ghaemiyeh.com
سرشناسه : خرازی، سیدمحسن، ۱۳۱۵ -
عنوان قراردادی : المکاسب.شرح
عنوان و نام پديدآور : البحوثالهامه فیالمکاسبالمحرمه [ مرتضی انصاری ]/ تالیف محسن الخرازی.
مشخصات نشر : قم: موسسه در راهحق، ۱۴۲۳ ق.= ۱۳۸۱-
مشخصات ظاهری : 7ج.
شابک : ج. ۶978-964-5515-01-5 : ؛ ج. ۷978-600-5515-04-6 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج.۴ (چاپ ؟: ۱۳).
يادداشت : ج. ۷ (چاپ اول: ۱۳۹۰) (فیپا).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : انصاری، مرتضی بن محمدامین، ۱۲۱۴-۱۲۸۱ق . المکاسب -- نقدو تفسیر
موضوع : معاملات (فقه)
کسب و کار حرام
شناسه افزوده : انصاری، مرتضی بن محمدامین، ۱۲۱۴-۱۲۸۱ق . المکاسب . شرح
شناسه افزوده : موسسه در راه حق
رده بندی کنگره : BP۱۹۰/۱/الف۸م۷۰۲۱۴۳ ۱۳۸۱
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۷۲
شماره کتابشناسی ملی : م۸۱-۴۵۲۴۴
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا
محرر الرقمي: میثم الحیدري
العنوان... البحوث الهامّة ج 4
الموضوع... فقه
تأليف... آية الله السيّد محسن الخرّازي
باهتمام... السيّد علىّ رضا الجعفري
نشر... مؤسسه در راه حق
الطبعة... الاُولى
المطبعة... ولى عصر (عج)
العدد... 1000
بسم الله الرحمن الرحيم
يقع الكلام في مقامين:
و فيه جهات:
و يدلّ عليها - مضافاً إلى الآيات و الروايات الكثيرة الواردة في حرمة الربا بالمعنى العام الشامل للربا المعاملي و الفرضي - روايات خاصة بالربا المعاملي.
أما الآيات فهي كما يلي:
1 - قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبٰا لاٰ يَقُومُونَ إِلاّٰ كَمٰا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطٰانُ مِنَ اَلْمَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا اَلْبَيْعُ مِثْلُ اَلرِّبٰا وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ * يَمْحَقُ اَللّٰهُ اَلرِّبٰا وَ يُرْبِي اَلصَّدَقٰاتِ وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ كُلَّ كَفّٰارٍ أَثِيمٍ) .(1)
وفي جوامع الجامع: أي لا يقومون إذا بعثوا من قبورهم إلاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان، أي المصروع من المسّ و هو الجنون. و رجل ممسوس. و تعلّق «من» ب «لايقومون» أي: لايقومون من المسّ الذي بهم إلاّ كما يقوم المصروع. و يجوز أن يتعلق ب «يقوم» أي: كما يقوم المصروع من جنونه.
و المعنى: أنهم يقومون يوم القيامة مخبّلين كالمصروعين يعرفون بتلك السيماء عند أهل الموقف، أي ذلك العقاب بسبب أنهم قالوا: إنّما البيع مثل الربوا. انتهى موضع الحاجة.
**
(1) البقرة/ 275-276.
و أورد عليه في الميزان بأن ظاهر الآية لايساعد هذا المعنى، و الرواية الواردة في حال آكلي الربا يوم القيامة لاتجعل للآية ظهوراً فيما ليست بظاهرة فيه و إنّما تبين حال آكلي الربا يوم القيامة.
و توضيح ذلك أن الخبط هو المشي على غير استواء. يقال: خبط البعير إذا اختل جهة مشيه، و للإنسان في حياته طريق مستقيم لا ينحرف عنه، فإنّه لامحالة ذو أفعال و حركات في طريق حياته بحسب المحيط الذي يعيش فيه، و هذه الأفعال محفوظة النظام بأحكام اعتقادية عقلائية وضعها و نظّمها الإنسان ثم طبّق عليها أفعاله الانفرادية و الاجتماعية. فهو يقصد الأكل إذا جاع و يقصد الشرب إذا عطش... إلى أن قال: و هذه الأفعال على هذه الاعتقادات مرتبطة متحدة نحو اتحاد، متلائمة غير متناقضة و مجموعها طريق حياته.
و إنّما اهتدى الإنسان الى هذا الطريق المستقيم بقوة مودوعة فيه، هي القوة المميّزة بين الخير و الشر و النافع و الضار و الحسن و القبيح. و أما الإنسان الممسوس و هو الذي اختلّت قوّته المميّزه فهو لا يفرّق بين الحسن و القبيح و النافع و الضار و الخير و الشر، فيجري حكم كل مورد فيما يقابله من الموارد، لكن لا لأنه ناس لمعنى الحسن و القبح و غيرهما، فإنّه بالاخرة إنسان ذو إرادة و من المحال أن يصدر عن الإنسان غير الأفعال الإنسانية، بل لأنه يرى القبيح حسناً و الحسن قبيحاً و الخير و النافع شرّاً أو ضاراً و بالعكس فهو خابط في تطبيق الأحكام و تعيين الموارد.
الى أن قال: فالربا يضاد التوازن و التعادل الاجتماعي و يفسد الانتظام الحاكم على هذا الصراط المستقيم الإنساني الذي هدته إليه الفطرة الإلهية.
و هذا هو الخبط الذي يبتلي به المرابي كخبط الممسوس، فإنّ المراباة يضطره أن يختل عنده أصل المعاملة و المعاوضة، فلا يفرّق بين البيع و الربا.
فإذا دعي إلى أن يترك الربا و يأخذ البيع أجاب: أن البيع مثل الربا لايزيد على الربا بمزية، فلاموجب لترك الربا و أخذ البيع. و لذلك استدلّ تعالى على خبط المرابين بما حكاه من قولهم إنّما البيع مثل الربا.
و من هذا البيان يظهر أوّلاً: أن المراد بالقيام في قوله تعالى: (لاٰ يَقُومُونَ إِلاّٰ كَمٰا يَقُومُ...) هو الاستواء على الحياة و القيام بأمر المعيشة... الى أن قال: وثانياً: إن المراد بالخبط الممسوس في قيامه ليس هو الحركات التي يظهر من الممسوس حال الصرع، فإنّ ذلك لايلائم الفرض المسوق لبيانه الكلام، و هو ما يعتقده المرابي من عدم الفرق بين البيع و الربا و بناء عمله عليه إلخ.(1)
وربما قيل: إن في الآية الكريمة اشارة الى المعنيين; لأن ما يقع في الآخرة هو تجسم ما كان في الدنيا، فمن خرج عن مشي العقلاء في حال الحياة في اُموره الاقتصادية كان حشره يوم القيامة كالمصروعين عند الموقف، كلّما قاموا سقطوا.
ولكن الأظهر هو ما ذهب إليه في الميزان; لأن حمل «لا يقومون» على عدم تمكنهم من القيام من الأرض في الآخرة لاشاهد له و إن كان قوله: ذلك بأنهم... الخ يساعد مع العقوبة الاُخروية بهذه الكيفية أيضاً.
و كيف كان فالآية الكريمة دلّت أوّلاً: على المنع عن الربا بالتصريح بالحرمة بقوله: وأحلّ الله البيع و حرّم الربوا تخطئةً لتسويتهم بينهما.
وثانياً: على أن من أصرّ على أخذ الربا و لم يقبل قول القرآن بعدم التسوية بينهما و قال بأن البيع مثل الربا يوجب ذلك الخلود في النار; لأنّ ذلك القول لايصدر إلاّ من كافر مستحلّ الربا، فيستحق التوعيد بعذاب الأبد.
وثالثاً: على تغليظ أمر الربا; للتعبير عن المرابي بالكفّار و الأثيم أي اعتماد على عمل الإثم، و الوعيد بأن محبّة الله و عنايته تعالى لايشمل الكفّار و الأثيم في قوله عزّوجلّ: (وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ كُلَّ كَفّٰارٍ أَثِيمٍ) .
قال في زبدة البيان: اعلم أنها تدل على تحريم فعل الربا و تحريم أكل ما اُخذ به، بل
**
(1) الميزان 433/2-436.
مطلق التصرف فيه... إلى أن قال: فاعلم أنّ في الآية التي بعدها تأكيد لأمر تحريم الربا بأنه يمحقه الله أي ينقصه و يذهب بركته في العاجل و يعاقب عليه في الآجل(1) و لايخفى عليك أن المحق و الإرباء لايختصّان بالعاجل كما يقتضيه الإطلاق.
2 - قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ) .(2)
و في تفسير آلاء الرحمان: (اِتَّقُوا اَللّٰهَ) أي خافوه و لاتخالفوا أمره و نهيه، و ذروا ما بقي لكم عند الناس من الربا إن كنتم مؤمنين على حقيقة الإيمان فذروه، فإن لم تفعلوا و لم تذروه بل أصررتم على أخذه فأذنوا أي فاعلموا، و كأنّه مأخوذ من العلم بواسطة السمع بالإذن، بحرب من الله و رسوله.
و إن تبتم عن الإصرار على أخذه أو أخذتموه و تبتم بعد ذلك فلكم رؤوس أموالكم دون الزيادة الربوية لاتَظلمون بأخذ الربا و لاتُظلمون بالنقص من رؤوس أموالكم.(3)
و الآية الكريمة تدلّ على وجوب ترك البقايا من الربا عند الناس و أكّده بقوله عزّوجلّ ابتداءً (اِتَّقُوا اَللّٰهَ) و بقوله تبارك و تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) . فإنّه يفيد أن الإيمان يوجب تصديق تحريمه، و تصديق التحريم لايمكن بدون العلم بالحرمة، و العلم يمنع الإنسان عن ارتكاب المحرم و إلاّ فلايكون علماً و لاتصديقاً و لاإيماناً.
و زاد في تأكيد حرمة الربا بقوله جلّ جلاله بعد ذلك (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ) و بالتعبير عن فعل الربا بالظلم في قوله عزّوجلّ: (لاٰ تَظْلِمُونَ) .
**
(1) زبدة البيان ج 2، ص 547-550.
(2) البقرة / 278-279.
(3) تفسير آلاء الرحمان: 246/1.
قال في زبدة البيان: قيل: التنوين في قوله: «بحرب» للتعظيم، كأنّه أبلغ من حرب الله و رسوله; لأن المعنى: (فاعلموا) بنوع عظيم من الحرب من عندالله و رسوله.
و يحتمل أن يكون حربهما واحداً و هو قتال المسلمين معهم حتى يرجعوا، و كون حرب الله في الآخرة بادخالهم النار، و حرب الرسول في الدنيا بالسيف و الأوّل أظهر.
فدلّت على جواز قتال المسلم على ترك الربا حتى يرجع، مثل قتال مانع الزكاة و غيره، و على تحريم أخذ ما بقي من الربا الذي شرطه قبل التحريم.(1)
قال في تفسير القرطبي: و الحرب يؤذن بالقتل، فكأنّه يقول: إن لم تتقوا الربا هزمتم و قتلتم فأمرهم بترك الربا; لأنّه كان معمولاً به عندهم.(2)
وقال في الميزان: الإذن كالعلم وزناً و معنى. و قرئ فآذنوا بالأمر من الإيذان. و الباء في قوله «بحرب» لتضمينه معنى اليقين و نحوه.
والمعنى في قوله: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ...) الآية: أيقنوا بحرب أو اعلموا أنفسكم باليقين بحرب من الله و رسوله، الآية.
و تنكير الحرب لإفادة التعظيم أو التنويع، و نسبة الحرب الى الله و رسوله لكونه مرتبطاً بالحكم الذي لله سبحانه فيه سهم بالجعل و التشريع، و لرسوله فيه سهم بالتبليغ... الى أن قال: و الحرب من الله و رسوله في حكم من الأحكام مع من لايسلّمه هو تحميل الحكم على من ردّه من المسلمين بالقتال، كما يدلّ عليه قوله تعالى (فَقٰاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اَللّٰهِ)(3) على أن لله تعالى صنعاً آخر في الدفاع عن حكمه، و هو محاربته إياهم من طريق الفطرة، و هو تهييج الفطرة العامة على خلافهم و هي التي تقطع أنفاسهم و تخرّب
**
(1) زبدة البيان 551/2.
(2) تفسير القرطبي 202/4.
(3) الحجرات / 9.
ديارهم و تعفي آثارهم قال تعالى: (وَ إِذٰا أَرَدْنٰا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنٰا مُتْرَفِيهٰا فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰاهٰا تَدْمِيراً) .(1)
و قال أيضاً قوله: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ...) الآية، تؤيّد ما مرّ من أن الخطاب في الآية لبعض المؤمنين ممّن كان يأخذ الربا و له بقايا على مدينيه و معامليه و قوله: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ) أي اُصول أموالكم الخالصة من الربا، لاتَظلمون بأخذ الربا و لاتُظلمون بالتعدّي الى رؤوس أموالكم.
و في الآية دلالة على إمضاء أصل الملك أوّلاً، و على كون أخذ الربا ظلماً كما تقدم ثانياً، و على إمضاء أصناف المعاملات، حيث عبّر بقوله رؤوس أموالكم، و المال إنّما يكون رأساً إذا صرف في وجوه المعاملات و أصناف الكسب ثالثاً.(2)
فتحصّل أن الآية الكريمة دلّت على حرمة أخذ ما بقي من الربا، فضلاً عن المعاملة الجديدة الربوية. و أيضاً اختصاص الحرمة بما بقي من الربا مشعر على عدم حرمة ما أخذه سابقاً قبل التحريم، و لعلّه يكون قرينة على أن المراد من قوله تعالى: (فَلَهُ مٰا سَلَفَ) في الآية السابقة: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ) إنَّ ما أخذ من الأموال الربوية قبل التحريم و الجهل بالحرمة يكون محكوماً بالحلية كما احتمله في زبدة البيان، حيث قال: أي يجب عليكم ترك ما بقي من الربا بعد علمكم بالتحريم، فالذي فعلتم و أخذتم قبل العلم لايجب ردّه إلى صاحبه كما فهم من قوله (فَلَهُ مٰا سَلَفَ)(3)
و ذهب إليه في تفسير القرطبي أيضاً حيث قال: (فَلَهُ مٰا سَلَفَ) أي من أمر الربا
**
(1) الإسراء/ 16.
(2) الميزان 448/2.
(3) زبدة البيان 551/2.
لاتباعةً عليه منه في الدنيا و لا في الآخرة. قاله السدي و غيره. و هذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفّار قريش و ثقيف و من كان يتّجر هنالك.(1)
خلافاً لما ذهب إليه في آلاء الرحمان و الميزان من أنّ المراد من قوله تعالى: (مٰا سَلَفَ) هو العصيان و العمل الربوي فتأمّل.
3 - و قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَ اِتَّقُوا اَلنّٰارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ) .(2) أضعافاً نصب على الحال، و مضاعفة نعته. وهي إشارة الى تأكيد التكرار. قال في مجمع البحرين: قوله: (أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً) أي أمثالاً كثيرة متزايدة كقوله تعالى (حِجْراً مَحْجُوراً) و (ظِلاًّ ظَلِيلاً) و قال في زبدة البيان: و قد مرّ مضمونها و هو تحريم الربا، و لعلّ التكرار للتأكيد و المبالغة في التحريم... الى أن قال: أو لعظم ذنب هذا الفرد، و هو الأكل أضعافاً مضاعفة، و كأنّ الواقع كان كذلك و لكثرة ضرره على الناس... الى أن قال: و معنى أضعافاً مضاعفة قيل أن يضاعف بتأخير أجل بعد أجل كلّما حلّ أجل أجّل الى غيره و زيد زيادة على الحال، أو: تضاعفوا أموالكم، فيدخل فيه كل زيادة محرّمة في المعاملة، ويمكن أن يكون المراد: يضاعف الزيادة أضعاف الأصل أو أضعاف ما يتعارف في ربح مثله.(3)
و اختار في آلاء الرحمان من بين المحتملات التي كانت في قوله تعالى: (أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً) أن هذا بيان لنحو من جهات المفسدة فيه، و ذلك أنّه بحسب طبعه و جوره يستهلك أموال المديون و يكون ما يأخذه منه أضعافاً مضاعفة بالنسبة لما استدانه، فإياكم و باب هذا الجور.(4)
**
(1) تفسير القرطبي: 361/3.
(2) آل عمران / 130-131.
(3) زبدة البيان 554/2.
(4) آلاء الرحمان 342/1.
و تبعه في الميزان، حيث قال: و قوله: (أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً) يشير الى الوصف الغالب في الربا، فإنّه بحسب الطبع يتضاعف فيصير المال أضعافاً مضاعفة بإنفاد مال الغير و ضمّه الى رأس المال الربوي(1) و عليه فالقيد المذكور وارد مورد الغالب، و المنهي فيه هو مطلق الربا كسائر الآيات و الروايات.
فتحصّل أن الربا أي مطلق الزيادة منهي عنه. و المراد من قوله (أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً) هو الإشارة الى المفسدة النوعية التي تترتب عليه بطبعه غالباً. و عليه فاحتمال اختصاص الحرمة بصورة كون الربا أضعافاً مضاعفة مندفع; لكون القيد وارداً مورد الغالب. و على فرض كون القيد احترازياً - كما ذهب إليه في تفسير القرطبي(2) و ذكره في زبدة البيان بعنوان أوّل المحتملات - فهو دخيل في شخص الحكم الوارد فيه من باب الاهتمام، لكثرة مفاسده، و لاينافي حرمة مطلق الربا و لو لم يكن كذلك كما نطق به سائر الآيات و الروايات، لأن المتوافقين مطلقاً سواء كانا مثبتين أو نافيين لايوجبان التقييد إلاّ إذا أحرزت وحدة الحكم من ناحية وحدة السبب، و المفروض عدم ثبوت وحدة السبب. و عليه فمطلق الزيادة محرّم سواء كان أضعافاً مضاعفة أو لم يكن.
4 - قوله تعالى: (وَ أَخْذِهِمُ اَلرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ) .(3)
و الآية تدلّ على حرمة الربا في شريعة موسى على نبيّنا و آله و عليه السلام و شدّة الحرمة في تلك الشريعة، بحيث صاروا بسبب أكل الربا و غير ذلك من المعاصي مستحقين للعقوبة و الجريمة بتحريم الطيّبات عليهم، كما نصّ عليه بقوله:
**
(1) الميزان 17/4.
(2) تفسير القرطبي 202/4.
(3) النساء/ 161.
(فَبِظُلْمٍ مِنَ اَلَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ طَيِّبٰاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ كَثِيراً * وَ أَخْذِهِمُ اَلرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ) .(1)
و مقتضى الاستصحاب - مع قطع النظر عن المطلقات و العمومات - هو بقاء حرمة الربا و عدم نسخها.
5 - قوله تعالى: (وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ اَلنّٰاسِ فَلاٰ يَرْبُوا عِنْدَ اَللّٰهِ وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُضْعِفُونَ) .(2)
قال في الميزان: على تقدير كون الآية مكيّة فالمراد بالربا و الزكاة - بقرينة المقابلة و ما احتف بهما من الشواهد - الربا الحلال و هو العطية من غير قربة، و الصدقة و هي اعطاء المال مع قصد القرية. و أما على تقدير كونها مدنية فالمراد بالربا الربا المحرّم، و بالزكاة هي الزكاة المفروضة، و هذه الآية و التي قبلها أشبه بالمدنيّات منهما بالمكيّات، و لااعتبار بما يدّعى من الرواية أو الإجماع المنقول.(3)
و مراده من الآية السابقة هو قوله عزّوجلّ: (فَآتِ ذَا اَلْقُرْبىٰ حَقَّهُ وَ اَلْمِسْكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ ذٰلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللّٰهِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ) .(4)
و لايخفى عليك أن الآية الكريمة إن كانت هي نازلة قبل تحريم الربا أمكن أن يكون المقصود منها هو الأعم من الربا المصطلح الشائع. فالآية دلّت على أن الربا المصطلح و العطايا التي تعطى لتربو عند الناس لا بركة فيها و لاتضاعف عندالله، فبهذا أرشدت الى تركها و اعطائها لوجه الله. و لعلّه أنسب بالشروع في تحريم الربا.
**
(1) النساء / 160-161.
(2) الروم / 39.
(3) الميزان 194/16.
(4) الروم / 38.
و لافرق فيما ذكر بين أن يكون نزولها في مكة المكرمة أو المدينة المنوّرة قبل بيان تحريم الربا المصطلح، فلاوجه لما في الميزان من أنها إن كانت مكيّة فالمراد من الربا هو العطية من غير قربة، و إن كانت مدنية فالمراد بالربا الربا المحرم; لما عرفت من أن نزول الآية إن كانت قبل تحريم الربا المصطلح فلافرق في جواز إرادة الأعم من الربا المصطلح بين النزول في المدينة أو مكة المكرمة. و كيف كان فالمقصود من الآية حينئذ هو الإرشاد الى أن العطايا أو المعاملة الربوية التي تقصد لازديادها لاتربو عندالله.
فتحصّل أن الآية الكريمة لاتدلّ على حرمة الربا، بل أرشدت الى أن الربا لابركة فيه و لايربو عندالله. و لاتنافي ما ذكر معتبرة حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبدالله عليه السلام قال: الربا ربائان ربا يؤكل و ربا لايؤكل، فأمّا الذي يؤكل فهديتك الى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل و هو قول الله عزّ وجلّ: (وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ اَلنّٰاسِ فَلاٰ يَرْبُوا عِنْدَ اَللّٰهِ) و أما الذي لايؤكل فهو الذي نهى الله عنه و أوعد عليه النار(1) لأن ذلك تفسير ببعض مصاديقه بناءً على أعمية الآية الكريمة فتأمّل.
هذا تمام الكلام في الآيات الشريفة الدالّة على حكم الربا. و أما الروايات فهي كثيرة و هي طوائف:
هي التي تدل على أن الربا أشدّ من الزنا، منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: درهم ربا(2) أشد من سبعين زنية كلّها بذات محرم.(3)
**
(1) كنز الدقائق 209/10-210.
(2) عند الله خ ل.
(3) الوسائل الباب 1 من أبواب الربا ح 1.
ومنها: موثقة أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال: درهم ربا أشد عندالله من ثلاثين زنية كلّها بذات محرم مثل عمّة و خالة.(1)
و الجمع بين قوله عليه السلام أشد من سبعين و أشد من ثلاثين: إما بأن يكون المقصود بيان الأشدية المطلقة و لامنافاة بينها، أو بأن يكون الفرق من جهة اختلاف حال الدافعين و الآخذين أو اختلاف الأزمنة و الأمكنة فلا تغفل.
هي التي تدلّ على علل الحرمة و حكمتها.
منها: موثقة هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إنّما حرّم الله عزّ وجلّ الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف.(2)
و لعلّ المراد من اصطناع المعروف هو القرض الحسنة و نحوه.
ومنها: صحيحة هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبدالله عليه السلام عن علّة تحريم الربا فقال: إنّه لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارات و مايحتاجون إليه فحرّم الربا لتنفر الناس من الحرام الى الحلال و الى التجارات من البيع و الشراء فيبقى ذلك بينهم في القرض.(3)
ومنها: موثقة محمّد بن عطية عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنّما حرّم الله عزّوجلّ الرّبا لئلاّ يذهب المعروف.(4)
ومنها: معتبرة محمّد بن سنان المروية في العيون عن عليّ بن أحمد بن عبدالله البرقي عن محمّد بن علي ماجيلويه عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أبيه عن محمّد بن سنان أنّ عليّ بن
**
(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الربا ح 5.
(2) جامع الأحاديث 132/18 الباب 1 من أبواب الربا ح 38.
(3) الوسائل 424/12 الباب 1 من أبواب الربا ح 8 عن الفقيه.
(4) الوسائل 425/12 الباب 1 من أبواب الربا ح 10.
موسى الرضا عليه السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: و علّة تحريم الربا إنّما نهى الله عزّوجلّ عنه لما فيه من فساد الأموال، لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً و ثمن الآخر باطلاً، فبيع الربا و شراؤه وكس على كل حال على المشتري و على البائع، فحرّم الله تبارك و تعالى الربا لعلّة فساد الأموال. كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوف عليه من فساده حتى يؤنس منه رشد، فلهذه العلّة حرّم الله عزّوجلّ الربا و بيع الدرهم بالدرهمين يداً بيد. و علّة تحريم الربا بعد البيّنة لما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرّم و هي كبيرة بعد البيان و تحريم الله تعالى لها، و لم يكن ذلك منه إلاّ استخفاف بالتحريم للحرام و الاستخفاف بذلك دخول في الكفر. و علّة تحريم الربا بالنسيئة لعلّة ذهاب المعروف و تلف الأموال و رغبة الناس في الربح و تركهم القرض و القرض صنائع المعروف و لما في ذلك من الفساد و الظلم و فناء الأموال.(1)
و السند معتبر على الأظهر; لاعتماد الصدوق على عليّ بن أحمد في أكثر الروايات و كثيراً ما يذكره مترضياً و مترحماً كما حكي عن الوحيد البهبهاني ولكثرة ذكر الصدوق محمّد بن عليّ ماجيلويه في مشيخته مترضياً. و حكم العلاّمة بصحّة طريق الصدوق الى إسماعيل بن رباح و هو فيه، و أحمد البرقي و أبوه موثّقان.
و أما محمّد بن سنان و ان اختلفت فيه الأقوال و كثر فيه القيل و القال ولكن بملاحظة ما قيل له و عليه مع الامعان ينتهي الى ترجيح وثاقته، خصوصاً مع اتخاذ الأجلاّء إياه بعنوان الشيخ و الاُستاذ، هذا مضافاً الى ورود الروايات الصحيحة الدالّة على أنه كان مرضياً لأبي جعفر عليه السلام فلا وجه لرفع اليد عنها بالأقوال المتعارضة حتى من شخص واحد من الرجاليين; إذ هو رفع اليد عن الحجّة بما هو ليس بحجّة. فالأظهر هو وثاقته.
**
(1) عيون الأخبار ج 8893/2 طبع دار العلم الباب 33 في ذكر ما كتب به الرضا عليه السلام الى محمّد بن سنان، الوسائل 425/12-426 ح 12.
و كيف كان فالوكس هو النقص و الخسارة، و الوكس على المشتري واضح و أما على البائع فلعلّه من جهة ترك التجارات أو أن الربا في معرض المحق.
و الرواية متعرضة للحكم الوضعي و التكليفي كليهما، أما الوضعي فمن جهة أن الدرهم الزائد لامقابل له فالمعاملة فاسدة باعتبار ذلك. و أما التكليفي فواضح و تشديده من جهة الاستخفاف بتحريمه تعالى. و الرواية أيضاً متعرضة للربا المعاملي و الربا القرضي و لعلّ قوله: و علّة تحريم الربا بالنسيئة إشارة الى الربا القرضي.
هي التي تدل على حرمة الإعداد في الربا، منها: موثقة عمرو بن خالد عن زيد بن عليّ عن آبائه عن عليّ عليهم السلام قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الربا و آكله (و موكله خ ل فقيه) و بائعه و مشتريه و كاتبه و شاهديه(1) و المقصود هو تحريم كل ما له دخل في الربا و إيجاده و دفعه و وصوله; إذ لاخصوصية للمذكورات كما لايخفى.
ومنها: موثقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال قال أميرالمؤمنين عليه السلام: آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهده فيه (شاهداه في الوزر - فقيه) سواء.(2) و المراد من موكله هو الذي يكون وسيلة لأكل الربا، و لعلّ التسوية من جهة الحرمة و العقوبة في الجملة.
هي التي تدل على أن الربا من الكبائر و هي كثيرة، منها: صحيحة ابن محبوب قال: كتب معي بعض أصحابنا الى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن الكبائر كم هي و ما هي؟ فكتب: قتل النفس الحرام و عقوق الوالدين و أكل الربا... الحديث.(3)
**
(1) جامع الأحاديث 133/18 الباب 1 من أبواب الربا ح 42.
(2) جامع الأحاديث 134/18 الباب 1 من أبواب الربا ح 48.
(3) جامع الأحاديث 350/13 الباب 10 من أبواب جهاد النفس ح 10.
هي التي تدل على استحقاق من أصرّ عليه للقتل، منها: موثقة ابن بكير قال: بلغ أبا عبدالله عليه السلام عن رجل أنه كان يأكل الربا و يسمّيه اللبأ فقال: لئن أمكنني الله منه لأضربن عنقه(1) و اللبأ بكسر ففتح أوّل اللبن في النتاج و قوله: كان يأكل الربا يدلّ على أن أكل الربا صار من عاداته. و لعلّ تسمية اللبأ إشارة الى استحلاله فتأمل.
هي التي تدل على ظهور الربا و شيوعه في آخر الزمان بين الناس و التجار(2) فإنّ الظاهر منها هو أن ذلك من شيوع المنكرات فافهم.
هي التي تدل على حرمة الربا المعاملي بالخصوص، منها: صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لاتبع الحنطة بالشعير إلاّ يداً بيد و لاتبع قفيزاً من حنطة بقفيزين من شعير... الحديث.(3) و القفيز مكيال معروف.
ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لايباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة و لايباع إلاّ مثلاً لمثل و التمر مثل ذلك... الحديث.(4) و المختوم هو الصاع.
ومنها: خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الحنطة بالشعير و الحنطة بالدقيق فقال: إذا كان سواء فلا بأس و إلاّ فلا.(5)
الى غير ذلك من الأخبار المختلفة الكثيرة.
**
(1) الوسائل الباب 2 من أبواب الربا ح 1.
(2) جامع الأحاديث 136/18.
(3) جامع الأحاديث 148/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 7.
(4) جامع الأحاديث 147/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 5.
(5) جامع الأحاديث 150/18 الباب 7 من أبواب الربا ح 6.
فتحصّل من جميع ما ذكر أن الربا المعاملي محرم كتاباً و سنّة، بل حرمته من الضروريات كما في الجواهر، حيث قال: و إجماعاً من المؤمنين بل المسلمين بل لايبعد كونه من ضروريات الدين(1) و قد عرفت أن الربا ظلم و فساد للأموال و مانع من التجارات و من صنائع المعروف، و المستفاد من بعض الآيات و الروايات انّ المصرّ على الربا يستحق القتل، ولكن ظاهر بعض الأصحاب اختصاص ذلك بصورة الاستحلال.
قال السيد (قدس سره) في الملحقات: مستحلّه داخل في سلك الكافرين و أنه يقتل كما في خبر ابن بكير قال: بلغ أبا عبدالله عليه السلام عن رجل أنّه كان يأكل الربا و يسمّيه اللبأ فقال عليه السلام: لئن أمكنني الله عنه لأضربن عنقه(2) و لعلّه استظهر من قوله: و يسمّيه اللبأ الاستحلال، و فيه نظر، لا سيما ظهور الآية الكريمة أعني قوله: (وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ....)(3) في أن الاستحقاق المذكور متفرع على الإصرار.
ثم إنّه كما يحرم أخذ الربا كذلك يحرم كل ما له دخل فيه من دفعه و كتابته و الشهادة عليه و المعاونة و التسبيب فيه; لما مرّ من موثقة عمر و ابن خالد و محمّد بن قيس، و مقتضاهما هو حرمة تلك الاُمور ولو لم تقصد من الكتابة و الشهادة و نحوهما ذلك، و عليه فالأخبار المذكورة الدالّة على حرمة تلك الاُمور أعم دلالة من دليل حرمة المعاونة، فإنّها مختصة بصورة القصد بناءً على ما قرّر في محله.
ثم إن القتل الذي اُشير إليه في الآية الكريمة و بعض الروايات من شؤون الحكومة كما يشهد له قوله عليه السلام: لئن أمكنني الله منه لأضربن عنقه و قوله تعالى: (بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ) فتدبّر جيداً.
**
(1) الجواهر 322/23.
(2) الملحقات 2/2.
(3) البقرة/ 278-279.
حكى في الجواهر عن الدروس أنّه قال: و لو اضطر الدافع و لامندوحة فالأقرب ارتفاع التحريم في حقّه، ثم قال: و هو جيد في بعض أفراد لضرورة.(1)
و لعلّ مراده من بعض أفراد الضرورة هو صورة وصول الاضطرار الى حدّ يجوز معه أكل مال الغير.
و كيف كان فقد أورد عليه أوّلاً: بأنّه لاوجه للتخصيص بالدافع; إذ لافرق بينه و بين القابض مع فرض الاضطرار كما إذا فرض أنّه لاترتفع ضرورة القابض إلاّ بمبلغ كذا و لايتمكن منه إلاّ بالمعاملة الربوية.
وثانياً: بأنّ جواز التصرف في مال الغير من باب الاضطرار لايوجب الاضطرار الى عنوان الربا; إذ عنوان الربا أمر قصدي فيمكن للقابض أو الدافع القبض أو الدفع لابعنوان الربا كما في جامع المدارك، و عليه فالاضطرار يوجب ارتفاع حرمة أكل مال الغير أو يوجب إعطاء ماله الى الغير، و أما حرمة الربا فلاوجه لارتفاعها مع عدم الاضطرار الى الربا بعنوانه. و لو سلّم الاضطرار الى عنوان الربا فلا يوجب ذلك جواز التصرف في المأخوذ بالمعاملة الربوية; لفساد المعاملة; إذ المعاملة الربوية حرام تكليفاً و وضعاً، فرفع الحرمة التكليفية لايلزم منه رفع الحرمة الوضعية، و عليه فلاترتفع حرمة التصرف في مال الغير إلاّ بسبب الاضطرار إليه بنفسه، فلايجدي رفع الحكم التكليفي في نفس المعاملة; لبقاء حرمة التصرف في المأخوذ فلا تغفل.
قال السيد (قدس سره) في الملحقات: إذا اضطر الدافع أو القابض الى الربا لايسوغ له ذلك; لإمكان تركه و دفع الضرورة بوجه آخر من أحد طرق الفرار منه أو بغيره. و على فرض التوقف عليه لايجوز; لأن المعاملة فاسدة فلايجوز التصرف; إذ الحكم الوضعي لايرتفع
**
(1) الجواهر 333/23.
بالاضطرار، مع أنّه يكفي في الفساد كون الطرف الآخر مختاراً. نعم لو كان على وجه الشرط و قلنا إن الشرط الفاسد لايفسد جاز(1) و مراده من الجواز بناءً على أن الشرط الفاسد لايفسد هو جواز التصرف في المأخوذ بالمعاملة الربوية بناءً على اختصاص الربا بالشرط الفاسد.
**
(1) الملحقات 3/2.
و يقع الكلام في أمرين:
في كلمات الأصحاب، قال الصدوق في المقنع: و ليس بين الوالد و ولده ربا و لابين الزوج و المرأة و لابين المولى و العبد و لابين المسلم و الذمّي.(1)
قال السيد المرتضى (قدس سره): و مما انفردت به الإمامية القول بأنّه لاربا بين الولد و والده و لابين الزوج و زوجته و لابين الذمي و المسلم و لابين العبد و مولاه و خالف باقي الفقهاء في ذلك و أثبتوا الربا بين كلّ من عدّدناه... الى أن قال: وجدت أصحابنا مجمعين على نفي الربا بين مَن ذكرناه و غير مختلفين فيه في وقت من الأوقات.(2)
قال الشيخ (قدس سره) في النهاية: و لاربا بين الولد و والده; لأنّ مال الولد في حكم مال الوالد و لابين العبد و سيّده; لأنّ مال العبد لسيّده و لابين الرجل و أهله و لاربا أيضاً بين المسلم و بين أهل الحرب; لأنهم في الحقيقة فيء للمسلمين و إنّما لا يتمكن منهم، و الربا يثبت بين المسلم و أهل الذمّة كثبوته بينه و بين مسلم مثله.(3)
وقال أيضاً في الخلاف: يجوز للمسلم أن يشتري من الحربي درهمين بدرهم و لايجوز أن يبيعه درهمين بدرهم، بل ينبغي أن يأخذ الفضل و لايعطيه و كذلك جميع الأجناس التي فيها الربا. دليلنا: إجماع الفرقة و ما روي عنهم عليهم السلام من قولهم ليس بيننا و بين أهل حربنا رباً، و روى ذلك عمرو بن جميع عن أبي عبدالله عليه السلام عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ليس بيننا و بين أهل حربنا رباً نأخذ منهم ألف درهم بدرهم و نأخذ منهم و لانعطيهم و هذا نصّ فيما قلناه.(4)
**
(1) الينابيع الفقهية 14/13.
(2) الينابيع الفقهية 49/13-50.
(3) الينابيع الفقهية 82/13.
(4) الينابيع الفقهية 53/35-54.
قال ابن البراج في المهذب: و اعلم أن الربا لاينعقد بين الوالد و ولده و السيّد و عبده و الحربي و المسلم و المرأة و زوجها و ينعقد بين من خالف هؤلاء، و على ما ذكرنا يجوز أن يعطى كل مَن ذكرنا من صاحبه... الخ.(1)
قال ابن زهرة في الغنية: و لارباً عندنا بين الوالد و ولده و السيّد و عبده و الزوج و زوجته و المسلم و الحربي بدليل إجماع الطائفة و به يخصّ ظاهر القرآن في تحريم الربا على العموم. و إذا اختصّ تحريمه بجنس دون جنس فما المنكر من اختصاصه بمكلف دون مكلف؟(2)
قال ابن حمزة في الوسيلة: و لاربا بين الولد و والده و لابين العبد و سيّده و لابين الرجل و زوجته و لابين المسلم و الحربي.(3)
قال الصهرشتي في إصباح الشيعة: لا ربا بين الولد و والده; لأن مال الولد في حكم مال الوالد و لابين العبد و سيّده، لأن مال العبد لسيّده و لابين الرجل و أهله و لابين المسلم و الحربي، لأنهم فيء للمسلمين و إنّما لايتمكن منهم و يثبت بين المسلم و الذمّي.(4)
قال في السرائر: و لاربا بين الولد و والده و لابين العبد و سيّده; لأن مال العبد لسيّده و لابين الرجل و أهله. و المراد بأهله هنا امرأته دون قراباته من الأهل، و الدليل على أن المراد بأهله امرأته هاهنا قوله تعالى في قصة موسى: (وَ سٰارَ بِأَهْلِهِ) و لاخلاف أن المراد بذلك امرأته بنت شعيب; لأنه ما كان معه غيرها من قراباته.
و لاربا أيضاً بين المسلم و بين أهل الحرب; لأنهم في الحقيقة فيء للمسلمين و إنّما
**
(1) الينابيع الفقهية 154/13.
(2) الينابيع الفقهية 216/13.
(3) الينابيع الفقهية: 237/13.
(4) الينابيع الفقهية: 253/13.
لايتمكن منهم. و الربا يثبت بين المسلم و أهل الذمّة كثبوته بينه و بين مسلم مثله.
و هذا هو الصحيح من أقوال أصحابنا و إليه يذهب شيخنا أبوجعفر في جميع كتبه.
و ذهب بعض أصحابنا الى أنّه لاربا بين المسلم و أهل الذمّة و جعلهم كالحربّيين ذهب الى ذلك شيخنا المفيد و ابن بابويه و غيرهما.
و الأوّل هو المعتمد و يعضده ظاهر التنزيل و هو قوله: (أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) فخرج من ذلك أهل الحرب بالإجماع المنعقد من أصحابنا و بقي من عداهم داخلاً في عموم الآية، فلا يجوز التخصيص للعموم إلاّ بأدلّة موجبة للعلم قاطعة للأعذار.(1)
قال المحقّق الأوّل في الشرائع: لا ربا بين الوالد و ولده و يجوز لكل منهما أخذ الفضل من صاحبه و لابين المولى و مملوكه و لابين الرجل و زوجته و لابين المسلم و أهل الحرب و يثبت بين المسلم و الذمّي على الأشهر.(2)
قال يحيى بن سعيد الهذلي في الجامع للشرائع: لا ربا بين الولد و والده و العبد و سيّده و الرجل و أهله، أعني زوجته. و المسلم الحربي يأخذ منه المسلم ألف درهم بدرهم و لاينعكس. و يثبت بين المسلم و الذمّي.(3)
قال العلاّمة (قدس سره) في القواعد: لاربا بين الوالد و ولده فلكلّ منهما أخذ الفضل و لابين السيّد و مملوكه المختصّ و لابين الزوج و زوجته و لابين المسلم و أهل الحرب، فللمسلم أخذ الفضل في دار الحرب أو الإسلام دون العكس. و يثبت بين المسلم و الذمّي على رأي.(4)
**
(1) الينابيع الفقهية 298/14-300.
(2) الينابيع الفقهية 434/14.
(3) الينابيع الفقهية 474/14.
(4) الينابيع الفقهية 531/14.
قال الشهيد في اللمعة الدمشقية: و لاربا في المعدود و لابين الوالد و ولده و لابين الزوج و زوجته و لابين المسلم و الحربي إذا أخذ المسلم الفضل و يثبت بينه و بين الذمّي.(1)
وقال في الدروس أيضاً: و لاربا بين الزوجين زواجاً و متعة على الأقرب و لابين الولد و والده و إن علا و لابين المولى و عبده إن قلنا بملك العبد إلاّ أن يكون مشتركاً.(2)
قال في التبصرة: و لاربا بين الوالد و ولده و لابين السيّد وعبده و لابين الرجل و زوجته و لابين المسلم و الحربي و يثبت بينه و بين الذمّي(3) و نحوه في تلخيص المرام مع زيادة فيأخذ المسلم الفضل ولا يجوز العكس.(4)
قال العلاّمة في إرشاد الأذهان: و لاربا بين الولد و والده و لابين السيّد و عبده المختصّ و لابين الرجل و زوجته و لابينه و بين الحربيّ و يثبت بين المسلم و الذمّي على رأي.(5)
قال في الرياض: و لايثبت الربا بين الوالد و الولد و لابين الزوج و الزوجة و لابين المملوك المختص، لامطلقاً - كما في الخبر - و المالك ولابين المسلم و الحربي بلا خلاف إلاّ من الإسكافي حيث خصّ أخذ الزيادة بالوالد دون الولد، و اشترط أن لايكون للولد وارث و لاعليه دين و هو شاذ و الإجماع على خلافه على الظاهر منعقد، بل في الانتصار و الغنية و غيرهما مطلقاً وفي السرائر و غيره في الأخير خاصة مصرّح به و هو الحجّة في جميع ذلك،
**
(1) الينابيع الفقهية 568/14.
(2) الينابيع الفقهية 416/35.
(3) الينابيع الفقهية 306/35.
(4) الينابيع الفقهية 346/35.
(5) الينابيع الفقهية 328/35
مضافاً الى النصوص المنجبر قصور أسانيد أكثرها بعمل الطائفة و المخالفة لما عليه العامة.(1)
فتحصّل اتفاق الأصحاب على نفي التحريم في الربا الذي يكون بين الوالد و ولده و الزوج و زوجته و العبد و سيّده و المسلم و الحربي. و ذهب الصدوق و السيّد المرتضى الى نفي التحريم بين المسلم و الذمّي أيضاً، بل ادّعى السيّد إجماع الأصحاب عليه ونسبه صاحب السرائر الى المفيد و لم أجده في المقنعة. و لعلّ الإجماع المدّعى في المنفردات في الذمّي معارض مع الإجماع المدّعى في الغنية على الحربي فتأمل.
و كيف كان فقد اتفقوا على نفي التحريم بين المسلم و الحربي و اختلفوا في الذمّي.
ثم إن الأصحاب أطلقوا نفي تحريم الربا بين المسلم و الحربي عدا الشيخ في الخلاف حيث قال: يجوز للمسلم أن يشتري من الحربي درهمين بدرهم و لايجوز أن يبيعه درهمين بدرهم،(2) و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع حيث قال: يأخذ منه المسلم ألف درهم بدرهم و لاينعكس،(3) و العلاّمة في القواعد حيث قال: فللمسلم أخذ الفضل في دار الحرب أو الإسلام دون العكس(4) و في تلخيص المرام.(5)
و لعلّه هو مراد من أطلق و استدل له بأن الكفّار الحربيين يكونون في الحقيقة فيئاً للمسلمين; إذ الفيء لا يكون إلاّ من طرف الحربي. كما أن اختصاص الملكية بالمولى بالنسبة الى عبده يقتضي جواز أخذ الربا من المملوك على القول بتملكه للأموال لا العكس.
ثم إنّ الذمّي مادام يلتزم بشرائط الذمة لايجوز معه المعاملة الربوية، و أما إذا خلع
**
(1) الرياض 1 الفصل الخامس في الربا.
(2) الينابيع الفقهية 53/35-54.
(3) الينابيع الفقهية 474/14.
(4) الينابيع الفقهية 531/14.
(5) الينابيع الفقهية 346/35.
شرائط الذمّة ثبت عليه حكم الحربي و يجوز أخذ الربا منهم و لعلّه هو مراد الصدوق و السيّد المرتضى من الذمّي.
في أدلّة موارد الاستثناء:
استدلوا عليها بالأخبار:
منها: ما رواه في الكافي عن حميد بن زياد عن الخشاب عن ابن بقّاح عن معاذ بن ثابت عن عمرو بن جميع عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: ليس بين الرجل و ولده ربا و ليس بين السيّد و عبده ربا(1) و رواه في التهذيب عن محمّد بن يعقوب عن حميد بن زياد عن الخشاب عن ابن رباح عن معاذ بن ثابت عن عمرو بن جميع(2) و السندان ضعيفان; لعدم توثيق عمرو بن جميع و معاذ بن ثابت.
ومنها: ما رواه في التهذيب عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ياسين الضرير عن حريز عن زرارة ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس بين الرجل و ولده و لابينه و بين عبده و لابين أهله ربا إنّما الربا في ما بينك و بين ما لاتملك قلت فالمشركون بيني و بينهم ربا؟ قال: نعم قلت: فإنّهم مماليك؟ فقال: إنّك لست تملكهم إنّما تملكهم مع غيرك، أنت و غيرك فيهم سواء و الذي بينك و بينهم ليس من ذلك لأن عبدك ليس مثل عبدك و عبد غيرك.(3)
و نحوه في الكافي عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد عن ياسين الضرير عن حريز عن زرارة(4) و عبّر عنهما في الجواهر بالصحيحتين و هو محل تأمل بل منع; لعدم توثيق ياسين
**
(1) الكافي 147/5 ط الآخوندي.
(2) التهذيب 18/7 الباب 1 من أبواب التجارات ح 76.
(3) التهذيب 17/7 الباب 1 من أبواب التجارات ح 75.
(4) الكافي 147/5.
الضرير. نعم عن الوحيد البهبهاني أن للصدوق طريقاً إليه و هو حسن عند خالي (رحمه الله) مضافاً الى أن له كتاباً. وقال المحقق الداماد: قد علم من المعهود من ديدن النجاشي أنّه إمامي مستقيم المذهب; لنقله ما نقله من غير غميزة عليه في دينه و ليس فيه من أئمة الرجال مدح و لاذم فإذن حديثه قوي، انتهى فتأمل.
و كيف كان فمدلول الروايتين هو عدم جواز الربا بين المسلمين و المشركين و هو ينافي الأخبار الصريحة في نفي الربا بين المسلمين و الحربيّين.
لا يقال - كما في مجمع الفائدة -: أن سند رواية زرارة أوضح، و يؤيده عموم الأدلة. و يمكن حمل ما ورد في الحربي على الاستنقاذ; لأن أموالهم فيء للمسلمين.(1)
لأنا نقول: رواية زرارة ضعيفة من جهة اشتمالها على الضرير فلايرفع بها اليد عن سائر الروايات المعمول بها، فلاتصل النوبة الى الترجيح السندي أو الرجوع الى العمومات الدالة على تحريم الربا.
ومنها: ما رواه في الكافي عن حميد بن زياد عن الخشاب عن ابن بقاح عن معاذ بن ثابت عن عمرو بن جميع عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ليس بيننا و بين أهل حربنا ربا نأخذ منهم ألف درهم بدرهم و نأخذ منهم و لانعطيهم(2) و نحوه في التهذيب مع اختلاف يسير و ابن رباح مكان ابن بقاح(3) و السندان ضعيفان كما عرفت.
ومنها: ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلاً ناسباً إياه الى رسول الله صلى الله عليه وآله قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس بيننا و بين أهل حربنا ربا نأخذ منهم و لانعطيهم.(4)
**
(1) راجع مجمع الفائدة 490/8.
(2) الكافي 147/5.
(3) التهذيب 18/7 الباب 1 من أبواب التجارات ح 77.
(4) الفقيه: 384 باب الربا ح 10 ط قديم.
ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً مرسلاً ناسباً إياه إلى الإمام عليه السلام و قال عليه السلام: ليس بين الرجل و بين ولده ربا و ليس بين السيد و بين عبده ربا.(1)
ومنها: ما رواه الصدوق أيضاً مرسلاً ناسباً إياه الى الإمام الصادق عليه السلام إنّه قال: ليس بين المسلم و بين الذمّي ربا و لابين المرأة و لابين زوجها ربا.(2)
ومنها: ما رواه في البحار من أخبار عليّ بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام بغير رواية الحميري أخبرنا عن أحمد بن موسى بن جعفر بن أبي العباس قال: حدّثنا أبوجعفر ابن يزيد بن النضر الخراساني من كتابه في جمادى الآخرة سنة إحدى و ثمانين و مائتين قال: حدثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن عليّ بن جعفر بن محمّد عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألت أبي جعفر بن محمّد... و سألته عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم أن يؤدّي إليه كل شهر عشرة دراهم أيحل ذلك؟ قال: لا بأس.(3)
و السند ضعيف ولكن روى في الوسائل عن كتاب عليّ بن جعفر عن أخيه مثله وزاد و قال: وسألته عن رجل أعطى رجلاً مائة درهم يعمل بها على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو أكثر هل يحلّ ذلك؟ قال: هذا الربا محضاً(4) و هو صحيح و لاوقع للإشكال فيها بالضعف أو الإرسال بعدما عرفت من عبائر القدماء و المتأخرين أنّهم أجمعوا على مفاد الأخبار بل لفظها كما يشهد له بعض عباراتهم.
و مما ذكر يظهر ما في مجمع الفائدة حيث قال: و الإجماع غير ظاهر، و لهذا ذهب السيّد
**
(1) المصدر السابق ح 11.
(2) المصدر السابق ح 12.
(3) البحار 249/10-258.
(4) الوسائل الباب 7 من أبواب الربا ح 7.
أولاً الى الثبوت و قال: معنى نفي الربا نهي مثل معنى (لا رفث) و قيل مثل ذلك في «لاغيبة للفاسق» و ابن الجنيد ذهب الى عدم الثبوت من جانب الوالد فقط، و الحديث غير صحيح و عموم أدلة التحريم قوي;(1) لماعرفت من الإجماع المحصّل و ذهاب السيّد في نهاية المطاف الى نفي التحريم مع دعوى الإجماع عليه.
وإنّما الإشكال في مفادها:
فقد أشكل عليه السيّد المرتضى (قدس سره) بأن المراد بذلك و إن كان بلفظ الخبر معنى الأمر، كأنّه قال: يجب أن لا يقع بين من ذكرناه ربا كما قال تعالى: (وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً) و كقوله تعالى: (فَلاٰ رَفَثَ وَ لاٰ فُسُوقَ وَ لاٰ جِدٰالَ فِي اَلْحَجِّ) و قوله عليه السلام: العارية مردودة و الزعيم غارم، و معنى ذلك كلّه معنى الأمر أو النهي و إن كان بلفظ الخبر. حاصله إن هذا التركيب إخبار اُريد به الإنشاء و أمثاله غير عزيز في الموجبات و السوالب.
ثم أيّده بعموم الكتاب الدالّ على حرمة الربا. نعم العبد و السيّد لاشبهة في نفي الربا بينهما; لأن العبد لايملك شيئاً و المال الذي في يده مال لسيّده و لايدخل الربا بين الإنسان و نفسه، و لهذا ذهب أصحابنا الى أن العبد إذا كان لمولاه شريك فيه حرم الربا بينه و بينه، ولكن عدل عن اشكاله بعدما رأى أن الأصحاب مجمعين على نفي الربا بين من ذكر و غير مختلفين فيه في وقت من الأوقات و قال: و إجماع هذه الطائفة قد ثبت أنّه حجة و يخصّ به ظاهر القرآن و الصحيح نفي الربا بين من ذكرناه.(2)
فيمكن رفع اليد عن الظهور المذكور بقرينة الإجماع. هذا مضافاً الى ما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدس سره) من امكان استفادة ذلك من نفس هذا التركيب مع قطع النظر عن هذا أيضاً; فإن
**
(1) مجمع الفائدة 489/8.
(2) الينابيع الفقهية 50/13.
ما ذكره السيّد - من كون المراد نفي موضوع الربا المقصود به نفي جوازه و اباحته، كما في نفي الضرر في الحديث و في الرفث و الفسوق في الآية - و إن كان حقّاً لكنه ليس مطّرداً في هذا التركيب، و إنّما المسلّم منه ما إذا كان سَوقه ابتداء بلا سابقة تشريع حكم في الموضوع الذي وقع تلو النفي كما في نفي الضرر، فإن المنساق من نفي الموضوع حينئذ نفي إباحته و تشريع جوازه. و أما إذا كان مسبوقاً بأحد الأحكام الخمسة و بعد تشريع الحكم فيه على سبيل الكلية ثم سيق هذا التركيب في بعض الأصناف فالمنساق منه حينئذ هو نفي ذلك الحكم المجعول فيه على وجه الكليه، كما في الربا، فإنّ حرمته ضرورية بين المسلمين و نادى بتحريمه الكتاب العزيز، فبعد هذا لو ورد: لاربا بين رجل و ولده... الخ فلا شبهة أن أظهر الآثار الثابتة للربا في الأذهان هو التحريم فيرجع النفي إليه فيكون المقصود جوازه بين المذكورين.
و أما الآية (فَلاٰ رَفَثَ... الآية) حيث إنّه مع سبق الحكم بتحريم الفسوق و الجدال حكمنا بأن المراد به نفي الجواز لانفي التحريم، فلشهادة قرينة المقام على ذلك، حيث لايتبادر الى ذهن أحد أن لايكون حال الحج أسوأ من سائر الأحوال.(1)
مضافاً الى أن الاحتمال المذكور يأتي في مثل: لاربا بين الوالد و ولده و نحوه لا في مثل: ليس بين الرجل و ولده ربا; فإنّ الشائع في الثاني هو الخبر لاالنهي، و المفروض أنّه مذكور في متن الأخبار كما لايخفى. خصوصاً مع اعتضاده بالحصر بعد التركيب المذكور بقوله: إنّما الربا في ما بينك و بين ما لاتملك... الخ. و مع اعتضاده بوحدة السياق أيضاً; إذ المراد من قوله: و ليس بين السيّد و عبده ربا هو الخبر - كما اعترف به السيّد (قدس سره) - لا النهي، و وقوعه عقيب قوله: ليس بين الرجل و ولده ربا قرينة على أن المراد من تلك الجملة أيضاً هو الإخبار لاالنهي.
**
(1) المكاسب المحرّمة لشيخنا الاُستاذ (قدس سره): 41.
و يؤكد ذلك أيضاً التصريح بأن نأخذ منهم أي الحربي ألف درهم بدرهم و نأخذ منهم و لانعطيهم عقيب قوله صلى الله عليه وآله: ليس بيننا و بين أهل حربنا ربا بعنوان تفسير الجملة المذكورة.
و كيف كان فلاوقع للاشكال المذكور ولو مع قطع النظر عن إجماع الأصحاب; لوجود القرائن المتعدّدة على أن المراد هو الإخبار لا الإنشاء. فتحصّل أن الربا منفي حرمته بين المذكورين.
ثم إن ظاهر البينونة في مثل قوله عليه السلام: ليس بين السيّد و عبده و لاوالد و ولده و لازوج و زوجته هو نفي الربا من الطرفين فيجوز لكل واحد منهم أخذ الربا و اعطائه. نعم لايجوز للحربي أن يأخذ من المسلم شيئاً للتصريح به في النصّ و الفتوى و يعضده عمومات تحريم الربا.
و لاينافي ما ذكرناه من اقتضاء البينونة ما ورد في بعض الأخبار من قوله عليه السلام: «إنّما الربا فيما بينك وبين ما تملك» بدعوى أن مقتضاه هو عدم جواز أخذ الربا إلاّ إذا كان الآخذ مالكاً أو وليّاً بالنسبة الى الغير، و عليه فلايجوز للولد و لاللزوجة و لاللمملوك أن يأخذوا الربا; لانتفاء المالكية و الولاية فيهم; لأن مفاد الجملة المذكورة هو أن موضع نفي الربا بينك و بين غيرك فيما إذا كنت مالكاً أو وليّاً بالنسبة الى الغير، و عليه فإذا كانت الولاية و المالكية موجودة يكون الربا بين المالك أو الولي و المملوك و الولد و الزوجة منفياً، و الظاهر من نفي الربا بين الشخصين هو جوازه من كل طرف و إليه يؤول ما أفاده شيخنا الأستاذ الأراكي (قدس سره) حيث قال: و أما ما ذكر من التعليل فلايصلح صارفاً لهذا الظهور; إذ المناسبة حاصلة من الطرفين; لأنه بمنزلة أن يقال: المالك و المملوك لاربا بينهما، فإن المالك إذا أخذ فقد أخذ من مملوكه و إذا أعطى فكأنّه وضع مالاً على ماله.(1)
**
(1) المكاسب المحرّمة لشيخنا الاُستاذ الآراكي (قدس سره): 43.
و لو سلّمنا المنافاة فالبيان المذكور اقناعي; لعدم الالتزام به في الزوج و الزوجة و الوالد و ولده هذا مضافاً إلى ضعف الرواية كما لايخفى.
هنا مسائل:
الاُولى: إنّه لا إشكال في اختصاص الحكم بجواز أخذ الربا بالأب فلا يشمل الاُم، و عليه فيثبت حكم الربا بين الاُم و الولد و لايتعدّى الحكم من الأب الى الاُم; لحرمة القياس بعد اختصاص الدليل بالأب، هذا مضافاً الى عدم الولاية بينهما، مع أن مورد نفي الربا فيما إذا كانت المالكية أو الولاية موجودة من طرف لقوله عليه السلام: و إنّما الربا في ما بينك و بين ما لاتملك فتأمّل و دعوى إلقاء الخصوصية في الوالد أو في الرجل و تعميمها للاُم كماترى، كدعوى أن الوالد لغةً أعم من الذكر و الاُنثى، و لاأقل من الشك و مقتضى القاعدة في الشبهات المفهومية للمخصص هو الرجوع الى عمومات تحريم الربا فلاتغفل.
الثانية: إن الظاهر من الولد هو الولد النسبي، فلايشمل الرضاعي قال في الجواهر: الظاهر من النصّ و الفتوى إرادة الولد النسبي دون الرضاعي و إن احتمله بعض، و لاإطلاق للمنزلة بحيث يشمل المقام، ضرورة انصرافها للنكاح ونحوه.(1)
الثالثة: إنّه لافرق في الولد بين الذكور و الاناث; لصدق الولد عليهما; لأن الولد أعم من الذكر و الاُنثى لغة; إذ الولد - كما عن الجوهري -: هو كلّ ما ولد نسباً و في القرآن الكريم: (يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ) فتأمل. و دعوى انسباق الذكور منها كما ترى و إن كان الأحوط هو الاقتصار على الذكور. و عليه لااشكال في الخنثى و إن كانت مشكلاً لصدق الولد عليه و لامدخلية للذكورية أو الاُنوثية في صدق الولد كما لايخفى.
**
(1) الجواهر 379/23-380.
نعم ربما يتوقف في صدق الولد على ولد الزنا من جهة صدق الولد لغةً و من جهة انصرافه الى غيره، و لذلك استشكل فيه السيّد في الملحقات و ذهب في الجواهر الى أن عموم التحريم قويّ(1) ولكنه كماترى; لأن الانصراف بدوي، و نفي الإرث له لايستلزم نفي الولدية عنه مطلقاً. نعم لو شككنا في الصدق فعموم التحريم هو المرجع.
ثم إن الولد هل يشمل ولد الولد أو لا؟ صرّح جماعة بعدم الشمول و توقف بعض آخر فيه ولكن المحكي عن الدروس(2) هو الجزم بالالحاق و قوّاه في الجواهر(3) و الملحقات(4) و لعلّه لإطلاق الولد على ولد الولد و إن نزل كولد إسماعيل أو آدم على نبيّنا و آله و عليهما السلام; لعموم أدلّة التحريم و لإطلاق الوالد على والد الوالد و إن علا، كقولنا للجد: أعلى الوالدين. و تردّد في جامع المقاصد من جهة صدق اسم الولد عليه و قال: و الأصح العدم و انتفاء المخصص هنا.(5)
و لايترك الاحتياط بالاقتصار; لإمكان دعوى الانصراف الى خصوص الابن و البنت لاالى ولد الولد، و إن كان اطلاقه على ولد الابن و البنت حقيقة; لصدق كونه ممّا ولّده الأب والجد.
الرابعة: إنّه إذا كان المال مشتركاً بين الوالد و غيره فباعاه من ولد أحدهما متفاضلاً يمضي بالنسبة الى حصة الوالد و يبطل بالنسبة الى حصة الشريك.
و كذا إذا كان مشتركاً بين الولد و الأجنبي فباعاه من والده كما في الملحقات.(6)
**
(1) الجواهر 380/23.
(2) الينابيع الفقهية 416/35.
(3) الجواهر 380/23.
(4) الملحقات 46/2.
(5) جامع المقاصد 241/1 الطبع القديم.
(6) الملحقات 46/2، مسألة 51.
الخامسة: إنّه لا فرق في المملوك بين القنّ و المدبّر و المكاتب إلاّ إذا تحرّر منه شيء فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى في المبعّض، ذلك لإطلاق الأدلة، منها: صحيحة عليّ بن جعفر عليه السلام أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم على أن يؤدّي العبد كل شهر عشرة دراهم أيحل ذلك؟ قال: لا بأس» إذ العبد بإطلاقه يشمل جميع أصناف المملوك حتى المكاتب بقسميه قبل أن يتحرّر منه شيء فإنّه بالفعل عبد محض فيشمله الإطلاق.
ثم إن العبد هل يشمل اُمّ الولد أو لا؟ ففي الحدائق: و المدبر و اُمّ الولد في حكم القنّ.(1)
وفي الملحقات: شموله لاُم الولد مبني على عدم الفرق بين العبد و الأمة كما هو الظاهر، كما أن الظاهر عدم الفرق بين كون المالك رجلاً أو امرأة و إن كان الأحوط الاقتصار على الأوّل.(2) و هو وجيه; لأن عنوان العبد مقابل لعنوان السيّد، فكما أن عنوان السيّد عنوان للرجل و المرأة المالكين - و يشهد له قوله عليه السلام: إنّما عصى سيّده... الخ; إذ المراد من السيّد هو من يملكه سواء كان المالك رجلاً أو امرأة - فكذلك عنوان العبد يعمّهما، فلاوجه للاقتصار على الرجل. و عليه فالحكم يعم الأمة و اُمّ الولد.
لايقال: ما الفرق بين الوالدة و الأمة و اُم الولد؟ فكما مرّ أن الوالد لايعمّ الوالدة فكذلك في المقام العبد لايعمّ الأمة و اُم الولد.
لأنا نقول: لايقاس المقام بما قلنا هناك; لأن المالكية في المقام موجودة في جميع الصور بخلاف الوالدة و الولد فإن المالكية و الولاية ليست بينهما.
ثم إن العبد هل يشمل العبد المشترك أو لا؟ قال في الحدائق: و قد صرّح الأصحاب
**
(1) الحدائق 46/5 الطبع القديم.
(2) الملحقات 47/2.
بأنه لابدّ هنا من اختصاص الملك بالسيّد فلو كان مشتركاً ثبت الربا بينه وبين كل من الشركاء.(1)
و ذهب إليه في الجواهر ابتداء، حيث قال: بل صريح صحيح زرارة قصر الحكم على غير المشترك كما صرّح به جماعة، بل في المختلف: أطلق أصحابنا، و مقصودهم إذا لم يكن مشتركاً، وهو كذلك; ضرورة ظهور النص والفتوى في اتحاد المولى و كون المملوك جميعه لا بعضه.
ثم أجاب عن صحيح زرارة بأن الخبر المزبور - مع احتمال كون العلّة فيه اقناعية - ظاهر في نحو المشترك الجنسي الذي هو بين المسلمين لامثل المشترك بين شخصين مثلاً.
و أجاب عن ظهور النصوص في اتحاد المولى و كون المملوك جميعه لابعضه. بأن هذا الظهور لا يرفع حكم المبعّض كما في زكاة الفطرة و غيرها ممّا كان العنوان فيه نحو ما هنا.(2)
و مراده من زكاة الفطرة هو ما ذكروه في باب زكاة الفطرة من أن المملوك المشترك بين مالكين زكاته عليهما بالنسبة إذا كان في عيالهما معاً و كانا موسرين. و مع اعسار أحدهما تسقط وتبقى حصة الآخر. و مع اعسارهما تسقط عنهما. و إن كان في عيال أحدهما وجبت عليه مع يساره و تسقط عنه و عن الآخر مع اعساره و إن كان الآخر موسراً.(3)
و استدل له باطلاقات، منها: صحيحة عمر بن يزيد... نعم، الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو انثى صغيراً أوكبيراً حرّ أو مملوك;(4) لشمولها لصورتي اتحاد المعيل و تعدده و اتحاد المالك و تعدّده، و السبب هو المملوكية و هي صادقة في فرض الاشتراك أيضاً.
و مما ذكر يظهر أيضاً حكم المبعّض; فإن مناسبة الحكم و الموضوع تدلّنا على أن نفي الربا
**
(1) الحدائق 146/5.
(2) الجواهر 380/23-381.
(3) مسأله 10 من فصل من تجب عنه الزكاة من كتاب العروة.
(4) الوسائل الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة.
من جهة الرقّية و ذلك يقتضي التقسيط و التوزيع في فرض التبعيض، كما يكون كذلك في اشباه و نظائر المقام، مثل ما ورد النص في أنه لو زنى المبعّض وزّع الجلد عليه بنسبة الحرّ و العبد(1) و في أنّه لو قتل أحد مكاتباً قد تحرّر نصفه مثلاً يؤخذ منه نصف دية الحرّ و نصف دية العبد(2) الى غير ذلك مما يدلّ على مفروغية التوزيع الذي هو المتفاهم العرفي بمناسبة الحكم و الموضوع كما صرّحوا به في اشتراط الحرية في وجوب زكاة الأموال.(3)
و عليه فكما في الجواهر يصح العقد الربوي فيما قابل الجزء الملك و يبطل فيما قابل الجزء الحرّ(4) ولكن يشكل ذلك و هكذا العبد المشترك من جهة تصريح الأصحاب بالخلاف و عموم أدلة حرمة الربا و عدم احراز الاطلاق في الموارد المذكورة من جهة التبعيض و الاشتراك; لاحتمال مدخلية المجموع بما هو مجموع بخلاف باب الديون و الحدود فإنّها استقلالية و لامدخلية لجميع الأجزاء فيها، و لعلّ الزكاة من قبيل الديون فتأمل. فالأحوط هو الاجتناب عن الربا في العبد المشترك و المبعّض.
السادسة: إن الزوجة أعم من الدائمة و المنقطعة فلاوجه لاختصاصها بالدائمة. نعم هي منصرفة عن المطلقة الرجعية و إن كانت محكومة بأحكام الزوجية في الجملة هذا. و تنزيلها بمنزلة الزوجة لايكفي مع عدم احراز عموم التنزيل.
و أمّا دعوى منع صدق الزوجة على المنقطعة أو الانصراف عنها خصوصاً فيما إذا كانت المدة قليلة فلا وجه لها. و المحكي عن التذكرة أنّه خصّ الزوجة بالدائم مستنداً الى أن التفويض في مال الرجل إنّما ثبت في حق الدائم، فإن للزوجة أن تأخذ من مال الرجل المأدوم.
**
(1) الوسائل الباب 33 من أبواب حدّ الزنا.
(2) الوسائل باب 10 من أبواب ديات النفس.
(3) العروة كتاب الزكاة الثالث الحرية.
(4) الجواهر 380/23-381.
و فيه أن النص الوارد في الزوج و الزوجة مطلق فتقييده بالدائمة لاوجه له. و العجب من صاحب الرياض حيث منع صدق الزوجة على المنقطعة حقيقة.
ثم إن في خبر زرارة و محمّد بن مسلم: و لابين الرجل... و لابين أهله ربا، و الأهل عرفاً أعم من الزوجة، إلاّ أن في مرسلة الصدوق ليس بين المسلم و بين الذمّي ربا و لابين المرأة و لابين زوجها ربا و يوافقه فتوى الأصحاب، و هذه المرسلة كما أفاد في الجواهر مع الفتاوى و معاقد الإجماعات قرينة على أن المراد من الأهل هي الزوجة فلا يشمل الأهل غيرها كما صرّح به ابن ادريس في السرائر، حيث قال: و المراد بأهله هنا امرأته دون قراباته من الأهل. و لعلّه لذلك لم يعتبر الأصحاب صدق الأهلية على الزوجة، و ليس ذلك إلاّ لكون عنوان الأهل عنواناً مشيراً الى الزوجة، و إلاّ فمقتضى الجمع بين الخبرين هو اعتبارهما، كما اعتبرهما في الجواهر من باب الاحتياط بالنسبة الى المنقطعة، حيث قال: و الاحتياط لاينبغي تركه لأن الجمع بين خبري الزوجة و الأهل يقتضي اعتبار كل منهما فإنهما شبه العامين من وجه(1) إذ مقتضى اعتبارهما في المنقطعة هو اعتبارهما في الدائمة أيضاً، فلايكفي صدق الزوجة بدون صدق الأهل، كما أن صدق الأهل لا يكفي بدون صدق الزوجة.
بقي أمران:
أحدهما: أنّه لامانع من المعاملة الربوية في حالة الزوجية سواء كانت دائمة أو منقطعة، فإذا وقعت المعاملة في حال الزوجية ثم رفعت الزوجية بالطلاق أو الفسخ أو انقضاء المدة فالمأخوذ بعد رفع الزوجية استيفاء لما وقع حال الزوجية و لااشكال فيه. و قوله تعالى: (وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا) بقرينة موارد الاستثناء محمول على غير تلك الموارد.
نعم إذا كانت المعاملة على نحو يحتاج في كل شهر أو سنة الى تجديد، فما وقع في حال
**
(1) الجواهر 382/23.
الزوجية فلااشكال فيه و إن كان استيفائه بعد رفع الزوجية. و ما يحتاج الى التجديد بعد رفع الزوجية فلايجوز; لأنه ربا بين الرجل و الأجنبية فيشمله عمومات تحريم الربا.
و ما ذكرناه يجري أيضاً بالنسبة الى العبد و الحربي، فإن المعاملات الواقعة حال العبدية و الحربية صحيحة و إن كان استيفائها بعد الخروج عن الحربية و العبدية.
ثانيهما: أنّه إن كان للأب أو الولد مال يوصي ببقائه عند الآخر للمعاملة و الانفاق من عوائده فهل يجوز بعد موت أحدهما المعاملة الربوية من ناحية الموصي مع الوصي، بدعوى أن المعاملة حقيقة وقعت بين الأب و الابن و الولد و الوالد فيشمله عموم أدلة الاستثناء أو لايجوز؟
يمكن أن يقال إن قوله: لاربا بين الوالد و الولد منصرف عن هذه الصورة; إذ ظاهر البينونة هو فرض وجودهما، و بعد موت أحدهما لابينونة بينهما.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن المعيار هو البينونة بين الملكين لاوجود المالك كما يشعر به قوله عليه السلام: «إنّما الربا فيما بينك وبين ما لاتملك» فتأمّل.
ثم إن شرط المعاملة الربوية للسنوات الآتية في ضمن المعاملة ممن استثني حرمة الربا فيهم لاإشكال فيه، إذا كانت العناوين المذكورة في موارد الاستثناء، كالوالدية و الولدية و المولى و العبدية و الزوج و الزوجية و المسلم و الحربية باقية الى تلك السنوات، فيجوز أن يوجد المعاملة الربوية طبقاً للشرط. و أمّا إذا صارت العناوين المذكورة غير باقية فلايجوز; لأنه انكشف أن الشرط المذكور كان مخالفاً للكتاب و السنة فلايكون نافذاً و لايجوز المعاملة الربوية كما لايخفى.
السابعة: إن المراد من عدم الربا بين المسلم و الحربي هو جواز أخذ الربا منه لاجواز الإعطاء كما يدلّ عليه النص و الفتوى. و لعلّ إطلاق كلام ابن البرّاج محمول عليه. و لافرق في الحربي بين كونه في دار الحرب أو لا. بل مقتضى إطلاق الدليل عدم الفرق بين كونه معاهداً أو غيره بناءً على أن الحربي هو الذي لم يلتزم بشرائط الذمّة.
ولعلّه لذلك قال في الملحقات: إن مقتضى إطلاق... عدم الفرق بين المعاهد و غيره لكن خصّ بعضهم الحكم بغير المعاهد لاحترام ماله. و فيه أنّه لاينافي جواز الأخذ منه برضاه.(1)
و أما بناءً على أن الحربي هو الذي يحارب فلااشكال في كونه يخرج بالمعاهدة و الاستيمان عن الحربية، فلايجوز المعاملة الربوية معه; لعدم صدق الحربي عليه حينئذ. و لايجدي فيه رضايته بالمعاملة حتى يقال: لاينافي احترام ماله; لأن الملاك في جواز المعاملة الربوية هو صدق الحربي عليه و المفروض أنّه بالمعاهدة و الاستيمان خرج عن عنوان الحربية، ولكن الأقرب هو الأوّل.
و ممّا ذكر يظهر جواز المعاملة الربوية مع الدول الأجنبية بناءً على أن الحربي هو الذي لم يلتزم بشرائط الذمّة; إذ لاذمّة لهم و مع عدم الذمّة يترتب عليهم أحكام الحربي إلاّ فيما اقتضت المعاهدة عدم جوازه، ولكن كما عرفت جواز المعاملة الربوية معهم بمعنى أخذ الربا منهم لاجواز الإعطاء، هذا مضافاً الى عدم ترتب المفسدة عليه.
ثم لو كان طرف المعاملة صندوقاً لجماعة بعضهم حربيّون و الآخرون مسلمون فالمعاملة الربوية جائزة بالنسبة الى سهام الحربيّين دون المسلمين فتدبّر جيداً.
الثامنة: المشهور ثبوت الربا بين المسلم و الذمّي. و يدلّ عليه عمومات أدلة تحريم الربا، و لامخصّص لها في مورد الذمّي عدا مرسلة الصدوق عليه الرحمة. وضعفها مانع من الأخذ بها و لاينجبر الضعف بعمل مثل الصدوق (قدس سره). هذا مضافاً الى حكاية معارضتها بمرسلة اُخرى، قال في الجواهر: على أنّه أرسل في النافع رواية معارضة لمرسل الصدوق. ثم قال:
**
(1) الملحقات 47/2.
و إن لم أجدها إلاّ أن يريد قوله في صحيح زرارة: المشركون بينهم و بين المسلمين ربا(1) و لايخفى عليك أن حديث زرارة ليس بصحيح; لاشتماله على ياسين الضرير و هو غير موثق.
هذا مضافاً الى عدم إمكان تصور الذمّة في غير أهل الكتاب. و عليه فلايمكن أن يكون مقصود المحقّق في النافع من المرسلة المعارضة خبر زرارة المشتمل على المشركين.
و حمل في الحدائق الذمّي في مرسلة الصدوق على الذمّي الذي صار حربياً بخرق الذمّة.(2)
وقال في الرياض: و حمل الأصحاب المرسلة على خروج الذمّي عن شرائط الذمّة، و لابأس به جمعاً بين الأدلة. و كيف كان فلا يجوز المعاملة الربوية مع الذميّين قضاءً لعمومات التحريم و عدم احراز المخصص.
و دعوى جواز المعاملة الربويّه مع الذميّين بقاعدة الالزام(3) أو جواز أخذ الربا منهم بعد وقوع المعاملة معهم بتلك القاعدة كما في منهاج الصالحين، حيث قال: الأظهر عدم جواز الربا بين المسلم و الذمّي ولكنه بعد وقوع المعاملة يجوز أخذ الربا منه من جهة قاعدة الالزام.(4) كماترى، حيث إن قاعدة الالزام على تقدير شمولها للمقام تدلّ على جواز أخذ الربا منهم إذا وقعت المعاملة الربوية بين الذمّي و مثله لابين الذمّي و المسلم. هذا مضافاً الى أن قاعدة الالزام - كما تشهد رواياتها - مخصوصة بالمسلمين من سائر الطوائف غير الطائفة الإمامية الاثني عشرية و لايشمل سائر الأقوام و الملل.
**
(1) الجواهر 383/23.
(2) الحدائق 146/5 الطبع القديم.
(3) و في توضيح المسائل للسيّد الخوئي (قدس سره) (از كافرى كه در پناه اسلام است و ربا گرفتن در شريعتش جائز باشد ربا بگيرد اشكال ندارد.)
(4) منهاج الصالحين 59/2 المسألة 14.
منها: ما رواه في التهذيبين عن عليّ بن أبي حمزة أنّه سأل أباالحسن عليه السلام عن المطلقة على غير السنّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم و تزوّجوهن فلابأس.(1)
و روى ذلك أيضاً عن عليّ بن أبي حمزة أيضاً عن أبي الحسن عليه السلام أنّه قال: الزموهم ما ألزموا به أنفسهم، و الظاهر أنّه متحد مع الخبر السابق.
فمع اختصاص الضمير بالمسلمين فلاوجه للتعدّي عنهم الى غيرهم من الكفّار. قال في القواعد الفقهية: إنّ الظاهر من قوله: الزموهم أن مرجع ضمير الجمع هم المسلمون من سائر الطوائف غير الطائفة الإمامية الاثني عشرية و لايشمل سائر الأديان و الملل.
اللّهمّ إلاّ أن يتمسك بغير هذه الرواية من مدارك هذه القاعده مثل قوله عليه السلام: يجوز على أهل كل ذيّ دين ما يستحلون... ولكنه لايخلو من تأمّل و نظر (ولعلّ وجه النظر أن النسخ مختلفة و في بعضها يجوز في كل دين ما يستحلفون به. و عليه فيحمل السؤال في هذا الحديث على السؤال عن الأحكام القضائية بالإيمان كما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه استحلف اليهود بالتوراة التي اُنزلت على موسى على نبيّنا و آله و عليه السلام).(2)
أو يتمسك بقوله عليه السلام في موثق عبدالرحمن البصري عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت له امرأة طلّقت على غير السنّة فقال عليه السلام: تتزوّج هذه المرأة لاتترك بغير تزويج فإذا كان بقاؤها بدون تزويج علّة لجواز تزويجها فهذه العلّة في مورد الكافر أيضاً موجودة، ولكنّه محل تأمل و نظر; لأن كون ما ذكر علّة تامة و ملاكاً تاماً للحكم غير معلوم بل معلوم العدم; لأنه من قبيل حكمة الحكم.(3)
**
(1) التهذيب 210/2 الاستبصار 292/3.
(2) راجع - عقد في الزام غير الإمامي بأحكام نحلته للشيخ جواد البلاغي: 14-15.
(3) القواعد الفقهية 158/3-159.
على أن الربا محرم في شريعة اليهود كما يظهر من قوله تعالى: (وَ أَخْذِهِمُ اَلرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ)(1) و معه فلو قلنا بالتعدي عن موردها فلايفيد أيضاً اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن بعد اعتقادهم بالحلية ولو من جهة التحريف تشمله القاعدة حينئذ فتدبّر.
**
(1) النساء/ 161.
ويدلّ عليه من الروايات: مؤثقة أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام: الحنطة و الشعير رأساً برأس لا يزاد واحد منهما على الآخر.(1)
و موثقة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لايباع مختومان من الشعير بمختوم من حنطة إلاّ مثلاً لمثل و التمر مثل ذلك(2) و المختوم: الصاع، كما يقال: الوسق: ستون مختوماً.
و موثقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لاتبع الحنطة بالشعير إلاّ يداً بيد و لاتبع قفيزاً من حنطة بقفيزين من شعير(3) بناءً على اتحاد النضر الواقع في سند الحديث مع نضر بن سويد كما ذهب إليه في معجم رجال الحديث.
و موثقة سماعة قال: سألته عن الحنطة والشعير فقال: إذا كانا سواء فلابأس قال: و سألته عن الحنطة و الدقيق فقال: إذا كانا سواء فلابأس.(4)
و موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: الحنطة بالدقيق مثلاً بمثل و السويق بالسويق مثلاً بمثل و الشعير بالحنطة مثلاً بمثل لابأس به.(5)
و موثقة سماعة قال: سئل أبوعبدالله عليه السلام عن العنب بالزبيب قال: لايصلح إلاّ مثلاً بمثل (قال: و الرطب و التمر مثلاً بمثل).(6)
**
(1) جامع الأحاديث 147/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 4.
(2) جامع الأحاديث 147/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 5.
(3) جامع الأحاديث 148/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 7.
(4) جامع الأحاديث 148/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 8.
(5) جامع الأحاديث 149/18 الباب 7 من أبواب الربا ح 3.
(6) جامع الأحاديث 152/18 الباب 9 من أبواب الربا ح 6.
و غير ذلك من الأخبار. فالربا في المعاملة هي عبارة عن الزيادة في أحد العوضين المتجانسين في المكيل و الموزون.
ثم يقع الكلام حينئذ في المراد من الزيادة، فإنّها على أنحاء: إما أن تكون عينية على وجه الجزئية من جنس العوضين أو من غيره، و إما أن تكون عينية على وجه الاشتراط، و إمّا أن تكون غير عينية مما يكون مالاً كسكنى دار، أو عمل له مالية كخياطة ثوب، أو يكون فيه منفعة كاشتراط مصالحة أو بيع محاباتي أو اشتراط خيار أو التسليم في مكان معين، أو ممّا فيه غرض عقلائي كاشتراط كنس المسجد أو إعطاء شيء للفقير أو قراءة القرآن أو إتيان الصلاة أوّل الوقت.
فينبغي أن يبحث في أن الموجب للربا هو خصوص الزيادة العينية ولو كانت حاصلة بالشرط، أو يعمّ غيرها حتى الزيادة الحكمية ولو كانت غير مالية.
ربّما يستدلّ على الحاق غير العينية بها بالاتفاق، و بأن المستفاد من الأخبار الدالّة على تحريم الربا المعاملي أن الشرط في صحة المعاملة في المتجانسين من المكيل و الموزون هو المثلية، و عليه فالزيادة و إن كانت حاصلة بنحو الشرط في أحدهما تخرجه عن المثلية.
هذا مضافاً الى ما رواه في الكافي عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن عيسى عن يحيى بن الحجاج عن خالد بن الحجاج قال: سألته عن رجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة درهم وزناً قال: لابأس ما لم يشترط قال: و قال: جاء الربا من قِبل الشروط إنّما تفسده الشروط.(1)
**
(1) الكافي 24 ط 5 / باب الصروف ح 1، جامع الأحاديث 153/18 الباب 11 من أبواب الربا ح 2.
وأورد عليه السيّد (قدس سره) بقوله: و أما الاتفاق فممنوع، مع أن القدر المتيقّن منه الزيادة العينية، بل عن الأردبيلي عدم الربا في الزيادة الحكمية، و كذا يظهر من المحكي عن ابن إدريس. و أيضاً عن القواعد و جامع المقاصد: جواز اشتراط البيع بثمن المثل بل محاباة أيضاً في القرض الذي هو أضيق دائرة كما يدلّ عليه جملة من الأخبار في مسألة الربا. و كذا جواز اشتراط الرهن على القرض بل على دين آخر. و عن جماعة جواز اشتراط التسليم في بلد غير بلد القرض كما يدلّ عليه جملة من الأخبار. و كذا جواز اشتراط ضمان أو كفالة أو إشهاد أو رهن. و يظهر من صاحب الجواهر جواز اشتراط وصف الخاتمية في بيع الفضّة بالفضّة بعدما منع من جواز اشتراط صياغة خاتم في بيع الدرهم بالدرهم.
قال: لو كان الشرط - مثلاً - بيعه، أي بيع الدرهم بفضّة مصوغة خاتماً أمكن عدم تحقق الربا; لعدم اشتراط العمل، فهو كبيعه الفضة بالفضة من الدراهم مثلاً أو بفضة من جنس المصوغ على وجه خاص و نحو ذلك بما هو أفراد للمبيع و بالوصف و الشرط يتعيّن بعض أفراده، و مثله لايتحقق به الربا قطعاً. قال: إذ ليس مطلق الاشتراط في أحد العوضين يتحقق به ذلك، انتهى.
فدعوى الاتفاق المذكور على عمومه محل منع. و أما الأخبار الدالة على اعتبار المثلية فظاهرها المثلية في القدر لامن جميع الجهات، و على فرض الشمول لمثل الشرط نمنع أن كل شرط ينافي المثلية.
و أما خبر خالد فهو في القرض، و كون البيع كالقرض في ذلك محل تأمّل.
ودعوى أن قوله: جاء الربا من قبل الشروط قاعدة كلية لا في خصوص المورد محل منع، وعلى فرضه فالقدر المتيقّن منه شرط الزيادة العينية أو ما يكون له مالية فلا يراد منه كل شرط.
فالأقوى عدم إلحاق الشرط بالجزء في إيجاب الربا على إطلاقه، بل القدر المتيقن شرط
الزيادة العينية أو ما بمنزلتها(1) بحيث يخرج المعاملة عن كونها واقعة على مثل بمثل، و إلاّ فمقتضى العمومات و دليل الشرط جوازه، لكن الأحوط المنع من كل ما فيه منفعة و أحوط من ذلك إلحاقه به مطلقاً حتى ممّا لامنفعة فيه بل فيه غرض عقلائي.(2)
وأورد عليه في جامع المدارك بقوله: يمكن أن يقال لا يبعد الأخذ بخبر خالد، حيث إن قوله عليه السلام - على المحكي -: جاء الربا من قبل الشروط لا اختصاص له بالقرض، حيث إنّه لم يذكر هذا الربا في القرض حتى يقال اللام للجنس حيث لا عهد. نعم إن قلنا بأن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع الإطلاق يشكل لكنه محل منع كما قرر في محله.
و الشرط مطلق لا اختصاص له بشرط الزيادة العينية أو ما له مالية، كما يؤخذ باطلاق المؤمنون عند شروطهم.(3)
وفيه أوّلاً: أن الرواية ضعيفة السند، لعدم توثيق خالد بن الحجاج.
لا يقال: إن نقل مثل عبدالله بن مسكان عنه في غير هذه الرواية يكفي في توثيقه; لأن عبدالله بن مسكان من أصحاب الإجماع.
لأنا نقول - كما قرّر في محلّه -: أن المستفاد من قول الكشي في أصحاب الإجماع: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم هو الوثوق بالرواية لاالوثوق بالرواة، وعليه فنقل عبدالله بن مسكان لا يفيد توثيق خالد بن الحجاج فالرواية لاتصلح للاستدلال.
ثانياً: إن خبر خالد بن الحجاج قريب المضمون مع الأخبار الاُخرى الواردة في باب القرض كصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عدداً ثم يعطي سوداً (وزناً - التهذيب و الفقيه) و قد عرف أنها أثقل مما أخذ و تطيّب
**
(1) لعل مراده هو ما إذا لم تكن الزيادة من عين الجنس.
(2) الملحقات 5/2 المسألة 3.
(3) جامع المدارك 237/3.
(بها - الفقيه) نفسه أن يجعل له فضلها فقال: لابأس به إذا لم يكن فيه شرط ولو وهبها له كلها صلح.(1)
وصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن الرجل يستقرض الدراهم فيرد عليه المثقال أو يستقرض المثقال فيرد عليه الدراهم فقال: إذا لم يكن شرط فلا بأس.(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا أقرضت الدراهم ثم أتاك بخير منها فلابأس إذا لم يكن بينكما شرط.(3)
و عليه فدعوى اختصاص خبر خالد بالقرض و التأمل في كون البيع كالقرض ليست ببعيد. اللّهمّ إلاّ أن يكتفي بترك الاستفصال في مورد السؤال في الاطلاق و عليه فالجواب أعم من القرض فتأمل.
و كيف كان فاتّضح أن المعيار في حرمة المعاملة و صدق الربا هو التفاضل في المقدار، و عليه فالزيادة العينية توجب خروج المعاملة عن المثل بالمثل من دون فرق بين كون الزيادة من جنس العوضين و عدمه، كما يدلّ عليه موثقة إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: الدرهم بالدرهم و الرصاص فقال: الرصاص باطل.(4)
و يلحق بذلك اشتراط الزيادة العينية من العوضين أو غيرهما بدعوى أن مرجعه عرفاً
**
(1) جامع الأحاديث 153/18 الباب 11 من أبواب الربا ح 2.
(2) جامع الأحاديث 154/18 الباب 11 من أبواب الربا ح 3.
(3) جامع الأحاديث 156/18 الباب 11 من أبواب الربا ح 12.
(4) الوسائل الباب 1 من أبواب الصرف ح 6.
الى الزيادة في مقدار العوضين، و لذا يحكمون بخروج العوضين بالاشتراط المذكور عن المماثلة في المقدار ولكنه منوط بصدق ذلك حقيقة، ولكنه محل تأمّل بعد كون الشرط التزاماً في ضمن الالتزام فلايترك الاحتياط.
و أما اشتراط المحاباة في معاملة اُخرى أو الكفالة أو الضمان أو التسليم في بلد غير بلد المعاملة و غير ذلك ممّا لايوجب زيادة عينية في أحد العوضين فلااشكال فيه لصدق المماثلة في المقدار مع الشروط المذكورة.
لايقال: يكفي في المنع عنها صدق الفضل كما في موثقة الوليد بن صبيح قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: الذهب بالذهب والفضة بالفضة الفضل بينهما هو الربا المنكر، هو الربا المنكر.(1)
لأنا نقول - كما أفاد شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) -: أنّه منصرف الى عدم المماثلة في الوزن و المقدار تأكيداً لقوله مثلاً بمثل.(2) خصوصاً بعد اعتبار الفضل بكونه بين العوضين، فإن الفضل بينهما منصرف الى الفضل المقداري، و لاأقل من الشك فلايرفع اليد عن عمومات نفوذ المعاملات بعد كون القاعدة في الشبهات المفهومية من المخصص هو الرجوع الى عموم الأدلّة.
نعم لاينبغي ترك الاحتياط في الزيادة العملية كخياطة الثوب و صياغة الخاتم لما حكي عن الأصحاب أنهم أرسلوا عدم جوازها إرسال المسلّمات.
**
(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الصرف ح 2.
(2) المكاسب المحرمة 30.
ثم لايخفى عليك أن الظاهر من اعتبار المماثلة هو المماثلة في مقدار العوضين بحسب الوزن لاالمماثلة في مقدار المالية، و إلاّ فلم يكن وجه للمنع عن الزيادة في معاملة الحنطة بالشعير أو الحنطة الجيدة بالحنطة الرديئة أو الرطب بالتمر أو الحنطة بالدقيق أو العنب بالزبيب إذا كانت الزيادة بمقدار مالية العوض الآخر مع أن النصوص صريحة في المنع عنها.
و ممّا ذكر يظهر ما في المحكي عن الاُستاذ الشهيد المطهري (قدس سره) حيث قال: المراد من المماثلة هي المماثلة في المقدار، إلاّ أن المقدار مقياس المالية، فإذا كانت المعاملة موجبة للزيادة المالية كانت ربا محرماً، و إن أبيت عن ذلك فلايخرج العوضان عن المماثلة باشتراط الزيادة ولو كانت زيادة عينية; إذ العوضان متماثلان و الشرط خارج عنهما. و إن قيل: اشتراط الزيادة العينية يوجب خروج العوضين عن المماثلة قلت ليس وجهه إلاّ ما قلناه من أن العرف يرى التماثل: المماثلة في المالية.(1)
و ذلك لما عرفت من أن المراد من المماثلة في المقدار هو المماثلة في الوزن لاالمماثلة في المالية، و إلاّ فلم يكن وجه للمنع عن الزيادة في موارد يختلف العوضان فيها بحسب المالية كما عرفت. هذا مضافاً الى أن وجه خروج العوضين عن المماثلة باشتراط الزيادة العينية هو ما مرّت الإشارة إليه من أن مرجع ذلك عرفاً الى الزيادة في مقدار الوزن، لا أن المراد من المماثلة هي المماثلة المالية فتأمّل.
ثم إنّه هل يجوز اشتراط الأجل في المتماثلين أو لا؟ المحكي عن الأصحاب هو عدم الجواز،
**
(1) مسأله ربا 252-253.
و يدلّ عليه موثقة محمّد بن قيس المروية في التهذيب عن الحسين بن سعيد عن النضر عن عاصم بن حميد عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام لاتبع الحنطة بالشعير إلاّ يداً بيد.(1)
لايقال: أن الرواية مختصة بالحنطة و الشعير، لأنا نقول - كما أفاد شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره): احتمال الاختصاص بعيد.(2) و لذلك قال في الحدائق: و الواجب المساواة في القدر و الحلول فلايجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة... الى أن قال: و قول المخالف ضعيف مردود بالأخبار الدالة على كون ذلك ربا.(3)
و علّل الحرمة في الرياض مضافاً الى ما ذكر بأن للأجل قسطاً من الثمن عرفاً و شرعاً، حيث قال: و يشترط في جواز بيع المثلين المتجانسين المقدرين بأحد التقديرين التساوي في القدر و الحلول، فلو بيع بزيادة حرم نقداً و نسيئة إجماعاً، فيه، و في أنّه يصح متساوياً يداً بيد، و أنّه يحرم نسيئة; لأن للأجل قسطاً من الثمن عرفاً و شرعاً إجماعاً. و في الصحيح: لاتبع الحنطة بالشعير إلاّ يداً بيد. و في الخبر: إنّما الربا في النسيئة انتهى.
و لايخفى عليك أنّ عمدة الدليل هو موثقة محمّد بن قيس و أمّا التعليل بأنّ للأجل قسطاً من الثمن فهو لايساعد ما ذكرناه آنفاً من أن المماثلة هي المماثلة الوزنية لاالمالية. هذا مضافاً الى أن التمسك بالخبر - أعني: إنّما الربا في النسيئة - لايخلو عن اشكال; لأن حصر الربا في النسيئة ممّا لايلتزم به.
وقال في الجواهر: و أما إذا كانت الزيادة حكمية كالأجل فلاخلاف محقّق معتدّ به في عدم الجواز فلايجوز حينئذ اسلاف أحدهما في الآخر.(4)
**
(1) جامع الأحاديث 148/18 ح 7.
(2) المكاسب المحرمة لشيخنا الاُستاذ (قدس سره): 30.
(3) الحدائق 138/5.
(4) الجواهر 340/23.
و أورد عليه في جامع المدارك بأنه لولا شبهة تحقق الإجماع لأمكن أن يقال إن كان الأجل زيادة موجبة للربا فما المانع في صورة تفاضل أحد العوضين من الصحة لمقابلة إحدى الزيادتين مع الاُخرى؟ و إن لم تكن زيادة فما المانع من جعل الأجل مع عدم التفاضل؟ و يبعد تحقق الإجماع مع نسبة الخلاف الى الخلاف و تعبير المحقّق (قدس سره) بقوله على الأظهر.(1)
وفيه أوّلاً: أنه اجتهاد في مقابل النصّ، فلامجال للمناقشة المذكورة بعد ورود النص على عدم الجواز.
وثانياً: أن الأجل و إن عدّ زيادة لايصلح لأن يقع في مقابل الزيادة في طرف آخر; لأن الأجل كالأوصاف لا يقابل بالأعواض و إنّما يكون مزيدة للرغبة الى الموصوف، و عليه فلا تلازم بين صدق الزيادة و جواز جعله في مقابل الزيادة في طرف آخر.
ثم لايذهب عليك أن المحكي عن الأصحاب أنهم فصّلوا في الزيادة الوصفية بين الاشتراط و عدمه، فجوّزوا إعطاء أحد الحنطتين الأجود من الاُخرى أو إعطاء الفضة المصوغة في مقابل غير المصوغة من دون شرط، و منعوا عنه مع الشرط كأن يشترط جودة الحنطة في مقابل الرديئة أو اشتراط المصوغة في مقابل غيرها.
و فيه ما لايخفى، فإن مع خروج الزيادة الوصفية عن الربا لايوجب الاشتراط دخولها في الربا، كما أن مع دخولها في الربا لاحاجة الى الاشتراط. قال شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره): إنّه على تقدير استفادة حرمة الزيادة الوصفية من أدلة حرمة التفاضل في المتجانسين فما الفارق بين الشرط و عدمه؟ فإن كانت الزيادة الوصفية زيادة في الربا فلابدّ أن لايجوز بدون الشرط أيضاً، و إن لم يكن من الزيادة في الربا فلايؤثر الاشتراط في صيرورة ما ليس بزيادة زيادة. و بالجملة اثبات ما ذكروه مشكل.(2)
**
(1) جامع المدارك 248/3.
(2) المكاسب المحرمة لشيخنا الاُستاذ: 30.
فالتفصيل في غير محلّه، و مقتضى عدم الدليل بالنسبة الى الزيادة الوصفية هو الجواز مطلقاً و إن كان الأحوط هو الاجتناب بدعوى كونه من المسلمات.
ثم إن مقتضى ما عرفت - من عدم شمول الأدلة الدالّة على اعتبار المثل بالمثل لشرط غير الزيادة العينية; لظهورها في المماثلة المقدارية و الوزنية - هو جواز بيع منّ من الحنطة الجيدة بمنّ من الرديئة مع اشتراط خياطة الثوب على صاحب الرديئة، من دون فرق بين أن يكون اجرة الخياطة بقدرمالية الجودة أو أزيد أو أنقص كما ذهب إليه شيخنا الأراكي (قدس سره) بدعوى انصراف الأخبار الى المماثلة في الوزن.(1)
و العجب من السيّد المحقّق اليزدي (قدس سره) حيث قال: الزيادة الشرطية موجبة للربا و إن كانت في قبال وصف مالية في الطرف الآخر من جودة أو صوغ أو نحوهما. فلو باع منّاً من الحنطة الجيّدة بمنّ من الرديئة و اشترط على صاحب الرديئة خياطة ثوب فإنّه يوجب الربا و إلاّ كانت اجرة الخياطة بقدر مالية الجودة.(2)
مع أنّه صرّح بنفسه في مسألة 3 بأن ظاهر الأخبار الدالّة على اعتبار المثلية هي المثلية في القدر لامن جميع الجهات. نعم لو أراد من الزيادة ما يكون بمنزلة الزيادة العينية و جعل الزيادة العملية منها لتمّ ما ذكر ولكن لايخفى ما فيه; لعدم رجوع الزيادة العملية الى الزيادة المقدارية و الوزنية مع أنّه اعتبر الرجوع إليها.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن الزيادة الشرطية و إن لم توجب زيادة في العوضين لكنها زيادة في أصل البيع، فيشمله قوله تعالى: (وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) .
وفيه: ان الربافي الآية الكريمة مفسَّر في الأخبار بالزيادة المقدارية في المعاملات كما
**
(1) المكاسب المحرمة: 30.
(2) الملحقات 8/2 مسألة 5.
عرفت. هذا مضافاً الى أن ظاهر الزيادة هي أن تكون من جنس المزيد فيه و هو يساوي الزيادة العينية أو ما يرجع إليها كاشتراطها.
على أنه لو اُريد من الربا مطلق الزيادة لزم تخصيص الأكثر; لعدم حرمة الزيادة في غير المتجانسين وغير المكيلات والموزونات فتأمّل.
و يحتمل أن يكون المراد من الربا هي الزيادة الخاصة كالزيادة المأخوذة في القرض أو الزياده المأخوذة في المتجانسين من جنسهما، و معه يشكل التمسّك بإطلاق قوله تعالى: (وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) لحرمة اشتراط غير الزيادة العينية. نعم الأحوط ترك الاشتراط مطلقاً في المتجانسين.
قال في السرائر: و قال شيخنا في نهايته: و كذلك لابأس أن يبيع درهماً بدرهم و يشترط معه صياغة خاتم أو غير ذلك من الأشياء، و وجه الفتوى بذلك - على ما قاله (رحمه الله) - أن الربا هو الزيادة في العين إذا كان الجنس واحداً وهاهنا لازيادة في العين و يكون ذلك على جهة الصلح في العمل، فهذا وجه الاعتذار له إذا سلم العمل به.
و يمكن أن يحتج لصحته بقوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) . و هذا بيع و الربا المنهي عنه غير موجود هاهنا، لاحقيقة لغوية و لاحقيقة عرفية شرعية(1) و كيف كان فالمسألة محتاجة الى تأمل زائد و سيأتي إن شاء الله تعالى بعض الكلام في التنبيه السادس من الجهة الثانية عشر.
و لو فرض أن المكيلين المتساويين في الكيل كانا متفاضلين بحسب الوزن و بالعكس، فهل يجوز المعاملة مطلقاً باعتبار كفاية تساويهما بحسب أحد التقديرين، أو لايجوز مطلقاً، لاشتراط عدم الزيادة باطلاق، أو يفصل بين الوزن فيجوز لأنّه الأصل و بين الكيل فلا يجوز؟ وجوه:
**
(1) الينابيع الفقهية 310/14.
يمكن القول بالأوّل بعد تعارفهما فيه; لصدق الاطلاقات الدالّة على مماثلة الجنسين بأحد التقديرين كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: الحنطة بالدقيق مثلاً بمثل و السويق بالسويق مثلاً بمثل و الشعير بالحنطة مثلاً بمثل لابأس به.(1) إذ يصدق بيع المثل بالمثل مع الكيل و إن اختلف بحسب الوزن، أو مع الوزن و إن اختلف بحسب الكيل. و بعبارة اُخرى: يصدق المماثلة بالفعل باعتبار أحد التقديرين و عدم صدقها بحسب التقدير الآخر بعد عدم اختياره لايضر و لاينافي; لأنه فرض لا فعلي من دون فرق بين أن يكون الفرض أصلاً أو فرعاً. و لعلّه لذلك قال في الجواهر: ولو فرض تعارف الكيل و الوزن فيه جاز البيع بكل منهما مع التساوي فيه و إن اختلف في التقدير الآخر.(2)
هذا مضافاً الى ما أفاده شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) من أن إطلاقات كيلاً بكيل مع اختلاف أصناف الجنس الواحد خفّة و ثقلاً، بل و خصوص الحنطة و الشعير المصرح فيهما بالتساوي في الكيل تصلح مخرجاً لهذا الفرد عن تلك القاعدة.(3)
و لعلّ من المطلقات التي أشار إليها الاُستاذ موثقة عبدالرحمن بن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ فقال: لايجوز إلاّ مثلاً بمثل ثم قال: إنّ الشعير من الحنطة(4) إذ ظاهر هذا الخبر أن المماثلة بحسب الكيل يكفي. و إطلاقه يشمل ما إذا اختلف بحسب الوزن كما هو المدّعى في الحنطة و الشعير.
و موثقة منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: كل شيء يكال أو يوزن فلايصلح
**
(1) جامع الأحاديث 149/18 الباب 7 من أبواب الربا ح 3.
(2) الجواهر 375/23.
(3) المكاسب المحرّمة لشيخنا الاُستاذ: 30-31.
(4) جامع الأحاديث 147/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 2.
مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد... الحديث.(1) إذ ظاهره أن التفاضل في الكيل أو الوزن ممنوع، و اللازم هو التساوي مطلقاً سواء كان كل تقدير موافقاً للآخر أو لم يكن، بل صحيحة محمّد بن مسلم ظاهرة في جواز التفاضل بحسب التقدير الآخر، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما تقول في البرّ بالسويق؟ فقال: مثلاً بمثل لابأس به قلت] له [: إنّه يكون له ريع أو يكون له فضل فقال:] أ [ليس له مؤونة؟ قلت: بلى قال: هذا بذا... الحديث.(2) و السويق: الناعم من دقيق الحنطة و الشعير و الدقيق: الطحين و البر و القمح - بالفتح و السكون -: حب يطحن و الريع: الفضل و النماء كريع العجين.
قال في الجواهر: لاإشكال في منع الزيادة سواء كان في مقابلها عمل له مؤونة أو لا، فلا يبعد أن يكون التعليل في الصحيح اقناعاً لرفع استبعاد المخالفين و إلاّ فمثل هذه الزيادة غير قادحة للنصّ و الإجماع. و قال في الوافي: في بيان وجه هذه الزيادة: لعلّ مراد السائل أن البرّ له ريع فيه فضل; لأنه يزيد إذا خبز بخلاف السويق انتهى.
و قد يكون المراد أنه إذا بيع أحدهما بالآخر كيلاً - لأنهما من المكيلات - فإن الحنطة تكون أثقل و السويق أخف فيحصل الريع و الزيادة في الحنطة بل لو بيعا بالوزن يحصل التفاوت في الكيل(3) و لايخفى عليك أن التعليل الذي في الذيل يكون قرينة على أن المراد من قوله: هذا بذا أن قلة السويق بالنسبة الى الحنطة في مقابل المؤونة فالحجم متساو مع الحنطة و تصدق المماثلة بحسب الكيل ولكن وزن الحنطة أزيد من وزن السويق و هذه الزيادة موجودة حال المعاملة من دون حاجة الى تخبيزه، و عليه فتوجيه الزيادة بصورة التخبيز كما في الوافي خلاف الظاهر.
**
(1) جامع الأحاديث 145/18 الباب 5 من أبواب الربا ح 1.
(2) جامع الأحاديث 149/18 الباب 7 من أبواب الربا ح 1.
(3) الجواهر 354/23.
و كيف كان فالرواية مع الغمض عن التعليل تكفي لبيان حكم المسألة لدلالتها على كفاية المماثلة من جهة أحد التقديرين ولو كان فيه الفضل بحسب التقدير الآخر.
هذا كلّه فيما إذا تعارف كل واحد من التقديرين و إلاّ فاللازم هو الاقتصار على التعارف، و إلاّ لزم الجهالة و الغرر إذا بيع ما كان المتعارف فيه الكيل بالوزن و بالعكس. و بقية الكلام في محلّه إن شاء الله تعالى.
ثم إنّه بناء على أن الشرط يكون موجباً للربا ولو في غير الزيادة العينية يقع الكلام في أن الشرط هل يمنع عن الربا كما تمنع الضميمة عنه أو لا؟ مثلاً إذا باعه منّين من الحنطة بمنّ و شرط عليه خياطة ثوب مثلاً هل يمنع اشتراط الخياطة عن تحقق الربا أو لا؟
قال السيّد في الملحقات: الظاهر أنّه لا يمنع.(1) ولعلّ وجهه أن مع تفاضل العوضين لايوجب الشرط المذكور خروجهما عن التفاضل; لأن الشرط التزام في ضمن الالتزام و لايكون طرفاً للعوض، هذا بخلاف الضميمة فإنّها طرف العوض و لذا يقتصر فيما ورد في جواز الضميمة على موردها ولا يتعدى عنه الى المقام ونحوه ممّا لايكون طرفاً للعوض.
لايقال: يمكن أن يجعل الخياطة في مقابل المنّ الزائد في بيع المنّين من الحنطة بمنّ، و عليه فلاتفاضل بين العوضين و يوجب صحة المعاملة كالضميمة.
لأنا نقول: أوّلاً: أنّ ذلك يوجب خروج الفرض عن الشرطية; إذ الخياطة ليست حينئذ شرطاً في ضمن المعاملة بل هي عوض المنّ الزائد.
وثانياً: انّ وقوع الخياطة في مقابل المنّ الزائد يخرج المنّ الزائد عن البيع ويدخله في الاجارة، وهو خلاف المفروض في المسأله.
فتحصّل أن الشرط في بيع المتفاضلين لا يمنع عن الربا.
**
(1) الملحقات 8/2.
و أمّا إذا لم يكن البيع متفاضلاً كما إذا باعه منّاً بمنّ و شرط عليه خياطة ثوب، و قلنا بأن الشرط المذكور ملحق باشتراط الزيادة العينيه في تحقق الربا، يُمنع عن الالحاق شرط الكتابة على الآخر; لعدم صدق الربا لابالنسبة الى العوضين و لابالنسبة الى الشرط; لمقابلة الشرط مع الشرط و المنّ، مع المنّ و تفاوت قيمة الخياطة مع قيمة الكتابة لايوجب التفاضل; لأن المانع هو التفاضل في المقدار و الوزن لاالمالية.
و عليه فلا وجه للاشكال كما ذهب إليه السيّد، حيث قال في هذا الفرع: يمكن أن يقال بالصحة; لصدق المساواة خصوصاً مع تساوي الأجرتين لكنه مع ذلك مشكل مخصوصاً مع تفاوتهما كثيراً.(1)
ثم إنّه إذا دفع أحد المتبايعين زائداً عمّا هو عليه فإن كان ذلك بعد تمامية المبادلة بين الكليّين في الذمة من دون زيادة و نقصان فلا محذور; لعدم وقوع الزيادة في المعاملة و إنّما دفع أحدهما الزيادة في مقام الدفع اشتباهاً أو تعمداً، فإن كان الدفع غلطاً و اشتباهاً فهو باق على ملك الدافع، و إن تلف كان مقتضى قوله صلى الله عليه وآله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤديه» هو الضمان. و دعوى كونه أمانة فلاضمان، مندفعة بأنّه لايصدق عليه الأمانة لاالشرعية و لاالمالكية.
و إن كان الدفع تعمداً فهو أيضاً باق على ملك الدافع ما لم يقصد تمليكه و لم يقبله الآخر، فإن تلف فهل يكون ضمان على الآخر من جهة قاعدة على اليد أو لايكون من جهة الاقدام فمحل تأمّل، و لايبعد عدم الضمان; لأن قاعدة على اليد لاتشمل اليد التي تكون مجازة و مع التعمد تكون اليد مجازة. و إن أتلفه الآخر بتوهم أنّه مال نفسه فلاضمان أيضاً; لقاعدة الغرور و اقوائية السبب بالنسبة الى المباشر.
**
(1) الملحقات 8/2.
و إن دفع أحد المتبايعين الزائد مع الأصل بقصد الوفاء بما عليه و قبل الآخر فهل يوجب ذلك صدق الربا أو لايوجب؟ يمكن القول بالثاني; لأن المعاملة لم تقع مع الزيادة، و مجرّد الوفاء بالأكثر لايوجب انقلاب المعاملة عمّا هي عليه. و يدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عدداً ثم يعطي سوداً و قد عرف أنها أثقل ممّا أخذ و تطيب نفسه أن يجعل له فضلها فقال: لابأس به إذا لم يكن فيه شرط و لو وهبها له كلّها صلح(1) هذا كلّه فيما إذا دفع الزيادة بعد تحقق المعاملة، و سيأتي بقية الكلام فيه إن شاءالله تعالى في مسألة تعميم حرمة الربا لجميع المعاملات.
و أما إذا دفعها أحد المتعاملين حين وقوع المعاملة بين العينين الخارجيتين بنحو المعاطاة فإن قصد المعاملة بمجموع ما دفع فالظاهر هو صدق الربا; لوجود التفاضل بينهما من دون فرق بين الجهل و العلم; إذ المعيار في الربا هو زيادة أحد المتجانسين بالنسبة الى الآخر و هو موجود.
نعم يمكن أن يقال في صورة الجهل بالزيادة وقعت المعاملة بعنوان أن العينين الخارجيتين متساويتان.
فحينئذ يقع التعارض بين الوصف و الإشارة، فمقتضى الوصف هو وقوع المعاملة بين المتساويين الخارجيين، و مقتضى الإشارة هو وقوع المبادلة بين المتفاضلين.
فإن قلنا بتقديم الإشارة في المعاملات كما اخترناه في خيار تخلف الوصف فالمعاملة ربوية محرمة; لأن المشار إليه في المقام هو المتجانسان المتفاضلان.
و إن قلنا بتقديم الوصف فلاإشكال من جهة الربا ولكن يشكل من جهة ماحكي عن مجمع الفائدة من وقوع المعاملة على شيء مغاير للموجود، فالمعقود عليه غير موجود والموجود غير معقود عليه.
**
(1) جامع الأحاديث 153/18 الباب 11 من أبواب الربا ح 2.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: الزيادة الخارجية لا تمنع عن القصد بالنسبة الى غيرها، فالخارج مشتمل على المقصود و غير المقصود، فالمعاملة صحيحة بالنسبة الى المقصود و يصير كبيع ما يملك و ما لايملك الذي يصح البيع فيه بالنسبة الى ما يملك، غايته هو الخيار هناك دون هنا لعدم تخلف شيء في المقام.
نعم يمكن الإشكال من ناحية عدم تميز المقصود عن غيره في الخارج بعد كون الخارج أزيد من المقصود، إلاّ أن يكتفي في التمييز بالتميز الإشاعي فإن المقصود هو المقدار المعلوم من الخارج و تأمل. بل يمكن القول بالصحة فيما إذا دفع متعمداً زائداً على المقدار ولكن لايقصد المعاملة إلاّ بمقدار المساوي للآخر الموجود في الزائد المتعيّن بنحو الإشاعة، والمسألة محتاجة الى التأمّل الزائد.
او صحيحة بالنسبة الى ماعدا الزيادة سواء كانت الزيادة جزءاً او شرطاً او صحيحة فيما اذا كانت الزيادة شرطاً دون ما اذا كانت جزءاً وجوه و أقوال و أستدل للأوّل بأموره، منها: قوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا)(1) بالتقريب الذي أفاده في الجواهر من أنّ المراد من الربا - كما في تفسير مجمع البيان - هو البيع الذي فيه الربا حيث قال: معنى (وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) : أحلّ الله البيع الذي لاربا فيه و حرّم البيع الذي فيه الربا. و عليه فالنهي عن البيع الربوي كالنهي عن بيع الملامسة و المنابذة يوجب الفساد; إذ النهي عن ذات المعاملة إرشاد إلى الفساد.(2)
وفيه: أنّ الربا في اللغة بمعنى الزيادة; لأنّه من «رَبا المالُ يربو ربواً و رباءً» أي زاد ونما، و لاشاهد على تفسير الطبرسي، و لعلّ مراده من تفسيره بذلك بيان مورد الزيادة المحرمة بعنوان الربا في قبال من ذهب إلى حرمة الزيادة في جميع المعاملات، أو في قبال من توهم أنّ الربا هو مطلق الزيادة، مع أنّ الربا ليس مطلق الزيادة، بل هو الزيادة الخاصة في البيع أو مطلق المعاملة و القرض.
وعليه فدعوى: أنّ الربا في الآية الكريمة هو البيع المشتمل على الربا، لاشاهد لها، بل الآية الكريمة ظاهرة في حرمة الزيادة فقط، كما يشهد له بعض النصوص، كموثقة الوليد بن صبيح قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «الذهب بالذهب و الفضة بالفضة; الفضل بينهما هو الربا المنكر»;(3) إذ تخصيص الربا المنكر بالفضل دون البيع المشتمل على الربا يدلّ على أنّ الربا هو خصوص الزيادة.
**
(1) البقرة/ 275.
(2) راجع: جواهر الكلام 334:23.
(3) جامع الأحاديث 170:18، الباب 1 من أبواب الصرف، ح 5.
ولعلّ لذلك قال السيّد (قدس سره) في الملحقات: «و لاشاهد على تفسير الطبرسي، بل يمكن أن يقال: إنّ الآية ظاهرة في حرمة الزيادة فقط».(1) هذا مضافاً إلى أنّه لاأقل من الشك في انّ الربا يشمل أصل البيع أو لا؟ فمقتضى عمومات النفوذ هو نفوذ البيع و صحته دون الزائد، و عليه فالمنع عن الزيادة و حرمتها لايلازم النهي عن أصل المعاملة و فساد البيع، فلاتغفل.
ومنها: دعوى دلالة جملة من النصوص على تحريم نفس المعاملة:
منها: موثقة عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الربا و آكله (و موكّله خ ل)،(2) و بائعه و مشتريه و كاتبه و شاهديه»;(3) بتقريب: أنّ لعن البائع و المشتري يرجع إلى النهي عن البيع و الشراء، و مقتضى النهي فيهما هو الإرشاد إلى الفساد.
ولكن يرد عليه - كما في الملحقات -: أنّه لادلالة في قوله عليه السلام: «لعن رسول الله... بائعه» على كون المحرّم هو نفس البيع; لإمكان أن يكون النهي من جهة اشتمال البيع على الربا، هذا مضافاً إلى أنّه صلى الله عليه وآله لم يكن في مقام بيان صحة المعاملة و فسادها بل كان في مقام منع المكلفين عن مادة الربا، و لذا عمّم اللعن و الحرمة بالنسبة إلى كلّ ما له دخل في تحقق الربا بنحو من الأنحاء، و عليه فلاتصلح تلك الأخبار للاستدلال على فساد أصل المعاملة.
و مما ذكر يظهر الجواب ايضاً عن الاستدال مما يدلّ على ثبوت البأس في المعاملة فيما إذا كانت مع الزيادة، كموثقة منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سألته عن الشاة بالشاتين و البيضة بالبيضتين؟ قال: «لابأس ما لم يكن كيلا أو وزناً».(4)
**
(1) الملحقات 6:2، المسألة 4.
(2) كما في من لايحضره الفقيه 174:3.
(3) جامع الأحاديث 132:18، الباب 1 من أبواب الربا، ح 42.
(4) المصدر السابق: 140، الباب 2 من أبواب الربا، ح 7.
فانّ مفهومه هو ثبوت البأس و العقوبة فيما إذا كان كيلا أو وزناً; و ذلك لأنّ المنطوق أنّ معاملة الشاة بالشاتين و البيضة بالبيضتين ما لم يكن مكيلا أو موزوناً لاعقوبة فيها، و مفهومه أنّ المعاملة المذكورة إن كان موردها من المكيلات و الموزونات ففيها العقوبة، و هذا أعم من أن تكون العقوبة من جهة نفس المعاملة أو اشتمالها على الزيادة التي فيها.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ السؤال أعم من جهة الحكم الوضعي و التكليفي، فقوله عليه السلام بعدم البأس بعد ترك الاستفصال يدل على عدم الإشكال في المعاملة من ناحيتين، و عليه فيدل بالمفهوم على وجود الإشكال من ناحيتين في المكيلات و الموزونات، و هو المطلوب.
ولكن لقائل أن يقول: إنّه بعد تسليم كون معنى عدم البأس هو عدم الإشكال من ناحيتين لاالعقوبة فالمفهوم هو رفع هذا المنطوق ولو بوجود البأس في إحدى الناحيتين دون الاُخرى، و عليه فلايدلّ المفهوم على فساد المعاملة، بل هو مجمل.
نعم إن قلنا بأنّ نقيض المنطوقات في المفاهيم كلّي - قضاءً لإفادة الجملة الشرطية لانحصار العلّة; و إلاّ لزم الخلف في إفادة الانحصار كما قرر في محلّه - فالمفهوم متطابق مع المنطوق; فكما أنّ عدم الإشكال يعمّ الأمرينفي المنطوق فكذلك الإشكال يعمّ الأمرين، فيدلّ بإطلاقه على فساد المعاملة أيضاً، فتأمل.
ومنها: الأخبار الناهية عن التصرف في أحد العوضين في المعاملة; إذ النهي عن ترتيب الأثر المترتب على المعاملة يساوي الدلالة على فساد أصل المعاملة، ألاترى أنّ قوله عليه السلام: «ثمن الخمر سحت» يدل على فساد بيع الخمر و إن قلنا بأنّ النهي عن نفس المعاملة لايدلّ على الفساد؟!
و هذه الأخبار كثيرة جداً، و من جملتها:
صحيحة ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «درهم ربا أشدّ من سبعين زنية كلها بذات محرم».(1)
**
(1) المصدر السابق: 125، الباب 1 من أبواب الربا، ح 3.
و خبر عبدالله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «من أكل الربا ملأ الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل، و إن اكتسب منه مالا لايقبل الله تعالى منه شيئاً من عمله، و لم يزل في لعنة الله و الملائكة ما كان عنده قيراط واحد».(1)
.. و غير ذلك من الأخبار.
هذا مضافاً إلى دلالة بعض الآيات الكريمة على حرمة مطلق التصرف في الربا، كقوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبٰا لاٰ يَقُومُونَ إِلاّٰ كَمٰا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطٰانُ مِنَ اَلْمَسِّ...) .(2)
ويمكن الجواب عنه: بأنّ النهي عن الثمن أو المثمن بما هما ثمن و مثمن يدلّ على فساد المعاملة; إذ لاتتقوم المعاملة إلاّ بهما; فإذا كانا مسلوبي المنفعة فلاتصح المعاملة; لعدم المالية شرعاً. و هكذا الونهي عن التصرف في مقابل الربا دلّ على فساد المعاملة كالنهي عن الثمن في سائر المعاملات.
هذا بخلاف النهي عن نفس الربا; فإنّه لايدل على فساد أصل المعاملة، غايته أنّه يدل على عدم انتقال الزائد، و أمّا فساد أصل المعاملة فهو مسكوت عنه و ليس في مقام بيانه.
و مما ذكر يظهر ما في الجواهر من «رجوع النهي إلى النهي عن نفس العوض و المعوض عنه، و هو لاريب في اقتضائه الفساد»;(3) و ذلك لأنّ قياس المقام بالنهي عن العوضين - كالنهي عن ثمن الخمر - في غير محله; لما عرفت من أنّ النهي عن الزيادة ليس النهي عن العوض أو المعوّض عنه; لأنّ العوض عند الشارع هو المثل لاالزائد عليه و إن جعله المتعاقدان من العوض، ولكن الروايات ناظرة إلى حيثية نفس الربا و الزيادة لاحيثية العوضية.
**
(1) المصدر السابق: 126، الباب 1 من أبواب الربا، ح 9.
(2) البقرة/ 275.
(3) جواهر الكلام 334:23-335.
ومنها: ما في الجواهر أيضاً من أنّه «يمكن استناد الفساد إلى قاعدة تبعية العقود للقصود; ضرورة أنّ البائع أو المشتري إنّما بذل المثل في مقابل المثلين فإن لم يتم له بطل العقد، و ليس هو كبيع الشاة و الخنزير التي يبطل من الثمن ما قابلها فيبقى الآخر بما قابله منه; لأنّ البطلان في الزيادة هنا بلامقابل، و هو أمر غير مقصود للمتعاملين; فلو صح العقد وقع ما لم يقصد و ما قصد لم يقع، كما هو واضح».(1)
ويمكن أن يقال:
أوّلا: إنّ التقابل الضمني يكفي في كون الأبعاض أيضاً مقصودة; لأنّ الجملة ليست إلاّ نفس الأبعاض بالأسر، فالتعاقد عليها و القصد بها هو التعاقد و القصد على الأجزاء، فالعقد ينحل حسب أجزاء المركب كالتكليف المتعلق بالمركب الارتباطي.
و عليه فنمنع عدم القصد; إذ المعاملة بين المثل و المثلين تكون بالتعاقد بين المثل و المثلين; فالمثل من المثلين وقع في مقابل المثل في ضمن التعاقد المذكور، فإذا حكم الشارع ببطلان المثل الزائد لم يخرج المثل الآخر عن تقابله مع المثل و التعاقد بينه و بين المثل; لأنّ التقابل الباقي تقابل ضمني في ضمن التقابل المذكور.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ التقابل الضمني ليس بين أحد المثلين و مجموع المثل بل بينه و بين بعض المثل، و عليه فجعل تمام المثل في مقابل المثل خلاف ما قصده المتعاملان، و عليه فالانحلال لايوجب شيئاً.
و مما ذكر يظهر أيضاً عدم تمامية ما يقال - بناءً على عدم الانحلال - من أنّ نقل الكل بعقد واحد غير منفك عن نقل الأجزاء، فمع نقل المجموع يحصل النقل بالنسبة إلى الأجزاء في الإنشاء، فبطلان المجموع و الكل بما هو مجموع للدليل لايلازم بطلان البيع الإنشائي بالنسبة
**
(1) المصدر السابق: 335.
إلى الأجزاء بعد اختصاص دليل البطلان بالمجموع بما هو مجموع; لما عرفت من أنّ وقوع تمام المثل في مقابل المثل ليس مقصوداً في المعاملة.
وثانياً: إنّه اجتهاد في مقابل النص، و لامجال للإشكال المذكور بعد تصحيح أصل المعاملة شرعاً، و يكفي للتعبد بعض الروايات، كموثقة إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: الدراهم بالدراهم و الرصاص؟ فقال: «الرصاص باطل».(1) و حمله على بطلان أصل المعاملة بقرينة الارتكاز خلاف الظاهر; و إلاّ لم يخص الإمام عليه السلام البطلان بالرصاص مع كونه في صدد البيان، فتخصيص البطلان بالزائد دليل على صحة أصل المعاملة.
و كمعتبرة محمّد بن سنان، عن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) - في بيع الدرهم بالدرهمين -: «... من أنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً و ثمن الآخر باطلا».(2)
فالمتبايعان و إن قصدا مقابلة المثل بالمثلين إلاّ أنّ الشارع حيث منع من الزيادة جعل المثل في مقابل المثل و لم يُمض ما قصداه، كما جعل النكاح المنقطع الذي لم يذكر فيه المدة نكاحاً دائمياً مع أنّ المتعاقدين لم يقصداه.
و يشهد له أيضاً الحكم بوجوب ردّ الزيادة و حفظ رأس المال; إذ لو لم يصح أصل المعاملة لزم الحكم بردّ المجموع و مطالبة مقابل الأصل من طرف المعاملة عند الإمكان، مع أنّ الآية الكريمة: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ)(3) تدلّ على اختصاص الرد بالزيادة و حفظ الباقي بعنوان رأس المال.
والقول: بأن الآية الكريمة مخصوصة بصورة الجهل و مع ذلك فهو منزّل على التقاصّ بالنسبة إلى رأس المال حيث إنّ مقابله عند الطرف الآخر.
**
(1) جامع الأحاديث 170:18، الباب 1 من أبواب الصرف، ح 2.
(2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 88:2-93.
(3) البقرة / 297.
غير سديد; لما أفاده في جامع المدارك من أنّ «بعد استظهار حرمة خصوص الزيادة من الآية الشريفة: (وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) لاوجه لتخصيص الآية الشريفة: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ) بخصوص الجهل، بل حلّية المجموع - من رأس المال و الزيادة - مخصوصة بحال الجهل; بمقتضى الآية الكريمة: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ) .
و يجمع بين هذه الآية و الآية السابقة بحمل هذه على حال الجهل و الآية السابقة، أي قوله تعالى: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ) ، على حال العلم - إلى أن قال: - و لاوجه للتنزيل على التقاصّ مع أنّ التقاصّ مشروط بعدم إمكان أخذ الحق من الطرف أو تعسّره».(1)
و بالجملة: مع ورود النصوص بالصحة لامجال للإشكال فيها من جهة مخالفتها للقاعدة.
ومنها: ما أفاده السيد المحقق اليزدي (قدس سره) من أنّ «المعاملة باطلة لعدم كون الزيادة متميزة عن الذي يقابل العوض الآخر حتى تكون بالنسبة إلى الزيادة باطلة و بالنسبة إلى المقابل صحيحة; إذ كل جزء من المثل يقابل جزأين من المثلين، فليست بيعاً بمثل و زيادة - إلى أن قال -: فالأقوى البطلان فيما إذاكانت جزءاً; لما ذكر من أنّ الزيادة ليست ممتازة عن رأس المال حتى تكون المعاملة صحيحة بالنسبة إليه».(2)
وفيه:
أوّلا: أنّه منقوض - كما في جامع المدارك - ببيع ما يملك و مالايملك، كبيع العبد و الحرّ، و بيع الخلّ و الخمر; حيث يحكمون بصحة البيع بالنسبة إلى ما يملك مع عدم التميز.(3)
**
(1) جامع المدارك 238:3.
(2) الملحقات 6:2، المسألة 4.
(3) جامع المدارك 238:3 و 249.
فإن كان عدم التميز موجباً للبطلان كان لازم هذا بطلان البيع في مورد النقض أيضاً، مع أنّه لايمكن الالتزام به.
وثانياً: أنّ المقصود من اعتبار التميز إن كان لعدم لزوم الجهالة و الغرر ففيه: أنّه لاغرر و لاجهالة مع معلومية المجموع الملحوظ حال المعاملة; إذ المعتبر هو عدم الجهالة و الغرر حال المعاملة، و المفروض أنّه لاغرر و لاجهالة مع ملاحظة المجموع، كما لايكون غرر في بيع ما يملك و ما لايملك.
وثالثاً: أنّه بعد الحكم بصحة الأصل و بطلان الزيادة في المثلين يكون المثل الزائد الموجود فيهما خارجاً معلوماً و متميزاً بنحو الإشاعة كنصفهما، و هو محكوم بالبطلان، كما أنّ المثل الآخر الذي هو النصف يكون معلوماً و متميزاً كذلك، و هو محكوم بالصحة، و تكفي معلوميتهما بنحو الإشاعة لتحقق التمييز.
ورابعاً: أنّ هذه الإشكالات - كإشكال عدم التمييز أو عدم القصد - اجتهاد في مقابل النصوص: من الآية الكريمة الدالّة على تخصيص الردّ بالزيادة و جواز حفظ الباقي بعنوان رأس المال: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ) ، مع أنّه لو لم تكن المعاملة بالنسبة إلى الأصل صحيحة لايكون الباقي عنده رأسَ ماله بل هو مال الغير و من موثقة إسحاق بن عمار الدالّة على تخصيص البطلان بالرصاص و ردّه في مقام الجواب عن سؤال السائل عن حكم بيع الموزون بالزائد و من معتبرة محمّد بن سنان، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه كتب في جواب مسائله: «... لأنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً و ثمن الآخر باطلا»(1) الدالّة على صحّة وقوع الدرهم في مقابل الدرهم لتخصيص البطلان بالدرهم الآخر و غير ذلك.
ومنها: ما أفاده السيد المحقق اليزدي (قدس سره) أيضاً من أنّ «الأخبار الدالّة على اعتبار المثلية
**
(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 88:2-93، الباب 33، في ذكر ما كتب به الرضا عليه السلام إلى محمّد ابن سنان، ط - دار العلم.
مفهوماً و منطوقاً ظاهرها بيان الحكم الوضعي أو الأعم منه و من التكليفي، فهي دالّة على فساد المعاملة و أنّه يشترط فيها كونها مثلابمثل».(1) و الأخبار التي أشار إليها السيد (قدس سره) كثيرة، ومنها:
1 - موثقة منصور بن حازم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «كلّ شيء يكال أو يوزن فلايصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد...».(2)
2 - موثقة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «لايباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة، و لايباع إلاّ مثلا بمثل، والتمر مثل ذلك».(3)
3 - موثقة أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «الحنطة و الشعير رأساً برأس لايزاد واحد منهما على الآخر».(4)
4 - موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «الحنطة بالدقيق مثلا بمثل و السويق بالسويق مثلا بمثل و الشعير بالحنطة مثلا بمثل، لابأس به».(5)
5 - خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الحنطة بالشعير و الحنطة بالدقيق، فقال: «إذا كانا سواء فلا بأس و إلاّ فلا».(6)
6 - موثقة ابن أبي عمير عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «الفضة بالفضة مثل بمثل و الذهب بالذهب مثل بمثل ليس فيه زيادة و لانقصان; الزائد و المستزيد في النار».(7)
**
(1) الملحقات 7:2.
(2) جامع الأحاديث 145:18، الباب 5 من أبواب الربا، ح 1.
(3) المصدر السابق: 147، الباب 6 من أبواب الربا، ح 5.
(4) المصدر السابق: ح 4.
(5) المصدر السابق: 149 الباب 7 من أبواب الربا، ح 3.
(6) المصدر السابق: 150، ح 6.
(7) المصدر السابق: 170، الباب 1 من أبواب الصرف، ح 4.
7 - خبر الأمالي و الفقيه بالإسناد المتقدم عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث المناهي: «... و نهى صلى الله عليه وآله عن بيع الذهب بالذهب زيادة إلاّ وزناً بوزن».(1)
8 - ما رواه العلاّمة في التذكرة عن عطاء بن يسار أنّ معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من ورقها، فقال أبو الدرداء: سمعت النبي صلى الله عليه وآله ينهى عن مثل هذا إلاّ مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بهذا بأساً. قال أبو الدرداء: من يعذرني من هذا اُخبره عن النبي صلى الله عليه وآله و يخبرني عن رأيه، و الله لاسكنت بأرض أنت فيها! ثمّ قدم أبو الدرداء على عمر فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية: أن لاتبع إلاّ وزناً بوزن مثلا بمثل.(2)
و غير ذلك من الأخبار.
ويمكن أن يقال:
أوّلا: إنّ الأخبار المذكورة في مقام بيان مورد الربا من المكيل و الموزون أو وحدة بعض الأجناس مع بعض آخر كالحنطة مع الشعير أو الدقيق.
وثانياً: إنّ اعتبار المثلية مفهوماً و منطوقاً لعلّه يكون من جهة أن لايكون المعاملة ربوية حتى تكون محرمة و فاسدة من ناحية الزيادة، و لم يحرز كونها في مقام بيان فساد أصل المعاملة، و لو سلّم ذلك فغايته هو الظهور في ذلك، فاللازم هو رفع اليد عنه و حمله على فساد المجموع بما هو مجموع; بقرينة سائر الأدلّة الدالّة على صحة الأصل، و من جملتها ما دلّ على اختصاص البطلان بالزائد، كموثقة إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: الدراهم بالدراهم و الرصاص؟ فقال عليه السلام: «الرصاص باطل».
و معتبرة محمّد بن سنان، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه كتب إليه فيما كتب إليه من
**
(1) المصدر السابق: ح 7.
(2) المصدر السابق: 174-175، الباب 4 من أبواب الصرف، ح 10.
جواب مسائله: «و علّة تحريم الربا إنّما نهى الله عزّوجل عنه لمافيه من فساد الأموال; لأنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً و ثمن الآخر باطلا، فبيع الربا و شراؤه وَكْسٌ على كلّ حال; على المشتري و على البائع»;(1) لتخصيصه البطلان بالزائد.
و أيضاً من جملتها ما دلّ على أنّ الباقي غير الزائد هو مال الآخذ المرابي بعنوان رأس المال:
كالآية الكريمة الدالّة على ردّ الزائد و حفظ رأس المال: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ) ، و الأخبار الدالّة على ذلك: كصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام... و قال: «لو أنّ رجلا ورث من أبيه مالا وقد عرف أنّ في ذلك المال ربا ولكن قد اختلط في التجارة بغيره حلال(2) كان حلالا طيباً فليأكله، و إن عرف منه شيئاً أنّه ربا فليأخذ رأس ماله وليرد الربا».(3)
و كخبر أبي الربيع الشامي، عن أبي عبدالله عليه السلام، عن أبي جعفر عليه السلام: «إن كنت تعرف منه شيئاً معزولا تعرف أهله و تعرف أنّه ربا، فخذ رأس مالك ودع ما سواه».(4)
فمقتضى الجمع بينهما هو حمل الأخبار الدالّة على اعتبار المثلية على أنها في مقام بيان مورد الربا المحرّم و فساد المجموع بما هو مجموع، لا في مقام بيان فساد أصل المعاملة.
و مع دلالة الأخبار على صحّة الأصل، لاوقع لما استشكل فيه من جهة القواعد، مع أنّه لايخلو عن الإشكال، فلا تغفل.
ومنها دعوى الإجماع على الفساد، قال في مفتاح الكرامة: «وليعلم أنّ الظاهر أنّ التحريم عند الأصحاب هو المعاملة و ما يحصل بها، فما يأخذه من الغريم من رأس المال و
**
(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 88:2-93، الباب 33 في ذكر ما كتب به الرضا عليه السلام إلى محمّد ابن سنان.
(2) و في التهذيب «حلالا».
(3) الكافي 145:5.
(4) المصدر السابق: 146.
الزيادة حرام، و كذا ما يعطيه، كما تدلّ عليه الأدلّة; قال في مجمع البيان: معنى (وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) : أحلّ الله البيع الذي لاربا فيه و حرّم البيع الذي فيه الربا».(1)
وقال في الجواهر: «لايخفى أنّ ظاهر الأصحاب بل و جملة من النصوص تحريم نفس المعاملة وما يحصل بها، فما يأخذه من الغريم من رأس المال و الزيادة حرام، و كذا ما يعطيه».(2)
و قال السيد في الملحقات فيما إذا كانت الزيادة شرطاً فحاله حال الجزء: «و ظاهر كلمات العلماء أيضاً بطلانها مطلقاً».(3)
ويمكن أن يقال:
أوّلا: إنّ الإجماع غير ثابت; لقوّة احتمال مرادهم من حرمة المعاملة الربوية هو حرمة المجموع لاحرمة الأصل، و يشهد له ما في نهاية الشيخ (قدس سره) حيث قال: «و متى علم أنّ ذلك حرام ثمّ استعمله فكل ما يحصل له من ذلك محرّم عليه، و يجب عليه ردّه على صاحبه»;(4) إذ تخصيص الحرمة و وجوب الردّ بما يحصل له من المعاملة الربوية دون الأصل يشهد على أنّ المعاملة بالنسبة إليه ليست بفاسدة; و إلاّ لزم عليه ردّه و مطالبة مقابله مما أعطاه».
و نحوه ما في السرائر حيث قال: «فيجب على الإنسان معرفته ليتجنبه و يتنزه عنه، فمن ارتكب الربا بجهالة و لم يعلم أنّ ذلك محظور فليستغفر الله تعالى في المستقبل و يتوب إليه، و قد تاب الله عليه فيما مضى، و من علم أنّ ذلك حرام ثمّ استعمله; فكل ما يحصل له من ذلك محرّم عليه و يجب ردّه على صاحبه».(5)
**
(1) مفتاح الكرامة 504:4.
(2) جواهر الكلام 334:23.
(3) الملحقات 7:2.
(4) سلسلة الينابيع الفقهية 82:13.
(5) المصدر السابق 297:14.
وثانياً: إنّ الإجماع على تقدير ثبوته لايفيد مع احتمال أن يكون مستندهم هو ما عرفت من الوجوه السابقة، فلا تغفل.
و ينقدح ممّا مرّ حكم ما إذا اشترطت الزيادة العينية في المعاملة; فإنّمقتضى ما عرفت هو صحّة أصل المعاملة; لعدم تمامية ما استدلوا به للبطلان، و عليه فاشتراط الزيادة العينية محكومة بالحرمة و الفساد دون أصل المعاملة، بناء على ما مرّ من إلحاقها بزيادة الجزء.
و أمّا ما في الملحقات من أنّ «شرط الزيادة في أحد العوضين موجب لعدم صدق المماثلة المشترطة في صحّة المعاملة، والشرط الفاسد إنّما لايفسد إذا لم يكن موجباً لفقد شرط في أصل المعاملة أو إحداث مانع فيها; و إلاّ فيكون مفسداً كما في الشرط الذي يوجب الجهالة أو الغرر»،(1) فقد عرفت ما فيه من أنّ الأخبار الدالّة على اعتبار المماثلة لاتكون في مقام بيان فساد أصل المعاملة بل تكون في صدد تبيين مورد الربا عن غيره أو وحدة بعض الأجناس مع البعض. و عليه فالشرط المذكور و إن أوجب عدم المماثلة في المعاملة و صار سبباً للحرمة و بطلان المجموع بما هو مجموع، ولكن لايلزم من ذلك بطلان أصل المعاملة أو إحداث مانع فيه حتى يكون مفسداً.
هذا مضافاً إلى ما في جامع المدارك من أنّ «الظاهر من دليل اعتبار المماثلة مماثلة مدخول الباء في قول البائع: «بعت هذا بهذا»، و الشرط لايكون مدخول الباء، و مع الشك المرجع عمومات أدلّة البيع»،(2) فتأمل.
**
(1) الملحقات 7:2.
(2) جامع المدارك 239:3.
لايقال: إنّ النهي و إن كان متوجهاً إلى الزيادة ولكن يسري منها إلى أصل المعاملة عرفاً، كما إذا قيل: «بعتك هذا بذا بشرط أن تشرب الخمر» فإنّه يفهم منه عرفاً حرمة البيع أيضاً.
لأنّا نقول - كما أفاد السيد (قدس سره) -: «على فرض تسليم ذلك لايخفى عليك أنّ النهي حينئذ ليس متعلقاً بذات المعاملة من حيث هي، بل متعلق بها لأمر خارج عنها و هو اشتمالها على الشرط، و هو لايدلّ على الفساد».(1)
هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب صحّة أصل المعاملة، ولكن مقتضى الاحتياط هو عدم العدول عمّا نسب إلى الأصحاب من بطلان المعاملة مطلقاً، و إن أمكن الإشكال في نسبة بطلان أصل المعاملة إليهم; لذهابهم إلى كفاية ردّ الزيادة من غير فرق بين البيع ونحوه و بين القرض، و لابين صورة وجود المال و بين تلفه، بل عن بعضهم نفي الخلاف فيه، و عن المقداد و الكركي الإجماع عليه، و هذا لايساعد مع القول بالبطلان; و إلاّ لحكموا بوجوب ردّ الأصل أيضاً، فتأمل.
ذهب صاحب الجواهر في كتاب القرض إلى فساد أصل القرض أيضاً، و استدلّ له بأخبار تدلّ على عدم جواز شرط النفع:
«منها - موثقة إسحاق بن عمار: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضاً فيعطيه شيئاً من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه، فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه؟ قال: «لابأس بذلك ما لم يكن شرطاً».(2)
**
(1) الملحقات 7:2-8.
(2) وسائل الشيعة 104:13، الباب 19 من أبواب الدين و القرض، ح 3.
وصحيحة الحلبي: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عدداً ثمّ يعطي سوداً وزناً و قد عرف أنها أثقل مما أخذ و تطيب نفسه أن يجعل له فضلها؟ فقال: «لابأس إذا لم يكن فيه شرط...».(1)
و صحيحة الحلبي: «إذا أقرضت الدراهم ثمّ جاءك بخير منها فلا بأس إذالم يكن بينكما شرط».(2)
وخبر خالد بن الحجاج: سألته عن رجل كانت لي عليه مئة درهم عدداً فقضاها مئة وزناً؟ قال: «لابأس ما لم يشترط». - قال: - و قال: «جاء الربا من قبل الشروط، إنّما يفسده الشروط».(3)
ثمّ استظهر منها فساد القرض بهذا الشرط لا أنّ الشرط يفسد خاصّة، و لعلّ وجه الاستظهار هو أنّ مفهوم هذه الروايات هو وجود المنع و البأس في نفس القرض عند الشرط، و مقتضاه هو فساد القرض و الشرط.
وكيف كان ثمّ قال: «فيكون الشرط في صحّة القرض عدم هذا الشرط، كما هو ظاهر صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام: «من أقرض رجلا ورقاً فلا يشترط إلاّ مثلها، فإن جوزي أجود منها فليقبل. و لايأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه»;(4) ضرورة ظهور النهي فيه في الشرطية كما في نظائره.
مضافاً إلى النبوي: «كلّ قرض يجر منفعة فهو حرام» المراد منه - بقرينة غيره - صورة الشرط المنجبر بكلام الأصحاب، بل قيل: إنّه إجماع، بل في المختلف الإجماع على أنّه إذا
**
(1) جامع الأحاديث 153:18، الباب 11 من أبواب الربا، ح 2.
(2) وسائل الشيعة 108:13، الباب 2 من أبواب الدين والقرض، ح 1.
(3) الكافي 244:5، باب الصرف، ح 1.
(4) تهذيب الأحكام 203:6.
أقرضه و شرَط عليه أن يردّ خيراً مما اقترض كان حراماً و بطل القرض. فحرمة القرض منه حينئذ ظاهرة في فساده و أنّه لم يفد الملك، فيحرم على المستقرض التصرف فيه، و هو مضمون عليه; لكونه مقبوضاً على ذلك، و لأنّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».(1)
حاصله: أنّ المستفاد من الأخبار هو اشتراط عدم الشرط في صحّة القرض و المنع عن صورة الشرط، و مقتضاه هو الفساد. ثمّ إنّ المراد من القرينة التي توجب حمل النبوي صلى الله عليه وآله على صورة الشرط هي الروايات الدالّة على أنّ خير القرض ما جرّ منفعة كما سيأتي.
وأورد عليه في جامع المدارك بأنّ: «الأخبار السابقة عدا صحيح محمّد بن قيس لايستفاد منها إلاّ ثبوت البأس مع الشرط و تحقق الربا، و الربا هو الزيادة على العوض الأعم من المثل و القيمة، و لايستفاد منها فساد القرض.
و أمّا صحيح محمّد بن قيس فيشكل استظهار حرمة القرض منه; من جهة الفرق بين هذا الشرط المذكور و سائر الشروط المذكورة في المعاملات كشرط عدم الغرر و غيره; حيث إنّ سائر الشروط لاأثر لها إلاّ صحّة المعاملة معها و عدم الصحّة مع انتفائها.
و أمّا اشتراط الزيادة فالظاهر حرمته مع قطع النظر عن اشتراط صحّة القرض بعدمه، نظير حرمة الكتابة و الشهادة في الربا».(2)
هذا مضافاً إلى شهادة ذيل صحيحة محمّد بن قيس على أنّ المقصود من اعتبار عدم الشرط الزائد لعدم الابتلاء بالزائد الحرام من ركوب دابّة أو عارية متاع، لالاعتباره في صحّة أصل القرض، كما أنّ ثبوت البأس في الأخبار الاُخر في القرض مع الشرط لوجود شرط المنفعة و الربا لانفس القرض، فإنّهما راجعان إلى الشرط و الزيادة، و هو لايوجب فساد أصل القرض.
ولعله لذلك قال في الملحقات: «يمكن أن يقال بعدم البطلان... فإنّ النهي فيه متعلق
**
(1) جواهر الكلام 5:25-7.
(2) جامع المدارك 329:3.
بخصوص الزيادة، و لاينفع سرايته إلى أصل القرض، و على فرض تسليمه فلا يدلّ على بطلان أصل القرض، فيشكل الحكم بفساده و إن حكي عن المختلف الإجماع على فساده لكنه غير باتّ، و لذا اختار صاحب الجواهر عدم البطلان هنا، و إن اختار البطلان في باب القرض».(1)
نعم، ظاهر النبوي صلى الله عليه وآله: «كلّ قرض يجرّ منفعة فهو حرام» - بعد حمله على صورة الشرط - حرمة أصل القرض، بل ربما يروى «كل قرض يجرّ منفعة فهو فاسد» لكنه - كما في الحدائق - ليس من طرقنا.
بل يظهر من بعض الأخبار إنكاره، كما في صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل يستقرض من الرجل قرضاً و يعطيه الرهن إمّا خادماً و إمّا آنية و إمّا ثياباً، فيحتاج إلى شيء من منفعته، فيستأذنه فيه فيأذن له؟ قال: «إذا طابت نفسه فلا بأس». قلت: إنّ من عندنا يروون أنّ كل قرض يجر منفعة فهو فاسد!؟ قال: «أوليس خير القرض ما جرّ منفعة؟!».(2)
و في خبر بشر بن سلمة عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «خير القرض ما جرّ المنفعة».(3)
و في خبر محمّد بن عبده قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن القرض يجر المنفعة؟ قال: «خير القرض الذي يجرّ المنفعة».(4)
فالخبر المذكور مورد للإنكار، و معه لادليل على بطلان أصل القرض.
**
(1) الملحقات 8:2.
(2) تهذيب الأحكام 201:6-202، ح 52.
(3) المصدر السابق: 197، ح 435.
(4) المصدر السابق: 202، ح 453.
و أمّا الاستدلال بذيل رواية خالد: «إنّما يفسده الشروط» بدعوى دلالتها على فساد القرض، ففيه:
أوّلا: أنّها ضعيفة.
وثانياً: أنّ الضمير راجع إلى الربا لاالقرض.
فالمسألة مبتنية على كون الشرط الفاسد مفسداً، و هو ممنوع كما قرر في محلّه.
لايقال: إنّ النبوي المذكور منجبر بعمل الأصحاب، و المراد منه هو صورة الاشتراط بقرينة الروايات الاُخرى الدالّة على أنّ خير القرض ما جرّ المنفعة، و عليه فيكفي الخبر المزبور لفساد القرض; لدلالته على حرمة نفس القرض.
لأنّا نقول:
أوّلا: لم يثبت الإجماع.
وثانياً: لم يحرز استنادهم إلى النبوي المذكور، فتدبر جيداً.
و ليس القرض من المعاوضات الجعلية، و إن كان هو تمليك عين بالتغريم، فلا يمكن الاستدلال لفساد القرض بأدلّة اعتبار المماثلة في المعاوضات بناء على تمامية دلالتها، كما لاتجري فيه الوجوه الاُخرى المذكورة في البيع و غيره من المعاملات.
هذا مضافاً إلى أنّ القرض أعم موضوعاً من البيع و المعاملة; لعدم اختصاص حرمة الزيادة في القرض بالمتجانسين، فالدليل على الأخص - على فرض تماميته - لايكفي للأعم.
و ربما يستدل بموثقة محمّد بن مسلم على صحّة العقد القرضي مع بطلان الشرط للزيادة فقط، و هي مارواها الصدوق (رحمه الله); بإسناده عن أبان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يكون عليه دين إلى أجل مسمّى فيأتيه غريمه فيقول: أنقِدني مِن الذي لي كذا وكذا و أضع لك بقيّته، أو يقول: أنقدني بعضاً و أمدّ لك في الأجل فيما بقي؟ فقال: «لاأرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً، يقول الله عزّوجلّ: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ
لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ)» .(1) فالإمام عليه السلام يقول: لاأرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً، فكانت الزيادة على رأس المال هي التي فيها بأس، فيكون القرض الذي هو تمليك في مقابل الضمان على حاله.(2)
لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ)» .(1) فالإمام عليه السلام يقول: لاأرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً، فكانت الزيادة على رأس المال هي التي فيها بأس، فيكون القرض الذي هو تمليك في مقابل الضمان على حاله.(2)
ولكن لقائل أن يقول: لافرق بينه و بين سائر الأخبار في عدم الدلالة على الصحة; فإنّ غايته وجود البأس مع الزيادة، فيجيء فيه البحث أنّ البأس مختص بنفس الزيادة أو يعمّ الأصل أيضاً؟ فلا دلالة للرواية على الصحة.
فالأظهر أنّ أصل القرض ليس بفاسد; لعدم دليل على فساده بالخصوص، و الشرط الفاسد لايفسد العقد ما لم يوجب خللا فيه، و المفروض أنّ الربا لايوجب خللا في نفس القرض.
و مما ذكر يظهر أنّه يجوز أخذ القرض ممن لايقرض إلاّ بالربا مع عدم قصد الربا; فإنّ أخذ القرض حينئذ ليس بربوي; لعدم القصد و إن قصده المقرض.
لايقال: إنّه مع عدم قصد الزيادة لايكون القرض مقصوداً.
فإنّه يقال: إنّ المفروض في القرض الربوي وجود التزامين: أحدهما: الالتزام بأداء شيء بضمان مثله أو قيمته، و ثانيهما: الالتزام بأداء الزيادة، فمع عدم القصد يختل الالتزام الثاني لاالالتزام الأوّل.
ثمّ إنّ الزيادة تردّ إلى مالكها، و لايجب أداؤها لو لم يؤدِّها، و لافرق في ذلك بين الأشخاص الحقيقيين أو الحقوقيين حتى الزيادة المأخوذة من قِبل الدولة في زمان النظام الحاكم قَبل انتصار الثورة و قيام الجمهورية الإسلامية. فانّه يجب على الدولة إرجاعها إلى ملاّكها.
**
(1) وسائل الشيعة 120:13، الباب 32 من الدين والقرض، ح 1.
(2) انظر: الربا فقهياً و اقتصادياً: 110.
إلاّ أن يقال: إنّه في حالة كون دفع الزيادات المأخوذة قبل انتصار الثورة يهدّد كيان الجمهورية الإسلامية; لكثرتها حيث إنّها تشكّل مبالغ كبيرة و في هذه الصورة لايجب على الدولة الفعلية ذلك. نعم لو أمكن دفعها تدريجياً بنحو من الأنحاء وجب ذلك، قال في الجواهر: «لاريب في أنّ مقتضى ما دلّ على حرمة الربا و فساد المعاملة المشتملة عليه وجوب ردّ الزيادة خاصة المأخوذة بالقرض و نحوه; ضرورة بقائها على ملك المالك معيّنة أو مشاعة، فحكمها حكم غيرها من الاُمور التي للغير في الرد و الصدقة و نحوهما من مسائل الاشتباه للمال و الصاحب أو لهما مما هو مقرر في كتاب الخمس و غيره من محالّه، من غير فرق في ذلك بين العلم والجهل.
و أمّا لو كان الربا في عقد المعاوضة فالمتجه حينئذ فساد المعاملة، فيبقى كل من العوضين على ملك صاحبه لاالزيادة خاصة; إذ الفرق بينه و بين القرض واضح».(1)
و قد اتّضح من خلال البحث عدم بطلان أصل المعاملة و إن كان الأحوط هو فساد الأصل في الربا المعاملي.
هذا تمام الكلام في الصحّة و الفساد بالنسبة إلى أصل المعاملة أو أصل القرض، و الله العالم.
**
(1) جواهر الكلام 397:23.
نسب الى المشهور أنهم ذهبوا الى الثاني و استدلوا له بوجوه:
منها: إطلاق ما دلّ على حرمته من الكتاب و السنة; إذ الربا هو الزيادة و هي صادقة على الزيادة، سواء كانت في البيع أو غيره، و مقتضى النهي في المعاملات هو الارشاد الى الفساد.
و يشكل ذلك كما في جامع المدارك بأنّ الربا بمعناه اللغوي - أعني الزيادة - غير مراد و إلاّ لزم شموله للزيادة مع اختلاف الجنس.
و دعوى الشمول و الخروج بالدليل كماترى; للزوم تخصيص الأكثر، و بعد عدم إرادة المعنى اللغوي فلايبعد أن يكون محمولاً على ما هو الشائع بين الناس من الربا في البيع و القرض و يكفي عدم العموم.(1)
و يمكن الجواب عنه بأن شيوع خصوص البيع أو القرض ممنوع، و على فرض التسليم ليس في حدّ يوجب الإنصراف; لأن الغلبة الخارجية لاتوجب الإنصراف، و عليه فلاموجب لتخصيص الزيادة بخصوص الزيادة في القرض أو في البيع، بل يشمل كل زيادة في كل معاملة; لصدق الربا عليها عرفاً و لو في غير البيع، كالصلح و التقبيل و تمديد الأجل مع الزيادة، مع أن هذه الاُمور ليست ببيع و لاقرض كما لايخفى.
و القول بأن الربا عرّف بأنه البيع الذي يشتمل على الزيادة و مقتضاه هو اختصاصه بالبيع فلايعم غيره من المعاملات، مندفع بما مرّ من أنه لاشاهد عليه.
و دعوى تخصيص الأكثر بإخراج الزيادة مع اختلاف الجنس أو مع كونه غير مكيل و موزون أو مع النسّية ممنوعة، فانّ العناوين الباقية أكثر من الخارجة و هي الزيادة مع وحدة
**
(1) جامع المدارك 241/3.
الجنس في البيع أو في الصلح أو في القرض سواء كان الجنس واحداً أو لم يكن و سواءٌ كان في تمديد الأجل مع الزيادة أو في التقبيل أو التعاوض من غير تعيين للبايع والمشتري، كما إذا قالا تبادلنا و غير ذلك من الموارد فالأولى هو حمل الربا في الآية الكريمة على الأعم، و هو ما يصدق عليه الربا عرفاً، و قد مال إليه المحقق الأردبيلي و كيف كان فصحيحة يعقوب بن شعيب تشهد على أعمية الربا، حيث قال في تعريف الربا المحرم: و أما الذي لايؤكل فهو أن يدفع الرجل الى الرجل عشرة دراهم على أن يردّ عليه أكثر منها، فهذا الربا الذي نهى الله عنه.(1)
ومنها: الأخبار الدالة على اشتراط المثلية في المعاملة مع اتحاد الجنس، كقول أبي عبدالله عليه السلام في صحيحة الحلبي: الفضة بالفضة مثلاً بمثل ليس فيها زيادة و لانقصان الزائد و المستزيد في النار.(2)
قال في مجمع الفائدة: و هذه أوضح دلالة و سنداً.(3) و لعل وجه الأوضحية ان الرواية دلّت في المتجانسين بأن تبادلهما بأي صورة كانت يلزم أن يكون بنحو لايوجب الزيادة و النقصان.
و كقول أبي عبدالله عليه السلام في صحيحة أبي بصير: الحنطة و الشعير رأساً برأس لايزاد واحد منهما على الآخر(4) و لعل حذف نوع المعاملة يدلّ على العموم.
والمراد في قوله: رأساً برأس هو بيان لزوم المماثلة، و أما نوع المعاملة فهو غير مذكور في الرواية.
**
(1) الفقيه / 386.
(2) جامع الأحاديث 170/18 الباب 2 من أبواب الصرف ح 4.
(3) مجمع الفائدة 457/8.
(4) جامع الأحاديث 147/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 4.
و كقول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة: الحنطة بالدقيق مثلاً بمثل و السويق بالسويق مثلاً بمثل و الشعير بالحنطة مثلاً بمثل لابأس به.(1) و هذه الرواية متعرضة للمتجانسين كالسويق بالسويق و ما يكون بمنزلتهما كالحنطة و الدقيق.
و كقول أبي عبدالله عليه السلام في موثقة عبدالرحمان بن أبي عبدالله في جواب السؤال أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟: «لايجوز إلاّ مثلاً بمثل» ثم قال: إنّ الشعير من الحنطة».(2)
استدل بها في الجواهر حيث قال: إنها ظاهرة - بسبب الإطلاق أو ترك الاستفصال - في حصول الربا بالزيادة في مطلق المعاوضة، المعتضدة مع ذلك كله باالاحتياط.(3)
و قال في مجمع الفائدة - بعد نقل جملة من الأخبار المذكورة: و بالجملة أمثال ذلك كثيرة و إن لم يكن نصاً في جميع المعاملات ولكن ظاهر فيها.(4)
وقال في الملحقات: إنّ الأخبار المذكورة مطلقة و لاتخصيص فيها بالبيع، و دعوى الإنصراف إليه - لغلبته - ممنوعة.(5)
أورد عليه في جامع المدارك بان المذكور في غالبها باء المقابلة الظاهرة في خصوص البيع مع تجرد المعوض عن لفظ «على» و «عن» ففي الصلح يدخل الباء على المصالح به لكن لايجرّد المصالح عنه عن حرف الجرّ.(6)
مراده من عدم تجرّد المصالح عنه من حرف الجرّ: انّ الصلح هو التسالم على أمر من تمليك
**
(1) جامع الأحاديث 149/18 الباب 7 من أبواب الربا ح 3.
(2) جامع الأحاديث 147/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 2.
(3) الجواهر 337/23.
(4) مجمع الفائدة 457/8.
(5) الملحقات 9/2.
(6) جامع المدارك 241/3.
عين أو منفعة أو اسقاط دين أو حق او غير ذلك بعوض أو بلاعوض، و من المعلوم ان الصلح والتسالم يتعدى بلفظ «عن» أو لفظ «على» كما لايخفى.
ويمكن أن يقال: أوّلاً انّ وجود باء المقابلة في عدة من الأخبار لاينافي إطلاق سائر الأخبار: لأن الأخبار التي ذكر فيها لفظ الباء تكون سؤالاً عن مورد البيع أو تكون متعرضة لحال البيع لالتخصيص الربابه إذ المفروض أنها غير مقرونة بقرائن الحصر، و عليه فلا وجه لمنع حرمة الزيادة في غير البيع مع وجود مطلقات اُخر تدل عليها، كصحيحة أبي بصير: الحنطة و الشعير رأساً برأس لايزاد واحد منهما على الآخر، إذ لايختص ذلك بالبيع بعد خلوه عن باء المقابلة.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن الخبر في مقام بيان اتحاد جنس الحنطة مع الشعير، لافي مقام بيان ان المحرِّم من الزيادة هل هو ما كان في ضمن البيع أو ضمن مطلق المعاملة، فتأمّل لإمكان أن يقال إن السؤال عن أمرين: أحدهما: هو اتحادهما و عدمه. وثانيهما: تعيين نوع المعاملة المحرمة.
و كصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام، حيث أن الإمام بعد أن منع عن معاملة التمر اليابس بالرطب والشعير بالحنطة مع الزيادة و جوّز ذلك مع اختلاف الأجناس قال: إذا اختلف هذا و الفاكهة اليابسة فهو حسن، و هو يجري في الطعام و الفاكهة مجرى واحداً، و قال: لابأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيل أو وزن;(1) إذ مفهومها هو ثبوت البأس في مطلق المعاوضة إذا كان موردها مكيلاً أو موزوناً، اللّهمّ إلا أن يقال إن باء المقابلة في الصدر قرينة على أن المراد بالمعاوضة هو البيع، ولكن يمكن الجواب عنه بأن القدر المتيقن في مقام التخاطب لايكون قرينة على اختصاص المطلق به، هذا مضافاً الى أنّ من الممكن أن يكون القول الأخير من الإمام لعلّه كان منفصلاً عن الصدر فتأمل.
**
(1) جامع الأحاديث 148/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 6.
و كخبر عثمان بن عيسى عن سماعة المروي في الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال سألته عن الحنطة و الشعير فقال: إذا كانا سواء فلا بأس. قال: وسألته عن الحنطة و الدقيق، فقال: إذا كانا سواء فلا بأس.(1)
و الخبر مرمي بالضعف; لما روى فى عثمان بن عيسى من انحرافه عن الحق بعدم اعترافه بإمامة عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) و قد استحل أموال الإمام عليه السلام ولم يدفعها إليه، و القول بأنه تاب وردّ الأموال بعد ذلك في آخر عمره غير ثابت; لأن ناقله هو نصر بن الصباح و لاوقع بنقله.
إلاّ أنه يكفي في اثبات و ثاقته ما حكي عن الشيخ الطوسي في العدة من أن الأصحاب يعملون بأخباره، و يؤيده نقل أجلّة الثقات عنه، فانهم قد أكثروا من الرواية عنه مثل الحسين بن سعيد و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و أحمد بن محمد بن خالد و أبوه محمد بن خالد و محمد بن عيسى بن عبيد و غيرهم من الأعاظم.
و يويده أيضاً عدم نقل تأمل أحد من فقهائنا السابقين في رواية من رواياته في موضع من المواضع بسبب نقله، بل و ربما يتأملون من غير جهته، مع أنه لو لم يكن صحيح الحديث كان التأمل من جهته أولى (كما في منتهى المقال / 200 و بهجة الآمال 337/5) كما يؤيده أيضاً ما في الكشي من أنه كان يروي عن أبي حمزة الثمالي و لايتّهمون عثمان بن عيسى.(2)
هذا مضافاً الى انّ نصر بن الصباح قد روى توبته و قال: إن عثمان بن عيسى كان واقفياً و كان وكيل أبي الحسن موسى عليه السلام و في يده مال فسخط عليه الرضا عليه السلام ثم تاب عثمان و بعث المال إليه. و القول بأنه لايعبأ بالرواية، لأن ناقلها نصر بن الصباح غير سديد بعد ما حكى
**
(1) جامع الأحاديث 148/18 الباب 6 من أبواب الربا ح 8.
(2) الكشي / 499.
في منتهى المقال و بهجة الآمال اعتماد الكشي و غيره عليه في هذا النقل، بل قال في النهجة: هو معتمد عليه في تراجم كثيرة لاتعد و لاتحصى، هذا مع أن حمدويه أيضاً نقل التوبة عن محمد بن عيسى و إنّ عثمان بن عيسى رأى في منامه أنه يموت بالحير(1) و يدفن بالحير فرفض الكوفة و منزله و خرج الى الحير و ابناه معه فقال: لاابرح حتى يمضي الله مقاديره و أقام يعبد ربّه عزّوجلّ حتى مات و دفن فيه و صرف ابناه الى الكوفة.(2) فتأمل.
هذا كلّه مع انّ البعض عدّوه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم مكان فضالة بن أيوب، و هذا دليل على معلومية و ثاقته، و إلاّ فلا مجال لتلك الدعوى كما لايخفى.
فالأرجح هو وثاقة عثمان بن عيسى و ان كان واقفياً و خاطئاً في وقفه و روي فيه أيضاً ما يدلّ على وقفه; إذ مجرد الوقف لايلزم عدم التوثيق في الرواية.
و ما ذكرناه في وجه و ثاقة عثمان بن عيسى أولى مما في معجم الرجال حيث قال - بعدما قيل فيه من وجوه الضعف - ولكنه مع ذلك كان ثقة بشهادة ابن قولويه و الشيخ وعلي بن إبراهيم و ابن شهرآشوب المؤيدة بنقل بعضهم انه من أصحاب الإجماع(3) و ذلك لما حكي عنه من عدوله عن افادة نقل ابن قولويه التوثيق العام، و لما قيل في تفسير علي بن إبراهيم من أنه مختلط مع ما راوه أبوالجارود و هو ضعيف.
و كيف كان فالرواية تامة من جهة السند و إنّما الاشكال في أنها هل تدل على مطلق المعاملات و المعاوضات أو لاتدل، بدعوى أنها في مقام بيان اتحاد الحنطة و الشعير أو الحنطة و الدقيق لافي مقام بيان أن المحرم في ضمن معاملة البيع أو في مطلق المعاملة، و عليه فلا يكون من المطلقات فتأمل.
**
(1) الحير بفتح الحاء وسكون الياء: البستان.
(2) بهجة الآمال 334/5 و 337.
(3) معجم الرجال 120/11.
وثانياً: انه يمكن أن يمنع ظهور الباء في خصوص إرادة البيع; لصحة ذلك التعبير عند التبادل و التعاوض و عند التقبيل و عند تعويض شيء بشيء و نحوه مما لايُقصد به البيع، فقوله عليه السلام - في صحيحة زرارة - فالسويق بالسويق مثلاً بمثل، و هكذا قوله عليه السلام: الفضة بالفضة مثلاً بمثل ليس فيها زيادة و لانقصان لايختص بالبيع و إن لم يشمل الصلح، ولكن بعد شموله سائر الأنواع فهو أيضاً يلحق بها من جهة عدم الخصوصية.
وثالثاً: لو سلمنا أن التعبير بالباء ظاهر في خصوص إرادة البيع فغير خفي أنه يكون كذلك في مقام الإنشاء؟ لافي مقام الحكاية، فان في مقام حكاية حكم المعاملات اخبر عن اللب و الواقع و من المعلوم ان المعاوضة بحسب الواقع سواء كانت صلحاً أو بيعاً أو غيرهما تقع بين شيء و شيء وان كانت صور التعبير مختلفة، و الرواية ليست في مقام إنشاء المعاملة، بل هي في مقام بيان حكم المعاملات بحسب الواقع.
قال شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره): و الأقرب جريان الربا في سائر المعاوضات، بدليل ان ما ذكره من أن المبادلة في الصلح و غيره ليست بين العينين، بخلافها في البيع و إن كان حقاً في نفسه، و هو الفارق بينها و بين البيع و غيره شرعاً و عرفاً، و لهذا لو علّق على عنوان البيع حكم لايسري الى الصلح، كما أنّه لو علق على عنوان الصلح لايسري الى البيع، لكن هذا الفرق إنّما هو في عالم الإنشاء و الاعتبار.
و أما في عالم اللب و الغرض فبين الأمرين قدر جامع هو: أن المالين قد تبادلا و ذهب كلٌ الى مكان الآخر، ألاترى أن في الصلح لو لم تكن قيمة الدار مئة تومان لما يقدم على صلحها بها كما لايقدم على بيعها بها أيضاً.
و الحاصل أنه يصدق في كل من المقامين أنه أعطى مالاً وأخذ مكانه مالاً و إن كان الإنشاء في كل منهما بصورة.
ألا ترى أنه لو صرّح بكون المقابلة بين الإعطاء و بين المال، كما لو قال: أعطيت هذا و
أعطاني في مقابل ذاك تصدق المقابلة بين الشيئين، كما لو قال: بعتك هذا بذاك بلا فرق. بل نقول في مقام الإنشاء أيضاً تصدق المقابلة بين المالين، فإنه و إن جعل الشيء الثاني عوضاً للصلح لكن لاللصلح المطلق. بل لصلح خصوص الدار بحيث لو تغير المتعلق لخرج عن طرفية المقابلة، فلخصوص الدار مدخل في أحد طرفي المقابلة، فبهذا الاعتبار يصحّ بالدقة أيضاً أن يقال: المقابلة بين هذا المال و ذاك المال، فتدبر.(1)
و لعلّ وجه التدبر هو إمكان المناقشه من جهة صدق المقابلة بين المالين في مقام الإنشاء، مع أن في طرف مالاً و في آخر التسالم و المصالحة على تمليك أو اسقاط أو إبراء بالنسبة الى عين أو حق، و مجرد مدخلية متعلق الصلح لايوجب صدق المقابلة بين المالين في مقام الإنشاء. نعم تصدق المقابلة بحسب عالم اللب و الغرض، كما مرّ.
ومنها: بعض الأخبار الواردة في مقام تحديد الربا المحرم، كقول علي عليه السلام في صحيحة يعقوب بن شعيب: و الربا ربائان رباً يؤكل و رباً لايؤكل، فأما الذي يؤكل فهو هديتك الى الرجل تريد الثواب أفضل منها و ذلك قول الله عزّوجلّ (وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا...) .
و اما الذي لايؤكل فهو أن يدفع الرجل الى الرجل عشرة دراهم على أن يرد عليه أكثر منها، فهذا الربا الذي نهى الله عنه... الحديث.(2)
قال في مجمع الفائدة: و هذا كالصريح في أن الربا ليس بمخصوص بالبيع، بل و لابالدين أيضاً; لأن إعطاء غيره لأن يرد عليه الاكثر يشملهما و غيرهما.(3)
و لايصح حمل العبارة المذكورة على البيع خاصة مع أنها خالية عن باء المقابلة، بل هي تساعد البيع و الصلح و التعاوض و التبادل و التقبيل و نحوها مع كون الإمام عليه السلام في مقام تحديد الربا المحرم و تعريفه.
**
(1) المكاسب المحرمة لشيخنا الاستاذ (قدس سره)، 38-39.
(2) الفقيه 386 كتاب التجارة الباب 30 من أبواب اللقطة ح 41 الطبع القديم.
(3) مجمع الفائدة 454/8.
ومنها: الأخبار الخاصة الواردة في مورد بعض المعاملات، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يدفع الى الطحان الطعام فيقاطعه على أن يعطي لكل عشرة أرطال اثني عشر دقيقاً قال: لا. قلت: فالرجل يدفع السمسم الى العصّار يضمن له لكل صاع أرطالاً «مسمّاة» قال: لا.
و رواه الصدوق باسناده عن العلاء أنه قال: لكل عشرة امنان عشرة أمنان.(1) و المقاطعة ليست ببيع، و مع ذلك نفى الزيادة فيها.
قال في مجمع الفائدة: و هذه أوضح دلالة و لايضرّ الاضمار في سنده لما مرّ غير مرة.(2)
و لايخفى عليك ان الرواية غير مضمرة بحسب ما رواه في الكافي.
قال في الملحقات: بل قد يقال ان الخبر الأخير صريح في غير البيع.(3) و لعل مراده من قوله: قد يقال هو المحقق الأردبيلي، حيث قال: و بعضها (أي الأخبار) نصّ في دخول بعض المعاملات، مثل تقبيل الحنطة بالدقيق على الطحان و كذا السمسم على البزار على ما تقدم في الصحيح.(4) أو قول صاحب الرياض حيث قال: و بصريح الصحيح عن الرجل يدفع الى الطحان... الخ.
وقال في جامع المدارك: نعم الخبر الأخير لايبعد التمسك به ان تم من جهة السند.(5)
و لايذهب عليك أن السند لامناقشة فيه، إذ روى في الكافي عن محمد بن يحيى عن
**
(1) الوسائل 440/12 الباب 9 من أبواب الربا ح 3، الكافي 189/5.
(2) مجمع الفائدة 457/8.
(3) الملحقات 9/2.
(4) مجمع الفائدة 457/8.
(5) جامع المدارك 241/3.
أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن العلاء عن محمد بن مسلم، و هؤلاء كلهم من الثقات.
وقال في الحدائق: ظاهر صحيحة محمد بن مسلم المنع من تقبيل الحنطة على الطحان بالدقيق، و السمسم على البزار، و لهذا عدّ العلاّمة التقبيل من المحرمات و استدل بالرواية المذكورة.(1)
لاوجه لحمل المقاطعة على الإجارة، فانه لامانع من اجارة الطحان بشيء من الحنطة مع معلوميته، فلا وجه لنفي الجواز إن اُريد من المقاطعة الإجارة، فبقرينة نفي الجواز يحمل المقاطعة على التقبيل.
ثم إن الرواية و إن اختصت في مورد المقاطعة والتقبيل ولكنه لاخصوصية فيها فيمكن التعدي عن موردها.
وكصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: في الرجل يكون عليه دين الى أجل مسمّى فيأتيه غريمه فيقول: انقذني من الذي لي كذا و كذا وأضع لك بقيّته، أو يقول انقدني بعضاً و أمدّلك في الأجل فيما بقي. فقال: لاأرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً. يقول الله عزّوجلّ: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ) .(2)
و الظاهر من قوله: و أمدّلك في الأجل فيما بقي، في مقابل نقد البعض هو المصالحة، و لاوجه لحمله على البيع. لعدم كون طرفي المعاملة عينين و عليه قوله عليه السلام: لاأرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً، يفيد صحة الصلح المذكور لو لم يزد شيئاً و مفهومه هو عدم صحة الصلح عند الزيادة، و لعله لذلك وقال في الحدائق: إن فيه إشارة الى عدم جواز التأجيل بالزيادة على الحق و إن كان على سبيل الصلح فإنه رباً كما يشير إليه ذكر الآية.(3)
**
(1) الحدائق 148/5.
(2) الوسائل 120/13 الباب 32 من أبواب الدين ح 1.
(3) الحدائق 148/5.
و كموثقة عبدالله بن مسكان عن أبي عبدالله عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يكره أن يستبدل و سقين من تمر المدينة بوسق من تمر خيبر.(1) و الوسق ستون صاعاً، و قيل: حمل بعير.
و نحوها مؤثقة محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يكره وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، لأن تمر المدينة أجودهما.(2) و هو عكس ما سبق. و التعليل بأجودية تمر المدينة مربوط بالاستبدال، بمعنى ان أباجعفر عليه السلام كان يكره معاملة وسق من تمر المدينة في مقابل الوسقين من جهة كون تمر المدينة أجودهما و هكذا التعليل مربوط بالاستبدال في مؤثقة عبدالله بن سنان الآتية لاالكراهة.
و مثلها مؤثقة عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: كان عليّ عليه السلام يكره ان يستبدل وسقاً من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة; لأن تمر خيبر أجودهما.(3)
و هذه الأخبار تدل على كراهة عليّ عليه السلام الاستبدال الربوي، و هي بانضمام خبر سيف التمار الدالّ على أن علي ابن أبي طالب عليه السلام لم يكن يكره الحلال يدلّ على حرمة الاستبدال الربوي; لأن إدامة إظهار الكراهة بالنسبة الى الحلال لم تصدر منه عليه السلام فتحقق الإدامة المذكورة يشهد على أن المراد من الكراهة هو الحرمة. و إليك خبر سيف التمار:
روى في الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن سيف التمار قال: قلت لأبي بصير: اُحبّ أن تسأل أبا عبدالله عليه السلام عن رجل استبدل قوصرتين(4) فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها تمر مشقق، قال: فسأله أبو بصير عن ذلك فقال: هذا مكروه
**
(1) الوسائل 447/12 الباب 15 من أبواب الربا ح 1.
(2) المصدر السابق.
(3) الوسائل 447/12 الباب 15 من أبواب الربا ح 2.
(4) القوصرة: وعاء من قصب يرفع فيه التمر من البواري، و البسر اذا لوّن و لم ينضج و التمر اليابس من ثمر النخل.
فقال أبوبصير: ولِمَ يكره؟ فقال: إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يكره أن يستبدل وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر; لأن تمر المدينة أدونهما و لم يكن عليّ عليه السلام يكره الحلال.(1)
و استدل بهذه الأخبار في الجواهر(2) و تبعه في الملحقات.(3)
و لعل المراد من الأدون هو الأجود من باب التضاد، فانه قد يستعمل فيه، و عليه فهو يناسب كونه تعليلاً للاستبدال، كالروايات السابقة، ولكن الأولى أن يكون تعليلاً للكراهة، و المقصود من الأدونية هو: الأقلية لاالأخسّية في الكيفية، فيكون المعنى إن عليّاً عليه السلام كان يكره استبدال وسق مع وسقين، لكون الوسق أقلهما و لايكون مساوياً مع الوسقين.
و يمكن توثيق سيف التمار باعتبار نقل صفوان عنه، هذا مضافاً الى نقل بعض الأجلاء عنه، كحسن بن محبوب، و عليه فالرواية معتبرة وتصلح لتبيين معنى الكراهة في الأخبار المذكورة. فالرواية المذكورة تدل على حرمة الاستبدال و التبادل، و هو عنوان أعمّ من البيع كما لايخفى.
ومنها: التعليلات الواردة في وجه تحريم الربا في الأخبار، و إليك بعض هذه الأخبار:
روى الصدوق (قدس سره) بسند موثق عن هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبدالله عليه السلام عن علة تحريم الربا، فقال: إنه لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارات و ما يحتاجون إليه، فحرّم الله الربا لتنفرّ الناس من الحرام (عن الحرام خ ل علل) الى الحلال و الى التجارات من البيع و الشراء فيبقى (فتبقى - خ الفقيه) ذلك بينهم في القرض.(4)
و لايخفى عليك أن الظاهر من الرواية ان المراد من الربا المسؤول عنه هو الربا القرضي اذ
**
(1) الوسائل 447/12 الباب 15 من أبواب الربا ح 1.
(2) الجواهر 337/23.
(3) الملحقات 9/2.
(4) الوسائل 424/12 الباب 1 من أبواب الربا ح 8.
هو الذي يكون حليته ملازمة لترك التجارات، لاالربا المعاملي، إذ مع حلية الربا المعاملي شاعت التجارات، فافهم.
وقوله عليه السلام: من البيع و الشراء، من باب المثال لعنوان التجارات لااختصاصها به.
و روى في الكافي بسند معتبر عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبدالله عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إنىّ قد رأيت الله تعالى قد ذكر الربا في غير آية و كرّره، قال: أوتدري لِمَ ذاك؟
قلت: لاقال لئلاّ يمتنع الناس من اصطناع المعروف.(1)
قال في جامع الرواة: و المراد من أحمد بن أبي عبدالله هو أحمد بن محمد بن خالد البرقي، والمراد من المعروف - كما صرّح به في معتبرة ابن سنان - هو القرض.
و روى في الكافي أيضاً بسند موثق عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إنّما حرّم الله عزّوجلّ الربا لكي لايمتنع الناس من اصطناع المعروف.(2)
و روى الصدوق بسند موثق عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إنّما حرّم الله الربا لكي لايمتنعوا من صنائع المعروف.(3)
و روى أيضاً بإسناده عن محمد بن عطية عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنّما حرّم الله عزّوجلّ الربا لئلاّ يذهب المعروف.(4)
و روى أيضاً بسند معتبر (كما مرّ في ص 10 من هذه الرسالة) عن: محمد بن سنان أن عليّ
**
(1) الوسائل 423/12 الباب 1 من أبواب الربا ح 3.
(2) الوسائل 423/12 الباب 1 من أبواب الربا ح 4.
(3) الوسائل 424/12 الباب 1 من أبواب الربا ح 9.
(4) المصدر السابق ح 10.
بن موسى الرضا عليه السلام كتب إليه - فيما كتب من جواب مسائله - و علّة تحريم الربا إنّما نهي الله عزّوجلّ عنه، لما فيه من فساد الأموال، لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً و ثمن الأجر باطلاً فبيع الربا و شراؤه وكْس على كل حال على المشتري و على البائع، فحرّم الله عزّوجلّ على العباد الربا لعلّة فساد الأموال، الى أن قال: و علّة تحريم الربا بالنسية لعلّة ذهاب المعروف و تلف الأموال و رغبة الناس في الربح و تركهم القرض، و القرض صنائع المعروف و لما في ذلك من الفساد و الظلم و فناء الأموال.(1) هذا الخبر في مقام تبيين علّة مطلق الربا.
قال الأردبيلي بعد نقل بعض هذه الأخبار: و معلوم أنه إنما يلزم ذلك أن لو كان التحريم مخصوصاً بالبيع دون سائر المعاوضات لأخذ الزيادة، بتبديل صيغة «بعت» ب «صالحت» و نحو ذلك و هو ظاهر.(2)
وقال في الجواهر: و دعوى أن الربا هو البيع و القرض مع وصف الزيادة كما يومي إليه تعريف بعضهم له بذلك أو أنه الزيادة فيهما خاصة لغة أو شرعاً لاشاهد لها بل الشواهد جميعاً على خلافها حتى ما ورد في وجه تحريمه من تعطيل المعاش و اصطناع المعروف و نحوهما.(3)
لكن أورد على الاستدلال المذكور في مفتاح الكرامة: وأما ما ورد في علة تحريمه فهو لبيان الحكمة لاالعلّة، و إلاّ لحرمت الحيل التي ذكرها جلّ الفقهاء، و دلت عليه الأخبار، كما ستعرف إن شاء الله و تمام الكلام في الصلح.(4)
**
(1) الوسائل 425/12-426 الباب 1 من أبواب الربا ح 11.
(2) مجمع الفائدة 453/8.
(3) الجواهر 337/23. وجعل في الحدائق هذه الأخبار من المؤيدات. الحدائق 148/5.
(4) مفتاح الكرامة 504/4.
و لايخفى عليك إنّ هذه الاُمور و إن كانت حكمة الحكم و نكتة الحكم لاعلّته ولكن مع ذلك لاتساعد تحليل سائر المعاملات بمجرد تغيير العناوين و إلاّ لزم اللغوية و المناقضة في جعل حرمة الربا، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في بحث الحيل فتدبّر.
فتحصل من جميع ما ذكرناه إن الاظهر هو تعميم حرمة الربا لجميع المعاملات، ولكن ذهب في جامع المدارك الى أن أدلة الحرمة يعارضها بعض الأخبار، حيث قال: و في قبال ما ذكرخصوص الصحيح عن الصادق عليه السلام أنّه قال في رجلين كان لِكل واحد منهما طعام عند صاحبه، و لايدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي، فقال: لابأس بذلك إذا تراضيا وطابت انفسهما.(1)
و نحوهما الموثق، و لم يستفصل أن الرجلين قطعا باختلاف الطعامين قدراً أم لا، بل القطع العادي أو الاطمئنان حاصل باختلاف القدر و مع ذلك حكم بعدم البأس.
و لامجال للحمل على خصوص الابراء; لأن الإبراء في صورة كون الطعام في الذمة، و مورد السؤال ظاهر في كونه موجوداً عنده خارجاً(2) و لعلّ مراده من الموثق هو ما رواه الكليني مثله عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن محمد بن مسلم عن احدهما.(3)
ويمكن أن يقال أوّلاً: أن غايته أنه مطلق من جهة كون الطعام عند كل واحد مجانساً لما يكون عند الآخر أو غير مجانس، فيقيّد بالأخبار و الأدلة الدالة على حرمة مطلق المعاوضة في المتجانسين.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الطعام ظاهر في خصوص الحنطة كما حكي عن الصحاح و عن
**
(1) الوسائل 166/13 الباب 5 من أحكام الصلح ح 1.
(2) جامع المدارك 241/3.
(3) المصدر السابق.
الشيخ الطوسي في إعطاء الكفارة، حيث أوجب الحنطة و الدقيق(1) و يشهد له ما في أقرب الموارد من أن الطعام اسم لما يؤكل، كالشراب لما يشرب، جمعه أطعمة و جمع أطعمات، و قد غلب الطعام على البُرّ و منه: كنا نخرج صاعاً من طعام وصاعاً من شعير، و ربما أطلق على الحبوب كلها، و من موارد اطلاقه على المطاعم كلها، قوله تعالى: (كُلُّ اَلطَّعٰامِ كٰانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرٰائِيلَ إِلاّٰ مٰا حَرَّمَ إِسْرٰائِيلُ عَلىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ اَلتَّوْرٰاةُ) .(2) أي كل أنواع الطعام أو كل المطعومات.
وثانياً: إنه يمكن حمله على الهبتين المستقلتين و لامانع من الهبة في الأعيان، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ قول كل واحد لصاحبه: لك ما عندك مع ضميمة ولي ما عندي، ظاهر في الهبة المعوضة.
وثالثاً: إنه لاقطع باختلاف الطعامين قدراً، و معه يكون المورد المذكور من الشبهات المصداقية للتزايد. فلا مجال للتمسك بأدلة نفوذ المعاملات كقوله عليه السلام: الصلح جائز وغيره من أدلة النفوذ، كما لايجوز التمسك بالأدلة الدالة على تحريم الربا.
و عليه فالرواية تدل على حكم ظاهري في مورد الشك في الربا بجواز الصلح و نحوه، فهذه الرواية لاتعارض الأدلة الدالة على حرمة الربا في مطلق المعاوضات.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ ترك الاستفصال يكفي لشمول صورة القطع باختلاف الطعامين، و معه يعلم بوجود الربا بينهما و ان شك في مقدار الاختلاف، و مع العلم بوجود الربا لايكون المورد من الشبهات المصداقية كما لايخفى.
ولكن غايته ان الرواية باطلاقها تدل على جواز الصلح و نحوه في مورد يعلم بوجود الاختلاف بين المتجانسين، و مقتضى الجمع بين هذه الرواية و الأدلة الدالة على حرمة
**
(1) جامع المدارك 26/5.
(2) آل عمران / 94.
مطلق المعاوضات الربوية هو تقييد هذه الرواية المطلقة بموارد غير ربوية، كصورة عدم العلم بالاختلاف في المتجانسين فتخصص بموارد الشبهة المصداقية.
و عليه فمع ما عرفت من الجمع الدلالي بالتقييد المذكور لامجال لحمل الأدلة الدالة على حرمة الربا على الكراهة اَو تخصيصها بغير الصلح، إذ نسبة الأدلة الدالة على حرمة الربا بالنسبة الى هذه الرواية العموم و الخصوص المطلق، فمقتضى القاعدة هو تقييد المطلق الشامل لمورد الربا و غيره بما يدلّ في خصوص الربا على الحرمة، لاحمل الأدلة الدالة على الحرمة على الكراهة او تخصيصها بغير الصلح.
ولكن التحقيق أن النسبة بينهما هو العموم من وجه، لأن الأدلة الدالة على الحرمة تدل على حرمة مطلق المعاوضة صلحاً كانت أو غيره، و هذه الرواية تدل على جواز الصلح في المورد المذكور، سواء كان مع العلم بالاختلاف في المقدار او مع عدمه، فيتعارضان في الصلح مع العلم بالاختلاف، ويتساقطان فيرجع الى عموم أدلة نفوذ الصلح، فيجوز الصلح الربوي في موارد فيها شائبة الجهل و إن كان الجهل من جهة التفصيل.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن الأصحاب أعرضوا عن مثل هذه الرواية، وفيه تأمل، لما في مفتاح الكرامة، حيث استظهر من كلماتهم في باب الصلح اختصاص الربا بالبيع.(1)
و مما ذكر يظهر الجواب عن الاستدلال بصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح، فقال: إذا كانت بطيبة نفس من صاحبه فلا بأس.(2)
بتقريب ان الصلح كما هو الغالب يكون بالانقص فمع عدم إعلامه بالحال و ترك الاستفصال تشمل الرواية بإطلاقها ما إذا كان طرفا الصلح ربوياً.
وجه الظهور أن غايته أنّه مطلق فيقيد بالأدلة الدالة على حرمة الربا. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ النسبة بينهما عموم من وجه، لأن الشيء أعم من الجنس الربوي، و أدلة حرمة الربا أعم
**
(1) مفتاح الكرامة 502/4.
(2) الوسائل 166/13، الباب 5 من أحكام الصلح ح 3.
من الصلح، فيتعارضان و يتساقطان، فيرجع الى ادلة نفوذ المعاملات، ولكنه مختص بما إذا كان عليه الشيء و أراد الصلح، فلا يشمل سائر موارد الصلح.
و كيف كان فلا وجه لرفع اليد عن أدلة تعميم حرمة الربا في غير مورد هذه الروايات.
بل الاحوط هو الإجتناب عن موردها، و ان كان الأظهر هو الجواز بعد ما عرفت من تساقط الأدلة و الرجوع الى عمومات نفوذ المعاملات.
و مما ذكر يظهر أن الصلح أو الهبة المعوضة في مورد الروايات المذكورة و هو الاختلاف في الأموال و الذمم جائزان، كما إذا لم يعلما تفصيل مقدار العين أو الذمة، فلا وجه لاطلاق كلام السيد في الملحقات حيث قال: و لاينبغي الإشكال في الجريان في غير البيع من المعاوضات، كالصلح و كالمبادلة و المعاوضة من غير تعيين للبائع و المشتري كما إذا قالا تعاوضنا أو تبادلنا كذا بكذا فانها معاملة مستقلة غير البيع و لايجري فيها الأحكام المختصة به مثل خيار المجلس و الحيوان و غير ذلك.
فلو قالا بادلنا هذا المن من الحنطة بهذين المنين من الحنطة أو الشعير لم يصح لأنه ربا.(1)
ثم إنّ مقتضى ما عرفت - من أن التعبير بباء المقابلة لو سلمنا ظهوره في البيع إنّما كان ذلك في مقام الإنشاء لافي مقام حكاية حكم المعاملات بحسب الواقع - هو جريان حكم الربا في الهبة المعوضة، لأنها و إن كانت هبة في مقابلة هبة إلاّ أنها في اللب مبادلة بين الموهوبين و يشملهما مثل قوله عليه السلام: الفضة بالفضة مثلاً بمثل ليس فيها زيادة و لانقصان.
و قال السيد - بعد استظهار جريان الربا في الهبة المعوضة و حكاية اختياره عن المحقق في
**
(1) الملحقات 9/2.
الشرائع و صاحب الجواهر معللا بأنها و إن كانت هبة في مقابلة هبة إلاّ أنها في اللب مبادلة بين الموهوبين: و مقتضى هذا جريانه في الإبراء بشرط الإبراء، كما إذا قال: أبرأتك مما لي عليك من عشرة دراهم بشرط أن تبرأني مما لك عليّ من عشرين درهماً، إلاّ أنه يمكن أن يقال: الأخبار منصرفة عن الهبة و الإبراء.(1)
و لايخفى عليك أن دعوى الإنصراف عن مثل الإبراء مقبولة; إذ لاشيء بعد الاسقاط حتى يكون في مقابله شيء و لايكون مرجع الإبرائين الى المبادلة بين المالين بحسب اللب و الواقع، هذا بخلاف الهبة المعوضة، فإنّ دعوى الإنصراف فيها غير مقبولة لوجود المالين و وقوع المبادلة بينهما بحسب اللب و الواقع. فلا وجه لدعوى الإنصراف عن مثلها فلا تغفل.
ثم لايخفى عليك أن الوفاء بالأكثر هو في الحقيقة تعيين الدين الذمّي بما أعطاه في الخارج، لاالمبادلة و المعاوضة بين ما في الذمّة و ما في الخارج، لأن المبادلة متفرعة على قصد الطرفين، مع أن الوفاء يتحقق بتعيين من عليه الدين من دون حاجة الى إنشاء المعاملة و المعاوضة ممن له الدين، و إن كان من له الدين مختاراً في قبوله إذا كان زائداً، ولكنه قبول الوفاء لاإنشاء الوفاء.
و بالجملة فالوفاء مغاير مع المعاوضة.
و دعوى أنه في الواقع و اللب معاوضة، كما ترى، بعد ما عرفت من خلوّه عن انشاء المعاوضة ممن له الدين.
و ممّا ذكر يظهر أنه لامجال لاحتمال التعاوض او المعاوضة بين ما في الذمة و ما في الخارج، لحاجته الى الإنشاء و قصد الطرفين، و عليه فلا يكون مشمولاً للأخبار الدالة على اشتراط
**
(1) الملحقات 9/2.
المثلية في المعاوضة مع اتحاد الجنس، لعدم صدق المعاوضة أو التعاوض و لاتصل النوبة الى دعوى إنصراف الأخبار عن مثله كما ذهب إليه السيد (قدس سره).(1)
و مما ذكر ينقدح أن الوفاء يتحقق بالمجموع لابالبعض و عليه فلا يكون الزائد بمنزلة الهبة حتى يشكل فيه بعدم تعيين الوفاء منها، كما ذهب إليه صاحب الجواهر في باب القرض على المحكي عنه في الملحقات حيث قال: قلت: لكن يشكل مع عدم تعيين الوفاء منها، كما أنه يشكل جعله من المعاوضة عما في الذمّة بناء على عموم الربا، فلا ريب أن الأحوط و الأقوى في الربا تعيين الوفاء ثم هبة الزائد، انتهى.
و ذلك لما عرفت من أن الوفاء بالمجموع بما هو مجموع، فلا حاجة بعد كون المجموع وفاء الى تعيين الوفاء، هذا مضافاً الى أنه لايضر عدم التعيين في الوفاء إذا كان المجموع منه و من الهبة معلوماً.
و هكذا عرفت أن الوفاء ليس بمعاوضة، و إنّما هو تعيين ما في الذمة في الخارج، و التعيين بيد من عليه الدين، و لاحاجة الى إنشاء من له الدين، و لذا لااختيار لمن له الدين إذا لم يكن زائداً عما له عليه.
و عليه فالمتجّه هي جواز الوفاء بالأكثر، لعدم كونه معاوضة، و لاأقل من الإنصراف أو الشك في صدق المعاوضة، فلا يشمله عموم الأخبار الدالة على اشتراط المثلية في معاوضة المتجانسين.
و يؤيد ذلك بعض الأخبار، كصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عدداً ثم يعطي سوداً، و قد عرف أنها أثقل مما أخذ و تطيب نفسه أن يجعل له
**
(1) الملحقات 10/2.
فضلها، فقال: لابأس به إذا لم يكن فيه شرط ولو وهبها كلها صلح.(1)اللّهمّ إلاّ أن يقال: ان الرواية بقرينة قوله: ولو وهبها كلها صلح، ظاهرة فى هبة الزائد لافى الوفاء بالمجموع، ولكن في غيرها من الروايات تصريح بجواز رد الخير و الأجود و قضاء الدين بالأزيد من دون ذكر للهبة و من المعلوم أنه يكون ظاهراً في الوفاء بالأزيد و الأجود.(2)
و كيف كان فربما يقال بمعارضتها بأخبار اُخرى، منها: صحيحة الحلبي قال: و سئل عن الرجل يشتري الحنطة و لايجد عند صاحبها إلاّ شعيراً، أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال: لاإنّما أصلهما واحد.
ومنها: صحيحة هشام عن الرجل يبيع الطعام الأكرار فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه، فيقول له: خذ مني مكان قفيز قفيزين من شعير حتى تستوفي ما نقص من الكيل، قال عليه السلام: لايصلح ولكن يمكن أن يقال كما في الملحقات.(3) إن ظاهر هذه الأخبار هو صورة مطالبة من له الدين أن يعوض من عليه الدين ما في ذمّته بما يكون متجانساً معه زائداً عليه، و لااشكال في كونه حينئذ معاوضة ربوية، فهذه الروايات لاتدل على عدم جواز الوفاء بالاكثر، فلا ينافي تلك الروايات مع ما ذكرناه من القاعدة و الروايات التي وردت في مقام الوفاء و تعيين من عليه الدين ما في ذمّته بما في الخارج زائداً عليه فلا تغفل.
ثم لايذهب عليك أن الظاهر إن تعويض التالف بشيء آخر معاوضة تحتاج الى قصد الطرفين، فلو اتلف منّاً من الحنطة الجيّدة، اشتغلت ذمّته بمنّ من الحنطة الجيدة، و كان هذا
**
(1) جامع الأحاديث 153/18 الباب 11 من أبواب الربا ح 2.
(2) فراجع 11/1 و 11/3 و 11/4 و 11/12 من أبواب الربا جامع الأحاديث 153/18.
(3) الملحقات: 11/2.
غرامة ما اتلفه. و إذا أراد أن يدفع الى مالك المنّ من الحنطة الجيدة، منّاً و نصفاً من الرديئة يحتاج الى التراضي و القصد، و ليس ذلك إلاّ المعاوضة، خصوصاً إذا كان المدفوع من غير جنس التالف، كما إذا أراد ان يدفع مكان منّ من الحنطة الجيدة منّين من الشعير.
و دعوى أنها ليست بعنوان المعاوضة، بل بعنوان الغرامة، فلا بأس بزيادة أحدهما على الآخر، كما ذهب إليه السيد في الملحقات(1) كماترى، إذ الغرامة هو ما اشتغل الذمّة به من المنّ من الحنطة الجيدة، و المنّان من الشعير هما عوضان عن الغرامة و لاتكونان بغرامة فتأمل.
ولقد أفاد و أجاد الشيخ في محكي كلامه، حيث قال: يضمن الذهب و الفضة بنقد البلد، كما لو أتلف مالاً لامثل له، ولو تعذر المثل فإن كان نقد البلد مخالفاً للمضمون في الجنس ضمنه بالنقد، و إن كان من جنسه و اتفق المضمون و النقد وزناً صح، و إن كان أحدهما أكثر قوّم بغير جنسه ليسلم من الربا، و لايظنّ أن الربا يختص بالبيع بل هو ثابت في كل معاوضة على ربويين متفقي الجنس، انتهى.
و دعوى الإنصراف عن المعاوضة المذكورة كما ذهب إليها السيد في الملحقات(2) لاوجه لها; لأنها معاوضة عرفاً.
ثم إن القسمة هل تكون من باب المعاوضة أو لاتكون؟ قال السيد في الملحقات: لايجري فيها الربا و إن كانت تعاوضاً بين ما لكل من الشريكين في كل من الحصتين; لعدم
**
(1) الملحقات 11/2.
(2) الملحقات 11/2.
كون العنوان عنوان المعاوضة إذ عنوانها التمييز بين الحقين حتى القسمة في القسمة الظاهرية، كما إذا اختلطت حنطة الغير بحيث لايكون بينهما تميز، فإنّها أيضاً بعنوان التميز لاالمعاوضة و إن كانت تعاوضاً.
فلو كانت الشركة بالمناصفة و اقتسما بالثلث و الثلثين لايكون من الربا.
و الحاصل إن القدر المسلم من الأخبار التعميم الى كل ما كان بعنوان المعاوضة، لكن الاحوط إجراؤه في كل ما يتضمن التعاوض أيضاً، كالوفاء و الغرامة و القسمة.(1)
و لذلك قال المحقق في متن الشرائع: القسمة تميز أحد الحقين و ليست بيعاً فتصح فيما فيه الربا، و لو أخذ أحدهما الفضل و تجوز القسمة كيلاً و خرصاً، ولو كانت الشركة في رطب و تمر متساويين فأخذ أحدهما الرطب جاز.
ولكن تأمل صاحب الجواهر (قدس سره) في المسألة، حيث قال - بعد نقل كلام المحقق - و العمدة تحرير كون حصة الشريك كلياً في المال الخارجي مشاعاً، على معنى صدقه على أفراد متعددة، بالقسمة مع القرعة يتميز و يتشخص؟ أو أنها حصة شائعة في الأجزاء على وجه يكون لكل منهما نصيب في كل جزء جزء؟ فبالقسمة لابدّ أن تكون من كل منهما أجزاء من ملكه عند الآخر.
و مقتضى ذلك كونها حينئذ معاوضة، بل متقضاه فيما لو كانت الشركة بين الوقف والملك تبديل أجزاء الوقف بالملك و بالعكس، بل مقتضاه اجتماع مالكين على مملوك واحد، إذا قلنا بالجزء الذي لايتجزى، فإنه لايكون قابلاً للقسمة. و قد أشبعنا الكلام في ذلك في محله و لعل إجماعهم على الظاهر هنا بعدم جريان الربا حتى من القائل بعمومه لكل معاوضة مما يؤيد الأوّل فلاحظ و تأمل.(2)
**
(1) الملحقات 11/2-12.
(2) الجواهر 390/23.
و لايخفى عليك أن القول بان حصة الشريك حصة شايعة في الاجزاء على وجه يكون لكل منهما نصيب في كل جزء جزء أقرب الى الصحة، و إلاّ فإن كان حصّة الشريك كلياً في المال الخارجي مشاعاً على معنى يصدق على أفراد متعددة لزم أن يكون المال الخارجي غير مملوك; لأن المملوك هو الكلي والخارج هو الجزئي، فاذا كان المورث مالكاً لعين و كان له أولاد، ثم مات، صارت العين المملوكة بلا مالك، فإن الأولاد يملكون الحصص الكلية لاالعين الخارجية.
هذا مضافاً الى أن الخسارات الواردة على العين تكون على مالكها، و المفروض أنه لامالك لها، و هذا مما لايلتزم به أحد، فإن العين محكومة عند العرف بكونها مملوكة للأولاد بعد موت المورث، و الخسارات تكون عليهم بنسبة سهامهم، و هذا أحسن شاهد على أن حصصهم ليست كلية حتى تكون قابلة للانطباق على أفراد ومصاديق متعددة، بحيث يكون كل فرد بعد التطبيق و القسمة عين مملوك، و ليس شيء فيه لشريكه، حيث لايحتاج الى المعاوضة، بل الحصص شائعة في الاجزاء و اختصاص فرد بشخص لايمكن بدون المعاوضة.(1)
**
(1) و أما ما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس سره) من أن القسمة الفعلية تمييز الحصص لاأنها مبادلة، لأن النصف المشاع المملوك لكل من المالكين لاتعين له إلاّ هذا التعين وكونه نصفا فى قبال الثلث و الربع و حيث إنه قابل لاتخاذ التعينات المتبادلة بالفرض و التقدير فالقسمة موجبة لتعين ذاك الأمر اللامتعين من حيث هذه التعينات، و حيث إن المملوك لكل منهما نفس ذلك الكسر المشاع و ان نسبة ملك الكل إليهما بلحاظ ملك الكسر المنقسم إليه و الى معادلة الكل، فلذا لايتحقق مبادلة بين المملوك لهذا و المملوك لذاك بتوهم أنه يخرج من ملك هذا مقدار و يدخل في ملك الآخر و بالعكس بسبب الإفراز و القسمة بل المملوك هو الكسر و القسمة معينة للكسر خارجاً من دون خروج و لادخول. (تعليقة المكاسب 202/1).
ففيه أنه تصوير كتصوير الكلي في المعين مع ان الكسر المشاع باعترافه ليس كليّاً في نفسه و أنه يفترق عن الكلي في المعين بجزئيته دون الكلي في المعين، كما يفترق الكلي في المعين عن غيره بانحصار افراده في المعين دون مطلق الكلي.
فما تصوره لامساس له بالخارج فملكيته لاتسري الى الخارج، فيلزم أن يكون الخارج غير مملوك مع أنه كما ترى، و اللازم أن يتصور الخارج مملوكاً بنحو الكسر المشاع، فإذا كان الخارج مملوكاً بنحو الكسر المشاع كان مقتضى القسمة فيه هو المبادلة بين المملوك لهذا و المملوك لذاك لخروج ملك هذا عن ملكه و يدخل في ملك الآخر و بالعكس بسبب الافراز و القسمة فلا تغفل.
و أما ما أورد على ذلك في الجواهر من أن مقتضاه هو اجتماع المالكين أو الملاّك على مملوك واحد إذا قلنا بالجزء الذي لايتجزى، ففيه أوّلاً: إنا لانقول بالجزء الذي لايتجزى، إذ الجزء مهما صغر قابل للتقسيم الذهني، لأن كل جزء له جهات ستة و باعتبارها أيضاً قابلة للتقسيم ذهناً و ان لم يكن تقسيمه بالأدوات الخارجية، فكل جزء يتجزى الى غير النهاية.
وثانياً: إن المسألة - كما أفاد سيدنا الإمام (قدس سره) - مسألة عرفيه و ابتناء مسألة عرفية سوقية رائجة عند طوائف الناس على تلك المسألة العقلية غير صحيح.
وثالثاً: كما أفاد سيدنا الإمام (قدس سره) أن الجزء الذي لايتجزى خارج عن محط اعتبار المالية و الملكية، فإن الجزء الذي لايتجزأ الذي هو مادة الأجسام على رأي لايحس حتى بالمكبّرات العظيمة، و مثله كما لايكون مالاً لايكون ملكاً، فان الملك اعتبار عقلائي لجهات عقلائية.
و من الواضح أن مثل تلك الأجزاء لاتقع تحت الاعتبار، نعم بعد ضم ملايين منها على القول المزيّف يعد شيئاً محسوساً قابلاً لاعتبار الملكية، و بعد ضمّ ملايين اُخرى إليها يصير مالاً أيضاً، و أما كل جزء بنفسه الذي يكون أصغر من الهباء بكثير فلا يعتبر شيئاً و ملكاً و مالاً في العرف.
ورابعاً: كما افاد سيدنا الإمام (قدس سره) إن حلّ تلك المسائل لابدّ و أن يقع في محيط العرف و
العقلاء لاعلى الموازين الفلسفية و العقلية الدقيقة، فنقول إن الكسر في الجسم قد يراد منه المبهم في مقابل المعين، و قد يراد منه الكلي في مقابل الجزئي، و قد يراد منه نفس الكسر بلا لحاظ تعيّنه.
فإذا لوحظ نصف البيت الموجود في الخارج و لم يرد منه النصف المعين كالنصف الشرقي أو الغربي مثلاً و وقع البيع عليه يكون حكمه العرفي الاشتراك و الإشاعة و البيت و إن لم يكن مشتملاً على النصف و غيره من الكسور عقلاً، لكن البائع إذا اراد جعله مورد النقل يعتبر و يفرض نصفه بلا قيد فرضاً واقعياً، كالملكية التي هي من الاعتبارات، لكنها من الأوصاف الخارجية في الاعتبار و يكون وعاء المعتبر في الخارج، بمعنى أن العرف اعتبروا الملكية في الخارج، و يحمل على العين الخارجية أنها ملك بالحمل الشائع من غير تجوز، فالاعتبار و عاؤه العقل و المعتبر في الخارج، و النصف بالمعنى المتقدم أي النصف بلا تعين ليس موجوداً خارجاً، لكن العرف يفرضه في الخارج بلا تعين.
لاأقول إنّ النصف يكون موجوداً اعتبارياً فانه واضح المنع، بل أقول إن النصف اعتبر بلا تعين أو لم يعتبر فيه التعين، و لازمه العقلائي الاشتراك و الإشاعة.(1)
و ان شئت قلت إنّ العرف يرون أنّ النصف بلا عنوان و تعين موجود في الجسم، و إن
**
(1) قال المحقق الإصفهاني (قدس سره): و التحقيق إنّ الشيء القابل للقسمة في نفسه موجود واحد، و من حيث القبول للانقسام يكون وجوده بالفعل وجود الاقسام بالقوة، فالاقسام موجودات خارجيه لكنها قبل الافراز وجودها على حدّ الاُمور الانتزاعية التي نحو وجودها وجود مناشىء انتزاعها، فالمنشأ موجود بالفعل و الامر الانتزاعي موجود بالقوة بنحو وجود المقبول بوجود القابل فهو خارجي بخارجية منشأه و جزئي حقيقي بجزئية منشأه وحيث إنّ تلك القسمة المتساوية لقسمة اخرى متساوية النسبة الى تمام أجزاء ذلك الموجود بالفعل، فلذا يقال أنها مشاعة و سارية في الكل (تعليقة المكاسب 202/1) و لقد افاد و اجاد ولكن الشيوع و السريان يوجب إشاعة بيعهما في كل جزء جزء من المجموع، لا أن يكون كل سهم كلياً و ينطبق على مصداقه كما ذهب إليه المحقق الاصفهاني فلا تغفل.
كان حكم العقل على خلافه، كما قد يقال إنّ الخط الذي هو عشرون ذراعاً فيه عشر ذراع، مع أن الخط عقلاً متصل واحد و لايكون العشر موجوداً فيه بالفعل.
أو يقال إن العرف قد يلاحظون الكسر المشاع في العين فيبيعونه، و كيف كان لاإشكال في صحة بيع الكسر و لافي كونه مشتركاً بين البائع و المشتري و مشاعاً.(1)
و أما ما ذكره في الجواهر من أنّ الإشاعة الخارجية تقتضي تبديل اجزاء الوقف بالملك و بالعكس فيما لو كانت الشركة بين الوقف و الملك، ففيه أنه لامانع منه فيما إذا كان بيع الوقف جائزاً، و فيما لايكون البيع جائزاً لاتبديل، كما لايخفى.
فاتّضح من مجموع ما ذكر أن القسمة معاوضة معاطاتية، و عليه يجري فيها الربا بناءً على حرمة الربا في مطلق المعاوضات، اللّهمّ إلاّ أن يدّعى إنصراف الأدلة عن مثلها فتأمل.
بقي شيء و هو: أنّ الربا لايجرى في الإقالة; لأنها رجوع كل طرف من المعاملة الى أصله، و العود ليس بمعاوضة بل حلّها، و عليه فاذا شرط في الإقالة شرط، فإن قلنا بجواز الشرط المذكور و نفوذه فلا إشكال، إذ لامعاوضة. و إن قلنا بعدم جواز الشرط المذكور - لأنه غير واقع في المعاوضة - فلا يعمه أدلة النفوذ، فلا زائد حتى يبحث أنه ربا أو لا.
**
(1) كتاب البيع 281/3-285.
و لايخفى عليك أنه إذا قلنا بصحة المعاملة في المعاملات الربوية و بطلان الزيادة، كصحة القرض و بطلان الزيادة فيه، فاللازم عند إرتكاب الربا عالماً عامداً هو وجوب ردّ الزيادة مع وجودها، وردّ عوضها ان كانت تالفة، فيجري حكم المقبوض بالعقد الفاسد بالنسبة الى خصوص الزيادة دون أصل المعاملة، من دون فرق بين القرض وغيره من المعاملات.
و إذا قلنا في غير القرض بفساد المعاملة الربوية مطلقاً، فيجري حكم المقبوض بالعقد الفاسد على المجموع من الأصل و الزيادة، فيجب ردّه الى صاحبه إن كان موجوداً، ورد عوضه إن كان تالفاً، فحينئذ يتجه الفرق بين القرض و غيره، فإن الردّ في القرض مختص بالزياده دون سائر المعاملات الربوية.
ولذلك قال في الجواهر: إن مقتضى ما دلّ على حرمة الربا و فساد المعاملة المشتملة عليه، وجوب ردّ الزيادة خاصة المأخوذة بالقرض و نحوه، ضرورة بقاءها على ملك المالك معينة أو مشاعة، فحكمها حكم غيرها من الاُمور التي للغير، الى أن قال: و أما لو كان الربا في عقد المعاوضة فالمتجه حينئذ فساد المعاملة، فيبقى كل من العوضين على ملك صاحبه لاالزيادة خاصة; إذ الفرق بينه و بين القرض واضح. و حينئذ يجري فيه ما يجري في باقي المعاملات الفاسدة. انتهى موضع الحاجة.(1)
هذا إلاّ أنّ المحكي عن الأصحاب هنا أنهم أطلقوا وجوب ردّ الزيادة خاصة إذا كان حال تناولها عالماً بالتحريم، مع أنهم ذهبوا الى بطلان القرض من أصله.
قال السيد في الملحقات: المحكي عن المشهور - مع قولهم ببطلان القرض أيضاً -
**
(1) الجواهر 397/23.
إطلاق القول بكفاية ردّ الزائد، من غير فرق بين البيع و نحوه و بين القرض، و لابين صورة وجود المال و بين تلفه، بل عن بعضهم نفي الخلاف فيه، و عن المقداد و الكركي الإجماع عليه.
و لعلّه للآية الظاهرة في صورة العلم بالحرمة، و هي قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ) .
لكن مع ذلك مشكل خصوصاً مع وجود عين المال. و يمكن أن ينزّل كلامهم بل الآية أيضاً على الغالب من رضا صاحب المال بردّ الزيادة; لأن عنده ما يعادل عوض أصل المال، فمع مطالبته بردّ أصل المال يشكل منعه.(1)
و أورد عليه في جامع المدارك بأن ما ذكر من تنزيل الآية الشريفة على الغالب يشكل بأن الآية مطلقة، و الرضا بردّ الزيادة لايوجب الملكية، بل الملكية تحتاج الى سبب جديد على البطلان رأساً.(2)
ويمكن أن يقال: إن التراضي بالعقد بعد رفع المانع - و هو الزيادة يوجب الإنتقال; لأن العقد مادام المانع لايؤثر، فاذا ارتفع و يكون التراضي بهما موجوداً أثّر العقد كاالعقد الرهنى بعد زوال الرهن. فتدبّر.
هذا مضافاً الى أن الآية الكريمة في مقام بيان حرمة الربا أي الزيادة و ردّها، و معه لايحرز أنه في مقام بيان حكم الأصل فلا يرفع اليد بمثل ذلك عن القاعدة; لأن الإطلاق حيثي، فلا وجه لدعوى الإطلاق بالنسبة الى الأصل.
ولكن الإنصاف أنّ الآية الكريمة في مقام بيان حكم الأمرين، أحدهما: ردّ الزائد. و
**
(1) الملحقات 12/2-13.
(2) جامع المدارك 249/3.
الثاني: أخذ رأس المال، كما يشهد له الأخبار، منها: صحيحة الحلبي حيث قال: وإن عرف منه شيئاً أنه ربا فليأخذ رأس ماله و ليردّ الربا.(1)
و لعلّها حينئذ ممّا تشهد على صحّة الأصل في المعاملة كالقرض، كما مرّ تقويتها و عليه فيكون إطلاق القول بوجوب ردّ خصوص الزيادة موافقاً للأدلة. و عليه فحمل الآية الكريمة على التراضي ليتم ما حكي عن المشهور من بطلان القرض و دفع خصوص الزائد، لايتم، فليتأمّل.
ثم إنّ السيد (قدس سره) ذهب الى أن الدافع إذا كان عالماً عامداً يكون مقدماً على هتك حرمة ماله، فلا ضمان على المتلف أو من تلف عنده.(2)
و أنت خبير بان العالم العامد لايرضى باتلاف ماله مجاناً، بل هو قاصد للتمليك العرفي مع قطع النظر عن الحكم الشرعي، ولذا نقول في المقبوض بالعقد الفاسق بإطلاق الضمان، سواء كان طرفا المعاملة عالمين بالبطلان أو جاهلين، و سواء كان جهلهما قصورياً أو تقصيرياً، و ليس ذلك إلاّ لعدم كونهما قاصدين للمجان، فمقتضى أدلة الضمان هو الضمان، لعله لذلك قال في جامع المدارك. يشكل ما ذكر من عدم الضمان في التلف مع كون الدافع عالماً عامداً، فانّه لازم ما ذكر هو عدم الضمان في مثل اُجرة الفاجرة و ثمن الخمر والخنزير، فان الدفع ليس إلابعنوان الاستحقاق بنظر المتعاقدين مع منع الشارع، بل مقتضى اليد و الإتلاف الضمان.(3)
**
(1) الكافي 145/5.
(2) الملحقات 12/2.
(3) جامع المدارك 249/3.
إن صاحب المال في المقبوض بالعقد الفاسد - كالعقد الربوي - إن كان مجهولاً فمع وجود المال وكونه معلوماً يكون المال مجهول المالك و يترتب عليه أحكامه.
منها: وجوب الفحص. قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): ولو جهل صاحب المال وجب الفحص مع الإمكان لتوقف الأداء الواجب بمعنى التمكين و عدم الحبس على الفحص، مضافاً الى الأمر به في الدين المجهول المالك.(1)
و لعلّ مراده من الأمر بالفحص في الدين المجهول المالك هو الإشارة الى مصححة يونس بن عبدالرحمان عن ابن عون عن معاوية بن وهب عن أبي عبدالله عليه السلام في رجل كان له على رجل حق ففقده و لايدري أين يطلبه و لايدري أحيٌ هو أم ميت و لايعرف له وارثاً و لانسباً و لاولداً، قال: اطلب قال: فانّ ذلك قد طال فأتصدق به؟ قال: اطلبه(2) و التعبير بالمصححة من جهة أن يونس بن عبدالرحمان من أصحاب الإجماع، فلا يضر مجهولية ابن عون بالوثوق بصدور الرواية.
بل يدلّ على وجوب الفحص في المال الموجوده
معتبرة يونس بن عبدالرحمان قال: سأل أبوالحسن الرضا عليه السلام و أنا حاضر الى أن قال: رفيق كان بمكة فرحل منها الى منزله و رحلنا الى منزلنا، فلما أن صرنا في الطريق اصبنا بعض متاعه معنا، فأي شيء نصنع به قال: تحملونه حتى تحملوه الى الكوفة، قال: لسنا نعرفه و لانعرف بلده و لانعرف كيف نصنع، قال: إذا كان كذا فبعه و تصدق بثمنه، قال: على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية.(3)
**
(1) المكاسب / 70.
(2) الوسائل 17 الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى ح 2.
(3) الوسائل 17 الباب 7 من أبواب اللقطة ح 2.
بدعوى أن قوله عليه السلام إذا كان كذا يدلّ بالمفهوم على عدم جواز التصدق مع احتمال الظفر بمالكه بالفحص، فهو يدلّ على وجوب الفحص.
ومنها: وجوب التصدق بعد الياس عن الظفر بمالكه، و يدلّ عليه ظاهر الروايتين المذكورتين، و مقتضى إطلاقهما عدم الجاجة الى مضي الحول كما في اللقطة.
و أما الحاجة الى الاستيذان من الحاكم أو لزوم دفعه الى الحاكم، فربما يستدل باطلاق الروايتين على عدم الحاجة و عدم لزوم الدفع بدعوى أنهما في مقام البيان و تدلان على أن الواجد، له بيع مجهول المالك و التصدق به، و ليس ذلك إلا إعطاء ولاية المال للواجد و الحاكم وليّ مالا ولاية له، و مع ولاية الواجد لامجال لولاية الحاكم، كما لامجال لولايته مع ولاية الأب والجد.
لايقال: إنّ الروايتين في مقام الإذن الولائي لاإعطاء الولاية.
لأنا نقول: لازم ذلك هو تجديد الإذن مع رحلة الإمام عليه السلام مع انه ليس بمرسوم، و عليه فهو شاهد على أن الأمر بالبيع و التصدق إعطاء الولاية.
نعم إعطاء الولاية لايوجب سلبها عن المعطي، كما أن إعطاء ولاية القضاء او الحكومة لايوجب سلبها عن الإمام المعصوم، فولاية الواجد في طول ولاية الإمام، فاذا قلنا بأن الفقيه قائم مقام الإمام المعصوم فهو أيضاً بالنبسة الى الواجد له الولاية و ولاية الواجد بالنسبة إليه في الطول.
و ممّا ذكر يظهر ما في مصباح الفقاهة(1) و لعله على مبناه من عدم الولاية المطلقة.
و كيف كان فمقتضى إطلاق الروايتين هو عدم الحاجة الى دفع المال الى الحاكم أو الإستيذان منه، اللّهمّ إلا أن يستدل برواية داود بن أبي يزيد المروية في الكافي عن محمد بن
**
(1) مصباح الفقاهة 522/1.
يحيى عن أحمد بن محمد عن موسى بن عمر عن الحجّال عن داود بن أبي يزيد عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رجل: إني قد أصبت مالاً و إنّي قد خفت فيه على نفسي ولو أصبت صاحبه دفعته إليه و تخلّصت منه، قال: فقال له أبوعبدالله عليه السلام: و الله ان لو أصبته كنت تدفعه إليه؟ قال: أي و الله، قال: فأنا، و الله ما له صاحب غيري، قال: فاستحلفه أن يدفعه الى من يأمره، قال: فحلف فقال: فاذهب فاقسمه في إخوانك ولكن الأمن مما خفت منه قال: فقسّمته بين اخواني.(1) بدعوى أن قوله عليه السلام و الله ما له صاحب غيري يدلّ على أن المراد من الصاحب هو من له الولاية على التصرف فيه، هذا مضافاً الى أن تأمين الإمام عليه السلام يكون باعتبار كونه ولي الأمر و صاحبه الشرعي.
فمع نفي الولاية عن غيره عليه السلام ينقدح الحاجة الى الإمام ومن يقوم مقامه، و حمل الروايتين على إعمال الولاية بإعطاء الاذن الولائي، و لعل لذلك قال الشيخ الأعظم (قدس سره): الأقرب دفعه (أي مجهول المالك) الى الحاكم الذي هو ولي الغائب.(2)
أورد عليه أوّلاً: بأن صحة الرواية مبتنية على أن ذكر الراوي في كامل الزيارات من التوثيقات العامة، و هو محل تأمل، و عليه فلا يخرج موسى بن عمر الواقع في سند الرواية عن الاشتراك بين الموثق و غيره، فان موسى بن عمر بن بزيع موثق دون موسى بن عمر بن يزيد، إلاّ أن يكتفى بكونه ممن لم يستثنه ابن الوليد عمّن رو اه عن محمد بن أحمد بن يحيى فإن فيه ايماء الى الوثاقة.
وثانياً: إن مقتضى الجمع بين هذه الرواية و الروايتين المذكوريتين هو أن نقول بأن الولي الأصلي هو الإمام المعصوم عليه السلام و هو أعطى للواجد ولاية التصرف في مجهول المالك بالبيع و
**
(1) الوسائل الباب 7 من أبواب اللقطة ح 1.
(2) المكاسب / 71.
التصدق، فمع إعطائه الولاية لاحاجة الى الاستيذان أو الدفع إليه، نعم لو طلب ذلك وجب عليه من دون مطالبة الحاكم و هكذا من قام مقامه، و عليه فلا دليل على وجوب الدفع أو الاستيذان. وإن كان الأحوط هو ذلك.
هذا كله مع كون مجهول المالك موجوداً و معيناً و أما إذا كان موجوداً و مردداً بين الأقل و الأكثر فقد قال السيد (قدس سره): الأقوى كفاية دفع القدر المتيقن الى مالكه ان كان معلوماً او الى الفقيه أو الحاكم بعنوان الصدقة إن لم يكن المالك معلوماً و لم يظفر به بعد الفحص.
أورد عليه في جامع المدارك بقوله: و يشكل الاكتفاء بالقدر المتيقن مع وجود مجموع المال حيث انه مع رد القدر المتيقن يشك فى ملكية الباقي له، و يشكل اعتبار اليد في المقام لاثبات الملكية كما يظهر من بعض الأخبار المذكورة في كتاب القضاء في حجية اليد بالنسبة الى ذي اليد.(1)
وجه الاشكال هو ما عن المستند من قصور الأدلة الدالة على حجية اليد عن شمول ما إذا كان للشخص يد على عين و يشك في أنه ملكه أو ملك غيره، بدعوى أن القدر المتيقن من الإجماع و الأخبار هو غير هذه الصورة، و هي ما إذا شك في مالكية الغير بالنسبة الى ما في يده فان يده حجة على ملكيته له.
و فيه منع أوّلاً: إن ملاك طريقية اليد هو غلبة كون الأيدي مالكية، وغلبة كون ما في يد الإنسان ملكاً له لاعارية أو أمانة و نحوها، و هذا الملاك لااختصاص له بيد الغير و استيلائه، بل جار في استيلاء يد الشخص أيضاً كما صرح به المحقق الاصفهاني (قدس سره) حيث قال: إن ملاك الطريقية و هي الغلبة لااختصاص له باستيلاء الغير بل جار في استيلاء الشخص أيضاً.(2)
**
(1) جامع المدارك 249/3.
(2) قاعدة اليد المطبوعة في نهاية المجلد الثالث من نهاية الدراية / 332.
وثانياً: إن ذيل صحيحة جميل بن صالح - قلت لأبي عبدالله عليه السلام: فرجل وجد في صندوقه ديناراً قال: يدخل احدٌ يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئاً؟ قلت: لا، قال: فهو له(1) - يكفي لاثبات الحجية، بدعوى أن مورده هو صورة عدم العلم بأنه له، كما أستدل به السيّد في الملحقات و قال: إن حكمه بأن ما في الصندوق له ظاهره صورة عدم العلم بأنه له، و دعوى أنه علل بما يفيد العلم - كما عن المستند - ممنوعٌ.(2)
و استدل به أيضاً المحقق الاصفهاني (قدس سره) حيث قال: استدل القائل بالتعميم بذيلها، فإن مقتضى الذيل مع فرض الاستيلاء على الصندوق و ما فيه و مع فرض الشك في أن الدينار له أو لغيره هو كونه له اذ القطع بعدم وضع الدينار من غيره في الصندوق لاينافي الشك في أن (انّه) أو لغيره بأن كان أمانة عنده و نحوها.(3)
لايقال: نعم لو لم يدلّ الصدر على الخلاف، و إلاّ فمع معارضة الصدر و الذيل لايصلح الذيل للاستدلال، قال في الصدر: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: رجل وجد في بيته ديناراً قال: يدخل منزله غيره قلت: نعم، كثير قال: هذا لقطة.(4) بدعوى - كما في المحكي عن المستند - أنه حكم فيما هو في داره التي لايعلم أنه له مع كونه في يده انه ليس له، انتهى. و من المعلوم إن موضوع الحكم في الذيل أيضاً هو صورة عدم علمه أنه له أو لغيره، و عليه فيعارض الصدر مع الذيل.
و أجاب عنه السيد (قدس سره) بانه ليس في الخبر أنه لايعلم أنه له أو لا، بل الظاهر علمه بانه ليس له، مع أنه يظهر من سؤاله عن أن غيره يدخل منزله أو لاأنه لو لم يدخل غيره منزله يحكم بأنه له و إن لم يعلم.(5)
**
(1) الوسائل الباب 3 من أبواب اللقطة ح 1.
(2) الملحقات 120/3.
(3) قاعدة اليد المطبوعة في نهاية المجلد الثالث من نهاية الدراية / 333.
(4) الوسائل الباب 3 من أبواب اللقطة ح 1.
(5) الملحقات 120/3.
وفيه منع، إذ لاموجب لحمل الصدر على صورة العلم بأنه ليس له، إذ كثرة الواردين لاتوجب العلم بذلك كما لايخفى.
فالأولى هو الجواب عنه بما أفاده المحقق الاصفهاني (قدس سره) من أن امارية اليد للملكية فيما إذا لم يعارضها امارة اُخرى، و المفروض في الصدر هو صورة معارضة كثرة الداخلين، بخلاف الذيل فانه خال عن معارضة امارة اُخرى، و إليك نصّ كلامه:
«و يمكن أن يقال إنّ هنا فردين من الغلبة، أحدهما غلبة كون الأيدي مالكية لاغيرها. ثانيهما: غلبة كون ما في يد الإنسان ملكاً له لاعارية أو أمانة و نحوهما، و كثرة الداخل في الدار لاتنافي الغلبة الاُولى، ولكنها تضرّ بالغلبة الثاثية، و إذا فرض كثرة الداخل فاحتمال كون الدينار له كأحد الاحتمالات المتكثرة بكثرة الداخلين.
فغلبة الأيدي المالكية انما توجب الحاق هذه اليد بالغالب إذا لم يكن الغلبة في خصوص يده على الدينار على العكس، فإن احتمال كونه له مرجوح في جنب الاحتمالات المتكثرة، فهذه اليد الشخصية على هذا المال الخاص لاتلحق بالغالب من كون ما بيده ملكاً له، و مثل هذه الحيثية غير موجودة في الفقرة الثانية من الدينار في الصندوق، فتلك الغلبة محفوظة فيها، فملاك الطريقية مفقودة في الفقرة الاُولى و موجودة في الفقرة الثانية.
و منه تعرف ان أيدي اللصوص إذا كان الغالب مما في أيديهم سرقة لايحكم في المورد المشكوك بكونه ملكاً لهم، لكون الغلبة فيهم على العكس، بل و كذا من كان الغالب مما في يده لغيره ولو بحق، كالدلاّل، بل كمراجع الحقوق الشرعية، لكون الغالب مما في أيديهم من الأخماس و الزكوات و المظالم و اُجور العبادات و نحوها، فان الحكم بالملك في المورد المشكوك مشكل».(1)
**
(1) قاعدة اليد المطبوعة في نهاية المجلد الثالث من نهاية الدراية / 333.
و اما الاستدلال بموثق إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيها نحواً من سبعين درهماً مدفونة، فلم تزل معه و لم يذكرها حتى قدم الكوفة، كيف يصنع؟ قال: يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها، قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال: يتصدق بها.(1) بدعوى أنه لاشك أن الدراهم كانت في تصرف أهل المنزل و لو قال: إنا لانعلم أنها لنا أو لغيرنا، فيصدق أنهم لايعرفونها، فلا يحكم بملكيته لهم.
ففيه أنه مجمل لايصلح للاستدلال في المقام، و وجه الاجمال احتمال أن يكون المعرفة في قبال الانكار لاالجهل، فمفاد الحديث أنهم ان عرفوها فهي لهم، و ان انكروها يتصدق بها. و عليه فهو أجنبي عن المقام.
هذا مضافاً الى احتمال أن يكون المورد ملحقاً بالكنز في الأحكام بدعوى عدم الخصوصية كما أفاد المحقق الاصفهاني حيث قال: فإن حكم الكنز إذا وجد في المعمورة أن يعرّفه لأهلها، فإن لم يعرفوه فهو لواجده إذا لم يعلم له مالك مسلم موجود و مع العلم فهو من مجهول المالك الذي حكمه التصدق، و عليه يحمل ذيل الرو اية.(2)
هذا مضافاً الى امكان منع صدق الاستيلاء على المدفون الذي كان جاهلاً.(3)
و كيف كان فالأقوى - كما ذهب إليه السيد في المقام - هو جواز دفع القدر المتيقن الى المالك أو الفقراء أو الحاكم، والحكم بكون الباقي ملكاً له; لاصالة اليد بعد كونها خالية عن المعارض كما لايخفى.
وأما إذا كان المال الربوي مختلطاً غير متميز بنحو الاشاعة، كما إذا اشترى بثمن مخلوط بحرام ربوي شيئاً، فإنه يوجب اختلاط الحرام في الثمن بنحو الاشاعة. أو بنحو غير الاشاعة،
**
(1) الوسائل الباب 5 من أبواب اللقطة ح 3.
(2) قاعدة اليد للمحقق الاصفهاني / 334.
(3) راجع قاعدة اليد للمحقق الاصفهاني / 333.
كما إذا اختلط الأعيان الخارجية مع بقاء كل عين على ملك مالكها الواقعي، كاختلاط دراهم الحلال بالحرام ودنانير الحرام بالحلال، فإن كان المالك معلوماً فاللازم هو المصالحة معه، فإن لم يرض بالمصالحة ففي جواز الاكتفاء بالأقل أو وجوب إعطاء الأكثر وجهان، قال السيد في الملحقات: الأحوط الثاني، والأقوى الأول إذا كان المال في يده. والوجه في ذلك أن دفع الأكثر غير معلوم الوجوب، فيجري فيه البراءة. أما مملوكية الأكثر فلما عرفت من شمول أدلة أصاله اليد بالنسبة الى ذي اليد.
و أما احتمال القرعة فقد استشكل فيه السيد (قدس سره) وهو صحيح; لأن موضوعها هو المشكل أو المشتبه، فمع حجية أصالة اليد على الملكية ولو في حق ذي اليد وجواز الاقتصار على إعطاء القدر المتيقن لايصدق عنوان المشكل والمشتبه فلا تغفل.
و أما إذا لم يكن المالك في المختلط غير المتميز معلوماً فقد ذهب السيد (قدس سره) الى جريان حكم المختلط بالحرام عليه من وجوب تخميسه تبعاً للمشهور.
ويدلّ عليه معتبرة عمار بن مروان قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه و الكنوز الخمس.(1) وظاهرها هو كون الخمس فيه خمساً اصطلاحياً ويكون مصرفه مصرف الخمس في غيره كالمعادن والبحر والغنيمة والكنوز.
و ليس وجه ذلك إلاّ التعبد، ومقتضى التعبد هو اشتراك فعلي لصاحب الخمس - وهو الإمام أو السادة - في المال المختلط كاشتراكهما في سائر الموارد التي يجب فيها الخمس.
لايقال: إن تعلق الخمس بالمختلط ليس معناه أن خمس المال ملك فعلي للسادة، بحيث إنّ الخلط بمجرد حصوله أوجب انتقال هذا الكسر من المال إليهم إبتداء، ويشتركون فيه مع
**
(1) الوسائل الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 6.
المالك بنحو من الشركة، كما هو الحال في سائر أقسام الخمس من الغنائم والمعادن والكنوز ونحوها، فليس تعلّق الخمس في المختلط كتعلقه في سائر الأقسام، بل الخمس هنا مطهر ويكون الباقي له بعد التخميس.
وعليه فله التصدي للتطهير بنحو آخر بأن يسلّم المال بأجمعه للفقير قاصداً به التصدق بجميع ما للغير في هذا المال واقعاً، فينوي الصدقة في حصة المالك الواقعي رداً للمظالم، وبما إنّ الحصتين مجهولتان حسب الفرض فينقسمان بعد ذلك بالتراضي أو القرعة أو نحو ذلك، وبهذه الكيفية يحصل التطهير وتبرء الذمّة أيضاً.
لأنا نقول إنه اجتهاد في مقابل النص، لما عرفت من ظهور النص في كون الخمس في المختلط مثل الخمس في سائر الموارد، فكما أن في سائر الموارد كان الإمام والسادة شركاء في المال، كذلك كانا هنا بدلاً عن المالك المجهول، ومعه لامجال للتطهير بوجه آخر مع التعبد بخصوص الخمس.
ودعوى أن الارتكاز في مجهول المالك هو التصدق - كما ورد فيه الأخبار - مندفعة بأن نسبة أخبار الخمس الواردة في المختلط بالنسبة إليها أخصّ، فيقدّم عليها، والارتكاز مستند الى الفتوى والنصوص في مطلق مجهول المالك لاخصوص المقام.
و أما دعوى معارضة معتبرة عمّار بن مروان مع خبر السكوني عن أبي عبدالله عليه السلام قال: أتى رجل أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: إني كسبت مالاً اغمضت في مطالبه حلالاً وحراماً وقد أردت التوبة ولاأدري الحلال منه والحرام وقد اختلط عليّ.; فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: تصدّق بخمس مالك، فانّ الله قد رضي من الأشياء بالخمس وسائر المال لك حلال.(1) إذ التصدق غير عنوان الخمس الاصطلاحي، ومع المعارضة وعدم الترجيح يحكم بالتخيير بين الخمس و التصدق.
**
(1) الوسائل الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس ح 4.
ففيها أوّلاً: إن الرواية بقرينة ذيلها محمولة على الخمس الاصطلاحي; إذ لم يعهد مورد أوجب الله فيه الخمس ما عدى الموارد المعهودة من الغنائم والكنوز والمعادن ونحوها، والظاهر من الذيل هو تطبيق كبرى الخمس على هذا المورد أيضاً و عليه فلا معارضة بينهما.
وثانياً: إن ظهور التصدق في الصدقة وظهور الذيل في خلافها - وهو الخمس الاصطلاحي - يوجب الاجمال فمقتضى القاعدة هو حمل المجمل على المبين، و هو معتبرة عمّار بن مروان الدالّة على وجوب الخمس الاصطلاحي لاالعكس.
اللّهمّ إلا أن يقال: إن المراد من ذيل الرواية هو تقريب جعل الخمس في التصدق لاتطبيق كبرى الخمس على هذا المورد فتأمل وبقية الكلام في محله.
نعم ربما يقال إن الظاهر من أخبار المقام هو حلّية مجموع المال مع الاختلاط وعدم التميز للمرابي و غيره، وهذه الأخبار أخص من الأخبار الدالّة على الخمس في الحلال المختلط بالحرام، فمقتضى القاعدة هو تقديمها عليها، وإليك جملة من هذه الأخبار:
منها: صحيح الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام: كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة.
و قال عليه السلام: لو أن رجلاً أورث من أبيه مالاً وقد عرف إن في ذلك المال رباً ولكن قد اختلط في التجارة بغيره (حلال) كان حلالاً فليأكله.(1)
ومنها: صحيحه الآخر عن أبي عبدالله عليه السلام أتى رجل أبي فقال: إني ورثت مالاً و قد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربو (يربي) وقد اعرف (وقد عرفت) أن فيه رباً واستيقن ذلك وليس يطيب لي حلاله، لحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز فقالوا: لايحل (لك) أكله (من أجل ما فيه) فقال (له) أبوجعفر عليه السلام: إن كنت تعلم
**
(1) جامع الأحاديث 166/18 الباب 17 من أبواب الربا ح 3.
(تعرف) بان فيه مالاً معروفاً رباً وتعرف أهله فخذ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك و إن كان مختلطاً فكله هنيئاً (مريئاً) فإن المال مالك واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا وحرّم ما بقي، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه فإذا عرف تحريمه حرم عليه و وجبت فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا.(1)
و نحوه خبر أبي الربيع الشامي.(2)
و استدل بها لحلية المجموع بدعوى أن مقتضى إطلاقها - مع أنها في مقام البيان - هو حلية المجموع. و هذه الأخبار اخصّ من الأخبار الدالّة على وجوب الخمس في الحلال المختلط بالحرام، لاختصاصه بخصوص الربا فتكون مقدمة عليها.
واجيب عنه بأن الأخبار المذكورة - كما يظهر من سياقها، بل من التعليل في صحيح الحلبي الآخر: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا وحرّم ما بقي، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه فإذا عرف تحريمه حرم عليه... - مختصة بالجهل بالحرمة فقط، و عليه فهي أجنبية عن المقام، فإن البحث في المقام في حكم المال المختلط بالربا بعد العلم بحرمته كما هو صريح الرياض و غيره.
قال في الجواهر - تبعاً للرياض -: خلت نصوص المقام التي ستسمعها مع أنها في مقام البيان - عن ذكر الحكم باخراج الخمس لو كان مختلطاً بالحلال ولم يعرف المقدار و لاالصاحب، بل ظاهر بعضها حلّ الجميع. ولكن لم يعمل بها إلاّ نادر من الطائفة، و مع ذلك فظاهر سياقها الجهل بالحرمة خاصة، فالعمل بالنصوص المتقدمة في مبحث الخمس العامة لما نحن فيه المفتى بها في المقام أيضاً أقوى منها وإن كانت خاصة.(3)
**
(1) جامع الأحاديث 167/18 الباب 17 من أبواب الربا ح 7.
(2) جامع الأحاديث 166/18 الباب 17 من أبواب الربا ح 6.
(3) الجواهر 397/23.
و تبعه السيد في الملحقات أيضاً حيث قال: وأجيب عنه بالحمل على صورة الجهل بالحرمة خاصة التي سيأتي عدم وجوب الردّ وكون المأخوذ حلالاً، وحمل ما في بعض الأخبار المذكورة من ايجاب الردّ إذا كان معزولاً على الاستحباب، مع أنها واردة في الارث فلا يشمل ما نحن فيه، فالأقوى وجوب الخمس كسائر موارد الاختلاط.(1)
و قال في الحدائق أيضاً: وأما احتمال الحمل على الحلّ من حيث الاختلاط كما صار إليه بعض أفاضل متأخري المتأخرين لامن حيث الجهل فهو بعيد عن سياق الأخبار المذكورة.(2)
فتحصل ان المختلط بالربا بعد العلم بالحرمة مع عدم العلم بمقداره ومالكه محكوم بوجوب الخمس على الأقوى ولايشمله ما ورد في صورة الجهل بالحرمة كما لايخفى.
هذا كله مع وجود المال الربوي، وأما إذا صار المال الربوي تالفاً فقد صرّح السيد (قدس سره) بأنه يلحقه حكم المظالم، ولعل مراده فيه هو ما فصّله في كتاب الخمس حيث قال: إذا كان حق الغير في ذمّته لافي عين ماله فلا محل للخمس، وحينئذ فان علم جنسه ومقداره ولم يعلم صاحبه أصلاً، أو علم في عدد غير محصور تصدّق به عنه باذن الحاكم أو يدفعه إليه. و إن كان في عدد محصور ففيه الوجوه المذكورة في المسألة المتقدمة (من وجوب التخلص من الجميع ولو بارضائهم بأي وجه كان، أو وجوب إجراء حكم مجهول المالك عليه، أو استخراج المالك بالقرعة، أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسوية). والأقوى هنا أيضاً الأخير....(3)
و لايخفى عليك أن قوله: إنه لامحل للخمس فيما إذا كان حق الغير في الذمّة صحيح تام
**
(1) الملحقات 13/2.
(2) المتاجر / 38.
(3) كتاب العروة 1 / كتاب الخمس المسألة 31.
ولكنه كما أفاد السيد المحقق الخوئي (قدس سره) يختص بماإذا كان الحرام ثابتاً في الذمّة إبتداءً، واما إذا كان ذلك بعد الاختلاط، بأن اتلف المخلوط فهل يجري عليه حكم الثبوت في الذمّة إبتداءً أو لا، فيه وجهان اختار شيخنا الأنصاري (قدس سره) الثاني; لأنه لافرق في وجوب التخميس بين العين الخارجية وبين ما انتقل الى الذمّة بعد الاختلاط.(1) ويشمله إطلاق معتبرة عمّار بن مروان ومحكوم بوجوب الخمس أيضاً.
و أما الحكم بوجوب التصدق فيما إذا علم الجنس والمقدار ولكن لم يعلم صاحبه اصلاً أو علم في عدد غير محصور فهو لما عرفت من الأدلّة الدالّة على وجوب التصدق في مجهول المالك، إذ لافرق بين كون المال عيناً أو ديناً كصحيحة يونس ومعاوية بن وهب.
و أما تقوية الوجه الأخير فيما إذا كان المالك في عدد محصور فلعلّها لقاعدة العدل والانصاف. ولكن أورد عليه في مستند العروة أوّلاً: بعدم تمامية القاعدة المزبورة في نفسها، إذ لم تثبت السيرة العقلائية ولاالشرعية عليها والروايات الواردة مختصة بمواردها فلا يمكن التعدي عنها.
وثانياً: على تقدير التسليم فإنما تتم فيما لاضمان فيه كالدرهم المردّد بين شخصين في مثال الودعي ونحوه دون مثل المقام مما استقر فيه الضمان على تمام المال، فان ضمان أحد النصفين باق على حاله، لعدم الموجب لسقوطه بعد عدم الوصول الى مالكه، وإن كان ذلك مقدمة لاحراز وصول النصف الآخر الى المالك.
بل يجب ايصال تمام المال الى مالكه في فرض استقرار الضمان، حتى لو احتاج الى مقدمة خارجية كاُجرة الحمل فضلاً عن المقدمة العلمية، فهذا الاحتمال ضعيف.(2)
**
(1) مستند العروة الخمس / 154.
(2) مستند العروة/ الخمس / 151.
ثم إنه لامجال للقول بالتصدق; لأن مورده هو المجهول المطلق أو غير ممكن الايصال إليه، والمعلوم في المحصور ليس كذلك.
فبقي احتمال ارضاء من يحتمل ملكيته بأي وجه كان، ولو بإعطاء كل واحد المقدار المعلوم اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن هذا ضرر فيتعين الرجوع الى قاعدة القرعة.
ولكن أورد عليه في المستند بأنّ الضرر إنما نشأ من إحراز الامتثال لامن قبل الحكم بنفسه، ومثله غير مشمول للحديث بوجه.(1)
نعم لو لم يمكن الاحتياط بالارضاء فالقول بالقرعة وجيه، بل لو امكن الاحتياط عقلاً ولكن كان عند العرف مشكلاً لم يبعد كونه موضوعاً للقرعة أيضاً، فليتأمل في المسألة.
**
(1) المستند/ الخمس / 152.
و الظاهر الحكم بصحة معاملاته و حلّية ما أخذه قبل إسلامه وعدم وجوب ردّه بعد إسلامه وإن كان موجوداً.
ويدلّ عليه قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبٰا لاٰ يَقُومُونَ إِلاّٰ كَمٰا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطٰانُ مِنَ اَلْمَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا اَلْبَيْعُ مِثْلُ اَلرِّبٰا وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ)(1) لأنه ظاهر في صورة الجهل، كما يشهد له صدره وذيله إذ الصدر حاك عن تخطئتهم في تنظير البيع بالرباء و هو لايكون إلاّ في الجهل. و الذيل خصّ العذاب بالعود بعد الموعظة، و من المعلوم أن العود بعد الموعظة هو صورة العلم. وعليه فما قبله مفروض في صورة الجهل، وعليه فالمراد من الموعظة في المقام بحسب المورد هي الارشاد الى الحرمة أو الأعم منه ومن التوبة، كما أن المراد من قوله (فَلَهُ مٰا سَلَفَ) هو ما أخذه وأكله من الربا في حال الجهل و عدم العلم بالحرمة لاالفعل، كما هو الظاهر ويشهد له تعليل حل أكل الربا المختلط بوضع الرسول صلى الله عليه وآله ما مضى منه فإنه كالصريح في أن المراد بما مضى نفس الربا في حال الجهل مطلقاً
قال الطبرسي (رحمه الله) في ذيل قوله تعالى: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) : معناه فمن جاءه زجر ونهي وتذكير من ربّه فانتهى أو فانزجر وتذكر واعتبر فله ما سلف، معناه فله ما أخذ وأكل من الربا قبل النهي لايلزمه ردّه. قال الباقر عليه السلام: من أدرك الإسلام وتاب مما كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف. و قال السدي: معناه له ما أكل وليس عليه ردّ ما سلف. فأما ما لم يقبض بعد فلا يجوز له أخذه وله رأس المال، انتهى.
**
(1) البقرة / 275.
ويشهد له الصحيح المروي عن نوادر احمد بن محمد بن عيسى عن أبيه قال: إن رجلاً أربى دهراً من الدهر فخرج قاصداً أبا جعفر عليه السلام فسأله عن ذلك، فقال له: مخرجك من كتاب الله يقول الله: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ) و الموعظة هي التوبة، لجهله بتحريمه ثم معرفته، فما مضى فحلال وما بقي فليحفظ.(1)
وكتاب النوادر من الكتب التي اعتمد عليها صاحب الوسائل حيث قال: شهد بصحتها مؤلّفوها و قامت القرائن على ثبوتها وتواترت عن مؤلفيها أو علمت صحة نسبتها إليهم بحيث لم يبق فيها شك ولاريب.(2)
فالخبر دال على أن مورد قوله (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ) هو الجاهل بالتحريم وان المراد من قوله ما سلف هو ما مضى من الربا كما استظهرناه من الآية الكريمة.
بل يمكن ان يستشهد له بصحيحة محمد بن مسلم قال: دخل رجل على أبي جعفر عليه السلام من أهل خراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله، ثم أنه سأل الفقهاء فقالوا: ليس يقبل منك شيء إلاّ أن تردّه الى أصحابه، فجاء الى أبي جعفر عليه السلام فقصّ عليه قصّته فقال له أبوجعفر عليه السلام: مخرجك من كتاب الله عزّوجلّ: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اَللّٰهِ) و الموعظة: التوبة.(3)
حيث يدلّ على أن توبته مقبولة من دون لزوم الردّ الى أصحابه، وليس ذلك إلاّ فيما إذا جهل بالحرمة، والتوبة ليست من شواهد العلم بالحكم، بل لعلّها من جهة شناعة الفعل، فالرواية تدلّ على أن المخرج منحصر في التوبة، فلو كان الردّ دخيلاً فيه لأشار إليه ولما اكتفى بمجرّد التوبة.
**
(1) جامع الأحاديث 168/18 الباب 17 من أبواب الربا ح 11.
(2) الوسائل 36/20 الفائدة الرابعة.
(3) جامع الأحاديث 168/18 الباب 17 من أبواب الربا ح 8.
والمورد وإن اختص بالمسلم الجاهل ولكن الجواب لايختص به، بل يشمل المقام أيضاً. هذا ولكن ذهب في تفسير آلاء الرحمان في ذيل الآية الكريمة والرواية الشريفة الى أن الظاهر من قول القائلين له: ليس يقبل منك شيء إلا أن تردّه على أصحابه، هو أنهم سدّوا عليه باب المغفرة و قبول التوبة إلا أن يردّ الربا على أصحابه وإن جهلهم أو تعذّر عليه، فيكون قول الباقر عليه السلام: مخرجك من كتاب الله (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ... الآية (ردّاً على تشديد هؤلاء، و أن التوبة الصادقة و الانتهاء مخرج من إثم الربا الى المغفرة، و أما مال الربا فقد يكفي فيه في بعض الموارد ردّه الى الإمام أو نائبه أو الى الفقراء فلا ينحصر قبول التوبة بخصوص ردّه على أصحابه على كل تقدير.(1)
و أنت خبير بما فيه، حيث عرفت أن الظاهر من قوله: «فله ما سلف» إن ما أخذه وأكله في حال الجهل لايلزمه ردّه الى صاحبه المعلوم فضلاً عن المجهول، و إنّما العود الى الأخذ و الأكل بعد مجيء الموعظة موجب للعقاب. فمفاد الآية أحسن شاهد على أن مقصود الإمام هو نفي وجوب الرد و كفاية التوبة رغماً عمّا ذهب إليه فقهاء القوم من انحصار المخرج في الردّ. فهو عليه السلام أجاب بانحصار المخرج في التوبة و عدم لزوم الرد كما هو مفاد الآية الكريمة.
و يدلّ عليه أيضاً عموم التعليل الوارد في صحيحة الحلبي عن أبي جعفر عليه السلام: إن كنت تعلم بأن فيه مالاً معروفاً رباً وتعرف أهله فخذ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك. وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فإن المال مالك واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا وحرّم ما بقي، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه ووجبت عليه فيه العقوبة إذا ركبه كمايجب على من يأكل الربا(2) لأن القدر
**
(1) تفسير آلاء الرحمان 245/1.
(2) جامع الأحاديث 167/18 الباب 17 من أبواب الربا ح 7.
المتيقن من وضع ما وضع هو ما أخذه الكافر وأكله، فالرواية لو لم تدل على كفاية الجهل - ولو عن المسلم - في حلية ما أخذ وأكله لدلّت بالنسبة الى الكافر كما لايخفى.
هذا مضافاً الى قاعدة جبّ الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الإسلام يجب ما قبله(1) وقد عمل بها الأصحاب في سقوط الزكاة عن الكافر بالإسلام وإن كان النصاب موجوداً، وفي سقوط قضاء الصلوات عنهم وهكذا غيرها من الأعمال و التروك التي ارتكبها حال كفره، وكان لها مجازاة أو آثار في الإسلام فيرتفع عنه بالإسلام، وهذا حكم الهي سياسي يوجب جذب الكفار نحو الإسلام.
و لعلّ الربا من الأحكام التي جعل الإسلام فيه الحرمة ووجوب الردّ و نحوهما، ومقتضى ذلك هو سقوط ذلك بالإسلام، و ليس الربا كالعقود و الايقاعات و الديون العرفية التي لاتسقط بالإسلام.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن أحكام الربا لاتختص بالإسلام بل هي محرمة في الشرائع السابقة، وعليه فشمول قاعدة الجب لمثل المقام محل تأمل، وان استدل بها السيد في الملحقات.(2)
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن الربا صار كالمنسوخ في الأمم السالفة.
وكيف كان فلا يبعد دعوى أن سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله لم تكن على الحكم بردّ الربا بالنسبة الى الكفار الذين كانوا يربون ثم يسلمون، كاليهود مع أن الربا محرّم عليهم.
ثم إن السيد بعد أن استظهر من الأدلة عدم وجوب الرد وإن كان المال الربوي موجوداً قيّده بما إذا كان الدافع أيضاً كافراً، وأما إذا كان الدافع مسلماً فاستشكل فيه.(3)
و أورد عليه في جامع المدارك بأنه تقييد بلا شاهد.(4)
**
(1) السيرة الحلبية 105/3، الخصائص الكبرى 249/1.
(2) الملحقات 14/2.
(3) الملحقات 14/2.
(4) جامع المدارك 250/3.
و لعل وجه التقييد هو ما أشار إليه في الجواهر من أن المعاملة إذا كان الطرف الآخر عالماً فاسدة قطعاً، لحرمة الربا وفساد المعاملة بالنسبة الى العالم، وذلك يقتضي فسادها بالنسبة الى الجاهل.(1)
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن المعاملة الربوية فاسدة سواء كان الدافع والآخذ كلاهما كافرين أو أحدهما كافراً والآخر مسلماً، ولكن الشارع وضع عنهم ما مضى من باب الارفاق والتسهيل، ولافرق في التعبد الشرعي بين الصورتين كما لايخفى.
ثم إن مقتضى إطلاق التعليل بالجهالة هو عدم وجوب الرد بالنسبة الى الكافر مطلقاً من دون فرق بين كون المال الربوي موجوداً أو غير موجود. فالحكم بالرد في بعض الأخبار مع اختصاصه بإرث المسلم محمول على الاستحباب; لقوة ظهور تعليل الجواز بالجهالة بالنسبة الى ظهور الهيئة في الوجوب فيحمل الهيئة على الاستحباب.
ثم إنه لو وقعت المعاملة حال الكفر لكن لم يقبض حتى أسلم لم يجز له قبضه; لقوله: وذروا ما بقي من الربوا; لأنه قبل القبض يصدق عليه ما بقي بخلاف ما إذا قبضه كما لايخفى.
**
(1) الجواهر 404/23.
و لايخفى عليك أن الأصحاب اختلفوا فيه. فعن الصدوق في المقنع والشيخ في النهاية هو أنه حلال له ولايجب عليه ردّه، وهو المحكى عن جماعة من المتأخرين كالنافع والآبي والقطيفي والدروس والأردبيلي والحدائق والرياض، بل قال في الحدائق: ولاخلاف في العذر مع الجهل. وقال في الرياض: كفاه الانتهاء عنه والتوبة، فلا يجب عليه شيء من الاُمور، ولكن المحكى عن الدروس انه كالعالم في وجوب الرد ونسبه الى المتأخرين، وكيف كان فقد استدل له بالآية الشريفة: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ) لظهورها في صورة الجهل بقرينة الصدر والذيل كما مر.
قال في الرياض: تعليل حل أكل الربا المختلط بوضع الرسول صلى الله عليه وآله ما مضى منه كالصريح في أن المراد بما مضى نفس الربا في حال الجهل مطلقا. و منه يظهر صحة تفسير الآية بما قدمناه كماهو أيضاً ظاهرها.
ثم إن مقتضى عموم الآية هو عدم صحة حملها على خصوص ما كان في الجاهلية من الربا. هذا مضافاً الى أن الحمل المزبور لاتساعدها الأخبار الدالة على استدلال الأئمة عليهم السلام بالآية على حلية ما أخذه الجاهل في حال جهله ولو في زمان ظهور الإسلام. كما سيأتي الاشارة إليها إن شاء الله تعالى.
و مما ذكر يظهر ضعف ما ذهب إليه ابن إدريس في مفاد قوله تعالى: (فَلَهُ مٰا سَلَفَ) من أن المراد أنه ليس عليه شيء من العقاب; لبعده عن ظاهر الآية وكلام المفسرين وبعض الروايات الواردة حول الآية الكريمة.
و استدل له أيضاً بالأخبار:
منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يأكل الربا وهو
يرى أنه حلال قال: لايضرّه حتى يصير متعمداً فإذا أصابه متعمداً فهو بمنزلة الذي قال الله عزّوجلّ.(1)
بدعوى أن ظاهره - كما في الحدائق - هو حل ما أكله حال الجهل وأنه لايضرّه ذلك حتى يكون متعمداً، يعني لايأثم ولايجب عليه ردّه إلاّ في صورة العلم. انتهى. إذ لو وجب عليه الردّ لأشار إليه في جواب السؤال عن أحكامه، فترك الاستفصال في السؤال عن انه عن الحكم التكليفي أو الوضعي أو كليهما يوجب ظهور الجواب في كليهما، فيدل على أنه لايجب عليه ردّه كما لاإثم عليه.
ثم إن الظاهر منه هو الجهل بالحكم لاالجهل بالموضوع; لأن الظاهر أن الضمير في قوله: «انه حلال» راجع الى نفس الربا.
ومنها: صحيحة أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: ان رجلاً أربى دهراً من الدهر فخرج قاصداً أبا جعفر عليه السلام فسأله عن ذلك فقال له: مخرجك من كتاب الله عزّوجلّ: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ) و الموعظة هي التوبة لجهله بتحريمه ثم معرفته به، فما مضى فحلال وما بقي فليحفظ.(2)
بدعوى أنه كالصريح بل صريح في حلّ ما أكله حال الجهل - كما في الحدائق - ولعل وجه الصراحة هو قوله عليه السلام: لجهله بتحريمه... إلخ. هذا مضافاً الى تطبيق الآية المخصوصة بحال الجهل على المورد، فانه مما يشهد على أن المورد صورة الجهل. ولعلّ ترك الاستفصال بين الجهل بالحكم والجهل بالموضوع يوجب تعميم الجواب بالنسبة الى كليهما، ولكن مقتضى اختصاص الجهل بالتحريم في الذيل هو اختصاص مورد السؤال بصورة الجهل بالحكم.
**
(1) جامع الأحاديث 165/18 الباب 17 من أبواب الربا ح 1.
(2) جامع الأحاديث 168/18 الباب 17 من أبواب الربا ح 11.
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم دخل رجل على أبي جعفر عليه السلام من أهل خراسان قد عمل بالربوا حتى كثر ماله ثم انه سئل الفقهاء فقالوا: ليس يقبل منك شيء إلاّ أن تردّه الى أصحابه فجاء الى أبي جعفر عليه السلام فقصّ عليه قصّته فقال له أبوجعفر عليه السلام: مخرجك من كتاب الله عزّوجلّ: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اَللّٰهِ) و الموعظة التوبة.(1)
بدعوى ان الاكتفاء بالتوبة - في مقابل قول الفقهاء - يدلّ على حصر المخرج في التوبة رغماً على الفقهاء الذين حصروا المخرج في الردّ. وحيث إن الآية الكريمة بقرينة صدرها وذيلها مختصة بالجاهل فتطبيق الإمام عليه السلام إياها على مورد السؤال يكشف عن أن المراد من الرجل المذكور هو الذي قد عمل بالربوا وهو جاهل.
و لعلّ هذه الرواية بقرينة صحيحة أحمد بن محمد بن عيسى التي اشير فيها الى أن الملاك في التحليل هو الجهل بالتحريم محمولة أيضاً على صورة الجهل بالحكم.
ومنها: صحيح الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام: كل رباء أكله الناس بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة.
و قال عليه السلام: لو أن رجلاً ورث من أبيه مالاً وقد عرف أن في ذلك المال رباً ولكن قد اختلط في التجارة بغيره حلال كان حلالاً طيباً فليأكله. وإن عرف منه شيئاً أنه رباً فليأخذ رأس ماله وليردّ الربا، وأيما رجل أفاد مالاً كثيراً قد أكثر فيه من الربا فجهل ذلك ثم عرفه بعد فأراد أن ينزعه فيما مضى فله ويدعه فيما يستأنف.(2) (أفدت المال أي استفدته، فأراد أن ينزعه أي أراد أن ينتهي عنه). و الظاهر أن قوله: فيما مضى لايخلو من التصحيف، فالظاهر
**
(1) جامع الأحاديث 168/18 الباب 17 من أبواب الربا ح 8.
(2) الكافي 145/5 ح 4.
أنه «فماض» بقرينة ذيله. هذا مضافاً الى نقل (فما مضى) في الفقيه على المحكي. واستدل به بدعوى أن ظاهرها هو أن مع الجهل لايجب عليه ردّه ولكن مقتضى قوله: فجهل ذلك ثم عرفه هو صورة الجهل بالحكم فلا يعم غيرها فتأمل.
و مما ذكر يظهر ما في جامع المدارك حيث قال: ولعل الجهالة في بعض الأخبار محمولة على غير الجهل بالحكم بل على السفاهة. و لاحظ صحيحة محمد بن مسلم المذكورة وجواب الإمام عليه السلام على المحكى: مخرجك من كتاب الله... الخ ولم يستفصل: هل كنت عالماً أو جاهلاً، و هل مثل هذا الجواب يجتمع مع التقييد بالجهل بالحكم أو بالموضوع؟ فلا يبعد كفاية التوبة ممن كان يربي و انزجار من كان يرث منه وتوجّهه الى قبحه. نعم يظهر من بعض تلك الأخبار مدخلية الجهل وربما يقع التعارض بينهما.(1)
و ذلك لأن جهالة الصدر بقرينة قوله عليه السلام في صحيح الحلبي «فجهل ذلك ثم عرفه» هو الجهالة في مقابل العلم لابمعنى السفاهة. وعليه تكون الرواية كغيرها في مقام بيان المخرج. فحصرته في التوبة في صورة كون المرابي جاهلاً.
و أما ما أشار إليه في صحيحة محمد بن مسلم من أن موضوعها هو العالم ففيه ما لايخفى، فإن التمسك بالآية الكريمة أعني (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ) خير شاهد على اختصاص الموضوع بالجاهل; لما عرفت من اختصاص الآية بالجاهل.
و مما ذكر يظهر رفع المعارضة بين صحيحة محمد بن مسلم وما دلّ على مدخلية الجهل، بل هي موافقة مع غيرها مما دلّ على مدخلية الجهل.
ومنها: صحيحه الآخر أتى رجل أبي فقال: إني ورثت مالاً وقد علمت ان صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي وقد أعرف أن فيه رباً واستيقن ذلك وليس يطيب لي حلاله; لحال
**
(1) جامع المدارك 252/3.
علمي به وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا: لايحلّ أكله، فقال أبوجعفر عليه السلام: إن كنت تعلم بأن فيه مالاً معروفاً رباً وتعرف أهله فخذ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك. وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً مريئاً فإن المال مالك و اجتنب ما كان يصنع صاحبه، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا و حرّم عليهم ما بقى، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه، فاذا عرف تحريمه حرم عليه ووجبت عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا.(1)
و حيث إن الوارث عالم بحكم الربا فتعليل الجواز في الذيل بالجهالة بالحكم لاينطبق عليه; لأنه عالم بالحكم وإن لم يعرف المال الربوي بالخصوص; لأن المعتبر في التعليل هو الجهالة بالحكم بناءً على أن قوله: فاذا عرف... الخ بياناً للمراد من قوله: فمن جهله وسع له جهله... الخ. لاأنه بعض موارده ومصاديقه. وعليه فالتعليل منطبق على المورث بناءً على حمله على كونه جاهلاً بالحكم. وعليه فمقتضى التعليل ان الجهل بالحكم موجب للوسعة والحلية حتى بالنسبة الى المال الذي علم بكونه من ربا، ولذا يحمل الأمر بالرد - فيما إذا كان المال الربوي معروفاً ومعيناً على الاستحباب.
وكيف كان فقوله عليه السلام: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا وحرّم عليهم ما بقي، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه فاذا عرف تحريمه حرم عليه و وجبت عليه فيه العقوبة... الخ كالصريح في أن الجهالة بالحكم موجبة للوسعة والحلية، وأما شموله بالنسبة الى الجهالة بالموضوع فغير ثابت.
ومنها: خبر أبي الربيع الشامي قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل أربى بجهالة ثم أراد أن يتركه قال: أمّا ما مضى فله وليتركه فيما يستقبل. الحديث.(2)
هذا هو العمدة من الأدلة. وأما التمسك بالأصل فلا مجال له بعد وجود الأدلة الاجتهادية
**
(1) الكافي 145/5 ح 5.
(2) الوسائل 432/12 الباب 5 من أبواب الربا ح 4.
في المقام، كما لامورد لاستصحاب حال الجهل الى ما بعد المعرفة; لأن الحكم الظاهرى متقوّم بصورة الجهل، فلا يمتد الى صورة المعرفة.
وكيف كان فالقدر المتيقن من الأخبار هو صورة الجهل بالحكم، فلا تشمل الأخبار للجهل بالموضوع. هذا مضافاً الى أن تعليل الحلية بالجهل بالتحريم في جملة من الأخبار يصلح لتقييد المطلقات ان تمت دلالتها على الاطلاق.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: ان قوله عليه السلام - في صحيحة هشام بن سالم: لايضره حتى يصير متعمداً، يدلّ على ان المرتكب ما لم يصر متعمداً كان في حلّ. ولكن لقائل أن يقول: إن الضمير في قوله: لايضره راجع الى من يرى الربا حلالاً، وعليه فلا يشمل صورة الجهل بالموضوع.
و مما ذكر يظهر ما في الملحقات حيث ذهب الى إطلاق الأخبار من جهة اقسام الجاهل، مع ما عرفت من قصورها بالنسبة الى الجاهل بالموضوع نعم لافرق بين أن يكون الجهل تقصيرياً أو قصورياً ولابين أن يكون بسيطاً أو مركباً.
وكيف كان فقد أورد في الجواهر على الاستدلال بالأخبار على حلية المأخوذ في حال الجهالة بأنه لايصلح للفقيه الجرئة بمثل هذه النصوص التي لايخفى عليك اضطرابها في الجملة، وترك الاستفصال فيهاعن الربا أن صاحبه كان جاهلاً بحرمته أو عالماً، والأمر فيها بالتوبة مع عدم الذنب حال الجهل الذي يعذر فيه، بل قد اشترط في الآية الحلّ بها وحمله على الجهل الذي لايعذر ينافيه ما في خبر الباقر عليه السلام السابق من الحاق مثله بالعالم، وترك الاستفصال فيها عن الربا في القرض والبيع، وقد عرفت الفرق بينهما وغير ذلك على مخالفته الضوابط السابقة والاقدام على حلّ الربا الذي قد ورد فيه من التشديد ما ورد.(1)
**
(1) الجواهر 401/23-402.
و اُجيب عنه أوّلاً: بمنع اضطراب الأخبار.
وثانياً: بأن كثيراً ما يؤمر بالتوبة مع كون الشخص معذوراً، وليس ذلك إلاّ بلحاظ المفاسد والحرمة الواقعية والقبح الفعلي. وإن أبيت عن ذلك فيحمل مورد الآية والأخبار الدالة على حلية المأخوذ على ما إذا كان الجهل تقصيرياً، ثم يلحق الجهل القصوري بالتقصيري في ايجاب الحلية بالأولوية، أو الجاهل المقصر إذا كان في حلّ فالجاهل القاصر يكون كذلك بالاولوية العرفية.
وثالثاً: بانّا نلتزم باشتراط التوبة في الحلية، وهكذا نقول بعدم الفرق بين القرض و البيع ونحوه.
ورابعاً: بأن ما دل على تشديد حرمة الربا مطلق فيصح تقييده أو تخصيصه بصورة العلم والعمد جمعاً بين الأدلة.
و أما ما أورده في الجواهر في أخير كلامه من أن النصوص المزبورة ظاهرة في معذورية من تناول الربا جهلاً، وهو شامل لما إذا كان الطرف الآخر عالماً، مع أن المعامله حينئذ فاسدة قطعاً; لحرمة الربا و فساد المعاملة بالنسبة الى العالم، وذلك يقتضي فسادها بالنسبة الى الجاهل، فلابدّ من التزام امور عظيمة حينئذ بالنسبة الى حلّ مال الغير في يد الآخر، و عدم جواز أخذه لمالكه مع وجود عينه و غير ذلك مما يصحب التزامه وأيضاً الجاهل الغير المعذور الذي قد تاب مندرج في قوله تعالى: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ) ومنه ينقدح الاشكال في النصوص المزبورة المشتملة على تفسير الموعظة بالتوبة. مضافاً الى ظهور الآية وغيرها أن المراد من (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ) أي امتثل ما جاء من ربّه من النهي، فهو ظاهر في أوّل النزول. و الله العالم.(1)
**
(1) الجواهر 404/23.
ففيه أوّلاً: ان مقتضى إطلاق النصوص هو الحكم بصحة المعاملة الربوية فيما إذا كان الآخذ جاهلاً بالحكم ولو كان الطرف الآخر عالماً، ومع تقديم هذه النصوص على مطلقات حرمة الربا لادليل على فساد المعاملة بالنسبة الى الدافع العالم.
وثانياً: ان دعوى معارضة قوله تعالى: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ... الآية) مع قوله تعالى: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ) كماترى بعدما عرفت من ظهور الاولى في صورة الجهل بقرينة صدرها وذيلها والأخبار الواردة في تطبيقها مع التعليل بالجهالة فيها، و ظهور الثانية في صورة العلم كما يشعر به قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ... الآية) فإذا كانت الآية الثانية مختصة بصورة العلم فلا وجه لدعوى اندراج الجاهل بغير المعذور فيه.
كما لاوقع للإشكال باشتمال بعض الأخبار على تفسير الموعظة بالتوبة، مع ان الظاهر ان المراد منهاورود النهي المعلوم; لما في الملحقات من أن التفسير المذكور بملاحظة ان العلم بورود النهي سبب للتوبة، فهو من باب إطلاق المسبب على السبب.(1)
وهكذا لاوجه لدعوى اختصاص قوله تعالى: (فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ) بأوّل النزول مع إطلاق الوارد; فإن خصوصية المورد لاتسري الى إطلاق الوارد.
وهنا اشكال آخر وهو - كما في جامع المدارك - ان حرمة الربا عدّت من الضروريات حتى قيل: ان مستحله كافر; لانكار الضروري من الدين (فلا يسمع ممن ادعى من المسلمين الجهل بحرمة الربا).
ويمكن الجواب عنه بامكان ذلك لمن كان بعيداً عن المجتمعات الإسلامية كما لايخفى.
فانقدح من مجموع ما ذكر قوة الأخذ بالأخبار المذكورة للحكم بالحلية بالنسبة الى ما
**
(1) الملحقات 18/2.
وقع من الربا في حال الجهل بالحكم، سواء كان الجهل قصورياً أو تقصيرياً، بسيطاً أو مركباً، وسواء كان الدافع عالماً أو جاهلاً.
وأما شمولها للجهل بالموضوع أو بعض خصوصياته فهو غير واضح.
نعم الأحوط هو ردّ الربا المعلوم الموجود المأخوذ في حال الجهالة بالحكم وإن كان الأظهر عدم وجوب ذلك.
ومما ذكر ينقدح حكم ما إذا قلّد في بعض المسائل التي اختلف العلماء في كونه رباً أوْلا - من جهة الشبهة الحكمية - من يقول بعدم كونه رباً فارتكبه. ثمّ بعد موت مقلّده قلّد من يقول بكونه رباً، فان الظاهر انه يصدق عليه انه ارتكب الربا مع كونه جاهلاً بحكمه. فيدخل في الأخبار الدالة على حلية ما أخذه وعدم وجوب ردّه وإن كان موجوداً. ولاحاجة الى ما في الملحقات من ان فتوى مقلده كان حكماً شرعياً في حقه ولاينتقض بتقليده من يقول بالحرمة كما هو الحكم في سائر الموارد، لكن بشرط أن يكون الدافع أيضاً ممّن يقلد ذلك المجتهد، وإن كانت المعاملة باطلة لأجل بطلانها من طرفه.(1)
هذا مع ما فيه من انتقاض رأي الميت برأي الحيّ; لكون فتوى الحيّ من الامارات وهي حجة بالنسبة الى ما قبل، كحجيته بالنسبة الى ما بعد; إذ لاتختص امارية الفتوى بزمان دون زمان، فمع انتقاض رأي الميت برأي الحيّ لادليل على صحة معاملاته السابقة. اللّهمّ إلاّ أن يقال: بالاجزاء في الامارات بدعوى أن أدلة اعتبارها تدل بلسان الحكومة على اكتفاء الشارع بها في مقام الامتثال، فالامارات كالواقعيات حال الاستناد إليها في كونها موجبة لسقوط الأمر، ومع سقوط الأمر لامجال للاعادة والقضاء وليس معنى الاجزاء إلاّ إياه. والتفصيل موكول الى محلّه.
**
(1) الملحقات 18/2.
ثم إنّ اشتراط كون الدافع ممن يقلد ذلك المجتهد لاملزم له بعد إطلاق الأخبار الواردة في حلية المأخوذ في حال الجهالة كما مرّ آنفاً.
ثم إنه لو بقي شيء من المعاملة السابقة فهل يجوز له أخذه بعد عدوله الى الحي أو لايجوز؟ فإن كان الباقي من جهة الإمهال في الديون فلا يجوز أخذه; لأنه رباً جديد، والمفروض ان المجتهد الفعلي يفتي بحرمة أخذه. وإن كان الباقي من جهة المعاملة السابقة المحكومة بالصحة أمكن القول بجواز أخذه، فإنه وفاء لما ملكه سابقاً فهو من أمواله ولايصدق عليه الربا. والتمسك بقوله تعالى: (وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا) مشكل بعد عدم صدق الربا عليه.
و مما ذكر يظهر حكم ما إذا شرط الجاهل في حال جهالته في ضمن المعاملة شيئاً لايكون بنظر المجتهد السابق من المعاملة الربوية، فإن أتى به في حال الجهالة فلا كلام وإن لم يأت به فإن كان الشرط بنحو شرط النتيجة فالنقل والانتقال وقع في حال الجهالة، ومعه لايصدق عليه الربا بل أخذه بعد الجهالة وفاء لما ملكه سابقاً.
وان كان الشرط بنحو شرط الفعل ولم يأت به حال الجهالة، فلا يجوز ذلك بعد عدوله الى الحي ومعرفته بان الفعل المشروط فعل ربوي; لأنه ليس وفاء بما ملكه سابقاً وإن كان وفاءاً بالشرط السابق، وعليه فهو رباً حادث فلا يجوز.
و هي اُمور:
منها: أنه إذا ورث مالاً وشك في أن مورّثه كان يربي أو لافلا اشكال في جواز أن يبني على عدم صدور ذلك منه، فلا يجب عليه ردّ شيء أو تصدّقه أو تخميس المال، فإن هذه الاُمور متفرعة على العلم بصدور الربا والمفروض هو العدم. وأما جواز التصرف في التركة مع الشك المذكور; فلجريان أصالة الصحة في معاملاته التي كانت موجبة لتملك التركة.
هذا مضافاً الى أن التركة مما كانت يد المورّث عليها واليد امارة الملكية.
ومنها: إذا علم أن المورث كان يربي إلاّ أنه لايدري أنه كان على الوجه المحرّم أو المحلل بإعمال الحيل الشرعية - بناءً على جوازه - أمكن له أن يبني على الصحة إذا كان احتمال ذلك ممكناً في حقه; وذلك لجريان أصالة الصحة; لأنه صدر منه فعل يشك في صحته وفساده فيمكن حمله على الصحة بأصالة الصحة.
ومنها: إذا علم أن المورّث كان يربي ولكن احتمل كونه جاهلاً بالحكم، فإن كان هذا الاحتمال مسبوقاً بالعلم، بمعنى علمنا أنه لم يعلم بالحكم في وقت ونشك بعده انه علم بالحكم أو لم يعلم، فمقتضى الاستصحاب هو بقاء جهله الى حال المعاملة، وعليه فيندرج في إطلاق الأخبار الدالّة على حلّية ما أخذه الجاهل.
وإن لم يكن كذلك وشككنا في كونه جاهلاً بالحكم أو عالماً فلا مجال للتمسك بالأخبار المذكورة; لأن موضوعها هو الجاهل ولم يحرز في المقام.
و أما التمسك بأصالة الصحة فإن قلنا بأن المدرك لاصالة الصحة هو خصوص ظهور حال المسلم فلا مجرى لها، فإنها مختصة بصورة العلم بشرائط الصحة و الفساد: إذ مع الجهل لاصحيح عنده حتى يحمل عليه، فمع احتمال الجهل بالحكم في حقه لايحرز العلم حتى يحمل فعله على علمه.
و إن قلنا بأن المدرك هي السيرة كما هو الظاهر، فإن السيرة قائمة على العموم خصوصاً مع جهل غالب العوام بالأحكام، فمجرى أصالة الصحة يعمّ صورة العلم و الجهل بالواقع، والمدار هو الصحة الواقعية، فلا اعتبار لعلم الفاعل بالصحيح و الفاسد حتى يقال بأنه عمل صحيحاً، بل يجري الأصل مع جهله ولكن مع احتمال مصادفته للواقع. ففي المقام حيث كان احتمال الجهالة موجوداً ومعه كان محكوماً بالصحة فلا اشكال في الأخذ بأصالة الصحة فتدبر جيداً.
ومنها: أنه إذا علم أن المورّث كان يأخذ الربا على الوجه المحرّم لكن الوارث لم يعلم بوجود الربا في التركة، لاحتمال أنه كان مشغول الذمة لمن يأخذ الربا منه وكان يحسب من ذلك أمكن له التمسك بأصالة الصحة في التركة مضافاً الى أصالة اليد.
و مما ذكر يظهر حكم ما إذا علم بأخذه على الوجه المحرّم ولم يعلم بقاؤه في تركته; لأن استصحاب بقائه لايثبت وجوده في تركته، وعليه فتجري أصالة الصحة أو أصالة اليد بالنسبة الى ما في يده نعم لو كان يربي غالباً فجريان أصالة اليد محل نظر ومنع، بل يشكل جريان أصالة الصحة. اللّهمّ إلاّ أن يقال: بجريان أصالة الحلية ولكنها محكومة بأصالة الفساد كما لايخفى.
ومنها: ما إذا علم بوجوده في تركته معيناً أو غير معين ولكن يحتمل أنه بعد أن ارتكب الربا عالماً عامداً أصلح ماله بأن ردّ الزائد أو أرضى المالك أو نحو ذلك فهو محكوم بحكم الربا، فإن كان الربا معيناً فإذا كان مالكه معلوماً وجب عليه ردّه. وإذا كان المالك مجهولاً فيترتب عليه حكم مجهول المالك على التفصيل الذي سبق في الجهة الثامنة.
و إن كان الربا مختلطاً فإذا كان مالكه معلوماً فاللازم هو المصالحة معه بالتفصيل الذي قد تقدم في الجهة الثامنة.
و إذا لم يكن مقدار المال المختلط والمالك معلومين فقد تقدّم أن الواجب حينئذ هو
التخميس، ولاينفع في الحلّية حمل أمره على الصحة; إذ لافعل معاملي من المورّث حتى يشك في صحته ويجري فيه أصالة الصحة. نعم لو عامل بما أخذه على الوجه المحرم معاملة اُخرى واحتمل أنه أصلح ماله باسترضاء المالك ونحوه أمكن القول بجريان أصالة الصحة، كما ذهب المحقق الاصفهاني و شيخنا الاُستاذ الأراكي قدّس الله أسرارهما الى جريان أصالة الصحة فيما إذا باع المتولي الوقف واحتمل الصحة في حقّه.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن في بيع الوقف لاحاجة الى الانتساب، وأما في المقام الذي يحتاج الى الانتساب - لتوقف الصحة الفعلية للمعاملة على أن يكون الشيء الذي عامل فيه من أمواله - فالموضوع المحكوم بالصحة الفعلية غير محرز، لا أن الموضوع محرز والشك في صحته وفساده; لأن المال الربوي ليس من أمواله، فهو كالشك في صحة ما عامله الفضولي من جهة الشك في لحوق الاجازة من مالكه، فإنه لايمكن القول بالصحة الفعلية فيه; لجريان أصالة الصحة كما لايخفى.
ومنها: انه إذا علم انه ارتكب الربا عالماً عامداً ولكن تلف المال الربوي ولم يبق في تركته: ومع ذلك شك في اشتغال ذمته بعوضه و عدمه من جهة احتمال أنه أصلح ماله قبل تلفه، فقد ذهب السيد (قدس سره) الى أن الظاهر هو الحكم باشتغال ذمته; لأصالة عدم الاصلاح و بقائه في عهدته، فيكون كما لو علم.(1)
ويمكن أن قال إن اشتغال الذمة بالعوض بعد التلف ليس له حالة سابقة بعد احتمال الاصلاح قبل تلفه، واستصحاب عدم الاصلاح لايثبت اشتغال الذمة.
إلاّ أن يقال إنّ موضوع الاشتغال مركب من تلف مال الغير عنده و عدم الاصلاح بمثل الاسترضاء، و حيث إنّ التلف وجداني و عدم الاصلاح محرز بالاستصحاب فيحكم
**
(1) الملحقات 19/2.
بالضمان واشتغال الذمة كما لايخفى. هذا مضافاً الى أن قاعدة على اليد ما أخذت حتى تؤديه بعد فساد المعاملة الربوية تدلّ على اشتغال عهدته فعلاً بردّ العين ما دامت موجودة وعوضها عند تلفها، فيستصحب بقاء العهدة المذكورة عند التلف، ومقتضاها هو اشتغال الذمة بعوض العين مع التلف.
ومنها: ما إذا علم باشتغال ذمة مورّثه بعوض التالف ولكن شك في بقاء شغل ذمته، لاحتمال تفريغه أو إبراء الدائن، أمكن له اجراء استصحاب بقاء الاشتغال; إذ مع الاستصحاب المذكور ينقّح موضوع قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ... الآية)(1) ومع تنقيح الموضوع المذكور يجب عليه أداء دين الميت من التركة قبل الارث.
و أورد عليه في الملحقات بانه يمكن أن يقال بعدمه; لأن المناط في الوجوب كونه ديناً على المورّث متعلقاً بتركته، وهذا لايثبت باستصحاب الوارث; لأن الواجب عليه أداء دين المورّث من التركة، وهذا يتوقف على علمه به أو ثبوته أو باقرار المورث أو شكّه في الأداء وجريان الاستصحاب في حقّه. وأما شك الوارث فلا ينفع في ثبوت دين على المورّث وتكليفه، فالواجب وفاء تكليف المورّث، وليس دينه موضوعاً لتكليف عليه حتى يكفي استصحاب بقائه. ففرق بينه و بين ما إذا نذر إعطاء درهم للفقير إذا كان فلان مديوناً، فان استصحاب بقاء دينه المعلوم سابقاً يكفي في وجوب إعطاء الدرهم، بخلاف ما نحن فيه، فان دين المورّث ليس موضوعاً لتكليفه، بل هو مكلف بأداء تكليف المورث، وكونه مكلفاً غير معلوم.
و نظير المقام ما إذا وكّله شخص في أداء ديونه من ماله الذي بيده، وكان الوكيل عالماً بكون الموكّل مديوناً سابقاً لزيد وشك في بقائه، فانه لايجوز له استصحاب بقاء دين الموكّل
**
(1) النساء / 11.
و اداؤه من ماله; لعدم علمه به وعدم ثبوته باستصحابه; لأن المناط شك الموكّل لاشكه، فانّ شك شخص لايكفي في الاستصحاب لاثبات تكليف شخص آخر.
والمسألة سيالة فيكون من قبيل المقام شك الولد الأكبر في أن الوالد أتى بما عليه من الصلاة أو الصوم أو لا، وشك الوارث في انّ المورّث أدّى ما وجب عليه من الخمس أو الزكاة أو المظالم التي كانت عليه أو لا.
نعم في الدعاوي إذا شهدت البينة بكون زيد مديوناً لعمرو سابقاً يجوز للحاكم أن يجري الاستصحاب ويحكم على زيد بوجوب الأداء بخلاف ما إذا لم يكن هناك مدّع.(1)
وصرح أيضاً في كتاب الصوم أحكام القضاء في مسألة 25 بانه لو علم الولي انه كان على الميت القضاء وشك في اتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمته فالظاهر عدم الوجوب عليه باستصحاب بقائه.
ويمكن أن يقال: إنا نمنع أن لايكون دين المورّث موضوعاً لتكليف الوارث مع أنه مكلف بأداء ديون مورّثه من تركته، كما يظهر من قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ... الآية) فكما أن العمل بالوصية من وظائف الوصي فكذلك أداء الدين من وظائف الوارث بعد موت مورّثه. ولاينافي ذلك كون المورّث مكلفاً أيضاً بأداء ديونه في حال حياته. فالاستصحاب منقّح للموضوع كما ينقّح موضوع وجوب النذر من دون فرق بينهما.
و ان أبيت عن ذلك وقلت: إنّ الموضوع هو أداء تكليف المورّث وكونه مكلفاً غير معلوم، قلت: بأنّ هذا الموضوع أيضاً معلوم سابقاً وشك في بقائه فيستصحب الى حين الموت فينقّح بذلك موضوع تكليف الوارث، فإن المورّث كان مكلفاً بأداء دينه فعند الموت شككنا في أنه مكلف بأداء دينه أو لا، فمقتضى الاستصحاب انه كان عند الموت مكلفاً بالأداء كما كان، فيجب على وارثه أداء ما كان المورّث مكلفاً بأدائه.
**
(1) الملحقات 19/2-20.
و هكذا يمكن أن نقول في نظائر المسألة، فان الولد الأكبر مكلف بقضاء ما لم يأت به الميت فاذا علم بأن الميت ترك صلوات أو صيام في زمان حياته ثم شك في أنه قضاها قبل موته أو لم يقضها لكفى استصحاب عدم الاتيان بها، وبذلك ينقّح موضوع تكليف الولي. كما انه إذا شك الوارث في أن المورّث ادّى الخمس أو الزكاة أو المظالم بعد العلم بالاشتغال بها او لم يؤدّها أمكن له تنقيح موضوع تكليفه بالاستصحاب.
بل الوكيل موظف بأداء ديون الموكّل، فإذا علم بالديون وشك في أدائها فله استصحاب عدم أدائها.
و بالجملة لافرق في جريان الاستصحاب بين أن يكون الشاك هو الميت حال حياته أو كان الوارث أو الولي. والملاك في الجريان هو ترتب الأثر الشرعي وهو موجود في المقام و نظائره; لوجوب أداء ديون الميت وقضاء ما لم يأت به الميت على وليّه وغير ذلك.
وربما يستدل بصحيحة الصفار المروي عن الكافي عن محمد بن يحيى قال: كتب محمد بن الحسن الصفار الى أبي محمد عليه السلام... أو تقبل شهادة الوصي على الميت مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع: نعم من بعد يمين.(1) بدعوى انه يدلّ على ان دعوى الدين على الميت تحتاج الى ضمّ اليمين ولاتثبت بمجرد البينة، ومن المعلوم أن البينة بمجرّدها كافية في اثبات الدين على الميت من غير حاجة الى ضم اليمين من هذه الجهة، أي من جهة اثبات أصل الدين، وإنما هو لأجل ابقاء الدين بعد ثبوته إذ لعلّ الميت وفي أوانّ الدائن ابرأ وعفا، وليس الميت حاضراً ليدافع عن نفسه، فالتخصيص إنّما هو في دليل الاستصحاب لافي دليل حجية البيّنة، فاليمين يمين استظهاري لدفع هذه الاحتمالات بعد ان لم يكن الاستصحاب جارياً، بل لاخصوصية للبيّنة، بل الأمر كذلك فيما إذا علم بالدين وجداناً أو أقرّ الورثة بالدين; لأن المعيار هو عدم جريان الاستصحاب مع تطرق احتمال الوفاء أو الابراء في الجميع.
**
(1) الوسائل 273/18 الباب 28 من أبواب الشهادات ح 1.
و فيه - كما أفاد السيد المحقق الخوئي (قدس سره) - انه ممنوع بعد احتمال أن يكون ضمّ اليمين لأجل التخصيص في دليل حجية البيّنة، فلا تكون حجة في اثبات الدعوى على الميت ما لم تقترن باليمين، حيث إنّ الدعاوى مختلفة فبعضها تثبت بشاهد واحد ويمين، واُخرى لابدّ فيها من شهادة رجلين عادلين، وثالثة يكتفى بشهادة رجل وامرأتين بل وشهادة النساء فقط، كما في مثل دعوى القذف، ورابعة تعتبر فيها شهود أربعة، كما في الزنا وما يلحق به من اللواط والسحق فموارد الدعاوى مختلفة، فمن الجائز أن تختص الدعوى على الميت بعدم ثبوتها بمجرد البيّنة، بل لابدّ من ضمّ اليمين بحيث يكون اليمين جزء من المثبت ويكون الدليل ملفقا منهما، فالبينة وحدها لاتفي باثبات الدين بل بضميمة اليمين. وأما الاستصحاب فلم يزل باقياً على حجّيته. والبقاء مستند إليه دون اليمين، و لذا لو أقرّ الوارث أو علم بالدين من الخارج لم تكن حاجة الى اليمين، لكونه متمماً لدليلية البينة دون غيرها من الأدلة، فعلى كون التخصيص بالنسبة الى البينة لاالاستصحاب فالاستصحاب جار في المقام ولامانع منه.(1)
ويستدل أيضاً بخبر عبدالرحمان بن أبي عبدالله المروي عن الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن محمد بن عيسى بن عبيد عن ياسين الضرير عن عبدالرحمان بن أبي عبدالله قال: قلت للشيخ عليه السلام: خبّرني عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحق... قال عليه السلام:... وإن كان المطلوب بالحق قد مات فاقيمت عليه البيّنة فعلى المدعي اليمين بالله الذي لاإله إلاّ هو لقد مات فلان وانّ حقّه لعليه، فإن حلف وإلاّ فلا حقّ له; لأنا لاندري لعلّه قد أوفاه ببيّنة لانعلم موضعها أو غير بينّة قبل الموت، فمن ثمّ صارت عليه اليمين مع البيّنة، فإن ادّعى بلابيّنة فلا حقّ له; لأن المدعى عليه ليس بحيّ ولو كان حيّاً لألزم اليمين او الحق أو يردّ اليمين عليه فمن ثم لم يثبت الحقّ.
**
(1) مستند العروة 218/2-219.
ورواه الصدوق باسناده عن ياسين الضرير مثله إلاّ أنه قال: قلت للشيخ - يعني موسى بن جعفر عليه السلام -.(1)
بدعوى أنها صريحة في عدم حجية الاستصحاب في هذا الباب، وإن اليمين إنّما هو لأجل دفع احتمال سقوط ذمة الميت عن الحق الثابت عليه.
وأورد عليه في مستند العروة في مسألة قضاء الولي صيام الميت بأن الخبر ضعيف; لأن في سندها ياسين الضرير و هو مجهول.(2)
هذا مضافاً الى أن مورد الرواية هو الدعوى على الميت، وهذا أخص من المقام. ولعلّ للدعوى خصوصية في اليمين الاستظهاري وعدم جواز التعلق بالاستصحاب.
فانقدح مما ذكرنا انه لامانع من جريان الاستصحاب في المقام للحكم ببقاء اشتغال ذمة المورّث ووجوب أداء الدين على الوارث. فالملاك في جريان الاستصحاب هو أن يكون له أثر شرعي وهو موجود في المقام، فلا تصل النوبة الى البراءة حسبما عرفت.
**
(1) الوسائل 172/18 الباب 4 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1.
(2) مستند العروة كتاب الصوم 220/2.
و هي أمران: أحدهما: اتحاد جنس العوضين. وثانيهما: الكيل والوزن. فيقع الكلام في المقامين.
أما المقام الأوّل فالكلام فيه في ضمن مسائل:
ان المعتبر في حرمة الربا المعاملي هواتحاد الجنس. ويدلّ عليه من الأخبار مؤثق منصور بن حازم المروي عن التهذيب عن الحسن بن محمد بن سماعة عن ابن رباط عن ابن مسكان عن منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام: كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لايكال ولايوزن فليس به بأس اثنان بواحد.(1)
بناءً على اتحاد علي بن رباط في الطريق مع علي بن الحسن رباط، كما ذهب إليه في جامع الرواة عند ترجمة علي بن رباط، بقرينة رواية الحسن بن محمد بن سماعة و أحمد بن الحسن عن أبيه والحسن بن محبوب عنهما وروايتهما عن ابن مسكان عن الحلبي إذ الاشترك في الراوي والمروي عنه من علائم الوحدة.
و صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال: لايباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة ولايباع إلاّ مثلاً لمثل والتمر مثل ذلك... قال: وسئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد (عند صاحبها) إلاّ شعيراً أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال: لا، إنما أصلهما واحد وكان عليّ عليه السلام يعدّ الشعير بالحنطة(2) و المختوم هو الصاع. و تقريب الاستدلال هو بأن يقال إن المستفاد منه أن وحدة الأصل تكفي في حرمة المفاضلة; لأن مع وحدة الأصل يكون جنسهما واحداً.
و موثقة سماعة قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب فقال: لايصلح شيء منه اثنان
**
(1) جامع الأحاديث 145/18 الباب 5 من أبواب الربا ح 1.
(2) جامع الأحاديث 147/18 ح 5.
بواحد إلاّ أن تصرفه نوعاً الى نوع آخر فاذا صرفته فلا بأس به اثنان بواحد وأكثر من ذلك.(1)
بدعوى أن الظاهر أن المراد من النوع هو الجنس بقرينة المورد والأخبار الاُخر.
وخبر علي بن إبراهيم المروي في الكافي عن رجاله عمّن ذكره قال... وما كيل أو وزن مما أصله واحد فليس لبعضه فضل على بعض كيلاً بكيل أو زوناً بوزن، فإذا اختلف أصل ما يكال فلا بأس به اثنان بواحد يداً بيد ويكره نسية(2) بالتقريب الذي مرّ آنفاً.
قال في الحدائق: اعتمد عليه الكليني; إذ من المعلوم ان نقله في كتابه ليس إلاّ بقصد الافتاء والعمل عليه.(3)
و فيه أوّلاً: ان اعتماد الكليني (قدس سره) على المقطوعة لايكفي ما لم يوجب الاعتماد لنا. ودعوى استناد المشهور إليها غير محرز. وثانياً: ان الرواية لم يظهر منها أنها تنتهي الى الإمام أو الى بعض مشايخ علي بن إبراهيم، ولذا ذهب في محكي مرآة العقول الى أن الظاهر انه من فتوى علي بن إبراهيم أو بعض مشايخه.(4)اللّهمّ إلاّ أن يقال: نقل الفتوى بعيدة من مثل عليّ بن إبراهيم والكليني.
وموثقة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد، فأما نظرة فلا تصلح.(5) بدعوى ان الوصف في مقام التحديد يدلّ على أن التفاضل لايجوز عند اتحاد الطعام ويحمل «لاتصلح» بقرينة سائر الروايات على الكراهة.
**
(1) جامع الأحاديث 158/18 الباب 12 من أبواب الربا ح 3.
(2) جامع الأحاديث 139/18 الباب 2 من أبواب الربا ح 6.
(3) ج 141/5.
(4) الكافي 192/5 ذيل الصفحة.
(5) جامع الأحاديث 157/18 الباب 12 من أبواب الربا ح 1.
وموثقة سماعة عن أبي عبدالله عليه السلام قال: المختلف مثلان بمثل يداً بيد لابأس(1) بتقريب مذكور في الرواية السابقة.
وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سئل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الاكرار فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه، فيقول له: خذ منّي مكان كل قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستوفي ما نقص من الكيل قال: لايصلح; لأن أصل الشعير من الحنطة، ولكن يردّ عليه الدراهم بحساب ما نقص من الكيل.(2) بدعوى ان المستفاد منه أن وحدة الأصل تكفي في عدم جواز المفاضلة بينهما.
وقال في الرياض: يدلّ الخبر على ان كل فرع له حكم أصله من حرمة المفاضلة; فان العلّة المنصوصة يتعدى بها الى ما عدى موردها وان اختصت به بالاضافة على الأظهر الأشهر بين الطائفة كما حقق مستقصى في الكتب الاُصولية. هذا مضافاً الى التصريح بالكلية في بعض المعتبرة المنجبر قصوره بالقطع والارسال بالشهرة، و ما مرّ من الأدلة.
وفيه: ما كيل أو وزن مما اصله واحد فليس لبعضه فضل على بعض... الخ. ولايخفى أن المقطوعة غير معلومة الرواية; لاحتمال كونها من فتاوى علي بن إبراهيم أو بعض مشايخه. هذا مضافاً الى عدم ثبوت استناد الشهرة إليه.(3)
ومعتبرة عبدالرحمان بن أبي عبدالله قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ فقال: لايجوز إلا مثلاً بمثل ثم قال: إن الشعير من الحنطة.(4) ولايضر باعتبار الرواية وقوع سهل بن زياد في سندها، لأن الأظهر هو وثاقة السهل. والقفيز مكيال
**
(1) جامع الأحاديث 152/18 الباب 10 من أبواب الربا ح 6.
(2) جامع الأحاديث 146/18 الباب 6 ح 1.
(3) رياض المسائل، كتاب التجارة، الفصل الخامس في أحكام الربا.
(4) جامع الأحاديث 147/18 الباب 6 ح 2.
ثمانية مكاكيك والمكّوك مكيال يسع صاعاً ونصفاً. وكيف كان تدل الرواية على أن المتفرع محكوم بحكم أصله.
وموثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: ما تقول في البُرّ بالسويق فقال: مثلاً بمثل لابأس به قلت: إنه يكون له رَيع أو يكون له فضل فقال: أليس له مؤونة؟ قلت: بلى قال: هذا بذا وقال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل يداً بيد.(1)
والبرُ بالضم: القمح وهو حب الحنطة والرَيع: الفضل. وتقريب الاستدلال بدعوى أن الخبر ظاهر في التحديد ومعناه أنه كلما اتّحد الجنسان فلا يجوز فيه مثلان بمثل، و يدلّ الخبر أيضاً على وحدة البّر مع السويق.
و موثقة عبدالله بن سنان قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: كان عليّ صلوات الله عليه يكره أن يستبدل وسقاً من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة; لأن تمر خيبر أجودهما(2) والوسق هو ستون صاعاً. وكيف كان فالتقريب بدعوى دلالتها على أن وجه الكراهية هو وحدتهما بحيث لافرق لهما إلاّ بالأجودية. وأما إذا كان التعليل وجهاً للاستبدال فلا دلالة لها على اعتبار وحدة الجنس كمالايخفى.
وخبر الدعائم عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) انه قال: الحنطة والشعير شيء واحد لايجوز التفاضل بينهما(3) يدلّ هذا الخبر على وحدة الحنطة والشعير مع انهما عند العرف مختلفان، فيحمل على إرادة وحدتهما في الأصل بقرينة ساير الأخبار الماضية.
وخبر عمر بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل ممّا خلق الله الشعير فقال: ان الله تبارك وتعالى أمر آدم عليه السلام: ان ازرع مما اخترت لنفسك وجائه جبرئيل بقبضة من الحنطة
**
(1) جامع الأحاديث 149/18 الباب 7 ح 1.
(2) جامع الأحاديث 159/18 الباب 13 من أبواب الربا ح 1.
(3) جامع الأحاديث 147/18 الباب 6 ح 3.
فقبض آدم عليه السلام على قبضته وقبضت حوى على اخرى فقال آدم لحوى: لاتزرعي أنت، فلم تقبل أمر آدم. فكلما زرع آدم جاء حنطة وكلما زرعتْ حوى جاء شعيراً(1) والسند ضعيف بسبب جهالة بعض رواته.
وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلاً بمثل لابأس به.(2) بدعوى دلالتها على اتحاد الحنطة مع الدقيق وهو مع السويق. وبالجملة لاتخرج الحنطة عن الاتحاد بالتدقيق والتسويق; لأن جنسهما واحد.
و مضمرة سماعة قال: سألته عن الحنطة والشعير فقال: إذا كانا سواء فلا بأس قال: وسألته عن الحنطة والدقيق (بالدقيق خ - ل) فقال: إذا كانا سواء فلا بأس.(3)
وصحيحة أبي بصير وغيره عن أبي عبدالله عليه السلام قال: الحنطة والشعير رأساً برأس لايزاد واحد منهما على الآخر(4) بالتقريب المذكور.
والمستفاد من الأخبار المذكورة ان المناط في حرمة الربا المعاملي هو اتحاد الجنس. ثم المراد من الجنس - كما يظهر من موثقة سماعة - هو النوع. ثم ذهب بعض الفقهاء الى أن المراد من النوع هي الحقيقة النوعية للشيء المقولة في جواب ماهو، ويعبّر عنها بالنوع في المنطق واستدل له بشهادة التبادر وتصريح أهل اللغة.
وأورد عليه بأنه لاطريق لنا الى معرفة النوع المنطقي، فإن معرفته في غاية الاشكال من جهة عدم الاطلاع على فصول الأجناس، فمثل العنب يطلق على أقسام مختلفة ولاطريق الى معرفة أن هذا الاختلاف اختلاف نوعي أو صنفي، وكذا مثل لحم الضأن والمعز. وربما يتحقق
**
(1) علل الشرائع / 574 الباب 376 ح 2.
(2) الوسائل 440/12 الباب 9 من أبواب الربا ح 4.
(3) الوسائل 439/12 الباب 8 من أبواب الربا ح 6.
(4) الوسائل 438/12 الباب 8 من أبواب الربا ح 4.
الاختلاف النوعي ويشبه الاختلاف الصنفي كالدهن يطلق على الأنواع المختلفة، وفي مقام التعبير يشبه الاختلاف الصنفي فيقال: دهن البقرة ودهن الغنم. بل يشكل جعل المدار الاتحاد النوعي إن لم يذكر في لسان الأخبار، بل المدار اتحاد الاسم ما لم يعلم الخلاف، نعم الغالب على النحو المذكور.(1)
واجيب عنه بأن معرفة ذاتيات الشيء بالكنه وإن كانت متعسرة أو متعذرة للخواص فضلاً عن عامة الناس لكن يتمكن عامة الناس من تمييز أفراد حقيقة واحدة عن أفراد حقيقة اُخرى بالخواص والآثار.
وفيه أنه يمكن أن تكون الآثار مشتركة بين الحقائق المختلفة. فالأولى هو أن يقال إنّ المراد من النوع هو النوع العرفي لاالمنطقي وهو ما يشمله لفظ واحد ويخصّه، مثل الحنطة والارز والتمر، فإن لكل واحد اسماً خاصاً وتحته أفراد متكثرة وإن وجد بين الأفراد اختلاف كثير إلاّ أنه ليس له اسم خاص ولاحقيقة خاصة، بل الاختلاف بالصنف، وإن كان له اسم فهو بانضمام الاسم الأوّل كالارز الطارمي والارز الجنوبي والارز الشمالي ونحو ذلك.
ويشهد لذلك موثقة سماعة حيث تدل على إطلاق النوع على التمر والزبيب بل الطعام، بناءً على أن المراد من الطعام هو الحنطة. ومن المعلوم ان الإطلاق المذكور إطلاق عرفي لااصطلاحي; إذ المخاطب بالكلام هو العرف العام لاالعرف الخاص.
فتحصّل أن المراد من النوع هو ما يراه العرف العام مغايراً مع الآخر كمغايرة التمر مع الزبيب أو الحنطة، وحمل النوع المذكور في الرواية على النوع المنطقي بدعوى التبادر بعيد عن ظاهر المحاورات العرفية. وعليه فالطريق الى معرفته هو إطلاق الاسم الخاص. وقد يقع الاشتباه في بعض المصاديق ولكنه لايضر; لأنه غير عزيز في سائر الألفاظ والمعاني حتى في الألفاظ الواضحة المعاني كالماء، كما لايخفى.
**
(1) جامع المدارك 242/3.
و لاينافي ما ذكرناه الأخبار الدالّة على وحدة الحنطة مع الشعير، مع ان لكل اسماً خاصاً وأثراً مخصوصاً. لإمكان أن يقال بحكومة الأخبار المذكورة على الروايات الدالّة على اعتبار وحدة النوع بالفعل، حيث تدلّ تلك الأخبار على توسعة وحدة النوع باعتبار وحدة الأصل، وعلى تضيق موضوع جواز التفاضل أعني اختلاف النوع والجنس بما إذا كان كذلك مطلقاً ولو في الأصل. فلو لم تكن هذه الأخبار لم نقل بوحدة الحنطة والشعير; لاختلافهما بالفعل وعدم صدق النوع الواحد عليهما، ولكن الأخبار المذكورة تدل بالحكومة على اندراج الوحدة الأصلية في وحدة النوع. فتصير وحدة النوع أعم من الوحدة في الأصل.
و عليه فالمعيار في عدم جواز معاملة المتجانسين في باب الربا هو الوحدة في النوع ولو في الأصل بخلاف سائر الأبواب.
وإليه يؤول ما في الجواهر حيث قال: إنّ النصوص إنّما دلّت على أن الشعير من الحنطة لاأنهما الآن حقيقة واحدة، لكن الربا يكفي فيه اتحاد الحقيقة فيه سابقاً كما يؤمي إليه التعليل في النصوص المزبورة وان اختلفت لاحقاً، ولذا ألحقوا كل فرع بأصله، بخلاف الزكاة فانه لادليل على ذلك فيها، فيبقى اقتضاء اختلاف الحقيقة اللاحق بحاله فيها، بخلافه في الربا. بل لاتخصيص بقاعدة اشتراط الاتحاد، ضرورة حصوله سابقاً وليس المراد منه الاتحاد في ساير الأحوال.
فالنصوص حينئذ إنما كشفت عن الاتحاد السابق، وليس هو مما يستبعد اثبات مثله بها، ولاينبغي معارضتها بمعلومية الاختلاف بين العامة والخاصة في الصورة والطعم وغيرهما; إذ ليس في شيء منها منافاة لذلك فتأمل جيّداً.(1)
فموضوع الحرمة هو وحدة الحقيقة في الجملة ولو كانت بحسب الأصل.
**
(1) الجواهر 347/23.
لايقال: إن لازم القول بحرمة المعاملة الربوية بين الحنطة والشعير - باعتبار كون الشعير من الحنطة - هو القول بحرمتها بين التمر والملح الذي يفرض استحالته من التمر.
لأنا نقول: - كما في الجواهر - مفروض الكلام فيما إذا كانت الحقيقة الفرعية متخذة من ذلك الأصل لاغير كالشعير من الحنطة والتمر من الطلع مثلاً، فلا يرد حينئذ معلومية عدم الربا بين التمر والملح الذي يفرض استحالته; لأن حقيقة الملح ليست متخذة منه بل هو استحالة لخصوص فرد.(1)
ثم لايخفى عليك ان الجمع المذكور بين الأخبار أحسن من الجمع الذي ذهب إليه شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) من صدق الوحدة الفعلية بينهما بعد الاطلاع عن كون أحدهما فرعاً للآخر، حيث قال: وإن كان لايمكن معرفة حقائق الأشياء بحيث يميّز أجناسها عن فصولها لكن تمييز أفراد كل حقيقة عن أفراد حقيقة اُخرى بمكان من الامكان، وغالب ما يراه العرف حقيقة واحدة يكون له اسم واحد، وقد يتفق اختلاف الاسم أيضاً، وقد يخرج من صنف من حقيقة واحدة صنف آخر مختلف معه في بعض الخصوصيات بحيث لو لم يكن هذا التفرع والخروج لايمكن الجزم باختلاف الحقيقة(2) أو الشك، لكن بعد الاطلاع عليه لايشكّون في كونهما حقيقة واحدة ولو اختلفا اسماً أيضاً. وهذا كما في بعض أقسام الارز المسمّى ب «برنج شنبه» فانه يقال إن بذره كان ما يسمّى ب «برنج چنبا» فخرج بواسطة خصوصية الهواء والأرض ذلك القسم، فذلك القسم مع اصله وسائر أقسام الأرز ممّا يسمّى ب «برنج عنبربو» وغيره يراه العرف متحد الحقيقة بعد هذا الاطلاع وإن كانوا يشكّون مع عدمه لو فرض اختلافهما في الاسم.
**
(1) الجواهر 339/23.
(2) الظاهر: بعدم اختلاف الحقيقة.
فنقول: هكذا الحال في الحنطة والشعير، فلو فرض أن أصل الشعير وبذره كان حنطة، فخرج ما بين الأرض والهواء شعيراً يراه العرف بعد ذلك متحد الحقيقة مع الحنطة، مع اختلافهما في الاسم، فجزمهم باختلاف حقيقتهما من باب عدم العلم بهذه الأصلية والفرعية، فاريد في الأخبار التنبيه عليها لينتقلوا الى اتحاد الحقيقة. فمضمون التعليل - بعد ملاحظة تعليق الحكم في الأخبار الأخر باختلاف الجنس واتحاده أو اختلاف الشيئين واتحادهما، الظاهر في اختلافهما جنساً واتحادهما كذلك كما لايخفى - راجع الى اتحاد الجنس أيضاً. ولايمكن العكس، بأن يقال: إن اختلاف الجنس واتحاده المذكورين في الأخبار الأخر راجع الى اتحاد الأصل فانه أبعد شيء عرفاً.(1)
وذلك لأن العرف لايحكم بوحدة الحنطة والشعير فعلاً، ولاملزم لذلك بعد ما عرفت من كفاية الوحدة ولو في الأصل. فلا حاجة الى تجشم الاستدلال على صدق الوحدة الفعلية على ما كان متحداً في الأصل ومختلفاً مع شيء آخر في الاسم فعلاً; إذ لايضر الاختلاف الفعلي مع الوحدة في الأصل كما لايخفى.
و مما ذكرناه يظهر أنه لامجال لدعوى التخصيص أيضاً - كما نسب الى الشهيد الثاني (قدس سره) - بعدما عرفت من حكومة هذه الأخبار على الأخبار الدالة على اعتبار وحدة الجنس; لأن التخصيص هو الاخراج، وهو ينافي الادراج والحكم بالاتحاد. والمستفاد من الروايات هو الثاني، بل لسان الأخبار انه باعتبار الأصل مصداق الاتحاد كما صرّح بأن أصلهما واحد في صحيحة الحلبي.
ومما تقدم يظهر أيضاً ما في الحدائق من خرم القاعدة الدالة على اشتراط اتحاد الجنس، حيث قال: بقي الكلام هنا في الجمع بين القاعدة المتفق عليها في كلام الأصحاب، وهي ما
**
(1) المكاسب المحرّمة لشيخنا الاستاذ (قدس سره) / 28.
عرفت آنفاً من اشتراط اتحاد الجنس في الربا الذي هو عبارة عن الحقيقة النوعية، و لاريب ان الحنطة والشعير في غير باب الربا جنسان، كما في باب الزكاة، وفيما لو حلف أو نذر أن لايأكل الحنطة فانه لايحنث بأكل الشعير ونحو ذلك; لاختلاف مفهومهما لغة و عرفاً، و بين الأخبار المذكورة الدالة على وقوع الربا بمعاوضة أحدهما بالآخر.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك تخصيص القاعدة المذكورة بالأخبار، بمعنى أنهما جنسان، لاختلاف مفهومهما لغة وعرفاً إلاّ في الربا; للأخبار المتقدمة فانهما فيه من جنس واحد.
و أنت خبير بأن ظاهر جملة من الأخبار المتقدمة انهما جنس واحد مطلقاً لابخصوص الربا، وانه إنما وقع الربا فيهما من هذه الحيثية الثابتة لهما مطلقاً، كما يفسره حديث الصدوق المذكور، لا أن اتحادهما مخصوص بالربا.
و لامناص عن الاشكال إلاّ بخرم القاعدة المذكورة وابطالها، وقدّمنا في الأبحاث المتقدمة أن الواجب هو الوقوف على موارد النصوص وعدم الاعتماد على قواعدهم المذكورة في غير موضع.(1)
و ذلك لمنع دلالة الروايات الدالة على كفاية وحدة الأصل في اتحاد الشعير مع الحنطة في باب الربا على وحدتهما في سائر الأبواب; لأن دائرة التعليل بمناسبة الحكم والموضوع هو اتحادهما في باب المعاملات، فلا يشمل سائر الأبواب، كما أن قولهم: لاتأكل الرمان لأنه حامض لايشمل غير المأكولات و المشروبات كالحمل أو المس أو غيرهما.
هذا مضافاً الى عدم خرم للقاعدة بعد دلالة الروايات على توسعة دائرة الاتحاد، وعليه فحديث اخترام القاعدة الدالة على اشتراط اتحاد الجنس كماترى. بل لاوجه للتخصيص
**
(1) الحدائق 140/5.
أيضاً; لما عرفت من أن وجه تقديم تلك الأخبار على غيرها هو الحكومة لاالتخصيص.
ثم لايخفى عليك انه ذهب في مجمع الفائدة والبرهان ان الضابط أحد الأمرين: إما الاتفاق في الحقيقة أو الاتحاد في الاسم... الخ.(1)
و لايخفى ما فيه، حيث إنّ مقتضى الجمع بين الروايات هو أن المعيار في الحرمة هو الاتحاد في النوع العرفي ولو بحسب الأصل، وعليه فالمعيار هو وحدة الحقيقة ولو بحسب الأصل. وأما الاتحاد في الاسم والاختلاف فيه فهو طريق غالبي و لايكون ضابطاً كلياً، ولذا لم نقل بصحة المعاملة في الحنطة و الشعير مع التفاضل مع أنهما مختلفان في الاسم بالفعل.
قال في الرياض: مرجع المناقشة المذكورة الى الشك في المراد من الجنس المشترط اتحاده في الربا بين الربويين هل هوالحقيقة الأصلية خاصة وان اختلفت أسماء أفرادها، أو انه لابدّ من الاتحاد في الاسم بناءً على دوران الأحكام مدارها في جملة من المواضع بالضرورة.
و لاوجه له بعد امعان النظر فيما قدمناه من الأدلة على إرادة المعنى الأوّل بلا شبهة و تكون هي المستثنية للمسألة من قاعدة دوران الأحكام مدار الاسمية... الى أن قال: وبالجملة لاوقع لأمثال هذه المناقشات فيما اسسته النصوص المعتبرة و اتفقت عليه كلمة الطائفة وتعدّدت فيه الاجماعات المحكية.(2)
و قد انقدح مما ذكرناه أيضاً ما في الملحقات حيث قال: يشترط في تحقق الربا في المعاملة شرعاً و حرمته أمران: أحدهما: اتحاد جنس العوضين أو كون أحدهما أصلاً للآخر أو كونهما فرعين من جنس واحد(3) حيث جعل الضابط أحد الاُمور المذكورة، و ظاهرها هو المغايرة بين الاُمور المذكورة، مع أن اعتبار وحدة الأصل لايغاير اعتبار اتحاد جنس العوضين، بل
**
(1) مجمع الفائدة والبرهان 468/8.
(2) الرياض أحكام التجارة.
(3) الملحقات 20/2.
هو توسعة بالنسبة إليه; لأن مفاد الروايات الدالة على حرمة معاملة الشعير مع الحنطة - بدليل أن أصله هو الحنطة - هو ادراج الشعير والحنطة في اتحاد الجنس بسبب كفاية وحدتهما في الأصل، لاالحكم بمجيء الربا في مختلفي الحقيقة أيضاً بمجرد كون أحدهما أصلاً للآخر.
و هكذا يكون الأمر فيما إذا كانا فرعين من جنس واحد; لأنه لايغاير مع اتحاد جنس العوضين، وإنما الكلام في استفادته من الأدلة. وربما يستدل له بصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد صاحبها إلاّ شعيراً أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال: لا، إنما أصلهما واحد، و كان عليّ عليه السلام يعدّ الشعير بالحنطة.(1)
ولكن يرد عليه بأنها لاتدل على الأزيد من كفاية وحدة الفرع مع الأصل، بقرينة اتخاذ الشعير من الحنطة ودلالة سائر النصوص.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: العبرة باطلاق الوارد لابخصوصية المورد; أو قوله: إنّما أصلهما واحد أعم مما إذا كان أحدهما فرعاً للآخر أو كلاهما فرعين للآخر. هذا مضافاً الى امكان استفادة ذلك مما دلّ على أن أصل الشعير من الحنطة، بتقريب أن اللازم من اتحاد كل فرع مع الأصل الخاص هو اتحاد الفرعين معاً في الأصل و الحقيقة; لأن أصلهما واحد، كما أن تولد فردين من أب واحد يلزم وحدتهما في الأب والأصل، وحيث إنّ لازم الامارات حجة كملزومها فلا مانع من التمسك بهذه الأخبار فتأمل.
وكيف كان فتحريم التفاضل في ما إذا كان أحدهما أصلاً للآخر أو ما إذا كانا فرعين من جنس واحد يكون بملاك وحدة الفرع مع الأصل أو وحدة الفرعين في الأصل. وعليه فلا يغايران مع اعتبار اتحاد جنس العوضين. وسيأتي الكلام إن شاء الله في المسألة الحادية عشر.
**
(1) جامع الأحاديث 147/18 ح 5.
فما يظهر من كلام السيد (قدس سره) من أن كل واحد من الاُمور المذكورة مناط مستقل في حرمة الربا كما ترى.
في الشك في أن الاختلاف من قبيل اختلاف الأنواع أو من قبيل اختلاف الأصناف. ولايخفى عليك أنه إذا كان الشك راجعاً الى الشك في حدود المفهوم والموضوع - التي لابدّ فيها من الرجوع الى الشارع، كما إذا شك في أن لحم البقرة ولحم الجاموس مندرجان تحت حقيقة واحدة أم لافاالظاهر كما في جامع المدارك هو الرجوع الى العام إذا كان المخصص منفصلاً; لأن الشبهة مفهومية فيرفع اليد عن عموم دليل نفوذ البيع بمقدار متيقن و يبقي الباقي تحت العموم، هذا بخلاف ما إذا كان متصلاً فان اجمال المخصّص يسري الى العام، فلا يجوز الرجوع إليه; لعدم العموم له فلا يشمل المشكوك.
وإن كان الشك راجعاً الى الموضوع الخارجي الذي ليس شأنه الرجوع الى الشارع، كالشك في أن هذه الحبّات حنطة حتى لاتجوز معاملتها مع الحنطة أو غير الحنطة والشعير حتى يجوز، فالشبهة مصداقية، قال في جامع المدارك: ولايجوز التمسك فيها بالعموم، من جهة أن العام بعد تخصيصه لايكون حجة إلاّ فيما سوى المخرج، و المخرج ليس هوخصوص المعلوم بل هو الفرد الواقعي.
نعم لو كان العام متكفلاً لحكم واقعي وحكم ظاهري، وكان التخصيص راجعاً الى الحكم الواقعي دون الظاهري أمكن التمسك بالعام، حيث إنّ الخاص ليس حجة بالنسبة الى الفرد المشكوك. لكنه ليس كذلك.
فمع عدم جواز الأخذ بالعموم أو الاطلاق يرجع فيه الى الأصل العملي، وهو في المقام: أصالة عدم ترتب الأثر على المعاملة.
ومما ذكر يظهر وجه ضعف ماذهب إليه السيد في الملحقات حيث قال: الظاهر جواز
المعاملة مع التفاضل فيه; إذ حرمة التفاضل معلقة على الاتحاد المشكوك تحققه الموجب للشك في حرمته، فيرجع فيه الى عموم مثل: أحلّ الله البيع.
و دعوى أن الشبهة موضوعية ولايجوز التمسك فيها بالعموم; لأن المفروض أن الشك في أن الشيء الفلاني متحد مع الآخر جنساً أو لا، والعام ليس متكفلاً لبيان هذا، كما إذا قال: اكرم العلماء و قال أيضاً: لاتكرم الفسّاق (من العلماء) وشك في أن زيد العالم فاسق أو عادل لايكون قوله: اكرم العلماء مبيّناً لأنه فاسق أو لا.
مندفعة بمنع عدم جواز التمسك بعد ظهور العموم في جميع افراده التي منها الفرد المشتبه، فلابدّ من شمول حكمه له، بخلاف الخاص، فإن المفروض عدم تحقق فردية المشكوك له حتى يشمله حكمه. بل نقول: إنّ العام ظاهر في الفرد المعلوم خروجه أيضاً، إلاّ أن الخاص - حيث إنه نصّ أو أظهر يقدّم عليه، ولاحاجة الى بيان أن هذا متحد مع ذلك أو غير متحد، أو أن زيداً فاسق أو عادل حتى يقال إنّ العام ليس متكفلاً لبيان ذلك، فيكفيه شمول حكمه له مع بقائه على الاشتباه.(1)
و ذلك لأن عنوان الخاص بمصاديقه الواقعية يخرج عن تحت حكم العام كما هو الظاهر; لأن كل عنوان ظاهر في الأفراد الواقعية، وتخصيصها بالافراد المعلومة لادليل له. وعليه فحجية ظهور العام تسقط بعد التخصيص في المقدار الواقعي للخاص. وعليه فالتمسك بالعام يحتاج الى احراز عدم كون المشكوك من مصاديق الخاص، كما أن التمسك بالخاص يحتاج الى احراز كون المشكوك من مصاديق الخاص، وحيث كان المفروض هو الشك فلا مجال للتمسك بالعام ولابالخاص.
والعام وان شمل - بعموم المستعمل فيه - جميع الأفراد حتى المشكوك; لصدقه عليه
**
(1) الملحقات 20/2-21.
ولكنه إرادة استعمالية ولاحجية لها ما لم تكن مطابقة مع الإرادة الجدية، ومن المعلوم ان العام بعد تخصيصه بالمصاديق الواقعية من الخاص معنون بما سواها، والإرادة الجدية تابعة لعنوان ما سواها، وشمول ذلك للفرد المشكوك مشكوك.
ولعل المنشأ في ذهاب السيد الى ما ذكر هو الخلط بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية كما لايخفى.
ومما ذكر يظهر أيضاً ما في الجواهر حيث قال: ولو فرض حصول فرد مشتبه بين كونه متحد الجنس و مختلفه فظاهر اعتبار الأصحاب اتحاد الجنس في الحرمة: الحلّ; لأن الشك في الشرط شك في المشروط والفرض كون المحرم مشروطاً دون الجائز الباقي على مقتضى العموم.
نعم قد يقال: إنّ ظاهر النصوص الاشتراط في كل منهما; لقوله عليه السلام: «إذا اختلف الجنسان أو الشيئان فبيعوا كيف شئتم» ونحوه غيره، وقوله عليه السلام: «كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد» فيكون كل من الجائز والمحرم مشروطاً بشرط، فمع فرض الشك يتجه الفساد; لأصالة عدم ترتب الأثر وعدم النقل والانتقال، ونصوص كل شيء يكون فيه حلال وحرام في غير القرض، كما يشهد له اتفاقهم على عدم جريانها في المشتبه من النساء بين الأجنبية والنسبية، وليس إلاّ لاشتراط كل من الحلّ والحرمة بشرط فرض الشك فيه، فيبقى أصل عدم ترتب الأثر بحاله كبقاء مقتضى قاعدة المقدمة.
نعم قد يقال بالحلية في المشكوك في حصول سبب التحريم، نحو ما أشارت إليه النصوص(1) بانّ جارية تحتك ولعلها اختك، وللسيرة والطريقة وغيرهما. وبذلك ظهر لك
**
(1) كخبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك. وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة (الوسائل 59/12-60 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4.
أن مقتضى النصوص في المقام الفساد، إلاّ أنه بملاحظة اقتصار الأصحاب الشرطية في المحرّم دون غيره يحكم بالحلّ في المشتبه فتأمل جيداً.(1)
و ذلك لماعرفت من عدم جواز التمسك بالعام أعني: أحل الله البيع في الشبهات المصداقية، ومجرد كون الشك في الشرط شك في المشروط - أي الحرمة - لايكفي في الجواز; للحاجة الى مقتضي الصحة وهو العام الدالّ على نفوذ البيع وصحته، والمفروض أنه بعد التخصيص بالأفراد الواقعية للخاص لايكون العام حجة إلاّ فيما عدى تلك الأفراد، وصدق عنوان ما عدى تلك الأفراد على المشكوك غير معلوم، فعلى فرض ظهور النصوص وظهور الكلمات في اشتراط الحرمة باتحاد الجنس لايجوز الحكم بالحلّية عند الشك; لأن التمسك بعموم أحل البيع تمسكٌ بالعام في الشبهات المصداقية.
نعم لو جرى في المشكوك أصل منقّح، كما إذا كان له حالة سابقة فالمشكوك محكوم تعبداً بحكم ما سبق، كما إذا كان شيء متحد الجنس مع الحنطة ثم صار لجهة من الجهات مشكوكاً فيه، يستصحب ذلك ويحكم بالاتحاد، فيحرم التفاضل بينه وبين الحنطة. وهكذا إذا كان الشيء مختلف الجنس مع الحنطة ثم صار لجهة من الجهات مشكوكاً فيه يستصحب ذلك ويحكم بالاختلاف، فيجري فيه أحكام المختلفين من جواز التفاضل كما لايخفى.
ثم إن كان ظاهر النصوص هو اشتراط كل واحد من الاتحاد والاختلاف في الحلية و الحرمة فظاهر الجواهر عدم جواز التمسك بعموم العام وهو واضح; لأن العام مشروط بصورة الاختلاف والشرط غير محرز، ومع عدم إحراز الشرط لايجوز التمسك بالعام. فما ذهب إليه في الجواهر حينئذ من أن مقتضى الأصل هو الفساد وعدم ترتب الأثر تام جداً.
**
(1) الجواهر 340/23.
وبما ذكرناه يظهر وجوه الضعف في الملحقات حيث قال - بعد فرض اشتراط الحلّية بالاختلاف -: لأن ذلك لايمنع من التمسك بالعموم; إذ الخاص الموافق له في الحكم لايكون مقيداً له إذا كان منفصلاً.
مع أن لنا أن نتمسك بأصالة الحلّ بناءً على جريانها في الحكم الوضعي كما هو الأقوى، فان المراد من الحلّ عدم المنع تكليفاً ووضعاً، ولذا يجري حديث الرفع ونحوه في نفي الجزئية والشرطية والمانعية في الشبهة الحكمية وفي نفي المانعية في الشبهة الموضوعية.
وان اغمضنا عن التمسك بها في الحكم الوضعي فنقول: يمكن أن يقال مقتضى أصالة الحلّ وحديث الرفع حليته وعدم مانعية التفاضل، وإذا كان حلالاً فيترتب عليه الأثر; إذ المانع منه حرمته وهي مرفوعة، فالشك في ترتب الأثر وعدمه مسبب عن الشك في حرمته، فإذا حكم بحلّيته فانه لامانع من ترتب الأثر.
فهو كما إذا شك في مائع أنه خمر أو خل وحكم بحلّيته فإنه لامانع من بيعه; لأنه مال حلال. وكذا إذا شك في طهارة مائع ونجاسته حيث إنه بعد الحكم بطهارته لقوله عليه السلام: «كل شيء طاهر لايبقى من بيعه مانع».
وأيضاً لنا أن نقول: إنا نشك في أن الزيادة المأخوذة بالبيع في الصورة المزبورة هل هي حلال وجائز التصرف أو لا، وبحكم أصالة الحلّ حلال ويجوز التصرف فيها.
و كذا الحال في أمثال المقام ففي مسألة النكاح عند الشك في أن المرأة أجنبية أو نسبية يمكن أن يقال إن نكاحها بقصد ترتب الأثر مشكوك الحرمة والحلّية، ومقتضى أصالة الحلّ كونه حلالاً.
ويمكن أن يقال: نشك في أن وطئها بعد نكاحها هل هوحلال أو حرام، ومقتضى أصالة الحلّ حلال. ويؤيده بل يدلّ عليه قوله: كل شيء لك حلال... الى أن قال: وذلك مثل الثوب عليك ولعله سرقة، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك... الخ.
نعم لو دلّ الدليل على أن الاختلاف شرط في صحة البيع مع التفاضل، أو أن كون الإمرأة أجنبية شرط في صحة النكاح ونحو ذلك لم يمكن التمسك، بل يجب إحراز الشرط، بل ولايمكن التمسك بالعموم أيضاً.
ولافرق حينئذ بين أن يكون الاتحاد أيضاً شرطاً في عدم الصحة أو لا، إذ يكفي في الحكم بالبطلان عدم تحقق شرط الصحة.
و دعوى أنه يستفاد من قوله عليه السلام: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم كون الاختلاف شرطاً في صحة البيع مع التفاضل، محل منع; إذ لفظة «إذا» فيه لبيان الموضوع لالبيان الشرطية، فكأنه قال: في المختلف يجوز البيع بأيوجه شئتم. كما أن قوله عليه السلام: كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد أيضاً كذلك، فإنه في قوّة أن يقول: في المتحد لايجوز مثلان بمثل، ففرق بين تعليق الحكم على موضوع وبين اشتراطه بشرط. مثلاً تارة يقول: الخمر حرام والخل حلال وتارة يقول: لايجوز شرب ماء العنب إلاّ إذا كان خلاًّ، ففي الأوّل يجوز التمسك بالأصل عند الشك، بخلاف الثاني لابدّ في الحكم بالحلّ من إحراز كونه خلاًّ.
ففي المقام أيضاً فرق بين أن يقول: في المختلف يجوز التفاضل، وبين أن يقول: يشترط في جوازه اختلاف الجنس، والمفروض أنه من قبيل الأوّل بعد كون الشرط فيه لبيان الموضوع.(1)
و ذلك لما فيه من الملاحظات:
أحدها: أن منع التقييد بالخاص الموافق لاوجه له; لأن القضية الشرطية ظاهرة في مدخلية الشرط في الجزاء، وعليه فالعام الدال على نفوذ البيع يصير مقيداً بصورة اختلاف
**
(1) الملحقات: 21/2-22.
الجنس، وهو على الفرض مشكوك، والشك في الشرط شك في المشروط، فمع الشك في اختلاف الجنس وعدمه لادليل على الجواز، وحمل «إذا» لبيان الموضوع لالبيان الشرطية غير سديد كما في جامع المدارك، فإنه لافرق بين هذا الكلام ومثل: إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء، مع أنه لم يقل أحد بمثل ذلك فيه، فإذا كان دليل الاشتراط تاماً فلا مجال للتمسك بالعموم في ما إذا شك في الاختلاف والاتحاد; لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
وثانيها: انّه لامجال للتمسك بأصالة الحلّية في ما إذا لم يحرز الاختلاف بعد اشتراط صحة البيع بصورة الاختلاف، ولذا لم يقل أحد بكفاية أصالة الحلّية - فيما إذا توارد الحالتان من الطهارة والحدث مع الجهل بتاريخهما - لجواز الدخول في الصلاة بعد تعارض استصحاب الطهارة مع استصحاب الحدث أو عدم جريانهما. وليس ذلك إلاّ لعدم إحراز شرط الدخول وهو الطهارة بأصالة الحلّية.
نعم لو قلنا بأن الاتحاد والمماثلة مانعة عن صحة البيع، وتعليق الحلّية على المخالفة في الأخبار من فروعها، من دون أن يكون المخالفة شرطاً في صحة البيع فلا مانع من التمسك باصالة عدم المانع بناءً على عدم اختصاصها بالأحكام التكليفية، فينقّح بها موضوع العام، أو لامانع من التمسك باستصحاب العدم الأزلي في المماثلة; إذ الشيء لم يكن موجوداً في الأزل ولم يكن متصفاً بالمماثلة في الأزل فبعد الوجود نشك في المماثلة فيستصحب عدم اتصاف الشيء بالمماثلة، ومعلوم أن عدم اتصافه بالمماثلة له حالة سابقة بخلاف اتصافه بعدم المماثلة، فإنه فرع وجود الشيء وليس له بعد الوجود هذا الاتصاف، والمفروض - بعد تخصيص العام بحرمة المماثلة - ان العام معنون بعدم اتصافه بالمماثلة لاباتصافه بعدم المماثلة; لأنه يحتاج الى مؤونة زائدة كما قرر في محله فتأمل.
ثالثها: ان أصالة الحلّية التكليفية محكومة; لأن الشك في جواز التصرف و عدمه ناش
عن الشك في صحة الانتقال وعدمها; لاحتمال اتحاد الجنسين، و أصالة الفساد تدل على عدم الانتقال، فلا مجال لأصالة الحلّية التكليفية.
رابعها: إن أصالة الحلّية التكليفية لاتثبت الاختلاف في الجنسين حتى تجوز المعاملة مع التفاضل.
خامسها: كما أن التمسك برواية مسعدة بن صدقة مخدوش، لاحتمال أن يكون قوله: كل شيء لك حلال فيها من باب الجمع في التعبير والحكاية عن القواعد المبيّنة في مواضع متفرقة من أصالة اليد وقاعدة الاستصحاب وأصالة الصحة و غيرها من الاُصول الحاكمة على أصالة الحلّية.
ويشهد له قوله عليه السلام في ذيل الرواية: وذلك مثل الثوب عليك الى آخره فان قاعدة اليد جارية في مثل الثوب عليك، وأصالة الصحة جارية في العقد السابق الجاري على المرأة التي شك بعد العقد أنها اختاً أم غير اخت، كما ان استصحاب عدم كونها اختاً أو لاجار حين العقد مع الشك المذكور، واستصحاب عدم كونها رضيعة جار في المرأة التي شك في كونها رضيعة أو غير رضيعة، فإنها حال التولد لم تكن رضيعة فيستصحب.
فتحصّل أن التمسك بالعام في الشبهات المصداقية مع عدم وجود الأصل المنقح محل اشكال بل منع.
ومجرّد كون الشك في الاتحاد في الجنسين شكاً في شرط الحرمة، والشك في الشرط شك في المشروط وهو الحرمة لايكفي; لعدم جواز التمسك بالعام وهو (أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ) في مورد الشك; لأنه متعنون بما إذا لم يكن العوضان متحدي الجنس، وهو لايحرز صدقه على المشكوك اتحاده واختلافه. هذا فيما إذا كان المشروط هو الحرمة، واما إذا كان الجواز أيضاً مشروطاً فالأمر أوضح; لأن العام حينئذ صار متقيداً بصورة الاختلاف، وهو مشكوك، والتمسك به تمسك بالعام في الشبهات الموضوعية كما لايخفى.
في النسية. وقد مرّ حكم النسية في المتجانسين من المكيل والموزون وأنها غير جائز. ويدلّ عليه إطلاق موثقة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام لاتبع الحنطة بالشعير إلاّ يداً بيد(1) بناءً على عدم الاختصاص بالمورد. وقد مرّ تفصيل الكلام في الجهة الرابعة فراجع.
ولايخرج عن كونه رباً بزيادة مقدار في طرف صاحب الأجل كما صرّح به السيد المحقق اليزدي في الملحقات.(2) ولعلّه لأن الأجل كالأوصاف لايقابل بالأعواض، فزيادة المقدار في طرف صاحب الأجل لاتوجب مقابلتها مع الأجل حتى ترتفع الزيادة الحكمية التي هي الأجل في المعاملة.
ومما ذكر يظهر ما في جامع المدارك حيث قال: ولولاشبهة تحقق الإجماع لأمكن أن يقال: ان كان الأجل زيادة موجبة للربا فما المانع في صورة تفاضل أحد العوضين من الصحة لمقابلة احدى الزيادتين مع الاُخرى؟ وإن لم تكن زيادة فما المانع من جعل الأجل مع عدم التفاضل؟ ويبعد تحقق الإجماع مع نسبة الخلاف الى الخلاف وتعبير المحقق (قدس سره) بقوله: على الأظهر.(3)
وذلك لما عرفت من أن الأجل كالأوصاف لاتقابل بالأعواض. وعليه فشرط الأجل زيادة، وحيث لم تقابل بالأعواض فزيادة المقدار في طرف صاحب الأجل لايخرجه عن الزيادة. فحينئذ تكون المعاملة مشمولة لأدلة حرمة الزيادة.
هذا مضافاً الى أنه اجتهاد في مقابل النص; لأن موثقة محمد بن قيس تدل بمفهومه على
**
(1) جامع الأحاديث 148/18 ح 7.
(2) الملحقات 24/2.
(3) جامع المدارك 248/3.
عدم جواز النسية في المتجانسين من المكيل والموزون ومقتضى إطلاق مفهوم الحصر هو عدم الجواز من دون فرق بين صورة تفاضل بعض الأطراف وعدمه. على إن مقابلة الأجل مع الزيادة لو كانت رافعة لحكم الربا والزيادة لزم ان يكون الربا القرضي أيضاً حلالاً، حيث إنّ الأجل وقع في مقابل الزيادة مع أن حرمة الربا القرضي من الضروريات. هذا حكم النسية في المتجانسين.
وأما حكمها في المختلفين فقد صرح الفقهاء قدّس الله أرواحهم بعدم جوازها إذا كان العوضان من النقدين; لاشتراط التقابض في المجلس في بيع الصرف، كما ادّعي على الاشتراط المذكور الإجماع، ويدلّ عليه صحيح منصور: إذا اشتريت ذهباً بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه. الحديث.(1)
و إذا كان أحدهما من الأثمان والآخر من العروض فلا اشكال في الجواز; لأنه نسيئة إن كان الأجل للثمن، وسلم إن كان للمثمن، نعم عن الاسكافي المنع من تأخير الثمن الى ثلاث سنين، واستشهد له بالنهي عنه في بعض الأخبار، كرواية أحمد بن محمد، ولكنه ظاهر في الارشاد لاالتحريم كما افاده شيخنا الأنصاري.(2) ويؤيده ما في المحكي عن قرب الاسناد قلت ثلث سنين قال: لايكون لك شيء أكثر من ثلاث سنين(3) لظهور ذلك في أنه عليه السلام في مقام بيان ارشاده الى ما ينتفع به.
واما إذا كان كلاهما من العُروض مع كونهما من المكيل والموزون، كبيع الحنطة بالتمر أو الزبيب مثلاً فالمشهور على جواز النسية فيها وهو الأقوى; للعمومات العامة والاطلاقات الخاصة كالنبوي صلى الله عليه وآله: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم.
**
(1) التهذيب 145/2، الاستبصار 93/3.
(2) المكاسب / 303-304.
(3) المكاسب / 303-304.
و حكي عن جماعة من القدماء كابني أبي عقيل والجنيد والمفيد وسلاّر وابن البرّاج عدم الجواز.
واستدلّ لعدم الجواز بصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد، فأما نَظِرَة فلا يصلح.(1)
وصحيحة عبدالله بن سنان قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن رجل أسلف رجلاً زيتاً على أن يأخذ منه سمناً قال: لايصلح.(2)
بدعوى ان تكرر ذكر كلمة «لايصلح» في اخبار الربا مكان «لايصح» مما يشهد على أن المراد منه هو عدم الجواز.
و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام... وقال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل يداً بيد.(3)
وخبر الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث قال: وسئل عن الزيت بالسمن اثنين بواحد، قال: يداً بيد لابأس به.(4)
وصحيحة سماعة عن أبي عبدالله عليه السلام قال المختلف مثلان بمثل يداً بيد بأس.(5)
بدعوى ان التقييد بالنقد بقوله عليه السلام: يداً بيد مضافاً الى مفهوم «لابأس» ظاهر في عدم جواز النسية في مختلف الجنسين.
هذا مضافاً الى الحديث المشهور: إنّما الربا في النسية.(6)
بدعوى ان مقتضى اطلاقه هو شموله للمقام.
**
(1) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 2.
(2) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 6.
(3) الوسائل الباب 9 من أبواب الربا ح 1.
(4) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 4.
(5) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 9.
(6) كنوز الحقائق في هامش جامع الصغير / 75 طبع عبدالحميد أحمد.
و اجيب عنها بضعف الدلالة; فان لفظ «لايصلح» ظاهر في الكراهة. ويؤيده مضمر علي بن ابراهيم حيث قال: فاذا اختلف أصل ما يكال فلا بأس به اثنان بواحد يداً بيد ويكره نسية.(1)
ويمكن أن يقال: إن لفظة «يكره» أعم من الحرمة. هذا مضافاً الى أن مقتضى التفصيل بين النقد والنسية والحكم بالجواز في الأوّل و الكراهة في الثاني هو تعيين الكراهة في الحرمة، فلا تصلح لتأييد الكراهة الاصطلاحية فتأمل.
و دعوى أن تكرر ذكر كلمة «لايصلح» في أخبار الربا مما يشهد على أن المراد منه هو عدم الجواز، مندفعة بأن استعمال كلمة مع القرينة لاينافي ظهورها في غيره بدون القرينة. ولاأقل من الشك فلا يكون ظاهراً في عدم الجواز.
هذا مضافاً الى أن بعض هذه الروايات - كصحيحة الحلبي الاُولى يشمل غير المكيل والموزون، وقد صرّح بجواز النسية فيه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. و عليه فيكون «لايصلح» محمول على الكراهة فتأمل.
هذا كلّه مع معارضة «لايصلح» مع أخبار اُخرى تكون ظاهرة أو صريحة في الجواز.
وهكذا اجيب عن دعوى ظهور لفظ البأس في الحرمة بالمنع عن ذلك، وكونه أعم من الحرمة. وفيه منع. نعم يمكن رفع اليد عن هذا الظهور بقرينة روايات تكون ظاهرة أو صريحة في الجواز. منها: خبر عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: لاينبغي اسلاف السمن بالزيت ولاالزيت بالسمن(2) لظهور «لاينبغي» في الجواز.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأن الخبر المذكور ضعيف; لاشتماله على معلى بن محمد البصري وهو
**
(1) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 12.
(2) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 10.
لم يوثق. ولكن قال في الخلاصة: يجوز أن يخرج حديثه شاهداً، و لعلّه لذلك عبّر عنه المحقق الأردبيلي بالمعتبرة.(1)
ومنها: صحيحة أحمد بن أبي عبدالله البرقي عن أبيه محمد بن خالد عن أبي جعفر عليه السلام عن أبيه عليّ عليه السلام قال: لابأس لسلف ما يوزن فيما يكال و ما يكال فيما يوزن.(2) للتصريح بالجواز بناءً على اختصاصه بالمختلفين، كما هو الظاهر من مغايرتهما من جهة الكيل والوزن. هذا مضافاً الى انه لاداعي لمعاملة المتجانسين بمثل ذلك.
ومنها: الأخبار الدالة على اشتراط اتحاد الجنس في تحقق الربا. وقد عرفت تلك الأخبار في المسألة الاُولى من هذه الجهة; فإن مقتضاها هو جواز الزيادة العينية مع اختلاف الجنس، فتدلّ على جواز الزيادة الحكمية كالنسية بالأولوية، فلا مجال لتوهّم الحرمة من ناحية الربا. واحتمال الحرمة من غير جهة الربا تعبّداً بعيد جداً، كما أفاد في الجواهر حيث قال - في مقام ردّ قول من ذهب الى الحرمة -: لايخفى عليك ما فيه، خصوصاً بعد معلومية ما دلّ على اعتبار اتحاد الجنس في تحقّق الربا، ان اُريد بعدم الجواز هنا للربا كما هو الظاهر، استبعاداً لإرادة التعبدية دون الربوية، ولأنه الظاهر مما ذكر دليلاً لهم أيضاً وهو الحديث المشهور: إنّما الربا في النسية.(3)
وعليه فظهور هذه الروايات في الجواز مع اختلاف الجنس أقوى، فيحمل لفظ «الباس» أو «لايصلح» بناء على ظهوره في الحرمة في أخبار المقام - على الكراهة حملاً للظاهر على الأظهر.
هذا مضافاً الى ما في الرياض من أن المستفاد منها (أي الأخبار الدالّة على البأس
**
(1) مجمع الفائدة 462/8.
(2) الوسائل الباب 7 من أبواب السلف ح 1.
(3) الجواهر 343/23.
والكراهة) ليس سوى المنع عن خصوص الزيادة العينية لاالحاصلة بمجرد النسية ونحوها من الزيادات الحكمية، فالفتوى بانسحاب المنع فيها لاوجه له مطلقاً، حرمة كانت أو كراهة، إلاّ أن المصير الى الأخير بناءً على المسامحة في مثله غير بعيد.(1)
فهذه الروايات لاتصلح لاثبات الحرمة فيما إذا كانت الزيادة كالنسية دون الزيادة العينية نعم يمكن أن يقال: إن نفي الكراهة لاوجه له مع وجود صحيحة عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل أسلف رجلاً زيتاً على أن يأخذ منه سمناً قال: لايصلح(2) بناءً على حمله على الكراهة; إذ ليس في مورد الرواية زيادة عينية ومع ذلك قال عليه السلام: لايصلح وهو محمول على الكراهة وليس وجهه إلاّ النسية كما لايخفى.
ثم إنه اجيب عن الحديث المشهور، إنما الربا في النسية بأنه موهون لمتروكية الحصر فيه، ولذلك منع في الجواهر شمول الحديث لما نحن فيه من جهة الموهونية المذكورة. مضافاً الى أن من المعلوم عدم إرادة مطلق الزيادة من الربا فيه، بل المراد بالشرائط المعتبرة، ومن جملتها عند علمائنا - كما في المختلف - اتحاد الجنس الذي صرّحت به الصحيحة المتقدمة(3) هذا مضافاً الى امكان منع دلالته على ربوية كل نسية; إذ غاية مفاد الحديث المذكور هو حصر الربا في النسية لاحصر كل نسية في الربا فلا تغفل.
ثم يظهر من بعض التوقف من جهة توهّم تعارض الأخبار في بيع العروض بالعروض الربويين المختلفين في الجنس نسية; لظهور طائفة منها في الجواز. كصحيحة سماعة قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب فقال: لايصلح شيء منه اثنان بواحد إلاّ أن يصرفه نوعاً الى نوع
**
(1) الرياض كتاب الجهاد.
(2) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 6.
(3) الجواهر 343/23.
آخر. فإذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد وأكثر من ذلك(1) فان مقتضى إطلاق قوله: فاذا صرفته... الخ هو جواز التفاضل ولو بالنسية.
ونحوه في الدلالة على الجواز عند الاختلاف في الجنس خبر الحلبي.(2)
وموثقة منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام:... كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد فإذا كان لايكال ولايوزن فلا بأس به اثنين بواحد(3) فان مقتضى إطلاق مفهوم قوله عليه السلام: كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد هو جواز التفاضل ولو بالنسية.
ولظهور طائفة اُخرى في الحرمة وقد تقدم تلك الطائفة الدالة على البأس في النسية أو عدم الصلاحية.
ولذا توقف شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) تبعاً للمحقق في الشرائع في معاملة العروض بالعروض حيث قال: ولازم القول بعدم الجواز هو التزام كون الاطلاقين المذكورين (لصحيحة سماعة وخبر الحلبي) ومفهوم القضية الشرطية (لموثقة منصور بن حازم) في مقام جواز التفاضل في مختلفي الجنسين في مقابل عدمه في متحدي الجنس. وكذا لازمه استعمال «لاينبغي» الواقع في الرابع والعشرين (أي خبر عبدالله بن سنان) في التحريم، و قد وقع نظيره.
و لازم القول بالجواز هو استعمال «لايصلح» و «البأس» في الكراهة مع كثرة استعمال الأوّل في هذا الباب في التحريم وظهور البأس فيه أيضاً. وحيث لاجزم بالاظهرية في شيء من الطرفين فالاحتياط طريق النجاة.(4)
**
(1) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 5.
(2) المصدر السابق ح 3.
(3) الوسائل الباب 16 من أبواب الربا ح 3.
(4) المكاسب المحرمة لشيخنا الاستاذ (قدس سره)، 31-32.
وفيه أوّلاً: أن الأخبار ليست متعارضة، بل لها الجمع الدلالي; إذ الطائفة الثانية مخصوصة بمورد النسية و الطائفة الاُولى أعم من النسية، وعليه فمقتضى القاعدة هو حمل الاُولى على الثانية قضاء لحمل المطلق على المقيد، فيجوز التفاضل في صورة كون المعاملة نقداً ويداً بيد دون النسية جمعاً بين الأخبار. كما أن أصل النسية في صورة الاختلاف في الجنس ولو بدون التفاضل لايجوز، لصحيحة عبدالله بن سنان الدالة على عدم جواز اسلاف الزيت في مقابل السمن.(1) بناءً على تمامية دلالة «لايصلح» على الحرمة.
وعليه فلا تكون الروايات متعارضة، فلا مجال للتوقف، كما لامجال لحمل النصوص الدالة على عدم الجواز على التقية; لأن المنع مذهب العامة كما في الجواهر(2) لأن الحمل على التقية في ما إذا كانت الأخبار متعارضة والمفروض في المقام هو عدم التعارض.
وثانياً: إن العمدة في الجواب عن الأخبار التي استدلّ بها لعدم الجواز هي ما ذكرناه من أن تلك الأخبار لاتخلو من ضعف الدلالة كما عرفت; لعدم ظهور «لايصلح» في الحرمة ولقيام القرينة على عدم المراد من البأس هو الحرمة، إذ صحيحة أحمد بن أ بي عبدالله البرقي صريحة في جواز اسلاف ما يوزن فيما يكال و بالعكس(3)، فيحمل عليه ما يكون ظاهراً في الحرمة. ويؤيد ذلك خبر عبدالله بن سنان المصرح فيها بكلمة «لاينبغي» الظاهرة في الجواز.(4)
هذا كله مع اشتراط تحقق الربا في المعاملات باتحاد الجنس. ومقتضاه هو جواز الزيادة العينية فضلاً عن الزيادة الحكمية مع اختلاف الجنس كالنبوي صلى الله عليه وآله: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم.
**
(1) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 6.
(2) الجواهر 343/23.
(3) الوسائل الباب 7 من أبواب السلف ح 1.
(4) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 10.
و من المعلوم أن هذه المجوّزات تصلح لرفع اليد عن ظهور «البأس» أو «لايصلح» في الحرمة بناءً على ظهورهما في الحرمة، كما ذهب إليه المشهور من القدماء وعامة المتأخرين في المقام، بل ذهب إليه جميع الأصحاب فيما إذا لم يكن العوضان من المكيل والموزون كما سيأتي فلا تغفل.
ومما ذكر يظهر بعض المناقشات الواردة في عبارة الجواهر وان كان صائباً فيما اختاره من الجواز، حيث قال في مقام الاستدلال للجواز: لإطلاق الأدلة الذي يقصر معارضه عن تقييده سنداً في البعض ودلالة في الجميع; إذ هو إما البأس في المفهوم الذي هو أعم من الحرمة، كلفظ لايصلح الذي ادّعي ظهورها في الكراهة ولو للشهرة و التعبير بلفظها في مضمر علي بن إبراهيم الطويل وغير ذلك. ولذا صرّح بها هنا غير واحد من الأصحاب بل في الغنية الإجماع عليها وهو دليل آخر على المطلوب.(1)
وذلك لعدم توقف الاستدلال على أعمية «البأس» من الحرمة بل الأمر كذلك وإن كان ظاهراً في الحرمة، لما عرفت من امكان الجمع بين الأخبار بعد كون المعارض نصاً في الجواز بالحمل على الكراهة، فان البأس ظاهر في العقوبة.
هذا مضافاً الى أن الإجماع - مع كونه محتمل المدرك - لايصلح للاستدلال للجواز. على أن دعوى الإجماع لايساعدها حكاية الخلاف من جماعة من القدماء كابني أبي عقيل والجنيد والمفيد وسلاّر وابن البرّاج.
هذا كلّه فيما إذا كان العوضان من المكيل والموزون. وأما إذا لم يكونا كذلك فعدم جريان الربا فيه أوضح; لاشتراط الربا بالكيل والوزن كصحيحة عبيد بن زرارة عن الصادق عليه السلام: لايكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن.(2)
هذا مضافاً الى أنه صرّح في بعض الأخبار بعدم الفرق في الجواز بين النقد و النسية،
**
(1) الجواهر 343/23.
(2) الوسائل الباب 6 من أبواب الربا ح 3.
كموثقة سعيد بن يسار قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن البعير بالبعيرين يداً بيد ونسية فقال: نعم لابأس إذا سميت الاسنان جَذَعين أو ثنَيَّين ثم أمرني فحططت على النسية.
و رواه الصدوق باسناده عن سعيد بن يسار مثله وزاد: لأن الناس يقولون: لا، فأيما (فإنما خ - ل) فعل ذلك للتقية.(1)
و كخبر قرب الإسناد عن عبدالله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الحيوان بالحيوان بنسية و زيادة دراهم، ينقد الدراهم ويؤخر الحيوان، قال: إذا تراضيا فلا بأس.(2)
وعليه فيحمل على الكراهة مفهوم صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يداً بيد ليس به بأس(3) للتصريح بجواز النسية في موثقة سعيد بن يسار. وهذا الجمع بين الأخبار في غير الحيوان مما لايكال ولايوزن، فيقيد صحيحة الحلبي قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد فأما نَظِرة فلا يصلح(4) بقرينة صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: لابأس بالثوب بالثوبين يداً بيد ونسية إذا وصفتهما.(5)
و يلحق ببيع العروض بيع الأثمان بالأثمان في زماننا هذا; لأنها كالعروض، و عليه يجوز بيع الدلارات بالريالات وبالعكس، وحيث إنهما ليسا من المكيل و الموزون بل من المعدودات ويجري عليهما حكم ما إذا لم يكن العروض من المكيل والموزون، فيجوز حينئذ
**
(1) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 7 و 8.
(2) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 17.
(3) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 4.
(4) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 2.
(5) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 1.
معاملة الأثمان بالأثمان نقداً ونسية، مع التفاضل و بدونه. هذا بخلاف ما إذا كانت حاكية عن الذهب والفضة فانه لايجوز حينئذ المعاملة إلاّ بشرط التقابض في المجلس; لأن المعاملة مع الحكاية وقعت بين النقدين.
لايقال: مقتضى اشتراط التقابض في المجلس في الأثمان هو عدم جواز معاملتهما نسية.
لأنا نقول: المراد من الأثمان التي اشترط فيها التقابض هو الذهب والفضة مسكوكين أوغير مسكوكين. وإنما سمّيا بالأثمان لغلبة وقوعهما في البيع أثماناً، وعليه فلا تشمل غير النقدين والذهب والفضة.
والدليل على ذلك هو الأخبار حيث صرحت فيها بالذهب والفضة والدراهم والدنانير، كصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين صلوات الله عليه: لايبتاع رجل فضة بذهب إلاّ يداً بيد ولايبتاع ذهباً بفضة إلا يداً بيد.(1)
وصحيحة عبدالرحمان بن الحجاج قال: سألته عن الرجل يشتري من الرجل الدراهم بالدنانير فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو ديناراً ثم يقول: ارسل غلامك معي حتى اعطيه الدنانير فقال: ما أحب ان يفارقه حتى يأخذ الدنانير. الحديث.(2)
وصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا اشتريت ذهباً بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه وان نزى حائطاً فانز معه.(3) ولادليل على شمولهما لغيرهما، كالاسكناس.
ودعوى الغاء الخصوصية ممنوعة.
نعم، يمكن الاشكال في معاملة الأثمان بالأثمان إذا كانا متحدي الجنس فيما لاداعي
**
(1) الوسائل الباب 2 من أبواب الصرف ح 3.
(2) الوسائل الباب 2 من أبواب الصرف ح 1.
(3) الوسائل الباب 2 من أبواب الصرف ح 8.
للمعاملة إلاّ الربا، فانّ بعض المفاسد المذكورة في الربا كترك التجارة جار فيه أيضاً. ومقتضى كون الحكمة المنصوصة كالعلة المنصوصة في التعميم - وإن لم تكن كذلك في التخصيص - هو عدم جواز معاملة الأثمان بالأثمان في المتجانسين فليتأمل.
وأما إذا كان الداعي هو أمرٌ آخر غير الربا كما إذا كان له حاجة الى الاسكناس فاعطى الخوردوات من الريالات الفلزية لأخذ الاسكناس مساوية أو زيادة، أو كان له حاجة الى الخوردوات فأعطى الاسكناس لأخذ الخوردوات كذلك فلا إشكال، نقداً كان أو نسية; لمالية العوضين ووجود الداعي الصحيح للمعاملة.
في الشك في مثلية المقدار بعد العلم باتحاد جنس العوضين.
ذهب السيد المحقق اليزدي (قدس سره) الى عدم جواز المعاملة، مستدلاً بأن صحة المعاملة في المتجانسين مشروطة بالمماثلة في المقدار، فلابدّ من احرازها. كما إذا كان لشخص عليه مقدار من الحنطة وله عليه مقدار من الحنطة أو الشعير ولم يعلم قدرهما، فإنه لايجوز أن يصالح ماله بما عليه. و كذا إذا كان له صبرة من الحنطة وللآخر صبرة اُخرى لايجوز المصالحة بينهما مع الجهل بالمقدار.
وكذا إذا كان منّ من الدقيق المختلط من جنسين مع عدم العلم بمقدار كل منهما; فإنه لايجوز بيعه بأحدهما إلاّ مع العلم بزيادته عما في المختلط من جنسه لتكون في مقابل الجنس الآخر. و الظاهر إجماعهم على ذلك كما يظهر منهم في مسألة بيع ما يعمل من جنسين و مسألة بيع الأواني المصنوعة من النقدين وبيع تراب الذهب و الفضة.(1)
و يمكن أن يناقش فيه أوّلاً: بأن استفادة اشتراط المماثلة من الأدلة مشكلة وذلك لأن
**
(1) الملحقات 23/2.
الأخبار - مضافاً الى أن بعضها في مقام أمر آخر، كوحدة الحنطة و الشعير لا في مقام اشتراط المماثلة - لعله تدلّ على اعتبار المثل بالمثل من باب كونه من مصاديق عدم الزيادة، كما يشهد له وقوع اعتبار المثل بالمثل عقيب النهي عن الزيادة، كصحيحة الحلبي بن أبي عبدالله عليه السلام قال: لايباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة و لايباع إلاّ مثلاً بمثل.(1)
و نحوها صحيحة عبدالرحمان بن أبي عبدالله.(2) هذا مضافاً الى تعقيب قوله: مثلاً بمثل بقوله: ليس فيه زيادة و لانَظِرة(3) فإنه مشعر بأن المقصود من اعتبار المثل بالمثل هو اعتبار عدم الزيادة.
هذا كله مع أن الآية الكريمة حرّمت الزيادة، حيث قال عزّوجلّ: (وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا) و أيضاً جملة من الأخبار نهت عن الزيادة، كصحيحة محمد بن قيس: و لاتبع قفيزاً بقفيزين من شعير.(4) و عليه فالزيادة ممنوعة لا أن المماثلة شرط، فإن قلنا بأن الزيادة مانعة عن صحة المعاملة - كما ذهب إليه المشهور - فعند الشك في الزيادة يرجع الشك الى وجود المانع عن صحة المعاملة، لا الى الشك في وجود شرط صحة المعاملة، فحينئذ يمكن الرجوع الى أصالة عدم المانع بناءً على تماميتها في أمثال المقام.
وإن قلنا بأن الزيادة ليست مانعة عن صحة المعاملة، بل هي ممنوعة غير منتقلة كما مرّ في الجهة الخامسة، ويشهد له بعض النصوص; لتخصيص البطلان فيها بنفس الزيادة كما في موثقة إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبدالله عليه السلام: الدراهم بالدارهم والرصاص فقال عليه السلام: الرصاص باطل. وفي معتبرة محمد بن سنان عن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في بيان علّة تحريم
**
(1) الوسائل الباب 8 من أبواب الربا ح 4.
(2) المصدر السابق ح 2.
(3) الوسائل الباب 1 من أبواب الصرف ح 1.
(4) الوسائل الباب 8 من أبواب الربا ح 8.
الربا: إنما نهى الله عزّوجلّ عنه لما فيه من فساد الأموال لأنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً.(1) فالزيادة المعلومة لاتوجب فساد المعاملة فضلاً عن المحتملة، وإن نسب الى الأصحاب بطلان أصل المعاملة في الزيادة المعلومة.
وعليه فمع الشك في الزيادة لايحكم ببطلان أصل المعاملة -، بل تجري أصالة الحل بالنسبة الى احتمال اشتماله على الزيادة. إلاّ أن تمنع عن ذلك نصوص خاصة مثل ما ورد في السيف المفضض على اشكال فيه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وثانياً: بأنه قد مرّ في الجهة السادسة دلالة بعض الصحاح على صحة صلح المتجانسين مع الشك في مقدارهما واحتمال زيادة بعضه على الآخر، كالصحيح عنهما (عليهما السلام) أنهما قالا في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه لايدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه فقال: كل واحد منهما لصاحبه لك ماعندك ولي ما عندي فقال: لابأس إذا تراضيا وطابت انفسهما.(2)
و دعوى تعارض هذه الرواية و نظائرها مع إطلاق أدلة حرمة الربا مندفعة بامكان أن يقال: إن النسبة بينهما حيث كانت هي العموم من وجه; لأن هذه الرواية تدل على صحة الصلح سواء كان مع العلم الاجمالي بالزيادة و عدمه، و روايات حرمة الربا تدلّ على حرمة التفاضل، سواء كانت المعاملة بيعاً أو صلحاً يوجب تعارضهما تساقطهما في خصوص مورد العلم الاجمالي بالزيادة. و مع التساقط يرجع الى عموم أدلة نفوذ الصلح ويحكم بصحته لو لم يدلّ دليل آخر على عدم صحته. و أمامورد الشك من دون علم بالزيادة فهو من موارد
**
(1) عيون الأخبار 88/2-93 الباب 33 فيما كتبه عليه السلام الى محمد بن سنان.
(2) الوسائل 166/13 الباب 5 من أبواب أحكام الصلح ح 1.
افتراق الصحيح المذكور، وهو يدلّ على صحة الصلح، والمفروض أنه لامعارض له; لعدم تعرض أدلة الربا لحال الشك في المماثلة في المقدار و عدمها.
و دعوى الاعراض عن مثل هذه الرواية مندفعة بما يظهر من مفتاح الكرامة من استظهار اختصاص الربا بالبيع من كلمات الأصحاب قدّس الله سرهم.(1)
نعم يختصّ الصلح بما إذا كان العوضان موجودين خارجاً كما هو ظاهر الرواية المذكورة اللّهمّ إلاّ أن يقال: بالقاء الخصوصية، فتشمل الرواية لما إذا كان العوضان في الذمة، بل لعلّه يمكن التعدي عن مورد الرواية الى الصبرة التي تكون له و الصبرة التي تكون لغيره مع عدم العلم بمقدارهما فيجوز المصالحة بينهما فتأمل.
فتحصّل انّ مقتضى ما ذكرناه هو جواز الصلح في مورد الشك في الزيادة، بل جواز الصلح في مورد العلم الاجمالي مع الشك في مقداره التفصيلي فتأمل.
ويُشكل ذلك بما ذكره الأصحاب من عدم جواز بيع ما يعمل من جنسين وبيع الأواني المصوغة من النقدين وبيع تراب الذهب والفضة ما لم يعلم بزيادة العوض عما في المختلط من جنسه، كما يدلّ عليه بعض النصوص، منها: موثقة أبي بصير قال: سئلته عن السيف المفضّض يباع بالدراهم فقال: إذا كانت فضّته أقل من النقد فلا بأس وإن كانت أكثر فلا يصلح.(2)
لظهوره في اعتبار احراز أكثرية النقد وأقلية الفضة المبتاعة في الجواز، فمع عدم العلم بكون النقد أكثر واحتمال كونه مساوياً لما فيه من الفضة لايجوز; للزوم الزيادة على تقدير التساوي; إذ تقع الفضة في مقابل الفضة مثلاً بمثل مع زيادة جنس آخر.
**
(1) مفتاح الكرامة 502/4.
(2) الوسائل الباب 15 من أبواب الصرف ح 8.
و مقتضاه هو المنع عن صورة احتمال تساوي الفضة المبتاعة مع النقد; لملازمة ذلك للزيادة فلا يجوز المعاملة.
و يمكن الجواب عنه بأن الرواية المذكورة و نظائرها مختصة بباب البيع فلا تشمل الصلح. هذا مضافاً الى عدم وضوح شمولها لمورد الشك واحتمال الزيادة; لأن المفروض فيها هو صورة كون الفضة المبتاعة أقل أو أكثر، فحكم بالجواز في فرض كونها أقل وعدم الجواز في فرض كونها أكثر بل التساوي، بناءً على أن العبرة بمفهوم القضية الشرطية الاُولى وكون القضية الثانية من مصاديق مفهوم الاُولى، والقضية الاُولى تدلّ بمفهومها على عدم جواز التساوي والأكثر كليهما.
وعليه فلا تعرّض فيها لصورة الشك، فلا تنافي مع ما تقتضيه القاعدة أو النص الآخر في مورد الشك. وقد عرفت دلالة بعض الروايات على جواز الصلح في مورد الشك مع احتمال التفاضل. وهكذا مرّ جريان أصالة الحليّة في الشك في الزيادة بناءً على ممنوعية الزيادة لامانعية الزيادة عن صحة المعاملة، بل عرفت جريان أصالة عدم الزيادة في مورد الشك بناءً على مانعية الزيادة عن صحة المعاملة أيضاً.
ودعوى ان أصالة عدم الزيادة لاتثبت العنوان الذي يكون العام معنوناً به مندفعة بمنع تقيّد عنوان العام واتصافه بعدم المانع; لأن الموضوع هو عنوان العام مع عدم المانع بنحو التركيب، وعليه فجريان استصحاب عدم الزيادة مع وجود البيع بالوجدان يكفي في ترتب الأثر; لأن عدم الزيادة مع امتداده من الأزل الى حال وجود البيع يوجب تحقق التركيب الذي يكون موضوعاً للأثر، فتأمل فإن المسألة لاتخلو عن غموض.
نعم لو كان الموضوع هو العام المتصف بعدم الزيادة فلا يجدي أصالة عدم الزيادة بنحو المحمولي إلاّ على القول بالأصل المثبت، وأصالة العدم بنحو النعتي ليس لها حالة سابقة، إذ البيع من أوّل وجوده مشكوك في اتصافه بعدم الزيادة وعدمه.
ثم إنّه لو شك في ان الزيادة مانعة عن صحة المعاملة أو المماثلة شرط لصحتها فأصالة عدم كون الزيادة مانعة معارضة مع أصالة عدم كون المماثلة شرطاً، ومقتضى التعارض هو تساقطهما ولزوم الرجوع الى أصالة الفساد.
أن الحنطة والشعير في حكم الجنس الواحد في باب الربا; للأخبار المستفيضة المذكورة سابقاً الدالة على أن أصلهما واحدٌ أو أن الشعير من الحنطة أو أصل الشعير من الحنطة ولامعارض لها. وهذه الأخبار تدرج الحنطة و الشعير في متحدي الجنس و تكون حاكمة بالنسبة الى الأخبار الدالّة على اشتراط اتحاد الجنس في حرمة التفاضل. وأما ما روي من أنه بيعوا.... البُرّ بالشعير والشعير بالبُرّ كيف شئتم(1) فهو خبر عامي لاينبغي التعويل عليه.
و عليه فلا مجال لخلاف القديمين (العماني و الإسكافى اى ابن الجنيد) وابن إدريس; إذ لاوجه لقولهم إلاّ اختلافهما في الجنس عرفاً واسماً وصورة وشكلاً ولوناً وطعماً وخاصية، فتوهموا أنهما مندرجان في قوله عليه السلام: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم، مع أنه لامورد لهذا التوهم بعد حكومة الأخبار و دلالتها بأنهما متحدان لامختلفان; لأن أصلهما واحد.
نعم الحكم باتحادهما مخصوص بباب الربا; لأن دائرة التعليل بمناسبة الحكم والموضوع مخصوصة بباب المعاملات، فلا يشمل سائر الأبواب من الزكاة و النذور والغرامات والاقرار، ولاأقل من الشك فيقتصر فيه على القدر المتيقن فلا تغفل.
أن حكم وحدة الحنطة مع الشعير مخصوص بما إذا ثبت كون شيء من الحنطة أو الشعير. واما إذا لم يثبت ذلك فلا وجه لرفع اليد عما يقتضيه الاختلاف في الحقيقة والاسم، ولذلك
**
(1) سنن البيهقي 282/5.
قال السيد المحقق اليزدي (قدس سره): مقتضى اختصاص كل من العَلَس والسلَّة باسم خاص كون كل منهما جنساً مستقلاً، فلا ربا بينهما و لابين الأوّل و الحنطة، و لابين الثاني والشعير. إلاّ أن بعض أهل اللغة ذكروا: أن الأوّل نوع من الحنطة والثاني نوع من الشعير، فإن ثبت ذلك لحقهما حكمهما وإلاّ فلا.(1)
و عليه فاختلافهما عرفاً و اسماً وصورة وشكلاً ولوناً وطعماً و خاصية يكفي في جواز المعاملة مع التفاضل بينهما كما لايخفى. والترديد في شمول الحكم لمثل العلس والسلة لاحتمال كونهما من أصناف الحنطة والشعير لايوجب الاجمال في عموم ما يدلّ على جواز التفاضل في المختلفين، كما لايوجب اجمال المخصص المنفصل اجمالاً في العام فتدبر.
أن ثمرة النخل نوع واحد و إن اختلفت أصنافها، فلا يجوز التفاضل بين أصنافها. وهكذا في ثمرة الكرم واللوز وغيرهما، كما يدلّ عليه موثقة سماعة قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب فقال: لايصلح شيء منه أثنان بواحد إلاّ أن يصرفه نوعاً الى نوع آخر فاذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد وأكثر (من ذلك - خ).(2) حيث إنّ الظاهر من قوله: لايصلح شيء منه اثنان بواحد إلاّ أن يصرفه الى نوع آخر انّ جميع أصناف التمر أو الطعام أي الحنطة والشعير أو جميع أصناف الزبيب نوع واحد، فلا يجوز التفاضل فيها إلاّ أن يكون هذا النوع في مقابل نوع آخر، كأن يكون التمر في مقابل الزبيب أو بالعكس، أو في مقابل الطعام وبالعكس.
ويؤيّده أيضاً ما في خبر بياع السابري من أنه قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام وما الربا؟ قال: دراهم بدراهم مثلين بمثل وحنطة بحنطة مثلين بمثل(3) فإنّ إطلاق قوله: الحنطة بالحنطة دليل على جريان الحكم في جميع اصنافها.
**
(1) الملحقات 25/2.
(2) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 5.
(3) الوافي 455/17.
و يدلّ عليه أيضاً موثقة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث: الكيل يجري مجرى واحداً قال ويكره قفيز لوز بقفيزين وقفيز تمر بقفيزين. ولكن صاع حنطة بصاعين تمر وصاع تمر بصاعين زبيب إذا اختلف هذا. والفاكهة الياسبة تجري مجرى واحداً. وقال: لابأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلاً أو لاوزناً (كيل أو وزن خ - ل).(1)
بدعوى أنها تدلّ بقوله: ويكره قفيز لوز بقفيزين وقفيز تمر بقفيزين على عدم جواز التفاضل بين أصناف اللوز والتمر، وهو شاهد كون اللوز أو التمر بجميع أصنافهما نوعاً واحداً. ويجوز التفاضل بين نوع تمر ونوع حنطة أو نوع زبيب وهكذا. ولعلّ المراد من قوله: الكيل يجري مجرى واحداً أن المكيل في المعاملات لزم أن يكون متساوياً. وهكذا المراد من قوله: والفاكهة اليابسة تجري مجرى واحداً. وفي نسخة الكافي: وإذا اختلف هذا والفاكهة اليابسة فهو حسن، وهو يجري في الطعام والفاكهة مجرى واحداً.(2)
ويدلّ عليه أيضاً موثقة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لايباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة ولايباع إلاّ مثلاً (مثل خ - ل) بمثل والتمر (والثمن خ - ل) مثل ذلك، الحديث(3) لعدم التفصيل بين أصناف الشعير والحنطة، فهو حاك عن وحدة أصنافهما في النوعية.
ثم يمكن أن يستفاد من الأخبار المذكورة وغيرها عدم اختصاص هذا الحكم بمثل الحنطة والتمر والزبيب واللوز; لعدم خصوصية فيها، بل كل ثمرة من الفواكه يكون نوعاً من الأنواع ولايجوز التفاضل بين أصنافها. نعم يجوز ذلك بين تلك الثمرة ونوع آخر من الثمرات.
ولذلك قال في الجواهر: فقد ظهر أن ثمرة النخل بجميع أفرادها جنس واحد، وكذا ثمرة الكرم على اختلافها في الشكل و الطعم و غيرهما. و في موثق سماعة سئل أبوعبدالله عليه السلام
**
(1) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 3.
(2) الوافي 582/18.
(3) الوسائل الباب 8 من أبواب الربا ح 4.
عن العنب بالزبيب، فقال: لايصلح إلاّ مثلاً بمثل; مع أنه لاخلاف أجده أيضاً فيه.(1)
ومقتضى إطلاق المنع عن مبادلة العنب بالزبيب من دون فرق بين الأصناف من العنب أو الزبيب هو محكومية جميع الأصناف بوحدة النوع وأن اختلافهما بالرطوبة واليبوسة لايخرجهما عن الوحدة.
ثمّ إنّ لفظة الكراهة في موثقة الحلبي الأولى محمولة على الحرمة; لوضوح حرمة التفاضل في النوع الواحد كاللوز والتمر و الحنطة. هذا مضافاً الى أنه قد ورد في بعض الأخبار - في توجيه أن أميرالمؤمنين عليه السلام كان يكره ان يستبدل وسقاً من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة - أنه لم يكن عليّ عليه السلام يكره الحلال.
فتحصّل أن كل فاكهة وثمرة من الثمرات محكوم بوحدة النوع باضافة جميع أصنافها، فلا يجوز التفاضل بين لوز ولوز أو تمر و تمر أو عنب وعنب ومشمش ومشمش وخوخ وخوج. نعم يجوز بين كل نوع ونوع آخر ما لم يكن في الأصل واحداً. وأيضاً لايجوز التفاضل بين اليابسة و الرطبة مِن كل نوع; لأنهما من نوع واحد كما دلت عليه موثقة سماعة في العنب والزبيب.
و مما ذكر يظهر أيضاً حكم الحبوب، إذ كل واحد منها نوع واحد كالأرز والماش و العدس، فلا يجوز التفاضل في كل نوع ويجوز بين نوع ونوع آخر. وحكم الخضروات; إذ البطيخ بأقسامه والرقي بأصنافه والخيار بأقسامه نوع واحد، فلا يجوز التفاضل في كل نوع ويجوز بين نوع ونوع آخر. وحكم البقولات; إذ النعناع نوع واحد بأصنافه والاسفناج نوع واحد وهكذا. بل حكم الفلزات من الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص والقلع وغيرها; إذ كل واحد بجميع اصنافه نوع واحد فلا يجوز التفاضل في نوع واحد.
**
(1) الجواهر 348/23.
كل ذلك لالقاء خصوصية الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذهب والفضة وغيرها من المذكورات، لأن ذكر هذه الأُمور في الأخبار من باب المثال. هذا مضافاً الى قوله عليه السلام في موثقة الحلبي: ولايصلح الشعير بالحنطة إلاّ واحداً بواحد والكيل يجري مجرى واحداً، أو قوله عليه السلام فيها أيضاً: ويكره قفيز لوز بقفيزين ولكن صاع من حنطة بصاعين من تمر وصاع من تمر بصاعين من زبيب إذا اختلف هذا، والفاكهة اليابسة تجري مجرى واحداً(1) فإنّ المستفاد من قوله: الكيل يجري مجرى واحداً وقوله: والفاكهة اليابسة تجري مجرى واحداً إن الأمر كذلك في كل مكيل، وكل فاكهة من أنواع المكيلات، والفواكه بناءً على نسخة الوسائل، وأما بناءً على ما نقله في الوافي عن الكافي من قوله: وإذا اختلف هذا والفاكهة اليابسة فهو حسن وهو يجري في الطعام والفاكهة مجرى واحداً(2) فلعله أيضاً كذلك.
في اللحوم. ولايخفى عليك انه لايجوز التفاضل في اللحوم إذا كانت متحدة النوع. والضأن والمعز متحدان في حقيقة الغنم والغنم نوع من الحيوان كما أن البقر والإبل نوعان آخران من الحيوان.
ولذلك ذهب الأصحاب الى عدم جواز التفاضل بين لحم البقر والجاموس، ولحم الإبل العرابي والبخاتي. وليس ذلك إلاّ لاتحاد البقر والجاموس واتحاد الإبل العرابي والنجاتي في النوع.
وهكذا لايجوز التفاضل في لحم الطيور فيما إذا كان طرفي المعاملة متحدين في النوع. ومقتضى ما ذكر هو عدم جواز التفاضل بين الدجاج والدجاجة لاتحادهما في النوع وجوازه بينهما وبين العصفور أو الحمام; لاختلافهما في النوع.
**
(1) الوسائل الباب 13 من أبواب الربا ح 3.
(2) الوافي 582/10.
ولايضر اشتراكهما في عنوان الطير، فإنه لايوجب اتحادهما في النوع. ويشهد لذلك موثقة سماعة وغيرها; لأن التمر والزبيب مشتركان في كونهما من الفواكه ومع ذلك عدّا نوعين، وليس ذلك إلاّ لأن مجرد اشتراك الأنواع في اسم كالفاكهة أو الحيوان لايوجب اتحادها مع اختلافها في حقيقة النوعية. كما أن مجرد شباهة نوع بنوع لايوجب اتحادهما; لأن التشابه غير الاتحاد في الحقيقة.
ثم لوشك في اتحاد المتشابهين كالفاختة والورشان كماحكي عن لسان العرب من أن الورشان طائر شبه الحمامة، فإن كان الشك ناشئاً من جهة الشك في توسعة مفهوم الحمام حتى يشمل الورشان وعدمها فمقتضى القاعدة في الشبهة المفهومية هو الرجوع الى عموم العام أو إطلاق المطلقات; ويحكم بجواز التفاضل بينهما; لعدم ثبوت الوحدة والاتحاد بينهما بناءً على اشتراط حرمة التفاضل بالاتحاد. وأما إذا اشترط الجواز باحراز الاختلاف فلا يجوز التفاضل. لعدم احراز الاختلاف. والظاهر من الأصحاب هو اشتراط حرمة التفاضل بالاتحاد. وعليه يحمل ما يكون ظاهراً في اشتراط الجواز بالاختلاف. على أنه من لوازم اشتراط الحرمة بالاتحاد.
لايقال: إن مفهوم الاتحاد مبيّن ولااجمال فيه حتى يؤخذ بالقدر المتيقن و يرجع فيما زاد عنه الى عموم العام أو إطلاق المطلقات.
لأنا نقول: نعم، ولكن باعتبار شموله للانواع المتحدة وعدمه للانواع المختلفة غير مبيّن ولذا نشك في أن الحمام مع الورشان متحدان من جهة تعميم معنى الحمام، أو مختلفان من جهة عدم تعميم معنى الحمام.
وإن كان الشك ناشئاً من جهة الشبهة المصداقية، كأن شُكّ في فرد من الحيوانات انه متحد مع فرد آخر أوغير متحد فلا يجوز الأخذ بالعمومات أو الاطلاقات; لعدم انطباق العام بعد تعنونه بغير المتحد. كما لامجال للأخذ بالخاص أيضاً لعدم احراز كونه متحداً.
و مما ذكر يظهر ما في الجواهر حيث قال: ومنشأ الخلاف، الشك في مقولية الحمام على ما تحته مقولية النوع على الأصناف، أو الجنس على الأنواع; فعلى الأوّل يحرم بيع بعضها ببعض مطلقاً. و على الثاني يختص كل نوع بحكمه. ولما كان الوقوف على ذاتيات الحقائق عزيز جداً و لم يكن من جهة الشرع قاطع بشيء حصل الخلاف، لكنّك خبير ان الاطلاقات تقتضي الجواز مع الشك، مضافاً الى عدم مساعدة العرف بصدق الحمام على كثير مما ذكر أنه فرد له.(1)
وذلك لأن منشأ الخلاف هو الشك من جهة توسعة معنى الحمام وعدمها وإلاّ فلا شك في أنّ الحمام نوع مندرج تحت عنوان الطائر، واحتمال كون صدقه على ما تحته من باب الجنس مع كونه نوعاً من الطائر كما ترى.
هذا مضافاً الى أنّ الرجوع الى الاطلاقات مع الشك المذكور ليس جائزاً في جميع الصور كما عرفت.
وكيف كان فمجرّد الشباهة لايوجب الاتحاد. فمع العلم بالمغايرة في النوع يجوز التفاضل، بل مع الشك فيها يجوز أيضاً إن كانت الشبهة مفهومية و إلاّ فلا يجوز التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية.
و مما ذكر يظهر حكم الوحشي والأهلي من كل حيوان، فإنه إن كان بينهما مجرد التشابه الاسمي مع اختصاص كل واحد بحقيقة ونوع فهما نوعان ويترتب عليهما حكم المختلفين فيجوز التفاضل في بيع لحمهما. و لعلّ البرّي والبحري من هذا القبيل.
وإن كانا متحدين في الحقيقة وانما التفاوت بينهما في الأُنس وعدمه فهما متحدان نوعاً ولايجوز التفاضل في بيع لحمهما. ولعلّ البقر الوحشي والأهلي أو المعز الأهلي والوحشي من البرّي من هذا القبيل.
**
(1) الجواهر 356/23.
ولكن يظهر من كلمات الأصحاب مغايرتهما بمجرد الأهلية والوحشية. قال في الجواهر:
عن الغنية و جامع المقاصد و ظاهر التذكرة وغيرهما الإجماع عليه، بل عن موضع آخر من التذكرة ما هو كالصريح في ذلك، ولو لاهذا الإتفاق لأمكن المناقشة في ذلك كما اعترف به في الرياض.(1)
ولذلك قال السيد المحقق اليزدي: الوحشي من كل حيوان مخالف للأهلي منه، فالشاة الجبلي جنس غير الشاة الأهلي فيجوز التفاضل بين لحميهما.(2)
وفيه كما في الحدائق: إنه إن ثبت الإجماع و إلاّ فللنظر في بعضها مجال.(3)
قال في مجمع الفائدة: الوحشي من البقر مخالف لاُنسيّه وكذا كل حيوان; لاختلاف الحقيقة بل الاسم أيضاً; لأنه لايطلق البقر من غير قيد على الوحشي.(4)
وفيه ما لايخفى; لإمكان منع اختلاف الحقيقة بمجرّد الوحشية والأهلية. هذا مضافاً الى إمكان منع عدم إطلاق البقر على الوحشي أيضاً وإن كان منصرفاً الى الأهلي، والعبرة بالوحدة في الحقيقة والنوعية لابانصراف الاسم; لكثرة الاستعمال. فالعمدة من الإجماع وثبوته محل تأمل.
ثم لايخفى عليك إن الشحم غير اللحم ولو كان من حيوان واحد، وكذا الإلية مع اللحم. وأما في كون الشحم والإلية واحدين أو متعددين خلاف ذهب الى الاتحاد في الجواهر
**
(1) الجواهر 357/23.
(2) الملحقات 27/2.
(3) الحدائق 143/5 الطبع القديم.
(4) مجمع الفائدة 470/8-471.
حيث قال: أما الإلية والشحم فالظاهر اتحادهما كما في الدروس.(1) وحكم السيد بمغايرتهما(2) وقيه تردّد.
ثم إنّ المعروف ان السموك نوع واحد; لشمول الاسم للجميع والاختلاف بالعوارض لابالحقيقة. وقوّاه في الجواهر.(3)
و الظاهر أن السمك اسم جنس لانوع، إذ هو خلق في الماء كما إن الطير خلق في الفضاء ولكل منهما أنواع تسمى بأسماء خاصة. ومقتضاه هو جواز التفاضل فيما إذا كانت المعاملة بين النوعين منه. ولعلّ إليه يؤول ما في المهذّب من قوله: وأما السمك فكل ما اختص منه باسم فهو جنس واحد.(4)
هذا مضافاً الى ما في الدروس من أن المسألة خلافية حيث قال: وفي اتحاد السمك او اختصاص كل صنف خلاف، والشيخ على الاتحاد وهو قوي.(5)
ثم إنّ الظاهر أن الصوف والشعر والوبر تابعة للحيوان المأخوذ منه في الاتحاد و الاختلاف، و عليه فوبر الإبل مغاير مع وبر نوع آخر وهكذا في الصوف و الشعر، كما أن كل واحد من الصوف والشعر والوبر مغاير مع الآخر وان كانت متخذة من حيوان واحد. نعم استشكل فيه السيد المحقق اليزدي (قدس سره) ولكنه لاوجه له.
ثم المحكى عن الدروس أن اللحم والكبد والقلب والكرش واحد. وأورد عليه السيد المحقق اليزدي بأنها متغايرات. هذا مضافاً الى أن غير اللحم من المذكورات لايعامل بالوزن.
**
(1) الجواهر 255/23.
(2) الملحقات 27/2.
(3) الجواهر 357/23.
(4) الينابيع الفقهية 154/13.
(5) الينابيع الفقهية 413/13.
ثم لايخفى عليك إن اختلاف الأوصاف الكمالية أو العارضة كالجودة والردائة والصحة والسقم والنضج وعدمه والطبخ وعدمه لايوجب خروج المتحدات عن الاتحاد.
فى الألبان قال فى الجواهر و الألبان تتبع اللحمان فى التجانس و الاختلاف بلاخلاف أجده فيه بل فى التذكرة الإجماع عليه فلبن الإبل جنس و لبن البقر جنس آخر كذى اللبن.
و قد يحتمل اتحاد الجنس و إن اختلف اللحمان بل عن بعض العامة إنها جميعاً جنس واحد و الله العالم.(1)
و مقتضى ما ذكر هو وحدة لن المعز الضأن لكونهما من الأغنام و لحمهما متجانس. ذهب شيخنا الأستاذ إلى وحدة الألبان فى الحقيقة النوعية بحسب العرف.(2)
و هو محل نظر لأن الحكم بالوحدة في جميع الألبان من باب المسامحة و إلاّ فلبن الإبل مغاير مع لبن البقر و هو مغاير مع لبن الغنم و لعل مثله السكر المأخوذ من الشوندر و السكر المأخوذ من قصب السكر. نعم لو حكم العرف بالدقة بالوحدة كما فى الغاز المأخوذ من الشجر و الغاز المأخوذ من الحجر فلايجوز التفاضل فى المعاملة بينهما لاتحادهما عند العرف و إن كان منشأ هما مختلفاً. و مما ذكر يظهر ما في دعوى تبعية الألبان أو الأدهان و غيرهما بالنسبة إلى اللحمان أو ما يستخرج منه لما عرفت من عدم الكلية لإمكان أن يكون ما يستخرج منه متعدداً و المأخوذ واحداً كما عرفت فى الغاز أو أن يكون المنشأ واحداً و المأخوذ متعدداً كما عرفت فى الوبر و الشعر المأخوذين من حيوان واحد.
فلاعبرة بوحدة المنشأ و تعدده بل العبرة بحكم العرف بالوحدة و المغايرة.
**
(1) الجواهر 357/23.
(2) المكاسب المحرمة / 27.
و ينقدح مما ذكرنا حكم الأدهان و العصيرات و الاخلّ خلافاً لما يظهر من الجواهر و الملحقات من الحكم بتبعيتها لما يستخرج منه و لذا حكموا باختلاف دهن اللوز مع دهن الزيت و الجوز و باختلاف خلّ العسل مع خلّ التمر و العنب و باختلاف عصير العنب و النفاح و الرمان و عللوا ذلك بكون أصولها أجناساً مختلفة.(1)
سلمنا المغايرة فى المذكورات ولكنها من باب حكم العرف بها بالدقة لامن باب التبعية المذكورة لأنها غير تامة. اللّهمّ إلاّ أن يدعى الإجماع ولكنه غير كاشف مع التعليل بالأمور المذكوره التى قد عرفت عدم تماميتها.
إن ما يعمل من جنسين أو أزيد على قسمين:
أحدهما: أن لايخرج بذلك عن حقيقة كل من الجزئين أو الأجزاء مثل الآنية المصوغة من الذهب والفضة أو الصفر. ومثل الشلة المعمولة من الأرز والحليب والطبيخ المعمول من الأرز والماش.
ففي هذه الصورة يجوز بيعه بغيرهما مع التفاضل وعدمه; للمغايرة. بل يجوز بيعه بالجزئين مع التفاضل أو بدونه، سواء كان الجزآن منحازين أو لم يكونا كذلك; وذلك لأن كل جنس يكون مقابلاً مع ما لايكون من جنسه، إذ المفروض بقاء كل جزء على حقيقته.
نعم لايجوز بيعه بأحدهما إلاّ مع كونه أزيد مما يجانسه بمقدار يصلح لمقابلة الآخر مع الانفراد، كما هو المحكى عن المسالك، أو ولو مع الانضمام كما يقتضيه إطلاق الآخرين وقوّاه صاحب الجواهر(2) وهو حسن.
**
(1) راجع الملحقات 27/2.
(2) الجواهر 354/23.
و الوجه في اعتبار كونه أزيد بالنحو المذكور هو أن مع التساوي أو كونه أقل يلزم التفاضل في جنس واحد; لأن المعاملة وقعت بين المتجانسين مع اضافة هى جنس آخر و لاريب في كونها ربوية.
وقد دلّت النصوص على الاشتراط المذكور، منها: موثقة أبي بصير قال: سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم فقال: إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، وإن كانت أكثر فلا يصح.(1)
إذ مقتضى مفهوم الشرطية الاُولى هو عدم جواز المعاملة عند كون الفضة المبتاعة متساوية مع النقد أو أكثر، وعليه فتكون الشرطية الثانية بعض مفهوم الشرطية الاُولى.
ثم إنه لافرق في ما ذكرناه في هذا القسم بين أن يمكن تفكيك الأجزاء أو لايمكن; لأن عدم امكان التفكيك لايوجب خروجهما الى حقيقة اُخرى خارجة عن الجنسين.
ولذلك أورد صاحب الجواهر على السيد العميد حيث ذهب الى أن كل مركب من شيئين أو أشياء كالزَلابية(2) والأشربة إذا لم يمكن انفصال أجزائه بعضها عن بعض فهو كالشيء الواحد لايجوز التفاضل فيه. بقوله: وهو غريب إذا فرض عدم الخروج بالتركيب الى حقيقة اُخرى خارجة عن الجنسين.(3)
ثم إنه لايشترط العلم بمقدار كل من الجزئين أو الأجزاء في صحة البيع، بل يكفي العلم بمقدار المجموع، نعم لزم العلم بزيادة الثمن في صورة البيع بجنس أحدهما وإن لم يعلم تفصيلاً مقدار الزيادة.
ولذلك قال في الجواهر: لايُعتبر معرفة مقدار كل من الجنسين في صحة البيع اكتفاء
**
(1) الوسائل الباب 15 من أبواب الصرف ح 8.
(2) حلواء معروفة.
(3) الجواهر 354/23.
بمعرفة المجموع حتى في صورة البيع بجنس أحدهما; إذ يمكن فرض العلم بزيادة الثمن عما قابله من جنسه وإن لم يعلم خصوص المقدار من ذي الجنسين، بأن يعلم مثلاً أن المجانس لايبلغ النصف فيبيعه بقدر ثلثي المجموع مثلاً كما هو الواضح والله اعلم.(1)
وثانيهما: هو أن يخرج بذلك عن حقيقة كل من الجزئين الى ثالث، فهو جنس مستقل. فلا يجوز بيعه بمثله متفاضلاً; للزوم الربا. ويجوز بغيره ولو متفاضلاً; لعدم لزوم الربا، بل يجوز بيعه بالجزئين المنحازين أو جزء واحد ولو من غير زيادة فيه على ما يجانسه قبلاً; لأن بعد العمل يعدّ جنساً آخر ومع المغايرة لايلزم الربا فيجوز المعاملة مع التفاضل وإن كان الأحوط هو الترك.
هذاكله فيما إذا كان العمل المذكور موجباً لخروج الشيء عن حقيقته الى حقيقة اُخرى. ولكن يشكل الأمر في بعض المذكورات في كلمات الأصحاب مثل بعض المعجونات وبعض الحلاوى وبعض المطبوخات وبعض الأشربة فإن الخروج فيها اسمي لاحقيقي. ولكن مع ذلك ذهب السيد المحقق اليزدي (قدس سره) الى أن خروج المذكورات خروج حقيقي.(2)
بل يشكل الأمر في هذا القسم رأساً من جهة اُخرى، وهي ان الثالث الحاصل من العمل حيث إن أصله ربوي يكون محكوماً بحكم الأصل، بناءً على لحوق كل فرع بأصله كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وعليه فلا يجوز بيعه بجنس أحدهما مع عدم زيادته على مجانسه فيه ولو تبدّل وتغير حقيقته، لأن كل جنس مع ما يتفرّع عليه ويعمل منه كالجنس الواحد.
انه لااشكال في عدم جواز التفاضل بين جنس وما يتفرع عليه إن تغيّرت صورته الى
**
(1) الجواهر 355/23.
(2) الملحقات 27/2-28.
شيء آخر مع حفظ وحدته معه في الجنس; لصدق اتحادهما. فلا يجوز التفاضل بين الحنطة ودقيقها وسويقها ولابينها وبين دقيق الشعير وسويقه، كما لايجوز بين الشعير وبينهما ولابين الحنطة أو الشعير و الخبز منهما و لابينهما و بين الهريسة(1) كما لايجوز بين الخبز والهريسة ولابين الأرز وطبيخه.
كل ذلك لاندراجه في العمومات الدالة على عدم جواز التفاضل في المتحدين; إذ لايخرج المذكورات عن الاتحاد بالتغيير الصوري والمعيار هو بقاؤها على الاتحاد وهو مفروض. هذا مضافاً الى صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثل بمثل لابأس به.(2) وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام ما تقول في البُرّ(3) بالسويق؟ فقال: مثلاً بمثل لابأس.(4) وغير ذلك من الأخبار الدالة على عدم جواز التفاضل مع وحدة الحقيقة و إن تغيّرت الصورة وسمّيت باسم آخر أيضاً.
و الظاهر أنه لاخصوصية في المذكورات في الروايات; لظهور أن الملاك في عدم الجواز هو وحدتهما في الجنس وعدم خروجهما عن الوحدة بأمثال هذه التغيرات الصورية أو الأسمية.
و إنما الكلام في التغييرات الماهوية كالحليب و المخيض والجبن والزبد وَالاَقِط و السمسم و الشيرج و التمر و الدبس و العنب و الدبس و الخلّ; إذ مع هذه التغييرات لايصدق الاتحاد في النوع، إذ لايقال في الزبد إنه: حليب وفي دهن السمسم لايقال إنه: سمسم وهكذا لايقال في الخلّ إنه: تمر أو عنب وهذا بخلاف الحنطة والدقيق أو السويق فإنه يمكن أن يقال في الدقيق إنه: حنطة مدقوقة وفي السويق انه: حنطة مجروشة.
**
(1) حليم.
(2) الوسائل الباب 9 من أبواب الربا ح 4.
(3) البُرّ القمح و هو حبّ يطحن و يتّخذ منه الخبز.
(4) الوسائل الباب 8 من أبواب الربا ح 8.
و عليه فمع عدم صدق الاتحاد لامجال للتعدي عن موارد الأخبار الواردة في مثل الدقيق والسويق الى الموارد التي تغيرت حقيقتها; لاختلاف موضوعهما.
ولكن - كما في الرياض - يكفي في المقام أخبار اتحاد الحنطة مع الشعير; فإنها ظاهرة في التعدية وتأسيس ما عليه الأصحاب من القاعدة الكلية وهي اتحاد كل فرع مع أصله نظراً الى تعليلها - مع صحتها واستفاضتها كما مضى - المنع عن المفاضلة بينهما بأن أصل الشعير من الحنطة الدالّ على أن كل فرع له حكم أصله من حرمة المفاضلة، فإن العلّة المنصوصة يتعدى بها الى ما عدى موردها، و إن اختصت به بالاضافة على الأظهر الأشهر بين الطائفة كماحقق مستقصى في الكتب الاصولية. و عليه فيمكن التعدي الى الموارد التي تغيرت الحقيقة بالتعليل الوارد في الأخبار كما في قوله عليه السلام في معتبرة عبدالرحمان بن أبي عبدالله: أن الشعير من الحنطة.(1)
و قوله عليه السلام في صحيحة هشام بن سالم في المنع عن زيادة الشعير مكان الحنطة: لايصلح; لأن أصل الشعير من الحنطة.(2)
و قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي في المورد المذكور أيضاً: لاإنما أصلهما واحد. و كان عليّ عليه السلام يعدّ الشعير بالحنطة.(3) لأن مرجع التعليلات المذكورة الى اثبات تفرّع الشعير بالنسبة الى الحنطة وهو يشير الى الكبرى المطوية وهي: ان كل متفرع محكوم بحكم أصله، فينتج أن الشعير محكوم بحكم الحنطة فلا يجوز المعاملة بينهما بالتفاضل.
فالتعليل بالتقريب المذكور يدلّ على قاعدة كلية وهي محكومية كل متفرع بحكم أصله.
و أورد عليه السيد المحقق اليزدي (قدس سره) بأن التعليل في أخبار اتحاد الحنطة والشعير لايمكن
**
(1) جامع الأحاديث 147/18 الباب 6 ح 2.
(2) جامع الأحاديث 146/18 الباب 6 ح 1.
(3) جامع الأحاديث 147/18 ح 5.
الالتزام به; إذ مقتضاه اجراء حكم الاتحاد مع استحالة شيء الى شيء آخر لاربط له به، كاستحالة التمر ملحاً والصفر ذهباً أو فضة والزيبق كذلك ونحو ذلك، مثل استخراج الملح أو غيره من بعض الأشياء ببعض الانحاء حتى بمثل القرع والانبيق، ومثل استخراج القند من الشوندر وأمثال ذلك مما لايمكن الالتزام بعدم جواز التفاضل بينه وبين أصله. فالظاهر إن التعليل المذكور حكمة أو تقريب، فلا يجوز الأخذ بعمومه.(1)
هذا مضافاً الى ما في مجمع الفائدة من أن الدليل على الكلية غير واضح; لأنه ما وجد شيء صحيح صريح في الكلية، والاسم غير صادق، والاختلاف ممكن حقيقة بل هو الظاهر; لاختلاف الخواص مثل الخل والتمر والجبن والحليب.
ويؤيده ما في صحيحة عبدالرحمان بن أبي عبدالله قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن بيع الغزل بالثياب المبسوطة، والغزل أكثر وزناً من الثياب، قال: لابأس.(2)
ويؤيده أيضاً ما مرّ في صحيحة محمد بن مسلم من أن التفاوت ينجبر بزيادة العمل المقتضي للأُجرة في السويق وكذا في هذا الثياب.
و بالجملة الدليل غير قائم على الاتحاد بين الشيء الربوي وأصله كلية، بل قائم على عدمه، و الأصل و أدلة إباحة البيع دليل الجواز. إلاّ أن كلام الأصحاب ذلك، فالخروج عنه مشكل، والاحتياط يقتضيه، والمسألة من المشكلات يحلها محلها.
و قد ادّعى الإجماع في أكثرها في التذكرة حتى بين الحليب و اللبن و الكشك و الكامخ(3) و الحنطة و الخبز بجميع أنواعه والهريسة. فما ثبت الإجماع فيه لايمكن الخروج عنه، وظاهر التذكرة الإجماع في كل أصل مع فرعه و فرع كل أصل مع آخر فتأمل.(4)
**
(1) الملحقات 25/2-30.
(2) الوسائل الباب 19 من أبواب الربا ح 1.
(3) خامه نان وسركه.
(4) مجمع الفائدة 475/8-476.
و يمكن الجواب عن هذه الاشكالات أوّلاً: بأن دلالة الأخبار الواردة في الحنطة والشعير على الكلية المذكورة واضحة بالتقريب الذي ذكرناه، فالمنع عن دلالة الأخبار على الكلية مع أن لسانها لسان التعليل بما يحتوي الكبرى الكلي كما ترى. وحمله على الحكمة أو التقريب لاشاهد له بعد التنصيص بالتعليل.
وثانياً: بما في الحدائق من أنه لايخفى أن ما أشرنا إليه من النصوص الواردة هنا و إن كان موردها جزئيات مخصوصة إلاّ أن الحكم فيها ليس مقصوراً على تلك الجزئيات; لعدم الخصوصية بل يتعدى الى ما ضاهاها. وإذا انضم إليها ما نقلناه من الثقة الجليل عليّ بن إبراهيم من الكلام الذي نقله عن مشايخه وعليه اعتمد أيضاً ثقة الإسلام (أي الكليني) إذ من المعلوم ان نقله له في كتابه ليس إلاّ بقصد الافتاء والعمل عليه(1) كالأخبار التي نقلها في
**
(1) قال في اوّل اُصول الكافي: وذكرت أن اُموراً قد اشكلت عليك لاتعرف حقائقها; لاختلاف الرواية فيها وانك تعلم ان اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وأنك لاتجد بحضرتك لمن تذاكره و تفاوضه ممن تثق بعلمه فيها. وقلت إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهما السلام) و السنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدّي فرض الله عزّوجلّ وسنّة نبيّه صلى الله عليه وآله وقلت: لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سبباً يتدارك الله تعالى بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملتنا ويقبل بهم الى مراشدهم... الى أن قال: وقد يسّر الله وله الحمد تأليف ما سألت وأرجو أن يكون بحيث توخيت (قصدت) (راجع مقدمة اُصول الكافي 8/1-9).
وأورد عليه معجم رجال الحديث بأن قول الكليني قبل هذه العبارة: فأعلم يا أخي أرشدك الله انه لايسع أحد تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه إلاّ على ما اطلقه العالم بقوله عليه السلام اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عزّوجلّ فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه وقوله: دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم، وقوله عليه السلام: خذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لاريب فيه، ونحن لانعرف من ذلك إلاّ أقلّه ولانجد شيئاً أحوط ولاأوسع من ردّ علم ذلك كلّه الى العالم عليه السلام وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله: بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم، وقد يسّر الله ولله الحمد تأليف ما سألت... الخ. ظاهر في أن محمد بن يعقوب لم يكن يعتقد صدور روايات كتابه عن المعصومين عليهم السلام جزماً وإلاّ لم يكن مجال للاستشهاد بالرواية على لزوم الأخذ بالمشهور من الروايتين عند التعارض، فان هذا لايجتمع مع الجزم بصدور كلتيهما، فإن الشهرة إنّما تكون مرجحة لتمييز الصادر عن غيره، ولامجال للترجيح بها مع الجزم بالصدور. (معجم رجال الحديث 39/1-40)
وفيه إنه وارد إن ثبت ان مقصود الكليني من ذلك هو روايات نفس الكافي، وإلاّ فإن كان مقصوده منه سائر الروايات فلا يدلّ على عدم اعتقاده بصدور روايات الكافي، وإنما مقصوده من ذكر ذلك أنه اختار من بين الروايات ماهو مطابق مع الضوابط فتدبّر.
ذلك الكتاب. ومن الظاهر الواضح الظهور أن هؤلاء الأجلاء الذين هم من أرباب النصوص لايذكرون هذا الكلام ويفتون به إلاّ مع ظهوره لهم عن أهل العصمة صلوات الله عليهم، وهذا مما لايختلجه الشك والريب. والكلام المذكور صريح في الكلية المذكورة، فلا مجال للتوقف فيه انتهى.(1)
ومراده من النصوص الواردة في الموارد الجزئية هي الأخبار الواردة في البُرّ والسويق و الحنطة والدقيق والسويق بالدقيق والعنب بالزبيب والتمر والبسر الأحمر و البختج و العصير.(2)
والمراد مما نقله من علي بن إبراهيم هو ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن رجاله من أنه ما كيل أو وزن ممّا أصله واحد فليس لبعضه فضل على بعض كيلاً بكيل أو وزناً بوزن، فاذا اختلف أصل ما يكال فلا بأس به اثنان بواحد يداً، بيد ويكره نسيئة... الى أن قال: وما كان أصله واحداً وكان يكال أو يوزن فخرج منه شيء لايكال ولايوزن فلا بأس به يداً بيد ويكره نسيئة، وذلك أن القطن والكتان أصله يوزن وغزله يوزن وثيابه لاتوزن، فليس للقطن فضل على الغزل وأصله واحد، فلا يصلح إلاّ مثلاً بمثل، فإذا صنع منه الثياب صلح يداً بيد والثياب لابأس الثوبان بالثوب، الى آخره.(3)
**
(1) الحدائق 141/5 الطبع القديم.
(2) الوسائل الباب 9 والباب 14 من أبواب الربا.
(3) جامع الأحاديث 139/18-140.
ولكن لقائل أن يقول: إنّ الموارد الجزئية المذكورة تكون من موارد تغيير الصورة لاتغيير الماهية والحقيقة; إذ يصدق على الدقيق: الحنطة المدقوقة وعلى السويق: حنطة المجروشة وعلى الزبيب العنب اليابس وعلى البختج: العصير المطبوخ وهكذا فالكلية المصطادة منها لاتعم موارد تغيير الماهية والحقيقة التي يكون كلامنا فيها.
هذا مضافاً الى أن المنقول من علي بن إبراهيم عن رجال ذكره لايصلح للاستدلال; لعدم معلومية رجاله مع الغمض عما فيه من عدم إستناده الى الإمام عليه السلام و دعوى إنجبار ضعفه باعتماد مثل الكليني محل تأمّل. نعم يصلح للتأييد لمامرّمن تقريب الكلية من العلية المنصوصة الواردة في باب اتحاد الحنطة و الشعير; لأن هذه الفتوى من السابقين وليس مستند لهم إلاّ الكلية التي قرّبنا دلالتها. اللّهمّ إلاّ أن يقال: لادليل على حرمة التفاضل بين الفروع بعضها مع بعض إلا هذه الرواية. وحيث ذهب المشهور الى ذلك إنجبر ضعفها; لأن مستندهم ليس إلاّ هي.
وثالثاً: كما في الجواهر بأن الظاهر الاكتفاء بذلك إذا كانت الحقيقة النوعية متخذة من ذلك الأصل لاغير، كالشعير من الحنطة والتمر من الطلع(1) مثلاً، فلا يرد حينئذ معلومية عدم الربا بين التمر والملح الذي يفرض استحالته; لأن حقيقة الملح ليست متخذة منه بل هو استحالة لخصوص فرد، فتأمل جيداً فانه دقيق نافع وتسمع له فيما يأتي تتمته إن شاء الله.(2)
ولقد أفاد وأجاد هنا ولكن اضطربت كلماته فيما بعد، حيث قال: إذا كان الفرع مختلف الحقيقة مع الأصل يمكن منع دلالة النصوص وغيرها على ذلك; لمعارضته بما دلّ على البيع كيف شئتم مع اختلاف الجنس وإن كان من وجه(3)، وبما دلّ على اعتبار اتحاد الجنس في
**
(1) ما يبدو من الثمرة.
(2) الجواهر 339/23.
(3) أي نسبة النصوص الدالة على وحدة الفرع مع الأصل في الحكم مع نصوص دالة على جواز البيع مطلقاًمع الاختلاف في الجنس من العموم من وجه; لأن الاُولى أعم من اختلاف الحقيقة والثانية أعم من التفرع.
تحقق الربا، وباستلزامه حصول الربا في المستحيل الى حقيقة اُخرى لو بيع بأصله، كالتمر المستحيل الى الملح مثلاً، و التزامه في غاية الصعوبة; لعدم الدليل الصالح لإثباته عدا إطلاق معقد الإجماع على القاعدة، المعارض باطلاق معقد جواز البيع مع اختلاف الجنس كيف شاء، و عدى منصوص العلّة في نصوص الحنطة والشعير، ولاجابر له في الفرض لقلّة من استند في هذه القاعدة إليه، بل قد يقال: إنه من الحكمة لامن العلّة، خصوصاً مع ملاحظة خبر زرع حوّاء.
و ستسمع التصريح في الحواشي المنسوبة الى الشهيد بجواز بيع اللبن باللحم، لاختلاف الماهية، بل كثير من أفراد ذلك غير محتاج الى التصريح.
هذا لكن الانصاف انه لامناص عن التزامه أو القول به في المستحيل الى حقيقة اُخرى هي فرع لذلك الأصل، كالشعير بالنسبة الى الحنطة، لاإذا لم تكن و استحال إليها فرد من ذلك الجنس كالمثال المزبور، أو القول بتنزيل اطلاقهم على الفرع الذي لم ينتقل الى حقيقة اُخرى وان تغير الإسم، كالدقيق بالنسبة الى الحنطة و نحوه. ولكن ينافي ذلك بعض أمثلتهم للقاعدة. منها: ما سمعته من معقد اجماع التذكرة الشامل لبيع الفرع بالفرع أيضاً و ان اختلفا في الحقيقة بعد اتفاقهما في الأصل(1) و من هنا كانت المسألة من المشكلات و محتاجة الى التأمل التام... الى أن قال:
بل قد يناقش فيها من جهة اُخرى وهي: أن الفرع إن كان بسبب العمل ومخالطة غير الربوي له كالخلّ الذي يتّخذ من التمر والماء الذي هومن أمثلة القاعدة المزبورة قد يمنع لحوقه
**
(1) و في التذكرة: الأصل مع كل فرع له واحد وكذا فروع كل أصل واحد وذلك كاللبن الحليب مع الزبد والسمن والمخيض واللبا والشيراز والأقط والمصل والجبن والترجين والكشك والكامخ... الخ (ج 479/1 الطبع القديم).
بالربوي من جزئي أصله، ضرورة كونه ترجيحاً من غير مرجح بعد فرض عدم كون الجزء الآخر من المستهلكات. فاطلاق أدلة البيع وغيره يقتضي جواز التفاضل فيه لو بيع بالتمر مثلاً. اللّهمّ إلاّ أن يدّعى أن الماء صار من أجزاء التمر كالمعتصر منه. لكنه كما ترى.
و في التذكرة في المقام: إن مخالطة الملح والماء والأنفحة وبعض الأجزاء اليسيرة لاتوجب اختلافاً; لأنها أجزاء يسيرة لااعتبار بها، فإن كانت كثيرة توجب اختلافاً جاء حكم المختلفين، فتأمل جيداً، فانّه يمكن القول باعتبار ما كان فرعاً لأصل نحو الحنطة والدقيق والشعير والسويق ونحو الدهن من السمسم مما سمعته في النصوص المزبورة، لاكل فرع لكل أصل وإن كان بعيداً لايعرفه إلاّ خواص الناس، نحو طلع الفحل ونحو اتخاذ القند من الشوندر وغير ذلك مما يستخرج من بعض الأجسام على وجه لايدركه إلاّ أوحدي الناس، لاأقل من الشك والأصل الجواز.(1)
و في كلامه الأخير مواقع للنظر:
منها: إنّ دعوى المعارضة مع أدلة جواز التفاضل أو أدلة اشتراط الاتحاد في حرمة الزيادة مندفعة بان مقتضى ما ورد في الحنطة من التعليل هو الحكومة، ومع الحكومة لامعارضة وإن كانت النسبة عموماً من وجه، فيقدّم ما يدلّ على وحدة الفرع مع الأصل مع وجود الاختلاف بينهما على ما يدلّ على اشتراط الاتحاد، بإدراج الاختلاف الفعلي في الاتحاد قضاءاً للفرعية، وعلى ما يدلّ على جواز التفاضل مع الاختلاف بإخراج الفرع من الاختلاف، لكونه محكوماً بالوحدة بملاحظة تفرّعه من أصل واحد.
ومنها: ان تنزيل اطلاقهم على الفرع الذي لم ينتقل الى حقيقة اخرى كالدقيق والسويق، ودعوى قلة من استند الى هذه القاعدة ينافيه كلمات القوم. وقد أشار في الجواهر
**
(1) الجواهر 351/23-353.
الى التذكرة، حيث إنّ المنع عن بيع الفرعين مع كونهما مختلفين في الحقيقة مع التفاضل يؤكد عدم صحة التنزيل المذكور، إذ الاختلاف في الفرعين ملازم للاختلاف مع الأصل.
قال الشيخ الطوسي (قدس سره) في الخلاف في كتاب البيوع مسألة 95: الجبن والأقط والسمن والمصل كل واحد منها بالآخر يجوز متماثلاً ولايجوز متفاضلاً.
و قال الشافعي: لايجوز بيع بعضه ببعض على حال.
دليلنا: الآية ودلالة الأصل، والمنع يحتاج الى دليل. وأما التفاضل فلأنّا قد بيّنا إن كل موزون ومكيل ففيه الربا إذا كان الجنس واحداً وهذه جنس واحد.(1)
قال في المبسوط أيضاً: ومايتخذ من الألبان من الزبد والسمن والاقط والمَصْل(2) وغير ذلك فالحكم فيه أيضاً مثل ذلك، لايجوز بيع بعضه ببعض إلاّ متماثلاً; لأن الجنس واحد، فان اختلف جنسه جاز متفاضلاً.(3)
وقال في النهاية أيضاً: ولابأس ببيع اللبن والسمن والزبد كله مثلاً بمثل ولايجوز نسية، والتفاضل فيه لايجوز لانقداً ولانسية.(4)
و لايخفى عليك تصريح الشيخ الطوسي (قدس سره) في كتبه المذكورة بعدم جواز التفاضل في موارد يكون التغيرات فيها حقيقية وليست من قبيل الدقيق والسويق، وتعليله بوحدة الجنس فيها مع أنها متغايرات، وليس ذلك إلاّ من جهة وحدتها بحسب الأصل وعليه فحمل كلمات الأصحاب على الفرع الذي لم ينتقل الى حقيقة اُخرى لايساعده كلمات الشيخ وهكذا غيره من القدماء والمتأخرين وإليك بعضها الآخر:
**
(1) الينابيع الفقهية 41/35.
(2) عصارة الأقط هي المصل.
(3) الينابيع الفقهية 166/35.
(4) الينابيع الفقهية 83/13.
قال في المهذب: ما كان من هذه الألبان جنسه واحداً جاز بيع بعضه ببعض آخر مثلاً بمثلاً يداً بيد، وإن كان الجنس مختلفاً جاز التفاضل فيه يداً بيد ولايجوز نسية سواء كان رطباً أو يابساً.
و جميع ما يعمل من الألبان مثل السمن والزبد والمصل والأقط وغير ذلك فالحكم فيه كما ذكرنا في اللبن.(1) وهذا يدلّ على أن الاُمور المذكورة إذا كانت من جنس واحد لايجوز التفاضل بينها مع أنها متغايرات، وليس ذلك إلاّ لكونها واحدة بحسب الأصل.
قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: لايجوز التفاضل بين متماثل ما يكال ويوزن وإن اختلفت عليه الأسماء كاللبن والسمن والجبن(2) وهذا يدلّ على وحدة اللبن والسمن والجبن مع أن الاختلاف بينها حقيقياً، وليس ذلك إلالوحدة الأصل وتماثل المذكورات في الجنس.
والأظهر من هذه العبارات هو ما أفاده في الجامع للشرائع حيث قال: والزبد والسمن والأقط من الأصل الواحد جنس واحد.(3) فانه يدلّ بوضوح على أن جهة كون المذكورات جنساً واحداً هو كونها من أصل واحد.
و الى ذلك يشير ما في الدروس حيث قال: والأصل والفرع جنس كاللبن وما يعمل منه والعنب والتمر وما يتخذ منهما.(4)
وما في التبصرة: والشعير والحنطة جنس واحد هنا. وكذا كل شيء مع أصله
**
(1) الينابيع الفقهية 148/13.
(2) الينابيع الفقهية 65/13.
(3) الينابيع الفقهية 474/14.
(4) الينابيع الفقهية 413/35.
كالسمسم والشيرج. وكل فرعين من أصل واحد كالسمن والزبد.(1) وغير ذلك من الكلمات، فالتنزيل المذكور في كلام صاحب الجواهر ليس موافقاً لكلماتهم.
ومنها: أن دعوى كون العلّة المذكورة في الحنطة والشعير حكمة وتقريباً خلاف الظاهر من الروايات المعللة بأداة التعليل أو مايكون بمنزلة الأداة، ولاشاهد على حمل العلّة على الحكمة، وما ذكر من خبر زرع حواء لايكون شاهداً; لأنه ضعيف، مضافاً الى أنه لاينافي التعليل; لأن الشعير فيه فرع للحنطة أيضاً.
ومنها: أن دعوى قلة الاستناد الى العلّة المذكورة مع ما عرفت من ظهور الكلمات في عدم جواز التفاضل في المتغايرات غير مسموعة; إذ ليس ذلك إلاّ لكون وحدة المذكورات بحسب الأصل فَهُم و إن لم يستندوا بالمعنى الاسمي الى العلّة، ولكن تدل فتاويهم على الاستناد المذكور.
ومنها: أن ما أفاده من أن التفرع لزم أن يكون أمراً يعرفه العرف وإلاّ فلا يكون محكوماً بالوحدة مع اختلاف الحقيقة عرفاً صحيح متين; إذ مجرّد معرفة الأخصّاء ذلك لايكفي مع عدم معرفة العرف بذلك; لأن المعيار هو العرف في تشخيص التفرع.
نعم لو اخبر المتخصصون بالفرعية وأمكن للعرف معرفته وعرفوا ذلك يكفي. ولكن بعد لايخلو بعض الأمثلة التي ذكرها عن المناقشة; إذ العرف يعرف أن القند من الشوندر من دون حاجة الى إخبار الأخصّاء كما لايخفى.
ومنها: أن ما ذكره من الحواشي المنسوبة الى الشهيد خارج عن محل البحث، إذ اللبن لايكون فرعاً للّحم، حيث إن مجرد كون اللبن متكوّن في بدن الحيوان لايلازم كونه فرعاً للّحم، بل اللازم هو تحول حقيقة الى حقيقة اُخرى، و اللّحم لايتحوّل الى اللبن. وعليه فيجوز التفاضل بينهما كما لايخفى.
**
(1) الينابيع الفقهية 305/35.
ومنها: أن كلام التذكرة في المختلط تام; إذ مع قلة الخليط لااعتبار به ومع الكثرة يترتب عليه حكم المختلفين.
فتحصل أن ما ذكره في الرياض من جواز التعدي عن مورد التعليل الوارد في الحنطة والشعير والحكم به في كل فرع وأصل تام متين.
قال سيدنا الإمام المجاهد (قدس سره): كل شيء مع أصله بحكم جنس واحد وان اختلفا في الإسم كالسمسم والشيرج، واللبن مع الجبن والمخيض واللباء وغيرها، والتمر والعنب مع خلّهما ودبسهما وكذا الفرعان من أصل واحد كالجبن مع الأقط والزبد وغيرها.(1)
ثم إنه لو شك في صدق الفرعية والأصلية في مورد من ناحية الشبهة المفهومية فمع كونهما مختلفين جاز البيع مع التفاضل أخذاً بعموم: إذا اختلفا فبيعوا كيف شئتم.
إنّ مقتضى الجمع بين عموم التعليل وصحيحة عبدالرحمان بن أبي عبدالله قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن بيع الغزل بالثياب المبسوطة والغزل أكثر وزناً من الثياب قال: لابأس(2)، هو اختصاص مورد عموم التعليل بالفرعية في الجنس، وعدم جريان الفرعية فيما كان أصله مما يوزن أو يكال. فخرج منه شيء لايكال ولايوزن، فيجوز المعاملة بالتفاضل بين الأصل وما خرج منه، وكذا يجوز ذلك بين ما خرج منه بعضه مع بعض ولايترتب عليه حكم الأصل.
وعليه فمعاملة الغزل بالثياب مع كون الغزل أكثر وزناً لااشكال فيه، كما أن معاملة
**
(1) تحرير الوسيلة 45/2.
(2) الوسائل الباب 19 من أبواب الربا ح 1.
الثياب بالثيابات مع كون الغزل في الثاني أكثر لامانع منه، قال في تحرير الوسيلة: لاتجري تبعية الفرع للأصل في المكيلية والموزونية، فما كان أصله مما يكال أو يوزن فخرج منه شيء لايكال ولايوزن لابأس بالتفاضل بين الأصل وما خرج منه، وكذا بين ما خرج منه بعضه مع بعض، فلا بأس بالتفاضل بين القطن ومنسوجه ولابين منسوجين منه، بأن يباع ثوبان بثوب.(1)
ومما ذكرنا يظهر ما في مجمع الفائدة، حيث جعل صحيحة عبدالرحمان بن أبي عبدالله من مؤيدات عدم كلية تبعية الفرع للأصل، مع أنك عرفت إن غاية ما في الباب هو تخصيص الكلية، إذ لامنافاة بينهما بعد كون النسبة بينهما عموم وخصوص كما لايخفى.
إنّ الكلية المستفادة من التعليل، كقوله عليه السلام: لان أصل الشعير من الحنطة راجعة الى معاملة الفرع مع الأصل. وأما معاملة الفرع مع الفرع فلا تستفاد من التعليل المذكور، مع أن الظاهر من كلمات الأصحاب هو عدم جواز التفاضل في الفرع مع الفرع ولو كانا مختلفين.
نعم يمكن الاستدلال له بقوله عليه السلام في صحيحة الحلبي - في مورد الحنطة والشعير -: لاإنّما أصلهما واحد(2) بناءً على أن العبرة باطلاق الوارد لابخصوصية المورد; إذ قوله: إنّما أصلهما واحد أعم من أن يكون أحدهما فرعاً للآخر أو كلاهما فرعين لثالث. وعليه فتطبيقه على الحنطة والشعير مع كون الشعير متخذاً من الحنطة لاينافي الاطلاق.
هذا مضافاً الى أن صريح المنقول من عليّ بن إبراهيم هو المنع عن التفاضل في معاملة الفرع مع الفرع أيضاً، حيث قال: ما كيل أو وزن مما أصله واحد فليس لبعضه فضل على
**
(1) تحرير الوسيلة 46/2.
(2) جامع الأحاديث 147/18.
بعض، كيلاً بكيل أو وزناً بوزن.(1) بناءً على انجباره بالاجماع وعمل الأصحاب، خصوصاً مع أنه لادليل لهم إلاّ ذاك. واحتمال الاستدلال بصحيحة الحلبي بعيد; لعدم وضوح دلالتها للجميع. وقد نقلنا كثيراً من العبائر الدالة على أنهم أفتوا بعدم جواز التفاضل بين الفرعين.
وقد صرّح العلاّمة (قدس سره) بالاجماع حيث قال في التذكرة: الأصل مع كل فرع له واحد وكذا فروع كل أصل واحد، وذلك كاللبن الحليب مع الزبد والسمن والمخيض واللبا والمصل والأقط والجبن والترجين والكشك والكامخ... الى أن قال: وغير ذلك عند علمائنا أجمع.(2)
إنه لايخفى عليك أن ما ذكرناه من حكومة الأخبار الواردة في وحدة الفرع مع الأصل بالنسبة الى الأخبار الدالة على جواز التفاضل مع اختلاف الجنسين أولى مما ذهب إليه في جامع المدارك من الجمع بينهما، بحمل المنع في أخبار الواردة في وحدة الفرع على الكراهة.(3) وذلك لعدم مساعدة قوله عليه السلام: لايجوز في إخبار معاملة الحنطة مع الشعير للحمل على الكراهة، وإن أمكن الجمع بين «لايصلح» أو «البأس» وبين قوله عليه السلام: لابأس في أخبار جواز التفاضل مع الاختلاف بحمل المنع على الكراهة.
هذا مضافاً الى ذهاب الأصحاب الى الحرمة لاالكراهة.
ثم إنه ذهب في جامع المدارك الى أن العلية المستفادة من صحيحة الحلبي: لا، إنّما أصلهما واحد متعارضة مع العلّية المستفادة من قوله عليه السلام: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم. ويمكن حمل الأوّل على الحكمة في تشريع الحكم ولامجال لهذا الاحتمال في الثاني.(4)
**
(1) جامع الأحاديث 139/18-140.
(2) التذكرة 479/1 الطبع القديم.
(3) جامع المدارك 245/3.
(4) جامع المدارك 254/3-255.
ويمكن أن يقال: إن دلالة الصحيحة على العلّية أظهر من دلالة الموضوع على العلّية; فإن الثاني بالاشعار، فلا يقاوم الأوّل. هذا مضافاً الى صراحة بقية الأخبار في العلّية، كقوله عليه السلام: لأن أصل الشعير من الحنطة وقوله عليه السلام: ان الشعير من الحنطة.
على أن لسان التعليلات المذكورة هو لسان الحكومة دون العكس، فلااشكال في تقدمها.
والحمل على الحكمة مع ظهور الروايات في العلّية لاموجب له، وعدم امكان حمل الموضوع على الحكمة في اخبار جواز التفاضل لايكون من المرجحات كما لايخفى.
إن الكلية المستفادة من الأخبار الدالة على وحدة الشعير مع الحنطة بملاك أنه منها تدل على وحدة الفرع مع الأصل في الجنس لاغير، وعليه فإذا كان الفرع من المكيل أو الموزون وأصله معدود لايكون الفرع محكوماً بحكم أصله، فمثل دهن الجوز موزون وأصله - وهو الجوز - معدود فحيث لاتبعية للفرع بالنسبة الى الأصل في المكيلية والموزونية والمعدودية لايجوز التفاضل في الدهن وان جاز ذلك في نفس الجوز.
كما عرفت ذلك في العكس أيضاً، فإنه إن كان الأصل موزوناً أو مكيلاً والفرع يكون معدوداً أو مذروعاً كالثياب والقطن يجوز التفاضل في الثياب دون نفس الأصل. ولذلك صرح السيد (قدس سره) في مسألة 42 من الملحقات بانه إذا كان الفرع من المكيل والموزون وأصله من غيرهما لايجوز التفاضل فيه كما في دهن الجوز، فإنه موزون وأصله - و هو الجوز معدود. وفي العكس يجوز التفاضل، كالثياب، فإنها مذروع وأصلها - وهو الغزل والقطن من الموزون.(1)
**
(1) الملحقات 37/2.
في أنه هل يجوز التساوي بين الفرع والأصل في مثل الحنطة والسويق مع أن الحنطة لها ريع وفضل أو لايجوز؟
ذهب بعضٌ الى الثاني معلّلاً بالزيادة وقياساً باليابس من جنس بآخر رطباً، مثل الرطب بالتمر والعنب الزبيب وقال: كيف لاينبغي النظر الى مثل هذه الزيادة في وقت آخر بتبديل وتغيير مع أنه معتبر عندهم في الرطب والتمر؟
ثم إن الزيادة في الحنطة بالنسبة الى السويق متصورة بأحد الوجهين:
الأوّل: ما حكي عن الوافي من أن البُرّ له ريع وفضل; لأنه يزيد إذا خبز بخلاف السويق.
والثاني: ما ذكره في الجواهر من أنه قد يكون المراد أنه إذا بيع احدهما بالآخر كيلاً; لأنهما من المكيلات، فإن الحنطة تكون أثقل والسويق أخف فيحصل الريع والزيادة في الحنطة.(1)
ويمكن أن يقال أوّلاً بجواز التساوي وإن كان له ريع وفضل في الآتي، لأن المعتبر هو المماثلة حال البيع وهي موجودة; إذ الفضل في الآتي غير مضرّ، كما أن الأثقلية باعتبار الوزن مع تساويهما بحسب الكيل وشيوع الكيل في مثله لاتضرّ. هذا مضافاً الى صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت ما تقول في البُر بالسويق؟ فقال: مثلاً بمثل لابأس به قلت: انه يكون له ريع (أي) أو يكون له فضل فقال: أليس له مؤونة؟ قلت: بلى قال: هذا بذا، الحديث.(2) ولذلك صرح في الرياض باغتفار هذه الزيادة اتفاقاً فتوى ورواية.
و ثانياً بأن الزيادة المذكورة في المقيس عليه تكون مكروهة لامحرمة، جمعاً بين الروايات الدالة على المنع، والروايات الدالة على الجواز، منها: موثقة سماعة قال: سئل أبوعبدالله عليه السلام
**
(1) الجواهر 253/23.
(2) جامع الأحاديث 149/18.
عن العنب بالزبيب قال: لايصلح إلاّ مثلاً بمثل قلت: الرطب والتمر قال: مثلاً بمثل.(1) مع أن العنب والرطب يصيران أقل بسبب اليبوسة.
و ثالثاً بما قيل من الفرق بين الحنطة والسويق وبين الرطب والتمر; لإمكان أن يجعل الزيادة في الحنطة في مقابل الطحن، كما أشير إليه في نفس الرواية الواردة في الحنطة مع السويق، بخلاف الرطب والتمر، إذ لامؤونة في يبس التمر فتأمل.
إنّ ظاهر الشرائع ومختصر النافع هو جواز ابتياع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم.
واستدل له بمنع صدق الزيادة بالاشتراط المذكور، لأن الربا هي الزيادة في العين إذا كان الجنس واحداً وهنا لازيادة في العين. وأورد عليه بتحقق الربا بمطلق الزيادة في المتجانسين، ضرورة عدم صدق المثل بالمثل معها. هذا مضافاً الى أن الدليل لو كان هو منع صدق الزيادة لما كان وجه لتخصيص جواز ذلك بخصوص اشتراط الصياغة فتأمل.
لايقال: إذا كان وصف الخاتمية مثلاً لايتحقق به الربا، ولذا جاز بيعه بمثله فضة غير خاتم، فاشتراطها غير قادح أيضاً.
لإمكان أن يقال - كما في الجواهر - بأن الشرط هنا العمل وهو صياغتها خاتماً لاوصف الخاتمية، و لاريب في تحقق الربا بمثله. نعم لو كان الشرط مثلاً بيعه بفضة مصوغة خاتماً أمكن عدم تحقق الربا; لعدم اشتراط العمل; فهو كبيعه الفضة بالفضة من الدراهم مثلاً أو بفضة من جنس المصوغ على وجه خاص بما هو أفراد للبيع، وبالوصف والشرط يتعين بعض أفرادها ومثله لايتحقق به الربا قطعاً.(2)
وقد مرّ الكلام في شمول الأدلة وعدمها بالنسبة الى الزيادة غير العينية فراجع الجهة الرابعة من الجهات المذكورة في هذه الرسالة والمسألة محل تأمل.
**
(1) الوسائل الباب 14 من أبواب الربا ح 3.
(2) الجواهر 32/24.
و استدل له بصحيحة أبي الصباح الكناني قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن الرجل يقول للصائغ: صغ هذا الخاتم وابدل لك درهماً طازجياً بدرهم غلّة قال: لابأس.(1)
و يشكل ذلك - كما في الجواهر - بأنه لادلالة فيه على ذلك; إذ مورده اشتراط الابدال في الصياغة لاالعكس. ومع فرض صحة وقوع هذا الابدال عوضاً عن الاجارة أو الجعالة يرتفع الاشكال; إذ لاربا في نفس عقد بيع الدرهم، بالدرهم والمحرّم منه الزيادة في عقد بيعه، فيكون ذلك حيلة للتخلص من الربا.
الى أن قال: ولقد أجاد في الدروس في أصل تحرير المسألة حيث قال: روى أبوالصباح جواز جعل ابدال درهم طازج بدرهم غلّة عوضاً لصياغة خاتم. و حكم جماعة بجواز بيع درهم بدرهم مع شرط صياغة... الى أن قال صاحب الدروس: والأوجه المنع مطلقاً والرواية في الإجارة لاغير.
ثم قال صاحب الجواهر: و لاريب أنه أولى من تعبير المصنف وغيره عن مضمون الرواية بأنه يجوز بيع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم; لما عرفت من عدم كونه كذلك والله أعلم.(2)
و لايخفى ما فيه وفي كلام الدروس; فإنّ تجويز جعل إبدال الدرهم الطازجي بدرهم الغلّة اُجرة للصياغة يوجب جواز جعل الاُجرة هي البيع الربوي; إذ بيع الطازجي مع الغلّة بيع ربوي، كما أن جعل الإبدال غير البيع لايجدي بعد ما مرّ من حرمة مطلق المعاملة الربوية.
و عليه فاللازم هو حمل الرواية على ما تقتضيه القواعد كما في محصل المسالك - من أن الصياغة وقعت من جانب الغلّة، وقد حكى عن بعض أهل اللغة و جماعة من الفقهاء أنها
**
(1) الوسائل الباب 13 من أبواب الصرف ح 1.
(2) الجواهر 36/24.
المغشوش، والطازج: الخالص، فيكون الغش حينئذ والصياغة في مقابلة مازاد عليه من الطازج، وهذا لامانع منه في البيع وغيره وفي شرط خاتم وغيره من الصنائع والأعيان، فتكون الرواية حينئذ موافقة للضوابط و لايقتصر على مضمونها.(1)
فتحصّل مما ذكر اُمور:
منها: انه لايجوز جعل الاُجرة للصياغة ابدال الطازجي مع الغلّة; لأنّه يؤول الى جعل المعاملة الربوية اُجرة لعمل الصياغة، سواء كان المراد من الإبدال هو البيع أو غيره; لما مرّ سابقاً من حرمة مطلق المعاملة الربوية، و ليس مفاد الصحيحة ذلك كما عرفت من الشهيد الثاني.
ومنها: إنه يجوز اشتراط الصياغة في معاملة درهم بدرهم بناءً على عدم كون اشتراط العمل زيادة ربوية، بخلاف ما إذا قلنا بأنه زيادة ربوية والمسألة محل خلاف و اشكال.
ومنها: انه يجوز معاملة الغلّة مع الطازجي إذا جعل في جانب الغلّة عملاً، ويؤول الى بيع المتجانسين مثلاً بمثل. و جعل الزيادة في طرف الطازجي اُجرة في مقابل الصياغة في طرف الغلّة، و المعاملة حينئذ تكون مركبة من بيع واجارة، و لااشكال فيه فيما إذا كانت زيادة الطازجي محرزة بالنسبة الى الغلّة و كانت المعاملة قبل عمل الصياغة، وأما إذا كانت المعاملة بعد عمل الصياغة وأراد جعل الزيادة في قبال الهيئة، كما إذا باع مثقالين من الذهب في مقابل مثقال ذهب مصوغ فجعل مثقال في مقابل مثقال ومثقال آخر في مقابل الهيئة فمحل اشكال; من جهة أن الهيئة بعد تحققها تعدّ من أوصاف المال، وحيث إنّ الأوصاف لاتقابل بالأعواض بل تكون مزيدة للمال، فالزيادة وقعت في مقابل أصل المال، فيلزم منه الربا كما لايخفى.
وظاهر قوله: صغ هذا الخاتم وابدل لك درهماً طازجياً بدرهم غلّة في صحيحة
**
(1) راجع المسالك 345/3.
أبي الصباح الكناني أيضاً هو وقوع الإبدال قبل الصياغة لابعدها، نعم ظاهر صحيحة محمد بن مسلم الواردة في البُرّ والسويق والجاعلة زيادة البُرّ في مقابل مؤونة السويق وقال: هذا بهذا أيضاً(1) هو المعاملة بين البُرّ والسويق الموجود، ومن المعلوم أن السويق الموجود صار سويقاً قبل المعاملة. ولكن البُرّ مع السويق متماثلان بالفعل بحسب الوزن.
و الزيادة بالريع تقديرية وهو معفو عنه هنا وفي الرطب واليابس من الفواكه.
وعليه فلا يستفاد من الرواية جواز جعل الزيادة بالفعل في مقابل الهيئة الحاصلة قبلاً. نعم إذا وقعت المعاملة كيلاً لاوزناً و كان الكيل شائعاً فيه أيضاً، فهما وإن كانا متساويين بحسب الكيل ولكن كانت الحنطة أثقل بحسب الوزن بالفعل، فجعل مقدار الزائد في مقابل الهيئة الحاصلة بالمؤونة. ولكن التعدي عن المورد الى سائر الموارد مع وجود المماثلة في المورد بحسب الكيل، واحتمال آخر في المقام و هو: ان الزيادة تقديرية وكون قوله: هذا بذا جواباً اقناعياً محل اشكال.
و مما ذكر يظهر ما في تحرير الوسيلة حيث قال: لايجوز أن يشتري من الصائغ خاتماً أو قُرْطاً مثلاً من فضة أو ذهب بجنسه مع زيادة بملاحظة اُجرته، بل إما يشتريه بغير جنسه، أو يشتري منه مقداراً منهما بجنسه مثلاً بمثل ويعين له اُجرة لصياغته. نعم لو كان فصّ الخاتم مثلاً من الصائغ، وكان من غير جنس حلقته جاز الشراء بجنسه مع الزيادة.(2)
لما عرفت من أن الصياغة الموجودة من الأوصاف، وهي لاتقابل بالأعواض بل تكون مزيدة للمال، فالزيادة حينئذ تقع في مقابل أصل المتجانس فيلزم الربا كما عرفت آنفاً.
لايقال: إن التفكيك بين المادة والهيئة معتبر في باب الفسخ وباب المفلس و باب الاجارة فيما إذا انقضت المدة وسلّم الأجير العين الى المؤجر وقد زادت بعمله صفة في العين،
**
(1) جامع الأحاديث 149/18.
(2) تحرير الوسيلة 50/2.
وفي باب الغرامة، فإن العرف يعتبرون انتقال المادة المنفكة المجزّأة عن الهيئة الى مالكها، وبعد هذا الاعتبار تصير الهيئة مستقلاً بالاعتبار، و المفروض أن لها المالكية كالوجود، فتصير مالاً مستقلاً، فإذا اعتبرت منفكة تبقى لامحالة على ملك من احدثها أو حكم بضمانها لو أتلفها الغاصب و نحوه.
فاذا كانت الهيئة معتبرة منفكة عن المادة لجاز المعاملة عليها بالبيع أو الصلح، و مقتضى ذلك هو جواز جعل شيء في مقابل الهيئة الحاصلة بالصياغة.
لأنا نقول - كما أفاد شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) - يمكن الفرق بين ما إذا لم يحصل موجب خارجي لاعتبار التفكيك وقصد ذلك بنفس الجعل، فهذا لايساعده الاعتبار، وبين ما إذا حصل موجب خارجي، فحينئذ يصح كما في الأمثلة المذكورة، فإنه بعد تجزئة العين عن الهيئة يجوز أن يصطلحا شخصين آخرين في أن يقوما مقامهما في ملكية أحدهما المادة المجردة والآخر الهيئة كذلك.
لايقال: يلزم على ما ذكرت أنه لو أحدث مثل ذلك الغاصب كان كما إذا ضمّ الى العين جزءاً من أمواله، ولايمكن الالتزام به.
لأنا نقول: يمكن الفرق بين ما إذا كان من أوّل الحدوث ملكية المادة لغير المحدث للهيئة كما في المغصوب، فلا يساعد العرف على التفكيك، وبين ما إذا اتحد المحدث و المالك للمادة في الابتداء ثم حصل التفريق في الاستدامة، فيساعدون على التفكيك، نظير نتاج الدابة، فإنه لايساعد العرف على حدوث النتاج في ملك غير مالك الدابة ولكن بعد الحدوث في ملكه لامانع من التفريق في البقاء و الاستدامة.(1)
نعم، إن كان التفكيك بين الذات و الهيئة عند المعاملة مرسوماً عند العقلاء لم يبعد أن يشمله عمومات نفوذ المعاملة بعد كون موضوعاتها حقيقية لاخارجية فتدبر.
**
(1) الخيارات / 215.
و هنا اُمور:
أدلة اشتراط الكيل و الوزن في تحقق الربا فلا ربا، في غيرهما من المعدود و المذروع و ما يباع بالمشاهدة كالجوز و البيض و العبد و الثياب والدواب والنخيل والأشجار ونحوها، ويجوز فيها التفاضل ولو مع اتحاد الجنس على الأقوى. والنصوص الدالة على ذلك مستفيضة وهي طوائف:
ما يدلّ على حصر الربا في المكيل والموزون:
منها: صحيحة زرارة عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لايكون الربا إلاّ فيما يكال أو يوزن.(1)
ومنها: صحيحة عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: لايكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن.(2)
ما يدلّ على جواز التفاضل في غير المكيل والموزون:
منها: خبر الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لابأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلاً و لاوزناً.(3)
**
(1) الوسائل باب 6 من أبواب الربا ح 1.
(2) الوسائل الباب 6 من أبواب الربا ح 3.
(3) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 3.
ومنها: صحيحة داود بن حصين أنه سأل أبا عبدالله عليه السلام عن الشاة بالشاتين و البيضة بالبيضتين فقال: لابأس ما لم يكن مكيلاً أو موزوناً.(1)
ومنها: موثقة منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام:... كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لايكال ولايوزن فلا بأس به اثنين بواحد.(2)
ما يدلّ على جواز التفاضل في بعض مصاديق المعدود و المذروع:
منها: موثقة منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألته عن البيضة بالبيضتين قال: لابأس به، والثوب بالثوبين قال: لابأس به، والفرس بالفرسين فقال: لابأس به.(3)
ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يداً بيد ليس به بأس وقال: لابأس بالثوب بالثوبين يداً بيد ونسية إذا وصفتهما.(4)
ومنها: صحيحة عبدالرحمان بن أبي عبدالله قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن بيع الغزل بالثياب المنسوجة والغزل أكثر وزناً من الثياب قال: لابأس.(5)
ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن بيع الحيوان اثنين بواحد قال: إذا سميت الثمن فلا بأس.(6) هكذا في الوسائل وجامع الأحاديث ولكن السيد في الملحقات نقل هكذا: إذا سميت السن فلا بأس.(7)
**
(1) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 2.
(2) الوسائل الباب 16 من أبواب الربا ح 3.
(3) الوسائل الباب 16 من أبواب الربا ح 3.
(4) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 1.
(5) الوسائل الباب 19 من أبواب الربا ح 1.
(6) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 15.
(7) الملحقات 31/2.
و هذه الروايات متفقة على جواز التفاضل في غير المكيل والموزون بالمفهوم كما في الطائفة الاُولى، وبالمنطوق كلياً كما في الطائفة الثانية، وبالمنطوق جزئياً كما في الطائفة الثالثة، وهذه الطوائف تقيّد إطلاق أدلة تدلّ على حرمة الربا. وفي قبالها موثقة حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الثوبين الرديّين بالثوب المرتفع والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين فقال: كره ذلك عليّ عليه السلام فنحن نكرهه إلا أن يختلف الصنفان، قال: وسألته عن الإبل والبقر والغنم أو إحديهن في هذا الباب قال: نعم نكرهه.(1)
و صحيحة ابن مسكان عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سئل عن الرجل يقول: عاوضني بفرسي وفرسك وأزيدك قال: لايصلح ولكن يقول: اعطني فرسك بكذا وكذا و اعطيك فرسي بكذا وكذا.(2)
و لعلّ هذان الخبران أوجبا ذهاب المفيد في محكي المقنعة وأبي علي وسلاّر الى أن حكم المعدود حكم المكيل والموزون، فلا يجوز التفاضل في المتجانسين مطلقاً نقداً و نسية، ولكنه واضح الضعف; لأن الروايات السابقة صريحة في الجواز، وهذان الخبران ظاهران في الحرمة، فيحملان على الكراهة، جمعاً بينهما. هذا مضافاً الى عدم مقاومتهما مع تلك الأخبار من جهة قوة السند وموافقة المشهور، ولذلك احتمل السيد انّ مراد المذكورين صورة النسية وحملوا الخبرين عليهما.(3)
مع أنّ مقتضى صحيحة زرارة المتقدمة وغيرها هو جواز النسية في مثل الثوب أيضاً.
و يؤكّد ما ذكر أنّ هذه المسألة مورد الابتلاء فلو كان التفاضل في المعدودات و المذروعات محرماً لنهي عنه وبان ذلك وشاع، وحيث لم يكن كذلك علم أنه ليس كذلك.
**
(1) الوسائل الباب 16 من أبواب الربا ح 7.
(2) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 16.
(3) الملحقات 32/2.
وأورد في الجواهر على الاستدلال بالخبرين بقوله: وفيه عدم صدق اعتبار العدّ في ذلك، فيكون حينئذ ما في الخبرين - مع معارضته بما سمعت مخالفاً للإجماع، ولعلّه لذا نفى الخلاف في المختلف عن بيع الثوب بالثوبين نقداً، فلابدّ من عدم إرادة الحرمة من الكراهة ونفي الصلاحية، أو على إرادة خصوص النسية منه، لما في المقنعة: لابأس ببيع ما لايكال ولايوزن واحد باثنين وأكثر من ذلك نقداً و لايجوز نسيئة... الى أن قال: إنّ الخلاف متحقق هنا في أمرين:
أحدهما: إلحاق المعدود بالمكيل والموزون في جريان الربا... الى أن قال: و ثانيهما: المنع من البيع متفاضلاً نسيئة وإن لم يكن معدوداً... الى أن قال: وعلى كل حال فلا دليل معتبر على شيء من الدعويين بحيث يصلح لمعارضة تلك الأدلة، لكن لابأس بالقول بالكراهة... الخ.(1)
في المناط في المكيل والموزون. ولايخفى عليك أنّ ظاهر الكلمات أنّ المناط فيهما ما كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله، فما كان مكيلاً أو موزوناً في عصره على التفصيل الآتي جرى فيه الربا وإن تغير بعد ذلك، وما لم يكن من أحدهما لايجري فيه وإن صار من أحدهما بعد ذلك. وادّعى عدم الخلاف والإجماع على الحكمين، ومن المعلوم أنّ ذلك يخالف القاعدة; إذ الأحكام تدور مدار العناوين والأوصاف كالمكيلية والموزونية في جميع الأزمنة والأمكنة.
واللازم حينئذ هو التتبع في الكلمات وإليك جملة منها:
قال الشيخ (قدس سره) في المبسوط: المماثلة شرط في الربا، وإنما تعتبر المماثلة بعرف العادة بالحجاز على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن كانت العادة فيه الكيل لم يجز إلاّ كيلاً في سائر البلاد،
**
(1) الجواهر 360/23-361.
وما كان العرف فيه الوزن لم يجز فيه إلاّ وزناً في سائر البلاد، والمكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة، هذا كلّه لاخلاف فيه.
فإن كان مما لايعرف عادته في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله حُمل على عادة البلد الذي فيه ذلك الشيء، فإذا ثبت ذلك فما عرف بالكيل لايباع إلاّ كيلاً، وما كان العرف فيه وزناً لايباع إلا وزناً.(1)
قال القاضي في المهذب: واعلم أن المماثلة شرط في الربا والمعتبر فيها بعرف العادة فيها بالحجاز على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله، فاذا كانت العادة فيه الكيل لم يجز له إلاّ كيلاً في جميع البلاد، وما كان العرف فيه الوزن لم يجز له إلا وزناً في جميع البلاد. فامّا المكيال فمكيال أهل المدينة والميزان فميزان أهل مكة بغير خلاف في ذلك، وما كان مما لايعرف فيه عادة على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله فإنه يحلّ على عادة البلد الذي هو فيه، فما عرف منه بالكيل فلا يباع إلاّ كيلاً، وما كان العرف فيه بالوزن فلا يباع إلاّ وزناً.(2)
قال الصهرشتي تلميذ الشيخ والسيد في اصباح الشيعة نحوهما من دون دعوى عدم الخلاف.(3)
ولايخفى عليك أنّ الظاهر من كلام الشيخ والقاضي هو عدم الخلاف في الحكم الأوّل، أي ما كان مكيلاً أو موزوناً في عصره جرى فيه الربا وإن تغير بعد ذلك، دون الحكم الثاني، وهو مالم يكن من أحدهما لايجري فيه وإن صار من أحدهما بعد ذلك.
و كيف كان فقد أورد عليهما سيدنا الإمام المجاهد (قدس سره) بما حاصله:
أوّلاً: إن الظاهر من صدر كلامهما: أن المناط عادة الحجاز، ومن ذيله: أن المناط في الكيل المدينة وفي الوزن مكة.
**
(1) الينابيع الفقهية 163/35-164.
(2) الينابيع الفقهية 146/13.
(3) الينابيع الفقهية 249/13-250.
وثانياً: إن الظاهر منهما أن الموزون لايجوز فيه الكيل وبالعكس وهو مسألة خلافية بلا إشكال.
وثالثاً: إنّ الظاهر من ذيله أنّ اللازم تبعية سائر البلاد لمكيال أهل المدينة، فلا يجوز بيع المكيل بمكيال آخر، ولميزان أهل مكة فلا يجوز العدول الى ميزان آخر. ولاأظن التزام أحد من الفقهاء بذلك فلابدّ من تأويله.
ورابعاً: ان دعوى عدم الخلاف منهما معارضة بما في التنقيح للفاضل المقداد حيث قال: ما علم انه كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله مكيل أو موزون فهو ربوي إجماعاً، وما علم أنه غير مكيل ولاموزون فليس بربوي إجماعاً، وما لم يعلم حاله فإن اتفقت البلدان على كيله أو وزنه فهو ربوي، وان اتفقت على عدمه فليس بربوي، فخلص من هذا التقرير قسم خاص خامس وهو المجهول حاله في زمنه صلى الله عليه وآله و اختلف البلدان فيه، فقال الشيخ في المبسوط: لكل بلد حكمه; لما ثبت من تحكيم العرف والعوائد حيث لانصّ شرعي وإلاّ لزم الخطاب بما لايفهم... الخ(1) فإن مقتضى ما في المبسوط والمهذب إنّ ما كان في الحجاز عادة عهده صلى الله عليه وآله لم يجز في سائر البلدان التخلف عنها، ومقتضى التنقيح إنّ ما كان مكيلاً أو موزوناً في عصره صلى الله عليه وآله ولو في غير الحجاز فهو ربوي، فلا عبرة بالحجاز خاصة.
وخامساً: إن كتب القدماء خالية عن هذه الفتوى وإلاّ نقلها صاحب مفتاح الكرامة مع كثرة تتبعه.
وسادساً: ان دعوى الإجماع معلّلة; لأن الظاهر تخلّل الاجتهاد في البين، ضرورة إستناد جمع منهم الى أن الألفاظ الواردة في الأخبار تحمل على عرف الشرع، وإذا لم يعلم عرفه حملت على العرف العام.
**
(1) التنقيح 91/2.
قال في مفتاح الكرامة - المستفاد من قواعدهم حمل الألفاظ الواردة في الأخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، وما لم يعلم يرجع فيه الى العرف العام كما بُيّن في الاُصول.(1)
و الظاهر من ذلك أنّ الألفاظ بعد معلومية مفاهيمها تحمل على عادة الشرع، ولعلّ منشأ ذلك دعوى إنصرافها إليها وإن كانت فاسدة، وفي مثل ذلك لاحجية للإجماع.(2)
ويمكن الجواب: أما عن الأوّل: بأنه يمكن الجمع بين الصدر والذيل بأن يكون المراد من عادة الحجاز هو التفصيل المذكور في الذيل. هذا مضافاً الى احتمال أن يكون المقصود من الذيل هو اتخاذ البلاد كيلهم بكيل المدينة ووزنهم بوزن مكة، لا أن كيلهم كيل المدينة أو وزنهم وزن المدينة، وعليه لاتهافت بين الصدر والذيل.
وعن الثاني: بأن الشيخ والقاضي ذهبا الى لزوم مراعاة العادة فيما إذا كانت العادة مخصوصة بالكيل، فلا يجوز الوزن وبالعكس، وادعيا عليه عدم الخلاف. وعليه فالخلاف فى ذلك بالنسبة الى عادة زمان النبيّ صلى الله عليه وآله محجوج بما ذكراه من عدم الخلاف كما لايخفى. وإن كان الخلاف بالنسبة الى غير زمان النبيّ صلى الله عليه وآله فلا ينافي ما ذكراه أيضاً; لأنهما لم يدعيا عدم الخلاف بالنسبة الى غير زمان النبيّ صلى الله عليه وآله فلا تغفل.
وعن الثالث: بأن تبعية سائر البلاد عن مكيال المدينة أو ميزان مكة لاتكون أصعب من تبعية جميع البلاد عنهما في جميع الأعصار المتأخرة وقد التزم الأصحاب بالثاني فكيف لايلتزمون بالأوّل؟ وإن ادعي عدم التزام الأصحاب بالتبعية عنهما، ففيه ما لايخفى; إذ ظاهر كلام الشيخ والقاضي خلاف ذلك.
**
(1) مفتاح الكرامة 229/4.
(2) كتاب البيع 263/3-265.
وعن الرابع: بأن معقد عدم الخلاف في كلام الشيخ والقاضي بالنسبة الى معقد إجماع صاحب التنقيح أخص، فيمكن تقييد الثاني بالأوّل. هذا مضافاً الى أن القدر المتيقن من جميع الكلمات هوا لحجاز، ولامعنى للمعارضة بالنسبة إليه; لأنّه مورد قبول جميع من ادعى الإجماع أو عدم الخلاف كما لايخفى.
وعن الخامس: بأن خلوّ كتب القدماء لايضرّ بعد شهادة عَلَمين من القدماء بأن القدماء لم يختلفوا في لزوم مراعاة العادة في الحجاز في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد عرفت تصريح اصباح الشيعة بذلك وهو من القدماء أيضاً.
وعن السادس: إنّ هذا الأمر ليس مذكوراً في كلمات الشيخ والقاضي، بل هو مذكور في كلام المتأخرين. هذا مضافاً الى ما فيه من الضعف; فإنّ دعوى الإنصراف الى المعهود الخارجي في موضوعات الأحكام يستلزم الفقه الجديد، ولاأظن التزام الأصحاب بذلك.
ألاترى إنّ المسافرة في الأعصار السابقة كانت بالمشي لاالركوب بتلك المراكب المعهودة، فهل يمكن أن يقال إنّ المسافرة بالمراكب المستحدثة يكون دليل القصر منصرفاً عنها؟ ومن المعلوم أنهم لايلتزمون بذلك، فلا وجه لإسناد هذا الوجه إليهم. ولعلّ ذلك من باب مناسبات ذكروها بعد الوقوع.
وكيف كان فقد اعتضد ذلك بالشهرة المحققة; إذ تبعهم المتأخرون، منهم: العلاّمة في القواعد، حيث قال: والحوالة في التقدير على عادة الشرع، فما ثبت أنه مكيل أو موزون في زمانه عليه السلام حكم بدخولهما فيه، فإن لم تعلم العادة الشرعية فعادة البلد، فان اختلفت البلدان فلكل بلد حكم نفسه(1) وفي تلخيص المرام(2) و نهاية الأحكام.(3)
**
(1) الينابيع الفقهية 530/14.
(2) الينابيع الفقهية 346/35
(3) نهاية الأحكام 545/2.
ومنهم: الشهيد الأوّل في الدروس، حيث قال: والمعتبر بالكيل والوزن بزمانه صلى الله عليه وآله فما علم ذلك فيه اتّبع وجرى فيه الربا، وان تغيّر حاله بعد. ولافرق بين أن يكون ذلك في بلده عليه السلام أو في بلد آخر إذا أقرّ أهله عليه، وما لم يعلم حاله يتبع عادة البلد، فان اختلفت فالأقرب أنّ لكل بلد ما يطلب فيه مصيراً الى العرف الخاص عند تعذر العام.(1)
ومنهم: المحقق الكركي، حيث قال: - في ذيل قول العلاّمة في القواعد - فإن لم تعلم العادة الشرعية فعادة البلد، لأن الحقيقة العرفية هي المرجع عند انتفاء الشرعية.(2)
ومنهم: صاحب مفتاح الكرامة، حيث قال: الإجماع واجب الاتّباع، فالمدار على ما عهد في زمانه، ولاتغفل عن إجماع المسالك وتأمل.(3)
ومما ذكر يظهر ما في المستند، حيث قال: المحكي عن الأصحاب - على ما قيل - اعتبار الكيل والوزن فيما بيع بهما في زمان الشارع ولو لم يبع الآن كذلك، قيل: وإثباته من النصّ مشكل(4); وذلك لما عرفت من تصريح الشيخ والقاضي والصهرشتي بذلك، مع دعوى عدم الخلاف في كلام الشيخ والقاضي، وعليه فلا مجال للتعبير عن ذلك بقوله: على ما قيل.
قال الأردبيلي: إن الإجماع متبع; لعدم إمكان المخالفة.(5)
وقال في الرياض: ويثبت (الربا) في كل مكيل أو موزون في زمان صاحب الشريعة إن عرفا فيه مطلقاً وإن لم يقدّر بهما عندنا بلا خلاف كما في المبسوط.(6)
**
(1) الينابيع الفقهية 315/35-316.
(2) جامع المقاصد 240/1.
(3) مفتاح الكرامة 229/4.
(4) مستند الشيعة 334/14-335.
(5) مجمع الفائدة 478/8.
(6) الرياض كتاب التجارة.
والشيخ الأعظم جعل المقام من المسائل المتفق عليها(1) فاتّضح مِن جميع ما ذكر أن المسألة إجماعلية ومعتضدة بالشهرة من المتأخرين.
ثم أن المحصل من كلمات الشيخ والقاضي هو اعتبار عادة الحجاز بكيل أهل المدينة وميزان أهل مكة، ومع تخصيصهم بذلكودعوى عدم الخلاف لااعتماد على التعميم المستفاد من كلمات المتأخرين كالعلاّمة والفاضل المقداد والشهيد الأوّل وغيرهم; لاحتمال استنادهم في تلك الدعوى الى كلمات القدماء. وعليه فالقدر المتيقن هو الذي يستفاد من كلام القدماء كالشيخ والقاضي فلا تغفل.
ومما ذكر يظهر ما في مفتاح الكرامة، حيث قال: وقد تحصّل إن ما علم انه في زمن النبي صلى الله عليه وآله مكيل أوموزون فهو ربوي إجماعاً، كما في التنقيح وظاهر المبسوط وإن تغير بعد ذلك. ولافرق في ذلك بين بلده عليه السلام أو بلد آخر إذا أقرّ أهله.
و يحتمل ما كان عادةً في زمنه مطلقاً، كما هو ظاهر إطلاق أكثر العبارات; لأن دليل التحريم انما وجد في ذلك الزمان، فيحمل على عادة أهله مطلقاً إلاّ أن يختلف في بلده وغيره، وحينئذ يشكل; لاحتمال رجوعه الى بلده وكون كل بلد له حكم نفسه. انتهى موضع الحاجة.(2)
و ذلك لما عرفت من أن المستفاد من المبسوط والمهذب هو تخصيص العادة بعادة الحجاز بكيل أهل المدينة وبميزان أهل مكة، فلا وجه لاستناد التعميم الى المبسوط. هذا مضافاً الى أنه لااعتماد على ما ذهب إليه المتأخرون من التعميم بعد احتمال استنادهم الى كلمات الشيخ والقاضي.
وأيضاً ينقدح مما ذكر ما في الجواهر، حيث ذهب - بعد التصريح باعتبار عادة الشرع في
**
(1) راجع المكاسب كتاب البيع / 192-193 طبع تبريز.
(2) مفتاح الكرامة 516/4.
المكيل والموزون اعتماداً على الإجماع المحكي في التنقيح - الى أنّ ما علم أنه غير مكيل ولاموزون في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله فليس بربوي إجماعاً، و مقتضاه وإن كيل أو وزن بعد ذلك. وقال: وكأنّ الوجه في الأمرين - بعد الإجماعين المعتضدين بالتتبع الاستصحاب السالم عن معارضة قاعدة دوران الحكم المعلّق على الوصف مداره وجوداً وعدماً بعد تخصيصها بغير المقام ولو للاجماع(1)... الخ. لما عرفت من عدم شمول كلام الشيخ والقاضي لغير المكيل والموزون في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله، وبعد عدم شموله لذلك فلا مجال للاستصحاب; إذ لامخصص لقاعدة دوران الحكم المعلق على الوصف كما لايخفى.
في كيفية تصوير الجمع بين ماذهب إليه الأصحاب من ان المناط في المكيل والموزون بما كان في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله في الحجاز، وبين تعليق الحكم في الأدلة على عناوين المكيل والموزون، مع أن مقتضاه هو موضوعية العنوانين في كل عصر وزمان.
و المذكور في كيفية التصوير وجوه:
أن لايكون وصف المكيلية والموزونية بنحو الموضوعية بل يكون عنواناً مشيراً الى الأجناس المعينة التي كانت على أحد الوصفين في ذلك العصر مثل الحنطة والشعير والجوز ونحوها وفيه: ان أخذ العنوان بنحو الطريقية مخالف للظواهر. قال في جامع المدارك: لااشكال في عدم صحته من جهة أنه الغاء لوصفي الكيل والوزن.(2)
هذا مضافاً الى أن اللازم من ذلك - كما أفاد شيخنا الأعظم الأنصاري أنه لادليل حينئذ
**
(1) الجواهر 363/23.
(2) جامع المدارك 247/3.
على اعتبار الكيل فيما شك في كونه مقدراً في ذلك الزمان مع تعارف التقدير فيه في الزمان الآخر; إذ لايكفي في الحكم حينئذ دخوله في مفهوم المكيل و الموزون بل لابدّ من كونه أحد المصاديق الفعلية في زمان صدور الأخبار و (هكذا) لادليل على الحاق كل بلد لحكم نفسه مع اختلاف البلدان(1) كل ذلك لكون العنوانين مأخوذين بنحو الطريقية لاالموضوعية.
أن يكون متعلق الحكم هو عنوان المكيل والموزون بنحو الموضوعية ولكن مع انصرافهما الى ما كان كذلك في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله.
وفيه منع واضح; إذ القضايا ظاهرة في القضايا الحقيقية. ودعوى الإنصراف فيها كما ترى: إذ لادليل لها.
هذا مضافاً الى ما أفاده في جامع المدارك من أن غاية ما يوجّه به: الإنصراف، ولايخفى الاشكال فيه، ألاترى إن المسافرة في الأعصار السابقة كانت بالمشي أو الركوب بتلك المراكب المعهودة، فهل يمكن أن يقال: إن المسافرة بالمراكب المستحدثة يكون دليل القصر منصرفاً عنها(2)؟ حاصله أن الإنصراف يوجب اختصاص المفاهيم والمعاني بالمصاديق الرائجة في عصر الصدور، وهذا مما لايمكن الالتزام به. هذا مضافاً الى ما أورده الشيخ الأعظم (قدس سره) على الوجه الأول من اللوازم.
أن يكون المقصود من العنوانين هو معناهما الشرعي، كما أفاد شيخنا الاستاذ (قدس سره) من أن قولهم في مسألة الربا: ما يكال وما لايكال نظير قولهم: ما يؤكل لحمه وما لايؤكل لحمه،
**
(1) المكاسب / 193 طبع تبريز.
(2) جامع المدارك 247/3.
فكما أن ليس المراد عنوان الأكل الخارجي و عدمه بل ما أحلّ الشارع أكله وما حرّمه، فكذلك هنا ليس المراد الكيل والوزن الخارجيين، بل ما أناط الشارع صحته على أحد الأمرين وما لم ينطه، وعلى هذا فلم يحكم بالحكم فيما زال عنه الوصف العنواني; لأن الكيل والوزن الخارجيين ولو تبدلا على خلاف قانون الشرع فهذا الحكم الشرعي لم يتبدل ولايتبدل الى يوم القيامة.(1)
وفيه - كما أفاد شيخنا الأعظم (قدس سره) - أن الكلام هنا ليس في معنى اللفظ; لأن مفهوم الكيل معلوم لغة، وإنما الكلام في تعيين الاصطلاح الذي يتعارف فيه هذا المفهوم.
ثم لو فرض كون الكلام في معنى اللفظ كان اللازم حمله على العرف العام إذا لم يكن عرف شرعي لاإذا جهل عرفه الشرعي، فإنه لم يقل أحد بحمل اللفظ حينئذ على المعنى العرفي، بل لابدّ من الاجتهاد في تعيين ذلك المعنى الشرعي ومع العجز يحكم باجمال اللفظ كما هو واضح.(2)
هذا مضافاً الى أن حمل المفاهيم على المعاني الشرعية فيما إذا كان للشارع معان شرعية، وإلاّ فلا وجه لذلك، والإجماع المذكور لايدلّ على ذلك، بل غاية ما يدل عليه هو تعيين مصاديق للمفهوم العرفي.
فإذا عرفت عدم تمامية الوجوه المذكورة فالأولى - كما أفاد شيخنا الأعظم (قدس سره) - هو تنزيل الأخبار على ما تعارف تقديره عند المتبايعين واثبات ما ينافي ذلك من الأحكام المشهورة بالاجماع المنقول المعتضد بالشهرة المحققة.(3)
فتحصّل أن عنوان المكيل والموزون في الأخبار محمول على ما تعارف تقديره عند
**
(1) المكاسب المحرمة لشيخنا الاستاذ / 35.
(2) المكاسب كتاب البيع / 193.
(3) المكاسب كتاب البيع / 193.
المتبايعين بنحو القضية الحقيقية والموضوعية لاالطريقية وعنوان المشير ولايحمل على المعنى الشرعي; لعدم وجوده حتى يحمل عليه كما في سائر الموارد، وما ثبت بالاجماع فيما ثبت بيانٌ وتعيين لمصاديق المكيل و الموزون في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله لابيانٌ لمفهومه; لأن مفهوم الكيل والوزن معلوم و لاكلام فيه.
في حكم الجهل بعادة الشرع، فإما نقول بأن عنوان المكيل و الموزون مأخوذان بنحو الموضوعية في القضية الحقيقية - كما هو الظاهر لاالطريقية و خرج عنهما بالاجماع العادة المعلومة في الحجاز، فإذا شك في عادة الحجاز فاللازم حينئذ هوا لرجوع الى الأخبار الدالة على عدم جواز التفاضل في المكيل والموزون، فإذا كان العوضان من المكيل والموزون في عرف المتعاملين فلا يجوز التفاضل، وإذا لم يكونا كذلك جاز التفاضل، وحيث إنّ الإجماع مشير الى أشياء وأفراد خاصة في زمان النبي صلى الله عليه وآله لايوجب خروج الأفراد تعنون العام حتى تصير الشبهة مصداقية. هذا مضافاً الى ان الظاهر من الكلمات هو إخراج المعلوم من عادة الحجاز لاواقعها. فمع الشك يرجع الى عموم ما دلّ على عدم جواز التفاضل في المكيل والموزون عند عرف المتعاملين.
وإما نقول بأن العنوانين مأخوذان بنحو الطريقية والعنوان المشير الى ماكان في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله، فمع الجهل بعادة الشرع لامجال للرجوع الى الأخبار الدالة على المنع عن التفاضل في المكيل والموزون; لأن المفروض أن العنوانين فيها مأخوذان بنحو الطريقية لاالموضوعية، بل يرجع الى العمومات الأولية من نفوذ المعاملة مطلقاً سواء كانت مع التفاضل أو بدونه.
اللّهمّ إلاّ أن يتمسك بالاستصحاب لإثبات العادة الشرعية كما ذهب في الجواهر الى إمكان الأخذ بالاستصحاب، بمعنى استصحاب هذا الحال الى زمن الخطاب، فينساق الذهن حينئذ الى أن لكل بلد حكم نفسه إذ هو صادق عليه اسم التقدير وعدمه، والأوّل علة للربا
كما أن الثاني علّة لعدمه فإعمالهما معاً بعد عدم الترجيح بينهما يقضي بذلك، وليس ذا من تنزيل اللفظ على العرف الخاص المتعدد الذي هو واضح البطلان كما حرّر في الاُصول، ضرورة أن الاختلاف بين البلدين مثلاً بالتقدير وعدمه لافي معنى اللفظ، وبينهما بون.(1)
ويمكن أن يقال: إن الاستصحاب بأي معنى كان مثبت; لأن المراد منه إما الاستصحاب القهقرى بدعوى أن المراد من قوله عليه السلام - على المحكي لاتنقض اليقين بالشك صعوداً ونزولاً، ولااشكال في كونه مثبتاً; لأنه على فرض تماميته ومسبوقية هذا الحال الى زمان النبيّ صلى الله عليه وآله لايثبت كونه عادة الشرع التي اشير اليها بالاجماع المذكور.
وإما استصحاب حال قبل عصر النبيّ صلى الله عليه وآله فيما إذا علم بكون شيء مكيلاً أو موزوناً قبل عصره صلى الله عليه وآله فشك في بقائه فيستصحب ذلك الى عصره صلى الله عليه وآله، ولااشكال أيضاً في كونه مثبتاً; لأن استصحاب هذا الحال الى زمانه صلى الله عليه وآله لايثبت كونه مشاراً إليه بالإجماع كما أفاد سيدنا الإمام المجاهد (قدس سره).(2)
لقائل أن يقول: إن كان اللازم هو اثبات عنوان عادة زمان الشرع بما هي مشار إليها بالإجماع يرد عليه أن استصحاب المكيلية أو الموزونية لايثبت العنوان المذكور. وأما إذا كان اللازم هو المعنون وهو مكيلية الحنطة أو الشعير ونحوهما في الحجاز في ذلك العصر فالمعنون نفس المستصحب ولاحاجة الى اثبات شيء آخر، فافهم.
والعمدة أن العلم بحالة سابقة على عصر النبيّ صلى الله عليه وآله غير حاصل، وشمول أدلة الاستصحاب للاستصحاب القهقرى غير واضح.
ثم لايخفى عليك أن شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) ذهب الى إجراء أصالة عدم النقل عند
**
(1) الجواهر 364/23.
(2) البيع 262/3.
الشك في حاله في ذلك العصر مع استقرار المعنى في عهدنا على عرف عام، حيث قال: إن أصالة عدم النقل ثابتة في ذلك كثبوتها في باب الألفاظ، فإن لفظ الماء والخبز وأمثالهما الواقعة في كلمات الشارع لاعلم لنا بعدم تغير أوضاعها، وكون معانيها في تلك الأزمنة ما نفهمه الآن منها إلاّ بهذا الأصل العقلائي، فإن كان هذا الأصل في باب الكيل والوزن أيضاً ثابتاً - كما لايبعد - فيكون طريقاً عقلائياً الى إثبات كون الشيء في عهده صلى الله عليه وآله على نحو حاله في هذا العهد.
هذا فيما إذا كان العرف العام في عهدنا على التقدير بأحدهما من دون اختلاف.
وأما إذا اختلف حاله في البلدان فالكلام فيه أيضاً مبني على جعل حاله في زماننا من الاختلاف أمارة كاشفة عن حاله في الأزمان السابقة وعدمه.
فعلى الأوّل يندرج فيما يعلم بكونه مختلف الحال في البلدان في عهده.
ومحصّل الكلام فيه أنّه إن قلنا بتعلق الحكم بالعناوين الخاصة كما هو الظاهر; إذ الدليل منحصر في الإجماع ولم ينعقد إلاّ على الاعتبار في العناوين الخاصة، فيشك في هذا الشيء أنه أيضاً كان عند الشارع بحكم تلك العناوين أو لافالشبهة مفهومية يرجع فيها الى عمومات أوفوا بالعقود، وبذلك يندرج في عنوان ما لايشترط صحة بيعه عند الشارع بأحد الأمرين، فيكون مما لاربا فيه.
و كذلك الحال إن قلنا بتعلق الحكم بالمكيل والموزون المقيد بالكيل أو الوزن في عهده صلى الله عليه وآله، إذ لاشبهة أن القدر المسلم من الإجماع ثبوت الحكم فيما كان مكيلاً أو موزوناً في عهده بقول مطلق، لاما كان كذلك ولو في بلد، ولايصدق العنوانان بقول مطلق إلا مع اتفاق البلدان، فيحكم أيضاً بالعمومات المذكورة بعدم اشتراط بيع المذكور بالأمرين وبذلك يتّضح حاله في مسألة الربا.
وأما على تقدير عدم الاستشكاف فيندرج في المشكوك. ومحصل الكلام فيه أنه إن قلنا
بتعلق الحكم في مسألة اشتراط الكيل أو الوزن بالعناوين الحاصة فالشبهة مفهومية في تلك المسألة، يرجع في رفعها الى العموم الفوق وبواسطته ينقّح الموضوع في مسألة الربا... الى أن قال: هذا ما تقتضيه الضوابط في المراحل الثلاث، أعني ما استقر فيه العرف العام وما اختلف فيه البلدان وما شك فيه رأساً، وقد عرفت أن مقتضى القاعدة في الأوّل هو: اتّباع العرف العام - كما ذكروه - بناءً على ثبوت الأصل العقلائي المذكور كما لايبعد. وفي الثاني: عدم الربا حتى في بلد التقدير. وفي الثالث: عدم الربا بناءً على ما ذكرنا من أن الإجماع لايدلّ على أزيد من ثبوت الاشتراط في الأشياء الخاصة، وأما كونه بمناط الجامع المذكور فله مؤونة زائدة لايمكن إثباته بهذا الإجماع، و الاحتياط مع ذلك مطلوب.(1)
وفيه: ان أصالة عدم النقل في معاني الألفاظ ثابتة عند العقلاء و أمّا ثبوتها في التقديرات أوّل الكلام; لعدم كونها من باب الألفاظ كما لايخفى.
ثم مع عدم ثبوت أصالة عدم النقل ففي المراحل الثلاثة يجري حكم واحد، و هو عدم ثبوت الربا; لأن الإجماع لايدلّ على أزيد من ثبوت الاشتراط في الأشياء الخاصة، ففي غير مورد ثبوت العادة الشرعية يرجع الى عمومات نفوذ المعاملة كيفما اتفق، بناءً على أخذ عنوان المكيل و الموزون طريقاً الى العادة الشرعية لاالموضوعية، وإلاّ فالمرجع هو عمومات ما دلّ على حرمة التفاضل في المكيل والموزون.
و مما ذكر يظهر ما في الملحقات، حيث قال: لو كان الأمر كما ذكره المشهور لزم الرجوع عند الجهل بعادة عصره الى الأصل، وهو عدم الحرمة: لأن المفروض اختصاص الربا بما كان مكيلاً أو موزوناً في عصره وحاله غير معلوم; إذ القدر المعلوم كونه موزوناً في عصره صلى الله عليه وآله: الذهب والفضة ونحوهما، والقدر المعلوم كونه مكيلاً - على ما ذكروه: الحنطة والشعير والتمر
**
(1) المكاسب المحرمة 36-37.
والملح. وما عدا المذكورات إما معلوم أنه ليس كذلك، أو مجهول الحال فيكون المرجع فيه هو الأصل والعمومات، بناءً على التمسك بها في الشبهات المصداقية. والرجوع الى عادة البلدان فرع كون الحكم معلقاً على الوصف من غير تقييد، والمفروض عدمه; لأنه على التقدير المذكور إما ليس معلقاً على الوصف أو معلق عليه لكنه مقيد بما كان في زمانه صلى الله عليه وآله، فلا وجه لما ذكروه من أن المعتبر العرف والعادة عند عدم الشرع صرفاً للخطاب الى المتعارف ورداً للناس الى عاداتهم.(1)
وذلك لما عرفت من أنّ الحكم معلق على الوصف من غير تقييد، والإجماع لايدلّ على اختصاص العنوانين بالمصاديق التي كانت في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله، بل يدلّ على أنّ مصاديق المكيل والموزون التي كانت في عصره صلى الله عليه وآله محكومة بالربا الى الأبد، وعليه فمع الجهل لامانع من الرجوع الى الأخبار الدالّة على عدم جواز التفاضل في المكيل والموزون; لاختصاص الإجماع بالمعلوم من الأفراد.
ولامجال مع الأخبار المذكورة للرجوع الى الأصل المقتضي لعدم الحرمة، أو عمومات نفوذ البيع; إذ مع الأخبار الدالة على منع التفاضل في المكيل والموزون لامورد للأصل; لأن الأصل دليل حيث لادليل وهكذا لامورد للعمومات الأولية بعد تخصيصها بالأخبار المانعة عن التفاضل، و عليه فالمعتبر بعد الجهل بعادة الشرع هو العرف والعادة كما ذكره المشهور.
هذا مضافاً الى ما في جامع المدارك من أن التمسك بالأصل أي عدم الحرمة فهو مبني على المانعية، وأما لو كان شرط صحة البيع أو المعاملة عدم كونه مكيلاً أوموزوناً فلابدّ من إحراز الشرط (ولكن فيه كما أفاد نفسه أنه) لايبعد استفادة شرطية الكيل والوزن لجريان الربا مما
**
(1) الملحقات 33/2.
في الخبر المذكور «ثم قال: كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فاذا كان لايكال ولايوزن فليس به بأس». بأن يقال: المدار: الصدر والذيل متفرع عليه، وعلى هذا فلا يكون شرط الصحة عدم كونه مكيلاً أو موزوناً، فمع الشك يرجع الى الأصل العملي وهو الجواز.(1)
حاصله: أن التمسك بالأصل مبني على استفادة المانعية، وإلاّ فلا مجال للأصل بل اللازم هو إحراز الشرط في صحة المعاملة. ثم أجاب عنه بأن المستفاد من الأدلة هو شرطية الكيل والوزن لجريان الربا لاصحة المعاملة، فاذا شك في المكيلية والموزونية فمقتضى الأصل هو عدمه وهو مساوق لعدم المانع.
فتحصل الى حد الآن: أنّ العادة الشرعية في الحجاز متبعة عند العلم بها، لقيام الإجماع عليه واعتضاده بالشهرة; والقدر المتيقن من هذه العادة هو ما علم أنه كان مكيلاً أو موزوناً في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله في ا لحجاز.
وأما ما علم أنه في عهده لم يكن مكيلاً ولاموزوناً لم يثبت الإجماع عليه; لأن كلام الشيخ والقاضي قدّس سرّهما خال عن ذلك وإن إدعى عليه الإجماع في كلام بعض المتأخرين.
وأيضاً لو ثبت أن شيئاً في عهده صلى الله عليه وآله مخلتف حاله في الكيل والوزن بحسب البلاد وليس بمكيل مطلقاً أو بموزون مطلقاً في جميع البلاد لم يثبت الإجماع عليه فان القدر المسلّم من الإجماع - كما أفاد شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) - هو ثبوت الحكم فيما كان مكيلاً أو موزوناً في عهده بقول مطلق لا ما كان كذلك ولو في بلد.
ولو كان شيء في عهده صلى الله عليه وآله مكيلاً وموزوناً معاً لم يخرج عن كونه ربوياً بصيرورته
**
(1) جامع المدارك 248/3.
مكيلاً فقط أو موزوناً فقط; لكونه على كل تقدير من الربويات، والتغيير المذكور لايضرّ بصدق كونه مما وقعت عليه عادة الشرع.
ثم مع الشك في العادة الشرعية وعدم ثبوتها بالاستصحاب - لأن دليله منصرف عن الاستصحاب القهقرى، والاستصحاب النزولي لاحالة سابقة فيه، كما أن أصالة عدم النقل لم تثبت في التقديرات فاللازم هو الرجوع الى أدلة عدم جواز التفاضل في المكيل والموزون بعدما عرفت من كونهما مأخوذين بنحو الموضوعية لاالطريقية.
وعليه فان اتفقت البلاد على التقدير أو عدمه فلا كلام. وأما إن اختلفت البلاد في التقدير وعدمه فالمشهور من المتأخرين ذهبوا الى أن لكل بلد حكم نفسه، بدعوى أن المعتبر هو العرف والعادة عند عدم الشرع، وكما أن عرف ذلك البلد التقدير فليزمه حكمه، فكذلك عرف البلدة الاُخرى هو الجزاف فيلزمه حكمه، وذلك لأجل أن الخطاب ينصرف الى المتعارف من الجانبين واحيل الناس الى عوائدهم، كما في القبض والحرز والاحياء وعليه فيكون العرف الخاص مقام العرف العام عند انتفائه.
وربما يورد عليه أوّلاً: بأن مقتضى ما ذكر هو اعتبار العرف الخاص، مع أن المستفاد من خبر علي بن ابراهيم هو اختصاص الاعتبار بالعرف العام; وذلك لقوله فيه: ولاينظر فيما يكال ويوزن إلاّ الى العامة ولايؤخذ فيه بالخاصة; فإن كان قوم يكيلون اللحم ويكيلون الجوز فلا يعتبر بهم; لأن أصل اللحم أن يوزن وأصل الجوز أن يعدّ.(1)
وفيه: أنه ضعيف; لجهالة بعض إسناده. هذا مضافاً الى إمكان أن يكون المقصود من العامة هو عامة كل بلد، فلا يعتبر الشاذ في كل بلد، ولانظر له الى عمومية البلاد.
ومما ذكر يظهر ما في الجواهر، حيث قال في تضعيف قول المشهور بأنه مخالف لما سمعته من خبر علي بن إبراهيم.(2)
**
(1) جامع الأحاديث 139/18.
(2) الجواهر 364/23.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ ذيله و هو: (لأن أصل اللحم أن يوزن وأصل الجوز أن يعدّ) مشعر بأن المراد عامة البلاد ولكنه محل تأملٌ; لأنه يناسب أيضاً مع عامة البلد.
وثانياً: بما يقال من أنّ قوله عليه السلام: على المحكي - كل ما يكال أو يوزن فلايصلح مثلين بمثل هل النظر (فيه) الى أن يكون مكيلاً أوموزوناً بحسب النوع، فمع الاختلاف و التساوي لايشمله الدليل بل مع عدم التساوي أيضاً، أو يكون النظر الى الاتصاف الفعلي و لو لم يكن بحسب النوع، والظاهر: الأوّل; فإن الشيء الذي يوزن في بعض البلاد و يعدّ في البعض الآخر لو سئل بأنه موزون أو معدود لايقال أنه موزون و لايقال أنه معدود، بل يقال هو موزون ومعدود... الى أن قال: ولكن لايمكن التخطي عما هو المشهور.(1)
وفيه: إن اعتبار المكيلية أو الموزونية ينصرف الى بلد العوضين والنوع ملحوظ بحسب بلدهما، واعتبار كونهما في نوع البلاد يحتاج الى الدليل. ولذا اكتفي في رفع الجهالة بما يتعارف في كل بلد، ولايلزم أن يكون كذلك في جميع البلاد. والسؤال لو كان عما يكون عادة في البلد من الموزونية والمعدودية، فالجواب عنه بأنه موزون أو معدود أنه موزون ومعدود. نعم لو كان السؤال من البلاد فالجواب عنه انه موزون أو معدودٌ لاانّه موزون و معدود نعم لو كان السئوال عن البلاد فالجواب انه موزون و معدود ولكنه لايضرّ لانّ الموضوع الاثر هو ما كان عادة البلد كما صرح به المشهور.
هذا والمحكي عن الشيخ في النهاية وسلاّر هو أنه يغلب جانب التقدير ويثبت التحريم في جميع البلاد، من غير فرق بين بلد الكيل والوزن والجزاف.
و لعل وجهه هو صدق التقدير في الجملة ولكن - كما في الجواهر يعارضه صدق عدمه، فكما أنّ الأوّل يكون مناطاً للربا فكذلك الثاني يكون مناطاً لعدمه. و أصالة الجواز
**
(1) جامع المدارك 247/3.
المستفادة من إطلاق الأدلة و عمومها تقتضى الجواز ولايعارضها إطلاق حرمة الربا بعد تقييده باشتراط الوزن و الكيل.(1)
و المحكي عن الشيخ المفيد (قدس سره) عند تساوي الأحوال هو تغليب جانب التقدير و إلاّ رجّح الأغلب، واستدل له بالاحتياط ولقوله عليه السلام: ما اجتمع الحرام والحلال إلاّ وغلب الحرام الحلال.
ولكن فيه - كما في الجواهر - أنه لايخفى عليك عدم وجوب مراعاة الاحتياط عندنا وعدم تناول الثاني لما نحن فيه.(2)
والمقصود من عدم تناول الثاني: أنّ الظاهر من الحديث المذكور هو اجتماع مصداق الحرام مع الحلال في الخارج كالمال المختلط بالحرام، فلا يشمل المقام الذي يكون الشبهة فيه حكمياً كما لايخفى.
فتحصّل: أنّ الأقوى هو ما ذهب إليه المشهور فيما إذا اختلفت البلاد بالتقدير وعدمه ولم يثبت عادة الشرع، وعليه فلكل بلد حكمه، ويؤيّده إطلاق العناوين في الأخبار، حيث لم تقيد بصدقهما في جميع البلاد، مع أن الاختلاف طبيعي البلاد في كل أزمنة. والمراد من النوع هو ما يتعارف في بلد العوضين فلا تغفل.
إن المناط عند اختلاف البلدان بعادة البلد على ما عرفت، والمقصود من البلد - كما أفاد السيد المحقق اليزدي - هو بلد العوضين لابلد إجراء الصيغة فيما إذا كان العوضان في بلد آخر، ولاعادة المتعاملين إذا كانا في غير بلد العوضين، ولعلّ ذلك من جهة ظهور الأدلة في اعتبار
**
(1) الجواهر 365/23.
(2) الجواهر 365/23.
المكيلية والموزونية في نفس العوضين كصحيحة زرارة قال سمعت أباعبدالله عليه السلام قال: لايكون الربا إلاّ فيما يكال أو يوزن.(1) وموثقة منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام: كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد.(2) وصحيحة داود بن حصين انه سأل أباعبدالله عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين فقال: لابأس ما لم يكن مكيلاً أو موزوناً.(3)
ومن المعلوم أن موضوع عدم جواز التفاضل هو نفس العوضين الذين كانا من المكيلات أو الموزونات ولانظر للأدلة الى عادة المتعاملين من البائع والمشتري، فلو لم تكن عادة البائع و المشتري الكيل أو الوزن ولكن العوضين مما يكال أو يوزن فالمعاملة ربوية. و هكذا إذا وقعت المعاملة على العوضين الشخصيين اللذين كانا في بلد غير بلد المتعاقدين. فالمعتبر هو مورد المعاملة ولانظر الى بلد اجراء الصيغة.
إنه إذا كان أحد العوضين مما يكال والآخر مما يوزن فلا مانع من بيع أحدهما بالآخر، بأن يكال ما يكال ويوزن ما يوزن إذا اختلفا جنساً و ذلك واضح; إذ لاجهالة في هذه المعاملة، كما لاربا فيها، لعدم وحدة جنسهما.
و أما إذا كانا متحدي الجنس كما إذا كانا فرعين من أصل واحد ففي الملحقات أنه لايصح; لاحتمال الزيادة الغير المغتفرة; لأنه لايصدق التساوي لافي الكيل ولافي الوزن.(4)
ويمكن أن يقال: إن ما ذكر صحيح ان كانت المساواة والمثلية في المقدار شرطاً
**
(1) الوسائل الباب 6 من أبواب الربا ح 1.
(2) المصدر السابق ح 3.
(3) الوسائل الباب 17 من أبواب الربا ح 2.
(4) الملحقات 36/2.
للصحة; إذ مع احتمال الزيادة لايحرز شرط الصحة. ولكن مرّ في المسألة الرابعة من المقام الأول من الجهة الثانية عشر أن المستفاد من الأدلة ليس اشتراط المثلية فراجع.
و أما إذا كانت الزيادة مانعة فالمعاملة وإن كانت مِن أوّل وجودها مشكوكة في أنها مع الزيادة أو بدونها ولكن يمكن تنقيح الموضوع بأصالة عدم زيادة هذه المعاملة من الأزل بناءً على جريان أصل العدم الأزلي - كما هو مقرر في محله - فمع جريان أصل العدم الأزلي تشملها عمومات نفوذ المعاملة، ولامجال لاصالة عدم الانتقال وفساد المعاملة، إذ الأصل دليل حيث لادليل، ومع شمول عمومات نفوذ المعاملة لامجرى لأصالة عدم الانتقال كما لايخفى.
هذا بناءً على ماهو المشهور من مانعية الزيادة لاكونها ممنوعة، وإلاّ فالزيادة المعلومة - فضلاً عن المشكوكة ليست مانعة عن صحة المعاملة. ويمكن الحكم بالاباحة مع احتمال الزيادة، أخذاً بأصالة الحلّية كما مرّ مفصلاً.
إن الظاهر اعتبار كون الشيء من المكيل والموزون وعدمه عند نوع أهل البلد، وعليه فلو كان من غيرهما لكن اتفق بيعه بالوزن، كما إذا بيع بالوزن مع كونه من المعدود لايلحقه حكم الربا، إذ المعيار هو صدق عنوان المكيل أو الموزون على الشيء في نفسه، ومن المعلوم أنهما لايصدقان إلاّ إذا تعارفا عند أهل البلد. وكذا إذا كان من أحدهما عند نوع أهل البلد، لكن بعض أهله يبيعون بالمشاهدة فإنه يجري فيه الربا; إذ مع تعارف الوزن أو الكيل فلا يجوز البيع بالمشاهدة; للغرر وللزوم الربا مع الزيادة; وإذا كان الشيء من أحدهما لكن في القليل منه مثلاً يباع بالمشاهدة كما في بعض العقاقير(1) والأدوية، أو في الكثير منه يباع
**
(1) العقاقير جمع العقار وهو اُصول الأدوية.
مشاهدة كزُبرة الحديد(1) ونحوها فلا يجري فيها حكم الربا; لتعارف عدمهما في القليل والكثير في أمثال الموردين المذكورين. ولامنافاة بين كون شيء من المكيل والموزون باعتبار ومن غيرهما باعتبار، وإنما الملاك هو الصدق وهو يتفاوت باختلاف المقدار والتعارف فلا تغفل.
والى ما ذكرناه يؤول ما أفاده السيد المحقق اليزدي (قدس سره) في مسألة 38 من الملحقات وإن لم تخل العبارة عن بعض المناقشات الجزئية. واستدل له أيضاً بخبر علي بن إبراهيم «لاينظر فيما يكال أو يوزن إلاّ الى العامة ولايؤخذ فيه بالخاصة» و الظاهر من استدلاله أنه فهم من الخبر انّ المراد من العامة هي عامة البلد لاعامة البلاد، ولكن الخبر ضعيف. نعم يصلح للتأييد. والمعتبر هو صدق عنوان المكيل أو الموزون بالتعارف عند نوع أهل البلد وهو يختلف بحسب القلة والكثرة وبحسب الأشياء كما لايخفى.
إنه إذا كان الجنس مما لايكال ولايوزن ولكن صنف من أصنافه لايباع إلاّ وزناً كالطين، فإنه ليس من الموزون لكن الأرمني منه يباع وزناً فمقتضى القاعدة هو الحكم بجريان الربا فيه، فيما إذا كان ذلك أي الوزن فيه متعارفاً; لما عرفت من أن المعيار هو تعارف الوزن أو الكيل في الشيء ولاضير في عدم كون جنسه في غير هذا الصنف مكيلاً أو موزوناً.
ولعله لذلك قال السيد المحقق (قدس سره): إن الظاهر أن في ذلك الصنف يجري حكم الربا.(2)
إن المعتبر عند عدم العادة الشرعية هو التعارف في البلد، ولكن ربما يتغير التعارف
**
(1) القطعة الضخمة من الحديد.
(2) الملحقات 36/2.
باختلاف الأزمنة والأمكنة، والعبرة بالتعارف الفعلي دون السابق أو اللاحق، وعليه فالموزون الذي كان يتعارف كيله في السابق يجري فيه الربا باعتبار الوزن لاباعتبار الكيل، و المكيل الذي كان يتعارف وزنه في السابق يجري فيه الربا باعتبار الكيل لاباعتبار الوزن، كل ذلك لانصراف العناوين المأخوذة في الأدلة الى العناوين الفعلية. و هو الذي أفاده في الجواهر حيث قال:
إن الأقوى اعتبار التعارف في ذلك، وهو مختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. و لافرق في ذلك بين البيع بالجنس و غيره، فالموزون الذي كان يتعارف كيله في السابق يجري فيه الربا باعتبار الوزن لعدم صحة بيعه كيلاً على ما ذكرنا، وكذا المكيل. والتساوي والتفاضل المذكور في الأدلة ينصرف الى ما تعارف من الاعتبار لذلك البيع كما هو واضح.(1)
و مما ذكر يظهر حكم الشيء الواحد عند اختلاف الأحوال فانه يختلف باختلافها، فإن المعتبر هو التعارف الفعلي.
وعليه فالتمر موزون إذا كانت المعاملة بعد القص، ومشاهد إذا كانت المعاملة فيما إذا كان التمر على النخل; لاختلاف التعارف فيه بالنحو المذكور. ولعلّه كذلك في سائر الثمار.
بل ولعلّ البقولات والخضروات أيضاً كذلك، فإنها قبل الحصاد أو الجزّ تقع مورد المعاملة مشاهدة، دون ما إذا كانت المعاملة بعد الحصاد والجزّ فإنها تعامل وزناً أوكيلاً أو عدّاً.
ثم ان اعتبار الكيل والوزن في صحة البيع لايلازم اعتبار هما في صحة الصلح; لجواز الاكتفاء بالمشاهدة من دون الكيل والوزن في صحة الصلح ولكن مع ذلك لايجوز التفاضل فيه إذا كان مورد المعاملة من المكيلات و الموزونات كالحنطة و الشعير، بناءً على عدم اختصاص حرمة الربا في المكيلات و الموزونات بخصوص البيع كما مرّ البحث عنه.
**
(1) الجواهر 375/23.
ولعلّ إليه أشار في الملحقات حيث قال: وأما إذا كان مختلفاً بحسب نوع المعاملة فلا يختلف حكمه، كما إذا قلنا بصحة الصلح بالمشاهدة في مثل الحنطة والشعير، فإنه يجري فيه الربا وان وقعت المصالحة بدونهما.(1)
وهكذا لايوجب جريان الربا اعتبار الكيل أو الوزن في معاملة لأجل خصوص اعتبار الضبط مع عدم كون المورد مكيلاً أو موزوناً; لفقدان شرطه وهو كونه مكيلاً أو موزوناً; لأن الشيء لايصير بذلك من المكيلات او الموزونات. ولعلّ إليه أشار السيد المحقق حيث قال: وكما في مثل السلم إذا كان المبيع من غير المكيل والموزون نوعاً، فإن فيه يجب التعيين بالكيل أو الوزن; لاعتبار الضبط فيه، فإنه لايجري فيه الربا وإن كان اللازم كيله أو وزنه تصحيحاً للبيع.(2)
إنه إذا فرض تعارف الكيل والوزن فيه جاز البيع بكل منهما مع التساوي فيه وإن اختلف في التقدير الآخر، و ذلك لكون كل واحد منهما متعارفاً، و مقتضى ذلك هو جواز الاكتفاء بكل واحد منهما في تحقق المثلية، كما يقتضيه إطلاق الأدلة الدالة على جواز معاملة المكيل بالمكيل أو الموزون بالموزون مثلاً بمثل من دون تقييده بعدم الاختلاف بحسب التقدير الآخر، كما يجوز الاستطراق من طريق يكون مسافة شرعية فيترتب عليه حكم المسافر مع جواز الاستطراق من طريق آخر لايبلغ المسافة الشرعية ولايترتب عليه حكم المسافر.
قال في الجواهر: ولو فرض تعارف الكيل والوزن فيه جاز البيع بكل منهما مع
**
(1) الملحقات 36/2.
(2) الملحقات 36/2.
التساوي فيه وإن اختلف في التقدير الآخر... الى أن قال: لو فرض ان أحدهما مكيل وموزون والآخر موزون خاصة أو مكيل كذلك جاز بيعهما بالتقدير المشترك بينهما دون المختص بأحدهما... الى أن قال: ليس في شيء من النصوص ما يدلّ على أن أحدهما لايباع إلاّ كيلاً والآخر لايباع إلاّ وزناً، فيمكن كونهما معاً مكيلين، ويمكن كونهما معاً موزونين، ويمكن كونهما يباعان بهما، أو أن أحدهما كذلك دون الآخر و قد وقع البيع بالاعتبار المشترك، فلا منافاة حينئذ بين ما ذكرناه وبين هذه النصوص(1) وعليه فمقتضى الجمع هو أن المعيار هو صدق المثلية في المقدار بحسب أحد الأمرين من الوزن أو الكيل، فيتخير المكلف بين الكيل والوزن فيما إذا كانا متعارفين.
إنه إذا كان جنس يباع بكل من الوزن والعدّ فمقتضى كون الموزون متعارفاً أنه إذا وقعت المعاملة عليه وزناً حرم التفاضل، كما أن مقتضى كون المعدود متعارفاً أنه إذا وقعت المعاملة عليه عدّاً جاز التفاضل، فقد عرفت أن تعارف كليهما يوجب تجويز التخيير بينهما، فإذا اختار الوزن لزم عليه أن لايتفاضل في المقدار، بخلاف ما إذا اختار العدّ فانه يجوز له ما شاء من المثلية في المقدار أو الزائد عليه.
و هذا هو مقتضى الجمع بين الأدلة الدالة على اعتبار الوزن والعدّ كليهما إذا كانا متعارفين. اللّهمّ إلاّ أن يكون مفاد الأدلة أن ما له شأنية الوزن لايجوز التفاضل فيه مطلقاً ولو اختار العدّ، وما له شأنية العدّ يجوز التفاضل فيه مطلقاً و لو اختار الوزن، فيتعارض الأدلة حينئذ بناءً على تضاد الأحكام، فمع التساقط يرجع الى عمومات أدلة نفوذ المعاملات.
إلاّ أن يقال: إن الجواز لااقتضاء، والحرمة هي الاقتضاء، فلا يعارض الجواز مع الحرمة،
**
(1) الجواهر 375/23-376.
ونتيجة ذلك هو تقديم الحرمة على الجواز، ولكن عرفت إن العبرة بنفس الأحكام لابملاكاتها والأحكام متضادة فتأمل.
ولعلّ وجه احتياط السيد في الطرفين هو احتمال تقديم الحرمة، حيث قال: إذا كان جنس يباع بكل من الوزن والعدّ إنّ الاحوط فيه عدم التفاضل إذا بيع بالوزن، بل الأحوط ذلك وان بيع عدّاً(1) ولكن مقتضى الاحتياط في هذه المسألة من هذه الجهة هو الاحتياط في الأمر السابق أيضاً; لأنهما من باب واحد، فإن مقتضى ما له شأنية الكيل هو جواز الاكتفاء بالمثلية في المقدار بحسبه ولو لم يكن كذلك بحسب الوزن وهكذا في العكس، فيتعارضان ويتساقطان، فمع تقديم جانب الحرمة هوعدم جواز التفاضل والزيادة ولو بحسب التقدير الآخر، ولكن الاحتياط غير ممكن في الأمر السابق; إذ الكيل لايساوي مع الوزن كالعكس إلاّ نادراً، ولعلّه لذا لم يحتط السيد (قدس سره) في المسألة السابقة.
في جواز بيع المكيل وزناً وبالعكس وعدمه والمحكى عن جماعة منهم: الشيخ وابن ادريس والعلاّمة عدم جواز البيع في المتجانسين إلاّ بما هو المتعارف من المكيل أو الموزون، وذلك لاستلزامه الربا من جهة اختلاف التقديرين بالزيادة و النقيصة.
لايقال: إن ذلك لازم، على تقدير كون الكيل والوزن كليهما متعارفاً; لأن المتعارف كالمكيل متفاوت مع الموزون وبالعكس.
لأنا نقول: نعم ولكن هذا التفاوت مغتفر ومأذون فيه، بخلاف ما إذا بيع بالتقدير الآخر الذي لايكون متعارفاً; لأنه غير مأذون.
ودعوى أن مقتضى كون الوزن اضبط - حتى قيل: إنه أصل الكيل هو جواز الوزن مكان
**
(1) الملحقات 36/2.
الكيل، مندفعة بان الظاهر من أدلة اعتبار تعارف الكيل في المكيل عدم اعتبار غيره مما لم يكن متعارفاً ولو كان هو الوزن.
هذا مضافاً الى ما في الجواهر من أنه لم يثبت مرادهم من أن الوزن أصل للكيل، فإن أرادوا أن الكيل طار على الوزن فغير واضح، لأن المفروض أن المكيل لم يكن موزوناً(1) و أن أرادوا أن الوزن أدلّ على المقدار فغير ظاهر أيضاً; لأن مقدار معيار الكيل انما هو باعتبار حجمه لاباعتبار ثقله وخفته.
و أن أردوا أغلبيته في أكثر الأشياء فيكون الأصل بمعنى الراجح، فشرعاً غير معلوم و العرف لايرجع إليه فيما ثبت حكمه شرعاً(2) إذ في الشرع اعتبر التعارف الفعلي، ومع اعتباره شرعاً لاوقع لكون غير متعارف أضبط أو أغلب في أكثر الأشياء.
وعليه فلا وجه لما ذهب إليه الشهيد في المسالك - على المحكي عنه من جواز الاكتفاء بتساويهما وزناً وان كان اصلهما هو الكيل.
و نقل الإجماع على جواز بيع الحنطة و الشعير وزناً مع الإجماع على كونهما مكيلين في عهده صلى الله عليه وآله غير كاف، أوّلاً: لعدم ثبوت الإجماع بالنقل، وثانياً: للزوم الاقتصار على مورده; لمخالفته مع ظواهر أدلة اعتبار الكيل في المكيل، فإن مقتضاها هو عدم اعتبار غير الكيل ولو كان هو الوزن; لأنه غير متعارف.
**
(1) هذا مضافاً الى ما في غاية التعديل من أن الغرام هو وزن سنتيمتر واحد مكعب من الماء الصافي أي المقطر... الى أن قال: فألف غرام يساوي كيلوغرام، فيكون كيلوغرام واحد وزن ألف سنتيمتر مكعب من الماء المقطر، بمعنى أنه إذا كان وعاء مكعب كل ضلع منه عشرة سنتيمترات يسع من الماء المقطر ألف غرام أو كيلوغراماً واحداً، وهذا الوعاء او هذا المكيال يسمّى ليتر بحسب الوزن الفرانساوي ومكيالهم (غاية التعديل/ 4).
(2) الجواهر 373/23.
و لقد أفاد وأجاد صاحب الجواهر (قدس سره) حيث قال: التحقيق في اطراف المسألة أنه لاريب في أن الاطلاقات تقتضي صحة البيع مع تعارف الكيل في الموزون أصلاً وبالعكس، و لادليل يدلّ على وجوب اعتبار اصله صالح لتقييدها، بل السيرة القاطعة على بيع ما ذكروا أنها مكيلة في عهده بالوزن عاضدة لها(1) بل لعلّ دليل الغرر والجهالة يقضي بعدم جواز البيع بالاعتبار الاصلي بعد ان كان المتعارف غيره، ضرورة حصولهما به بعد نسخ الأصل ورفضه وإن كان قد لوحظ في ابتداء التعارف حتى يصح البيع.
و منه يعلم أنه لايجوز بيع ما كان المتعارف كيله بالوزن حال تعارف كيله و بالعكس، ضرورة حصول الجهالة والغرر بذلك; إذ الوزن لمتعارف الكيل مثلاً كالمكيال المجهول وكالوزن بصخرة مجهولة. ودعوى أصالة الوزن للكيل، فقد عرفت المراد بها وعدم ثبوتها على وجه يجدي.
فتحّصل: أن الأقوى اعتبار التعارف في ذلك، وهو مختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة، ولافرق في ذلك بين البيع بالجنس وغيره، فالموزون الذي كان يتعارف كيله في السابق يجري فيه الربا باعتبار الوزن; لعدم صحة بيعه كيلاً على ما ذكرنا و كذا المكيل، والتساوي والتفاضل المذكور في الأدلة ينصرف الى ما تعارف من الاعتبار لذلك البيع كما هو واضح.(2)
ثم لايخفى عليك أن الظاهر من الملحقات أنه جعل المسألة في المقام تابعة لصحة البيع فيما إذا كيل الموزون أو وزن المكيل وعدمها وقال: والأقوى كون هذه المسألة تابعة للمسألة الاُولى، فإن قلنا فيها بكفاية أحدهما في موضع الآخر في صحة البيع نقول بجوازه هنا أيضاً،
**
(1) ولعلّ وجه الاعتضاد هو مفروغية صحة البيع بالمتعارف الفعلي وأما غيره فلا يجوز إلاّ إذا قام عليه الدليل.
(2) الجواهر 375/23.
ولاتضرّ الزيادة المحتملة أو المعلومة; لصدق المساواة، فهو مثل ما إذا كان المتعارف بيعه بكل من التقديرين فإنه يكفي المساواة بأيّ من التقديرين بيع، فكذا هنا.(1)
وقال في المسألة الاُولى: والظاهر عدم حصول العلم بالمقدار بكيل الموزون; إذ هو فيما تعارف وزنه بمنزلة الصخرة المجهولة المقدار.
نعم إذا كان الكيل أمارة على الوزن بحيث يعلم به المقدار فالظاهر كفايته، كما إذا وزن مقداراً وكاله ثم أخذ بذلك الكيل للبقية... الى أن قال: وأما العكس فالظاهر أنه لامانع منه بناءً على أن الوزن أضبط من الكيل. نعم لو كان المقصود من شيء حجمه لاوزنه يشكل الاكتفاء فيه بالوزن; لعدم رفع الغرر به.(2)
ويمكن أن يقال أوّلاً: إنّ اعتبار الكيل والوزن في باب صحة البيع يكون لرفع الغرر الذي نهى عنه، والبيع الغرري هو البيع الذي يكون بلا مقاييس معروفة كالكيل والوزن في المكيلات والموزونات، والغرر ينتفي بأحدهما. ولو لم يكن متعارفاً فان كل واحد منهما من المقاييس الرائجة في الجملة، وعليه كما أفاد سيدنا الإمام المجاهد (قدس سره) لو كيل ما يتعارف فيه الوزن أو بالعكس خرج عن الجهالة والغرر.
بل لو شك في صدق الغرر والجزاف في موارد تبديل الكيل بالوزن أو بالعكس يؤخذ باطلاق أدلة تنفيذ البيع; إذ لاوجه لرفع اليد عن عموم أدلة تنفيذ العقود واطلاقها، من دون دلالة دليل وورود مخصص ومقيد، وليس في الباب إلاّ حديث: نهى النبيّ صلى الله عليه وآله عن الغرر والروايات الدالة على أن الجهل بالثمن مضرّ المستفاد منها حال المثمن... الى أن قال: وشيء منها لايصلح لتقييد الأدلة وتخصيصها، فإن البيع بالمقاييس الرائجة ليس غرراً،
**
(1) الملحقات 38/2.
(2) الملحقات 37/2.
سواء كان الغرر بمعنى الجهل أو بمعنى الخطر، ضرورة أن دليل الغرر لم يرد لردّ البيع بالمكاييل وتخصيصه بالموازين أو بالعكس، وأصالة الوزن قد عرفت حالها، فالغرر هو بيع الشيء بلا مقياس متداول.(1)
وعليه فما في الجواهر والملحقات من عدم صحة البيع عند كيل الموزون، أو ما في الجواهر من عدم صحة البيع عند وزن المكيل منظورٌ فيه.
وثانياً: إن ابتناء المسألة في المقام على تلك المسألة مع اختلاف وجههما غير واضح; إذ الوجه في اعتبار الكيل والوزن في المسألة الاُولى هو رفع الغرر، وقد عرفت حصوله ولو بالوزن في المكيل وبالعكس إذا كان الوزن أو الكيل في نفسهما من المقاييس الرائجة في الجملة.
والوجه في المسألة في المقام هو عدم التفاضل، وهو لايحرز بالوزن في المكيل، لاحتمال الزيادة بحسب الكيل الذي يكون رائجاً فيه، وقد دلّ الدليل على عدم التفاضل بحسب الكيل، وهكذا عدم التفاضل غير محرز بالكيل في الموزون; لاحتمال الزيادة كذلك وهو غير مغتفر.
وبالجملة ملاك مسألتنا هو النهي عن الزيادة، وملاك تلك المسألة هو النهي عن الغرر، ولاملازمة بين رفع الغرر وعدم الزيادة كما لايخفى، فلا وجه لجعل مسألتنا تابعة لتلك المسألة، بل لاوجه لجعل المشابهة بين المسألتين مع اختلاف ملاكهما. وبذلك أيضاً يظهر ما في الجواهر أيضاً فراجع.
وثالثاً: إن مع دلالة الأدلة على اعتبار المتعارف من التقديرات فلا وجه لتجويز غير المتعارف بمجرد كونه أضبط، وهل هو إلاّ اجتهاد في مقابل النص.
**
(1) البيع 250/3-252.
إنه ذهب المشهور الى أنه لايجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه كلحم الغنم بالشاة. وقال في الجواهر: وفي المختلف لم نقف فيه على مخالف منا غير ابن إدريس، ولذلك نسبه في الدروس الى الشذوذ بل عن الخلاف والغنية الإجماع عليه. واستدل له بالنبوي المروي عن العامة وهو أنه: نهى النبيّ صلى الله عليه وآله عن بيع اللحم بالحيوان.(1)
أورد عليه أوّلاً بضعف السند، وثانياً بأن الحيوان غير موزون; إذ الظاهر من الحيوان هو الحيّ منه، وحمله على المذبوح كماترى. هذا مضافاً الى أن المذبوح قبل السلخ غير مكيل ولاموزون أيضاً قال في الجواهر: بل تعارف في زماننا بيعه جزافاً بعد السلخ إذا كان جملة، بل من المعلوم إن الرأس لايباع إلاّ جزافاً.(2)
ودعوى أن القوم أجروا ما يجري عليه الوزن في الآتي عادة مجرى الموزون وإن كان في الحال غير موزون.
مندفعة بأنه مجاز الأوْل والمشارفة ولادليل له، بل يخالفه ظواهر الأدلة. وعليه فلا يمكن أن يكون النهي فيه من جهة الربا بل هو أمر تعبدي وهو غير مسألتنا.
واستدل له أيضاً بموثقة غياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام): إن عليّاً عليه السلام كره بيع اللحم بالحيوان.(3)
واُورد عليه أيضاً مضافاً الى ما اُورد على النبوي صلى الله عليه وآله من أن وجه المنع فيه ليس من ناحية الربا وإن الكراهة أعم من الحرمة.
ولعلّه لذلك قال في محكى التذكرة: بعد نقل كلام المشهور إن الأقرب عندي الجواز على
**
(1) المستدرك 480/2، الجامع الصغير 192/2.
(2) الجواهر 387/23.
(3) الوسائل الباب 11 من أبواب الربا ح 1.
كراهية; للأصل السالم عن معارضة ثبوت الربا; لفقد شرطه وهو التقدير بالكيل أو الوزن المنفي في الحيوان الحي. وأما الكراهية فللاختلاف. هذا مضافاً الى ما حكي عن الآبي والخراساني والكاشاني من تضعيف السند، فانّ غياث بن إبراهيم تُبري لايعمل بخبره.
ويمكن أن يقال إنّ ضعف الاعتقاد على تقدير التسليم في التبريّين لايوجب سلب الاعتماد والوثاقة وعدم العمل، وأيضاً عدم مساعدة المنع والنهي للربا لايجوّز عدم الأخذ بالرواية; لإمكان أن يكون المنع عن هذا البيع تعبداً لامن جهة لزوم الربا. وعليه فالعمدة هو تمامية الدليل الدالّ على المنع وعدمها:
فان قلنا بأن الأصحاب عملوا بالنبويّ صلى الله عليه وآله فاللازم هو الحكم بالحرمة. وإن لم يحرز ذلك وانحصر المدرك بموثقة غياث بن إبراهيم فدلالته على الحرمة غير ثابتة; لأن الكراهة أعم من الحرمة وعمل الأصحاب بها لايجبر ضعف الدلالة.
اللّهمّ إلاّ أن يتمسك بمعتبرة سيف التمار قال: قلت لأبي بصير: اُحب أن تسأل أباعبدالله عليه السلام عن رجل استبدل قَوْصرتين(1) فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها تمر مشقق(2) قال: فسأله أبوبصير عن ذلك، فقال: هذا مكروه، فقال أبوبصير: ولِمَ يكره؟ فقال: إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يكره أن يستبدل وسقاً(3) من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر; لأن تمر المدينة أدونهما ولم يكن عليّ عليه السلام يكره الحلال(4) إذ المراد من الكراهة حينئذ هو الحرمة، ولكنه لايخلو عن المناقشة أيضاً، لأن المستفاد من معتبرة سيف التمار ان ما استمر عليه عليّ عليه السلام - كما يشير إليه قوله: كان يكره - يدلّ على الحرمة; إذ ادامة اظهار الكراهة بالنسبة
**
(1) زنبيل خرما.
(2) كلام مشقق أي كان أحسن.
(3) ستون صاعاً.
(4) الوسائل الباب 15 من أبواب الربا ح 1.
الى الحلال لم تصدر عنه عليه السلام إلاّ أنه في المقام لم يظهر منه عليه السلام ادامة اظهار الكراهة، بل الثابت بموثقة غياث بن إبراهيم هو مجرّد الكراهة، حيث قال: إنه عليه السلام كره بيع اللحم بالحيوان، وهو لايدلّ على الحرمة، كما يشهد له موثقة محمد بن مسلم قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن الثوبين الرديّين بالثوب المرتفع والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين فقال: كره ذلك عليّ عليه السلام فنحن نكرهه إلاّ أن يختلف الصنفان.(1) فإن الكراهة اسندت إليه عليه السلام في غير المحرمات; إذ البيع في المذكورات - مما ليس بمكيلات ولاموزونات يكون من المشاهدات والمعدودات التي ليست بمحرمة كما لايخفى.
و مما ذكر يظهر أن مع عدم احراز عمل الأصحاب بالنبويّ صلى الله عليه وآله لامجال للحكم بالحرمة تعبداً في الفرض المذكور; لضعف دلالة موثقة غياث على الحرمة.
و عليه فما في جامع المدارك لايخلو عن الاشكال حيث قال: لامجال لتضعيف الخبرين مع دعوى الإجماع على الحكم(2) لما عرفت من عدم احراز عمل الأصحاب بالرواية الاولى وعدم تمامية دلالة الرواية الثانية.
ومع ذلك ذهب في الجواهر الى أن قول المشهور لايخلو من قوة.(3) وهو كما ترى، فالمختار هو الكراهة. قال السيد المحقق اليزدي: فالأظهر إن المنع ان قلنا به فهو تعبد لامن جهة الربا، ولايختص بما إذا كان اللحم من جنس الحيوان، والأقوى عدم الحرمة. نعم لابأس بالحكم بالكراهة اما بحمل الخبرين عليها وإما من باب التسامح.(4) نعم الأحوط الأولى هو ترك المعاملة المذكورة.
**
(1) الوسائل الباب 16 من أبواب الربا ح 7.
(2) جامع المدارك 259/3.
(3) الجواهر 388/23.
(4) الملحقات 39/2.
ثم لايخفى عليك أن على القول بالحرمة يلزم الاقتصار على مورد النص، وعليه فلا يعم بيع الحيوان باللحم بل مختص بما إذا كان المورد هو بيع اللحم في مقابل الحيوان وان حكي عن جماعة انه لايجوز بيع الحيوان باللحم أيضاً.
ثم لايذهب عليك أن الحكم المذكور يختص بالحي، وهو يشمل كل حيوان حي ولو كان مثل الطيور والسموك، خلافاً لما ذهب إليه السيد من دعوى الإنصراف عنهما(1) نعم لايشمل المذبوح; لأن الظاهر من الحيوان هو الحيّ.
ثم إنّ الحكم المذكور غير مختص بما إذا كان اللحم من جنس الحيوان; لاطلاق الرواية.
ثم لايذهب عليك إن بناء على القول بالحرمة إن هذا القول ليس من باب الجهالة; لما عرفت من أن الحيوان مما يعامل مع المشاهدة.
قال السيد: يحتمل أن يكون المراد من الخبرين النهي عن بيع اللحم بالحيوان سلفاً أوبيع الحيوان باللحم نسيئة، ويكون وجه المنع هو الجهالة لعدم امكان ضبط اللحم المختلف باختلاف الحيوان زماناً ومن حيث السمن والهزال ونحو ذلك، ولذا يقولون: لايجوز بيع اللحم سلفاً و نسيئة، فالنظر في الخبرين الى ماهو المتعارف من دفع الغنم الى القصاب بمقدار من اللحم يؤخذ منه تدريجاً فانه لايجوز.(2)
وفيه أولاً: إن قوله عليه السلام: نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع اللحم بالحيوان، أو كره عليّ عليه السلام بيع اللحم بالحيوان لايختص بصورة السلف أو النسيئة بل يعم المعاملة النقدية، كما إذا ادّى البائع اللحم الموجود في مقابل الحيوان الموجود، ومن المعلوم أنه لاجهالة حينئذ لافي اللحم ولافي الحيوان من جهة الأوصاف، فلا يمكن القول بأن النهي عن المعاملة المذكورة من جهة لزوم الجهالة مع شموله لما لاجهالة فيه.
وثانياً: إنه يمكن منع حرمة بيع اللحم والحيوان سلفاً ونسية; لإمكان توصيفهما بوجه
**
(1) الملحقات 40/2.
(2) الملحقات 39/2.
يخرج عن الجهالة. والنهي عن السلف في اللحم في بعض الأخبار لايشمل صورة تعيين الوصف بتوصيفه بمماثل اللحم الموجود المشاهد، مثل مرسلة جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن السلف في اللحم، قال: لاتقربنّه، فانه يعطيك مرّة السمين و مرّة التاوي (الهالك) ومرّة المهزول واشتر معاينة يداً بيد(1) هذا مضافاً الى تصريح صحيحة زرارة وغيرها بجواز السلم في الحيوان عند توصيف أسنانها.(2)
وثالثاً: إن مورد الرواية هو بيع اللحم بالحيوان لاالحيوان باللحم، والتجاوز عنه لايناسب تعبدية الحكم، وإن أمكن إدراج دفع الغنم الى القصاب في بيع اللحم بالحيوان; لأن القصاب يبيع لحمه في مقابل الحيوان الذي أخذه من المشتري. وكيف كان فلا ينبغي ترك الاحتياط في المسألة وإن كان الأقوى عدم الحرمة كما ذهب إليه العلاّمة والسيد المحقق اليزدي قدّس سرّهما.
في أنه يجوز بيع المكيلات أو الموزونات مثلاً بمثل وإن كان فيها شيء يسير من التراب أو التبن ونحوهما مما يتسامح فيه نوعاً; لصدق المساواة عرفاً كما في الجواهر والملحقات، بل قال في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه بيننا، لكن عن المبسوط: و قال قوم: لايجوز و هو الأحوط ولعلّه يريد من العامة إلاّ أنه لاينبغي الأمر بالاحتياط لخلافهم.(3)
لايقال: إن صدق المساواة المبتنية على المسامحة العرفية لاعبرة به، كما لاعبرة بصدق المسافة المسامحية في تحقق السفر، بل اللازم في الأوزان والمقادير والمسافات هو صدقها بالدقة العرفية.
**
(1) الكافي 222/5.
(2) الكافي 220/5.
(3) الجواهر 390/23.
لإمكان ان نقول: إن التسامح يكون في الموزونات و المكيلات لافي الوزن و الكيل، بمعنى ان الحنطة المتعارفة هي الحنطة التي يكون فيها شيء يسير من التراب أو التبن; لجري العادة على عدم تخليصها عن مثل هذه الأشياء اليسيرة، والشارع لم يعتبر فيها إلاّ المساواة في المقدار عند بيعها بمثلها مع ما عليها، وهي متحققة.
نعم إن كان الخليط كثيراً بحيث لايتسامح به لم يجز البيع إن لم يكن للخليط قيمة وكان الخليط في طرف واحد; لعدم المساواة والمثلية في المقدار بين العوضين حينئذ. وأما إذا كان للخليط فيمة فالظاهر هو الجواز; لأن الخليط يقابل الزائد من الخالص في طرف آخر لاخليط فيه ولااشكال فيه، ويدلّ عليه مؤثقة أبي بصير قال: سألته عن السيف المفضّض يباع بالدراهم فقال: إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس.(1)
والوجه فيه أن الزائد من النقد يقع في مقابل السيف الذي له قيمة فلا يلزم الربا.
وهكذا لااشكال في جواز البيع إذا كان الخليط المذكور في الطرفين، سواء كان مقدار الخليط متساوياً أو غير متساو، لانصراف كل الى ما يقابله من الخالص. وأما إذا كان الخليط مما ليس له قيمة وكان في الطرفين فان علم قدرهما وتساويهما فلا اشكال في جواز المعاملة; لأن المعاملة وقعت بين العوضين وهما مع عدم ملاحظة خليطهما يكونان متساويين.
وإن لم يعلم مقدارهما ولم يكونا متساويين، فإن علم اجمالاً بزيادة أحد الطرفين على الآخر فلا يجوز; للزيادة المعلومة بالاجمال فيشمله ما دلّ على المنع عن التفاضل في المتجانسين.
وإن لم يعلم بالزيادة وإنما احتملها فقد صرّح السيد المحقق اليزدي (قدس سره) بعدم جواز المعاملة; لاشتراط العلم بالتساوي وهو مفقود.(2)
**
(1) الوسائل الباب 15 من أبواب الصرف ح 8.
(2) الملحقات 40/2.
ولكن قد عرفت في الأمر السادس عدم الدليل على اشتراط المساواة، بل الزيادة على المشهور مانعة، وعليه ففي مورد الشك يمكن تنقيح الموضوع بأصالة عدم زيادة هذه المعاملة من الأزل.
هذا مضافاً الى ما مرّ من احتمال الممنوعية لاالمانعية، ومعه لادليل على بطلان المعاملة وان ذهب المشهور إليه، ولكن الأحوط هو ترك المعاملة المذكورة كما عرفت سابقاً.
في جواز بيع كل رطب بيابس من جنسه كبيع الرطب بالتمر، وقد اختلف الأصحاب فيه على أقوال:
أحدها: عدم الجواز مطلقاً، سواء لوحظ حال المعاملة مقدار النقصان الآتي أو لم يلحظ. ونسب هذا القول الى المشهور واستدلّ له بجملة من الأخبار:
منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لايصلح التمر اليابس بالرطب من أجل أن التمر يابس والرطب رطب فاذا يبس نقص، الحديث.(1)
ومنها: موثفة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام: أن أميرالمؤمنين عليه السلام كره أن يباع التمر بالرطب عاجلاً بمثل كيله الى أجل، من أجل أن التمر ييبس فينقص من كيله.(2) وقد روي في جامع الأحاديث مكان قوله: من أجل أن التمر... من أجل ان الرطب.(3)
ومنها: موثقة الحسن بن محمّد بن سماعة عن جعفر عن داود بن سرحان عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: لايصلح التمر بالرطب، إن الرطب رطب والتمر
**
(1) الوسائل الباب 14 من أبواب الربا ح 1.
(2) الوسائل الباب 14 من أبواب الربا ح 2.
(3) جامع الأحاديث ح 18 ص 148.
يابس، فاذا يبس الرطب نقص.(1) والمراد من جعفر إما جعفر بن سماعة أو جعفر بن بشير، و كلاهما ثقتان.
ومنها: خبر داود الابزاري عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: لايصلح التمر بالرطب، إن التمر يابس والرطب رطب.(2)
هذا مضافاً الى النبوي صلى الله عليه وآله انه سئل صلى الله عليه وآله عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص إذا جفّ؟ فقيل له: نعم فقال صلى الله عليه وآله: لاآذن.(3)
و لأجل هذه الأخبار حكي عدم الجواز عن القديمين والشيخ في موضع من المبسوط والوسيلة والتذكرة والتحرير ونهاية الأحكام والارشاد والمختلف والقواعد واللمعة والمختصر والمهذب والتنقيح وايضاح النافع والميسية والمسالك والروضة والدروس.
و ظاهر الروايات والفتاوى أن النقصان عند الجفاف مضرّ، فلا تجدي مساواتهما عند البيع.
وثانيها: هو الجواز مطلقاً حتى في الرطب والتمر على كراهة; جمعاً بين الأخبار المذكورة وأخبار اُخرى:
منها: موثقة سماعة قال: سئل أبوعبدالله عليه السلام عن العنب بالزبيب قال: لايصلح إلاّ مثلاً بمثل قال: والتمر والرطب بالرطب مثلاً بمثل.(4)
رواه الكليني عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد جميعاً عن ابن محبوب مثله.(5)
**
(1) الوسائل الباب 14 من أبواب الربا ح 6.
(2) الوسائل الباب 14 من أبواب الربا ح 7.
(3) المستدرك 480/2.
(4) الوسائل الباب 14 من أبواب الربا ح 3.
(5) المصدر السابق.
ومنها: خبر ابن أبي الربيع قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام ما ترى في التمر والبسر(1) الأحمر مثلاً بمثل؟ قال: لابأس، قلت: فالبختج والعنب مثلاً بمثل؟ قال: لابأس.(2)
وراه الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن خالد بن جرير عن أبي الربيع قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: ما ترى في التمر والبسر الأحمر مثلاً بمثل؟ قال: لابأس، قلت: فالبختج والعصير مثلاً بمثل؟ قال: لابأس.(3)
والسند معتبر; لوقوع حسن بن محبوب في طريقه وهو من أصحاب الإجماع. والصحيح هو أبوالربيع لا ابن أبي الربيع; إذ ليس في التراجم إلاّ أبوالربيع الشامي وهو الذي روى عنه حسن بن محبوب.
وبقرينة هاتين الروايتين يمكن حمل عدم الإذن أو عدم الصلاحية في سائر الأخبار على الكراهة. هذا لو لم نقل إن الأخبار السابقة لاظهور لها في المنع; لظهور قوله: لايصلح في الكراهة، و لظهور لفظ «كره» في الكراهة المصطلحة أو هو أعم من الحرمة، ولذلك قال السيد المحقق اليزدي (قدس سره): فمع الاغماض عن ظهور الأخبار المذكورة في الكراهة مقتضى الجمع بينها وبين هذين الخبرين ذلك، والجمع الدلالي مقدم على الترجيح السندي، فلا وجه للقول بأن هذين الخبرين لامقاومة لهما مع الأخبار المذكورة.
لايقال: إن المراد بالمماثلة في الخبرين هي المماثلة في وصفي الرطوبة واليبوسة.
لأنا نقول: ليس كذلك; لأن الظاهر من قوله عليه السلام: مثلاً بمثل هو المماثلة في الوزن والمقدار، ويشهد له أيضاً مقابلة الرطب بالتمر في كلام الإمام عليه السلام، حيث قال عليه السلام: والتمر والرطب بالرطب مثلاً بمثل. مع أنه لو كان المراد من المماثلة هي المماثلة في وصفي الرطوبة واليبوسة
**
(1) التمر قبل ارطابه وذلك إذا لوّن ولم ينضج.
(2) الوسائل الباب 14 من أبواب الربا ح 5.
(3) الكافي 190/5.
لقال عليه السلام: والتمر بالتمر والرطب بالرطب مثلاً بمثل. ولذلك قال السيد المحقق اليزدى (قدس سره): لاوجه لدعوى احتمال أو ظهور كون المراد من المماثلة في الخبرين المماثلة بوصفي الرطوبة واليبوسة.
وثالثها: اختصاص المنع بالرطب والتمر، والجواز في غيرهما، عملاً بالأخبار المانعة; فإن الموضوع فيها هو التمر والرطب.
وفيه أوّلاً: إن الاختصاص لاوجه له بعد تعليل المنع في صحيحة الحلبي بما يعم غيرهما، حيث قال عليه السلام: لايصلح التمر اليابس بالرطب من أجل أن التمر يابس والرطب رطب فإذا يبس نقص، الحديث(1) ونحوه موثقة داود بن سرحان وغيرها.
ومن المعلوم إن مقتضى عموم التعليل هو التعدي عن مورد العلّة، لأن العلّة تعمّم وتخصّص كما لايخفى.
وثانياً: إن الرطب و التمر بخصوصهما وردا في الطرفين من الأخبار، و مقتضى الجمع هو الجواز على كراهة لاالمنع عنهما.
ورابعها: ما حكي عن موضع من المبسوط من التفصيل فيما عدى الرطب والتمر بين كون الرطوبة ذاتية فيجوز كبيع العنب بالزبيب، وبين كونها عرضية فلا يجوز كبيع الحنطة المبلولة بالجافة، بدعوى أن الرطوبة في مثل العنب من جزائه فيصدق المماثلة، بخلاف العرضية فإنها خارجة عن الحقيقة فلا تصدق المماثلة بين العوضين.
وفيه: أن المماثلة ظاهرة في الوزن لافي الأجزاء، و لافرق حينئذ بين أن تكون الرطوبة ذاتية أو عرضية; لصدق المماثلة بحسب الوزن على كلا التقديرين. والتفصيل المذكور متفرع على كون معنى المماثلة هو المماثلة في الأوصاف وهو كما ترى.
**
(1) الوسائل الباب 14 من أبواب الربا ح 1.
ولعلّ الأرجح من بين الأقوال هو القول الثاني وهو الجواز على كراهة، وهو المحكى عن الشيخ في الاستبصار وموضع من المبسوط والكفاية والحدائق وقوّاه السيد المحقق اليزدي في الملحقات وذهب إليه في جامع المدارك.
وعليه فاللازم هو مراعاة المساواة وقت الابتياع. وعليه فيجوز حينئذ بيع كل ما له حالتا رطوبة وجفاف بعضه ببعض مع تساويهما في الوزن أو الكيل عند الابتياع.
ولادليل على مراعاة أن تكون الحالتان متساويتين، كالرطب بمثله والعنب بمثله والفواكه الرطبة بمثلها والحنطة المبلولة بمثلها وهكذا.
ولكن ذهب في الجواهر الى تقوية التحريم بدعوى قصور الخبرين عن المعارضة مع الأخبار الدالة على المنع من وجوه:
منها: ما عرفت من احتمال إرادة المماثلة بوصفي الرطوبة واليبوسة، فيكون كل منهما حينئذ مشعراً بالمنع مع المخالفة، أو احتمال حمل الموثقة على عنب يابس أو زبيب رطب فيكون خارجاً عما نحن فيه، كما أن خبر أبي الربيع كذلك; إذ ليس فيه بيع الرطب بالتمر، واحتمال أن يكون المراد بالبختج فيه عصير العنب المطبوخ بالنار، وبالعصير ذلك قبل أن تمسّه النار كما قيل، ولعلّه مما ينقصه التجفيف لاالجفاف بنفسه، كل ذلك مع ندرة الخلاف; لانحصاره فيما أجد في المحكي عن الاستبصار الذي لم يعد للفتوى وموضع من المبسوط وابن ادريس فجوّزاه على كراهية.(1)
وقد عرفت أن هذه المحامل ضعيفة جداً ومخالفة لظواهر الخبرين; إذ ظاهر المماثلة هي المماثلة في الوزن لافي وصفي الرطوبة واليبوسة.
وظاهر العنب هو العنب لاالعنب اليابس أي الزبيب، كما أن ظاهر الزبيب هو الزبيب
**
(1) الجواهر 369/23.
لاالزبيب الرطب أي العنب. وأيضاً ظاهر البختج هو المطبوخ من العصير وهو الذي يسمى في الفارسية «ميپخته» كما صرح به في تاج العروس حيث قال: البختج العصير المطبوخ وأصله بالفارسية «ميپخته» أي عصير مطبوخ، وإنما شربه مع العكر(1) خيفة ان يصفيه فيشتد ويسكر انتهى.
ومن المعلوم أن غير المطبوخ يصير بالطبخ أقل من المطبوخ وإن كانا متساويين عند المعاملة، بل ولعلّه يصير أقل بحرارة الهواء ولو من دون طبخ فافهم.
قال السيد المحقق اليزدي (قدس سره): لاوجه لاحتمال حمل العنب والزبيب في الموثق على عنب يابس وزبيب ورطب. ولاوجه أيضاً لاحتمال كون المراد من قوله عليه السلام مثلاً بمثل العنب بالعنب والزبيب بالزبيب، ولعمري ان طرح الخبر أهون من حمله على هذه المحامل.(2)
ثم إنّ ندرة الخلاف لاتضر; لكون منشأ ذلك هو اختلاف الفهم والاستنباط من الروايات، لاإعراض الأصحاب عن الخبرين، وإلاّ فمع ثبوت الإعراض كان الخبران ساقطين عن الحجية ولايقاومان للمعارضة مع الأخبار المانعة، ولكن الإعراض غير ثابت.
هذامضافاً الى أن لازم المناط المذكور في تحريم معاملة الرطب واليابس هو المنع عن المعاملة فيما إذا حصل النقص في أحد العوضين بعد البيع بتبديل شيء بشيء كتبديل الحليب بالجبن أو الأقط، فبيع الحليب بالجبن أو الأقط مع التساوي عند البيع لايكفي; فإن الحليب بجعله جبناً أو أقطاً ينقص.
وهكذا لازم ذلك هو المنع عن بيع التمر أو العنب بدبسهما، فإنهما وإن كانا متساويين عند البيع ولكن التمر والعنب ينقصان بجعلهما دبساً. بل مقتضى المناط المذكور هو عدم جواز
**
(1) عكر محركة اى التربة.
(2) الملحقات 42/2.
البيع فيما إذا فرض زيادة أحد العوضين على الآخر برطوبة وجفاف ونحوهما بعد تساويهما حال البيع.
مع أن الظاهر هو عدم التزام الأصحاب بأمثال ما ذكر. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إن مدلول التعليل هو اليبس الحاصل بنفسه لابالأسباب الخارجية.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه القول الثاني، ولكن الانصاف أن موثقة سماعة معارضة مع الأخبار المانعة; لوضوح أن «لايصلح» و «يصلح» متنافيان، وخبر أبي الربيع لم يذكر فيه التمر والرطب بل المذكور فيه التمر والبسر الأحمر، والبسر هو التمر قبل ارطابه، وعليه فالبيع واقع بين اليابس واليابس وهو خارج عن مدلول الأخبار المانعة. واختلاف البختج والعصير في اليبوسة والرطوبة غير واضح خصوصاً بعدما ذكره في تاج العروس من أن البختج من الأشربة.
وعليه فلا وجه لرفع اليد عن الأخبار المانعة مع ترجيحها بالنسبة الى موثقة سماعة من جهة السند لتعدد الأخبار المانعة وذهاب المشهور إليها. ومصححة أبي الربيع غير واضحة الدلالة فلا تصلح للجمع الدلالي. فاتّضح من ذلك رجحان القول الأوّل، وهو قول المشهور من حرمة معاملة الرطب مع اليابس من جنس واحد، كما تدلّ عليه صحيحة الحلبي وموثقة داود بن سرحان.
نعم يمكن أن يقال بتخصيصهما بالنسية، كما دلّت عليه موثقة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام إن أميرالمؤمنين كره أن يباع التمر بالرطب عاجلاً بمثل كيله الى أجل، من أجل أن التمر (الرطب) ييبس فينقص من كيله.(1)
هذا مضافاً الى حرمة النسية في المتجانسين ولو لم يفرض اليبوسة فيهما، كما مرّ في المسألة الثالثة من المقام الأول من الجهة الثانية عشر من هذه الرسالة.
**
(1) الوسائل الباب 14 من أبواب الربا ح 2.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ التخصيص بعد تعدّد الموضوع في الأخبار، واحتمال تعدد المطلوب غير ثابت، والمسألة محتاجة الى تأمل زائد ولايترك الاحتياط بالاجتناب عن هذه المعاملة.
ثم إنّه بناءً على الحرمة إذا باع رطباً بمثله فضولاً واجاز المالك بعد جفاف أحدهما ونقصه مع بقاء الآخر رطباً فهل يصح أم لا؟ أمكن القول بالثاني; لأن المماثلة في وصفي الرطوبة واليبوسة مفقودة حال استناد البيع الى المجيز فلا يجوز، ولكن السيد المحقق اليزدي (قدس سره) بنى المسألة على الكشف والنقل(1) ومقتضى الابتناء المذكور هو الحكم بالجواز على الكشف دون النقل; لأن طرفي المعاملة عند وقوع الإنشاء متماثلة من جهة الرطوبة، والاجازة كاشفة عن وقوع المعاملة واستنادها الى المجيز من تلك الحالة. هذا بخلاف ما إذا قلنا بالنقل. فانّ طرفي المعاملة عند الاجازة لاتكونان متماثلة كما هو المفروض فلا تغفل.
إنه إذا كان كرّ من الحنطة نصفه جيّد وهو لواحد ونصفه الآخر رديء وهو لآخر، وكانت قيمة الرديء نصف قيمة الجيّد فباعاها بكرّ من الجيّد، فإذا تبانيا على أن يكون الثمن - أعني الكرّ من الجيّد بينهما بالمناصفة فلا اشكال في الصحة; لأن المماثلة في الوزن محفوظة ولاربا في البين.
كما لااشكال في الفساد فيما إذا تبانيا على أن يكون الثمن المذكور بينهما على الاختلاف، كأن يكون لصاحب النصف الجيّد ضعف مالصاحب الرديء، و ذلك واضح; لوجود الربا في البين، إذ صاحب النصف الجيّد أخذ ضعف مالصاحب الرديء، وهو زائد على سهم صاحب الردي بثلث، فيلزم من ذلك أخذه من الثمن الجيّد في مقابل نصفه أزيد، ويلزم منه أيضاً أخذ صاحب الرديء في مقابل نصفه أقل.
**
(1) الملحقات 42/2.
و إذا اطلقا فقد ذهب المحقق اليزدي (قدس سره) الى أن الظاهر كونه ربا; لأن البيع المذكور بمنزلة بيعين ويكون لصاحب النصف الجيد ضعف مالصاحب الرديء.(1)
و لايخفى ما فيه، فإن مع الاختلاط لايكون البيع المذكور بمنزلة بيعين. هذا مضافاً الى أن إطلاق دعوى الإنصراف الى أن يكون لصاحب النصف الجيّد ضعف ما لصاحب الرديء ولو كانا ممن يجتنب عن الربا منظورٌ فيه.
و إذا كان لواحد كرّ من الحنطة نصفها جيّد ونصفها رديء فباعها بكرّ من الجيّد والرديء أو المختلط فالظاهر أن حكمه حكم ماإذا كان كرّ من الحنطة لإثنين، وقد عرفت حكم التباني وصورة الاطلاق فيما إذا كان المالك متعدداً.
و عليه فإن كان مقصود البائع والمشتري هو أن يكون الثمن بينهما على الاختلاف كان البيع ربوياً، وإن كان مقصودهما هو أن يكون الثمن بينهما على المساواة فلا اشكال.
و إن أطلقا فمحمول على الثاني ان كانا ممن يجتنب من الربا، وإلاّ فهو محمول على الأوّل إن انصرف الى أن بناء المتعاملين على أن يكون ثلث الثمن مثلاً في مقابل النصف الرديء وثلثاه في مقابل النصف الجيّد، وذلك للزوم الربا.
و بالجملة لافرق بين كون المالك متحداً أو متعدداً، وكون البيع في صورة تعدّد المالك بمنزلة البيعين لايوجب الفرق مع عدم تسلّم الإنصراف فيما إذا كانا ممن يجتنب عن الربا.
و مما ذكر يظهر ما في الملحقات حيث فرّق بين صورة تعدّد المالك ووحدته، وحكم في الاُولى بأن صورة الاطلاق ربوية وفي الثانية بعدم كونها ربوية مع الاطلاق إلاّ إذا كان بناؤهما على أن يكون الثمن في مقابل المثمن على الاختلاف.
قال في مسألة 58: إذا كان له كر من الحنطة نصفها جيّد ونصفها رديء فباعها بكرّ من
**
(1) الملحقات 48/2.
الجيّد والرديء او المختلط صحّ إلاّ إذا كان بناء المتعاملين على أن يكون ثلث الثمن مثلاً في مقابل النصف الرديء وثلثاه في مقابل النصف الجيّد، فإنه لزم الربا حينئذ.(1)
إنه لااشكال في جواز بيع دجاجة فيها بيضة بدجاجة كذلك أو خالية أو بالبيضة. وهكذا لااشكال في جواز بيع شاة في ضرعها لبن بشاة اُخرى كذلك أو خالية أو باللبن. وكذا لاشكال في جواز بيع الشاة التي عليها صوف بالشاة كذلك أو خالية أو بالصوف. وأيضاً لااشكال في جواز بيع النخل الذي عليه تمر بنخل آخر كذلك أو نخل خال عن التمر أو بالتمر.
كل ذلك لأن المذكورات ليست من المكيل والموزون كما ذهب إليه السيد المحقق اليزدي (قدس سره) وحكم بفساد القول المحكي عن الشافعي بعدم الجواز.(2)
لايقال: بيعها بالبيضة أو اللبن أو التمر أو الصوف مع اشتمال المبيع عليها يؤول الى بيع المتماثلين من الموزونات، بناءً على كون البيضة منها، كما أن غيرها من اللبن والصوف والتمر منها.
لأنا نقول: بأن ما في بطنها أو ظهرها كذلك تابع غير مقصود بالأصالة، و المقصود ليس من المكيل والموزون. هذا مضافاً الى امكان أن يقال: إن الأشياء المذكورة و ان كانت من الموزونات ولكنها مادام كانت في البطن أو الظهر كالثمرة على الشجرة عوملت بالمشاهدة، و لم يترتب عليها أحكام الموزونات، و عليه فلا مانع من بيعها مطلقاً سواء كان الثمن موزوناً أو معدوداً. و لذلك قال في الجواهر في بيع دجاجة فيها بيضة; يجوز ذلك لوجود المقتضي من
**
(1) الملحقات 48/2.
(2) الملحقات 49/2.
الأصل وغيره وعدم المانع; إذ ليس إلاّ الربا و هو منفي بانتفاء شرطه; إذ الدجاجة غير مقدرة بالكيل و الوزن، و ما في بطنها مادام كذلك كالثمرة على الشجرة ولأنه تابع غير مقصود.(1)
هذا كلّه بناءً على أن الدجاجة أو الشاة من المعدودات، وأما إذا كانتا من الموزونات فمع تبعية البيضة أو اللبن لايجوز بيعها بمثلها إلاّ مع التساوي. نعم لو فرض كون البيضة أو اللبن كنفس الدجاجة أو الشاة مورداً للمعاملة أصالة ترتب عليه حكم المختلط الذي سبق بيانه في المسألة العاشرة من الجهة الثانية عشر.(2)
**
(1) الجواهر 389/23.
(2) راجع ص 204.
يمكن التخلّص من الربا باُمور:
قال في الجواهر: «لاخلاف بيننا في أنّه يجوز بيع درهم و دينار بدينارين و درهمين، و يكون في الصحّة بمنزلة أن يصرف كلّ واحد منهما إلى غير جنسه و إن لم يقصدا ذلك.
و كذا لو جُعل بدل الدينار أو الدرهم شيء من المتاع، و كذا مدّ من تمر و درهم بمدّين أو أمداد و درهمين أو دراهم; إذ هو و إن لم يكن في كلّ منهما جنس يخالف الآخر إلاّ أنّ الزيادة تكون في مقابل الجنس المخالف في أحدهما، فهو في الصحّة حينئذ كذي الجنسين، و لاخلاف بيننا في الجميع، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض جدّاً إن لم يكن متواتراً».(1)
و يدلّ على ذلك طائفة من الأخبار، منها:
و هذه الرواية متعرّضة لصورة وجود الجنس المخالف في أحد الطرفين، و مقتضى إطلاقها جواز ذلك و إن لم تكن ضرورةٌ.
**
(1) جواهر الكلام 391:23.
(2) وسائل الشيعة 180:18، باب 6 من أبواب الصرف، ح 4.
(3) الغلّة: الدراهم المغشوشة.
تجعلون فيها ذهباً لمكان زيادتها؟»، فقلت له: أشتري الألف درهم و ديناراً بألفي درهم؟ قال: «لابأس; إنّ أبي عليه السلام كان أجرأ على أهل المدينة منّي، فكان يفعل هذا فيقولون: إنّما هو الفرار; و لو جاء رجل بدينار لم يُعطَ ألف درهم، و لو جاء بألف درهم لم يُعطَ ألف دينار، و كان عليه السلام يقول: «نِعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال».(1)
و الظاهر منه أنّ الناس اعترضوا على هذه المعاملة بأنّها وقعت فراراً و ليست من حيث هي مقصودة، و الفرار ليس بمقصد صحيح، فأجاب عليه السلام بأنّ الفرار من الحرام إلى الحلال من المقاصد الصحيحة الجيّدة، و باعتبار هذا المقصد الصحيح تكون المعاملة مقصودة، و هو كاف في الصحّة، ولكنّه غير شامل لغير حال الضرورة.
صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج الاُخرى عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «كان محمّد بن المنكدر يقول لأبي عليه السلام: يا أبا جعفر، رحمك الله، و الله إنّا لنعلم أنّك لو أخذت ديناراً و الصرف بثمانية عشر فدُرْتَ المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين ما وجدته! و ما هذا إلاّ فرار، فكان أبي يقول: صدقت و الله! ولكنّه فرار من باطل إلى حقّ».(2) بناءً على أنّ المورد هو صورة الانضمام كما يشعر به قوله: «و ما هذا إلاّ فرار»; إذ هو لايفرض إلاّ في صورة انضمام الجنس المخالف مع الطرف الأقل.
صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج الثالثة قال: سألته عن رجل يأتي بالدراهم بمئة و خمسة حتّى يراضيه على الذي يريد، فإذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة ديناراً أو ذهباً، ثمّ قال له: قد راددتك.(3) البيع وإنّما اُبايعك على هذا; لأنّ الأوّل لايصلح، أو لم يقل ذلك و
**
(1) الاستبصار 212:3، باب الصرف و وجوهه، ح 8. و انظر: وسائل الشيعة 178:18، باب 6 من أبواب الصرف، ح 1.
(2) الكافي 247:5، باب الصروف، ح 10. وسائل الشيعة 179:18، باب 6 من أبواب الصرف، ح 2.
(3) أي قايلتك.
جعل ذهباً مكان الدراهم؟ فقال عليه السلام: «إذا كان إجراء البيع على الحلال فلا بأس بذلك...».(1)
والمراد من قوله: «جعل مكان الدراهم الزيادة ديناراً أو ذهباً» أنّه جعل في مقابلها ديناراً أو ذهباً، كأنه قال: آخذ منك المئة مع دينار أو ذهب بمئة و عشرة أو بمئة و خمسة. و الخبر مطلق و لايختص بحال الضرورة.
فقوله: «ثمّ يعطيه بعدُ بدراهمه دنانير...» يدل على أنّ صاحب الدراهم و إن تقاول مع الصيرفي على الدراهم ولكن بعد ذلك أعطى مكان الدراهم دنانير، فتقع المعاملة بين الجنسين المتخالفين; أي الدنانير من ناحية المشتري و الدراهم من ناحية الصيرفي، ثمّ يبيع الصيرفي للمشتري تلك الدنانير المأخوذة منه بتلك الدراهم، فيكون المورد حيلة اُخرى تمثّلت في معاملتين إحداهما: إعطاء المشتري الدنانير و أخذ الدراهم، و ثانيتهما: إعطاء البائع الدنانير و أخذ الدراهم، ولكنّه أجنبي عن بيع الضميمة كما لايخفى.
**
(1) التهذيب 105:7، باب بيع الواحد بالاثنين و أكثر، ح 55. وسائل الشيعة 179:18، باب 6 من أبواب الصرف، ح 3.
(2) وسائل الشيعة 180:18، باب 6 من أبواب الصرف، ح 6.
(3) التهذيب 98:7، باب بيع الواحد بالاثنين و أكثر، ح 28. وسائل الشيعة 180:8، باب 6 من أبواب الصرف، ح 7.
و المقصود هو أن يجعل في مقابل الفضل في طرف آخر نحاساً أو ذهباً. و الخبر لايختصّ بحال الضرورة.
و هذه الرواية محمولة على ما إذا قصد المتبايعان الزيادة فاللازم، هو أن يجعل في مقابل الزيادة جنساً آخر من النحاس.
و لعلّ المراد من محمّد بن زياد هو محمّد بن زياد بن عيسى و هو ابن أبي عمير، أو هو محمّد بن زياد العطّار الثقة. و المراد بالوَرِق على زنة كَبِد هو الدراهم المضروبة.
**
(1) التهذيب 115:7، باب بيع الواحد بالاثنين و أكثر، ح 107. وسائل الشيعة 189:18، باب 11 من أبواب الصرف، ح 4.
(2) التهذيب 109:7، باب بيع الواحد بالاثنين و أكثر، ح 75. وسائل الشيعة 189:18، باب 11 من أبواب الصرف، ح 3.
(3) الكافي 249:5، باب الصروف، ح 22. وسائل الشيعة 190:18، باب 11 من أبواب الصرف، ح 5.
و عبدالله بن يحيى موثق بتوثيق عام; إذ المراد منه هو الكاهلي و روى عنه أحمد بن أبي نصر البزنطي، و هو أحد الثلاثة الذين لايروون إلاّ عن الثقة، ولكن في بعض النسخ عبدالله بن بحر مكان عبدالله بن يحيى، و هو ضعيف.
و الخبران الأخيران يدلاّن على صحّة المعاملة بالانضمام في الطرفين، و مقتضى الجمع بينهما و بين سائر الأخبار كصحيحة الحلبي الدالّة على جواز الضميمة في أحد الطرفين هو أنّه أحد الطرق الموجبة للفرار من الحرام... إلى غير ذلك من الروايات.
ثمّ لايخفى عليك أنّ المحكي عن غير واحد من الأصحاب هو أنّ الظاهر من الأخبار المذكورة انصراف كلّ جنس إلى مخالفه، و ذهبوا إلى أنّ مقتضاه حينئذ هو الصحّة فيما لو باع مدّ تمر و درهماً بمدّين أو بدرهمين أو بمدّين و درهمين ثمّ تلف الدرهم أو المدّ قبل قبضه، فيصحّ البيع في الأوّل بمدّ أو درهم وفي الأخير بمدّين أو درهمين; لانفساخ البيع شرعاً فيما يقابل الزيادة أو الجنس المخالف و إن لم يكن هو مقتضى المقابلة عرفاً.
و يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة عبد الرحمان الاُولى: «أفلا تجعلون فيها ذهباً لمكان زيادتها؟»; لظهوره في أنّ الذهب في مقابل الزيادة.
و يدل عليه أيضاً قوله عليه السلام في صحيحة عبد الرحمان الثالثة: «فإذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة ديناراً أو ذهباً»، بل المنساق من قوله عليه السلام في موثقة عبدالله بن سنان في شراء الذهب فيه الفضّة بالذهب: «لايصلح إلاّ بالدنانير والورِق» هو جعل الدينار في مقابل الفضّة و الفضّة في مقابل الذهب.
هذا، ولكن أورد عليه في الجواهر بأنّ «دعوى ظهور الأدلّة في الانصراف على الوجه المزبور محلّ نظر أو منع، إنّما المسلّم منها بالنسبة إلى حكم الربا; بمعنى أنّه لايتحقق و يكون كما
لو خصّت الزيادة أو الجنس المخالف في عدم جريان الربا، لاأنّ المراد جريان سائر الأحكام على ذلك حتى لو كانا مثلا لمالكين اختصّ كلّ واحد منهما بما يخالفه و إن لم يكن مقابلا لماله، و كذا بالنسبة إلى حكم الصرف; فلو بيع مثلا فضّة و نحاس بفضّة و نحاس لم يجب التقابض في المجلس; للانصراف المزبور.. إلى غير ذلك من الأحكام التي يصعب التزامها مع عدم ظهور الأدلّة فيها، بل في نصوص الصرف الآتية ما يشهد بخلافها، مضافاً إلى مخالفتها للقواعد المحكمة خصوصاً الالتزام بثمن لم يكن مقصوداً أنّه ثمن على كلّ حال، بل لعلّ المقصود خلافه».(1)
ثمّ عدل المحقّق النجفي عن كونه أمراً تعبّدياً و ذهب إلى كونه مقتضى القاعدة حيث قال: «بل ظاهر النصوص السابقة كبعض العبارات أنّ الضميمة على الوجه المزبور من الجانبين أو من جانب واحد من الحيل الشرعيّة للتخلّص من الربا جاريةٌ على مقتضى الضوابط; ليس فيها أثر للتعبّد أصلا، و إنّما نبّه الشارع عليها تنبيهاً، و إلاّ فمبناها أنّه بذلك يخرج عن صدق بيع المتجانسين متفاضلا; و ذلك لأنّ أجزاء الثمن مقابلة بأجزاء المثمن على الإشاعة، فلا تفاضل حينئذ في الجنس الواحد في عقد البيع; لانضمام جنس آخر معه. فقول الأصحاب بانصراف كل جنس إلى مخالفه أو الزيادة إليه يراد به ما ذكرنا، لاأنّ ذلك حكم شرعي تعبّدي; إذ عليه لاتكون حيلة كما هو واضح، فلا ريب حينئذ في بطلان القول بالصحّة في الفرض على هذا الوجه (أي على تقدير مقابلة أجزاء الثمن بأجزاء المثمن على الإشاعة).
و من هنا احتمل غير واحد البطلان في مفروض المسألة إذا حصل الربا بعد إسقاط ما
**
(1) جواهر الكلام 393:23.
يقابل التلف بالنسبة، كما لو باع مدّاً و درهماً بمدّين و درهمين مثلا و تلف الدرهم المفروض أنّه نصف المبيع لكون قيمة المدّ درهماً، بطل البيع في نصف الثمن و يبقى النصف الآخر، و حيث كان منزّلا على الإشاعة كان النصف في كلّ من الجنسين، فيكون نصف المدّين و نصف الدرهمين في مقابل المدّ، فيلزم الزيادة الموجبة للبطلان.
مع إمكان منع تحقق الربا لهذه الزيادة التي لم يُبنَ العقد عليها و إنّما حصلت بالتقسيط، و إلاّ لاتّجه البطلان من أوّل الأمر، مع أنّ الإمامية على خلافه، في مقابل ما حكي عن الشافعي من البطلان في كلّ ما اقتضى التقسيط فيه الزيادة.
وردّ: بأنّ المعلوم من أدلّة الربا حرمة الزيادة في نفس العقد لاما إذا كانت بمقتضى التقسيط في العقد الذي قد وقع المقابلة فيه بالمجموع، و هو بعينه جار فيما نحن فيه; ضرورة أنّ الزيادة المفروضة إنّما كانت بحسب التقسيط الذي احتيج إليه لمكان التلف، و إلاّ فالعقد لازيادة فيه، فصحّته مستصحبة».(1)
و أورد عليه السيّد المحقق اليزدي (قدس سره) بقوله بأنّ «ما قد يقال من أنّ الخروج عن الربا بضمّ الضميمة من الطرفين أو في أحدهما ليس من باب التعبّد، بل هو بمقتضى القاعدة وأنّ الشارع نبّه عليه تنبيهاً; و ذلك لأنّ المجموع في مقابل المجموع، فكأنّهما جنسان، فلا يصدق التفاضل في جنس واحد، أو لأنّ أجزاء الثمن مقابلة أجزاء المثمن على الإشاعة، فلا تفاضل في الجنس الواحد; لانضمام جزء آخر معه.
ففيه ما لايخفى; فإنّ في ضمن المجموع يلزم التفاضل في جنس واحد، مثلا إذا باع مدّاً و درهماً بمدّين و درهمين يكون في مقابل كل من الدرهم و المدّ أزيد من مقداره من جنسه، و كذا إذا باع درهماً و مدّاً بدرهمين أو بمدّين و كان المدّ بنصف درهم قيمةً فإنّ المقابل للدرهم ثلثان من الدرهمين، ولو كان المدّ بدرهمين قيمةً يكون المقابل له ثلثي المدّين.
**
(1) انظر: المصدر السابق: 393-394.
و أيضاً لزمه فيما إذا باع درهماً بدرهم و مدّين ألاّ يكون ربا، مع أنّه لايمكن الالتزام به»(1)
و لعلّ المقصود من الفرض الأخير هو بيع المدّ و الدرهم بدرهم و مدّين، فبناءً على كون المدّ بدرهمين قيمةً يكون المبيع ثلاثة دراهم قيمة، فإذا فرض أنّ الثمن هو الدرهم الواحد و المدّان اللذان بقيمة الدرهمين لزم عدم تحقق الربا في مثل هذه الحالة; لأنّ الثلاثة تقع في مقابل الثلاثة حينئذ.
و لايخفى الإشكال في قوله: «و كذا إذا باع...» و ما بعده; فإنّ المعاملة تقع بين نفس المدّ لاقيمة المدّ. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ المقصود من ذكر القيمة هو تحديد المقدار المقابل من كلّ جنس في مقابل جنس آخر.
فتحصّل من مجموع ما ذكرناه: أنّ العدول عن ظاهر النصوص في التعبّدية لاوجه له، مضافاً إلى أنّ جعل أجزاء الثمن في مقابل أجزاء المثمن لايوجب التخلّص من الربا; لما عرفت من أنّ في ضمن المجموع يلزم التفاضل في جنس واحد، كما أوضحه السيّد المحقق اليزدي (قدس سره). اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ المقصود هو مقابلة المجموع بما هو مجموع، و هو مغاير للمقابل ولو كان من جنس بعض المجموع، و لايضرّ التفاضل الضمني مع مغايرة المجموع بما هو مجموع للمقابل، فتأمّل.
نعم، لاوجه لرفع اليد عمّا ذكر في الروايات من وقوع كلّ جنس قبال مخالفه تعبّداً، ولكن هذا الأمر التعبّدي يختصّ بباب الربا و الفرار منه، و لايتعدّى منه إلى سائر الأبواب و الأحكام، فإذا كان الذهب و الفضّة في الطرفين كان اللازم هو قبضهما في المجلس; لأنّ المعاملة من معاملة الصرف.
**
(1) العروة الوثقى (الملحقات) 43:2-44.
و لايسقط وجوب التقابض بضميمة غيرهما من الأجناس و إن انصرف التعبّد إلى وقوع كلّ جنس في مقابل مخالفه; فإنّ ذلك مخصوص بباب الربا لاغير، و كذا لو كانا لمالكين لايكون لكلّ منهما ما يخالف جنسه بل على حسب الحكم العرفي.
هذا، ولكن استشكل فيه المحقق الخوانساري (قدس سره) حيث قال: «يمكن أن يقال: الظاهر أنّ نفس المعاملة مع قطع النظر عن حكم الشارع كان فراراً من الربا بنظر أهل المدينة، فاُجيبوا على ما في الخبر: «نعم الشيء الفرار...»، فكأنّهم توجّهوا إلى أنّه في غير هذا المقصد لايقدم أحد على هذه المعاملة، فإقدامه هنا يكون بقصد الفرار، فاُجيبوا بأنّه: لابأس، فهذا نظير تزويج الرئيس إحدى بناته خادمه لحصول المحرمية مع أهل بيته; حيث إنّه لولاهذه الجهة ما كان يقدم على هذا التزويج، فهذا حيلة و لابأس به، و لولاهذا لكانت المعاملة ربوية غاية الأمر حكم الشارع بأنّه لابأس من باب الاستثناء كجواز الربا بين الوالد و الولد، فهذا التخلّص نظير التخلّص بنحو آخر ذكر في المتن من بيع سلعته من صاحبه و اشتراء الاُخرى بذلك الثمن; حيث إنّه فرار من الربا بحيث لولاقصد الفرار لما أقدم عليه، لكنْ تحقَّق القصد إلى البيع و الاشتراء، و يكون مطابقاً للقواعد، و قد حصل من قِبل الشارع الإذن في الفرار من الحرام إلى الحلال.
و على هذا فيشكل ما ذكر من أنّه خلاف قصد المتعاقدين و خلاف العرف، فإذا كانا لمالكين لايكون لكلّ منهما ما يخالف جنسه، و لايخرج عن حكم الصرف من جهة أنّه على ما ذكر ما خرج عن الربا».(1)
و لايخفى عليك أنّ المستفاد من صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج أنّ أهل المدينة كانوا يقولون بالنسبة إلى ما ذكره الإمام عليه السلام من التخلّص: إنّ هذا هو الفرار و لم يتعلّق به القصد،
**
(1) جامع المدارك 260:3-261.
و لذا مثّلوا بأنّه لو جاء رجل بدينار لم يُعطَ ألف درهم، و لو جاء بألف درهم لم يُعطَ ألف دينار، و مرادهم ممّا ذكروا هو الاعتراض على الإمام عليه السلام بأنّ التخلّص المذكور فرار من حكم الله في الربا بما لايكون مقصوداً في العرف، فأجاب الإمام عن اعتراضهم بأنّ الفرار المذكور هو فرار من الحرام إلى الحلال لافرار من حكم الله، و حيث إنّ المقصد هو الفرار المطلوب فإنّه يتحقق القصد إلى المعاملة المذكورة التي توجب الخروج عن الربا، و عليه فما ذكره في جامع المدارك محلّ تأمّل بل منع.
ثمّ إنّ الضميمة تكون مؤثّرة تعبّداً في رفع الربا إذا لم تكن للغير، و أمّا إذا ظهرت مستحَقّة للغير و لم يُجِز فينكشف أنّ المعاملة من أوّل الأمر لاضميمة فيها، ومع عدم الضميمة لاوجه للتعبّد في انصراف كلّ جنس إلى مخالفه بل تقع المعاملة على مقتضى القاعدة، فتقع أجزاء الثمن مقابلة لأجزاء المثمن، و ذلك ربما يوجب الربا.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ وقوع المجموع بما هو مجموع في مقابل الثمن ولو في مرحلة الإنشاء يكفي في خروجه عن مورد الربا، فتأمّل; إذ بعد ظهور استحقاق الضميمة ينكشف عدم كون المعاملة بين المجموع بما هو مجموع مع مقابله، فلا مورد للتعبّد و لاللأخذ بالقاعدة، فإذا باع درهماً و مدّاً من تمر قيمته درهم بدرهمين و مدّين، فظهر أنّ المدّ من التمر مستحَقّ للغير، وقع نصف الدرهمين و نصف المدّين في مقابل الدرهم، و حيث إنّ نصف الدرهمين هو درهم و نصفَ المدّين هو مدّ فإنّه يقع في مقابل الدرهم درهم و مدّ، و هو زيادة; فكانت المعاملة ربوية.
و هذا بخلاف ما إذا باع درهماً و مدّاً بدرهمين مع كون قيمة المدّ مساوية للدرهم; فإنّه بعد ظهور الاستحقاق يقع في مقابل الدرهم درهم من الدرهمين، و لاربا فيه.
و لذلك قال السيّد المحقّق اليزدي (قدس سره) بأنّه: إذا ظهرت الضميمة مستحَقّة للغير و لم يُجِز، فإن كان التقسيط مستلزماً للربا كالمثال الأوّل بطل; للربا، بل يكشف عن كونه باطلا من الأوّل. وإن لم يكن التقسيط موجباً للربا كالمثال الثاني فالبيع بالنسبة إلى الدرهم صحيح; لأنّه في قبال درهم.(1)
و لو وقعت المعاملة مع الضميمة ولكن تلفت قبل القبض وكان التقسيط مستلزماً للربا; فإن قلنا بأنّ التلف يوجب الانفساخ من أوّل الأمر فالكلام فيه هو الكلام المذكور في صورة ظهور الاستحقاق للغير من بطلان المعاملة.
و إن قلنا بأن التلف يوجب الانفساخ من حين التلف كما هو الظاهر من الأدلّة; كقوله عليه السلام: «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» فالعقد وقع صحيحاً من الأوّل; لوجود الضميمة حال وقوع المعاملة، و لايضرّه حصول الزيادة بالتقسيط المبتني على القاعدة بناءً على اختصاص الانصراف التعبّدي بباب الربا كما عرفت; فإنّ المتيقّن من الأدلّة حرمة الزيادة في نفس العقد لاالمتجدّدة بعده، كما اختاره صاحب الجواهر و السيّد المحقق اليزدي في الملحقات.
ودعوى منع حصول الزيادة; لأنّ الباقي يكون في قبال ما يخالفه على ما مرّ من أنّ كلّ جنس ينصرف إلى ما يخالفه، كما مال إليه المحقق و الشهيد الثانيان على ما حكي.
مندفعة بما مرّ من أنّ الانصراف التعبّدي مخصوص بباب الربا، و لايجري بالنسبة إلى سائر الأحكام التي منها حكم التقسيط.
و عليه، فمع تلف الدرهم فيما إذا باع مدّاً و درهماً بمدّين و درهمين و تساوت قيمة المدّ مع الدرهم يستحقّ البائع نصف كلّ من الدرهمين و المدّين و هو درهم و مدّ - في مقابل مدّه;
**
(1) انظر: العروة الوثقى (الملحقات) 44:2.
لأنّه مقتضى القاعدة من وقوع أجزاء الثمن في مقابل أجزاء المثمن على الإشاعة بحسب قيمتها، و حيث يكون المدّ مساوياً للدرهم في القيمة فإنّه يقع في مقابل كلّ من المدّ و الدرهم نصف المدّين و نصف الدرهمين، فمع تلف الدرهم يقع في مقابل المدّ نصف المدّين و هو مدّ و نصف الدرهمين و هو درهم، و يضمن في مقابل الدرهم نصف المدّين و هو مدّ و نصف الدرهمين و هو درهم.
و ممّا ذكر يظهر أنّه لاملزم على اعتبار التقسيط على وجه لايستلزم الربا صيانة للعقد من الفساد مهما أمكن; بأن يجعل فيما إذا باع مدّاً و درهماً بمدّين و درهمين و تلف الدرهم نصف الدرهم التالف في مقابل مثله من الثمن، و نصفه الآخر في مقابل مدّ و نصف من المدّين اللذين في الثمن، فيكون نصف المدّ في المبيع في مقابل نصف المدّ و النصف الآخر في مقابل درهم و نصف من الدرهم في الثمن، و حينئذ فيكون المدّ في مقابل ما يساوي درهمين من الجنس معاً; إذ نصف المدّ و درهم و نصف منه في الثمن جمعاً يساوي درهمين و لايلزم منه الربا.
و ذلك لما عرفت من أنّ المتيقّن من الأدلّة هو حرمة الزيادة في نفس العقد لاالمتجدّدة بعده، و المفروض أنّ العقد وقع صحيحاً من الأوّل; لأنّ كلّ جنس ينصرف إلى مخالفه تعبّداً، و الزيادة المتجدّدة غير مضرّة بالنسبة إلى صحّة المعاملة، و التقسيط يلاحظ بحسب القاعدة من وقوع أجزاء الثمن مقابل أجزاء المثمن.
هذا، مضافاً إلى ما أفاده في الملحقات من أنّ التقسيط المذكور خلاف قصد المتعاقدين و خلاف مقتضى المقابلة، و المشتري يستحقّ بعد تلف الدرهم نصف كلّ من الدرهمين و المدّين و هو درهم و مدّ، فلا وجه لإلزامه بأخذ نصف مدّ و درهم و نصف، و إذا كانا سواء بحسب القيمة فيحتاج إلى تراضيهما على ذلك أو على أحد الوجوه الاُخر، بل فلا يتمّ مع عدم رضاهما، و لاوجه لاحتمال الرجوع إلى القرعة أو تخيير الحاكم أو البائع أو المشتري، بل مع التراضي أيضاً مشكل و محتاج إلى معاملة جديدة.(1)
**
(1) انظر: المصدر السابق: 45.
و الوجه في اعتبار التراضي واضح; لأنّ غير ما تقتضيه القاعدة على الانفساخ محتاج إلى التراضي، بل يحتاج إلى معاملة جديدة; إذ الانتقال لايتحقق بدون المعاملة، فإذا عرفت مقتضى القاعدة فليست ثمّة مشكلة حتى يحتاج في رفعها إلى قاعدة القرعة، كما لاوجه لتخيير الحاكم أو البائع أو المشتري، فتدبّر جيداً.
و حينئذ يسقط اعتبار المساواة; ضرورة عدم بيع كلّ منهما بالآخر حتى يشترط ذلك تخلّصاً من الربا، فلو باع مثلا وزنة من الحنطة بعشرة دراهم ثمّ اشترى وزنتين بذلك صحّ، كما ذهب إليه في الجواهر(1) و هذا هو المشهور.
و يدلّ عليه مضافاً إلى العمومات المجوّزة روايات، منها:
و في قبالها عدّة روايات، منها:
**
(1) جواهر الكلام 396:23.
(2) وسائل الشيعة 180:18، باب 6 من أبواب الصرف، ح 6.
أجل مسمّى، فلما حلّ الأجل أخذته بدراهمي، فقال: ليس عندي دراهم، ولكن عندي طعام فاشترِهِ منّي؟ قال: «لاتشترِهِ منه; فإنّه لاخير فيه».(1)
إلاّ أنّها ضعيفة، يضاف إلى ذلك أنّ التعليل بالمنع بأنّه «لاخير فيه» من أمارات الكراهة، هذا مع غض النظر عن تنكير الطعام; فإنّه يمكن أن يكون من نوع آخر، فتأمّل.
وفيه:
أوّلا: أنّه من أدلّة الجواز; لظهور قوله: «خذ منه بسعر يومه» في الجواز; ولذا عبّر الراوي عن المنع المذكور بعده بالتشديد.
وثانياً: من المحتمل أن يكون قول الإمام عليه السلام في ذيل الرواية إرشادياً; لأنّه رأى السائل لم يقنع بالجواب السابق.
وثالثاً: أنّه لو سلّمت دلالته على الحرمة فيمكن الجمع بينهما بالحمل على الكراهة.
و لعلّه لتلك الاُمور حكى الشيخ(3) الأعظم عن بعض ردّها بعدم الدلالة بوجه من الوجوه.
**
(1) المصدر السابق: 312، باب 12 من أبواب السلف، ح 3.
(2) المصدر السابق: ح 5.
(3) المكاسب المحرمة: 307، ط - تبريز.
طعاماً أو علفاً إلى أجل فلم يجد صاحبه و ليس شرطه إلاّ الورق; فإن قال: خذ منّي بسعر اليوم ورقاً فلا يأخذ إلاّ شرطه طعامه أو علفه، فإن لم يجد شرطه و أخذ ورقاً لامحالة قبل أن يأخذ شرطه فلا يأخذ إلاّ رأس ماله; لاتَظلمون و لاتُظلمون»(1)، بناءً على ظهور قوله: «خذ منّي بسعر اليوم ورقاً» في المعاملة لاالرجوع و الفسخ; و إلاّ فهو أجنبي عن المقام.
و صحيحته الاُخرى عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أعطى رجلا ورقاً في وصيف إلى أجل مسمّى، فقال له صاحبه: لانجد لك و صيفاً; خذ منّي قيمة و صيفك اليوم ورقاً قال: فقال: لايأخذ إلاّ وصيفه أو ورقه الذي أعطاه أوّل مرّة، لايزداد عليه شيئاً»(2)، بناء على ظهور قوله: «خذ منّي قيمة وصيفك اليوم ورقاً» في المعاملة و البيع لاالفسخ و الرجوع، و إلاّ فقد عرفت أنّه لايرتبط بالمقام.
و صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سئل عن الرجل يسلم في الغنم ثنيان و جذعان و غير ذلك إلى أجل مسمّى؟ قال: «لابأس إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه أن يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثلثيها و يأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم و يأخذون دون شروطهم و لايأخذون فوق شرطهم، و الأكسية أيضاً مثل الحنطة و الشعير و الزعفران و الغنم».(3)
إلى غير ذلك من الأخبار.
و يحتمل فيها أنّ المراد هو الفسخ بمقدار لم يقدر على تحويله، ولو تمّت دلالة هذه الأخبار أمكن حملها على الكراهة; جمعاً بينها و بين ما تقدّم من نفي البأس في مفروض المسألة كما ذهب إليه المشهور.
**
(1) التهذيب 32:7، باب بيع المضمون، ح 22. وسائل الشيعة 309:18، باب 11 من أبواب السلف، ح 15.
(2) وسائل الشيعة 307:18، باب 11 من أبواب السلف، ح 9.
(3) المصدر السابق: 303.
ولكن ذهب الشيخ الطوسي (قدس سره) إلى المنع، و استدل له بما رواه في التهذيب عن محمّد بن يحيى، عن بنان بن محمّد، عن موسى بن القاسم، عن علي بن جعفر قال: سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة، أيأخذ بقيمته دراهم؟ قال: «إذا قوّمه دراهم فسد; لأنّ الأصل الذي يشتري به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم».
قال الشيخ الطوسي في ذيل الرواية: «الذي اُفتي به ما تضمّنه هذا الخبر; من أنّه إذا كان الذي أسلف فيه دراهم لم يجز له أن يبيع عليه بدراهم; لأنّه يكون قد باع دراهم بدراهم، و ربما كان فيه زيادة أو نقصان و ذلك ربا».(1)
قال الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره): «الظاهر أنّ الشيخ (قدس سره) جرى في ذلك على قاعدة كلّية تظهر من بعض الأخبار (أي خبر علي بن جعفر) من أنّ عوض الشيء الربوي لايجوز أن يعوّض بذلك الشيء بزيادة، و أنّ عوض العوض بمنزلة العوض; فإذا اشترى طعاماً بدراهم لايجوز أن يأخذ بدل الطعام دراهم بزيادة، و كذلك إذا باع طعاماً بدراهم لايجوز له أن يأخذ عوض الدراهم طعاماً، و عوّل في ذلك على التعليل المصرّح به في رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام المعتضد ببعض الأخبار المانعة عن بعض أفراد هذه القاعدة هنا (في النسيئة) و في باب السلم - إلى أن قال: فمدار فتوى الشيخ (قدس سره) على ما عرفت من ظهور بعض الأخبار، بل صراحته فيه من أنّ عوض العوض في حكم العوض في عدم جواز التفاضل مع اتّحاد الجنس الربوي، فلا فرق بين اشتراء نفس ما باعه منه و بين اشتراء مجانسه منه، و لافرق أيضاً بين اشترائه قبل حلول الأجل أو بعده كما أطلقه في الحدائق إلى أن قال: و ظهر أيضاً ممّا ذكرنا أنّ الحكم مختصّ في كلام الشيخ بالجنس الربوي لامطلق المشاع و لاخصوص الطعام».(2)
**
(1) التهذيب 30:7، باب بيع المضمون، ح 17.
(2) المكاسب المحرمة: 308.
و كيف كان فيمكن الجواب عمّا ذكره الشيخ (قدس سره):
أمّا خبر علي بن جعفر فيجاب عنه بما ذكره السيّد المحقق اليزدي (قدس سره) من «أنّ الخبر المذكور ضعيف و مُعرَض عنه، مع أنّ الخبر المذكور ظاهر في المنع ولو من غير زيادة. هذا مضافاً إلى عدول الشيخ عن هذه الفتوى في بعض كتبه، و عليه فلا دليل على قاعدة كون عوض العوض بمنزلة العوض».(1)
و أمّا الجواب عن الأخبار العاضدة لخبر علي بن جعفر فبما عرفت من أنّها على تقدير تماميّتها معارضة بجملة من الأخبار الدالّة على الجواز، فتحمل على الكراهة، منها:
وفيه: أنّه مطلق، و يمكن حمله على ما إذا لم يكن مع الزيادة، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ المتعارف هو مع الزيادة.
ثمّ المستفاد من قوله: «فخذ منّي ثمنه» كون المعاملة جديدة، و حمل قوله: «انظر ما قيمته» على السعر الذي أخذت منّي لاالمعاملة الجديدة كما في التهذيب(3) - لاينسجم مع قوله: «انظر ما قيمته فخذ منّي ثمنه»; فإنّه ظاهر في كونه معاملة جديدة، و حمله على القيمة التي كانت عليه حين المعاملة خلاف الظاهر. ولكنه مرسل.
**
(1) انظر: العروة الوثقى (الملحقات) 49:2-50.
(2) وسائل الشيعة 305:18، باب 11 من أبواب السلف، ح 5.
(3) انظر: التهذيب 31:7، باب بيع المضمون، ذيل ح 17.
بلغ ذلك الأجل تقاضاه، فقال: ليس عندي دراهم; خذ منّي طعاماً؟ قال: «لابأس; إنّما له دراهمه يأخذ بها ما شاء».(1)
و فيه أيضاً أنّه مطلق، و يمكن حمله على ما إذا لم يكن مع الزيادة، غير أنّ ظاهر قوله: «إنّما له دراهمه يأخذ بها ما شاء» كون المعاملة جديدة، فلا مجال للاحتمال المذكور في الرواية السابقة، كما ذهب إليه الشيخ في التهذيب.
و أبعد من ذلك حمل الخبرين على أنّه يجوز له أن يأخذ الدراهم بقيمته في الحال إذا كان قد أعطاه في وقت السلف غير الدراهم; إذ لايؤدي ذلك إلى الربا لاختلاف الجنسين، و خاصة الخبر الأوّل; لأنّه ليس فيه أكثر من أنّه يجوز له أن يأخذ الثمن، و ليس فيه أن يأخذ الثمن من جنس ما أعطاه أو من جنس آخر(2)، و ذلك واضح; لأنّه لاشاهد له.
و ظاهرها أنّ المعاملة الجديدة وقعت مع الزيادة.
و لايخفى عليك أنّ هذه الروايات تكون صريحة في الجواز مع أنّها من مصاديق القاعدة المزبورة; أعني «عوض العوض بمنزلة العوض»، و عليه فالأخبار المانعة محمولة بقرينة هذه الأخبار على الكراهة، و لعله لذلك ذهب الشيخ الأعظم (قدس سره) إلى مختار المشهور المذكور في صدر المسألة حيث قال: «الأقوى هو المشهور».(4)
**
(1) وسائل الشيعة 307:18، باب 11 من أبواب السلف، ح 10.
(2) التهذيب 31:7، باب بيع المضمون، ذيل ح 17.
(3) وسائل الشيعة 180:18، باب 6 من أبواب الصرف، ح 6.
(4) المكاسب المحرمة: 307.
ثمّ إنّه لافرق فيما ذكر بين أن يشترط البيع الثاني في البيع الأوّل، و بين ألاّ يشترط; و ذلك لما في الجواهر من وجود المقتضي و عدم دليل على المنع. نعم حكى وجوهاً عن بعض للمانعية ولكنّها لم تكن تامّة، و الاستناد إلى حديث الحسين بن المنذر محلّ منع; لضعف الرواية.(1)
ولكن المشهور ذهبوا إلى الفرق، و لعلّهم اكتفوا في ذلك بروايات العينة، فتأمّل.
الأمر الثالث أن يهب كلّ من المتبايعين جنسه للآخر، لكن من غير قصد المعاوضة بين الهبتين و اشتراط الهبة في الهبة، و إلاّ فتشمله عمومات الربا بناءً على عدم اختصاصها بالبيع و شمولها لسائر المعاوضات.
الأمر الرابع أن يقرض كلّ منهما صاحبه ثمّ يتبارئا مع عدم الشرط; إذ مع الشرط تشمله أدلّة حرمة الربا القرضي; كما ورد في رواية خالد بن الحجاج قال: سألته عن الرجل كانت لي عليه مئة درهم عدداً قضانيها مئة وزناً؟ قال: «لابأس ما لم يشترط». قال: و قال: «جاء الربا من قبل الشروط; إنّما يفسده الشروط».(2) و غيرها من الأخبار.
الأمر الخامس أن يتبايعا بقصد كون المثل بالمثل و كون الزائد هبة في صورة وقوع معاملتين إحداهما البيع و ثانيتهما هي الهبة، إذ لازيادة حينئذ في بيع المتجانسين.
نعم، لو اشترط في البيع هبة الزائد كان القول بالحرمة متّجهاً; ضرورة حصول الزيادة العينية باشتراط هبة الزيادة; لما ذهب إليه المشهور من تحقّق الربا باشتراط الزيادة العينية، و لذا قيّد المحقّق في الشرائع صحّة التخلّص في المقام بعدم الشرط في العقد.
**
(1) راجع: جواهر الكلام 396:23. المكاسب للشيخ الأنصاري: 308.
(2) وسائل الشيعة 190:18، باب 12 من أبواب الصرف، ح 1.
نعم، لو قلنا بأنّ الشرط التزام في ضمن الالتزام و لاتصدق به زيادة في العوضين، أمكن القول بالجواز في صورة الاشتراط أيضاً، ولكنّه محلّ تأمّل.
الأمر السادس أن يتصالح صاحب مقدار الزيادة مع الآخر و يشترط عليه أن يبيعه كذا بكذا مثلا بمثل، هذا في البيع، و في القرض أن يتصالح المقترض مع المقرض قبل القرض على المقدار الذي يريد أن يأخذه منه بعوض جزئي أو بلا عوض، و يشترط في ضمن هذه المصالحة أن يقرضه مبلغ كذا و يصبر عليه إلى كذا مدّة.
و إذا كان الدين سابقاً و حلّ أجله و يريد أن يؤجّله إلى مدّة يجوز أن يصالحه بمقدار و يشترط عليه أن يؤجّله إلى تلك المدة(1); و ذلك لأنّه مركّب من الصلح على الزيادة و البيع، أو الصلح و اشتراط الإذن في تأخير أداء ما عليه، و لايكون نفس البيع أو القرض مشتملا على الزيادة حتّى يستلزم الربا.
و يكون من هذا الباب ما يكون رائجاً في زماننا هذا من الإجارة مع اشتراط القرض في ضمن عقد الإجارة; إذ لازيادة في نفس القرض، بخلاف ما إذا عكس الأمر بأن أقرض المستأجر مبلغاً لشخص لكي يؤجره الدار أو الدكان; فإنّ القرض حينئذ يشترط فيه نفع، فتشمله الأدلّة الناهية عن الاشتراط في القرض.
واُورد عليه: بأنّ شرط القرض في ضمن عقد الصلح أو في ضمن عقد الإجارة لايخلو من إشكال.
ووجه الإشكال: أنّ الوفاء بالشرط يوجب لزوم عقد الإجارة، و هو نفع عائد
**
(1) العروة الوثقى (الملحقات) 50:2.
للمقرض، فيصير القرض بذلك ممّا يجرّ النفع، فتشمله الأدلّة الدالّة على حرمة القرض الذي يجرّ نفعاً.
ويمكن الجواب عنه: بأنّ الممنوع هو شرط الزيادة و النفع، و في المقام لايشترط النفع و الزيادة لمن أعطى القرض، بل يترتّب عليه لزوم المعاملة بالوفاء بالشرط.
هذا، مضافاً إلى إمكان منع شمول الأدلّة الدالّة على المنع عن الشروط في القرض لمثل ذلك، و لاأقلّ من الشك، فيرجع إلى عموم أدلّة الجواز.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: يصدق القرض الذي يجرّ نفعاً على القرض المذكور بالنسبة إلى المقرض، فيكون مشمولا للأدلّة الناهية عن القرض الموجب للنفع و إن لم يشترط في القرض النفع، ولكن الإنصاف أنّه محلّ تأمّل بل منع; لعدم ثبوت الحرمة إلاّ فيما إذا صدق الشرط، و مجرّد انجرار النفع من دون اشتراط لادليل على حرمته، فتدبّر جيّداً.
قال شيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره): «وقد أصرّ الاُستاذ في إدراجه بحسب الشرط المذكور في الأخبار ببيان: أنّ الشرط ليس المراد به معناه المتعارف الآن في الألسنة، بل المراد في عرفهم مطلق الالتزام و التعهّد ولو لم يكن بلفظ الشرط بل كان بلفظ البيع، و حينئذ نقول في القرض جاء التزام المقترض بدفع الزيادة من قبل أمرين:
أحدهما: البيع (أو الإجارة) والثاني: عمل المقرض بشرطه من الإقراض; فإنّه لو لم يفِ به لم يكن المقترض ملتزماً; لتمكّنه من الفسخ بخيار تخلّف الشرط، لكن بعد الوفاء يبقى بلا اختيار و ملزماً بدفع الزيادة، فيصدق على هذه الزيادة أنّها زيادة اُعطيت بواسطة منشئيّة القرض لها في حال كونها ملتزماً بها لامحيص للفرار عنها.
وإن شئت قلت: الزيادة المشترطة في عقد القرض نفسه زيادةٌ أوجبها القرض بواسطة حكم الشارع: (المؤمنون عند شروطهم)، و الزيادة المشترطة على هذا الوجه زيادة أوجبها القرض أيضاً بواسطة حكم الشارع: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .
هذا محصّل ما ذكره، ولي فيه نظر; إذ غاية ما يستفاد من الأخبار أنّ الزيادة التي تدفع بعنوان الخروج عن عهدة القرض و ما يتعلّق به من الشرط المشترط في ضمنه محرّمة، و الزيادة هنا ليست كذلك; لأنّها بعنوان الوفاء بعقد البيع (أو الإجارة) و لامساس له بالقرض و ما يتعلّق به; فإنّ القرض من متعلّقات البيع (أو الإجارة) فالوفاء به وفاء بالبيع (أو الإجارة) لاالعكس.
هذا، لكن قد يستأنس لما ذكره بذيل خبر محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن حديد، عن محمّد بن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: إنّ سلسبيل (سلسيل) طلبت منّي مئة ألف درهم على أن تربحني عشرة آلاف، فاُقرضها تسعين ألفاً و أبيعها ثوباً و شيّاً تقوّم عليَّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم؟ قال: «لابأس». قال الكليني: و في رواية اُخرى: «لابأس به، أعطها مئة ألف و بعها الثوب بعشرة آلاف، و اكتب عليها كتابين»(1) و هو قوله: «واكتب عليها كتابين»، فتأمّل».(2)
و وجه الاستئناس هو التعبير بالكتابين; فإنّه مشعر بأنّ الجواز فيما إذا كانت المعاملتان منفصلتين و لاارتباط بينهما، فلا يجوز اشتراط إحداهما في الاُخرى.
ولكن الخبر ضعيف; لعدم توثيق علي بن حديد. هذا مضافاً إلى كون الرواية الاُخرى التي أشار إليها الكليني مرسلة، على أنّها معارضة بسائر الروايات.
و كيف كان، فيدلّ على صحّة هذه المعاملات المذكورة مضافاً إلى عمومات أدلّة نفوذ المعاملات أخبار متعددة، منها:
**
(1) الكافي 205:5، باب العينة، ح 9.
(2) المكاسب المحرمة: 16-17.
دراهم، فيقول لي: أخّرني بها و أنا اُربحك، فأبيعه جبّة تقوّم عليّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم أو قال: بعشرين ألفاً و اُؤخّره بالمال؟ قال: «لابأس».(1)
و ظاهرها اشتراط التأخير في أداء المال في البيع المذكور; لظهور الواو في قوله: «واُؤخّره» في الحاليّة.
وظاهر قوله: «على أن اُؤخّرك» هو الاشتراط، و الطريق ضعيف; لاشتراك عبد الملك بين الصيرفي الثقة و اللهبي غير الثقة، هذا مضافاً إلى اعتضاد كونه اللهبي برواية علي بن الحكم عنه; فإنّه يروي عن عبد الملك اللهبي.
ربّما يقال: إنّ الخبر ضعيف لعدم توثيق مسعدة بن صدقة، و لكن المحكي عن السيّد
**
(1) الكافي 205:5، باب العينة، ح 11.
(2) المصدر السابق: ح 12. وسائل الشيعة 55:18، باب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 4.
(3) الكافي 316:5، ح 49.
المحقق البروجردي (قدس سره) أنّه متّحد مع مسعدة بن زياد، و هو ثقة، و استدلّ له بوحدة مضمون عشر روايات مروية عن كليهما بحيث إنّ من تأمّل فيها يعلم باتّحادهما.
و يؤيّد الاتحاد أنّ المرويّ في الكافي هكذا: «عن مسعدة بن صدقة عن زياد»، فإنّ الصحيح هو مسعدة بن صدقة بن زياد، فوقع السهو و جعل كلمة «عن» مكان كلمة «بن»، و هو قرينة على أنّ زياداً جدّه و حذف الأب و أسند الحفيد إلى الجدّ كما هو شائع، فتأمّل.
و الخبر ضعيف; لجهالة محمّد بن سليمان الديلمي، و لكونه مرسلا.
فالمستفاد من مجموع هذه الروايات أنّ المصالحة على الزيادة أو بيعها أو الإجارة
**
(1) وسائل الشيعة 56:18، باب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 7.
(2) المصدر السابق: 195، باب 13 من أبواب الصرف، ح 1.
المحاباتية فيها بحيث لاتقع الزيادة في بيع المتماثل أو القرض توجب التخلّص من الربا، فتدبّر جيّداً.
و ممّا ذكر يظهر أيضاً حكم البيع المحاباتي مع اشتراط الإمهال في مدّة القرض أو مع اشتراط القرض في ضمن البيع المحاباتي، ولكن استشكل فيه الحاج الشيخ المحقق الحائري (قدس سره) حيث قال: «هذا داخل في عنوان القرض الذي جرّ النفع بتوسّط الاشتراط; إذ كما أنّ الاشتراط في ضمن القرض يوجب صدق العنوان المذكور كذلك في ضمن عقد آخر، فيقال: فعل القرض الخارجي بواسطة الاشتراط في ضمن ذلك البيع المحاباتي مع نفس ذلك البيع أوجبا نفعاً للمقرض و هو حصول ملكية عشرة توامين، غاية الأمر أصل الملك معلول للبيع، و لزومه و عدم انفكاكه بالقرض الخارجي، و هو شيء أتى من قبل الشرط، فإنّ الشرط و إن يتعلّق بمفاده بهذا المعنى إلاّ أنّ لازمه العرفي حصول هذه الخاصية للقرض. فيصحّ أنّ الالتزام الواقع بين الشخصين أعطى هذه الخاصّية للقرض، و دعوى انصراف الأدلّة العامّة في باب الربا القرضي إلى صورة الاشتراط في ضمن نفس القرض دون خارجه أو إلى ما إذا كان الالتزام بمفاده الابتدائي متعلّقاً بالنفع دون لازمه العرفي، كما ترى، و لاأقلّ من أن يكون احتمالا موجباً للإشكال و عدم الجزم بالصحّة، كما هو المشهور».(1)
و جوابه واضح ممّا تقدّم; من أنّ الشرط اللبّي خارج عن مدلول الروايات، و صدق جرّ النفع من دون اشتراط لايجدي في الحرمة.
ثمّ إنّه لو شكّ في الانصراف و عدمه فمقتضى عمومات النفوذ هو الحكم بالصحّة جزماً;
**
(1) كتاب البيع لشيخنا الاُستاذ الأراكي (قدس سره) 356:2.
لأنّ أدلّة حرمة الربا بالنسبة إلى العمومات المذكورة كالخاص بالنسبة إلى العام، فكما أنّه مع إجمال الخاصّ يرجع إلى العام فكذلك في المقام، فلا تغفل.
الأمر السابع أن يبيع البائع شيئاً أزيد من قيمته نسيئة، ثمّ يبيعه المشتري من البائع أو غيره بأقلّ من قيمته نقداً.
و هو من موارد العينة التي يؤتى بها للفرار من الربا، و قد دلّت جملة من الروايات على صحّته و جوازه، من قبيل:
و تدلّ الصحيحة على عينتين، فيكون حيلة في الواقع للفرار من الربا.
صحيحة صفوان الجمّال المروية في الفقيه(2) عن الصادق عليه السلام، فقال نحو ما ورد في صحيحة هارون بن خارجة.
معتبرة أبي بصير ليث المرادي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سأله رجل زميل لعمر بن حنظلة عن رجل تعيّن عينة إلى أجل، فإذا جاء الأجل تقاضاه، فيقول: لاوالله ما عندي، ولكن عيّنّي أيضاً حتى أقضيك؟ قال: «لابأس ببيعه».(3)
روى في الوسائل عن علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: و سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم إلى أجل، ثمّ اشتراه بخمسة بنقد؟ قال: «إذا لم يشترط و رضيا فلا بأس». و رواه عبدالله بن جعفر في قرب الإسناد عن عبدالله بن الحسن عن جدّه علي بن جعفر، إلاّ أنّه ليس فيه «إلى أجل».(4)
**
(1) وسائل الشيعة 44:18، باب 6 من أبواب أحكام العقود، ح 4.
(2) من لايحضره الفقيه 183:3، باب المبايعة والعينة، ح 4.
(3) وسائل الشيعة 44:18، باب 6 من أبواب أحكام العقود، ح 5.
(4) المصدر السابق: 45، ح 6.
لدلالة منطوقه على جواز العينة مع أنّه من مصاديق الفرار من الوقوع في الربا، نعم يدلّ بمفهومه على عدم الجواز، ولكنّه يحمل على الكراهة جمعاً بينه و بين ما يدلّ على الجواز، أو يحمل على صورة فقدان قصد الجدّ بسبب اشتراط الاشتراء في البيع الأوّل.(1)
هذا، مضافاً إلى ضعف الطريق في الثاني، و عدم ثبوت كتاب الجعفريات عندنا.(2)
الأمر الثامن أن يقرضه قرضاً حسناً ثمّ يشتري المقترض به متاعاً فيبيعه من المقرض بأقلّ من قيمته السوقية.
و يدلّ عليه مضافاً إلى العمومات ما رواه الشيخ في تهذيبه بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن معمّر الزيّات قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: الرجل يجيؤني فيقول: أقرضني دنانير حتى أشتري بها زيتاً و أبيعك؟ قال: «لابأس»(3)، بناءً على دلالة قوله: «حتى...» على أنّ الداعي من الاقتراض هو البيع من المقرض بأقلّ من قيمته لاالاشتراط.
ولكنه محلّ نظر; لأنّ إيجاد الداعي لاينحصر في المذكور، بل يكفي له أن يعده المقترض أن يبيعه زيته المشترى بقيمته السوقية العادلة، فيكون ذلك المقرض الزيّات على اطمئنان بأنّ الزيت الذي يحتاج إليه في دكّته يحصل عنده بواسطة هذا المقترض.(4)
و عليه فلا يكون الخبر مرتبطاً بالمقام كما لايخفى.
هذا، مضافاً إلى ضعف السند بجهالة معمر الزيّات. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ صفوان من أصحاب الإجماع، فالرواية مصححة، ولكن دلالة الرواية غير واضحة.
**
(1) المكاسب المحرمة، الأنصاري: 308.
(2) مباني تكملة المنهاج 226:1.
(3) وسائل الشيعة 45:18، باب 6 من أبواب أحكام العقود، ح 7.
(4) رسالة في حكم الربا (مطبوعة ضمن مقالات مؤتمر المحقق الأردبيلي)، آية الله المؤمن 588:1.
الأمر التاسع أن يبيع داره من الغير بقيمة أقلّ مع اشتراط البائع مع المشتري الخيار: إن جاء بثمنها إلى سنة و نحوها ردّها عليه، فأعطى البائع إجارة الدار للمشتري ما دام متصرّفاً في الدار و لم يؤدِّ ثمنها.
فهذه المعاملة من الحيل، و يدلّ على جوازها مضافاً إلى عمومات نفوذ المعاملات - بعض الأخبار، مثل:
بدعوى أنّ ذلك حيلة للفرار من الربا; فإنّ بائع الدار أخذ ثمنها من المشتري و أعطى للمشتري غلّة الدار أو إجارتها، فلو لم يقع بينهما هذا البيع و أخذ البائع من المشتري شيئاً من الدراهم و الدنانير بشرط إعطاء شيء من الغلّة أو غيرها كان ربا محرّماً.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الرواية في مقام بيان أصل تجويز البيع المذكور و أنّ نماءها للمشتري، و لانظر لها بالنسبة إلى الربا. نعم تكفي العمومات للدلالة على جواز هذه الحيلة كما لايخفى.
**
(1) وسائل الشيعة 19:18، باب 8 من أبواب الخيار، ح 1.
الذي فيه الفضل الذي أخذ منّا شراءً (بأنّه) قد باع و قبض الثمن منه، فنعده إن هو جاء بالمال إلى وقت بيننا و بينه أن نردّ عليه الشراء، فإن جاء الوقت و لم يأتنا بالدراهم فهو لنا، فما ترى في الشراء؟ فقال: «أرى أنّه لك إن لم يفعل، و إن جاء بالمال للوقت فردّ عليه».(1)
بدعوى أنّ المراد من قوله: «نربح عليهم للعشرة اثني عشر...» هو إعطاء القرض مع ربح، فسأل عن الحيلة بأن يشتري من المقترض داره و يربح المقترض بعد بيع داره بإعطاء اُجرة الدار مع الخيار بإتيان العوض في الموعد المقرّر.
وفيه: أنّه خلاف ظاهر الرواية; إذ المقصود من قوله: «نربح» بقرينة قوله: «فنبيعهم» هو الربح الحاصل من البيع بالمرابحة، و حيث كان المشتري من أهل السواد و لااعتبار بذمّته فإنّ البائع أخذ عليه الوثيقة على المال الذي فيه الفضل و الربح، و من المعلوم أنّ الرواية ليست بصدد تعليم الحيلة لأخذ الربا. و المراد من قوله: «ونؤخّر» أو «نوجب» أنّ البيع نسيئة و الثمن ليس بنقد; و إلاّ فلا حاجة إلى أخذ الوثيقة بالكيفية المذكورة. و احتمال أن يكون المقصود من قوله: «نؤخر» أنّ البيع كان بنقد ولكن توافقا على التأخير و أخذ الربح على التأخير بصورة البيع بالشرط و أخذ الاُجرة من المشتري بعنوان اُجرة الدار أو الأرض، بعيد جدّاً، فتدبّر جيّداً.
و كيف كان فهذه عمدة الحيل المذكورة في الروايات، و قد أفتى الأصحاب بجوازها، و تتبّع آية الله المؤمن أقوالهم، نشير فيما يلي إلى بعضها باقتضاب، قال:
«وقد صرّح بذلك السيّد المرتضى (المتوفى 436) في الناصريات في باب البيع بالضميمة، مسألة 178.
و الشيخ الطوسي (المتوفى 460) في باب الصرف من النهاية ونكتها 126127:2، و في
**
(1) المصدر السابق: 18، باب 7 من أبواب الخيار، ح 1.
الخلاف 6162:3 مسألة 98، و في المبسوط 2: ظظظ 92.
و ابن إدريس (المتوفى 598) في السرائر 2: ظظظ 271 و 267.
و القاضي ابن البرّاج (المتوفى 481) في باب الربا من المهذب 1: ظظظ 365.
و ابن حمزة (المتوفى 570) في الوسيلة ضمن الجوامع الفقهية: 706.
و ابن زهرة (المتوفى 585) في الغنية ضمن الجوامع الفقهية: 588.
و المحقق الحلّي (المتوفى 676) في الشرائع.
و العلاّمة الحلّي (قدس سره) (المتوفى 726) في القواعد و الإرشاد و التذكرة.
و الشهيد الأوّل (المتوفى 786) في الدروس 3: ظظظ 298.
و الشهيد الثاني (المتوفى 965) في المسالك.
و السيّد علي الطباطبائي في الرياض حيث قال: بلا خلاف بين الطائفة، بل عليه الإجماع في الخلاف و الغنية و المسالك و التذكرة و غيرها من كتب الجماعة، و هو الحجة، مضافاً إلى الأصل و العمومات.
و الشيخ محمّد حسن في الجواهر 23: ظظظ 391 و 396.
و الشيخ الأعظم في صراط النجاة الطبعة الجديدة: 292.
و غير ذلك من الكلمات ثمّ قال المتتبع المذكور: فالحاصل أنّ الفتوى بالجواز في التخلّص بهذه الحيل متفق عليها بين الأصحاب إلى زماننا هذا».(1)
إلاّ أنّ سيدنا الاُستاذ الإمام الراحل (قدس سره) (المتوفى 1409 ه) خالف في ذلك و قال: «ذكروا للتخلّص من الربا وجوهاً مذكورة في الكتب، و قد جدّدت النظر في المسألة فوجدت أنّ التخلّص من الربا غير جائز بوجه من الوجوه، و الجائز هو التخلّص من المماثلة مع
**
(1) راجع رسالته القيّمة المطبوعة ضمن مقالات مؤتمر المحقق الأردبيلي 529:1-546.
التفاضل; كبيع منّ من الحنطة المساوي في القيمة لمنّين من الشعير أو الحنطة الرديئة، فلو اُريد التخلّص من مبايعة المتماثلين بالتفاضل يضمّ إلى الناقص شيء فراراً من الحرام إلى الحلال، و ليس هذا تخلّصاً من الربا حقيقة، و أمّا التخلّص منه فغير جائز بوجه من وجوه الحيل».(1)
ذكرنا سابقاً الوجوه المحلّلة للحيل الربوية، و فيما يلي نتعرض للوجوه المحرِّمة لها:
فمنها ما حكاه في الجواهر من عدم القصد بالنسبة إلى هذه الاُمور أوّلا و بالذات، مع أنّ المعلوم هو تبعية العقود للقصود.(2)
ويؤيّده ما في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبدالله عليه السلام قال: كان محمّد بن المنكدر يقول لأبي: يا أبا جعفر، رحمك الله! و الله إنّا لنعلم (إنّك لتعلم) أنّك لو أخذت ديناراً و الصرف بثمانية عشر (بتسعة عشر) فدرت المدينة (بالمدينة كلّها) على أن تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، و ما هذا إلاّ فراراً (فرار) و كان أبي يقول: صدقت و الله! ولكنّه فرار من باطل إلى حقّ».(3)
بدعوى أنّ المعترض أراد أن يقول: إنّ هذه المعاملة لاتقع عن جدّ، و ليست هي في الحقيقة معاملة; لعدم إقدام الناس عليها، بل هو مصداق للفرار من الحكم الإلهي بتلاعب العناوين و تغييرها من دون قصد وجدّ.
ويمكن الجواب عنه:
أوّلا: بأنّ اللازم هو القصد و لو لم يكن أوّلا و بالذات، و لادليل على اعتبار القصد أوّلا و
**
(1) تحرير الوسيلة 495:1 (طبعة جماعة المدرسين).
(2) جواهر الكلام 396:23.
(3) الكافي 247:5. وسائل الشيعة 179:18، باب 6 من أبواب الصرف، ح 2.
بالذات، و القصد في المقام موجود; إذ الفرار من الحرام يصير سبباً للقصد الجدّي نحو المعاملة المذكورة و إن لم يكن له القصد إليها أوّلا و بالذات.
وثانياً: أنّ الرواية المذكورة ممّا تشهد على الجواز بالبيان المذكور; فإنّ المعترض أراد أن يرد على الإمام بفقدان القصد أوّلا و بالذات، و الإمام عليه السلام أجاب عنه بأنّ القصد بعنوان الفرار من الحرام إلى الحلال موجود، و القصد بالعنوان الثانوي قصد كما قد وقعت معاملات كثيرة بهذا القصد، كالبيع بقصد الإعانة، أو إنكاح بعض الخدم للحيلولة دون وقوع النظر المحرّم، و غير ذلك من الأمثلة.
ولذلك قال في الجواهر: «هذا الإشكال مندفع بالمنع من عدم القصد، بل قصد التخلّص من الربا المتوقّف على قصد الصحيح من البيع و القرض و الهبة و غيرها من العقود كاف في حصول ما يحتاج إليه البيع من القصد; إذ لايشترط في القصد إلى قصد جميع الغايات المترتّبة عليه، بل يكفي قصد غاية من غاياته. و الله أعلم».(1)
ومنها دعوى صدق الربا على الحيل مستدلاّ: بأنّه لافرق بين إعطاء عشرة دنانير مثلا في مقابل زيادة الأجل الذي هو الربا عرفاً، و بين بيع ما يسوى درهماً بعشرة دنانير في مقابل ازدياد الأجل.(2)
ويمكن الجواب عنه: بأنّه بعد ما عرفت من حصول الجدّ بالعنوان الثانوي فلا مجال لتوهّم صدق الربا بالنسبة إلى ما كان الداعي إليه هو الفرار من الربا; إذ المراد من الربا ليس مطلق الزيادة الحاصلة من أيّ سبب، بل هي زيادة خاصّة حاصلة في مورد القرض و ما بحكمه، أو في بيع المتجانسين مع التفاضل و الدرهم و الدينار من المتخالفين لاالمتجانسين، و البيع نسيئة غير الإقراض مع الأجل.
ومنها دعوى صدق الظلم.
**
(1) جواهر الكلام 396:23.
(2) كتاب البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 353:5.
وفيه أيضاً أنّه ممنوع; إذ هو فرع التعدّي إلى حقّ الغير، فإذا تحقّقت المعاملة و صحّت لايصدق الظلم بالنسبة إلى ما أخذه من الغير مع الزيادة; فإنّها له لالغيره.
هذا مضافاً إلى أنّ الظلم على تقدير صدقه لايدلّ إلاّ على الحرمة التكليفية، كما لايخفى.
ثمّ إنّ تنظير المقام بباب الخمر الملقى في الكبسولة و دعوى أنّ الخمر كما لاتخرج بذلك عن الإسكار فكذلك الربا الملقى في قالب سائر المعاملات لايخرج عن الربائية - قياسٌ مع الفارق; فإنّ إلقاء الخمر في الكبسولة لايوجب إخراج الخمر عن الخمرية، و لايوجب إزالة الإسكار عنها، و هذا بخلاف المقام; فإنّ تبديل المعاملة في المتجانسين بغير المتجانسين أو جعل الزيادة في غير معاملة القرض يوجب سلب عنوان الربا و الزيادة الربوية، كما لايخفى.
نعم، لو فقد قصد الجدّ بالنسبة إلى غير المعاملة الربوية و كان الجدّ بالنسبة إلى الإقراض و الاقتراض و الزيادة الربوية، لصحّ ما ذكر، ولكنّه خلاف المفروض.
ومنها دعوى أنّ من تأمّل في مثل قوله عليه السلام في الربا: «هذا السحت الذي يستجلب من المفاسد و المشاكل ما لايحصى»(1)، و قولِه تعالى: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ)(2) ، و قولِه عليه السلام: «إنّ الدرهم منه كذا و كذا»، و غير ذلك من التشديدات الواردة في الروايات الكثيرة يَعلم أنّه لايحلّ و لايجوز بالتخلّص منه بتغيير العبارة أو العنوان مع بقاء واقع الربا بحاله. مثلا: لو وهبه عشرين ديناراً ليقرضه ألفاً إلى شهر حَرُم ولو لم يكن في القرض شرط الزيادة.(3)
ويمكن أن يقال:
أوّلا: إنّ صدق السحت متفرّع على بطلان المعاملة، و هو مع وجود قصد الجدّ و صحّة
**
(1) و سائل الشيعة 118:18، باب 1 من أبواب الربا.
(2) البقرة / 279.
(3) كتاب البيع، الامام الخميني (قدس سره) 351:5.
المعاملة ممنوع; لاختصاص صدقه بما إذا قصد المعاملة الربوية، و المفروض خلافه.
وثانياً: إنّ التشديد في الحرمة تابع لموضوع الربا، فمع عدم صدق موضوعه لامجال للتشديد.
وثالثاً: إنّ دعوى بقاء واقع الربا بحاله مع تعلّق القصد الجدّي بغير المعاملة الربوية و الفرار منها إلى الحلال، كما ترى، و لاينسجم معها القصد الجدّي إلى الفرار، و مجرّد الاشتراك في نيل الزيادة لايوجب بقاء واقع الربا; لأنّ الربا في الواقع مترتب على موضوعها، و المفروض فقدان الموضوع بتعلّق القصد بغير المعاملة الربوية.
و عليه، يظهر الفرق بين الزيادة في مقابل التأخير و بين الزيادة في المعاملة بداعي التأخير، و بين الزيادة في البيع بداعي الإقراض و بين الزيادة في مقابل الإقراض.
و دعوى صدق الربا عرفاً في كلا الموردين، ممنوعة; و إلاّ لزم صدقه على النسيئة; إذ المعاملة حينئذ مشتملة على الزيادة و تكون الزيادة لأجل التأخّر، و لزم قصد الزنا فيما إذا قصد المجامعة مع امرأة و عدل عن الزنا ونكحها للمجامعة، و هو كما ترى.
و بالجملة، تختلف الأحكام باختلاف الموضوعات و التعبيرات، و لامجال لصدق عنوان الربا أو الظلم و نحوهما مع تغيير العناوين و تبديلها.
نعم، لايمنع صدق بعض العناوين من الذمائم الأخلاقية، كعدم الإنصاف و مراقبة أحوال الناس. ولكنّه أجنبي عن المقام; فإنّ البحث في المقام من جهة الأحكام.
ومنها ما أفاده سيدنا الإمام المجاهد (قدس سره) من أنّ: «التحقيق في حلّية الحيل موقوف على مقدّمة، و هي أنّ ما سمّاه الإسلام ربا و حرّمه قسمان:
أحدهما: الربا المعاوضي الجاري في النقود و في المكيل و الموزون كالحبوب و نحوها من المكيلات و الموزونات فقد منع الشرع الأنور التعامل بها إلاّ مثلا بمثل.
وهذا القسم على قسمين:
أحدهما: ما إذا كان بين المثلين تفاضل في القيمة، كالأرز العنبر و الشنبة مثلا، و الصنف الأعلى من الحبوب و الأدنى; فقد تكون قيمة الأعلى أضعاف الأدنى، و كالليرة الإنكليزية مع العثمانية، و كالدراهم المختلفة في الجودة و الرداءة، و أمثال ذلك مما اختلف قيمتها السوقية. و أظهر منها الحنطة و الشعير، و الاُصول و الفروع، و فرع أصل مع فرع آخر منه، كالجبن مع الزبد و السمن ممّا ألحقها الشارع بالمثلين فمنع التعامل فيها إلاّ مثلا بمثل مع ما ترى من اختلاف القيم فيها.
وثانيهما: ما لم يكن كذلك، كالدينارين من صنف واحد، و كرّ من حنطة مع كرّ آخر من صنف واحد وصفة واحدة.
و القسم الثاني: الربا القرضي ممّا حرّمه الشارع و شدّد عليه التنكير بما لامزيد عليه كتاباً و سنّة، و قد عدّ الكتاب أخذ الزائد عن رأس المال ظلماً، فقال تعالى شأنه: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ)(1) ، فأخذُ الزيادة ظلم، و قد نزلت الآية الشريفة على ما في التفاسير في خالد ابن الوليد أو غيره ممّن كان أربى في الجاهلية و أراد الأخذ في الإسلام، فنهاه الله تعالى.
و معلوم أنّ كونه ظلماً و فساداً أوجب حكم الله تعالى بالتحريم، فالتحريم معلول الظلم بدلالة ظاهر الآية الكريمة، و الظلم علّته أو حكمته، كما أنّ الأخذ إيذان بحرب الله تعالى و رسوله صلى الله عليه وآله.
إلى أن قال: ثمّ إنّ الأقسام التي ذكرناها: منها ما لايكون بحسب العرف وعند العقلاء من الربا و هو أوّل القسمين من القسم الأوّل; فإنّ قيمة منّ من الأرز العنبر إذا ساوت منّين من غيره لايعدّ مبادلة منٍّ منه بمنّين ربا; إذ لانفع و لازيادة في ذلك إلاّ حجماً، و الزيادة الحجمية ليست ميزاناً للنفع و الزيادة في التجارة.
**
(1) البقرة / 279.
و كذا الحال إذا بودلت الليرة الإنكليزية بالليرة العثمانية مع زيادة تكون معها مساوية للأدنى في القيمة السوقية; لايكون ربا و لازيادة.
و كذا الحال في كلّ مثلين كانا كذلك، فإذا فُرض أنّ الدرهم الكويتي يكون ضعف قيمة العراقي; فاشتراء الواحد بالاثنين لازيادة فيه و لانفع و لاربا.
و أولى بذلك ما اُلحق بالمثليات كالشعير بالحنطة و الفروع بالاُصول، فإذا بودل منّ من السمن بأمنان من اللبن أو الجبن لايكون ذلك من الربا بحسب نظر العرف و بحسب الواقع، كما أنّ المبادلات بالفضل فيها لافساد فيها و لاظلم، و لاتوجب انصراف الناس عن التجارات و الزراعات، و هو واضح.
و أمّا الربا القرضي و كذا مبادلة منٍّ مساو في الأوصاف بمنّين نسيئة مثلا، ففيه ما ذكر من الفساد و الظلم و تزلزل السوق، و غيرها من المفاسد المذكورة في كتب علماء الاقتصاد.
ثمّ إنّ الإشكال المتقدّم و العويصة المشار إليهما إنّما هي في تجويز الحيلة في هذين القسمين أي الربا القرضي و الربا المعاملي في المتساويين بحسب القيمة السوقية.
و أمّا تجويزها في القسم الأوّل فلا إشكال فيه أصلا و لاعقدةَ و لاعويصة; لأنّ المثليات كسائر الأمتعة لها قيمة قد ترتفع و قد تنخفض، و اشتراء منّ من الحنطة الجيّدة بمنّين أو بأمنان من الشعير كاشتراء سائر الأمتعة بقيمتها السوقية، و اشتراء دينار أو درهم له قيمة سوقية تساوي دينارين من غير صنفه أو درهمين كذلك; ليس فيه إشكال و عويصة رأساً، بل لعلّ سرّ تحريم الشارع المقدّس المبادلة فيها إلاّ مثلا بمثل خارج عن فهم العقلاء و إنّما هو تعبّد. فالحيلة في هذا القسم لاإشكال فيها.
و أمّا القسمان الآخران أي الربا القرضي و المعاملي الذي يعامل ربوياً فلم يرد فيهما حيلة على ما يأتي الكلام فيه، إلاّ في بعض الأخبار القابلة للمناقشة فيها سنداً و متناً أو القابلة للجمع بما لايلزم منه ذلك، بل لو فُرض ورود أخبار صحيحة دالّة على الحيلة فيهما لابدّ من
تأويلها أو ردّ علمها إلى صاحبها; ضرورة أنّ الحيل لاتُخرج الموضوع عن الظلم و الفساد و تعطيل التجارات و غيرها بما هي مذكورة في الكتاب و السنّة; فلو فُرض أنّ القرض إلى سنة بربح عشرين في المئة ظلم، فلو عمل بالحيلة و باع مئة دينار بمئة و عشرين نسيئة إلى سنة كان ظلماً و فساداً بلا ريب و لاإشكال، ولو كان في مبادلة أكرار من الحنطة بضعفها إلى سنة مع تساوي جنسهما صنفاً و صفةً ظلمٌ و فساد، لايعقل إخراجهما بضمّ منديل إلى الناقص، و هو واضح كما لايعقل تجويز الظلم و الفساد.
وإن شئت قلت: لو ورد نصّ في الجواز كان مناقضاً للكتاب و السنّة المستفيضة، و ليس من قبيل التقييد و التخصيص».(1)
ويمكن أن يقال:
أوّلا: إنّ المعيار عند الشرع الأنور في حرمة الربا في المتجانسين ليس الازدياد بحسب القيمة السوقية، بل المعيار هو التفاضل في المقدار، و لذا تكون مبادلة منّين من الحنطة الرديئة بمنّ من الحنطة الجيّدة معاملة ربوية و محرّمة و إن كانت قيمتهما متساوية بالنحو المذكور ولم يحكم العرف بكونها ربوية، ولكن مع ذلك ورد فيه الحيلة، كما اعترف به سيّدنا الإمام المجاهد (قدس سره).
و يرد على هذه الحيلة بعض ما اُورد على سائر الحيل، فالجواب عنه يصلح لأن يكون جواباً لغير هذه الصورة أيضاً.
وثانياً: إنّ أخبار الحيل تشمل الموارد التي تكون بنظر العرف ربوية أيضاً، كموثقة إسماعيل بن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يجيء إلى صيرفي و معه دراهم يطلب أجود منها، فيقاوله على دراهمه فيزيده كذا و كذا بشيء و قد تراضيا عليه، ثمّ يعطيه
**
(1) كتاب البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 406:2-409.
بعدُ بدراهمه دنانير، ثمّ يبيعه الدنانير بتلك الدراهم على ما تقاولاعليه مرّة؟ قال: «أليس ذلك برضا منهما جميعاً؟». قلت: بلى. قال: «لابأس».(1) و غير ذلك من المطلقات الدالّة على تجويز الحيلة; إذ إطلاق هذه الأخبار يشمل صورة الزيادة عن القيمة السوقية; لأنّ ترك الاستفصال دليل الإطلاق. فتدلّ هذه الروايات على كفاية الحيلة المذكورة لتحليل الزيادة المذكورة و إن كانت أكثر من القيمة السوقية، و لادليل على تحديدها بما إذا لم تتجاوز الزيادة عن القيمة السوقية.
لايقال: إنّ هذه الموارد نادرة، و المطلق لايشملها.
لأنّا نقول:
أوّلا: بمنع كونها نادرة.
وثانياً: إنّ ندرتها لاتوجب عدم شمول المطلق لها; إذ لاوجه لعدم شمول المطلق للفرد النادر بعد كونه صادقاً عليه، و الممنوع هو حمل المطلق على الفرد النادر لاشمول الفرد النادر.
**
(1) وسائل الشيعة 180:18، باب 6 من أبواب الصرف، ح 6.
(2) المصدر السابق: ح 1.
إذ قول السائل بعد إرشاد الإمام إلى الحيلة المذكورة: «فقلت له أشتري ألف درهم وديناراً بألفي درهم؟» مع أنّ القيمة السوقية بحسب مفروض الكلام لاتصل إلى هذا الحدّ يؤول إلى السؤال عن صحّة الحيلة المذكورة فيما إذا خرجت الزيادة عن القيمة السوقية، فالإمام عليه السلام صرّح بالجواز و نقل قصّة أبيه عليه السلام.
ومن المعلوم أنّه مع الزيادة عن القيمة السوقية تكون المعاملة عند العرف أيضاً من المعاملات الربوية، و مع ذلك أفاد الإمام عليه السلام تجويز الحيلة الشرعية فيها، فلا تختص الحيلة بصورة تساوي القيمة السوقية التي لاتكون عند العرف ربوية.
إذ قوله: «والصرف بثمانية عشر» يدل على أنّ القيمة السوقية هي ثمانية عشر في مقابل الدينار، و القائل المذكور اعترض على الإمام: بأنّ القيمة السوقية هي ثمانية عشر، و لم نجد أحداً يعطيك في مقابل الدينار عشرين، فكيف تقول: يجوز أن يجعل في مقابل الضميمة ما توافق المتعاملان عليه؟! فأجاب عليه السلام بأنّه يجوز ذلك; لأنّه فرار من الباطل إلى الحقّ، و عليه فالرواية مصرّحة بجواز الحيل حتى إذا زادت الزيادة عن القيمة السوقية، فلاوجه لتخصيص أدلّة تجويز الحيلة بمورد عدم الزيادة عن القيمة السوقية.
**
(1) المصدر السابق: ح 2.
(2) المصدر السابق: ح 4.
و من المعلوم أنّ القيمة السوقية للدينارين أزيد من القيمة السوقية للدرهم، و مع ذلك صرّح فيه بالجواز بالأكثر منه بقوله: «إذا دخل ديناران أو أقل أو أكثر...».
وإطلاق قوله: «لايصلح» يقيّد بقرينة ما دلّ على جواز شراء السيف المفضّض بالدراهم إذا كان النقد أكثر، كما في صحيحة أبي بصير.(2)
وكيف كان، تدلّ الموثقة على جواز الحيلة المذكورة من دون تقييد بالمساواة في القيمة السوقية، و اختصاص الحيلة في هذه الرواية بانضمام الورق مع الدنانير لاينافي سائر الروايات الدالّة على كفاية أحدهما إذا كان أكثر.
قال: و سألته عن شراء الذهب فيه الفضّة و الزئبق و التراب بالدنانير و الورق؟ فقال: «لاتصارفه إلاّ بالورق».(3)
و الظاهر أنّ الفضّة مغشوشة بوجود الرصاص و النحاس فيها، و حيث لم يعلم مقدار الفضّة المغشوشة لايجوز معاملتها مع الفضّة الخالصة مع احتمال كون المغشوشة أكثر أو مساوية; و لذلك قال عليه السلام: «لايصلح إلاّ بالذهب»، فعدم الترخيص من ناحية الجهل بمقدار الفضّة المغشوشة، مع أنّ اللازم في المعاملة المذكورة هو العلم بكون الفضّة التي تقع في مقابلها
**
(1) المصدر السابق: 189، باب 11 من أبواب الصرف، ح 3.
(2) المصدر السابق: 200، باب 15 من أبواب الصرف، ح 8.
(3) المصدر السابق: 189، باب 11 من أبواب الصرف، ح 1.
أكثر حتى تقع بمقدارها في مقابلها، و الزائد في مقابل الخليط، فبعد اختصاصها بصورة الجهل بالمقدار فلا ينافي ما دلّ على جواز معاملة الفضّة مع الضميمة مع الفضّة الخالصة إذا علم أنّ مقابلها أكثر.
و إن أبيت عن ذلك فليحمل على الكراهة; جمعاً بين هذه الرواية و ما دلّ على الجواز عند العلم بأكثرية المقابل ولو إجمالا.
و كيف كان، فهو حيلة من دون تقييد بالمساواة السوقية.
و لاإشكال في كونه دالاّ على الحيلة مع عدم تقييدها بالتساوي من جهة القيمة السوقية. ولكن الرواية ضعيفة.
.. إلى غير ذلك من الروايات المطلقة أو المصرّحة بجواز الحيلة ولو مع عدم تساوي القيمة السوقية.
فمنها ما ورد في جواز بيع شيء بأزيد من قيمته للفرار من الربا القرضي، من قبيل:
**
(1) المصدر السابق: 190، ح 5.
أجل معلوم، و إنهم يسألوني(1) أن اُعطيهم عن نصف الدقيق دراهم، فهل لي من حيلة ألاّ أدخل في الحرام؟ فكتب إليه: «أقرِضهم الدراهم قرضاً، و ازدد عليهم في نصف القفيز بقدر ما كنت تربح عليهم».(2)
ولاإشكال في دلالته على تجويز بيع النصف بأزيد من قيمته، فيكون ذلك حيلة في أخذ الربح; لأنّه فرار من أخذ الربح في مقابل القرض إلى بيع النصف بأزيد من قيمته، كما لايخفى.
إلاّ أنّ الرواية ضعيفة; لضعف محمّد بن سليمان و الراوي و المروي. هذا مضافاً إلى إرسال الرواية، كما لايخفى.
قال الكليني: و في رواية اُخرى: «لابأس به، أعطها مئة ألف وبعها الثوب بعشرة آلاف، و اكتب عليها بكتابين».(4)
و الخبر ضعيف; لعدم توثيق علي بن حديد. هذا مضافاً إلى إرسال رواية الكليني، على أنّ ظاهر الخبر هو جعل البيع المذكور بإزاء القرض، و هو عين الربا، و لاإشكال في حرمته.
اللّهمّ إلاّ أن تحمل على ما إذا كان الأمر بالعكس، كما يؤيده قوله: «واكتب عليها بكتابين».
**
(1) كذا، و لعلّ الأنسب أن يقال: «يسألونني».
(2) وسائل الشيعة 56:18، باب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 7.
(3) الوشيّ من الثياب معروف، و الوشي: نقش الثوب، و يكون من كل لون.
(4) الكافي 205:5. وسائل الشيعة 54:18، باب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 1.
و لعلّ موثقة هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: عيّنت رجلا عينة، فحلّت عليه، فقلت له: اِقضني، فقال: ليس عندي; فعيِّنّي حتى أقضيك. فقال: «عيِّنه حتى يقضيك»(1) باعتبار صدرها و هو قوله: «عيّنت الرجل عينة» تدلّ على جواز العينة مكان القرض فراراً من الحرام إلى الحلال; إذ القرض مع الربح حرام، ولكن اشتراء شيء بأزيد من قيمته نسيئةً ثمّ بيعه إلى ثالث حيلةٌ و ليس بحرام، فالعينة الاُولى لم تكن في مقابل تأخير أداء الدين، بل كانت في مكان القرض.
و مثلها خبر(2) أبي بكر الحضرمي و صحيحة(3) ليث المرادي.
ومنها الروايات الدالّة على جواز الحيلة في مقام الإذن بتأخير أداء الدين، من قبيل:
صحيحة محمّد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: يكون لي على الرجل دراهم، فيقول: أخّرني بها و أنا اُربحك، فأبيعه جبّة تقوّم عليَّ بألف درهم; بعشرة آلاف درهم أو قال: بعشرين ألفاً و اُؤخّره بالمال؟ قال: «لابأس».(4)
و هي صريحة في تجويز الحيلة المذكورة للحيلولة دون الوقوع في الربا اللازم من أخذ الزيادة في مقابل التأخير، فالبيع المذكور بداعي التأخير أو شرط التأخير، و لايكون التأخير مبنيّاً على البيع المذكور حتى يكون عين الربا و عين القرض بالشرط; لتقديم قوله: «فأبيعه» على قوله: «واُؤخّره بالمال».
واُورد عليها: بأنّ محمّد بن إسحاق واقفي بقول الصدوق الذي هو أخبرُ من متأخري أصحابنا بحال الرجال.
**
(1) وسائل الشيعة 44:18، باب 6 من أبواب أحكام العقود، ح 4.
(2) المصدر السابق: 43، ح 2.
(3) المصدر السابق: ح 5.
(4) المصدر السابق: 55، باب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 4.
واُجيب عنه: بأنّه لادليل على كونه واقفياً إلاّ خبر أبي مسروق، و هو ضعيف السند لاشتماله على جرير بن حازم المجهول، و كذلك لايضرّ الوقف بالوثاقة التي صرّح بها النجاشي.(1)
هذا مضافاً إلى أخبار العينة الدالّة على جواز بيع المتاع نسيئة بأزيد من قيمته السوقية مكان التأخير و إعطاء الزيادة، كصحيحة هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: عيّنت رجلا عينة (فحلّت عليه) فقلت له: اِقضني، فقال: ليس عندي; فعيّنّي حتّى أقضيك. قال عليه السلام: «عيّنه حتى يقضيك».(2)
ونحوها صحيحة صفوان(3) و معتبرة أبي بصير ليث المرادي(4) و غير ذلك من الأخبار، فإنّ العينة الثانية تقع مكان التأخير و إعطاء الزيادة.
وينقدح ممّا ذكرناه أنّ تقسيم الربا إلى المعاملي و القرضي و تقسيم الأوّل إلى القسمين ودعوى عدم ورود أخبار صحاح للحيلة في غير القسم الأوّل من المعاملي، لايفيد; لما عرفت من ورود الأخبار الصحيحة الدالّة على جواز الحيلة في جميع الأقسام. هذا مضافاً إلى أنّ الحيل من المعاملات، و يكفيها عمومات نفوذ المعاملات.
نعم، ربما يقال: إنّ الأخبار الواردة في الحيلة لاتدلّ على جواز الحيل في جميع الموارد بل مختصة بمواردها.
ولكن يمكن الجواب عنه:
أوّلا: بعدم الخصوصية.
وثانياً: بأنّ قوله عليه السلام: «نعم الفرار من الحرام إلى الحلال» في حكم التعليل، فيمكن التعدي عن الموارد.
**
(1) رسالة في حكم حيل الربا (مطبوعة ضمن مقالات مؤتمر المحقق الأردبيلي)، آية الله المؤمن 580:1.
(2) وسائل الشيعة 44:18، باب 6 من أبواب أحكام العقود، ح 4.
(3) المصدر السابق: ذيل الحديث 4.
(4) المصدر السابق: ح 5.
وثالثاً: أنّه يكفي في الجواز العمومات و المطلقات الدالّة على نفوذ المعاملات.
ورابعاً: أنّ دعوى المناقضة مع الكتاب و السنّة و منع كون هذه الأخبار من التخصيص و التقييد متفرّعة على صدق الربا و الظلم في موارد الحيلة، مع أنّك عرفت منع ذلك فلا مناقضة، بل ليس هو من باب التخصيص; لفرض عدم صدق الربا، فتكون موارد الحيلة خارجة عن أدلّة حرمة الربا تخصّصاً، كما لايخفى.
لايقال: إنّ بعض الأعمال و إن كان مباحاً فرضاً لايرتكبه المعصوم عليه السلام المنزّه عن ارتكاب ما هو موجب لتنفّر الطباع، كتحصيل النفع بالحيلة و كإتيان النساء من الخلف; و عليه فمثل رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله عليه السلام - بعد السؤال عن الحيلة قال: «لابأس بذلك; قد فعل ذلك أبي و أمرني أن أفعل ذلك في شيء كان عليه»(1) مؤوّلة أو مطروحة.
لأنّا نقول: إنّ رواية مسعدة تدلّ على أنّه فعل ذلك في الإعطاء لافي تحصيل النفع، و لامانع من أن يقع مثل ذلك عن مثل الأئمة عليهم السلام في مقام الضرورة و الحاجة، بل لعلّ المراد من قوله: «قد أمرني أبي ففعلت ذلك» الوارد في خبر محمّد بن إسحاق بن عمار أيضاً(2) هو ذلك لاتحصيل النفع. هذا مضافاً إلى ضعف السند.
ولو سلّمنا وجود شيء من هذه المبعِّدات في بعض الروايات فذلك لايضرّ بصحّة الاستدلال بغيرها من الروايات التي لم تكن فيها هذه المبعّدات، فلا تغفل.
ومنها: أنّ تجويز الحيل الربوية يوجب التهافت في الجعل، و التناقض في القانون، بل اللغوية فيه.(3)
**
(1) المصدر السابق: 54، باب 9 من أبواب أحكام العقود، ح 3.
(2) المصدر السابق: ح 6.
(3) كتاب البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 416:2.
يمكن أن يقال: إنّ التهافت و التناقض فيما إذا كان الموضوع واحداً، و قد عرفت عدم صدق الربا و الظلم مع الحيل، و عليه فليس الموضوع واحداً، فما يكون حراماً و ظلماً هو الربا و ما لايكون حراماً هو موارد الحيل التي لايصدق عليها الربا و الظلم، كما لايخفى.
و أمّا اللغوية فهي فيما إذا لم يترتّب أثر على تشريع حرمة الربا، مع أنّه ليس كذلك; إذ الحرمة حاكية عن المفاسد الواقعية، و بيان طريق الفرار منها بالحيل لاينافي وجود المفاسد الواقعية في صورة ارتكاب الربا، فمن ارتكب الربا فعل حراماً و استحقّ العقوبة، و عليه فلا يكون التشريع لغواً، و لذا تحترز النفوس المطيعة عن الربا. نعم، يلزم اللغوية فيما إذا حرّم الربا ثمّ أباحه، و المفروض خلافه.
هذا، ولكن الإنصاف أنّ إطلاق تجويز الحيل الربوية لاينسجم مع الحِكَم المنصوص عليها لتحريم الربا في الروايات; إذ الحِكَم كالعلل في التعميم و إن لم تكن مثلها في التخصيص; لما قُرّر في محلّه، و مع المنافاة يلزم تقييد أخبار الحيل و كذا الإطلاقات الدالّة على نفوذ المعاملات بما إذا لم تترتب على تجويزها تلك المفاسد الباعثة على تحريم الربا، و هذه الحِكم منصوص عليها في جملة من الأخبار الصحيحة، منها:
صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام: «إنّما حرّم الله عزّوجلّ الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف».(1)
موثقة سماعة قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إنّي رأيت الله عزوجل قد ذكر الربا في غير آية و كرّره، فقال: «أوَتدري لم ذاك؟». قلت: لا. قال: «لئلاّ يمتنع الناس من اصطناع المعروف».(2)
**
(1) وسائل الشيعة 118:18، باب 1 من أبواب الربا، ح 4.
(2) المصدر السابق: ح 3.
و روى مثلها في العلل، لكن ذيلها جاء بهذا النحو: «لتفرّ الناس عن الحرام إلى التجارات و إلى البيع و الشراء، فيفضل (فيتصل) ذلك بينهم في القرض».(2)
و من المعلوم أنّ المفاسد المذكورة تكون من الحيل أيضاً، و مقتضى وجود هذه الحكم هو تقييد تجويز الحيل بما إذا لم تترتب عليها المفاسد المذكورة، فالإطلاقات الأولية و إطلاقات الحيل مقيّدة بذلك.
نعم، لابأس بالحيل عند الضرورة ولو كانت عرضية; لعدم المنافاة مع الحكم الموجبة لتحريم الربا.
و يؤيّده خبر معلّى بن خنيس أنّه قال لأبي عبدالله عليه السلام: إنّي أردت أن أبيع تبر ذهب بالمدينة فلم يُشترَ مني إلاّ بالدنانير، فيصحّ لي أن أجعل بينها نحاساً؟ فقال: «إن كنت لابدّ فاعلا فليكن نحاساً وزناً».(4)
**
(1) المصدر السابق: 120، ح 8.
(2) علل الشرائع، باب علّة تحريم الربا، ح 1.
(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 93:2، طبع دار العلم.
(4) وسائل الشيعة 189:18، باب 11 من أبواب الصرف، ح 4.
ولكن نوقش في ذلك:
أوّلا: بأنّ المراد من الامتناع عن اصطناع المعروف الذي جعل مفسدة جواز الربا - ليس الامتناع عنه بالمرّة; ضرورة أنّه لو فُرض جواز أخذ الربا و مع ذلك تعلّقت إرادة أحد بالإحسان إلى غيره بهبته شيئاً أو إقراضه قرضاً حسناً، لما كان عنه رادع و مانع، بل المراد منه الامتناع عن اصطناع المعروف لمن يمشي في الاُمور الاقتصادية مشياً عاديّاً متعارفاً.
بيانه: أنّ نظام المعيشة المتعارفة للناس على إقدام من له الحاجة إلى الاقتراض ممّن عنده المال، فإذا اُبيح أخذ الربا لمن يقرض المحتاج و صار أخذه أمراً رائجاً شائعاً فلا محالة يصير الإقراض في متعارف الناس عدلا للبيع و سائر المعاملات الرائجة، و ينسدّ من هذه الناحية باب اصطناع المعروف، و صار الإقدام عليه مثل الإقدام على البيع إقداماً على الاسترباح، و كان من لايطلب به ربحاً و رباً كمن يبيع مبيعه بلا ربح من مشتريه، و هو نادر غير متعارف لايعدّ شيئاً، و صحّ أن يقال: إنّ تجويز الربا يؤدّي إلى امتناع الناس عن اصطناع المعروف، و يراد به امتناعهم عن ترك الربا كامتناعهم عن ترك الربح في البيع; بمعنى أنّ الناس بحسب مشيهم الاقتصادي المتعارف يمتنعون عن اصطناع المعروف و عن الإغماض عن الربا القرضي. نعم، من خرج عن هذا التعارف و لم يلاحظه فهو في سعة، فقد يفعل إلى أوليائه معروفاً حسب ما أراد، إلاّ أنّه خارج عن المتعارف.
و هذا بخلاف ما إذا حرّم الربا; فإنّه لمّا كان الاقتراض أمراً متعارفاً في نظام العيش الاقتصادي كان تحريم الربا حينئذ ترغيباً للناس إلى اصطناع المعروف، اللّهمّ إلاّ لمن خرج عن هذا التعارف و لم يقدم على الإقراض و الاقتراض، و هو الذي يذهب سبيل الحيل المذكورة; فإنّ المصير إلى هذه الحيل و الاسترباح إنّما يكون لمن خرج عن متعارف القرض الذي لايكون على الفرض إلاّ قرضاً حسناً و قام بصدد الاسترباح الجائز من أيّ طريق كان، فيطلب مخرجاً يحصل به على ازدياد المال، و إلاّ فمن أراد المشي على طريق القرض الذي هو طريق متعارف فهو يتبع اصطناع المعروف.
فالحاصل: أنّ المراد من الامتناع عن اصطناع المعروف ليس الامتناع عنه بالمرّة - كما عرفت بل مرتبة خاصّة منه أعني الامتناع عنه في المشي المتعارف المالي الاقتصادي، و هذه المرتبة إنّما تترتب على تجويز الربا القرضي و ما إليه، دون تجويز الاسترباح بالحيل المذكورة.
و مثله الكلام على قوله عليه السلام: «لو كان الربا حلالا لترك الناس التجارات و ما يحتاجون إليه»; فإنّ تركهم لها إنّما كان في المشي المتعارف الاقتصادي; إذ الاسترباح بالربا القرضي أسهل من تحمّل المشاقّ و الأخطار اللازمة للتجارة و الزراعة و أمثالهما، فتجويزه يؤدي إلى تركها للمتعارف من الناس، كما أنّ تحريمها(1) يوجب إقبالهم على أمثال التجارة إلاّ لمن خرج عن المتعارف فاتّبع الحيل للحصول على ازدياد المال و الاسترباح.(2)
يمكن أن يقال: إنّ تحريم الربا مع تجويز الحيلة في جميع موارد حرمة الربا يحول دون رغبة من يقوم بمعاملات مالية و تجارية بالشكل المتعارف في اصطناع المعروف و نحوه; إذ بعد تجويز الحيل في جميع الموارد يكون مثل هذا الشخص مقدماً بالطبع على تحصيل ما فيه الربح و ترك ما لاربح فيه من اصطناع المعروف، بل يترك التجارات التي تحتاج إلى تحمّل التعب و المشاقّ. و لافرق بين تحليل الربا و بين تجويز الحيل في جميع موارد الربا، فكما أنّ تحليل الربا يوجب انسداد باب اصطناع المعروف و ترك التجارات و لزوم الفساد في الأموال، فكذلك تجويز الحيل في جميع الموارد، و التفرقة بينهما بلا وجه.
نعم، لايلزم ذلك من تجويز الحيل إذا كان مشروطاً بموارد الحاجة و الضرورة ولو كانت هي الضرورة العرفية.
**
(1) الظاهر أنّ الصحيح «تحريمه».
(2) رسالة في حكم حيل الربا (مطبوعة ضمن مقالات مؤتمر المحقق الأردبيلي)، آية الله المؤمن 560:1-562.
لايقال: إنّ تجويز الحيل الربوية مع حرمة الربا كتجويز التورية مع حرمة الكذب; فكما أنّ تجويز التورية لاينافي حرمة الكذب و لايمنع من السوق إلى الصدق فكذلك تجويز الحيل لايمنع الناس من اصطناع المعروف و نحوه.
لأنّا نقول: إنّ مع فرض تسليم جواز التورية فهو مختص بمناسبة الحكم و الموضوع - بموارد الحاجة و الضرورة، و على فرض تجويزها مطلقاً فليس في التورية نفع يمنعهم من الصدق، و هذا بخلاف المقام; فإنّ الربح المالي الموجود في الحيل الربوية يوجب ترغيب الناس نحو الحيل و ترك اصطناع المعروف و التجارات، فيترتب عليه ما يترتّب على تجويز الربا حرفاً بحرف، كما لايخفى.
وبالجملة: إنّ تجويز الحيل الربوية في جميع الموارد من دون ضرورة يدعو أصحاب المعاملات المالية و التجارية إلى ارتكاب الحيل لنيل الأرباح الكثيرة.
و لعلّ توهّم عدم لزوم ذلك ناشئ من قياس تجويز الحيل في جميع الموارد بما نراه في زماننا هذا من الاختلاف في تجويز الحيل من جمع و تحريمه أو تقبيحه من جمع آخر; لأنّ بعض الناس يرغبون في اصطناع المعروف في زماننا هذا من جهة تحريم بعض العلماء و تقبيح ذلك في الجملة، بخلاف ما إذا اتّفق العلماء على جوازه و عدم تقبيحه; فإنّ ذلك موجب لترك اصطناع المعروف حتّى ممّن يمشي مشي الاقتصادي تحصيلا للربح من موارد الجواز، كما لايخفى.
فتحصّل مما ذكر: أنّ الحِكَم المنصوص عليها في أخبار تحريم الربا تمنع من تجويز الحيل بنحو مطلق. هذا مع الغمض عن عدم إطلاق أكثر أخبار الحيل; لاختصاصها بموارد الضرورة و الحاجة.
وكيف كان، فلو كان في الروايات الواردة في تجويز الحيل إطلاق فليقيّد بالحِكَم المنصوص عليها كما يقيّد بالتعليل لو كان; لأنّ الحكمة كالعلّة في التعميم، و إلاّ فلا باعثية لها
في التشريع أصلا، و المعلوم خلافه، بل تُقيَّد الإطلاقات الأولية بالحِكَم المذكورة كما تقيد بأدلّة الربا كما لايخفى، فتحمل الحيل المذكورة في أخبار الباب على التوسعة والتسهيل للمحتاجين إلى التبادل لابالنسبة إلى المرابين، فتدبّر.
وثانياً: بأنّ اللازم في تعميم الحكمة هو أن تكون الحكمة مبيّنة بحيث يمكن أن يؤخذ بها، و المفروض في المقام أنّها ليست كذلك لإجمالها، و مع كونها مجملة لاوجه لرفع اليد عن العمومات أو الإطلاقات الأولية من جهة إجمال المخصّص أو المقيّد، كما قرّر في محلّه.
ويمكن أن يقال: إنّه يكفي في التعميم المعرفة الإجمالية بترتب ترك اصطناع المعروف و ترك التجارات على تجويز الحيل الربوية كما تكفي المعرفة الإجمالية بترتّبها على تجويز الربا في تقييد الأدلّة الأولية، فلا يلزم في التعميم المعرفة التفصيلية، كما لايخفى.
وثالثاً: بأنّ الحِكم المذكورة لاتترتّب على القرض الإنتاجي; إذ مع الإنتاج تحصل السعة، و معها يمكن له اصطناع المعروف، و أيضاً تزداد التجارات بالإنتاج، فلا وجه للمنع عنه من جهة ترك التجارات.
ويمكن أن يقال: إنّه مع تجويز القرض الإنتاجي بالحيل الشرعيّة يترك المقرضون - مضافاً إلى ترك اصطناع المعروف التجارات; لأنّهم يرجّحونها عليها لإمكان تحصيل الربح مع الأمن من الأخطار و إتعاب النفس و المشكلات، بل يمكن أن يترك الإنتاج من اقترض للإنتاج بسبب ترجيح الحيل الشرعيّة على الإنتاج; لما في الإنتاج من المشكلات والتضييقات.
لايقال: المضاربة و التجارة أيضاً تمنعان من الإقراض من دون نفع و مع ذلك فإنّهما ليستا ممنوعتين، فلتكن الحيل الشرعيّة كذلك.
لأنّا نقول: المشابهة ممنوعة; لأنّ المضاربة و التجارة ربما توجبان الخسارة. هذا مضافاً إلى أنّهما ليستا بحكمتين لجميع الناس; فلذلك لاتمنعان عن اصطناع المعروف.
فإذا عرفت ما ذكرناه، فالأحوط هو الاقتصار في الحيل على موارد الحاجة و الضرورة العرفية، كما يقتضيه الجمع بين إطلاق بعض النصوص و بين الحِكم المنصوص عليها مع الغمض عن اختصاص أكثر موارد النصوص بموارد الحاجة و الضرورة، فتدبر. و تكفي الضرورة ولو في طرف واحد للجواز.
ثمّ إنّ الضرورة و الحاجة تختلفان باختلاف الأحوال و الأفراد; و لذا ربما تحتاج الحكومة إلى الحيل الشرعيّة دون الآحاد; لأنّ حاجة الحكومة تختلف عن حاجة الأفراد.
ولعلّ تجويز الحيل في البنوك الإسلامية في زماننا هذا من باب الضرورة الحكومية في ظرف خاص. و كيف كان، فالتعدّي عن موارد الضرورة العرفية إلى غيرها مخالف للاحتياط، كما أنّه لاوجه للأخذ بالعمومات و الإطلاقات مع تقييدها بالحِكَم المنصوص عليها بناءً على أنّها كالعلّة المنصوصة في التعميم. و الله العالم.
المؤيّدات:
و قد استدلّ بعض أهل التسنّن على حرمة الحيل الربوية بآيات و روايات، و لابأس بالإشارة إلى بعضها:
فمن الآيات:
قوله تعالى في سورة البقرة: (وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي اَلسَّبْتِ فَقُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ * فَجَعَلْنٰاهٰا نَكٰالاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهٰا وَ مٰا خَلْفَهٰا وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) .(1)
و قوله تعالى في سورة الأعراف: (وَ سْئَلْهُمْ عَنِ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كٰانَتْ حٰاضِرَةَ اَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي اَلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتٰانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لاٰ يَسْبِتُونَ لاٰ تَأْتِيهِمْ كَذٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ * وَ إِذْ قٰالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اَللّٰهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ
**
(1) البقرة / 65-66.
عَذٰاباً شَدِيداً قٰالُوا مَعْذِرَةً إِلىٰ رَبِّكُمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمّٰا نَسُوا مٰا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا اَلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلسُّوءِ وَ أَخَذْنَا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذٰابٍ بَئِيسٍ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمّٰا عَتَوْا عَنْ مٰا نُهُوا عَنْهُ قُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ) .(1)
بدعوى: أنّ الله تعالى نهى عن الصيد في يوم السبت، و حقيقة الصيد هي إخراج الحيتان من الماء، و اليهود فعلوا ما يكون في معنى الصيد و إن كان متفاوتاً معه في الصورة، و هو أنّهم عمدوا إلى شقّ جداول قرب البحر، فكانوا بعد أن تدخل الحيتان فيها يوم السبت يقومون بغلق المنافذ عليها و حجزها ثمّ اصطيادها في يوم الأحد، و هي حيلة في قوّة الصيد. و هذه القصّة تدلّ - بإلغاء الخصوصية على حرمة كلّ ما يكون في الغاية و الحقيقة مساوياً مع الحرام.(2)
ويمكن الجواب عنه: بأنّ ما فعله اليهود مصداق للصيد المحرّم لاما يكون مساوياً مع الصيد لصدق الصيد عليه بذلك; إذ الصيد هو الأخذ بحيلة، و هو صادق على ما وقع في الجداول. و عليه فلا يمكن الاستدلال به لحرمة ما يكون متفاوتاً مع الربا في الصورة ولكن اشترك معه في الآثار كالحيل المبحوث عنها في المقام.
هذا مضافاً إلى ما في إلغاء الخصوصية مع استحقاق اليهود لتحريم الحلال من جهة إصرارهم على المعصية و نقض عهدهم و ميثاقهم، فتدبّر.
و قوله تعالى: (وَ اَلْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاٰثَةَ قُرُوءٍ وَ لاٰ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اَللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ) .(3)
بدعوى: أنّه يدلّ على حرمة كتمان النساء للحمل. قال قتادة: عادة النسوان في الجاهلية
**
(1) الأعراف / 163-166.
(2) راجع: الحيل الشرعية، محمّد عبد الوهاب البحيري: 71.
(3) البقرة / 228.
على كتمان حملهنّ لأن يسندن الحمل إلى الزوج المتأخّر و هنّ يتوسّلن بالكذب للإسناد المذكور، فنُهين عن ذلك، فالكذب حيلة ممنوعة.(1)
و فيه ما لايخفى; فإنّ الكتمان ليس بحلال حتى يتوسّلن به و يكون مصداقاً للحيلة بمعنى الفرار من الحرام إلى الحلال، بل نفس الكتمان محرّم كما أنّ إسناد الولد إلى غير الزوج محرّم، فالتوسّل بالكتمان توسّل بالحرام للحرام، و هو أجنبي عن المقام من الفرار من الحرام إلى الحلال، و الكلام ليس في مطلق الحيلة بل حيلة الفرار من الحرام إلى الحلال.
و قوله تعالى: (وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ اَلرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ وَ لَهُنَّ اَلرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اَلثُّمُنُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ وَ إِنْ كٰانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاٰلَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ فَإِنْ كٰانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكٰاءُ فِي اَلثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصىٰ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ * تِلْكَ حُدُودُ اَللّٰهِ وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا وَ ذٰلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ * وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نٰاراً خٰالِداً فِيهٰا وَ لَهُ عَذٰابٌ مُهِينٌ) .(2)
و الآية نازلة في إرث أخ أو اُخت من الاُمّ، و تقريب دلالتها بأن يقال: إنّ الآية الكريمة تدلّ على حرمة دعوى دين من دون حقيقة، و المقصود منها هو محروميةُ الورّاث أو بعضهم من الإرث و الإضرارُ بهم، فالاعتراف بالدين حيلة ممنوعة.(3)
ويمكن أن يقال: إنّ الكذب بنفسه محرّم، فالحرام وسيلة لحرام آخر و هو محرومية
**
(1) الحيل الشرعية، محمّد عبد الوهاب البحيري: 75-76.
(2) النساء / 12-14.
(3) الحيل الشرعية، محمّد عبد الوهاب البحيري 109-110.
الورّاث من حقّهم، و هذه الحيلة حيلة لغوية، و هي أجنبية عن الحيلة المبحوث عنها في المقام التي هي الفرار من الحرام إلى الحلال، فلا تغفل.
هذا مضافاً إلى عدم صدق الإضرار في المقام بعد كون المتعاملين مقدمين عليه مع العلم بالكيفية.
ومن الروايات:
و قد روى الكليني بسند صحيح عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: «إنّما يعطي الله العباد على نيّاتهم».(2)
بدعوى: أنّ الحديث يدلّ على أنّه لاواقعية للعمل إلاّ بالنيّة، فإن كان قصده من عقد البيع كبيع ذهب بفضّة و بيع فضّة بذهب هو نيل الزيادة في المتجانسين، فعقد البيع محكوم بالربا و لم يخرج بمجرد هذه الصورة عن الربا، و عليه فيدلّ الحديث على أنّ اتخاذ الحلال لنيل الحرام لايجدي في رفع الحرمة.
قال ابن منير: إنّ البخاري جعل الحديث المذكور شاملا للعبادات و المعاملات، مع أنّ المشهور هو اختصاص الحديث بالعباديّات. و قال: إنّ الاستدلال بهذا الحديث لسدّ ذرائع و إبطال الحيلة يكون من أقوى الاستدلال.(3)
ويمكن أن يقال: إنّ الحقّ مع المشهور، و الحديث مختصّ بالعباديّات و ينصرف عن
**
(1) سنن الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب 16.
(2) وسائل الشيعة 202:17، باب 48 من أبواب ما يكتسب به، ح 2.
(3) الحيل الشرعية، محمّد عبد الوهاب البحيري: 151-152.
المعاملات، أو يكون من الأخلاقيات و لاارتباط له بالأحكام الوضعية من الصحّة و البطلان. و يشهد له تفسيره بقوله صلى الله عليه وآله: «فمن كانت هجرته...»، و لاأقلّ من الشك، فلا وجه لرفع اليد عن عمومات أدلّة نفوذ المعاملات مع إجمال هذه التفصيلات.
هذا مضافاً إلى إمكان منع كون القصد من اتخاذ الحلال هو نيل الحرام في الحيلة المبحوث عنها.
و قد رواه الشيخ الطوسي في التهذيب عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «ولايفرّق بين مجتمع، و لايجمع بين متفرّق».(2)
قال البحيري: «من مصاديق ذلك: تبديل النصاب بغير الجنس، أو إتلاف بعض النصاب، أو هبة بعضه مع قصد الرجوع، و قد أجمعت العامّة على حرمته; فالرواية صريحة في أنّ كلّ حيلة توجب إسقاط الزكاة أو نقصانها لاتجوز».(3)
ويمكن أن يقال:
أوّلا: إنّ قوله: «لايجمع بين متفرّق» لايدلّ على حرمة اجتماع المتفرّقات لتحصيل النصاب; لجواز ذلك، بل لعلّه يدلّ على عدم لزوم ذلك، فقوله: «ولايفرّق بين مجتمع» بقرينة السياق لايدلّ على الحرمة أيضاً، بل غايته هي الكراهة، فتأمّل.
وثانياً: إنّ قوله: «ولايفرّق بين مجتمع خشية الصدقة» معارض مع صحيحة زرارة قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: «أيّما رجل كان له مال فحال عليه الحول فإنّه يزكّيه». قلت له: فإن وهبه قبل حلّه بشهر أو يوم؟ قال عليه السلام: «ليس عليه شيء أبداً» إلى أن قال زرارة: و قلت له:
**
(1) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب 34. و كتاب الحيل، باب 3.
(2) و سائل الشيعة 126:9، باب 11 من أبواب زكاة الأنعام، ح 1.
(3) الحيل الشرعية، محمّد عبد الوهاب البحيري: 158-159.
رجل كانت له مئتا درهم، فوهبها لبعض إخوانه أو ولده أو أهله فراراً بها عن الزكاة; فعل ذلك بها قبل حلّها بشهر؟ فقال عليه السلام: «إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول و وجبت عليه فيها الزكاة». قلت له: فإن أحدث فيها قبل الحول؟ قال: «جائز ذلك كله». قلت: إنّه فرّ بها من الزكاة!؟ قال عليه السلام: «ما أدخل على نفسه أعظم ممّا منع من زكاتها».(1)
و مقتضى الجمع العرفي بينهما هو حمل النهي على الكراهة; لقوّة دلالة قوله: «ليس عليه شيء أبداً» على جواز ذلك، فيحمل ظاهر النهي في قوله: «لايفرّق» على الكراهة.
لايقال: إنّ هذه الصحيحة معارضة مع ما يدلّ على وجوب الزكاة في صورة الحيلة، مثل موثقةِ معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قلت له: الرجل يجعل لأهله الحلي إلى أن قال: قلت له: فإنّه فرّ به من الزكاة؟ فقال: «إن كان فرّ به من الزكاة فعليه الزكاة، و إن كان إنّما فعله ليتجمّل به فليس عليه زكاة».(2)
و موثقةِ محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الحلي; فيه زكاة؟ قال عليه السلام: «لا، إلاّ ما فرّ به من الزكاة».(3) و مع المعارضة يتقدّم جانب ما دلّ على وجوب الزكاة; لموافقة ما دلّ على عدم وجوب الزكاة مع جمع من المخالفين، فيحمل ما دلّ على عدم وجوب الزكاة على التقيّة، و عليه فلا معارض مع قوله عليه السلام: «لايفرّق بين مجتمع خشية الصدقة»; لعدم حجّية ما دلّ على عدم وجوب الزكاة، فلا موجب لرفع اليد عن ظهور النهي في الحرمة.
لأنّا نقول:
أوّلا: نمنع المعارضة بين صحيحة زرارة و موثقة معاوية بن عمّار و محمّد ابن مسلم; للجمع العرفي بينهما بحمل الموثقتين على الاستحباب; لقوّة ظهور قوله عليه السلام: «ليس عليه شيء
**
(1) وسائل الشيعة 164:9، باب 12 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة، ح 2.
(2) المصدر السابق: 162، باب 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضّة، ح 6.
(3) المصدر السابق: ح 7.
أبداً» بالنسبة إلى ظهور قوله عليه السلام: «فعليه الزكاة»، فتحمل النصوص الدالّة على وجوب إعطاء الزكاة على الاستحباب، فمع الجمع العرفي بينهما لامجال للحمل على التقيّة و نحوها; إذ الحمل على التقيّة إنّما يصار إليه بعد تعذّر الجمع العرفي، و قد عرفت إمكانه.(1)
وثانياً: لم تثبت فتوى جماعة من العامة بجواز الحيل في الزكاة و إن اختلفوا في جواز أصل الحيل، بل المحكي عن العامة هو الإجماع على حرمة الحيلة في الزكاة، و عليه فالترجيح مع ما يدلّ على الجواز; لمخالفته مع العامة، فتقدّم أخبار الجواز على ما دلّ على الحرمة لو سلّمنا المعارضة بينهما.
وثالثاً: إنّ الخبر الدالّ على أنّه «لايفرّق بين مجتمع» هو أيضاً طرف من أطراف المعارضة، فلا وجه لجعله خارجاً عن أطراف المعارضة، فاللازم هو ملاحظة مجموعها; فإن قلنا بأظهرية صحيحة زرارة فيحمل النهي في قوله: «لايفرّق» على الكراهة، كما يحمل قوله: «عليه الزكاة» في الموثقتين على الاستحباب، و إن لم نقل بالأظهرية فمقتضى التعارض هو ترجيح جانب المخالف للعامة، و هو صحيحة زرارة، فلا تغفل.
بدعوى: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على من توسّل بحيلة لتحليل بيع الشحوم، فيظهر منه أنّ كلّ حيلة يقصد بها تحليل الحرام باطل، و لم يتغيّر حكم الحرام بالحيلة.(4)
ويمكن أن يقال: إنّ إذابة الشحوم لاتوجب خروج الشحوم عن حقيقتها، و عليه
**
(1) راجع: مستمسك العروة الوثقى 89:9-91.
(2) أي أذابوها.
(3) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب 103 و 112.
(4) الحيل الشرعية، محمّد عبد الوهاب البحيري: 217.
فالشحوم باقية على ما هي عليه من الحرمة في شرعهم و إن صدق عليها عنوان آخر; فلا ترتفع الحرمة بتغيّر الاسم، و عليه فهو أجنبي عن المقام; إذ محلّ الكلام هو ما إذا فعل شيئاً يصير المورد به خارجاً عن مصداق الحرام حقيقةً و إن ترتّب عليه ما يترتّب على الحرام.
هذا مضافاً إلى ضعف الخبر سنداً.
بدعوى: أنّه يدلّ بالصراحة على أنّ من يحلّل المحرّمات المذكورة و يؤوّلها و يعلّق الأحكام على الأسامي للموضوعات لاحقائقها، يستحقّ العذاب; لأنّه في الحقيقة يشرب الشراب باسم النبيذ، و يحلّل الغناء و آلاته باسم الصوت الحسن و المريح، و هكذا.(2)
ويمكن أن يقال: إنّ هذه الموارد أيضاً أجنبية عن محلّ البحث; فإنّ الحيلة المبحوث عنها هي التي لم تبقَ معها حقيقة الشيء و إن ترتب عليه ما يترتّب على الحرام، و هذه الموارد باقية على حقيقتها، كما هو واضح.
**
(1) عن أبي داود و أحمد بن حنبل و ابن ماجة و النسائي و صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر.
(2) الحيل الشرعية، محمّد عبد الوهاب البحيري: 224-225.
أعرفنّ أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تَيْعر.(1) ثمّ رفع يديه حتى ظهر بياض إبطيه و قال: ألاهل بلّغت؟».(2)
و هذا الحديث مورد اتفاق، و تقريب الاستدلال به: أنّه يدلّ على أنّ الهديّة لكونها رشوة تكون محرّمة; فالرشوة لاتصير حلالا بمجرد تسميتها هدية، و هذه الحيلة لاترفع حرمة الرشوة.(3)
ويمكن أن يقال: إنّ تسمية الرشوة بالهدية مع بقاء صدق الرشوة لبقاء حقيقتها، أجنبيةٌ عن محل الكلام; فإنّ الحيلة المبحوث عنها هي الفرار من الحرام إلى الحلال الذي يكون في الواقع غير مورد الحرام و إن ترتّب عليه ما يترتّب على الحرام.
و نقل أيضاً عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «كل قرض جرّ منفعة فهو وجه من وجوه الربا».(5)
و روى في الوسائل بسند موثق عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: «إنّ رجلا أتى عليّاً عليه السلام فقال: إنّ لي على رجل ديناً، فأهدى إليَّ بهدية؟ قال: احسبه من دينك عليه».(6)
بتقريب: أنّ المستفاد من هذه الأحاديث أنّ المعتبر هو القصد، و هو بمنزلة اللفظ; فإن
**
(1) مِن يَعَرَ يَيْعَِرُ: أي يصيح.
(2) معالم السنن 8:2.
(3) الحيل الشرعية، محمّد عبد الوهاب البحيري: 226-228.
(4) سنن ابن ماجة، كتاب الصدقات، باب 19.
(5) السنن الكبرى، البيهقي 349:5.
(6) وسائل الشيعة 352:18، باب 19 من أبواب الدين و القرض، ح 1.
كان العقد حلالا فالعقد حلال، و إن كان حراماً فالعقد حرام; و عليه فالهدية أو العارية أو المحاباة في البيع و نحوها لاتقع من المستقرض إلاّ من جهة القرض، فكأنها اشترطت في القرض و إن لم تذكر في اللفظ; فيترتب عليه ما يترتّب على الاشتراط من أحكام الربا. و الدليل عليه أنّه لو انفك أحدهما عن الآخر لما أقرض المقرض و لاأهدى المقترض.(1)
وفيه: أنّ القرض إن كان مشروطاً بالزيادة ولو بالتباني لكان مصداقاً للربا، و هو خارج عن المقام الذي هو التوسل بالحيلة إلى الحلال، و أمّا لو لم يكن القرض مشروطاً بذلك ولكن يعلم أنّ المقترض يعطي زيادة فلا يكون ذلك محرماً; لأنّ العلم بذلك يكون من الدواعي لاالاشتراط، كما لايخفى.
و هذا هو مقتضى الجمع بين هذه الروايات و بين الروايات الاُخرى التي تدل على الجواز و التي منها:
أ - مرسلة جميل بن دراج عن رجل قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: أصلحك الله! إلى أن قال: و سئل أبو جعفر عليه السلام عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم و المال، فيدعوه إلى طعامه أو يهدي له الهدية؟ قال: «لابأس».(2)
ب - صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل يستقرض من الرجل قرضاً و يعطيه الرهن; إمّا خادماً و إمّا آنية و إمّا ثياباً، فيحتاج إلى شيء من منفعته (أمتعته) فيستأذن فيه فيأذن له؟ قال: «إذا طابت نفسه فلا بأس». قلت: إنّ من عندنا يروون أنّ كل قرض يجرّ منفعة فهو فاسد؟ فقال: «أوَليس خير القرض ما جرّ منفعة؟!».(3)
كما يشهد للجمع المذكور:
**
(1) الحيل الشرعية، محمّد عبد الوهاب البحيري: 237.
(2) وسائل الشيعة 359:18، باب 19 من أبواب الدين، ح 17.
(3) المصدر السابق: 354، ح 4.
أ - صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: «من أقرض رجلا ورقاً فلا يشترط إلاّ مثلها، فإن جوزي أجود منها فليقبل. و لايأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترط من أجل قرض ورقه».(1)
ب - موثقة يعقوب بن شعيب عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين ديناراً، و يقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين ديناراً؟ قال: «لايصلح; إذا كان قرضاً يجرّ شيئاً فلا يصلح».
قال: و سألته عن رجل يأتي حريفه و خليطه فيستقرض منه الدنانير فيقرضه، و لولاأن يخالطه و يحارفه و يصيب عليه لم يقرضه؟ فقال: «إن كان معروفاً بينهما فلا بأس، و إن كان إنّما يقرضه من أجل أنّه يصيب عليه فلا يصلح».(2)
ج - ما رواه في الكافي بإسناده عن صفوان عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: الرجل يكون له عند الرجل المال قرضاً كراهية فيطول مكثه عند الرجل لايدخل على صاحبه منه منفعة، فينيله الرجل الشيء بعد الشيء كراهية أن يأخذ ماله حيث لايصيب منه منفعة، أيحلّ ذلك؟ قال: «لابأس إذا لم يكن يشترط».(3)
... إلى غير ذلك من الأخبار.
بتقريب: أنّ الرواية تدل على أنّ التوسّل بالحيلة لاستحلال الحرام من جملة ما ارتكبه اليهود; فيكون محرماً و يلزم الاجتناب عنه.
**
(1) المصدر السابق: 357، ح 11.
(2) المصدر السابق: 356، ح 9.
(3) المصدر السابق: 357، ح 13.
(4) سنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب 39.
وفيه: أنّ ما ارتكبه اليهود كما مرّ مصداق للحرام، و حاله حال حبس الحيتان يوم السبت في الجداول أو إذابة الشحوم، فالحيل التي ارتكبها اليهود تكون محرمة لصدق موضوعات الحرام عليها، و هو أجنبي عن المقام; فإنّ من يبيع لشخص شيئاً بأزيد من قيمته ثمّ يقرضه شيئاً لم يأخذ في قبال القرض شيئاً زائداً، بل القرض خال عن الزيادة و إنّما الزيادة في البيع، و لذلك لم يصدق على هذه المعاملة الربا، بل هي فرار من الربا إلى البيع مع زيادة القيمة، فلا تغفل.
.. إلى غير ذلك من الاستدلالات الضعيفة، و قد أطال البحيري في الكتاب المذكور، إلاّ أنّه لم يأتِ بما يسمن و يغني من جوع، فراجع.
و الأضعف مما ذكر ما ذهب إليه بعض المؤلفين حيث جعل الحيلة من التقلّب و فسّر التقلّب بالخيانة و التجاوز و عدم العمل بالقانون، حيث قال: «إنّ الوسيلة التي استُخدمت للتقلب صحيحة ذاتاً، إلاّ أنّ الداعي في استخدامها هو عدم العمل بالقانون و لابالتعهدات». ثمّ حكم ببطلان التقلب من جهة خلوّه عن قصد الإنشاء و كونه مجرد صورة، و استشهد أيضاً للبطلان بالأدلّة النقلية، كالحكم بإرث الزوجة إلى سنة فيما إذا طلّقها زوجها في مرض الموت خلافاً لما يريده الزوج من محرومية زوجته من الإرث; إذ هذه الموارد تصلح للدلالة على أنّ الحيلة و التقلب لم يكونا مورد قبول المقنن و تصويبه.(1)
هذا مضافاً إلى أن قاعدة «لاضرر» تكفي للحكم بالبطلان; لأنّها حاكمة، كما يشهد لها الحكم ببطلان الوصية بالضرار و الإقرار بالدين ضراراً، و غير ذلك من الموارد التي تكون ضرراً على الغير.(2)
**
(1) انظر: نظريه تقلب نسبت به قانون حيل، محمود الكاشاني (بالفارسية): 176 و 136.
(2) المصدر السابق: 254.
وقال في ذيل قوله عليه السلام: «نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال»: «لايستفاد من هذا الحديث صحة الحيل; إذ المقصود من الفرار من الحرام إلى الحلال هو ألاّ يرتكب فعل الحرام لاأن يفعل الحرام مع الحيلة. و ليس موارد الحيلة المذكورة في باب الربا إلاّ من باب ارتكاب الحرام مع الحيلة».(1)
وفيه:
أوّلا: أنّ التقلب لايصدق على المقام; إذ المتعاملان في المقام يعلمان كيفية المعاملة و كيفية الاستفادة من إطلاقات المعاملات المحللة لنيل الربح و الفائدة من دون ارتكاب الحرام، بخلاف التقلب فإنّ اللازم أن يكون فيه نوع جهل كالغش، و عليه فتطبيق أحكام التقلب على الحيل الربوية كما ترى.
وثانياً: أنّ قاعدة «لاضرر» لاتشمل صورة الإقدام، و المتعاملان في المقام أقدما على الضرر. هذا إن سلّمنا صدق الضرر، و أمّا إذا قلنا بأن الحيلة التي تكون وسيلة لنيل المقصد المطلوب لايصدق عليها الضرر، فلا كلام.
وثالثاً: أنّ حمل قوله عليه السلام: «نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال» على المعنى المذكور اجتهاد في مقابل النصوص; حيث جعله في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج منطبقاً على اشتراء ألف درهم و دينار بألفي درهم.(2)
ورابعاً: أنّ موارد الحيلة مقصودة; لوجود الداعي إليها، و لاتقاس بما كان خالياً عن قصد الإنشاء، كما مرّ مراراً.
وخامساً: أنّ إرث الزوجة عند طلاق الزوج ايّاها في مرض موته و نحوه خارج عن
**
(1) المصدر السابق: 22.
(2) انظر: الكافي 246:5.
محل الكلام; إذ الحيلة مقصودة للمتعاملين، و هما مقدمان عليها، بخلاف طلاق الزوجة و محروميتها من الإرث، كما لايخفى.
ملحوظة: حكى الوحيد البهبهاني (قدس سره) عن جماعة من علماء زمانه أنهم اعتقدوا حلّية القرض بشرط المعاملة المحاباتية، ثمّ أورد عليهم ب «أن فقهاءنا (رحمهم الله) بأجمعهم صرّحوا بأن القرض بشرط النفع حرام، مطلِقين للفظ النفع غير مقيِّدِين بما إذا لم تكن المعاملة محاباتية، مثل البيع بغير ثمن المثل أو الإجارة كذلك، أو غير ذلك مثل الهبة و العارية و غيرهما، بل و خصّصوا الحلية بصورة التبرع ليس إلاّ، و اتفقت عباراتهم على هذا و لم تختلف مقالاتهم فيه أصلا و رأساً».
إلى أن قال: «ومجرد تسمية النفع بالهبة أو المحاباة لايخرجه عن كونه نفعاً و لايمنع عن تسميته بالنفع; إذ لامنافاة بين الإطلاقين و التسميتين، بل النفع الحرام القطعي ربما يكون له أسام اُخر، و لم يشترط في النفع الحرام ألاّ يكون له اسم آخر».
إلى أن قال: «إنّ الحيلة الشرعيّة إنّما هو متحقق بالنسبة إلى موضوعات الأحكام لانفس الأحكام; لأنّها على حسب ما حكم به الشارع، فأي حيلة لنا فيها؟! فالنفع المحرم في القرض بحسب الشرع لو كان أعم من المعاملة المحاباتية، فأي حيلة لنا فيه؟! و النفع لو كان مختصاً بغيره فكيف يكون المعاملة حيلة؟! بل هي أمر على حدة».(1)
و لقد أفاد و أجاد، و أطال في البحث في موضوع اشتراط المعاملة المحاباتية في القرض، و محصله ما ذكر، و لم يستفد من عباراته أنّه ذهب إلى تحريم الحيل مطلقاً في جميع الموارد، و إنّما كان موضوع كلامه ما ذكر، و كلامه فيه متين; لأنّ النهي في القرض هو مطلق النفع، و هو صادق باشتراط المعاملات المحاباتية في ضمن القرض أيضاً، فراجع.
**
(1) الرسائل الفقهية: 241-294.
و استدل له أيضاً بآية السبت و قال: «إنّه تعالى منع عن الحيلة، بل و جعل مرتكبيها قردة خاسئين، و جعل ذلك نكالا للظالمين و موعظة للمتقين».(1)
و تمسّكه بالآية صحيح; من جهة أنّ الآية تدلّ على أنّ شقّ الجداول قرب البحر و حبس الحيتان فيها يوم السبت ثمّ صيدها يوم الأحد لايجدي في رفع الحرمة; لأنّ هذه الحيلة لاتخرجه عن حقيقة الصيد، فلا يستفاد من استدلاله بالآية الكريمة أنّه ذهب إلى حرمة الحيلة مطلقاً، كما لايخفى.
و مما ذكر يظهر التأمل في نسبة تحريم الحيل مطلقاً إليه (قدس سره) عن بعض، كالسيد محمّد بن محمّد صادق و هو من أحفاد السيّد محمّد مهدي الخوانساري صاحب «رسالة عديمة النظير في تحقيق أحوال أبي بصير» المتوفى سنة (1246)، حيث ذهب إلى حرمة الحيل، و نسبها إلى الوحيد البهبهاني حيث قال: «ومن أكابر الذين حكموا بالحرمة و فساد الحيل هو المولى الأعظم اُستاذ الفضلاء في عصره أقا محمّد باقر البهبهاني». ثمّ نقل بعض عبائره في رسالته المؤلفة في تحريم القرض مع البيع المحاباتي(2)، و قد عرفت اختصاص كلامه بالقرض مع البيع المحاباتي، فلا وجه للنسبة المذكورة، كما لايخفى.
فالعمدة في تحريم الحيل مطلقاً عدا موارد الضرورة هو الذي ذكرناه سابقاً; من أنّه مقتضى الحِكم المنصوص عليها فإنها كالعلة في التعميم، فتأمل.
و الحمد لله أوّلا و آخراً.
**
(1) المصدر السابق: 273.
(2) هفده رساله فارسي، آية الله الاُستادي مدّ ظلّه: 251.
يقع البحث في عدّة نقاط:
و قبل الشروع في البحث لابدّ من بيان حقيقة الأوراق النقدية.
فنقول: الظاهر أنّ الأوراق النقدية من جنس غير النقدين في زماننا هذا لأنّها بنفسها مال، و لاحكاية لها عن النقدين أصلا، و عليه فهي من المعدودات لاالموزونات، و يجري عليه أحكامها.
و تفصيل ذلك أن الأوراق النقدية لها أدوار أربعة(1):
الأوّل: انّها كانت حاكية بمقدارها من الأرقام المنقوشة عن النقدين و عن الذهب و الفضة اللتين تكونان مودعتين في الخزانة، كالصكوك الحاكية عن الأوراق النقدية في البنوك في زماننا هذا.
والثاني: انها كانت حاكية بمقدارها من الأرقام المنقوشة عن النقدين في ذمة الجهة المصدّرة لتلك الأوراق لما انتهوا إليه من عدم لزوم حفظ أعيانهما بمقدار الأوراق الصادرة لعدم مطالبة المالكين جميعاً إياهما في وقت واحد.
ففي الصورتين تكون الأوراق النقدية سندات للنقدين أو الذهب و الفضة، فيجري عليها أحكام النقدين، فلا يجوز التفاضل في معادلتهما بالمتجانسين منهما; لأنّهما من الموزونات كما لايخفى. فإن كانت النقود المحكية من المسكوكات يترتب عليها أحكامها من
**
(1) لقد أفاد و أجاد آية الله السيد المحقق الهاشمي دامت بركاته في تفصيل ذلك في مقاله الأوراق النقدية المطبوع في مجلة فقه أهل البيت، العدد الثاني - السنة الاُولى: 30. بحوث فقهية للعلاّمة الشيخ حسين الحلي (رحمه الله): 45-62.
الصرف و الربا و إن لم تكن من المسكوكات بل كانت من السبائك يترتب عليها أحكام الربا دون الصرف، و أمّا الزكاة فعلى كل تقدير لاتترتب عليها; لأنّ المناط في وجوبها في النقود هو وجودها تحت التصرف.
والثالث: انّ تعهّد الجهة المصدّرة بالضمان يصير بمرور الزمان تعهداً مستقلا عن حكاية الأوراق النقدية للرصيد، فأصبحت الأوراق النقدية ذات مالية مستقلة، و تعهد الدولة بالرصيد لم يكن إلاّ حيثية تعليلية لاعتبار المالية لنفس الأوراق النقدية، فلا حكاية للأوراق حينئذ عن النقدين لافي الخارج و لافي الذمة، بل هي لها المالية بحيالها بقاءً.
الرابع: انّ التعهد المذكور يصير بالمرور ملغى، و إنّما اعتبرت الأوراق بنفسها مالا إذا صدرت من دولة لها اعتبار من جهة امتلاكها ثروات و امكانات حقيقية، و هو الدور الرائج في يومنا هذا في جميع أنحاء العالم، فلا حكاية للأوراق حينئذ عن النقدين لافي الخارج و لافي الذمة.
و عليه فالرصيد اللازم في جعل الاعتبار في الأوراق مستقلا هو مجموعة ما تمتلكه الدولة من القدرة الاقتصادية و الامكانات الحقيقية بحيث تتعهد الدولة اعتماداً على ممتلكاتها بدفع ما يقابلها من المال لو طولبت، و هذا التعهد يوجب مالية الأوراق النقدية.
قال العلاّمة الشيخ حسين الحلّي (قدس سره): «من الواضح انّ الدولة تلتفت إلى أنّ ذلك الاعتبار وحده ليس بكاف لمنح هذه الأوراق السمة المالية، لذلك تأخذ على عاتقها موضوع دعم الورق بالتعهد الشخصي، و التقرير على نفسها بدفع ما يقابله من المال لو طولبت بذلك من قبل الدول الاُخرى أو الشركات الأجنبية، و حيث كان هذا المقدار أيضاً ليس بكاف لمنح الورقة السمة المالية الدولية، بل يقتصر اعتباره على الداخل، لذلك تضطرّ الدولة إلى الدخول في (منطقة الاسترليني) مثلا فتجتمع عدة دول لتودع في أحد البنوك العالمية المقادير اللازمة من الذهب، و يكون هذا الايداع هو الرصيد للورق النقدي في
مجموعة تلك الدول المشتركة، و قد تنسحب تلك الدولة من منطقة الاسترليني فتسحب ما لديها من الاحتياطي و تودعه في البنك الحكومي المؤسس في المملكة و تعلن هذا المعنى إلى الجميع، و تدعم هذا الايداع من جهة اُخرى بما تمتاز به تلك الدولة من معادن و ثروات طبيعية كالنفط و الكبريت و الفحم و ما شاكل ذلك من الثروات الطبيعية.
وبعد كل هذا يعزز ما ذكرناه نفس مركز الدولة بين بقية الدول، و هذه و إن لم تكن عوامل أساسية لتغطية النقد الورقي، إلاّ أنّ لها قيمتها الاعتبارية في أنظار الناس، فتعطي الورقة رصيداً سوقياً في الداخل و الخارج».(1)
و قد اتضح أنّه في الصورتين الأخيرتين تكون الأوراق سندات للثروات و الخدمات الاقتصادية بل هي معتبرة بنفسها أموالا ممن له اعتبار المالية، فصارت كالأموال الذاتية مثل المأكولات و الملبوسات قابلة للمبادلة و المعاملة و يترتب عليها أحكام المعدودات; لكونها منها، لاالمكيلات والموزونات.
و مما يشهد على انّ الأوراق النقدية أموال مستقلة في الصورتين الأخيرتين لاسندات انّه إذا تلفت أو اُتلفت كان ذلك موجباً لتلف المال من دون اشتغال ذمة أحد بمثلها، و هكذا ان إقباضها إقباض للمال، و ليس حوالة على المال كما لايخفى.
و إذا عرفت ذلك فاعلم انّ الأوراق النقدية في زماننا هذا كانت بنفسها أموالا فلا تكون مندرجة تحت عنوان الدراهم و الدنانير فلا يجري عليها حكمها من حرمة التفاضل في المعاملة بين المتجانسين منهما، فإنّ الربا المعاملي مختص بالمكيلات و الموزونات، نعم لايجوز قرض الأوراق النقدية بأكثر منها; لأنّه من مصاديق الربا القرضي.
و عليه فالربا المعاملي لاموضوع له في الأوراق النقدية بعدما عرفت من انّها بنفسها
**
(1) بحوث فقهية: 83، ط - مؤسسة المنار.
أموال و تكون من المعدودات فيجوز بيع الأوراق النقدية بأكثر منها نقداً و نسيئة; لعدم اشتراط بيع المعدودات بعدم التفاضل و لاكلام فيه إذا كان ذلك بين الأوراق النقدية من البلاد المختلفة كبيع الريالات بالدولارات أو غيرها من نقود البلاد.
و امّا بيع الأوراق النقدية لبلد بعضها ببعض فقد اُورد عليه بأنّ بيع الأثمان أي النقود الورقية بمثلها غير مألوف عند العرف; لوقوعها دائماً ثمناً لامثمناً. فيتخذ ذلك ذريعة للفرار من الربا فلا يقول أقرضتك الألف بالألف و عشرة بل يقول: بعتك هذا بهذا إلى كذا مدة.
و من المعلوم انّ بيع المعدود بتفاضل مما لااشكال فيه، و لذا نحن لانرى هذا البيع جدياً صحيحاً، بل يراه العرف مصداقاً للقرض مع التفاضل، فلا يشمله الأمر بالوفاء; لعدم كونه متعارفاً، و تسميته بالبيع أمر صوري، فلا أقل فيه من الاحتياط.(1)
يمكن أن يقال إنّا نمنع عدم قصد الجد; لأنّ مع وجود الداعي كالفرار من الحرام إلى الحلال يكون قصد الجد موجوداً بالنسبة إلى المعاملة المذكورة، و مع صحة المعاملة لامجال لصدق القرض حتى يكون محرماً.
و قد ورد في الروايات جواز اشتراء ألف درهم و دينار بألفي درهم مع انّه لم يكن مألوفاً في العرف، و عليه فلا اشكال من جهة عدم تعارفه في العرف و لامن ناحية قصد الجد هذا، مضافاً إلى انّ الفرق بين أن تكون المعاملة بين الأوراق الداخلية و بين أن تكون بينها و بين الخارجية لاوجه له; فإنّ الزيادة إذا كانت أزيد من المتعارف لم تكن مألوفة و مع عدم المألوفية يجي الاشكال في الصورتين.
و الجواب عن الاشكال واحد فيهما، نعم تشكل المعاملة المذكورة سواء كانت في
**
(1) النقود الورقية لآية الله مكارم الشيرازي مدّ ظله المطبوع في مجلة فقه أهل البيت، العدد الخامس والسادس - السنة الثانية: 67.
الأوراق الداخلية أو الداخلية مع الخارجية فيما إذا كانت وسيلة و حيلة للوصول إلى الربا. و قد مرّ انّ الحيل محل اشكال.
نعم، لابأس بها فيما إذا كانت ضرورة، كما دلّت عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «سألته عن الصرف فقلت له: انّ الرفقة ربما عجلت فخرجت فلم نقدر على الدمشقية والبصرية و إنّما يجوز بسابور الدمشقية و البصرية (البغلية)، فقال: و ما الرفقة؟ فقلت: القوم يترافقون و يجتمعون للخروج، فاذا عجلوا فربما لم نقدر (لم يقدروا) على الدمشقية والبصرية فبعثنا (فبعنا) بالغلة فصرفوا ألفاً و خمسين درهماً منها بالألف (بألف) من الدمشقية، فقال: لاخير في هذا، أفلا تجعلون فيها (معها) ذهباً لمكان زيادتها، فقلت له: أشتري ألف درهم و ديناراً بألفي درهم، فقال: لابأس بذلك، إنّ أبي عليه السلام كان أجرأ على أهل المدينة منّي، و كان يقول هذا، فيقولون: إنّما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار. و كان يقول لهم: نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال».(1)
و عليه، فلا مانع من التوسل بالحيلة المذكورة عند الضرورة ولو من طرف واحد كما في مورد الرواية. و الرواية و إن وردت في الموزونات، ولكن تدل على جواز التوسل بالحيلة في المعدودات بالأولوية عند الضرورة.
و من الضرورة انّه يحتاج أحد إلى الاقتراض و لم يعطه المقرض إلاّ بمعادلة الأوراق النقدية بأكثر منها نسيئة، أو يحتاج إلى اجارة منزل و لم يؤجره المالك إلاّ بذلك، أو يحتاج إلى العملات الصغيرة و لم يعطها صاحبها إلاّ بأقل و هكذا.
فبيع العملة الورقية بالعملة الورقية في هذه الموارد و غيرها من موارد الصرف مما لم يكن وسيلة و حيلة للربا لااشكال فيه.
**
(1) وسائل الشيعة 466:12، ب 6 من أبواب الصرف، ح 1.
و مما ذكر ينقدح ما في اطلاق كلام السيد المحقق اليزدي (قدس سره) حيث قال في الملحقات: الاسكناس (العملة الورقية) معدود من جنس غير النقدين، له قيمة معينة، و لايجري عليه حكمهما، فيجوز بيع بعضه ببعض أو بالنقدين تفاضلا.(1)
و ذلك; لما عرفت من الاشكال فيما إذا كانت المعاملة المذكورة حيلة للمرابين.
نعم، لامانع منها إذا لم تكن كذلك كموارد اقتضاء الضرورة، أو الموارد التي يكون المقصود منها هو التجارة.
ثمّ انّ البرات (الحوالة) إن كانت سنداً للنقدين فيجري عليها ما يجري على النقدين من حرمة التفاضل و ان لم يكن كذلك فحكم العملة الورقية يجري عليها كما عرفت.
فإن كان للفلزات مالية قابلة للمقابلة فهي تكون من الموزونات و يترتب عليها حكمها، و إن لم يكن لها مالية فهي بحكم العملة الورقية. و لايبعد أن تكون الفلزات في زماننا هذا لامالية لها، و لعل ما ذهب إليه السيد المحقق اليزدي (قدس سره) باعتبار ما سبق من الزمان حيث كان فلز (القرانات) فيه من الفضة.
قال في الملحقات: و امّا (القران) و (المنكنة) و (المجيدي) و نحوها من النقود فهي من الموزون و ان تداول بيعها عدداً; لأنّ ذلك من حيث كون العدد أمارة على الوزن المعين، و كذا إذا كانت ناقصة لاتؤخذ فلا يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا.
نعم، يمكن أن يقال: إنّ ما في مثل المجيدي من الخليط يقابل القدر الزائد في الطرف الآخر.
إلاّ أن يقال: انّه مستهلك أو ليس بمقدار له مالية قابلة للمقابلة، لكن إذا كان كثيراً كمئة
**
(1) ملحقات العروة الوثقى 48:2 المسألة 56.
(مجيدي) مثلا يكون الخليط في المجموع قابلا للمقابلة فيلزم أن يجوز بيع مئة (مجيدي) بأزيد منها أو من (القرانات) مثلا.
و الظاهر انّ (الفلس) الأحمر أيضاً من الموزون، فلا يجوز التفاضل في بيع بعضها ببعض(1)
ولايخفى انّ السكة على أقسام:
منها: ان لامالية لنفس السكة بل هي طريق إلى تحديد مادتها من جهة المقدار و كيفيتها.
و لاإشكال في هذه الصورة انها من الموزونات و يترتب عليها أحكامها، و من جملتها عدم جواز التفاضل بينها، و تداول بيعها عدداً من جهة كونها امارة على المادة و الكيفية الخاصة و كمية خليطها هو الذي ذكره السيد في الملحقات.
و منها ان لامالية لمادتها و إنّما المالية لنفس السكة، فلا اشكال في كونها من المعدودات كالعملة الورقية و يترتب عليها أحكامها على تفصيل ما مضى.
ومنها: ان يكون لكل واحد مالية و الفرق بينهما ان مالية فلزها ذاتية و مالية السكة اعتبارية، و هذه الصورة على أقسام.
أحدها: أن يكون كل واحد عومل مستقلا مع قطع النظر عن الآخر، ففي هذه الصورة يترتب على كل واحد حكمه، فإنّ الفضة من الموزونات يترتب عليها حكمها، و السكة باعتبار ماليتها من المعدودات فيترتب عليها حكمها.
وثانيها: أن يكون المقصود بالمعاملة نفس السكة و لانظر إلى مادتها، و إنّما انتقل المادة تبعاً لمعاملة السكة، و الانتقال التبعي ليس بمعاوضة بل هو انتقال بتبع المعاوضة كانتقال
**
(1) المصدر السابق.
مفتاح الدار بتبع انتقال الدار، ففي هذه الصورة وقعت المعاوضة بين السكة و السكة لابين الفلز و الفلز، فلا يترتب على هذه المعاملة إلاّ أحكام المعدودات فإنّ السكة من المعدودات، و لاضير في زيادة الفلز في طرف بالنسبة إلى طرف آخر; إذ لاتقع المعاملة بينهما، و الممنوع من التفاضل هو التفاضل في المعاملات، و المقام ليس كذلك.
وثالثها: انّ المقصود بالمعاملة هو فلزها و مالية السكة مستقلة تبعاً لمعاملة فلزها، ففي هذه الصورة كان الأمر بعكس ما مرّ في الصورة السابقة، فيترتب عليها أحكام الموزونات كما لايخفى.
و المثلي لايضمن إلاّ بالمثلي، و مقتضى ذلك أن يشتغل الذمة عند قرض ألف تومان بمثله و هو ألف تومان ولو لم يبق على قدرته الشرائية حال الأداء من جهة انخفاض قدرة الشراء; لأنّ حقيقة القرض هو تمليك شيء بالضمان الواقعي لاالجعلي و الضمان الواقعي في المثلي بالمثلي و في القيمي بالقيمي. و دعوى اشتغال الذمة بقدرة الشراء في القرض، لاتساعدها حقيقة القرض.
و يشهد له عدم ملاحظة مقدار القدرة المذكورة حال الاقتراض و حال الأداء، هذا مضافاً إلى انّه لو كان اللازم هو ملاحظة القدرة المذكورة لزم حال الأداء لو صارت القدرة أزيد مما سبق ان يجوز أن يعطي المقترض أقل مما أخذه، و هو كما ترى.
ويتفرع عليه: انّ المقرض لايستحق بالاقراض إلاّ مثل ما أقرضه ولو صارت قدرته الشرائية حال أداء القرض منخفضة كسائر المثليات; فإنّ من أقرض مثلياً كالظروف لايستحق إلاّ مثله ولو كانت قيمة الظروف حال الأداء منخفضة.
وبعبارة اُخرى: لاتلاحظ قدرة الشراء في ضمان المثليات، و عليه فاعتبار القدرة
الشرائية زائدة على المثلي في حال القرض يوجب الزيادة في القرض، و هو الربا المحرم.
لايقال: انّ العقلاء لايلاحظون القيمة السوقية و القدرة الشرائية من أوصاف المثل إذا لم يكن الاختلاف فاحشاً، و أمّا إذا كان الاختلاف و التفاوت فاحشاً فالقدرة الشرائية ملحوظة من صفات المثل و تكون مضمونة، و حالها حال أصل مالية المثل، فكما أنّ العقلاء لايكتفون بدفع المثل مع سقوط المالية رأساً، فكذلك لايكتفون بدفع المثل مع سقوط القدرة الشرائية المذكورة فيما إذا كانت ملحوظة في الأوراق النقدية كموارد الاختلاف الفاحش، و ليس كل زيادة عينية أو اسمية ربا في القرض; إذ الربا هي الزيادة على رأس المال، أي زيادة مال على أصل المال المسلف، و هذا لايصدق في المقام، فلا يشمله اطلاق آية الربا أو اطلاق الروايات; إذ الزيادة إن كانت من جهة المالية و القيمة التبادلية فالمفروض مساواتها مع الأصل نتيجة التضخم، و إن كانت من جهة الزيادة الاسمية و انّ عشرين توماناً أزيد من عشرة فالاسم أو الاعتبار بما هو اسم أو اعتبار ليس مالا، و إنّما ماليته بلحاظ قدرته التبادلية و الشرائية و هي معادلة للأصل، و الزيادة المحرمة ليست مطلق الزيادة، بل الزيادة في المالية و بلحاظ رأس المال، و هذا يصدق في الأجناس الحقيقية بمجرد زيادة كمّيتها عرفاً ولو نقصت قيمتها أو يصدق مع التساوي و اشتراط شرط زائد له مالية و نفع، بخلاف ما إذا لم تكن الزيادة إلاّ عنواناً و اسماً من دون أن يكون جنساً حقيقياً زائداً كما في النقود الاعتبارية; فإنّ الزيادة لاتصدق في رأس المال و لاالنفع، و مع عدم صدقها لاتشملها أدلّة الربا، و لادليل كل شرط جرّ نفعاً فهو رباً.
هذا، مضافاً إلى ما في كلمات بعض الأعلام من أنّ مع الاختلاف الفاحش أداء المأخوذ من دون ملاحظة الاختلاف المذكور لايعدّ أداء الدين.
لأنّا نقول: أوّلا لايقاس الاختلاف الفاحش بصورة سقوط المالية رأساً; فإنّ الانخفاض لايوجب سلب المالية رأساً حتى تصل نوبة الضمان إلى ضمان المالية، فما دام أمكن
ضمان النوع لم تصل نوبة ضمان الجنس إلى المالية; إذ مراتب ضمان الأعيان مرتبة لاينتقل من مرتبة إلى لاحقتها إلاّ بعد تعذّر السابقة.
و هذه المراتب هي:
الاُولى: ضمان الخصوصية الشخصية، و لامجال لضمان النوع أو الجنس ما دام أمكن ضمان شخص المال.
و الثانية: ضمان النوع و هو المثل، و لامجال له إلاّ إذا فقدت العين، و مع وجود العين لامجال لضمان المثل، كما لامجال لضمان الجنس مع امكان ضمان المثل.
و الثالثة: ضمان الجنس و هو المالية، و لامجال له إلاّ بعد تعذّر ضمان الشخص و النوع، و عليه فلا مجال للحكم بضمان المالية بعد إمكان ضمان الشخص أو المثل و إن كان الاختلاف فاحشاً كما في سائر المثليات.
نعم، لو كان الاختلاف بحيث يحكم العرف بسقوط المالية رأساً فلا مانع من ضمان المالية إلحاقاً بالأموال الذاتية.
و بعبارة اُخرى: موضوع الضمان في القرض هو المال عند امكان أداء العين أو المثل لاالمالية، و دعوى ضمان المالية مع امكان أداء العين أو المثل خُلف في كون المضمون ابتداء هو المال، على ما عرفت من حقيقة القرض.
وثانياً: انّه بعد ما عرفت من أنّ موضوع الضمان في القرض هو نفس المال لاالمالية، فرأس المال هو نفس المال لاالمالية و القدرة الشرائية، و عليه فكل زيادة على نفس المال تعدّ زيادة ربوية، و مع صدق الزيادة يشملها أدلّة حرمة الربا، و لافرق في ذلك بين المال الذاتي و المال الجعلي، فكما أنّ الزيادة الكمية في الأموال الحقيقية و الذاتية توجب صدق الربا فكذلك في الأموال الجعلية حرفاً بحرف.
و دعوى عدم صدق الزيادة في رأس المال باضافة مبلغ الانخفاض، مندفعة بأنّ ذلك
محل نظر; لأنّ المراد من رأس المال هو نفس المال، لاالمالية حتى يلاحظ الزيادة باعتبارها و يقال انّ الزيادة لاتصدق.
و بعبارة اُخرى: انّ القيمة و المالية السوقية من الحيثيات التعليلية لصيرورة الشيء مالا، و المضمون هو المال لاالقيمة و المالية التبادلية السوقية، و إلاّ لزم الخلف في كون المضمون هو المال، فاذا كان المضمون نفس المال لاالمالية، فكلّ إضافة و زيادة عليه يوجب صدق الربا عليه كما لايخفى.
و مما ذكر يظهر أنّ مع وضوح أنّ المضمون هو نفس المال لاالمالية فأداؤه يكون أداء الدين، و لامجال للترديد فيه كما عن بعض الأعلام.
و كذا لاوجه لدعوى الظلم بعين الملاك.
لايقال: انّ النقود الاعتبارية حيث لاتكون لها منفعة ذاتية استهلاكية أصلا و إنّما منفعتها في جعلها للتبادل، فتكون هذه الخصوصية أعني قيمتها التبادلية وقوتها الشرائية ملحوظة عرفاً كوصف حقيقي للنقود، فتكون مضمونة كضمان سائر صفات المثل، ولكن بالمقدار المرتبط بنفس النقد لابقيمة السلع الاُخرى من سائر النواحي، أي من ناحية مقدار العرض و الطلب عليها في نفسها من غير ناحية ارتباطها بقيمة النقد، فاذا كان هبوط قيمة النقد من جهة غلاء الأجناس الاُخرى أو أكثرها لندرتها أو غير ذلك من أسباب ارتفاع قيمة السلع فهذا لايكون مضموناً لصاحب النقد; لأنّ هذه المالية الزائدة لم تكن مربوطة بالمالية التي كان يمثلها النقد المضمون. و إن كان هبوط قيمة النقد من ناحية تغيير سعر النقد نفسه لضعف الجهة المصدّرة له اقتصادياً كان مضموناً.
و بالجملة هناك فرق بين النقد الحقيقي كالدراهم و الدنانير و بين النقد الاعتباري كالريالات و الدولارات، و هو إنّ النقد الاعتباري إنّما يضرب ليكون تعبيراً عن المالية و القوة الشرائية المحضة التي يعتبرها القانون، فتكون تلك القدرة ملحوظة فيه بنحو المعنى
الاسمي، بخلاف النقد الحقيقي فإنّ قوته الشرائية يمكن أن تكون ملحوظة بنحو المعنى الحرفي و بما هي من آثار خصوصية الجنسية الحقيقية، و عليه فالقدرة المذكورة ملحوظة في النقد الاعتباري دون الحقيقي.
لأنّا نقول: اجيب عن ذلك بأنا نمنع كون القوة الشرائية من صفات المثل و مضمونة بضمان المثل، إذ لو كانت كذلك لزم أن يكون التسبب إلى زوالها عن العين المملوكة موجباً لضمان قيمتها كسائر موارد التسبب إلى فساد أموال الناس أو تغيير صفة من صفاتها الحقيقية المرغوب فيها، مع انّه لامجال للالتزام بالضمان في مثل التسبب المذكور، و لعلّ وجهه انّ القوى الشرائية ولو كانت حيثية تقييدية عرفاً أي قوام النقد و حقيقته بذلك حيث لامنفعة ذاتية له، إلاّ أن مجرد ذلك لايكفي لضمان التضخم; لأنّ هذه الصفة - أعني القيمة السوقية للنقد من الصفات الاضافية النسبية التي لها طرف آخر و هو السوق، و الصفات النسبية إن كان تغيرها و زوالها بتغير صفة أو منشأ لها قائم بنفس المال كما إذا قلّت رغبة الناس فيه لزوال طعمه أو لونه أو تأثيره فمثل ذلك يكون مضموناً و من صفات المثل، لأنّ تلك الحيثية تكون متعلّقة لحق المالك أيضاً.
و أمّا إذا كان تغيرها لتغير طرف الاضافة الذي هو أجنبي عن المال و خارج عنه فلا معنى لأن يكون مضموناً; لأنّ ذلك الطرف لم يكن مملوكاً لمالك المال أو متعلّقاً لحقه، كما إذا تصرف المتصرف في الجو فأصبح بارداً فلم يرغب الناس في شراء الثلج فإنّه لايكون ضامناً لمالية مالهم.
و كذلك الحال في القيمة السوقية للنقد; فإنّ نقصانها يعني انّ السوق و الناس قلّت رغبتهم فيه ولو لضعف الجهة المصدرة له، إلاّ انّ المفروض انّ تلك الجهة لاتزال متعهدة و معتبرة للنقد كالسابق و إنّما قلّت رغبة الناس في اعتبارها كما تقلّ في السلع الحقيقية، فهذا تغيير في جهة أجنبية عن حق المالك للمال، فلا وجه لأن يكون من صفات المثل و يكون مضموناً.
وقد أورد على هذا الجواب بأنّ المعيار في الضمان هو صدق التصرف في مال مالك النقد الاعتباري، فاذا أتلف النقد الذي له مالية و قيمة سوقية معيّنة أو أخذه من مالكه على وجه الضمان فحينئذ يعد ذلك اتلافاً أو أخذاً لقوته الشرائية من مالكه، و هو كاف في الحكم بضمانه بماله من القيمة و المالية.
هذا بخلاف ما إذا أثّر على السوق فغيّر من رغبة الناس و تنافسهم على النقد أو أثّر على الجهة المصدرة له فحاربها اقتصادياً مثلا فأثّر ذلك في قوّة النقد عالمياً، فإنّ هذا لايوجب الضمان، و علّته هو عدم عدّ ذلك تصرفاً في مال مالكي النقود.
ولكنه كما ترى; إذ لايحكم بضمان نقصان القيمة السوقية في الأجناس الحقيقية المثلية إذا نقصت قيمتها بعد التلف أو الغصب أو الأخذ من مالكه على وجه الضمان، لأنّ مع وجود المثل لامجال لضمان المالية فكذلك في الأموال الاعتبارية في الأجناس الحقيقية المثلية. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الحكم بعدم الضمان من ناحية انّ القيمة في الأجناس الحقيقية حيثية تعليلية لمالية الأجناس الحقيقية لاالتقييدية، و الضمان لايتعلق إلاّ بالمال لابالمالية و إنّما المالية في الأجناس الحقيقية حيثية تعليلية; و هذا بخلاف النقود الاعتبارية فإنّ قوتها الشرائية هي تمام حقيقتها و قوامها، فتكون المالية و القوة المذكورة حيثية تقييدية في النقود، أي انّ مالية النقود الاعتبارية تكون بقيمتها التبادلية و الشرائية لابجنسها الحقيقي; إذ لاقيمة له و لاباعتباره; لأنّ الاعتبار بما هو اعتبار ليس مالا، و إنّما المالية بما وراء ذلك الاعتبار من القوة الاقتصادية في الجهة المصدرة و التي تجعل الورقة النقدية فيها قوة شرائية تبادلية حقيقة. و هذا يعني انّ مالية هذه الأوراق إنّما تكون بنفس قوتها التبادلية و الشرائية لابشيء آخر، فلا محالة يكون مثل النقد المأخوذ أو التالف أوّلا ما يعادله من نفس النقد في قوته الشرائية التبادلية، و بهذا يدّعى الفرق بين النقود الاعتبارية و الأموال الحقيقية.
والتحقيق: انّ الذي اعتبره المعتبر بجعله و اعتباره هو المال لاالمالية، فكما انّ الأشياء
أموال بالذات فكذلك صارت النقود الاعتبارية أموالا بجعل المعتبر بناءً على امكان جعل الوضعيات استقلالا.
فالجاعل إنّما جعل النقد الاعتباري مالا، و لم يتعلّق جعله بالقدرة الشرائية و القيمة التبادلية، بل هما من عوارض المال التعبدي، كما تكون كذلك بالنسبة إلى الأموال الذاتية.
و عليه، فكما أنّ القيمة التبادلية في المثليات من الأموال الذاتية غير مضمونة فكذلك لاضمان لها في المثليات الاعتبارية، فلا موجب للفرق بينهما.
إن قلت: انّ إعتبار ما ليس بمال مالا من دون ملاحظة قيامه مقام شيء من الأموال الحقيقية في القدرة التبادلية يستلزم الجهالة من جهة عدم معلومية مقدار المالية; إذ مجرد معلومية الأرقام من دون ملاحظة قيام المال مقام شيء من الأموال الذاتية لايرفع الجهالة الموجودة بالنسبة إلى القيم التبادلية.
و عليه، فاللازم أن يكون المعتبر عند الاعتبار ناظراً إلى قيام كل واحد من النقود الاعتبارية مقام مقدار خاص من الأجناس الحقيقية في القيم التبادلية وقوتها الشرائية كقيام مئة (تومان) مثلا مقام أمنان معينة من الحنطة عند تبديلها بمقدار خاص من الجنس الآخر كالاُرز و نحوه، و عليه فالقدرة الشرائية ملحوظة بنحو التقييد في النقود عند اعتبارها مالا، و عليه فالقدرة الشرائية من الأوصاف المقوّمة للنقود الاعتبارية، و هذا هو الفرق بين الأموال الذاتية و النقود الاعتبارية.
قلت: أوّلا: انّ اعتبار القدرة الشرائية في النقود عند اعتبارها أموالا يرجع إلى لزوم اعتبارها عند حدوث اعتبار المال للنقود، ولكن بعد صيرورتها أموالا كانت النقود الاعتبارية كالمثليات الواقعية، فكما انّ القيمة التبادلية لاتلاحظ في المثليات الواقعية فكذلك في المثليات الجعلية، فالقدرة الشرائية تكون بقاءً مترتبة على النقود الاعتبارية كما تكون كذلك بالنسبة إلى المثليات الواقعية و لاتلاحظ من ناحية أوصافها.
وثانياً: انّ ملاحظة القدرة الشرائية عند اعتبار النقود أموالا يمكن أن تكون بنحو الحكمة في جعلها أموالا لالإعتبارها بنحو الحيثية التقييدية في النقود، و عليه فالمجعول هو المال الاعتباري لأن يقوم مقام المال الذاتي فيما يترتب عليه من القدرة الشرائية، و من المعلوم انّ هذا لايوجب أخذ القدرة الشرائية في النقود بنحو الحيثية التقييدية.
و عليه، فملاحظة القدرة الشرائية حال اعتبار كون النقود أموالا ليست بمعنى أخذها من الأوصاف المقومة في النقود الاعتبارية، بل القيمة التبادلية من أحكام المال الاعتباري من دون دخالتها في قوامه.
فتحصّل: أنّه لادليل على اعتبار القدرة الشرائية في النقود الاعتبارية بنحو وصف من أوصاف المثل حتى يكون نقصانها مضموناً، فلا وجه لدعوى اشتغال الذمة بمقدار النقصان في الديون و المهور من دون اشتراط أو بناء في البين بنحو يوجب الضمان.
نعم، لو اشترط في النكاح مراعاة معادلة النقود الاعتبارية مع النقود الحقيقية فاللازم هو حفظ المعادلة و مراعاتها.
و هكذا لو أقرض المقرض القدرة الشرائية و القيمة السوقية في مقابل مثلها فالظاهر انّه لم يخرج عن حقيقة القرض; لأنّه تمليك لشيء بضمان عوضه، و قد صرحوا بصحة قرض القيمي بقيمته، و المثلي حينئذ ملحوظ بنحو القيمي، و لايكون الضمان جعلياً، بل يكون واقعياً; لأنّ إعطاء القيمة السوقية في مقابل عوضها ضمان واقعي لاجعلي.
و يشمله تعريف القرض بأنّه دفع الشيء بقصد ثبوت عوضه في الذمة(1)، و لايصدق الزيادة حينئذ إذا أعطى مثلها ما لم يزد على مقدار مثلها، و إلاّ تصدق الزيادة و يكون رباً محرماً.
لايقال: انّ القرض و إن كان له شبه في الضمانات إلاّ انّه من المعاوضات; إذ هو كما
**
(1) جواهر الكلام 17:25.
عرفت دفع الشيء بقصد ثبوت عوضه في الذمة، فوجب الضبط لمعرفة العوض(1)، فحيث انّ القدرة الشرائية غير مضبوطة فلا يجوز قرضها.
لأنّا نقول: أوّلا: لادليل على اعتبار الانضباط و المعلومية حال المعاملة في جميع موارد المعاوضات حتى مثل القرض; لاختصاص ممنوعية الغرر بخصوص بعض الموارد كالبيع، و لذا حكى عن السرائر جواز قرض كل ما لايضبطه الوصف، و حكى نسبة صحة قرض القيمي بقيمته و إن لم تعرف القيمة حال القرض إلى اطلاق كلام الأصحاب.(2) و دعوى الاجماع مع المحكيات المذكورة كما ترى.
وثانياً: انّ تعيين القدرة التبادلية بوسيلة مثل البنك المركزي و غيره أمر ممكن، و عليه فيجوز الاكتفاء بما أخبر به أهل الخبرة للتعين حال القرض، فلا وجه للمنع عن قرض القدرة الشرائية بعوضها حال القرض.
ولكن هنا إشكال آخر: و هو انّ قرض القدرة الشرائية ليس قرض العين، و الظاهر من الكلمات في القرض هو اشتراط العين. اللّهمّ إلاّ أن يقال: انّ المعيار هو صدق القرض عرفاً ولو كان مورده القدرة أو الحقوق، فتأمل.
و لعله يلحق بذلك ما إذا اشترط المقرض حين قرض الأوراق النقدية ضمان القدرة الشرائية مع ضمان المثل; لأنّه يرجع إلى اعتبار صفتهما الاعتبارية كالصفة الوجودية، فكأنّه أقرض الأوراق الموصوفة بوصف كذا في مقابل مثلها، فلا زيادة لو اقتصر على أخذ القدرة الشرائية الموجودة حال الاقراض. و هكذا الأمر لو كان بناء الطرفين على ذلك، كما لعلّه كذلك في كثير من الموارد سيما في زماننا هذا.
**
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق: 16.
ودعوى: انّ ذلك يؤول إلى الجمع بين ضمان المثلي و القيمي في شيء واحد; فإنّ ضمان أعيان الأوراق ضمان مثلي و ضمان القدرة الشرائية ضمان قيمي.
مندفعة: أوّلا: بأن المعيار هو صدق القرض، و هو محقق في المقام ولو كان ضمانه مركباً من الأمرين.
وثانياً: انّ ضمان القدرة الشرائية مشروط في ضمن ضمان الأوراق النقدية بعنوان وصف من أوصافها، فيكون الضمان ضماناً مثلياً في الواقع، كما انّه كذلك لو كانت القدرة الشرائية من أوصاف الأوراق النقدية، و لايختص ما ذكر بما إذا اشترط المقرض شرطاً لفظياً، بل لعله كذلك فيما إذا كان بناء المقرض و المقترض على ذلك.
نعم، لو لم يشترطا و لم يكن بناؤهما عليه فلا ضمان إلاّ بالنسبة إلى عين الأوراق النقدية، و لاوجه لتضمين المقترض بالقدرة الشرائية كما مرّ مفصلا.
ربما يقال: انّ شرط الضمان شرط الاضافة و هو الربا، ولكنه مندفع بأن شرط الضمان شرط ضمان القدرة الشرائية من أوّل اشتغال الذمة بالمثل، لاشرط أداء الاضافة بعد تحقق الضمان بالعوض حتى يكون شرط الاضافة رباً محرماً، و الله الهادي.
هذا هو الوجه في المسألة، و مع ذلك لايترك الاحتياط بحسب الموارد.
(1) المسألة الثانية و العشرون في الربا
(2) المقام الأوّل: في الربا المعاملي... 5
(3) الجهة الأولى: في حرمة الربا المعاملي الآيات الواردة فيها... 5
(4) و أما الروايات:... 14
(5) الطائفة الأولى: التي تدل على ان الربا اشدّ من الزنا... 14
(6) الطائفة الثانية: التي تدل على علل الحرمة و حكمتها... 15
(7) الطائفة الثالثة: التي تدل على حرمة الاعداد فى الربا... 17
(8) الطائفة الرابعة: التي تدل على انّ الربا من الكبائر... 17
(9) الطائفة الخامسة: التي تدل على استحقاق من اصرّ عليه للقتل... 18
(10) الطائفة السادسة: التي تدل على ظهور الربا و شيوعه في آخر الزمان... 18
(11) الطائفة السابعة: التي تدل على حرمة الربا المعاملى بالخصوص... 18
(12) الجهة الثانية: في اضطرار الدافع أو القابض... 20
(13) الجهة الثالثة: في موارد الاستثناء... 22
(14) الأمر الاول: في كلمات الاصحاب... 22
(15) الأمر الثاني: في ادلة موارد الاستثناء... 27
(16) الجهة الرابعة: أنّ المحرّم في الربا المعاملي هو التفاضل و التزايد في أحد العوضين المتجانسين... 44
(17) هل الزيادة الحكمية موجبة للربا... 45
(18) حكم اشتراط الزيادة العينية... 48
(19) حكم غير الزيادة العينية... 49
(20) معنى المماثلة... 50
(21) حكم اشتراط الأجل... 50
(22) الجهة الخامسة: في أنّ المعاملة الربويّه هل تكون فاسدة...... 61
(23) حكم اشتراط الزيادة... 73
(24) صحة أصل القرض الربوي و بطلانه...... 74
(25) الجهة السادسة: في أن الربا المعاملي هل يختصّ بالبيع أو يعم سائر المعاوضات... 81
(26) حكم الربا في الهبة المعوّضة... 98
(27) حكم الوفاء بالأكثر... 99
(28) حكم الغرامة بالأكثر... 101
(29) حكم الربا في القسمة... 102
(30) حكم الربا في الإقالة... 107
(31) الجهة السابعة: في جريان حكم المقبوض بالعقد الفاسد بالنسبة إلى الأصل و الزيادة... 108
(32) الجهة الثامنة: حكم ما لو كان صاحب المال في المقبوض بالعقد الفاسد... 111
(33) الجهة التاسعة: فيما إذا ارتكب الربا و هو كافر ثم أسلم و علم بالحرمة... 125
(34) الجهة العاشرة: فيما اذا ارتكب شخص الربا و هو مسلم جاهل بحرمته أصلاً... 130
(35) الجهة الحادية عشر: في وظائف وارث المرابي... 140
(36) الجهة الثانية عشر: في شرائط تحقق الربا في المعاملة و حرمته شرعاً... 148
(37) في المقامين: المقام الأوّل: المسألة الأولى: ان المعتبر في حرمة الربا المعاملي هو اتحاد الجنس... 148
(38) المسألة الثانية: الشك في أنّ الاختلاف من قبيل الاختلاف الأنواع أوالأصناف... 160
(39) المسألة الثالثة: في النسية... 168
(40) المسألة الرابعة: الشك في مثلية المقدار بعد العلم باتحاد جنس العوضين... 179
(41) المسألة الخامسة: أنّ الحنطة و الشعير في حكم الجنس الواحد... 184
(42) المسألة السادسة: حكم وحدة الحنطة مع الشعير... 184
(43) المسألة السابعة: أن ثمرة النخل نوع واحد و إن اختلف أصنافها... 185
(44) المسألة الثامنة: في اللحوم... 188
(45) المسألة التاسعة: في الألبان... 193
(46) المسألة العاشرة: ما يعمل من جنسين أو أزيد... 194
(47) المسألة الحادية عشر: لااشكال في عدم جواز التفاضل بين جنس و ما يتفرع عليه... 196
(48) تنبيهات... 208
(49) التنبيه الأوّل: مقتضى الجمع بين عموم التعليل و صحيحة عبدالرحمن بن ابى عبدالله... 208
(50) التنبيه الثاني: الكلية المستفادة من التعليل... 209
(51) التنبيه الثالث: جواز التفاضل مع اختلاف الجنسين أولى... 210
(52) التنبيه الرابع: الأخبار الدالة على وحدة الشعير مع الحنطة... 211
(53) التنبيه الخامس: هل يجوز التساوى بين الفرع و الأصل في مثل الحنطة والسويق... 212
(54) التنبيه السادس: جواز ابتياع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم... 213
(55) المقام الثاني: في اعتبار الشرط الثاني و هو الكيل و الوزن في الربا المعاملي... 218
(56) الأمر الأوّل: أدلة اشتراط الكيل و الوزن في تحقق الربا... 218
(57) الطائفة الاولى: ما يدل على حصر الربا في المكيل و الموزون... 218
(58) الطائفة الثانية: ما يدل على جواز التفاضل في غير المكيل و الموزون... 218
(59) الطائفة الثالثة: ما يدل علي جواز التفاضل في بعض مصاديق المعدود و المذروع... 219
(60) الأمر الثاني: المناط في المكيل و الموزون... 221
(61) الأمر الثالث: في كيفية تصوير الجمع في المكيل و الموزون وجوه... 228
(62) الوجه الأوّل: لايكون وصف المكيلية و الموزونية بنحو الموضوعيه... 228
(63) الوجه الثاني: يكون متعلق الحكم عنوان المكيل و الموزون... 229
(64) الوجه الثالث: المقصود من العنوانين هو معناهما الشرعي... 229
(65) الأمر الرابع: في حكم الجهل بعادة الشرع... 231
(66) الأمر الخامس: المناط عند اختلاف البلدان بعادة البلد... 239
(67) الأمر السادس: اذا كان احد العوضين مما يكال و الآخر مما يوزن... 240
(68) الأمر السابع: الظاهر اعتبار كون الشيء من المكيل و الموزون و عدمه...... 241
(69) الأمر الثامن: اذا كان الجنس مما لايكال و لايوزن... 242
(70) الأمر التاسع: المعتبر عند عدم العادة الشرعيه هو التعارف في البلد... 242
(71) الأمر العاشر: اذا فرض تعارف الكيل و الوزن فيه جاز البيع بكل منهما... 244
(72) الأمر الحادى عشر: اذا كان جنس يباع بكل من الوزن و العدّ... 245
(73) الأمر الثانى عشر: في جواز بيع المكيل وزناً و بالعكس و عدمه... 246
(74) الأمر الثالث عشر: لايجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه... 251
(75) الأمر الرابع عشر: يجوز بيع المكيلات أو الموزونات مثلا بمثل... 255
(76) الأمر الخامس عشر: جواز بيع كل رطب ينابس من جنسه... 257
(77) الأمر السادس عشر: اذا كان كرّ من الحنطة نصفه جيد... و نصفه الآخر رديء...... 264
(78) الأمر السابع عشر: لااشكال في جواز بيع دجاجة فيها بيضة بدجاجة كذلك... 266
(80) الجهة الثالثة عشر: في الحيل الشرعية... 268 الأمر الاول: ضم الضميمة... 268
(79) الأمر الأول: ضم الضميمة... 266
(81) هل ينصرف كل جنس الى ما يخالفه أو لا؟... 272
(82) هل ان الحكم على مقتضى القواعد أم لا؟... 273
(83) أحكام الضميمة... 277
(84) الأمر الثاني: أن يبيع أحد المتابعين سلعته من صاحبه بجنس غير جنسها... 280
(85) القول بالغ و مناقشته... 283
(86) حكم اشتراط البيع الثانى فى الأوّل... 286
(87) الأمر الثالث: أن يهب كلّ من المتابعين جنسه للآخر... 286
(88) الأمر الرابع: أن يقرض كل منهما صاحبه ثمّ يتبارئا مع عدم الشرط... 286
(89) الأمر الخامس: أن يتبايعا بقصد كون المثل بالمثل... 286
(90) الأمر السادس: أن يتصالح صاحب مقدار الزيادة مع الآخر... 287
(91) المناقشة فى اشتراط القرض... 287
(92) ادّلة الصّحة... 289
(93) حكم البيع المحاباتي مع الاشتراط... 292
(94) الأمر السابع: أن يبيع البائع شيئا أزيد من قيمته نسيئة... 293
(95) الأمر الثامن: أن يقرضه قرضاً حسناً ثم يشترى المقترض... 294
(96) الأمر التاسع: أن يبيع داره من الغير بقيمة أقلّ مع اشتراط البائع... 295
(97) الوجوه المانعة عن تجويز الحيل... 298
(98) و أما الروايات في الربا القرضي فهي على طوائف... 308
(99) الجهة الرابعة عشر: في الأوراق النقدية... 334
(100) النقطة الاولى: في انّه هل تثبت في الاوراق النقدية حرمة الربا المعاوضي... 334
(101) النقطة الثانية: في حكم النقود المسكوكة من الفلزات... 339
(102) النقطة الثالثة: انّ الاوراق النقدية من المثليات... 341