بن سنان ، وغيرهم (3).
وقد ذكره ابن حبان في الثقات(4)
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(5).
قال ابن حجر :« المنذر بن يعلى الثوري ، أبو يعلى الكوفي . روى عن محمد بنعليّ بن أبي طالب ، والربيع بن خيثم ، وسعيد بن جبير ،
وغيرهم .
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة ، وقال : كان ثقة ، قليل الحديث »(6).
الأسدي :عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الحسين(عليه السلام)، ومن أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(1). روى عن السجاد والباقر والصادق(عليهم السلام)(2).
وقد وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما (3).
الطائي . التقى بالإمام زين العابدين(عليه السلام) بالشام حينما حمل أسيراً إلى طاغية بني أمية يزيد بن معاوية ، فقال له : كيف أمسيت يابن رسول الله ؟
فقال(عليه السلام) له : وَيْحَكَ كَيْفَ أَمْسَيْتُ؟ أَمْسَيْنَا فِيكُمْ كَهَيْئَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي آلِ فِرْعَوْنَ ، يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَهُمْ ، وَضَيَسْتَحْيِونَ نِسَاءَهُمْ(4).
عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)، كما عدّه من أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق(عليهم السلام)(5).
عّده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(6)، وكان كثير الاتّصال بالأئمة الطاهرين(عليه السلام)، فاهماً لكلامهم ومقاصدهم ، فقد روى سلام بن سعيد المخزومي ،
قال : « بينما أنا جالس عند أبي عبد الله(عليه السلام)إذ دخل عباد بن كثير عابد أهل البصرة ، وابن شريح فقيه أهل مكة ، وعند أبي عبد الله (عليه السلام)ميمون القداح مولى أبي جعفر(عليه السلام)، فسأله عباد بن كثير ، فقال : يا أبا عبد الله ، في كم ثوب كفن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)؟
قال : في ثَلاثَةِ أَثْوَابِ : تَوْبَيْنِ صَحارِيَّيْنِ ، وَتَوْبِ حِبْرَةٍ ، وكان في البرد قلة ، فكأنما أزور عباد بن كثير من ذلك .
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إِنَّ نَخْلَةَ مَرْيَمَ إِنَّمَا كانَتْ عَجْوَةٌ ، وَنَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ ، فَما نَبَتَ مِنْ أَصْلِها كانَ عَجْوَةٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ لُقاطِ فَهُوَ لَوْنٌ .
فلمّا خرجوا من عنده قال عباد بن كثير لابن شريح : والله ما أدري ما هذا المثل الذي ضربه لي أبو عبدالله .
فقال ابن شريح هذا الغلام - يعني ميمون القداح - يخبرك فإنّه منهم ، فسأله ، فقال ميمون : أما تعلم ما قال لك ؟
قال : لا والله .
قال : إنّه ضرب لك مثل نفسه فأخبرك أنه ولد من ولد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وعلم رسول الله عندهم ، فما جاء من عندهم فهو صواب، وما جاء من عند غيرهم فهو لقاط »(1)
المطعمي : عده الشيخ من أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)(2).
كان يحيى على جانب عظيم من الإيمان ، ويكفي في سموّ شأنه ما قاله الإمام أبو عبد الله الصادق : ارْتَدَّ النَّاسُ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) إِلَّا ثَلاثَةٌ : أبو خالد الْكَابِلِيُّ ، وَيَحْيى بْنُ اُمِّ الطَّويلِ ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِم ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ لَحَقوا وَكَثُروا(1). وقد طلبه الطاغية المجرم الحجّاج بن يوسف الثقفي ، فجيء به إليه ، فأمره بلعن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) فأبى ، فأوعز إلى جلاديه بقطع يديه ورجليه وقتله ، ففعلوا به ذلك(2). ومضى شهيداً منافحاً عن عقيدته ودينه .
ومن أصحاب الإمام الذين عرفوا بالكنية : أبو مريم ، وهو بكر بن حبيب(3)، ولم يعثر على شيء من ترجمته .
من النساء التي روت عن الإمام زين العابدين(عليه السلام): السيدة الفاضلة أمّ البراء ، أو قيل : هي حبابة الوالبية(4).
وإلى هنا ينتهي بنا الحديث عن أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام)ورواة حديثه
وتلامذته ، الذين كانوا يشكلون الهيئة العلمية في ذلك العصر ، فقد استمدوا من علوم الإمام(عليه السلام)طاقات كبيرة كانت من أهم الأسباب في نهضة العالم الإسلامي ، وتطوّر حياته العلمية في تلك العصور.
وذكر الدكتور حسين علي محفوظ أنّ للإمام زين العابدين(عليه السلام) مصاحف تنسب إلى خطّه الشريف توجد في مكاتب شيراز وقزوين واصفهان ومشهد (1).
1) مجلة البلاغ - العدد السابع / السنة الأولى : 59 .
أما البحث عن الملوك الذين عاصرهم الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فإنّه - حسب الدراسات الحديثة - أمر ضروري ، لأنه يكشف عن برامج السياسة العامة التي انتهجها أولئك الملوك .
ومن المؤكد أن الحياة بجميع شعبها تتأثر وتتكيف بمجريات الأحداث السياسية كما لها التأثير المباشر على السلوك العام لكلّ مواطن حسب ما قرره علماء النفس .
أمّا الملوك الذين عاصرهم الإمام(عليه السلام)فكانوا من الأسرة الأموية الذين كانوا بحكم قوانين الوراثة والتربية من المحيين لأفكار الجاهلية وتقاليدها ، ومن ثم فقد جهد الكثيرون منهم على قمع التطوّر الإسلامي ، وإماتة الوعي الديني بين المسلمين، ونتحدث بإيجاز عن بعض شؤونهم واتجاهاتهم :
وأوّل الملوك الذين عاصرهم الإمام زين العابدين(عليه السلام)هو معاوية بن أبي سفيان ، فقد كان الإمام في أيام حكمه في غضارة العمر وريعان الشباب ، فشاهد تلك السياسة السوداء التي انتهجها معاوية تجاه أهل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم ، والتي كان يرمي من ورائها إلى استئصال العترة الطاهرة، والتصفية الجسدية لشيعتهم والمؤمنين بحقّهم ، بالإضافة إلى ما نشره من الخوف والارهاب في جميع أنحاء
العالم الإسلامي لارغام المسلمين على الذل والعبوديّة .
ونلمح بإيجاز إلى بعض شؤونه .
وقبل أن نعرض لشؤون معاوية نتحدث بسرعة عن أبويه ليتبين لنا أن حقده على الإسلام قد تلقاه بالوراثة عن أبويه اللذين أترعت نفساهما بروح الجاهلية والعداء لجميع القيم الإنسانيّة .
أما أبوه أبو سفيان ، فقد كان من ألد أعداء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ومن أكثرهم بغضاً له ، فقد سخّر هذا العجل الجاهلي جميع إمكانياته لاخماد الدعوة الإسلامية والقضاء عليها في مهدها ، فأشعل فتيل الحرب ، وقاد الجيوش في واقعة بدر، إلا أنّ الله تعالى نصر نبيه ، وأعزّ دينه ، وكتب الخيبة والخسران لأبي سفيان ، الذي ولّى منهزماً يجرّ رداء الخيبة ، وقد منيت قواته بالاندحار والهزيمة .
وأمّا أُمّه هند فقد مليء قلبها الخبيث بالحقد والكراهية للنبي العظيم الله وبعد الهزيمة الساحقة التي مني بها جيش أبي سفيان في واقعة بدر نخر الحزن قلبها على من فقدته من أسرتها ، فأخذت تحرّض الصغير والكبير ، والرجل والمرأة ، على الطلب بالثأر ، والاستعداد للحرب ، حتى كانت واقعة أحد التي انتصر فيها أبو سفیان ، فأدركت بذلك ثأرها .
فقد استشهد حمزة عمّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وسبعون بطلاً من أبطال الإسلام ، وكادت تنطوي بذلك رسالة الإسلام لولا لطف الله وفضله ، فقد نجا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وذلك بدفاع بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)عنه ووقايته له بنفسه . ورجع أبو سفيان إلى مكة منتصراً ، ومعه هند وهي مثلوجة القلب ، قريرة العين ، قد مثلت بجثمان الشهيد العظيم حمزة ، وقد أدركت بذلك ثارها ، وشفت أحقادها .
وبعدما عاد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)إلى يثرب بعد واقعة أحد ، أخذ بجمع قواه ، ويتهيّاً لفتح مكة التي هي المركز الوحيد للقوى المعادية له ، وقد استطاع بنصر الله وتأييده أن يحتل مكه ، ويفتحها بلا إراقة دماء ، وقد أصدر عفواً عاماً مثل رحمة الإسلام ورأفته وكرامته ، ولم يتبع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) الأعراف الدولية التي تقضي بإبادة القوى المعادية له ، والتي أعلنت الحرب عليه ، وإنّما شملهم جميعاً برحمته .
وممّن ناله العفو أبو سفيان وأفراد أسرته ، وقد قبعوا في زوايا الذل والخمول ينظر إليهم المسلمون بعين الهوان لأنهم أعداء الإسلام وخصومه المندحرون .
وكان معاوية بعد فتح مكة طليقاً من طلقاء يوم الفتح ، وكان صعلوكاً لا مال له يمشي حافياً تحت ركاب علقمة بن وائل الحضرمي(1)، وقد استشارت امرأة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)من الزواج بمعاوية فنهرها قائلاً لها: «إنَّهُ صُعلوك».
وعلى أي حال، فقد انطوت نفوس الأمويين عامة بالحقد والعداء للإسلام لأنّه أذلهم ، وقضى على مجدهم ، ووترهم ، وظلوا يتربصون به الدوائر ، ويبغون له الغوائل، ويكيدون له في غلس الليل وفي وضح النهار ، وفي الحديث الشريف :
«لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَّا عَجوزٌ دَرْداءُ (2)لَبَغَتْ دينَ اللَّهِ عِوَجاً »(3).
أما صفات معاوية وعناصره النفسية ، فهي كما يلي :
لم يعرف قلب معاوية الرأفة ولا الرحمة ، وإنما كان قاسياً وملوّثاً بجميع الآثام ، فهو الذي سلّط زبانيته الارهابيين وعلى رأسهم بسر بن أبي أرطاة على رقاب المسلمين ، وعهد إليه بقتل كلّ من دان بدين الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)الذي هو دين الله ، وقد أشاع هذا الباغي اللئيم القتل والإعدام، وتوصل في إجرامه إلى قتل النساء والأطفال ، فقد قتل طفلين لعبيد الله بن العباس ، كانا كالبدرين في نضارتهما وبهائهما ، وقد قالت له إحدى السيدات : « إن سلطاناً لا يقوم إلا بقتل النساء والأطفال السلطان سوء » .
ومن الصفات البارزة في معاوية : الخيانة ، فلم يؤمن هذا الجاهلي بالوفاء بالعهد ، ولا بغيره من القيم الإنسانية ، وكان من خيانته العظمى أنّه أعطى الإمام الزكي الحسن بن علي(عليهم السلام) شروطاً ، وأعلن - بلا حياء - أمام الجماهير أنها تحت قدميه لا يفي بواحدة منها ، وقد عرف بهذا الخلق الجاهلي الذي يمثل الوقاحة والصلافة وعدم الحياء وصفاقة الوجه .
وكان معاوية كذاباً أشراً ، لم يألف الصدق، فقد كذب على أهل الشام وأغراهم بأنّه أقرب الناس إلى النبي العظيم ، وأنه لا وارث له سواه ، كما كذب على أهل الشام فادعى أن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وهو الذي قتل عثمان بن عفان ، وأنّه المطالب بدمه ، كما كذب عليهم فادعى بأنّ الإمام هو الذي قتل الصحابي العظيم عمار بن ياسر في صفّين ، فقد أقام لجاناً من الوضاعين لانتحال الحديث تارة في فضل الصحابة ، وأخرى في الحط من شأن أهل البيت(عليه السلام). لقد تربي معاوية على
الكذب ، واتّخذه منهجاً لحياته ودستوراً لدولته .
ومن صفات معاوية : الغدر ، فقد غدر بجماعة من المسلمين في طليعتهم ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وسبطه الإمام الحسن
(عليه السلام)، فقد جعله ولي عهده ، إلا أنه نكث بما عاهد عليه ، فدسّ له سمّاً قاتلاً على يد عامله مروان بن الحكم الذي أغرى زوجته جعدة بنت الأشعث فناولته زوجها الإمام الحسن(عليه السلام)، فلم يلبث سبط الرسول إلا قليلاً حتى لحق بالرفيق الأعلى.
هذه بعض صفات معاوية ، ومن المؤكد أنّه لم ينحل بأية صفة كريمة ، ولا بأية نزعة شريفة .
ووصف معاوية بالدهاء ، والحلم ، وحسن السياسة ، وهي صفات منتحلة أضفاها عليه المرتزقة من باعة الضمير ، ووعاظ السلاطين ، وقد فنّد الإمام زين العابدين(عليه السلام)هذه المزاعم ، فقد بلغه مقالة نافع بن جبير في معاوية من أنّه كان يسكنه الحلم ، وينطقه العلم .
فردّ عليه ذلك قائلاً: «كذب ، بل كان يسكته الحصر، وينطقه البطر »(1).
فلو كان عنده ذرة من الحلم لما قتل الصحابي العظيم حجر بن عدي(رضی الله عنه)ورفقاءه المؤمنين رضوان الله عليهم ، من روّاد الشهادة في الإسلام ، ولو كان متصفاً بالحلم لما قتل الصحابي الجليل عمرو بن الحمق الخزاعي ، ولو كان عنده مسكة من الحلم حسن السياسة والتدبير لما فرض ابنه السكير يزيد ملكاً على المسلمين،
1) أعيان الشيعة : 5 : 26
فأخلد لهم الويلات والخطوب.
ومما أضفوا عليه من النعوت المختلفة أنّه كان كاتباً للوحي ، وكيف يأتمن الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)على كتابة ما أوحى إليه من ربّ العالمين مثل هذا الإنسان الجاهلي الذي لم يصقل الإسلام فكره ، ولم يلج في ضميره أي بصيص من نور الهداية والحق ، وإنّما بقي ملوّثاً بأفكار الجاهلية السوداء.
لقد أضفى عليه هذه النعوت عملاؤه والمرتزقة من وعاظ السلاطين ، وهو عند من يقرأ سيرته بإمعان وتجرّد يجده ارهابياً محترفاً لا علاقة له بالمثل الكريمة والصفات الخيّرة .
والشيء المؤلم الذي يحز في النفس ، والذي لا نجد له تأويلاً ولا تبريراً ، أنه فرضه حاكماً على المسلمين ليصلي بهم ، ويحكم بينهم بما أنزل الله ، ويتولى جباية زكاتهم وخراجهم ، وهو ليس أهلاً لذلك، مع العلم أنّ الإسلام قد احتاط أشدّ ما يكون الاحتياط في تولية الولاة ، بل وسائر الموظفين ، فاشترط دراسة حياتهم ، والتمعن في سيرتهم وفي اتجاهاتهم وميولهم ، فمن كان تقياً زكيّاً شريفاً في نفسه وقومه عالماً بشؤون الإدارة والحكم ، يرشّح للوظيفة في جهاز الدولة ، وأما من كان متهماً في دينه ومنحرفاً في سلوكه ووضيعاً في نفسه وحسبه ، فإنّ توظيفه في أي منصب من مناصب الدولة إنّما هو خيانة للإسلام ومفسدة للمسلمين.
أمّا تعيين معاوية حاكماً على دمشق التي هي من أهم المراكز الحسّاسة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت ، فلم يكن خاضعاً لدراسة حياته والنظر في أعماله ، وإنّما كان خاضعاً للأهواء السياسيّة ، ولا علاقة له بأي حال بمصلحة الأمة .
ومن المؤسف جداً أنّ الخليفة الثاني قد قرّبه وبالغ في تسديده وتأييده ، وقد تواترت لديه الأخبار بأنه يلبس الحرير والديباج ، ويستعمل أواني الذهب
والفضة ،ويبتعد في سلوكه عن الأحكام الإسلامية ، فيقول معتذراً عنه : ذاك كسرى العرب »، وواعجباً ! هل في الإسلام كسرويّة أو قيصرية؟ وإنّما الذي يعرفه الجميع عن الإسلام أنّه قام بدور إيجابي في إلغاء العنصريات، وتبنّى المساواة بين جميع أبنائه ، وجعل الامتياز بالتقوى والعمل الصالح الذي من أهمه خدمة المجتمع الإسلامي والسهر على تطوّره وتقدّمه .
وآلت الدولة الإسلامية إلى معاوية بعد أحداث رهيبة استعملت فيه الدبلوماسية الأموية جميع ألوان المكر والخداع للوصول إلى الحكم والظفر بخيرات البلاد، وقد ساندتها الرأسمالية القرشيّة والعربية حفظاً على مصالحها الخاصة التي فقدتها أيام حكومة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) رائد العدالة الاجتماعية في الأرض.
يقول «نيكلسون » : « اعتبر المسلمون انتصار بني أمية وعلى رأسهم معاوية ، انتصاراً للارستقراطية الوثنية التي ناصبت الرسول العداء ، والتي جاهدها الرسول حتى قضى عليها ، وصبر معه المسلمون على جهادها ومقاومتها حتى نصرهم الله ، فقضوا عليها ، وأقاموا على أنقاضها دعائم الإسلام ، ذلك الدين السمح الذي جعل الناس سواسية في السراء والضراء ، وأزال سيادة رهط كانوا يحتقرون الفقراء ، ويستذلّون الضعفاء ، ويبتزون الأموال»(1).
لقد امتحن المسلمون أشدّ ما يكون الامتحان وأقساه أيام حكومة معاوية ، فقد أغرق البلاد بالمحن السود والأحداث الجسام ، فتحدّى بصورة سافرة إرادة المسلمين، وعمل على إذلالهم ، وسلب حرياتهم ، ومنعهم من كل حق تقرّه الأعراف الدولية والإنسانية ، ومن بين المناهج الظالمة التي أصر على تنفيذها تجاه
1) تاريخ الإسلام : 1 : 278
أهل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم الذين هم مصدر الوعي والفكر في الإسلام ما يلي :
وسلك هذا الأموي الظلوم كلّ وسيلة رخيصة لإطفاء نور آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)والحيلولة بينهم وبين الأمة ، وحرمانها من التمتع بآدابهم وسموّ أخلاقهم ، فقد أشاع جوّاً من الارهاب الفظيع على كلّ من ذكر مناقبهم ومآثرهم أو اتصل بهم ، كما أعلن رسميّاً سبّ الإمام أمير المؤمنين الذي هو المركز الأعلى في الفكر الإسلامي ، وقد تسابق إلى سبه على أعواد المنابر ، وفي خطب الجمعة المرتزقة ووعاظ السلاطين ، لقد كانت سيرة الإمام(عليه السلام)تطارد معاوية وتلاحقه في قصوره ، فقد أشاعت التمرّد على الظلم والجور ، وفتحت آفاقاً كريمة للوعي السياسي والديني .
وقضت سياسة معاوية السوداء بتصفية العناصر الموالية لآل البيت(عليهم السلام)، واستئصال شأفتهم ، واقتلاعهم من الجذور ، فقد كتب إلى جميع عماله وولاته بمطاردة كل من يحبّ عترة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وقتلهم ، وقطع رواتبهم من الدولة ، ومصادرة أموالهم ، وزجهم في ظلمات السجون، وقام الجلّادون والارهابيون من عماله بتنفيذ ذلك ، وعمّ الخوف والرعب شيعة أهل البيت ، وبلغ الحال أنه ليقال للرجل زنديق أو ملحد خير من أن يقال له إنّه من عترة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ويتولاهم؛ لأنه بذلك يكون عرضة للقتل والتنكيل ، وقد أعدم كوكبة من أعلام الإسلام ، أمثال حجر بن عدي ، ورشيد الهجري ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، ونظراءهم من عمالقة الأحرار ، ولا ذنب لهم سوى الولاء لأهل البيت (عليهم السلام).
واستعمل معاوية على الأقطار الإسلامية عصابة من الخونة والمجرمين ، أمثال :
زياد بن أبيه ، والمغيرة بن شعبة ، وعمرو بن العاص ، وبسر بن أبي أرطاة وأمثالهم من المنحرفين، الذين لا يفقهون إلا القتل والتدمير ، والاعتداء على الناس ، وقد أعلن اللقيط زياد بن أبيه عن سياسته السوداء التي ساس بها العراق ، أنه يأخذ البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر، ويعاقب على الظنّة والتهمة، وقد أحال الحياة في العراق - في عصره - إلى جحيم لا يطاق، وترك الناس يقول بعضهم لبعض : « انج سعد ، فقد هلك سعيد » .
لقد أغرقوا البلاد الإسلامية بالمحن والخطوب، وتركوا الارهاب والذعر مخيمين على حياة الناس .
وختم معاوية حياته بأفظع جريمة سوداء ، وذلك بفرضه لخليعه المهتوك يزيد حاكماً وسلطاناً من بعده على رقاب المسلمين يعيث في دينهم ودنياهم، ويحكم فيهم بأحكام الجاهليّة الأولى ، وقد حوّل هذا المجرم الخطير الحياة في العالم الإسلامي إلى جحيم لا يطاق، وارتكب من الفظائع ما سوّد به وجه التاريخ .
وأدلى فريق من المسلمين في عصر معاوية عن انطباعاتهم السيئة عنه ، وفي ما يلي بعضهم :
أعلن المفكر الإسلامي الكبير عبد الله بن عباس عن رأيه في معاوية ، قال :« ليس في معاوية خصله تقربه من الخلافة»(1).
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 195.
والتقى المجاهد الكبير صعصعة بن صوحان العبدي بمعاوية في أيام حكومته ، فقال له : أي الخلفاء رأيتموني ؟
فأجابه صعصعة بشجاعة نادرة : « أنّى يكون الخليفة من ملك الناس قهراً ، ودانهم كبراً ، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً ، أما والله ما لك في يوم بدر مضرب ولا مرمى ، ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب على رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأنما أنت طليق وابن طليق أطلقكما رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، أنى تصلح الخلافة لطليق ؟»(1).
ونقم عليه صديقه وشريكه في آثامه المغيرة بن شعبة ، فقد دخل عليه فسمع منه حديثاً يقدح فيه بالنبي العظيم ، فخرج منه متذمّراً ، وقال لولده : إني جئت من عند أخبث الناس ، ونقل له حديثه(2).
وممّن نقم عليه المنافق الكذاب سمرة بن جندب ، وذلك حينما عزله عن ولاية البصرة ، فقال : لعن الله معاوية ، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية لما عذبني أبداً (3)
وبهذا ننهي الحديث عن معاوية ، والناظر في سياسته يجدها قد تفجرت بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيه ، من قتل الأحرار ، ومطاردة المصلحين ، وهتك الأعراض ، وغير ذلك من الجرائم والموبقات .
وكان أعظم خطر واجهته الأمة الإسلامية في ذلك العصر حكومة يزبد الذي هو من أنكر الصفحات التاريخية ، ومن أبعد الملوك عن الإسلام روحاً وهدفاً ومعنى ، فقد أخلد للمسلمين المصاعب والمشاكل ، وألقاهم في شرّ عظيم .
لقد كان هذا الطاغية الفاجر مستهتراً بجميع القيم والأعراف ، ومنساقاً وراء شهواته وملذاته ، وقد وصفه المسعودي بقوله : كان يبادر بلذته ، ويجاهر بمعصيته ، ويستحسن خطأه ، ويهوّن الأمر على نفسه في دينه إذا صحت له دنياه ..»(1)
ويقول فيه بولس سلامة :
وَتَرفْق بِصاحِبِ العَرشِ مَشغو*** لأ عَن الله بالقيان الملاح
ألفُ «الله أكبرُ» لا تُساوِي بَينَ*** كَفِّي يَزِيدَ نَهلة راح(2)
لقد أثكل المسلمين بما ارتكبه من الأحداث الجسام التي هزت الضمير الإنساني، والتي لا ينساها المسلمون على امتداد التاريخ ، فقد قتل سبط رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وريحانته ، وسيد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين(عليه السلام)وأباد العترة الطاهرة من أهل بيته ، كما أباح مدينة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) واستباح البيت ، وسنذكر أحداثه بالتفصيل .
تقلد معاوية بن يزيد أزمة الحكم وهو في غضارة العمر وريعان الشباب ، إلا أنه كان يملك رصيداً من الورع والتقوى ، فنظر لآخرته أكثر مما نظر لدنياه ، فقد رأى جده معاوية وقد نازع بغير حق خليفة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ووصيه ، وباب مدينة علمه الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام)، ورأى أباه يزيد وقد اقترف أفظع الجرائم بقتله عترة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وإباحته للمدينة المنورة ، وغير ذلك من الأحداث الجسام ، فزهده ذلك في السلطان وكرهه أشدّ ما تكون الكراهة في الحكم ، فعزم على خلع نفسه، والتخلّي عن المسؤولية أمام الله والأمة .
فجمع المسؤولين وقادة الجيش وسائر الطبقات من أهل الشام ، وخطب فيهم خطاباً بليغاً ومؤثراً أعلن فيه عن استقالته من رئاسة الدولة ، فقد قال فيه بعد حمد الله والثناء عليه ، والصلاة على النبي العظيم :
«أيها الناس ، ما أنا بالراغب في الائتمار عليكم لعظيم ما أكرهه منكم ، وإنّي لأعلم أنكم تكرهوننا أيضاً لأنا بلينا بكم ، وبليتم بنا ، إلا أنّ جدّي معاوية قد نازع في هذا الأمر من كان أولى به منه ومن غيره ، لقرابته من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وعظم فضله وسابقته ، أعظم المهاجرين قدراً، وأشجعهم قلباً، وأكثرهم علماً ، وأوّلهم إيماناً ، وأشرفهم منزلة ، وأقدمهم صحبة ، ابن عم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وصهره وأخاه .
زوّجه ابنته فاطمة ، وجعله لها بعلاً باختياره لها، وجعلها له زوجة باختيارها له ، أبا سبطيه سيّدي شباب أهل الجنة ، وأفضل هذه الأمة ، تربية الرسول ، وابني فاطمة البتول ، من الشجرة الطيبة الطاهرة الزكيّة ، فركب جدّي معه ما تعلمون ، وركبتم معه ما لا تجهلون ، حتى انتظمت لجدّي الأمور ، فلما جاءه القدر المحتوم ، واخترمته أيدي المنون بقي مرتهناً بعمله ، فريداً في قبره ، ووجد ما قدمت يداه ،
ورأى ما ارتكبه واعتداه .
ثم انتقلت الخلافة إلى يزيد أبي ، فتقلّد أمركم لهوى كان أبوه فيه ، ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على أمة محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)فركب هواه ، واستحسن خطاه ، وأقدم على أقدم من جرأته على الله ، وبغيه على من استحل حرمته من أولاد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقلت مدته ، وانقطع أثره ، وضاجع عمله ، وصار حليف حفرته ، ورهين خطيئته ، وبقيت أوزاره وتبعاته ، وحصل على ما قدّم ، وندم حيث لا ينفعه الندم ، وشغلنا الحزن له عن الحزن عليه . فليت شعري ماذا قال ؟ وماذا قيل له ؟ هل عوقب بإساءته ، وجوزي بعمله ، وذلك ظنّي ...»
واستعبر باكياً، وأطال بكاءه ونحيبه ، ثم التفت إلى الجمهور قائلاً:
« وصرت أنا ثالث القوم ، والساخط علي أكثر من الراضي ، وما كنت لا تحمّل آثامكم ، ولا يراني الله جلت قدرته متقلّداً ،أوزاركم ، وإلقاء تبعاتكم ، فشأنكم أمركم فخذوه ، ومن رضيتم به علیکم فولوه ، فلقد خلعت بيعتي من أعناقكم ، والسلام »(1)
ودلّل هذا الخطاب على وعيه الديني المتكامل ، فقد كشف النقاب عن جدّه وأبيه ، وأنهما كانا منحرفين عن الطريق القويم ، ولا أكاد أعرف خطاباً سياسياً تركز على الحق والواقع ويقظة الضمير والتجرّد من الأنانية والزهد في الدنيا مثل هذا الخطاب ، الذي ينم عن نفس مترعة بالفضائل والمثل الكريمة .
واضطرب الأمويون أشدّ ما يكون الاضطراب، وماجوا في الفتنة ، وهرعوا إلى معلّم معاوية فاتّهموه بأنّه الذي علمه محبّة آل البيت(عليهم السلام)فدفنوه حيّاً (2).
وسادت الفوضى في جميع أنحاء الشام ، وفي ذلك يقول الشاعر :
إني أرى فتنة تغلي مراجلها*** والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وقد انهدم بذلك ملك آل أبي سفيان على يد معاوية بن يزيد الذي هو أنبل أموي عرفه التاريخ .
يا المهزلة التاريخ بالسخرية الأقدار ! مثل مروان بن الحكم الوزغ ابن الوزغ طريد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يكون خليفة على المسلمين ، ويسند إليه هذا المنصب الخطير ؟ ! إنّ تردي الأوضاع الفكرية والاجتماعية وندرة الوعي الديني ، هو الذي جر على المسلمين هذه المآسي والخطوب ، وصيّر هذا الباغي حاكماً ا عليهم .
لقد كان مروان عنصراً مدمّراً من عناصر الباطل والنفاق ، وهو صاحب المواقف المخزية والمعادية للإسلام، وكان فيما- أجمع عليه المؤرّخون - ماكراً خبيثاً ومبغوضاً عند جميع المسلمين ، حتّى لقّبوه بخيط باطل ، وقد ظل في زمن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وحكومة الشيخين منفيّاً مع أبيه إلى الطائف قد نهشهم الجوع والفقر ، فلما آل الأمر إلى عثمان دعاهم إلى يثرب، وأدناهم ووهبهم الثراء العريض وقد وثق عثمان بمروان فاستوزره ، وفوض إليه جميع الشؤون السياسيّة ، مع العلم أنه لم يكن له رأي سيياسي مصيب أو فكر أصيل حتى يحتضنه أو يفوض إليه جميع شؤونه ، ولكنّ العصبية القبلية هي التي دفعته إلى ذلك ، فقد حمل بني أمية وآل أبي معيط على رقبته ، ووهبهم أموال المسلمين ، وخصهم بالمناصب العالية في الدولة ، وقد خلق منهم أسرة رأسمالية خطيرة ، قد استولت على مقدرات البلاد ، وأصبح من الصعب جداً الحدّ من نفوذهم ، والقضاء على هيمنتهم .
وعلى أي حال ، فقد كان مروان أيام خلافة عثمان هو الحاكم المطلق يتصرّف في شؤون الدولة حيثما شاء ، وقد أصرّت الطلائع الثورية التي انبثقت من الأقاليم الإسلامية على عثمان في إقصاء مروان عن جهاز الدولة ، وإبعاده عنه ، فلم يستجب لذلك ، وأصرّ على التمسك به ، فلم يجد الثوّار بُداً من قتله ، فقتلوه تلك القتلة الشنيعة التي دلّلت على مدى نقمتهم على عثمان ، واحتقارهم إياه .
وأجمع المسلمون -بعد مقتل عثمان - على مبايعة الإمام أمير المؤمنين رائد العدالة الاجتماعية في الأرض، وكانت بيعته عامة ، وقد أظهرت المهرجانات الشعبية التي أقيمت في يثرب وغيرها من سائر المدن الإسلامية مدى الابتهاج والسرور عند عموم المسلمين ببيعة الإمام(عليه السلام)، الأمر الذي لم يحدث مثله في بيعة الخلفاء .
وفزعت القوى الرأسماليه القرشيّة أشدّ ما يكون الفزع حينما بايع المسلمون الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وذلك خوفاً على أموالهم التي اختلسوها من الشعب أيّام حكومة عثمان ، والتي سيصادرها الإمام ، وعقدوا الاجتماعات وتداولوا الآراء فأجمع رأيهم على المطالبة بدم عثمان واتهام الإمام بأنّه يأوي قتلته ، وأعلنوا العصيان المسلّح ، وقد تذرّعوا بالسيدة عائشة فاتخذوها واجهة لهم لإغراء الغوغاء الذين تلوّنهم حال الدعاية كيفما شاءت ، والذين هم بليّة هذا الشرق على امتداد التاريخ.
وعلى أي حال، فقد أسندوا لعائشة زعامة الحركة وقيادة القوات المسلحة ، وقد انضم عموم الأمويين ، وعلى رأسهم مروان ، إلى المتمردين، وقد زحفوا إلى البصرة وقاموا باحتلالها ، وخفّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بجيشه للقضاء على هذا التمرّد .
وبعد معركة رهيبة ذكرها المؤرّخون اندحرت قوات عائشة وألقي القبض عليها كما ألقي القبض على أعضاء قيادتها البارزين ، وفي طليعتهم مروان ، فتوسّط الحسنان إلى أبيهما في إطلاق سراحه ، فعفا الإمام عنه ، فهرب مع أفراد أسرته إلى الشام التي هي معقل الأمويين وظل مقيماً مع ابن عمه معاوية ، وسار معه في جيشه المحاربة السلطة الشرعية ، وبعد الأحداث الرهيبة والخطوب السود التي مني بها المسلمون نال معاوية الخلافة بحد السيف تارة ، وبالمكيدة أخرى ، وقد نصب والياً على يثرب مروان ، عدّة مرّات، ولما هلك معاوية وتقلد يزيد أزمة الحكم ،
كان مروان في طليعة المؤيدين لحكومة يزيد ، وهو الذي أشار على الوليد الوالي على يثرب باعتقال الامام(عليه السلام)، إلا أنه رفض إجابته ، ويعد هلاك يزيد واستقالة معاوية الثاني من الخلافة كان مروان مصمّماً على البيعة لابن الزبير ، إلا أن عبيد الله بن زياد منعه عن ذلك(1)، لأنه لم يكن يحلم بها إذ ليس له ماض جيّد أو أية خدمة أسداها إلى المسلمين حتّى يستحق هذا المنصب الخطير .
وعلى أي حال، فقد رشّح الحصين مروان للخلافة، وزعم أنه رأى في منامه أن قنديلاً معلق في السماء ، وأن من يلي الخلافة يتناوله ، فلم يتناوله أحد إلا مروان(2).
وقص رؤياه على أهل الشام فاستجابواله، وانبری روح بن زنباع فخطب في أهل الشام قائلاً:
يا أهل الشام ، هذا مروان بن الحكم شيخ قريش ، والمطالب بدم عثمان ، والمقاتل لعلي بن أبي طالب يوم الجمل ويوم صفين ، فبايعوا الكبير (3).
وتسابق الانتهازيون والغوغاء إلى مبايعة مروان، وهو أوّل حاكم للدولة المروانية التي عانى المسلمون فى ظلالها الجور والفقر والحرمان .
وفي أيام حكومة مروان اختفى الشيعة خوفاً على أرواحهم وأموالهم .
يقول المسعودي : « فاستخفى المؤمنون ، وكانت الشيعة تطلب في أقطار الأرض ، تهدر دماؤهم وأموالهم ، وأظهر والعن أمير المؤمنين على منابرهم »(4).
وكان مروان ولعاً بسب الإمام أمير المؤمنين الله ، فكان يسبّه على المنابر في كلّ جمعة حينما كان والياً على يثرب .
وقد أعرب عن السبب الذي دعاه إلى ذلك حينما التقى بالإمام زين العابدين(عليه السلام)، فبادر مروان قائلاً: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا - يعني عثمان - من صاحبكم - يعني عليّاً..
فقال الإمام : فما بالكم تسبّونه على المنابر ؟
وبادر مروان قائلاً: إنّه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك(1).
إنّ انتقاص الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وتشويه واقعه المشرق جزء لا يتجزأ من السياسة الأموية التي تركزت على الكذب والخداع والتضليل .
وحفل التاريخ العربي والسنة الإسلامیّۀ بكثير من الموضوعات التي تعمّد واضعوها التنكر للحق حفظاً لمصالحهم الضيّقة ، ومن بين الموضوعات ما ذكرته بعض الروايات من أن الإمام زين العابدين كان على صلة وثيقة بمروان ، وفي ما يلي ذلك :
1 - ذكر الذهبي(2)وابن حجر(3)أنّ الإمام زين العابدين
(عليه السلام) قد روى عن مروان ابن الحكم بعض الأحاديث النبوية ، وهذا القول لا يمكن تصديقه بوجه؛ لأن مروان
لم يُعْنَ بالأحاديث النبويّة ولا بالسنّة الإسلامية ، فقد كان منصرفاً إلى الشؤون السياسية وتدعيم الحكم لبني أمية ، وزيادة ثرواته التي يختلسها من بيت مال المسلمين.
2 - روى ابن سعد : « أنّ مروان بعث إلى الإمام زين العابدين(عليه السلام) رسولاً، الا فقال له : إنّ أباك الحسين قد سأل مروان أن يقرضه أربعة آلاف دينار، وفي ذلك الوقت لم تكن حاضرة عنده ، وقد تيسر له هذا المبلغ، فإن أرادها بعثها إليه ، فطلبها الإمام منه ، وبقيت عنده فلم يكلّمه فيها أحد من بني مروان حتى قام هشام بن عبد الملك فطلبها منه ، فأحضرها الإمام فوهبها هشام له »(1)
وهذه الرواية واضحة الوضع ، فإنّ الإمام الحسين(عليه السلام)أبي الضيم كان يزدري مروان ويحتقره ، وذلك لاستهتار مروان بسب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وانتقاصه ، وهو الذي أشار على والي المدينة أن يقتل الحسين إن لم يبايع يزيداً ، ومع هذا العداء القائم بينهما كيف يخضع الإمام الحسين(عليه السلام)ويطلب منه قرضاً ؟
ثمّ كيف يستقرض الإمام زين العابدين(عليه السلام) منه هذا المبلغ مع توتر العلاقات بينه وبين بني أمية الذين فجعوه بقتل أبيه ؟
3- من الموضوعات ما ذكره بعض الرواة أن مروان بن الحكم عرض على الإمام زين العابدين(عليه السلام) أن يتزوّج ببعض النساء ليرزقه الله ذرّيّة تكون امتداداً لذرية الحسين(عليه السلام) الذين أبادتهم سيوف الأمويين ، فقال له الإمام : إنّه لا يملك المبلغ الذي يتزوج به ، فأقرضه مروان مائة ألف ، فأخذها وتزوج ببعض النساء ، ولمّا حضرت الوفاة مروان أوصى أبناءه بعدم أخذ المال من علي بن الحسين .
وعلّق الذهبي على هذه الرواية بقوله : « إن مروان لم يمت حتف أنفه ، وإنّما خنقته زوجته أمّ خالد زوجة يزيد ، فمتى كان يملك وعيه في حال وفاته حتى أوصى
1) الطبقات الكبرى : 5 : 215
بهذا المال إلى عليّ بن الحسين»(1).
ولم تطل خلافة مروان ، فقد بقي على كرسي الحكم حفنة من الأشهر ، وقد أخبر الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) عن مدة خلافته بأنها كلعقة الكلب أنفه (2).
أما سبب وفاته فتعزوه بعض المصادر إلى زوجته أم خالد بن يزيد بن معاوية ، لأنه عيّره بها حسبما يقول بعض المؤرّخين (3).
وقد انطوت بهلاكه صفحة من صفحات الخيانة والإثم والباطل .
وآلت الخلافة الإسلامية التي هي ظلّ الله في الأرض إلى جبار عنيد من جبابرة بني أمية هو عبد الملك بن مروان ، وكان قد بويع له في حياة أبيه ، فلما هلك أبوه جدّدت له البيعة بدمشق ومصر(1).
ويقول الرواة : إنّه كان قبل أن يلي الخلافة يظهر النسك والعبادة وذلك لإغراء العامة ، وتمهيد أرضيّة لحكومته ، ولما بُشِّر بالملك كان بيده المصحف الكريم ، فأطبقه ، وقال : هذا آخر العهد بك ، أو قال : هذا فراق بيني وبينك(2).
وصدق في ما قال ، فقد فارق كتاب الله وأحكام الإسلام منذ اللحظة الأولى من حكومته ، وساس المسلمين سياسة سوداء ، وسلّط عليهم ذئاب البشرية ، فنشروا الجور والظلم والارهاب.
لقد كان عبدالملك طاغية جباراً لا يبالي ما صنع - على حد تعبير المنصور الدوانيقي(3)-.
وهو القائل : « لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه »(4).
واسمعوا ما يقول : « إنّي لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم»(5).
أرأيتم كيف يعامل الرعيّة ويقسو عليها ؟ إنّه لا يداويها بالرحمة والإحسان ،
وإنما يداويها بالبطش والجور والظلم التي هي من عوامل استمتاعه النفسي ، بل ومن عناصره وذاتيّاته .
وقد أسرف في سفك الدماء بغير حق ، فنشر الشكل والحزن والحداد في بيوت المسلمين ، وقد قالت له أم الدرداء : « بلغني أنك شربت الطلي - يعني الخمر -.
بعد العبادة والنسك .
فقال لها : إي والله ، والدماء شربتها » (1).
لقد شرب من دماء المسلمين حتى ارتوى ، وأراق من دمائهم أنهاراً . ويضاف إلى جبروته وبطشه وظلمه أنه كان بخيلاً حتى سمّي رشح الحجارة »(2)، وقد عانت الأمة في أيام حكمه الجوع والفقر والحرمان ، ونعرض بإيجاز لبعض مظالمه ، وإلى مواقفه من الإمام زين العابدين (عليه السلام) .
وصبّ عبدالملك على المسلمين وابلاً من العذاب الأليم ، وأحال حياتهم إلى جحيم لا يطاق ، فقد سلّط عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي الذي هو أقذر ارهابي عرفته البشريّة في جميع مراحل تاريخها ، وقد منحه صلاحيات واسعة النطاق ، فجعله يتصرّف في أمور الدولة حسب رغباته وميوله التي لم تكن تخضع بأي حال لمنطق القانون، وإنّما تخضع لمنطق البطش والاستبداد ، فكان يعدم ويسجن ويطارد المواطنين لا من أجل حفظ النظام ، وإنّما من أجل التشهي ورغباته النفسية ، وقد خلق جواً من الأزمات السياسية لم يشاهد مثلها في قسوتها ومرارتها ، ونتحدّث بإيجاز عن بعض مظاهر ظلمه.
لقد سفك هذا الطاغية دماء المسلمين بغير حقّ .
يقول الدميري : كان الحجاج لا يصبر عن سفك الدماء ، وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره » (1)
وقد أحصي من قتلهم صبراً سوى من قتل في حروبه ، فكانوا مائة وعشرين ألفاً (2). وقيل : مائة وثلاثون ألفاً (3).
وقد اعترف رسميّاً بسفكه للدماء بغير حقّ ، فكان يقول : « والله ما أعلم اليوم رجلاً على ظهر الأرض هو أجرأ على دم منّي»(4)
وقد وضع سيفه في رقاب القرّاء والعباد والعلماء لأنّهم أيدوا ثورة ابن الأشعث ،ومن جملة من قتلهم صبراً العالم الكبير سعيد بن جبير، وهو أحد أعلام الشيعة وقد أبنه الحسن البصري بقوله : « والله لقد مات سعيد بن جبير يوم مات وأهل الأرض من مشرقها إلى مغربها محتاجون لعلمه»(5).
وكان الحجّاج من ألدّ أعداء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ومن أحقدهم عليه ، وكان يفضّل عبد الملك على النبي العظيم (صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد خاطب الله تعالى أمام الناس قائلاً: «أرسولك أفضل - يعني النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)- أم خليفتك - يعني
عبدالملك - » .
وكان ينقم ويسخر من المسلمين الذين يزورون قبر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ويقول : « تباً لهم إنّما يطوفون بأعواد ورمة بالية ، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبدالملك ، ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله»(1)
لقد فضّل هذا الجلف عبد الملك على الرسول العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي بعثه الله رحمة للعالمين، كما استهان هذا الإنسان الممسوخ بالنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فقد استهان بالبقية الباقية من أصحابه ، ويقول المؤرّخون : «إنّه عمل على إذلالهم» (2)، فقد ختم على أعناقهم وأيديهم(3).
وكان هذا المجرم الخبيث من أحقد الناس على آل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، وقد كتب إلى عبد الملك : « إن أردت أن يثبت ملكك فاقتل عليّ بن الحسين ، فلم يستجب له عبد الملك ، وكتب إليه : « أما بعد ، فجنّبني دماء بني هاشم واحقنها ، فإني رأيت آل أبي سفيان لما ولغوا فيها لم يلبثوا(4)أن أزال الله الملك عنهم » .
ولما علم الإمام(عليه السلام)بذلك شكر عبد الملك وأثنى عليه(5)
ويقول المؤرّخون : « إنّ خير وسيلة للتقرب للحجاج هي انتقاص الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقد أقبل إليه بعض المرتزقة من أوغاد الناس ، وهو رافع عقيرته قائلاً:
أيّها الأمير ، إنّ أهلي عقوني فسموني عليّاً ، وإنّي فقير بائس ، وأنا إلى صلة الأمير محتاج .
فسر الحجاج بذلك وقال له : للطف ما توسلت به ، فقد وليتك موضع كذا »(1).
وروى هشام الكلبي ، قال : « أدركت بني أود(2)وهم يعلمون أبناءهم وحرمهم سبّ عليّ بن أبي طالب ، وفيهم رجل من رهط عبد الله بن إدريس بن هانئ ، فدخل على الحجاج بن يوسف فكلمه بكلام ، فأغلظ له الحجاج في الجواب ، فردّ عليه قائلاً : لا تقل هذا أيّها الأمير ، فلا لقريش ولا لثقيف منقبة يعتدون بها إلا ونحن نعتدّ بمثلها .
وبهر الحجاج فقال : ما مناقبكم ؟
فانبرى الرجل قائلاً ما ينقص عثمان ، ولا يذكر بسوء في نادينا قطّ .
ورفع الحجّاج عقيرته قائلاً: هذه منقبة .
فقال الرجل : وما رؤي منا خارجي قطّ .
قال الحجاج : وهذه منقبة .
واندفع الرجل يعدّد مآثر قومه قائلاً: وما شهد منا مع أبي تراب مشاهده إلّا رجل واحد فأسقطه ذلك عندنا وأخمله ، فما له عندنا قدر ولا قيمة .
وسرّ الحجّاج بذلك ، فقال : هذه منقبة .
وقال الرجل : وما أراد منا رجل قط أن يتزوج امرأة إلا سأل عنها هل تحبّ أبا تراب وتذكره بخير ، فإن قيل إنّها تفعل ذلك اجتنبها فلم يتزوّجها .
قال الحجاج : هذه منقبة .
قال الرجل : وما ولد فينا ذكر فسمّي عليّاً ولا حسناً ولا حسيناً ، ولا ولدت فينا جارية فسمّيت فاطمة .
قال الحجاج : هذه منقبة .
قال الرجل : ونذرت منا امرأة حين أقبل الحسين إلى العراق إن قتله الله أن تنحر عشر جزر ، فلما قتل وفت بنذرها .
وابتهج الحجّاج بهذه المنقبة ، فقال : وهذه منقبة .
قال الرجل : ودعي رجل منا إلى البراءة من عليّ ولعنه ، فقال : نعم ، وأزيدكم حسناً وحسيناً .
وأسرع الحجاج قائلاً: هذه منقبة والله .
وقال الرجل : وقال لنا أمير المؤمنين عبد الملك : أنتم الشعار دون الدثار، وأنتم الأنصار بعد الأنصار .
قال الحجاج : هذه منقبة »(1)
وحسب الإمام أمير المؤمنين الا فخراً ومجداً أنه لا يبغضه إلا من لا عهد له بالشرف والفضيلة أمثال الحجّاج بن يوسف وأمثاله من الممسوخين.
ومن جرائم هذا الطاغية وموبقاته اعتداؤه على البيت الحرام الذي جعله الله أمناً للناس ، فقد حاصره ستة أشهر وسبع عشرة ليلة حينما استجار به ابن الزبير ، وقد أمر برمي الكعبة المشرفة ، فرميت من جبل أبي قبيس بالمنجنيق ، وكان قومه يرمونها ويرتجزون :
1) بحار الأنوار : 46 : 119 - 120 ، وينسبها بعض المؤرّخين إلى مسلم بن عقبة .
خَطَّارَةٌ مِثلُ الفَنيقِ المُزيدِ*** نَرْمي بِها أَعْواد هذا الْمَسْجِدِ(1)
ولم يرجُ هذا الطاغية وقاراً لبيت الله الحرام، فقد انتهك حرمته ، وقبله يزيد بن معاوية لم يقم له أي حرمة .
ولما هدم الحجّاج الكعبة المشرفة وأراد عمارتها كان العلماء والقضاة يضعون الحجر الأسود في مكانه فلا يستقر ، فأقبل الإمام زين العابدين ، وقد أحيط بهالة من التعظيم ، فأخذ الحجر فوضعه في مكانه فاستقر وعلت أصوات الناس بالتكبير(2).
واتَّخذ هذا الارهابي المحترف سجوناً لا تقي من حرّ ولا برد ، وكان يعذب المساجين بأقسى ألوان العذاب وأشدّه ، فكان يشدّ على يد السجين القصب الفارسي المشقوق ويجرّ عليه ، حتى يسيل دمه .
يقول المؤرخون : « إنّه مات في حبسه خمسون ألف رجل ، وثلاثون ألف امرأة ، منهنّ ستة عشر ألفاً مجردات ، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد(3).
وأحصي في سجنه ثلاثة وثلاثون ألف سجين ، لم يحبسوا في دين ولا تبعة(4).
وكان يمرّ على أهل السجن فيقول لهم :اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ(5)شبههم بأهل النار ، وشبه نفسه بالخالق العظيم عتوّاً وتكبّراً.
وانتقم الله من هذا المجرم الخبيث الذي أغرق البلاد بالمحن والخطوب ، فقد أصابته الآكلة في بطنه ، وسلّط الله عليه الزمهرير ، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة ناراً ، وتدنى منه حتى تحرق جلده وهو لا يحسّ بها، وأخذت الآلام منه مأخذاً عظيماً فشكا ما هو فيه إلى الحسن البصري ، فقال له : قد كنت نهيتك أن تتعرّض للصالحين فلججت ، فقال له : يا حسن ، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرّج عنّي ، ولكن أسألك أن تسأله أن يعجل قبض روحي ، ولا يطيل عذابي(1).
وظلّ الجلّاد الخبيث يعاني آلام الموت وشدّة النزع حتى هلك ، ومضت روحه الخبيثة إلى جهنّم مقرنة بالأصفاد ، وقد انكسر بموته باب الجور، وانحسرت روح الظلم ، فأهون به هالكاً ومفقوداً .
ولما بلغ هلاكه الحسن البصري ، قال : « اللهم أنت أمته ، فأمت سنّته ، أتانا اخيفش قصير البنان ، والله ما عرق له عذار في سبيل الله ق-ط ، فمن كفره وكبره أن قال : بايعوني وإلا ضربت أعناقكم»(2).
وقال عمر بن عبد العزيز : «لو جاءت كلّ أُمّة بخبيثها ، وجئنا بالحجاج لغلبناهم» (3).
وقال الشعبي : « لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها وجئنا بالحجّاج وحده لزدنا عليهم »(4)
لقد تلقّى المسلمون نبأ وفاة هذا المجرم الخبيث بمزيد من الأفراح ، وكانت لعناتهم تلاحقه من يوم هلاكه حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
وسلّط عبدالملك على العالم الإسلامي شرار خلق الله ، فأشاعوا الجور والظلم ، وقد استعمل على يثرب هشام بن إسماعيل المخزومي ، فأساء السيرة ، وجار في والله (1) الأحكام ، وتحامل على آل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)(1)
كما تعرّض للفقيه سعيد بن المسيب فضربه ستين سوطاً ظلماً وعدواناً ، وطاف به (2)
وقد عجّ المواطنون بالشكوى إلى عبد الملك فلم يجدوا الاستجابة ، بل وجدوا اللوم والتقريع ، وقد شكا النمري إليه ما حلّ بقومه من الظلم والاضطهاد ونهب الأموال . قال في قصيدة له :
أما الفقير الذي كابَتْ حَلوبَتُهُ*** وَفْقَ العِيالِ فَلَمْ يَترُكْ لَهُ سَبَدُ (3)
وَاخْتَل ذو المالِ وَالمُثرونَ قَدْ بَقِيَتْ*** عَلى القَلاقِلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عُقَدُ(4)
فَإِنْ رَفَعْتَ بِهِمْ رَأْساً نَعَشْتَهُمْ*** وَإِن لقوا مِثْلَها مِنْ قابِل فَسَدوا (5)
ومعنى هذا الشعر أنّ السلطة قد صادرت أقوات الفقراء وسلبتهم جميع ثرواتهم ، ولم تترك لهم حتى وبر الإبل ، وكذلك اعتدت على الأغنياء فعطّلت نموّ أموالهم ، والشاعر يستعطف عبد الملك لينعش قومه ، ويرفع عنهم المظالم ، وإن لم ينجدهم فإنّهم سوف يهلكون .
أمّا شؤون الإمام (عليه السلام) مع عبد الملك بن مروان ، فهي كما يلي :
كان عبدالملك يطوف بالبيت الحرام ، والإمام الله يطوف أيضاً ، وقد أحيط بهالة من الاكبار من قبل الحجّاج، فسأل عنه عبد الملك فقيل له: هذا عليّ بن الحسين ، فاستدعاه فقال له : يا علي بن الحسين ، إنّي لست قاتل أبيك ، فما يمنعك من المسير إلى ؟
فلم يعن به الإمام وأجابه : إِنَّ قاتِلَ أبي أَفْسَدَ بِمَا فَعَلَهُ دُنْيَاهُ عَلَيْهِ ، وَأَفْسَدَ أَبِي عَلَيْهِ آخِرَتَهُ ، فَإِنْ أَحْبَيْتَ أَنْ تَكونَ هُوَ فَكُنْ .
وانحط كبرياء عبد الملك ، وراح يقول : كلا ولكن سر إلينا لتنال من دنيانا .
وامتنع الإمام(عليه السلام) من إجابته (1).
وبلغ عبدالملك أنّ سيف رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)عند الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فبعث يستوهبه ، ويسأله الحاجة ، فامتنع الإمام من إجابته ، فكتب إليه عبدالملك يتهدّده
1) إثبات الهداة : 5: 229
ويتوعده بقطع رزقه من بيت المال ، فأجابه الإمام(عليه السلام) : «أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ ضَمِنَ لِلْمُتَّقِينَ الْمَخْرَجَ مِنْ حَيْثُ يَكْرَهُونَ ، وَالرِّزْقَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ ، وَقالَ جَلَّ ذِكْرُهُ :إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(1)، فَانْظُرْ أَيُّنَا أَوْلَى بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَالسَّلامُ »(2).
كان لعبد الملك عين بالمدينة يكتب إليه بجميع ما يحدث فيها، وقد أعتق الإمام(عليه السلام) جارية ثم تزوج بها ، فكتب إليه بذلك، وقد استغل عبدالملك هذه الحادثة ، فأنكر على الإمام ذلك ، وكتب له : « أما بعد .. فقد بلغني تزويجك مولاتك ، وقد علمت أنه كان في أكفائك من قريش من تمجد به في الصهر وتستنجبه في الولد ، فلا لنفسك نظرت ، ولا على ولدك أبقيت ، والسلام ».
وتحمل هذه الرسالة روح الجاهلية وتقاليدها التي تحرّم على العربي أن يتزوّج بغير العربيّة ، فأجابه الإمام بمنطق الإسلام بالرسالة التالية :
«أَمَّا بَعْدُ .. فَقَدْ بَلَغَنِي كِتابُكَ تُعَنِّفُنِي بِتَزْويجي مَوْلَاتِي ، وَتَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ فِي نِساءِ قُرَيْشٍ مَنْ أُمَجدُ بِهِ فِي الصِّهْرِ ، وَأَسْتَنْجِبُهُ فِي الْوَلَدِ ، وَإِنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ رَسُولِ اللَّهِ الهلال مُرْتَفَى فِي مَجْدٍ ، وَلا مُسْتَزادَ في كَرَمِ ، وَإِنَّما كانَتْ مِلْك يميني ، خَرَجَتْ مِنّي بِأَمْرٍ أَرادَهُ اللهُ تَعَالَى الْتَمَسْتُ فِيهِ ثَوابَهُ ، ثُمَّ ارْتَجَعْتُها عَلى سُنَّتِهِ ، وَمَنْ كَانَ زَكِباً في دينِهِ فَلَيْسَ يَخِلُّ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ ، وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ الْخَسِيسَةَ وَأَتَمَّ بِهِ النَّقِيصَةَ،وَأَذْهَبَ اللُّوْمَ فَلا لُوْمَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، إِنَّمَا اللُّؤْمُ لُؤْمُ الْجَاهِلِيَّةِ » (3)
وتبنّى الإسلام بصورة إيجابية وفعّالة إلغاء العنصريّات ، وسائر الحواجز التي
تفرّق بين أبناء المجتمع الإسلامي ، وتخلق الأنانية والكراهية بينهم ، وقد بنى تنظيم الأسرة على المساواة في الإسلام لا على الأحساب والأنساب ، ولم يع عبدالملك هذا الواقع المشرق ، فراح ينكر على الإمام (عليه السلام)لأنه تزوج بأمة مسكينة بعد أن أعتقها ، فأي ضير أو لوم عليه ، إنّما اللوم لوم الجاهلية وعاداتها العفنة ، ويقول المؤرّخون : « إن عبد الملك لما قرأ رسالة الإمام(عليه السلام)بهر بها وقال : إن علي بن الحسين يتشرّف من حيث يتضع الناس»(1).
وبعث الإمام(عليه السلام)رسالة إلى عبد الملك دعاه فيها إلى تقوى الله ولزوم طاعته وهذا نصّها :
«أَمَا بَعْدُ : فَإِنَّكَ أَعَزُّ مَا تَكونُ بِاللَّهِ ، وَأَحْوَجُ ما تَكونُ إِلَيْهِ ، فَإِنْ عَزَزْتَ بِهِ فَاعْفُ لَهُ ، فَإِنَّكَ بِهِ تَقْدِرُ ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ ، وَالسَّلامُ»(2)
وهذه الرسالة على إيجازها من أبلغ الرسائل العربية ، وقد حفلت بأمور بالغة الأهميّة، وهي :
1 - الدعوة إلى تقوى الله التي هي السبب في العز والمجد ، وليس الملك والسلطان سببين لذلك .
2 - إن عبد الملك مهما أوتي من ملك فهو أحوج ما يكون الله لأنه تعالى هو القادر على أن ينزع الملك منه .
3 - الدعوة إلى العفو عن المقترفين لبعض الذنوب تقرباً إلى الله الذي إليه يرجع أمر العباد .
وشاع علم الإمام(عليه السلام)وزهده وورعه وتقواه في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وتحدّثت الأندية بفضائله ومآثره ، ونقل ذلك إلى عبد الملك فانتفخ سحره وتميّز من الغيظ والحقد ، فأمر بإلقاء القبض عليه وحمله إلى دمشق ، وقد جرت منقبة له في سفره ، فقد روى الزهري لنا ذلك ، قال : شهدت علي بن الحسين (عليه السلام)یوم حمله عبدالملك بن مروان من المدينة إلى الشام ، فأثقله حديداً، ووكل به حفاظاً في عدة وجمع ، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له ، فأذنوا لي ، فدخلت عليه وهو في قبة والقيود في رجليه ، والغل في يديه(1)فبكيت ، وقلت له : وددت أني مكانك وأنت سالم .
فقال : يا زُهْرِيُّ ، أَتَظُنُّ أَنَّ هذا مِمَّا تَرى عَلَيَّ وَفِي عُنُقِي يَكْرُبُنِي ؟ أَما لَوْ شِئْتُ ما كانَ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ بَلَغَ بِكَ وَبِأَمْثَالِكَ لَيْذَكَّرُني عَذابَ اللهِ ، ثمّ أخرج يديه من الغلّ ، ورجليه من القيد ، ثمّ قال : يا زُهْرِيُّ ، لأجزت مَعَهُمْ عَلَى ذَا مَنِزُلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ .
قال : فما لبثنا إلّا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة فما وجدوه ، فكنت فيمن سألهم عنه ، فقال لي بعضهم : إنا لنراه متبوعاً ، إنّه لنازل ونحن حوله لا ننام نرصده إذ أصبحنا ، فما وجدنا بين محمله إلا الحديد .
قال الزهري : فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألني عن علي بن الحسين، فأخبرته ، فقال لي : إنّه قد جاء في يوم فقده الأعوان فدخل علي ، فقال : ما أَنا وَأَنْتَ ؟
فقلت : أقم عندي .
فقال : لا أُحِبُّ ، ثم خرج ، فوالله فقد امتلأ ثوبي منه خيفة .
1) وفي رواية : « والغلّ في عنقه » .
قال الزهري : فقلت : يا أمير المؤمنين ، ليس علي بن الحسين حيث تظن إنّه مشغول بنفسه .
فقال : حبّذا شغل مثله ، فنعم ما شغل به »(1)
إن الله تعالى يجري الكرامات والمناقب على يد أوليائه ، تعزيزاً لهم ، وتعظيماً لشأنهم ، ودعماً للقوى الروحية .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأحداث التي جرت للإمام(عليه السلام) مع عبد الملك بن مروان .
ومرض عبدالملك مرضه الذي توفّي فيه، ولم تجده معالجة أطبائه ، فقد أخذ يدنو إليه الموت سريعاً ، وكان فيما يقول المؤرخون قلقاً مضطرباً تراوده أعماله المنكرة، وما اقترفه من الظلم والجور وسفك الدماء بغير حق ، فكان يضرب على رأسه ، ويقول : « وددت أني اكتسبت قوتي يوماً بيوم ، واشتغلت بعبادة ربي عز وجل وطاعته »(2).
وعهد بالملك من بعده إلى ولده الوليد ، وأوصاه بالارهابي السفاح الحجاج خيراً ، وقال له : « وانظر الحجاج فأكرمه ، فإنّه هو الذي وطأ لكم المنابر ، وهو سيفك يا وليد ، ويدك على من ناواك ، فلا تسمعن فيه قول أحد وأنت إليه أحوج منه إليك .
1) كفاية الطالب : 448 و 449. جامع كرامات الأولياء : 2 156 . شرح شافية أبي فراس : 2: الجزء الثاني ، الورقة 104 . تاريخ دمشق : 36: 148 مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : 2 : 43 و 44 . بحر الأنساب : الورقة 42. بحار الأنوار : 46: 123 . أعيان الشيعة - القسم الأول : 4 : 235 . حلية الأولياء : 3: 135 ، وغيرها .
2) البداية والنهاية : 9 :68
وادع الناس إذا متُ إلى البيعة ، فمن قال برأسه هكذا ، فقل : بسيفك هكذا »(1).
ومثّلت هذه الوصيه اندفاعاته نحو الشر حتى في الساعات الأخيرة من حياته ، نقد أوصى بالسفّاح الأثيم الحجاج خيراً ، وهو الذي أغرق البلاد في المحن والخطوب ، وأشاع الشكل والحزن والحداد بين المسلمين، كما أوصى بالقتل لكلّ من تحدّثه نفسه بعدم الرضا بالحكم الأموي ، ولم يبق بعد هذه الوصية إلا لحظات حتى وافته المنية(2).
وكانت وفاته في يوم الأربعاء في النصف من شوّال سنة (86هـ)(3).
وقد سئل عنه الحسن البصري ، فقال : « ما أقول في رجل كان الحجاج سيئة من سيئاته »(4).
وتقلد الوليد أزمة الملك في اليوم الذي توفي أبوه عبدالملك ، ووصفه المسعودي بأنّه كان جباراً عنيداً ، ظلوماً غشوماً (1).
وكان يغلب عليه اللحن ، وقد خطب في الجامع النبوي ، فقال : « يا أهل المدينة » بالضم ، فأهل منادى مضاف والقاعدة النحوية تقتضي النصب . وخطب يوماً فقال : « يا ليتها كانت القاضية » وضم التاء ، فقال عمر بن عبد العزيز : « عليك وأراحتنا منك » ، وعاتبه أبوه على إلحانه ، وقال : « إنّه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم » ، فجمع أهل النحو ليعلموه ، ودخل بيتاً فلم يخرج منه ستة أشهر، ثم خرج منه وهو أجهل منه يوم دخل (2).
وقد طعن عمر بن العزيز في حكومته ، وقال كلمته المشهورة فيه : « إنّه ممّن امتلأت الأرض به جوراً»(3).
وفي عهد هذا الطاغية الجبار استشهد العالم الإسلامي الكبير سعيد بن جبير على يد الجلاد الممسوخ الحجّاج بن يوسف، وكان قتله من الأحداث الجسام التي رُوّع بها المسلمون .
وولّى هذا الطاغية على يثرب صالح بن عبد الله المري ، وكتب إليه بإخراج العلوي الحسن بن الحسن من السجن، وضربه خمسمائة سوط ، فأخرجه إلى المسجد ليضربه أمام الناس ، ولما سمع الإمام زين العابدين(عليه السلام)بذلك خف إليه
مسرعاً ودنا منه ، وقال له : يابْنَ الْعَم ، ادْعُ بِدُعَاءِ الْكَرْبِ يُفَرِّجُ اللَّهُ عَنْكَ.
ما هو ؟
قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَلِيمُ الْكَريمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، سُبْحانَ الله رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وجعل الحسن يردّد هذا الدعاء ، ويدعو الله بإخلاص ، فصرف الله عنه البأس ، فلم ينفّذ الوالي ما أمر به وأشفق عليه ، وكتب إلى الوليد بن عبدالملك بشأنه ، فأمره بالافراج عنه(1).
ويقول المؤرخون : « إنّ الوليد كان من أحقد الناس على الإمام زين العابدين (عليه السلام). وكان يرى أنّه لايتمّ له الملك والسلطان مع وجود الإمام (عليه السلام)، فدسّ له السم (2)،وسنذكر ذلك في نهاية المطاف .
وعلى أي حال، فإنّ الوليد هو آخر من عاصرهم الإمام من ملوك الأمويين.
أما موقف الإمام(عليه السلام) مع ملوك عصره ، فكان يتّسم بالكراهية والبغض لهم وذلك لفساد أعمالهم ، وسوء سياستهم ، وانحرافهم عن الطريق القويم ، ولكنّه في نفس الوقت كان يأمل عزّة الإسلام ، وانتصار جيوشه على جيوش الكفر والإلحاد لترتفع راية الله عالية خفّاقة في الأرض .
وهو من الأدعية الجليلة التي تنم عن سموّ الإمام(عليه السلام)، وعظيم ملكاته التي
لم تخضع لأية رغبة نفسيّة سوى ما يتصل منها بالحق ، ولنستمع إلى هذا الدعاء الجليل الذي كان يدعو به لأهل الثغور :
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَحَصِّنْ تُغُورَ الْمُسْلِمينَ بِعِزَّتِكَ ، وَأَيَّدْ حُماتَها بِقُوَّتِكَ ، وَأَسْبِغْ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ (1).
اللهمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَكَذَّرْ عِدَّتَهُمْ ، وَاشْحَذْ(2)أَسْلِحَتَهُمْ ، وَاحْرُسْ حَوْزَتَهُمُ ، وَامْنَعْ حَوْمَتَهُمْ(3)، وَأَلّف جَمْعَهُمْ ، وَدَبَّرْ أَمْرَهُمْ ، وَواتِرْ بَيْنَ مِيَرِهِمْ (4)، وَتَوَحَدْ بِكِفايَةِ مُؤَنِهِمْ (5)، وَاعْضُدْهُمْ بِالنَّصْرِ(6)، وَأَعِنْهُمْ بِالصَّبْرِ(7)، وَالْطِّفْ لَهُمْ فِي الْمَكْرِ(8).
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَعَرَّفْهُمْ ما يَجْهَلُونَ ، وَعَلَّمْهُمْ ما لَا يَعْلَمُونَ ، وَبَصَرْهُمْ ما لَا يُبْصِرُونَ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَنْسِهِمْ عِنْدَ لِقائِهِمُ الْعَدُوَّ ذِكْرَ دُنْيَاهُمُ الْخَدّاعَةِ الْغَرُورِ ، وَامْحُ عَنْ قُلُوبِهِمْ خَطَراتِ الْمَالِ الْفَتُونِ ، وَاجْعَلِ الْجَنَّةَ
1) الجدة : الغنى .
2) اشحذ : أي اجعلها سريعة النفوذ في رقاب أعدائك .
3) الحومة : الجماعة .
4) وواتر بين ميرهم : أي اجعل أطعمتهم متصلة بعضها ببعض .
5) وتوحد بكفاية مؤنهم : أي اكفهم وحدك حتى لا يحتاجون إلى غيرك .
6) واعضدهم بالنصر : أي كن لهم عضداً في نفرك .
7) واعنهم بالصبر : أي أعنهم بالصبر على أعدائك .
8) والطف لهم في المكر : أي في المكر على أعدائك .
نَصْبَ أَعْيُنِهِمْ ، وَلَوْحْ (1)مِنْها لأَبْصارِهِمْ مَا أَعْدَدْتَ فيها مِنْ مَسَاكِنِ الْخُلْدِ ، وَمَنازِلِ الْكَرَامَةِ ، وَالْحُورِ الْحِسانِ ، وَالْأَنْهَارِ الْمُطَّرِدَةِ(2)بِأَنْواع الْأَشْرِبَةِ ، وَالْأَشْجَارِ الْمُتَدَلِّيَةِ بِصُنُوفِ الثَّمَرِ، حَتَّى لَا يَهُم أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِدْبارِ ، وَلَا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ عَنْ قِرْنِهِ بِفِرَارٍ.
لقد حفل هذا المقطع بالدعاء لحرس الإسلام وحماته المرابطين بالثغور الذين يقفون سداً منيعاً يمنع تسرب العدو إلى الديار الإسلامية ، فقد دعا لهم بالعزّة والتأييد ، وكثرة العدد ، ونفوذ أسلحتهم في رقاب الأعداء ، كما دعا لهم بالألفة وتدبير الأمور ، واتصال ميرهم، وكفاية مؤونتهم ليكونوا في استقرار وغنى ، ودعا لهم بالنصر فيما إذا التحموا مع أعدائهم ، وأن ينسيهم الله ذكر الدنيا ، وخطرات المال التي تمنع من الصمود أمام الأعداء ، وأن يجعل الله الجنّة أمام أعينهم حتى يقاتلوا بصدق وإخلاص .
إنّ هذه البنود المشرقة من دعاء الإمام(عليه السلام)تدلل على خبرته الواسعة بفنون الحرب ، وإحاطته بالأساليب النفسيّة التي تكتب للمجاهد النجاح في حرب الأعداء ، ولنستمع إلى مقطع آخر من هذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ افْلُلْ بِذَلِكَ عَدُوَّهُمْ ، وَاقْلِمْ عَنْهُمْ أَظْفَارَهُمْ (3)، وَفَرِّقْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَسْلِحَتِهِمْ ، وَاخْلَعْ وَثَائِقَ أَفَئِدَتِهِمْ(4)، وَباعِدْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوِدَتِهِمْ (5)،
وَحَيَّرْهُمْ فِي سُبُلِهِمْ(1)، وَضَلَّلْهُمْ عَنْ وَجْهِهِمْ، وَاقْطَعْ عَنْهُمُ الْمَدَدَ ، وَانْقُصْ مِنْهُمُ الْعَدَدَ ، وَامْلَأُ أَفْئِدَتَهُمُ الرُّعْبَ ، وَاقْبِضْ أَيْدِيَهُمْ عَنِ الْبَسْطِ ، وَاخْزِمْ (2)أَلْسِنَتَهُمْ عَنِ النُّطْقِ ، وَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ، وَنَكُلْ بِهِمْ مَنْ وَراءَهُمْ ، وَاقْطَعْ بِخِزْيِهِمْ أَطْمَاعَ مَنْ بَعْدَهُمْ .
اللهُمَّ عَقِّمْ أَرْحامَ نِسائِهِمْ ، وَيَبِّسْ أَصْلابَ رِجالِهِمْ ، وَاقْطَعْ نَسْلَ دَوابِّهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ(3)، لَا تَأْذَنْ لِسَمَائِهِمْ فِي قَطْرِ، وَلَا لِأَرْضِهِمْ فِي نَبَاتٍ .
اللهُمَّ وَقَدَّ بِذلِكَ مَحالَّ أَهْلِ الْإِسْلامِ ، وَحَصِّنْ بِهِ دِيارَهُمْ ، وَثَمِّرْ بِهِ أَمْوالَهُمْ ، وَفَرِّغْهُمْ عَنْ مُحارَبَتِهِمْ لِعِبادَتِكَ(4)، وَعَنْ مُنابَذَتِهِمْ لِلْخَلْوَةِ بِكَ ، حَتَّى لا يُعْبَدَ فِي بِقاعِ الْأَرْضِ غَيْرُكَ ، وَلا تُعَفَّرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ جَبْهَةٌ دُونَكَ.
وحفلت هذه البنود بالدعاء الخالص على القوى المعادية والمحاربة للإسلام، فقد سأل الإمام(عليه السلام) من الله تعالى أن يقلل جيوشهم ، ولا يجمع لهم كلمة ، ويباعد بينهم وبين أسلحتهم ، ويملأ قلوبهم خوفاً ورعباً من المسلمين ، كما سأل من الله تعالى أن يخرس ألسنتهم عن النطق ، ويلحق بهم الهزيمة الماحقة التي تجعلهم نكالاً للعالمين ، ودعا على رجالهم ونسائهم بالعقم لأنهم لا يلدون إلا الكفار والمارقين ، وسأل الله أن يدمر حياتهم الاقتصادية حتى لا يقووا على محاربة المسلمين ، ثم دعا
للمسلمين بالقوة والمنعة والعزة ليتفرغوا لعبادة الله تعالى وطاعته ، ولنستمع إلى مقطع آخر من هذا الدعاء الشريف :
اللهُمَّ اغْرُ بِكُلِّ ناحِيَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ بِإِزائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَأَمْدِدْهُمْ بِمَلائِكَةٍ مِنْ عِنْدِكَ مُرْدِفِينَ ، حَتَّى يَكْشِفُوهُمْ (1)إِلى مُنْقَطَع التُّرابِ(2)قَتْلاً في أَرْضِكَ وَأَسْراً ، أَوْ يُقِرُّوا بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ .
اللهُمَّ وَاعْمُمْ بِذلِكَ أَعْداءَكَ في أَقْطَارِ الْبِلادِ مِنَ الْهِنْدِ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ ، وَالْخَزَرِ(3)وَالْحَبَشِ ، وَالنُّوبَةِ (4)وَالزَّنْج ، وَالسَّقالِبَةِ(5)وَالدَّيالِمَةِ ، وَسَائِرِ أمَمِ الشِّرْكِ الَّذينَ تَخْفى أَسْمَاؤُهُمْ وَصِفاتُهُمْ ، وَقَدْ أَحْصَيْتَهُمْ بِمَعْرِفَتِكَ ، وَأَشْرَفْتَ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَتِكَ.
اللهُمَّ أَشْغِلِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُشْرِكِينَ عَنْ تَناوُلِ أَطْرَافِ الْمُسْلِمِينَ ، وَخُذْهُمْ بِالنَّقْصِ عَنْ تَنَقْصِهِمْ (6)، وَثَبِّطْهُمْ بِالْفُرْقَةِ عَنِ الْإِحْتِشادِ عَلَيْهِمْ .
اللهُمَّ أَخْلِ قُلُوبَهُمْ مِنَ الأَمَنَةِ ، وَأَبْدانَهُمْ مِنَ القُوَّةِ ، وَأَذْهِلْ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْإِخْتِيالِ(1)، وَأَوْهِنْ أَرْكَانَهُمْ عَنْ مُنازَلَةِ الرّجالِ ، وَجَبِّنْهُمْ عَنْ مُقارَعَةِ الْأَبْطالِ ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ جُنْداً مِنْ مَلائِكَتِكَ بِبَأْسِ مِنْ بَأْسِكَ كَفِعْلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ، تَقْطَعُ بِهِ دَابِرَهُمْ ، وَتَحْصُدُ بِهِ شَوْ كَتَهُمْ ، وَتُفَرِّقُ بِهِ عَدَدَهُمْ .
ويحكي هذا المقطع عن مدى حرص الإمام(عليه السلام)واهتمامه بانتصار الإسلام على المشركين فهو يسأل من الله أن يمد المسلمين بملائكة مردفين ليهزموا الكفار إلى أقاصي الأرض ، ويوقعوا فيهم القتل والأسر والدمار ، أو يرجعوا إلى منطق الفكر والعقل فيقروا ويعترفوا بوحدانيّة الله خالق الكون وواهب الحياة .
ويأخذ الإمام(عليه السلام) بالدعاء على القوى الكافرة المنتشرة في بقاع الأرض ، فهو يدعو عليهم بالذل والضعف والهوان ، وأن ينشر بينهم العداوة والبغضاء حتى لا تجتمع لهم كلمة على محاربة الإسلام ، كما دعا عليهم أن يخلي الله قلوبهم من الأمن ، وأبدانهم من القوة ، ويوهن أركانهم عن منازلة المسلمين ، وأن يمد المسلمين بملائكة مردفين لنصرهم كما مدّهم في يوم بدر ليحصد بهم شوكة المشركين ، ويفرّق جمعهم وعددهم ، ولنستمع إلى مقطع آخر من هذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ وَامْرُجْ مِياهَهُمْ بِالْوَباءِ ، وَأَطْعِمَتَهُمْ بِالأدْواءِ ، وَارْم بِلادَهُمْ بِالْخُسُوفِ ، وَأَلِحَ عَلَيْهَا بِالْقُذُوفِ (2)، وَافْرَعْها(3)بِالْمُحُولِ(4)، وَاجْعَلْ
مِيَرَهُمْ (1)في أَحَضٌ أَرْضِكَ(2)وَأَبْعَدِها عَنْهُمْ، وَامْنَعْ حُصُونَها مِنْهُمْ ، أَصِبْهُمْ بِالْجُوعِ الْمُقِيمِ وَالسُّقْمِ الْأَلِيمِ.
اللهُمَّ وَأَيُّما غاز غَزاهُمْ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكَ ، أَوْ مُجَاهِدٍ جَاهَدَهُمْ مِنْ أَتَبَاعِ سُنَّتِكَ ، لِيَكُونَ دِينُكَ الْأَعْلَى ، وَحِزْبُكَ الْأقوى ، وَحَظْكَ الْأَوْفى ، فَلَفّه الْيُسْرَ(3)، وَهَى لَهُ الْأَمْرَ(4)، وَتَوَلَّهُ بِالنُّجْحِ ، وَتَخَيَّرُ لَهُ الْأَصْحابَ ،وَاسْتَقْوِ لَهُ الظَّهْرَ(5)وَأَسْبِغْ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَةِ .
وَمَتِّعْهُ بِالنَّشاطِ ، وَأَطْفِ عَنْهُ حَرارَةَ الشَّوْقِ ، وَأَجِرْهُ مِنْ غَمِّ الْوَحْشَةِ(6)، وَأَنْسِهِ ذِكْرَ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ ، وَأَثِرْ لَهُ (7)حُسْنَ النِّيَّةِ ، وَتَوَلَّهُ بِالْعَافِيَةِ ، وَأَصْحِبْهُ السَّلامَةَ ، وَاعْفِهِ مِنَ الْجُبْنِ ، وَأَلْهِمْهُ الْجُرْأَةَ ، وَارْزُقْهُ الشَّدّة (8)، وَأَيَّدْهُ بِالنُّصْرَةِ ، وَعَلَّمْهُ السِّيَرَ وَالسُّنَنَ ، وَسَدَّدْهُ فِي الْحُكْمِ(9)، وَأَعْزِلْ عَنْهُ الرّياءَ ، وَخَلَّصْهُ مِنَ السُّمْعَةِ ، وَاجْعَلْ فِكْرَهُ وَذِكْرَهُ
1) میرهم : جمع ميرة ، وهي الطعام .
2) في أحص أرضك : أي في أخلاها من العشب والنبات .
3) فلقه اليسر : أي يسر له أموره .
4) هين له الأمر أي هين له أموره في جهاده لأعداء الإسلام.
5) واستقوله الظهر : أي قوّ ظهره .
6) غمّ الوحشة : أي حزنها .
7) واثر له : أي اختر له .
8) وارزقه الشدّة : أي الشدّة على أعداء الله .
9) سدّده في الحكم : يعني أن يحكم بالحق والعدل .
وَظَعْنَهُ (1)وَإِقامَتَهُ فيكَ وَلَكَ.
فإذا صافَّ عَدُوَّكَ وَعَدُوَّهُ(2)فَقَلَّلْهُمْ فِي عَيْنِهِ ، وَصَغَرْ شَأْنَهُمْ فِي قَلْبِهِ ، وَأَدِلْ لَهُ مِنْهُمْ(3)وَلا تُدِلْهُمْ مِنْهُ(4)، فَإِنْ خَتَمْتَ لَهُ بِالسَّعادَةِ ، وَقَضَيْتَ لَهُ بِالشَّهادَةِ ، فَبَعْدَ أَنْ يَجْتاحَ (5)عَدُوَّكَ بِالْقَتْلِ ، وَبَعْدَ أَنْ يَجْهَدَ(6)بِهِمُ الْأَسْرُ ، وَبَعْدَ أَنْ تَأْمَنَ أَطْرافُ الْمُسْلِمِينَ ، وَبَعْدَ أَنْ يُوَلّي عَدُوكَ مُدْبِرِينَ(7).
وحفل هذا المقطع من دعاء الإمام (عليه السلام) بما يلي :
أولاً : الدعاء على القوى المحاربة للإسلام والباغية عليه ، فقد دعا عليها بالوباء المسمّى في هذا العصر ب- « الكوليرا ، وهو ينتشر عن طريق الماء فيصاب بهذا الوباء كلّ من شربه ، وقد كشف الإمام في دعائه هذه الحقيقة العلمية ، كما دعا عليهم بأن تلوّث أطعمتهم بالجراثيم ليصابوا بالأمراض حتى لا يقووا على محاربة الإسلام، وسأل الله أن يبتليهم بالخسوف والزلزال المدمّرين ، ويصيبهم بالجدب والقحط ، ويقلل أطعمتهم حتى يكونوا بأسوأ حال .
ثانياً : الدعاء بالعزة والمنعة والنصر لكلّ من جاهد في سبيل الإسلام ، وإعلاء
1) ظعنه : أي سفره ، من الظعينة : الناقة يُرتحل عليها ، أو المرأة في هودجها
2) فإذا صاف عدوّك وعدوّه : أي التقيا ووقف كل منهما في صف مقابل الصف الآخر استعداداً للحرب .
3) وأدل له منهم : أي غَلبه عليهم بأن يأخذ الدولة منهم .
4) ولا تدلهم منه : أي لا تأخذ الدولة منه إليهم .
5) يجتاح : أي يكتسح .
6) يجهد : أي يتعب .
7) مدبرين : أي منهزمين .
كلمة الله ، ودحر القوى المعادية للإسلام، فقد دعا لهم الإمام(عليه السلام)بالنجاح والقوة والنشاط والعافية والشجاعة والجرأة والشدّة على الأعداء ، ولم يترك الإمام(عليه السلام)ظاهرة من ظواهر الخير إلا سأل الله تعالى أن يضفيها ويسبغها عليهم ، ولنستمع بعد هذا الفصل الأخير من دعائه :
اللهُمَّ وَأَيُّما مُسْلِمٍ خَلَفَ غازيا(1)، أَوْ مُرابِطَاً فِي دَارِهِ ، أَوْ تَعَهَّدَ خَالِفيهِ في غَيْبَتِهِ ، أَوْ أَعانَهُ بِطَائِفَةٍ مِنْ مالِهِ ، أَوْ أَمَدَّهُ بِعَتَادٍ ، أَوْ شَحَذَهُ(2)عَلَى جهادٍ ، أَوْ أَتْبَعَهُ فِي وَجْهِهِ دَعْوَةً(3)، أَوْ رَعَى لَهُ مِنْ وَرائِهِ حُرْمَةٌ ، فَأَجْرِ لَهُ مِثْلَ أَجْرِهِ وَزْناً بِوَزْنٍ ،وَمِثْلاً بِمِثْلٍ، وَعَوَّضْهُ مِنْ فِعْلِهِ عِوَضاً حاضِراً يَتَعَجَّلُ بِهِ نَفْعَ ما قَدَّمَ ، وَسُرُورَ ما أَتى إِلى أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ الْوَقْتُ إِلَى مَا أَجْرَيْتَ لَهُ مِنْ فَضْلِكَ ،وَأَعْدَدْتَ لَهُ مِنْ كَرامَتِكَ .
اللهُمَّ وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَهَمَّهُ أَمْرُ الْإِسْلامِ ، وَأَحْزَنَهُ تَحَزُبُ أَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ ، فَنَوَى غَزْواً ، أَوْ هَمَّ بِجِهادٍ ، فَقَعَدَ بِهِ ضَعْفٌ ، أَوْ أَبْطَأَتْ بِهِ فَاقَةٌ أَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُ حادِتٌ ، أَوْ عَرَضَ لَهُ دُونَ إِرادَتِهِ مانِعٌ ، فاكْتُبِ اسْمَهُ في الْعابِدِينَ ، وَأَوْجِبْ لَهُ ثَوابَ الْمُجَاهِدِينَ ، وَاجْعَلْهُ في نِظامِ الشُّهَداءِ وَالصَّالِحينَ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلاةٌ عَالِيَةٌ عَلَى
الصَّلَواتِ ، مُشْرِفَةٌ فَوْقَ التَّحِيَاتِ ، صَلاةً لَا يَنْتَهى أَمَدُها وَلا يَنْقَطِعُ عَدَدُها ، كَأَتَمَّ ما مَضى مِنْ صَلَواتِكَ عَلى أَحَدٍ مِنْ أَوْليائِكَ ، إِنَّكَ الْمَنَانُ
الْحَمِيدُ ، الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ ، الْفَعَالُ لِما تُريدُ »(1).
لقد دعا الإمام(عليه السلام) لكلّ من صار خليفة لغاز أو مرابط ، أو تعاهد عيالهم في حال غيابهم ، أو أعانهم بمال أو أمدهم بعتاد ، أو ساقهم إلى جهاد ، فقد دعا لكل من قام بذلك أن يجزل الله له المزيد من الثواب ، ويؤجره كما يؤجر المرابطين والغازين كما دعا(عليه السلام)لكل مسلم اهتم بأمر الإسلام وحزن لتحزب المشركين على حربه ، فنوى غزوهم ، أو اهتم بالجهاد ، إلا أنّه ألم به عارض فأقعده عن ذلك ، فقد دعا له الإمام(عليه السلام)أن يجعل الله ثوابه كثواب المجاهدين ، وأجره كأجرهم ، ويكون في سلك الشهداء وعداد الصالحين.
إلى هنا وينتهي بنا الحديث عن الملوك الذين عاصرهم الإمام(عليه السلام).
1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء السادس والعشرون .
ليس هناك عصر من العصور الإسلامية - فيما أحسب - قد مُني بالاضطرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي مثل عصر الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فقد امتلأ بالفتن والأحداث الجسام مما جعله يفقد روح الاستقرار والطمأنينة ، ويعيش في دوّامة من القلق والاضطراب ، كما كان كل فرد من أبناء المجتمع يعيش على أعصابه تساوره الهموم والآلام ، وقد فقد الأمل في الحياة الكريمة ، فقد أمعن الحكم الأموي في نشر الظلم والاضطهاد ، وإرغام الناس على ما يكرهون .
ونتحدث بإيجاز عن معالم الحياة العامة في عصر الإمام(عليه السلام)، وعن الأحداث والمشاكل السياسية التي داهمت المسلمين ، والتي عانوا منها أمر الفتن والخطوب ، كما نتحدث عن معالم الحياة الاقتصادية والاجتماعيّة وغيرها ، فإنّ البحث عن ذلك من متمّمات الحديث عن حياة الإمام (عليه السلام)، وفي ما يلي ذلك :
أما الحياة السياسية في عصر الإمام(عليه السلام)، فقد كانت قلقة ومضطربة أشدّ ما يكون القلق والاضطراب ، فقد خيم الذعر والخوف على الناس ، وفقد وا جميع ألوان الأمن والاستقرار ، ممّا سبّب تفكك المجتمع ، وشيوع الأزمات السياسية الحادة، وفيما أعتقد أن السبب الأول والأخير يعود في ذلك إلى فساد الحكم الأموي ،
فقد اتجه بجميع أجهزته إلى محاربة الاصلاح الاجتماعي ونشر الفساد في الأرض ، وهذا ما سنعرض له بصورة موضوعية بعيدة عن التحيّز في البحوث الآتية .
أمّا الحكم الأموي ، فقد سبّب للمسلمين الكثير من المشاكل والخطوب ، وأخلد لهم الفتن والمصاعب ، وألقاهم في شرّ عظيم ، أما طبيعة ذلك الحكم والمظاهر البارزة فيه ، فهي :
لقد استبدّ الأمويون في حكمهم الشعوب الإسلامية ، فلم يكن هناك قانون تسير عليه الدولة ، وإنّما كان هناك حكم تسيّره عواطف الملوك ، وأهواء وزرائهم ، ورغبات حاشيتهم .
يقول العلائلي :« إن نظام الحكم في عهد ملوك الأمويين لم يكن إلا ما نسميه في لغة العصر بنظام الأحكام العرفية ، هذا النظام الذي يهدر الدماء ، ويرفع التعارف على المنطق القانوني ، ويهدد كل امرئ في وجوده ، وفي هذا العصر إذا كان يتخذ في ظروف استثنائية ، ولحالات خاصة يراد بها الارهاب ، وإقرار الأمن ، فقد كان في العهد الأموي هذا النظام السائد ، وفي الحق أنه لا يمكننا أن نسمّي هذا سلطة قضائية البنّة ، بل ننكر بكل قوة أن يكون في العصر الأموي سلطة قضائية بالمعنى الصحيح ، إلّا في فترات لا تلبث حتى يكون التباين طاغياً ، وأكبر الشواهد على هذا أنّ الخليفة أو حكومته تأتي ما تهوى بدون أن تتخذ لمآتيها شكليات قانونية على الأقل مما يشعر باحترام السلطة »(1)
1) الإمام الحسين(عليه السلام) : 339 .
لقد أصبح الاستبداد السياسي الظاهرة البارزة في الحكم الأموي ، فقد اتخذ الأمويون منهجاً خاصاً في الحكم ، وانهارت بسببه قواعد العدل السياسي والاجتماعي .
وظاهرة أخرى من المظاهر البارزة في الحكم الأموي ، وهي الجبروت والكبرياء عند الحكام ، فقد استعلوا على الرعيّة، واحتقروا الضعفاء ، واستهانوا بالفقراء وكانوا يرون أنهم وحدهم مصادر القوة في البلاد لا الشعب ، وأنهم الذين يضعوا من شاء وا ، ويرفعوا من شاء وا .
يقول معاوية : «نحن الزمان نضع من نشاء ، ونرفع من نشاء »، ومعنى ذلك أنه ليس للخدمات الوطنية والاجتماعية التي يسديها الأحرار والمصلحون لبلادهم أية قيمة في رفع كيانهم ، وسموّ مكانتهم اجتماعياً، وإنما الذي يرفع ويضع في العرف الأموي هي السلطة وحدها.
وصوّر الوليد بن يزيد جبروت الأمويين وطغيانهم بهذه الأبيات :
فَدَعْ عَنكَ ادْكَارَكَ آلَ سُعْدى*** فَنَحْنُ الأَكْثَرُونَ حَصى وَمالا
وَنَحنُ المالكونَ النّاسَ قَسْراً ***نسومهم المذلة والنكالا(1)
ونورِدُهُمْ حِياضُ الخَسْفِ ذُلّاً*** وَما نَأْلُوهُمْ إِلَّا خَالا
لقد فخر الوليد بنفسه وأسرته ، واعتز وافتخر على الناس بما يلي :
أولاً : إنّهم أكثر الناس أموالاً ، وهي التي سرقوها من بيت مال المسلمين .
ثانياً : إنّه تحدّث عن سياستهم الهوجاء للناس ، وإنّهم يحكمون كما يلي :
1) وردت في الأصل : « والهوانا » ، وليس هذا بمعقول ، وما أثبتناه أو ما يشبهه الصحيح .
إنهم يسومون الناس المذلة والهوان من دون أن تكون لأي أحد كرامة أو حرية أو اختيار في أي أمر من الأمور.
إنّهم يوردون الرعية حياض الخسف والذل ، ولا يوردونهم موارد الشرف والكرامة .
3 - إنّهم لا يألون الشعوب المحكومة بقوّة الحديد إلا خبالاً ، فأي جبروت أعظم من هذا الجبروت ؟ وأي كبرياء أعظم من هذا الكبرياء ؟
وأقصيت الحريّات العامة في العهود الأموية من الشعوب الإسلاميّة ، فلم يعد لها أي ظلّ على واقع الحياة، خصوصاً حرية الفكر والرأي ، فلم يكن باستطاعة أي فرد من المواطنين أن يدلي بفكرته وبما يدين به ، وبالأخص في ما يتعلق بالولاء لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد كان الاتهام بالكفر والزندقة والالحاد أهون من الاتهام بالولاء لهم الله ، وقد علقت في الساحات العامة في الكوفة مجموعة من جثث رجال الفكر والعلم في الإسلام قد صلبوا لحبهم للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، كميثم التمار ورشيد الهجري وأمثالهما .
وتنكّر الأمويون للإسلام ، فاقصوا جميع نظمه ومبادئه عن المسلمين ، ولم يعد لأحكام القرآن أي وجود في دوائرهم وأجهزتهم
يقول «نيكلسون» :«كان الأمويون طغاة مستبدين لانتهاكهم قوانين الإسلام وشرائعه، وامتهانهم لمثله العليا، ووطئها بأقدامهم »(1).
1) الإمام الحسين (عليه السلام): 64 .
لقد أقبرت المبادئ والنظم الإسلامية ، وجاهر أكثر ملوكهم بالكفر والالحاد ، وانتقاص النبي العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم)، خصوصاً يزيد بن معاوية ، وهو القائل :
لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالْمُلْكِ فَلا*** خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحْنُ نَزَل (1)
البداية والنهاية : 8 194.
وانتشر الظلم والجور في كافة أنحاء البلاد الإسلامية ، وشاع الارهاب والاضطهاد ، وكان الناس يقولون في أيام زياد بن أبيه : « انج سعد فقد هلك سعيد » ، وكان ذلك جزءاً من السياسة الأموية ، وعنواناً لطبيعة حكمهم الذي شدّ عن أبسط القواعد الدولية .
وتبنّت السياسة الأموية تفريق المجتمع، وخلق الصراع والتناحر ما بين المسلمين، وذلك بايجاد النعرات العنصريّة والقبليّة بين الشعوب الإسلامية ، فقد أوجدت الصراع ما بين اليمانية والنزارية اللذين هما من أقوى الأسر العربية عدة وعدداً ، كما خلقت الصراع ما بين العرب والموالي ، وبذلك فقد بعدت هذه السياسة جملة وتفصيلاً عن هدي الإسلام الذي يشدّد على وحدة المسلمين ، ونشر المحبة والوئام فيما بينهم .
وبهذا العرض الموجز ننهي الحديث عن طبيعة الحكم الأموي الذي شدّ في تصرّفاته عن مصالح الشعوب الإسلامية ، وتنكر لجميع حقوقها .
1) اللهوف : 105 . روضة الواعظين: 191 مقاتل الطالبيين .119 تذكرة الخواص : 235 .
وتفجّرت السياسة الأموية ببركان مدمّر من الظلم والجور عصف بأمن الأمة واستقرارها ورخائها ، فانطلقت القوى الخيّرة كالمارد الجبار في ثورات رهيبة متلاحقة ، وهي تنادي بحقوق المجتمع ، وتدعو إلى تحقيق العدل الاجتماعي بين الناس ، ومن بين هذه الثورات ما يلي :
وهي من أهم الثورات العالمية التي غيّرت مجرى التاريخ ، وهي لاتزال حية تفيض بالعطاء لجميع الأمم والشعوب لنيل حريتها وكرامتها واستقلالها ، وقد ألهبت عواطف الأحرار والمصلحين وألهمتهم دروس التضحية في الدفاع عن كرامة الأمة، وتحقيق أهدافها ، وقضاياها المصيرية.
لقد تفاعلت هذه الثورة العظيمة الخالدة مع عواطف الناس وأحاسيسهم؛ وذلك لأنها أخلصت للحق أعظم ما يكون الإخلاص ، فلم تنشد أية مصلحة ، أو أي هدف مادي يؤول أمره إلى التراب ، وإنّما كانت تنشد كرامة الإنسان وإنقاذ المجتمع من ذلك الحكم الأسود الذي أحال الحياة إلى جحيم لا يطاق .
وقد تكلّمنا في البحوث السابقة عن هذه الثورة العظيمة ، وما جرى فيها على الإمام زين العابدين(عليه السلام) من ضروب المحن وأنواع الخطوب التي لا تُطاق .
وهي من الثورات الرهيبة التي كوت قلوب المسلمين، وهزّت مشاعرهم وعواطفهم ، وتأتي في الأهمية بعد كارثة كربلاء التي أخلدت الماسي للمسلمين . ولا بد لنا من وقفة قصيرة للتحدّث عنها :
أمّا أسباب هذه الثورة العارمة ودوافعها فهي كما يلي :
1 - إنّ الأكثرية الساحقة من أهالي يثرب كانت تضمر الحقد والعداء لبني أمية ، وتقف من حكمهم موقف المعارضة ، فالأنصار كانوا يعادون بني أمية ، وهم الذين أجهزوا على عثمان وقتلوه ، وبايعوا عليّاً ونصروه ، وكانوا يرون أنّ الأسرة النبوية أولى بقيادة الأمة وزعامتها من غيرهم ، وكان على رأس الأنصار المجاهد الكبير أبو أيوب الأنصاري ، وقد شهد مع الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)صفين ، كما شهد معه سبعون من الأنصار ، وكان الأمويون يعلمون ببغض الأنصار لهم ، فقد أرسل يزيد بن معاوية إلى كعب بن جعيل الشاعر المعروف أن يهجو الأنصار ، فامتنع من إجابته ، وقال له : أرادي إلى الشرك بعد الإيمان ؟ لا أهجو قوماً نصروا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ولكن أدلك على غلام منا نصراني ، فدله على الأخطل ، فهجا الأنصار ، وعبد الرحمن بن حسّان بقصيدة قال فيها :
ذَهَبَتْ قُرَيضٌ بِالمَكارِمِ كُلها*** وَاللُّؤْمُ تَحتَ عَمائِمِ الأَنْصارِ (1)
ويضاف إلى الأنصار الأسر التالية التي كانت تحقد على الأمويّين :
الأسرة النبوية ، وترى أنّها أحق بالخلافة من الأمويين.
أسرة الزبير .
أسرة أبي بكر .
أسرة عمر .
وهذه الأسر كانت حاقدة على الأمويين ، وتتآمر عليهم ، وتعمل جاهدة في
1) العقد الفريد : 3 : 140 .
وضح النهار وفي غلس الليل على الاطاحة بالحكم الأموي .
2 - ومن أهم أسباب الثورة في يثرب ما جرى على آل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)من القتل والتنكيل ، وسبي حرائر الرسالة وعقائل الوحي ، فقد ألهبت المشاعر والعواطف وحفزت الجماهير إلى إعلان نقمتها وسخطها على الحكم الأموي ، ومما زاد في هیجان الرأي العام واندفاعه للثورة لوعة السيّدات من بني هاشم ، وندبتهنّ للإمام الحسين(عليه السلام)بأشجى ندبة ، فقد اندفعت إحدى السيدات وهي تخاطب المسلمين قائلة :
ماذا تقولونَ إِنْ قالَ النَّبِيُّ لَكُمْ*** ماذا فَعَلْتُمْ وَأَنْتُمْ آخِرُ الأُمَمِ
بِعِتْرَتي وبأهلی بَعدَ مُنْقَلبي***منهُمْ أُسارى وَمِنْهُمْ ضُرَّجوا بِدَمِ
ما كانَ هذا جَزائي إِذْ نَصَحتُ لَكُمْ*** أن تَخْلُفوني بِسوءٍ فِي ذَوي رَحِمي
لقد عملت اللوعة على أهل البيت(عليهم السلام) على إيقاظ الجماهير في يثرب واندفاعها بحماس بالغ إلى إعلان العصيان المسلّح على الحكم الأموي .
3- ومن أسباب الثورة خلاعة يزيد ، وتجاهره بالفسق والفجور، وإعلانه ارتكاب الموبقات والمعاصي ، وقد رأى الأخيار والمتحرّجون في دينهم أن الخروج على حكومة يزيد واجب شرعي ، وأنهم مسؤولون أمام الله تعالى عن سكوتهم .
وقد أدلى بذلك أحد زعماء الثورة عبد الله بن حنظلة يقول : « والله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء .. إنه رجل ينكح الأمهات والبنات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة ، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاء حسناً»(1).
1) سير أعلام النبلاء : 3 : 324 .
ويقول المنذر بن الزبير - وهو من أعلام الثورة - : « إنّه - أي يزيد - قد أجازني بمائة ألف ، ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره ، والله إنّه ليشرب الخمر، والله إنّه ليسكر حتى يدع الصلاة »(1).
إن هذه العوامل - فيما أحسب - من أهم الأسباب في ثورة المدينة على حكومة یزید.
وأجمع رأي الثوار على طرد الحاكم العام في يثرب ، وسائر بني أمية ، وتشكيل حكومة مؤقتة يديرها أعضاء الثورة ، وكان الحاكم عثمان بن محمد بن أبي سفيان ، وهو فتى مغرور ، لم تحنّكه التجارب ، ولم تهذبه الأيام ، وجعل الناس يرمونه ويرمون الأمويين بالحجارة(2).
وفزع مروان أشدّ ما يكون الفزع من الثورة لأنه كان عنصراً مدمّراً من عناصر التخريب والفساد ، وقد خاف على نسائه من الاعتداء عليهن من قبل الثوّار ، فالتجأ إلى عبد الله بن عمر طالباً منه أن يحميهنّ ، فرفض ابن عمر إجابته ، والتاع مروان واندفع يقول : قبح الله أمراً كهذا(3).
وخف مسرعاً إلى الإمام زين العابدين(عليه السلام)الذي هو من معدن الرحمة والرأفة ، فعرض عليه الأمر ، فأجابه(عليه السلام)إلى ذلك ، فضم نساء الأمويين إلى حرمه ، وقد خرج
بهم إلى ينبع ، ثمّ إنّ عائشة بنت عثمان زوجة مروان خرجت إلى الطائف ، فمرّت بالإمام زين العابدين الالها فخاف عليها ، فأرسل معها ولده عبدالله محافظاً عليها ، ويقي معها حتى انتهت الواقعة .
ويقول المؤرّخون : « إنّ الإمام(عليه السلام)قد كفل أربعمائة امرأة مع أولادهن وحشمهنّ وضمَهنّ إلى عياله إلى أن خرج مسلم بن عقبة من المدينة ، وأقسمت واحدة منهنّ إنّها ما رأت فى دار أبيها من الراحة والعيش الهنيء مثل ما رأته في دار الإمام علي بن الحسين»(1).
وانتهت الأنباء إلى دمشق بخلع أهالي يثرب لحكومة يزيد ، وطردهم لعامله ، فاضطرب الطاغية يزيد ، وخاف من انتشار الثورة وامتدادها إلى بقية المناطق الإسلامية ، فانتدب أخطر مجرم ارهابي ، وهو مسلم بن عقبة لحرب أهالي مدينة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد وصفه الفخري بأنّه أحد جبابرة العرب ، وأنه كان شيخاً كبيراً لما ندبه يزيد للحرب ، ويحدثنا صاحب العقد عن شكله بأنه كان أعور أفغر ، ثائر الرأس ، كأنما يقلع رجليه من وحل إذا مشى .
ويقول المستشرق « دوزي » : « إنّه كان لا يؤمن بالله ولا بالإسلام ، وكان مريضاً ، فلما أسند إليه يزيد قيادة الجيش غرّه السرور ، وقد قال له يزيد : إن شئت أن أعفيك ، فإنّي أراك مدنفاً منهوكاً ، فقال له الخبيث : نشدتك الله أن لا تحرمني أجراً ساقه الله »(2).
وقد زوّده الطاغية يزيد بهذه الوصيّة الجهنمية التي تحمل الكفر والالحاد ،
فقد قال له : « إذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حرباً فالسيف السيف ، ولا تبقى عليهم ، وأنهبها عليهم ثلاثاً ، وأجهز على جريحهم ، واقتل مدیرهم »(1).
وأعرب في هذه الوصية عن نزعاته الشريرة التي تحمل الحقد على الإنسان ، والتي تستلذ بالإساءة إليه
وزحفت جيوش الضلال بقيادة الارهابي مسلم بن عقبة إلى احتلال مدينة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وكانت قطع الجيش تمرّ بيزيد وهو واقف على نشز من الأرض يحييها ، وقد أحاط به كبار المسؤولين وقادة الفرق في جيشه ، وأنشأ يقول :
أبْلِغْ أبا بكر إِذا الأَمْرُ انْبَرى*** وَانْحَطَّتِ الراياتُ مِنْ وادي القُرى
أَجَمْعُ سَكْرانٍ مِنَ القَومِ تَرى*** أَمْ جَمْعُ يَقْطَانٍ نَفَى عَنْهُ الْكَرَى ؟(2)
ويعرض في هذا الشعر إلى ما أعلنه زعماء المعارضة في أمره من أنه مدمن على شرب الخمر ، وأنّه لا يفيق من السكر، ويقول لهم : إنّ هذه الجيوش التي ساقها لحربهم هل هي منبعثة عن سكران ، أم عن يقظان قد نفى عنه الكرى ؟
وسارت جيوش يزيد تطوي البيداء لا تلوي على شيء ، حتى انتهت إلى يثرب ، ففرضت عليها حصاراً ، وقام المدنيون فحفروا الخندق الذي حفره رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم).
يوم الأحزاب ، وقال شاعرهم يخاطب يزيد :
إِنَّ بِالخَنْدَقِ المُكَلَّلِ بِالْمَجْـ*** ـد لَضَرْباً يُبْدِي عَنِ النَّشَواتِ
لَسْتَ مِنًا ، وَلَيْسَ خالُكَ مِنا*** يا مضيعَ الصَّلاةِ لِلشَّهَواتِ
فإذا ما قَتَلْتَنا فَتَنَضَّر*** وَاشْرَبِ الْخَمْرَ وَاتْرُكِ الْجُمُعاتِ (1)
ولم تتمكّن قوات يزيد من احتلال المدينة، إلا أن عبدالملك بن مروان خفّ بإيعاز من أبيه إلى مسلم بن عقبة فدلّه على عورات البلد ، وبذلك استطاع أن يلج بجيوشه إلى داخل البلد ، وقد التحم الجيشان في معركة دامية ، استشهد فيها البطل الإسلامي الكبير عبدالله بن حنظلة مع أبنائه ونخبة من أبناء المهاجرين والأنصار ، وقد فقدت المدينة في هذه الواقعة ثمانين من أصحاب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)حتى لم يبق بها بدري ، كما فقدت سبعمائة من قريش والأنصار ، وعشرة آلاف من سائر الناس(2).
واقترف الارهابي المجرم مسلم بن عقبة جميع الموبقات والجرائم ، وقد هتك حرمة مدينة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فكان يسميها فتنة (3)والرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)سماها طيبة ، وقد أباحها ، لجيشه الآثم ، فراح يمعن في قتل الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء ، وهتك الأعراض ، وأخذ البيعة لمن بقي من الناس على أنهم خول وعبيد ليزيد بن معاوية (4)
يفعل بهم ما يشاء .
وقد وصف السيد أمير على الهندي هذه الحادثة وعلّق عليها بقوله : « وقد استشهد في تلك المعركة التي كانت وبالاً على الإسلام من نواح عديدة زهرة أهل المدينة من الفرسان ، ومن خيرة أصحاب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهكذا أباح الأمويون المدينة ودنّسوها ، ذلك البلد الذي أوى الرسول مدّة حياته ، والذي كان مهبط رسالته ، كما قاسى أهلها الذين آووا الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وبذلوا أنفسهم دونه في ساعة العسرة أقسى ألوان العذاب ، وأشد أنواع الفظائع التي لم يكن لها مثيل في التاريخ سوى التي ارتكبها كونستابل الفرنسي، وما يماثلها من ضروب الوحشيّة التي قام بها اللوثريّون من أنصار جورج فرند سيرنج عند حصار روما .
ولا غرو فقد حول جند يزيد الجامع إلى اصطبل لخيولهم ، وهدموا الحرم والأماكن المقدّسة لسلب ما فيها من أثاث ومتاع ، وهكذا شاء القدر أن تنتصر الوثنية ولو مرة ضد الإسلام ، تلك الوثنية التي أخذت ثأرها من الإسلام في هذه المرة على ما يقوله مؤرّخ أوروبي .. وهكذا ردّ للإسلام ما أظهره نحوهم من رحمة ورفق ساعة انتصاره عليهم .
وأما خيرة اهل المدينة فمنهم من قتل ، ومنهم من فرّ لينجو بحياته إلى بعض الأقطار النائية ، وأما القليل منهم ممن ظلّ بالمدينة فقد أصبحوا سبايا وعبيداً ليزيد بن معاوية، ومن أبى منهم كان يكوى بالنار على رقبته ليوسم بتلك السمة المخزية»(1).
وأوجس الإمام زين العابدين(عليه السلام) خيفة من هذا المجرم الدنس ، فقد رأى حرمة
1) معاوية بن أبي سفيان : 265 و 266
المدينة المنوّرة قد انتهكت ، ودماء المسلمين أريقت بغير حق ، وكان(عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء :
«رَبِّ كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ قَلَّ لَكَ عِنْدَها شُكْرِي ، وَكَمْ مِنْ بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَني بِها قَلَّ لَكَ عِنْدَها صَبْرِي ، وَكَمْ مِنْ مَعْصِيَةٍ أَتَيْتُها فَسَتَرْتَهَا وَلَمْ تَفْضَحْنِي.
فيا مَنْ قَلَّ عِنْدَ نِعْمَتِهِ شُكْرِي فَلَمْ يَحْرِمْني ، وَيا مَنْ قَلَّ عِنْدَ بَلائِهِ صَبْرِي فَلَمْ يَخْذُلْني ، وَيا مَنْ رَآنِي عَلَى الْمَعَاصِي فَلَمْ يَفْضَحْنِي.
ياذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ أَبَداً ، وَيَاذَا النَّعْمَاءِ الَّتِي لا تُحْصى عَدَداً ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَادْفَعْ عَنّي شَرَّهُ فَإِنِّي أَدْرَا بِكَ في نَحْرِهِ ، وَأَسْتَعِيذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ » .
ولما غزا هذا المجرم الخبيث مدينة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)كان الإمام(عليه السلام) قد فزع إلى قبر جده رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) مستجيراً به، فالقي عليه القبض وجيء به إلى الطاغية ، فلما رآه ارتعدت فرائصه من هيبته ، وقام إليه تكريماً وقال له : سلني حوائجك ، فأخذ يتشفّع بمن حكم عليه بالإعدام ، فأجابه إلى ذلك ، ولما انصرف عنه قيل للإمام : رأيناك تحرّك شفتيك ، فما الذي قلت ؟
قال : قلت :
« اللهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظيمِ ، رَبَّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ ، وَأَدْرَاُ
بِكَ في نَحْرِهِ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُؤْتِينِي خَيْرَهُ وَتَكْفِيَني شَرَّهُ» .
وقيل للطاغية السفّاح : رأيناك تسبّ هذا الغلام وسلفه ، فلما أتى إليك رفعت منزلته ؟
فقال : ما كان ذلك لرأي منّي ، ولكن قد ملئ قلبي منه منه رعباً(1).
ولم يبايع الإمام ليزيد كما لم يبايع عليّ بن عبد الله بن العباس ، فقد انبری الحصين بن نمير ، فقال : لا يبايع ابن أختنا إلا ما بايع عليه علي بن الحسين على أنه ابن عم أمير المؤمنين ، وإلا فالحرب بيننا ، فأعفي عن البيعة .
وفي ذلك يقول عليّ بن عبد الله معتزاً بأخواله الذين حموه من هذا الطاغية :
أَبِي العَبّاسُ قَوْمُ بَني قُصَيَّ*** وَأَخْوالي المُلوكُ بَنو وَليعَة
هم مَنعوا ذِماري يَومَ جَاءَتْ*** كَنَائِبُ مُسْرِفٍ وَيَنو اللكيعة
أَرادوني التي لا عِزَّ فيها*** فَحالَتْ دونَهُ أَيْدٍ مَنيعة(2)
وأمر الطاغية المجرم مسلم بن عقبة بحز رؤوس الشهداء من أبناء يثرب ، فحزّت ، وبعثها هدية إلى الطاغية يزيد بن معاوية ، فلما وضعت بين يديه سُرّ بذلك سروراً بالغاً ، وجعل يتمثل بقول ابن الزبعرى يوم أحد :
لَيْتَ أَشْياخي بِبَدْرٍ شَهِدوا ***جَزَعَ الخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الأَسَلْ (3)
لأَمَلُوا وَاسْتَهَلُوا فَرَحاً ***وَلَقالوا: يا يَزيدُ لَا تُشَل (4)
وقبلها استشهد بهذا الشعر وترنّم به حينما وضع رأس ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وسيد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين(عليه السلام)بين يديه ، لقد تمنّى حضور الأحلاف من آبائه الذين حصدت رؤوسهم سيوف المسلمين ليروا أنه أخذ بثأرهم ، واستوفاه من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ومن المسلمين.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن واقعة الحرّة التي هي من أعظم الكوارث وأقساها في دنيا الإسلام ، وقد تركت في نفس الإمام زين العابدين(عليه السلام)اللوعة والأسى والحزن ، فقد نظر بأسى بالغ مدينه جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد عاث فيها فساداً جيش يزيد ، وتركها واحة موحشة قد ملئت بيوتها بالشكل والحزن والحداد .
وندمت الشيعة في الكوفة أشدّ الندم وأقساه على تركهم نصرة الإمام الحسين(عليه السلام)، فهم الذين كاتبوه وتضرعوا إليه لينقذهم من جور الأمويين وظلمهم، حتى إذا استجاب لهم تركوه نهباً للسيوف والرماح ولم ينبر والمناصرته والذب عنه.
لقد أخذت الشيعة تتلاوم فيما بينها ، وقد شعرت بهول الفاجعة وفداحة الرزء ، فأخذوا يفكرون في وسيلة عملية يكفّرون بها عن ذنبهم العظيم ، فلم يجدوا وسيلة تمحو عنهم الذنب سوى الاندفاع إلى الثورة ، والمطالبة بدم الإمام الحسين(عليه السلام)، وقد رفعوا شعارهم المعروف : « يا لثارات الحسين » .
وقد ألهب هذا الشعار الحماس في نفوس الشيعة ، بل وفي نفوس الساخطين على الحكم الأموي ، ونعرض بإيجاز إلى هذه الثورة التي تحمل سمة التشيع ، والتي هي أوّل ثورة قامت بها الشيعة على الصعيد الخارجي ، وفي ما يلي ذلك :
وعقد التوابون أول مؤتمر لهم في منزل الصحابي الجليل شيخ الشيعة سليمان بن
صرد الخزاعي ، وقد ألقيت في هذا المؤتمر عدة كلمات من قبل زعماء الحركة أبدوا فيها ندمهم وأسفهم لخذلهم الإمام الحسين(عليه السلام)، وأنهم يستوجبون سخط الله إذا لم يطلبوا بث بثأره ،وكان عدد المجتمعين أكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجهائهم(1)، وكان ذلك في سنة إحدى وستين هجرية(2). وهي السنة التي استشهد فيها الإمام الحسين(عليه السلام) .
واتَّخذ المؤتمر بالإجماع عدة قرارات بالغة الأهميّة دلّت على نضوج وعيهم السياسي ، وهي :
1 - انتخاب الزعيم سليمان بن صرد الخزاعي زعيماً للحركة وقائداً عاماً للثورة ، وقد أنيطت به وضع الخطط السياسية والعسكرية ومراسلة المناطق التي تضم الشيعة في العراق وخارجه .
2 - إخفاء الحركة والتكتم في أمرها ، وإحاطتها بكثير من السرية خوفاً من اطلاع السلطة عليها.
3- جمع الأموال والتبرعات من قبل الشيعة لشراء الأسلحة والمعدات الحربية ،وقد تبرّع خالد بن سعد سعد بجميع ما يملك ، وجعله تحت تصرف الثورة ، كما تبرّع أبو المعتمر الكناني بمثل ذلك ، وقد عينوا عبدالله بن وال التميمي لجمع الأموال ، وشراء الأسلحة بها (3).
4 - تحديد وقت الثورة، واتفق أعضاء المؤتمر على أن يكون خروجهم في غرّة
ربيع الآخر سنة ( 65هـ) وأنّ السنوات الأربع تكون فترة تأهب واستعداد للثورة .
5- أن تكون النخيلة هي الموطن الذي يجتمعون فيه ، ومنه تنطلق الثورة على الأمويين.
ولما حلّ الوقت المتفق عليه خرج التوابون من الكوفة ، وكانوا زهاء أربعة آلاف(1)، وتلاقوا في النخيلة ، واجتمعوا وهم بأكمل عدة ، وذلك في سنة( 65هـ )وهي السنة التي هلك فيها الطاغية الفاجر يزيد بن معاوية ، وقد انطلق الجيش إلى قبر الإمام الحسين(عليه السلام) ، فأقاموا فيه يوماً وليلة، وهم يصلّون على الإمام العظيم ويستغفرون له ، ويبكون ويتضرّعون ، ويعلنون ندمهم وتوبتهم إلى الله من خذلانهم لسبط النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وريحانته ، ثم انصرفوا عن القبر الشريف ، وهم يؤدون القسم للأخذ بثأره ، وكان عبدالله بن عوف الأحمر يلهب نفوس الجيش حماساً بشعره الثوري ، وكان يخاطب قطعات الجيش بقوله :
صَحَوْتُ وَوَدَّعْتُ الصِبا وَالغَوانِيا*** وَقُلْتُ لأَصْحابي أجيبوا المُنادِيا
وقولوا لَهُ إِذْ قامَ يَدْعو إلى الهُدى*** وَقَبْلَ الدُعا لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ داعيا
ثمّ يمضى الشاعر إلى الوتر الحسّاس الذي يثير عزائم النفوس، وهو الحديث عن مصرع الإمام العظيم فيقول :
فَأَضْحَى حُسَيْنُ لِلرِّماحِ دَرِينَةً*** وغُودِرَ مَسْلُوباً لدى الطف ثاويا
فَيالَيْتَني إِذْ ذاكَ كُنْتُ شَهِدْتُهُ*** فَضارَيْتُ عَنْهُ الشَّانِئِينَ الأَعادِيا
1) التنبيه والأشراف : 311 .
سَقَى اللهُ قَبْراً ضُمِّنَ المجد والتقى*** بغَرْبِيَّةِ الطَّفَ الغَمامَ الغَوادِيا
ويوجه الشاعر خطابه إلى الأمة قائلاً:
فَيا أُمَّةً تاهَتْ وضَلَّتْ سَفاهة*** أَنيبوا فَأَرْضُوا الواحِدَ المُتَعالِيا(1)
وقد ألهب هذا الشعر عواطف التوابين، ودفعهم إلى النضال لمناجزة قوى البغي والضلال .
وسارت كتائب التوابين تطوي البيداء لا تلوي على شيء ، وكان يقدمهم عبد الله ابن عوف ، وهو يرتجز بهذا الرجز:
خَرَجْنَ يَلْمَعْنَ بنا إِرْسالا*** عَوابِساً يَحْمِلْنَنا أَبطالا
نُريد أن نلقى بها الأقبالا*** القاسطين الغُدُرَ الضُّلالا
وقَدْ رَفَضْنا الوُلْدَ وَالأَمْوالا*** وَالخَفِراتِ البيض والحجالا
نَرْجُو بِهِ التَّحْفَةَ وَالنَّوالا*** تُرْضِي بِهِ ذا النعم المِفْضالا(2)
ويمثّل هذا الرجز الحماسة والاندفاع الشديد إلى الحرب الذي كان مسيطراً على التوابين ، وهم في طريقهم إلى محاربة الظالمين الغادرين الضالين ، وأنهم يرجون من وراء ذلك رضا الله تعالى .
وانتهت كتائب التوابين إلى عين الوردة ، فأقامت فيها ، وقد زحفت جيوش أهل الشام بقيادة المجرم عبيد الله بن زياد إلى محاربتهم ، وقد التحمت معها التحاماً رهيباً، وجرت بين الفريقين أعنف المعارك وأشدّها ضراوة ، وأبدى التوابون من
البسالة والصمود ما يعجز عنه الوصف ، واستشهد في تلك المعارك قادة التوابين ، کسليمان بن صرد ، والمسيب بن نجبة ، وعبد الله بن سعد ، وغيرهم .
ورأى التوابون أن لا قدرة لهم على مناجزة أهل الشام ، فتركوا ساحة القتال ، ورجعوا في غلس الليل البهيم إلى الكوفة ، ولم تتعقبهم جيوش أهل الشام ، وقد ترك استشهاد القادة من التوابين اللوعة والأسى في نفوس الشيعة ، وقد رثاهم الشاعر الكبير أعشى همدان بقصيدة ، ذكر فيها ما أبدوه من البسالة والصمود أمام جيش أهل الشام ، وفي ما يلى بعض أبياتها :
تَوَجَّهَ مِن دونِ النَّوِيَّةِ سائراً*** إلى ابْنِ زِيادٍ في الجُموعِ الكَتائِبِ
فَساروا وَهُمْ مِنْ بَينِ مُلتَمِسِ التَّقى*** وَآخَرَ مِمَّا جَرَّ بِالأَمْسِ تَائِبِ
فَلاقوا بِعَينِ الوَرَدةِ الجَيَش فاضِلاً*** عَلَيْهِمْ فَحَيّوهُمْ بِبيضٍ قَواضِبِ
فَجاءَهُمُ جَمْعٌ مِنَ الشَّامِ بَعدَهُ ***جُموع كَمَوْجِ البَحرِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ
فما برحوا حَتَّى أُبيدَتْ سُراتُهُمْ(1)*** فَلَمْ يَنجُ مِنْهُمْ ثُمَّ غَيْرُ عَصائِبِ
وَعُودِرَ أَهلُ الصَّبرِ صَرعَى فَأَصبحوا*** تَعاوَرَهُمْ ريحُ الصَّبا وَالجَنائِبِ
وأضحى الخُزاعِيُّ الرَّئيسُ مُجَدِّلاً*** كَأَنْ لَمْ يُقاتِلُ مَرَّةً وَيُحارِبِ
وَرَأْسُ بَني شَمْخ (2)وَفارِسُ قَومِهِ*** شَنوءَةَ(3)وَالتَّيْمِيُّ(4)هادِي الكتائِبِ
وَعَمْرُو بْنُ بِشْرٍ وَالوَليدُ (5)وَخالِدٌ(6)*** وَزَيدُ بْنُ بَكرٍ وَالحُلَيسُ بن غالب
أبَوْا غَيْرَ ضَرب يَعلِقُ الهامَ وَقْعُهُ ***وطعن بأطرافِ الأَسِنَّةِ صائب
فَيا خَيرَ جَيشِ لِلْعِراقِ وَأَهْلِهِ*** سَقَيْتُمْ رَوايا كُلِّ أَسْحَمَ سَاكِبِ
فَلا تَبعُدَنْ فُرسانُنا وحماتنا*** إذا البيضُ أَبْدَتْ عَنْ خِدامِ الكَواعِبِ
فَإِن تُقْتَلُوا فَالقَتلُ أَكْرَمُ مِيتَةٍ*** وَكُلُّ فَتى يَوماً لإحدى النوائب(1)
وما قُتِلوا حَتَّى أصابوا عِصابَةً*** مُحِلِّينَ حوراً كَالليوثِ الضَّوارِبِ (2)
ورسم أعشى همدان في هذه اللوحة الفنية صورة رائعة عن التوابين وأنّهم صنفان : صنف يلتمس التقى في جهاده ، وآخر يريد أن يكفّر عن ذنبه ويتوب إلى الله تعالى ، وأنّهم جميعاً أبدوا من البسالة والصمود ما يفوق حد الوصف ، وأن من الذين سقطوا صرعى في ميدان القتال فإنّ ريح الصبا والجنوب تمرّ على قبورهم، وهي تحمل لهم التحيّة والسلام والرضوان .
ويتحدّث أعشى همدان بإعجاب وإكبار عن زعماء الثورة وقادتها الذين استشهدوا في ساحة النضال فيثني عليهم ثناءً عاطراً ، ويختم تحيّته بالدعاء لهم بأن لا يبعدهم الله لأنّهم حماة الدار. إنّ هذه القصيدة من أروع ما قيل من الشعر في ثورة التوابين .
وعلى أي حال، فإنّ ثورة التوابين قد ملأت قلوب السفكة المجرمين من قتلة الإمام الحسين(عليه السلام)رعباً وفزعاً وخوفاً وهيأت الشيعة إلى النضال ضد الأمويّين .
يقول الدكتور يوسف خليف : « ومهما تكن النتيجة التي انتهت إليها ثورة التوابين، فإنّ الأمر الذي لا شك فيه هو أنّها تعدّ أشدّ ثورة قامت بها الشيعة بعد مقتل علي حتى ذلك الوقت ، وأنها كشفت الرماد عن جذوة التشيّع ، وأشعلت فيها النار ،
حتى ساعدت في النهاية على الاطاحة بحكم الأمويين كما أنها كانت من ناحية أخرى تمهيداً لثورة شيعية خطيرة هي ثورة المختار »(1).
من ألمع الشخصيات العربية والإسلامية التي عرفها التاريخ هو المختار بن أبي عبيدة الثقفي الفارس العربي الذي استطاع أن يتغلب على مجريات الأحداث ، ويفجر أعظم ثورة اجتماعيّة تبنّت العدل السياسي والاجتماعي ، وتحقيق الفرص المتكافئة بين الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم ، ونلمح بإيجاز عن معالم شخصيته والمكاسب العظيمة في ثورته ، وإلى القرّاء ذلك :
أمّا المعالم البارزة في شخصية هذا العملاق العظيم فهي :
كان المختار شديد الذكاء ، ومن ذكائه المفرط أنّه كان يقرأ ما في أعماق النفوس ويخاطب عواطف الناس ، وقد استطاع بذكائه أن يفجر ثورته الكبرى ، ويجمع حوله القلوب والعواطف ، وكان من أدنى إشارة يفهم الأحداث ، ويحيط بالأمور ، وقد ذكر المترجمون له نوادر كثيرة من ذكائه
كان المختار من أبرز دهاة العالم العربي، ومن دهائه أنه نجح نجاحاً باهراً في تنفيذ مخططاته السياسية الرامية إلى القضاء على القوى المعادية لأهل البيت(عليهم السلام)التي كانت تمثل الطبقة الرأسمالية والارستقراطية في الكوفة ، وقد استطاع أن يقضي
1) حياة الشعر في الكوفة : 73
على نفوذها وينزلها من كراسيها إلى ساحات السجون والقبور.
ومن معالم شخصيّة المختار أنّه كان قائداً حربياً ملهماً ، فقد كان من أبرز القادة العسكريّين في رسم المخططات الحربية ، ووضع المناهج العسكرية للتغلب على الأحداث، وهو الذي رسم الخطط الناجحة للانقلاب العسكري الذي قام به في الكوفة ، والذي لم يشهد له مثيل في العالم الإسلامي في ذلك العصر.
وكان المختار ورعاً تقياً محتاطاً في دينه أشدّ ما يكون الاحتياط ، وقد وضع أسس حكومته على العدل الشامل بين الناس ، وبالرغم من مشاغله العديدة فقد كان يقعد بنفسه للقضاء والفصل في الخصومات ، وقد اتخذ سياسة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)منهجاً يسير به في حكومته ، ويحدّث الرواة عن تقواه أنه كان في أيام خلافته القصيرة الأمد صائماً نهاره ، وكان لسانه يلهج بذكر الله تعالى .
أمّا الولاء لأهل البيت(عليهم السلام)فهو من عناصر المختار ومن ذاتيّاته ، وقد هام في ولائهم وحبّهم ، وممّا يدلّل على ذلك أنّ مسلم بن عقيل سفير الإمام الحسين(عليه السلام)إلى الكوفة لم يستخف في بيت أحد سوى المختار ، وكان يدلي إليه بأسراره ، ويفاوضه في كل ما يتعلّق بشؤون الثورة ، ويعرّفه بكلّ من بايع للإمام الحسين(عليه السلام)ولما عيّن الطاغية يزيد عبيد الله بن زياد والياً على العراق ، كان أوّل ما عنى به إبادة العناصر الموالية للإمام الحسين(عليه السلام)و اعتقالهم، وكان من بين المعتقلين المختار ، وقد بقي في سجنه حتى استشهد الإمام الحسين (عليه السلام)، فتشفَع به عبد الله بن عمر زوج أخته عند يزيد فشفعه فيه ، ولما خرج من السجن أخذ يناضل ويجاهد للاستيلاء على السلطة لتحقيق أهم ما يصبو إليه من الأخذ بثأر العترة الطاهرة ، ولما كتب الله له
النصر واستولى على الحكم أخذ يتتبع بلا هوادة السفكة المجرمين من قتلة الإمام الحسين(عليه السلام)، فسفك دماءهم، وهدم ديارهم ، وسنتحدث عن ذلك في البحث الآتي.
وكان من الطبيعي أن يحتل المختار المكانة المرموقة عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وينال الرضا في نفوسهم ، فقد أثلج قلوبهم ، وأدخل السرور عليهم حينما أخذ بثأرهم ، وأباد السفكة المجرمين من قتلتهم ، وقد تظافرت الأخبار بالثناء عليه والتقدير ، والإكبار لأياديه على آل النبي الله ، وفي ما يلي بعض تلك الأخبار :
1 - قال الإمام الصادق :« ما امْتَشَطَتْ فينا هاشِمِيَّةٌ ، وَلَا اخْتَضَبَتْ ، حَتَّى بَعَثَ إِلَيْنَا الْمُخْتارُ برُؤوس الذينَ قَتَلُوا الْحُسَيْن »(1).
لقد أدخل المختار السرور على آل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) الذين نخر الحزن قلوبهم على سيد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد أخذ بثأره من السفكة المجرمين .
2-قال الإمام أبو جعفر(عليه السلام): «لا تَسُبّوا الْمُخْتارَ ، فَإِنَّهُ قَتَلَ قَتَلَتَنَا ، وَطَلَبَ بِشَأْرِنا ، وَزَوَّجَ أَرامِلَنَا ، وَقَسَّمَ الْمَالَ فينا عَلَى الْعُسْرَةِ »(2).
3 - روی عبدالله بن شريك ، قال : « دخلنا على أبي جعفر(عليه السلام)يوم النحر وهو متكئ ، وقد أرسل خلف الحلاق، فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها ، فمنعه ، ثم قال : مَنْ أَنْتَ ؟
قال : أنا أبو محمد الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي ، وكان متباعداً من أبي جعفر ، فمد(عليه السلام)يده إليه ، حتّى كاد يقعده في حجره ، بعد منعه يده ، ثمّ قال :
أصلحك الله ، إن الناس قد أكثروا في أبي وقالوا ، والقول والله قولك .
قال أبو جعفر : وَأَيَّ شَيْءٍ يَقولونَ ؟
قال : يقولون : إنّه كذاب ، ولا تأمرني بشيء إلا قبلته .
فقال : سُبْحانَ اللهِ ، أَخْبَرَنِي أَبي أَنَّ مَهْرَ أُمّي كَانَ مِمَّا بَعَثَ بِهِ الْمُخْتارُ ، أَوَلَمْ يَبْنِ دُورَنا ، وَقَتَلَ قاتِلَنا ، وَطَلَبَ بِدِمائِنَا رَحِمَهُ اللهُ»(1).
وفي هذا الحديث دلالة صريحة على سموّ مكانته عند الإمام أبي جعفر(عليه السلام)وأنّ له اليد البيضاء على أهل البيت(عليهم السلام)بما أسدى لهم من الأخذ بثأرهم ، وإسعافهم بالأموال التي كانت منها مهر نسائهم ، وبناؤه لدورهم التي هدّمتها السلطات الأموية .
4 - ولما بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد ورأس عمر بن سعد إلى الإمام زين العابدين(عليه السلام)خرّ الإمام ساجداً الله ، وقال : «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْرَكَ لِي تَأْرِي مِنْ عَدُوّي ، وَجَزَى اللهُ الْمُخْتارَ خَيْراً»(2)
وكما كان مرضيّاً عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام) فقد كان مرضياً عند ياً عند عموم العلويين ، وكانوا يشكرون له أياديه عليهم ، فقد نقل الرواة عن محمد بن الحنفية أنه لما بعث إليه المختار برأس عبيد الله بن زياد ، ورأس عمر بن سعد ، خرّ ساجداً الله ، وبسط كفيه بالدعاء للمختار قائلاً: اللهمّ لا تنس هذا اليوم للمختار ، وأجزه عن أهل بيت نبيك محمد خير الجزاء ، فوالله ما على المختار بعد هذا من عتب»(3).
واتّهم هذا العملاق العظيم باتهامات رخيصة لفقها عليه أعداؤه وخصومه ، ومن بين هذه الاتهامات :
1- اتهامه بأنّه يوحى إليه ، وأن الملك جبرئيل ينزل عليه بالوحي ، وينبئه بالغيب (1).
2 -إنّ الملائكة تحارب معه في حروبه ، وإنّها تنزل في صورة حمامات بيض تقاتل مع جيوشه(2).
3-إنّه يضمن للناس الجنّة ، ويكتب لهم كتباً بذلك تشبه صكوك الغفران في المسيحيّة .
وما ات~هموه بهذه الاتهامات إلا لأنه أخذ بثأر الإمام العظيم أبي الأحرار(عليه السلام)، وأسقط بثورته الكبرى هيبة الحكم الأموي، وساوى بين العرب والموالي ، واتخذ سياسة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) منهجاً له في حكمه .
لقد احتل المختار كقائد سياسي محنك أعلى مرتبة في المجتمع في عصره ، وصار من أبطال التاريخ الذين تبنوا الحق ، ورفعوا راية الثورة ضد التخلف والجمود . ومن الطبيعي أن يكثر حاسدوه ويتهموه بالاتهامات الباطلة ، أما اتهامه بأنّه ينبئ عن المغيبات ، فمن المؤكد أنّه أخبر عن وقوع بعض الأحداث ، وقد وقعت فعلاً، فقد استقى ذلك من ميثم التمار تلميذ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومن ألمع حوارتيه ، والذي أخبره عن كثير من الأحداث التي ستقع على مسرح الحياة الإسلامية ، فقد أسرّ بها ميثم إلى المختار حينما كان معه في سجن الطاغية عبيد الله بن زياد ،
وهل في إخباره بذلك اتهام له بالنبوة ؟
فجر المختار ثورته العملاقة التي استهدفت تحقيق العدالة الاجتماعيّة بين الناس ، والأخذ بثأر الإمام أبي الشهداء الحسين(عليه السلام)، وقد تبنى المختار ذلك ، وجعله شعاراً لثورته ، وقد نادى قومه في شوارع الكوفة وأزقتها ، بهذا النداء : «يا لثارات الحسين» .
وقد دوّى هذا النداء المؤثر فى سماء الكوفة ، فكان كالصاعقة على الخونة والمجرمين من الذين اقترفوا أفظع جريمة سجّلها التاريخ الإنساني .
وقد استجابت له القوى الخيّرة والمحرومة ، فانضمت إلى الثورة ، ولنستمع إلى رائعة عبد الله بن همام السلولي شاعر الثورة يحدّثنا فيها عن التفاف الجماهير وحماسها واندفاعها نحو المختار . يقول :
وَفي ليلة المُخْتارِ ما يُذهِلُ الفَتى*** وَيُلْهِيهِ عَن دَورِ الشَّبابِ شَموعِ
دعا يا لثاراتِ الحُسَيْنِ فَأَقْبَلَتْ*** كَتائِبُ مِنْ هَمْدانَ بَعْدَ هَزِيعِ
وَمِنْ مَدْحِج جاءَ الرَّئيسُ ابْنُ مَالِكِ*** يَقودُ جُموعاً أُردِفَتْ بِجُموعِ
وَمِنْ أَسَدٍ وافى يَزيدُ لِنَصْرِهِ*** بِكُل فَتى حامِي الذُّمارِ مَنيعِ
وَجاءَ نُعَيمٌ خَيرُ شَيبان كُلها*** بِأَمر لَدَى الهَيْجا أَحَدٌ جَميعِ
ومَا ابْنُ شُمَيطٍ إِذْ يُحَرِّضُ قَومَهُ ***هُناكَ بِمَخْذولٍ وَلا بِمُضيع
وَلا قَيسُ نَهدِ لا ولا ابْنُ هَوازن*** وَكُلُّ أَخو إِخْبَاتِهِ وَخُشوع (1)
وتحدّث ابن همام عن الشعار الذي هتف به المختار في حركته الانقلابية ،
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 510 .
وهو « يا لثارات الحسين» وقد أثر أثراً بالغاً في نفوس الشيعة فاستجابوا له ، وقد تحدّث عن القبائل التي اشتركت في هذا الانقلاب ، وذكر بإكبار وإعجاب أسماء القادة الذين ساهموا مساهمة إيجابية وفعّالة في هذه الثورة .
وعلى أي حال ، فقد نجحت الثورة نجاحاً باهراً ، وتوطدت أركانها ،وتولّى المختار إدارة شؤون البلاد، وشكل حكومة من أعضاء ثورته وقادة حزبه.
أمّا الأهداف الأصيلة التي كانت تنشدها الثورة ، فهي:
حقّق المختار المساواة بين العرب والموالي في كافة الحقوق والواجبات ، وهدم الحواجز التي أوجدتها الحكومة الأموية لتفضيل العرب على غيرهم ، وتخصيصهم بالامتيازات ، ويرى بعض المستشرقين أن مساواة المختار بين العرب والموالي قد خدمت الإسلام ، وأتاحت أن ينتشر فيما بعد بين الشعوب غير العربية(1).
ويرى « فلهوزن » أنّ المختار خليق بالمديح لكونه كان أسبق من غيره في إدراك أنّ الأحوال القائمة آنذاك لا يمكن أن تبقى كما هي ، فقد كان العنصر العربي هو وحده المتمتّع بالحقوق المدنيّة كاملة في الدولة، ولو كان المختار قد حقق هدفه الأصلي لكان منقذ الدولة العربية(2)
ويقول الخرطوبي :« إنّ المختار هو الذي بث روح القوة والحياة في حزب الموالي ، فقد رفع شأنهم ، وأنصفهم ، ودافع عنهم ، وبث فيهم أمالاً وطموحاً ، وعمل على تحسين أوضاعهم السياسيّة والاجتماعية والاقتصاديّة ، وحرص
الموالي على هذه الحقوق طوال العصر الأموي والعبّاسي»(1).
ومن الجدير بالذكر أن الموالي كانوا يشكلون العمود الفقري في حكومة المختار ، وقد أسند إليهم الوظائف الرفيعة في دولته ، وولاهم القيادات العامة في جيشه واثقاً بإخلاصهم له .
ولم يفجر المختار ثورته الكبرى طمعاً بالملك وحباً للرئاسة والسلطان ، كما يتهمه بذلك بعض حسّاده ، وإنما كان يبغي الأخذ بثأر الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)، فكان قلبه يتحرّق غيظاً وموجدة على الخونة المجرمين من قتلة الإمام الحسين(عليه السلام)، ولما استتب له الأمر نكل بهم، وتتبعهم تحت كل حجر ومدر، فحصد رؤوسهم القذرة ، وصادر أموالهم ، وهدم دورهم ، ونعرض بإيجاز إلى بعض إجراءاته ضدّهم .
وأشاع المختار الرعب والفزع في نفوس القتلة المجرمين من الذين حاربوا الله ورسوله ، وقتلوا ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وسيّد شباب أهل الجنّة ، وقد فرّ بعضهم إلى عبدالملك بن مروان ليحميه من المختار ، وقد خاطبه شخص من هؤلاء السفاكين فقال له :
أَدْنُو لِتَرْحَمَنِي وَتَرِيقَ خَلَّتي*** وَأَراكَ تَدفَعُني فَأَيْنَ المَدفَعُ(2)
وانهزم عبد الملك بن الحجّاج التغلبي ، وكان ممن شارك في حرب الحسين ، فلجأ إلى عبد الملك بن مروان ، فقال له : إنّي هربت إليك من العراق .
فصاح به عبدالملك قائلاً : كذبت ليس لنا هربت ، ولكن هربت من دم الحسين ، وخفت على دمك ، فلجأت إلينا » (1).
وممن ناله الخوف وطارده الرعب أسماء بن خارجة الفزاري ، وهو من الذين حاربوا الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد قال فيه المختار: «أما وربّ السماء والماء وربّ الضياء والظلماء ، لتنزلن نار من السماء حمراء دهماء سحماء لتحرقن دار أسماء » ، ونقل كلامه إلى أسماء ، ففرّ فزعاً ، وهو يقول : أوقد سجع بي أبو إسحاق ، هو والله محرق ،داري ، وهرب من الكوفة (2).
وأسرع المختار في تنفيذ حكم الإعدام بلا هوادة بكل من اشترك في قتل سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين(عليه السلام)، وقد قتل في وقت واحد مائتين وثمانية وأربعين شخصاً (3)
وفرّ الخبيث الدنس المجرم شمر بن ذي الجوشن ، وكان من أحقد الناس على الإمام الحسين(عليه السلام)، فلاحقته شرطة المختار إلى أن أدركته وقتلته ، وألقيت جيفته للكلاب ، وكان المختار يقول :« ما من ديننا أن نترك قتلة الحسين أحياء بئس ناصر آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)أنا إذاً في الدنيا الكذاب ، وإنّي أستعين بالله عليهم .. إنّه لا يسوغ لي الطعام والشراب حتّى أطهر الأرض منهم ».(4).
وحمل إليه جماعة ممن اشتركوا في حرب الحسين ، وهم عبدالله بن نزال الجهني، ومالك بن بشر البدي، وحمل بن مالك المحاربي ، فقال لهم المختار :
« يا أعداء الله ورسوله ، أين الحسين بن عليّ ؟ أدوا إلي الحسين ، قتلتم من أمركم الله تعالى بالصلاة عليه في صلواتكم» .
فقالوا : بعثنا كارهين ، فامنن علينا واستبقنا
فصاح بهم المختار قائلاً: «هلا مننتم على الحسين ابن بنت نبيكم فاستبقيتموه وسقيتموه »(1).
وأمر بمالك بن بشر البدي فقطع يديه ورجليه ، وتركه يضطرب حتى هلك ، لأنه هو الذي سلب برنس الحسين(عليه السلام)، كما أمر بقتل الرجلين الآخرين(2)، وألقت شرطته القبض على كلّ من زياد بن مالك الضبعي ، وعمران بن خالد القشيري ، وعبد الرحمن بن أبي خُشْكارة البجلي ، وعبد الله بن قيس الخولاني ، فلما مثلوا عنده قال لهم بصوت محنق مغيظ : « يا قتلة الصالحين، وقتلة سيّد شباب أهل الجنة ، قد أقاد الله منكم الورس في يوم نحس » .
وهم الذين نهبوا الورس الذي كان مع الحسين(عليه السلام)، ونفذ فيهم حكم الإعدام(3).
وفزع الخبيث الدنس عمر بن سعد من المختار وخاف منه أشدّ ما يكون الخوف، فبعث إليه يطلب منه أن يكتب له أماناً ، فكتب له أماناً ، وشرط فيه أن لا يحدث ، وعنى به دخول الخلاء ، وأعلن المختار أمام أصحابه أنه سيقتل رجلاً عظيم القدمين، غائر العينين، مترف الحاجبين ، يسرّ قتله المؤمنين والملائكة المقرّبين ، وفهم الهيثم بن الأسود النخعي أنّه عنى عمر بن سعد ، وكان صديقاً له ، فأرسل إليه ابنه فأخبره ، وفزع الخبيث فركب ناقته وولى منهزماً من الكوفة ، وأخبر المختار بذلك ، فقال : « إنّ في عنقه سلسلة ستردّه » .
وقام ابن سعد طيلة الليلة على ناقته ، وهو لا يشعر بشيء ، وجعلت تطوف به الكوفة ، وانتهت به عند الصبح إلى داره ، فدخل فيها ، فبعث إليه المختار أبا عمرة مع جماعة من الشرطة فهجموا عليه داره ، فقام ليأخذ سيفه ويدافع عن نفسه ، فعثر في جبّة له ، فأسرع إليه أبو عمرة واحتزّ رأسه الخبيث ، وجاء به إلى المختار ، وكان إلى جانبه حفص بن عمر ، وقد بعثه أبوه ليطلب له أماناً ، فقال له المختار : أتعرف مَن هذا ؟
قال حفص : نعم ، ولا خير في العيش بعده ، وأمر به المختار فالحق بأبيه ، وقال : هذا - وأشار إلى رأس عمر - بحسين ، وهذا - وأشار إلى رأس حفص - بعلي بن الحسين ، ولا سواء ، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ، ما وفوا أنملة من أنامله »(1).
وانتهت بذلك حياة هذا الخائن الخبيث الذي حارب الله ورسوله ، وسعى في الأرض فساداً ، وقد ظنّ أنّه بقتله للحسين سينعم بملك الري ، ويعيش في رفاهية وسعة وإمرة ، إلّا أنّ الله خيب آماله ، فقد أخذ ابن زياد منه العهد الذي ولاه فيه الريّ ، وظل مقيماً في أرياض الكوفة ، وهو يتلقى التنديد والإهانة والاستخفاف من جميع الأوساط حتى ساقه المختار إلى جهنم وساءت مصيراً.
وممّن نال العقاب العادل المجرم الممسوخ حرملة بن كاهل الذي قتل عبدالله الرضيع نجل الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد ترك هذا الخبيث بجريمته قروحاً في قلوب العلويين، فقد روى المنهال بن عمرو ، قال : دخلت على على بن الحسين حال منصرفي من مكة ، فقال لي : يا مِنْهالُ ، ما صَنَعَ حَرْمَلَةُ بْنُ كَاهِلِ الْأَسَدِيُّ ؟
فرفع الإمام يديه إلى السماء ، وراح يدعو الله تعالى بحرارة قائلاً: اللَّهُمَّ أَذِقُهُ حَرَّ
1) الكامل في التاريخ : 3: 370
الْحَدِيدِ .. اللَّهُمَّ أَذِقْهُ حَرَّ النَّارِ .
قال المنهال : فلما قدمت إلى الكوفة ، قصدت المختار وكان لي صديقاً ، فسلمت عليه ، ورأيته مشغول الفكر ، يترقب أمراً ، وما هي إلا لحظات حتى جيء بالمجرم حرملة بن كاهل ، فأمر بإحضار نار، وتقطيع أوصاله وإلقائها في النار(1)، فكبّرت ، فالتفت المختار إليَّ وقال : إنّ التكبير لحسن ، لِمَ كبرت ؟
فأخبرته بدعاء الإمام علي بن الحسين ، وعظم ذلك عند المختار وصام يومه شكراً الله على استجابة دعاء الإمام على يده ، لقد صبّ المختار وابلاً من العذاب الأليم على رؤوس السفكة المجرمين من قتلة الإمام الحسين(عليه السلام)وسقاهم كأساً مصبّرة ، وأسكن بيوتهم الشكل والحزن والحداد.
وعلم المختار أنّ عبد الملك أرسل جيشاً مكثفاً بقيادة الجلاد عبيدالله بن زياد لفتح الكوفة ، وعهد إليه أن يبيحها ثلاثة أيام لجنده ، كما فعل يزيد بن معاوية في مدينة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فانتدب المختار لمناجزته جيشاً عقائدياً قد أترعت نفوس الكثيرين منه بالولاء لآل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وبالعداء لبني أمية ، وكان عهد بقيادته إلى الزعيم الموهوب إبراهيم بن مالك الأشتر ، وكان جيش ابن زياد يفوق جيش المختار عدة وعدداً ، إلا أنه كانت تنقصه الروح المعنوية ، والإيمان بالحرب ، وقد التحم الجيشان في معركة رهيبة ، وقد كتب الله النصر لجند الإسلام والإيمان ، فانهزم جيش الشام شر هزيمة ، وخسر خسائر فادحة في الأرواح والعتاد ، وقد حصد الزعيم إبراهيم بسيفه رأس الكفر والضلال ابن مرجانة ، وقتل الحصين بن نمير ، كما قتل أكثر القادة العسكريّين من أهل الشام ، وحمل رأس ابن مرجانة إلى المختار ،
1) إثبات الهداة : 5 : 214 .
فسر بذلك سروراً بالغاً .
ويقول المؤرخون : «إنّ حيّة دخلت في فم رأس ابن مرجانة ثم خرجت من منخره ، وقد فعلت ذلك مراراً »(1).
روجه المختار بالرأس الخبيث إلى الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)، وعهد إلى رسوله بأن يضع الرأس بين يدي الإمام وقت ما يوضع الطعام على الخوان بعد الفراغ من صلاة الظهر، وجاء الرسول إلى باب الإمام ، وقد دخل الناس لتناول الطعام ، فرفع الرجل عقيرته ونادى :« يا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومهبط الملائكة ، ومنزل الوحي ، أنا رسول المختار بن أبي عبيد ومعي رأس عبيد الله بن زياد ».
ولم تبق علوية في دور بني هاشم إلا صرخت(2)، فقد تذكّرن ما اقترفه ابن مرجانة من الجرائم تجاه حرائر النبوّة وعقائل الوحي .
ولما رأى الإمام رأس الطاغية سجد الله شكراً ، وقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِثْني حَتَّى أَنْجَزَ مَا وَعَدَ ، وَأَدْرَكَ تَأْرِي مِنْ عَدُوّي»(3).
والتفت الإمام إلى الحاضرين فقال لهم : سُبْحانَ اللهِ! مَا اغْتَرَّ بِالدُّنْيا إِلَّا مَنْ لَيْسَ لِلَّهِ في عُنُقِهِ نِعْمَةٌ ، لَقَدْ أُدْخِلَ رَأْسُ أَبي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى ابْنِ زِيادٍ وَهُوَ يَتَغَدَى»(4)
ويقول المؤرخون : «إنّ الإمام زين العابدين(عليه السلام)لم يُر ضاحكاً منذ أن استشهد أبوه ، إلا في اليوم الذي رأى فيه رأس ابن مرجانة ، وقد كانت له إبل تحمل إليه الفاكهة من الشام ، وفي ذلك اليوم قدمت إليه ، فأمر(عليه السلام) بتوزيعها على أهالي
المدينة(1)لهذه المناسبة الخالدة.
لقد كان لمقتل الطاغية صدى فرح واستبشار في جميع الأوساط الإسلامية ولعنه الناس جميعاً، وقد هجاه الشعراء وسبّوه وأظهروا الشماتة في قتله . يقول يزيد بن المفرّغ :
إِنَّ المَنايا إذا ما زُرْنَ طاغِيَةً ***هَتَكنَ أَسْتارَ حُجَّابٍ وَأَبْوابِ
أقولُ بُعداً وَسُحْقاً عِندَ مَصرَعِهِ*** لابْنِ الخَبينَةِ وَابْنِ الكَوْدَنِ الكابي
لا تَقبَلُ الْأَرْضُ مَوْتَاهُمْ إِذَا قُبِروا*** وَكَيْفَ تَقْبَلُ رِجْساً بَينَ أَثواب
إنَّ الذي عاشَ غَدَاراً بِذِمَّتِهِ*** وَماتَ هُزلاً قَتيلُ اللهِ بِالزَابِ
ما شُقَّ جَيْبٌ وَلا ناحَتْكَ نائِحَةُ*** ولا بَكَتكَ جِيادٌ عِنْدَ أَسْلاب(2)
وفي أنساب الأشراف : 6: 27 زيادة بيتين على هذه الأبيات وهما :
لَا أَنتَ رُوحِمْتَ عَنْ مُلْكٍ فَتَمْتَعَهُ*** وَلَا مَنَتْ إِلَى قَوْمِ بِأَسْبابِ
لَا مِنْ نِزارٍ وَلَا مِنْ جِدَمٍ ذِي يَمَن ق**** جَلمودَةِ القَيدِ مِنْ بَيْنِ الهَابِ
وأبدى أبو العباس الزبيدي إعجابه بإبراهيم وجيشه على ما أحرزوه من النصر العظيم قائلاً:
أَناكُمْ غُلامٌ مِن عَرانينِ مَدْحِجِ*** جَرِيٌّ عَلَى الأَعْداءِ غَيْرُ نَكول
أَتاهُ عُبَيْدُ اللهِ في شَرَ عُصْبَةٍ*** مِنَ الشَّامِ لَمّا أَن رَضوا بِقَليل
فَلَمَّا الْتَقَى الجَمْعَانِ في حَوْمَةِ الوَغَى*** وَلِلْمَوتِ فيهِمْ ثَمَّ جَرُّ ذيول
فَأَصْبَحْتَ قَدْ وَدُعْتَ هِنْداً وَأَصْبَحَتْ*** مُوَلَّهَةً ما وَجُدُها بقليلِ
وَأَخْلِقْ بِهِنْدِ أَن تُساقَ سَبِيةٌ*** لها من أبي إسحاق شَرُّ حَليل
فيابن زياد بُؤْ بِأَعْظَم هالِكِ*** وَذُقْ حَد ماضي الشَّفْرَتَينِ صَقيل
جزى الله خيراً شُرطَةَ اللهِ إِنَّهُم*** شَفَوا بِعُبَيْدِ اللهِ كُلَّ غَليلِ(1)
وقال عمير بن الحباب السلمي يهجو الجيش الذي كان مع ابن زياد في هذه المعركة :
وَما كانَ جَيشُ يَجْمَعُ الخَمْرَ وَالزِّنَا*** مُحِلَاً إِذا لاقى العَدُوَّ لِيُنْصَرا(2)
إنّ الجيش الذي خفّ معه كان مؤلّفاً من عصابة مجرمة لم تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وإنّما انطلقت معه سعياً وراء مصالحها وأغراضها .
وعلى أي حال، فقد أدخل المختار السرور على قلوب العلويين بقتله لهذا الطاغية الأثيم ، وغيره من الجناة الذين شاركوا في قتل سيد شباب أهل الجنّة ، ولم يقتصر المختار على هذه المبرّة الكبرى للعلويين ، وإنّما كان يمدهم بالمال الجزيل ، فقد بعث بعشرين ألف دينار إلى الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فقبلها وبنى بها دور بني عقيل التي هدمتها بنو أمية (3)، ووصل الإمام(عليه السلام)بمال كثير كما وصل محمد بن الحنفية وسائر العلويّين بأموال كثيرة .
لقد كان المختار من حسنات الدنيا ، ومن مفاخر الأمة العربيّة والإسلاميّة ، ومن أبطال التاريخ ، فقد ثار للحقّ ، وتبنّى القضايا المصيرية للأمة ، وقد شفى الله بثورته الخالدة قلوب المؤمنين ، فقد قضى على تلك الزمرة الخائنة ، وأذاقها وبال ما جنت أيديها ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن ثورة المختار .
وانطوت نفوس الحجازيين على كره عميق للأمويين وذلك لاعتدائهم الصارخ في أيّام يزيد على مدينة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وعلى الكعبة المقدسة التي هي موضع عزّ المسلمين وفخرهم ، وعندما دعاهم ابن الزبير لمبايعته استجابت له الأكثرية الساحقة منهم ، وقد خلص له الحجاز بأسره كما خلص له غيره من سائر الأقاليم الإسلامية ، ولكن ابن الزبير لم يكن أهلاً لهذا المنصب الخطير ، فإنّه لم يكن مهتماً بصالح الأمة ، وإنقاذها من ظلم الأمويين وجورهم ، وإنما كان يبغي الملك والسلطان ، وقد عرف عبدالله بن عمر نفسيته ووقف على اتجاهاته ، فقد ألحت عليه زوجته بمبايعته ، فقال لها : أما رأيت نخلات معاوية التي كان يحجّ إليها الشهباء ، فإنّ ابن الزبير ما يريد غيرهنّ»(1)
وقد تسلّح للاستيلاء على السلطة بإظهار النسك والعبادة وملازمة البيت الحرام يطوف به تارة ، ويصلّي به أخرى وذلك لإغراء السذج والبسطاء . يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): « يَنْصِبُ حُبالَةَ الدِّينِ لاصْطِفاءِ الدُّنْيا »(2)
وقد كان له ماض أسود ، فهو الذي حارب وصيّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وباب مدينة علمه ، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو الذي دفع أباه الزبير لمحاربته ، وقد فسح بذلك المجال للأمويين أن يعلنوا العصيان المسلّح على السلطة الشرعيّة ، ويستولوا أخيراً على زمام الحكم .
ونفرت منه الجماهير ، وكرهت حكمه ، وذلك لبخله ، حتّى قيل إنّه كان حينما يعطي مال الله للفقراء كأنه يعطي ميراث أبيه (3).
ويقول الفخري : « إنّه كان عظيم الشحَ ، فلذلك لم يتمّ أمره »(1).
وقد عاب عليه أبو حرّة بخله بقوله :
إِنَّ المَوالِيَ أَمْسَتْ وَهيَ عاتِبَةٌ*** عَلَى الخَليفَةِ تَشْكو الجوع والسَّغَبا
ماذا عَلَينا وَماذا كانَ يَرْزَؤُنا*** أَيُّ المُلوكِ عَلى ما حَولَنا غَلَبا(2)
وقد أراد ابن الزبير أن يستر شحّه على الناس فكان يقول : « إنّما بطني شبر فما عسى أن يسع ذلك من الدنيا ؟ وأنا العائذ بالبيت ، والمستجير بالرب»(3).
وقد أثارت عليه هذه الكلمة السخرية من جميع الأوساط ، فقد عرفه الجميع بأنّه ذئب لا يتورع عن نهب أموال المسلمين، وأنه يقضم أموال الله قضم الإبل نبتة الربيع، ويقول فيه الضحاك بن فيروز ساخراً :
تَقولُ لَنا أَنْ سَوفَ يَكْفِيكَ قَبضَةٌ*** وَبَطْنُكَ شِبْراً أَوْ أَقَلَّ مِنَ الشَّبْرِ
وَأَنْتَ إِذا ما يَلتَ شَيْئاً قَضَمتَهُ*** كَما قَضَمَتْ نارُ الغَضى حَطَبَ السِّدْرِ
فَلَوْ كُنْتَ تَجْزِي أَوْ تَبِيتَ بِنِعْمَةٍ*** قريباً لَرَدَّتْكَ العُطُوفُ عَلى عَمرو (4)
ويعزو المحللون السياسيون السبب في سقوط حكومته إلى بخله ، وفقره النفسي ، وأنه لو تمّ له الأمر لأشاع البؤس والفقر بين الناس.
كان ابن الزبير يبغض آل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)الذين فرض الله مودّتهم على كلّ مسلم،
ويحقد عليهم أشدّ ما يكون الحقد، وبلغ من حقده عليهم أنه ترك الصلاة على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في خطبته ، فقيل له في ذلك ، فقال : « إن له أهل سوء يشرئبون لذكره ، ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به»(1).
ويقول ابن الزبير لابن عباس : «إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة»(2).
لقد تنكر هذا الجلف لعترة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)الذين هم مصدر الوعي والفكر في الإسلام، وتناسى فضل النبي العظيم (صلی الله علیه وآله وسلم)على قومه ، فهو الذي أنقذهم من حياة البؤس في الصحراء ، وبنى لهم مجداً وملكاً وجعلهم سادة الأمم والشعوب .
وطلب ابن الزبير من العلويين البيعة له ، فامتنعوا ، وقالوا : « لا نبايع حتى تجتمع الأمّة ، فأوعز إلى شرطته باعتقالهم ، فاعتقلوا في زمزم وتوعدهم بالقتل والاحراق ، وضرب لهم أجلاً مسمّى ، وأشار على ابن الحنفية بعض أتباعه أن يستنجد بالمختار حاكم العراق ، فكتب إليه يعلمه بحاله ، فاستجاب له المختار على الفور ، وأرسل مفرزة عسكرية بقيادة أبي عبد الله الجدلي ، وأسرع الجيش في سيره حتى انتهى إلى مكة ، وقد رفعوا الرايات وهم ينادون : « يا لثارات الحسين » ، وانتهوا إلى المسجد الحرام وقد أعد ابن الزبير الحطب على باب السجن الذي فيه العلويون ، وقد عزم الباغي على إحراقهم ، وهجم الجيش على السجن ، وأخرجوا منه العلويين وطلبوا من محمّد بن الحنفية أن يخلّي بينهم وبين ابن الزبير لينا جزوه الحرب ، فأبى ، وقال لهم : مقالة الرجل المؤمن الكريم أنّي لا أستحل الحرم ،
ولم يسمح لهم بقتاله . وفي نجاة ابن الحنفية من سجن ابن الزبير يقول الشاعر كثير بن عبد الرحمن :
فَمَنْ يَر هذا الشيخ بالخيفِ مِنْ مِنى*** مِنَ النَّاسِ يَعْلَمْ أَنَّهُ غَيرُ ظالم
سَمِيُّ النَّبِيِّ المُصْطَفَى وَابْنُ عَمْهِ*** وَفَكاك أغلالٍ وَنَفَاعَ غارِمِ
أبي فَهوَ لا يَشْري هُدى بِضَلالَةٍ*** وَلَا يَتَّقي في اللهِ لَوْمَةَ لائِم
ونَحنُ بحَمدِ اللهِ نَتْلو كِتابَهُ ***حلولاً بهذا الخَيفِ خَيفِ المَحارِمِ
بحيثُ الحَمامُ آمِنُ الرُّوعِ ساكن*** وَحَيثُ العَدُو كالصديقِ المُسالِمِ
فَما فَرَحُ الدُّنْيا بِباقٍ لأَهْلِها*** وَلَا شِدَّةُ البلوى بِضَربَةِ لازم
تُخَبِّرُ مَنْ لاقَيتَ أَنَّكَ عَائِذٌ*** بَل العائِدُ المَظْلُومُ في سِجْنِ عارِمِ (1)
ونحن على ثقة أن ابن الزبير لو استتبت له الأمور لم يبق علوياً على وجه الأرض ، ولكنّ الله تعالى بلطفه قوّض سلطانه وأطاح بملكه
وكان من الطبيعي أن تسقط حكومة ابن الزبير بعد أن بلي بالبخل والاستبداد بالرأي والعجب بنفسه كما يقول عبد الملك بن مروان(2)- وقد زحفت إليه جيوش - الأمويين بقيادة السفّاك الأثيم الحجاج بن يوسف الثقفي فاحتلت مكة المكرمة ، واعتصم ابن الزبير بالبيت الحرام، وهو يرجو السلامة والنجاة ، ظ-اناً أن اعتصامه بالبيت الحرام سوف يوفّر له الحماية وعدم الاعتداء عليه ، وقد أخطأ في ذلك ، فإنّ الجيش الأموي لا يرجو لله وقاراً ، ولا يرعى للبيت حرمة ، فقد أخذت قذائف
النار تتساقط عليه ، وقد فرّ أكثر أصحابه وهم يطلبون من الحجاج الأمان ، وهو يمنحهم ذلك ، حتى بقي في عدد قليل من أصحابه ، فهجمت عليه جيوش الأمويين ، وحصدت رأسه ، وصلبه الحجّاج إلى جانب المسجد الحرام ، وبقي مصلوباً لم يسمح الحجّاج بمواراته ، حتى أذن له عبدالملك بذلك .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن ثورة ابن الزبير الذي لم يستهدف في ثورته إلّا تحقيق رغابته الخاصة دون أن يحفل بأي مصلحة للأمة أو مكسب لها .
هذه بعض الثورات التي تفجرت في ذلك العصر ، وهي وليدة الضغط السياسي الذي منيت به الأمة أيّام الحكم الأموي ، وقد استهدف فقدان الاستقرار ، وانعدام الأمن ، ومطاردة السلطة لأحرار الأمة ، ورجال الوعي والفكر .
أما الحياة الاقتصادية في عصر الإمام زين العابدين(عليه السلام)فقد كانت مشلولة ومضطربة إلى أبعد الحدود، فقد تدهورت الزراعة التي هي العمود الفقري للاقتصاد العام في ذلك العصر ، وذلك بسبب الفتن والاضطرابات الداخلية ، وإهمال الدولة لمشاريع الري ، وما يوجب إصلاح الأرض ، وقد نجم عن ذلك شيوع مجاعات عامة ، عرض لها المؤرّخون ، كما ارتفعت أسعار السلع ، وقد خلت أكثر البيوت من حاجات الحياة ، وأصبحت بطون الناس طاوية ، وأجسامهم عارية ، وقد صوّر شاعر أسدي(1)سوء حياته الاقتصادية وما هو فيه من بؤس وشقاء بقصيدة يمدح بها بعض نبلاء الكوفة ، طالباً منه أن يسعفه بمعروفه ويره . اسمعوا ما يقول :
يا أَبا طَلحَةَ الجَوادَ أَغِثْني*** بِسِجالٍ مِنْ سَيِبَك المَعتوم
أخي نَفْسي فَدَتْكَ نَفْسي فَإِنِّي*** مُفلِسٌ قَدْ عَلِمتَ ذاكَ قَديم
أَوْ تَطَوَّعْ لَنا بِسلفِ دَقيقٍ*** أَجْرِهِ إِنْ فَعَلتَ ذاكَ عَظيم
قَدْ عَلِمْتُمْ فَلا تَقاعَسَ عَنِّي*** ما قضى اللهُ في طَعَامِ الْيَتِيمِ
لَيسَ لي غَيرُ جَرَّةٍ وَأَصِيصٍ ***وَكِتابٍ مُنَمْنَم كَالوَشومِ
وَكِساءٍ أَبيعُهُ بِرَغيف ***قَدْ رَفَعْنا خُروقَهُ بِأَديم
وَأُكافٍ أَعارَنيهِ نَشيط ***وَلِحافٍ لِكُلِّ ضَيفٍ كَريم (2)
أرأيتم هذا التملق والاستطعاف من هذا الشاعر البائس الذي نهشه الفقر
والحرمان ؟ لقد أماته الجوع ، ويطلب أن يسعفه هذا الكريم بالطعام ليحيي نفسه ،وذكر ما يملكه من أثاث بسيط كان به في منتهى البؤس والفقر.
وكانت عامة الشعوب الإسلامية تعيش حياة بائسة لا تعرف السعة والرخاء ، وقد تحوّل الاقتصاد العام إلى جيوب الأمويين وعملائهم .
وانغمس الأمويون بالنعم والترف، فكان فتيانهم يرفلون في القوهي(1)والعرشي كأنهم الدنانير الهرقليّة (2)
وكان عمر بن عبد العزيز يلبس الثوب بأربعمائة دينار ويقول : ما أخشنه (3).
وروى هارون بن صالح ، عن أبيه ، قال : «كنا نعطي الغسال الدراهم الكثيرة حتّى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبدالعزيز من كثرة الطيب - يعني المسك - الذي فيها »(4).
وكان مروان بن أبان بن عثمان يلبس سبعة أقمص ، كأنها درج بعضها أقصر من بعض ، وفوقها رداء عدني بألفي درهم(5).
وقد ذكر المؤرخون نوادر كثيرة من ترفهم وتلاعبهم باقتصاد الأمة وثرواتها .
وبالغ الأمويّون في هباتهم للشعراء ، فقد أجزلوا العطاء إلى الأحوص شاعرهم ،
فقد أعطوه مرّة مائة ألف درهم (1).
وأعطوه مرّة أخرى عشرة آلاف دينار (2).
ويشير في شعره إلى أن ثراءه الواسع لم يكن مكتسباً من تجارة أو ميراث ،وإنّما هو من هبات الأمويين وعطاياهم . يقول :
وما كان مالي طارِفاً مِنْ تِجارَةٍ ***وَما كان ميراثاً مِنَ المالِ مُتلدا
وَلكِنْ عَطايا مِنْ إِمَامٍ مُبارَكِ*** مَلا الأَرْضِ مَعْروفاً وجوداً وَسُؤْدَدا (3)
ويقول الأحوص في مدح الوليد بن عبد الملك :
إمامٌ أَتَاهُ المُلكُ عَفْواً وَلَمْ يَثْب*** عَلى مُلكه مالاً حراماً وَلا دَما
تَخَيْرَهُ رَبُّ الْعِبادِ لِخَلْقِهِ*** وَلِيّاً وَكانَ اللهُ بِالنّاسِ أَعْلَما
فَلَمَّا ارْتَضاهُ اللهُ لَمْ يَدْعُ مُسْلِماً ***لبَيْعَتِهِ إِلَّا أَجابَ وَسَلَّما
يَنالُ الغِنى وَالعِزَّ مَنْ نالَ وُدَّهُ ***وَيَرهَبُ مَوْتاً عاجلاً مَنْ نَشَأَما
وَأَنَّ بِكَفِّيهِ مَفاتيحَ رَحمَةٍ*** وَغَيثَ حَياً يَحْيا بِهِ النَّاسُ مَرْهَماً(4)
ومعنى الأبيات الأخيرة من هذا الشعر أنّ من يتصل بالوليد ، ويكون من عملائه فإنّه ينال الغنى والثراء العريض، وأما من ينصرف عنه فإنّه ينال الموت المعجّل . ومن الطبيعي أن هذه صفات الحكم الدكتاتوري الذي يسير وراء الأهواء والعواطف ، ولا يتقيّد بالقانون .
وأجزل الأمويون العطاء للمغنّين ، فقد أعطى الوليد بن يزيد معبداً المغني اثني عشر ألف دينار(1).
واستقدم جميع مغنّيّي الحجاز فأجازهم جوائز كثيرة (2).
ووفد على يزيد بن عبدالملك معبد ومالك بن أبي السمح وابن عائشة فأمر لكلّ واحد منهم بألف دينار. وطلب الوليد المغنّي يونس الكاتب فذهب إليه وغناه ، فأعجب بغنائه، وأجازه بثلاثة آلاف دينار(3).
وهكذا كانت تتبدّد ثروات الأمّة على المغنّين والعابثين والمجانين ، في وقتٍ أخذ الفقر والبؤس فيه بخناق المواطنين ، ولم يعد للاقتصاد الإسلامي أي وجود في واقع الحياة العامة .
وسادت حياة اللهو والعبث والمجون في كثير من أنحاء العالم الإسلامي ، وخصوصاً في الأماكن المقدّسة ، كالمدينة المنوّرة ومكة المكرمة ، فقد عمدت الحكومات الأموية إلى إشاعة ذلك في المدينتين المقدستين لإسقاط هيبتهما من نفوس المسلمين ، ونعرض بإيجاز إلى اللهو والمجون في المدينة المنوّرة :
شاع الغناء في المدينة المنوّرة حتى صارت مركزاً له ، يقول أبو الفرج : « إنّ الغناء
في المدينة لا ينكره عالمهم ، ولا يدفعه عابدهم »(1).
ويقول أبو سيف لبعض أهالي المدينة : « ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني ، ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها (2)، وكان العقيق إذا سال وأخذ المغنّون يلقون أغانيهم لم تبق في المدينة مخبأة ، ولا شابة ، ولا شابّ ، ولا كهل ، إلا خرج ببصره(3)ويسمع الغناء.
ومن طريف ما ينقل أنّه شهد عند عبد العزيز المخزومي قاضي يثرب دحمان المغنّي الشهير لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق ، فأجاز القاضي شهادته وعدله ، فقال له العراقي : إنّه يغنّي ويعلّم الجواري الغناء ، فقال القاضي : غفر الله لنا ولك ، وأينا لا يتغنّى»
(4). وكان فقيه المدينة مالك بن أنس له معرفة تامة بالغناء ، فقد روی حسین بن دحمان الأشقر ، قال : «كنت بالمدينة فخلالي الطريق وسط النهار ، فجعلت أغنّي :
ما بال أهلِكِ يا رباب*** خُزْراً كَأَنَّهُمْ غِضابُ
قال : فإذا خوخة قد فتحت ، وإذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء ، فقال : يا فاسق ، أسأت التأدية ، ومنعت القائلة ، وأذعت الفاحشة ، ثم اندفع يغنّي فظننت أن طوياً قد نشر بعينه ، فقلت له : أصلحك الله ، من أين لك هذا الغناء ؟
فقال : نشأت وأنا غلام حدث أتبع المغنين، وأخذ عنهم ، فقالت لي أمي : إن المغنّي إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء ، واطلب الفقه ،
فإنّه لا يضر معه قبح الوجه ، فتركت المغنين واتبعت الفقهاء .
فقلت له : فأعد جعلت فداك .
فقال : لا ، ولا كرامة ، أتريد أن تقول : أخذته عن مالك بن أنس ، وإذا هو مالك بن أنس ، ولم أعلم» (1).
وسواء أصحت هذه الرواية أم لم تصح ، وأن الحاقدين على الإمام مالك قد وضعوها للحطّ من شأنه ، فإنّ الذي لا ريب فيه أنّ المدينة المنوّرة في ذلك العصر كانت مركزاً من مراكز الغناء في العالم الإسلامي ، ومعهداً خاصاً لتعليم الجواري الغناء .
وكانت تقام في يثرب حفلات الغناء والرقص، وربّما كانت مختلطة بین النساء والرجال ، ولم توضع بينهما ستارة(2).
وروى أبو الفرج : « أنّ جميلة جلست يوماً ولبست برنساً طويلاً، وألبست من كان عندها برانس دون ذلك ، ثمّ قامت ورقصت ، وضربت بالعود ، وعلى رأسها البرنس الطويل ، وعلى عاتقها بردة يمانية ، وعلى القوم أمثالها ، وقام ابن سريج يرقص ، ومعبد ، والغريدي ، وابن عائشة ، ومالك ، وفي يد كل منهما عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها ، فغنّت وغنّى القوم على غنائها ، ثم دعت بثياب مصبغة ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا ، وتمشت ومشى القوم خلفها ، وغنت وغنّوا بغنائها بصوت واحد(3)، وكانت عائشة بنت طلحة تقيم احتفالات مختلطة من الرجال
والنساء ، وتغنّي فيها عزة الميلاء»(1).
لقد تأثر المدنيون بالغناء بعدما استولى على مشاعرهم وعواطفهم، وقد نقل الرواة عن قاضي المدينة محمد بن عمران التيمي أنه استمع إلى جارية عنده تغني فأثر ذلك عليه ، فقام بلا وعي إلى نعله فعلقها في أذنه من شدّة الطرب ، وحبا على ركبتيه ، وأخذ بطرف أذنه والنعل فيها ، وجعل يقول : اهدوني أنا بدنة ، اهدوني أنا بدنة (2).
وسمع ابن أبي ربيعة صوتاً من جميلة فشق قميصه إلى أسفله ، فصار قباءاً ، وهو لا يدري (3)..
وبلغ من شدّة تأثرهم بالغناء أنّ يزيد بن عبدالملك لما اشترى المغنيّة«سلامة القسّ » من مولاها بعشرين ألف دينار ، خرج أهل المدينة لتوديعها ، وقد ملأوا رحبة القصر ، فوقفت بينهم فغنتهم :
فارقوني وَقَدْ عَلِمْتُ يَقيناً*** ما لِمَنْ ذاقَ مِيتَةٌ مِنْ إِيابِ
ولم تزل تردّد هذا الصوت والناس وراءها ينتحبون ويبكون(4).
واشترى يزيد بن عبدالملك « حبابة » فجعلت تغنّي عنده ، وكان إلى جانبه الذي باعها وهو من أهل المدينة ، فعرض لحيته إلى شمعة فاحترقت ، وهو لم يحس بها
من شدة الطرب(1).
وقد نقل المؤرّخون نوادر كثيرة عن شدة تأثر المدنيين بالغناء .
وكانت يثرب تعج بالمغنّيات، وكنّ يقمن بدور فعّال في تعليم الغناء للفتيات والفتيان ، ونشر الغناء ، وإشاعة المجون والفساد ، ومن المؤسف حقاً أن مدينة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)صارت في العصر الأموي مركزاً للحياة العابثة ، وكان من المؤمل أن تكون معهداً للثقافة الدينية ومصدراً للاشعاع الفكري والحضاري في العالم العربي والإسلامي ، إلّا أنّ الأمويين سلبوها هذه الظاهرة ، وأفقدوها زعامتها الدينية والسياسيّة .
وعاش ملوك الأمويين حياة كلها لهو وعبث وفسق ومجون ، فكانت لياليهم الحمراء تعج بالخمور والغناء والرقص ، وكان أوّل من اتخذ الغناء ،وأوى المغنّين من بني أمية يزيد بن معاوية ، فقد طلبهم من المدينة(2)، وكان يتجاهر بالفسق والفجور ويشرب الخمر علناً .
ومن مجانهم الوليد بن يزيد ، فقد طلب ابن عائشة المغني فغنّاه فطرب على غنائه ، وقال له : أحسنت والله يا أميري ، ثم نزع ثيابه فألقاها عليه ، ويقي مجرّداً إلى أن أتوه بمثلها ، ووهب له ألف دينار، وحمله على بغلة ، وقال : اركبها بأبي أنت وانصرف ، فقد تركتني على مثل
( المقلى ) من حرارة غنائك(3).
واستقدم الوليد عطرداً المغني ، ولما سمع منه أحد أصواته فقد وعيه ، فشق حلة وشي كانت عليه ، ورمى بنفسه في بركة خمر ، فما زال بها حتى أخرج كالميت سكراً ، فلما أفاق قال لعطرد : كأني بك قد أتيت المدينة ، فقمت في مجالسها وقعدت ، وقلت : دعاني أمير المؤمنين ، فدخلت عليه فاقترح علي فغنّيته وأطربته ، وشق ثيابه وفعل ، والله لئن تحرّكت شفتاك بشيء مما جرى فبلغني لأضربن عنقك ، ثم أعطاه ألف دينار فأخذها وانصرف إلى المدينة (1).
ومن مجانهم يزيد بن عبد الملك ، فقد طلب ابن عائشة ، فلما مثل عنده أمره بالغناء ، فغنّاه صوتاً طرب منه حتى ألحد في طربه ، وقال لساقيه : إسقنا بالسماء الرابعة(2).
وأشاع هؤلاء الملوك الفسق والفجور في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، خصوصاً في يثرب، وذلك للقضاء على قدسيتها، وما تتمتع به من مكانة مرموقة في نفوس المسلمين.
وكان موقف الإمام زين العابدين(عليه السلام)أمام هذه التيارات الفاسدة المدمرة للأخلاق متسماً بالصلابة والقوة ، فقد سلّط عليها أشعة من روحه المقدسة التي تحكيها الصحيفة السجادية التي تهز أعماق النفوس، وذلك بما حوته من وعظ وإرشاد ، وما اشتملت عليه من دروس أخلاقية أبرزت قيم الإسلام ولو وهادي آل البيت(عليهم السلام).
لقد وقفت الصحيفة السجادية التي هي إنجيل آل محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)سدّاً منيعاً وشامخاً لحماية الإسلام وصيانته من هذا التفسخ التفسّخ الجاهلي الذي أوجده الحكم الأموي ،
فقد نعت على الأمة ما هي فيه من الانحطاط الفكري والاجتماعي ، ودعتها إلى الانطلاق والتحرّر من ذل المعصية إلى عزّ طاعة الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة .
ويضاف إلى الصحيفة السجّاديّة هدي الإمام(عليه السلام)وسيرته التي كانت تحكي سيرة جده الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)، فكانت تبعث على الهدى وترشد الضال ، وتهدي الحائر إلى الطريق القويم .
أمّا الحياة العلميّة في عصر الإمام(عليه السلام)فقد كانت مشلولة بما حوته هذه الكلمة من معنى ، فقد كان الخط السياسي الذي سارت عليه الدولة الأموية منذ تأسيسها مجافاة العلم ، وإقصاء الوعي الثقافي عن المسلمين ، وإركاسهم في منحدر سحيق من الجهل لأنّ بلورة الوعي العام وإشاعة العلم بين المسلمين يهدّدان مصالحهم وملكهم القائم على الجهل ، وقد رأى الإمام زين العابدين(عليه السلام)محنة الأمة ، وما هي فيه من أخطار مدمرة لوجودها وكيانها ، فرفع(عليه السلام)منار العلم ، ودعا شباب الأمّة إلى التحرّر من قيود الجهل .
لقد فتح الإمام زين العابدين(عليه السلام)آفاقاً مشرقة من العلم لم يعرفها الناس من ذي قبل ، فقد عرض لعلوم الشريعة الإسلامية من الحديث والفقه والتفسير وعلم الكلام والفلسفة ، ويقول بعض المترجمين له : « إنّ العلماء رووا عنه من العلوم ما لا يحصى » .
وأنشأت في عصر الإمام(عليه السلام) مدرسة التابعين، وهي أول مدرسة إسلامية أقيمت في يثرب بعد مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد عنت هذه المؤسسة بعلوم الشريعة الإسلامية ولم تتجاوزها ، أمّا أعضاؤها فهم : سعيد بن المسيب ، عروة بن الزبير ، القاسم بن محمد بن أبي بكر ، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، سلیمان ابن يسار ، عبيد الله بن عتبة بن مسعود ، خارجة بن زيد ، وفيهم يقول الشاعر :
إذا قيلَ مَنْ في العِلْمِ سَبعَةُ أَبْحُرٍ*** رِوايَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ العِلْمِ خَارِجَة
فَقُلْ : هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُروَةٌ قاسِمٌ*** سعيدٌ أَبو بَكْرٍ سُلَيْمَانٌ خارِجَة
وقال شاعر آخر :
أَلا كُلُّ مَنْ لا يَقْتَدي بِأَئِمَّةٍ*** فَقِسْمَتُهُ ضِيزى عَنِ العِلْمِ خارِجَة
فحدّهم : عُبَيدُ اللهِ ، عُروَةُ ، قاسِمٌ*** سعيد ، سُلَيْمانُ ، أَبو بَكْر ، خارِجَة (1)
ومن الجدير بالذكر أن بعض هؤلاء العلماء كانوا ممن تتلمذوا على الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وأخذوا عنه الحديث والفقه ، خصوصاً سعيد بن المسيب ، الذي كان أحد رواة الإمام(عليه السلام)وقد لازمه ، وأخذ عنه الكثير من مسائل الحلال والحرام(2).
وعلى أي حال، فإنّ الحياة العلمية في عصر الإمام(عليه السلام)كانت شبه معدومة ، فقد انشغل المسلمون بالأحزاب السياسية التي كانت تتصارع على الظفر بالحكم ، والاستيلاء على خيرات البلاد.
أما الطابع الخاص للحياة الأدبية ، فهو ما يحكيه شعراء ذلك العصر في شعرهم ، فهو - من المؤسف - لم يمثل أي مشكلة اجتماعية من مشاكل ذلك العصر على كثرتها ، كما أنه لم يمثل جداً في الحياة العقلية والأدبية ، وإنما كان شعراً قبلياً يحكي فيه كل شاعر ما امتازت به قبیلته من کرم الضيافة ، والشجاعة، ووفرة المال والعدد ، وغير ذلك ممّا يفخرون به ، كما غدا سوقاً للهجاء المرّ، والتنابز بالألقاب ، مما جعله أداة للتخريب ، وقد برز ذلك بصورة ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير ، فإنك تجد أكثر شعر هما في الهجاء والسباب والقذف، حتّى لم تبق في قاموس الهجاء والشتم كلمة إلّا وقد نظمت في هجاء كلّ منهما للآخر ، وإن دلّ ذلك على شيء فيدل على أنّ الحياة الجاهليّة الأولى التي حاربها الإسلام قد عادت بجميع صورها القذرة في أيام الحكم الأموي.
وقد انتهز هذه الفرصة شاعر الإسلام الأكبر الكميت الأسدي ، فأشاد بمناقب قومه المضريين، وفضّلهم على القحطانيين ، فأثار بذلك الفتنة بين القبائل ، ممّا يعتبر من العوامل الأصيلة في الاطاحة بالحكم الأموي . اسمعوا ما يقول في مدح قومه وهجاء القحطانيّين :
لَنا قَمَرُ السَّماءِ وَكُلُّ نَجْم*** تُشيرُ إِلَيْهِ أَيْدي المُهْتَدينا
وَجَدتُ اللهَ إِذْ سَمّى نزاراً ***وَأَسْكَنَهُمْ بمكة قاطنينا
لنا جَعَلَ المَكارِمَ خالصاتٍ*** وَلِلنَّاسِ القَفا وَلَنا الجَبينا
وَما خَرَجَتْ هَجائِنُ مِنْ نِزارٍ*** فَوالِجُ مِنْ فُحولِ الْأَعْجَمينا(1)
1) الهجائن : الحرات الكريمات . الفوالخ - جمع فالخ : وهو الزوج.
وَما حَمَلوا الحَميرَ عَلى عِناقِ*** مُطَهَّمَةٍ فَيلْقُوا مُبْغلينا(1)
وَما وَلَدَتْ بَناتُ بَني نِزارٍ*** خلائِلَ أَسْوَدِينَ وَأَحْمَرينا
بَنِي الْأَعْمَامِ أَنْكَحْنا الأيامى*** وَبِالآباءِ سَمينا البنينا (2)
لقد فخر بهذه الآية الأبيات على القحطانيّين ، فقد نسب لقومه قمر السماء والكواكب المضيئة من رجالهم ، وقد اختصّوا بالمكارم والمآثر ، وأما خصومهم من القحطانيين فقد عيّرهم بأنّهم يزوّجون بناتهم من الحبش والفرس فيلدن السود والحمر ، وكان هذا النسل يشبه تلقيح الحمير للخيل العناق التي تنتج البغال .
وقد أثار هذا الهجاء حفائظ القحطانيين، وأجّج نار الفتنة والبغضاء فيما بينهم وبين المضريّين .
وقد انبرى شاعر العقيدة دعبل الخزاعي للردّ على الكميت والإشادة بقومه القحطانييّن ، وقد بلغت قصيدته ستمائة بيت ، ومما جاء فيها :
أَفيقي مِنْ مَلامِكِ يا ظعينا*** كَفَاكِ اللومَ مَرُ الأَرْبَعينا
أَلَمْ تَحْزُنُكِ أَحْداث الليالي*** يُشَيِّينَ الذُّوائب والقُرونا
أُحَيِّى الغُرَّ مِنْ سَرَواتِ قَوْمي*** لَقَدْ حُيِّيتِ عَنا يا مَدينا
فَإِن يَك آل إِسْرَائِيلَ مِنْكُمْ*** وَكُنتُمْ بِالأَعاجِمِ فَاخِرينا
فَلائنسَ الخَنازير اللواتي*** مُسِخْنَ مَعَ القُرودِ الخَاسِنينا
بِأَيْلَةَ وَالخَليج لَهُمْ رُسوم ***وآثارٌ قَدمْنَ وَما مُحينا
وَما طَلَبَ الكُمّيتُ طلاب وثر*** وَلكِنَا لِنَصْرَتِنا هجينا
لَقَدْ عَلِمَتْ نِزارٌ أَن قَوْمى*** إِلَى نَصْرِ النُّبُوَّةِ فَاخِرينا
ويقول المؤرّخون : « إنّه تتابع فخر النزارية على اليمنية ، وفخر اليمنية على النزارية حتى تخرّبت البلاد، وثارت العصبية في البدو والحضر» (1).
وعلى أي حال، فإنّ الطابع للأدب والشعر في العصر الأموي كان هو التفاخر والتنابز ، وليس فيه أي جدّ وانطلاق في الحياة الفكرية ، كما لم يكن فيه أية دعوة إلى الخير والفضيلة بل إلى الانحطاط والتأخّر .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عصر الإمام(عليه السلام).
1) مروج الذهب : 2 : 197
وكان كلّما تقدّم سنّ الإمام زين العابدين(عليه السلام) ازداد ضعفاً وذبولاً ، فقد أجهد نفسه أي إجهاد ، وحمّلها من أمره رهقاً من كثرة عبادته وعظيم طاعته ، فكان فيما أجمع عليه المؤرّخون قد قضى معظم حياته صائماً نهاره ، قائماً ليله .
وفى نفس الوقت كانت تلاحقه ذكريات كربلاء ، وما جرى على أبيه ، وعلى آل البيت(عليهL السلام)من النكبات والخطوب ، وكان كلّما نظر إلى عمّاته وأخواته تذكّر فرارهنّ يوم الطف من خيمة إلى خيمة ، ومنادي القوم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين ، فيحزن أشدّ الحزن وأقساه ، ومن الطبيعي أن لذلك أثراً وضعيّاً على صحته التي أذابتها هذه المآسي .
وعلى أي حال ، فنحن في الشوط الأخير من هذا الكتاب ، ونعرض إلى المرحلة الأخيرة من حياة الإمام(عليه السلام)، وما رافق ذلك من أحداث .
كان الإمام يتمتّع بشعبية هائلة ، فقد تحدّث الناس بإعجاب عن علمه وفقهه وعبادته ، وعجّت الأندية بالتحدّث عن صبره وسائر ملكاته ، وقد احتل قلوب الناس وعواطفهم ، فكان السعيد من يحظى برؤيته ، والسعيد من يتشرف بمقابلته والاستماع إلى حديثه ، وقد شقّ ذلك على الأمويين ، وأقض مضاجعهم ، وكان من أعظم الحاقدين عليه الوليد بن عبدالملك ، فقد روى الزهري أنّه قال : « لا راحة لي
وعلي بن الحسين موجود في دار الدنيا»(1).
وأجمع رأي هذا الخبيث الدنس على اغتيال الإمام حينما آل إليه الملك والسلطان ، فبعث سماً قاتلاً إلى عامله على يثرب، وأمره أن يدسّه للإمام(2)، ونفّذ عامله ذلك ، وقد تفاعل السم في بدن الإمام ، فأخذ يعاني أشدّ الآلام وأقساها ، وبقي حفنة من الأيام على فراش المرض يبثّ شكواه إلى الله تعالى ، ويدعو لنفسه بالمغفرة والرضوان ، وقد تزاحم الناس على عيادته وهو(عليه السلام)يحمد الله ويثني عليه أحسن الثناء على ما رزقه من الشهادة على يد شرّ البرية .
وعهد الإمام(عليه السلام) بالإمامة إلى ولده الباقر(عليه السلام)رائد الحركة العلمية والثقافية في الإسلام يقول الزهري : «دخلت عائداً إيّاه فقلت له : إن وقع من أمر الله ما لا بدّ منه ، فإلى من نختلف بعدك ؟
فنظر الإمام إليه برفق ، وقال له : إلى ابنى هذا - وأشار إلى ولده محمد الباقر - فَإِنَّهُ وَصِيَّي ، وَوارِثي ، وَعَيْبَةُ عِلْمي ، هُوَ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَباقِرُهُ .
فقال الزهري : هلا أوصيت إلى أكبر ولدك ؟
ولم يفقه الزهري أمر الإمامة ، وأنّها لم تكن بأي حال خاضعة للأعراف القبلية ، وقد ردّ عليه الإمام قائلاً: يا أبا عَبْدِ اللهِ ، لَيْسَتِ الْإِمَامَةُ بِالْكِبَرِ وَالصَّغَرِ ، هَكَذَا عَهِدَ إِلَيْنا رَسولُ الله ، وهكذا وَجَدْنَاهُ في التَّوْحِ وَالصَّحِيفَةِ .
وطلب الزهري المزيد من الايضاح قائلاً: يابن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، عهد إليكم نبيكم أن تكونوا الأوصياء بعده ؟
فأجابه(عليه السلام): وَجَدْنَا فِي الصَّحِيفَةِ وَاللَّوْحِ اثْنَي عَشَرَ اسْماً مَكْتُوبَةٌ في اللَّوْحِ إِما مَتَهُمْ وَأَسْمَاءِ آبائِهِمْ وَأَمَاتِهِمْ .
ثم قال : وَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ مُحَمَّدٍ ابْنِي سَبْعَةٌ مِنَ الْأَوْصياءِ مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ »(1).
ودخل عليه جماعة من شيعته عائدين إيَّاه ، فدلّهم على إمامة ولده محمد الباقر ، وأمرهم بالرجوع إليه ، ودفع إليه سفطاً وصندوقاً فيه مواريث الأنبياء ، وكان فيه سلاح رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وكتبه (2).
وعهد الإمام زين العابدين إلى ولده الإمام محمد الباقر (عليهم السلام)بوصاياه ، وكان ممّا أوصاه به ما يلي :
، : 1 - إنّه أوصاه بناقته ، فقال له : « إِنِّى حَجَجْتُ عَلى ناقتى هذِهِ عِشْرِينَ حَجَّةً لَمْ أَقْرَعُها بِسَوْطٍ ، فَإِذا نَفَقَتْ فَادْفِتْهَا ، لَا تَأْكُلْ لَحْمَها السِّباعُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ما مِنْ بَعيرٍ يوقَفُ عَلَيْهِ مَوْقِفَ عَرَفَةَ سَبْعَ حِجَجٍ إِلَّا جَعَلَهُ اللهُ مِنْ نَعَمِ الْجَنَّةِ ، وَبارَكَ في
نَسْلِهِ »(3).
ونفّذ الإمام الباقر(عليه السلام) ذلك .
2 - إنّه أوصاه بهذه الوصيّة القيمة التي تكشف عن الجوانب المشرقة من نزعات أهل البيت(عليهم السلام)، فقد قال له : « يا بُنَيَّ ، أوصِيكَ بِما أَوْصَانِي بِهِ أَبي حينَ حَضَرَتْهُ الْوَفاةُ ، فَقَدْ قَالَ لي : يا بُنَيَّ ، إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ ناصِراً إِلَّا الله »(4).
3 - إنه أوصاه أن يتولى بنفسه غسله وتكفينه(1)وسائر شؤونه حتى يواريه في مقره الأخير.
وثقل حال الإمام ، واشتدّ به المرض، وأخذ يعاني آلاماً مرهقة ، فقد تفاعل السم مع جميع أجزاء بدنه ، وأخبر الإمام أهله أنّه في غلس الليل البهيم سوف ينتقل إلى الفردوس الأعلى ، وأغمي عليه ثلاث مرّات ، فلما أفاق قرأ سورة الفاتحة وسورة إِنَّا فَتَحْنَا ، ثمّ قال(عليه السلام): الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ(2).
وارتفعت روجه العظيمة إلى خالقها كما ترتفع أرواح الأنبياء والمرسلين ، تحفّها بإجلال وإكبار ملائكة الله وألطاف الله وتحيّاته .
لقد سمت تلك الروح العظيمة إلى خالقها بعد أن أضاءت آفاق هذه الدنيا بعلومها وعبادتها وتجرّدها من كل نزعة من نزعات الهوى .
وقام الإمام أبو جعفر الباقر(عليه السلام) بتجهيز جثمان أبيه ، فغسل جسده الطاهر ، وقد رأى الناس مواضع سجوده كأنها مبارك الإبل من كثرة سجوده الله تعالى ، ونظروا إلى عاتقه كأنه مبارك الإبل ، فسألوا الباقر(عليه السلام)عن ذلك ، فقال : إِنَّهُ مِنْ أَثَرِ الْجِرابِ الَّذِي كانَ يَحْمِلُهُ عَلى عَاتِقِهِ وَيَضَعُ فِيهِ الطَّعَامَ وَيُوَزُعُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَحْرُومِينَ (3).
وبعد الفراغ من غسله أدرجه في أكفانه ، وصلى عليه الصلاة المكتوبة .
وجرى للإمام تشييع حافل لم تشهد يثرب له نظيراً ، فقد شيّعه البرّ والفاجر ، والتفت الجماهير حول النعش العظيم والهين جازعين في بكاء وخشوع ، وإحساس عميق بالخسارة الكبرى ، فقد فقدوا بموته الخير الكثير ، وفقدوا تلك الروحانية التي لم يخلق لها مثيل .
لقد عقلت الألسنة، وطاشت العقول بموت الإمام ، فازدحم أهالي يثرب على الجثمان المقدّس ، فالسعيد من يحظى بحمله ، ومن الغريب أن سعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة في المدينة لم يفز بتشييع الإمام والصلاة عليه ، وقد أنكر عليه ذلك خشرم مولى أشجع ، فأجابه سعيد : أصلي ركعتين في المسجد أحبّ إليَّ من أن أصلي على هذا الرجل الصالح في البيت الصالح(1).
وهو اعتذار مهلهل ، فإنّ حضور تشييع جنازة الإمام(عليه السلام)الذي يحمل هدي الأنبياء من أفضل الطاعات وأحبّها عند الله تعالى .
وجيء بالجثمان الطاهر وسط هالة من التكبير والتحميد إلى بقيع الغرقد ، فحفروا له قبراً بجوار قبر عمه الزكي الإمام الحسن سيّد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأنزل الإمام الباقر(عليه السلام)جثمان أبيه فواراه في مقره الأخير ، وقد وارى معه العلم والبر والتقوى ، ووارى معه روحانيّة الأنبياء والمتقين.
وبعد الفراغ من دفنه هرع الناس نحو الإمام الباقر(عليه السلام)وهم يرفعون إليه تعازيهم
1) رجال الكشي : 185/116
الحارّة ، ويشاركونه في لوعته وأساه ، والإمام مع إخوته وسائر بني هاشم يشكرونهم على مشاركتهم في الخطب الفادح الجلل والمصاب العظيم !
الحمدلله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطّاهرين
القرآن الکریم
1 - الأئمّة الاثنا عشر : ابن طولون ، شمس الدین محمد منشورات الرضي ، قم المقدسة .
2 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف : الشبراوي الشافعي ، عبد الله بن محمد بن عامر( - 1172هـ ) : تحقيق : سامي الغريري، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1423هـ / 2002م .
3 - إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) : المسعودي الهذلي ، أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي( - 345هـ ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.
4-إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات : الحر العاملي ، محمد بن الحسن ( 1033 - 1104هـ) : دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الثالثة / 1364هـ .
5 - الاثنى عشرية في المواعظ العددية : العينائي = محمد بن محمد بن حسن الحسيني العاملي (كان حيّاً (1078هـ).
6 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي ، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب( - 560هـ ) : تحقيق : إبراهيم البهادري و محمد هادي به ، الناشر : دار أسوة - ايران ، الطبعة السادسة / 1425هـ .
7 - أحكام القرآن : الجصاص = أحمد بن علي ( 350 - 370هـ ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م .
8 - أخبار محمّد بن الحنفيّة : الكلبي ، هشام بن محمد بن السائب( - 146هـ ) .
9 - الاختصاص : الشيخ المفيد : أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413هـ ) : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1413هـ.
10 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413هـ) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)- قم المقدّسة / 1416هـ.
11 - الاستبصار فيما اختلف من الأخبار : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460هـ) : تحقيق : الشيخ محمد جواد الفقيه، دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1413هـ / 1992م.
12 - أسرار آل محمّد : ابن قيس الهلالي = أبو صادق العامري الكوفي ( - 76هـ ) : تحقيق : محمّد باقر الأنصاري الزنجاني ، نشر الهادي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1415هـ.
13 - أصدق الأخبار في قصة الأخذ بالثار : الأمين ، محسن: أبو محمد الباقر محسن ابن الصالح العابد السيد عبد الكريم ابن العلامة الفقيه السيد علي بن محمد الأمين ( 1284 - 1371هـ) : تحقیق : فارس حسون كريم.
14 - الأضداد في كلام العرب .
15 - الأعلام : الزركليّ ، خير الدين بن محمود بن محمد ( - 1410هـ) : دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة / 1990م.
16 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسي، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن ( من أعلام القرن السادس ) : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث - قم المقدّسة / 1417هـ.
17 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي ، محسن ( 1865 - 1952م) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000 م .
18 - الأغاني : أبو الفرج الاصفهاني ، علي بن حسين ( 284 - 356ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م .
19 - إقامة الحجّة .
20 - الأمالي : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381هـ) : تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلاميّة ، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417هـ.
21 - الأمالي : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 5460 ) ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة ، الناشر: نشر دار الثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1414هـ .
22 - الأمالي: الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413هـ ) : تحقيق : علي أكبر غفاري، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة ، الطبعة الخامسة / 1425هـ.
23 - الإمام الحسين(عليه السلام): العلائلي ، عبدالله ( 1914 - 1997م ) : : دار مكتبة التربية - بيروت / 1972م.
24 - الإمام زين العابدين(عليه السلام): فهمي ، أحمد .
25 - الإمام زين العابدين(عليه السلام): المقرم ، عبدالرزاق .
26 - الإمام علي بن أبي طالب : عبدالمقصود ، عبد الفتاح ( 1912 - 1993هـ) : مكتبة العرفان - بيروت / 1971م .
27 - الإمامة في الإسلام : تامر ، عارف: دار الأضواء - بيروت / 1419هـ.
28 - الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهيّة : القمي ، الشيخ عباس ( 1254 - 1319هـ) ، تحقيق : فارس حسون کریم، انتشارات فدك - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1433هـ / 2012م .
29 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي = محمدباقر بن محمّد تقي ( 1037 - 1111هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م .
30 - بحر الأنساب : الحسيني النجفي ، السيد محمد بن أحمد : دار المجتبى للنشر والتوزيع - المدينة المنوّرة / 1419هـ .
31-البرهان في تفسير القرآن ( تفسير ) : البحراني ، السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي ( - 1107هـ): مؤسسة الأعلمي - 1107هـ : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ / 1999م.
32 - البداية والنهاية في التاريخ - تاريخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي ، أبو الفداء إسماعيل بن كثير ( 700 -774هـ ) : تحقیق : مكتب تحقيق التراث ، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م.
33-بشارة المصطفى لشيعة المرتضى : الطبري، عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم ( - 525هـ) : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة / 1420هـ.
34 - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد : الصفار ، الثقة الجليل أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ( - 290هـ ) : تعليق : التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي ، قم المقدسة / 1404هـ.
35- البصائر والذخائر : التوحيدي ، أبو حيان( - 380 أو 400هـ) : دار صادر - بيروت ، الطبعة الرابعة / 1999م.
36 - بلاغة الإمام علي بن الحسين (عليهم السلام) : الحائري ، جعفر عباس : دار الحديث - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1425هـ.
37 - بهجة الأبرار في تاريخ الأئمة الأطهار : الأصفهاني ، حسن الفاني .
38 -بهجة المجالس وأنس المجالس : ابن عبدالبر = يوسف بن عبدالله النمري القرطبي الدار المصرية - القاهرة / 1900م.
39 - البيان والتبيين : الجاحظ ، عمرو بن بحر ( 150 - 255ه-) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1968م.
40 - تاج العروس من جواهر القاموس : الزبيدي الحنفي = محب الدين أبي فيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي ( 1145 - 1205هـ) : دراسة وتحقيق : علي شيري ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1414هـ / 1994م ( 20 مجلداً ) .
41 - تاريخ الأئمة : أبو الثلج البغدادي ، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله( - 323هـ) : مكتبة آية الله السيّد المرعشي النجفي 1 ، قم المقدّسة / 1406هـ.
42 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748هـ ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004م .
43 - تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن عليّ ( 392 - 5463 ) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.
44 - تاريخ التربية عند الإمامية : الشيرواني ، نور الدين.
45 - تاريخ الخلفاء : جلال الدين السيوطي ، عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعي ( 849 - 911هـ) : السعادة - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1952م.
46 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد ( 224 - 310هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الخامسة 1409 هـ / 1989م.
47 - تاريخ القضاعي ( م ) : القضاعي محمد بن سلامة ( - 454هـ ) .
48 - التاريخ الكبير : البخاري ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي ( - 256هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت (8 مجلدات + مجلد الفهارس).
49 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر ، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي ( 499 - 571هـ ) : دار الفكر - دمشق / 1419هـ.
50 - تاريخ يحيى بن معين : أبو زكريا (- 233هـ) : رواية : عبّاس الدوري ، تحقيق : أحمد محمد نور سيف ، مكة المكرمة / 1979م .
51 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح ( - 278هـ ) : دار صادر - بيروت / 1984م .
52 - تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : الصدر ، السيد حسن ( 1354هـ) : شركة النشر - بغداد / 1951م.
53 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّاني ، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري ) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة / 1421هـ.
54- تحفة الأنام في مختصر تاريخ الإسلام الفاخوري ، الشيخ عبد الباسط بن عليّ .
55 - تحفة الراغب : الشافعي ، أحمد بن عبدالسلام .
56 - تذكرة الحفاظ : الذهبي ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ( - 748هـ ) : وضع حواشيه : زكريا عميرات ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى / 1419هـ / 1998م ( 4 أجزاء في مجلدين).
57 - تذكرة خواص الأمة : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654هـ) : منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.
58 - تذكرة السامع : الكناني ( ابن جماعة ) ، بدر الدين : دائرة المعارف العثمانية - حيدرآباد / 1353هـ.
59 - التشوف إلى رجال التصوّف : ابن الزيات .
60 - التعرّف لمذهب التصوّف : البخاري الكلاباذي، أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين
61 - التعظيم والمنة : السبكي الشافعي .
62 -تفسير الصافي : الفيض الكاشاني ، الملا محسن بن مرتضى محمد محسن ( 1007 1091هـ ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، مكتبة الصدر - طهران ، الطبعة الثانية / 1416هـ.
63 - تفسير فُرات الكوفي : فرات بن إبراهيم بن فرات ( - 352هـ ) : تحقيق : محمد الكاظم ، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - طهران ، الطبعة الأولى / 1410هـ.
64 - تفسير القمي : القمي ، أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم ) - 329ه-) : تحقيق : السيد طيب الجزائري الموسوي، الناشر دار السرور - بيروت ، الطبعة الأولى 1411هـ . / 1991م ( مجلدان ).
65 - التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام)( 260هـ) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه) - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1409هـ.
66 - تيسير المطالب : ابن هارون ، يحيى بن الحسين : مؤسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت / 1395هـ.
التمحيص : ابن همام الإسكافي ، أبو علي محمد بن همام بن سهيل الكاتب ( 258 - 336) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه)- قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1404هـ.
68 - التنبيه والإشراف : المسعودي = أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ( - 345هـ ) : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1993م.
69 ـالتوحيد : الصدوق، أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381هـ) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة ، الطبعة الثامنة / 1423هـ.
70 - تهذیب تاریخ دمشق : ابن عساكر = أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي ( 499 - 571هـ) : تحقیق : عبد القادر بدران ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الثالثة 1407هـ / 1988م.
71 - تهذيب الأخلاق : القدسي .
72 - تهذيب الأسماء واللغات : النووي = أبو زكريا محيي الدين بن شرف( - 676هـ) : طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .
73 - تهذيب التهذيب : ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي بن محمد ( 773 - 852هـ ) : دار الفكر - بيروت / 1995م .
74 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال : الحافظ المزي ، جمال الدين أبي الحجاج يوسف ( 654 - 742هـ :) : مراجعة : سهيل زكار ، تحقيق : أحمد علي عبيد ، وحسن أحمد آقا ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1414 هـ / 1994م ( 22 مجلداً + مجلدا الفهارس ) .
75-تيسير الوصول إلى جامع الأصول الزبيدي ، ابن الديبع عبدالرحمن الشيباني : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة / 1924م.
76 - ثمار القلوب : أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمد ( - 429هـ ) : المدني - القاهرة / 1965م.
77 - ثواب الأعمال وعقاب الأعمال : الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381هـ) : تعليق : الشيخ حسين الأعلمي ، الشريف الرضي / 1418هـ.
78 - جامع كرامات الأولياء : النبهاني ، يوسف بن إسماعيل : تحقيق : إبراهيم عطوة عوض دار الفكر - بيروت 1412هـ / 1992م.
79 - الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير : ابن الساعي .
80 - الجرح والتعديل : ابن أبي حاتم الرازي ، أبو محمد عبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي( - 327هـ ) : تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1422هـ / 2002م ( 9 مجلدات + مجلد الفهرس ) .
81 - جمهرة الأولياء : أبو الفيض ، محمود .
82- الجنّة الواقية والجنّة الباقية : الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العاملي الحارثي ( 840 - 905هـ ) .
83 - جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : الباعوني ، شمس الدين محمد بن أحمد الدمشقي الشافعي ( 780 - 871 : مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدسة / 1415هـ.
84 - جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : القراغولي البغدادي ، السيد محمود : الآداب - بغداد / 1329هـ .
85 - الحدائق الوردية في مناقب الزيدية : الشهيد المحلى ، حسام الدين حميد بن أحمد ( - 652هـ) : جامع النهرين - صنعاء / 1402هـ.
86 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني ، الحافظ أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران ( 336 - 430هـ ) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.
87-حياة الإمام الحسن بن علي(عليه السلام): القرشي ، باقر شریف (1926 - م): تحقيق: مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت(عليهم السلام)) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009م .
88 - حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام): القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : -هدي باقر القرشيّ ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (عليهم السلام)) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009م
89 - حياة الإمام محمد الباقر(عليه السلام): القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت(عليهم السلام)) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009 م .
90 - حياة الحيوان الكبرى : الدميري ، كمال الدين محمد بن موسى ( 742 - 5808) : ناصر خسرو - طهران( اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390هـ / 1970م) .
91 - حياة الشعر في الكوفة : خليف ، يوسف : دار الكتاب العربي - القاهرة / 1968م.
92 - الخرائج والجرائح : الراوندي ، قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله( - 573هـ ) : مؤسسة النور للمطبوعات - بيروت ، الثانية / 1411هـ .
93 - الخصال : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381هـ) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين / 1424هـ.
94 - خلاصة الأقوال في معرفة الرجال = رجال العلامة الحلّيّ : العلامة الحلي ، الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي( -725هـ) : تحقيق : الشيخ جواد القيومي ، مؤسسة نشر الفقاهة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417هـ.
95 - خلاصة تهذيب الكمال : الخزرجي الأنصاري ، أحمد .
96 - خلاصة الذهب المسبوك : بدر الدين الإربلي ، أبو محمد : مكتبة المثنى - بغداد .
97- دائرة معارف القرن العشرين وجدي ، محمد فريد : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثالثة 1971م.
98 - دار السلام في ما يتعلق بالرؤيا والمنام المحدث النوري ، الحاج الميرزا حسين بن محمد تقي بن تقيّ الطبرسي ( 1254 - 1320هـ ) :
( - 1320هـ) : انتشارات المعارف 1254 1320هـ) : الإسلامية - قم المقدسة / الطبعة الثالثة.
99 - درر الأبكار في وصف الصفوة الأخيار ( م ) : ابن صدقة ، أبو الفتح : معهد التاريخ العربي / 2002م .
100 - الدر النظيم في مناقب الأئمة : الشامي العاملي ، يوسف بن حاتم ( من أعلام القرن السابع الهجري :) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1409هـ.
101-الدرّة الباهرة : الشهيد الأوّل = شمس الدين محمد بن جمال الدين مكي العاملي الجزيني ( 734 - 786هـ ) : تحقيق : جلال الدين علي الصغير ،
102 - الدعوات : الراوندي، أبو الحسين سعيد بن هبة الله ( - 573هـ ) : دليل ما - قم المقدسة / 1385هـ . ش .
103 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير ( - 310هـ ) : مؤسسة البعثة - قم المقدسة / 1412هـ.
104 - ديوان الحميري : الحميري ، إسماعيل بن محمد ( 105 - 173هـ) : دار صادر - بيروت / 2005م .
105 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة : آقا بزرك الطهراني ، محمد محسن ( 1255 - 1389هـ ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثالثة / 1403هـ.
106 - الذرّيّة الطاهرة النبوية : الرازي الدولابي ، أبو بشر محمّد بن أحمد ( 224 - 310هـ ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1407هـ.
107 - ذوب النّضار في شرح الثار : ابن نما الحلي ، جعفر بن محمد بن هبة الله (- 645هـ) ، تحقیق فارس حسّون كريم ، جماعة المدرّسين - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416هـ.
108 - رجال ابن الغضائري : ابن الغضائري : انتشارات سرور - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1422هـ.
109 - رجال البرقي : البرقي ، أحمد بن محمد بن خالد( - 274 أو 280هـ) : جواد القيومي الاصفهاني ، مؤسسة القيومي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1419هـ.
110 - رجال الطوسي : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460هـ ) : تحقيق : جواد القيومي الاصفهاني ، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة ، الطبعة الثانية / 111 1420هـ.
111-رجال الكشّي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460هـ ) : تحقيق : محمد تقي فاضل الميبدي والسيد أبو الفضل الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الأولى / 1382هـ . ش .
112 - رجال النجاشي : أبو العباس الأسدي الكوفي ، أحمد بن علي ( 372 - 450هـ ) : جماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1407هـ.
113 - رسائل الجاحظ : الجاحظ ، عمرو بن بحر ( 150 - 255هـ) : اعتناء : السندوبي : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1995م.
114 - الرسالة القشيرية : القشيري النيسابوري : التقدّم العلمية - القاهرة / 1346هـ.
115 - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير ) : الآلوسي البغدادي ، أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود (1217 - 1270هـ ) : دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م ( 30 جزءاً في 16 مجلداً ) .
116 - روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات : الخوانساري ، الميرزا محمد باقر الموسوي( - 1313هـ) ، مكتبة إسماعيليان - قم المقدسة / 1390هـ.
117 -روضة الواعظين وبصيرة المتعلمين : الفعّال النيشابوري ، محمد بن أحمد (- 508هـ ) : دار الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1386 ش .
118 - زهر الآداب وثمر الألباب : الفيرواني ، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري : دار الجيل - بيروت / 1973م.
119 - زهرة المقول في نسب فرعي الرسول : الدمشقي الحمزي المدني، زين الدين الحيدرية - النجف الأشرف ، الطبعة الأولى / 1962م.
120 - سرّ السلسلة العلوية : البخاري ، أبو نصر سهل بن عبدالله بن داود(- 341هـ) : الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1413هـ.
121 - سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون : ابن نباتة المصري ، محمد بن محمد ( 686 - 768هـ )بيروت - دار الفكر / 1980م.
122 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار : الشيخ القمي ، عباس بن محمد رضا ( 1254 - 1359هـ) : دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1427هـ.
123 - سير أعلام النبلاء شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748هـ ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1419هـ.
124 - السيرة النبوية : ابن هشام = أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري ( - 218هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 2000 م .
125 - السيدة زينب وأخبار الزينبيات : العبيدلي ، جمال الدين أبو الفضل أحمد بن مهنا : دار المعرفة - بيروت / 1982م .
126 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن عماد الحنبلي ، أبو الفلاح عبدالحي بن أحمد ( 1032 - 1089هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1967م.
127 - شرح شافية أبي فراس ( م ) : الحسسيني ، محمد بن أمير الحاج : دار الطباعة - طهران / 1296هـ.
128 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد ، عز الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني المعتزليّ ( 586 - 655هـ ) ، قدّم له وعلّق عليه : الشيخ حسين الأعلمي ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الأولى / 1415هـ -
1995م.
129 - الشعر والغناء في المدينة ومكة : ضيف ، شوقي : دار المعارف - القاهرة ، الطبعة الرابعة / 1979م .
130 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا : القلقشندي = أحمد بن علي بن أحمد( - 8821 ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1987م .
131 - الصحيفة السجادية أدعية الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهم السلام)) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي علال الاهل الراية - قم المقدسة - الطبعة الخامسة / 1423هـ.
132 - الصراط السويّ في مناقب آل النبي ( م ) : الشيخاني القادري ، محمود .
133- الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم : العاملي ، علي بن يونس : الحيدرية - طهران ، الطبعة الأولى / 1382هـ . ش .
134-صفات الشيعة : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي( 311 - 381هـ) : زرارة - طهران / 1380هـ . ش.
135 - الصلة بين التشيّع والتصوّف : د. مصطفى الشبيبي ، كامل .
136 - الصناعتين في الكتابة والشعر : أبو الهلال العسكري ، الحسن بن عبد الله ( - 395هـ) : تحقيق : محمد علي البجاوي و محمد أبو الفضل إبراهيم .
137 - الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلال والزّندقة : ابن حجر الهيتمي ، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن عليّ ( 909 - 974هـ ) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمد الخراط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م ( مجلدان ) .
138 - طبقات الشعراء: ابن سلام ، محمد الجمحي ( - 232هـ) : بربل - ليدن / 1913م .
139 - طبقات الفقهاء : أبو إسحاق الشيرازي ، إبراهيم بن عليّ ( 393 - 476هـ ) : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم المقدسة / 1418هـ.
140 - الطبقات الكبرى : ابن سعد ، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع البصري الواقدي الزهري ( 168 - 230هـ) : تحقيق : محمد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م ( 8 مجلدات + مجلد الفهارس) .
141 - الطبقات الكبرى = لواقح الأنوار : الشعراني ، أبو المواهب عبدالوهاب بن أحمد المصري : صحح بمعرفة لجنة من العلماء بالقاهرة / 1374هـ / 1954م.
142 - طبقات المعتزلة : ابن المرتضى .
143 - العبر في خبر من غير: الذهبي ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748هـ) : تحقیق : بسيوني زغلول ، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .
144 - العقد الفريد : ابن عبدربه الأندلسي ، أبو عمر أحمد بن محمد ( 246 - 328هـ ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
145 - علل الشرائع : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416هـ ( جزءان في مجلّد ) .
146 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ابن عنبة = جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الحسيني ( 741 - 828هـ) : المكتبة الثقافية - قم المقدّسة / 2004م.
147 - عوالم العلوم والمعارف والأحوال : البحراني الأصفهاني ، الشيخ عبد الله ( - 1130هـ) : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه) - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1407هـ.
148 - عيون الأخبار : ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم ( 213 - 276هـ) : دار الكتب المصرية - القاهرة / 1996م.
149 - عيون أخبار الرضا(عليه السلام): الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381هـ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى / 1404هـ .
150 - عيون المعجزات : الشيخ حسين بن عبد الوهاب( من أعلام القرن الخامس الهجري ) : مكتبة الداوري - قم المقدسة / 1395هـ .
151 - الغارات : ابن هلال الثقفي، إبراهيم بن محمد الكوفي ( - 283) : دار الكتاب الإسلامي - قم المقدّسة / 1411هـ.
152 - الغايات : ابن الرازي ، جعفر بن أحمد( القرن الرابع الهجري) ، آستانه قدس رضوي - مشهد المقدّسة / 1413هـ .
153 - غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار : الحسيني الحلبي ، ابن زهرة ، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف / 1382هـ.
154 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب : العلامة الأميني ، عبدالحسين ( 1281 - 1349 هـ ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1990م.
155 - غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب الأئمة الأطهار : الديلمي ، حسن : نكارش - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1427هـ.
156 - الغَيبة : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( - 460هـ ) : تحقيق : الشيخ عبدالله الطهراني والشيخ علي أحمد صالح ، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة ، الثالثة / 1425هـ.
157 - الفتوح : ابن أعثم الكوفي ، أحمد بن محمد بن عليّ ( - 314هـ ) : دار الكتاب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1406هـ / 1986م.
158 - الفخري في أنساب الطالبيين : المروزي ، إسماعيل بن الحسين المروزي الأزورقاني : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم المقدسة / 1409هـ.
159 - فرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين عليّ : السيد عبدالكريم بن طاووس ، غیاث الدين ( - 693هـ) : مركز الغدير للدراسات الإسلامية - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1419هـ.
160- الفرق بين الفرق : البغدادي ، عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الاسفرائيني التميمي ( 429هـ ) : تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد ، مكتبة دار التراث - القاهرة .
161- الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة : ابن الصباغ = علي بن محمد بن أحمد المالكي( - 855 هـ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1409هـ / 1988م.
162 - فقه الرضاء(عليه السلام)( المنسوب للإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)) : ابن بابويه القمي ،علي بن الحسين ( - 329هـ) :تحقيق : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)لإحياء التراث ، المؤتمر العالمي للإمام الرضاء(عليه السلام) - مشهد المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1406هـ.
163 - فلاح السائل ونجاح المسائل في عمل اليوم والليلة : السيد ابن طاووس ، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644هـ ) : تحقيق: غلام حسين المجيدي ، نشر مكتب الإعلام الإسلامي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1419هـ.
164 - الفهرست : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460هـ ) : تحقيق ونشر الفقاهة - قم المقدسة / 1417هـ.
165 - فهرست ابن النديم : ابن ندیم ، محمد بن إسحاق ( - 385هـ ) : تعليق : الشيخ إبراهيم رمضان ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية 1417هـ / 1997م.
166 - في ظلال القرآن ( تفسير ) : سيد قطب ( 1906 - 1966م ) : دار الشروق - القاهرة ، الطبعة الرابعة والعشرون 1415هـ / 1995م ( 6 مجلدات ) .
167 - قرب الإسناد : الحميري ، أبو العباس عبد الله بن جعفر(- 310هـ) :مؤسسة آل البيت (عليه السلام)لإحياء التراث - بيروت، الطبعة الأولى 1413هـ / 1993م .
168 - الكاشف : شمس الدين الذهبي ، محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748هـ) : تحقيق : الجنة من العلماء ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى 1403هـ / 1983م.
169 - الكافي : ثقة الإسلام الكليني ، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي ( 328 - 329هـ) مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426هـ/ 2005م .
170 - کامل الزيارات : ابن قولويه ، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد القمي( - 368هـ ) : دار السرور - بيروت ، الطبعة الأولى / 1418هـ - 1997م .
171 - الكامل الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، عزّ الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي الكرم الشيباني ( 555 - 630هـ ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408هـ / 1989م.
172 - الكامل في اللغة والأدب : المبرد ، أبو العباس محمد بن يزيد ( 210 - 286هـ) : دار الفكر العربي - القاهرة / 1997م.
173 - كشف الغمة في معرفة الأئمة : الإريلي ، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح ( 467 - 538هـ) : دار الأضواء - بيروت / 1985م.
174 - كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الأثني عشر : الخزار ، أبو القاسم علي بن محمد بن عليّ الرازي القمي ( - 5400 ) : تحقيق : عبد اللطيف الحسيني : انتشارات بيدار - قم المقدسة / 1401هـ.
175 - كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : الحافظ الكنجي الشافعي ، أبو عبدالله محمد بن يوسف القرشي ، ( - 658هـ) : تحقيق : محمد هادي الأميني ، دار إحياء تراث أهل البيت(عليهم السلام)- طهران ، الطبعة الثانية / 1404هـ.
176 - الكنى والألقاب : الشيخ القمي ، عبّاس ( 1254 - 1319هـ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة ، الطبعة الأولى / 1425هـ.
177 - الكواكب الدرية في مناقب الصوفية : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي ( 952 - 1031هـ).
178 - لثالئ الأخبار : التويسركاني : محمد نبي : جهان - طهران و مكتبة العلامة - قم المشرفة .
179 - لسان العرب : ابن منظور ، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري ( 630 - 711هـ) : تنسيق وتعليق : علي شيري ، دار صادر - بيروت / 1995م.
180 - الله والعلم الحديث : نوفل ، عبدالرزاق ، المكتبة الإسلامية - القاهرة / 1988هـ .
181 - اللهوف في قتلى الطفوف : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644هـ ) : أنوار الهدى - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1417هـ .
عمال
182 - مائة منقبة : ابن شاذان القمّي ( - نحو 412هـ) : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه)- قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1407هـ.
183 -مثير الأحزان : ابن نما الحلّي ( 645هـ ) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه)- قم المقدسة / 1406هـ.
184 - مجالس ثعلب : ابن يسار الشيباني المعروف بـ « ثعلب » = أبو العباس أحمد بن يحيى ( 200 - 291هـ ) : دار المعارف - القاهرة / 1948م.
185 - مجلة البلاغ : آل ياسين ، محمّد حسن .
186- مجمع البيان ( تفسير ) : الطبرسي = أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي ( 468 - 548هـ) : تحقيق : السيد هاشم الموسوي المحلاتي والسيد فضل الله اليزدي الطباطبائي : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية / 1408هـ - 1998م.
187 -مجموعة ورّام = تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : المالكي الأشتري، الأمير أبو الحسين و رام بن أبي فراس( - 605هـ ): دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الثانية / 1368هـ.
188 - المحاسن : البرقي ، أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد ( - 274هـ) : المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)- قم المقدسة / 1416هـ .
189 - المحاسن والمساوئ : البيهقي = إبراهيم بن محمد( من أعلام القرن الرابع ) : دار بيروت - بيروت 1404هـ / 1984م.
190-محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء : الراغب الأصفهاني = الحسين بن محمّد ( - 502) : المكتبة الحيدرية - قم المقدسة / 1416هـ .
191- المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء : الفيض الكاشاني ، الملا محسن بن مرتضى محمد محسن ( 1007 - 1091هـ ) : نشر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت / 1403هـ .
192 - المختار .
193 - مختصر البصائر : ابن سليمان الحلّي ، الحسن ( القرن التاسع الهجري ) : قم المقدسة / 2003م .
194 - مرآة الكتب : التبريزي ، علي بن موسى : تحقيق محمد علي الحائري ، الطبعة الأولى / 1418هـ.
195 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان: اليافعي ، أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان ( -768هـ) : وضع حواشيه خليل المنصور ، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة
الأولى 1417ه- / 1997م. 196 - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654ه- :) : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم المقدسة / 1366هـ.
197 - مروج الذهب ومعادن الجوهر : المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ( - 346هـ) : تحقيق : عبدالأمير المهنا ، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م.
198 - مسند أحمد بن حنبل : ابن حنبل ، أحمد (- 241هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1420هـ / 1999م.
199- مسند زيد بن عليّ : زيد بن علي(رضی الله عنه)(79 - 122هـ ) : مكتبة اليمن الكبرى - صنعاء / 1987م.
200 - مشكاة الأنوار في غرر الأخبار : الطبرسي = علي بن حسن ( من أعلام القرن السابع الهجري ) : مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)- قم المقدسة / 1423م .
201- مصادقة الاخوان : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381هـ) : مطبعة الكرماني - قم المقدسة / 1402هـ.
202 - مصباح المتهجّد : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460هـ ) : مؤسسة فقه الشيعة - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م.
203 - المصنّف في الأحاديث والآثار : ابن أبي شيبة ، عبدالله بن محمد بن إبراهيم ( 159 - 235هـ) تحقيق : حمد بن عبدالله الجمعة ومحمّد بن إبراهيم، مكتبة الرشد - الرياض ، الطبعة الأولى 1425هـ / 2004م ، 14 مجلّداً + مجلد الفهارس .
204- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : القرشي ، كمال الدين محمد بن طلحة بن محمّد بن الحسن الشافعي ( 583 - 652هـ) : مؤسسة أم القرى - قم المقدسة / 1420هـ .
205 - معالم معالم العلماء: ابن شهرآشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني ( 488 - 588هـ) : المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف / 1380هـ.
206 - معالم الفلسفة الإسلامية : مغنية ، محمد جواد ( 1904 - 1979م ) .
207 - معاوية في الميزان العقاد ، عبّاس محمود ( 1889 - 1964هـ ) .
208 - معجم البلدان : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبد الله الرومي البغدادي ( - 626هـ ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399هـ.
209 -معجم رجال الحديث : السيد الخوئي ، السيد أبو القاسم الموسوي ( - 1413هـ) : الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة الطبعة الخامسة 1413هـ / 1992م.
210 - المعجم الكبير : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي ( 260 - 360هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.
211 - المعرفة والتاريخ : أبو يوسف الفسوي ، يعقوب بن سفيان( - 277هـ ) : تحقيق : أكرم ضياء العمري، مطبعة الإرشاد - بغداد / 1981م .
212 - مقاتل الطالبيين : أبو الفرج الأصفهاني ، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد ( - 356هـ ) : مكتبة الشريف الرضي - قم المقدسة / 1416هـ.
213 - مقتل الحسين(عليه السلام): الخوارزمي = أخطب خوارزم، موفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكي ( 484 - 568هـ) : تحقيق : محمد السماوي ، أنوار الهدى - قم المقدسة / 1418هـ.
214 - مقتل الحسين(عليه السلام)= حديث كربلاء : المقرّم ، عبد الرزاق الموسوي : قدّم له محمّد حسين المقرّم، منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الرابعة / 1414هـ.
215 - المقنعة : الشيخ المفيد : أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413هـ ) : تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1417هـ.
216 - مكارم الأخلاق : أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي الطبرسي ( 468 - 548هـ ) : دار الفقه - قم المقدّسة / 1425هـ .
217 - ملحمة الغدير: سلامة ، بولس : مطبعة النشر - بيروت / 1949م .
218 - الملل والنحل : الشهرستاني ، أبو الفتح محمد بن عبدالكريم ( 479 - 548هـ) : مؤسسة الصادق(عليه السلام)- طهران / 1387هـ .
219 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني ( 488 - 588هـ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1412هـ / 1991م.
220 - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك : ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد ( 508 - 597هـ) : تحقيق وتقديم : سهيل زكار ، الطبعة الأولى / 1415هـ - 1995م.
221 - من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381هـ) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الأولى 1426هـ / 005 200م.
222 - المنمّق في أخبار قريش : الهاشمي البغدادي ، محمد بن حبيب ( - 245هـ) : تصحيح وتعليق : خورشيد أحمد فاروق ، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى / 1405هـ - 1985م .
223 - منهاج السنة النبوية : ابن تيمية الحراني ، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم الدمشقي ( 661 - 782هـ ) : إدارة الثقافة - مكة المكرمة / 1412هـ.
224 - منهاج العابدين : الغزالي .
225 - موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) : القرشي ، باقر شريف ( - 1926 م ) : دار الهدى - قم المقدسة / 2002م .
226 - المؤمن : ابن مهران الأهوازي ، أبو محمد الحسين بن سعيد بن حماد : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه)- قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1404هـ.
227- میزان الاعتدال في نقد الرجال : الذهبي = شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748هـ ) : دار الفكر - بيروت / 1420هـ.
228 - ناسخ التواريخ : تقي خان سپهر ، الميرزا محمد : قلم - قم المقدسة ، الطبعه الأولى / 2007م .
229 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: الأتابكي ، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي ( 813 - (784هـ ) : وزارة الثقافة والإرشاد القومي - القاهرة / 1972م .
230 - النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن عليّ ( 766 - 845هـ ) : قم المقدّسة / 1419هـ.
231 - نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : الحلواني ، أبو عبدالله الحسين بن محمد ( القرن الخامس الهجري ) : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه) - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1408هـ.
232 - نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية : محمود صبحي ، أحمد : دار النهضة العربية بيروت 1411هـ / 1991م.
233 - النفحة العنبرية في أنساب خير البرية : اليماني ، كاظم .
234 - نفس المهموم : الشيخ القمي ، عبّاس بن محمد رضا ( 1254 - 1359هـ ) .
235 - النوادر الراوندي ، قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله ( - 573هـ ) .
236 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار الشبلنجي ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمد علي ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.
237 - نور العين في مشهد : الحسين(عليه السلام): أبو إسحاق الاسفرائيني ( القرن العاشر الهجري ) : مطبعة المنار - تونس.
238 - نهاية الإرب في فنون الأدب : النويري ، أحمد بن عبدالوهاب ( - 733هـ) : طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، المؤسسة المصرية ، مطبعة دار الكتب المصرية .
239- نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : المحمودي ، محمد باقر : وزارة الثقافة والإرشاد - طهران / 1418هـ .
240 - الوافي : الفيض الكاشاني ، الملا محسن بن مرتضى محمد محسن ( - 1091هـ ): تحقيق : ضياء الدين حسين الأصفهاني ، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام)- اصفهان ، الطبعة الأولى / 1406هـ.
241 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة :الحر العاملي، محمد بن الحسن بن عليّ بن محمد بن الحسين( 1033 - 1104هـ): مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)- قم المقدسة ، الطبعة الثانية / 1416هـ .
242 - وسيلة المآل في عد مناقب الآل :(م) : الحضرمي الشافعي ، شهاب الدين أحمد بن الفضل ( 1047هـ ) .
243 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلكان ، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر( - 681هـ ) : تحقيق : د. إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1406هـ.
244 - وقعة صفّين : وقعة صفّين : المنقري ، نصر بن مزاحم ( 212هـ ): طبع مكتبة المرعشي النجفي - قم المقدّسة / 1404هـ ( بالأفسيت عن الطبعة الثانية للمؤسسة العربية الحديثة - القاهرة / 1382هـ).
245 -ينابيع المودة لذوي القربى : القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي( - 1294هـ ) : تحقيق : السيد علي جمال أشرف الحسيني ، الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416هـ.
تقديم ...7
مولفاته(عليه السلام)
206-15
1 - الصحيفة السجّاديّة...17
الصحيفة السجادية ....18
سندها ....19
مميزاتها ...20
الاهتمام بها...33
شروحها ...34
ملحقاتها ...40
من ملحقاتها : ...41
1 - دعاؤه(عليه السلام)بحسن السريرة
2 - دعاؤه(عليه السلام)إذا نزلت به فاقة
4 - دعاؤه(عليه السلام) بالمغفرة والتوبة
5 - دعاؤه(عليه السلام) في الصلاة على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)
6 - دعاؤه(عليه السلام)عند استجابة دعائه ..45
7 - دعاؤه(عليه السلام)عند وضع الطعام ورفعه....46
-8- دعاؤه(عليه السلام)في تفويض أمره إلى الله عزّ وجلّ ...46
9 - دعاؤه(عليه السلام)في الاستعاذة من غضب الله تعالى ....47
10 - دعاؤه(عليه السلام)إذا أوى إلى فراشه ....47
11 - دعاؤه(عليه السلام)في دفع ما يخاف ....48
نماذج رائعة من الصحيفة ...49
دعاؤه(عليه السلام)في الصلاة على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)...49
دعاؤه(عليه السلام)لأتباع الرسل ...53
دعاؤه(عليه السلام)لنفسه ولأهل ولايته...55
دعاؤه(عليه السلام)في الصباح والمساء ...58
دعاؤه(عليه السلام)بخواتم الخير ...63
دعاؤه(عليه السلام)في طلب التوبة ...64
دعاؤه(عليه السلام)إذا مرض ...68
دعاؤه(عليه السلام)إذا استقال من ذنوبه ...69
دعاؤه(عليه السلام)في الاستعاذة من الشيطان...75
دعاؤه(عليه السلام)عند الاستسقاء ...79
دعاؤه(عليه السلام)إذا أحزنه أمر ...81
دعاؤه(عليه السلام)عند الشدّة...85
دعاؤه(عليه السلام)إذا سأل الله العافية ...90
دعاؤه(عليه السلام)إذا قتر عليه رزقه ...93
دعاؤه(عليه السلام)في المعونة على قضاء الدين ...94
دعاؤه(عليه السلام)في ذكر التوبة وطلبها .....97
دعاؤه (عليه السلام)في الاستخارة ...103
دعاؤه(عليه السلام)إذا ابتلي ...104
دعاؤه(عليه السلام)في الرضا إلى أصحاب الدنيا ...105
دعاؤه(عليه السلام)عند رؤية السحاب...107
دعاؤه(عليه السلام)في الشُّكر ...109
دعاؤه(عليه السلام)إذا نعي إليه ميّت ....113
دعاؤه(عليه السلام)في طلب السّتر ...114
دعاؤه(عليه السلام)إذا نظر إلى الهلال....115
دعاؤه(عليه السلام)في دفع كيد الأعداء....117
دعاؤه(عليه السلام)في الرّهبة ....123
دعاؤه(عليه السلام)في التضرّع إلى الله عزّ وجلّ ....125
دعاؤه(عليه السلام)في الالحاح على الله عزّ وجلّ ...127
دعاؤه(عليه السلام)في استكشاف الهموم...130
2 - المناجيات الخمس عشرة ...133
المناجاة الأولى ....134
المناجاة الثانية ....135
المناجاة الثالثة ....137
المناجاة الرابعة ....139
المناجاة الخامسة ...140
المناجاة السادسة .....142
المناجاة السابعة ....144
المناجاة الثامنة ....145
المناجاة التاسعة ...146
المناجاة العاشرة ...148
المناجاة الحادية عشر...149
المناجاة الثانية عشر ...150
المناجاة الثالثة عشر ....152
المناجاة الرابعة عشر .....153.
المناجاة الخامسة عشر...155
المناجاة المنظومة ...156
الأولى ....156
الثانية .... .156
3 - رسالة الحقوق ...158
عرض موجز للحقوق ...159
تفاصيلها ...161
1 - حقّ الله تعالى...161
2 - حقّ النفس ...162
حقوق الجوارح ...162
3 - حقّ اللسان ...162
4 - حقّ السمع...163
5 - حقّ البصر .... 164
6 - حقّ الرّجلين ...164
7- حقّ اليد ...165
8- حقّ البطن ....165
9 - حقّ الفرج ...166
حقوق الأفعال .... 167
10 - حقّ الصلاة ...167
11 - حقّ الصوم ...168
12 - حقّ الصدقة ...169
13 - حقّ الهدي ...170
حقوق الأئمّة ....171
14 - حقّ الأئمّة...171
15 - حقّ المعلم ....172
16 - حقّ المالك ...173
17 - حقوق الرعيّة ...174
18 - حق المتعلّمين ...175
19 - حقّ المملوكة ...175
20 - حقّ المملوك ...176
حقوق الرحم ...177
-21 - حقّ الأمّ...177
22 - حقّ الأب .... 178
23 - حقّ الولد ...179
24 - حقّ الأخ ...179
25 - حقّ المنعم بالولاء...180
26 - حقّ المولى ...181
27 - حقّ صاحب المعروف ...182
28 - حقّ المؤذن ...182
29 - حقّ إمام الجماعة...183
30 - حقّ الجليس ...184
31 - حقّ الجار...185
32 - حقّ الصاحب...186
33 - حقّ الشريك ...187
34 - حقّ المال ...188
35 - حقّ الغريم ...189
36 - حقّ الخليط ...189
37 - حقّ المدعي ...190
38 - حقّ المدعى عليه...191
39 - حقّ المستشير ...191
40 - حقّ المشير ....192
41 - حقّ المستنصح...193
42 - حقّ الناصح ...193
43 - حقّ الكبير ...194
44 - حقّ الصغير ....194
45 - حقّ السائل ...195
46 - حقّ المسؤول ...196
47 - حقّ السار ...196
48 - حقّ من أساء القضاء ...197
49 - حقّ أهل الملة ...198
50 - حقّ أهل الذمة ...199
4 - كتاب علي بن الحسين (عليهم السلام)...201
5 - ديوان شعر منسوب للإمام(عليه السلام)...203
من آثاره المخطوطة ...206
أصحابُهُ ورواةُ حديثة
207 - 288
تفرّغه(عليه السلام) لنشر العلم ...209
إشادته(عليه السلام)بفضل العلم ...210
تشجيعه(عليه السلام) للحركة العلمية...210
تكريمه(عليه السلام)لطلاب العلوم ...211
آداب المتعلّمين ...211
حقوق المعلم ...211
ثواب المتعلم ...212
مجانية التعليم...212
تواضع المعلم ...213
مرکز مدرسته(عليه السلام)...213
احتفاف العلماء به (عليه السلام)...214
تلاميذه وأصحابه(عليه السلام) ....214
حرف الألف ....214
1 - أبان بن أبي عيّاش ...214
2 - أبان بن تغلب ...214
ولادته ونشأته ...215
مكانته العلمية ...215
رواياته عن الأئمة (عليه السلام)...215
اعتزاز الأئمة (عليه السلام) به ...216
وثاقته....217
ولاؤه لأهل البيت(عليهم السلام) ...217
مؤلّفاته ...219
وفاته ...219
3-إبراهيم بن أبي حفصة .....219
4 - إبراهيم بن بشير ...220
5 - إبراهيم بن عبدالله ...220
6- إبراهيم بن محمد ...220
7- إبراهيم بن يزيد ...220
8- أحمد بن حمويه ....220
9 - إسحاق بن عبد الله .... 220
10 - إسحاق بن عبدالله ....221
11 - إسحاق بن يسار ...221
12 - إسماعيل بن أمية ...221
13 - إسماعيل بن رافع ...221
14 - إسماعيل بن عبد الخالق ...221
15 - إسماعيل بن عبدالرحمن ...222
16 - إسماعيل بن عبد الله ....222
17 - أفلح بن حميد ...222
18 - أيوب بن الحسن ...222
19 - أيوب بن عايذ( عائذ ) ...223
حرف الباء .....223
20 - برد الاسكاف...223
21-بشر بن غالب ...223
22 - بكر بن أوس ...223
23 - بكير بن عبدالله ....224
حرف الثاء .....224
24 - ثابت بن أسلم ...224
نشأته ...224
وثاقته ...224
مكانته العلمية ...224
مؤلّفاته ...225
رواياته عن الأئمة(عليهم السلام)....225
وفاته ....225
25 - ثابت بن أسلم ...226
26 - ثابت بن عبدالله ...226
27 - ثابت بن هرمز ...226
28 - ثوير بن أبي فاختة .....227
29 - ثوير بن يزيد ...229
حرف الجيم ...229
30- جابر بن محمد...229
31 - جعفر بن إبراهيم ...229
32 - جعفر بن إياس ...229
33- جعفر بن محمد .... 230
34 - جعيد همدان ...230
35 - جهيم الهلالي ...230
حرف الحاء ....231
36 - الحارث بن جارود ...231
37 - الحارث بن الفضيل ...231
38 - الحارث بن كعب ...231
39 - حبيب بن أبي ثابت .....231
40 - حبيب بن حسان ...231
41 - حبيب بن المعلّى ....232
42- حذيم بن سفيان ...232
43 - حذيم بن شريك ....232
44 - حسان العامري ...232
45 - الحسن بن الرواح...232
46 - الحسن بن علي ...233
47 - الحسن بن عمارة ...233
48 - الحسن بن محمد ...233
49 - الحسين بن علي .....233
50 - الحصين بن عمرو ....234
51 - حطان بن خفاف ...234
52 - حفص بن عمر ...234
53 - حكم بن عتيبة ....234
54 - حكيم بن جبير ...235
55 - حكيم بن حكم ...235
56 - حكيم بن صهيب ....235
57 - حميد بن مسلم ...236
58 - حميد بن نافع ...236
حرف الخاء ... 236
59 - خشرم بن يسار ...236
حرف الدال ....236
60 - داود ...236
حرف الراء ...237
61 - ربيعة بن أبي عبدالرحمن ...237
62 - ربيعة بن عثمان ...237
63- رزين بن عبيد ...237
64 - رشيد الهجري ...237
في ذمّة الخلود ....238
65 - رياح بن عبيدة...240
حرف الزاي ...240
66 - زياد بن سوقة ...240
67 - زيد بن أسلم ...240
68 - زيد بن الحسن ....241
69 - زيد بن علي ....2410
70 - زيد العمي ...242
حرف السين ...242
71- سالم ( مولى عمر بن عبد الله )...242
72 - سالم بن أبي الجعد ....242
73 - سالم بن أبي حفصة...243
74 - سدير بن حكيم ....244
75 - السري بن عبدالله ...244
76 - سعد بن أبي سعيد ...245
77 - سعد بن حكيم ...245
78- سعد بن طريف ....245
79- سعيد بن جبير ...245
مكانته العلمية ....245
تقواه وصلاحه ...246
خروجه مع ابن الأشعث...246
شهادته ....246
80- سعيد بن الحارث ...248
81- سعيد بن عثمان ...248
82- سعيد بن مرجانة ....248
83- سعيد بن المرزبان ...249
84- سعيد بن المسيب ...249
مكانته العلمية ...249
حكمه ....250
تعظيمه للإمام (عليه السلام)...250
الاختلاف في وثاقته ...251
85- سلام بن المستنير....252
86 - سلمة بن دينار ...252
87 - سلمة بن كهيل ...252
88- سلمة بن نبيط ...253
89- سليمان ( أبو عبد الله )...254
90 - سليمان بن أبي المغيرة ...254
91 - سليم بن قيس ...254
92 - سماك بن حرب ...255
حرف الشين ...255
93- شرحبيل بن سعد...255
94 - شيبة بن نعامة ....255
حرف الصاد ....256
95 - صالح بن أبي حسّان ...256
96 - صالح بن خوات ...256
97 - صالح بن كيسان ...256
98 - صفوان بن سليم ...257
99 - صهيب ( أبو حكيم ) ...257
حرف الضاد ....257
100- الضحاك بن عبد الله ....257
101 - الضحاك بن مزاحم ...257
حرف الطاء ...258
102 - طارق بن عبدالرحمن ...258
103 - طاووس بن كيسان ...258
104 - طلحة بن عمرو ....259
105 - طلحة بن النضر...259
حرف الظاء ...259
106 - ظالم بن عمرو ...259
حرف العين ...260
107 - عائذ الأحمسي...260
108 - عامر بن السمط...261
109 - عامر بن واثلة ...261
110 - العباس بن عيسى...262
111 - عبد الرحمن القصير....262
112 - عبد الغفار بن القاسم ...262
113 - عبد الله البرقي...262
114 - عبدالله بن أبي بكر...262
115 - عبدالله بن أبي مليكة ....263
116 - عبد الله بن جعفر ...263
117 - عبد الله بن الحارث ...263
118- عبدالله بن دينار ...263
119 - عبد الله بن ذكوان...263
120 - عبدالله بن زبید ...264
121 - عبد الله بن سعيد ....264
122 - عبد الله بن شبرمة ...264
123 - عبدالله بن شريك ....265
124 - عبدالله بن عبيدة ...265
125 - عبدالله بن عطاء ..265
126 - عبدالله بن عطاء ...266
127 - عبدالله بن علي ....266
128- عبدالله بن محمد ...267
129 - عبدالله بن محمد ...267
130- عبدالله بن المستورد ...267
131- عبدالله بن هرمز ...267
132 - عبد المؤمن بن القاسم ...267
133 - عبيد الله بن أبي الجعد ...268
134 - عبيد الله بن أبي الوشيم ...268
135 - عبيد الله بن عبد الرحمن ...268
136 - عبيد الله بن مسلم ...268
137 - عبيد الله بن المغيرة ...268
138 - عقبة بن بشير ...268
139 - علي بن ثابت ...268
140 - عمران بن میثم ...269
141 - عيسى بن علي ....269
حرف الفاء ....269
142 - فرات بن الأحنف...269
143 - الفرزدق ...269
144 - فليح بن أبي بكر ...270
حرف القاف ...270
145 - القاسم بن عبدالرحمن ...270
146 - القاسم بن عوف ...270
147 - القاسم بن محمد ...271
حرف الكاف ...271
148 - كنكر ...271
149 - كيسان بن كليب ...273
حرف الميم ...273
150 - مالك بن عطية ...273
151 - محمد بن جبير ...274
152 - محمد بن شهاب ....274
ولادته ....274
نشأته ...274
مكانته العلمية ...274
سخاؤه ...275
اتصاله ببني أمية ...276
مع الإمام زين العابدين(عليه السلام)...276
تفريج الإمام عنه ...276
رسالة الإمام إليه ...277
رواياته عن الإمام (عليه السلام)...282
اتّهامه بالعداوة لأهل البيت (عليهم السلام)...282
153 - محمد بن علي ...282
154 - محمد بن عمر ...283
155 - محمد بن قيس ...283
156 - مسلم بن علي ...283
157 - معروف بن خربوذ ....284
158 - منذر الثوري ...284
159- المنهال بن عمرو ...285
160 - المنهال بن عمرو ...285
161 - ميمون البان ...285
162 - ميمون القداح ...285
حرف الياء ... 286
163 - يحيى بن أمّ الطويل ...286
الكني ....287
164 - أبو مريم ...287
النساء ...287
165 - أم البراء ...287
مُلُوكُ عَصْرة
289 - 336
معاوية...291
أبواه ...292
فتح مكة...293
صفاته النفسية...293
القسوة ...294
الخيانة ...294
الكذب ...294
الغدر ....295
صفات منتحلة ...295
فرضه حاكماً على دمشق...296
أيام حكومته ...297
إبعاد المسلمين عن (عليه السلام)...298
تصفية الشيعة ....298
ولاته وعماله ... 298
فرضه ليزيد حاكماً ...299
انطباعات عن معاوية...299
1 - ابن عبّاس ...299
2 - صعصعة بن صوحان ...300
3- المغيرة بن شعبة ...300
4 - سمرة بن جندب...300
حكومة يزيد ...301
حكومة معاوية بن يزيد ...302
مروان بن الحكم ...305
اختفاء الشيعة ...307
سبّه للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)...308
موضوعات ...308
هلاك مروان...310
عبد الملك بن مروان .....311
ولايته للحجاج ...312
سفكه للدماء ....313
استهانته بالنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)...313
عداؤه لآل البيت(صلی الله علیه وآله وسلم) ...314
هدمه للكعبة ...316
إعادة الإمام للحجر...317
سجون ....317
هلاكه ...318
ظلم الولاة للرعية ....319
الإمام(عليه السلام) وعبد الملك...320
معه في الطواف ...320
عبدالملك يطلب سيف النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)...320
إنكاره على الإمام (عليه السلام) ...321
رسالة من الإمام(عليه السلام)لعبد الملك ....322
اعتقال الإمام (عليه السلام)....323
هلاك عبدالملك ...324
الوليد بن عبدالملك....326
موقف الإمام(عليه السلام)....327
دعاؤه(عليه السلام)لأهل الثغور ...327
عصر الإمام(عليه السلام)
394-337
الحياة السياسية ...339
طبيعة الحكم الأموي...340
الاستبداد ...340
الجبروت ...341
إقصاء الحريات العامة ...342
إقصاء الإسلام ...342
نشر الظلم ...343
سياسة التفريق والاختلاف ....343
الثورات الداخلية ....344
1 - ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)...344
2 - ثورة المدينة ...344
أسباب الثورة ....345
طرد حاكم المدينة....347
التجاء مروان إلى الإمام(عليه السلام)...347
انتداب مسلم بن عقبة ....348
زحف الجيوش للحرب ....349
محاصرة المدينة ....349
احتلال المدينة ...349
ماس وفظائع ....350
الإمام(عليه السلام) مع مسلم بن عقبة ...351
الرؤوس بين يدي يزيد .....353
3- ثورة التوابين ....354
المؤتمر الأوّل للتوّابين....354
مقررات المؤتمر ...355
إعلان الثورة ....356
في عين الوردة ...357
4 - ثورة المختار ....360
معالم شخصيته ...360
1 - شدّة الذكاء ...360
2 - الدهاء ....360
3- القيادة الملهمة ....361
4 - التقوى والورع ....361
5 - الولاء لأهل البيت(عليه السلام)...361
سموّ مكانته عند الأئمة(عليه السلام)...362
اتّهامات رخيصة ...364
ثورته العملاقة ...365
أهداف الثورة ....366
1 - المساواة بين العرب والموالي ...366
2 - الأخذ بثأر الإمام الحسين(عليه السلام)....367
إشاعة الرعب والفزع ....367
الإبادة الشاملة ....368
مصرع الطاغية ابن زياد...371
5 - ثورة ابن الزبير ....375
بغضه للعلويين ...376
اعتقاله للعلويين ....377
سقوط حكومته ...378
الحياة الاقتصاديّة....380
ترف الأمويّين ...381
هباتهم للشعراء ....381
هباتهم للمغنّين ....383
حياة اللهو ....383
الغناء ...383
حفلات الغناء والرقص...385
تأثّر المدنيّين بالغناء ....386
المغنّيات في يثرب ...387
مجون الأمويّين ...387
موقف الإمام(عليه السلام)...388
الحياة العلمية ....390
مدرسة التابعين ...390
الحياة الأدبية ....392
إلى جنة المأوى
401-395
اغتياله بالسمّ...397
نصه(عليه السلام) على إمامة الباقر(عليه السلام)...398
وصاياه(عليه السلام) لولده الباقر(عليه السلام)....398
إلى جنة المأوى ....400
تجهيزه (عليه السلام)...400
تشییعه (عليه السلام)....401
في مقره (عليه السلام) الأخير...401
مصادر الكتاب ...403
محتويات الكتاب....427