النور المبین فی تفسیر للقرآن الکریم جلد 5

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه :الخادمي (الصدر)، السید محمدمهدي الخادمي، 1341-

عنوان و نام پدیدآور :النور المبین في تفسیر للقرآن الکریم/ تألیف السید محمدمهدي الخادمي (الصدر).

الناشر :قم : موسسة انصاریان للطباعة والنشر، 1441ق.= 1398.

خصائص المظهر :3ج.

ISBN :دوره:978-964-219-638-8 ؛ ج.1:978-964-219-637-1 ؛ ج.2: 978-964-219-639-5 ؛ ج.3: 978-964-219-640-1

حالة الإدراج:فیپا

لسان :العربية.

موضوع :تفاسیر شیعه -- قرن 14

موضوع :Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 20th century

تصنيف الكونجرس:BP98

تصنيف ديوي:297/179

رقم الببليوغرافيا الوطنية:5897590

النور المبين في تفسير القرآن الكريم

تَفْسِيرُ سورة الفاتحة

تَفسِيرُ سُورَة الْبَقرة الْمُبَارَكَة

تأليف

السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)

النور المبين في تفسير القرآن الكریم

تفسير سورة الأنعام

(المجلد الخامس)

تأليف: السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)

الناشر: مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر

الطبعة الأولي 1400 - 1443 - 2021

المطبعة: نگین

الكمية: 500 نسخة

عدد الصفحات: 416 ص.

حجم الغلاف: كبير

رقم الإيداع الدولي: 3- 729-219-964-978

رقم الإيداع للدوره : 8-638-219-964-978

(تم تمويل الطباعة من ثلث المرحوم الحاج حمزه محمد علي السلمان)

مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر

جمهورية ايران الإسلامية

قم - شارع الشهداء - فرع 22 – ص . ب 187

هاتف: 37741744 (25) (98) فاكس: 37742647

البريد الالكترونى : Int ansarian@yahoo.com

www.ansariyan.ir

محرر الرقمي: محمد مبين روزبهاني

اشارة

سرشناسه : صدر خادمی، سیدمحمدمهدی، 1341-

عنوان و نام پدیدآور : النور المبین فی تفسیر للقرآن الکریم/ تألیف السیدمحمدمهدی صدرالخادمی.

مشخصات نشر : قم : موسسه انصاریان للطباعه والنشر، 1441ق.= 1398.

شابک : دوره: 978-964-219-638-8 ؛ (vol.1) 1:978-964-219-637-1 ؛ ج.2: 978-964-219-639-5 (vol.2)

978-964-219-640-1(vol.3) / 978-964-219-729-3 (vol.5)

978-964-219-638-8 (set)

عربی.

1 - تفاسیر شیعه - قرن 14 Qur'an - Shiite hermeneutics

رده بندی کنگره: BP98 297/179

شماره کتابشناسی ملی: 5897590

النور المبين في تفسير القرآن الكریم

تفسير سورة الأنعام

(المجلد الخامس)

تأليف: السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)

الناشر: مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر

الطبعة الأولي 1400 - 1443 - 2021

المطبعة: نگین

الكمية: 500 نسخة

عدد الصفحات: 416 ص.

حجم الغلاف: كبير

رقم الإيداع الدولي: 3- 729-219-964-978

رقم الإيداع للدوره : 8-638-219-964-978

(تم تمويل الطباعة من ثلث المرحوم الحاج حمزه محمد علي السلمان)

مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر

جمهورية ايران الإسلامية

قم - شارع الشهداء - فرع 22 – ص . ب 187

هاتف: 37741744 (25) (98) فاكس: 37742647

البريد الالكترونى : Int ansarian@yahoo.com

www.ansariyan.ir

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَة الأَنعام

مقدمة في تعريف سورة الأنعام

تدعى هذه السورة بالأنعام، وهو ما يطلق على البهائم التي تمشي على أربع وعلى المواشي، من الحيوانات التي تمتلك حوافر أو أظلاف أو أخمصيات في أقدامها، من مثل : البقر والخراف والجمال بكل أنواعها.. ومن حيث أن بعض مشركي مكة كانوا يعتقدون بأم بعض المواشي محرمة وبعضها محلل، فإن القرآن الكريم قد أورد الآيات من 136 وما بعد للرد على هذه الخرافات والاعتقادات الخاطئة.. فأورد أحكاماً حول المواشي .. لذا أخذت هذه السورة اسم الأنعام.

وهي السورة السادسة في القرآن الكريم، فيها مائة وخمس وستون آية، هي كلها مكية، تنزلت في مواضع ولأسباب مشرفة.

وفي فضل هذه السورة عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال: (إن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة ، وشيعها سبعون ألف ملك حين أنزلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فعظموها وبجلوها ، فإن اسم الله تبارك وتعالى فيها ، في سبعين موضعا ، ولو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها.(1)

ليس في القرآن الكريم سورة جاء فيها لفظ "قل" بالمقدار الذي ورد في هذه السورة، حيث بلغت 44 مرة يخاطب فيها الله عز وجل نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولعل السبب في ذلك يعود لكثرة الانحرافات والأفكار الفاسدة التي كان المشركون يتميزون بها، والتي يتوجب مواجهتها وكبح جماحها بإرادة قوية، وهو ما يبين حقيقة كون الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) مأموراً بتبليغ النص القرآني دون أي نقص أو اختصار.

فضل ومزايا قراءة السورة

اشارة

في رواية عن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم): هل من قرأ سورة الأنعام، كتب له أجر من الدر، بوزن ما


1) الكافي، ج 2، ص 622

خلق الله من بهائم في دار الدنيا، وبعدد ما فيها من درّ، ويكون له ألف حسنة وألف درجة.(1)

عن الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام) أيضاً أنه قال: نزلت سورة الأنعام على رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) مرة واحدة، فأكرموها وأجلّوها، فقد ورد فيها اسم الله في 70 موضع منها، ولو علم الناس بما فيها من بركات لما تركوها.(2)

آثار و برکات تلاوة وختم سورة الأنعام

1- الأمان من نار جهنم:

عن ابن عباس : من قرأ سورة الأنعام في كل ليلة كان في يوم القيامة من الآمنين.. ولم ير نار جهنم قط..(3)

2 - قضاء الحاجات:

الطريقة الأولى: إذا وقف الانسان في (يوم أو ليلة) الخميس أو الجمعة إلى القبلة، فقرأ سورة الفاتحة ثم قرأ سورة الأنعام حتى (ما أوتي رسل الله) ثم نهض فصلى ركعتين بنية قضاء الحاجة، يقرأ في كل ركعة منها 7 مرات الحمد و 7 مرات آية الكرسي و 7 مرات الكوثر، ثم ينتهي من الصلاة فيقرا سورة الأنعام من (الله أعلم حيث..) إلى آخرها، ثم يسجد ويقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله 70 مرة بتضرع ورجاء ثم يطلب حاجته.. فإن من المحال أن يرد الله تعالى حاجته.

الطريقة الثانية: عن الإمام الصادق (علیه السّلام): من كانت له عند الله سبحانه حاجة، فليصلي أربع ركعات من ركعتين اثنتين، يقرأ بعد الحمد سورة الأنعام، ثم بعد انتهائه من الصلاة يقرأ: يا کریم، یا کریم، یا عظیم، یا عظیم، یا عظيم، يا أعظم من كل عظيم، يا سميع الدعاء، يا من لا


1) مستدرك الوسائل، ج 4، ص 297

2) ثواب الأعمال، ص 105

3) نفس المصدر

تُغَيره الأيام والليالي، صلّ على محمد وآل محمد، وارحم ضعفي وفقري وفاقتي ومسكنتي، فإنك أعلم بها مني، وأنت أعلم بحاجتي، يا من رحم الشيخ يعقوب، حين ردّ عليه يوسف، قرّة عينه، يا من رحم أيوب بعد حلول بلائه، يا من رحم محمداً ومن اليتم آواه، ونصره على جبابرة قريش وطواغيتها، وأمكنه منهم، يا مغيث ، يا مغيث، يا مغيث ثم يعيد يا مغيث عدة مرات، فالذي نفسي بيده، إن صلى هذه الصلاة وقرأ في عقبها هذا الدعاء، ثم سأل الله ما يريد فإن الله يعطيه إياها جميعها.

الطريقة الثالثة: أن يقرأ الانسان في يوم الأربعاء آية (لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم) 70 مرة فإنه يعلو على أهل العلم والقلم وفتح الله عليه وقضى حوائجه.

3 - الشفاء من الأمراض:

عن الإمام الباقر (علیه السّلام) أنه قال : إذا ابتلي المرء بمرض وخاف أن يرديه، فليقرأ سورة الأنعام، فإنه يأمن بقراءتها مما يخشى.(1)

4 - استغفار الملائكة له:

عن الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم): من صلى فريضة الصبح جماعة ، ثم جلس في موضعه وقرأ الآيات الثلاث الأولى من سورة الأنعام، يوكل الله له 70 ملكاً يسبحونه ويستغفرون لذلك العبد إلى يوم الدين.(2)

وعن الإمام الرضا (علیه السّلام) أنه قال من قرأ سورة الأنعام فإن الملائكة تسبح له إلى يوم القيامة.(3)

5 - إطاعة المرأة المتمردة:

تكتب الآية 142 من سورة الأنعام على قطعة خبز وتعطى للمرأة لتأكلها فتصبح مطيعة


1) مكارم الأخلاق، ص 363

2) الدر المنثور، ج 3، ص 3

3) تفسير القمي، ج1، ص193

وطائعة.

6 - لتقوية الذاكرة:

تكتب الآية 61 من سورة الأنعام على بيض الدجاج وتؤكل.

7 - للمصالحة:

يقرأ المرء الآية 115 من سورة الأنعام وينفخ على من يريد أن يصالحه، فإنه يصالحه ويعود عن خطئه.

تاريخ نزول سورة الأنعام:

نزلت سورة الأنعام في السنة الرابعة من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي أنها نزلت عندما أصبحت الدعوة النبوية في مرحلتها العلنية بعد أن دامت في مرحلتها السرية ثلاث سنوات.(1)

تتميز الفترة التي نزلت فيها الدعوة النبوية بخصوصية مميزة؛ حيث أظهر المشركون الكثير من العناد وقساوة القلب في مقابل الدعوة الإسلامية، وكانوا شديدي الرفض لها.(2)

أهداف سورة الأنعام الرئيسة والأساسية:

إن المواضيع الأساسية المطروحة في هذه السورة هي:

الأحكام الفقهية الخاصة بحرمة لحوم بعض الحيوانات.

معرفة الله.

مقاومة الإشراك والدعوة إلى الأصول الثلاثة؛ التوحيد والنبوة والمعاد.

إلا أن الأهداف الأساسية من هذه السورة هي ترسيخ العقائد الأصولية الثلاث وتثبيتها، تلك التي كان المشركون يحاربونها في تلك البرهة من الزمن، وهي كما يأتي:


1) تفسير القرآن الكريم، عبد الله شحاتة، ج 4 ، ص 1215

2) نفس المصدر

أولاً: التوحيد والإيمان بوحدانية الخالق المتعال، وتقديم الأدلة والبراهين على وحدة الإله، من خلال توجيه الفكر والبصيرة نحو آثار ربوبيته سبحانه، وكذا صفاته الإلهية، فهو الربّ الخالق للعالم، وما يتعلق بذلك من قدرة في التحكم بما خلق؛ وما يتعلق بذلك من إبطال عقيدة الشرك، وإزالة شبهاتها من المشركين وتثبيت حقيقة أن العبادة والتوجه والتحليل والتحريم هي أمور تعود لهذا الهدف أيضاً.

ثانياً: الإيمان بالرسول المبعوث من عند الله، وكذا الإيمان بما أنزل معه من كتاب، إضافة إلى توضيح مهمة هذا الرسول، والردّ على الشبهات المتعلقة بمسألة الوحى والرسالة.

ثالثاً: الإيمان بيوم الميعاد وبالثواب والعقاب والجزاء في ذلك اليوم وما سيكون على الناس فيه.

الآية 1

النّقاط المستفادة من هذه الآية: »حمد الله تعالی، منظومة خلق الوجود، خلق الإنسان، العدل، الکفر، سلوك الإنسان، النور، الظلمة، الشرك»

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ (1)

حمد الله الحق الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور (ورغم أن ما هو مشهود من هذه المنظومة المتكاملة في ذلك) لكن الكافرين يشركون به مع ذلك.

النّقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تبدأ هذه الآية بحمد الله، وذلك كمقدمة لمسائل سيتم تناولها في الآيات التالية من هذه السورة؛ حول التوحيد كما أن فيها إشارة إلى معارف هي بمنزلة مادة الشريعة الأساس المتفرعة إلى أصول النظام الثلاث.

النظام الأول: (منظومة خلق الوجود) ونظام خلق الكون المشار إليه في الآية الأولى.

النظام الثاني: (خلق الإنسان) وما يكتسبه هذا الإنسان بما هو وجود من ذلك النظام في الآية الثانية.

النظام الثالث: الإشراف على (أعمال وسلوك الإنسان) المشار إليه في الآية الثالثة.

2 - هنا الحديث عن حمد الله سبحانه، والله هو الذات التي تملك كل الكمالات، فكل ذو كمال محمود، ولأن الله كامل، وكل كامل محمود، فالله محمود (الحمد لله).

3 - لأن هدف هذه السورة هو ترسيخ أسس عبادة الله وتوحيده في قلوب الناس ولفتهم نحو أصل التوحيد، ولأن خلق السماوات والأرض كان قبل خلق الإنسان، ورحابة وعظمة مظاهر الخلق الخارقة هي أكبر من الإنسان، لذا فقد ورد الحديث عنها في بداية آيات هذه السورة، لتلفت انتباه الإنسان إلى هذا العالم الواسع، ثم وفي الآية التالية إشارة إلى العالم الأصغر، أي

الإنسان وبما يحتويه وجوده من معجزات.. بدءاً بخلقه من التراب والطين.

4 - جاء لفظا "النور" و"الظلمات" في كل القرآن بطريقة كلية تشمل مقاصد عدة، هي في المرتبة الأولى دلالة على الحق والباطل، وبالتالي فالإشارة إليهما هنا قد يكون فيه إشارة لطيفة إلى حقيقة أن الظلمة (بنوعيها الحسي والمعنوي) هي على الدوام منبع للشتات والانفصال والتبعيد، بينما النور هو نبع الوحدة والاجتماع .. كما أننا كثيراً ما شهدنا كيف تزدحم انواع الحشرات على المصابيح المضاءة في ليالي الصيف، لكن ما أن يذهب ضياء المصابيح حتى تتفرق تلك الكائنات وتتشتت، وهذه الصورة تشبه ما تتصف به المسائل المعنوية والاجتماعية أيضاً، فنور العلم والقرآن والإيمان هو سبب للوحدة، أما ظلمة الجهل والكفر والنفاق فهي سبب للفرقة والشتات.

5 - سؤال: هل الظلمة هي من من المخلوقات؟

بما أن الفلاسفة وعلماء الطبيعة يعتقدون بأن الظلمة مجرد انعدام للنور، فإنه لا يمكن بذلك تسمية شيء من العدم بالموجود، لكن في هذه الآية نرى بأنه وكما تمت الإشارة إلى النور كأحد مخلوقات الله، فهل يمكن بنفس المقياس اعتبار الظلمة مخلوقاً؟

للردّ على هذا السؤال يمكن القول بأن:

أولاً : الظلمة ليست دائماً بمعنى الظلام المطلق، بل هو غالباً بمعنى مقدار ضئيل جداً من النور في مقابل مقدار كبير جداً منه، فمثلاً نحن جميعاً نقول ليلة مظلمة، رغم أنه من البديهي بأن الليل ليس فيه ظلمة مطلقة بل هو في الواقع خليط من ظلام الليل ومقدار ضئيل من النور الساطع عن النجوم أو عن مصادر النور الأخرى، وعليه فمفهوم الآية يصبح كالآتي؛ أن الله خلق لكم نور النهار وظلمة الليل، فأحدهما شديد الضياء والآخر ضعيف جداً، وعليه فالظلمة هي من مخلوقات الله سبحانه أيضاً.

ثانياً: صحيح أن الظلمة المطلقة ليست إلا انعداماً للضوء، لكن انعدام النور في ظروف خاصة، هو أمر يستقي وجوده من مصدر ما، أي أن من يقوم بإيجاد الظلمة في ظروف خاصة

ومن أجل أهداف خاصة، يتوجب عليه استخدام وسائل وجودية لذلك، مثلاً إذا أردنا في لحظة ما تعتيم غرفة من أجل تظهير صورة فوتوغرافية، فإنه يتوجب علينا منع النور لإحلال الظلام، في تلك الظروف الخاصة، ومثل هذه الظلمة هي موجود، وبعبارة أخرى، فانعدام الوجود بشكل كامل، ورغم أنه ليس موجوداً، إلا أن له سهما من الوجود وهو بالتالي مخلوق.

6 - كلمة (ثمّ) تشير في اللغة العربية إلى التراتبية الزمنية، وفي هذه الآية تدل على حقيقة أن التوحيد هو أصل فطري وعقيدة عامة وشاملة للبشرية جمعاء، أما الشرك فهو انحراف عن الأصل الفطري.

7 - لم ورد لفظ خلق فيما يخص السماء والأرض، لكن فيما يخص النور والظلام ورد لفظ الجعل ؟

اختلف المفسرون حول ذلك، ولكن الأقرب إلى العقل، أنه لا يمكن لأي إيجاد أن يكون إذا لم يسبقه خلق، لذا ف-(الجعل ) هنا هو بمعنى الخلق، لكن ولأن الخلق هو في المعنى يشير إلى عملية تركيب عدة أشياء، لذا وردت كلمة الخلق حول السماء والأرض، أما النور والظلمة فلأنهما لم يوجدا من تركيب أشياء عدة معاً، لذا ورد فيها الجعل بدل الخلق، إضافة إلى أن الجعل يأتي عن الخواص والآثار الكيفية والتي يليها الوجود، ولأن النور والظلمة يوجدان تبعاً العملية الخلق.. فقد تم التعبير لهما بالجعل (وجعل الظلمات والنور).

8 - في هذه الآية ينسب الله سبحانه خلق السماء والأرض إلى نفسه، كما هو الحال أيضا فيما يتعلق بالظلمة والنور، وهو مما يشير إلى أنه سبحانه أوجد السماء والأرض وجعل النور والظلمات، وخلافاً لما يعتقده عبدة الأوثان، فإنه سبحانه خالق كل شيء (وجعل الظلمات والنور).

9 - كيف يشرك الكفار الله الواحد القهار بسواه من الأصنام، وكيف لا يعتبرون مما يرونه من نظام الخلق في توحيد الخالق، كيف يتخذون من الأصنام آلهة لهم وينكرون ألوهية ووحدانية الله الذي لا شيء ولا أحد كمثله، ولا شريك له أو مثيل (ثم الذين كفروا بربهم

يعدلون).

10- من اللافت للنظر ما جاء في حديث عن أمير المؤمنين علي (علیه السّلام) في تفسير هذه الآية حيث قال : إن هذه الآية ترد على ثلاثة أنواع من المنحرفين، النوع الأول هم الماديون ممن يرون بأن العالم أزليّ وينكرون الخلق، والنوع الثاني هم الوثنيون ممن يرون بأن لكل من النور والظلمة مبدأ مستقل، والنوع الثالث هم المشركون من العرب ممن يرون أن لله شريك ومثيل.(1)


1) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ص 542

الآية 2

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «خلق الإنسان، الطین، التراب، أجل مسمی، الأجل»

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ، ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في الآية السابقة، ذكرت مسائل عن الآفاق وخلق السماوات والأرض، وفي هذه الآية، جاء ذكر خلق الإنسان وحياته المحدودة بهذه الدنيا، إضافة إلى معجزة خلق الإنسان من التراب والطين (هو الذي خلقكم من طين).

2 - صحيح أننا ولدنا من آبائنا وأمهاتنا، وليس من التراب، ولكن ولأن خلق الإنسان الأول تم من التراب والطين، فالصحيح أن نخاطب نحن كذلك أيضاً بذلك (هو الذي خلقكم من طين).

3 - ورد لفظ (أجل مسمى) في القرآن الكريم 21 مرة.

4 - كلمة (أجلاً) في اللغة هو بمعنى الموت المعلق أي المفاجئ والمبكر، والمتأثر بأحداث ووقائع متعلقة بظروف ومقتضيات، والأجل في اللغة هو الموت الطبيعي.

5 - بالاستناد إلى ما روي عن الإمام الباقر (علیه السّلام) في (تفسير نور الثقلين) فإنّ كلا من (أجلاً وأجلٌ) مختلفان :

فأحدهما محتوم وقطعي والآخر موقوف (أي مشروط ومعلّق)(1)، وبالتالي يفهم من ذلك أن الله جعل لعمر الإنسان نوعين من الوقت:


1) الكافي، ج 1، ص 147

الموت والأجل القطعي: وهو يعني أنه وإن تم الاعتناء بتحقيق كافة الاحتياطات والعنايات الخاصة، فإن العمر لا بد (كما هو حال مصباح الزيت) وأن ينتهي.

الموت و الأجل غير القطعي: مما يتعلق بتصرفاتنا، كأن نضع مصباح الزيت في مكان يتعرض فيه إلى عاصفة ما، ففي الروايات، أن هنالك أموراً كالصدقة وصلة الرحم والزكاة والدعاء تزيد العمر طولاً، بينما قطع الرحم والظلم و.. تتسبب في تقصير العمر.(1)

6 - الأجل في اللغة هو بمعنى المدة، وقضاء الأجل هو بمعنى تحديد المدة أو إنهاء مدة ما، لكن يمكن أيضاً أن يطلق على آخر فرصة اسم أجل أيضاً، فمثلا يقال جاء أجل الدين.. أي أنه أن أوان دفعه، وعليه فإن تسمية الموت بالأجل إشارة إلى أنه الوصول إلى آخر لحظة في عمر الإنسان.

7 - إن المشركين يشككون في أصل مادة خلق الإنسان الرخيصة، المتمثلة بالطين، بما في ذلك من إعجاز خارق، فيضعون الأصنام بما هي طين لا قيمة له في منزلة مرتفعة توازي خلق الإنسان، ويشكون في قدرة الله تعالى على البعث وإحياء الأموات.


1) راجع: بحار الأنوار، ج 35، ص 107 وج 71، ص 88 إلى 103 وج 93، ص 126 و 128 و...

الآية 3

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الألوهیة، السر، الجهر، السماوات، الأرض، الکسب»

وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1- تجيب هذه الآية على المعتقدين بوجود آلهة لكل نوع من المخلوقات، فيرون بأن هنالك إلها للمطر وآخر للحرب وللصلح وللسماء ... بالقول (هو الله في السماوات والأرض) وهو سبحانه بذلك يمنع عن نفسه ادعاءات الكفار وأكاذيبهم.

2 - وبالتالي فمن الطبيعي أن يمتد حكمه سبحانه إلى كل مكان، وهو موجود في كل مكان، ويعلم بكل ما خفي من أسرار (يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون).

3 - هذه الآية هي بمثابة مقدمة للآيات التالية، التي تتعرض لمسألة النبوة والمعاد، لذا أورد سبحانه كلمة (يعلم) مرة أخرى.

4 - لا شك أن خالق كل شيء هو المدبر والمدير لكل شيء، كما أن تدبير الأمور في أي مكان باسمه، فحتى مشركو الجاهلية يعرفون الخالق (الله) لكنهم يرون بأن الأصنام هي من تملك أمرهم وتدبرها ، والآية تشير إلى أن وجود الله في كل مكان لا يحتاج إلى وجود مكاني كما لأي جسم آخر.

5 - إذا كان الله هو خالق السماوات والأرض، فيجب أن يكون موجوداً وظاهراً وجودياً وعلمياً في كل مكان، وإن موجوداً في مكان، وغير موجود في آخر، فهذا يعني بأنه غير خالق ولا عالم بالمكان الآخر ، فإن لم يكن خالقاً له فهو غير محيط به إحاطة علمية، فكل خالق عالم بما خلق وليس بما لم يخلق، ولأن الموجودات السمائية والأرضية ليست مستقلة بذاتها لتكتفي عن

الحاجة إلى خالقها، ولا هي ممكنة الوجود دون خالق موجد لها، لذا فهي محتاجة لخالق أوجدها ومنحها الوجود، وهذا الخالق هو خالق الوجود أجمع (وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم و وجهركم).

6 - سؤال: إن كلمتي سر وجهر في هذه الآية تشمل فيما تشمله الأعمال والنيات، أي أن الخالق سبحانه يعلم بأعمال ونوايا البشر الجهرية والسرية، فإن كان ذلك فلم أضيفت عبارة (ويعلم ما تكسبون) وما الحاجة إليها بعد ذلك؟

الجواب: يجب الالتفات إلى أن الكسب هو بمعنى نتيجة العمل والحالات النفسية المتأتية من الأعمال الحسنة والسيئة، أي أنه يعلم بأعمالكم ونواياكم، وكذلك يعلم بآثار هذه الأعمال على أنفسكم، وعلى كل حال فهذه العبارة للتأكيد على جانب الأعمال الإنسانية.

الآية 4

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «التمرد، الإعراض، آیات الله»

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِنْ ءایتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - توضح هذه الآية واقع ما تتصف به أرواح الكفار من نفور وفرار من الحق، وذلك بسبب ما يعيشونه من شتات وتكبر، وما في قلوبهم من غرور يجعلهم يمتنعون عن النظر فيما يأتيهم من علامات إلهية، فيفرون ويهربون، بل ولا يهتمون مطلقاً بأي من تلك العلامات المبينة للحق والحقيقة.

2 - واضح بأن السبب في امتناع الكفار عن سماع الحق هو التمرد والكفر والتكبر الذي يسكن قلوبهم ويحول دون حدوث تغيير أو انقلاب في نفوسهم لقاء تلقيهم لها، وإلا فإن أتباع الحق يزدادون بهذه العلامات هدى وإيماناً.

3 - لم تكن هذه الصفات النفسية منحصرة بالعرب الجاهليين فحسب، فالآن نرى أيضاً أمثلة لأشخاص بلغوا الستين من عمرهم لكنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتدقيق ولو الساعة من عمرهم حول الله سبحانه أو حول مذهبهم، بل أنهم وإن حصل ووقع بين أيديهم كتاب ما في هذا الخصوص ينصرفون عنه ، وإن كلمهم أحدهم بهذا الأمر لا يص-غ-ون إليه، فهؤلاء بحق هم الجاهلون اللجوجون .. ممن قد يرتدون في كثير من الأحيان رداء العل--م والمعرفة!!

4 - إن عاقبة تكبر وتمرد وفرار الكفار من التسليم لله هو تكذيبهم للحق لما جائهم، رغم أنهم لو تأملوا فيما جائهم من معجزات وآيات، لشاهدوا الحق وعرفوه.

الآية 5

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «التکذیب، الحقّ، الإستهزاء، الخسران»

فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْتَوا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (5)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - عندما ينكر الكفار الأدلة والبراهين والعلامات البيّنة فإنّهم ينفون بكل بساطة الحق .

2 - لا شك في أنّ الاستهزاء بآيات الله سبحانه، هو في الواقع استهزاء بالحق، هذا الحق الذي سيظهر في آخر المطاف شاؤوا ذلك أن رفضوا، فاستهزاء المستهزئين لن يقلل من الحق أحقيته ولا من الوعد الإلهي موعده، لأنهم سيلاقون يوماً صعباً جداً، حيث يتوجب عليهم اثبات أكاذيبهم أمام الحق، فيخسرون الدنيا والآخرة، لما قاموا به من عدم اتباع الحق فأب-ادوا دنياهم وآخرتهم، فحق عليهم العقاب والعذاب.

3 - جملة (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم) في هذه الآية تبيّن أن الله سبحانه يجعل الحق بيناً واضحاً إلى درجة تراه كل عين وتسمعه كل أذن، بل وجلياً إلى درجة يمكن فيه لكل عقل أن يميز بينه وبين الباطل ، فيتبع الحق ويطيعه أو يكذبه، وعليه يترتب الحساب والسؤال، رغم أن الكفار لا يرضخون للحق ولا يتأملون أو يتفكرون به، وما أن يروا الحق حتى ينفونه (فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون).

4 - لسقوط الإنسان ثلاث مراحل: الإعراض والتكذيب والاستهزاء، وقد تم في هاتين

الآيتين الإشارة إلى ذلك، (معرضين... كذبوا... يستهزؤون..) وفي الحقيقة فإن هذه الآية توضح كالآية السابقة مراحل الكفر واحدة بعد الآخرى، ففي الأولى يكون الإعراض والإدبار، ثم مرحلة التكذيب ثم مرحلة الاستهزاء والسخرية من الحق والآيات الإلهية، وهذا الأمر يشير إلى أن الكفر لا يتوقف عند مرحلة واحدة فحسب بل يستمر بالانحدار والهبوط، حتى يتضاعف عدائه وإنكاره للحق.

الآية 6

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الهلاکة، الأقوام الغابرة، الطغیان، القرن، الرحمة، کفران النعمة، الذنب»

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءاخَرِينَ (6)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - منذ هذه الآية، يبدأ القرآن الكريم باستعراض خطة تربوية مرحلة بعد الأخرى، لإيقاظ عبدة الأوثان والمشركين وفقاً لدوافع الشرك والوثنية المختلفة -.

2 - في هذه الآية جاء ذكر قدرة الأقوام الغابرة وعواقبهم المؤلمة، كتذكير لم-ن غ-ط-ت عيونهم حجب الغرور ، فيقول لهم : ألم تشاهدوا عاقبة تلك الأقوام التي صالت وجالت بقوتها وما كان مسخراً لها.. لكن لم يبقى منها أثر.. لأنهم عتوا في طغيانهم، فلم يمنع عنهم جبروتهم شيئاً من الله تعالى (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم).

3 - لأنه يقال عادة لمن يعيش من الناس في فترة زمنية واحدة قرن، ولأن الجيل هو بين 60 وحتى 100 سنة، فعليه يقال لمن يعيش في فترة بين 60 أو 80 أو 100 سنة قرن، وفي هذه الآية أطلق لفظ (قرن) على الناس الذين عاشوا في فترة زمنية واحدة جنباً إلى جنب، فالقرن م-ن الاقتران بمعنى التقارب، ولأن الماس في زمن ما متقاربون مع غيرهم في الأزمنة القريبة، فإنه

يطلق عليهم وعلى الزمن الذي يعيشون فيه لفظ قرن.

4 - إن السنة الإلهية هي في الإنعام على الناس ومنحهم الإستقرار، فإن آمنوا واتقوا ربهم، فإن الله يوسع عليهم أبواب رحمته ويغدق عليهم، ولكن إن كذبوا فارتكبوا الذنوب، فإنه يغلبهم بجبروته ويكسر شوكتهم.. فلا يستقيمون بعدنا.

5 - إن عبارة (ألم يروا) ليست بمعنى الرؤية العينية، فمن أين للكفار في زمن النبي الأكرم رؤية الأقوام السابقة بأعينهم؟ بل هي تعني إدراك وفهم أخبار الأنبياء الماضين وتاريخ الغابرين ومعاينة الآثار المتروكة بعدهم.

6 - كلمة (مدرارا) هي بمعنى الهطول الوفير والمتواصل المستوفي للحاجة.

7 - عبارة (فأهلكناهم بذنوبهم) دلالة على حقيقة أن الذنوب لها دور قاطع وأكيد في وقوع البلايا والمحن العامة، كما أن الحسنات والطاعات لها الأثر الكبير في بلوغ النعم ونزول البركات.

8 - تكرر كثيراً في القرآن الكريم الإشارة إلى أن وفرة الإمكانات والنعم الكثي--ر يعود على الغرور ويورث غفلة أصحاب الأفق الضيق، فهم يرون أنفسهم في غنى عن الله، ويغفلون عن أنه لولا استمرار المدد الإلهي لهم لحظة بلحظة وثانية بثانية؛ لاندثروا (إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى).

9 - إن الإنذار المذكور في هذه الآية ليس خاصاً فقط بالوثنيين في ذلك العصر، بل هو إنذار للاعتبار ومعرفة أن دنيا الثروات الآلية التي توصل إلى الغلو والغرور فانية، كما هو حال من سبق، فكما أنهم بذنوبهم خسروا كلّ شيء، فإن الناس في زماننا أيض-اً ق-د ي-ح-رق--ون ك-ل م-ا يملكون، فيخسرون ما بين أيديهم.. كأن تندلع نار الحرب فتبيدهم عن بكرة أبيهم وتبيد ما تباهوا به من تحضر وتقدم.. لينقلب كل ذلك نقمة عليهم ، لأنهم بما ارتكبوه من ذنوب وظلم وعدوان وعدم الايمان كانوا هم المسببين كمن سبقهم من أقوام في أفولهم.

10 - لا شك أنه ومن خلال مطالعة تاريخ حياة فراعنة مصر، وملوك سبأ، وسلاطين كلده وآشور، وقياصرة الروم ممن عاشوا في رفاهية ورغد لا حدود له، ثم إذا قرآنا عواقبهم المؤلمة بسبب كفرهم و استبدادهم.. حتى اندثروا وانقلب رغد عيشهم نقمة.. كل ذلك فيه العبرة الواضحة والجلية لنا.

11 - إن التدقيق في محتوى هذه الآية الشريفة، يوضح لنا أنه ورغم لحن الآية الواعظ والناصح في البداية، من خلال الدعوة إلى استطلاع أجل الغابرين، فإن فيها أيضاً بشارة لكل النعم والامكانات في قالب الإطاعة لله ولرسوله، لكن في آخر الآية ومن خلال عبارة (وأنشأنا بعدهم قرناً هنالك تهديد في حال التخلف والكفر بالنعم، وهي تخاطب فتقول: إن كنتم ستكذبون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فاعلموا أن بانتظاركم بلاء وعذاب إلهي عظيم (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)(1).


1) سورة فاطر 42 و 43

الآية 7

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السحر، الکفر، الکتاب، القرطاس، العناد، الإعجاز»

وَلَوْ نَزَلْنَا عَلَيْكَ كَتَنَا فِي قِرْطَاسِ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِيُنٌ (7)

شأن نزول هذه الآية:

روى كل من مقاتل وكلبي أن هذه الآية نزلت عن نضر بن حارث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خویلد، حين قالوا لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لن نؤمن لك حتى تأتي بخطاب وكتاب من قبل إلهك .. وأن يتنزل مع الكتاب أربعة من الملائكة فيشهدون بأن الكتاب من عند ربك.(1)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تشير الآية إلى أن تمرد الكفار وصل حداً لو أنزل فيه عليهم كتاب بأوراق مكتوبة، فيشاهدونه بأم أعينهم ويلمسونه بأيديهم، فإنهم سيعودون فيقولون: هذا سحر واضح، لذا فإن-ه يتوجب عدم الاهتمام بتراهات هؤلاء حيث يقولون (لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه)(2)، فكل ما يلتمسونه من أعذار وأدلة هي مجرد حجج واهية لا أساس لها يريدون بها ع-دم الإيمان برسالة الحق الجلية.

2 - إن طريق العناد الذي يسلكه الكفار لن يؤدي إلا إلى مزيد من العناد والإنكار (فلمسوه بأيديهم... إن هذا إلا سحر مبين).

3 - إن صفة الساحر هي من أكثر الصفات التي كان الكفار ينسبونه للنبي الأكرم (إن هذا إلا سحر مبين).


1) تفسير الثعلبي، ج 4 ، ص 135

2) الاسراء 93

4 - من الجلي جداً أن ادعاء الكفار المبني على اتهام النبي بالسحر، هو مجرد حجة واهية لردّ الحق، وإلا فإن كان ذلك سحر وشعوذة كما يقولون، لأخضعهم بالسحر أولاً ليصنعهم طائعين مؤمنين.

5 - إن تكبر وعناد الكفار هو أحد الأسباب الأخرى المؤدية لانحرافهم، إلى جانب التماسهم الحجج المشار إليه في الآية أعلاه، وذلك لأن المتكبرين عادة عنيدون أيضاً، فتكبرهم لا يسمح لهم بالتسليم والخضوع أمام الحق، ولذا يكون ذلك سبباً لجعلهم يصرون على كلامهم! وهو مما نشهده بكثرة بين المتصفين بهذه الصفة القبيحة.

6 - إن العناد عادة ما يُغشي العين فيجعل الانسان لا يرى حتى أبسط الأمور الممكن الشعور بها بحواسه، فينكر البديهي، ويلجأ إلى ادعاء أن كل ما يراه سحر، فلا يخضع ولا ي-ل-ي-ن أمام الحق الظاهر كنور الشمس .. رغم أن هنالك آخرون تلين قلوبهم ويعمر الإيمان فيها لرؤيتهم للأدلة التي قد لا تتجاوز عُشر ما قد يُعرض على أولئك المعاندين.

7 - إن ما ذكر في الآية من أنهم لو لمسوا بأيديهم وليس رأوا بأعينهم، هو لكي لا يقول هؤلاء بأن عيونهم سحرت، لأن اللمس هو مقدمة للرؤية أيضاً إذا لم يكن هنالك من مانع؛ فإدراك المحسوس باللمس أفضل من عدمه، لذا لم يأت في الآية (فعاينوه) بل جاء (فلمسوه)، والهدف الأساس من ذلك هو بلوغ عين اليقين من أن هذا الكتاب هو من قبل الله تعالى، دون وجود أي شبهة في ذلك، لكن مع ذلك كله، ومع أن القرآن الكريم يقول للمعاندين: (هاكم المسوه) فإن الكفار يصرون على القول بأنه سحر وشعوذة.

8 - إن المعحزة هي في الأصل لسد باب الحجج وادعاءات عدم سماع أو رؤية البراهين والأدلة، فتأتي لتجعل قليلي اليقين يزدادون يقيناً ويؤمنون، وبالتالي فالمعجزة ليست بألعوبة في يد الناس المعاندين ليطلبوا تنزيل المعجزة متى شاؤوا، ثم يستمروا في رفضهم وعميهم، كما هو حال الأقوام التي شهدت معجزة عصا موسى (علیه السّلام) التي تحولت إلى ثعبان تلقف سحر السحرة، ومعجزة إحياء الأموات في النبي عيسى (علیه السّلام)، ومعجزة تحوّل نيران النمرود إل-ى ن-ع-ي-م للنب-ي

إبراهيم (علیه السّلام)، وإلى ما هنالك من معجزات لا تعد ولا تحصى، لم تزد المنكرين لها إلا عناداً وطغياناً.

9 - إن القرطاس يعني كلّ شيء يمكن الكتابة عليه من ورق أو جلد أو ألواح، ولو كان القرطاس يطلق في الأغلب على الورق، فهذا لأن الورق هو الأكثر تداولاً للكتابة.

الآية 8

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الملائکة، الامر، الفرضة، أسباب الکفر، العذاب»

وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكُ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8)

شأن نزول هذه الآية:

ورد في تفسير الاثنا عشري وفي الاحتجاج أن الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) نقل أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان جالساً في يوم في على مقربة من الكعبة المشرفة، فجاء عبد الله بن أبي أمية، وقال: یا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) إنك لتدعي أمراً وتقول قولاً عظيماً ، أتظن بأنك رسول رب العالمين ونبي إلهي، أنت لست بهذا الشأن ليكون مثلك رسولاً لرب العالمين، فأنت بشر مثلنا. ولو كنت نبياً ل-راف---ك ملك لنراه فنصدقك، بل ولو شاء الله إرسال نبى إلينا لأرسل ملكاً وليس انساناً بشراً؛ فست إلا ساحراً.. فطلب الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) هنالك من الله سبحانه أن ينزل رداً على هذا الكلام.(1)

النقاط من المستفادة هذه الآية:

1 - إن الكفار إذ يقولون مثل هذا الكلام فإنهم يستهدفون تهييج الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لإعاقته وزلزلة إيمانه، في حين أن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أطلعهم بأن هنالك ملاك كريم يقوم بتنزيل الآيات عليه.

2 - أحد أسباب الكفر الأخرى هو إيراد الحجج الواهية، رغم أن سبب إيراد مثل هذه الحجج متمثل في التكبر والغرور والأنانية، لكن ذلك يتبدل شيئاً فشيئاً إل-ى س-ب-ب ف-ي ع-دم الخضوع والإطاعة.


1) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ص 502 إلى 504 والاحتجاج، ج 1، ص 29 إلى 31

3 - من الحجج التي كان الكفار يشهرونها في وجه الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وأشير إليها في عدة مواضع من القرآن الكريم، هو ما يقولونه للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأنه لم تقوم بهذه المهمة لوحدك؟ ول-م لا يرافقك مخلوق من المخلوقات الأخرى كالملائكة مثلاً؟ مدعين بأن الإنسان ليس له لوحده أن يتحمل عبء رسالة من عند الله.. (وقالوا لولا أنزل عليه ملك).

4 - جواب القرآن لمثل هؤلاء كان على نوعين مع ما معهما من استدلال:

الرد الأول: إذا تنزلت الملائكة، فلم يؤمن الكفار مع ذلك بها، فإنهم سيلقون عذاباً يبيدهم (ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون).

الرد الثاني: للكن لماذا سيلقى الناس عذاباً يبيدهم إذا تنزل مع الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ملك يرافقه؟

لأنه إن تبدل وجود الملك من الغيب إلى الشهود والحس، فهذا يعني أن الانسان قد بلغ آخر مرحلة من مراحل الحجة عليه، ومشاهدته للملك هي بمثابة اليقين الذي لا يمكن إنكاره، الذي يدل على أن الرسول دون شك مرسل من قبل الله سبحانه وتعالى، فإن رفض الانسان الإيمان والخضوع لأمر الله تعالى يكون قد انتهك حرمة لا يقابلها سوى العقاب والعذاب، لكن الله سبحانه ولأنه رؤوف رحيم بعباده يستمر في منحهم المزيد من الفرص المتتالية.. ولذا لا ينزل عليهم ملائكة إلا في حال حالات خاصة، يمتلكون فيها القدرة الكاملة على قبول مثل هكذا أمر عظيم، أو في حال يستحقون فيها نزول العذاب عليهم بشكل قاطع، بما ارتكبوه من معاصي كبيرة لا يمكن غفرانها.

5 - إن سمة التكبر في نفس الإنسان تحول دون تقبله للبشارة وإتباعها.. فيظل يقول: لم يأكل الأنبياء الطعام؟ ولم يتجولون في الأسواق ؟ ولم يرتدون الثياب ؟ (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق).. بل ويتحاور مع أقرانه فيقولون لبعض: إن اتبعتم رج--لاً مثلكم فإنكم الخاسرون (ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون) رغم أن الأدلة والبراهين الدالة على نبوة الأنبياء لا يمكن ردّها.

6 - إن نزل ملاك كما يطلب الكفار في هيئة إنسان.. فهذا يعني أنه سيكون كمثل ذلك النبي المرسل إليهم، لأنه إن نزل بهيئته الملكوتية فلسوف تزهق أرواحهم من شدة عظمة هيبته.. إضافة إلى أن الملك لا يتمتع بقدرات تفوق قدرات النبي، وليس له القدرة على تحمل عبء الرسالة ومسؤولياتها.

7 - إن الله سبحانه قادر على بيان كافة العقائد والأخلاق والأحكام بشكل جلي وواضح..

بشكل لا يمكن معه نفيها أو ردها، فمثلا هو قادر على أن يقول بأن خلفاء الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) هم الأئمة الاثني عشر، وأن أولهم الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام) ثم يليه الأئمة (علیهم السّلام) واحداً تلو الآخر، وأن يحدد للناس كتاباً خاصاً يكون بمثابة الرسالة العملية بدءاً بباب الطهارة وحتى باب الدية مع كل ما تحتويه من فروع.. وأن يظهر الجنة والجحيم وأن يرسل ملكاً بعدد عباده.. إلى درجة يصير فيها التحصيل من أجل العلم والاجتهاد أمراً غير ضروري.. لكن كل ذلك لا يتفق والحكمة الإلهية، فهذا يحول دون التمييز بين المرمن والفاسق والكافر والعادل والمطيع والعاصي.. ثم إذا أص-ر أحد على عناده لاقى بذلك هلاكه.. وهذا ينافي الحكمة الإلهية.. التي ترمي إلى جعل المؤمنين في بحث مستمر وراء الحق والتوحيد، وأن يجتهدوا في البحث عن إلههم .. ليكون لهم الأجر الكامل على هذا الجهد والعمل.

8 - إن تنزيل الملك على الإنسان المعاند لن يغير في حاله شيئاً، فهو سيقول : من أين اعلم بأن هذا ملك .. فهو قد يكون جناً أو شيطاناً.. وبهذا يستحق نزول ال-ع-ذاب ال-م-ح-ت-م ع-ل-ي-ه (ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون).

9 - ما هو هدفكم من وراء هذا الطلب ؟ وما الذي ستفعلونه بالملك الذي تطلبون نزوله؟ أتريدون أن يتنزل الملك من عند الله ويحق عليكم العذاب الإلهي، فأنتم بنزول--ه ستستنفذون فرصتكم الأخيرة.. لأنه لن يكون لديكم مجال للتفكير.. كما أن الملك إن تنزل عليكم فسوف يظهر بهيئة إنسان بشري لتروه، وهذا يجعلكم تعودون للاعتراض (ولو جعلناه ملك-اً لجعلن-اه رجلاً).

الآية 9

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الملائکة، البشر، اللباس»

وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ (9)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - أحد الشروط التي يجب أن تتوفر في من يحمل مسؤولية النبوة والإمامة، هو إمكانية الاتصال به ومرافقته ومصاحبته والتحدث إليه، (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)(1).

2 - لأن الدعوة الإلهية تقوم في أصلها على عدم الإجبار، فلذلك كان يتوجب أن يكون النبي أيضاً من بين الناس فيكلمهم بلسانهم، ليختاروا بأنفسهم إما السعادة أو الشقاوة، وليس أن يجبرهم الله بوساطة ملائكته على إطاعته وقبول الدعوة، وهذا يخالف الدعوة لعبادة الله إذا في هذه الحالة يتحتم على الملاك أن يظهر للناس بشكل إنسان وليس بصورته الملكوتية السمائية.

3 - جملة لجعلناه رجلاً توضح أنه إن حدث وتم اختيار ملك للنزول بالدعوة، فإنه سينزل بصورة بشرية يمكن لعيون البشر التي لا تدرك رؤية الملائكة أن تراه، كما حدث في قصة النبي إبراهيم (علیه السّلام) عندما زارته الملائكة بقصد تبشيره بابنه اسحق وإطلاعه بخبر العذاب الذي سينزل على قوم لوط، حيث تمثلوا له بهيئة بشر، والامر ذاته أيضاً في قصة النبي داوود (علیه السّلام) عندما جاؤوا إليه فتمثلوا له بهيئة رجلين متخاصمين.

4 - واضح أن المقصود من (لجعلناه رجلاً) ليس فقط بمعنى الانسان كما ذخب إليه بعض المفسرين، بل المقصود هو جعل الملاك شبيهاً بالانسان من الظاهر والباطن، لأنه إن كان


1) إبراهيم الآية 4

الملائكة هم أنبياء الناس وقدوتهم ، فكيف للانسان العادي أن ييحتذي بهم مع كل ما يكتنفه من غرائز وشهوات ورغبات.

5 - كلمة (لَبس) (على وزن درس) هي بمعنى التغطية والشبهة ولكن كلمة (لبس) (على وزن قفل) هي بمعنى ارتداء الثياب.

6 - من الممكن أن يكون معنى الآية ما يلي: إذا أصبح النبي ملاكاً، فإنه يجب أن يتمثل بهيئة إنسان ليراه الناس، وهذا الأمر بحد ذاته قد يثير الشبهات لدى الناس (للبسنا عليهم).

7 - واضح أن الله سبحانه وتعالى يقول: إذا قمنا بتطبيق ما يطلبون من تنزيل الملائكة، فإننا يجب أن نجعله بهيئة إنسان.. وهو الأمر الذي يجعلهم يقعون في الشبهات فيعترضون بقولهم: لم منحنا مهمة القيادة هذه إلى إنسان وسترنا حقيقته الواقعية (وللبسنا عليه-م م-ا يلبسون) كم-ا أنهم هم أنفسهم أشخاص جاهلون تلبس الأمور عليهم ولا يميزون صورة الحق الواقعية فينكرون رسالة الرسل، ويطعنون برسالتهم (ما هذا إلا بشر مثلكم)، وبناء عليه فإن هذا الضلال واللبس هو في الواقع من صنع أيديهم وليس من قبل الله تعالى.

8 - إذا عمل إنسان باستمرار على تقوية جانب نفسه الأمارة بالسوء رغباته الشهوانية، فإن ذلك سيعقبه بروز سمة التكبر والاستعلاء لديهم، وعندما تسيطر مثل هكذا ملكات على النفس، فإن صاحبها سيصبح بالتأكيد مغروراً لا يرى الحق ولا يهتم به (وللبسنا عليهم ما يلبسون)، وبذلك فإن الضلال قد بدأ ممن ذواتهم أولاً حتى أضلهم الله كنتيجة لأعمالهم، فهم اختاروا ذلك .. وليس من اللائق نسب ذلك إلى الله سبحانه تعالى.

الآية 10

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الإستهزاء، الرسل»

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلِ مِن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (10)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - هذه الآية بمثابة تسكين لروح النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) الطاهرة، بأنه أولاً: حتى الأئمة الأوائل لاقوا الكثير من الاستهزاء من قبل أقوائهم، وثانياً: أن المستهزئين لن يلاقوا عذاباً أخروياً فحسب، بل وسيصيبهم الغضب الإلهي في الدنيا.

2 - كلمة (حاق) أو (يحيق) هي بمعنى التحقق والبلوغ، أي أن ما كانوا يسخرون منه من العذاب الذي كان نبيهم يحذرهم به سوف يتحقق لهم، فيذوقون طعم سخريتهم.. وهذه الآية تجعل مزيداً من الطمأنينة في قلب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وتحذر المشركين.

3 - الاستهزاء هو أحد أساليب الحرب النفسية التي يمارسها الكفار بشكل مستمر عبر العصور، فهم بهذه الوسيلة يحاولون تضعيف همة قائد الدعوة (استهزئ برسل من قبلك).

4 - إن أصحاب السخرية سيهوون في الذل والانحطاط (فحاق بالذين سخروا).

5 - الاستهزاء من الدين، هو أحد الذنوب الكبيرة الذي وعد لها لها عذاباً عظيماً (فحاق بالذين سخروا...).

الآية 11

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السیر، الأرض، التکذیب، العاقبة»

قُل سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن أمر (سيروا في الأرض) جاء في القرآن الكريم في ستة مواضع، والهدف من-ه دعوة للسير في الأرض وأخذ العبر .

2 - في هذه الآية إشارة إلى سبيل جديد لايقاظ الغافلين من أنانيتهم، حيث يأمر الله سبحانه نبيه بالقيام بنصحهم للسير والسياحة في الأرض ليشاهدوا عاقبة من كذب مثلهم بأم أعينهم، لعلهم يستيقظون (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين).

3 - قل إن لم تصدقوا ما لاقاه السابقون من عذاب فسيروا في الأرض، فمرة إلى اليمن ومرة إلى الشام حيث ديار عاد وثمود .. واعتبروا وتفكروا فما آل إليه حال المكذبين، انظروا إلى آيات الله .. ثم انظروا إلى العذاب الذي نزل عليهم.

4 - ليس هنالك من شك بأن آثار الماضين والأقوام السابقين موجودة في الكتب التاريخية التي يمكن مطالعتها، لكن الآثار الموجودة مما يمكن رؤيته هي أبلغ تأثيراً في نفوس الناظرين إليها..

5 - قد يكون استخدام حرف ثمّ الذي يفيد العطف على الفترة الزمنية، هو لفت الانتباه إلى حقيقة أن عليهم عدم التعجل والحكم السريع على الأمور، بل يجب التروي والنظر في آثار الماضين.. ثم الاستنتاج.

الآية 12

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السماوات، الأرض، الرحمة، الخسران، یوم القیامة، الإیمان»

قُل لِمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِلهِكَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - أحد الأساليب التبليغية التي يؤمر الأنبياء باتباعها؛ طرح الأسئلة (قل لمن قل لله).

2- استكمالاً لبحث محاججة المشركين، تشير هذه الآية إلى أصل التوحيد ومسألة البعث والمعاد من خلال عرض مقدمتين:

المقدمة الأولى: يقول الله سبحانه لنبيه أن يسأل الكفار لمن ما في السماوات والأرض؟ (قل لمن ما في السماوات والأرض) ولأن جواب هذا السؤال واضح وجل-ي ل--دى الس--ائل والمسؤول على حد السواء، حيث أن الكافر أيضاً يعترف بفناء الدنيا وما فيها، لذا يجيب سبحانه عن السؤال (قل لله)، وإن هذه الطريقة من السؤال والجواب فيها من الإبداع ما تتجلى في-ه ق-درة الله سبحانه ورفيع الذوق في التعبير والبيان.

المقدمة الثانية: الله سبحانه هو مصدر للرحمة بكلّها، وقد أوجب على نفسه الرحمة، وهذه الرحمة هي بمعنى قضاء حاجة المحتاجين ومساعدتهم، ولأن بعضاً من عباده مستحقون للخلود والسعادة الأبدية، فإن رحمته توجب منح مثل هؤلاء حياتاً جديدة بعد الموت، وأن يعيش في عالم وسيع، فيرتقي نحو تكامله الأبدي ، (كتب على نفسه الرحمة).

النتيجة:

بالبناء على هاتين المقدمتين: باستخدام لام القسم وكذلك نون التأكيد في كلمة (ليجمعنكم..) وباستخدام كلمة (لا ريب فيه) يُستنتج بوضوح: أن من يعيش في سوق تجارة الحياة، وخسر رأس مال وجوده لن يؤمن قط بالحقائق الواقعية، ولن يفوز في ذلك اليوم إلا المؤمنون حقاً، بينما لا يكسب الكفار سوى الخسران على ما أنكروه من آيات وبراهين إلهية، لأنهم باعوا الإيمان في مقابل الضلال فخسروا أغلى ما في أعمارهم (ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه).

3 - كلمة كتب في هذه الآية، هي بمعنى أن الرحمة الإلهية أمر قطعي ولا يمكن أن يتغير، لأن كل أفعال الله وأعماله هى على أساس من الحكمة والعدل، فهو سبحانه في الوقت الذي يكون فيه قادراً مسيطراً على كل الأعمال.. فإنه لا يقوم بعمل مخالف للحكمة، ولهذا فإن ترك القيام بأي عمل من تلك الأعمال القائمة على الحكمة يوجب وقوع المفاسد والمهالك.. وهو أمر لا يمكن قبوله عقلاً، أن يصدر عن ذاته سبحانه مثل هكذا باطل ولغو قبيح ومكروه.. بل لا يمكن أن يصدر عنه سوى الرحمة (كتب على نفسه الرحمة).

4 - فيما يخص أمر وجوب الرحمة على الله، فقد ورد ذلك في موضعين في هذه السورة (الآية 12 والآية 54) ، حيث قسمت الرحمة إلى قسمين:

الرحمة الرحمانية والرحمة الرحيمية:

الرحمة الرحمانية: عامة وشاملة لكل مخلوقات الله بدءاً بالجن والإنس والكفار والمسلمين من أتباع وأعداء لله سبحانه.. وحتى الحيوانات والأجسام والأجناس، بمايحتاجونه من نعم وأرزاق متناسبة معهم، بكل ما يتميزون به من اختلافات و تمايزات في مختلف العالم، وبما يلزمهم من أمور حياتية، كإرسال الرسل والأنبياء والأوصياء، وتنزيل الكتب السماوية

وهدايتهم وإرشادهم بالتبشير والتحذير (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة).(1)

الرحمة الرحيمية: مثل التوفيق والسعادة والاستقامة مما هو من العنايات الخاصة في يوم القيامة والخاصة بالمؤمنين.

5 - لعل عبارة (ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه) تبين حقيقة أن أحد أسماء يوم القيامة هو يوم الجمع، فالله تعالى يجمع كلّ مخلوقاته التي نفخ فيها من روحه، وهذا لا يشمل فقط البشر من آدم وحتى قيام يوم الدين.. بل ويشمل أيضاً الجن والملائكة وكافة المخلوقات.. التي تجتمع يوم القيامة في صحراء القيامة لتشهد حساب أجل مخلوقات الله؛ الإنسان.

6 - لا شك أن من يؤمن بأن بالمبدأ وبالله سبحانه يؤمن أيضاً بيوم القيامة، ولا يختلفون إلا في خصوصياته .. أما المنكر فهو الوحيد الذي يرفض الله والمبدأ (إلى يوم القيامة لا ريب فيه).

7 - حياة الإنسان في هذه الدنيا شبيهة بحياة التاجر الذي يكون عمره رأس ماله، والعاملون في مؤسسته هم كجوارحه وأعضائه، وأما البيع والشراء فهو أعماله وسلوكه، وإما الربح فه-و ف-ي العمل الصالح وبلوغ الجنة، بينما الخسارة والضرر هو بمثابة الفساد والآثام التي توصله إلى النار. (الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون).

8 - من وجهة نظر القرآن الكريم فإن الرحمة الإلهية تشمل فيما تشمل كلّ شيء (رحمتي وسعت كلّ شيء) ولهذه الرحمة مصاديق كثيرة، منها:

المطر (ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته).

الريح (يُرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته).

الليل والنهار (ومن رحمته جَعَلَ لكم الليل والنهار).

النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (وما أرسلناك إلا رحمة وهدى ورحمة للعالمين).

القرآن الكريم (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة).


1) الأنفال 44

التوراة (كتاب موسى إماماً ورحمة).

الحرية (فأنجيناه والذين معه برحمة منا).

المحبة بين الزوجين (وجعل بينكم مودة ورحمة).

النبات والفاكهة (فانظر إلى آثار رحمة الله يُحيي الأرض بعد موتها).

قبول التوبة (لا تقنطوا من رحمة الله).

9 - كما أن الله سبحانه أوجب علينا من الواجبات أموراً.. فقد أخذ على نفسه تبارك وتعالى أموراً أخرى منها:

هداية الناس (إنّ علينا للهدى).

إعطاء الرزق (على الله رزقنا).

اللطف بالعباد (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي).

10 - قد يخسر الإنسان في وقت من الأوقات مالاً أو منصباً، أو أحد رؤوس أمواله الأخرى.. لكنه في الواقع يكون قد خسر أموراً إضافية وليست من ذاته، بل ومن الممكن أن يحصل عليها من جديد، لكن الخسارة الحقيقية التي يمكن أن نسميها خسارة واقعية هي تلك التي يفقد فيها الإنسان أصلاً أساسياً من وجوده .. مما لا يمكن أبداً تعويضه، فهو بعناده وتكبره قد أضاع رأس مال عمره وفكره وعقله وفطرت وكل مواهبه النفسية والجسدية، بدل أن يستغل كل ذلك في سبيل إحقاق الحق ولتكامله الذاتي (الذين يخسرون أنفسهم فهم لا يؤمنون).

الآية 13

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السکون، الحرکة، اللیل، النهار، السمیع، العلیم»

وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تُعَدّ هذه الآية استكمالاً للآية السابقة، ففي الآية السابقة يقول تعالى بأنه مالك السماء والأرض ويشير إلى ملكه لكافة الموجودات في أفق المكان (آسمان وزمين)، لذا ففي هذه الآية المكملة لسابقتها إشارة لملكه سبحانه من خلال التركيز على أفق الزمان (وله ما سكن في الليل والنهار).

2 - إن هذه الآية هي الألطف من حيث الإشارة إلى المعنى، والأدق من حيث الإشارة إلى الحجة ومن حيث المنطق فهي الأيسر فهماً.

3 - تبين هذه الآية موضوعين:

الموضوع الأول: هي بمثابة مقدمة مبينة لحجة الآية السابقة ومكملة لها، فبنظرة أولية لا يتوجه الذهن إلى أن امتلاك الله سبحانه لما في السماوات والأرض يستوجب علماً وسمعاً بها وبأحوالها ومقالها، لذا تأتي هذه الآية لتشير من جديد على مسألة الملك .. كتذكير بأن هذا الملك بحاجة إلى السمع والعلم.

الموضوع الثاني: إشارة إلى أحد أدلة التوحيد، فالأجسام لا تخلو من الحركة والسكون.. وما لا يخلو من الحركة والسكون، لا يمكن أن يكون أزلياً وأبدياً، لذا فإن كلّ الأجسام حادثة، ولأنها حادثة فهي محتاجة لمُحدِث خالق، لكن ولأن الخالق ليس له جسم فليس له حركة ولا سكون ولا زمان له أو مكان، لذا هو لذلك أزلي وأبدي.

4 - علينا أن ندرك أنه ولأن العالم مادة غير خالية من الزمان والمكان، وكل ما فيه من موجودات هي في الواقع جارية في مكان وزمان معينين، فالليل والنهار ليسا بالأمر الخاص بالمنظومة الشمسية، بل أن كل المخلوقات في السماوات والأراضين يمر عليها الليل والنهار.. وبعضها دائم في النهار دون الليل والآخر قد يكون في ليل دائم.. مثلا على الشمس هنالك نهار مستمر لأن لا ظلمة هنالك ولا ليل، بينما هنالك كواكب أخرى تعيش ظلام الليل الدامس بشكل لا ينتهي، والآية أعلاه توضح ذلك.

5 - السكن في اللغة هو بمعنى السكون والتوقف والاستقرار في شيء، سواء كان ذلك الموجود في حركة أو سكون، فمثلاً نقول: نحن نسكن في المدينة الفلانية، أي أننا مستقرون فيها وهذا يشمل حركتنا مثلا في شوارعها أو توقفنا فيها.

6 - من الممكن أن يكون السكون هنا هو مجرد ضدّ للحركة، ولأنهما أمران نسبيان فإن ذكر أحدهما يغنينا عن ذكر الآخر، وعليه فمعنى الآية يكون كالآتي: كل ما هو موجود يتحرك أو يسكن في الليل والنهار هو كله لله.

7 - إن اتساع الكون وعالم الموجودات الواقع في أفق الزمان والمكان، لا يمنع مطلقاً من أن يحيط الله سبحانه بأسرارها، بل أنه يسمع ما ينطقون، فحتى حركة النملة الضعيفة في قعر غياهب الليل الكالح في واد سحيق بعيد جدا، يراه سبحانه ويدركه.

8 - جملة (وهو السميع العليم) فيها إشارة إلى أن اتساع عالم الوجود والمخلوقات الموجودة في أفق الزمان والمكان، لا يمنع أبداً من قدرة الله على الإشراف على ما فيها من أسرار.

الآية 14

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الولایة، الشرك، السماوات، الأرض، الفطرة، الإطعام، الإسلام، الشرك»

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - هذه الآية هي بداية في توضيح وحدانية الله سبحانه وأنه لا شريك له.. فالله يأمر رسوله بتبيين ذلك للمشركين بأسلوب السؤال والجواب، وهو أحد الطرق التبليغية في الهداية، لتحريك عقول الناس ودعوتها إلى التفكّر، خاصة منهم عبدة الأوثان ليدركوا خطأهم بالدليل القاطع، فتوجيه هؤلاء إلى أنهم مخلوقون ويتوجب أن يشكروا الخالق أمر جميل ومحمود، ولكن هذه الأوثان ليست بالمنعم الواقعي على البشر، بل أن خالقهم والمنعم عليهم هو الله سبحانه، لأنه يعطي الرزق للجميع بينما هو لا حاجة له بأحد قط، وهو الذي يخرج المخلوقات من ظلمات اللاوجود إلى نور الوجود الوضاء.. فوهب لكل مخلوقاته رزقهم وقوت يومهم، وله الفضل عليهم توفير كل ما يحتاجون، لذا فلا أحد سواه يستحق العبادة والحمد .. وهذا الدليل هو ذات الدليل الذي يطرح على الوثنيين.

2 - ما يمكن فهمه من تاريخ الوثنيين، هو أن مبدأ وجود عقيدة الكفر والوثنية يعود إلى أحد الغريزتين التاليتين:

الف: غريزة الحصول على منفعة: فالانسان محتاج إلى بعض الحاجات من مثل الطعام والشراب، أو الحاجة إلى اللباس والمسكن والزوج والأبناء والعائلة ..... ولأنه غير قادر على توفير

حاجاته هذه بنفسه فهو محتاج ومضطر إلى أن يعود إلى قوة أعلى لذلك كان يظن بأن القوة الحل لكل شيء وعليه أن يخضع في المقابل لتلك القوة ويعبدها.

ب- غريزة دفع الضرر: لأن الإنسان كان معرضاً لأنواع الحوادث والعوارض والبلايا من مثل السيول والزلازل والطوفانات والمجاعات ، فكان يظن بأن هذه المصائب والمحن لا تُرفع إلا بالاستناد إلى قوة عظيمة جداً، قوة سماوية متمثلة في الآلهة التي تستطيع كما يعتقد أن تزيل عنه ذلك، لذا كان يخضع لها خوفاً من أن يشمله غضبها وسخطها.. ويحفظ نفسه في ظلها من المشكلات والأذيات.

3 - عبارة (قل أغير الله... وهو يطعم ولا يطعم) هي بمثابة جواب مختصر وبشكل إشارة إلى دليلهم الأول وهو وجوب الشكر من خالق كل النعم للإنسان، وعبادته هي بسبب ما تلطف به على مخلوقاته وكشكر يكون في ذاته سبباً لازدياد النعم.

4 - جملة (قل إنى أمرت...) فيها إشارة إلى أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو من الناحية المكانة والزمان أول من أسلم، وأنه مأمور بإطاعة الله وعدم عصيانه بالشرك بدل التوحيد.

5 - نتيجة وضرورة برهان شكر المُنعم، هو في وجوب العبودية، فالعبودية هي نوع من الخضوع والتسليم، وعليه فقد استخدمت كلمة الاسلام للإشارة إلى هدف العبودية أي (الخضوع والتسليم) أيضاً.

6 - إذا تم استخدام كلمة (إيمان) بدل كلمة (إسلام)، فإن ذلك لن يفيد معنى التسليم والعبودية في مقابل الله سبحانه، لأن التسليم هو ما يتحقق أولاً ثم يليه الإيمان (قل إني أمرت أن أكون).

7 - إستخدام كلمة (قل) لمرتين في هذه الآية يبين أولاً التأكيد على الثبات في عبادة الله سبحانه والتسليم له وثانياً في ذلك تأكيد على ضرورة مقاومة الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) للشرك والوثنية ولزوم هداية عباد الله إلى الصراط المستقيم بالتنوير واليقظة.

8 - تم هنا التركيز من بين صفات الله تبارك وتعالى على صفة المطعم لعباده والرازق

إياهم، ولعل ذلك هو بسبب أن أكثر تعلقات الإنسان في حياته هي مادية لحاجات طبيعية فيه، فعبارة (أكل لقمة العيش) هي ما يجعل الناس يخضعون في مقابل أرباب الذهب والسطوة، بل وفي كثير من الأحيان يصلون حد العبادة .

9 - في الآية رد على من كان يدعو إلى عبادة الأصنام والشرك حيث يقول: إضافة إلى نداء العقل الذي يدعوني نحو اللجوء إلى خالق السماء والأرض .. فإن الوحي الإلهي أيضاً يأمرني بأن أكون أول المسلمين وأن لا أكون مطلقا مع المشركين (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين).

الآية 15

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «العصیان، العذاب، القیامة، الخوف المذموم، الخوف المحمود»

قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال للناس أنا أيضاً أشعر بدوري بالمسؤولية ولا أستثني نفسي أبداً من أوامره تعالى، ومن يعصون الحق فإنهم يستحقون العذاب حتى لو كانوا أنبياء لله، فأنا أخاف إن عصيت أو تجاوزت أن أحاسب وأعاقب يوم البعث الأكبر ..

2- في في هذه الآية وكما في سابقتها، ردّ عقلي على ادعاء المشركين في عبادة الاصنام والأوثان، والذي يقولون فيه بأن عبادتها تقيهم العذاب الإلهي.. حيث تنقدهم الآية بتأييد من الوحي، ثم تدعوهم بالدليل العقلي ذاته إلى عبادة الله سبحانه فتخاطب النبي قائلة : قل لهم لأن الله سبحانه قد نهاني عن الشرك به، فإنني أعبده ليس لأسباب شرعية فحسب بل ولأسباب عقلية أيضاً، فأعبد الله وحده ولا أشرك به أحداً، لأكون في أمان من عذاب اليوم الأكبر، فالله سبحانه عقلاً هو المؤثر والخالق الوحيد بل وليس هنالك من أثر دونه، ولا عذاب أشد ألماً من عذاب جهنم وأعظم، فالواجب إذا نأمن من عذاب ذلك اليوم وهذا جوهر نقض ادعاء المشركين في أن الأصنام هي التي تنزّل العذاب والأثر.

3- الخوف والرهبة هما حالة داخلية تصيب الإنسان، مما يسبب له الضيق وعدم الراحة، وضد ذلك الرجاء والأمل فهما حالة تمنح الإنسان قوة مواجهة الصعاب والقدرة على تلافيها.

4 - للخوف والرهبة نوعان: الخوف المذموم الذي يرفضه العقل والشرع. مثل:

أ - الخوف من الجهاد أي ما يطلق عليه الجبن وضده الشجاعة.

ب - الخوف من نقص المال: ويطلق عليه البخل والخسة وضد ذلك السخاء والكرم.

5 - الخوف المحمود : وهو على ثلاث أنواع:

النوع الأول: الخوف من سوء العاقبة، فيخشى الإنسان أن يرحل عن هذه الدنيا دون توبة نصوح أو فاقداً إيمانه.

النوع الثاني: الخوف من العذاب الدنيوي والأخروي بسبب المعاصي والعصيان.

النوع الثالث: الخوف من الله سبحانه بعد إدراك عظمة وكبرياء الحق وهو ما يؤدي إلى امتناع الإنسان عن ارتكاب المعاصي أو عدم إطاعته تعالى.

6 - لا شك أن للخوف درجات كثيرة متفاوتة وفق درجات المعرفة، وأحد درجاتها العدالة التي تحول دون ارتكاب الكبائر، أو الإصرار على الذنوب الصغيرة، وأعلى درجاتها مقام العصمة، والطهارة من الذنوب التي لا تسمح للذنوب بأن تخطر على بال المعصوم فكيف به يرتكبها.. وأعلى درجات العصمة هو أن يبلغ المعصوم مكاناً لا يقوم فيه حتى بالمكروهات وهو المكانة التي بلغها الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم).

7 - قد يكون سبب تصور إمكانية العصيان من قبل الرسول من قبل الله تعالى (إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) يعود إلى خوفه من عدم تبليغ رسالته بالشكل المطلوب أو لمساعدة وموافقة الكفار والمشركين المأمور بمناهضتهم والوقوف في وجه أي من أشكال الأساطير والشرك بالهداية والإرشاد، وإلا فإن المعصوم لا يرتكب ذنوباً صغيرة أو كبيرة.

الآية 16

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الرحمة، الفوز، الخووف»

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - هذه الآية الشريفة تشير إلى أنه إن لم تشمل رحمة الله تعالى حال عباده في يوم القيامة فإنهم مشرفون على عذاب عظيم، وكما روي عن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم): والذي نفسي بيده مت من النّاس أحد يدخل الجنّة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ ، قال له : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل. ثم وضع يده على رأسه وتنهد في حرقة.(1)

2 - تعد هذه الآية استكمالاً للحجة التي جاء ذكرها في الآية السابقة، لأنه من الممكن أن يورد أحدهم إشكالاً بأن أمر الله تعالى بترك الشرك هو أمر موجّه له (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعليه فالخوف من عذاب يوم القيامة هو فقط للرسول، وهكذا فعبادة الواحد الأحد واجبة عليه ففحسب، لذا نزلت هذه الآية لترد إدعاء المشركين وتوضح أن العذاب ليس مختصاً بشخص الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، بل هو شامل للجميع وليس لأحد الإفلات منه إلا برحمته تعالى وعلى كل إنسان لذلك أن يخشى من هذا العذاب ويستعد بالعبادة ليأمنه.. بل ويرتقي مستحقاً الجنة.

3 - تثبت هذه الآية أن الرسول الأعظم أيضاً محتاج لرحمة الله ولطفه، وأنه لا يمكن له القيام بأي عمل من نفسه دون مدد إلهي، وأن أمله موصول بقدرة الله سبحانه (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَومَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ المُبينُ)


1) مجمع البيان ج 12 ص 280 ، ونور الثقلين ج 2 ص 425

4 - عبارة صرف في الآية (من يُصرف عنه) هي بمعنى الحؤول دون نزول العذاب وتجنبه وليس رفعه، وكلمة يومئذ فيها إشارة إلى اليوم العظيم الواردة في الآية السابقة، أي يوم القيامة والتي ورد أسماء عديدة له في القرآن الكريم: يوم الحسرة والندامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم الحشر، يوم التغابن، يوم الجمع، يوم الأزفة وغير ذلك الكثير من الأسماء المستخدمة في الأحاديث والروايات للإشارة غلى يوم القيامة، حيث تبلغ أكثر من ثمانين إسماً.

5 - من البديهي أن رحمة الله تشمل فقط أصحاب الأعمال الصالحة والمحسنين، ودفع العذاب عن أي إنسان لا يأتي إلا بتوفيق أعماله الصالحة وعلمه بها، أو بواسطة المغفرة والتوبة الإلهية، وعلى كل حال فليس للانسان غير رحمة ربه المتعال وتفضله بدفع العذاب عنه، فنحن مهما أطعنا الله لن نستطيع إيفاءه حقه الحق، وليس لنا أن نردّ له سبحانه جميل نعمة واحدة من نعمه التي لا تعد ولا تحصى، فنحن لا نملك شيئاً لأنفسنا.. فالعقل والجوارح والأعضاء و.. هو هبة وإحسان من لطفه ورحمته ومحبته..

6 - من الممكن أن يكون صرف العذاب هو رحمة وتفضل إلهي، سواء كان لا يستحق ذلك والله يريد أن يعفو عنه، أو أن لا يستحق العذاب حيث شمله الفضل الإلهي فترك المعاصي وآمن ففاز الفوز المبين ونجا من العذاب.

الآية 17

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «المس، الضرر، الخیر، القدرة»

وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمسَكَ فَهُوَ عَلَى كُلِ شيءِ قَدِيرٌ (17)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - كما تمت الإشارة إليه سابقاً فإن أهم أهداف هذه السورة هو الاستدلال بالأدلة العقلية وتبيانها، وذلك لجهة اقتلاع جذور الشرك وعبادة الأصنام، لذا فقد ورد في هذه الآية إشارة إلى سببين لعبادة الأصنام لدى المشركين، وهما : كسب المنافع أولاً ودفع الضرر ومنعه ثانياً، فتقول الآية هنا أن كسب الخير ودفع الشر لا يكون إلا من قبل الله وإرادته سبحانه وتعالى.

2 - إن عبارة (مس) في جملة (وإنْ يَمْسَسْكَ بخير) هو من باب تصغير وتحقير تلك ما يحسبها الإنسان مكاسب وأرباح، فكلها ليست إلا أشياء ضئيلة أمام قدرة الله وقوته (فَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قدير).

3 - كما أن الله وحده هو القادر على منع الشر من الوصول الإنسان، فإنه لا يمكن لأحد منع الخير من الوصول إلى الانسان إذا أراد الله له أن يحصل عليه، فقدرة الله لا حدود لها وليس لأحد أن يمنعها، فالواجب على الإنسان مع ذلك إذن أن يعبد الله وحده وأن لا يشرك به أحداً، وليس أن يتوجه بالعبادة نحو أصنام جوفاء مما لا تنفع ولا تضر.

4 - لماذا تلوذون إلى غير الله، فتستجدون آلهة مصنوعة بأيديكم وتطلبون إليها دفع الضرر عنكم، وجلب المنفعة إليكم، بينما هو الله الذي يرفع عنك كل مكروه من أصغرها وحتى أكثرها

استحالة، وهو الذي يكتب لك الخير والسعادة بما يتمتع به من قدرة واستطاعة).

5 - إن من يريد الله به ضرراً يطال ماله أو نفسه أو مكانته الإجتماعية، فإن ليس لأحد أن يدفع عنه ذلك، وكذا فمن يريد به الله ربحاً على صعيد ماله أو نفسه أو مكانته الإجتماعية، فإنه سيحقق له ذلك بما يشاء من حد واتساع وليس لأحد قط أن يعيق ذلك أو يقف حائلاً دونه، فلا قدرة أعلى ولا أرفع من قدرته وسلطانه وإرادته.

6 - كلمة ضرّ هنا هي بمعنى المكروه بما يحتويه ذلك من فقر ومرض وضرر مالي أو عرضي أو بدني أو نفسي .... وكلمة خير هي بمعنى كل شيء جيد بما يشمله هذا المعنى من سلامة وصحة وثروة و... والمقصود بكلمة مس هي الإصابة بالضر أو السوء او بالخير، ولأن مس هي إلصاق جسمين ببعضهما، وإطلاق مثل هذا اللفظ على الله سبحانه أمر غير مناسب، لهذا فالباء في (بضرّ) هي لجهة التعدية أي في الواقع ونهاية الأمر، والضر والمساوئ والخيرات، كلها بإرادة الله سبحانه، حيث تمسه كما التعبير مثلا بالقول لقد مسسته بيدي أي بإرادتي فعلت، وهنا أيضاً يمسك الضر أو الخير بإرادة الله.

الآية 18

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «القهر، التفوق، العبد، الحکمة، الخبیر»

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - استكمالاً لما جاء في الابحاث السابقة، فإن الله سبحانه يقول هو القاهر والمسيطر فوق عباده (وَهُوَ القَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ).

2 - عبارة قهر في القرآن هي بمعنى الغلبة، فالله سبحانه يصف نفسه بالقهار في عدة مواضع من القرآن الكريم: (سورة يوسف - الآية 39 ، وسورة الرعد - الآية 16، وسورة إبراهيم - الآية 48 ، وسورة الزمر - الآية 4 ، وسورة غافر - الآية 16)

3 - القاهر: اسم (قاهر) جاء مرتين في القرآن الكريم وفي كلا المرتين كانتا في هذه السورة، وفي كلتا الآيتين وصف لله تبارك وتعالى، كما هو قوله جل شأنه: (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وهُوَ الحَكيمُ الخَبِيرُ)(1)والآية الثانية جاء فيها : (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ويُرسِلُ عَلَيكُم حَفَظَة..)(2).

4 - ورد في تعريف لفظة (قهر) أربعة معانٍ نشير إليها هنا:

المعنى الأول: يقول ابن فارس) هي تعني النصر والعلوّ والقاهر هو الغالب.(3)

المعنى الثاني: يقول (راغب) بأن قهر بمعنى غلب وأذلّ عدوّه،(4)كما في قوله تعالى: (فَأَمَّا الیَتِیمَ فَلا تَقْهَرْ)(5)، ولكن الظاهر أن الذل ليس بالمعنى المباشر للقهر ، بل هو من نتائجه ولوازمه،


1) الأنعام 18

2) الأنعام 61

3) معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 35

4) مفردات ألفاظ القرآن، ص 687

5) الضحى 9

فنتيجة غلبة أحد على آخر هو الذل للمقهور والانحطاط.

المعنى الثالث: يقول (صدوق) أن القدير والقاهر كلاهما ذو معنى متقارب.. من منطلق أن سائر الأشياء لا تعصيهما وتتقبلان إرادتهما.(1)

المعنى الرابع: عن (العلامة الطباطبائي قده) يقول بأن القهر هو نوع من الغلبة بحيث تعطي معنى انتصار الشيء على الآخر، بحيث يصير المغلوب طائعاً للمنتصر.(2)

5 - كما أن اسم (قاهر) يصدق إطلاقه على سائر المخلوقات، فإنه يصدق على الله سبحانه، ولكن الفرق هو أنه وفي غير الحالة التي يكون الله تعالى فيها. فإن كلا القاهر والمقهور يتميزان بطبيعة ورتبة وجودية واحدة، فمثلا العلاقة بين الماء والنار، في حين أن قاهرية الله تعالى فوق العالم ومع عباده أمر مختلف عن ذلك، فقاهريته هي في إحاطته بالعباد والمخلوقات.

6 - صحيح أن الله قد غلب عباده، لكن لأنه أعلى منهم وجودياً، لذا جاء في العباد بعد لفظ قاهر (فَوْقَ عِبَادِهِ) لتبيين ليس فقط قهارية الله بل وارتفاعه عنه.

7 - من العجيب بمكان أن يستنبط أتباع المذهب الحنبلي أن الله من الناحية الحسية والجسمية، في مكان أعلى وأرفع من عباده ، في حين أن صفة القاهرية عند الله هي بسبب أفضليته الوجودية وبالأعلى هنا ليس أمراً حسياً بل معنوي و... (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)(3).

8 - لكي لا تذهب الأذهان إلى توهم ما تقوم به بعض الآلهة من ظلم استبداد وسوء استفادة من مزايا المكانة، بسبب قدراتهم اللامحدودة، فإن الآية ختمت بعبارة (وهُوَ الحَكِيم الخَبِيرُ) أي أن كل أعماله وأفعاله سبحانة تكون وفق حسابات دقيقة ودون خطأ.


1) التوحيد، ص198

2) راجع: الميزان، ج 7، ص 35 و 36

3) الأعراف 127

الآية 19

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الشهادة، القرآن، الإنذار، آلهة، التوحید، الشرك»

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَدَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَى هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ وَالِهَةً أُخْرَى قُل لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِى مِمَا تُشْرِكُونَ (19)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - هذه الآية هي في صدد الاحتجاج على مسألة وحدانية الله تعالى عن طريق الوحي، وهي مسألة عقلية بحتة، ولكن ذلك لا يمنع من إثباتها عن طريق الوحي الصريح، لأن سبب البرهان العقلي ليس إلا لجهة تحصيل اليقين، والوحي الإلهي هو في الأولى لإيجاد اليقين، وهو من نوع وحي القرآن المبني على التحدي والمواجهة.

2- جاء جمع من مشركي مكة إلى النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وقالوا له: أي نبي أنت حيث لا ترى أحداً يوافقك، لقد سألنا عنك اليهود والنصارى ولكنهم شهدوا بعدم حقانيتك وفق ما جاء في التوراة والإنجيل، أرنا أحداً يشهد لك برسالتك..

فهؤلاء قد أغمضوا أعينهم عن دعوته (صلی الله علیه و آله و سلم) مطالبين بشاهد وشهادة لذا تأتي الآية (قُلْ أَيُّ شیءٍ أَکبَرُ شَهَادَةً)(1)فهل هنالك من شهادة أكبر ؟ وأما الدليل فأفضل دليل هو القرآن الكريم (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن).

3 - استخدام حرف إن في (إِنَّنِي) و اللام في (لَأُنْذِرَنَّكُمْ) هو لشأن التأكيد، ففي الآية دعوة من قبل الله تعالى للنبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) ليسأل المشركين بكثير من التعجب على كل هذه


1) مجمع البيان، ج 4، ص 436

المخالفة والعناد من قبلهم، أن كيف يشهدون بالألوهية لآلهة متعددة غيره؟

والله شاهد على أن رسالته هي الرسالة الأعظم، ثم يوكل لرسوله أن يرفض شهادتهم الضالة، وأن يتبرأ منها حيث يقول تعالى: (قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلهُ وَاحِدٌ وَإِنّني بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) وهذه هي الشهادة على وحدانية الله المتعال والبراءة من الشرك وكل ما ينسبه المشركون من شركاء لأنّ (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم).

4 - تقول الآية الكريمة عن لسان الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) و أن هدف نزول القرآن عليّ هو إنذار كلّ من يسمع صوتي على مدى التاريخ و باتساع الزمان في كافة نقاط الدنيا، وتخويفهم من عواقب المعصية. ومن الطبيعي أن تبدأدعوة النبي بالإنذار ، فهذا أكثر وقعاً في إفهام الناس، بشكل أكبر من مجرد تطميعهم وتقديم الوعود لهم، وبذا فالقرآن هو المنذر والمحذر للناس من عواقب عدم الإيمان (لأنْذِرَكُمْ بِهِ ومَنْ بَلَغَ).

5 - توجه هذه الآية طلباً للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ليسأل المشركين عن إذا ما كانوا يشهدون بأنفسهم بوجود إله آخر (أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى) والسؤال الثاني هو بعد شهادة النبي بأنه لم يعرف إلهاً غير الله، ولذا فهو بريء مما هم عليه، (قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنّني بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ).

6 - إن عبارة (وَمَنْ بَلَغَ) تبين أن رسالة نبي الإسلام (صلی الله علیه و آله و سلم) عامة وأن القرآن أبدي وخالد، ولا فرق في الدعوة بين من أدرك الرسلو (صلی الله علیه و آله و سلم) في زمانه فتلقى الدعوة منه مباشرة أو بين من بلغته عن شخص آخر غيره، بل ولا من بلغته بعد رحيله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فالقرآن إذا هو الحجة الناطقة المرسلة من قبل الله تعالى، وهو الكتاب الحق المناهض للباطل منذ نزوله وحتى يوم القيامة، وهو الحجة على كل من يسمعه فيدركه ويفهمه أو يفسره ويترجمه آخرون له.

جاء استعراض وتبيين الحقيقة في هذه الآية في صيغة سؤال وجواب، وهي إحدى الأساليب المؤثرة في عملية التبليغ، ففي هذه الآية تتكرر عبارة (قُلْ أَي شَيْءٍ.. قُلْ الله) .

الآية 20

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکتاب، الخسران، الإیمان، المعرفة، البداهة»

الَّذِينَ آتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 تشبه هذه الآيةُ الآيةَ رقم 146 في سورة البقرة، فترد على أولئك الذين يدعون بأن أهل الكتاب ليس لديهم أي شهادة حول الرسول الأكرم فتقول صراحة (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ صَلَّى اللهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) وتبين شهادة الله تعالى في الكتب السماوية حول خاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتشير إلى أن علمائهم هم على علم كامل بهذه الحقيقة والشهادة فالكتب التي بقيت دون تحريف بعد الأنبياء والمرسلين، فيها بشارات متتالية حول قدوم نبي بأوصاف خاصة، ولعل مثل هذه الكتب الخالية من التحريف محفوظة لدى كبار علمائهم.

2 - إن معرفة الابن هي من المعارف الأكثر بداهة ورسوخاً في القدم، فمن لا يفهم ابنه الذي رباه من الصغر، لكن معرفة الأخ والأب والأم بالنسبة للانسان، لا تأخذ شكلها إلا بعد أشهر من ولادة الإنسان كما هي مثلا معرفة الزوجة لزوجها ، لذا فالآية تقول انطلاقاً من المبدأ أن اهل الكتاب يعرفون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كما يعرفون أبنائهم.

3 - إن المعرفة والعلم ليسا فقط سبيل نجاة الانسان فكم من إلهيين وعالمون بالأنبياء ورجال دين انحرفوا لعنادهم ولجهم (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ).

4 - إن أولئك الذين ورغم علمهم ومعرفتهم بأوصاف الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، كما يعرف الأب أبنائه، ومطلعون على بشارة ولادته وظهوره قبل ذلك، لكنهم مع ذلك يكتمون أمره ويستنكفون من إظهار الإيمان به، أولئك يدعوهم الله الخاسرين (الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ).

الآية 21

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الظلم، الإفتراء، الکذب، الفلاح»

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِنَايَتِهِ إِنَّهُ، لَا يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ (21)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - جاء تعبير (مَنْ أَظْلَم) في المواضع التي تشير إلى الافتراء على الله تعالى، وفي منع اللناس عن المساجد وكتمان الالشهادة والحق، والظلم الثقافي ومنع الناس من بلوغ الرشد والوعي هو أسوأ أنواع الظلم للمجتمع.

2 - استمراراً لسياسة اقتلاع الشرك والمشركين على كافة الصعد، تطرح الآية هذه سؤالاً فتقول من أظلم من المشركين الذين يجعلون الشركاء لله تعالى، فالجملة الأولى تتناول أمر إنكار التوحيد، فيما تشير الثانية إلى إنكار النبوة، والواقع أن لا ظلم أعلى من هذا الظلم، أن يقوم الإنسان يرفع الجماد ذو المكانة الحقيرة إلى مقام الله ، ليحكم العلام كله.

إن أحد أقبح وأسوأ الآثام هو الظلم، لأن الظلم هو الخروج عن الاعتدال، والقبح والسوء في كل الذنب هو بحجم مقدار الظلم الذي يتم وفق ذلك الذنب.

4 - كما أن الظلم يختلف باختلاف الشخص الظالم، فيزداد أو يقل، مثلا لو ارتكب الظالم ظلماً وهو يعلم بأنه فعل، وبأنه مذنب في ذلك، فإن ظلمه هذا يكون أضعاف من يرتكبه عن جهل، كما أن نوع المظلوم أيضاً مؤثر هنا، فكلما كان المظلوم ذو مرتبة وشأن عظيم من القدسية كلما كان الظلم أسوأ، والظالم في هذه الحالة يكون ظالماً لنفسه في واقع الأمر، والظلم أيضا يختلف في اختلاف مادة الظلم، فهنالك ظلم الوقت وظلم المال وظلم العرض وظلم النفس وظلم ماء الوجه والكرامة، وصولاً إلى الظلم الديني.

5 - إن الافتراء على الله هو من مثل قولهم عن الله بأن له بنات هي الملائكة، وأن الأصنام هي شفعاؤنا عند الله تعالى وأما القرآن والمعجزات هي مجرد أسطورة وسحر.

6 - إن للكذب مراتب أيضاً، فالكذب هو إظهار ما يخالف الواقع، سواء كان ذلك في الكلام أو الكتابة أو العمل والسلوك أو العقيدة، والافتراء والاتهام أسوأ من الكذب، لأننا فيه نتهم غيرنا بالكذب وننسب له ما لم يقم بفعله أو قوله.

7 - رغم أن المستبدين يحلمون بالسعادة ويجهدون في الحصول عليها، لكنهم في واقع الأمر لا يبلغونها قط، لا في هذه الدنيا ولا في دنيا الخلود، لأن بلوغ السعادة في الدارين وبعيداً عن الخيال والتوهمات الدنيوية الزائفة، مشروط بمراعاة أمور أربع هي:

الشرط الأول: البقاء الأبدي لتلك السعادة والثروة والعزة الظاهرية دون فناء.

الشرط الثاني: عد الافتقار أو الحاجة الأبدي.

الشرط الثالث: حفظ وبقاء العزة دونما أي ظهور للذلة.

الشرط الرابع: بقاء العلم الذي لا جهل فيه أبداً.

وبلوغ السعادة الأبدية في دائرة الوجود الكوني لا يتحقق إلا في مسير واحد هو الإيمان بالله، والتمسك بتطبيق تعاليمه في الدنيا، وأن هذا العمل السيء أو الحسن الدنيوي له أثر في الآخرة، وهذا هو الطريق الوحيد الذي يوصل الإنسان إلى السعادة الأبدية، ليس هنالك من سبيل آخر غيره، بل أن الانحراف عنه هو الظلم بعينه، ولا يصل بالانسان إلا إلى (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).

8 - قد يقوم الظالم من خلال استعراض قوته المصطنعة بالوصول إلى أهداف غير شرعية، مخالفاً العقائد الحقة والتوحيد، فيغتصب حقوق الناس وأموالهم، أو يعصي الله في عبادته، أو يرتكب الذنوب من مثل الكذب والخداع والافتراء، فيصل من خلال كل هذا إلى هدفه، إلا أن مثل هكذا إنسان لن يصل ودون شك إلا إلى الخسارة، بما ضيعه على نفسه من فرصة دنيوية لشد الرحال والتزود بأفضل الزاد، فأحرق وظلم نفسه، وتم تسجيل كل صغيرة من ذلك وكبيرة في كتاب أعماله، فاستحق الجزاء والعقاب (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).

الآية 22

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحشر،القیامة، الشرک، الحساب»

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (22)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تبحث هذه الآية خاتمة المشركين في البعث، مسلطة الضوء على أنهم ومن خلال استنادهم إلى المخلوقات الضعيفة من مثل لأصنام والآلهة المتعددة، يحاولون تلمس السكينة لأنفسهم في هذه الدنيا، ولكن ذلك لن يطول لهم إلى الآخرة، لأنه لن يكون هنالك من أثر الاستعراضهم لقوتهم في تلك الدنيا..

2 - إن حساب واستجواب المشركين المُذل في الآخرة لهم، هو دليل عل أنهم محرومون من سمة الخلوص في عملهم ، وهذا الحرمان هو مما جاء ذكره في الآية السابقة.

3 - رغم أن الآية، تشير إلى الشرك، لكنها أيضاً تشمل أولئك الذين يتخذون من دون أوليائ الله أولياء لهم، ويعصون الله، فيقومون بإيذائهم.. هم أيضاً من المشركين، ففي الزيارة الجامعة الكبيرة (ومن حاربكم مشرك)(1)وفي الحديث: (الرّاد علينا كالرّاد على الله وهو على حد الشرك بالله).(2)

3 - ضمير (هم) في (يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) يشمل جميع البشر والجن والإنس معاً، ممن تفاخروا بعبادتهم للأصنام والشمس والنجوم و...بل وبقرينة جميعاً في هذه الآية وفي الآية 5 من سورة


1) من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 613 وتهذيب الأحكام، ج 6، ص 98

2) الكافي، ج 1 ص 67 وج 7 ص 412 وتهذيب الأحكام، ج 6، ص 302 والاحتجاج، ص 356.

التكوير (وإذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ)، فإن الحيوانات أيضاً يشملا هذا الحشر.

4 - قد يأتي أحد الجاهلين بحقيقة الدين فيقدم إشكالاً على شمولية عدم قدرة الشركان على تقديم المساعدة للمشركين (أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ) وكذلك شمولية عبارة (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله)، يشمل عبادة عبدة المسيح (علیه السّلام) أو أمير المؤمنين (علیه السّلام) وأمثالهم، فهم في يوم القيامة سواء والعياذ بالله مع المشركين وللردّ عليهم في ذلك نكتفي هنا بالإشارة التي أشار بها النبي الأكرم إلى الآية 57 من سورة الزخرف والآية 101 من سورة الأنبياء (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ الحُسْنَى أُولئِكَ عَنْهَا مُبعَدُونَ) فهؤلاء العباد لم يقبلوا بأن يكونوا معبوداً لأولئك المنحرفين، ولا بد هنا من الالتفات إلى أن هذه الرواية وإضافة إلى أنها منقولة عن مسند أحمد والطبراني في تفسيريهما،(1)فهي أيضاً منقولة عن ابن عباس في تفسير البرهان عن محمد بن يعقوب الكليني عن أربعة وسطاء تصل إلى أبو بصير عن الإمام الصادق (علیه السّلام).

5 - تدعو الآية شركاء المشركين من الأصنام ليستنقذوهم من العذاب، مخاطبة في ذلك المشركين ممن كانوا يزعمون بأنهم يتقربون إليها لتقربهم عند الله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلى الله زُلَفى)(2).


1) راجع: الدر المنثور، ج 4 ، ص 338

2) سورة الزمر 4

الآية 23

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الفتنة، الاختبار، المحنة، البلاء، الفساد، الشرک، العدل»

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُواوَ اللَّهِ رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - حرف ثمّ هنا هو بمعنى أنه وبعد سؤال المشركين عن مكان شؤكائهم يوم القيامة، لا يكون رد فعلهم سوى التبرؤ مما أشركوا.

2 - إن المشركين الذين لا يجدون بأن لإشراكهم الدنيوي أي أثر أو لأخؤوس أو أي ثمار ذات فائدة ، ينقلبون على أعمالهم السابقة، ولا يكون ردهم في جواب السؤال الإلهي سوى أن يقسموا بالله أنهم لم يشركوا أو أن يكون عذرهم بتكذيب شركهم، لكن قسمهم هذا ليس إلا كذباً ، ولن ينقلب ضرره إلا عليهم أنفسهم.

2 - لقد اعتاذ أهل الكذب في الدنيا على امتهان هذه الخصلة لذا تراهم يوم القيامة يكذبون كما كانت سيرتهم في الدنيا.

3 - لا شك أن محكمة العدل الإلهيّ لا ينفع فيها أي من الكذب ولا القسم، بل وكما يقول مولى المتقين (علیه السّلام) بأن هؤلاء يختم على أفواههم بعد قسمهم ذاك، بينما تشهد بقية جوارحهم الحق.(1)

4 - ورد ذكر الفتنة في القرآن الكريم بأربعة معاني هي:

المعنى الأول: بمعنى الاختبار والامتحان (بسم الله الرّحمن الرّحيم الم أَحَسِب الناس، أن


1) التوحيد، ص 261

يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُم لا يُفْتَنُونَ وَلَقَد فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم)(1).

المعنى الثاني: المحنة والعذاب للآخرين مثل الآية (إن الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤمِنِين)(2).

المعنى الثالث: الفتنة هي بلاء ومصاب كما بلاء ومصاب كما في الآية 28 من سورة الأنفال).

المعنى الرابع: الفساد (وَ قاتِلُوهُم حَتَّى لا تَكُون فِتنَةٌ).(3)

5 - يمكن أن نقول بأن جملة (إِلَّا أَن قالُوا وَ الله رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِين) إشارة إلى أن إلهنا له معنى منحصر واحد هو الله، فلا ربّ لنا سواه.


1) سورة العنكبوت الآية 2 و 3

2) البروج 10

3) الأنفال/ 39

الآية 24

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکذب، الضلال، الإفتراء»

أنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - ضلّ الشيء بمعنى فسد وهلك وزال.

2 - تذكر هذه الآية عاقبة هؤلاء ليكونوا عبرة للآخرين (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ).

3 - كلمة انظر في بداية الآية فيها إشارة للتعجب، وكأن الآية تقول انظر كيف يقولون الكذب لأنفسهم في حين أن هذا الكذب من النوع الكبير، كالمنافق الذي لا يسكن قلبه ذرة إيمان ثم يدعي الإيمان، أو الفاسق الذي يدعي العدل، أو البخيل الذي يدعي السّخاء، والخائف الذي يدعي الكذب، والعدو الذي يدعي الصداقة، والمرائي الذي يدعي الخلوص... كلهم هنا في يوم القيامة يرون ضرر أعمالهم فيلجؤون إلى الكذب وإنكار ما سبق من عملهم، ملقين أنفسهم بذلك أيضاً.

4 - لماذا لا يعثر هؤلاء على شركائهم المزيفين يوم القيامة؟

وذلك لأن القيامة هو يوم يتجلى فيه بوضوح للجميع كيف أن الأمر والملك والقوة هي بيد الله سبحانه، وليس لمن سواه إلا الذل والفقر والحاجة.. )والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لله (16)) .. ويتجلى للمشركين في ذلك اليوم أن شركائهم ليسوا سوى خيالاً ووهماً لا أصل فيه.. وأن الشفاعة بید الله وحده.

5 - فاعل (ضل عنهم) يعود إلى )ما كانوا( التي تشير إلى الأصنام والآلهة التي سيبحث المشركون عنها يوم القيامة دون جدوى، ظناً منهم بأنها ستنجيهم أو ترد عنهم مكروهاً.. ثم يلقونها في جهنم.

الآية 25

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السمع، القلب، الفقه، الأکنة، الجدال، الکفر، اساطیر الأولین»

وَمِنهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي عَاذَانِهِمْ وَقَرَا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءآيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)

شأن نزول الآية:

جاء في شأن نزول هذه الآية أن أبو سفيان وولييج بن المغيرة وعتبة وشبية ونضر بن حارث كانوا يستمعون إلى تلاوة النبي الأكرم للقرآن الكريم بجانب الكعبة المشرفة، حيث قالوا لنضر: ماذا يقرأ ؟ فقال : لا أفقه ورب الكعبة ما يقول، لكنه ليس إلا خرافة وقصص السابقين، ولقد أخبرتكم بمثلها من قبل، فنزل هذه الآية.(1)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

"أكنة" جمع كنّ أو كنان، بمعنى الستار أو الحجاب مما يغطي شيئاً داخله، و"وقر" بمعنى الصعوبة في السمع، و"أساطير" جمع "أسطورة" بمعنى القصص المتتالية والخيالية أو الأكاذيب الزائفة، مما يشد إليه المستمع ويسليه، وإن هذه الحجب الملقاة على القلوب والأسماع هي بسببعناد المشركين.

في الآية السابقة كان الحديث عن المشركين، لكن في هذه الآية جاء لفظ "الذين كفروا"


1) تفسير الاثنا عشري، ج 3، ص 245

ليؤكد على أن الكفار هم ذات المشركين ولا فرق بينهما.

توضح هذه الآية بأن سبب عناد المشركين ورفضهم للاطاعة والانفتاح الفكري، ليس إلا في أعمالهم القبيحة التي يقومون بها لدى عرض الآيات الإلهية العذبة عليهم، فيرخي الله تعالى على قلوبهم وأسماعهم الحجب، فلا يعودون يسمعون أو يعون، فاستكبارهم وتعجرفهم قد حرمهم من الهجاية الإلهية وجعل أعينهم عمياء لا ترى الحق، وآذانهم صماء لا تسمعه، وقلوبهم كالحجارة لا ينفذ إليها نور الإيمان.. إذاً فالجدل والعداء هو السبب في كفرهم واستكبارهم.. فهم لا يقصدون النبي الأعظم بقصد نهل الهداية، بل لأجل الجدال والمغالطة والاتهامات التي تضللهم وتضلل الآخرين (حولهم وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذَانِهِمْ وَقْراً).

حرف من هنا للتبعيض، (ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيكَ)، والمقصود منها هنا أن الآية لا تعني بأن كل المشركين لا يمكن لهم الهداية أبداً، أو أن باب العودة إلى سبيل الحق مسدود في وجهه، فكم من روايات وقصص لدينا في التاريخ عن أشخاص كانوا عاصروا الأنبياء والأئمة الأطهار عليهم السلام عادوا إلى الصواب وفتحوا عين البصيرة على الحق، وعليه فالآية تعني بالقول أولئك المتعصبين والمتحجرين من الكفار ممن يعصون ويعاندون ولا تقبل أنفسهم نور الإيمان والموعظة الإلهية.

عبارة (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً) هي لبيان واقع أن لا شيء في هذه الدنيا يحدث دون الإشاءة الإلهية، وهذا لا يتنافى والاختيارية الممنوحة للإنسان للانتخاب بين الصالح والطالح، أو بين المعصية والإطاعة، أو بين الجزاء والعقاب.. فكل من الجنة والنار هما جزاء أعمال، سواء بالتعذيب أو بالتكريم، وكما في دعاء كميل (أجريت عليّ حكماً اتبعت فيه هوى نفسي ولم أحترس فيه من تزيين عدوي، فغرّني بما أهوى وأسعده على ذلك القضاء الدعاء).

أثبتت التجربة حقيقة أن المسيئين والمنحرفين عادة ما يشعرون في بداية قيامهم بأعمالهم الخاطئة بالاستياء وعدم الراحة، لكن ومع مرور الوقت يعتادون ذلك، إلى أن يصل اليوم الذي

يرون فيه أنم ارتكابهم لتلك الأعمال الشنيعة أمر واجب عليهم، وبذلك يصلون إلى مكان يصبحون فيه مصداق الآية (وإنْ يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها).

تخاطب الآية الكريمة الرسول الأعظم فتقول به: إن هؤلاء المشركين وبدل أن يستمعوا قولك ويقوموا على الأقل بدور الباحث المتقصي عن الحقيقة، تراهم بما يتصفون به من روح وذهن مظلم يجادلون ويقابلون سيل الحق وزلال الحكمة الجارية على لسانك بالعنف والعجرفة والاتهام (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ).

الأساطير هنا بمعنى الكلام الجذاب، وهو يدل على أن القرآن جذاب حتى بالنسبة للكفار (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ).

لا شك في أن حرمان المشركين المعاندين من نعمة الاهتداء، فيه إشارة إلى قانون) العلية (وصفة) العمل (،أي أن العناد والإصرار على المعصية لا ينتج عنه غير إلا تحول الروح الإنسانية إلى هيئة شيطانية، ففي كل خطوة باطل يخطوها الكافر، يبتعد أكثر فأكثر عن الله وعن النعمات، وفي هذا المجال يتوجب الإشارة إلى ثلاثة أمور حول نفس وقلب الإنسان وهي:

الحقيقة الأولى: أنه وكما أن الله سبحانه جعل في جسد الإنسان حواساً تعي المؤثرات وتتلقاها، كالعين التي ترى والأذن التي تسمع واللامسة التي تشعر بالدفء و..، فكذلك أيضاً لروح الإنسان التي عبر القرآن عنها بالقلب (غير اعضلة القلب الصنوبرية المادية) عيناً لترى الحقائق وأذناً تسمع النصح والتعاليم الإلهية، وذائقة تتذوق الإيمان والأعمال الصالحة فتدركها، وشامةً تشم عطر السعادة والنجاة والاستقامة، ولامسة تشعر ببرود الجنة ونعيمها وحرارة الجحيم وعذابها.

الحقيقة الثانية : أنه وكما أن حواسنا العضوية قد تتضرر إذا ما تلقت ضربة ما، فالعين قد تُعمى، والأذن قد تُصم، والشم قد ينعدم، والتذوق قد يُفقد.. كذلك فإن حواس الروح والقلب أيضاً قد تُفقد بفعل العداء والطغيان والتعصب والتمرد وغير ذلك من صفات رذيلة أخرى كالكبر والحسد والحقد والفسق والفجور والفحشاء والمنكر.. كل ذلك يُعمي بصيرة الروح ويُصم أذنها

عن سماع الحق والإقرار به، ويعدم قدرتها على الشعور بعطر الإيمان والأعمال الحسنة والتمييز بينها وبين رائحة الكفر الكريهة، ولا تشعر بخشونة الظلم والأذى وجمال العدل والإحسان.

الحقيقة الثالثة: صحيح أن الإنسان هو من يختار في هذه الدنيا سبيل العبادة لله، لكن وبناء على ما يختارونه من عبادة للشيطان فإن روحه يصيبها الأذى، وهذا ما يجر عليه مزيداً من المعصية والتمرد في طريق لا ينتهي.. فهو مختار وله الحرية في ذلك، لأن الله منحه الحرية حتى في اختيار المعصية، وعلى نفس المنوال يكون المؤمن في الطرف الثاني يسير على طريق لا ينتهي من النعم والهداية والعبادة، فيرتقي وتعلو مكانته فيما الكافر يغور أكثر وأكثر غارقاً في الخسران والخذلان الواقعي.

الآية 26

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النهی، الهلاک، الضلالة»

وهم ينهون عنه وينونَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)

شأن نزول الآية:

نزلت هذه الآية في مكة على النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، ويقول الشيخ الطوسي: يقول البعض أن هذه الآية نزلت في حق أبي لهب حيث كان يتبع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ويمنع الناس من إيذائه، لكنه في ذات الوقت كان يحول دون إتباعهم له، لكن الصحيح أن الآية نزلت في حق الكفار الذين جاء ذكرهم في الآية رقم 25 كما يقال بأنها نزلت في حق أبو طالب عم الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، لكن هذا ، يتنافى وعقائدنا، وذلك لأن لدينا أدلة على إيمان أبو طالب برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم). خاصة شعره المعروف وقوله المشهور في الاعتراف بنبوة الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ويق مجاهد بأنها نزلت في حق قريش، حيث كان الناس يتجنبون اتباع القرآن الكريم ويمنعون الناس من اتباع النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم).(1)

النقاط المستفادة من من هذه الآية:

1 - تشير هذه الآية إلى الضالين الفارين من الهداية، والذين يقومون بمنع الناس وتضليلهم أيضاً، يجهدون باستمرار بكل السبل الممكنة لسد سبيل الهداية، ونهي الناس عن الاقتراب إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ).

2 - جذور كلمة (ينئون) تأتي من "نأي" بمعنى الابتعاد، وتشير الآية هنا إلى أنهم يقومون


1) التبيان، ج 4، ص 106

بنأي الناس عن اتباع القرآن، لاعتقادهم بأنهم بهذه الوسيلة يستطيعون القضاء على ذكر القرآن، وبالتالي إزالة ذكر الدعوة الإسلامية من جذورها، في حين أن الله تعالى سيتم نوره شاؤوا ذلك أم كرهوا، وسوف ينتصر الحق وفق السنة الإلهية لأنه ذو جاذبية لا تنكر ، وفي المقابل سيهزم هؤلاء ويُغلبون، حارمين أنفسهم من هدى القرآن الكريم فهم بابتعادهم عن القرآن لن يُهلكوا إلا أنفسهم أولاً رغم أنهم لن يدركوا ذلك قط، ولن يعترفوا بأنهم يقومون بأيديهم باقتلاع أصولهم (وَينْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ).

3 - يقول بعض أهل السنة، بأن هذه الآية هي في. في حق أبو طالب عم الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، معتقدين بأن أبو طالب كان يمنع الناس عن إيذاء الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، لكنه في الوقت نفسه كان يتجنب الإيمان أو اعتناق الإسلام،(1)كما أنهم يفسرون عدداً آخر من الآيات القرآنية بنفس الطريقة، لكن رأي أتباع مذهب أهل البيت يختلف، فأبو طالب هو أحد أفضل المسلمين وأسباب على إيمانه أبو طالب والد الإمام علي (علیه السّلام) كثيرة منها:

السبب الأول: في عدم صحة الاستناد إلى هذه الآية لأنها استكمال لآيات سابقة لها في المعنى، والواضح أن الآيت السابقة نزلت في ذم الكفار وقدحهم، لعنادهم وعصيانهم، وما يجهرون من عداء للنبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وليس في حق أبو طالب رضوان الله عليه، وهو الذي لم يبخل بكل غال ورخيص من أجل الذود عن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) والدفاع عن دعوته المباركة، فمن الذي كان يجرؤ في حياة أبو طالب على التعرض للرسول الأعظم؟

السبب الثاني: ما جاء على لسان شخص النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة الأطهار (علیهم السّلام) وأهل البيت في حقه، وهي أفضل الأدلة الواردة في تأكيد إيمانه رضوان الله عليه، ومنها ثلاثة أحاديث:

الحديث الأول: عن ابن عمر أن أبا بكر أحضر أباه أبو قحافة وهو شيخ مسن وأعمى إلى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في يوم فتح مكة، فأسلم، فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن لم أحضرت هذا الرجل الكهل


1) راجع: تفسير الثعلبي، ج 4 ، ص 141

إلى هنا فآذيته وأتعبته، فقال أبو بكر أنه أراد أن ينال أجراً إلهياً وثواباً، والذي بعثك بالحق نبياً، فإن باسلام أبي طالب أعظم من إسلام أبي.... فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): صدقت،(1)فهذا الحديث يؤكد إيمان أبي طالب.

الحديث الثاني: عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال : مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف عندما أخفوا إيمانهم وأظهروا الشرك، فتضاعف أجرهم.(2)

الحديث الثالث: عن عباس بن عبد المطلب أنه جاء في المدينة إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: ماذا ترجو لأبي طالب ؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : أرجو له كل الخير من الله تعالى.(3)

3 - السبب الثالث: إظهارات أبو طالب نفسه في أشعاره حول الرسول الأكرم، والعلاقة بينه وبين الله سبحانه.(4)

السبب الرابع: توصياته لزوجته وابنه جعفر الطيار وأخيه حمزة لحماية الإسلام والصلاة والنبي، كما في حديث عن الإمام الصادق (علیه السّلام): أن أول صلاة جماعة أقيمت كانت بأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يصلي وأمير المؤمنين (علیه السّلام) وفي تلك الأثناء عبر أبو طالب وكان جعفر برفقته، فقال أبو طالب يا بني، صلّ وراء ابن عمك ، فلما انتبه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) له تقدمهما، فسر أبو طالب وأنشد أبياتاً.(5)

السبب الخامس: الحزن العميق الذي ظهر على النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) لوفاة أبي طالب.(6)

السبب السادس: شهادة أبي بكر والعباس بأن أبو طالب كان يردد (لا إله إلا الله ومحمد


1) مجمع البیان، ج 4 ، ص 444

2) الكافي، ج 1، ص 448

3) كنز الفوائد، ج 1، ص 184

4) راجع إيمان أبي طالب، ص 265

5) الفصول المختارة، ص 171

6) راجع: قصص الأنبياء عليهم السلام، الراوندي، ص 317

رسول الله).(1)

السبب السابع: دعاء الرسول لأبي طالب على المنبر ، وتشييعه (صلی الله علیه و آله و سلم) لجنازته، إضافة إلى قيام الإمام علي (علیه السّلام) بتكفينه ودفنه بأمر من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، والأمر الوحيد الذي لم يقم به له هو الصلاة عليه، وذلك لأن صلاة الميت لم تكن قد وجبت بعد في ذلك الوقت، فحتى السيدة خديجة لم يصلّ عليها.(2)

السبب الثامن: ما جاء في رسالة أمير المؤمنين عليه السلام لمعاوية، بأن هنالك فرقاً بين أبي أبو طالب وأبك أبو سفيان.(3)

السبب التاسع: ما جاء في حديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أنه شفيع لأبيه وأمه وعمه يوم القيامة، وفي حديث قدسي آخر عن الله سبحانه يخاطب فيه رسوله صلوات الله عليه وآله سلم بأن النار لا تمس أباه وأمه وكافله.

السبب العاشر: لا شك في أن فاطمة بنت أسد عليها السلام قد أسلمت، وهي من النساء المهاجرات والسابقات في إسلامهن، فإن كان زوجها أبو طالب كافراً، فلن يسمح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبداً بأن تبقى زوجته.

4 - فيما يخص مسألة النبوة و الإمامة، فإنه ليس هنالك من شك في أن هنالك العديد من البراهين التي تثبت بأن آباء كل الأئمة والأنبياء والأوصياء عليهم السلام، لم يكونوا قط من غير المؤمنين والصالحين، فلم تنجسهم الأرجاس والأنجاس ولم يطلهم الكفر والإلحاد، فآباء وأجداد العصمة حتى النبي اسماعيل عليه السلام، كانوا قبل الإسلام من المطيعين والتابعين لدين إبراهيم عليه السلام بل أن كلا من عبد المطلب وأبو طالب كانا من أوصياء النبي إبراهيم عليه السلام بين بني إسماعيل، فكانا أمينين على ودائع وأمانات النبوة، حتى سلّماها للرسول


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 14، ص 71

2) إيمان أبي طالب، ص 265 إلى 268

3) نهج البلاغة، ص 375

الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كما كان أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام إلى زمان نبوة النبي موسى عليه السلام، أوصياء للنبي إبراهيم في بني إسرائيل، وكذا الأقباط حيث كانوا بعد موسى عليه السلام أوصياء له إلى زمان النبي عيسى عليه السلام، ومن بعده إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكان أوصياء عيسى حفظة لأمانات الأنبياء عليهم السلام إلى خاتم الأنبياء، ومنه صلوات الله عليه وعلى آله إلى الأئمة الأطهار، الواحد تلو الآخر، حتى استقرت الأمانة الآن لدى صاحب الزمان عجل الله فرشه الشريف.. فهذا هو إرث الأنبياء كافة والأوصياء.

الآية 27

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النار، الکذب، الآیة، الإیمان، النجاة»

وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَلَيْنَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِبَ ثَايَتِ رَبَّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

إن أمنيتهم هذه هي أشبه ما يكون بإنكارهم الشرك بالله، وقسمهم الكاذب، فكما أنهم عجنوا على الكذب، فإن أمانيهم في يوم القيامة لاسترداد ما فاتهم من نعم عظيمة، هو أيضاً أسلوب آخر يقومون باستخدامه لجهة نجاة أنفسهم وإخراجها من عذاب ذلك اليوم المهيب، إضافة إلى أن حسراتهم وتأسفهم هو أيضاً أمر ظاهري لا تلتزم به قلوبهم.

تم في الآيتين السابقتين الإشارة إلى جزء من عناد المشركين، في هذه الآية أيضاً تصوير لعواقب أعمالهم تلك ليعلموا ما هي نتيجة ونهاية أعمالهم، وما ينتظرهم، علّ ذلك يوقظهم أو يكون عبرة لهم!! فتذكر وقفتهم تلك في يوم النشور، قبالة نار جهنم والعاقبة الأليمة التي سيؤول إليها حالهم (وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ).

في تلك الحالة التي يمر بها المشركون سيشعرون بانقلاب شديد في نفوسهم، فيصرخون ويتمنون سبيلاً للنجاة، أو مجالاً لتعويض ما فات، وإصلاح أعمالهم الشنيعة والبشعة في الدنيا، ويرجون لو أنهم كانوا في صفوف المؤمنين فلم يكذبوا بالآيات الإلهية المنزلة عليهم (فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

ما الفائدة من تمني أمر مستحيل، خاصة إذا كانت خسارة النعم الاخروية أمراً اختيارياً وفقدانها بسبب تقصير ذاتي وإهمال وسوء تدبير شخصي.

بالاستناد إلى آيات القرآن الكريم، فإن تمني العودة إلى الحياة يكون في عدة مواضع:

لحظة الموت، وفي القبر، ويوم القيامة (رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً)(1)وفي جهنم أيضاً (رَبَّنَا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)(2)، فالمشركون أنكروا كما جاء في الآية 23 شركهم، لكن في هذه الآية يعودون فيعترفون بما فعلوا ويرجون العودة للتعويض عما فات.

يرى بعض المفسرين بأن كلمة النار في (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا على النار) تشير إلى احتمالات عدة:

الاحتمال الأول:

أن يروا النار فوق رؤوسهم (فَوْقَ رُؤوسِهِم).

الاحتمال الثاني:

أن يروا النار تحت أقدامهم.

الاحتمال الثالث:

أن تكون الجملة خاصة بيوم القيامة حيث يرى الانسان النار هناك.

الاحتمال الرابع:

أن النار هنا حالة خاصة بوقت الاحتضار، حيث يشعر الانسان بأنه في جهنم فيدرك الحق ويتيقن منه، لكن ذلك لن ينفعه هنالك بأي شيء، (لَيسَت التّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّي إِذا حَضَرَ أَحَدَهُم المَوت قال إِنِّي تُبت الآن)(3)، فالعودة أمر غير متاح له حينها ، (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُم لا يَستَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لا يَستَقدِمُون)(4)عندها تصفهم الآية بالقول (يا لَيْتَنَا نُرَدُّ) ، وهي أمنية الكفار التي يرددونها في القبر ويوم القيامة أيضاً (لو لا أَخْرَتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَدِّقِ وَ أَكُن


1) المؤمنون/ 23

2) المؤمنون / 107

3) النساء / 22

4) الأعراف / 32

مِن الصَّالِحِين)(1)، (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُم المَوت قال رَب ارجِعُونَ لَعَلِّي أَعمَل صالِحاً فيما تركت مؤمنون)(2)، (رَبّنا أَخرجنا مِنها فَإِن عُدنا فَإِنَّا ظَالِمُون مؤمنون)(3).

صحيح أن عبارة (لَو تَري إِذ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) تدل على يوم القيامة الذي سيتحقق يقيناً في المستقبل مع وروده بصيغة الماضي هنا، إلا أنه من المؤكد بأن الوقوف هنا ليس بالمعنى الظاهري للوقوف بل بمعنى الاطلاع على شيء وإدراكه حد اليقين به، كما هو الحال عندما نفهم موضوعاً أو نعلم به نقول وقفنا على الأمر.

كلمة ليت تفيد التمني، لكنها تختلف عن الرجاء، التي تشير إلى الأمل، فالرجاء والأمل يحملان معهما معنى توقع تحقق أمر ما أو حدوثه، كالتاجر التي يرجو الربح في صفقته، أو المزارع الذي يتأمل بأن تنضج ثمار أرضه، أو العابد الذي يرجو الثواب في عمله، لكن التنمي يطلق لأمر ميؤوس منه لا يمكن أن يعود، فالشيعي مثلا يتمنى لو كان في ركب أبي عبد الله الحسين عليه السلام لينال شرف الشهادة بين يديه ويفديه وأهل بيته الأطهار بروحه (يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً).. وبعيداً عن ذلك فالتمني بشكل عام أمر مذموم في تعاليم الإسلام الذي يدعو إلى العمل والجد، بدل الاكتفاء بالتمني وطلب التغيير دون عمل (يا ليت لَنا مِثل ما أُوتِي قارُون).(4)

إن الردّ على كلمة نُردّ في عبارة (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ) التي تعني تمني العودة إلى الدنيا، جاء في الآية 101 من سورة المؤمنين (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)، رغم أن من الممكن عقلاً أن يتحقق ذلك، لمقدرة الله سبحانه التي لا يحدها شيء، كما كان حال قوم موسى عليه السلام، عندما أعاد الله سبحانه سبعين منهم إلى الحياة بعد أن ماتوا (و اختارَ مُوسى قَومَه سَبْعِينَ رَجُلًا


1) المنافقين / 10

2) المؤمنون/ 101

3) المؤمنون 109

4) القصص /79

لميقاتنا)(1)، أو كإحياء الموتى بقدرة الله سبحاته في زمن النبي عيسى عليه السلام، أو كز من رجعة الأءمة الأطهار عليهم السلام والأصحاب وعدة من الشيعة في آخر الزمان.


1) الأعراف/ 154

الآية 28

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الخفاء النهی، الکذب، الرد إلی الدنیا، الکفر»

بَل بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (28)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

عندما يقف المشركون على شفا حفرة النار، تمر أمامهم مشاهد كل ما كانوا يقومون بإخفائه في الدنيا، عندها يتمنون العودة من جديد إلى الدنيا.

يبدو من ظاهر الآية أن ما يراه الكفار يوم القيامة وما ينكشف لهم هو نار جهنم، وليس الحق ووضوحه، فهم هنا يرون بأم أعينهم نتيجة وعاقبة ما عملته أيديهم من كفر وإلحاد في الحياة الدنيا، ومن تجاهل للحق رغم وضوحه لهم، وبالتالي فأمنيتهم بالعودة إلى الدنيا ليس نابعاً من شعور حقيقي بإصلاح الخطأ، بل هو مجرد خوف ورعب.

لا شك في أن هؤلاء الكفار بما فعلوا وارتكبوا من ذنوب في الدنيا، قد رسخ في قلوبهم وعقولهم وأرواحهم الظلم والظلام، لذا فإنهم وإن عادوا إلى الدنيا فرضاً، فلسوف يعيدون نفس أعمالهم السابقة، لا بل وسيرتكبون مزيداً من الذنوب إطاعة للشيطان وعبادة لأهوائهم، فالتمرد على خالقهم والرذائل النفسية المرتكبة من قبلهم مازالت قائمة فيهم.

إنهم كاذبون فيما يدعون من أماني، لأنهم يقولون بتعبيرهم (ليتنا نعود ولسنا بكاذبين) ولم يقولوا سنعود ولسنا بكاذبين، إذاً ففي قولهم احتمال للصدق أو الكذب، وهو الأمر الذي استدل به البعض من المفسرين ليستدلوا على أن الكفار كاذبون في أمنيتهم تلك، لأنهم يتمنون أمراً مستحيلاً لا يمكن تنفيذه، لكن هذا ليس بالاستدلال مناسب، فالصحيح هو ما تم توضيحه، من

أنهم حتى لو عادوا إلى الدنيا فسوف يرتكبون ذات ،الذنوب، لذا فهم كاذبون ولا صدق في كلامهم أبداً.

يبدو أن هؤلاء المتمنين للعودة إلى الدنيا يجهلون طبيعتهم ولا يلمون بحقيقتها، فطبيعة هؤلاء طبيعة لا تقبل الإيمان، بل ولا تصدق بما تدعيه من إيمان، لذا فلو تمت الموافقة على طلبهم في العودة إلى الدنيا فإنهم لن يقوموا إلا بنفس ما قاموا به في حياتهم الأولى، والسبب في أنهم في ذلك الموقف يعدون ويقسمون بالتغير والتغيير، هو أن كل ما قاموا به من ذنوب وعيوب وأعمال شنيعة كانوا يتسترون عليها في الدنيا، قد كشفت ها هنا وأزيل عنها الحجاب، فأصبحت عيان أمام أتباعهم ممن كانوا لا يرون فيهم إلا القدوة التي تحتذى، ومثال الصدق والحق في الدنيا، لكن الآن ظهر الحق وبان، فكان الخزي والعار نصيبهم.

الآية 29

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحیاة، الدنیا، البعث»

وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

في هذه الآية أنكر المشركين الصريح لأصل المعاد وما يتفرع عنه من حقائق، من قبيل استحضار الشاهدين واعترافهم بما ينكره المشركون، هذا الانكار المتحصل من اتباعهم لأهوائهم وعبادة أنفسهم. ضمير هي في هذه الآية يعود إلى الحياة الدنيا، فمفاد الآية هو نقل عن قول لمنكري المعاد، وبمثابة مقدمة لتسليط الضوء على مستوى العار الذي سيصابون به في الآية التالية إن شاء الله تعالى.

هذه الآية تتمة لخطاب المشركين المعاندين والمتعصبين لدى تعرضهم لمشهد البعث، فيتمنون العودة مرة أخرى إلى حياتهم الدنيا لتعويض ما فات وإصلاحه، لكن القرآن الكريم يقول بأنهم لو عادوا فإنهم لن يقوموا بالتعويض عن أخطائهم فحسب، بل وسيستكملون أعمالهم السابقة، وسينكرون حينها فكرة البعث وقيامة أيضاً، وسيقولون يمنتهى التعجب: هذه حياتنا الوحيدة التي سنحياها، وسوف لن نبعث من جديد (وَ قالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).

لا شك أن منكري المعاد لا ينحصرون بالكفار فحسب، بل ويشمل ذلك منكري الوجود والخلقة والإيجاد، وما يصلون من خلاله إلى إنكار الله أيضاً، فينكرون بالسوية ذاتها المعاد، وقد ذكروا في روايات كثيرة اعتبرتهم زنادقة، وإلا فإن أكثر الكفار حول العالم، وحتى الشركين أيضاً ينظرون إلى الله تعالى باعتباره الواجد لهم، وعليه فهم يعترون بالمعاد، فرغم أنهم يرون الحق في عقيدتهم، وبأنهم الطائفة الناجية يوم القيامة، فهم ينكرون الآخرين ويعتبرونهم الباطل وأهل النار.

الآية 30

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحق، العذاب، الکفر، الموقوف»

وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوابَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (30)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تمت الإشارة في هذه الآية إلى عاقبة الكفار يوم القيامة، وفي الواقع يجب اعتبار هذه الآية رداً على إنكار الكفار ليوم القيامة، وتذكير النبي الأرم (صلی الله علیه و آله و سلم) بما سيقولونه و بموقفهم حيث يقفون بين يدي الله سبحانه فيعترفون بادعائهم (ما نحن بمبعوثين) وما كانوا ينكرون ، من يوم المعاد وما سواه من مسائل كان الأنبياء يقومون بتذكيرهم بها وتوعيتهم لوجودها.

2 - سيتم في يوم القيامة الذي كانوا فيما سبق ينكرونه توجيه سؤال لهم وهو: "ألم يكن هذا اليوم حقاً؟ " فلا يكون منهم إلا أن يؤكدوا ويقسموا على صحته، لكن الله يجيب: إذا فذوقوا العذاب بما أجر متم وبما أخفيتم وأنكرتم..

3 - تكرر لفظ (وَلَوْ تَرَى) مرتين في الآيتين 27 و 30 هو بمثابة تأكيد على صعوبة مشاهد يوم القيامة، وخطوة نحو هداية العالمين.

4 - يؤاخذ الله الكفار في الآية 22 الرافضين للتوحيد فيأتي الخطاب لهم: (أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ) ، ثم آخذهم في الآية 27 لتكذيبهم النبوة بالقول (لا نُكَذِبَ بِآيَاتِ رَبِّنا)، وهنا في الآية 30 يؤاخذهم لإنكارهم القيامة (أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ).

5 - يبدو في هذه الآية إشارة واضحة إلى أن الله سبحانه سيخاطب الكفار يوم القيامة، لكن في آيات ومواضع أخرى من القرآن الكريم نرى آيات من مثيل (لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ)، تشير إلى خلاف ذلك، والسبب في هذا الاختلاف هو تعدد وصف مواقف ومشاهد يوم القيامة المختلفة،

أو أن المقصود هو بأن الله لا يكلمهم بكلام مفرح ومريح.

6 - لا شك أن المثول في المحضر الإلهي هو من أجل التأنيب والسؤال والجزاء، فهو لإطلاعهم على أمر ربهم وسؤالهم عن سوء عملهم وتكذيبهم لحقائق من مثل البعث والنشور، واعترافهم بسوء عملهم الذي يستحقون عليه العذاب والعقاب.

7 - من المسلم أن المقصود من الوقوف بين يدي الله ليس من حيث الظرف المكاني للجملة، بل يعني الوقوف في مشهد يوم الدين ومعاينة أشكال التعذيب وهو مما نقله الكثير من المفسرين - ، أو قد يكون كناية للحضور في محكمة العدل الإلهي، كما هو حال المصلي الذي يقف بين يدي ربه.

8 - كلمة بلى الواردة بعد الجواب الإلهي، تبين أنه لو جاء بعد السعال كلمة نعم لنفيه، فإنها تنفي النفي، مثلا عندما يأتي في الآية سؤال من قبل الله تعالى (قَالَ أَلَيْسَ هُذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى) ويأتي الجواب بعده بنعم، فإنها تشير إلى نفي الحقانية وعذاب القيامة، لكن عندما نجيب على ذات السعال ببلى، فإننا نثبت معنى هذا الحق، وهنالك مواضع أخرى وردت فيها بلى لاستخدامات أخرى، مثل ألست (بِرَبِّكُم قالوا بلى)(1)بمعنى إثبات ربانية الله.

وأما الجواب بنعم فله أمثلة في القرآن الكريم أيضاً، (إن لَنا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحن الغالبين قال نَعَم)(2)والتي تعني هنا نفي استحقاق الأجر.

9 - استخدام كلمة ذوقوا، قد تكون لأن حاسة التذوق أقوى من سائر الحواس كحاسة النظر والشمّ والاستماع واللمس.


1) الأعراف/ 171

2) الأعراف / 111

الآية 31

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکذب، لقاء الله، الساعة، القیامة، الفراط، الوزر، الإثم، الخسارة، الرویة»

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَحَسْرَنَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُم عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تشير هذه الآية إلى الخسران والعذاب الذي يلاقيه المنكرون يوم المعاد، كنتيجة وعاقبة لما جاء في الآية السابقة، وهو أن الكفار يستبدلون راحة واطمئنان الآخرة وسرور اللقاء بالله، بالعناد والاستكبار ورفض البعث وإنكار القيامة والعذاب .. هنالك يخسرون ويدحضون.

2 - إن مصداق الخسارة الواقعية في الآخرة هو فقدان رأسمال العمر في الدنيا، دونما زاد يحملونه لآخرتهم.. خسروا أغلى رأسمال لديهم، فكانوا يكذبون بالآخرة والمعاد والقيامة، حتى جاؤوها، تلك هي إذا الخسارة العظمى، وأي خسارة أكبر وأعظم من أن يفقد الإنسان لدى لقائه بربه العظيم والرحيم، نعمة اليقين، فيقع في العذاب ويبتلى بالعقاب الإلهي.. فلا يعود الندم يفيده بعد لحظات الموت المفاجئة، يقول واحسرتاه.. كيف غفلت عن زاد يقيني (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ).

3 - المقصود من لقاء الله هو مشاهدته ولقائه وتلمس آثار قدرته وعظمته ورحمته ومغفرته ومثوبته وعقوبته وغضبه، وأيضاً ملاقاة الثواب أو العقاب الإلهي الذي ستشهده كل المخلوقات غداة القيامة.. وعليه فالمقصود من تكذيب وإنكار لقاء الله هو تكذيب مثل هكذا يوم، وليس المراد من اللقاء الإلهي ما يذهب إليه البعض من تجسيم الله سبحانه، وما يطلقونه من أوصاف

لله على عرش الحكم ، حيث يقوم على حساب ومحاكمة المؤمنين والكفار.

4 - إن الرؤية هي على 4 أجزاء:

الجزء الأول: هو المشاهدة بالعين سواء كان الجسم المُشاهد ملوناً أو أبيض وأسود، أو مشيئاً أو معتماً، فقد ثبت بأن الله سبحانه ليس جسماً وذلك بالاستناد إلى العقل والروايات والأحاديث..(1)فلا يمكن تصور جسم لله مركب من صورة فردية ومادة ظاهرية، هذا أمر محال، فالجسم هو في ذاته محتاج للاستقرار و الاشتغال وشغل المكان .. ويتوجب عليه كف الحاجات، وهو مما لا يليق بساحة القدس الإلهية، الواجبة الوجود، فالله خالق الزمان والمكان وكافة المخلوقات، ومنزّه عن كافة المخلوقات.

الجزء الثاني: الرؤية بالإدراك العقلي يرتبط بما يتولد في أذهاننا، فعن الإمام الباقر (علیه السّلام): كلّما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق ومصنوع مثلكم"(2)، إضافة إلى أن كل تصور حاصل في العقل هي قائمة بالغير، وكل قائم بالغير محتاج، وكل محتاج ممكن الوجود وليس واجب الوجود، ففقد ثبت بذلك أن الله لا يمكن أن يُرى أبداً.

5 - الساعة هي جزء من الزمان، ولأن ليوم القيامة أسماء كثيرة منها الساعة (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ)(3)و (أَن السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا ريب فيها وَأَن الله يَبعَث مَن فِي القُبُورِ)(4)وكلمة بغتة تشير إلى وقوع أمر بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار، بل وما لم يكن بالبال أن يتحقق، ولا فكرة مسبقة عن زمانه، لأن علمه بيد الله فقط، ويحدث في طرفة عين بإرادة الحق تعالى، ولا مقدمات تسبقه أو مؤخرات تليه، كما أنه ليس بحاجة لأسباب له أو نتائج (وَ ما أَمْرُ السّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ


1) راجع: التوحيد، ص 97 إلى 104.

2) الوافي، ج 1، ص 408

3) القمر / 1

4) الحج / 7

أقرب)(1).

6 - إن الكفار المعاندين والمكذبين للدعوة، ما إن يروا العذاب حتى يقولوا يا حسرتنا، وهذا التعبير دليل على مستوى عال من الحسرة والتأسف لما ضاع من منافع وفرص للايمان وللأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة والندم على ما قاموا به من أعمال بشعة وشنيعة ورذائل مذمومة، وعقائد باطلة، وعن الرسل الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) أن أهل النار يرون مقامهم في الجنة فيدركون خسارتهم ويقولون يا حسرتنا!

7 - المقصود بجملة (علَى مَا فَرَّطْنَا) هو الافراط وتجاوز الحد في القيام بالمعاصي والذنوب، وأيضاً التفريط بالتقصير بتأدية العبادات، وضمير فيها يعود إلى الأعمال الحسنة والعقائد الصححية والحقة والفاضلة التي يستخدم لها عبارة يا حسرتنا وعبارة ما فرطنا.

8 - عبارة (وَهُمْ يَحمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ) بيان لأحد أجمل أنواع التشبيه بين أمر عقلي وآخر حسي، مثل الرّحمن على العرش استوى، فالعقل محيط بكافة الموجودات كسلطان على أريكة الحكم، وكل المملكة تحت أمره وتصرفه، ونظير مثل هكذا تشابيه كثير في القرآن والخطب والأخبار والكلمات، فمرة تشبه العلم بالنور، ومرة الإيمان بطعام لذيذ، ومرة تشبه العقل بالقلب كما في هذه الآية أعلاه، (وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ) فيه تشبيه يوحي فيه تشبيه يوحي بأن المعاصي كأحمال ثقيلة على ظهور المذنبين، تُثقل كاهلهم بشدة العذاب، فهي تمنع صاحبها من التحرك، ولعلها تؤذيه أو تسبب له مرضاً خطيراً.


1) النحل/ 77

9 - في رواية إذا خرج المؤمن من قبره، استقبلته رائحة عطرة.. فتقول له: أتعلم من أنا ؟ فيقول المؤمن: لا أعرفك فتقول: أنا عملك الصالح، ثم تقول تعال لأحملك كما كنت في الدنيا تحملني... وآية (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وفداً) .. وأما الكافر فقندما يرفع رأسه عن التراب.. تأتيه رائحة كريهة نتنة، فتقول: أتعلم من أنا؟ فيقول لها الكافر: لا أعرفك، فتقول: أنا أعمالك السيئة، قد كنت في الدنيا أحملك، فاليوم ستحملني وآية (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ). لذا يقول تعالى: (أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) وأيضاً (فَمَن يَعمَل مِثقال ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهِ وَ مَن يَعمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَه)(1)فما بالك بحمل بوزن الجبال، إلا بعفو من الله ومغفرة تحوله إلى أوراق متناثرة تتساقط فتريح كاهل حاملها.


1) الزلزال /7-8

الآية 32

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «حیوة الدنیا، اللهو، اللعب، الآخرة، التقوی، العقل، الدنیا مزرعة الآخرة»

وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تتألف الحياة الدنيا من مجموعة من العقائد الاعتبارية والأهداف الخيالية العابرة، ولأن شغف الانسان بالدنيا يمنعه من التوجه نحو الحياة الأخروية، تلك الحياة الواقعية والدائمة، فهى لذك لعب ولهو، فكلمة (لعب) تطلق على أي شيء للتسلية والتمتع، وكذا الأمور الخيالية المفصولة على الحال والواقع، وبالتالي فليس فيها نية صحيحة، وكلمة (لهو) أيضاً تشير إلى الأعمال والأشغال التي تحول دون بلوغ الانسان مستويات من الأصالة والأهمية.

2 - بناء على ما في الآيات الأخرى فإنه لا يمكن النظر إلى هذه الآية على أنها دعوة للرهبانية وترك الدنيا.

3 - توضح هذه الآية بأن الحياة الدنيا هي بمثابة لعب ولهو أمام ما في بمثابة لعب ولهو أمام ما في الآخرة، فهي تشير إلى الأعمال الدنيوية باعتبارها ألعاب جوفاء لا أساس لها في أصل الحياة الحقيقية (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ).

4 - كثيراً ما نرى الأطفال عندما يتحلقون للعب، يأخذ كل منهم دوراً، فأحدهم يكون الملك والآخر الأمير ، وهنالك السارق أو المسروق، لكن لا يمضي ساعة إلا ونراهم تفرقوا ولم يعد هنالك من أمير ولا ملك ولا .. أو كما هو حال المسرحيات والعروض التمثيلية التي يتم عرضها لجهة التسلية، فنراها تجسم حالات من الحب أو مشاهد من الحروب، لكن ما إن تنتهي حتى ينتهي معها كل شيء.. ولا يبق أي من أصحاب الأدوار لأدوارهم.

5 - لماذا تعتبر الآخرة خيرٌ للمتقين فقط ؟ لأن الحياة الآخرة هي حياة الخلود التي لا فناء فيها، في عالم واسع جداً ومستوى عالي جداً، ليس فيه من مجال للمجازية والوهم، بل هو الواقع بحذافيره وأصوله، كما أن لذات تلك الحياة لا يشوبها الفناء و.. (وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ).

6 - إذا لم تكن الدنيا مزرعة للآخرة، فإنها ستتحول إلى ميدان من اللعب واللهو الفارغ.. فإن لم ينظر أهل التقوى إلى الحياة الدنيا باعتبارها ممراً ومرحلة نحو الآخرة، فإنهم لن يهتموا بالأوامر والنواهي بجدية (وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُون).

7 - إن الشبه بين الدنيا وبين اللعب واللهو هو من وجوه عدة:

ألف: الدنيا هي كلعبة قصيرة المدى.

ب: الدنيا هي كلعبة فيها التسلية وفيها التعب والإرهاق، فهي خليط بين الحلو والمر.

ج - يتخذ الغافلون من اللعب شغلاً ومنهجاً لهم، دون هدف أو أفق.

د - الدنيوية هي لعبة تحول بين الإنسان وهدفه الأهم.

8 - هنالك آيات وأخبار وبراهين عقلية وحسية كثيرة في مجال ذم الدنيا وتقبيحها، منها الآية الكريمة (وَمَا الحَياةُ الدُّنيا إِلَّا مَتاعِ الغُرُورِ)(1)، وكذلك في خطبة لأمير المؤمنين (علیه السّلام)(دار بالبلاء محفوفة وبالغدر موصوفة)(2)وفي وصايا لقمان جاء أيضاً عنه (علیه السّلام) (الدنيا بحر عميق قد غرق فيها عالم كثير)(3)وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) تشبيهه للدنيا بالأفعى (مثل الدنيا كمثل الحية، لينُ مَسُّها والسَّمُ النّاقِعُ في جوفها، يهوي إليها الغرُّ الجاهل، ويحذرها ذو اللبّ العاقل)(4)


1) آل عمران / 185

2) غرر الحكم، ص 367

3) الكافي، ج 1، ص 16

4) نهج البلاغة، ص 489

فالدنيا إذاً هى ثعبان أملس يتجنبه العاقل ويرغب به الجاهل، لكن ذلك يحصل في حالة واحدة هي عندما ينظر الإنسان إلى الدنيا بنظرة مستقلة، وليس باعتبار الدنيا جزءا من سبيل نحو الآخرة، أو كمرحلة عابرة نحو عالم أجمل ليس فيه إلا الرضا.

الآية 33

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحزن، الکذب، الظلم، الجحد، آیات الله، الإتهام، الإعجاز، السحر»

قَد نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِنَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)

شأن نزول هذه الآية:

جاء حول شأن نزول هذه الآية، أن أخنس قابل أبو جهل، فقال: ماذا تقول في محمد بن عبد الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أهو صادق فيما يدعي أم كاذب، وأنت هنا لا أحد يسمعك فيحاججك؟، فقال أبو جهل: إن محمد صادق وما يأتينا به إلهي وليس بشطاني، لكن إن اعترفت بنبوته، لحظي بكل العز والشرف الذي يختص به أهل الحرم من مفاتيح العبة والسقاية وعمارة المسجد الحرام، ولاختص كل ذلك بآل هاشم، وإن كانت له النبوة بكلّها فستُحرم منها قريش، وستذل العشيرة وما لها من مكانة، فلا يكون لنا سوى الذل .(1)(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ).

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن هذه الآة فيها تسلية لخاطر الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) لما اتهمه به الكفار من سحر وكذب، فلذا تخاطب الآية الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) وتدعوه بالقول لا تحزن فإن هؤلاء لم يكذبوا شخصك ووجودك قلباً وقالباً، بل إن عنادهم وعدائهم موجه نحو حقانية الإسلام، وهم يكذبون الإسلام ويعلنون العداء ضده وضد الله سبحانه، ومنذ بعثك الله بالرسالة أصبحت هدفا بما تمثله من حامل لها، فهم ينسبون إليك كذباً أنك شاعر وساحر وكاهن، لكن متى تكلمت بما هو خارج آيات القرآن والرسالة صدقوك ووافقوا معك، وهذا دليل على أنهم لا يقصدونك بشخصك بل


1) مجمع البیان، ج 4، ص 455

بما تحمل من رسالة وهدف.

2 - واضح أن حزن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ليس بسبب ما كان الكفار ينسبونه إليه من سحر وشعوذة وكهانة ... فحسب بل أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا شكلك يشعر بالألم لكل ذلك العناد والتمرد والفجاجة التي يظهرها الكفار ، فيأتي الآيات القرآنية مرهماً يداوي قلبه الطاهر، وتشحذ همته للاستمرار بتبليغ الرسالة (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ).

3 - إن عبارة (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) تشير بوضوح أولاً إلى أن علم الله سبحانه هو جزء لا ينفك عن عين ذاته سبحانه، لهذا فإن علمه محيط على كافة الأمور الظاهرية والباطنية، الماضي منها والحاضر والمستقبل، بشكل غير محدود، وثانياً أن الضمير في كلمة إنّه لجهة التأكيد، وثالثاً التعبير بالذي التي تستخدم للإشارة لذوي العقول، وفي الآية استخدمت لتشير إلى الصفات التي كانوا ينسبونها للرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) من مثيل السحر والجنون والكذب والافتراء، فرغم أنه كان من الأنسب لغوياً لو قيل ما يقولون، لكن لعله ولأن القصد هو صفات للنبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) لذا استخدمت الآية كلمة الذي.

4 - إن تسلية الله سبحانه الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذه الآية يحمل وجهين:

الأول: ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن عبارة (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) هي إثبات لكون أن الكافرين لا يكذبون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا يقصدون شخصه بما ينسبون إليه، والأمر يشبه أن نقول بأنه لو كان لك عدوّ ما لا يستطيع أن ينال منك شخصياً فإنه سوف ينتقم ممن يخصونك من أهل أو عيال أو موظف يعمل تحت أمرك، كذا الأمر فيما يخص الكافرين الذين لم يكن لهم أن يؤذوا الله تعالى أو يصلوا إليه، فإنهم كانوا يؤذون الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ويجرون عليه أنواع الجنايات.

والثاني: أنه ولأن الكافرين يعتبرون المعجزة سحراً فإنهم يتصورون بأن صاحبها أي النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) هو ساحر أيضاً، كما أنهم يرفضون قبول أصل التوحيد كمبدأ عقلي، لهذا كله هم يرون أن النبي مجرد مجنون لأنهم يرون بأن الأحكام المتقنة والحقائق الإلهية هي على خلاف الواقع والحقيقة، فينعتونه (صلی الله علیه و آله و سلم) بالكذب.

5 - إن عبارة (لكن الظَّالِمِين بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) توضح بأنّ الكافرين ظلموا أنفسهم أولاً لأنهم أضلوها، وظلموا الدين ثانياً بقلبهم الحق باطلاً والباطل حقاً، وظلموا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ثالثاً لكل الأذى والألم الذي ألحقوه به حتى قال (صلی الله علیه و آله و سلم): (ما أوذي نبي كما أوذيت) ، ثم ظلموا المسلمين رابعاً بما ألقوه عليهم من ألوان العذاب والمحاصرة، وخامساً ظلموا سائر الكفار حيث حالوا دون إيمانهم وإعتناقهم للإسلام.

6 - جملة (وَيُكَذِّبُونَكَ) إذا قُرأت دون تشديد فإنها تعني أنهم لا يستطيعون غلبك بإثبات كذب ما تدعيه، فالواقع أن تكذيبهم ليس تكذيباً لك، ولذا ليس عليك أن تشعر بالغمة لما يقولون، فأنت في واقع الأمر لا تدعوهم إلا لما فيه صلاح أمرهم، أنت تدعوهم نحو الله ، وهذا يعني أنك لست سوى رسولاً ومبلغاً للرسالة، وفي المقابل فإن كذب هؤلاء وظلمهم هو ظلم لله وتكذيب لآياته، وإنكارهم نابع عن ظلمهم وليس لقصور أو جهل لديهم، وفيه معاندة لعلو مقام الله ورفيع مكانته التي ليس لأحد ولا لشيء أن يعتدي في ساحتها.

7 - في تفسير عبارة (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) أوجه ثلاثة:

1 - أنهم لا يكذبونك لاعتقاد قلبي فيهم، بل يتظاهرون بتكذيبك لعدائهم مع الله، وهذا ما اجتمع عليه أغلب المفسرين، والظاهر أن شأن نزول هذه الآية يؤيد ذلك أيضاً، وهو أيضاً مما نشهده باستمرار في أحاديثنا الرائجة، فنرى صاحب المقام الأعلى يخفف عن من هم تحت أمره ولوائه بالقول: لا تشعروا بالضيق لما يظهره الأعداء لكم، فهم يتعمدون ذلك لعدائهم لي.

2 - لا يستطيع هؤلاء تقديم أي دليل أو برهان مقنع على تكذيبهم لك، ويؤيد هذا الوجه قول أمير المؤمنين (علیه السّلام)" المراد بها أنهم لا يأتون بحق هو احق من حقك".(1)


1) الأمالي السيد المرتضى، ج 2، ص 265

3 - لا يمكن لهم أن يكذبوا ما تأتيهم به، فأنت الصادق الأمين، بل أن قصدهم هو رفض ما تقوله وتكذيب الآيات الإلهية، فهم يقولون: هو صادق لكن يُخيل له أنه أوحي إليه (وَ لكِنَّ الظَّالِمينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ).

الآية 34

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «التکذیب، الصبر، الرسالة، النصر، الأذی، کلمات الله»

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَلَهُمْ نَصْرُنا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَ كَ مِن نَبَإِى الْمُرْسَلِينَ (34)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية والآية السابقة لها بشارة للرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) بالفتح والنصر، وذلك من خلال استعراض أحوال الأنبياء والرسل السابقين، فرغم مكانة ومقام النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) الرفيع بين الأنبياء وشرافة وقدسية مرتبته، إلا أن استذكار سيرة الأنبياء السابقين له، فيه تسلية لخاطره المبارك.

2 - هنالك أمور لا يمكن تغييرها أو تبديلها فهو خارج لوح المحو والتثبيت، وقد عبر عنها القرآن الكريم بالقول (كلمة الله) و (قول الله) و (وعد الله) و.... فهي أمور بحكم الحتمية التي لا تقبل التغيير مطلقاً، كما في عبارة (لا مبدل لكلمات الله) ففيه تأكيد على أن النصر مؤكد لا شك فيه، وليس هنالك من أحد قادر على تغيير كلمات الله سبحانه، إلا أن تكون المشيئة الإلهية في ذلك.

3 - تشير هذه الآية في الواقع إلى أصل كلي وهو أنه وعلى مر الزمان والتاريخ كان القادة الصالحون يواجهون في دعواتهم المحقة رفض الفئات والشرائح المستفيدة من الوضعيات السائدة والسابقة، تلك الطوائف المستغلة والظالمة لنفسها ولسواها، تقف حائلاً دون بلوغ أهداف المذهب الجديد إلى معقله وأفقه، لكن لا شك أن الاستقامة والمقاومة وحدها ما يمكن

أن يسير بقافلة أولئك القادة نحو النصر الحتمي.

4 - يُستفاد من عبارة (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ أَنْبَاءِ المُرْسَلِينَ) أن وعد النصر لأهل الإيمان على أهل الشرك والعصيان لا بد وأن يتحقق، ولا يمكن أن يخيب هذا الوعد أبداً.

الآية 35

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النفاق، السماء، الأرض، الآیة، الهدایة الجهل، الجبر، الإختیار»

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقَا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَمَا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِايَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَهِلِينَ (35)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (نفق) تعني في اللغة الممر الذي يحفر تحت الأرض، و(النفاق والمنافق) يأتى من هذا الأصل، أي أنه وإضافة إلى السبل الظاهرية، هنالك سبل أخرى باطنية مخفية، وأما (السلم) فهو ما يستخدم عند مواضع الخطر ليمكن من خلاله الصعود نحو الأعلى وتجنب الخطر لحفظ النفس، وبالتالي هو لفظ اسم يطلق على أي وسيلة تستخدم للصعود نحو الأعلى.

2 - تقول الآية: إننا يا رسول الله أعلم بأنه ليس هنالك من نقص أو ضعف في دعوتك

وعملك وسعيك، ونعلم بأنك لا ترغب بأن يبقى أحد في ظلمات الجهل والشرك والوثنية بل تسعى نحو هداية الجميع وإرشادهم نحو عبادة الواحد الأحد، لكن لتعلم أن بعضاً من هؤلاء لا يثنيه عن تمرده وعناده حتى رؤية المعجزات واضحة جلية، فقد قرروا أن لا يؤمنوا أبداً، ومع ذلك فالله قادر على جعلهم يؤمنون بالإجبار ودون اختيار منهم، لكن الإيمان جميل بالاختيار والانتخاب القلبي، إذا فالنقص ليس من جانبك أيها الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، بل هو من جانبهم وبسبب نفوسهم الظالمة، لذا فلتصبر ولتستقم على أمرك، ولا تؤذي نفسك بسبب كفرهم وشركهم.

3- يوضح الله سبحانه لنبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذه الآية أنه ليس هنالك أي نقص قط في الرسالة أو

الدعوة الإلهية ولا في مستوى التعليمات والجهد المبذول من قبله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، بل النقص هو من جانبهم، لأنهم متعصبون لآرائهم ومصممون على عدم تغييرها لقبول الحق.

4 - قد يظن أحدهم بأنه ليس لله تعالى وعلا أن يجبر الكفار على اعتناق وقبول الإسلام، والإجهار بالإطاعة أمام لأنبياء الله وأوليائه، لكن الواضح أن أصل الهدف من الخلقة الإلهية كان لهدف تكامل البشر بالحرية والاختيار، فقيمة تمييز المؤمن عن الكافر والصالح عن الطالح هي فقط في معرفة أن هذا الإيمان وذلك الصلاح قد اكتسب بكامل الحرية والاخيار.

5 - رغم أن هذه الآية هي من أهم البراهين الدالة على نفي الجبر أو إجبار الإنسان للإيمان، إلا أن بعض المفسرين من أمثال فخر الرازي يرى بأنها دليل على منهج الإجبار ! حيث يقول بأن هذه الآية هي بمثابة السند على أن الله لا يريد للكفار أن يؤمنوا!(1)رغم أن المشيئة والإرادة المذكورة أعلاه هي إرادة ومشيئة إجبارية، أي أن الله تعالى لا يريد للناس أن يرضخوا تحت الإجبار، بل لهم يُفوّض الأمر في الإيمان أو الكفر ، وعليه فلا يُساق الناس نحو الإعتقاد جبراً، فالإيمان والإهتداء يحتاج إلى دفع ثمن لذلك يتمثل بالعبودية واجتناب المعاصي، وتزكية النفس، وفي هذا المسير يفتح الله طريق الهداية أمام عباده ويوسع أمامهم أبواب رحمته، أما من يلج في الظلم والعمى فإنه يحتسب عند الله سبحانه ظالماً مسيئاً، وبالتالي تنغلق أبواب الهداية أمامه (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى).

6 - توضح هذه الآية شوق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الكبير لإيمان كل الناس بدون استثناء، ولا شك في أن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) محيط بما في غالب الغيب، وهو عالم بقدرة الله سبحانه على شمل الجميع بالإيمان بشكل اختياري أو إجباري، وهو عالم أيضاً بحكمة الله تعالى في جعل الإيمان إختيارياً، وخبير بنفوس المشكرين المعاندة، لكن الله سبحانه وتعالى ذكر كل ذلك في هذه الآية على سبيل التذكرة والتسلية القلب رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم).


1) التفسير الكبير، ج 12، ص 520

7 - من الممكن أن يكون المخاطب في هذه الآية كما بالظاهر هو الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، لكن طبعاً فالمقصود كلّ الناس، ممن يمكن أن يعترضوا على الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) فيسألوا عن سبب عدم إيمان الناس أجمعين، أو أن يقولوا بأن سبب عدم إيمان الناس أجمعين هو تقصير في تبليغ الرسالة من قبل النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، في جذب الكفار هدايتهم، فكما نقل المرحوم ابن بابويه في إكمال الدين بأن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) قال الأمير المؤمنين (علیه السّلام) بأن الله سبحانه قد قدر الاختلاف والتفاوت في هذه الأمة، وإلا لأمر الله أن يهتدي الجميع...(1)وبالتالي فإن كافة الآيات المشابهة لهذه الآية هي في الأساس خطاب للأمة جمعاء.


1) روان جاوید فی تفسیر قرآن المجيد، ج 2، ص 315

الآية 36

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الإستجابة، السمع، الموت، البعث، الرجعة»

إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية استكمال للآيات السابقة من تسلية لخاطر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والتخفيف عنه، وتبيين لخلاصة الأمر، حيث يقول تعالى أولاً بأن الكفار هم أناس لا يمكن أن يهتدوا، وثانياً أن المدد الإلهي لرسوله الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) مستمر حتى يكون له النصر والغلبة، وسيلقى أولئك الكفار جزاء أعمالهم، وأما رابعاً أنه حتى لو لم يلق الكفار جزاء أعمالهم في هذه الدنيا فلسوف يكون لهم في الآخرة عذاب أليم.

2 - تؤكد الآية على أن المهتدين هم فقط ممن يمتلكون آذاناً تصغي وتسمع، إما الكفار فهم في صفوفو الأموات ممن لا يمكن أن يؤمنوا قط، إلى أن يبعثوا يوم القيامة نحو الله سبحانه، فيلاقوا عذابهم ويروا ويشهدوا عاقبة ما ارتكبوا (وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ).

3 - لكلمة سميع معنيين اثنين؛ الأول هو المعنى المعاكس للصمم، والثاني يعود إلى ما يترتب من أثر على السمع، فمثلا نقول فلان يسمع الكلام بمعنى يستجيب وينفذ المطلوب، ونحن في الصلاة نقول (سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَه)، أو كما في الأدعية من صفات إلهية، لكن في هذه الآية هو بمعنى أن من يستجيب لدعوتك ويؤمن بها هم ذاتهم أولئك الذين يستمعون إلى الآيات الكريمة، فترسخ أثراً في قلوبهم، على عكس من الكفار ممن يعترضون ولا يستمعون لما يسمعون.

4 - أساس هذه الآية هو بيان ترضية لخاطر الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، حيث تخاطبه قائلة إنك لن تستطيع منع هؤلاء المعاندين عن عنادهم، فهم كالموتى لا شي يؤثر في قلوبهم الميتة، فلا

هم أصحاب آذان تسمع ولا أحاسيس تستشعر دعوتك، فلا تحزن لما يفعلون، ويكفيك أن المؤمنين استجابوا لدعوتك فآمنوا كما جاء في الآية 66 من سورة الأنفال (يا أَيُّهَا النّبِي حَسبُك الله وَ مَن اتَّبَعَكَ مِن المُؤْمِنِينَ).

5 - إن من يتلقون دعوة الملائكة والرسل هم على نوعين من البشر:

النوع الأول: أصحاب الأذهان المنفتحة والنفوس المطيعة .. هؤلاء يستجيبون للحق والهداية ويتقبلون الدعوة.. فهؤلاء هم المستنيرون والمقتدرون وأصحاب الهمة، من ذوي الاستحقاق والفطرة ..الطاهرة فما أن يصغوا إلى رسالة الهداية حتى يستجيبوا لها.

النوع الثاني: هم أمثال الموتى ذوو فطرة ملوثة، لا يسمعون ولا يبصرون، لا يتأثرون ولا يهتدون، لأنهم أموات صم.. يبدون بالظاهر أحياء لكنهم ليسوا كذلك، وليس بوسع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يقودهم نحو الإيمان، إن وجد الله فيهم أهلية الإيمان وتجديد الحياة فتح أبواب رحمته لهم، وإن لم يجدهم أهلاً لذلك، فكانوا أمواتاً بظاهر حيّ، وجاؤوا يوم القيامة ليبصروا ويسمعوا بعد فوات الأوان فليس لهم إلا حساباً عسيراً (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ).

الآية 37

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «القدرة، النزول، العلم، الکثرة، القلة، الآیاة، الإعجاز»

قَادِرُ عَلَى أَن يُنَزِّلَ عَايَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تشير هذه الآية إلى ما يقدمه الكفار من أدلة وبراهين واهية، فكما جاء في روايات أن سادة قريش وبعد أن عجزوا عن منع وإيقاف دعوة الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) طلبوا منه أن يثبت دعوته بمعجزة من مثل ناقة صالح أو عصا موسى،(1)بينما كانوا يظنون بأنه عاجز عن المجيء بمعجزة إليهم (وَ قَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ).

2 - واضح أنهم لم يكونوا صادقين فيما يدعون من أنهم سيقبلون المعجزة، فقولهم هذا كان في زمان جاءهم فيه الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) بأوضح المعجزات، ألا وهو القرآن الكريم، لكن يبدو جلياً أنهم كانوا يريدون غير القرآن الكريم، فالقرآن لم يكن يتطابق وأهوائهم ، لذا لم يكونوا يرون فيه معجزة مقنعة (قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً).

3 - إن السبب في كون طلب تحقيق معجزات جديدة كما معجزات الأنبياء السابقين، من قبل الكفار هو في أنهم كانوا يجهلون أمرين:

الأول: أنهم يعتقدون بأن الله سبحانه وبعد أن خلق الكون وأجرى فيه الأسباب، لم يعد بإمكانه تغيير شيء فيه بشكل غير عادي أو غير طبيعي، وكما يظنون فإن كلّ آلهة لديهم توكلت أمراً من هذا العالم، فاستقلت في أمرها، فهنالك إله للحرب وآخر للحب وآخر للسلام وآخر للبحر وآخر للمجاعات ... والكثير من الآلهة .. كل منها بيده أمر من هذا العالم، وبالتالي فكل يقوم بعمله على أكمل وجه ولا يمكن لله تعالى أن يتدخل في أعمالهم، بعد أن وزع الاعمال


1) مجمع البيان، ج 4، ص 459

عليهم، لذا كان يقولون كما قال اليهود (يَدُ الله مَغْلُولَةٌ) فرغم أن الله سبحانه هو (ربّ الأرباب) وهو شفيع هذه الآلهة بزعمهم ، ولكنهم كانوا يعتقدون في الوقت ذاته أن (ربّ الأرباب) لا يستطيع أبداً الإيتاء بمعجزة تخرب عمل سائر الآلهة فتكون دليلاً على ضعفهم وتجعلهم عرضة للسؤال.

الثاني: أنهم لم يكونوا يعلمون بأن المعجزات التي كانت تتنزل على الأنبياء كانت مقدرة من قبل الله وبحمكته لما فيه منفعة للناس، وليس وفقاً لما يطلبون أو يرجون، وأما سنة الله في قبول طلب المعجزة من قبل الناس فكانت كآخر حجة تقام عليهم ويأتي من بعدها العذاب دو إمهال، كما في معجزات كل من النبي نوح والنبي هود وصالح .. (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ).

4 - كان المشركون عادة ما يطلقون على الله في خطابهم للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لفظ (رَبِّكَ أو ربِّهِ) كتأكيد على معارضتهم له ومخالفتهم لرسالته، وللسخرية منه وتوجيه الإهانة لما جاء به، وكأن الله سبحانه ليس إلههم هم أيضاً، لذا جاء خطاب الله لهم باستخدام لفظ الجلالة (الله) بدل (ربّ) ليوضح لهم ألوهيته المطلقة، وينفي أي معبود سواه.

5 - بالاستناد إلى أصل الحكمة والعدل الإلهي فإن المعجزة تأتي لإقامة الحجة على المعبودين بشكل لا يترك أمامهم أي سبيل للشك والمراجعة، وهي تثبت وجود قدرة إلهية كبيرة خلفها أعلى من قدرة نبي على تحقيقها، وبالتالي فلا يجوز التعامل مع المعجزة باعتبارها ألعوبة بيد الناس تظهر متى شاؤوا، كاستعراض يقدمه الأنبياء في المحافل والمجالس، لذا يقول تعالى (قُل إن الله قادِرُ عَلى أَن يُنَزِّلُ آيَةً) .

6 - الهدف والمقصود من المعجزة، هو الإشارة بوضوح وجاء عن علاقة خاصة بين الله ونبيه وتسليط للضوء على قدرة الله اللامتناهية وليس تلبية لطلبات فئة معاندة من الناس، رغم أن ما جاء في التاريخ من تلبية لمعجزات مطلوبة من قبلهم كانت محض إتمام للحجة عليهم، لتكون برهاناً لمن يطلبها بحق، ويرغب بالفعل بالهداية، ويبحث عنها ، وهذا ليس بحاجة للكثير صل الله من المعجزات بل يكفي بعضها لتثبت عنده الحجة، وعليه فقد كان للنبي الخاتم (صلی الله علیه و آله و سلم) المعجزة

الأخيرة وهي القرآن الكريم.. الذي سيبقى المعجزة الحية حتى يوم القيامة، إضافة إلى معجزات أخرى تجسمت في جس النبي الأكرم الطاهر أو في حين ولادته.

7 - لقد كان المعاندون والمكذبون للمعجزات الإلهية يتهمون الأنبياء والرسل وعلى مر التاريخ بالسحر والشعوذة والكهانة، وإذا قيل لهم لم لا تؤمنون بعد كل هذه الآيات البينات؟ يقولون إذا كان هذا الرسول صادقاً فلم لا يأتي بالمعجزة الفلانية؟ ويقومون بتحديد المعجزات وتسميتها، وإذا قيل لهم أليس ما جاء به الله لكم كافٍ يجيبون لا فليست هذه بالمعجزات، لأن المعجزة قادرة على إقناعنا وهي ليست بشعوذة أو سحر ، وهنا يأتيهم الرد الإلهي : بلى إن الله قادر على إرسال معجزة ترغمكم على الإيمان، لكن ذلك يخالف الحكمة الإلهية في جعل هذا الأمر إختيارياً تعتنقونه بملء إرادتكم دون إجبار يُسقط التكليف عن الإنسان، فلا فائدة من إيمان لا ينبع من قلوبكم وصميم ذواتكم.

8 - فيما يخص المراد من الآية، ذهب البعض إلى أن المقصود منا هو المعجزات التي كان الناس يطلبونها، كما جاء في سورة بني إسرائيل المباركة، ما طلبه الكفار من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (و قالوا وَ لَن نُؤْمِن لَكَ حَتَّى تَفجُرَ لَنا مِن الأَرض يَنبُوعاً أَو تَكُون لَك جَنَّةٌ مِن نَخِيلِ وَ عِنَبِ فَتُفَحِرَ الأَنهارَ خِلالَها تَفجِيراً أَو تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَما زَعَمتَ عَلَينا كِسَفاً أَو تَأْتِي بِالله وَ المَلائِكَةِ قَبِيلًا أَو يَكُون لَك بَيت مِن زُخرُف أَو تَرقي فِي السَّماءِ وَ لَن نُؤْمِن لِرُقِتِكَ حَتَّي تُنَزِلَ عَلَيْنَا كِتاباً نَفَرَؤُه قُل سُبحان رَبِّي هَل كُنت إِلَّا بَشَراً رَسُولًا)(1)، كما ذهب البعض إلى أن المراد منها هو الآيات المنزلة على ما سلف من أنبياء، مثل ناقة صالح (علیه السّلام) وعصا موسى (علیه السّلام) و إحياء عيسى (علیه السّلام) للأموات و...، إضافة إلى أن البعض الآخر قال بأن المراد بالآية هو نزول العذاب، كالصاعقة والصيحة ومطر الحجارة،

وفي سورة المعارج إشارة إلى ذلك (سَأَل سائِل بِعَذاب واقع)(2)، وفي سورة المجادلة (لولا


1) الآيات 92 وحتى 95

2) الآية 1

يُعَذِّبُنَا اللَّه بِما نَقُول)(1).

9- لقد كان الكفار يظنون بأن كافة الأمور يجب أن تتحقق بحسب أهوائهم، وطبق الطلب، فمنهم من كان يرجو لنفسه العزة والثروة وطول العمر والمقام و... غافلين أن أنه قد تكون مصلحتهم الواقعية في غير ذلك، فكم من ثروة كانت ضرراً (عَسَى أَن تَكرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَیر لَكُم وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَالله يَعلَم وَأَنتُم لا تَعلَمُون)(2).


1) الآية 9

2) البقرة / 213

الآية 38

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الدابة، الأرض، الطیر، الأمة، الافراظط، الکتاب، الحشر، القرآن»

وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَابِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تُعتبر هذه الآية إتماماً للآيات السابقة التي تناولت موضوع المشركين وما سيلقونه من عاقبة يوم الحشر، إضافة إلى الإشارة لحقيقة البعث والنشور ليس للإنسان فحسب بل ولكل الكائنات الأخرى من حيوانات وطيور ، فهذه المخلوقات ذات أمة كالإنسان أيضاً، تتمتع بإدراكات ومشاعر وأحاسيس خاصة، وهم يعرفون الله بمقدار ما يملكون من إمكانات للتسبيح والتقديس، رغم أنها بسيطة وسطحية ولا تصل في تعقيدها إلى الإِنسان (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ).

2 - إن المقصود من لفظ (كتاب) في هذه الآية، هو إما القرآن أو اللوح المحفوظ، وفي آيات أخرى هنالك ألفاظ أخرى من مثيل (تبياناً لِكُلِّ شيء) و (كُلُّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) تشير إلى كمال القرآن الكريم، فعن الإمام الباقر (علیه السّلام): أن الدليل على كمال القرآن هو أنه منهل ومنبع لكافة أحاديث رسول الله والأئمة عليهم السلام.(1)

3 - لقد اعتنى القرآن الكريم بشكل خاص بوجود الحيوانات، حيث ورد في مواضع عديدة ذكرهم كتذكير بعظمة خلقهم وما يتميزون به من مشاعر ، عبرةً للناس وتذكرة: (وفي خلقكم وما يبثّ من دابة آيات لقوم يوقنون)، ومثيل ذلك الكثير مما جاء في الروايات والتجارب الإنسانية،


1) تفسیر نور، ج 2، ص 449 وراجع: الكافي، ج 1، ص 60

مما يشير إلى أن للحيوانات إدراكاً ومشاعر، وهو الأمر الباعث إلى مزيد من التفكر والتأمل.

4 - الحشر يعني عودة الناس واجتماعهم نحو الله سبحانه، بحالة من الاقتلاع من المكان والسوح نحو أمر ما، والملاك في حشر الإنسان هو حياته الإرادية والشعورية، فللإنسان حرية الإختيار بين السعادة او الشقاوة، وفي الحيوانات كذلك مثل هذه المشاعر، لكن هي أقل مستوى، والواقع أن حشر الإنسان والحيوان ليوم القيامة لجهة الحساب، لا يعني تساوي الإنسان والحيوان من حيث الشعور والإرادة، لكن حد الحساب لهما واحد هو الصواب لمن أحسن والانتقام لمن أساء.

5 - وفق ما جاء في العديد من التجارب والروايات والأحاديث فإن للحيوان مشاعر خاصة، فالأحاسيس لا تخص الإنسان لوحده، ومن تلك المواضع نشير هنا إلى 12 مثالاً منها:

المثال الأول: في أثناء عبور النبي سليمان برفقة جيشه من منطقة ما، قالت نملة لسائر النمل (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)(1)، فإدراك ومعرفة العدو أمر غريزي في وجود النملة، ولكن ماذا عن معرفتها لاسم سليمان ومن معه، فهذا أعلى من مجرد غريزة.

المثال الثاني: قصة الهدد الذي رأى القوم الكافرين وأطلع النبي سليمان بأمرهم، ثم وكله النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بمهمة خاصة ، وفهذا دليل على أنه كان يدرك التوحيد والشرك والعمل السيء أو الصالح، مما جعله يرى لزاماً على نفسه إطلاع النبي سليمان (علیه السّلام) بما شاهد، هذا كله أمر أعلى من مجرد غريزة.

المثال الثالث: السبب الذي قدمه الهدد للنبي سليمان (علیه السّلام) لدى سؤاله عن سبب تأخره، يدل على علمه بكيفية تقديم سبب موجه، وهو برهان على أعلى من مستوى الغريزة.


1) النمل 18

المثال الرابع: ما يشير إليه القرآن الكريم من أن كافة الكائنات تسبح لله بحمده، ونحن نعلم بأن التسبيح التكويني هو نوع يمكن للإنسان إدراكه، لكن ما يريده القرآن الكريم هو نوع آخر من التسبيح.

المثال الخامس: أشار القرآن الكريم في محكم آياته إلى أن كافة الموجدات تسجد لله سبحانه (وَللَّه يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ).

المثال السادس: أن الطيور كانت تشارك في عروض النبي سليمان (علیه السّلام) (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُوده مِنَ الجِنِّ والإنس والطَّيْرَ)(1).

المثال السابع: تكلم الطيور مع بعضهم بعضاً وافتخارهم بسليمان ولما علمه الله من لغة الطيور (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّير)(2).

المثال الثامن: تشير آية (إذَا الوحُوشُ حُشِرَتْ) إلى حشر الحيوانات يوم القيامة.

المثال التاسع: آية (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلُّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وتَسبيحه)، هي دليل واضح على أن للحيوانات أحاسيس ومشاعر وأنها عباد لله.

المثال العاشر: تميز بعض الحيوانات بالوفاء، مثل الكلب تجاه صاحبه وبنيه.

المثال الحادي عشر: قدرة كلاب الصيد وكلاب الشرطة على التعلم للكشف عن المهربين، أو عمليات البيع الغير قانونية، مما يشير إلى أدراك خاص لديها.

المثال الثاني عشر : نهي الإسلام عن ذبح الحيوانات أمام مرأى بعضها البعض،(3)وهو دليل على مشاعر الحيوانات وأحاسيسها.


1) النمل/17

2) النمل/16

3) راجع: الكافي، ج 6، ص 230

6 - هل هنالك هنالك من بعث للحيوانات أيضاً؟

لا شك في أن أول شرط للحساب والجزاء هو العقل والشعور وما يترتب على ذلك من تكليف ومسؤولية، فالمعتقدين بهذا الأمر يقولون: بأن حياة الكثير من الحيوانات قائمة على نظام عجيب ورائع، لا يشف إلا عن مستوى رفيع من الفهم والشعور لديها، فمن لم يسمع عن تعقيدات نظام خلية النحل أو مساكن النمل، وعجيب حضارتها وما فيها من قوانين تلتزمها، كل هذا دليل واضح على أنها يستحيل أن تكون عائدة إلى مجرد غريزة، فالغريزة هي منبع تلك الأفعال المتكررة والإعتيادية، لكن الأعمال التي لا يمكن توقعها في ظروف خاصة باعتباره ردة فعل واستجابة ما، فإنها أشبه ما يكون بالفهم والشعور منها بالغريزة، فمثلا الخروف الذي لم يرَ الذئب ولو مرة في حياته، يدرك بوضوح مثل هكذا خطر ، مع تحديد لمصدره، وسبل النجاة منه.

7- رغم أن معظم الحكماء والمتكلمين والعلماء يرون بأن المخلوقات ذات الروح على نوعين:

الأول: صاحبة العقل: كالإنسان والأجنة والملائكة، وهي كلها حية ذات تكليف وحشر في يوم القيامة، لكن ثوابها وعقابها خاص بالإنسان والأجنة فحسب، أما الملائكة فبسبب عصمتها مرفعة عن العقاب والعذاب، وفي اللغة العربية يتم التعبير عنهم بمن والّذي.

الثاني: المخلوقات من غير ذات العقل من سائر الحيوانات الأرضية والهوائية والبحرية، والتي يُعبر عنها في القرآن بما. إلا أن الكثير من الآيات وبعضاً من الأحاديث يوضح لنا بأن كافة المخلوقات في كل العالم، حتى النباتات والجمادات، هي ذات شعور وعقل، وذات تكليف وصاحبة معرفة بالله والرسول والإمام، ولولم تتمع بروح حيوانية ذات حس وحركة، إلا أن (لا تَفقَهُون تَسبيحَهُم)(1)وكذا آيات سورة النمل (الآية 17)، إضافة إلى كلام الهدهد (إِنِّي وَجَدت


1) الإسراء /46

امْرَأَةً تَمْلِكُهُم)(1)ومثل آية (قالَتْ نَمْلَة)(2)وكلام الهدهد حول القوم الذين رأى بأنهم محكومون من قبل امرأة، وجملة (وَحُشِرَ لِسُليمان جُنُودُه مِن الجن والإنس وَ الطَّيرِ)(3)، و (عُلّمنا مَنطِق الطّيرِ)(4)، وكذا (يا جبال أَوِبِي مَعَه وَ الطَّيرَ)(5)و (وَ النّجم وَ الشَّجَرُ يَسجُدان الرحمن)(6).


1) النمل/23

2) النمل/ 18

3) النمل/17

4) النمل/ 16

5) السبأ/ 10

6) الرحمن / 6

الآية 39

اشارة

وَالَّذِينَ كَذَبُوا بِايَتِنَا صُةٌ وَبُكُمْ فِي الظُّلُمَتِ مَن يَشَا اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)

شأن نزول الآية:

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکذب، الآیة، الصم، البکم، الظلمة، الضلال، الهدایة، صراط المستقیم»

يقول أبو حمزة أنه سأل الإمام الباقر (علیه السّلام) عن هذه الآية ، فقال (علیه السّلام) أن المقصود من هذه الآية أولئك المكذبين بالأوصياء المبعوثين من قبله تعالى.(1)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - صحيح أن الهداية والضلال كلاهما بيد الله سبحانه، إلا أن للإنسان أيضاً حرية في الاختيار والانتخاب، وأما إرادة الله تعالى فبناء على الحكمة، فمثلا جهاد الإنسان في سبيل الله هو أساس للهداية الإلهية تجاهه (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا)(2)، كما أن ظلم الناس هو السبيل نحو الضلال (يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ)(3)فإن تكذيب الآيات الإلهية أيضاً سبب في جعل الله يُضل الإنسان.

2 - إن الذين يُكذبون الأنبياء ومعجزاتهم، ولا يستمعون إلى مواعظ الأنبياء ودعواتهم، ليس لهم آذان يسمعون بها، فهم كالصم، كم أنهم لا يتكلمون بالحق، فهم أشبه بالبكم، يتخبطون في ظلم الكفر والجهل لأن قلوبهم خالية من نور الإيمان والعلم، لذا يفقدون رعاية الله لهم والتوفيق في أمورهم، ويضيعون خلافاً لأهل الرشاد والهداية ممن يتمتعون بأنوار التوفيقات والعنايات الإلهية التي تشمل ألطافها حالهم.


1) تفسير القمي، ج1، ص199

2) العنكبوت / 69

3) ابراهیم/ 27

3 - إذا كان الأنبياء هم المقصودون من تكذيب الآيات في (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا)، فإن تكذيبهم يعود إلى ما يتهمهم به الكفار من كذب وإفتراء وجنون وسحر، وإن كان المراد من تكذيب الآيات هو المعجزات الصادرة عنهم، فهذا بسبب أنه تم تسمية الأنبياء بالسحرة بدل الإيمان بهم، ولكن الجمع المضاف يفيد العموم هنا، فالآيات الإلهية تشمل بذلك الأنبياء والأوصياء والمعجزات، بل وحتى أولئك الذين كذبوا الأئمة الأطهار (علیهم السّلام) وذلك لأنهم كافة الأنبياء والأئمة هم حملة المعجزات والآيات الإلهية على حد سواء.

4 - إن روح الإنسان تتصل بالعالم الخارجي عن طريق الأذن والعين، ولكن لأن هؤلاء قد كذبوا بآيات الله سبحانه، فإنهم يقبعون في ظلمات الجهل ولا يريدون الخروج نحو السعادة، لأنه أرواحهم انفصلت عن العالم الخارجي بعد أن أعموا اعينهم وصموا عن الحق.

5 - يستند أصحاب مذهب الجبر إلى هذه الآية (مَنْ يَشَ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وآيات أخرى، ليذهبوا وفق ظاهر الآية إلى أن الإنسان مجبور على أعماله وليس له الحرية في الإختيار ، وبالتالي ليس لهم أن يختاروا بين السعادة والشقاوة، فالدنيا وفق فهمهم جبر ،مطلق، والله إما يُسعدنا أو يتركنا في الضلال، وفي مواجهة ذلك نرى آخرين يعتقدون بالتفويض والاختيار المطلق يرون أن الله خلق الإنسان ثم تركه لحاله، له أن يفعل ما يشاء ودون أي قيد أو شرط، ودون تدخل في أموره الخاصة، وليس لله أي يد في أعماله، لكن وسط هذين الاتجاهين نرى ما في روايات الأئمة (علیهم السّلام): (لا جَبْرَ ولا تَفُويْضَ بَلْ أَمْرُ بَيْنَ أَمْرَين)(1)، أي أن الإنسان مخير ولكن تحت إرادة إلهية.

6 - إن أفضل مثال يمكن أن يُذكر في مجال الجبر والتفويض، بناء على تعريف الأئمة (علیهم السّلام)، هو مثال المصباح الذي هو من جهة تحت سيطرتنا، ومن جهة أخرى خارج عن سيطرتنا، فهو في متناول اختياراتنا لأننا إما نطفئ أو نشغله بالمفتاح الكهربائي، لكن هذا


1) الكافي، ج 1 ، ص 160

المصباح ذاته يستمد نوره من طاقة قادمة من شركة كهرباء وهي خارجة عن إرادتنا وسيطرتنا، وعليه فالإنسان في جانب من أعمال حياته له الحرية والاختيار، وفي جانب آخر منها ليس له الخيار لأنها أمور بيد الله سبحانه وتعالى.

7 - نحن كشيعة نعتقد بأن العدل الإلهي هو أحد أصول الدين، والله عادل وكافة أعماله هي نابعة من العدالة ووفق حسابات وحكمة، فإن قام الإنسان بعمل خيّر كان له الثواب وإن ارتكب سوءاً كان له الجزاء، فالله سبحانه يقول (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَهُ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِين) أو في موضع آخر قوله تعالى (أَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) وكذا (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَ إِمّا كَفُوراً) و (إنَّا هَدَيْناهُ النَّجدَين) و (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَكُم فُرقاناً) و (وَ الّذينَ جاهَدُوا فِينَا لَنَهدِينَهُم سُبُلَنا).

8 - هنالك رواية عن شخص كان يعيش في زمن الإمام الباقر (علیه السّلام) وكان يعتقد بالاختيار والتفويض، ويقوم بتضليل الناس بأفكاره، حتى وصل خبره إلى الخليفة عبد الملك بن مروان ، فأمر باحضاره إلى قصره، وأن يجلس بحضور عدد من علماء ذلك الزمان فيحاججهم، وبالفعل استطاع غلب العلماء الحاضرين، حتى اجتمع رأيهم على أن الوحيد القادر على رده هو الإمام الباقر (علیه السّلام) ، وعليه طلب من الإمام الحضور إلى القصر من المدينة المنورة، فجاء (علیه السّلام) وجلس مع الرجل.. حيث سأل الإمام (علیه السّلام) الرجل: هل قرآت سورة الحمد ؟ ، فقال : نعم، فقال (علیه السّلام): اقرأها، مما أثار تعجب الحاضرين في المكان، فقرأ الرجل حتى وصل إلى الآية (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعين)، فقاطعه الإمام قائلاً: اصبر، أن تعتقد بأن كل الأعمال بيدنا نحن وأن الله تركنا لشأننا، لكن إن كان ذلك فلم يقول تعالى (إِيَّاكَ نَسْتَعِين) .. هنا صمت الرجل عن الكلام وترك المجلس.(1)

9 - لا شك أن الله المتعال خلق الإنسان وعلمه السبل وقال له إن اخترت سبيل الشر فإننا لا نجبرك على سواه ولكن إن اخترت السير في سبيل الخير فإننا نساعدك ونكون معك.


1) تفسير العياشي، ج 1، ص 23 و 24

الآية 40

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «العذاب، الساعة، القیامة، الصدق، الکذب، الدعاء، الإله»

قُلْ أَرَءَ يْتَكُمْ إِنْ أَتَنكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنَكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (40)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية أيضاً تم توجيه الخطاب إلى المشركين، حيث فيها دعوة للنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) لإحياء قلوبهم الميتة، بتذكيرهم بساعة الموت وما بعدها من عذاب عسير جداً، وما سيجري فيها مما لا يمكن خلال اللجوء إلا لله سبحانه.

2 - هل لديكم غير الله أحد من الآلهة أو الأصنام تلجؤون إليه يوم الدين، فالله هو القادر الوحيد على كشف المصائب عنكم والغمم، هو صاحب القوة المطلقة، لا معبود سواه، واللجوء إليه أمر فطري لدى كل البشر .

3 - إن معنى هذه الآية جلي لدى المشركين، بل ولدى كل الناس، فلدى المصائب والمحن يلجأ الإنسان إلى الله، وقد يلجأ في لمم المصاعب إلى سواه لكن عندما تشتد المصائب وتصل إلى مراحل منهكة له، سيلجأ في أعماق قلبه إلى القوة الأعلى والمنبع الأقوى، وذلك بشكل مبهم وغريب نحو النبع الأساس، وهذا هو التوجه إلى الله في حقيقته.

4 - إن الاستدلال المشاهد في هذه الآية، هو ذاته استدلال الفطرة، والذي يمكن الاستفادة منه في مبحثين، الاول في أصل وجود الله تعالى، والثاني في إثبات الوحدانية، لذا فإنه في الروايات الإسلامية وكذا في خطاب العديد من العلماء، نرى استخدامه كاستدلال في مواجهة منكري وجود الله وكذا المشركين به.

5 - قد يقال بأن في هذه الآية إشارة إلى قيام الساعة (البعث) ، في حين أن منكري وجود الله

لا يقبلون أصلا بهذا اليوم، وعليه فكيف يمكن الاستدلال بمثل ذلك في مواجهتهم ؟

لكن يجب الانتباه إلى أنهم جميعاً لا ينكرون يوم القيامة، بل طائفة منهم تؤمن بشكل أو بآخر بيوم القيامة، وثانياً أنه من الممكن أن يكون المقصود من الساعة نفس الموت، أو ساعة الحوادث المهيبة، لأن القرآن الكريم قد أشار إلى أن بداية النشور يكون بحدوث عدة مقدمات في مواضع عديدة، منها: الزلزال والعواصف والصواعق و شبيه ذلك.

6 - السؤال: رغم أننا نعلم بأن يوم النشور والحوادث العديدة السابقة له هي من الأمور الأكيدة والحتمية، وليس من الممكن أن تتغير قط أبداً، فكيف يقول تعالى في الآية أعلاه أن بإمكان الله تعالى أن يؤجل يوم القيامة ؟ فهل هذا لجهة تبيان قوة الله سبحانه فحسب؟ أو له معنی آخر؟

وفي الجواب نقول: المقصود هنا ليس أن الله سبحانه يغير ساعت وقت القيامة بوسيلة الدعاء، بل المقصود أن المشركين وغير المشركين حينما يصلون إلى عتبات يوم القيامة وما يحدث قبيله، يهلعون ويصابون برعب شديد ، وعليه يكون دعاؤهم لرفع العذاب عنهم وليس لمنع يوم القيامة.

7 - إن ضمير (كم) في كلمة رأيتكم هو لمجرد الخطاب، مثل الكاف في ذلك وتلك وذاك، للإشارة إلى الجمع، وبوجودها عادة ما يكون ضمير الفاعل ثابتاً، وهي تأتي لبيان الإفراد والتثنية والجمع والتأنيث والتذكير ، فيُكتفى بها، نظير ما جاء من كلام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في دعاء كميل (افتراك معذبي بنارك)(1)(افتراك سبحانك يا الهي و بحمدك .)(2)..


1) مصباح المتهجد، ج 2، ص 846

2) نفس المصدر، ج 2، ص 848

الآية 41

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الدعاء، الکشف، النسیان، الشرک»

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - بعد صيغة السؤال والجواب المطروحة في الآية السابقة، نرى أن الخطاب الإلهي لم ينتظر من الكافرين الإجابة، كي لا يقدموا بفعل عنادهم وجهلهم وتعصبهم الأعمى إجابات حمقاء تزيد في نكراهم للحق.. فكان جواب الحق تعالى بأنكم أيها الكفار لن تجدوا غير الله لتلجأوا إليه وأنتم على يقين من أن لا سبيل لكم سواه.

2 - جملة بل إياه تدعون، توضح أنه وكما أن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: (كل مولود يولد علي الفطرة و انّما ابواه يهودانه و ينصرانه) وعليه فإن الإنسان يميل بالفطرة للإتكاء إلى خالقه، والحديث المعروف عن الإمام الصادق (علیه السّلام) يشير إلى ذلك، فعندما طلب شخص منه أن يقدم له دليلاً على وجود الله فرد عليه الإمام بتذكيره بحادثة غرقه في السفينة وكيف أنه تعلق بقطعة خشب في تلك الظروف، ثم سأله هل شعر قلبك حينها بأحد لينجيك مما أنت فيه ؟ فقال : نعم، فقال (علیه السّلام) هذا هو إلهك.(1)

3 - إن الإنسان وفي خضم المصائب والبليات.. ولأنه يخلو من أي سند أو عضد، فإن نفسه تجبره نحو التوجه إلى خالقه، فينسى كل ما حوله إلا مصيبته وإلهه، لأنه لا يمكن بفطرته أن ينساهما، فالله ذو القدرة المطلقة التي لا يقف شيء في وجهها ولا يعلو عليها شيء، حتى في يوم القيامة، وهذا مما لا شك فيه.

جملة (تَنْسَونَ مَا تُشْرِكُونَ) تشير إلى حقيقة نسيان أن الأصنام والمعبودات التي جعلوها


1) التوحيد، ص231

شريكة لله مرجع قوي للجوء إليه في اهوال يوم القيامة، فلا يكون منهم إلا أن ينسوا تلك الآلهة، إما لا تعتقدون بها في أعماقكم أو بسبب خوفكم مما تشاهدون، لأنهم ليسوا بالملجأ والمعين في تلك المحنة والاضطراب .. تنسون كل شيء إلاوجه الله سبحانه، فالإنسان في الدنيا قد يتناسى اله في حالات من الغضب والعصبية.. لكنه في يوم القيامة يكون أبعد شيء على الشعور بالقوة أو الشدة لينسى إلهه، لذا فإن حالة الإنسان في لحظات الهجوم العسيرة ولجوئه إلى الله .

أكبر دليل على وجود الله .

5 - فيما يخص الإضطرار فإن الحيوانات أيضاً هي كالإنسان تدرك وجود الله وتشعر بالاضطراب، والله يجيب المضطر (أمّن يُجِيبُ المضطَرَّ إذا دعاه ويكشف السوء).. وهل هنالك من اضطرار أعلى من اضطرار يوم القيامة؟ (فيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِليه) كما هو حال قوم موسى عندما رأوا العذاب فتابو ورجعوا إلى طريق الصواب.

6 - إن الإنسان المشرك ينسى يوم القيامة وبفعل صعوبات القيامة شركه وكفره وعناده.. بل ويقسم على أنه لم يكن مشركاً (وَالله رَبِّنا ما كُنَّا مُشركين)(1)

7 - بالنظر إلى أن المقصود من (الساعة) في الآية السابقة هو يوم القيامة، فإنه يمكن القول بأن إزالة المصاعب أمن ممكن بالتوجه والخلوص، لكنه متعلق بأمر الله سبحانه، فقرينة عبارة إن شاء الله ليل على ذك، حيث يتوجب القول بأن تغيير ظروف القيامة أمر بيد الله وفق مصلحة ومشيئة وحكمة.

8 - أن الله سبحانه تعالى قال (ادعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وهو وعد إلهي، لكنه لا يسلب منه قدرته على رد الإستجابة والدعاء إن شاء، فلا شيء يمنع قدرته الأبدية على الاستجابة أو على رد الدعاء أيضاً.


1) الأنعام/23

الآية 42

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الرسالة، البأساء، الضراء، التضرع»

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَعُونَ (42)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - يستكمل القرآن الكريم خطابه للضالين والمشركين، فيدخل إلى صيغة جديدة من الخطاب معهم، ليوقظهم من غفلتهم، فيأخذهم في القرون إلى قرون خلت، لعلهم يعتبرون.

2 - إن سنة الله هي في إرسال الأنبياء إلى الأمم لدعوتها نحو التوحيد، وإلا امتحنت بأشد أنواع العذاب والمحن.

3- تم حذف المفعول وهو رسلا هنا لجهة الاختصار وبسبب إيراد لفظ أرسلنا، والمقصود من (إلى أمم من قبلك) هو أمم من مثل أمة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى و..

4 - المقصود من البأساء بأصلها (بأس) من أصل (بؤس) هو معنى الشدة والمحن والمكاره التي تشتمل على أشكال من الفقر والحاجة والقحط وعدم هطول المطر وسلب العزة و.. مما هو نعم إلهية يُحرم الإنسان منها، والمقصود بالضراء هو نزول البلايا من أمراض والسلطان الجائر وسوء الحال بما يشمله من سوء حال داخلي نفسي وجسدي كالمرض والتشويه، أو خارجي كالهبوط من مقام أو منصب أو زوال المال والثروة.

5 - (التضرع) هو بمعنى التذلل والانحطاط بين يدي الله تعالى، عله يرفع الشدائد والمصائب، والهدف من هذه المصائب والصعوبات هو أن يكون التضرع لدى الله تعالى، فتحنّ القلوب وتلين لباريها، وتسلم من وساوس الشيطان الرجيم، وتعرض عن مظاهر هذه الدنيا وزخارفها (لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُون).

6 - الواقع أن تلك البلايا كانت في حد ذاتها نعماً، لأنها كانت السبب في تحوّل تلك الامم من الكفر إلى الوحدانية.

7 - كلمة (فَأَخَذْنَاهُم) تدل على مخالفة الرسل وتكذيبهم، لأنهم إن كانوا آمنوا واتقوا وأطاعوا لما مسهم من العذاب شيء.

8 - كلمة (لَعَلَّ) لم ترد لأجل التشكيك، فالله سبحانه على علم بحقيقة تضرعهم أو عدم تضرعهم، بل المعنى المطلوب هو (ينبغي) أن أن الأنسب والأفضل كما في الآية الكريمة (اذهَبا إِلى فِرعَونَ إِنَّه طَغَى فَقُولا لَه قَولًا لَيْناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يخشى)(1)أي أنه يجب أن يتذكر ويصحو من غفلته، وفي الآية الحاضرة فالمطلوب إذن هو ليتوبوا ويرجعوا.


1) طه / 44

الآية 43

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «البأساء، التضر، القلب، القساوة، الشیطان، العلم»

فَلَوْلَا إِذْ جَاءَ هُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تسأل هذه الآية عن سبب عدم هدايتهم بعد الذي خبروه من ظروف مؤلمة ، ولم لَمْ يعودوا إلى الله (فَلَوْ لا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا).

2 - "البأساء" لغةً هي بمعنى الشدة أو بمعنى الحرب في مواضع أخرى، كذلك تأتي بمعنى القحط والجفاف والفقر و...، لكن "الضراء" هي بمعنى الانزعاج الروحي مثل الغم والهم والجهل، إضافة إلى الانزعاج من المرض وفقد المقام والمكانة .

3 - إن الكفار ورغم كل الظروف السيئة التي خبروها، مازالوا في ضلالهم، يلجؤون إلى الله مالك كلّ شيء وصاحب الأمر والنهي، وما زالت قلوبهم عمياً وكالحجارة لا تتأثر، لأنهم مشغولون بأعمالهم الشيطانية، ظانين بأن بإمكانهم أن يتخذوا من تلك الأمور الجوفاء سنداً وملجاً، وأنها قادرة على حل مصائبهم ومشاكلهم.

4 - إن نزول البلاء عادة ما يستلزم من الناس التضرع والخوف والإنابة والتوبة، لكن السبب في أنهم لم يلجأوا إلى ذلك هو أنهم مازالوا في الغفلة، ولهذا أيضاً أسباب وهي: أولاً بسبب كثرة عنادهم وإصرارهم على الكفر، مما جعل قلوبهم قاسية مظلمة لا روح فيها ولا قابلية لانعطافها أبداً، (وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ)، وثانياً أن الشيطان استغل أهوائهم النفسية فزين لهم أعمالهم ليروها جميلة مزركشة بينما الحقيقة أنها بشعة سيئة، (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ).

5 - إن حب الدنيا والغرور قد أعمى قلوب الكفار وأبعدهم عن واقع أنهم لو لجأوا إلى الله سبحانه بخلوص وتضرع وبكاء لأنجاهم الله ولأغائهم مما هم فيه، بل ولأعاد إليهم نعمهم الفائتة أو الضائعة، فكما يقول أمير المؤمنين (علیه السّلام): (و لو أنّ النّاس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النّعم فزعوا إلى ربّهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم لردّ عليهم كل شارد وأصلح لهم كلّ فاسد)(1).


1) نهج البلاغة، ص 257

الآية 44

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النسیان، الذکر، الباب، الفرح، الاخذ، التلبس، العطاء»

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكَرُوا بِهِ ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تقول الآية الكريمة أنه وبعد أن لم تفد أساليب الترهيب والتشديد معهم ولم تُعدهم إلى سبيل الحق، بدأنا معهم بأسلوب جديد ففتحنا عليهم أبواباً من النعم الكثيرة وأفضنا من أبواب كلّ شيء (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبوابَ كُلِّ شَيْءٍ) لعلهم ينتبهون من غفلتهم.

2 - لا شك في أن الإنعام من قبل الله سبحانه يدل على أمرين: الأول: إظهاراً للمحبة، وثانياً: إنذاراً بالعذاب الأليم من بعدها في حال لم ينتبه الغافلون من سباتهم.

3 - إن الآية أعلاه تشير إلى أن الحياة وما فيها من زينة يمكن أن تكون نقمة أو نعمة في آن معاً، فلا شك أن الإيمان والتقوى تستنزل لأهلها بركات السماوات والأرض، كما جاء في الآية 96 من سورة الأعراف (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقُوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وفي المقابل فإن الغفلة تغلق أبواب الخير في وجه أهلها.

4 - إن الله سبحانه لا يعذب المشركين فوراً، بسبب أعمالهم الشنيعة وسلوكهم السيء، بل يصبر عليهم ليربيهم ويوقظهم، علهم يعودون فيتوبون، فيجعل لهم الفرص الكثيرة، مثلاً أول تلك الفرص أن يبتليهم بمشكلات ومصائب قد تجعلهم عندما يواجهونها يدركون خطأ مسیرهم ويعودون بفطرتهم نحو الله، لكن إذا لم يجد هذا الأسلوب فإن الله يجعل لهم أسلوباً ثانياً وهو أن ينعم عليهم بشكل كبير علهم يشعرون بالشكر لمنعمها، كن إن بقيوا يتخبطون كالسكارى في

أهوائهم والسعي نحو رغد الحياة دون أي بارقة على الرجوع نحو الله سبحانه، فإنه حينها يتركهم لينتظروا مصيرهم في العذاب الأليم، والذي سيأتيهم فجأة ودون سابق إنذار، حيث لا يكون أمامهم سوى الحسرات والتشتت والضياع، إضافة إلى اليأس من استعادة نعم الله ورحمته، ويطلق على هذا المسير التأديبي من قبل الله لخلقه الاستدراج.

5 - إن هذه الآية مع الآية رقم 171 من سورة آل عمران (ولا يَحسَبَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُم خَيرٌ لأَنفُسِهِم إِنّما نُمْلِي لَهُم لِيَزدادُوا إِثماً وَ لَهُم عَذاب مُهِين) والآية 181 من سورة الأعراف (سَنَستَدرِجُهُم مِن حيث لا يَعلَمُون)، إضافة إلى الأخبار المتواترة والعقل، هي أدلة وشاهد على الاستدراج الإلهي، وكما جاء في مجمع البيان عن الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم): (اذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج منه)(1)، كما روي عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنه إن كان الله يعطيك النعم تلو الأخرى فاحذر.(2)

6 - لحكم الاستدراج فوائد كثيرة، فهو إتمام للحجة على العباد، فالله يقول لعباده بذلك أنني ورغم ما امتحنتكم به لإيقاظكم من غفلتكم ، ثم ما أنعمت عليكم علكم تشكرون، مازلتم في عميكم وتستحقون العذاب الأليم لقاء كفركم، فالكفر بالنعم يوجب استحقاق العذاب الذي یزداد شدة مع ازدياد النعم.

7 - إن كافة نعم الدنيا من مال وجاه وقدرة وسطوة وصحة و.. قد تكون إما تفضلاً وخيراً وقد تكون نقمة وبلاء، فما هي العلامة على أيهما هي النعمة؟، والجواب إن كانت النعم المتفضلل بها من الله تُصرف في سبيله ولا تمنع صاحبها من تأدية واجباته الدينية، بل تساعده على إعمار آخرته فهي خير وصلاح، ولكن إن كان صاحب النعمة يقوم بصرفها على المعاصي والظلم والإفساد، وتمنعه من ان ينجز واجباته الدينية، فتهدم آخرته وتجعل له مكاناً في النار فمن المؤكد


1) مجمع البيان، ج 4 ، ص 467

2) نفس المصدر

أنها شر ونقمة.. ولكن كلا الوجهين امتحان ولا شك لصاحبه.

8 - عن النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم): إذا رأيت الدنيا سائرة إلى المذنبين فلا تبتئس، فإن ذلك استدراج إلهي وتدرج في الهلاك ، ثم تلا الآية القرآنية أعلاه.(1)

9 - جملة (فَتَحنا عَلَيهِم أبواب كُل شَيءٍ) فيه إشارة إلى وفور النعم بأشكالها بدءاً بنعم السماء والأرض، والمال والبنين وتنوع مصادر الغذاء من حبوب وفاكهة وأموال وجيوش وجاه ومكانة، كل ذلك ليزدادا لجاً في عميّهم، ويظنوا بأنهم من الصالحين، فيغتروا ويتكبروا، بل وينظروا إلى من سواهم باعتبارهم أقل شأناً ومكانة، لأنهم بظنهم السادة والباقي عبيد لهم.

10 - عبارة (فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا) لا تعني النسيان والغفلة التي تؤدي إلى ارتفاع التكليف عن المكلف، فتكون مشمول في الأمور التسعة المذكورة في الحديث عن الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم): (رفع عن أمتي تسعة ... الخطأ و النسيان ... ) ،(2)بل المقصود هو التغافل والتناسي وعدم الاهتمام، وكما في المثل المعروف (أذن من طين وأذن من عجين) .. فكما في الآية الشريفة (نَسُوا الله فَنَسِيَهُم) أي أنهم أغلقوا آذانهم وأعينهم وقلوبهم عن إدراك لذات العبادة، وتعاليم الأنبياء .


1) نفس المصدر

2) التوحيد، ص 353

الآية 45

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الدابر، المحمد، الظلم، القطع»

فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (دابر) في اللغة هو التابع الذي يعقب الشيء، ومعنى الآية أن الهلاك والدمار قد شمل كل سلالة ونسل الظالمين، فلم يبق منهم أي أثر فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة).(1)

2 - جملة (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ) في آخر الآية تشير إلى المدح والثناء والشكر لله عز وجل، لأن الله سبحانه لم يترك من مجال للتقصير في مسير تربيتهم ودعوتهم، فلم يُعاملهم سوى بالحكمة المعهودة عنه، وأما ما انهال عليهم من مصائب ومحن فهي مما اقترفته أيديهم فحسب وليس على الله اللوم فيها، بل هو أهل الحم والشكر والتثنية.. فكل سوء وقبح ومذلة هي مما يستحقون أن ينسب إليهم، وكل حمد وثناء هو لله رب العالمين (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ).

3 - من الممكن أن عبارة (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ) هي للإشارة إلى قلع جذور الظلم والفساد وزوال جيل قد يأتي بما أتى به الآباء.

4 - أحد النعم العظيمة التي لا يمكن أن نؤتيها حقها بالشكر هو نعمة دحض الكافرين الظالمين بحق محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته أجمعين، وقطع دابر سلالتهم.

5 - قطع دابر تعني قطع النسل والذرية أي بمعنى البتر ، فمثلاً هل بقي اليوم أحد من ذرية

الفراعنة أو ذرية النمرود ، بل وهل بقي أحد من ذرية عر وعثمان وبني أمية وبني العباس.. والأكاسرة والأباطرة وسائر الظالمين ؟؟ .. مع كثرتهم التي كانوا عليها في زمان ظلمهم، لكن في


1) الحاقة 8

المقابل ماذا عن ذرية السيدة فاطمة وأمير المؤمنين .. مع قلة عددهم، ها هم اليوم يملؤون العالم بذريتهما.. خاصة ذرية الإمام السجاد (علیه السّلام).. رغم كل المجاز المنفذة ضدهم في كرباء والطف وبيد بني العباس في بغداد وسائر البلدان.

الآية 46

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السمع، البصر، القلب، الإله، الآیة، السلب، الشرك»

قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَكُمْ وَخَلَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآيَتِ ثُمَّهُمْ يَصْدِقُونَ (46)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - منذ بداية السورة وحتى الآن شهدنا العديد من الموارد التي وجه فيها الله سبحانه وتعالى الأسئلة لمخالفي الدعوة الإسلامية، علهم يتفكرون بمزيد من التأمل، فالتفكر بنعم الله سبحانه وتصور التغيير أو افتراضه هو أساس معرفة الله.

2 - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبَصارَكُمْ) يخاطب الله سبحانه رسوله الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) فيقول : قل للكفار ماذا إن اخذ الله أسماعكم فأصبحتم صماً أو سلبكم قدرة التكلم فأصبحتم بكماً، كجزاء على ما تفعلون، (وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ) أو إن قطع عن قلوبكم قدرة الفهم والشعور لتغوصوا في جهلكم... (مَنْ إِلهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتيكُمْ) فمن سينجيكم من كل ذلك، غيره سبحانه وتعالى، ومن سواه قادر برحته وكرمه أن يعيد لكم ما سُلب منكم؟ بالطبع لا أحد غيره هو.

3 - إن سلب الكفار من الأذن والعين هو بمعنى تحويلهم إلى صم وبكم، والختم على قلوبهم هو بمعنى سدّ بوابة الفهم والإدراك المعنوي لديهم، وليس أن يفقدوا قدرتهم على التعقل والتفكر ، فلا يكون لهم التمييز بين الجيد والسيء والحق والباطل، فإن كان ذلك، فهو يعني أنها بداية البلايا والمحن.

4 - إن أساس كلام المشركين وخطابهم هو أن لله شركاء آخرين، وهو كلام ينفي نفسه

بنفسه، لأن المعتقدين به، يرون أن هؤلاء الشركاء هم بمثابة الوسطاء بينهم كعبيد وبين لكسب المنافع وتجنب الأضرار، وفي الوقت نفسه يعتقد هؤلاء الكفار بأن الله سبحانه قادر على التصرف بأمور خلقه دون مانع أو عازل، فهو إن شاء يسلبهم أسماعهم وأبصارهم، أو إدراكهم وفهمهم للأمور.. فإن كان ذلك، فمن من تلك الآلهة قادر على استبدالهم بآذان وعيون جديدة أو قلوب اخرى ؟؟ وهم ليسوا في تعريف هؤلاء المحرومين سوى وسطاء وشفعاء ليس إلا (مَنْ إِلهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ).

5 - يشير الله سبحانه في هذه الآية، وببيان جملة (أَرَأَيْتَكُمْ) والتي تحمل معنى عقلياً استدلالياً، إلى أن الناس طالما أنهم يملكون النعم فإنهم لا يشعرون بأهميتها، ولا يهتمون بمبدئها أو خالقها.. لكن ما أن يفقدوها حتى يبدؤوا ووفق فطرتهم الطبيعية بالعي نحو خالقها وموجدها، لاستردادها من جديد، لكن ماذا إن فقدوا أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم؟ فكيف لهم أن يجدوا ذلك الخالق ؟ فهم بفقدهم آذانهم وعيونهم وقلوبهم، يضلون وينحرفون عن سبيل الحق.

6 - عبارة (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) تبين أن انظر كيف أننا وبأساليب مختلفة قد قدمنا السبل العديدة لهدايتكَ، بدءاً بالأدلة العقلية ومروراً بالتهديد والترغيب ووصولاً إلى التذكير والعبر.. وكيف أننا نخاطبك بأشكال متعددة لتشريح ذلك لك، لكن رغم كل هذا مازلت تعاند وتستكبر وترفض الآيات الإلهية.

7 - إن السبب في أن عبارة السمع جاءت بصيغة المفرد، هو لأن السمع مصدر ووسيلة السمع الأذن، ولذا ففي الموضع الذي جاء فيه ذكر الأذن بمعنى السمع فإن الآية الكريمة ذكرته بصيغة الجمع (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً)(1)، وأما البصر (العين) فلأنه وسيلة للرؤية وللإدراك والتعقل كالقلب فقد جاء بصيغة الجمع.


1) الأنعام / 25

الآية 47

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «العذاب، الهلاك، الظلم، الجهر، اللم، بغتة»

قُلْ أَرَعَيْتَكُمْ إِنْ أَنَنَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّلِمُونَ (47)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - بعدما جاء ذكر النعم الأساسية الثلاث (العين والأذن والقلب) وما يتعلق بها من نعم أخروية ودنيوية جمة، وإمكانية سلبها من قبل الله تعالى، فإن هذه الآية تقول: قل لهم إن جاءكم عذاب الله يغتة دون مقدمات، أو كان ظاهراً وبتمهيدات، فهل يؤول إلا الظالمون! (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ).

2 - الهدف من هذه الآية هو أن الوحيد القادر على التعذيب وسلب النعم هو الله سبحانه، أما الأصنام فلا دور لها مطلقاً، لذا فليس من توجيه مقبول للجوء إليها.

3 - إن هذه الآية هي بمثابة إتمام الحجة وإبلاغ خطر العاقبة للكافرين والظالمين، فهي توضح: أولاً: لا يخطئ عذاب الله سبحانه قط في هدفه ولن يصيب إلا الظالمين.

ثانياً: إن العذاب الذي سيراه هؤلاء الظالمين والمكذبين بآيات الله ممن كانوا يعرضون عن الحق لما جاءهم، سيكون متناسباً تماماً مع ذنوبهم.

ثالثاً: لا شك أنه ليس هنالك من ذنب يقع دون ظلم، والظلم يعقبه الهلاك، إذا فعذاب الله لن يطال إلا الظالمين.

3 - إن (جهر) في اللغة هي بمعنى الظهور التام والوضوح، مما لا ترديد أو شك فيه، ولعل المقصود من (جهرة) هو العذابات التي تظهر آثارها من اليوم الأول جلية للجميع، مثل الغيوم المتلبدة التي انهالت على رؤوس قبيلة عاد، كما تستعرضنا الآية في موضع آخر (قَالُوا هَذَا

عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بِهِ رِيْحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيْمٌ).

4 - كلمة (بغتة) هي بمعنى الظهور المفاجئ والمباغت حيث لا يتوفر معه فرصة للهروب، ولذا فلعل المراد من كلمة "بغتة" هو أن العذاب الذي يأتي فجأة دون سابق إنذار، أو خلال النوم ليلاً، ويكون المقصود من (جهرة) هو العذاب خلال النهاء وأثناء العمل، كما في الآية (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً).

5 - سؤال: يقول تعالى في هذه الآية أن الظالمين وحدهم من يتلقى العذاب الإلهي والهلاك، في حين أن الآية 25 من سورة الأنفال تشير إلى أن الفتنة تعم بنيرانها الجميع ظالمين وغير ظالمين واتَّقُوا فِتْنَةٌ لا تُصِيبَنَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة ) .. فكيم يمكن الجمع بين مفهوم هاتين الآيتين؟

الرد: جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي وفي مجمع البيان أنه:

أولا : ليست كلّ فتنة هلاكاً.(1)

ثانياً: الظلم والمعاصي والكفر وسائر الأمور الموجبة للعذاب هي على قسمين: أحدهما مختص فقط بالعاصي والظالم والكافر ولا يمس سواهم، وأما القسم الثاني فهو في مقام الإضلال بالآخرين، وإجبار الآخرين على إتباعهم، مثل مبلغي الباطل وسادة الظلم، كما هو حال الخلفاء المستبدين بعد رحيل النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث أجبروا الناس على اتباعهم وأصروا في نشر دعوتهم، بل وأرغموا بعضاً من أهل البصرة على محاربة الإمام علي (علیه السّلام) وآلاف الأمثلة الأخرى المشابهة، فخطاب اتقوا موجه للمؤمنين كي لا يخدعهم الظالمون بكلامهم وأعمالهم المخادعة، لأنكم ستتلطخون في نهاية المطاف بضلالهم، وسيطالكم العذاب والبلاء أيضاً (واعْلَمُوا أَنَّ الله شَدِيدُ العِقَابِ).


1) راجع: التفسير الكبير، ج 15 ، ص 474 ومجمع البيان، ج 4 ، ص 821 و 822

الآية 48

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الببشارة، الإنذار، الخوف، الحزن، الرسالة، الإیمان، الإصلاح»

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن الآية السابقة كانت توضح أن المشركين هم الظالمون، ولذا فإنهم ينالون عذاب الله، وفي هذه الآية يوجه الله جل وعلا الخطاب لنبيه ليقوم بمهمة الأنبياء الأساس ألا وهي أن يتم حجته عل المشركين، ويبشر المؤمنين، ممن أصلحوا أنفسهم، فهم سينالون ببركة إيمانهم ثواباً وأجراً عظيماً، لا فيه ذكر من التعذيب والمجازات على أعمال ماضية ولا حزن ولا غم لما فات.

2- تشير هذه الآية إلى الأنبياء فتقول: كما أن الأصنام ليس لها أي دور في تغيير أو تحويل الخلق، فإن الأنبياء أيضاً تنحصر وظيفتهم في إبلاغ الرسالة، والتبشير بالجنة والترهيب من النار، وأما قدرة التغيير وما سواها من إنزال للنعم فليست إلا بأمر من الله تعالى (وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ).

3 - يجب أن تعلموا أن سبيل النجاة الوحيد محصور في أمرين، وهما الإيمان بداعي التقوى واصلاح الذات وليس بداعي الخوف من المجازات الإلهية (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).

4 - يستخدم الأنبياء طريقتي التبشير والترهيب لهداية الناس، فمن آمن واعتقد وأصلح عملاً، لا يخاف ولا يخشى مما الشرور الحالية.. ولا من الشرور المستقبلية التي قد تواجهه.

الآية 49

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکذب، الآیة، العذاب، الفسق»

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - يجب أن يكون المكذبون بآيات الله على علم كامل، بأنهم سيمسهم بجريرة ما ارتكبوا من فسق وخروج عن منهاج العبودية، عذاب أليم، وهذا إنذار لهم ليتداركوا أنفسهم، ويتدبروا لغدهم سبيل النجاة.

2 - إن طريقة تكذيب الآيات الإلهية من قبل الكفار هي إما باتهامها بالسحر أو إطلاق ما أطلقه السابقون عليها.

3 - لقد كان الكفار يكذبون الأنبياء ويتهمونهم بالافتراء والكذب والشعوذة والسحر بل وبالجنون والهذيان كما كانوا يكذبون الأحكام الإسلامية بالقول أنها مخالفة للمصلحة والقانون.

4 - استخدمت الآية عبارة مس للإشارة إلى العذاب الجسمي الذي يصيب أجساد الظالمين، وبأنها لا يغادرهم قط، بل يبقى ملتصقاً بها.

5- الفسق هنا يعني العصيان، والمقصود منه في أغلب الآيات هو الكفر المترافق مع الطغيان والذي يجعل الكفار يجتنبون إطاعة الأنبياء (بما كانُوا يَفْسُقُون).

الآية 50

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «خزائن الله، الغیب، الملک، الاعمی، البصیر، الفکر، العقل، الغیب»

قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَايِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِني مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)

النقاط المستفادة من من هذه الآية:

1 - (الخزائن) هي جمع (خزينة) بمعنى المنبع والمركز لكل الأشياء، وعليه فخزائن الله هي منبع كلّ شيء، لأنها تستمد ذلك من ذات الله، التي تمثل نبع جميع الكمالات والقدرات.

2 - المقصود بالخزائن الإلهية هو تلك المكانة الإلهية القادرة على إعطاء أي شيء، دون أن يكون ذلك في إنقاص ما فيها أو تقليله، بل ولا يؤثر عليها حتى، لأن كل ما سوى الله محدود وقليل ويتأثر بالإنقاص منه، فيفتقر ولا يعود قادراً على إجابة السائلين، لأنه لا يمتلك الكمال النهائي واللا محدود.

3 - تنفي هذه الآية علم الرسل بالغيب من تلقاء أنفسهم، وتقول بأنهم الله سبحانه يهب أنبيائه علماً من عنده، فمثلاً لطالما كان القرآن الكريم يروي للنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) قصص قصص الماضين فمرة عن النبي يوسف (علیه السّلام) ومريم والنبي نوح (علیه السّلام) و.... (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيْهِ إِليكَ)، كما أنه تمت الإشارة في موضع آخر في نهاية سورة الجن إلى أن الله هو صاحب علم الغيب وأنه لا يعطيه إلا لأوليائه الخلص إذا فعلم الغيب خاص بالله وهو بمشيئته يهب طرفاً ضئيلاً منه لمن يشاء من أوليائه، وهذا مما كان الأنبياء على الدوام يبينونه للناس.

4 - توجه هذه الآية الرسول الأكرم إلى ضرورة أن يكلم الكفار بصراحة تامة ووضوح كامل، ليحدّ من أفكارهم وظنونهم الخاطئة، وذلك ببيان أطر وظائف الأنبياء وصلاحياتهم، بحيث يعلم الكفار بأن قدرات النبي أيضاً لا تخرج عن حدود إشاءة الله سبحانه، وليس وفق أهواء وميول أو هوس يقوم النبي بناء عليها بإطلاق معجزة أو إنزال وحي.

5 - (الغيب) لغة هو التغطية والإخفاء، وبمعنى المجهول أيضاً، وعكس الحضور، فيعني الأمور المختصة بالأنبياء والأئمة الأطهار (علیهم السّلام)، والغائبة عمن سواهم، والعلوم الخاصة بعلمائها، فمثلا يُكشف للطبيب من الأمور ما يخفى عن المريض نفسه، لذا فيمكن القول بأن الأنبياء والأئمة الطاهرين عالمون بالغيب بالقياس مع الأمور الغائبة عمن سواهم، كما أنهم ليسوا بعالمين بالغيب بالقياس إلى الأمور الخاصة بالغيب عند الله سبحانه.

6 - قد يتصور من عبارة (لَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) أن الملائكة أرفع مكامة من الأنبياء، ولكن ولا شك فإن هذا الأمر مخالف لما في نص القرآن الكريم حول خلق آدم (علیه السّلام) وأمر الملائكة بالسجود له، إضافة إلى التعليمات التي خص الله بها آدم بل وتشير العبارة هذه إلى أنه وباستثناء الشيعة وبعض الفلاسفة، فإن كافة الكفار وكثير من الفرق الإسلامية يقولون بتجسيم الله سبحانه، وبأنه يسكن أعالي العرش السماواتي، ولأن الإنسان يعيش على الأرض فإنه لا يمكنه التواصل مع ذلك الإله، ولذا فإن الأنبياء يجب أن يكونو ملائكة لتهبط إلى الأرض وتتواصل مع الناس غافلين عن أنه لو كان النبي ملك فيجب أن يتجسم بهيئة إنسان، كما في قوله تعالى (وَلو جَعَلناه مَلَكاً لَجَعَلناه رَجُلًا وَلَلَبَسنا عَلَيهِم ما يَلْبِسُون)(1)، وأخيراً فالله ليس له جسم ولا مكان خاص، وهو الملك فوق كل الموجودات.

7 - لقد حدد الله تعالى طريقة خاصة لانزال الوحي على الأنبياء حيث قال (وَما كان لِبَشَرٍ


1) الأنعام/9

أَن يُكَلِّمَهِ اللَّهِ إِلَّا وَحِياً أَو مِن وَرَاءِ حِجَاب أَو يُرسِلَ رَسُولًا فَيُوحِي بِإِذنِه)(1)، وأما شكل الوحي فإما بواسطة الملك (وَكَذلِك أَوحينا إليك رُوحاً مِن أَمرنا)(2)، أو بالتكلم بواسطة شيء آخر، زكمثال لذلك يروي القرآن الكريم قصة النبي موسى (فَلَمّا أَتاها نُودِي مِن شاطئ الوادِ الأَيْمَن فِي البقعَةِ المُبارَكَةِ مِن الشَّجَرَةِ أَن يا مُوسي (علیه السّلام) (إِنِّي أَنَا اللَّه رَبِّ العالَمين)(3)، إضافة إلى رؤى الأنبياء والأوصياء، حيث قال تعالى (يا بُنَي إِنِّي أَرى فِي المَنامِ أَنِّي أَذْبَحُك)(4)أو بالإلهام القلبي أو بنداء من خلف الحجاب، وكمثال على ذلك ليلة المعراج مع الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم).

8 - عبارة هل يستوي الأصم والأبكم، كناية على أنه حتى لو لم أكن ملاكاً وليس لي علم الغيب من تلقاء نفسي، ولا أملك خظائن الله لكنني نبي من عند الله أوحي إلي إذا فكوني بشرياً لا يمنع من صدق هذه الحقيقة، ولا يجب أن يشكل فارقاً لديكم، بل أنّ الفرق بيني وبينكم هو أشبه بالفارق بين المبصر والأعمى، فكما أن الأعمى والأبصر من خلق الله يشتركان بالإنسانية ، وأن الأعمى ووفق الظروف يضطر إلى اتباع المبصر ، فكذلك يترتب عليكم أنتم الجاهلون اتباع العلماء منكم والأنبياء لهدايتكم.


1) الشورى /51

2) الشورى /52

3) القصص، 30

4) الصافات/ 102

الآية 51

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الإنذار، الخوف، الحشر، الولایة، الشفاعة، التقوی، الخشیة»

وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِيُّ وَلَا شَفِيعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - المقصود من الخوف من الحشر، هو خوف الذين يخشون لقاء ربهم.

2 - الضمير في أنذر به يشير إلى القرآن الكريم، والبعض يقول أنه الله سبحانه وتعالى، لكن الأكيد أنَّ ما في (مَا يُوحى) تعود إلى الآية السابقة، أي قم بتخويفهم بما أوحي إليك، ورغم أن كل هذه التفاسير في نهاية الامر تعود إلى الله سبحانه، ولكن كافة تصرفات وصلاحيات الناس تُسلب منهم يوم القيامة، لِمَن المُلك اليَوم لِلّه الواحِدِ القَهَّار(1)، (وَالأَمرُ يَومَئِذٍ لِلّه).

3 - صحيح أن إنذار النبي للناس شامل لكل أطيافهم، لكن الإنذار لا ينفع ولا يفيد إلا لمن يمتلكون آذاناً تصغي وقلوباً تخشى يوم الدين، وأما من لا يرون أنفسهم بحاجة إلى الله، ويداومون على مخالفته ومعارضة رسله وآياته، فهم لا يهتمون بمثل هذه الإنذارات.

4 - لا شك أن على النبي إيلاء من يهتم بالإنذار أكثر بمزيد من الإهتمام، فالدعوة الإلهية أقرب إلى من يخشى الله، والأمل بإيمانهم أكبر.

5 - إن الإنذار والتبشير كلاهما من أكبر واجبات الأنبياء والأوصياء وعلماء الدين، فهما معاً يتكاملان ويقترنان، فمثلاً من ينوي شراء بيت جميل وهندسة متقنة، في منطقة مناسبة وبسعر جيد، إن جاء إليه شخص مختص وعالم بخفايا البيت المطلوب، فأطلعه بأن في سرداب البيت


1) غافر / 16

كنز عظيم، مليء بالذهب والفضة والجواهر ، لكن بجانب الكنز هنالك أفعى مهلكة ومخيفة، فهو بذلك قام بتبشير الشاري وإنذاره، وهنا إن صدق المشتري ما يقول المختص سعى نحو التخلص من الأفعى بشتى الطرق للحصول على الكنز ، أما إن اعتبر بأن المختص إنسان كاذب فإنه سوف لن يسعى وراء قتل الأفعى ولن يحصل على الكنز.

6 - تشبه هذه الدنيا الدار التي يأتيها المشترون والطالبون لظواهرها الدنيوية، من لذات في الزواج والصداقات وكنز المال والمقامات والعز والجاه إضافة إلى لذات المآكل والمشارب و.. والثياب، لكن دون أن يكون لديهم أي معرفة بباطن هذه الدنيا وجوهرها، فيرسل الله لهم أنبيائه ليبينوا لهم ما لا يعرفونه ويدلهم على الكنز المكمون وكيفية الوصول إليه، وكذلك يحذرهم من شر الثعبان المهيب الذي سيجر عليهم ويلات الجحيم والعذاب الأبدي.

7 - إن عبارة (الَّذِينَ يَخافُون أن يُحشَرُوا إِلى رَبِّهِم) تشير إلى الخشية من يوم القيامة الناشئ مَلَى اللهُ عن إيمان قلبي وتصديق بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومفاد الآية الكريمة (إِنَّا لِلّه وَإِنَّا إِلَيهِ راجِعُون)(1)، الذي تحمل في طياتها معان من الخوف والخشية القلبية المبنية على الإيمان واليقين، وعليه فأولئك الذين يمتنعون عن الصالح من الأعمال، بل ويرتكبون المعاصي، هم في حقيقة الأمر لا يؤمنون بالأنبياء والأئمة بل ويكذبون بالقيامة.

8 - رغم أن البعض يستدلون بعبارة (وَلَا شَفِيعٌ) ليؤكدوا بأن الشفاعة لن تشمل أحداً، لكن آيات واضحة أخرى تشير إلى حقيقة أن صدق الشفاعة، كما أن الروايات والأحاديث المؤكدة والصحيحة كثيرة في هذا الباب،(2)وكاستنتاج لها يمكن القول بأن الشفاعة لن تتحق قط دون ان يكون الإيمان لدى المشفوع ورضا الحق وإذنه ثم قبول الشفاعة، ولذا فإن هذه الآية لم تنفِ أولاً كل وجه للشفاعة، فيما تشير في آيات أخرى إلى واقع الولاية والشفاعة بشكل كلي، مع التركيز


1) البقرة / 156

2) راجع: بحار الأنوار، ج 8، ص 29 إلى 64

على أنهما ليشا بشيء دون الله سبحانه (مَنْ ذَا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه)، مع نفي لشفاعة الأصنام والأوثان ومختلف الآلهات ثانياً.

9 - إن عبارة (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أن من يؤمن بصدق النبي وبالقيامة، ولا يرى غير الله شفيعاً وولياً له، أن لا يخالفه في أمر ، فالنبي يحذر الناس ويخيفهم من الموت والقيامة، كما يبشرهم بالجنة والجزاء الكريم، ويدعوهم إلى الحق لعل من يتقي منهم يخشى . (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون).

الآية 52

اشارة

وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)

شأن نزول الآية:

حول شأن نزول الآية نقل في تفسير علي بن إبراهيم أنه كان في المدينة فقراء من المؤمنين يُدعون بأهل الصفة، أمر الرسول الأكر بأن يُجعل لهم مكان خاص يأوون إليه، وكثيراً ما كان الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) يقوم على تأمين الطعام أو الشراب لهم، ويجالسهم ويأنس بهم، وكان إذا جلس إليهم لم يدنُ أشراف المدينة والمتمولون إليه، إلى أن حدث وجاء رجل من الأنصار إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، بينما بين يديه أحد اهل الصفة، فابتعد الأنصاري ولم يقترب، فدعاه الرسول إلى الاقتراب، فلم يفقل، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) أتخشى أن يصيبك من فقره شيء؟.. فطلب الأنصاري من الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يُبعد الرجل الفقير حتى يقترب هو، فنزلت الآية الشريفة.(1)

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الطرد، الداء، العشي، الغداوة، الحساب، الظلم»

ونقل صاحب مجمع البيان عن الثعلبي، عن رواية مستنقد عن عبد الله بن مسعود، أن أشراف قريش جاؤوا إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وكان بين يديه صهيب وخباب و بلال وعمار وآخرون من الفقراء، فقال الأشراف للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) : يا رسول الله إن أبعدت هؤلاء عنك دنونا إليك، ويقول سلمان وخباب بأن هذه الآية نزلت في حقنا عندما جاء أقرع بن حابس التميمي وعيينه بن حصين الفزاري وآخرون من المؤلفة قلوبهم إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقالو مثل ذلك القول للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)،


1) تفسير القمي، ج 1، ص 202

ويروي ابن حبان وحاكم عن سعد بن أبي وقاص:

أن الآية نزلت في حق ستة أفراد وأنا واحد منهم وكذا عبد الله بن مسعود وأربعة آخرون..(1)

وأورد بعض المفسرين من أهل السنة من أمثال مؤلف "المنار" حديثاً مشابهاً في شأن نزول الآية، مضيفاً أن عمر بن الخطاب كان هنالك أيضاً، واقترح على النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) قبول طلبهم المعرفة ما يفعلون، حيث رفضت الآية أعلاه اقتراحه،(2)وشبيه لهذا المطلب ما جاء في سورة الكهف الآية 28، وقد جاء في تفسير القرطبي أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وبعد نزول هذه الآية لم يكن يقوم من مجلس الفقراء حتى يقوم أحدهم أولاً .(3)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1- ترد هذه الآية على حجة أخرى من حجج الأغنياء المتكبرين والمغرورين الواهية، وطلباتهم الرخيصة في منع الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) من التوجه نحو المؤمنين الفقراء، وهي ليست بالمرة الأولى التي يطلبون فيها ذلك، فمنذ النبي نوح وهم على الدوام يطالبون الأنبياء بمثل هذه التمييزات، وكأنهم يريدون الدعوة أن تكون حكراً على الصفوة الإقتصادية، ويتذمرون من تسوية الإسلام لهم بالفقراء والمساكين الذين آمنوا فاحتضنوا الإسلام بقلوبهم بصدق.

2 - يبدو من خلال المقارنة بين هذه الآية والآية 31 من سورة هود أن المقصود من الأشخاص المعنيين في هاتين الآيتين هم المؤمنون، رغم أن الآيتين لم تذكرا ذلك صراحةً، إلا أن الوصف المذكور هو للإشارة إلى علاقتهم بالله سبحانه ومحبتهم له في أمر ليس لأحد سواه عز وجل أن يقضي فيه.

3 - رغم أن كلمة (وجه) تعني لغة صفحة وجه الإنسان أو أي شيء آخر، الجزء الظاهر


1) مجمع البيان، ج 4 ، ص 472 والدر المنثور، ج 3، ص 13

2) المنار، ج 7، ص 433

3) تفسير القرطبي، ج 6، ص 432

والمشرف منه، لكن هنا في الآية جاء بمعنى أولئك المؤمنين ممن يقضون نهارهم وليلهم بذكر الله سبحانه، والأعمال الحسنة التي يقومون بها، بنية التقرب إلى الله سبحانه، وقد يكون المقصود التوجه إلى الله صباحاً ومساء بالصلاة اليومية.

4 - تظهر الآية الكريمة واقع الاعتقادات القديمة المترسبة في نفوس بعض هؤلاء الأغنياء ممن اعتنقوا الإسلام واعتقاداتهم بالطبقات الإجتماعية بناء على الثروة والمال وكمية الممتلكات، وعليه فإن كل دعوة تأتي لتدحض هذه الإعتقادات وتزيل تلك التصنيفات، مرفوضة لديهم، لذا فقد كانوا على الدوام يطالبون النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) بابصرار بمنح مزيد من الإمتيازات لهم بالقياس مع فقراء المؤمنين، وأن ينفي هؤلاء ويبعدهم عنه، دون أن يدركوا بأن أصل الإسلام جاء ليقضي على مثل هذه الإعتقادات إلى الأبد.

5 - ينفي القرآن بشكل صريح وبالأدلة الحية طلبات المشركين:

أولاً: يقول تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).

ثانياً: يقول تعالى: (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ).

ثالثا: يقول تعالى : (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ).

6 - إن أحد أهم المزايا الهامة في الإسلام والتي أشارت الآية المبحوثة إليه وكذا الآيات الأخرى، هو أن منع علماء الدين من طرد الفقراء ممن أظهروا الإيمان ولم يأتو بعمل يوجب إخراجهم من الدين الإسلامي، يشمل النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، فحساب العباد والغفران أو التوبة كلها صلاحيات تختص بالله وحده، وليس لأحد سواه أن يتدخل فيها، في حين أننا نرى في دين المسيحية بأن سادة الدين لهم مثل هذه الصلاحيات، وهو أمر يدعو للسخرية، فكيف لإنسان مخلوق أن يغفر الذنوب، بل وأن يحكم على عبد آخر مثله بالطرد والتكفير.

الآية 53

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الفتنة، العلم، الشکر، المنة»

وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَن الله عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - كلمة (فتنة) في هذه الآية هي بمعنى الامتحان والاختبار، فالله يخبر نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) بأنه هذه الإختلافات الطبقية في المجتمع هي امتحان إلهي في حد ذاته، فيمتحن الناس به وتختبر نفوسهم وكيف يشكرون أو ينكرون النعم.

2 - تحذر هذه الآية الأغنياء من غير المؤمنين بأنهم يمتحنون بما يملكون، وأنهم إن لم يخرجوا من هذا الإمتحان منتصرين فلسوف يلاقون العذاب الأليم (وَكَذَلِكَ فَتَنا بَعْضَهُمْ ببعض).

3 - لا شك في أن السؤال الذي طرحه الأغنياء (أَهؤُلَاءِ مَنْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) فيه لحن من الاستهزاء والسخرية، وواضح أن القائل هنا يريد السخرية من أفراد يراهم أدنى منه وأحقر، وهؤلاء المتكلمين في هذه الآية ليسوا سوى أولئط المتنفذين والمتمولين الأغنياء ممن يرون أنفسهم أعلى وأنبل من الفقراء القابعين تحت أيديهم، ويأتي الرد الإلهي عليهم (أَلَيْسَ الله...) وعلى استهزائهم ممن آمن وشكر النعم، وأطاع فاعتنق الدعوة بقلبه، فجاء شكر الله له، وأي شكر أعظم من رد الله على أولئك المستهزئين (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ).

4 - حرف اللام في جملة (لِيَقُولُوا أَهؤُلاء) هي لام العاقبة أي حتى يقول الأشراف وسادة القوم : هل هؤلاء هم من أنعم الله عليهم ممن هم من الفقراء والعبيد ؟؟ أهؤلاء من سبق بالإيمان وقبول الدعوة من بيننا ؟ وهذه الجملة هي من باب الكناية أن أنظر كيف تكون عاقبة

هؤلاء الأشراف بالظاهر والمنحطين في الواقع..

كما امتحن الشيطان الرجيم بمرض التكبر والغرور، فاشتروا لأنفسهم وكيف أن الله يمتحنهم غضب الله وسقطوا في امتحان شكر النعم.

5 - أحد الحكم والمصالح الإلهية، أن الله سبحانه وبهدف امتحان الأمة الإسلامية كما امتحن الأمم السابقة، قد جعل عباده في طبقات متفاوتة من الغنى والثروة، فالبعض في الرفاهية ورغد العيش والبعض في الفقر والحاجة، والبعض بظاهر الشرف والنبل والآخر بظاهر وضيع ومنحط ، والبعض بالمرض والبعض بالصحة والبعض بالعزة والبعض بالذلة.. كل يمتحنه بالآخر، فالغني ينتحنه بالفقير، والشريف بالوضيع والصحيح السالم بالمريض، والجميل بالقبيح، والعزيز بالذليل... والواضح أن هذا الامتحان ليس لسبر أمر مجهول، فالله هو مبدأ الخلق والخالق لكل شيء وليس من شيء خارج عن علمه، لذا فهو غير محتاج لكل هذه الأساليب ليفهم سبحانه نتيجة امتحان عبده، بل هو ليكون حجة على أصحاب الإمتحان يوم الدين.

6 - إن كان الذين يستحقون الهداية والمقدرين لنعمة الإسلام، أذلاء وفقراء وضعفاء في عيون الناس، لكنهم عند الله أقوياء وأغنياء، بما يمتلكون من سعادة أخروية وفلاح وبما يستحقون من ألطاف ومحبة إلهية، وبما لهم من قوة إيمان وعزة عقيدة (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ)(1)، وكما جاء في رواية أن أحد فقراء الشيعة جاء إلى الإمام موسى بن جعفر (علیه السّلام) وشكى إليه حاله، فسأله الإمام من هو أغنى الناس في نظرك؟، فقال الرجل هو هارون الرشيد، فقال له الإمام (علیه السّلام) أو تقبل بأن تأخذ ملك هارون وسلطانه لقاء إيمانك ؟ فقال الرجل لا أقبل، فقال (علیه السّلام) فأنت أغنى من هارون لأنك تملك ما لا تبيعه بدولة هارون.(2)


1) الحجرات/13

2) أطيب البيان، ج 5، ص 83

الآية 54

اشارة

وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِنَايَتِنَا فَقُلْ سَلَامُ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ، مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمُ (54)

شأن النزول:

جاء جمع إلى النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فقالوا: يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أذنبنا كثيراً، فكيف لنا أن نستغفر لذنوبنا ؟ فنزلت الآية الكريمة أنه إذا جاء المؤمنون ممن ارتكبوا ذنوباً، لكنهم مؤمنون بالوحدانية والرسالة والقرآن إليك، فسلم عليهم وبشرهم بسلامة في الدنيا ورحمة في الآخرة.(1)

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الإیمان، الآیة، السلام، الکتاب، الرحمة، الجهل، التوبة، الإصلاح، الغفران»

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - ال-(سلام) هو دعاء للنجاة والخلاص من أي سوء لمن يُلقى عليه.

2 - ذكر تعالى هذه العبارة (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) في هذه السورة مرتين: إحداها للتخفيف عن المؤمنين في هذه الدنيا (في هذه الآية)، والأخرى في الآية رقم 12 من أجل الإشارة إلى المعاد، (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَكُمْ) ومعناها أن الله سبحانه قد أوجب الرحمة على نفسه، ومن المحال أن لا تحمل أعمال الله سبحانه معنى الرحمة.

3 - كلمة (اصلاح) هي بمعنى الاتصاف بالصلاح، وعليه فهذا الاصلاح هو فعل لازم، ولو كان في الظاهر متعدياً.


1) مجمع البیان، ج 4، ص 476

4 - بالنظر إلى الآية السابقة فإن الله سبحانه نهى رسوله عن طرد وإبعاد المؤمنين، وفي هذه الآية واستكمالا للآية المذكورة يضع تعالى قانوناً كلياً لنبيه الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) لكي لا يطرد أحد عن بابه حتى لو كان مذنباً، بل وأن يستقبلهم بأحسن وجه، (وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ).

5 - تبين هذه الآية أربعة أمور وهي:

الأمر الأول: حول التوبة، وهي التوبة من الذنب، وليس التوبة من الكفر والشرك لأنه تعالى قال (مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ...).

الأمر الثاني: كلمة (جهالة) ليست بمعنى العناد والعداء والتعمد، لأن المؤمن الذي ينادي إلهه صباحاً ومساء ويسعى إلى رضاه.. يستحيل أن يرتكب ذنباً عمداً، بل إن ارتكب ذنباً فذلك لغضب أصابه أو شهوة ، اعترته وطبعاً فهو مسؤول عن ذنوبه هذه.

الأمر الثالث: في هذه الآية تأكيد على أن التوبة تُقبل إذا كانت حقيقية، وكان لدى صاحبها الإرادة لإصلاح نفسه، ولعدم العودة إلى الذنب من جديد، فالتوبة اللسانية لا يمكن أن تُدخل صاحبها الجنة أبداً.

الأمر الثالث: كلمة كَتَبَ في الآية (كَتَبَ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) تعني اللزوم والوجوب، كما في الآية 179 من سورة البقرة (كُتِب عَلَيكُم الصيام)، ولكن قد يكون المقصود الصفات الإلهية الفعلية التي لا يقيدها زمن في الواقع، فمثلا فيما يخص رحمة ذات الباري المقدسة والمنزّهة عن كل عيب ونقص، وهي بالفعل والعمل خير محض، لا يأتي منه سوى الإحسان، ورغم أن الله سبحانه قد أوجب على نفسه الرحمة، إلا أن آثار الرحم النابعة عنه حينما تظهر فإنها تتجلى للعبد الذي تاب واستغفر بالفعل، فكان في قلبه ما لا يمتلكه الكافر في قلبه، بحيث يزول منه كل إثم قام به عن جهل، فتشمله مغفرة الله سبحانه، وقد أشار القرآن إلى مثل هذه المطالب في الآية 16 و 17 من سورة النساء أيضاً.

6 - لا شك أن الإيمان بالله والنبي والمعاد وسائر الاعتقادات الحقة هو من لوازم وضرورات الإيمان بالآيات الإلهية، وأما المقصود من الآيات فهو إما التعاليم الإلهية والاوار والنواهي الربانية، وقد يكون الإيمان بأفعال الله من فتح أو قتل أو غلبة أو فقر أو غنى، أو ضعف قوة وغيرها، وقد يكون الإيمان بالحجج والبراهين والمعجزات ، ويمكن أن الإيمان بأحكام وقوانين الإسلام، وقد تكون بالإيمان بالأنبياء وأوصياء الأنبياء، وليس ببعيد أن يعود الجمع المضاف لشمل كل ما سبق في المعنى (وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنا) .

7 - في جملة (فَقُل سَلَام عَلَيْكُم) أربع احتمالات:

الاحتمال الأول: اسم الله الذي يعني أنه جل وعلا الحافظ والحامي والناصر (السّلام المُؤمِن المُهَيمِن).(1)

الاحتمال الثاني: أن هذا السلام يبيّن دعاءً إلهياً، أي أن الله يحفظكم ويسلمكم من الآفات والبليات الدنيوية والأخروية.

الاحتمال الثالث: أن هذا السلام إخبار بأنكم ستسلمون في الدنيا من الشرور وفي الآخرة من العذاب.

الاحتمال الرابع: أنه وعد إلهي لتطمئن قلوبهم بأنهم لن يطردوا وأن الله راض عنهم.

8 - قد يكون السلام موجهاً من جانب الله عبر النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، أو أنه من النبي مباشرة، وهو على كل حال يعني قبولهم واستقبالهم وعقد المحبة معهم.


1) الحشر / 23

الآية 55

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «التفصیل، الآیة، البیان، المجرم، السبیل، المذنب»

وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - الهدف من تفصيل الآيات هو بهدف رفع الإبهام عنها وشرح المعارف الإلهية.

2 - هدف الله تعالى في هذه الآية من بيان وشرح المعارف الإلهية هو أولاً لإزالة أي إلتباسات أو شبهات يمكن أن تطرح في مجال المعارف الدينية، وثانياً لإظهار وكشف طريق المجرمين وتوجيه العار لهم، ليميز المؤمنون طريقهم عن طريق المجرمين الذين يجهرون بعدائهم للآيات الإلهية ويكفرون بنعم الله ، وبذلك يكون باب التوبة قد فتح لمريديه من النادمين العائدين عن منهج العناد والعصيان.

3 - المقصود من (مجرم) هو المذنبون المعاندون والعاصون ممن لا يستسلمون أمام أي نوع من طرق وأساليب الحق.

4 - قد يكون المطلوب من عبارة (سَبِيل المُجرِمِين) هو سلوك المجرمين في طريق العصيان والعناد والظلم وأذية الأنبياء والمؤمنين، والكفر والطغيان، وما يزدادون فيه من فسق وفجور، وقد يكون المطلوب سلوك الله سبحانه تجاههم، من حيث إنزال البلاء عليهم أو زيادة النعمة حد الغرق، بما هو في الواقع علامة إنذار وتحذير، وليس ببعيد أن يكون هذا التحذير شاملاً للمؤمنين أيضاً.

الآية 56

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النهي، العبادة، الدعاء، إتباع الهوی، الضلال، الهدایة»

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَ كُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تتوجه هذه الآية بالخطاب في هذه الآية والآيتين التاليتين إلى المشركين وعبدة الأوثان المعاندين، ممن قاموا باستخدام أساليب التهديد والتطميع والإصرار ضد الأنبياء لجذبهم نحو دينهم ومذهبهم، فإن لم يرضخ الأنبياء لهم، أجبروهم على أن لا يتدخلوا بآلهتهم.

2 - أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن يجهر بصراحة عن موقفه فيتبرأ من المشركين، ويعلن أن طريقه منفصل عنهم، ليكون واضحاً أمام المسلمين، فلا يقعوا في اللغط والخلط، إضافة إلى منع المخالفين من العمل على نصب الفخاخ أو التدليس، فينقطع أملهم في إمكانية مهادنة الأعداء (قُل إِنِّي نُهِيتُ أن أعبُدَ الَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ).

3 - إن أساس الأمر الإلهي لرسول الإسلام (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذه الآية، هو بسبب ما يظهره عبدة الأوثان من ميول نفسانية نحو عبادة سوى الله، فجاءت الآية لتفصل الحق عن الباطل وتظهره جلياً واضحاً.. داعية الرسول أن يقول للكافرين (قُل لا أتَّبِعُ أهواءَكُم)، وإذا ما فعلت ذك فإني إذا من الضالين.

4 - إن الرد الإلهي قد قطع آمال الكافرين وزرع اليأس في نفوسهم من إمكانية فرض عقائدهم على الإسلام، أو أن يصنعوا منه مذهباً بلونهم الذي يحبون.

5 - هل يمكن لمن كان النور المقدس الأول الذي خلقه الله سبحانه، وصاحب الكمالات العظام التي تفيض بالبركات على كافة الأنبياء والملائكة أن يضل في ظلمات الجهل والشرك والضلال؟

الآية 57

اشارة

قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ (57)

شأن النزول:

جاء في الروايات أن نضر بن حارث وسادة قريش قالوا أيها النبي، إلى متى ستبقى تهددنا بالعذاب الإلهي وتخوفنا، فما استطعت أن تعذبنا به فافعل، ولا تخوفنا، فنزلت الآية الشريفة.(1)

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «البینة، الکذب، التعجیل، الحکم، القصة، الحق، الفصل»

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تشير هذه الآية إلى الحجج التي يعرضها المشركون، حيث كانوا يقولون للنبي: إن كنت على الحق فأنزل عليها ما تخيفنا به لنؤمن لك، وكان الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) يجيبهم فيقول (ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ).

2 - بناء على هذه الآية، فإن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مأمور بالتأكيد على أن أمر محاربة الأصنام والثبات على الوحدانية أمر واضح ومبيّن وإنكاره لا ينقص منه شيئاً.

3 - كلمة (بيّنة) هي من (بينونة) أي الفصل، وتقال لإيضاح الحد الفاصل والقاطع بين الحق والباطل، فالبراهين التي كان الأنبياء يأتون بها ليست بالمبهمة أو الصعبة الفهم، ولولا ما في قلوب المشركين من عناد وعصيان لكان لهم أن يدركوها، فالأنبياء أصحاب بيّنة معرّفة وجليّة..


1) منهج الصادقين في إلزام المخالفين، ج3، ص 400

4 - المقصود من ضمير الهاء في (كَذَّبْتُمْ بِهِ) هو القرآن والمراد من التكذيب هو تكذيب البينة، فالرسول يقول إن البينة الحقة التي تطلون هي ما أرسله الله معي أي القرآن الكريم، لكنكم تكذبونه وتريدون بينة سواه، وهذا ليس أمراً في اختياراتي ولا هو مما منحني الله فيه الصلاحية.

5 - يقول الرسول للكافرين: عليكم أن تعلموا أن ما بيني وبينكم ليس ما أتفق عليه وأنتم، وأن ما أوكل إليّ هو مما لا تقبلونه بينما أنا أيضاً لا أقبل بما تلبون مني.

6 - جملة (ما عِندِي ما تَستَعجِلُون بِه) تشير إلى أن المشركين كانوا يطلبون من النبي الكثير من الأمور الغير مقبولة والخارجة عن قدرته وصلاحياته، مثلاً كانوا يسألونه عن زمن الساعة؟ (يَستَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيَّان مُرساها)(1)، أو من كان يطلب إلى النبي أن ينزل عذاباً أليماً أَو (ائتنا بِعَذاب أليم)(2)أو طلبات أخرى وقحة (وَقَالُوا لَن نُؤْمِن لَك حَتَّى تَفجُرَ لَنَا مِن الأَرضِ يَنبُوعاً أَو تتَكُون لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وَعِنَبِ فَتُفَجِّرَ الأَنهارَ خِلالَها تَفجِيراً أَو تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمتَ عَلَينا كِسَفاً أَو تَأْتِي بِاللَّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَو يَكُون لَك بَيت مِن زُخرُف أو ترقي فِي السّماءِ وَلَن نُؤمِن لِرُقِيكَ حَتَّى تُنَزِّلُ عَلَيْنَا كِتاباً نَقرَؤُه)(3)وأمثال ذلك الكثير.

7 - لا شك أن الحكم أو القانون الجاري في عالم التكوين وفي عالم التشريع والأحكام الدينية هو بيد الله وحده، ولا شريك له في ذلك قط، وليس لسواه الحق في فعل سوى ذلك، أو الاستقلال في أمر ما من أمور هذا العالم، كأن يُصدر حكماً أو يغير في صورته وتوجيهه، لأن لا احد يملك القدرة أو العلم لذلك، فالله هو الوحيد الذي يفصل الحق عن الباطل وهو الأعلى في تمييز الحق وإحقاقه لإصدار الأحكام طبقاً له.. وعليه فهو أحسن الحكام على الإطلاق (إن الْحُکْمُ إِلَّا لِلَّهِ).


1) الأعراف/ 187

2) الأنفال/ 32

3) الإسراء / 90 إلى 93

الآية 58

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «التعجیل، القضاء، الظلم، العلم، الأجل»

قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تبين هذه الآية حكمة عدم التعجيل بالعذاب الإلهي، حيث يقول تعالى لنبيه: قل لهم لو أني أحقق ما تتمنون أو ما تطلبون، إذاً لانتهى عملي معكم، فينجو أحدنا ويهلك الآخر.

2 - الله أعلم متى وفي أي مكان ينزل العذاب، فأنتم يجب أن تبقوا أحياء لتسمعو كلام المرسل وتعلموا بدعوة الحق، فيهتدي من كان أهلاً للهداية، وأما إن لم تهتدو فإنكم ستزدادون شقاء تدريجياً (فلما نسوا ما ذكروا به) وأخيراً تنالون ما تستحقون من عذاب.

3 - لا شك في أنكم باستهزائكم وإنكاركم للدعوة وعصيانكم، قد استحققتم عذاب الظالمين، لأنكم استكملتم صفات الظالمين في أنفسكم، وتعالى الله ألا يميز الظالم من غيره، أو أن يشتبه عليه الأمر فيعذب المرسلين والراسخين أو المؤمنين.

4 - قد يسأل سائل لِمَ لمْ يُعطِ الله سبحانه صلاحية إنزال العذاب على رسوله، فيكون له أن يصب العذاب على الكافرين متى رأى ذلك صلاحاً؟ أو يكون له أن يؤجله ؟

وفي الجواب نقول: لو كانت صلاحية التعذيب بيد نبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنه كان من الأحرى به أن يقوم بتنزل العذاب عليهم فور طلبهم له، وإلا لتجرؤوا أكثر ولتجاوزا حدودهم كما كانوا يفعلون على الدوام، فهم عندما يعلمون بأن بيد النبي أن ينزل العذاب ولكنه لا يفعل، يزدادون عناداً وإيذاءاً له، ويقيناً بأن كل إدعائاتهم بأنه كاذب وساحر و.. صحيحة، لكن عندما يخبرهم النبي بأنه ليس بيده الأمر وأن ذلك لله حصراً، يفعل ما يشاء متى شاء، وعليه فهذا الزمن يمنح الذين يمكن أن تخشع

قلوبهم وتلين لنور الحق مزيداً من الوقت والفرصة ليؤمنوا ويعودوا إلى جادة الصواب.

5 - يجب أن نعلم بأن أحد مصالح الإمهال هو إمكان وجود أحد من المؤمنين في ذرية أولئك المشركين في مستقبل الزمان، أي بعد مرور من الزمان.. فأكثر مسلمي العالم اليوم هم من ذرية المشركين واليهود والنصارى والمجوس (وَالله أَعلَم بِالظَّالِمِينَ).

6 - يقول تعالى في ختام الآية (وَالله أَعلَم بِالظَّالِمِين) من أجل ألا يظن المشركون بأن تعذيبهم أمر منسي، فالعذاب آتٍ إليهم في وقته المناسب لا محالة.

الآية 59

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «المفتاح، الغیب، البر، البحر، الورقة، السقوط، الحبة، الظلمة، الأرض، الرطب، الیابس، الکتاب، القرآن، البیان، البینة»

• وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينِ (59)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (مفاتح) أو جمع (مفتح) بمعنى الكنز والخزانة، أو هو جمع (مفتاح)، إلا أن المعنى الأول أقرب.(1)

2 - الإشارة إلى الرطب واليابس، للدلالة على كافة المتضادات، كالموت والحياة والصحة والمرض، والفقر والغنى، والحسن والسيء، والمجرد والمادي، وقد ورد ذلك في الآية (وَ كُلّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)(2).

3 - قد يكون المقصود من الإشارة غلى تساقط الأوراق، هو الحركات النزولية، وأما المقصود من الإشارة إلى الحبة فهو الإشارة إلى حركة النمو الصعودية.(3)

4 - (بَر) هي بمعنى المكان الواسع، وعادة هو بمعنى اليابسة، وأما (البحر) فهو أيضاً يعني في اللغة المكان الواسع الذي يحتوي ماءً كثيراً، وعادة ما يطلق على البحار أو الأنهار الكبيرة.

5 - بالنظر إلى عبارة (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) في الآية السابقة، نرى أن تعالى يقول في هذه


1) الميران، ج 7، ص 124

2) يس/ 12

3) في ظلال القرآن، ج 2، ص 1113

الآية: أن خزائن ومفاتيح الغيب هي عند الله سبحانه، ولا أحد سواه قادر على الإلمام بها، فهو يعرف بأمر أصغر جزء وصولاً إلى أعظم ما فيها، وهو القادر على فعل ما يشاء بها، يتحكم ويتصرف بمصيرها وفق حكمة لا تعرف الخطأ ولا الاشتباه، وعليه فهو يستحيل أن يعذب الظالمين في وقت خاطئ.

6 - لا شك أن الله الذي خلق كل المخلوقات محيط أيضاً بأحوالها، فمن أعلم بالمخلوق من الخالق؟ وعليه فعلم الغيب منحصر بالله، وهو علم يحتوي في كنهه كل العلوم، فهو يعلم ما سيحصل قبل وقوعه، لأنه مثبت في خزائنه بشكل مبهم وغير مفهوم بالنسبة لنا، فنحن أعجز من أن نحيط به، كما أنه قد يكون في ذلك العالم مخلوقات أخرى تختلف في وجودها عن الموجودات الزمانية.

7 - تشتمل خزائن غيب الله على نوعين من الغيب:

1 - غيب نسبي: يشتمل على غيب محدود وقابل للإحصاء، فهي خرجت من حجم الزمان أو أن حجب الزمان انقشعت عنها، فأصبحت جزءاً من الوجود المشهود، مثل بعثة الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، أو الحوادث والوقائع التي كان مقرراً أن تحدث في زمان حياة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو مما حدث بعد ذلك، أو تلك العلوم التي تستقي منبعها من الله سبحانه، مثل علم الفلك وتوقع حدوث الزلازل ووقوع السيول ..... وهذه العلوم ورغم ضخامتها وصعوبة إلمام الإنسان بها كافلة، إلا أن ذلك ليس من المستحيل بالنسبة له، وذلك بسبب التطور العلمي الذي بلغته البشرية.

2 - الغيب المطلق: وهوكم كبير من الغيب الذي لا يصل الإنسان إلى الإحاطة به، مثل زمان ظهور صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف) أو زمان يوم القيامة، أو الكثير من الوقائع الأخرى كموت الأفراد وشكل ميتته، وهي من العلوم التي لا يلم بها إلا الله، فهي محجوبة عن كل من سواه، وهو ما يدعى بالغيب المطلق.

8 - علم الغيب هو مجموعة العلوم المنحصرة والمختصة بالله (لا يَعلَمُها إِلّا هُوَ )، تحدث بإذنه وإرادته، ويعطي صلاحية العلم بها لمن يشاء من الانبياء والأئمة والمعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، أو من يشاء من عباده المقربين، وبالتالي فيدعى غيباً لأنه مستور عمن سواهم ومحجوب.

9 - عبارة (وَيَعلَم ما فِي البَرِّ وَالبَحرِ) تبين أنه ليس هنالك من علم كلي أو جزئي أو سماواتي أو أرضي أو بحري أو .. إلا ومقاليده بيد الله جل وعلا، فعلم الله هو ذات الله، وذات الله غير متناهية، لذا فإن علم الله غير متناه أيضاً، وغير محدود، وحتى علم الذات بالذات ذو الاختصاص بالذات، وغيره مهما كان ومن كان محدود، وليس من الممكن للمحدود ان يُلمّ بغير المحدود.

10- لا شك أن جملة (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأَرض)، هو فقط من باب ضرب المثال والمقصود منه أنه تعالى يحيط علماً بأدق الأمور والأحداث فهو عالم بقطرات المطر ووبر الانعام وعدد انفاس كافة المخلوقات ولحظات طرفات الأعين وعدد الحصى في الصحاري والوديان والبذور المدفونة في قعرها، ولب الصخور، وعالم أيضاً بكل ظروفها.. بكيفية تربيتها ونموها وشكلها وقدرتها وكيفية تغذيتها ومدها بالعون وكمالها و...

11 - تم تفسير الكتاب المبين باللوح المحفوظ أو القرآن المجيد أو الإمام المبين، مثل (وَكُل شَيءٍ أَحصَيْناه فِي إِمَامٍ مُبِين)(1)، وكخلاصة فإن ال (الكتاب المبين) إما هو هذا العالم بكل ما فيه من مخلوقات موجودة فيه من جهة عالم الوجود، أو هو كتاب كُتبت فيه كافة الملوقات بصورة خاصة، رغم أن كل المخلوقات والتقديرات والتعيينات هي قابلة للتغيير ومعرضة له على الدوام، بينما القرآن يوضح بأن اللوح المحفوظ وام الكتاب وما فيهما ثابت وغير قابل للتغيير، وعلى أي حال فالله سبحانه هو عالم بكل الموجودات والتقديرات والتعيينات قبل وقوعها،


1) يس/12

وكذا خبير بها بعد وقوعها، وهو محيط بما كان وما سيكون، وهي محفوظة في مقام العلم الإلهي، ولا شيء يخفى عنه، أما الكتاب المبين فهو يختلف عن خزائن الغيب.

12 - الرطب واليابس معنيان متقابلان ومتعاكسان، وهما بالتالي كناية عن أي شيئين متضادين كالحياة والموت، والمرض والصحة ، والحسن والسيء، والغنى والحاجة، والعزة والذلة، والجوهر والعرض، النور والظلمات، والإيمان والكفر ، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والمجرد والمادي، والوجود والعدم، والطاعة والمعصية، والكثير غير ذلك مما هو مثبت في الكتاب المبين (وَلا رَطب وَ لا يَابِس إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين).

الآية 60

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الموت، اللیل، الجراحة، النهار، البعث، القظاء، الأجل، الرجعة، الإنباء، العلم»

وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّنكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (60)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (توفى) هي بمعنى أخذ الشيء كاملاً واستيفاؤه، وقد ورد هذا اللفظ أيضاً في الآية 40 من سورة الزمر، بمعنى استيفاء الروح وأخذها أثناء النوم (الله يَتَوفِّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا).

2 - الموت والنوم كلاهما مشترك في حقيقة انقطاع العلاقة بين النفس والجسد، كما أن (البعث) هو بمعنى الإحياء والاستيقاظ، أو أن كليهما مشتركان في العلاقة بين النفس والجسد، والسبب أن الليل خُصّ بالنوم والنهار خصّ بالاستيقاظ، هو أن غالبية الناس يستيقظون نهاراً ويرقدون ليلاً إلى النوم، وإلا لما بقي لليل خصوصية تميزه عن النهار.

أطلق تعالى في هذه الآية على النوم لفظ الوفاة، وفي آيات أخرى أطلق عليه لفظ الموت، وعليه، فإنه يُفهم مما جاء في الآية أعلاه، أنه بإمكاننا من خلال النوم إدراك حقائق من عالم الموت والبرزخ والعذاب أو النعم ما بعد القبر، وذك لأن الإنسان عندما ينام يبدو لمن حوله هادئاً ساكناً في مكانه بينما هو في الواقع يتنقل في عوالم اخرى، فإما هو يتعذب أو يتنعم، أو يرى أحلاماً سعيدة تشعره بالراحة ولكن هذا بالطبع ليس بمعنى أن النوم هو وجود مصغر من

الموت، لكن جاء في الحديث الشريف: (النوم أخو الموت).(1)

4 - التعبير بأنه يتوفاكم وليس يتوفى أنفسكم أو أرواحكم، هو لجهة أن حقيقة وجود الإنسان هي روحه ونفسه، وبالتالي فهي ليست جزءاً منه ليمكن القول بأنها تؤخذ منه.

5 - (جرحَ) في اللغة هي بمعنى العمل بأعضاء الجسد والمراد هو الكد والسعي للكسب، أو هو بمعنى التجارة التي معها ضرر ، وجرح الشهود هو من هذا المصدر، أي أن الهدف هو إسقاط شهادة الشهود ودحضها.

6 - يعود الضمير في (فيه) إلى النهار والبعث في النهار، أو ما هو اليقظة والاستيقاظ، ولذا أيضاً يكون الإنسان في يوم القيامة كحالته لدى استيقاظه، متعباً ولا قدرة له على الحراك، كما الآلة التي تم تشغيلها بعد رقاد، فهو حال الجسد يوم القيامة حين تعود إليه الروح فيقوم بعد أن تحول إلى تراب واندثر.

7 - جملة (لِيُقضي أَجَلٍ مُسَمَّى) تبين أن النوم واليقظة المتتاليين يأتيان وراء بعضهما، إلى أن ينقضي عمر الإنسان، وينكشف الأجل له ، واللام في ليقضي هي لام الغاية، لتشير إلى مدة ستنقضي، وما أجمل ما قاله الشيخ البهائي في الأربعين بالنقل عن كمال الدين صدوق، حيث شبّه الإنسان في تعلقه بالدنيا بشخص مربوط ومعلق وسط بئر، وفي أعلى البئر فأران أحدهما أبيض والآخر أسود يقرضان الحبل، وفي قعر البئر ثعبان يتلوى ويفتح فاه طلباً للطعام، وفي جدران البئر خلية نحل يحوم النحل حولها، بينما الشخص المعلق مشغول بالعسل في الخلية، غافلا عن الفئرين الذين يقرضان الحبل وهما كناية عن الليل والنهار الذي ينقص من عمره، بينما الحبل يمثل عمره، والثعبان هو القبر الذي سيقع الإنسان فيه، أما النحل والعسل فهو كناية عن المال والبنون وزينة الحياة الدنيا ولذاتها ونعمها المنغمسة في الآلام والبليات.

5 - (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ) أي بأنكم ستعودون إلى الله سبحانه بعد الموت، فيطلعكم الله


1) تفسير الصافي، ج 3، ص 237

سبحانه يوم القيامة بما عملتم (ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ومن ثم يكون العذاب والجزاء على ما فعل الإنسان، وفي ذلك خطاب للكفار بأنكم ستتركون وحدكم في الأرض ليلاً فتعيثون في مستنقع أعمالكم، إلى أن ياتي النهار وتتكشف الأمور ويطلع الله على أعمالكم.

الآية 61

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «القهر، العباد، الحفظ، الموت، الرسل، الإفراط»

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن أحد صفات الله سبحانه هو (القهار) و (الغالب) وهذا يشير إلى أن كافة المخلوقات هي تحت سلطته وأمره، وليس لأي منها أن تستعرض قوتها أو قوتها في مواجهة جبروته جل وعلا، أو أن تخطو بخطوة دون إذنه ومشيئته.

2 - القهر هو في اللغة بمعنى الغلبة والتسلط على الطرف المقابل له، بشكل يجعل هذا الطرف المقابل يزول ويندثر من الوجود كما تفعل النار بقطعة الخشب مثلاً، محولة إياها إلى رماد وغبار، لأن كل الأسباب والعلل في الوجود والموجودات من أمثال رطوبة الماء وحرارة النار والحديد وبرود الثلج وقساوة الحجارة ولطافة الحرير و... كلها من خلق الله سبحانه وهذ موجودة لتحدث الحوادث، إذا فهي كلها تحت أمره، وهو محيط بها وملم بما فيها.

3 - لا شك أن الإنسان جزء من هذا العالم من حيث جانبه المادي الجسدي، وهو من ألطف المخلوقات الموجودة، ولأنه يلزم له الاحتكاك بما في هذا العالم ليحيا، وهذه الحياة يحكمها تزاحم ما فيها من مخلوقات وأشياء و موجودات بحيث يسعى كل من فيها إلى أخذ سهم أكبر لنفسه فيها، رغم أن لا أحد له أن يأخذ سهم الآخر فيها لهواه وحسب رغبته، لذا فقد جعل تعالى للإنسان ملائكة تحرسه من بدء خلقه وحتى حين مماته من البليات والمصائب

والكوارث والآفات (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ).

4 - إن مهمة الإشراف على الإنسان وتدوين أعماله السيئة والحسنة إلى حين مماته، هي بعهدة ملائكة ترافقه حتى الموت ، إلى أن تحضر لديه ملائكة موكلة بقبض روحه دونما أي تقصير أو تفريط، فلا يستقدمون لحظات الموت ولا يستأخرون (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلْنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ).

5 - أحد نماذج قاهرية الله سبحانه هو أخذه لروح الإنسان ليلاً وإعادتها نهاراً.

6 - تشير الآية إلى أن هنالك حفظة يشرفون على أعمال الإنسان، وهم يستمرون بذلك إلى حين مماته، فتتنحى الملائكة جانباً، حيث تحضر ملائكة الموت، لتأخذ روحه، دون أن تقصر مهمتها طرفة عين أبداً، بل تُنفذ مهمتها كاملة (يفعلون ما يؤمرون).

7 - نسب قبض الروح في القرآن الكريم مرة إلى الله تعالى (الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ بَعْدَ مَوْتِها)، وفي موضع آخر ينسب القرآن ذلك إلى عزرائيل أو ملك الموت (قُل يتوَفَّكُم مَلَكُ المَوْتِ الذي وُكِّلَ بِكُمْ)، وهنا تنسب الآية ذلك إلى الرسل والملائكة، وهذا الاختلاف في التعبير ورغم أنه لا يوجد فيه شيء من المنافاة، إلا أن من الممكن أن يحدث تفاوتاً في التفاسير، وفيما يلي نورد سببين قد يكون أحدهما هو العلة في هذا الاختلاف:

السبب الأول: الملائكة تقوم بمهمة قبض أرواح الناس العاديين، أما أصحاب المكانات المعنوية العالية فيقض روحها ملك الموت، حيث هو أعلى مرتبة من سائر الملائكة الموكلة بهذه المهمة، لذا يقوم هو بطرق باب الأولياء لقبض أرواحهم الطاهرة.

السبب الثاني: قد يكون المقصود من الملائكة الحفظة، هم الملائكة الموكلة بحماية الإنسان وحفظه من الحوادث والطوارق، وأن الملائكة هذه تقوم هي أولاً بقبض روح الإنسان، ثم تسلمها لملك الموت، حيث يرفعها ملك الموت (عزرائيل) إلى الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فإن قبض روح الإنسان هو مهمة على عاتق الملائكة وملاك الموت على حد سواء.

الآية 62

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الرد، المولي، الحق، الحکم، السریع، الحساب»

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِمِينَ (62)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تشير هذه الآية إلى آخر مرحلة من مراحل عمل الإنسان حيث العودة إلى الله الواحد الحق الذي يقضي بالعدل يوم القيامة، بعد مرحلة دنيوية وامتحانات وبلاءات، فيموت الإنسان ويتم تنظيم أعماله في صحف لا يُنسى فيها ذكر شيء قط، إلى أن يكون يوم الحشر والبعث فيُساق الإنسان إلى ربه (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) لتنتصب محكمة الحكم الإلهي (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ).

2 - إن عبارة (ثُمَّ رُدُّوا) هي فعل مبني للمجهول، والفاعل فيه هو الملائكة الموكلة بقبض الأرواح، وبطبيعة الحال فهذه الجملة لا تتنافى وأن الأرواح الإنسانية لا تعود في عالم البرزخ إلى الأجساد الدنيوية، بل تتعلق بأجساد تتماثل وأعمال الإنسان في الدنيا وتدعى صوراً برزخية، وهي الحد الاوسط بين الصورة الجسمية الدنيوية والصورة الجسمانية الأخروية، فهي هيئة دون مادة، ويعبر عنها في الفلسفة بالمثل الأفلاطونية.

3- معنى الردّ إلى الله هو (إِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ) أي سلب كافة الحيثيات والاختيارات من الكلية، ويكون الحكم حكماً إلهياً فحسب ، (لِمَن المُلك اليَومِ لِلّه الواحِدِ القَهَّارِ)(1).

4 - إن كافة الموالي هم إما باطلون أو غير واقعيون، فالمولى الحقيقي هو الله وحده، لأن


1) غافر / 16

الموى الحقيقي هو الذي يخلق، ويشرف، وبيده الموت والحياة والنوم واليقظة، ولديه الحساب، فالمولى أن أرقد وأيقظ وأمات وأحيا.. فهذا يعني انه الإله الواقعي لأن كل الخيارات بيده، وعليه فهذا الوصف يشير إلى المولوية والأحقية، شكل يمنع أي سبيل إلى إزالة مولويته سبحانه وتعالى.

5 - (الحق) هو من الأسماء الحسنى، لأنه يملك ثبوتاً في ذاته وصفاته، والسبب في أنه سبحانه يقول بأن الحكم له وحده وليس لسواه شيء في ذلك ، فهو بسبب حقه في المولوية والولاية المطلقة وحقيقته هو، فالله له التصرف في ملكه كيف شاء.

6 - إن الله سبحانه يقول كنتيجة للبحث السابق أنه أسرع الحاسبين، وهذا يعني أن الله لا يغير حساب الناس عن موعده المحدد، وإن كان يمنح لبعضهم فرصة أخرى بظاهر الأمر، فهو في الواقع إمهال واستدراج له، إلى أن يحل الوقت المناسب الذي تكتمل الحجة فيها عليه.

7 - رغم كل الغوغاء وطول ما في صحيفة كل إنسان من أعمال ، إلا أن الحساب في يوم الدين يشمل كل ما في وفاض كل إنسان دو أن يقع منها شيء، ووفق الروايات أنه سبحانه يحاسب جميع عباده بمقدار حلب شاة!،(1)وبالطبع فهذا مشابه لأمر رزق الله للعباد جميعاً في وقت واحد، فطول يوم القيامة المذكور ليس لأن الحساب طويل في حد ذاته بل أن ذلك نوع من العقاب للمشركين، فعن الإمام الصادق (علیه السّلام): اللقيامة خمسين موقفا كل موقف مقام ألف سنة ثم تلا هذه الآية الشريفة (فِي يَوم كان مِقدارُه خَمسِين ألف سَنَةٍ)(2)).(3)(لا يَشْغَلَهُ شَأْنُ عَنْ شَأْن(4)(وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ).


1) مجمع البيان، ج 4، ص 484

2) المعارج / 4 .

3) الأمالي، الشيخ المفيد، ص 329

4) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ص 606

8 - جملة (مَوْلَاهُمُ الحَقُّ) وجملة (ألا له الحكم) تبين أن ليس لأحد أن يحكم الآخر، فالحاكم الوحيد يوم الدين هو الله عز وجل، وهو أمر مختص بذاته المقدسة (وَهُوَ أَسرَع الحاسبين) ومبين لحقيقة أن الولاية الكلية ذاتية مختصة بالله فقط، ولكن هذا لا يمنع من أن يمنح الله للمقربين إليه بعض الصلاحيات، فيكون مالك (علیه السّلام) خازن جهنم، ويكون رضوان (علیه السّلام) خازن الجنة، وأن يكون لمحمد وآل بيته صلاحيات الجنة والنار، وهو المقام المحمود الذي يمنحه الله لهم، حيث هو أحد شؤون المقام المحمود، مقام الشفاعة والخصومة، وعليه فإن أحد ألقاب أمير المؤمنين (علیه السّلام) وهو قسيم الجنة والنار،(1)أو ما جاء في الزيارة الجامعة (وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم).(2)

9 - بناء على ما جاء في المشهور فإن لله ثلاثة أسماء:

الاسم الأول: هو (الله) الذي يشير إلى ذات الله الجامعة لكافة الكمالات والمنزهة والبريئة عن كل العيوب والنواقص.

الاسم الثاني: هو (هو) الذي يشير إلى مقام الغيب المتصف به جل وعلا.

الاسم الثالث: هو (الحق) الذي يشير إلى مقام الواجب الوجود والتعبير بالحق في هذه العبارة قد يكون المقصود منه التأكيد على أنه سبحانه يحكم بالحق، ولا ينقص ذي حق حقاً، ولا يزيد عن ما يستحق صاحب العذاب، ولو بحجم ذرة من ظلم (إن الله لا يَظْلِم مِثقال ذَرّةٍ)(3).


1) الكافي، ج 4 ، ص 570

2) من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 612

3) النساء/ 40

الآية 63

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النجاة، الظلمة، البر، البحر، الدعاء، التضرع، الخفیة، الشکر، الحمد»

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ, تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَبِنْ أَنجَيْنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ (63)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - مرة أخرى يقوم القرآن الكريم من خلال هذه الآية بإرشاد المشركين نحو فطرتهم الأولى، فيدلهم على نور التوحيد المخفي في أعماق وجودهم فيخاطب الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن يقول للمشركين: من يخلصكم من ظلمات البر والبحر ؟ (قُلْ مَنْ يُنَجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ، فكما جاء في الروايات أن الله سبحانه وتعالى هو أرحم على الإنسان من الأم على رضيعها الصغير، بشكل لا يمكن تصويره أو تشبيهه، فهو سبحانه يحيط الإنسان في كل لحظات عمره برأفته ومحبته، جهراً كان ذلك أو خفية، ويحميه باستمرار، فلو رفع عنه حمايته، لأخذت به الكوارث حتى يهلك (قُل مَن يُنَجِّيكُم).

2 - للأسف فإن أغلب العباد وخاصة منهم المشركين، يغفلون عن رحمة الله ورعايته وحمايته لهم باستمرار، ولا ينتبهون لذلك إلا في حالات الاضطرار والشعور بالخطر، كمن يغرق في البحر، أو من يعلق تحت الانقاض، أو من تتهدده النيران بالاحتراق، فيتذكر إلهه ويلجأ إليه طلباً للنجاة والخلاص، ويبدأ بعقد العهود والمواثيق على أن يؤمن، لكن ما إن ينجو ويستشعر الأمان حتى يعود إلى المعصية والعناد كسابق عهده.

3 - الظلمة تعني إما عتمة الليل خاصة في الصحاري أو عندما تتلبد الغيوم ويهطل المطر،

حيث يقع الإنسان في محنة تلك الظلمة، أو أنه بمعنى كل الظلمات والمصاعب والشدائد التي تمر في الحياة، فيشعر الإنسان بأن الدنيا قد أظلمت في عينيه، عندها يعود في نفسه وسريرة قلبه إلى الله، ملتمساً متضرعاً، شاكياً وباكياً، يلهج لسانه وقلبه بالمناجاة بحثاً عن النجاة، وهو يعتذر عن ذنوبه وأخطائه.

4 - قد تتصف الظلمة والعتمة أحياناً بالحسية والمادية، وأحياناً تكون معنوية، فالظلمة الحسية هي بإطفاء النور كليا، أو أن يضعف إلى درجة لا يعود بإمكان الإنسان فيها مشاهدة شيء أبداً، أما الظلمات المعنوية فهي المشكلات والمصاعب والمحن التي تنجر إلى الظلمات.

5 - عادة ما تكون شدائد الإنسان على أربعة أشكال الشعور بالحاجة، التضرع، الإخلاص وإلتزام الشكر. فالانسان ينادي إلهه في كافة محنه، وهو في لحظات مصيبته يعقد لله عهوداً ووعوداً بأنه إن نجا من هذه المصيبة أو تخلص منها شكر الله وتاب، وهذا التصرف أمر ذاتي في طبيعة الإنسان، فهو حتى خلال تعامله مع سائر البشر يقدم لهم الوعود والمواثيق ليحصل على ثقتهم وعونهم، لذا فإنه أيضاً لدى توسله إلى الله يستخدم نفس العادة.

6 - كلمة (تضرع) هي بمعنى الدعاء جهراً، وكلمة (خفية) تشير إلى الدعوة في الخفاء، وهاتان الكلمتان تتعلقان بمقتضى كبر وصغر المصيبة، أي أنه عندما تكون المصيبة صغيرة وفردية فإن الإنسان يطلب من الله في خفائه، وأما عندما تكون المصيبة كبيرة تغلق أبواب الأمل وتتعاظم، عندها يلوذ الإنسان بشكل علني ودونما حجاب إلى الله، فيتخذ العويل والبكاء له وسيلة، فالله هو المنجي والملاذ سواء في البر أو في البحر ، صغيرة كانت المصيبة أو كبيرة.

الآية 64

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النجاة، الکرب، الشکر، الحمد»

قُلِ اللهُ يُنَحِيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (64)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية والآية السابقة توبيخ وتقريع للمشركين لنقضهم العهد والميثاق.

2 - الضمير في (منها) يعود إلى الظلمات التي وردت في الآية السابقة، وحيث جاء أيضاً فيها (وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ) وكلمة (كرب) هي بمعنى الغمّ الكبير والشديد والبلاء والمحن العظيمة، وعبارة (كَرَبَ الأرض) تعني قلب الأرض رأساً على عقب، وكذا الغم يقلب فؤاد الإنسان ويشوشه و عبارة (كلّ كرب) يشمل كافة المؤرقات، بدءاً بالفقر والحوادث والأمراض، ومروراً بطغيان الظالمين والسارقين، وحتى فراق الأحبة والأعزاء، وصولاً إلى اضطرابات الذهن ومشاغله وظروف الخوف والترصد وغيرها الكثير من البلاءات التي يدفعها الله عن عباده وينقذهم منها.

3- إنكم لطالما لجأتم إلى الله بالفطرة في ظلمات البر والبحر أو في مواجهة الشدائد والمصائب، وعندما تنقطع بكم حبال الأمل، يبقى حبل الله هو الأوثق والأقوى، فهو إلهكم الوحيد وهو القادر الوحيد على تخليصكم، وهذا ما يجعلكم تلوذون به في مصائبكم، فتلتمسون إليه وتتوسلون وتعقدون له المواثيق وتتعهدون بالمواعيد.. لكن لم تنقضون كل ذلك وتنكثون العهود ؟!

4 - الراحة والشعور بالخلاص وعدم الحاجة، هو أساس الغفلة الله، والاشراك به، لأن عن الكثير من عباد الله وفي طول حياتهم يحدث أن يشعروا في منعطفات خاصة بقرب الموت إليهم، فتنغلق بوابات الأمل بالنجاة في وجوههم، ويدركون أنه الموت حتماً، لذا لا يجدون سوى الله لينجيهم، وليمنحهم فرصة جديدة بالحياة، فيشرعون بعقد المواثيق والتعهد بأنهم

سيتوبون من كل الذنوب وسيعودون إلى طريق الصواب الذي يرضاه الله تعالى، لكن ما أن يخرجوا من ضغط المصيبة ويروا نور الفرج حتى ينسوا العهود والمواثيق (وَإِذا مَس الإنسان الضُّرُ دَعانا لِجَنبِه أو قاعِداً أو قائِماً فَلَمّا كَشَفْنا عَنه ضُرِّهِ مَرٌ كَأَن لَم يَدعُنَا إِلَى ضُرٍ مَسَه)(1)(قُلْ اللَّه يُنجيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ).

5 - رحمة الله دائماً ما تشمل ،عباده، لذا فإنهم عندما يقعون في الهم والغم، يتوجهون إليه وفق عادتهم به، وعهدهم برحمته، فيجري عليهم الله من رأفته ورحمته وينجيهم، ليعودوا من جديد إلى الظلم والشرك والعدوان.


1) يونس/ 12

الآية 65

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «القدرة، البعث، العذاب، اللباس، البأس، الآیة، التفقه، الفکر، العقل، الشیع»

قل هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأسَ بَعْضٍ أَنظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تخاطب هذه الآية الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ليهدد المجرمين بثلاثة أنواع من العقاب: عذابات تأتيهم من فوق رأسهم ومن تحت أرجلهم، وعذاب التشتت والاختلافات، وعذاب اندلاع الحروب وسفك الدماء.

2 - كلمة (بعث) في اللغة هي بمعنى الإنهاض والأمر لتنفيذ مهمة.

3- تحمل كلمة البعث معنيين اثنين: الأول : هو بمعنى إرسال الإنسان وتسخيره في أمر ما، كأن نرسل أحداً ليحقق هدفاً ما أو ليطالب بحق ما.

أما المعنى الثاني: فيعني الإرسال والاستفادة من غير الإنسان للوصول إلى هدف ما، كتشغيل سيارة أو أي وسيلة أخرى للوصول إلى هدف ما أو إرسال شيء كالطائرة والصاروخ والقمر الصناعي والبريد الإلكتروني وغيره.

والبعث الإلهي يكون بصورتين:

الصورة الأولى: هي بجعل الوجود في كافة الأشياء، فتتحول من العدم إلى الوجود، وهي صفة خاصة بالله وحده وليس لأحد سواه وهب الوجود لأحد.

الصورة الثانية: إحياء الموتى وهي قدرة خاصة به بالذات، لكنه سبحانه يمنح بأمره

صلاحيتها لمن يشاء، كما كان النبي عيسى (علیه السّلام) يحيي الموتى، باعتبار ذلك معجزة وآية للمشركين وكرامة للمؤمنين.

4 - إن جملة (أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً) تبين إرسال العذاب على مستحقيه من المذنبين، وأما التأخير بإنزاله عليهم، فهو لجهة إيمان وإطاعة الصالحين ممن يعيشون بينهم، فهم إذن يستحقون العذاب والله قادر على إنزال العذاب عليهم من فوق رؤوسهم أو من تحت أرجلهم، أو أن يجعلهم فرقاً متنازعة.

5 - يمكن من أجل توضيح عذابات السماء يمكن ضرب أمثلة لذلك، كصيحة السماء وهطول الحجارة، والعواصف والرياح، كما كان عذاب قوم عاد وثمود وشعيب ولوط، كما يمكن ضرب أمثلة على على العذابات الأرضية، كالخسف (مثل قارون) أو الزلزال، رغم أن البعض ذهبوا إلى أن العذاب من فوق هو دلالة على الضغوطات والتعذيبات التي يمارسها أصحاب المناصب والمقامات على عبيدهم أو العاملين تحت أمرهم ويكون العذاب من تحت هو بمعنى الصعوبات والمشاكل أو الخيانات التي يمكن أن يصنعها العمال والخدم و.. ممن يعملون تحت أيدي السادة، على أن آخرون أيضاً قاموا بتعريف ما سبق بأن المقصود من العذاب الفوقي هو الأسلحة النارية التي اخترعها الانسان والقذائف والصواريخ، إضافة إلى الطائرات الحربية و... وسائر البلاءات السمائية، أما العذابات الأرضية (أو مِن تَحت أَرجُلِكُم) كالزلازل والانخساف والسيول والكوارث أو الحوادث على الطرق وغيرها من مصائب أرضية كتفشي الأوبئة والأمراض التي لا علاج لها من الطاعون والسرطان و... ، وصولاً إلى الحروب والجدالات و..

لكن الواضح أن الآية تنطبق بالفعل على كافة التعريفات السابقة لها.

6 - الاتكاء إلى مسألة التهديد بالعذاب والجزاء الإلهي في هذه الآية تجلى بالإشارة إلى أنواع العذابات المختلفة! وهو في حد ذاته يشف عن أساليب تربوية متنوعة، أي أن الله سبحانه هو أرحم الراحمين وهو ملاذ من لا ملاذ له، وهو في ذات الوقت القهار والمنتقم في وجه الطغاة

والعاصين، وكما أنه يرسل لعباده الأنبياء والمعجزات الفريدة والمحيرة فبإمكانه أيضاً أن يعذب المذنبين والمشركين.

7 - الشيع هي بمعنى الفرق والطوائف، والشيعة هم الأتباع، و (التشيع) يعني الاتباع في الدين والولاء لأهل البيت (علیهم السّلام)، وكلمة شيعاً جمع شيعة، ورغم أن الشيعة حالياً تشير إلى الأشخاص الذين يعتقدون بخلافة أمير المؤمنين (علیه السّلام) مباشرة بعد الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) في مقابل أهل السنة المعتقدين بخلافة الخلفاء الثلاثة، لكن العبارة بالمجمل وفي اللغة تعني التابع الشخصية في المسلك والاعتقاد، فكما في الروايات أن الإمام الحسين (علیه السّلام) خاطب جيش الأعداء في كربلاء فقال: يا شيعة آل أبي سفيان،(1)ونرى القرآن المجيد يطلق على النبي إبراهيم (علیه السّلام) لفظ شيعة نوح، أي أنه من أتباع نوح (علیه السّلام) (وَ إِن مِن شِيعَتِه لإبراهيم)(2).

8 - عبارة ( يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً) تعني يشتبه عليكم الأمر في فرقكم كأن نقول (التبس عليه الأمر) وكلمة (لبس) بمعنى اشتبه الأمر واختلط، ولعل المقصود من الآية أن الله سبحانه يريد هنا أن يتنبأ لعباده بالفرق التي ستظهر بعد وفاة الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، تلك الفرق التي نتج عنها أنواع المذاهب والفرق المختلفة في الإسلام، فكل فرقة تتعصب جهلاً وتود أن تحتكر لنفسها القمة والصلاحية، حتى حدود تكفير المذاهب الأخرى وإجازة إراقة دماء الفرق المختلفة، ولعلنا بالتحقيق والتمحيص ندرك بأن ما يجعل الأمة تستحق العذاب هو تلك الفرق والمذاهب التي ردت دعوة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى توحيد الكلمة ، وهو الأمر الذي تشير إليه الآية (يُذِيقُ بَعضَكُمْ بَأْسَ بَعْض) وعليه فقد تكون هاتان الآيتان للإشارة إلى عذاب واحد، فيكون معنى الجملة كما يلي: يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حذر الناس من عاقبة العصيان والتفرق ورفض الوحدة والسير تحت ظل راية واحدة، وأخبرهم بأن نهاية مثل هذه الطريقة ليست إلا عذاباً شديد الألم.


1) تسلية المجالس و زينة المجالس، ج 2، ص318

2) الصافات/ 83

9 - إن مسألة اختلاف الكلمة والتشتت في الجماعة الواحدة، خطير إلى درجة أنه تم إدراجه وتصنيفه ضمن مجموعة العذابات السمائية والأرضية، والواقع أنها كذلك بالفعل، بل وقد تكون أحياناً أكثر تدميراً من الصواعق والزلازل، وكم من شواهد في التاريخ تؤكد ذلك، وكم دول أزيلت عن بكرة أبيها بسبب الاختلافات والتفرقة والنفاق و.. لذا فهذه الآية تحذير لكل المسلمين في كافة أنحاء العالم!

10 - لا شك أن من الخاطئ تفسير كلمة (لعل) بأنها عن الله بمعنى الترجي، لأن التشكيك في ذات الله المقدسة ليس بالأمر المسموح، بل جاءت كلمة (لعل) بمعنى أنه إن لم يكن هنالك من مانع في مواجهة تلك الآيات والأدلة الإلهية كالعناد والعصيان والتعصب وحب المال والجاه، فإن هذه الآيات والادلة هي حد ذاتها كافية لهداية الناس، لكن لأن الكفار والمذنبين يصرون على شركهم وعدائهم للحق والحقيقة، ويرون بأن كل الأدلة والآيات هي مجرد صدفة طبيعية أو سحر وشعوذة و.. فإنهم لن يقبلوا بأي آية أخرى، لذا فإنه تعالى يختم في النهاية بالقول (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ).

الآية 66

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکذب، القوم، الحق، الوکالة»

وَكَذَبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل نَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل (66)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن هذه الآية والآية التالية لها هي في الواقع استكمال لبحث سابق، ومقدمة لتحقق (نبأ) هو للإنذار والتهديد الإلهي، وما يشتمل عليه ذلك من دعوة إلى الله والمعاد وحقائق الإسلام والخوف من العقاب في الآيات السابقة.

2 - المقصود من قوم رسول الله هم قريش أو عموم العرب، فتقول الآية، رغم أن التعاليم المنزلة إليك هي الحق، ويؤيدها الكثير مما هو في العقل والحس والفطرة و.. إلا أن قومك أي قريش وعموم الناس في مكة يكذبونك (وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ الْحَقُّ).

3 - تكذيب الحقائق الإلهية لا يمكن أن ينقص من حقيقتها، رغم أن عدد المخالفين والمنكرين قد يزداد أضعافاً مضاعفة.

4 - لعل هذه الآية هي بمثابة دعوة عامة للمسلمين؛ بأن يا أمة الإسلام اجتمعوا تحت لواء واحد، واتبعوا كلمة الحق، وإلا فلا شيء يضمن لكم أمنكم من العذاب، ثم تخاطب الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم): إن قومك هؤلاء ممن كذبوا دينك سيلقون عذاباً شديداً.

5 - سؤال: إن الضمير في (كَذَّبَ بِهِ) يعود إلى الشيء الذي كذب قوم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) به، فما هو؟

لا شك أن الضمير هنا يعود إلى القرآن المجيد، لأن قوم الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) هم قريش، لأنهم لم ينكروا فكرة المبدأ (الذي هو الله سبحانه) من جذورها، ولا المعاد، بل كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى، هي الأصنام والأوثان، فهم يعتقدون بأن قدرة الله وقاهريته وعظمته، وعليه فهم لم ينكروا قدرة الله على إنزال العذاب ولا عودة المخلوقات إلى الله سبحانه، ولا يوم القيامة ولا أن العذاب ليس من قبل الله، لذا فالضمير في الآية يعود إلى القرآن الكريم.

6 - من العجيب كيف أنهم كانوا يكذبون صلة الله سبحانه بالقرآن؟! في أن قوم النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) الذين أشارت الآية إليهم كانوا بحق سادة الأدب والفصاحة والبلاغة في عصرهم، فكانوا يتفاخرون بأشعارهم وأدبهم، ويتبارون بقصائدهم.. فكيف لا يميز هؤلاء مع كل حرفيتهم تلك مستوى الذوق الأدبي الموجود في القرآن الكريم ؟ في حين أنهم مع كل ادعائهم وتشدقهم لا يستطيعون ان ينظموا سورة بحجم سورة الكوثر، لذا فلا شك أن ما يعمي أبصارهم ويحول دون إعترافهم هو عنادهم وتعصبهم، وحجم الحقد والعداء الذي يكنونه، لهذا نرى نهاية الآية تقول (هُوَ الحَقُّ) لأن حقيقة القرآن والمعجزة ليست بالأمر المشكوك به فهم رغم إدراكهم لهذه الحقيقة ينكرونها عناداً وتعصباً.

7 - المقصود من (وَكيْل) هو المسؤول عن الهداية والإرشاد والضامن لمن سواه، والوكالة تختلف عن مهمة النبوة، لأن مهمة النبي هي الإبلاغ فحسب، ففي الآية خطاب للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، بأن قل لهم: أن مهمتي إبلاغكم بالرسالة، لأهديكم إلى سبيل الحق، وأنهاكم عن التكذيب بالقرآن، وأحذركم من العذاب الشديد الكامن لكم، فعاقبة أمركم لا نتيجة لها غير ذلك، وإن انتم بلغتموها فلست بضامن لكم قبولكم وفلاح أمركم (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكيل).

8 - لقد خاطب القرآن الكريم بمثل هذا البيان في مواقع عديدة، أي الدعوة إلى إبلاغ الدين الإلهي فحسب، وليس بإجبار الناس للإيمان (ما جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً)(1)، (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرِ)(2)، (ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ)(3)، (ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ)(4)، (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ)(5)، (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) ، (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرُ)(6)و (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيل)(7).


1) الأنعام/107

2) الغاشية / 22

3) ق / 45

4) المائدة/ 99

5) يونس/ 99

6) البقرة /256

7) فاطر/23

الآية 67

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النباء، الاستقرار، العلم»

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - النبأ في اللغة هو بمعنى الإخبار عن المستقبل، وبما سيجري من أحداث في زمان محدد، كما في الآية 29 من سورة البقرة التي يكلم الله عز وجل فيها ملائكته (أَنبِئُونِي بِأَسماءِ هؤلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين)، وفي الآية 31 من سورة البقرة، حيث يوجه الله فيها الخطاب للنبي آدم (علیه السّلام) (أَنبِتْهُم بِأَسمائِهِم)، ولذا يدعى النبي بهذا الاسم، لأن الأنبياء ينبؤون الناس بتعاليم الله وأوامره.

2 - في هذه الآية هنالك تهديد صريح وواضح بوقوع العذاب المؤكد، مع تحذير جلي، حيث تقول الآية: إذا لم ينزل العذاب على الكفار، فلا تتعجلوا لأن لكل خبر زمان خاص به.

3 - في سياق الحكمة الإلهية، ليس هنالك من أمر يحدث بالصدفة أو دون توجيه، بل أن كل أمر يحدث وفق ترتيب وتنسيق دقيق، ومن المؤكد ان كل ذلك مبني على حكمة من حيث وقوعها الزمني، ولذا فكل خبر أن نبأ إلهي يجري على لسان نبيه، هو حدث من هذا العالم وجزء مما فيه، له موعد خاص، وسوف يتحقق لا محالة (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ).

4 - رغم أنكم لستم بمجبرين على الإيمان، ولكن لا تظنوا بأن إمهال الله لكم صادر عن غفلته عنكم ، بل تفكروا في عواقبكم ونهايتكم (لكلّ نباء مستقرّ).

5 - الاستقرار يعني الإقامة في مكان، أي أن كل خبر له موقع ومقام، يتحقق فيه، لذا يقال (الأمور مرهونة بأوقاتها).

6 - جملة (وَسَوف تَعلَمُون) تدل على أنه إن كانت الأمور التي أخبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عنها لم تحدث بعد، فلا يدعونكم ذلك إلى العجلة في الحكم على الظواهر ، والشك بالدعوة، لأنه لا ترديد بأن ما أنبأكم به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سيحدث بحذافيره من أحداث ووقائع ستجري على أهل البيت (علیهم السّلام)، بدءاً بغصب خلافة الإمام علي (علیه السّلام) وظلم السيدة فاطمة الزهراء ، إلى قتل أمير المؤمنين (علیه السّلام) ودس السم للإمام الحسن المجتبى (علیه السّلام)، ثم واقعة كربلاء وشهادة سيد الشهداء (علیه السّلام)، وصولاً إلى سبي السيدة زينب الكبرى، إلى جانب وقوع الكوارث والفجائع العظام، وأنباء آخر الزمان ومزايا عصر الظهور وصفات بقية الله الأعظم (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، وعصر الرجعة، والمعاد والجنة والنار والكثير مما سيتحقق في آوانه، وذلك لأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صادق، وتحقق كل الأنباء التي أخبر بها هي من معجزاته.

الآية 68

اشارة

وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)

شأن النزول:

جاء في مجمع البيان عن الإمام الباقر (علیه السّلام) أنه بعد نزول هذه الآية نُهي المسلمون من مجالسة الكفار والمستهزئين بالآيات الإلهية، فقال جمع من المسلمين إن كان علينا أن نأتمر بالأمر الإلهي فهذا يعني أن نمتنع عن الذهاب إلى المسجد الحرام، فلا نطوف فيه (لأن الكفار يقعدون في زواياه وجوانبه وينشغلون بأحاديث باطلة حول الآيات الإلهية، ونحن في أي مكان من المسجد وقفنا فإننا سنسمع قولهم) عندها نزلت الآية 69 لتأمر المسلمين بأن يقوموا في مثل هكذا مواقع بنصح الكافرين والمتحدثين علهم يهتدون.(1)

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الخوض، الآیة، النسیان، الشیطان، الدکر، الطلم، الإعراظ»

1 - من حيث أن هذه السورة تتوجه في أغلبها إلى وضع المشركين وعبدة الأوثان، فإنه في هذه الآية والأية التالية لها تشير إلى مسألة أخرى مشابهة لذلك، ومثيل ذلك في سورة النساء، الآية 140 ، (إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرَ بِهَا وَيُسْتَهزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ...).


1) مجمع البيان، ج 4 ، ص 489

2 - كلمة (خوض) هي بمعنى البحث والتحقيق والتخاطب بنية وقصد السخرية والتحقير، وليس بهدف فهم الحقيقة وإدراكها، وتم إدراجها في متن القرآن الكريم استعارة للدلالة على أمر بشع أو تصرف شنيع، كالدخول في الباطل والاستهزاء أو السخرية من تلاوة الآيات القرآنية الحقة.

3 - الدعوة إلى الابتعاد ليست بمعنى المقاطعة المطلقة، بل أنه منع من الدنو إليهم في الوقت الذي ينشغلون فيه بالسخرية من الآيات القرآنية (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ).

4 - سؤال: إن الأنبياء (علیهم السّلام) معصومون، إذا فكيف تتحدث الآية عن نفوذ الشيطان في الأنبياء؟ فهل للشيطان سبيل إلى النبي؟ وهل يمكن له أن يجعل النبي ينسى ويسهو؟ (يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَان).

والرد على ذلك، أنه من الممكن أن يتمثل أثر الشيطان بجعل النبي ينسى، وهذه مسألة فرضية ومثالية، كما في الآية الكريمة (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلَك) أو الآية الكريمة (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيْلِ)، ويمكن أن نقول بأنه صحيح أن المخاطب في الآية هو النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، إلا أنهم هم المقصودون في الواقع من الخطاب، وليس ذات الرسول المكرمة، ونظير ذلك الكثير من الصور في الأمثال الشائعة.

5 - يستفاد من هذه الآية اأن الخوض في الآيات الإلهية من قبلهم كان بهدف السخرية والإساءة، ورغم أن الآية توجهت إلى الكفار لفعلهم هذا، إلا أنها تشمل عموم الناس من المسلمين وغير المسلمين، كما جاء في آخر الآية نهي عن المشاركة في الظلم، سواء كان هذا الظلم صادراً عن المشركين أو سواهم، بدليل الآية 140 من سورة النساء (إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُم) أي أن من يشارك في أمر يتحول إلى شبيه لمرتكبه، ولكن من حيث أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) معصوم، فلا بد أن المقصود من الآية هم عموم أفراد الأمة (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

6 - جملة (وَإِذا رَأَيت الَّذِينَ يَخُوضُون فِي آيَاتِنا) لا تشير إلى أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يشهد رؤية الساخرين والمستهزئين من الأحكام الإلهية، أو أنه ينخرط في مجالس أصحابها المنافقين

والمشركين، بل أن الجملة هي بمثابة أمر لعدم المشاركة في المجالس التي يرد فيها إهانة للقرآن وآياته، وإن حدث وكان موجوداً فعليه أن يقوم فيغادرها، بل يرى بعض العلماء عدم جواز الصلاة في مثل هكذا مجالس، والفتوى وإن كانت موجهة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلا أنها تعني عموم أفراد الأمة.

7 - إن مهمة النبي هي إرشاد الجاهل وهدايته، لذا فمن غير الممكن أن يتجنب مجالس الكفار والمشركين أو ان يعرض عنهم، بل هو يقوم بنصحهم وموعظتهم، لأن تركهم والابتعاد عنهم من قبل نبي الإسلام بعد ذلك أمر لا فائدة منه.

8 - عبارة (فَلا تَقعُد بَعدَ الذِكرى مَعَ القَومِ الظَّالِمِينَ) تدل على النهي عن الجلوس في مجالس المعصية ومقاعد أهل الظلم، أو مجالس الظالمين، سواء الظالمين للدين أو للغيره، وقد تم التأكيد على ذلك إلى درجة كبيرة، بحيث قيل إن جلس أحد لغفلة أو نسيان، فليقم من فوره إن تذكر، وليغادر الظالمين، ولا يكونن جليساً لهم (وَ إِمّا يُنسِيَنّك الشيطان فَلا تَقعُد بَعدَ الذِّكرى مَعَ القَومِ الظَّالِمِين).

9 - قد يكون المقصود من عبارة (بَعْدَ الذكرى) للإشارة إلى تذكير الإنسان لنفسه أو لمن سواه، وفي روايات عديدة عن الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وعن أهل بيته الكرام والأئمة المعصومين (علیهم السّلام) حول مجالسة أهل المعصية أو مشاركتهم الجلوس في محفل ترتكب فيه الآثام، ولا يكون لدى الإنسان القدرة على إيقاف المذنبين، حتى لو كان الجالسون من أقرباء هذا الإنسان، فإن عليه مغادرتهم،(1)ففي وصية الإمام علي (علیه السّلام) لابنه أن الله أوجب على الأذن ألا تستمع للذنب والغيبة.

10 - إن أهل السنة هم كاليهود والنصارى في عقيدتهم حول عصمة الأنبياء، حيث ينكرونها ، ولكن مذهب الشيعة يعتقدون بضرورة عصمة الأنبياء والملائكة والأئمة المعصومين، والعصمة على قسمين:

القسم الأول: يؤمن بعض أهل السنة بالاعتماد على ظواهر بعض الآيات والأخبار بأن


1) راجع: وسائل الشيعة، ج 16، ص 259

الأنبياء كانوا معصومين في مجال الأحكام والتبليغ، ولكنهم تعرضوا للسهو والنسيان في الأمور الأخرى الخارجة عن هذا المجال.

القسم الثاني: أن العصمة هي صفة يحملها صاحبها منذ الولادة وحتى الوفاة والرحيل عن الدنيا، وهذه العصمة لا تمنع عن المعصوم كافة الذنوب الكبيرة والصغيرة، بل وأنها حتى تمنع عنه مجرد التفكير بالمعصية، أو ان تخطر على باله سواء قبل بلوغة النبوة والإمامة أو بعد ذلك، وهذه هي عقيدة كافة المسلمين من المذهب الشيعي، وهم يستندون في اعتقادهم هذا إلى أدلة من الآيات والروايات الكثيرة، والتي يمكن أن تقسم إلى أربعة أدلة:

الدليل الأول: إذا كان الأنبياء والأئمة هم كمن سواهم يخطؤون أو ينسون، فإن من الممكن أن يظن العباد بأن هؤلاء يقولون أموراً من أنفسهم أو يبينون أحكاماً لا أصل لها، أو أنهم نسيوا جزءاً منها، وعليه لا يلتزم الناس بالتعاليم بدقة وإيمان، لأن الشك يساورهم والترديد في ضرورة تطبيق الأحكام يشوش أذهانهم، فتختلف الآراء وتتعارض، وتكثر التأويلات، فمن يضمن بأن النبي أو الإمام قد نسي جزءاً من التعاليم أو أن الحكم الإلهي ليس بهذا الشكل الذي يبينه الرسول؟؟

الدليل الثاني: لا شك أن الله ألزم نفسه بهداية البشر وإرشادهم، وأن يرسل لهم أشخاصاً يخرجونهم من المعاصي ويجنبونهم الذنوب، ومن الأولى أن يكون هؤلاء الأشخاص مُرَفَعُونَ عن لوث الذنوب والمعاصي وبعيدون عن النسيان والسهو، لأن من القبيح اتصاف من هم أداة الصلاح بذات الصفات التي سيدعون الناس إلى تجنبها.

الدليل الثالث: إن الشيطان هو من يزرع العصيان في قلوب الكفار، فيسيطر عليها ويجعلها ميّالة إلى الرذائل والملكات السيئة والصفات القبيحة، وهي كلها سبل الشيطان وطرقه، لكنه لا يستطيع النفوذ إلى قلوب المنزهين والطاهرين الذين ليس في قلوبهم مكان لما سبق من أعمال شيطانية.

الدليل الرابع: الآية الكريمة (إن عِبادِي لَيس لَك عَلَيهِم سُلطان إِلَّا مَن اتَّبَعَكَ مِن الغاوِين)(1)والآية (إِن عِبادِي لَيس لك عَلَيهِم سُلطان)(2)وغيرها المزيد تشير إلى حقيقة أن الأنبياء والأئمة والأوصياء والملائكة هم مرفعون وطاهرون، وهم أفضل عباد الله ليس للشيطان من قدرة على النفوذ إليهم أو السيطرة عليهم، وبالتالي فمن لا يدنو الشيطان منه ولا يستطيع الاقتراب منه هو معصوم إذن.


1) الحجر / 42

2) الإسراء / 65

الآية 69

اشارة

وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)

شأن النزول:

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «التقوی، الحساب، الذکر»

بعد نزول الآية السابقة، قال المسلمون للرسول الأكرم بأن ليس لنا من سبيل آخر عن الجلوس في المسجد الحرام أو الطواف بالبيت العتيق، ولكن الكفار يأتون على الدوام إلى المسجد أيضاً، فيسخرون من أهل الإيمان والقرآن، وليس لنا من قدرة على ترك مجالستهم ولا منعهم عن الخوض فيما يقولون، فماذا ترى.. فنزلت الآية الشريفة.(1)

النّقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن من يتجنب غضب الله ويخشى عذابه، عليه أن يعلم بأن هنالك المهم والأهم بين الأمور وعليه الاختيار، ورعاية الأصول الإسلامية والعقلية.

2 - إذا لم تشتمل العقيدة على المشاركة فإنه لن يكون هنالك من مشاركة في إنجاز شيء آخر، وعليه فإن من المؤكد أن المتقين والظالمين ورغم أنهم من أمة واحدة من حيث العرق، إلا أنهم مختلفون من حيث العقيدة والعمل، لذلك فليس لهما ذات الجزاء والثواب، بل ولن يمس المتقين شيء من عذاب المشركين وعقابهم (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِن شَيْءٍ).

3 - لا شك أن الجميع يعلمون بأن لكل ذنب عقاباً لا يطال إلا مرتكبه فقط، فالمستهزؤون يحملون وزر ما ارتكبوا ويعاقبون عليه، إلا أن يشاركهم في ذلك آخرون، أو يحضروا بين أيديهم


1) مجمع البیان، ج 4، ص 489

فيبقوا ساكتين، عندما يكونون بمثابة المرتكبين للذنب ويحق العذاب عليهم، والواقع أن من يتردد على مثل هكذا مجالس سيتحول فيما بعد إلى راغب بها حتى لو كان في البداية رافضاً لها، إلا أنه ومع مرور الوقت سيقبل بها ويزول في نظره قبحها.

4 - كلمة لعلّ في اقترانها بكلمة يتَّقُون، تأتي بمعنى الإيجاب، أي يجب أن يتجنبوا مثل هذه المجالس ، لهذا يقول القرآن الكريم مثل ذلك في الآية 56 من سورة المائدة (لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَ النّصاري أَولِياءَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعض وَ مَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم ) وعلى غرار ذلك لدينا ثلاث روایات نوردها هنا: الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم)(1)و (من أحب عمل قوم أشرك في عملهم)(2)و (من أحب عمل قوم حشره الله معهم)(3)، إذن فالجالس في مثل هذه المحافل إما أن ينهي عن المنكر ويرشد الجاهلين أو يغادرهم، وإلا فإن استمراره بالجلوس معهم هو بمثابة رضا بما يفعلون.

5 - المقصود من كلمة ذكرى في (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون) هو أن هذا القول هو لتذكير المتقين من مجالسة المشركين، ليبلغوا كمال التقوى ويستمروا في طريق الإيمان، وأما المشركين المرتكبين لمعاصي الله فإن عليهم أوزار ما عملوا وحدهم والله يقي المؤمنين منها، إن هم تجنبوها.

6 - قد يكون الضمير في (لعلهم) يعود إلى أهل المعصية، لكي لا يعقدوا مثل هكذا مجالس، وقد يكون الضمير عائداً إلى الآخرين ممن يحترزون من الحضور في هذه المحافل ويجتنبونها.

7 - قد تشير كلمة (يتَّقُون) في جملة (وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُون) إلى اجتناب حضور مجالس الظالمين، وقد يكون المقصود تبييناً للاحتياط من ارتكاب كافة المعاصي على حد سواء.


1) نهج البلاغة، ص 499

2) بشارة المصطفى صلى الله عليه و آله، ص 75

3) أطيب البيان، ج 5 ، ص 42

الآية 70

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «اللعب، اللهو، الغرة، حیوة لدنیا، الذکر، الولایة، الشفاعة، العدل، البسل، الشراب، الحیمیم، جهنم، العذاب، الکفر»

وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَذَكَرْبِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيُّ وَلَا شَفِيعُ وَإِن تَعْدِل كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية أربعة أوامر موجهة للنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم):

الأمر الأول: لأن هؤلاء يطلقون اسم الدين على حفنة من الأعمال الجوفاء والواهية، وهي أشبه ما يكون إلى أعمال الأطفال وتسالي الكبار، فإن مثل هؤلاء لا يستحقون أن يتم التكلم معهم أو مناقشتهم، لذا فالآية تخاطب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن اتركهم ودينهم الأجوف (ذَرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِيْنَهُمْ).

الأمر الثاني: أن حذر هؤلاء من أعمالهم وأخبرهم بأنه سيأتي عليهم يوم يقعون فيه فريسة لعاقبة أعمال ارتكبوها بأنفسهم (وَذَكَّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ).

الأمر الثالث: قل لهم بأن في ذلك اليوم (يوم الدين) لن يكون لكم من أحد يحميكم أو يذود عنكم أو يشفع لكم (لَيسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ).

الأمر الرابع: حذرهم من أن ما سيلقونه يوم القيامة صعب ومؤلم إلى درجة أنهم سيرغبون بتقديم كل ما لديهم لرفعه عنهم، ولينقذوا أنفسهم (وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها) لكن دون جدوى، فقد وقعوا في أعمالهم وعلقوا بداخلها ، (أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا) فلا سبيل للتعويض أو للإصلاح.. ولا للتوبة والغفران.

2 - عبارة (وَغَرْتهُم الحَياةُ الدُّنيا) تشير إلى تصورات ونظرة المغرورين بالحياة الدنيا إلى الحياة، فهم يرون بأن الحياة محدودة في نطاق هذا العالم الدنيوي فحسب، وبأنهم سيبقون فيها، غافلين عن غير ذلك، فما أن تتكلم لهم عن الموت والكفن والتابوت وظلمة القبر، يتأذون ويتضايقون.. بل ويرفضون الاستماع لأن ذلك يحرمهم الاستمتاع بلهو الدنيا ولعبها ومتاعها الزائل.

3 - قال البعض بأن ضمير (به) في (وَذَكِّرْ بِهِ) يعود إلى القرآن، ويرى البعض الآخر أنه يعود إلى يوم القيامة وأوان الحساب، مع أن من الممكن أن الضمير يعود إلى ماسبقه من مفاهيم وجمل، تشير إلى مجالس الكفار وأساليبهم في تناول الدين لهواً ولعباً، حيث تقول الآية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن ذكر هؤلاء وعظهم بيوم القيامة والآخرة وخوّفهم، حتى تتم عليهم الحجة، وهذا شبيه ما جاء في الآية 66 من سورة النساء (فَأَعرِضْ عَنْهُم وَعِظْهُم).

4 - إن تفسير (لَهُم شَراب مِن حَمِيمٍ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) واضح، حيث أنهم وبسبب لهوهم واستهزائهم من الحق والحقيقة والدين والأحكام، سوف يشربون شراباً من ماء حارق بشدة مع عذاب أليم.

5 - من جملة (لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) يمكن فهم أمرين: الأمر الأول: أن كافة العلماء يقول وبشكل قاطع أن لكل حكم علة مبينة فيه، فمثلاً إذا كان الحكم (لا تأكل الرّمان لأنه حامض) فإن هذه العلة في عدم اكل الرّمان بسبب الحموضة، هي معممة ومخصصة، فالكلمة حامض يُستفاد منها أنه لا يجب أن نأكل أي شيء حامض، حتى لو كان هذا الرمان شيئاً آخر غير الرّمان، وأما أكل غير الحامض جائز ولا مشكلة فيه حتى لو كان

رماناً، وهنا في الآية الشريفة؛ لأنه الكفر هو علة كافة أنواع العذاب، فيفهم من ذلك أن كل كافر في يوم القيامة سيلقى هذا العذاب وأما غير الكفار فلن يذوقوه.

الأمر الثاني: أنه ولأن الأعمال توجب الكفر، فإن الذين يتخذون من آيات الله هزواً ولعباً، وتغرهم الحياة الدنيا ؛ هم الكفار ولو أطلقوا على أنفسهم اسم الإسلام.

الآية 71

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الدعاء، النفع، الضرر، الاعقاب، الهدایة، الشیطان، الهواء، الارض، الحیرة، التسلیم»

قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَ تَنَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ وَ أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى انْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِمُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

أعقابنا: عقب (بفتح العين وكسر القاف) تعني الكعب، والأعقاب: هي الأكعاب والرد إالى الأعقاب تعني العودة إلى الحالة الأولى، ويقال للابن والذرية اصطلاحاً العقب أيضاً.

استهوته استهواء من الهوى: بمعنى الإسقاط والإنزال والهبوط، استهوته بمعنى أسقطته.

حيران: من التشتت والضياع، والرد إلى العقب كناية إلى الضياع وترك الهداية.

تحتج هذه الآية بطريقة استفهامية استنكارية على المشركين، فتخاطب الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أن قل لهم بأن عبادة وتمجيد أحد يجب إما أن تكون لجهة ربح متحصل من جانبه أو لرفع شر وضرر بواسطته، وبناء عليه فكيف تتجنبون عبادة من لديه وبيده كل الخير، في خزائنه الرحمة واللطف ومفاتيح الخلق.. أين التعقل في ذلك؟ وكيف ترفضون تسبيحه، ثم تتوجهون بالعبادة نحو أوثان جوفاء لا منفعة فيها، ليس هذا فحسب، بل وأنهم لا يدفعون عنكم ضرراً.. وإن هذا لهو خلاف لقانون التكامل في هذه الدنيا (وَ نُرَدُّ عَلى أَعْقَابِنا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ).

إن المعبودات التي لا تنفع ولا تضر، لا يليق بها العبادة ولا التمجيد، وإن الذي يتردد في تغيير عبادته ويرى أنه مشتت بين عبادة الله وبين العودة إلى ما كان يعبد من أصنام، مثله كالتائه في الصحراء، تتخطفه أيدي قطاع الطريق وأصحاب النفوس الضعيفة من جهة، ويدعوه

المؤمنون من جهة أخرى نحو سبيل الحق والنجاة، وهو في هذه الحال بين انتخاب طريق النجاة أو الخسران، لكنه مع ذلك يختار الكفر والشرك وعبادة الأصنام، فيهوي في ما اختار.

نفهم من خلال عبارة (قُل أَنَدعُوا مِن دُونِ اللّه ما لا يَنفَعُنا وَلا يَضُرُنا) أن كل ما هو موجود غير الله، سواء مما كان يملك حياة وأحاسيس وعقلاً وإدراكاً كالإنسان ، أو كان من ذوي الحياة الحيوانية كالبقر والعجل أو من النباتات كالشجر أو من الجمادات مثل الأصنام والنجوم وغير ذلك.. فإنهم جميعاً لا يملكون لأنفسهم الضرر ولا المنفعة، ولا يملكون لغيرهم ذلك أيضاً، لهذا فإن الله سبحانه يقول في الآية 21 من سورة الجن مخاطباً اشرف مخلوقاته وأكرمها على الإطلاق أي الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) (قل لا أملك لِنَفْسِى ضَرًّا وَ لا نَفْعاً).

لأن التوحيد هو ملازمة الإعتقاد وضرورته الأولى، فإن وحدة الدين هنا هامة أيضا، والدين المقصود هو الإسلام، لكن ليس الإسلام مجرد الإقرار بالتوحيد والنبوة، بل المراد أن يطيع الإنسان ربه في كافة الأمور، والتمسك بالعقيدة وتطبيقها عملاً ، لأن الدين والنظام الإلهي موسوعة تشمل كل احتياجات البشر وما يكفل لهم سعادة الدنيا والآخرة.

جملة (كَالّذِي اسْتَهوَته الشّياطين) تبين أن الله سبحانه شبّه الإيمان بالمرتبة الراقية من العلو والارتفاع، بحيث أن العودة عنها هو سقوط وهبوط من مكان عالٍ جداً (وَنُرَدُّ عَلي أَعقابنا).

إن الهداية الإلهية تكون بصورتين:

الهداية العامة: بمعنى إرشاد الناس وهداية كل من وقع عليه التكليف، المؤمن والكافر معاً، إلى سبيل الحق وصراطه، والدعوة لعبادة الله وإطاعته، بإرسال الأنبياء والكتب السماوية وإعطاء البراهين والآيات والمعجزات، لتكون حجة على الناس، وهم إما أن يؤمنوا أو أن يكفروا، ويتلقون نتيجة أعمالهم يوم الدين.

الهداية الخاصة: وهي خاصة بالمؤمنين، وتعني أن أولئك الذين اختاروا طريق الحق بصدق ، فأطاعوا وتعبدوا قلباً وقالباً، يكون لهم توفيق إلهي خاص، يقربهم به إليه، فيحفهم بعنايات وألطاف تحفظهم وتحميهم من انحرافات الدنيا وأهوائها.

إن الهداية الإلهية خاصة به فحسب للأسباب التالية:

السبب الأول: أن الله سبحانه هو المالك والخالق والمربي لعالم الوجود، وليس الأوثان والأصنام.

السبب الثاني: لأنه المرجع الوحيد الذي تقع الدنيا ومافيها بين يديه، لذا فالواجب أن يسلم الخلق بين يديه أيضاً، وأن يطيعوا أوامره ونواهيه، فهو الأعلم بخير وصلاح عباده، وهذا يعني أنه الهادي الوحيد لهم.

السبب الثالث: نحن مكلفون بإطاعة الله عز وجل فقط، لأن كل من سواه لا يحمل بدعواته سوى الضلال والضياع.

السبب الرابع: إن الإيمان بالله يعني الإيمان بوحدانيته وعبادته وتسبيحه وتمجيده وحده لا شريك له، وهذا الإيمان هو الذي سنبلغ به إلى الهداية الإلهية التي تعني التسليم له فحسب.

السبب الخامس: يا أيها الرسول قل أن الهداية الوحيدة الصحيحة هي هداية الله سبحانه، لأنها التي توافق الفطرة (قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِمُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).

الایة 72

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الصلوة، التقوی، الحشر»

وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَوٰةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

إن هذه الآية هي استكمال للآية السابقة التي تشير إلى أننا أمرنا بالتوحيد والتسليم لإله العالمين، وفي هذه الآية استكمال الدعوة الإلهية بذلك لما لها من أهمية عظيمة، فمن بين كل الواجبات إشارة لفريضة الصلاة، ومن بين كافة العقائد عقيدة بالمعاد.. (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).

تقول الآية الكريمة بأن الله هو الإله الذي تعود كافة المخلوقات إليه لتحاسب، فمن الحري مع ذلك إذن أن يتقوه ويخشوه ويسلموا إليه الأمر بالطاعة.

إن في التوحيد، راحة للذهن وقدرة أكبر على التركيز ، لكن الشرك وتعدد الآلهة تبعث على التشتت والضياع (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ الله الوَاحِدِ القَهَّار).

كلمة (وَاتَّقُوهُ) توضح أن التقوى هي إما بالإتيان بالأعمال الواجبة، أو بترك وتجنب المحرمات وما فيها من عذاب وعقوبات.

الآية 73

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السماواة، الارض، الخلق، الحق، کن فیکون، الملك، النفخ، الصور، اللغیب، الشهادة، الحکمة، الخبیر»

وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَولُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

ذكرت هذه الآية أسماء وصفات الله سبحانه، والهدف من ذلك شرح وبيان للآيات السابقة لها، والتأكيد على أن الهداية هي الهداية الأساس والإرشاد الصحيح، وأن الناس يجب أن يتقوا الله، فصلاتهم بين يديه هي بمعنى أنهم يؤمنون بأنه سبحانه لم يخلق السماوات ولا الأرض عبثاً، فهدفه سبحانه من الخلق: أولاً اثبات الحق وبأنه الخالق لعباده، ليجعلوا محور حياتهم على كسب رضاه، ففي ذلك صلاحهم وصلاح كافة المخلوقات، وثانياً: ليعلموا أنه عندما يكون الله جل وعلا هو المبدأ، وأنهم كبشر متصلون بأبدية الفناء والعدم، وأنهم بعد هذا العالم عائدون إليه وهم مسؤولون عن اعمالهم خيراً كانت أو شرا.

الله ليس مبدأ عالم الوجود فحسب، بل أن القيامة والنشور بيده (وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ).

كما أن مبدأ الخلق قائم على أساس ومصلحة ونتيجة، فإن البعث أيضاً سيكون بهذه الكيفية، فيكون لذلك اليوم أحداث وحكومة وملك وأمر وهدف (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ). صحيح أن ملك الله وحكمه كان منذ بداية الخلق على كامل عالم الوجود ومنذ بداية الخلق، وحتى نهاية العالم، ويوم القيامة، ولكن ومن حيث أن هنالك سلسلة من الأسباب تؤثر في تقديم الأهداف، فإن هذه الأسباب تجعل الإنسان يتغافل في أحيان عن وجود الله سبحانه،

لكن في ذلك اليوم الذي تتوقف فيه كافة الأسباب عن العمل، فإن ملك الله وحكومته تتجلى وتتضح أكثر من أي وقت مضى.

إن الله العالم بظاهر الإنسان وباطنه، وكذا بظاهر وباطن كل شيء، ومن يملك الحكمة بأبلغ صورها وأدق أشكالها، فيحيط بأعمال مخلوقاته، ويميز بين موارد العقاب والثواب، إذا فإنه من غير المعقول قط أن يحصل في محضره ذرة ،ظلم، ولا شيء يخفى عنه أبداً (حَكِيْمٌ وَخَبِير).

في ختام الآية إشارة إلى ثلاث صفات إلهية :

الصفة الأولى: أن الله عالم بالسر والعلن (عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ) والصفة الثانية : أنه يقوم بكل أمر عن حكمة (وَ هُوَ الْحَكِيمُ) والصفة الثالثة: أنه وبمقتضى علمه وإحاطته بكل شيء فهو خبير بأعمال عباده، وهو بمقتضى قدرته وحكمته يحاسب كل إنسان بما يناسبه (وَالْخَبِيرُ).

سؤال: هل لدى الله سبحانه هدف خاص لأعماله وأهدافه ؟ أم ليس لديه من هدف!؟ وهذان الأمران هامان جداً كمسألتين هامتين في علم الكلام.

وللإجابة على ذلك يتوجب بداية التمهيد بالقول: أن الإنسان لديه لكل عمل يقوم به هدف عقلاني ومنطقي، فهو في مقابل كل (لماذا ؟) لديه جواب (لأن) ، فالعاقل إن لم يكن لديه سبب لما يقوم به، فهذا يعني أنه يقوم بأمر تافه ورخيص، ومهما كان مستوى عقلانيته منخفضاً فإنه مع ذلك سيبحث عن (لأن) لتغطي عمله وتعطيه أهمية وهدفاً، فهذا يهب الإنسان هالة من الحكمة والعقلانية، فإن كان هذا هو حال الإنسان، فهل لأفعال الله تعالى على نفس منوال أفعال الإنسان معللات وأسباب ؟

لا شك أنه وكما أكد القرآن الكريم مراراً بشكل صريح فإن حكمة الله تقتضي أن يكون لكل أعماله عز وجل أسباب وعلل، سواء كان ذلك في الخلق أو التشريع أو التكليف أو التحريم والتحليل .. كل ذلك له أهداف خاصة وواضحة وبينة، فكما أن الله هو الخالق والموجد لكل المخلوقات، فإنه هو الخالق لمصلحة ما خلق أيضاً، وهنا يجب التمييز بين أن الهدف والنفع من الفعل أو العمل يعود للخالق أو للمخلوق، فإذا اعتقدنا بأن الله يهدف إلى نفع خاص به من

جراء تشريع الصلاة وإيجابها على الإنسان فإن ذلك لا يتوافق والمقدمات وفيه إشكال، لأن الله لا يهدف إلى أي نفع من وراء الواجبات والمحرمات والتكاليف ، فهو الغني ولا يحتاج إلى العباد، فلا يزيده شيء ولا ينقصه شيء، ولكن التصور الصحيح أن لالله خلق كل المخلوقات بهدف ولسبب، وهذا السبب هو إرتقاء الإنسان إلى مقام العلياء والتكامل، هذا مثيل الغني الذي يساعد الفقير، فهو عندما يقدم له يد العون يعلم بأنه لن يكسب من ذلك شيئاً، بل هو يشعر بأن الفقير محتاج فيحاول مساعدته للوصول إلى الكمال المادي مثلاً، لهذا فإن المعتزلة تقول بأن أفعال الله معللة بالأهداف، وأثر ذلك يعود إلى المخلوق، وليس الخالق، إضافة إلى أنه وفي كثير من الآيات عندما يذكر الله تعالى أفعاله فإنه يقول (بالحَقِّ)، وهو يعني أن هذه الأعمال ليست باطلة، وفيها مصلحة وحكمة، وعليه فلا يصدر عن ذاته سبحانه عمل قبيح أو سيء، بل هي عين الصلاح ومطابقة للحكمة وبلوغ المنفعة.

الآية 74

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «إبراهيم، آٰز، الصنم، الإاله، الضلالة، البینة»

• وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا وَالِهَةٌ إِنّي أَرَنكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (74)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

من حيث أن هذه السورة المباركة تحمل جانباً من المبارزة مع الشرك والوثنية، فإن الحديث منذ هذه الآية وحتى الآية 83 موجه نحو قصة إبراهيم (علیه السّلام)، فالنبي إبراهيم هو شخصية مقبولة ومحترمة من كافة الأديان السماوية، فكل من اليهودية والمسيحية تنسبه (علیه السّلام) إليها، وتتفاخر به لصالحها، وقد ذكر اسمه الشريف 99 مرة في القرآن الكريم، فهو بذلك أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم، و هذه الآية تتناول صورة صموده في وجه الوثنية والمشركين، وذلك لتؤكد للمشركين بأن من يريد نسب نفسه إلى إبراهيم (علیه السّلام)، فيتوجب عليه أن ينحو نحو إبراهيم في التوحيد، فالنبي إبراهيم (علیه السّلام) هو ثاني أنبياء أولو العزم، وعايش النمرود (المدعو كيومرس أو كيومرث) الذي كان رأس سلسلة ملوك الكيومرس، ويدعو أنه الإله، حتى أنه قام بإرسال صقوره إلى السماء ظناً منه أنه يحارب إله إبراهيم، كما أنه أطلق السهام نحوه...

أي ضياع أوضح من ضياع الإنسان الذي يجعل من مصنوع صنعه بيديه، إلها له، يعبده ويسجد أمام جثته الهامدة الخالية من أي روح، بل والجوفاء من أي مشاعر وأحاسيس، فكيف بها ترد عنه ضرراً أو تحقق له أمنية.

سؤال: هل كان آزر والد إبراهيم (علیه السّلام) الأصلي؟

إن كلمة أب هي بمعناها الطبيعي تعني الوالد، ولكنها أيضاً تطلق على الجد من جهة الأم، و على العم والمربي كذلك، كما أن أبناء يعقوب (علیه السّلام) أطلقوا على آباء أبيهم وعمهم النبي اسماعيل (علیه السّلام) اسم أب (نَعْبُدُ إِلهِكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَاسْمَاعِيلَ وَاسْحَاقَ)، وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): (أنا و على أبوا هذه الأمة).(1)

فآزر كان عم النبي إبراهيم وليس والده، لأن آباء إبراهيم كانوا جميعاً موحدين، ورغم أن بعض علماء أهل السنة ذهبوا إلى أن آزر كان والد أم ابراهيم (علیه السّلام) أو أنه عمّ إبراهيم عند البعض الآخر ، إلا أن هنالك منهم من اعتقد كما فعل الطبري والآلوسي والسيوطي بأن آزر لم يكن والد إبراهيم (علیه السّلام) الواقعي، في الوقت الذي اجتمع كل المفسرين والعلماء الشيعة على أن اسم والد إبراهيم (علیه السّلام) هو (تارخ)، وفي التوراة الصحيحة ورد ذلك أيضاً، وعليه فإن آزر هو إما عم النبي إبراهيم أو جده لأمه، ولأن إبراهيم كان يعيض في حضانته ورعايته، فإنه كان يدعوه بالأب، وهذا الأمر ليس بالغريب بين البشر ، بل هو المشهور والمعروف بأن يدعو الشخص من يكبره سناً، خاصة إن كان له عليه حقا لرعاية وكفالة أسم الأب لا شك أن آزر عم أو جد النبي إبراهيم لأمه، كان إنساناً مشركاً يعبد الأوثان، لكن آباء إبراهيم، ممن هم أجداد النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أيضاً، كانوا جميعاً موحدين، وتؤيد الآيات القرآن ذلك إلى حد ما، وعلى كل حال فإن ذلك لا يشكل اختلافاً التي هي بمثابة إحتجاج على إبراهيم (علیه السّلام) والمشركين.

إن من لوازم مذهب الإمامية هو أن آباء وأمهات الأنبياء والأئمة الأطهار، منذ آدم وحتى آخر الأئمة (علیهم السّلام) كانوا جميعاً مؤمنين ومتقين وأطهار، فكما في الحديث الشريف الوارد في مجمع البيان عن رسول الله محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) (لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى الأرحام


1) عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 85

المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا لم يدنسني بدنس الجاهلية)(1)وفي زيارة وارث ذات السند القوي أن: (أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة و الأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها و لم تلبسك من مدلهمات ثيابها).

إن أول شاهد ودليل على أن القرآن المجيد أطلق لفظ أب على العم هو قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 127 (أَم كُنتُم شُهَداءَ إِذ حَضَرَ يَعقُوب المَوت إذ قال لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعدِي قالُوا نَعبُدُ إِلهَكَ وَإِله آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسماعيل وإسحاق إلها واحِداً وَنَحن لَه مُسلِمُون) وفي سورة التوبة الآية 115 يقول تعالى (وَ ما كان استغفارُ إِبراهيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهِ فَلَمّا تَبَيِّنِ لَهِ أَنَّهِ عَدُوٌّ لِلّه تَبَرَّأَ مِنه) التي تصرح بأن النبي إبراهيم (علیه السّلام) لم يعد يستغفر لآزر بعد أن أعلن برائته، لكنه (علیه السّلام) يعود في سورة إبراهيم في الآيتين 41 و 42 وبتعبير الآيات الكريمة بالاستغفار لوالديه (الحَمدُ لِلّه الّذِي وَهَبْ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسماعيل وإسحاق رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَي وَلِلمُؤمِنِين يَوم يَقوم الحِساب) وهذا يوضح بأن آزر ليس بوالد إبراهيم، وإلا فكيف يستغفر له بعد أن تبرأ منه؟

في سورة التوبة نرى أن النبي إبراهيم (علیه السّلام) يخاطب الله عز وجل ويطلب المغفرة لآزر ويقول بأنه وعده بأن يستغفر له، لأن آزركان قد قال بأنه سيؤمن، لكن ما أن رأى النبي إبراهيم (علیه السّلام) بأن آزر لم يؤمن تبرأ منه على الفور، ولم يعد يطلب المغفرة له (وَما كان استغفار لا بيهِ إِلا عَن مَوعِدَةٍ وَعَدها اِيَاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّءَ مِنهُ)(2).

نعلم جميعاً بأن إبراهيم (علیه السّلام) وفي أواخر عمره الشريف، طلب لأبيه وأمه المغفرة، معتبراً إياهما في رتبة المؤمنين (رَبَّنا اغفر لي وَلِوالِدَيَّ وَلِلمُؤمِنِينَ يَومَ يَقُومُ الحِسابُ)(3)فإن كان مقصود النبي (علیه السّلام) من هذه الآية هو آزر، فهذا يعني بأنه عاند حكم الله وعصاه، بطلبه المغفرة لمشرك، في حين أن المعصوم لا يمكن أن يرتكب مثل هكذا خطأ... وعليه فيتبين بأن والد النبي


1) مجمع البيان، ج 4 ، ص 497

2) التوبة/ 114

3) إبراهيم / 41

(علیه السّلام) الواقعي هو (تارخ) الذي اعتبره النبي إبراهيم (علیه السّلام) أحد المؤمنين وطلب له المغفرة، كما أن اللافت هنا أن النبي (علیه السّلام) استخدم تعبير والديَّ وهي لفظ يطلق على الأب الأصلي وليس على من سواه من المربين والكافلين و.. ممن يمكن إطلاق اسم أب عليهم.

إن كلمة (إِذْ) في العبارة (وإِذْ قَالَ إبراهِيمُ..) تتعلق بفعل مقدر ، مثل اذكر أو ذكر وأمثال ذلك، والأصنام هي جمع صنم بمعنى الجثة المنحوتة من النحاس أو الفضة أو الخشب أو الحجر أو أي مادة أخرى، مما كان المشركون يصنعونه بهدف عبادته ( أَتَتَّخِذُ أَصناماً آلِهَةً) فالهمزة هنا توبيخية بمعنى يجب ألا تتخذوها آلهة، والفرق بين الصنم والوثن، هو أن الصنم هو المجسمة التي يتصور الإنسان من خلالها شكل الله أو الملائكة أو الأنبياء ... ولكن إن كان المعبود غير المجسمات، كصورة النجوم والشجر و.. فهذا هو الوثن، وجمعه أوثان، أما الآلهة فهي جمع الإله، أي المعبود مما كان المشركون يتعبدونه، وهدفهم في ذلك هو بلوغ الله أو أي باب غیر محسوس آخر يمكنهم من خلاله تحقيق أمانيهم (ما نَعبُدُهُم إِلّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللّه زُلفى)(1)، ونظير ذلك ما يفعله عبدة الشمس والنار ،والعجل، بل ومثلهم أصحاب الصوفية المعتقدين بأنه يجب أخذ صورة المرشد بعين الإعتبار في أثناء العبادة، وكذا قال أصحاب مذهب الحلولية، حيث يرون بأن الله حلّ في جسد أحد من مثل المنصور الحلاج، الذي قال (ليس في جبتي سوى الله) وهو مطلق دعوة (أنا الحق).

ذكره كلمة أصناماً بصيغة النكرة، للإشارة إلى دونيتها ومستواها الهابط، وبهدف تحقيرها لأنها تفقد صفات الربوبية من مثل العلم والقدرة.

جملة (إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبينِ) تبين أنه ليس هنالك أدنى من عبادة الأصنام الفاقدة للعلم وللقدرة، وترك عبادة الله الصانع الواحد، من ليس كمثله شيء، جامع صفات الكمال.


1) الزمر / 3

الآية 75

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «إبراهیم، ملکوت، السماوات، الأرض، الیقین»

وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

اسم الإشارة كذلك، يبين استمرار الآيات في سرد موضوع واحد، هو هداية إبراهيم (علیه السّلام) إلى التوحيد وحقيقة أن عبادة الأصنام هو طريق الضلال، ومن أجل مزيد من اليقين، تشير الآية إلى رؤية إبراهيم للملكوت، كما أن البعض ذهب إلى أن إبراهيم قد رأى في الماضي ما رآه وتعلمه، فاللفظ ورغم أنه بصيغة المضارع إلا أنه يحكي حال زمان مضى.

2 - عن الإمام الباقر (علیه السّلام) في مجمع البيان أن الله سبحانه وببركة توحيد إبراهيم (علیه السّلام) وعبادته له بشكل فطري، كشف عن عينيه الغطاء ليرى طبقات السماء وعجائبها والملائكة وحملة العرش، ليبلغ مرحلة اليقين الكامل، ويزداد توحيده،(1)وفي العياشي والقمي عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أن الحجب رفعت عنه (علیه السّلام) فرأى الأرض ومن عليها والسماء وما فيها، وشهد ملك الله وقدرته والعرش، وأضاف القمي بأن هذا الأمر قد حدث للنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ولأمير المؤمنين أيضاً (علیه السّلام)، بل وفي روايات أخرى أنه حدث لسائر الأئمة (علیهم السّلام) أيضاً.(2)

3 - عالم الملكوت هو عالم الأسرار والنظم والروائع وعالم الغيب وملكوت السماوات، وكلمة (ملكوت) هي من أصل (ملك) فهي تشير إلى معنى القدرة أكثر، لكن إضافة الواو والتاء هو لجهة تأكيد المبالغة في الملك والقدرة المطلقة الت التي لله وحده،


1) راجع: مجمع البيان، ج 4 ، ص 498

2) راجع: تفسير القمي، ج 1، ص 205 وتفسير العياشي، ج 1، ص 363 و 364 ونور الثقلين، ج 1، ص 734

وتدل على ملك ما في الوجود بشكل يكون فيه بقاء وزوال المخلوقات بيده.

4 - الهدف من الإشارة إلى ملكوت السماء والأرض هو أن الله سبحانه يستعرض أمام إبراهيم ملكه ليريه قدرته.

5 - إن كل من ينظر إلى الموجودات في هذا العالم يدرك دون شك أنه لا يمكن أن يكون أي من الخلائق مربياً لمن سواه أو مدبراً لنظام هذا الكون، وأن الربويية لا تقبل أي شكل من الملك والتدبير والتفويض والتمليك للآخرين، وهي أسباب يراها إبراهيم (علیه السّلام) ويتدبر في أمرها، إلى أن حصل لديه اليقين بوجود الله تعالى.

6 - لا شك أن النبي إبراهيم (علیه السّلام) كان يمتلك يقيناً استدلالياً وفطرياً بوحدانية الله، ولكن من خلال مشاهدة أسرار الخلق ومعاينة ملكوت السماوات والأرض، وتأمله بالعلاقة فيما بينها وبين الله سبحانه، تعرّف أكثر إلى سنة وخلق وحكمة وربوبية الله، فأدرك التوحيد في الوجود وباطل الإشراك إلى أن بلغ من اليقين حد الكمال، وكما يقول الإمام الباقر (علیه السّلام) أن الله سبحانه وهب بصر إبراهيم قدرة ونوراً شاهد به عمق السماوات والعرش والأرض.(1)

7 - اليقين علم لا شك فيه قط، فهو انكشاف الغطاء عن الماورائيات والغيبيات، ولا يُمنح إلا للخاصة ممن يجتبيهم الله سبحانه.

8 - قسم الحكماء عالم الوجود إلى أربعة أقسام: عالم اللاهوت والجبروت والملكوت والناسوت:

عالم اللاهوت : هو عالم الألوهية الذي لا علم لغير الله به.

عالم الجبروت: هو عالم المجردات أي عالم العقول والنفوس الذي لا يمكن رؤيته.

عالم الملكوت: وهو عالم الأجسام من فوق العرش وحتى أعماق الأرض.

عالم الناسوت: وهو عالم الكون والفساد والتغيير والتحولات، كالزمان الذي يتصرم


1) تفسير العياشي، ج1، ص 364

باستمرار ويتجدد، وأمثال ذلك من الأمور غير القارّة، والأمور الاعتبارية التي هي بيد معتبرة والأمور الانتزاعية التابعة لمنشأ الانتزاع، والصور الخيالية والموجودات الذهنية الدائرة في مدار المشاهد مما ينعدم بمجرد الانصراف.

9 - الصمود في وجه الآخرين لإثبات الحق يحتاج إلى إيمان قلبي عميق، والنبي إبراهيم قد ورد بعد اليقين (لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِين) مرحلة الاستدلال التي سيأتي ذكرها في الآيات التالية.

10 - طبقاً لما ورد في الروايات الصحيحة، فإن أحد الأمور الثابتة في مذهب التشيع أن النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته الكرام (علیهم السّلام) كانوا يبصرون بكل ما في السماوات من فوق العرش وحتى أعماق الأرض، وبناء لبعض الروايات من مثيل ما ورد عن الإمام الباقر (علیه السّلام) في جواب له عن سؤال فيما إذا كان الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يشهد ما في ملكوت السماوات والأرضين.. بقوله (علیه السّلام)(نعم وكذلك صاحبكم)(1)ويعني بذلك الإمام آخر الزمان المهدي عجل الله فرجه الشريف، كما أن ذلك يشير إلى أنه وكما أن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) كان صاحب الصلاحية في هذه القدرة فإن الأئمة هم كذلك قادرون على ذات الأمر.

11- جاء في كتاب تفسير القمي والعياشي والكافي ومجمع البيان عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أن النبي إبراهيم (علیه السّلام) عندما شاهد ملكوت السماوات والأرض، لعن زانياً رآه، فمات ذلك الزاني، ثم رأى آخر يزني أيضاً فلعنه أيضاً فمات، ثم رأى آخرين في نفس الحالة فلعنهم فماتوا أيضاً، فأوحى الله سبحانه لإبراهيم بأن لعنك إياهم مستجاب ، ولكن لا تلعن العباد، فإني لو أردت موتهم لما خلقتهم في ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: تعبد الله ولا تشرك بالله أحداً فيجزيهم الله أعمالهم.

المجموعة الثانية: تعبد غير الله ويعاقبهم الله متى يشاء.


1) بصائر الدرجات، ج 1، ص 107 و 108

المجموعة الثالثة: يعبدون غير الله ولكن يخرج الله من أصلابهم من يعبده ويوحده.(1)

12 - إن ما هو ممكن المشاهدة بالنسبة للبشر من كل العوالم المخلوقة، هو عالم الملكوت فقط، الممتد من فوق العرش وحتى أعماق الأرض، وفي هذا العالم تعيش الملائكة والجن والإنس والحيوانات والجمادات والكرات والمجرات السماوية.. وكلها مما لم يرد بأن أحداً شاهدها كلها بغير النبي إبراهيم (علیه السّلام) و من بعده النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم أوصياؤه الطاهرين.

13 - جملة (لِيَكُون مِن المُوقِنِين) في ختام الآية يشير إلى أنه ولأن مرتبة اليقين أعلى مراتب الإيمان، فإنه لا يمكن أن يتخلل هذا المقام ولو ذرة من غفلة، والمقصود من هذه الآية بيان أن النبي إبراهيم (علیه السّلام) هو أهل اليقين، وبالتالي بيان أنه أفضل منزلة من سائر الأنبياء إلا الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته الكرام (علیهم السّلام).


1) تفسير القمي، ج 1، ص 206 وتفسير العياشي، ج 1، ص 142 والكافي، ج 8، ص 305 ومجمع البيان، ج 4 ، ص 498

الآية 76

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «اللیل، الکوکب، الافل»

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَوَا كَوْكَبَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الأَفِلِينَ (76)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - جن تعني بفتح الجيم التغطية والستر ، والفعل في ذاته متعدي، ومع استخدام (على) معه : جن عليه: ستره وجن عليه الليل، لا تكون فقط بمعنى غروب الشمس، بل بمعنى الليل والظلمة بشكل يتجلى فيه أن العتمة تعم المكان وتغطيه، وكلمة آفلين: هي جمع أفول أي الغروب، أفَلَ: غرب، وجمعه آفلون.

2 - من هذه الآية وما بعد، بيان وشرح لما جاء في الآية السالفة من استدلال إبراهيم (علیه السّلام) لا أقول لا النجوم والشمس على أنها ليس لذلك الإله.

3 - سؤال: هل يمكن لنبي عظيم مثل إبراهيم أن يتعبد النجوم أو القمر أو الشمس ولو للحظة واحدة؟

الجواب: إن أحد أفضل سبل التبليغ والسيطرة الكلامية في عمق الشخص المؤمن بالعقيدة الباطلة، هو إيقاظ فطرته، وتفعيل ذهنه وأحاسيسه نحو التفكر والتأمل، ومراعاة الأدب والاحترام وإظهار متابعة أولية للعقيدة الباطلة، ثم القيام بالردّ عليها، ولا شك أن المجادلة وحديث النبي إبراهيم (علیه السّلام) إلى المشريكن هو من باب المماشاة وإظهار اللين في البحث والمجادلة، بهدف رد عقيدتهم، وليس أنه كان (علیه السّلام) يعتقد قلباً بها، فالشرك يتنافى والعصمة، لفظ (يا قوم) في هاتين الآيتين هو لهذه الجهة وإلا لو كان هذا اعتقاداً قلبياً من أعماق النبي (علیه السّلام) لما قال (هَذَا رَبِّي).

4 - ينكر بعض عامة المفسرين بالاستناد إلى مثل هذه الآيات أن الأنبياء (علیهم السّلام) معصومون، ويعتقدون بأنه لا مانع من أن يكون النبي مجرداً من العصمة قبل بلوغه منزلة النبوة، وأن يوحدوا

فيما بعد، ثم ينالوا مقام النبوة، كما هو حال الخلفاء ممن قضوا شطراً طويلاً من عمرهم في الشرك، ثم آمنوا ونالوا منزلة الخلافة. لذا ففي تفسير مثل هذه الآيات أقوال منها:

القول الأول : يقول البعض بأن النبي إبراهيم (علیه السّلام) أولاً عبد النجوم ثم القمر ثم الشمس ، ولكن وبعد أن أفت كلها وغربت أدرك وحدانية الله فعبده.

القول الثاني: البعض الآخر قالوا بأن الإنسان مادام باحثاً عن الحق، فلا يعيبه أن يعبد النجوم و.... أو يكلفه أي مسؤولية، حيث يمكنه بعدها أن يدرك ويستنتج عبادة الله كما هو حال النبي إبراهيم (علیه السّلام).

إلا أن أتباع مذهب أهل البيت (علیهم السّلام)، ومع وجود الأدلة المحكمة والمتقنة على عصمة الأنبياء والأئمة (علیهم السّلام) كافة طيلة عمرهم، منذ الولادة وحتى الرحيل، ومع توفر الروايات القاطعة في تفسير مثل هذه الآيات، كرواية ابن بابويه عن الإمام الرضا (علیه السّلام)، ومناظرته مع المأمون العباسي،(1)ورواية الصفار عن الإمام الصادق (علیه السّلام)، ورواية أبي البصير عنه (علیه السّلام)، ورواية ابن الكلبي عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) في أسئلة الجاثليق، والرواية المختصة بالمفيد & وغيرها المزيد..(2)فإننا نعتقد بأنه وبالنظر إلى أن حرف الفاء في عبارة (فَلَمّا جَن عَلَيه الليل) هي فاء التفريع، أي أن هذه الآية هي تفسير للآية السابقة لها، والآية (وَكَذلِكَ نُرِى إِبراهيم) تشير إلى أنه وبعد أن بلغ إبراهيم (علیه السّلام) بواسطة عبادته لله إلى مشاهدة الملكوت من عمق العرش وحتى عمق الأرضين، فإنه أيضاً بلغ أعلى مراتب اليقين لهداية قومه، ممن كان يسود بينهم عبادة النجوم، مع التظاهر بوحدة التفكير والليونة في التعاطي مع المشركين، ففي الليلة الأولى التي عم فيها الظلام كل العالم برزت النجوم بنورها وكان أكثرها لمعاناً نجم عطارد، فسجد لها عبدة النجوم، فقال إبراهيم (هَذا رَبِّي)، ثم ما أن انقضى الليل حتى غربت النجوم، فتجلى بطلان وفساد هذه العقيدة


1) عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج1، ص197

2) أطيب البيان، ج 5، ص 119 و 120

وبذلك أثبت (علیه السّلام) أنه لا يمكن عبادتها.

5 - يجب أن يكون معلوماً، ولأن قوم النبي إبراهيم (علیه السّلام) كانوا من الصابئة وعبدة النجوم، فإن الآية جاءت رواية لمحاججة النبي إبراهيم لهم دون ذكر اسم النجم الذي كانوا يعبدونه (سواء كان عطارد أو غيره)، والواقع أن لا أثر في معرفة ذلك على الاستدلال الذي أورده النبي (علیه السّلام).

6 - عندما أثبت (علیه السّلام) فساد عقيدتهم بالدليل الثابت وعندما غرب النجم، أظهر (علیه السّلام) نفوره مما يشرك قومه والقول بأنه لا يحب الآفلين، ولم يقل بأنه متنفر من شركه هو، فالأفول والغروب يعني عدم صلاحية النجم لمنزلة الربوبية، إضافة إلى أن المقصود من كلمة (رب) في قول النبي إبراهيم (علیه السّلام)، وهو الملاك والمدبر للأشياء والأشخاص ممن هم مربوبون وتحت سيطرة خالق السماوات والأرض، لأن النبي إبراهيم (علیه السّلام) هنا هو عالم بكل ذلك، ويمتلك اليقين بأن الله منزه عن الإشارة والتجسم في ظرف أو مكان.

7 - جملة (قالَ لا أُحِبُّ) على لسان النبي إبراهيم (علیه السّلام) تبين حقيقة أن المحبوب هو من لا يحده مكان ولا زمان، وأن العلاقة بين العابد والمعبود هي علاقة محبة، فمن لا يحب معبوده لا يعبده، ولا شك أن النجوم والمجرات لا تمتلك مثل هكذا جاذبية، فجمالها أمر مؤقت وقابل للزوال، مما يجعل التعلق بها أمراً تافهاً لا فائدة منه.

8 - إن من تجذبه الأشياء الزائلة والزائفة، يذوبون في وجود تلك الأشياء، فيغفلون عما فيها من ضياع ،وزوال وعليه فإنه من غير الممكن عقلا أن تتعلق مثل ههذ الصفات برب العالمين، صفات من قبيل الموت والحياة ولا ثبوت والزوال والطلوع والغروب والظهور والخفاء ، والشيخوخة والشباب، والقبح والجمال، ومثيل ذلك.. من متغيرات ومتفاوتات، وهذا برهان ودليل قاطع على مسألة التوحيد التي يدركها الموحدون كما يفعل المنحرفون، كما في حديث عن الإمام الصادق (علیه السّلام): (هل الدِّين إلا الحب).(1)


1) الكافي، ج 8، ص 80

الآية 77

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «القمر، الافل، الهدایة، الضلالة، البزوغ، الطلوع»

فَلَمَّا رَعَا الْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَبِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - كلمة بازغ هي من (بزغ) بمعنى الانشقاق وتجرية الدم، و (بزوغ) بمعنى الطلوع ولكن هنا المقصود على الأغلب هو طلوع الشمس والقمر، وشق ستار الظلمة بشكل يظهر فيه لون حمرة خفيف في الأجواء.

2 - بعدما تبين من بطلان عبادة النجم، تروي الآيات بأنه (علیه السّلام) ذهب إلى بعض عبدة النجم، مظهراً لهم مماشاته لهم ولعقيدتهم الباطلة، ثم وليرد عقيدتهم قال مستفسراً : هذا قال مستفسراً : هذا ربي؟؟، لكن حين غرب النجم قال لهم بنحو من الكناية: لو كان هذا ربي حقاً فلماذا حقاً فلماذا يغيب.

3 - لا شك في أنه لو أخذنا بكلام النبي إبراهيم (علیه السّلام) على نحو معناه الحقيقي أو بلمعنى الظاهري، فإننا نعلم بأنه كان ينوي هداية قومه وإرشادهم، وهو في ذلك يستكشف هداية الله وفيوضاته، موقناً بأن له إلهاً يهديه ويتكفل أموره ، وهذا ما أراد أن يفهمه لقومه.

4 - جملة (فَلَمّا أَفَل قال لا أُحِب الآفلين) فيها تبيان لبطلان كافة المذاهب المشركة وذلك لأسباب:

الأول: أن الألف واللام في كلمة الآفلين هي للاستغراق، لتشمل الجميع وتعمهم.

الثاني: الآفلين جمع محلّى بالألف واللام وهو نص بالشمول، لأنه بيان التخصيص

والخروج من العمومية فيه مخالفة، ولهذا فالغروب هو ملاك عام لإبطال الربوبية، وبجملة (لا أُحِبُّ) يعلن برائته وتنفره ممن سوى الله.

5 - إن تكرار جملة (هذا رَبِّيْ) في آيتين متتاليتين توضح بأن الإنسان لديه في قرارة نفسه ضالة، يبحث عنها، فيتوجه نحو المصاديق، وهو بذلك يتوجب عليه أولاً ألا يتعلق بلجاجة وتعصب بالمعتقدات السابقة وثانياً أن يقوم بتغيير الفرضة التي وصلت إلى طريق مسدود، وثالثاً أن يستند في طريق بحثه عن الله إلى الفيض والهداية الإلهية، لأن بدونها لا يمكن للإنسان أن يبلغ منهل المعارف الزلال.

6 - من جملة (قال لَئِن لَم يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَن مِن القَومِ الضّالِّين) نفهم بأن وجود الله الدائم يستلزم هدايته، وأن عبدة النجوم والقمر و.. هم قوم ضالون.

الآية 78

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الشمس، الرب، الافل، الشرك، البرانة، البزوغ، الطلوع»

فَلَمَّا رَعَ الشَّمْسَ بَازِعَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَنقَوْمِ إِنِّي بَرِى مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية أيضاً، يبدو النبي إبرهيم (علیه السّلام) في منزلة الباحث من خلال الكلام والجدل، وليس في منزلة العقيدة الشخصية، وكلمة (يَا قَوْمِ مِمَّ تُشْرِكُون) هي دليل على أنه (علیه السّلام) لم يكن يعبد النجوم واللا القمر ولا الشمس.

2 - لا شك أن هذه الآية لا تستعرض كلاماً أو فكراً للنبي إبراهيم (علیه السّلام)، بل هو لجهة أنه بين في موضعين باطل ادعاء الكفار في عبادة القمر والنجوم، لذا ففي شأن الشمس قال (هذا أكبر) ليوجد الشك في عقيدة المشركين.. وكأنه يقول لهم: لم لا تعبدون الشمس بدل القمر والنجوم وهي أكبر وأعظم ؟! بمثل طريقتهم في الإستدلال بالأكبر والأعظم ... كحجة في شرعية العبادة.

3 - يريد القرآن الكريم تبيين أن إبراهيم (علیه السّلام) في هذا البحث إما هو حقاً لا يعرف ماهية الشمس، أو أنه يتكلم بلسان أحد سواه لم ير الشمس من قبل مطلقاً، ولا يعلم بأن هذا الجرم يطلع في السماء أول كل نهار، ويغرب نهايته؟! إضافة إلى أنه تكلم عن الشمس باسم الإشارة (هذا) مع أنها لفظ مؤنث!! وهنا نواجه احتمالين:

الاحتمال الأول: لأن ولادة النبي إبراهيم (علیه السّلام) كانت مشابهة لولادة النبي موسى (علیه السّلام) من حيث نبوءات المنجمين السابقة، التي تنبأت بولادته، لذا فإن أمه استمرت لسنين برعايته في كهف، خوفاً من ظلم وجور النمرود، ولذا فإن حديثه هذا مع المشركين كان عقب خروجه من الكفه ورؤيته للشمس والقمر والنجوم، إلا أن الآية القرآنية (يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) تنافي

هذا الاحتمال وتشهد بأنه (علیه السّلام) قد جادل قومه في سن البلوغ والرشد، وأنها لم تكن المرة الأولى التي يرى فيها إبراهيم (علیه السّلام) النجوم والقمر والشمس، فهو قد شهد طلوع وغروب هذه الأجرام السمائية مرات عديدة.

الاحتمال الثاني: ربما حديثه هذا كان لجهة مماشاة فرضية المشركين، لكن هذا الاحتمال باطل أيضاً لدى مواجهة كلمة (تشركون)، ولو كان صحيحاً لكان من الأولى أن ينتظر (علیه السّلام) حتى تغرب الشمس فيفهم باطل فرضيته، ويعلن البراءة من المشركين، إذن لأنه يتوجب في مقام التبليغ والتعلم استخدام أسلوب وطريقة خاصة، فإن النبي (علیه السّلام) قد اتبع هذا الأسلوب لمواجهة الشرك ومقارعة عبادة غير الله بشكل مدروس وواضح لا مجال للشك فيه.

4 - إن آخر الأدلة على براءة إبراهيم وتنفره من عبادة المشركين هو ما أورده (علیه السّلام) في سؤال: لماذا تستبدلون عبادة الله تعالى بعبادة الأجسام والأشياء المادية كالنجم والقمر والشمس، مما هو زائل قابل للاندثار، ومحتاج ومخلوق من سواه.. وعليه فإن النبي إبراهيم قال كلمته الأخيرة مع غروب الشمس: أن يا قوم إني بريء من كل تلك المعبودات الزائفة (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ).

5 - كلمة تشركون توضح أن قوم إبراهيم في ذات الوقت الذي كانوا يعتقدون فيه بوجود الله المتعال، كانوا أيضاً معتقدون بأن هذه الأجرام شريك له، إضافة إلى أن هذه المجموعات الثلاث قد تكون كلها معاً مجموعة واحدة تعبد "كلا من النجم والقمر والشمس، رغم أنهم قد يميزون بينهما بالإله الكبير والإله الصغير ... وهذه الإعتقادات هي ذاتها مما ما زال إلى يومنا هذا سائداً نشهده في بعض أقاويل المنجمين وكتب وتقاويم النجوم المنتشرة، حيث يدعون بأن هذه ذات قدرات عظيمة وتأثيرات كبيرة في الكون (حدوث بعض الوقائع والأمور من الأجرام هي كوارث وبلايا و...)، مع أن القرآن الكريم يقول (وَ ما تَدرِي نَفس ما ذا تكسب غَداً)(1).


1) لقمان / 34

الآية 79

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الوجه، الفطرة، السماوات، الأرض، الحنیف، الشرک»

إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (فطر) تعني في اللغة الخلق والشق وتمزيق شيء ما، فهي تحمل مفهوم الفتق ولعلها إشارة إلى العلم الحديث، القائل بأن العالم كان في البداية كتلة واحدة ثم حدث أن فتقت وتشكلت الأجرام السماوية واحدة بعد الأخرى، ولأن الله سبحانه يخلق مخلوقاته من العدم واللاشيء، لذا يسمى الفاطر، إذن فالفطر هو كناية عن الخلق، وكلمة (حنيف) هي من أصل (حنف) أي الخالص الذي لا انحراف فيه، ونهج الحق المستقيم.

2 - يعلن النبي إبراهيم (علیه السّلام) هنا برائته من المشركين، وبأنه توجه نحو الله خالق السماوات والأرض، ثم وبدل أن يصرّح باسم الله، يأتي على ذكر أوصافه تعالى، وهي الأوصاف التي لا يختلف المشركون حتى عليها، وهي وصف الخالق للسماء والأرض، الذي يعترف المشركون به أيضاً، بأنه مبدأ الخلق والوجود وأنه منتهاه أيضاً.

3 - إن هدف النبي إبراهيم من إيراد لفظ (حنيفاً) أولاً ، هو أنني الآن وقد أدركت أن ماوراء هذه المخلوقات المتغيرة والمحدودة إلهاً قادراً حاكماً مديراً لنظام الكائنات، فإنني لن أشرك ذرة واحدة به أبداً، والتوحيد طريقتي ومسلكي.

4 - المراد من (إِنِّي وَجّهت وجهي) هو أنني الآن وقد أنرت لكم طريق الحق، فإنني أعلن بأني لا اخشى السير فيه وحيداً، ولا يوحشني فيه أن لا أحد يرافقني، لأن قلبي خالص لله ونحوه هو فقط، فهو المؤثر الوحيد في المخلوقات، وكل شيء بيده وتحت سيطرته.

5 - عبارة (وَما أَنَا مِن المُشركين) تبين أولاً نفي كل أشكال الشرك وأنواعه، سواء كان شركاً خفياً أو ظاهرياً، وأما ثانياً فإن الله وحده هو المتفرد والحنيف الخالق والرازق والمحيي والمميت والموجد والمبقي وهو مستحق العبادة فقط، مترفع عن كل الشوائب والأوهام والعيوب والنواقص.. لذا فأمام كل هذا الطهر ليس إلا (إِنِّي وَجَهتُ).

الآية 80

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «المحاجة، الهدایة، الخوف، الشرك، العلم، الذکر»

وَحَاجَهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَجُونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَينِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُون بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - كلمة لمة (حاج) هي من باب المفاعلة، وتأتي بين طرفين بحيث تشير إلى أنهما قدما الأدلة والبراهين والإدعاءات وأوضحا المقدمات والفرضيات، فكل طرف يقوم بالتأمل والتفكر ليدحض أدلة الطرف المقابل ويكسرها، والحجة في الأصل تعني الدليل والبرهان (وَحَاجَّهُ قَومُهُ).

2 - المستفاد من الآية الشريفة هو ان النبي إبراهيم (علیه السّلام) قام في وجه قومه فقدم الأدلة والبراهين وأثبت وجود الله المتعال الخالق لكل العالم وما فيه، وبأنه المستحق الوحيد للعبادة والتمجيد.

3 - رغم أن الآية الحاضرة وما يليها لم يعرض لحديث جرى بين إبراهيم (علیه السّلام) وقومه، ولكن يمكن ولو بشكل ضمني من خلال كلامهما توضيح سببي الشرك وعبادة الأصنام الأصليين:

السبب الأول: الخوف من الضرر والغضب المتوقع صدوره من قبل الآلهة والأصنام، وهذا السبب هو الأقوى لدى المشركين على الأظهر، وذلك لأنهم كانوا يخشون من أن يثير كلام إبراهيم غضب الآلهة.

والسبب الثاني: الأمل بالبركة والسعادة والانتفاع الذي قد يأتي من جانب الأصنام.

4 - كان المشركون يقدمون أسباباً كثيرة لعبادتهم الأصنام، ويطرحون العديد من الأسئلة والاستفسارات التي يجدونها مقنعة في تبرير عملهم هذا.. ومنها ما يلي:

كيف يمكن لنا أن نخلي دين آبائنا وأجدادنا.

وكيف لنا أن نعبد إلهاً لا نراه ولا نسمع له صوتاً؟

5 - لقد كان الكفار وخلال خطابهم للنبي إبراهيم (علیه السّلام) ونزاعهم معه، يلجؤون في أحيان كثيرة نحو أساليب التهديد والوعيد فيقولون له: إن عارضت آلهتنا فلن ينالك سوى غضبها وانتقامها منك، فإما أنك ستجن أو ستصاب بالفلج!، لكن النبي إبراهيم كان يقول لهم بالمقابل(وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ).

6 - لقد كان النبي إبراهيم أيضاً يقدم للمشركين أمرين اثنين بهدف هدايتهم :

الأمر الأول: الاجتهاد والسعي لإثبات ربوبية الله تعالى وإثبات خالقيته وحده، والتأكيد على أنه هو الهادي والدليل الذي يري العباد علامات وآيات خلقه، ويوجههم نحو الخالق الحق، وبالتالي فالفطرة السالمة لا تقبل غير عبادته (قالَ أَتُحاجُّونّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ) .

الأمر الثاني: إبطال عقيدة الشرك وتعدد الأرباب وتداخل قدراتهم في إدارة حياة الإنسان: حيث يقول (علیه السّلام) بأني لا اخاف من آلهتكم هذه، لأنها مخلوقات وحادثة، وهي لا تنفع أو تضر صاحبها في شيء، وعليه فليس هنالك من قيمة للحجج التي تقدمونها.

7 - عبارة (إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً) تسلط الضوء على إشكال لدى المشركين ضد النبي إبراهيم (علیه السّلام)، وهو أنهم كانوا يقولون له بأن غضب آلهتهم عليه هو ما جعله ينطق بهذا الكلام.. وهذا عين الضلال والجحود، وقد كان رد النبي (علیه السّلام) عليهم بأن أصنامكم ليس لها أي قدرة على على إيذاء أحد، إلا أن يشاء الله سبحانه، فكيف يمكن لمثل هذه الأصنام أن تكون صاحبة أثر في هذا العالم، فتضر وتنفع و...، ولا يشير الله إليها بشيء، فإما يحذر عباده أو يرغبهم نحوها؟ بينما الله عالم ومحيط بكل ما يجري في مملكته من شر وخير، وبعبارة أخرى لو خفتُ وفق ما تدعون من هذه الأصنام، فإن هذا الخوف يكون في حد ذاته دليلاً آخر على توحيد وربوبية الله

المتعال، لأنه شاء أن أخافها، وليس أصنامكم التي لا حول لها ولا قوة، ولذا فإن حدث وجرى علي وسط كل هذه الأمور مكروه ما فهو لأن الله هو من شاء لي ذلك لعلمه بصلاح حالي (وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءُ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ).

8 - عبارة (أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) في ختام الآية فيه سؤال وتوبيخ للمشركين، ممن لا يتدبرون في كل تلك المدركات والحقائق الفطرية الداخلية.

الآية 81

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الخوف، الشرك، النزول، السلطان، الحق، العلم»

وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَنَا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأُمِّنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية منطق واستدلال آخر على أن النبي إبراهيم (علیه السّلام) يستكمل خطابه لقومه المشركين، فیقول: هنالك تناقض بین عملكم وأقوالكم، فأنتم تخيفونني مما لا يثير في الخوف أبداً، في الوقت الذي لا تخشون فيه من إله العالمين وخالقهم أجمعين، وبالموازنة بيني وبينكم أرى نفسي بأمان، أكثر مما أنتم فيه.

2 - إن سبب أني لا أخاف من آلهتكم، هو أنكم لم تستطيعوا حتى الآن إثبات أن آلهتكم قادرة على القيام بأي نفع يفيد مخلوقاً، أو أي ضرر تصيب به مخلوقاً آخر، في الوقت الذي لا أرى فيه أن هنالك من يستحق عبادتكم إياه غير الله فهو المدبر لكافة الأمور، وإن هذا القياس الوارد في هذه الآية هو قياس استثنائي.

3 - لا شك أنه ولأن الله سبحانه هو الموجد والخالق لكل المخلوقات والمدير لها، فإن افترضنا أن إلى جانبه هنالك آلهة أخرى وأصنام شريكة فيما خلق، فالأولى أن يعلن تعالى عنهم ويشير إليهم من خلال آياته ومعجزاته، أو أنبيائه، فيوجب عبادتهم ويكلف عباده بتمجيدهم.

4 - كيف يمكن أن أخاف من الأصنام في حين أني أرى بانها لا تظهر أي علامة من علامات الشعور والتعقل، في حين أنكم ترفضون خشية الله وهو الذي أراكم قدرته في آياته

وخلقه.. وها أنتم تخشون الأصنام ولا تخشون رب العالمين!! (وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً).

5 - لم يستخدم النبي إبراهيم (علیه السّلام) لفظ (أنا وأنتم) في الآية بل قال (أَيُّ الفَرِيقَيْن..) وذلك لأسباب منها أولاً: عدم إثارة حميّتهم وعصبيتهم، وثانياً ليفهم بأن الاختلاف بينه وبين قومه، ليس أمراً شخصياً بل هو اختلاف عقائدي ومعرفي وديني جذري.

6 - كان من الممكن أن يقول المشركون بأن الله أمرهم بعبادة الأصنام، أو أنه توعدهم بالعذاب في حال تركهم لعبادتها، أو أن يقولوا بأنهم يعبدونها ليكونوا مقربين عند الله عز وعلا، (ما نَعبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّه زُلفى)(1)أو أن يستندوا في تبرير أفعالهم القبيحة إلى أنها أمر إلهي (وَالله أَمَرَنا بِها)(2)، لذا فإن الله سبحانه ومن خلال عبارة (عَلَيكُم سُلطاناً) يرد عليهم وعلى ما قد يقدمون من حجج وأسباب واهية، فيقول لهم أين حجتكم فيما تدعون ؟! هل أنزل الله بها علیکم سلطاناً، أو أوحى إليهم بوحي ؟! أم أن عقولكم حكمت بها؟!

7 - جملة (فَأَي الفَرِيقَين) تشير أيضاً إلى حقيقة أنه إن تنازلتم عن عنادكم وجهلكم وعصبيتكم وحماقتكم، فعدتم إلى باطن أنفسكم، وتأملتم، فسوف تعلمون بأن الذين توصلوا إلى عبادة الله بعد التفكر والتدقيق، فأطاعوا وعبدوا، هم الأحق بمستقبل آمن ممن هم يستمرون بعناد وجهل وإصرار على شركهم دونما أي سبب مقنع أو دليل صائب.


1) الزمر / 3

2) الأعراف / 28

الآية 82

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «اللباس، الإیمان، الظلم، الهداییة»

الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَيكَ هُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية هنالك رد من قبل النبي إبراهيم (علیه السّلام) على سؤال طرحه بنفسه في الآية السابقة، وهذا أسلوب استدلالي علمي، يقوم فيه صاحب الإستدلال بطرح سؤال يعرف مسبقاً ما هي إجابته، كطريقة لإثارة ذهن الشخص المقابل (الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ).

2 - تعدّ هذه الآيات في واقع الأمر بمثابة خلاصة للآيات السابقة، المشيرة إلى التوحيد والشرك، والمراد من الظلم في هذه الآية هو الشرك، فرغم أن الظلم في بعض الروايات حُمِل شكاً وتردداً،(1)إلا أن الشك غالباً ما يكون غير اختياري ومقدمة للتحقيق، ولكنه في أحيان أخرى إشارة على التشكيك الذي هو بمعنى الظلم، وعن الإمام الباقر (علیه السّلام) أن هذه الآية نزلت في حق أمير المؤمنين (علیه السّلام) الذي لم يتوجه إلى الشرك في حياته ولو بلحظة.(2)

3 - كلمة (لبس) هي بمعنى التغطية، وعليه فإنه ولأن الإيمان أمر فطري، فلا يمكن أن يزول قط، لكن قد يغطيه الغبار.

4 - لعل السبب في اقتران النجاة والسعادة في هذه الآية مع الإيمان والعمل الصالح، فيه


1) تفسير العياشي، ج 1 ، ص 366

2) تفسیر فرات الكوفي، ص134

إشارة إلى مقام العصمة، فقوله تعالى (الّذِينَ آمَنُوا) تعني أن الذين آمنوا بحقيقة الإيمان ودرجاته (وَلَم يَلْبِسُوا إِيمانَهُم بِظُلم) سواء بظلم غيرهم أو ظلم أنفسهم، هم فقط المعصومون ممن لم يلتبس عليهم الأمر ولو لحظة من عمرهم الشريف، فلم يعصوا الله قيد أنملة، بينما الظالم يغشى قلبه الظلم والظلام فيعصي وتلبس الغبار عليه صفاء الحقيقة (لا ينال عَهدِي الظَّالِمِين)(1).

5 - حرف اللام قبل ضمير لهم في عبارة (أُولئِكَ لَهُم الأمن) تبين أن الأمان والسكينة خاصة فقط بأولئك الذين يؤمنون بالله سبحانه، ممن لم يرتكبوا أي ظلم (معصية وإثم) وهو الأنبياء والمعصومين (علیهم السّلام)، وأما سوى هؤلاء فإنهم إن عوقبوا من قبل الله على ذنب اقترفوه فهذا لا يتنافى وعدل الله سبحانه، وإن تابوا واستغفروا فلله أن يتفضل عليهم بالمغفرة أو له ألا يقبلها، وهو في هذا أيضاً لا يناقض العدل في شيء.

6 - قد يقدم أحدهم انتقاداً فيقول بأن الأنبياء والمعصومين (علیهم السّلام) إذ منحوا تلك الفيوضات الإلهية فهذا من باب التفضل والمن عليهم من قبل الله سبحانه، وليس لأنهم استحقوا ذلك بالفعل، فالله له الفضل على كل من سواه، ولا يدين لأحد بشيء مطلقاً.

وفي الرد على هذه الشبهة نقول: هنالك فرق بين الأمان من العذاب ونيل الثواب، فمن المؤكد أن من لا يلوّث نفسه بالمعصية لا يمكن أن يستحق العذاب، بل إن تعذيبه وهو على هذه الحالة من الإطاعة أمر ينافي العدل ويناقضه، إلا أن نيل المثوبات هو من باب التفضل الإلهي، وذلك لأن أدائهم لكل العبادات هو أمر واجب عليهم، بل ولا يكفي لشكر النعم الإلهية عليهم، فكيف بهم يستحقون لها المثوبات.


1) البقرة / 124

الآية 83

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحجة، إبراهیم، الدرجة، الحکمة، العلم، الرویة، الملکوت»

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ (83)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تشير هذه الآية إلى كافة الأبحاث الماضية في الآيات السابقة، حول التوحيد ومقارعة الشرك، مما نُقل عن إبراهيم (علیه السّلام) (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ).

2 - اسم الإشارة تلك يستخدم للدلالة على شيء بعيد، والسبب في استخدام تلك هنا هو: أولاً لتعظيم مكانة الحجة الإلهية، وثانياً لتبيين أن بلوغ الحجة الإلهية، وإدراكها ليس بالأمر اليسير أو الوفير ، لأنه أمر يحتاج إلى مقدمات نابعة من الفطرة الطاهرة المترفعة عن الذنوب والأهواء، والله سبحانه يقول في هذه الآية بأنه منح هذه الحجة لنبيه إبراهيم (علیه السّلام) بناء على ما كان يمتلكه من مقدمات.

3 - يجب على الإنسان أن يبذل جهداً ويعمل بجد من أجل اكتساب بعض الدرجات العلمية المختلفة أو بعض درجات العبادة والتقوى الإلهية الإكتسابية، والله يرفع من يشاء، أي إلى درجات الكمال المعنوية والفضائل الواقعية، فمثلا إذا كانت درجة العلم والتقوى اكتسابية فإن الإنسان بالجهد والعمل يكتسبها بتوفيق من الله سبحانه، ولكن إن كانت الدرجات إلهية مثل الرسالة والنبوة، فهي حينئذ تكون رزقاً غير اكتسابي ولا اختياري، بل هي تجري وفق مصالح لا يعلم كنهها إلا الله سبحانه، فهو يمنحها من يشاء من عباده الخلص.

4 - إن الهداية ورؤية ملكوت السماوات والأرض واليقين القلبى والحجة القاطعة، كلها من جملة درجات العلم ومراتبه، التي منحت للنبي إبراهيم (علیه السّلام)، لهذا كان مصداق الآية (يَرْفَعُ الله

الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ).

5 - جملة (نَرفَع دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ) تبيان لحقيقة أن كل هذه الكمالات هي كليات تصل إلى درجات لا نهاية لها، وهي تختلف من إنسان إلى آخر بحسب شدتها أو ضعفها، فإيمان الضعفاء نوع مختلف عن إيمان شخصية مثل أمير المؤمنين (علیه السّلام)، هذا الإيمان الذي يقول فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لو أن السماوات السبع والأرضين السبع وضعتا في كفة ووضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي،(1)بل وقوله الله : (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا).(2)

6 - جملة (إِنَّ رَبَّكَ حَكيمٌ عَليمٌ) تشير إلى حقيقة أن الله سبحانه لا يقدم أحداً على الآخر لأهواء ومنافع والعياذ بالله فالدرجات التي منحها جل وعلا لإبراهيم (علیه السّلام) هي من أصل المعرفة والاستحقاق، ووفق الموازين والحكمة، مما لا يمنح إلا لأهله.

7 - إن أي نوع من أنواع الكمال والإيمان والمراتب العلمية والكمالات النفسانية، من أخلاق فاضلة وأعمال صالحة وهداية وتقوى و مثيل ذلك.. هو فقط يأتي من جانب الله تعالى ولو كان جزءاً من الأعمال الاختيارية (العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء) (بَل الله يَمُن عَلَيكُم أَن هَداكُم لِلإِيمان)(3)(وَ الَّذِين جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا).(4)


1) الأمالي، الشيخ الطوسي، ص238

2) مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج 2، ص 38

3) الحجرات/ 17

4) العنكبوت/ 69

الآية 84

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «إسحق، یعقوب، الأولاد، الذریة، داود، سلیمان، أیوب، یوسف، موسی، هارون، الإحسان»

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (84)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - استئنافاً للآيات السابقة ما استعرضته من كرامات ومقامات عالية منحت للنبي إبراهيم (علیه السّلام)، تشير هذه الآية إلى الهبة التي أعطاها الله سبحانه للنبي إبراهيم (علیه السّلام) في ذريته، فكان له بشرى إسحاق من زوجه سارة التي كانت مسنة ،وعاقراً، كما في الآية 74 من سورة هود (فَبَشِّرناها بإسحاق وَ مِن وَرَاءِ إِسحاق يَعقُوب).

2 - أن تكون ذرية الإنسان من الأنبياء، ليس لوحده سبباً للتفاخر بحدّ ذاته، فذرية إبراهيم (علیه السّلام) كانوا جميعاً أصحاب كمالات وصفات عليا، متمتعين بهداية الله سبحانه لهم، بما تميزوا به من فکر وقاد بالإيمان وقلب ممتلئ باليقين، فكان كل منهم لوحده أهلاً للهداية لذاته وما يملك، لا لأنه ابن نبي وما سواه (كُلًّا هَدَيْنا).

3 - هذه الآية توضح فضل الله سبحانه على نبيه إبراهيم وعلى سائر الأنبياء (علیهم السّلام)، وتستعرض جانباً ضئيلاً جداً من نعمه سبحانه، مما وهبه لهم بسبب نقاء فطرتهم واهتدائهم.

4 - في هذه الآية والآيتين التاليتين لها، ذكر ل- 17 من أنبياء الله سبحانه، وإن ترتيب ذكرهم ليس وفق الزمان ولا الدرجة، ولكن قد يكون تقسيمهم في هذه الآيات الثلاث وفق ما يلي: في الآية 84 أسماء الأنبياء ممن كان لهم حكم وحكومة ، وفي الآية 85 أسماء الأنبياء الفقراء ممن

لم يكن لهم نصيب في متاع الحياة الدنيا وفي الآية 86 أسماء الأنبياء ممن أصابتهم مصائب عظيمة.

5 - أحد الهبات التي منحها الله سبحانه للنبي إبراهيم (علیه السّلام) هي الذرية الصالحة واللائق بالكرامات، وهذا في حد ذاته من أعظم نعم الله سبحانه.

6 - لا شك أن سلالة الهداة لم تنقطع قط في الذرية البشرية، فالهداية لم تبدأ فقط مع ذرية إبراهيم (علیه السّلام) إذن ، كما أن الهداية شملت نوحاً (علیه السّلام) الذي سبق إبراهيم (علیه السّلام) وهو ما تشير إليه الآية الكريمة من أن الله سبحانه هدى ذرية نوح (علیه السّلام) أيضاً، فكان فيهم الأنبياء وكذلك أنبياء الله داوود وسليمان وأيوب ويوسف (علیهم السّلام) ممن كان لهم إضافة إلى النبوة، ملكاً وسلطاناً.

7 - في كلمة (ذريته) يشير الضمير إلى احتمالين: الأول أنه يعود إلى إبراهيم (علیه السّلام) لأن الآيات السابقة كانت عنه، وأغلبية المذكورين في الآية هم من ذريته، والرواية توافق هذا الإحتمال،(1)والاحتمال الثاني أن الضمير يعود إلى نوح (علیه السّلام)، لأن الضمير قريب إلى اسمه في الآية، وهو أول أنبياء أولي العزم، ودينه كان باقياً حتى زمان إبراهيم (علیه السّلام)، كما أنه أخذ لقب شيخ الأنبياء (علیهم السّلام) الطول عمره الشريف، والأهم من هذا كله ما أطلق عليه من أنه آدم الثاني ، وذلك لأنه وبعد آدم فإن ذرية البشرية كلها خرجت من نسله، ومن ضمنهم أنبياء من أمثال لوط وإلياس، ممن هم ليسوا من ذرية إبراهيم (علیه السّلام).

8 - تقديم كلمة (كلا) في عبارة (كُلّا هَدَيْنَا)، هو لجهة الإشارة إلى أن الهداية الإلهية تشمل بشكل مستقل كل واحد ممن ذكرت أسمائهم، وليس أن الهداية اختصت بالنبي إبراهيم (علیه السّلام) ثم من بعده شملت ذريته وكأنها إرث.

9 - في ختام الآية، تقوم الآية بإبلاغ أهمية الهداية الإلهية من خلال لفظ (كذلك) في عبارة (كَذَّلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ)، وتوضيح مقامهم ومكانتهم نتيجة أعمالهم وأخلاقهم.


1) راجع: تفسير القمي، ج1، ص209

الآية 85

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «زکریا، یحیی، عیسی، إلیاس، الصالح»

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّلِحِينَ (85)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - من المعلوم والواضح أن ذكر أسماء هؤلاء الأنبياء في هذ الآية، ليس بداعي منحهم مقاماً تشريفياً افتخارياً، بل أنهم مستحقون لمنزلتهم بسبب أعمالهم الصالحة في سبيل إرضاء الله تعالى.

2 - يمتاز هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه الآية بزهدهم وإعراضهم عن الدنيا.

3 - توضح هذه الآية أن الانتساب إلى ذرية عن طريق الأم أمر صحيح، فالنبي عيسى (علیه السّلام) هنا قد عُد في ذرية إبراهيم (علیه السّلام) رغم أنه ينتسب إليه من قبل الأم وليس الأب، إذا فيمكن هنا أيضاً الإشارة إلى أن الإمامين الحسن والحسين ، كانا أيضاً من ذرية النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، بما كان يثير حنق بني أمية وكرهها، بينما في هذه الآية تصديق مؤكد على أن عيسى (علیه السّلام) ورغم أنه تفصله سلالة طويلة عن نوح (علیه السّلام)، لكنه مع ذلك يعتبر ابناً لنوح (علیه السّلام)، فكيف بالإمامين الحسن والحسين وهما لا تفصلهما عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سوى ابنته السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء ، وبين موافق ومخالف لهذه الحقيقة يأتي حديثه (صلی الله علیه و آله و سلم) (ابنای هذان امامان قاما او قعدا)(1).


1) مجمع البيان، ج 2، ص 763

الآية 86

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «إسماعیل، الیسع، یونس، لوط، التفضیل، العالم»

وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - حرف الواو في بداية الآية هو لعطف (ومن ذريته) التي تعني ذرية النبي نوح (علیه السّلام).

2 - هنالك أقوال عديدة حول أن اسم (اليسع ) هو اسم مستقل في ذاته، أم أنه مضارع (وسع) مثلما هو اسم النبي يحيى (علیه السّلام)، أو أنه نفس اسم يوشع، مع تغييرات في الاسم لنقله من العبرية إلى العربية، لكن على كل حال فاليسع (علیه السّلام) هو أحد أنبياء بني إسرائيل، وقد ذكر في موضع آخر في سورة ص، الآية 48 ، لكن لم يذكر في القرآن أي شيء عن حياة هذا النبي.

3 - كلمة (عالم) تطلق على مجموعة من الناس مثل (عالم العرب) و (عالم العجم)، وفي الآية ذكرت منزلة الأنبياء وفضلها وعلوها فوق العالمين، لأنهم كانوا يتمتعون بهداية الله الخاصة دونما أي واسطة تذكر ، ثم شملت ببركتهم الهداية كل البشر ، مع فارق أن الأنبياء اهتدوا فطرياً وليس بدعوة من شخص آخر أو هدايته، وقد اعتبر البعض في هذا السياق أن لفظ العالمين هو الناس الذين كانوا يعيشون في زمنهم.

4 - لا شك أنه وبدليل الآية 254 من سورة البقرة (تِلك الرُّسُلُ فَضّلنا بَعضَهُم عَلى بَعض) فإن النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو أفضل الأنبياء على الإطلاق، ورسالته كذلك الأفضل والأكمل، فهو الملقب ب-(خاتم الأنبياء) كما في الآية 40 من سورة الأحزاب (ما كان مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِن رِجالِكُم وَلكِن رَسُول الله وَخاتَمَ النَّبِيِّين).

5 - قيل فيما يخص النبي لوط (علیه السّلام) أنه ابن أخ إبراهيم (علیه السّلام) هاران، والبعض قال بأنه ابن أخته، وأنه أول من آمن له، (فَآمَن لَه لُوطٌ)(1)، كما أن أمير المؤمنين (علیه السّلام) كان أول من آمن بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وبعث نبياً لقومه، وفي القرآن الكريم تفاصيل قصته.

6 - اللافت في هذه الآيات المتتالية أن أسماء الأنبياء (علیهم السّلام) قد وردت بشكل يتعارض ومنزلتهم أو زمانهم. وقد شغل هذا الأمر المفسرين، حيث أشاروا إلى عدة تأويلات في هذا الجانب، على أنها لا تبدو من الصحة بمكان، لكن الرأي الأقرب إلى الصحة بينها، هو الرأي الذي يقسم الأنبياء وفق ورود أسمائهم إلى ثلاث مجموعات المجموعة الأولى وتشمل أسماء ستة أنبياء هم (داوود، سليمان، أيوب، يوسف، موسى وهارون) وهم أنبياء كان لهم حظ من الملك والحكم إلى جانب رسالتهم.

المجموعة الثانية: وتشمل أربعة أنبياء هم (زكريا، يحيى، عيسى وإلياس) وهم أنبياء يشتركون في أنهم عاشوا حياة الزهد والإعراض عن الدنيا.

المجموعة الثالثة: وفيها أربعة أنبياء هم (إسماعيل، اليسع، يونس ولوط) وهم في الواقع لا يشتركون في أمر، غير أنهم وجهوا إمتحانات عظيمة.

وعلى أي حال، فالله أعلم بمقام الأنبياء، وأفضليتهم على العالمين، إضافة إلى التفاضل في المراتب فيما بينهم (علیهم السّلام) (تِلك الرُّسُلُ فَضّلنا بَعضَهُم عَلى بَعض).(2)

7 - إن كلمة (صالح) استخدمت في القرآن بمعنى المعصوم أو كمرادف له (كُل من الصّالِحِين).


1) العنكبوت / 26

2) البقرة / 253

الآية 87

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الآباء، الذریة، الإخوان، الهدایة، الصراط المستقیم»

وَمِنْ بَابِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَأَجنبيْنَهُم وَهَدَيْتَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية إشارة كلية إلى فضيلة الهداية والاجتباء بعض من آباء وأبناء وأخوة الأنبياء الصالحين ممن لم يرد اسمهم بالتفصيل في الآية الكريمة.

2 - كلمة (ذريات) هي هي بمعنى السلالة المستقلبية، أما (آباء) فتشير إلى سلالة السابقين، حيث شملتهما الآية هنا، مبينة أن الهداية لم تنقطع قط في البشرية من الأولين والآخرين.

3 - (اجتباء) تعني الانتخاب والاختيار، وهذا الاجتباء إما أن يكون منسوباً لعبد واحد عاديّ، أو بأحد الأنبياء والأوصياء.

4 - إجتباء الله لأحد عباده، يكون من خلال منحه فيض الهداية الإلهية، وأنواع الكرامات والنعم، لتكون من صلاحياته وضمن اختياراته، وهذا مما هو خاص بالأنبياء وبعض من الصديقين والشهداء ممن هم في مقام الأنبياء أيضاً.

5 - اجتباء الأنبياء هو بمعنى أن الله سبحانه قد جمعهم جميعاً على هدايته وصراطه المستقيم، الصراط الذي لا انحراف فيه، لا لجهة الظروف ولا لجهة الزمان، ولا لجهة الأشخاص والأجزاء والمقصد، فالله سبحانه يقول (فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدِّينِ حَنِيْفاً).

6 - جملة (وهَدَيناهُم) تبيّن أن الهداية هي هداية الله المطلقة إلى الصراط المستقيم، الذي لا انحراف فيه ولا ارتكاب للذنوب، وبطبيعة الحال فالهداية لا تكون إلا لأشخاص مميزين، من أمثال الأنبياء والأوصياء، والمعصومين من أمثال السيدة مريم ، والسيدة فاطمة الزهراء .

7 - الدين الحنيف هو الدين الذي فيه السعادة الأبدية والمعنوية، وفيه قوام المجتمع الإنساني، وتحققه مرهون بالعقيدة والعمل، وهو الدين الذي تسوقنا إليه فطرتنا التي فطرنا الله عليها.

8 - حاول البعض الاستفادة من كلمة (مِن) في (من آبائهم) للإشارة إلى أنه كان هنالك بين آباء الأنبياء أشخاص منحرفون أيضاً، إلا أن لحن الآيات يشير إلى مقام انتخاب الآباء للنبوة،وليس للإشارة إلى كفرهم أو إيمانهم.

الآية 88

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الهدایة، العباد، الشرك، الحبط، العمل»

ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن الله سبحانه هو الذي يهدي من يشاء من عباده (ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ).

2 - الهداية الصحيحة هي تلك التي تصدر عن الله سبحانه، وترشد الإنسان نحو صراط الحق، صراط الأولياء والأنبياء، وعلامة هذه الهداية هو أنها تعود في كلّها إلى تعاليم التوحيد وإقامة الدعوة والعبودية والتقوى.

3 - إن المواهب والكرامات والعطايا التي يمنحها الله للناس ببركة الهداية تستمر معه مادام متمسكاً بأصول العبودية وثابتاً ومخلصاً في أدائها، وإلا فتسلب منه متى تخلى عنها.

4 - يجب أن يكون معلوماً بأن الشرك هو الإيمان بجزء من الكتاب والكفر بالجزء الآخر، أو التفريق في إطاعة الأحكام الإلهية والقوانين الشرعية، فيقبل ببعضها ويرفض أخرى أو يعترض عليها، بل ويقوم بتغييرها وتحريفها ، أيضاً، فلا يكون عاقبة مثل هؤلاء إلا السقوط والانحطاط، بضلال أهوائهم وهوى أنفسهم.

5 - إن النظرة الإلهية لهذا الكون مبنية أولاً على أن الأصالة أولاً هي للحق وليس للأشخاص، وثانياً على أن قيمة كافة الأعمال مبنية على الإخلاص في العبادة، وثالثاً أن السنة

والطريقة الإلهية لا تقوم على التمييز والعنصرية، وبالتالي فلا يجب أن يظن أي أحد بأن الألطاف الإلهية تختص بأشخاص مرغوب بهم من قبل الله لاعتبارات خاصة وأهواء شخصية، فحتى الأنبياء والأولياء مع كل ما كانوا يتمتعون به من منزلة ومكانة رفيعة إذا حصل وأشركوا في ظروف ما، أو كانت أعمالهم خالية من الإخلاص، فلا شك بأنهم كانوا سيحرمون من تلك المكانة، بل وسيعاقبون وفق ذات القوانين الإلهية التي تسري على الآخرين (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

سؤال: الأنبياء معصومون ولا يمكن قط للشرك أن يلوثهم، فكيف يمكن أن تستعرض الآية المبحوثة مثل هذه الصورة بل وفي الآية 65 من سورة الزمر تأكيد على هذا المعنى (َئِن أَشْرَكت لَيَحْبَطَن عَمَلُك) فهل يمكن للأنبياء أن يشركوا؟!

في الإجابة على هذا السؤال نقول: رغم أن أغلب المفسرين قالوا بأن تفسير الآيات هو أن الأنبياء أيضاً لو أشركوا لنالوا ما ينال سائر الناس.. إلا أن في هذه الآية ثلاثة أمور هامة:

أولاً: أن الآية استخدمت في الفرض لفظ "لو" للدلالة على الفرض المحال.

ثانياً: شدة لفظ الآية وغلظته هو لجهة قطع الطريق أمام أطماع المشركين وآمالهم، ليعلموا بأن المنطق الإلهي يرفض أي لون من ألوان الشرك حتى لو كان صادراً عن الأنبياء.

ثالثاً: لفظ أشركوا وأشركت في الآيتين هو بصيغة الماضي، وبالتالي فليس بالمستقبل أو الحاضر، وعليه فمفاد الآية أنه إن قام الأنبياء في الماضي بالكفر لفقدوا لياقتهم واستحقاقهم للنبوة والإمامة والخلافة، كما يستفاد من مفاد الآية 118 من سورة البقرة (لا ينال عَهدِي الظَّالِمِينَ) .

الآية 89

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکتاب، الحکمة، النبوة، الکفر»

أُولَيكَ الَّذِينَ آتَيْنَهُمُ الْكِتَب وَالمُكْرَ وَالنُّبُوَةُ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَفِرِينَ (89)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن اسم الإشارة (أولئك) هو للإشارة إلى البعيد، واستخدم للدلالة على علو منزلة الأنبياء وارتفاع شأنهم، إضافة إلى الإشارة إلى كافة المذكورين في الآية السابقة، ومن جملتهم آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، وفي ذلك تشهد الآية بأنهم كانوا أنبياء وأوصياء.

2 - رغم أن ظاهر الآية يدل على أن الله سبحانه قد منح كل الأنبياء الكتاب والحكمة والنبوة، لكن ذلك لا يعني يعني أنه قد أرسل كتاباً مع كل نبي، بل حمل بعضهم كتب أنبياء سابقين، من مثل : صحف آدم وشيث ونوح وإبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل، إلى أن أرسل خاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) حاملاً أكمل الكتب السماوية وهو القرآن الكريم.

3 - المقصود من الكتاب المنسوب للأنبياء في القرآن الكريم، هو مجموعة الصحف والكتب التي كتبت فيها الشرائع الدينية، وعلى أساسها دعا الأنبياء أقوامهم.

4 - جاءت هذه الآية على ذكر امتيازات ثلاث منسوبة للأنبياء، وهي (الكتاب والحكم والنبوة)، وقد ذكرت في الآية باعتبارها في سياق الهداية الإلهية، وأنها من الآثار الخاصة على الهداية المتوجهة للأنبياء.

5 - (النبوة) في اللغة بمعنى تلقي الأوامر والنواهي عن طريق الغيب أو الوحي، كما أنها المقام الإلهي الذي يُعطى للأنبياء بفضل العناية الإلهية الخاصة، وهذه الأخبار هي أمور من عالم ماوراء الشعور والإحساس والشهود، كوحدانية الله والملائكة والبعث، وأما كلمة

(حكم) فهي بمعنى الحكومة وإدارة زمام الأمور، كما أنها تعني القضاء لمنع وقوع الظلم والجور، لإقرار دولة العدل .

6- قد يكون المقصود من عبارة (وَآتَيْناهُمُ ... وَ الْحُكْمَ) حكم الناس، وكدليل على لزوم إطاعة الناس لهم، كما جاء في الآية 25 من سورة ص حول النبي داوود (فَاحكم بين الناس بالحق).

كما أنها تؤكد بأن الحكم يجب أن يكون لمن جعل الله سبحانه لهم ذلك، فليس لأحد أن يحكم دون إذن إلهي بذلك، فإما أن يكون نبياً أو إماماً وفي زمان الغيبة يكون لمجتهد جامع للشرائط وفق نص حديث عن الإمام الصادق (علیه السّلام): (إني جعلته حاكماً).(1)

7 - المقصود من النبوة أعم وأشمل من الرسالة فحسب، فكل رسول هو نبي ولكن ليس كل نبي رسولاً، فقد لا يكون النبي مأموراً بنشر الدعوة، كما هو الحديث عن الرسول الأكرم علي (صلی الله علیه و آله و سلم) (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين).(2)

8 - يُفهم من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى قد أعد لكل زمان ومكان عباداً له، يحملون مسؤولية هداية وإرشاد الناس نحوه، بالشرائع والكتاب والنبوة والحكم، وبهم يحفظ الله جل وعلا دينه من الاندثار، وهؤلاء العباد هم الأنبياء ممن اختارهم الله واجتباهم، لأنهم لم يشركوا قط لا قبل النبوة ولا بعدها.

9 - اختلف المفسرون في مقصود هذه العبارة (فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) والتي تقول توضح خطاباً لله سبحانه نحو نبيه يقول له فيه: حتى لو كفر قومك بما جئت به ولم يتبعوك، فكفروا بالكتاب والنبوة، فإن دعوتك لن تبقى دون مجيب، لأن الله أمر بها قوماً لا يقبلونها فحسب، بل ويقومون بحمايتها.


1) الكافي، ج 1، ص 67

2) مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج1، ص 214

واختلاف المفسرين هو في تحديد هوية هؤلاء القوم، حيث قدموا لذلك خمسة احتمالات:

الاحتمال الأول: ما رآه البعض من أن هؤلاء القوم هم الملائكة، إلا أنه احتمال ضعيف.

الاحتمال الثاني: اعتقد فيه آخرون بأنهم المؤمنون، إلا أن هذا أيضاً ضعيف لأن بين المؤمنين منافقون أيضاً.

الاحتمال الثالث: ما ذهب إليه مفسرون آخرون من أن هؤلاء القوم هم أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أو المهاجرون أو الأنصار ، أو كلاهما معاً، في حين أن بين هؤلاء أيضاً مرتدون.

الاحتمال الرابع: في تفسير المنار وروح المعاني إشارة إلى أن المراد من هؤلاء القوم هم أهل فارس،(1)لكنه احتمال بعيد أيضاً.

الاحتمال الخامس: وهو الأقرب إلى الصحة، والذي يشير إلى أن المقصود هم الأنبياء ومن بعدهم الأوصياء والأئمة المعصومون (علیهم السّلام)، فهم المؤمنون حقاً، والثابتون على الحق، والمدافعون عنه، بإيمان خالص لا ظلم ولا شرك فيه، فهم مصداق الآية التالية (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلطَان على الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون).

10 - يُستفاد من عبارة (فَإِن يَكفُر بها هؤلاء) أن عدم الكفر يستلزم الإيمان بكافة الرسل، كما في الآية الكريمة (وَالمُؤْمِنُونَ كُل، آمَن بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّق بَين أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ)(2)والمراد من الكافر ليس الشخص الذي يؤمن ببعض الرسل ويكفر بآخرين، حتى لو كان يكفر بواحد منهم فقط، ولهذا ففي موضوع الاعتقاد بالأئمة الاثني عشر ، يكون ذات الأمر صادقاً أيضاً.


1) المنار، ج 7، ص 594 وروح المعاني، ج 4 ، ص 205

2) البقرة / 285

الآية 90

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الهدایة، الإقتداء، الأجر، الذکر»

أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهدَ بِهُمُ اقْتَدِةٌ قُل لَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية إشارة إلى الأنبياء السابقين للنبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، حيث تشير الآية إلى أن عليه (صلی الله علیه و آله و سلم) أيضاً أن يستكمل سيرهم ويقتدي بطريقتهم، والهاء في كلمة (اقتده) هي للوقف، كالآية القرآنية (فَيَقُول هَاؤُم اقرَؤُا كِتابِيَه إِنِّي ظَنَنت أَنِّي مُلاق حِسابيه)(1)وكذا الآية الشريفة رقم 25 من ذات السورة (يا لَيتَنِي لَم أُوتِ كِتابِيَه وَلَم أَدرِ ما حِسابِيَه).

2 - في هذه الآية، أمر موجه للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) باتباع الأنبياء الماضين، وليس اتباع شريعتهم أو دينهم ، لأن شريعة النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) جاءت ناسخة لسائر الشرائع، وكتابه حافظ لسائر الكتب وحاكم عليها.

3 - لا بد أن ندرك بأن أصل كافة الدعوات الإلهية واحد، رغم أن كل دعوة هي تأتي تكون أكمل من سابقتها.

4 - تأكيد هذه الآية على الاقتداء بالأنبياء السابقين هو لجهة الاحترام، وإلا فإن الهادي الأول هو الله سبحانه، وهداية الأنبياء هو هداية الله تعالى، وهذه الهداية لا يمكن أبداً أن تضعف أو يزول أثرها، فهي واحدة في المبدأ والهدف.


1) الحاقة / 19 و 20

5 - إن للهداية مفهوم واسع يشمل الأصول والأخلاق والتربية والتعليم، وما إلى ذلك من مواضيع أخلاقية كالصبر والاستقامة في مسير الهداية، واعتقادية في الدعوة إلى التوحيد ومعرفة الله و..

6 - إن السبب في أن الآية تختتم بمخاطبة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنقل للناس: إني لم آخذ أي شيء كأجر وثواب على إبلاغ الرسالة هو أن يُفهم الناس بأنه وكما أن الأنبياء السابقين لم يطلبوا مثل هكذا طلب، فإنني على طريقتهم ومثلهم لن أطلب مثل هكذا أمر منكم، فيهدأ بالهم وترتاح أنفسهم إلى أنه لن يُطلب منهم أي تعويض أو ثواب كأجر على تبليغ الرسول للدعوة لهم (قُلْ لا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً).

7 - تشير الآية إلى أن هذا القرآن هو كالتذكرة الداعية إلى الصحوة، فكلمة (ذكرى) بمعنى التذكر، ولكنها أبلغ وأثبت من التذكر، وهي دالة على أمر نبوة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) هي عامة لكل أهل العالم من الجن والإنس، وهي مستمرة حتى يوم الدين (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ).

8 - سؤال: أليس المودة في القربى هي أجر الرسالة؟ وهو ما جاء في سورة الشورى الآية 22 (قُل لا أَسْتَلْكُم عَلَيهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربى)، فكيف لا يظل هنا أجر عليها؟!

وفي الجواب نقول: لا شك أن المودة في قربى الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ليس أجراً على الرسالة، بل هو لطف ومحبة على الأمة، وهو بنفعهم في نهاية الأمر ولصالحهم، (قل ما سَأَلْتُكُم مِن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم)(1).


1) سبأ / 47

الآية 91

اشارة

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرِ مِن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَاءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ، قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلّمْتُم مَّا لَمْ تَعلَمُواْ أَنتُمْ وَلَا ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)

شأن النزول:

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «القدر، المنزلة، التنزیل، الکتاب، التوراة، موسی، قرطاس، الجهر، الخفی، العلم، اللعب»

نقل بأن فريقاً من اليهود كانوا ورغم معرفتهم بأن الوحي نزل على النبي موسى (علیه السّلام)، إلا أنهم كانوا يقولون عناداً وعصياناً بأن الله لم ينزل أي كتاب على أي نبي، فالآية تقول لهم، بأن كلامكم يناقض عقيدتكم، فإن لم يرسل الله أي وحي على أي نبي، إذن فمن أين لكم بالتوراة؟؟(1)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1- ندرك من شأن النزول ولحن الآية موضع البحث بأن الآية تعني جمعاً من اليهود وليس المشركين، إضافة إلى أن البعض يعتقد بأن هذه الآية نزل-ت استثناءاً في المدينة وبأمر النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، حيث جاءت وفق تناسب خاص وسط سورة مكية.

2 - كلمة (قدر) هي بمعنى الكمية والعدد في أي شيء، وأما التقدير فغالباً ما يترافق مع التوصيف والتعريف، الذي يوضح سلعة ما، ليجعلنا ندرك أبعادها ، وعليه فكلمة (قدر)


1) مجمع البیان، ج 4 ، ص 515

و ( تقدير) تفسر كاستعارة على مشخصات وأوصاف شيء ما بحيث يمكن اكتساب معرفة حوله.

3 - جملة (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) تعني أنه لا يمكن أبداً لعقل الإنسان وحواسه ومخيلته تمجيد الله وتعظيمه كما هو لائق به، لأنه غير قادر بالأصل على الإحاطة بتلك الساحة الإلهية المقدسة، بل يمكنه فقط ملاحظة ذلك المقدار الظاهر من العلامات والآيات والأعمال والأفعال الإلهية، بما يمكنه من إدراك أوصاف الخالق إلى حد ما.

4 - إن جملة (إِذْ قَالُوا..) تشير إلى أن إنكار الوحي هو في واقع الأمر عملية إخراج لله عن مقام ربوبيته وعناياته بجميع شؤون عباده فمن مقتضيات الألوهية هداية الناس، وهداية الناس يحتاج أنبياء وكتب سماوية ووحي، وهذا في حد ذاته لطف إلهي بعباده.

5 - إن الكثير من العباد غير قادرين بما لديهم من عقل دنيوي ومادي على إدراك أمور خارجة عن التصنيف العادي والطبيعي وما هو ضمن مجال الحواس الخمسة فحسب، وعليه فهم ينكرون كل ما هو مخالف لآفاق إدراكهم الضيقة من معجزات وكرامات، بما في ذلك مثلا وجود صاحب الزمان عج وتكلم النملة والهدهد وشق القمر وثعبان عصا موسى (علیه السّلام) وولادة النبي عيسى (علیه السّلام) من غير أب وطهارة السيدة الزهراء من حيض النساء والنفاس، بل وحتى تسبيح الجمادات وأذكار الحيوانات ... فهم ماديون لا يؤمنون إلا بالمحسوسات، ويقدمون أدلة و براهين تحرف من سواهم وتغرقهم في حضيض العصبية (إذ قالُوا مَا أَنزَلَ الله عَلَى بَشَرٍ مِن شَيءٍ).

6 - إن بعض اليهود وبسبب أهدافهم الشنيعة ولاستيائهم كون النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ليس منهم، كانوا ينكرون نزول الكتاب، رغم أن ذلك كان يضرهم أولاً، فإنكار الكتب السماوية يضرب اعتقادهم بالتوراة أيضاً، رغم ما أحدثوه من تحريفات فيه، فكانوا يظهرون منه ما يناسب أهوائهم النفسية ويغيبون ما لا ينفعهم ويرضيهم.

7 - لأنه من غير الممكن للعقل الإجتماعي والأحاسيس المادية الحاكمة اليوم في المجتمعات، أن توصل الإنسان إلى بلوغ المعارف الإلهية أو الفضائل المعنوية، وبالأصل

هنالك فرق شاسع بين الأمور المادية والأمور المعنوية، لذا فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر نبية (صلی الله علیه و آله و سلم) برد إدعاءات الباطل بالكلمة والحجة، وفي هذه الآية ولأن الإجابة عن السؤال المطروح واضح وجلي، فقد أوكل الله سبحانه لنبيه مهمة الإجابة (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذي جاءَ بِهِ مُوسي نُوراً وَ هُديَّ لِلنَّاسِ).

8 - لأن عبارة (وَعُلَّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا...) جاءت في مقام الدفاع عن القرآن الكريم، فهي تبين أولاً أن المقصود من العلم هنا ليس العلم المادي، وعليه فالمقصود من التعليم والعلم هو ما لا يستطيع الإنسان تحصيله بالأدوات والوسائل الإعتيادية أو المادية، وهي في الواقع مجموعة الحقائق التي يوحي بها الله إلى أنبيائه وحملة وحية، سواء كان بوسيلة الكتاب أو بأي وسيلة تعليمية أخرى تفوق قدرة العقل والحواس البشرية على الإدراك، وثانياً أنه يُعلم من هنا بأن الخطاب موجه لليهود وليس للمشركين، لأن المشركين لا علم لهم بمثل هذه العلوم، وهم جهلة بما جاء به أنبياؤهم، أما اليهود فهم من قالوا إثارة للفتنة وعلى أساس من مشاعر التعصب (ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) ، وتقول ثالثاً إن كان إدعاؤكم هذا صحيحاً، فكيف أُنزلت التوراة على النبي موسى (علیه السّلام)؟ ومن أنزلها عليه ؟ ومن أين جاءت كل تلك التعاليم السمائية والمعنوية مما كان أمراً غير عادي بينكم وبين أبائكم؟

9 - قد يكون الفاعل في فعل عُلّمتُم يعود إلى الله سبحانه وتعالى، وقد يكون الكتاب.

10 - كلام اليهود لم يكن إلا ضرباً من اللغو والتراهات، محاولة التلاعب بالوقائع المشهودة، وهذا التفسير الوحيد لتصرفهم، لأنهم إن اعترفوا بأن الله قد أنزل التوراة على النبي موسی (علیه السّلام)، فهذا يعني أن عليهم أيضاً الاعتراف بأن الله قد أنزل على من سواه كتابا آخر، والله هنا يخاطب نبيه عنهم فيقول إن رفض اليهود أيضاً نزول القرآن عليك، فقل هو من عند الله وهو القادر على إنزاله، وإن استمروا في عنادهم ف-(ثُم ذَرهُم فِي خَوضِهِم يَلْعَبُون) وفي الآية 3 من سورة الحجر مثيل ذلك أيضاً (ذَرهُم يَأكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلهِهِم الأَمَلِ, فَسَوفَ يَعلَمُون).

الآية 92

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکتاب، القرآن، البرکة، الصدق، الإنذار، أم القری، الصلوة»

وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَدٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن البحث الذي طرح في الآية السابقة حول كتاب اليهود وما ذكر عن التوراة، كان مقدمة لما جاء في هذه الآية من إثبات لأن القرآن الكريم هو أيضاً كتاب سماوي، منزل من عند الله سبحانه، وليس للنبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) أي يد في كتابته وتدوينه.

2 - إن هذا الكتاب يهدي الناس وبما يحتويه من خيرات وبركات ويرشد من يرغبون برضا الله نحو سعادتهم الدنيوية والأخروية، لأنه يضعهم على الصراط المستقيم وينجيهم من الضياع والهلاك.

3 - للقرآن بركات كثيرة يمكن هنا ذكر بعضها تلاوة ،القرآن النظر إليه، التدبر بآياته، تطبيق أوامره، الاتعاظ به، أخذ العبرة من قصص الماضين، الاهتداء بهداه، الاستشفاء بقراءة آياته وسوره نيل الشفاعة يوم القيامة، الاستفادة من بركاته، الاستفادة من خصائص سوره و آیاته کدلیل وإثبات على أنه معجزة أبدية لكل الأزمان، إثبات العقائد الحقة حول الإمامة والعدل والمعاد والصفات الإلهية والفضائل النبوية .... (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحصُوها).

4 - يؤيد القرآن الكريم نزول الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل مما لم تطله يد التحريف، وهو كتاب يتميز ببركات خاصة لأنه منزل من عند الله، وإلا لما كانت له أية بركات

ولما كان من الممكن إثباته ، ورغم أن بعض المفسرين ذهب إلى أن جملة (مُصَدِّق الَّذِي بَين يَدَيه) تشير إلى الكتب السماوية السابقة للقرآن (التوراة والزبور والإنجيل) لكن هذا الرأي غير مكتمل ، فالظاهر أن المقصود من التصديق هو شهادة الأنبياء السالفين، لأنه إن لم يكن القرآن موجوداً، فلم يكن لدينا من حجة على نبوة ورسالة أحد من الأنبياء، من آدم وحتى عيسى (علیهم السّلام)، لأنه لم يكن هنالك من قبل موسى (علیه السّلام) أي شيء يثبت وجودهم سوى القرآن الكريم، وأما عن النبيين عيسى وموسى، فرغم أن اليهود والنصارى يؤمنون بنبوتهم، إلا أن كتابي التوراة والإنجيل المتوفرين اليوم، بل وحتى كتب العهد القديم والجديد المنسوبة للأنبياء، يوجد فيها وباعترافهم انقطاعات في تواتر الأسناد، وهذه الانقطاعات هي في ثلاث مراحل وثلاث مراتب، حتى أنه كان التوراة لا يبقى من ذكر اسمه شيء خلال تلك الانقطاعات، إضافة إلى وجود صور للكفر المتعدد فيها والتناقض بين الأناجيل الفعلية لديهم، وهذا بحد ذاته دليل على كذبهم، ولولا ذكر القرآن اليوم لما كان بإمكاننا الإيمان بأي منهم .

5 - أحد أهداف نزول القرآن الكريم المشار إليه في هذه الآية هو إنذار أم القرى (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى) ، أي أن الله تعالى أرسل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالرسالة إلى أم القرى(مكة المكرمة) وكافة المناطق المحيطة بها، لينذرهم ويحذرهم ويوجههم إلى مسؤولياتهم، وقد أطلق اسم أم القرى على مكة المكرمة، لأنها كانت أصل وجود سائر اليابسة والأرض وفق روايات عديدة،(1)وهو ما يدعى بدحو الأرض، وبناء عليه فإن من حولها يشمل كل البشر على وجه الأرض، إضافة لما جاء في صريح الآية (وَ ما أَرسلناك إِلَّا رَحمَةً لِلعالَمِين) التي تشير إلى أن النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) هو نبي للإنس والجن على حد سواء.

6 - إن الوثائق والنصوص التاريخية تشير إلى أن القرآن الكريم ذاته هو أفضل دليل وبرهان


1) علل الشرائع، ج 2، ص 593

لإثبات حقانيته، وعلى هذا الأساس من البراهين يقوم بتصديق الكتب المقدسة السابقة ويطابق بين ما جاء فيها من علامات وبين ما حدث من وقائع تاريخية.

7 - لأن هذا الكتاب يضمن أمان الإنسان المؤمن الدائم ويحقق أهدافه ومثله في حياته الدنيوية المؤقتة، والحياة الأخروية الأبدية، وهو يحذر الكفار من العذاب الأبدي ويخيفهم منه، لذا فإن المؤمنين به هم ممن يؤمن بالآخرة والمعاد.

8 - (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) يبين أن الإيمان الكامل والصحيح يشمل الإيمان بكافة الحقائق والعقائد من التوحيد وحتى المعاد، لأن الإيمان بالآخرة يلزمه الإيمان بالتوحيد والنبوة والعدل والإمامة وسائر ضروريات الدين.

9 - جملة (يُؤْمِنُونَ بِه) تؤيد حقيقة أن معجزة بقاء القرآن هي بحد ذاتها برهان على إثبات كافة عقائد المسلمين والدليل الحق على وجود الله ووحدانيته والنبوة والعدل والإمامة والمعاد وسائر ما ذكر فيه.

10 - المؤمن بالقرآن يعلم أن الصلاة هي ركن الدين الأعظم، لأنها عمود الدين، وقربان كل تقي، وأول ما يحاسب به العبد، وعنوان صحيفة المؤمن، وأنها إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها، وبطبيعة الحال فإن على المؤمن المواظبة على إقامة مثل هكذا ركن أساسي، لتعم عليه بركاتها وفيوضاتها (وَهُم عَلى صَلاتِهِم يُحافِظُون).

الآية 93

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الظلم، الإفتراء، النزول، الموت، الملک، الحیاة، البسط، الأیدی، العذاب، الحق، الآیة، الکبر»

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٍ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَيْكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ وَايَتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في سياق الآيات السابقة التي أشارت إلى خطاب اليهود في نفيهم نزول الكتب السماوية على أي أحد، فإن هذه الآية تتكلم عن مذنبين آخرين ممن هم في الطرف المعاكس لهؤلاء، فيدعون كاذبين أن الوحي قد نزل عليهم.

2 - في هذه الآية بيان لثلاث مجموعات لأشد مراتب الظلم والجحود وأسوأهم استبداداً، مما لا يختلف عقل على شناعة أفعالهم، وقد وردت بشكل سؤال كما يلي:

المجموعة الأولى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً).

المجموعة الثانية: (أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ).

المجموعة الثالثة: (وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ).

3 - إن سبب اعتبار هؤلاء الأشخاص كظالمين وأكثرهم استبداداً، هو أنهم يظلمون أنفسهم

ويظلمون الآخرين ممن هم حولهم، وأي ظلم أكبر من أن يدعي القيادة شخص لا يمت لها بصلة.. كيف وإن كانت هذه القيادة التي يدعيها هي منزلة إلهية ومكانة سماوية من قبل الله تعالى.

4 - لأن لفظ افتراء هو بمعنى الكذب، وورودها في بداية الآية، فإنه لم يكن من داع لتكرارها بلفظ كذباً، لكن هذا اللفظ جاء في الآية للتأكيد على أن الافتراء هو كذب وظلم عظيم، وأن الكذب على الله يوجب الكفر ، كما جاء في كتاب الكافي أنه سئل الإمام الصادق (علیه السّلام) عن حدّ الكفر فقال: (من قال للنّوى أنه الحصى)،(1)فالتغيير في الدين ولو بجزء طفيف، هو بدعة عظيمة.

5 - المراد من (ظالمين) هم مجموعة من تلك المجموعات الثلاث المذكورة في الآية، بأنها الأشد ظلماً، لقولهم على الله الكذب، أي الإشراك به إدعاء النبوة وكذا الاستكبار على الآيات الإلهية، وهو فعل من يتخذ آيات الله سخرية ويدعى بأنه قادر على إنزال مثيلها.

6 - رغم أن لفظ أظلم يشير إلى الناس، ولأن الجمع المحلى بألف ولام يفيد العموم، إلا أن الحكم يسري على جميع الظالمين.

7 - (غمر) هو بمعنى التغطية والستر بشكل لا يبقى أي أثر من الشيء ظاهراً، وعليه فإن الإنسان إن غرق في أعماق الجهل واشتدت عليه قيل (غمرات) وهي جمع غمرة، وتعني الشدة لحظة الموت، التي هي على الكفار أشد وفق ما جاء في الأخبار، حتى أنها شُبهت بالمقاريض التي تقرض الأبدان وبأن الإنسان في تلك اللحظات يرى مقعده في النار ويرى ملائكة جهنم وأسواط اللهيب والزناجير والأغلال مُعدّة له..

8 - البسط هو بمعنى الفتح، وضده القبض بمعنى الإغلاق، وبسط اليد إما يكون للإعطاء والإهداء كما في الآية الشريفة (وَلا تَجعَل يَدَك مَعْلُولَةً إِلى عُنُقِك، وَلا تَبسُطها كُل البَسطِ)(2)أو


1) أطيب البيان، ج 5، ص 139

2) الإسراء /29

يكون ذلك للأخذ والامساك، وأما في هذه الآية فهو للإشارة إلى أخذ الروح وقبضها، لذا يطلق على عزرائیل قابض الأرواح ، وأما بسط الملائكة فهو بمعنى البدء بتعذيب المذنبين والظالمين، وهذا العذاب هو ما ذكر في الجملة التالية، في أن الملائكة تخرج الروح من أجسام الظالمين عند موتهم (وَالمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِم أَخرِجُوا أَنفُسَكُم).

9 - إن الأمر بإخراج الأرواح أمر تكويني، لأن موت وحياة الإنسان ليسا بيد الإنسان، والروح لا تخرج إلا بأمر تشريعي من قبل الله سبحانه، حيث تنفصل عن الجسد وتفقد اتصالها به (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وأَحْيَا).

10 - سؤال: لا شك أن الجميع يعلمون بأن الروح مجردة، فكيف يمكن للروح أن تقبض وتُخرج من البدن وتُمسك وهي مجردة لا تتميز بإمكانية الإمساك والقبض؟

وفي الإجابة على هذا السؤال نقول: أن المقصود من قبض الروح وإخراجها في هذه الآية، هو قطع اتصالها بالجسد، فالجسد هو عنصر الروح الدنيوي، ولدى إخراج الروح منه تعود بقدرة الله تعالى إلى هيكلها وقالبها المثالي وصورتها البرزخية.

11 - عبارة (اخرجوا) في (أَخرِجُوا أَنفُسَكُم) تدل على أن الملائكة تخرج الروح الإنسانية وليس الإنسان هو من يفعل، وفي العبارة شكل من الإهانة والإذلال لأصحاب هذه المجموعات الثلاث، كأن تقول مثلا أخرج روحك أو مُتْ و... (وَالمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُم).

12 - من الممكن أن يأتي أحد فيجعل إشكالاً فيقول: أنتم تفسرون كلمة (اليوم) بأنها اليوم الذي يحل الموت فيه، وعبارة اليوم تجزون عذاب الهون بأنها بداية العذاب منذ خروج الروح وبدء عالم البرزخ، في حين أن عذاب الهون هو في جهنم؟

الرد : إن هذا الإشكال باطل ومردود لأن مهالك الكافر تبدأ منذ اللحظة التي يموت فيها، فتبدأ في البرزخ فعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) (إذا مات ابن آدم قامت قيامته)(1)وعليه فلا حاجة بنا للقول


1) إرشاد القلوب، ج1، ص 18

بأن المراد بذلك يوم القيامة.

13 - إن منشأ وعلة عذاب أصحاب المجموعات الثلاث في صدر الآية، هو العناد والعصيان وتكذيب الأنبياء والتكبر والفرعنة والتجبر (بما كُنتُم تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَق وَكُنتُم عَن آياتِهِ تَسْتَكْبِرُون).

الآية 94

اشارة

وَلَقَدْ جِنْتُمُونَا فَرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَلْتَكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَوا لَقَد تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94)

شأن النزول:

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الخلق، الشفعة، الشرک، الضلال، الزعم، القطع»

نزلت الآية الكريمة رداً على قول أحد المشركين وهو نضر بن حارث إذ قال بأن (اللات) و(العزي) سوف يشفعان له يوم الدين.(1)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (فرادى) هي جمع فرد بمعنى الشيء المنفصل عما سواه من جهة، وغير المختلط بمن سواه من جهة أخرى، وهو عكس زوج.

2 - كلمة فرادى تعني أنكم في يوم القيامة ستأتون كل على حدى، وتمثلون بين يدي الله وحيدين أفراداً كما كنتم عندما خلقكم الله أول الأمر، حيث وردتم إلى الدنيا واحداً واحداً، كذلك يوم القيامة تأتون واحداً واحداً (كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، وكما يقول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): (أيها الناس، إنكم في زمان هدنة، وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع، فقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبلين كل جديد ويقربن كل بعيد ويأتين بكل موعد ووعيد، فأعدوا الجهاز لبعد


1) مجمع البیان، ج 4، ص 521

المجاز).(1)

3 - جملة (وَلَقَد جِبْتُمُونا فُرادى) يبين أن عودة الإنسان إلى ربه، مطابقة لمفاد الآية(إِنَّا إِلَيهِ راجِعُون) أي عليه بعد هذا السفر أن يؤول إلى حكمه تعالى في الجزاء والثواب والعقوبات.

4 - كان المشركون يتكؤون إلى ثلاثة أمور: القوم والقبيلة أولاً، والمال والملك ثانياً، والأصنام والأوثان ثالثاً، وهذه الآية توضح كيف أن كل هذه الأمور ليست إلا هباء منثوراً، فلا القبيلة والعشيرة ستنفعهم يوم الدين، ولا الأموال والثروات ولا الأصنام والمعبودات مما كانوا يجعلونه شركاء لله الواحد الأحد، ويدعون بأنها ستشفع لهم وتحميهم يوم الدين، إلا أن الواقع وبتبيين الآيات أنها جميعاً تتخلى عن المشرك وتعلن برائتها منه.

5 - (خوّلنا ) من خوّل بمعنى الشيء المحتاج إلى قيم يقيم عليه، وعادة تطلق الكلمة على الأموال، فيقال خولناكم، بمعنى التمليك والعطاء، وعبارة تَرَكتُم ما خَوّلناكُم وبما خوّلناكم، تحذر وتنبه أصحاب الثروات إلى أن ما تمتلكونه في الدنيا ليس منكم ولن يستمر لكم بل هو لله وعائد إليه، منحه لكم أمانة وسيستعيده منكم لدى موتكم، ثم يمنحه آخرون غيركم.

6 - إنكم أيها الناس ولا شك في سفر قصير وستعودون منه إلى منزلكم الأبدي، كما ولدتم أول مرة من بطون أمهاتكم فرادى وحيدين مجردين من أي ثروة أو مال أو لباس، تاركين ورائكم الجاه والمنال الذي منحنه الله لكم، والعائلة والأرحام والخلان والأصحاب.

7 - ستقطع في ذلك اليوم كلّ الروابط والصلات، وكل الرغبات بما في هذه الدنيا من ماديات ومواد ولوازم وهبها الله لكم حتى الأوثان والأصنام والمعبودات الخيالية والمخلوقة في أذهان الناس طوال حياتهم، مما أغفلهم عن ذكر الله كلها تختفي وتزول فلا يبقى لها ذكر حتى.

والإنسان في سفره الأبدي هذا يدرك أن كل الاعتبارات الوجاهية في الدنيا من مال ومنال، وجاه ومقام ورئاسة، وأنساب وأسرة (الأخوة والأزواج و...) والعزة والجلال وحتى الملك .. كلها


1) الكافي، ج 2، ص 598

ستسلب منه، وتقع بأيدي الورثة، وإن كان ورثته أطفالاً غير بالغين وليس له وصية فإنه لا يمكن صرف أي دينار من أمواله عليه، هنالك يصحو ويرى أن ما شغله وألهاه في هذه الدار الدنيا ليس سوى أوهاماً وسراباً..

8 - لا يكون هنالك أي ذكر لشفعاء الإنسان الذي كان يدعيهم في الدنيا، أثناء سفره الأبدى، لذا يفهم الإنسان أن كل شيء يسير تحت أمر الله الواحد، ويتوجه إلى غاية وهدف الله، فلا شيء في مخلوقاته دون هدف وحكمة وتقدير ، يدير الأمور بنفسه، وليس لأحد سواه أي يد في أي عمل مالم يشأ هو تعالى، وحتى الأسباب التي تبدو في الظاهر كامنة وراء النتائج، فهي کلها آثار من عند الله، ولا استقلال لها عنه إذن فعلاقة الإنسان بأولئك الشركاء الفرضيين سيقطع نهائياً وينكشف خواؤها وخلوها من أي قدرة وقوة، فهي دمى وخيالات.. لكن كل هذا الذي سيفهمه الإنسان هنالك لن يعود يفيده في شيء

الآية 95

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحب، فالق الحب و النوی، النوی، المیت، الحّی، الإفك»

• إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيَّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في سياق الآية السابقة، فإن هذه الآية تشير أيضا إلى أن كافة التأثيرات والقدرات هي بيد الله وحده، ثم ومرة أخرى تتوجه الآية بالخطاب نحو المشركين وتقدم لهم أدلة وأسباب التوحيد عبارة لطيفة من وصف نماذج حية من أسرار نظام الخلق وروائعه، فتقول إن الله عزوجل هو خالق الحي من التراب الميت، وهو الموجد الذي يُميت الحيّ ثم يعيده إلى التراب، وليس أحد سواه، لذا فإلى أي أحد سواه تتجهون ؟ ولمن سواه تولون الوجوه ؟ والحال أن الله هو صاحب القدرة المطلقة، واهب الحياة وقابضها.

2 - (النوى) هو جمع نواة، ويطلق أي نوع من الفاكهة ذات البذرة، كالتمر والخوخ والدراق.

3 - إن الله هو القادر بقوته المطلقة على أن يفلق نواة بذور النباتات وحبوبها، فيُخرج منها البراعم والنبات والأشجار، ويرزق الناس منها، فعل هنالك أحد غيره يفعل ذلك؟

4 - في الآيات إشارة إلى عدة ظواهر هامة، أحدها انفلاق بذور النباتات، فالله فالق البذور والنوى، وهو الذي يخرج النبات من قلبها، وفي قعر ظلمات الأرض، ويجعلها تنمو وتستوي فتصبح أشجاراً ونباتات مثمرة.

5 - إن لتفسير جملة (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيَّ) عدة تعريفات بلغ عددها الستة مما سنشير إليه فيما يلي:

التعريف الأول: إخراج الحي من الميت، تعني إخراج الكائن ذو الحياة الحيوانية والنباتية

من كائن آخر ضعيف ونكرة من مثل النطفة والبيضة والأرض، فهذه أشياء ميتة تفتقد الحياة.

التعريف الثاني: أن المقصود من الميت والحي هو البذرة و النواة، فالبذرة إن لم توضع في الظروف المناسبة لنموها، فإنها لن تبرعم، فهي في الواقع موجود ميت لا أثر للحياة فيه، ولو بقي على تلك الحالة أشهراً طويلة، رغم ما فيه من قابلية للنمو، إلا أنه لا ينمو قابلية للنمو، إلا أنه لا ينمو .. لأنه ميت، ولكن ما إن يوضع في مكان مناسب تحيط فيه الظروف الضرورية للنمو، فإنه سينمو، فينفلق ويتحول من مخلوق ميت إلى آخر حي.

التعريف الثالث: في التفسير العلمي الجديد يُقال بأن المراد من إخراج الحي من الميت هو تشكل الحياة في الكائنات الحية من الأغذية، فالمخلوق الحي يأكل الأشياء الميتة فينمو، لأن الطعام ميت لا ينمو.

التعريف الرابع: القول بأن إخراج الميت من الحي هو إشارة إلى إخراج النطفة والبيضة من الحيوانات الحية.

التعريف الخامس : أن إخراج الحي من الميت هو إشارة إلى ولادة المؤمن من الكافر.

التعريف السادس: أن المقصود من إخراج الميت من الحي، هو إخراج السوائل مثلا كالحليب من أجساد الحيوانات الحية، فالحليب سائل ميت، في حين أن النطفة هي ذات حيوانات منوية حية تخرج من جسد الكائن الحي.

6 - لا يمكن لأحد سوى الله سبحانه أن يخرج مخلوقات هذا العالم منذ بداية الخلق وحتى يوم القيامة، من الموت إلى الحياة، ولا أحد سواه قادر على إيداع موجود حي في جثة ميتة، تكون كالطاقة التي تحول خلاياه الميتة إلى حية، ولا أحد سواه أيضاً يقدر على أن يجعل تلك الخلايا الحية تصمت عن الحياة وتموت، في دورة ليس لأحد علم اليقين بها وببدايتها، فكل ما يُقال في ذلك مجرد فرضيات وتكهنات... فكيف يمكن مع كل هذه الروعة والإبداع أن يشيح الإنسان بنظره ويغض الطرف عنها.

7 - لقد أشار القرآن الكريم مراراً وتكراراً إلى قضية الحياة، بهدف إثبات وجود الله سبحانه، وكم من نبي بين ذلك كدليل أمام قومه وأمام مستكبري زمانه، كالنمرود وفرعون، حيث كانوا يشيرون إلى قصة الخلق وبدايته لإثبات قدرة الله وحكمته، لأن حياة الكائنات هي بالفعل من المسائل الأكثر تعقيداً مما ما زال علم البشر قاصراً عن إدراكها وتفسيرها، فكيف يمكن لعناصر من الطبيعة أن تتحول خلال عملية عظيمة إلى موجودات حية، وهذا في ذاته نظام دائم وعام في عالم الخلق.

8 - من اللطيف الإشارة إلى أن بذور النباتات عادة ما تكون قاسية، فلو نظرنا إلى بذور ونواة التمر والدراق والخوخ و.. نرى أنها قاسية صلبة، وهذا بحد ذلك يوضح كيف أن النواة مكمونة في درع صلب يحميها، لكن نفس هذا الدرع يتحول أمام قدرة الخلق إلى غلاف ليّن ينفلق بفعل قدرة الخلق التي تسري فيه فتنمو من قلبه البراعم وتظهر دقيقة من تحت التراب.

9 - في ختام الآية تأكيد على أن الله هو القادر الوحيد ذو العلم الذي لا حد له، وهو صاحب الآثار ، فكيف يمكن الانحراف عنه مع كل ذلك، والاستمرار بعده في سبيل الانحراف والضلال (ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).

الآية 96

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «فالق الإصباح، اللیل، السکونة، الشمس، القمر، التقدیر، العزة، العلم»

فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَّا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية إشارة إلى ثلاث نعم سماوية:

النعمة الأولى: مسألة طلوع الصبح من قلب الليل، وهي إحدى النعم العظيمة والكبيرة التي أنعمها الله على عباده، لأننا نعلم بأن هذه الظاهرة تتحقق نتيجة وجود الغلاف الجوي (أي القشرة السميكة من الهواء المحيطة بالأرض).

النعمة الثانية: جعل الليل أداة للسكون وسبباً للراحة والسكينة.

النعمة الثالثة: حركة الشمس والقمر التي تؤدي إلى حدوث الليل والنهار والأيام والأشهر والسنة، وهذا النظام في تعاقب الليل والنهار وحركة الشمس والقمر تسبب تغير الفصول وظواهر الحياة.

2 - إن الله هو القادر الغالب الذي لا تفوقه قدرة ولا تغلبه سلطة، فلا شيء قادر على الإنقاص من قدرته ولو بمقدار ضئيل، بينما هو العالم بأدق وأصغر أجزاء هذا العالم ومصالحه، فلا يكون لمملكته أن تزول أو تندثر إلا بما يشاء.

3 - رغم أن الآية في الظاهر تشير إلى أن الشمس والقمر كلاهما وسائل لحساب الأيام والليالي والأشهر والسنين، وهذا أمر هام جداً بالفعل، إلا أننا لودققنا أكثر ومن خلال تفحص علمي في حياة النجوم والفضاء لفهمنا أن خلق القمر والشمس بحد ذاته وحركتهما الدقيقة في

السماء هو وفق حسابات ونظام دقيق.

4 - السبب في أن الله سبحانه جعل الشمس والقمر وسيلتين للحساب في الآية، فهو لجهة أن الليل والنهار وشروق وغروب الشمس والقمر، وتعاقب العتمة والضياء.. كلها أمور مشهودة باستمرار من قبل الجميع، إلا أنه وإلى جانب هذا فإن هنالك آثاراً وفوائد جليلة لهذين المخلوقين النورانيين، مما لم يبلغ العلم الحديث بعد كل أبعاده ومازال مجهولاً أمام البشرية ومخفياً عنها، إلا عن الله سبحانه وتعالى.

5 - إذا كانت الأرض خالية كالقمر من غلاف جوي يحيط بها، فإنه لما كان هنالك من انفلاق إصباح ولا شفق ولا حمرة مغربية، فالفاصلة الموجودة بين سطح الأرض والغلاف المحيط، يجعل كلا من الليل والنهار يتدرجان في الحصول، مما يسمح للإنسان بالاستعداد أثناء الطلوع والغروب، بحيث ينتقل بين الظلمة والنور بشكل مريح وغير مفاجئ.

6 - تبين الآية بعد الحديث عن نعمة الإصباح والخروج من ظلمة الليل، مباشرة نعمة السكينة والراحة في الليل، لكي لا يبدو وكأن النهار أفضل من الليل، أو أن الليل هو أشبه بالمجازاة أو سلب النعم.

7 - من المسلم أن الإنسان يشعر بمزيد من النشاط والرغبة بالجد والعمل عندما يكون محاطاً بالنور، فكل خلاياه تكون فعالة ومستعدة ومتأهبة للعمل، بحيث يؤثر ذلك على حركة دوران الدم في الجسد، لذا فإن النوم في مكان منير يبعث على إثارة إنزعاج الإنسان وضيقه.

8 - تدخل الخلايا في جسد الإنسان أثناء الليل والظلام حالة من السكون والرغبة بالهدوء، فحتى حركة دوران الدم في الجسد تنخفض سرعتها، وتميل لهذا السبب الحيوانات إلى الرقود بل وحتى النباتات تدخل في سبات أثناء الظلام، لكن ومع أول أشعة لنور الشمس الصباحي، تبدأ الحياة وتلج في الكائنات طاقة ونشاط، وذلك بعكس عالمنا الشرقي وخاصة منه البلاد العربية، حيث يحيي الناس الليالي وينامون النهار، وهذا يسلب الأبدان نشاطها وقدرتها، لأن النوم في مكان مظلم يكون أعمق وأكثر راحة.

9 - إن الإشارة إلى أن الشمس والقمر هما وسيلتا الحساب في الحياة، فهذا لأن عظمة وانتظام وحركة ونعمة الشمس والقمر هو في حد ذاته علامة على أن هذا العالم يقع تحت قدرة عالم قدير، لا نهاية لقدرته، يُسيّره ويدير شؤونه بذات الدقة منذ ملايين السنين وحتى الآن، وهذا أمر محال بغير قدرة قادر متعال (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً).

10 - في ختام الآية يقول تعالى بأن كل هذه النعم تدل على خالق قادر وعالم يدير أمورها (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).

الآية 97

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النجم، الهدایة، الظلمة، البرّ، البحر، الآیة، التفضیل، العلم»

وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - استكمالا لما ورد في الآية السابقة من نظام دوران الشمس والقمر، فإن هذه الآية تشير إلى نعمة أخرى من النعم الإلهية وهي النجوم (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظلمات البر و البحر).

2 - يعرف الإنسان النجوم منذ آلاف سنين، حتى ألفها وأنس بوجودها، فكانت دالته في أسفاره التي كان يقطع بها البحار والصحارى.. خاصة في المحيطات الكبيرة جداً، فكم من مرة كانت النجوم سبيل النجاة لملايين البشر عبر الأزمان.

3 - يرى بعض المفسرين بأن الجعل في جملة (وَهُوَ الَّذِي جَعَل لَكُم النُّجُوم) هو بمعنى الخلق، إلا أن من المؤكد أن هذا التفسير خاطئ، لأنه يحصر هدف خلق النجوم هو جعلها دليلا للتائهين والمسافرين، في البر والبحر ، لأن خلق النجوم له فوائد وحكم كثيرة تتجاوز ذلك.

4 - النجوم هي كرات سماوية تدور في الفضاء الفسيح خلقها الله سبحانه منذ بلايين السنين، ومن يدري قد يكون فيها آثار من ساكنين وملائكة و... ولعل هنالك المزيد الكثير منها مما لم يكتشف العلماء وجوده بسبب بعدها والمسافة الشاسعة التي تفصلنا عنها، وهي بكل هذه العظمة ليست إلا الطبقة الدنيا والسماء الأولى من العالم المخلوق (إِنَّا زَيَّنَا السَّماءَ الدنيا بِزِينَة الكَواكِب)(1).


1) الصافات / 6

5 - علم الفلك، هم أحد أقدم العلوم الإنسانية التي يقوم الإنسان من خلالها بالإستفادة من النجوم في الصحارى والبحار، وهو وسيلة آمنة ودائمة وأصيلة وطبيعية، كما أنها متاحة للجميع ودونما تكلفة تذكر.

6 - لا شك أن الإسلام قد اهتم بالمظاهر الطبيعية، واهتم بها بشكل خاص، وعلى هذا الأساس فإن اسم بعض السور القرآنية يأخذ أصله من هذه الظواهر، إضافة إلى ارتباط الكثير من العبادات بها، مثل تحديد الوقت ومعرفة القبلة وبداية الشهر القمري، ووجوب صلاة الآيات للكسوف والخسوف و... وكذا علم الفلك الذي خصص له المسلمون منزلة خاصة، فبنوا المراصد في بغداد ودمشق والقاهرة والأندلس، وألفوا العديد من الكتب لذلك.

7 - إذا كان الله سبحانه وتعالى قد اهتم هكذا بخلق ما يفيد الناس في إيجاد طريقهم عندما يكونون وحيدين أو تائهين، فكيف يمكن تصور أن هذا الرب لم يهتم بهداية الإنسان في مسيره نحو الحق؟ وهنا تتجلى أهمية الرسالة والإمامة من أجل الهداية، لذا فإن بعض الأحاديث اعتبرت أن المقصود من النجوم الهادية هو آل محمد صلوات الله عليهم.(1)

8 - معرفة وزن وحجم وميزان مسافة وسرعة حركة النجوم ومدارها وبشكل عام كل علم النجوم، لا يوصل لوحده الإنسان إلى معرفة الخالق، فعلى الإنسان أن يرغب فعلاً فيتخذ ما سبق سبيلاً نحو الله (لِقَوْمٍ يَعْلَمُون).

9 - المقصود من جملة (قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ) إما هو تقديم وشرح وبيان وتوضيح آيات الله من حيث التكوين والخلق، وكعلامات إلهية، أو أنها شرح وتفصيل لجهة البيان اللفظي وإدراك التوحيد عن طريق الآيات الإلهية الموجودة في السماء والأرض وكذا في ذات الإنسان، ومن المؤكد أن الآيات الإلهية لا يدركها إلا أهل العلم والمعرفة، لذا ففي ختام الآية (ِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).


1) تفسير القمي، ج1، ص211

الآية 98

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الإنشاء، النفس، الاستقرار، التودیع، التفضیل، الآیة، التفقه»

وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَودع قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية أيضاً، إشارة إلى أسباب التوحيد ومعرفة الله، فكما أن القرآن الكريم يأخذ بالإنسان إلى عالم المجرات والفضاء الخارجي، فإنه أيضاً يُدخله إلى قرارة نفسه وعوالمه الباطنية والنفسية الداخلية (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ).

2 - لا شك أن خلق الإنسان هو الأعظم والأكثر إبداعاً إلى جانب ما في الوجود من آيات ومعجزات والآية تقول بأن الله هو من خلق البشر أجمعين من إنسان واحد هو آدم (علیه السّلام)، مع كل هذا التفاوت في الأشكال والأذواق والأفكار و.. وهنا يتجلى جانب من جوانب الخلق في أن الله خلق كل هذا الإختلاف والتنوع الذي لا يحصى من إنسان واحد في الأصل.

3- المقصود من النفس الواحدة في عبارة (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِن نَفس واحِدَةٍ) النبي آدم (علیه السّلام)، وقد يورد البعض هنا إشكالاً بأن الخلق يعود إلى كل من آدم وحواء ، فهما اثنان، ولكن من الممكن الرد على ذلك بالقول بأنه حتى حواء قد خلقت من فاضل طينة آدم (علیه السّلام).

4 - في لفظ (أنشأ) ملاحظتان هامتان:

الأولى هي الابتكار والثانية التربية المستمرة، فخلق الإنسان فيه ابتكار وفيه تربية مستمرة، نعم لأن الخلق التقليدي أو الخلق وترك المخلوق لحاله ليس فيه قيمة تذكر، فالمهم بعد الخلق هو التربية.

5 - بعد هذا التوضيح، تقوم الآية بتقسيم البشر إلى قسمين، الأول هو المستقر والثاني هو المستودع، فالمُستَقَرُّ هو في اللغة بمعنى الثابت والساكن المقيم، لكن المُسْتَوْدَع فهو يعني في اللغة الشيء الموضوع كأمانة ووديعة بشكل مؤقت، وكسر القاف في كلمة (مستقر) تجعلها اسم فاعل، أما فتح الدال في كلمة (مستودع) فتحوله إلى اسم المكان الذي توضع الوديعة فيه.

6 - ولكن ما معنى كلا اللفظين (المستقر) و (المستودع) في هذه الآية؟

ذهب المفسرون في تأويل معناهما إلى معانٍ مختلفة: فمثلا يقول بعضهم، أن الإنسان يمتلك جسداً مستقراً وروحاً غير مستقرة، أو أنه يعود في تكوينه إلى نطفة غير مستقرة تخرج من جسد الذكر وتحط في رحم الأنثى المستقر، وكذا يقولون بأنه مستقر في الأرض ووديعة في القبر إلى يوم القيامة، أو أن النعم تكون تارة مستقرة وتارة تكون غير مستقرة، ولكن وبالتوجه إلى سياق الآية المتعلقة بخلق الإنسان، فإننا نرجح أن يكون المقصود هنا هو النطفة والرحم فالمستودع هو أصلاب الآباء، والمستقر هو أرحام الأمهات، لأن الآية تشير إلى كل البشر، ممن يوجد بعضهم في أرحام الأمهات ونفخت فيهم الروح واكتمل خلقهم الإنساني، والبعض الآخر لم يلد بعض، ومازال في أصلاب الآباء كوديعة وأمانة تنتظر الأوان الذي جعله الله لها، ثم ما أن تنتقل إلى رحم الأمهات فإنها تستقر، وقد ذكر في بعض الروايات تفسير آخر، هو طبق الإيمان، بحيث أن إيمان بعض الناس مستقر أي ثابت، وإبمان بعضهم الآخر مستودع، أي غير ثابت ومؤقت،(1)وقد يكون هذا التفسير أيضاً من بطون القرآن.

7 - عبارة (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يفْقَهُونَ) في ختام الآية، تشير إلى أنه ولأن الفقه هو بمعنى الفهم والمرادف لكلمة الدرك، فإننا قد نزلنا العديد من الآيات والعلامات التي تستهدف إثبات الخلق لكم، ففي الآيات السابقة قد استعرضنا ما إن رآه أهل الفقه والإيمان والدرك، اعتبروه العلامة والآية الحقة، فتشربوها بأعماق وجودهم، واتخذوها دليلهم نحو الله،


1) راجع: تفسير العياشي، ج1، ص371 و 372

أما أولئك الذين لا يتمتعون بإدراك صحيح وفهم قويم، فإنهم غير قادرين على التفكير والإدراك، لذا يغضون البصر عن آيات الله (إِن هُم إِلَّا كَالأَنْعَام بَل هُم أَضَلِ سَبِيلًا)(1).


1) الفرقان/44

الآية 99

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السماء، الماء، النبات، الخضرة، الحبّ، النخل، العنب، الزیتون، الرمان، الثمر، الآیة، الإیمان»

وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِنْ أَعْنَابِ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُسْتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَبِهُ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ : إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَاَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن هذه الآية هي آخر آية في سلسلة بحث روائع الخلق ومعرفة الله في السورة عبر الدعوة إلى التدبر بها.

2 - يشير الله سبحانه في هذه الآية إلى عدة أمور خلقها بقدرته، ليتفكر أصحاب العقول والبصائر بها، ولتكون طريقهم نحو الوحدانية والتوحيد وبعض هذه الأمور يتعلق بالأرض، كانفلاق نواة وبذور النباتات، وفي بعضها الآخر أمور تتعلق بالسماء، مثل تعاقب الليل والنهار وخلق الشمس والقمر والنجوم، والبعض يتعلق بالإنسان ذاته كخلق البشر من نفس واحدة، والبعض الآخر ذو علاقة بما جاء في هذه الآية، مثل هطول المطر ونمو النباتات والحيوانات و..

3 - إن التدبر بنظام خلق النباتات ونموها، هو مما تشاهده كافة العيون حتى العادية منها، لكن التدبر والتفكر بصاحبها أمر يحتاج إلى قلب عامر بنور الإيمان، لا تلوثه الذنوب، ولا

تحجبه الآثام، لهذا فقد عد الله سبحانه النجوم علامات خاصة بأصحاب العلم والفقه والتدبر.

4 - عبارة (وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) تشير إلى أحد أهم النعم وأكثرها أهمية، وهي نعمة هطول المطر ، كمصدر لكافة أنواع المياه ابتداءاً بالينابيع والمستطحات المائية والأنهار والقنوات والآباء، كلها من بركة المطر، لذا فإن قلة الماء تؤثر فيها كلّها، وإن طال الجفاف لم تنمو النباتات والخضار والأشجار و.... (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً).

5 - الله قادر على توفير غذاء كافة المخلوقات مما ينمو في الأرض والماء، واللطيف أنه وإضافة إلى النباتات الصغيرة التي تنمو في الصحراء، فإن هنالك أيضاً نباتات تنمو في أعماق البحار وبين الأمواج، لتكون رزقاً وطعاماً لكثير من الأسماك في البحار، التي تنمو بفضل مقدار ولوكان ضئيلاً من النور وقطرات المطر .

6 - كل إنسان ومن خلال التدقيق والتأمل والتدبر في خلق الله يرى جوانب من خلق الله سبحانه وعظمته، وبكتشف بعض الأعمال الخاصة، التي قام الله تعالى بها.

7 - عندما ننظر إلى مراحل نمو الفاكهة، منذ أن تكون بذرة صغيرة وبرعماء صغيراً، وحتى اللحظة التي تنضج فيها، كلها علامات على وضوح خلق الله وقدرته وحكمته، لأن الإنسان يستطيع من خلال التدقيق في فاكهة الأشجار أن يصل إلى كيفية تشكلها، فيتفكر وتُذهله كل هذه الظرافة والدقة العجيبة، فمثلا عناقيد العنب والقمح والتمر التي تصطف ثمارها متراصة في شكل مميز ومرتب ومثل ذلك كروم العنب والزيتون والرمان التي تشبه أشجارها بعضاً، سواء من حيث الجذور والجذع والأوراق و البراعم والفاكهة، ولكن رغم هذا التشابه تخرج كل سجرة نوعاً من الثمار ذو طعم مختلف عن الأشجار الأخرى، إضافة إلى تفاوتها في فوائدها وسبل الإستفادة منها، فحتى أنه قد تنمو هذه الأشجار متفاوتة الثمار في أرض واحدة وتُسقى من ماء واحد، لكن كل منها ينمو لاختلافات وتباينات مختلفة ، (وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً).

8 - يشير علماء النبات اليوم إلى كيفية تشكل الفاكهة ونضوجها، وهو ما يوضح مكانتها وأهميتها التي خصصها القرآن لها، فالفاكهة تشبه في تشكلها ولادة الطفل، النطف المذكرة

تنتقل بطرق متعددة (هبوب الرياح أو عبر الحشرات و...) داخل أكياس صغيرة مخصصة لها، إلى أن تصل إلى الجزء المؤنث من النبات ليحدث التلقيح، وتنشأ البذور الأولى، وتنمو حولها المادة الغذائية التي تشكل الفاكهة، وتكون هذه المواد متنوعة في الطعم واللون والشكل، وفي الخواص الطبية التي تتميز بها، وأحياناً فإن أحد الفاكهة من مثل الرمان والزيتون تتألف من عشرات الثمار الصغيرة في داخلها، وهذا يوضح التعقيد في شكلها ودقة اصطفافها.

9 - عبارة (إِنَّ في ذلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الواردة في ختام الآية تبين أنه وحدهم أصحاب الإيمان الخالص الباحثين عن الحق، هم القادرون على الإبصار بهذه الآيات، أما المعاندون فإن عيونهم لا ترى إلا العداء والظلم، ومثل هذه العيون لن ترى في آيات الله سبحانه ما يهديها أو ينير قلبها، بل تراه سبباً في مزيد من العصيان والاستبداد.

الآية 100

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الشرك، الجن، اليبن، البنت، الصفة، التسبیح، العلوّ»

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُم وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتِ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَنَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُون (-100)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - لقد جعل الكفار لله سبحانه شركاء من الجن في حين أن الجن هم من مخلوقات الله وليس لهم أن يكونوا شركاء في الألوهية.

2 - قد يكون المقصود من الجن الشياطين، كما يمكن أن يكون المقصود هو الجن المعروفون أنفسهم.

3 - كلمة (خَرَقُوا) هي جمع خرق، وتعني الكذب، ومرادف الافتراء، والفرق بينه وبين الافتراء، هو أن الخرق يعني أن يختلق الإنسان الكذب من نفسه، وأما الافتراء فهو اتهام الآخرين كذباً.

4 - بناء إلى الآية 19 من سورة الزخرف فإن الكفار كانوا يعتقدون بأن الملائكة إناث، وأن الله تزوج بفتاة من الجن فأنجبت الملائكة.

ورغم أن القرآن الكريم قد ذكر اسم مجموعتين من المسيحيين واليهود، وبأن المسيحيون كانوا يعتقدون بأن عيسى (علیه السّلام) هو ابن الله، واليهود يعتقدون بأن عزيز ابن في الآية 30 من سورة التوبة، أو الآية 21 من سورة المائدة (وَقالَت اليَهُودُ وَالنّصاري نَحن أبناء الله) أو الآية 42 من سورة الإسراء (أَفَأَصفاكُم رَبَّكُم بِالبَنِينِ وَاتَّخَذَ مِن المَلائِكَةِ إناثاً) أو الآية 39 من سورة الطور (

أَم لَه البَناتِ وَلَكُم البَنُون) أو الآيات 149-152 من سورة الصافات (أَم خَلَقْنَا المَلائِكَةَ إِناثاً وَهُم شاهِدُون أَلا إِنَّهُم مِن إِفْكِهِم لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُم لَكاذِبُون)، ولكن في الآية 30 من سورة التوبة نرى إشارة إلى ان الاعتقاد بأن الله لديه ابن ليس خاصاً فقط باليهود والنصارى، بل يتجاوزهم إلى المجوس وعبدة النار القائلين بوجود مخلوق اسمه (يزدان) الذي خلق الخيرات، وال-(أهريمن ) وهو خالق الشرور وفق اعتقاداتهم، إضافة إلى المذاهب السابقة المؤمنة بالخرافات، من مثيل الآلهات وأبناء أو بنات الآلهة..

5 - تُبطل هذه الآية كافة التكهنات، وتقول بأن الله منزه ومرفع عن كل الأكاذيب والأوصاف.

الآية 101

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السماوات، الارض، الولد، المصاحب، الخلق، العلم، الأشیاء»

بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تقول الآية بأن الله هو من أوجد السماوات والأرض، والإبداع هنا هو أن الخلق حدث من لا شيء، لم يسبقه أي مادة أو شكل أو وجود (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) .

2 - جملة (بَدِيعُ السّماواتِ وَالْأَرْضِ) ورغم قصرها إلا أنها تقدم سببين ترد بهما على عقائد المشركين الخرافية:

السبب الأول: إن انجاب الإبن يستلزم بداية الزواج، أي أن يختار الله وفق عقيدتهم زوجة له، هذا أمر غير معقول، فالله خالق السماوات والأرض لا يمكن أن يكون هنالك زوج تناسب جلال وعظمة مقامه، بل ليس في العالم ما يليق به؟

السبب الثاني: أن الله هو خالق وفاطر كلّ شيء، فكيف يمكن أن يكون هو الخالق والوالد لابنه كما يفعل كل أب عن طريق التلقيح ؟

3 - إن الخالق في الأصل لا يحتاج مطلقاً إلى خالقه، فكيف يمكن له ان يحتاج إلى طفل وهو لا يمتلك زوجة (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ).

4 - لا شك أن كافة الموجودات هي مخلوقات الله، هو المحيط والعالم بها.

الآية 102

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الخلق، العبادة، الوکالة»

ذَا لِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)

النقاط المستفادة من الآية:

1 - بعدما ذكر في الآيات السابقة من صفات الخالقية المختصة به سبحانه وإبداعه لكل موجودات الخلق وتنزهه عن كافة ميول الجسد من حاجات ورغبات، إضافة إلى علمه وإحاطته بكل شيء، تأتي هذه الآية الكريمة لتعلن نتيجة وتعريفاً تقدمه للمشركين.

2 - جملة (ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلا هُوَ) هي نتيجة لما جاء في الآيات السابقة لها، والمشيرة إلى التوحيد، أي أن الله هو الخالق الوحيد وليس هنالك من معبود آخر سواه.

3 - عبارة (خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوه) نتيجة وسبب للبيانات السابقة في عبارة (لا إلهَ إِلا هُوَ)، لأن خلق كافة الموجودات منه هو وليس هنالك أحد سواه، لأنه هو خالق كل المخلوقات ولا شيء يناهزه في الألوهية واستحقاق العبادة (فَاعْبُدُوه).

4 - في الختام ولقطع أي أمل به غير الله سبحانه، واقتلاع جذور الشرك بشكل كامل، تقول الآية: بأن الله هو الوكيل والقائم على كل شيء، والمدبر للأمور ولنظام الوجود والحياة، لذا توجب على الناس أن يعبدوه فقط، ولا يعصوه، لأنه (وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).

الآية 103

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «البصر، الدرک، اللطف، الخبیر»

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية إثبات للحاكمية والإشراف الموصوف به تعالى، وإثبات أنه تعالى يختلف عن كل الموجودات في كل شيء، فلا تراه الأعين، إلا أنه يحيط بكل الأعين ويحيط بها، يهب أنواع النعم، وخبير بأدق وأصغر الأعمال، كما أنه عالم بمصلحة العباد، ويعلم كذلك ما هي حاجاتهم وبلطفه وعنايته يرعاها (لا تُدْرِكُهُ الْأَبصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).

2 - قد يكون سبب نزول هذه الآية هو بقصد الرد على الشبهات الممكنة من عبارة (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)، وذلك لأنهم ومن خلال فهمهم السطحي قد يظنون بأن الله ولأنه وكيل عليهم، فهذا يعني بأنه يتمتع بجسد ووجود مادي، لذا تقول الآية (لا تُدْرِكُهُ الْأَبصارُ).

3 - جملة ( وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ( هي أيضاً لجهة رفع الشبهات التي يمكن أن تخطر على بال أصحاب العقول الساذجة من المشركين، فيعتقدون أنه إذا كان الله لا تراه المخلوقات فهذا يعني أنه لا علاقة له بهم، لذا أكدت الآية على هذا المعنى بعد أن نفت إدراك الأبصار لها.

4 - إن الأسباب العقلية تشهد بأن الله لا يمكن قط أن تراه الأعين، لأن العين غير قادرة إلا على مشاهدة الأجسام أو بعض الحالات الصادرة عنها، أما ما ليس جسماً أو لا يتمتع بحالات الجسم، فإنها لا تراه، وما يمكن أن يُرى بالعين فإنه ذو جهة ومكان ومادة، في حين أن الله أعلى وأشرف من ذلك كله، فهو وجود لا حد له، لذا فهو أعلى من كافة موجودات العالم، لأن العالم کله من مادة.

5 - إن الخالق لا يمكن أن يُرى أبداً، فحتى النبي موسى (علیه السّلام) عندما نقل لله تعالى رغبة الناس في ذلك قال تعالى له: (لَنْ تَرَانِي)، وقد ذهب بعض أهل السنة إلى أن الناس سيرون إلههم يوم القيامة(1)، مفسرين بعض الآيات القرآنية في هذا الباب، وبما يصب في منفعة هذا الإعتقاد، مثل الآية (إلى رَبِّهَا نَاظِرَة)(2)، غافلين عن أن الله سبحانه منزه عن المادة والجسم وأن المراد فى مثل هكذا آية هو النظر ببصيرة القلب، وذلك لأن الرؤية بالعين خاص برؤية ما له جسم ومكان وحدود ولون و... والله بريء من كل ذلك.

6 - يتجلى من الجملة (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) أن اللطيف هو الرقيق والنافذ، والخبير هو العالم والمطلع، فإذاً عندما يكون الله محيطاً بكافة المخلوقات وعالماً بها، فهو بالتأكيد ناظر على كافة ما في الوجود، وليس هنالك من شيء يحجبه عنها أو يحول بينه وبين مخلوقاته، فهو يرى الأعين، ويرى ما تراه الأعين أيضاً، لكن الأعين لا تراه، وهذه العبارة رغم دقتها تصيب العقول بالحيرة، فهي في ذات شموليتها، تحمل معنى شديد الدقة والعمق.


1) راجع: المنار، ج 9، ص 152 إلى 156

2) القيامة / 23

الآية 104

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «البصیرة، العمی، الحفظ»

قَدْ جَاءَ كُم بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ (104)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن مجمل حديث الآيات من الآية 95 وحتى هذه الآية كان في مجمله حول تقديم تعريف لله وانتقاد الشرك والإلحاد، وهذه الآية هي أيضاً كسابقتها بمثابة خلاصة تخاطب المشركين، فتستعرض الأسباب والعلامات، في جانب التوحيد ومعرفة الله ونفي أي نوع من أنواع الشرك والإلحاد، بما يضمن البصيرة للإنسان (قَدْ جَاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ).

2 - في القرآن الكريم الكثير من الآيات المشابهة، التي تشير إلى نتيجة الإيمان والكفر، والصالح والطالح، أو البصيرة والعمى، من مثل (لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)(1)و (مَن عَمِلَ صالحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)(2)و (إِن أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُم وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)(3).

3 - يقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأنه قد بعث لأجل الإرشاد والبصيرة بواسطة الوحي وتبيين الحجج الإلهية والبراهين المختلفة، وهذه البراهين والحجج قادرة على الإقناع بالشكل الكافي، فإن كان الناس أصحاب بصيرة لشاهدوها ورأوها ، ولحصدوا الفائدة بأنفسهم، فليس هنالك من سيخسر أكثر منهم، وليس هنالك من أحد سيتجرع سوء العاقبة سواهم (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها).


1) البقرة / 286

2) فصلت/ 46

3) الإسراء /7

4 - (البصيرة) هي بمعنى الدليل على وضوح شيء ما، بحيث أنه وبسبب ذلك الدليل يمسي النظر إلى ذلك الشيء وفقاً لواقعه وحقيقته، والبصائر هو جمع البصيرة، فالبصيرة في القلب هي بمنزلة الرؤية في العين، والواقع أن الرؤية وعدمها في هذه الآية كناية عن العلم والجهل، أو الإيمان والكفر.

5 - وفي الختام الآية تنقل عن لسان النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم): أنني لست بحارس وحامي قلوبكم، وذلك لأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هو ناصح للناس، وليس هو ناصح للناس ، وليس مالكاً لهم، ومهمته الوحيدة هي حثهم على الإطاعة، ونهيهم عن العصيان (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٌ).

الآية 105

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الآیة، البیان، العلم، الدروس، الندثار، الدرس، التعلیم»

وَكَذَلِكَ نُصَرِفُ الأَيَتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسَتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية وللتأكيد على مضمون الخيار النهائي في انتخاب سبيل الحق أو الباطل، من أنه بيد الناس أنفسهم، تقول الآية: بأننا لذلك ننزل الآيات بأشكال وحالات مختلفة (وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ).

2 - الهدف الأول من بيان التفاوت في الأشكال والطرق المختلفة، هو التأكيد على ضرورة التنويع في أساليب التعليم، لأن ذلك أبلغ فائدة وأعمق أثراً.

3 - كلمة (درست) في الآية تحمل احتمالين للتفسير:

الاحتمال الأول: أنها من مادة (دروس) بمعنى اندثار أثر الكلام، ومحو فائدته، وفي هذه الحالة يكون المعنى أنه قل لهم بأن كلامكم هذا قد اندثر وذهب وليس يفيد في شيء اليوم، وهذا ما أشير إليه في آيات أخرى بالقول (إِنَّ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيْرُ الأَوَّلِين).(1)

الاحتمال الثاني: أن الكلمة تعود إلى أصل (درس) أي التعليم والتعلم بالقراءة، فيكون المعنى بأننا ننزل آياتنا بعبارات عديدة، ليقول الأشقياء إنك تعلمت هذا من أهل الكتاب، والظاهر أن الاحتمال الثاني هو الأصح.

4 - عبارة (وَليَقُولُوا) تبين أنه ورغم وضوح وشفافية الحقائق والمواعظ، وبأساليب وطرق


1) الأنعام/ 25

متعددة، فإن هذه الفئة العنيدة والعاصية، ستستمر في غيّها، دونما أي مطالعة أو توجه إلى ما سبق، بل وستقول إن هذا ليس إلا أشياء تعلمها محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) من الآخرين (أي من اليهود والنصارى وكتبهم).

5 - تقول الآية بأن الهدف من هذا التنويع هو توضيح العلوم والحقائق لأصحاب القلوب النقية والطاهرة، التي تتلهف لمعرفة الحقيقة وإدراكها، كما أن الآية تقول (وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ للمُؤمِنِين وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خسارا)(1)، (وَ لِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).


1) الإسراء / 82

الآية 106

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الأتباع، الوحی، التوحید، الشرك، الإعراض»

اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تحمل هذه الآية أمراً للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن يتبع ما أنزل إليه من أصول حول التوحيد وشرائع الدين، وكلمة مِنْ رَبِّكَ تبين أن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) هو محط عناية خاصة ومكانة فريدة، تلقى توجها إلهياً خاصاً من قبل الله تعالى، حتى أنه سبحانه خصه بالوحي، وأيده بروح الإتباع والإطاعة، أي أوجب على الناس طاعته وإتباعه.

2 - لأن الآية السابقة أوردت تهمة المشركين للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): فقالوا له بأن ما يقوله ليس وحياً بل مما تلقاه من اليهود والنصارى و... فهنا ذكرت الآية وظيفته (صلی الله علیه و آله و سلم) في مواجهة عناد المشركين وإصرارهم وأحقادهم، كما تقدم له مواساة بأن مهمتك الأولى يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هي إتباع ما أنزل إليك من ربك، هذا الرب الذي ليس هنالك من معبود سواه، وأما المهمة الثانية فهي أن تعني بما أوكل إليك فلا تهتم بالمشركين (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ).

3 - إن هذه الآية تحمل في طياتها مواساة لقلب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مواجهة هذا الضعف من المخالفين.

4 - سبب وجوب إتباع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لما أنزل من قبل الله، هو أولاً أن ليس هنالك من إله غيره لاتباعه، بل هو الإله الوحيد التي يتوجب إتباع وحيه، والسبب الثاني: أن النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) هو نبي ورسول الله سبحانه، ومهمة الرسول هي اتباع الوحي (وَما يَنطِق عَن الهَوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي

يُوحي)(1).

5 - قد يكون فعل الأمر (اتَّبِعْ) بيان لجملة مستقلة هي (ما أوحي إليك) أي أول كلمة أوحيت إلى الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) وهي دعوة (قولوا لا إله الا الله تُفْلِحُوا).

6 - الإعراض في عبارة (وأعرِضْ عَن المُشْرِكِين) لا يعني تأیید عبادة الكفار للأصنام، لأن الله تعالى هو الخالق والمبدع الوحيد، إلا أن مهمة النبي لا تتجاوز الإبلاغ، فهو ليس بوكيل على المشركين، فحافظ هؤلاء ووكيلهم، وهو إذ يتركهم في استكبارهم فذلك ليبقوا في ضلالتهم.

7 - الإعراض عن المشركين ممكن في ثلاث أشكال:

الشكل الأول: الإعراض عن عقيدة المشركين المتمثلة بالشرك وهو مفاد الآية (َئِن أَشْرَكت لَيَحْبَطَن عَمَلُك)(2).

الشكل الثاني: الإعراض عن دعوة المشركين لأنهم غير قابلين للهداية بعد، فهم لن يتقبلوا دعوة النبي قط كما هو مفاد الآية (فَذَرْهُم يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَومَهُم الَّذِي يُوعَدُون)(3).

الشكل الثالث: الإعراض عن المعاشرة والمراودات والملايمات معهم لأن لا أمل في إمكانية إحداث التغيير فيهم، وقيل بأمر الاعراض حتى عن قتالهم، والقول بأن الآية نسخت فيما بعد وأنزل الله الأمر بقتالهم هو وهم محض (وَقاتِلُوا المُشرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُم كَافَةً)(4).


1) النجم/ 3

2) الزمر / 65

3) الزخرف/ 83

4) التوبة/36

8 - أساليب التعامل مع المخالفين للدعوة تختلف وفق الظروف، بما في ذلك: في بعض الأحيان تكون بإلقاء السلام (إِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)(1)وأحياناً بالسكوت (ذَرْهُم)(2)(حَسْبُنا الله)(3)وأحياناً بالإعراض وعدم الإكتراث (أعرض عنهم)(4)وفي مواقع أخرى بالشدة والتغليظ (واغْلُظْ عَلَيْهِمْ)(5)أو حتى بالمواجهة بالمثل (فأعتدوا عَليهِ بِمِثْلِ مَا اعْتِدِى عَلَيْكُمْ)(6).


1) الفرقان/ 63

2) الحجر/ 3

3) آل عمران/ 173

4) المائدة/42

5) التوبة/ 73

6) البقرة/ 194

الآية 107

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الشرك، الحفظ، الوکالة»

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية تسلية للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من شدة أذى المشركين، ولقاء جهوده العظيمة لهدايتهم، فالآية تقول بأنه ليس على النبي أن يشعر بالحزن لأنهم لا يهتدون، فمهمته تقتصر على الإبلاغ فحسب، أما سوى ذلك من هدى وضلال فهو بيد الله سبحانه، فإن كان عصيان وعناد المشركين قد وصل مرحلة عجز معها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن إصلاحهم، إلا أنهم ليسوا بمعجزي الله خالقهم، ولو شاء تعالى لجعلهم كلهم مؤمنين، لأن إرغامهم على ذلك لا يعصى عليه جل وعلا، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا).

2 - إن إرادة ورغبة الله تعالى على شكلين: رغبة تشريعية وأخرى تكوينية، فالله من جهة تشريعية يحب أن يهتدي كافة عباده ومن خلق، وانطلاقاً من ذلك أرسل إليهم الأنبياء والكتب السماوية، ولكن من الجهة التكوينية فقد جعل الله لعباده الحرية التامة للاختيار بإرادتهم ورغبتهم، وليس بالإرغام او الإجبار.

3 - لأن الله سبحانه لا يجبر عباده قط على قبول الدعوة وسلوك سبيل الهداية، لذا فمهمة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لا تتجاوز الإبلاغ، فيما الله سبحانه هو القائم والمشرف على المشركين، وعلى كافة شؤونهم بما في ذلك رزقهم ونموهم و..

4 - من خلال التدقيق في لحن هذه الآية الكريمة يتجلى لنا أن الإيمان بالله ومبادئ الإسلام لا يحمل أي معنى من معاني الإجبار واستخدام القوة، بل هو بالمنطق والعقل والفكر، وذلك لأن

الإيمان بالإجبار ليس له أي قيمة تذكر، والمهم أن يدرك الناس الحقائق باختيارهم وكامل حرياتهم.

5 - لأنه عادة ما يتعلق حفيظ بالأمور التكوينية ووكيل بالأمور غير التكوينية، لذا فإن أمور عَلَى الناس الحياتية سواء التكوينية أو الدينية فهي ليست على عاتق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولهذا فإن إدارة أعمال الناس في استجلاب المنافع وتجنب الأضرار هي ليست من مهام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، لذا فكما أن (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل) فإننا لم نجعلك مسؤولاً عن أعمالهم (وَ ما جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً).

6 - يُستفاد من هذه الآية بأن المقصود بالإعراض في الآية السابقة هو أن هذه الفئة من المشركين لم يعد هنالك أمل في إمكانية هدايتهم، لذا جاء أمر الإعراض في حقهم.

7- إن الكثير من الأخوة من العامة ومن غير الشيعة من علماء الكلام والحكمة يقولون مستندين إلى الآية (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا) أنه لو كان الله يريد (بالإجبار) ألا يشركوا لما فعلوا.. وهنالك المزيد الكثير من هذه الآيات التي أوقعتهم في مسألة الجبر، فذهبوا إلى أن الإيمان والكفر والإطاعة والعصيان وكافة الأفعال البشرية ليست أموراً في اختيار الإنسان، لأنه لو شاء الله لجعلهم يؤمنون ويطيعون، لكن لأن مشيئة الله لم تكن بإيمانهم، فقد كفروا وعصوا وأشركوا.

ورغم أن الآية من سورة الحشر (ما قَطَعتُم مِن لِينَةٍ أَو تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلَى أُصُولِها فَبِإِذن الله) واضحة في الإشارة إلى أن هذا الكون لا يحدث فيه شيء إلا بإرادة الله سبحانه وإحاطته، لكن الأعمال الإختيارية تختلف بأنه ولجهة مقدماتها في الفعل والعمل، فهي تصدر باختيار وحرية الإنسان، ثم ولأن الله سبحانه خبير بالمشركين والمذنبين فهو يعلم بأنهم لن يسعوا نحو الإيمان والطاعة، لذا لا يهبهم هدايته، وعليه تأتي الآية الكريمة (وَلَو شَاءَ الله ما أَشْرَكُوا) لتوضح بأنه لو علم الله فيهم خيراً ولو رأى إرادتهم نحو الإيمان والتوحيد لشملهم بهدايته، ولكن ولأنه سبحانه يعلم بأنهم لن يختاروا هذا السبيل فإنه لا يمنحهم من ذلك شيئاً.

الآية 108

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «السب، الدعاء، العلم، الزینة، الرجوع، الإنباء»

وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُوا اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَالِكَ زَيْنا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَلَيَتُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1- السّب يعني توجيه الإهانة بما في ذلك الألفاظ الركيكة والتعرض لعورات الإنسان وناموسه (أمه، أخته، زوجه...) بالكلام البذيء، إضافة إلى نسب بعض الأعمال المشينة إلى الإنسان وأهله من أمثال الزنا واللواط و.. وفي الحديث (سبابُ المُؤْمِنِ فُسُوقُ)(1)ومن هذا الحديث يُفهم بأنه أحد الذنوب الكبيرة ، و (العدو ) هو الإعتداء أو من العداوة.

2 - يتجلى من بعض الروايات أن جمعاً من المؤمنين، وبدافع انزعاجهم من عبادة المشركين للأوثان، فإنهم كانوا يسبون الأصنام بكلام بذيء وبألفاظ مشينة، فجاء القرآن الكريم لينهى هؤلاء المؤمنين عن هذا العمل،(2)ومشدداً على ضرورة التمسك بأصول الأدب والعفة والنزاكة في البيان، حتى في مواجهة أسوأ الأديان وأكثرها تعلقاً بالخرافات.

3 - في سياق الحديث عن أصل المنطقية في تعليمات الدين الإسلامي ولزوم الدعوة بالإستدلال، وليس بالإجبار والإرغام، خلال ما تم استعراضه من آيات حتى الآن، فإن هذه الآية،


1) الكافي، ج 2، ص 360

2) تفسير القمي، ج 1، ص 213

وبناء على أن فطرة الإنسان تدفعه على الدوام نحو الدفاع عن كرامة مقدساته، تأمر المؤمنين بالتزام الأدب واحترام المقدسات الدينية لأن هذا ما يحفظ المجتمع من شرور توجيه الإهانات وتحقير المقدسات.

4 - في هذه الآية تأكيد على عدم توجيه الإهانات لأصنام المشركين، لأن هذا سيدفعهم لتوجيه الكلام المشين الساحة الله القدسية، بدافع الجهل والظلم (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ).

5 - لا يمكن من خلال السباب والكلام البذيء جذب أحد نحو سبيل الحق، أو إعادته عن ارتكارب المعاصي، وذلك لأن كل فريق يشعر تجاه شعائره وتعاليم دينه بالعصبية والأنفة ولا يرضى بالتنازل عنها إزاء كلام مشين وجه له (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ).

6 - إذا وجه المؤمنون السباب لأصنام المشركين ، فإن تعصب الجاهلية سيحمل المشركين على رد الصاع صاعين، وكيل البذيء من الكلام نحو مقدسات المؤمنين وربهم، وهكذا يكون المؤمنون هم السبب في هذه الإهانة وهذا التجرؤ المشين.

7 - لا شك أن الله سبحانه قد جعل للإيمان في قلوب المؤمنين مكانة خاصة، رغم كل الصعوبات التي كانوا يواجهونها ، إلا أنهم كانوا يشعرون بلذة الإيمان (حَبَّبَ إِلَيْكُمْ إِيْمَانَكُمْ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)(1)وفي مقابل ذلك يُزين الشيطان الأعمال السيئة في عين الإنسان (فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)(2).

8 - عبارة (زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) واضحة في تبيين أن التزيين أمر مطلق وشامل، بدءاً بالأعمال الباطنية والظاهرية كالكفر والإيمان والأعمال الظاهرية كالحسنات والسيئات، وذلك لأنه الإنسان لدى قيامه بأي عمل فإن دافعاً يوجهه نحو ذلك ويجعل عمله محبوباً في عينه.


1) الحجرات/7

2) النحل/63

9 - جملة (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) تبين حقيقة أن الإنسان عائد إلى الله، ولأن الحساب وكشف عواقب الأمور في يوم الدين ليس بالأمر الخاص بالمؤمنين أو الكافرين، لذا فإن من اللائق بأولياء الله سبحانه تحمل المصاعب والصبر عليها لأن ما سيلقونه من لذات تنكشف لهم يوم القيامة سيفوق كل اللذات، مما لم يكن ليخطر على بال أحد من البشر قط، أما أولياء الشيطان فإنهم ولقاء ما اختاروه في هذه الحياة الدنيا من لذات فانية فسوف يكون لهم في الآخرة عذابات تنكشف يوم القيامة، مما لم يخطر في بالهم، ومما لم يستعدو له قط.

الآية 109

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «القسم، الیمین، الآیة، الإیمان، الجهد»

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِن جَاءَتْهُمْ وَايَةٌ ليَوْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)

شأن النزول:

نُقل بأن عدداً من قبيلة قريش جاؤوا إلى الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وقالوا له بأنك تنقل عن موسى وعيسى الكثير من المعجزات والخوارق التي قاموا بها، وكذلك تقول عن الأنبياء الفائتين، فلتقم أنت أيضاً بذلك لنا، حتى نؤمن لك ، فأجابهم الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ماذا تريدون؟ فقالوا نريد أن تقوم بتحويل جبل الصفا إلى ذهب وأن تقوم بإحياء بعض من أمواتنا لنسألهم عن حقانية دعوتك، وأن ترينا الملائكة فتشهد لك أو أن تأتينا بالله والملائكة معاً، فقال لهم (صلی الله علیه و آله و سلم) فهل إن قمت بذلك لكم تؤمنون؟ فقالوا نعم نقسم بأننا سنفعل، فوقف (صلی الله علیه و آله و سلم) وشرع بالدعاء لطلب بعض من هذه الرغبات التي كانت في معظمها غير معقولة عندها نزل الوحي وقال للنبي بأنه إن تحقق ما يدعون ولم يؤمنوا بعد ذلك أيضاً فإن عقاباً شديداً سيصيبهم ويزيلهم عن بكرة أبيهم، ولكن إن تركتهم لحالهم ولم يتحقيق ما يشاؤون فإنه قد يكون فيهم في تالي الزمان من يتوب فيكون في ذريته الصالحون، فقل (صلی الله علیه و آله و سلم) و ونزلت الآية الشريفة.(1)


1) مجمع البیان، ج 4، ص 540

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - كلمة (جهد) بفتح الجيم تعني الطاقة، وكلمة (أيمان) هي جمع اليمين، بمعنى القسم و (جهد يمين) فهو القسم بمقدار الإستطاعة والطاقة، والمقصود من ذلك أنهم أقسموا كثيراً وأكدوا على قسمهم إلى آخر ما استطاعوا.

2 - في الآيات السابقة أدلة منطقية متعددة فيما يخص التوحيد، وهي كافية لإثبات وحدانية الله ونفي الشرك والوثنية، لكن ومع ذلك فإن جمعاً من المشركين المعاندين والمتعصبين، أصروا على عدم الإستسلام، فبدؤوا بتقديم الحجج الواهية والأدلة الكاذبة (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها).

3 - لقد عرض القرآن الكريم حقيقتين للردّ على المشركين:

الحقيقة الأولى: تطلب الآية من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يقول لهم بأن الوحيد القادر على تحقيق المعجزات هو الله تعالى فلا شيء يحدث في هذا الكون دون إشاءة ورغبة منه (قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عنْدَ الله) .

الحقيقة الثانية: إن (ما) في (ما يشعركم) استفهامية، التي تخاطب المؤمنين البسطاء ممن يقبلون بأيمان المشركين الغليظة والأقسام الشديدة، حيث يقول لهم القرآن: ما أدراكم بنوايا هؤلاء المشكرين من مثل هكذا طلبات واقتراحات يمثلون فيها بأنهم مستعدون للإيمان، والواقع أنهم كاذبون وحتى لو تحققت لهم المعجزات التي يطلبون فإنهم لن يتغيروا ولن يُحدث ذلك فيهم تغييراً (وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ).

3 - لا شك في أن تنوع أساليب وطرق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) التبليغية مع المشركين، توضح حقيقة أنهم يستمرون في تقديم الحجج الواحدة تلو الأخرى، فهم في قرارة أنفسهم مصرون على العصيان، ولا يهدفون من مثل هذه الأيمان والأقسام والطلبات المتكررة إلا حرف أذهان الناس وزرع بذور النفاق في قلوب المؤمنين، وإلا فلو كانت الحقيقة هي ضالتهم بالفعل،

لما طلبوا مثل هذه المعجزات ولآمنوا كسائر من آمن بإخلاص.

4 - إن هذه الآية هي من الآيات الغيبية، لجهة أن المشركين يحلفون ويقسمون بأنهم سيؤمنون لو تحققت المعجزات التي يطلبون، حتى أن المؤمنين يظنون بأنهم صادقون، إلا أن الحقيقة يعلمها الله في غيبه وخبرته بقلوب المشركين، وبأنهم حتى لو أنزلت عليهم المعجزات بحذافير ما يطلبون، فسوف يصرون على كفرهم وسيقدمون مزيداً من الحجج الواهية الأخرى.

5 - المعجزة تصبح ضرورية فقط في حد إتمام الحجة فحسب، وليس إرضاءً للأشخاص أو تحقيقاً لأهوائهم، فبعض هذه الرغبات هي مخالفة للعقل قطعاً، لا بل ولنظام الوجود حتى مثل طلب رؤية الله سبحانه.

6 - قد يسأل سائل كيف تقول الآية بأن المشركين قاموا بالحلف بالله سبحانه أمام الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) رغم أنهم لا يؤمنون به؟

وللإجابة على ذلك نقول : لقد كان مشركوا مكة من المؤمنين بالله سبحانه ويقسمون باسمه، إلا أنهم لم يكونوا موحدين، فكانوا يشركون آلهة أخرى معه (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ).

الآية 110

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «القلب، الأفندة، البصر، الإیمان، الإنذار، الطغیان، العمی»

وَنُقَلِبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ : أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - يمكن من هذه الآية أن نفهم بأنها استكمال للآية السابقة التي أشارت إلى أن تحقيق المعجزة لن يغير في موقفهم من الإسلام في شيء، حيث جاء في بدايتها واو العطف (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ) فتشير إلى تعلقها بكلمة (لا يؤمنون) في الآية السابقة.

2 - لقد فقد المشركون وبسبب انحرافهم وتعصبهم سلامة بصيرتهم وقدرتهم على التحليل والتفكير، فبدوا كالتائه والضائع، لذا فإننا نقلب أفئدتهم واعينهم حصالة أعمالهم (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ).

3 - تقول الآية فلنفترض بأننا آمنا بكلام المشركين ووثقنا بهم، فأنزلنا عليهم المعجزات التي يطلبون، فإنهم لن يؤمنوا بها كما فعلوا في أول مرة جئتهم فيها بالدعوة (كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ).

4 - إن سبب حرمان المشركين من الهداية هو أنهم أذنبوا وعصوا وتجرؤوا فقلبنا أفئدتهم، فلم يعد بإمكانهم أن يفكروا أو يستدلوا فيتعقلوا، وكذا عيونهم أصابها العمى فلم تعد تبصر أو تهتدي وكعاقبة لذلك فإنهم لن يؤمنوا حتى لتلك المعجزات التي يطلبون.

5 - من الواضح أن المقصود بالقلوب في أغلب الآيات والروايات ليست عضلة القلب الصنوبرية، بل المقصود هو الروح الملكوتية والنفس الناطقة التي كانت في بداية ولادته طاهرة وخالصة في صفائها، كما أن المقصود من كلمة أبصارهم ليس العين المادية بل عين وروح

القلب التي أعمتها الشهوات وإتباع الأهواء النفسية، حتى طمست عن رؤية معارف الحق، فسقطت في الجهل وعصيان.

6 - بناء عليه ينقل الإمام الصادق على أبيه فيقول: (ما مِنْ شَيْءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ إِنَّ الْقَلْبَ لَيُواقِعُ الْخَطِيئَةَ فَمَا تَزالُ بِهِ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيُصَيِّرَ أَسْفَلَهُ أَعْلاه)(1).

وعن الإمام الصادق (علیه السّلام) أيضاً أنه قال: (إِذا أَذْنَبَ الرَّجُلُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ فَإِنْ تَابَ انْمَحَتْ وَ إِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَلا يُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَداً).(2)

7 - في ختام الآية يقول تعالى بأننا سنتركهم في طغيانهم وعصيانهم ليزدادوا حيرة وضياعاً (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ).


1) الكافي، ج 2، ص 268

2) نفس المصدر، ص 271

الآية 111

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النزول، الملك، الکلام، الموت، الحشر، اليمان، الجهل»

• وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَيْكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تتعلق هذه الآية بالآيات السابقة، والهدف من مجموع هذه الآيات هو توضيح كذب ونفاق من يطلب المعجزة من المشركين ليؤمن بالله الواحد، وعدم توافق رغباتهم والحق أو العقل.

2 - إن حرف (لو) في (وَلَو أَنّنا) امتناعية تفترض محالاً أنه لو تم تنزيل الملائكة على المشركين فإنهم سيستمرون بعصيانهم، ولقالوا ما أدرانا بأن هذه ملائكة، فلعلها من الشياطين، ولو تم إحياء ،أمواتهم، فكلموهم، فإنهم أيضاً سيقولون هذا سحر.

3 - تقول الآية بأن المعاند لطالما كان يقدم الحجج الكاذبة على كفره وعدم قبوله للحق، وحتى لو تم إحياء كل أموات الدنيا وتجلت أمام عينيه مشاهد الحشر والقيامة والحساب (وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ) بل وتحققت المعجزات التي يطلبون جميعاً (كُل شَيءٍ) فإن قلوبهم وأبصارهم التي عميت وغشيها ظلام وقساوة العصيان لن تسمح لهم برؤية شيء ولا بالشعور به، كما كان حال عبيد الله بن زياد مثلاً حينما أصاب فخذه قطرة من دم الإمام الحسين (علیه السّلام) الطاهر، فحفرته وطال به علاجها حتى عجز عنها الأطباء والحكماء وأعيته بالألم والتعفن، إلا أنه مع ذلك ظل مصراً على عدائه لأهل بيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم ير في ذلك حجة عليه لرؤية الحق وأهله.

4 - جملة إلا أن يشاء الله تبين حقيقة أن الله هو مقلب القلوب إلا أنه ترك للناس حرية الإختيار ولم يسلبهم إرادة ذلك، بحيث يمنعهم من الإهتداء والإيمان، وإلا لكان منافياً للعقل تكليفهم بأي شيء، وصحيح أن المشرف على الإيمان والسائر في سبيل الحق يلقى مزيداً من العناية الإلهية والتوفيقات الجزيلة، لكن ذلك لا علاقة له مطلقاً بإجبارهم وسلبهم إختياراتهم (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا)(1).

5 - إن هذه الآية هي بمثابة مرادف للآية (إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ الله) وإشارة إلى إدعاء المشركين في قولهم: (لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنَنَّ بِهَا) هو باطل وكذب، ساقهم إليه جهلهم بالله سبحانه وعظمته، ولعلهم يظنون بأنهم إن شاهدوا المعجزات التي يطلبون بأم أعينهم فإنهم سيؤمنون، في حين أن الإيمان بحاجة إضافة إلى المشيئة الإلهية لقلب حاضر ومستعد لاستقبال الإيمان، مما لا يملكه المعاندون.

6 - جملة (وَلكِن أَكثَرَهُم يَجْهَلُون) تشير إلى أن بالجهل يسيطر الظلام على القلب، وهذا يمنع عين القلب من مشاهدة الحقائق الدينية، فالمعلوم أن عمى الإنسان هو إما بسبب المشكلات التي قد تصيب العين أو بسبب سبات العين ونومها، أو أن العين أغلقت أو وقع صاحبها في مكان مظلم، وبالمثل فإن عين القلب أيضاً قد يصيبها مثل ذلك من موانع وعوائق، وعكس ذلك العلم الذي هو بمثابة نور للقلب (العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء) (أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ).

7 - ثم ولتأكيد هذا المطلب يقول تعالى بأنهم يمكن أن يؤمنوا بطريقة واحدة فقط وهي أن يشاء الله ويرغمهم على الإيمان، (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ومن البديهي أن مثل هكذا إيمان لا فائدة منه البتة، سواء على الصعيد التربوي أو التكاملي، لذا يضيف تعالى في نهاية الآية (وَلكِن أكثَرَهُم يَجهَلُونَ).


1) العنكبوت / 69

الآية 112

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النبوة، الشیطان، الإنس، الجن، الوحی، الزخرف، الغرور، الإفتراء»

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون (112)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (شياطين) هو جمع شيطان وبمعنى الشرير سي الطينة، و(الجن) في اللغة بمعنى المخفي والمحجوب، وأما في الإصطلاح القرآني فهو يشير إلى طائفة من الموجودات (من غير الملائكة) ممن يمتلكون مشاعر وأحاسيس وإرادة، وهم محجوبون عن الحواس البشرية، والشيطان هو جزء من الجن.

2 - كلمة (وحي) هي بمعنى الحديث المخفي وبالإشارات وأمثال ذلك، و(زخرف) هو التزيين والتحسين الذي يلبس على الإنسان حقائق الأمور، و (زخرف القول) هو القول الحسن والجميل الذي يبدو في ظاهره شبيهاً بالحق، إلا أنه في الواقع ليس حقاً، بل فيه مكر وتدليس.

3 - كلمة غرور هي بمعنى مفعول أو مفعول له مقدر لنفس الجذر، ولهذا فالآية الشريفة تقول : كما أننا جعلنا لك أعداء من الجن ومن أصحاب النفوس الخبيئة من البشر، ممن يعملون ضدك سراً ويحاولون خداعك لحرفك عن صراطك، فإننا جعلنا مثل ذلك للأنبياء السابقين من قبلك.

4 - إذا لم تكن مشيئة الله وحكمه، فإنه لم يكن لهؤلاء أن يقوموا بأي حركة تذكر، فهم يحتاجون على الدوام إلى إذن الله سبحانه الذي منحهم حرياتهم ليقوموا بما يشاؤون، وعليه

يأتي الخطاب الإلهي للنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) : الآن وقد أدركت نواياهم وكشف لك عداؤهم وعلمت بأنهم يقومون بهذه الشرور وهم يستمدون حرياتهم في ذلك من الله سبحانه، فلا تكن بعد ذلك في حزن لما يفعلون، بل ذرهم ليكذبوا كما يشاؤون ويحيكوا الإفتراءات الجسام، وليشركوا في عبادة الله من يريدون.. وبالتالي فهذه الآية هي بمثابة تسلية لخاطر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).

5 - بناء على هذه الآية والعديد من آيات القرآن الكريم، فإنه يتبين أن كافة الألطاف منسوبة لله تعالى بشكل مباشر أو غير مباشر ، وكافة الشرور منسوبة بشكل مباشر إلى الشيطان والنفس الأمارة بالسوء ، وبشكل غير مباشر تجري بإذن الله والحرية التي منحها لهم، وهذه الحرية هي امتحان الله وسنته في وسنته في هداية كافة الموجودات المخلوقة، للسير والتكامل نحو السعادة ، وأمر دعوة الدين وما يتعلق بها من أمر ونهي وثواب وعقاب لا يمكن أن يتحقق، خاصة في عالم تجري فيه حركة التكامل والارتقاء بالتدريج.

6 - لا شك أن الله سبحانه لو شاء لكان بمقدوره إجبار كافة الشياطين على الإطاعة والإنتهاء عن الشر، إلا أن الله لم يفعل لأنه شاء سبحانه أن يمتحن الناس ويجعل إمتحانهم في ميدان التكامل والإرتقاء (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ).

7 - في ختام الآية يأمر الله سبحانه نبيه بأن لا يعير مثل هذه الأفعال الشيطانية أي اعتناء (فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ).

الآية 113

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الإصغاء، الأفندة، الإیمان، الآخرة، الرضایة، الإقتراف»

وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُون (113)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (تصغي) من (صَغَوَ) بمعنى الميل، وهو الميل الذي يحصل عن طريق الاستماع، و(اقتراف) هو بمعنى التحصيل والاستحواذ، ضمير (إليه) يعود إلى كلمة (وحي شيطاني) الواردة في الآية السابقة، واللام في (لتصغى) هي للغاية والبيان.

2 - تشرح هذه الآية نتائج تلقينات الشياطين وتبليغاتهم كما يلي: وفي نهاية الأمر فإن الذين لا يؤمنون بالآخرة سينحرفون بعد إصغائهم لكلام الشياطين، الذي يدخل إلى أعماق قلوبهم (وَلِتَصْغِي إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ).

3 - تستكمل هذه الآية خطاب الآية السابقة فتقول : لقد تركناهم لحالهم ليخدعوا الناس بكلامهم، وعندما تُعرض عنهم، فإنهم سيميلون أكثر نحو وحي الشيطان، وسيعجبهم، فيقبلونه، وفي النهاية يرتكبون أعمالاً سيئة وشقاوات شنيعة.

4 - إن الله سبحانه لا يساعد فقط أهل السعادة في الوصول إلى السعادة، بل أهل الشقاوة أيضاً يمنحهم المدد للوصول إلى أوج شقاوتهم وكذا قوله تعالى (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْفُوراً)(1).

5 - ثم يقول تعالى: في نهاية الأمر سيطيعون الشيطان بشكل كامل (وَلِيَرْضَوْهُ) وهذه النهاية تتمثل بارتكاب أنواع الذنوب الشنيعة (وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ).


1) الإسراء/ 20

الآية 114

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکتاب، القرآن، التفضیل، النزول، الحق، المریة»

أفغير الله أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ اتَيْنَهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزِّلُ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تأتي هذه الآية كخطاب عن لسان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): هل لجأت إلى غير الله فاخترت أحد آلهتكم ليكون له الحكم علي، بينما الله احق بالحكم فهو من أنزل هذا الكتاب بالحق عليكم ولم يجعل من خلط أو التباس في آياته بل هي تشتمل على مفاتيح السعادة للمجتمع الإنساني، وهي السبب في بركات السماء والأرض، عندها يوجه خطاباً للنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) فيقول: اعلم أن أهل الكتاب يعلمون حقاً بأن كتاب القرآن هذا قد نزل من قبل إلهك بالحق، فاطمئن واثبت، واعلم بأن القرآن الكريم ليس بإلقاءات من قبل الشيطان أو مجرد تكهنات ونبؤات من قبل الشيطان، ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تُنَزِّلُ الشَّيَاطِينِ ، تَنَزَّلَ عَلَى كُلَّ أَفَّابٍ أَثِيمٍ)(1).

2 - رأي البعض بأن (حَكَمَ) تأتي من (حاكم)، أما الباقين فقالوا بأن (حَكَمَ) هو القضاء بين الطرفين، والواقع أن (حاكم) تدل على أي حاكم، إلا أن (حكم) تطلق على من يستحق أن يحكم، ولا يحكم إلا بالقضاء، وفي مجمع البيان: لفظ (حَكَمْ) و (حَاكِمْ) له معنى واحد، إلا أن حَكَم أبلغ في المدح لصاحب الحكم، الذي لا يحكم أو يقضي إلا بالحق، وخلافاً ل-(حاكم) ذو المعنى المطلق، والذي يشمل من يحكم بالباطل أو يقضي له.(2)


1) الشعراء/ 221 و 222

2) مجمع البيان، ج 4 ، ص 546

3 - حرف الفاء في (أَفَغَيْرَ الله) هو للتفريع، أي يعني بأن الجملة الواردة هي فرع ونتيجة للجمل الواردة سابقاً، والتي تشير إلى بيانات صادرة من قبل الله سبحانه، وقد قال كذلك: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصدّق الَّذي بَيْنَ يَدَيْهِ) وعليه فالمعنى يكون كالتالي: هل لجأت طالباً الحكم ممن تنتسبون إليه، أو أن أتبعهم، وأنا إلهي الله أحسن الحاكمين والمستحق الوحيد للحكم، لأنه أنزل القرآن الكريم عليكم ، وجعل آياته بينه لا لغط فيها ولا لبس.

4 - إن هذه الآيات ورغم أنها تعود بشهادة فاء التفريع في (أفغير الله) إلى الآيات السابقة وتتصل بها، إلا أنها في ذات الوقت تتصل فيما بينها أيضاً - وهي ثمان آيات - ، فبعضها متصل بالآخر، وذلك لأن الآيات تشتمل على أنه لا يجب أخذ الحكم إلا من الله، ولا الإصغاء إلا لحكمه، فهو الذي فصل أحكامه في كتابه وبينها، وأورد فيها نهيه عن إطاعة أكثر الناس لأن أوامر أكثرهم قائمة على الظن والتكهن والتضليل.

5 - في معنى كلمة التفصيل يأتي التفسير كالآتي: إن هذه الكلمة هي بمعنى التوضيح والتبيين ورفع الشبهات، بشكل إذا حدث فيه أي خلط وتداخل لذلك المعنى فإن المراد بالنتيجة يصبح مبهماً، ويمكن أن يكون التفصيل بين الحق والباطل، وقد يكون بين الفنون القرآنية وبيان الأخلاق والتوحيد وشؤون الأنبياء وخواص يوم القيامة ومسألة الإمامة وبيان الأحكام من الواجبات والمحرمات والمباحات والمستحبات والمكروهات والأحكام الوضعية وأحكام الإرث وحدوده والقصاص والوصية وغير ذلك من قصص الأنبياء والسابقين والوعد والوعيد والمواعظ والنصائح وكل ما له علاقة بباب الزواج والمعاشرة وحقوق الزوجين وأحكام الطلاق والترغيب والتحريص وغيرها (وَلا رَطب وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين)(1).


1) الأنعام/ 59

6 - (وَالَّذِينَ آتَيْناهُم الكِتاب) الظاهر أن المراد من الكتاب هو القرآن الكريم، وذلك بقرينة العبارة السابقة، والمراد من (الذين) هم المؤمنون يقرينة (أنزل إليكم) وليس المراد هنا التوراة والإنجيل، لأن الآية تقول (يَعْلَمُونَ أَنَّه مُنَزِّلُ مِن رَبِّك) وهي تدل على المؤمنين الذين يعلمون بأن القرآن منزل من عند الله سبحانه، وأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فليس لديهم مثل هذا العلم إلا قليل منهم.

7 - في عبارة ( فَلا تَكُونَن مِن المُمْتَرِين ) تشير كلمة (مرية) إلى الشك والتردد في مكان لا يجب فيه الشك أو التردد، ورغم أن الآية تخاطب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلا أن فيها إشارة إلى أن القرآن ليس فيه مكان للشك أبداً، كما في قوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه)(1)، و ( لَئِن أَشْرَكت لَيَحْبَطَن عَمَلُكَ وَلَتَكُونَن مِن الخاسِرِين)(2)، و (وَ لَئِنِ اتَّبَعَت أَهْوَاءَهُم مِن بَعدِ مَا جَاءَك مِن العِلم إِنَّكَ إِذا لَمِن الظَّالِمِين).(3)


1) البقرة / 2

2) الزمر / 65

3) البقرة / 145

الآيات 115

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکلمة، التبدیل، السمع، العلم، کلمات الله»

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - لفظ (كلمة) في اللغة هو بمعنى اللفظ الدال على المعنى التام أو غير التام.

2- رغم أن هذه الآية الشريفة تشمل جميع الإطلاقات الممكنة للفظ (كلمة) إلا أنها تأتي أحياناً في ثقافة القرآن والروايات بمعنى الوعد المؤكد والقطعي (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي اسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا)(1)التي تدل على تحقق وعد الله في بني إسرائيل جزاء صبرهم، وأحياناً تأتي بمعنى الدين الإلهي، مثل (وَكَلِمَةُ الله هي العُليا)(2)وأحياناً تطلق على النبي وأولياء الله، كما هو فيما يخص النبي عيسى (علیه السّلام) (كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلى مَرْيَمَ)(3)وفي مواقع أخرى تأتي بمعنى الموجود الخارجي من قبيل الإنسان مثل (إِنّ الله يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى بن مَرْيَمَ)(4).

3 - أطلقت هذا اللفظ على النبي عيسى (علیه السّلام) بإعتبار أن وجوده كان خارق للعادة، لأن عادة الخلق هي أن تتم بالتدريج والمسيح أوجد بكلمة إيجاد كما أنه في الآية 59 من سورة آل عمران يقول تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون)، وفي الروايات عن الأئمة الأطهار أنهم الكلمات (نحن الكلمات)(5).


1) الأعراف / 137

2) التوبة / 40

3) النساء / 171

4) آل عمران /45

5) مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج 4، ص 400

4 - لعل المقصود من عبارة (كلمة ) في الآية أعلاه، ذات القرآن الكريم، لأنه وفي الآيات السابقة كان الحديث یچور حول القرآن الكريم، وكلمة الله إطلاق على الآيات الشريفة فيه، لأن كلام الله يقول في واقع الأمر أنه: ليس هنالك من شك في القرآن الكريم أبداً، لأنه كامل وخالٍ من كل عيب تقريباً، وكل ما ورد فيه من تواريخ وأخبار، هي صدق وأحكامه وقوانينه عادلة.

5 - هنالك في الروايات والأحاديث ما يزيد عن عشرة أحاديث والكثير من الزيارات والخطب التي أطلق فيها على الأئمة (علیهم السّلام) لفظ كلمات الله (نحن كلمات الله).(1)

6 - بعض المفسرين يستدلون بهذه الآية للتأكيد على أنه ما من سبيل إلى تحريف القرآن الكريم، لأن العبارة (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) فيها إشارة إلى أن لا أحد قادر على تغيير وتبديل الآيات القرآنية، لا لجهة اللفظ ولا الأخبار ولا الأحكام، فهذا الكتاب سيبقى حتى نهاية هذه الدنيا سماوياً مقدساً مرفعاً عن كل تحريف، ودليلاً ومرشداً للعالمين.

7 - جملة (وَتَمّت كَلِمَةُ رَبِّك) توضح حقيقة أن ظهور دين الإسلام كان بعد مراحل طويلة من إرسال الرسل والأنبياء وإنزال الكتب السماوية واحداً بعد الآخر، وشريعة بعد الأخرى، فتعاقبت الأديان على الأقوام إلى أن بعث النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) بالإسلام فكانت مرحلة الثبوت والتحقق.

8 - بناء على دلالات الآيات القرآنية، فإن الشريعة الإسلامية تشتمل على كليات الشرائع الماضية، واستكمال لها بالأحكام الإسلامية، كما جاء في الآية الكريمة (شَرعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى).

9 - كلمة (صدقاً) في القرآن تبين أن هذا القرآن الحاوي لكل الأصول والحقائق والمواضيع، هو صادق لأنه كلمة الله التي لا يمكن تبديلها، فالتبديل إما أن يأتي من الله ذاته ليغير أمراً ونهياً أو حكماً سابقاً، أو أن يكون المبدل شخصاً آخر له القدرة فوق قدرة الله تعالى،


1) تحف العقول، ص 479

وهذا أمر محال، لذا فكلمة الله الصدق (وَ مَن أَصدَق مِن اللّه قِيلًا)(1)و (وَ مَن أَصدَق مِن الله حَدِيثاً)(2).

10 - إن كلمة الله قائمة وفق معايير العدل، وشاهدة على أن مواد وأجزاء الأحكام مترابطة، لا تضاد أو تناقض فيها، وكل حكم بعيد عن الحرف أو الميل، ويجري على كل فرد وشيء تبعاً لشأنه ومكانته، إضافة إلى أن كافة بيانات القرآن متوافقة مع الحكمة والمصلحة، بل ولا تحيد مقدار ذرة عن العدل وكما أن الدين الإسلامي هو عادل لا ظلم في أي من أحكامه، فإن أنبياء الله من آدم وحتى الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف معصومون عن الأخطاء والهفوات والمعاصي، فالعصمة شرط النبوة والإمامة (وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

11 - إن لعبارة (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أربع معانٍ يمكن عرضها فيما يلي:

المعنى الأول: أنه العالم بحقيقة الحاجات التي تطلبونها وهو الذي يجيبكم، شرط أن يكون في ذلك صلاحكم.

المعنى الثاني: أن الله يسمع بواسطة ملائكته الأخبار والحوادث التي تجري معكم.

المعنى الثالث: أن الله يسمع بواسطة ملائكته الأخبار والحوادث التي تجري العالم، كما أنه سبحانه عالم بها حتى دون وساطة الملائكة.

المعنى الرابع: أنه يسمع الأحاديث التي تدور بينكم ويعلم ما تفعلون.


1) النساء / 122

2) النساء / 87

الآية 116

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الإطاعة، الضلال، الأرض، سبیل الله، الإتباع، الظن، الخرص، التخمین»

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)

شأن نزول الآية:

هنالك روايتان في شأن نزولها:

الأول: أنها نزلت في حق علماء اليهود، وهم على فئتين، فأكثرهم كانوا من التابعين صَلى اللهُ لأهوائهم ويقومون بتلفيق الأكاذيب ، ومنهم من صدقوا بنبوة الرسول محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وآمنوا بذلك.

الثاني: عن ابن عباس أن الآية نزلت في شأن المشركين من العرب، ممن كانوا يتجادلون مع الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ومع المؤمنين حول دماء الميتة، فيقولون بأنكم تأكلون لحوم الحيوانات التي تذبحون بأنفسكم، ولكن الحيوانات التي يميتها ربكم لا تأكلون لحومها، بل وتحرمونها، حيث قال تعالى عنهم (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ) والمقصود إجازة اكل لحم الميتة و (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) فالمقصود تحريف حلال الله بالكذب وبما حرم الله.(1)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (خَرْص) بمعنى التخمين والتنبؤ لأن التخمين الذي يتبين بأنه خاطئ، يظهر كذبه.

2 - لأننا نعلم بأن الآيات الكريمة قد نزلت في مكة المكرمة، وقد كان المسلمون في ذلك الزمان أقلية ضعيفة، فإن ذلك كان يلقي وهم أنهم على باطل لدى الأكثرية الوثنية، فهم يقولون نحن أكثر عدداً منهم، إذاً نحن على حق، لذا فالآية ترفض ذلك وتخاطب نبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (وَإِنْ


1) مجمع البيان، ج 4 ، ص 549

تطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).

3 - إن سبيل الله هو سبيل العلم والحكمة ويشتمل على الأحكام والقوانين التي تُسعد البشرية، وهذه الشرائع هي مما يجب أن يؤخذ عن الله سبحانه، وأن لا يكون الاستناد فيها سوى إلى العلم واليقين.

4 - إن الإنسان وخلال مسير حياته الدنيوية والاتصال بالأمور الحياتية وما يخصه من أعمال مجبور - سوى بعض من النظريات الكلية التي يثق البشر فيها على العلم الخالص واليقين المحض - على أن يحل أموره ويديرها بالاعتماد على أساليب من الظن والتخمين لكن التخمين والظن لا يوصل الإنسان إلى الحقيقة، لهذا فاتباع أكثر الناس والأخذ بأحكامهم يُضل الإنسان ويشقيه، (إِنّ الظَّنّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(1).

5 - إن سعادة الإنسان واستقامته ونجاته لا تتم بالظن والتنبؤات و.. فالله لا يرضى من عباده إلا بالعلم واليقين، خاصة فيما يتعلق بالنبوة والكتاب والحكم، كما قال تعالى: (وَلا تَقفُ ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلم)(2).

6 - إن أي ظن هو نتيجة للجهل، ولا فائدة من عبودية تقوم على الجهل، بل هي مما لا يبلغ الله، ولأن أغلب الناس يديرون حياتهم على الظنون والتخمينات، فإن تبعهم الإنسان لضل معهم (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).


1) يونس/ 36

2) الإسراء /36

الآية 117

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «العلم، الضلال، السبیل، العلم، الهدایة»

إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن الله سبحانه أعلم بحقيقة أحوال الضالين والمهتدين على حد سواء، ولا أحد سواه يمتلك مثل هذا العلم، إلا أن يشاء هو فيفيض باليسير منه لمن يريد (إِنَّ رَبِّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

2 - من منطلق أن الآية السابقة كانت تتحدث عن أن معيار الأكثرية لوحده لا يشير إلى الحقانية، ونتيجة لذلك فإن طريق الحق لا يُطلب إلا من الله تعالى، حتى لو كان روّاده أقلية، لذا فإن هذه الآية توضح أن الله خبير بكل شيء وعالم به، وليس في علمه اللامنتهي أي اشتباه أو خطأ، وهو الأعلم بمن يسير في طريق الضلال ومن في يقصد طريق الحق (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

3 - يحتمل أن يكون للعلم في هذه الآية معنيين اثنين:

الاحتمال الأول: إذا كان المعنى المطلوب من علم هو حقيقة العلم بالضالين والمهتدين، فهذا يشير إلى أنها بمعنى العالم، لأنه ليس هنالك من أحد غير الله عالم يمتلك هذا العلم.

الاحتمال الثاني: إذا كان المقصود هو مطلق العلم، بما في ذلك العلم الذاتي والعلم الذي يهبه الله بلطفه لأحد ما، فإن الله تعالى هو أيضاً هنا صاحب العلم المطلق، لأنه (أعلم) من الجميع، فالله أعلم ممن أحاطهم بلطفه فمنحهم مقداراً من نعمة العلم بالضالين والمهتدين.

4 - هنالك فرق بين المهديين والمهتدين، فالمهدي هو من يكون على هدى الله منذ بداية الطريق، بحيث أنه لم يعبد قط غير الله، كالنبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) والأوصياء (علیهم السّلام) ولذا يطلق لقب مهدي على بقية الله المنتظر عجل الله فرجه الشريف، ولذا يقال أيضا في حق أمير المؤمنين (علیه السّلام)(لم يسجد بصنم قط) و (لم يكفر طرفة عين).(1)

أما المهتدي فهو من كان بداية في الضلال ولكن وبلطف من الله سبحانه اهتدى وبدعوة الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وبعون من عقله خرج من ظلمات الضلال كما هو حال المؤمنين في صدر الإسلام، ممن كانوا ضالين وفقراء فاهتدوا وأغناهم الإسلام، وكانوا أذلاء وضعفاء فأعزهم ورفع شأنهم.

5 - سؤال: ما تكليفنا اتجاه المنافق ممن يُظهر الإسلام وفي قلبه يرفضه ويعاديه ؟

الجواب: إن الإسلام نظر إلى هؤلاء باعتبارهم مسلمين وبالتالي فيتوجب اعتبار أبدانهم طاهرة أولاً، وما يذبحون أيضاً طاهر، كما يمكن الزواج بهم، وتزويجهم، وإقامة صلاة الميت عليهم وتشييعهم، وفعل ما يُفعل بالمسلم معهم كالغسل والكفن والدفن، وتجري عليهم أحكام الميراث، طالما لم يكشف عنهم ما يُنافي ذلك، والقرآن الكريم يقول (وَ لا تَقُولُوا لِمَن أَلقى إِلَيْكُم السّلام لَست مُؤمِناً)(2)ولكن مع كل ذلك فقد أمر الإسلام بضرورة أخذ الحيطة منهم والبقاء على حذر، فلا تبوحوا بأسراركم لهم ولا تسلموهم أماناتكم، أو تقلدوهم منصباً ولا تشهدوهم على أمر.


1) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، ص 24

2) النساء /46

الآية 118

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الأکل، الذکر، إسم الله، الآیة، الإیمان»

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِنَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ (118)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في الآيات السابقة ورد العديد من البيانات المختلفة، التي دحضت الوثنية بالأدلة العقلية، وأثبتت أن الله سبحانه هو الواحد الأحد ورب العالم والعالمين، فلا أحد يستحق العبادة سواه.

2 - في هذه الآية استنتاج في إطاعة حكم الله الوارد في الآية السابقة، والذي كان يجيز أكل لحوم الحيوانات التي يتلى عليها اسم الله والإطاحة بما كان الآخرون من المشركين يذهبون إليه انطلاقاً من أهواء أنفسهم وجهلهم بإجازة أكل الميتة، وما كانوا يجادلون به المؤمنين.

3 - من هذه الآية يُفهم التركيز فيها وفيما يليها من آيات على عبارتي (فكلوا..) و (لا تأكلوا..)، حيث يقول تعالى: كلوا من هذه ولا تأكلوا من تلك التي يأمركم المشركون بها، رغم ما يجادلونكم به، لأن الإيمان ليس هو فيض بالإدعاء والكلام، بل هو عقيدة تتمثل بالعمل، ولو كان ذلك جهرة.

4 - إن من خصائص الشمولية في الدين الإسلامي هو ضرورة مراعاة شروط المسائل الجزئية، كما هو حال مسألة الذبح التي تشتمل على خمسة شروط:

الشرط الأول: أن يكون الذابح مسلماً، فذبيحة الكفار حرام وهي بحكم الميتة.

الشرط الثاني: يجب ذكر (بسم الله الرحمن الرحيم) لدى الذبح ولا يكفي فقط قول بسم الله.

الشرط الثالث: يجب أن يقف الذابح باتجاه القبلة وأن نحر الذبية باتجاه القبلة أيضاً.

الشرط الرابع: يجب أن يتم الذبح بالحديد والفولاذ وليس بالزجاج أو الذهب والفضة وغيره..

الشرط الخامس : يجب أن يتم ذبح أوداج الذبيحة الأربعة.

الآية 119

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الذکر، الأکل، إسم الله، التفضیل، التحریم، الحرمة، الإضطرار، الضلال، الهوی، العلم، العداة»

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطَرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَا بِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)

شأن النزول:

جاء في شأن النزول أن جماعة قاموا بنشر الشبهات بين الناس من خلال المقايسة فيما بين الحيوان المذبوح والميتة، فكانوا يقولون: لماذا الحيوانات التي يذبحها الإنسان تعتبر حلالاً أما ما يميته الله حرام؟(1)

النقاط المستفادة م من هذه الآية:

1 - يبدو أن المراد من (وَما لَكُم أَلا تَأكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيه) هم النساك والزهاد ممن يحرمون على أنفسهم أكل اللحم.

2 - في هذه الآية استفهام وتعجب مم يتجنب أكل اللحم الحلال المذبوح بالطريقة الشرعية، رغم أن الله سبحانه قد أوضح المحرمات سابقاً، وأشار إلى مواضع الإضطرار والاستثناء.

3 - هنالك على الدوام شريحة من الناس، تظهر في كل زمان ومكان، تعمل على ترويج الجهل والانحراف بين الناس، تلبية لنداءات أنفسهم الأمارة بالسوء، في الاعتداء على حدود الله


1) مجمع البیان، ج 4 ، ص 551

وحريم الشريعة.

4 - إن المقصود من المعتدين على حدود الله هم المشركين ممن قالوا للمسلمين: ما الفرق بين حيوان تلي اسم الله عليه عند الذبج وبين من مات لوحده، والحال أن الله أماته، فإما أن يؤكل الإثنان معاً، أو يحرم الإثنان معاً، وبهذا الشكل فقد اعتدى هؤلاء على حدود الله، فهم لا يكتفون بانحرافهم وضلالهم، بل يريدون جرّ من حولهم إلى حفرتهم.

5 - في هذه الآية ورد نفس الموضوع ولكن بمزيد من الاستدلال حيث يقول تعالى (وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ).

6 - في هذه الآية والآيات التالية هنالك استثناء واحد فقط وهو أنه إن اضطر الإنسان وهو في ظروف تهدد بقائه بسبب الجوع أو الوقوع في مخالب المشركين.. عندها يحل له تناول اللحم الذبوح بغير الطريقة الشرعية، على اعتبار ما جاء في الحديث (الضرورات تبيح بالمحذورات)(1)وهذا الأمر عقلي أيضاً، شرط أن يتناول الإنسان بالقدر الذي يبقيه على قيد الحياة وليس بمعنى الشبع الكامل من هكذا لحم.

7- رغم أن الكثير من الناس يُضلون من حولهم بجهلهم وأهوائهم ( وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) إلا أن الله سبحانه حاضر وهو أعلم بهؤلاء المعتدين (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ).


1) أطيب البيان، ج 5، ص 187

الآية 120

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الإثم، باطن الإثم، ظاهر الإثم، الکسبب، الجزاء، الإقتراف»

وَذَرُوا ظَهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَونَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - كلمة (وذروا ) هي فعل أمر ، وهي في مقام إصدار الحكم والنص في وجوب ترك المعاصي ظاهرها وباطنها، وليس لمجرد النجاة من العقوبة، بل تحقيقاً والتزاماً بالأمر وتنفيذه باعتباره سبباً يوجب الثواب كما أنه أحد العبادات.

2 - في هذه الآية حتى لو كان هنالك نهي مطلق عن الذنب، ولكن ولأن الآيات السابقة قد بحثت في موضوع الذبح الشرعي وتجنب الميتة ... فيستفاد من ذلك أن أكل الميتة فيه إثم وذنب.

3 - جملة (وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ) تبين أن للإثم جزأين:

الجزء الأول: الآثام الظاهرية وهي تلك الذنوب التي لا يخفى على أحد سوء عاقبتها، كالشرك والإلحاد.

الجزء الثاني: فهو الإثم الباطني والمقصود من (الذنب الباطني) تلك الأعمال القبيحة التي لا تكشف على الملأ، فأكل الميتة ولحم الخنزير، وهذا الجزء من الآثام يُدرك باللجوء إلى العقل، ولكن في أحيان أخرى تصعب حتى على العق وتخفى عليه.

4 - إن كل ذنب له وجه باطني وآخر ظاهري، والناس منذ اول التاريخ يخشون الذنوب الظاهرة، إلا أن هذه الآية تدعو إلى ترك الذنب بشكل مطلق، والعبارة التالية ل-(إنّ الذين..) تعلل النهي المتمثل بتجنب أي نوع من أنواع الذنوب، وتحيف الناس من مخالفة هذا الأمر، من حيث أنه قد يرتكب الناس الذنوب خفية، لذا كانت الآية قانوناً عاماً (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ).

5 - تهدد الآية المذنبين مذكرة إياهم بعاقبتهم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ).

6 - توضح عبارة (إن الذين يَكسِبُون الإثم) أن الذين يكسبون الآثار ويرتكبونها ويجمعونها، بل ولا يأبون ارتكاب أي شكل من أشكال الذنوب، يستحقون العذاب الشديد، إلا أن الله سبحانه قد فتح أمامهم سبيل العفو والمغفرة.

الآية 121

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الأکل، الذکر، إسم الله، الشیطان، الفسق، الوحی، الجدل، الإطاعة، الشرك»

وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقُ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ (121)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في الآيات السابقة تم تسليط الضوء على ما يتوجب أكله من لحم حلال، ولكن في هذه الآية - ولمزيد من التأكيد - تشير الآية إلى الجانب الآخر وهو المنع من أكل ما لم يتلى عليه اسم الله لدى الذبح (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).

2 - إن هذا التأكيد عل الذبح والذكر ، هو لجهة التأكيد، فحيثما يكون الإنكار سائداً أكثر، كان التأكيد بالمثل أكبر، فلقد كان هذا الأمر الجديد، صعب التطبيق بالنسبة للجاهليين، لذا فإن الله ينهى صراحة عن أكل اللحم الذي لم يذبح بالطريقة الشرعية.

3 - جملة (إنه لفسق) هي جملة اسمية ل- إنّ وحرف اللام للتأكيد، وفي هذه الآية الجملة القصيرة إعادة لتأكيد الحرمة، وتوضيح صريح بأن هذا العمل جهر واضح بالخروج عن طاعة الله وعصيان أمره، فالواجب هو تجنب أي فسق وعليه فاجتناب أكل اللحم الحرام واجب.

4 - إن حديث المشركين هذا القائل اللحم المذكى والميتة سيان ولا فرق بينهما، هو ليس كلامهم هم بل هو مما ألقاه الشيطان عليهم، في حين مما ألقاه الشيطان عليهم، في حين أن الله سبحانه لم يُحرم الميتة فحسب بل واعتبرها فسقاً.

5 - إن الآية وبهدف تحصين المسلمين البسطاء من الوقوع تحت تأثير وساوس الشيطان

الرجيم، فإنها تضيف (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) لجهة تحذيرهم .

6 - لتأكيد نهي المخالفين وتهديدهم تقول الآية الكريمة: تيقظوا من إطاعة الداعين إلى أكل الميتة من المشركين ولا تستسلموا لهم، وإلا لكنتم في صفهم ومعهم في عداء الله (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).

7 - قد تكون كلمتا يوحون ومجادلة، فيهما إشارة إلى ذات منطق المشركين في إعانة بعضهم بعضاً، فيدعم الواحد منهم الآخر في تثبيت عقائدهم الخاطئة، وقال البعض أن العرب المشركين قد تعلموا أكل الميتة لأن الله أماتها من المجوس وعبدة النار، وهم يجهلون بأن هذه الحيوانات التي تموت بغير الذبح الشرعي، كالقتل بالغاز والصواعق أو الموت الطبيعي، يحوّل الميتة إلى بؤرة للتلوث وتجعل اللحم فاسداً.

الآية 122

اشارة

أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)

شأن النزول:

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «المیة، الحیاة، النور، الظلمة، الزینة، الکفر، العلم»

نُقل بأن (أبا جهل) الذي كان من ألد أعداء الإسلام والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، قام في يوم من الأيام بأذية الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أشهد أذية ، فعلم (الحمزة) المعروف بشجاعته ومرونته، والذي لم يكن في ذلك الزمان قد اعتنق الإسلام بأفعال أبو جهل بابن أخيه، فانتفض لذلك وأسرع من فوره نحو أبو جهل، حتى انهال على رأسه أو أنفه - حتى سال دمه، إلا أن أبو جهل ومع كل ما كان يملك من صولة وجولة، لم يظهر أي ردة فعل على ذلك، ثم ذهب الحمزة إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأعلن عن اعتناقه للإسلام، ثم بقي يدافع عن هذا الدين، إلى أن بذل روحه في سبيله.

والآية هي عن هذه الحادثة، حيث عرضت إيمان حمزة وضعوطات أبو جهل وأمثاله في تلك الفترة من بداية الدعوة الإسلامية، على أن بعض الروايات قد أشارت إلى أن سبب النزول هو في حق إيمان عمار بن ياسر وضغوطات أبو جهل وإصراره على الكفر.(1)


1) مجمع البیان، ج 4، ص 555

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - ترتبط هذه الآية بالآيات السابقة والتالية من حيث الإشارة إلى تقسيم الناس إلى مجموعتين، المؤمنون المخلصون والكفار المعاندون، حيث تشير الآية إلى مثالين طريفين، يتجلى بهما وضع هاتين الفئتين.

2 - لأن الإيمان يقلب كيان الأفراد ويغير حياتهم كلياً، بل ويؤثر على كل ما يتعلق بها، لهذا فالأفراد الذين كانوا في الضلال ثم اهتدوا هم كالأموات الذين عادوا بأمر الله إلى الحياة (أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ).

3 - يجب أن يكون واضحاً بأن المقصود من (النور) في عبارة (وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) ليس فقط القرآن وتعاليم الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، بل هو ذات الإيمان بالله تعالى، هو ما يهب الإنسان نظرة وفكراً جديداً، ويفتح أمامه آفاقاً لا حد لها تتسع فتتجاوز حدود المادة إلى عالم خارق تُرفع فيه كلّ الحجب.

4 - إن الإنسان وفي ضوء الإيمان يمكنه أن يجد سبيله بين الناس، فيجتنب الكثير من الشبهات، التي يمكن أن توقع من سواه ممن تحدّهم المادة وتغلبهم أنانيتهم وأهواء نفوسهم وهوسها، والروايات الإسلامية تشير إلى ذلك في مواضح كثيرة منها: (المؤمن ينظر بنور الله).(1)

5 - سؤال : هل من الممكن الموازنة بين إنسان ينظر إلى دنياه ببركة نور الإيمان، فيراها باعتبارها معبراً مؤقتاً، ويسعى على الدوام إلى جعل كافة أعماله في مسار واحد هو المعنوية والأبدية و.. وبين آخر لا يعرف الإيمان قط، بل يصر على العناد والعصيان في كل جوانب حياته، ولا يلبث يشهر عدائه لله ولأولياء الله ؟


1) عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 61

إن الإجابة واضحة في قوله تعالى (كَمَنْ مَثَلُهُ فِى الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارج مِنْها) الذي يروي حال المعاند الظالم، وذلك لأن وجود هؤلاء الأشخاص ليس إلا وهماً وقالباً لا روح ولا جوهرله.

6 - في ختام الآية إشارة إلى عاقبة الكفار، حيث يقول تعالى بأنه ولأن الكافر يعيش في ظلمات الجهل والعصيان فإن الأمور تشتبه عليه، فيحث السبيل في طريق عبادة الشيطان، وهوى النفس، ويرجح ذلك على عبادة الله والتمسك بالعقل، لذا يغرق في مزيد من الظلمات ويتوه عن سبيل النجاة في حياته الدنيا، ويُخلد في ذلك في الآخرة أيضاً، ولأن الظلمات تسيطر على عقله بشدة فإنه لا يستطيع التفكير بالخروج من ذلك، بل يظن بأنه في أفضل حال وأنه بعيش السعادة الواقعية (كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ).

الآية 123

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «القریة، المجرم، المکر، الشعور»

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - لأن أبو جهل كان رأس حربة المشركين الرافضين للدعوة والرسالة الإلهية، وهو في ذات الوقت كان أحد وجود مشركي مكة وقريش، فإن هذه الآية أشارت إلى وضع القادة المضلين وزعماء الشرك والفساد، فهم موجودون في كل مدينة ومعمورة، يقومون بتشويه الحقائق بما لهم من نفوذ، فيحرفون الحق ويضلون الناس (وَكَذلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فيها).

2 - إن حال الناس هو أن فئة منهم مهتدوت في نور الإيمان وفئة ضالة في ظلمات الشرك والعصيان، والله قد جعل في كل مدينة أو قرية رؤساء وكباراً يقومون على إدارة أمور الناس، فهم إن كانوا مجرمين وتائهين في ظلمات الجهل والعداء لله سبحانه، وهم يعملون بكل ما يمتلكون من قدرة للمكر والحيلة، لكنهم لا يعلمون بأن ذلك لن يعود عليهم في شيء قط، بل ولن يكسبوا سوى الخسران العظيم.

3 - لأن الله سبحانه لن يطاله أي نفع من إيمان الناس وعبادتهم له، بل وأن هدفه سبحانه في دعوة الناس إلى إطاعته هو سعادتهم والآثار المعنوية التي يحصلون هم عليها، لهذا فإنه إن كان هنالك من يحاول بالمكر والحيلة أن يقوم بمزاحمة دعوته وتخريبها، فإنه في الواقع قد ألق

بنفسه الأضرار والأذية وحرمها من بلوغ طمأنينة الإهتداء (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَ ما يَشْعُرُونَ).

4 - يمكن من هذه الآية إدراك أن المفاسد والأضرار التي تصيب المجتمات هي بسبب قادتها وساستها، فهم وكل أنواع الحيل والتدليس ممن لبسوا الحق بالباطل، فأغفلوا رعاياهم وأضلوهم.

5 - يتوجب معرفة أن عاقبة العصيان والذنوب الكثيرة قد حرفت عباد الله عن طريق الحق، وإن من يقع في هذا الفخ فلن يضر إلا نفسه (وَ ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَ ما يَشْعُرُونَ).

الآية 124

اشارة

وَإِذَا جَاءَتْهُمْ وَايَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ الله الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)

شأن النزول:

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الآیة، الإیمان، الرسالة، العلم، الإصابة، الجرم، الذنب، العذاب، المکر»

نقل بأن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة (وهو أحد رؤوس الوثنيين وعقلهم المفكر) ، حيث أنه قال لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): و إن كانت النبوة حقاً، فأنا أحق بها منك، فأنا أكثر منك عمراً ومالاً !(1)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية إشارة قصيرة ولكن بفيض من المعاني، إلى الطريقة المضحكة التي يفكر - بها رؤوس الباطل (أَكَابِرَ مُجْرِمِيها) حيث أن المشركين كانوا إذا نزلت من عند الله آية يقولون: لن نؤمن بها قط حتى ينزل علينا أيضاً ما نزل على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأن نتمتع بذات مكانته ومقامه، والله يجيبهم على كلامهم هذا بأن اختيار النبي هو أمر بيد الله والدعوة ليست بسلعة تُحمل لأيّ كان من الناس بل الله أعلم بمن هو أحق وأقدر (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ وَإِذا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتِي مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ


1) مجمع البيان، ج 4، ص 559

أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).

2 - إن طلب رؤوس الكفر يفيد بأن هذا القول لم يكن طلب كافة المشركين، وبالتالي فقلة من الكبار وؤروس الشرك هم من تقدم بمثل هكذا طلب، وهو المتصفون أصلاً بنهمهم ولهفتهم نحو السلطة والقوة، وإلا فإن كان كافة زعماء الكفر هم من طلب أن تنزل الرسالة عليه، ولو كان سيقبل بما يطلبون، لما بقي أحد ليتلقى الدعوة من قبل الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم).

3 - واضح أن الرسالة لا علاقة لها بالسن أو المال أو المكانة الإجتماعية بين القبائل مثلا،بل شرطها الأول هو الجهوزية والإستعداد الروحي ، والضمير وصفاء الباطن الطاهر، والتميز بالسجايا الإنسانية الأصيلة، وامتلاك القدرة العقلية للتفكر والتدبر، وفي النهاية التقوى والتجنب الشديد للوقوع فيما لا يرضي الله وهذا الأمر هو العصمة، وكل هذه أمور لا يعلمها إلا الله.

4 - لا شك أن الإمام الذي هو خليفة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أيضاً يجب أن يتوفر فيه ما يتوفر في النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من صفات ومزايا، باستثناء الوحي والتشريع، لأنه حافظ الدين والشريعة، والمحامي عن الدين والقوانين، كما أنه قائد معنوي ومادي، لذا يجب أن يتمتع هو أيضاً بالعصمة والمصونية من الوقوع في الزلل، ليكون قادراً على القيام بالرسالة، وليكون بحق القائد المطاع والموثوق به، وهو لهذا منتخب من قبل الله وحده، وليس وفق الشورى أو الاقتراع بين الناس، لأن هؤلاء جاهلون بما يعمله الله من أسرار وبواطن شخصية.

5 - في ختام الآية يشير تعالى إلى عاقبة انتظار مثل هؤلاء القادة والرؤساء المجرمين، الذين يدعون باستمرار أنهم أصحاب الحق وأنهم يهتمون لأمور رعاياهم، فيظهرون خلاف ما في بواطنهم، إلا أن الله سبحانه سيكشفهم فوراً وسيذلهم ويهبطهم بكل ما يتعلق بهم (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ).

الآية 125

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الهدایة، الإسلام، الضلال، الضیق، السماء، الرجس، الإیمان»

فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ، يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَعَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن هذه الآية هي من الآيات موضع البحث، وشرحها وتفسيرها بحاجة إلى صياغة مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن لكل من الإطاعة والمعصية، وإضافة إلى الثواب والعقاب الأخروي، فإن لهما أثراً في الدنيا أيضاً، فالمعصية تؤدي إلى نزول البلاء وتسلط الشيطان ودخول القلب في ظلمات القلب وضعف الإيمان والبعد عن الله سبحانه، والميل إلى الاستمرار بمزيد من المعاصي والذنوب، ولكن من يترك ذلك فيهتدي من الضلال ويؤمن ، فإنه سيرى أبواب الرزق ونور القلب والقرب من الله تعالى ومحبته والاشتياق لأداء العبادات وغيرها..

المقدمة الثانية: لا شك أن أتباع أهل البيت (علیهم السّلام) لا يعتقدون لا بأن الإنسان مجبور بشكل كامل، ولا أنه حرّ مُختار بشكل كامل، بل يؤمنون بأنه أمر بين أمرين، والانسان مختار إلى حد ما وليس مئة بالمئة، فلا جبر ولا تفويض، ومن هاتين المقدمتين نبدأ بشرح هذه الآية:

2 - إن عبارة (فَمَن يُرِدِ اللَّهِ أَن يَهْدِيَهِ) تشير إلى أن أحد بركات العبادة هو أن تتوفر ظروف جديدة لمزيد من الطاعة لله سبحانه وتعالى، وهذا بالضبط معنى التوفيق، ومزيد من التوفيق يعني مزيداً من المعرفة لله والقيام بأعمال حسنة وصالحة أكثر ، كما يُستفاد من الآية 12 من

سورة الكهف (زدناهم هدى) ، كما أن غير المؤمن إن سعى وجد في سبيل بلوغ الهداية فإن الله يقدم له سبل الهداية (وَالَّذِين جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا)(1).

3 - إن عبارة (يَشرَح صَدرَه لِلإِسلام) تشير إلى أنه إن كان هنالك شخص كافر، ولكنه يمتلك قلباً طيباً، فإن الله يهبه انشراحاً في صدره، ليتلقى الإسلام ويعتنقه، وهذه الآية في الواقع تبين إلى أنه عندما يكون قلب وروح وجوهر الإنسان إلهياً وربانياً، ويتصف بالطيبة واللطافة والاستعداد لقبول المفاهيم وتلقي الحقائق، فإن الله يفتح في وجهه أبواب رحمته المعنوية.

4 - من جملة ( وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّه ( يُستفاد بأن نوع العقاب على إرتكاب الذنوب التي تكون عَلَى اللهُ لغير الكفر، بل بسبب العداء والتعصب أو الظلم والإعتداء على الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أو الأئمة أو المسلمين أو لارتكاب الفحشاء والمنكرات يكون كما يلي:

أولاً : يكون عقابه في أن تهيئة أسباب المعصية والظلم له أكثر ليزداد ظلماً وابتعاداً عن أبواب رحمة الله، وهذا بحق معنى الخذلان والانكسار.

ثانياً: (يَجعَل صَدرَه ضَيّقاً حَرَجاً ضيق) أي يغلق أبواب قلوبهم أمام الإيمان، فتقسو وتتصلب أمام نور الإسلام والمعرفة وبالتالي يُسلبون التوفيق، لكن دون أن يُسلبوا قدرتهم على الإختيار، بل يكون (كَأَنَّما يَصْعَدُ فِي السَّماءِ) أي يشعر بأن الإيمان ثقيل عليه جداً وعبء لا يستطيع تحمله، بحيث تشبهه الآية بالفار من الدين وكالذي يتسلق جبلاً ويلهث !! وهذا بالفعل أمر واقع في حياتنا الدنيا، فكم من مذنب تراه يسهر الليل حتى الصباح يلهو ويعبث ولا يشعر بالتعب مطلقا، لكنه غير قادر على تحمل الجلوس لربع ساعة يستمع فيها إلى نصيحة أو أن يقوم فيصلي ركعتين..

5 - عبارت (كَأَنَّما يَصْعَدُ فِي السَّماءِ) هو بمنزلة تفسير ل-(ضَيِّقاً حَرَجاً) وإشارة إلى أن الله سبحانه يعاقب المجرمين بإغلاق قلوبهم في وجه الإيمان.


1) العنكبوت / 69

6 - لقد أثبت علم اليوم بأننا كلما ارتفعنا عن سطح الأرض أكثر كلما زادت نسبة الضغط الجوي أكثر ، فيشعر الإنسان بالضيق، ولا يعود التنفس أمراً يسيراً له، وكذا التشبيه المشار إليه في الآية، بأن مثل هؤلاء المجرمين يشعرون بهذا الضيق المانع من الإيمان، وفي هذا أيضاً إشارة إلى الإعجاز القرآني الذي جاء على ذكر مثل هكذا أمر علمي كتشبيه لمثل هذه المسألة.

7 - تختتم الآية بعبارة (كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) وهي تبين قاعدة كلية ضابطة لجهة إضلال الذين لا يؤمنون، وذلك لأنهم يُسلبون روح الإيمان بالله والقدرة على إطاعة الحق، فلا يتقبلون معارف الحق والأحكام الإلهية، لأن رجس الكفر يحيم على حياتهم بشكل يأنسون فيه إلى الظلمات.

8 - إذن فالضلالة والهدى بيد الله تعالى، رغم أن العبد (بالنسبة إلى باطنه وقدرته) يمكنه أن يختار إما الإيمان وإما الكفر ، وهذا ما يجعله مستحقاً للهداية أو للضلال

الآية 126

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الصراط، الصراط المستقیم، التفضیل، الآیة، الذکر»

وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَد فَصَّلْنَا الْآيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ كرون (126)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - يحتمل أن المقصود من اسم الإشارة (هذا) هو الإسلام في الآية السابقة.

2 - تأتي هذه الآية باعتبارها تأكيد على البحث السابق من أن انشراح الصدر هو هبة يمنحها الله لأهل الهداية، وأما ضيق الصدر فهو لإضلال الكافر المعاند، وهذه سنة الله التي لا تبديل لها، كما أن المدد الإلهي يشمل أصحاب الحق وطالبيه، وسلب التوفيق يشمل أعداء الله ليزدادوا ضلالاً (وهذا صِراطٌ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً).

3 - إن الاهتمام الدائم بالأوامر الإلهية هو سبيل الصراط المستقیم (هذا صراط ربک... لقوم يذكرون).

4 - إن المؤمن يتمتع على الدوام بانشراح الصدر والطاعة في مقابل الحق، أما الكافر فيشعر دائماً بنفور تجاه التعاليم الإلهية، ولا ينفذ إلى قلبه المتصلب نور الإيمان.

5 - إن الله يتم نعمته على جميع خلقه، فإن كانوا بحق أهلاً للاهتمام بها، كفتهم فكانت دليلهم نحو الحق، وبأساليب مختلفة في البيان والتوضيح (لقوم يذكرون).

6 - في نهاية الآية تأكيد متجدد على أن العلامات والآيات الإلهية أرسلت لتتلقاها القلوب الخاشعة وتسمعها الآذان المؤمنة (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ).

الآية 127

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «دارالسلام، الولایة، العلم»

لهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تبين هذه الآية نوعين من أعظم وأكبر الهدايا والعطايا التي يمنحها الله لليقظين من عباده والطالبين للحق:

الهدية الإلهية الأولى: أن يجعل لهم بيتاً آمنا لديه (لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ).

الهدية الإلهية الثانية: أن يكون الله هو وليهم وحافظهم (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ) .

وكل ذلك بسبب أعمالهم الحسنة التي قاموا بها (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ).

2 - السلام يعني البعد عن الآفات الباطنية والظاهرية، و(دار السلام) هي بمعنى المكان الذي ليس فيه لا حرب ولا سفك للدماء، ولا خشونة أو منافسات، ولا تصادمات أو مناوشات، ولا مرض أو شيخوخة، ولا جوع أو عطش، ولا كذب أو افتراء، ولا حسد أو حقد، ولا غم أو هم، بل لا شيء يمس السكينة بأي خدش أو يزلزلها، وهذه الدار هي المكان الذي ينتظر المؤمنين، حيث لا شيء يهدد طمأنينتهم وسلامتهم عند الله تعالى، بل ليس لهم سوى ثواب أعمالهم، مع محبة الله وعنايته التي ستشملهم في كل حال.

3 - لأن أولياء الله يعتقدون بأن الله وحده مالك الدنيا والآخرة، فإنهم في دار السلام في هذه الدنيا وفي الآخرة، فهم لا يأبهون بما يغنمون وما يخسرون من أمور مادية، ولا شيء يهمهم إلا الله، الذي يرونه بجانبهم في كل لحظات حياتهم، لأنه بحق وليهم في الدنيا والآخرة، يتبعونه في مسير حياتهم، ويهتدون بنوره ، ذلك النور الذي يشع لقلوبهم ويفتح عيون بصيرتهم.. فيُجزون نتيجة أعمالهم درجات في الجنة.

4 - يا له من فخر عظيم أن يتولى تعالى أمور كفالة الإنسان وحمايته، فيكون معينه ودليله (وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ) ويا لها من هبة عظيمة (دار السلام)، ذلك المكان الذي ينتظر المؤمنين ويتوعدهم الله به، وهذا المكان ليس إلا الجنة لأن الآية ربطت العبارة السابقة ب-(عِنْدَ رَبِّهِمْ).

5 - جملة عند ربهم، تبين أن المكان الذي يتوعد الله به عباده، هو في جوار رحمته ولدى درجات قربه المشمولة بعنايته (وَهُوَ وَلِيُّهُم)، حيث يُخلدون حتى الأبد وإلى اللانهاية، حيث لا زوال ولا فناء، وكل ذلك بأنهم استحقوا بأعمالهم الصالحة وطهر نواياهم أن يحصلوا على عنايته تعالى ولطفه (بِما كانُوا يَعْمَلُون).

الآية 128

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الجن، الحشر، الإنس، الأجل، النار، الخلود، الجهنم، الحکمة، العلم»

ويوم يحشرهُم جَميعًا يَمَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَنكُمْ خَلِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية تأكيد من جديد على عاقبة المجرمين الضالين، وما جاء في الآيات السابقة.

2 - المقصود من كلمة (جن) هنا هو الشيطان، لأن الجن في اللغة هو بمعنى الموجود الذي لا يُرى وفي الآية 50 من سورة الكهف نقرأ عن الشيطان (إبليس) (كانَ مِنَ الْجِنِّ).

3 - عندما يتم الله في يوم القيامة حجته على كلّ عباده، يجمعهم جميعاً فيخاطب الجن: أن يا أيتها الجن، لقد قمتم بإضلال الكثير من الناس فكنتم تقودونهم وتديرونهم، إلى أن أسقطتموهم في أحقر وأذل مكان، فلا يكون للشياطين أن يردوا على خطاب الله سبحانه (وَ یَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنَّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ).

4 - لا شك أن سيطرة الشياطين على الناس وعلاقتهم بهم في الدنيا لم تكن أحادية الجانب ولا إجبارية، بل لها علاقة بالطرفين على حد سواء، بحيث أنه إن كان الناس قد تبعوا في

هذه الدار الشياطين، فهذا لأنهم كانوا يرون أن في ذلك منفعة وربح ومتعة لهم، وأما الشياطين فكانوا يرومون من وراء هذه العلاقة السيطرة على البشر وإدارتهم كما يشتهون، إذاً فطرفا هذه العلاقة كان لهما من المنافع ما جعلهما يرغبان فيها وفي استمرارها، وعليه فإن كلاهما سيأتي يوم الدين معترفاً بذنبه وأعماله السيئة وبما تمتع من الطرف المقابل له (وَقَالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَلْتَ لَنَا).

5 - رغم أن صاحب كتاب (تفسير نمونه) قد أورد تفسير هذه الآية كالتالي: أن المقصود من (أجل) في هذه الآية هو نهاية الحياة،(1)إلا أن الأجل قد ذكر في كثير من الآيات القرآنية، وبمزيد من التدقيق في مواردها يتبين أن المقصود منها ليس بلوغ ساعة الموت للمذنبين في هذه الدنيا، بل هي بمثابة توضيح لآلام الكفار النادمين يوم القيامة، حيث يقولون لله تعالى بأننا قد اخترنا السيء من الأعمال بملء إرادتنا فعصينا وتبعنا الشياطين، حتى هوينا إلى قاع الذل والتحقير الذي قدرته لنا، وتجاوزنا حدودنا حتى كدنا نبلغ الكفر والإنكار ، فيجيبهم الله تعالى: (قالَ النَّارُ مَنْواكُمْ خالِدِينَ فِيهَا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ).

6 - في ختام الآية يقول تعالى مخاطباً رسوله: إن إلهك حكيم، أي أنه يضع الأمور في مواضعها، وهو يعلم بها ومحيط بكل ظروفها، فهو الذي يعاقب أو يجزي ويعفو، وهو الخبير بوقت كل منها ومكانه (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ).

7 - إن تعذيب الله للمذنبين لا يعني أبداً بأنهم خالدون في جهنم فحسب، وأن الله المتعال لن يعود لديه القدرة بعد ذلك على استخراجهم منها، لأن الله سبحانه يقول بأن كل شيء بيده، وهو قادر على إخراجهم، لكنه لن يفعل لأنهم ليسوا أهلاً للنجاة.


1) تفسیر نمونه، ج 5 ، ص 440

الآية 129

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الولایة، الظلم، الکسب»

وَكَذَالِكَ نُوَلّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (وكذلك) تعني بنفس الشكل الذي يستمتع به بعضهم ببعضهم، فبذلك النحو أيضاً يظلم بعضهم الآخر ، فلا يكون لهما معاً إلا العقوبة على المعاصي.

2 - في هذه الآية إشارة إلى قانون إلهي دائم، فيما يتعلق بمثل هكذا مواقع، حيث يقول تعالى: بأن هؤلاء الطغاة الظالمين يساند بعضهم بعضاً في هذه الدنيا، فيمدون بعضاً بالإلهام والإرشاد ويتعاونون في الإثم والعدوان، سيحشرون معاً في يوم القيامة (وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ).

3 - إن عبارة (بما كانوا يكسبون) تبين أن سنة الله والقانون الإلهي يقضي بأن يسقط رواد سبيل الإثم والظلم في أعماق وديان لا نهاية لها من العذاب، وفي ذلك فلا يلومن إلا أنفسهم.

4 - إن أحد تعذيبات الله تعالى التي يستحقها الكثير من العاصين بسبب تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانفصال عن العلماء والفرار من دفع الخمس والزكاة وسائر المعاصي الأخرى.. هو أن يُسلط عليهم الظالمين والأشرار والمنحطين و... بحيث مهما دعوا الله للخلاص من تلك الحالة لم ينجوا، لأن دعائهم يمسي دون أثر، خاصة وأن كل ظالم يأتيه ظالم أعلى منه ليسيطر عليه وهكذا.. واليوم نرى في حياتنا كيف يظلم الأبناء آبائهم والزوج زوجته وبالعكس والأرحام بعضهم بعضاً، والتاجر الزبون، والجار لجاره، وصاحب العمل لعامله، والرئيس للمرؤوس و..

الآية 130

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الجن، الإنس، الرسالة، القصة، الآیة، الإنذار، اللقاء، الغرور، حیاة الدنیا، الکفر»

يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَفِرِينَ (130)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية والآيتين التاليتين، توضيح بأنه في يوم القيامة سيتم أولاً إتمام الحجة على ذوي الصفات الشيطانية، حتى لا يظن أحد بأن هؤلاء قد أغفلوا أو تم حرفهم عن الصراط المستقيم بشكل لا يد لهم فيه.

2 - فالله في يوم القيامة يثبت حكمه بإقرار الظالمين والمذنبين بما ظلموا وأذنبوا، ولكي لا يقوم هؤلاء بإدعاء أنهم كانوا جاهلين ومجبرين على إرتكاب ما ارتكبوا، أو أنهم معذورون، فيقول الله لهم يوم الجمع ألم أرسل إليكم رسلي ؟ ألم تأتكم آياتي؟ ألم يقرؤوا لكم عن يوم القيامة والبعث ؟ (يا مَعْشَرَ الْجِنَّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ).

فيقولون مجيبين: بأننا نشهد على أنفسنا ونعترف بأنه قد أتانا الرسل وأبلغونا بالآيات ، لكن غرتنا الحياة الدنيا فلم نهتم بما جاء به الأنبياء، فاتبعنا الشيطان (قالُوا شَهِدْنا عَلَى أَنْفُسِنا).

3 - عندها يقول تعالى لهم بأنه كان يلهم لقلوبهم سبل التوبة ويفتح أبواب الرحمة أمامهم، لكن ظلمة أعمالهم الشنيعة وأهوائهم وميولهم، كانت تعميهم، وتهاجمهم بقوة فتسد سبل الحق، وتفتنهم ببريق الدنيا وزينتها (غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا).

4 - في ختام الآية عبارة (شَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) تشير إلى اعتراف وشهادة الكافرين الثانية على أنفسهم، حيث ينطقون بألسنتهم مذعنين بأنهم اختاروا طريق الباطل بملء إرادتهم واتبعوه.

5 - إن الهدف من الاعتراف الأول الذي يقدمه الكفار ، هو الشهادة بإرسال الرسل ونزول الآيات الإلهية والإنذار بها ، وأما الشهادة الثانية فالمقصود منها الشهادة بالكفر المتعمد فيما يخص الدين الإلهي.

الآية 131

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الهلاک، القری، الظلم، الغفلة»

ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ (131)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - المقصود من اسم الإشارة (ذلك) هو ما جاء في الآيات السابقة حول تعذيب الكفار والمستبدين لكفرهم وعنادهم، وحرف (أن) في جملة (أن لَمْ يَكُنْ) بيان لأن الله رؤوف وعطوف وعادل وحكيم (وإن الله لا يظلم مثقال ذرة)(1)ولا يمكن لإله مثل هذا الإله الذي لم يكن ليهلك القرى دون تقصير وعداء أهلها، ظلماً وعدواناً، أن يصدر عنه أي فعل ظلم.

2 - في هذه الآية تأكيد على مضمون الآية السابقة، بشكل قانون كلي وسنة إلهية، وفيه تقول الآية بأن الله سبحانه لا يظلم أحداً من أهل المدن والقرى وهم غافلون أو جاهلون، إلا أن يرسل لهم بالأنبياء وينزل عليهم الآيات والكتب السماوية (ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ).

3 - إن أسلوب وطريقة الله في هداية الناس هي بإرسال الأنبياء أولاً والتحذيرات المختلفة، فيريهم صراط الحق ويبيّن لهم الحقائق، ليتم عليهم الحجة، ثم لا يهلكهم إلا بعد أن يرسل عليهم بالأنبياء والرسل ويذكرهم مراراً، فيستمروا مع كل ذلك على عنادهم وإصرارهم، لأن الله ليس بالظالم (و ما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون)(2)(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)(3).

4 - قد تكون كلمة (بظلم) تبياناً لأن الله لا يعذب الغافلين ظلماً، فعقاب مثل هؤلاء وهم


1) النساء/ 40

2) الشعراء/ 208

3) الإسراء/ 15

في هذه الحال ظلم وعدوان والله سبحانه أجل من ذلك، بل ولا يليق برحمته مثل هذا الأمر (فَما كان الله لِيَظْلِمَهُم وَلكِن كَانُوا أَنْفُسَهُم يَظْلِمُون).(1)

5 - المقصود من هو عدم الإطلاع على أمر ما أو عدم المعرفة به، وهنالك فرق في اللغة والاصطلاح الديني بين القصور والتقصير، فالقاصر سواء كان كافراً أو مشركاً أو غير مطيع فإنه لا يطاله العذاب لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحال هؤلاء مثل حال الأطفال والمجانين والضعفاء ممن يسكنون في المناطق النائية والمضطرين والمرغمين على التقية وأشباه هؤلاء.. فهؤلاء حتى ولو لم يكونوا مؤمنين فإنهم لا يدخلون الجنة لأنها خاصة بالمؤمنين، لكن القول بما سيؤول إليه حالهم يوم الدين، فهذا أمر يعود شأنه طبعاً لله تعالى، لكن القطعي أنهم لا يتعذبون أيضاً، وهذا مما لا يتنافي وعدله سبحانه، فكافة العذابات والعقوبات الدنيوية والأخروية هي خاصة بالمقصرين، أما الشخص الغافل الذي لا يقع عليه تقصير ما هو عليه، فلا يمكن أن يطاله عقوبة حتى تتم الحجة عليه .

6 - يجب أن تعلموا بأن عذاب أهل المدن والقرى، هو بسبب أنهم أولاً كانوا على علم كامل بما تمت دعوتهم إليه، فلم يكونوا بالجاهلين أو الغافلين، وثانياً أنهم أحرار وذوو قدرة وقوة ولهم أن يختاروا أي الطريقين يريدون، إلا أنهم مع ذلك كفروا وعصوا الأنبياء، واختاروا بكامل قواهم العقلية والإرادية، إذن فالله لا يعذبهم وهم في غفلتهم أو جهلهم.

7 - لا شك أن المراد من الهلاك في هذه الآية ليس العذاب الدنيوي، كما أن المراد من عدم ظلمهم ليس فقط عدم ظلم الله لأهل القرى ممن استحقوا العذاب بسبب أعمالهم وما ارتكبته أيديهم، بل هو عدم ظلمه تعالى لهم.


1) التوبة/ 70

الآية 132

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الدرجة، العلم، الغفلة»

وَلِكُل دَرَجَتْ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون (132)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تؤكد هذه الآية مرة أخرى بأن كافة الدرجات والدركات ليست إلا نتيجة أعمال الإنسان وليس أي شي آخر.

2 - إن لكل مجموعة من مجموعتي الإنس والجن، مراتب ودرجات لجهة الأعمال التي يقومون بها، والله ليس بغافل عن أي من أعمالهم، فهو عالم بهم ويمنح كلّاً ما يستحق (وَلِكُلَّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ ما رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ).

3 - يحتمل أن المقصود من (الدرجات) في هذه الآية ليس مراتب الإرتقاء، بل هو يشمل أيضاً دركات السقوط أيضاً.

الآية 133

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الغنی، الرحمة، الإستخلاف، الذریة»

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفَ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ (133)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن هذه الآية هي في الواقع بمثابة الاستدلال على ما جاء في الآيات السابقة في جانب إثبات عدم صدور الظلم عن الله سبحانه (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ).

2 - الظلم هو يمعنى استخدام شيء في غير مورده أو هو إضاعة الحق، والظلم عادة ما ينشأ عن سببين: إما بسبب حاجة لدى الظالم، أي بهدف بلوغه أهدافه، أو لدفع ضرر عن نفسه، أو أن يكون لجهة الشقاوة وقسوة القلب المتصف بها. وعليه فلا يمكن أن يصدر بناء لذلك ظلم عن الله، لأنه أولاً غني ولا حاجة له بأحد ولا بنفعه، كما لا يضره شيء قط أو يؤذيه، وثانياً الرحمة التي يتصف تعالى بها بالنسبة لجميع المخلوقات.

3 - جملة (ما يشاء) فيها إشارة إلى سعة قدرة الله في الخلق وتحول الخلائق.

الآية 134

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الوعدة، الإعجاز، الوعید»

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَاَتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (134)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية تأكيد على الوعيد الوارد في الآيات السابقة.

2 - تقول الآية أنكم غير قادرين على الحؤول دون تحقيق الله لأمره وإنجاز وعده، أو أن تمنعوه عن ذلك.

3 - واضح أنه وبالاستناد إلى قدرة الله اللانهائية، فإن ما توعدون به من بعث ونشور وعقاب آت لا محالة ولا مجال للتراجع فيه (إِنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ).

4 - وأنكم غير قادرين البتة على الخروج عن مملكة الله سبحانه أو الفرار منه، فأينما تذهبون ففي قبضة عدالته وسطوته (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ).

الآية 135

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «المکان، العمل، العلم، العاقبة، النار، الفلاح، الظلم»

قل يقوم اَعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)

النقاط المستفاد من من هذه الآية:

1 - كلمة قل هي لخطاب النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)، والمقصود من القوم في زمانه، كفار قريش والمشركين وسائر الكافرين ممن أرسل (صلی الله علیه و آله و سلم) إليهم برسالة الإسلام، إلا أنهم وكما كان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وسائر الأنبياء (علیهم السّلام)، لم يؤمنوا، والكسر في كلمة قوم تدل على الإضافة بياء المتكلم، أي أنا كانت (قومي).

2 - كلمة اعملوا أمر تهديدي، كأن تقول لمن يخالفك في أمر ما (اذهب فافعل ما تشاء!)، وجملة (على مكانتكم) تأتي من المكنة أي القدرة، أي افعلوا ما تشاؤون بأقصى ما لديكم من قدرة.

3 - إن الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ولأنه على يقين من الصراط الذي هو عليه، لهذا فإن عصيان الناس له، لا يغيره أبداً، فهو لا يحيد قط، لأنه مأمور بالثبات والحزم، وأن يهدد قومه بالقول: يا قومي!! افعلوا ما تشاؤون..

4 - يأمر الله رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن يقول للناس: أنا لست إلا عاملاً جئت لأبلغكم رسالة الله إليكم (وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلاغ) وأن لا أحيد عن تعاليم الله وأوامره قيد أنملة (إِنِّي عامِلٌ).

5 - إن ملاك التوفيق هو حسن العاقبة، وليس أشكال وصور السلطة (قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى

مَكَانَتِكُمْ).

6 - كلمة (فسوف) في الآية هي إشارة ليوم القيامة ومبينة لنهاية الناس وعاقبتهم، المتعلقة بنوع عملهم، إذا فكلّ يصل إلى جزاء عمله، لأن الدنيا مزرعة الآخرة، إذا فيوم القيامة هو يوم الحصاد لكل ما زرعناه في هذه الدار الدنيا (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).

7 - سيعلم الجميع قريباً من المفلح ولمن عقبى الدار ؟ ومن صاحب السعادة الأبدية؟ وما نتيجة السعي والعمل ؟ (مَن تَكُون لَه عاقِبَةُ الدّارِ إِنّه لا يُفلِح الظَّالِمُونَ).

الآية 136

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحرث، الأنعام، النصیب، الشرك، الحکم، السوء»

وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَانَ فَمَا كَانَ لِشُرَكَابِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَابِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - (ذرأ) في اللغة تعني الإيجاد والاختراع، و (حرث) تعني الزراعة، و(الأنعام) فهي الدواب التي تمشي على أربع.

2 - كان الكفار في مكة يجعلون سهماً من زراعتهم وأنعامهم لله وسهماً أيضاً للأصنام، وكانوا يقولون بأن هذا سهم الله وهذا الشركائنا، أي للأصنام (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هَذَا لِشُرَكَائِنَا).

3 - في كل مرة كان سهم الله من محصولهم أو دوابهم يبيد فيها على إثر جائحة أو عاصفة أو.. فإنهم من فورهم كانوا يقولون: لا مشكلة فالله غير محتاج لهذا المحصول أو لتلك الدواب، ولكن عندما يزول سهم الأصنام، كانوا يمنحون سهم الله للأصنام ويقولون: إن الأصنام أكثر حاجة لها.

4 - إن هذه الآية هي لتبيين درجات من الشرك، فهي تشير إلى الأفراد الخارجين عن مدار تربية الأنبياء، ممن تصبح أفكارهم نسجاً من تصورات وخيال، بل ويتوهون في وديان الوهم، وبناء على ذلك يؤسسون لقرارات حياتهم، بشكل غير منطقي، لأنهم يظنون أساساً بأنهم هم

أصحاب الملك والإرادة ولهم صلاحية التصرف بكل شيء، فمرة يجعلون ملائكة الله إناثاً، بينما لا يرضون بأن يلد لهم إناث (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثى)(1)ومرة يقسمون لأنفسهم وللأصنام السهم الأفضل والسالم من محاصيلهم وأنعامهم، بينما يتركون لله بزعمهم السهم المندثر، ومرة يرفعون إلها فوق آخر حسب حاجاتهم ورغباتهم.

5 - كلمة (زعم) هي بمعنى الاعتقاد، لكن غالباً ما تستخدم في التحكيم والاعتقادات الباطلة، التي لا تطابق الواقع، والمقصود من استخدام هذه الكلمة هو بهدف تقبيح أو رفض العقائد الباطلة، التي كان المشركون يعتنقونها ، وبالبناء على ذلك فإن السهم الذي خصصوه للأصنام لا يصل لله مطلقاً وأما السهم الذي جعلوه لله فإنهم يمنحونه للأصنام، واعتقادهم هذا هو افتراء محض وبطلان، بل وإهانة للساحة الإلهية المقدسة، وتصغير لمنزلة الله في مقابل رفع مقام ومنزلة الأصنام (فَما كانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكَائِهِمْ).

6 - رغم أن الإنسان له دور هام في كل من الزراعة وتربية المواشي، إلا أن الخالق الأول والأساس هو الله تعالى، لذا ففي الآية 64 من سورة الواقعة يقول تعالى (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ) وهذا هو ذاته التزكية، على اختلاف الأديان والشرائع السابقة، فالصلاة والزكاة ليسا مما ابتدعه الإسلام بالتشريع، بل كان أمراً مطروحاً في كافة الأديان بطريقة أو بأخرى سابقاً، وبتبيين القرآن الكريم عن لسان النبي عيسى (علیه السّلام) (وَأَوصانِي بِالصَّلاةِ وَالزّكاةِ ما دمت حَيَّا)(2)، ويقول تعالى (وَجَعَلُوا لِلّه مِمّا ذَرَأَ مِن الحَرث).

7 - أي حكم أقبح وأسوأ من أن يُفضل إنسان قطعة حجر أو خشب لا قيمة لها على الله سبحانه وتعالى خالق الأكوان والوجود، هل هنالك من انحطاط فكري أرذل وأحقر من ذلك التصور!؟ لذا جاء في ختام الآية (ساءَ ما يَحْكُمُونَ).


1) النجم/ 21

2) مريم/ 31

الآية 137

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الزینة، الشرك، القتل، الولد، اللباس، الإفتراء»

وَكَذَلِكَ زَيَّن لِكَثِيرِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - يشير القرآن الكريم في هذه الآية إلى أعمال الوثنيين القبيحة وجرائمهم المخزية، فيقول كما أن تقسيم المحصول والأنعام قد زين في أعين هؤلاء الظالمين، فإنه قد زين لهم بالمثل أعمال خرافية أخرى، هي أقرب إلى المهزلة والسخرية منها إلى اعتقادات بنائية منطقية (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ).

2- ما الذي يمكن أن يدعو الإنسان إلى تقديم ابنه قرباناً عند أقدام أصنام جوفاء لا قيمة لها، إلا حفنة من الخرافات والأفكار الخاطئة؟؟ (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

3- إن عبارة (لِكَثِيرِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) تدل على أن هذه السُّنة كانت بالفعل سائدة لدى أغلب المشركين في ذلك الزمن.

4 - بناء عليه فلفظ (التزيين) المنسوب للأصنام هو لإظهار مدى العلاقة العاطفية التي كانت تربط المشركين بآلهتهم، وهذا ما كان يرغمهم على إرتكاب مثل تلك الجرائم.

5 - رغم أن بعض المفسرين ذهبوا إلى أن لفظ (شركاء) يشمل الشياطين أيضاً، أو خَدَمَةَ المعابد والتائهين من الناس ولكن المقصود بالفعل من لفظ (شركاء) هنا هو الأوثان والأصنام،

التي يقوم المشركون بتفديتها بأبنائهم، حيث يقدمون أبنائهم نذوراً لها، كما كان ذلك سائداً في تاريخ الوثنية القديم.

6 - حرف اللام في كلمة (ليردوهم) هي لام العاقبة، حيث تأتي لتبين العاقبة والنتيجة، فالنتيجة هنا لمثل تلك الأعمال السيئة كان في أن تقوم الأصنام وخَدَمة المعابد، بإهلاك المشركين ويلبسوا عليهم دينهم وإعتقاداتهم ويشوهوا إيمانهم، فيروا الحق باطلاً وبالعكس (ليُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ).

وجملة (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ) تبين أنه لو أراد الله أن يقوم بإرغام المشركين وسوقهم مذعنين لفعل، ولو كانوا هم أهلاً للهداية والإيمان لأطاعوه ولامتنعوا عن أفعالهم الشنيعة.

7 - لأن كفرهم وإفترائهم هو كله صادر عنهم، ولأن الإجبار هو مخالف لسنة الله، فقد شاء تعالى أن يترك لعباده الحرية في إختيار مسيرهم، وجعل أمامهم سبيل التربية والتكامل ليرتقوا فيه، لأن لا تربية ولا تكامل مع الإجبار.

8 - تخاطب الآية النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم): فتقول : الآن وحال هؤلاء المشركين هو في تقلبهم بين أعمالهم الشنيعة وتصوراتهم الخرافية، والأسوأ من كل ذلك نعتهم لله بأوصاف تناسب أهوائهم ونفوسهم.. فالآن ذرهم ولا تهدر جهداً في هدايتهم، لأنهم لن يؤمنوا (فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ).

الآية 138

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الأنعام، الحرث، الحجر، الطعم، إسم الله، الذکر، الإفتراء، الجزاء»

وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَمُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَهُ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَمُ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاهُ عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُون (138)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في الآيتين السابقتين إشارة إلى العقائد الخرافية التي يؤمن المشركون بها، وفي هذه الآية شرح لكيفية تصريف سهم الأصنام، مما لا حق لأحد في صرفها، إلا خَدَمَة المعبد والأصنام.

2 - (حجر) هو بمعنى المنع و(تحجير) أي رفع سور حجري حول منطقة لمنع أي أحد من دخولها، و(حجر اسماعيل) هو أيضاً بمعنى المكان المحاط بسور حجري يفصله عما سواه، ويقال للعقل (حجر) أيضاً لأنه يمنع الإنسان من الوقوع في الرذائل، (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمْ لِذِي حجر)(1).

3 - لعل الأنعام التي كانوا يقومون بمنع التصرف بها هي ذاتها التي جاء ذكرها في سورة المائدة/ الآية 103، والتي أشارت إلى الأسماء الكثيرة التي كان المشركون يطلقونها (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَ لَا وَصِيْلَةٍ وَلَا حَام) ، وكذا كان لديهم أنعام لا يركبونها في سفر الحج، أو التي كانوا يذبحونها باسم أصنامهم، وعلى كل حال فإن كل هذه الصور والأشكال قد ردّها


1) الفجر/ 5

القرآن الكريم ورفضها، وعدها باطلاً، وتوعد أصحابها بعذاب قريب.

4 - بالتوجه إلى هذه الآية، فإن المشركين كانوا يعانون من أربعة انحرافات:

أ - السهم الذي كانوا يعتبرونه خاصاً بالأصنام من الأنعام هو محرم على الجميع، إلا لمجموعة ممن يعتبرون أن لهم الصلاحية بظنهم من خَدَمة الأصنام والمعابد (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ).

ب - كانوا يظنون بأن هنالك جزءاً من الأنعام لا يحل ركوبها (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا).

ج - وكانوا يحرمون بعض المحاصيل مما يجعلونه عربوناً أو وقفاً للآلهة، فلا يحل لأحد بعد ذلك أن يطعمه.

د - عدم ذكر اسم الله لدى ذبح الأنعام (وَأَنْعَامُ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا).

5 - يتجلى من جملة (افْتِرَاءً عَلَيْهِ) أنهم لا يقنعون بالأحكام الخرافية، بل يفترون على الله وينسبون إليه من الأنعات ما يشاؤون.

6 - ولعل المقصود من عبارة (سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) في ختام الآية، أن افترائهم كان ذو ثلاثة جوانب: الأول الكذب والثاني الافتراء على الغير والثالث الافتراء على الدين وعلى الله، وهذه هي البدع التي نسبوها للإسلام، وهي إن لم تكن محرمة بسبب ما توجبه من كفر، فإنها على الأقل موجبة للضلال

الآية 139

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «البطن، الانعام، الذکر، الأنثی، الزوج، المیت، الحیّ، الشرك، الحکمة، العلم»

وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمُ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مِّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمُ عَلِيمٌ (139)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية إشارة إلى خرافة أخرى في اعتقادات الوثنيين حول لحوم الحيوانات التي كانوا يقولون بأن الأجنة التي في بطون أمهاتها من البهائم، إن ولدت حية فهي حِلٌّ للذكور وحرام على الإناث، ولكن إن ولدت ميتة فيأكل الجميع منها ، ويرى بعض المفسرين أن المقصود هنا حليبها، أو حليبها ولحمها معاً (وقالوا ما في بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعَامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمْ عَلَى أَزْواجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ).

2 - عبارة (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) فيها تهديد من قبل الله سبحانه كعقاب للمشركين على مثل هكذا إطلاق للأوصاف والنعوت، مما سيعود عليهم يوم القيامة وبالاً ، ويتجسم أمامهم.

3 - إن الله سبحانه عالم بافتراءات واتهامات المشركين (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ).

4 - في ختام الآية يقول تعالى: إن الله تعالى حكيم وعالم، أي أنه يحكم عليهم طبق حكمته وعلمه بهم، فلا شيء يخرج عن علمه، ولا يخفى عليه أمر قط (إِنَّهُ حَكيمٌ عَليمٌ).

الآية 140

اشارة

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَادَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)

شأن النزول:

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الخسران، القتل، الولد، السفاهة، العلم،الحرمة، التحریم، الرزق، الإفتراء، الضلال، الهدایة»

عن ابن عباس وهو أحد كبار صدر الإسلام: من شاء أن يرى جهل أقوام الجاهلية فليقرأ هذه الآية.(1)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - استكمالاً للآيات الماضية التي تروي جزءاً من الأحكام الخرافية والآداب القبيحة والرذائل التي كانت منتشرة في الجاهلية، فإن في هذه الآية رفض شديد بسبع ألفاظ متفاوتة قصيرة ودقيقة لها.

2 - الجهل والسفاهة عاملا الخسارة خسائر من مثل : فقد الأبناء وفقد العاطفة وفقد الحلال من النعم وكسب العقاب الإلهي، (قَدْ خَسِرَ) .

3 - إن المشركين بجهلهم وسفاهتهم قاموا بقتل أبنائهم بأيديهم، فسلّموهم لحد القتل بظلم لا مثيل له، لطخوا أيديهم بدماء بريئة، بينما لم يعد عليهم حرمانهم لأبنائهم من الحياة بأي نفع حياتي عليهم، فأضروا بأنفسهم وخسروا في الدنيا ولهم في الآخرة ما هو أعظم.


1) احكام القرآن، الجصاص، ج 4 ، ص 175

4 - لقد قام المشركون بجهلهم بتحريم البهائم التي جعلها الله رزقاً لهم على أنفسهم، فقدموها للأصنام وللقائمين على خدمة المعابد، فلم يعد ذلك عليهم بالفائدة، بل ولم يكن لهم الآخرة إلا العذاب والخسران وكل ذلك بسبب شركهم وكفرهم وافترائهم على الله.

5 - إنه لمن العجيب أن هؤلاء لم يسألوا أنفسهم أنه كيف يمكن أن يهبهم الله بهيمة رزقاً لهم، ثم يحرّمها عليهم ؟! فالحق أن هذه الأعمال التي يقومون بها هي عين الجهل والضلال، ولا شيء من العقل والمنطق فيها.. بل وليس فيها ريح من فائدة للناس.

الآیة 141

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الجنة، العرش، النخل، الزرع، الزیتون، الرمان، الحق، الحصاد، الإسراف، المحبة»

وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتِ وَالنَّخْلَ وَالزَرْعَ مُختَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشبِها وَغَيْرَ مُتَشَبِهِ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية إشارة إلى مواضيع ليست في حد ذاتها درساً عظيماً في التوحيد، بل وكل منها هو في الواقع بمثابة نتيجة.

2 - إن الله هو الذي خلق البساتين والحدائق والحقول المختلفة، فجعل بعض الأشجار على عرائش، ذات مناظر خلابة وبديعة في الجمال، وزينها بالفاكهة اللذيذة، وجعل بعضها قائماً بظلال وفيرة، وثمار يتغذى عليها الإنسان (وَهُوَ الَّذي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ).

3 - أورد المفسرون في شرح معروش وغير معروش، ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: لأن العرش في اللغة هو بمعنى البسط وأن كافة الموجودات مبسوطة، لذا فإنه يُقال للسقف أو السرير أو المنصة العالية عرشاً، والأشجار التي لا تنتصب من ذاتها وتحتاج إلى ما يشهدها لتستقيم تدعى معروشة، أما الأشجار التي تستقيم لذاتها فتدعى غير معروشة.

الاحتمال الثاني: أن المقصود من المعروش هو الأشجار الأهلية التي تنمو داخل الأسوار

التي يرفعها الإنسان، أما غير المعروشة فهي تلك التي تنمو في البراري والصحارى والجبال والغابات.

الاحتمال الثالث: أن المعروشة هي الأشجار التي تستقيم لوحدها أو تقوم فوق الأرض لذاتها، أما غير المعروشة فهي الأشجار التي تمتد على وجه الأرض وكأنها مستلقية عليها.

إلا أن المعنى الأول هو الأقرب والأنسب.

4 - لعل ذكر المعروشات في بداية خطاب الآية، هو للفت الإنتباه إلى عظيم الخلقة وبداعتها في مثل هذه الأشجار، هذا مما يمكن ملاحظته خلال نظرة إلى عرائش العنب وساقها وأغصانها المستلقية على منصاتها، تتعلق بأسلاك خاصة تشدها إليها، بينما عناقيد العنب المثقلة تتدلى من تحتها.

5 - إن لفظ (جنة) هو في اللغة البستان وكذا الأراضي المغطاة بالزرع والنبات.

6 - في هذه الآية إشارة إلى نوعين من البساتين والجنان، حيث تقول بأن الله قد خلق الزرع والنخيل، وذكر الزراعة والنخيل هو لجهة أن الزراعة والنخيل بشكل خاص ذو مكانة خاصة في حياة البشر وتغذيتهم.

7 - أحد عجائب خلق الأشجار هو في أنه ورغم أنها تنمو من أرض واحدة وتسقى بماء واحد، إلا أن لكل منها ثمر مختلف في الشكر واللون والطعم والرائحة، فليس أحدها شبيهاً بالآخر (مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ).

8 - ثم هنالك إشارة إلى جزء آخر من الفاكهة الفريدة في الفائدة وذات القيمة الهامة في الحياة، حيث تذكر الآية نوعين آخرين هما الزيتون والرمان، ولعل ذكرهما هو لجهة أنهما وفي ذات الوقت الذي يتشابهان في الشكل من حيث الثمرة، فإنهما تتفاوتان كثيراً في الخواص الغذائية التي تصل حد الإعجاز ، ثم ومباشرة تقول الآية الكريمة (مُتَشَابِها وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ).

9 - (وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ) تعني أن الثمار والبذور تختلف معاً، كالقمح والشعير والعدس والبازلاء، والمقصود من المتشابه وغير المتشابه، هو أن الفاكهة منها الذي يتشابه في الشكل

والطعم واللون ومنها ما لا يتشابه في ذلك.

10- من البديهي أن فعل الأمر في (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ) ليس أمراً وجوبياً، بل هو يدل على أنه أمر مباح وجائز.

11 - المقصود من الحق في عبارة (وَآتُوا حَقَّهُ) هو الحق الثابت في كل فاكهة، أي ما يتعلق بالفقراء والمساكين، أو حق الله، لأن الله هو من خلق هذه الفاكهة، وهذا الحكم هو حكم عقلي أيده الشرع وأكد عليه، وليس بالتشريع حكم واجب في زكاة الفاكهة والزيتون، لأن حكم الزكاة قد نزل في المدينة بينما هذه الآية مكية.

12 - جملة (حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) توضح أن :

أولاً الآية تخاطب بالمطلق، وليست خاصة بالمالك، بل تتوجه بهذا الأمر للجميع بمن فيهم الفقير، لأن الله لا يحب المسرفين.

ثانيا: يجب عدم تجاوز القدر المتعادل من صرف النعم، والاكتفاء بما هو مفيد، فلا يكون هنالك لا في صرفه ولا في وهبه اسراف أو مبالغة وإلا انقلب ذلك معصية.

الآية 142

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الأنعام، الحمولة، الفرش، الأکل، الرزق، خطوات الشیطان، الخطوة، العداوة»

وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةً وَفَرْشَأْ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية والآيتين التاليتين يتركز حديث الآيات حول اللحوم التي يحل أكلها، فتقول الآية بأن الله هو من أنشأ البهائم فنمت وكبرت وسخر ظهورها للركوب، بينما هو مالكها الذي يجيز لكم أن تأكلوا منها (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً).

2- (الحمولة) في اللغة الحيوانات التي تمشي على أربع ، والقادرة على حمل الأشياء، كالجمل والبقر و.. والحمولة هو اسم جمع وليس له مفرد، ولعل المقصود هو الحيوانات الكبيرة القادرة على الحمل.(1)

3 - الفرش في اللغة (على وزن عرش) هو ذات معناه المعروف، ولكن هنا بمعنى الأغنام وما شابهها مما هو غير قادر على الحمل، أي الحيوانات الصغيرة، وفرشاً في اللغة يعني المنبسط وهنا بمعنى ذو الأطراف الأربعة الصغيرة، كالخروف والماعز و..

4 - كما جاء في الآية السابقة، فإن هذه الآية تبين حلية وإباحة تناول هذه اللحوم، أي أنها ليست أمراً وجوبیاً.

5 - الخطوات هي جمع خطوة، وتعني الفاصلة بين القدمين أثناء المشي، أي في كل مرة ترفع قدم وتتقدم فإن فاصلتها مع القدم المتأخرة يكون خطوة، والمراد هنا بها وساوس الشيطان.


1) راجع: مجمع البيان، ج 4، ص 581

6 - اتباع الشيطان يعني تحريم حلال الله، وذلك جهلاً ومن دون علم، لهذا فلا تضعن أقدامكم في مكان خطوات تقدَّم الشيطان بها أمامكم، فتقوموا بالتشريع بتحريم ما جعله الله لكم حلالاً ورزقاً.

7 - لا شك أن الشيطان هو عدو لا محالة، وقد تكرر مراراً كيده للإنسان وسوء نيته، حتى أصبح مكشوفاً من قبل الجميع أنه عدو للإنسان، فلا تتبعوه.

8 - لجهة التأكيد على خطاب الآية في إبطال خرافات ،المشركين، تقول الآية: لا تتبعوا خطوات الشيطان وهو عدو لكم ويحمل كل تلك النوايا السيئة تجاه بني البشر منذ آدم (علیه السّلام) وحتى اليوم.

9 - عداء الشيطان للإنسان بدأ منذ زمان النبي آدم (علیه السّلام) أبو البشر، حين أقسم لآدم لإخراجه من الجنة (فَبعزتك لأغوينهم أجمعين)(1)(و لأغوينهم أجمعين)(2)(لَأَقْعُدَن لَهُم صِراطَك المُستَقِيمَ ثُم لَآتِيَنَّهُم مِن بَين أَيْدِيهِم وَمِن خَلْفِهِم وَعَن أَيْمَانِهِم وَعَن شَمائِلِهِم وَلَا تَجِدُ أَكثَرَهُم شاكِرِين)(3)ويقول تعالى (وَلَقَد صَدّق عَلَيهِم إِبليس, ظَنّه)(4)، وخطوات الشيطان هي ذاتها سبل الشيطان (وَلا تَتَّبِعُوا السِّبُل)(5)، (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).


1) ص/ 82

2) الحجر/ 39

3) الأعراف / 16 و 17

4) سبأ/ 20

5) الأنعام/153

الآية 143

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الزوج، الضأن، المعز، الذکر، الأنثی، الرحم، العلم، الصدقة»

ثَمَنِيَةَ أَزْوَاجٌ مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (143)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - ذكرت البهائم المشار إليها في الآية السابقة هنا بمزيد من البيان، لجهة التأكيد على لوم المشركين وتوبيخهم.

2 - تطلق كلمة (زوج) على مجموع الذكر والأنثى، كما وتطلق على كل منها على حدا، وفي هذه الآية أطلقت لكل منها على حدا والمراد من ثمانية أزواج هو ثمانية رؤوس من الماشية، أربعة منها ذكور وأربعة من الإناث، بحيث تمت الإشارة إلى أربعة في الآية 143 وأربعة في الآية 144 ، وفي الآية 45 من سورة النجم أيضاً ذكرت كلمة (زوج) للعدد المفرد أيضاً وليس ثلاثنين (خَلَقَ الزّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى).

3 - في هذه الآية ولجهة التوضيح، فإنها تشرح جزءاً من الحيوانات التي يحل لحمها وجزء من الحيوانات تستخدم للركوب وللتغذية أيضاً من قبل الإنسان فتقول بأن الله قد خلق لكم ثمانية أزواج من البهائم، اثنين من الغنم (ذكر وأنثى) ، ومن الماعز اثنين (ذكر وأنثى) (ثَمانِيَةَ أزواج مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ).

4 - بعد ذكر هذه الأزواج الأربعة، تخاطب الآية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليسأل المشركين هل حرم الله عليكم من ذكورها أو إناثها شيئاً؟ (قُلْ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) أم هل حرم عليكم شيئاً مما في بطونها من أجنة ؟ (أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ).

5 - تقول الآية أخيراً : إن كنتم صادقين فيما تدعون حول سبب تحريم هذه الحيوانات من قبلكم أو إن كان لديكم علم بذلك، فلتتكلموا الآن (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).

الآية 144

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الإبل، البقر، الذکز، الأنثی، الرحم، الشهادة، الوصایة، الظلم، الإفتراء، الکذب، الضلالة العلم، الهدایة»

وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَضَكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تبين هذه الآية الأزواج الأربعة الثانية، فتقول: وجعلنا من الإبل زوجين (ذكر وأنثى) ومن البقر زوجين (ذكر وأنثى)، فقل أيها حرم الله عليكم أحرم من ذكورها أو إناثها؟ أو حرم مما في بطون إناثها من أجنة؟ (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ).

2 - ثم تخاطبهم الآية، فتقول : كيف تحكمون بحرمتها؟ وهل استدللتم على ذلك من فكركم؟ أم بأدلة عقلية ونقلية؟ أم أنكم سمعتم بذلك من الله حتى تمسكتم بذلك إلى هذه الدرجة؟

3 - ومن الطبيعي أن المشركين ولأنهم لا يمتلكون الإجابة على هذه الأسئلة، فإنهم سيبقون عاجزين، حتى يأتيهم الخطاب الإلهي: ومن أظلم منكم ؟ وأنتم تنسبون إلى الله ما لم يكن عن جهل وضلال.

4 - ذهب بعض المفسرين أيضاً إلى أن المقصود من (اثنين) في الآية ليس الذكر والأنثى، بل هو نوعي الحيوانات الأليف والبري.

5 - الحكم بأحلية أو بحرمة هذه الحيوانات هو أمر مرهون بيد الله فحسب، فهو الخالق لها ولكل البشر.

6 - بديهي أن من يرتكب مثل هكذا ظلم لن يكون له أن يهتدي إلى سبيل الله أبداً، فالله لا يهدي الظالمين المستبدين، لأن الظالمين يكذبون على الله ويحرفون أذهان الناس، فيضلونهم عن الصراط المستقيم، حتى يتبعهم أغلب الجاهلين وأصحاب العقول البسيطة، لذا فلن يكون لمثل هؤلاء أن يهتدوا وهم رؤوس الشر (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ علم إنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

7 - يستفاد من الآية أعلاه أن الكذب على الله هو من أعظم أنواع الظلم، وهو الظلم لساحة القدس الإلهية، وبالتالي الظلم لعباده، وأخيراً ظلم النفس!

8 - يحتمل أن يكون ورود ترتيب أسماء البهائم، هو للإشارة إلى أفضلية في مصرفها وفوائدها، (الغنم، الماعز، الجمل والبقر) ، فقد جاء في بعض الروايات أن ثمانية أزواج هي 16 رأساً، وأن لكل من هذه الحيوانات الأربعة زوجين أحدهما ذكر وآخر أنثى وعلى نوعين أليف وبري.

الآية 145

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحرمة، التحریم، المیتة، الدم، اللحم، الخنز، الرجس، الفسق، الضطرار، البغی، العود، الغففران، الرحمة»

قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيَزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيم (145)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية ولتمييز المحرمات الإلهية عما ابتدعه المشركون في تعاليمهم المذكورة سابقاً، يتوجه الخطاب إلى سيد الرسل (صلی الله علیه و آله و سلم) بالقول: قل لهم بأن ليس هنالك فيما أوحي عليّ من طعام أي شيء محرم (لا على الذكور ولا على الإناث كبيرهم وصغيرهم) (قُلْ لا أَجِدُ في ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ) إلا في مواضع أربعة:

الأول: ما كان منها ميتة إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً).

الثاني: الدم السائل من بدن الحيوانات (ليس المقصود الدم الذي يسيل بعد نحر الأوداج الأربعة لدى الذبح الشرعي) (أَوْ دَماً مَسْفُوحاً).

ثالثاً: لحم الخنزير (أَوْ لَحْمَ خِنزير).

رابعاً : ما لم يُذكر اسم الله عليه لدى الذبح (أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ).

2 - السبب في تحريم ما سبق أنها كلها رجس وضرر لجسد الإنسان وصحته، فهي عين

للأذى (فَإِنَّهُ رِجْسٌ).

3 - وفق اعتقاد الكثير من المفسرين أنه ورغم أن الضمير في (إنه)، هو مفرد، ولكنه يعود إلى الأنواع الثلاث (لحم الميتة والدم ولحم الخنزير).

4 - يقال لكل نوع من الذنوب (فسق)، فالفسق يعني الخروج عن الطريق الصواب وعن قانون العبادة والإطاعة، لذا ففي هذه الآية جاء لفظ فسق في مكان كلمة حيوان.

5 - قد يكون المراد من كلمة فسق التي وردت في مقابل الرجس في الموارد الثلاث المحرمة فيما سبق الإشارة إلى أنه يجب ألا يُتوقع بأن تكون اللحوم المحرمة دائماً ذات أضرار صحية، بل قد تتجاوز ذلك إلى أضرار معنوية وأخلاقية أيضاً.

6 - اللحوم المحرمة على نوعين، أو لنقل بأن ظروف وشكل الذبح الإسلامي هو أيضاً على نوعين، ذو جانب صحي وآخر معنوي:

النوع الأول: اللحوم التي تم تحريمها لأنها غير نقية وتسبب النفور والأضرار الجسدية الأخرى، ويطلق على هذه الرجس كالميتة والدم الخارج من الحيوان أو لحم الخنزير أو عدم الاهتمام أثناء الذبح إلى قطع الأوداج الأربعة وخروج الدم من الذبيجة بالمقدار الكافي.

النوع الثاني: هو اللحم الذي ليس فيه مشكلة من ناحية الطهارة أو الضرر للصحة، ولكنها من الناحية الأخلاقية والمعنوية منافية لتعاليم الدين وتوجهاته، لذا هي محرمة أيضاً، كأن يتم ذبح الحيوان على غير القبلة ودون ذكر اسم الله لدى الذبح.

7 - إن الأشخاص الذين يقعون في حالة من الاضطرار، فإن بإمكانهم وفق شروط يلتزمونها الأكل من اللحوم المحرمة، والأسباب والظروف هي كالآتي:

الأول أن يكون ذلك لأجل حفظ النفس وليس لمجرد المتعة واللذة، وثانياً: أن يتناول منها بالمقدار الذي يبقيه حياً وليس أكثر ، والواقع أن هذين الشرطين يجوزان فقط للمضطرين حقاً، فلا يسيء أحد الاستفادة من مثل هذا المجال في التعدي على حدود الله وارتكاب المحرمات، فهذا الباب من الاستثناء فتح لأن الله رحيم يرفع عن المضطرين بعض الحدود للتخفيف عنهم،

كما جاء في الآية 3 من سورة المائدة، وكذا الآية 173 من سورة البقرة (فَمَنْ اصْطَرَّ غَيْرَ بَاغ عَادٍ فَإِنْ رَبِّكَ غَفُورٌ رَحِيم).

8 - تنقل بعض الروايات المتوافرة مثل ما أشير إليه أعلاه من إمكانية تناول لحوم محرمة في حالات الاضطرار،(1)كأن يحدث ذلك لمسافر في وسط طريق طويل، ولكن إن قام أحد باستخدام هذا الاستثناء فيما لا يرضي الله بظلم وعدوان واستبداد أو سرقة، فهذا يستحق العقاب الإلهي، مع العلم بأنه على المضطر الذي تناول اللحم الحرام لحفظ نفسه أن يدفع كفارة ذلك فيما بعد.

9 - سؤال: لقد تم في هذه الآية الإشارة إلى المحرمات من الطعام فقط وحصر ذلك في أنواع أربعة، بينما هنالك المزيد من الطعام مما هو حرام، مثل حيوانات البحر والوحوش و.. إلا أن ذلك لم يأتي ذكره في الآية، فلماذا؟

ويرد البعض على هذا السؤال بالقول أن سائر المحرمات لم تكن قد شُرّعت عند نزول هذه الآية.. إلا أن هذه الإجابة غير مقنعة، والسبب في ذلك أن شبيه هذه الآية ذكر في السور المدنية من مثل الآية 173 من سورة البقرة.

وأما الرد الثاني على هذا السؤال هو أن الآية نزلت خصيصاً للرد على الأوهام الخرافية التي كان المشركون يعتنقونها، وبالتالي فانحصرت الموارد المذكورة في الآية بذلك، وبمعنى آخر: أن هذه هي المحرمات الإلهية وليس ما تدعون أنتم ، ولتوضيح هذا المثال أكثر، نضرب مثلاً، فنقول إذا سألنا أحد ما : هل جاء أمير وعباس ؟ فإننا نجيبه قائلين: لا لقد جاء أمير فقط، فنحن في إجابتنا هذه نحصر كلامنا بما سئلنا عنه فحسب، أي أننا ننفي مجيء عباس، لكن هذا لا يعني بأننا ننفي مجيء أي أحد آخر.. فقد يكون هنالك آخرون جاؤوا أيضاً، وهذا الحصر يُسمى الحصر الإضافي (أو النسبي).


1) راجع: وسائل الشيعة ج 24، ص 214 إلى 217

الآية 146

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الهدایة، التحریم، الحرمة، ذی ظفر، البقر، الغنم، الحشم، العظم، البغی، الصدق، الحاویة»

وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ (146)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - لأن الآية السابقة قد بينت المحرمات في الإسلام، لذا ففي هذه الآية تم تقديم محرمات اليهود، لتوضيح أن عقائد المشركين الخرافية لا تتناسب وأي من الأديان السماوية، سواء كان هذا الدين هو الدين الإسلامي أو اليهودي ولا حتى المسيحي الذي يتبع تعاليم اليهودية إلى حد ما، لذا فتقول الآية أولاً : أن اليهود يحرمون كل ذي ظفر من الحيوانات (وَعَلَى الَّذينَ هَادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُر).

2 - الظُّفُر في اللغة هو الجزء الصلب الذي يغطي أطراف الأصابع، وفي الحيوانات فهو الحافر المشقوق ويُدعى الظلف، وعليه فالحيوانات التي لها حافر ليس فيه شق، بل وحتى الطيور، محرمة على اليهود.

3 - (شحومها) تعني في اللغة (الإلية والدهون المتراكمة في جسد البقر والغنم هي حرام عليهم أيضاً) (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما).

4 - تبعاً لما تم تبيينه من محرمات على اليهود في جانب المأكل، فإن هنالك ثلاثة موارد تم استثناؤها:

المورد الأول: الدهون الموجودة في ظهور هذه الحيوانات (إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما) .

المورد الثاني: الدهون الموجودة في جانبي بطنها والموجودة بين الأمعاء (أَوِ الْحَوايا)

والحوايا هو جمع حاوية ويطلق على محتويات أحشاء الحيوانات.

المورد الثالث: و الدهون المختلطة بالعظام (أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ).

5 - تحريم بعض أنواع الطعام على اليهود كان مؤقتاً، بحيث تم رفع حرمته في زمن النبي عیسی (علیه السّلام)، كما نقرأ في موضع آخر (لأحل لكم بعض الذى حرّم عليكم)(1).

6 - أحد العلل التي كانت السبب في تحريم هذه المأكولات على اليهود هو ما جاء في الآية التالية: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) أي أننا أو جبنا هذا العقاب عليهم جزاء بما ظلموا، وما ارتكبوا من تجاوز الحدود الله، وهذا يؤكد أن ما يدعيه اليهود من أنهم ليسوا أول من حُرمت عليهم مثل هذه المأكولات، وأنها حُرّمت على كلّ من النبي نوح وإبراهيم ، وسائر الأنبياء من بعدهم هو كذب وافتراء.. فهذه المأكولات حرّمت فقط على اليهود دون غيرهم.

7 - جاء في الآية 160 من سورة النساء (فبظلم من الذين هادوا حَرَّمنا عليهم طيبات أُحلّت لهم) وفيها إشارة إلى تحريم بعض الطيبات على اليهود، بسبب ظلمهم، إضافة ما حرمه اليهود على أنفسهم كما فعل المشركون (كلّ الطعام كان حلاً لبنى اسرائيل الأما حرم اسرائيل على نفسه).

8 - في ختام الآية تصريح بأن هذه المأكولات لم تكن من البداية محرمة على اليهود، ولكن وبسبب ظلمهم وعدوانهم تم تحريم بعض أجزاء اللحوم والدهون عليهم (ذلك جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) ثم وللتأكيد على هذا المعنى قال تعالى (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).

9 - لا شك أن الأحكام الإلهية هي على ثلاثة أنواع:

أ: تلك التي فيها مصلحة أو مفسدة واقعية.

ب: أن تكون ذات جانب تجريبي وإمتحاني كأمر ذبح إسماعيل (علیه السّلام).

ج: أن تكون لجهة العقاب والجزاء، كما في هذه الآية محل البحث.


1) آل عمران/ 50

الآية 147

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکذب، الرحمة، البأس، الجرم»

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ، عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إضافة إلى ما ورد في هذه الآية من إشارة إلى أن الكفار لا سبيل لهم للفرار من عقاب الله سبحانه، وما يبعثه ذلك فيهم من يأس، إلا أنها أيضاً امتزجت بنوع من الأمل والرجاء، فالعبارة (ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) تفتح باباً من الأمل بمغفرة الله وقبول التوبة.

2 - لأن عناد اليهود والمشركين هو مما لا يخفى على أحد، فإمكانية تكذيبهم للرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو أمر متوقع لذا فالآية تتوجه بالخطاب للرسول قائلة : لو كذبك المشركون فقل لهم إن ربكم ذو رحمة واسعة (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) وهو لن يعاقبكم مباشرة بل سيمنحكم الفرص، حتى تعودوا عن ظلمكم.

3 - ولكن إن توالت الفرص الإلهية لكم، فاستمررتم في إصراركم وأسأتم في الاستفادة منها، وأظهرتم مزيداً من الظلم والاستبداد ، فاعلموا أن عقاب الله نازل بكم لا محالة، ولن ينجيكم منه أحد قط (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَن الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).

4 - يتجلى في هذه الآية بشكل واضح عظمة تعليمات القرآن الكريم، حيث وبعد تفصيل كل تلك التعديات التي لا تحصى من قبل المشركين، فإنه لا تأتي الآيات فتباشرهم بالتهديد بالعذاب، بل تعرض أولاً تعبيرات مشبعة باللطف والمحبة، ما يشجعهم على العودة والإياب، ولكن ولكي لا تدعوهم تلك الرحمة الإلهية الواسعة إلى مزيد من التعدي والتجرؤ والطغيان، تعود وتهدد بالمجازاة القاطعة.

الآية 148

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الشرك، الآباء، النحریم، الحرمة، الکذب، البأس، العلم، الظن، الخرص»

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَا قُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تستعرض هذه الآية الكريمة خبراً من الغيب حول ما سيقوله المشركون (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) وأن هذه النبوءة قد تحققت بالفعل (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا).

2 - استكمالاً لما ورد في الآيات السابقة من ادعاءات وحجج المشركين الواهية، فإن هذه الآية أيضاً تعرض لادعاء المشركين بوجود (الجبر)! ليتهربوا من تحمل المسؤولية (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آبَاؤُنا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) حيث يقولون لو كان الله يريد لما أشركنا ولما كان لسائر الآلهة من وجود، ولما حرمنا من شيء، فما نحن عليه دليل على أن الله أراده لنا.

3 - لقد كان المشركون يدعون بأن سكوت الله عن وجود الوثنية وشرائع تحريم الحيوانات من قبل المشركين، هو أدل برهان على أن الله يرضاه، لأنه لو لم يكن ذلك مما يرضيه لكان قام بما يمنعنا عنه، والواقع أن مثل هذا الإدعاء في الجبرية هو أهم البراهين التي يستتر المذنبون ورائها، لرفع المسؤولية عن عاتقهم... وهنالك الكثير من الأمثلة التي تدل على أن المشركين كانوا يرددون ذلك الكلام تكراراً، كما في الآية 35 من سورة النحل، والآية 20 من سورة الزخرف.

4 - وقد رد القرآن الكريم على هؤلاء بصرامة في عدة نقاط:

أولاً : يقول القرآن الكريم أن هؤلاء ليسوا الوحيدين ممن يحيكون الأكاذيب

على الله سبحانه، بل حتى الأقوام السابقة أيضاً كانوا يفترون على الله الأكاذيب، ولكنهم كانوا في نهاية الأمر يتلقون عاقبة السوء، فيذوقون طعم المجازاة والعقاب (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى دَاقُوا بَأْسَنا).

ثانياً: أنهم بهذه الإدعاءات والأكاذيب كانوا يُكذبون الأنبياء أيضاً، فلو كان الله راضياً بأعمالهم كما يقولون، إذا لم أرسل الأنبياء للدعوة إلى التوحيد ؟ فدعوة الأنبياء هي في الأصل من أهم البراهين المشيرة إلى حرية الإنسان في الاختيار.

ثالثاً: تخاطب الآية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : قل لهم هل تمتلكون على ادعائكم هذا أي برهان قاطع أو دليل ؟ (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا).

رابعاً : يقول تعالى في نهاية رده عليهم: إنكم لا تمتلكون قطعاً أي برهان دامغ على ما تدعون، بل هي مجرد ظنون تطلقونها وأوهام ركيكة (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ).

5 - سؤال: إن هذه الآية تنقل ما يقوله المشركون من أنه لو كان الله غير راض عما نفعل، إذا لم لا يمنعنا؟.. إذن فشركنا هو محط رضاه وقبوله!

والرّد عليهم يكون بالقول: إن إنجاز أي عمل من طرف أي شخص، ليس بالأمر الخارج عن إرادته تعالى، إلا أن مشيئة الله قد اقتضت أن يتمتع الإنسان بالحرية في القيام بأعماله، فمثلاً تقوم شركة صناعة السيارات بابتكار سيارة، وأنا أقوم بشرائها، لتسهيل أمور حياتي، في ذهابي وإيابي، لكن إن قمت باستخدام السيارة في أمور أخرى مخالفة لأهداف الصانع، كأن أسرق أو أتجاوز السرعة المسموحة و.. فإن هذا لا يعني أبداً أن الشركة راضية عن عملي وبأنها صنعت السيارة لهذا الهدف، وبالمثل فالله تعالى قد وهب الإنسان عقلاً ووحياً وأراه سبيل النجاة، إلا أن منحه الحرية للإنسان لا يعني قط بأنه يرضى بأي عمل يصدر عنه حتى لو كان منافياً للحكمة والعقل.

6 - إن الله يريد للناس أن يختاروا الإيمان بملء إرادتهم، وقد تردد في القرآن مراراً بأنه لو شاء الله لأجبر الناس على الإيمان، ولكنه لا يرغب بالإكراه والإجبار.

الآية 149

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحجة البالغة، الهدایة»

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةٌ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَ نَكُمْ أَجْمَعِينَ (149)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تشير هذه الآية إلى دليل آخر على بطلان إدعاءات المشركين، فتقول بأن الله قد أبلغ حجته عن طريق إرسال الرسل (علیهم السّلام) وعن طريق العقل والفطرة الطاهرة، لإثبات الوحدانية وكذا أقام أحكام الحلال والحرام بشكل لا يمكن لأحد فيه أن يعترض (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ).

2 - لا يمكن أبداً للمشركين والكفار والمنحرفين، الإدعاء بأن الله ومن خلال سكوته قد وافق على أعمالهم وقبل بعقائدهم، كما لا يمكنهم القول بأنهم مجبرون على القيام بما يقومون، لأنه إن كانوا مجبورين بالفعل، فما نفع إرسال الرسل والأنبياء بعد ذلك؟ بل أن القدرة على إقامة الأدلة، هو بحد ذاته دليل على التمتع بالحرية والإرادة.

3 - إن الإيمان والعمل ذو القيمة الواقعية، هو ذلك العمل الذي يتم بالعشق والحرية، أي أن يختاره الإنسان بمحبة ورغبة وليس بالإكراه والإرغام، وهذا النوع من الإيمان هو ما يستحق الثواب والتكامل (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).

4 - فيما يلي عرض لروايات ثلاث حول تعريف الحجة البالغة:

الرواية الأولى:

عن الإمام الكاظم (علیه السّلام): (إنّ لله على النّاس حجّتين حجّة ظاهرة وحجّة باطنة فأما الظاهرة فالرّسل والأنبياء و الأئمة (عليهم السّلام) و أما الباطنة بالعقول)(1).

الرواية الثانية:


1) الكافي، ج 1، ص 16

تفسير سورة الأنعام عن المفيد في كتاب الأمالي أنه سُئل الإمام الصادق (علیه السّلام) عن هذه الآية، فقال: (أنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيمة عبدي أكنت عالما فإن قال نعم قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن كان جاهلا قال له أفلا تعلّمت حتى تعمل فيخصمه فتلك الحجّة البالغة).(1)

الرواية الثالثة: عن الكليني عن الإمام الباقر (علیه السّلام) أنه قال : (نحن الحجّة البالغة على من دون السّماء وفوق الأرض)(2).


1) الأمالي، الشيخ المفيد، ص 227 و 228

2) الكافي، ج 1، ص 192

الآية 150

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الشهادة، التحریم، الحرمة، الکذب، الأتباع، الهوی، الآیة، الآخرة، العدل»

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - لأن الإسلام هو دين المنطق والحرية، لهذا فقد سأل الله تعالى في الآيتين السابقتين المشركين قائلاً هل تمتلكون حجة على ما تدعون؟ وهل تعلمون ما لا نعلم ؟ (هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ) وهنا يقول تعالى إذا كان لديكم من شهادة فقدموها (قُلْ هَلْمْ شُهَدَاءَكُمْ).

2 - (هلم) اسم فعل بمعنى الأمر، ويستخدم للفرد والجمع معاً وعلى حد سواء، كما تم الإستفادة منه هنا للجمع، وهو في الأصل مؤلف من حرفين (هاء) للتنبيه، و(لم) التي كانت لمم، لكن أدغمت الميم ، والكلمة بمعنى هاتوا وأحضروا.

3 - لأن إثبات أي مدعى، هو بحاجة إلى توافر الشهود، لهذا فيتوجب أن يكون الشاهد شخصاً غير المُدعِي، لأن كل من أراد الإدعاء، وجب أن يثبت صدقه، وهذا يعني أنه بحاجة إلى إحضار شاهد لهذا يقول تعالى مخاطباً المشركين.. لقد حرّمتم من الأنعام وبعض المحاصيل وفق أهوائكم، وتنسبونه إلى الله، فهاتوا من يشهد على صدق حكمكم، والحال أن الأنبياء هم فقط المؤتمنون على اثبات كون ادعائكم هو من عند الله، أو أن تأتوا بأشخاص موثوق بهم ليشهدوا على ما تقولون، إلا أنكم لن تجدوا أحداً يتمتع بهذه الصفات ليشهد لكم، وهذا

سير غمكم على القول بأننا سنشهد على ذلك، (فَإِنْ شَهِدُوا) ، فهذا لا يفيد في إثبات الحرمة، وما لا يمكن إثباته بالشهادة ولا بالدليل، فليس إلا شهادة زور!

5 - تقول الآية مخاطبة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): بأنه إذا جاؤوا فشهدوا لك، فلا تقبل بشهادتهم، وعبارة (فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) تبين أن القرائن تشهد بأن هذه الأحكام مزورة، وهي ليست إلا لعباً ولهواً، ولم يُطلقها سوى بعض أوهام واتباع أعمى ، فلا وثيقة ولا سند يثبتها.

5 - إن وثنيتهم وإنكارهم ليوم القيامة والبعث والقيامة، هو محض خرافات وهوى زائف، وتدل إذ تدل على كذب ما يقولون، بل وخلوه من أي قيمة تذكر.

6 - تقول الآية مخاطبة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم): لا تتبع أصحاب الهوى ومتبعي الأوهام، والمكذبين ليوم الدين ممن لا يؤمنون بآيات الله، ومن جعلوا لله شركاء في الملك (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ).

7 - جملة (يعدلون) هي من أصل عِدل بمعنى القرين، وعبارة (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي أن الذين يشركون يجعلون لله شركاء وأقران، يُشبهونهم ويمثلونهم به.

الآية 151

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «التحریم، الحرمة، الشرك، الوالد، الوالدة الوالدین، الإحسان، القتل، الولد، الإملاق، الرزق، الفاحشة، التحریم، الحرمة القتل، الوصیة، العقل»

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُو بِهِ شَيْئًا وباَلْوَالِدَينِ إِحْسَنَّا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تعود كلمة (تعالوا) إلى أصل (علو) بمعنى الارتفاع والرفعة، مع تقدير أن الأمر لهذا الأمر هو في درجة أعلى، وكلمة (اتل) هي من التلاوة ومرادفة للقراءة.

2 - إن هذه الآية والآيتين التاليتين تبين مع قصرها معنى عظيماً وجوهراً هاماً، في عشرة أقسام من أصول الواجبات والمحرمات في الإسلام، شاملة أهم الوصايا الإلهية (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ).

3 - إن خمساً من بنود الوصايا الواردة هنا ليست خاصة بشريعة دين محدد، وهذه الوصايا هي كالآتي:

الوصية الأولى: أن لا تجعلوا لله شريكاً آخر (أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) والسبب في أن الآية قدمت الشرك على سائر الذنوب الأخرى، هو أن الشرك هو ظلم عظيم وكبير، وبارتكابه لا يبقى أي أمل في غفران الذنوب والمعاصي (إِنَّ اله لا يَغْفِر أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ بِشَاء).

الوصية الثانية: الإحسان للوالدين (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) ، ومسألة الإحسان هذه قد وردت بالتأكيد في آيات أخرى، الآية 23 من سورة الإسراء والآية 14 من سورة اللقمان، وهذا بحد ذاته دليل على أهمية ذلك.

الوصية الثالثة: الامتناع عن قتل الأبناء بسبب الفقر (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) لأن هذا العمل كان رائجاً بين الأعراب، لكن الله تعالى يقول: بأن هذا المنطق في قتل الأبناء خشية الفقر والحاجة، هو أمر خاطئ ومرفوض، فالله هو الرزاق (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ).

التوصية الرابعة: تجنب إرتكاب الأعمال القبيحة والسيئة، سواء الظاهر منها كالزنا واللواط و...، أو الباطن منها كالعلاقات المحرمة السرية، وسبب النهي عنها واضح، حيث أنها تبث الفحشاء وانقطاع النسل وفساد المجتمع والعائلة، بما يعني اختلال الإنسانية جمعاء.

الوصية الخامسة: اجتناب قتل الأبرياء عمداً، وسفك الدماء، إلا أن يكون طبق قانون إلهي يجوز فيه القتل، كحماية حياض الدين وإقامة الشريعة (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بالْحَقِّ).

4 - وبناء لهذه الوصايا الخمس يؤكد تعالى ضرورة حفظها (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

الآية 152

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الیتیم، المال، الکیل، الوفاء، المیزان، الثسط، التکلیف، العدالة، عهدالله، الوصیة، الذکر»

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - هذه الآية هي استكمال لتبيين وتقديم أربع وصايا أخرى، هي مما لا تختلف الأديان عليه، متمثلة بعدم الاقتراب من مال اليتيم إلا لما فيه الصلاح، والإيفاء بالمكاييل لدى البيع، والإيفاء بالعهود، وعدم اتباع غير الله.

2 - إن الدليل على أن هذه الوصايا ليست خاصة بدين واحد أو مذهب معين، هو أن ذات هذه الوصايا قد ذكرت على لسان كثير من الأنبياء (علیهم السّلام) في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كما في الآية 13 من سورة الشورى (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَى بِهِ نُوحاً..).

3 - إن الوصايا الأربع المذكورة هنا والتي لا تختص بدين أو مذهب محدد، هي كما يلي:

الوصية السادسة: عدم الاقتراب من مال اليتيم، إلا بنية الخدمة وما فيه الصلاح لهم، إلى أن يبلغوا أشدهم (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).

الوصية السابعة: عدم الإبخاس من المكاييل والأوزان والتزام العدل (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْميزانَ بِالْقِسْطِ) أي عدم الاحجاف والعدوان، وقد يُقال في هذا الباب أنه من غير الممكن التزام كامل

الدقة، في المكيال والميزان، بحيث يبقى هنالك نسبة ضائعة وغير ثابتة، وهنا فإن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وبالتالي فعلى الإنسان اتخاذ الاحتياط والحذر في المعاملات، حتى فيما يخص الأيتام في الوصية السابقة (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها).

الوصية الثامنة: توخي العدل في التحكيم والقضاء، أو في الشهادة بالحق، وعدم الانجراف وراء الانحرافات النفسية أو الأهواء، مراعاةً لاعتبارات القرابة والصداقة و..، أو أن يستغل الانسان منصبه ليحكم بما يرضي عواطفه، فينطق بما فيه ضرر الآخرين (إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قرْبى).

الوصية التاسعة: عدم نكث العهود، بل الالتزام بالإيفاء بها (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) والعهد هو حفظ أمر في كافة الأحوال والطوارئ، ويسري إطلاقه على التعاليم الشرعية والمواثيق والنذور والقسم، لكن الأنسب لذلك في هذا المقام هو التعاليم الإلهية.

4 - في نهاية الجزء الرابع، مزيد من التأكيد على ما سبق من وصايا إلهية، ففي الواقع أن هذه الوصايا هي من أجل استخدام العقل وضرورة حفظ حدود الله والمصالح العامة واجتناب المفاسد، الظاهر منها والباطن، بما يحفظ المجتمع الإنساني (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

الآية 153

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الصراط، الصراط المستقیم، السبیل، التفرقة، الوصیة، التقوی»

وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَالِكُمْ وَصَنكُم بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - الوصية العاشرة : يقول تعالى إن هذا سبيلي، سبيل التوحيد، سبيل الحق والعدالة، سبيل الطهارة والتقوى، فاتبعوا هذا السبيل، ولا تنفصلوا عنه، أو تضلوا فتشت بكم السبل، وتأخذكم بعيداً عن طريق الله... (وَأَنَّ هذا صِراطي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبلِه)

2 - لا شك أن عبارة (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقيماً فَاتَّبِعُوهُ) تبين أن الانسان العاقل في هذه الدنيا، إذا شاء أن يكسب رضا الله، فإنه لن يحصل على ما يريد إلا بسلوك ذات الطريق الذي رسمه الله له الطريق الذي عبده الأنبياء (علیهم السّلام) ومشوا فيه، حتى أضحى واجباً على كل إنسان أن يسلكه.

3 - إن السبب في أن الله تعالى قد نهى عن السير في السبل الأخرى، هو لأن هذا يُضل الناس ويضيعهم، ويطرح بينهم الاختلاف والانفصال.

4 - لا يقبل صراط الله التفرقة والتشتت، ولا يشوبه الاختلافات، فالسالك فيه يشعر بالالتزام به، إلى أن يصل إلى التوحيد.

5 - كل هذه التوصيات هي لجهة دعوة الناس إلى التقوى والاستقامة، والتقوى لا تكون إلا

بالدقة والبصيرة في تطبيق الأوامر والنواهي الإلهية، وتجنب الوقوع في المعاصي والذنوب، وإعمال العقل والبصيرة والاعتبار مما سبق من تجارب و..

6 - من الطبيعي أن تكون كافة الوصايا المذكور في الآيات الثلاث السابقة، هي من الأمور المتوافقة والفطرة الإنسانية السليمة، ورغم أن فطرة الناس جميعاً ليست بواحدة، إلا أن المعيارات الكلية التي تقبلها النفوس هو كما في هذه الوصايا، وما ورد في الآيات من عبارات وأشكال مختلفة لتغطية كافة النفوس بما تقبله وترضاه.

الآية 154

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «موسی، الکتاب، التوراة، الهدایة، الرحمة، الإیمان، اللقاء»

ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامَّا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - لأن كليات الشرائع والتوصيات التي عرضها تعالى في هذه الآيات هي عامة وكلية، مما ورد في تعاليم كافة الأديان ونزل على كافة الأنبياء (علیهم السّلام)، فإنها ذكرت بالإجمال وبشكل مختصر، ولكن ولاقتضاء المصلحة فإن هذه الأحكام نزلت مفصلة في كتاب موسى (علیه السّلام) بالشرح والتبيين،كما أنها عادت وطرحت مفصلة على سيد البشر (صلی الله علیه و آله و سلم).

2 - تبين الآية أن كل ما جاء في كتاب موسى (علیه السّلام) كان مفصلاً ووافياً، (وَتَفصيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) فكان فيه الهدى والرحمة للبشر (وَهُدىً وَرَحْمَةً) ، وكل ذلك ليؤمن الناس بيوم القيامة ولقاء الله بعد النشور (لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ).

3 - يُفهم من هذه الآية وعلاقتها بالآيات الثلاث الماضية، بأن الله قد بيّن كليات أحكام الدين التي سنّها والمذكورة في الآيات السابقة، فأرسلها بشكل كلي ومجمل ومختصر على كافة الأديان السماوية، التي سبقت اليهود، ثم أنزلها مفصلة في كتاب موسى (علیه السّلام) لإتمامها وشرح فروعها وتوضيحها، فكان هذا الكتاب رحمة وهداية لليهود.

4 - لقد أشار المفسرون إلى تأويلات عدة تشير إلى علاقة هذه الآية بالآيات الأخرى:

التأويل الأول: في هذه الآية هنالك عبارة تم حذفها للتقدير وهي (قل يا محمد)، لتصبح

بالشكل التالي (ثم) قل يا محمد اتينا موسى الكتاب).

التأويل الثاني: تقدير ب-(ثم أخبركم أن موسى أعطي الكتاب).

التأويل الثالث: تقدير الآية ب-(ثم اتل عليكم آتينا موسى الكتاب).

التأويل الرابع: تتصل هذه الآية بالآية (وَوَهَبْنَا لَهُ اسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) ونظم وترتيب الخطا هو (وهبنا له اسحق ويعقوب ثم آتينا موسى الكتاب).

إن السبب في وضع مثل هذه التأويلات بهذا الشكل الغريب من قبل المفسرين هو أنهم ظنوا بأنه ولأن التوراة قد نزل قبل القرآن، إذا فلم استخدم حرف (ثم) الذي يفيد البعدية والتأخير فيما يخص التوراة؟ بحيث يوحي بأن التوراة نزل بعد القرآن الكريم، في حين أنه وفي ذات هذه الآيات، أي في الآية (قُلْ تَعَالُوا اتْلُ مَا حَرَّمَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُم) إشارة إلى أن نزول التوراة مقدم على نزول القرآن؟

التأويل الخامس: وهو الردّ على هذه الشبهات أن العبارة (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتابَ) هي في الواقع تعود إلى موضوع الآيات السابقة على الآية (قُلْ تَعَالُوا اتْلُ مَا حَرَّمَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُم) ، والتي هي خطاب موجه إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتشير إلى هذا المعنى بحرف ثم الذي يدل على أن هذا الكتاب قد نزل ليكون تفصيلاً وإتماماً لتلك الشرائع العامة والإجمالية، وتفصيلاً لما سبقه كالتوراة.

5 - عبارة (وَتَفْصيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) تبين أن هذا الكتاب قد أُرسل ليجمع في داخله كل حاجات بني إسرائيل وغيرهم أيضاً، وليكون هداية ورحمة ينعمون بها وينتفعون.

6 - من عبارة (لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) يُفهم بأن بني إسرائيل كانوا يستنكفون من مسألة المعاد، والدليل على ذلك أنه ليس هنالك في أي موضع من أجزاء التوراة المحرّف بشهادة القرآن الكريم، أي إشارة إلى يوم القيامة، إضافة إلى أن المؤرخين أوردوا بأن حزب بني إسرائيل لم يكونوا يؤمنون بالمعاد.

الآية 155

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکتاب، القرآن، البرکة، الإتباع، التقوی، الرحمة»

وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية إشارة إلى نزول القرآن وتعليماته واستكمال لبحث الآية السابقة، وتأكيد على أن القرآن هو أكمل الكتب وأعظمها ، فهو نبع الخيرات والبركات ومصدرها (وهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكَ)، لهذا تدعو الآية الناس إلى اتباعه والتزام التقوى بعدم مخالفة ما جاء فيه لتشملهم رحمته (فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

2 - إن القرآن الكريم يوافق ما جاء في التوراة ويستكمل أحكامه، لذا ففي الهداية للبشر، فلتتبعوه ولتأتمروا بأمره، ولتتقوا الله، لتشملكم رحمته، ففي القرآن شفاء ورحمة المؤمنين.

3 - جملة (وهذا كِتابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبارَكَ) توضح أن هذا الكتاب هو كتاب مبارك ذو خصائص مطابقة لما ذكر في حق التوراة، لذا فاتبعوه أيضاً.

4 - إن كلمة (مبارك) تعود في الأصل إلى البركة، وتؤكد على أمرين : 1 - أن القرآن ذو جذور قوية وثابتة، 2 - أنه مستمر في الرشد والنمو، وبالفعل فالقرآن أولاً غني بالمعاني الراسخة والأصيلة رغم تعاقب الأزمان، وهو في الآن ذاته متجدد يكشف في كل يوم عن أسرار جديدة وعظيمة.

الآية 156

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الکتاب، القرآن، الغفلة»

أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَابِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ (156)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية مزيد من الردّ على إدعاءات المشركين والمقصود من لفظ (طائفتين) هم اليهود والنصارى.

2 - تقول الآية الكريمة بأننا أنزلنا القرآن الكريم حتى لا تقولوا بأن الكتب السماوية اقتصرت على التوراة والإنجيل، ولكي لا تدعوا بأن دعوة الله كانت في أيدي أقوام أخرى وبالتالي لم تؤمنوا بها وغفلتم عنها، (أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَعَافِلينَ).

الآية 157

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «النزول، الکتاب، القرآن، الهدایة، البینة، الرحمة، الظلم، الکذب، آیات الله، الآیة، الجزاء، الصدف، العذاب»

أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُم فَقَدْ جَاءَ كُم بَيْنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِتَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِقُونَ عَنْ عَايَنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِقُونَ (157)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن هذه الآية هي عطف واستكمال للآية السابقة، والسبب في أنها خاطبت القرآن الكريم باعتباره بينة، هو للدلالة على حجيته الواضحة والجلية، بشكل لا يبقى فيه أي عذر لأي أحد (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدِى مِنْهُمْ).

2 - لو لم ننزل القرآن على هؤلاء، لاستكملوا علوّهم وتكبرهم بالقول إننا كنا نتمتع بدرجة عالية من القابلية لاعتناق الدين وتنفيذ تعاليم الله أكثر من أي أمة أخرى.

3 - يرد القرآن الكريم على هذه الإدعاءات بالقول: لقد أغلق تعالى على المشركين كل أبواب الأعذار للتملص من الإيمان، فأنزل من الآيات الجلي والواضح، برحمة منه وهدى (فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدى وَرَحْمَةٌ).

4 - كلمة (يصدفون) هي بمعنى (يعرضون) أي (إشاحة الوجه)، وإشارة إلى أنه ورغم أن القرآن الكريم قد تنزّلت آياته بشكل جلي وشفاف مبتنية على الجزئيات العقلية والشرعية، لجهة تبيين الكثير من المسائل والأمور المختلفة، إلا أن المشركين مازالوا يصرون على عصيانهم وإعراضهم عنه، فاستحقوا العذاب الشديد.

5 - لا ترديد في أن مثل هؤلاء العاصين المعاندين لن يلبثوا أن يعاقبوا ويحاسبوا حساباً عسيراً، لكل هذا التعدي والرفض لآيات الله الحقة (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ).

الآية 158

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الملک، الآیة، الإیمان، الإنتظار»

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَيْكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَيْهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في الآيات السابقة تم تبيين أن القرآن قد أنزل ليهدي العالمين.

2 - تفيد هذه الآية معنى الاستفهام الإنكاري، وذلك في موضع لا تفيد فيه الدعوة بالموعظة والنصيحة، لذا فما ورد في هذه الآية هو حكم حتمي وقاطع صادر عنه تعالى، يقضي بزوالهم عن وجه الأرض واندثار الشر (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ).

3- يبدو أن نهاية المعاندين والعاصين لن تكون إلا على أيديهم هم، فهم يضيعون على أنفسهم الفرص الواحدة تلو الأخرى، وينتظرون المستحيلات أن تتحقق لهم، بقلوب متحجرة صرفها العداء عن ضياء الآيات القرآنية.

4 - إن المقصود من مجيء الملائكة وفق ما جاء به المفسرون يتمثل في أحد أمرين:

الأول: مجيء الملائكة هو بمعنى تعذيب المشركين، بمثل ما يعنيه مجي ء الله تعالى يوم الدين، حيث يشير إلى تجلي الحق وظهور الوحدانية.

الثاني: ذهب بعض المفسرين إلى أن مجيء الله هو بمعنى قرب أمر ما، وللدلالة على دنو

تحقق حادثة ما، تبعث على تبدل الحياة وانقلابها، بشكل لا يمكنهم فيه العودة إلى سابق عهدهم باختيارهم وحريتهم، كالموت أو العذاب.

5 - لا فائدة من إيمان جاء بعد فوات الأوان وبعد مشاهدة الفرص المتكررة تمر مر السحاب، والآيات الإلهية تتنزل، فالتوبة بعد كل هذا لدى رؤية العذاب هو كندم فرعون، ليس إلا عن خوف ورعب من العذاب وطمعاً في النجاة ليس إلا (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْراً).

6 - في ختام الآية لحن من التهديد والوعيد الجدي، لزمان تقصر فيه إراداتكم عن تغيير أي شيء، فلا يعود هنالك من فرصة للإيمان أو العدول عن الظلم والعدوان، بل انتظار لأمر الله سبحانه وحكمه فيهم (قُل انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ).

7 - لأن عبارة (قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) فيها تهديد جدي وليس بصوري أو استهزائي، فلذا فالآية تفيد معنى الاستفهام الإنكاري، أي أن الآية تسأل: عندما لا تقبلون بأي شكل من الأشكال المثول أمام الله، في الوقت الذي تمتلكون فيه العلم الكامل واليقين التام بصحة الآيات الإلهية والتوحيد، وتعلمون بأنكم لا ترغبون بالهداية، فاحكموا هل تمتلكون بعد كل ذلك إلا أن تنتظروا العذاب الأليم؟!

8 - تكرر لفظ (ربك) في هذه الآية، يبين أولاً القافية البديعة والانتظام الفريد في هذه الآية بهدف تأييد النبي لثلاث مرات، وثانياً لعله ولأن المشركين يصرون على عبادتهم للأوثان، فالله تعالى يؤكد عليهم أنه إلههم من جهة ومن جهة أخرى ليطمئن قلب النبي بذكره.

الآية 159

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «التفرقة، الإنباء، الفعل»

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَيّتُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - إن هذه الآية الشريفة هي بمنزلة بيان لحال الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ومقارنته مع أشخاص آخرين من مثل اليهود والنصارى والمشركين، بابتعادهم عن الدين الحنيف (الذي كان بداية ابراهيمياً) وانفصالهم عنه.

2 - في هذه الآية تأكيد وتفسير وشرح على موضوع هو أنه ولأن دينك هو دين التوحيد، وصراطك هو الصراط المستقيم، وسبيلك واحد لا ثاني له، لهذا فإنهم بما يتصف به دينهم من تشتت واختلافات، لا علاقة لك بهم ولا علاقة لهم بك في شيء من هذا الدين (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ).

3- إن قوله تعالى بأنك لست منهم، هو لجهة أنهم جعلوا دينهم فرقاً وجماعات متفرقة وكثيرة، أما رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فهو ليس مثلهم، بل هو حامل كلمة الحق والتوحيد، والداعي إليهما، في حين أن دينهم قائم على الظلم والعدوان (وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)(1).

4 - كلام ومحتوى هذه الآية فيه حكم عام وشامل من الله لكافة الفرق المتباينة، وبيان لنفور رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) من المشركين واليهود والنصارى وأصحاب البدع، ممن يزرعون بذور النفاق والاختلاف بين الأمم السابقة وهذه الأمة، وهؤلاء أمرهم ومصيرهم بيد الله.

5 - تؤكد هذه الآية مرة أخرى على حقيقة أن الإسلام ومن خلال دعوته إلى التوحيد، بريء من أي نفاق وتفرقة وتشتت.


1) البقرة/ 213

الآية 160

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الحسنة، العشر، السینة، الظلم»

مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)

النقاط المستفادة من من هذه الآية:

1 - تتضمن هذه الآية أحد أعظم الألطاف الإلهية في حق عباده، وهو أن جزاء العمل الحسن بعشرة أضعاف منه، أما الأعمال السيئة والذنوب فلا تجزى إلا بمثلها، دون أي ظلم أو إجحاف، أي أن الله تعالى لا يبخس الأعمال الحسنة حقها، ولا يظلم أو يتجاوز في ظلم المسيئين، بل يجزى كلّ إنسان بدقة متناهية (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).(1)

2 - في هذه الآية إشارة إلى رحمة الله وثوابه الوفير، مما أعده للمحسنين، وتشجيع اكتمل به معنى التهديد الوارد في الآية حيث (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِها).

3 - من كلمة (جاء) يُفهم أن ثواب وعقاب الأعمال المذكور في الآية له علاقة بيوم القيامة، وإلا فإن للمسيء في هذه الدنيا أن يمحو أعماله السيئة بالتوبة والاستغفار (يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)(2).

4 - المقصود من (حسنة) و (سيئة) في هذه الآية هو أي عمل حسن وفكر حسن وعقيدة حسنة.

5 - يجب أن نعلم بأنه ورغم أن الله سبحانه قد قال بأنه سيضاعف برحمته الأعمال الحسنة عشرة أضعاف، فإن هذا هو الحد الأدنى من جزاء الله، وإلا فإن بالإمكان أن يكون الثواب بسبعمائة أو ألفاً أو أربعمائة.. بل وأكثر،


1) الشورى/ 40

2) الفرقان/ 70

(مَثَلِ الَّذِينَ يُنفِقُون أموالَهُم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنابِل فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ الله يُضاعِفُ لِمَن يَشَاءُ)(1)، وهذا فقط من جهة الثواب أما الدرجات فلا يعلم عددها إلا الله تعالى، وكل ذلك هو من باب التفضل واللطف والإكرام، لأنه لو تعبد أحد الله عبادة الجن والإنس معاً، فإنه لا يماثل جزءاً ضئيلاً من نعمه تعالى وفضله.

6 - لا شك أن الألطاف والعناية الإلهية والإيمان والأخلاق والتزام التقوى والمكان والزمان،هو ما يزيد الثواب لكل عمل واجب أو مستحب، فمثلاً كلما كان الإيمان والمعرفة أكثر، كانت درجات العبادة أعلى، وكلما كانت الأخلاق أكثر وأوفر كلما ارتفعت الدرجات أكثر، وأحد جهات التزام الآداب والشرائط للقبول والتقوى، هو الصلاة في أول وقتها مثلاً، فالصلاة من حيث مكانها كأن تكون في المسجد الحرام، وزمانها كأن تكون في شهر رمضان، وكيفيتها كأن تكون جماعة وبالتعطر والتختم والتوجه والتقوى والإيمان الكامل والعلم والمعرفة وتزكية الأخلاق، وآلاف الأمور والأسباب الأخرى هو مما يحدث تغييراً في قبول الطاعات وعلو درجتها.

7- يجب أن نعلم بأن الحق تعالى حتى في الآية (وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزِي إِلا مِثْلَهَا) يظهر جزيل رحمته ورأفته وكرمه، فمثلاً في الحديث النبوي: (نية السوء لا تُكتب)(2)وفي آية أخرى (وَ يَعفُوا عَن كَثِيرِ)(3)، وإذا تاب المذنب (فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللهِ سَيِّئَاتِهِم حَسَناتِ)(4)، والسيئات مختلفة في درجاتها، فمنها الكبائر ومنها الصغائر، بحيث إذا اجتنب الإنسان الكبائر، عفا الله عنه الصغائر (إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم)(5)وكذا فالأعمال السيئة تتأثر


1) البقرة / 261

2) أطيب البيان، ج 5، ص 257

3) الشورى/ 30

4) الفرقان/ 70

5) النساء/ 31

بدرجة الكفر والعناد والرذائل والزمان والمكان،فمثلاً يختلف الذنب المرتكب في شهر رمضان والأشهر الحرم عما سواه.

8 - جملة (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) تأكيد على أنه ورغم ذنب المذنب إلا أن عقابه هو فقط على مقدار العمل السيء، دون ظلم أو إجحاف، وهو عقاب لقاء أعمال ارتكبها بنفسه، وإلا فلا ظلم أو زيادة في العقاب عليه، بل ويستحيل أن يُعذب على ما لم يقترفه في الدنيا (إن الله لا يَظْلِم مِثقال ذَرَّةٍ)(1).


1) النساء/ 40

الآية 161

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الهدایة، الراظ، الصراط المستقیم، إبراهیم، ملة إبراهیم، الحنیف، الشرك»

قُلْ إِنَّنِي هَدَني رَبِّی إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينَا قِيِّمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - هذه الآية والآيات التالية من سورة الأنعام هي في الواقع خلاصة للأبحاث التي وردت في مجال مواجهة الشرك والوثنية.

2 - في هذه الآية يأمر الله تعالى نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) بمواجهة عقائد وادعاءات المشركين اللامنطقية فيقول: (قل) للمشركين وكذا للجن والإنس ممن بعث (صلی الله علیه و آله و سلم)، إليهم ، (أنني) - وفيها نون التوكيد - (هَدَانِي رَبِّي)، وبلغني سبيل الحق والعدل، والصراط المستقيم للإشارة إلى الدقة في كافة المعاملات، والواجبات والوظائف والتزام الأخلاق، فلا إفراط ولا زيادة، كما هو حال الأديان المنحرفة في اليهودية والمسيحية، فالدين الحق هو دين الفطرة الإلهية المعتدلة في العبادة والتوحيد.

3 - إلهي ! اهدني إلى أقرب السبل إليك (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهذا السبيل هو سبيل التوحيد وتحطيم الشرك والوثنية، والتزام دينك الصحيح السوي والأبدي الخالد الذي تستقيم به أمور الدين والدنيا والجسد والروح معاً (دِينًا قِيمًا).

4 - كلمة (ملّة) في (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) هي بمعنى الدين والشريعة، و(صراط مستقيم) هو صفة - ملة إبراهيم، لذا فالنبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أمر باتباع ملة إبراهيم (علیه السّلام) ، وهذا يعني أن يكون كما إبراهيم الذي كان موحداً ولم يشرك قط.

5 - إن كافة المشركين واليهود والنصارى يؤمنون بصدق دين وشريعة إبراهيم (علیه السّلام)، ويعتقدون بأنه نبي عظيم، فيقوم كل منهم بنسبه إليهم، ولذا يقول تعالى في الآية 67 من سورة آل عمران أن إبراهيم لم يكن مشركاً ولا يهودياً ولا نصرانياً، بل كان حنيفاً مسلماً لله، لأن دين الإسلام كان منذ بداية الخلقة وسيستمر حتى يوم الدين، وكافة الأنبياء إنما أُمروا بدين واحد هو دين الإسلام، الذي كانت خصائصه تتغير فحسب وإلا ف-(إن الدِّين عِندَ الله الإسلام)(1)، و(وَمَن يَبْتَغِ غَيرَ الإسلام دِيناً فَلَن يُقبَل مِنه وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِن الخَاسِرِينَ).(2)

6 - كلمة (قيم) تعني القائم على مصالح العباد في الدنيا والآخرة، و(حنيف) بمعنى الميل والتمايل إلى الحق والإعراض والبعد عن الباطل، والدين الحنيف هو الدين المبتني على الفطرة الإنسانية ومائل عن الشرك نحو الاعتدال والتوحيد.

7 - بطبيعة الحال، يتوجب اتباع الدين والشريعة القائمة على الصراط المستقيم والدين القيم والحنيف، كما في الآية 126 من سورة النحل (ثُم أوحينا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً)، وقد أرسل الله سید رسله (صلی الله علیه و آله و سلم) بهذا الدين المقدس، وهو يقول في حق إبراهيم (علیه السّلام) (ما كان إبراهيم يَهُودِيًا وَلا نَصرانِيَّا وَلكِن كان حَنِيفاً مُسلِماً وَما كان مِن المُشرِكين).(3)

8 - كلمة حنيفاً هي في الواقع رد على قول المشركين المخالفين للنبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) ممن كانوا يشيرون إلى أن أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) قد خالف بدينه دين آبائهم السابقين، حيث يبين لهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن ما يقوم به ليس أمراً مستجداً ،أحدثه، فالنبي إبراهيم (علیه السّلام) قام من قبل ذلك بتحطيم الخرافات والأوهام متمثلة في الأصنام والأوثان المنتشرة في زمانه (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).


1) آل عمران/ 19

2) آل عمران/85

3) آل عمران/67

الآية 162

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الصلوة، النسک، الحیاة، الموت»

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (162)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

(النسك) هي العبادات، رغم أنها غالباً تعني بلسان الدين ما يتعلق بالذبح والأضاحي والقرابين ، وروي أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يتلو هذه الآيات في صلاته.(1)

في هذه الآية خطاب للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن قل للناس، أنه ورغم كوني رسولاً لله وأشرف الأنبياء وخاتمهم، ولكن كافة شؤون حياتي وأعمالي وحركاتي وأفعالي طوال حياتي وحتى لما بعد مماتي وآخرتي هي بيد الله سبحانه، وإنني لا أؤمن فحسب بالتوحيد، بل وأن أعمالي كلها لله وحده، خالق العالمين، فحياتي ومماتي وما أملك لله وحده .. قد وقفتها وكافة عباداتي هي كلها في سبيله ومحبته (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ).

ولأن وظيفة وتكليف الإنسان متمثلة في العبادة والعبودية فحسب، فإنه لا يبلغ الكمال إلا بتحقيق ذلك، وبتسليمه وإطاعته لله وحده، فالله هو أولاً المالك والمدبر لكل الكون، وهو ثانياً المدبر وصاحب القدرة والغلبة على عباده.


1) احكام القرآن، الجصاص، ج 4، ص 199

الآية 163

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الشرك، الإسلام، التسلیم»

لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - يقول الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذه الآية: بأن الله هو المعبود الذي لا معبود ولا حاكم سواه، وقد أمرت أن أعبده، فلا أسأل أحداً سواه، وأسلّم كل أمور حياتي ومماتي بيده.

2 - (لَا شَرِيكَ لَهُ) لا في الذات ولا في الأوصاف ولا في الأفعال ولا في العبادة .. و( وَبِذلِكَ أُمِرْتُ) وأُمر كل الأنبياء والمرسلين بالتوحيد ونفي الشرك.

3 - إن كون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)هو أول المسلمين كما جاء في الآية هو من حيث الكيفية والأهمية، وذلك لأن درجة التسليم والإسلام لدیه (صلی الله علیه و آله و سلم) هي أعلى من كافة الأنبياء السابقين (علیهم السّلام)، فهو أول فرد قبل بتعاليم القرآن الكريم من هذه الأمة، وهو الأول في كل شيء (أول وما خلق الله نوري) و (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين).

الآية 164

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «البغی، الکسب، الوزر، الرجوع، الإنباء، الإختلاف»

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَرْجِعُكُمْ فَيُنَتِتكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - في هذه الآية انتقاد موجه للمشركين من باب آخر، فالآية أيضاً تقول السيد الرسل (صلی الله علیه و آله و سلم): اسألهم أهل من اللائق أن تجعلوا لأنفسكم إلهاً آخر غير الله، في حين أنه المالك والمربي والربّ لكل شيء، وحكمه جارٍ على كافة ذرات هذا الكون ؟ (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ).

2 - وفي الرد على ذلك فإن جمعاً من المشركين السذج قالوا لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اتبع أنت ديننا، فإن كان خاطئاً، فإن علينا ذنبك.. لذا فالآية تخاطبهم بأن ليس هنالك من أحد يحمل على عاتقه ذنب من سواه يوم الدين (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى).

3- ثم تقول الآية لهم بأن اعلموا بأنكم وكل ما تملكون بين أيديكم لله، وستعودون إليه، فيخبركم بما كنتم تختلفون فيه وتتجادلون (ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).

4 - إن هذه الآية من بدايتها وحتى نهايتها، تبين ثلاثة أسباب للتوحيد وإثبات الوحدانية، وهي:

السبب الأول: إشارة إلى بداية الخلق والإيجاد وقبل ذلك وبعده، فإذا كان الله هو الخالق

لكل شيء، فمن المسلم والبديهي أنه ربّ كل شيء وبيده كافة الأمور ، ولا تليق العبادة إلا له (أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ).

السبب الثاني: أنه وبشكل كلي، ليس هنالك من أحد من الناس يقترف عملاً سيئاً إلا ويحمل وزر ما عمل على ظهره، وليس هنالك من يدفع جزاء ذلك سواه، فآثار ذنوبه تبقى إلى أن تقوم الخلائق نحو خالقها (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى).

السبب الثالث: من المسلم أنه عندما لا يكون هنالك من سبيل للفرار من يوم القيامة، وليس هنالك من مالك لذلك اليوم إلا الله، إذا فالوحيد الذي يليق به العبادة والإطاعة هو المالك الوحيد، الذي له أن يفصل الأمر بين المؤمنين والكافرين (ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).

5 - إن كافة الإختلافات التي كان المشركون يجادلون بها ويطرحونها، ستعرض يوم الدين لدى الله سبحانه، فيكشف الحق ويظهره على الباطل، كما يروي القرآن الكريم (وَامتازوا اليوم أَيُّهَا المُجْرِمُون)(1)(أَفَمَن كان مُؤْمِناً كَمَن كان فاسِقاً لا يَستَوُون)(2)(فَرِيق فِي الجَنَّةِ وَفَرِيق فِي السَّعِيرِ)(3)وآيات أخرى مفادها ما في هذه الآية محل البحث (ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) لبيان أن في يوم القيامة تتكشف النوايا وتظهر الأنفس ما فيها (يَوم تُبلَى السّرائِرُ).(4)


1) يس/ 59

2) السجدة /18

3) الشورى /

4) الطارق / 9

الآية 165

النّقاط المستفادة من هذه الآية: «الخلیفة، الأرض، البلاء، الإبتلاء، سریع العقاب، العقوبة، الغفران، الرحمة»

وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَ اتنكُم إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ رَّحِيم (165)

النقاط المستفادة من هذه الآية:

1 - تبين عبارة (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) أن الخليفة هو نائب الله سبحانه في أرضه، فمنذ أول الخلق وحتى يوم الدين، كانت الأرض لا تخلو من عباده، فجماعة تذهب وأخرى تحل مكانها، ولعل ما في الأيدي من أملاك وأموال وزينة و.. قد انتقلت من يد إلى يد أخرى آلاف المرات تدور وتدور وتستمر بينما الناس يتناوبون عليها، فطائفة ترحل وأخرى تأتي، ويبقى وجه الله، هو المالك الواحد ، وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): (السير بكم سريع أما ترون أن الليل والنهار يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد).(1)

2 - عبارة (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) تشير إلى ثلاث مواضيع:

الموضوع الأول: اعلموا أن الله فقط هو العالم بصلاح عباده، يرفع من يشاء وفق حكمته وعلمه، فيجعل أحدهم غنياً والآخر فقيراً، ويمنح القوة لمن يشاء، ويسلب من يشاء الصحة، ثم يكون أحدهم عاشقاً للهدى والصلاح والآخر كارهاً للدين محباً للفتن، وأحدهم عادلاً والآخر فاسقاً، وأحدهم عزيزاً والآخر ذليلاً، وآخر مظلوماً وآخر ظالماً، ومنهم الشريف ومنهم الرذيل،


1) الكافي، ج 2، ص 598

ومنهم الجميل ومنهم القبيح، ومنهم الأبيض ومنهم الأسود وكذا صاحب الإيمان أو الفسوق و... حتى لا يمكن أن يتشابه اثنان في كل شيء.

الموضوع الثاني: إن الاختلاف في الدرجات هو لجهة امتحاننا (لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ)، فالغني بماله، والصحيح بسلامته، والفقير بفقره، فيرى كيف نكون في كل حال من أحوالنا .. شاكرين وصابرين.

الموضوع الثالث: أن اعلموا بأنه إن تم صرف ما منحه الله فيما أمر به تعالى وما يرضيه، فإن المالك قد أحسن في امتحانه، وأما إن قام بخلاف ذلك فقد أساء (لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحيي مَن حَي عَن بَيِّنَة)(1).

3 - لقد دعى القرآن الكريم الإنسان في مواضع عديدة ب-(الخليفة) و(المستخلف في الأرض)، وهذا يشير إلى مكانة الإنسان ومقامه، ويبين أن كل ما لدى الإنسان من ثروات وأموال وقدرات ومواهب هو من عند الله، فهو المالك أصلا، والإنسان مستخدم فيها، أجازه الله فيها وسخرها له وبالتالي فبديهي أن النائب ليس له التصرف باستقلالية إلا فيما يرضي المالك، ومن هنا يتضح معنى المالكية في الإسلام واختلافه عما هو سائد في معسكر الإشتراكية والعلمانية والرأسمالية.

4 - يقول الإسلام: الملك ليس للفرد ولا للمجتمع، بل هو في الواقع لله فقط، والإنسان وكيل فحسب ونائب لله، ولذلك فإن الإسلام يشرف على شكل مصاريف الإنسان وأرباحه، فيضع له القوانين والشروط، الاقتصاد الإسلامي هو بحد ذاته منهج قائم في مقابل سائر المناهج والتيارات.

5 - عبارة (إِنَّ رَبِّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ) تبين أنه لو كان المراد هو العقوبة الدنيوية، التي تصيب


1) الأنفال/ 42

الإنسان فوراً (وَ ما أَصابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم وَ يَعفُوا عَن كَثِيرِ)(1)وإن كانت العقوبة أخروية فإنها أيضاً سريعة التحقق (إِنَّهُم يَرَونَهُ بَعِيداً وَ نَرَاهِ قَرِيباً)(2).

5 - لقد بدأت هذه السورة بالحمد واختتمت بالرحمة، حيث يقول تعالى للمذنب بأن لا يصيبه اليأس، فالمؤمن إن آمن، فلا ييأس من رحمة الله لأن (الإسلام يجب ما قبله)(3)أي أن الإسلام يمحو ما كان قبله من ذنوب، وإن تاب الكافر فإن الله هو التواب الغفور، الذي تشمل رحمته كل شيء (وَإِنَّه لَغَفُورٌ رَحِيم).

والحمد لله رب العالمين

رب اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيراً


1) الشورى/ 30

2) المعارج / 6و7

3) التفسير القمي، ج 1، ص 148

الموضوعات

الآباء 222، 352

الإبتلاء، 382

إبراهيم، 191، 195، 215، 376

الإبل، 344

الإبن، 258

إتباع الهوى، 145

الأتباع ، 268 ، 292، 356، 366

الإتهام، 88

الأجر، 229

أجل مسمى، 17،

الأجل، 17، 148، 154، 317،

الإحسان، 217، ، 358

الاختبار، 60

الإختلاف، 380

الإختيار، 94

الأخذ، 119

الآخرة، 85، 285، 356

الإخوان، 222

الأذى، 92

الأرض ، 19 ، 35، 36 42، 94، 103، ،206 ،195 ،188 ،18 ،150 382 ،292 ،260،

آزر، 191

اساطير الأولين، 63

أسباب الكفر ، 29

الإستجابة، 97

الإستخلاف، 325

الاستقرار، 172، 252

الإستهزاء، 22، 34

إسحق، 217

الإسراف، 338

الإسلام، 379، 42، 311

إسم الله ، 296، 298، 302، 333

إسماعيل، 220

الأشياء، 260

الإصابة، 309

الإصغاء، 285

الإصلاح، 128، 141

الإضطرار ، 298، 346

الإطاعة، 292، 302

الإطعام، 42

الإعجاز ، 26 ، 88، 99، 326

الإعراض، 21 ، 174 ، 268

الاعقاب، 184

الاعمى، 130

الإفتراء، 56 ، 62 ، 237، 283، 331، 333، 336، 344

الإفراط 81، 103، 157

الإفك، 244

الافل، 199، 202 ، 204،

الأفئدة، 279، 285

الإقتداء، 229

الإقتراف 285، 300

الأقوام الغابرة، 23

الأكل، 296 ، 298، 302، 341

الأكنة، 63

التراب، 17

الجهد، 277

الخسران، 22

الخشة، 133

الرؤية، 215

الصور، 188

الظلمة، 13

العالم، 220

الكفر، 13

النور، 13

الإله، 19 ، 53، 111، 124، 191

إلياس، 219

أم القرى، 234

الأمة، 103

الامر، 29

الإملاق، 358

الإنباء، 154، 273

الإنباء، 372

الإنباء، 380

الإنتظار، 370

الأنثى، 335، 343، 344،

اندثار، 266

الإنذار، 53 ، 128 ، 130، 236، 279، 320

الإنس، 283، 317، 320

الإنشاء، 252

الأنعام، 329، 333، 335، 341،

الأولاد، 217

آیات الله، 21، 88، 368 الآية، 72 ، 94 ، 99، 108، 12، 129، ،250 ،237 ،141 144، 166، 174 ،296 ،277 ،252، 255،266،356، 368 ،314 ،309 ،320،370

الأيدى، 237

الإيمان، 36 ، 55، 72، 128، 141، ،281 ،279 ،277 ،255 ،213 ، 311 ،309 ،285، 296

الإيمان، 364، 370

أيوب، 217

الباب، 119

البأس، 166، 351، 352

البأساء، 115 ، 117

باطن الإثم، 300

البحر، 150، 162، 250

البداهة، 55

البر، 150، 162، 250

البرائة، 204

البركة، 234

البركة، 366

البزوغ، 202، 204

البسط، 237

البسل، 181

البشارة، 128

البشر، 32

البصر، 124، 130 ، 262، 264، 279

البطن، 335

البعث ،78، 97 ، 154، 166

بغتة، 126

البغي، 346، 349، 380

البقر، 344، ، 349 387

البكم، 108

البلاء، 382، 60

البنت، 258

البيان، 144، 150، 266

البيّنة، 146، 150، 191، 368

التبديل، 289

التحريم، 298، 336، 346، 349،352، 356، 358

التخمين، 292

التسبيح، 25

التسليم، 184، 379

التضرع، 115، 117، 162

التعجيل، 146، 148

التعليم، 266

التفرقة، 362، 372

التفصيل، 144، 250، 252، 286، 220، 314، 298

التفقه، 166، 252

التفوّق، 51

التقدير، 247

التقوی، 85، 130 ، 179، 187، 362، 366

التكذيب، 22، 35، 92

التكليف، 360

التلبس، 119

التمرد، 21

التنزيل، 231

التوبة، 141

التوحيد، 53، 268

التوديع، 252

التوراة، 231، 364

الثمر، 255

الجبر، 94

الجحد، 88

الجدل، 63 ، 302

الجراحة، 154

الجرم، 309، 351

الجزاء، 300، 333، 368

الجن، 258 ، 283، 317، 320،

الجنة، 338

الجهر، 19، 126، 231

الجهل، 141، 281

الجهنم، 181، 317

الحاوية، 349

الحت، 244، 255

الحبط، 224

الحجة البالغة 354

الححة، 215

الحجر، 333

الحرث ، 329، 333 ،

الحركة، 40

حرمة القتل، 358

الحرمة ، 298، 336، 346، 349، 352، 356، 358

الحزن، 88، 128

الحساب ،58 ، 137، 159، 179

الحسنة، 373

الحشر ، 58 ، 103 ، 130، 187، 281، 317

الحصاد، 338

الحفظ، 157، 264، 271

الحق، 22 ، 79، 146، 159، 170، 338 ،286 ،237 ،211 ،188

الحكم، 146، 159، 329

الحكمة، 51، 188، 215، 226، 317، 335

الحمد 122، 162، 164

حمد الله تعالی 13

الحمولة، 341

الحميم، 181

الحنيف، 206، 376

الحي، 244، 335

الحياة، 78 ، 237، 305، 378

الحيرة ، 184

حيوة الدنيا، 85، 181، 320

الخبير، 51، 188، 262

الخرص، 292، 352

خزائن الله، 130

الخسران ، 36، 55، 81، 336

الخضرة، 255

خطوات الشيطان، 341

الخطوة، 341

الخفاء، 76

الخفي، 231

الخفية، 162

خلق الإنسان، 13

الخلق، 188، 241، 260، 261

الخلود، 317

الخليفة، 382

الخنزير، 346

الخوض، 174

الخوف المحمود، 45

الخوف المذموم، 45

الخوف، 47 ، 128، 130، 208، 211،

الخير، 49

الدابة، 103،

الدابر، 122

دار السلام، 315

داود، 217

الدرجة، 215، 324

الدرس، 266

الدرك، 262

الدروس، 266

الدعاء، 111، 113، ،137، 145، 162، 184، 273

الدم، 346

الذكر، 119 ، 174، 179، 181، 208، ،314 ،302 ،298 ،296 ،229 ،343، 335،344، 360 ،333

الذنب، 23، 309

ذى ظفر، 349

الرب، 204

الرجس، 311، 346

الرجعة، 97 ، 154

الرجوع، 273، 380

الرحم، 343، 344

الرحمة، 23، 36 47، 141، 325، ،351،346، 364، 366، 368 ، 382

الردّ إلى الدنيا، 76

الرد، 159

الرزق، 336، 341، 358

الرسالة، 92 ، 115 ، 128، 309، 320

الرسل، 34 157

الرضاية، 285

الرطب، 150

الدنيا مزرعة الآخرة، 85

الدنيا، 78

الذرية، 217، 222، 325

الرمان، 255، 338

الرؤية، 81

الزخرف، 283

الزرع ، 338

الزعم، 241

زکریا، 219

الزوج، 335، 343

الزيتون، 255 ، 338

الزينة ، 273، 305، 331

الساعة، 81، 111

السب، 273

سبيل الله، 292

السبيل، 144، 294، 362

السحر، 26 ، 88

السر، 19

سریع العقاب، 382

السريع، 159

السفاهة، 336

السقوط، 150

السكون، 40، 247

السلام، 141

السلب، 124

السلطان، 211

سلوك الإنسان، 13

سلیمان، 217

السماء، 94، 255، 311

السماوات ،19، 36 42، 188، 195، 206، 260

السمع ، 63 ، 97 ، 124، 289

السميع، 40

السوء، 329

السير، 35

السيئة، 373

الشحم، 349

الشراب، 181

الشرك، 13، 42 ، 53، 58 ، 60، 113، 211 ،208 ،206 ،200 ،124،271 ،268 ،258 ،261 ،224،352 ،335 ،331 ،329 ،302، ،379 ،376،358،

الشعور، 307

الشفاعة، 130، 181، 241

الشكر ، 139، 162، 164

الشمس، 204، 247

الشهادة ، 53 ، 188، 344، 356

الشيطان، 117، 174، 184، 283، 302،

الشيع، 166

الصالح، 219

الصبر، 92

الصدف، 368

الصدق، 111 ، 234، 343، 349

صراط المستقیم، 108، 222، 314

الصراط المستقيم، 362، 376

الصراط، 314، 362، 376

الصفة، 25

الصلوة ، 187، 234، 378

الصم، 108

الصنم، 191

الضأن، 343

الضراء، 115

الضرر، 40، 184

الضلال، 62 ، 67 ، 108، 145، 241، 336 ،311 ،298 ،294 ،292

الضلالة العلم، 344

الضلالة، 191، 202

الضيق، 311

الطرد، 137

الطعم، 333

الطغيان، 23، 279

الطلوع، 202، 204 ،

الطير، 103

الطين، 17

ظاهر الإثم، 300

الظلم، 56، 88، 122، 126، 137 ،319 ،237 ،213 ،174، 148373 ،344، 368 ،327 ،322

الظلمة، 108، 150، 162، 250، 305

الظن، 292 ، 352

العاقبة، 35 327

العبد، 51، 157، 224

العبادة، 145، 261

العداة، 298

العدالة، 360

العداوة، 341

العدل، 13 ، 60، 181، 356

العذاب، 29 ، 45 ، 79، 111، 126، 309 ،237 ، 181، 166، 129

العذاب، 368

العرش، 338

العزة، 247

العشر، 373

العشي، 137

العصيان، 45

العطاء، 119

العظم، 349

العقل، 85، 130، 166، 358

العقوبة، 382

العلم، 154، 148 ،139 ،117 ،99 ،247 ،231 ،215 ،211 ،208 ،172

289، 273، 266، 260، 250، 315، 309، 305، 298، 294، 343، 336، 335، 327، 317، 352

العلوَّ، 258

العليم، 40

العمل، 224، 324، 327

العمى، 264 ، 279

العناد، 26

العنب، 255

عهد الله، 360

العود، 346

عیسی، 219

الغداوة، 137

الغرة، 181

الغرور، 283، 320

الغفران، 141، 346

الغفران، 382

الغفلة ،322، 324، 367

الغنم، 349

الغنى، 325

الغيب، 130، 150، 188

الفاحشة، 358

فالق الإصباح، 247

فالق الحبّ والنوى، 244

الفتنة، 60، 139

الفرح، 119

الفرش، 341

الفرصة، 29

الفساد، 60

الفسق، 129، 302، 346

الفصل، 146

الفطرة، 42، 206

الفعل، 372

الفقه، 63

الفوز، 47

الفكر، 130، 166

الفلاح، 56 ، 327

القتل، 331، 336، 358

القدر، 231

القدرة، 49 ، 99 ، 166

القرآن، 53 ، 103، 150، 234، 286، 366، 367، 368

القرطاس، 26، 231

القرن، 23

القرى، 322

القرية، 307

القساوة، 117

القسط، 360

القسم، 277

القصة، 146، 320

القضاء، 148، 154

القطع، 122، 241

القلب، 63 ، 117، 12، 279

القلة، 99

القمر، 202 ، 247

القهر، 51 ، 157

القوم، 170

القيامة، 45 ، 58، 81، 111

الكبر، 237

اللحم، 346

الكتاب، 26 ، 55، 103، 141، 150، 364 ،236 ،231 ،226 ، 366، 367، 368

الكثرة، 99

الكذب، 56 ، 62، 72، 76، 81، 88، ،146، 170، 344 ،129 ،111 ،108

351، 352، 356، 368

الكرب، 164

الكسب، 19، 300، 319، 380

الكشف، 113

الكفر، 26 ، 63، 76، 79، 181، 226، 320 ،305

كفران النعمة، 23

الكلام، 281

كلمات الله، 92، 289

الكلمة، 289

كن فيكون، 188

الكوكب، 199

الكيل، 360

اللباس، 166 ، 213 ، 32

اللباس، 331

اللطف، 262

اللعب، 85، 181، 231

لقاء الله، 81

اللقاء، 320، 364

اللهو، 85، 181

لوط، 220

الليل ،40، 154، 199، 247

الماء، 255

المال، 360

المجرم، 144، 307

المحاجة، 208

المحبة، 338

المحنة، 60

المذنب، 144

المرية، 286

المس، 49

المصاحب، 260

المعرفة، 55

المعز، 343

المفتاح، 150

المكان، 327

المكر، 307، 309،

الملائكة، 29، 32

ملة إبراهيم، 376

الملك، 130، 188، 237، 281، 370

المنّة، 139

المنزلة، 231

منظومة خلق الوجود، 13، 17،

الموت، 97 ، 154 ، 157، 237، 281، 378

موسی، 364، 231، 217

المولى، 159

الميت، 244، 335

الميتة، 305، 346

الميزان، 360

النار، 72، 317، 327

النبأ، 172

النبات، 255

النبوة، 226، 283

النحاة، 72، 162، 164،

النجم، 250

النخل، 255 ، 338

النزول، 99، 211 ، 237، 281، 286، 368

النسک، 378

النسيان 113، 119، 174

ملکوت، 195، 215

النصر، 92

النصيب، 329

النفاق، 94

النفخ، 188

النفس، 252

النفع، 184

النهار، 40، 154

النهي، 67، 145،76 ،

النور، 305

النوى، 244

هارون، 217

الهداية الجهل، 94

الهداية، 108 ، 145، 184، 202، 208، ،250 ،229 ،224 ،222 ،213 ،344، 349 ،336 ،311 ،294، 354، 364، 368، 376

الهلاك، 67، 126، 322، 23

الهواء، 184، 298

الهوى، 356

الوالدين، 358

الوجه، 206

الوحى، 268، 283، 302

الورز، 81

الورقة، 150

الوزر، 380

الوصاية، 344 ، 358، 360، 362

الوعدة، 326

الوعيد، 326

الوفاء، 360

الوقوف، 79

الوكالة ، 170، 261، 271،

الولاية، 130 ، 42 ، 181، 315، 319،

الولد، 260، 331، 336، 358

اليابس، 150

اليتيم، 360

يحيى، 219

اليسع، 220

يعقوب، 217

اليقين، 195

اليمين، 277

يوسف، 217

يوم القيامة، 36

یونس، 220

فهرس المحتويات

مقدمة في تعريف سورة الأنعام ... 7

فضل ومزايا قراءة السورة. ... 7

آثار وبركات تلاوة وختم سورة الأنعام ... 8

تاريخ نزول سورة الأنعام: ... 10

الآية 1 ... 13

النّقاط المستفادة من هذه الآية: :«حمد الله تعالى منظومة خلق الوجود، خلق الإنسان، العدل الكفر ، سلوك الإنسان النور، الظلمة، الشرك» ... 13

الآية 2 ... 17

النقاط المستفادة من هذه الآية: خلق الإنسان الطين التراب أجل مسمّى، الأجل» ... 17

الآية 3 ... 19

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الألوهية، السر، الجهر، السماوات، الأرض، الكسب» ... 19

الآية 4 ... 21

النقاط المستفادة من هذه الآية: «التمرّد، الإعراض، آيات الله» ... 21

الآية 5 ... 22

النقاط المستفادة من هذه الآية: «التكذيب الحق، الإستهزاء، الخسران» ... 22

الآية 6 ... 23

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الهلاكة، الأقوام الغابرة، الطغيان، القرن، الرحمة كفران النعمة، الذنب» ... 23

الآية 7 ... 26

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السحر، الكفر، الكتاب، القرطاس، العناد، الإعجاز» ... 26

الآية 8 ... 29

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الملائكة، الامر ، الفرصة أسباب الكفر،العذاب» ... 29

الآية 9 ... 32

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الملائكة، البشر، اللباس» ... 32

الآية 10 ... 34

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الإستهزاء، الرسل» ... 34

الآية 11 ... 35

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السير، الأرض، التكذيب، العاقبة» ... 35

الآية 12 ... 36

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السماوات، الأرض، الرحمة، الخسران، يوم القيامة، الإيمان» ... 36

الآية 13 ... 40

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السكون، الحركة، الليل، النهار، السميع، العليم» ... 40

الآية 14 ... 42

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الولاية، الشرك، السماوات، الأرض، الفطرة، الإطعام، الإسلام، الشرك» ... 42

الآية 15 ... 45

النقاط المستفادة

من هذه الآية: «العصيان، العذاب، القيامة، الخوف المذموم، الخوف المحمود» ... 45

الآية 16 ... 47

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الرحمة، الفوز، الخوفة» ... 47

الآية 17 ... 49

النقاط المستفادة من هذه الآية: «المس، الضرر، الخير، القدرة» ... 49

الآية 18 ... 51

النقاط المستفادة من هذه الآية: «القهر ،التفوّق، العبد، الحكمة، الخبير» ... 51

الآية 19 ...53

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الشهادة، القرآن، الإنذار، آلهة، التوحيد، الشرك» ... 53

الآية 20 ... 55

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكتاب، الخسران، الإيمان، المعرفة، البداهة» ... 55

الآية 21 ... 56

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الظلم، الإفتراء، الكذب، الفلاح» ... 56

الآية 22 ... 58

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحشر، القيامة الشرك، الحساب» ... 58

الآية 23 ... 60

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الفتنة، الاختبار، المحنة، البلاء، الفساد، الشرك، العدل» ... 60

الآية 24 ... 62

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكذب، الضلال، الإفتراء» ... 62

الآية 25 ... 63

شأن نزول الآية: ... 63

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السمع، القلب، الفقه، الأكنة، الجدال، الكفر، اساطير، الأولين» .... 63

الآية 26 ... 67

شأن نزول الآية: ... 67

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النهى، الهلاك، الضلالة» ... 67

الآية 27 ... 72

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النار، الكذب، الآية، الإيمان، النجاة» ... 72

الآية 28 ... 76

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الخفاء، النهى، الكذب، الردّ إلى الدنيا، الكفر» ... 76

الآية 29 ... 78

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحياة، الدنيا، البعث» ... 78

الآية 30 ... 79

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحق، العذاب، الكفر، الوقوف» ... 79

الآية 31 ... 81

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكذب، لقاء الله، الساعة، القيامة، الإفراط، الوزر، الإثم، الخسارة، الرؤية» ... 81

الآية 32 ... 85

النقاط المستفادة من هذه الآية: «حيوة الدنيا، اللهو، اللعب، الآخرة، التقوى، العقل، الدنيا مزرعة الآخرة» ... 85

الآية 33 ... 88

شأن نزول هذه الآية: ... 88

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحزن، الكذب، الظلم، الجحد، آيات الله، الإتهام، الإعجاز، السحر» ... 88

الآية 34 ... 92

النقاط المستفادة من هذه الآية: «التكذيب، الصبر، الرسالة، النصر، الأذى، كلمات الله» ... 92

الآية 35 ... 94

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النفاق، السماء، الأرض، الآية، الهداية الجهل، الجبر، الإختيار» ... 94

الآية 36 ... 97

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الإستجابة، السمع، الموت، البعث، الرجعة» ... 97

الآية 37 ... 99

النقاط المستفادة من هذه الآية: «القدرة ، النزول، العلم، الكثرة، القلة، الآية، الإعجاز» ... 99

الآية 38 ... 103

النقاط المستفادة من هذه الآية «الدابة، الأرض، الطير، الأمة، الافراط، الكتاب، الحشر، القرآن» ... 103

الآية 39 ... 108

شأن نزول الآية: ... 108

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكذب، الآية، الصم، البكم، الظلمة، الضلال، الهداية، صراط المستقيم» ... 108

الآية 40 ... 111

النقاط المستفادة من هذه الآية: «العذاب، الساعة، القيامة، الصدق، الكذب، الدعاء، الإله» ... 111

الآية 41 ... 113

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الدعاء، الكشف، النسيان، الشرك» ... 113

الآية 42 ... 115

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الرسالة، البأساء، الضراء، التضرع، الضراء، التضرع» ... 115

الآية 43 ... 117

النقاط المستفادة من هذه الآية: «البأساء، التضرع، القلب، القساوة، الشيطان، العلم» ... 117

الآية 44 ... 119

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النسيان، الذكر، الباب، الفرح، الاخذ، التلبس، العطاء» ... 119

الآية 45 ... 122

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الدابر، الحمد، الظلم، القطع» ... 122

الآية 46 ... 124

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السمع، البصر، القلب، الإله، الآية، السلب، الشرك» ... 124

الآية 47 ... 126

النقاط المستفادة من هذه الآية: «العذاب ، الهلاك، الظلم، الجهر، الظلم، بغتة» ... 126

الآية 48 ... 128

النقاط المستفادة من هذه الآية: «البشارة، الإنذار ، الخوف، الحزن، الرسالة، الإيمان، الإصلاح» ... 128

الآية 49 ... 129

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكذب، الآية، العذاب، الفسق» ... 129

الآية 50 ... 130

النقاط المستفادة من هذه الآية: «خزائن الله، الغيب، الملک، الاعمى، البصير، الفكر، العقل، الغيب» ... 130

الآية 51 ... 133

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الإنذار، الخوف، الحشر، الولاية، الشفاعة، التقوى، الخشية» ... 133

الآية 52 ... 136

شأن نزول الآية: ... 136

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الطرد، الدعاء، العشي، الغداوة، الحساب، الظلم» ... 137

الآية 53 ... 139

من النقاط المستفادة هذه الآية: «الفتنة، العلم، الشكر، المنّة» ... 139

الآية 54 ... 141

شأن النزول: ... 141

النقاط المستفادة

من هذه الآية: «الإيمان، الآية، السلام، الكتاب، الرحمة، الجهل، التوبة، الإصلاح، الغفران» ... 141

الآية 55 ... 144

النقاط المستفادة من هذه الآية: «التفصيل، الآية، البيان، المجرم، السبيل، المذنب» ... 144

الآية 56 ... 145

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النهي، العبادة، الدعاء، إتباع الهوى، الضلال، الهداية» ... 145

الآية 57 ... 146

شأن النزول: ... 146

النقاط المستفادة

من هذه الآية: «البينة، الكذب، التعجيل، الحكم، القصة، الحق، الفصل» ... 146

الآية 58 ... 148

النقاط المستفادة من هذه الآية: «التعجيل، القضاء، الظلم، العلم، الأجل» ... 148

الآية 59 ... 150

النقاط المستفادة من هذه الآية: «المفتاح، الغيب، البر، البحر، الورقة، السقوط، الحبة، الظلمة، الأرض، الرطب، اليابس، الكتاب، القرآن، البيان، البینة» ... 150

الآية 60 ... 154

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الموت، الليل، الجراحة، النهار، البعث، القضاء، الأجل، الرجعة، الإنباء، العلم» ... 154

الآية 61 ... 157

النقاط المستفادة من هذه الآية: «القهر، العباد، الحفظ، الموت، الرسل، الإفراط» ... 157

الآية 62 ... 159

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الردّ، المولى، الحق، الحكم، السريع، الحساب» ... 159

الآية 63 ... 162

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النجاة، الظلمة، البر، البحر، الدعاء، التضرع، الخفية، الشكر، الحمد» ... 162

الآية 64 ... 164

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النجاة، الكرب، الشكر، الحمد» ... 164

الآية 65 ... 166

النقاط المستفادة من هذه الآية: «القدرة، البعث، العذاب، اللباس، البأس، الآية، التفقه، الفكر، العقل، الشيع» ... 166

الآية 66 ... 170

النقاط المستفادة من هذه الآية« «الكذب، القوم، الحق، الوكالة» ... 170

الآية 67 ... 172

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النبأ، الاستقرار، العلم» ... 172

الآية 68 ... 174

شأن النزول: ... 174

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الخوض ، الآية، النسيان، الشيطان، الذكر، الظلم، الإعراض» ... 174

الآية 69 ..... 179

شأن النزول: ... 179

النقاط المستفادة من هذه الآية: «التقوى، الحساب، الذكر» ... 179

الآية 70 ... 181

النقاط المستفادة من هذه الآية: «اللعب، اللهو، الغرة، حيوة الدنيا، الذكر، الولاية، الشفاعة، العدل، البسل، الشراب، الحميم، جهنم، العذاب، الكفر» ... 181

الآية 71 ... 184

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الدعاء، النفع، الضرر، الاعقاب، الهداية، الشيطان، الهواء، الارض، الحيرة، التسليم» ... 184

الآية 72 ... 187

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الصلوة، التقوى، الحشر» ... 187

الآية 73 ... 188

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السماوات، الارض، الخلق، الحق، كن فيكون، الملك، النفخ، الصور، الغيب، الشهادة، الحكمة، الخبير» ... 188

الآية 74 ... 191

النقاط المستفادة من هذه الآية: «إبراهيم، آزر، الصنم، الإله، الضلالة، البينة» ... 191

الآية 75 ... 195

النقاط المستفادة من هذه الآية: «إبراهيم، ملكوت، السماوات، الأرض، اليقين» ... 195

الآية 76 ... 199

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الليل، الكوكب، الافل» ... 199

الآية 77 ... 202

النقاط المستفادة من هذه الآية: «القمر، الافل، الهداية، الضلالة، البزوغ، الطلوع» ... 202

الآية 78 ... 204

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الشمس، الرب، الافل، الشرك، البرائة، البزوغ، الطلوع» ... 204

الآية 79 ... 206

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الوجه، الفطرة، السماوات، الأرض، الحنيف، الشرك» ... 206

الآية 80 ... 208

النقاط المستفادة من هذه الآية: «المحاجة، الهداية، الخوف، الشرك، العلم، الذكر» ... 208

الآية 81 ... 211

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الخوف، الشرك، النزول، السلطان، الحق، العلم» ... 211

الآية 82 ... 213

النقاط المستفادة من هذه الآية: «اللباس، الإيمان، الظلم، الهداية» ... 213

الآية 83 ... 215

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحجة، إبراهيم، الدرجة، الحكمة، العلم، الرؤية، الملكوت» ... 215

الآية 84 ... 217

النقاط المستفادة من هذه الآية: «إسحق، يعقوب، الأولاد، الذرية، داود، سليمان، أيوب، يوسف، موسى، هارون، الإحسان» ... 217

الآية 85 ... 219

النقاط المستفادة من هذه الآية: «زكريا، يحيى، عيسى، إلياس، الصالح» ... 219

الآية 86 ... 220

النقاط المستفادة من هذه الآية: «إسماعيل، اليسع، يونس، لوط، التفضيل ، العالم» ... 220

الآية 87 ... 222

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الآباء، الذرية، الإخوان، الهداية، الصراط المستقيم» ... 222

الآية 88 ... 224

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الهداية، العباد، الشرك، الحبط، العمل» ... 224

الآية 89 ... 226

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكتاب، الحكمة، النبوة، الكفر» ... 226

الآية 90 ... 229

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الهداية، الإقتداء، الأجر، الذكر» ... 229

الآية 91 ... 231

شأن النزول: ... 231

النقاط المستفادة من هذه الآية: «القدر، المنزلة، التنزيل، الكتاب، التوراة، موسى، قرطاس، الجهر، الخفي، العلم، اللعب» ... 231

الآية 92 ... 234

النقاط المستفادة من هذه الآية: « الكتاب، القرآن، البركة، الصدق، الإنذار،أم القرى، الصلوة» ... 234

الآية 93 ... 237

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الظلم، الإفتراء، النزول، الموت، الملک، الحياة، البسط، الأيدى، العذاب، الحق، الآية، الكبر» ... 237

الآية 94 ... 241

شأن النزول: ...

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الخلق ، الشفاعة، الشرك، الضلال، الزعم ، القطع» ... 241

الآية 95 ... 244

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحب، فالق الحب و النوى، النوى ، الميت، الحى، الإفك» ... 244

الآية 96 ... 247

النقاط المستفادة من هذه الآية: «فالق الإصباح، الليل، السكونة، الشمس، القمر، التقدير، العزة، العلم» ... 247

الآية 97 ... 250

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النجم ، الهداية، الظلمة، البرّ، البحر، الآية، التفصيل، العلم» ... 250

الآية 98 ... 252

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الإنشاء، النفس، الاستقرار، التوديع، التفصيل، الآية، التفقه» ... 252

الآية 99 ... 255

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السماء ، الماء، النبات، الخضرة، الحب، النخل، العنب، الزيتون، الرمان، الثمر، الآية، الإيمان» ... 255

الآية 100 ... 258

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الشرك، الجن، الإبن، البنت، الصفة، التسبيح، العلو» ... 258

الآية 101 ... 260

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السماوات، الارض، الولد، المصاحب ، الخلق، العلم، الأشياء» ... 260

الآية 102 ... 261

النقاط المستفادة من الآية «الخلق، العبادة، الوكالة» ... 261

الآية 103 ... 262

النقاط المستفادة من هذه الآية: «البصر، الدرك، اللطف، الخبير» ... 262

الآية 104 ... 264

النقاط المستفادة من هذه الآية: «البصيرة، العمى، الحفظ» ... 264

الآية 105 ... 266

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الآية، البيان، العلم، الدروس، اندثار،

الدرس، التعليم» ... 266

الآية 106 ... 268

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الأتباع، الوحى، التوحيد، الشرك، الإعراض» ... 268

الآية 107 ... 271

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الشرك ، الحفظ، الوكالة» ... 271

الآية 108 ... 273

النقاط المستفادة من هذه الآية: «السبّ، الدعاء، العلم، الزينة، الرجوع، الإنباء» ... 273

الآية 109 ... 276

شأن النزول: ... 276

النقاط المستفادة من هذه الآية: «القسم، اليمين، الآية، الإيمان، الجهد» ... 277

الآية 110 ... 279

النقاط المستفادة

من هذه الآية: «القلب، الأفئدة، البصر، الإيمان، الإنذار، الطغيان، العمى» ... 279

الآية 111 ... 281

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النزول، الملك، الكلام، الموت، الحشر، الإيمان، الجهل» ... 281

الآية 112 ... 283

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النبوة، الشيطان، الإنس، الجن، الوحى، الزخرف، الغرور، الإفتراء» ... 293

الآية 113 ... 285

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الإصغاء، الأفئدة، الإيمان، الآخرة، الرضاية، الإقتراف» ... 285

الآية 114 ... 286

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكتاب، القرآن، التفصيل، النزول، الحق، المرية» ... 286

الآيات 115 ... 289

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكلمة، التبديل، السمع، العلم، كلمات الله» ... 289

الآية 116 ... 292

شأن نزول الآية: ... 292

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الإطاعة، الضلال، الأرض، سبيل الله، الإتباع، الظن، الخرص، التخمين» ... 292

الآية 117 ... 294

النقاط المستفادة من هذه الآية: «العلم، الضلال، السبيل، العلم، الهداية» ... 294

الآية 118 ... 296

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الأكل، الذكر، إسم الله، الآية، الإيمان» ... 296

الآية 119 ... 298

شأن النزول: ... 298

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الذكر، الأكل، إسم الله، التفصيل، التحريم، الحرمة، الإضطرار، الضلال، الهوى، العلم، العداة» ... 298

الآية 120 ... 300

من هذه الآية: «الإثم، باطن الإثم، ظاهر الإثم، الكسب، الجزاء، الإقتراف» ... 300

الآية 121 ... 302

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الأكل، الذكر، إسم الله، الشيطان، الفسق،

الوحى، الجدل، الإطاعة، الشرك» ... 302

الآية 122 ... 304

شأن النزول: ...

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الميتة، الحياة، النور، الظلمة، الزينة، الكفر، العلم» ... 305

الآية 123 ... 307

النقاط المستفادة من هذه الآية: «القرية، المجرم، المكر، الشعور» ... 307

الآية 124 ... 309

شأن النزول: ... 309

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الآية، الإيمان، الرسالة، العلم، الإصابة، الجرم، الذنب، العذاب، المكر» ... 309

الآية 125 ... 311

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الهداية ، الإسلام، الضلال، الضيق، السماء، الرجس، الإيمان» ... 311

الآية 126 ... 314

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الصراط، الصراط المستقيم، التفصيل، الآية، الذكر» ... 314

الآية 127 ... 315

النقاط المستفادة من هذه الآية: «دارالسلام، الولاية، العلم» ... 315

الآية 128 ... 317

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الجن، الحشر، الإنس، الأجل، النار، الخلود، الجهنم، الحكمة، العلم» ... 317

الآية 129 ... 319

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الولاية، الظلم، الكسب» ... 319

الآية 130 ... 320

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الجن، الإنس، الرسالة، القصة، الآية، الإنذار، اللقاء، الغرور، حياة الدنيا، الكفر» ... 320

الآية 131 ... 322

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الهلاك، القرى، الظلم، الغفلة» ... 322

الآية 132 ... 324

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الدرجة ، العمل الغفلة» ... 324

الآية 133 ... 325

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الغنى، الرحمة، الإستخلاف، الذرية» ... 325

الآية 134 ... 326

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الوعدة، الإعجاز، الوعيد» .... 326

الآية 135.... 327

النقاط المستفاد من هذه الآية: «المكان، العمل، العلم، العاقبة، النار، الفلاح، الظلم» ... 327

الآية 136 .... 329

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحرث، الأنعام، النصيب، الشرك، الحكم، السوء» ... 329

الآية 137 ... 31

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الزينة، الشرك، القتل، الولد، اللباس، الإفتراء» ... 331

الآية 138 ... 333

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الأنعام، الحرث، الحجر، الطعم، إسم الله، الذكر، الإفتراء، الجزاء» ... 333

الآية 139 ... 335

النقاط المستفادة من هذه الآية: «البطن، الانعام، الذكر، الأنثى، الزوج، الميت، الحى، الشرك، الحكمة، العلم» ... 335

الآية 140 ... 336

شأن النزول: ... 336

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الخسران، القتل، الولد، السفاهة، العلم، الحرمة، التحريم، الرزق، الإفتراء، الضلال، الهداية» ... 336

الآية 141 ... 338

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الجنة، العرش النخل، الزرع، الزيتون، الرمان، الحق، الحصاد، الإسراف، المحبة» ... 338

الآية 142 ... 341

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الأنعام، الحمولة ، الفرش الأكل، الرزق،خطوات الشيطان، الخطوة، العداوة» ... 341

الآية 143 ... 343

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الزوج، الضأن، المعز، الذكر، الأنثى، الرحم، العلم، الصدق» ... 343

الآية 144 ... 344

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الإبل، البقر، الذكر، الأنثى، الرحم، الشهادة، الوصاية، الظلم، الإفتراء، الكذب، الضلالة، العلم، الهداية»... 344

الآية 145 ... 346

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحرمة، التحريم، الميتة، الدم، اللحم، الخنزير، الرجس، الفسق، الإضطرار، البغى، العود، الغفران، الرحمة» ... 346

الآية 146 ... 349

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الهداية، التحريم، الحرمة، ذى ظفر، البقر، الغنم، الشحم، العظم، البغى، الصدق، الحاوية» ... 349

الآية 147 ... 351

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكذب، الرحمة ، البأس، الجرم» ... 351

الآية 148 ... 352

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الشرك، الآباء، التحريم، الحرمة، الكذب، البأس، العلم، الظن، الخرص» ... 352

الآية 149 ... 354

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحجة، البالغة، الهداية» ... 354

الآية 150 ... 356

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الشهادة، التحريم، الحرمة ، الكذب، الإتباع، الهوى، الآية، الآخرة، العدل» ... 356

الآية 151 ... 358

النقاط المستفادة من هذه الآية: «التحريم، الحرمة، الشرك، الوالد، الوالدة، الوالدين، الإحسان، القتل، الولد، الإملاق، الرزق، الفاحشة، التحريم، الحرمة القتل، الوصية، العقل» ... 358

الآية 152 ... 360

النقاط المستفادة من هذه الآية: «اليتيم، المال، الكيل، الوفاء، الميزان، القسط، التكليف، العدالة، عهد الله، الوصية، الذكر» ... 360

الآية 153 ... 362

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الصراط، الصراط المستقيم، السبيل ، التفرقة، الوصية، التقوى» ... 362

الآية 154 ... 364

النقاط المستفادة من هذه الآية: «موسى، الكتاب، التوراة، الهداية، الرحمة، الإيمان، اللقاء» ... 364

الآية 155 ... 366

النقاط المستفادة

من هذه الآية: «الكتاب، القرآن، البركة، الإتباع، التقوى، الرحمة» ... 366

الآية 156 ... 367

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الكتاب، القرآن، الغفلة» ... 367

الآية 157 ... 368

النقاط المستفادة من هذه الآية: «النزول، الكتاب، القرآن، الهداية، البينة، الرحمة، الظلم، الكذب، آيات الله، الآية، الجزاء، الصدف، العذاب» ... 368

الآية 158 ... 370

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الملك، الآية، الإيمان، الإنتظار» ... 370

الآية 159 ... 372

النقاط المستفادة من هذه الآية: «التفرقة، الإنباء، الفعل» ... 372

الآية 160 ... 373

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الحسنة، العشر، السيئة، الظلم» ... 373

الآية 161 ... 376

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الهداية، الصراط، الصراط المستقيم، إبراهيم، ملة إبراهيم، الحنيف، الشرك» ... 376

الآية 162 ... 378

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الصلوة، النسك، الحياة، الموت» ... 378

الآية 163 ... 379

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الشرك، الإسلام، التسليم» ... 379

الآية 164 ... 380

النقاط المستفادة من هذه الآية: «البغي، الكسب، الوزر، الرجوع، الإنباء، الإختلاف» ... 380

الآية 165 ... 382

النقاط المستفادة من هذه الآية: «الخليفة، الأرض، البلاء، الإبتلاء، سريع العقاب، العقوبة، الغفران، الرحمة» ... 382

الموضوعات ... 385

فهرس المحتويات ... 397