ghaemiyeh.com
سرشناسه :الخادمي (الصدر)، السید محمدمهدي الخادمي، 1341-
عنوان و نام پدیدآور :النور المبین في تفسیر للقرآن الکریم/ تألیف السید محمدمهدي الخادمي (الصدر).
الناشر :قم : موسسة انصاریان للطباعة والنشر، 1441ق.= 1398.
خصائص المظهر :3ج.
ISBN :دوره:978-964-219-638-8 ؛ ج.1:978-964-219-637-1 ؛ ج.2: 978-964-219-639-5 ؛ ج.3: 978-964-219-640-1
حالة الإدراج:فیپا
لسان :العربية.
موضوع :تفاسیر شیعه -- قرن 14
موضوع :Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 20th century
تصنيف الكونجرس:BP98
تصنيف ديوي:297/179
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5897590
النور المبين في تفسير القرآن الكريم
تَفْسِيرُ سورة الفاتحة
تَفسِيرُ سُورَة الْبَقرة الْمُبَارَكَة
تأليف
السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)
المجلد الأول
محرر الرقمي: محسن حقاني فر
صدر خادمی، سید محمد مهدی -.
1341 النور المبين فى تفسير للقرآن الكريم تأليف السيد محمد مهدی صدر الخادمی.
قم: مؤسسه انصاريان للطباعة والنشر، 1441ق.1398
3 جلد.
ISBN: 978-964-219-637-1 (vol. 1)/978-964-219-639-5 (vol. 2)
978-964-219-640-1 (vol. 3)/978-964-219-638-8 (set)
Qur'an - Shiite hermeneutics - Y
عربی
1 - تفاسیر شیعه - قرن 14
BP98
297/179
شماره کتابشناسی ملی 5897590
النور المبين في تفسير القرآن الكريم
تفسير سورة الفاتحة، تفسير سورة البقرة المباركة
(المجلد الاول)
تأليف: السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)
الناشر: مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر
الطبعة الأولي 1400 - 1443 - 2021
المطبعة: نگین
الكمية: 500 نسخة
عدد الصفحات: 812 ص.
حجم الغلاف: كبير
رقم الإيداع الدولي: 1-637-19-964-978
رقم الإيداع للدوره: 8-638-219-964-978
(تم تمويل الطباعة من ثلث المرحوم الحاج حمزه محمد علي السلمان )
مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر
جمهورية ايران الإسلامية
قم - شارع الشهداء - فرع 22 – ص . ب 187
هاتف: 37741744 (25) (98) فاكس: 37742647
البريد الالكترونى : Int ansarian@yahoo.com
www.ansariyan.ir
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1- سورة الحمد هي السورة القرآنية الوحيدة التي يجب على كل مسلم أن يقرأها في اليوم عشر مرات في صلاته الليلية والنهارية ، وما لم يقرأها متعمداً بطلت صلاته «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»(1). تأملات معاصرة في القرآن الحكيم.
2- روى جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله أنه قال: «ألا أعلمك أفضل سورة أنزلها الله في كتابه؟» فقال له جابر: بلى بأبي أنت وأمي يارسول الله علّمنيها، فعلمه الحمد أُمَّ الكتاب.(2)
3- روي عن ابن عبّاس: «إنّ لكلّ شيء أساساً، وأساس القرآن الفاتحة». (3)
4- روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: « لو قرئت الحمد على ميّت سبعين مرّة ثمّ ردّت فيه الروح ما كان ذلك عجبا».(4)
5- من تسمية هذه السورة بفاتحة الكتاب من قبل النبي صلى الله عليه وآله(5)يعلم أنه وبأمره وفي حياته الشريفة قد جعلت في أوّل القرآن.
6 - أنّ سورة الحمد - كما هو القرآن - شفاء من كل داء.(1)
7 - أن آيات سورة الحمد إشارات إلى الأمور التالية:
ألف: معرفة توحيد الله تعالى وصفاته (التوحيد).
باء: رحمة الله تبارك وتعالى (العدل).
ج: مسألة المعاد والبعث ومالكية الله المتعال (المعاد).
و :السير في طريق الحق وقبول الحاكمية المطلقة ومقام الربوبية والنعم اللامتناهية الله المتعال، وهي تنقسم إلى قسمين: (الرحمانية والرحيمية).
ه- : مسألة العبوديّة والدعاء بالاهتداء إلى الصراط المستقيم والبراءة والانزجار عن صراط المغضوب عليهم والضالين، وهم أهل الباطل.
8 - في هذه السورة فرق واضح عن بقية السور القرآنية من حيث اللحن والإيقاع، لأن باقي السور وآياتها تنطق عن الله تعالى، أما هذه السورة فكأنّها تجري على لسان العباد، وهي بمثابة نوع مناجاة، وتبين كيفية التحدث مع الله سبحانه.
9 - تُعدُّ هذه السورة انعكاساً للعلاقة القريبة والمجرّدة الواضحة بين الله والإنسان والخالق والمخلوق، حيث يراه وحده ويتحدث إليه ويستمع نداءه بكل رحابة، إذ لا ملك مقرب ولا واسطة في البين.
10- سورة الحمد هدية الله المتعال لرسوله صلى الله عليه وآله. يقول سبحانه في سورة الحجر؛ الآية (87) : (لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم.
11- قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب ، أُعطي من الأجر
1) مجمع البیان، ج 1، ص 87
كأنما قرأ ثلثي القرآن، وأعطي من الأجر كأنما تصدق على كلّ مؤمن ومؤمنة»(1).
1 - استعمال عبارة «ثلثي «القرآن» يمكن أن يكون بداعي أن قسماً من القرآن متوجّه إلى الله، وقسماً إلى البعث، وقسماً آخر إلى الأحكام والتعاليم وأنّ القسم الأول والثاني متوفّر في سورة الحمد.
13 - أن توصف سورة الحمد بأنها كل القرآن فلأجل أن جميع القرآن يوجز بالإيمان والعمل الصالح، والاثنان معاً جرى الحديث عنهما في سورة الحمد.
1) جامع الأخبار، ص 43.
الآية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
1- جرت العادة بين الشعوب بأن يبدأوا أي عمل ذو قيمة عالية باسم عظيم من العظماء، ويضرب حجر الأساس لأي مؤسسة راقية باسم شخصية جذابة ومحبوبة لدى أصحابها، أي أنهم يربطون انطلاقتهم بعملهم ذلك باسم تلك الشخصية، ولكن أليس من الأفضل إذا ما أُريد لبرنامج أو مشروع ما أن يرسخ ويخلد ربطه أيضاً بموجود راسخ وخالد لا سبيل للفناء والزوال إليه، لأن كل ما في هذا العالم من موجودات سائرة في نهاية المطاف نحو الزوال والاضمحلال، والشيء الوحيد الذي يبقى هو ما يرتبط باستمرار ودون انقطاع بذلك الخالق.
2- الأبدي والأزلي الوحيد من بين كلّ ما في الوجود هو فقط ذات الله المنزهة، ولذا فيجب أن يبدأ أي شيء وأي عمل باسمه، وأن يكون في ظله، مستمداً منه وجوده، ففي الآية الأولى من القرآن الكريم نقول (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
3- لا يجب أن ينحصر البدء باسم الله تعالى بالذكر والشكل الظاهري فحسب، بل يجب أن يلتحم به من حيث الواقع أيضاً، وذلك لأن هذا الارتباط والالتحام الحقيقي لأي عمل بالله المتعال يوجهه نحو المسار السليم ويمنع عنه أي انحراف، فيكون للعمل بذلك أن يصل إلى ختامه مكللاً بالبركات.
4- إذا كان ذكر الأنبياء ما زال قائماً حتى اليوم فذلك لأنهم ارتبطوا بالله والعدالة والحقيقة مما لا يمكن أن تبلى وإن كان اسم حاتم ما زال يتردد على الألسن والأمثال فذلك لارتباطه بصفة الجود التي لا تزول (كل شيء هالك إلا وجهه) سورة القصص / 88.
5- عند ربط أعمالنا منذ البدء باسم الله يتكشف سر آخر من أسرار النصر، حيث أن الانطلاق بالاتكاء إلى قوة الله الذي تستمد كل القدرات قوتها منه، بل وتسلّم إرادتها كأسيرة لديه، فقدرته فوق كل القدرات، وهكذا يصبح الشروع باسمه المبارك سبباً لاستشعارنا نقاء وخلوص نيتنا مما يعكس فينا قدرة وقوة نفسية وروحية أكبر، لنتحرك بطمأنينة أكثر ، ونسعى دون الخوف من عظمة وضخامة المشكلات ولا يتسرب اليأس إلى نفوسنا.
6- يكفينا في فضل البدء باسم الله في مطلع أي عمل الإشارة إلى أسلوب الأنبياء والأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) والأولياء في ذلك.
حيث نرى بأن الله تعالى يدعو نبيه في الآيات الأولى من نزول الوحي للبدء بتبليغ الرسالة، هذه المهمة الخطيرة، بقوله ( اقرأ باسم ربك).(1)
وفي حديث معروف للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم )ورد: كل امرء ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو أبتر(2)، ويضيف أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بعد نقله لهذا الحديث بأن على الانسان أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم قبل أن يبدأ بأي عمل يريد إنجازه، وأي عمل يبدأ باسمه تعالى هو مبارك وراسخ(3)، وأيضا عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه يفضل عند البدء بأي عمل كبيراً كان أو صغيراً أن يبدأ بسم الله لتحل فيه البركة واليمن.(4)
كما نرى كيف أن نبي الله نوح (عليه السلام) عندما ركب السفينة في ذلك الطوفان المهيب وفوق تلك الأمواج العاتية، والأخطار الجمة المهددة لهم في كل لحظة، أمر أصحابه بقول بسم الله عند الانطلاق وعند التوقف من أجل بلوغ مقصدهم والتغلب على الصعاب (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرسيها) سورة هود / 41.
وبالفعل فقد طوى المؤمنون هذا السفر بكل مخاطره، فوصلوا سالمين وحطوا ببركة كما يروي القرآن الكريم:( قيل اهبطوا بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك )سورة هود / 48.
وكذلك نبي الله سليمان ( عليه السلام) في كتابه إلى ملكة سبأ يبتدئ ببسم الله (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) سورة النحل /30.
وعلى هذا المبدأ فإن كل سور القرآن تبدأ ببسم الله، نحو تحقيق هدفها المنشود في هداية البشرية وسوقها إلى السعادة، منذ البداية وحتى ارتقاء الهدف بالتوفيق والنصر بعيداً عن أي انكسار.
السورة الوحيدة التي لا تبدأ ببسم الله هي سورة التوبة، والسبب في ذلك يعود إلى أنها تشير في بدايتها إلى إعلان الحرب على المعتدين في مكة المكرمة ناكثي العهود، وعليه فإن إعلان الحرب يتنافى ووصفه تعالى بالرحمن والرحيم.
7-يمكن هنا لسؤال أن يطرح نفسه وهو : لماذا نقول في كل مكان وموقع بسم الله ولا نقول بسم الرزاق أو بسم الخالق وما شابه ذلك؟!
والجواب هو أن لفظ الله أشمل أسمائه تعالى بحيث يحتوي على كل صفاته في آن معاً، أما سائر الأسماء فتشير إلى جزء من كمالاته من مثيل الخالقية والرحمة أو ما شابه .
8-الله هو أشمل أسمائه تعالى، ومن خلال التدقيق في أسمائه الواردة بالقرآن المجيد أو سائر المصادر الإسلامية يتبين لنا بأن كل اسم من أسمائه الباقية هو انعكاس وتعريف بجانب من صفاته فقط : كالغفور الرحيم التي تشير إلى جانب غفران الله (فإن الله غفور رحيم) سورة البقرة الآية 226، أو صفة البصير التي تشير إلى جانب علمه (والله بصير بما تعملون) سورة الحجرات 18 ، أو كلمة الرزاق التي تبين جانب منحه الرزق لكل الموجودات، وذو القدرة لقدرته، والمتين التي تشير إلى استقامة أفعاله ومشيئاته (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) سورة الذاريات الآية 58 . والخالق والبارئ المشير إلى قدرة الخلق والتصوير ( هو الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى) سورة الحشر الآية 24 ، وفي الختام نلاحظ أن العديد من أسماء الله وصفاته وردت في آية واحدة لإعطاء معرفة أوضح للمتلقي عن ماهية الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر.
9- أحد الشواهد الدالة على جامعية اسم الله هو في أن كلا من الاسلام والإيمان والتوحيد مجموعة في عبارة واحدة هي لا إله إلا الله، وأما عبارة لا إله إلا العليم، ولا إله إلا الرزاق، ولا إله إلا الخالق ومثيلها لا تدل بنفسها على الإسلام والتوحيد، ولذلك نرى أن سائر الأديان لدى إشارتهم إلى معبود المسلمين يستخدمون اسم الله، لأن اطلاق هذا الاسم (الله) هو أمر خاص بالمسلمين.
10- سؤال: لماذا يتم الاستناد بعد لفظ الله في البسملة على صفتين هما الرحمن والرحيم ولا تُستخدم ألفاظ أو صفاته الأخرى؟!
والجواب جليّ وواضح بأنه في بداية أي عمل يجب أن نستمد الالهام من تلك الصفات التي عمت بأثرها كل الوجود بما فيه من كائنات وأنجدت كل محتاج وملتمس.
والقرآن الكريم يوضح هذه الحقيقة بقوله تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء) سورة الأعراف الآية 156 ، وفي موضع آخر نقرأ ما جاء على لسان حملة العرش ( ربنا وسعت كل شيء رحمة) سورة مؤمن الآية 7.
ومن طرف آخر نرى كيف أن الأنبياء كانوا على الدوام يلجؤون إلى رحمة الله للنجاة من براثن الحوادث العسيرة والمصائب العتيدة ومن يدبرها من الأعداء، فها هم قوم نبي الله موسى عليه السلام يرجون رحمته في مواجهة ظلم الفرعون بقولهم (ونجنا برحمتك) سورة يونس الآية 86 ، وكذا نبي الله هود عليه السلام وأصحابه (فأنجيناه ومن معه برحمة منا ) سورة الأعراف الآية 72.
11- على البشر أيضاً اتباع هذا الأمر في حياتهم، فيكون أساس عملهم مبنياً على جذور الرحمة والمحبة، وأن يجعلوا استخدام القوة لمواضع الضرورة، فالقرآن الكريم يحتوي على 114 سورة ، يبدأ 113 منها بالرحمة، وسورة التوبة هي الوحيدة التي تبدأ باظهار القوة والدعوة إلى الخشونة دون البسملة !
12- كان أسلوب الأنبياء دائماً لدى التماسهم لحاجتهم لدى الله أن ينادوه باسم من جنس الحاجة، مثلا نبي الله عيسى عليه السلام عندما طلب طعاماً سماوياً قال: (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء... وارزقنا وأنت خير الرازقين) المائدة 114. أو نبي الله نوح عليه السلام حيث قال في موضع هبوطه من السفينة: (رب أنزلني منزلا مباركاً وأنت خير المنزلين) سوؤة المؤمنون الآية ،29 ، أو نبيى الله زكريا عليه السلام عندما دعا الله طالباً لو وريثاً (رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين) سورة الأنبياء 89، وعليه فإننا كعبيد بحاجة إلى التمسك برحمة الله الواسعة لدى انطلاقنا بأعمالنا التي نذكر اسمه في بدايتها، وهي رحمة واسعة وأيضاً خاصة، فهل هنالك من صفات أخرى أنسب للبدء بأعمالنا في سبيل التقدم وتخطي المشكلات؟!
13- هل البسملة جزء من السورة؟!
ليس هنالك من اختلاف بين علماء الشيعة بأن بسم الله هي جزء من سورة الحمد بل ومن سور القرآن الكريم أجمع، وفي الأصل فإن تثبيت بسم الله في نص القرآن الكريم وفي مطلع كل سورة في ذاته شاهد ودليل على أنها جزء منه، فليس في متن القرآن الكريم شيء ،إضافي، وقد كانت البسملة منذ زمان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وحتى الآن في مقدمة السور القرآنية.
وأما فيما يخص رأي علماء أهل السنة، فقد قام مؤلف كتاب تفسير المنار بجمع أقوال علماء أهل السنة حول ذلك كما يلي: هنالك فيما بين علماء أهل السنة حوار حول إن كانت البسملة جزءاً من السورة أم لا؟ حيث أن علماء أهل مكة القدماء من فقهاء وتلاة للقرآن ومنهم ابن كثير وكذا أهل الكوفة من جملة عاصم والكسائي، وبعض الأصحاب والتابعين في المدينة، وأيضاً الشافعي في كتاب الجديد، وأتباعه والثوري وأحمد في أحد قوليه كلهم يعتقدون بأن البسملة جزء من السورة، وكذلك علماء الإمامية ومن الصحابة - وفقاً لما يقولون من أن علي عليه السلام وابن عباس وعبدالله بن عمر وأبو هرير - من العلماء التابعين سعيد بن جبير وعطا وزهري وابن المبارك هم على هذا الاعتقاد، ثم يضيف بأن أهم برهان يقدمونه لذلك هو أن البسملة مقدمة لكل سور القرآن الكريم فيما عدا سورة التوبة، ولذلك فقد دعوا متفقين إلى تخليص القرآن من كل إضافة أو شائبة، وعليه فلم يذكروا لفظ آمين من
نهاية سورة الفاتحة... ثم ينقل عن مالك وأتباعه وأبو حنيفة والبعض الآخر ممن اعتبروا البسملة آية مستقلة تستخدم للبدء بالسور وباعتبارها فاصلاً بينها، وينقل عن أحمد ( فقيه أهل السنة ومؤلف كتاب المسند) وعن بعض قراء الكوفة أن بسم الله هي
جزء من سورة الحمد وليست جزءاً من سائر السور(1)، وبالتالي فمما تم ذكره يمكن استنتاج أن الأكثرية الغالبة من أهل السنة يرون أيضاً بأن بسم الله هي جزء من السورة.
14- جاء في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام : " و الله إله كل شيء ، الرحمان بجميع خلقه ، الرحيم بالمؤمنين خاصة"(2).
15- وفي بيان وشرح رحمة الله الواسعة نشير إلى حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول : إن الله عز و جل مائة رحمة و إنه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه بها يتعاطفون ويتراحمون و آخر تسع و تسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة !(3)
16 - أكد الأئمة المعصومون عليهم السلام على ضرورة الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ، وقد وصف الإمام الباقر عليه السلام كل من لا يقرأ البسملة في الصلاة أو لا يعتبرها جزءاً من السورة بقوله: (سرقوا أكرم آية)(4).
17- من المعروف أن الإمام علي عليه السلام كان يقول في تفسير هذه الآية من أول الليل حتى الصباح لابن عباس، حيث طلع الصباح ولم يفرغ عليه السلام من تفسيرها(5).
18- عبد الله بن يحيى وهو أحد أصحاب الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام، ورد على الإمام عليه السلام وجلس على مصطبة دون أن يُسمي بالله، فانزلق فجأة ووقع على رأسه ففجه، فقال له الإمام عليه السلام وهو يمسح بيده على رأسه ليلتئم جرحه: ألا تعلم بأن الرسول أخبرني بأن أي من عمل بدأ دون اسم الله فإنه لن يكون له الاكتمال،
يقول عبد الله بأبي أنت وأمي أعلم ولم أترك ذلك بعد الآن أبداً، فقال عليه السلام: طبت وسعدت.(1)
1) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ص 22 إلى 25
الآية 2
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)
1 - جميع الأمم والأشخاص وأينما كانوا من الدنيا وبحكم العقل؛ إذا ما أحسن إليهم أحد شكروه.
2 - أن مفهوم الحمد مزيج من مفهومي المدح والشكر، والإنسان في مقابل الجمال والكمال يتحرّك لسانه بالمديح، وفي مقابل النعمة والخدمة والإحسان الذي يجده من الآخرين بالشكر.
3- أنه تعالى جدير بالثناء على كماله وجماله، وجدير بالشكر أيضاً على إحسانه ونعمه.
4 - أنّالْحَمْدُ لِلَّهِ أرقى نوع للشكر من جانب الجميع في أي مكان وبكل لسان، فيثنى على كماله باعتباره مصدر الكمال، ولا ريب أن الثناء على الله والتشكّر منه لا يتنافى وشكر المخلوق بشرط أن يكون بأمره سبحانه وفي خطه ومسيره.
5 - أنّ الألف واللام في الْحَمْدُ بمعنى جميع الحمد وبيان جنس الثناء، أي أنّ كلّ الحمد والثناء مخصوصان الله، فإذا كانت الشمس تشرق ، والغيوم تهطل بالمطر، والأرض تفيض علينا ببركاتها، وإذا جاد كل غني بجوده، وعلم كلّ معلّم علمه، وهدى الناس قائد إلهي.. فإنّ أصل كلّ ذلك صادر عنه تبارك وتعالى، وبالتالي فإنّ الحمد عائد بالأصل أيضاً إليه سبحانه.
6 - قد بدأت خمس سور قرآنية بكلمة الحمد، وهي الحمد والأنعام والكهف وسبأ وفاطر.
1 - رَبِّبمعنى المالك وصاحب الشيء الذي ينتهي إلى التربية والإصلاح.
2 - رَبِّهو الشخص العظيم الذي تلقى أوامره القبول من الجميع.
3 - الله ربّ جميع الموجودات وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ(1).
4 - أن علاقة الله بواسطة كلمة رَبِّكالعلاقة بين المربّي ومن يربّيهم، وهي علاقة دائمة.
5 - أن كل الوجود يخضع لربوبية الله الأحد.
6 - إمكانية نمو وتربية جميع الموجودات بدليل كلمة رَبِّ.
1 - الْعَالَمِينَ جمع عالم، والعالم بمعنى مجموعة من الموجودات المختلفة وذات الصفات المشتركة أو الزمان والمكان المشترك، مثل: عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات وعالم الشرق وعالم الغرب وعالم اليوم وعالم الأمس.
2- حينما يكون الجمع بصيغةالْعَالَمِينَ فإنّه يشار به إلى كل مجموعات الدنيا، مثل: عالم البشر وعالم الملائكة والأجناس. وقد ورد في تفسير المنار) عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ المراد بالعالمين البشر فحسب.(2)
3- استعملت كلمةالْعَالَمِينَ في القرآن وفي عديد من الآيات بمعنى البشر، مثل: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (3)
4 - أنّ العالمين تعني عالمي الدنيا والآخرة أيضاً.
الآية 3
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)
1 - الرَّحْمَنِ من الأسماء المختصة بالله، ولا تستعمل لغيره.
2 - الرَّحِيمِ صفة تستعمل الله تعالى ولعباده.
3 - الرَّحِيمِ إشارة إلى رحمة الله الخاصة بعباده المطيعين والصالحين والملتزمين بأوامره، إذ بحكم الإيمان والعمل الصالح صاروا جديرين بأن ينتفعوا ويتنعموا بالرحمة والإحسان الخاص دون المجرمين والملوّثين بالخطايا؛ حيث لا نصيب لهم منها.
4 - أن صفة الرَّحْمَنِ إشارة إلى رحمة الله العامة التي تشمل الصديق والعدو، المؤمن والكافر، الصالح والطالح، مثل: المطر أو نورانية الشمس وغيرهما ، فإنّ بركاتهما الواسعة تشمل الجميع.
5- أن هاتين الصفتين - الرحمانية والرحيمية - من أهم الصفات الإلهية حيث يلهج بها لسان كل مصلّي حوالي ثلاثين مرّة (مرّتان في سورة الحمد ومرة بعد سورة الحمد، فيذكر الله ستّين مرّة بصفة رحمته).
6 - هاتان الكلمتان إشارة إلى أننا إذا اعتبرنا الله ربَّنا وأننا عبيده، فلا ينبغي أن نقسو على من هم أقلّ منّا فلا نتلطف بهم ...
الآية 4
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
1 - أنّ الإيمان بالآخرة والرجوع إلى الله تعالى ثاني ركن في سورة الحمد (وفي مطلعها كان الشكر من المخلوقين، وفي الحقيقة فإنّ السورة قد طرحت موضوع التوحيد، وفي هذه الآية تمّ التطرّق لموضوع المعاد، وهو أحد ضروريات الدين).
2 - أنّ منتهى قدرة ونفوذ الله تعالى في عباده وعلى كلّ شيء وكل فرد ستتضح في ذلك اليوم (القيامة).
3 - أنّ مالكيّة الله حقيقيّة وتشمل الإحاطة والتسلّط على ممتلكاته، ولكن مالكية الآخرين اعتباريّة مستقاة من السلطة المؤقتة وغير المستقلة، السلطة المؤقتة وغير المستقلة، وهي خارجة عنهم لا محالة مالك يوم الدين.
4 - سؤال: أليس الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، فلماذا نقول:مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ؟
جواب: صحيح أن مالكية الله تشمل كلا العالمين، ولكن تجلّي وظهور هذه المالكية سيكون أكثر في يوم القيامة، لا سيما وأن جميع الروابط والمالكيات الاعتبارية ستقطع وتتلاشى في القيامة، وسيتجرّد الجميع ممّا كانوا يملكون : يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (1). فقد يبادر الإنسان في الدنيا إلى مساعدة الآخرين؛ بلسانه أو ماله أو جمعه
1) سورة الانفطار / 19.
أو قوّته أو دعمه، ولكن لن يحدث شيء من هذا في الدار الآخرة: للَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(1).
5 - في ذلك اليوم ستتقطع الأواصر والأسباب بين الكفار :تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ(2).
6 - ستنحل إذ ذاك أنساب أولي الأرحام من الكفار:فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ(3).
7- لن تنفع الكفّار أموالهم ولا أولادهم: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (4).
8 - لن ينفع الكفار أقرباؤهم:لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ(5).
9- تجلّت مالكية الله في أول سورة من القرآن مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِكما تجلّى ذلك في آخر سورة منه.
10 - بانضمام مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إلى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تجل لمالكية الله مع الرحمة.
وفي حديث عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) نقرأ أنّه كان إذا وصل إلى قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ كرّرها مراراً حتّى تكاد روحه الطاهرة تفارق بدنه الشريف: «كان علي بن الحسين إذا قرأ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يكرّرها حتى يكاد أن يموت»(6).
1 - أنّ يَوْمِ الدِّينِبمعنى القيامة : قد ذكرت في القرآن أكثر من عشر مرات بشكل
صريح وغير صريح، وقد ذكرت بمعنى المعاد - كما فسرت في الآيات - 17 و 18 و 19 - وفي سورة الانفطار ذكرت بمعنى المعاد أيضاً كما فسرت : ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ
نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ(1)فهم في يوم لا ينفع أحد أحداً، والمالكية ستكون الله وحده. 2 - قد استعمل لفظ الدِّينِ في معان متعدّدة.
ألف - مجموعة القوانين السماوية: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ(2).
ب - العمل والطاعة لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ(3).
ج - الحساب والجزاء : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4).
3 - يَوْمِ الدِّينِ ورد في القرآن بمعنى يوم القيامة وهو يوم الحساب والثواب يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ(5).
الآية 5
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)
1 - مراحل العروج المعنوي عبارة عن الحمد والثناء وبعده العلاقة مع الله تعالى ثمّ الدعاء إليه، وعليه؛ فإنّ أوّل سورة الحمد هو ( الحمد الله ) وبعده العلاقة والارتباط إِيَّاكَ نَعْبُدُ وبعده الدعاء إلى الله اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
2 - في الآيات السالفة كان الحمد والثناء وإظهار الإيمان بذات الله المقدّسة والإقرار بيوم القيامة، وفي هذه الآية وردت حاجة العبد إلى ربّه ومخاطبته بالدعاء.
3- قارئ هذه الآية الكريمة وعبر كلمة إِيَّاكَ يرى نفسه في محضر الله وبين يديه ويخاطبه.
4 - في كلمتي نَعْبُدُ و نَسْتَعِينُ إشارة إلى عبارتين:
ألف - عبوديّة المخلوق الله تعالى.
ب - يتكلّم عن العون والمساعدة.
5- نتحدث في الآيات الثلاث السالفة عن صفات الله بلساننا، وفي هذه الآية نوضّح كيفية العبادة وممن يكون طلب المعونة.
6- هذه الآية توضح معنى توحيد العبادة؛ ومعناها أن لا أحد يليق بالعبادة سوى ذات الله، وأن له وحده تخضع الرقاب ولقوانينه يتم الاعتراف، وأن لا تكون العبودية والتسليم - بأي شكل من الأشكال - لغيره، وكذلك هي تبيّن توحيد الأفعال، ومعناه الإقرار بكونه المؤثر الحقيقي والوحيد في الوجود: «لا مؤثر في الوجود إلا الله».
7 - أن المقصود من أنّ جميع الأمور بيد الله أنه إذا كانت النار محرقة أو الشمس مضيئة أو الماء سبباً للحياة؛ فهو بإذن الله، مع عدم إنكار عالم الأسباب فنذهب إلى أن لا نعير لها أهميّة، بل إنّنا نؤمن بأنّ لكلّ سبب تأثيراً.
8 - ثمرة الاعتقاد بأن جميع الأمور بيد الله هي:
أولاً - الاعتماد على الله وحده.
ثانياً - الاعتقاد بأنّ القدرة والعظمة متعلّقة به وحده.
ثالثاً - كلّ شيء هالك وفاقد للقدرة إلّا هو سبحانه.
9 - أنّ ذات الله هي الوحيدة الجديرة بالاعتماد والثناء، كما أنه سبحانه جدير بأن يعتمد عليه الإنسان ويعده متكاً له.
10 - أنّ هذا الشكل من الإيمان والاعتقاد يقطع علاقة الإنسان بجميع الموجودات ويكرّس صلته بالله.
11 - هذه العقيدة توسع من مساحة روح الإنسان وترتفع بأفق فكره بحيث تصله باللامنتهي والأبدي وتحرّره من كل حدود.
12 - حتّى لدى العبودية أيضاً نحتاج مساعدته نَسْتَعِينُ فنطلب منه العون في هذا الطريق لئلا نسقط ونتورّط في الانحراف والغرور والرياء وأمثال ذلك.
13 - في الجملة الأولى حيث نقول : نعبدك وحدك، يشم منها رائحة الاستقلال، فنقول بلا فصل: إياك نستعين لدرء الشبهة..
14 - بالجمع بين كلمتي نَعْبُدُ و نَسْتَعِينُ يتم رفض كل أشكال الفرديّة والانزواء وأمثال ذلك؛ وهي الطريقة المردودة أساساً من وجهة النظر القرآنية والإسلامية.
15 - صيغة الجمع في كلمتي نَعْبُدُ و نَسْتَعِينُ فيها الإشارة إلى أنّ أساس العبادة -
والصلاة خصوصاً - هو الجمع والمجتمع والاجتماع.
16 - كلمة نَسْتَعِينُ توحي لنا بضرورة طلب العون من الله فقط في جميع مناحي
حياتنا، بدءا من العبادة إلى الأمور البسيطة؛ لا سيما لدى الاصطدام بمختلف أسباب
ومطبّات الحياة: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1).
17 - كأنّ المصلّي لدى الصلاة يتحدّث إلى الله تعالى نيابة عن جميع عباده.
إلهي لست وحدي؛ بل جميعنا عبيدك، ولست الوحيد؛ بل كلّنا بحاجة إلى عونك ولطفك.
18 - عبادة الله يجب أن تكون بدءًا ثم يكون طلب العون: نعبد - نَسْتَعِينُ.
19 - مع أنّ العبادة صادرة عنا، إلّا أنّ الحاجة إلى الله في أداء العبادة قائمة أبداً وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ(2).
20 - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يعني أنّ الإنسان لم يخلق مجبراً، ولا مختاراً تماماً لأنه يقول: نَعْبُدُ فهو صاحب اختيار وليس مجبراً، ولكن حيث يقول: نَسْتَعِينُ فهو محتاج الله وجميع أُموره ليست باختياره.
الآية 6
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)
1 - الطريق إلى الله تعالى طريقان: أحدهما بعيد والثاني قريب، أما القريب؛ فهو طريق المؤمنين، والبعيد طريق غيرهم. والطريقان بحكم الآية السادسة من سورة (الانشقاق) ينتهيان إلى الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِسواء كان هذا الإنسان كافراً أو مؤمناً؛ إذ الاثنان معاً سينتهيان إليه :أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ(1).
2 - طريق يوصلكم إلى الأعلى وطريق يؤدّي إلى السقوط:إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ(2).
3 - بعد إشهار التسليم مقابل الربّ المتعال وبلوغ مرحلة العبودية والاستعانة والاستمداد من الذات المقدّسة، يكون الطلب منه تبارك وتعالى للاهتداء إلى صراط الحق المستقيم، طريق الطهر والصلاح والعدل، طريق الإيمان والعمل الصالح.
4 - لبلوغ الصراط المستقيم ينبغي أن يكون الدعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
5 - وردت كلمة الصِّرَاطَ في القرآن أكثر من أربعين مرّة، وبمعنى اختيار الطريق والوجهة الفكريّة الصحيحة حيث تكون علامة شخصية الإنسان.
6 - أنّ الصراط المستقيم واحد دوماً ولا أكثر، لأنّ بين النقطتين خط مستقيم واحد فقط، وهو الطريق الأقرب.
7 - أنّ الخطو في الصراط المستقيم نعمة من جانب الله تعالى، حيث ينبغي الدعاء هنا لئلّا نُسلب هذه النعمة بواسطة الذنوب والأسباب الأخرى.
8 - يجب أن يكون الطلب من الله - أن لا نتعرّض إلى الانحراف - في كلّ يوم وليلة عشر مرّات على الأقل.
9 - الصراط المستقيم هو تحقيق التكامل، وله مراتب و درجات والناس متفاوتون في ارتقاء درجاته، ومهما ارتقى الإنسان هذه الدرجات؛ وجد درجات أسمى وأرقى، وعلى الإنسان أن يطلب إلى الله تعالى - بإيمانه - أن يهديه إلى هذه الدرجات.
10 - ثُمّ سؤال يطرح نفسه:
أولاً: لماذا يجب أن ندعو الله دوماً ليهدينا الصراط المستقيم؟ فهل أننا ضالون؟
ثانياً: ولنفترض أنّ هذا الدعاء مناسب لنا، فما بال النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام؛ وهم نموذج ومصداق الإنسان الكامل؟
للإجابة نقول:
أوّلاً: أنّ الإنسان في مسير الهداية يمكن أن يتعرّض للانحراف في كل لحظة، ولهذا؛ يلزمه تسليم نفسه إلى الله تعالى والطلب إليه أن يثبته على الصراط المستقيم.
مثال: أن نكون وجميع الموجودات كما المصابيح التي تتزوّد بالطاقة من الجهاز المنظم للكهرباء، وأنّ هذا الجهاز ينتج الطاقة في كل لحظة وينقلها إلى المصابيح عبر الأسلاك.. إنّ وجودنا كما الضوء في هذه المصابيح، ومع أنه يكون كوجود ممتد، إلا أن وجودنا يتجدد في كل لحظة من مصدر الوجود الذي هو الخالق الفيّاض، وعليه؛ كما أن الوجود الجديد يصلنا
في كلّ لحظة، كذلك نحن بحاجة إلى هداية جديدة ومستحدثة. أما إذا ظهرت موانع دون ارتباطنا المعنوي بالله تعالى.. فإنّ أشكال الظلم والرجس ستقطعنا عن مصدر الهداية، وسننحرف - في تلك اللّحظة - عن الصراط المستقيم.
ثانياً: أنّ طلبنا الهداية إلى الصراط المستقيم من الله هو في الواقع طي لطريق التكامل؛ حيث يترك المرء بالتدريج مراحل النقصان ليصل إلى الدرجات العلى، وحيث أنه لا حدّ لطريق التكامل، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين سلام الله عليهم كذلك لا عجب إذا ما طلبوا الهداية إلى الطريق المستقيم، إذ لا مانع من أن يدعوا ربهم ليرتقي بهم أعلى الدرجات، والدليل على ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وآله يقول - امتثالاً لأمر الله تعالى -رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(1)وكذلك ما جاء في القرآن المجيد:وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى(2)أو قوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ(3)
الآية 7
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
مَنْ هم الذين َنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ؟
1 - طبقاً للآية (69) من سورة النساء فإنّ الذين يطيعون تعاليم الله والأنبياء سيجعلهم الله من المشمولين بنعمته من الأنبياء والأولياء والصادقين الصديقين والشهداء وحَسُن أولئك رفيقاً.
2 - الأنبياء والصدّيقون والشهداء والصالحون ممن أنعم الله عليهم.
3 - كلّ مصلّي يطلب من الله في كلّ يوم وليلة في صلواته الخمسة عشر مرات أن يجعله في طريق الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، ليكون مشمولاً بنعمته سبحانه وتعالى.
1 - الفصل بين هذين الفريقين في الآيات إشارة إلى أنّ كلّاً منهم ينتمي إلى مجموعة.
2 - من موارد استعمال هاتين الكلمتين في القرآن المجيد يستفاد بأنالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ مرحلة أصعب وأسوأ من الضَّالِّينَ.
3 - قال سبحانه وتعالى في الآية (106) من سورة النحل:مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ.
4 -الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هم السائرون ضمن طريق العناد والعداء ناهيك عن كفرهم، بل إنّهم يؤذون القادة الإلهيين والأنبياء ما أمكنهم(1).
5- يحتمل أن الضالين هم المنحرفون الذين لا إصرار فيهم على إضلال غيرهم، إلّا أنّ المغضوب عليهم هم الضالون المضلّون الساعون دوماً إلى إضلال الآخرين، وشاهد ذلك الآية (16) من سورة الشورى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ.
1 - ورد مصطلح الضلال حوالي مئتي مرّة مع مشتقاته في القرآن الكريم، فتارة يستعمل بمعنى التحيّر: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى(2)وتارة يكون بمعنى الضياع:أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(3). ولكنه يرد في الغالب بمعنى الانحراف مع تعابير مختلفة، مثل:ضلال مبين و ضلال بعيد و ضلال كبير حيث وصف البعض بالانحراف، منهم:
ألف - الذين بدلوا إيمانهم كفراً: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(4).
ب - المشركون: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(5).
ج - الكفّار : مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(6)
د - العاصون: مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا(1).
ه- - المسلمون الذين يتخذون من الكفار أولياء:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(2).
و - الذين يصدّون الناس عن سبيل الله.
2 - الضال لغةً بمعنى الضائع، والمغضوب عليهم تطلق على من حلَّ غضب بساحتهم، أو أصبحوا له أهلاً.
3 - الضالون - بناء على بعض التفاسير هم النصارى المنحرفون الذين لم يكونوا في العداء للإسلام كما اليهود وإنّما هم المتورّطون في عدم معرفة دين الحق.
روى المرحوم الطبرسي في (مجمع البيان) قائلاً: «سئل من رسول الله صلى الله عليه وآله: أيّ سور القرآن أفضل؟ قال: البقرة، قيل: أي آية في البقرة أفضل؟ قال: آية الكرسي»(1)ولعلّ هذه الأفضليّة لأجل ،جامعيّتها، أما أفضليّة آية الكرسي؛ فلأجل محتواها التوحيدي الخاص..
وروى الإمام السجاد عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «من قرأ أربع آيات من أوّل سورة البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها؛ لم ير في نفسه وماله سوءًا ولم يقربه شيطان ولم ينسَ القرآن» .(2)
1 - هي أطول سور القرآن، ولا ريب في أنها لم تنزل دفعة واحدة، بل نزلت ضمن فواصل ومناسبات وشؤون مختلفة وحاجات للمجتمع المسلم المتفاوتة في المدينة.
2 - لا يمكن إنكار جامعيّة هذه السورة من حيث أُصول الإسلام الاعتقادية والكثير من المسائل العمليّة والعبادية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مثل:
ألف - البحث في التوحيد ومعرفة الله تعالى عن طريق مطالعة أسرار الخلقة.
ب - البحث في المعاد والحياة بعد الموت، لا سيما الأمثلة الحسية كقصة العزير عليه السلام(3)وقصّة إبراهيم عليه السلام وذبح الطيور الأربعة (4).
ج - البحوث في قضية إعجاز القرآن(1).
و - البحوث في قضايا اليهود والمنافقين ومواقفهم الخاصة تجاه الإسلام والقرآن وطبيعة مؤامراتهم.
ه- - البحوث فيما يرتبط بتأريخ الأنبياء، وإبراهيم عليه السلام خصوصاً.
و - البحوث في الأحكام الشرعية، الصلاة والصيام والجهاد في سبيل الله وتغيير القبلة والزواج والطلاق والتجارة والنهي عن الربا والإنفاق في سبيل الله والقصاص وأحكام اللحم الحرام والقمار والخمر وأحكام الوصيّة.
3- تسمية هذه السورة بالبقرة لأجل قصة بقرة بني إسرائيل الواردة في الآيات (67 - 73).
1) سورة البقرة / 22 - 24
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الم(1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)
هذا النوع من الحروف ورد في (29) سورة من سور القرآن الم (114) وهو خاص بالقرآن الكريم من بين السور القرآنية. وبعض السور كان افتتاحها بحرف واحد؛ مثل (ص. ق. ن) أو بحرفين؛ مثل (طه. طس. يس. حم) أو ثلاثة أحرف؛ مثل (الم، الر. طسم )أو أربعة أحرف؛ مثل (المص. المر)
أو خمسة أحرف؛ مثل (كهيعص .حمعسق).
وقد ورد بعض هذه الحروف في سورة واحدة فقط ؛ مثل (ن) وبعضها ورد في مطلع عدّة سور؛ مثل (الم. الر. طس. حم). والاختلاف قد وقع بين المفسرين القدماء والمتأخرين في تفسیر حروف القرآن المقطعة، ونشير هنا إلى بعض التفاسير والوجوه التي دوّنوها:
1 - أنّ القرآن الذي هو معجزة إلهيّة مكوّن ومؤلف من هذه الحروف وهي متاحة للجميع، فإن استطعتم أن تأتوا بمعجزة كلامية مثله؛ فافعلوا.(1)
2 - أنّ هذه الحروف إشارة إلى الاسم الأعظم.(2)
3- أنّ هذه الحروف نوع قسم خاص بالله تعالى.(3)
4 - أنّ هذه الحروف من جملة الأسرار بين الله والنبي.(4)
5 - أن هذه الحروف - وطبقاً لبعض الروايات - رموز لا يعرفها إلا الله . (5)
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
1 - الغيب بمعنى الشيء المستور والخفي (يؤمنون بالغيب).
2 - للغيب معنى ومفهوم واسع، حيث يشمل الوحي والموت وعالم الملائكة وغير ذلك.
3- للإيمان بالغيب وعدمه في حياة الإنسان وأعماله أثر مشهود.
4 - فسّر الإيمان بالغيب - في بعض الروايات - بالإمام المهدي عجل الله فرجه.(1)كمال الدين ، ج1، ص 17 (2)
5 - أصل أصول معرفة العالم والوجود، أنه غير منحصر بالمحسوسات يؤمنون بالغيب.
6 - أنّ القرآن قسم الوجود إلى قسمين: 1 - عالم الشهود. 2 - عالم الغيب.
وأنّ المتقين بكلا العالمين ، أما الكافرون؛ فلا يقبلون إلّا المحسوسات لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً(3)وهؤلاء يقولون عن القيامة :ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلّا الدهر (4).)7- يعلم من قوله تعالى: ﴿أنزل إليكأن وسائل معرفة الإنسان غير محصورة بالحسّ والعقل، بل إنّ الوحي كذلك من طرق المعرفة، ولابد للمؤمنين من الإيمان به.
1 - أنّ الاعتماد على غير الأمور الحسّية أمر غير جائز لأنّ المطالب العقلية المحضة
غير صحيحة في الغالب، ولابد أن يكون المعيار في معرفة كلّ الأشياء حسّيّاً.
2 - أنّ الإدراك الحسي لا يقبل الخطأ أبداً. فإن تذوّقنا حبّات السكر علمنا أنها حلوة، فإذا عرفنا ذلك وأعدنا الكرّة عشر مرّات أو عشرين مرة؛ تيقناً أنّ السكّر عموماً حلو المذاق.. أمّا فيما يرتبط بالأمور العقلية والحدسية والظنّيّة، فإنّنا لا نستطيع الوصول إلى هكذا نتيجة.
أولاً: أن جميع المقدّمات التي درّجوها لإحراز تلك النتيجة كانت مقدمات عقليّة وغير حسيّة، ولا يمكن إبطال المطالب العقلية ببيان مقدمات عقلية ثم الاعتماد عليها. وكان عليهم الاستناد على غير الدليل العقلي ليثبتوا عدم إمكان الاعتماد على الدليل العقلي.
ثانياً: أنّ جميع العلوم الحشيّة تثبت وتؤيد بالتجربة لدى العمل، والعلم بصحة التجربة يتحقق بالاستعانة بالعقل أيضاً.. فمثلاً: إنّ حدة حرارة الفلفل أو حلاوة السكر أو إحراق النار يتحقق بحكم العقل.
ثالثاً: أنّ الحسّ لا يدرك غير العلم بالأمور الجزئية البسيطة التي هي في حالة تحوّل وتغيّر في كلّ آن، فيما العلوم العقلية تساعدنا - بعد التجربة - في معرفة الكليات.
رابعاً: ليس الخطأ في الحسّ بأقل من الخطأ في العقليات. مثال ذلك: لدى إدارة النار نری دورانها بشكل دائرة في حين أنها ليست كذلك. أو حينما نضع يدنا في ماء ذي خمسين درجة من الحرارة ثمّ إذا أخرجناها ووضعناها في ماء ذي خمسة عشر درجة من الحرارة ظننا أنّ الماء بارد، فيما الأمر ليس كذلك ، أو إذا أخرجنا يدنا من ماء مثلج ووضعناه في ماء طبيعي الحرارة، توهّمنا أنّ هذا الأخير حار .. فإذا كان الأمر كذلك كيف لنا أن نتعرّف إلى حقيقة الموجودات الخارجيّة؛ ثمّ نعتمد على هذا العلم؟
8- أنّ الإيمان غير منفصل عن العمل، مضافاً إلى أن وظائف المؤمن وتكاليفه العملية تتوضّح إلى جانب الإيمان بالغيب ( يؤمنون. يقيمون ينفقون).
9 - في الآيات أعلاه وردت صيغة الأفعال بالمضارع: ( يؤمنون. يقيمون. ينفقون. يوقنون) وهي تدلّ على الاستمرار والثبات، فتكون الصورة: إنّ المؤمنين المتقين هم الثابتون على منهجهم ولا تؤثر في روحهم وتفكيرهم التحولات التي تطرأ على حياتهم، ولا تتسبب في إيجاد الخلل فيهم.
10 - من الآية (3 - 20) من سورة البقرة قسم الله الناس إلى ثلاثة أقسام فيما يرتبط بعلاقتهم بدين الإسلام .
ألف - المتقون الذين قبلوا الإسلام بجميع أبعاده.
ب - الكافرون الذين يقفون بالضد تماماً للفريق الأول.
ج - المنافقون الذين لهم وجهان حيث يكونون مسلمين مع المسلمين وكافرين مع الكافرين.. ولا ريب أنّ حقيقة هؤلاء هي الكفر ولكنّهم يتظاهرون بالإسلام، وبطبيعة الحال، فإنّ ضررهم على الإسلام أشدّ من ضرر الفريق الثاني.
11 - أنّ هذا التقسيم غير خاص بالإسلام، فجميع أديان العالم تقرّ هذا التقسيم فإما مؤمن بالدين أو كافر بيّن أو منافق متستر، وهذا التقسيم كان مشهوداً في جميع مراحل التاريخ.
12 - أنّ للمتقين خمس خصائص : 1 - الإيمان بالغيب. 2 - إقامة الصلاة. 3 - الإنقاق من الرزق . 4 - الإيمان بدعوة جميع الأنبياء. 5 - الإيمان بالآخرة.
وَيُقِيمُونَ الصَّلاة
1 - بعد أصل الإيمان تعد إقامة الصلاة من أهم الأعمال:يُقِيمُونَ الصَّلاة.
2 - العلاقة بالله هي الخصيصة الثانية للصلاةيُقِيمُونَ الصَّلاة.
3 - أنّ المؤمنين الذين أقروا بعالم ما وراء الطبيعة بحاجة إلى علاقة دائمة بمبدأ الخلقة العظيم.
4 - أنّ الذي يقف بين يدي الله تعالى خمس مرات على الأقل في اليوم والليلة ويدعوه ويناجيه يصطبغ فكره وعمله وقوله بصبغة إلهيّة ولا يخطو خطوة مخالفة لإرادته سبحانه.
5 - أن العلاقة بالناس - في الحقيقة - نتيجة العلاقة بالله تعالى.
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
1 - للإنفاق معنى واسع شامل لأنواع المساعدة المجرّدة عن العوض.
2 - أنّ الحياة الاجتماعية - أساساً - لا معنى لها من دون الإنفاق.
4 - المنفق لا ينزعج من إنفاقه، بل يشعر بالراحة لعلمه بأن كل الرزق وجميع أمواله من
الله ومما رزقناهم وليس من ناحيته هو ولإيمانه بأنّ ما لديه مؤقت وأمانة عنده.
5 - أنّ هذا الطراز من التفكير والمعتقد بالإنفاق مما رزقهم في سبيل الله يؤدّي إلى توقع البركات المعنوية الكثيرة التي ستعود عليهم، وأهم تلكم البركات: النجاة من رذيلة البخل والحسد والتنازع في الدنيا؛ وتحويل هذه الدنيا إلى دار تعاون على البر والخير حيث توضع النعم والرزق تحت تصرف المحتاجين.
6 - عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ: أنهم
ينشرون ما علمناهم من علوم ويتلون ما علمناهم من القرآن (1)
7- يجب أن يكون الإنفاق من المال الحلال لأنّ الله قد قدّر أرزاق الجميع من الحلال وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
8 - إن آمنا بأنّ ما لدينا هو من الله لن نصاب بالغرور إذا أنفقنا، بل وتمكنا من الإنفاق بصورة أفضلمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ.
9 - أنّ الإنفاق لا ينحصر بالمال، بل بدليل كلمةمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يكون الإنفاق من كلّ عطاء الله (العلم الجاه، الثروة الموهبة) للآخرين المحتاجين.
10 - ورد في الأثر عن المعصومين عليهم السلام لزوم الاعتدال في الإنفاق وعدم الإفراط، بدليلمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ.(2)
11 - بعد أصل الإيمان؛ تكون إقامة الصلاة والإنفاق من أهم الأعمال الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
12 - الإنفاق قانون عام في عالم الخليقة، لا سيما في النظام البدني لكلّ موجود حي، حيث تؤدّي الأعضاء دورها بلا أجر، كقلب الإنسان النابض باستمرار، فهو ينفق على جميع خلايا الجسم بلا توقع أجر منها، أو دماغ الإنسان الذي يدير الجسد وينفق عليه؛ أداءً لدوره فحسب.
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
1 - الإيمان بالقرآن والإيمان بكل رسالات الأنبياء عليهم السلام الذين نزل الوحي عليهم.. من شرائط الإيمان والتقوى.
2 - الإيمان بجميع الأنبياء وأديانهم الإلهية من شرائط الإيمان وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
3 -الإيمان بأديان الأنبياء السالفين يستلزم المواءمة بين تفكير وعمل الفرد المؤمن وبين دين خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله باعتباره الحلقة الأخيرة والمطبّق لسلسلة تكامل الأديان، وغير هذه الحالة وهذا الواقع يكون الإنسان متراجعاً في مسيره التكاملي المطلوب.
4 - هذه العقيدة توجب - ليس عدم الاختلاف في أصول وأسس مناهج دعوات الأنبياء اعتبارهم معلّمين ومرتين في إطار التنسيق بين الأديان، حيث خطا الواحد بعد الآخر منهم في مدرسة الإنسانية العظمى خطوات جبّارة لهداية الإنسان إلى مسيرته التكاملية.
5 - أنّ هذا التفكير - ليس لا يوجب التفرّق والنفاق بالنسبة إلى تعدد الأنبياء والأديان فحسب - بل يؤدّي - بوحدة أصولهم - إلى اتخاذهم وسائل ربط جليلة وشريفة بين أفراد البشرية.
وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
1 - إنّ الإنسان لم يُخلق عبثاً وبلا هدف أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا.
2 - أنّ الخليقة قد خُط لها مسار لا ينتهي عند نقطة الموت أبداً.
3 - لو أنّ كلّ شيء ينتهي في هذه الدنيا، فلابد أن تكون كلّ هذه الأمور - من قبيل إرسال الرسل والأنبياء وسجود الملائكة لآدم عليه السلام وشهادة الأولياء وغير ذلك ولمدة قصيرة - عملاً عبثياً.
4 - أنّ عدالة الله تعالى تقتضي أن لا تكون أعمال الإنسان في هذا العالم دون حساب أو كتاب.
5 - أنّ الإيمان بيوم القيامة وموضع الأجر والثواب يزوّدنا بالأمان والطمأنينة، وعن طريق أداء المسؤوليات الملقاة على عاتق الإنسان تراه يتخلّص من الضغوط، بل إنّه يرحّب بهذه المسؤوليات ويكون كما الجبل صامداً بوجه المشاكل ؛ فلا يستسلم للظلم متأكداً لدى ذلك من أنه لا عمل صالحاً أو طالحاً سيمر دون أجر أو عقاب.
6 - الإيمان بالآخرة يعني اختراق جدار عالم المادة ودخول عالم أسمى وأرقى، حيث يعتبر هذا العالم مزرعة أو مدرسة لعالم آخر.
7 - الحياة في هذه الدنيا كما الحياة في رحم الأُمّ الذي لا يعد هدفاً للخلقة، بل الهدف منها بلوغ الإنسان مرحلة الكمال ضمن حياة أخرى.
8- للإيمان بالمعاد أعمق الأثر في تربية الأفراد وتقويم سلوكهم.
9 - الإيمان بالقيامة يساعد الفرد في الامتناع عن ارتكاب الذنب.
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
1 - تشير هذه الآية إلى مصير المؤمنين الذين كرسوا الصفات الخمس المذكورة أعلاه في أنفسهم، وتؤكد - الآية - أنّهم في مسار هدى الله تبارك وتعالى.
2 - المؤمنون وأصحاب الصفات الخمس يهتدون من خلال القرآنذلك الكتاب.
3 - هذه الآية إشارة إلى نتيجة سلوك المؤمنين الذين كرسوا الصفات الخمس في ذواتهم، فهم يسيرون ضمن جادّة الهدى الإلهيأُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ.
4 - عبارةأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ بمثابة الضمان الإلهي لفلاح المهتدين المتقين الذين أحرزوا تلكم الصفات الخمس.
5 - عبارة هُمُ الْمُفْلِحُونَ دليل الحصر، أي أنّ طريق الفلاح الوحيد هو طريق هذا الفريق الحائز على الصفات الخمس والمشمول بالهداية الإلهية.
6 - أنّ الهداية كلّها من الله تبارك اسمه أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)
في الآيات التسعة عشر من سورة البقرة جرت الإشارة إلى حالات المجموعات الثلاث (المؤمنون. الكفّار . المنافقون). ومن أوصاف التقوى المعروفة بينت الآيات خمسة أوصاف، وفي الآيتين السادسة والسابعة تمت الإشارة إلى صفات الكفّار.
والمقصود بالكفّار هم رؤوس الشرك وشخصيات مكة، حيث تقول الآية سواء أنذرتهم - یا رسول الله - أم لم تنذرهم؛ فإنّهم لا يهتدون. وقد ورد تعريف الكفّار بهذه الهيئة في القرآن مرتين.. في سورة (يس) النازلة في مكّة، وفي سورة البقرة النازلة في أوائل الهجرة وقبل حرب بدر(1).
فى الآيات السابقة وبالإشارة إلى الفريق الأوّل ورد أنّهم يقبلون الحق بكامل وعيهم وأحاسيسهم عبر التمتع بتلكم الصفات الخمس ثمّ إنّهم يتبعون الهدى، ولكن في هاتين الآيتين وردت الإشارة إلى الفريق المضاد للمتقين؛ وهم الكافرون المعاندون في مختلف الحالات؛ حيث لا يفرق لهم أن ينذرهم الرسول بعذاب الله أو أن لا ينذرهم؛ فهم لن يؤمنوا أبداً.
1) اقتباس من تفسير الميزان، ج 1، ص 52.
في الآية السادسة ورد القول صريحاً بأن أفراد هذا الفريق الكافر ضالون معاندون ولو كان الحقّ قد اتّضح لهم.. فالقرآن الذي هو هدى للمتقين غير مؤثر فيهم سواء تم إنذارهم أو لم ينذروا، وسواء أخافهم الرسول أو لم يُخفهم، وبشرهم أو لم يبشرهم، فهم - أساساً - غير مستعدين وغير مؤهلين روحياً لاتباع الحق والتسليم للهدى. ولكن في الآية السابعة تمت الإشارة إلى أنّهم وبدليل التعصب والعناد قد غاصوا في الكفر حتى بلغوا مرحلة فقدوا فيها القدرة على التمييز وقد ختم الله تعالى على قلوبهم وأسماعهم وغشى على أبصارهم ختم الله على قلوبهم.
إنّ لدى الكافرين عيوناً - المؤمنون ينظرون بها إلى آيات الله كما لهم آذان يستمعون بها خطاب الحق، وقلوب يعون بها الحقائق ويدركونها - ولكنّها عطلت عن العمل.. فهؤلاء لهم عقول وعيون ،وآذان، ولكنّها فاقدة لقدرة الإدراك والرؤية والسماع، لأن أعمالهم القبيحة وعنادهم قد صارت كلها حجاباً سميكاً دون الوعي والرؤية والسماع والمعرفة، ولا ريب أنّ الإنسان ما لم يبلغ مرحلة العناد واللجاجة مع الله سبحانه فهو قابل للهداية مع كونه ضالا إلى حدّ ما.
وفي أصول الكافي عن الزبيري قال: سئل الإمام الصادق عليه السلام عن أقسام الكفر الواردة في القرآن. فقال: الكفر في كتاب الله خمسة أقسام : كفر بمعنى إنكار الخالق والقيامة (الجنّة والنار)، وهذا قول غريب عن الحق والتحقيق ما يهلكنا إلّا الدهر(1).
إنكار الله مع الإقرار بوجود الله!وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً(2)أي أنهم أنكروا دين الله مع أنهم متيقنون بحقانيته.
كفران النعمة: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(1)أو سليمان الذي قال: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ(2)والمقصود هنا (الرئاسة على جميع الناس).
الكفر بمعنى ترك تعاليم الحق : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ(3)
(4). الكفر بمعنى البراءة كما حكى الله تعالى عن إبراهيم الخليل عليه السلام إذ قال: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ(5)والكفر هنا قصد به البراءة.
سؤال: ألا يُعد سلب قدرة التمييز بين الحق والباطل من الإنسان الكافر إجباراً له على أن يكون كافراً؟ وطبقاً لهذه الآية القائلة بأنّه تعالى قد ختم على قلوب الكفّار وآذانهم وغشى على أبصارهم، ألا يصيرون مجبرين على الكفر ؟ فإذا كان الأمر كذلك ؛ فما حكم العقوبة التي ستلحق بهم ؟
الإجابة على هذا السؤال - العريض - يصرّح بها القرآن نفسه، وهي أن إصرارهم وعنادهم في مقابل الحق وتمسكهم بالظلم والكفر هو السبب في تعطيل قدرتهم على التمييز، ودليل هذا القول الآيات أدناه:
ألف - في الآية (155) من سورة النساء نقرأ: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ.
ب- في الآية (35) من سورة غافر نقرأ: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ .
ج - ورد في الآية (23) من سورة الجاثية: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة.
8 - إنّ سلب قدرة التمييز وتعطيل وسائل المعرفة لدى الإنسان - كما ورد في الآيات أعلاه - هو بداعي الكفر والتكبّر، كما أن اتباع الهوى والتمرّد والعناد في مقابل الحق هو نتيجة أعمال الإنسان وليس شيئاً آخر.
9 - بشكل طبيعي، يعد ارتكاب الفرد للذنب - في البداية - موجباً لأنسه بهذا الذنب، ثمّ يتحوّل إلى عادة ثمّ ملكة حتى يكون جزءاً من نسيج الإنسان بحيث يكون تركه أمراً غير ممكن، وحيث أنه قد اختار هذا السلوك المشين بحريته وعلمه، يكون مسؤولاً عن جميع عواقبه دونما جبر يتخلل ذلك، شأنه في ذلك شأن من يعمي عينه ويصم أذنه باختياره وإرادته لئلا يرى شيئاً أو يسمع صوتاً..
10 - لو نسبنا سلب القدرة على التمييز من الإنسان الكافر إلى الله العادل ختم الله على قلوبهم فإنّه لأجل أنه سبحانه قد جعل هذه الخاصية في هكذا أفعال، كما أنه تعالى قد جعل خاصية التسامي والتطوّر لحاسّة التمييز والإدراك والبصر والبصيرة في التقوى والورع.. كما ورد هذا المعنى في الآية (29) من سورة الأنفال: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً والفرقان هنا هو القدرة الفائقة على التمييز.
سؤال:
إذا كان هؤلاء (الكافرون) غير قابلين للهداية، فما معنى إصرار الأنبياء على هدايتهم؟ إنما إصرار الأنبياء على هدايتهم بداعي أنّ الأجر أو العقاب من جانب الله تعالى يجب أن يكون - حتماً - بعد العمل، إذ لا يمكن معاقبة أحدهم لمجرد كونه سيئاً في سره، بمعنى عدم صحة توجيه العقاب قبل ارتكاب الجريمة. وعليه؛ ينبغي دعوة الإنسان إلى الحق، فإذا لم
يلبّ دعوة الحق بتأثير قبحه الداخلي ولم يطع الحق في عمله وأصر على أعماله الإجرامية.. فإنّه في هذه الصورة؛ وبناءً على هذا الإصرار يكون فعل الأنبياء إتماماً للحجة عليه..
ثانياً: هذا النوع من الناس ممن سلبهم الله تعالى القدرة على التمييز إنّما هم أقليّة، والأنبياء لم يبعثوا لهدايتهم فقط، بل لهداية الأكثرية من الضالين القابلين لاعتناق الهدى عبر التربية والتعليم الصحيحين.
سؤال آخر:
لماذا ينسب إدراك الحقائق إلى القلب في القرآن والحال أننا نعلم بأن هذه المضغة ليست مركزاً للإدراك والفهم، وهو عبارة عن عضو مهمته ضغط الدم في البدن؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، ينبغي القول: إنّ للقلب - في القرآن معاني متعدّدة. مثال ذلك:
ألف - جاء في سورة (ق) الآية (37): إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب.
ب - جاء في الآية (10) من سورة (الأحزاب) أنّ القلب هو روح الإنسان: وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر.
ج - عبّر بالقلب عن مركز العواطف كما في الآية (12) من سورة (الأنفال):سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب وفي الآية (159) من سورة آل عمران): فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.
وهنا نأتي على إجابة السؤال المتقدّم، وهي أن في وجود الإنسان مركزين مرموقين:
ألف - مركز الإدراك؛ وهو الدماغ وجهاز الأعصاب، فإذا ما اعترضنا مطلب فكري؛ شعرنا أو علمنا بأنّ الدماغ سيهتم بتحليله وتجزئته واستنتاج ما يطلب ويُتوقع منه.
ب - مركز العواطف؛ وهو القلب الصنوبري الشكل الكائن في الجانب الأيسر من صدر
الإنسان، وفي البدء تؤثر المسائل العاطفية الطارئة عليه من قبيل: المحبّة والخوف والاطمئنان والفرح والحزن والعداوة والغمّ، وتقدح الشرارة الأولى منه، حتى إذا ما تعرض الإنسان لمصيبة شعر بضغط على هذا القلب الصنوبري.
جذوة القول :
لنا أن نقول إنّ في القرآن الكريم مسائل عاطفية تنسب إلى القلب الصنوبريّ الشكل ،فيما المسائل العقلية تطرأ على القلب بمعنى العقل أو الدماغ، ولا شك أن للقلب دوراً مهماً في حياة وبقاء الإنسان بحيث يكون توقفه مزامناً لفنائه، كما أنّ للنشاط الفكري والعاطفي علاقة وطيدة وأكيدة بالقلب.
وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)
1 - في بداية هذه السورة وردت أربع آيات لمعرفة المؤمنين، ولمعرفة الكافرين آيتان، ومن الآية الثامنة إلى الآية العشرين لمعرفة الفريق الثالث وهم المنافقون، وهم لا إيمان لهم كما الفريق الأول، وليست لهم جرأة وجسارة الفريق الثاني في إعلان الكفر.
2 - النفاق وجذوره المنافق من مادّة (نفق ) على وزن (شفق) بمعنى الممرات والثقوب التي تجعل داخل الأرض لغرض التخفّي أو الهروب. وقد ورد في كتب القواميس اللغوية والمفردات أنّ المنافق مثل فأر الصحراء الذي يعدّ لمخبئه طريقين للهروب، فيجعل واحداً من الطريقين مفتوحاً فيذهب ويجيء منه، ، أي يخرج ويدخل منه، فيما يترك الطريق الآخر مغلقاً، ومتى ما شعر بالخطر فتحه برأسه وهرب، ويدعى الثقب المخفي هذا (نافقاً) ومن هذه المفردة اشتقت كلمة المنافق.
3- تاريخ ظهور النفاق في الإسلام حينما برزت ملامح انتصار الإسلام وهزيمة الكافرين في مختلف المناطق المحيطة بالإسلام، عمد فريق من المخالفين إلى تغيير خططهم وأساليبهم العملية، ففي الظاهر استسلموا وفي الواقع شكلوا فريقاً مخالفاً تحت الأرض، وهؤلاء سموا منافقين لكونهم ذوي وجهين، وهم أشد خطراً من الفريق الثاني (الكفّار)، لأنّ مواضعهم - وحتى مواقفهم - غير محدّدة ليتم التعرّف عليهم فيطردوا، بل إنّهم نفذوا وتغلغلوا بين الناس الصالحين، وكذلك قد استطاعوا حيازة بعض المناصب الحسّاسة والمهمة.
وهكذا واجه الإسلام مثل هذا الفريق في بداية الأمر، فبعد دخول النبي إلى المدينة قام بتأسيس قواعد الدولة الإسلامية، وبعد النصر في معركة بدر وبعد تعرّض منافع الكثيرين - ولا سيّما اليهود- للخطر، وهم الذين كانوا يحظون باحترام العرب باعتبارهم أهل كتاب ولهم شیء من العلم وكانوا متقدمين على مستوى الاقتصاد.. كما كان في المدينة أفراد يدّعون
الزعامة والرئاسة، ولكنّهم حين الهجرة النبوية اضطربت معادلاتهم، فرأوا بنظراتهم الظالمة والأنانية مع مؤيديهم أنّ الناس - ومنهم أقاربهم - ينظوون تحت راية الإسلام بسرعة فائقة.. فرأوا بعد مدة من المقاومة أن لا مناص لهم إلّا التظاهر بالإسلام، لأنّ الإصرار على تحدّي الإسلام والوقوف في الجبهة المضادة للدين الجديد يشكل خطراً ماحقاً على مصالحهم؛ مضافاً إلى مشاكل الحرب والمضارّ الاقتصادية، لا سيما وأن أكبر ما كان يمثل في العرب من قوّة هو الكيان القبلي، وقد انفصمت عرى هذا الكيان في الغالب لدى زحف الدين الجديد عليهم.. وبناء على هذا، فقد اختاروا طريقاً ثالثاً، وهو أن يتظاهروا بالإسلام مع استمرارهم في التآمر الخفي والتخطيط لإلحاق الهزيمة بالإسلام.
وجذوة القول؛ إنّ ظهور النفاق في مجتمع ما معلول شيئين:
ألف - انتصار وقوة الدين الموجود.
ب- ضعف المعنويّة وفقدان الشخصيّة والشهامة الكافية لمواجهة الحوادث الصعبة. (1)
4 - طرح موضوع النفاق في سور التوبة والحشر وبعض السور القرآنية الأخرى؛ مثل: سورة النساء من الآيات (141 - 143) وفي الآيات (49 و 62 - 85) من سورة التوبة وثلاثة عشر آية من سورة البقرة ونزول سورة كاملة وخاصة باسم المنافقين دليل كبير وواضح على خطر فكر ونفوذ
المنافقين إلى صف الإسلام والمسلمين.
5 - ضرورة التعرّف على المنافقين في كل مجتمع: لا شك أن ظاهرة النفاق والمنافقين لم تكن خاصة بالعصر النبوي، فهي موجودة في كلّ مجتمع، وقد ذكرت آيات القرآن؛ كسورة
1) مأخوذ من تفسیر نمونه، ج1، ص99.
المنافقين والروايات علائم وصفات عديدة للمنافقين، منها:
الفوضى العارمة والادعاءات الكبيرة والكلام الكثير والعمل القليل واللامنتظم.
فهم يتلوّنون مع لون كلّ مجتمع، ويتحدّثون طبقاً للمذاق العام.. فهم مع المؤمنين يقولون : (آمنًا) ومع المعارضين: (إنا معكم).
كما أنّهم يعدّون أنفسهم جسماً منفصلاً عن الناس، ويعمدون إلى تأسيس الفرق واللجان السرّيّة، ويخفون خططهم ومؤامراتهم.
ديدنهم الخداع والتآمر والكذب والتملّق والتذلّل والخيانة وعدم الوفاء بالعهود.
ويعدّون أنفسهم الأفضل، ويعتبرون الناس جهالاً سفهاء، وأنّهم هم الأذكياء والخبراء دون غيرهم.
ويمتازون بازدواجية الشخصية وبالتضاد بين معتقداتهم وأقوالهم.
ومن صفات المنافقين البارزة؛ مرض النفاق والازدواجية في التصريح.
وفقدانهم الشهامة لدى مواجهة الحوادث العسيرة.
ظهور آثار مرض النفاق على وجوههم وفي سلوك المنافقين.
6 - اتساع معنى النفاق رغم أنّ النفاق - بمفهومه الخاص - هو صفة الأشخاص عديمي الإيمان المتظاهرين بالوقوف في صف المسلمين، ولكن للنفاق - أيضاً - معنى واسعاً يشمل كل شكل من أشكال الازدواجية في الظاهر والباطن وفي القول والفعل، ولو أنّ هذه الظاهرة توفّرت في بعض المؤمنين، لأسميناها: بوادر النفاق.
فمثلاً: نقرأ في الحديث« ثلاث من كن فيه، كان منافقاً وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف» (1)ولا ريب أن هكذا أشخاص ليسوا
1) الكافي، ج 2، ص 290 و 291.
منافقين بالمعنى الخاص.
وعن المرائين نقرأ عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام:
«الرياء شجرة لا تثمر إلّا الشرك الخفي، وأصلها النفاق»(1).
7 - تعريف المنافق من وجهة نظر أمير المؤمنين عليه السلام:
«أوصيكم عباد الله بتقوى الله . وأحذركم أهل النفاق فإنهم الضالون المضلّون ، والزالون المزلون . يتلوّنون ألواناً ، ويفتنون افتناناً، ويعمدونكم بكلّ عماد ، ويرصدونكم بكل مرصاد .
قلوبهم دويّة، وصفاحهم نقيّة يمشون الخفاء ، ويدبّون الضرّاء. وصفهم دواء ، وقولهم شفاء ، وفعلهم الداء العياء . حسدة الرخاء ، ومؤكدو البلاء ، ومقنطو الرجاء . لهم بكل طريق صريع، وإلى كلّ قلب شفيع، ولكلّ شجو دموع . يتقارضون الثناء ، ويتراقبون الجزاء . إن سألوا ألحفوا ، وإن عدلوا كشفوا ، وإن حكموا أسرفوا . قد أعدوا لكلّ حق باطلاً، ولكلّ قائم مائلاً ، ولكلّ حيّ قاتلاً ، ولكلّ باب مفتاحاً ، ولكلّ ليل مصباحاً . يتوصلون إلى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم ، وينفقوا به أعلاقهم. يقولون فيشبهون ، ويصفون فيموّهون . قد هوّنوا الطريق ، وأضلعوا المضيق . فهم لمة الشيطان وحمسة النيرانأولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون»(2).
8- تخريب المنافقين: هذا الفريق يعدّ الأشدّ خطراً؛ ليس على الإسلام فحسب؛ بل على كلّ مذهب ثوري أو مجتمع متطوّر، فهم ينفذون إلى داخل صفوف المسلمين ويستثمرون كل فرصة للتخريب، ونشير هنا إلى بعض المصاديق :
ألف - الاستهزاء والسخرية بالمسلمين الذين يهدون وينفقون من أموالهم في سبيل الله
تعالى، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(1).
ب -يقرّرون تارة قطع المساعدات المالية على من حول رسول الله صلى الله عليه وآله بقصد تفريقهم، كما ورد في سورة المنافقين:هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ(2).
ج - يقرّرون تارة إخراج [النبي والمسلمين من المدينة؛ ويقولون:لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ(3).
د - حين يمتنعون - بمختلف الأعذار مثل الانشغال بالحصاد - عن المشاركة في المعارك والجهاد، فإنّهم في الواقع يتركون رسول الله صلى الله عليه وآله في أحلك الظروف، مع هلعهم من أن يكشف سرّهم فيفتضحون.
9 - باستعمال عبارة:يخادعون الله والذين آمنوا - ومع الالتفات إلى معنى المخادعة الذي هو الخدعة من جانبين - يرتسم مفهوم دقيق، وهو أنّهم بداعي افتقارهم للبصيرة ولكونهم عُمي القلوب، كانوا يظنون بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله مجرد مخادع - والعياذ بالله - قد ادعى النبوة وجاء بدين جديد ليحكم الناس ويترأسهم، مما أدى إلى التفاف بعض البسطاء والسذج حوله، ولذا صار لابد من مواجهته بالمكر والخديعة.. وعلى هذا؛ كان مسلك هؤلاء المنافقين المكر والخديعة من جانب؛ ومن جانب آخر قد تكرّس فيهم هذا الظن والمعتقد الخاطئ والظالم تجاه رسول الله الأعظم صلوات الله عليه وآله..
والعبارة التالية: وما يخدعون إلّا أنفسهم وما يشعرون تبطل ما ظنّوه وما ذهبوا إليه وما اتخذوه مسلكاً لأنفسهم باعتبار:
ألف - أنها تثبت أنّ المخادعة والمكر صادر عنهم فقط، وأنه سيعود إليهم. ب - من كلمة (وما يشعرون) يستفاد أنهم بدلاً عن الاستثمار المتوقع والمطلوب ممّا وهبهم الله تعالى لنيل السعادة قد تكرّس فيهم الميل إلى المخادعة والإقبال على ممارسة المكر ، حتّى أنّهم ليعودون من كلّ ذلك خالي الوفاض وبأثقال من الذنوب والخطايا ثمّ يغادرون الدنيا بها.
ج - لا ريب أن لا أحد قادر على مخادعة الله تعالى، لأنه العالم بما نُسرّ وما نعلن.
د - التعبير بجملة:يخادعون الله إما يقصد بها أنّ مخادعة النبي والمؤمنين كما مخادعة الله (وقد لوحظ من موارد قرآنيّة أخرى أنّ الله تعالى يجعل نفسه في صف الرسول والمؤمنين تعظيماً وتكريماً لهم) وإما يقصد بها أنّهم وبداعي عدم معرفتهم بصفات الله تعالى يظنون أنهم قادرون على إخفاء أمر عن الله أو أن شيئاً يمكن أن يخفى عليه سبحانه ضمن أفكارهم الباطلة والناقصة، وهذا ما أوردته آيات قرآنية غير قليلة.
10 - أنّ جملة: وما يشعرون الواردة في ختام آية: يخادعون الله إشارة إلى أنّ الإصابة بمرض النفاق يقضي على العقل والشعور، حتّى يغفل المنافق أنّ من يقابله هو الله عزّوجلّ المطلع على أسراره الداخلية، وأنه سيميط اللثام عن كلّ أفعاله في يوم القيامة.
11 - جملة: إنما نحن مصلحون إشارة واضحة إلى مسألة خداع الوجدان ممّا يؤدّي إلى انحراف الإنسان وضلاله.. فالمنافق، ولكي يتهرّب من مساءلة الوجدان وملامة الضمير تراه يعمد إلى مخادعة هذا الضمير اللائم له على أفعاله الخبيثة وانحرافه. وشيئاً فشيئاً يصدّق نفسه الأمارة بالسوء والقائلة بعدم قبح ما يصدر عنه، بل سيعد قبحه وانحرافه وقبح
أفعاله خطوات على طريق الإصلاح ومواجهة الفساد : إنما نحن مصلحون ليحصل على شيء من الاستقرار والطمأنينة عبر مخادعة الوجدان فيصرّ على ممارسة أفعاله القبيحة. مثال ذلك: أن قائداً عسكرياً (إسرائيلياً)أجاب عن سؤال حول السبب في شنّ الحرب على غزّة وقتل الأبرياء الفلسطينيين، بأن حكومته قد أعلنت الحرب على الفلسطينيين من أجل السلام!!
12 - جملة:ألا إنّهم هم السفهاء إشارة قرآنية إلى أن أفعال ونشاط الإنسان في هذه الدنيا تشبه حالة تجارية، وفي الحقيقة أننا جميعاً في هذا العالم تجار نحظى في سوق الدنيا بعطايا إلهيّة عديدة، مثل العقل والفطرة والعاطفة والقوّة البدنية ومواهب عالم الطبيعة وكذلك بقيادة الأنبياء.. ففريق يربح، وفريق ليس يخسر فحسب، بل ويفرّط بما أعطي من مواهب ونعم.. فيكون قد خسر خسراناً مبيناً. (1)
والنموذج الواضح لذلك؛ فريق المنافقين والقرآن في الآيات المذكورة وبعد التطرق إلى ممارساتهم التخريبية التي حاولوا إضفاء لباس الإصلاح والعقل عليها يقول: هؤلاء قد بدلوا الهدى بالضلال، ولم تنفعهم تجارتهم ولم يعودوا جديرين بالهداية. ولقد كان هذا الفريق قادراً على اختيار أفضل السبل؛ لأنهم كانوا على مقربة من معين الوحي الزلال وعاشوا ضمن مجتمع إيماني، ولكنّهم بدلوا القدرة على الهدى بحالة من العجز عن الخروج من الضلال.
13 - أنّ النفاق داء روحي، والمنافق مريض ، وكما أنّ المريض لا هو بميت ولا هو بمعافي، كذلك هو المنافق؛ لا هو بالمؤمن ولا هو بالكافر:في قلوبهم مرض.
14 - النفاق مرضٌ له خاصية النمو السرطاني: زادهم الله مرضا.
15 - المنافق المتعدّد الوجوه يعد نفسه مصلحاً:إنّما نحن مصلحون.
1) تفسير نور الثقلين، ج1، ص30.
16 - عن الإمام الرضا عليه السلام في تفسير آية: الله يستهزئ بهم يقول بأنّ الله ليس ماكراً ولا مخادعاً ولا مستهزئاً، ولكنّه يجزيهم على مكرهم واستهزائهم(1)
17 - المنافق لا يفقه ربحاً ولا خسارةً، ولهذا تراه يستبدل الضلالة بالهدى:اشتروا الضلالة بالهدى.
18 - لا ينبغي السقوط في وحل الغرور بإمهال الله وكثرة عطائه:يمدهم في طغيانهم.
19 - أنّ عاقبة المؤمن الهداية: على هدى من ربهم والانحراف نهاية المنافق: ما كانوا مهتدين.
20 - المنافقون يواجهون الله في الحقيقة لا المؤمنين ( فهم يستهزئون بالمؤمنين، ولكن الله يدافع عن أوليائه وسيعاقب المنافقين): الله يستهزئ بهم.
1) التوحيد، ص 163
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)
بعد بيان صفات وخصوصيات المنافقين، ضرب القرآن المجيد مثلاً حياً لتجسيد حالتهم في هذه الآية:
أولاً: شبّههم القرآن بمن أوقد ناراً ( في ليلة ظلماء) ليميز طريقه ويصل إلى مقصودهمثلهم كمثل الذي استوقد ناراً.
ولكن لهيب النار هذه حين أضاءت المساحة المحيطة به، أطفأه الله تعالى، فبقي متحيراً لا يرى شيئاً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون(1)
للمثال دور مؤثر لتفهيم الناس ما يراد من مطلب وبالمثال نستطيع تيسير المسائل المستعصية وجعلها محسوسة قابلة للفهم لعوام الناس، وعامل إسكات للمعاندين، وقد أورد القرآن أمثلة عديدة في آياته الشريفة.
من جملة ذلك : تمثيل الحق بالماء والباطل بالزبد(2)وتمثيل الحق بالشجرة الطيبة والباطل بالشجرة الخبيثة(3)وتشبيه أعمال الكفّار بالرماد في العاصفة(4)وتشبيه أعمال
المشركين بالسراب(1)وتشبيه الأصنام والطواغيت ببيت العنكبوت(2)وتشبيه العالم بلا عمل بحمار يحمل كتباً(3)وتمثيل الغيبة بأكل لحم الأخ الميت(4)وأخيراً ورد التشبيه في هذه الآية المجموعة من معنويات وحالات المنافقين بنار مشتعلة في ليلة مظلمة ومطر أطفأ الله تعالى به تلك النار ولم يبق منها سوى دخان ورماد وظلام..
3 - يقول الإمام الرضا عليه السلام معنى آية :تركهم في ظلمات.. أنّ الله أوكلهم إلى أنفسهم.(5)
4- استفاد القرآن هنا - بخصوص المنافقين من عبارة استوقد ناراً أي أنهم استعملوا النار لبلوغ النور، نار دخانها ورمادها محرقة، فيما المؤمنون ينتفعون من النور الخالص والمصباح المضيء والمفعم بالإيمان.
5 - تعبير القرآن فياستوقد ناراً إشارة إلى أنّ المنافقين ومهما تظاهروا بنور الإيمان، إذ باطنهم نار، وحتى لو كان ثَمّ نور؛ فهو ضئيل وقصير المدة، وهو إنّما كان لهم؛ بداعي الفطرة التوحيدية والإيمان الأوّل الذي سيتلاشى فيما بعد بفعل التقليد الأعمى والتعصب الخاطئ والعناد والعداوة الباطلة وسيسدل عليه ستار الظلام ليس ظلاماً فحسب، بل - حسب التعبير القرآني - ظلمات؛ وهي التي ستسلبهم قوة البصر والسمع والنطق في نهاية المطاف، وقد ذكرنا سلفاً أنّ الاستمرار في الخطأ يؤدّي بالتدريج إلى إضعاف القدرة على التمييز والإدراك لدى الإنسان فيرى الحقائق وهماً والخير شراً والملك غولاً.
6 - عبارة: فلما أضاءت ما حوله لعلها إشارة إلى أنهم قد يجدون نوراً ببركة الفرصة البسيطة وطريق النجاة لتلمّس الحق بحيث يتمكنون به من النجاة من خطر الظلمة والوصول إلى النور.. ولكن وأسفاه لهذه اليقظة التي لا تستمر.. إذ هي تمرّ كما البرق في جوّ السماء، فما أن يعزموا على التقدّم ببضع خطوات حتى يجدوه قد انطفأ وحلّت بدلاً عنه ظلمة الغفلة والحيرة..
7 - أنّ مستقبل وعاقبة المنافقين ظلمة في ظلمات.
8- في حياة الإنسان مسارات انحرافيّة كثيرة لا نهاية لها، أما المسار المستقيم؛ فواحد لاغير، والإنسان إذا أراد التحصن دون الظلمات والعواصف الرهيبة، لزمه إزاحة واختراق تلكم الظلمات ومقاومة العواصف، ولا يتم ذلك إلا بمصباح العقل والإيمان وشمس الوحي.
9 - ترى كم تحتاج الشعلة البسيطة التي يتمتع المنافق بها لدى نفاقه بشكل مؤقت من جهد جهيد لقطع هذا الطريق الطويل جداً والمفعم بالعواصف؟ فهذا النور المرتجف مقابل كلّ عاصفة هوجاء تقتلع تلكم الشعلة غير القابلة للاعتماد.
10 - هذا التشبيه في الحقيقة يوضح أمراً واقعاً في نطاق النفاق، وهو أن النفاق والازدواجية عاجزان عن التأثير لمدة طويلة.. وقد يستطيع المنافقون - لمدة قصيرة - أن يتمتعوا بمزايا المؤمنين ومصونيتهم، ولكنّ هذا الأمر بمثابة شعلة ضعيفة وغير مستديمة في صحراء مظلمة في مهب العواصف غير قابلة للمقاومة؛ وهنالك سيتكشف الوجه الحقيقي لهم وبدلاً من إحراز الموفّقيّة والمحبوبية، سيبقون مطردوين منفورين، وسيبقى حالهم كحال الضائع الضال في صحراء ضئيلة ،النور، وهكذا يبقى طيلة حياته المشؤومة.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)
1 - الأفراد المنافقون هم كناقصي الخلقة الذين يمهدون لمزيد من النقص.
ولهذا؛ فقد شهدنا استعمال عبارات خاصة في هذه الآية من قبيل:لا يشعرونوما يشعرونو لا يعلمونو لا يبصرونو يعمهون صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ بخصوص هؤلاء المنافقين.
2 - النفاق يعيق الإنسان عن إدراك الحقائق والمعارف الإلهيّة صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ .
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)
المثال الثاني للقرآن بخصوص تشبيه المنافقين: إذ يرسم مشهد حياتهم بصورة أخرى.. ليلة حالكة الظلام رهيبة وخطيرة والمطر يهطل بشدّة بالغة، ويقدح البرق المنير من كل أفق وهناك الصوت الهادر والموحش للرعد.. إنّه قريب.. ويخرق غشاء الأذن.. وهناك إنسان لا ملجأ له في سهل واسع ومظلم وعظيم الخطر.. حائر ضائع والمطر قد أبل ،ظهره، فلا ملجأ يستطيع الاطمئنان إليه، ولا الظلام يسمح له أن يخطو منه إلى مقصده...(1)
أما ما هو التفاوت بين المثال الثاني والمثال الأول؟ هنا ثم تفسيران:
الأول : الآية الأولىمثلهم كمثل الذي استوقد... إشارة إلى المنافقين الذين انضووا إلى صف المؤمنين الصادقين، وبالفعل فقد آمنوا ولكنّ إيمانهم كان إيماناً غير مستقر فاتجهوا فيما بعد إلى النفاق.
أما المثال الثاني أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ.. فيبيّن واقع المنافقين الذين انتموا إلى النفاق منذ البداية ولم يؤمنوا ولو للحظة واحدة.
ثمّ إنّ المثال الأوّل يبيّن حال الأفراد، فيما المثال الثاني يجسّد وضع بيئة النفاق، ولذا؛
1) تلخيص من تفسیر نمونه، ج1، ص113
جاء في المثال الأول:مثلهم مثل الذي... وجاء في المثال الثاني: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ... وهو إشارة إلى البيئة المرعبة والخطيرة التي يعيش فيها المناففون.
ومن هذه الآيات يمكن إدراك وتحليل واقع المنافقين وأنهم كانوا يعيشون الرعب والحيرة والضياع والعسر في المدينة، فالآيات كانت تترى بلهجة شديدة وقاطعة، مثل الرعد وبرق السماء؛ ضدّهم، وكانت الاحتمالات تتصاعد في كل لحظة بصدور الأمر بمعاقبتهم أو طردهم من المدينة على الأقلمن الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين.
لقد شبّه الله تعالى المنافقين بشخص متورّط بعاصفة من المطر قد أحيط بظلمة الليل وزئير الرعد ونور يخطف الأبصار وبالرعب والاضطراب وهلع الموت، ولكنه في الوقت نفسه يعجز عن أن يحفظ نفسه من المطر وليس له نور يضيء له الظلمة، كما أنه لا يستطيع الخلاص من صوت الرعد وهلع الموت.
والقرآن المجيد - بعبارة موجزة - يشبه حال المنافقين بمسافر تائه قد تورّط بليل مظلم
ومطر شديد يصحبه رعد و برق وصاعقة أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ثمّ تضيف العبارة القرآنية أنهم قد وضعوا أصابعهم آذانهم حذر الموت ولئلا يسمعوا هدير الصواعف المرعبة يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وفي الخاتمة قالت الآية :
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ فهم أينما ولواء لن يخرجوا عن قبضة القدرة الإلهية.
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)
لا قدرة للفرد المنافق على تحمّل رؤية الدلائل والمعاجز النورانية والآيات الإلهية، ومثله في ذلك مثل المسافر الليلي وقد ضل في صحراء محدّقاً في برق السماء عاجزاً عن المشي إلّا بعض خطوات.. هكذا هو حال المنافق في المجتمع الإسلامي، فهو وإن خطا بضع خطوات إلا أنه سرعان ما يتسمّر إلى موقفه لمجرد حادثة يصادفها أو تصادفه، فهو قد أطفأ مصباح فطرته؛ منتظراً بزوغ نور من قوى خارجية.
لقد ظنّ المنافقون - باختيارهم طريق النفاق - أنّهم أشخاص أذكياء نبهون يستطيعون حفظ أنفسهم في كل حال أو صونها من كل خطر، أو يستثمرون كلّ منفعة تصيب الجانبين - جانب المؤمنين وجانب الكافرين - فيحملون أنفسهم على أي فريق تتحقق له الغلبة والنصر، فإن غلب المؤمنين كانوا في صفّهم، وإن انتصر الكافرون وقفوا إلى جانبهم.. ويريدون إدامة حياتهم على بصيص هذا الأمل الواهي وغير الدائم لينالوا شيئاً من المنفعة.. ولكن القرآن الحكيم أماط اللثام عن واقعهم المرير هذا وفضح أكذوبتهم.
كما تقرأ: «إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1). حتّى أنّ القرآن قد أعلن للكافرين أنّ هؤلاء المنافقين ليسوا معهم، وأنّهم لن يفوا بما وعدوا.(2) وفي عبارة يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْوتشبيه خطوهم وحركتهم - المنافقون - بظلام حياتهم، فإنّهم سيواجهون موجات البرق الظاهرة في جوّ السماء ، إذ أنّ هذا النور سيخطف
أبصارهم، فمتى ما لاح هذا النور وأضاء صحراء حياتهم خطوا بعض الخطوات، ولكنّ الصحراء سرعان ما تعود مظلمة فيتوقفونكُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا فهم يستشعرون حالة الخطر في كل لحظة، إذ لا جبل يرى في قلب هذه الصحراء ولا شجرة تحول دون خطر الرعد والبرق والعاصفة، وهم قد يكونون هدفاً للصواعق في كلّ أن فيتحولون إلى رماد في لحظة واحدة.(3)
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ لعله إشارة إلى اتساع رقعة الإسلام السريع كما البرق السماوي، وقد خطف أبصارهم، والآيات القرآنية التي كشفت عن أسرارهم كما الصواعق قد استهدفتهم، وقد كانوا يتوقعون في كلّ آن نزول آية تفضح أسرارهم الأخرى ليواجهوا واقعاً أكثر وأشدّ افتضاحاً، كما ورد في الآية (64) من سورة التوبةيحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إنّ الله مخرج ما تحذرون. من هنا؛ كان الهلع يستولي على المنافقين؛ إذ يكشف أسرارهم كان من الممكن أن يصدر الأمر الإلهي بإعلان الحرب على هؤلاء الأعداء الخائنين الداخليين، فيحمل عليهم المسلمون الذين صاروا إذ ذاك أقوى وأكثر.. قال القرآن المجيد:لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِلُوا تَقْتِيلاً (61) (1). ورغم أنّ شأن نزول هذه الآيات؛ كان في منافقي العصر النبوي إلّا أنّه مع الأخذ بنظر الاعتبار وجود وحضور خط النفاق في كلّ زمان في مواجهة خط الثورات الحقة، فإنّ المعنى يكون شاملاً لجميع العصور والقرون..
إن الله على كل شيء قدير متى ما قيل بأنّ الله قادر على كل شيء، فإنّ المراد هو الشيء الممكن - في إطار الحكمة والمنطق - فمثلاً: إذا قلنا بأنّ فلاناً عالم رياضي جهبذ؛ فلا يعني هذا أنه قادر على تغيير حاصل جمع (22) ليكون خمسة، لأنّ هذا الأمر محال. روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غيران تصغر الدنيا أو تكبر البيضة؟ قال: ان الله تبارك و تعالى لا ينسب الى العجز و الذي سألتنى لا يكون. (2) وقوله سبحانه:ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إنّ الله على كل شيء قدير يمكن تصويره بأنّ المنافقين قد ضلّوا سبيلهم، ومثلهم في ذلك مثل الذين هم في ليلة ظلماء وقد تعرّضوا لهطول المطر القرين بالرعد والبرق الخاطف فلا يعرفون ماذا يفعلون؛ وهم قد استولى عليهم القلق والاضطراب والحيرة والضياع فتوقفوا في أماكنهم.. إذ لا يسعهم العثور على طريق يمشون فيه، ولا يتوفّر لهم دليل يخطون على أثر خطوه، بل إنّ الخطر الماحق قد بدأ يداهمهم؛ إذ البرق يخطف أبصارهم فيعمي عيونهم.. نعم؛ لو أراد الله تعالى أن يذهب بأبصارهم؛ لفعل، لأنّ الله على كل شي قدير.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
بين القرآن المجيد في الآيات السالفة حال ثلاث فرق (المؤمنون والكافرون والمنافقون) وأكّد أنّ المؤمنين مشمولون بالهداية الإلهيّة وأنّ القرآن هاديهم ودليلهم، في حين أنّ الكافرين قد طبع على قلوبهم بالجهل وغشي على أعينهم وأبصارهم بالغفلة وسلبوا القدرة على التمييز، وأنّ المنافقين هم مرضى القلوب، ويزدادون مرضاً بسبب سوء أعمالهم.
ولكن في الآيات محط البحث هنا، وبعد هذه المقايسة الواضحة، تحدد مسار السعادة والنجاة؛ وهو الالتحاق بالفريق الأول، وقد ورد فيها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وهنا ينبغي الالتفات إلى بضع نقاط :
تکرار خطاب يَا أَيُّهَا النَّاسُ حوالي عشرين مرة في القرآن، وهو خطاب جامع عام، ممّا يشير إلى أنّ الكتاب العظيم ليس مختصاً بعنصر وقبيلة وطائفة وطبقة محدّدة، بل هو يشرك الجميع بدعوته وخطابه، إذ يدعو الناس جميعاً إلى عبادة الله الواحد الأحد الخالق، وإلى مواجهة كل أشكال الشرك والانحراف عن خط التوحيد والإيمان.
والعوامل الموجبة لتوجّه الإنسان نحو الله سبحانه وعبادته يمكن تلخيصها في الأمور أدناه:
ألف - الالتفات إلى نعم الله تبارك وتعالى؛ الخالق الرازق ربّ العالمين.
ب - التفات الإنسان إلى علاقته وحاجته في الدنيا إلى الربّ المتعال.
ج - معرفة آثار وبركات ونتائج العبادة.
د - معرفة الآثار السيئة والنتائج القبيحة لترك العبادة.
ه- - التأكد من أنّ كلّ ما في الوجود مطيع ومسبح الله تعالى، فلماذا يكون الإنسان العاصي واللامنتظم الوحيد..
و - معرفة أنّ الحبّ الله وعبادته قد جعلا في روح الإنسان بشكل فطري، فمن هو الأسمى والأقدس من الله لنعشقه ونعبده؟
لأنّ تكريس الإحساس والشعور بالشكر لدى الناس وحتّهم على عبادة الله يبدأ من أهمّ النعم، وهي نعمة الخلق لجميع الناس نعمة هي آية قدرة الربّ المتعال وآية العلم والحكمة لديه، لأنّ خلق الإنسان - هذا الكائن المكرّم في عالم الوجود - آية علم الله وقدرته اللامتناهية مضافاً إلى النعم الكثيرة الأخرى.
أما الذين لا يخضعون الله سبحانه ولا يعبدونه؛ فهم في الغالب لا يفكرون في خلقتهم ولاخلقة آبائهم من قبل، ولا يلتفتون إلى بطلان نسبة هذا الخلق الواسع الكبير إلى الطبيعة، وإلى أنّ هذه النعم الهادفة والفذّة ظاهرة في بدن الإنسان وروحه.. فلا يمكن أن تكون من فعل غير مبدأ العلم ومصدر القدرة اللامتناهية.
إنّ التذكير بالنعم يعدّ علامة ودليلاً في إطار معرفة الله تعالى، كما هو دافع محرّك على شكره وعبادته، ونتيجة ذلك هو التقوىلعلكم تتقون.
إنّ عبادة الإنسان هي الهدف من الخلقة وليس هدف الخالق (الله) لأنَّه غنيٌّ عن عبادتنا له.
فعبادتنا وأدعيتنا لا تضيف شيئاً لله عزّوجلّ ولجاهه ولجلاله، كما أنّ عدم ممارستها لا
تنقص شيئاً من عظمة مقامه.. وذلك مثلما الناس لا يؤثرون في وجود الشمس وفي إشراقها: سواء بنوا بيوتهم باتجاهها أو أداروا لها ظهورهم.. فلو أنّ جميع الناس كفروا؛ فإنّه غني عنهمإِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ(1).
إنما العبادة مدرسة تربوية لتعليم وتكريس التقوى، والتقوى هي الشعور بالمسؤولية والباعث الباطني الذي هو معيار قيمة الإنسان وميزان معرفة وتحديد شخصيته، ولو أنّ العبادة لم تبعث على التقوى، فإنّها ليست عبادة..
والهدف من خلقة الإنسان والعالم هو تكامل ابن آدم ونموّه واستثمار الوجود بالشكل المناسب؛ بدليل الآية (13) من سورة الجاثية: سخر لكم والآية (29) من سورة البقرة (خلق لكم ) وإنّ تكامل الإنسان رهين العبادة والعبودية لله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون(2)ونتيجة العبادة والعبودية بلوغ التقوىاعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(3)ونهاية التقوى ومبلغها هو الفوز والفلاح.(4)
وقد تمّ بيان علل عبادة الله في آيات قرآنية عديدة، مثل:
ألف - لأنّ الله هو الخالق والربّاعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(5).
ب - اعبدوا الله لأنه المتكفّل برزقكم وأمنكم فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(6).
ج - لأنه لا معبود سواه لا إله إلّا أنا فاعبدني (1).)فالعبادة هي الباعث على التقوى، وما لم تؤدِ العبادة إلى تقوى، فإنّها ليست بعبادة ﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
أما كيف تكون العبادة ؟ هي على خمسة أنواع:
ألف - العبادة طبقاً لما أمر الله؛ بلا زيادة أو نقصان.
ب - العبادة القائمة على الوعي والمعرفة بمن يعبدحَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (2)
ج - العبادة المقرونة بالنية الخالصةوَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (3).
د - العبادة المرفقة بالتسليم والخشوعفِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(4).
ه- - العبادة مع العشق، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أفضل الناس من عشق العبادة»(5).
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)
في هذه الآية الكريمة تمت الإشارة إلى قسم آخر من النعم الإلهية الكبيرة.. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ومفردة الفراش يراد منها الراحة؛ وكم هو تعبير رائع وجميل؛ وهو كون الأرض فراشاً؛ إشارة إلى النعم الكثيرة الوفيرة الأخرى. كما هي قساوة الجبال، ولطافة التراب في السهول، فالفارق بينهما كالفارق بين الشمس والأرض، ودرجة الحرارة فيها، ووجود الأنهار والوديان والجبال والنباتات والحركات المختلفة.. وكلّ ذلك ينظوي تحت عنوان كون الأرض فراشاً معداً للإنسان..
وللإمام السجّاد عليه السلام تفسير لهذه الآية وإيضاح لجمال هذه الحقيقة إذ قال:
جعلها ملائمة لطبائعكم... جعل الأرض فراشاً لكم» ثمّ يشير عليه السلام إلى نعمة السماء متحدّثاً: أنّه تعالى قد جعل السماء سقفاً فوق رؤوسكم وَالسَّمَاءَ بِنَاءً(1).
1) التوحيد، ص 404
مفردة بِنَاءًتبيّن أنّ السماء فوق رؤوسكم قد بنيت، كما السقف طبعاً، وقد ورد هذا المعنى بصورة أكثر صراحة: وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً (1).
وكلمة السَّمَاءِ ذات معان عدّة في القرآن والقدر المشترك في تلكم المعاني أنها في الجهة (الفوقانيّة) أو ذات بعد فوقاني، أحدها ما ورد في هذه الآية أنها فضاء الأرض، أي غلاف الهواء المتراكم حول الأرض ومغطيها، وضخامتها- طبقاً لنظريات العلماء - عدة مئات من الكيلومترات.
وهذه القشرة الخاصة كما السقف البلوري المحيط بالأرض من كلّ جهة، وفي الوقت الذي لا يمنع نور الشمس من الإشراق على الأرض، فإنّه على قدر من المتانة والمقاومة، بحيث يمنع من أن تكون الأرض عرضةً دائمة لرجم الشهب والنيازك المتناثرة في السماء، أو لسلب سكان الأرض أمانهم واستقرارهم ، ولكن هذه القشرة المضغوطة تحرق - ضمن مئات الكيلومترات - جميع الصخور السماوية قبل سقوطها على سطح الأرض وتبيدها، فلا يبقى ولا ينفذ منها إلا عدد قليل، وكأن هذا العدد (المتسلل) أجراس خطر تنبّه أهل الأرض، علماً أن سقوطه لم يؤدّ في يوم من الأيام إلى سلبهم الأمان والاستقرار. ثمّ إنّ الآية بعد ذلك تتناول نعمة المطر فتقول: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً .
والإمام السجّاد عليه السلام أشار - في تفسير هذه الآية وبخصوص نزول المطر من السماء إلى أنّ الله تعالى ينزل المطر من السماء على جميع قمم الجبال والسهول والوديان والحفر (فيشبع جميعها من الماء) وجعله قطرات متوالية (وتكون القطرات
1) سورة الأنبياء، ص 32.
كبيرة في بعض الأحيان) لينفذ إلى الأرض فتشبع وتُروى، ولم يرسل المطر كهيئة السيل ليغسل البقاع والأشجار والمزارع والثمار.(1)
ثمّ يشير القرآن الكريم إلى أنواع الثمار والفواكه الناتجة عن بركة المطر وإلى أنواع الرزق الذي يناله البشر، ويؤكد أنه تبارك وتعالى وبواسطة المطر قد جعل الثمار رزقاً للناس فأخرج من الثمرات رزقاً لكم.
وهذا التخطيط الإلهي - من جهة - يرسم ملامح الرحمة الواسعة المتجهة إلى جميع العباد، ومن جهة أخرى؛ يبيّن قدرة الله على خلق مئات آلاف أنواع الفواكه والغذاء بخواص متفاوتة للناس والحيوانات من هذا الماء عديم اللون. وهذا يعد - بدوره - من أوّل الدلائل على وجود الله تعالى، ولذا؛ تراه يقول بلا فصل:فلا تجعلوا الله أنداداً وأنتم تعلمون بلى؛ إنّ جميعكم يعلم أنّ هذه الأصنام والشركاء المزوّرين لم يخلقوكم ولم يرزقوكم، ولم تصلكم أدنى المواهب منهم، فكيف يا ترى تعدّونهم شبه الله عزّوجلّ.
الأنداد: جمع ند، على وزن (ضدّ) بمعنى الشريك والشبيه ومن البديهي أنّ هذا الشبه والشراكة كان مما يزعم للصنم، دون أن يكون هذا أمراً حقيقياً فيها.
مسألة: عبادة الأصنام بأشكال مختلفة
هنا ينبغي الالتفات إلى الحقيقة القائلة بأن جعل الشريك الله تعالى لا ينحصر في صناعة الأصنام الحجريّة والخشبيّة، أو ما هو أكثر من ذلك، مثل جعل إنسان كالمسيح عليه السلام أحد الآلهة الثلاث، بل إنّ للشرك بالله أشكالاً وصوراً مختلفة، منها ما هو خفي وأكثر خفاءً، وعموماً هو كلّ أمر يؤدّي إلى جعل أنداد في مصاف الله واعتبارها مؤثرة في الحياة..
ولابن عباس؛ وهو من صحابة النبي صلى الله عليه وآله عبارة بهذا الصدد، إذ قال:
1) التوحيد، ص 404
«الأنداد هو الشرك ؛ أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي! أو يقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة! وقول الرجل لصاحبه :ما شاء الله وشئت هذا كله به شرك»(1).
وروي أنّ رجلاً قال هذه الجملة في محضر النبي صلّى الله عليه وآله: «ما شاء الله وشئت» (ما أراد الله وأردت أنت) فقال النبي صلوات الله عليه وآله: «أجعلتني الله ندا»؟(2)
وفي تعبير العوام طالما يتردّد القول: الله أولاً وأنت ثانياً ولولا فلان لانتهى أمري وهنا يلزم الإيمان بأنّ مثل هذه العبارات غير مناسبة للإنسان الموحد الكامل...
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)
ينبغي لكل نبي ورسول من قبل الله تعالى أن يأتي بدليل رصين - وهو ما يدعى بالمعجزة - لإثبات صدقه وحقانيته. والمعجزة لغةً مأخوذة من العجز وعدم الاستطاعة، أي: أنّ كلّ نبي ولإثبات نبوّته؛ عليه أن يأتي بدليل خارق للعادة يعجز الناس من أن يأتوا بمثله ولا يستطيع الدجالون والكذابون والمشعوذون أن يجاروه، فيعجزون عن أن يخدعوا غيرهم بادعاءاتهم الكاذبة الباطلة؛ لئلا تعم الفوضى الساحة الاجتماعية، وعليه؛ فالمعجزة هي علامة وآية صدق الأنبياء، وهي بمثابة الحد الفاصل بينهم وبين المدعين زوراً للنبوة. وكما أن أصل بعثة الأنبياء أمر لازم لهداية المجتمع وضروري، كذلك فإنّ الإتيان بالمعجزة أمر ضروري ولازم لإثبات صدقهم وحقّانيتهم.
والنبيّ صاحب المعجزة يلزمه أيضاً أن يعلن تحدّيه لهم ودعوته لأن يقابلوه بالمثل، فهو يجب أن يعلن عن معجزته لتأخذ هذه المعجزة مساحتها العملية والفعلية لكي يأتوه بمثلها لو كانوا يستطيعون ذلك.. وهذا هو التحدّي وطلب المبارز قبيل المعركة !
أما القرآن؛ فهو المعجزة الخالدة لنبي الإسلام صلّى الله عليه وآله من بين المعاجز المحمدية الأخرى، وهو الوثيقة الأسمى في تاريخ الرسالات السماوية، وهو سند ودليل حقّانيّة
النبي والإسلام وغير مختص بزمان، وهو كتاب فوق إمكانية إنكار الناس، وقد عجزت البشرية - طيلة الدهور - من أن تأتي بمثله، وهذا هو الإعجاز السماوي المشهود.
والسبب في أن صار القرآن عنوان وسند حقانية النبي والإسلام وكونه المعجزة المحمدية الأعظم من بين جميع معاجزه صلّى الله عليه وآله أنّه معجزة ناطقة خالدة روحانية وعالمية.
والأنبياء السابقون؛ مثل موسى وعيسى عليهما السلام وجب أن يكونوا مصاحبين لمعاجزهم، ولإثبات إعجازهم راحوا يدعون معارضيهم إلى مواجهتهم، وفي الحقيقة كانت معاجزهم غير ناطقة ولذلك؛ فإنّهم كانوا يأخذون دور المكمّل لها.. ولكن القرآن المجيد معجزة حيّة وغير محتاجة إلى تعريف فهو يدعو بنفسه إلى نفسه، ويحرّض معارضيه إلى المبارزة، وهو - لا شك - المنتصر في جميع المواجهات، ولذلك؛ وبعد مرور القرون على وفاة النبي صلى الله عليه وآله ما يزال هذا القرآن - كما في حياة النبي - مستمراً في دعوته وتحدّيه .. إنّه دين ومعجزة وقانون ووثيقة القانون.
مضافاً إلى أنّ القرآن الكريم لا يعرف حدود الزمان والمكان؛ بل هو فوق الزمان والمكان، فيما المعجزات النبوية الأخرى ومعاجز الأنبياء الآخرين كانت تسير ضمن حدود معينة من الزمان وفي نقطة مكانيّة محدّدة، وقد تمت على مرأى ومسمع أشخاص خاصين.. فأن يتكلّم رضيع السيد مريم عليها السلام، وأن يقوم هذا الوليد الرضيع - فيما بعد - بإحياء الموتى وأمثال ذلك في زمان ومكان وفي مقابل أفراد معينين.. كلّ تلكم المعاجز قد اصبطغت بلون الزمان والمكان.. وكلّما يمرّ عليها الزمن تكون أقل وضوحاً، وهذه هي خاصية الزمان.. ولكن معجزة القرآن تتعدّى كل الحدود.
1 - مع أنّ الآيات السالفة كانت تتحدّث عن الكفر والنفاق والإيمان، فإنّ الكفر والنفاق
يتجسّد بعدم إدراك الوحي والقرآن، أو بالشك والتردّد في عظمة هذه المعجزة، أو في كونها إلهيّة، ولهذا وجدنا الله عزّوجل - ولطرد كلّ شك وكلّ صور واحتمالات الترديد تجاه المعجزة المحمّديّة والرسالة الخاتمة - يقول: إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله.
2- لقد دعا الله تعالى جميع منكري ومخالفي القرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وآله إلى المبارزة المبارزة التي طالبهم فيها بالإتيان ولو بسورة واحدة مثل سور القرآن إن كانوا يصرون على الإنكار والمخالفة ليتحقق لهم إسكات صوت القرآن والنبي كما يزعمون ويرغبون...
3 - لتأكيد عجز المخالفين المنكرين عن الإتيان بمثل القرآن، دعاهم الله تعالى إلى طلب النصرة من نظرائهم وأعوانهم ومؤيديهم المضادين لله وللإسلام (جميع أهل الأرض) وعدم الاكتفاء بتحديهم للقرآن ،بمفردهم، هذا إن كانوا صادقين في دعواهم القائلة بأنّ القرآن ليس كتاباً إلهيّاً وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين.
4 - إنّ عجز المخالفين والكافرين عن الإتيان بمثل القرآن أو سورة منه دليل على أنّ القرآن وحي سماوي من عند ربّ العالمين وإثبات ربانية الرسالة المحمدية.
5 - عبارة إن كنتم صادقين لإثارة الكافرين لقبول المبارزة، وإنّ الدعوة إليها لابد أن تكون قاطعة قادرة على إثارة العدو - ليحضر ساحة الصراع بكل قواه وليعلم - بعد العجز المطلق عن تحقيق النصر - أن ما يواجهه وينهزم أمامه ظاهرة غير بشرية؛ وأنها أمر إلهي عظيم.
6 - في الآية (66) تمّت الاستفادة من لحن تعبيري آخر لإثبات مزيد من عجز الكافرين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين.
7 - ذهب بعض المفسرين إلى أنّ المقصود من عبارة وقودها الناس والحجارة إلفات الأنظار إلى شدّة حرارة النار، بحيث تتحوّل فيها الحجارة والناس إلى وقود لها.
8 - لكي يثبت الله تعالى حقانية النبي صلّى الله عليه وآله والقرآن، عمد سبحانه - من جهة - إلى إثارة الكافرين ومن جهة ثانية إلى شيء من التحقيق، كما ورد في سورة الإسراء المباركة والآية (88): قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْل هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً .
وفي سورة هود التي نزلت بمكة نقرأ:أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (1)فهم إن كانوا يدعون أن النبي قد افترى هذا القرآن وسوره وآياته وكلماته على الله ونسبها إليه، فالجدير أن يأتوا بشيء وجزء بسيط مثله باعتبار أنّ القرآن ليس من الله وكونه من صنع المخلوق..
1 - أبو العلاء المعري (المتهم بمعارضة القرآن) هذا الكلام محط اتفاق بين جميع الناس( كافرهم ومسلمهم) على أنّه الكتاب الذي جاء به محمّد صلّى الله عليه وآله، وقد غلب القلوب ولم يستطع أحد حتى الآن أن يأتي بمثله، ولا يشبه أسلوبه أي أسلوب معروف بين العرب، سواء كان أسلوب الخطابة أو الرجز أو الشعر أو السجع أو الكهانة..
إنّ ميزة وجاذبية هذا الكتاب على قدر كبير من الخصوصية، فلو وقعت آية من موقعها ووضعت في موضع آخر للمعت كلمعان النجم الوهاج في الليلة الظلماء...
1) سورة هود / 13 و 14 .
2- الوليد بن المغيرة المخزومي، وقد كان مشتهراً بحسن التدبير بين العرب، وكان يستعان به في الجاهليّة لحل المشاكل الاجتماعية لعمق تفكيره وفطنته وكياسته، حتى سُمّي ب- (ريحانة قريش).
بعد أن استمع الوليد أوائل آيات سورة غافر من النبي صلّى الله عليه وآله حضر محفلاً لعشيرة بني مخزوم وقال التالي: والله لقد سمعت من محمّد حديثاً لا يشبه حديث إنسان ولا جانّ ؛ «وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق، وإنّه يعلو ولا يُعلى عليه»(1).
3- كارلايل: المؤرّخ والعالم الإنجليزي؛ قال عن القرآن المجيد: لو أمعنا النظر في هذا الكتاب المقدّس لتبيّن بشكل صريح الحقائق الناصعة وخصائص أسرار الوجود بحيث نجد في مضامينه جواهر تدلّ على عظمة وحقيقة القرآن ،بجلاء، وهذه مزيّة عظمى يختص بها القرآن فحسب، ولا تتوفّر في أي كتاب علمي وسياسي واقتصادي غيره، نعم؛ إنّ قراءة بعض الكتب لها تأثير عميق في ذهن الإنسان؛ ولكنّه غير قابل للقياس بتأثير القرآن، ولهذا يجدر القول: إنّ المزايا الأولية للقرآن وأركانه الأساسيّة مرتبطة بحقيقته وإثاراته النزيهة وعناوينه ومضامينه المهمة حيث لا يتسلل لأحدها شك ولا ترديد، وهي بمثابة متمّمة للفضائل الأخلاقية، وسبب مباشر للسعادة البشرية، وهذا ما يبدو جلياً فيه.(2)
4 - جان دیون بورت مؤلّف كتاب ( عذراً لمحمد والقرآن) كتب:
القرآن مبرّأ ومنزّه عن النقائص إلى حدٍ لا يحتاج فيه لأبسط تصحيح وإصلاح، ويمكن أن يقرأ من الأوّل إلى الخاتمة دون الإصابة بملل. ويضيف قائلاً: الجميع يقرّ بهذه الحقيقة وأنّ القرآن قد نزل
بأبلغ وأفصح لسان وبلهجة قريش التي هي الأنجب والأكثر أدباً بين العرب، وهو مفعم بالنورانية الأرقى وأمتن التشبيهات.(1)
5 - غوته ؛ الشاعر والمفكّر الألماني يقول : القرآن كتاب بسبب ثقل عبارته؛ فإن قارئه (أحياناً) يُقاد إليه ثم يفتن به وبجاذبيته وأخيراً ينجذب كلّ الانجذاب لجماله الرائع. ويكتب في موضع آخر: لقد أبعدنا القساوسة - غير المؤمنين بالله - طيلة سنين مديدة عن حقائق القرآن المقدّس وعمّن جاء به وهو محمد (صلى الله عليه وآله). ولكن كلّما خطونا في جادّة العلم والمعرفة أزيحت من أمامنا حواجز الجهل والتعصب .. وسرعان ما سيجذب هذا الكتاب غير القابل للوصف (القرآن) العالم إليه، وهو الذي ترك أثره العميق في علم الدنيا ومعرفتها، وسيكون محور أفكار العالم. ويقول غوته أيضاً: لقد أدرنا أظهرنا للقرآن في البداية، ولكن سرعان ما لفت أنظارنا إليه وتركنا مدهوشين حتى اضطرنا إلى التسليم التام لأصوله
وقوانينه العلميّة العظيمة.(2)
6 - ویل دورانت؛ المؤرّخ المعروف ؛ يقول : لقد أضفى القرآن على المسلمين عزّة النفس والعدل والتقوى، بما لا يشبه ولا يتوفّر في أي بقعة من بقاع الأرض.(3)
7 - جول لا بوم؛ العالم والكاتب الفرنسي؛ قال في كتاب (تفصيل الآيات): أحرزت البشرية ما لديها من علم ومعرفة من المسلمين، والمسلمون حصلوا على علومهم ومعارفهم من القرآن الذي هو بحر من العلوم، وتجري منه أنهار المعرفة على البشرية والعالم.(4)
8- دينورت؛ مستشرق ،آخر کتب : الواجب أن نعترف بأنّ العلوم الطبيعية والفلكية
والفلسفيّة والرياضيّة الرائجة في أوروبا قد جاءتها من بركة التعاليم القرآنية.. ونحن مدينون للمسلمين بذلك، بل إنّ أوربا - من هذه الناحية - صارت مدينة للإسلام .(1)
9- الدكتورة لوراواكسيا واجليري؛ الأستاذة في جامعة نابولي قالت في كتابها (الانتشار السريع للإسلام كتاب الإسلام)السماوي نموذج من الإعجاز والقرآن كتاب لا يمكن تقليده فأسلوب ونموذج القرآن لا سابقة له في عالم الأدب والتأثير الذي يتركه هذا الأسلوب في روح الإنسان ينشأ من ميزاته وأفضليته. ترى كيف يمكن أن يكون هذا الكتاب الإعجازي من صنع محمّد (صلى الله عليه وآله) في حين أنه كان رجلاً عربياً لم يحضر درساً ولم يتتلمذ على يد أحد؟.. إننا نرى في هذا الكتاب كنوزاً وذخائر من العلوم هي أسمى من قابلية أذكى الأشخاص وأكبر الفلاسفة وألمع رجال السياسة والقانون.(2)
لهذه الأسباب، لم يكن القرآن من عمل إنسان مهما كان متعلماً عالماً...
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)
في هذه الآية تمت الإشارة إلى ثلاثة مطالب:
ألف - الإشارة إلى أنواع ثمار هذه الجنّات في قوله تعالى:كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ.
وللمفسّرين في تفسير هذه الجملة آراء مختلفة:
1 - التفسير الأول: المقصود هو أنّ هذه النعم نتيجة الأعمال التي قمنا بها في الدنيا من قبل، وقد مهدنا لها فيما سلف.
2 - التفسير الثاني: حينما يؤتى لأهل الجنة من ثمارها للمرّة الثانية يقولون: هذه الثمار قد تناولنا منها فيما مضى، ولكنّهم حين يأكلونها يشعرون أنّ لها طعماً ولذة جديدة على عکس ثمار الأرض التي لا يتفاوت طعم الثمرة الواحدة مهما تعدّد تناولها.. إلّا أنّ ثمرة الجنّة، مع أن الثمرة الواحدة وإن تعددت إلّا أنها ذات جنس واحد؛ يتم تناولها ويتفاوت طعمها ولذتها في كلّ مرّة، وهذا من مميزات ذلك العالم حيث ينتفي فيه التكرار...
3- قال بعض المفسرين: المقصود هو أنهم حين يرون ثمار الجنّة يجدونها شبيهة بثمار الدنيا، ولكي لا يتذكروا ما يسيئهم، فإنّهم يجدون فيها ولها طعماً ولذة أرقى..
4- الاحتمال الرابع: لا مانع من أن تكون الجملة القرآنية إشارة إلى جميع هذه المفاهيم والتفاسير، ذلك لأنّ ألفاظ القرآن تتضمن عدة معاني:
ب - ثم يضيف النص القرآني قائلاً:وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا.
أي أنّ كلّ نعيم الجنّة متشابهاً من حيث الجمال والجودة والروعة اللامتناهية، حتى أنه لا يمكن ترجيح شيء على شيء، على عكس ثمار الأرض التي قد يكون بعضها ناضجاً لذيذاً فيما البعض الآخر فاسداً تالفاً أولا لذة فيه أو لا رائحة طيبة له..
ج - آخر نعم أهل الجنة التي أشارت إليها الآية هي: الأزواج المطهرة وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ مطهرة من كل رجس ولوث مما هو معروف في عالم الدنيا.. مطهرة من حيث الروح والقلب والجسم والمظهر..
1 - في آيات قرآنية كثيرة جداً اقترن إيراد الإيمان بالعمل الصالح بحيث يتضح أن هذين الأمرين غير قابلين للانفصال عن بعضهما، وهذا الصحيح هو ، لأن الإيمان والعمل يكمّل أحدهما الآخر.
2 - في العادة يذكر الإيمان إلى جانب العمل الصالح، ولكنّ الإيمان يقدّم على العمل الصالح، لأنّ مثل الإيمان مثل غرفة نورانية من الداخل فيما شعاعها يخرج من النوافذ.
3 - أحد إشكالات النعم الدنيوية أنّ الإنسان مع وجود النعمة بين يديه إلّا أنه يفكر في احتمال زوالها ويقلق لأجلها، وعلى هذا لا يمكن لهذه النعم أن تكون عامل استقرار لصاحبها، إلّا أنّ نعم الجنّة، لكونها خالدة ولا تفنى ولا تزول؛ فهي تامة باعثة على الطمأنينة،
ولذا رأينا الآية تقول في ختامها وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
4 - يمكن أن يصدر عن غير المؤمنين عملاً صالحاً أحياناً، ولكن المسلم أنه لن يكون دائميّاً.. والضمان للعمل الصالح هو الإيمان المتكرّس في أعماق الإنسان ويشعر به بالمسؤولية.
5 - الوصف الوحيد الوارد الأزواج الجنّة في هذه الآية هو مُطَهَّرَةٌ وهذا إشارة إلى أنّ أوّل وأهمّ شرط في الزوج والزوجة هو الطهارة والنزاهة؛ وكلّ شرط آخر خاضع لشرط الطهر، وقد روي في الحديث النبوي الشريف: «إياكم وخضراء الدمن قيل يا رسول الله ! وما خضراء الدمن ؟
قال: «المرأة الحسناء في منبت السوء»(1).
6 - رغم ورود الحديث في آيات قرآنية عديدة عن النعم المادية في الجنة - الحدائق والأنهار والمياه الجارية والعيون والقصور والأزواج المطهرة والثمار المتنوعة والإخوان وأمثال ذلك.. إلا أنه وإلى جانب هذه النعم؛ قد تمت الإشارة إلى النعم المعنوية الأهم أيضاً، ولا يمكن
تقييم وتحديد عظمتها وفق معاييرنا.. فمثلاً: ورد في آخر الآية (72) من سورة التوبة بخصوص نعمة من نعم الجنّة المعنويّة: رضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم فإن نال الإنسان ذلك المقام حيث يشعر برضا الله تعالى عنه وكان - بطبيعة الحال - راضياً عن ربه، فإنّه سيغفل عن
جميع النعم والملذات الأخرى، إذ قد تعلّق قلبه بربه، فلا يفكر فيما سواه.. وهذه - لعمري - لذة معنويّة لا يمكن وصف شيء منها بأي لسان وبأي بيان...
1) الكافي، ج 5 ، ص 332.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)
1 - الحياء يكون مذموماً حيث يكون شرعيّاً أو عقليّاً أو عرفياً في دائرة الذم، ولكنّه لدى بيان الحقائق ليس كذلكلَا يَسْتَحْيِي.
2 - لإثبات مطالبه الحقة، عمد الله تعالى إلى استخدام الأمثلة في القرآن وكما فعل في التوراة والإنجيل والمثال - في الحقيقة - وسيلة لتجسيد الحقائق وتارة يضطر المتكلّم - في مقام التحقير وبيان ضعف المدعين - إلى اختيار التمثيل بأضعف موجود حتّى.
فمثلاً: نقرأ في الآية (73) من سورة الحج: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ وهنا لا مثال أفضل من الذباب لتجسيد ضعف وعجز الكافرين.
3- لا ريب في أنه إذا ضرب مثال - بدلاً من هذا المثال البسيط - بالأمور الكبيرة، مثل
خلقة الكواكب والسماوات، لكان أمراً غير مناسب ، ولا يتفق وأصول الفصاحة والبلاغة.
هنا يقول الله تعالى بأنّه لا يأبى أن يضرب مثلاً بالبعوضة أو أعلى منها لأجل استشعار الحقائق العقلائية لدى تلبّسها بالأمثلة الحسّيّة، ويضعها تحت تصرف عباده.
سؤال: هل يُضلّ الله تعالى فريقاً بالقرآن وأمثلته؟
إنّ الله سبحانه لا يُضلّ أحداً، بل إنّ كلّ من ينازع الحقائق القرآنية يضل نفسه، وبهذا يمكن القول إنّ القرآن يصير سبباً لضلاله، تقول الآية:
وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ أي أنّ فسق الناس سبب ضلالهم.. ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكلف الله سبحانه بالإيمان ويبعث كلّ الأنبياء وينزل الكتب السماوية ثمّ يقوم بإضلال الضالين! سؤال : ما المقصود من قول القرآن فَمَا فَوْقَهَا؟ قالت جماعة من المفسرين: المقصود من هذه الكلمة فما فوقها في الصغر، لأنّ المقام مقام بيان صغر المثال.
روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال إنما ضرب الله المثل بالبعوضة لأن البعوضة على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره و زيادة عضوين آخرين [القرون والأجنحة] فأراد الله تعالى أن ينبه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه و عجیب صنعه (1).
ومعلوم أنّ إعادة التفكير في هذا الموجود الضعيف ظاهراً - وهو الذي شبهه بالفيل - يلفت النظر إلى عظمة الخالق. لا سيّما خرطومها الشبيه بخرطوم الفيل، مفرغ من الداخل ذو قوة خاصة في سحب الدم، هذا الأنبوب الأكثر دقة من كلّ أنابيب الدنيا، والممر الذي فيه دقيق بشكل استثنائي..
1) مجمع البيان، ج1، ص 165
لقد أعطاها الله تعالى قوة جذب ودفع وهضم، وكذلك يداً ورجلاً وأذناً مناسبة، وأعطاها أجنحة لتطير بها للبحث عن الغذاء، وهذه الأجنحة ذات حركة سريعة للغاية بحيث لا يمكن ملاحظتها بالعين المجرّدة، وهذه الحشرة حسّاسة بحيث تستشعر الخطر لمجرّد ملاحظتها شيئاً يتحرّك على مقربة منها فتبتعد بسرعة خاطفة، والعجب أنها مع تناهي صغرها تعجز وتزعج أضخم الحيوانات. (1)
4 - ظاهر تعبير الآية أعلاه يمكن أن تتسبب في إيجاد وهم بخصوص الهداية والضلال وأنّهما على سبيل الإجبار وأنّهما منوطان بإرادة الله تعالى.. والحال أنّ الفقرة الأخيرة من الآية تكشف عن الحقيقة القائلة بأنّ محور الهداية والضلال هو أفعال الإنسان نفسه، ودائماً ما تكون لهذه الأفعال والمواقف والآراء نتائج خاصة، من جملتها : إذا عمل عملاً صالحاً؛ كانت نتيجته البصيرة والتوفيق والهداية إلى الله تعالى والإقبال على المزيد من فعل الخير.
وشاهد هذا الرأي؛ الآية (29) من سورة الأنفال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وقوله سبحانه في الآية (16) من سورة المائدة: وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ .
والآية محط البحث شاهد هذا المنحى من المعتقد: وما يضل به إلّا الفاسقين.
5 - أنّ الهداية والضلال - في القرآن - لا يحملان معنى الإجبار على الاختيار الصحيح أو الخطأ، بل إنّ آيات عديدة تشير إلى أنّ الهداية بمعنى توفير وسائل السعادة، وأنّ الإضلال تعني إزاحة الأرضية المساعدة، من دون أن يكون في البين إجبار، وأن أعمال الإنسان هي التي
يستتبعها الهدى أو الضلال، إذن؛ فإذا هدى الله رجلاً أو سلبه التوفيق؛ فإنّما يكون الحال هذا نتيجة مباشرة لأعماله.
1) تفسير الامثل، ج1، ص 150.
حينما يمرّ الإنسان إلى جانب واد سحيق أو يجوز نهراً خطيراً، فإنّ قدمه مهما اقتربت منهما، تعرضت لخطر الانزلاق وتفاقم احتمال السقوط ، وقلّت إمكانية النجاة.. وكلّما نأى بنفسه عن ذلك، كان موطئ قدمه أكثر صلابة واطمئناناً وقل احتمال سقوطه.. فهذا هداية وذاك ضلال...
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)
حيث كانت الآية الأخيرة قد تناولت ضلال الفاسقين، وفي هذه الآية ميزت الفاسقين وحددت صفاتهم:
الصفة الأولى: أنهم الذين ينقضون عهد الله بعد ميثاقه الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.
سؤال: العهد أمر ثنائي، ونحن لا نتذكر أبداً أننا قد عقدنا مع الله سبحانه وتعالى ميثاقاً في الماضي بهذا الصدد...
جواب هذا السؤال هو أنه تعالى قد جعل في عمق روح الإنسان وباطنه شعوراً خاصاً وقوّة مميّزة يستطيع بها العثور على الطريق الصحيح والابتعاد عن الشيطان وهوى النفس، وأن يستجيب إلى دعوة القادة الربّانيّين.
1 - الناس في الواقع - قد قطعوا مع الله تعالى عهوداً مختلفة.. منها: عهد التوحيد ومعرفة الله وعدم التبعية للشيطان وهوى النفس، ولكنّ الفاسقين نقضوا كل هذه العهود ولم يستجيبوا لدعوة الحق واتّبعوا الهوى ونداه الشيطان.
2 - يسمّي القرآن هذه الفطرة بعهد الله والعهد الإلهي، وهذه الآية تشير إلى هذه الفطرة التوحيدية ومعرفة الله تعالى وحبّ طي سبيل التكامل.. يقول القرآن: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(1).
3 - كلّما وهب الإنسان موهبةً، أخذ منه بلسان الخلقة عهداً بشكل عملي. فحيث أعطاه عيناً، كان لابد أن يرى بها الحقائق.. وحيث أعطاه أذناً؛ فعليه أن يسمع بها صوت الحق، وهكذا.. كلّما امتنع الفرد عن تجاهل الفطرة، أو استثمر الطاقات التي وهبها الله تبارك وتعالى خطأ، يكون قد نقض عهد الله.
الصفة الثانية للفاسقين أنهم يقطعون الأواصر التي أمر الله أن توظد: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ .
يقطع الفاسقون العلاقات والصلات التي أمر الله أن توطد، وهذه العلاقات تشمل الصلة مع الأقارب والأصدقاء والأواصر الاجتماعية والصلة مع القادة الإلهيين ومع الله تعالى بحدّ ذاته، وعلى هذا؛ لا يصح حصر معنى الآية بقضية قطع الأرحام وتجاهل العلاقة مع ذوي
القربي، رغم أن كثيراً من المفسرين عدوا هذه الآية ناظرة إلى خصوصية قطع الرحم وعلاقة القرابة.. ولكن التدقيق في مفهومها يؤدّي إلى أنها ذات معنى أوسع وأعم، وأن مسألة قطع الرحم أحد مصاديقها.
وذهب مفسرون آخرون إلى أنّ الآية تشير إلى قطع العلاقة مع الأنبياء والمؤمنين، أو قطع العلاقة مع الأنبياء الآخرين وكتبهم السماوية التي أمر الله تعالى أن توصل، وواضح أن هذه
1) سورة يس / 60 و 61.
التفاسير تشير إلى بعض المفاهيم العامة للآية. وقد أكّد أهل البيت عليهم السلام أن عبارة ما أمر الله به أن يوصل هو العلاقة بأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة الطاهرين سلام الله عليهم (1).
ورغم أنّ الآية أعلاه تتحدث عن احترام جميع الصلات الإلهية، إلا أنّ ممّا لا شك فيه أنّ صلة الأرحام مصداق واضح لها أيضاً.
وأهمّيّة صلة الرحم ذات درجة فائقة بحيث ورد في الحديث النبوي الشريف: «صلة الرحم تعمر الديار وتزيد في الأعمار وإن كان أهلها غير أخيار»(2).
ونقرأ عن مولانا الصادق عليه السلام: «صل رحمك ولو بشربة من ماء، وأفضل ما يوصل به الرحم كف الأذى عنها»(3).
إنّ قبح قطع الرحم يبلغ حداً ينصح فيه الإمام السجّاد عليه السلام أحد أبنائه - وعموم المسلمين - بعدم مصاحبة خمسة أشكال من الناس؛ وأحد هذه الأشكال: قاطع الرحم، فيقول: «.. وإياك ومصاحبة القاطع رحمه، فإنّي وجدته ملعوناً في كتاب الله »(4).
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن أبغض الأعمال عند الله ؟ فأجاب: «الشرك بالله فقيل وبعده؟ قال: «قطع الرحم»(5).
وأورد العلّامة المجلسي رحمه الله في ذيل آية: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ - 110 - أحاديث تتناول أهمية صلة الرحم(6)وقد أشار بعضها إلى الموضوعات أدناه:
ألف - زيارة الأقارب وإن أظهروا عدم الاهتمام.
ب - أن أفضل الأقدام قدم خطت لصلة الرحم وزيارتهم.
ج - صلة الأرحام تكون ولو بالتحية والسلام.
د - مساعدة الأقرباء مالياً تعدل من الثواب مساعدة الغرباء أربعة وعشرين ضعفاً.
صفة الفاسقين الثالثة: الفساد في الأرض حيث أشير إلى ذلك في آخر مقطع من الآية ويفسدون في الأرض .
ولا ريب في وضوح هذا المطلب.. فالذين نسوا الله سبحانه وأحجموا عن إطاعته، ويفتقرون إلى الشفقة والمحبّة لأقاربهم وينهمكون في تلبية رغباتهم الشهوانية وتحقيق منافعهم الشخصيّة الباطلة.. إنّما غايتهم كسب أكبر قدر من المصالح الذاتية، ولتحقيق هذه الغاية لا يمتنعون عن أي محرّم.. وواضح أنّ هذا النوع من التفكير والسلوك يؤدّي إلى ما
لا يحصى من المفاسد والفوضى الاجتماعية.
والقرآن الكريم يعلن في خاتمة هذه الآية قائلاً: أولئك هم الخاسرون .. لا سيما وأنّ ناقض العهد إنّما يلحق الضرر بنفسه..
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)
1 - أفضل طريق لمعرفة الله ؛ التفكّر في خلقة الوجود.
2 - التفكّر في ظاهرة الحياة والممات يلفت نظر الإنسان إلى أنّ حياة الإنسان لو كانت بيده واختياره لكان دائم الوجود فيها، وذلك لأنه لم يكن من قبل ثمّ خُلق ثمّ سيموت!
3 - أن مسألة الحياة مسألة مجهولة الحقيقة ، ولكنّ آثارها مشهودة في حياة الإنسان، كما أنّ حقيقة خالق هذه الحياة غير قابلة للإدراك، ولكن آثاره في الوجود مشهودة.
4 - أنّ التفكّر في تقلبات الموت والحياة خير سبيل ودليل لإثبات وجود الله تعالىكنتم أمواتاً فمعرفة النفس مقدّمة لمعرفة الله عزّوجلّ.
5 - دين الله تعالى يعد الهدف من الحياة والموت رجوعا إلى مصدر الكمالثم إليه ترجعون.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
1 - بعد ذكر نعمة الحياة والإشارة إلى مسألة حياة وموت الإنسان يقول سبحانه:هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.
2 - أنّ الدنيا خلقت لأجل الإنسان دون العكس خَلَقَ لَكُمْ.
3 - أنّ هذه الآية تؤكد قيمة وجود البشر وسيادتهم على جميع الموجودات الأرضية.. وهنا بالذات نعي أنّ الله تعالى قد خلق هذا الإنسان لأمر قيم وعظيم للغاية، لأنه تعالى خلق كلّ شيء لأجله، ولكن لماذا تمت خلقة الإنسان؟
4 - ليست هذه الآية الوحيدة في القرآن التي تشير إلى مقام الإنسان السامي، بل القرآن مفعم بالآيات المؤكدة على أنّ ابن آدم يتجسد فيه الهدف النهائي من خلقة كلّ موجودات العالم، كما في الآية (13) من سورة الجاثية وسخّر لكم ما في السماوات والأرض وفي مواضع قرآنية أخرى نطالع تفصيل ذلك:
وسخّر لكم الليل والنهار(1). وسخّر لكم البحر(2). وسخّر الشمس والقمر(3). 4 - أنّ السماوات السبع مكتملة الاعتدال وليس فيها أدنى درجة من اللانظام فسواهن سبع سماوات.
5 - كلمة ثمّ في عبارة ثم استوى إلى السماءلا تعني الترتيب أو التأخير في الزمان بل يمكن أن تكون بمعنى التأخير في البيان وذكر الحقائق المتتالية أيضاً.
6 - كلمة السماء لغةً بمعنى فوق، مع أنّ لمفهومها معاني عديدة، ولذا نراها قد استعملت في القرآن في موارد متعدّدة.
تارة لأمتار قليلة فوق مستوى سطح الأرض، مثل أغصان الأشجار ذات الارتفاع القليل، كما قال سبحانه:كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء(4).
وتارة إلى منطقة بعيدة عن سطح الأرض حيث موضع الغيوم، كما نقرأ في قوله سبحانه: ونزلنا من السماء ماءً مباركاً (5).
وتارة يشار بها إلى الفضاء والقشرة المتراكمة من الهواء المحيط بالأرض الغلاف الجوّي - : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً(6)لأننا نعلم بأن جوّ الأرض كما السقف
الكائن فوق رؤوسنا، وسقف الأرض له من القوّة والمتانة ما يصونها عن سقوط الشهب والنيازك من الفضاء الخارجي.. ولولا وجود هذا الغلاف لكانت الأرض وسكانها عرضة لمخاطر هذه الصخور.. ولكن وجود هذه القشرة يؤدّي إلى احتراق الشهب والنيازك لدى ارتطامها بها ثمّ
لتتحوّل إلى رماد وهباء..
7 - سؤال : ما المقصود من السماوات السبع ؟ للمفسرين وعلماء الإسلام احتمالات متنوّعة وتفاسير مختلفة:
الاحتمال والتفسير الأول: أنّ بعض السماوات سبع سماوات كما هي الأرضين السبع (عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل والقمر والشمس).
الاحتمال والتفسير الثاني المقصود بها هو الطبقات المتراكمة للهواء في الأطراف والقشرات المتعدّدة للأرض الكائنة فوق بعض..
الاحتمال والتفسير الثالث أنّها إشارة إلى وجود السماوات المتعدّدة وكرات العالم العلوي الكثيرة؛ دون قصد عدد بالذات والعدد (7) هنا ليس بمعنى العدد الخاص المعروف، بل هو عدد تكثيري بمعنى التعداد الكثير. وهذا ما يلاحظ بكثرة في كلام العرب وحتى القرآن، كما في الآية (27) من سورة لقمان المباركة : ( ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) ولا شكّ في أنّ المقصود من مفردة (7) هنا ليس العدد المخصوص المعروف، بل لو أن آلاف آلاف البحار صارت مداداً ما كان ليكون محصياً لعلم الله وكلماته اللامتناهية..
وما يبدو أكثر صحة هنا أنّ المقصود من السماوات السبع هو المعنى الواقعي للسماوات السبع.. وتكرار هذه العبارة في عديد من الآيات القرآنية إشارة إلى هذا العدد المخصوص..
وهكذا يمكن الاستفادة من آيات القرآن المجيد أن جميع الكواكب والنجوم التي نراها
جزء من السماء الأولى، وأنّ عوالم السماوات الست الأخرى خارجة عن نطاق رؤيتنا والوسائل العلميّة والتقنية المتوفّرة، وعموماً؛ فإنّ العوالم السبعة تشكّل عنوان السماوات السبع (وشاهد هذا القول الآية - 12 - من سورة فصّلت والآية - 6 - من سورة الصافات).
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)
قرأنا في الآيات السابقة أنّ الله تعالى قد خلق كل الأشياء لأجل الإنسان، وقد تحدثت الآيات بشكل صريح عن مسألة قيادة وخلافة هذا الإنسان في الأرض، مما أثار تساؤل الملائكة عن إمكانية الفساد البشري وما تبع ذلك من ردّ وإيضاح من جانب الربّ المتعال، ثم سجود الملائكة للإنسان الأول.
وفي هذه المجموعة من الآيات، أي من الآية (30) إلى (39) تمّ عرض ثلاثة مطالب أساسية، وهي:
1 - إخبار الله للملائكة عن خلافة وإدارة الإنسان في الأرض والحديث أو المحاورة التي دارت بينهم وبينه سبحانه وتعالى.
2 - أمر الملائكة بالخضوع وتعظيم الإنسان، وقد ذكر هذا في العديد من الآيات القرآنية وفي مناسبات مختلفة.
3 - تصوير واقع آدم عليه السلام وحياته في الجنّة والحوادث التي أدت إلى خروجه من الجنّة، ثمّ توبته وحياته في الأرض مع ذرّيّته.. قال سبحانه للملائكة: (إنّي أعلم ما لا تعلمون ).
سؤال: ترى ما المقصود من الخلافة ولماذا؟
احتمل المفسرون احتمالات عدة:
1 - قال بعض المفسرين إنّ المقصود من الخليفة هم الملائكة الذين سبقوا آدم في التواجد على الأرض...
2 - أنّ المقصود من الخلافة خلافة البشر أو موجودات أخرى كانت تعيش في الأرض قبل الإنسان.
3- الإشارة بها إلى خلافة الأجيال البشرية لبعضها..
ولكن الانصاف هو - كما أقر بذلك كثير من المفسرين - أنّ المقصود هو الخلافة الإلهية في الأرض، ذلك لأنّ السؤال الذي ستطرحه الملائكة بعد ذلك وتقول: إن ذرية آدم يمكن أن تكون مبدأ الفساد وسفك الدماء، فيما هي تسبّح الله وتقدسه، وهو الذي يناسب هذا المعنى. لأنّ خليفة الله في الأرض وخلافته لا يتناسبان والإفساد وسفك الدماء في الأرض...
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء والحال أننا - الملائكة - نعبدك ونسبّح لك ونحمدك. ثمّ إنّ الآية محط البحث تضيف: انبرى الملائكة متسائلين؛ لا معترضين لإدراك الحقيقة
ومعرفة السرّ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك.
ولكن الله تعالى هنا أجابهم بإيجاز بالغ قائلاً:إني أعلم ما لا تعلمون.
لقد بدت الملائكة صريحة جدّاً في تساؤلها عن خلافة هذا المخلوق الجديد الذي ستصدر عنه المفاسد بأشكالها المروّعة.
سؤال: كيف عرف الملائكة أنّ الإنسان سيفسد في الأرض ويريق الدماء؟ للإجابة هناك عدة احتمالات:
1 - احتمل البعض أنّ الملائكة قد أدركت هذا المطلب من كلمة في الأرض لعلمهم بأنّ الإنسان قد خلق من تراب ولمحدودية المادة، ستكون الأرض مركز ومحور نزاع وتزاحم بين العقل وهوى النفس.. ومن جهة أخرى ستكون الحياة غير كاملة، وهذا العالم المادّيّ المحدود لا يسعه تلبية حرص الإنسان وطمعه في المزيد من كلّ شيء، بل حتى لو أعطي الدنيا بما فيها، فلعله يطلب المزيد من دون أن يشبع، وإنّ هذا الوضع إذا ما اقترن بالشعور بالمسؤوليّة فإنّه سيكون سبباً مباشراً للفساد وإراقة الدماء.
2 - يقال تارةً إنّ الله تعالى قد أخبر الملائكة بمستقبل الإنسان - المليء بالمفاسد وإراقة الدماء - بشكل إجمالي.
3- إنّ تنبؤ الملائكة كان بداعي أنّ آدم لم يكن المخلوق الأول الذي ستطأ قدماه الأرض، بل قد سبقته مخلوقات أخرى انهمكت في الصراع والنزاع بمختلف أشكاله، وهذا ما دعا الملائكة إلى إساءة الملائكة الظن بذريّة آدم !
إنّ هذه التفاسير والاحتمالات الثلاثة لا تختلف كثيراً عن بعضها، ولعلّ جميع ما ذكر كان سبباً لسؤال الملائكة في هذا المطلب، بل إنّ ذلك كان أمراً واقعاً مع توفّر بعض العلم لدى الملائكة، ولذا وجدنا الله تعالى لم ينكر الأمر أبداً، بل أشار إلى وجود حقائق أهم فيما يتعلّق بالإنسان ومقامه ممّا ذكر الملائكة حيث لم يكونوا مطلعين عليها بالمقدار الكافي!
لقد كان الملائكة يذهبون إلى أنّه إن كان الهدف من الخلقة هو العبادة والعبودية - فهم المصداق التام لها - إذ هم غارقون دوماً في العبادة وتنفيذ أوامر الله؛ فهم الأجدر بالخلافة.. غافلين عن أنّ عبادتهم وطاعتهم المطلقة مع الأخذ بعين الاعتبار تجردهم عن الشهوة والغضب
والحسد والتكبر وأشباه ذلك، تتفاوت عظيم التفاوت مع عبادة وعبودية الإنسان الذي تحيط به الرغبات والشهوات والشيطان من كلّ جهة، وأين عبادة وطاعة ذلك المخلوق الذي تتناوشه
العواصف والأعاصير من عبادة ذاك الذي يجلس مسترخياً مستريحاً على شاطئ بحر هادئ ورائع المنظر ؟! وأنّى للملائكة أن تعي بأنّ ثمّ أنبياء مثل محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وأئمة مثل أهل البيت سلام الله عليهم، وعباداً صالحين وشهداء وصديقين -رجالاً ونساءً - سيكونون من نسل آدم عليه السلام ويضحون في سبيل الله تعالى بعد أن يسكنوا الأرض.. فهم أفراد تكون الساعة الواحدة من تفكيرهم تعدل سنين مديدة من عبادة الملائكة؟!
جدير بالذكر أنّ الملائكة قد قدّمت نفسها باعتبارها جديرة بالخلافة اعتماداً على ثلاث صفات متوفّرة فيها، وهي: التسبيح والتحميد والتقديس، ولا ريب أن التسبيح والتحميد يعنيان أنّ الله تعالى مجرّد عن أي نقص وهو مطلق في الجمال والجلال والكمال..
سؤال: ما هو التقديس؟
عدّ البعض التقديس القول بالطهارة والبعد عن أي نقص، وهذا لا يعدو أن يكون تأكيداً للتسبيح ومعناه. ولكن بعضاً آخر ذهب إلى أنّ التقديس مشتق من مادة (قدس) أي تطهير سطح الأرض من الفاسدين المفسدين، أو: تطهير الذات من جميع الصفات القبيحة المذمومة، وتطهير الجسم والروح في سبيل الله . وكلمة لك في جملة نقدّس لك شاهد ودليل هذا المقصد، هكذا ذهب البعض، لأنّ الملائكة لم يقولوا: نقدسك، بل قالوا: نقدس لك أي: نطهر المجتمع لك..
وفي الحقيقة؛ أرادوا القول بأنّ الهدف إذا كان الطاعة والعبودية؛ فنحن عباد مطيعون، وإن كان الهدف العبادة؛ فنحن منشغلون بها على الدوام، وإن كان تطهير الذات أو تطهير جه الأرض هو الهدف؛ فنحن نفعل كلّ ذلك.. في حين أنّ الإنسان المادي فاسد بنفسه وسيملأ الأرض بالمفاسد..
ولكن من أجل إيضاح الحقائق بالتفصيل للملائكة، عمد الله تعالى إلى امتحانهم، ليقروا بأنفسهم بأنّ ثمّ تفاوتاً شاسعاً جداً بينهم وبين آدم..
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
1- علّم الله تعالى آدم أسماء وأسرار العالم؛ بدءا بأسماء الأولياء وحتّى الجمادات.. وعلى حدّ عبارة الإمام الصادق عليه السلام التي جاء فيها:
«الأرضين والجبال والشعاب والأودية» ثمّ نظر إلى بساط تحته فقال: «وهذا البساط ممّا علّمه»(1).
2 - لم يكن علم الأسماء يشبه علم الألفاظ، بل كان بخصوص فلسفة وأسرار الكيفيات وخواصها، فعلّم الله آدم كلّ هذه ليستطيع بواسطة المواهب المادّيّة والمعنويّة في هذا العالم أن يطوي مسيرة تكامله
3 - من جملة العلوم؛ القدرة على تسمية الأشياء؛ علمها آدم، ليتمكّن من تسميتها، فيستدعيها عند الحاجة إليها ويستغني عن الإشارة إليها أو قصدها، وهذه بحدّ ذاتها نعمة
1) تفسير العياشي، ج 1، ص 32
كبرى.
4 - أنّ المعلم الأصل هو الله تعالى.. والقلم والبيان والأستاذ والكتاب بمثابة مقدّمات التعليم (علّم).
5 - أرجحيّة الإنسان على الملائكة بداعي العلم (وعلّم آدم).
6 - لتعليم الآخرين.. أرقى طريق هو إجراء الامتحان وعرض أوجه التفاوت وأشكال المواهب.. (علّم.. ثمّ عرضهم.. فقال أنبئوني).
7- الإنسان قادر على تلقي واستيعاب جميع العلوم (كلّها).
8- تم امتحان الملائكة بعد تعليم آدم العلوم من جانب الله تعالى، فقال لهم متحدّياً أن يثبتوا جدارتهم في مقابل هذا المخلوق الجديدثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
9 - اعتراف الملائكة بالجهل بالعلوم التي اطلع آدم عليها قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
10 - الاعتذار على السؤال دون علم قيمة ما بحدّ ذاتها: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا فإن كنّا سألنا بهذا الصدد؛ فمن جهلنا، إذ لم نطلع عليه، وقد كنّا نجهل مدى استعداد وقابلية آدم العجيبة على التعلّمإِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فهو الجدير بالخلافة، وإنّ الأرض وعالم الوجود ناقص من دونه (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ﴾ وهنا جاء الدور لآدم أن يعلّم الملائكة ما تعلّم..
وحيث أنبأهم بالأسماء، قال الله للملائكة: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
هنا؛ سلّم الملائكة لعلم آدم الوسيع ومعرفته العميقة.. واتضح لهم أنّ الجدير بخلافة
الله في الأرض هو آدم فحسب.
وعبارة َا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ للمفسّرين فيها عدة احتمالات:
1 - قال البعض بأنّ هذه الجملة إشارة إلى أنّ الملائكة لم ينطقوا ويعلموا إلّا ما كان في قلوبهم.
2 - وقال آخرون : هذا إشارة إلى استكبار إبليس الذي كان في صف الملائكة في ذلك اليوم، وقد خوطب بخطابهم ، وكان صمّم على عدم الخضوع في محضر آدم.
3 - يحتمل أيضاً أنّ المقصود بأنّ الملائكة كانوا يعدّون أنفسهم الأجدر من كلّ أحد بخلافة الله في الأرض، ورغم أنهم أشاروا إلى هذا المطلب ضمناً إلّا أنهم لم يصرحوا به تماماً.
سؤال: لو كان الله تعالى قد علّم الملائكة أيضاً، لأحرزوا هذه الفضيلة التي أحرزها آدم، فما وجه الميزة التي حظي بها آدم دون الملائكة؟
للإجابة على ذلك؛ ينبغي الالتفات إلى المسألة التالية:
ورد في سورة الرحمن؛ الآية (4): علّمه البيان والواضح أن تعليم الله للإنسان قد تمّ في مدرسة الخلقة، ومعناه: الاستعداد والقابلية وخصوصيّة الفطرة، وقد كان للملائكة خلقة خاصة لم تتضمن التعلّم بدرجة قابلية آدم، لأنّهم خلقوا لهدف آخر.. دون الهدف من خلقة آدم.. وبهذا الدليل استوعبت الملائكة ما قيل لها وأمرت به بعد الامتحان المذكور، ولكن لعلّهم كانوا يظنون بأنهم على استعداد لتحقيق هذا الهدف أيضا.. ولكنّ الله تعالى - بهذا الامتحان – بيّن لهم أنّ علمالأسماء وما تم من امتحان به أظهر التفاوت في القابلية لدى الطرفين..
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)
تتمّة للبحوث السابقة الخاصة بمقام وعظمة الإنسان عمد القرآن إلى بحث آخر، فقال بدءا: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فامتثل الجميع لهذا الأمر الإلهي إلا إبليس الذي تكبّر عن أن يسجدفَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ نعم؛ إنه استكبر، ولأجل هذا الاستكبار وهذا
التمرّد صار من الكافرين :وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.
1 - رغم أنه يبدو - بادئ بدء - أنّ مسألة السجدة لآدم جرت بعد اختبار الملائكة وتعليم آدم الأسماء، إلّا أنّ الدقة وملاحظة الآيات تؤدّي إلى القول بأن القرآن يؤكد على أن هذا
الموضوع قد وقع - بلا فصل - بعد خلقة الإنسان وتكامل الخلقة فيه وقبل اختبار الملائكة،
بدليل القول الوارد في الآية (29) من سورة الحجر فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين .. وهذا المعنى ورد في الآية (72) من سورة ص أيضاً.
2 - الدليل الآخر على هذا الموضوع هو أنه لو كان الأمر بالسجود بعد اتضاح مقام آدم؛ فإنَّه لا يحسب للملائكة موضع فخر، لأنّ في تلك الأثناء كان قد اتضح مقام آدم للجميع.
3- أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم؛ وشهادة هذه الآيات يعد سنداً حياً وواضحاً لشرف الإنسان وكرامة مقامه، لأنّ الجدير بمقام الخلافة الإلهيّة في الأرض وكلّ تلك القابلية على كل هذا التكامل وحمل نور ذريّته السامية (الأنبياء وخاتمهم وأوصاؤه على وجه الخصوص) يكون هذا الإنسان - آدم - أهلاً لكل الاحترام.
4 - الملائكة أيضاً كما الإنسان كانوا مورد الخطاب والأمر والنهي اسْجُدُوا لِآدَمَ.
5- الجدارة؛ أهم من السابقة.. فالملائكة السابقون مأمورون بالسجود للإنسان، هذا المخلوق الجديد الجدير.
سؤال : ما الفرق بين الشيطان وإبليس ؟ ولماذا عصى إبليس ؟
نعلم أنّ الشيطان اسم لجنس الشيطان، حيث يشمل الشيطان الأول وجميع الشياطين، ولكنّ إبليس اسم خاص وإشارة إلى ذلك الشيطان الذي غوى آدم، فهو - طبقاً لصريح الآيات القرآنيّة - لم يكن من جنس الملائكة وعنصرهم بل كان في صفّهم ومن طائفة الجنّ، وهم المخلوقون المادّيّون.. نقرأ في الآية (50) من سورة الكهف فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وكان دافعه إلى المعصية الكبر والغرور والعصبية الخاصة حيث كان
يذهب إلى فوقانيته على آدم وأنه لا ينبغي أمره بالسجود لآدم، كما أن السبب في كفره أنه عدّ أمر الله الحكيم باطلاً ، فهو لم يعص الله فعلياً فحسب، بل كان معترضاً في عقيدته.. وعلى هذا الأساس؛ فقد تلاشى حاصل عمره الذي قضاه بالعبادة لتكبّره وأنانيته وحسده.. فأحرق
كل وجوده، وكان لكبره وغروره وحسده كل الآثار السيئة عليه..
إن عبارةكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَيشير إلى:
أنه قبل صدور هذا الأمر الإلهي قد عزل ونأى بنفسه عن مسار الملائكة وطاعة الله عزّوجل، وراح يفكر بالتمرد على أوامر الربّ المتعال، ولعلّه كان يقول في نفسه: إن أمرت بالسجود والخضوع، فلن أطيع، ويمكن أن تكون جملة ما كنتم تكتمون إشارة إلى هذا المعنى..
ونقل في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام هذا المعنى أيضاً.(1)
1) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ص 217
سؤال: هل كان السجود الله أم لآدم؟
لا شك أن السجود بمعنى العبادة لا يكون إلا لله تعالى، إذ لا معبود في الوجود سواه، ومعنى توحيد العبادة أن لا تعبد غيره سبحانه وتعالى.
وعلى هذا؛ لا يبقى مجال للترديد في أنّ الملائكة لم يسجدوا لآدم سجود العبادة، بل كان سجودا الله تعالى وإطاعة لأمره عزّ اسمه في خلقة هذا الموجود العجيب.. أو أن يكون السجود لآدم، ولكنّه ليس بمعنى العبادة، بل الخضوع.
نقرأ في كتاب (عيون الأخبار عن الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام: «كان سجودهم الله تعالى عبوديّة؛ ولادم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه»(1).
سؤال: الكثير يسأل قائلاً: حيث كان الشيطان موجوداً مغوياً؟ فلماذا خلق أساساً؟ وما هي فلسفة وجوده؟
نجیب قائلين:
أولاً: لم يخلق الله تعالى الشيطان شيطاناً، بل إنّه كان طيلة دهور في صفّ الملائكة وجليسهم، كما كان على الفطرة الطيبة، ولكنّه بعد ذلك أساء التصرف في حريته، وراح
يؤسس لنفسه صرح الطغيان والتمرد.. إذن؛ فهو قد خلق بدءا نزيهاً بريئاً ولم يكن انحرافه إلى اختياره هو..
ثانياً: في نظام الخلقة؛ لا يعدّ وجود الشيطان بالنسبة للمؤمنين والذين يريدون المسير في طريق الحق عامل خسران؛ بل إنّ وجوده بمثابة وسيلة للتقدّم والتكامل، لأنّ الناس ما لم يواجهوا الأعداء العتيدين؛ لن يُعبّئوا قواهم وذكاء هم أو يستعملوا ذلك.. فوجود الأعداء الألداء عامل إثارة ونشاط ومزيد مقاومة وتطوّر وتكامل.
1) عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج1، ص 263
سؤال: ما المقصود من الشيطان في القرآن؟
لفظ (شیطان) مأخوذ من مادّة (شطن) والشاطن بمعنى الخبيث، ومفردة (الشيطان) تطلق على الموجود المتمرّد، سواء كان إنسياً أو جنّيّاً أو أي كائن متحرّك. أو بمعنى الروح الشريرة والبعيدة عن الحق. أو الجن أو المتحرّكات من المخلوقات الأخرى.. وفي الحقيقة يشترك كلّ ما ذكر بمقدار ما .. وينبغي أن يعلم أنّ (الشيطان) يطلق على كل موجود مؤذي ومضل وطاغية ومتمرّد، سواء كان إنساناً أو غير ذلك.. أما (إبليس) فهو اسم للشيطان الذي خدع آدم.. وما يزال عدوّاً مبيناً كامناً بجنوده لبني آدم.
ومن موارد استعمال هذه الكلمة في القرآن:
1 - تطلق على الموجود المؤذي والمضرّ ، الموجود الذي حاد عن جادة الصواب، وهو بصدد إيذاء الآخرين.. إنّه الذي يسعى أبداً إلى بثّ الفرقة ونشر الاختلاف والفساد، كما نقرأ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.(1)
وحيث أنّ كلمة ( يريد) فعل مضارع وتدلّ على الاستمرار فهي تحكي هذا المعنى؛ وأنّ هذه الإرادة؛ إرادة دائمية للشيطان.
2 - ونلاحظ أيضاً أنّ الشيطان - في القرآن - يشار به إلى الأشخاص الشرورين والمفسدين، ولا تطلق على موجود خاصّ.
3 - علاوة على ذلك، تطلق كلمة (الشيطان) على الجراثيم أيضاً، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تشربوا الماء من ثلمة الإناء ولا من عروته ، فإنّ الشيطان يقعد على
1) سورة المائدة / 91.
العروة والثلمة»(1).
وكذلك قال مولانا الصادق عليه السلام: «ولا يُشرب من أذن الكوز، ولا من كسره إن كان فيه، فإنّه مشرب الشياطين».(2)
ونقل عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله أنّ لا يهمل شعر الشارب لأنه مأمن الشيطان ومخبأه...(3)وهكذا يتبيّن أنّ الجراثيم من معاني الشيطان المضر؛ لوجوه التشابه بينهما.
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)
1 - يُعلم من آيات القرآن أنّ آدم قد خلق للعيش في الأرض، هذه الأرض التي نعرفها ولكنّ الله تعالى أسكنه الجنّة بدءا؛ وهي إحدى الحدائق الغنّاء المفعمة بالنعم المتوفّرة في هذا العالم، وهي تضمّ أجواء تطفح بالأمان والراحة المطلقة وعدم الازعاج..
2 - يحتمل أن يكون إسكان آدم وحواء في الجنّة ابتداءً لعدم معرفتهما بالأرض من قبل ولعجزهما عن تحمّل المتاعب فيها؛ فيكون إسكانهما في الأرض منذ البداية أمراً لا يطيقانه؛ فكان إسكانهما الجنّة بمثابة المقدّمة لكسب مزيد من المعرفة، وعليه؛ كان يلزمهما قضاء بعض الفترة ليتعلّما ما يلزم الحياة ويتأكّدا بأنّ العيش في الأرض سيقترن بالتكاليف والمسؤوليات التي ينبغي أن تؤدى على الوجه الصحيح، وأن أداء التكاليف والمسؤوليات سيؤدّي إلى نيل السعادة وتحقيق التكامل وبقاء النعمة، وأنّ التمرّد على ذلك سيكون سبباً للألم والازعاج والعقاب.. ومع أنّ الإنسان قد خلق حرّاً، إلّا أنّ حرّيته غير مطلقة، وأن عليه أن يغض الطرف عن بعض الأشياء في الدنيا.
3 - رأى آدم نفسه في الجنّة وفي مقابل الأمر الإلهي ممنوعا عن التناول أو الاقتراب من
الشجرة، ولكنّ الشيطان المضلّ الذي أقسم على إغواء آدم وذرّيّته لم يكف عن الوسوسة له.. وإنّه ليُفهم من سائر الآيات القرآنية بهذا الصدد أنّ الشيطان قد أكد - بالأكاذيب التي كان يجهلها آدم - له أنه إذا ما تناول وزوجه من الشجرة الممنوعة، فإنّهما سيصيران ملكين وخالدين في الجنّة، بل إنّه أقسم لهما على كونه ناصحاً لهما(1)فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ من الرفاهية والإكرام.
4 - كما أورد القرآن المجيد وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّجاء آدم وحواء من جهة؛ والشيطان من جهة أخرى إلى الأرض وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.
5-صحيح أننا نذهب إلى أنّ آدم كان نبياً ومعصوماً عن الذنوب، ولكن الصحيح أيضاً أنّه متى ما صدر عن نبي ما يمكن تسميته بترك الأولى (العمل غير الحرام ولكنه لا يتناسب وشأن النبوّة) فإنّه سبحانه وتعالى يؤاخذه عليه كما يصدر الذنب عن الفرد العادي.. وهذا ما دفع آدم ثمنه باهظاً جداً!!
6 - كما أنّ خطر الشيطان يعمّ الجميع، كذلك هو لا يستثني العظماء منهم.. حتّى أنّه جاء آدم وحوّاء فَأَزَلَّهُمَا.
سؤال: أي جنّة كانت جنّة آدم؟!
لدى الإجابة ينبغي الالتفات إلى أنه على الرغم من قول البعض بأنّ جنّة آدم كانت جنّة الصالحين الموعودة، إلّا أنّ الظاهر أنها لم تكن جنّة الآخرة، بل هي كانت بستاناً كلّه نعمة مفعماً بالمعنوية في أحد مناطق الأرض، بشواهد وأدلة خمسة:
أوّلاً: أنّ الجنّة الموعودة في القيامة؛ نعمة ونعيم خالد، كما تمت الإشارة إلى ذلك في آيات قرآنيّة كثيرة جداً، حيث ورد أنّه لا يمكن تصوّر الخروج منها.
1) سورة الأعراف / 20 - 21.
ثانياً: ورد هذا المعنى صريحاً في الروايات المنقولة عن أهل البيت عليهم الصلاة .والسلام ومنها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام حيث سئل عن جنّة آدم، فأجاب عليه السلام قائلاً: «جنّة من جنّات الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كان من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً»(1).
ثالثاً: أنّه ليس لإبليس طريق إلى الجنّة الموعودة ولا لوساوسه ولا للتمرد على أمر الله تعالى.
رابعاً: المقصود من الهبوط والنزول وإخراج آدم هو المقامي لا المكاني، أي أنه هبط من مقامه السامي ذاك ومن تلك الجنة إلى ما هو أدنى منه.
مضافاً إلى ما تقدّم؛ فقد جرى الاحتمال بأنّ جنّة آدم كانت في إحدى الكواكب غير الأرض مع أنها لم تكن جنة الخلد، وقد أشير إلى ذلك في بعض الروايات المأثورة وأنها كانت في السماء، إلّا أنّه يمكن أن تكون مفردة (السماء) الواردة في هذا المأثور إشارة إلى سموّ المقام دون المكان.(2)
خامساً: هناك شواهد جمّة تشير إلى أنّ هذه الجنّة ما هي بجنة الخلد الأخروية، لأنّ جنّة الآخرة تكون بعد انتهاء حياة البشر، فيما كانت جنّة آدم في مبدأ هذه الحياة.. بمثابة مقدمة لخلقته ومشروع خلافته، فيما الجنّة الأخروية نتيجة أعماله وخاتمة مشروع وجوده وخلقته.
سؤال: ما كان ذنب آدم؟
بدءا؛ ينبغي القول إنّ من الواضح أنّ آدم وبذلك المقام الذي مرّ ذكره في الآيات القرآنية السالفة، حيث أشير إلى أنّه خليفة الله في الأرض، وأنه معلّم الملائكة، وأنه مسجود الملائكة..
فآدم هذا وبهذه المراتب السامية التي نالها.. لا شكّ في أنّه لا يذنب، مضافاً إلى كونه نبياً، والنبي معصوم. ولذا كان اللازم أن يصاغ السؤال أعلاه بالقول: ما الذي صدر عن آدم؟
هنا تفسيران يكمّل أحدهما الآخر:
التفسير الأوّل: أنّ الذي ارتكبه آدم كان ترك الأولى، وبعبارة أخرى كان ذنباً نسبياً لا مطلقاً...
والذنب المطلق هو ما يمكن أن يصدر عن كلّ فرد ويستحق عليه العقاب (مثل الشرك والكفر والظلم والاعتداء) أما الذنب النسبي؛ فهو الممكن صدوره عن البسطاء والعاديين، بل حتى الفعل المستحبّ الذي لا يتناسب ومقام الأولياء - مثلاً - إذ الأولياء ملزمون - بغض النظر عن هذه الأعمال والانشغال - بما هو أهم وأسمى.. مثال ذلك: الصلاة التي نؤديها، قسم منها تؤدى بحضور قلب وقسم منها يؤدّى بغفلة، وهي غير مناسبة للمؤمنين.. كما كانت لا تتناسب ومقام النبي صلّى الله عليه وآله ومقام أمير المؤمنين عليه السلام... فهما وأهل البيت سلام الله عليهم أجمعين كانوا لدى الصلاة يغفلون عن كلّ مخلوق ويتوجهون على الإطلاق إلى الله ، ومع أنهم كانوا كذلك في كل لحظة من لحظاتهم، إلّا أنّ صلواتهم كانت تجسّد هذا الواقع العظيم أكثر من غيرها، ولو كانوا يفعلون غير ذلك لتركوا - والعياذ بالله - الأولى المناسب لهم دون أن يرتكبوا ذنباً..
كذلك كان آدم، حيث كان المناسب لمقامه أن لا يقرب الشجرة ولا يتناول منها، مع أنه لم يكن ذلك ممنوعاً؛ بل مكروهاً...
التفسير الثاني: كان نهي الله عن الاقتراب من الشجرة نهياً إرش---ادياً، كما هي تعليمات الطبيب القائل للمريض: لا تأكل الطعام الكذائي؛ وإلا فإنّ مرضك سيستفحل.. كذلك قال الله تعالى لآدم: إن تناولت من الشجرة الممنوعة؛ ستخرج من الجنّة وستتعرّض للألم والعذاب.. وعليه؛ لم يخالف آدم أمر الله، بل خالف نهيه الإرشادي...
وثالثاً: أنّ الجنّة ليست محلّ التكليف، بل كانت تمثل مرحلة للاختبار وشحذ الهمة والاستعداد للعيش في الأرض، وإنّما كان النهي ذا جهة وبعد اختباري، لا سيما وأنه تعالى كان قد أراد استخلافه في الأرض قبل أن يخلقه..
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)
1 - بعد واقعة وسوسة إبليس الرجيم وخروج آدم من الجنّة، التفت آدم إلى أنه قد ظلم نفسه، وأنّه قد طرد من الجنّة ومن تلك الأجواء المفعمة بالأمن والنعمة بسبب الانخداع بمكر الشيطان.. وسيق إلى أجواء التعب والمشقة في الأرض.. هنا انهمك آدم بالتكفير عن خطئهوتوجه إلى الله تعالى بكلّ وجوده، توجّهاً يحمل معه جبلاً من الندم الحسرة ...
2 - بعد الندم وتوبة آدم؛ شمله اللطف الإلهي إذ ذاك.. والآية قالت بهذا الصدد: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ كلمات مقدّسة من الله تعالى وباعثة على التأثير المطلق في آدم، فتاب بها وقبل الله توبته بها...
3 - إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ والتوبة لفظ مشترك بين الله وعبده. أما التوبة في العرف القرآني؛ فهي العودة عن الذنب هذا حيث تنسب إلى الشخص المذنب، ولكن تنسب إلى الله تعالى تارة، فتعني العودة إلى الرحمة أو تفعيلها.. بمعنى أنّ الرحمة التي تلي ارتكاب العبد خطأً وعودته عن هذا الخطأ، ولهذا ورد التعبير عن الله بالتواب (أي كثير التوبة والعود بالرحمة).
4 - كما أنّ التوفيق للتوبة يصدر عنه سبحانه، كذلك يجب تعلّم وتلقي كيفية التوبة عنه تعالى أيضاً مِنْ رَبِّهِ.
5 - إن كسر المرء توبته، فإنّه سبحانه قائم بقبول التوبة الجديدةهُوَ التَّوَّابُ.
6 - قبول الله التوبة مقرون بالرحمة؛ لا العتاب واللومالتَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
7 - صحيح أنّ آدم لم يفعل حراماً، ولكن تركه الأولى يعد معصية بالنسبة إليه كنبي ذي مقامات سامية، وسرعان ما انتبه إلى واقعه وعاد إلى ربّه...
8- مع قبول توبة آدم، إلّا أنّ واقعه الفعلي لم يتأثر بالهبوط إلى الأرض.. قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدی فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ولكن المتمردين المنكرين سيجزون بأسوأ الذي كانوا يفعلون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
9 - تارة تكون لحركة ما تبعات لتأثيرها الجيد والسيّيء على مر العصور ومختلف الأجيال.. اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا.
سؤال: ما هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ؟
وضع المفسّرون لحقيقة تلكم الكلمات احتمالات عدة:
الأوّل: والمعروف؛ الدعاء الوارد عن آدم وحواء في الآية (23) من سورة الأعراف المباركة: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
الثاني: «اللّهمّ لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك ربّ إنّي ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين».
الثالث: [والأصدق]؛ ورد في نصوص كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام أن المقصود بالكلمات: أسماء أفضل خلق الله تعالى وهم: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسین
عليهم السلام فعمد آدم إلى هذه الكلمات وتوسل بها إلى الله..
وسرعان ما تاب الله عليه لشرف هذه الأسماء..(1)
ويبدو أن لا منافاة بين هذه الاحتمالات، إذ يمكن أن يكون آدم قد تعلّم مجموع هذه الكلمات؛ فحصل له ذلك الانقلاب الروحي التام بعد إدراكه حقيقة وعمق باطنها، فعمه الله تبارك وتعالى بلطفه ورحمته وهدايته.
سؤال : من هو المخاطب بكلمة ( اهبطوا ) ؟
جواب وردت كلمة ( اهبطوا ) بصيغة الجمع والحال أنّ آدم وحواء وهما المخاطب الأصلي بهذه الكلمة لم يكونا غير اثنين، والمفروض أن يخاطبا بالتثنية... والعلة في إيراد صيغة الجمع لهبوط آدم وحواء أنّ نتيجته هبوط ذريتهما التي كان آدم يحملها في صلبه ثمّ أسكنها في الأرض...
1) تفسير فرات الكوفي . ص 57 و 58
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)
1 - إسرائيل؛ الاسم الآخر للنبي يعقوب عليه السلام، وهو مركب من كلمتين: (إسر) و (ايل) والأولى بمعنى عبد والثانية بمعنى الإله فيكون المعنى: عبد الله أو عبد الإله.
2 - أن تذكّر نعم الربّ سبب لمحبة الله وإطاعته اذكروا... أوفوا.
3- إنّ التعاليم الثلاثة الواردة في الآية: تذكر النعم والوفاء بعهد الله والخوف من التمرّد عليه أساس المشروع الإلهي.
4- ذكر الله تعالى في هذه الآية وفي أكثر من مئة آية أخرى صوراً ومشاهد مختلفة عن حياة وتاريخ بني إسرائيل وما آلوا إليه من مصير، ليكتمل الدرس التربوي الذي بدأ من قصة آدم وحواء والملائكة وإبليس..
5- أحصى الله تعالى - في هذه الآيات النعم والأفضال التي وهبها بني إسرائيل، مضافاً إلى ردود الأفعال التي صدرت عنهم وتصوّرت بكفرانهم وتمردهم ونقضهم لعهد الله وعنادهم..
6 - أشار القرآن إلى العديد من قصص بني إسرائيل وما أعطاهم من كرامات وألطاف ربانية رغم كل ما بدا منهم مثل قصة إنقاذهم من شر آل فرعون. وانشقاق البحر لهم. وغرق فرعون وجنوده. وقصّة ميعاد موسى عليه السلام في طور سيناء مع بني إسرائيل وقصة عبادة العجل بعد ذهاب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه. وقصة قتلهم أنفسهم ومن ثمّ توبتهم عن عبادة العجل. وقصة طلبهم أن يروا الله جهرةً. وقصّة تعرّضهم للصاعقة ككفارة لطلبهم رؤية
الله جهرة وإحياء بني إسرائيل بعد أن أماتتهم الصاعقة.
7 - تذكير بني إسرائيل بمواثيقهم التي أخذت عليهم ثمّ نقضهم لها. والخطايا التي ارتكبوها والجرائم التي اجترحوها، والآثار المقيتة التي بقيت في قلوبهم القاسية، مع نهي کتابهم عنها، وماحكمت به قلوبهم بالضدّ لما أمروا به ونهوا عنه.. ثمّ تذكيرهم كيف قست قلوبهم بفعل معاصيهم وجرائمهم، وكيف شقيت نفوسهم، وكيف ذهبت كل مساعيهم أدراج الرياح ...
8 - (وأوفوا بعهدي) العهد في اللغة أصلاً الحفظ والمحافظة كالسور والسياج، وكل معانيه مأخوذة من معنى واحد، مثل العهد بمعنى الميثاق أو القسم واليمين أو الوصية أو الموعد أو النزول وأمثال ذلك.
9 - (فارهبون) والرهبة هي الخوف والخشية والحذر أيضاً، وتقابلها الرغبة.
10 - ما المقصود بالخطاب القائل: (أوفوا بعهدي) ؟ وما هو الوفاء المطلوب؟ (ماذا كان الاثنى عشر عهداً الخاصة باليهود؟). طبقاً للآيات (83) - (84) من سورة البقرة بضميمة الآية (12) من سورة (المائدة)؛ يمكن القول إنّ العهد هو عبادة الله الواحد الأحد، والإحسان والبرّ بالوالدين والأقارب، والأيتام، والمحتاجين، وحسن الخلق مع الناس، وإقامة الصلاة، وأداء الزكاة، وعدم الأذى، وإراقة الدماء، والإيمان بالأنبياء ونصرتهم.
11 - وعن مولانا الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم) قال: أوفوا بولاية علي بن أبي طالب عليهما السلام فرض من الله لكم، أوف لكم بالجنة.(1)
12 - عبارة (إيّاي فارهبون) تأكيد على المطلب القائل بضرورة عدم خشية غير الله تعالى في إطار الوفاء بعهده وطاعة الربّ القدير، وهذا الحصر نفهمه من حكمة (إياي) المقدمة على كلمة (فارهبون).
1) تفسير فرات الكوفي، ص 59 والكافي، ج 1، ص 431
وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)
1 - هذه الآية تخاطب علماء اليهود وتقول بأنّ القرآن كتاب مطابق للبشارة التي جاءت في التوراة.. وأنتم ياعلماء اليهود كنتم تدلا عون وتتوقعون ظهور النبي الخاتم والإسلام، فلا تکفروا به الآن فيكفر به من بعدكم أتباعكم، ولا تستبدلوا آيات الله بما هو زهيد في هذه الدنيا، ولتخشوا الله ربّكم..
2 - أن وجود التحريف في قسم من التوراة لا يحول دون الإقرار بالأقسام الأخرى.. مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ.
3 - إذا كفر عبّاد الأصنام بالله ؛ فالأمر غير عجيب، بل العجيب كفركم يابني إسرائيل أيها اليهود، وعصيانكم للقرآن قبل كل الناس.. ذلك لأنكم مطلعون أكثر منهم، ولأنكم أهل كتاب وقد وردت في كتبكم السماوية كلّ هذه البشارات بظهور النبي الخاتم، لا سيما وأنكم كنتم قبل ظهوره أوّل المنادين باسمه، فما الذي حدا بكم أن تكونوا لدى ظهوره أوّل الكافرين به بدلاً من أن تكونوا أوّل المؤمنين به؟ فأنتم بالعهد الذي عاهدتموني وبعد كل التفضيل الذي أغدقته عليكم؛ لا تكونوا أوّل من يكفر بالكتاب السماوي الجديد وينكره وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ
كَافِرٍ بِهِ 4 - يقول في العبارة الثالثة: لا تستبدلوا آيات الله العظيمة بثمن بخس وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا.
5 - أنّ السر وراء كتمان علماء اليهود للحقائق الربّانيّة عظيم إقبالهم على الدنيا وتشبّثهم بالماديات والشهوات وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا.
6 - يقول تعالى في أمره الرابع: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ فلا تخافوا انقطاع الرزق عنكم أو أن يضاركم جمع من متشدّدي اليهود، بل التقوى يجب أن تكون في إزاء الله فقط..
7 - الأمر الخامس: عدم خلط الحق بالباطل لغرض وقوع الناس في الخطأ والباطل ولا تلبسوا الحق بالباطل.
8 - ورد في الأمر السادس النهي عن كتمان الحق مع العلم به: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
9 - كلمة (لبس) بمعنى التغطية والتورية، و (اللبيس) بمعنى الشك والريب.
10 - لا تخلطوا الحق بالباطل ولا تغيّروه، ولا تلبسوا الباطل لباس الحق: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ.
11 - الوجدان والفطرة خير شاهدين على مسعى الإنسان في كتمان الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)
1 - بعد الدعوة إلى الإيمان، جرت الدعوة إلى العمل الصالح آمنوا... أقِيمُوا.
2 - طبقاً لهذه الآية؛ كانت الصلاة والزكاة من جملة تكاليف اليهود أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ.
3 - قد يمكن القول بأنّ أصل الأمر بالصلاة أنّها تؤدّى جماعةً، إذ أنّ أساس الدين قائم على المجتمع وضرورة عدم العزلة والانزواء وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين.
4 -أَقِيمُوا الصَّلَاةَ فالأمر ليس بأداء الصلاة فحسب، بل لابد من السعي باتجاه إقامة وتفعيل معاني الصلاة في المجتمع الإنساني ليقبل عليها الناس بحب ورغبة..
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)
1 - مع أنّ قبلة الخطاب في هذه الآية وما سبقها وما سيتلوها من آيات هم بنو إسرائيل، إلاّ أنّ المؤكّد في الأمر شمولية مفهومه وسريانه إلى غيرهم أيضاً.
2 - حسب قول الطبرسي؛ المفسّر المعروف في كتابه (مجمع البيان) فإنّ علماء بني إسرائيل كانوا قبل البعثة المحمدية يدعون الناس إلى الإيمان بالنبي الخاتم صلى الله عليه
وآله ويبشرون بقرب ظهوره الشريف، ولكنّهم حين حلّ الظهور امتنعوا - علماء اليهود - عن الإيمان به قبل غيرهم، مضافاً إلى أنّ بعضهم ممن أسلم أقاربهم كانوا يوصونهم بالثبات على إسلامهم فيما امتنعوا هم عن الانضمام إلى الإسلام.. ولهذا وجدنا الله سبحانه وتعالى يذمّهم على سلوكهم وموقفهم هذا أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ؟(1)
3 - هذه الكلمات موجّهة إلى علماء اليهود، وهي تعني: مع أنكم تتلون التوراة وتحملونها بأيديكم وفيها صفات النبيّ الخاتم، فلم لا تؤمنون به؟وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
4 - بالأساس؛ إنّ حق تلاوة وفهم أمر ما بالنسبة للعالم يستوجب العمل به من جانب هذا العالم، وبالتالي ليكون مبلغاً به بعمله قبل كلامه ولهذا؛ قال مولانا الصادق عليه السلام:
1) مجمع البیان، ج1، ص 215
«كونوا دعاة الناس بأعمالكم ولا تكونوا دعاة بألسنتكم»(1). ونقرأ عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً: «من أشد الناس عذاباً يوم القيامة؛ من وصف عدلاً وعمل بغيره»(2).
سؤال:
هل يصدّق القرآن ما ورد في التوراة والإنجيل؟
تصادفنا الكثير من الآيات القرآنية أن القرآن يصدّق محتوى الكتب السالفة.
ومن جملة الآيات: الآية مورد البحث مصدقاً لما معكم وفي الآيات (89 و 101) من سورة البقرة (مصدق لما معهم وفي الآية (48) من سورة المائدة: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ.
وهذا الأمر أدى بجمع من علماء اليهود والنصارى إلى ادّعاء عدم تحريف التوراة أو الإنجيل استناداً على مثل هذه الآيات، وقالوا بعدم حصول التفاوت بين التوراة والإنجيل اللذين كانا في صدر الإسلام وبين ما هما عليه الآن، ولو أنّ ثمّ تحريفاً وقعا فيهما؛ فهو عائد إلى العصور التي سبقت نبي الإسلام، ولأن القرآن قد صدق ما وجد في عصره، فإنّ على المسلمين أن يعترفوا بهذين الكتابين السماويين بصورة رسمية!!
والجواب : أنّ آيات قرآنية عديدة تشهد على أنّ صفات نبي الإسلام ودينه كانت متوفّرة في هذه الكتب المحرفة التي في أيدي اليهود والنصارى في زمن النبي صلى الله عليه وآله.. لأنّ المسلم به أن المقصود من وقوع التحريف فيها ليس جميع ما ورد فيها، بل هو أقسام من التوراة والإنجيل الحقيقيين وما بين أسطرها، وقد كانت علائم وصفات نبي الإسلام مذكورة في هذه الكتب.
وعلى هذا؛ فإنّ معنى تصديق القرآن للتوراة والإنجيل أنّ صفات وخصائص النبيّ صلّى الله عليه وآله القرآن تتطابق وما ورد في التوراة والإنجيل. وعلى أية حال؛ فإنّ الآيات أعلاه لم تعمد إلّا إلى التصديق الفعلي من جانب القرآن والنبيّ المصطفى إزاء حقانيتهما الواردة في الكتب السابقة، ولا دلالة في هذا التصديق على صحة جميع ما هو موجود في التوراة والإنجيل، وعلاوة على ذلك، فإنّ العديد من الآيات القرآنية تحكي حقيقة التحريف الحاصل في آيات التوراة والإنجيل.
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)
1 - رغم أنّ هذه الآية الشريفة تتمة لمجموع الخطابات الموجهة إلى اليهود، إلا أنها تخاطب جميع الناس أيضاً. نقرأ في كتاب (الكافي) عن مولانا الصادق عليه السلام قوله: «كان علي عليه السلام إذا هاله شيء؛ فزع إلى الصلاة ثم تلا هذه الآية: واستعينوا بالصبر والصلاة».(1)
2 - وعن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله أنّ الصبر على ثلاث شعب: أ - صبر على المصيبة . ب - صبر على المعصية. ج - صبر على العبادة.(2).
3- ما ورد في الروايات من أنّ المراد بالصبر في هذه الآية، إنّما هو إشارة إلى أحد مصاديق الصبر.
4 - أنّ الاستعانة بالله تعالى الواردة في الآية: وإياك نستعين لا ينافي الاستعانة بأمر الله القائل: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ.
5 - أن الصلاة ثقيلة على الخاشعين وقيمة ومهمة: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ.
6 - ما هو طريق التفوّق على مشاكل الدنيا ؟
للتقدم والتفوّق على المشاكل ركنان أساسيان: أ - تشييد قاعدة رصينة في داخل الإنسان. ب - استثمار جهة خارجيّة قويّة متينة. وقد تمت الإشارة في هذه الآية إلى هذين
الركنين وهما: الصبر والصلاة والصبر هو حالة الاستقامة والمقاومة لدى الصراع مع المشاكل والأزمات.. أما الصلاة؛ فتجسّد العلاقة مع الله ووسيلة الارتباط مع تلكم الجهة الخارجيّة القوية.
7 - رغم أن الصبر فشر بالصوم في بعض الروايات(1)، ولكن المسلّم به أنه غير منحصر بالصوم، بل إنّ هذا الأخير ذكر باعتباره مصداقاً بارزاً وواضحاً من مصاديق الصبر، حيث الإنسان يقوّي إرادته ويدعم إيمانه بهذه العبادة العظيمة، ويرفد حاكمية عقله على رغباته.
إشارة إلى ثلاثة أحاديث تخص موضوع هذه الآية:
نقل كبار المفسرين في أبعاد هذه الآية:
1 - أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان إذا حزنه أمر استعان بالصلاة والصيام. (2)
2 - روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غم من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده و يركع ركعتين - فيدعو الله فيهما أما سمعت الله يقول: «وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ»(3)
3- جاء في كتاب (الكافي) الشريف عن مولانا الصادق عليه السلام: «كان علي عليه السلام إذا هاله شيء؛ فزع إلى الصلاة ثم تلا هذه الآية واستعينوا بالصبر والصلاة».(4)
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)
ورد البحث في هذه الآية عن الخاشعين وصفتهم وطبيعة معتقدهم، ومنه؛ أنّهم يؤمنون بحتمية الرجوع إلى ربّهم ولقائه..
( يظنّون) مأخوذة من مادة (ظنّ) بمعنى الاحتمال، وتارة بمعنى اليقين.
احتمالات المفسرين بخصوص كلمة ( يظنّون):
1 - قال بعض المفسرين هنا لا ريب في أنّ هذه الكلمة وردت هنا بمعنى الإيمان واليقين، لأنّ الإيمان بلقاء الله تعالى والرجوع إليه وحالة الخشوع والخشية والشعور بالمسؤولية يحيي القلب، وهذا أحد آثار التربية على الإيمان بالمعاد، حيث يجسّد مشهد تلك المحكمة الإلهية العظيمة - في كل لحظة ومكان - أمام ناظري الإنسان وفي تفكيره، كما يدعوه إلى أداء المسؤوليات الملقاة على عاتقه وإلى الحق والعدالة.
2 - يحتمل أن الظنّ هنا ورد بمعنى الاحتمال، وهذا - في الحقيقة - نوع مبالغة وتأكيد على أنّ الإنسان - مع افتراض عدم إيمانه بالمعاد والمحكمة الإلهيّة الكبرى - وأنه يحتمل حصولها احتمالاً فقط، فإنّ هذا يكفي ويدعو إلى عدم ارتكاب أي مخالفة وذنب.
3 - طبقاً للتعريف والاحتمال الثاني فإنّ ( يظنّون) توجيه ملامة لعلماء اليهود بأنه لو كان إيمانهم بالآخرة كان في مستوى الظنّ والاحتمال، فإنّ هذا لا يعفيهم عن أداء مسؤولياتهم وعن ضرورة الكفّ عن الفساد والتحريف..
1 - أنّ (لقاء الله) ليس بمعنى الرؤية بالعين، وإنّما هو الحضور، كما لو حضر الأعمى عند أحد، فيقول: التقيت فلاناً، مع أنه لم يره.
2 - قال صاحب (مجمع البيان: المراد من (لقاء الله) تلقي ثواب الله أو عقابه. (1)
3 - ما هو لقاء الله ؟!
ورد التعبير بلقاء الله تعالى في القرآن مراراً، وكان جميعه بمعنى الحضور في مشهد القيامة. والمقصود - طبعاً - هو ملاقاة الله، وقد أكّد فريق من المفسرين على أنّ هذا اللقاء لن يكون لقاءً حتياً كما يلتقي الإنسان إنساناً آخر، لأنّ الله ليس بجسم وليس له لون أو مكان ليرى جهرةً، بل المقصود هو مشاهدة آثار قدرته في مشهد يوم القيامة وطبيعة الثواب والعقاب والمحكمة الإلهية، وبعبارة أخرى: نوع شهود باطني وقلبي، لأنّ الإنسان في هذه الدنيا، وبداعي الطهر والتقوى والعبادة وتهذيب النفس ( صحّة المعتقد) يصل مرتبة كأنه فيها يرى الله بعين قلبه؛ بحيث لا يبقى لديه أي شك وشبهة، كما نقرأ في (نهج البلاغة) حيث ورد أن أحد أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام يدعى ذعلب اليماني، سأله عما إذا كان رأى ربّه. فقال عليه السلام من فوره: «أفأعبد ما لا أرى ؟ فاستوضحه الرجل، فقال عليه السلام: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكنه تدركه العقول بحقائق الإيمان».(2)
ولكن حالة الشهود الباطني والقلبي ستكون في يوم القيامة أمراً عاماً للجميع.. وذلك لأنّ آثار عظمة الله وقدرته ستتجلى في يوم الحساب والجنّة والنار بحيث يؤمن بالله حتّى من كان أعمى القلب...
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)
1 - في هذه الآية؛ وجّه الله خطابه إلى بني إسرائيل مرّةً أخرى، وذكرهم بنعمه الكثيرة والعظيمة قائلاً: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.
2 - هذه النعمة لها مساحة واسعة جداً، بدءاً من نعمة الهداية والإيمان إلى النجاة من براثن الفراعنة واستعادة الهيبة والعظمة والاستقلال.
3 - من بين هذه النعم؛ نعمة الأفضلية على الأمم المعاصرة لهم، هذه النعمة التي تنطوي تحتها مختلف النعم بأبعادها الكثيرة وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.
4 - لعلّ البعض يتوهّم أنّ المقصود من وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ تفضيلهم على سائر الأمم وفي كل العصور.. إلّا أنه مع الالتفات وملاحظة سائر آيات القرآن؛ يتضح أنّ تفضيلهم هذا كان خاصاً بعصرهم وعلى من كانوا يحيطون بهم، لأننا نقرأ في القرآن:كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(1)وهم الأمة المسلمة المؤمنة التي خلقت لنفع البشرية، كما نقرأ بخصوص بني إسرائيل: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا(2)
ومعلوم أنّ بني إسرائيل لم يرثوا كلّ الأرض في ذلك العصر، بل المقصود أنهم ورثوا مشرق أرضهم وغربها.
5 - يمكن أن يكون المراد من الأفضليّة؛ انتصار النبي موسى عليه السلام وقوم بني إسرائيل على الفراعنة، وليس الأفضليّة الأخلاقية والعقائدية، لا سيّما وأنّ القرآن طالما انتقدهم ولامهم على تصرفاتهم التبريرية وعدم إيمانهم.
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)
في هذه الآية فنّد الله تعالى تصوّرات اليهود الباطلة، لأنّهم كانوا يذهبون إلى أنّهم صالحون وأن أجدادهم - الذين كانوا أنبياء ورسل - سيشفعون لهم، أو لأنهم كانوا يظنون بقدرتهم على الافتداء لذنوبهم وجرائمهم في يوم القيامة كما يفعلون في هذه الدنيا من ارتشاء.
2 - أنّ الحاكم والقاضي في مشهد القيامة لن يقبل من أحد سوى عمله الصالح وعقيدته السليمة.. كما نقرأ في الآيتين (88 - 89) من سورة الشعراء: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
3 - في الآية أعلاه إشارة إلى أنّ المتعارف في عالم الدنيا أن يتوسل المجرمون بطرق ملتوية ومختلفة للتخلّص من العقاب:
ألف - تارة يدفع المجرم ما يقع عليه من عقوبة مالية؛ جزاءً على جريمته.
ب - قد يكون العقاب والتعويض المالي ثقيلاً جداً على المجرم؛ كدية القتل، فيعمد شخص أو أشخاص من الأقارب أو الخيرين إلى الدفع بدلاً عنه.
ج - إذا كان حل المسألة بحاجة إلى ضمان أو شفاعة أو محسوبيّة (كما في بعض البلدان) ولم يكن حل الخلاف بالعقوبة النقدية، ترى البعض يعمدون إلى الضمان والشفاعة.
د - تارة يستدعي حلّ المشكلة وإنقاذ المجرم أن يقوم أقاربه أو أصدقاؤه إلى تعيين محام ليدافع عنه ولينفذه من العقاب.. وهذه من الطرق الدنيوية للفرار من العقوبة.
ولكنّ القرآن يؤكّد أنّ القيامة بعيدة كل البعد عمّا يجري ويتعارف عليه في الدنيا، فلا تنفع هذه الأساليب في محكمة الآخرة، وإنّما الطريق الوحيد للنجاة هو الاستظلال بظل الإيمان والاستمداد من ألطاف الربّ العادل الرحيم..
4 - ستقطع جميع الأسباب على الكفّار في يوم القيامة تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ(1)وستمحق الأنساب فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ(2)وستعقد ألسنة الأعذاروَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ(3)ولن ينفع المال ولا الذرّيّة لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (4)ولن تفيد الأرحام لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ (5)وستتلاشى كلّ قوّة هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ(6)ولن تقبل شفاعة غير مأذونة أو مصرّح بها وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى(7)ولن تقبل من أحد كفّارة أو فدية لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ(8)
5 - لا شكّ أنّ العقوبات الإلهيّة في الدنيا أو في الآخرة خلية عن البعد الانتقامي الشخصيّ، بل هي جميعاً بمثابة الضامن لتنفيذ مبدأ الطاعة والخضوع للقانون الرباني؛ بما يعني تحقيق السموّ والتكامل البشري، وعلى هذا؛ لابد من الاحتراز عمّا يمكن أن يضعف هذا الضامن التنفيذي، للحيلولة دون استفحال الجرأة على ارتكاب الخطايا من قبل البشر. ومن
جهة أخرى؛ لا يصح إغلاق الباب على المذنبين في طريق عودتهم وتوبتهم وإصلاح نفوسهم، بل الأجدر أن يعانوا على هذا الإصلاح والعودة إلى الله تعالى من طريق التقوى والإيمان...
6 - الشفاعة مشتقة من (الشفع) و( تطلق على الاثنين حيث يعين الواحد الآخر أيضاً) وإضافة شيء إلى مثله ، والمقابل له الواحد والفرد، كما تطلق على ضم الفرد القوي إلى الفرد الضعيف ليساعده.. وتستعمل أيضاً في النصرة والإعانة.. والمعنى الحقيقي يستعمل في الأفراد ذوي الإيمان ولكنّهم في الوقت نفسه بحاجة إلى من يسد نقصهم في يوم القيامة، وعليه؛ فالشفاعة لا تشمل غير السائرين الصامدين في طريق الصواب؛ المحتاجين إلى قدرة
تقف إلى جانبهم وترفدهم.
7 - أنّ الشفاعة في معناها الصحيح هي الضامن العملي لحفظ التوازن والتعادل في لطاعة، وهي من جملة القوانين المنتهية إلى تقدّم وتكامل الأشخاص وهي وسيلة إلى عودة المذنبين، أما معناها الخاطئ - ما تفسر به خطاً - توجب للتشجيع والجرأة على ارتكاب الذنب.
8 - وممّن لا يفرّقون بين آفاق الشفاعة الصحيحة وبين مردودات مفاهيمها الباطلة والخاطئة ينكرونها أساساً، حيث يعدونها والمحسوبية والرشوة في أجواء السلاطين والظلمة شيئاً واحداً، وتارة ينكرونها تماماً، كما يذهب الوهابية استناداً إلى الآية القائلة لا يقبل منها شفاعة في يوم القيامة دون الالتفات إلى الآيات الأخرى التي تفصل معانيها وأبعادها..
9 - أنّ السبب في وضع الإشكالات على الشفاعة عدم معرفتها الصحيحة من جانب عوام الناس بناءً على المفهوم القرآني وخطئهم في التعريف العامّيّ والمنحرف لها..
10 - خلاصة إشكالات المخالفين للشفاعة فيما يلي:
ألف - أنّ الإيمان بالشفاعة يضعف روح السعي والاجتهاد.
ب - الإيمان بالشفاعة صورة عكسية للمجتمع المتأخر..
ج - الإيمان بالشفاعة يدفع إلى ارتكاب الذنوب والابتعاد عن المسؤولية.
د - الإيمان بالشفاعة نوع من أنواع الشرك وتعدّد المعبود ومخالف للقرآن!
ه- - الإيمان بالشفاعة يؤدّي إلى زعزعة أحكام الله وتغيير إرادته وأمره.
11 - مفهوم الشفاعة قائم على أساس تعريفين:
التعريف الصحيح للشفاعة: أن يعمد المشفوع إلى تهيئة موجبات التخلّص من وضع غير مطلوب ويستدعي العقاب، وبوسيلة العلاقة بالشفيع؛ إلى وضع مطلوب حيث يستحق فيه العفو والصفح.. وسيتضح لنا أنّ الإيمان بمبدأ الشفاعة الصحيحة يجسّد مدرسة تربوية راقية ووسيلة لإصلاح الأفراد المذنبين وإلى اليقظة والوعي.. إذ الشفاعة في منطق الإسلام وعلى هذه الشاكلة تشكل مبدأ عقلانياً بناء..
أما التعريف غير الصحيح للشفاعة أنّ الشخص الشفيع وبالاستفادة من مقامه وشخصيته ونفوذه، أو عبر الخشية من سلطته ونفوذه، أو من خلال حشر المسائل العاطفية للطرف المقابل واستثمارها استثماراً سيئاً، وبتغيير المباني القواعد الفكرية فيما يتعلّق بذنب المجرم واستحقاقه ومن دون أن تكون الشفاعة طبقاً لهذا التعريف، فإنّها لا تحدث أيّ تغيير في معنوية وقناعة الفرد المجرم أو المتهم.. ومع ذلك تراها تغيّر قناعة الشخص صاحب القدرة بخصوص معاقبة من يأتمر به بأمره.. وفي هذا التعريف يكون كل التأثر والتغير خاص بمن لديه الشفاعة، وهذا النوع - بطبيعة الحال - لا يحظى بقبول وتأييد البحوث المذهبية والدينية، ذلك لأنّ الله تعالى لا يخطئ لكي يمكن تغيير نظره، ولا هو يتأثر بالعواطف كما يتأثر بها الإنسان، ولا يخشى نفوذ شخص ما، ولا يقوم ثوابه أو عقابه على محور غير محور العدالة،
بحيث تتوجّه الإشكالات والانتقادات والهجمات على هذا التعريف للشفاعة، ولا للتعريف الأول المنطقي والبناء..
12 - ما يقال عن تعريف الشفاعة من وجهة النظر الإسلامية بصورة صحيحة ومنطقية؛ يلاحظ نظيره في عالم الخلقة بكثرة، ويقال لهذه الشفاعة: الشفاعة التكوينية، ومعناها أنّ في عالم الخليقة ثمّ قوى وطاقات ذات قدرة فائقة من طبيعتها أن تهب لمساعدة ودعم الطاقات الضعيفة والأقلّ قوّة، وتجعلها ضمن مسار أهدافها (كحاجة النبات في نموّه إلى ضوء الشمس) لينبت ويخرج فوق الأرض أو لتتفتح الأغصان والأوراق وتشرئب أعوادها إلى الهواء.. وهذه الحالة - في حقيقة الأمر - نوع شفاعة وإعانة قام نظام الخلقة على أساسها، وهي متوفّرة ومشهودة على جميع المستويات في حركة الحياة..
13 - تناولت أكثر من (30) آية كريمة موضوع الشفاعة (تحت هذا العنوان) وهي تنقسم إلى عدة أقسام:
القسم الأوّل : الآيات التي تنفي الشفاعة بالشكل المطلق، مثل : أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ(1)ووَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ(2)و فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(3).
في هذه الآيات ورد نفي الشفاعة ودحضها وقطع طرقها المتصورة لنجاة المجرمين، إلّا من خلال الإيمان والعمل الصالح، دون طريق دفع العوض المالي، أو بالعلاقة والصداقة وأمثال ذلك..
القسم الثاني : الآيات التي تحصر الشفيع بالله تعالى وحده مثل :مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ(1)و قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا(2).
القسم الثالث : الآيات القائلة بأنّ الشفاعة مشروطة بإذن الله وأمره، مثل : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (3)و وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (4).
القسم الرابع : الآيات التي تبيّن شروط الشفاعة، وقد يعبّر عن هذه الشروط برضا الله تعالى، مثل : وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى (5)وطبقاً لهذا النص القرآني تكون شفاعة الشفيع منحصرة في الذين يتبوؤن مقام الرضا عند الله تعالى؛ أي: المقبولون عند الله، وتارة يعبّر عن الشرط بحيازة العهد عنده سبحانه ، مثل : لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا(6)ولعل المقصود بهذا العهد الإيمان بالله وأنبيائه، وقد يحرم بعض المجرمين من أن يشفع لهم شفيع، مثل الظالمين في قوله تعالى : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ(7)وعلى هذا؛ يكون العهد بالشفاعة بالإيمان وبلوغ مقام الرضا الإلهي والورع عن الذنوب؛ مثل الظلم والجور.. وهذا ما يعد جزءاً أساسياً في مقام الشفاعة..
14 - آيات الشفاعة تبين بوضوح أن مسألة الشفاعة - من وجهة النظر الإسلامية - ليست مجرّدة عن أي قيد أو شرط ، بل إنّ لها شروطاً وقيوداً خاصة، مثل : أنّ ذنوباً كالظلم والجور خارجة عن دائرة الشفاعة بشكل عام، وأنّ الشفاعة ستكون للمذنبين التائبين النادمين
والسائرين في طريق إصلاح نفوسهم، وإذ ذاك؛ ستكون الشفاعة خير معين لهم في توبتهم وند مهم.
15 - نلاحظ تعابير جمة وردت في الأحاديث وروايات المعصومين عليهم السلام مكملة لمفاد الآيات أعلاه وتارة أكثر صراحة منها. فمثلاً : نقل عن الإمام الكاظم عليه السلام في (تفسير البرهان) للبحراني : عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول : «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي قال ابن أبي عمير : سألت الإمام الكاظم عليه السلام : كيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر فيما الله تعالى يقول : وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ولا ريب أن مرتكب الكبيرة ليس ممن رضي الله عنه، فأجابني الإمام عليه السلام بأن كلّ مؤمن يرتكب الكبيرة يكون له ندم عليها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الندم على الذنب توبة، والذي لا يندم ليس مؤمناً ولن تناله شفاعة وعمله ظلم، والله يقول : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ(1)فيكون مضمون صدر الحديث أنّ الشفاعة تشمل أهل .الكبائر.. ولكن ذيل الحديث يبيّن أنّ الشرط الأساس لقبول الشفاعة حيازة الإيمان الذي يدفع بالمذنب وذي الكبيرة إلى الندم ومحاولة إصلاح نفسه والتخلّص من ممارسة الظلم والطغيان والتمرّد (لاحظوا)!
16 - أن الالتفات إلى الشفاعة بمعناها الصحيح؛ عامل بنّاء وفعّال لتغيير ذات الإنسان المجرم إلى إنسان صالح، ويفتح له كوّة ضوء يدخل منها الأمل بالرحمة والمغفرة، وتشجّعه على ضبط نفسه وتغيير رأيه وسلوكه و جبران ماضيه، بل وتخمد فيه الرغبة في الانتقام، وتضفي عليه هالة من اطمئنان النفس حتّى ينتهي به الحال إلى أن يكون عنصراً سالماً صالحاً.
1) البرهان، ج3، ص 812 و 813
يعتمد الوهابيون في نسبة الشرك إلى القائلين بالشفاعة مطلبين :
1 - قياس المسلمين القائلين بشفاعة الأنبياء والأئمة والأولياء بالمشركين في الجاهلية.
2 - نهي القرآن الصريح عن عبادة غير الله تعالى، والقول بأنّ إيراد أسماء بعض العباد مع اسم الله تعالىفَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(1)وطلب الشفاعة منهم نوع عبادة!
ينبغي القول إزاء المطلب الأول : إنّ القياس المشار إليه يمثل خطأ جسيماً، لأنّ القرآن قد أثبت مقام الشفاعة وفعلها لجمع الأنبياء والملائكة وبعض الصلحاء، واشترط لذلك الإذن من الله تبارك وتعالى.. وإنّ من غير المنطقي جداً، بل المضحك أن نقول بأنه وهب البعض هذا المقام فيما طالبنا بالامتناع عن طلب الشفاعة ولو كانت قرينة بالإذن منه ورضاه..
ثمّ إنّ القرآن المجيد قد ذكر لنا قصة يوسف عليه السلام وطلب إخوته من أبيهم يعقوب عليه السلام بالقول يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا(2)وهذا القول مواز لقولنا الرسول الله صلى الله عليه وآله مثلاً: «يا وجيهاً عند الله اشفع لنا عند الله فكيف يمكن عد ما أجازه القرآن شركاً وأنّ من يستبيح ذلك مشركاً مباح الدم والمال وحتى العرض (!!!) فإن كان هذا الفعل شركاً؛ فلم لم ينه يعقوب أولاده عنه ؟! هذا أوّلاً.
وثانياً : لا وجه للشبه والتشبيه بين عباد الأوثان وبيان عباد الله والمؤمنين بالشفاعة بإذن الله سبحانه، لأنّ الوثنيين كانوا وما زالوا يعبدون الأوثان ويعدّونها شفيعتهم، في حين أنّ المسلمين يؤمنون بالشفاعة إلى الله وبإذنه، ولا مجال لمسألة عبادة الشفعاء أن تطرح في
البين، بل إنّهم إنّما يطلبون منهم الشفاعة في محضر الرب الكريم، وسنتناول فيما يأتي مسألة أنّ طلب هذه الشفاعة لا علاقة له بموضوع العبادة.
إنّ الوثنيين يعتبرون أوثانهم في مصاف الله تعالى ويقولون : ( تالله إن كنّا لفي ضلال مبين إذ نسويكم بربّ العالمين).
إنّهم - كما يشهد التاريخ - يؤمنون بتأثير الأصنام في مصيرهم، في حين أنّ المسلمين
يؤمنون بالشفاعة، ويعتبرون التأثير كلّه عائداً إلى الله تعالى، ولا يذهبون إلى القول باستقلال أيّ مخلوق عن الخالق سبحانه، ومن هنا كان قياس الوهابيين قياساً جاهلاً وبعيداً عن المنطق.
ثالثاً : بخصوص دعاء غير الله تعالى - الوارد فيه النهي في آيات عديدة - لاشك أنّ مفهومه غیر نداء أحد من الخلق باسمه أو صفته كالقول : يا حسن ويا أحمد، ولا هو ممنوع ولا شرك .. كما لا يصح الشكّ في أنّ نداء أحد من الناس والطلب إليه بأن يؤدّي عملاً هو قادر على أدائه ليس ذنباً وليس شركاً، ذلك لأنّ التعاون أحد القواعد الهامة والضرورية في الحياة.. وقد فعل ذلك الأنبياء والأئمة..( بل إنّ الوهابيين لا يعدّون ذلك ممنوعاً).
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)
1 - يشير القرآن الكريم في هذه الآية إلى نعمة أخرى ممّا وهب الله تعالى من عظيم النعم بني إسرائيل، وهي نعمة الخلاص والحرّية من براثن الظالمين.
2 - مفردة يَسُومُونَكُمْ مشتقة من السوم بمعنى متابعة الشيءيَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ أي : أنّ الظالمين كانوا يعد بونكم بصورة مستمرة.. ومن ذلك العذاب قتل أبنائكم الأبرياء، واتخاذ بناتكم خدماً، كما كانوا يعذبون الرجال على الدوام ويتخذونهم عبيداً وعمّالاً..
3 - عد القرآن تلكم المصاعب وذلك العذاب اختباراً عظيماً عسيراً لبني إسرائيل، وفي معاني البلاء هنا ثلاثة احتمالات :
ألف - البلاء بمعنى الامتحان الذي يتطلب كلّ تلكم المصاعب.. وكان امتحاناً عسيراً حقّاً.
ب - يحتمل أيضاً أنّ الامتحان هنا بمعنى العقوبة، لا سيّما وأنّ بني إسرائيل كانوا ذوي منعة ونعمة جمة، فكفروا بها، فعاقبهم الله تعالى.
ج - الاحتمال الثالث في تفسير هذه الآية وذكر من قبل بعض المفسرين أن البلاء هنا بمعنى النعمة ، أي : أنّ النجاة من مخالب الفراعنة نعمة عظيمة لهم.
4 - على أية حال؛ كان يوم نجاة بني إسرائيل من الفراعنة يوماً تاريخياً مهمّاً، وقد تطرّق إليه القرآن مراراً.
5 - اعتبر القرآن استحياء بنات بني إسرائيل ونسائهم وذبح أبنائهم عذاباً، كما عدّ تحرّرهم من العذاب الفرعوني نعمة.
6 - هذه الآية تريد التنبيه إلى أنّ البشر يجب أن يسعوا إلى نيل حريتهم الصحيحة بكل ثمن وأن يحافظوا عليها.
كما أشار إلى هذا المطلب أمير المؤمنين عليه السلام : «الموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين»(1).
سؤال : لماذا انتهج فرعون أسلوب قتل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم؟
عزا بعض المفسرين المسلك الفرعوني هذا إلى رؤية رآها فرعون في منامه.. ولكن الإجابة الأصح نقرأها في ذيل الآية الرابعة من سورة القصص، إذ سنعلم أن السبب وراء تلكم المجازر الفرعونية لم يكن لمجرّد رؤية رآها فرعون في منامه، بل هو الرعب الفرعوني من استفحال قوّة بني إسرائيل واحتمال سقوط الحكم بأيديهم ممّا ساعد على ظهور هذه الوحشيّة الفرعونية.
1) نهج البلاغة، ص 88 و 89
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)
1 - حيث جرت الإشارة في الآية السابقة بإجمال إلى نجاة بني إسرائيل من مخالب الفراعنة، ها هي الآية - مورد البحث - تفصل كيفية تلك النجاة، حيث تعتبر علامة ودليلاً على نعم الله العظمى على بني إسرائيل.
2 - قصة عبور بني إسرائيل نهر النيل وغرق الفراعنة في البحر ونجاة قوم موسی عليه السلام من مخالبهم وردت في سور قرآنية عديدة.(1)
55 . وسورة الدخان / 17 وما بعدها...
3 - ذكرت في هذه الآية الشريفة ثلاث معاجز إلهية مجتمعة.
ألف - انشقاق البحر. ب - نجاة بني إسرائيل. ج - غرق الفراعنة.
1) من جملة ذلك : سورة الأعراف / 136 . وسورة الأنفال / 54 . وسورة الإسراء / 103. وسورة الشعراء / 63 - 66. وسورة الزخرف /
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)
بهذه الآيات الأربع يذكر القرآن اليهود بقصة السامري ويعدّها الانحراف الأعظم الذي سقطوا فيه.. إذ بعد نجاتهم من ظلم الفراعنة وغرق هؤلاء في البحر، صدر الأمر الإلهي لموسى عليه السلام بالذهاب إلى الطور لتلقي التوراة بألواحها والمكث هناك طيلة ثلاثين ليلة.. ولاختبار بني إسرائيل مددت هذه الفترة عشر ليال أخرى؛ فصارت أربعين ليلة .. فاقتنص السامري الماكر هذه الفرصة، فصنع لبني إسرائيل عجلاً من ذهبهم وحليهم التي أخذوها من الفراعنة، وجعل العجل الذهبي هذا يصدر صوتاً مخصوصاً، ثم دعا بني إسرائيل إلى عبادته، فاستجاب أغلبهم لهذه الدعوة السامرية الكافرة، فيما بقي هارون عليه السلام - وصيّ موسى وأخوه عليه السلام - مع أقلّيّة على دين التوحيد، وقد اجتهد هارون بمنعهم عن هذه الردّة، ولكن الإسرائيليين لم يستجيبوا لهذا المنع، بل كادوا أن يقتلوه.
وشاهد موسى بعد عودته من الطور هذه الصورة الرهيبة، فتأدّى لها أيما أذى، فلامهم بشدّة..فانتبهوا إلى قبح فعلتهم الكافرة؛ واتجهوا إلى التوبة والتكفير عن خطيئتهم وانحرافهم العظيم، فنزل الأمر الإلهي القاضي بأن يقتلوا أنفسهم - وكان هذا الأمر يعبّر عن توبة لا نظير لها
من قبل.. وتفصيل القصة ستتناوله الآيات القادمة.(1)
1 - هذه الآيات تتحدّث عن أعظم انحرافات بني إسرائيل على مر التاريخ بسبب إغواء المفسدين لهم.. وهو الانحراف عن أصل التوحيد الذي تمثل في عبادة العجل.. كما تنبههم هذه الآيات إلى اليقظة وإلى أنّ طريق التوحيد الخالص طريق الإسلام والقرآن مُشرع أمامهم؛ فلا يولوه أدبارهم.
2 - جرى تفصيل قصة عبادة بني إسرائيل العجل في الآية (142) وما بعدها من سورة (الأعراف)، والآية (86) وما يليها من سورة (طه).
3 - في الآية التالية يقول سبحانه : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ثمّ يضيف سبحانه وتعالى تذكيرهم بأنه هيّأ لهم وسيلة تمييز الحق من الباطل ليهتدوا بها : وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
1) تفسير الامثل، ج 1، ص 253 و 254
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)
1 - أنّ الكتب السماوية تبيّن الحق، وهي سبيل فصل الحق عن الباطل :) الكتاب والفرقان).
2 - أنّه قد تمّت الحجّة من الله تعالى ، ولكنّ الناس يرفضون الحق عادةً بداعي الرغبات.
3 - يمكن أن تكون مفردتا الكتاب والفرقان إشارة إلى التوراة، كما يمكن أن تتوجه هذه الإشارة إلى المعاجز التي جعلها الله تحت تصرف موسى عليه السلام (لأنّ الفرقان في الأصل بمعنى ما يميّز به الإنسان الحق عن الباطل).
ثمّ تتحدث الآية الشريفة عن التمهيد وتعليم التوبة من جريرتهم تلك، إذ تقول : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فالواجب أن تتوبوا إلى خالقكم فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ.
لا شكّ في أنّ عبادة عجل السامري لم يكن أمراً هيناً، فهذه الأمة المغضوب عليها، وبعد مشاهدة كلّ تلك المعاجز الإلهيّة والآيات الربّانيّة التي جرت على يد النبي موسى عليه السلام؛ ولمجرد سفر قصير ومؤقت من جانبه، عمدت إلى نسيان أو تناسي عقائدها وفرائضها وعبدت العجل وما لم تقتلع هذه الأمة هذا الانحدار الرهيب من أدمغتها ونفوسها، ستتعرّض لوضع خطير غير متصور، ومن الممكن أن تتلاشى الدعوة الموسوية بعد وفاة نبيها على الخصوص، وقد يتعرّض مصير الدين الذي جاء به إلى الخطر عموماً.. وهنا؛ لزم أن تعرّض هذه الأمة إلى الشدّة والقسوة، دون الاكتفاء بمجرّد لقلقة لسان والنطق بالتوبة، لذا؛ فقد صدر
الأمر الإلهي - أمر لا مثيل له في تاريخ الأمم والأنبياء - بوجوب التوبة والعودة إلى التوحيد والأمر بإعدام وقتل أنفسهم بأيديهم.
وكان اللازم أن ينفّذ هذا الأمر بنحو خاص؛ أي : أن يحمل الإسرائيليون سيوفهم بأيديهم ويعمدوا إلى أن يقتل الواحد منهم من يقف أمامه، فيكونوا بذلك قد تعرّضوا للعذاب والتصفية الجماعية.
وطبقاً لبعض الروايات؛ فقد أمرهم موسى عليه السلام أن يخرج كل من عبد العجل ليلاً بعد أن يعلنوا التوبة ويغتسلوا ويلبسوا الأكفان ويتلقموا ويصطفّوا ثم يبدؤوا القتال...(1)
1) مجمع البیان، ج1، ص 238
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)
1 - أن الشرك ظلم للذات ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ.
2 - كلّما ازدادت المعاجز وتوالت الأدلّة، تكرّس التكليف وثقلت المسؤولية، وصار التخلّف عنها أشد خطراً.
3 - الموت في رحاب الرحمة الإلهية خير من الحياة مع لعنة الله تعالى.. ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ.
4 - البارئ أو الباري بمعنى الخالق، وفي الأصل يعني فصل شيء عن شيء آخر، لأنّ الخالق قد فصل مخلوقاته من مادة خلقهم الأصلية كما فصل بعضهم عن بعض.. فالكلمة تشير إلى أنّ الأمر بهذه التوبة الرهيبة ( قتل الأنفس وتصفيتها قد صدر من خالق بني إسرائيل؛ وهو المالك المتصرف في أرواح عباده..
5 - يجب أن تكون توبتكم بقتل بعضكم بعضاً فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.
6 - هذا العمل مسؤوليتكم الأفضل عند خالقكم ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ.
7 - أنّ الله سيقبل توبتكم لأنه التواب الرحيم فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
سؤال : ترى ما السبب والداعي إلى كلّ هذا العنف في التوبة؟ ألم يكن متاحاً أن يقبل
الخالق توبتهم دون إراقة دمائهم؟
الإجابة على هذا السؤال تتضح لدى القول بأن جميع أُصول الأديان السماوية يمكن إيجازها بالتوحيد وعبادة الواحد الأحد، وأن تحريف هذا الأصل يمكن أن يقضي على جميع قواعد الدين.. وأن مسألة الانحراف من الإيمان بالله وأصل التوحيد والميل إلى عبادة الأصنام أو العجل لم تكن مسألة هيئة أو يمكن التجاوز عنها، لا سيما بعد معاينة كلّ تلك المعاجز الواضحة والنعم الإلهيّة العظيمة، ولو كان بالإمكان اعتبارها قضيّة بسيطة، فلعلها تصير بهذا الاعتبار - سنة تعمل بها الأجيال اللاحقة والمتتالية، خصوصاً وأنّ بني إسرائيل كانوا أُمة - كما يشهد التاريخ على ذلك - معاندة باحثة عن التبريرات والأعذار دوماً؛ تهرباً منها من الوظائف والمسؤوليات - ولذا؛ كان من اللّازم تعريضها لمثل هذا العقاب العنيف لتبقى في أذهانهم ووجدان أجيالهم ذكرى أليمة على مر العصور، ولكي لا يذهب أحد منهم بعد ذلك إلى ما اجترح آباؤهم.. ولعلّ عبارة ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ إشارة إلى هذا المعنى.
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)
قصة الطلب العجيب لبني إسرائيل المعاندين المتحجّجين وعقوبة الله العسيرة لهم في هاتين الآيتين:
1 - يمكن أن يكون هذا الطلب العجيب قد تمّ بداعي جهلهم، وذلك لأن إدراك الجهال لا يتعدّى محسوساتهم في الغالب، حتى تراهم يريدون رؤية الله بأعينهم.
2 - يمكن أن يكون طلبهم هذا بداعي لجاجتهم وتحجّجهم الذي كان من ميزات بني إسرائيل.
3 - من نتائج اللجاجة أنهم أساؤوا الأدب وتوقعوا ما ليس في محلّه وما ليس ممكناً لَنْ نُؤْمِنَ... فَأَخَذَتْكُمُ.
4 - لا يكفي الاستدلال والمنطق والموعظة لفريق من الناس، ولكنّ العقاب الأليم لازم الجماعة منهم.
5- لو لم يكن الله موجوداً حتى تروه جهرةً، فما بالكم لا تكتفون برؤية آثاره فتؤمنون بها؟ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
6 - ما جاء موجزاً في هاتين الآيتين ورد مشروحاً في الآية (155) من سورة (الأعراف) وفي الآية (153) من سورة (النساء).
7 - هذه القصة - الملحمة - تبين مدى ما تحمّله أنبياء الله العظام لدى دعوتهم الناس الجهال المعاندين من مصاعب ومصائب ومشاكل، إذ كانت الأمم تطلب إليهم تارة المعاجز ،
وتارة تطلب إليهم رؤية الله سبحانه جهرة، بل كان الناس يتحدون أنبياءهم بالقول بأنهم لن يؤمنوا لهم ما لم يحققوا لهم طلباتهم، وحينما كانوا يتعرضون لردّ الفعل الأشدّ من ناحية الله عزّوجلّ؛ تراهم يعمدون مرّة أخرى إلى التسبّب بمشاكل أكثر تعقيداً للأنبياء ولدعوتهم إلى .الحق.. ولولا لطف الله تعالى بأنبيائه، ما كانت مقاومة الجهال المعاندين لتكون أمراً ممكناً أبداً.
وهنا لم تكن وسيلة أخرى لتنبيه هؤلاء القوم - بنو إسرائيل - إلّا أن أظهر الله لهم أحد مخلوقاته - شيء يسير من نور حملة العرش كما ورد في الروايات عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام - يعجزون عن رؤيته، ليعلموا أنّ العين المجرّدة أضعف من أن ترى ما هو بسيط من خلق الله، ناهيك عن أن يكون الله قابلاً للرؤية.. إذ هو الله الذي لا تدركه الأبصار.. ثمّ نزلت الصاعقة على الجبل، وفيها البرق الخاطف والصوت الرهيب والزلزال المميت، فسقط بنو إسرائيل - وكان موسى قد اختار خيارهم - صرعى إلى الأرض لا حراك لهم.. فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
انزعج موسى لهذه الحادثة أيما انزعاج - طلبهم الوقح ثمّ موتهم - لا سيما وأن موت سبعين شخصاً مختاراً من بني إسرائيل في هذه الواقعة المهمة جداً سيدفع بالمعاندين والمغامرين منهم إلى مزيد من اللجاجة والتحجّج وكيل التهم إليه.. وإلى دعوته.. فطلب إلى ربّه المتعال أن يعيد لهؤلاء الصرعى الحياة، فاستجاب له الله.. وهذا ما تحدّثنا به الآية التالية :ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.. وكلّ ذلك كان بعلم الله وتدبيره ليكون درساً بليغاً لبني إسرائيل وأجيالهم القادمة وللأمم الأخرى غيرهم..
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)
ممّا تحدّثت به الآيات (20) و (21) و (22) من سورة ( المائدة ) الكريمة يعلم أنه وبعد نجاة بني إسرائيل من مخالب الفراعنة أمرهم الله تعالى أن ينطلقوا إلى الأرض المقدسة - فلسطين - ويدخلوها، ولكنّهم بحجّة أنّ فيها قوماً جبارين لم يطيعوا أمر الله، مضافاً إلى قولهم لنبيهم موسى عليه السلام اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون أي أنهم تمردوا واستهانوا واستهزؤوا بالله ونبيّه وجبنوا عن مواجهة الكافرين..
فانزعج موسى من هذا الموقف الإسرائيلي المرير وشكاهم إلى الله تعالى، فقرّر لهم الله عزّوجل أن يتيهوا في الصحراء الفاصلة بين مصر وفلسطين طيلة أربعين عاماً.. ومع ذلك فقد تفضّل الله الكريم الحكيم عليهم بأن يظلّلهم الغمام ويقيهم حرارة الشمس وينعم عليهم بأنواع الطعام اللذيذ (المن والسلوى) الذي كانت الملائكة تنزله عليهم كل يوم وتأتيهم به..
1 - تسخير الغمام وإنزال الطعام على كلّ إنسان معاند وفي عمق تلك الصحراء القاحلة؛ إشارة واضحة إلى أنه تبارك وتعالى يشمل بلطفه عباده مهما كانوا..
2 - كان الغمام مأموراً بأمره سبحانهظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ.
3 - أنه لا حدود لرازقيّة الله تعالى فهو يرسل الرزق الطبيعي وغير الطبيعي حتّى في
الصحراء القاحلة الجرداء من الماء والطعام.
4 - التخلّف عن أوامر الربّ المتعال ظلم للنفس وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
5 - أنّ الهدف من العقوبة الإلهية لا تحمل صيغة الانتقام، بل هي خطوة إصلاحية منبهة، ولهذا؛ كان إعمال عقوبة التيه ببني إسرائيل باعتبارهم كانوا لسنين مديدة ضعافاً أذلاء يستعبدون ويستخدمون في قصور الفراعنة وأبنيتهم أو مزارعهم... ممّا يجعلهم غير قادرين على التحرّر من جميع طبائعهم الذليلة والتأسيس لحكومة مستقلة وفقاً للمعايير الإلهية.. ولذلك كان لزاماً أن يخوضوا برزخاً للتخلّص من رواسبهم الفكرية والأخلاقية، ولإحراز الاستعداد لحياة فذة.. وقد يضطرهم هذا الهدف إلى قضاء سنين مديدة في تلكم الصحراء بعيداً عن سلطة الطغاة، ثمّ ظهور جيل جديد وبخصائص توحيدية وثورية يتربّى عليها..
6 - ينبغي الالتفات إلى أنّ كلمة أَنْزَلْنَا لا تعني بالضرورة الإنزال من عل كما تؤيد ذلك الآية السادسة من سورة (الزمر) بقولها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ومعلوم أن الأنعام لا تنزل من السماء.. هذا وقد وردت في كلمة (أَنْزَلْنَا) احتمالات عدة :
الاحتمال الأوّل : النزول بمعنى النزول المقامي ، أي : نزول النعمة من الجهة الأرقى إلى الجهة الأدنى.
الاحتمال الثاني : النزول من مادة الإنزال بمعنى الضيافة، إذ تارة يكون الإنزال والنزل( على وزن رسل )وهو الاستقبال والضيافة كما نقرأ في الآية (93) من سورة (الواقعة)فنزل من حميم أي : أنّ أهل النار يشربون من الشراب الجهنمي الحارق. وفي الآية (198) من سورة (آل عمران) نقرأ عن أهل الجنة : خالدين فيها نزلاً من عند الله حيث يكونون في ضيافة الله الأبدية.. فكأنّ بني إسرائيل (التائهين) كانوا في ضيافة الله ، ولهذا جرى التعبير ب- أَنْزَلْنَا.
الاحتمال الثالث : أن يكون النزول هنا بمعناه المعروف، لأنّ تلكم النعم، وطيور (السلوى)
خصوصاً كانت تأتيهم من الجهة العليا..
7 - عد البعض الغمام والسحاب ضمن معنى واحد ولم يفرّقوا بينهما، ولكن بعضاً آخر ذهبوا إلى أنّ الغمام هو الغيم الأبيض ، وقالوا في وصفه : الغمام غيم أبرد وأرق فيما السحاب غيم آخر يقابل الغمام، والغمام في الأصل مشتق من مادّة (الغمّ) بمعنى تغطية الشيء، فأن يقال للغيم غماماً؛ بداعي كونه يغطي صفحة السماء، وأن يقال للحزن غماً؛ فمن جهة أنه يغطي القلب ويغشيه.. ومهما يكن؛ فإن من الممكن أن يكون هذا التعبير باعتبار أنّ بني إسرائيل كانوا ينتفعون بهذا الغمام إذ يصلهم النور الكافي لبياضه من دون أن تكون السماء مظلمة..
8 - عبارة كانوا من طيبات ما رزقناكم تشير إلى أنّ المن والسلوى كانا من الأطعمة.. وهذا لم يرد في هذه الآية فحسب، بل تكرّر أيضاً في الآية (160) من سورة (الأعراف) أيضاً.
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)
1 - كما ورد في الآية (21) من سورة (المائدة)، فإنّ القرية قصد بها بيت المقدس ومنطقة القدس، ومع أن القرية في لسان العوام يقصد بها المنطقة الفلاحية أو الصناعية الصغيرة مساحةً وعدداً، إلّا أنّ القرآن ولغة العرب يستعملانها في كلّ منطقة يتجمع فيها الناس ويستقرون مدينة كبيرة أو صغيرة.
2 - حطّة لغة هو التساقط والإنزال، وهنا وردت بمعنى : اللهم نطلب إليك أن تحظ وتزيح عنا الذنوب.
3- لدخول المكان المقدّس، ينبغي إيلاؤه الاحترام اللازم ادْخُلُوا.. سُجَّدًا.
4 - الاستغفار بالنسبة للمذنبين مدعاة للمغفرة، وبالنسبة للصالحين مدعاة لعلق الدرجة َغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)
1 - في الآيتين (161 و 162) من سورة (الأعراف) قول يشبه القول في هذه الآية والآية التي سبقتها. وكلمة رِجْز بمعنى العذاب وحالة الاضطراب والانحراف واللانظام.
2 - سنة الله ؛ نزول الرحمة، ولهذا كان الطعام الأفضل (ّالمن والسلوى) الذي نزل على بني إسرائيل، ولكن بسبب انحرافهم؛ نزل العذاب..
3 - الظلم وارتكاب الذنوب أرضيّة ومقدّمة لتغيير وتحريف القانون فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا.
4 - عقوبة تحريف القانون الإلهي؛ عذاب وقمعرِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ.
5 - جميع الثواب وجميع العقاب غير مختصين بالآخرة، بل إنّ بعض العذاب يتحقق في دار الدنيا قبل دار الآخرة رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ.
6 - إنّ تحوّل الانحراف إلى عادة دائمة، ينزل العذاب حتماً بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.
7 - حين يتحوّل ارتكاب الذنب إلى عادة وظاهرة اجتماعيّة، ازداد احتمال نزول العذاب الإلهي.
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)
مرّة أخرى يشير الله تعالى إلى نعمة من النعم المهمة التي أعطاها بني إسرائيل، إذ طلب موسى عليه السلام إلى الله الماء لقومه في تلك الصحراء القاحلة، فاستجاب الله له وأمره أن يضرب بعصاه حجراً معيناً، ففعل موسى ما أمر، فانفجرت من الحجر اثنتا عشرة عيناً - بعدد قبائل بني إسرائيل - وجرى الماء وعرفت كل قبيلة منهم العين التي ينبغي أن تشرب منها..
1 - هذه الآية تشير إلى أنّ بني إسرائيل وإن عدّهم الله مذنبين متمرّدين ومع غضبه عزّوجل عليهم وإدانته لهم وتعريضه إياهم للتيه في الصحراء، ولكنه لم يحرمهم لطفه الخاصّ، وفضلاً عن رزقه إياهم بالطعام المميّز (المنّ والسلوى) فقد هيّأ لهم المقادير الكافية من الماء ضمن عمليّة إعجازيّة.
2 - لعلّ العدد (12) يتضمن رمزاً خاصاً.. ولنتذكر أنّ عدد أشهر السنة (12) وعدد نقباء بني إسرائيل (12) وعدد حواريّي عيسى عليه السلام (12) وعدد أئمتنا المعصومين عليهم
السلام (12).
3 - وردت مع كلمة مُفْسِدِينَ كلمة لَا تَعْثَوْا أيضاً، وهي تعني الفساد الشديد، ولعل اقترانهما إلى بعضهما نهياً منه سبحانه وتعالى عن تلكم الرغبة العارمة في الفساد؛ التي كانت تلمّ ببني إسرائيل، لأنّ الانحراف غير المتعمد والمجرّد عن قصد الفتنة والفساد يمكن أن يكون محط عفو وتجاوز.
4 - ذكر بعض المفسرين أن مجموع عبارة وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ إشارة إلى أنّ الفساد يبدأ من نقطة صغيرة ثمّ تأخذ بالتوسع والتركيز، وهذا هو المستفاد من كلمة ألَا تَعْثَوْا أي لا تتعمقوا في الفساد ولا تولغوا في الانحراف والتمرّد، وبعبارة أخرى : (المُفْسِدِينَ) إشارة إلى بداية الفساد، وكلمة لَا تَعْثَوْاإشارة إلى الاستمرار في الفساد والتوسع به (1)
5 - بعض الذين يجهلون منطق الإعجاز يستبعدون خروج كلّ ذلك الماء من العيون المنبجسة عن الصخرة، في حين أنّ مثيل هذه المسألة (وهي تشكل قسماً مهماً من معاجز الأنبياء) وإحداث التغيير في مسار العلل والمعلولات العادية ليس بالأمر العسير بالنسبة إلى الله تعالى وهو خالق السماوات والأرضين والوجود برمته.. مع أنه سبحانه وتعالى قد جعل - منذ اليوم الأول - قوانين العلل والمعلولات هي الحاكمة عموماً، بحيث تعوّدها الإنسان وصار يستبعد ما يخرقها.. مضافاً إلى أنّ الخرق للقوانين المعروفة - المعجزات والكرامات - ليس بالقليل في حياتنا العاديّة.. وعلى أي حال؛ فإنّ مسألة الإعجاز - في الماضي والحاضر - لا تتسبب بمشكلة عقلية وعلمية.
6 - في الآية مورد ،البحث، وفيما يرتبط بفوران الماء، استعملت مفردة (انفجرت) في
1) تفسير الامثل، ج 1، 274.
حین وردت في الآية (60) من سورة (الأعراف) مفردة انبجست إذ الأولى بمعنى الجريان الشديد جداً للماء، فيما الثانية تعني الجريان الخفيف والهادئ.. ولعلّ في ذلك إشارة إلى المرحلة الابتدائية من جريان الماء لئلا يستوحشه بنو إسرائيل، ولكي يسيطروا عليه ويستفيدوا منه، في حين أنّ انفجار عيون الماء يختص بالمرحلة النهائية حيث تتضاعف درجة وشدة جريان الماء..
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)
سؤال : ما المقصود من مصر هنا ؟ أورد المفسرون لهذه الكلمة ثلاثة احتمالات :
ألف - أنّها بمعنى المدينة، وإشارة إلى أنّ الأطعمة المتنوّعة لا تتوفر في تلك الصحراء، فاذهبوا إلى المدن المتوفّر فيها أنواع الطعام، ولكن لن تتوفر في تلكم المدن فرصة بناء الذات.
ب - اختار بعض آخر من المفسرين هذا المعنى الأول، ولكنّهم أضافوا إليه معنى آخر أو مطلباً آخر، بحيث يكون المقصود أن بقاءكم في الصحراء وتناولكم من الطعام غير المتنوّع كان بسبب ضعفكم ، فلتكونوا أشدّاء ولتواجهوا الأعداء ولتحرّروا مدن الشام والأرض المقدّسة ليتوفّر كلّ شيء لكم.
ج - ثالث الاحتمالات في هذه الآية أن المقصود هو بلاد مصر، أي أنكم إذا لم تنتفعوا
بطعام الصحراء غير المتنوّع، فعلى الأقل قد حزتم إيماناً وتحرّرتم وأصبحتم مستقلين.. فإن لم ترغبوا بالصحراء فلكم أن تعودوا إلى مصر وتعودوا عبيداً أذلاء مرّة أخرى أو لتنتفعوا بفضلات أطعمتهم المتنوّعة... فأنتم أتباع بطونكم، وقد نسيتم ذلك اليوم الذي كنتم فيه أسرى وعبيداً، بينما أنتم اليوم أحرار مرفوعو الرؤوس.. وفي الحقيقة : إن كنتم تعانون الحرمان - وهو ليس كذلك - من تنوّع الطعام، فهذه المعاناة المزعومة ثمن حرّيّتكم الذي تدفعونه. ولكن التفسير الأول هو الأكثر تناسباً كما يبدو...
سؤال : لا ريب أنّ التنوّع من نوازع الحياة وجزءًا من متطلبات البشر.. ومن الطبيعي أن يشعر المرء بالملل بعد مدة من تناول الطعام الواحد. وهذا أمر لا علاقة له بالمعصية.. إذن؛ كيف صار بنو إسرائيل مورد اللوم على طلبهم هذا؟
الإجابة على هذا السؤال تتضح بذكر مسألة؛ وهي أنّ في حياة البشر يتفق أن يكون الإقبال على طلب التنوّع مؤدّياً إلى إبعاد الإنسان عن هدفه الأصلي - أو ما ينبغي أن يكون هدفاً - وعن الإيمان والطهر والتقوى والتحرّر، وهنا يلزم حفظ هذه الحقائق والتشبث بها باعتبارها قواعد الحياة الطيبة ولا يفتدي بها اللذائذ الماديّة المؤقتة من قبيل النوم والدعة..
سؤال : لماذا ضربت الذلة على بني إسرائيل؟
يستفاد من الآية أعلاه أنّهم أصيبوا بالذلة والمسكنة من جهتين :
ألف - للكفر والتمرّد على التعاليم الإلهيّة والانحراف عن التوحيد باتجاه الشرك.
ب - أنّهم كانوا يقتلون الأنبياء ورسل الحق.. وهذه القسوة والغفلة والتغافل عن الالتزام بالقوانين الإلهية؛ بل وجميع القوانين الدولية، تعد السمة البارزة والواضحة - وحتّى في العصر الراهن - في بعض اليهود، وهي السبب في ذلّتهم وحقارتهم (وعن مصير اليهود وحياتهم القاسية سيكون البحث في الآية (112) من سورة آل عمران).
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
نقل في كتاب (تفسير نمونه) عن (جامع البيان) أن سلمان المحمدي قال لرسول الله صلى الله عليه وآله : إنّ من أصحابي من كان مؤمناً ويصلي ولكنهم لم يروك، فماذا سيكون حالهم في القيامة؟ فبادره أحد الحاضرين قائلاً: هم في النار. إلّا أنّ الآية أعلاه نزلت تفنّد الإجابة الخاطئة التي قالها ذلك الحاضر، إذ يكون مصير المؤمنين في عصرهم والمبادرين إلى صالح الأعمال وسيكون أجرهم عند ربّهم..(1)
1 - القاعدة الكلية والعامة من وجهة النظر القرآنية أن القيمة الفذة لما هو واقع وحقيقي.. دون التظاهر.
2 - الإيمان الخالص والعمل الصالح يقبلان عند الله تعالى، والذين آمنوا بنبي الإسلام - وأطاعوه فيما دعا - وكذلك مؤمنو الأديان الأخرى من اليهود والنصارى والصابئة (أتباع يحيى وزكريا أو نوح وإبراهيم) ممن آمن بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً سيكون أجرهم عند ربهم..
3- هؤلاء المؤمنون لا يخافون المستقبل ولا يغتمون لماضوَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
1) تفسير الامثل، ج1، ص 287 و 288 نقلا عن جامع البیان، ج 1، ص 256
يَحْزَنُونَ. 4 - ورد ما يشبه هذه الآية في العبارة في الآية (69) من سورة (المائدة)، وبفارق بسيط في الآية (17) من سورة (الحج).
بعض المتحجّجين يقولون : طبقاً لهذه الآية يكون من غير اللازم أن يعتنق اليهود أو النصارى وأتباع الأديان الأخرى دين الإسلام، بل يكفيهم أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وأن يعملوا الصالحات.
الجواب : أولاً : نعلم جيداً أن آيات القرآن يفسر بعضها بعضاً والقرآن قد قال في الآية (85) من سورة (آل عمران) :ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه.
ثانياً : القرآن المجيد مفعم بأشكال دعوة اليهود والنصارى وأتباع سائر الأديان الأخرى إلى اعتناق الدين الجديد، فإذا صح التفسير أعلاه، يكون مع قسم كبير من آيات القرآن في تضاد، وعليه؛ ينبغي تتبع المعنى الواقعي للآية، وهنا ثم تفسيران أوضح وأنسب من غيرهما على الظاهر :
1 - لو عمل اليهود والنصارى وأمثالهم بمحتويات كتبهم؛ لآمنوا - بلا ريب - بنبيّ الإسلام صلّى الله عليه وآله ، ذلك لأنّ البشارات بظهوره مع ذكر صفاته وعلائمه المميزة قد وردت في الكتب السماوية، وهذا ما سيتضح في تفسير الآية (146) من سورة (البقرة) إن شاء الله.
2 - هذه الآية ناظرة إلى سؤال تبادر إلى أذهان الكثير من المسلمين منذ بداية الإسلام.. فهم كانوا يفكرون بمصائر الصالحين وآبائهم إذا كان طريق الحق والنجاة في اعتناق الإسلام فحسب؟ وهل أنّ أولئك سيعاقبون لعدم إيمانهم بالإسلام مع أنهم قد سبقوه من حيث
الزمان؟ هنا نزلت الآية أعلاه وأعلنت عن أنّ كلّ من آمن بنبي زمانه وكتاب عصره السماوي وعمل صالحاً؛ كان من أهل النجاة، ولا مجال للشك في ذلك، وعليه؛ فإنّ اليهود المؤمنين والعاملين صالحاً قبل ظهور المسيح هم ناجون فائزون كما هم النصارى المؤمنون الذين عاشوا قبل ظهور الدين المحمدي
سؤال : من هم الصابئة ؟
الصابئة هم الذين يعتبرون أنفسهم أتباع النبي يحيى عليه السلام، وينسبون إلى الكواكب والنجوم قدرة التدبير واسم هذه الفرقة ورد في الآية (62) من سورة (البقرة) والآية (69) من سورة (المائدة) والآية (17) من سورة ( الحجّ ) إلى جانب اليهود والنصارى والمشركين والمجوس . ومن هنا يعلم أنّ الصابئين هم غير المجموعات الأربع.. وأتباع هذا الدين كسائر أهل الكتاب تمت دعوتهم إلى الإسلام، ولأنهم أصحاب معتقدات خاصة، تراهم قليلي العدد ولا يدعون لدينهم.. ويعيشون في الغالب في محاذاة الأنهار والبحار في حالة عزلة وانزواء، ولهم أغسال عديدة تؤدّى في الأنهار صيفاً وشتاءً، ويعيش حوالي خمسة آلاف شخص منهم في محافظة خوزستان الإيرانية إلى جانب نهر كارون وفي المدن الأخرى من هذه المحافظة،
ومنهم ثمانية آلاف يعيشون في العراق إلى جانب نهر دجلة والمدن العراقية الأخرى..
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)
1 - المقصود بالميثاق هنا هو ما مرّ ذكره في الآية (40) من هذه السورة وسيأتي ذكره في الآيتين (83 و 84 ) أيضاً، وهذا الميثاق عبارة عن التوحيد والإحسان بالوالدين وذوي القربى والأيتام والمحتاجين، والقول الحسن وإقامة الصلاة وأداء الزكاة والورع عن إراقة الدماء.. وهي الأمور المبينة في التوراة.
2 -يستفاد من الآية (12) من سورة (المائدة ) أنّ الله تعالى أخذ العهد والميثاق من اليهود أن يؤمنوا بأنبياء الله وينصروهم، وأن يتصدقوا وينفقوا في سبيل الله، وقد ضمن لهم - في ذيل هذه الآية - أن يجعلهم من أهل الجنّة إن هم عملوا بهذا الميثاق..
3- وردت قصة رفع الطور بتفاوت بسيط في الآية (93) من سورة (البقرة) والآية (154) من سورة (النساء) والآية (171) من سورة (الأعراف).
سؤال : كيف تمّ رفع الطور فوق رؤوس بني إسرائيل؟
هنالك أربعة احتمالات في هذا الموضوع:
1 - نقل المفسّر الكبير المرحوم الطبرسي عن قول أبو زيد أنّ موسى عليه السلام حين
رجع من الطور حاملاً ألواح التوراة أعلن لقومه أنه جاءهم بكتاب السماء المتضمن التعاليم الدينية والحلال والحرام.. تعاليم جعلها الله لهم منهجاً.. فخذوه واعملوا بأحكامه،
ولكنّ اليهود - وبحجة عسر تكاليفه - أسسوا لتمرّدهم وعنادهم.. فأمر الله عزّوجلّ الملائكة أن يرفعوا قطعة عظيمة من جبل طور فوق رؤوسهم.. في تلك الأثناء قال لهم موسى عليه السلام: إن عملتم بما في هذا الميثاق وبما تأمر التعاليم الإلهية وامتنعتم عن الطغيان والتمرّد وتبتم عن خطاياكم، رفع الله عنكم العذاب والعقوبة، وإلا فإنّكم ستهلكون جميعاً.. فاستسلموا وقبلوا التوراة وسجدوا الله سبحانه.. في حين كان من الممكن أن يسقط الطور على رؤوسهم في كل لحظة، ولكنّ بركة التوبة دفعت عنهم العذاب والهلاك.(1)
2 - ذهب جمع من المفسرين في كيفية ارتفاع الجبل فوق بني إسرائيل إلى أنّ الجبل ارتفع بأمر الله وقلع من موضعه وصار كما المظلة فوق رؤوسهم.
3- قال آخرون وقع زلزال شديد في الجبل، فاهتز الواقفون في أسفله كما الجبل، وشاهدوا ظلّ الجزء الأعلى فوق رؤوسهم وظنوا سقوطه عليهم في كل لحظة، ولكن اللطف الإلهي هذا الجبل واستقر في موضعه.
4- يحتمل أيضاً أن يكون جزء عظيم من الجبل قد انفصل بأمر الله وبسبب الزلزال والصاعقة الشديدة عن موضعه وصار فوق رؤوسهم بحيث رأوه للحظات وظنوا أنه سيسقط عليهم.
سؤال: ما الفائدة من أخذ الميثاق جبراً من بني إسرائيل؟
قال البعض لدى إجابتهم على هذا السؤال: كان لارتفاع الجبل فوق رؤوسهم مغزى يقضي بإرعابهم وإخافتهم دون إجبارهم، وإلا فإنّ الميثاق الإجباري لا قيمة له..
1) مجمع البيان، ج1، ص 262
ولكنّ الأصح أن يقال: لا مانع من أن يهدّد ويرعب الأشخاص المتمردون على الحق بالعقوبة.. وأن يكون التهديد مؤقتاً ليحطم غرورهم وتكبّرهم وليدفعهم إلى التفكير الصحيح ثمّ إلى الاختيار الصحيح والعمل بوظائفهم.
سؤال: ما المقصود بجبل الطور؟
أن يكون المقصود بالطور هنا اسم جنس بمعنى كل جبل أو جبل معين، فيه تفسيران: ألف قال البعض: الطور إشارة إلى الجبل المعروف والكائن في موضع الوحي النازل على النبي عيسى عليه السلام.
ب- الاحتمال الآخر: أنّ الطور هنا هو معناه اللغوي كما ورد في الآية (171) من سورة (الأعراف): وإذ نتقنا الجبل فوقهم.
5- في تفسير عبارة (خذوا ما آتيناكم بقوّة) نقل عن مولانا الصادق عليه السلام إذ سئل عمّا إذا كان أخذ واستقبال الآيات الإلهيّة بقوة الأبدان أم بقوّة القلب؟ قوله: «فيهما جميعاً »(1)أي بالاثنين معاً، وهذا أمر صادر لجميع أتباع الأديان السماوية في كل عصر وزمان حيث ينبغي لهم الاستعداد المادي والمعنوي.
6 - أنّ الإنسان الغافل ينسى أهم وأخطر التهديدات ثم توليتم من بعد ذلك.
7- لا تيأسوا؛ لأنّ الله تعالى يتعامل بالفضل والرحمة حتى مع المذنبين فلولا فضل الله عليكم.
8- أنّ النجاة من الخسران تحت مظلة الفضل والرحمة الإلهية:لولا فضل الله عليكم ورحمته لكنت من الخاسرين.
1) المحاسن، ج1، ص 261
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)
1- هاتان الآيتان كما الآيات السالفة تشيران إلى روح العصيان والتمرّد التي كانت الحاكمة والمستولية على اليهود ورغبتهم الشديدة لذلك..
خلاصة القصة كانت كالتالي: أمر الله تعالى اليهود أن يقعدوا عن أعمالهم في يوم السبت، ولكن حرصهم وتعلق فريق منهم بجمع المال ممن كانوا يعيشون إلى جانب البحر، حيث جاءهم الأمر هذا بعنوان الاختبار في أن لا يصيدوا السمك في ذلك اليوم، ولكنّ التفاوت العجيب أنّ ساحل البحر كان يمتلئ بالسمك حتى يطفو فوق سطح الماء.. فلجؤوا إلى إعمال الحيلة واستعمال ما دعوه بالحيلة الشرعية في يوم السبت.. فعاقبهم الله على هذا التمرّد ومسخ وجوههم وحولهم إلى قردة خاسئين ليكون هذا العقاب درساً وعبرة للآخرين.. وقد وردت هذه القصة في الآيات (163) إلى (166) من سورة الأعراف) فضلاً عن هذه الآية، وما إذا كان ذلك المسخ ذا بعد جسماني أم بعد نفسي وأخلاقي، وكذلك أين كان يعيش هؤلاء الذين مُسخوا؟ وأي حيلة استعملوها لصيد الأسماك ؟
2 - كلمة (السبت) بمعنى القطع وكف اليد عن العمل كما ورد ذلك في الآية التاسعة من سورة (النبأ)وأشير به إلى النوموجعلنا نومكم سباتاً ولذلك كانت عطلة اليهود في يوم السبت.
3 - عبارة فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ كناية عن سرعة العمل حيث مسخت وجوههم بإشارة واحدة خاطفة، فتحوّلوا قردةً.
4- خَاسِئِينَ من مادة الخسء بمعنى الطرد، وقد استعملت هذه المفردة في البداية في طرد الكلب، ثمّ صار لها استعمال عامقِرَدَةً خَاسِئِينَ صفة للجمع المذكر العاقل اليهود ناقضو العهود والمواثيق ولعلّ هذا الاستعمال لتبديل أجسامهم الآدمية إلى أجسام القرود دون أرواحهم وعقولهم، لأنّ في ذلك عذاباً أكبر..رغم أنّ البعض كالمراغي في تفسيره ذهب إلى أنّ المراد بالقردة هنا مجرد تشبيه وقال هذه الآية نظير قوله تعالى: كمثل الحمار (1)أوكالأنعام(2)يعني أنّ مسخهم كان معنوياً لا صورياً أو ظاهرياًّ(3). ولكن روي في كتاب الكافي عن أبي سعيد الخُدري أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال لبلال يا بلال اصعد أبا قبيس فناد عليه أن رسول الله حرم الجري و الضب و الحمير الأهلية ألا فاتقوا الله عز وجل ولا تأكلوا من السمك إلا ما كان له قشر و مع القشر فلوس فإن الله تعالى مسخ سبعمائة أمة عصوا الأوصياء بعد الرسل فأخذ أربعمائة منهم برا و ثلاثمائة بحرا.(4)
كما نقرأ في الروايات أن المسخ سيكون في يوم القيامة بما يتناسب والخصوصية الروحية للمسوخ، حتّى أنّ الناس سيحشرون على عشرة أشكال من المسخ :
1 - أهل الشائعات بصورة قرد. 2 - آكلو الحرام بصورة خنزير. 3 – آكلو الربا منقلبون. 4 - القاضي بغير الحق أعمى 5 - الأنانيون المغرورون صم بكم. 6 - العالم بلا عمل ماضغ للسانه. 7 - مؤذي الجار مقطوع اليد والرجل . 8 - الجاسوس معلّق بقرون من نار. 9 - البطالون أقبح رائحة من الموتى. 10 - المستكبرون يحشرون بغشاء من نار...(5)
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)
(النكال) العذاب الذي يبقى أثره ويظهر للعيان ليراه الآخرون ويعتبروا به.
1 - يجب أن تكون الهزائم والانتصارات دروساً للأجيال اللاحقة نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا.
2 - الاعتبار بحاجة إلى روحيّة التقوى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
وعن الإمام الباقر والصادق عليهما السلام في معنى هذه الآية أن المقصود من قوله تعالى: مَا بَيْنَ يَدَيْهَا نسل ذلك الزمان، وأنّ المراد من:مَا خَلْفَها نحن المسلمين(1)، بمعنى أنّه لم يكن درساً خاصاً ببني إسرائيل، ويشمل جميع بني البشر.
1) تفسير العياشي، ج 1، ص 46
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)
في هذه الآيات وخلافاً لما قرأناه حتى الآن في سورة (البقرة) بخصوص بني إسرائيل؛ حيث كان الإيجاز هو الطابع العام للمطالب، ها هي قصة من قصصهم وردت بصورة مفصلة تتناول ثقافتهم التبريرية وعنادهم بشكل واضح، إضافة إلى عرض مستوى إيمانهم بالنبي موسى عليه السلام.. ثمّ الأهم من ذلك: الشهادة الحيّة على إمكانية المبعث في يوم القيامة..
قصّة مقتل أحد بني إسرائيل (كما يتضح من القرآن والتفاسير) كانت كالتالي:
كان لأحد أثرياء بني إسرائيل ثروة طائلة جداً، ولم يكن له وارث سوى ابن عمه، فطال عمر هذا الثري جداً.. ومهما توقع وانتظر ابن عمه موته ليرثه ويستولي على أمواله؛ لم يقع له ما يريد، فقرّر أن يقتله.. فقتله خفيةً ورمى بجثته إلى قارعة الطريق، ثم راح ينوح عليه صارخاً، وشكا أمر مقتل ابن عمه إلى النبي موسى عليه السلام طالباً منه أن يعثر على قاتله.
وقال بعض المفسرين كان دافع القتل أنّ قاتل عمه طلب إليه الزواج بابنته فرفض وزوّج العمّ ابنته من شاب صالح من بني إسرائيل، فعمد ابن العم هذا إلى قتل عمه.. وحيث لم يُعرف القاتل، فقد شب نزاع بين قبائل بني إسرائيل، وراحت كل قبيلة تتهم القبيلة الأخرى بارتكاب الجريمة وتبرئ نفسها.. فجاء الجميع - ومعهم القاتل المتخفّي والمشتكي - نبيهم موسى عليه السلام طالبين منه القضاء والحلّ.
فقال لهم موسى عليه السلام: يأمركم الله أن تذبحوا بقرة وأن تأخذوا جزءا منها وتضربوا بها جسد المقتول؛ ليحيى ويفصح عن اسم وهويّة قاتله.. فقالوا لموسى عليه السلام بعد أن سمعوا كلامه : أتستهزئ بنا يا موسى؟ فأنكر أن يكون من المستهزئين؛ إذ الاستهزاء بالآخرين مسلك الجاهلين، وأنه يستعيذ بالله أن يكون منهم.. وبعد أن اطمأنوا لكلامه وأنّ الحكم الإلهي حكم جاد ؛ قالوا: إذا كان الأمر كما تقول : فاطلب من ربّك - وكأنه ليس ربّهم!! - أن يحدّد لنا صفات هذه البقرة ..(1)
وعلى أية حال؛ فقد أجابهم موسى عليه السلام قائلاً: يأمر الله تعالى أن تكون أنثى وليست مسنة عاجزة، وأن تكون متوسطة العمر..ولكي لايستمروا في لجاجتهم ومحاولتهم في تأخير تنفيذ الأمر الإلهي، أضاف موسى عليه السلام قائلاً: افعلوا ما تؤمرون به.. ولكنهم لم يكفّوا عن محاولات تهربهم وقالوا اطلب من ربّك أن يحدّد لنا لون هذه البقرة فأجابهم بأن لونها يجب أن
1) تفسير القمي، ج1، ص 49
يكون أصفراً خالصاً يسرّ من يراها قالوا إنّه يقول إنّها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين.
والعجيب أنّهم لم يكتفوا بهذه المعلومات؟ وراحوا يبحثون عن تبريرات وحجج أخرى لكي لا يفعلو ما يؤمرون.. فقالوا لموسى عليه السلام مرّة أخرى : اطلب من ربك أن يزوّدنا بصفات أخرى للبقرة التي يجب أن نذبحها لأننا لم نتعرّف عليها بعد (!) ووعدوه أن يذبحوها إذا عرفوها حتماً..
فبادرهم موسى عليه السلام قائلاً:إنّه يقول إنّها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها أي أنها لم تروّض ولم تستخدم في عمل الزراعة ولا يشاهد فيها عيب من العيوب وصافية من أي لون غير اللون الأصفر... وهنا لم يعد أمامهم سؤال آخر يطرحونه، ولا حجة بقت بين أيديهم ليبرّروا تأخرهم ومماطلتهم في ذبح البقرة.. (فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ أي: امتثلوا للأمر أخيراً ولكنهم لم يكونوا راغبين..
ذكر المفسرون هنا أنّ هذه البقرة كانت فريدة من نوعها وفي صفاتها، ولذلك؛ فقد اضطرّوا إلى شرائها بثمن باهض جداً. وقد قيل إنّ صاحب هذه البقرة كان رجلاً صالحاً محسناً لأبويه.. وقد كان أبوه نائماً ذات يوم فيما عرضت له صفقة تجارية مربحة، ولكنه لم يوقظ أباه؛ حذراً من إزعاجه، ليأخذ منه مفاتيح صندوق أمواله ليتاجر بها ويدفع ثمن الصفقة التجارية، وبالنتيجة فقد غضّ النظر منها.. وذكر مفسرون أن البائع كان على استعداد لأن يبيعه سبعين ألفاً بشرط أن يدفع له نقداً، ولكن حيث كان دفع المال منوطاً بإيقاظ الأب من نومه وأخذ المفاتيح منه، ولكنّ الرجل لم يوقظ أباه وأبدى استعداده أن يدفع للبائع ثمانين ألفاً بعد يقظة أبيه.. وهكذا لم تتم الصفقة.. فهيا الله تعالى - جبراً لخسارة هذا الشاب المحسن لأبيه - صفقة رابحة أخرى.. فيما قال مفسّرون آخرون بأنّ الأب بعد يقظته وعلمه بما كان من إحسان ولده أهداه تلكم البقرة، فحصل الولد من خلالها على أموال طائلة فيما بعد..
بعد أن تناول القرآن تفاصيل هذه القصّة، عاد إلى أسلوبه المختصر فأكمل القصّة بآيتين قائلاً: وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون بعد كل ذلك التحجج والامتناع عن ذبح البقرة الذي يقف وراءه ما يقف من الأسباب والأسرار.. فقلنا اضربوه ببعضها
أي: اضربوا جنّة المقتول المطروحة أمامكم بعض من أعضاء البقرة التي ذبحتموها ليعود من موته ويكشف هوية قاتله كذلك يحيي الله الموتىأي: هكذا يريكم الله تعالى آياته لتتعقلوا الأمر وتصححوا عقائدكم..
وفي الآية الأخيرة الخاصة بالبحث هنا، يقول سبحانه وتعالى: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة هنا تتناول الآية الشريفة الانقلاب النفسي الذي حدث في بني إسرائيل بعد واقعة البقرة ومشاهدة الآيات والمعاجز ومن ضمنها إحياء الفرد المقتول وافتضاح أمر القاتل الذي يبدو أن جماعات من بني إسرائيل كانت وراءه في جريمته أو تعصباً لقرابته منهم ورغبة تلك الجماعات في عدم الاقتصاص منه، لمعرفتهم الباطنية بأنّ
معجزة النبي موسى عليه السلام ستنتهي بالفضيحة لهم وإشهار ما كانوا يكتمون من عدم
الإيمان الحقيقي بنبوة موسى عليه السلام أو من احتمال ما وعدهم القاتل – الذي كان يتوقع الثراء - من مال إن هم دعموه وساندوه، ولما افتضح أمر القاتل وما كانوا يكتمون؛ انقلبوا على دین موسى عليه السلام؛ فبغضوه أيَّما بغض لما حدث لقلوبهم من القسوة العجيبة حتى صارت كالحجارة أو أشد قسوة.. بل:
وإنّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار إشارة إلى انغلاق قلوب أولئك الإسرائيليين وعدم انفتاحها على أيّ رحمة وعاطفة وعقلانية، والحال أنّ بعض الأحجار لتستجيب للماء ومسيره فيتفجر له عيوناً وأنهاراً وإنّ منها لما يشقق فيخرج منه الماء ولكن قلوب هؤلاء الذين رفضوا قبول الحق الذي جاء به موسى عليه السلام لهم في حادثة ذبح البقرة أو غيرها،
ازداد أشد من قسوة الأحجار التي خلقها الله تعالى صلبة قاسية، ومع ذلك فإنّ منها لما يهبط من خشية الله فقلوبهم وذواتهم خلت من الرحمة والعاطفة والعلم والمحبة والخشية من الله تعالى كما يحصل لبعض الأحجار التي تهبط من أعالي المرتفعات.
وفي العبارة الأخيرة يخاطبهم - كما يخاطب أمثالهم - القرآن الكريم بالقول مهدّداً: وما الله بغافل عما تعملون .
1 - عبارة ادع لنا ربك تكرّرت من بني إسرائيل، إشارة إلى سوء أدبهم واستهزائهم، فهل أنّ ربّ موسى عليه السلام غير ربّهم؟!
2- لا شكّ أنّ السؤال مفتاح حل المشاكل وإزالة الجهل، ولكن لكل شيء حد ومعيار، وإذا تجاوزهما ولو بأسئلة في غير محلها، كان مدعاة للانحراف والخسران، كما نلاحظ في هذه القصة.
3 - كان تكليف بني إسرائيل في البداية تكليفاً مطلقاً، وهو إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة من دون ذكر خصوصيات البقرة، ولو كان التكليف غير مطلق لأورده موسى منذ اللحظة الأولى، لئلا يحصل التأخير في البيان عند حاجة الناس العاجلة.
4 - عبارة فذبحوها وما كادوا يفعلون يراد بها هذا المعنى أيضاً، فهم لم يرغبوا بذبح البقرة ولم يهتموا لأمر الله الاهتمام المطلوب، لأنهم لم يريدوا الكشف عن حقيقة الأمر وهوية القاتل.. ولا يزال هذا الاختلاف والتخلّف سارياً في اليهود.
5 - يستفاد من قوله تعالى: والله مخرج ما كنتم تكتمون أن فريقاً منهم - على الأقل - كانوا يعرفون هويّة القاتل مطلعين على أصل القضيّة، ولعلّ الجريمة تلك قد تمت ضمن مؤامرة سابقة حاكوا خيوطها فيما بينهم، ولكنّهم كانوا يتكتمون عليها!!
6 - تشير القرائن إلى أنّ بني إسرائيل لم تكن لهم المعرفة الكاملة بالله سبحانه وتعالى ولا
بمقام موسى عليه السلام، لذلك رأيتهم بعد كلّ تلك الأسئلة و الحجج والتبريرات يقولون: (الآن جئت بالحق وكأن أقواله السابقة كانت باطلة..
7- بالمقدار الذي زاد من أسئلتهم وطلباتهم، شدّد الله تعالى عليهم مسؤوليتهم وتكليفهم، لأنّ مثل هؤلاء يستحقون مثل هذا العقاب، وهكذا نقرأ في الروايات المنع من السؤال في حال سكوت الله عن التفصيل؛ وضرورة الإيمان بأنّ وراء هذا السكوت حكمةً إلهيّة.(1)وعن مولانا الرضا(عليه السلام) أنّ بني إسرائيل لو كانوا ذبحوا أي بقرة لكفاهم « ولكن شدوا؛ فشدّد الله عليهم». (2)
8 - يمكن أن تكون الأوصاف والقيود التي ذكرت للبقرة المراد ذبحها فيما بعد إشارة إلى حقيقة اجتماعية في حياة البشر ، وهي أنّ البقرة التي أريد لها أن تؤدي دور إحياء إنسان ما؛ وأن تساعد على حلّ مشكلة ونزاع بين بني إسرائيل؛ لابد أن تكون ذلولاً، أي مستسلمة دون قيد أو شرط، دون أن تكون عاملة أو متخذة لأمر الزراعة، كما لا ينبغي أن تكون ذات ألوان متعدّدة.. وإنّما يلزم أن تكون ذات لون واحد وخالص.. كذلك ينبغي لمن يريد قيادة المجتمع وإحيائه وإحداث التغيير الإيجابي في القلوب والأفكار أن يكون بلا لون من ثروة ومال وقدرة جبارة قاهرة، وإنّما عليه أن لا يُدخل قلبه سوى الله الحق، مستسلماً له ملتزماً بتعاليمه.. أما القلب الراغب في الدنيا الخاضع لها المتلون بألوانها..فسيعجز – بهذه العيوب والنقائص - عن إحياء القلوب الميتة..
9 - هذه القصة العجيبة؛ وفضلاً عن دلالتها على القدرة الربوبية اللامتناهية والمسيطرة على كل شيء فإنّها تثبت حتميّة المعاد أيضاً (كذلك يحيي الله الموتى إشارة إلى مسألة
المعادويريكم آياتهإشارة على قدرة وعظمة الله ربّ العالمين.
10 - هذه الآية تبين مدى إساءة الأدب التي أبداها بنو إسرائيل تجاه موسى وحتى تجاه الله العظيم.. حيث قالوا أتتخذنا هزوا؟ إذ اتهموه بالاستهزاء بهم، مع أن موسى قال بصراحة إنّ الله يأمركم ولكنّهم اتهموه أيضاً بخيانة الله في إيصال الوحي إليهم وقصوره في القضاء بينهم.
وهكذا تعلّمنا هذه القصة أن لا نتطرّف في الأمور لئلا يشدّد الله علينا.. مضافاً إلى أنّ الأمر بذبح البقرة قد يكون لإزالة بقايا عقيدة عبادة العجل من أدمغة بني إسرائيل...
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
1- جاء في ذيل الآية 72 لسورة البقرة المباركة أن الله تعالى سيكشف على الملأ ما يخفيه المجرمون ويفضح أمرهم، فهم على علم بهوية القاتل، ومطلعون على ظروف الجريمة، فهذا القتل قد جرى عن سابق تخطيط وترصد بينهم لكنهم يكتمون ذلك.
2- لقد كان بنو اسرائيل يزيدون صعوبة الأمر عليهم بإكثارهم من الأسئلة، لذلك فقد استحقوا العقاب، وفي الروايات ما يشير إلى ذلك فعن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: "إن بني إسرائيل شدّدوا فشدّد الله عليهم قال لهم موسى عليه السلام: إذبحوا بقرة. قالوا: ما لونها؟ فلم يزالوا يشدّدوا حتى ذبحوا بقرة بملء جلدها ذهباً.(1)"
1) بحار الأنوار 266/13، ح 5.
3- لعل ما ذكر من صفات البقرة فيه إشارة إلى وقائع إجتماعية يمكن تطبيقها على حياة الإنسان، فهذه البقرة قد لعبت دوراً في إعادة إنسان إلى الحياة، وحلت معضلة قائمة بين بني اسرائيل، واتصفت بأنها ذلول مسلمة دون شروط، كما أنها ذات لون واحد لا تتداخل فيه سائر الألوان، فهي بحق خالصة.. وبالتالي فالأولى بمن يريد أن يلعب دور ال-دلي-ل والمحيي للمجتمع ومن يريد أن يعيد الأرواح الميتة فيه إلى الحياة، أن يخلّص نفسه من أي شوائب وألوان.. كالمال والثروة والفقر والغنى، بل أن يعمر قلبه وكيانه بالله، ويكون مُسَلَّماً لله وحده وللحق الذي يرضاه، راسخاً في الدين بعيداً عن أهواء الظالمين المستغلين.. لكن من ينحرف إلى أهواء الدنيا فتسوقه كما تشاء وتشوه لونه لن يكون له أن يحيي الآخرين أو يوقظ أرواحهم الميتة.
4 - إن هذه القصة ورغم أنها تدل على قدرة الله العظيمة والغير متناهية ،فإنها أيضاً تشير إلى مسألة المعاد، لذا نقرأ في الآية 73{يحيي الله الموتى} إشارة إلى هذه المسألة أيضاً.
5-في الآية 74 وفي عبارة {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة إشارة إلى قسوة قلوب بني إسرائيل، حيث تقول بأن رؤية هذه المعجزات والآيات المتتالية وعدم الإيمان بها جعل قلوبهم كالحجارة أو أقسى من ذلك، {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } وإن من الحجارة أنواع يخرج منها الماء أو على الأقل يرشح منه الماء {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ومنها أيضاً ما يهوي فيسقط من خشية الله
{وإن منها لما يهبط من خشية الله } لكن قلوب بني إسرائيل أقسى من هذه الحجارة، فهي لا تنبض بالعواطف والعلم كمثل الحجارة التي ينبع من داخلها الماء، ولا تخفق خوفاً من الله كما تلك الحجارة، ثم وفي آخر الآية يقول تعالى { وما الله بغافل عما تعملون} وهي عبارة فيها تهديد لبني اسرائيل ولكل من يسلك سبيلهم.
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)
نقل في شأن نزول هذه الآيات أنّ جماعة من اليهود، كانوا إذا التقوا جماعة من المسلمين أخبروهم بما في التوراة من صفات للرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله، وحين اطلع علماء وكبار اليهود على ذلك نهوهم وقالوا لهم لا تخبروهم بما تجدونه من صفات محمد صلى الله عليه وآله في التوراة لئلا يجدوا ما يفحمونكم به عند ربّكم، فنزلت الآيات المذكورة ردّاً عليهم.(1)
1 - جاء في (أسباب النزول) أن جماعة من اليهود لدى نزولهم من الطور قالوا للناس: سمعنا الله عند آخر كلامه لموسى يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم
1) تفسير القمي، ج1، ص 50
فلا تفعلوا ولا بأس...(1)وكان هذا أوّل تحريف!
2 - كان المتوقع في بداية ظهور الإسلام أن يسبق اليهود غيرهم إلى اعتناق الدين الجديد باعتبارهم أهل الكتاب (خلافاً للمشركين) مضافاً إلى أنهم كانوا قد اطلعوا على الصفات المحمدية الواردة في توراتهم.
3 - ذكر الله تعالى أنّ ماضي اليهود المشين يدفع التوقّع بالمبادرة إلى اعتناق الإسلام ذلك لأنّ روح الانحراف المتكرّسة في جماعة ما تبعدهم عن الحق وإن كانوا قريبين إليه.
4 - الآية التالية تميط اللثام عن وجه الحقيقة المرّة الأخرى بخصوص هذه الجماعة الماكرة والمنافقةوإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا (ويخبرون المؤمنين بالصفات الخاصة بالنبي صلّى الله عليه وآله الواردة في توراتهم) ولكنّهم إذا خلوا إلى بعضهم قال بعضهم وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم لئلا يحتجوا عليكم في القيامة عند الله ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون؟!
5 - يحتمل أن يكون تفسير هذه الآية أن بدايتها تتحدّث عن المنافقين اليهود حيث يتحدثون عن الإيمان في محضر المسلمين، أما في غيابهم؛ فينكرون ويوجهون اللوم للخيرين منهم على أنهم يكشفون أسرار الكتب المقدسة للمسلمين.
6 - مهما يكن؛ يعتبر هذا التفسير تأييداً للآية السابقة القائلة بخطأ توقع الإيمان والصدق من هكذا جماعة قد استولت عليها روح النفاق والانتهازية.
7 - عبارة فتح الله عليكم يمكن أن تعني الحكم والأمر الإلهي الذي جعله الله تعالى في بني إسرائيل، ويمكن أيضاً أن يكون إشارة إلى فتح باب الأسرار الإلهية وأخبار المستقبل المتعلّقة بالشريعة الجديدة عليهم.
1) اسباب نزول القرآن، ص 31
8- يستوحى من هذه الآية جيّداً أن إيمان هذه الجماعة المنافقة بالله كان على قدر من الضعف بحيث كانوا يفكرون كما يفكّر البسطاء والعوام، ويتصوّرون أنهم إذا كتموا الحقيقة عن المسلمين، فسيكتمونها عن الله تعالى أيضاً.. ولذا ترى الآية تقول بصراحة: أو لا يعلمون أنّ الله يعلم ما يسرون وما يعلنون؟..
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
عمد جماعة من أحبار اليهود إلى تغيير أو حذف الأوصاف الواردة في التوراة بخصوص نبي الإسلام صلّى الله عليه وآله حفظاً لمناصبهم ومنافعهم التي كان يغدق بها عليهم عوام اليهود. وحينما حصلت البعثة النبوية ورأوا تطابق تلك الأوصاف مع رسول الله صلّى الله عليه وآله خافوا تعرّضم للخطر، فكتبوا أوصافاً مخالفة للأوصاف الواقعية.
أما عوام اليهود الذين كانوا قد اطلعوا - شيئاً ما - على تلكم الصفات الواقعية، راحوا يسألون أحبارهم بالقول: أليس هذا هو النبي الموعود الذي كنتم تبشروننا بظهوره؟. ولكن الأحبار كانوا يقرؤون لهم ما كتبوا بأيديهم وحرّفوه ليقنعوهم به...!(1)
تتمة للتحقيق في الآيات السالفة حول خطايا اليهود، نجد الآيات التي بين أيدينا تقسم اليهود إلى فريقين بارزين:
1) مجمع البیان، ج1، ص 292
ألف - العوام. ب - العلماء والأحبار الماكرون.
ألف - العوام: وهم جماعة لا معرفة لها ولا تعلم من كتاب الله تعالى سوى أماني وتصوّرات خاطئة، متبعة في ذلك وهمها وظنّهاوَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ.
ب - العلماء الماكرون: وهم الذين يحرّفون الحقائق لمصالحهم، كما وصفهم القرآن في الآية التالية َوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ولا يحققون من ذلك سوى منفعة بسيطةلِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا يصف الله ما ينتفعون به من وراء ذلك التحريف أنه ثمن قليل لا يمكن قياسه بما لو نصحوا الله وعملوا من أجل الحقيقة، حيث سيجزيهم الله تعالى أفضل الجزاء ، ولكنّهم بمكرهم سينالون أليم العقاب فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.
وهذا يعني أنهم استخدموا وسيلة غير مقدّسة، فنالوا نتيجة خاطئة وفي كلمة (أميون) الواردة في هذه الآية أربعة احتمالات:
ألف - إمّا هي بمعنى أنهم لم يدرسوا وبقوا كما ولدتهم أمهاتهم، ولم يحضروا عند أستاذ في مدرسة، أو أنّ أمهاتهم - بطبيعة العلاقة الجاهلة التي تربطهن بأولادهن. - كن لا يبتعدن عنهم ولا يسمحن لهم بالدراسة.
ب - أو (أماني) جمع أمنية بمعنى الرغبة والأمل الخاوي.
ج - ويمكن أن يكون إشارة إلى الميزات الوهمية التي يتصوّرها اليهود لأنفسهم، كما كانوا يدعون كونهم أبناء الله وأولياءه الخاصين:نحن أبناء الله وأحباؤه(1)أو مدعاهم في أنّ النار لن تمسهم، وإن مستهم فذلك لأيام معدودة.. وسنطالع هذا المدعى اليهودي في ما يلي من
1) سورة المائدة / 18.
الآيات..
د- يحتمل أيضاً أن المقصود من (الأماني) الآيات المحرفة التي قدمها الأحبار لليهود، وعبارة لا يعلمون الكتاب إلّا أماني توافق هذا المعنى..
وعبارة إن هم إلّا يظنون الواردة في خاتمة الآية دليل على أن اتباع الظنّ والشبهة - في قواعد الدين ومعرفة عقيدة الوحي - أمر خاطئ جداً ويدعو إلى التقريع والملامة وأن كلّ شخص لابد له من أن يخطو في هذا المجال بالعلم والتحقيق..
وقد نقل بعض المفسرين رواية عن إمامنا الصادق عليه السلام في ذيل هذه الآية: سأل أحدهم الإمام الصادق عليه السلام قائلاً: مع أنّ عوام اليهود كانوا لا يعرفون بكتاب السماء الخاص بهم إلا عن طريق علمائهم، فكيف ذمّهم الله تعالى على تقليدهم أحبارهم ورهبانهم؟ (إشارة إلى الآيات مورد البحث) فهل أن عوام اليهود يختلفون عن عوامنا الذين يقلدون علماء هم؟ فأجابه الإمام عليه السلام قائلاً: بين عوامنا وعوام اليهود فرق من جهة وتساو من أخرى. فأما جهة التساوي؛ فهي أنّ الله سبحانه قد ذمّ عوامنا أيضاً كما ذمّ عوام اليهود. وأما من جهة الفرق بينهما؛ فهي أنّ عوام اليهود كانوا مطلعين على وضع علمائهم ويعرفون أنهم يكذبون بصراحة ويأكلون الحرام ويرتشون ويغيّرون أحكام الله.. لقد علم عوامهم بفطرتهم حقيقة علمائهم وأنّهم جماعة فاسقون وأنّه ليس من الجائز لهم قبول أقوالهم في الله وأحكامه، وأنّه ليس من المناسب بمكان أن يقبلوا شهاداتهم في الأنبياء، ولذلك؛ فقد ذمهم الله سبحانه (ولكن عوامنا لا يتبعون هكذا علماء) ولو أنّ عوامنا رأوا من علمائهم الفسق الصريح والتعصب الشديد والحرص على الدنيا والمال الحرام، فإنّ من قلّدهم وتبعهم كان كاليهود الذين لامهم الله على اتباعهم علماء هم الفاسقين« فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه،
مخالفاً [ل-] على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه»(1).
وواضح أن هذا الحديث لا يشير إلى التقليد التعبدي، بل المقصود به هو الاتباع والتقليد لتعاليم العلماء لكسب العلم واليقين في أصول الدين، لأنّ الحديث ورد في معرفة النبي، ومعلوم أنه من أصول الدين والتقليد لا يصح ولا يجوز في الأصول..
1) الاحتجاج، ج2، ص 457
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)
ورد التنويه في هذه الآية إلى أحد أقاويل اليهود الواهية التي أدت بهم إلى الغرور باعتبارها مصدراً لقسم من انحرافاتهم.. كما أشير فيها إلى الردّ عليهم.. وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً.
رأي اليهود بتفوّق عنصرهم، وأنّهم أمة مميّزة عن غيرها من الأمم، وأن مذنبيهم لن يروا من العذاب الجهنمي سوى القليل وفي أيام معدودة، ثمّ سيحملون إلى الجنّة الأبدية.. كان أحد الدلائل الواضحة على عنصريّتهم وأنانيتهم وإعجابهم بأنفسهم، بل وعبادتهم لذاتهم..
ولكنّ هذا التميّز الواهي لا يتناسب وأي منطق، وذلك لعدم وجود التفاوت بين الناس في العقاب والثواب على الأعمال عند الله العادل..
ترى ما الذي فعله اليهود بحيث يجب استثناؤهم من القانون العام فيما يتعلّق بالعقاب الأخروي ؟ والآية أعلاه وضمن تصريح منطقي تبطل هذا المدعى اليهودي الباطل، فهي تقول:
إنَّ قولكم هذا لا يخرج عن حالتين إما أن تكونوا قد اتخذتم عند الله عهداً خاصاً في هذا المجال (ولم تتخذوه طبعاً وإما أنكم تكذبون على الله وتتهمونه زوراً.
والآية التالية تبين القانون العام والكلّي بما يرتبط بالمذنبين من كل قوم وأمة وجماعة من وجهة النظر المنطقية وتقول: إنّ من أذنب واتسعت رقعة خطيئته وشملت كلّ وجوده، فإنّه سيخلد في النار بلى من كسب سيّئةً وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
كما أنّ للمؤمنين المتقين قانونا عاماً شاملاً ستبينه الآية التالية: والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون بكل وضوح وقاطعيّة ومن دون تمييز بين الأفراد والأمم..
وأما في ما يستفاد من الآية 81 فإن الكسب والاكتساب هو تحصيل شيء عن إرادة واختيار، وعليه؛ فإنّ العبارة القرآنية بلى من كسب سيئةً إشارة إلى الذين يرتكبون الذنوب عن علم واختبار. ولعلّ التعبير بالكسب هنا يوحي بأنّ المذنب وضمن عملية محاسبة مختصرة عد ارتكاب الذنب مكسباً له وأنّ ترك هذا الذنب لا يصب في صالحه.. وهؤلاء هم الذين ستتم الإشارة إليهم في الآيات التالية، وهم الذين باعوا الآخرة بالدنيا، مما يستدعي
عدم التخفيف في عقوبتهم..
ما المقصود من إحاطة الخطيئة في هذه الآية ؟
الخطيئة في الآية مورد البحث بمعنى الذنب الكبير أو آثار الذنب الكبير على القلب والروح الإنسانية، وعلى أي حال؛ فإنّ مفهوم إحاطة الذنب هو أن يعمد المرء إلى الغوص في الذنوب بحيث يجعل منها سجناً لنفسه، سجناً ليس له نوافذ !!
إنّ الذنوب الصغيرة والكبيرة عبارة عن عمل بادئ الأمر، ولكنها تتحوّل إلى حالة، وبالإصرار عليها تتحوّل إلى ملكة وعادة، وحين تبلغ أوجها تكون قد استولت على كيانه برمته،
حتى يكون هذا الكيان مصطبغاً بلون الذنب ويصير الذنب عين وجود الإنسان، أو لنقل: يكون الإنسان إذ ذاك ذنباً يمشي على رجلين!
وهنالك لن تنفع معه موعظة وإرشاد ولن تؤثر فيه النصيحة، وفي الحقيقة؛ يعمد المذنب إلى تدمير ذاته بيده المذنبة فيمحق ماهيته الإنسانية..
ويكون مَثَلُ ذنوبه مثل الديدان التي تحبس نفسها بشرنقتها حتى تختنق..ومعلوم أنّ مصير هكذا إنسان بعد الموت عذابٌ أبدي في جهنم.. وبملاحظة الآيات القائلة بأنّ الله لن يرحمالمشركين، أما سواهم فسيتعرّضون للرحمة..
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(1)وبالنظر إلى أنّ الآيات محطّ البحث القائلة بالخلود في الجحيم، يمكن استنتاج أن هكذا مذنبين قد افتقدوا جوهر الإيمان وسيغادرون الدنيا بلا إيمان! ويستفاد من هذه الآيات التي بين أيدينا أنّ روح العنصرية لدى اليهود المعاصرين هي السبب ومصدر جميع المآسي، وأنها كانت متكرّسة في اليهود منذ تلك العصور، حيث كانوا يميزون أنفسهم بميزات وهمية واهية.. وللأسف بعد مرور آلاف السنين لا تزال تلك الروح هي المتحكمة فيهم.. وفي الحقيقة، إنّ منشأ ظهور الكيان الإسرائيلي الغاصب هو تلك الروح العنصرية .
ثمّ إنّهم لا يدعون تفوّقهم في هذه الدنيا فحسب، بل يذهبون إلى أفضلية عنصرهم في الآخرة أيضاً، حيث سيبادر هذا التفوّق الموهوم إلى إنقاذ مذنبيهم من عذاب النار وإخراجهم بعد مدة وجيزة من عذابهم الخفيف... ولا ريب أنّ هذه المغالطات قد ورّطتهم ولوثت نفوسهم وأيديهم بأنواع الجرائم والمآسي، كما أظلمت حياتهم ومصائرهم!!
1) سورة النساء/ 48 .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ(84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)
كما نقل الكثير من المفترين؛ فقد كانت عشيرتا بني قريظة وبني النظير من اليهود وتربطهما رابطة القرابة، ولأجل مصالحهما الدنيوية فقد اختلفتا أيما اختلاف، حتى أن بني النظير تعاهدت مع الخزرج وهي قبيلة مشركة من أهل المدينة، فيما تعاهدت بنو قريظة مع الأوس، وخاضتا معارك عديدة وكانت كلّ منهما تطلب العون من حليفتها وتقتل أفراداً من القبيلة الأخرى، ولكن متى ما انطفأت نار الحرب كانت العشيرتان اليهوديتان تجتمعان إلى بعضهما ويتصافح أفرادها وتعمدان إلى تبادل أسراهما، مستندتين في هذا العمل إلى حكم وقانون التوراة (والحال أنّ الأوس والخزرج كانوا مشركين ولا يحلّ إعانتهما، كما أنّ القانون التوراتي الذي أجاز أو أوجب فداء الأسرى اليهود هو ذاته قد حرّم عليهم القتال وسفك الدماء
أيضاً..).(1)
وردت الإشارة في الآيات السابقة إلى موضوع عهد بني إسرائيل دون التفصيل فيه.
وفي هذه الآيات ذكر القرآن بعض مواد هذا العهد، وكانت أكثرها من جملة الأمور التي يجب أن تعتبر من الأصول والقوانين الثابتة في الأديان السماوية. لأنّ جميع هذه الأديان متوفّرة عليها بنحو ما ..
وقد لام القرآن المجيد اليهود في هذه الآيات بشدّة على تجاوزهم ونقضهم تلك العهود، كما هدّدهم - لهذا النقض الصريح والوقح - بفضحهم في عالم الدنيا وبخزيهم في عالم الآخرة.
وقد وردت المطالب أدناه في هذا العهد الذي شهده بنو إسرائيل وأقروا به:
1) تفسير الامثل، ج1، ص 331
ألف - توحيد وعبادة الله الواحد الأحد، كما ذكرت ذلك الآية الأولى من مجموع الآيات مورد البحث وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ.
ب - الإحسان بالوالدين وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.
ج - الإحسان بالأقارب واليتامى والمحتاجين َذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ.
د - وأن يتحدّثوا للناس بالحسنى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا.
ه- - إقامة الصلاةوتوطيد العلاقة مع الله تعالى في كل حال ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ).
و - أداء الزكاة، وحق المحرومين دون حد التقصير وَآتُوا الزَّكَاةَ.
ز - الامتناع التام عن إراقة الدماء البريئةوَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ.
ح - الامتناع عن إجبار بعضهم بعضاً على إخراجهم من بيوتهم وتهجيرهموَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ.
ت – المبادرة إلى تحرير الأسرى منكم ومد يد العون في ذلك (وهذه المادة من العهد تستفاد من عبارة: َفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ كما سيتبين فيما بعد).
وفي الحقيقة، كان الدافع الأساس إلى ذلك التضادّ المشهود في ممارساتهم الباطلة والمحرّمة : أنّهم كانوا عبارة عن أمة باعت آخرتها بدنياها
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ولهذا لن يكون لهم نصيب في يوم القيامة من تخفيف العذاب الجهنمي مضافاً إلى موقفهم المخزي في يوم الحساب حيث لن يساندهم أحد فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ. كما لامهم القرآن كلّ اللّوم مرّة أخرى على أنهم راحوا يبعضون في أحكام الله تعالى وعلى دافعهم من وراء ذلك.. وهددهم بأشد العذاب، لا سيما وأنّهم كانوا يتمسكون بالأحكام البسيطة، فيما كانوا يتجاهلون الأحكام الإلهيّة المهمّة - بدافع إضرارها بمصالحهم الدنيوية - مثل حرمة إراقة الدماء وتهجير الناس من أبناء دينهم الضعفاء..
إنَّ اليهود كانوا لا يلتزمون إلا بالأحكام التي تضمن مصالحهم، أما إذا اقتضت هذه المصالح أن يريقوا دماء بعضهم، فلم يكونوا يمتنعون عن نقضها وهتك حرمتها وإباحة قدسيتها، وفيما يتعلّق بالأسرى، فلم يكونوا يمتنعون عن فديتهم - بعد كل نزاع - لاحتمالهم بوقوعهم هم في الأسر في مستقبل أيامهم ونزاعاتهم.
ثمّ ليعلم أنّ الالتزام بالتعاليم والأوامر التي تضمن المنافع الدنيوية لا يعد علامة على الطاعة الله تعالى، لأنّ الدافع فيها ليس الطاعة الحقيقية، بل هو المنفعة والمصلحة الدنيوية.
وإن معيار معرفة أثر الإيمان والتسليم يتحدّد في حالة كون القانون يقف بالضد من المنافع الشخصية للإنسان فيعمد إلى الإقرار به والاحترام له، وإلا فإنّ العمل بالتعاليم الإلهية التي تحفظ للإنسان منافعه لا هو فخر ولا هو علامة للإيمان، ولذا؛ كانت معرفة وتمييز المؤمنين من المنافقين في هذه النقطة.. إذ المؤمنون يسلّمون ويعملون بجميع التعاليم الإلهيّة، فيما المنافقون أتباع التفرقة والتبعيض في الالتزام والعمل.
والأمة التي لا تفكر ولاتهتم إلا بالناحية المادية للدين وخوصاً من نافذة المنافع الشخصيّة والخاصة، سرعان ما ستؤسر من قبل أمة أقوى ثم تنحدر من قمة العزّة إلى حضيض الذلة والتبعية وتفتضح في المجتمع الإنساني كما قال قرآننا المجيد: إنّ نتيجة هذا المسلك الشيطاني؛ هو الفضيحة والذل والمأساة في الدنيا قبل الآخرة التي ستجد العذاب الأليم والأبدي ماثلاً بانتظارها.
وهذا القانون لم يكن مختصاً ببني إسرائيل، بل هو ثابت للجميع وفي كل العصور؛ بما في ذلك المسلمون.. وكم هم المبغضون في (التديّن) وما أقبحهم من مفضوحين!!
ورغم أنّ هذه الآيات قد نزلت في بني إسرائيل، ولكن سلسلة من القوانين العامة قد جميع الأمم، وهي تؤدّي إلى بقاء الأمم وفلاحها وسعادتها، فيما الهجر لها بمثابة عامل شملت هزيمتها ومحقها..
من وجهة النظر القرآنية يعد انتصار الأمم وعزتها رهين باعتمادها القوّة الأعظم على الدوام، قوّة لا يعرف الفناء طريقاً إليها، فيكون الالتجاء إليها والاستمداد منها ولا يخضع إلا لها.. فإن فعلت الأمم ذلك فإنّها لن تخاف شيئاً ولن تحزن لشيء.. ومعلوم أن القوّة المشار إليها ليست سوى الله الخالق المتعال الذي يمسك بزمام الوجود بمطلق القدرة والحكمة لا تعبدون إلّا الله .
وللبقاء والصمود لدى الأمم ثَمّ عامل الاتحاد المميز بين الأفراد وهو أمر لازم، ويتحقق هذا الأمر بدءاً عبر الإحسان للوالدين الذين يشكلان الدائرة الأقرب للإنسان، ثمّ الإحسان للأقارب، ثمّ لجميع الأفراد - أي أن يكون الإحسان هو القاعدة الأولى والأساسية في العلاقات الاجتماعية لدى كلّ أُمة تريد القوة والبقاء، حيث يكون كل فرد جناح التحليق لصاحبه، لا سيّما إيلاء الضعفاء بالدعم والحماية لئلا يستغلهم الأعداءوبالوالدين إحساناً وذي القربى... وقولوا للناس حسناً.
إن لتقوية البنية المالية في كلّ أمة ولإزالة الفواصل الطبقية دوراً كبيراً في إبقاء روح هذه الأمة حيّة، ومن أركان ذلك دفع الزكاة وآتوا الزكاة.
أما رمز هزيمة وفناء الأمم؛ فهو اضطراب وحدتها واتحادها وظهور حالة الفوضى والحروب الداخليّة. إنّ الأمة التي يعمّ فيها التنازع والفرقة، وبدلاً من أن يتضامن أفرادها، تراهم يتصارعون المصادرة أموال وأراضي بعضهم ويريقون دماءهم ويهجر بعضهم بعضاً، فإنّ هذه الأمة لا شك ستنهار عاجلاً أم آجلاً وستتحطم دولتها وتنتهي إلى المأساة المطلقة لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم.
ومن عوامل سقوط الأمم وانهيارها أيضاً: التبعيض في الالتزام بالتعاليم والقوانين، وقد عمد اليهود إلى هذه الرذيلة حفظاً لمصالحهم الشخصيّة وانتهاكاً لحرمة تلكم القوانين والأحكام الإلهيةأفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض وهذا من جملة علل هزيمة الأمم
أو نموّها من وجهة النظر القرآنية.
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ.
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ.
ثمّ أنتم قد نقضتم الكثير من مواد العهد الذي أقررتم به, ورحتم تعتدون على بعضكم بشتى أشكال الاعتداء.
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ.
تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ.
وتستندون في تحرير الأسرى منكم وفديتهم إلى حكم التوراة والعهد الإلهي، أما غير ذلك من الأحكام التي ترون الالتزام بها مضراً بمصالحكم فتضربون بها عرض الجدار.. وهذا يجسّد حالة مزرية من الكفر والنفاق ومقدمة للدمار:
*فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
ولكنّ الله تعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ويحصيها:
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)
وجهة الخطاب في هذه الآيات إلى بني إسرائيل، رغم أنّ مفاهيمها ومعاييرها عامة شاملة، مثل: َفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فلا تؤمنون لهم بدافع رغباتكم وشهواتكم وحرصكم على مصالحكم الشخصية - الباطلة - التي تناقض تعاليم ومبادئ الرسل الذي يبعثون فيكم من قبل الله تعالى..
ولقد صارت سيطرة هوى النفس فيكم بدرجة من الشدة بحيث تكذبون بعضهم أو تقتلون البعض الآخرفَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ فإن وجدتم تكذيب الأنبياء رادعاً لهم؛ حافظاً لمصالحكم؛ اكتفيتم بذلك، وإلّا عاجلتم بإراقة دمائهم الزكية الطاهرة في كل صباح وعلى قارعة الطريق أو في الأسواق حتى!!
وقد أشرنا - في شرح الآيات السالفة وتحت عنوان الإيمان ببعض الأحكام والكفر ببعضها الآخر - إلى أنّ المعيار الدقيق في الإيمان بالحق والتسليم له يكمن في الموارد المعارضة
للميول والرغبات النفسية، وإلا فإنّ كل عبد لشهواته وغير مؤمن؛ يسلّم للأحكام التي لا تتعارض وميوله ومنافعه الشخصية..
ومن هذا النص الشريف يمكن استنتاج أنّ القادة الإلهيين - لدى إبلاغ رسالاتهم - لمن يكونوا يهتمون بمعارضة عبّاد الهوى، لأنّ القيادة الصحيحة ليست غير هذا، ولو أنّ الأنبياء أرادوا مداهنة رغبات وأهواء الناس بلا قيد أو شرط؛ لكان عملهم اتباعاً للضالين دون القيادة للمؤمنين...
ويمكن أن تكون العبارة التي قيلت لمواجهة دعوة الأنبياء أو دعوة نبي الإسلام صلّى الله عليه وآله (الآية التالية )بدافع السخرية والاستهزاء
َقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ يقصد بها اليهود الذين كذبوا أنبياءهم أو قتلوهم، كما يحتمل أن يقصد بها اليهود المعاصرين للنبي الأكرم صلوات الله عليه وآله حيث اتخذوا مسلك العناد تجاه ما كان يدعوهم إليه، ولكنها - على كل حال - تبين الواقع القائل بأنّ الإنسان وبداعي اتباعه أهواءه يطرد من رحمة الله تعالى ويضرب على قلبه حجاب ويحاط بغلاف بحيث يندر أن تنفذ إليه الحقيقة. وكما قلنا بأنّ عبيد الهوى لا يجدون في دعوات الأنبياء ما يناسبهم أو يتفق وأهوائهم القذرة، فيعمدون إلى مواجهتهم ومقاومتهم، حتّى ينتهي بهم الأمر إلى نسيانها بمرور الزمان، ولهذا كان من الضروري أن تتوالى بعثات الأنبياء عليهم لتذكيرهم من جديد ولئلّا تنسى تعاليمهم..
إنّ من أهداف إرسال أنبياء الله تعالى على مرّ العصور والدهور؛ التذكير بنعمه تعالى، والوفاء بعهد الفطرة الإنسانية وتجديد الدعوة والتبليغ الذي أداه الأنبياء السابقون، لكي لا تُنسى جهودهم ومناهجهم الإصلاحيّة ،وتترك، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام لدى إيضاحه هذه الحكمة والحقيقة من بعثة الأنبياء والرسل فقال: «فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتجوا عليهم
بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول».(1)
سؤال: ما هو روح القدس؟
لكبار المفسرين آراء مختلفة في روح القدس
ألف - قال بعضهم: هو جبرئيل، وعليه؛ يكون معنى الآية مورد البحث أنّ الله قد أيّد عيسى عليه السلام بجبرئيل.
وشاهد هذا الرأي الآية (102) من سورة (النحل): قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ.
ولكن لم يقال لجبرئيل روح القدس؟ لأنّ روحانية الملائكة - من جهة - مسألة واضحة معلومة. وإطلاق كلمة (الروح) عليهم أمر صحيح تماماً، أما إضافة كلمة (القدس) على جبرئيل؛ فإشارة إلى طهره وقدسه الاستثنائي..
ب- ذهب مفسّرون آخرون إلى أنّ روح القدس تلك القوّة الغيبية التي كانت تدعم وتؤيّد عيسى عليه السلام، وبتلك القوّة الغيبيّة السرّيّة يحيي الله تعالى بها الموتى.
ولا ريب أن تلك القوة الغيبية متوفّرة في المؤمنين بشكل أضعف ويختلف تفاوتها بتفاوت درجات إيمانهم، وتتمثل بتلك الإمدادات الإلهيّة التي تعين الإنسان على فعل الطاعات وإنجاز الأعمال الصعبة وتعيقه عن ارتكاب المعاصي، ولذا؛ فقد ورد في الأحاديث بخصوص بعض شعراء أهل البيت عليهم السلام وبعد قراءتهم أبياتهم فيهم: «إنّما نطق روح القدس على لسانك».(2)
ج - فسر البعض روح القدس بمعنى الإنجيل..
ولكن يبدو أنّ التفسيرين الأولين هما الأقرب للمقصود.
سؤال: ما هي عقيدة النصارى بخصوص روح القدس؟
نقرأ في كتاب (قاموس الكتاب المقدّس) التالي: روح القدس هو الأقنوم الثالث من الآلهة الثلاثة، ويقال له : الروح، لكونه مبدع ومخترع الحياة، ويقال له: المقدّس، لأنّ من مهامه وأفعاله تقديس قلوب المؤمنين، ولفرط تعلّقه بالله والمسيح قيل له روح الله وروح المسيح...
وورد تفسير آخر في هذا الكتاب: (وأما روح القدس؛ فهو المسلّي لنا كما يرغّبنا دوماً بقبول ودرك الحق والإيمان والطاعة، وهو الذي يحيي المذنبين الموتى فيطهرهم وينزّههم ويجعلهم جديرين بتمجيد حضرة واجب الوجود).(1)
ما لاحظتموه من هذه العبارات الواردة في كتاب (قاموس الكتاب المقدس يشير إلى معنيين: أحدهما: أنّ روح القدس أحد الآلهة الثلاثة، وهذا ما يوفق عقيدة التثليث؛ أعنيعقيدة الشرك التي نرفضها ،برمتها ، والثانية شبيه ثاني التفاسير التي ذكرناها فيما سبق.
لقد كان اليهود في المدينة يواجهون بقوّة الدعوة المحمدية ويمتنعون عن قبولها، وكانوا في كلّ مواجهة يقدّمون الأعذار والتبريرات للتملص من قبول الحق، وقد جرت الإشارة في هذه الآية إلى أحد تلك الأعذار...
فقد كانوا يقولون: نحن في حجاب وغلاف ولا نفهم ما ندعى إليه! ولا ريب أنّ مدّعاهم هذا كان عن استهزاء وسخرية، ولكنّ القرآن يؤكد صحة ما يقولون، والسبب في ذلك كفرهم ونفاقهم الذي استولى وهيمن على قلوبهم الممنوعة من الرحمة؛ المستحقة للعنة، ولذلك؛ لم يؤمن منهم إلّا القليل..
والآية (155) من سورة (النساء) ذكرت بهذا المطلب:وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً...
1) تفسير الامثل، ج 1، ص 340
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)
نقل عن مولانا الصادق عليه السلام في ذيل هذه الآيات أنّ اليهود رأوا في كتبهم أنّ هجرة نبي الإسلام ستكون بين جبلي عير وأحد الجبلان المحيطان بالمدينة المنوّرة فخرج اليهود من مدنهم وراحوا يبحثون عن مهجر الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله حتى وصلوا إلى جبل يدعى (حداد) فقالوا بأنّه جبل أحد، وهنالك تفرّقوا، وسكن كلّ فريق منهم في موضع.. فاختار بعضهم أرض (تيما) وسكن آخرون أرض ( فدك) وعدة منهم استوطن أرض (خيبر).
وبعد مدّة رغب المقيمون منهم في أرض تيما زيارة إخوانهم، ولدى مسيرهم صادفوا أعرابيّاً يمرّ بمركبه فاكتروه منه، فقال لهم: أنا آخذكم إلى الأرض المتوسطة بين عير وأحد، فقالوا له: إذا بلغنا بين الجبلين فأخبرنا.. وحينما وصل الأعرابي أرض المدينة (يثرب) أخبرهم بأنها الأرض التي تتوسط جبلي عير وأحد، فقالوا له: إذن لا حاجة لنا بمركبك بعد الآن فاذهب
حيث شئت.. ثمّ إنّهم كتبوا إلى إخوانهم يخبرونهم بعثورهم على الأرض التي كانوا يطلبون، ودعوهم إلى الالتحاق بهم، ولكن إخوانهم قالوا لهم بأنهم قد اختاروا بقعة قريبة وسكنوها وأنهم لا يبعدون عنهم مسافة طويلة، وأنه إذا ما ظهر النبي الموعود وهاجر إلى هذه الأرض أن يخبروهم ليسرعوا إلى المجيء عنده.. فبقي هؤلاء في المدينة وبدؤوا بربح الأموال الكثيرة.
بلغ هذا الخبر سلطاناً يدعى تُبع، فأعلن حرباً عليهم، فتحصن اليهود في قلاعهم، فحاصرهم ثمّ أعطاهم الأمان، فقدموا عليه فقال لهم : لقد أحببت هذه الأرض وسأبقى فيها، فأجابوه قائلين: لن يكون ذلك، لأنّ هذه الأرض هي مهجر نبي موعود ولن يستطيع غيره حكمها.
فقال تُبّع: إذن سأخلّف بعض أقاربي في هذه الأرض لأنصر ذلك النبي إذا ظهر وهاجر.. وهكذا أسكن القبيلتين المعروفتين؛ الأوس والخزرج في ذلك المكان..
وحين ازداد عدد أفراد القبيلتين اعتدوا على بعض ممتلكات وأموال اليهود، فقال لهم هؤلاء: إذا بعث محمد وهاجر إلى أرضنا سنخرجكم.. وبالفعل؛ حين هاجر إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، عرف الأوس والخزرج بالأنصار بعد أن آمنوا بالدين الجديد، فيما اليهود تنكروا له.. وهذا مما يعنيه قوله سبحانه بخصوص اليهود وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا.(1)
فهؤلاء قد دفعهم الحبّ للنبي الموعود إلى الإقامة في أرض المدينة وكانوا يتفاخرون على الأوس والخزرج بأنهم سيكونون أقرب وأخص أتباعه، ولكن لتطرفهم ولجاجتهم واتباعهم الهوى صاروا إلى صف أعداء الدين المحمدي الجديد، فيما الأوس والخزرج استقبلوه ونصروه ..
1) الكافي، ج 8، ص 308 و 309
كما ورد في شأن نزول هذه الآيات؛ فقد جاء اليهود إلى أرض المدينة بدافع الرغبة والحبّ والإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله واختاروها موطناً، وقد كانوا قرؤوا في الكتب السماوية علائم النبي الخاتم صلوات الله عليه وآله.. فكانوا يتص-ابرون على ظهوره ولقائه، ولكن حينما وصلهم القرآن من قبل الله تعالى كفروا بكل تلكم العلائم والشواهد التي كانوا يعرفونها ويحملونها في أذهانهم..
أقول: قد يحدث أن يتبع المرء حقيقةً ما عن حبّ، ولكنّه إذا بلغه، فرآها مخالفةً لمنافعه الشخصيّة؛ ولاها ظهره بداعي الهوى، بل ولعلّه وقف منها موقف الضدّ والند..
لقد تعامل اليهود معاملة خاسرة في الواقع، فالذين هجروا أوطانهم رغبةً في اتباع النبي الموعود وتحمّلوا ما تحمّلوا لدى استيطانهم المدينة ليحققوا مآربهم تراهم غيّروا رأيهم فجأة
ووقفوا إلى جانب الكافرين والمنافقين.. ولذا قال القرآن: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ إذ كفروا بالرسول والرسالة حسداً من عند أنفسهم واعتراضاً على الله عزّوجلّ الذي ينزل آياته على من يختاره هو من العباد دونهم أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِوكأنهم كانوا يتوقعون أن يكون النبي الموعود من بني إسرائيل – ليحظوا بالشرف الأبدي العظيم بين الأمم ويسيطروا على الأرض - فانزعجوا لنزول القرآن عليهم، فكفروا به مع علمهم بحقانيته, فاستحقوا الطرد من الرحمة الإلهيّة في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ.
كانت المعاملة الأكثر خسارة لدى اليهود أنّهم كانوا في البداية ينادون بالإسلام, حتّى أنهم اختاروا الإقامة في المدينة مع ما فيها من مشاكل لتحقيق هدفهم، ولكنهم بعد ظهور الإسلام، كفروا به لأنّه لم ينزل في أوساط بني إسرائيل, ولأنهم رأوا فيه اختلافاً مع مصالحهم الشخصية، فما أعظمها من صفقة خاسرة أن لا يحقق المرء مبتغاه، مضافاً إلى هدره قواه
وطاقاته في الجهة التي لا يريد مع ما يستتبع ذلك من غضب إلهي عتيد. قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلّا الجنّة ؛ فلا تبيعوها إلا بها»(1)والإشارة هنا وردت إلى الأنفس، إذ بالكفر تتلاشى قيمة وجودها تماماً، وكأنّ الكافر تمحق شخصيته بكفره، وبعبارة أخرى؛ يكون كما العبد الذي قد باع نفسه ورزح تحت وطأة الأسر والاستعباد من قبل شخص آخر، وهو المشتري.. نعم؛ إنّ اليهود صاروا عبيد الشيطان وأسرى الهوى..
كلمة اشْتَرَوْا وإن كانت تعني الشراء عادةً، إلّا أنّها تستعمل أحياناً بمعنى البيع (كما هو المعروف لغةً )والآية أعلاه من هذا القبيل..
وفي تفسير قوله تعالى: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ورد أنه العودة إلى الغضب بعد الغضب، وهو كناية عن استحقاقه وإحرازه ، فكأنّهم اتخذوا من غضب الله عزّوجلّ منزلاً ومقرّاً ومكاناً..
وقد ورد في علّة تيه بني إسرائيل في صحراء سيناء أنه سبحانه قد غضب عليهم لقتلهم الأنبياء وكفرهم بآيات الله ومعاجزه العظيمة، وهذا ما صرّحت به الآية (112) من سورة (آل عمران... وقد كان التيه في سيناء أوّل الغضب الإلهي الذي نزل بساحتهم.. وذريتهم التي عاشت في عصر ظهور الإسلام حيث استعملوا ذات الأسلوب واتخذوا ذات الموقف الذي اتخذه أجدادهم من أنبياء الله تعالى.. أي أنهم لم يكذبوا نبي الإسلام ولم يكفروا به فحسب، وإنّما انبروا لمواجهته، ممّا سبّب لهم غضب الله عليهم من جديد، وهذا كان الغضب الثاني فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ.
لقد كان الطغاة من بني إسرائيل قبل ظهور موسى عليه السلام وكذلك قبل ظهور النبي المصطفى صلى الله عليه وآله من مؤيدي ومنتظري ثورتي هذين النبيين الإلهييّن، ولكنّهم
1) نهج البلاغة، ص 556
بعد ظهورهما؛ ارتدوا عن تأييدهم وانتظارهم وعقيدتهم فاشتروا الغضب بعد الغضب لأنفسهم..
إنّ أقبح المعاملة أن يفرّط المرء بوجوده ويشتري غضب الله بِئْسَمَا اشْتَرَوْا.. غَضَبٍ.. عَذَابٌ مُهِينٌ.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)
تشير الآيات أعلاه إلى طبيعة التطرف العنصري الذي يمتاز به اليهود في شتى بقاع الأرض، حتّى أنّ عنصريّتهم هذه لا تسمح لهم بالانفتاح على الشعوب الأخرى أو الإيمان إلّا بما عندهم من خرافات وأوهام : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ.
فهم لم يؤمنوا بالإنجيل ولا بالقرآن، بل نظروا إلى النواحي العنصرية والنفعية، في حين أنّ
القرآن حق ومنطبق على العلامات التي قرؤوها في كتابهم وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ. في هذه الآيات أميط اللثام عن أكاذيبهم، وأحرجوا بأنّهم إذ لم يؤمنوا بالنبي محمد صلّى الله عليه وآله باعتباره ليس منهم، فلم لم يؤمنوا بأنبيائهم الذين بعثوا لهم من بين ظهرانيهم ؟ ولم عمدوا إلى قتل الكثير منهم ؟قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؟
وبالأساس؛ يعدّ قولهم بالامتناع عن الإيمان إلا بما نزل عليهم من قبل انحرافاً واضحاً عن أصول التوحيد ومواجهة الشرك؛ لأنه أجلى صور الأنانية وعبادة الذات، سواء بشكل شخصي أو على الصعيد العنصري والقومي.
فلو كان الإيمان بالتعاليم الإلهيّة مشروطاً بأن تكون هذه التعاليم قد نزلت علينا دون غيرنا، لكان هذا الإيمان في الحقيقة شركاً لا إيماناً، وإن قبول هكذا تعاليم لا يعتبر دليلاً على الإيمان أبداً.
والأروع في الآية أعلاه أنها دعتهم إلى الإيمان بما أنزل الله تعالى بغضّ النظر عن ورود اسم النبي المصطفى أو أي نبي آخر، بل قالت على الإطلاق: َا أُنْزِلَ.
ولكي تتبيّن أكاذيب هؤلاء اليهود، عرض القرآن وثيقة أخرى على تلكم الأكاذيب في مقابل ما جاء به موسى عليه السلام من معاجز ودلائل واضحة لهم، ولكن أي إيمان هذا الذي تلاشى بمجرّد غيبة موسى عليه السلام وذهابه إلى طور سيناء، وحلّ محلّه الكفر وعبادة العجل بدلاً من التوحيد؟ في الحقيقة قد ظلمتم أنفسكم ومجتمعكم وأجيالكم اللاحقة..
في الآية الثالثة من البحث وردت وثيقة أخرى لبطلان مدعاهم، إذ قالت وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَافما هذا الإيمان الذي يتفق مع قتل الأنبياء وعبادة العجل ونسيان الميثاق الإلهي؟ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وعبارة قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ليست بمعنى أنهم تلفظوا بذلك، بل يبدو أن المقصود
هو أنّ عملهم أدّى إلى هذا الحال، وهو نوع كناية جميلة تلاحظ في المحاورات العادية.
عبارة وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ كناية رائعة أيضاً تبيّن واقع اليهود المزري، وأنه لا يجدر التعجب من أفعال بني إسرائيل الغريبة، ذلك لأنّ تلكم الأفعال ناتج أرض قلوبهم التي سقيت بماء الشرك، ومثل هذه الأرض التي تسقى بمثل هذا الماء لن يثمرا سوى الخيانة والقسوة وقتل
الأنبياء والذنب والظلم.
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)
من تاريخ اليهود؛ وعبر آيات القرآن المجيد المختلفة أنهم كانوا يعتبرون أنفس- العنصر الأرقى في الأرض ويؤمنون أنهم خلاصة الإنسانية، كالآية (18) من سورة (المائدة) نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُوأنّ الجنّة قد خلقت لهم دون غيرهم كما نقل القرآن قولهم هذا في الآية (111) من سورة (البقرة) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى وعن لسانهم تطالعنا الآية (80) من سورة (البقرة) أيضاً وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً.
إنّ هذه الأفكار الخرافية كانت ولا تزال تدفعهم إلى ممارسة الظلم والجرائم والذنوب والطغيان من جهة، وتكرّس فيهم العنصرية والقول بالأفضلية على سائر خلق الله تعالى من جهة أخرى. والقرآن الكريم قد ردّهم في عديد من آياته الشريفة ردّاً قاطعاً، فكان مما قال لهم: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ. واليهود بأقوالهم هذه؛ أرادوا تثبيط المسلمين عن مشاعرهم وتعاطفهم وإيمانهم بعقائدهم، ولكن القرآن فضح أكاذيبهم وفنّد بالضرس القاطع مدعياتهم الباطلة، ذلك لأنّهم غير مستعدين أبداً لترك الدنيا والعفاف فيها، وهذا بمفرده دليل ماحق لأكاذيبهم.
فإن كان للإنسان هذا المستوى من الإيمان بالآخرة حقاً، فلماذا كل هذا التعلّق بالدنيا؟ حتى لتراه - لتحقيق مآربه المادية - يرتكب ألف نوع من الجرائم ؟ ويضيف القرآن - ضمن تفنيد مدعياتهم في الآية التالية - أنهم غير مستعدين أبداً إلى تمني الموت؛ لسوء ما قدمت أيديهم وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ.
إنّهم على علم تامّ بالمخازي التي ملأت صفحات أعمالهم، وهم مطلعون أكثر من غيرهم على طبيعة مساوئهم.. كما أنه سبحانه وتعالى الأعلم بأعمال هؤلاء الظالمين، وعليه؛ لن تكون آخرتهم إلا عذاباً وفضيحة قاسية، ولذلك تراهم لا يتحدّثون عن الآخرة وتندر توراتهم المحرّفة عن التطرّق إلى يوم القيامة وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا.
ویکشف القرآن - ضمن ما يكشف - في الآية الأخيرة من مورد البحث عن حرصهم الشديد والقاتل على إحراز الماديات بقوله العزيز:وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ حتى أنهم أحرص من المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة أبداً وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إنهم الأحرص على جمع المال والثروة وعلى التشبث بالدنيا، وعلى الانتهازية.. مع أن المشركين كانوا أولى بهذه الدرجة من الحرص؛ إذ لا يمتنعون عن فعل شيء يحصلون من خلاله على الدنيا، إلّا أنّ اليهود سبقوهم في هذا المضمار بكثير جداً..
إنّهم على درجة لا متناهية من الحرص بحيث يتمنّى الواحد منهم أن يعيش في الدنيا إلى ما لا نهاية، مما يستدعي القول بأنهم بتلك الدرجة من الحرص قد استبدلوا الدنيا بالآخرة حقاً يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ إما لجمع أكبر مقادير المال والثروة، وإما لمدى رعبهم
من مواجهة العقاب لهم في يوم القيامة!
ولكنّ هذه الرغبة التافهة في العمر الطويل لن تعيق العذاب الإلهي من أن يحيط بهم وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ.
وإنّهم إذا كانوا يظنون بأنّ الله عزّوجل لا يعلم بأعمالهم؛ علماً يسبر غور نواياهم التي تقف وراء تلكم الأعمال، فهم على خطأ فظيع ،قاتل ذلك لأنّ الله له مطلق العلم بجميع الأمور فهو العليم البصير وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.
والمقصود من الألف سنة التي يتمنونها ليست العدد بحدّ ذاته، بل هو كناية عن العمر الأبدي.. ذلك لأنه - وكما قال بعض المفسرين - أنّ عدد ألف في لغة العرب القدماء كان العدد الأكبر؛ حيث لم يكن للأعداد والأرقام الكبيرة المعروفة في الوقت الحاضر اسم ،مخصوص، ولذا؛ كان استعمال رقم ألف أصرح مثال على أمانيهم.
وعبارةأَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ الواردة بصورة ،التنكير، وحسب جملة من المفسّرين؛ وردت للإهانة والتحقير، أي أنهم متشبثون بالدنيا بدرجة تدعوهم إلى ترجيح أقبح الحياة وأسخف المعيشة على الآخرة المحتومة...
ولاريب في أنّ أسباب الكثير من الحروب وإراقة الدماء على مر العصور التاريخية كان الشعور بالأفضلية والعنصرية، وبالأخص ؛ الحربان العالميتان الأولى والثانية اللتان أدّتا إلى إزهاق أرواح عشرات ملايين البشر وإلى كل ذلك الدمار الرهيب، إذ كانت العنصرية الألمانية سبباً لاينكر من ورائه..
واليهود قد حصروا دين موسى عليه السلام فيهم، ولو أن شخصاً من غير عنصرهم أراد اعتناق الديانة اليهودية، لم يرحبوا به، ولهذا تراهم لا يدعون إلى دينهم في المجتمعات الأخرى..
ولهذه الخاصية لديهم؛ صاروا منبوذين في أعين مجتمعات العالم، ذلك لأنّ البشرية لا
تحبّذ الذين يرون لأنفسهم أرجحيّة وأفضليّة عليها.
وأساساً: تعد العنصرية شعبة من شعب الشرك، ولهذا السبب قد واجه الدين الإسلامي العنصرية، باعتباره يعد الناس كلهم من أب وأم واحدين، وأنهم لا ينبغي أن يتمايزوا إلّا بالتقوى، وأنّ أفضلهم هو الأقرب بالتقوى إلى الله الخالق سبحانه وتعالى.
إنّ جذر الهلع من الموت لدى أكثر الناس يتمثل في أمرين:
فالكثير من الناس يعتبرون الموت فناءً وعدماً، وطبيعي أن يخاف الإنسان العدم والفناء ،فإنّ فسّر الموت بالفناء؛ فرّ منه، ولذا تجده في أحسن حالاته وفي قمة انتصاراته يسلب من نفسه لذة الفرحة ونشوة النصر إذا ما فكّر في الموت الذي يعتبره عدماً وفناء..
أما الأشخاص الذين لا يعدّون الموت نهاية حياتهم، لكونه مقدمة لحياة أشمل وأوسع وأرقى، تراهم يهلعون من الموت لما قدّمت أيديهم من مساوئ وخطايا، لأنّ الموت بداية لملاقاة نتائج ما عملوا في الدنيا، وعلى هذا؛ تراهم يرغبون رغبة عارمة في الهروب من الحساب الإلهي ومن العقاب على أفعالهم، ويتمنون في تأخير الموت عن أن يصل إليهم ما استطاعوا.. والآية هنا إشارة إلى هذا الفريق الثاني من الناس.
ولكنّ الأنبياء العظام قد أحيوا في قلوب الناس الإيمان بالحياة الأبدية بعد الموت؛ من ناحية، ومن ناحية أخرى تراهم جهدوا في محاولات تغيير صورة الموت المرعبة في أذهان البشر ، وفي إظهار الوجه الواقعي للموت باعتباره نافذة على الحياة الأسمى بعد الموت..
ومن جهة أخرى؛ دعوهم إلى ممارسة العمل الصالح لإزاحة هلعهم من الموت الناتج عن خوفهم من العقاب على أعمالهم السيّئة أساساً، وعليه؛ صار أناس كثر لا يخافون نهاية الحياة الدنيوية والموت بفضل جهود رسل الله تعالى..
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)
حينما هاجر النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة، جاءه ذات يوم أحد أحبار اليهود ويدعى ابن صوريا مع جمع من أصحابه، وطرح عليه جملة من الأسئلة والإشكالات، واستعلم عنه من دلائل نبوته ورسالته.. وكان مما قاله له: يا محمد! كيف تنام؟ لأننا أخبرنا من قبل عن نوم النبي
الموعود.. فقال له: تنام عيناي وقلبي يقظان فقال ابن صوريا صدقت يا محمد. ثمّ سأله أسئلة ،أخرى، وأجابه صلّى الله عليه وآله بما أعجزه وأقنعه وصدّقه.. ثمّ إنّ ابن صوريا هذا قال: بقي عندي سؤال واحد، فإن أجبتني بما هو صحيح آمنت لك واتبعتك مع أصحابي.. أخبرني باسم الملك الذي ينزل عليك الوحي.. فقال صلى الله عليه وآله: «جبرئيل». فقال ابن صوريا: إنّه عدوّنا، وهو الذي ينزل بأمر القتال، أما ميكائيل فيأتي بالتعاليم المريحة والسارة، ولو أنك تتلقى الوحي عن ميكائيل لآمنا بك!!(1)
التحقيق في شأن نزول هذه الآية يعيد إلى الأذهان الأباطيل وثقافة التحجّج والعناد والتبرير الخاصة بمدعي اتباع النبي موسى عليه السلام، وهم الذين أصروا على نهجهم الباطل منذ حياة ذلك النبي العظيم، إذ كانوا كلّما أرادوا التملص عن الالتزام بتعاليم السماء
1) مجمع البیان، ج1، ص 325
التجؤوا إلى ثقافة التبرير.. وها هم هنا - في أسئلة وموقف ابن صوريا مع النبي الخاتم صلوات الله عليه وآله - قد تحججوا بأن جبرئيل يأتي بالتعاليم الصعبة من جانب الله تعالى، مما يبرّر لهم عدم الإيمان بالدعوة المحمّديّة، ولأنّهم يعتبرون هذا الملك العظيم عدوّهم لافترائهم عليه بأنه دمّر بعض مدنهم في السابق، وكذبوا مرّة أخرى وقالوا: لو أن الملك ميكائيل هو الذي ينزل القرآن لآمنوا بالإسلام!! والسؤال الذي ينبغي أن يوجّه إليهم هو: وهل يتفاوت ملائكة الله من حيث أداء مسؤولياتهم؟ بل هل إنّهم يعملون برغباتهم؟ أو يقولون شيئاً من عند أنفسهم؟ والحال أنهم كما عرفهم القرآن: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ(1).
لقد ردّتهم هذه الآية بثلاثة ردود:
ألف - أن جبرئيل لا يأتي بشيءٍ من عنده، بل كل ما لديه هو من الله تعالى.
ب - أننا نطلع على صدق جبرئيل الأمين من كتب الأنبياء الماضين (التوراة والإنجيل قبل التحريف لأنّ علامات رسول الله صلى الله عليه وآله مطابقة لعلاماتهم ودلائلهم.
ج - أن محتوى خبر التوراة بمجيء نبي آخر الزمان بحدّ ذاته دليل على أصالة وحقانية وحي جبرائيل الأمين.
إن نتيجة أوهام الإنسان وعناده يصلان به إلى معاداة الملائكة أيضاً.. َدُوًّا لِجِبْرِيلَ.
إنّ من اللّازم الدفاع عن الصالحين في موضع التهمة نَزَّلَهُ... بِإِذْنِ اللَّهِ ولهذا ترى الله قد عظم جبرئيل لدى إدانته بني إسرائيل على تصوّراتهم الباطلة، إذ أكد أنه وسائر الملائكة لا يفعلون إلا ما يؤمرون، وأنّه الأمين في رسالته، وأنّه الصلة الظاهرة بين الله ورسوله.. أما ما سبب علّة العداء مع جبرئيل؟، في حين أنه جاء بكتاب يدعى القرآن الذي صدق - بعض - توراتكم؟! نَزَّلَهُ ... مُصَدِّقًا.
1) سورة التحريم / 6 .
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)
الإيمان والتولّي لجميع المقدسات أمر لازم.. وإنّ الله تعالى عدوّ أعدائه وهو عدوّ أعداء الملائكة والأنبياء..
إنّ العداء للأنبياء والأولياء كفر وعداء اللهفَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ.
إن جبرئيل جاء بكتاب يصدّق التوراة، فلماذا هذا العداء له؟
أنّ جميع الملائكة ليسوا في مستوىً ودرجة واحدة وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ولهذا لم يرد من أسماء الملائكة إلّا اسم جبريل وميكائيل..
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)
التفكّر في آيات القرآن يفتح لكلّ إنسان طاهر القلب طالباً للحقيقة والحق طرقاً منيرة وإنّ مطالعة هذه الآيات الشريفة تمكّنه من التأكد من صدق الدعوة المحمدية وعظمة القرآن، ولكن الوحيدين الذين يعون هذه الحقيقة هم من لم تس-ود قلوبهم بالذنوب وداء الحمق، وعليه؛ لا مجال للتعجب من أنّ الفاسقين الملوّثين بالخطايا والذين يتمرّدون على أمر الله؛ لا يؤمنون به..
في الآية (100) وردت الإشارة إلى أوصاف غالبية اليهود - الذين ينقضون عهد الله - وكأنّ التاريخ يعيد نفسه فيهمأَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ؟ نعم؛ إن غالبيتهم بعيدون عن الإيمانبَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ والشاهد التاريخي على هذا الموضوع يهود بني النضير وبني قريظة الذين تعاهدوا مع النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله في مطلع هجرته إلى المدينة،
إذ كان من بنود ذلك العهد أنهم لا يعينون عدوّاً على المسلمين، ولكنهم سرعان ما نقضوا العهد برمته وسارعوا إلى التضامن مع مشركي مكة في حرب الأحزاب - الخندق - ضدّ المسلمين..
إنّ لدى التعامل مع المخالفين ينبغي إعمال الإنصاف أيضاً.. وفي الآية السابقة قال القرآن بأن أكثرهم لا يؤمنون، حفظاً لحق الأقلية منهم وموقفهم.. وفي هذه الآية أيضاً ورد أنّ فريقاً منهم كذلك، لئلا ينظر إلى الجميع بعين واحدةنَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ.
ثمّ إنّ شأن العلم الذي لا يُعمل به شأن الجهل، وقد وصفت الآية العلماء غير العاملين
بعلمهم ويكتمون الحقائق بالقول: كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ تنديداً بموقفهم وباعتبارهم جاهلين.. في الآية الأخيرة مورد ،البحث، ورد التأكيد الصريح والأفصح بهذا الموضوع، فراحت تفصل في موقفهم المخزي من النبي والقرآن؛ هذا الموقف الذي تظاهروا به نتيجة لقبح نفوسهم وسوء أعمالهم وتعصبهم إلى أسلافهم الذين طالما كفروا بالأنبياء وحاربوهم وقتلوهم، وأسسوا بعد ذلك لمنهج خاص بهم في الحرب على الحق في كل العصور وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ..
والقرآن لا يلوم ولا يندّد بجميع القوم أبداً لذنب اقترفته الأكثرية منهم، لذلك؛ تراه استعمل كلمة فَرِيقٌليحفظ حق الأقلية ولو كانت قليلة جداً، باعتبار أفرادها مؤمنين متقين.. وهذا هو مسلك الحق نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ.
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)
ممّا يفهم من الروايات الشريفة أنّ جماعة من الناس كانوا يعملون بالسحر في عهد النبي سليمان عليه السلام، فأمر هذا النبي العظيم أن تجمع أوراقهم كلّها وتحفظ في مكان خاصّ (ولعلّ هذا الأمر يمكن أن يكون بداعي ما في بعضها من مطالب مفيدة في إبطال السحر الذي كان شائعاً بين الناس آنذاك).
وبعد وفاة سليمان عمدت جماعة إلى إخراج تلكم المخطوطات وبدؤوا بإشاعة وتعليم
السحر.. فيما قالت جماعة أخرى ممن كانت تعادي هذا النبي: إنّ سليمان لم يكن نبياً أساساً بل إنّه تسلّط على الناس بالاستعانة بالسحر وعمل ما هو خارق للعادة.. وتبعهم على هذا القول جماعة من بني إسرائيل وتعلّقوا بعمل السحر بشدّة وتركوا التوراة لدى ذلك. وحينما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله ، أعلن - ضمن آيات قرآنية - أن سليمان كان من أنبياء الله العظام ولم يكن ساحراً أو مشعوذاً حاشاه، إلّا أنّ بعض أحبار اليهود ومعهم جملة من المنافقين والنواصب - ممن كانوا قد أفحموا بما جاء به من المعاجز والكرامات - قالوا: لا تعجبوا من أمر محمد في نفيه السحر عن سليمان لأنه ساحر أيضاً!!
والقول الكافر الصادر هذا عن بعض اليهود والنواصب ، وفضلاً عن كونه تهمة وافتراء عظيم على هذا النبي العظيم يلزم القول بتكفير سليمان أيضاً، إذ طبقاً لقولهم؛ يكون سليمان رجلاً ساحراً مدعياً للنبوّة، وهذا ما يوجب الكفر.. والآيات أعلاه قد اهتمت بالردّ عليهم.(1)
1 - المقصود باتباع بني إسرائيل للشياطين في عصر سليمان النبي يمكن أن يكون عبر اتباع الطغاة أو الجنّ أو الاثنين معاًوَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ.
2 - ولكن سليمان لا يتوسل بالسحروَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولم يستفد من السحر لتحقيق أهدافه، ولكنّ الشياطين هم الذين كفروا وعلموا الناس السحر وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.
3- وهؤلاء قد استعانوا بالسحر من جهتين إحداهما من جهة تعليم الشياطين في عهد سليمان عليه السلام، والأخرى من جهة التعاليم التي وصلتهم من جهة هاروت وماروت، وهما
1) تفسير الامثل، ج1، ص 370
الملكان اللذان علّما الناس إبطال السحروَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.
4 - والملكان كان هدفهما من تعليم السحر للناس كشف الساحرين لهم عن طريق إبطال السحر ولذلك؛ كانا لا يعلمان أحداً إلّا أن يقولا له قبل ذلك: نحن وسيلة امتحانك فلا تكفر (وتسيء الاستفادة من هذه التعاليم)وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ.
5 - أنّ الناس جميعاً لا تصلح نفوسهم في حكومة الحق وسلطة الحاكم الإلهي، فيبقى جماعة منهم على انحرافهموَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ.
6 - أنّ الحكم لا يتعارض مع النبوّة، لا سيما وأنّ بعض الأنبياء - مثل سليمان عليه السلام - كانوا حكّاماً مع كونهم أنبياء.
7 - أشاع بعض السحرة - لتبرير سحرهم وإضفاء هالة من القداسة على أفعالهم الباطلة المحرّمة - تهمة سليمان بالسحروَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ.
8 - أنّ الله تعالى يدافع عن مقام الأنبياء في مقابل التهم والافتراءات: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ.
9 - أن تعليم السحر وتعلّمه واستعماله يعادل الكفر : كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.
10 - في مقام التعليم يجب على المعلم أن يحذر تلامذته من الاستعمالات الباطلة للعلوموَمَا يُعَلِّمَانِ.. حَتَّى يَقُولَا.. فَلَا تَكْفُرْ....
11 - التفرقة بين الزوج وزوجته من عمل الشيطان وتبلغ حدّ الكفر فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.
12 - يمكن للملائكة أن تعلّم بني آدم أيضاًوَمَا يُعَلِّمَانِ.. حَتَّى يَقُولَا.
13 - العلم ليس مفيداً دائماً، إذ يكون أحياناً مضراً وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ أي: يتعلمون ما يضرّهم في دينهم ولا ينفعهم فيه، بل ينسلخون عن دين الله بذلك.
14 - للسحر واقعيّة وتأثير في حياة الإنسانيُفَرِّقُونَ بِهِ.
15 - الساحر يمارس أعمالاً ما، ولكن تأثيرها منوط بإذن الله تعالى، بمعنى أن اللجوء إلى الله والاستعاذة به والتوكل عليه وبالدعاء وإعطاء الصدقة من أهم عوامل التخلّص من السحروَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ .
16 - من يلجأ إلى استعمال السحر وإعمال التفرقة، ينسلخ عن إنسانيته وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.
هنا ثَمّ أسئلة تطرح نفسها:
1 - ما هو السحر ومتى عرفته البشرية ؟
لدى الإجابة على هذين السؤالين ثَم بحوث كثيرة، وما يمكن أن يقال بهذا الصدد إنّ السحر قد انتشر بين الناس منذ عصور قديمة، دون تحديد فترة زمنيّة دقيقة ما، كما لا يمكن نسبة السحر إلى مكتشف أو مخترع له.
ولكن بخصوص معنى السحر وحقيقته، فيمكن أن يعرّف بأنه نوع عمل خارق للعادة يترك أثره في وجود الإنسان، وتارة يكون نوعاً من التعمية، وله بعد نفسي وخيالي..
والسحر لغةً ذو معنيين:
1 - بمعنى الخدعة والشعوذة وخفّة اليد، وبتعبير (قاموس اللغة) هو: الخديعة.
2 - أنّه كلّ ما لطف ودق، وما كانت وسائله خفية وغير مرئية.
وقد أشير في (مفردات الراغب) الخاص بكلمات القرآن ومصطلحاته إلى ثلاثة معاني للسحر:
1 - الخدعة والخيال المجرّد عن الحقيقة والواقع، مثل الشعوذة وخفّة اليد.
2 - جلب الشياطين عبر طرق وأساليب خاصة والاستعانة بهم.
3- المعنى الآخر الذي ذهب إليه البعض أنه من الممكن تغيير ماهية وأشكال الأشخاص والموجودات بوسائل خاصة، كتغيير الإنسان - بوسيلة ما - إلى صورة حيوانية، ولكن هذا النوع من السحر لا يعدو أن يكون مجرد خيال ولا واقعية له..
وبالتحقيق في حوالي (51) كلمة تكرّرت فيها الإشارة إلى (السحر) ومشتقاتها الواردة في سور قرآنية مثل: طه والشعراء ويونس والأعراف وغيرها وفيما يخص سيرة أنبياء الله تعالى مثل موسى وعيسى عليهما السلام والنبي المصطفى صلى الله عليه وآله نفهم أنّ السحر من وجهة النظر القرآنية قد قسم قسمين:
1 - حيث يكون المقصود - التحايل وخفّة اليد والشعوذة وما لا حقيقة له، كما نقرأ: (فإذا حبالهم وعصيّهم يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى) وفي آية (1)أخرى: (فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم من هاتين الآيتين يتضح (2)أنّ السحر لا حقيقة له بحيث يتمكّن من التصرف بالأشياء أو يترك أثره وتأثيره فيها، بل هو عبارات عن تعمية من قبل الساحر على المسحور ..
2 - يفهم من بعض الآيات أنّ لبعض أنواع السحر تأثيراً، مثل الآية القائلة: فيتعلّمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه أو التعبير الوارد في الآيات مورد البحث القائلة: ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولكن هل السحر ذو ناحية نفسانية فقط، أم أن له أثراً جسمانياً وخارجياً؟ لم ترد الإشارة إلى ذلك في الآيات أعلاه، ولذا؛ فقد ذهب البعض إلى أنّ للسحر أثراً نفسياً فحسب.
المسألة الأخرى التي تجب الإشارة إليها هي أنه يبدو أن أنواعاً كثيرة من السحر تعتمد
الخواص الكيميائية والفيزيائية لاستغفال الناس البسطاء..
فمثلاً: نقرأ في سيرة السحرة على عصر موسى عليه السلام أنّهم طلوا الحبال والعصي بمادة كيميائية (الزئبق ) وحين ألقيت هذه العصي والحبال تحت أشعة الشمس تأثّرت بالحرارة فصارت كأنّها تتحرّك بفعل تمدّدها (المادة الكيميائيّة )فخيّل للناظرين بأنها قد تحولّت إلى أفاعي.. وهذا النوع من السحر ليس قليلاً في زماننا.
2 - ماذا كانت قصة هاروت وماروت ؟
في البدء نشير إلى كلمتي هاروت وماروت، حيث ذهب بعض الكتاب إلى أنهما من جذر لغوي فارسي.. وقال أحدهم في كتابه الصادر باللغة الأرمنية (هروت) بمعنى المثمر و (مروت) بمعنى الخالي من الموت.. وذهب أيضاً إلى أنّ كلمتي هاروت وماروت مأخوذتان من هذين اللفظين، ولكن رأيه هذا غير مستند إلى دليل واضح. وجاء في كتاب المجوس (أويستا) أنّ مفردة هرودات تعني الشهر الإيراني الثالث (خرداد) وكذلك كلمة (امردات) بمعنى الخالي والمجرّد من الموت وهو الشهر الإيراني الخامس (مرداد). أما العلّامة اللّغويّ الإيراني ( دهخدا) في معجمه الموسوم ب- (لغت نامه فقد ذكر مطلباً بهذا الصدد وشبيهاً بما تقدّم.. والعجب أنّ البعض عدوا هاروت وماروت رجلين من أرض بابل، فيما ادعى البعض أنهما كانا شيطانين، في حين أنّ القرآن صرّح بوضوح بكونهما ملكين..
وعن هذين الملكين اللذين جاءا إلى أرض بابل، حيكت أساطير وخرافات عجيبة من جانب القصاصين ونسبوها إلى هذين الملكين الإلهيين، حتى جعلوهما شخصيتين خرافيتين.. والأصح من كلّ الآراء بهذا الصدد - كما يبدو - والموافق للموازين العقلية والتاريخيّة ولمصادر الحديث والرواية أنّ السحر صار إذ ذاك ظاهرة عامة في أرض بابل ممّا أدّى إلى إيذاء الناس إلى حدّ كبير.. فبعث الله تعالى ملكين بهيئة إنسانين وأمرهما بتعليم
الناس أسباب السحر وطرق إبطاله ليخلّصاهم من شرّ السحر ، ولكن الأمر هذا كان متوقّعاً له
أن يشاب بسوء الاستخدام، لا سيما وأنّ الملكين كانا يضطران إلى شرح المزيد من التعليمات وطرق السحرة، ليتمكن الناس من الوقاية.. وهذه المسألة أدّت في نهاية المطاف وبعد الاطّلاع على طرق وأساليب السحر إلى انضمام البعض إلى السحرة وإيذاء الناس.. مع أنّ الملكين قد حذرا الناس من هذا المسلك.. وكان ذلك امتحاناً إلهيّاً للناس، بل إنّهما قد أعلنا للناس بصراحة أنّ إساءة الاستفادة من تعاليمها نوع كفر.. ولكنّ جملة من الناس خاضوا في السحر وتسبّبوا لكثير من الأفراد بالضرر والأذى..
ما ذكرناه يمكن معرفته من كثير من الروايات والأحاديث، كما يمكن تطبيقه على العقل والمنطق، ولكن المؤسف في الأمر أن العديد من المؤرّخين والكتاب ومتخصصي دوائر المعارف وحتى بعض المفسرين خضعوا للأساطير الواردة على ألسن العوام فيما يتعلّق بهذين الملكين وأنّ الله تعالى بعثهما إلى الأرض ليعلما أنهما إذا كانا أو صارا بدلاً عن الإنسان لن يبقيا مصونين من الذنوب وأنّهما سيعصيان الله، ثمّ إنّهما بمجرّد هبوطهما إلى الأرض ارتكبا كبائر الذنوب، ثمّ إن المتقوّلين عليهما صنعوا خرافة أخرى بحقهما إذ قالوا بأن أحدهما مسخ بهيئة كوكب الزهرة.. وكلّ ذلك عار عن الصحة ولا أساس له ، وقد نزّهههما القرآن عن ذلك.. ولو أننا تأملنا في نص الآيات الخاصة بموضوعهما لكفانا ولعلمنا أن تلكم الخرافات والأساطير بعيدة كل البعد عن القرآن المجيد.
3 - من هو الملك القادر على تعليم الإنسان؟
يبقى هنا سؤال ؛ وهو: طبقاً لظاهر الآيات أعلاه والروايات الواردة، فإنّ هاروت وماروت كانا ملكين إلهيين قد بعثا لتعليم الناس سبل مواجهة الأذى الذي كان السحرة يتسببون به لهم، والجواب على هذا السؤال قد ورد في الأحاديث، وهو أنّ الله تعالى قد بعثهما بهيئة إنسانين
ليتمكنا من أداء مهمتهما، وهذه الحقيقة يمكن استلهامها من الآية التاسعة من سورة (الأنعام)ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً إشارة للنبي الذي يبعثه الله للناس، إذ لا بد أن
يكون على شاكلتهم لتتحقق له قدرة قابلية التفاهم والارتباط معهم.
4 - قرأنا في الآيات أعلاه أنّ السحرة يعجزون عن إلحاق الأذى بأحد إلا بإذن الله تعالى، فهل يعني هذا أنّ قاعدة الإجبار هي الحاكمة على فعل بني البشر ؟
هذه الجملة إشارة إلى أحد الأصول الأساسية للتوحيد، وهو أن مصدر كلّ القوى والطاقات والقدرات في هذا العالم هو قدرة الله، حتى إحراق النار وقاطعيّة السيف.. لا تكونان إلا بإذن الله سبحانه وتعالى وأمره.. بمعنى أنّ الساحر لا يستطيع فعل شيء خلافاً لإرادة الله في عالم الخلقة ويتدخل فيها بحيث يحدّدها ويلغيها، بل إنّ من خواص وآثار الإرادة الإلهية في مختلف الموجودات، فيحسن البعض التصرف فيها، ويسيء آخرون ، وهذا مصداق الحرّية والاختيار الذي أعطاه الله للإنسان.. وهو برمّته يعدّ وسيلة للاختبار والتكامل.
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)
1 - التقوى لا تعني الامتناع عن السيئات فحسب، بل تعني المراقبة والحذر فيما يتعلّق بالصالحات أيضاً. فقوله تعالى:اتقوا النار(1)يعني حفظ النفس من النار، وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ(2)يعني إعمال الرقابة على طبيعة الموقف من الأوامر والنواهي الإلهية، كما نقرأ في الآيةاتَّقُوا اللَّهَ و... الأرحام(3)بمعنى الورع بخصوص العلاقة والموقف من أولي القربى.
2 - لا يكفي الإيمان لوحده، وإنّما التقوى والمراقبة أمر لازم آمنوا واتَّقُوا.
3 - أن الثواب الإلهي خير من كلّ شيء.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)
قال ابن عبّاس المفسّر المعروف كان المسلمون في الصدر الأول للإسلام إذ رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقوم خطيباً فيهم ويبين لهم أحكام الله، طلبوا إليه في بعض الأحيان أن يتأنى في خطابه - وهو سيّد الخطباء والبلغاء - ليعوا المطالب التي يدلي بها لهم، أو ليسألوه بعض الأسئلة بين ثنايا خطابه، ولهذا استعملت مفردة ( راعنا) وهي من مادة المراعاة وإعطاء المهلة في هذه الآية.
أما اليهود؛ فكانوا يقولون نفس الكلمة ولكنّهم يعنون بها الحماقة باعتبارها مشتقة من مادّة الرعونة (في حين أن مفهومها الأوّل هو الإمهال ، وفي مفهومها الثاني تعني عاملنا كحمقى) ولذلك؛ فقد كان اليهود يستعلمون المفردة التي كان المسلمون يستعملونها، قاصدين بها الاستهزاء بالنبي أو المسلمين..
فنزلت هذه الآية وأمرت المسلمين - للمنع من الاستهزاء اليهودي - أن يقولوا بدلاً من كلمة ( راعنا ) كلمة (انظرنا) وهي تعطي ذات المفهوم الذي كان يقصده المسلمون.
وقال مفسّرون آخرون إنّ مفردة ( راعنا ) في لغة اليهود تستعمل في السبّ وتعني اسمع وأنت عاجز عن السمع.. فكانوا يكرّرونها ويتضاحكون!(1)
ونقل بعض المفسرين أنّ اليهود كانوا يلفظون الكلمة بقولهم: راعينا، وتعني راعي أنعامنا،
1) الدر المنثور، ج 1، ص 104
وكانوا يخاطبون بها رسول الله صلّى الله عليه وآله، وبذلك كانوا يرومون الاستهزاء به.. (1)ويمكن القول بأن لا تضادّ في هذه التفاسير الخاصة بشأن النزول، ولعلّها صحيحة جميعها...
1 - وردت جملة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أكثر من ثمانين مرّة في القرآن المجيد، وهذه الآية هي الأولى التي وردت بهذه الجملة، والملفت للنظر أنّ هذه العبارة قد تضمنتها الآيات النازلة في المدينة فقط، ولا أثر لها في الآيات المكيّة، ولعل السبب في ذلك عائد إلى أنّ وضع المسلمين بعد الهجرة توطدت أركانه وصاروا يعيشون تحت مظلة الحكم النبوي وتخلّصوا من التشرذم السابق، ولذلك رأيت القرآن يخاطبهم بقوله :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باعتبارهم تجمعاً رسمياً..
2 - القضيّة الرصينة أنّ عبارة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تتضمن المفهوم المؤدّي إلى أنّكم أيّها المؤمنون.. يا من سلّمتم للحق وعاهدتم ربّكم عليكم - بعد العهد الذي أبرمتوه مع الله والرسول - أن تعملوا بالأمر الذي يلي هذا الخطاب والنداء، وبعبارة أخرى: إنّ إيمانكم يوجب عليكم الالتزام بالتعاليم..
3- نقل في الكثير من الكتب، ومنها كتب المخالفين عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «ما أنزل الله آية فيهايَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلا وعلي رأسها وأميرها».(2)
4 - يفهم من هذه الآية جيّداً أنّ على المسلمين في سيرتهم أن يحذروا من أن يمكّنوا الأعداء من العذر والتبرير؛ ولو كان ذلك عبارة أو كلمة واحدة يفهم منها عدة معاني، إذ يمكن للعدوّ أن يستخدمها ويقصد منها معنى آخر يخلّ في معنوياتهم.
5- ما الداعي إلى الإصرار على استخدام نصّ أو جملة أو كلمة ما هي قابلة للتحريف أو الاستهزاء ؟
6- حينما لا يبيح الإسلام استخدام كلمة واحدة يمكن أن تحمل على غير معناها المطلوب من جانب العدو، فما بالك بمسؤوليات المسلمين الجسام والأعمال المهمة؟!
7 - قد تصدر عنا بعض الأعمال أو التصريحات يمكن أن تفسر من قبل الأعداء الداخليين أو المحافل الدولية بأسوأ التفسير وترفدهم في أبواقهم الإعلامية المغرضة.. فتكون مسؤوليتنا في هذه الحالة حمل الأمور على محمل الجد، فلا نوفّر الفرصة للمفسدين الداخليين والخارجيّين ...
8 - النقطة الجديرة بالانتباه أنّ عبارة ( راعنا) توحي بقصد قائلها غير المؤدّب، لأنّها مشتقة من مادة (المراعاة) من باب المفاعلة ومفهومها أمهلنا كينمهلك، وهذا التعبير؛ وفضلاً عن الاستعمال القبيح لليهود بعيد عن الأدب، وقد نهى القرآن أتباعه عن ذلك.
9- إذا كنا نطالب الآخرين بمراعاة الأدب، فلابد أن نراعي الأدب في حديثنا للناسيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب محترم ورصين.
10 - إذا ورد النهي عن شيء، فلابد من توفير البديل المناسب والأفضل عنه لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا.
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)
1 - هذه الآية تزيح الستار عن الحقد وعداء المشركين وفريق من أهل الكتاب تجاه المؤمنينمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
2 - هذه ليست الرغبة الوحيدة من جانبهم، ذلك أنّ الله تعالى يختص برحمته وبركته من يشاء من خلقهَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
3 - الأعداء، ولشدة حقدهم وحسدهم يعجزون أن يروا المسلمين بهذا الشرف العظيم حيث بعث فيهم النبي الأعظم الخاتم وقد جاءهم بكتاب من السماء.. ولكن هل يمكن منع الفضل الإلهي والرحمة الربانية..
4 - تعرّفوا إلى الإرادة الحقيقية للأعداء ولا تميلوا إليهم وترغبوا فيهممَا يَوَدُّ.
5 - الخير وإيصاله من شؤون الرب المتعالخَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
6 - توكلوا على الله ولا تخشوا حسد الكافرين وَاللَّهُ يَخْتَصُّ.
7 - حسد الحاسد لا يؤثر أبداً في إرادة ولطف الله تعالى مَنْ يَشَاءُ.
8- فضل الله ورحمته وهدايته تشمل جميع الملل ولا تختص ببني إسرائيل أو جماعة بعينها وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)
الحديث في هذه الآيات عن الإعلام السيئ الذي كان يمارسه اليهود ضد المسلمين، إذ كانوا يقولون لهم إنّ الدين هو دين اليهود والقبلة قبلة اليهود، وها هو نبيكم يصلّي بكم إلى بيت المقدس؛ وهو قبلة اليهود. وحين نزل الحكم من الله تعالى بتغيير الكعبة كما ورد في الآية (144) من هذه السورة وصار المسلمون يصلون إلى الكعبة الشريفة، بدأ اليهود بالعزف على وتر إعلامي مضاد آخر ، فقالوا: إن كانت القبلة الأولى صحيحة فما معنى تغييرها الآن؟ وإن كان الحكم الثاني هو الصحيح، فلا بد أن تكون صلاتكم الماضية بحكم الباطلة... أما القرآن الحكيم؛ فقد فنّد إشكالهم هذا وأنار قلوب المؤمنين..(1)
قال سبحانه وتعالى بهذا الصدد: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.
1 - طبقاً لحاكميّة الله تعالى وتشخيصه لجميع مصالح عباده كان له مطلق الحقّ في إعمال التغيير في أحكامه؛ بناءً على المصلحة الدينية، ذلك لأنه الأعرف والأبصر
1) مجمع البيان، ج1، ص 347
بمصالح عباده، وعليه؛ لا ينبغي للمؤمنين أن يهتموا بالأحاديث والإعلام المغرض الصادر عن هذا أو ذاك فيما يتعلّق بنسخ الأحكام وتبديلها أو إطلاقها أو تقييدها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟
2 - لا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا معتمداً غير الله تعالى، إذ لا معتمد حقيقياً غيره في الوجودوَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
3- سؤال: هل النسخ في الأحكام جائز ؟
مقدمة: النسخ لغةً هو المحو والإزالة، واصطلاحاً هو إعمال التغيير في الحكم واستبداله بحكم آخر. مثال ذلك: بقي المسلمون يصلّون لجهة بيت المقدس بعد الهجرة لمدة ستة عشر شهراً، ثمّ صدر الأمر بتغيير القبلة، وكلّفوا بالتوجه لدى الصلاة إلى الكعبة الشريفة.
كان الحكم في النساء اللاتي يزنين أن يحبسن في بيوتهن حتى يدركهنّ الموت إذا ما شهد أربعة شهود عليهنّ بالزنا، كان هذا الحكم طبقاً للآية (15) من سورة (النساء).. ولكنها نسخت بالآية الثانية من سورة (النور) حيث بدلت الحكم في عقوبة الزانية إلى مئة جلدة..
وهنا يلزم الإشكال المعروف بالصيغة التالية : إذا كان الحكم الأوّل مطابقاً للمصلحة؛ فلماذا جرى عليه النسخ ؟وإن لم يكن كذلك ؛فلم كان الأمر به أساساً؟ وبعبارة أخرى: ماذا كان يمكن أن يحدث لو صير إلى التشريع الثاني (الناسخ) منذ البداية وحتى وجب إعمال النسخ والتغيير؟
أجاب العلماء القدماء في كتبهم على هذا السؤال، وقالوا: معلوم أن حاجة الإنسان قد تتغيّر حسب الظروف الزمانية أو المكانية وغير ذلك، وقد تبقى ثابتةً في بعض الأحيان.. فقد يكون المنهج أو القانون الكذائي سبباً لتحقيق الرفاه والسعادة للناس، ولكنه - وحسب تغيّر
الظروف يتحوّل إلى عامل شقاء.. كما أنّ الدواء الكذائي يكون مفيداً بشكل عجيب للمريض ويوجب الطبيب تناوله بدقة ولكن الدواء نفسه - وحسب تغير حالة المريض - يكون داءً عليه، ولذا يعمد الطبيب إلى منع المريض من تناوله، وأن يتجه إلى استعمال دواء آخر مناسب لحالته الثانية.. كما يمكن لكتاب مدرسي أن يكون مفيداً للغاية، ولكنه لن يكون كذلك في السنة الثانية.. والمسؤول التربوي أو المعلّم موظفان بأن يكونا على درجة عالية من الإدراك والدقة في تحديد نوع الكتاب والمنهج المناسب للطلاب..
4 - مع الأخذ بنظر الاعتبار قانون تكامل الإنسان والمجتمع؛ تكون مسألة تغيير وتبديل القوانين الموضوعية واضحة ومسلّماً بها، إذ لدى تكامل الإنسان يكون المنهج مفيداً تارةً وأخرى مضراً لابد من تغييره أو تصحيحه وتعديله على الأقل، لا سيما في مطلع الثورات الاجتماعية والدينية.. حيث يبدو لزوم إحداث التغيير في القوانين والمناهج تبعاً لتغيّر المقاطع الزمنية أكثر ضرورة ووضوحاً..
5 - القضيّة غير القابلة للإنكار هي أن أصول الأحكام الإلهيّة والتي تشكل قواعد الدين هي واحدة في مختلف الأماكن والحالات.. إذ لا يمكن تصوّر التغيير في أصل التوحيد أو العدالة الاجتماعية وأمثالهما.. وإنّما التغيير يحصل في المسائل الأصغر والتي تأتي في الدرجة الثانية الفرعية.
6 - يمكن أن يكون تكامل الأديان إلى حدٍ بحيث ينزل الدين الأخير (الإسلام) باعتباره خاتم الأديان بشكل لا يمكن معه إحداث تغيير في أحكامه التفصيل التام في هذا الموضوع نجده في تفسير الآية الأربعين من سورة الأحزاب حيث تبحث مسألة الخاتمية في إرادة الله تعالى).
7 - مع أنّنا نعرف بأنّ اليهود يرفضون مسألة التغيير والنسخ تماماً، ولذلك قد أخذوا
المسلمين على تغيير قبلتهم، ولكنّهم وحسب أصول دينهم يضطرون إلى قبول النسخ.. فطبقاً للتوراة نجد أنّ الله تعالى قد أحلّ لنوح عليه السلام وأصحابه أكل جميع الحيوانات لدى نزوله من السفينة، ولكنّ هذا الحكم نسخ في شريعة موسى عليه السلام حيث حرّم عليهم تناول العديد من الحيوانات ورد في سفر التكوين - الفصل (9) رقم (3) لدى خطاب الله إلى نوح عليه السلام ستكون جميع الحيوانات طعامك وقد أعطيتك إياها كما أعطيتك الأعشاب الخضراء».. ولكنّ عموميّة هذا الحكم تمّ نسخها في عهد موسى عليه السلام.
8 - ما المقصود من كلمة (آية ) ؟
الآية لغةً تعني العلامة، وقد استعملها القرآن لمعان ومفاهيم مختلفة، منها:
أ - عبارات القرآن وجمله تمّ التفكيك بينها بعلامات خاصة عرفت بعنوان: (الآية) كما نقرأ في القرآن نفسه: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ(1).
ب - سميت المعاجز ،آياتٍ كما نقرأ عن معجزة موسى عليه السلام المعروفة باليد البيضاء:وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى(2).
ج - ورد استعمالها بمعنى الدليل في معرفة الله والمعاد، كما نقرأ ذلك في قوله تعالى:وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ(3).
وفي الاستدلال على حتمية المعاد : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ ... عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4).
د - استعملت بمعنى الأشياء الملفتة للنظر، مثل الأبنية المرتفعة كما نقرأ:وأتبنون بكل ريع آية تعبثون(1).
ولكن الواضح أنّ هذه المعاني المختلفة - في الواقع - ترجع كلّها إلى نقطة مشتركة، وهي مفهوم العلامة.. أما الآيات التي تتحدث عنها آية النسخ؛ فهي إشارة إلى الأحكام، فهي إذا ما نسخت نزلت ما هي أفضل منها أو مثلها، وإذا ما نسخت معجزة لنبي من الأنبياء أعطيت معجزة أفصح منها للنبي الآخر الذي يليه.
جدير بالذكر؛ أنّ روايات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام قد فسرت آية النسخ هذه بأنّ الآية التي تنسخ هي إشارة إلى موت الإمام المعصوم، وهو الذي يمثل الآية الإلهية الأكبر، ليليه إمام معصوم آخر ...(2)وقد ورد هذا التفسير باعتباره المصداق - الأكبر - للآية ولا ريب أنّ هذا
التفسير لم يرد لتحديد مفهوم الآية..
9 - كلمة نفسها بمعنى التأخير والحذف من الأذهان، بحيث يكون نزول الوحي متأخراً إلى مدة ما..
والسؤال هنا هو: ما هو مفهوم عبارة نفسها مع مفهوم كلمة نَنْسَخْ؟
فلإجابة نقول : المقصود هو أنه سبحانه إذا نسخ آية أو أخر النسخ هذا المصلحة ما، فإنّه سيأتي بأفضل منها أو مثلها.
10 - كلمة نَنْسَخْ إشارة إلى النسخ في مدة قصيرة، بينما كلمة نُنْسِهَا تعني نسخاً إلى مدة مديدة.
سؤال آخر: ما المقصود من كلمة (مثلها ) ؟
فإذا كان الحكم التالي مثل الحكم الأولي كان التغيير عبثاً - كما يبدو - فما الداعي لأن ينسخ الحكم الأولي إلى حكم مثله ؟
تنبغي الإجابة هنا أنّ المقصود من (المثل) هنا هو أنّ الله تعالى يأتي بحكم جديد يكون تأثيره ودوره كتأثير ودور الحكم السابق في زمانه.
فكل حكم له تأثير في وقته - إن كان هذا الحكم مؤقتاً منذ صدوره – ولكنه قد يفقد أثره وفائدته فيما بعد، وهنا لزم أن ينسخ ويحلّ محلّه حكم جديد أفضل منه، أو يكون له من الأثر المناسب ما كان للحكم المنسوخ في وقته، وعليه؛ لا يبقى مورد للإشكال..
11 - أن تغيير الأحكام لا يعد خطأ أو خللاً في الحكم المغيَّر، بل هو دليل واضح على الاهتمام بتغير الظروف ومسايرة حكيمة لمتطلبات الأحوال، كما هو الأمر في تغيير المنهج الدراسي أو المعلم ما ننسخ من آية.
12 - أنّ تحديد الأحكام الإلهيّة أو تأخيرها منوط بإرادة الله سبحانه نَنْسَخْ ... نُنْسِهَا.
13 - لا طريق مسدوداً في الإسلام، فبعض القوانين قابلة للتغيير نَنْسَخْ.. نُنْسِهَا.
14 - أن تغيير القوانين وفضلاً عن إيجاد الأرضية المناسبة أو وجودها وبروز مصالح جديدة، فهو بحاجة إلى القدرة والنفوذإنّ الله على كل شيء قدير.
15 - تغيير القوانين أمر خاص بالله الذي له الحاكمية المطلقة في السماوات والأرض ما نَنْسَخْ.. لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ.....
16 - لا يجدر الاهتمام بالمعاندين اللجوجين الباحثين عن الأعذار والتبريرات، ذلك لأنّ الله تعالى هو الولي والنصير الحقيقي دون غيره ما لكم من دون الله ولي ولا نصير.
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)
ذكر المفسرون لهذه الآية شؤون نزول عديدة، وهي واحدة تقريباً من حيث النتيجة:
1 - ما نقل عن ابن عبّاس من أن وهب بن زيد ورافع بن حرملة جاءا رسول الله صلى الله عليه وآله وقالا: ائتنا من الله بكتاب يخاطبنا نحن مباشرةً لنقرأه فنؤمن لك! أو أجر لنا نهراً فنتبعك !
2 - قال آخرون: إنّ جماعة من العرب طلبوا ذات هذا الطلب من النبي الأعظم صلوات الله عليه وآله وقالوا: أرنا الله جهرة لتراه أعيننا فنؤمن لك..
3 - وكتب آخرون أنهم طلبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجعل لهم وثناً من خشب ليعبدوه، كما قال جهال بني إسرائيل لموسى عليه السلام:اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فنزلت هذه الآية وأجابتهم ردّاً على طلباتهم. (1)
1 - رغم أنّ اليهود ليسوا المقصودين والمخاطبين بهذه الآية، وأن فريقاً ضعيف الإيمان أو
1) التبيان، ج1، ص 402
حديثي الإسلام أو المشركين هم المخاطبون بها، إلا أنه - وكما سنلاحظ - غير بعيد عن اليهود وماضيهم.
2 - لعلّ ما دفع بعض المسلمين- ضعاف الإيمان - والمشركين إلى التوجّه بهذا الطلبالتافه والمقيت إلى النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وساوس اليهود؛ لا سيما بعد حادثة تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.. ونموذجه ما ذكرته الآية، حيث نهى الله تعالى عن التقدّم بهذا الطلب؛ مذكراً إياهم بما طلبه الإسرائيليون من النبي موسى عليه السلام أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ؟
3 - حيث أنّ هذا النوع من الطلب الغريب بمثابة استبدال للكفر بالإيمان، أضافت الآية
أنّ الضلال سيكون نتيجة هذا الاستبدال وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
4 - أنّ الإسلام لا يمنع الأسئلة العلمية والمنطقية وكذلك المعجزة لإدراك حقانية الدعوة المحمّديّة.. ذلك لأنّ سبيل الإدراك والفهم والإيمان يتم عن هذا الطريق.
5- أن فريقاً من الباحثين عن الأعذار والمتحججين، ومن أجل تملصهم عن الانقياد للإيمان، وعبر طرح أسئلة غير منطقية ومعجزات خاطئة، كرؤية الله بالعين أو صناعة صنم، إنّما يريدون بذلك التهرب من مسؤوليتهم في الإيمان للرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله، وقد حذر القرآن أفراد هذا الفريق بأنّهم إذا أصروا على مسلكهم هذا، فلن يكون مصيرهم خيراً من المصير الذي انتهى إليه قوم موسى عليه السلام.
6- مع أنّ الإتيان بالمعجزة وإتمام الحجّة لازم لإثبات صدق الدعوة النبوية، إلّا أنّه لا يمكن أن يتخذ ألعوبة ورغبة لهذا أو ذاك، بل المعجزة تتمّ بالمقدار اللازم للاطمئنان إلى صدق صاحب الرسالة السماوية.. شأنه في ذلك شأن المهندس أو الرسام الذي يهتم بإثبات مهارته فيأتي بنماذج سابقة من أعماله المهنية والفنية، وإلا فإنّ مهمة النبي ليست الانشغال
بالإتيان بالمعاجز والاستجابة لكلّ من هبّ ودبّ..
7 - أن إيراد القصص من تاريخ الأنبياء في القرآن تهدف - فيما تهدف - إلى تثبيت الأفئدة، ولعلّ منها فؤاد النبي، كما هو ظاهر الآيات، والإعلان بأنّ المعاصرين له إذا عمدوا إلى طرح أسئلتهم التافهة الباطلة، فإنّ أقوام الأنبياء السالفين قد سألوهم مثل ما يسأل هؤلاء ويطلبون...
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)
1 - وَاصْفَحُوامن مادة (صفح) بمعنى صرف النظر، ومع وجود كلمة فَاعْفُوايعلم أنّ صرف النظر هذا لا يتمّ عن إجبار أو لا أبالية؛ بل عن قوة شخصيّة ووعي ومقدرة. كما أنّ هذا التعبير يوحي بأنّ المسلمين آنذاك لم تكن فيهم تلك القوّة والمقدرة لأن يعفوا ويصفحوا أو أن يواجهوا الأعداء، بل صدر في البدء الأمر بالعفو والصفح، وبعبارة أخرى: لا يصح استعمال العنف كمنهج، وإنّما الأخلاق الفاضلة توجب أن يكون العفو والصفح أوّل الالتزامات، فإن لم يكن ذا نفع صح التوسل بالعنف والقوة.
2 - أن كثيراً من أهل الكتاب، لا سيّما اليهود منهم ، لم يكونوا يقنعون بمجرد عدم اعتناقهم الإسلام ، بل كانوا يصرون على دفع المسلمين عن إيمانهم، وكان ما يحرّضهم على ذلك الحسد..
3- أن العدوّ الذي يتمنّى لكم الكفر لا يمنعه مانع دون حياكة المؤامرات ضدكم.. وكان أسلوبه في ذلك طرح مثل تلكم الأسئلة التافهة والشيطانية، فلابد من الحذر منها..
4 - لدى تبيين المواضيع من جانبكم؛ لابد من مراعاة جانب الإنصاف إزاء العدوّ أيضاً،
لعلّ مبادئكم أن تدخل قلبه وتأثر فيه وَدَّ كَثِيرٌ ولهذا أشارت الآية إلى أنّ هذا ديدن كثير من أهل الكتاب لا جميعهم.
5 - القرآن يأمر المسلمين بالعفو عن العدوّ الساعي إلى الانحراف بهم حتى يصدر الله أمره، وهو القادر على كلّ شيء فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إنّ الله على كلّ شيءٍ قدير.
6 - إنّ الحكم القرآني بالعفو والصفح حكم تكتيكي مؤقت درءاً لشر العدوّ في تلك الظروف الصعبة التي كان المسلمون يعيشون فيها، مضافاً إلى ضرورة الانشغال ببناء الكيان الإسلامي دون الانهماك في التصادم.. حتّى يأتي الله بأمره - وهو الجهاد - حسب رأي الكثير من المفسرين .
7 - العفو ليس أمارة الضعف ، إذ الله قادر على كلّ شيء ويستطيع أن ينصركم اليوم على أعدائكم ولكن... إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
8 - عبارة إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يمكن اعتبارها إشارة إلى أنه تعالى قادر على نصركم الآن بالطرق الطبيعية، ولكن طبع الحياة تستوجب التدرّج في الأعمال لتتهيأ المقدمات.
9 - يذهب الكثير إلى أنّ هذه الآية قد نسخت فيما بعد بآيات الجهاد، ولكن يبدو أنّ التعبير بالنسخ غير صحيح بشكل عام.. بداعي أنّ النسخ يستولي أو يخص حكماً يبدو في ظاهر غير محدود فيما هو في الباطن مؤقت.. ولكن الحكم بالعفو والصفح في هذه الآية كان محدوداً.. محدوداً بالزمان والمكان حيث لم يصدر الحكم الإلهي بالجهاد.. وليس أنه كان حسب ظاهره غير محدود بحدٍّ ...
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)
1 - تأمر هذه الآية المؤمنين بأمرين مهمين أحدهما خاص بالصلاة، وهي التي تخلق العلاقة المتينة بين العبد وربه. والثاني: خاص بالزكاة، وهي علامة التضامن والتكافل الاجتماعي.. وهذان الأمران والامتثال لهما يساهمان إلى حدٍ كبير في تحقيق النصر على العدو.. وبهما تتمّ تقوية الروح والجسدوَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ.
2 - في الأغلب ورد الأمر بإقامة الصلاة والأمر بإتيان الزكاة معاً في القرآن الكريم، ولعلّ في اقترانهما معاً إشارة إلى ضرورة مرافقة ذكر الله إلى الاهتمام بخلق الله أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ.
3 - ليس المهم حجم عمل الخير، إذ يستطيع كلّ شخص المساهمة بسعته مِنْ خَيْرٍ.
4 - أعمال الفرد الخيّرة تحفظ له عند الله تَجِدُوهُ.
5 - الإيمان بالرقابة الإلهية والأجر في القيامة أقوى بواعث العمل الصالح وَمَا تُقَدِّمُوا... تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
6 - لا تظنوا أن أعمالكم الصالحة والأموال التي تنفقونها في سبيل الله ستذهب هباءً، بل هي عند الله محفوظة وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ.
7 - يعلم الله بكل دقة ما فعلتموه لأجله وما فعلتموه لغيره، وهو البصير بكل ما يصدر عنكم إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)
1 - أَمَانِيُّهُمْجمع أمنية، وهي الرغبة التي لا تتحقق للإنسان.
2 - لم يكن لأهل الكتاب أكثر من أمنية - على صعيد الآخرة - وهي احتكارها لهم ولكن حيث أنّ هذه الأمنية كانت ذات شعب وتفاصيل، فقد ذكرت هنا بصيغة الجمع.
3- أنّ المعيار الأساس في دخول الجنّة قد أعلن بصورة قانون عام.. وهو التسليم لله، والإحسان، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ.
4 - المسلمون وجوههم الله ؛ لا خوف عليهم من ماضيهم ولا يخاف على مستقبلهم وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
5 - أنّ الجنّة لا يدخلها أحد بالادعاءات والشعارات، ولا احتكار لنيل السعادة الأبدية من قبل أيّ جماعة ، بل إنّ الذي يدخلها لابد وأن يحقق في نفسه الشرطين:
ألف - التسليم المحض إزاء أمر الله وعدم الإيمان ببعض العقيدة دون البعض الآخر، أي: لا يكون الإيمان بما يوافق الرغبات الشخصية والكفر بما لا يوافقها، بل المسلم الحقيقي
هو المسلّم أمره إلى الله في كل الحالات.
ب - آثار هذا الإيمان يجب أن تنعكس بصورة العمل الصالح، وصاحب هذه الحالة هو المحسن حقاً.. تجاه الجميع وفي جميع الحالات..
5 - لقد فنّد الله في هذه الآية وبصراحة تامة كلّ أشكال العنصرية والتعصب الأعمى، ولم يجعل السعادة حكراً على فريق، كما حدد فيها معيار الفلاح بالإيمان والإحسان.
6 - نسب الإسلام في هذه الآية الشريفة إلى الوجهبَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وهذا تعبير أريد به القول بأن أوضح وأدلّ دليل على التسليم أن يتوجّه المرء بكلّه، أو بكل وجهه، إضافة إلى احتمال أن يعني الوجه ذات الإنسان، فيكون المعنى التسليم الله بكلّ وجود الإنسان..
7 - هاتان الآيتان تعلّمان جميع المسلمين عدم خضوعهم لأي حديث ورأي مجرّد عن البرهان والدليل.. فإذا تحدث أحد ما؛ لزمت مطالبته بالدليل سداً لحالة التقليد الأعمى والصنميّة وتحكيماً للمنطق في كلّ عمليّة تفكير واقتناع قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
8- جملة وَهُوَ مُحْسِنٌ بعد بيان مسألة التسليم أَسْلَمَ إشارة إلى أنّ الإيمان لا يتمّ لإنسان ما لم يكن محسناً تماماً.. مضافاً إلى أن الإحسان لدى الفرد المؤمن حقاً ليس مجرّد فعل مؤقت، بل هو متكرّس في وجوده ونافذ إلى عمق ذاته النيرة..
9- الدليل القاطع على أنّ أتباع التوحيد والهدى لا يخافون غير الله تعالى؛ أنّهم يخافون ويحذرون الابتعاد عن أوامر الله والتورّط فيما يؤدّي إلى انتهاك حرماته.. على النقيض من المشركين والمنافقين وكفّار أهل الكتاب الخرافيين الذين يخافون كلّ شيء بما في ذلك أقوال العرّافين وجملة الأوهام والظنون والأساطير؛ حيث يحسبون لها ألف حساب..
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)
نقل جمع من المفسّرين عن ابن عبّاس أن جماعة من نصارى نجران أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان جماعة من اليهود ،حاضرين، فحدثت مشاجرة بين النصارى واليهود في محضر النبي. فالتفت رافع بن حرملة اليهودي إلى جماعة النصارى وقال لهم: لا أصل ولا أساس لدينكم.. ثمّ أنكر نبوّة عيسى عليه السلام وكتاب الإنجيل، فقام إليه رجل من النصارى وأعاد عليه ذات العبارة التي تفوّه بها ضدّ النصارى وقال: إنّ دينكم هو الذي لا أصل ولا أساس له.. وهنالك نزلت هذه الآية ولامت الفريقين وفندت أقوالهما في بعضهما.(1)
1 - بالاستفادة من الآيتين الماضيتين وبيان هذه الآية يتّضح أنّ الادعاء المجرّد عن الدليل ينتج عنه الاستئثار بالرأي ثمّ التناقضات الحاصلة من الاستئثار وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ.
1) بحار الأنوار، ج 9، ص 67
2 -أنّ التعصب الباطل والاستئثار الذي في غير محله ممنوعان، باعتبارهما يؤديان إلى الاستبداد والشعور الكاذب بالتفوّق وإذلال الآخرينوَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ.
3 - في الأجواء المفعمة بالتعصب، يتساوى العالم والجاهل في التفكير.. وهكذا ينطق المشركون الجهلة بذات الكلمات التي يتفوه بها التالون للتوراة والإنجيل كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ.
4 - من العجيب جداً أن ينطق الكتابيون بمثل هذه الأقاويل الناتجة عن التعصب والعناد واللجاجة وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ.
5 - على أساس هذه الآية، يكون أصل التعصب هو الجهل والغباء، ذلك لأنّ الأفراد الجهلة غالباً ما يعيشون في بيئة ويسجنون أنفسهم فيها ولا يقبلون غيرها حتّى أنّهم ليتشبثون بالفكرة التي تعرّفوا إليها في أيام صغرهم وطفولتهم، وإن كانت خرافية لا أصل لها.. فتراهم ينكرون كلّ فكرة غيرها!
6 - الآية أعلاه تطمئن المسلمين إزاء أتباع الأديان الأخرى وأنّ هؤلاء إذا ما نازعوا أمثالهم وفندوا آراءهم وعقائدهم، فهم لا يقرون ببعضهم ويمارسون هذه الأفعال تجاه بعضهم، وبالأساس؛ فقد استولى عليهم التعصب، والتعصب أصله الأنانية والشعور الكاذب بالتفوّق..
7- إحدى خصائص القيامة؛ القضاء على الخلافات، وهنالك ستتضح الحقائق تحت مظلّة الحاكمية الإلهيّة، وهنالك ستفضح الأسرار بالدليل والبرهان، وهنالك يعجز الجميع عن إنكار الحق حيث ستتحدّد الاختلافات وترتب :فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)
ذكر المفسرون لهذه الآية شؤون نزول عديدة، ولا مانع أن يكون كل شأن من هذه الشؤون مبيّناً وعاكساً لأحد أبعاد تلك المسألة والمفاهيم التي تحملها الآية:
1 - ورد عن ابن عبّاس أنّ هذه الآية نزلت بخصوص (فططوس الرومي) ورفاقه النصارى، حيث تصارعوا وبعض بني إسرائيل وأحرقوا التوراة وأسروا عدداً من أولادهم، وخربوا بيت المقدس ورموا فيه القاذورات والجيف. فلم يزل خرابا حتى بناه المسلمون قال ابن عباس: لم يدخله بعد عمارته رومي أو نصراني إلا خائفا إن علم به قتل.(1)
2 - كما روي أنّ هذه الآية نزلت بخصوص قريش التي منعت النبي صلوات الله عليه وآله من دخول مكّة والمسجد الحرام.(2)
3 - المقصود هو الأماكن التي كان يصلّي فيها المسلمون في مكة، فقام المشركون بعد الهجرة النبوية بتخريبها.(3)
1 - التحقيق في شؤون النزول المذكورة يكشف عن أنّ وجهة الخطاب القرآني هي الجماعات الثلاث اليهود والنصارى والمشركون مع أنّ بحوث ومسائل الآيات السالفة كانت تخاطب اليهود أكثر من سواهم.. ذلك لأنّ اليهود وعبّر التأليب والنقد الهدّام في مسألة تغيير القبلة كانوا يسعون إلى حمل المسلمين على التمرّد على النبي صلى الله عليه وآله والعودة إلى اتخاذ بيت المقدس قبلة في صلواتهم من جديد فيما المشركون منعوا النبي والمسلمين من زيارة بيت الله الحرام كانوا يسعون - عمليّاً - إلى تخريب أو تعطيل العمارة الإلهية، بينما النصارى وبالاستيلاء على بيت المقدس آنذاك، كانوا يسعون إلى تخريبه ضمن التسبب بالفوضى والاضطراب ؛ كما نقل عن ابن عبّاس.(1)
2 - واجه القرآن المجيد هذه الفرق الثلاث وجميع السائرين على خطاهم في تخريب المساجد بالقول:وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا؟
3- عد القرآن المجيد، المنع من ذكر الله وتخريب مراكز التوحيد ظلماً كبيراً؛ والمتسببين بذلك أظلم الناس، لأنّهم يمنعون غيرهم عن ذكر الحق، ممّا يؤدّي إلى اتساع رقعة الشرك والفساد في المجتمع. وفي عبارة أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِين احتمالان:
ألف - ليس من الجدير أن يدخل هؤلاء تلكم الأماكن إلّا خائفين، أي أنّ على المسلمين وموحدي العالم أن يكفّوا أيدي هؤلاء الظلمة عن هذه الأماكن المقدسة، فلا يدخلها الواحد منهم إلا خفية وهلعاً واستيحاشاً..
ب - ورد الاحتمال التالي في تفسير العبارة المشار إليها، وهو أنّ هؤلاء الظلمة أَلأَظْلَمُ
1) تفسير الخازن، ج1، ص 72
بعملهم هذا لن يوفّقوا إلى التحكّم بهذه البقاع والأبنية العبادية، وهكذا ينتهي بهم الأمر إلى أن لا يدخلوها إلا خائفين مرعوبين..
4 - لا شكّ أن مفهوم الآية أعلاه، مفهوم واسع ولا يتحدّد بزمان ومكان خاصين، كما هي سائر الآيات النازلة في ظروف خاصة، ولكن حاكميتها سارية في جميع البقاع والعصور. وإنّ الحيلولة دون دخول المسجد وذكر الله سبحانه وتعالى، والسعي في خرابها، لا يتم بواسطة المعول ووسائل الهدم الأخرى، بل يكون ذلك من خلال كلّ ممارسة تنتج التخريب والتعطيل، وهذا ما يشمله ذلك الحكم..
وعلى هذا؛ فإنّ كلّ فريق وكل شخص يسعى في تخريب المساجد بشكل من الأشكال، أو يمنع من ذكر اسم الله والعبادة فيها يكون مشمولاً بهذه الفضيحة وذلك العذاب العظيم الذي أشير إليه في الآية؛ كما ورد في تفسير قوله تعالى: إنّما يعمر مساجد الله(1)وكما سيأتي، فإنّ صريح بعض الروايات أن المقصود من الإعمار والتعمير للمساجد لا ينحصر في عملية البناء والتشييد، بل هو الحضور المتواصل وإقامة الصلاة والشعائر الدينية، مما يوجب ذكر الله ، إذ أنّ ذكر الله هو العمران الحقيقيّ .(2)
5 - استعملت كلمة أَظْلَمُ في بعض الظالمين الآخرين أيضاً، وهي تعود في واقع الأمر إلى مسألة الشرك ونفي التوحيد، وبالنتيجة: المانعون عن عبادة الله في المساجد بأشكالها العديدة.
6 - من ينهض إلى مواجهة المقدّسات الدينية سيتورّط بالذل في الدنيا؛ ناهيك عن الغضب الإلهي في القيامة...
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)
1 - نقلت أحاديث مختلفة في شأن نزول هذه الآية، قال ابن عبّاس: هذه الآية متعلّقة بمسألة تغيير القبلة، فحينما تغيّرت قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة؛ أنكر اليهود ذلك على المسلمين وأشكلوا على أصل إمكانية تغيير القبلة.. فنزلت هذه الآية المباركة، وردّت عليهم بأنّ المشرق والمغرب الله سبحانه وتعالى.
2 - نقرأ في رواية أخرى أنّ هذه الآية نزلت بخصوص الصلاة المندوبة، وأن المسلم متى كان راكباً وإلى أي جهة يمم وجههولو كان مستدبراً للقبلة ووسعه أن يصلي الصلاة المستحبّة.
3- ونقل آخرون عن جابر أنّ النبي صلى الله عليه وآله بعث فريقاً من المسلمين إلى الحرب، وحين عمّهم ظلام الليل لم يستطيعوا تحديد القبلة، فصلى كل منهم إلى جهة، وحينما طلعت الشمس رأوا أن جميعهم قد صلّوا إلى غير جهة القبلة، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن أمرهم، فنزلت الآية أعلاه، وأعلن لهم أنّ صلاتهم في تلك الحالة صحيحة.(1)(ولا ريب في أنّ لهذا الحكم شروطاً وردت في الكتب الفقهيّة).
1) مجمع البيان، ج1، ص 363 و 364
1 - ليس إذا ما منعتم عن الذهاب إلى المساجد ومراكز التوحيد، أغلق طريق العبودية لله تعالى دونكم كلا؛ فشرق العالم وغربه متعلقان بذات الحق سبحانه، وهو موجود حيث اتجهتم.
2 - أنّ تغيير القبلة قد حصل لأسباب خاصة، وهو لا يترك أدنى التأثير في طريق العبودية.. إذ هل يعقل أن يكون ثَمّ مكان خالٍ من الله عزّوجل؛ بل إنّ الله لا يحده مكان وهو الغني العليم إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
3 - أنّ المقصود من المشرق والمغرب في هذه الآية ليسا إشارة إلى جهتين خاصتين، بل هما كناية عن العالم أجمع، ولعلّ ذكر المشرق والمغرب هنا باعتبار أن الإنسان يعرف - أوّل ما يعرف - هاتين الجهتين، ثمّ إنّ الجهات الأخرى تعرف من خلالهما، كما نقرأ في قوله تعالى:وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها(1).
4 - كل عمل يتمّ بأمر الله ويصطبغ بصبغته يكون عبادة أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
5- الله حاضر في كل مكان وناظر لكل شيءإِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
هنا سؤالان:
1 - يمكن أن نقول: إذا اتجهنا لكلّ جهة فثم وجه الله، فما معنى التوجه إلى القبلة؟
ليس مفهوم التوجّه إلى القبلة تحديد ذات الله المقدّسة في جهة معينة، بل لأنّ الإنسان ذو وجود مادي ولابد له في نهاية المطاف من التوجّه إلى جهة ما، فصدر الأمر أن يصلّي الجميع إلى جهة واحدة كرمز للوحدة والتنسيق في صفوف المصلين المسلمين، ولمنع
1) سورة الأعراف / 137.
الفرقة والتشرذم عن صفوفهم.. ولكن أن تتخيلوا أن يصلّي الناس كل إلى جهة وشكلوا في جماعاتهم صفوفاً متشرذمة، وكم كان الأمر مخزياً مضطرباً؟ هذا بالإضافة إلى أنّ الجهة التي حددت بها القبلة هي جهة الكعبة، وهي الموضع المقدس والأقدم في مراكز التوحيد، وأنّ التوجه إليه يحيي الذكريات التوحيدية.
2 - ما معنى التعبير ب- وَجْهُ اللَّهِ؟
وَجْهُ اللَّهِ لا يعني وجهاً مادياً، بل الوجه هنا بمعنى ذات الله.
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)
1 - هذه العقيدة الخرافية الباطلة القائلة بأنّ الله ولداً يؤمن بها النصارى وفريق من اليهود وجملة من المشركين، فهذه الفرق الثلاثة تذهب إلى أنّ الله عزّوجلّ قد اختار لنفسه ولداً، مثلما ورد في الآية (30) من سورة (التوبة):وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وهذا القول يجرونه على ألسنتهم كما كان الكفّار يقولونه، قاتلهم الله على أكاذيبهم ، حيث نقرأ عنهم في الآية (68)من سورة (يونس):قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ غير المحتاج من كلّ جهة، وقد نقلت آيات قرآنية عديدة هذا المعتقد الباطل عنهم.
سؤال: ما هي أدلّة عدم اتخاذ الولد؟
ألف - هذا الحديث القائل بأنّ الله ولداً؛ لا شك في كونه وليد الأفكار البشرية العاجزة، حيث يحدّون الله بحدودهم ويقيسونه بمقاساتهم.
ب - يلزم لأن يكون له ولد أن يكون الله جسماً، في حين أنه سبحانه منزّه عن ذلك.
ج - الحاجة للولد ناتجة عن محدودية العمر وميل الإنسان إلى البقاء واستمرار النسل أو بداعي محدودية قدرته التي تستوجب الانتفاع من الولد في مرحلة الشيخوخة والعجز البدني، أو لسدّ الحاجة العاطفية والروحيّة لدى الإنسان التي توجب أن يتخذ أنيساً في بيئته..
ومعلوم أنّ جميع هذه الأمور والحاجات وأمثالها لا مفهوم لها عند الله الذي هو خالق الوجود والقادر على كلّ شيء وهو الأبدي الأزلي..
2 - ترى ما النقص الذي يستوجب أن يجبره الله فى ذاته المقدّسة وهو الذي خلق السماوات والأرض، الذي استسلم له كلّ شيء وخضع؟ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
3 - الخضوع والخشوع في قبالة الجدير الذي له كل الوجود، وليس الأوثان والطواغيت العاجزون عن خلق ذبابة حتّى؛ ولا نفع فيهم ولا ضرركُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ.
4 - هو ليس مالك جميع الموجودات فحسب، بل هو خالقها؛ وبأبدع الصور ومن دون مثال سابق، إذن؛ ما هي حاجته للولد؛؟ وهو الذي ما أراد شيئاً قال له: كن؛ فيكون، فيخلق من فوره، كما ورد عن مولانا علي الرضا عليه السلام أنه سبحانه غني عن أن يقول للشيء كن، وإنّما إرادته هي التي تخلق الأشياء وتوجدها.. (1)
5 - تفسير جملة كُنْ فَيَكُونُ هذه الجملة وردت في آيات قرآنية عديدة، منها: الآية (47 و 49) من سورة آل عمران، والآية (73) من سورة الأنعام ، والآية (40) من سورة النحل، والآية (35) من سورة مريم، والآية (82) من سورة يس وغيرها من الآيات، وهي تتحدث وتعكس إرادة الله التكوينية وحاكميته المطلقة في الخلق.
6 - ليس المقصود من عبارةكُنْ فَيَكُونُ أنّ الله تعالى يطلق لفظاً بهذا الصدد، بل المقصود أنه سبحانه إذا تعلقت إرادته بوجود شيء، سواء كان كبيراً أو صغيراً، بسيطاً أو معقداً، كان بحجم الذرّة أو السماوات والأرض، فإنّه لا حاجة في إخراجه إلى الوجود لأي علّة، وإنّما يخلق على الفور، ولا تفصل لمحة بصر واحدة بين إرادة الربّ الجليل ووجود الشيء المراد.. بل إنّ عنصر الزمن لا يستطيع أن يتدخل في هذا المجال، ولهذا الدليل كان حرف
1) الكافي، ج1، ص 109 و 110
الفاء في كلمة فَيَكُونُ الذي يستعمل للتأخير الزماني، قد استعمل هنا بمعنى التأخّر في الرتبة (كما ثبت في الفلسفة أنّ المعلول متأخر عن العلة؛ لا تأخراً زمانياً، بل هو تأخر مرتبي).
7 - المقصود من جملةكُنْ فَيَكُونُ (الذي يوجد على الفور) ليس كلّما أراد الله تعالى ظهر إلى الوجود في تلك اللحظة، بل المقصود أنه يظهر إلى الوجود كما يريد ومتى ما يريد. فمثلاً: إذا أراد للسماوات والأرض أن تخلق في سنّة مراحل بلا نقص، فلا ريب أنها ستكون كذلك ، وإذا أراد لها أن تكون في لحظة واحدة ظهرت إلى ساحة الوجود في تلك اللحظة أيضاً.. وهذا كله تابع إلى طبيعة إرادته وما يراه من مصلحة وحكمة. ومثلاً أيضاً: حينما يريد الله أن يخلق جنيناً في بطن أمه خلال تسعة أشهر وتسعة أيام، تم ذلك بلا زيادة أو نقصان، وإذا ما أراد له أن تكتمل خلقته في أقل من واحد بالألف من الثانية، كان ذلك بلا ريب، ذلك لأنّ إرادته في الخلقة علّة تامة، ولا فاصلة بين العلة التامة ووجود المعلول..
8- كما أنه سبحانه يخلق في آن واحد.. كذلك شأنه في مقام الغضب، فإذا أراد، إزالة شيء وعدمه؛ كان له ذلك في آن واحد، كما قال في الآية (19) من سورة إبراهيم إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ والإيمان بهكذا قدرة واقتدار بحيث يتعلّق وجود وعدم كلّ شيء به وله يعطي الإنسان قوة ومعنوية استثنائية ويخلّصه من اليأس.
سؤال: كيف يتكوّن الشيء من العدم؟!
كلمة بديع لغةً مأخوذة من مادة (بدع) بمعنى الإيجاد للشيء بلا سابقة، وهذا يشير إلى أنه تعالى قد خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما بدون أي مادة أو مثال ونموذج سابق، بل أوجده ابتكاراً من عنده..
وهنا يأتي السؤال التالي وهو وهل يمكن إيجاد شيء من العدم والحال أن العدم نقيض الوجود، فكيف يكون علة ومنشأ الوجود ؟ أو كيف يصدّق أن العدم أصل الوجود ؟ هذا من إشكالات المادّيّين في مسألة الإبداع، ويستنتجون من ذلك أنّ للمادة الأصلية للكون
أزليّة أبدية، ولا توجد ولا تعدم أبداً..
الجواب: يمكن إيراد مثل هذا الإشكال على المادّيّين أيضاً..
لأنّ المادتين لا يؤمنون بالله ويذهبون إلى أنّ كلّ شيء من المادة، وهم يعتقدون بأنّ مادّة هذا الوجود قديمة أزليّة، ولم ينقص منها حتى الآن شيء، وما نراه من تغييرات تحدث في العالم، فذلك حاصل في مظهره فحسب؛ وهو الذي في حالة تغيّر متواصل، دون أصل مادّة هذا العالم..
وهنا نسألهم: لا ريب أن صورة العالم ومظهره لم تكن في السابق حتماً، فكيف صار وجوده؟ هل صار ذلك من العدم؟ وإن كان كذلك؛ فكيف يكون العدم منشاً لوجود الصورة؟ (لاحظوا جيداً!).
فالرسام مثلاً يرسم منظراً جميلاً بالقلم والألوان.. يقول الماديون: كانت مادة الألوان موجودة، ولكنّ المنظر المرسوم - الذي لم يكن من قبل - كيف تكوّن ؟ مهما أجابوا في وجود المنظر من العدم، يكون الجواب في مورد المادّة أيضاً.
ثانياً: ينبغي الالتفات إلى أنهم يتصوّرون بأننا حينما نقول بأنّ العالم قد وجد من العدم، كما قد نقول بأنّ الطاولة قد صنعت من الخشب، حيث لابد من توفّر الخشب من قبل في صناعة الطاولة من الخشب، إذ المعنى أن العالم لم يكن له وجود ثم وجد.. أليس بين العبارتين والمقولتين تعارض وتناقض؟!
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)
لمناسبة طابع التبرير والتحجّج لدى اليهود، ورد الحديث في هذه الآية عن فريق آخر من المتحججين، ويبدو أنّهم من المشركين العرب، فقالت الآية: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ....
1 - كان لفريق من المشركين العرب الذين وصفهم القرآن بقوله: الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ طلبان غیر منطقتين
ألف - لماذا لا يكلّمنا الله - في حال وجوده - مباشرة؟!
ب - لماذا لا تنزل علينا آية بشكل مباشر؟!
2 - يجيب القرآن الحكيم ويردّ هذه الادعاءات اللجوجة والأنانية:
أنّ الذين سبقوا هؤلاء من المشركين كانت لهم نفس المطالب، ولكنّ ذواتهم وأفكارهم
كانت في ضلال، وأنّ الله تعالى قد بيّن بآياته الواضحة الصريحة للإيمان؛ ولمن يبحث عن الحقيقة من أهل اليقين: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
3- إذا كان هدف هذا الفريق من المشركين - فيما يتعلّق بطلبهم - وعي الحقيقة، فإنّ هذه الآيات نفسها التي أنزلناها على نبي الإسلام علامة واضحة على صدق قول هذا الرسول المبعوث من قبلنا، وفي هذه الحالة، ماذا يكون السبب في أن ننزل على كلّ واحد من المشركين آيات بشكل مباشر، وما معنى إصرارهم على أن يكلمهم الله مباشرة؟
4 - نظير هذا الطلب الصادر من المشركين الداعي إلى أن يكلّمهم الله تعالى بصورة مباشرة قد ورد في الآية (52) من سورة المدثربل يريد كلّ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة وما أسخف هذا التوقع!
5 - ليست محاولات التبرير هذه بجديدة، فالأقوام الضالة السابقة كانوا يطالبون بذات المطالب، إذ أن قلوب المشركين ونمط أفكارهم وتوقعاتهم متشابهة، وكأن قلوبهم قد خُلقت على شاكلة واحدةقَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ.
6 - التعبير بالقول: قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ إشارة إلى أن مرور الزمن وتعاليم الأنبياء كان يفترض بهما أن يتركا أثراً مطلوباً في الأجيال اللاحقة بحيث يكون لها حصة أكبر في الوعي والإدراك؛ فلا تصدر عنهم الأقاويل والادعاءات المتكرّرة المتضمنة منتهى الجهل.. ولكن المؤسف في الأمر أنّ هذا الفريق من المشركين قد حرموا أنفسهم أن يكون لهم نصيب من التكامل.. فتراهم مستمرين في المراوحة في مواضعهم؛ وكأنهم ينتسبون إلى الأجيال التي كانت تعيش في الماضي السحيق، حيث لم يؤثر فيهم عامل الزمن أبداً..
7 - هذه المطالب وفضلاً عن عدم ضرورتها بوجه من الوجوه، هي مخالفة لحكمة الربّ القدير؛ لأنّ :
أولاً: إثبات صدق الأنبياء للناس يكون عن طريق الآيات النازلة عليهم؛ بشكل تام.
ثانياً: أنّ نزول الآيات والمعاجز على كلّ شخص أمر غير ممكن، وإنّما يتطلب نزولها
جدارة واستعداد وطهارة روح.. تماماً كما لو أنّ جميع أسلاك النظام الكهربائي الشامل لمدينة ما (فضلاً عن الأسلاك الكبيرة والضخمة والقوية أو الدقيقة جداً) يتوقع منها أن تنقل الطاقة الكبيرة والتي تنتقل إلى الأسلاك الضخمة أن تنتقل إلى الأسلاك الدقيقة أيضاً..
لا شك أنّ هذا التوقع توقع ليس في محلّه.. إذ المهندس الذي نظم وظائف الأسلاك الكهربائية حسب طاقاتها قد جعل لكلّ سلك مقداراً من الطاقة.. ولهذا نجد البعض يستقبل الطاقة من الدائرة الكهربائية بلا واسطة دون البعض الآخر المحتاج إلى محولات كهربائية خاصة ...
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)
المخاطب بهذه الآية هو رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد حدّدت مسؤوليته إزاء المطالب والمعاجز المقترحة والتبريرات الصادرة عن ذاك الفريق من المشركين بأنه صلوات الله عليه وآله يبشر المؤمنين وينذر عموم الناسإِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.
فوظيفتك يارسول الله أن تبين للناس أوامر الله ،وتعاليمه وأن تريهم المعجزات وتكشف لهم عن الحقائق.. وهذه الدعوة يجب أن تقترن بتبشير الصالحين وإنذار الطالحين.. هذه هي مهمتك أيها الرسول!
أما إذا لم يتم الإيمان بهذه الرسالة بعد - إبلاغها من جانبك، فإنك غير مسؤول عمّن يختار النار وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ.
1 - تمّ تحديد وظائف الرسول قبال مطالب المشركين بالمعاجز وتبريرات المعاندين، إضافة إلى مسؤوليته في التبشير والإنذار وإبلاغ الناس حقائق الدين وغير ذلك مما تقدم.
2 - فيما لو امتنع المشركون عن الاستجابة لك؛ فإنّك غير مسؤول عن ضلال أهل النار وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ.
3 - التبشير والإنذار أو التشجيع والتهديد أصلان مهمان وقاعدة للدوافع التربوية والحركات الاجتماعية، إذ الإنسان ينبغي أن يُشجّع للقيام بالأعمال الصالحة، وينذر ويهدّد بالعقاب إذا ما اجترح السيئات، ليتوفّر فيه الاستعداد اللازم لطي المسار الأول والإحجام عن
السلوك ضمن الطريق الثاني.
4 - أنّ التشجيع ليس كافياً لتحقيق التكامل لدى الفرد أو المجتمع، لأنّ الإنسان سيطمئنّ إلى أنه لا خطر يهدّده لدى ارتكابه الذنب، فمثلاً؛ نلاحظ في العصر الراهن أنّ النصارى يذهبون إلى المسيح عليه السلام الذي سيفتدي ذنوبهم، حتى أن بعض قساوستهم يخرجون للناس صكوك الغفران ليشتروها منهم مقابل مبالغ نقدية وهم يزعمون أنّ الجنّة والسعادة ستكون من نصيبهم إذا ما ابتاعوا هذه الصكوك ، ولا شك إنّ مثل هكذا جماعة سترتكب الذنوب بكل بساطة..
كما نقرأ في (قاموس الكتاب المقدس) أنّ الفداء إشارة إلى كفارة دم المسيح المقدس حيث تلقى عليه جميع ذنوب أتباعه، وقد كان تحملها جسده حين رفع على الصليب.. و هذا المنطق الخاطئ والغريب يزيد الإنسان اندفاعاً نحو ممارسة الخطايا..
5- بشكل عام؛ نجد الذين يعتقدون بكفاية التشجيع في تربية الإنسان (صغيراً كان أو كبيراً) ويقولون بضرورة ترك العقاب والتهديد جانباً.. أو أولئك الذين يؤصلون للتربية قواعد التهديد والوعيد ويغفلون عامل التشجيع.. إنّما يسيرون ضمن مسلكين ناقصين ومنحرفين لأنهم غافلون عن أنّ الإنسان مركب من الأمل والخوف.. من حبّ الحياة وبغض الفناء والعدم.. ومن الرغبة في إحراز المنفعة ودفع الضرر.. فإذا كان الإنسان كائناً ذا بعدين روحيين، هل يصح أن تحصل تربيته ضمن بعد واحد؟!
6 - لا ريب في أنّ مراعاة التعادل بين التشجيع والتهديد بحيث إذا تعدّى التشجيع حده كان باعثاً على الجرأة والغفلة، وإن كان التهديد أكبر من حدّته أدّتا إلى اليأس وانطفاء شعلة الطموح والأمل.
7 - ورد مصطلحا التبشير والإنذار (التشجيع والتهديد) في القرآن معاً، حتى نجد التبشير يسبق الإنذار أحياناً، مثل الآية محط البحث بَشِيرًا وَنَذِيرًا وتارة يحصل العكس حيث يقدم التهديد على التشجيع، مثل الآية (188) من سورة الأعراف:أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
8- يمكن أن يكون تقدّم التبشير على التهديد والإنذار في الآيات القرآنية في الغالب بداعي أنّ رحمة الله تسبق غضبه على العموم يامن سبقت رحمته غضبه!».(1)
1) مصباح المتهجد، ج 2، ص 696
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)
ورد في سبب نزول هذه الآية احتمالان :
1 - نقل أنّ يهود المدينة والنصارى كانوا يتوقعون من النبي صلى الله عليه وآله أن يبقى على قبلتهم دائماً، وحينما غيّر الله تعالى قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة يئس هؤلاء من النبي صلى الله عليه وآله(ولعل من بين المسلمين من آخذ النبي على هذا الحكم وقال: لا ينبغي إزعاج اليهود والنصارى) فنزلت هذه الآية وأعلمت النبي أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنك سواء في توحيد القبلة أو تغييرها إلّا أن تتبع ملتهم وتتنازل عن مبادئك..(1)
2 - ونقل آخرون أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان شديد الحرص على إرضاء هذين الفريقين لعلهما يعتنقان الإسلام، فنزلت الآية وأعلمت النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله بحقيقة موقف اليهود والنصارى من الإسلام عموماً..(2)
1 - حيث سلبت الآية الماضية المسؤولية عن رسول الله صلى الله عليه وآله إزاء ضلال
اللّجوجين، فقد قال الله له في هذه الآية أنه لا يمكن إرضاء اليهود ولا النصارى إلا أن تتبع ملتهم بشكل تامّ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ.
2 - التكليف النبوي هو أن يقول لهم بأنّ الهدى هدى الله، أما ما يعتبر من الهداية الممزوجة بالخرافات والأفكار الباطلة الصادرة عن الجهال، فهي مجرد أمر ضال، وإنّما الذي يجب أن يتبع هو هدى الله قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى.
3 - الاستسلام لأهوائهم وعصبيّاتهم وأفكارهم الضيّقة بعد اتضاح حقائق الوحي، فإنّ الله سيتبرأ من الضال عن طريقه لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ والخطاب هذا موجه للنبي ظاهراً، وللمسلم في الحقيقة، إذ القرآن نزل بصيغة - إيّاك أعني واسمعي يا جارة -﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ).
سؤال : يمكن أن يتبادر إلى أذهان البعض فيقولون: إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وهو بتلك المرتبة الأسمى من العلم والطهر والعصمة، فهل يمكن - والعياذ بالله - أن يتبع أهواء اليهود والنصارى ؟ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ.
لدى الجواب نقول: إنّ ورود هكذا عبارات قد تكرّرت فى الآيات القرآنية كثيراً، ولا منافاة بينها وبين عصمة الأنبياء، لأنه:
أوّلاً: الجملة الشرطية لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ في هذه الحالة مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ والجملة الشرطيّة ليست دليلاً على وقوع المعصية والذنب بصورة مشروطة.
ثانياً: أنّ العصمة لا تجعل ارتكاب الذنب أمراً محالاً على الأنبياء، بل إنّ النبي أو الإمام ومع قدرتهما على ارتكاب الذنب ومع أنهما لم يسلبا الاختيار إلا أنهما لا يفكران ولا يلوّثان أنفسهما بالذنب.. وبعبارة أخرى هما قادران على ارتكاب الذنب، ولكن إيمانهما وتقواهما بحدٍ لا يلتفتان إلى الذنب أبداً، وعليه؛ فإنّ مثل هذا التحذير الوارد في الآية يكون في محله...
ثالثاً: مع أنّ الخطاب في ظاهره متوجّه إلى النبي المعصوم، إلّا أنه في الحقيقة متوجّه إلى الناس.
4 - إنّ كسب رضا العدو له قواعده... وصحيح أن على الإنسان أن يدعو عدوّه إلى الحق بالاستعانة بجاذبية الأخلاق الفاضلة، ولكن لا يصح ذلك عبر التنازل عن المبادئ والقيم الحقة للذين لا يعرفون لحديث الحق معنى، والله لا يرتضي للمؤمن أن يتنازل ويداهن على حساب الدين والعقيدة..
5- الهدى هو هدى الله فحسب، بما يعني - استلهاماً من الآيات المذكورة - أنّ القانون الوحيد القادر على إنقاذ البشر من الضياع هو القانون الإلهي ، ذلك لأنّ مقدار ومساحة العلم البشري، ومهما تكامل، فإنّه يبقى مزيجاً بالجهل والشك وعدم الشمولية إلى الجهات المختلفة، والهداية تحت مظلّة هذه الشاكلة من العلم لن تكون هداية مطلقة ومطلوبة.. بل إنّ الجهة الوحيدة القادرة على تحديد الهداية المطلقة هي الجهة صاحبة العلم المطلق
والبعيدة والمنزّهة عن الجهل والمحدوديّة.. وهذه الجهة ليست سوى الله عزّ اسمه.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)
يعتقد بعض المفسرون أنّ هذه الآية نزلت في الأشخاص الذين جاؤوا إلى المدينة مع جعفر بن أبي طالب عليهما السلام من الحبشة وهم الذين اعتنقوا الإسلام والتحقوا به في الحبشة نفسها، وكانوا أربعين شخصاً اثنان وثلاثون منهم من أهل الحبشة وثمانية من رهبان الشام، وكان فيهم بحيرا الراهب المعروف.
وذهب آخرون إلى أنها نزلت في نفر من اليهود قد أسلموا وصلح إسلامهم، مثل: عبدالله بن سلام وسعيد بن عمرو وتمام بن يهودا وغيرهم..(1)
1 - الذين يتلون الكتب السماوية، ويطلعون على ما ورد فيها من بشارات بظهور النبي الموعود، ويرون أنها تنطبق على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فأسلموا واهتدوا، فأجلّهم الله تعالى، بينما أدان الذين امتنعوا عن الإيمان بعد أن تحققت لهم المعرفة وعدّهم من الخاسرين ..
2 - سؤال : ما هو حق التلاوة؟
1) مجمع البیان، ج1، ص 374
هذا التعبير مفعم بالمعنى ويرسم لنا خطاًّ واضحاً للغاية إزاء القرآن المجيد والكتب السماوية الأخرى، ذلك لأنّ الناس في مواقفهم من الآيات الإلهية على عدّة أشكال:
1 - فريق لا يهتمّ إلّا بأداء الألفاظ من مخارجها المطلوبة، فلا يفكرون إلّا بقواعد القراءة والتجويد من وقف ووصل ومدّ، ولا يهتمون بالمحتوى والمعنى؛ ناهيك عن الالتزام والتطبيق.. وعلى حدّ التعبير القرآني في وصفهم بأنهمكمثل الحمار يحمل أسفاراً(1)
2 - وفريق آخر قد تجاوزوا الألفاظ والاهتمام الظاهري بها؛ بل هم يدققون في المعاني ويفكرون في دقائق المعاني القرآنية وهم مطلعون على علومه الرائعة، ولكنهم من حيث العمل والالتزام خواء !
3- ولكنّ فريقاً ثالثاً - وهم المؤمنون حقاً - يعتبرون القرآن كتاب عمل ومنهج حياة دنيوية وأخروية، فتراهم يتخذون من قراءة الألفاظ بالهيئات المطلوبة ومن الإدراك والتفكر في معاني آيات هذا الكتاب الجليل مقدّمة للالتزام به، ولهذا؛ فهم متى ما قرؤوا آياته المباركة تكرّست فيهم روح جديدة وإرادة وتصميم واستقامة واستعداد لأداء عمل صالح جديد.. وهذا هو حقّ التلاوة.
وعن مولانا الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية الكريمة:
«... يرتّلون ،آياته ويتفقهون ،به ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده، ويخافون وعيده ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون بنواهيه.. ما هو حق التلاوة والله حفظ آياته ؛ودرس حروفه؛ وتلاوة سوره؛ ودرس أعشاره وأخماسه، حفظوا حروفه، وأضاعوا حدوده، وإنّما هو تدبّر آياته والعمل بأركانه قال الله تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبرّوا آياته » (2).
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)
هاتان الآيتان تشبهان الآيتين (47 - 48) من هذه السورة (مع تغيير مختصر في التعبير) لذا؛ نكتفي بالمفاهيم والمسائل التي طرحت هناك وشرحت.
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)
1 - كان لإبراهيم عليه السلام من بين الأنبياء منزلة خاصة مميّزة، حتى أن اسمه الشريف ورد في القرآن (69) مرّة في (25) سورة قرآنية، وقد وصفه كتاب الله كما النبي الخاتم صلوات الله عليه وآله بأنه أسوة للناس.
2 - إبراهيم عليه السلام هو النبي الوحيد الذي يعتبر المشركون واليهود والنصارى أنفسهم أتباعاً له.
3 - من هذه الآيات وما بعدها سيكون الحديث عن إبراهيم عليه السلام: نبي الله الكبير وبطل التوحيد وباني الكعبة بما لها من أهمية خاصة في التوحيد والعبادة، وذلك في (18) آية.
4 - أن هدف هذه الآيات ثلاثة أمور في الواقع :
أوّلاً: أن تكون مقدّمة لمسألة تغيير القبلة - التي ستطرح فيما بعد - ليعلم المسلمون أنّ الكعبة من إنجازات النبي إبراهيم محطم الأصنام، وإن كان المشركون قد حوّلوا الكعبة - فيما بعد وإلى العصر النبوي المحمدي - إلى بيت للأصنام، وذلك يمثل تلوّثاً سطحياً ولا يثلم مقام الكعبة وقيمتها.. ثانياً: أن يدعي اليهود أو النصارى بأنهم وارثو إبراهيم الخليل ودينه إلّا أنّ هذه الآيات (بخصوص الآيات الكثيرة عن اليهود) تثبت مدى ابتعادهم عن دين إبراهيم عليه السلام.
ثالثاً: حيث قال مشركو العرب بكونهم على صلة وثيقة جدّاً بإبراهيم عليه السلام، كان من اللازم إفهامهم أنّ منهجهم لا علاقة له البتة بمنهج الخليل إبراهيم محطم الأصنام.
5 - ذكرت مسألة الفتنة والامتحان في القرآن الكريم حوالي عشرين مرة، وأنّ الهدف من الاختبار ليس لكي يعلم الله النتيجة، ذلك لأنه يعلم أكثر من غيره وقبل غيره كل شيء.. بل الامتحانات إنما تكون لاستخراج وبلورة القابليات الدفينة لدى الأفراد ودفعهم إلى الفعل والحركة والنشاط، إذ ما لم يتحرّك الإنسان لن يستحق شيئاً من أجر..
6 - تارة تكون وسيلة الله تعالى في امتحان الإنسان مرارة الحياة أو حلاوتها، والشدائد والانفراجات، والرفاهية والمال والمقام والأولاد ومدنيّة الإنسان وداره و....
7 - المقصود من (كلمات) الواردة في الآية جملة من الوظائف والاختبارات العسيرة والثقيلة التي حملها الله تعالى إبراهيم عليه السلام.. فما كان من هذا النبي العظيم إلا أن اجتاز الاختبارات وأدّى الوظائف الملقاة على عاتقه، وقد كانت عبارة عن:
ألف - عدم تأثير العمّ والزوجة والولد في إطار أداء وظيفته وعبوديته.
ب - الثورة ضدّ الوثنيين في بابل، في الوقت الذي كان عمّه (آزر) عابد صنم وقد تكفّل برعاية إبراهيم عليه السلام.
ج - تحطيم الأصنام والدفاع الإبراهيمي الشجاع في تلك المحاكمة التاريخية الشهيرة ورميه إلى النار الكبيرة.
د : - الهجرة عن أرض الوثنيين والإعراض عن المعيشة بينهم والتوجه إلى أراضي بعيدة لغرض أداء الرسالة وأمثال ذلك..
ه- - اصطحاب الزوجة والولد ووضعهما في أرض قاحلة عديمة الماء والزرع - مكة - التي لم تكن مسكونة من أحد..
و - سوق الولد إلى موضع الذبح والقربان والاستعداد التام للتضحية بالولد امتثالاً لأمر الله عزوجل.
وحقاً كان كلّ من ذلك اختباراً صعباً للغاية وعسيراً.. ولكنه اجتازها بنجاح كبير بقدرة الإمان وطاقة النبوّة وأثبت أنه جدير بتسنّم مقام إمامة الناس.
8 - في تعريف الإمام.. وردت ثلاثة معانٍ مختلفة بين المسلمين:
أولاً: الإمامة بمعنى الرئاسة والزعامة في الأمور الدنيوية (كما قال أهل السنة).
ثانياً: الإمامة بمعنى الرئاسة في أمور الدين والدنيا (كما فسرها بعض هؤلاء).
ثالثاً: أنّ الإمامة عبارة عن تطبيق المشروع الديني الإلهي ، فضلاً عن أن يكون هذا المشروع ناظراً إلى الحكم بالمعنى الوسيع للكلمة، وتنفيذ أحكام الله والعدالة الاجتماعية، وكذلك تهذيب وتربية النفوس؛ ظاهراً وباطناً.. وهذا المقام أرقى من مقام الرسالة والنبوّة [ما خلا النبوّة المحمدية، ذلك لأنّ الرسالة إخبار عن الله وإبلاغ الأحكام والتبشير والإنذار فحسب، إلّا أنّ الإمامة تتضمن كلّ هذه الموارد بالإضافة إلى تنفيذ الأحكام وتربية النفوس من حيث الظاهر والباطن (لا ريب أنّ العديد من الأنبياء كانوا أئمّة في عصورهم أيضاً، بمعنى أن إمامتهم كانت فوق معنى نبوتهم ورسالتهم).
9 - لا ريب في أنّ المراد بالإمامة في الآية مورد البحث هو المعنى الثالث، حيث يفهم من آيات قرآنية عديدة أنّ مفهوم الإمامة ورد بمفهوم الهداية، كما نقرأ في الآية (24) من سورة السجدة: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.
وهذه الهداية ليست بمعنى إنارة الطريق وإبلاغ التعاليم لأنّ إبراهيم عليه السلام كان له - قبل ذلك - مقام النبوّة والرسالة والهداية بمعنى إنارة الطريق والقرائن الواضحة تشهد أن مقام الإمامة قد أعطي لإبراهيم بعد اجتيازه الامتحانات العسيرة وطي مراحل اليقين والشجاعة
والاستقامة، وهذا غير مقام الهداية بمعنى التبشير والإبلاغ ،والإنذار، بل إنّ الهداية المتصلة والمتعلّقة بمفهوم الإمامة ليست سوى الإيصال إلى المطلوب وتكريس روح الدين وتطبيق المشاريع التربوية في النفوس المستعدة..
10 - كان إبراهيم يرقى إلى مقام ودرجة أعلى لدى نجاحه واجتيازه كل اختبار ولكن هذه الحقيقة ذكرت في الروايات على سبيل الإيجاز المفعم بالمعاني السامية، ومنها ما روي عن مولانا الصادق عليه السلام حيث قال:
«إنّ الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإنّ الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، وإنّ الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وإنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلما جمع له الأشياء قال: إني جاعلك للناس إماماً ، قال : فمن عظمها في عين إبراهيم
قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين قال: لا يكون السفيه إمامَ التُّقى »(1).
11 - طلب النبي إبراهيم عليه السلام مقام الإمامة لذرّيته عبر الإجيال، فجاءه الجواب بإن هذا المقام عبارة عن عهد وميثاق إلهي لا يليق بكل الأفراد، بل يُعطى من قبل الله تعالى لمن كان جديراً به.. فمن كان جديراً حقاً من ذرية إبراهيم بلغ هذا المقام الأرقى، كما هو رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام من ذرّيّة إبراهيم عليه السلام وبلغ هذا المقام بكل أبعاده، ولكنّ الذين يرتكبون أصغر الذنوب ويصدر عنهم الظلم والجور لا يليقون بهذا المقام .
12 - هذه الآية من الآيات التي تعتبر من القواعد الداعمة في الفكر والعقيدة الشيعيّة، حيث يذهب الشيعة إلى لزوم العصمة في الإمام، وأنّ من يصدق عليه عنوان الظلم - بأيّ نسبة كان - لم تحق له الإمامة.
1) الكافي، ج 1، ص 175 .
13 - أين الفرق بين النبوة والإمامة والرسالة؟
يبدو؛ من خلال الإشارات الموجودة في الآيات والعبارات المختلفة الواردة في أحاديث وروايات المعصومين أنّ للمبعوثين من قبل الله تعالى مقامات مختلفة:
ألف - مقام النبوّة ويعني تلقي الوحي عن الله تعالى وعليه؛ فإنّ النبي هو من ينزل عليه الوحي، وما يتلقاه بهذا الوحي ويخبر به الناس حسب ما يؤمر.
ب - مقام الرسالة، ويعني مقام إبلاغ الوحي وتبليغ ونشر أحكام الله وتربية النفوس بواسطة التعليم، وعليه، فالرسول مكلّف - في إطار ومساحة مهمته - بالقيام بأداء وظائفه بالوسائل المأمور بأن يُعملها لدعوة الناس إلى الله وإبلاغم أوامره وأن يسعى لإحداث التغيير الثقافي والفكري والعقائدي لدى من أرسل إليهم.
ج - مقام الإمامة، ويعني قيادة الخلق، وفي الحقيقة فإنّ الإمام هو الذي - من خلال تأسيس الحكومة الإلهية والإمساك بزمام القدرة - يسعى إلى تطبيق أحكام الله، وإن لم يتمكن من تأسيس الحكومة الشرعية؛ لزمه مواصلة السعي لتنفيذ الأحكام الإلهية، وبعبارة أخرى: مسؤولية الإمام تنفيذ أحكام الله وأوامره، في حين أنّ وظيفة الرسول هي إبلاغ الأوامر الإلهية لمن أرسل إليهم.
14 - لا يخفى أنّ كثيراً من الأنبياء - مثل نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله - كان لهم المقامات الثلاثة؛ أي: تلقي الوحي، وتبليغ الأمر الإلهي، وتأسيس الحكومة وتنفيذ الأحكام مضافاً إلى تربية النفوس.
15 - من الممكن لأحد أن يحظى بمقام النبوّة والتبليغ والرسالة دون أن يكون إماماً.. فهذا المقام بحاجة إلى جدارة وصلاحية متعدّدة الأبعاد، وهذا هو المقام الذي حازه إبراهيم
عليه السلام بعد اجتيازه كلّ تلكم الاختبارات.. فكان هذا المقام بالنسبة إليه آخر خطوة في مسيرته التكاملية.
16 - من ظنّ أنّ المقصود بالإمامة توفّر الجدارة والحالة النموذجية، كأنه لم يلتفت إلى الحقيقة القائلة بأنّ هذا المطلب كان ماثلاً موجوداً منذ بداية نبوّة إبراهيم الخليل عليه السلام.
17 - من يظنّ أنّ المقصود بالإمامة هو أن يكون الإمام أسوة للآخرين، يجب أن يقال له: إنّ ذلك كان متوفّراً في إبراهيم وجميع الأنبياء عليهم السلام منذ بداية نبوّاتهم، ولهذا؛ وجب أن يكون النبي ،معصوماً، ذلك لأن أعمالهم نماذج ..
18 - المقصود بالظلم في عبارة:لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ليس الظلم بحق الآخرين فحسب، بل الظلم(هو ما قابل العدل)هنا ورد وقصد به المعنى الشامل للكلمة ، وعلى هذا؛ فالظلم هو ممارسة الشخص لما لا يليق به، ومن هنا؛ كان مقام الإمامة والقيادة الظاهرية والباطنية للخلق مقاماً استثنائياً يتضمن تحمّل عظيم المسؤولية، فتكون لحظة من إساءة أو تمرّد على إرادة الربّ القدير أو سوء سابقة سبباً في سلب هذا المقام..
ولذا؛ ترانا نقرأ في المأثور عن أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وفيما يتعلق بإثبات انحصار الخلافة المباشرة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله بعلي عليه السلام عبر الآية مورد التفسير، إشارة إلى أنّ مدّعي الخلافة كانوا عباد أصنام في الجاهلية - هذا في حال افتراض إسلامهم - إذ أنّ لحظة واحدة من سجدة مقابل صنم تسلب الجدارة في تسم الخلافة، والحال أنّ سيّد الوصيين لم يسجد لصنم طرفة عين أبداً، هذا مع التنزل في القول بأنّ مقام الإمامة يعطى للأسمى والأنزه في الأفعال، والحال أنّ هو حظوة شخص ما بمنصب الإمامة والخلافة الشرعيّة إنما يتم [تمّ] باصطفاء إلهي مسبق.. أو لم يقل لقمان الحكيم لابنه : يَا بُنَيَّ
لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(1)فالشرك مع فداحة خطبه قد وصف بكونه ظلماً عظيماً. وقد روى هشام بن سالم عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال: «قد كان إبراهيم نبياً وليس بإمام؛ حتى قال الله: إنّي جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي، فقال الله: لا ينال عهدي الظالمين من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً».(2)
وروى عبد الله بن مسعود عن الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله أنّه قال: «قال الله لإبراهيم: لا أعطيك عهداً للظالم من ذريتك، قال: يارب ومَن الظالم من ولدي الذي لا ينال عهدك؟ قال: من سجد لصنم من دوني؛ لا أجعله إماماً أبداً، ولا يصلح أن يكون إماماً»(3).
كما أن الآية الكريمة محط البحث توحي بأنّ(الإمام المعصوم على الناس) يجب أن يعيّن من قبل الله تعالى لأنّ:
أولاً: أنّ الإمامة نوع عهد وميثاق إلهي، ولا ريب في أن شخصاً كهذا يجب أن يعيّن وينصب من قبل الله باعتباره صاحب العهد.
ثانياً: أن الأفراد الذين اصطبغوا بصبغة الظلم، ووقعت في حياتهم ولو نقطة من ظلم - سواء كان هذا الظلم ظلماً بالنفس أو بالآخرين، وحتى لو كان عبارة عن لحظة سجود لغير الله تعالى - فإنّهم لا جدارة ولا قابليّة فيهم ولهم بالإمامة، إذ الإمام يجب أن يكون طيلة عمره - لحظة بلحظة - معصوماً، وعليه؛ هل يمكن أن يكون غير الله علّام الغيوب مطلعاً على هكذا حال وصفة في الأفراد؟ فإذا أراد تعيين شخص - وفق هذا المعيار - خليفة وإماماً ووصياً لرسول الله صلى الله عليه وآله لن نجد سوى أمير المؤمنين علي عليه السلام.
20 - هنا سؤالان يُطرحان
أ - إن كانت مهمة الإمام تنفيذ المناهج والإحكام الإلهيّة، فإنّها لم تجر على يد كثير من الأنبياء، حتّى الرسول المصطفى صلّى الله عليه وآله نفسه والأئمة الطاهرين عليهم السلام في المقاييس العامة، بل كان على الدوام أفراد أرجاس شيطانيون ضالون يقفون في مواجهتهم
ويمنعونهم دون تحقيق هذه المهمة..
للجواب نقول : ليس مفهوم هذا الخطاب أنّ الإمام يحمل الناس إلى الحق مجبرين، بل لهم- مع إحراز أصل الاختيار وتوفّر الاستعداد والصلاحية - أن ينتفعوا من نفوذ الإمام الظاهري والباطني فيهتدوا ، تماماً كما نقول إنّ الشمس خلقت لإنماء الموجودات الحيّة، أو كما هو قول القرآن بأنّ مهمّة المطر إحياء الأرض الميتة، ولا شكّ في أنّ لهذا التأثير صبغة عمومية ولكن في الموجودات المستعدة لاستيعاب وتلقي هذا التأثير والمهيأة للنمو والتربية.
ب - من هذا التفسير المذكور يلزم من معنى الإمامة أن يكون كل إمام في البدء نبيّاً ورسولاً ثمّ يصل إلى مقام مرتبة الإمامة، والحال أن أوصياء نبي الإسلام عليه وعليهم سلام الله لم يكونوا كذلك...
نجيب قائلين: لا يلزم أن يكون شخص الإمام نبيّاً أو رسولاً من قبل، بل يمكن التفكيك بين مقامي النبوّة والرسالة وبين مقام الإمامة، أو إذا كان من سبقه قد جمع فيه مقام النبوّة والرسالة والإمامة، كما هو الشأن في نبينا صلى الله عليه وآله، فإنّ وصيّه المعصوم يمكن أن يكون امتداداً له دون أن يكون نبياً أو رسولاً، هذا حيث لا تكون ثُمّ حاجة إلى رسالة جديدة، كما هو الحال في نبي الإسلام صلوات الله عليه وآله الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين. وبعبارة أخرى: إذا تمت مرحلة تلقي الوحي الإلهي وإبلاغ الأحكام كلّها، ولم تبق سوى مرحلة التنفيذ، فإن خليفة خاتم الأنبياء بمستطاعه إدامة خطّه ومساره ، ولا حاجة إذ ذاك بأن يكون الوصيّ
الإمام نبياً أو رسولاً من قبل.
21 - ثمّ استعمال كلمة قال المنسوبة إلى الله القائل مرّتين في الآية، فمضافاً إلى قوله سبحانه وتعالى: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًافكأنّ المراد تأكيد على أنه سبحانه هو الذي يحدّد صفات الإمام، ويشير إليه بكلامه ذاك..
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)
1 - بعد الإشارة إلى المقام السامي لإبراهيم عليه السلام في الآية الماضية، ها هو القرآن یصّرح ببيان عظمة الكعبة والبيت الحرام الذي بني بيد إبراهيم، فيقول: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.
2 -مَثَابَةً في الأصل مأخوذة من (الثوب﴾ بمعنى رجوع الشيء والأمر إلى حالته الأولية.. والبيت الحرام هو المركز الذي يرجع إليه الموحدون في كل سنة.. ولهذا؛ كانت الكعبة موضع الرجوع وموعد جميع الناس موعد آمن ومقدّس يوجب - من الناحية المعنوية - العودة إلى التوحيد والفطرة الإلهية، ولهذا وردت كلمةمَثَابَةًحيث يرجع الإنسان إلى بيته الذي هو مركز عودته ومحورها اليومي المتوقع فيه الأمن والراحة. وفي كلمة مَثَابَةً إيحاء بالأمن والراحة.. وهذا المعنى يتأكّد بورود كلمة أَمْنًا لا سيما لدى اقترانها بكلمة لِلنَّاسِ مما يشير إلى أن مركز الأمن والراحة هذا صار ملجأ عاماً لجميع الناس.
3 - مقام إبراهيم عليه السلام يقع على بعد (13) متراً تقريباً من الكعبة، ويلزم الطائفين أن يصلّوا خلفه ركعتين بعد الطواف حول الكعبة.. وهناك حجر كان النبي إبراهيم عليه
السلام يقف عليه لدى رفعه قواعد البيت، وهو الآن محفوظ في موضع خاص وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى.
4 - فيما يتعلّق بالقصد من مقام إبراهيم عليه السلام، وقع الخلاف بين المفسرين، ولكن ظاهر الآية - كما ورد في الأحاديث الشريفة - وذكر ذلك كثير من المفسرين، إشارة إلى هذا الموضع المعروف بمقام إبراهيم القريب من الكعبة والذي يقترب منه الطائفون ويصلّون عنده ركعتين بعد الطواف، وعليه؛ فالمقصود من المصلّى هو محلّ الصلاة.
ثم أشير إلى العهد الذي أخذ على إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بخصوص طهارة وتطهير البيت وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.. وهنا يأتي السؤال عن المقصود من التطهير، وهنا احتمالات خمسة:
1 - التطهير من لوث وجود الأصنام.
2 - التطهير من القذارة الظاهرية، ولا سيما الدم ومحتويات أمعاء الحيوانات التي يتمّ التضحية بها، ذلك لأنّ بعض الجهال كانوا يفعلون ذلك.
3- التطهير هنا بمعنى خلوص النيّة لدى بناء بيت التوحيد هذا.
4 - نقرأ في بعض الروايات أنّ هذه الآية تعبّر عن تطهير البيت من المشركين.(1)
5 - فشر التطهير في روايات أخرى بتنظيف البدن والترفّع عن الأوساخ،(2)ولكن لا دليل على تحديد مفهوم الطهارة والتطهير هنا، إذ المقصود هو التطهير الظاهري والمعنوي لبيت التوحيد هذا، وكلّ ما يطلق عليه قذارة..
ومع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الآية أعلاه قد ذكرت الاعلان الإلهي باعتبار بيت الله تعالى
بيت أمن ومركز أمان ،وملجأ بحيث أنّ الإنسان - مهما كان - ليس الوحيد الذي يجب أن يتمتع بالأمان في مختلف الأحوال والظروف، فلا يحق لأحدٍ ازعاجه وسلبه أمانه، بل إنّ الحيوانات أيضاً بما فيها الطيور يجب ان تحظى بالأمان والحماية.. وإن أمان هكذا بيت ومركز عالمي يضفي عليه خصوصيّة مميّزة في حلّ مشاكل وأزمات المسلمين وغيرهم من أفراد ودول..
6 - الآية أعلاه ذكرت الكعبة باعتبارها بَيْتِيَ نسبة إلى الله تعالى، والحال أنّ الله ليس جسماً بحيث يحتاج إلى بيت يستقر فيه، كما نسبة آية الصوم الشهر إلى الله سبحانه.. وهذا النوع من التعبير يقصد به إكرام مكان أو زمان ما على وجه الخصوص بحيث ينسبهما الله إليه، ويكفي الكعبة شرفاً أن يسميها سبحانه وتعالى بيته أو يقول تارةربّ هذا البيت.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)
1 - تحكي هذه الآية الشريفة أنّ إبراهيم عليه السلام طلب من ربه المتعال مسألة مهمة تخص ساكني أرض مكة المقدّسة:
أولاً: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا.
ثانياً:وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
2 - الملفت للنظر أنه عليه السلام تقدم بهذا الطلب للمؤمنين الموحدين، ولعله أخذ بالحسبان عقيدة:لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ حيث علم بأن من ذريته من سيكون مشركاً ظالماً، فراعى جانب الأدب واستثناهم من دعائه..
3 - القضيّة الملفتة للنظر أيضاً أن إبراهيم عليه السلام قد طلب في دعائه الأمن ثم تلاه بطلب الرزق لأهل مكّة الموحدين المؤمنين بحتمية يوم الجزاء.. وفي هذا وقعت الإشارة إلى الحقيقة القائلة بأنّ الأمن - بالنسبة لأيّ مدينة أو بلاد - ما لم يستتب، فلن يتحقق رخاء اقتصادي.
4 - بخصوص المقصود من الثمرات، ثُمّ أموال متعدّدة للمفسّرين، ولكن المؤكد في الأمر أنّ للثمرات معنى واسعاً يشمل أشكال النعم والأطعمة من فواكه وزروع أخرى، كما يسري إلى النعم المعنوية أيضاً، كما نقرأ الحديث المروي عن مولانا الصادق عليه السلام حيث قال: «هي ثمرات القلوب»(1)كأن يجعل الله تعالى قلوب الناس تنجذب بالمحبّة إلى هذه الأرض..
5- في الآيات السابقة، طلب إبراهيم عليه السلام لذرّيّته مقام الإمامة، ولكنه سبحانه أنبأه بأن هذا المقام لن يكون من نصيب الظالمين، وفي هذه الآية حدد طلبه الآخر بالموحدين المؤمنين بالمعاد ليرزقهم ربهم أمناً وثمرات، إلا أنه سبحانه لم يقبل هذا التحديد ولم يمتنع عن رزق الكفّار، فقال لإبراهيم: قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا وهذا نوع مصداق لصفة رحمانية الله تعالى العامة الشاملة لجميع البشر، حيث لا يمكن حرمان العاصين منها، ولكنّهم في الآخرة سيكون لهم حساب آخر وحالة متفاوتة عما كانوا فيه في عالم الدنيا.. ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إذ لن يغفر للمشركين في عالم الآخرة.
1) البرهان، ج1، ص 330
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)
1 - يعلم من آيات القرآن المختلفة والأحاديث والتواريخ الإسلامية أن الكعبة كانت مقامة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام بل وقبل آدم عليه السلام نقرأ في الآية (37) من سورة إبراهيم؛ عن قول هذا النبي العظيم:رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ إذ تشهد هذه الآية الجليلة أنّ إبراهيم حينما جاء بزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى أرض مكة كان ثَمّ أثر لبناء البيت الحرام.
كما نقرأ في الآية (96) من سورة آل عمران:إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ولا ريب أنّ عبادة الله وبناء مركز العبادة قد سبقا عصر إبراهيم عليه السلام بل وقبل عصر آدم عليه السلام أيضاً.
ويطالعنا هذا المعنى في الآية مورد البحث كذلك، حيث يقول تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فالقواعد كانت
موجودة، وإنّما الذي فعله إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أنهما رفعا وبنيا فوق القواعد.
ونقرأ في الخطبة (192) من(نهج البلاغة ) عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: «... ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلوات الله عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار، فجعلها بيته الحرام، ثمّ أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه..؟»(1)..
وجذوة القول هي أنّ آيات القرآن وروايات المعصومين تؤيّد المعروف من التأريخ الخاص بالبيت الحرام الذي بني من قبل بيد آدم عليه السلام، ثمّ إنّه تهدّم في طوفان نوح، ثمّ بني بيد إبراهيم وإسماعيل؛ تحديداً له..
2 - في هاتين الآيتين؛ طلب إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى ربّهما خمسة أمور مهمّة، وقد تقدما بها أثناء عمليّة البناء، وكانت الطلبات منهما جامعة لحاجات الحياة المادّيّة والمعنويّة، ممّا يدلّ الإنسان على عظمة وسموّ روح هذين النبيين الجليلين بشكل كامل.
ألف - أنهما دعيا الله بالقول: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ.
ب - أن تكون من ذريتهما أمة مسلمة مسلّمة لتعاليم الربّ العزيز: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ.
ج - أن يعرفهما العبودية وأصولها وطرقها: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا
د - طلبا التوبة والرحمة لعلمهما بأنّ الله هو الذي يرجع إليه وأنه هو مصدر الرحمة:وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
ه- - أن يبعث في ذريتهما رسولاً (خاتم الأنبياء):وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ليكون المعلّم للكتاب والحكمة ويطهرهم من عقيدة الشرك ورذائل الأخلاق: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ
1) نهج البلاغة، ص 292
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ. و - لثقتهم بأنّ الله له الحاكمية المطلقة في تصريف الأمور بالحكمة المطلقة أيضاً:إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
3 -يَتْلُو مشتقة من التلاوة، ولغةً: هي التتابع في الشيء، فحين تقرأ العبارة بالترتيب وضمن النظام الصحيح، تقول العرب في ذلك تلاوة، وعلى هذا؛ فالتلاوة المنظمة والمتتابعة بمثابة المقدّمة لإلفات النظر والتنبيه وخلق الاستعداد لأجل التعليم والتربية.
4 - أنّ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حينما طلبا من الله أن يبعث في ذريتهما خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله كانا يهدفان ثلاثة أمور من البعثة المحمدية:
ألف - تلاوة آيات الله تعالى على الناس، وهذه العبارة تشير إلى إحياء الفكر في خضم الآيات التي تنزل بالوحي على قلب رسول الإسلام صلّى الله عليه وآله وبها يحيى القلوب الخامدة..
تعليم الكتاب والحكمة بعد ذلك، إذ ما لم يحصل الوعي؛ لا تتمّ التربية التي هي عبارة عن المرحلة الثالثة. ويمكن أن يكون التفاوت بين الكتاب والحكمة، أنّ الكتاب إشارة إلى الكتب السماوية، أما الحكمة؛ فهي العلوم والمعارف والأسرار والعلل ونتائج الأحكام التي يعلمها النبي للناس..
ج - التزكية، وهي لغةً: النمو والتطور الحاصل من التطهير..
5 - أنّ تكامل وجود الإنسان من الناحية العلمية والعمليّة هي الهدف النهائي من بعثة النبي كما يظهر من طلب هذين النبيين العظيمين.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ علوم البشر - مهما اتسعت - تبقى محدودة وطافحة بآلاف النقاط المبهمة والأخطاء، وفضلاً عن ذلك؛ فإنّ البشر قد لا يستطيعون أن يعلّقوا آمالاهم على
ما يعرفون - أحياناً - لتأكدهم من أخطائهم وسقطات غيرهم.
وهنا؛ ينبغي للأنبياء أن يأتوا للناس بالعلوم الحقة - الماء المعين - المنزّهة عن الأخطاء عبر الوحي، فيزيحوا أخطاءهم، فيتعلّم الناس منهم ما يبعث على الثقة والاطمئنان..
وثَم مسألة أخرى جديرة بالالتفات، وهي أنّ العقل يشكّل النصف من شخصية الإنسان، فيما الغرائز والميول تمثل النصف الآخر، ولذلك، ترانا نحتاج التعليم بالمقدار الذي نحتاج فيه إلى التربية، فتكتمل عقولنا كما تتحرّك غرائزنا باتّجاه الهدف الصحيح، وهكذا كان الأنبياء معلمون ومربّون في الوقت ذاته..
سؤال: التعليم مقدّم أم التربية؟
المثير هو أنّ أربعة موارد قرآنية تطرقت إلى مسألة التعليم والتربية باعتبارها هدف الأنبياء، كما ذكرت ثلاثة مواضع أخرى قضيّة تقديم التربية على التعليم (الآية 151 من سورة البقرة والآية الثانية من سورة آل عمران) وقدّم موضع واحد التعليم على التربية وهو المتمثل في الآية مورد البحث.. والحال أنّنا نعلم بأنه ما لم يكن التعليم لا تتمّ التربية في الغالب.. وعليه؛ حينما يقدّم التعليم على التربية؛ فهو إشارة إلى وضعه وموضعه الطبيعي، وحينما تقدّم التربية على التعليم؛ فذلك إشارة إلى مسألة الهدف منها، لأنّ الهدف الأساس هو التربية، وما سواها مقدّمة لها.
رسولاً منها تذكرة بضرورة أن يكون قادة البشر ومربّوهم من جنسهم ومن وسطهم الاجتماعي وبما فيهم من صفات إنسانية وغرائز بشريّة، ليكونوا قدوات ممكنة لهم من الناحية العمليّة.. ومعلوم أنهم إن لم يكونوا من ذات الوسط الاجتماعي الذي يؤدون مهامهم التربوية والتعليمية فيه، تعسّر عليهم إدراك وتحديد آلامهم وحاجاتهم ومشاكلهم، كما أنّ الناس لن يتخذوهم قدوات حسنة لهم..
وَمَن يَرْغَبُ عَن مَلَةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدِ أصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ (13)
1 - من مجموع البحوث والآيات السالفة؛ اتضحت إلى حدّ ما الخطوط العامّة لشخصيّة إبراهيم الخليل عليه السلام وبعض ما قام بإنجازه، وبعض ما تقدّم به من مطالب إلى ربّه المتعال، وهي الجامعة للنواحي المادّيّة والمعنوية، بحيث صار بها قدوة وأسوة لجميع المطالبين بالحق في العالم، وصارت مدرسته مدرسة لصناعة الإنسان التي من الممكن أن تكون نافعة للجميع وَمَن يَرْغَبُ عَن مَلَةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.
2 - أليس من السفاهة أن يترك المرء عقيدة ومدرسة وهي على هذه الدرجة السامية من الطهر والتميّز ثمّ يخطو في مسلك الشرك والفساد؟ إن من سفاهة العقل وفساد الفطرة أن يولّي أحدهم ظهره للمعتقد الموافق لروحه وفطرته؛ المتسق مع العقل.. معتقد يتضمن سبل السعادة الدنيوية والأخروية.. فهل يصح أن يعاف ثم يتم التوجه إلى منهج يخالف العقل والفطرة ويضيّع الدين والدنيا ؟..
3 - إنّ أوّل خطوة لتحقيق القيمة الفذّة في الإنسان؛ هي الإخلاص والطهارة، ولهذا كرّس إبراهيم عليه السلام نفسه للتسليم لأوامر الله تعالى، فصار محبوب الله وخليله ومصطفاه، فرفعه الله وملّته إلى أسمى الدرجات. إنّ جميع منجزات إبراهيم - من البداية إلى النهاية - كانت منجزات فذة فريدة، فمواجهته المتواصلة للوثنيين وعبّاد الكواكب،
وحيث ألقي به إلى النار، ومدى التأثير في نمرود طاغية عصره.. كل ذلك يرسم ملامح الشخصية الإبراهيمية العظيمة التي ما وسع نمرود إلّا القول فيها: من اتخذ إلهاً؛ فليتخذ إلهاً مثل إله إبراهيم.. وهكذا صار هذا النبي الجليل من خير الوسائل لمعرفة الله العظيم...
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)
1 - هذه الآية تأكيد آخر على خصائص الصفات الحميدة لإبراهيم، وهي في الحقيقة أصل بقية الصفات التي كان يمتاز بها إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
2 - إبراهيم.. ذلك الرجل المؤثر والمضحي؛ حينما أنصت لنداء الفطرة من داخله حيث عرف بأنّ الله تعالى يطالبه بالتسليم سلّم لربّه على وجه الإطلاق.. فإبراهيم - كما تقول ظاهر الآيات - بطبيعة تفكيره وإدراكه كان يعي أنّ الكواكب والشمس والقمر محكومة كلّها بالغروب والأفول وبقوانين الخلقة.. لذا أنكر أن تكون له ربّاً: إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ(1)
3 - رأينا في الآيات السابقة أنّ إبراهيم وإسماعيل وبعد رفعهما قواعد البيت وبناء الكعبة طلبا أوّل شيءٍ من ربّهما( بعد الدعاء بقبول أعمالهما ) أن يوفقهما للتسليم الحق لإرادته سبحانه، وأن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة.. وكان كل من إسكان الزوجة والولد الرضيع في تلك الصحراء القاحلة - المقدّسة - وبناء البيت الحرام والإقدام على التضحية بالولد.. كلّ ذلك كان مصداقاً للتسليم الإبراهيمي..
1) سورة الأنعام / 79.
وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)
1 - كانت وصيّة إبراهيم عليه السلام في أخريات عمره لأولاده وصيّة فذة ونموذجاً رائعاً، وكما قرأنا في الآية محط البحث :وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُحيث جمع أولاده وكشف لهم أنّ ربّهم المتعال قد اصطفى لهم الدين الحق يا بني إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا ينبغي لكم تجاهل هذا الاصطفاء وهذا الدين، وإنما الواجب هو الإقبال عليه بقلب يفيض بالإيمان والتسليم والاستقامة على ذلك فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
2 - كأنّ القرآن بنقل وصيّة إبراهيم عليه السلام يريد القول بأنّ الإنسان ليس مسؤولاً عن أولاده وحياتهم التي يراها فحسب، وإنما هو مسؤول عن مستقبلهم أيضاً، فلا يناسب الإنسان أن يقلق لحياة أولاده المادية من بعده فقط، وإنّما الواجب أن يولي حياتهم المعنوية الاهتمام الأكبر.
3- لم يكن إبراهيم عليه السلام وحده الذي أوصى أولاده بهذه الوصية، وإنما فعل يعقوب مثل فعل جده في أخريات عمره الشريف، حيث كشف لهم أنّ التسليم الله تعالى هي مهمتهم الأولى، كما أنّ صفة التسليم هي أصل كلّ صفة طيبة لدى العلاقة مع الله تعالى.
4 - لعلّ التطرّق ليعقوب عليه السلام هنا من بين كلّ الأنبياء لإفهام اليهود والنصارى الذين يدعون أنهم أحفاده وأتباعه أن ما أصاب عقائدهم من أدران الشرك يعود إلى عدم تجذر صفة التسليم فيهم، وأن سيرتهم الحاضرة لا تتفق ومداعهم بالارتباط والعلاقة بيعقوب النبي(عليه السلام).
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)
العقيدة العامة لليهود تقول إنّ يعقوب عليه السلام حين موته ، وصى أولاده بالدين الذين يؤمن به اليهود الآن مع جميع تحريفاته فأنزل الله تعالى هذه الآية ردّاً على هذه العقيدة الباطلة.(1)
1 - كما قرأنا في شأن نزول هذه الآية، فإنّه يستفاد من ظاهرها أيضاً أن ثَمّ حواراً دار بين يعقوب عليه السلام وأولاده، وحيث أن جمعاً من رافضي الإسلام نسبوا إلى يعقوب عليه السلام مطلباً باطلاً، فقد اهتم القرآن بردّه وقال: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ.
2 - لم يوص يعقوب النبي عليه السلام بغير التوحيد والتسليم لأمر الله الحق الذي هو أصل وجذر المنهج الإلهي. وما دار بين هذا النبي وأولاده كان عبارة عن سؤال وجهه إليهم
1) الوجيز، ج1، ص 142 و 143
حين الموتإِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي وكان ردّهم أنقَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا أي: سنبقى موحدين وكذلك وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
3 - يمكن الاستفادة من هذه الآية الشريفة أنّ ثَمَّ انزعاجاً وقلقاً من حالة ومستقبل أولاد يعقوب، وكذلك كان شعور يعقوب عليه السلام.. فكشف لهم عن قلقه وصارحهم بسؤاله عما سیعبدون من بعد موته؟ وهذا القلق عبّرت عنه الآية بقول يعقوب:مَا تَعْبُدُونَ ولم يقل: مَن تعبدون من بعدي.. لعلمه بوجود الكثير من الوثنيين الذين كانوا يعيشون من حولهم ويسجدون لأشياء شتى دون الله تعالى، ولاحتماله بتأثر أولاده - أو بعض أولاده وذريته بهم - فأراد يعقوب أن يعرف ما يجول في خواطرهم وأعماق نفوسهم.. وعند إجابتهم على سؤاله بما يريد، اطمأن خاطره تجاه ما سيكون عليه مستقبل هؤلاء الأولاد من بعده..
4- آخر آية في بحثنا اختصت بالرد على أحد أخطاء اليهود القاتلة، حيث كانوا يعتمدون بشكل يكاد يكون مطلقاً على أسلافهم وما يروون عنهم من عظمة وجملة إنجازات وأفعال عند الله سبحانه وتعالى، وكان ظنّهم أنهم وإن تلوّثوا فإنّهم صائرون إلى النجاة تحت مظلة سلفهم الصالح - كما يقال.. ولكنّ القرآن الكريم قال في هذه الآية: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ وعليه؛ بدلاً من أن يكون كلّ همكم المباهاة والتفاخر بمنجزات الماضين عليكم الاهتمام بإصلاح نفوسكم وتنقية عقائدكم من أدران الجاهلية، لأنّ كلّ إنسان وكل مجتمع مسؤولان عن أنفسهما دون غيرهما..
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)
نقل عن ابن عبّاس أنّ نفراً من علماء اليهود ونصارى نجران تحاوروا مع المسلمين، فذهب كلّ فريق إلى أنّه الأولى بدين الحق ونفى على الآخرين أن يكونوا على هدى، فقال اليهود بأنّ نبيهم موسى عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء وأنّ التوراة خير الكتب.. وهكذا كان ادعاء النصارى، إذ قالوا بأن المسيح عليه السلام أفضل الهادين وأنّ الإنجيل هو خير كتاب سماوي.. ودعا كل منهما المسلمين إلى دينهم.. فنزلت الآيات أعلاه وردّتهم وفندت دعواهم..(1).
1) مجمع البيان، ج1، ص 402
1 - الأنانية وعبادة الذات عادة ما تؤدّي بالإنسان أن لا يرى الحق إلّا فيه وله، فيرى الجميع على باطل، ويسعى إلى أن يكون الآخرون على شاكلته، كما ذكرت الآية مورد البحث وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا.
2 - المتدينون الخالصون هم أتباع دين التوحيد الخالص التوحيد النقي عن كل شائبة من شوائب الشرك.. وإنّ أهمّ أصل لمعرفة الدين الحق عن الأديان المنحرفة هو: الالتزام الكامل بأصل التوحيد.
3 - الإسلام يعلّمنا أن لا نفرق بين أحد من الأنبياء والرسل، وأن نحترم جميع الأديان، ذلك لأن أصول الدين الحق واحدة في كلّ مكان وعلى أي حال، ولأنّ موسى وعيسى عليهما السلام من أتباع الدين الحق وعقيدة إبراهيم النقية عن الشرك.. رغم أن شريعتهما قد حرّفتا من قبل أتباعهما الجهلة ومزجوها بالشرك ( ولا ريب أنّ هذا الحديث لا ينافي أن نؤدي وظائفنا باعتبارنا أتباع خاتم الأديان السماوية - الإسلام - الذي أنزل من عند الله في ذلك الحين).
4 - أنّ العنصرية القومية لا تكون سبباً أبداً أن نقبل بعضاً وننفي آخرين من الأنبياء، فهم معلمون إلهيون اهتموا مطلق الاهتمام بإرشاد الناس في الحقب التربوية المختلفة، وكان هدفهم جميعاً هداية البشر تحت مظلة التوحيد الخالص والحق والعدالة؛ مع أنّ كلّاً منهم كان له وظائف وميزات خاصة تناسب فترته الزمنية ومساحته المكانية.. ولهذا؛ فنحن لا نرى أي فرق وأدنى اختلاف بينهم؛ إذ نحن مسلمون لأمر الحق :لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
5 - لو أن أتباع الديانات الأخرى قد عافوا المسائل العنصرية والقبلية وأمثالها ولم يحشروها في أفكارهم الدينية، وأقروا بجميع أنبياء الله تعالى.. لاهتدوا.. وإلا فإنّهم يكونون
مجانبين للحق سائرين في الباطل..
6- إن رفضوا مسار الهدى؛ انحرفوا عن الحقوَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ وشِقَاقٍ في الأصل بمعنى الابتعاد والانفصال، وبالتالي في نزاع وقتال.. وفسرها البعض هنا بالكفر، وآخرون بالضلال، وتفسّر تارة بالانفصال عن الحق والتوجّه إلى الباطل.. وجميع ذلك - في الواقع - يعود إلى حقيقة واحدة.
7 - نقل بعض المفسرين أنه بعد ذكر المسيح الوارد في الآية (136) من هذه السورة إلى جانب سائر الأنبياء، قال جمع من النصارى إنّهم لا يقبلون بأنّ المسيح عليه السلام كان كما الأنبياء الآخرون.. بل هو ابن الله فنزلت الآية (137) وحذرتهم بأنهم في ضلال وكفر وشقاق.
وفي آخر الآية: جاءت الطمأنة للمسلمين من أن لا يخشوا مؤامرات الأعداء، إذ سيدفع الله شرهم وشرارهمفَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
8- يشير القرآن المجيد في آياته كراراً أن أنبياء الله تعالى جميعاً كان لهم هدف واحد، وأنّه لا انفكاك بينهم، لأنهم كانوا يستلهمون الوحي من منبع .واحد.. ولذا وضى - القرآن - المسلمين باحترام الأنبياء على حدٍ سواء.. ولكن كما ذكرنا، فهذه المسألة لا تمنع أن يكون كل دين سماوي جديد ينسخ الأديان الماضية، وأنّ دين الإسلام هو آخر الأديان وخاتمها..
9 - أنّ أنبياء الله معلّمون وكلّ منهم كان يهدي الناس ويرتيهم في فصل دراسي.. وبديهي أنه إذا انتهت فترة دراسية انتقلوا إلى التعلم على معلم آخر، ويرتقوا إلى مرحلة أعلى، وعليه؛ فإنّ البشرية مكلّفة بتطبيق منهج آخر الأنبياء وخاتمهم، نظراً لأنّ حقبة تعليمه هي آخر مرحلة تكامل ديني، وهذا لا يمنع من حقانية دعوات سائر الأنبياء أبداً.
(السبط ) على وزن الحفظ و السبط على وزن ثبت.. والانبساط في الأصل بمعنى التوسع، وتوسعة الشيء بيسر.. وتارة تطلق على الشجرة. و(سبط) على وزن سبد.. لأنّ أغصان
الشجرة تمتد بيسر.. فيقال لأولاد وفروع أسرة ما يقال لهم أسباط، لتوسعهم وامتدادهم وتعدّدهم في النسل والذرّيّة.
10 - المقصود منالْأَسْبَاطِ قبائل وفروع بني إسرائيل، أو الأولاد من أولاد يعقوب الاثني عشر، وحيث كان من بينهم أنبياء ورسل، فقد عدّتهم الآية من جملة الذين نزلت عليهم آيات الله وبراهينه، وعليه؛ فالمقصود من الْأَسْبَاطِ بني إسرائيل قبائلهم، أو قبائل أولاد يعقوب عليه السلام الذين كان فيهم أنبياء، وليس أولاد يعقوب عليه السلام، ليمكن القول بأنهم لم تكن فيهم جميعاً الصلاحية للنبوة.. وذلك لأنهم - كما هو معروف - قد ارتكبوا الذنوب بحق أخيهم يوسف عليه السلام وحتّى أبيهم يعقوب عليه السلام..
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)
كتب المفسرون أنّ النصارى كانوا يغسلون أولادهم غسل التعميد، وتارة يضيفون لماء الغسل هذا لوناً أصفراً ويقولون: هذا الغسل مع هذا اللون يطهر الصغير من ذنب الذات الذي يرثه الإنسان من آدم عليه السلام!(1)
1 - تبعاً للدعوة الواردة في الآيات الماضية إلى أتباع جميع الأديان الإلهية؛ الدائرة حول التبعية لمناهج جميع الأنبياء.. هاهو الأمر الإلهي قد ورد في هذه الآية الكريمة بعدم قبول غير الألوان الإلهية، وضرورة قبول اللون الإلهي (وهو لون الإيمان والتوحيد الخالص) (صِبْغَةَ اللَّهِ) ثمّ تضيف الآية قائلة: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ.
2 - يأمر الله تعالى في هذه الآية بإزاحة جميع الألوان العنصرية والقبلية الباحثة على التفرّق، وضرورة أن يصطبغ الجميع باللون الإلهي.
3 - يبطل القرآن هذا المنطق الذي لا أساس له القائل بالعنصرية والقبلية والأنانية الألوان الباعثة على الفرقة والتشرذم ، ويؤكّد على أنّ الأفضل هو لون الحقيقة ولون الله وجميع لتتطهر الأرواح من كل درن ولوث تتسبب به الألوان الظاهرية والخرافية المفرقة..
1) تفسیر نمونه، ج 1، ص 473 و 474
4 - التعريف الرائع واللطيف الصادر عن هذه الآية هو أنّ الناس إذا استقبلوا واستوعبوا اللون الإلهي؛ سيكون مآلهم إلى لون الوحدة والعظمة والطهر والورع والعدالة والمساواة والأخوّة ولون (اللّالون) ولون التوحيد والإخلاص.. والعيش تحت مظلة اللون الإلهي فيصار بها إلى إزالة جميع أشكال النزاع والاختلاف، واقتلاع جذور الشرك والنفاق والتفرّق.. وهذا - في الحقيقة - هو (اللّالون) الذي يقضي على جميع الألوان!
5 - ورد عن مولانا الصادق عليه السلام أحاديث عديدة في تفسير هذه الآية أن المقصود منصِبْغَةَ اللَّهِ هو دين الإسلام الخالص(1)، وهو بمثابة الإشارة إلى لون الإيمان والتوحيد الخالص المشار إليه آنفاً.
1) الكافي، ج 2، ص 14
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)
1 - حيث كان اليهود وغيرهم يحاجون المسلمين ويتحاورون معهم ويقولون: جميع الأنبياء قد بعثوا من بيننا وفينا، وإنّ ديننا هو أقدم الأديان وكتابنا أقدم الكتب وأكثرها أصالة، ولو كان محمد (صلى الله عليه وآله) نبيّاً؛ للزم أن يبعث من بيننا وفينا.. وتارة كانوا يقولون: إن عنصرهم أكثر استعداداً لتلقي قبول الإيمان والوحي من عنصر العرب، لأنهم وثنيون ولسنا كذلك، ولعلّهم - اليهود - يسمون أنفسهم أبناء الله عزّوجلّ، وأن الجنة خالصة لهم من دون الآخرين..
أما القرآن؛ فقد أبطل جميع هذه الادعاءات، وفنّد معايير الأفضلية المصطنعة التي ينادون بها قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ؟
2 - أنّ الله غير منحصر ولا هو حكر على عنصر أو قبيلة دون غيرهما.. بل هو ربّ الجميع وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ.
3 - لتعلموا أننا رهينة أعمالنا وأنتم كذلك، ولا ميزة لأحد على أحد إلّا ميزة العمل وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ.
4 - أن التفاوت بين عبادتنا وعبادتكم أننا - هكذا يفترض - نعبد الله بالإخلاص والتوحيد النقي عن الشوائب ولكنّ أكثركم شبتم التوحيد بالشرك وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ.
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)
1 - تجيب هذه الآية على قسم آخر من إدعاءات اليهود وغيرهم الباطلة، وهي القول بأنّه ليس لكم أن تذهبوا إلى أنّ الأنبياء مثل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب كانوا يهوداً أو نصاری، بل إنّ مدّعاكم هذا مجرّد بدعة جئتم بها بعد هؤلاء الأنبياء العظام.. ولا ريب أنّ الله يعلم وأنتم لا تعلمون أم أنّكم تقولون عكس ذلك ؟ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ.
2 - ممّا يثير العجب أنّ الإنسان حينما يصرّ على العناد والتعصب نراه ينكر حتّى المسلّمات التاريخية.. مثال ذلك، أنّ اليهود والنصارى يعتبرون أنبياء كإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، وهم الذين عاشوا قبل موسى وعيسى بهذه الدرجة من الوضوح.. حقيقة لها علاقة شديدة بدين وإيمان ومصير الناس، ولهذا عدّهم القرآن من أظلم الخلق، إذ لا ظلم أشدّ من الأشخاص الذين يكتمون الحقائق وهم يعلمون بها، فيسوقون غيرهم إلى الضلال والضياع..
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)
1 - تجيب هذه الآية وتردّ مزاعم اليهود وغيرهم بنحو آخر؛ إذ تشير إلى أنه مع افتراض صحة مزاعمهم القائلة بأنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط عليهم السلام قد كانوا يهوداً أو كانوا نصارى، إلا أنهم كانوا ضمن أمة مضت وأغلقت صفحات أعمالها وأنّ تلكم الأعمال خاصة بهم تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولكن ماذا عنكم أيها اليهود وأيها النصارى... ألستم مسؤولين عن أعمالكم ولا علاقة لكم بأعمال غيركموَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ....
2 - الأمّة الحيّة يجب أن تعتمد أعمالها دون تعويلها على ماضي التاريخ الخاص بأسلافها.. كما أنّ المرء عليه أن يعوّل على ما يمتاز من فضل، ذلك لأنّ فضائل الآباء والأجداد لا تعود عليه بشيء إذا ما ظلّ يتغنّى بها، مع كونها فضائل لا غبار عليها!!
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)
بقي رسول الله صلى الله عليه وآله طيلة (13) سنة حين كان في مكة، وبعد عدة أشهر من الهجرة إلى المدينة يصلّي إلى بيت المقدس بأمر الله تعالى، ولكن بعد ذلك تغيرت قبلة المسلمين حيث أُمروا بالصلاة باتجاه الكعبة. وقد اختلف المفسرون في مقدار المدة التي كان بيت المقدس خلالها قبلة للمسلمين في المدينة؛ من سبعة أشهر إلى سبعة عشر شهراً، ومهما يكن؛ بقي المسلمون موضع ملامة من اليهود وانتقاد، إذ كانوا يؤاخذونهم على أن بيت المقدس هو قبلة اليهود في الأصل، وأنّ المسلمين لا استقلال لهم في هذا الإطار، مما يشير - بزعمهم - إلى حقانيتهم.. وكانت هذه المؤاخذة الباطلة مزعجة للنبي وللمسلمين.. فهم كانوا مأمورين بأمر الله تعالى من جهة، ومن جهة أخرى كانت مؤاخذات اليهود الباطلة المزعجة لا تنتهي.. ولهذا صار النبي صلوات الله عليه وآله يتطلّع إلى السماء في لياليه؛ متوقعاً نزول الوحي عليه.
ومرّت مدة من الانتظار والتوقع حتى صدور الأمر بتغيير القبلة.. وحيث كان الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله يصلي الظهر في مسجد بني سالم متوجهاً إلى بيت المقدس كعادته أمر جبرئيل بأن يأخذ بعضده الشريف ويستدبر به صوب الكعبة.. فانزعج اليهود
لذلك أيما انزعاج، وراحوا كعادتهم بتوجيه الانتقادات الهدّامة.(1)
1 - هذه الآية وبعض ما يليها من آيات تشير إلى إحدى المتغيّرات المهمة في التاريخ الإسلامي حيث خلقت حركة عظيمة بين الناس.
2 - كان اليهود يقولون في السابق: نحن خير من المسلمين، لأنهم غير مستقلين في قبلتهم وهم لنا تبع، ولكن ما أن أمر الله تغيير القبلة حتّى دلعوا ألسنتهم بالاعتراض كما صوّرهم القرآن بقوله:سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فلو كانت قبلتهم الأولى صحيحةً فما معنى هذا التغيير؟ وإن كانت قبلتهم الثانية هي الصحيحة؛ فلماذا كانوا يتوجهون صوب بيت المقدس طيلة ثلاث عشرة سنة وبضعة أشهر، فأمر الله تعالى نبيّه أن يجيبهم:قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
3- الدليل القاطع والواضح للردّ على هؤلاء المتحجّجين هو أن بيت المقدس والكعبة ملك لله سبحانه، وأنه لا مكان ولا بيت له أساساً ، وأنّ المهم هو التسليم لأمره وحكمه، وإلى أي جهة أمر؛ وجب الامتثال لأمره بكل تقديس واحترام، كما أنه لا شرف لأي مكان لا تخصه عنايته تبارك وتعالىقُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
4 - أن تغيير القبلة في الحقيقة يمثل مرحلة من مراحل الاختبار والتكامل وكلّ منهما مصداق على الهداية الإلهيّة، وهو سبحانه الذي يهدي الناس إلى صراط مستقيم..
5- السُّفَهَاءُ جمع سفيه، وفي الأصل من خفّ بدنه ويتنقل بيسر، والعرب تسمي زمام الخيل وعامة الحيوانات الخفيفة سفيهاً. ولكنّ هذه المفردة تغيرت بالتدريج إلى خفيف
1) تفسير القمي، ج1، ص 63
العقل واستعملت بالمعنى الأصلي، سواء كانت تلك الخفّة في العقل في أمور الدين أو الدنيا.
6 - أن مسألة نسخ الأحكام وتغيير المنهج التربوي في الفترات المختلفة ليست بالمسألة الجديدة أو العجيبة بحيث تكون عرضة للانتقاد والتهويل. ولكنّ اليهود المتحججين وجدوا فيها وسيلة مناسبة لإضلال الناس عن الشريعة الإسلامية، وبذلوا في ذلك جهوداً تحريضية جمة، ولكن - كما سنطالع الآيات - سنرى القرآن كيف يردّهم بالردّ المنطقي العتيد..
7 - عبارة يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ليست بمعنى أنه تعالى يهدي من يشاء بلا حكمة ولا حساب، بل إنّ المشيئة الإلهيّة تنبع عن الحكمة وحساب المصالح والمفاسد..
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)
علة وأسرار تغيير القبلة ونتائجه
كان تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرّفة مثار سؤال بالنسبة للجميع، إذ كان الذين يظنون بأن كل حكم يجب أن يبقى ثابتاً يقولون: لو كان علينا أن نصلي إلى الكعبة؛ فلم لم يكن ذلك منذ اليوم الأول ؟ وإن كان بيت المقدس مقدماً باعتباره قبلة الأنبياء السابقين؛ فلم هذا التغيير؟
والأعداء بدورهم شعروا بوجود مساحة واسعة لبث سمومهم، ولعلهم كانوا يقولون: إنّ محمّداً - صلّى الله عليه وآله - قد توجّه إلى قبلة الأنبياء، ولكنّه بعد تحقيقه الانتصارات غلبت عليه عنصريته؛ فبدل قبلته إلى قبلة قومه وبني جلدته!! أو قولهم: لقد استقبل بيت المقدس لكسب ود اليهود والنصارى، وحينما لم يلق ترحيباً منهم، غير قبلته إلى الكعبة!!
ومن البديهي أنّ هذه الوساوس كان لها دور خطير في خلق حالة من الاضطراب في مجتمع لما ينفذ إليه نور العلم والإيمان ولم يتخلّ عن رواسب عبادة الأصنام..
ولذا؛ نجد القرآن المجيد يصرّح في الآية أعلاه بأنّ قضيّة تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الحرام كانت امتحاناً واختباراً لموقف المؤمنين والمشركين.. ولا يبعد أن إحدى العلل المهمة في هذا التغيير هي المسألة المذكورة ، إذ كانت الكعبة حينذاك مركز أصنام المشركين، فكان أن صدر الحكم بأن يستقبل المسلمون بيت المقدس في صلواتهم بشكل مؤقت، وهكذا نأوا بأنفسهم عن المشركين.
ولكن حينما وقعت الهجرة إلى المدينة وتأسست الحكومة الإسلامية، وتميزت الصفوف الاجتماعيّة؛ لم تعد ثَمّ ضرورة إلى الاستمرار على الوضع السابق، فصدر الأمر بالعودة إلى أقدم مراكز التوحيد والأكثر سابقة لتوجّه واهتمام الأنبياء ومعلوم أن الصلاة إلى بيت المقدس كانت بالنسبة إلى الذين يعتبرون الكعبة رصيداً قومياً أمراً ليس باليسير، كما هو العسر في تغيير قبلة بيت المقدس بعد التعود عليها..
وهكذا وجد المسلمون أنفسهم في بوتقة الاختبار لتتبخّر آثار الشرك التي كانت نافذة فيهم، وليقطعوا كل ما من شأنه أن يبقي على ماضي شركهم القديم، وتتبلور فيهم روح التسليم المطلق في مقابل التعاليم والأوامر الإلهية الحقة..
1 - كلمة وَسَطًا لغةً بمعنى الحدّ المتوسط بين أمرين، وكذلك بمعنى الجميل والرائع والشريف والملفت للنظر، وهذان المعنيان يعودان إلى حقيقة واحدة ظاهراً، إذ الشرف والروعة يكونان في الشيء والأمر البعيد عن حالتي الإفراط والتفريط بعد أن يستقر عند حد الاعتدال.. والأُمة المعتدلة غير خاملة وغير متعجّلة، فهي ليست في حد الإفراط ولا التفريط ... فهي الأُمّة
النموذجية المثيرة للإعجاب وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا.
سؤال: لماذا القبلة الإسلامية هي القبلة الوسط ؟
لأنّ أكثر الشعوب المسيحيّة؛ وبداعي عيشها في البلدان العربية آنذاك؛ فإنّها لدى عبادتها تقف باتجاه موضع ولادة عيسى المسيح عليه السلام، فتكون قبلتهم إلى جهة المشرق تقريباً.. ولكن اليهود الذين كانوا يعيشون في الشام وبابل وما يحاذيها يتوجهون إلى بيت المقدس الواقعة إلى الغرب من محال سكناهم، وبهذا تكون قبلتهم قبلة غربية.
ولكنّ الكعبة تتوسط الجهتين المشار إليهما، وقد أشار القرآن إلى هذا الواقع، فذكر أنّه كما جعلنا الكعبة وسطاً، كذلك جعلنا وأردنا للأُمة المسلمة أن تكون أُمّة وسطاً.
2 - عبر جملة كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا يريد القرآن الإشارة إلى العلاقة الوطيدة بين جميع موارد المنهج الإسلامي، وأنّ قبلة المسلمين ليست هي الوحيدة (الوسط) بل إنّ جميع التعاليم وموارد ذلك المنهج تتصف بهذه الصفة.
3 - التعبير بأنّ الأمة المسلمة هي الشاهدة على سائر الأمم، وكذلك شهادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله على الأمة المسلمة، يمكن أن يكون إشارة إلى مسألة الأسوة، ذلك لأنّ اليهود ينتخبون من بين الأفراد النموذجيّين دوماً، أي أنكم بما تمتازون من عقائد وتعليمات فذة صادرة عن القرآن والعترة، صرتم أُمّة - لدى الالتزام بها - أُمة نموذجية، كما أنّ نبيكم هو النموذج الأرقى من بينكم لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
4 - يستطيع المسلمون - بالعمل بما أكرمهم الله تعالى من منهج - أن يشهدوا على أنّ بمقدور الإنسان أن يكون رجل دين ورجل دنيا، وفي الوقت الذي هو فيه كائن اجتماعي، قادر هو أيضاً على إحراز بعده المعنوي والروحي بشكل كامل. كما أن المسلمين بعقائدهم وتعاليمهم قادرون على الشهادة بأنّ الدين والعلم والدنيا والآخرة؛ قضايا غير متضادّة فيما
بينها، وأنّ الواحد منها يرفد الآخر.
5 - يشير القرآن المجيد إلى سر آخر من أسرار تغيير القبلة، ويذكر بأنّ تغيير القبلة اختبار إلهي ليعرف الأتباع الحقيقيين لنبي الإسلام صلوات الله عليه وآله.. لا سيما وأنّ الذين لا يمتازون بالإيمان الخالص يسارعون إلى التحجّج والتبرير لمجرد الإعلان عن أمر تغيير القبلة، والتساؤل الوقح أو الجاهل عن مصير صلواتهم السابقة وكأنهم أحرص من ربهم ومن نبيهم على مصير العبادة وأصلها.. ولكنّ الله تعالى يبشر المسلمين لأوامره أن أعمالهم لا تضيع؛ لأنها مطابقة لإرادته وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ.
6 - المسألة المهمة الأخرى أنه سبحانه لم يقل في هذه الآية إن الاختبار لم يكن لمعرفة الذين يتّبعونك، بل قال ليعرف الذين يتبعون الرسول.. واستعمال كلمة (الرسول) إشارة إلى أنك القائد والرسول الإلهي، ومن هنا كان على هذا المتبع أن يسلّم لأمره..ليس في أمر القبلة (اليسير) فحسب، بل في كل الأمور؛ يسيرها وعسيرها، دون التحجّج والتهرب الذي يعني التمسك في نهاية المطاف برواسب الشرك وعبادة الأصنام.
7 - ما لم تتم الهداية الإلهية؛ لن تتأتى روح التسليم المطلق لأوامر الله ومناهيه.. والمهم أن يسلّم المرء بحيث لا يشعر تجاه هكذا أوامر - بشيء من العسر والثقل - بل ليكن التسليم لأمر الله ذا مذاق أحلى من العسل...
8- عبارة عَلَى عَقِبَيْهِ في الأصل بمعنى العودة إلى الماضي والوراء، والعقب هو مؤخّرة القدم، مما يعني أنّ اتّباع الدين وتعاليمه مبعث إلى التطوّر والكمال، أما التمرد على الدين؛ فهو بمثابة الحركة الرجعيّةمِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ.
9 - التعاليم الإلهيّة كما هي توصيات الطبيب وتحديده الدواء، حيث التوصية والدواء
قد يتغيّران حسب حالة المريض وطبيعة دائه؛ وكلّ منها حسن.. والتعاليم الإلهية بدورها تتناسب وواقع الإنسان وينتهي الالتزام بها والتسليم لها إلى السعادة والتكامل.. ومن هنا؛ فإنّه ليس من الصحيح فيما يتعلق بتغيير القبلة عامل قلق واضطراب وكذلك بالنسبة إلى البحث في مصير العبادة والصلاة التي سبقت عمليّة التغيير أو تلتها، إذ الجميع صحيح بأمر الله تعالى.. لا سيما بالنسبة إلى الذين هدى الله وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ .
10 - حيث أنّ الأعداء المحرضين أو الأتباع الجهلة يظنون أن أعمالهم السابقة ستكون باطلة بداعي تغيير القبلة، وأن أجورهم قد ذهبت هباء.. إلا أنه سبحانه يفند هذا الظن الباطل ويقول:وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ.
11 - بدلاً من كلمة(الصلاة)استعملت في هذه الآية كلمة (الإيمان) ممّا يعني مدى أهمّيّة مقام الصلاة ومعادلتها للإيمانوَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ.
12 - لا مكان الله تعالى أساساً، والقبلة رمز لوحدة الصفوف وإحياء ذكريات التوحيد وتغيير القبلة لا يغير شيئاً، إذ المهم هو التسليم لأوامر الله تعالى وتحطيم أصنام التعقيب والأنانية.
13 - جملةلِنَعْلَمَ وأمثالها الواردة في القرآن مراراً، لا تعني أنه سبحانه وتعالى لا يعلم شيئاً ثمّ يعلمه، بل المقصود منها تحقق الفعل وخروجه إلى مساحة الواقع، لأنّ الله يعلم بالحوادث والموجودات منذ الأزل مع تعاقبها في الحدوث، وعليه؛ فإنّ وقوع الحوادث ووجود الموجودات لا يضيف لعلم الله شيئاً، بل إنّ ما يعلمه يقع بالترتيب والتعاقب، كما لو أنّ مهندساً لدى رسمه خارطة المبنى يعلم بجميع جزئيات البناء قبل البدء به؛ ثمّ إنّه يبدأ برسمه شيئاً فشيئاً، وحينما يقرّر الشروع بقسم من البناء يتناول ورقة من أوراق المخطط ويقول:
نعمل هذا القسم لأرى ما خططت له أي أريد أن أخرج تخطيطي العلمي إلى الواقع ولا ريب أنّ علم الله تعالى متفاوت جدّاً مع علم البشر كما بينا في مبحث صفات الربّ، وما ذكرنا مجرّد مثال لتقريب الصورة والمعنى إلى الأذهان.
14 - جملة وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ تنطق عن هذه الحقيقة، وهي أنّ عدم التأثر بالعواطف والمشي خلافاً للمعروف؛ أمر عسير، اللهم إلا للمؤمنين حقاً والمسلمين لأمره عزّوجلّ.
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
كان بيت المقدس القبلة المؤقتة والأولى للمسلمين، ولذا؛ فقد انتظر النبي صلى الله عليه وآله صدور الأمر بتغييرها، لا سيّما وأنّ اليهود وبعد هجرته إلى المدينة كانوا يؤاخذون المسلمين ويعيرونهم على أنّهم غير مستقلين وأنّهم - اليهود - أصحاب الفضل في تعليم أتباع الدين الجديد مسألة استقبال القبلة.. وأنّ قبول القبلة يعني قبول العقيدة الخاصة بهم! وأمثال ذلك من الادعاءات الزائفة..
وطبقاً للروايات فإنّ تغيير القبلة حدث حيث كان النبي صلّى الله عليه وآله منشغلاً بصلاة الظهر، وفي لحظة واحدة حسّاسة تمّ الأمر، إذ أمسك ملاك الوحي بعضد النبي صلّى الله عليه وآله واستدار به من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة.. (1)وسرعان ما غير المسلمون وجهتهم كما فعل النبي صلّى الله عليه وآله.. بل إنّنا نقرأ في رواية أن النساء أيضاً استبدلن
1) تفسير القمي، ج1، ص 63
مواضعهنّ بمواضع الرجال(1)( يلاحظ أنّ بيت المقدس يقع إلى الجهة الشمالية من المدينة، فيما البيت الحرام إلى جنوبها).
1 - يشير محتوى الآية مورد البحث بوضوح إلى أنّ هذه الآية قد نزلت قبل التي سبقتها، فإذا رأينا أنها صارت بعدها؛ فذلك لأنّ الآيات القرآنية لم تجمع ولم تترتب حسب تاريخ نزولها ، بل يحدث أن يأمر الرسول الأكرم أن يأمر - طبقاً لأمر الله تعالى - أن توضع الآية اللاحقة قبل الآية السابقة، رعاية لأولوية المطالب كما يبدو.
2 - إن تغيير القبلة أحد العلامات النبوية التي ورد ذكرها في الكتب السابقة، حيث قرأ أهل الكتاب من قبل بأنّ النبي الخاتم صلوات الله عليه وآله سيصلي إلى القبلتين وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
3- أن يكون النبي صلى الله عليه وآله محصناً دون التأثر بعادات وتقاليد بيئته السيئة، وعدم جعله الكعبة - مركز الأصنام - قبلةً له منذ البداية، واتّخاذه قبلة أقليّة من الناس قبلةً له، دليل على صدق دعوته، وأنّ هذه الدعوة دعوة إلهيّة.
4 - بدلاً من أن يعتبر اليهود مسألة تغيير القبلة دليلاً على صدق الدعوة المحمدية - كما ذكرت الكتب السماوية السابقة - تراهم يكتمون الحقيقة، بل ويعلنونها حرباً إعلامية شعواء.. ولكن الله تعالى كان مطلعاً على حقائقهم وأعمالهم ونواياهموَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
5 - يستفاد من الآية أعلاه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان شديد العلقة بالكعبة،
1) تهذيب الأحكام، ج 2، ص 44
وكان يتوقع صدور الأمر الإلهي بتغييرها.. ولعلّ سبب هذا التعلق؛ مدى تعلقه بجده إبراهيم الخليل عليه السلام.. مضافاً إلى أنّ الكعبة أقدم بيوت التوحيد على الإطلاق.. لقد كان النبي الأعظم صلوات الله عليه وآله على علم مسبق بأنّ بيت المقدس قبلة مؤقتة..
6 - حيث أنّ خاتم الأنبياء عليه وعلى آله وعليهم سلام الله مسلّماً على الإطلاق لأمر الله تراه لم يتقدّم إلى الله تعالى بطلب تغيير القبلة، بل كان يكتفي بالتطلع وتقلب وجهه إلى السماء، لعلّ ملاك الوحي ينزل عليه بأمر من الله جديد، وإلا فإنّ الله لا يحده مكان، ولا لوحيه موضع خاص.
7- لعل السبب في القول: شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بدلاً من كلمة (الكعبة) صعوبة الدقة التامة لمن هم ساكنون بعيداً عن مكة أن يتوجّهوا إلى الكعبة، ولذا كان التوجه للمسجد الحرام أيسر عليهم.
8 - لا شكّ أنّ خطاب القرآن وإن كان موجّهاً إلى النبي صلوات الله عليه وآله في الظاهر، ولكنّه يتضمن مفهوماً عاماً موجهاً لعموم المسلمين( اللهم إلّا في موارد معدودة مميّزة بدليل خاص وصريح).
سؤال: لماذا أمرت الآية بأن يتوجه الرسول في صلاته إلى المسجد الحرام، وأمرت المسلمين مرّة أخرى بالتوجه إليه ؟
يمكن أن يكون هذا التكرار لأجل أن مسألة تغيير القبلة مسألة مثيرة للجدل صاحبها خطب واسع، وكان من الممكن أن تكون تلك الإشارة مدعاة لتشويش أفكار حديثي الإسلام، ولعلهم بداعي قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ الخاص بالنبي سلام الله عليه وآله يتهربون من الانصياع للأمر الجديد القاضي بالتوجه إلى الكعبة.. ولذا رأينا الله تعالى بعد هذا الخطاب الخاص، يوجّه خطاباً ثانياً عاماً لجميع المسلمين للتأكيد على أن تغيير القبلة ليس أمراً خاصاً بالنبي دون أتباعه.
سؤال: هل كان تغيير القبلة لتطييب خاطر النبي صلى الله عليه وآله.. لأنّ جملة قِبْلَةً تَرْضَاهَا توحي بهذا المعنى؟
يزاح هذا التوهّم إذا علم أنّ بيت المقدس كان قبلة مؤقتة، وأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان يتوقع صدور أمر التغيير.. لتقطع مطاعن اليهود على المسلمين من جهة، ولإيجاد مزيد من الأرضيّة لاجتذاب أهل الحجاز الذين يقدسون الكعبة إلى اعتناق الإسلام إضافة إلى أن إعلان بيت المقدس قبلة أولى للمسلمين كان قد أبعد عن الإسلام شبهة العنصرية والتعصب القبلي.. وكذلك تحطيمه خرافة أوثان الوثنيين التي كانت في الكعبة..
9 - لو أن شخصاً نظر من خارج الأرض إلى صفوف المصلين المستقبلين للكعبة، لرأى دوائر متعدّدة متداخلة في بعضها حتّى يصل إلى مركز تلكم الدوائر؛ وهو نقطة الكعبة المشرّفة، إذ تميّز بوضوح صورة الوحدة والمركزيّة.. والمثير أنّ اهتمام المسلمين بتحديد جهة الكعبة أدّى بعلم الهيئة والجغرافيا إلى مزيد التطوّر بين المسلمين منذ البداية، لأن حسابات الجهات، وجهة القبلة بالخصوص لا تتم دون الاطلاع الكافي على هذه العلوم...
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)
1 - هذه الآية الشريفة تناولت العناد ولجاجة أهل الكتاب وتقسم( عبر حرف لئن الذي هو جواب قسم)أنّهم مهما أتاهم الرسول بالدليل والآية والبرهان، إلا أنهم لن يتبعوا القبلة المحمدية؛ لا سيما وأنهم قد أدركوا الحقيقة..
وعليه؛ فلا حاجة لأن يتعب الرسول نفسه، فهم لن يستسلموا للحق؛ إذ أنهم ماتت أرواحهم بعد أن رفضت الصواب عن سابق علم.
2 - للأسف؛ فقد واجه جميع أنبياء الله تعالى هذا النموذج من الأشخاص؛ الذين كانوا أغنياء أو ذوي نفوذ اجتماعي أو علماء منحرفين وعبّاد دنيا أو من العوام الجهلة المتعصبين.
3- تهديد القرآن وتحذيراته للنبي يقصد بها الحيلولة دون المغالاة بالأنبياء والأولياء كما حدث في الأديان الأخرى، ومثل ما غالا النصارى بالنبي عيسى عليه السلام حيث اعتبروه ابن الله واعتبروا الملائكة بنات الربّ القدير!!
4 - يؤكد القرآن فشل مخططات أهل الكتاب - المستعينة بإشارة اللغط والفوضى - للضغط على المسلمين للعودة إلى القبلة السابقة فالكعبة قبلة المؤمنين الأبدية.. وهذا النوع من البيان في حقيقة الأمر يهدف القضاء على إثارات المعارضين؛ مما يوجب على الفرد المؤمن الوقوف بصمود بوجه فوضى المعارضين له، وليؤكد بأنه ثابت على دينهوَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ.
5 - اليهود والنصارى بدورهم متعصبون - بجهل وعناد - لرأيهم وليسوا على استعداد لاتباع قبلة بعضهموَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ فلا اليهود يتوجّهون إلى قبلة النصارى، ولا النصارى يتبعون قبلة اليهود.
6 - يحذر الله تعالى من أنّ النبي - على سبيل الإشارة لكل مؤمن - من اتباع وساوس وضغوط أهل الكتاب، وإلّا انقلب هذا المؤمن إلى ظالموَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
7- ينبغي أن يعلم الجميع أن القوانين الإلهيّة مجرّدة عن التمييز بين الناس بمن فيهم الأنبياء المشمولين بهذه القوانين، وعليه؛ وعلى فرض المحال؛ لو حدث أن أصيب النبي بالانحراف عن الحق، فإنّه سيشمل بالعقاب، رغم أنّ هذا الفرض غير وارد في أشخاص الأنبياء والأولياء المعصومين وهم المفعمون باليقين وأرقى مقامات التقوى (وحسب الاصطلاح: القضية الشرطية لا تدلّ على وجود الشرط).
8 - ينبغي للناس جميعاً أن يحسبوا حسابهم، وأن يعلموا بأنه إذا كان حال النبي بهذا المنحى، فكيف يكون حالهم وكيف عليهم أن يراقبوا أنفسهم، بما يعني عدم جواز التسليم المحاولات أو مظاهر الانحراف ومصاديقه..
9 - من هنا يتضح أنّ النبي صلى الله عليه وآله غير مخوّل بإحداث التغيير في أحكام
الله - بل إنّه يعبّر عن إرادة الله في عباده، فمهما يصدر عن الرسول إنّما هو صادر عن الله تعالى لأنه مهما سما وارتقى ودنا من الله تعالى؛ يبقى العبد الأول له سبحانه (لئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم).
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)
1 - فريق من أهل الكتاب يعرفون نبي الإسلام صلّى الله عليه وآله كما يعرفون أبناءهم، وكما يعرف كلُّ والد هوية ولده بتفاصيلها.. فإنّ هؤلاء يعرفون الهوية الشخصية لرسول الله صلّى الله عليه وآله من خلال كتبهم الدينية، إلا أن فريقاً منهم يحاولون كتمان الحق.. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
2 - فريق من أهل الكتاب وبعد اطلاعهم على كتبهم آمنوا برسول الله صلوات الله عليه وآله.. كما فعل عبد الله بن سلام - وهو من علماء اليهود وقد اعتنق الإسلام - حيث نقل عنه القول بخصوص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «أنا أعلم به مني بابني».(1)
3- هذه الآية تزيح الستار عن حقيقة رائعة، وهي بيان الصفات الجسمانية والمعنوية وخصائص نبي الإسلام في الكتب السماوية السابقة بكل وضوح بحيث تشكل صورة كاملة في أذهان المطلعين على تلكم الكتب.
4 - ترى هل هناك من يحتمل عدم ذكر اسم لرسول الإسلام في تلك الكتب، والحال أنه صلى الله عليه وآله كان يقول لهم بصراحة إنّ جميع صفاته مذكورة ومتوفّرة في كتبكم؟ ولو لم يكن الأمر كذلك؟ لهب علماء أهل الكتاب بوجهه ولتحدوه أن يأتيهم بنصي واحد
1) التفسير الكبير، ج 4، ص 110
يشير إلى اسمه أو صفة من صفاته.. وعليه؛ فإنّ هذه الآيات وأمثالها دليل قاطع على صدق الرسول وحقانيته.
5 - لو لم تتوفّر روح البحث عن الحقيقة؛ لأجل الحقيقة، فإنّ العلم المجرّد غير كافٍ. فاليهود كانوا يعرفون النبي صلوات الله عليه وآله حق المعرفة، ولكنهم لم يعترفوا بما عرفوا.. (يَعْرِفُونَ.. لَيَكْتُمُونَ).
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)
1 - بهذه العبارة تطيب الآية خاطر رسول الله صلّى الله عليه وآله وتؤكّد عليه - على المسلمين - عدم التردّد ولو بمقدار ذرّة تجاه تخرّص الأعداء، سواء في مسألة القبلة أو غيرها، مع أنّ الأعداء قد عبّؤوا كل طاقاتهم.
2 -رغم أنّ الخطاب في ظاهره موجّه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولكن - كما مرّ في الآيات الماضية -المخاطب الحقيقي هو عامة الناس، وإلا فإنّ النبي أكرم وأعظم من أن يدخله شكّ وترديد وهو خير خلق الله تعالى مضافاً إلى تسديده بالوحي.
3- الأحكام والقوانين والأوامر الإلهيّة الثابتة بالقرآن أو الروايات لا مجال فيها للإخلال أو التكاسل أو المجادلة..
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)
1 - طيلة التاريخ الخاص بالأنبياء كانت القبلة متعدّدة مختلفة، وإن تغييرها ليس بالأمر العجيب، إذ هي ليست كأصل الدين الذي لا يمكن تغييره، وليست كأمر تكويني يعسر التخلّف عنه، وعليه؛ لا ينبغي الإكثار من الحديث عنها ، وبدلاً من المجادلة بخصوصها؛ يلزم التسابق في أعمال الخيروَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.
2 - بدلاً من تضييع الوقت في الجدل والمراء في هذه المسألة الفرعية، عليكم بالاهتمام بصالح الأعمال والإتيان بها؛ لا سيّما وأن ساحة الدنيا متاحة للقيام بالعمل الصالح ضمن عمليّة التنافس والتسابق .. لأنّ معيار مقام الإنسان هو النوايا والأعمال الصالحة.
3 - إذا كنتم ترغبون باختيار المسلمين، فلكم أن تختبروهم في القضايا الهامة والضرورية لا في مسألة القبلة.. وتحذيراً للمتحججين وتشجيعاً للصالحين قالت الآية: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا.
4 - ليس من المناسب أبداً أن تنشغل مجموعة صالحة بالعمل الصالح، فيما تنهمك أخرى ببثّ الشائعات المغرضة والإخلال بمنجزات الآخرين فتكون المجموعتان على حدٍ سواء في التقييم.. وليعلم أنّ يوم القيامة واقع لا محالة، وهنالك تكون عمليات الفرز والمحاسبة والتقييم الدقيق جداً...
5 - فسرت هذه الآية الكريمة في أحاديث أهل البيت سلام الله عليهم، كالمروي عن مولانا الباقر عليه السلام بأن المقصود بعبارة: أينما تكونوا يأتِ بكم الله جميعاً بأصحاب الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف، إذ قال بعد قراءته هذه الآية: «أصحاب القائم الثلاث مئة والبضعة عشر رجلاً هم والله الأمة المعدودة، قال: يجتمعون والله في ساعة واحدة؛ قزع كقزع الخريف»(1)(2)
6 - هذه الروايات تشير إلى أنّ الله عزّوجلّ قادر على جمع الذرّات المتناثرة من تراب عظام البشر في كل مكان في يوم القيامة.. وهو القادر أيضاً على جمع أصحاب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف إليه في ساعة واحدة. (3)
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)
1 - هذه التأكيدات المتتالية في هذه الآية ستتعاقب أيضاً في الآية التالية وكلّها تحكي حقيقة أن مسألة تغيير القبلة ونسخ الحكم السابق كان بالنسبة للفريق الحديث الإسلام مسألة يصعب تحملها كما كانت بالنسبة لفريق اليهود والنصارى الذين راحوا يؤلبون على الله ورسوله والقرآن!
2 - في جميع التحوّلات والثورات التكاملية عموماً، فإنّ ما يقضي على أشكال الجدل والشك هو قاطعيّة وصراحة التأكيدات المتوالية القاصعة.. ومتى ما تحدث القائد بلسان قاطع وغير قابل للشك والترديد دفع أتباعه إلى الإصرار والعزيمة، والأعداء إلى اليأس والهزيمة، وهذا ما نراه متكرّراً في القرآن المجيد.
3 - أنّ هذه التأكيدات ليست تكراراً محضاً، بل هي تعليمات جديدة في جملة ذلك ما ورد في الآيات السالفة حول وظيفة المسلمين فيما يتعلّق بمسألة القبلة بالنسبة للمدينة التي كانوا يعيشون فيها، ولكنّه في هذه الآية والآية التالية حيث تبين حكم ووظيفة المصلين حين السفر وفي أي موضع كانوا..
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)
1 - مع أنّ وجهة الخطاب القرآني في البدء كانت إلى النبي صلى الله عليه وآله: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ولكن مما لا ريب فيه أنّ المقصود هو عموم المسلمين، لا سيما وأنّ العبارة التالية تصرّح بتأكيد: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
ثم يشير القرآن في ذيل هذه الآية إلى نقاط ثلاث مهمة:
2 - يقول - لقطع ألسنة المخالفين - : إنّ تغيير القبلة جاء لكي لا تكون للناس حجّة عليكم: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ.
3- لولم يتمّ تغيير القبلة لزادت اعتراضات اليهود على المسلمين من جهة، وقالوا إننا قد قرأنا في كتبنا أنّ من علامات النبي الموعود أنه سيصلي إلى قبلتين، وصلاتكم هذه لا تنطبق على تلك العلامة، ومن جهة أخرى كان للمشركين أن يشكلوا بأن النبي الجديد يدعي سعيه وبعثته لإحياء دين إبراهيم، فلماذا نسي الكعبة وهي مركز إبراهيم.. ولكن تغيير القبلة
الموقّتة قد قطع لسان الفريقين.
4 - حيث أنّ الأفراد المتحجّجين والظالمين الذين لا يسلّمون لأي منطق صائب؛ قد وقع الاستثناء فيهم، قال تعالى: ِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ على اعتبار أنهم لا يهتدون إلى صراط مستقيم أبداً.. فإن صلّى المسلمون إلى بيت الكعبة والبيت الحرام، قالوا بأن المسلمين لا ثبات لهم وأنّهم سرعان ما سيتزلزل دينهم وأحكامهم، وهذه حجة المتحججين الذين يستحقون بالفعل التسمية بالظالمين، لأنهم يتعاملون مع الناس بظلم، وكذلك لأنهم لا يكفون أبداً عن محاولات إعاقة غيرهم عن الهداية..
5- لأنّ القرآن المجيد سمّى أفراد هذا الفريق بالظلمة؛ فقد كان من الممكن لبعض المسلمين أن يخشوهم ويُرعبوا منهم، ولكن القرآن منع عليهم وحذرهم من خشيتهم وأمرهم أن لا يخشوا غير الله تعالى: فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
6 - من الأصول والقواعد العامة في التربية التوحيدية أن لا يخشى الإنسان سوى الله عزّوجل (الأصح: الخشية من معصيته) وهو شعار كلّ مؤمن، حيث تتكرّس هذه الروح في وجوده؛ فلا ينهزم أبداً.
7 - الحقيقة هي أن تغيير القبلة صورة من صور التربية والتكامل والنعمة بالنسبة للمسلمين ليتعرّفوا إلى أدب الانضباط الإسلامي وليتخلّصوا من التقليد الأعمى والتعصب، وذلك - كما قلنا - بأنّ الله تعالى أمر بدءاً بالانفصال عن عبّاد الأصنام الذين كانوا يتخذون من الكعبة بيتاً لأصنامهم ويسجدون لها، فحكم سبحانه باتخاذ بيت المقدس قبلة ليتحدّد موقف المسلمين من المشركين وسلوكهم.. غير أنّ الهجرة النبوية حين حدثت وتزامنت مع تشكيل الدولة الإسلامية؛ صدر الأمر بالتوجّه إلى الكعبة إلفاتاً لنظر المسلمين وانتباههم إلى بيت التوحيد الأقدم.. وهكذا تحققت إحدى مراحل التكامل في المجتمع المسلم
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)
1 - أوضح الله تعالى في آخر مقطع من الآية الماضية أنّ إحدى دلائل تغيير القبلة: إكمال نعمته على الناس وهدايتهم، ولكنّه في هذه الآية وبإيراد حرف كما إشارة إلى الحقيقة القاضية بأن تغيير القبلة ليس نعمةً فحسب، وإنّما - بعد هذه النعمة - هناك نعمة بعثة النبي صلى الله عليه وآله لهداية البشر؛ التي تتشعب منها أربع نعم أخرى تعود على المسلمين:ألف -﴿َتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا.
ب -وَيُزَكِّيكُمْ.
ج و د - وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.
2 - قد أعطاكم نعماً أخرى، مثل الرسول الذي هو منكم كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ.
3- يرد في كلمةمِنْكُمْعدة احتمالات:
ألف - يمكن أن تكون إشارة إلى أنه من نوع الإنسان؛ والإنسان هو الوحيد القادر على أن يكون مرتياً قائداً وأسوةً لسائر الناس ويطلع على آلام وحاجات الآخرين، وهذه بحد ذاتها نعمة
عظيمة..
ب - الاحتمال الآخر أن يكون المقصود منمِنْكُمْ أنه من قومكم وبلدكم، ذلك لأنّ عرب الجاهلية لم يكونوا ليهتدوا أو يتبعوا نبيّاً من غير جنسهم وعنصرهم، كما نقرأ في الآيتين (198 - 199) من سورة (الشعراء) المباركة: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ*فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ولهذا كانت بعثة الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله الذي هو من العرب نعمةً على هؤلاء حيث جنّبتهم هذه البعثة عسر أو استحالة الاهتداء إلى الله بواسطته.
4 - كان التأكيد الديني على عامل القوميّة وعروبة النبي صلى الله عليه وآله في البداية لمجرّد الشروع في الدعوة، إذ وجدنا لاحقاً أن عامل العنصر والوطن (الجغرافيا) قد حذفا من المنهج الإسلامي في الدعوة وصدر الأمر الإسلامي الخالد والأصيل القاضي بأن العالم هو الوطن وأنّ الإنسانية هي القوم والعنصر.
5 - يتلو من مادة التلاوة بمعنى التراتب والتتالي، ولذا؛ حينما تقرأ العبارات بالتوالي وفق النظام الصحيح يعبّر عنها بالتلاوة، أي أنّ النبي صلّى الله عليه وآله يتلو عليكم كلام الله تعالى وفق النظام الصحيح والمناسب لتتهيأ قلوبكم لاستقبال المعاني، وعليه؛ كانت التلاوة النبوية الشريفة لأجل خلق الأرضيّة والاستعداد لكسب التعليم والتربية التي سيتمّ تناولها في العبارات التالية..
6 - أنّ التزكية في الأصل كما قال الراغب في (مفرداته) بمعنى الإضافة والنموّ، فيكون أنه صلى الله عليه وآله وبالاستعانة بآيات الله يضيف على كمالاتكم المعنوية والمادية وينمّي روحكم، ويعمل على أن تتفتح أزهار الفضائل فيكم، ويطرد صفات الرذيلة الموروثة فيكم من الجاهلية منكم.
7 - مع أنّ التعليم - بشكل طبيعي - مقدم على التربية، إلا أنه وكما أشرنا سلفاً، يريد
القرآن إثبات حقيقة أنّ الهدف النهائي هو التربية، تراه غالباً ما يقدّمها على التعليم وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.
8- لبيان الفرق بين الكتاب والحكمة احتمالان:
ألف - يمكن أن يكون الكتاب إشارة إلى آيات القرآن والوحي الإلهي النازل بالإعجاز على رسول الله صلى الله عليه وآله.. ولكن الحكمة هي حديث النبي وخطابه وتعاليمه المسماة بالسنّة النبوية.
ب - يمكن أن يكون الكتاب إشارة إلى أصل التعاليم الإلهية.. والحكمة إشارة إلى الأسرار والفلسفات والعلل والنتائج.
واحتمل بعض المفسرين أن الحكمة إشارة إلى حالة وملكة تحصل من تعاليم الكتاب، وبحيازتها يتمكّن المرء من إنجاز كل عمل حسب موضعه.
9 - رغم أن مؤلّف تفسير (المنار) وبعد ذكره الاحتمال الأول (أن المقصود من الحكمة هو السنّة النبوية) وعدّه ذلك غير صحيح، وأنّ جهة عدم صحته - كما يقول - قوله تعالى: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ(1)(2).. ولكن الردّ عليه بأنّ للحكمة معنى واسعاً، كما يمكن إطلاق الحكمة على الآيات القرآنية والأسرار التي تتنزل على الرسول صلوات الله عليه وآله من هذا الطريق.. أمكن أن تكون الحكمة غير الكتاب - حيث جرى التقابل بين الكتاب والحكمة - كما هي الآية مورد البحث والتفسير وآيات أخرى.. فلا ريب أن المقصود من الحكمة غير القرآن، وهي ليست شيئاً آخر غير السنّة النبوية.
10 - حيث فصل الله تعالى في هذه الآية بين الكتاب والحكمة وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا
تَعْلَمُونَ وذكرهما بتمييز وخصوصيّة.. فقد أراد أن يفهم الناس بأنه لولا الأنبياء لبقيت كثير من العلوم خفيّة عنكم وإلى الأبد.. إذ الأنبياء لم يكونوا مجرّد قادة أخلاقيين واجتماعيين، بل هم قادة علميّون أيضاً، وما كانت العلوم الإنسانية لتكشف ولتنضج لولاهم...
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)
1 - لا ريب أنّ جملة فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ليست إشارة إلى معنى عاطفي يربط بين الله وعباده كما هو التعبير أو الإشارة المستعملين بين شخص وآخر.. بل هي إشارة إلى أصل تربوي وتكويني. فيكون - فيما يكون - المعنى من الذكر المتبادل هنا أن يتوجه إلى الذات المقدّسة وأسمائها وصفاتها التي هي مصدر جميع الخير والفضل والصلاح.. وبذلك تتطهر روح الإنسان ونفسه وتستعد لاستقبال واستيعاب رحمة الربّ الوهاب.. وإنّ التوجّه إلى الذات المقدّسة تدفع الناس إلى مزيد من الإخلاص والإقبال والقوة والاتحاد..
2 - للمفسّرين في شرح هذه الجملة من الآية الكريمة، وفي تحديد المقصود من ذكر العباد، وطبيعة ذكر الله تعالى وكيفيته.. أقوال عدّة ، وقد لخصها الرازي في تفسيره الكبير في عشرة مواضيع:
1 - ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ الآية (60) من سورة (غافر).
2 - اذكروني بالثناء والطاعة لأذكركم بالثناء والنعمة.
4 - اذكروني في الدنيا لأذكركم في الآخرة.
5 - اذكروني في خلواتكم لأذكركم في العلن.
6- اذكروني عند وفرة النعم لأذكركم عند قلّتها وحين العسرة.
7 - اذكروني بالعبادة لأذكركم عند الحاجة ( وشاهد هذا الرأي جملة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
8- اذكروني بالجهاد لأذكركم بالهداية وشاهد هذا المنحى الآية - 69 - من سورة (العنكبوت) حيث يقول سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.
9 - اذكروني بالصدق والإخلاص لأذكركم بمزيد الاختصاص.
10 - اذكروني بالربوبية لأذكركم بالرحمة (مجموع سورة الفاتحة يمكن أن يكون شاهداً على هذا المعنى)(1).
سؤال: ما هو ذكر الله تعالى؟
معلوم أن المقصود من ذكر الله ليس باللسان فحسب، هذا إن كان اللسان ترجمان القلب، بل الهدف من الذكر أن يكون الالتفات إلى الله بكل القلب والروح.. ذلك الالتفات الذي يحصن الإنسان من ارتكاب الذنب ويدعو إلى الطاعة.
4 - نقل في أحاديث عديدة عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام أنّ الذكر الحقيقي هو الذكر العملي، ونقرأ في حديث نبوي شريف ضمن ما ورد من وصاياه صلوات الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام:
«ثلاث لا تطيقها هذه الأمة: المواساة للأخ في ماله، وإنصاف الناس من نفسه، وذكر الله على كل حال، وليس هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولكن إذا ورد على ما يحرّم الله عليه خاف الله تعالى عنده »(2)
5 - من النقاط الملفتة للنظر في هذه الآية أنّه تعالى بكلّ عظمته قرن ذكر عباده إلى ذكره... العباد في عالمهم الصغير المحدود، والله العظيم اللامحدود واللامنتهي بكل رحمته وبركته.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)
1 - ورد الحديث في هذه الآية عن الصبر، إذ بدونه لا نحقق المفاهيم اللّازمة للإيمان.
2 - على عكس تصوّر البعض، فإنّ الصبر ليس بمعنى تحمّل البؤس والاستسلام للذلّ وعوامل الهزيمة، بل هو الاستقامة ومواجهة كلّ مشكلة وواقعة.
3- قسم كثير من علماء الأخلاق الصبر إلى ثلاث شعب:
ألف - الصبر على الطاعة (مقاومة المشاكل في طريق الطاعة).
ب - الصبر على المعصية (مقاومة الدوافع والمحفّزات على ارتكاب الذنب والانسياق وراء الشهوة والطغيان).
ج - الصبر على المصيبة (مقاومة الحوادث المأساوية ، وعدم الانهزام الروحي وترك الجزع والفزع).
4 - فلما ذكر القرآن المجيد كما ذكر موضوع الصبر وأكّده وبين تفاصيله وأجواءه (ورد الحديث عن الصبر في حوالي سبعين آية، منها عشر آيات خاصة بالرسول الأكرم) .
5 -تاريخ العظماء يشهد على أن من أهم عوامل النصر لديهم صبرهم واستقامتهم، أما المحرومون من هذه الصفة؛ فسرعان ما ينهزمون، ويمكن القول أنّ ما يساعد بشكل كبير الأمم على النصر والتطوّر ليس توفّر الإمكانات والذكاء بقدر ما للصبر من دور في ذلك.
6 - إشارة إلى آثار ونتائج الصبر في آيتين قرآنيّتين والكلمات القصار في (نهج البلاغة):
ألف -إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(1).
ب - الصبر على الحوادث إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(2).
ج - ونقرأ في (نهج البلاغة): «وعليكم بالصبر، فإنّ الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه؛ ولا في إيمان لا صبر معه». (3)
7- عدت الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام أنّ أسمى الصبر ما كان على المعصية حين تتهيّأ وسائلها، فيقاوم المرء الصابر ويستلذ بغض الطرف عنها..(4)
8 - صدر الأمر في هذه الآية بالاستعانة بالصبر عند وقوع الحوادث، إذ ينتج عن ذلك استقلال الشخصية واعتماد الذات تحت مظلة الإيمان بالله تعالى.. ويؤكد تاريخ الإسلام هذه الحقيقة جيّداً، وأنّ هذا الأصل هو القاعدة الرصينة التي يتحقق معها كل انتصار.
9- ورد اسم (الصلاة) في هذه الآية باعتبارها معتمداً مهماً إلى جانب الصبر، وهكذا نقرأ في المأثور عن أهل البيت عليهم السلام أنه:« كان علي عليه السلام إذا هاله شيء فَزع إلى الصلاة ثم تلا هذه الآية: واستعينوا بالصبر والصلاة».(5)
10 - حينما يواجه المرء صعاب الحوادث والمشاكل المضنية، ويرى قوته لا تعادل شيئاً في مواجهتها.. يحتاج متكأ عظيماً.. والصلاة فيها هذه الخصوصية، فهي القادرة على بعث الاطمئنان المعنوي وتهدئة أمواج المشاكل العارمة.
11 - وردت التوصية بأصلين في هذه الآية الكريمة؛ الأوّل: الاعتماد على الله، والصلاة مظهر هذا الاعتماد. والثاني: الاتكاء على الذات؛ وقد سمّته الآية بالصبر...
وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)
روى بعض المفسّرين عن ابن عبّاس في شأن نزول هذه الآية الشريفة أنّها في شهداء بدر وكانوا (14) شهيداً، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، فقال عنهم بعض الناس إنّهم أموات، فنزلت هذه الآية رافضة تسميتهم بالموتى بكل صراحة باعتبارهم أحياء عند ربهم...(1)
1 - بطبيعة الحال وفي كلّ ثورة ونهضة هناك من الناس من هم جبناء يطلبون الدعة والراحة، ورغم أنهم لا يؤدّون عملاً، تراهم يثبطون عزائم الآخرين حيث يقع من الحوادث المؤلمة، فيأسفون عليها ويعتبرونها قد وقعت بسبب الثورة.. أما القرآن المجيد؛ فقد أدانهم وأدان أقوالهم.
2 - لا ريب في أنّ كلّ هدف مقدس عظيم لا يتحقق إلا وتُقدّم فيه التضحيات والقرابين، وهذه سنة من السنن في هذا العالم.
3- كان فريق من المسلمين جبناء في مطلع الإسلام كلّما سقط شهيد في سوح الوغى قالوا: مات فلان؛ متأسفين على مقتله ممّا يسبّب وقوع اضطراب في المجتمع المسلم
1) مجمع البيان، ج1، ص 433
4 - ردّاً على هذه الأقاويل الصادرة عن بعض من يدعون الإسلام بحق الشهداء، أزاح القرآن المجيد الستار عن حقيقة عظيمة وقال بصراحة: لا حق لأحد أن يعتبر الذين يضحون بأنفسهم في سبيل الله تعالى موتى، بل لابد من الإيمان المطلق بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون يتحدثون إلى بعضهم بكل حبور، وهم سعداء بمصيرهم الذي بلغوه.. غير أنّ الناس - بطبيعة محدوديتهم المادّيّة في هذا العالم لا يشعرون بحقيقة الشهداء.
سؤال : ما هي طبيعة حياة الشهداء ؟
اتفق المفسرون أنّ الشهداء - طبقاً لظاهر هذه الآية - يعيشون ضمن حياة برزخية معنوية.. لا سيما بعد تلاشي أجسامهم المادية، وقد ورد عن مولانا الصادق عليه السلام أنّ المؤمنين يكرّمون ببدن مثالي (بدن مجرّد عن المادة المعروفة )(1)(2).
أما بخصوص حياة الشهداء؛ فقد وقع الاختلاف بين المفسّرين، وذكر في ذلك وجوه:
1 - قال بعضهم: إنّ هذه الحياة حياة غيبية مخصوصة للشهداء، وأشاروا إلى أنهم لا يملكون العلم بكيفية هذه الحياة وسبل الانتفاع فيها.
2 -وقال آخرون بأنّ الحياة هنا بمعنى الهداية، والموت نوع ضياع، وقالوا: إنّ معنى الآية هو أنّ من يقتل في سبيل الله لا تصح تسميته بالضائع، بل هو مهتد...
3 - وذهب غيرهم إلى إنّ حياة الشهداء الخالدة في تخليد أسمائهم وعقيدتهم.
ولكن بالنظر إلى اتفاق المفسرين الذي ذكرنا، يتضح أنّ أيّاً من هذه الآراء والاحتمالات غير مقبول ولا لزوم لتفسير الآية بالمعاني المجازية، كما لا نؤمن بأنّ الحياة البرزخية خاصة
بالشهداء، بل إنّ الشهداء يرفلون في حياة روحانية وبرزخيّة مع استثنائهم عن غيرهم بمقام القرب من الرحمة الإلهية ولهم عنده أنواع النعم..
4 - يمكن إثبات موضوع بقاء الروح والحياة البرزخيّة للناس (الحياة بعد الموت وقبل البعث) من خلال هذه الآية، وهي بمثابة ردّ صريح على الذين يذهبون إلى أن القرآن لم يشر إلى مسألة بقاء الروح والحياة البرزخية.
5 - أنّ الإسلام دين يفتخر ويعتز بالاستشهاد، وبالتصوير الذي أداه لمسألة الشهادة في الآية أعلاه والآيات الأخرى يكون - الإسلام - قد أشرك عاملاً مهماً جداً في طريق مواجهة الحق للباطل.. عاملاً هو أحد وأمضى من كلّ سلاح وتأثيره أكثر من كلّ تأثير، وهو الذي بإمكانه إلحاق الهزيمة النكراء بأخطر وأفتك الأسلحة التقنية المعاصرة.
6 - لو دققنا النظرة في تاريخ الإسلام وصور الجهاد الخالدة وتضحيات المجاهدين الذين رفدوا الدين بكل وجودهم لرأينا أن دليل جميع الانتصارات هو أن الإسلام قد علمهم بأنّ القتل في سبيل الله وفي طريق الحق والعدالة لا يعني التلاشي والفناء والموت، بل هو عين السعادة والحياة والعزّة الأبديتين.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)
1 - نسب القرآن الكريم في أكثر من عشرين موضعاً امتحان الناس إلى الله تعالى، وهذا من سنّة الله وقانونه العام والدائم.
2 - أوّل سؤال يخطر على الأذهان بواسطة هذه الآية هو أليس الامتحان جعل المعرفة الأشخاص عبر الأمور المبهمة وغير المعروفة؛ فنهبط بميزان جهلنا بهم؟ وإن كان الأمر كذلك، فالله الذي يحيط علمه بكل شيء، وله العلم بأسرار ومظاهر كل الناس وكلّ شيء ويعلم غيب السماوات والأرض علماً لا يحده حد، وهو مطلع على كلّ فرد وكلّ أمر ولا يخفى عليه خافية، فهل أنّ امتحانه للناس يزيد من علمه بهم؟
للإجابة على هذا السؤال الهام لابد من الإشارة إلى الحقيقة أدناه:
إن مفهوم الامتحان بخصوص الله عزّوجلّ يختلف عما هو بخصوص البشر بعضهم لبعض. فامتحان الناس لبعضهم يقصد منه المعرفة الأكثر بهم، وإزاحة الجهل والإبهام بالنسبة للأمور الخافية عليهم.. أما الامتحان الصادر عنه سبحانه وتعالى؛ فيقصد به تربية الناس ليكتشفوا قابليّاتهم ومواهبهم وقدراتهم، وبالنتيجة ليتربوا ضمن المنهج الإلهي. وكما يعرّض الحديد والفولاذ إلى وهج النار لتقويته، كذلك الإنسان: يعرّض للامتحان بواسطة الحوادث المريرة ليتعلّم المقاومة.. ولعلّ من الممكن تشبيه الامتحان الرباني بعمل البستاني الخبير الذي ينثر البذور الجيدة في الأرض الصالحة للزراعة.. فتنمو هذه البذور بالاستفادة
من العوامل الطبيعيّة، ثمّ تواجه المشاكل التي يتعرّض لها الزرع عادةً من آفة أو ريح أو قلة ماء أو سماد وحرارة شديدة حتى تشرئب أعوادها وأغصانها فتكون في نهاية المطاف شجرة يانعة مثمرة وتستمر في حياتها.
وكما يحتاج الجنود - ليكونوا أشداء ذوي خبرة وتجربة - إلى المشاركة في التدريبات والمناورة والمعارك المفتعلة ليصمدوا في مواجهة أنواع المشاكل؛ مثل العطش والبرد والحرّ والموانع وغير ذلك.. وهذا هو سرّ الاختبارات الإلهية؛ لا لجهل مسبق من الله سبحانه، بل ليتكامل الإنسان وليعرف هو - قبل غيره - واقعه وحقيقة مستواه؛ فلا يطلب أكثر مما يستحق..
3- صرّح القرآن المجيد في موضع آخر بأنّ حقيقة الابتلاءات والامتحانات الإلهية لأجل صياغة الشخصية الإنسانية لدى المسلمين واكتشافهم قابليّاتهم التي كان الله تعالى قد كرسها فيهم من قبل وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ »(1).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في تحديده فلسفة الاختبار الإلهي: «وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم؛ ولكن لتظهر الأفعال التي بها يُستحق الثواب والعقاب». (2)
4 - أنّ صفات الإنسان الداخلية لا يمكن أن تكون لوحدها معياراً للثواب والعقاب إلّا أن تظهر على هيئة أفعال وأقوال.. والله تعالى يختبر عباده ليتضح الذي في دواخلهم بصورة فعل، حيث تتحوّل القابلية من حيّز القوّة إلى حيّز الفعل؛ فيكون الاستحقاق للثواب أو العقاب..
5 - لو لم يكن ثُمّ امتحان إلهي؛ ما خرجت القابلية إلى العلن، ولما أثمرت شجرة الوجود الإنساني.. وهذه هي فلسفة الامتحان الإلهي في منطق الإسلام..
6 - حيث أن نظام الحياة في عالم الوجود نظام تكاملي تربوي؛ وقد قضي على جميع الموجودات بلزوم طي طريق هذا التكامل - بما في ذلك الأشجار التي تبرز قابلياتها بعملية الإثمار - فقد صار جميع الناس بمن فيهم الأنبياء ومن يليهم، ملزمين بخوض الامتحانات طبقاً لهذا القانون العام لتتكشف قابلياتهم...
7 - مع أنّ الامتحانات الإلهية متفاوتة في الكيفية والدرجة، كأن يكون امتحان بعضهم
عسيراً وغيرهم يسيراً، فإنّ النتائج ستكون متفاوتة حتماً ولكن الامتحان يبقى ماثلاً أمام الجميع.. والقرآن المجيد يشير إلى امتحان الناس عموماً بقوله:أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(1)؟
8 - ويذكر القرآن نماذج من امتحانات الأنبياء أيضاً حيث يقول: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ(2).
9 - في الآية أعلاه ورد ذكر نموذج من الأمور التي يمتحن الإنسان بها، من قبيل الخوف والجوع والضرر في المال والموت.. ولكن وسائل الامتحان الإلهي غير منحصرة في ذلك، بل هناك أمور أخرى ذكرت في القرآن المجيد باعتبارها وسائل امتحان، مثل: الأولاد والأنبياء
وتعاليم الله، بل إنّ من الخير والشر ما يمكن أن يكون وسيلة امتحان:وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ (3).
وعليه؛ فإنّ الموارد التي ذكرتها الآية ليست هي محط الامتحان فحسب، رغم أنها نماذج ومصاديق واضحة ومميّزة للامتحانات الإلهيّة، ونعلم أنّ الناس إزاء الامتحانات ينقسمون إلى قسمين قسم ينجحون وقسم يفشلون.
10 - ليست الامتحانات الإلهيّة تتم عبر الحوادث العسيرة وغير الملائمة للإنسان دوماً، إذ لعلّ الله سبحانه يمتحن عباده بوفرة النعم والراحة كما قال القرآن الكريم وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فتنة(1)وعن سليمان عليه السلام قال:هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ(2).
11 - من الضروري الالتفات إلى بعض المسائل الخاصة بالامتحان الإلهي:
ألف - ليس من اللازم تصوّر أن جميع الناس يمتحنون بكل الوسائل، بل من الممكن أن تحن كلُّ فريق بامتحان معيّن، وذلك بما يناسب أوضاعهم الروحية على صعيد الفرد أو الجماعة..
ب - يمكن أن ينجح المرء في امتحانات ما، فيما يفشل في أخرى.
ج - يحتمل أن يكون امتحان شخص ما وسيلة امتحان شخص آخر، مثل أن يمتحن الله رجلاً في مصيبة ولده فينتهي هذا الامتحان إلى امتحان رجل آخر ليعلم ما إذا ك-ان يتعاطف معه لتخفيف ألمه أم لا؟
د - يجب أن نعلم أنّ الامتحان الإلهي له منحى عام، ولا يستثنى من ذلك أحد بمن فيهم الأنبياء، بل إنّ امتحانهم - وبالنظر إلى مسؤولياتهم الجسام - أقسى وأكثر صعوبة من امتحان غيرهم ممن هم دونهم.
ه- -آيات السور القرآنية العديدة تعبر عن هذه الحقيقة القائلة بأن كل نبي من الأنبياء يتعرّض بدوره إلى نوع من الامتحان العسير، بل إنّ بعضهم - وقبل بعثتهم - يمرون بمرحلة أو مراحل من الامتحانات المختلفة ليكونوا على درجة من الاستعداد لأداء أدوارهم في قيادة الناس وهدايتهم، وليصبحوا قدوات قد اجتازوا امتحاناتهم بنجاح باهر.
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)
دخل ضيفان على امرأة مسلمة أعرابية تسكن البادية وتدعى أم عقيل وكان ابنها مع جماله يرعاها في الصحراء، فأُخبرت المرأة أن جمل ولدها الهائج قد ألقى به إلى بئر وفارق الحياة، فقالت أم عقيل لمن جاءها بنبأ وفاة ولده أن يترجّل من مركبه ويساعدها في خدمة ضيفيها، وأعطته شاةً ليذبحها ويعد منها طعاماً للضيوف.. وحينما تهيّأ الطعام.. ووضع أمام الضيوف وراحوا يأكلون منه، فيما الحاضرون تملكهم العجب والاستغراب من صبرها وتحملها.. فقال أحدهم: حينما فرغنا من تناول الطعام التفتت إلينا أم عقيل وقالت: هل فيكم من يحسن قراءة القرآن ؟ فأجابها أحدهم أنه كذلك، فقالت له: فلتقرأ آيات من القرآن لتكون لي مواساة في فقدي لولدي.. قال القارئ : فقرأت قوله تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.
ثمّ إنّ المرأة نأتُ عنهم واستقبلت القبلة لتصلي ركعات ثمّ قالت: اللهم إنّي فعلت ما أمرتني، فأنجز لي ما وعدتني..
وأضافت قائلة: لو كان لأحد أن يبقى في هذه الدنيا... فقال أحد الحاضرين: ظننت أنها ستقول: لبقي ولدي. ولكنها قالت: لبقي محمّد صلّى الله عليه وآله لأمته!!(1)
1) بحار الأنوار، ج 79، ص 152
سؤال : حيث يشترك الناس جميعاً في التعرّض للامتحان الإلهي، فما هو سر النجاح والتوفيق في هذا الامتحان؟
الإجابة تقدّمها الفقرة الأخيرة من الآية، وهي أنّ أوّل وأهم خطوة في النجاح المنشود هى العبارة الحكيمةوَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الواردة في الآية أعلاه، إذ تصرّح بأن سر الفوز في هذا الطريق، هو الصبر والمقاومة، ولهذا، وردت البشارة للصابرين المستقيمين فحسب.
1 - ثمّ إنّ الالتفات والإيمان بأن حوادث الدنيا حوادث عابرة وأنّ المصاعب والمشاكل تمرّ في محطة الدنيا غير الدائمة، عامل آخر من عوامل الفوز والموفقية، ويستلهم هذا المعنى وهذه البصيرة من قوله تعالى: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
2 - هذه العبارة التي تسمى بعبارة (الاسترجاع) هي عصارة أرقى دروس التوحيد والانقطاع إلى الله سبحانه والاعتماد على ذاته المقدّسة في كلّ شيء وفي كل زمان ومكان وإذ نرى عظماء الإسلام يلهجون بهذه العبارة عند المصائب والأزمات استلهاماً من القرآن المجيد، فذلك كي لا تهزّهم المصائب، ومن أجل استيعابها في أجواء الإيمان بمالكية الله المطلقة وأنّ عودة جميع الموجودات إليه سبحانه وتعالى...
3 - قال أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير هذه العبارة: «إنّ قولنا: إنا الله، إقرار على أنفسنا بالملك ، وقولنا وإنّا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلك».(1)
4 - الاستعانة بقدرة الإيمان والألطاف الإلهية عامل مهم آخر في إحراز النجاح في الامتحان.. والذين تتلاعب بهم الحوادث يفقدون تعادلهم ويستولي عليهم الاضطراب، أمّا
1) نهج البلاغة، ص 485
أحبّاء الله تعالى ولأنّهم يتمتعون بالمنهج والهدف الواضحين المحدّدين؛ فيعيشون الاستقرار والطمأنينة دون أي حيرة وضياع ويواصلون مسارهم بكل هدوء، والله تبارك وتعالى يزيدهم بصيرة ونوراً يمشون به لئلا يسقطوا في الخطأ, وكما يقول القرآن المجيد: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(1).
5 - الالتفات إلى الحقيقة القائلة بأنّ جميع الحوادث تقع في محضر من الله تعالى وأنه مطلع على كلّ شيء، هو عامل آخر في الاستقامة.
6 - الذين يشتركون في هذا المضمار المضني يشعرون بأنّ من ينافسونهم من رفاقهم لهم مشاكلهم وأزماتهم الخاصة بهم ويتحملونها، وهذا ما ييسر عليهم الصمود والصبر والاستقامة.
7 - حيث نعلم بأنّ كلّ شيء من الله فإنّ في علمنا هذا درساً بليغاً فلا ننزعج من زوال أو قلّة النعم، لأنّ جميع المواهب, بل أنفسنا - أساساً - عائدة إليه يعطي يوماً ويأخذ يوماً آخر حيث يرى سبحانه المصلحة في الأخذ والحرمان، وفي الحالتين صلاح..
8 - الإيمان بأننا جميعاً راجعون إليه سبحانه يعلّمنا بأنّ دار الدنيا ليست دار خلد وإنّما زوال النعم وقلة المواهب أو كثرتها أمور سرعان ما تمرّ وتنقضي وتزول.. وهي كلّها وسيلة إلى طي مراحل التكامل.. فالالتفات إلى هذين الأمرين بمثابة الأصل والأساس في التأثر بعمق في إيجاد وخلق روح الاستقامة والصبر..
ومعلوم أنّ المقصود من جملةإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ليس مجرد ذكر لفظي، بل هو إيمان بالحقيقة والروح المنغرسة فيه.
1) سورة العنكبوت / 69.
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)
أولئك الذين تشملهم تحيات ورحمة ربهم وهم الذين بلغوا واهتدوا إلى مكانة الرضا والتسليم.
1 - جملة أُولَئِكَ عَليهم ... يمكن أن تشفّف عن البشرى المشار إليها في {وبشر الصابرين} ؛ أي: بشرهم بأن عليهم صلوات و...
2 - إن ألطاف وعنايات الله ، وثناؤه وتحياته ورحمته الخاصة تشمل على الدوام المؤمنين الصابرين، وتظللهم{أُولئكَ عليهم صلوات من ربهم ورحمة.
3- إن المؤمنين الصابرين على المصائب والمحن والمسلمين بقضاء إلههم، هم فقط من يبلغون هداية الله تعالى.
4- إن شمول حال المؤمنين الصابرين بالألطاف الإلهية الخاصة، هو انعكاس لصفة ربوبية الله تعالى { من ربهم}.
5- إن المؤمنين المعتقدين بأنهم من الله وإليه عائدون.. والذين يتحملون مشقات مسير إيمانهم.. يرتقون مقامات عليا عند الله سبحانه{ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.. أولئك عليهم صلوات من ربهم}.
6 - إن المؤمنين الصابرين في طريق الإيمان.. سوف ينالون الهداية الحقة، {قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون... وأولئك هم المهتدون}.
7- إن المؤمنين هم فقط من سينال توفيق تحقق الأهداف المرغوبة لديهم (سعادة الدنيا والآخرة) { وأولئك هم المهتدون}.
8- إن بلوغ الهداية والحصول على الرحمة واللطف الإلهي، هو البشارة التي يعطيها الله للصابرين في طريق الإيمان وبشر الصابرين.. أولئك.. هم المهتدون}.
9- إن لكل من الصلاة والرحمة والاهتداء معنى منفصلاً، رغم أنها كلها من وجهة نظر أخرى مصاديق للرحمة الإلهية ورحمة الله للصابرين هي بهدايتهم نحوه، فصلواته هي بمنزلة مقدمة لهذه الهداية، وما هدايتهم إلا نتيجة لهداية من الله فالله هداهم وهم تقبلوا هذه الهداية {وأولئك هم المهتدون}.
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)
بلغ إبراهيم عليه السلام سنّ الشيخوخة، ولم يكن قد رزق بولد بعد، فطلب الذرية من ربه المتعال، فوهبه الله تعالى ولداً من جاريته هاجر، سمّاه إسماعيل، بعد أن لم تنجب له زوجته الأولى سارة ولم تستطع تحمّل أن ينجب من غيرها، فأمره الله تعالى أن يأتي مكة بزوجته هاجر ورضيعها إسماعيل فيسكنا في تلك الصحراء الجرداء القاحلة.
امتثل إبراهيم عليه السلام أمر الله تعالى ونقل أسرته إلى مكة غير ذات الماء والزرع والمحرومة حتّى من تحليق الطيور فوقها، وحين أراد مغادرتها؛ راحت امرأته هاجر تبكي على أنه سيتركهما في هذه الصحراء القاحلة، فاهتز قلب إبراهيم الأوّاه الحليم ورفع كفّيه بالدعاء إلى الله تعالى قائلاً: أي ربّ لقد امتثلت أمرك بالمجئ بأسرتي إلى هذه الصحراء الجرداء وها أنا ذا سأسكنهما فيها ليسمو اسمك ويعمر بيتك.. قال هذا وودعهما بحزن وحنو وحبّ شدید ..
ولم يمرّ وقت طويل حتى نفذ ماء الأم هاجر ورضيعها إسماعيل وطعامهما وجف صدرها عن اللبن، فاضطربت أيما اضطراب نسيت معه العطش والجوع، وبعد ذلك راحت تسعى وتجهد في البحث عما يسد رمقهما.. فجاءت جبل الصفا بدءاً، فلم تجد ماء.. ولما التفتت إلى جبل المروّة غرّها السراب من جانبه فتوجهت إليه ظناً منها أنها ستجد ماءً، ولكنها لم
تعثر على شيءٍ منه، وهكذا خدعها السراب بين الصفا والمروة وهي تحاول العثور على الماء لإنقاذ حياتهما.. وقد كرّرت السعي بين الجبلين المكيين سبع مرات.. ولعلها كانت اللحظات الأخيرة التي نبع فيها الماء من تحت قدمي إسماعيل الرضيع بشكل إعجازي.. بعد أن كان مستلقياً على الأرض باحثاً بقدميه يبكي ويعاني العطش والجوع.. فما كان منهما إلّا أن بادرا إلى التناول من ذلك الماء المعين الذى سمّي فيما بعد (ماء بئر زمزم ونجيا من الهلاك.
هنالك حيث الماء رمز للحياة.. تقاطرت الطيور من كل حدب وصوب وغيّرت القوافل مساراتها إلى حيث زمزم، وتبدلت بقعة مكة إلى مهبط عظيم ومركز مهم بفضل تضحية أسرة إبراهيم الصغيرة حسب الظاهر..(1)
الصفا والمروة اسمان لجبلين صغيرين يقعان بمحاذاة المسجد الحرام وبفاصلة (428) متراً، وهما متقابلان.. وهذه الفاصلة صارت الآن بمثابة القاعة والممر المغطى الذي يسعى فيه الحجّاج و زائرو بيت الله بين الصفا والمروة سبع مرات.. وهذا السعي صار ذكرى لفعل هاجر الزوجة الفدائية المضحية لإبراهيم عليه السلام حيث سعت بين الصفا والمروة سبع مرات بحثاً عن جرعة ماء تسدّ بها رمق وليدها إسماعيل عليه السلام.
قبل ظهور الإسلام وأثنائه كان المشركون عبّاد الأصنام يأتون مكة لأداء مناسك الحج.. وكان الحج الذي ورثوه من ملة إبراهيم عليه السلام وطريقته حيث الوقوف بعرفات والطواف والتضحية والسعي بين الصفا والمروة، وقد أضافوا إلى ذلك مقداراً كبيراً من خرافات الشرك.
وقد قام الإسلام بإصلاح حجّ الناس وإعادته إلى أصله الإبراهيمي . وأمر الناس بأداء المراسم
1) تفسیر نمونه، ج 1، ص 540 و 541
الصحيحة الخالصة عن الشرك وأبطل الخرافات التي أضافها المشركون إليه.
والسعي يعني الحركة بين جبلي الصفا والمروة.. ونقرأ في كثير من الروايات الواردة عن طريق الشيعة وغيرهم أنّ المشركين في الجاهلية قد نصبوا فوق جبل الصفا صنماً كبيراً سموه (أساف) وصنماً آخر على جبل المروة دعوه (نائلة) وكانوا إذا سعوا بين الجبلين صعدوا إلى الصنمين وتمسحوا بهما طلباً للبركة.. ولهذا فقد كره المسلمون في حجهم - قبل الهجرة السعي بين الصفا والمروة ظانين أن السعي بين الصفا والمروة برمته غير صحيح وغير مشروع.. فنزلت هذه الآية وأعلمت المسلمين أنّ الصفا والمروة من شعائر الله..(1)فإن كان المشركون والجهلة قد خلطوا السعي بالخرافات والأباطيل، فإنّه لا يكون دليلاً أن يتركه المسلمون.
1 - مفردتا الصفا والمروة وإن كانتا اسمين لجبلي المسعى بمكة، إلّا أنّ الصفا لغةً بمعنى الحجر الصلد المتين المجرّد عن التراب والرمل.. فيما المروة لغةً بمعنى الحجر المتين الخشن.
2 - ( شعائر) جمع شعيرة بمعنى العلامة، و: شعائر الله العلامات التي تذكر الإنسان بالله تعالى وتحدّد فيه الذكريات المقدّسة.
3 - (اعتمر) من مادة عمره في الأصل بمعنى الأقسام الإضافية التي تلحق بالبناء والمؤدّي إلى تكامله، ولكنّها في المصطلح والتعريف الشرعي هي الأعمال المخصوصة المضافة إلى مراسم الحج (وتارة تكون منفصلة تحت عنوان العمرة المفردة )ولا ريب أن العمرة
1) تفسير القمي، ج 1، ص 64 وج 2، ص 83
تشبه الحح من جهات كثيرة..
4 - صحيح أن قراءة وسماع تاريخ وسيرة العظماء يجذبان الإنسان إليهم، ولكن ثمّ طريق أصح وأعمق، وهو مشاهدة الوقائع التي نهض لأدائها رجال الله تعالى، مضافاً إلى رؤية البقاع التي حدثت فيها تلكم الوقائع ولهذا فإنّ رؤية الصفا والمروة بمثابة الحضور في مشهد التاريخ، وهذا يمثل في الحقيقة تاريخاً حيّاً، وليس كما هي كتب التاريخ الجامد والمجرّد عن الروح.
5 - في المقار الروحانية، مثل المسجد الحرام أو الصفا والمروة ومع إزالة الفواصل الزمانية وبالالتفات إلى مسألة التواجد والحضور في البقاع والمقرّات الأصلية، يجد الإنسان نفسه في عمق الحوادث الحسّاسة والمهمة، حتى لكأنّه يرى كلّ شيء بعينه المجرّدة.
6 - مشاهدة الصفا والمروة بمثابة درس من دروس معرفة الله تعالى ومعرفة طبيعة إرادته
وكيف جمعت هذه الإرادة كلّ هؤلاء الناس - مع أوجه الاختلاف بينهم – في مظهر واحد ورداء واحد وجهة واحدة، كما تعتبر هذه المشاهدة درساً في معرفة النبي وكيف ترك هذا النبي الرباني - إبراهيم عليه السلام - أسرته الصغيرة في تلك الصحراء القاحلة امتثالاً لأمره سبحانه وتعالى، إضافة إلى أنّ مشاهدة الصفا والمروة والحضور عندهما تمثل درساً في المعرفة المجتمعية يعلّم الإنسان كيف يمكنه أن يقوم - في لحظات - بأعمال يمكن أن تبقى آثارها خالدة إلى الأبد.
7 - السعي بين الصفا والمروة منهج تعليمي ، ونشير هنا إلى بعض من آثاره:
ألف: يعلّمنا أننا إذا تحركنا معاً؛ تكرّست فينا الروح الإلهية.
ب: يعلّمنا ضرورة طرد التكبّر عن أنفسنا، والتحرك مع الآخرين.
ج : يعلّمنا أنّ للمرأة والطفل سهماً في طريق اسم الله تعالى في النفوس.
د : الصفا والمروة تعلّمنا درساً - لإحياء الحق وتحقيق عظمة دين الحق - يقضي بأنّ
على الجميع؛ بما في ذلك الطفل الرضيع إبداء الصبر والمقاومة إلى حدّ التضحية بالنفس.
ه-- تعلّمنا الصفا والمروة أنّ الأمل والفرح بعد الشدّة واليأس، وكيف أن هاجر والدة إسماعيل بقيت تسعى وتبذل الجهد في موضع حيث لا ترى ماءً، حتى رواها الله تعالى من حيث لم تحتسب.
و- تخبرنا الصفا والمروة أنّ الأيام ستنصب الأصنام عندها، ولكن جهاد النبي صلى الله عليه وآله المتواصل قد أدّى إلى المناداة بشعار (لا إله إلا الله).
ذ: يخبرنا السعي بين الصفا والمروة أن نعرف ونقدّر للدين الحق ومركز التوحيد هذا قیمته العظمى، وأنّ ثَمّ أفراداً قد قدموا أنفسهم إلى حد الموت لإرساء دعائم هذا المحور التوحيدي وحفظه إلى اليوم.
8 - أنّ الأثر التربوي لملحمة الصفا والمروة لا يقاس بالأثر الذي يخلّفه خطاب أو كتاب هذه الملحمة هناك الحديث عن أحاسيس جياشة دون الإدراك، وعن وأمثالهما.. ففي التصديق لا التخيّل، وعن العينية لا الذهنيّة.
9 - كان الحديث في الآيات السالفة عن البلاء والامتحان، وفي هذه الآية ورد نموذج من امتحان هاجر عليها السلام وطفلها ثمّ أبوه وسائر المسلمين فيما بعد.. وأن محصلة العمل الإلهي والإخلاص تكون بحيث يتوجب على سائر الأنبياء والأولياء أن يقلدوا هاجر زوجة إبراهيم، ليقطعوا مسافة السعي بين الصفا والمروة سبعاً بكل خشوع.. مضافاً إلى أن آلام هاجر قد حظيت بشكر من الله تعالى: فإنّ الله شاكر عليم}.1 - أنّ مراسم الحج - في حقيقتها - تمثل لوحة كاملة تصوّر جهاد إبراهيم ومنازل التوحيد والعبوديّة والتضحية والإخلاص.. ولو أنّ المسلمين لدى أدائهم هذه المناسك والشعائر وقفوا على أسرارها وما ورائياتها وتأمّلوا رمزيّتها لعرفوا أنها تمثل وتتضمن درساً تربوياً عظيماً ومنهجاً رائعاً في معرفة الله والنبي والولي والإنسان..
11 - ثَمّ بقعة قوسيّة الشكل حوت مدفن هاجر وإسماعيل تعرف اليوم باسم (حجر إسماعيل يطوف حولها مئات آلاف الحجاج في كل عام ضمن طوافهم حول الكعبة، وهذا الأمر يمكن أن يكون بمثابة تقدير لإيمان وتضحية تلكم المرأة المؤمنة..)12 - لأنّ جبل الصفا كان أوّل قاعدة تبليغيّة اتّخذها الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله لإعلان الإسلام والتعريف به كان لزاماً - لدى السعي بين الصفا والمروة - علينا أن نتذكر أنّ آلافاً من الناس قد لبوا نداء الدعوة النبوية اليوم فيما كان أهل مكة قد أعرضوا عنها وجابهوها.. مما يوحي بضرورة عدم اليأس من إدبار الناس في برهة زمنيّة لما تدعوهم اليوم إلى الحق، وأنه لابد من المقاومة ومواصلة بذل الجهود.13 - الذين يتكبّرون عن مسايرة الناس ولقائهم في المواضع العامة، هاهم الآن - لدى السعي - يمتثلون لأمر الله تعالى ويهرعون مع سائر الناس في سعيهم بين الصفا والمروة.. ولعلّ شعيرة السعي - كما ورد في الروايات الشريفة - قد سُنّت لإيقاظ المتكبّرين من غفلتهم وغرورهم، كما هو الأمر الإلهي لزائري البيت والطائفين حوله بارتداء زي واحد واتخاذ وضع مخصوص دون أن تكون ثَمّ ميزة لأحد على آخر.. ولذلك: ورد وجوب السعي سبعاً لتكريس هذا التصوّر الإيماني والأخلاقي في ذهن الحاج..14 - ورد القول في هذه الآية أن لا جناح على من حج البيت أو اعتمر أن يطوف بالجبلين والمقصود بالتطوّف هنا السعي، وهذا لا يخالف المعنى اللغوي للطواف (بمعنى الحركة الدائرية إذ كلّ حركة يقوم بها المرء ثمّ يعود إلى منطلقه الأوّل تدعى طوافاً، سواء كانت هذه الحركة دائرية أم لم تكن.)15 - أنّ التعبير بالشاكر بالنسبة إلى الله تعالى تعبير رائع ولطيف يعبر عن مدى ومنتهى الاحترام من قبله سبحانه تجاه أعمال الإنسان الصالحة والطيبة، وهو يحكي عن شكر الله إزاء إتقان الإنسان أداءه مسؤوليته وتكليفه ﴿فإنّ الله شاكر عليم}.
سؤال: الحكم الشرعي يقضي بوجوب السعي بين جبلي الصفا والمروة؛ سواء في الحجّ أو العمرة، ولكنّ كلمة (لا جناح تشير إلى أنّ السعي هذا لا مانع منه ولا تدلّ على الوجوب..)ينبغي القول لدى الإجابة إنّ الروايات الواردة في شأن نزول هذه الآية تشير بوضوح إلى عدم الإشكال في السعي بين هذين الجبلين وإن كان المشركون قد نصبوا فيهما أصنامهم وكانوا يتمسحون بهما لدى السعي؛ ذلك لأنّ السعي في الأصل من شعائر الحج الإبراهيمي، فكانت كلمة لا جناح طرداً للتصوّر الخاطئ الذي اتخذه بعض المسلمين تجاه ما كان المشركون قد ابتدعوه في سعيهم.)هذا بالإضافة إلى أنّ عدداً من الواجبات الشرعيّة الأخرى قد ثبتت بدليل ذات الكلمة القرآنية القائلة﴿ لا جناح} مثل صلاة المسافر القصرية حيث قال القرآن: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا في الصلاة }(1مع علمنا بوجوب قصر الصلاة على المسافر وليس مجرّد انتفاء المانع عنه.. وعلى العموم؛ فإنّ كلمة {لا جناح} تستعمل حين تكون السابقة الذهنية لدى المكلّف مشوّشة ومزيجة بالشعور بالقلق والموقف السلبي تجاه هذا التكليف أو ذاك.)سؤال: ما المقصود من التطوّع الوارد في الآية؟التطوّع لغةً هو قبول الطاعة والأمر. وفي عرف الفقهاء هو العمل المستحبّ، ومن هنا؛ عدّ أغلب المفسرين هذه الكلمة إشارة إلى أداء الحج والعمرة أو الطواف المستحبّ أو أي عمل صالح مستحبّ، أي: أنّ كلّ من أدى عملاً مستحبّاً وامتثل لأمر الله تعالى، فإنّه عليم ويجزيه من الأجر المناسب، ولكن يحتمل أن تكون هذه الكلمة تكميلاً وتأكيداً للجمل السالفة، وأنّ المقصود هو قبول فعل الطاعة حيث تصعب على الإنسان.. وعليه؛ يكون معنى الجملة: أن
1) سورة النساء / 101.
من يؤدّي السعي بين الصفا والمروة بما فيه من مشقة ذهنيّة تسبّب بها عمل وسلوك أعراب الجاهلية من قبل.. فإنّ الله تعالى يشكره له ويعطيه من الأجر المناسب على ما فعله خلافاً لتصوّره الذهني وميله الباطني.
### الآية 159#### اشارةإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)#### شأن نزول الآية:نقل الطبري في جامع البيان عن ابن عبّاس أن جماعة من المسلمين مثل معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد سألوا بعض علماء اليهود عن مسائل في التوراة (تتعلّق بظهور وبعثة النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله فكتموا عليهم وامتنعوا عن إجابتهم، فنزلت هذه الآية (1( وحذرتهم من كتمان الحق وحملتهم مسؤولية ذلك).)#### النقاط المستفادة من هذه الآية:النزول، الکتمان، الهدایۀ، الکتاب، القرآن، اللعن1 - رغم أنّ وجهة خطاب هذه الآية - طبقاً لشأن النزول المروي هذا - علماء اليهود، ولكن لا يمكن حصر مفهومها بهم فحسب، إذ موضوعها هو كتمان الحق وفاعل هذا الكتمان؛ لما في هذا الموضوع من مظالم عظيمة في المجتمع الإنساني وآثار رهيبة مخرّبة.2 - يمكن الاستفادة جيّداً من هذه الآية أنّ الله تعالى وأنبياءه وأولياءه وملائكته يبغضون كتمان الحق وفاعليه.. وما أقبح أن يعمد العلماء إلى كتمان آيات الله ومفاهيمها - التي هي بمثابة الأمانة في أعناقهم وينبغي أن يؤدّوها إلى محتاجيها - لتحقيق منافعهم الشخصية وجرّ الناس إلى الضلال {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}.
1) جامع البیان، ج 2، ص 32
3 - التهديد والذم الواردان في الآية مورد التفسير والموجهان إلى كاتمي الحق في القرآن فريدان من نوعهما، ولم لا يكونان كذلك؟ أو ليس لهذا العمل القبيح أن يحرف أمة وأجيالاً؟ كما أنّ لإظهار الحق أن ينجي أمة وأجيالاً..4 - الإنسان يسعى إلى الحق بالفطرة، والذين يكتمون الحق إنّما يقطعون الطريق بوجه المجتمع الإنساني دون مسيرته التكاملية.5 - لو أنّ علماء اليهود والنصارى عمدوا إلى الكشف عما كانوا يعرفونه - لدى ظهور الإسلام - من بشارات العهدين القديم والجديد وأخبروا الناس بها، لكان من الممكن أن تنطوي الأمم الثلاث تحت لواء واحد في مدة قصيرة ولتنعمت هذه الأمم ببركات الوحدة.6 - أنّ كتمان الحق ليس مجرد كتمان آیات الله تعالى وعلامات النبوّة المحمدية، بل يتعدّى إلى إخفاء كل أمر وشيء عن الناس يمكن أن يبلغ بهم إلى الحقائق والواقعيات..7 - تارة يكون السكوت في موضع يتوجب فيه الكلام مصداقاً لكتمان الحق، وهذا يكون حيث يحتاج فيه الناس إلى الوعي والإدراك ويمكن للعلماء أن يلبّوا حاجات الناس عبر بيان الحقائق، وبعبارة أخرى أنّ إفشاء الحقائق فيما يتعلّق بالمسائل التي يبتلى الناس بها غير مشروط بالسؤال.. وإنّما على العارفين أن يتقدّموا للإدلاء بمعارفهم وعلومهم..8- أنّ الانشغال بالمسائل الجزئيّة والفرعيّة التي تتسبّب بالغفلة عن الأصول المهمة والمصيرية يعد نوعاً من كتمان الحق، وإن لم يتضمن كتماناً للحق، فلا شكّ أنّ ملاك وفلسفة تحريم كتمان الحق جزء من ذلك.9 - تمت إدانة كتمان الحق في الأحاديث والروايات الشريفة بشدّة، ومن جملة ذلك قول رسول الله صلوات الله عليه وآله :
«من سئل عن علم يعلمه؛ ثم كتمه ألجمه الله تعالى يوم القيامة بلجام من نار».(1)روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قيل له: من شرار خلق الله بعد إبليس وفرعون و نمرود و بعد المتسمين بأسمائكم والمتلقبين بألقابكم والآخذين لأمكنتكم والمتأمرين في ممالککم؟فقال: «العلماء إذا فسدوا هم المظهرون للأباطيل الكاتمون للحقائق، وفيهم قال الله عزّوجلّ: {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون... }»(2)سؤال: ما هو اللعن؟اللعن في الأصل بمعنى الطرد والإبعاد المزيج بالغضب، وعليه: فاللعن من ناحية الله يعني الإبعاد عن رحمته ومواهبه وبركاته التي تصل منه إلى عباده. وقال بعض علماء اللغة: إنّ اللعن في الآخرة بمعنى العذاب والعقوبة، وفي الدنيا بمعنى سلب التوفيق، وهذا المعنى في الواقع من مصاديق اللعن، دون أن يكون منحصراً فيهما فقط.10- مصطلح﴿اللَّاعِنُونَ له معنى واسع ولا يشمل الملائكة والمؤمنين فحسب، بل يعمّ كل موجود ومخلوق يتحدث بلسان أو بوسيلة أخرى.. ولقد نقرأ في بعض الروايات أنّ دعاء الخير - مثلاً - والاستغفار يمكن أن يصدر عن جميع موجودات الأرض والسماء وحتى حيتان البحر لطلاب العلم: «.. وإنّه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر».(3) 11 - قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ يشير إلى أن كاتمي الحق يقوّضون جهود الأنبياء وتضحيات رجال الله في إطار نشر آيات الله بكتمانهم الحقائق، وهذا بحد ذاته
يعدّ جريمة عظيمة وغير قابلة للمسامحة.
12 - لأنّ كلمة يلعن بصيغة المضارع الدال على الاستمرار، وقد ذكرت مرتين للتأكيد.
يكون معنى الآية: أنّ لعنة الله وجميع اللاعنين تتجه على الدوام نحو كاتمي الحقائق.. وهذا من أشد أنواع الجزاء الذي يمكن أن يتعرّض له الانسان.
13 - للبينات والهدى معنى واسع تشمل كل وسائل الهداية التي تتسبب في توعية ونجاة الناس من الضلال والضياع.
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)
حيث أنّ القرآن الكريم كتاب هداية، فإنّه لا يغلق نوافذ الأمل وطريق العودة بوجه الناس، ولا يقطع آمالهم برحمة الله تعالى - تراه هنا يدلّ على طريق النجاة وجبر هذا الذنب الخطير بالشكل التالي: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
2- أن قوله سبحانه: أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وردت بشكل مميز بعد القول: فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وفيها الدلالة على منتهى الحب والعطف من جهة الله تعالى إزاء التائبين.. فيقول: إذا عادوا بالتوبة والإصلاح والتبيين؛ عدت عليهم بالرأفة والمغفرة وأعدت لهم ما قطعته عليهم من رحمة وبركة والملفت للنظر أنه تعالى لم يقل: توبوا لأقبل توبتكم.. بل قال: عودوا لأعود.. والفرق بين التعبيرين جلي..
3- كلّ كلمة من جملة أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ تفيض بالرأفة والحنان، ولا يناسبها إلّا كلمة أَنَا ضمير المتكلّم المفرد التي تعني أنّ حسابهم على الله وحده، وتشير إلى طبيعة العلاقة المباشرة بين المتكلم والمخاطب، لا سيما إذا كان المتكلّم عظيماً إذ يقول: أنا بنفسي سأفعل كذا، دون أن يقول : سنفعل كذا.. إنّ اللطف والمحبّة متجذرة في العبارة الأولى كما لا يخفى على أحد.. بالإضافة إلى أنّ كلمةالتَّوَّابُ صيغة مبالغة، أي: كثير التوبة، اعتمر مما يضفي بروح الأمل في الإنسان ويشجّعه على اختراق حجاب اليأس.. لا سيّما وقد اقترنت بكلمة الرَّحِيمُ الدالة على الرحمة الربانية الخاصة..
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161)خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)
في هاتين الآيتين وردت الإشارة إلى أفراد كافرين يصرّون على عنادهم وكتمانهم للحق وتكذبيهم الدائم حتى الموت.. قال سبحانه بدءاً:إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
2- هناك آيات قرآنية عديدة توضح أن كل من غادر الدنيا في حال الكفر والعناد للحق لن يكون له طريق نجاة، لأنّه وبالنظر إلى أنّ السعادة والشقاء في الآخرة هما نتيجة مباشرة لعمل الإنسان في الدنيا.. يتضح أنّ الكافرين في الآخرة سيبتلون بالعذاب الأبدي خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ.
3- من حرق جناحه بنار الكفر والعداء للحق سيعجز عن التحليق في الآخرة، وسيتحتم عليه السقوط إلى درك الجحيم، ولأنّ العالم الآخر ليس عالم العثور على وسيلة، فإنّه سيخلد إلى العذاب، وهذا الموضوع شبيه بمن فقد بصره بفعل انغماسه في الشهوات والرغبات، فإنّه سيبقى مدى عمره أعمى..
4 - لاشكّ أنّ هذا العذاب الأبدي خاص بالكافرين الذين اختاروا طريق الكفر ومعاندة الحق عن عمل وسابق إصرار.
سؤال: فضلاً عن اللعنة الواردة هنا، ورد لعن جميع اللاعنين على من يكتم الحقّ..
والسؤال هو: ألا يكفي الكافر الكاتم للحق ومعانده أن يلعنه الله تعالى فحسب؟! ينبغي القول هنا: إنّ من الواضح بأن خضوع المجرم للعنة جميع اللاعنين – بالإضافة للعن الإلهي - صيغة تأكيد وتنديد وانزعاج جميع العالمين ممن يرتكب هكذا خطأ كبير..
سؤال: لماذا تمت الاستفادة من كلمة النَّاسِ التي تعطي معنى العموم هنا، والحال أنّ من هؤلاء الناس أفراداً هم شركاء للملعونين؟
لدى الإجابة نقول: إنّ هؤلاء بدورهم متنفّرون في دواخلهم من مسألة كتمان الحق، ومن هنا تراهم ينزعجون ممن يكتم الحق فيما يتعلّق بهم، فيلعنونه.. والفارق في الأمر أنهم إذا رأوا مصالحهم قد حفظت؛ غضّوا النظر عن قضية كتمان الحق..
وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
1- بيّنت هذه الآية العظيمة وحدانيّة الله مع نفي كلّ ما يؤدّي إلى الانحراف والشرك.. إذ تارة تصادفنا موجودات ذات صفات استثنائية منحصرة فيها.. ولكن لا بد من الإشارة إلى أنّها قد تكون مميّزة بصفة أو أكثر مخصوصة بها؛ فتكون هذه الموجودات أو هذا الشخص مميزاً متفرّداً.. ولكنّ الله تعالى أحد بذاته القدسيّة، وأحد بصفاته وبأفعاله.. ووحدانية الله لا تقبل التعدّد عقلاً.. فهو الواحد الأحد الأزليّ الأبديّ الذي لا تؤثر في وحدانيته وأحديّته الحوادث.. وحدانيّته في الأذهان وخارجها.. وجذوة القول: إنّه أحد في وحدانيته..
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
مقدمة : الآية محط البحث - في الواقع - دليل على مسألة إثبات وجود الله تعالى وتوحيد ذاته المقدّسة.
ذکر مثالين لإثبات نظم الخلقة
1- حينما نمعن النظر في نظام عالم الوجود وآثاره من جهة، ونلاحظ وحدة عمل هذا الجهاز المنظم من جهة أخرى.. نتيقن بوجود خالق هذا الوجود وأحديّته وواحديته. فمثلاً حينما نلاحظ حجب العين السبعة ببنائها اللطيف؛ نعلم أنّ الطبيعة العمياء يستحيل عليها أن تخلق هكذا جهاز بكلّ هذا الجمال والروعة. ثمّ حينما نتدبر التنسيق والتناغم بين الإنسان وسائر أقرانه الآخرين والتناغم بين المجتمع البشري مع مجاميع نظام الوجود نعلم أنها جميعاً تستلهم من مصدر واحد، وأنّ جميع نتائج ذلك تعود إلى قدرة الذات الإلهية المقدسة.
2 - أليس الشعر البديع المفعم بالمعاني الرائعة يلهمنا بأن قائله ذو ذوق راق وأنّ تخصصه وموهبته تهديه إلى قول هذا الشعر ؟
أو ليس التناغم الكامل بين مقطوعات الشعر وأبياته في ديوان شعري دليلاً على أنها ناتجة عن تخصص الشاعر الملهم؟
1- في هذه الآية وردت الإشارة إلى ستة أقسام من آثار النظم في عالم الوجود، وكلّ واحد من هذه الأقسام علامة ودليل على الخالق العظيم.
2- خلقة هذه السماء الرائعة، وكلّ هذه الكواكب السامية، وهي تتضمن مليارات الشموس وملايين النجوم الثابتة والمتحرّكة التي تتحدث إلينا بومضاتها أو تظهر نفسها عبر أجهزة الرصد العظيمة، وبكلّ نظامها الدقيق والعجيب وكأنّها سلسلة متصلة، وكذلك خلقة الأرض بمظاهر الحياة التي تحويها من نبات وحيوان.. كلها تشير بتأكيد قاطع إلى ذات الله المقدّسة ولوائح القدرة والعلم والأحديّة الخاصة به عزّ وجل إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ....
3- يتعجب الإنسان حقاً من أنّ علم البشر كلّما زاد، زادت عظمة هذا العالم وسعته في نظره، ولا يعلم إلى أي مدى سيتّسع هذا العلم وهذه المعرفة؟ وإلى متى؟
4 - يقول العلماء لنا اليوم هناك آلاف الآلاف من المجرّات في الفضاء وما المنظومة الشمسيّة إلا جزء صغير جداً في هذه المجرّات.. وفي مجرتنا التي تنتمي إليها أرضنا هناك ملايين الشموس والكواكب، وطبقاً لحسابات علماء الفضاء هناك ملايين الكواكب المأهولة بمليارات الموجودات الحيّة!!
5- اختلاف الليل والنهار والظلمة والنور وبالنظم الخاص بهما حيث يقلّ واحد ويكثر آخر بشكل تدريجي ممّا يؤدّي إلى حدوث الفصول الأربعة وتتكامل فيها النباتات والموجودات الحيّة.. كلّ ذلك علامة أخرى على ذات الله وصفاته المتعالية... وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ....
6- لو لم تحصل التغييرات بصورة تدريجيّة، أو كانت هذه التغييرات مصاحبة للفوضى، أو كان النهار أو الليل ،سرمديين، لطويت صفحة الحياة من الأرض تماماً.. وحتى إن لم تطوَ – على سبيل الفرض - لتعرّضت الحياة إلى الفوضى العامة واستحالت..
7- يقطع الإنسان مسافات البحار والمحيطات بواسطة السفن الكبيرة أو الصغيرة ويتنقل بين مختلف البقاع لبلوغ مقاصده.. وهذه الحركة البحريّة - لا سيما إذا كانت بواسطة السفن الشراعية - معلولة عدّة نظم في الحياة.. في البدء هناك حركة رياح منظمة في أجواء المحيطات (فضلاً عن الرياح الدائمة التي تهبّ في القطب الشمالي والجنوبي باتجاه خط الاستواء أو بالعكس ثانياً: هناك الرياح المقتصرة في حركتها وانطلاقتها في إقليم محدّد ضمن مسارات محددة وتمكّن السفن من الاستفادة من هذه الطاقة المجانية لبلوغ المقاصد. ثالثاً: الخاصّيّة الطبيعية الكامنة في الخشب. حيث تساعده على أن يطفو فوق سطح الماء. رابعاً: الخاصية الأبدية للقطبين المغناطيسيين في الأرض حيث تنظمان عقارب البوصلة.. أو نظام النجوم الذي يهدي السفن لضبط مساراتها.. ولولا تعاضد هذه الأنظمة، ما كان من الممكن أن يستفاد من السفن أو تتم الحركة البحرية.. وبالنتيجة: فإنّ هذه العوامل وهذه الأنظمة الراقية تعدّ من العلامات والدلائل على ذات الله المقدّسة.. وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ.
8- اليوم حيث صنعت السفن العملاقة التي تحرّكها المكائن لم تقلّل من شأن عظمة المعاني المتقدّمة، بل زادت منها بشكل كبير، ذلك لأنه ماتزال الحركة البحرية من أهم وسائل النقل لدى الناس، ولعلّ من السفن ما تشبه مدينة عائمة بأكملها من حيث السعة والحجم، وهي تحوي مراكز الترفيه والراحة والأسواق والمطارات والمسابح وغير ذلك..
9 - حبّات المطر المباركة والمصفاة أينما تسقط تراها تتسبب في بثّ الروح ونشر النعمة.. وماء المطر هذا أينما يتساقط وفقاً لنظام خاص تحيى به الأرض والموجودات
الحيّة.. وفي ذلك رسالة صريحة تعبّر عن قدرة البارئ وقدرته وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ.
10- تحريك الرياح بشكل منظم وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ليس على مستوى البحار ومساعدة السفن على الحركة، بل كذلك فوق سطح اليابسة والجبال والوديان والنباتات حيث تساهم في عمليات تلقيح هذه النباتات وإنتاج الثمار وتنشر البذور..
11 - مالك هذا العالم يأمر أمواج البحار والمحيطات بالتلاطم المستمر لتكون حاضنة لحياة الموجودات المائية.. وقد يحدث ذلك من خلال نقل الحرارة من المناطق الحارة أصلاً إلى المناطق الباردة، ونقل البرودة والرطوبة من مناطقها إلى المناطق الحارة أصلاً لمعادلة الأجواء في الأرض.. كما يتم - بإرادة الله تعالى - نقل الهواء الملوّث والمتسمم من المدن باتّجاه الغابات والصحارى لتكون بمثابة وسائل تصفية للهواء الذي يتنفّسه البشر.. نعم؛ إنّ تصريف الرياح بما تحمل من فوائد وبركات علامة أخرى على الحكمة واللطف الربانيين وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
12 - إنّ وجود الغيوم المتراكمة والمتحرّكة فوق رؤوسنا وبما تحمل من مليارات الأطنان من الماء، تراها تتحرّك معلّقة في جوّ السماء خلافاً لقانون الجاذبية، وهي تتنقل بين نقطة وأخرى دون أن تتسبب بخطر، وهذا الواقع بحدّ ذاته علامة على عظمة الخالق لهذا العالم.. إضافة إلى أنّه لولا هذه (السقاية الجوية) لعمّ الجفاف كافة بقاع الأرض ولصارت صحاري قاحلة جرداء ولتناثر التراب الميت في كل مكان.. وهذا أيضاً مظهر عظيم من مظاهر علمه وقدرته عزّ وجلّلَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
1 - في الآيات مورد البحث توجّه الخطاب إلى الذين غطوا أعينهم عن رؤية الدلائل الواضحة والقاطعة وساروا في طريق الشرك وتعدد الآلهة.. كما أنّ الخطاب القرآني تناول في جهة منه الذين خضعوا للمعبودات الخاوية فراحوا يعظمونها ويعشقونها.. إلّا أنّ الله عزّ وجلّ هو الجهة الوحيدة الجديرة بهذا العشق باعتباره مصدر الكمال وواهب جميع النعم.
قال القرآن بدءاً :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا
2 - لم يعبد المشركون آلهتهم المزيفة فحسب بل إنّهم عشقوها وكأنّهم يعشقون الله تعالى: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ.
3 - الذين آمنوا بالله لأنهم اختاروا عبادة الله عن علم ومعرفة، ولأنهم لا ينفصلون عن الله الذي هو مصدر الكمال، ولأنهم لا يولون قيمة تذكر لأي شيء آخر في مقابل حبّهم الله تعالى، تراهم موحدين في حبهم وعشقهم، فلا يتصرفون إلا فيما يرضيه ويريده ولا يصبرون على مفارقة رضاه وإرادته، فيقولون القولة العلويّة الشهيرة: «فهبني صبرت على
عذابك، فكيف أصبر على فراقك ؟ »(1)وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.
4 - الحب الحقيقي أساساً ينبغي أن ينصب على ما يعد نوعاً من الكمال، وبطبيعة الحال؛ فإنّ العاقل لا يعشق ما هو عدم أو نقص، بل تراه يحرص كل الحرص على البحث عن الكمال. ولهذا؛ فإنّ من كان مصدراً للوجود وكان كماله أكمل من كلّ كمال، كان الأجدر بأن يتوجّه إليه بالحبّ كلّ الحبّ.
5 - تأييداً وتسليماً لهذه الآية الشريفة، حيث أنّ عشق المؤمنين لربهم أشدّ من حبّ الوثنيين لأوثانهم، لا المؤمن قد لمس الواقع والحقيقة، ولهذا تراه يحبّ ربّه، أما المشرك، فهو متورّط بالخرافات والتصوّرات الواهية، وما إيمانه بأصنامه إلّا إيمان ناشئ من الجهل والتعصب لثقافة أسلافه الأكثر جهلاً منه، ولهذا؛ صار إيمانه وحبّه لآلهته المزيفة أقل شأناً من حبّ المؤمن الله مصدر الكمال.. وخلاصة الأمر؛ أنّ عشق المؤمنين الموحدين ناتج عن عقل وعلم ومعرفة وإحساس واع، أما عشق المشركين: فنابع عن جهل وخرافة وخيال واه.. فترى عشق المؤمنين متجذراً، فيما عشق الكافرين تجده متزلزلاً ضعيفاً وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.
6 - الظالمون والمشركون المتزلزلون حينما يرون العذاب الإلهي ويتيقنون أنّ كلّ القدرة بید الله سبحانه وأنّه ذو العقاب الشديد.. ينتبهون إذ ذاك إلى قبح أعمالهم وسيرتهم وسوء عاقبتهم، فيعترفون بأنهم كانوا مجرّد أفراد منحرفين وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ.
1) مصباح المتهجد، ج 2، ص 847
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)
1 - تزاح حجب الجهل والغرور والغفلة عن عيون المشركين وأعداء الله تعالى حين العذاب، فيعترفون بأخطائهم الجسيمة القاتلة، ولكن.. ولات حين مناص، إذ لا يجدون لأنفسهم ملجأ ومعتمداً، فتراهم يضطرون من بؤسهم إلى التوجه نحو من عبدوا واتبعوا في دار الدنيا لعلهم يجدون الخلاص والنجاة عندهم، ولكنّهم يتفاجؤون بأنّ قادتهم يتبرؤون منهم إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا.
2 - هذا القسم من الآية؛ حيث يرى المشركون بأم أعينهم عذاب الله الشديد ويتأكدون من أنهم وحيدون مقابل هذا العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ دليل وشاهد على العذاب والمعاد الجسماني في يوم القيامة.
3 - ليس المقصود بالمعبود هنا هو الصنم الحجري أو الخشبي، بل هو الإنسان الجبّار والشيطان الذي جعل الناس من أنفسهم خدماً وعباداً لهما وسلّموا لهم إراداتهم بلا قيد أو شرط.
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
1 - حيث يرى الضالون غدر معبوديهم في يوم القيامة بوضوح وصراحة يقولون مواساة لأنفسهم وتوقعاتهم الخائبة ليت لنا رجعة إلى دار الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا اليوم وقال الذين اتبعوا لو أنّ لناكرّةً فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا.
2 - الحسرة والندم لن ينفعا المشركين في يوم القيامة بعد تجلّي عدم وفاء معبوديهم لهم، إذ انتهى أمرهم ولن تكون ثم عودة إلى دار الدنيا، وقد قال القرآن من قبل في الآية (37) من سورة الزخرف الشريفة: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
3- تتجسّد حسرة المشركين في القيامة برؤيتهم أعمالهم، أي أن أعمالهم ستكون مادة حسرتهمكَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ.
4 - لن يكون عذاب المشركين منحصراً بالندم والحسرة في يوم القيامة، وإنّما سيبقون في عذاب جهنم خالدينوَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ وماذا يستطيعون فعله غير البقاء في الجحيم؟
5 - لعلّ حسرة المشركين في القيامة ستكون على أموالهم التي جمعوها في الدنيا وانتفع منها الآخرون، أو على إمكاناتهم العظيمة التي استعملوها ليخلدوا في الدنيا ففشلوا في
ذلك، أو على عبادتهم معبوداتهم التي تبين لهم فيما بعد أنها لم تكن ذات قيمة أو تستحق العبادة والاتباع، بدلاً عن عبادة الله مالك الدنيا والآخرة.. والحسرة ستتعاظم عليهم إذ يرون أن لا رجعة لهم ولا مجال لاستئناف العمل.. إذ ساعة القيامة ساعة جزاء ومواجهة نتائج الأعمال
لا غير.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)
1 - طالما أوصى الإسلام بحسن الاستفادة والانتفاع من النعم الإلهية الطيبة، مضافاً إلى مواجهة أشكال الرهبانية والزهد المزيف، وقد عد الإسلام تناول الطعام غير الطيب وغير الحلال من عمل الشيطان إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1)وكذلك عد التناول الذي ليس في محله خطوة شيطانيةكُلُوا... وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.
2- وضع الإسلام شرطين في تناول الطعام حلاله وطيبه، والحلال ما لم يكن محرّماً، والطيب هو السالم المفيد المناسب لطبع الإنسان، ويقابله الخبيث الذي يتنفّر منه ابن آدم بطبعه.
3 - خُطُوَاتِ جمع خطوة (على وزن قربة) والخطوات هي أفعال الشيطان التي يريد منها تحقيق هدفه لإغواء الناس.
4- عبارةوَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وردت في خمسة مواضع قرآنية، اثنان منها فيما يتعلّق بطبيعة الانتفاع من الطعام والرزق الإلهي، وهما يحدّران الإنسان من مغبة سوء التصرف بالنعم الحلال وضرورة أن يتم الانتفاع بها كوسيلة للطاعة وعبوديّة الله تعالى، دون الطغيان والفساد في الأرض.. وينبغي الالتفات إلى أنّ ذكر الموردين في القرآن الحكيم باعتبارهما
1) سورة المائدة / 90 .
اتباعاً لخطوات الشيطان فيما يتعلق بالطعام، نظراً لأنّ من موارد انحراف الإنسان واتباع خطوات الشيطان أنّها تتم من خلال الطعام والرزق اليومي للإنسان.
3 - طالما أكدت الآيات القرآنية الكريمة على الأمر بالاستفادة من الأطعمة الحلال وأنّ المواهب الإلهيّة يجب تحويلها إلى طاقة تصرف في الطاعة، لا أن تكون وسيلة لارتكاب الذنب واتباع الوساوس الشيطانية التي تنتهي بالفتنة والفساد في الارض كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(1)وقوله سبحانه: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ(2).
4 - عبارة إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ كأنها تشير إلى مسألة تربوية دقيقة، وهي أن الانحراف ينفذ إلى الإنسان بصورة تدريجيّة في الغالب وليس بشكل دفعي وفوري.. فمثلاً هناك جملة من المراحل التي يطويها الفرد الشاب ليتلوّث برذيلة القمار أو المخدرات أو شرب الخمر، حيث يبدأ متفرجاً في إحدى المجالس التي تزاول فيها أحد هذه الرذائل، ثم تراه يستخف ثمّ يتشجّع ثمّ يمارس ثمّ ينغمس وهكذا... حتّى يصير محترفاً..
6 - رغم أن وساوس الشيطان والانسياق وراءها يحدثان بصورة تدريجية كما تشير الآية، ولكن هذا الموضوع لا ينحصر بالشيطان الأصلي، وأنّ جميع الأجهزة الشيطانية تعمل وفق هذا السياق حيث تعمد إلى تفعيل مخططاتها بالأسلوب المرحلي (الخطوة خطوة) ولذا تجد القرآن يحذر المرء من وضع القدم في موضع الخطوة الأولى لتحاشي الانجرار وراء الخطوات الأخرى ثمّ مرافقة الشيطان.
7 - وصفت الأحاديث والروايات الأعمال الخرافية واللامنطقية بكونها خطوات الشيطان.
فنقرأ في حديث عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام وصف يمين أحدهم بأن يذبح ولده فقال: «ذلك من خطوات الشيطان».(1)
وفي رواية أخرى عن مولانا الإمام الباقر عليه السلام: كلّ يمين بغير الله؛ فهو من خطوات الشيطان».(2)
وعن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً ورد أنّ كلّ من أقسم على ترك عمل فعله أفضل من ترکه، فعليه أن لا يعتني بقسمه وأن ينجز ذلك العمل ولا كفارة فيه، وهو من خطوات الشيطان.(3)
8- حيث الآية وصفت الشيطان في مقطعها الأخير بكونه العدوّ المبين؛ فله ثلاثة احتمالات :
الأوّل: يمكن أن تكون العلة في عداوته قد بدأت منذ اليوم الأول لخلقة الانسان، إذ طرد ورجم وسلب منه مقامه بعد تمرّده على الأمر بالسجود لآدم عليه السلام.
الثاني: يمكن أن تكون العداوة الشيطانية بداعي دفعه الإنسان إلى جرائم مثل القتل والكفر مما هو واضح لدى الإنسان، إذ الجميع يعلم أن هكذا وساوس لا تصدر عن صديق، بل هي دعوات تصدر عن عدوّ خطير لا يريد للإنسان سوى السقوط والشقاء.
الثالث: ويحتمل أنّ عداوة الشيطان تكرّست بعد تصريحه بالعداء للإنسان وأنه لن يكلّ عن بغضه لابن آدم لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)
1 - هذه الآية دليل واضح على عداء الشيطان المستميت الذي لا يعود على الإنسان بغير الشقاء، إذ لا يأمر ابن آدم إلا بأنواع السوء والقبح ويدفعه إلى الافتراء على الله عزّ وجلّ وينسب إليه من القول ما لا يعلم.
2 - المنهج الشيطاني بهذا الصدد يوجز بثلاثة أمور: المساوئ والفحشاء والقول على الله من دون علم.
3 - الفحشاء مشتقة من الفحش بمعنى الفعل الخارج عن حد الاعتدال ويأخذ لنفسه شكلاً فاحشاً، وعليه؛ هي تشمل جميع المنكرات والقبائح الواضحة.. وحيث نلاحظ اليوم أنّ هذه المفردة تستعمل للإشارة إلى الأفعال المنافية للعفّة والشرف أو فيما يتعلّق بالممارسات التي وضعت لها حدود وتعزيرات، فهذا في الواقع من قبيل استعمال لفظ كلّي في بعض مصاديقه.
4 - ورد في تفسير (روح البيان) أنّ الشيطان في وساوسه يطوي جملة مراحل: فهو يدعو إلى الكفر بدءاً، فإن لم ينجح، دعا إلى ارتكاب الذنوب الكبيرة وإلا فالصغيرة، وإن لم ينجح؛ دعا إلى الاكتفاء بالمباحات بدلاً من ممارسة العبادة، فإن لم ينجح في ذلك؛ دعا إلى ممارسة
عبادة هي أدنى درجة، أو لنقل: عبادة خاوية المعنى، لئلا يرتقي المرء إلى درجة أعلى.... (1)
5 - عبارة تقولوا على الله ما لا تعلمون يمكن أن تكون إشارة إلى تحريم بعض الأطعمة الحلال؛ حيث كان العرب في الجاهلية ينسبون ذلك إلى الله تعالى، بل إنّ بعض المفسرين أشاروا إلى رواسب هذا النوع من السلوك في طبيعة تفكير بعض المسلمين.. هذا بالإضافة إلى أنّ هذه العبارة تشير إلى أنّ هذا القبيل من الأعمال ونسبتها إلى الله تعالى زوراً وبهتاناً وبلا علم ولا كتاب منير لا يتفق مع عقل عاقل ولا إنصاف منصف...6 - إنّ تأثير أمر الشيطان دلیل ضعفنا ومتى ما كان ابن آدم ضعيفاً؛ تقبل وساوس الشيطان كأوامر﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ(2)والحال أنّ أولياء الله لا يسمحون له بالنفوذ إليهمإِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ (3).
7 - لو أنّ الناس التزموا لدى أي حديث يدلون به بالاتكاء على الدليل والبينة لطويت صفحات الكثير من الفوضى والشقاء.
8- جميع الخرافات الحاصلة في الأديان والمذاهب إنّما نفذت بفعل الأشخاص غير المنطقيين، ولعلّ قسماً مهماً من الانحرافات الفكرية والعملية قد حدثت بدعى إهمال هذا الأصل الأصيل.
9 - هذه الآية دليل على أن جميع الأطعمة مباحة في الأصل إلا أن يرد تحريم لها بدليل قطعي، ولهذا كانت الأطعمة المحرمة ذات صورة استثنائية، وعليه؛ فالحرام بحاجة إلى دليل، أمّا الحلال؛ فليس كذلك.
10 - لمّا كانت القوانين التشريعيّة بحاجة إلى تناغم والقوانين التكوينية، فقد صارت
طبائع الخلقة تقتضي هذا التناغم مما يعني أنّ ما خلق الله تعالى له فائدة ينتفع بها عباد الله تعالى. وعليه؛ لا معنى أن تكون الحرمة أصلاً، إذ ما لم يكن ثَمّ دليل صحيح على الحرمة ولم يكن منشاً للفساد والضرر الفردي والاجتماعي، فإنّ الأصل هو الإباحة والحلّيّة.
11 - عرّفت الآية - في آخرها - الشيطان عدواً مبيناً للإنسان، وذلك لعدائه البدائي من اليوم الأول لآدم عليه السلام حيث تمرّد على الأمر بالسجود له، ففقد كلّ شيء، أو بسبب وساوسه بارتكاب الجرائم والذنوب المفضوحة، إذ الجميع يعلم بأنّ هذه الوساوس لا تصدر من محبّ أو صديق، بل هي دعوات صادرة عن عدةٍ خطير لا يهدف إلّا شقاء ابن آدم، أو بداعي تصريح الشيطان بعدائه للإنسان إذ قال: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.
هنا ثَمّ سؤال يطرح نفسه وهو: الآية تقول بأنّ الشيطان يأمركم بالعداوة والفحشاء. ولا ريب أنّ المقصود بأمر الشيطان وسوسته، والحال أننا حينما نقدم على ارتكاب المساوئ لا نشعر بإثارته لنا ولا نسمعه يقول : افعلوا كذا وكذا، ولا نستطيع لمس إضلاله لنا، وعليه؛ ما المقصود من أمر الشيطان في هذه الآية؟
الجواب: كما يستفاد من مصطلح (الوساوس الشيطانية) فإنّ تأثير الشيطان في وجود الإنسان تأثير مخفي غير معلن، كما ورد في بعض الآيات القرآنية مصطلح (الإيحاء): وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ(1)وهم المستعدّون لتلقي الأوامر.. والوحي – كما نعرف – في الأصل صوت خفي وسري وله تأثيره في اللاعوي أحياناً..
والنتيجة هي أنّ الإنسان يستيطع تحديد وتمييز الإلهامات الإلهية عن الوساوس الشيطانية؛ لوجود علامات واضحة للتمييز، وهي أنّ الإلهامات الإلهية ليست غريبة عن فطرة الإنسان النزيهة وعن هيكلة الإنسان روحاً وجسداً.. فحينما تحدث في القلب حالة انبساط
1) سورة الأنعام / 121.
ونشاط، يعلم أنّ هذا ناتج عن إلهام إلهي، أما الوساوس الشيطانية - ولأنها غريبة عن الفطرة وهيكلية الإنسان - فتخلق في الإنسان شعور مظلم وانزعاج وثقل ،ولا ريب أنّ الأنسان سيشعر بدرجة من التأنيب واللوم لدى القيام بالذنب أو بعده..وهذا هو الفرق بين الإيحاءات الشيطانية والإلهامات الإلهية.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)
1 - تشير هذه الآية إلى منطق المشركين الخاوي - فيما يرتبط بمسألة التحريم المجرّدة - عن الدليل للأطعمة الحلال مضافاً إلى مسألة عبادة الأصنام.. فتتحدّث - الآية – بأنه لو كان آباء وزعماء المشركين لو كانوا علماء وأصحاب رأي لاهتدوا ولصح اتباعهم، إلا أن هؤلاء يعلمون بأن زعماء هم كانوا جهالاً قد ضاعت عليهم جهة العبادة الصحيحة، فما معنى اتباعهم ؟ أو ليس اتّباعهم هذا تقليداً أعمى وبمثابة تقليد الجاهل للجاهل؟
2 - إنّ مسألة التعصب القومي - ولا سيما فيما يتعلّق بالآباء والأجداد – كانت سارية وحاكمة بين المشركين وغيرهم في الغالب، وهي ما تزال حاكمة في عصرنا الراهن، ومن المؤسف أنّ هذا النوع من التفكير الجاهلي يتحكّم في كثير من الأفراد والمجتمعات والأمم والحكومات..إذ تسري عبادة الأسلاف كما هي عبادة الأصنام، وقد خلّف الأسلاف لذراريهم جملة من السنن والخرافات والتقاليد، وصارت تحمل عنوان (الموروث الثقافي والاجتماعي) وتقبل بلا أدنى إشكال أو نقد موضوعي، تحت غطاء من الشعارات القائلة بحفظ الهوية القومية والوثائق التاريخية للأمة! وهذا النوع من التفكير يعد من أبرز العوامل المؤثرة جداً في نقل وسراية الخرافات من جيل إلى جيل..
3 - الفرد العابد الله حقاً يرفض منطق القوميّة والتعصب القومي، ولطالما ذمّ القرآن
المجيد التقليد الأعمى والتعصب المقيت والمجرّد عن الدليل، وقد عدّ المنطق المؤدّي بالإنسان إلى أن يغمض عينيه ويسدّ أذنيه لدى اتباع أسلافه منطقاً مردوداً تماماً..
4 - إنّ اتباع الآباء والأجداد بالشكل الذي يعطل الفرد مصادر معرفته أو يسخّرها في إطار تقليدهم لن يؤدّي إلى غير التراجع والخمول، ذلك لأنّ من المفترض أن يكون الجيل اللاحق أكثر وعياً وتجربة من الجيل السالف .
5 - لاشك في عدم وجود المانع من توجيه النقد والتحليل لسنن وآداب وثقافة الماضين، ليحفظ - بكل احترام - ما كان مناسباً وموافقاً للعقل والمنطق والفطرة، ويطرد ما يخالف ذلك من خرافات وأوهام.. وما العمل الذي هو أفضل من ذلك؟ وإنّ هذا النقد الموجه للثقافة الماضية هو الذي يساهم بشكل كبير في حفظ الأصالة والتاريخ لأمة من الأمم، إلّا أنّ الاستسلام المطلق والأعمى للماضي ليس - في حقيقته - أكثر من خضوع للخرافة والوهم والرجعية والحمق!!
6 - ما نقرأه عن أسلاف هؤلاء المشركين في هذه الآية أنهم لم يكونوا يفهمون شيئاً ولم يكونوا ذوي ،هدئ ، ممّا يؤدّي إلى أنّ من الممكن اتباع شاكلتين من الأفراد:
ألف - من كان ذا علم وعقل ومعرفة..
ب - أنّ من لم يكن عالماً؛ يفترض أن يكون قد اهتدى بعلم عالم..
ولأن أسلاف المشركين لم يكونوا من الواعين ولم يكن فيهم زعيم هاد.. فنعلم جيداً أنّ التقليد المدمّر للبشر هو تقليد الجاهل للجاهل..
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)
1 - سؤال: لم لا يستجيب المشركون لكل الدلائل الواضحة وتراهم يصرّون على ضلالهم؟ للمفسرين هنا قولان:
الأول: حيث يصرّح الله تعالى بأنّ مثلك - يا أيها الرسول - في دعوتك قومك المشركين إلى الايمان وكسر حواجز التقليد الأعمى، كمن له أغنام يرعاها فتعرّضت لخطر، فراح يناديها ويصرخ فيها، ولكنّها لم تكن لتنتبه إلى ندائه؛ إذ تشوّشت أذهانها وعجزت عن الإدراكوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً.
الثاني: لأنهم تمسكوا بالسنن والتقاليد الخطأ والخرافات فحسب وأداروا أظهرهم لكلّ دعوة حق.. ولهذا ترى مثل الذين تشبّثوا بعبادة الأصنام مثل الذي ينادي حيوانات مشوّشة لا إدراك لها في لحظة من اللحظات، فلا الحيوانات قادرة على الوعي ولا المعبودات المزيفة تسمع شيئاً من دعاء عابديها، لأنّ الأصنام - أساساً - صمٌ بكمٌ عميٌ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.
ولكن أكثر المفسرين اختاروا التفسير الأول، وقد أشارت الروايات الشريفة إلى ذلك. (1)
2 - لا ريب أنّ علاقة الإنسان بالعالم الخارجي بحاجة إلى وسائل ضروريّة. وهي المسماة
1) مجمع البيان، ج1، ص 463
بوسائل المعرفة، ومن أهمها: العين والأذن للرؤية والسماع، وكذلك اللسان للسؤال، ولذا نجد الآية أعلاه وبعد أن شبهت أولئك الأفراد بالصم البكم العمي بداعي تعطيلهم هذه الوسائل المعرفية، أوردت فاء التفريع بلا فاصلة، أي أنها أثبتت الاستنتاج بكونهم قوماً لا يعقلون حيث انعدمت
المعرفة لديهم.
3 - يؤشّر القرآن في آخر الآية حين قال:صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ إلى أنّ العين والأذن واللسان هي أسس العلوم والمعارف بالترتيب، إذ العين والأذن للإدراك المباشر، فيما اللّسان وسيلة الارتباط بالآخرين واكتساب علومهم.
4 - يَنْعِقُ من مادة: نعق: وهو صوت الغراب في الأصل حين لا يصيح، فإذا صاح قيل: نغق: من مادة نغق وهو صوت الغراب في الأصل حين يصيح عالياً مقرونا بمد عنقه.. ولكن هذا المعنى في اللغة اتّسع فيما بعد وشمل الأصوات التي تصدر منه في مقابل الحيوانات.. ومعلوم أنها لا تكون على إطلاع بمفهوم الكلمات والجمل.. ولو أنّها صدرت عنها ردود أفعال أحياناً، فذلك لأجل قوة الصوت وطبيعة أداء الكلمات.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)
1 - مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ القرآن وفيما يتعلّق بالانحرافات المتجذرة قد استفاد من طريقة التأكيد والتكرار في صور مختلفة، فإنّه في هذه الآيات عاد مرة أخرى إلى مسألة التحريم المجرّد عن الدليل بخصوص الأطعمة الحلال والطيب في عصر الجاهلية الصادر عن المشركين والفرق في هذه المرّة أنّ الخطاب توجّه هنا إلى المؤمنين، والحال أنّ الخطاب فيما سبق من الآيات كان موجهاً إلى عامة الناس: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ.
2 - من المقارنة بين هذه الآية وآيةيا أيها الناس كلوا مما في الأرض (1وملاحظة الفوارق بينهما نفهم أنّه يقول هنا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) فيما قال هناك ممّا في الأرضوكأنّ هذا التفاوت يشير إلى أنّ النعم الطيبة في الأصل .
جعلت للمؤمنين؛ وما يشاركهم غير المؤمنين في تناوله إنّما هو ببركتهم.. مثل الماء الذي يسقي به البستاني أوراده الجميلة وأشجاره المثمرة، فتستفيد منه - أثناء ذلك - الأشواك والنباتات الطفيلية !
3- الآية (168) إذ تقول لعوام الناس أن يأكلوا ولا يتبعوا خطوات الشيطان، إلّا أنّ الآية
1) الآية / 168 من هذه السورة.
تخاطب المؤمنين هنا بأن يأكلوا ويشكروا الله .. وهذا يعني أنّ المؤمنين لا يقنعون بعدم إساءة الاستفادة من النعم فحسب، بل إنّهم يحسنون الاستفادة.. وهذا ما ينتهي بنا إلى القول بأنّ المتوقع من العوام أن لا يذنبوا، ومن المؤمنين أن لا يذنبوا وأن يحسنوا التصرف بهذه النعم أيضاً.
4 - يمكن أن يكون التكرار في الوصيّة والأمر بما يرتبط بطبيعة الاستفادة من الأطعمة الطيبة الوارد في آيات متعددة؛ مثار سؤال.. ولكننا إذ أمعنا النظر قليلاً في تاريخ الجاهلية وآدابها وتقاليدها الخرافية؛ عرفنا كيف أنهم منعوا على أنفسهم طيب الطعام وحلاله بلا دليل.. حتّى أنّ هذه العادة نفذت فيهم إلى حدٍ اعتبروها بمثابة الوحي السماوي؛ بل إنّهم نسبوا عادتهم تلك إلى الله عزّ وجلّ زوراً وافتراء.. والقضيّة هنا أنه عبر هذا التأكيد القرآني أريد منه طرد هذه الأفكار الخرافية عن أذهان أهل الجاهلية..
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)
1 - كلمة إِنَّمَا لم ترد هنا بمعنى الحصر العقلي ليقال بأن الحرمة والتحريم تختص بهذه الموارد الأربعة، بل هو تحريم مقابل لما كانت الجاهلية تحرّمه.
2 - حيث تصادف المرء حالات اضطرارية يجد نفسه إزاءها مجبراً على تناول بعض الطعام المحرّم للحفاظ على حياته، فإنّ القرآن في هذه الآية استثنى من التحريم لحم الميتة والقسمين الآخرين وقال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ.
وقاعدة الاضطرار لا تختص بالأطعمة؛ بل هي ترد في مختلف الحالات حيث تؤدّي دور التخفيف في القانون، حتى أن الإمام الصادق عليه السلام أجاب عن السؤال حول مريض أمره الطبيب بالبقاء مستلقيا في الفراش فكيف يصلّي ؟ فتلا عليه السلام هذه الآية وقال: ليصل مستلقيا.. (1)
3 - (باغ ولا عادٍ) كانا في الأصل: باغي وعادي، والباغي من البغي بمعنى طلب الشيء،
1) الكافي، ج 3، ص 410
والمقصود هنا طلب اللذة. والعادي بمعنى المتجاوز أي المتجاوز عن حدّ الضرورة..
كما ذكر تفسير آخر لعبارة غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ وهو أن أحد معاني البغي هو الظلم والجور، فيكون المقصود أنّ الإذن بأكل اللحم الحرام مختص بمن لا يكون سفرهم سفر حرام.. وهذا التفسير لا يتضادّ مع التفسير الأوّل.
4 - لكي لا يكون الاضطرار تبريراً للإسراف والزيادة في تناول الطعام الحرام، جرت الإشارة بالقولغَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ حيث يكون الإذن للذين لا يستلذون بتناول المحرمات ويكتفون من الطعام الحرام بما ينقذ حياتهم من الموت.. كما ينبغي الالتفات إلى أنّ الاضطرار والإجبار إنّما يحصل لدى السفر - لا سيما في الأزمان الماضية - حيث تبقى القوافل في الصحاري القاحلة أو تضل طريقها..
5 - لو كان سفر البعض سفر معصية؛ وإن جاز لهم تناول الأطعمة المحرّمة في الأصل إلّا أنّ الذنب يكتب في صحيفة أعمالهم. وبعبارة أخرى؛ بحكم العقل يتوجب على العاصي أو الظالم حفظ نفسه وتناول الطعام المحرّم أساساً، ولكن هذا الوجوب لا يقلل من مسؤوليته، ذلك لأنّ هذا الشكل في الإجبار يحدث ويقع في المسير الخاطئ.
6 - الله الذي حرّم تلكم اللحوم، هو نفسه أذن -برحمۀ الخاصّة - بالاستفادة مما حرّم في موقع الاضطرار.
7- لا ريب في أنّ الأطعمة التي حرّمت في الآية أعلاه لها فلسفتها الخاصة كما هي سائر المحرّمات الإلهيّة مع ملاحظة الوضع البدني والروحي للإنسان مع كافة خصائصه.. وهنا إشارة إلى بعضها :
ألف: يمكن أن تكون من جملة هذه المفاسد أنّ الجهاز الهضمي للإنسان يعجز عن انتاج الدم من طعام الميتة، إضافة إلى أن الميتة مركز للجراثيم، وفضلاً عن أن الإسلام حرّم تناول لحم الميتة؛ كذلك عده نجساً ليبتعد عنه المسلمون ابتعاداً تامّاً.
ب - لعل السبب في تحريم تناول الدم؛ أنه مادّة فيها القابلية الكبيرة على احتضان أنواع الجراثيم والميكروبات، وهذه الأخيرة سرعان ما تهاجم الجسم الإنساني وتجعل منه مركزاً لنشاطها، ولهذا؟ ترى الكريات البيضاء المدافعة عن الجسد تتخذ من الدم مساحة لأداء وظيفتها الدفاعيّة لئلا تهاجمه الجراثيم الواردة عليه عبر الدم الغريب، لا سيما حين يكون الدم المشروب هذا قد خرج عن نطاق الحياة.. ولذلك ترى الكريات البيضاء سرعان ما تفسح المجال للجراثيم المهاجمة.. ولهذا؛ إذا قيل إنّ الدم حين يتوقف عن الحياة يكون الأكثر تلوّثاً من بين أجزاء بدن الإنسان والحيوان لم يكن هذا القول خطاً.
ج - ثبت من علم التغذية المعاصر أنّ للطعام تأثيراً في معنوية وأخلاق الإنسان، وذلك عن طريق الغدد وإيجاد الهرمونات، وقد ثبت بالتجربة ومنذ القدم مدى ما لشرب الدم من تأثير في قساوة قلب الإنسان، بل ضربت لذلك الأمثال، ولذا نقرأ في الحديث أنّ من يشرب الدم يقسو إلى الحد الذي يدفعه إلى قتل أبيه وأمه وأولاده...(1).
8- ذكرت في باب فلسفة حرمة أكل الميتة روايات عديدة نشير هنا إلى بعض منها: حول أكل الميتة ورد في كتاب ( الكافي) للكليني عن مولانا الصادق عليه السلام: «.. أمّا الميتة؛ فإنّه لم ينل منها أحد إلا ضعف بدنه وذهبت قوته وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة إلّا فجأة »(2)وقد ورد هذا النصّ بعد أن تطرّق الإمام عليه السلام إلى أنّ جميع هذه الأحكام شرعت لمصلحة الناس..
9 - الشيء الثالث الذي حرّمته الآية هو لحم الخنزيروَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وقد وردت الإشارة في هذه الآية إلى فلسفة تحريم تناول لحم الخنزير:
ألف: أنّ الخنزير - حتى لدى الأوروبيين الذين يتناولون لحمه - رمز لانعدام الغيرة والعفّة، وهو حيوان قذر بطبعه.
ب: أنّ الخنزير حيوان لا أبالي حتى في الجانب الجنسي، وفضلاً عن تأثير لحمه في الناحية الروحيّة، فإنّ أشكال التأثير السلبي للخنزير ولحمه قد ثبت بالأدلة العلمية.
ج - ورد تحريم لحم الخنزير في شريعة النبي موسى عليه السلام، كما شبّه العاصون بالخنزير في الأناجيل، كما جعل الخنزير مظهراً ورمزاً للشيطان في القصص والإرشاد الديني القديم.
د: أنّ طعام الخنزير أحياناً يكون من فضلاته نفسه.
ه- : أن لحم هذا الحيوان القذر يحتوي على نوعين من الديدان الخطيرة التي تسمى: دودة تريشين ودودة القرع.. والديدان الأولى يكفي فيها أنّ الواحدة منها تبيض (15) ألف بيضة في الشهر الواحد وتتسبّب للإنسان بأنواع الأمراض مثل: فقر الدم والدوران والحمّى الخاصة بالإسهال وآلام المفاصل وانقباض الأعصاب والحكّة الداخلية في البدن واضمحلال العضلات وخواء العظام وعسر المضغ وابتلاع الطعام وضيق التنفّس وغير ذلك، وقد ثبت طبياً أنّ الكيلوغرام الواحد من لحم الخنزير يمكن ان يحتوي على (400) مليون بيضة من دودة تریشین (1).
10 - يذهب البعض إلى القول بإمكانيّة القضاء على جميع هذه الديدان وتطهير لحم الخنزير منها بالوسائل التقنية، ولكن مع فرض التمكّن من ذلك بالوسائل المشار إليها أو عبر تعريض اللحم إلى الحرارة الشديدة جداً.. يبقى ضرر هذا اللحم ماثلاً، وطبقاً للأصل المسلّم المشار إليه وهو أن لحم كل حيوان يحمل صفات هذا الحيوان ويترك الأثر المباشر – عن
1) تفسیر نمونه، ج 1، ص 586 و 587
طريق الغدد والهرمونات - على أخلاق من يتناوله.. وهكذا يكون تناول لحم الخنزير ناقلاً لصفات الخنزير للإنسان. مثل عدم الغيرة والديوثية التي هي صفات بارزة في الخنزير.
11 - الشيء الرابع المحرّم اللحوم التي ذكر غير اسم الله عليها حين ذبحها: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وتلك الحيوانات التي كانت تذبح في عصر الجاهليّة أو في أسواق غير المسلمين من قبل غيرهم.
سؤال: ترى هل لذكر الله أو عدم ذكره أو ذكر غير اسمه المقدّس أثناء عملية الذبح أثر صحي في لحم الحيوان؟
يجب أن يقال لدى الإجابة: لا يُنسى أنه لا يلزم أن يكون التأثير من خلال ذكر اسم الله أو عدم ذكره أو اسم غيره على طبيعة لحم الحيوان المذبوح، ذلك لأنّ للمحرمات في الإسلام جهات مختلفة ومتنوّعة. فتارة يكون التحريم لغاية صحيّة كحفظ الجسم، وتارة لغاية تهذيبية وروحيّة، وتارة يكون التحريم لبعد فكري تربوي، مثل تحريم لحم الحيوان الذي يذبح دونما يذكر الله عليه أو يذكر ،دونه، وذلك درءاً لاحتمال التعرّض للشرك. مضافا إلى أن مجتمعنا يجب أن يكون أفراده - في جميع الحالات - بما في ذلك ذبح الحيوان؛ ذاكرين مستحضرين لاسم الله تعالى، ودون العكس.
12 - إنّ تحريم لحوم الحيوانات المذبوحة باسم الأصنام له وجهة معنوية وأخلاقية وتربويّة، لأنّ الأصنام تبعد الإنسان عن الله تعالى. ولهذه اللحوم آثارها النفسية والروحية غير المناسبة عليه، لأنّها من سنن الشرك وعبادة الأوثان وتجديد لذكريات الجاهلية..
13 - من تكرار وتأكيد تحريم الأمور الأربعة المذكورة حيث ورد في أربع سور قرآنية، منها سورتان نزلتا في مكة (سورة الأنعام - الآية 145، وسورة النحل - الآية 115) وسورتان نزلتا في المدينة (سورة البقرة - الآية 173 وهي مورد بحثنا، وسورة المائدة - الآية 3) يبدو أن تحريم هذه الأمور شرع منذ بداية البعثة، وفي أواخر وجود النبي صلى الله عليه وآله في مكة، وفي
المرّة الثالثة في أوائل الهجرة إلى المدينة، ثم في المرّة الرابعة والأخيرة قبيل رحلة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في سورة المائدة، وهي آخر سورة قرآنية.. وهذا السياق من نزول الآيات الخاصة بموضوع واحد فريد من نوعه؛ تبياناً لأهمية هذا الموضوع وخطره الكبير على جسم الإنسان وروحه، إضافة إلى مدى تلوّث الناس به في تلك الحقبة.
ولعلّ الحاجة إلى التوضيح منتفية في أنّ المقصود من تحريم الدم في الآية أعلاه هو تحریم شربه، وعليه؛ يمكن الاستفادة المعقولة الأخرى منه، مثل نقل الدم من فرد سليم إلى آخر مريض لإنقاذه. كما أنه لا دليل على تحريم بيعه لمثل هذه الموارد؛ لأنه يمثل انتفاعاً عقلائياً ومشروعاً وهو محظ حاجة عامة.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)
1 - الإقبال على الدنيا أكبر خطر يهدّد العلماء َكْتُمُونَ.. يَشْتَرُونَ.
2- بيع الدين والمتاجرة به؛ هو خسارة مهما كانت قيمة الصفقة، ذلك لأنّ الحقائق والمعارف الخاصة بالكتب السماوية أسمى وأغلى من جميع المنافعثَمَنًا قَلِيلًا.
3 - عذاب القيامة جسمي وروحي لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ.
4 - هذه الآيات تأكيد على ما ورد في الآية (159) من نفس هذه السورة بصدد كتمان الحق، رغم أنّ الوارد هناك كان في ظاهره متوجهاً إلى علماء اليهود، ولكن وكما ذكرنا مراراً أنّ مفهوم الآيات وفي أي مورد من الموارد لا اختصاص فيه بعلة وشأن النزول، إذ أنّ شؤون النزول وسيلة لبيان الأحكام الكلّيّة والعمومية، وعلّة النزول إنما هي مصداق لها.
5- جميع من يكتم أحكام الله تعالى والحقائق التي هي محظ حاجة الناس، ويرتكب هذه الخيانة العظمى لكسب مقام ما أو ثروة معيّنة لا بد أن يعلم أنه باع حقيقة لا تقدر بثمن بقيمة دانية، ذلك لأنّ المتاجرة بالحق وكتمانه - وبأي ثمن كان - فإنّ فاعله خاسر ومتضرّر بشكل لا يوصف..
6 - جملة أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ تبيّن مسألة تجسّم أعمال الإنسان القبيحة في يوم القيامة، وتشير إلى أنّ الأموال الحرام التي تكتسب من طريق المتاجرة بالحق وكتمانه إنّما هي نارستملأ بها بطون آكلي أثمان هذه الخيانة المخزية.. والنار هذه ستتجسّم -لا ريب - أمامهم وفي بطونهم.
7- وردت الإشارة هنا إلى العقاب المعنوي الأليم الذي سيتعرّض له كاتمو الحقائق وأنّ هذا العقاب سيكون أشدّ ألماً من العقاب المادّيّ بكثير - إذ لا يكلمهم الله في يوم القيامة وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
8 - ذكرت الآية (77) من سورة آل عمران المباركة نظير هذا العذاب وهو معد للذين: يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فالله سيقاطعهم في يوم القيامة؛ مقاطعةً بالكلام وبالنظر وبعدم التزكية، ثم يكون مآلهم إلى العذاب الأليم..
9 - من هذه الآية - 77 من سورة آل عمران - ومن الآية محط التفسير يستفاد أنّ من أعظم المواهب الإلهية التي ستتجلى في عالم الآخرة أنّه سبحانه وتعالى سيتكلّم مع المؤمنين بلسان لطفه.. وهو المقام الذي كان للأنبياء في هذا العالم حيث تنعموا - أيما تنعم - بلدة الاستماع والتكلّم مع الله الربّ العظيم - وكذلك سيكون مقام المؤمنين وشأنهم في دار الآخرة.. وما أروعها من لذة.. إذ مضافاً إلى أنه تعالى سينظر إليهم بعين لطفه الخاص، وسيطهرهم بماء عفوه ورحمته.. فإنّه سيكلمهم..
10 - لا ريب في أن تكلّم الله تعالى مع عباده لا يعني أنّ الله لساناً وجسماً - بل إنه بقدرته يخلق صوتاً في الفضاء بحيث يكون قابلاً للإدراك والسماع (كما كان الكلام الإلهي مع موسى عليه السلام) أو عن طريق الإلهام بلسان القلب الذي سيتحدّث به مع عباده المميزين عنده سبحانه..
11 - على أية حال؛ فهو اللطف الإلهي.. وهذه اللذة الفريدة والمعنوية ستكون خاصة بعباد الله طاهري القلوب الذين كشفوا الحقائق للناس ولم ينكثوا عهودهم ولا أيمانهم ولم يضحوا بالحق لكسب منافع دنيوية زائلة.
12 - معنى كلمة ثَمَنًا قَلِيلًا لا يقصد منها: عدم المتاجرة بالحق بثمن قليل، بل المقصود هو أنّ كلّ ثمن وقيمة مادّيّة تعدّ - لا شيئاً - في مقابل كتمان الحق؛ ولو كانت كلّ الدنيا..
سؤال: يفهم من بعض الآيات القرآنية أنه تعالى سيتكلّم مع بعض المجرمين في يوم القيامة قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ(1)بعد أن يطلبوا إليه العفو والنجاة من عذاب الجحيم.
وفي سورة الجاثية - الآية (30 و 31) ورد نظير هذا القول مع المجرمين.. فيعلم أنّ المقصود من كلام الله الموصوف في الآيات مورد البحث الشريفة هو الكلام من جهة اللطف والاحترام والمحبّة الخاصة، وليس الكلام من جهة الغضب والاحتقار والطرد والعقاب.. إذ هذا النوع من الكلام سيكون أكثر وأشدّ إيلاماً على المجرمين من عذاب النار..
1) سورة المؤمنون / 108.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)
1 - لجريرة الكتمان - كتمان الحق - وردت ثمانية تهديدات خمسة منها وردت في الآية السابقة، وتهديدان في هذه الآية، والتهديد الأخير سيرد في الآية اللاحقة، ولعلّ ذلك لم يحصل في مقابل أي ذنب من الذنوب التي قد يرتكبها ابن آدم.. بحيث تتوالى التهديدات
بهذا الشكل.
2 - تشير هذه الآية إلى المعاملة الخاسرة ونتيجتها التي أبرمها كاتمو الحقائق.. فهم سيتورّطون من جهتين.. من جهة الابتعاد عن الهدى واختيار الضلال. ومن جهة التفريط برحمة الله ومغفرته واستبدالهما بالعذاب الأليم.. ولا أظنّ عاقلاً يقدم على هذا الفعل والسلوك!
3 - يمكن أن يكون الدافع إلى كتمان الحقائق الغرور والعصبية العقائدية والحرص على المنصب وضعف النفس وانعدام الشهامة وضيق النظرة وضغوط وتوصيات الأجانب الغرباء.
4 - التوبة عن جريمة كتمان الحق لا تتم بالاستغفار والبكاء فحسب، بل لابد من إضافة الإقدام على بيان الحقائق أيضاً.. ولا شك أن الكتمان يبدو متاحاً في بعض الأحيان، مثل أن يتعرّض الفرد إلى خطر ماحق لنفسه أو حين يجرّ كشف الحق إلى بعض الفساد، مثل ضرورة الستر على عيوب المؤمن وغير ذلك.
5- في بيان الكتب السماوية هداية ومغفرة، وفي كتمانها ضلال وضياع وعذاباشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ.
6 - المتاجرة بالدين وكتمان الحقائق يتبعهما أشدّ أشكال العذاب، ومنه فما أصبرهم على النار وهذا التعبير القرآني ورد بخصوص كاتمي الحق فحسب، أي: ما أقساهم وما هي طاقة تحمّلهم للنار التي ستكون موعدهم بعد أن اختاروا هذا السلوك المشين؟!
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)
1 - هذه التهديدات وهذا الوعيد بالعذاب لكاتمي الحقائق إنّما ورد بعد أن أنزل الله تعالى قرآنه وبعث نبيّه ونصب أئمته بالحق والدلائل الواضحة بحيث لم يبق مجال لشبهة وإبهام لأحد.. ومع ذلك كله راح فريق من الناس ولحفظ مصالحهم الشخصية وتفعيلاً لدوافعهم النفسيّة البغيضة يكتمون الحقائق ويحرّفون الكلم ويتسببون في إيجاد الاختلاف في فهم النصوص ليتصيدوا في الماء العكرذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.
2 - من طرق كتمان الحق؛ إيجاد الاختلاف.. وفي الآيات الثلاث الماضية أطلقت كلّ التهديدات ضد كاتمي الحق، وفي هذه الآية وبدلاً من القول إنّ كاتمي الحقائق في شقاق، قال بأنّ الذين اختلفوا - عن الحق - في الكتاب لفي شقاق، وهذا يشير إلى أنّ كاتمي الحق هم المختلفون، لأنّهم تسبّبوا في تلويث الأجواء لإضلال الناس وإخفاء الحق.
3- حين كتم فريق حقائق الدين تسبّب في الاختلاف في كتاب السماء فابتعدوا وأبعدوا الآخرين عن الحقيقة وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ.
4 - أنّ منشأ الاختلاف الديني هم العلماء وليس كتب السماء نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ... اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ.
5 - كلمة شِقَاقٍ تعني في الأصل الفرجة والانفصال، ولعلّ في هذا الاستعمال إشارة إلى أنّ الإيمان والتقوى ونشر الحق رمز للوحدة والاتحاد في المجتمع الإنساني، أما الخيانة وكتم الحقائق؛ فيوجبان الفُرقة والتمزّق المجتمعي بشكل عميق بحيث لا يمكن تجاهله وغض الطرف عنه !
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
حيث أحدث الحكم بتغيير القبلة اضطراباً بين الناس؛ ولاسيما بين اليهود والنصارى، وإذ اعترض اليهود الذين كانوا ينادون بكل فخر( أنّ المسلمين يتبعونهم في قبلتهم) على هذا التغيير، فوصفهم القرآن المجيد في الآية (144) من هذه السورة بقوله: سيقول السفهاء فنزلت هذه الآية الشريفة مشيرة إلى عدم أحقية كلّ هذا الضجيج بداعي تغيير القبلة، مؤكّدة أنّ الأمر الأهم هو معايير القيم الإنسانيّة وضرورة الالتزام بها ..(1)
1) تفسیر نمونه، ج1، ص 597
1 - بعد حادثة تغيير القبلة التي طالعناها في الآية (144) وردت هذه الآية الشريفة لتقول بضرورة أن يكون الحديث - بدلاً عن اعتراض تغيير القبلة التي هي بمثابة رمزية عبادية - عن محتوى الدين؛ وهو الإيمان بالله والقيامة وفعل العمل الصالح..
2 - كلمة الْبِرَّ تعني الصلاح، ولكنها تطلق أيضاً على الفرد الصالح، فقال: هذا بر، بمعنى أن وجوده كله صار برّاً.
3 - هذه الآية بينت (15) صفة صالحة في ثلاثة أقسام؛ وهي: الإيمان والعمل والأخلاق. ففي قسم الإيمان؛ أشارت إلى مسألة الإيمان بالله والملائكة والأنبياء والقيامة والكتب السماوية .
وفي قسم العمل؛ أشارت إلى المسائل العبادية، مثل الصلاة والاقتصاد، كإعتاق العبيد، وكالصبر في الجهاد والقتال، وكالصبر في مواجهة المشاكل روحيّاً ومعنوياً.
وفي قسم الأخلاق؛ أشارت إلى الوفاء بالعهد والترحم بالفقراء والانعتاق من الماديات.
4 - أهم جذور جميع الصالحات؛ إيمان الفرد بالأصول الموجبة لإيجاد وتكريس نور الإيمان في وجود الإنسان وتخلق فيه الدافع إلى الحركة باتجاه تطبيق المنهج الفعّال وتنفيذ الأعمال الصالحة في الحياة.. هذه الأصول التي هي عبارة عن الإيمان بالله والقيامة والمنهج الإلهي والأنبياء المأمورين بإبلاغ وتطبيق المنهج للناس، والملائكة الذين هم واسطة إيصال وتسليم هذه الدعوة إلى الأنبياء..
5 - من النقاط الملفتة للنظر في هذه الآية هي أنّها لم تقل بأنّ الصالحين هم المؤمنون بهذه الصفات.. بل قالت الصالحون هم... المؤمنون، وهذا بداعي أنّ المستعمل في الأدب العربي وفي بعض اللغات الأخرى، حينما يراد بيان وإيضاح منتهى التأكيد فيقال مثلاً: عليّ عدل عالم الإنسانية، أي أنه قد تكرّست فيه كل العدالة بحيث صار جميع وجوده عدلاً، وصار
كلّما رأيته أو سمعت باسمه لم تر غير العدل.. وكذلك في النقطة المقابلة حين يقال في مخالفيه وفي بني أمية دمار الإسلام؛ حتى لكأنّ جميع وجودهم صار تصريحاً بذلك. وعليه؛ جرت الاستفادة من هذا الاستعمال للإيمان التام والرصين في أعلى مستوياته.
6 - أشارت الآية بعد ذلك إلى مسألة الإنفاق والإيثار والعطاء من المال. وحيث أنّ الكرم والجود والإنفاق ليس خصيصة لكلّ إنسان؛ لأنّ ذلك يتمّ في الغالب بلاعوض، حيث يطلب منه رضا الله تعالى، وأنّ حبّ المال قائم في القلوب، فتمّت الإشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أنه مع حبّ الفرد المؤمن للمال - باعتباره بشراً - إلا أنه يتجاوز عقبة حبّ المال وينفقه إرضاء الله تعالى
7 - جملة وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِتحمل - فيما تحمل - ثلاثة معان:
ألف: إعطاء المال للآخرين مع وجود العلاقة.
ب: إنفاق المال على أساس حبّ الله.
ج: إنفاق المال على أساس الحب والرأفة بالمحتاج إليه.
8 - ذكرت الآية الشريفة ستة أقسام من المحتاجين للمال:
الأولى: الأقارب ذوو الكرامة.
الثاني والثالث: اليتامى والمساكين.
الرابع: ذوو الحاجة المؤقتة وأبناء السبيل.
الخامس: السائلون وتلزم الإشارة أنّ المحتاجين ليسوا جميعاً من أهل المسألة، إذ منهم منيتعفّف حتّىيَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ(1)فيما هم في الأصل والباطن محتاجون كل الاحتياج.
1) سورة البقرة / 273.
السادس: العبيد المحتاجون إلى الحرّية والعتق والاستقلال مع أنهم لا احتياج مادّيّاً فيهم؛ حيث يسدّ مالكوهم حاجاتهم المادية.
10 - هناك من الأفراد من هو مستعد لمساعدة المحتاجين إلّا أنهم يقصرون في أداء الحقوق الواجبة.. وعلى العكس منهم هناك جماعة من الناس من يكتفون بأداء الحقوق الواجبة ولا يبادرون إلى تقديم أي مساعدة للآخرين ولو كانت كمّيّة قليلة جداً من المال.. أمّا الآية أعلاه؛ فمع ذكرها للإنفاق المستحبّ والإيثار من جهة، فقد تناولت أداء الواجب من الحقوق.. والحال أنّ البرّ الصالح الحقيقي هو من يعتبر نفسه مؤدياً وظيفته في كلا الحالين.
11 - ذكرت هذه الآية الإنفاق المستحبّ بالقول على حبّه ولكنها فيما يرتبط بالزكاة الواجبة لم تورد هذا التعبير، ذلك لأنّ أداء الحقوق المالية الواجبة وظيفة إلهية واجتماعية، بل إنّ المحتاجين - طبقاً للمنطق الإسلامي - شركاء أساساً في أموال الأثرياء بنسبة معينة، ولا حاجة لهذه العبارة لدى الإعطاء من مال الشريك.
12 - أنّ الرأسمال في الحياة الاجتماعية هو الاعتماد والثقة المتبادلة بين الأفراد، ولعلّ من جملة الذنوب التي تحطم هذه الثقة الاجتماعيّة وتهدم أساس بناء العلاقات الاجتماعية هو عدم الالتزام وعدم الوفاء بالعهود ، ولهذا؛ فقد ورد في الروايات أنّ المسلم مكلف بثلاثة أمور تجاه إخوانه وأبناء مجتمعه عموماً أن يفي بعهده، وأن يؤدّي الأمانة وأن يحسن إلى والديه(1)وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا.
13 - سادس وآخر نقاط منهج هذا الفريق البر الصالح - كما ورد في هذه الآية: الصبر حين البأساء والضراء، أي حين الفقر أو المرض أو الحرب.. وأفراد هذا الفريق الصالح لا يستسلمون للأزمات والمشاكل وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.
1) الكافي، ج 2، ص 162
وفي خاتمة الآية وإيجاز مطالبها ورد التأكيد على هذه الصفات الست السامية، فقالت: أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
14 - ما ورد من نتيجة نهائيّة وثمرة واقعيّة للصفات الست المتقدّمة بمثابة الإشارة إلى أنّ صدق المؤمنين يحكي عن اتساق وتوافق أعمالهم مع معتقداتهم، وإنما يعلم ورعهم وتقواهم من خلال أدائهم مسؤولياتهم تجاه الله وتجاه المحتاجين والمستضعفين وعموم المجتمع الإنساني وتجاه أنفسهم أيضاً.
15 - هذه الصفات الست المميّزة أعلاه تشمل أصول وأركان المعتقد والأخلاق، إضافة إلى المشروع والمنهج التطبيقي الخاص بأصول الاعتقاد، وقد أشير بهذا الصدد إلى أنّ الإنفاق والصلاة والزكاة باعتبارها رمزاً لعلاقة الخلق بالخالق والخلق بالخلق، ومن بين نقاط هذا المنهج برزت نقطة الوفاء بالعهد والاستقامة والصبر التي تعتبر الجذر والأساس لجميع الصفات الأخلاقية الفاضلة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)
كانت عادة عرب الجاهليّة أنّه إذا قتل من عشيرة قتيل عمدت عشيرة المقتول إلى قتل من استطاعوا من عشيرة القاتل حتى بلغ بهم الأمر إلى أن يكونوا على استعداد للقضاء على جميع أفراد عشيرة القاتل، فنزلت هذه الآية وبينت حكم القصاص العادل باعتباره حكم الإسلام، وهو في حقيقته حد وسط بين الأحكام المتعدّدة والمختلفة في ذلك الحين، واعتبر البعض حكم القصاص حكماً لازماً ولا يجوز تنفيذ سواه، فيما ذهب البعض إلى الاكتفاء بالدية. أما الإسلام؛ فقد جعل القصاص في حال عدم رضا أولياء المقتول عمده، وجعل الدية لدى تحقق الرضا وتنازل الأولياء عن القصاص .(1)
1 - من هذه الآية وما يليها سيتم تبيان - بعد الحديث عن البر والصلاح الوارد في الآية
1) تفسیر نمونه، ج1، ص 603
السالفة - وشرح جملة من الأحكام الشرعية، بدءاً من مسألة حفظ حرمة الدم، وهي مسألة هامة جداً فيما يرتبط بالعلاقات الاجتماعيّة، وإبطال آداب وسنن الجاهلية، فيخاطب الله تعالى المؤمنين بالقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى.
2 - يعبّر القرآن عن الأحكام القطعيّة اللّازمة التنفيذ بالقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ وقد وردت هذه العبارة في هذه الآية وكذلك في الآيات اللاحقة بخصوص الوصية والصوم..
3 - استعمال مفردة كُتِبَ يشير إلى أهمّيّة المطلب وتأكده، ذلك لأن المسائل القطعية والهامة والجادّة تدوّن بأشد العبارات صراحة وتأكيداً..
4-قِصَاصُ من مادة: قص، على وزن سد، بمعنى البحث والمتابعة، والعرب تسمي كلّ أمر يأتي متوالياً مترادفاً: قصاً، وحيث أنّ القصاص في القتلى يأتي بعد وقوع عملية القتل، فقد استعمل هذا الاصطلاح بينهم.
5 - كما تمت الإشارة في شأن النزول، فإنّ حكم هذه الآية هو في مقام تعديل التفريط الذي كان سارياً في أيام الجاهليّة بخصوص قتل النفس، وباختيار كلمة (القِصَاصُ) وقعت الإشارة إلى أنّ لأولياء المقتول الحق في قتل القاتل؛ اتساقاً مع فعله المشين.
6 - ذكرت مسألة المساواة في هذه الآية بصراحة الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى وهذا لا يعد ترجيحاً وتفضيلاً لدم الرجل على دم المرأة، إذ يمكن الاقتصاص من الرجل إذا قتل امرأة في موارد خاصة.
7 - مسألة القصاص تعبّر عن حق لأولياء المقتول، وهو ليس حكماً إلزامياً. فلو تنازل الأولياء عن حقهم عُدل بالقاتل إلى تسليم الدية، وهذه غير ملزمة إذا تنازلوا عنها أيضاً.
8 - في هذه الآية حيث تبين تكليف وحق الطرفين (أولياء المقتول والقاتل) وردت الوصية للأولياء من جهة أنهم إن تنازلوا عن حقهم بالقصاص، فلا حق لهم في المبالغة في الدية، بل حقهم هو ما عينه الشارع المقدس من دية الإنسان أو تقسيطها بما يقدر عليه القاتل، ومن جهة أخرى؛ ومن خلال
عبارة َأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ وردت الوصية للقاتل أن يتخذ سبيلاً صحيحاًلأداء الدية لأولياء المقتول بالتمام والكمال دون المراوغة والتأخيرفَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ.
9 - يدين هذا القانون الإسلامي العادل - القصاص أو العفو - الذي يمثل لائحة إنسانية ومنطقية كاملة، المنهج الجاهلي الفاسد آنذاك الذي لم يكن ليؤمن بالقصاص العاجل، كما يدين الأسلوب الوضعي المتبع في العصر الراهن من قبل الغرب الذي يسمح أو يغض الطرف عن مقتل العشرات لقتل شخص واحد.. والإسلام بطبيعة الحال لم يوصد الباب بوجه العفو بين الناس كما أمر باحترام حرمة الدماء دون الانتقاص منها بدافع العفو ودون دفع القاتل إلى التجاسر عليها.. ومن جهة ثالثة أمر - بعد قانون العفو وتسليم الدية وتسلّمها - بعدم التسبّب بالأذى من كلا الجانبين وعدم مهاجمة بعضهما خلافاً للأسلوب القبلي الذي كان متحكّماً بأهل الجاهلية الذين كانوا يعمدون إلى قتل القاتل حتى بعد أخذهم الدية من القاتل أو أهله...
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)
1 - هذه الآية مركبة من عشر كلمات؛ وهي بلا ريب في منتهى الفصاحة والبلاغة، حتى أنها قد طبعت في الآذان كشعار إسلامي، وتشير بوضوح إلى أنّ القصاص في الشريعة الإسلامية ليس له بعد انتقامي، بل هو بمثابة نافذة تطلّ على حياة بني البشر، وأنّ من أراد التقوى التزم هذا القانون الحيوي: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
2 - القصاص من القاتل الغادر القاسي في الثقافة الإسلامية:
أولاً: أن القصاص ضامن لحياة واستقرار المجتمع، ذلك لأنّ القصاص في حال عدم تنفيذه وتطبيقه وحيث يشعر الجناة القساة بالأمان؛ تعرّضت حياة الأبرياء إلى خطر ماحق، كما هو الساري في البلدان التي ألغت قانون القصاص من قضائها ومحاكمها؛ حيث ارتفعت معدلات جرائم القتل بسرعة بالغة.
ثانياً: أنّ القصاص - وإلى حدٍ كبير - يمنع الفرد من ممارسة القتل.
ثالثاً: أنّ القصاص يعني التساوي في نفوس الأفراد ويمنع دون ارتكاب الجرائم المتوالية، ويقضي على سنن الجاهلية؛ حيث تكون جريمة القتل الواحدة عامل تشجيع على تكرارها.. ولهذا؛ يكون القصاص سبباً هاماً ومباشراً في الحفاظ على حياة الناس.
3 - أنّ جملة لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ إشارة إلى أنّ حكم القصاص حكم وقائي لئلا نقع في الجرائم، وهو تحذير للفرد لئلا يقدم على ممارسة القتل بحيث لا يكون أي نوع من أنواع
التعدّي.
4 - القصاص والعفو عنصران من عناصر مجموعة القوانين العادلة في الأحكام الإسلامية، إذ ينظر الإسلام في الموردين - القصاص والعفو - بشكل واقعي ويحقق في جميع أبعاد المسائل والوقائع.. وفيما يتعلّق بدماء الأبرياء قد اتضح الرأي الإسلامي بعيداً عن أيّ تسرع أو تماهل وتكاسل لا كما ذهبت أحكام الديانات المحرفة؛ مثل اليهود الذين يعتمدون القصاص فحسب، ولا كما يذهب النصارى المعاصرون القائلون بالعفو فقط مع تقديم الدية - ذلك لأنّ رأيهم هذا يؤدّي إلى الجرأة ومزيد من الجرأة على ارتكاب جرائم القتل، فيما الأول - رأي اليهود - قد اتخذ لنفسه طابع القسوة والانتقام.
5 - جعل الإسلام القصاص حكماً أصليّاً، ولتيسير وتعديل هذا الحكم؛ جعل إلى جانبه حكم العفو، لأنّه - على سبيل الفرض - لو كان القاتل والمقتول أخوين، أو كانا قبل القتل رفيقين حميمين وكانت تربطهما علاقة اجتماعية وطيدة - في مثل هذه الحالة يكون الإجبار والإصرار - من ناحية الشرع - على القصاص أشد وطأ ونكاً للجرح الذي خلفه القتل على أولياء المقتول - لاسيما لدى المتميزين بشدّة العاطفة الإنسانية.. إنّ الإجبار على القصاص
6 - أعطى الإسلام أولياء المقتول أن يختاروا واحداً من ثلاثة أحكام إزاء القاتل:
ألف: القصاص
ب: العفو مع أخذ الدية (مع موافقة القاتل في هذه الحالة طبعاً).
ج العفو من دون أخذ الدية.
سؤال : هل القصاص مخالف للعقل والعاطفة الإنسانية ؟
وضع جماعة - بلا تأمّل - بعض المسائل والأحكام الإسلاميية غرضاً لسهام نقدهم، لا
سيّما ما يتعلّق منها بمسألة القصاص، حيث أثاروا حولها الكثير من اللغط والفوضى.
فقالوا - فيما قالوا - إنّ الجريمة التي ارتكبها القاتل ليست أكثر من أنّه قتل إنساناً آخر.. ولكن القصاص يعني تكرار هذه الجريمة وقالوا أيضاً: إنّ القصاص ليس أكثر من عمل انتقامي وممارسة للقسوة، وهذه الصفة القبيحة يجب ان تُزال بالتربية الصحيحة من بين الناس، في حين أنّ مؤيدي القصاص يؤججون روح الانتقام في كلّ عملية قصاص ويشجعون على تكريس صفة الانتقام الرذيلة !
وقالوا كذلك: إنّ القتل ليس ذنباً يصدر عن الأشخاص العاديين والسالمين، بل لابد أنّ القاتل يعاني مرضاً نفسياً روحياً، فلابد من معالجته، وإنّ القصاص ليس دواءً لمثل هذا الفرد. وأشاروا إلى أنّ المسائل المرتبطة بالنظام الاجتماعي يجب أن تقنن وتنمو وتتطوّر بالمشاركة الاجتماعية، وعليه؛ فإنّ القانون الذي شُرع قبل ألف وأربع مئة عام لا يصح أن يكون سارياً إلى يومنا هذا...
ثمّ أليس من الأفضل أن يحبس القتلة بدلاً من القصاص منهم، أو أن يزجوا ويجبروا على الأعمال الشاقة ويستفاد منهم لصالح المجتمع. وبهذا يحفظ المجتمع من شرّهم، ويستفاد منهم بالقدر الممكن؟!
هذه كانت خلاصة الاعتراضات التي رفعها مناهضو القصاص فيما يرتبط بالمسألة..
والجواب هو أنّ التأمل والدقة في آيات القصاص الواردة في القرآن المجيد يوضحان الردّ ونقض هذه الإشكالات وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِذلك لأنّ إزاحة الأفراد الخطيرين من المجتمع تكون تارة الوسيلة الأفضل والأنجع لنمو المجتمع وتكامله، ولأنّ مسألة القصاص - في هكذا موارد - ضامنة الحياة والاستمرار في البقاء، فلعل القصاص - من هذه الناحية - يجسّد الغريزة المتكرّسة في وجود الإنسان.. ولقد شيّد نظام الطب والزراعة والرعي وغير ذلك على أساس هذا الأصل العقلي (حذف وطرد الموجود الخطير والمؤذي
والمزاحم )لأننا ولحفظ البدن نقطع العضو الفاسد عنه، وهكذا يقتلع الزارع النباتات الطفيلية المضرة لضمان سلامة ونمو النباتات المفيدة.. والذين يعتبرون قتل القاتل ليس أكثر من فقدان فرد من أفراد المجتمع؛ كانت نظرتهم نظرة فردية فحسب، ولو أنهم أرادوا الصلاح المجتمعي وعرفوا ما للقصاص من دور أساسي في حماية وتربية سائر الأفراد لجدّدوا النظر في رأيهم بالقصاص.. ولعلموا بأنّ إزاحة الأفراد الدموييين عن المجتمع كما هو قطع العضو الفاسد من الشخص المريض أو قطع الأغصان المضرة عن الشجرة حيث يحكم العقل السليم بضرورة الإسراع بالقطع.. ومعلوم أن أحداً لم يعترض - حتى الآن - على قطع الأغصان المتآكلة والأعضاء الفاسدة.. هذا فيما يرتبط بالإيراد الأول..
وفيما يرتبط بالإشكال الثاني؛ فينبغي الإلتفات إلى أن تشريع القصاص لا علاقة له بالنظرة والموقف الانتقامي أبداً، ذلك لأنّ الانتقام يعني انطفاء نار الغضب لأجل مسألة شخصيّة، في حين أنّ القصاص شرع للوقاية من تكرار الظلم والجور بحق المجتمع بشكل عام، والهدف منه تحقيق العدالة وحماية جميع الأفراد البريئين.
وبخصوص الإشكال الثالث القائل بأنّ القاتل لدى ممارسته جريمة القتل لابد أن يكون مصاباً بمرض نفسي، وأنّه - القتل - لا يمكن ان يصدر عن شخص عادي سليم، فينبغي القول: إنّ هذا الاحتمال وارد وصحيح في بعض الأشخاص لا جميعهم، ولقد شرع الإسلام حكماً آخر غير القصاص للقاتل المجنون وأمثاله، ولكن لا يمكن جعل مرض القاتل - على الدوام - قانوناً وعذراً، لأنّ الفساد الذي يتسبب به هكذا قانون والجرأة التي يقدمها للمجرمين على ارتكاب أعمال القتل أمر واضح للعيان.. ولو صح هذا التبرير والعذر للجاني القاتل لوجب أن يصح في التبرير لغيره من الجناة والذين ينتهكون حقوق البشر، لأن الفرد السليم التامّ العقل لا يتجاوز حقوق الآخرين أبداً، وعليه؛ لزم أن تلغى جميع القوانين الجزائية، وأن ينقل جميع المنتهكين لحقوق غيرهم إلى المستشفيات بدلاً من السجون، إذ السجن ليس
محلاً للعلاج بمقدار ما هو الواقع في المستشفيات!!
أما القول بأن قانون القصاص لا يتوافق مع هدف النمو والتطوّر الاجتماعي، وأنّ القصاص كان مفيداً أو سارياً في المجتمعات القديمة فحسب، وأنّ تنفيذ حكم القصاص في العصر الراهن يعد أمراً مخالفاً للوجدان، وأنّ من الضروري أن يحذف من اللوائح القضائية.. فالردّ على هذا القول يمكن في جملة واحدة؛ وهي أنّ هذا الادعاء المذكور ادّعاء لا قيمة له أبداً؛ لاسيما في ظلّ اتساع رقعة الجرائم والمجازر الحاصلة في العالم المعاصر، وهو - الادّعاء هذا - ليس إلا شبيهاً بالخيال إذا ما قرن بالأرقام والإحصاءات الخاصة بارتفاع معدلات جرائم القتل الرهيبة. ثمّ على فرض وجود هكذا عالم - متطوّر لا يتناسب مع تنفيذ حكم القصاص - فإنّ الإسلام قد سن قانون العفو وجعله إلى جانب قانون القصاص، كما لم يحرص على أن يكون القصاص هو الحكم الوحيد للقضاء أو للوقاية من ارتكاب جريمة القتل.. ولا ريب أنّ المجتمع المتطوّر السليم سيفضّل عفو القاتل. ولكن عالمنا الفوضوي المعاصر الذي يلبّس الجرائم ثوب الفضل والإحسان هو في واقعه أسوأ بكثير من مجتمعات الماضي وأشدّ وحشيّةً.. وأن حذف قانون القصاص لا يؤدّي إلى غير الإصرار على القتل وانتشار رقعته يوماً بعد آخر.
وفيما يرتبط بالإشكال الخامس؛ فلا مناص من القول بأنّ الهدف من القصاص - وكما صرّح القرآن المجيد - هو حفظ الحياة العامة للمجتمع والوقاية دون تكراره واتساع رقعته.. ولا شكّ أنّ السجن عاجز إلى حدٍ واضح - لاسيما السجون التي هي أفضل بكثير من بيوت( المجرمين) أو تمثل حاضنة ممتازة لتعلّم وإتقان وممارسة الجرائم الأفظع - عن منع القاتل دون ارتکاب قتل آخر ، ولهذا نرى معدلات جرائم القتل في ارتفاع متواصل لاسيما في البلدان التي حذفت قانون القصاص، خاصة إذا ما كان حكم الجاني بالسجن ملحقاً - طبق العادة - بالعفو.. حيث يعمد المجرم إلى ممارسة القتل وسائر الجرائم الأخرى بدم بارد واطمئنان بال!
هل أن دم الرجل أغمق حمرة؟!
يمكن للبعض أن يتساءل مستشكلاً على ما ورد في آيات القصاص حيث ورد الأمر فيها بأن لا يقتص من الرجل إذا قتل امرأة، فيقول: هل أنّ دم الرجل أغمق حمرةً من دم المرأة؟ ولم لا يقتص من الرجل المجرم إن قتل امرأة وأراق دمها بغير حق وهي التي تنتمي إلى الفريق الذي يشكل في الغالب أكثر من نصف المجتمع؟
لدى الإجابة نقول: إنّ مفهوم الآية لا يؤدّي إلى عدم الاقتصاص من الرجل للمرأة.. بل - وكما ورد بيان ذلك بالتفصيل في الفقه الإسلامي - أنّ لأولياء المرأة المقتولة أن يقتصوا من قاتلها الرجل بشرط أن يدفعوا نصف مبلغ الدية.
وبعبارة أخرى: المقصود من عدم الاقتصاص من الرجل لدى قتله المرأة هو القصاص بلا قيد أو شرط مع سداد نصف الدية وأنّ قتله جائز.
ولا يلزم التوضيح بأنّ سداد المبلغ المذكور، لتنفيذ القصاص ليس لأنّ المرأة أقل مرتبة من الرجل في الإنسانية، وليس لأنّ دم المرأة أقل احمراراً من دم الرجل.. بل إنّ هذا وهم غير منطقي وليس في محلّه، ولعل السبب في ذلك اللفظ المستعمل في عبارة (قيمة الدم) وإنّما لزم سداد نصف دية القاتل الرجل لدى الاقتصاص منه للمرأة المقتولة لجبر الخسارة لدى الاقتصاص من الرجل بداعي حاجة أسرته إليه ( يلاحظ جيّداً).
والتوضيح هو أنّ الرجل في الغالب هو العضو المؤثر في اقتصاد الأسرة ويتحمل مسؤولية الإنفاق عليها أو أنه بعمله الاقتصادي يؤمن ميزانيّة عائلته.. وعليه؛ فإنّ التفاوت بين إزاحة الرجل وإزاحة المرأة من الناحية المالية والاقتصادية واضح للعيان، ولو أنّ هذا التفاوت لم يؤخذ بنظر الاعتبار لتعرّض أولياء الرجل المقتص منه إلى خسارة غير مبررة، ولذا؛ فقد حرص الإسلام على مراعاة حقوق جميع الأفراد بسنّه القانون القاضي بدفع أولياء المرأة المقتولة نصف دية الرجل القاتل الذي يراد الاقتصاص منه إلى أوليائه، حرصاً منه - الإسلام -
أيضاً على سد الفراغ والضرر الاقتصادي الذي سيلحق بهم جراء الاقتصاص من معيلهم.. والإسلام - بطبيعة الحال - لا يجيز أبداً تضييع حقوق الأفراد تحت طائلة لفظ المساواة في الحقوق لأفراد مثل أولاد الرجل الذي يراد الاقتصاص منه...
وطبعا هناك من النساء من يتحمّلن مسؤولية الإنفاق على أسرتها، ولكنّنا نعلم بأنّ الأحكام والقوانين لا تتمحور حول الأفراد، وإنّ اللّازم هو الأخذ بعين الاعتبار عمومية الرجال وعمومية النساء ( يلاحظ جيّداً)..
المسألة الأخرى الملتفة للنظر الواردة في الآية وتستفاد من عبارة من أخيه هي أنّ القرآن الكريم يحرّض على توطيد آصرة الأخوّة إلى حدٍ بعيد جداً حتّى وإن أريق دم حق خلالها، ولهذا؛ ولإثارة مشاعر عواطف أولياء الدم يحرّضهم على اعتبار القاتل الأخ أخاً، تشجيعاً منه منه على اختيار العفو. وهذا أمر ملفت للنظر عجيب!
ولاريب أنّ هذا المورد يكون بخصوص الذين يقدمون على هذا العمل الشنيع - القتل - بداعي تعاظم الغضب وهيجان المشاعر وأمثال ذلك، ثمّ يندمون على ما اقترفت أيديهم.. أمّا المجرمون الذين يستحلون جرائمهم ويتفاخرون بها ويلتذون لها ثم لا يندمون؛ فهم غير جديرين بعنوان الأخوّة وغير مستحقين للعفو..
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)
1 - لاستعمال جملة وصيغة كُتِبَ عَلَيْكُمْ في الآيات القرآنية - الظاهرة في الوجوب في مورد الوصية ثلاثة احتمالات :
الاحتمال الأوّل: تارة يقال : الوصيّة في القوانين الشرعيّة الإسلامية وإن كانت مستحبّة، إلّا أنها مستحبّة مؤكدة، ولأنها كذلك فقد عبّر عنها بجملة كُتِبَ عَلَيْكُمْ وذيل الآية يفسرها؛ إذ يقول: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ولو كانت الوصية بحكم الواجب لورد التعبير بالقول: حقاً على المؤمنين ..
الاحتمال الثاني: ذهب البعض إلى أنّ هذه الآية نزلت قبل نزول أحكام الإرث، وإذ ذاك كانت الوصية في الأموال الواجبة لدرء الاختلاف والنزاع بين الورثة، ولكن بعد نزول آيات الإرث نُسخ هذا الوجوب وانتقلت إلى حكم استحبابي، وقد ورد في (تفسير العياشي) حديث في ذيل هذه الآية يؤيّد هذا المعنى والاحتمال.(1)ّ
الاحتمال الثالث: أنّ هذه الآية ناظرة إلى الموارد الضرورية وموضع الحاجة، أي: حينما يكون الإنسان مديناً أو كان في رقبته حقٌّ، لزمته الوصية ( ولكن الأقرب من بين التفاسير هو التفسير الأوّل كما يبدو ).
1) راجع تفسير العياشي، ج1، ص 77
2 - حيث عبّر في هذه الآية بكلمة خَيْرًا بدلاً من كلمة (مال) فورد إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ فالتعبير هذا يشير إلى أنّ الإسلام يعدّ الثروة الحاصلة بالطرق المشروعة وضمن المسار الذي ينتهي إلى منفعة المجتمع خيراً وبركة، أما الأفكار والأساليب التي تقف خلف تحصيل المال أمراً سيئاً وباطلاً.. أما التظاهر بالزهد؛ فأمر منحرف عن روح الإسلام لأن السائر
في هذا النهج فرد لم يدرك معنى الروح الدينية حيث يساوي بين الزهد والفقر . وتعد أفكاره سبباً في الركود الاقتصادي للمجتمع المسلم وتحول دون التنمية وحيوية المال، لذا ترى الإسلام ينأى بنفسه عن هذا النمط من التفكير والسلوك.. مضافاً إلى أنّ العبارة القرآنية تتضمن أفقاً لطيفاً وجميلاً فيما يرتبط بمشروعية الثروة، لأنّ الأموال غير المشروعة التي
يخلّفها الإنسان وراءه ليست خيراً بمقدار ما هي شر ووبال..
3 - يستفاد من بعض الروايات الخاصة بتفسير كلمة خَيْرًافي الآية الشريفة أنّ المال الموصى به يجب أن يكون مالاً مفيداً ومهماً، وإلا فإنّ المال القليل لايستحق أن يوصي المرء بثلثه ليعزل عن أصل التركة؛(1)كما وردت الإشارة في بعض الروايات أن النص القرآني القائل:إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ لبيان أن آخر فرصة للوصية هي قبيل الموت وإلا فإنّها إذا تأخرت عن ذلك؛ فقد انتفت، وليس ثَمّ مانع أن يتوقع المرء قبل ذلك ما سيؤول إليه أمر ماله، فيعد العدّة لوصيته، بل إنّ الروايات طالما عدت الإيصاء أمراً مهماً جداً.(2)
4 - أنّ الوصيّة مصداق للبصيرة والواقعية، وإن لم تكن سبباً لإطالة العمر، فهي لا ريب لا تقصر منه.. وإن من ضيق التفكير أن يعتبر المرء إيصاءه فألاً سيئاً على حياته وأنه يتقدم بذلك باتجاه نهايته وموته.
5 - تفيد الوصيّة في الآية أعلاه بمعياربالمعروف إشارة إلى ضرورة أن تكون الوصية من حيث المقدار والمبلغ ومن حيث الوجهة الشخصيّة التي ترد فيها الوصية، ومن حيث الجوانب والمقاصد الأخرى مناسبة لعرف العقلاء بحيث يولونها أهميتها المناسبة، لا أن تكون شكلاً من أشكال التفرقة بين الورقة وسبباً للنزاع والانحراف عن أصول الحق والعدل..
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)
1 - الوصية الجامعة للخصائص المفيدة جديرة بالاحترام من كلّ جهة. وهي مصونة عن أيّ تغيير وتبديل، ولذا قالت الآية التالية: فمن بدله بعد ما سمعه فإنّما إثمه على الذين يبدلونه
2 - يخطئ الوصي المبدل للوصية (أن الله لا يعلم ماذا يفعل إذ إنّ الله سميع عليم).
3- ورد احتمالان في تفسير هذه الآية:
ألف: يمكن أن تشير الآية إلى أنّ التبديل في الوصية من قبل الوصي لا يمحق أجر وثواب الموصي، وأنّ الإثم لا يلحق إلّا بالوصي الذي بدل كيفية أو أصل الوصية.
ب: يحتمل في تفسير الآية أن يكون المقصود إذا ما آلت أموال التركة للميت قد صارت من نصيب غير مستحقيها بفعل التغيير الذي يحدثه الوصي (وهؤلاء لم يكونوا على علم بذلك فإنّهم غير آثمين، وأنّ الذنب متوجّه إلى الوصي غير الأمين الذي بدل الوصية عن عمد.. ولا ريب في عدم وجود التضاد بين هذين التفسيرين، ومن الممكن أن يجمعا في معنى الآية الشريفة.
فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)
1 - حيث أنّ لكلّ قانون استثناء، فقد ورد في الآية الأخيرة من البحث أنّ الوصي متى ما خاف انحرافاً من الموصي - سواء كان هذا الانحراف عن علم أو عن غير علم - فأصلحه، فإنّه غیر آثم في ذلك فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
2 - هذا الاستثناء متعلّق فقط بالموارد التي لم تتمّ فيها الوصية بالصورة الصحيحة، إذ الوصيّ هو الوحيد الذي له حق التغيير في الوصيّة وذلك إذا ما كان الموصي حيّاً ليشير عليه ما يغيّره، أما إذا رحل عن الحياة، فله أن يعمد إلى التغيير مباشرة، وهذا من حيث الفقه الإسلامي منحصر في الموارد التالية:
3- تمنع الوصية متى ما تجاوزت ثلث التركة، ذلك لأنّ الأحاديث والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام حدّدت الوصية بمقدار الثلث من أصل التركة، والزائد على الثلث ممنوع.(1)
4- وعلى هذا؛ فإنّ ما هو معمول به بين الجهال العوام حيث يقسمون أموالهم كلّها عن طريق الوصية غير صحيح وغير موافق للقوانين الإسلامية، وعلى الشخص الوصي أن يصلح
1) راجع وسائل الشيعة، ج 19، ص 271 إلى 274
ذلك ويقلّل مقدار الوصية بالثلث فقط.
5 - إذا ما كانت الوصية أو تضمّنت ظلماً أوفعلاً حراماً. كأن يوصي المرء بقسم من أمواله لتوسعة مركز من مراكز الفساد، وكذلك إذا كانت الوصية توجب ترك واجب أو تتسبب في إحداث نزاع وفساد وإراقة دماء؛ فلا بد من إصلاح هذه الوصيّة تحت إشراف الحاكم الشرعي.
6 - مفردة جَنَف على وزن ،كنف تعني الانحراف عن الحق والميل المنفرد عنه، وهو إشارة إلى الأنحرافات غير المتعمدة التي تلحق الموصي، ومفردة إِثْمَ إشارة وإيحاء بالانحرافات المتعمدة .
7 - عبارة إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ الواردة في ذيل الآية يمكن أن تكون إشارة إلى أنه متى ما أقدم على إصلاح ما صدر من خلاف من جهة الموصي؛ ولفت نظره إلى ما هو حق.. فإنّ الله يتجاوز عن خطئه أيضاً.
8 - إنّ فلسفة الوصية تكمن أنّ جماعة معيّنة من الأقارب سيختصون بالإرث وذلك طبقاً لمقادير محدّدة، في حين أنّ عدة آخرين قد يكونون بمسيس الحاجة - وفي بعض الحالات قد يكونون من أقرباء المتوفّى المقربين - إلى المساعدة المالية، وفي بعض الأحيان أيضاً قد يكون مقدار الإرث الذي يكون من نصيب هذا أو ذاك من ذوي القربى قليلاً ولا يفي
بحاجتهم المرجوة.. وحيث أن مجموع القوانين الإسلامية لا تجيز التعويض لهم بشيء آخر.. ولذا؛ وإلى جانب قانون الإرث صدر قانون الوصيّة ليجيز للمسلمين أن يقتطعوا مقدار الثلث من تركتهم (لما بعد الموت) ويقرّروا فيه ما يشاؤون.. ولهذا؛ فإنّ مجموع هذه الأمور أدّت إلى أن يشرع الإسلام الوصيّة ويؤكدها؛ وذلك عبر جملةحقاً على المتقين.
9 - أنّ وصيّة الإنسان لا تنحصر في أمواله فقط، بل عليه أن يحدّد طبيعة مديونيته والأمانات التي عنده أو تلك التي تعود إليه وهي تحت رعاية الآخرين، وأمثال ذلك في وصيّته، بحيث لا يبقى هناك ما هو مبهم من الأمور من حقوق الناس أو الحقوق الإلهية
المتبقية في عهدته..
10 -ورد التأكيد الكثير في الروايات الشريفة بخصوص الوصية. كما نقرأ في الحديث النبوي الشريف: «لا ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلةً إلّا ووصيّته تحت رأسه »(1)ولعل المقصود من وضع الوصيّة تحت الرأس إتمام تدوين الوصية وكمالها.
وفي رواية أخرى: من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية».(2)
11 - وهناك روايات أخرى ورد فيها التأكيد المتكرّر على عدم الظلم وعدم الإضرار بالآخرين في الوصية، ويستفاد من مجموعها أنّه كما أنّ الوصية عمل جيد، فإنّ التعدّي وتجاوز حدودها وما ورد فيها أمر مذموم ويعد من كبائر الذنوب، ولهذا نقرأ عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام قوله:«من عدل في وصيّته ؛ كان كمن تصدّق بها في حياته، ومن جار في وصيّته؛ لقي الله عزّ وجلّ يوم القيامة وهو عنه معرض وإنّ التعدي والإضرار في الوصية ! »
(3)حيث يوصي المرء بما يزيد عن الثلث ويمنع الورثة عن استيفاء حقوقهم.. أو بإعمال التفرقة بين الذين يوصي لهم بإجحاف وتفريط بداعي الحبّ والبغض المجرّدين عن السب والدليل المقبول.. وقد ورد الحثّ مراراً على التقليل منها في الوصية إلى الربع أو الخمس في الوصية عند الشعور ومعرفة حاجة الورثة الشديدة. 12 - ورد التأكيد على مراعاة العدالة في الوصية إلى الحد الذي جرى فيه تأكيد أئمّة الإسلام في أحاديثهم ورواياتهم.. ومنها أن رجلاً من الأنصار مات وترك وراءه أولاداً صغاراً، وقد كان أنفق أمواله قبيل موته في سبيل الله بحيث لم يبق لهم شيء منه.. وحين أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بالخبر قال: ماذا فعلتم بالرجل؟ فقيل: دفناه. فقال: لو كان الأمر لي لما
أذنت لكم بدفنه في مقابر المسلمين، لأنه خلف وراءه صبيته يسألون الناس..(1)
13 - مع أنّ الوصية من المستحبّات المؤكدة، ولكنّها قد تكون واجبةً أحياناً.. كأن يكون المرء قد قصر في أداء حقوقه الشرعية، أو كانت تحت يده أمانات الناس، ولعلها تضيع عليهم في حال عدم الإشارة إليها في الوصيّة أو لدى عدم الإيصاء بها أساساً.. أو لعل أحدهم يلحق به الضرر المادي أو المعنوي في المجتمع إذا لم ترد به وصيّة هذا الميت أو المشرف على الموت.. وهنا تكون الوصية واجبة.
1 - الإسلام لم يجبر ولم يقيد الموصي بما أوصى من قبل، بل يجيز له - مادام حياً - أن يغيّر بالوصيّة بما يشاء، إذ أنّ مرور الزمان يمكن أن يغيّر في رأيه وموقفه وما يراه من مصلحة.
15 - ينبغي للإنسان أن يتخذ من وصيته وسيلة لجبر وسد النقائص الخاصة به... فحتى وإن قصر بحقه أحد أقاربه أو ظلمه، أمكنه أن يردّ إساءته بإحسانه في الوصية... وفي الروايات الشريفة نقرأ أنّ أئمّة الهدى طالما أحسنوا إلى ذويهم المقصرين بحقهم عن طريق الإيصاء لهم بمبالغ مالية، لعلهم يوطدون العلاقة الطيبة بهم، كما كانوا يحرّرون عبيدهم، أو يوصون بتحريرهم بعد وفاتهم عليهم السلام. (2)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)
1 - حيث يقترن القيام بهذه العبادة - الصيام - إلى الامتناع عن اللذائذ المادّيّة وإلى بعض المشاكل( لاسيما في فصل الصيف) فقد استعملت مفردات وعبائر مختلفة في الآية أعلاه لتهيئة روح الإنسان إلى تقبل واستيعاب هذا الحكم.. وفي البدء ورد الخطاب في هذه الآية إلى الصائم بالقول الجميل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ولعلّ هذا النداء والخطاب يضمن أكبر مقدار من التأثير والقبول من جهة المخاطب، حيث الصيام وتحمّل المشقة ومواجهة النفس
المتمرّدة بحاجة إلى إيمان.. وفي حديث رواه تفسیر (مجمع البیان) عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام إذ قال: «لذة ما في النداء أزالت تعب العبادة والعناء».(1)
2 - أن الإيمان من شروط الصوم بدليل قوله تعالى: كتب عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فهو غیر مختص بالمسلمين، بل كان واجباً على الأمم السابقة أيضاً.
3 - للصوم أبعاد متنوّعة، وله آثار كثيرة من الناحية المادّيّة والمعنوية على وجود الإنسان، ومن أهمها البعد الأخلاقي وفلسفته التربوية: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
4 - من فوائد الصوم المهمة أنه يلطف روح الإنسان ويقوّي إرادته ويعدّل ويوجه غرائزه.
5 - من فوائد الصوم الأخرى أنّ على الصائم في حال صومه ومع وجود الجوع والعطش
1) مجمع البیان، ج 2، ص 490
وحرمانه من الطعام والشراب كذلك عليه أن يغضّ الطرف عن اللذة الجنسيّة ليثبت عمليّاً أنه ليس أسيراً - كما الحيوان - للطعام، وأنه قادر على كبح جماح نفسه ومتسلّط على شهواته ونوازعه .
6 - أنّ من أعظم فلسفة الصوم - في الحقيقة - إحراز الأثر الروحي والمعنوي على .الصائم.. فالإنسان الذي تتوفّر لديه أنواع الأطعمة والأشربة فإنّه يلجأ إليها في كل لحظة جوع أو عطش، شأنه في ذلك شأن الأشجار الكائنة في الحدائق وتنمو بكل لطف وعناية، حيث الماء يأتيها ويسقيها في كل حين.. ومثل هذه الأشجار غالباً ما تكون ضعيفة وقليلة المقاومة، ولو أنّ الماء قطع عنها لأيام قلائل، رأيتها تجف وتموت.. أما الأشجار النابتة بين صخور الجبال وفي الصحاري وتتلاعب بها - منذ صغرها - العواصف وحرارة الشمس الحارقة وبرد الشتاء القارص وتتعرّض على الدوام إلى الحرمان من الماء والسقي، فإنّها أكثر مقاومة وتتصف في الغالب بشدّة المقاومة..
7- الصوم يضاعف قابليّة الصائم على المقاومة ويزوّده بالقوّة على مواجهة المصاعب ومقاومة الرغبة في ارتكاب الذنوب.. ولأنّه يضبط غرائز الإنسان؛ فإنّه في الواقع يرتقي به من عالم الحيوانية إلى عالم النور ويحلّق به باتجاه عالم الملائكة ويضفي على قلبه صفاء وشفافية ملموسة.. وهذا ما تشير إليه العبارة القرآنية القائلة: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
8- لا يخفى أثر الصيام في الجانب الاجتماعي على أحد، لأنه بمثابة درس في المساواة بين أفراد المجتمع.. وبالقيام بهذا الأمر الديني يشعر الإغنياء بحالة الفقراء بشكل مباشر، ولعلهم بشيء من الاقتصاد والتدبير - بخصوص طعامهم الليلي والنهاري - يعمدون إلى مد العون للفقراء والمحتاجين .
9 - يمكن عبر وصف وبيان حال الجياع والمحرومين إلفات نظر الشبعي نحوهم.. ولكن إذا شعر الشبعي بحال الجياع عبر صومهم، ولمسوا بأنفسهم طبيعة المشاق التي يعانيها الجياع - كان له الأثر الأكبر في تغيير مسار الشبعى، مما يعني أنّ للصوم دوراً مباشراً في إضفاء لون آخر على هذا الموضوع الاجتماعي المهم.. ولهذا ورد عن هشام بن الحكم رضوان الله عليه عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام أنه قال في علة وجوب الصوم:
«إنّما فرض الله الصيام؛ ليستوي به الغني والفقير، وذلك أنّ الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير، وأنّ الغنيّ كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله تعالى أن يسوي بين خلقه، وأن يذيق الغني مش الجوع والألم؛ ليرقّ على الضعيف ويرحم الجائع»(1).
10 - قلما نجد طبيباً يغفل عن الإشارة إلى أن الصوم يعالج كثيراً من الأمراض وأنّ له أثراً إعجازياً في القضاء على العديد من الأمراض.. وقد نبه الطب القديم والطب الحديث إلى ثبوت هذه الحقيقة الرائعة.. لاسيما وأننا نعلم بأنّ السبب الذي يقف وراء كثير من الحالات المرضية هو الإكثار من تناول الأطعمة المتنوّعة.. إذ تتسرب الأطعمة الزائدة عن حاجة البدن على هيئة دهون مؤذية إلى مختلف نواحيه.. أما الصوم والامتناع عن تناول الطعام؛ فيحرق هذه الزوائد والإضافات.. ويؤدّي دور المنظف في بيت جسم الإنسان، إضافة إلى كونه يهب نوع استراحة ملحوظة لأجهزة الهضم ويقويها.. وحيث أنّ هذه الأجهزة من أهم الأجهزة البدنية وأنها تعمل بشكل متواصل طيلة السنة، فهي بحاجة مبرمة إلى هذه الاستراحة في فترة معينة.
11 - لاشكّ في أنّ الفرد الصائم - وطبق التعاليم الإسلامية - مكلّف بعدم الإفراط أثناء الإفطار والسحر بتناول الطعام والشراب، ليحرز الأثر الصحي لصيامه، وإلّا؛ فإنّ ممن الممكن أن تكون النتيجة معاكسة لما يراد من الصيام.
1) من لا يحضره الفقیه، ج 2، ص 73
وقد كتب العالم الروسي الكس سوفورين) في كتاب له إنّ العلاج عن طريق الصيام له فائدة مميّزة في القضاء على مرض فقر الدم وضعف الأمعاء والتهاباتها المزمنة والقضاء على الدماميل الداخلية والخارجيّة ومرض السل والروماتيز والنقرس والاستسقاء وعرق النساء وتناثر الجلد وأمراض العيون والسكّري والأمراض الجلدية والكلوية والكبدية وأمراض أخرى كثيرة(1).
12 - إذا كان القرآن الكريم قد قال: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فإنّ لذلك شواهد تاريخيّة ودينيّة كثيرة وقد ورد في المصادر الدينيّة الأخرى بوفرة (حتى بعد تحريفها) ونشير هنا إلى بعض منها:
ألف: يعلم من التوراة والإنجيل الفعليين أنّ الأقوام السالفة واليهود والنصارى كانوا يواجهون حالات الغم والحزن بينهم بالصوم، كما ورد في قاموس الكتاب المقدّس أنّ الصوم كان متعارفاً في كلّ طائفة وأمة ومذهب لمواجهة الهموم والأحداث غير المتوقعة.(2)
ب: يفهم من التوراة أنّ موسى عليه السلام قد صام أربعين نهاراً كما نقرأ: حين صعدت الجبل لتلقي الألواح الحجرية - ألواح العهد الذي عقده الله معكم - بقيت صائما أربعين نهاراً وليلة، ولم أتناول طعاماً ولم أشرب ماء...(3)
ج: كان اليهود إذا أرادوا التوبة وطلب العفو صاموا وكانوا متى ما سنحت لهم الفرصة لإظهار عجزهم وتواضعهم إلى الله صاموا.. ليكسبوا رضاه عبر الصوم فيتوب عليهم .(4)
د: كان النبي عيسى عليه السلام - كما يفهم من الإنجيل - يصوم أربعين يوماً.. وحين أخذ إلى الصحراء لتقوية روحه وليمتحنه إبليس، قضى أربعين يوماً صائماً إذ ذاك.(5)
ه- : يفهم من (إنجيل لوقا) أنّ الحواريين كانوا يصومون أيضاً. (1)
و: جاء في (قاموس الكتاب المقدّس) أنّ حياة الحواريين والمؤمنين مفعمة بإنكار اللذات وتحمّل المشاق والصوم...(2)
13 - لبيان آثار وفوائد الصيام نشير إلى بعض الأحاديث والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام:
1- ورد في الحديث النبوي الشريف: «صوموا تصحوا».(3)
2 - عن أمير المؤمنين عليه السلام: «المعدة بيت كل داء، والحمية رأس كلّ دواء» (4).
3- عنه صلى الله عليه وآله: «الصوم جنّة من النار» (5).
4- عنه صلى الله عليه وآله: «إنّ للجنة باباً يدعى الريان؛ لا يدخل فيها إلّا الصائمون».(6)
وكتب المرحوم الصدوق في (معاني الأخبار ) في شرح هذا الحديث أنّ اختيار هذا الاسم لهذا الباب من الجنّة بداعي أنّ أكثر مشقة الصائم في العطش، وحين يدخل الصائمون من هذا الباب، فإنّهم يرتوون بحيث لا يعطشون بعده أبداً... (7)
عن امير المؤمنين عليه السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله سئل ذات مرة: ما نفعل ليبتعد الشيطان عنّا ؟ فقال: «الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والمواظبة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه».(8)
وفي (نهج البلاغة ) قال أمير المؤمنين عليه السلام لدى بيانه فلسفة العبادات: «والصيام ابتلاء الإخلاص الخلق». (1)
14 - أنّ التقوى بمعنى ترك الذنب، ولأنّ معظم الذنوب ترتكب بفعل الغضب والشهوة ولأنّ الصوم يحول دون الانسياق والاندفع وراء الغريزة، فإنّه صار سبباً مباشراً للإقلال من الفساد وللإكثار من التقوى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
15 - استعمال مفردة لَعَلَّكُمْ لبلوغ مرحلة التقوى يمكن أن يراد القول بها: إنّ بلوغ مقام المتقين ليس بالأمر اليسير حيث ينال بصيام شهر واحد، ولعلّ المقصود من استعمال هذه الكلمة أنّ الصيام إذا تم بكافة شروطه الواقعية (ترك الذنب والاقتراب من الله تعالى) أمكن بلوغ مقام المتقين ..
1) نهج البلاغة، ص 512
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)
1 - على كلّ إنسان سالم أن يصوم شهراً من كلّ سنة، لأنّ ذلك لازم لصحة جسمه وتربية روحه، وعلى هذا الأساس؛ إذا صادف أنه كان مريضاً في شهر رمضان أو كان مسافراً، وجب عليه أن يقضي أيام مرضه وسفره لتكمل عنده عدة أيام الصيام، وحتى المرأة الحائض المعفوّة عن قضاء صلاة أيام حيضها يلزم أن تقضي ما فاتها من الصوم حين حيضها فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
2 - لا يجبر الفرد المسلم أن يصوم كلّ السنة أو أياماً كثيرة منها، بل إنّ الصوم يحتلّ مساحة صغيرة من السنة:أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.
3- المرضى والمسافرون والمعفوّون عن الصيام والمكلّفون بقضائه في أيام أخرى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ إما أن يشقوا على أنفسهم بالصيام كالعجزة من الرجال والنساء والمرضى المزمنين الذين لا رجاء في تعافيهم لا يلزمهم الصوم مطلقاً، وإنّما عليهم دفع كفّارة، وهي إطعام مسكين عن كل يوموَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ.
4 - للإلتزام بالواجبات الإلهيّة آثار طيّبة تعود على الإنسان دون الله.
5 - مع أنّ البعض أرادوا الفهم من قوله سبحانه: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الصوم في بادئ الأمر كان حكماً تخييرياً، بمعنى أن الفرد المسلم كان له أن يصوم وأن لا يصوم كخطوة تربوية وتمرينيّة على الالتزام بهذه الفريضة حيث يكون الحكم وجوباً عينياً فيما بعد.. ولكن ظاهر هذه الجملة تأكيد على فلسفة الصوم، وهي أنّ هذه العبادة كسائر العبادات؛ حيث لا تضيف شيئاً على مقام الله وجلاله، بل إنّ كلّ فائدتها تعود على المتعبّد بها، كما هو الوارد في القرآن المجيد من نصوص مشابهة لهذا المنحى.. خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وذلك بعد ورود الحكم بوجوب صلاة الجمعة (1)أو ما ورد في سورة العنكبوت حيث قال سبحانه وتعالى: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .. هذا بالإضافة إلى أن عبارة وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ خطاب موجه إلى جميع الصائمين، وليس إلى فريق بعينه.
1) سورة الجمعة / 9 .
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)
1 - رَمَضَانَ من مادة الرمض، وهو الحرق والاحتراق المجرّد - طبعاً - عن الدخان.. والعلة في تسمية هذا الشهر بهذا العنوان أن شهر رمضان يحرق ذنوب الإنسان..
2 - أنّ تكرار الإشارة إلى حكم المريض والمسافر في هذه الآية والآية التي سبقتها يمكن أن يكون من جهة أنّ البعض يظنون بأن الإفطار عمل سيّئ مطلقاً، فيعمدون إلى الصوم في حال مرضهم أو سفرهم، ولذا وجدنا القرآن الكريم وبتكرار هذا الحكم أراد إعلام المسلمين بأن الصوم بالنسبة للأفراد الواجدين لشرائطه فريضة إلهيّة، كما أنّ الإفطار لغيرهم أمر إلهي أيضاً، ومخالفة هذا الأمر ذنب.
3 - قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ في هذه الآية إشارة إلى أنّ الصوم وإن كان فيه شيء من الصعوبة والتقييد - ولكن محصلته النهائية راحة للإنسان ويسر...هذا بالإضافة إلى تكون هذه الآية إشارة - من الناحية المادّيّة والمعنوية - إلى أنّ أمر الله
الرحيم ليس كما هو أمر السلطان الجائر، ولذا تراه - الأمر الإلهي بالصوم - إذا ما استدعى مشقة شديدة على البعض؛ انتقل به إلى مرحلة يسيرة.. ولذا؛ كان الصوم مع كلّ ما يحمل من أهمّيّة قد سقط وجوبه عن المرضى والمسافرين والعجزة :يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
4 - تمّ اختيار شهر رمضان لأداء فريضة الصوم بداعي كونه أفضل شهور الله تعالى. وأحد أدلّة هذه الأفضليّة أنّ القرآن المجيد قد نزل فيه، وهو الكتاب الذي يضمن الالتزام به وفهم معانيه وتطبيق أوامره هداية البشر وسعادتهم المطلقة باعتباره الفرقان الذي يوضح ويميّز الهدى من الضلال.
5 - كذلك ورد في المأثور عن أهل البيت عليهم السلام أنّ جميع الكتب السماوية من صحف الأنبياء والتوراة والإنجيل والزبور والقرآن قد أُنزلت في هذا الشهر الفضيل. إذ أكّد الإمام الصادق عليه السلام بأنّ التوراة نزلت في السادس من شهر رمضان، والإنجيل نزل في الثاني عشر منه، وأنّ الزبور نزل في اليوم الثامن عشر منه ، وأنّ القرآن قد نزل في ليلة القدر المباركة..(1)
6 - أنّ شهر رمضان كان حاضنة لمسألة نزول كتب السماء، وهو شهر التعليم والتربية، ذلك لأنّ التربية لا يمكن أن تكون صحيحة من دون التعليم.. ومنهج التربية عبر الصيام يجب أن يكون على أساس الوعي الأعمق للتعاليم السماوية والمتطابق معها.. لتتم عملية غسيل جسم وروح الإنسان من لوث الذنوب والخطايا..
7 - في آخر جمعة من شهر شعبان راح النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يعد أصحابه لاستقبال شهر رمضان المبارك، فخطب فيهم خطبة ونبههم إلى أهمية هذا الشهر الفضيل، فكان ممّا وجههم إليه أن يا أيها الناس قد أقبل عليكم شهر الله بالبركة والغفران والرحمة..
1) الكافي، ج 2، ص 629
وهو شهر أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل اللّيالي وساعاته أفضل الساعات.. وهو شهر قد دعيتم فيه إلى ضيافة الله لتكونوا ممن يكرمهم الله.. وإنّ أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وأعمالكم فيه مقبولة، ودعاؤكم فيه مستجاب، فأخلصوا الله نواياكم وطهروا قلوبكم لتنالوا التوفيق إلى صيامه وتلاوة القرآن فيه.. فإنّ الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم..
فتذكروا بعطشكم وجوعكم في هذا الشهر عطش وجوع يوم القيامة.. فتصدقوا على فقرائكم، وأكرموا كباركم ، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحجزوا ألسنتكم عن الذنوب، وغضوا أبصاركم عن المحارم، وصموا آذانكم عن الحرام.. وأشفقوا على الأيتام ليشفق على أيتامكم... (1)
8 - أن يقول الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَيشار به إلى إرادة الله في الصوم وفوائده وحكم المسافر والمريض فيه، ولكن مع ملاحظة عمومية هذا الحكم يكون قاعدة عامة بالنسبة إلى جميع الأحكام الإسلامية ومن أدلة القاعدة المعروفة باسم (لا الواردة في الفقه الإسلامي للمكلّفين والمؤمنين بحيث تتحوّل إلى ملاك عمل وتكليف.. وعلى أساس هذه القاعدة يكون اليسر ملاكاً لقوانين الإسلام دون العسر.. وإذا ما صادف أن أدى حكم من الأحكام إلى مشقة شديدة على الإنسان بشكل مؤقت تبدل الحكم إلى ما فيه اليسر - كما يقول الفقهاء - كأن يؤدّي الوضوء أو الصلاة من قيام إلى مشقة شديدة على المكلّف؛ انتقل بالتكليف إلى التيمم أو الصلاة من جلوس كما ورد في الآية (78) من سورة الحجّ حيث قال تعالى: هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أو ما ورد في
1) الأمالي الشيخ الصدوق، ص 93 و 94
الحديث النبوي الشريف: بعثت على الشريعة السمحة السهلة».(1)
9 - ما ورد في آخر هذه الآية بخصوص مسألة الشكر الله تعالى بكلمة لَعَلَّكُمْ ولكن مسألة تعظيم الله وتكبيره ذكرت بصورة قاطعةوَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ولعلّ هذا التفاوت العبارتين يمكن أن يكون لأجل أنّ القيام بهذه العبادة( الصيام) على أي حال؛ تعظيم وتكبير لمقام الرب المتعال والانتفاع بآثار الصوم وفلسفته العمليّة وأن لذلك شروط واجبة التحقق.. ومن أهمها: الإخلاص التام والمعرفة الحقيقية للصوم وإدراك فلسفته وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
1) الوافي، ج6، ص 69
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)
1 - سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله عمّا إذا كان الله تعالى قريباً ليناجيه، أو أنه سبحانه بعيد فيناديه ؟ فنزلت هذه الآية المباركة(1)(وأجابته على سؤاله، وأنه تعالى قريب يناجي ولا حاجة إلى ندائه بصوت مرتفع).
وقال عبد الله بن سنان إنّه سمع الإمام الصادق عليه السلام يقول: أكثروا من الدعاء لأنّ الدعاء مفتاح كرم الله والوسيلة إلى نيل كل حاجة، لأنّ النعم والرحمة من الله، ولا تُبلغ إلّا بالدعاء.. وليعلم أنّ كل باب تفتح إذا كثر الطرق عليها.(2)
1 - في هذه الآية القصيرة أشار الله تعالى إلى ذاته المقدسة سبع مرات، وسبع مرات أخرى إلى عباده.. ومن هنا تتجلّى روعة العلاقة والقرب والحب من جهته إليهم..
2 - وضع هذه الآية بين الآيات الخاصة بالصيام يعطيها مفهوماً جديداً، لأنّ روح كلّ عبادة يتمثل بالقرب من الله تعالى ومناجاته.
3- كما أنّ الدعاء يضفي على الإنسان هدوءاً واطمئناناً.. كذلك يزوّد فعاليات دماغ الإنسان بنوع من الانبساط الباطني، ويكرّس فيه روح البطولة ويثيرها أحياناً.. إنّ المناجاة تظهر بآثارها وعلاماتها العديدة والفريدة.. من ذلك : صفاء النظرة ومتانة السلوك والانبساط والنشاط الداخلي والطلة المتيقنة والاستعداد لتقبل الهداية، وكذلك مواجهة الحوادث بشجاعة.. هذا كلة من آثار الدعاء والمناجاة، لأنّ القلب والروح يتعلّقان بالله عن طريق الدعاء.. وكما أنّ قطرة الماء الواحدة تتصل بالمحيط اللّامتناهي، كذلك هو الاتصال المعنوي بالله القدير يتأتى بالدعاء ويضفي على الداعي قوة وقدرة.
4- الدعاء يعبر عن وجود كنز خفي في عمق أعماق أرواحنا، وببركة هذه الطاقة والقدرة المعنوية يتمكّن الفرد المعاق وقليل القدرة من النهوض بطاقته العقلية والأخلاقية لينتفع منها بشكل أرقى.. ولكن المؤسف في الأمر هو قلة من يعي قيمة المناجاة الحقيقية ..
5 - حينما أناجي ربّي وأدعوه؛ أصل نفسي بالقوة اللامتناهية التي ترتبط وتتعلّق بها جميع الكائنات.. وعبر الدعاء والصلاة والإيمان الرصين بالدين يمكن إزاحة جميع أشكال وأسباب القلق والاضطراب والخوف الموجب لكثير من أنواع الألم والانزعاج..
6 - إنّ مفهوم الدعاء هو طلب توفير الأسباب الخارجة عن قدرة الإنسان وذلك ممّن كانت قدرته غير محدودة وغير متناهية، وكان كلّ أمر بالنسبة إليها يسير.. ولكن هذا الطلب لا ينبغي أن يتحدّد باللسان فقط، وإنّما يجب أن يصدر عن عمق وجود الطالب.. وما اللسان في ذلك سوى وكيل وترجمان لجميع ذرّات وجود الإنسان الداعي وأعضائه وجوانحه.
7 - النوع الآخر من الدعاء؛ الدعاء الذي يتقدّم به الإنسان في حالات القوة والقدرة على إنجاز الأمر المطلوب والمدعو به.. وهذا الدعاء يكشف عن ضعف قدراتنا جميعاً في مقابل القدرة الإلهية العظيمة اللامحدودة بحد، وبعبارة أخرى يكون مفهوم الدعاء هو الأخذ بعين الاعتبار الحقيقة الثابتة بأنّ الأسباب والعوامل الطبيعيّة مهما تكن؛ فإنّها تجتر قابليتها من الله
الفعّال لما يريد وأمره.. فإن تناول المرء دواءً وأراد الشفاء، فإنّما يجب أن يكون ذلك بعد أو في خضم الإيمان بأنّه تعالى هو الذي جعل فيه القابلية على المعالجة؛ بل وأذن له في شفاء متناوله (وهذا نوع دعاء آخر أُشير إليه في نصوص الروايات الشريفة).(1)
8 - إنّ الدعاء عبارة عن نوع من الوعي ويقظة القلب والفكر واتصال النفس والروح بمبدأ جميع الصلاح.. ولذا ترانا نقرأ الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: «لا يقبل الله عزّ وجل دعاء قلب لاه».(2)
9 - الدعاء المستجاب هو الدعاء الصادر حين الاضطرار واليأس من جميع أشكال السعي والبحث: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء )(3)وفي الحقيقة؛ إنّ الدعاء يكون حين تعجز قدراتنا دون قوتنا وقدرتنا..
10 - الغافلون عن القيمة المعنويّة والتربويّة والاجتماعية للدعاء والمناجاة ولا يعرفون حقيقة وروح الدعاء يرفعون ثلاثة إشكالات على مسألة الدعاء:
ألف: أنّ الدعاء عامل توقف عن الفاعلية والنشاط، لأنّ الناس وبدلاً من السعي والنشاط والاستفادة من وسائل التطوّر والنجاح يلجؤون إلى الدعاء.. فيتعلمون الخمول والكسل..
ب: أنّ الدعاء تدخل فضولي في مسؤوليات الله تعالى وعمله.. إذ الله يفعل ما فيه المصلحة، وهو يحبّ عباده ويعرف مصالحهم أكثر منهم، فلماذا نطلب منه ما نراه وما نريده نحن؟
ج: أنّ في الدعاء منافاة ومقاوم الرضا والتسليم في مقابل إرادة الله سبحانه وتعالى..
ولدى الإجابة على هذه الإشكالات، نشير هنا إلى ستة من آثار الدعاء في حياة الإنسان
(الداعي):
1- أنّ الإنسان ولتقوية إرادته وإزاحة المشاكل والانزعاج عن حياته بحاجة إلى معتمد ومتكأ، والدعاء يضيء للإنسان نور الأمل فيه.
2- أنّ نسيان الدعاء والغفلة عن المناجاة يوجبان المشاكل والمكاره النفسية والاجتماعيّة.. وفي الحقيقة، يكون الابتعاد عن الدعاء إلى الله تعالى سبباً مباشراً للسقوط المعنوي والاجتماعي، وأنّ من ينسى المناجاة يقتل في نفسه الشعور بالاعتماد على ربّه والأمل في عطائه، ويجعله في غير مأمن من الفساد والاضمحلال.
3 - أنّ أثر الدعاء والمناجاة ليس في أن يدعو المرء ربّه في الصباح ثم يغفل عنه طيلة يومه.. فمثل هذا الدعاء والمناجاة عبارة عن فعلين خاويين عديمي الفائدة. وإنّما الفرد المؤمن عليه بالدعاء طيلة وقته وبالتوجه إلى الله في جميع الحالات، ليحقق الدعاء أثره المرجو والعميق في نفسه.
4 - هؤلاء الذين يعدّون الدعاء عامل خمول وتوقف عن الفاعلية والنشاط لم يفهموا معنى الدعاء وحقيقته، ذلك لأنّ معنى الدعاء ليس كف اليد عن الوسائل والعلل الطبيعية والانهماك في الدعاء فحسب، بل المقصود هو رفع اليدين بالدعاء بعد بذل الجهود والنشاط والاستفادة من جميع الوسائل المتاحة.. وحين لا يتحقق لنا المرجو وواجهنا طريقاً مسدوداً للنجاح؛ علينا اللجوء إلى الدعاء.. وبالنظر إلى مسألة الاعتماد على الله نسعى إلى بثّ روح الأمل والحركة في أنفسنا مع الاستمداد من الله تعالى.. وعليه؛ يكون الدعاء سبباً لتعميق الأمل في الإنسان لدى المغالق والهموم، وليس عاملاً بديلاً عن العوامل الطبيعية.
5- الذين يعدون الدعاء أمراً مضاداً للرضا والتسليم.. لابد من القول لهم بأن الدعاء شكل من أشكال اكتساب القابلية على تحصيل سهم أكبر من الفيض الإلهي اللامتناهي.. وفي الحقيقة يتوسل الإنسان بالدعاء ليكون أكثر جدارة وصلاحية لتلقي فيض الرب الكريم،
ولاشكّ أنّ السعي للتكامل واكتساب الجدارة الأكثر ، مثل التسليم لقوانين الخلقة، وليس أمراً خلافاً لذلك..
6 - الذين يعتبرون الدعاء والمناجاة تدخلاً فضوليّاً في فعل الله وإرادته ويقولون إنّه سبحانه يفعل ما فيه المصلحة لعباده، هؤلاء لا يلتفتون أن هبات الربّ الكريم وعطاياه تنزل حسب القابلية والجدارة وتقسم.. وكلّما كانت القابلية أكبر كان سهم صاحبها من الهبات أكثر.. ولهذا قال مولانا الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ عند الله عزّ وجلّ منزلة لا تنال إلّا بمسألة».(1)
سؤال: ما هي شروط إجابة الدعاء؟
وردت في الروايات الكريمة خمسة شروط لاستجابة الدعاء وهي:
1- الاستلهام من حياة القادة الإلهيّين وطهارة القلب والروح والتوبة من الذنوب، وبناء الذات.
وقد روي عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «إياكم أن يسأل أحدكم ربّه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة حتى يبدأ بالثناء على الله والمدحة له والصلاة على النبي وآله، ثمّ الاعتراف بالذنب ثمّ المسألة »(2).
2- السعي في تطهير الذات إلى الابتعاد عن الظلم والجور والتغذي من الحرام، وقد روي في الحديث النبوي الشريف: «من أحب ان يستجاب دعاؤه؛ فليطب مطعمه و کسبه».(3)
3- عدم الكفّ عن مواجهة الفساد وعن الدعوة إلى الحق، لأنّ من يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لم يستجب دعاؤه، كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «لتأمرن
بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليسلطن الله شراركم على خياركم ويدعو خياركم فلا يستجاب لكم»(1)الأن هذا يمثل نتيجة طبيعية لأعمال الإنسان نفسه.
4- الإيمان والعمل الصالح وأداء الأمانة والصدق من شرائط استجابة الدعاء، ذلك لأنّ عدم الوفاء بالعهد مع الله تعالى لا ينبغي له أن يتوقع أن يفي الله له ويشمله باستجابة الدعاء..
5- من شروط استجابة الدعاء الأخرى اقتران الدعاء بالعمل والسعي إلى تحقيق المطلوب.. ونقرأ في الكلمات القصار لأمير المؤمنين عليه السلام قوله الكريم: «الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر »(2)وبالالتفات إلى أنّ الوتر هو عامل الحركة وليس أكثر من وسيلة لإصابة الهدف، فهو شبيه بالعمل الذي يفترض به التأثير في استجابة الدعاء.
إنّ مجموع هذه الشروط الخمسة المذكورة أعلاه توضّح الحقيقة القائلة بأنّ الدعاء ليس بديلاً عن العمل والأسباب الطبيعية والوسائل العادية لبلوغ الهدف، بل لابد من أن يعمد الداعي إلى إحداث انقلاب حقيقي في حياته من خلال الدعاء..
حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام:
شكا أحدهم لأمير المؤمنين عليه السلام عدم استجابة دعائه قائلاً: لم لا يستجاب دعائي مع أنّ الله تعالى قال: ادعوني أستجب لكم فقال له عليه السلام:
إنّ قلوبكم خان- [ت] بثمان خصال:
أوّلها أنكم عرفتم الله فلم تؤدّوا حقه كما أوجب عليكم، فما أغنت عنكم معرفتكم شيئاً.
والثانية: أنكم آمنتم برسوله ثمّ خالفتم سنّته وأمتم شريعته، فأين ثمرة إيمانكم؟
والثالثة: أنكم قرأتم كتابه المنزل عليكم فلم تعملوا به، وقلتم : سمعنا وأطعنا، ثم خالفتم!
والرابعة : أنّكم قلتم تخافون النار، وأنتم في كل وقت تقدّمون إليها بمعاصيكم، فأين خوفكم؟
والخامسة : أنكم قلتم ترغبون في الجنّة، وأنتم في كل وقت تفعلون ما يباعدكم منها، فأين رغبتكم فيها؟
والسادسة : أنّكم أكلتم نعمة المولى فلم تشكروا عليها.
والسابعة: أن أمركم بعداوة الشيطان، وقال: إنّ الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوّاً، فعاديتموه بلا قول، وواليتموه بلا مخالفة.
والثامنة: أنكم جعلتم عيوب الناس نصب أعينكم وعيوبكم وراء ظهوركم تلومون من أنتم أحق باللوم منه، فأي دعاء يستجاب لكم مع هذا، وقد سددتم أبوابه وطرقه؟ فاتقوا الله وأصلحوا أعمالكم وأخلصوا سرائركم وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر؛ فيستجيب لكم دعاءكم».(1)
8 - إنّ هذا الحديث المفعم بالمعنى يقول بصراحة إنّ العمل بالتعاليم الثمانية أعلاه، وهي في حقيقتها شروط استجابة الدعاء.. من أجل تربية الإنسان وتسخير طاقاته ضمن مسار بنّاء ومثمر.. وإنّ وعد الله باستجابة الدعاء بالإجابة وعد مشروط وليس مطلقاً ودائماً.. ومن أهمّ الشروط وفاء الإنسان بعهوده والحال أنّ هذا الإنسان لم يف بما عاهد، ولو أنّه أنهى عدم وفائه.. استجيب دعاؤه...
1) أعلام الدين، ص 269
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)
يفهم من الروايات أنّه في بداية نزول حكم الصيام كان للمسلمين الحق في تناول الطعام والشراب قبل النوم في الليل فقط، فإذا نام أحدهم ثمّ استيقظ لم يحق له طعام أو شراب، وكذلك كان محرّماً عليهم مباشرة النساء طيلة شهر رمضان..
وكان في الصحابة رجل فقير ضعيف الحال يدعى خَوّات بن جبير وكان يصوم أيام الشهر، وحين الإفطار انشغلت زوجته بإعداد الطعام، ولكنّه لفرط تعبه استغرق في النوم قبل أن يتناول شيئاً، وحينما استيقظ رأى أن لا حق له في الطعام فنام جائعاً.. وفي الصباح
وحيث كان صائماً توجه مع بعض المسلمين للمشاركة في حفر الخندق - قبيل معركة الأحزاب - حول المدينة.. فما شعر إلا وقد سقط مغشياً عليه لفرط جوعه وعطشه وإعيائه، فحضر النبي صلّى الله عليه وآله عنده ورأى حاله المرير، فتأثر له أيما تأثر..
وكان عدة من شباب المسلمين ممن لاطاقة لهم على ضبط أنفسهم تجاه حاجتهم الجنسية، فكانوا يقاربون زوجاتهم في ليالي شهر رمضان.. فنزلت الآية إذ ذاك وأجازت للمسلمين مقاربة زوجاتهم ومباشرتهنّ، وأن يتناولوا ما شاؤوا من الطعام والشراب طيلة الليل.. وقد قالت: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ.(1)
1 - يمكن أن يكون الحكم في البداية بمنع مباشرة الزوجات في أيام وليالي شهر رمضان مضافاً إلى حرمة الطعام والشراب بعد النوم أثناء الليل.. اختباراً للمسلمين لإثبات مدى استعدادهم لتقبل أحكام الصيام.
2 - تشبيه الزوجة والزوج باللباس يتضمن نقاطاً لطيفة؛ منها:
ألف: ينبغي أن يكون اللباس في مظهره ولونه وجنس قماشه مناسباً للابسه.. وكذلك الزوجة يجب أن تكون مناسبة للزوج وكذلك العكس من حيث الثقافة الشخصية وطبيعة التفكير.
ب: اللباس مدعاة للزينة والهدوء.. وكذلك الزوج والزوجة والأولاد ينبغي أن يكونوا أسباباً ومظاهر للزينة والاطمئنان النفسي.
ج: اللباس ساتر لعيوب لابسها، وإنّ كلّاً من الزوج والزوجة يفترض بهما ستر عيوب بعضهما.
1) تفسير القمي، ج1، ص 66
د: يحفظ اللباس لابسه من البرد والحرّ، وإنّ وجود الزوجة والزوج يضفي الفاعلية المناسبة في جوّ الأسرة.
ه-: ترك اللباس مدعاة للعري والفضح وإنّ الإعراض عن الزواج يسبّب - أحياناً - الانحراف والفضيحة للإنسان.
و يستفاد في البرد من اللباس السميك وفي الحر يرتدى اللباس الرقيق والخفيف.. وكل من الزوجة والزوج يلزمهما التخلّق بالأخلاق المناسبة للحالة الروحية للطرف المقابل.. فلو كان الزوج عصبي المزاج؛ استُحسن للزوجة التعامل معه بلطف وبما يزيح عنه غضبه، وإن كانت الزوجة تشعر بالتعب كان على الزوج أن يخفّف عنها ويعينها ويتعامل معها بالمداراة. ز: يجب أن يحفظ المرء نفسه بلباسه من التلوّث، وكل من الزوجة والزوج يلزمهما حماية بعضهما من التلوّث بالذنوب.
3- في قوله سبحانه: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ إشارة واضحة إلى أنه تعالى قد قرّر طبيعة العلاقة الروحيّة الفاضلة بين الزوج والزوجة، وكذلك قنّن المساواة بينهما في هذا الإطار.. ذلك لأنّ هذه العبارة الشريفة استخدمت بحق الرجال كما هي بحق النساء.
4 - ثمّ إنّ القرآن الحكيم يبين العلة في تغيير القانون الإلهي – مدة الصيام وطبيعة الإفطار ومباشرة النساء في ليالي شهر رمضان - حيث أشار إلى أنّ الله تعالى كان يعلم بخيانة البعض لأنفسهم. وأعلن أنه تعالى قد تاب وعفا عنهم ويسر الحكم عليكم لطفاً منه ورحمة وقلّل من مدة المنع عن بعض الأمور عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ.
5 - عبارة ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فيها تأكيد على ممنوعية الطعام والشراب والمباشرة الجنسيّة في أيام شهر رمضان.. كما تشير إلى مبدأ الصيام - من طلوع الفجر إلى منتهاه عند حلول الليل.
6 - حرمة مباشرة النساء أثناء مدة الاعتكاف في المساجد وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ وبيان هذا الحكم كاستثناء للحكم السالف، ذلك لأن مدة الاعتكاف ثلاثة أيام على الأقل، وفي هذه المدّة تمنع المباشرة ليلاً أو نهاراً..
7 - التخفيف في الأحكام من خصائص الشرع الإسلامي ُحِلَّ لَكُمْ.
8- رعاية الأدب في الحديث من خصائص القرآن الرفث) بمعنى التحدّث في المسائل الزوجيّة حيث جرت الكناية به عن المباشرة الجنسية.
9 - عبادة النهار واللذة المشروعة في الليل تعبّران عن جامعيّة وشمولية الدين، إذ وردت أحكام الصيام والاعتكاف والمسائل الزوجية في آية واحدة أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.
10 - الله تعالى مطلع على جزئیات عمل الإنسانعَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ....
11 - ترك حكم الله خيانة وظلم بالنفس تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ.
12 - الاعتكاف هو المكث في المسجد مع الصيامعَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ.
13 - في هذه الآية، وبعد ذكر بعض أحكام الصوتم والاعتكاف، عُبّر عن هذه الأحكام بحدود اللهتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَاذلك لأنّ الاقتراب منها يوسوس للمقترب بتجاوزها وبالسقوط في الذنب والخطيئة.. ولأنّ الحدّ بين الحلال والحرام حد بين الممنوع والمجاز، والمثير في الأمر هو أنه تعالى لم يقل: فلا تتجاوزوها، بل قال فَلَا تَقْرَبُوهَالأن الاقتراب يؤدّي إلى التجاوز في الغالب بداعي الغفلة أو طغيان الشهوة أو تورّط المقترب في الشبهة.
14 - ورد المنع في بعض القوانين الإسلاميّة عن وضع القدم في مناطق توجب انزلاق الإنسان وانحرافه، مثل المشاركة وحضور مجالس الخطيئة؛ وإن لم يرتكب فيها هذا المشارك ذنباً، أو كالخلوة بالمرأة الأجنبية. وهذا المعنى ورد في أحاديث تحت مسمّى (حماية الحمى) وعدم الدخول في المناطق الممنوعة.. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «المعاصي
حمى الله عز و جل فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها».(1)
15 - الورع والوقاية من الذنب أمر واجب، لأنّ الاقتراب من الذنب سقوط فيه فَلَا تَقْرَبُوهَا.
16 - الأفراد الملتزمون بأصول التقوى والورع ليس أنهم لا يقعون في الذنب فحسب، بل إنّهم يجهدون في عدم الاقتراب منه لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
17 - الاعتكاف لغةً يعني الحبس والمكث عند شيءٍ لمدة طويلة. واصطلاحاً هو التوقف والمكث في المساجد لممارسة العبادة، وأقل مدته ثلاثة أيام، وشرطه الصيام وترك بعض اللذائذ.. ولهذا النوع من العبادة أثر عميق في صفاء الروح والإقبال على الله سبحانه وتعالى.. ومع أنّ هذه العبادة فعل مستحب، ولكنّه يأخذ طابع الوجوب في بعض الحالات الاستثنائية.. وقد أشير إليه في الآية وذكرت معه ممنوعية المباشرة للنساء أثناءه، سواء في الليل أو النهار) وذلك لارتباط الاعتكاف بالصيام..
18 - الفجر في الأصل يعني الانفراج والانفتاح.. وعُبّر عن طلوع الصبح بالفجر لانفراج وانفتاح ستار الليل حين يلوح بياض الصبح.. وهنا ينبغي الالتفات إلى أن هذه العبارة توضح مسألة أخرى، وهي ضرورة معرفة الصبح الكاذب من الصبح الصادق، لأنّ: في بداية منتهى الليل يظهر بياض رقيق بشكل عمودي في السماء يشبه ذيل الثعلب.. وهذا هو الصبح الكاذب، ولكن بعد وقت قصير يظهر بياض شفاف بشكل أفقي على امتداد الأفق يشبه الخيط الأبيض إلى جانب ظلمة الليل.. وهذا هو الصبح الصادق، وهو مبدأ النهار ووقت صلاة الصبح.. ولا يشبه الصبح الكاذب أبداً..
19 - البدء والخاتمة هو التقوى والملفت للنظر أنّ الآية الخاصة بأحكام الصيام قد قرأناها وتبيّن منها أنّ الهدف النهائي والأخير من الصوم هو التقوى.. وهذا الموضوع والهدف
1) من لا يحضره الفقيه، ج 4 ، ص 75
قد ورد بعينه في آخر نصوص الصوم في هذه السورة بقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ممّا يؤكّد أنّ هذه التفاصيل المنهجية بمثابة الوسيلة لتنمية روح التقوى وتكريس الورع والامتناع عن ممارسة الذنوب والشعور بالمسؤوليّة تجاه الوظائف الإنسانية.
20 - العمل بالتعاليم الإلهيّة هو أرضيّة الرشاد والتقوى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)
1 - هذه الآية الشريفة تشير إلى أصل إسلامي كلّيّ ومهم؛ وهو حاكم على جميع المسائل الاقتصادية، ويمكن أن تكون مظلة وغطاءً لجميع أبواب الفقه الإسلامي في قسم الاقتصاد، وبهذا قد تمسّك كبار الفقهاء بهذه الآية عند بحوثهم في أقسام عديدة من الفقه الإسلامي..
2 - فيما يتعلّق بالمقصود من الباطل في هذه الآية؛ وردت تفاسير عديدة:
ألف عده البعض بمعنى الأموال المتأتية عن طريق الغصب والظلم.
ب اعتبره البعض إشارة إلى الأموال المتجمعة من القمار وأمثاله.
ج: كل تصرف في أموال الآخرين بشكل غير صحيح وبصورة غير حقة؛ وجميع المعاملات التي لا تنتهي إلى غرض صحيح وليس لها أساس عقلائي؛ مشمولة بهذه الآية والنهي الإلهي.
د: عدّ البعضُ الباطل الأموال المتأتية من طريق اليمين الكاذبة (وأنواع القضايا الكاذبة).
وظاهر الآية هو أنّ مفهومها يشمل جميع هذه المسائل وأشباهها، ذلك لأنّ الباطل بمعنى الزائل والزاهق .. فهو يشملها جميعاً.
3- قال بعض المفسرين: إنّ وجود هذه الآية بعد آيات الصوم (الآيات 182 – 187) يشير إلى نوع ارتباط بين هذين القسمين، إذ أنّ آيات الصوم تنهى عن تناول الطعام والشراب
للالتزام بعبادة إلهيّة، وهنا ورد النهي عن أكل أموال الناس بغير حق، وهذا النوع من النهي نوع من الصيام والامتناع والرياضة النفسيّة، وفي الواقع فإنّ القسمين فرعان من فروع التقوى.. التقوى التي عُدت هدفاً نهائياً للصوم.
4 - استعملت في هذه الآية الشريفة مفردة ( أكل) التي لها معنى واسع وتشمل كل أشكال التصرف، وفي الواقع؛ فإنّ هذه الجملة كناية عن كلّ تصرّف، وكلمة (أكل) مصداق واضح للمعنى المراد.
5 - تُدْلُوامن مادّة : إدلاء ، وفي الأصل بمعنى الإرسال للدلو في البئر لاستخراج الماء،
وهذا استعمال لطيف حيث يكون المرء في بعض الحالات بالاعتماد على وسائط يريد تحقيق أغراض خاصة، ذلك لأنه إذا كان الماء في متناول يده كأن يكون على مقربة من نهر مثلاً، كان في غنى عن أن يكلّف نفسه العناء ويعد دلواً ثم يرمي به إلى عمق البئر ليستخرج ماءً.. هنا أيضاً؛ حيث لا حق له - أي لم يكن الحق إلى جانبه - ولا دليل قانونياً بين يديه، تراه يضطر إلى التوسل بالوسائط (القاضي مثلاً) لإحراز منفعة لنفسه وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ - جمع حاكم وقاض - لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
6 - قبح الرشوة أدت بآكل الرشوة ومعطيها إلى السعي لتحقيق هدفه الباطل وذلك باستخدام عبارات ومصطلحات خادعة، مثل الهديّة والمجاملة وحق العمل والهبة.. ولكنّ الواضح أنّ التغيير والتلاعب بالعبارات والمصطلحات لا يغير من الحقيقة المرة الباطلة شيئاً، إذ يكون المال المسلَّم مالاً حراماً في جميع الحالات.. مع أن بعض الناس يتصوّرون إحراز المشروعيّة عبر تغيير العناوين للمال الذي يقدّمونه للقاضي أو الرئيس أو المسؤول لتحقيق غرض معيّن أو لإصدار حكم يصبّ في مصلحتهم.. والحال أنّ هذا العمل من المحرّمات المؤكدة وهو مصداق واضح للتجاوز على حقوق الآخرين وأموالهم..
7 - أمر الإسلام بمنع القاضي عن حضور الأسواق لئلا يتورّط بالرشوة بشكل صريح أو
خفي، وذلك عبر ما يلقاه من ترحيب أو تخفيف أسعار ما قد يبتاعه من الأشياء ليطالب بعد ذلك وحين القضاء في المسائل بتجاوز القانون والشريعة تحت طائلة العلاقة التي (وطدت) لدى حضوره الأسواق !!
8- في تفسير قوله تعالى: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ احتمالان، رغم أن كل واحد من المفسرين رضي باحتمال ولم يجد مانعاً من أن يكون للآية مفهوم أوسع وأن يُجمع الاحتمالان في جملة وَتُدْلُوا :
الاحتمال الأول: أن يعطى قسم من المال كهدية أو رشوة إلى القضاة ليتملكوا القسم الآخر. والقرآن يشير هنا إلى أنه وإن كان الظاهر أنّكم قد حزتم المال بحكم القاضي، إلّا أنّ هذا يعد أكلاً للمال بالباطل.
الاحتمال الثاني: عدم سوق المسائل الماليّة إلى الحكّام لإساءة الاستفادة، مثل أن تكون أمانة ما أو أموال يتامى عند إنسان ولم يشهد عليها شاهد، وحينما يطالب بها صاحبها، يُرفع إلى القاضي، وحيث لم يكن ثم شاهد على القضيّة ترى هذا المؤتمن يتملك الأموال أو الأمانة بحكم القاضي.. وهذا العمل ذنب أيضاً وأكل للمال بالباطل.
نماذج من الأحاديث والروايات عن الرشوة وأنواعها:
1- قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنّما أنا بشر وإنّما يأتيني الخصم؛ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنّما هي قطعة من نار؛ فليحملها أو ليذرها »(1).
2- جاء الأشعث بن قيس لعنه الله بحلوى إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام؛ لعله يحكم لصالحه في قضيّة، فقال له الإمام:« هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟..
1) تفسیر نمونه، ج 2، ص5.
والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة؛ ما فعلته، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها.. ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى !!»(1).
3 - أخبر رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّ أحد قادته قبل رشوة بهيئة هديّة، فانفعل وقال له: «كيف تأخذ ما ليس لك بحق؟ فأجابه معتذراً: لقد كانت هدية يا رسول الله فقال صلّى الله عليه وآله: «أرأيت لو قعد أحدكم في داره ولم نوله عملاً، أكان الناس يهدونه شيئاً».(2)
4- وعن الإمام الصادق عليه السلام بخصوص الرشا: «وأما الرشا في الحكم؛ فهو الكفر بالله العظيم»(3).
5- ونقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «لعن الله الراشي والمرتشي والماشي بينهما »(4)
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)
ورد أنّ معاذ بن جبل جاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وقال: عدّة منّا يسألون عن هلال الشهر وما هو وما فائدته ( ولماذا يكون بدراً ثمّ يعود هلالاً إلى حالته الأولى) فنزلت هذه الآية وكانت جواباً على هذا السؤال...
وفي رواية أخرى، وضمن الإجابة على سؤال تقدّم به جماعة من الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عن هلال الشهر وما فيه من تفصيل.. فنزلت هذه الآية..(1)
1 - وردت كلمة يَسْأَلُونَكَ خمسة عشر مرّة في القرآن، ممّا يشير إلى أنّ الناس كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وآله شتّى الأسئلة، ولم يكن لينزعج منها، بل كان يرحب بكل سؤال وجيه ويجيب عليه بواسطة الآيات القرآنية.
1) بحار الأنوار، ج 55 ، ص 118
2 - أنّ التقدّم بالسؤال - أساساً - من حقوق الناس على قادتها، وهي دليل على يقظة أذهانهم، بل إنّ هذا الحق ثابت للأعداء أيضاً وأن يطرحوا أسئلتهم بشكل عقلاني، ذلك لأنّ السؤال مفتاح الحل لكثير من المشاكل والإشكالات، ونافذة على العلوم ووسيلة لانتقال المعرفة.. وإنّ وجود كلّ تلك الأسئلة في العصر النبوي يحكي محورية الأفكار حول القرآن والإسلام..
3 - أنّ إحدى خصائص الإسلام أنّه يطرح منهجه ضمن المقاييس الطبيعية وبشكل عام ومجاني فمثلاً: لتعيين مقدار ماء الكرّ ، جعل الشبر الطبيعي مقياساً وكذلك طبيعته في تحديد وقت الصلاة حيث جعل طلوع الشمس وغروبها وزوالها معياراً، ولبداية وانتهاء شهر رمضان أو أيام الحج أو إتمام عدة الطلاق والوفاة، جعل هلال الشهر ملاكاً.. وهكذا كانت أشكال القمر بمثابة نوع من التقويم والمفكّرة السنوية والشهرية، وهي متاحة لعموم الأفراد باعتبارها ضرورة ووسيلة عامة، سواء كانت للمثقفين أو الأمتين وأينما كانوا من أقطار الأرض إذ بمقدورهم تحديد اليوم في لحظة واحدة..
4 - ميزة الأشهر القمرية على الأشهر الشمسية ورغم أنهما يتبعان حركات الكواكب السماوية، ولكن الأشهر القمرية متاحة المشاهدة للجميع، في حين أن الأشهر الشمسية لا يحددها سوى المنجمين بما لديهم من وسائل وإمكانات، كأن يحدّدوا الشهر الشمسي وأي صورة فلكية وبرج سماوي يقابل..
سؤال: هل أنّ السائلين كانوا يسألون عن فوائد تغيير الأهلة، أم عن كيفية ولادة الهلال وتنقله حتى يكون بدراً؟
الجواب احتمل بعض المفسرين الاحتمال الأوّل، ومفسّرون آخرون احتملوا الاحتمال الثاني. ولعلّ فهم الجواب كان مشكلاً على الكثيرين، فيما القرآن المجيد اهتم ببيان نتائج ذلك ليعلم الناس تتبع النتائج في كل حال.
5 - أشارت الفقرة الأخيرة من الآية إلى إحدى العادات والتقاليد التي كانت في العصر الجاهلي بخصوص الحج، حيث كان الجاهليّون إذا ارتدوا لباس الإحرام - حيث كانوا يذهبون إلى أنّ الإحرام عبارة عن مجموعة من التروك للعادات ويجب إكمال الحج بهذه التروك - فكانوا لا يدخلون بيوتهم أو يخرجون منها عن الطريق الطبيعي المعتاد. وكانوا يؤمنون بأنّ هذا من العمل الصالح وينهون الناس عن ممارسة المعتاد من الأمور..
6 - كذلك لهذه الآية معنى أوسع وأعمّ، وهو أنه لإنجاز كل عمل – دينياً كان أو غير ديني - لابد من الدخول إليه عبر الطريق الصحيح دون المنحرف والمتعرّج كما نقل عن مولانا الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: « آل محمد أبواب الله وسبله والدعاة إلى الجنّة والقادة إليها والأدلاء عليها إلى يوم القيامة»(1)ويمكن لهذا الحديث أن يكون إشارة إلى [أعظم] مصاديق الآية ومفاهيمها.. لأنّها تقول بأنّ جميع أمور الدين يجب أن تؤدّى عبر الطريق الصحيح، أي أهل البيت عليهم السلام كما ورد طبقاً لحديث الثقلين الشهير والمتفق عليه من كافة المسلمين، ذلك لأنّ الدين دينهم والقرآن قرآنهم وكونهم المعيار الأول والأخير في صحة الأعمال وقبولها.
7 - يمكن أن يفهم من هذه الآية، حيث أشارت إلى ضرورة أداء الأعمال من طريقها الصحيح، فإنّ عبادة كالحجّ مثلاً لا بد أن تؤدى في وقتها المقرر والمعين طبقاً لهلال الشهر.
8 - جملةلَيْسَ الْبِرُّ لعلّها إشارة إلى مسألة لطيفة أخرى تفضي إلى أن سؤالكم عن الأهلة بدلاً من أن تكون عن المعارف الحقيقية للدين ومن يمثله من أبواب الله تعالى وعن أصل هذا الدين الذي هو الباب إلى الله عزّ وجلّ يشبه من يخرج عن الطريق الصحيح إلى البيت ويريد الدخول من ثقب صغير يقع في الجدار الخلفي للبيت.. كم يكون هذا الفعل
1) تفسير العياشي، ج1، ص 86
قبيحاً يا ترى؟
9 - لا تتحقق الحياة الفرديّة والاجتماعية السليمة بلا نظم صحيح.. وإنّ النظم في التخطيط والإدارة والتنفيذ، وعموماً إذا نظرنا إلى عالم الخلقة، بدءاً من المنظومات الكونية إلى هيكلة الجسم الإنساني وأعضاء البدن المختلفة نفهم من هذا كله أن الله تعالى قد جعل أسباب النظم في متناول الإنسان، وجعل من حركات الأرض المنتظمة حول الشمس وحول نفسها، وكذلك حركة القمر المنتظمة وسيلة لتنظيم الوقت لتنتظم به حركة الحياة المادية والمعنوية.. ولولا هذا النظام؛ لكانت الفوضى هي الحاكمة على حياة الإنسان.. ولذا رأينا الآية الخامسة من سورة (يونس) المباركة تذكّر بهذه الحقيقة الواضحة وتقول هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
وشبيه هذه المفاهيم ما ورد في الآية الثانية عشرة من سورة (الإسراء) بخصوص النظام الحاكم على الليل والنهار..
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)
هذه الآية هي أول آيات القرآن المجيد التي نزلت بشأن الحرب مع أعداء الإسلام، وبعد نزولها عمد النبي صلى الله عليه وآله إلى محاربة من يحاربه، فيما امتنع عن حرب الذين لا يحاربونه.. واستمر الحال على ما هو عليه حتى جاء قول الله تعالى: (اقتلوا المشركين) الذي أجاز قتال الكافرين جميعاً. (1)
مقدمة: إنّما يكون الجهاد بقتال المشركين والعامدين إلى محق الإسلام في زمن النبي أو الإمام المعصوم وبأمرهما.. وفي هذا الإطار لا يكون أهل الكتاب مثل اليهود والنصارى - بدليل قولهم وإيمانهم بالله تعالى - مشركين. ولا تشملهم جميع آيات الجهاد والقتال.. ولكن المؤسف في الأمر أنّ ما يشاع في عصرنا الراهن من جانب الإرهابيين البعيدين عن الإسلام ويعمدون إلى القتال والجهاد تحت شعارات إسلاميّة مزيّفة؛ لاسيما في الدول الغربية وبعض بلاد المسلمين إنّما هو بعيد عن دين الإسلام والتشيّع ولا يحظى بتأييده مطلقاً.. ومصداق ذلك؛ عمليات القتل والاغتيال والظلم والجور، يضاف إلى ذلك؛ وجوب أن يحترم جميع المسلمين الذين يعيشون في بلدان لا يغلب عليها الطابع المسلم قوانين وأعراف تلكم البلدان؛ بعيداً عن أي تطرّف
1) تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 325
شيطاني، وأن يحافظوا على احترام الآخرين من غير دينهم ويتعاملوا على أساس حرية المعتقد دونما ظلم ومصادرة لأفكار الآخرين..
1 - صدر الأمر في هذه الآية الشريفة بقتال الذين يقاتلون المسلمين ويرفعون السلاح بوجههم فحسب، وقد أجاز الأمر هذا استخدام السلاح ضد الذين يريدون هدم البنية الإسلاميّة، وبعبارة أخرى؛ إنّ مرحلة الصبر والتحمّل قد انتهت من جانب المسلمين الذين وجدوا القدر الكافي من القوّة في أنفسهم ليدافعوا عنها بكل شجاعة وصراحة.. وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ.
2 - قوله تعالى: فِي سَبِيلِ اللَّهِ في هذه الآية يبيّن الهدف الأساس من الحروب الإسلامية، وهو أن الحرب - مجرّد الحرب - لم ولن تكون في يوم من الأيام بداعي الانتقام أو طلب العلق في الأرض والاستكبار أو حيازة الغنائم واحتلال أراضي الآخرين، بل إنّ الإسلام يدين كلّ هذه المآرب ويقول: إنّ حمل السلاح والجهاد يجب أن يكون في سبيل الله والعدالة والدفاع عن الحق واقتلاع جذور الظلم والفساد والاستكبار.
3 - عبارةالَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ تصرّح بأنّ الأمر بالقتال خاص في مواجهة من يشهر السلاح بوجه المسلمين.. وأنه ما دام العدوّ لم يقاتل؛ لم يصح للمسلمين خوض حرب ضدّهم، ولا بدّ أن يبقى هذا القانون محترماً في كل مكان وزمان.
4 - يستفاد من هذه الآية عدم جواز مهاجمة غير العسكريين من الأعداء لاسيما النساء والأطفال لأنّ هؤلاء لا قدرة لهم على القتال، وعلى هذا؛ فهم مصونون عن المواجهة العسكرية، يضاف إلى ذلك وردت الوصية في منتهى الآية الشريفة بضرورة رعاية العدل حتى في ساحة الحرب وأن لا يتجاوز القتال حدود الحقوق المتعارفة.. فقالت: وَلَا تَعْتَدُوا ذلك ل- إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ مهما كانت شاكلتهم.
5- في الحروب الإسلامية و خلافاً للحروب المعاصرةطالما جرت الوصية باحترام
الأصول الأخلاقية.. مثال ذلك: الأفراد الذين يلقون بأسلحتهم أرضاً والفاقدين للقدرة على الحرب، وكذلك الجرحى وكبار السن والنساء والأطفال لا يجوز استهدافهم بسلاح.. وكذلك شأن الأشجار والزرع والمظاهر المدنية، فلا تعرّض للأسلحة الفتاكة، ولا يقطع الماء عن عدوّ ، أو يعمد إلى تلويثه وتسميمه..
6 - أمر أمير المؤمنين عليه السلام - كما ورد في ( نهج البلاغة) - قبل بدء المعركة في صفين، أمر جيشه قائلاً:
لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم ، فإنّكم بحمد الله على حجّة، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجّة أخرى لكم عليهم، فإذا كانت الهزيمة بإذن الله؛ فلا تقتلوا مدبراً ولا تصيبوا معوراً - عاجزاً - ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم». (1)
1) نهج البلاغة، ص 373
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191)
نقل عن ابن عبّاس قوله إنّ هذه الآية نزلت في قضيّة صلح الحديبية. حيث استعد رسول الله صلى الله عليه وآله مع ألف وأربع مئة من أصحابه لأداء العمرة، وحين وصلوا إلى منطقة الحديبية القريبة من مكة، منعهم المشركون من دخولها، وبعد مفاوضات طويلة مع النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله تصالح الطرفان على أن يأتي المسلمون في السنة التالية لأداء العمرة ودخول مكة، وتعهد المشركون بأن يخلوا مكّة طيلة أداء العمرة ليطوف المسلمون بالبيت الحرام ويؤدوا مناسكهم.. وفي السنة التالية؛ حينما استعدّد المسلمون للذهاب إلى العمرة؛ خاف المسلمون عدم التزام المشركين بعهدهم وأن يمنعوهم فتندلع الحرب بينهم، وإذا ما وقعت الحرب فإنّها تخالف ميل الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله إلى عدم هتك
حرمة الشهر الحرام.. فنزلت الآية أعلاه وأمرت بمقاتلة المشركين إذا ما بدؤوا الحرب على المسلمين(1).
1 - كان للمفسّرين واللغويين بحوث في معنى الفتنة:
1) بحار الأنوار، ج20، ص 319 و 320
وهذا الاصطلاح في الأصل مشتق من (الفتن) وحسب الراغب في (المفردات) يعني وضع الذهب في النار ليصفو من الشوائب والزوائد ويخلص. وقد استعمل مصطلح الفتنة ومشتقاته مراراً في آيات الذكر الحكيم، وكان له معاني متعدّدة :
ألف :استعمل تارة بمعنى الاختبار، مثل قوله سبحانه: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ؟.(1)
ب: استعمل تارة أخرى بمعنى المكر والخديعة كقول الآية: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ.(2)
ج: واستعمل مصطلح الفتنة في القرآن وقصد به البلاء والعذاب، مثل: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ *ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ. (3)
د: وورد بمعنى الضلال مثل قول الآية: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا (4حيث يسلب منه التوفيق إلى إحراز الهدى.)ه-- استعمل أيضاً بمعنى الشرك وعبادة الأصنام أو سدّ الطريق عن المؤمنين، مثل الآية محظ بحثنا، وهناك بعض الآيات التي تليها حيث يقول تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ. (5)
ولكن الظاهر أنّ جميع هذه المعاني ترجع إلى الجذر الأول الوارد في معنى الفتنة..
2 - المتسبب بالفتنة، مثل المحارب الذي ينبغي أن يعاقب بأشد العقوبة: وَاقْتُلُوهُمْ ..
أَخْرِجُوهُمْ.. وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ. 3- الحرم والمسجد الحرام مقدّسان، ولكن دماء المسلمين أشد حرمة وقداسة، وهنا تكون المسألة بين الأهم والمهم: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ.
4 - كما هو الأصل في الحرب؛ إذ لا يجوز للمسلمين البدء بها، كذلك هو انتهاك حرمة المقدسات لا يصح للمسلمين التسبب بها حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ.
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)
1 - حيث الإسلام يمزج بين البشارة والإنذار ليصنع منهما مادة سالمة تصلح لتربية وهداية المذنبين تراه في الآية القرآنية التالية يفتح أمامهم الطريق؛ طريق العودة إلى الحق..فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ينبغي للإنسان أن يعدّ الأرضيّة المناسبة لتلقي الرحمة الإلهية: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)
1 - الجهاد والقتال في الإسلام لم يشرّع للسيطرة على الأرض وفتحها، وليس للحصول على الغنائم وفتح الأسواق أو الاستيلاء على مصادر القوة والاقتصاد الخاصين بالبلدان الأخرى، ولا تأييد قوميّة على أخرى.. بل هو أساسا - وحسب ظاهر هذه الآية ومفهومها - يقصد منه ثلاثة أمور:
ألف :إطفاء نار الفتن والاضطرابات؛ التي من طبيعتها سلب الحرّية والأمن من الناس. ب محو آثار الشرك وعبادة الأصنام.
ج: مواجهة المعتدين والظالمين والدفاع عن المظلومين ومن يريد أن يكون حراً..
2 - احتمل بعض المفسرين أن يكون المقصود بالفتنة الشرك بحد ذاته، وعلى هذا؛ يدعم الهدف الأول والثاني من مشروعية الجهاد والقتال من جانب المسلمين.. كذلك يريد هذا الاحتمال من أن المقصود بالظلم هنا هو الشرك أيضاً، كما ورد في الآية الثالثة عشرة من سورة لقمان حيث نقرأ: إن الشرك لظلم عظيموهكذا تعود الأهداف الثلاثة إلى هدف واحد؛ وهو محاربة الشرك وعبادة الأصنام التي هي منبع ومصدر أنواع الفتن والمظالم والجور.
3 - جاء في بعض التفاسير أنّ الظلم الوارد ذكره في هذه الآية هو البدء بالحرب في حرم الله الآمن.. ولكنّ الاحتمال الأوّل القائل بثلاثية الأهداف المستقلة عن بعضها للحرب أقوى كما يبدو، وصحيح أن الشرك أحد مصاديق الفتنة، ولكن للفتنة مفهوماً أوسع، وصحيح أنّ
الشرك أحد مصاديق الظلم، ولكن الظلم له مفهوم أوسع، وإذا ما فتر الظلم بالشرك تارة، فإنّما يشار بذلك إلى أحد مصاديقه..
4 - الجهاد - أساساً - من علامات الموجود الحي، وهو أحد القوانين العامة في عالم الوجود والحياة.. إذ أن جميع الموجودات الحيّة - الإنسان أو الحيوان أو النبات - ولضمان بقائها تراها تتصارع عوامل فنائها بشكل متواصل (مزيد من الشرح لهذا المعنى في تفسير الآيتين 95 و 96 من سورة النساء المباركة).
5 - إذا كف المشركون عن الشرك وأطفؤوا نار الفتنة والفساد في الأرض.. سيكونون إخوة للمسلمين، بل ورد في التعاليم الدينية الأخرى أن يصرف النظر عن مجازاتهم وتغريمهم فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
ألف: أنزل الله تعالى جملة من التعاليم لتحقيق السعادة والحرّيّة والتكامل لبني البشر وأمر أنبياءه بإبلاغ هذه التعاليم للناس.. وهنا يكون من الطبيعي أن للناس الحق في تلقي واستماع نداء الأنبياء والأئمة حين إبلاغ التعاليم الإلهيّة، وهم أحرار أيضاً في قبول دعوة الأنبياء.. فإذا ما عمد أحدهم إلى الحيلولة بين الناس وحقهم المشروع، ولم يسمح بوصول صوت الدعاة في سبيل الله تعالى إلى أسماع الناس ولم يفكّ قيد أسره واستعباده الفكري والاجتماعي لهم، فإنّ مؤيدي التعاليم الإلهية يكون لهم الحق في ضمان حق الناس للاستماع والاهتداء بالطرق السلمية أولاً، فإن لم يسنح ذلك استعين بالقوة لاقتحام عقبة الظلم والاستعباد للناس وليتم التمكن من إبلاغ التعاليم الإلهية لهم.. كما أنه لو عمد جماعة ظالمة إلى الضغط على المؤمنين وتهديدهم لكي يعودوا إلى عقيدتهم الجاهلية الأولى، أمكن الاستعانة بكل وسيلة لدفع هذا الضغط وكسر شوكة هذا التهديد الظالم.
ب :ترى هل يصح إذا ما هجم أحدهم على إنسان أن لا يدافع عن نفسه؟ وإذا ما هجمت
أمّة ظالمة على أمة أخرى، هل يصح لها الجبن والتكاسل دون الدفاع عن نفسها لتبقى تتفرّج على دمارها وفنائها؟
لاريب في أنّ جميع القوانين السماويّة والأرضيّة تعطي الحق للفرد والأمة المهاجمين للدفاع عن كيانهما وأن يستعملا كل مصادر قوتهما لدفع الجهة المهاجمة، ولا يقصران في اتخاذ كلّ أسلوب منطقي لحفظ وجودهما.. وهذا النوع من الجهاد يسمى بالجهاد الدفاعي وحرب الأحزاب وأحد ومؤتة وتبوك وحنين من قبيل هذا الجهاد الدفاعي..
ج طبقا للآية الخامسة والسبعين من سورة (النساء) حيث قال سبحانه: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا فإنّ حماية المظلومين في مواجهة الظالمين في الإسلام أصل أصيل وقانون يجب أن يعمد إلى تطبيقه؛ ولو انتهى الأمر به إلى الجهاد والقتال، وإنّ الإسلام لا يجيز للمسلمين أن لا يتحمّلوا مسؤولياتهم مهما كانت قساوة الظالمين.. وهذا القانون هو من أسمى القوانين الإسلامية التي تنبئ عن مصداقية وحقانية الدين الحنيف.
د: في الوقت الذي يحترم فيه الإسلام حرّيّة المعتقد ولا يجبر أحداً على الانتماء إليه، ويمنح القوميات والأديان الأخرى صاحبة الكتب السماوية مثل اليهود والنصارى الفرصة الكافية للتفكير العميق في الديانة الإسلامية ليقبلوها، وإن لم يقبلوها؛ فإنّه يعاملهم كأقلّيّة معاهدين (أهل الذمة )ويأمر أتباعه بالتعايش السلمي معهم، وضمن كل هذا الاحترام لأهل الكتاب؛ فهو يمهد ويضمن لهم حرّيّة العبادة.. ولكن حيث كانت كلمة الحرّية والاحترام المعتقدات الآخرين تستعمل في مواضع تكون فيها المعتقدات ذات جذر سليم على الأقل، فإنّه الإسلام - يتشدّد تجاه الشرك وعبادة الأصنام الصريحة في انتهاك حرمة ألوهية الله عزّ وجلّ - ولأن الشرك ليس ديناً محترماً بمقدار ما هو مجرد خرافة وضلال وحماقة.. وهو في الأصل مرض فكري وأخلاقي خطير.. ولهذا؛ وجب اقتلاع جذر هذا المرض بكل ما أمكن من أسلوب...
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)
1 - تبعاً للأمر بجهاد الكفّار ونزول الآيات الخاصة به (الآيات السالفة) فإنّ هذه الآية في الواقع تردّ على الأفراد الجهلة القائلين بعدم صحة وجواز القتال في الشهر الحرام.. وما إذا كان الإسلام قد أذن في ذلك.. ولاسيما أنّ مشركي مكة كانوا يعلمون بأن الإسلام قد حرم القتال في الأشهر الحرم (ذو القعدة وذو الحجة ومحرّم ورجب) خصوصاً في المسجد الحرام ومكة المكرمة، ولهذا كانوا يخططون لمباغتة المسلمين والهجوم عليهم في الشهر الحرام، لظنهم بأنّ المسلمين لن ينهضوا لقتالهم.. فإن تمّ الأمر بهذه الصورة يكونون قد حققوا مبتغاهم..
في هذه الآية ورد الأمر للمسلمين بأنّ الأعداء إذا ما انتهكوا حرمة الشهر الحرام وقاتلوكم فيه، فلكم الحق في الردّ عليهم بالمثل، وقالت: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ.
2- الْحُرُمَاتُجمع حرمة، وهي الشيء أو الأمر الذي ينبغي أن يحفظ ويحترم، وقيل للحرم حرماً باعتباره مكاناً محترماً لا يجوز هتكه، وقيل للأعمال غير المشروعة والقبيحة حراماً لممنوعيتها.
3 - أنّ احترام الشهر الحرام أو أرض مكة يجب أن يكون لمن يحترمها، ولكن الذين
ينتهكون حرمتيهما لا يقابلون بالاحترام، وأن للمسلمين الحق - للحيلولة دون إساءات المشركين أو تقليلهم لاحترام الشهر الحرام أو أرض مكة - في محاربتهم وهذا نوع اقتصاص وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ.
4 - يخاطبنا منطق الإسلام بالقول: تجب مواجهة المعتدي المجرم لئلا يعمد إلى تكرار جرمه وجريمته، ذلك لأنّ الاستسلام للاعتداء يساوي الموت فيما المقاومة والردّ يساويان الحياة.. ولهذه الآية الشريفة معنى واسع ولا ينحصر مفهومها بمسألة القصاص في مقابل القتل أو الجنايات والانتهاكات الأخرى، بل هو يشمل الأمور المالية وسائر الحقوق الإنسانية.. وموضوع لزوم مقاومة الظالمين المعتدين لا يتفاوت ولا يتنافى ومسألة العفو والصفح للنادمين والمنكسرين أو المقربين..
5 - قد يشتبه الأمر على بعض غير المطلعين فيظنون أن معنى الآية أنه لو قتل شخص ابن شخص آخر، فإنّ الحكم بجواز المقابلة بالمثل يسمح لوالد المقتول بقتل ابن القاتل، وإن وجّه إلى أخيه ضربة جاز الردّ بضربة مماثلة لأخ الضارب.. ذلك لأنّ القرآن الحكيم لم يحكم
إلا بمعاقبة شخص الظالم المعتدي بنفس المقدار دون الشخص البريء.. ولا يفهم موضوع الآية حرق بيت الظالم إذا ما حرق بيت المظلوم المعتدى على بيته؛ مثلاً.. بل إن مفهومه تغريمه ما يعادل قيمة البيت فحسب..فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.
6 - قوله سبحانه:وَاتَّقُوا اللَّهَ الوارد في منتهى هذه الآية تأكيد على مواجهة ومقاومة الظالم الجائر ولزوم تغريمه وتحذيره وتنبيهه إلى ضرورة تقوى الله، وأن لا تكون المقابلة بالمثل - الباعثة على عدم تكرار الجرم - خارجة عن حدّ الشرع وقانون الإسلام.. وأنه لتكن المقابلة بالمثل درساً وعبرةً لمجرم للامتناع عن تكراره جرمه؛ دون الرغبة في الانتقام الذي من طبيعته وشأنه الخروج عن الحدّ المجاز..
7- عبارة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ إشارة إلى أنه تعالى لا يترك المتقين وحيدين في مقابل المشاكل ومواجهتها، وإنّما ينصرهم و يرفدهم ويعينهم عليها ويهديهم إلى السبل تمكنهم من تجاوزها..
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)
روي أن جيشاً من المسلمين ذهب إلى القتال في القسطنطينية، وهناك حمل أحد شجعانهم على الأعداء حتى شق صفوفهم وتوغل بين جنودهم، فقال أحد المسلمين: لقد ألقى بيديه إلى التهلكة، فصاح به أبو أيوب الأنصاري قائلاً: أيها الناس! لم تفسرون هذه الآية تفسيراً سيئاً.. وإنّما نزلت فينا نحن الأنصار.. فحينما أعزّ الله دينه وكثر أنصاره قال أحدنا بحيث لا يسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله بأننا قد فقدنا أموالنا فيما أعزّ الله دينه وكثر جنده، ولو أننا بقينا في المدينة لنلنا أموالنا التي فقدنا.. فنزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي قال لنا أنفقوا من أموالكم في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة؛ وكان يعني بالتهلكة البقاء في المدينة وترك الجهاد والحفاظ على المال.(1)
1 - هذه الآية مكملة لآيات الجهاد الماضية، ذلك لأنّ الجهاد وبالمقدار الذي يحتاج فيه إلى الرجال المخلصين الخبيرين، محتاج أيضاً إلى المال والثروة.. إنّ الجهاد الذي يلزمه الأفراد المستعدين روحياً وجسمياً، كذلك يلزمه أنواع السلاح والتجهيزات العسكرية ووسائل العلاج، ولذا؛ ورد الأمر بصراحة في هذه الآية وغيرها بالقول: أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
1) جامع البیان، ج 2، ص 119
2- لدى عصر نزول هذه الآية ،وغيرها، كان كثير من المسلمين يشتاقون ويتحمسون للجهاد والمشاركة في القتال، ولكن لأنّ كلّ شخص كان يهيّئ لنفسه أدوات القتال، وفيما كان البعض منهم فقراء محتاجين وكما تصوّر الآية الثانية والتسعين من سورة التوبة بقولها:تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون فقد كان للإنفاق في تلك الظروف الحرجة دور مهم ومصيري.
3 - جملة وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وإن كانت نزلت في إطار ترك الإنفاق للجهاد.. ولكن لها مفهوماً واسعاً يشمل موارد عديدة أيضاً، من جملة ذلك أنه لا حق للإنسان أن يمرّ في الطرق غير الآمنة دون اتخاذه الاحتياطات اللازمة، أو أن يتناول طعاماً مسموماً، أو أن يخوض الحرب دونما تخطيط مسبق.. في جميع هذه الموارد وغيرها لا يحق للإنسان أن يعرّض نفسه للخطر..
4 - يمكن أن يستشكل أحدهم على أنّ الآية تمنع من إلقاء النفس في التهلكة على سبيل الاختيار، فيقول : لماذا عرّض الإمام الحسين عليه السلام نفسه للقتل والشهادة مع يقينه التام بخطر بني أمية عليه؟
للإجابة ينبغي القول: عدم تعريض النفس للخطر بالنسبة للإنسان ووفقاً لمفهوم الآية الشريفة؛ عائد الى حيث لا يكون ثمّ هدف أسمى من التعرّض للخطر، وحين يتوفّر هذا الهدف الأسمى يكون السعي إلى تحقيقه أوجب من صون النفس عن الخطر، كما هو الحال في جهاد وقتال أمير المؤمنين عليه السلام في معركة أحد، أو مبيته في فراش النبي صلى الله عليه وآله أو تضحية الإمام الحسين عليه السلام بدمه في معركة الطف.. فهذه وتلك أهداف كانت غاية في السمو بحيث تكون المصلحة فيه أكبر بكثير من مسألة تعريض النفس للخطر..
أما إذا كان الهدف مهماً إلّا أنّ لتحقيقه كان ثَمّ طريق آخر غير التعرّض للخطر، فلا يصح
خوض الخطر في مثل هذه الحالة، ويلزم اتخاذ سبيل آخر لتحقيق الهدف المرجوّ.
5 - لا ريب أنّالتَّهْلُكَةِ تتفاوت في مفهومها مع مشروع الاستشهاد تفاوتاً كلياً ومنفصلاً. فالتهلكة بمعنى الموت من غير دليل، في حين أنّ الشهادة تضحية في سبيل تحقيق إرادة الله سبحانه وتعالى ونيل الحياة الأبديّة في جنانه الخالدة، ومعلوم أن نفس الإنسان ليست الأعزّ فيما يملك، بل هناك حقائق أغلى وأعزّ منها بكثير، مثل الإيمان بالله وبالرسول وبالإمام وحفظ القرآن وبصائره وغير ذلك من الأهداف المقدّسة، بل إنّ حفظ حيثية وكرامة المجتمع المؤمن من جملة الأمور والأهداف الأسمى من نفس الإنسان بحيث يكون السعي لتحقيقها إهلاكاً للنفس.. ولم يرد في هذا الإطار نهي شرعي ما..
6 - أنّ المقصود من الإحسان الوارد في قوله سبحانه: وَأَحْسِنُوا في آخر الآية قد ورد فيه ثلاثة احتمالات من جهة المفسرين:
ألف: أن المقصود من الإحسان بعد الإيمان بأنه تعالى هو الرزّاق، فعلى الإنسان أن يحسن الظنّ بربّه ( وعدم الظنّ بأنّ الإنفاق يوجب خللاً في المعيشة واقتصاد المنفق).
ب: المقصود بالإحسان أنّ الإنسان حين إنفاقه على الفقير لابد أن يتحلّى بفضائل الأخلاق والرأفة بعيداً عن أي منّة أو أذىً.
ج: مع أن الإحسان غالباً ما يعنى به العمل الصالح، ولكنّه أحياناً يقصد به معنى أوسع، حيث يشمل كل عمل صالح، بل هو باعث على القيام بالعمل الصالح، كقوله صلى الله عليه وآله في تفسيره الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه؛ فإنّه يراك»(1)ولاشك أنّ الإيمان إذا بلغ حداً يرى الفرد ربّه من خلاله ويعده حاضراً ناظراً دوماً، فإنه يكون خير باعث على القيام بالعمل الصالح، وأفضل رادع عن ارتكاب العمل الصالح.. ولا مانع دون أن تكون
1) تفسير الصافي، ج1، ص 503
هذه المعاني الثلاثة في مفهوم ومعنى الآية.
7 - رغم أن هذه الآية قد تلت آيات الجهاد والقتال، ولكنّها في الوقت ذاته تبيّن حقيقة كليّة واجتماعيّة، وهي أنّ الإنفاق عموماً سبب لنجاة مجتمع من المفاسد القاتلة، لأنّ في حالة نسيان الإنفاق تكون الثروة تحت سيطرة ثلة من الأفراد وحرمان الأكثرية من أشخاص المجتمع ليتحوّلوا إلى فقراء مساكين، وسبباً لانحطاط الثقافة الاجتماعية والاقتصادية، وتعريض أرواح وأموال الناس جميعاً للخطر، ولا سيما الأغنياء منهم.. وعليه؛ كما أن الإنفاق مفيد للمحرومين، فإنّه يصب في صالح الأغنياء أكثر من غيرهم، ذلك لأن تعديل الثروة حافظ لها، وهذه الحقيقة قد أشار إليها - في إحدى كلماته القصار - أمير المؤمنين عليه السلام بقوله الشريف حصّنوا أموالكم بالزكاة(1).
8 - الامتناع عن الإنفاق في سبيل الله تعالى كما هو سبب لموت الروح الإنسانية بداعي البخل، فهو موت للمجتمع بداعي العجز المالي لكثير من الأفراد، لاسيما في نظام كالنظام الإسلامي المشيّد على أساس الإحسان والعمل الصالح..
1) نهج البلاغة، ص 495
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)
1 - في هذه الآية إيضاح لعموميات أحكام الحج والعمرة، وقد وردت شروح هذه الأحكام في روايات أهل البيت عليه السلام وفتاوى الفقهاء.
2 - في بداية الآية ورد الحثّ على أن تكون نيّة الحجّ والعمرة وأداؤهما ضمن هدف إلهيّ وقصد القربة إلى ذاته المقدسة، كما ينبغي أن يكونا بمقتضى وَأَتِمُّوا كاملين جامعين وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ .
3 - أنّ الحجّ عبارة عن أحكام كان مؤسسها النبي إبراهيم(عليه السلام) وكانت هذه الفريضة متداولة منذ عصر هذا النبي الخليل، وقد أمضاها الإسلام بأمر الله تعالى إلى يوم القيامة.
4 - العمرة بمعنى الزيارة، وأنّ كلّ من دخل مكة وجب عليه ارتداء ثياب الإحرام وزيارة
الكعبة والطواف حولها.. وأن للحج والعمرة مشتركات كما هو الأذان والإقامة.
5 - الْهَدْيِ اسم وعنوان للأضحية في الحجّ، وهي جمع لمفردة الهدية، ذلك لأنّ الأضحية بمثابة الهديّة الموجّهة إلى بيت الله الحرام، فأطلق عليها هذا الاصطلاح، وقال البعض: إنّها مجترة من الهداية، حيث يهدى ويساق الحيوان المضحى به إلى بيت الله تعالى.
6 - الحج من أهم العبادات ضمن مشروع العظمة الإسلامية ويؤدّي إلى قوة الدين ووحدة المسلمين، وشعائره تزلزل وجود الأعداء، وهو يزرّق دماء جديدة في عروق المسلمين، وله آثار وبركات عديدة.
7 - عد أمير المؤمنين عليه السلام الحج شعاراً إسلامياً مهماً، وقد قال في آخر وصاياه: «والله الله في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم فإنّه إن ترك لم تناظروا »(1)وفي رواية أخرى معروفة خاصة بفلسفة الأحكام وطبقاً للمروي في نهج البلاغة الحكمة رقم (252) أشارت إلى أهمية الحج حيث قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك.. والحج تقوية للدين».(2)
8 - ورد عن المعصومين عليهم السلام في تفسير قوله تعالى: أَتِمُّوا الْحَجَّ أن تمام الحجّ أن يخلو عن قبح الحديث والنزاع والذنب وأن يُتورّع فيه عن المحرمات(3)وما توفيق الإنسان في الحج إلا حيث يلتقي إمام زمانه عجّل الله تعالى فرجه الشريف(4).
9 - حكم المسائل الضرورية محدود بزمان ضرورتها، ولذا؛ وخلافاً للموارد الطبيعية في
عدم جواز الصوم حين السفر، فإنّ في سفر الحج وحيث لم يجرِ ذبح الأضحية، يجب الصوم وذلك في طيلة اليوم السابع والثامن والتاسع من الشهر ذلك؛ لأنّ اليوم العاشر هو يوم العيد والصوم فيه حرام.
10 - الأحكام الإسلامية ليست في مقام العسر على الناس ، ولا يجب إتمام الحج والعمرة على من أصيب بمرض أو تعرّض لخوف: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
11 - المرض من موارد التخفيف في الأحكام لا تعطيلها، ولذا؛ وجب على من كان يؤدّي حج الإفراد وشمل بعذر أن يصوم أو يتصدّق أو يضحي؛ جبراً لتكاليفه التي عذر دونها: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.
12 - المعيار في وجوب الأضحية في الحج القدرة على تهيئته والقدرة المالية عليه: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ.
13 - قانون العمرة وحج التمتع وظيفة الحجّاج من غير أهل مكة، أمّا حج ساكني مكّة فنوع آخر وذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام).
14 - الحج في الإسلام على ثلاثة أنواع، في حج التمتع تؤدّى العمرة بدءاً ثم التحليل من الإحرام، ثمّ تؤدّى مراسم الحج في أيام مخصوصة، ولكن في حج القران والإفراد تؤدى مراسم الحج بدءاً، ثمّ في النهاية تؤدّى مراسم العمرة، مع التفاوت في أنّ حجّ القرآن تساق الأضحية، ولا أضحية في حج الإفراد.. ولكنّ المخالفين يعدّون حجّ القرآن أن يؤدى الحج والعمرة في إحرام واحد..
15 - هذه الآية أوردت عمرة التمتّع إلى جانب حج التمتّع وهو الحج الذي يبدأ بالعمرة وبعد إتمام مراسم العمرة يخرج من الإحرام، ثمّ يُحرم للحج مرّة أخرى ويأتي بمراسم الحج فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لكنّ الحاكم الثاني منع ذلك باجتهاده الشخصي، ولا ريب أنّ هذا المنع كان اجتهاداً في مقابل أمر الله الصريح، إذ لا حق ولا صلاحية لأحد – سوى رسول
الله صلّى الله عليه وآله - في نسخ حكم أو منعه، إضافة إلى أنّ عبارة: كان رسول الله يقول كذا وأنا أقول غيره، عبارة غير مقبولة لدى كل مسلم..
16 - أعمال حج التمتع هي التالي:
يحرم بدءاً من نقاط معينة وهي المسماة بالمواقيت أي التعهد بالالتزام بسلسلة من المحرّمات على المحرم ، والإحرام هو ارتداء قطعتي قماش غير مخيطتين، ثمّ النداء بالتلبية والتوجّه بها إلى بيت الله، ثمّ الطواف حول الكعبة سبعاً، ثمّ أداء ركعتي صلاة عند الموضع المعروف بمقام إبراهيم عليه السلام، ثم السعي سبعاً - ذهاباً وإياباً - بين الصفا والمروة، ثمّ التقصير من شعر الرأس أو الظفر.. ثمّ يتحلّل المتمتع بالحج من الإحرام.
أما لمراسم الحج؛ فيحرم من مكة، وفي اليوم التاسع من ذي الحجة تقصد عرفات، وجبلها يقع على مسافة أربعة فراسخ من مكة ويمكث عندها في ذلك اليوم من الزوال إلى غروب الشمس وينشغل الحجيج بالدعاء والمناجاة، وعند الغروب يتم التوجه إلى المشعر الحرام الواقع على مسافة فرسخين ونصف الفرسخ من مكة، ويبات فيه من الليل إلى الصباح، وحين طلوع الشمس يتمّ التوجّه إلى منى الواقعة على مقربة من المشعر الحرام، وفي ذلك اليوم - يوم عيد الأضحى - ترمى الجمرات على العمود المخصوص، وهي جمرات العقبة بسبع حصيات، ثمّ يُضحي، ويتم التحليل بحلق شعر الرأس. وفي ذلك اليوم أو بعده يعود الحجيج إلى مكة ويطوفون بالبيت الحرام، ويؤدون صلاة الطواف والسعي بين الصفا والمروة، ثمّ طواف النساء، وفي اليوم الحادي والثاني عشر يتوجّه الحجيج إلى منى ويرمون حصيّاتهم؛ الواحدة بعد الأخرى إلى العدد سبعة ويبيتون ليالي الحادية والثانية عشرة في منى.. وبهذا تتمّ مراسم الحجّ ويبقى كل حاج ذكرى وخاطرة في ذهنه، لتكون بمثابة التهذيب للنفس والاستلهام للفلسفة الاجتماعية للحج ومراسمه وشعائره الواردة أحكامها في آيات القرآن المجيد
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)
مقدّمة تواصل هذه الآية وما يليها الحديث عن أحكام الحج وزيارة بيت الله الحرام وتطرح تعاليم جديدة في هذا الإطار.
1 - المقصود من أشهر الحج هي شوّال وذو القعدة وذو الحجّة (كلّ هذا الشهر الأخير أو الأيام العشر الأوائل منه ذلك لأنّ قسماً من أعمال الحجّ (مراسم العمرة) لا يمكن أداؤها في غير هذه الأشهر، وقسم منها ينحصر الإتيان بها في اليوم التاسع إلى اليوم الثاني عشر من ذي الحجّة، والعلة في عدم تصريح القرآن الكريم بأسماء هذه الأشهر أنها معروفة للجميع، وقد أكّد القرآن المجيد هذه المسألة بعبارته المذكورة.
2 - لقد نفى الله تعالى ببيانه معلومية أوقات الحجّ أحد الرسوم والتقاليد الخرافية الجاهلية؛ حيث كانوا يغيرون تلكم الأوقات بداعي الإنهماك في المعارك أو غيرها، فيقدمونها أو يؤخّرونها.. ولكن القرآن يؤكّد على أنّ أشهر الحجّ معيّنة ثابتة ولا يجوز التأخير والتقديم فيها مَعْلُومَاتٌ.
3- يقول القرآن بحرمة المباشرة الجنسية وارتكاب الذنب وخوض الجدال لمن أحرم
للحج وتلبس بهذه الفريضة الفذة فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ﴿الْحَجُّ و الرَفَثَ على وزن ،قفس، وهو في الأصل بمعنى الحديث القبيح وبمعنى المباشرة الجنسيّة أو مقدماتها. و الفُسُوقَ بمعنى الكذب أو فحش القول.
4 - الجِدَالَ بمعنى النقاش المصاحب للصراخ والعراك المصاحب لليمين ( لا والله وبلى والله )وفي اللغة هو لف الحبل أو عقده. وحيث تكثر الرغبة لدى الجدال في كلا الطرفين التعمية على المتكلّم وإثبات رأيه، فقد استعملت هذه المفردة.)5 - ينبغي أن يطهر محيط الحجّ من اللذائد الجنسيّة وكذلك من ارتكاب الذنوب والجدال العقيم.. لأنّ الجوّ جوّ العبادة والإخلاص وترك اللذائذ المادية.. هنالك حيث ينبغي أن تتغذى روح الإنسان بالمعنويات، ولا يتأتى ذلك إلا بترك القبائح والأفعال المشار إليها وأمثالها.. وكذلك ليقوى في الإنسان الحاج حبل الألفة والوفاق والأخوة.. وكل ما من شأنه منافاة هذه الأهداف يعد من الممنوعات.6 - في هذه المرحلة يشير النصّ القرآني الشريف إلى مسائل الحج المعنوية ويخاطب الملتزمين بالحكمة من أداء مراسمه وفهم فلسفته بالقول:﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ لأنه الحاضر الناظر.. وهذه العقيدة إذا ما تكرّست في الإنسان شعر لها بلذة عظيمة.. وهي بمثابة الجائزة التي تفوق الأجر المعنوي والمادي..
7 - طبقاً لقول أكثر المفسرين؛ فإنّ في هذه الآية إشارة إلى فريق من أهل اليمن الذين لم يكونوا يحملون زاداً وميرة لدى حجهم، حتى أنهم كانوا يتجرّدون من كل ذلك حين الإحرام ويقولون نحن نقصد بيت الله الحرام فكيف لايعطوننا طعاماً..(ولهذا كانوا يشقون على أنفسهم أحياناً، أو يضطرون إلى مديد الحاجة) والقرآن ينفي هذا التصرف والتصوّر الخاطئ ويأمر بالتزود بالميرة كما يرشد في الوقت نفسه إلى مسألة معنوية أهمّ ويقول بضرورة الالتفات أيضاً إلى التزوّد للآخرة بعبارته: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.
8- ويمكن أن يكون هذا التعبير إشارة لطيفة إلى أنّ في الحج وسفره مصاديق عديدة لتهيئة الزاد المعنوي ولا تصح الغفلة عنه، فهنالك يتجسّد التاريخ وصور التضحية الإبراهيمية ومصاديق التقرب إلى الله سبحانه وتعالى مما يعزّ نظيرها في جغرافيا الأرض.. وذو الروح اليقظة والفكر الحي يستطيع التزوّد - إلى طيلة عمره - من هذا السفر النادر والمسيرة المعنوية الفذة وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
9 - الورعون المتقون هم ذوو العقول الراجحة؛ حيث يدركون روح الحج ويستفيدون كلّ الاستفادة من مشروعه التربوي، في حين أن سهم غيرهم ليس سوى قشور هذه الفريضة ولا يعون حقيقتها وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)
1 - عرفات؛ اسم منطقة تبعد حوالي (20) كيلومتراً عن مكة، ويجب على الحاج أن يقصدها ويبقى فيها في اليوم التاسع من ذي الحجة إلى الغروب. 2 - مفردة عرفات مأخوذة من المعرفة بمعنى : محلّ المعرفة، وقد ذكرت لتسميتها بهذا الاسم أسباب عديدة ومنها:
ألف :طبقاً لقول الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام فإنّ رسول الوحي (جبرئيل عليه السلام) حينما كان يعلّم النبي إبراهيم عليه السلام مناسك الحج، قال لإبراهيم عليه السلام في تلك البقعة : هذه عرفات فاعرف بها مناسكك و اعترف بذنبك فسمي عرفات.(1)
ب: هنالك عرف آدم وحواء عليهما السلام بعضهما واعترفا بذنبهما.
ج: يقال تارة إنّ زائري بيت الله الحرام يرى بعضهم بعضاً ويتعرف بعضهم إلى بعض.
1) الكافي، ج 4 ، ص 207
د: يمكن أن تكون العلة في هذه التسميّة إشارة إلى حقيقة أخرى، وهي أنّ الأجواء هناك تكون مناسبة جداً إلى معرفة الربّ..
3 - طبقاً للروايات الوفيرة؛ فإنّ مولانا الإمام الحجّة (عج) يحضر موسم الحج في كلّ عام،(1)كما أنه سبحانه وتعالى يغفر جميع ذنوب ضيوفه عند الغروب في عرفة. (2)
4- حينما يقوم الحاج على عرفات يجد شعوراً معنوياً وروحانيّاً خاصاً غير قابل للوصف، حيث قد ارتدى جميع ضيوف الرحمن زيّاً واحداً.. ويكون الجميع في تلكم البقعة الصحراوية بعيداً عن ضوضاء المدنية والدنيا والماديّة وزخرفها وزبرجها.. حيث السماء الزرقاء الغامقة والهواء الطلق والمجرّد عن أشكال الذنوب.. هنالك يخفق ملاك الوحي بأجنحته.. هنالك حيث يكاد يسمع همس جبرئيل من بين نسائم البقعة الطاهرة، ويعرف الإيقاع الرجولي لإبراهيم الخليل وصوت الحياة الذي بنّه نبينا الأعظم صلّى الله عليه وآله والأئمة الطاهرون وروعة الحضور المهدوي المبارك.. في تلك الأرض الطيبة كأنّ نافذة تفتح منها على عالم ماوراء الطبيعة.. يشعر المرء بعرفان الربّ الجليل وتسبيح المخلوقات له، بل يشعر أنه قد أضاع عمره قبل ذلك، وها هو يسعى إلى العثور عليه في عرفات، فيعرف نفسه وأنه لن يأخذ معه إلى دار الفناء إلا ما يشبه لباس الإحرام الذي يرتديه في عرفة.. نعم هذه هي الأرض التي تسمّى عرفة؛ وما أروعه وأنسبه من اسم!!
5 - نقلت الروايات أن قريشاً في الجاهليّة كانت قد جعلت لنفسها امتيازات غير صحيحة، إذ كانت تقول بأننا لا ينبغي أن نذهب إلى عرفات في موسم الحج لأن عرفات تقع خارج الحرم ، وإن فعلنا ذلك لم تحترمنا أو تهابنا العرب؛ إذ أنّ حرم مكة يختلف عمّا هو
خارجه.. كانت قريش تقول ذلك وهي تعلم بأن الوقوف في عرفة جزء من مراسم الحج الإبراهيمي.. والقرآن في هذه الآيات الشريفة أبطل هذه الميزة وأشباهها وأمر المسلمين بالوقوف جميعاً في عرفات..(1)
6 - الركن الثاني ومحلّ التوقف في أيام ضيافة الله تعالى هو الوقوف في المشعر الحرام أو (المزدلفة) وذلك في قسم من ليلة عيد الأضحى وصباحه إلى ما قبل طلوع الشمس، والانشغال بالدعاء والمناجاة.. وفيما يتعلّق بتسمية المشعر الحرام، قالوا باعتباره مركزاً لشعائر الحجّ وعلامة من علامات هذه المراسم والشعائر العظيمة والسماوية..
إلا أنه لا ينبغي الغفلة عن أن (المشعر) مأخوذ من مادة الشعور في تلك الليلة التاريخية المثيرة ليلة العاشر من ذي الحجّة حيث زائرو بيت الله الحرام وبعد مرورهم وتعرضهم لدورة تربويّة رائعة يتوجّهون من عرفات إلى بقعة المشعر الحرام (المزدلفة) ويقضون ليلتهم إلى الصباح على رمالها الناعمة تحت السماء المكتظة بالنجوم.. تلك الأرض التي هي بمثابة نموذج صغير لأرض الحشر في يوم القيامة ومشهد من مشاهد البعث الأكبر.. هنالك حيث الجموع كأنها أمواج متلاطمة قد ملأت جميع مساحة المشعر الحرام دون أن يخفت صوت حركتهم إلى الصباح.. بلى؛ في مثل تلك الأجواء المجرّدة عن كلّ زينة.. وبكل صفاء تثار مشارع وأفكار الحاج نحو الخلوص إلى الرب القدير: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام.
7- من دلائل جامعية الإسلام أنّه إلى جانب أداء مناسك الحج لا يمنع من الحياة المادية وكسب المعيشة، فلا تحرم في أيام الحجّ المعاملات التجارية الحلال باعتباره تتبعاً لفضل الله تعالى ورزقه لعباده.. ولا يمنع العمل وكسب اليدلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا
1) راجع: تفسير العياشي، ج 1، ص 97 والكافي، ج 4 ، ص247
فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ. 8 - القول بأنّ أيّام ومراسم الحج يجب أن تخلو من أي ممارسة كسبية مادية – كما كان الجاهليّون يقولون - يعدّ مردوداً طبقاً لهذه الآية الشريفة، ويستفاد من المصادر الإسلاميّة أنّ الحج وفضلاً عن فلسفته الأخلاقية وما فيه من تهذيب للنفس.. يتضمن أيضاً فلسفة سياسية وثقافية واقتصادية.
9 - حيث أنّ موسم الحجّ بحاجة إلى الحضور والسعي المتواصل للكثير من المدراء والعمال أو المسؤولين والخدمة والسائقين والأطباء والأدلاء وأمثالهم، فإنّ هؤلاء الأفراد وضمن تقديم خدماتهم للحجاج وأداء أدوارهم الإدارية والخدمية والاقتصادية بمقدروهم أن يؤدوا مناسك حجهم دون أن يتعرضو للضيق أو الحرج في ذلك.
10 - سفر المسلمين من مختلف بقاع الأرض نحو بيت الله الحرام وتشكيل هذا المؤتمر الإسلامي العظيم له أن يكون أساساً وقاعدة لقفزة اقتصادية عامة في المجتمعات المسلمة، إذ ليس بمقدور أمة أن تحقق استقلالها التام دون إحراز اقتصاد متين، ولكن البديهي في الأمر أنّ الممارسة التجارية يجب أن تكون تحت المظلة العبادية والأخلاقية للحج.. بحيث تلتقي الأدمغة الاقتصادية للمسلمين بعد انتهاء مراسم الحج أو قبلها فيخطط المتخصصون متعاونين لإرساء دعائم اقتصاد المجتمعات المسلمة وتوفير فرص التبادل والتعامل التجاري لتقوية الاقتصاد المسلم ورفده بما يغني الحاجة إلى الأجانب....
11 - قال هشام بن الحكم سألت الإمام الصادق عليه السلام فقلت: ما العلة التي من أجلها كلّف الله العباد الحجّ والطواف بالبيت؟ فقال: «.. فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا ولينزع كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد ولينتفع بذلك المكاري والجمال... ولو كان كلّ قوم إنّما يتكلون على بلادهم وما فيها هلكوا وخربت البلاد وسقطت
الجلب والأرباح ».(1)
12 - أن الكسب والربح الحلال؛ فضل إلهي ، والقرآن بدلاً من مفردة الكسب استعمل مفردة الفضل ليقول بذلك: إنّ الكسب الحلال فضل إلهي: فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.
1) علل الشرائع، ج 2، ص 405 و 406
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)
1 - الإفاضة مأخوذة من مادة: فيض ، وفي الأصل بمعنى جريان مسار الماء، وحيث ينطلق الناس بصورة جمعيّة من منطقة إلى أخرى بسرعة فإنّهم يشبهون النهر الجاري، واستعمل هذا التعبير
2 - الحركة الجمعيّة لها قيمتها أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ.
3- الأمر بالاستغفار الوارد في الآية أعلاه متعلّق بالطلب إلى الله تعالى أن يغفر جميع الذنوب، والتخلّي عن الأفكار الجاهلية العقيمة المخالفة لروح المساواة في الحج، وتذكّر أنّ الله غفور رحيم لدى الكفّ عن الذنوب والخرافات الجاهلية.
4 - يمكن أن تكون العلاقة بين الابتغاء في فضل الله تعالى - النشاطات التجارية - وبين مسألة الوقوف في عرفات والانطلاق منه باتجاه المشعر الحرام ثمّ إلى منى، وهي الأمور التي رتبتها الآيات أعلاه إلى جانب بعضها البعض إشارة إلى مسألة أنّ الفعاليات الاقتصادية إن كانت الله تعالى وتحقيق الحياة والمعيشة الكريمة؛ فهي تعد نوع عبادة كما هي مناسك الحج.. ولذلك ورد ترتيبها بالشكل المذكور.
5 - لا ينبغي اليأس من رحمة الله وغفرانه بعد الوقوف في هذه البقاع المقدسة، لأنه هو الغفور الرحيم { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}.
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)
نقرأ في حديث عن مولانا الإمام الباقر عليه السلام أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا فرغوا من مراسم الحجّ ؛ اجتمعوا وراحوا يعدّون مفاخر آبائهم وأسلافهم ويذكرون أيامهم الماضية وجودهم وكرمهم (وجملة الافتخارات الموهومة لهم فنزلت)الآية أعلاه وأمرتهم بالاستعاضة عن ذلك العمل (غير الصحيح) بذكر الله تعالى وعد نعمه ومواهبه بالحماس الذي كانوا يذكرون آباءهم في الجاهلية أو بما هو أكثر من ذلك.(1)
1 - رغم أنّ أعراب الجاهلية كانوا قد أخذوا مراسم الحجّ بوسائط متعدّدة من إبراهيم الخليل عليه السلام، ولكنّهم عمدوا إلى مزجه بالخرافات حتى أخرجوه - وهو العبادة العظيمة التي تصنع الإنسان وهي بمثابة انعطافة حادّة لحياة زائري بيت الله وولادة جديدة لهم - عن صورته الأصلية وفلسفته التربوية، فصار مسخاً متبدّلاً ووسيلة للفرقة والنفاق !
1) مجمع البیان، ج 2، ص 529
2 - حيث يقول سبحانه: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ... فإن المقصود بذلك ليس ذكر الأسلاف مع ذكر الله، لأنّ العظمة تكون لدى العلاقة بالله دون المباهاة بالعلاقة الوهمية بالأسلاف، بل إنّه إشارة إلى الواقع القائل: إذا كان أسلافكم ولأجل بعض الذي كانوا يمتازون به حسب الظاهر، فالأولى أن تذكروا الله تعالى لأنه مصدر كل العظمة وهو الجدير بالذكر والمباهاة. وهو مصدر جميع الكمالات وصاحب صفات الجلال والكمال وولي النعم فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا.
3 - سؤال : ما المقصود بذكر الله تعالى؟
لدى الإجابة آراء عديدة للمفسّرين، وخلاصتها:
أنّ ذكر الله يشمل جميع الأذكار بعد انقضاء المراسم..فيكون الشكر الله سبحانه على نعمتي الإيمان والهداية والتمكين من أداء فريضة الحج وتحصيل آثاره التربوية..
4 - هناك من الحجاج من ليس هدفهم من الحجّ سوى تحقيق المآرب المادية، ولا يطلبون من الله غيرها.. وهؤلاء ليسوا يحرمون أنفسهم البركات المعنوية؛ مثل الإيمان والهداية والرحمة والمغفرة في الحجّ فحسب، بل يحرمونها أيضاً من البركات الأخروية لهذه الفريضة العظيمة فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)
إحدى طرق معرفة الناس؛ التعرّف إلى طموحاتهم وطبيعة أدعيتهم التي يقرؤونها.. وفي الحقيقة، فإنّ هذا النص القرآني إشارة إلى هدف الناس وطموح بعض الأفراد ضمن هذه العبادة العظيمة - الحجّ ..
1 - فريق من الحجّاج يطلبون في أدعيتهم مطالب من ربهم ما هو مادي مضافاً إلى بركات أخروية معنوية للحج، وهم في الحقيقة يحملون هدفاً ينتهي بأن تكون الحياة في الدنيا مقدّمة وجسراً للحصول على التكامل المعنوي والقرب إلى الله تعالى.
2 - منطق الإسلام ناظر إلى أن يهتم الإنسان في جميع أمور حياته وحتّى عباداته بالماديات والمعنويات أيضاً، واعتبار الله تعالى مصدراً وسبباً للوصول إلى كلّ شيء .
3 - طبقاً لبعض المفسرين؛ فإنّ المؤمنين يريدون من الله تعالى الحصول على أصل الحسنات والسعادة دون اختيارهم نوعاً أو مصداقاً لذلك، وإنّما يوكلون تحديد المصداق إلى إرادة الرب الكريم ومشيئته..
سؤال: ما المقصود من الحسنة الوارد ذكرها في الآية؟
ذكر المفسرون آراء عديدة للحسنة :
ألف: عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «مَن أوتي قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه وأخراه؛ فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووُقي
عذاب النار».(1)
ب: عن الإمام الصادق عليه السلام في تعريف الحسنة: «إنّها السعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا ورضوان الله والجنّة في الآخرة»(2).
ج وفسر آخرون الحسنة بأنّها العلم والعبادة في الدنيا والجنّة في الآخرة، أو مال الدنيا وجنّة الآخرة، أو الزوجة الصالحة في الدنيا والجنّة في الآخرة.
د: وقال البعض بأنها - الحسنة - بمعنى كل خير وصلاح، ولها مفهوم واسع يشمل جميع المواهب المادّيّة والمعنوية، وما ورد في الروايات أعلاه أو كلمات المفسرين بيان لمصاديق واضحة؛ وهي لا تحدّد مفهوم الآية.
أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)
1 - في معنى هذه الآية احتمالان :
الاحتمال الأول: أنها أشارت إلى الفريق الثاني(الفريق الذي طلب من الله الحسنة الدنيوية والحسنة الأخروية) فهؤلاء - كما تقول الآية - لهم حظهم مما يكتسبون، والله سريع الحساب. وفي الحقيقة: إنّ هذه الآية تجسد النقطة المقابلة للجملة الواردة في الآية السابقة القائلة: (وما له في الآخرة من خلاق) وليس لهم نصيب في القيامة.
الاحتمال الثاني: أنّ هذه الآية - طبقاً للبعض - تعود إلى كلا الفريقين.. الفريق الأول لهم نصيب من الدنيا، والفريق الثاني له نصيب في الدنيا والآخرة، وهذا شبيه بما ورد في الآيات (18 - 20) من سورة الإسراء القائلة:
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ولكنّ التفسير الأول أكثر اتفاقاً والآيات محط البحث. 2 - طبقاً لرأي أكثر المفسرين؛ فإنّ الكسب في عبارة مِمَّا كَسَبُوا بمعنى هذا الدعاء بخصوص خير الدنيا والآخرة. ويمكن أن يكون اختيار هذه الجملة إشارة إلى قضية لطيفة، وهي أنّ الدعاء بحدّ ذاته من أفضل العبادات والأعمال..
3 - يستفاد من التحقيق في عشرات الآيات، فإنّ القرآن الكريم حيث استعمل مفردات الكسب ومشتقاتها في تلك الآيات أنّ هذه المفردة تسري في الأعمال المعنوية والروحية
والقلبية (دون الأفعال الجسمية) كما نقرأ في الآية (225) في سورة البقرة: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْوعليه؛ ليس موضع تعجب أن يكون الدعاء نوع كسب واكتساب، لاسيّما الدعاء الصادق والحقيقي الذي لا يقتصر على اللّسان أو يقف عنده، بل يصدر عن القلب بكلّ وجود الإنسان وإيمانه.
4 - أن عبارةوَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ إشارة أنّ الله لا يؤخّر من يحاسبهم، إضافة إلى أنه تعالى يعطي الأجر والعقاب لمن وعدهم بذلك بالسرعة المناسبة، فهو يقدّمهما لهم نقداً لا نسيئة.. وقد ورد في الحديث «إنّ الله تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار لمح البصر».(1)
5 - السرعة في حساب جميع الناس من قبل الله عزّ وجلّ يتمّ في يوم واحد (يوم القيامة) باعتبار أنّ علم الله ليس كعلم الناس المحدود.. لتكون هذه المحدودية سبباً في التأخر أو الغفلة عن مطلب أو محاكمة أخرى، إضافة إلى أنّ حساب الله ومحكمته ليست بحاجة إلى فترة زمنيّة لإثبات إدانة المجرم أو إحسان المحسن، لأنّ أعضاء الجسم الإنساني وروحه ستشهد على أصحابها من الناس لبقاء آثار أفعالهم عليها. ومن هنا؛ يمكن تشبيه وجود الإنسان بأنواع السيارات التي تتضمن عداداً للمسافات، حيث يتحدّد طبيعة أدائها في كلّ لحظة وبشكل واضح وجلي، ولا حاجة أبداً إلى إجراء عملية حساب للمسافات التي قطعتها السيّارة منذ حركتها الأولى.
1) تفسير الصافي، ج1، ص 237
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)
1 - هذه الآية هي الأخيرة بخصوص فريضة الحج وأيامها الأخيرة (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) من شهر ذي الحجة، وهي التي سمتها الروايات بأيام التشريق(1)، وهي أيام مشرقة نورانية على روح الإنسان وجسمه وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ.
2 - الفرق والسبب في أنّ الآية (28) من سورة الحج سمّت هذه الأيام بأيام معلومات وأنّ هذه الآية أسمتها بأيام معدودات هو أنّ المعلومات هي الأيام العشر الأول من شهر ذي الحجّة، أما الأيام المعدودات فهي هذه الأيام المسماة بأيام التشريق التالية للعيد الأضحى..
سؤال: ما المقصود من الأذكار في هذه الآية؟
طبقا للأحاديث والروايات؛ هي الأذكار التي تلي الخمس عشرة صلاةً وتبدأ بعد صلاة الظهر من يوم عيد الأضحى وتنتهي عند صلاة اليوم الثالث عشر، وهي:
«الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا، والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام». (2)
3- أن للمكان والزمان تأثيراً في استجابة الدعاء فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ.
4 - تكرار كلمة (التقوى) مرّتين في هذه الآية بالنسبة للزائرين لبيت الله وفي أرض منى يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ العمل المقدّس وفي أرض مقدّسة لا يكفي لوحده للإنسان، لأنّ للشيطان نفوذاً في كلّ مكان، فكان لابد أن يكون الإنسان بدوره مقدّساً متقياً.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)
هذه الآية والآيتان التاليتان نزلت في الأخنس بن شريق، حيث كان رجلاً جميل المنظر حسن الكلام، وكان يتظاهر بمحبة النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله أمام المسلمين، وكان يقسم على حبّه وعلى الإيمان بالله تعالى.. أمّا رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ فقد كان مأموراً بالتعامل حسب المعطيات الظاهرية، فكان يشرح صدره لهذا الرجل ويبادله ما يدعي من محبّة.. ولكنّ الرجل كان في خفائه منافقاً.. وقد حرق - في قصة مطوّلة - مزرعة لبعض المسلمين وقتل دوابه وأنعامه ( وهكذا افتضح أمره ونزلت هذه الآيات ضدّه.(1)
1 - أَلَدُّ بمعنى شديد العداوة هنا، والأصل في الكلمة: لديد، وتستعمل للطرفين والجهتين. وهي كناية عن أنه إلى أية جهة تولّى غلب العدوّ. والْخِصَامِ إما جمع لخصم أو مصدر للخصومة والعداء.
2 - الكلام الساحر والجذاب للمنافقين لا ينبغي الانخداع به يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ.
3 - يعمد الأعداء أحياناً إلى استثمار الدين والمقدسات واستغلالهما لدى الحرب. ولهذا؛ لا يصح الركون والاطمئنان إليهم، لأنّ الأيمان الكاذبة من جملة أساليب نفوذ وتسلل
1) مجمع البيان، ج 2، ص 534 والتفسير الكبير، ج 5، ص 344
المنافقين مزدوجي الشخصية يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ.
4 - مساحات أحاديث المنافقين غالباً ما تتعلّق بالمسائل الدنيوية لإحراز التأثير على من يستمع إليهم يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
5 - إنّ الله تعالى يطلع رسوله على غيب وحقيقة الآخرين:وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ.
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)
1 - كلمة تَوَلَّى يمكن إرجاعها إلى معنيين، أحدهما معنى القدرة والحكم. والآخر: الإعراض - فيكون معنى الآية طبقاً للمعنى الثاني أنه متى ما أعرض الفرد عن الحق والهدى وخرج من عند الرسول؛ ذهب باتجاه الفتنة والفساد.
2 - أنّ الأعداء - المنافقين - لو كانوا صادقين في محبّتهم وولائهم للرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله؛ ما كانوا ينهمكون في الفساد والتخريب. وما هاجموا الزرع والحرث والنسل بتلك الطريقة الإجراميّة الحاقدة - إنّ ظاهرهم المحبّة المخلصة، وباطنهم القسوة والحقد، وهم أعدى الأعداء.
3-الْحَرْثَ بمعنى الزراعة، والنَّسْلَ بمعنى الذريّة والأولاد، حيث تطلق على أولاد الإنسان وغيره، وعليه؛ فإهلاك الحرث والنسل بمعنى القضاء عليهم معاً؛ سواء كانوا بشراً أو حيوانات أو نبات.
4 - إنّ مزوّري القوانين والمساهمين بالهجوم الثقافي والإعلامي ضد المجتمع المسلم ،والذين يدمرون هذا المجتمع بنشر المخدّرات، يتتسبّبون بدمار الاقتصاد وإهلاك النسل.. مصداق واضح لهذه الآية في الإفساد في الأرض.
5 - العبارة القرآنية القائلة:يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ عبارة بليغة جداً وجامعة باختصار وشاملة لصناعة الفساد على المستوى الاجتماعي والاقتصادي للناس.
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)
1 - فضح الله تعالى المنافقين في هذه الآية والآيتين الأخريين بخمس علامات:
العلامة الأولى: أنّ لهم كلاماً خداعاً وخطاباً جميلاً: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ.
العلامة الثانية: أنّ قلوبهم ملوّثة مظلمة: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ.
العلامة الثالثة: أنّ المنافقين ومزدوجي الشخصية من أشد أعداء الإنسانية؛ فحينما تتهيأ لهم الظروف والأرضيّة؛ تراهم لا يرحمون إنساناً ولا حيواناً ولا زرعاً: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.
العلامة الخامسة : ما فيهم من غرور وتكبّر وعصبية لا يسمح لهم بتقبّل نصيحة ناصح :إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ.
2 - أنّ الانغماس في الذنب سبب للغرور والتكبّر: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ.
3 - التفكير بجهنّم يكسر غرور الإنسان: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ.
4 - المنافق لا يستمع ولا يرعوي لنصيحة ناصح ولا يلتفت إلى التحذير الإلهي، وإنّما ينغمس في حضيض غروره وتطرّفه وعصبيته وينهمك في آثامه.. ومثل هذا الشخص لا يؤدبه سوى نار الجحيمفَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ.
5 - من الصفات القبيحة للمنافقين أنهم وبداعي عصبيتهم وعنادهم وقسوتهم لا يستسلمون لأية حقيقة.. وهذا التعصب والغرور يجرّانهم إلى أقبح الذنوب.. ولا ريب أنّ هذا المسلك المنحرف والمعوج لا يقومه إلّا نار جهتهم:فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)
قال الثعلبي مفسّر المخالفين المعروف: قرّر مشركو مكة أن يخرج كل منهم رجلاً ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله جميعاً في بيته ليعجز بنو هاشم عن المطالبة بدمه والثأر له وليستريحوا من دعوته إلى دين التوحيد.. وحينما اطلع النبي صلى الله عليه وآله على مؤامرتهم قرّر الهجرة من مكة وأوصى عليّاً عليه السلام بأداء ديونه وتسليم أمانات الناس إليهم، وحينما أراد التوجه إلى غار ثور وقد أحاط عتاة المشركين ببيته وحاصروه أمر عليّاً عليه السلام أن ينام في فراشه ويتغطى ببرده الحضرمي الأخضر.. هنالك قال الله تعالى للملكين جبرئيل وميكائيل :
إنّي قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فمن منكما يؤثر أخاه على نفسه ويقدمه على نفسه، فلم يحيرا جواباً،
فأوحى الله تعالى لهما بالقول: ها هو عليّ قد نام في فراش النبي وقد آثره على نفسه، فاهبطا إلى الأرض واحرساه.. وحين جلس جبرئيل عند رأس علي عليه السلام وميكائيل عند قدميه، قال جبرئيل بح بح لك يا علي ! فقد باهى الله بك الملائكة.. وهنالك نزلت هذه الآية الشريفة، ولهذا سمّيت تلك الليلة بليلة المبيت.(1)
وقال ابن عبّاس: نزلت هذه الآية حينما غادر النبي مشركي مكة واتجه صوب غار ثور مع
1) الكشف و البيان الثعلبي، ج 2، ص 125 و 126
أبي بكر ونام علي في فراش النبيّ.. (1)
والآية هذه تتحدّث عن فضيلة هي من أعظم فضائل أمير المؤمنين عليه السلام. وقد رويت في معظم مصادر المسلمين الروائية والتاريخيّة.(2)حتّى أنّ معاوية ولعدائه الشديد لعليّ عليه السلام؛ فقد انزعج أيما انزعاج لهذه الرواية الخاصة بهذه الفضيلة العلوية، حتى أنه ابتاع دين الصحابي سمرة بن جندب بأربع مئة ألف درهم ليزوّر هذه الحقيقة المتفق عليها ليقول إنّ هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل أمير المؤمنين عليه السلام (ضمن حديث موضوع وإنّ هذا المنافق المجرم هو الذي شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله .. (3)ولكن - وكما كان متوقعاً لهذه المؤامرة الأموية - لم يتقبلها مسلم واحد !!
1 - ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في المجلد الثالث الصفحة (270) قصة ليلة المبيت ونوم أمير المؤمنين عليه السلام في فراش النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله، وأشار إليها الأميني في (الغدير ص (48) في ذيل هذه الآية. والغزالي في كتاب (إحياء علوم الدين ج 3، ص 238) والكنجي في كتابه (كفاية الطالب ص 114) والصفوري في كتابه (نزهة المجالس ج 2، ص 209) وابن الصباغ المالكي في كتابه (الفصول المهمة ص 33) وسبط ابن الجوزي الحنفي في كتابه( تذكرة الخواص ص21) والشبلنجي في كتبه (نور الأبصار ص 86) وأحمد في كتابه (المسند ج1، ص 348) والطبري في (تاريخه ج 2، ص99 - 101) وابن هشام في( سيرته ج 2، ص291) والحلبي في (سيرته) واليعقوبي في تاريخه ج2، ص29).
2 - مع أنّ هذه الآية قد نزلت في قضيّة هجرة النبي صلى الله عليه وآله وإيثار أمير المؤمنين عليه السلام ومنامه في فراش الرسول الأعظم، إلا أن مفهومها الكلي والعام يشير إلى النقطة المضادة لما ورد في الآيات السالفة الخاصة بالمنافقين، ذلك لأنّ هذا الفريق الأخير أفراده أنانيون ؛ معاندون؛ يستميتون في التظاهر بالصلاح بين الناس... إلّا أنّ المؤمنين وأميرهم علي عليه السلام يتعاملون مع الله تبارك وتعالى، ويبيعونه كلّ ما عندهم؛ بما في ذلك - بل في مقدّمته - أنفسهم، ولا يشترون منه سوى رضاه ورضوانه.. وبتضحياتهم وإيثارهم ومآثرهم يصلحون أمر آخرتهم قبل دنياهم، فيكونون الأحق بالحياة الدنيا وبسعادة الأخرة؛ حيث يسقون شجرة الإسلام بصالح أعمالهم... وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ.
3 - الله تعالى نفسه الذي تحدّث عن المنافقين ووصفهم ذاماً مهدداً:فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(1)هو نفسه سبحانه قال بحق أمير المؤمنين عليه السلام وأتباعه الصادقين مادحاً مبشراً:وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ وهذا المنحى إشارة إلى أنّه تعالى في الوقت الذي هو فيه رحمن رؤوف، هو أيضاً يشتري أنفس الصالحين ويسدّد لهم قيمة أنفسهم بالرحمة والرأفة وسعادة الآخرة..
4 - يجب أن نعلم بأن قوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ إشارة إلى نوع معاملة.. البائع فيها هو الإنسان والمشتري فيها هو الله سبحانه وتعالى.. والثمن هو رضوان الله الأكبر.. هذا في حين أنّ الآية (111) من سورة التوبة قالت بأن ثمن هكذا تعامل هو الجنان الخالدة والنجاة من النار..
5 - لعلّ الابتداء بالقول: ومِنَ في هذه الآية العظيمة أنّها تبعيضيّة.. بمعنى أنّ مِنَ
1) سورة البقرة / 206.
الناس لا جميعهم يقدم على هذا العمل العظيم وأنّ الثمن الوحيد الذي يمكن أن يكون أجراً عليه هو رضا الله سبحانه مع أنّ أصحاب هذا العمل العظيم قد دعوا إلى امتلاك جنان الخلد في الآخرة، كما هو الوارد في الآية (111) من سورة التوبة.
6 - عبارة وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ وتناسبها مع مبتدأ الآية تشكلان إيضاحاً للحقيقة القائلة بأنّ وجود هكذا أفراد مضحين مؤثرين (مسلّمون تمام التسليم للأوامر النبوية) بين الناس ينبع أساساً من الرأفة الإلهيّة في الناس، أي أنّ الرأفة الإلهية تتجلّى في إكرام الناس بهكذا أفراد، إذ لولا وجودهم في المجتمع الإنساني لتهدمت أركان الهدى والدين والمجتمع، ولكن الله الرؤوف يحول - بهكذا أفراد وأولهم بلا ريب أمير المؤمنين عليه السلام - دون نجاح الأعداء في طمس الحقائق وتدمير الحياة..
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)
نقل بعض المفسرين أن عبد الله بن سلام وأصحابه الذين كانوا يهوداً وقبلوا الإسلام استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقرؤوا التوراة في صلواتهم وأن يعملوا ببعض تعاليمها.. فنزلت هذه الآية ومنعتهم من اتباع خطوات الشيطان.(1)
إنّ شأن النزول المرويّ هذا يشير إلى إمكانية نفوذ الشيطان في الإنسان خطوة خطوة.. وأنّه لابد من مواجهته منذ الخطوة الأولى لئلا يبلغ الأمر مراحل خطيرة..
1 - السِّلْمِ والسلام لغةً هو الصلح والاستقرار والطمأنينة، والبعض أوّله بالطاعة، والآية دعت جميع المؤمنين إلى الصلح والسلام والتسليم في قبال أمر الله تعالى.
2 - يستفاد من مفهوم هذه الآية حيث دعت جميع المؤمنين وبلا استثناء من لسان وعنصر ومنطقة جغرافية وطبقة اجتماعيّة إلى الصلح والصفاء، أن الصلح هذا إنما يكون تحت مظلّة الإيمان، وأنّ الحرب والفوضى والاضطراب لا يمكن أن يزول بالاعتماد على
1) تفسير الطبري، ج 2، ص 189.
القوانين المادّيّة الوضعيّة. ذلك لأنّ التعلّق والتشبّث بالدنيا هو أساس الحروب والنزاعات والمواجهات، وإنّما الطاقة المعنوية للإيمان في الإنسان تعوقه دون ارتكاب الجرائم. وأنّ بالاستظلال بالإيمان بالله تعالى والمعنويات يتأتى الصلح والسلام.
3 - في مقابل عوامل التشرذم (اللغة والعنصر .. )هناك الإيمان بالله والتسليم لأوامره يمثلان نقطة الوحدة المجتمعية ورمز علاقة الأقوام والأمم فيما بينها.. والنموذج الطيب لذلك ما يشاهد في مراسم الحج وكيف يشترك أبناء الإسلام على اختلاف قومياتهم ولغاتهم وألوانهم ومناطقهم الجغرافية معاً في أداء تلكم المراسم الروحانية العظيمة في غاية الصلح والسلام..
4 - القرآن يدعو إلى العلاقة السلمية مع الجماعات أدناه:
ألف: العلاقة مع المشركين غير ذوي الأذى: لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ(1).
ب : مع أهل الكتاب: قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ(2).
ج : مع باقي المسلمين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
5 - خُطُوَاتِ جمع خطوة على وزن: سفرة، وهذا التعبير قد ورد خمس مرات في القرآن المجيد، واعتمدها في موارد مختلفة، وقد تكرّرت هذه الحقيقة في هذه الآية. وهي أنّ الانحراف عن الصلح والعدل والاستسلام لنوازع الأعداء والعداوة والحرب وإراقة الدماء تبدأ كلّها من مراحل وخطوات قصيرة وصغيرة لتنتهي فيما بعد بالمراحل الخطيرة كما ورد في تفسير الآية (168) وتمّت الإشارة إلى ذلك. إذ أنّ كثيراً من أشكال الانحراف والوساوس تتمّ بشكل تدريجي، وأنّ كلّ مرحلة من تلكم المراحل تمثل خطوة من خطوات الشيطان.. ولذا؛ وجب على المؤمنين؛ وهم المخاطبون بالدرجة الأولى في هذه الآية أن يتيقظوا منذ البداية
وأن يطفئوا شرارة العداء وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
8 - جملة إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ دليل حي واضح على أنّ عداء الشيطان للإنسان ليس بالأمر الخفي والمجهول، وهو قد عزم على مواجهة آدم وأولاده منذ خلقة آدم وأقسم على أضلالهم إلّا المخلصين الذين لا سلطان له عليهم.. فكيف يتسنى للإنسان اتباع خطواته والاستسلام له؟..
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)
1 - ليعلم الإنسان أنه إذا انحرف وزلّ بعد كلّ ما جاءه من الدلائل الواضحة باتجاه النزاع دون السلام، وإلى خطوات الشيطان دون تولّي أهل الحق فليعلم أنّ قبضة العدالة الإلهية لیست ببعيدة عنه، ذلك لأنه عزّ وجلّ قادر عزيز وحكيمفإن زللتم... الله عزيز حكيم.
2 - المنهج واضح والطريق بيّن والغاية معلومة.. فلا مجال للانحراف واتباع خطواته وقبول وساوسه.. والمنحرف عن الحق بهذه الصورة مقصر لا ريب .. والله قادر عادل بعقابه..
3 -الْبَيِّنَاتُ بمعنى الدلائل الواضحة.. ولها مفهوم واسع يشمل الدلائل العقلية وما ينزل على الناس من معاجز وكرامات في إطار إثبات الحق ودحض الباطل الذي تنتهي خطوات الشيطان وأعداء محمد وآل محمد إليه..
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)
1 - هذه الآية وإن كانت من آيات القرآن العسيرة؛ كما يبدو، إلا أن مزيد التدقيق في عبائرها يرفع الإبهام عنها..
2 - أنّ نظام الخلقة والتربية الإلهيّة لا يعتمد مقولاتكم وتوقعاتكم - غير المؤمنين - غير المعقولة.. إذ أنكم تتوقعون أن يأتي الله وملائكته عبر السحاب ويتجسّمان أمامكم ويتكلّمان معكم مباشرة.. ولكن الأمر هذا غير ممكن.
3 - ترى ما المقصود من عبارة وَقُضِيَ الْأَمْرُ في هذه الآية؟ ذكروا لذلك احتمالات: الاحتمال الأول: قال المرحوم الطبرسي في (مجمع البيان): ظاهر الآية يتعلّق بالآخرة،(1)والهدف منها أنه سبحانه وتعالى قد أتم الحجة على الناس بالقدر الكافي، فلا ينبغي للأفراد المعاندين أن يتوقعوا حضور الله تعالى والملائكة عندهم ويحدّثوهم بالحقائق.. إذ الأمر هذا محال.. وإن كان ممكناً فهو لا حاجة فيه.
الاحتمال الثاني: أنّ المقصود هو : هل أنهم بعنادهم وعدم إيمانهم ينتظرون صدرو الأمر الإلهي بالعذاب وشمولهم ودمارهم به؟
الاحتمال الثالث: أن المقصود هو هل أنّهم بعنادهم ينتظرون قيام القيامة وحلول
1) مجمع البیان، ج 2، ص 539
العذاب الإلهي مع الملائكة وأن تتم محاسبة الجميع وأن يحاطوا بعقوبتهم؟
ولكن يبدو أنّ التفسير والاحتمال الأوّل هو الأنسب...
4 - طبقاً للكثير من المفسرين في صورة قبول الاحتمال الثاني والثالث في تفسير قوله تعالى: (وقضي الأمر) تكون عبارة ظلل من الغمام إشارة إلى أنّ العذاب الإلهي سيظلل المعاندين فجأةً كما هي الصاعقة والغيوم.. لاسيما حيث يتوقع الناظر للغيوم هطول مطر الرحمة...
وحين يحلّ العذاب بشكل صاعقة وأمثالها.. فإنّه يكون أشدّ إيلاماً يلاحظ أن عذاب بعض الأمم السالفة كان على هيئة صاعقة ونزل من الغيوم أمّا في حال قبول التفسير الأول؛ فيمكن أن يكون قوله تعالى: ظلل من الغمام إشارة إلى عقائد الكفّار الخرافية حيث كانوا يظنون أنه تعالى ينزل من السماء - أحياناً - وقد ظلّلته الغيوم !!
5 - الأمور المتعلّقة بإرسال الأنبياء ونزول الكتب السماوية وتبيين الحقائق وعودة الناس جميعاً إلى الله ؛ كما هو أمر الحساب والأجر والثواب والعقاب يعود كله إليه سبحانه: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
6 - ترى هل أنّ رؤية الله ممكنة للإنسان؟!
لا ريب في أنّ إمكان مشاهدة أي شيء بالعين المجردة أو بصورة حسية يكون بالنسبة للأشياء ذات اللون والمكان.. وعليه فإنّ ما يتعلّق بذات الله المقدسة؛ فإنّها فوق الزمان والمكان وإمكان الوصف ولا إمكانية لرؤيتها.. وهذه الذات المقدسة لا تتاح رؤيتها؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة بعين المخلوق..
ومع كلّ ما تقدّم، فإنّ المؤسف في الأمر أن نجد جمعاً من علماء المخالفين واستناداً لما بين أيديهم من روايات موضوعة وبعض الآيات المتشابهة التي يحصرون في ظاهرها.. يصرّون على أنّ الإنسان سيشاهد ربّه في القيامة بعينه حيث يتجسّد له بقالب
جسماني وله لون ومكان.. وقد عدّ بعضهم هذه الآية تشير إلى هذا المعنى..
أقول: لا ريب أنّ رؤية الله بعين القلب والبصيرة ممكنة في عالم الدنيا وعالم الآخرة.. وأنّ مشاهدته بعين الإيمان في القيامة ستكون أجلى، وحين سئل الإمام الصادق عليه السلام عن إمكانية رؤية الله في الآخرة، قال: «سبحان الله من هذا الأمر» ثمّ قال: «إنّ الأبصار لا تدرك إلا ما له لون
وكيفيّة، والله تعالى خالق الألوان والكيفية»(1)...
1) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 410
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)
1 -هذه الآية – في الحقيقة – أحد مصاديق الآيات السابقة، ذلك لأنّ الحديث في تلكم الآيات كان عن المؤمنين والكافرين والمنافقين والكافرون وبداعي عنادهم تجاهلوا الآيات والدلائل الواضحة وانهمكوا في ثقافتهم التبريرية وبنو إسرائيل أحد المصاديق الواضحة لهذا المعنى.
2 - المقصود من تبديل النعمة هو أنّ الإنسان يستعمل ما تحت يده من إمكانات ومصادر مادّيّة ومعنوية في المسارات المنحرفة والذنوب.
3- قد أعطى الله تعالى بني إسرائيل أنواع النعم؛ منها الأنبياء العظام والقادة الأفذاذ والإمكانات المادّيّة الكثيرة، ولكنّهم لم ينتفعوا من المربيين الإلهيين، كما لم يستثمروا الإمكانات المادّيّة بالطرق الصحيحة.. وهكذا ارتكبوا خطيئة تبديل النعمة.. ولهذا أيضاً؛ ضلّوا وضاعوا في الدنيا وينتظرهم العذاب الأخروي الأليم..
4 - إذ قال الله سبحانه: سل بني إسرائيل فإنّما ليأخذ منهم الاعتراف، وكذلك ليكون - مجرد سؤالهم أو اعترافهم - عبرةً للمسلمين؛ وتحذيراً للذين لا يستثمرون النعم والمواهب الإلهيّة بالصورة الصحيحة.
5 - مسألة تبديل النعمة والمصير الأليم الناتج عنها غير منحصر ببني إسرائيل.. إذ كلّ قوم وأمة تتورّط بهذه المسألة المخزية ستتورّط بالعذاب الألهي الشديد؛ في هذا العالم وفي
العالم الآخر .
6 - النعمة الإلهية الوارد ذكرها في هذه الآية يمكن أن تكون إشارة إلى الآيات الإلهية، وتبديلها هو تحريفها.. كما أنها تشمل كل المواهب الإلهيّة والإمكانات المادية.. والترجيح متوجّه إلى المعنى الثاني.
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)
قال ابن عبّاس – المفسّر المعروف... - : هذه الآية نزلت في أشراف قريش وزعمائها؛ وهم الأقلّيّة المرفّهة فى مكّة.. إذ كانوا يستهزئون بالمؤمنين الأوفياء الأوائل؛ مثل عمار وبلال و.... ممن لم يكونوا ميسوري الحال والمعيشة، ويقولون لهم لو كان لنبيكم شأن عند الله أو كان نبيّاً حقاً لا تبعه أشراف وعظماء قومه.. فنزلت هذه الآية وردّت مقولتهم..(1)
1 - الكفر بحد ذاته يزيّن الدنيا في نظر الإنسان.
2 - شأن نزول الآية أعلاه يقول بأنها نازلة فى أشراف قريش وعظمائها الأنانيين، وهذا لا يمنع من التأسيس لقاعدة كلية عامة، أي أن تكون هذه الآية مكملة للآية السالفة التي تناولت اليهود وبعض حالاتهم.
3- أن يكون الرزق الإلهي بغير حساب للمؤمنين؛ فيه الإشارة إلى أنّ ثواب الله وأجره ليس بمقدار العمل الصالح والعقيدة السليمة، بقدر ما هو مكافئ لكرم المولى ولطفه.. وهما غير محدودين طبعاً..
1) مجمع البيان، ج 2، ص 540 و 541
4 - دائماً ما يكون المعيار لدى غير المؤمنين؛ ممّن يعبدون الدنيا ويغرّهم زخرفها، ويكون أقصى أفق نظرتهم لا يتجاوز جدران قصورهم الأربعة؛ هو الإمكانات المادية ومدى امتلاء الجيب ،بالمال، فيقيسون بذلك القيم والمبادئ والإيمان.. ولهذا كان ضيق نظرتهم ومرضهم الفكري والنفسي هذا مدعاة لأن يستهزئوا بالأفراد المؤمنين والمبدئيين ممن لا تصل أيديهم إلى الثروة وبأيّ أسلوب كان فيعدونهم غير ذوي شخصية جديرة..
5 - ذوو الحجى المؤمنون الذين لا يهتمون القبضات التراب؛ يرون القيم المادية - في مقابل القيم المعنوية - لا أهمّيّة لها؛ بل ينظرون إلى زخرف الدنيا والانهماك فيه كلعبة أطفال سرعان ما تتحطم بأيديهم.. وإذا ما طلبوا بعض مواهب الدنيا؛ فذلك كي تعينهم على إحراز سعادة أخراهم..
6 - الأفضليّة والتقدّم والسبق في الآخرة سيكون للمؤمنين الذين لم يؤثر في تقواهم غمز الكافرين ولمزهم.
7 - الرزق بلا حساب آية لطف الرحمن.. وليس لكونه غير دقيق أو غير حكيم في حسابه - والعياذ بالله - .
«كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)»
1 - بعد بيان حال المؤمنين والمنافقين والكفّار في الآيات السالفة، تذهب هذه الآية الشريفة صوب بحث أصولي عام وجامع بخصوص انبعاث الدين والمذهب وأهدافه ومراحله المتعدّدة.
مراحل حياة الناس للإنسان سبع مراحل طواها في دنياه:
المرحلة الأولى: أنّ جميع الناس كانوا على شاكلة واحدة حيث لم يكن بينهم صراع وتضادّ. في تلك المرحلة كان الناس يعيشون بيسر وبساطة ولم تكن الفطرة قد تلوّثت بعد.. ولم تكن الدوافع - دوافع الهوى والاختلاف والنزاع بينهم - يمثل شيئاً يذكر.. فكانوا يعبدون الله تعالى طبقاً لتوجيه الفطرة ويؤدّون وظائفهم في محضر الله تعالى بكل بساطة وعفوية (هذه كانت مرحلة حياة البشر أوّلاً) ولعلّها كانت خلال الفاصلة بين حقبتي آدم ونوح عليهما السلام!!
المرحلة الثانية: لأنّ البشر خلقوا لإحراز التكامل أو السير في جادته؛ ولأنّ ذلك لا يتمّ إلّا ضمن الجوّ الاجتماعي.. فقد أخذت حياة الناس طبيعة اجتماعيّة..
المرحلة الثالثة: بعد تأسيس الحياة الاجتماعية للناس ظهرت الاختلافات من حيث العقيدة والإيمان، ومن حيث العمل وتحديد الحقوق لكل فرد ولكل فريق، وبهذه الاختلافات صار الناس في مسيس الحاجة إلى القوانين وتعاليم الأنبياء وهدايتهم للقضاء على الاختلافات في شتّى النواحي..
المرحلة الرابعة: بعد الإحساس بحاجة البشر إلى القوانين - بعيد تأسيس وتشكيل الحياة الاجتماعيّة - بعث الله تعالى الأنبياء لهداية الناس ليبشروهم وينذروهم.. وفي تلك الأثناء التفت الناس إلى تحذيرات الأنبياء وانتبهوا إلى قضيّة المبدأ والمعاد ووجود العالم الآخر الذي يلقى فيه الإنسان ثوابه أو عقابه.. وصاروا - الناس – مستعدين لتلقي الأحكام الإلهية والقوانين الصحيحة التي يستطيعون بها حل اختلافاتهم ويضمنون بها سلامة مجتمعهم وأجيالهم اللاحقة:فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
المرحلة الخامسة : بالإيمان بالأنبياء وبالتمسك بتعاليمهم يمكن إطفاء نيران الاختلافات البشرية..
المرحلة السادسة: بعد ظهور الأنبياء راحت الوساوس الشيطانية وضغوط النفس الأمارة بالسوء تفعل فعلتها في فريق من الناس، وعبر التفاسير الخاطئة لتعاليم الأنبياء وكتبهم السماوية وقياسها بما تهوى آراؤهم. نشرت راية الاختلافات مرّة أخرى.. ولكن هذه الاختلافات كانت متفاوتة مع الاختلافات السابقة..إذ كانت هذه الأخيرة تصدر عن جهل وعدم إطلاع وقد أزيحا إلى حدٍ كبير ببعثة الأنبياء ونزول الكتب والصحف السماوية..ولكن الاختلافات التالية كانت تصدر عن ظلم وعناد وانحراف عن سابق علم وإصرار عن جادة الحق.. ويعبّر
عن هذه الحالة ب- بَغْيًا ولذلك قالت الآية بهذا الصدد: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ.
المرحلة السابعة : هنا؛ انقسم الناس إلى قسمين: المؤمنون المسلمون للحق لما جاءهم.. وهؤلاء قد آمنوا بتعاليم الأنبياء الهادية لإنهاء الاختلافات. وهكذا تقول الآية الشريفة: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ بينما بقي غير المؤمنين والظالمون والأنانيون في ضلالهم واختلافاتهم..
2 - تستفاد من هذه الآية الحقيقة القائلة بأنّ الدين والمجتمع البشري أمران لا يمكن تصوّر الفصل بينهما، إذ لا يمكن لمجتمع أن يعيش عيشة صحيحة بدون دين وإيمان بالربّ القادر سبحانه وتعالى وبالبعث في يوم القيامة.
3 - القوانين التي يبتدعها الناس لتمشية وتنظيم حياتهم، ولأنها لا تصدر عن الإيمان ،الله تعالی غالباً ما تكون سبباً للاختلاف والفوضى في المجتمعات، وهي عاجزة عن القضاء على الاختلاف بشكل تام.. وقد أثبتت التجارب البشرية في القرون القليلة الماضية هذه الحقيقة بأجلى صورها.. فابتدعت دنياً متطوّرة - كما يقال - ولكنّها فاقدة للإيمان، فكانت سبباً مباشراً لارتكاب أفجع المآسي وشتّى الضلالات.. مما لا مثيل لها في المجتمعات المتأخرة على حد زعمها..
4 - من هذه الآية تتضح بشكل ضمني حقيقة تؤدّي إلى القول بأن بداية ظهور الدين والمذهب (بمعنى أنه يجسد قراءة خاصة لهذا الدين) بالمعنى الواقعي للكلمة، كانت في حقبة ظهور المجتمع الإنساني وبالمعنى الحقيقي للكلمة أيضاً.. وعلى هذا؛ لا يكون ثَمّ عجب من أنّ أوّل الأنبياء من أولي العزم وصاحب كتاب وقانون وشريعة هو النبي نوح عليه السلام وليس النبي آدم عليه السلام...
5 - سؤال: لماذا خرجت جميع الأديان الإلهيّة الكبيرة والمهمة (الإسلام والمسيحيّة
واليهودية ودين إبرهيم و....) من منطقة الشرق الأوسط؛ كما يعرف اليوم؟!
ذلك لأنّ الحركة الأساسية للمدنية البشرية - بشهادة التاريخ - كانت في هذه المنطقة.. وقد تأسست الحضارات الإنسانية العظيمة في هذه المنطقة.. ونظراً لحاجة المجتمع الإنساني المتمدن الماسة إلى المذهب وطبيعة العلاقة الوطيدة بين الدين والحضارة، ومن أجل الوقاية من الاختلافات والتضاد المدمر.. كان لابد أن ينهض الدين في هذه المنطقة من العالم.. وأن ينهض الإسلام من منطقة متأخرة؛ مثل مكة والمدينة في تلك الحقبة الزمنية؛ فذلك لأنّ منطقة الشرق الأوسط كانت تقع عند مفترق طرق عدة حضارات كبيرة في تلك الفترة.. حضارة إيران وبقايا حضارة بابل في شمال شرق الجزيرة العربية. وحضارة الروم في ،الشمال، وحضارة مصر في الشمال الغربي، وحضارة اليمن في الجنوب، وفي الواقع كان ظهور الإسلام هو مركز الدائرة لجميع هذه الحضارات في تلك الحقبة..
6 - لا ريب في أنّ من أهم أهداف الديانة الإلهية؛ هو رفع الاختلافات القومية وتهذيب النفوس الإنسانية وبلوغ تمام القرب الإلهي.. ذلك لأنّ القوميات واللغات والمناطق الجغرافية كانت عوامل انفصال المجتمعات الإنسانيّة عن بعضها.. وما ينبغي أن يكون حلقة الوصل بين جميع بني آدم رغم التفاوت بين القوميات واللغات والبقاع الجغرافية هو الديانة الإلهية؛ لأنها تتجاوز جميع الحدود وتجعل جميع الناس تحت راية واحدة، ومن نماذج وأمثلة ذلك: مراسم الحج العبادية - السياسية..
7- من عوامل الاختلاف والتصادم بين بعض المذاهب.. تغلغل الخرافات والعصبيات العمياء.. وإلّا فإنّ ديانة السماء الصافية دائماً ما تعتبر عاملاً للوحدة..
8 - أنّ الهدف من بعثة الأنبياء أنّهم يبشرون الناس بالجنّة ويحذرونهم من النار ويوضحون لهم العقيدة السليمة ويرشدونهم إلى العمل الصالح.. ليهتدوا بذلك إلى الله تعالى.. ولا ريب أنّ هذا الهدف لا يتحقق دون أن يكون المتلقي للوحي معصوماً..
9 - قسم العلّامة الطباطبائي في (ميزانه) عصمة الأنبياء إلى ثلاثة أقسام:
ألف؛ العصمة عن الخطأ لدى تلقّي الوحي.
ب: العصمة عن الخطأ لدى تبليغ الرسالة.
ج: العصمة عن الخطأ لدى ما يمكن أن يكون هتكاً لحرمة العبودية..
وقال أيضاً: إنّ الآية مورد التفسير دليل على العصمة عن الخطأ لدى تلقي الوحي وتبليغ الرسالة..(1)
10 - أنّ لزوم العصمة عن الذنب يمكن أيضاً أن يستفاد من الآية الشريفة؛ ذلك لأن الخطأ إذا صدر لدى تبليغ الرسالة؛ كان عاملاً للاختلاف.. وإن كان ثَمّ تفاوت بين عمل وقول مبلّغي الوحي عبر المعصية؛ كان هو الآخر عامل اختلاف..
1) الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 134
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)
قال بعض المفسرين حينما غلب الخوف والرعب على المسلمين في معركة الأحزاب وحوصروا من قبل الكفّار؛ نزلت هذه الآية ودعتهم إلى الصبر والاستقامة ووعدت رسول الله صلّى الله عليه وآله والمؤمنين المخلصين بالنصر.. وكذلك قيل إنّها نزلت في معركة أحد وانهزام الكثير من المسلمين وقول عبد الله ابن أبي لهم: إلى متى تُسلمون أنفسكم إلى القتل، ولو كان محمد نبياً حقاً لنصره الله ولما أسلمكم إلى الأسر والقتل!!(1)
1 - الْبَأْسَاءُ من مادة البأس، وفي الأصل بمعنى الشدّة وأمثالها، وتستعمل أيضاً في كلّ ألم وعذاب وانزعاج، وتطلق على الأفراد الشجعان في ميدان الحرب والمقاومين المستميتين، فيقال: ذو بأس. أمّا الضَّرَّاءُ فهي النقطة المقابلة للسرّاء وما يوجب المسرة والمنفعة.. وعليه؛ فإنّ كلّ ضرر يلحق بالإنسان في الأمور الروحية والمالية والاعتبارية وأمثال ذلك يشمل بهذه الكلمة.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 546
2 - يفهم من هذه الآية أنّ جملة من المؤمنين يظنون أن العامل الأصلي لدخول الجنّة هو مجرّد إظهار الإيمان بالله دون تحمّل تبعات هذا الإيمان ودون أن يبذلوا جهداً.. ويقولون بأنه سبحانه سيفعل كلّ شيء ويقضي على الأعداء:أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ.
عبارة مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ؟كانت تقال عادةً من قبل الأنبياء والمؤمنين عند تعاظم المشاكل والأزمات.. ولا ريب في أنّهم لم يكونوا ينطقون بهذه العبارة شاً في رحمة الله، أو اعتراضاً على بعض وجوه البلاء والأزمات حين التبليغ وأداء المسؤوليات والتكاليف، بل كانت ترد على ألسنتهم كدعاء وطلب وانتظار.. ولذا؛ فقد بشّرهم الله تعالى بأن نصره قريب...
4 - يبعد جداً أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله هو القائل: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ بعد قول بعض المؤمنين: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ؟.
5- جملة :الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ تقول للمسلمين هنا أنكم لستم الوحيدين الذين تتعرّضون لأنواع المشاكل من جهة الأعداء لدى الأزمات الشديدة.. وإنّ هذه من السنن الإلهية الحاضرة في مقابل جميع المؤمنين وأتباع الديانة الإلهيّة.. ولعلهم في بعض الأحيان يصل بهم الألم إلى أعماقهم فيرفعون أصوات الاستغاثة وينتهون المؤمنين على مر العصور إلى أنهم ولكي يحققوا النصر وينالوا التوفيق إلى مواهب الجنان عليهم أن يرحبوا بالأزمات ويقابلوها بالتضحيات.. وما هذه المشاكل في حقيقتها سوى امتحان يتربّى المؤمنون في رحابه ليتبين ذوو الإيمان الصادقون من المتظاهرين به..
6- معلوم أنّ رمز التكامل والرقي لجميع الأفراد والأمم الموحدة والعابدة الله تعالى أن يتعرّضوا للحوادث القاسية لتصفو حقائقهم ويتجلّى معدنهم.. وهذه الامتحانات والمصاعب وسيلة لإظهار واكتشاف قابليّاتهم الداخليّة وليكونوا أقوى وأشدّ في إيمانهم بالله تعالى.. ويعرف الفرد الجدير من غيره، ولينفصل كل فريق عن غيره بداعي النتيجة النهائية
المتحصلة من الامتحان
7- روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: «انّ الجنّة محفوفة بالمكاره، والنار محفوفة بالشهوات»(1)وقول النبي صلى الله عليه وآله فيما روي عنه: ليت هذه المكاره أن تكون لنا مع مكاره أخرى...(2)وقد روى الخباب بن الأرت وكان من مجاهدي صدر الإسلام أنه شكا لرسول الله صلى الله عليه وآله أذى المشركين فقال له كان قبلكم من الأمم من تعرّض للبلاء والعذاب، ولكنّ ذلك لم يصرفهم عن دينهم. حتّى أنّ منهم من نُشر من رأسه بالمناشير.. ووالله لن يتم دين الله وينتصر حتّى يأتي فارس من بين صنعاء وحضرموت (صحاري الجزيرة العربية المهولة) ولا يخشى إلا الله.. ولكنّكم تتعجلون !!(3).
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
كان عمرو بن جموح رجلاً كبير السن غنيّاً قد قال للنبي الأكرم صلّى الله عليه وآله: مِمّ أتصدق ؟ فنزلت هذه الآية وأجابت على سؤاله..(1)
1 - تكرار كلمة خَيْرٍ في هذه الآية مرتين تعني أمرين : إحداهما: إنفاق الخيرمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ والثانية: عمل الخيرمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ العلّه ليتسنى القول بأنّ عمل الخير غير متوقف على الغنى والثروة، وأنّ الفقراء - حتى - بمقدورهم بلوغ الخير عبر عمل الخير ..
2 - الإعلان عن خمسة أنواع من الناس في هذه الآية، ويشمل الأب والأم والأقارب والأيتام والمساكين وأبناء السبيل باعتبارهم مصاديق واضحة للإنفاق والصدقة والمساعدة، وإلا فإنّ الإنفاق غير منحصر بهؤلاء، وعليه؛ فإنّ أهم ما يمكن إنفاقه له دائرة واسعة وكذلك هو حال من يُنفق عليهم قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
3 - جملة مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ تعبّر عن الإنفاق ليكون من كلّ شيء جيد ويشمل جميع
1) مجمع البیان، ج 2، ص 558
أشكال الصلاح، إذ تارةً يكون - الإنفاق - بالمال أو الخدمة.. ومن الموضوعات المادية أو المعنوية مثل العلم والتعليم.. مضافاً إلى أنّ كلمة خير قد وردت مطلقة وهي تشير إلى أنّ الثروة ليست سيئة بحد ذاتها، بل لعلها تكون من أفضل وسائل الخير بشرط الاستفادة منها في إطار الصلاح.)4 - إيضاح﴿ خَيْرٍ في المورد الثاني في هذه الآية وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ مع شموليته في الإنفاق، إلّا أنّها وردت لبيان الأولويات.. ولا ريب أنّ الوالدين ثمّ الأقربين المحتاجين لهم الأولوية هنا، ثمّ يليهم اليتامى ثم المساكين ثمّ أبناء السبيل الذين هم في الأصل غير فقراء ومحتاجين، إلّا أنهم وبسبب مشكلة ما استحقوا الخير بشكل مؤقت..
5 - يتصوّر البعض أنّ السائلين في هذه الآية سألوا عن أشياء يجب الإنفاق منها. ولكنّ الإجابة جاءتهم من المصارف والجهات مورد الإنفاق، وذلك من أجل أنّ التعرّف إلى الشيء الذي يُنفق منه كان أهم.. ولكن هذا خطأ، لأنّ القرآن قد أجاب عن السؤال مضافاً إلى أنه بين مورد الإنفاق. وهذا من فنون الفصاحة القرآنية.. حيث يردّ على السؤال ويشير في الوقت ذاته إلى مسألة أو مسائل مهمة أخرى هي في الواقع محط الحاجة للإشارة إليها...
6 - اعتماد كلمة خَيْرٍ في هذه الآية يمكن أن يكون قد أشار إلى قضية أن يكون الإنفاق بعيداً عن المنّة والأذى وما يمكن أن يذهب بكرامة المنفق عليه.. بحيث يحق أن يطلق على عملية الإنفاق هذه خيراً..
7- حيث ورد في منتهى الآية قوله تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ؛ فهو إشارة إلى عدم لزوم التظاهر بالإنفاق وإلفات نظر الآخرين.. وما أروع أن تخفى عملية الإنفاق، ذلك لأنّ المثيب على فعل الخير هذا عليم خبير به وبكل شيء، كما أنّ من بيده الجزاء يكون حساب الجميع عليه..
8 - أنّ الإنفاق على خمسة أشكال:
ألف: الإنفاق الواجب؛ مثل الزكاة والخمس والكفّارات والفدية ونفقة الرجل في معيشة من يعول.
ب :الإنفاق المستحبّ، مثل مساعدة المحتاجين واليتامى والهدية للأصدقاء.
ج: الإنفاق الحرام، مثل الإنفاق من المال المغصوب أو ماكان في طريق الخطايا.
د: الإنفاق المكروه، مثل الإنفاق على الآخرين مع وجود القريب المستحق؛ حيث يكون أقل ثواباً.
ه-: الإنفاق المباح مثل الإنفاق على الآخرين لتنمية معيشتهم، لأنّ الأنفاق لدفع الفقر إما واجب أو مستحبّ..
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
1 - في الآية السابقة كان الحديث عن الإيثار والتضحية والإنفاق من المال، وفي هذه الآية تحوّل الحديث إلى الإيثار والتضحية بالنفس..
2 - استعمال كلمة كُتِبَ في هذه الآية إشارة إلى حتمية وقاطعيّة أمر الله عزّ وجلّ.
3 - كلمة كُرْهٌ تقال للمشقة الخارجة عن تحمّل الإنسان. وهنا وردت بمعنى اسم المفعول ( المكروه) والحرب مكروهة غير مرغوب بها وإن كانت ضدّ عدوّ وفي سبيل الله تعالى من جهة الأفراد العاديين.
4 - كراهة الحرب بسبب الطبيعة المعنوية وطلب الرفاه، أو بعلة أنّ في الحرب تتلف الأموال وتزهق النفوس وتقع الجراح والمشاق.. ولا ريب أن الحرب العادلة بالنسبة لعشاق الشهادة في سبيل الحق وللذين يتمتعون بدرجة سامية من الوعي الديني كجرعة من شراب رحيق، كما يسعى إليها العطاشى.. ومن الطبيعي أن يكون حساب هؤلاء غير حساب عوام الناس؛ لا سيما في صدر الإسلام..
5 - ربّ العالمين يؤكّد بهذا القول القاطع إنّ أفراد البشر لا ينبغي لهم أن يحكموا آراءهم فيما يرتبط بمصائرهم، ذلك لأنّ علمهم محدود من كل زاوية، ولأنّ معلوماتهم بالنسبة لمجهولاتهم بمثابة
قطرة في بحر، كما أنهم جاهلون بالقوانين التكوينية وأسرار الخلقة الإلهية، ولعلهم يعدون شيئاً غير ذي بال؛ والحال أن تطوّر العلوم وتقدّمها يفصح عن أمور مهمة.. كما أنهم يجلهون مصالح القوانين التشريعيّة ومفاسد عدم العمل بها.. ولذا؛ تراهم يعدّون ما فيه السعادة سيئاً وما فيه الشقاء صالحاً وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ.
6- بالنظر إلى علم البشر المحدود في مقابل علم الله اللامتناهي لا يصح لهم - إزاء الأحكام الإلهية - أن يتجاوزوا حدودهم، كما عليهم أن يدركوا أنّ الله الرحمن الرحيم إن كان قد أوجب الجهاد والزكاة والحج والصيام وشرع العديد من الأمور؛ أنه سبحانه وتعالى قد جعل في تشريعاته مصلحتهم وخيرهم.
ومن الجدير بابن آدم أن يلتفت إلى أنّ هذا الإدراك من شأنه أن يربّيه وينمّي فيه روح الانضباط والتسليم للقوانين الإلهية ويوسع من أفق تفكيره ويصله بعلم وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
7- سؤال هنا يمكن لسؤال أن يقفز إلى الأذهان، وهو إذا كان الجهاد أو أصول الأحكام عموماً فطريّة، فكيف يمكن أن لا تناسب الإنسان ومصيره؟
لدى الإجابة ينبغي الالتفات إلى أنّ المسائل الفطرية حينما تتكشف لدى الإنسان إنّما ترافقها المعرفة.. فمثلاً: نجد الإنسان يحبّ الربح والمنفعة بفطرته .
ويستاء من الخسارة بفطرته أيضاً، ولكن تحقيق هذا الهدف الفطري يتعلّق بمدى معرفته معنى الربح والخسارة.. ولكنّه إن جهل ذلك؛ التبس عليه التمييز وتورّط في الخطأ وظن أن موضوع الربح خسارة أو الخسارة ربحاً.. ولا ريب أنه بفعل هذا الخطأ في التحديد يُضلّ الفطرة وينحرف بها، حتى لعله يصل مرحلة يستاء فيها من الأمر الصحيح والنافع، كما أنه قد يجد نفسه يعد الخير ضرراً وخسارة بداعي تخلخل الفطرة وخروجها عن قواعدها.. 8ّ- بخصوص جهاد الأعداء القساة الخطيرين.. فيمكن أن يعدّه الأفراد السطحيون
البسطاء ضرراً لمجرد التعرّض فيه إلى ضربة أو جرح بسيطين.. إلّا أنّ الأفراد الناضجين الواعين يعلمون أن الشرف والعظمة والحرّيّة إنّما تكون في الإيثار والتضحية والجهاد، فتراهم يرحبون بفريضة الجهاد إذا ما حلّ بساحتهم ووجب عليهم.. وكما أن الجهال يستاؤون من الدواء المر بداعي سطحيتهم في التفكير.. فإنّهم إذا ما تسنّى لهم أن يعلموا ويتأكدوا من أنّ سلامتهم ونجاة أبدانهم في هذا الدواء؛ تراهم يتقبلونه بكل رحابة صدر..
إنّ مفهوم الآية لا يتأتى في الاستياء من الحرب وجهاد العدوّ فحسب، بل هو بيان لقانون كلّيّ عام، وفهم الإنسان له يجعل جميع المصاعب والمرارة وعسر الطاعة لأوامره سبحانه وتعالى يسيراً جداً.. إذ بمقتضى قول القرآن الحكيم: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ يصل الإنسان إلى أنّ ربّه مطلع على كل الأمور، وأنه رحمن رحيم بعباده، وأنّ في كلّ أمرٍ من أوامره المصالح النافعة لنجاة عبده وسعادته.. وهكذا؛ يعد جميع قوانين السماء بمثابة دواء ناجع؛ فيتقبلها بكل ترحاب وتسليم..
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)
قبيل معركة بدر؛ أرسل النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله شخصاً من الصحابة يدعى عبد الله بن جحش برفقة ثمانية أشخاص لجمع المعلومات عن المشركين، فاصطدموا بقافلة لقريش وحدث بين الطرفين نزاع، وحينه قتل رئيس تلك القافلة وأسر اثنان وصودرت أموالهم ومتاعهم.. كانت هذه الحادثة في أول أيام شهر رجب؛ وهو من الأشهر - طبقاً لسنة إبراهيم عليه السلام - التي كانت معروفةً عند العرب بالأشهر التي يحرم فيها القتال.. والحال أنّ هذه الجماعة المسلمة كانت تظنّ ذلك اليوم هو آخر أيام شهر جمادى الآخرة وليس الأول من
شهر رجب.. وعلى أية حال؛ فإنّ ذلك النزاع والعراك اتخذه مشركو مكة تبريراً للقول بأن المسلمين لا يحترمون الأشهر الحرم.. وردّاً للإعلام القريشي الكافر نزلت هذه الآية وقالت في مؤداها إنّ القتال في الشهر الحرام وإن كان خطيئة كبرى ؛ ولكنّه لم يكن بأمر النبي صلى الله عليه وآله، وأنه قد وقع خطاً وشبهة..(1)في حين أن المشركين ينتهكون حرمتها عن سابق عمد وإصرار ويرتكبون فيها من القبائح ما هو أشد من انتهاك حرمة الأشهر الحرم، وعليه؛ فإنّ أقوال الكافرين ودعاياتهم المضلّلة لا تنبغي أن تكون مبرراً لمهاجمتهم المسلمين.. مع أن قريشاً قد ارتكبت ما ارتكبت من الفضائح والذنوب العظام من قبل ذلك..
1 - لقد أمضى الإسلام السنّة القديمة بقدم الأنبياء الماضين والتي كانت جارية بين العرب فيما يتعلّق بتحريم القتال في الأشهر الحرم (رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرّم).. أمضاها بكل صراحة وقاطعيّة، وعد القتال فيها ذنباً كبيراً.. ولكن لا بمعنى عدم وجود الاستثناء في هذا الحكم بحيث يتاح للمفسدين في الأرض أن يفعلوا ما يشاؤون تحت مظلة هذا القانون الإنساني ذي القاعدة الإلهية قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ.
2 - صحيح أن القتال في الشهر الحرام أمر خطير، إلّا أنّ الصد عن سبيل الله تعالى والكفر وهتك حرمة المسجد الحرام وطرد الناس الساكنين له منه.. أكبر خطراً عند الله تعالى وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ.
3 - المقصود من كلمة الفتنة في الآية الشريفة هو الشرك والتعذيب وافتعال المشاكل والفوضى.. ولهذا يقول تعالى اسمه:وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ فإيجاد الفتنة (والانحراف بالناس عن دين الله وسبيله )أكبر وأخطر من القتل، لأنّ القتل جناية تقطع وجود الإنسان في
1) التفسير الكبير، ج 6، ص 387
الحياة، فيما الانحراف به عن جادة الحق يؤدّي به إلى العذاب الأبدي في جهنّم.. بمعنى أنّ الفتنة تقطع إيمان الإنسان بما أراد الله.. فهي إذن؛ خروج عن إرادة الله وتحدّيه، وهنا تكمن فداحة خطر الفتنة وعواقبها..
4- حقت هذه الآية المسلمين وأمرتهم بالحذر دون الوقوع والتأثر بإعلام المشركين وشائعاتهم الضالة المضلة ، وعليه؛ لابد من الصمود ومقاومة المشركين وعدم الاهتمام بوساوسهم الشيطانية بخصوص القول في الشهر الحرام وغير ذلك.. لأنهم لا يكفون عن محاربة المسلمين عسى أن يعيدوهم عن دينهم ( ولا يقنعون بأقل من هذا) وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا.
5 - حَبِطَ لغةً بمعنى أنّ الدابة تأكل حتى تنتفخ بطنها فيؤدي بها إلى فساد طعامها.. وهذا الاصطلاح استعمل في كتب اللغة بمعنى الباطل أيضاً، ولهذا ذكر في الآية (16) من سورة هود رديفاً للباطل:أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. أما الإحباط في تعريف علماء العقائد؛ فهو إزالة الأجر والثواب وقيمة العمل بسبب الذنوب والإحباط يقابله التكفير بمعنى إزاحة العقاب وآثار الذنوب بسبب الأعمال الصالحة.
6 - ربّما يعمل المرء سنين طوال بكلّ مشقة فيدّخر لنفسه ما يدّخر ، ولكنّه قد يخسر كلّ شيء بفعل جهالة واحدة.. فتحبط حسناته السابقة.. أو أنّه قد يكون ارتكب ما ارتكب من الأخطاء وتعرّض لخسارة جسيمة، ولكنّه بعمل عاقل واحد يتمكن من جبر كلّ خسارته وتعويضها، وهذا ما يطلق عليه بالتكفير (والتكفير نوع جبر وتغطية) وفي المسائل المعنوية يصدق هذا الأصل ويجري..
7 - تحذر هذه الآية المسلمين من الارتداد عن دينهم.. وتشير إلى أن من يرتد عن دينه ويموت كافراً؛ فإنّ جميع أعماله الصالحه تتبخر وتحبط ويصير إلى النار لا محالة: وَمَنْ
يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وأيّ عقوبة أشدّ من هذه العقوبة المرعبة، حيث تفنى كلّ أعمال الإنسان الصالحة فلا تفيده في الدنيا ولا في الآخرة ويرتكس في العذاب الأبدي في الجحيم؟!
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)
المؤمنون الذين هاجروا وجاهدوا، ولكن حين وقوعهم في شبهة هلال شهر رجب وشهر جمادى الآخرة وخاضوا قتالاً.. ليس عليهم جناح، وإنّ شبهتهم هذه ستكون مورد عفو الله تعالى إذ لم يتعمدوا ارتكاب الخطأ.. (1)
1 - الأمل والرجاء بلا عمل مجرّد أمنية، كما نقرأ في آخر سورة الكهف المباركة: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(2)والمطلوب هو اقتران الرجاء بالعمل وأن يكون الأمل مقدمة للعمل..
2 - لو ارتكب المؤمن خطأً ما وهو في خضم الإيمان والهجرة والجهاد، أمكن أن يبقى مشمولاً بعناية الله ومغفرته..
3 - مقام الإيمان مقدّم على مقام العمل : آمَنُوا.. هَاجَرُوا... وَجَاهَدُوا.
4 - الأمل بلطف الله تعالى مشروط بالإيمان والهجرة والجهادآمَنُوا.. هَاجَرُوا...
وَجَاهَدُوا... أُولَئِكَ يَرْجُونَ. 5 - قواعد التفكير والأفكار والأعمال؛ إن كانت سليمة؛ فإنّ الأخطاء الصغيرة قابلة وجديرة بالعفو:آمَنُوا وهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا أُولَئِكَ يَرْجُونَ.
6 - لابد من رجاء لطف الله لا التفاخر بالعمل الصالح، ذلك لأنّ خطر سوء العاقبة وحبط العمل وعدم قبول الطاعة يبقى كامناً إلى آخر العمر يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ.
7 - لأنّ العبد يرجو رحمة الله تعالى، فإنّ الله يعلن أنه غفور رحيم: يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
8 - يناسب المهاجرين والمجاهدين في سبيل الله أن يكون محط عفو الله وغفرانه: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)
قيل في سبب نزول هذه الآية إن جماعة من الأصحاب جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسألوه ثلاثة أسئلة عن حكم شرب الخمر والقمار الذين يزيلان العقل ويذهبان بالمال(1)، وعن الإنفاق وفي أي شيء يجب أن يكون ؟ (ويسألونك ماذا ينفقون) ورد في (الدر المنثور) وهو كتاب تفسير للمخالفين في شأن نزول هذه الآية عن ابن عباس أن فريقاً من الأصحاب سألوا النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله عن مقدار ما ينفقون من أموالهم.. وما إذا كان عليهم أن ينفقوا؛ كل أموالهم للمحتاجين أو مقداراً معيناً منها.. فنزلت الآية أعلاه لجواب سؤالهم وأمرتهم أن يراعوا العفو والاعتدال...(2)
1 - الْخَمْرِ في اللغة هو التغطية لشيء، ولذا يقال لما يغطي الشيء خماراً مع أنّ الخمار يستعمل عادةً في اللغة العربيّة للمرأة التي تغطي وجهها أو رأسها به.. ومن هنا؛ كان
شراب الخمر يغطي عقل الإنسان ، لأنه يتسبب بالسكر، والسكر يزيح العقل عن موضعه ولا يسمح للإنسان أن يفكّر جيّداً.
2 - الْخَمْرِ في شرع الإسلام لا يعني شراب العنب فحسب، بل هو كل سائل مسکر، سواء كان متخذاً من العنب أو الزبيب أو التمر أو أي شيء آخر مع أنّ اللغة أسمت كل واحد من أنواع الشراب الكحولي اسماً خاصاً..
3 - الْخَمْرِ من مادة اليسر بمعنى السهل، وحيث كان القمار في نظر بعض الناس وسيلة سهلة للحصول على المال والثروة. قيل له ميسراً..
4- إِثْمٌ وهو الذنب، وفي اللغة بمعنى العسر والتراجع، ومن هنا كانت الذنوب تؤدّي بالإنسان إلى التراجع عن الخير، واستعملت هذه المفردة لهذا المعنى ومهما يكن، فالإثم حسب التعريف الإسلامي يقال لكلّ عمل وكلّ شيء يؤدّي بروح وعقل الإنسان إلى حالة تعيقه عن الصالحات والكمالات، وعليه؛ فالإثم الكبير في الشراب والقمار دليل على التأثير السلبي والإعاقة عن التقوى والكمال المعنوي والإنساني...
5- هذه الآية بدأت بثلاثة أسئلة، والآية التالية ستطرح سؤالاً آخر.. السؤالان هما عن الخمر والقمار، وقد أجابت الآية بالقول:قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا والمنافع هي من حيث الظاهر والناحية المادّيّة للناس ولكن الإثم الذي فيهما أكبر مما وصف من نفع...
6 - بالنظر إلى أنّ المجتمع العربي في عصر الجاهلية (قبل الإسلام) كان ملوّثاً بالشراب والقمار إلى حدود بعيدة، فقد ورد تحريمها بشكل تدريجي وضمن عدّة مراحل.. وما هذه المداراة في طبيعة هذه الآية إلا لأجل هذا المعنى.
7- جرى القياس في هذه الآية بين المنافع والأضرار، كما جرى التصريح بأن الضرر منهما أكبر من نفعهما.. ولا ريب في أنّ المنافع المادّيّة الحاصلة أحياناً من بيع الشراب أو
عمل القمار، وكذلك المنافع الخيالية التي تتأتى من السكر والغفلة عن الهموم والغموم والأحزان لا تمثل شيئاً يذكر بالقياس إلى المضار العظيمة على صعيد الصحة والمجتمع والأخلاق. وعليه؛ لا عاقل يستسلم للمضارّ العظيمة لمجرّد منفعة قليلة محرمة أساساً..
8- الْعَفْوَ لغةً هو الحدّ الوسط فضلاً عن الصفح والتجاوز، أو هو المقدار الإضافي وأفضل أجزاء المال.. ويعني أيضاً اقتطاع شيء أو ما كان اقتطاعه سهلاً يسيراً.. ومن هنا؛ كان للعفو معان كثيرة.. ويبدو أنّ المعنيين الأولين يتناسبان ومفهوم الآية. كما يبدو أن المقصود من العفو في هذه الآية واحد من المعاني أدناه، أي: لابد من مراعاة الحدّ الوسط في الإنفاق، أو الإنفاق من المقدار الإضافي والزائد عن الحاجة، أو عدم الالتفات لدى الإنفاق إلى الأقسام أو الأشياء غير ذات القيمة، وضرورة الإنفاق ممّا يحبّه الإنسان ويرغب فيه.. وقد ورد في المأثور عن المعصومين عليهم السلام تفسير هذه الآية بالمعنى المذكور.. كما هو المنقول في (تفسير عليّ بن إبراهيم حيث ورد :«لا إقتار ولا إسراف»(1)وجاء في (مجمع البيان) «قل العفو» فيه أقوال إلى قوله . وثالثها أنّ العفو مازاد عن طعام السنة..(2)
9 - بالنظر إلى الظروف الاجتماعيّة التي كانت سائدة عند عرب الجاهلية ومحلّ نزول القرآن؛ وخاصة في مكّة المكرمة والمدينة المنوّرة ومن زاوية العداوات والأحقاد والرغبة في الثأر والانتقام يحتمل أن يكون العفو ما ورد في المعنى الأول؛ أي المغفرة والصفح تجاه أخطاء الآخرين وطبقاً لهذا المعنى يكون تفسير هذه الآية؛ قل إنّ أفضل الإنفاق: إنفاق العفو والصفح، وليس هذا بعيداً عن الذهن، لاسيّما أنّ شخص النبي صلى الله عليه وآله كان القدوة الحسنة والنموذج الأكمل لهذا المعنى.. وكما أعلن العفو العام عن مشركي مكة الذين
كانوا أعدى أعدائه وأقساهم قلباً تجاه الإسلام والمسلمين.. ولا مانع دون أن تسأل تلك الجماعة عن طبيعة إنفاق أموالهم.. ولكن حاجتهم الشديدة لإنفاق العفو، قد جعلها القرآن الأكثر لزوماً.. وهذا أحد أوجه الفصاحة والبلاغة حيث التفت إلى ما هو أكثر أهمية من أصل السؤال..
10 - لا تضادّ بين هذه التفاسير فيما يرتبط بمعنى العفو، ويمكن أن تكون كلّها مجموعة في مفهوم هذه الآية.
11 - استعمال الفعل المضارع ( يسألونك ) يشير إلى استمرار الحال وإلى المستقبل ويشير إلى استمرار السؤال عن حكم الشراب والقمار وغيرهما من مختلف الأشخاص..
12 - لفهم أفضل لهذا القسم من الآية: (وإثمهما أكبر من نفعهما وردت الإشارة إلى أضرار الشراب المسكر.. ليتضح المعنى بشكل أفضل وإنّه كان ثمّ نفع من التجارة بالخمور للناس أو نفع من التخلّص - كما يُزعم - من الهموم حين السكر، فإنّ الضرر أكبر من النفع بكثير إلى الدرجة التي لا يمكن المقارنة بينهما..
أكد أحد علماء الغرب المشهورين أنّ الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (21) سنة متى ما أدمنوا معاقرة الخمر، فإنّه إذا مات منهم (51) شخصاً، مات في مقابل (10) أفراد غير مدمنين.. أي ما يوازي خمسة أضعاف.
وأثبت هذا العالم أيضاً أنّ الشباب المدمنين الذين يبلغون من العمر (20) سنة ممن يتوقع لهم أن يعيشوا (50) سنة ، لا يتجاوزون (35) سنة من العمر ويموتون.
وتبعا للتجارب التي أجرتها مؤسسات الضمان الاجتماعي؛ فإنّ أعمار مدمني الخمر تقل عن أعمار غيرهم بنسبة (25 - 30) عاماً.
والإحصاءات تشير إلى أنّ الحدّ المتوسط لأعمار معاقري الخمر هو (35 - 50) سنة، في
حين أنّ متوسط أعمار الذين يراعون التوصيات الصحيّة يفوق (60) سنة.(1).
تبين الدراسات بأن الانسان الذي تنعقد نطفته ووالده في حالة سكر، ينتقل إليه ما يعادل (35٪) من عوارض الإدمان الحاد.. وإن كان الوالدان قد سكرا معاً؛ فإنّ نسبة عوارض هذه الحالة الحادّة ترتفع بشكل ملحوظ..
ولكي نلفت الانتباه بشكل أدق إلى آثار الخمر على الأولاد، نورد هنا بعض الإحصاءات: الأطفال الذين يولدون من والدين مدمنين هم أقل عمراً من غيرهم بنسبة (45%) ومن أمهات مدمنات بنسبة (35٪) ومن آباء مدمنين بنسبة (٪17).
الأطفال الذين لا يتوقع لهم العيش - حين الولادة - هم من لهم آباء مدمنون بنسبة (6٪) وأمهات مدمنات بنسبة (45٪) والأطفال القصار القامة المولودون من آباء وأمهات مدمنين هم (75٪) ومن أمهات مدمنات بنسبة (45)٪ والأطفال الفاقدون للقدرة العقلية والمعنوية المولودون من آباء وأمهات مدمنين هم (75٪)(2)
يضعف معدّل العاطفة العائلية في الرجال المدمنين تجاه نسائهم وأولادهم، بحيث لوحظ باستمرار مقتل الأولاد على يد آبائهم المدمنين.(3).
طبقاً لإحصاءات معاهد الطب العدلي في مدينة نيوز التي أجريت سنة 1961، فإنّ
الجرائم الاجتماعية بداعي الإدمان على الخمر؛ هي كالتالي: مرتكبو جرائم القتل (50٪) مرتكبو جرائم الاعتداء بالضرب بداعي الإدمان هم (8,77٪) ومرتكبو جرائم السرقة الخاصة بالإدمان هم (5,88٪) ومرتكبو الجرائم الجنسيّة بسبب الإدمان هم (8/88٪).
وهذه الأرقام والإحصاءات تشير إلى أنّ الأكثرية القاطعة للجنايات الخطيرة ترتكب في حال السكر.. (1)
المؤسف أن الحكومات تهتم بحساب المنافع والعائدات المالية للمسكرات، دون الالتفات إلى التخصيصات الضخمة في إطار ترميم المفاسد الحادثة جراء تناول الخمر.. ولو أن الدول أحصت ارتفاع معدلات الأمراض النفسية والروحية في المجتمع، والخسائر من وراء الانحطاط وضياع الأوقات الثمينة وحوادث اصطدام السيارات بسبب السكر، وفساد الأجيال البريئة وظاهرة الكسل والخمول والانفلات الأخلاقي والسلوكي.. وتراجع الثقافة، ومشاكل الشرطة ودور الحضانة المؤسسة لرعاية الأطفال المولودين لآباء وأمهات مدمنين، والمستشفيات والمحاكم الخاصة بجرائم ومشاكل هؤلاء والسجون التي تستوعبهم.. وباقي الخسائر الجسيمة الحادثة جرّاء الإدمان.. لو أنها قارنت بين الأموال التي تستنزف جراء ما ذكر وبين مبالغ الضرائب التي تجبى من تجارة المشروبات الكحولية؛ لتأكد لها أنّ هذه الأخيرة لا تعادل شيئاً ومقداراً يذكر مما للأولى.. هذا فضلاً عن النتائج المريرة لشرب وإدمان الكحول.. ذلك لعدم وجود وجه للمقايسة؛ حيث يتهدّم البناء الأسري..(2)
13 - إذا أردنا تعريف القمار تعريفاً جامعاً، لزم أن نقول بأنه التضحية بالمال وتدنيس
وتجاهل الشرف الإنساني للحصول على مال الآخرين بالخداع والحيلة، وأحياناً تحت مسمّى الترفيه وعدم تحقيق شيء... وقلّ أن نجد شخصاً جاهلاً بأضرار القمار وآثاره المشؤومة المتعدّدة.. ولتوضيح المطلب نشير إلى بعض من النتائج المريرة للقمار بشكل مختصر :
إِنّ جميع علماء النفس يؤمنون بأنّ القمار هو أكبر عوامل الإثارة والهياج، وإنّ الهيجان النفسي هو العامل الأصلي للعديد من الأمراض، وأنّ المنشغل في لعب القمار لا يصاب بتشنّج روحي فحسب؛ بل إنّ جميع أجهزته البدنية تعاني حالة استثنائية غير طبيعيّة؛ بما في ذلك ارتفاع عدد دقات القلب وتساقط المواد السكرية في الدم، وحصول الاختلال في ترشح الغدد الداخليّة، واصفرار بشرة الوجه، وتضاؤل الشهيّة إلى الطعام.. والتعرّض لعدة أمراض بسبب نقص الفيتامينات، وقرحة المعدة، والجنون، وتشنّج الأعصاب الحادّ والخفيف وأمثال ذلك..
ولعلّه يحدث في كثير من الحالات الناشئة عن الإثارة والهيجان، وبعد الانتهاء من ممارسة القمار وبعد حالة من حرب الأعصاب وحالة من الأزمة.. قد ينام المقامر، وغالباً ما يستعين هذا الأخير لتسكين أعصابه وبدنه بشرب الخمر أو يتناول المخدرات.. وفي تلكم الحالة تتضاعف الأضرار بما لا يحصى كثرةً ..
ونقرأ على لسان علماء آخرين أنّ المقامر إنسان مريض محتاج إلى مراقبة وعناية نفسية دائمة، ويجب السعي إلى أن يُفهم بأنه يعاني فراغاً روحيّا ونفسيا يدفعه إلى ممارسة هذا الاضطراب الحقيقي (القمار ) ولذا عليه أن لا يغفل عن معالجة نفسه. (1)
1) نفس المصدر، ص 126 و 127
أثبتت إحدى أكبر مؤسسات الإحصاء العالمية وجود علاقة بين القمار وارتكاب الجريمة بنسبة (30٪) بشكل مباشر، وأنّ للقمار علاقة غير مباشرة بجرائم أخرى بنسبة (70٪).(1)
تتبخّر مليارات الدولارات من ثروة العالم في هذا الإطار، فضلاً عن عدد الساعات الهائل التي تدمر خلالها طاقات بني البشر، بل إنّ القمار ليسلب الإنسان نشاطه الذي ينبغي أن يبذله في ساعات العمل الأخرى، وقد ورد في تقارير علميّة أنّ في مدينة مونت كارلو الفرنسية -وهي تمثل أحد أهم مراكز القمار في العالم - خسر أحدهم خلال فترة (19) ساعة في لعبة القمار ما يعادل أربعة ملايين تومان [وحدة النقد الإيرانية من ثروته.. وحينما قام من مقعده توجّه إلى إحدى الغابات هناك وأطلق على دماغه رصاصة تلاشي لها وأنهى حياته بهذه الصورة المريرة، وأضاف كاتب التقرير أنّ غابات مونت كارلو تشهد حالات الانتحار بسبب القمار بكثرة..(2)
كثير من المقامرين ولأنهم يربحون في بعض المرات ويحوزون في ساعة زمنية مبلغاً كبيراً ويضعون في جيوبهم أموال الآخرين.. فإنّهم لا يكونون على استعداد لأن يسخروها في مشاريع اقتصاديّة وصناعيّة، وبالنتيجة تصاب عجلة الاقتصاد والصناعة - بذات النسبة - بالخمول والتوقف.. ولو أننا أمعنا النظر جيّداً، وجدنا أنّ جميع المقامرين وعوائلهم عالة على
المجتمع.. إذ أيّ جهد وفائدة يمكن أن يقدموها لمجتمعهم، تراهم يستغلون هذا أبشع استغلال.. وحيث تعرّضوا لخسارة في لعبة القمار، عمدوا إلى الجريمة أو السرقة..
وجذوة القول هي أنّ الأضرار الناشئة عن ممارسة القمار حدت ببعض البلاد المسلمة وكثير من البلدان غير المسلمة إلى حظر القمار؛ وإن كان يمارس فيها بشكل واسع.
14 - طبقاً للإحصاءات التي أعدها بعض المحققين فإنّ القمار يتسبب بجرائم عديدة، منها (90٪) من السرقة ، و (10٪) من الرذائل والفساد الأخلاقي، و (40%) من العراك، و (15%) من الاعتداءات الجنسيّة ، و (30٪) من الطلاق ، و (5٪) من الانتحار .(1)
15 - سؤال: لماذا أشار القرآن المجيد إلى منافع الخمر والقمار لدى المنع والإدانة لهما في هذه الآية، والحال أننا نعلم بأنّ منافعهما لا تمثل رقماً يذكر إذا ما قورنت بأرقام مضارهما؟. يمكن أن يكون سبب الإشارة إلى منافع الخمر والقمار في هذه الآية هو:
أولاً: في عصر الجاهلية وبداية ظهور الإسلام كان للتعامل والربح المالي للخمر والقمار نفع اقتصادي كبير، ولو لم تتمّ الإشارة إلى ذلك، لتصوّر بعض الجهلة أنّ المسألة قد عرضت بشكل أحادي ناقص..
ثانياً: طالما يدور فكر الإنسان حول الربح والخسارة، وللتخلّص من براثن المفاسد الأخلاقية الخطيرة لزم أن يستفاد من هذا المنطق.
ثالثا: أنّ الإشارة إلى هذه المنافع في هذه الآية تُعدّ جواباً على مقولات بعض الأطباء الذين يعتبرون تناول المشروبات الكحولية ضروريّاً أو مفيداً لمعالجة بعض الحالات المرضيّة.. وأن هكذا منافع اجتماعية لا تقاس بالأضرار الناشئة عنها، بمعنى: إن كان الخمر مؤثراً تأثيراً إيجابياً في بعض الأمراض، فإنّه معلوم بكونه مصدراً ومحوراً لأخطر الحالات
1) نفس المصدر، ص128.
المرضيّة، ولعلّ ما ورد في بعض الروايات من أنّ الله تعالى لم يجعل علاجاً في الخمر.. (1)إشارة إلى هذه الحقيقة..
16 - مع أن مسألة الإنفاق من أهم المسائل التي اعتمدها الإسلام والقرآن، إلا أنه لم يجز أن يكون الإنفاق في دائرة التبذير وبلا حساب ونظام، بحيث يتعرّض المنفق إلى فوضى في معيشته.
17 - هذا الجزء من الآية: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَوهو الزائد عن المؤونة، يمكن أن يكون تنويهاً إلى الحقيقة القائلة بأن بعض الأشخاص؛ ولكي يتنصلوا عن تنفيذ الأمر الديني بالانفاق، تراهم في الغالب يطرحون مسألة حاجتهم وعوزهم، إلّا أنّ القرآن المجيد يقول بأنّ الكثير من الناس له إضافة وزيادة في ماله عن حاجته، وأنّ الواجب عليهم الإنفاق من هذه الإضافة والزيادة على الأقل..
18 - قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِيمثل درساً مهماً للمسلمين، وهو أنّ عليهم أن لا يقوموا بعمل على صعيد حياتهم المادية وحياتهم المعنوية والأخروية من دون تفكير ومعرفة.. وبهذا الصدد؛ ينبغي أن يقال: إنّ نزول العلامات والآيات والمعجزات من جانب الله تعالى على عباده، فلأجل إثارة الفكر والعقل، ليكون ذلك سبباً للتقرب إلى الله تعالى.. وكم هم بائسون أولئك الأشخاص الذين لا يعملون تفكيرهم في ممارساتهم الدينيية دون أفعالهم الدنيوية..
1) الكافي، ج 6، ص 414
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
ورد في (تفسير القمي) عن مولانا وإمامنا الصادق عليه السلام وفي (مجمع البيان) عن ابن عباس أنه حينما نزلت الآية: «وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ والآية: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًاحيث ورد فيهما تحريم الاقتراب من مال اليتامى إلا ما كان فيه نفع لهم وتحريم أكله ظلماً وقهراً كف من كان عنده في بيته يتيم عن كفالته وأبعدوا أنفسهم عنه ؛ بل إنّ بعضهم أخرج اليتيم من داره... والذين لم يخرجوه؛ عاملوه بما لا يقل عن إخراجه، إذ عزلوا طعامه عن طعامهم الذي كان يهيّأ من مالهم الخاص، كما كانوا يعدونه له.. ليتناوله فيما بعد، ولو أنّه فسد ولم يعد صالحاً للأكل؛ رموه.. وكلّ ذلك كان من أجل أن لا يتورّطوا في تحمّل المسؤولية عن مال اليتيم.. وقد أدى هذا السلوك إلى حرج بالنسبة لليتيم وكذلك لكافله.. حتى انتهى الأمر ببعضهم إلى المجيء لرسول الله صلى الله عليه وآله ليسألوه عن شرعيّة هذا السلوك الجديد تجاه اليتيم؛ فنزلت هذه الآية..(1)
1) تفسير القمي، ج 1، ص 72 ومجمع البيان، ج 2، ص 588
1 - لأنّ الآية تتمة للبحث والأسئلة التي قدّمت من قبل كانت عبارة (في الدنيا والآخرة) في مطلع هذه الآية ربطاً بالآية السابقة التي انتهت بالقول: لَعَلَّكُمْ یَتَفَكَّرُونَ.
2 - ممّا لا شك فيه ضرورة أن تكون جميع أعمال الإنسان وأقواله في حياته المادية والمعنوية مقرونين بالتفكير والتحليل، ولكنّ العلاقة بين هذين الأمرين بحاجة إلى التنويه إلى مسألتين:
الأولى: رغم أنّ الإنسان مكلف بالتسليم لربّه ورسوله و [إمامه] إلّا أنّ هذا التسليم والطاعة لا يصح أن يكونا بلا ،معرفة، بل الطاعة يجب أن تكون قرينة بالوعي، وأن من الرائع أن يكون المرء مدركاً لأسرار الأحكام الشرعيّة وغيرها؛ ليس على صعيد تحريم الخمر والقمار، بل يكون ذلك في جميع الأبعاد؛ ولو إدراكاً على سبيل الإجمال، فيؤديها ويلتزم بها مع الوعي والإدراك الصحيح والمطلوب.. وهذا لا يعني - طبعاً أنّ طاعة الله تعالى مشروط بإدراك فلسفتها حتماً، بل المقصود هنا أنّ بموازاة هذه الطاعة هناك وجوب السعي لإدراك أسرار وروح أحكام الله ما تسنى..
الثانية: يجب أن يكون التفكير في شتّى الآفاق.. لحاجات الجسم والروح وللدنيا والآخرة، للعلاقة الوثيقة بين الدنيا والآخرة.. وتلاشي إحداهما يعني تلاشي الأخرى.
3 - التفكير بواحدة منهما فقط لا يرسم صورة صحيحة وكاملة لواقع هذا الوجود بما يضعه تحت تصرف الإنسان.. لأنّ كل واحدة منهما مجرّد قسم واحد من هذا العالم.. فالدنيا هي القسم الأصغر، والآخرة هي القسم الأكبر.. والذين يتفكرون في قسم واحد يعوزهم التفكير الصحيح بعالم الوجود..
4 - ينبه القرآن المجيد المسلمين عبر الإجابة على السؤال الرابع الوارد بخصوص الأيتام إلى أنّ التهرب من المسؤولية وإدارة شؤونهم وتركهم لحالهم ليس عملاً صحيحاً.. وأنّ الأفضل
والأسمى هو الاستمرار في رعاية شؤونهم وإصلاح أمورهم.. ولو أن أموالهم كانت خليطة بأموال كافليهم؛ فلا عيب في ذلك في حال أن نوايا الكافلين كانت للإصلاح وكانوا يعاملونهم كإخوة؛ وهكذا يجب أن يعاملوا.. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ.
5 - وردت احتمالات ثلاثة فيما يتعلّق بطبيعة العلاقة بين المواضيع الأربعة الخمر والقمار والإنفاق من المال وأمور اليتامى :
الاحتمال الأوّل: عرض الأسئلة الأربعة والإجابة عليها في هذه الآية والآية السالفة بخصوص الخمر والقمار والإنفاق واليتامى لعله كان لمدى تورّط الناس في هذه القضايا.. ولذا كانوا يسألون عن هذه الموضوعات دوماً..
الاحتمال الثاني: أنّ كلّاً من هذه المسائل الأربع كانت مرتبطة بشكل ما بالمسائل الماليّة، إذ الخمر والقمار سبب لتبذير وتضييع المال فيما الإنفاق يعد سبباً لنيل البرّ ونموّ المال، أما إدارة شؤون الأيتام ، ورعايتهم؛ فيمكن أن تكون مفيدة كما يمكن أن تنتهي إلى الضرر والعذاب..
الاحتمال الثالث: أن للإنفاق بعداً عاماً وبعداً أُخرويّاً وإسلاميّاً، وأن لشرب الخمر وممارسة القمار بعداً خصوصيّاً وإفساديّاً، وأن كلا منها يؤدّي إلى ضياع المال وفساد المجتمع وكونهما سبباً لأنواع الأمراض البدنية والروحية، وأنّ إصلاح أمر اليتامى يمتاز بكلا البعدين العام والخاص.. ولهذا؛ كان مصداقاً للتفكير والاهتمام بأمر الدنيا والآخرة.
6 - التنصل عن رعاية الأيتام ليس في مصلحتهم، بل إنّ النية الصالحة والتعامل معهم ومعاشرتهم كإخوان هو الذي يصب في مصلحتهمقُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ.
7- كلّ ما فيه الإصلاح لأوضاع اليتامى قيمة إنسانية فذة وقيمة أُخروية تنتهي بالفلاح.. وورود كلمة الإصلاح في الآية بهيئة الإطلاق أريد به عموميته وشموليته لأنواعه المالية والعلميّة
والعملية والتربوية والدينية.. إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ.
8 - لا يجوز النظر للأيتام باعتبارهم عبيداً أو أولاداً صغاراً، وإنّما ينظر إليهم بعين الأخوّة فَإِخْوَانُكُمْ.
9 - الله تعالى مطلع خبير بنواياكم، ولهذا يحرم عليكم أكل مال اليتيم تحت مسة الإصلاح، كما لا يصح تركهم خوفاً من الفساد، والله يعلم المصلح من المفسد وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.
10 - وعي المرء وإيمانه بأنه سبحانه وتعالى يعلم نوايانا وأفكارنا يعتبر عاملاً مؤثراً في ابتعاد الإنسان عن الفساد والخطأوَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.
11 - التكليف الشرعي ليس فوق طاقة الإنسان أبداً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ.
12 - اعتبار التعاليم الإلهية والنظر إليها على أنها أمور يسيرة الإنجاز أمر حكيم.. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)
كلّف رسول الله صلى الله عليه وآله رجلاً يدعى مرثد وكان شجاعاً مقداماً بمهمة للذهاب من المدينة إلى مكّة ليأتي بالمسلمين ممن كانوا يعيشون فيها..فدخل الرجل مكة امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وآله، فصادف أن رأى امرأة تدعى عناق وكانت ذات جمال وكان يعرفها في أيّام الجاهليّة، فدعته إلى نفسها، فرفض مرثد الذي صار مسلماً إغواءها له، فطلبت إليه الزواج بها، فقال لها مرثد: الأمر موكول إلى إذن رسول الله صلى الله عليه وآله.. وبعد أن أدى مهمته رجع إلى المدينة وعرض الأمر على النبي صلّى الله عليه وآله، فنزلت الآية أعلاه وأكّدت أنّ المرأة المشركة لا تصلح أن تكون زوجة للرجل المؤمن..(1)
1 - مفردة النكاح في اللغة بمعنى المباشرة الجنسية وبمعنى عقد الزواج أيضاً، وقصد به
1) مجمع البیان، ج 2، ص 560
هنا عقد الزواج.
2 - مفردة الشرك في القرآن غالباً ما تطلق على عابد الصنم، ولكن بعض المفسرين ذهبوا إلى أنّ المشرك هو مطلق الكافر، مثل عابد الصنم واليهودي والنصراني والمجوسي (عموم أهل الكتاب)... ذلك لأنّ كلّ واحدة من هذه الطوائف يجعلون الله تعالى شريكاً.. فالنصارى يقولون بعقيدة التثليث، أي: الآلهة الثلاثة الله والمسيح وروح القدس.. والمجوس يقولون بإزدواجية الإله (اهورامزدا وأهريمن) وهي عقيدة الثنوية.. فيما اليهود يذهبون إلى أنّ العزير هو ابن الله.. ومع أنّ هذه العقائد عقائد شركيّة، إلّا أنّ القرآن وفي الكثير من الموارد قد جعل المشركين في مقابل أهل الكتاب، وحيث أنّ اليهود والنصارى والمجوس في أصلهم يعتمدون بعداً نبويّاً صحيحاً وكتاباً سماويّاً، فيعلم أنّ قصد القرآن من المشرك هو عابد
الصنم، وشاهد ذلك الحديث النبوي الشريف الأمر بإخراج المشركين من الجزيرة العربية بعد رحيله (1)إذ المعلوم أنّ أهل الكتاب لم يخرجوا من الجزيرة العربية، بل إنهم عاشوا فيها كأقليات دينية طبقاً لأمر القرآن المجيد مع إعطائهم الجزية تحت ظل حماية الإسلام لهم.
3 - رغم أنّ الزواج بالجواري (لاسيما الجواري اللاتي لا حظ لهنّ في الجمال أو المال) غیر مرغوب به عرفاً، خاصة أنّ المشركات الحرائر كان منهن ذوات الجمال والثروة دون الإيمان والهدى.. الذي هو أعلى وأسمى قيمة.. فتقدّمت قيمة ومكانة الجارية المسلمة على مكانة وقيمة المشركة.. وصارت الجارية المؤمنة أفضل من المرأة الحرّة المشركة.. حتّى وإن كانت المشركة تعجب المسلم..وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ.
4 - كما ورد النهي عن زواج الرجل المؤمن من المرأة المشركة؛ حتى في حال الإعجاب.. كذلك منع عن زواج الرجل المشرك من المرأة المؤمنة من باب أولى؛ ويرجّح عليهم هنا
1) بحار الأنوار، ج30، ص 530
الغلمان المؤمنون ويفضّلون على الرجال الأجمل والأغنى وذوي الشخصية والجاه الظاهري وهم كافرون، بل إنّ المسألة هنا أشكل وأصعب، تبعاً لمدى تأثير الرجل على المرأة في الحالات الطبيعيّة :وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ.
5 - الهدف من الزواج ليس مجرّد المقاربة الجنسيّة، بل المرأة يجب أن تعتبر شريكة عمر ومربية للأولاد وتشكّل نصف الشخصيّة الإنسانية. وفي هذه الحالة كيف يكون الشرك وعواقبه المشؤومة بديلاً للجمال الظاهري ومقدار من المال والثروة..
6 - أنّ الزواج قاعدة أصليّة لتكثير النسل وتربية ورعاية الأولاد وتنمية المجتمع.. والمحيط التربوي للعائلة مؤثر جداً في مصير الأجيال.. فمن جهة هناك تأثير الوراثة الحتمي وهناك من جهة أخرى تأثير التربية في مرحلة الطفولة، إذ في الغالب أن يتم ذلك في أحضان الوالدين وتحت رعايتهما..
7- أنّ الشرك هو مادّة أشكال الانحراف وهو في الواقع وقود النار في الدنيا والآخرة والمشركون البعيدون عن الإسلام؛ إن لم يتعرّفوا على هذا الدين القومي في محيط العوائل المسلمة، فإنّهم يتسببون بالفوضى للمجتمع المسلم؛ باعتبارهم سيكونون أعداء داخليين، ولذا؛ لم يجز القرآن للمسلمين أن يرموا بأولادهم إلى هذه النار..
8 - الآية مورد البحث والتفسير وال-(21) آية اللاتي سيتبعنها تتعلّق كلّها بأحكام بناء الأسرة على مختلف الأصعدة، وفي هذه الآيات ثَمّ (12) حكماً في هذا المجال: 1- حكم الزواج بالمشركين. 2- حرمة المقاربة حال الحيض.
3- حكم القسم باعتباره مقدّمة لمسألة الإيلاء (وهو حيث يقسم الرجل بالله على أن لا يباشر زوجته)4 - حكم الإيلاء وما يتبعه من طلاق. 5- عدّة المطلقة. 6- عدد الطلقات. 7- التعامل بالمعروف أو انفصال بالاحسان. 8- حكم الرضاعة. 9- عدة
المتوفّى زوجها. 10- خطبة المرأة قبل انتهاء عدتها. 11- مهر المرأة المطلقة قبل الدخول. 12 - حكم المتعة (إهداء) المرأة بعد وفاة زوجها أو طلاقها... وهذه الأحكام ومع الملاحظات الأخلاقية وعباراتها، تشير إلى أن مسألة تأسيس العائلة نوع عبادة الله تعالى، وينبغي أن تكون مقرونة للتفكير السليم.
9 - أنّ لهذه الآية نظرة سلبية تجاه الزواج من المشركين ( عبّاد الأصنام) وليس الكافرين من أهل الكتاب، بدليل الآية الخامسة من سورة المائدة: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وفيما يتعلّق بالزواج من الكتابيات ثَمّ قرائن قرآنية وروائية تشير إلى أن المقصود هو جواز الزواج المؤقت فحسب..
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
حيض المرأة ثلاثة إلى عشرة أيام من كل شهر، ودم الحيض له أوصافه الخاصة تناولتها الكتب الفقهيّة.. وقد اختلفت أحكام اليهود والنصارى في حيض المرأة ومسألة جواز أو حرمة مباشرتها.. فذهب جماعة من اليهود إلى تحريم المباشرة بشكل مطلق، حتّى أنّهم شملوا بحكمهم هذا حرمة الجلوس مع الحائض إلى مائدة الطعام ومجالستها في غرفة واحدة، فقالوا بعدم جواز الجلوس إلى المرأة في مكانها، وإن جلس الرجل في موضع المرأة الحائض لزم غسل ملابسه. وكذلك الحكم بالنسبة إلى النوم معها، حيث يجب عليه غسل ثيابه وبدنه، وجذوة القول: هو أنّ المرأة - عند اليهود - لدى الحيض تكون موجوداً نجساً ويجب اجتنابها مطلقاً..
وفي المقابل؛ هناك جماعة من النصارى تقول بعدم الفرق بين أن تكون المرأة حائضاً أو لا تكون ولا يمانعون من المباشرة الجنسية في كل الأحوال !
أما المشركون العرب، لاسيما الذين كانوا يقطنون المدينة، فقد كانوا يوافقون اليهود نوعاً ما في هذه المسألة، وكانوا يتصرفون تجاه الحائض بتصرف اليهود، فتراهم يبتعدون عنها في أيام عادتها.. وهذا الاختلاف الديني والفقهي المتنقل بين الإفراط والتفريط غير القابل
للتجاهل حدا ببعض المسلمين أن يستعلموا من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عن المسألة المذكورة، فنزلت الآية تجيبهم على ما سألوا...(1)
1 - مفردة الحيض لغة تعني دم العادة التي تأتي المرأة في كل شهر وتسمى العادة الشهرية، وجاء في تفسير الرازي المخالف لأهل البيت عليهم السلام أنّ الحيض في الأصل بمعنى السيل، ولهذا يقال إذا جرى السيل؛ حاض السيل، كما يقال: حوض لحوض الماء إذا جرى له الماء .. (2)ومهما يكن؛ فالمقصود في هذه الآية هو الدم الذي وصفه القرآن بالأذى (الملوّث والمضرّ)..
2 - أنّ الأنبياء هم المرجع للحصول على جواب كل سؤالوَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ.
3- لا حياء في طرح الأسئلة الشرعيّة:وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ.
4 - أن مدة العادة الشهرية تمثل مرحلة عسيرة على المرأةهُوَ أَذًى.
5 - الأحكام الإلهية مبنية على أساس حفظ المصالح ودفع المفاسد: هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ.
6 - توضيح دليل وفلسفة الأحكام مؤثران في قبولها، ولهذا ورد دليل حرمة المقاربة بدءاً، ثمّ صدر الأمر بعدم المقاربة : هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ.
7 - فلسفة اجتناب المقاربة الجنسيّة حين العادة الشهريّة وفضلاً عن كونها عملية منفّرة، لها العديد من المضار وقد أثبتها الطب الحديث من جملة ذلك احتمال الإصابة بالعقم لدى المرأة والرجل، وتوفير بيئة مناسبة للجراثيم والأمراض الجنسية، مثل السفلس
والسيلان والتهاب الأعضاء التناسليّة لدى المرأة والرجل ودخول الدم الملوّث إلى عضو الرجل التناسلي وغير ذلك مما ذكر في الكتب الطبية.. ولهذا؛ فقد منع الأطباء المباشرة الجنسية مع هكذا نساء..
8- منشأ دم الحيض عائد إلى امتلاء أوعية ودمارات الرحم بالدم ثم سيلانه وخروجه شيئاً فشيئاً.. ويكون ترشّح الدم المذكور غير منتظم وبلالون في البداية، ثمّ اصطباغه باللون الأحمر والمنظم بعد ذلك، ثم يعود إلى حالته البدائية في خاتمته..
9 - بالأساس، يكون الدم الذي يخرج لدى العادة الشهرية دماً يتجمع في موعد خاص أو غير خاص من كلّ شهر في عروق الرحم الداخلية لتغذية الجنين المحتمل، ذلك لأننا نعلم بأنّ رحم المرأة ينتج بويضة في كلّ شهر، ويقترن ذلك باستعداد العروق الداخلية للرحم لتغذية النطفة المليئة بالدم.. فإن دخلت البويضة الرحم في ذلك الحين، تشكل ال-(اسپرم) أو حويمن الرجل الكائن في النطفة ليكون جنيناً فيما بعد، وتختص الدماء الموجودة في عروق الرحم بالتغذية، وفي غير هذه الصورة وبسبب تناثر مادّة الرحم المخاطية وفتح جدر
العروق؛ يخرج الموجود.. وهذا هو دم الحيض، ومن هنا يتضح دليل آخر على حرمة ومنع المباشرة الجنسيّة في حال الحيض، لأنّ رحم المرأة لدى تخلية هذه الدماء يكون غير مستعد استعداداً طبيعياً لاستقبال النطفة، ولذا أمكن أن يتعرّض للأذى.
10 - جملةمِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله يمكن أن يكون تأكيداً على أن المباشرة الجنسيّة تحلّ حال الطهر من الحيض دون غيره، ويمكن أن يكون له مفهوم أوسع وكلّي، حيث لابد من أن تكون المباشرة ضمن الأطر الشرعيّة، إذ الله تعالى ولبقاء النوع الإنساني قد جعل جاذبية مخصوصة بين المرأة والرجل، ولهذا؛ كانت للمباشرة لذة خاصة للطرفين، ولكن المسلّم في الأمر أنّ الهدف لبقاء النسل، وما جاذبيتها ولذتها إلّا مقدّمة، وعليه؛ فإنّ اللذة الجنسية يجب أن تكون في المسار الضامن لبقاء النسل، وهكذا كان الاستمناء واللواط وأمثال ذلك أشكال
انحراف عن هذا الأمر الإلهي.. فمنعت منعاً باتاً...
11 - كان للأمم الماضية فيما يتعلّق بالنساء لدى عادتهنّ الشهرية أداء ومواقف مختلفة.. فاليهود كانوا يتطرّفون في موقفهم السلبي تجاه المرأة الحائض، حتى أنهم كانوا يتجنبونها ويتنجسون منها.. وعلى العكس منهم كان النصارى إذ لم يكونوا يرون في أمر الحائص منعاً.. فيما كان مشركو المدينة متأثرين ببعض مواقف اليهود بخصوص مباشرة النساء حال الحيض.. غير أنّ عموم العرب لم يكونوا كمشركي المدينة المتأثرين باليهود جيرانهم.. إذ كانوا لا يرون بأساً في المعاشرة حال الحيض، بل ويعدونها مسألة مناسبة، ويؤمنون بأنهم إذا أصابوا من الحائض ولداً كان كثير النزف للدم، وهذه حالة كانوا يتفاءلون بها ويعدونها من الصفات البارزة والمطلوبة!!
12 - يمكن أن تكون الإشارة إلى مسألة التوبة في هذه الآية ناظرة إلى أنّ البعض لا يستطيعون - أو هكذا يظنون - مقاومة ضغط غريزتهم الجنسيّة، فيتلوّثون بالذنب خلافاً لأمر الله تعالى، ثمّ يندمون على ما اقترفوا.. ولكي لا يروا الطريق - طريق العودة - مغلقاً دونهم ولا ييأسوا من رحمة الله سبحانه، فقد فتحت لهم الآية طريق التوبة..
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
1- حَرْثٌمصدر، وبمعنى نثر البذور، وتطلق تارة على المزرعة نفسها أحياناً.
2 - شبّهت النساء بالمزرعة في هذه الآية، ويمكن أن يكون هذا التشبيه قد أوجد إشكالاً لدى البعض بخصوص السبب الذي جعل الإسلام يعبّر عن النساء بهذا التعبير مع أنّهنّ يشكلن نصف المجتمع، مع أن إعمال الدقة يبين لنا نقطة مهمة في هذا التشبيه حيث أنه سبحانه يريد بهذه العبارة الجميلة أن يشير إلى ضرورة احترام المجتمع الإنساني للمرأة وكونها ليست وسيلة لإطفاء شهوة الرجل وتلبية رغبته الجنسيّة العارمة، بل باعتبارها رمز البقاء ووسيلة لحفظ الحياة البشرية .. وهذا الخطاب القرآني يقف بالضد من أولئك الذين يعدّون المرأة ألعوبة أو وسيلة لتلبية الرغبات الجامحة، وهو تنبيه وإيقاظ لهم من سباتهم وغفلتهم..
3 - كما أنّ الإنسان بلا زراعة ومزرعة يفنى، كذلك هو المجتمع البشري يمحق بلا مرأة..
4 - الزوجة المناسبة كما المزرعة المناسبة والبذور السليمة التي هي شرط المنتوج الزراعي الأفضلنِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.
5 - البذر والأرض لهما دور مهم في الإنتاج، والمرأة والرجل لهما الدور الأساس في بقاء النسل.
6 - أَنَّى تستعمل كشرط في لغة العرب، وتستعمل بمعنى الزمان غالباً، وعلى هذا؛
يكون المعنى في هذه الآية هو أن المرأة وزوجها مأذونان في المباشرة الجنسيّة في أي ساعة من الليل والنهار (باستثناء ما ورد من منع شرعي بهذا الصدد). ومثال قرآني آخر؛ مثل الآية (37) من سورة آل عمران: قال يا مريم أنّى لكِ هذا قالت هو من عند الله ..
وتارة تستعمل بمعنى المكان وطبيعة المكان وكيفية المباشرة.. وهناك احتمال آخر أيضاً، وهو أنّ أَنَّى إشارة إلى المكان والزمان معاً، بحيث يصير المعنى في هذه الصورة أنّ الزوجين لهما الاستمتاع ببعضهما متى وأين ما شاؤوا (باستثناء ما منع القانون الشرعي).
7 - المباشرة تتم حين يقصد الزوج زوجته فَأْتُوا حَرْثَكُمْ.
8 - يحذر القرآن وينبه إلى أنّ للزواج أصولاً ينبغي أن تراعى من قبل الزوجين، لأنّ الهدف النهائي منه ليس مجرد استشعار اللذة الجنسيّة، بل الزواج موضوع ووسيلة للتربية وتعليم الذرّيّة الصالحة والجيل الجدير بالحياة الإنسانيّة ليكونوا ذخيرة معنوية لغد القيامة تقدّم بين يدي الله تعالى:وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ.
9 - قال الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله: «إذا مات الإنسان؛ انقطع عمله إلّا عن ثلاث؛ صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له». (1)
10 - وعن الإمام الصادق عليه السلام: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته؛ فهي تجري بعد موته، وسنة هدى سنها؛ فهي تعمل بها بعد موته، وولد صالح يدعو له».(2)وورد أيضاً: أن ستاً تبقى للإنسان بعد موته أوّلها الولد الصالح إلى جانب التراث العلمي المفيد، وعمارة الخير؛ كالمسجد والمشفى والمكتبات.(3)
3 11 - حيث أنّ المقاربة الجنسيّة مسألة مهمة أو أكثر الغرائز جاذبية، فقد دعا الله تعالى
في هذه الجمل الأخيرة المؤمنين إلى الدقة فيها والورع عن أي ذنب وانحراف، وحذرهم من أنّ الخلائق ستلقى ربّها، وأنّ الإيمان والتقوى هما وسيلة النجاة:وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)
وقع اختلاف بين زوج أحد بنات صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان يدعى عبد الله بن رواحة، وكان قد أقسم على أنّه لن يتدخل لإصلاح شأنهما وأن لا يخطو خطوة في هذا الصدد.. فنزلت هذه الآية ومنعت من هذا النوع من اليمين وعدتها بما لا أساس لها..(1)
1 - أيمان جمع يمين بمعنى القسم.
2- عُرْضَةً على وزن غرفة، بمعنى عرض شيء وكحاجة تعرض في السوق للبيع وإخضاعها للتعامل التجاري، وتارة تطلق على الموانع والعقبات، فيقال: عرضة: أي مانع..
3- هذه الآية والآية التالية لها وبناءً على شأن النزول المذكور متعلّقة بإساءة الاستفادة من قضيّة القسم، وهي بمثابة المقدّمة للبحث في الآيات القادمة في الإيلاء والقسم على ترك المباشرة الجنسية.
4 - قال بعض المفسرين: المقصود من هذه الآية هو عدم اللجوء إلى القسم في مختلف الممارسات والأفعال، وأن لا يتم تصغير اسم الله وذكره، وبهذا لا يصح أن يكون القسم إلّا في
1) مجمع البیان، ج 2، ص 566
الأمور الخطيرة جداً وما لا مناص من إنجازه.
القسم في الأعمال الصالحة غير صالح، ناهيك عمّا لو كان لأجل ترك عمل صالح، ولطالما منع من القسم في الروايات مثل قول الإمام الصادق عليه السلام: «لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين، فإنّ الله سبحانه يقول: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم».(1)
1) الكافي، ج 7، ص 434
لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ
قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورُ حَلِيمٌ
1 - اللَّغْوِ لغةً يطلق على جميع الأعمال والأقوال التي تؤدّى دونما هدف محدد، أو أن تصدر بلا إرادة مسبقة.
2 - يشير الله تعالى في هذه الآية إلى نوعين من اليمين:
النوع الأول: يمين اللغو والعبث؛ حيث لا أثر شرعيّاً له ولا ينبغي الاعتناء به. وذلك حيث يعمد الناس إلى هذا النوع من اليمين بلا إرادة وقصد؛ وإنّما يكون طبقاً لتعوّد اللسان؛ حيث يقسمون على كلّ شيء بقولهم : لا والله، أو : بلى والله ، وهذا النوع يطلق عليه يمين اللغو.
النوع الثاني: الأيمان التي يعقدها المرء بقصد وإرادة، وحسب التعبير القرآني؛ يعقد عليها النيّة في قلبه، وهذا النوع يجب الالتزام به، وتعدّ مخالفته ذنباً يوجب نقضه الكفّارة؛ إلا في موارد خاصة.
3 - الأيمان التي يطلقها الإنسان في حال الغضب الغضب الذي يخرج المرء عن حالته (الطبيعية) هي جزء من يمين اللغو ولا يؤاخذ الله مطلقه؛ طبقاً للآية أعلاه ولا يرتب أثراً عليه (رغم أنّ الإنسان ملزم بتربية نفسه وتعويدها على عدم إطلاقها )ومهما يكن؛ فإنّ هكذا أيمان لا يجب العمل بها ولا كفّارة في مخالفتها؛ لأنها لم تصدر عن إرادة وقصد.. وكلمة وَاللهُ غَفُورُ حَلِيمٌ يمكن أن تعتبر إشارة إلى هذا المعنى.
4 - الأيمان التي تكون باسم الله ، وكان موضوعها موضوعاً اعتيادياً أو مباحاً يجب الوفاء
بها، وتجب الكفّارة في مخالفتها.
5 - كفّارة عدم الالتزام باليمين الشرعيّة؛ عبارة عن إطعام عشرة مساكين أو إكساء عشرة محتاجين أو عتق رقبة مملوك(1)وحيث لا وجود للعبيد والجواري في العصر الحاضر؛ ينبغي الاختيار بين الواجبين الأولين.
6 - عقد اليمين أمر غير مرغوب به في الإسلام ولكنّه ليس محرّماً أيضاً، ولو أنه عُقد لغرض تربوي واجتماعي وإصلاحي؛ أمكن أن يكون واجباً أو مستحبّاً، ومع ذلك؛ هناك مجموعة من الأيمان لا اعتبار شرعيّاً لها مع تضمّنها لاسم الله تعالى.. وهذا أحد أوجه تفاسير قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) مثل:
ألف: الأيمان التي لا يرد فيها اسم الله، حتى الأيمان التي تكون باسم النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله أو الأئمة عليهم السلام؛ لا يجب العمل بها، أي أنه إذا كان بغير اسم الله لم تجب الكفّارة لدى مخالفته.
ب: الأيمان التي تطلق في العمل الحرام أو المكروه أو ترك واجب أو مستحب لا اعتبار لها، كمن يقسم على أن لا يؤدّي دينه أو أن يقطع صلته بأرحامه. أو القسم على ذكرى معيّنة أو إطلاقها لدى مجلس صلح بين شخصين، كأن يقسم المرء على امتناعه عن الإصلاح بين بعض الناس..
1) هذا المعنى ورد في الآية (89) من سورة المائدة.
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)
1 - كلمة ( إيلاء ) بمعنى القسم على ترك المباشرة الجنسيّية من جهة الرجال في زمن الجاهلية للانفصال عن زوجاتهم أو الضغط عليهن.. ولذلك كانت هناك طرق قبيحة شتّى، أحدها أنّ الرجل إذا استولت عليه حالة الاشمئزاز ونفرة تجاه زوجته أقسم على أن لا يباشر زوجته، وبهذا الأسلوب البعيد عن الإنسانيّة يوجّه الضغط على زوجته؛ فلا هو يطلّقها بشكل رسمي لتختار لنفسها حياة أخرى أو زوجاً آخر، ولا هو بعد هذا القسم يقدم على مصالحتها والرجوع إليها ضمن عيشة مريحة طيّبة.. وبطبيعة الحال؛ فإنّ الرجال - في الغالب - لا يتعرّضون للضغط لحيازتهم زوجات عدة.
2 - لمواجهة ودحض هذا الأسلوب القبيح والمنحى المعيب وإلغاء هذه السنة الخاطئة ولحل عقدة القسم شرع إمهال الزوج أربعة أشهر لتحديد مصيره مع زوجته وإنقاذه من الاضطراب والفوضى التي ورّط نفسه فيها، فإن قرّر ( في هذه الفرصة العود إلى معيشته الطبيعيّة؛ فإنّ الله غفور رحيم ، وإن قرّر الانفصال عن زوجته كان له ذلك ضمن شروط معيّنة).
3 - في الآيات السالفة؛ كان الحديث عن أيمان اللغو التي لا اعتبار لها.. وأشرنا إلى أنّ كل يمين على خطيئة كانت يميناً لغواً لاغيةً ولا مانع من عدم الاعتناء بها.. وطبقاً لهذا الحكم ينبغي عدم ترتيب أثر فيما يتعلق بإهمال مسؤولية العلاقة الزوجيّة.. في حين أنّ الإسلام أوجب الكفّارة على عدم الوفاء بهذا القسم، وقد تمّ إيضاح ذلك فيما سبق لنا من بحث..
وهذا في حقيقته نوع عقوبة للرجال المعاندين الذين يتعدّون حدودهم في علاقتهم بزوجاتهم بشكل ما هو برجولي؛ وأن لا يكرّروا سلوكهم المشين هذا..
4 - تحديد مدّة الأربعة أشهر للعودة إلى الحياة الطبيعيّة بالنسبة إلى المعاندين من الرجال في هذه الآية لا ليتمكنوا من قطع ما عليهم من نفقة الزوجة والمباشرة وغير ذلك، بل إنّه بغضّ النظر عن حرمة الإيلاء القبيح ، كان لابد من رسم حدود الانفصال بين الزوجين من الوجهة الشرعيّة، وهو مدّة الأربعة أشهر، حيث المباشرة الجنسية باعتبارها حقاً شرعياً في كل أربعة أشهر.. ( ولا ريب أن تعيين المدة الشرعيّة بأربعة أشهر بداعي أن تتأذى المرأة لطول هذه المدة لاسيما بالنسبة للمرأة الشابة التي يخاف تورّطها في الخطيئة، لزم أن تقصر المدة)...
5- الإسلام حامي المظلومين والمدافع عنهم.. ولقد كانت النساء على مر التاريخ محط ظلم وتضييع أو مصادرة الحقوق.. ولطالما دافع القرآن عنهنّ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ.
6 - جعل الإسلام - في بعض الأحيان - أشرف التعبير لأسواً الأفعال يُؤْلُونَ.
7- الاهتمام بالحقوق والحاجات الروحية والغريزية للمرأة أصل أصيل:تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
8 - توفير الفرصة لازم لعودة الأشخاص عن قراراتهم الظالمة المجحفة ولاتخاذهم قرارات عقلائية بدلاً عن ذلك أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
9 - بدلاً من الدعوة إلى الطلاق، يلزم تشجيع الناس ودفعهم إلى مواصلة حياتهم، وعلى الزوجين أن يعلما بأنّ العودة إلى الحياة الزوجيّة مدعاة لرحمة الله تعالى ومغفرته: فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)
1 - متى ما لم يختر الرجل أياً من طريقي العودة إلى حياته الزوجية أو لم يختر الطلاق.. تدخل حاكم الشرع وألقاه في السجن وشدّد عليه بحيث يكون مجبراً بعد انقضاء الأربعة أشهر على اختيار أحد السبيلين، لتخليص المرأة من حالة التعليق..
2 - في هذه الآية المعدودة ،الكلمات، وحيث لم تضع مانعاً دون إيقاع الطلاق، إلا أنّ مفهومها يتضمن تهديداً وتحذيراً من أنه لا وجود للوعد بالمغفرة والرحمة في حال اختيار الطلاق، وأنّ الله تعالى سميع عليم بقرار وفعل المطلّق وأنه عزّ وجلّ سيجازيه طبقاً لقراره، وهو سبحانه العالم بما إذا كان قد اتخذه عن رغبة عابرة طمعاً في استثمار قانون الطلاق واستغلاله، أم أنّ جو الأسرة قد اقتضى وألزم بالانفصال..
3 - الإسلام أباح الطلاق بما يتضمن من قبح ومرارة وعيب، ولكنه لم يبح جعل المرأة معلّقة وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ.
4 - قرار الطلاق عائد إلى الرجل عَزَمُوا.
5 - لابد من التورع عن اتباع الهوى في اتخاذ القرار الذي يؤدّي إلى تضييع حياة المرأة فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)
مقدّمة: المرأة في الإسلام تمثل ركناً أساسياً في المجتمع، ولا ينبغي - أبداً - معاملتها باعتبارها موجوداً فاقداً للإرادة وتابعة ومحتاجة إلى قيم..
ولكن المرأة على مر التاريخ كان لها واقع مرير مؤلم بحيث صار موضوعها من أهمّ البحوث على صعيد علم الاجتماع المعاصر.. وبشكل عام، فإنّ مسار حياة المرأة ينقسم إلى مرحلتين؛ الأولى مرحلة ما قبل التاريخ، ولا يوجد اليوم معلومات صحيحة عن وضع المرأة في تلك المرحلة، ولعلّها كانت تتمتّع بحقوق طبيعيّة أكثر مما هي عليه بعد ذلك..
وببدء التاريخ البشري وصل الدور إلى المرحلة الثانية.. وعرفت فيها المرأة في بعض المجتمعات باعتبارها شخصية غير مستقلة في جميع الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. وهذا الحال قد استمرّ في بعض البلدان حتى القرون الأخيرة الماضية.. وفي أوروبا وحتّى بعد الثورة الفرنسية، وطبقاً للقانون كانت المرأة المتزوّجة بحاجة إلى إذن زوجها لدى أي تعامل تجاري، وحسب المادة (1242) كان للزوج منفرداً الحق في التصرف بالأموال
المشتركة بين المرأة والرجل كما يشاء دون الحاجة إلى علم المرأة إو إذنها، وأكثر من ذلك وطبقاً للمادة (1428) جعل الحق للرجل في إدارة جميع الأموال الخاصة بالمرأة نفسها (مع الاشتراط في كلّ تعامل يخرج عن حدود الإدارة إذن الزوجة وإمضائها).
وفي بيئة ظهور الإسلام، أي بلاد الحجاز، وقبل البعثة النبوية كانت تعامل المرأة بالشكل المذكور باعتبارها كائناً غير مستقلّ. وكان سلوك الرجل تجاهها كما هو سلوك الإنسان نصف المتوحش، وذلك لأنّ الرجال كانوا يستغلون حالة النساء المزرية والمخزية.. إذ كانت المرأة آنذاك مسلوبة ، الإرادة، حتّى أنّ الرجال كانوا يستغلون النساء لكسب المال وتحصيل المنفعة المالية والتجاريّة إلى الحد الذي كانت فيه المرأة بمثابة سلعة قابلة للإيجار، وكان حرمانها من التحضّر وإصابتها بالفقر عرّضها لأشكال العنف العجيب، حتى بلغ الأمر بالأنثى أن توأد حال ولادتها وتدفن حيّة أو غير حيّة..
ولكن مع ظهور الإسلام وتعاليمه الخاصة بحياة المرأة؛ فقد دخلت المرأة مرحلة جديدة تختلف فيها كل الاختلاف عن المرحلتين المذكورتين آنفاً.. في هذه الحقبة صارت المرأة مستقلة وراحت تتمتّع بجميع الحقوق الفردية والاجتماعية والإنسانية.. وقاعدة التعاليم الإسلامية الراجعة للمرأة هي ما نقرأه في الآيات مورد البحث: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي كما أنّ على المرأة في البيئة الاجتماعية مسؤوليات كبيرة ومهمة، كذلك صارت لها حقوق مهمة.. واعتبر الإسلام المرأة - كما الرجل - مميّزة بروح التكامل الإنساني وبالإرادة وحرّيّة الاختيار، إذ يراها ضمن مسار التكامل الذي هو هدف الخلقة. ولذا فقد جعل الإسلام الرجل والمرأة في موقع وصف واحد. ولطالما خاطبهما بالقول: يا أيها الناس... ويا أيها الذين آمنوا وألزمهما معاً بتحقيق المناهج التربوية والأخلاقية والعلمية وذلك ضمن آيات قرآنية من قبيل:مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وقد وعد الدين الإسلامي الاثنين معاً بالسعادة الكاملة، وخاطبهما بآيات قرآنية مثل: مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ليتمكنا من تنفيذ تعاليم الإسلام والوظائف الإلهيّة لتحقيق التكامل المعنوي والمادّيّ وينالا السعادة والحياة الطيبة المفعمة بالخير والنور.. إنّ الإسلام يعتبر المرأة كما الرجل مستقلّة حرّة بالمعنى التام، وقد أشار القرآن الكريم في آيات عديدة مثل: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ أو مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا إلى أنّ الحرّية متاحة للجميع.. ولذا؛ نرى - فيما يتعلّق بالعقوبة - آيات عديدة من قبيل قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وأمثال ذلك حيث أدان الشارع الحكيم الطرفين معاً عبر معاقبتهما معاً أيضاً... من جهة أخرى؛ حيث الاستقلال يلزمه الاختيار والإرادة، فإنّ الإسلام يورد هذا الاستقلال في جميع الحقوق الاقتصادية..
كما أن الدين عدّ جميع الأنواع والأقسام والعلاقات المالية بلا مانع للمرأة، وجعلها مالكة متنفّذة - على سبيل الانفراد والاستقلال - لأموالها وأرباحها كما نقرأ في الآية (32) من سورة النساءلِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَوبملاحظة مفردة (الاكتساب) المختلفة عن مفردة( الكسب)وذلك لتحصيل مال يتعلّق التصرف به بصاحبه فقط .. وكذلك بملاحظة القانون الكلّي القائل:«الناس مسلّطون على أموالهم » يتبين ويتأكّد كيف أنّ الإسلام احترم الاستقلال الاقتصادي للمرأة وكيف ألغى التفاوت بين المرأة والرجل..
1 - القرء هو الدخول بحالة الطهارة بعد حالة الحيض، والقروء جمع قرء (على وزن قفل بمعنى العادة الشهريّة والطهارة منه، ولكنّ هذين المعنيين يمكن جمعهما في مفهوم كلّي واحد وهو الانتقال من إحدى الحالتين إلى الحالة الأخرى.
2 - أشير في هذه الآية إلى خمسة أحكام:
ألف: لزوم العدّة في ثلاث حيضات.
ب: عدم جواز إخفاء حالة الحمل لدى المرأة المطلّقة.
ج للرجل المطلّق طلاقاً رجعيّاً حق الرجوع. وهو المقدّم في مدة العدّة على (الآخرين).
د :كما كان للمرأة وظائف على عواتقهنّ، كذلك لهنّ حقوق مهمة.
ه-: للرجال أرجحيّة على النساء في إنجاز بعض التكاليف والواجبات.
3 - طبقاً لقول بعض المفسرين يكون لقوله سبحانه: مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ معنيان: الولد والعادة الشهرية، ذلك لأنّ الاثنين معاً قد جعلهما الله تعالى في رحم المرأة، أي لا ينبغي للمرأة أن تخفي حملها، أو تقول أنها حائض لتقلّل من مدة العدّة (ذلك لأنّ عدّة المرأة الحامل المطلقة هي مدة وضع الحمل) وبخصوص العادة الشهرية، سواء من حيث البداية أو النهاية، لا ينبغي أن تكون خلافاً للواقع.
5 - عبارة إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا تبيّن الحقيقة القائلة بأنّ المرأة في أيام عدة طلاقها الرجعي (حيث يستطيع الزوج في مدة العدّة وبأي تصرف يصدر عن الزوج لا يسمح إلّا للزوج الطبيعي بقصد العود؛ كان له ذلك دون أي إضافات وتشريفات) محتاجة لأن يكون رجوع زوجها إليها وعودتها إليه في تلك المرحلة هادفين للإصلاح.. مع الندم عمّا صدر عنه وعنها حقاً ونية البدء من جديدة بالمعيشة الأسرية الطيبة، لا أن يكون الأمر مثل تصرف الرجال في عصر الجاهليّة حيث كانوا يسيؤون التصرف بهذا الحق، فيضغطون على النساء ويذروهن كالمعلّقة ؛لا هنّ متزوّجات ولا هنّ مطلقات بهدف إلحاق الضرر بهنّ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا.
6 - يستفاد من بيان مسألة الرجوع المذكورة في خاتمة الآية والحكم بالالتزام بالعدة في مبدأ الآية، يستفاد أنّها تتحدث عن الطلاق الرجعي عموماً.. وعليه فلا مانع أن تكون بعض أقسام الطلاق لا عدّة لها...
7 - الإسلام بعيد ومنزّه عن أن يكون الحق أحادي الجانب و هو يقابل ما بين الحقائق على الدوام، وعليه؛ فكما أقرّ للرجل حقوقاً على عاتق المرأة. كذلك أقر للنساء بحقوق جعلها على عاتق الرجال ويجب عليهم الالتزام بهاولهنّ مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة.8 - مصطلح ﴿الْمَعْرُوفِ وهو الفعل الصالح والمعروف والمعقول والمنطقي قد تكرّر في مجمع هذه الآيات (12) مرّة (1)ليكون تحذيراً للرجال والنساء أن لا يسيؤوا التصرف واستغلال حقوقهم، بل لابد من احترام تلكم الحقوق المتقابلة في ضبط العلاقة الزوجية وكسب الرضا الإلهيّ.
إن مفهوم عبارة وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ في الحقيقة أن مسألة العدالة بين الرجل المرأة ليس بمعنى أنهما في درجة واحدة في كلّ شيء وأنّهما يخطوان خطواتهما معاً وعلى السواء..
إنّ وجود التفاوت بين الرجل والمرأة وعدم مساواتهما في كلّ شيء لن يكون مانعاً دون أن تصير جماعة من النساء من حيث المقامات المعنوية والعلم والمعرفة والتقوى أفضل وأكثر تطوّراً وتقدّماً من كثير من الرجال.. كما أنّ نظرة الإسلام إلى عدم تساوي المرأة والرجل ليست في أن تكون إدارتها للبيت ورعاية الأطفال وحفظ حقوق الزوج.. دون ما يمكنها من إظهار صلاحيتها وجدارتها في الإدارة والعلم والسياسة أو يحرمها من ذلك..
سؤال : مع الأخذ بنظر الاعتبار وجود الاختلاف في القدرات الجسمية والروحية بين الرجل والمرأة، فهل يلزم أن يكونا متساويين في كلّ شيء
لدى الإجابة على هذا السؤال، نصل في البدء إلى حقيقة غير قابلة للإنكار، وهي أن الحكمة والتدبير الإلهي يوجب أن يكون لكل واحد من أفراد المجتمع وظائف حدّدها
1) من الآية مورد البحث إلى الآية (241).
ورسمها له قانون الخلقة وجعلها متطابقة وموازية لبنائه الجسمي والروحي.. وعلى أساس قانون الخلقة هذا، فقد خلقت المرأة لأداء وظائف ومسؤوليات متفاوتة مع وظائف ومسؤوليّات الرجل، وبهذا كانت ثَمّ مشاعر متفاوتة في وجود المرأة والرجل.. فمسؤولية الأمومة المهمة والخطيرة في تربية الجيل وضعت على كاهل المرأة؛ فصار لها - بهذا الدليل – سهم أكبر من العواطف والمشاعر.. في حين - وطبقاً لهذا القانون - قد وضعت على كاهل الرجل وظائف أثقل وأكثر خشونة على المستوى الاجتماعي.. وكان له سهم أكبر فيما يتعلّق بالتفكير..
وعلى هذا؛ إذا أردنا تطبيق العدالة - التي تأخذ مساحة أكبر في وجود وحياة الإنسان - كان علينا وضع جملة من الوظائف الاجتماعية التي هي بحاجة أكبر إلى التفكير العقلي وإلى المقاومة والتحمل على كاهل الرجل.. أمّا الوظائف التي يتطلب أداؤها عوطف وأحاسيس أعمق ؛ فهي على كاهل المرأة بطبيعة الحال.. وبهذا الدليل؛ كانت إدارة الأسرة من مسؤولية الرجل، أما التنسيق والمساعدة فهي على المرأة.. وعلى أية حال؛ لا مانع من أن تتكفّل المرأة بأداء أعمال ووظائف اجتماعيّة تناسب بناءها الجسمي والروحي..وإلى جانب أداء وظيفة الأمومة بتشعباتها، هناك وظائف حسّاسة ومهمّة أخرى يمكن أن تؤدّيها.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى عدم مانعيّة هذا التفاوت الحاصل والمشهود من حيث المقام المعنوي والمعرفي والإيماني، فإنّ فريقاً من النساء قد سبقن كثيراً من الرجال..
9 - أنّ إصرار بعض من يسمون أنفسهم بالانفتاحيين والمتنوّرين على أنّ جنسي المرأة والرجل متساويان في كلّ شيء؛ إصرار لا يتفق مع الواقع أبداً.. إذ المساواة ليست شيئاً جميلاً ومقبولاً في كل حالة.. بل العدالة وعدم الظلم هو الجميل دوماً.. فمثلاً: إذا أردنا إعطاء طعام
طفل ذي ثلاث سنين لرجل ذي ثلاثين سنة تحت مسمّى المساواة.. فإنّ عملنا وعطاءنا هذا يدخل في لائحة الظلم ولو تمّ تحت مسمّى المساواة.. وإنّ واجب الناس أن يأخذوا جانب العدل في المجتمع.. ثم أليس العدل هو أن يؤدّي كل مسؤوليته وأن يتمتع بمواهب ومزايا
وجوده؟..
وهكذا؛ ألا يكون إقحام المرأة في وظائف هي خارجة عمّا يناسب روحها وجسمها خلافاً للعدالة؟ ولهذا؛ إذا أردنا استغلال المرأة - بسبب قانون الخلقة - التي هي المعين الصافي للمشاعر والمحبّة دون الرجل الذي يمتاز بالقوة عموماً، ثم إقحامها في الأعمال الصعبة والشاقة، مثل قتال العدوّ ، وحرمناها وصغارها من مركز عاطفة الأمومة.. فإنّ كلّ ذلك يعدّ ظلماً صريحاً للاثنين معاً، وهو مخالف للعدالة وتدينه التحقيقات العلمية..
10 - في المجتمعات التي ترفع شعار المساواة بين المرأة والرجل في جميع المجالات،
وحتى في المجتمعات الغربية التي تعد المساواة شعارها الأصلي.. يلاحظ هذا المعن بوضوح بالغ، حتّى أن غالب المناصب السياسية والعسكرية - إلا في موارد استثنائية - هي بعهدة الرجال!!
11 - فلسفة الالتزام بقانون عدّة النساء تكمن في موضوعين:
ألف: أنّ تعيين مدة العدّة وسيلة للصلح واحتمال عودة المرأة والرجل إلى بعضهما، ذلك لأنّه قد يحدث تبعاً للتأثير بعض العوامل تكون الأرضية الروحية بحيث أن مجرد اختلاف بسيط ونزاع تافه يؤدّي إلى تكريس روح الانتقام إلى درجة يتبخر عن-ده-ا التفكير العقلي والوجداني.. وفي الغالب يساهم تدخل أسرتا المرأة والرجل بشكل سلبي.. ولكن كثيراً ما يحدث أن مرور الوقت يكون كفيلاً بنزع فتيل النزاع والرغبة المتبادلة والأحادية في الانتقام.. إلى الحد الذي يستولي عليهما أو على أحدهما الشعور بالندم واتخاذ قرار العودة إلى بعضهما.
ب: أنّ العدّة الشرعيّة وسيلة لحفظ أجيال البشريّة، ذلك لأنّ حصول ومشاهدة العادة الشهرية يكونان دليلاً على عدم الحمل.. ولكن يحدث تارةً أن تبدأ العادة الشهرية في مطلع الحمل. ومن هنا؛ ولمزيد من الالتزام، فقد صدر الأمر الشرعي أن تمرّ على المرأة ثلاث عادات
شهرية وتطهر منها ليتضح تماماً عدم حمل المرأة من زوجها السابق ويكون لها الزواج من جديد.. ولا ريب أنّ للعدّة فوائد أخرى ستتم الإشارة إليها في موضعها.
12 - يشير القرآن هنا إلى أصل أصيل، وهو أنه بالمقدار الذي تكون على المرأة وظائف وواجبات، فإنّ لها حقوقاً أيضاً، وبتساوي هذه الحقوق وتلك الوظائف يتمّ تطبيق العدالة بحق الرجل والمرأة بشكل عملي، بمعنى أنّ الواجب غير منفصل وغير بعيد عن الحق والحقوق.. مثل الوظائف الخاصة بالوالدين تجاه أولادهما.. إذ تسبّب أن يكون لهما حقوق بعهدة هؤلاء الأولاد...
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)
جاءت امرأة إحدى أمهات المؤمنين تشكو زوجها لكثرة طلاقها إيَّاها ثم رجوعه إليها للإضرار بها.. ذلك لأنّ الذي كان سارياً في الجاهليّة أنّ للرجل أن يطلّق زوجته ولو ألف مرّة ثمّ يرجع إليها، ولم يكن لذلك حد محدود.. وحينما علم النبي صلى الله عليه وآله بهذا الشأن؛ نزلت الآية أعلاه ومنعت دون هذه الممارسة السخيفة وغير الرجوليّة، فحدّدت الطلاق بقولها:
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِوبعد المرتين - طلاقاً ورجوعاً - وإجراء صيغة الطلاق الثالث، لا يتسنّى الرجوع للزوجين، اللّهمّ إلّا في حالة تذكر في موردها..(1)
1 - الطلاق في الإسلام أمر منفور وهو أبغض الحلال عند الله، ولكن يحدث تارةً أن يبلغ
1) مجمع البیان، ج 2، ص 577
الاختلاف درجة لا يمكن معها مواصلة الحياة الزوجية.
وفي الآية أعلاه وفضلاً عن الطلاق الرجعي من جهة الرجل، وردت الإشارة إلى طلاق الخلع الذي تتقدّم به المرأة وتقترحه على الرجل، حيث تتنازل المرأة عن مهرها أو تعطي الرجل شيئاً آخر لتنفصل عن زوجها وتتطلّق منه.
2 - أنّ تعدّد الطلاق يكون بناءً على تعدّد الرجوع وبقاء الزواج.. ومن قال في مجلس واحد لزوجته: طلّقتكِ ثلاثاً أو أكثر من ذلك، وقع الطلاق مرّةً واحدة. إذ أنه لم يقطع أكثر من زواج واحد، ولذا؛ وبناءً على فقه أهل البيت عليهم السلام يجب أن يكون تعدد الطلاق ضمن عدة مراحل بشروط خاصة (حضور شاهدين حين الطلاق ولزوم عدم العلاقة الزوجية بين الزوجين خلال شهر فلا يقع الطلاق بالثلاث في مجلس واحد لانعدام المصلحة في تلاشي حالة الزواج إلى الأبد في مجلس واحد وبقرار واحد.
ولو زالت العلاقة والمحبّة بعد طلاقين ،ورجوعين أمكن للرجل والمرأة أن يعودوا إلى الصلح - فإن طلق الرجل زوجته ثالثاً، لم يعد له حق في الرجوع إلّا ضمن شروط ستتناولها الآية التالية.
3 - الإمساك بمعنى الحفظ، والتسريح بمعنى الترك والفصل، إذ الرجل بعد كل طلاق من الطلاقين يجب عليه أن يحفظ زوجته المطلقة ويمسكها بشكل مناسب، أو عليه أن يسرّحها بصورة نهائية.. وكما أنّ حفظ المرأة وإمساكها يتوجب أن يكون بالمعروف والطيبة..
كذلك يتوجب الانفصال والتسريح أن يكون باحترام وإحسان، والأمران معاً لابد أن يتما طبقاً لموازين الإنصاف والأخلاق فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.
4 - المقصود من التسريح بالإحسان هو حفظ حقوق المطلقة المسرحة وعدم إلحاق الضرر بها، وأن لا يتحدّث الرجل بالسوء عنها بعد الانفصال، وعدم الرغبة بالتمهيد للناس بإساءة الظنّ بها، وأن لا يتسبب الرجل في سلب إمكانية زواجها الآخر من غيره بعد ذلك..
وفي هذه الآية - فيما يتعلق بالرجوع والصلح - تمت الاستفادة من كلمة بِمَعْرُوفٍ بمعنى أن يكون الرجوع مستحسناً لدى العرف، ولكن فيما يخص التسريح وردت كلمة بِإِحْسَانٍ أي بالمحبة والاحترام، وهو أعلى شأناً من (المعروف ) جبراً لمرارة الطلاق بالنسبة للمرأة..
5 - عبارة: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِتعني أن لا إثم ولا مانع من أن تتقدم المرأة بغرامة أو فدية لتنال طلاقها.. وهذه العبارة تبيّن سبب الطلاق وأنّ عليها الفدية للزوج الراغب
في العيش معها ليتمكن بهذه الفدية من اختيار زوجة أخرى..
6 - يمكن أن يكون السبب في استعمال صيغة التثنية بقوله تعالى: أَلَّا يُقِيمَا حيث يخاف أن لا يقيم الزوج والزوجة حدود الله ، وأن يكون السبب في استعمال صيغة الجمع بقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أي أنكم إن خفتم.. يمكن أن يكون إشارة إلى لزوم المراقبة ورعاية العرف العام وجماعة الناس بمعية أحكام الشرع على هكذا نوع من أنواع الطلاق.. أو إشارة إلى أنّ تشخيص وتحديد حقيقة عدم إمكانية مواصلة الحياة الزوجية مع مراعاة الحدود الإلهية لم يجعل بعهدة الزوجين؛ إذ طالما تسبّب الغضب ولعلل تافهة بتصوّر عدم إمكانية مواصلة الحياة الزوجيّة.. وهذه المسألة إنّما تثبت بالحكمين والحاكم الشرعي.. وهنا يصدر الإذن بإجراء طلاق الخلع..
7 - لا يستطيع الزوج - لدى الطلاق - أن يستعيد ما أعطى المرأة من شيء تحت مسمّى المهر.. وهذا بحد ذاته يعد مصداقاً للتسريح بإحسان (1)بل إنّ بعض المفسرين عدوا مفهوم هذه الجملة أكثر شمولاً من المهر، وقالوا بسراية ذلك إلى الأشياء الأخرى التي وهبها زوجته من قبل، فلا يحق له استعادتها وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا.
1) ورد الحكم بهذا الموضوع مشروحاً في الآيات (20 - 21) من سورة النساء.
8 - طبقاً لهذه الآية، فإنّ استرجاع المهر ممنوع إلّا في طلاق الخلع، وذلك بحيث ترغب المرأة بإنهاء الحياة الزوجيّة، وهنا يكون الإنفصال من جهة الزوجة، فعليها غرامة رغبتها وتقديمها للزوج الذي لا يميل إلى الانفصال. فيأخذ منها الغرم ليختار زوجة أخرى به فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.
9 - يستفاد من جملةالطَّلَاقُ مَرَّتَانِ أنّ طلاقين أو ثلاثة لا تتمّ في مجلس واحد، وإنّما يكون تعدّد الطلاق لدى تعدّد المجالس، لاسيما وأنّ لزوم تعدد الطلاق لتوفير فرصة إضافية للرجوع.. ولعلّ الصلح يكون بعد المنازعة الأولى، فإن لم يتمّ ذلك في المرحلة الأولى، تُوقع في المرحلة الثانية.. إلّا أنّ وقوع عدة طلقات في مرحلة واحدة من شأنه سد الطرق تماماً ويؤدّي إلى الانفصال بشكل نهائي؛ ويكون تعدد الطلقات دون تأثير..
10 - الحكم بعدم وقوع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد ومرحلة واحدة يحظى بقبول جميع علماء الشيعة، غير أنّ المخالفين مختلفين في آرائهم إزاءه... ومع أن أكثرهم يذهبون إلى وقوع الطلقات الثلاث في مرحلة واحدة ومجلس واحد إلّا أنّ صاحب تفسير(المنار) نقل عن(مسند ابن حنبل) و (صحیح مسلم) وهما كتابان أصليّان عند المخالفين أنّ هذا الحكم؛ وهو وقوع الطلاق لا يقع بطلقات ثلاث كان غير مقبول في عهد الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله حتى السنتين الأوليين من حكم عمر، ولكنّه بعد ذلك حكم بوقوع الطلاق بالثلاث إذا تمّ في مجلس واحد.. (1)
وكتب الشيخ محمود شلتوت وهو الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر والمفتى الأوّل للمخالفين: لطالما راجعت آراء ونظريات المذاهب الإسلامية في شتى المسائل وحيث رأيت أن استدلال الشيعة متيناً، فقد خضعت لها .واخترتها. ثمّ إنّ شلتوت نقل عدة نماذج، كان
1) تفسير المنار، ج 2، ص 384.
أحدها ما يتعلّق بمسألة تعدّد الطلاق فكتب بهذا الخصوص: الطلاق بالثلاث في مجلس واحد وبعبارة واحدة يعد ثلاثة طلقات عند المذاهب الأربعة، ولكنّه في فقه الشيعة الإمامية ليس أكثر من طلاق واحد.. ويبدو أنّ هذا الرأي الشيعي هو الحق من حيث القانون و(ظاهر آيات القرآن) أمّا نظريّة العامّة فقد فقدت قيمتها الفتوائية..(1)
11 - في قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وآيات عديدة أخرى من القرآن المجيد تعبير لطيف عن القوانين الإلهيّة. وهو القول بكونها حدوداً، وبهذا تكون المعصية ومخالفة هذه القوانين تجاوزاً عن الحدّ... وفي الحقيقة أنّ من بين الأعمال التي يقوم بها الإنسان هناك مجموعة من المناطق الممنوعة حيث يكون دخولها واقتحامها أمراً خطيراً جداً. وأن الأحكام الإلهية قد حددت تلكم المناطق وعلمتها بعلائم وضعتها فيها.. ولذا نرى في الآية (187) من سورة البقرة النهي القرآني الصريح حتى عن الاقتراب منها..
وقوله سبحانه وتعالى في هذه الآية:تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تقربوها بسبب أن اقتراب المرأة والرجل منها عبر الطلاق يتمّ في الغالب بداعي الاختلافات والدوافع المادية؛ فيضعهم ذلك على شفا المنحدر ، كما نقرأ في المأثور عن أهل البيت عليهم السلام النهي عن خوض الشبهات وقولهم أنّ الطلاق أشبه ما يكون بالاقتراب من الحدود، ولعلّ الغفلة تسقط الإنسان
وتخطو به إلى الجهة الثانية من الحدود حيث يقع في المهالك. لذلك؛ فإنّ مطالب الزوج والزوجة لابد أن تكون ضمن إطار الحدود الإلهية:أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ
1) تفسیر نمونه، ج 2، ص 171 نقلا عن رسالة الإسلام الرقم الأول، سنة 11 ، ص 108.
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)
ورد في الحديث أنّ امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وقالت له: أنا زوجة ابن عمّي رفاعة، وقد طلقني ثلاث مرّات، ثمّ إنّني تزوجت رجلاً آخر يدعى عبد الرحمن بن الزبير فطلقني هو الآخر بعد ذلك دون أن يمسني، فهل يجوز لي الرجوع إليه [الزوج الأول] فقال لها صلّى الله عليه وآله : ليس لكِ ذلك إلا أن يباشركِ زوجك الثاني.. وهنا نزلت هذه الآية.(1)
1 - كان الحديث في الآية السابقة عن الطلاقين، حيث يتوجب بعد الطلاق الثاني على الزوجين أن يعودا إلى واقع الألفة والصلح أو ينفصلا عن بعضهما. أما هذه الآية؛ فهي في الحقيقة بمثابة التوضيح للحكم السابق حيث قالت: فإن طلقها فلا تحل له من بعد .. إلّا في حال طلاقها من الزوج الثاني الذي باشرها.. وبشرط احترامهما لحدود الله تعالى. حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ....
2 - من هذه الآية يمكن فهم الردّ والشرط:
1) مجمع البیان، ج 2، ص 580
الشرط الأول: بدليل قوله سبحانه : فَإِنْ طَلَّقَهَافي الآية يفهم بأن العقد يجب أن يكون دائميّاً، ذلك لأنّ الطلاق هو في العقد الدائم.
الشرط الثاني: بدليل قوله سبحانه: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ يستفاد شرطية المباشرة الجنسيّة بعد إجراء العقد، ذلك أنّ بعض أدباء العرب عدّوا القول: نكح فلان فلانة بأنّه إجراء عقد الزواج، وحيث قال نكح فلان زوجته، كان بمعنى المباشرة الجنسيّة (ذلك لأنّ فرض الخطاب ورد حيث تكون زوجةً، وعليه؛ لا يمكن تصوّر النكاح بخصوص الزوجة غير المباشرة) إضافة إلى أنّ عقد الزواج في الغالب تعقبه المباشرة الجنسية.
3 - سؤال: ما هي فلسفة وجوب المحلّل بعد الطلاق الثالث؟ ولماذا لا يتحقق هذا الهدف عبر مجرّد إجراء صيغة العقد؟
كمقدمة نقول: إن معنى المحلّل، وهو الزوج الثاني بعد إيقاع الطلاق الثالث باعتباره المؤدّي إلى حلّيّة المرأة( بعد الطلاق والعدة طبعاً) على الزوج الأول.
أمّا الإجابة على السؤال فينبغي القول فيها: كما أنّ الزواج مسألة حياتية وضرورية، كذلك للطلاق شروطه الخاصة ليكون ضرورياً.. ولذلك أحلّ الله الطلاق خلافاً للنصرانية المحرفة، ولكنّه - الإسلام – وحيث يؤدي الطلاق إلى الوقوع بمضارٌ لا يمكن جبرها بالنسبة للفرد والمجتمع.. فقد استخدم عوامل ضغط عديد لتحديد حالات الطلاق وسعى إلى إقرار أحكام الطلاق ليبلغ به إلى أدنى نسبة ومعدّل، منها الإلزام بالزواج من المحلّل بعد التطليقات الثلاث وعند الرغبة بالرجوع.. وهذا الإلزام بمثابة رادع دون إيقاع الطلاق الثالث..
ولا ريب أن الزواج الرسمي للمرأة بعد التطليقات الثلاث برجل آخر ولا سيما الحكم بالتقيد بالمباشرة الجنسيّة يعد عقبة وسدّاً متيناً دون مواصلة التطليقات من قبل قاصد إيقاع الطلاق الثالث وتحذيره بأن لا طريق للعودة، وإذا ما كانت ثمّ وسيلة لإعادة الزوجة
المطلقة يمرّ بزوج آخر. وأنّ من الممكن أن لا يطلقها هذا الزوج الآخر.. وهذا الواقع يمكن أن يجرح مشاعر الرجل - الزوج الأول - ولذلك؛ فهو منع أكيد عن إيقاع الطلاق الثالث إلّا في حالة الإجبار الأكيد..
وفي الحقيقة؛ إنّ موضوع المحلّل، أو الزواج الدائمي الثاني برجل آخر يعد مانعاً في طريق الرجال الذين تتلاعب بهم النزوات والمخادعة لتكون الزوجة ألعوبة لرغباتهم، وأن لا يستغلوا قانون الطلاق وجواز الرجوع.. وفي الوقت نفسه؛ لم يتم إغلاق طريق العودة بشكل نهائي، وهناك شروط تمّ إيضاحها لهذا الزواج، مثل: دائميّة الزواج الثاني الذي يشير إلى أنّ الزواج الثاني ليس لمجرد التمهيد لرجوع الزوج الأول، فلعل الزوج الثاني لا يرضى بالطلاق، وهو ليس كما الزواج المؤقت ينتهي بانتهاء المدة المعينة، وعليه؛ لا يمكن الاستفادة من هذا القانون بشكل سيئ وسلبي..
4- الهدف الآخر من قانون المحلّل هو أنّ الرجل والمرأة بعد التطليقات الثلاث وبالزواج الآخر ثم الانفصال ليتسنّى للزوجين اختيار ما شاءا من مصير ومستقبل.. وأن مسألة الزواج مسألة مقدّسة لا يصح أن تكون ألعوبة للرغبات الشيطانية للزوج الأول، ولكنه في الوقت ذاته؛ إذا انفصلت المرأة عن الزوج الثاني كان الطريق متاحاً للرجوع إلى الزوج الأول، ويصير النكاح حلالاً مرّة أخرى، ومن هنا: سمّي الزوج الثاني محلّلاً..
وهكذا يتضح أن بحث الزواج أمر واقعي وجدّيّ، ومن لم يكن قاصداً للزواج الدائم منذ البدء وكان مجرد تمثيل دور المحلّل، فإنّ الزواج هذا يحكم بالبطلان وأنه لا اثر له في تحليل الزوجة للزوج الأول..
وهناك حديث نبوي شريف معروف ولطالما نقل في كتب التفسير: «لعن الله المحلّل
والمحلَّل له» (1)ولعلّه إشارة إلى الإقدام على التحليل الصوري.
5 - بالنظر إلى النقاط المبيَّنة يتضح أنه لا قيمة تذكر لكل تلك الفوضى التي أثارها ويثيرها المغرضون الجهلة الغافلة عن خصوصيات هذه المسألة حيث استهدفوها بشكل دنيء بما درّجوه من عبارات ومؤلّفات، وهي إذا عبّرت عن حالة، فإنّما هي حالة الجهل والحقد تجاه الإسلام، وإلا فإنّ هذا الحكم الإلهي وبالشروط المذكورة يعتبر عاملاً للحيلولة دون إيقاع الطلاق المتكرّر، وللقضاء على أنانية بعض الرجال المهوسين بالتلاعب بالمرأة، ثمّ لتكريس نظام الزواج والحياة الزوجية.
1) الكافي، ج8، ص 71 والكشف والبيان، ج 2، ص 177
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)
التفسير: عودة أخرى إلى موانع الطلاق:
1 - هذه الآية أيضاً تشير إلى عقبات أخرى تحول دون إيقاع الطلاق للمنع من تجاهل حقوق المرأة.
ولقد ورد أنّ الرجوع بعد الطلاق كان يتم في الجاهلية ليكون وسيلة للانتقام.. ولهذا؛ قالت الآية بلحن قاطع بنفي هذا المنحى، وأنّ الواجب هو تشذيب النية في إرجاع الزوجة.. فإن لم تتهيأ الأرضية للرجوع أتيح الانفصال بمعروف وليس بالأذى والانتقام والصراع.
وعلى أساس قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي أنّ الرجل الذي يبيت نية الانتقام لدى رجوعه إلى العلاقة الزوجيّة، عليه أن يعلم بأنّ هذا القصد ليس ظلماً للمرأة فحسب، بل هو في الحقيقة ظلم متوجه إلى نفسه أيضاً:
أوّلاً: الرجوع بقصد غمط الحق وإلحاق الأذى لن يتضمن ولن يشهد استقراراً، وستكون الحياة الزوجيّة بعد هكذا رجوع جهنّم لكلا الطرفين.
ثانياً: وجهة النظر الإسلامية تؤكد أنّ المرأة والرجل - في نظام الخلقة - عضوان لجسد
وكيان الأسرة الواحد. وعليه؛ فإنّ تضييع حق المرأة ظلم وتعدٍ على الاثنين معاً.
ثالثاً: طبقاً لبعض الروايات، أنّ الرجال كانوا إذا طلقوا نساء هم أو أعتقوا عبيدهم في الجاهليّة أو أراد الرجل الزواج من امرأة ، كانوا يقولون أنّ غايتنا عن ذلك المزاح واللعب، فنزلت الآية أعلاه وحذرتهم من ذلك، وقد أشار النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله إلى أنّ كلّ من طلق أو أعتق أو تزوّج ثم يدعي بعد ذلك أنّ قصده من ذلك كان المزاح واللعب لن يقبل منه قوله ويعتبر جاداً فيما فعل(1)ّوَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا . ويحتمل أن يكون معنى النص القرآني هذا متوجهاً إلى الذين يستعملون ما يمكن تسميته بالحيلة الشرعية لتبرير مخالفاتهم وأعمالهم غير الشرعيّة أساساً، وقد عد القرآن هذا النوع من السلوك والنيّة استهزاء بآيات الله تعالى.. ومن جملة موارد هذه المسألة الزواج والطلاق والرجوع في زمان العدّة بنيّة الانتقام وإلحاق الأذى بالزوجة والتظاهر بالاستفادة المشروعة من الحق القانوني، وعلى هذا؛ لا يجوز التلاعب بآيات الله تعالى بعد غضّ النظر وتجاهل روح الأحكام الإلهية والتشبث بالمظاهر الجوفاء العديمة الروح، لأن الخطيئة في ذلك كبيرة والعقوبة عليها أشدّ إيلاماً..
4 - التنبيه في خاتمة الآية إلى التقوى والورع بداعي:
أولاً: أنّ على المسلمين الالتفات إلى حقيقة أنه سبحانه قد خلصهم من الخرافات والتقاليد الجاهلية القبيحة بخصوص مسألة الزواج والطلاق وأمثالهما. ودلّهم على الأحكام والقوانين النيرة التي وضعها لهم بنفسه، فلزمهم لذلك أن يعرفوا قدر ذلك ويؤدّي حقّه..
ثانياً: بخصوص حقوق المرأة.. لا يصح للرجل استغلال دوره وموقعه، وليعلم أنّ الله خبير عليم بالنوايا: (واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم).
1) التبيان، ج2، ص 251
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)
كان لأحد الصحابة وهو معقل بن يسار أخت تدعى جملاء ، وقد طلقت من زوجها عاصم بن عدي، وبعد انتهاء عدتها أراد زوجها العود إليها، إلّا أنّ معقلاً أخاها أراد منع ذلك، فنزلت الآية أعلاه ونهته عن أن يكون مانعاً دون رجوعهما إلى بعضهما. وقيل أيضاً: إنّ جابر بن عبد الله
1 - في عصر الجاهلية كانت النساء أسيرات لدى الرجال؛ لا سيما فيما يتعلّق باختيار
1) مجمع البیان، ج 2، ص 583
الزوج، إذ لم يكونوا يولوهنّ أدنى اهتمام ولا يعيرون لرغباتهنّ أيّ احترام حتى أنهم كانوا إذا زوجوا المرأة، ثمّ انفصلت وتطلّقت من زوجها، ثمّ أرادت الرجوع إليه، كان ذلك منوطاً بإرادة وإذن أوليائها وأقاربها. ولطالما حدث أنّ المرأة والرجل إذا رغبا في العودة إلى بعضهما بعد أن تطلقا منعها الأقارب من الرجال بحجج وهميّة دون الالتفات إلى رغبتها وإرادتها.. وعند ذلك، تضطر المرأة إلى العيش طبقاً لميول الرجال من أقاربها ولا شيء غير ذلك...
ولا ريب في أنّ الأخ أو ابن العم - طبقاً لهذه الآية وعموم الفقه الشيعي - ليس لهما أي ولاية على الأخت أو ابنة العم ، بل إنّ لهذا الحكم شمولية وسعة أكبر، إذ الأب والجدّ (فضلاً عن مجموع الأقارب) لا حق لهما في معارضة هكذا زيجات..
2 - الآية السابقة تحدثت عن بلوغ الأجل، بمعنى حلول آخر أيام العدة، في حين أن هذه الآية قصدت اكتمال العدة بقرينة الزواج المجدّد.
3 - يعلم من هذه الآية أنّ النساء الثيبات (اللّاتي قد تزوجن من من قبل زواجاً واحداً على الأقل) لا حاجة بهنّ إلى موافقة وإذن الأولياء ، بل إنّ معارضتهم لا أثر لها أبداً.
4 - المقصود من عبارة: أَزْكَى لَكُمْ أن نتيجة العمل بهذه الأحكام هي منفعتكم التي تعود لكم، ويدركها المؤمنون بالتوحيد والمعاد.. ومع أنه من الممكن أن لا يعي البعض فلسفة هذه الأحكام بداعي قلة العلم والمعلومات، إلّا أنّ الله الخبير المطلع على أسرارها، وبداعي حفظ الطهارة والنزاهة الأسرية قد قرّر هذه القوانين.. إضافة إلى أنّ بعض المفسرين عدوا جملةأَزْكَى لَكُمْ إشارة إلى طبيعة الأجر والثواب الذي يتحصل عبر العمل والالتزام بهذه القوانين والتعاليم ، كما اعتبروا كلمة وَأَطْهَرُ إشارة إلى التطهر من الذنوب وتجنّب تبعات الأخطاء ولوثها الذي قد يعلق بمحيط وأجواء الأسرة.
5- يمكن وقوع العديد من الحوادث في مسيرة حياة الزوجين، فيؤدي ذلك – رغم وجود المحبّة - إلى انفصالهما عن بعض، ولكنّهما قد يندمان على ما فعلا، فيرغبان بعد فترة
بالرجوع بعد أن لمسا الآثار القاتلة وتبعات الطلاق، فيقرران - معاً - العودة إلى بعضهما..
فيكون الإصرار على منع عودتهما من قبل هذا وذاك بمثابة الضربة القاضية لحياتهما، ولعلّ ذلك يؤدّي إلى انحرافهما.. وإذا ما كان لهما أولاد - كما هو الغالب - صحّ توقّع مصير أليم ومفجع لهم، وليس المسؤول عن كلّ ذلك الألم والمعاناة إلّا الذين حالوا دون صلحهما ورجوعهما ...
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)
1 - الْوَالِدَاتُجمع والدة، وهي الأم في لغة العرب،ولكن للأم معنى أوسع، إذ تطلق هذه الكلمة على أمّ الأم، أو على أصل كلّ شيء وجذره..
هذه الآية تفصح - بتعبيرات قصيرة ومضغوطة وعظيمة المحتوى وتربوية في الوقت نفسه - إلى مسألة الرضاع المهمة.
2- حيث أن تغذية جسم وروح الرضيع طيلة سنتين متعلّقة بالرضاع وعواطف الأمّ تعلّقاً مطلقاً، كان حق الرضاعة في هذه المدّة من حق الأمّ، رغم أن ولاية الصغير منوطة بالأب، لأنّ عواطف الأم والطفل يجب أن تحترم ، وترعى لأنها لا تستطيع رؤية حضنها خالياً من صغيرها
في تلكم اللحظات والساعات والفترة الحسّاسة وأن تتجاهل وضع وليدها إذ ذاك.. وعليه؛ فإنّ إعطاء الأم حق الحضانة والرعاية والرضاع يعدّ حقاً ثنائي الجانب.. مراعاة لحال الوليد وحال الأم، والتعبير بكلمةأَوْلَادَهُنَّ إشارة لطيفة إلى هذه المسألة.
3 - رغم أنّ حضانة الأم خلال مدة السنتين وبشكل مطلق شامل لجميع النساء، المطلّقة وغير المطلقة، ولكنّ العبارة التالية وكذلك بقرينة الآيات السابقة واللاحقة التي تحدّثت وتتحدّث عن قضيّة الطلاق، تشير إلى أنّ هذه الآية تنظر إلى النساء المطلقات أيضاً،
إذ حيث لا يكون انفصال وطلاق، لا يعد البحث في إثبات هذا الحق - الحضانة والرضاع - للأم غير المطلقة أمراً ذا بال، حيث يعيش الأب وأم الرضيع في هذه الحالة معاً..
4 - أنّ مدّة رضاعة الطفل لا تشترط أن تكون سنتين، وأنّ السنتين هي المدة التي يراد أن تكتمل فيها الرضاعة.. ولكن النساء لهنّ الحق مع ملاحظة حالة الرضيع ورعاية سلامته وحفظه، وقد يولد طفل بعد هذا الطفل حيث تضغط المدّة إلى أقل من سنتين ِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ.
5 - الأمّ خلال مدة الرضاعة لوليدها لها أن تكون في إجازة تامة، وتتعلّق جميع تكاليف معیشتها من حيث الطعام واللباس في فترة الرضاع بذمة والد الطفل. ليتسنى للأم إرضاعه بفارغ البال. واستعمال مفردة بِالْمَعْرُوفِ يشير إلى أن ينفق عليها وعلى الرضيع ما هو مناسب لحالتهما، دون الإقتار أو الإسراف.. وللإيضاح الاكثر؛ قال تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا.
6 - باستعمال مفردة الْمَوْلُودِ لَهُبدلاً من كلمة (الأب ) أو (الوالد) هنا، أُريد كسب عواطف الأب وإثارته نحو رعاية وليده والالتزام بمسؤوليته وإلفات نظره إلى أنه حيث كلّف بنفقة الولد والوالدة المرضع في تلك الفترة، فلأنه ولده وفلذة كبده وليس غريباً أجنبياً عنه.
7- لقوله تعالى: لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ احتمالان بنظر المفسرين:
الاحتمال الأول: لا حق لأي من الأب والأم أن يفرّطوا بمصير ولدهم بداعي اختلافهم أو لحلّ اختلافهم ومصالحتهم ، فيوجهوا لبدن الطفل وروحه ضربات تؤثر في مسار حياته.. كما لا حق للوالد أن يصادر حق الوالدة في فترة رضاع الوليد، حيث يعود ذلك بالضرر الأكيد على
الصغير، كما لا يحق للوالدة التنصل عن مسؤوليتها تجاه رضيعها؛ فتمتنع بتبريرات مختلفة عن أرضاع وليدها أو أن تحرم الأب من لقاء ولده..
الاحتمال الثاني: ليس للأب الحق في زواج زوجته تحت طائلة الخشية على ولده من حملها الجديد.. كما ليس للأمّ حرمان الأب من هذا الحق بهذا المدعى أيضاً. ولكنّ التفسير الأوّل يبدو كونه الأنسب لظاهر هذه الآية.
8 - استعمال جملة (ولدا وولده كذلك لتشجيع الآباء والأمهات في مراعاة الأطفال الرضع.. ممّا يشير إلى أنّ الوليد الرضيع متعلّق بهما معاً، وليس ذلك كما كان أهل الجاهلية يذهبون إلى عائدية الولد إلى والده فحسب، ولا يولون الوالدة أهمّيّة ودوراً يذكر..
9 - ورد في هذه الآية بيان حكم ووظيفة ورثة الأب بعد موته وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ إذ يلزم الوارث أن يؤدي دور الأب المتوفّى في توفير حاجات الأم المرضع حين الرضاعة..
10 - يجب على الأب والأم الاهتمام بمصالح الولد اهتماماً على صعيد الفكر والتوافق، وعلى حد التعبير القرآنيفَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فيتفقان على ما يناسب وضع الولد جسميّاً وروحيّاً عن طريق التفاهم والتشاور وبعيداً عن النزاع والشجار والاهتمام بمصالحهما دون مصلحته..
11 - إذا تنازلت الأمّ عن حقها في رضاع وليدها وحضانته، أو حدث لها ما يمنع دون ذلك فعلاً (كعدم القدرة أو عدم موافقة الأم) فلا مانع من اتخاذ مرضعة أخرى مع مراعاة حق الأم في تنازلهاه بشكل مناسب وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ.
إنّ هذه الأحكام الدقيقة المزيجة بالتحذير والتنبيه يشير بوضوح إلى مدى إيلاء الإسلام الاهتمام بحقوق الطفل والأم ورعاية الحد الأعلى من العدالة في هذا الإطار.. نعم إنّ الإسلام وخلافاً لأنظمة الظالمين التي تضيع فيها الحقوق.. طالما اهتم بحفظ وصيانة حقوق الضعفاء..
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)
1 - مراعاة حرمة الحياة الزوجية حتى فيما بعد موت الزوج؛ يعد موضوعاً فطرياً، ولذلك كانت القبائل ترعى مختلف الآداب والتقاليد لهذا الغرض، رغم حصول التفريط في هذه التقاليد في بعض الأحيان، حيث تحشر المرأة في زاوية الأسر والاضطهاد والاحتقار.. حتى قد يرتكب بحقها حين وفاة زوجها أشنع الجرائم.. مثال ذلك : أن تعمد بعض القبائل إلى حرق الزوجة لدى وفاة الزوج، أو أن تدفن حيّة إلى جانبه، أو أن تحرم من الزواج بعده.. أو أن تحبس وتقيّد إلى قبر زوجها وهي ترتدي ربِّ الثياب وقذرها محرومة من أي × مظهر يناسبها.. وهكذا
تقضي أيامها حتى يدركها الموت!
2 - حيث أنّ الزواج المباشر للمرأة من رجل آخر بعد وفاة زوجها، مضافاً إلى مسألة العاطفة والحبّ، وضرورة احترام الزوج السابق، والتأكد من خلو الرحم من نطفته لا يتناسب والواقع الذي سيتصوّر بعيد وفاة الزوج ولدى تعرّض مشاعر أقاربه بسبب الإسراع بزواجها الحديث.. ثمّ إنّ الآية أعلاه اشترطت لهذا الزواج الآخر بانقضاء العدة ذات الأربعة أشهر وعشرة أيام ..
ولأنّ أولياء وأقارب المرأة يتدخلون أحياناً بما ليس من حقهم الشرعي والقانوني، أو لكونهم يرون مصالحهم في زواج المرأة الجديد.. ممّا يشير إلى أنهم يعتبرون حرية المرأة بعد
وفاة زوجها ذنباً يجب أن تدفع ثمنه ويعتبرون من واجبهم أن يضيقوا عليها.. ولكن هذه الآية تقول بصراحة: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ بمعنى لزوم ترك المتوفى عنها زوجها وشأنها، وأنّ ولاية الأب أو الجد ساقطة عنها منذ زواجها وإلى الأبد. فتختار لنفسها ما تشاء بالمعروف..
لقد أنقذ الإسلام المرأة إلى حدٍ بعيد من التقاليد والخرافات التي كانت سارية في عصر الجاهلية حتّى أنّ ظنّ جواز زواجها حتى في أيام العدّة.. وجاءت إحدى النساء اللاتي كنّ يظنن جواز ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تطلب الإذن منه بالزواج المجدّد حيث سألته مباشرة عن إمكانية استعمال الزينة في وجهها.. فقال لها النبي صلى الله عليه وآله فيما قال : أنتن عجيبات أيتها النساء، فقد كنتن قبل الإسلام تعتددنَ قبل الإسلام إلى آخر أعماركنّ أحياناً فلا تغتسلن حتّى.. وحيث رعى الإسلام حرمتكن لما فيها من حرمة العائلة، لم تعدن تطقن مدة العدة القصيرة!!(1)
حيث ورد في المسائل الشرعيّة وجوب الالتزام بمدة العدّة وإن تم التأكد من عدم الحمل.. كما تقرّر البدء بالعدّة من يوم علم المرأة بوفاة زوجها ولو كان ذلك بعد شهور. ممّا يشير إلى أن الحكمة من أحكام عدة الوفاة هي حفظ احترام العلاقة الزوجية، رغم أن مسألة الحمل مسألة محترمة في هذه الأحكام..
1) تفسیر نمونه، ج 2، ص 194
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)
1 - الإسلام دين فطري والإنسان يميل إلى الزواج بفطرته، ولذا ترى الإسلام يجيز الإسلام هذا الميل وتفعيله حتى في وقت العدة بالكناية لئلّا تجرح مشاعر أقارب الزوج المتوفّى.. لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ.
إنّ الحكم بجواز خطبة المرأة المتوفّى عنها زوجها بشكل الكناية في هذه الآية، هو في الواقع حفظ لحرمة الزواج السابق، وحفظ لحق المرأة الثيب في تعيين مصيرها ومستقبلها.. فهو حكم عادل ومقرون بحفظ حرمة واحترام الطرفين.. وهو في - في حقيقته - أمر طبيعي؛ حيث تفكّر المرأة بعد موت زوجها بمصيرها.. ولعلّ من الرجال من يفكر بالزواج منها (لسهولة هذا الزواج ) فمن جهة؛ يجب حفظ حرمة الزواج السابق؛ فاهتم هذا الحكم الدقيق بهذا الأمر بصورة مدروسة ودقيقة.
2 – لابد من الاهتمام بالغرائز والإثارات النفسية، وبدلاً من ردع هذه الغرائز، لابد من إرشاد الشباب.. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا.
3- يعلم من قوله تعالى: وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّافضلاً عن الامتناع عن الخطبة العلنية، عدم صحة لقاء المرأة المتوفى عنها زوجها في الخفاء.. والمفروض هو الخطبة الصريحة بشرط أن لا تتمّ خلافاً للآداب الاجتماعية والموضوعية؛ حفظاً لموضوع وفاة الزوج، أي: ضرورة أن تتم الخطبة بالكناية..
من وجهة النظر العقليّة وبالالتفات إلى عوامل الزمن والظروف؛ فإن تقديم الاقتراحات يعد أصلاً، ولهذا؛ فإنّ خطبة المرأة الملكومة في أيام عدّتها بصراحة بمثابة نوع من انعدام الذوق والأدب والوقاحة لاتَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا.
4 - عَرَّضْتُمْ من مادة التعريض، وعلى حد قول اللغويين: هو بمعنى الكلام الحامل لوجهين.. الصدق والكذب أو الظاهر والباطن.. وحسب الطبرسي في (مجمع البيان: إنّ التعريض ضدّ التصريح، وفي الأصل هو مأخوذ من العرض(1)أي : الاعتزال والعزل..
5 - وقد ذكرت في الروايات لدى تفسير هذه الآية وبخصوص الخطبة بشكل غير صريح، أو بالمعروف كما يقول القرآن.. ذكرت أمثلة ونماذج.. منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في القول المعروف كأن يقول الرجل للمرأة التي يريد خطبتها:«إنّي فيك لراغب وإنّي للنساء لمكرم فلا تسبقيني بنفسك »(2)وشبيه ذلك؛ كما ورد في كثير من كلمات الفقهاء.
ومع أنّ الآية أعلاه وردت بعد آية عدة الوفاة، إلّا أنّ الفقهاء قد صرحوا أن الحكم المذكور ليس خاصاً بعدّة الوفاة، بل هي شاملة لغير حالة الوفاة، بما في ذلك عدة الطلاق.
وقال بعض العلماء، مثل الفقيه المحدّث المعروف صاحب (الحدائق): التعريض والكناية لخطبة المرأة المعتدّة عدّة الطلاق الرجعي حرام، أما بالنسبة للمرأة المطلقة غير الرجعيّة جائز من زوجها أو غيره، ولكنّ التصريح بذلك غير جائز للجميع.(1)
6 -وَلَا تَعْزِمُوامن مادة العزم، بمعنى القصد، وحين يقول القرآن: وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ أي: في أيام العدّة، إذ لا يجوز تحديث النفس بالزواج ونيته حتى، وعليه؛ يجب ترك الزواج في هذه الأيام على سبيل الحتم.
الأمر بالتقوى والورع واجتناب هذا الأمر المشكوك وغير الصحيح وأمثاله على أي حال، لاسيما في مسائل الزواج، هو محط اهتمام الإسلام فَاحْذَرُوهُ.
والمسلّم هنا هو أنّ عقد الزواج في العدّة باطل، بل إذا تمّ ذلك سبيل العمد، حرمت المرأة حرمة مؤبدة.. وقد قال سبحانه تبعاً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم.
1) الكشف و البیان، ج 2، ص 177
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)
1 -الْمُوسِعِ في اللغة هو القادر، والْمُقْتِرِ فارغ اليد، والكلمة مأخوذة من مادة القتر بمعنى البخل وضيق النظر أيضاً، مثل:وكان الإنسان قتوراً.
في حالة توصل الرجل أو المرأة والرجل بعد عقد الزواج وقبل الدخول أو قبل تعيين المهر إلى عدم إمكانية التفاهم وعدم العيش معاً، فإنّ الأفضل أن يتطلّقا أثناء العقد.. ومثل هذا الطلاق ليس لا إشكال فيه، بل هو صحيح (ولعلّه يحول دون مفاسد أكبر) ذلك لأنّ الأمر سيكون أكثر عسراً بعد ذلك: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً.
2 - إذا انتهى الاختلاف إلى الطلاق أثناء العقد ولم يحدد المهر ولم يحصل الدخول، فإنّ من الخير أن يقدّم الزوج هديّة للزوجة بما يناسب شأنها بعد الطلاق..ويلاحظ حال الرجل مالياً فى هذا الإهداء..لاسيّما وأنّ الهديّة يلاحظ فيها حال الطرفين المهدي والمهدى إليه عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ.
وإنّ احترام الشؤون الاجتماعية للزوج أمر لازم، وكلمة الْمَعْرُوفِ تعني الهدية طبقاً للعرف وحال المجتمع مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ.
وجملة مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ يمكن أن تكون إشارة إلى الهديّة المناسبة والبعيدة عن
الإسراف والبخل وحال المعطي والمعطى.
3 - حيث الهدية بعد الطلاق تقدم للمرأة من قبل الرجل يمكنها أن تترك أثراً مفيداً في ردع مشاعر الانتقام وابتعاد المرأة عن المشاكل الروحية ومرارة الطلاق التي قد تظهر لها بفعل العلاقة الزوجية.. ولهذا؛ عرّفت الهديّة في هذه الآية على أنّها تنشأ من روح الإحسان من جهة الرجل، وقالت: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ أي أنّ العمل الصالح يجب أن يكون مقروناً بروح الإحسان والمسالمة.. والتعبير بالمحسنين في هذه الآية ليس من أجل أنّ الحكم المذكور غير ملزم، بل من أجل إثارة المشاعر الخيّرة للأفراد في إطار إنجاز هذه الوظيفة والتكليف، وإلّا؛ فإنّ الحكم ملزم كما تمت الإشارة..
4 - عبر القرآن في هذه الآية عن هدية الرجل للمرأة ب-مَتَاعًا والمتاع في اللغة هو الشيء الذي ينتفع ويتمتع به الإنسان، وغالباً ما يستعمل في غير المال والعملة النقدية، ذلك لعدم إمكانية الإستفادة المباشرة من العملة النقديّة، بل ينبغي استبدالها بمتاع وشيء من الطعام أو الثياب أو الأرض أو الأثاث والزينة وباقي ما يصح أن يملك.. ولهذا الموضوع أثر مميز من حيث الحالة المعنوية، كما هو أهداء الكثير من أشكال الهديّة كالطعام الملبس ونظيرهما وإن كان ذا قيمة غير عظيمة، ولو أننا استبدلناه بعملة نقدية لم يكن له ذات الأثر.. ولقد وردت روايات بهذا الصدد ويلاحظ أنها تتحدّث عن أنّ الأئمة الأطهار قد ذكروا نماذج من الهدية، مثل الثياب والطعام والأرض الزراعية.(1)
ويعلم من عبارة أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً في هذه الآية جيّداً أن تعيين المهر قبل الزواج الدائم أمر غير لازم ويمكن للطرفين أن يتوافقا عليه حتى بعد إجراء صيغة العقد.. كما يستفاد من العبارة أيضاً أنّ الطلاق إذا تم قبل تعيين المهر والمباشرة الجنسية. لم يجب المهر
1) راجع التبيان، ج 2، ص 269
وستكون الهدية بديلاً عن المهر.. كما أنّ عامل الزمان والمكان مؤثر في مقدار الهدية..
إنّ لعقد الزواج قدسية واحتراماً رغم عدم حصول المباشرة الجنسية.
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)
1 - طبقاً لهذه الآية التي هي بمثابة حكم قانوني. فإنّ المرأة تعطى الحق في حال أراد الرجل طلاقها.. إذ تستطيع المرأة أخذ نصف المهر تماماً مع عدم حصول المباشرة الجنسية (الدخول) اللّهم إلّا أن تعفو وتتنازل عن حقها( أو كانت صغيرة أو سفيهة)إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ.
2 - لا شكّ أنّ بمقدور الولي أن يعفو عن حق الصغير أو السفيه حين توجب مصلحتهما أن يتنازل عنه.
3 - المقصود من جملةالَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِولي الصغير أو السفيه، لأنّ له الحق أن يأذن بالزواج، ولكنّ بعض المفسرين رأوا أن المقصود منه هو الزوج، أي: إذا كان الزوج قد سلّم جميع المهر من قبل، كان له الحق أن يستعيد نصف المهر، إلّا أن يعفو. ولكن إمعان النظر في الآية يعلمنا أنّ التفسير الأول هو الصحيح، إذ الخطاب في الآية متوجّه إلى الزوج وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ الذي عليه تقديم نصف المهر ، وليس ذلك على ولي الصغير والسفيه الذي جرى الحديث عنه بفعل الغائب أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وليس من
المناسب أن يكون المقصود هم الأزواج.
4 - عبارة : وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ خطاب إلى عموم المسلمين الذين لا يغفلون عن الروح الرجولية والجود في جميع الموارد والأحوال.
5 - فسّر هذه الآية في الروايات أنّ الأئمة عليهم السلام أشاروا إلى أنّ المقصود في العبارة القرآنيّة هم أولياء الزوجة.. (1)وبطبيعة الحال، فقد يقع في حالات أن يتأثر الزوج وتجرح مشاعره ومشاعر أقربائه لدى الإصرار على أخذ نصف المهر قبل الدخول. ولعلهم يعمدون إلى الانتقام، ويمكن أن تعرّض شخصيّة الزوجة إلى الإهانة والخطر.. وهنا يسعى أبو الزوجة - حفظاً المصلحة ابنته - إلى التنازل عن حقها..
6 - عبارة: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى إيضاح لوظيفة الرجال في قبالة نسائهم المطلقات، فإذا كانوا قد سددوا جميع المهر؛ فالأقرب للتقوى أن لا يستردوا منه شيئاً، وإن لم يكونوا قد أعطوه؛ فليعطوه، وليغضوا نظرهم عن نصفه الذي هو حقهم.. ذلك لأنّ المرأة أو البنت التي تطلق من زوجها بعد العقد أو قبل الدخول تتعرّض لحالة نفسية ولمشاكل اجتماعية وروحيّة ،ولا شكّ أنّ تنازل الزوج عن النصف أو تقديمه جميع المهر يكون بمثابة العلاج لجراحها..
جذوة القول في جميع الآية؛ أنّ التأكيد قد جرى على أصل المعروف والإحسان في هذه الأحكام.. لئلا يسير الطلاق ضمن مسارات النزاع والاختلاف وإثارة روح الانتقام.. بل لابد من تحکیم روح الإحسان والعفو، ذلك لأنّ الزوجين ما لم يستطيعا أن يعيشا معاً وانفصلا لأسباب معيّنة، فإنّ ذلك لا يكون دليلاً على أن تستولي عليهما العداوة والبغضاء..
1) مجمع البیان، ج 2، ص 597
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)
روي أنّ جماعة من المنافقين راحوا يتحججون بحرارة الجوّ لعدم المشاركة في صلاة الجماعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولبثّ الفُرقة بين المسلمين، حتى أن بعض المؤمنين امتنعوا - تبعاً للمنافقين - عن الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وآله فتضاءل عدد المصلين.. فانزعج النبي صلى الله عليه وآله لهذا الأمر وهددهم بالعقاب الشديد.(1)وقد نقل زيد بن ثابت كان ذات مرّة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي بالمسلمين صلاة الظهر وقد اشتد الحر.. وكانت هذه الصلاة أصعب ما يكون عليهم، حتى أن جماعتهم لم تكن أكثر من صفّبٍ أو صفين.. فنزلت هذه الآية مؤكدة أهمية صلاة الظهر (جماعةً).(2)
1 - قَانِتِينَ مشتقة من مادة القنوت، وقد وردت في معنيين:
ألف: الاتباع والطاعة.
ب: الخضوع والخشوع والطاعة.
ولكن لا يبعد أن يكون المعنيان هنا مقصودين؛ كما نقل في تفسير قوله تعالى: وقوموا الله
قانتين أن المقصود هو أداء الصلاة بخضوع والتفات(1وفي رواية أخرى أي قوموا مطيعين. (2))2- حيث أن الصلاة من أشد مصاديق العلاقة المؤثّرة مع الله تعالى، وحيث تؤدّى بشروطها الصحيحة؛ فإنّها تملأ القلب بحبّ الله .. وفي أجوائها يتمكن المصلي - بشكل أفضل وأسمى - من تطهير نفسه من أدران الذنوب، ولطالما أكد القرآن المجيد على هذاالمعنى والمنحى من جملة ذلك؛ قوله عزّ وجلّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىأي: جميع الصلوات؛ لاسيما صلاة الظهر، ولا ينبغي للحرّ والبرد ومشاكل الحياة ومتطلبات الأسرة أن تكون عائقاً دون أدائها وإقامتها والمحافظة عليها وإجلالها.. 3 - سؤال : ما المقصود منالصَّلَاةِ الْوُسْطَى؟
أورد في (مجمع البيان) ستّة أقوال، ونقل الرازي سبعة أقوال، وأورد القرطبي عشرة أقوال، أما صاحب تفسير (روح المعاني) فثلاثة عشر قولاً... فالبعض عدّها صلاة الظهر، وبعض صلاة العصر، وبعض صلاة المغرب، وبعض صلاة العشاء، وبعض صلاة الفجر، وبعض صلاة الجمعة، وبعض صلاة الليل أو ركعة الوتر خصوصاً.. وكان لكل من هذه الأقوال دليله ووجهته.. إلّا أنّ القرائن المختلفة التي بين أيدينا تبين أنها صلاة الظهر، إذ علاوة على أنّ صلاة الظهر الواقعة في أوسط اليوم.. فإنّ شأن النزول يشير إلى هذا المعنى، وهناك روايات عديدة عن أهل البيت عليهم السلام تؤكد هذا المنحى.. (3)
4- التأكيد على الصلاة بداعي أنّ الناس يخملون عن أدائها تبعاً لحرّ الهواء في منصف النهار في فصل الصيف، أو بسبب مشاكل المعيشة والعمل.. إلّا أنّ الآية أعلاه أوضحت أهمّيّة صلاة الظهر ولزوم المحافظة عليها.
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)
1-فَرِجَالًاجمع راجل بمعنى الواقف على رجليه. ورُكْبَانًا جمع راكب، والمقصود هنا: أنّ لدى الخوف من هجوم العدوّ يمكن أداء الصلاة في حالة الركوب أو الترجّل، وفي حال الحركة والعمل..
2 - لا تنبغي الغفلة عن أداء الصلاة في أصعب الحالات والظروف؛ بما في ذلك الحرب.. ولكن في هذه الحالة تسقط العديد من شروط الصلاة، مثل استقبال القبلة والركوع والسجود بما يتعارف عليه، إذ يمكن أداؤها في حال الركوب أو الترجّل والإتيان بالركوع والسجود إيماءً وإشارة.. وهذه الصلاة يسمّيها الشرع صلاة الخوف كما هو الوارد في النصوص والكتب الفقهية فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا.
3 - ولا شكّ في أنّ هذا الحكم والتعليم الإلهي للهيئة التي تودّى فيها الصلاة خوفاً أو في حال الأمان يستدعى الشكر الله عليه والأداء بما أمر سبحانه وتعالى.
4 - روي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنّه ليلة صفين و هي ليلة الهرير لم يكن صلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند وقت كل صلاة - إلا بالتهليل و التسبيح و التحميد و الدعاء فكانت تلك صلاتهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة.(1)كما روي أيضاً
1) تفسير العياشي، ج1، ص 272
أنّ النبي صلى الله عليه وآله صلّى يوم الأحزاب إيماءّ.(1)وكذلك روي عن الإمام الكاظم عليه السلام لدى الإجابة عن سؤال جاء فيه: لو أن شخصاً خاف مهاجمة حيوان مفترس وقد حان وقت الصلاة - ضاق عليه الوقت - ولم يستطع الحركة خوفاً من إثارة الحيوان؛ فكيف يصلي؟ فقال(عليه السلام): يصلّي كما هو بوضعه ولو كان مستدبراً القبلة ويشير بالركوع والسجود واقفاً.(2)
5- مفهوم ومعنى هذه الآية يؤكّد على هذا المنحى وعلى أنّ المحافظة على الصلوات ليست في حال الأمن فحسب، بل تنبغي في كل حال، ليحصل الاتصال والعلاقة بين العباد وربّهم المتعال على الدوام، وبهذا يتجلّى اعتمادهم عليه وأملهم به واستعانتهم به سبحانه في تخطّي المشاكل ونجاحهم.
ويمكن أن يذهب البعض - مستشكلين - قائلين: أليس الإصرار إلى هذا الحد على أداء الصلاة شكلاً من أشكال التطرّف والمغالاة ؟ ولعل الإنسان يغفل في لحظات ما ولدى الدفاع عن نفسه أو تعرّضه للغرق مثلاً؟ ونقول : إنّ هذا النوع من التفكير تفكير خاطئ وسقوط كبير.. إذ الإنسان في حال الخطر أحوج ما يكون إلى رفدٍ روحي ودعم معنوي، أما إذا غلبه الضعف والخوف اقترب منه الفشل والهزيمة أيّما اقتراب.. وأيّ عمل أفضل من الصلاة والتعلّق بالله النافذ أمره في كل مناحي الحياة والوجود، والذي يتيسّر كلّ صعب بإرادته.. وهو سبحانه الي يقوّي من عزائم المجاهدين والمؤمنين والذين يلجؤون إليه في مواقع العسرة والخطر..
ولا ريب في أنّ الصلاة إذا ما أقيمت بجميع آدابها الخاصة وبحضور قلب - وهو روح الصلاة - كان له تأثير عظيم وانعكاس إيجابي على الفرد والجماعة، وتستطيع حلّ الكثير من المشاكل وأن تجنّب المجتمع أنواع وأشكال المفاسد، وتعين الإنسان في الحوادث الصعبة والمحرجة.
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)
1 - يعتقد كثير من المفسّرين أنّ نزول هذه الآية كان قبل الآية (234 - آية العدّة) وقبل آية الإرث، وبنزول هاتين الآيتين نسخت هذه الآية، وبعبارة أخرى؛ قد انتهى تاريخ العمل بها.. ولكنّ بعضاً آخر من المفسرين يذهبون إلى أنّ آيتي العدّة والإرث تناولتا المقدار الضروريّ والواجب، وأنّ - مثلاً - زوجة فلان لها مقدار من الإرث وعليها ان تعتد الفترة الكذائية على سبيل الوجوب .. ولكن يمكن اعتبار مفهوم ومؤدّى هذه الآية - إلى جانب التكليف الواجب - عملاً مستحبّاً، بمعنى أنه علاوة على مدة العدّة.. إذا ما أرادت زوجة المتوفّى البقاء في بيتها سنةً كاملة، وجب أن تعطى نفقتها في هذه السنة من ثلث الإرث فضلاً عن سهمها من الإرث، إذ لها ما يناسبها من حق الوصية (1).
وقال المرحوم الطبرسي في مجمع البيان: ينقل عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الناس في الجاهليّة كانوا يعطون زوجة المتوفّى نفقتها من مال زوجها ثمّ تخرج من بيتها من
1) اطيب البيان، ج 2، ص 490 و491.
دون أن تعطى شيئاً من الإرث، ثمّ إنّ الآية (الخاصة بإرث الزوجة) أسقطت الربع والثمن ونسختهما، إضافة إلى وجوب إعطائها نفقتها في مدة عدّتها من الإرث وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ.(1)
إذ يجب ضمان مستقبل النساء المتوفّى عنهنّ أزواجهن متاعاً إلى الحول.
2 - عبارة فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ دليل على أنّ نفقة الأرملة إلى سنة كاملة من جملة حقوقها على ورثة الزوج. وإن لم تختر المرأة البقاء في بيت زوجها والاستفادة من النفقة، فليس أحد من الورثة مسؤولاً عنها، وكذلك إذا أرادت الزواج من رجل؛ فلا مانع يمنعها عنه: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ.
لكي لا تقلق الزوجة على مصيرها، فقد واستها الآية الشريفة، وتأكد لها أنه سبحانه وتعالى قادر على أن ييسر لها أمورها بعد فقدانها زوجها، ولو أنّها تعرّضت لعسر ومصيبة ما؛ فلا ريب أنّ ذلك حكمة ربانية وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
1) مجمع البیان، ج 2، ص 602
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)
1 - مع أن ظاهر الآية شامل لجميع النساء المطلقات، ولكن بقرينة الآية (231) السالفة، فإنّ هذا الحكم بخصوص النساء اللاتي لم يحدّد لهن المهر أثناء العقد فيطلقن قبل الدخول، وهو في الحقيقة تأكيد على الحكم المذكور درءاً للغفلة عنه.
2 - يمكن أن يشمل الحكم بإعطاء الهدية جميع النساء المطلقات ممن لم يحدّد لهن مهر حين العقد فتطلق إحداهن قبل الدخول، وهذا الحكم هو أحد المسائل الواردة على سبيل الاستحباب وعلى أية حال؛ فهو أحد الأحكام والتعاليم الإنسانية التامة التي وردت في الإسلام؛ وذلك لتوقي الرغبة في الانتقام وتكريس الحقد الناشئ عن الطلاق.
وذهب بعض العلماء إلى أنّ تقديم الهدية لجميع النساء المطلقات أمر واجب؛ وأنّه منفصل عن المهر، ولكنّ الظاهر أن لا أحد من علماء الإمامية قائل بهذا القول ( وقد صرّح المرحوم صاحب الجواهر بأن إجماع علماء الشيعة منعقد على عدم وجوب الهدية المذكورة إلا في هذا المورد الخاص).
كما احتمل أن يكون المقصود من الهديّة المناسبة هو النفقة.. وهو احتمال ضعيف جداً.
وطبقاً للروايات الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام أنّ الهديّة تقدّم بعد انتهاء العدّة والانفصال التام، وليس في عدة الطلاق الرجعي، (1)وبعبارة أخرى: تكون الهدية بمثابة وداع وتوديع؛ لا وسيلة للرجوع.
1) الكافي، ج 6 ، ص 105
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)
1 - المقصود من التفكير والتعقل أن يكونا عامل حركة ودفع الإنسان إلى العمل والتطبيق، وإلا فإنّ التفكير لوحده بالأحكام لا يثمر شيئاً.
وعلى أساس ما يعلم من التحقيق في الآيات والروايات فإنّ العقل يستعمل حين يقترن إلى الإدراك والفهم وإلى العواطف والأحاسيس ثمّ يتبع ذلك العمل.. فمثلاً: إذا كان القرآن وفي كثير من البحوث الخاصة بمعرفة الله تعالى وإيراده مصاديق عن نظام الخلقة العجيب لهذا
العالم يقول إنّه قد بين لكم كلّ ذلكلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فالهدف ليس مجرد تحصیل معلومات عن نظام الطبيعة وتكريسها في الذاكرة، ذلك لأنّ معرفة أسرار العالم ما لم تؤثر في القلب والعواطف؛ ولم تخلق معرفةً بالله وتكرّس حبّها له سبحانه، وهو خالق هذا العالم، فإنّ أيّاً من الصلة والتواصل مع المسائل التوحيديّة ومعرفة الله تعالى لن تكون ولن تتأتى، وكذلك لن تكون معرفة العلوم والمعلومات مفيدة للإنسان ما لم تأخذ بعداً عملياً.. فحيث تطبّق؛ توسم بكونها تعقلاً ..
يقول المرحوم الطباطبائي في (الميزان):
يأخذ التعقل مساحة عملية حيث يرد الإنسان بالفهم والإدراك مرحلة العمل. وهناك آیات قرآنية تشهد على هذا المطلب، إذ يقول تعالى:وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(1)وكذلك قوله تعالى:أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ
1) سورة الملک / 10.
بِهَا(1)(2). ذلك لأنّ المجرمين في يوم القيامة حين يتمنون لو أنهم كانوا تعقلوا في الدنيا - التعقل المقرون بالعمل - أو إذا كان الله تعالى يقول : ليسر الناس ويسيحوا ويطلعوا على أوضاع العالم؛ ليفهموا أن المقصود بالفهم والإدراك هو تغيير مسارهم عن العناد إلى الحق والمعرفة.. ولو أنّ الإنسان لم يطرد لدى ارتكابه الذنوب ما كان من الممكن أن تظهر آثار التفكير والتعقل في عمله، كما أنه ليس من الممكن لإنسان عاقل أن يتناول طعاماً مسموماً مع علمه التام بكونه مسموماً، اللهم إلا في حال اختياره فعل الانتحار، أو كان مطمئناً بناجعيّة الدواء في القضاء على تأثير السم، أو امتناعه عن تناول الدواء مع علمه بفاعليته في القضاء على مرضه العضال.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)
انتشر الطاعون في إحدى مدن الشام وقضى على الكثير من الناس بسرعة عجيبة.. فعمد جماعة - على أمل التخلّص من براثن الموت - إلى ترك ديارهم.. وبعد فرارهم وخلاصهم من الموت طغى عليهم الشعور بالقدرة والاستقلال وتجاهلوا الإرادة الإلهية بزعمهم أنّ خلاصهم من الموت كان نتيجة تفكيرهم ونتيجة بعض العوامل الطبيعيّة، فتكبّروا وأصيبوا بالغرور الكاذب.. ولكنّهم فوجئوا مرّة أخرى أنّ الإرادة الإلهيّة قهرتهم وأماتتهم في تلك الصحاري التي فروا إليها!!(1)
1 - هذه الآية؛ وبناءً على شأن نزولها، إشارة مختصرة وتربوية في نفس الوقت.
وكما يفهم من بعض الروايات، أن أساس وسبب تفشي الوباء المذكور في تلك الأرض من بلاد الشام> كان عقوبة لقوم فضّلوا الفرار من الحرب العادلة ضدّ بعض الظالمين بحجة مرض
1) التفسير الكبير، ج 6، ص 495
الطاعون، فأصابهم الله بالطاعون الذي تحججوا به كذباً وزوراً.. فواصلوا فرارهم منه، ولكنّ الله تعالى قضى عليهم بالفعل بوباء الطاعون في الصحراء التي فرّوا إليها.. وانقضت مدّة زمنية حتى مر بجثثهم النبي حزقيل عليه السلام، وهو أحد أنبياء بني إسرائيل، فطلب إلى الله تعالى أن يعيدهم إلى الحياة، فاستجاب الله له وأحياهم من جديد..(1)
2 - من المسلّم به أنّ التعبير بالقول:أَلَمْ تَرَ يستعمل في الأدب العربي حينما يراد تجسيد المطلب بشكل تام وعرضه على أنه أمر واضح.. فيخاطب المستمع بالقول: أَلَمْ تَرَوإن كان المخاطب عالماً به أصلاً؛ مثل النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله، فيما المقصود هنا هو عموم الناس الذين يقرؤون ويطالعون النصّ القرآني هذا، ويمكن أن يكون مفهوم هذا التساؤل الدعوة إلى مطالعة التاريخ والاعتبار بدروسه..
3 - رغم أن الآية أعلاه لم تشر إلى عدد دقيق، واكتفت بوصفه بمفردة أُلُوفٌ .. إلّا أنّ بعض الروايات عدّتهم بعشرة آلاف وبعضها أحصتهم بسبعين أو ثمانين ألفاً..(2)
2 - واضح أن المقصود بكلمةمُوتُوا ليس مجرد أمر لفظي بمقدار ما هو أمر تكويني، إذ الله عزّ وجلّ له الحكومة المطلقة على جميع جوانب الحياة وعالم الوجود، أي أنه سبحانه وتعالى قد وفّر أسباب الموت، فقضوا جميعاً بسرعة بالغة.. وهذا الأمر كمثيله الوارد في الآية
(82) من سورة يس المباركة التي جاء فيها : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
5 - قوله سبحانه:ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إشارة إلى إعادتهم إلى الحياة بدعاء حزقيل عليه السلام، وبما أنّ إعادتهم إلى الحياة أحد النعم الإلهيّة الجليّة (من وجهة نظرهم ومن حيث عبرة الناس)...
وجاء في خاتمة الآية: إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَولا ريب أنّ هؤلاء الذين تم إحياؤهم ليسوا الوحيدين؛ بل إنّ جميع الناس مشمولون بألطاف ربّ العالمين، ولكن أكثرهم لا يبلغون بأنفسهم إلى المستوى المتوقع لفهم الحكمة من النعمة؛ فلا يقابلونها بالشكر الذي هو من أبرز وأظهر عناوين الحكمة والعقل والإدراك..
6 - سؤال : ترى هل أنّ هذه القصة كانت حادثة تاريخية ؟ أم أنها من قبيل ذكر الأمثال لتجسيد حقائق علمية في إطار حسّي؟
حيث الواقعة المذكورة تميزت بناحية غير عادية، وكان فهم أبعادها صعباً على بعض المفسّرين، فقد أنكروا ،وقوعها، وعدّوا المقصود من الآية مجرّد مثال لتجسيد حقيقة علميّة وعقليّة.. فتناولوا بالقول: إنّ جماعة من الناس تخاذلوا عن مواجهة عدوهم فانهزموا ، ثمّ إنّهم تعلّموا الدرس ونهضوا وتوجهوا إلى الحرب والصراع مجدّداً.. فانتصروا في نهاية المطاف.. وعلى أساس هذا التفسير كان استعمال كلمة مُوتُوا في الآية كناية عن الهزيمة بداعي التخاذل والخمول، وأنّ كلمةفأحياهمإشارة إلى اليقظة التي أدت إلى الانتصار؛ وهو الحياة.. وقد أورد أصحاب هذا التفسير بعض الروايات، فشرحوها على اعتبار أنها حادثة تاريخيّة. وهي روايات موضوعة غير صحيحة!
ورغم أنّ الاستفادة من مسألة الهزيمة والانتصار بعد التخاذل واليقظة الواردة في الآية المذكورة أعلاه يعدّ موضوعاً مثيراً، إلّا أنّه لا يمكن إنكار أنّ ظاهر الآية ورد في إطار تصوير وبيان حادثة تاريخية وليس مجرد مثال... لأنّ هذه الآية تحكي قصة جماعة قديمة مات أفرادها بعد فرارهم من حادثة مرعبة، ثمّ إنّ الله أحياهم.. ولو كان غير طبيعية هذه الحادثة سبباً لتبرير ذلك، لوجب سوق جميع معاجز الأنبياء والأئمة إلى هذا المنحى، إذ علاوة على إنكار تلكم المعاجز؛ لزم أن تنكر أغلب المباحث التاريخية القرآنية واعتبارها من قبيل التمثيل والكناية
والرمزية حسب العبارة المعاصرة.. فمثلاً هناك قصة هابيل وقابيل كان ينبغي اعتبارها مثلاً
ورمزاً للمواجهة بين العدالة المطالبة بالحق وبين الظلم والقساوة، وفي هذه الحال تفقد جميع البحوث التاريخيّة القرآنية قيمتها.. بالإضافة إلى عدم صحة تجاهل جميع الروايات التفسيرية الواردة بهذا الصدد، ذلك لأنّ منها ما هو معتبر صحيح، ولا يجوز وصفها بالوضع وكونها من الاسرائيليات...
7 - لعلّ أهم ما يمكن فهمه من الآية الشريفة هو درس العبرة القائل بخطأ تصوّر الفرار والتهرب من تحمّل المسؤوليات الحقة بتبريرات باطلة متعدّدة قادراً على توفير وتحقيق الأمن أو إمكانيّة مقاومة القدرة الإلهيّة.. إذ الله تعالى قادر على القضاء على المتخاذل بأبسط سبب
ووسيلة، مثل جرثومة الطاعون والوباء عموماً وبسرعة خاطفة بحيث يعجز أخطر الأعداء وأقواهم عسكرياً عن فعل ما تفعله..
8 - ومن النقاط التي يمكن الاستناد إليها عبر هذه الآية ما تصرح به عقيدة الإماميّة بالرجعة والعودة إلى الدنيا ) حيث تعود جماعات من الناس الماضين إلى الحياة ولهذا؛ فقد استدل المرحوم الشيخ الصدوق بهذه الآية على عقيدة الرجعة، وقال: من عقائدنا الإيمان بالرجعة، وقد رأينا في تاريخ الماضين موارد من أن أفراداً رجعوا بعد الموت إلى هذه الدنيا، كما هي قصّة جماعة من بني إسرائيل الذين رافقوا النبي موسى عليه السلام إلى الطور، كما ورد في الآيتين (55 - 56) من سورة البقرة، وقصة العزير عليه السلام أو إرميا الوارد ذكرها في الآية (259) من هذه السورة ، وكذلك الواقعة المذكورة في الآية مورد البحث والتفسير حيث أشير إلى ذلك.. وعليه؛ فلا مانع من تكرار مثل هذه الحادثة في المستقبل.
إنّ قصّة هذه الآية يمكن أن تكون سنداً ووثيقة لإثبات مبدأ المعاد وعودة الأموات إلى الحياة في البعث والقيامة من وجهة النظر القرآنيّة.
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)
1 - قرأنا في الآية السالفة أنّ الفرار من الحرب ليس هو العلاج، وأنّ غضب الله تعالى يمكن أن يشمل آلاف الهاربين...
2 - تشير هذه الآية الكريمة إلى أنّ الموت والحياة بيد الله عزّ وجلّ، فلا بد من الجهاد في سبيله، وأن من الجدير بالإنسان المجاهد أن يعلم بأن أجره على الله، وهو سبحانه المطلع تمام الاطلاع على كلّ شيء، اقتضاء لخالقيته وربوبيته..
3- الجهاد تكون له قيمته حين يكون في سبيل الله، فلا شرعيّة لقتال يكون من أجل الانتقام واستعراض القدرة ، وإنّ استغلال وفتح البلدان ليس مقدّساً، بل هو فعل مضادّ للحالة القيمية قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ.
4 - الإيمان بأننا في محضر الله تعالى أقوى عامل وباعث على الجهاد في ساحة الحرب سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
5 - لا ينبغي التبرير للفرار من الجهاد، لأنّ الله تعالى عالم بنواياكم ويسمع أعذاركم سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
نقلوا في شأن نزول هذه الآية الكريمة أنه حينما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أعطى صدقة كان له في الجنة ضعفاها..
فقال أبو الدحداح: يا رسول الله لي بستانان؛ فإن تصدقت بأحدهما، هل سيكون لي في الجنّة ضعفاها؟ فقال: نعم. فقال: وهل ستكون أم الدحداح معي؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم. فقال أبو الدحداح: وأولادي أيضاً؟ فقال: نعم. ثمّ إنّه تصدق بأحدهما وقدمه لرسول الله صلى الله عليه وآله.. فنزلت هذه الآية وضاعفت عليه صدقته ألفي ضعف، وهذا معنى قوله تعالى: (أَضْعَافاً كَثِيرَةً) ثمّ إنّ أبا الدحداح عاد ورأى زوجته وأولاده في ذلك البستان الذي تصدق به، فوقف عند بابه حيث لم يرغب بدخوله، فنادى على زوجته قائلاً: لقد تصدقت
بهذا البستان واشتريت به ضعفيه في الجنّة وستكونين وأولادنا فيه، فباركت له زوجته ما باع وما اشترى.. ثم خرجوا جميعاً من البستان وسلّمه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال النبي صلّى الله عليه وآله: كم هي كثيرة نخيل في الجنة وقد تدلّت سعفاتها لأبي الدحداح !(1)
1 - إقراض الله تعالى بمعنى الإنفاق في سبيل الله، حيث يشمل كلّ إنفاق، ومنه الإنفاق
1) مجمع البیان، ج 2، ص 608
في إطار الجهاد في سبيل الله ، إذ كان المعروف في حقبة صدر الإسلام أن يهيئ كلّ مقاتل ما يحتاجه الجهاد والقتال بنفسه، وبالأساس يكون الإنفاق في سبيل الله ومساعدة المحتاجين ورفد المحرومين يؤدّي هذا الدور في الجهاد، ذلك لأن الاثنين معاً يحققان استقلال وكرامة وعزة المجتمع المسلم.
2 - (كما قيل في اللغة فإنّ مجموع مفردتي (الضعف) على وزن (شعر) حيث تستعمل في معنى الضعفين أو الأكثر من (الضعفين)، وبالنظر إلى استعمال هذه المفردة بصيغة الجمع في هذه الآية ومع قرينةكَثِيرَةً فقد تم تأكيد ذلك ، مضافاً إلى كلمة يُضَاعِفَ التي هي تأكيد أكبر وأكثر.. يستفاد من كلّ ذلك أنّ الله تعالى يعطي المنفقين أجراً عظيماً، وأنّ الإنفاق في سبيل الله كما البذرة الطيبة الجاهزة التي تزرع في أرض طيبة جاهزة، وبالمطر المتوالي تعطي أضعافاً مضاعفةً للغاية من المحصول..
3 - قوله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ إشارة إلى خطأ التصوّر بأنّ الإنفاق يقلّ من المال، ذلك لأنّ سعة الرزق وقلّته بيد الله تعالى، وهو القادر على إعطاء ما يعادل المقدار المنفق أضعافاً مضاعفة، بل إنّ الأموال التي يتم إنفاقها - وبداعي العلاقة العميقة بين أفراد المجتمع المؤمن - تعود في نهاية المطاف إلى من أنفقها؛ هذه من الناحية الدنيوية، أمّا من الناحية الأخروية فلا ينبغي نسيان الأصل العقائدي القائل بأنّ الجميع راجعون إلى الله تعالى، وأنهم سينالون أجورهم هناك..
4 - مسألة: لماذا استعمل تعبير (قرض) في هذه الآية ؟
ورد التفسير في عدة آيات (ومنها هذه الآية) فيما يخص الإنفاق في سبيل الله بالقرض الله تعالى. وهذا منتهى اللطف من جانب الرب العزيز الكريم تجاه عباده من جهة، وتنويه إلى مدى أهميّة مسألة الإنفاق من جهة أخرى، مع أنّ الله هو المالك الحقيقي لكل الوجود، وما
الناس لدى ذلك سوى وكلاء مؤقتين له سبحانه.. يتصرف بجزء بسيط من المال، كما نقرأ في
الآية (7) من سورة الحديد: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ وما تنفقونه في سبيل الله يعود إليكم وعليكم، ولهذا؛ يقترض الله من عبده اقتراضاً فيه كلّ الربح والمنفعة. وقد جاء في (نهج البلاغة):« واستقرضكم وله خزائن السماوات والأرض وهو الغني الحميد، وإنّما أراد أن يبلوكم أيكم أحسن عملاً». (1)
1) نهج البلاغة، ص 268
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)
قبل الخوض في تفسير هذه الآيات، تنبغي الإشارة إلى جانب من تاريخ بني إسرائيل الذي نظرت إليه هذه الآيات:
فاليهود الذين ضعفوا وذلّوا من قبل السلطة الفرعونية تمكنوا - فيما بعد - من النجاة من ذلك الضعف والذلّ بفضل قيادة النبي موسى عليه السلام العبقرية التي استلها من التوجيه الإلهي والوحي السماوي المباشر، حتّى بلغوا مراتب القوة والاستقلال.. ولقد وهبهم الله تعالى ببركة نبيهم الكليم نعماً وفيرة كما لم ينعم على قوم من الأقوام، ومن جملة تلكم النعم ما سمّي بصندوق العهد وسرعان ما سنتناول بحث تاريخه ومحتوياته.. وكان بنو إسرائيل إذا ما حملوا هذا الصندوق في مقدمة جيشهم؛ أضفي عليهم معنوية عظيمة وسكينة عميقة تمكنانهم من دحر أعدائهم الكافرين في الغالب، وقد استمر هذا الحال في بني إسرائيل حتى بعد مدة
من وفاة رسول الله موسى عليه السلام.. إلّا أنّ الانتصارات التي كانوا يحققونها والنعم التي كانت تتوالى عليهم أدت بهم إلى التكبر والغرور؛ حتى انتهى بهم الأمر إلى التمرد على قوانين السماء والوحي الإلهي.. مما أدّى بهم إلى تجرّع مرارة الهزيمة النكراء على يد الفلسطينيين؛ ففرّطوا بقدرتهم وهيبتهم وبصندوق العهد المشار إليه.. وانتهى بهم الحال إلى التفرّق والاختلاف والضعف في مقابل أضعف أعدائهم.. الذين بدأ الكثير منهم بإخراجهم من أرضهم وأسر الجماعات الكثيرة منهم..
واستمر بنو إسرائيل بهذا الوضع سنين مديدة.. حتّى تكرّم الله تعالى عليهم أن بعث فيهم نبيّاً اسمه (إشموئيل) ليؤدّي دوره في إنقاذهم من واقعهم المرير ومن بطش أعدائهم بهم.. فاجتمعوا حوله وطلبوا إليه أن يسأل الله تعالى ليختار لهم قائداً فذاً وليجاهدوا بين يديه ويقاتلوا تحت رايته ليستعيدوا عزتهم وكرامتهم الضائعة..
ولكنّ النبي إشموئيل عليه السلام الذي كان عارفاً بشأنهم وبخوائهم وضعف همتهم أعرب لهم عن خشيته من تمردهم إذا دعاهم قائدهم المتوقع إلى الجهاد والقتال وما في ذلك من تفاصيل توجب عليهم الصبر والمقاومة بوجه عدوّهم.. فما كان منهم إلّا أن أعطوه العهد بالالتزام بأوامر وتوجيهات من سيكون ملكاً عليهم وقائداً لهم، لاسيما وأنهم قد أُخرجوا من ديارهم واحتلت أراضيهم وأسر أولادهم وذراريهم.
فتوجّه إشموئيل عليه السلام - بعد أن رأى بني إسرائيل قد عرفوا نقطة أو نقاط ضعفهم وذلّتهم وعزمهم على الانتصار لأنفسهم على الأقلّ - إلى ربّه المتعال ونقل إليه مطالب قومه.. فاستجاب الله تعالى دعاءه وطلب بني إسرائيل واختار لهم ملكاً قائداً اسمه طالوت. فقال اشموئیل عليه السلام بأنه يجهل من يكون طالوت هذا، فنزل عليه الوحي قائلاً إنّ الله تعالى سيرسله إليه، فإذا ما جاءه؛ وجب أن يملكه أمر بني إسرائيل وينصبه قائداً عسكرياً عليهم ويسلّمه راية الجهاد ضد الأعداء...
سؤال: من هو طالوت؟
جواب: كان طالوت رجلاً مؤمناً فارع الطول قويّاً ورائع المظهر ذا طاقة نفسية وروحية كبيرة، كما كان عالماً مدبّراً عميق الإيمان.. وقد عزا البعض تسميته بطالوت؛ لطول قامته..
ولكن مع كلّ ذلك لم يكن يتمتّع بشهرة تذكر، إذ كان يعيش مع والده في إحدى القرى الساحليّة يرعى أغنام والده ويعينه في أمور الزراعة.. وذات مرّة ضاعت بعض أنعامهم في الصحراء، فراح طالوت يبحث عنها وصديق له، فلم يجدها طيلة أيام بحثه حتى وصل مدينة
(صوف) فقال له رفيقه ها نحن وصلنا مدينة (صوف) وهي مدينة النبي إشموئيل فلنقصدنه عسى أن ننتفع منه أو يدلنا على موضع الأنعام..
وسرعان ما رآهما النبي اشموئيل حين دخلا المدينة، ومنذ أن تلاقت نظراتهما - اشموئيل وطالوت- مال قلباهما إلى بعض، وتعرّف اشموئيل على طالوت منذ اللحظة التي رآه فيها، وعلم أنه بعينه الشاب الذي اختاره الله لمهمة إنقاذ بني إسرائيل.. وحينما حكى له طالوت عن نفسه وسبب مجيئه إلى مدينة (صوف). قال له اشموئيل عليه السلام: أما الإغنام؛ ففي طريقها إلى قريتك ومرعى أبيك فلا تبتئس عليها، ولكنّني أطلبك لأمر خطير جداً وأخبرك بأن الله تعالى يحملك مسؤولية إنقاذ بني إسرائيل، فتعجب طالوت في بداية الأمر، ولكنّه خضع لأمر الله تعالى في نهاية المطاف شاكراً ربّه على هذا التوفيق والهدى..
أما النبيّ اشموئيل عليه السلام، فقد توجّه إلى قوم بني إسرائيل قائلاً: إنّ الله اختار لكم طالوت ملكاً قائداً وأوجب عليكم اتباعه وطاعته في أمر الجهاد.. ولكنّ بني إسرائيل الذين كانوا يتوقعون لملكهم أن يكون مشهوراً بينهم وذا نسب معروف وثروة طائلة، رفضوا طالوت المجهول بالنسبة إليهم، لاسيما وأنّه لم يكن من ذرّيّة لاوي بن يعقوب عليه السلام ولم يعرف عن أسرته أنها تضمّنت نبيّاً، كما لم يكن من ذرّيّة يوسف أو يهودا التي كان لها سابقة نبوّة أو سطوة، بل كان - كما روي - من ذرّيّة بنيامين غير العتيدة وغير الغنيّة - فأدى ذلك وغيره إلى
أن رفع بنو إسرائيل عقيرتهم بالاعتراض..
ولكنّ إشموئيل عليه السلام أعاد عليهم الكرّة مؤكّداً أنّ الله تعالى هو الذي اختاره بعد أن طلبتم ملكاً قائداً يخلّصكم من ظلم الجبارين، موضحاً أنّ طالوت يتمتع بصفات القيادة من حيث بسطة الجسم وغزارة العلم والحكمة.. ولذلك فهو أفضل من أي واحد منكم.. غير أنّ
بني إسرائيل طالبوا إشموئيل بآية وعلامة تأتيهم من قبل الله تعالى کدلیل علی انتخاب طالوت من جانبه سبحانه بالفعل.. فقال لهم إشموئيل: إنّ الآية في ذلك أنّ التابوت (صندوق العهد) وهو الذكرى العظيمة عن أنبياء بني إسرائيل والسبب في أمانكم وسكينتكم في الحروب سيعود إليكم من جانب الملائكة.. ولم ينقض وقت طويل حتى ظهر لهم صندوق العهد.. فرضي اليهود بقيادة طالوت لهم بعد رؤيتهم التابوت بأعينهم.
تسلّم طالوت زمام الملك والقيادة لبني إسرائيل، وخلال مدة قصيرة أثبت طالوت جدارته في إدارة شؤون مملكته وجيشه، ثم دعاهم إلى مواجهة الأعداء الجبابرة الذين كانوا قد عرّضوا الإسرائيليين لأنواع المخاطر، وأكّد لهم أنّ الذين سينطلقون معه هم من ينذرون أنفسهم الله تعالى وللجهاد في سبيله، وحذرهم من عدم الاستقامة.. فالتفت الجموع من حوله وتوجهوا لمنازلة الأعداء، فساروا إليهم.. وبداعي المشي الكثير؛ فقد شعروا بالعطش، فقال لهم طالوت بأنهم سرعان ما سيصادفون نهراً، وأنّ من سيشرب منه سيفشل في الامتحان الإلهيّ، اللهمّ إلّا من تناول منه اليسير بمقدار غرفة واحدة.. أي أنّ من سيرتوي من ماء النهر سيطرد من الجيش.. ولكن الكثير منهم ما أن وقعت عيونهم على ماء النهر - مورد الامتحان - حتى انكبّوا عليه ورووا بطونهم من مائه.. فعلم طالوت أنّ القليل من جيش بني إسرائيل من هم مطيعون لأمره، وأنّ الأكثريّة منهم من هم ضعيفو النفوس والإرادة.. فطرد أكثرهم عن مسيرته العسكرية إلى حيث العدوّ ، فانطلق بالعدد القليل من المؤمنين ممن كان في جيشه حتّى وقفوا بإزاء العدو.. فقال الكثير من هذا القليل بأنهم لا طاقة لهم بمقاتلة جيش العدو.. وكان
هذا الموقف امتحاناً آخر لبني إسرائيل.. ومرّة أخرى رأى طالوت خروج عدد آخر من قواته من ساحة المعركة، وما بقي معه إلا القلة القليلة المتصفة بعمق الإيمان والوعي التي كانت قلوبها مفعمة بحبّ الله وبامتثال أوامره، حيث لم يخف هؤلاء من كثرة عدد العدو ووحشيته ولم
يخشوا قلة عددهم فقالوا :لطالوت مرنا بما ترى فيه الصلاح ورضا الربّ الذي طالما نصر الفئة المنحازة إليه وإن كانت قليلة العدد على الفئة الظالمة مهما كانت كثيرة العدة والعدد..
خاض طالوت بجيشه القليل العدد العميق الإيمان والصبر والوعي غمرات المعركة الفاصلة، وهنالك طلب جالوت - وكان قائد الجيش الكافر - من يخرج لمواجهته من جيش طالوت.. وإذ خمدت الأنفاس وخاف الجميع مبارزة هذا القائد الرعديد.. انبرى إليه شاب يافع، وهو داود النبي عليه السلام الذي سرعان ما بادر إلى مواجهة جالوت الجبّار فرماه بحجر كان فيه خروج روحه ومقتله حيث أصابه في جبهته، فهوى إلى الأرض مجندلاً صريعاً بين صفّي الجيشين، فاستولى الرعب العظيم على قلوب أفراد الجيش الظالم حتى فروا من ساحة المعركة شرّ فرار وانتصر مؤمنو بني إسرائيل..(1)
1 - مفردةالملأ لغةً تعني الأشياء أو الأشخاص الذين يملؤون العين ويثيرون اهتمام المشاهد لهم، ولهذا؛ قيل للجماعة الكثيرة من ذوي الرأي والثقافة الواحدة ملا، وكذلك تطلق الكلمة على طبقة الأشراف في كل قوم وملة، ذلك لأنّ كلّ فرقة من هؤلاء وبداعي ميولهم
وكميتهم يملؤون العين..
2 - أنّ جماعة كثيرة من بني إسرائيل طلبت من نبيها - بصوت واحد - أن يعين عليهم ملكاً أو أميراً قائداً ليقاتلوا تحت رايته جالوت الذي أهانهم وقتل منهم الكثير وعرّض دينهم
1) تفسیر نمونه، ج 2، ص 230 إلى 234
واقتصادهم بل وكلّ وجودهم إلى أشكال المخاطر، وقد رأى البعض أنّ بني إسرائيل ذاك كان يدعى شمعون، وقال آخرون: بل كان إشموئيل، وهو الاسم المعادل في العربية: اسماعيل..
3 - بالالتفتات إلى أنهم أرادوا القتال لرفع الحيف والظلم عنهم وطرد العدوّ من أراضيهم التي كان صادرها واحتلها من قبل، واختاروا لقتالهم عنوان ( في سبيل الله) ومن هنا يتضح أنّ ما يعين على نيل الحرية وإنقاذ الناس من الأسر والظلم يمكن أن يشمله عنوان في سبيل الله هذا بالإضافة ألى أنّ القتال المذكور تحت يافطة الدين أيضاً.
4 - بعض المفسرين أحصى عدة الصامدين مع طالوت ب-(313) رجلاً، كما هم الأوفياء لنبیّ صلّى الله عليه وآله في معركة بدر.
5 - قال بعض المفسرين: أنّ نبيهم - اشموئيل - كان قليل الثقة ببني إسرائيل، حيث لم یکن يرى فيهم ملامح الصبر والاستقامة، فقال لهم لو صدر لكم أمر الجهاد؛ فلعلكم لا تقاتلون..قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا فقالوا لإثارة اطمئنانه لهم:قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ولكن مع كل الادعاءات والعهود والأيمان التي أخذت عليهم لم يفوا بما قالوا وتعهدوا، وهكذا وجدنا تتمة الآية تدينهم على غدرهم بنبيهم واستدبار عهودهم بالوفاء والصبر والاستقامة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)
1 - استجاب نبيهم للطلب الذي تقدم به عامة الناس، واختار لهم - بوحي الله تعالى - قائداً ملكاً عليهم وقال لهم: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً .
2 -طبقاً لهذه الآية؛ فقد كان اختيار طالوت قائداً عسكرياً وملكاً على بني إسرائيل في تلك المدينة من قبل الله تعالى، ولعلّ عبارةقَدْ بَعَثَ يستفاد منها أن طالوت لم يكن مجرّد قائد عسكري، بل كان الرجل الأول في المجتمع الإسرائيلي إذ ذاك، وهذا الموضوع كان مدعاة لأن يعارضه فريق من اليهود الذين قالوا:قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ المَالِ ؟ وكانت هذه المقولة أول ملامح الاعتراض والمخالفة التي واجه اليهود بها نبيهم حينذاك..
3 - مع أنّ بني إسرائيل كانوا يعلمون حقاً أنّ اختيار طالوت كان من قبل الله سبحانه
وتعالى؛ ولكنّهم في الحقيقة قد ردّوا على ربّهم واعترضوا على هذا البعث والاختيار والتنصيب لطالوت عليهم ملكاً، وأنّ ذلك إنّما تم من جانب النبي اشموئيل؛ وحقيقة اعتراضهم كان ينتهي إلى أنّ من يملك أمرهم يشترط فيه النسب الراقي وامتلاك الثروة الطائلة، فيما كان طالوت ينتمي إلى أسرة أو قبيلة يهودية بسيطة؛ مضافاً إلى كونه مجرد فلّاح يفتقر إلى الشرطين المذكورين.
4 - كان الردّ الإلهي القاطع الوارد في القرآن على هذين الشرطين الوضعيين المصطنعين من جانب منحرفي العقيدة اليهودية رائعاً، إذ جاء على لسان نبيهم اشموئيل:إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ بمعنى أنّ اختيار الله تعالى لطالوت كان بناءً على صفات أخرى غير تلك التي كان اليهود يتوقعونها ، إذ أنعم الله عليه بوفرة العلم والخبرة والكفاءة، إضافة إلى المنظر الجسماني المتكامل والقوّة البدنية العظيمة.. أي أنّ الاختيار الإلهي ذاك كان حكيماً. إضافة إلى خطئهم الكبير في غفلتهم عن الشروط الحقيقية والصحيحة في مسألة القائد والزعيم، حيث لا يعد شرط النسب الشريف - بزعمهم - والثروة العظيمة من ميزات الرجل القائد إلّا أنّ العلم والسلامة الجسدية ميزتان أساسيتان وواقعيتان في ذات القائد ولهما تأثير كبير وعميق فيه.
5- طبقاً لهذه الآية، فإنّ قيادة المجتمع يجب أن تكون على أساس العلم وتحديد المصلحة الاجتماعية فيما ينفع الناس، ثمّ تطبيق وتنفيذ الرأي بما يمتلك القائد من قدرات.. كأن يحدّد طبيعة المعركة فيرسم لها خطتها ثم ينبري إلى تحقيقها بما يمتلك من قوّة.
6 - التعبير بكلمة بَسْطَة إشارة إلى أنّ قيمة الإنسان رهينة بالعلم والقدرة.. وكلما زاد علم الإنسان وقابليته - وهذان الأمران بمثابة عنوانين عريضين يتضمنان تفاصيل عديدة - اتسعت لهما مساحة وجوده.. هذا بالإضافة إلى أنّ تقديم الآية العلم على القوّة الجسميّة يعكس مدى أهمية العلم وأولويته على القدرات المادية..
7 - يعلم من قوله سبحانه: وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ أَنّ الإمامة والقيادة اصطفاء إلهيّ وأنّ الله هو الوحيد القادر على تحديد الجدير بالقيادة.. فإن وجد الجدارة في أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله بالإمامة اختارهم، وإلّا اختار غيرهم.. وهذا هو المعتقد الذي عليه الشيعة
ويدافعون عنه..
8 - عبارةوَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُيمكن أن تكون تنويهاً إلى الشرط الثالث في القيادة، وهو: توفير الإمكانيات والوسائل المختلفة من قبل الله تعالى. إذ يمكن أن يكون القائد ذا علم وقدرة، ولكنّه في الوقت ذاته يفتقر إلى الاستعداد لتحقيق الأهداف والنهضة بالواقع الخاضع له، ومثل هذا القائد لن يحقق نصراً.. ومسار الآية الشريفة ينتهي إلى أنه تعالى يوفّر لمن يشاء ظروف النصر ووسائله( ويمكن أن يكون هذا الكلام تتمة لكلام النبي إشموئيل أو من جملة التعبير الإلهي في القرآن الحكيم).
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)
1 - هذه الآية توحي بأنّ بني إسرائيل لما يثقوا ويطمئنوا بعد إلى أن مهمة طالوت وتكليفه كان من قبل الله تعالى حتى بعد تصريح نبيهم اشموئيل.. لاسيما وأنهم طلبوا منهم أن يأتيهم بآية ودليل.. ولعلّه سبحانه وتعالى؛ ولكي يثبت صدق رسله وأنهم بعثوا من قبله؛ فقد جعل لكلّ منهم آية وشاهداً.. ومن هنا؛ جعل آية صدق نبي بني إسرائيل هذا وإخباره لهم بأنّ طالوت قد بعث بأمر الله تعالى.. أنّ طالوت سيأتيهم بالتابوت المنشود الذي طالما منّى الإسرائيليون أنفسهم برؤيته والقتال تحت مظلته.. وفيه السكينة.. وهو الذي يمثل المأثور عن آل موسى وآل هارون عليهما السلام، وهو الذي ستحمله الملائكة لقداسته.. وهذه علامة عظيمة من شأنها أن تخرس كلّ معترض؛ إن كان مؤمناً: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ... إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ.
2 - يمكن أن تكون إرادة الله تعالى في لزوم مرافقة المعجزة والآية والعلامة الربانية لكلّ نبي لإثبات كونه مبعوثاً من قبله.. فقد جعل آية التابوت الموسوي مرافقة لطالوت..
3 - التابوت لغةً هو الصندوق المصنوع من خشب مثلاً.. ولهذا يقال للصندوق الذي
تنقل فيه جنائز الموتى تابوتاً، ولكن ينبغي الالتفات إلى أن المعنى الأصلي للتابوت لا يختصّ بنقل الموتى، بل هو كل صندوق خشبي..
4 - طبقاً لتفاسير الإمامية ، وكذلك ما ورد في التوراة ( العهد القديم) والروايات المأثورة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام وأقوال بعض المفسرين مثل ابن عبّاس، فإنّ تابوت بني إسرائيل؛ أو (صندوق العهد) هو نفسه الصندوق الذي وضعت فيه أم موسى موسى عليهما السلام وألقته في اليم، فأخذه عمال فرعون وأخرجوا منه موسى عليه السلام إذ كان وليداً رضيعاً.. وقد احتفظ به البلاط الفرعوني حتى انتقل إلى بني إسرائيل فيما بعد.. وقد كان هؤلاء يتناقلونه كابراً عن كابر ويجلونه ويقدسونه ويتبركون به...(1)
5 - أما موسى عليه السلام فقد عمد في أخريات عمره إلى وضع الألواح المقدّسة المتضمنة لتعاليم الله إضافة إلى درعه وبعض أشيائه الخاصة في هذا الصندوق وسلّمه إلى وصيه يوشع بن نون.. وهكذا زاد اهتمام بني إسرائيل به وتقديسهم .له.. فكانوا يحملونه أمامهم في حروبهم، وكان له كل الأثر المعنوي في تحقيق الانتصارات.. ولذلك قيل: إنّ بني إسرائيل ما دام الصندوق في أيديهم كانوا يعيشون حياة فذة كريمة.. ولكن حيث ضعف فيهم الشعور والالتزام الديني بدأ الأعداء بإلحاق الهزائم بهم واحتقارهم وذلك حين سلبوهم هذا الصندوق المبارك ..(2)أما إشموئيل النبي، وطبقاً للآيات محط التفسير فقد بشرهم بعودة الصندوق - الذي طالما طلبوه وناحوا على فقدانه والتفريط به - إليهم على يد طالوت كآية على صدق مدعاه.. (3)
6- يفهم من قوله تبارك وتعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ
هَارُونَ: ألف كان صندوق العهد يحتوي على أشياء كانت تبعث السكينة في قلوب بني إسرائيل، كما كان له التأثير المعنوي الإيجابي في خضم الحوادث فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ.
ب: أنّ جملة من بقايا وآثار آل موسى وآل هارون عليهما السلام أضيفت فيما بعد إلى محتويات هذا التابوت ولابد من الالتفاتها إلى أنّ الی (سكينة ) هنا مشتقة من مادة السكون بمعنى الاطمئنان والثقة، أي: اطمئنان القلب والنفس.
7- العلّة في بشارة النبي إشموئيل عليه السلام لبني إسرائيل بعودة التابوت إليهم مرّة أخرى وما يتلوه من عودة الاستقرار النفسي إليهم، أنّ تابوت موسى عليه السلام كان في الحقيقة إضافة إلى بعده المعنوي والتاريخي، أسمى من كونه راية أو شعاراً لبني إسرائيل، بل كان بمثابة دليل وعلامة استقلالهم ووجودهم ولدى مشاهدتهم له كانت أعناقهم تشرئب إلى إعادة أمجادهم السالفة.. ومن الطبيعي أن يتضمن ذلك بشارة عظمى لبني إسرائيل.
سؤال: ما المقصود من حمل الملائكة للتابوت؟ وكيف تجيء الملائكة به؟
ورد في التأريخ - لدى الإجابة على هذا السؤال - وجاء في التفاسير أنّ التابوت الموسوي حين وقع في أيدي الوثنيين في فلسطين وحمل إلى معابدهم، فأدى ذلك إلى إصابة الكثير من هؤلاء الوثنيين بمصائب ومشاكل عديدة، فعزا عدد منهم تلكم المشاكل إلى تابوت فقرروا أخراجه من بين ظهرانيهم، ولكن أحداً منهم لم يجرؤ على حمله، فاضطروا إلى جزه بواسطة بقرتين ورميه بعيداً عن مدينتهم.. وقد قارنت هذه الحادثة تنصيب طالوت ملكاً قائداً على بني إسرائيل.. فأمر الله تعالى الملائكة بسوق البقرتين إلى مدينة إشموئيل النبي.. وحينما رأى اليهود تابوتهم المنشود عدوها آية وعلامة من قبل الله تعالى إلى طالوت.. وعليه؛ فإنّ البقرتين وإن كانتا تشاهدان تحملان أو تجرّان الصندوق؛ إلّا أنهما كانتا تفعلان ذلك بدفع من الملائكة في حقيقة الأمر، ولذلك نسب الفعل إلى الملائكة.
8- للملائكة في القرآن والروايات معانٍ واسعة، وفضلاً عن كونها موجودات روحانية عاقلة، إلّا أنّها في الوقت ذاته تنطوي على طاقات وقوى مجهولة في هذا العالم.
9 - تتضح في ختام هذه الآية حقيقة من عبارة إنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ مفادها أنه مع وجود الدلائل والآيات والمعاجز التي أثبتت مصداقية قيادة طالوت وكونه ملكاً مختاراً من قبل الله تعالى إلّا أنّ الثقافة التبريرية المستولية على طبائع اليهود - كما سيتضح في تفسير الآيات
اللاحقة - حالت دون تصديق ذوي الإيمان الضعيف، وما أكثرهم في الأمة اليهودية..
10 - هذه الآية تعدّ من أدلّة الشيعة الرائعة في الردّ على عقائد أتباع الوهابية ومبتدعيها من أمثال ابن تيمية وابن عبدالوهاب. وهي أنّ صندوقاً قد مش بدن موسى وألواحه وبعض أغراضه صار مقدّساً يبعث على السكينة، فلم صارت الصناديق التي توضع على قبور الأولياء مصاديق للشرك وخلافاً للقرآن؟ ولا ريب في أنّ تقديس الشيعة لهذه الصناديق وتوس بأضرحة أهل البيت عليهم السلام، وفضلاً عما فيها من سكينة، فإنّها في الحقيقة تضرّع وتقرب إليه سبحانه، لأنها تحمل بقيّة ممّا ترك آل محمد صلوات الله عليهم وليست عبادة لخشب أو آجر !!
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)
1 - انتصار أي جماعة منوط بمدى الانضباط وقدرة الإيمان والاستقامة بوجه العدو ومدى طاعة القائد، ولهذا كان الامتحان والاختبار المجدّد لبني إسرائيل ذوي السوابق السيئة في بعض الحروب واكتشاف مدى مقاومتهم وانضباطهم أمراً ضرورياً قبل مواجهة جيش الأعداء وقبل الانخراط في جيش طالوت.
2 - من الطبيعي لقائد مثل طالوت الذي واجه معارضة واضحة في قيادته وإن كانت قواته قد سلّمت - في النهاية لزعامته - في ظاهر الأمر مع استمرار التوتر في أنفسهم ومساحة تسليمهم الحقيقي لقيادته، فكان من الطبيعي أن يعرّض إلى بعض الامتحانات والاختبارات التي تكشف حق طاعتهم له من دونها، مثل ما ذكر في الآية من الامتحان في مقاومة العطش
وتحمّلهم له، ليتأكد فيما بعد طبيعة تحمّل المشاكل المستقبلية، مثل مواجهة سيوف العدوّ وعدم الهروب.. فكان حق القائد في ذلك حقاً طبيعياً ليتسنى له – منذ البداية - إشراك الجماعة الفاشلة في الامتحان الابتدائي أو طردهم فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وكان هذا هو الامتحان والاختبار الثاني التالي للاختبار الأول الذي أوجب على الراغب في الانخراط في جيش طالوت بأن يترك كل متطوع داره وتجارته وأمثال ذلك..
3 - صرخة الاعتداء الصادرة عن عدّة ممّن اجتازوا اختبار العطش وبعد عبور النهر
وانزعاجهم القائم على أساس قناعتهم بعدم قدرتهم على الصمود بوجه جيش العدو الكبير بداعي قلة عددهم.. كانت تلكم الصرخة دليلاً على وجود غير الجديرين بالجهاد ونيل الشرف العظيمفَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ.
4 - ردّ فعل العدد القليل من الذين آمنوا حقاً تجاه المعترضين الصارخين بوجه طالوت - كتعبير عن انهزامهم الداخلي السابق لخوض المعركة المصيرية - وإعلان الثلة المؤمنة حقاً بالاستعداد التام للمواجهة والوفاء لعهدهم مع طالوت والاستقامة في المعركة.. يشير إلى أنّ سبب هذا الإيمان وهذا الوفاء للقائد الإلهي - وطبقاً لهذه الآية - هو الإيمان الصادق والفعلي بالقيامة
والوعود الإلهية، إذ كانوا على درجة عالية من اليقين بأنهم حتّى وإن لم يحالفهم النصر؛ فإنّهم في نهاية الأمر صائرون إلى ربّهم المتعال، ولهذا تراهم أعربوا عن ثقتهم بالله تعالى الذي ينزل نصره ورحمته على الصابرين مهما كان عددهم وكانت عدتهم:قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
5 - قوله سبحانه:كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةً يشير بوضوح الخطأ في جعل الكم معياراً للنصر أو الهزيمة، بل لا بد من اعتبار عامل الكيف المعيار الأساس على الدوام، إذ طالما غلبت الفئة القليلة عدداً الفئة الكثيرة عدداً. وذلك بداعي ارتفاع معدل الإيمان والإرادة والتوكل على العنايات الإلهيّة في الفئة القليلة وخلوّ الفئة الكثيرة من هذه القيم
السامية ونظائرها..
6 - لاريب في أنّ يَظُنُّونَ هنا تعني (يعلمون) أي أنّ المتيقنين بالبعث والقيامة والوعد الإلهي بالنصر وأجر المجاهدين الصادقين إذ الظنّ في كثير من الموارد يرد بمعنى اليقين والعلم بل حتّى أنّ الإيمان بيوم القيامة الذي لا يصل إلى حدّ اليقين المطلق من شأنه أن يبعث في صاحبه روح الاندفاع نحو تحقيق أهدافه الحقة. كما أن الظنّ الطبيعي المتعارف يحرّض الإنسان على فعل ما يتوقع منه المنفعة المالية؛ مثل التجارة والزراعة والصناعة.
7- للإيمان درجات. ومع أن من كانوا مع طالوت قد نجحوا في اختبار العطش وكانوا مؤمنين بقيادته، إلّا أنّ الكثير منهم لم يكونوا يصلحون للقتال. إذ ليس كل مؤمن مقاتل، وإنّما المقاتل الحق من كان على يقين بلقاء الله تعالى يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو الله .
8 - الذين يخرجون من ساحة الامتحان الإلهي ناجحين هم القلة القليلة إِلَّا قَلِيلاً.
9 - الإيمان وبلوغ درجة لقاء الله الذي هو رضاه سبحانه بحاجة إلى بذل مطلق الجهد والاستقامة في الاختبار الإلهي وعدم الانجرار وراء اليأس في أجواء العبودية للربّ المتعال.
10 - ما أروع بالمؤمن أن يعلم أنّ صبره واستقامته سيكونان السبب في نصر الله تعالى له وفي تيسير جميع المصاعب وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250)
1 -بَرَزُوامن مادة البروز، بمعنى الظهور، فيقال للماثل في ساحة المعركة أمام الأعداء: برز للحرب.
2 - حينما وصل طالوت وجيشه إلى ما يقابل جالوت وظهروا واصطفوا إزاء ذلك الجيش
الوثني الجرّار رفعوا أيديهم بالدعاء إلى الله تعالى وطلبوا إليه ثلاثة مطالب:
الطلب الأول: الصبر وقوة التحمل والاستقامة في أعلى المستويات، وهنا تشير كلمة أفرغ وهي من مادة الإفراغ، كما يفرغ السائل من القدح فيخلو منه تماماً.. والقول رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا يعني الاعتماد التام على الله الربّ المعطي في أن يفرغ.
الطلب الثاني: أن يعطيهم الله من القوة والصمود بحيث لا تعمد أقدامهم إلى الفرار من ساحة المواجهة.. وفي الحقيقة، فإنّ الطلب الأول كان ذا بعد باطني ونفسي، وهذا الطلب فيه بعد ظاهري بدني، ومعلوم أنّ ثبات القدم من نتائج تكريس روح الاستقامة والصبر لدى المجاهد.
الطلب الثالث: النصر على الكافرين، وهو الذي يجسّد الهدف الأساس والنتيجة النهائية للصبر والاستقامة وثبات القدم.
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)
لم يتم تفصيل القول في كيفية قتل داود الشاب للقائد الظالم جالوت في هذه الآية، ولكن كأنّ الله تعالى أراد من ذلك الإشارة إلى قدرته هنا، وكيف أسقط ذلك القائد الجائر مع كلّ جبروته وجيشه الجرّار على يد شاب حَدِث وبسلاح يدوي بسيط جداً.
2 - قوله تعالى: وَآتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ كشف عن الحقيقة القائلة بأنّ الله هو مصدر علوم الأنبياء الربانيين، وهو سبحانه الذي يعطي كلّاً من رسله من الحكمة والعلم ما يناسب قابليته وما كلّفه به من مسؤولية.
3 - الضمير في هاتين الجملتين عائد إلى داود عليه السلام الذي هو الفاتح الحقيقي لتلكم الحرب؛ رغم أنّ ذلك لم تصرح به الآيات.. إنّه داود أبو سليمان عليهما السلام، ولكنّ قوله تعالى: وَآتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ
تشير إلى بلوغه مقام النبوة، ذلك لأنّ مثل هذا التعبير يستعمل عادة بخصوص الأنبياء كما ورد في الآية (20) من سورة صلّى الله عليه وآله التي جاء فيها عن داود عليه السلام:
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ. 4 - نقل في الروايات الواردة في تفسير هذه الآية ويعلم أنّ المقصود هنا هو داود عليه السلام نبي بني إسرائيل، إذ أريد به ما وهب من علم وتدبير في إدارة الحكم وصناعة الدروع والتجهيزات الحربية وأمثال ذلك..(1)ذلك لأنه تعالى يعطي كلاً حسب استعداده.
5 - أُشير في هذه الآية إلى قانون عام، وهو أنه تعالى الحافظ للأرض من أن تفسد بلطفه وإحسانه: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ وهذا القانون يدعى بقانون التدافع الاجتماعي والتاريخي..
صحيح أن سنة الله تعالى تقضي أنّ ثَمّ أصلاً في هذه الدنيا أصيلاً؛ وهو الحرّية في الإرادة والاختيار، وأنّ البشر أحرار في الاختيار بين الخير والشر. ولكن حين يتمادى طغيان الطغاة إلى الدرجة التي يبلغ بها الأمر إلى تعريض الأرض والحياة البشرية إلى الفساد والدمار العام.. يتدخل اللطف والإحسان الإلهي ليحول دون تفاقم الفساد وخطر دمار الأرض.. ولهذا؛ يختار الله سبحانه بعض عباده وينصرهم على الطغيان ويسقط ألوهية الطغاة المزيفة..
7 - ورد في الآية (40) من سورة الحج شبيه هذا المعنى:وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ وهذه الآية وأمثالها بمثابة البشارة للمؤمنين بأنّ عليهم توقع النصر الإلهي لدى تعرّضهم لضغوط الطواغيت والجبابرة..
سؤال: ترى هل تصلح هذه الآية لتكون إشارة إلى مسألة الصراع من أجل البقاء التي هي أحد الأصول الأربعة التي تضمنتها فرضيّة داروين القائلة بحتمية الصراع والنزاع بين البشر، وإلا سيطر الركود والخمول والفساد على كافة جوانب الحياة ولتراجع الناس.. ولكنّ النزاع المتواصل هو الضامن لبقاء الأقوى الذي يؤدّي فيما بعد إلى اختيار الأصلح والأنسب للقيادة
1) راجع تفسير العياشي، ج1، ص 134 و135
والتقدّم؟.
الجواب: أنّ هذا التفسير يكون ممكناً إذا ما قطعنا الصلة بين هذه الآية عما سبقها من آيات بما فيها الآية المذكورة من سورة الحج، ولكن مع الالتفات إلى مفاهيم الآيات السالفة يتضح بأنّ الآية محط التفسير ناظرة إلى الصراع مع الطغاة والظلمة والمفسدين الذين إذا لم يوقفهم الله عزّ وجلّ عند حدودهم، لأفسدوا كل الأرض.. ولما أصبحت الحرب هي الأصل الكلّيّ والعام في حياة الأجيال البشرية، ولما عاد الوقوف بوجه الطغاة أصلاً مقدساً.. هذا بالإضافة إلى أنّ ما يقال عن قانون تنازع البقاء والإشارة إلى أصول داروين الأربعة في مسألة تكامل الأنواع، ليس قانوناً علميّاً مسلماً به ومفروغاً منه، بل هي مجرد فرضية جرى إبطالها وتفنيدها. مع أن مؤيدي قضيّة تكامل الأنواع في العصر الراهن لا يعتمدون - أبداً - أصل تنازع البقاء، ويعدّون تكامل الأنواع متعلّقاً بمقولة القفزة، ولكننا لو افترضنا أننا اعتبرنا فرضيّة تنازع البقاء أصلاً علميّاً.. فعلينا أن نجعلها بخصوص حياة الحيوانات فقط دون حياة البشر التي لا يمكن بناؤها أو تصوّرها على هذا الأساس، لأنّ تكامل الإنسان رهين بالتعاون على البقاء دون .
التنازع ، ولا شكّ في أنّ شمول هذه الفرضية إلى بقاء حياة الإنسان في الأرض.. مجرّد حالة تفكير استعماريّة. وقد عدّها بعض علماء الاجتماع خطوة في إطار تبرير الحروب الدامية التي يتسبّب بها أثرياء العالم والحكّام الظالمون وصوّروها على أنها سنة وناموس طبيعي ووسيلة للتكامل البشري والمجتمعات الإنسانية.. وهكذا صاروا يغطون على جرائمهم بغطاء علمي وخدعوا بها من أراد لنفسه السقوط في الخديعة؛ فطبقوا الآية المذكورة أعلاه على ذلك، ولا بب في أنهم بعيدون عن التعاليم القرآنية، لأنّ القرآن يقول بكل صراحة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ريب ادْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافَّةً.
8 - ما يبعث على التعجب هو أنّ بعض المفسرين من أمثال مؤلف (تفسير المنار) أو
المراغي في تفسيره قد وقعوا بشكل مثير في فخ فرضيّة داروين القائلة بالصراع من أجل البقاء، حتى اعتبروها سنة إلهيّة، وفسروا الآية أعلاه بناءً عليها وذهبا إلى أنّ فرضيّة تنازع البقاء الداروينية هي في الأصل إبداع قرآني وليست من ابتكارات داروين.(1)ولكن! وكما قلنا؛ فإنّ الآية أعلاه ليست ناظرة إلى ذلك، وإنّ الفرضية الداروينية ليست أصلاً ولا أساساً، بل إنّ الأصل الحاكم على العلاقات الإنسانية هو التعاون من أجل البقاء وليس التنازع وإشعال الحروب والصراعات..
9- مع الأخذ بنظر الاعتبار إلى ما أوحت به الآيات السابقة، فإنّ عوامل انتصار أمة ما يمكن إيجازها بخمسة أمور:
ألف: وجود القائد الجدير: وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ.
ب: إطاعة المؤمنين والتابعين:قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ.
ج: التوكل على العون الإلهي: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله.
د: الصبر ومقاومة المشاكل والعقبات:رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا.
ه-: التحرّك بدافع إلهي: وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
1) تفسير المنار، ج 2، ص 496 و 497 وتفسير المراغى، ج 2، ص 227
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)
1 - في خاتمة الجزء الثاني من أجزاء القرآن الثلاثين يشير قول الله تعالى إلى أنّ الربّ
العزيز قد ضمن نصوصه القرآنية الحديث عن قصص عديدة في آياته السالفة عن بني إسرائيل، وأنّ كلّ واحدة منها مثل آية عن قدرة الله وعظمته (وهي منزهة عن كل خرافة وأسطورة )وقد نزلت من جهته تعالى على الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، وهذا الأمر لوحده كافٍ في إثبات صدق دعوى الرسول ونبوّته.
2 - أنّ قصص موت آلاف الأشخاص في لحظة واحدة، ثمّ إحياؤهم بدعاء النبي وإعطاء منصب القيادة لشاب مجهول ولكنّه جدير وعالم، وانتصار القلة المؤمنة على جيش الكفر الجزار، وشجاعة وشهامة شاتٍ في الحرب ومنحه مقام النبوّة.. كل ذلك وغيره مظاهر لآيات الله ودلائل صدق أقوال ورسالة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله..
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)
1- تِلْكَاسم إشارة إلى البعيد، ونعلم أنّ هذا التعبير يستعمل تارةً لدى احترام مقام الأشخاص، وهو للإشارة إلى أنّ مقام الأنبياء والمرسلين على درجة من السمو بحيث لا ينال: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
2 - وقع الاختلاف بين المفسرين في المقصود بالرسل وما إذا كانوا جميع الأنبياء والمرسلين أو الأنبياء الوارد ذكرهم في الآيات السالفة من هذه السورة، أو أشير إلى قصصهم؛ مثل إبراهيم وموسى وعيسى وداود وإشموئيل، أو جميع الرسل الذين كانت أسماؤهم قد وردت في القرآن حين نزول هذه الآية.. والاحتمال الأقوى في ذلك أن المقصود هو جميع أنبياء الله تعالى، ذلك لأنّ مفردة الرُّسُلُ صيغة جمع محلّى بالألف واللام الدالة عللى العموم. 3 - قوله عزّ اسمه: فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ يفهم منه بوضوح أن جميع أنبياء الله هم
متساوون من حيث كونهم أنبياء مبعوثين من قبل الله سبحانه وتعالى، ولكنّهم متفاوتون من جهة المقام.. كما أنهم يستلهمون نورهم من مصدر واحد، إلا أن ميزان ومستوى أدائهم وتضحياتهم في تفاوت، ولهذا صار بعضهم في درجة أهلتهم إلى أن يكلمهم الله تعالى کموسی علیه السلام (1)
4 - بالنظر إلى أنّ الآية ابتدأت بالحديث عن تفاوت درجات الأنبياء؛ فإنّه يمكن أن يكون المقصود من هذا التكرار أنّ فرداً أو أفراداً خاصين منهم هم النموذج الكامل أو الأكمل، كما هو الحال في نبينا الأكرم صلّى الله عليه وآله، إذ كان دينه أكمل الأديان - مع وحدتها ووحدة مصدرها - وآخرها.. ومن كانت رسالته الأكمل لزم أن يكون الأكمل على الإطلاق، ولقد أشارت الآية (41) من سورة النساء إلى هذه الحقيقة إذ أخبرت بأنّ نبي الإسلام سيكون الشاهد على جميع الأنبياء والمرسلين، بينما سيشهد كل نبي على أمته فقط: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً.
5- في العبارة القرآنية السابقة تمت الإشارة إلى فضيلة موسى عليه السلام، وسيجري التصريح في العبارة القادمة بمقام النبي عيسى عليه السلام.. ويجب البحث هنا أن تكون عبارة وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ إشارة إلى مقام نبي الإسلام صلى الله عليه وآله الأسمى لاسيما وأنّ كلّ نبي من هؤلاء الأنبياء الثلاثة كان قائداً للأديان العالمية الأكثر أهمية بين أديان أهل الأرض ومذاهبهم..
وليس عجباً أن توسط اسم نبي الإسلام صلّى الله عليه وآله اسمي النبيين الآخرين.. أو ليس دينه هو الدين الوسط بين الأديان، وقد سُنّ فيه وقرّر كلّ شيء ضمن معيار الوسطية والاعتدال.. كما أعرب القرآن الكريم عن هذه الحقيقة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا.
1) الآية 164 من سورة النساء: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً.
6 - قال بعض المفسرين إنّ العبائر القرآنية الآتية تؤكّد أن المقصود من قوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ بخصوص بعض الأنبياء السالفين، مثل النبي إبراهيم عليه السلام، لأنه يقول بصيغة الماضي: وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ.
7 - لعلّ من ميزات النبي عيسى بن مريم أنّ الله تعالى قد أيده بروح القدس وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وهذا مما يلمح إلى المعجزات الواضحة والدلائل الجلية، مثل إحياء الموتى وشفاء الأمراض العضال وتزويده بالمعارف الدينية العظيمة..
8 - المقصود من رُوحِ الْقُدُسِ هو الوحي الإلهي، أي: جبرئيل عليه السلام، أو القوّة المعنوية الهائلة والخاصة، وهي القوّة التي تتوفّر لدى أنبياء الله ورسله؛ كل حسب مقامه ودرجته.. وذكر التأييد لعيسى عليه السلام بروح القدس هنا بداعي أنه كان له نصيب أكبر قياساً بالكثير من الأنبياء.
9 - يمكن أن يكون المقصود من قوله سبحانه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ.. أنّ السنة الإلهية في الناس اقتضت أن يفسح المجال للناس في اختيار الطريقة التي يعيشون فيها.. ولكن هؤلاء أساؤوا الموقف من هذه السنة ومن الحرّية المعطاة لهم.. وراحوا يخوضون في الاختلاف وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فآمن بعضهم وكفر الأكثر منهم.. ولا ريب في أنّ منشأ هذا الاختلاف نابع من الناس وهواهم.. وإلا فإنّه لا اختلاف بين أنبياء الله تعالى. وأنّ جميعهم كانوا يسعون إلى تحقيق هدف واحد.. ولا كان الأنبياء في يوم من الأنبياءسبباً للاختلاف أساساً.
10 - لا شكّ أنّ فريقاً من الناس قد خلصوا إلى نتيجة سلبية من الحرية.. ولكن وجود هذه الحرّيّة عموماً هو أهم أركان التكامل الإنساني، ذلك لأنّ التكامل الإجباري لا يعد تكاملاً.
11 - تكرار قضيّة الإجبار في هذه الآية دليل رائع على بطلان الاعتقاد بالجبر أو التفويض..
ويثبت أنّ الله تبارك اسمه قد جعل الإنسان حرّاً .. فريق آمن وفريق اختار الكفر..
12 - استشكل بعض الكتاب الغربيين على الأديان والمذاهب بادعاء أنها توجب الفُرقة بين أفراد البشر، وأنّ دماءً غزيرة قد سقطت بفعل هذه الفرقة التي تسببت بها الأديان.. وأن التاريخ قد ذكر حروباً دينية كثيرة جداً... وبهذا أراد هؤلاء الكتاب إدانة الأديان باعتبار الأرضيّة التي جرت لها الحروب والنزاعات..
ولكن يجب أن نقول لهؤلاء:
أوّلاً: أنّ تلكم الحروب - في الحقيقة - لم تكن بين الأتباع الصادقين لهذا الدين أو ذاك، بل جرت بين أتباع الدين الصادقين وبين مدّعي الدين أو منكريه أساساً، ولو أمعنا النظر جيّداً. لتأكد لنا أنّ النزاعات التاريخيّة لم تكن بسبب التعاليم الدينية، بل إنّها اندلعت بداعي التحريفات والعصبيات الجاهلة أو المصلحية التي أدت إلى الخلط بين التعاليم الإلهيّة والأساطير والخرافات.
ثانياً: أنّ التاريخ يشهد على أنّ العصور الماضية أو الحاضرة قد ألغي فيها الصراع الديني (أو تضاءل تأثيره على الأقل في بعض المجتمعات الدينية.. بل إنّ ما نشاهده من صراعات اجتماعية وإقليمية ودولية - وقد اصطبغت بصبغة الدين أو المذهب - ما هي دينية ولا
مذهبية في حقيقتها، وإنّما الذي يتسبب بها ويقف وراءها ويوقد نارها هو روح التمرّد على الله المتكرّسة في بعض الأفراد والمجتمعات.. وهذه الصراعات تلبس رداء الدين تارة، وأخرى ترتدي فيه لباس السياسة أو الاقتصاد أو الجغرافيا أو غير ذلك.. وعلى هذا؛ لا ينبغي أن يلام الدين أو المذهب أو توجّه نحو سهام الاتهام.. إذ المتمرّدون على الله الخالق وعلى القيم الإنسانية النبيلة والمتعطشون لامتصاص طاقات وثروات غيرهم هم الذين يشعلون فتائل الحرب والنزاعات تحت مسميات عديدة؛ منها: الدين والمذهب. ثالثا: أنّ الأديان السماوية، ولا سيما الإسلام، وبداعي خاصيته في مقت العنصرية
والقوميّة السلبية، كان سبباً مباشراً في إزاحة الحدود القبلية والعنصرية.. والحيلولة دون نشوب النزاعات التي كانت تستعر من تلكم الحدود في الغالب.. وبهذا؛ أزيل كم لا بأس به من الحروب والنزاعات بدافع المذهب عبر التاريخ البشري.. ناهيك عن بثّ الإسلام روح السلام والأخلاق الفاضلة والعواطف الإنسانية النبيلة التي طالما أثارت إعجاب المذاهب والأديان الأخرى، وتركت في أتباعها الأثر العميق وأدّت بهم إلى الإقلال من الخصومة والنفرة.. رابعاً: أنّ إحدى رسائل الأديان السماوية تحرير الطبقات المحرومة، وبهذا انتهى الحال إلى نشوب الصراع المتواصل بين الأنبياء والأئمة مع طواغيت عصورهم.. وقد كان ذلك الصراع - في الحقيقة - جهاداً من أجل حرية الإنسان وحقه؛ وليس من أجل الدين وتحكيمه فحسب، وهذا لا يعدّ عيباً على الدين بقدر ما هو نقطة قوّة فيه.. وإنّ حروب الإسلام مع مشركي العرب وغيرهم والمستغلّي طاقات الناس في مكة، أو مع القياصرة والأكاسرة كانت في كثير من جوانبها من هذا القبيل...
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
1- في هذه الآية الكريمة وردت الإشارة إلى واحدة من وظائف المسلمين التي من شأنها أن تنتهي إلى الوحدة الإجتماعية ورفد السلطة وإيجاب السعادة العامة ونجاة البشرية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ.
2 - لعبارة رَزَقْنَاكُمْ مفهوم واسع يشمل الإنفاق المالي الواجب والمستحبّ، وكذلك الإنفاق المعنوي؛ مثل العلم والمعرفة والتعامل الأخلاقي الفاضل..
3 - بالنظر إلى التهديد الوارد في قوله عزّ وجلّ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ في آخر الآية؛ لا يبعد أن يكون المقصود من الإنفاق المشار إليه هو الإنفاق الواجب في المال كالزكاة، حيث يشمل قسماً من المال لا جميعه، باعتبار أنّ الإنفاق الواجب يقوّي بيت المال والحكومة - الشرعية - مع أنّ المرحوم الطبرسي في (مجمع البيان) ذهب إلى أنّ الآية تتحدث عن الإنفاق المالي الواجب والمستحبّ على حدٍ سواء، وأن آخر الآية لا تشتمل على أي تهديد، بل هي تخبر عن حوادث رهيبة ستقع في يوم الحساب.. (1)
ولكن بالالتفات إلى آخر جملة من الآية؛ حيث عدّت الكافرين ظالمين، تتضح الإشارة إلى أنّ ترك الإنفاق نوع من أنواع الكفر والظلم. وهذا ما لا يتصوّر إلا في الإنفاق الواجب دون
1) مجمع البيان، ج2، ص 624
غيره.. [ كما أنّ من الإنفاق الواجب؛ إنفاق العلم والمعرفة؛ حيث يلزم العالم أن يظهر علمه للناس وينقله إليهم إذا ما عمّ الجهل وتواترت الفتن التي قد تؤدّي إلى انهيار المجتمع وانغماسه في الضلالات].
4 - أنّ الدنيا فرصة مناسبة للناس حيث هيأت لهم إمكانية الإنفاق.. باعتبار أنّ الإنفاق من جملة أبواب النجاة وبناء الذات.. وهذا ما لا يتوفّر في يوم القيامة والآخرة.. إذ في ذلك اليوم تنتفي الفرصة في أن يكون ثَمّ بيع أو شراء أو عقد أي معاملة تجارية، بل هو يوم حساب لا عمل يمكن من خلاله إحراز النجاة من العذاب الإلهي العتيد.. ولا ثَمّ ثروات يملكها الإنسان يستطيع بها درء الفقر والحاجة في يوم القيامة العسير، ولا ثَمّ أولاد ورفاق يمكنهم الإنفاق منها بعد صاحبها لتحصيل بعض الحسنات له منها..لأنّ هؤلاء بدروهم متورطون بأعمالهم وأثقالهم التي حملوها إلى ساحة الحساب .. ولا ثَمّ شفاعة تنجد الفرد الممتنع عن الإنفاق في دار الدنيا، لأنّ الشفاعة إنّما تكون تحت مظلة القلب السليم والعمل الصالح بحيث يجعلان صاحبها جديراً مستحقاً للشفاعة.. والحال أنّ الممتنع عن الإنفاق في دار الدنيا يفتقر إلى القلب والعقيدة السليمة وإلى العمل الصالح في هذا الإطار.. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ.
وعليه؛ فإنّكم بترككم وتجاهلكم فريضة الإنفاق وببخلكم وجمعكم الأموال واحتكاركم للعلم النافع قد أغلقتم أبواب النجاة دونكم.
وفي خاتمة الآية قال سبحانه: وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ.
5 - يمكن أن يكون الكفر في هذه الآية، وبقرينة الأمر بالإنفاق السابق له.. هو التمرّد والخطيئة ومخالفة تعاليم الله تعالى.. وإنّ استعمال الكفر بهذا المعنى له نظائر عديدة في القرآن والروايات الشريفة.
6 - أنّ الذين يتركون فريضة الإنفاق والزكاة قد ألحقوا الظلم بأنفسهم وبغيرهم لأنهم: أولاً : بتركهم الإنفاق الواجب قد حرموا أنفسهم من أكبر أشكال السعادة، الأمر الذي سينتهي بهم إلى العقاب الأخروي.
ثانياً: أنّهم يكونون بهذا المنحى من السلوك قد ظلموا مجتمعهم، مضافاً إلى أن منشأ الكفر هو قسوة القلب والانغماس في الماديات وحبّ الدنيا وعبادتها؛ وكلّ ذلك يعد مصدراً للظلم والجورهُمْ الظَّالِمُونَ.
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
الحديث الأوّل: آية الكرسي من أهم الآيات القرآنية، ويكفي في فضلها وأهميتها ما روي أنّ أبي بن كعب سأله رسول الله صلى الله عليه وآله عن أفضل آية في كتاب الله، فقال:الله لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فوضع النبي يده على صدره وقال : بورك لك في علمك، فوالذي نفس محمد بيده، إنّ لهذه الآية لسانين وشفتين تسبّح بهما الله وتقدسه عند ساق العرش.(1)
الحديث الثاني: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:« قال رسول صلّى الله عليه وآله: سيّد القرآن ،البقرة، وسيّد البقرة آية الكرسي.. يا علي إنّ فيها لخمسين كلمة؛ في كلّ كلمة خمسون بركة»(2)
الحديث الثالث: عن الإمام الباقر عليه السلام أنّ من قرأ آية الكرسي مرة، صرف الله عنه ألف مكروه من مكروه الدنيا وألف مكروه من مكروه الآخرة، أيسر مكروه الدنيا؛ الفقر، وأيسر مكروه الآخرة ؛ عذاب القبر .(1)
الحديث الرابع: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش؛ ولم يؤتها نبي كان قبلي».(2)
الحديث الخامس: أنّ أخوين جاء ارسول الله صلى الله عليه وآله وقالا نذهب إلى الشام للتجارة، فعلمنا ما نقول (ونقرأ لنكفى شرّ الأشرار ) فقال لهما: إذ بلغتم منزلاً وصليتم العشاء، فإذا ما استلقى أحدكما في فراشه فليسبّح بتسبيح الزهراء عليها السلام ثمّ ليقرأ آية الكرسي فإنّه محفوظ من كلّ شيء حتى يصبح. وورد في ذيل هذا الحديث أن لصوصاً هاجموا هذين الأخوين في أحد المنازل ولكنّهم لم يفلحوا في سرقة شيء.(3)ولا ريب في أنّ كلّ هذه الأهمية التي أوليت لآية الكرسي الشريفة لتضمّنها المفاهيم السامية الجليلة. وسيلاحظ ذلك في تفسيرها..
الحديث السادس: جاء في (الأمالي) للشيخ الطوسي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه بين فضيلة آية الكرسي مناللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إلىوَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.(4)
الحديث السابع: عن الإمام السجّاد عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال : من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه ولا يقربه شيطان ولا ينسى القرآن(5)ومن هذا الحديث يعلم أنّ آية
الكرسيّ هي آية واحدة.
الحديث الثامن: ورد في بعض الروايات أنّ آية الكرسي خمسون كلمة، وأنّ في كلّ كلمة خمسين بركة.(1)وإحصاء كلمات الآية يشير إلى أنها تنتهي عند قوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
1 - الأهميّة البالغة والاستثنائيّة لآية الكرسي عائدة إلى مجموعة المعارف الإسلامية
والصفات الإلهية - صفات الذات والفعل - ولا سيّما مسألة التوحيد في أبعادها المختلفة التي تتضمنها هذه الآية الشريفة.. هذه الأوصاف التي تبلغ اثنتي عشرة صفة، وكلّ واحدة منها ناظرة إلى مسائل تربويّة معيّنة، وهي قابلة للتدقيق، وعلى حد قول أحد المفسرين أنّ كلّ واحدة من تلكم الصفات تفنّد أحد المذاهب الفكرية الباطلة وبهذا؛ فهي تصلح اثني عشر تفكيراً باطلاً.
2 - الله اسم الله المخصوص ويعني الذات الجامعة لكل صفات الكمال والجلال والجمال، وهو المبدع لعالم الوجود، وهو المعبود الوحيد الجدير بالعبوديّة، ولهذا؛ كان معنى الله يتضمن معنى الأحدية والواحدية، وعبارة لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ تأكيد على ذلك.
3 - هو الإله الحي على الدوام، وحياته في ذاته وقائم بذاته، أما الموجودات الأخرى؛ فقائمة بإرادة هذا الإله الْحَيُّ الْقَيُّومُ.
5 - الْحَيُّ من مادة الحياة بمعنى العيش، وهذه المفردة مثل أي صفة مشبهة أخرى تدلّ على الدوام والاستمرار، وبديهي أنّ الحياة في الله تعالى حياة حقيقية، لأنّ حياته عين ذاته. وليس كما الموجودات الحيّة الأخرى في عالم الخليقة حيث تكون حياتها أمراً عارضاً،
1) بحار الأنوار، ج 90، ص 350
فتراها حية تارة وفي أخرى ميّتة. أما الله تعالى؛ فليس كذلك كما هو الوارد في الآية (58) من سورة الفرقانوَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ.
6- معنى الحياة الكاملة يجب أن تدرك في الحياة المجرّدة تماماً عن الموت، وهذه الحياة الحقيقية هي الوجود الإلهي الأزلي بدءاً و إلى الأبد.. أما حياة الإنسان، ولا سيما حياته في هذا العالم المزيجة بالموت لا يمكن أن تكون حياة حقيقية، ولذا ترانا نقرأ في الآية (64) من سورة العنكبوت: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ومن هنا، كانت الحياة الحقيقية خاصة بالربّ المتعال.
7 - يمكن لسائل أن يقول: ما هو مفهوم كون الله حياً؟
في المحاورات والتحدّث الحاصل بين إنسان وآخر ، يقال للموجود الحيّ موجوداً إذا كان متصفاً بحالة النموّ أو الإنجاب أو الجذب والدفع والشعور والحركة.. ولعلّ بعض ضيقي التفكير وقاصري النظر يفرضون لوجود الله هذه الأوصاف والحالات.. مع العلم بأنه لا تحدّه واحدة من هذه الصفات.. إذ يعد هذا من جملة مصاديق القياس البشري فيما يتعلّق بمعرفة الله والخطأ في تصوّره. لأنّ البعض يقيس صفات الله بصفاته..
8- الحياة بمعناها الواقعي والواسع للكلمة محتاجة إلى وسيلتين؛ وهما العلم والقدرة.. والوجود الحائز على العلم والقدرة اللامتناهيتين تكون فيه الحياة التامة، وهذه الحياة وبهذين العاملين خاصة بحياة الله عزّ وجلّ الذي يتحكّم بالعلم والقدرة.. بل إنّ تحديد الموجود من كونه حيّاً أو غير حي إنما يكون بواسطة العلم والقدرة، أما النمو والحركة والتغذي والإنجاب من جملة آثار الموجودات الناقصة والمحدودة المتصفة دوماً بالحاجة والعوز؛ فتسدّ حاجتها ونقصها بهذه الأمور وأشباهها، دون الموجود المتسامي عن الحاجة ولا نقص فيه، فهو غني بذاته عن اللجوء إلى هذه الأمور المذكورة..
9 - القيام بمعنى الوقوف، وتطلق هذه المفردة على حالة وهيئة معينة، حيث يتخذ
الإنسان أو أي موجود حالة بدنية عموديّة.. ولكن لا مفهوم لهذه الهيئة ولا لهذا الاستعمال بالنسبة إلى الله تعالى لكونه غير جسم ومنزّهاً عن الهيئة المادية.. ولكن إطلاق هذا الاسم على الله سبحانه لتدبيره أمور خلقه. وكما يغلب في الإنسان أن يقوم ناهضاً إذا ما أراد فعل شيء.. فالله الذي خلق جميع الموجودات وتكفّل بتدبير شؤونها جميعاً بشكل دائم ودون أدنى تأنّي أو خمول أو غفلة.. فهو القائم بشؤونهم وسدّ حاجاتهم على الدوام..
10- الْقَيُّوم صيغة مبالغة مشتقة عن القيام، وتطلق على الموجود المتوقف قيامه على ذاته فحسب، والمتوقفة حياة وشؤون الموجودات جميعاً عليه فحسب.
وفي الحقيقة، وعبر هذا المعنى يكون الْقَيُّوم في الواقع جذر وأساس جميع الصفات؛ الصفات الخاصة بعلاقة الله تعالى مع موجودات العالم، مثل: الخالق والرزاق والمحيي والهادي وغير ذلك.. فهو الذي يرزق وهو الذي يحيي وهو الذي يميت.. وكلّ ذلك مجموع الْقَيُّوم.. فإن كان البعض يذهب ألى أن مفهوم الْقَيُّوم محدود بالقيام بأمر الخلقة أو بأمر الرزق وأمثالها، فإنّما يكون قد أشار إلى بعض مصاديق وعناوين القيام، في حين أنّ لهذا الاصطلاح مفهوم واسع للغاية ويشمل ما تقدّم وغيره.. وكما قلنا بأنّالْقَيُّوم هو القائم بذاته، وغیره محتاج إليه مطلق الاحتياج..
11 - الفرق بين الحي وبين القيوم في الصفات الإلهية هو أنّ حقيقة الْحَي تشمل جميع الصفات الإلهية مثل العلم والقدرة والسميع والبصير وأمثال ذلك..أمذاالْقَيُّوم فهو الاسم الذي يعبر عن سد الله حاجات المخلوقات كلها.. وقد قيل إنّ هذين الاسمين من جملة مفاهيم أو مصاديق الاسم الأعظم!!
12 -سِنَة من مادة ،وسن، وطبقاً للكثير من المفسرين بمعنى الخمول أو النوم الذي يعرض على عين الإنسان، وبعبارة أخرى؛ النوم الخفيف أو شيء من القيلولة.. أمّا النوم؛ فهو العميق من النوم، حيث تتعطل فيه حواس الإنسان النائم.
13 - قوله تعالىلا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ تأكيد على أنه تعالى ليس كعباده يتعرّض للغفلة بسبب النوم الخفيف أو العميق أو الأسباب الأخرى، وهو تأكيد أيضاً على كونه حيّاً قيوماً، إذ لا يغفل ولو للحظة خاطفة واحدة عن تدبيره وفيضه ولطفه وحركته الدائمة فيما يتعلّق بأمور عالم الوجود.. وعليه؛ فإنّه تعالى لا يتأثر بما قد يتعارض وأصل قيموميته ولو للحظة واحدة، بل إنّ كلّ شيء من ذلك منفي عن ساحة ذاته المقدّسة.
14 - سؤال: لماذا قدم ذكر السنة على النوم هنا؟ والحال أنّ القاعدة في الحديث تقدّم الأمر الأكبر ثمّ يشار إلى ما هو أقل وأصغر..
الجواب: من حيث الترتيب الطبيعي في النوم؛ تقدّم السنة (النوم الخفيف) على النوم العميق.
15 - في هذه الآية جرى الحديث والإشارة إلى التوحيد والحياة والقيمومة وعدم غلبة النوم بشكليه على ذات الله المقدّسة) ثمّ إنّ الآية تبيّن الوصف الخامس من أوصاف الله تعالى، وهو المالكية المطلقة للوجود.. وذلك أنه سبحانه القائم بأمور العالم وتدبير شؤونه والمتصف بكونه الخالق المطلق، فإنّه يملك - على الإطلاق والاستقلال - كلّ ما خلق، وهذه المالكية نتيجة قيموميّته لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
16 - يجب أن نعلم أنّ ما يملكه الإنسان وينتفع به؛ ليس ملكه الحقيقي وعلى سبيل الاستقلال، بل إنّه عبارة عن أمانه وضعت بين يديه وبشروط محدّدة وضعت من قبل المالك الحقيقي المستقل المطلق.. وقد جعل للإنسان حق التصرّف المشروط والمحدّد والمؤقت..وعليه؛ فقد صار المالكون المجازيون موظفين بالالتزام بشروط المالك الحقيقي بشكل تام، وإلا فإنّ مالكيتهم ما عندهم تتعرّض للبطلان؛ ويكون تصرفهم فيها تصرفاً ممنوعاً.. وما تلك الشروط إلا الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمور الاقتصادية والمالية وأمثال ذلك.
17 - إنّ للالتفات والإيمان بالصفة القائلة بأنّ كلّ شيء هو ملك الله عزّ وجلّ أثر عظيم
ودور كبير في تربية الإنسان، فهو حين يعي بأنّ ما عنده ليس من عند نفسه وأنه يتصرف به لأيام معدودات باعتباره على سبيل الإعارة، فإنّه يُدفع بهذا الإيمان إلى الامتناع عن التجاوز على حقوق الآخرين واستغلالهم وعن الحرص والبخل والطمع والحسد وغير ذلك من الصفات الرذيلة.
18 - قوله سبحانه: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ في الحقيقة رد على الادعاءات الواهية لعبدة الأصنام القائلين بأنّهم إنّما يعبدون أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى ولكي تشفع لهم عنده كما وصفتهم الآية الثالثة من سورة الزمر: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى.
19 - القول بأن لا أحد يملك الصلاحية بالشفاعة عند الله إلا بإذنه، تأكيد آخر على مالكية الله المطلقة تجاه جميع موجودات العالم. وعليه؛ إذا ما رأينا أشخاصاً كالأنبياء والأئمّة يشفعون عند الله تعالى؛ فإنّه ليس دليلاً على كونهم مستقلين أو أنّ لهم تأثيراً مطلقاً في الشفاعة، بل إنّ مقام الشفاعة المحمود هبة وكرامة قد أعطاهم الله إيَّاها، وما شفاعتهم إلّا أمر يتم بإذنه سبحانه.. وهذا دليل آخر على مالكيته المطلقة..
مقدّمة: تناولنا الحديث عن موضوع الشفاعة بشكل مفصل لدى تفسير الآية (48) من هذه السورة المباركة، ولهذا نكتفي هنا بإشارة موجزة.
20 - الشفاعة عبارة عن مساعدة موجود قوي ذي شأن لموجود آخر ضعيف، ليتمكن من عبور عقبة ما بنجاح، وهذه المفردة (الشفاعة) تستعمل في الغالب في شفاعة المذنبين المدانين.
21 - مع استعمال مفردة الشفاعة في المعنى الخاص ، إلّا أنّ لها مفهوماً واستعمالاً واسعاً، حيث قد تشمل جميع الأسباب والدوافع في عالم الوجود أيضاً، كالقول بأن التراب والماء والهواء وأشعة الشمس تشفع وتساعد البذرة على النمو حتى تصير شجرة فتؤتي أُكلها...
22 - إذا فهمنا الشفاعة المذكورة في الآية أعلاه بمعناها الشامل الواسع. تكون النتيجة أنّ
العوامل والأسباب المختلفة في عالم الوجود لا تقدح ولا تحد مالكية الله المطلقة أبداً، ذلك لأنّ القدرة التي تتمتع بها هذه العوامل والأسباب جميعاً إنّما هي بأمر الله عزّ وجلّ، بل هي في الحقيقة آية قيموميته ومالكيته.
23 - يظن البعض بأنّ عنوان الشفاعة الوارد في المفاهيم الدينية تشبه نوعاً من الوساطات الاجتماعيّة غير المبرّرة، وقد تؤدّي هذه الشفاعة إلى وقاحة الإنسان وتمهد له ارتكاب مزيد من الذنوب والمعاصي، فيكون مع انغماسه في الذنوب معتمداً على أمل الشفاعة والشفيع..
ولكن لابد من القول بأنّ هذا الظانّ المستشكل وكذلك هذا المذنب المتجاسر الوقح لم يفهما منطق الدين في مسألة الشفاعة، وأنها إنما تكون من جهة عباد الله المكرمين المميزين، كما هي الشفاعة التي تتم بواسطة العوامل الطبيعية الخاصة والمؤهلة في جميع أبعاد الحياة :أي كما أنّ البذرة المحرومة من عامل التراب والماء والهواء والنور تفقد القدرة على الحياة والنمو، كذلك أولياء الله المأذونون بالشفاعة لا يشفعون لمن لم تتحقق فيهم شروط تلقي الشفاعة، ولو أنهم شفعوا لهم - على سبيل الافتراض المحال - فإنّ شفاعتهم لن تؤثر فيهم وفي موقفهم شيئاً..
24 - الشفاعة منوطة بنوع خاص من العلاقة المعنوية بين الشفيع والمشفوع، وعليه؛ من كان مؤمّلاً لشفاعة الأولياء له لابد أن يكرّس في نفسه علاقة معنوية طيبة مع من يتوقع شفاعته.. وهذه العلاقة إنّما هي وسيلة تربوية راقية للمشفوع تقربه من أفكار وأعمال وأقوال الشفيع المؤمَّل، وبالنتيجة يكون جديراً بشفاعته.. وهكذا تكون الشفاعة عاملاً تربوياً سامياً؛ لا وسيلة للوساطة الباطلة للهروب من تحمّل المسؤوليّة، أو لارتكاب المزيد من الخطايا.. هذا بالإضافة إلى كون الشفاعة لا تغير شيئاً في إرادة الربّ المتعال تجاه الشخص المذنب. بل إنّ هذا الذنب وبداعي العلاقة الفكرية والمعنوية بالشفيع في دار الدنيا سيحقق نوعاً من التكامل
المطلوب بحيث يكون جديراً بعفو الله وغفرانه..
25 - قوله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ أي واقعهم الذي هو نتيجة وصورة عن ماضيهم، ودليل على أنه سبحانه مطلع على ماضي ومستقبل الشفعاء، كما يعلم ما خفي عنهم، ولهذا؛ فإنّ الشفعاء ليس لهم أن يطرحوا موضوعاً جديداً بخصوص من يريدون التقدّم بالشفاعة له عند الله تعالى ليسألوه الغفران له.
الشفاعات العادية، يكون الشفيع مخيراً بين أمرين: فإما أن يقدم معلومات عن المشفوع لإثبات جدارته واستحقاقه للشفاعة عند الشخص الذي يطلب منه قضاء الحاجة وتغيير رأيه فيه.. وإما أن يشير ويوضّح مدى العلاقة التي تربط بينه - الشفيع - وبين المشفوع ،ليغيّر الشخص الثالث رأيه وموقفه من المشفوع بناءً على ما يربط الشفيع بالشخص الثالث من علاقة مميّزة.. ولا ريب أنّ كلّاً من الأمرين والخيارين متوقفان على طبيعة المعلومات المتوفّرة لدى الشفيع وغير المتوفّرة لدى من يشفع عنده.. ولكن حيث أنّ الله تعالى يعلم بكلّ شيء عن المشفوع، بما في ذلك علاقة الشفيع بالمشفوع، فإنّه لا يبقى ثُمّ فرصة للشفيع إلا أن ينتظر ويتوقع إذنه وإرادته سبحانه وتعالى..
27 - من كان جاهلاً بماضيه ومستقبله وغافلاً عن غيب السماوات والأرض، فإنّ قابليته محدودة جداً، بالعكس من ذلك العالم بكل شيء وبكل عصر وزمان، فإنّ قابليته لامتناهية، ولهذا كان كلّ شيء، منوطاً بإرادته؛ بما في ذلك الشفاعة..
28 - وضع المفسرون احتمالات عدة للمقصود من قوله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ:
الاحتمال الأوّل: قال بعض المفسرين: إنّ المقصود به هو واقع الإنسان في الدنيا ومستقبله في الآخرة..
الاحتمال الثاني: بعض المفسرين قالوا بعكس الاحتمال الأول.
الاحتمال الثالث: عزا بعض آخر المقصود من قوله سبحانه:مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ إلى وقت موت الإنسان ، أو أعماله الخيّرة والشريرة، أو الأعمال التي يعرفونها وما لا يعرفونها..
29 - يعلم من مراجعة آيات القرآن المجيد أنّ التعبير بالقول: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ یراد به المكان، مثل قوله تعالى في الآية (17) من سورة الأعراف نقلاً عن الشيطان:لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ومعلوم أن العبارة هذه يراد بها المكان، ولذلك؛ أضيف إليها اليمين واليسار، وتارة يراد بها القبل والبعد الزمانيين كما في الآية (170) من سورة آل عمران: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ومعلوم أن المراد هنا هو الإشارة إلى الزمان.
30 - يمكن أن يكون قوله تعالى:مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْشاملاً جامعاً للزمان والمكان، أي أنه جل جلاله عالم بالماضي والحاضر والمستقبل، وما هو خافٍ على الناس، وبهذا؛ فإنّ كلّ ما يقع في أجزاء وتفاصيل الزمان محاط بعلم الله سبحانه، مما يعني أنّ كلّ فعل ووجود يجب أن يكون بأمر الله بما في ذلك الشفاعة.
31 - يعلم من قوله سبحانه: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَوهم الشفعاء؛ أمران:
ألف: أنه لا علم لأحد من عند نفسه، وأنّ جميع العلوم والمعارف البشرية صادرة من جهة الربّ المتعال.. وهو الذي يميط اللثام عن أسرار الوجود المحيّرة بالتدريج للناس ويجعل الحقائق تحت تصرفهم؛ فيضاف إلى علمهم الشيء بعد الشيء..
ب: أنّ من الممكن أن يضع الله تعالى العلوم الخفيّة والأسرار الغيبية تحت تصرف بعض الأفراد ممّن يريد.. وهذا ردُّ على الظانين باستحالة اطلاع المخلوق على علم الغيب.
كما أن التعبير بكلمة لا يُحِيطُونَ إشارة لطيفة إلى حقيقة وتعريف العلم باعتباره نوع إحاطة وتسلّط .
32 -كُرْسِيُّهُ لغةً على وزن إرثه، بمعنى الأصل والأساس، وتستعمل تارة فيما هو مركب ومتصل بشيء أو أمر آخر، ومن هنا؛ يقال للأخشاب المركّبة والمتصلة بهيئة معينة كرسيّاً، والنقطة المقابلة للكرسي العرش، وهو الشيء المسقف أو السقف بذاته، أو الخشبة المستندة إلى الساق الطويلة..
33- العرش لغةً بمعنى السقف والظل والأخشاب المستندة إلى سيقان عالية على عكس الكرسي.. وبهذه الصورة يكون العرش بمعنى عالم الأرواح والملائكة وعالم ماوراء الطبيعة.. كما له معانٍ أخرى، لا سيما حين يكون الحديث عن غير الكرسي، ويمكن أن يراد به مجموع عالم الوجود ..(1)
34 - حيث يجلس الأستاذ والمعلّم حين يدرّس ويعلّم على الكرسي؛ فإنّ مفردة الكرسي تستعمل للكناية عن العلم.. وحيث يكون كرسي التدريس تحت نفوذه وسيطرته يكنى به عن السلطة والقدرة.
35 - يمكن أن يكون الكرسي في هذه الآية ذا معانٍ عدّة:
ألف: منطقة الحكومة ومساحتها.
أي: أنّ الله تعالى حاكم على جميع السماوات والأرض ومنطقة نفوذه في كلّ مكان يمكن تصوره من عالم مادّي وأرضي وفضائي وسماوي..
ب: منطقة نقوذ علم الله المتعال.
أي: أنّ علم الله تعالى محيط بجميع السماوات والأرض، وليس ثُمّ شيء خارج عن منطقة نفوذ علمه.. ذلك لأنّ - كما أشرنا - الكرسي يستعمل تارة للكناية عن العلم كما هو الوارد في روايات المعصومين عليهم السلام، منها ما روى حفص بن غياث أنه سأل الإمام
1) يراجع تفسير الآية (54) من سورة الأعراف.
الصادق عليه السلام عن المقصود من: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فقال : هو علم الله تعالى .(1)
ج: أنّ الكرسي خلق من خلق الله، وهو أوسع من السماوات والأرض، بل هو محيط بهما من كل جهة.. وبهذا يكون معنى الآية كما التالي:
أنّ الله عزّ وجلّ قد أحاط السماوات والأرض بالكرسي، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «الكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى».(2)
36 - يعلم من بعض الروايات أنّ الكرسي أوسع بكثير جداً من السماوات والأرض، بحيث أنّ كلّ السماوات والأرض بالنسبة إلى الكرسي كما هي الحلقة بالنسبة إلى فلاة، وقد قال مولانا الصادق عليه السلام: «ما السماوات والأرض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة، وما الكرسي عند العرش إلّاكحلقة في فلاة». (3)
37 - يمكن أن يكون قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ إشارة إلى نفوذ الحكومة الإلهية المطلقة وقدرة الربّ في السماوات والأرض، إضافة إلى نفوذه وإحاطته العلمية الشاملة للعالم الأوسع من هذا العالم.
38 - جملة وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا الوأد في الأصل على وزن قول بمعنى الثقل، وهو حفظ السماوات والأرض الذي لا يمثل شيئاً بالنسبة الله القادر على كل شيء، لأنّ الله ليس كمخلوقاته المحدودة القدرة التي تتعب بعد جهد.. بل إنّ القدرة والقوة الإلهية غير محدودة، فلا يبقى ثُمّ معنى لما يسمّى بالثقل والخفّة، وإنّما يصدق هذان الأمران لدى القدرات المحدودة، ولا شك في أن الضمير في كلمة يَنُودُهُ يعود إلى الله تعالى، كما هي الضمائر
السابقة، والجملة اللاحقة تعود إليه سبحانه، وعليه؛ فإنّ احتمال عود الضمير إلى الكرسي بمعنى أن حفظ السماوات والأرض إلى الكرسي ليس ثقيلاً، بل يبدو ضعيفاً أيضاً.
39 - لا يصعب أمر من الأمور على الله الذي هو أسمى من كلّ شيء وهو الذي لا شريك ولا نقص ولا عيب ولا منتهى له كما لا يعجز في لحظة من اللحظات عن تدبير شؤون الوجود ولا يغفل عنها أبداً لطبيعة إحاطة علمه بها وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
40 - سؤال: ترى هل أنّ آية الكرسي التي تبدأ بالقول:اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وتنتهي بالقول: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ؟ أم أنّ الآيتين التاليتين لها تعتبر جزءاً منها؟ وعليه؛ هل يجب قراءتها جميعاً في المأمور به من صلاة ليلة الدفن مثلاً؟
القرائن تشير إلى كونها آية واحدة، وجميع الروايات الواردة في فضيلتها والتي أسمتها بآية الكرسي تشير إلى أنها آية واحدة لا أكثر ، مضافاً إلى أنّ مفردة (الكرسي) لم ترد إلّا في القسم الأوّل، كما أنّ تسميتها بآية الكرسي متعلّقة بهذه الآية بعينها.. وقد ورد التصريح بذلك في بعض الأحاديث، مثل الحديث الذي نقله الشيخ الطوسي في (أماليه) عن أمير المؤمنين عليه السلام. حيث بين فضيلتها وبدأ من أولها إلى قوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(1)...وقال الطريحي في (مجمع البحرين)«وآية الكرسي معروفة وهي إلى قوله : وهو العلي العظيم» (2)رغم أنّ بعض الروايات تضمّنت الأمر بالقراءة إلى:هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ دون تسمية ذلك بآية الكرسي...(3)وعلى أية حال؛ فإنّ المستفاد من القرائن المذكورة أن آية الكرسي آية واحدة وليس أكثر.
41 - الأهميّة الفائقة لآية الكرسي تعود إلى احتوائها مجموعة عظيمة من المعارف
والصفات الإلهية - الذاتية والفعلية – وخاصة مسألة التوحيد في جميع أبعادها، وهذه الأوصاف تصل إلى إثني عشر وصفاً، وكل منها ناظر إلى إحدى المسائل التربوية للإنسان، وهي جديرة بإمعان النظر، وعلى حدّ قول ابو الفتوح الرازي أنّ كلّاً من هذه الصفات تنفي مذهباً من المذاهب العقائدية الباطلة.. (وهكذا يتم بهذه الآية إبطال (12) نوع تفكير باطل وتصلحها).
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
نقل المفسّر المعروف الطبرسي في مجمع البيان في شأن نزول هذه الآية أنّ رجلاً من أهل الشام وكان يدعى أبا الحصين، كان له ولدان؛ صادفهما تاجر ممن كان يأتي بالبضائع إلى المدينة ودعاهما إلى اعتناق النصرانية، فتأثرا بكلامه حتّى استجابا لدعوته، وقد رافقاه عند عودته إلى الشام.. فانزعج أبوهما أشدّ الانزعاج حتى جاء عند رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بذلك وطلب إليه أن يعيد ولديه إلى الإسلام وسأله عما إذا كان متاحاً له أن يجبرهما على العودة إلى دينهما الأول ؟ فنزلت هذه الآية مؤكدة أن لا إكراه ولا إجبار في اختيار الدين.(1)ونقل في تفسير (المنار) أنّ الحصين أراد إجبار ولديه على أن يعودا إلى الإسلام، فشكا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال له: كيف اسمح لنفسي أن أرى ولدي يدخلان النار.. فنزلت هذه الآية..(2)
1 - كما يعلم من شأن نزول الآية. فقد أراد بعض الجهلة من الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله
أن يعمد إلى استعمال سلوك الجبابرة والحكّام الطواغيت في الضغط على الناس لتغيير عقائدهم، ولكنّ هذه الآية تردّ عليهم بصراحة بأنّ الدين لا يُعتنق بالإكراه، لا سيما وأن دلائله واضحة ومعاجزه باهرة، ولا حاجة إلى استخدام القوة أو التضييق وحمل الناس بالإجبار على الانتماء إلى الإسلام.
2 - آية الكرسي في حقيقتها تتضمن مجموعة من مسائل التوحيد وصفات الجمال والجلال الإلهية التي تشكل بمجموعها ونظائرها أساس الدين، وحيث أنها مفعمة بجميع مراحلها بالدليل وجديرة بالاستدلال، فلا تبقى ثمّ حاجة إلى الإكراهلا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيّ.
3 - الرُّشْدُ لغة هو بلوغ الحقيقة والواقع، وهو يقابلالغَيّ والانحراف والضلال والابتعاد عن الحقيقة .
4 - حيث أنّ الدين يخاطب روح وعقل الناس ويتفاعل معهما، وحيث أن أساسه قائم على الإيمان واليقين، فإنّه لا يمكن الاستدلال عليه - شئنا أم أبينا - بغير المنطق والدليل الواضح، وقوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ إشارة إلى هذا المنحى في الواقع.
5 - إذ لم يجز الإسلام للوالد أن يجبر ولديه على تغيير دينهما، فإنه من الواضح موقفه من غيرهم، ولو كان الإكراه جائزاً في هذا المجال، لأذن الدين للوالد أن يضغط على أولاده للعدول عن دينهما.. والحال أنّ الإسلام لم يخوّله هذا الحق.
6 - هذه الآية ليست كما ذهب بعض المفسرين إلى ارتباطها بأهل الكتاب فحسب، بل إنّ حكمها لم يبطل ولم ينسخ ، وها هو حكمها بقي خالداً متفقاً والعقل والمنطق..
7 -الطَّاغُوت صيغة مبالغة من مادة الطغيان بمعنى التعدي وتجاوز الحد، وتطلق المفردة على كلّ شيءٍ يفوق الحدّ المحدود، ومن هنا؛ عُدّ الشيطان والصنم والحاكم الجبّار والمستكبر وكلّ معبود سوى الله تعالى، وكلّ مسار ينتهي إلى غير الحق طاغوتاً (علماً أن هذه
الكلمة تطلق على المفرد والجمع).
8 - ما المقصود من الطاغوت في هذه الآية؟
للمفسّرين حديث طويل في هذا الصدد.. فعزاه البعض إلى الشيطان، وبعض إلى الكهنة، وآخرون إلى السحرة، ولكن يفهم أنّ المقصود هو أوسع وأشمل من هذه المعاني وأنّ له مفهوماً عاماً في كل موجود طاغ وكلّ مسيرة منحرفة خاطئة.
9 - هذه الآية في حقيقتها دليل على محتوى العبارات السالفة القائلة بأن لا إكراه في الدين، لأنّ الدين دعوة إلى الله تعالى الذي هو مصدر كلّ خير وبركة وسعادة.. في حين أنّ الآخرين يدعون إلى الدمار والانحراف والفساد، وعلى أية حال؛ فإنّ التمسك والتعلّق بالله تمسّك بعروة وثقى تؤدّي إلى النجاة وكل الخير، وهي غير قابلة للانفصام..
10 - جملة وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إشارة إلى أن مسألة الكفر والإيمان ليست شيئاً يتم بمجرد التظاهر، لأنّ الله تعالى يسمع كلّ شيء، سواء كان علنيّاً أو خافياً يلقى في مجلس خاص، كما يعلم بالنوايا الكامنة في الضمائر، وعليه؛ فإنّ كفر أو إيمان كلّ شخص واضحان له، وهذا
النصّ في الحقيقة تشجيع للمؤمنين، كما هو تهديد للمنافقين من تظاهرهم بالإسلام وإساءة الاستفادة منه..
11 - يمكن القول بأنّ الإسلام وكلّ مذهب حقّ لا يمكن أن يُعتنق على سبيل الإكراه والإجبار.
ألف: مع توفّر الدلائل الواضحة والاستدلالات المنطقية والمعاجز الباهرة البينة.. وهي في غنى عن أن تكون محتاجة إلى الإجبار، والذين يتوسلون بالإكراه إنّما يفتقرون إلى المنطق، وليس هذا من شأن الإسلام ذي المنطق الجلي المتين.
ب: لا ريب في أنّ الدين القائم على سلسلة معتقدات داخلية وجذرية لا يمكن أن يكون إجباريّاً، ولا يمكن للسيف والقوة العسكرية أن تؤثّر فيمن يراد منه الإيمان به.
12 - للردّ على الدعايات المغرضة المسمومة الصادرة عن أعداء الإسلام القائمة على أساس الادعاء بعدم وجود حرّيّة الرأي وكون الإسلام دين إكراه، يمكن الاستدلال بأصرح عبارات القرآن القائلة:لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.
13 - يتشبّث أعداء الإسلام في تحريفهم ونفيهم عدم الإجبار في اعتناق الإسلام ببعض الوقائع والمعارك التي دارت بين المسلمين وغيرهم في الصدر الأول للإسلام.. في حين أن إمعان النظرة العلمية التحليلية لتلكم الحروب يؤدّي إلى أن قسماً مهماً منها كان دفاعيّاً، فيما الق- الآخر الذي اتصف بكونه جهاداً ابتدائيّاً وفتحاً للبلدان.. كان لإسقاط الأنظمة الطاغوتية الظالمة وإفساح المجال لعامة الناس بالإطلاع على حقيقة الإسلام وطبيعة الحياة الاجتماعية كما يراها الإسلام..
14 - تاريخ الإسلام خير شاهد حي على أنّ الحروب الإسلامية لم تكن لمجرد فتح البلدان وإجبار الناس على اعتناق الإسلام، وطالما شوهد في التاريخ أنّ المسمين كانوا لدى فتحهم البلدان، مثل إيران أو مصر، يمنحون الحرّيّة لسكانها الأصليين من أتباع الديانات الأخرى كما هي حرّيّة المسلمين أنفسهم، وإذا كانوا يفرضون عليهم نوعاً من ضرائب قليلة تحت مسمّى الجزية، فذلك لضمان الأمن وتوفير ميزانيّة وتكاليف حفظ الأمن الاجتماعيّ عموماً، ذلك لأنّ الإسلام قد تعهد بحفظ أموال وأعراض وأنفس غير المسلمين (أهل الذمة) بل إنّ الإسلام أتاح لهم ممارسة شعائرهم بكل حرية.. وبهذا الصدد طالما أُلفت الكتب حتّى من قبل غير المسلمين، واعترفوا فيها بما ذهبنا إليه.. ولقد نقرأ في كتاب من تلكم الكتب (الحضارة الإسلامية العربية) كان سلوك المسلمين مع الأقليات على قدر كبير من الحرّيّة بحيث كان زعماء الأقلّياّت الدينية أحراراً في إقامة مجالسهم واجتماعاتهم الدينيّة.(1)
1) تفسیر نمونه، ج 2، ص 282
15 - ورد في بعض التواريخ أن جماعة من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض الحوار والتباحث، فصادف أن أقاموا شعائرهم الدينية في مسجد النبي في المدينة بكلّ حرّيّة.(1)
16 - الإسلام يستخدم القوة العسكرية في ثلاثة موارد عموماً:
ألف: فيما يتعلّق بإزالة آثار الشرك وعبادة الأصنام، لأنّ هذه الأخيرة من وجهة نظر الإسلام ليست ديناً بمقدار ما هي انحراف عن الحق والمنطق والفطرة، وبقدر ما هي مرض وخرافة.. ولا ينبغي إتاحة الفرصة لجماعة تطوي مساراً منحرفاً بشكل مطلق حتّى تنتهي إلى السقوط.. وعليه؛ فإنّ الإسلام دعا عبدة الأصنام إلى التوحيد. وحيث يرفضون دعوة الإسلام تستخدم القوة لتهديم مراكز عبادتهم، ويُمنع من كلّ تظاهر ومظهر تحت مسمى عبادة الأصنام لاقتلاع جذور هذا المرض الروحي والفكري تماماً.. وإنّ الآيات التي تناولت موضوع قتال المشركين كالآية (193) من سورة البقرة وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ناظرة إلى هذا الموضوع، وعليه؛ لا يبقى تضاد بين هذه الآية والآية (193) المشار إليها، ولا مبرر لحملها على النسخ والإبطال..
ب: يصدر الأمر باستعمال القوة ضدّ الذين يتآمرون ويخططون لتدمير الإسلام والهجوم على المسلمين، وهو أمر بالجهاد الدفاعي والتوسل بالقوة العسكرية، ولعلّ أغلب الحروب الإسلاميّة في العصر النبوي كانت من هذا القبيل كمعركة أحد والخندق وحنين ومؤتة وتبوك..
ج :لتحقيق الحرّية في التبليغ والإعلام والدعوة، ذلك لأنّ كل دين له الحق في تعريف نفسه والدعوة لها.. ولو أن أحداً وقف مانعاً دون تحقيق هذا الأمر، أمكن استخدام القوة لمنعه من التجاوز على هذا الحق الإنساني والمنطقي.
1) نفس المصدر.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)
1 - وَلي في الأصل بمعنى القرب وعدم الانفصال، ولهذا قيل للمدير والمربي والقائد ولياً. وتستعمل هذه المفردة في الرفيق الحميم أيضاً، ولكن من الواضح أن هذه المفردة استعملت في هذه الآية بالمعنى الأول، ولهذا قال سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
2 - يمكن أن يدعى أنّ إخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور متوفّر على الدوام، ولكن مع الالتفات إلى سلسلة مراتب الهداية والإيمان يتضح أنّ الأمر ليس كما يتصوّر، لأن المؤمنين في مسيرة هدايتهم وقربهم إلى الله محتاجون إلى الإرشاد الإلهي في كل مرحلة، كما محتاجون إلى أشكال الهداية في كل خطوة وفي كلّ ممارسة وعمل.
3 - تشبيه الإيمان والكفر بالنور والظلمة أفضل تشبيه وأبلغه، لأنّ النور مصدر الحياة البركات وأجلى أشكال الحياة والتطوّر والتكامل وهو أصل الحركة، وهو الباعث على الاطمئنان والوعي والرشاد.. فيما الظلمة رمز الخمول والسكوت والموت والجهل والضلال وجميع والهلع..
4 - فيما يرتبط باستخدام هذه الآية وغيرها مما يشبهها الظلمة بصيغة الجمع الظُّلُمَات ﴾والنور بصيغة المفرد، هناك احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأول: فرديّة وواحديّة النور دليل على عدم ازدواجيّة سبيله، إذ أنّ طريق الحق طريق مباشر ومستقيم لا تشعبات فيه ومرسوم بين نقطتين متقابلتين، فلا يمكن تعدّده.. إلّا أنّ الباطل والكفر مركز لأنواع الاختلافات والتشتت حتى أنّ أهل الباطل غير متجانسين فيما بينهم وليست لديهم وحدة .هدف.. شأنهم في ذلك شان الخطوط المنحرفة الملتوية..
الاحتمال الثاني: لأنّ صفوف الباطل متعدّدة ومتكثّرة قياساً بواحدية أهل الحق، فقد عبّر عنهم بالظلمات جمعاً.
الاحتمال الثالث: يمكن أن يقال إنّ الكفّار لا نور لهم يخرجون به من ظلامهم، وحيث أنّ نور الإيمان متوفّر في فطرة الجميع، ولهذا؛ فقد صيغت الآية بالنور الواحد، وهو الصحيح كما يبدو.
5 - لا ريب في أنه سبحانه لا يخرج المؤمنين من الظلمات (الذنوب والجهل والصفات الرذيلة والبعد عن الحق) بالإجبار؛ ليدخلهم إلى النور، ولا يخرج الكفّار بالجبر عن فطرتهم التوحيديّة وعبادة الواحد الأحد، بل إنّ أعمال وطبيعة المعتقد لدى الفريقين هما اللذان يحدّدان مصيرهما..
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)
1 - تتمّة للآية السابقة حيث كان الحديث عن هداية المؤمنين تحت مظلة ولاية الله وإرشاده لهم، ثمّ ضلال الكافرين تبعاً لاتباع الطاغوت.. تذكر هذه الآية الشريفة مثالاً ومصداقاً على ذلك، وهي قصة الحوار الذي جرى بين النبي إبراهيم عليه السلام وطاغوت عصره :نمرودأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ؟.
2 - رغم مدى التصريح القرآني باسم طاغوت إبراهيم عليه السلام، إلّا أنّ قوله تعالى: أَنْ آتَاهُ اللهُ المُلْكَ إشارة إلى أن دافع هذا الطاغوت وسبب هذه المحاجة والحوار، هو أنه كان هنالك في عصر إبراهيم عليه السلام ملك ذو سلطة؛ تسبّبت له بالتكبر والغرور لصغر كان في وعاء نفسه، إلّا أنّ الروايات الشريفة، ومنها ما نقله صاحب (الدر المنثور) عن أمير المؤمنين عليه السلام ذكرت بأن اسمه نمرود بن كنعان..(1)
1) الدر المنثور، ج 1، ص 331
3 - الكثير من الناس لدى الأحوال الطبيعية هم أشخاص معتدلون بسيطون، ولكن ما إن ينالوا قسطاً من المال والمنصب والقوّة حتّى يغفلوا وينسوا كلّ شيء له علاقة بالفضيلة.. بل ويدوسون كلّ المقدّسات:أَنْ آتَاهُ اللهُ المُلْكَ.
4 - على الرغم من أنّ وقت تلك المناظرة لم تحدّده الآية، ولكن القرائن تشير إلى أنها حصلت بعد تحطيم إبراهيم عليه السلام للأصنام ونجاته من النار بإذن الله عزّ وجلّ.. فالسلطة والمجتمع الكافران حينما أدانا هذا النبي العظيم وعدّاه مجرماً، قررا تعريضه للعقاب على ما ارتكب بحق آلهتهم المقدّسة في ظنّهم، فسألاه عن السبب الذي دعاه إلى فعل ما فعل - أثناء المحاكمة وإنزال العقوبة - ثمّ إنّهما أصدرا قرار إحراقه بالنار بمنتهى الظلم والعنف.. ولكنّه حين نجا من النار بالمعجزة الإلهيّة العجيبة؛ سنحت له الفرصة مقابلة النمرود والتحدث إليه..
5 - يعلم من هذه الآية أنّ نمروداً هذا كان يدعي الألوهية ويعد نفسه خالقاً مهيمناً على تصريف شؤون العالم، أي أنه كان يحمل الناس على عبادته.. فهو حين رأى الناس يقدسون بعض الأحجار والأخشاب ويؤمنون بتأثيرها في حياتهم.. استغل فرصة سذاجتهم ودعاهم إلى عبادته وربوبيته أيضاً، وأظهر نفسه صنماً ينبغي - على حد زعمه - أن يعبد وأن يعد خالقاً مهيمناً على الحياة والموت..
6 - لا ريب في أنّ مناظرة نمرود وأمثاله مع محطمي الأصنام من أمثال رجال أفذاذ كإبراهيم عليه السلام لم تكن بحثاً عن الحقيقة وإنّما أرادوا من خلالها تأكيد مدعياتهم الباطلة.. ولعلّ مفردة حاج استعملت لبيان هذا المعنى ذلك لأنها تستعمل لغة في هذا الإطار غالباً.
7- أعظم إنجازات الخلقة هو قانون الحياة والموت؛ وهو الذي يؤكد بوضوح علم الله سبحانه وقدرته، ولهذا وجدنا نمرود الطاغية يحاول استغفال أتباعه السفهاء أو المتملقين
والزعم لهم بأنه قادر على منح الحياة وفرض الموت، وذلك بعد أن أحضر سجينين كانا في سجنه، فقتل أحدهما وأخرج الآخر ، أي أنه أراد القول بأنه منح الحياة لواحد وفرض الموت على آخر قال أَنا أُحْيِي وَأُمِيتُ.
8 - لإبطال مفعول هذا المدعى النمرودي السفيه، قال الخليل عليه السلام: فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ.
9 - من المعلوم - من جهات عدة - أن مسألة الحياة والموت أهم من مسألة طلوع الشمس وغروبها، وهي أوضح دليلاً على علم الله تعالى وقدرته، كما أنها من أفضل الطرق لإخماد مدعيات المعاندين والمتكبّرين من أمثال النمرود ، ولهذا؛ استدل الخليل عليه السلام بها أولاً؛ لعلّ بعض الحاضرين يقنع بها كدليل واضح يناسب الجميع بمن فيهم البسطاء من الناس.. ولكنّه عليه السلام حين رأى انسياق الحاضرين، وعلى الخصوص بسطاءهم، قد مالوا إلى خداع نمرود وسفسطته الجاهلة وحيلته بقتل رجل كان مجرّد سجين عادي، وتحرير رجل آخر كان محكوماً بالإعدام والقتل.. اضطر إلى الاستدلال الثاني وألقى على نمرود قضية الإتيان بالشمس من المشرق، وتحداه أن يأتي بها من المغرب إن كان إلهاً متصرفاً في شؤون العالم حقاً كما هو شأن الله ربّ العالمين جل جلاله... ولكنّ هذا الأخير - المغرور المتكبر - خمدت وهجته وأخذ على حين غرة، فبهت وعجز عن أي رد بسيط، ولم يحر جواباً أمام المنطق الحي لإبراهيم عليه السلام.
10 - من قوله تعالى: وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعلم أنه وإن كانت الهداية والضلالة بيد الله تعالى، إلّا أنّ لذلك مقدّمات يجب أن توفّر وتحرز من جهة العباد، لاسيما وأن الظلم والجور وارتكاب الذنوب كما الغيوم السوداء تحجب قلب الإنسان عن أن يرى نور الهداية أو يميز الحقائق.
11 - عبادة الأصنام - في الحقيقة - تحريف لعبادة الله تعالى.. وليست عبادة الله سوى
عقيدة مغروسة في فطرة كلّ إنسان؛ بل هي الفطرة بعينها.. ولكن التحريف يردّ عليها لدى المنحطين دوماً، وعليه؛ يمكن القول بأنّ ظهور عقيدة عبادة الأصنام كانت موجودة منذ وجود الإنسان تقريباً..
12 - الإنسان وبمقتضى فطرته وخلقته وطبيعته، ومع الاستدلال الواضح الخاص بنظام الوجود المنتهي إلى وجود المصدر العالم والقادر يلتفت إلى القوّة الماثلة وراء الطبيعة وعالم المادّيّات.. ومن هذين الطريقين الفطرة والعقل يتعرّف المرء شيئاً فشيئاً إلى مبدأ الوجود. ولكن كما إذا أحسّ الطفل بالجوع مثلاً - فلم تتم تغذيته وسد جوعه بالشكل السليم – فإنّه سيلجأ إلى مد يده إلى ما هو غير سليم؛ مثل التراب أو القاذورات، فيتعرّض بذلك للمرض حتّى يفقد سلامته.. وكذلك هو الإنسان؛ ما لم يوجه التوجيه السليم في إطار فطرته وعقله لدى تعرّفه على ربّه المتعال، تراه يلجأ إلى ما يظنّه كفيلاً بسد جوعه وحاجته الفطرية إلى ربّ ولعله يتخذ آلهة مزيفة مثل الأصنام فيعبدها ويعظمها ويضفي عليها صفات الربّ الجليل
زوراً وبهتاناً..
13 - لا شكّ في أنّ أحد أسباب رواج عبادة الأصنام هو مساعي الأفراد قصيري النظر عديمي البصيرة، إذ يقولبون كلّ شيء ضمن القوالب الحسّيّة والمادية، فلا تراهم يخطون خارج دائرة المحسوسات، ولهذا صار من الصعب أو المستحيل عليهم أن يؤمنوا أو يتصوّروا عبادة لربّ غير مرئي، فهم تتملكهم الرغبة الجامحة والدائمة في عبادة رب ينصبونه قبال أنظارهم.. وهذا الجهل وعدم الاطلاع إذا ما اختلط بالفطرة القائلة بعبادة الربّ؛ اتخذ شكل عبادة الأصنام المحسوسة واعتبارها أرباباً..
14 - بعض الأمم المنصرمة كانت تبجّل الأنبياء والأولياء، وحين مات هؤلاء عمدت إلى صناعة أصنام وتماثيل تجسّمهم تحت مدعى التذكير بهم.. وبتعاقب الأجيال قال أخلافهم بألوهيتهم لما دُرّج للأنبياء المائلين أمامهم بالتماثيل من خرافات وأساطير أبعدتهم عن حقائهم
وكونهم عبيد مرسلين من قبل الله تعالى.. فنسوا الله وتمسكوا بالتماثيل حتّى قالوا بألوهيتهم.. فبدؤوا بعبادتهم من دون الله.. وكل ذلك كان بدفع من الشيطان وعلماء السوء وسلاطين الجور..
15 - من أسباب عبادة الأصنام أنّ الناس انبهروا بمنافع موجودات كالشمس والقمر والنار والماء إلى حدّ عبادتها ونسيان خالقها، طمعاً في الاستزادة من النفع والبركة.
16 - الانحطاط الفكري وجهل البشر هو الأساس في الاندفاع نحو عبادة الأصنام على مرّ التاريخ لا سيما مع انعدام أو ندرة التوجيه الصحيح فيما يتعلّق بمعرفة الله.. الذي يتم في الغالب بواسطة التعليم والتربية النبوية باعتبارهما سبيل ووسيلة الوقاية من السقوط في براثن الشرك..
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)
ما ذكرته كتب التاريخ الإسلامي إشارة إلى قصة الرجل المسافر على حماره، وكان يحمل شيئاً من الطعام والشراب لنفسه، فمرّ بقرية مصابة بدمار تام، فيما كانت أجساد أهلها قد انتشرت في كل الأنحاء وقد تحوّلت إلى عظام بالية.. وحينما نظر إلى هذه الصورة المرعبة قال في نفسه: كيف سيحيي الله هذه العظام البالية المتناثرة... وطبعا لم يكن قوله هذا عن شكّ أو إنكار، وإنّما كان عن تعجّب عميق؛ لا سيما وأنّ القرائن الحالية والمقالية - كما هو الوارد في الروايات الشريفة - تشير إلى أنه كان نبيّاً من الأنبياء، خصوصاً وأن آخر الآية كشف
أنّ الله تعالى قد كلّمه.. هنا قبض الله روحه وأماته طيلة مئة عام كاملة ثمّ أحياه وسأله عما قضى من الوقت في أطراف تلك القرية.. فأجابه وهو الذي ظنّ أنّه قد نام لبعض الوقت يوماً أو جزءاً من يوم.. فجاءه الخطاب الإلهي مفنداً ظنّه: بل مئة عام.. ولك أن تلاحظ طعامك وشرابك الذي بقي على حاله طيلة المئة عام.. ولكي تتأكد من قضائك تلك المئة عام ميتاً فلتنظر إلى حمارك وإلى تلاشي جنّته وتناثر أشلائها التي خضعت للقوانين الطبيعية.. ثمّ انظر إلى قدرة الربّ القدير وكيف سيجمع العظام فيبت فيها الحياة مرة أخرى، وكيف سيضفي عليها اللحم ويعاد الحيوان إلى حياته التامة.. وحين تمّ الأمر قال من فوره: أعلم وأعرف أنّ الله على كل شيء قدير..(1)أي أنني قد زدت إيماناً وثقة بعقيدة البعث والنشر للموتى بشكل ملموس.
1 - وردت احتمالات وأقوال عديدة في هويّة هذا النبي الكبير، فقال البعض إنّه أرميا، وقيل إنّه الخضر.. إلّا أنّ المشهور والمعروف هو أنه النبي العزير.. ويؤيد ذلك الحديث الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام.. (2)كما احتمل البعض أنّ موقع هذه الحادثة بيت المقدس الذي كان قد تهدم بسبب الهجمات التي شنها نبوخذ نصر أو (بخت نصر) وهو الملك البابلي على عموم بلاد الشام ومنها مدينة القدس فغيّرتها إلى يباب.. مع أنّ هذا القول يبدو بعيداً.
2 - هذه الآية وردت باعتبارها متمّمة للآية السابقة حيث تشير إلى قصة نبي آخر من أنبياء الله تعالى، وهي تتضمن شواهد حية على مسائل المعاد.. وإنّ انضمام هاتين الآيتين
إلى بعضهما يمكن أن يكون بداعي أنّ الآية السالفة تناولت مبدأ التوحيد ومعرفة الله، وأنّ هذه الآية والآية التالية لها ستتناول مبدأ المعاد والحياة بعد الموت..
3- احتمل بعض المفسرين أن تكون هذه الآية وسالفتها وتالياتها بمثابة التتمة والشرح لقضيّة الهداية الإلهية الواردة في آية الكرسي الشريفة، فهي - الآيات بعدها - تتناول الدلائل العقليّة (قصة إبراهيم عليه السلام ونمرود ثمّ إنّ هذه الآية التي ستليها ستورد الدلائل الحسّيّة، أي أنّهما ستتناولان قضيّة الهداية من الجوانب الشهودية الملموسة.
4 -عُرُوشِهَا جمع عرش، وهو هنا بمعنى السقف، وخَاوِيَة لغةً بمعنى خالية؛ كناية عن دمارها. ذلك لأنّ البيوت تكون مسكونة في العادة، وبيوت هذه القرية كانت خالية من أهلها.. وعليه؛ فإنّ عبارة وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا تعني أنّ بيوتهم كانت مدمرة مهدمة وكان أوّل ما تهدم منها سقوفها ثمّ جُدرها على ساكنيها.. وهذا النوع من الدمار؛ دمار تام، ذلك لأنّ في الحالات العادية يسقط السقف أوّلاً ثمّ تقف الجدران مدة، ثمّ تتهاوى على السقف.
5 - صرّح بعض المفسرين بالتفاوت بين العرش والسقف. إذ يقال للأقسام العليا من البناء سقفاً، في حين أنّ العرش عبارة عن السقف مع القواعد.
6 - كلمة أَمَاتَهُ من مادة الموت ومعناه ومفهومه.
المعاجز هو إمكانية الوقوع وليس من حيث المحال العقلي..(1)ولكن يبدو أنه لا دليل في هذه الآية على هذا الإصرار المذكور، رغم أن مقصود هذين المفسرين من ذكر النوم المديد طيلة بضع سنوات، أو ما يذكر عن بعض الحيوانات التي تلجأ إلى نوم الشتاء (السبات) ولا تستيقظ إلا حين يدب فيها دفء الربيع، أو مسألة التجمد الطبيعي الذي تتعرّض له بعض الحيوانات، أو التجميد الصناعي لبعض الحيوانات الأخرى الذي يتمّ على يد البشر لمدة طويلة دون أن تتعرّض للموت.. فإن كان مقصودهما أن مسألة الموت والحياة ممكنة بعد انقضاء مئة عام؛ فهذا ما لا إشكال فيه أو عليه. لأنّ معنى هذا الحديث: أنّ الله القادر على تعريض كائن حيّ إلى نوم طويل يستغرق مئات السنين، أو يعرض للانجماد ، ثمّ يوقظه ويعيده إلى حالته الأولى.. قادر أيضاً على إحياء الموتى..
8 - يعلم بالدقة في هذه الآية أنّ النبي المذكور قد مات وفارق الحياة، ثم عاد إلى الحياة بعد مئة عام.. ولا ريب أنّ هذا الأمر أمر خارق للعادة، ولكنّه ليس ولم يكن محالاً.. كما أنّ الحوادث الإعجازية الخارقة للعادة التي ذكرت في آيات القرآن ليست منحصرة في هذا النموذج لكي نضطر إلى تبريره وتأويله..
9 - إنّ قبول مبدأ المعاد وإحياء الموتى وبعثهم إلى يوم القيامة، وكذلك الإيمان بمعجزات الأنبياء، لا معنى للاتجاه إلى تفسيرها وتفسير الآيات الخاصة بها ونسبتها إلى سلسلة من الوقائع العادية والطبيعيّة، فنخوض في مستنقع مخالفة الآيات.. لأنّ هذه الممارسة غير صحيحة ولا لزوم لها، وعلى حد قول بعض المفسرين: كأننا نسينا أننا كنا موجودات غير حية ثم الله تعالى أحيانا، فما المانع أن يتكرّر لنا الموت ثم تعاد لنا الحياة؟..
10 - قوله تعالى:لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ يبيّن أن فترة بقاء ذلك النبي بين الموت ثمّ
1) تفسير المنار، ج 3، ص 49 و 50 وتفسير المراغى، ج 3، ص 23
الحياة كانت بين ساعتين من اليوم، كأن يكون مات قبل الظهر بساعة ثم عاد إلى الحياة بعد الظهر بساعة، ولذا وقع في الشكّ فيما إذا كان مات (أو نام) خلال ليلة ونهارها، أم كان لبضع ساعات من اليوم الواحد. ولكنّه سرعان ما خوطب بالقول :الصارم بل بقيت هنا مئة عام !
11 - لَمْ يَتَسَنَّهُ من مادة (سنه) بمعنى العام، أي: لم تنقض عليه سنة، ولكنّ اللّفظ هنا ورد كناية عن عدم التغيير والفساد.. بمعنى: انظر إلى الطعام الذي لم يتغيّر رغم مرور السنين عليه.. وهذا إشارة إلى أنّ الله تعالى القادر على أمر الطعام والشراب بعدم التغير - وهما المادتان اللتان يتوقع لهما التغير ضمن الظروف الطبيعية - لقادر أيضاً على إحياء الموتى، لأنّ المحافظة على سلامة الطعام والشراب - وهو المادّة ذات العمر القصير - في كلّ تلك الأعوام المئة أيسر من إحياء الموتى﴿ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ).
12 - لم ترد الإشارة إلى نوع الطعام والشراب في هذه الآية، ولكنّ بعضهم عده تيناً وعصيراً من عصير الفواكه.. ونعلم أنّ هذين الاثنين سرعان ما يسري إليهما الفساد. وبقاؤهما لمدة غير طبيعية يمثل موضوعاً مهمّاً.. فيما عده بعض آخر عنباً وحليباً...
13 - يعلم من هذه الآية أنّ دابّة هذا النبي قد تلاشت جثتها بمرور الزمان؛ ولم يبق منها سوى عظام بالية.. وهذا أمر عجيب بحدّ ذاته، حيث الحمار من جملة الحيوانات المعمّرة، ولكنه تلاشى بهذا الشكل، أما الفاكهة أو عصيرها أو الحليب، فهي الأشياء التي يسرع إليها الفساد قد بقيت سالمة على حالها.. وهذا من مظاهر القدرة الإلهية في التحكم بمخلوقاته موتاً أو حياةً، فناءً أو بقاء...
14 - ننشِرُهَا من مادة النشز والنشوز بمعنى المرتفع، ولعلّ المقصود في هذه الآية: رفع العظام عن سطح الأرض ثمّ إكساؤها باللحم وتركيب بعضها على بعض.. أي: انظر كيف نركبها ونغطيها باللحم ونحييها..
15 - الاحتمال بعيد جداً في أن يكون المقصود هو بدن النبي وعظامه.. ذلك لأنّ الله
تعالى قد كلّمه بعد إحيائه.. وكذلك الأمر بالنسبة لاحتمال أن يكون المقصود مجموع جثث أهل القرية، لأنّ الحديث كان خاصاً بالحمار والطعام دون الموتى من الناس.
حينما اكتمل علم هذا النبي بتلك الآيات والدلائل الواضحة وبلغ مرحلة الشهود، واتضح له كلّ شيءٍ قال:فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والمثير في الأمر أنّه لم يقل: قد علمت الآن (كما قالت زليخا عن يوسف عليه السلام: الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ(1)بل قال: أعلم، أي: أقرّ بعلمي وإدراكي..
1) سورة يوسف / 51 .
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
نقل أكثر المؤرّخين والمفسرين أنّ إبراهيم عليه السلام مر ببحر ذات يوم فرأى جيفة لحيوان، وكان نصفها يلامس الماء ونصفها الآخر على اليابسة؛ فيما كانت الطيور والسمك وحيوانات أخرى تتنتزع على نهش طرفيها، مما حدا به أن يفكّر في كيفية إحياء الله تعالى للموتى، وفي أنّ هذا الأمر لو وقع لجنّة إنسان؛ إذ تكون أجزاؤها في بطون حيوانات شتى، فكيف سيبعثه الله سبحانه إلى يوم القيامة.. فطلب إلى ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى؟ فسأله الله عما إن كان لم يؤمن بالبعث ؟ فأجاب إبراهيم عليه السلام بجواب المتواضع المقرّ بأنّه مؤمن بذلك ولكنّه يريد رؤية إحياء الموتى على سبيل الاطمئنان.. فأمره عزّوجلّ أن يأخذ أربعة طيور، فيذبحها ويخلط لحومها ثمّ يقسمها إلى عدة أجزاء، وأن يضع كل حزء على قمة جبل، ثمّ يدعوها إليه.. ليشاهد بعد ذلك كيف تدبّ الحياة في كل قسم بعد أن تنفصل أجزاء الخليط ويعود كلّ جزء إلى الجزء الذي هو من شاكلته.. وهكذا فعل إبراهيم عليه السلام حتّى رأى أجزاء الطيور تجتمع إلى بعضها من كل صوب وقمة جبل، وتتقدّم نحوه حيث عادت
الحياة إلى جميع الطيور لتصبح كهيئتها الأولى...(1)
1 - بعد قصة النبي العزير عليه السلام فيما يتعلّق بمسألة الموت وإحياء الموتى والمعاد، ها هي قصة أخرى من قصص النبي إبراهيم عليه السلام تبين صورة أخرى من صور المعاد قد وقعت في هذه الدنيا.. ليتخذ البحث بهذا الصدد بعداً أتم وأكمل..
2 - توحي هذه الآية بوضوح حقيقة أن إبراهيم عليه السلام طلب المشاهدة العينية والحشيّة لمنظر إحياء الموتى ليطمئن قلبه.. ومن البديهي أنّ مثالاً وتشبيهاً واحداً لا يسعه تجسيد كل يوم القيامة، كما لا يسعه أن يكرّس الاطمئنان المطلق في القلب، إلّا أنّه عليه السلام كان مؤمناً بالبعث والقيامة بالعقل والمنطق مع رغبته بالإيمان بالبعث عن طريق الشهود أيضاً.
3 – قوله تعالى: أَرِنِي كَيْفَ .. يعلم منه أن إبراهيم عليه السلام كان مؤمناً متيقناً بالمعاد، وقد قرأنا في الآيات السالفة أنه قال لنمرود بكل صراحة: إنّ ربّه يحيي ويميت.. ... إلّا أنه
كان يريد الاطلاع على ذلك عن طريق الشهود والرؤية ليقوّي إيمانه بكيفية وقوع عملية الإحياء.. ولذلك تراه يجيب على السؤال الرباني القائل: أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ بالقول:بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
4 - لأنّ الله تعالى أراد لطلب إبراهيم هذا أن لا يكون موجباً لشك الناس به - إبراهيم - فقد سأله عمّا إذا كان لم يؤمن، ليعمد إبراهيم إلى إيضاح موقفه من البعث وليبعد كلّ شكّ محتمل..
5 - من عبارة: قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي يمكن القول بأن الاستدلال العلمي
1) تفسير القمي، ج 1، ص 91
والمنطقي من شأنه إقناع الإنسان والبلوغ به إلى اليقين، ولكن قد لا تكون تلك القناعة قد نفذت إلى قلبه، كما قد يقال للإنسان لدى الاستدلال العقلي بأنّ الميت يعجز عن فعل شيء والمطلوب أن يبقى قربه.. ولكن حيث الاستدلال العقلي المذكور لم ينفذ إلى قلبه - مع إيمانه به - فتراه يخشى البقاء عنده لاسيما في ساعات الليل.. لعدم أو قلة نفوذ ثمرة الاستدلال إلى قلبه.. أما الذين يعملون في المقابر ويتولون شؤون غسل الموتى وتكفينهم وحفر قبورهم ودفنهم؛ فهم لا يعرف الخوف والهلع إلى قلوبهم سبيلاً لمعايشتهم ومشاهدتهم - والمشاهدة هنا غير الرؤية - واقع الموت ومناظر الموتى الذين لن تتحرّك أجسادهم ولا يسمعون ولا ينطقون..
6 - ما يطمئن القلب والعقل هو المشاهدة العينية، ولهذا ورد التعبير ب-لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ممّا يعني أن أفكار الإنسان في تغيّر متواصل قبل بلوغ مرحلة المشاهدة والمعايشة. فإذا بلغ الأمر هذا الحدّ اطمأن قلب الإنسان وثبت..
7- كلمة صُرْهُنَّ في الأصل من جذر (صور) على وزن غور بمعنى التقسيم إلى أجزاء وقطع، وبمعنى التحايل والصياح، ويبدو هنا أنّ المعنى الأول هو المقصود من الكلمة.. بمعنى اختيار أربعة طيور ثمّ ذبحها ثم تقطيعها ثم خلط لحمها.. ذلك لأن هدف الله تعالى كان عرض نموذج من كيفية الإحياء والبعث لإبراهيم عليه السلام فيشاهدها ويتعرّف إلى عمليّة الأحياء..
8 - لا ريب أنّ هذه الحادثة التي وقعت للطيور كانت أمراً خارقاً للعادة تماماً؛ كما هو الأمر في البعث والقيامة الخارق للعادة.. ونحن نعلم أنه سبحانه وتعالى متحكّم بقوانين الطبيعة، وعليه؛ ليس من الصعب عليه القيام بهذا العمل أو غيره مما نعده غير طبيعي وخارقاً للعادة، وقد أجمع المفسرون على هذا القول.
9 - معلوم أنّ الطيور الأربعة المشار إليها كانت من أشكال متفاوتة، ولو لم تكن كذلك، ما
كان إبراهيم عليه السلام ليحقق هدفه في المشاهدة العينية لإحياء الموتى بالصورة الدقيقة والشاملة، وطبقاً لبعض الروايات المشهورة فإنّ تلكم الطيور كانت عبارة عن الطاووس والديك والحمام والغراب،(1)حيث تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً، بل إنّ البعض يعدّها مظهراً لروحيات وصفات الإنسان نوعاً ما.. إذ الطاووس مظهر العجب والتكبر والجمال وحب الاستعراض والتظاهر والديك مظهر الميل الجنسي الشديد، والحمام مظهر اللهو واللعب، فيما الغراب مظهر طول الأمل..
10 - لم يرد التصريح في القرآن بعدد الجبال التي وضع إبراهيم عليها أجزاء الطيور، إلّا أنّ الروايات الشريفة أشارت إلى أنها كانت عشرةً، ولهذا؛ ورد في الأحاديث أنّ من أوضى بجزء من ماله أن يصرف بعد موته في مجال ،ما، فليكن ذلك عشر التركة..(2)
11 - يعلم المتخصصون بالبحث في آيات المعاد القرآنية أن البعث لم يعرض ولم يشر إليه في القرآن إلا بوصفه معاداً جسمانياً، فيكون البعث في القيامة - على هذا الأساس - جسمانياً وروحانياً معاً، ولذا نجد القرآن عبّر عن البعث إلى القيامة بإحياء الموتى، ولو كان
البعث روحانياً فحسب، ما كان لهذا الإحياء مفهوم ولا مبر.. والآية محط التفسير هذا تحدثت بصراحة عن هذا الموضوع ووصفته بكونه إعادة الحياة لأجزاء الجثث الخامدة، وقد رأى إبراهيم عليه السلام عمليّة الإحياء بعينه المجرّدة.
12 - سؤال: إذا دفن الإنسان وتحوّل إلى تراب، ثمّ إنّ جذور الأشجار والنباتات امتص-ت ذرّات وأجزاء هذا التراب، ثمّ إنّ حيوانات أو إنساناً آخر أكل من ثمرات تلكم الأشجار والنباتات التي كانت محاذية لقبر الميّت، أو أن يضطر إنسان إلى تناول لحم إنسان ميّت -
كما في سنيّ القحط وغيره - فأي بدن هو الذي سيبعث إلى القيامة؟ فإن بعث البدن الأول، فلا ريب في أنّ البدن الثاني الذي أكل من الأوّل سيبعث ناقصاً، وإن بعث الثاني كاملاً فإنّ الأول هو الذي سيبعث ناقصاً أو سيعدم أساساً؟
الجواب: طرحت أجوبة عديدة مختلفة من جهة الفلاسفة وعلماء العقائد على هذا السؤال القديم الجديد.. والحديث عن تفاصيل كل الآراء لا فائدة ولا ضرورة فيه.. ونحن هنا نتخذ طريقاً أوضح مع الالتفات إلى نصوص الآيات التي تؤيد العلوم المعاصرة بشكل تام... وتوضيح ذلك بحاجة إلى مقدمات:
المقدّمة الأولى: نعرف أنّ أجزاء بدن الإنسان تتغيّر مراراً منذ طفولته حتى موعد موته، بل إنّ خلايا دماغه التي لا يتغيّر عددها إلّا أنّها تتبدل من حيث الأجزاء.. ذلك لأنّ الخلايا تتغذى من جهة ثمّ تتحلّل من جهة أخرى.. وهذا ما يؤدّي إلى حصول التبدل الكامل بمرور الزمان ولكنّ الذرّات السابقة حين الموت تضع جميع خواصها وآثارها في الخلايا المستجدة، ولهذا؛ تتكرّس خصوصيات الجسم وتثبت - شكلاً ولوناً - كيفيته بمرور الزمان، لأنّ تلكم الخصوصيات قد انتقلت أخيراً إلى خلايا جديدة، وعليه؛ فإنّ آخر خلايا الجسم لكل إنسان تتبدل إلى تراب بعد الموت؛ وهذه كانت لها مجموعة من الصفات التي اكتسبها خلال عمره، وهي تنطبق بما كان يتضمنه الإنسان طيلة عمره..
المقدّمة الثانية: صحيح أن أساس شخصيّة الإنسان تشكلها وتصوغها روحه، ولكن ينبغي الالتفات إلى أنّ الروح تتكامل بمعية الجسم، ولكلّ واحد من هذين الاثنين تأثير على الآخر.. فكما أنه لا تشابه متطابقاً بين جمسين، كذلك هو الأمر بالنسبة لروحين، وعلى هذا الأساس؛ لا نجد روحاً مجرّدة عن الجسم - الذي كانت قد تكاملت وإياه - يمكنها القيام بنشاط وفعل كامل وشامل.. ولذا؛ لابد من عودة ذلك الجسم السابق في يوم القيامة لروحه، لتستعيد هذه الروح قدرتها التامة على الفعل، وذلك ضمن مرحلة أسمى، فتنتفع بنتائج
أفعالها التي قامت بها..
المقدمة الثالثة: كلّ واحدة من ذرّات بدن الإنسان تحمل جميع الخصوصيات الجسميّة لذلك البدن، ولو أنّ كلّ خليّة بدنية تمكنت من النمو حتى تتبدّل إلى إنسان كامل، فإنّ هذا الأخير سيكون حاملاً لجميع صفات الإنسان صاحب تلك الذرة.. لاسيما وأنّ الإنسان وفي أوّل يوم من تكوين نطفته، لم يكن أكثر من خليّة واحدة.. وكانت هذه الخلية تحمل جميع صفاته.. ثمّ بالتدريج وعن طريق نظام التقسيم صار خليتين فثلاثة فأربعة حتى تكامل عدد خلايا الجسم، وعلى هذا؛ فإنّ كلّ خليّة من خلايا البدن إنّما هي شعبة من الخلية الأولى، ولو أنها نمت كما نمت الخليّة الأولى؛ لتحوّلت إلى إنسان شبيه به تماماً ويحمل جميع صفاته..
وبالنظر إلى هذه المقدّمات الثلاث المذكورة نأتي على الإجابة على السؤال المتقدّم فنقول:
إنّ آيات القرآن تصرّح بأن آخر الذرّات التي تضمنها بدن الإنسان حين موته ستعود إلى بدنه حين البعث والنشور والإحياء، أي: ستقوم هذه الذرات بإعادة تشكيل البدن، وعليه؛ لو أنّ إنساناً آخر أكل منه وتغذى عليه؛ فإنّ تلكم الذرّات ستسحب وتخرج منه وتعاد إلى صاحبها الأصلي.. والذي يمكن أن يتصوّر هنا هو حصول النقصان في بدن الإنسان الثاني.. ولكن ينبغي القول بأنّه لن ينقص؛ بل سيصير صغيراً، ذلك لأنّ أجزاء بدنه قد توزّعت في البدن الثاني، ولدى سحبها منه سيصاب بالضعف والصغر بنفس نسبة استرجاعها منه.. مثال ذلك: لو أنّ بدن أحدهم كان وزنه ستين كيلو، وكان من هذه الستين أربعون كيلو عائدة إلى بدن إنسان آخر، فإذا سحبت منه هذه الأربعون بقي عشرون كيلو فصار بدنه صغيراً بحجم بدنه حين كان طفلاً صغيراً..
ولكن هل يمكن ان تتسبّب هذه الحالة بخلق مشكلة ؟ لا ريب في عدم ذلك.. لأنّ هذا
البدن الصغير يحمل جميع صفات الشخص الثاني بلا زيادة أو نقصان.. وحين البعث سيكون كما الطفل الذي يولد صغير البدن ثم يكبر وينمو شيئاً فشيئاً.. وهكذا ذو العشرين كيلوغراماً سيبعث صغير الجسم فيكبر شيئاً فشيئاً خلال مساره من القبر إلى ساحة المحشر والقيامة.. ولا إشكال عقليّاً أو نقليّاً يرد على القول بهذا النوع من التكامل خلال البعث وبعيده...
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)
1 - هذه الآية هي مطلع آيات في سورة البقرة تتحدّث عن الإنفاق؛ الإنفاق الذي هو مدعى تطوّر الناس ورشدهم، ولعلّ ذكرها بعد الآيات الخاصة بعقيدة المعاد باعتبار أنّ الإنفاق من أهم أسباب النجاة في يوم القيامة.. إنّه الإنفاق في سبيل الله تعالى.
2- رغم أنّ بعض المفسرين قالوا: إنّ مقصود الآية من الإنفاق هو الإنفاق في إطار الجهاد فحسب، ذلك لأنّ هذه الآية - في الواقع - تأكيد على ما مرّ في الآيات المتقدمة على قصة العزير وإبراهيم وطالوت عليهم السلام، رغم كل ذلك، إلّا أنّ القيد القائلفي سبيل الله هنا.. يجعل الآية ذات مفهوم شامل وواسع يعمّ كل مورد من موارد الخير والصلاح، بل إن العلاقة بين هذا وما سبقه من آيات لا يمكن أن تكون دليلاً على تخصيص هذه الآية والآيات القادمة، إضافة إلى أنّ ما سيلي من آيات تشير إلى أن بحث الإنفاق سيكون مستقلاً.. كما أكدت
الروايات على عموميّة معنى الآية..(1)
3- في هذه الآية الكريمة شبّه الذين ينفقون في سبيل الله تعالى بحبّة مباركة وبذرة طيّبة زرعت في أرض صالحة.. والحال أنّ التشبيه هنا كان يتوقع له أن يكون متوجّهاً إلى
1) مجمع البیان، ج 2، ص 646
عملية الإنفاق وليس المنفقين.. علماً أنّ تشبيه المنفقين بالحبّات المباركة تشبيه مثير وعميق في معناه، ولعلّ الغاية من ورائه إيضاح أنّ كلّ عمل الإنسان انعكاس لوجوده ولشخصيّته.. ومهما اتسع هذا العمل؛ اتسع وجوده في الحقيقة، والقرآن الحكيم هنا لا يفصل بين العمل وصاحبه، بل ويعدّهما وجهين لعملة واحدة ويمتازان بحقيقة واحدة.. وإنما الصالحون يتقدمون في خضم إنجازاتهم الصالحة.. وهم عبارة عن حبّات مثمرة تسري بجذورها إلى كلّ جهة وتضمّ كلّ شيء إليها..
4 - إزاء كلّ تشبيه وشبه وفضلاً عن الموضوع الذي يتم التشبيه لأجله، فهو بحاجة إلى ثلاثة أمور: الشبه والشبيه وسبب التشبيه.. وفي هذه الآية؛ كان الشبه هو الإنسان المنفق، والشبيه هو الحبّات المباركة، وعلّة التشبيه هو النمو والتقدّم في الإنفاق نفسه.. حيث نؤمن بأنّ الفرد المنفق رهين نموّه الاستثنائي من الناحية المعنوية والاجتماعية، ولا حاجة به إلى ثناء ومديح.
5 - كلمة يُضَاعَف من مادّة الضعف، على وزن شعر بمعنى الضعفين أو الأكثر من الضعفين.
إنّ إحدى أكبر المشاكل الاجتماعية التي طالما أصابت الإنسان ولم يستطع التخلّص منها مع كل ما حقق من تقدم علمي وصناعي ومادي.. هي مشكلة الفواصل الطبقية.. بحيث نلاحظ مجموعة تجمع ثروات طائلة في مقابل مجموعة فقيرة معدمة متألمة بحيث يعجز أفرادها عن توفير حاجات الحياة الضرورية مثل الطعام والمسكن والملبس.. ومعلوم أنّ مجتمعاً قسم منه يتمطى على كراديس المال والثروة.. فيما القسم الأكبر منه يعاني الفقر والجوع.. فهذا المجتمع لا يتوقع له أن يبقى أو يبلغ السعادة الحقيقية.. ومعلوم أيضاً أنّ هذا المجتمع ستتكرّس فيه حالات القلق والاضطراب وانعدام الثقة.. وبالنتيجة ينتهي إلى العداوة والحرب التي لا مناص منها..
6 - بالتدقيق في آيات القرآن المجيد يتضح أن أحد أهداف الإسلام إزاحة التفاوت غير الطبيعي وغير العادل الناتج عن تفشّي الظلم الاجتماعي بين الطبقات الغنية والضعيفة والارتقاء بمستوى حياة الذين يعجزون عن إحراز التطوّر والنمو من دون مساعدة الآخرين أو أن يوفّروا لأنفسهم الحد الأدنى من الحاجات الضرورية لمعيشتهم.. ولبلوغ هذا الإنساني العتيد؛ اتخذ الإسلام منهجاً شاملاً يتضمن مثلاً (تحريم الربا على الإطلاق ووجوب دفع الضرائب الماليّة الدينيّة؛ من قبيل الخمس والزكاة والصدقات والتشجيع على الإنفاق والأوقاف والقرض الحسن والمساعدات المالية على اختلاف مشاربها) والأهم من كل ذلك تكريس روح الإيمان والأخوّة الإنسانية بين المسلمين.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)
1 - في الآية السالفة جرى إيضاح أهمية الإنفاق في سبيل الله تعالى، ولكن في هذه الآية ستذكر بعض شروط الإنفاق، مضافاً إلى أنّ من خلال عبائر هذه الآية سيتبين أنّ الإنفاق للجهاد ليس هو المقصود فحسب.
وثوابه بفعله غير الصالح هذا..
3 - ما يلفت النظر في هذه الآية أكثر من أي شيء هو أنّ القرآن لا يعد الثروة المادية هي الثروة الوحيدة أو رأس المال الوحيد في حياة الإنسان.. وإنّما هناك الثروة المعنويّة والاجتماعية لها حسابها الخاص ودورها المميّز.. ولهذا فإنّ من يساعد شخصاً ثمّ يمن عليه أو يؤذيه فيلكم قلبه.. فهو لم يغثه في الحقيقة، لأنه إذا كان قد ساعده بشيء، فهو قد سلبه شيئاً آخر أكبر من تلك المساعدة، وإن كان قد وضع مقداراً من المال في جيبه، فقد أخذ منه مقداراً عظيماً من شخصيّته، وعليه؛ فإن حصل أن لم ينل مثل هؤلاء المنفقون المانّون المؤذون على أجر وثواب من الله تعالى، فإنّ ذلك من الطبيعي والعادل بمكان.. بل يمكن
القول بأنّ مثل هؤلاء وفي موارد جمّة يتحولون إلى مدينين لا دائنين، لأنّ كرامة الإنسان أعلى وأسمى من المال بكثير..
4 - حيث وردت الإشارة إلى المن والأذى في الآية مع حرف ثُمَّ الذي يستعمل عادة للفصل بين حادثتين أو فعلين أو التراخي - كما يقال - فيكون المعنى أن من ينفق ثم لم يمنّ بما أنفق ولم يؤذ، فإنّ أجره محفوظ عند الله سبحانه وتعالى.
5 - ليس هدف القرآن الكريم ومقصوده أن تتم عملية الإنفاق بأدب واحترام فحسب، بل أن لا تلحقها المنّة فيما بعد.. وهذه من جملة النقاط التي تشير إلى دقة الإسلام في أن تكون الخدمة خدمة إنسانية وإلهية خالصة.
6 -المنّة والأذى الموجبان لعدم قبول الإنفاق لايختصان بعملية الإنفاق على المحتاجين، بل هما ساريان في جميع الأعمال العامة والاجتماعية من قبيل الجهاد في سبيل الله وعموم الأفعال الدينية التي يُتوجّه بها إلى المجتمع التي تقوم على أساس البذل والعطاء الإلهي..
7 - قوله تعالى: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ محفوظ ومكتوب، وعملية الطمأنة هذه يراد بها تشجيع المنفقين ليحنّوا الخطى في هذا الطريق، ذلك لأنّ ما يحفظ عند الله لا يتعرّض لخطر النسيان والضياع والنسيان.. وكلمة رَبِّهِمْ يمكن أن تكون تنويهاً إلى أنّ الله هو الذي يربي الصدقات ويحفظ أجرها للمتصدقين المنفقين.
8 - قوله سبحانه: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه الإشارة إلى أنّ المنفقين لن يصابوا بحالة من خوف، ذلك لأنّ الخوف غالباً ما يكون في الأمور المستقبلية، فيما الحزن يتوجّه إلى ما مضى من الأمور، وعليه؛ ومع الالتفات إلى حقيقة حفظ ثواب المنفقين عند الله تعالى.. فلا خوف عليهم في مستقبلهم في البعث والنشور ، ولا يدخلهم حزن على ما أعطوا في سبيل الله .. كما أنّ بعض المفسرين قالوا بعدم وجود الخوف على المنفقين من الفقر والبخل والضرر
والغم تجاه ما قدّموا..
9 - نقرأ في حديث نبوي شريف: «من أسدى إلى مؤمن معروفاً ثمّ آذاه بالكلام أو منّ عليه؛ فقد أبطل صدقته»(1)ولكن الذين لم يتبعوا إنفاقهم بالمن والأذى لا خوف عليهم من أن يبطل إحسانهم أو يضيع أجرهم، لأنه عند الله محفوظ..
10 - الإسلام - بهذا الصدد - على درجة لامتناهية في الدقة بحيث نجد بعض الأقدمين من العلماء قد قالوا: متى ما أنفقت على أحدٍ بنفقة ثمّ علمت أنّ سلامك عليه يوجب شيئاً من العسر عليه في ردّه، فلا تسلّم عليه.. لئلا يكون ردّ التحيّة من جانب من أنفقت عليه فيه ما يؤذيه أو بما يشعر بالمنّ عليه..
1) تفسير القمي، ج 1، ص 91
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)
1 - هذه الآية تكميل لما جاء من مطالب في الآية المتقدّمة فيما يرتبط بترك المنة والأذى للمنفق عليه أثناء الإنفاق أو بعده.
2 - واضح أنّ للقول المعروف معنى واسع وشامل لكلّ قوله حسن وطيب في عرف الشرع والمؤمنين وما فيه مواساة وإرشاد. وقال البعض إنّ المقصود هنا هو الأمر بالمعروف، ولكن لا يبدو التخصيص بذلك مناسباً هنا.
3 - مَغْفِرَة بمعنى العفو والصفح فيما يقابل الخشونة والعنف ضد ذوي الحاجة.
4 - منطق الإسلام - طبقاً لهذه الآية - بخصوص القيم الاجتماعية للأشخاص وحفظ حرمة وحيثيّة الناس من ذوي الحاجات وغيرهم.. منطق ،واضح ، لأن سلوك هؤلاء في حفظ
هذه الثروة الإنسانيّة يصبّ في إطار المغفرة والمعروف، والسعي - عبر القول المعروف والإرشاد أحياناً - فلا يفشون أسرار ذوي الحاجة، ولا ريب في أنّ هذا النوع من العمل والسعي هو أسمى وأرقى بكثير من سلوك الذين يلحقون إنفاقهم بالمن والأذى والإحراج جرح مشاعر المحتاجين ويهدمون شخصياتهم بكلماتهم اللّاذعة.
5 - إن المرائين وسليطى اللّسان إذا ما تصدّقوا وأنفقوا يضرون بذي الحاجة أكثر ممّا ينفعونه، ولو أنّهم وهبوا مالاً؛ فإنّما يذهبون به بمسلكهم الخاطئ المضر أدراج الرياح.
6 - الذين نفذ صبرهم تبعاً لما تعرّضوا له من مظالم، ولعلهم يتفوّهون بكلمات غير لائقة
دون أن يقصدوا منها شيئاً، إنّما يصدر عنهم بعض القول غير المناسب أو التصرفات العنيفة أو غير المؤدّبة.. بداعي سلوك المجتمع الظالم الذي غصبهم حقوقهم.. يتصوّرون عاجزين أنهم قادرون على الانتقام من المجتمع الذي ظلمهم ببعض ما يصدر عنهم من كلمات ربما تكون نابية في بعض الأحيان.. ولكن الأفراد أو المؤسسات المتموّلة قادرة على سدّ حاجتهم الماليّة أو النفسيّة بأبسط أسلوب مناسب.
7 - لا ريب أنّ تحمّل خشونة الأفراد الملكومين وكلماتهم غير المناسبة وعدم ترتيب أثر مماثل لدى التعامل معهم أو مساعدتهم يؤدّي إلى التقليل من آلامهم النفسية أو المالية.. ومن هنا تتضح قيمة التعاليم الإسلامية بهذا الصدد.
8 - عد بعض المفسرين كلمة (المغفرة) الواردة في هذه الآية ما تعنيه في الأصل، وهي السرّ، بما يعني أنها تشير إلى ستر حالة المحتاجين والمتعففين، وعلى أساس هذا التفسير والرأي وبالعطف على تعريف (المغفرة والصفح يكون المعنى أكثر شمولاً؛ بل ولا منافاة بين الوجهتين، ذلك لأنّ (المغفرة) إذا ما فسرت بالمعنى الواسع، فإنّها ستشمل العفو والستر لأسرار المحتاجين.
9 - ورد في الحديث النبوي - كما نقل صاحب (مجمع البيان) في بيان كيفية الإنفاق:« إذا سأل السائل؛ فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها، ثمّ ردّوا عليه بوقار ولين؛ إما ببذل يسير أو ردّ جميل؛ فإنّه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جانّ؛ ينظرون كيف صنيعكم فيما
خولكم الله تعالى».(1)
10 - الكلمات القصار في أواخر الآيات ومنها هذه الآية عادةً ما تتناول صفات الله تعالى وتشير إليها طبقاً لمضمون الآيات ويناسبها.
1) مجمع البيان، ج 2، ص 48
11 - الهدف من قوله سبحانه: وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ هو التذكير بأنه لما كان الإنسان بطبعه طاغياً، فإنّه لدى تسلّمه المقام وتحقيقه الثروة ، تراه يظنّ استغناءه، ممّا يدفع به في بعض الحالات إلى تعنيف وإساءة القول والتصرّف إزاء السائلين والمحتاجين.. ولهذا نجد الله تعالى يصف نفسه بأنه غني بذاته دون المخلوق الذي ليس غناه الظاهري الاسراب يحسبه الظمآن ماءً، فلا ينبغي أن يكون هذا الغنى المؤقت مبرراً ودافعاً للطغيان والغرور والشعور بعدم المسؤولية تجاه الفقراء.. إضافة إلى أنه سبحانه وتعالى حليم صبور إزاء عدم التوجه إليه بالشكر، مما يستدعي بعباده المؤمنين إلى التخلق بأخلاقه..
12 - يمكن أن يكون قوله تعالى: وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ إشارة إلى غنى الله عن إنفاق البشر، وأنّ ما ينفقه الإنسان عائد بالنفع عليه هو دون الله، وعليه؛ فلامنة لإنسان ثري على نظيره الفقير.. ثم الله حليم صبور؛ فلا يتعجّل بالعقوبة لأحد ليستيقظ الإنسان ويصلح نفسه وأفكاره وسلوكه..
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)
1 - ضرب الله تعالى في هذه الآية مثالاً تصويرياً جميلاً فيما يتعلّق بالإنفاق الذي يقرن بالرياء والاستعراض.. مثل شخص ينفق من ماله ليراه الناس ومن دون أن يكون مؤمناً بالله وباليوم الآخر.. فيكون عمله هذا كقطعة صخرية ملساء قد غطتها قشرة خفيفة من تراب ثم نثر عليها بضع بذرات، ثمّ إنّ مطراً بقطرات ذات حجم كبير سقط عليها، فأزاحت التراب والبذور وتركتها ملساء على حقيقتها.. فهو لا ينتفع مما غطى وزرع شيئاً كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ....
2 - القرآن الكريم وبعبارة لطيفة وبليغة يمثل أمر المرائي بالإنفاق كصخرة ملساء مغطاة بطبقة رقيقة من التراب وقد نثر عليها بعض البذور الصالحة، فتعرّضت للهواء وأشعة الشمس، ثمّ إنّ مطراً غزيراً هطل عليها بقطراته الكبيرة.. ومع أن وسائل النمو كانت متوفّرة، إلّا أنّ عمليّة الزراعة لم تكن لتتحقق بداعي إزاحة المطر لطبقة التراب وللبذور، هذا بالإضافة إلى أنّ البذور ما كان لها أن تنفذ إلى داخل الصخرة الصلدة، وإنّما المطر هو الذي فضح
حالتها غير القابلة للزراعة التي تحتاج عمليتها إلى أرض تتسلّل إليها جذور النبتة وتخزن الماء في جوفها.
3- العمل الرياء أو الإنفاق المقرون بالمنّة والأذى إنّما يصدران عن القلوب القاسية التي هي كما الصخرة الصماء، ولا ينتفع بها صاحبها أي منفعة..
4 - يعلم من قوله سبحانه: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِ وَالأَذَى أن بعض الممارسات يمكن أن تذهب بالأعمال الصالحة، وهذا ما يدعى بالحبط والإحباط، وقد مرّ شرحه لدى تفسير الآية (217) من هذه السورة.
5 - تشبيه فعل الرياء بالصخرة الصلدة الصمّاء ذات الطبقة الترابية الرقيقة، تشبيه معبّر بليغ، لأنّ المرائين يسترون حقائقهم وبواطنهم العقيمة الخشنة بقناع الصلاح والخير، وليس لأعمالهم جذور .ثابتة. ولكن الوقائع سرعان ما تميط اللثام والقناع عنهم وعن ممارساتهم فيفتضح أمرهم..
6 - قوله تعالى: وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ إشارة إلى أنه تعالى يسلبهم التوفيق لنيل الهدى، لأنهم خطوا بأنفسهم ودون ضغط وإجبار إلى حيث الكفر والرياء والمن والأذى، ومثل هؤلاء غير جديرين بالهداية.. وهكذا يكون الإنفاق المنطلق من الرياء والمزيج بالمن والأذى
ضمن مسار واحد..
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)
1 - في هذه الآية ضرب القرآن الكريم مثلاً جميلاً آخر هو في النقطة المقابلة للمثال الذي ورد عن الفريق الآخر.. فقال: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله تعالى بالإيمان والإخلاص ومرضاةً للربّ المتعال وتأكيداً وتثبيتاً لما عندهم من ملكات نفسانية راقية.. إنّما هم كجنّة كائنة على موضع مرتفع تهطل عليها الأمطار الغزيرة المتتابعة ( ولارتفاع موضعها، فإنّ الهواء والضوء يصلانها بالحدّ الكافي.. فتنمو وتنمو حتى تثمر ثماراً كثيرة مضاعفة وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ.
2 - قوله سبحانه: (ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يوضح بأنّ دافعهم للإنفاق هو دافع صحيح وإلهي، وهو ذو بعدين:
ألف:طلب مرضاة الله تبارك وتعالى وتقوية روح الإيمان وتكريس الاستقرار القلبي.. وهكذا يكون المثقفون الحقيقيون هم الذين ينفقون تحقيقاً لمرضاة الله وتنمية للفضائل الإنسانية ثمّ لتثبيت هذه الصفات في أنفسهم.
ب: القضاء على الاضطراب الذي يظهر لدى الشعور بالمسؤولية تجاه المحرومين في الوجدان (وعليه؛ تكون من في الآية بمعنى في).
3 - قوله تعالى: وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ دليل على أنه سبحانه وتعالى يعلم ما إذا كان دافع الإنفاق لدى المنفق إلهيّاً أو رياء.. ومنطلقاً من الحب والاحترام أو مزيجاً بالمن والاذى...
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)
1 - تتضمّن هذه الآية الشريفة مثالاً حياً ومثيراً حيث يرسم صورة رائعة الجمال لأشخاص مرائين مانين مؤذين يبطلون إنفاقهم بأنفسهم، كما تبيّن الآية كيف تمحق هذه الصفات والأفعال الرذيلة الآثار الطبيعيّة المتوقعة من الممارسات الصالحة، ومنها الإنفاق، والحال أنّ من يعمل صالحاً ثم يتبع ما عمل بالرياء والمن والأذى؛ هو في الواقع يحبط ويمحق ما عمل.. ومثله هذا، ومع أنه قد يكون أنفق بمشقة، ولكنّه في يوم القيامة سيجد نتيجة عمله قد صار رماداً بعد أن حرقها المن والأذى والرياء..
2 - إنّ مصدر شقاء الإنسان، لاسيّما أفعاله الحمقاء؛ مثل المنّ والرياء، إذ ليس فيها نفع يذكر، فيما الضرر اللاحق لها سريع وكبيركَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.
3 - هذه الأمثلة المتتالية، وكل واحد منها أكثر حيوية وتعبيراً من الآخر.. كلّها كانت تستعمل موضوع الزراعة، وهذا ليس لأنّ أهل المدينة هم أهل زرع وحصد وقد نزلت الآيات بين ظهرانيهم، بل هي تخاطب جميع الناس الذين هم غير بعيدين عن موضوع الزراعة.. فهي أمثلة تربوية تعليمية.
4 - يعلم من قوله تعالى: وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ أن الإنفاق والعطاء في سبيل الله تعالى ومساعدة المحتاجين. كما البساتين اليانعة التي ينتفع منها الإنسان لنفسه وكذلك أولاده، فيما الرياء والمنّ والأذى يؤدّي إلى الحرمان للمنفق بهذا الشكل المزعج وكذلك ذريته
الذين كان ينبغي ويتوقع أن ينتفعوا فيما لو كان الإنفاق قد تم لوجه الله الكريم.. وهذا بحد ذاته دليل على أنّ الأجيال اللاحقة لها نصيب من نتائج الأعمال الصالحة التي صدرت عن أسلافها.. وهكذا الأمر من وجهة النظر الاجتماعيّة، لأنّ السمعة الطيبة التي كرسها الأجداد والآباء في أذهان وخواطر الأولاد بفعل أعمالهم ومنجزاتهم الطيبة الصالحة، إنما تعبّر عن ثروة عظيمة يتركونها للأولاد.
5 - قوله تعالى:إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ يمكن أن يكون إشارة إلى الأعاصير الناشئة عن رياح السموم الحارقة والجافة، أو العواصف التي تمر بمحاصيل محترقة، وطبقاً للمعروف، فإنّ العاصفة تكتسح كلّ شيء تمرّ به وتحمله معها، فتنقله من موضع إلى موضع.. ويمكن أن يكون إشارة أيضاً إلى الصاعقة المرافقة للإعصار حيث تصيب نقطة تبدل كلّ شيء فيها إلى رماد.. وهو عموماً إشارة إلى الدمار السريع والمطلق..
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)
عن مولانا الصادق عليه السلام قال: «كان القوم قد كسبوا مكاسب سوء في الجاهلية. فلما أسلموا أرادوا أن يخرجوها من أموالهم ليتصدّقوا بها، فأبى الله تبارك وتعالى إلّا أن يخرجوا من أطيب ما كسبوا » (1).
وروى في مجمع البيان بعد نقل هذا الحديث رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا إذا أرادوا الإنفاق؛ خلطوا التمر الرديء بالتمر الجيد وأنفقوا منه، فأمروا بالامتناع عن ذلك...(2)وبطبيعة الحال؛ لا منافاة بين شأني النزول هذين، ويمكن أن تكون الآية قد نزلت في الحالين، إذ أحدهما متعلّق بالإنفاق المعنوي، والآخر عائد إلى ما يفترض من إنفاق طيب على الصعيد المادي والظاهريّ.
1 - طبقاً للآية (278) فإنّ أموال أولئك الذين كانوا جمعوها في الجاهلية لا تساوي في
الجودة الأموال التي جمعوها في الإسلام.. سؤال: أي الأموال يجب أن ينفق منها؟
طبقاً لحديث القرآن فإنّ الإنفاق يجب أن يكون من الأموال الطيبة الحلال كالتي تجمع عن طريق التجارة المحلّلة و ما يكتسبه من عمل الزراعة (أو من المعادن الأرضيّة وغير ذلك)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ.
2 - جملة مَا كَسَبْتُمْإشارة إلى عموم الأرباح التجارية التي يجنيها الإنسان من تجارته.
3 -قوله سبحانه: مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ إشارة إلى أنواع الأرباح المتأتية من الزراعة وكذلك المعادن الكائنة في طبقات الأرض، وعليه؛ فإنّها تشمل جميع الأرباح، ذلك لأنّ الأرض هي مصدر جميع الأموال التي يجنيها الإنسان، بما في ذلك أرباح الصناعة والثروة الحيوانية وأمثال ذلك، وهذه العبارة تشير بالضمن إلى أنه تبارك وتعالى قد هيأها للناس، وعليه : لا ينبغي الامتناع عن إنفاق قسم من الأموال الطيبة والطاهرة في سبيل الله تعالى.
4 - قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يؤكّد على أنّ من عادة البعض أن ينفقوا مما لا قيمة له أو ممّا هو ساقط عن الاستفادة.. ومثل هذا النظر وفضلاً عن كونه غير نافع للمحتاجين؛ فإنّه نوع إهانة واحتقار لهم ولا يؤدّي إلى تكريس
التربية المعنويّة وتنمية الروح الإنسانية النبيلة.. وهذا النص القرآني ينهى الناس عن هذا السلوك ويورد دليلاً لطيفاً على ذلك، وهو: لمّا كان المنفق ينأى بنفسه ويعفّها عن مثل هذه الأموال البائسة الملوّثة إلا في حال الإكراه والاضطرار، فلماذا يسمحون لأنفسهم أن ينفقوها على المسلمين والمحتاجين؟ وكيف لهم أن ينفقوا على هذا النحو ويطلبوا في الوقت نفسه من الله أن يتقبلها وهو الذي كان قد وهب لهم كلّ شيء.
5- تشير هذه الآية - في الحقيقة - إلى مسألة لطيفة، وهي أنّ الإنفاق في سبيل الله طرفه المؤمنون المحتاجون وطرفه الآخر هو الله تعالى.. ومع هذا الواقع، فإنّ الأموال البائسة إذا ما أنفقت؛ فإنّها عبارة عن احتقار للمحتاجين. وقد يأبون أخذها مع حاجتهم الماشة لها؛ لما
تتسبب لهم من أذىً روحي، ومن جهة أخرى؛ هناك سوء الأدب الذي تتضمنه هذه الشاكلة من الإنفاق في محضر الربّ الغني الحميد..
6 - قوله تعالى: لَا تَيَمَّمُوا بمعنى لا تقصدوا ولا تنووا.. ويمكن أن تكون إشارة إلى أنه لو حصل أن تخلّلت الأموال غير الطيبة الأموال الطيبة لدى الإنفاق من دون نية سابقة وقصد محقق؛ فإنّه يكون غير مشمول بنهي هذا الخطاب القرآني، وإنما الممنوع هو إنفاق المال غير ذي القيمة إذا كان عن سابق معرفة وعمد..
7 - التعبير ب-الطَّيِّبَات يشمل الطيب الظاهري والطهر المعنوي.. والتميز بالقيمة.. ذلك لأن المؤمن المحتاج يعف عن تسلّم أموال الشبهة والحرام. وعبارة إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ تشمل جميع هذه الموارد.. ولا يبدو صحيحاً ما ذهب إليه بعض المفسرين من حصرها في مورد أو موردين.. ونظير هذه الآية قوله تعالى في الآية (92) من سورة آل عمران: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ولا يخفى طبعاً أنّ هذه الآية تسلط الضوء على الآثار المعنوية للإنفاق.
8 - قوله تبارك اسمه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ يبيّن حقيقة أنه تعالى ليس بعيداً عن الحاجة إلى إنفاق الناس فحسب وأنّه غني على سبيل الإطلاق، بل إنّه هيّأ للمنفقين وغيرهم جميع النعم والإمكانات، ولذا فهو الحميد الجدير بالثناء.
9 - احتمل بعض المفسرين أنّحَمِيدٌ هنا بمعنى اسم فاعل، لا بمعنى محمود وممدوح، بل بمعنى حامد، أي أنّه في الوقت الذي هو سبحانه غني عن إنفاقكم، ولكنّه يحمد ويمدح ويرضى ويتقبّل ممّن ينفق أمواله الحلال.. ويوفّر في عملية إنفاقه الشروط الشرعيّة والأخلاقية الفاضلة.
10 - لا شكّ في أنّ الإنفاق يجب أن يكون في سبيل الله والتقرب لساحته القدسيّة.. وكما يحمل الناس هدايا ثمينة وتحف نفيسة لدى رغبتهم في التقرّب من السلاطين وأعاظم
الأشخاص؛ فيقدمونها إليهم.. فما بال الناس - غير المؤمنين الواعين – ينفقون في سبيل الله - كما يزعمون - أردأ ما عندهم والله هو الذي بيده مصائر كل أفراد الوجود..
وهكذا نلاحظ عدم جواز إخراج الزكاة الواجبة وحتى لدى تقديم الأضحية من النوع غير المرغوب فيه.. وهكذا يلزم أن تحيى هذه الثقافة القرآنية الراقية في نفوس جميع المسلمين حيث يتعلمون أن ينفقوا من أفضل ما لديهم..
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)
1 - تكشف هذه الآية لدى بيان موضوع الإنفاق أحد الموانع المهمة، وهو وساوس الشيطان، حيث يخوّف إبليس من أراد الإنفاق الفقر وضيق ذات اليد، لاسيما إذا أراد إنفاق الشيء الكثير ، ناهيك عمّا لو أراد الإنفاق المستحبّ في سبيل الله، بل وحتى الإنفاق الواجب مثل الزكاة والخمسالشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ.
2 - يوسوس الشيطان للإنسان حين الإنفاق ويلقي في روع المنفق أن ما يعطيه سيؤثر في حالة أُسرته ومستقبل أولاده وضرورة التفكير في غدهم وأنّهم الأولى بالمال الذي يعزم إنفاقه، وأمثال ذلك من الوساوس المضلة، مضافاً إلى أنه يدفعه إلى المعصية وارتكاب الذنب؛ وأوّل ذلك هو عدم الإنفاق والامتناع عن مد يد العون للآخرين وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ.
3 - مفردة الْفَحْشَاء تستعمل في بعض المواضع بمعنى الذنب واللاعفّة، ولكنّ هذا المعنى لا يتناسب وموضوع الآية هنا ولهذا تكون الفحشاء بمعنى كل عمل قبيح وسيئ جداً، وما يناسب البحث هنا؛ البخل وترك الإنفاق والكرم ؛ وهذه الأمور تعد نوعاً من المعصية والذنب.. وقال بعض المفسرين إنّ العرب تصف البخيل بالفاحش.
4 - واحتمل أيضاً أنه وطبقاً للوسوسة الشيطانية حين الإنفاق يكون المقصود بالفحشاء - في هذه الآية - أن يعمد المرء إلى إخراج ما لا يمكن أو تصعب الاستفادة منه بالنسبة للفقير المحتاج.. والمقصود من الفحشاء هو القيام بأية معصية. لأنّ الشيطان ومن خلال التخويف
بالفقر يدفع بالإنسان إلى كسب المال من الطرق غير المشروعة.
5 - إنّ كلّ شكل من أشكال التفكير السلبي وضيق النظر إنّما يصدر عن الاستسلام لوساوس الشيطان، ويقابله كلّ تفكير إيجابي بناء وقرين بالبصيرة إنّما يصدر عن الإلهام الإلهي والفطرة السليمة.. ولهذا؛ فقد جرى التعبير ب- وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً للإشارة إلى تلكم الوسوسة الشيطانية؛ وفي مقابلها ما يعد الله تعالى من أمل ومغفرة.
6 - الإنفاق من المال حسب الظاهر ومن وجهة نظر الإنسان البعيد عن الله تعالى ما هو إلّا إنقاص لكمّيّة المال.. وهذه هي النظرة الشيطانية الضيقة والقصيرة.. ولكن الحقيقة تؤكد أنّ الإنفاق والعطاء ضامن لبقاء المجتمع وتحكيم العدالة الاجتماعية، وكونه السبب في التقليل من الفواصل الطبقية والدفع إلى التطوّر والتقدم العام.. ومن المسلم أن في التطوّر الاجتماعي رفاه واستقرار للأفراد والجماعات.. وهذه من جملة موارد النظرة الإلهية الواقعية.. إذ يشير القرآن الحكيم إلى أنّ الإنسان قد يرى في الإنفاق إنقاصاً ظاهرياً في الأموال، إلّا أنّه يزيد فيها معنوياً ومادياً.
7- يعلم من هذه الآية أنّ الفحشاء إذا وردت بمعنى البخل؛ فإنّها تكون نوع علاقة بين ترك الإنفاق وبين الفحشاء، إذ أنّ ترك الإنفاق والكرم والعطاء يكرّس صفة البخل – وهي من أسوأ وأقبح الصفات - في الإنسان.
8- حين تكون الفحشاء بمعنى جميع الذنوب أو المعصية الجنسية، فلابد من القول إنّ ترك الإنفاق أساس جميع الذنوب وانعدام الشرف وبيع الذات والفقر..
وورد في تفسير (مجمع البيان) عن ابن عباس؛ أنّ لدى الإنفاق يجد المرء شيئين من الله تعالى وشيئين من الشيطان.. أما الذي من الله؛ فهو غفران الذنوب والسعة في المال.. وما هو
من الشيطان؛ فهو الوعد بالفقر والأمر بالفحشاء،(1)وعليه؛ فإنّ المقصود بالمغفرة الواردة في الآية هو غفران الذنوب والفضل هو السعة في المال..
و عن أمير المؤمنين عليه السلام ورد القول بضرورة الإنفاق حين الحاجة للنجاة من الفقر ..(2)
9 - قوله تعالى: وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌإشارة إلى الحقيقة القائلة بأنه لما كان الله واسعاً عليماً، أي له القدرة المطلقة والعلم اللامحدود، فإنّه قادر على العمل والوفاء بما وعد.. ولمّا كان سبحانه وتعالى قد وعد بالمغفرة والفضل؛ فلابد من الإيمان والأمل من جانب الإنسان بذلك.. كما أنّ وعد الشيطان ليس سوى إضلال وتشجيع على الانكفاء على الذات لعجز الشيطان عن تحقيق ما يعد من جهة، وعدم علمه بالمستقبل من جهة أخرى..
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)
1 - بناءً على هذه الآية؛ فإنّ الله تعالى يعطي بعض الأشخاص - وتبعاً لطهارتهم وجهادهم أنفسهم - نوعاً من المعرفة والبصيرة بأن من آثار وفوائد الطاعة الله والإنفاق ما له دور مصيري في طبيعة الحياة الاجتماعيّة.. حتّى يصلوا إلى المغفرة والفضل الربّاني.. ويفرّقوا - بوضوح بالغ - بين الإلهام الإلهي وبين الوساوس الشيطانية يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ.
2 - الحكمة نوع علم وإدراك. وفي اللغة؛ هي مأخوذة من مادة حكم على وزن حرف بمعنى المنع، ومن هنا صار الإنسان بالعلم والمعرفة والتدبير ممتنعاً عن فعل الحرام تبعاً لما يمتاز به من حكمة.
3 - للحكمة في ظاهر القول معنى شامل وواسع، إذ يشمل المعرفة والعلم بأسرار عالم الوجود وحقائق القرآن ومعرفة الله تعالى، وحتى النبوّة وبلوغ الحق قولاً وعملاً، ونفوذ النور الإلهي إلى عمق الإنسان؛ بحيث يكون قادراً على التمييز بين الإلهامات الإلهية وبين الوساوس الشيطانية..
4 - لا ريب في أنّ المقصود من قوله تعالى:مَنْ يَشَاء أن مشيئته تعالى تصدر عن مجرّد رغبة كما هي رغبة المخلوق حيث لا تكون مبنية على أساس غير منطقي، فيعطي الحكمة لأي فرد كان عبثاً واعتباطاً حاشاه، بل إنه تبارك اسمه يهب الحكمة بناءً على صلاحيات
وجدارة الأفراد.. فيرتوي منها كل حسب قابليته وما أثبت من استعداد..
5 - لعل قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً أُريد به أنّ الحكمة والمعرفة أمر جيد بذاته؛ مهما كان مصدرها وكيفما كانت ولا تفاوت في طبيعتها الصالحة.
6 - في هذه الآية يعلن الله تعالى بأنّ من تلقى الحكمة، فإنّه - في حقيقة الأمر - يكون قد تلقى خيراً كثيراً، وليس مجرّد الحكمة، لأنّ الحكمة تجرّ إليه الخير والسعادة المطلقة.. وأن الحكمة أحد العوامل والأسباب.
7 - الأَلْبَابجمع لب بمعنى المخ، والمخ هو أفضل ما يقال عن العقل والذكاء..
8 - مع أنّ جميع الأفراد (باستثناء المجانين عقلاء، إلّا أنّ أولي الألباب ليست صفة للجميع، وإنّما المقصود هم المستثمرون لعقولهم وذكائهم فيحققون سعادتهم وآمالهم ضمن هذا النور الوهاجوَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلْبَابِ.
وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)
1 - الخطاب في هذه الآية والتي تليها عن كيفية الإنفاق وعن أنه سبحانه وتعالى عالم بالإنفاق أساساً.
2 - في هذه الآية المباركة يؤكد الله تعالى بأنه عليم بما تنفقون أو تنذرون، سواء كان كثيراً نذركم وإنفاقكم أو قليلاً جيّداً أو رديئاً، وسواء كان مصدره من حلال أو حرام، بالإخلاص فعلتم ذلك أو بغيره من من أو أذىً من الأموال التي أمر الله تعالى أو تلك التي حرم.. كل ذلك يعلمه الله، وسيعطي من الأجر بما يناسبه وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُوفي ختام الآية يقول: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ.
2 - هناك ثلاثة احتمالات للمقصود من الظالمين، رغم أنه من الممكن أن تجمع الاحتمالات في مفهوم الآية بداعي عدم وجود التنافي والتضاد بينها:
الاحتمال الأوّل: أنّ كلمة الظالمين في الآية يقصد بها مكدسو الثروات والبخلاء والمراؤون والمانّون والمؤذون لذوي الحاجة.. والله بطبيعة الحال لن ينصرهم ولن ينفعهم إنفاقهم - وهو على هذه الشاكلة - لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الاحتمال الثاني: المقصود من الظالمين الذين يظلمون المحتاجين بعدم الإنفاق عليهم، كما يظلمون المجتمع ويظلمون أنفسهم.
الاحتمال الثالث: الظالمون هم من الذين ينفقون في غير المناسب من المواضع وما لا
يتوافق مع حالاتهم وأوضاعهم، تبعاً لاتساع معنى الظلم.. وهو كلّ ما من شأنه أن لا يكون مناسباً وفي غير موضعه..
3- الظالم لا نصير له في الدنيا والآخرة.. وهذا من خاصية الظلم وسمته؛ مهما كان الظلم..
4 - يعلم من الآية أنّ النذر فعل مشروع، وأنه من الأمور التي كانت رائجة حتى قبل الإسلام، وقد أيدها الدين الحنيف، وهو واجب التنفيذ وينبغي الوفاء به (كان نذر السكوت من جهة السيدة مريم عليه السلام(1)وكذلك نذر عبد المطلب في ذبح أحد أولاده العشرة كما ورد في التاريخ، كانا قبل الإسلام).
1) سورة مريم / 25.
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)
1 - لا شكّ - طبقاً لهذه الآية - في أنّ الإنفاق سواء كان علنيّاً أو غير علني له أثر إيجابي مفيد، لأنّ الإنسان لدى إنفاقه علناً من ماله في سبيل الله، فإن كان الإنفاق واجباً، فإنّه بالإضافة إلى أنّه يرفع التهمة عن نفسه في كونه يمتنع عن الإنفاق، وهو تكليف واجب وشرعي.. فإنّه يشجّع الآخرين على أداء هذا الواجب والالتزام بهذا العمل الصالح.. فيكون إنفاقه العلني
الواجب نوع تبليغ عملي ودعاية ملموسة لنشر هذا العمل الصالح النافع للمحتاجين المحرومين.. وإن تمّت عمليّة الإنفاق خفاءً؛ فلا ريب أنّ نسبة الرياء والتظاهر ستقلّ من جهة وستتصاعد نسبة الإخلاص من جهة أخرى، لاسيما بالنسبة إلى المحرومين الذين ستحفظ كرامتهم، ولذا وجدنا الآية تقول: إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
2 – من المسلم به أن أياً من هذين الأمرين (إخفاء وإعلان الإنفاق) ليسا مختصين بموارد متفاوتة، وأنّ في بعض الحالات لهما أثر تشجيعي أكبر ولا يقدح في الإخلاص وأنّ من الخير إعلانه.. وفي حالات أخرى حيث يلزم أن تحفظ كرامة المنفق عليه؛ فيكون الإخفاء أجدر،
كما تتضاءل إذ ذاك احتمالات الرياء وعدم الإخلاص.. ولهذا؛ فقد صرّحت بعض الأحاديث الشريفة بأنّ الأفضل في الإنفاق الواجب أن يشهر ، وفي الإنفاق المندوب أن يخفى...(1)
3 - إعلان الإنفاق الواجب من حيث أنّ الإنسان قلما يتورّط في الرياء، باعتباره إنّما يفعل واجباً مفروضاً، لاسيّما وأن المحيط المسلم يشهد الكثير ممن يؤدّي الواجبات؛ ومنها الإنفاق، ولذا؛ كان الإعلان خيراً من الإخفاء.. وأما الإنفاق المستحبّ؛ فيفضّل فيه الإخفاء لشعور الإنسان بأنّه يعمل ما ليس ملزماً به، ويمكن أن يشوبه الرياء لدى ذلك..
4 - مفهوم قوله تعالى:وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ أي: بعض سيئاتكم، وهذا منوط بكم الإنفاق ومدى الإخلاص فيه.
5 - وردت روايات مستفيضة تدلّ على أنّ الإنفاق سبب مهم في غفران الذنوب، وأنّ الصدقة تطفئ غضب الربّ المستعان، إذ الإنفاق بمثابة ماء تخمد به نيران الذنوب..(2)كما ورد في نصوص شريفة أخرى أنّ سبعة يظلهم الله تعالى بلطفه وعنايته يوم لا ظل إلا ظله؛ حاكم عادل، وشاب ترعرع في عبوديّة الله تعالى، ورجل قلبه متعلق بالمسجد، والمتحابون في الله ويلتقون الله ويتفرقون بالحبّ في الله، ومن دعته امرأة متنفّذة إلى المعصية فقال لها: إنّي أخاف الله ربّ العالمين، ومن أسرّ نفقته حتى لم تعلم يده اليمنى بما أعطت يده السرى، ومن لم يذكر الله ودمعت عينه خشية من الله ...(3)
6 - مفهوم قوله سبحانه: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أَنّ النيّة الخالصة في العمل هي المؤثرة في طبيعة الإنفاق، فضلاً عن معرفة أو عدم معرفة الآخرين بهذا الإنفاق.. إذ المهم الوحيد في الأمر هو علم الله تعالى، لأنه هو الذي يتقبل العمل وهو المطلع على الخفايا..
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)
روي في (مجمع البيان) عن ابن عبّاس أنّ المسلمين لم يقبلوا الإنفاق على غير أهل دينهم، فنزلت هذه الآية وأجازت لهم أن ينفقوا على من ليسوا على دينهم في بعض الحالات.
وروي شأن نزول آخر لهذه الآية وهو غير غريب عن شأن النزول الأول، وهو أنّ امرأة مسلمة تدعى أسماء كانت تؤدّي العمرة، فجاءتها أمها وجدتها تطلبان منها المساعدة، وحيث كانتا مشركتين فقد امتنعت عن مساعدتهما وقالت : يجب أن استأذن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك لأنكما لستما على ديني.. ثمّ إنّها استأذنته فأذن لها، ونزلت هذه الآية الكريمة.. (1)
1 - بناءً على هذه الآية، وكما أنّ النعم الإلهيّة في هذا العالم تشمل جميع الناس (بغض النظر عن دينهم وعقيدتهم) كذلك هم المؤمنون حين ينفقون الإنفاق المستحب وحين تلبيتهم لحاجات المحتاجين في مواقع الضرورة؛ لهم أن يقدموا مساعداتهم لغير المسلمين
1) مجمع البيان، ج2، ص 663
أيضاً واعتبارها معونة إنسانية ليس من شأنها تقوية جانب الكفر أو تساعدهم على العمل ضدّ الإسلام وأتباعه بمقدار ما هي تعكس الروح الإنسانية الخاصة بالإسلام والمسلمين.
2 - عبارة وما تنفقون إلّا ابتغاء وجه الله تنبئ بأنّ الأجر والثواب على الإنفاق حينما يكون رضاً الله تعالى.
3- يؤكد الله سبحانه على المنفقين أن لا يظنوا أنّ ما ينفقونه من الخير سينالون منه نفعاً بسيطاً. بل إنّ جميع ما ينفقونه سيردّ إليهم في الوقت الذي يحتاجون فيه – أمس الحاجة - إلى ما ينقذهم من العقاب والعذاب وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون.
4 - خطاب الله تعالى في عبارة: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وإن كان ظاهره يوحي بأنه موجه إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، إلا أنه موجه في الحقيقة إلى المسلمين، ذلك لأنّ : أولاً: ليس من الواجب عليهم إجبار غير المسلمين على اعتناق الهدى وثانياً: أنّ عدم الإنفاق على غير المسلمين ليكونوا مسلمين أمر غير صحيح.
5 - واضح أنّ عدم وجود هداية الناس على النبى صلوات الله عليه وآله لايعنى أنّه غير مكلف بإرشادهم ودعوتهم إلى الحق، ذلك لأنّ الإرشاد والتبليغ من أجلى صور المسؤولية النبوية، وإنّما المقصود هو عدم تكليفه بالضغط عليهم وإجبارهم حتى يكونوا مؤمنين.
6 - ترى هل أنّ المقصود بالهداية؛ الهداية التكوينية أم التشريعية؟ خصوصاً وأنّ الهداية على أربع شعب:
ألف :الهداية التكوينية، والمقصود منها أنه تبارك وتعالى، حيث يعمد الله إلى إنسان أو حيوان أو جميع مخلوفاته فيضع تحت تصرفهم جملة من أسباب وعوامل التقدم والتكامل، مثل العقل وقدرة التفكير والقوى والطاقات الأخرى، فيسوق جميع الموجودات بما فيها الجمادات نحو التكامل كما يتكامل الجنين في بطن أمه والبذور في باطن الأرض وحركة أجرام المنظومة الشمسيّة في مدارها وأمثال ذلك من النماذج المختلفة للهداية التكوينية..
وهذا النوع من الهداية خاص بالله تعالى كما هو تصريح إبرهيم الخليل عليه السلام: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
ب: الهداية التشريعية، والمقصود بها إرشاد الأشخاص عن طريق التربية والتعليم ووضع القوانين المفيدة وكذلك المواعظ بشتى الأساليب المشروعة، وكذلك عبر الحكومة العادلة. وهذا النوع من الهداية يتم عبر الأنبياء والأئمة عليهم السلام أو الأشخاص الصالحين والمربين الحريصين، ولطاما أُشير إلى ذلك في آيات القرآن الحكيم؛ من قبيل: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.
ج :الهداية بمعنى توفير الوسائل اللازمة للأفراد، وتارة تذكر بمعنى التوفيق ليميلوا بإرادتهم الحرّة إلى الاستفادة مما أتيح لهم، مثل بناء مدرسة أو مسجد أو مراكز تربوية وكتب ومبلغين جديرين.. وهؤلاء جميعاً داخلون في القسم الثالث من أقسام الهداية.. والحقيقة هي أنّ هذا القسم متوسط بين الهداية التكوينية والهداية التشريعية، ومثال القرآن لهذا القسم هو: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.
:: الهداية باتّجاه النعم والثواب ويراد من هذا النوع من الهداية الانتفاع التام من نتائج الأعمال الصالحة في عالم القيامة.. وهذا النوع من الهداية خاص بالمؤمنين والصالحين.. قال تعالى: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وهذه الجملة وردت بعد ذكر تضحيات الشهداء في سبيل الله، ومن الطبيعي أنّه تعالى سيهدي الشهداء ويأخذ بأيديهم في عالم الآخرة إلى حيث ما يستحقون من السعادة والأجر في جنان الخلد..
وعلى ما تقدّم ؛ متى ما تم نفي الهداية عن النبي صلوات الله عليه وآله في القرآن كما هو الوارد في الآية أعلاه، فإنّ المقصود ليس هما القسمين الأولين، ذلك لأن نوعاً من الأنواع الأربعة للهداية هو قسم( الإرشاد والإبلاغ) من الوظائف الحتميّة الملقاة على عاتق النبي والأئمة، والقسم الآخر وهو تمهيد الطريق، تتعلّق نسبة كبيرة منه بمنهج وخطة الحكومة الإلهية التي
يقيمها الأنبياء أو الأئمّة، إلّا أنّ بقية أنواع الهداية خاصة بالله عزّ وجلّ.. ومن هنا يتضح أنّ النبي غير مجبر على إرغام الكافرين نحو الهدى.
7 - رغم أن قوله تعالى: وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُيبيّن حقيقة أن هداية كل فرد منوطة ومتوقفة على إرادة الله تبارك وتعالى، إلّا أنّ هذه الهداية لا تعني كونها من دون حكمة وحساب.. فهي لا تتم اعتباطاً، وهو عزّ اسمه لا يهدي أحداً ويحرم آخر من دون أسباب ومسببات، وإنّما
الهداية الإلهيّة تكون من نصيب من أحرز الجدارة بها والأهلية لها من قبل.
8 - قوله تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْيعني أن فوائد الإنفاق تعود بالدرجة الأولى على المنفق نفسه.. وهذا العمري خير دفع وتشجيع على هذا العمل الإنساني، ولا ريب أنّ المؤمن حين يعلم بأنّ ثمرة عمله ستعود عليه أولاً وآخراً، سيندفع إلى ممارسته مرّة وثانية وثالثة هكذا...
9 - يمكن أن يفهم بدءاً أنّ المقصود من عودة منافع الإنفاق على المنفق هو الأجر والثواب في الدار الآخرة.. ومع صحة هذا المعنى العريض، إلّا أنّه لا ينبغي حصر ذلك بالمنفعة الأخروية فحسب، إذ ثَمّ منافع دنيوية - معنوية ومادية - تعود على المنفق أيضاً. فعلى الصعيد المعنوي؛ هناك ترعرع روح الجود والكرم والإيثار والأخوّة والصداقة، وهو في الحقيقة بمثابة الوسيلة المؤثرة في التكامل الروحي وتنمية الشخصيّة.. أما على الصعيد المادي؛ فإنّ وجود أفراد محرومين بؤساء في المجتمع يوجب انفجاراً خطيراً؛ انفجاراً يؤدّي إلى ابتلاع أصل المالكية وجميع الثروات وينتهي إلى الدمار.. وعلى أية حال؛ فإنّ الإنفاق وأينما اتجه؛ كان عاملاً لرأب الصدع وتحجيم الفواصل الطبقية ويزيح المخاطر الكامنة في هذا الإطار.. إنّ الإنفاق يطفئ نار الغضب المشتعلة في صدور أفراد الطبقات الفقيرة المحرومة ويساعد على طرد روح الانتقام فيهم، وعليه؛ فالإنفاق من وجهة النظر الأمنية والاجتماعية والحركة الاقتصادية وغير ذلك ينتهي إلى منفعة المنفقين.
10 - سؤال : ماذا يقصد ب- وَجْهُ اللهِ؟
وجه لغة بمعنى مقدّمة الرأس، وتارة يراد به الذات، فيكون معنى وَجْهُ اللهِذاته المقدّسة.. ومن هنا؛ كان لزاماً على المنفقين أن ييمموا شطر الذات الإلهيّة المقدّسة لدى إنفاقهم. إذن؛ فذكر كلمة وَجْه في هذه الآية وأمثالها تتضمن نوع تأكيد، أي؛ لابد أن يكون العمل الله تعالى وليس شيئاً آخر.. هذا بالإضافة إلى أنّ وجه الإنسان هو أشرف ما في القسم الظاهري لبدن الإنسان لما يتضمن من الأعضاء المهمة مثل العين واللّسان (النظر والنطق) ولهذا؛ حينما تستعمل كلمة وجه يوحي بشرفه وأهميته. وهنا استخدم التعبير مجازاً وكناية، فيفهم منه نوع احترام وأهمّيّة، وبديهي أنّ الله تعالى ليس جسماً ولا صورة له..
لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
عن الإمام الباقر عليه السلام: «نزلت الآية في أصحاب الصفة»(1)وقال الطبرسي في (مجمع البيان) وكذلك رواه الكلبي عن ابن عبّاس وهم نحو من أربع مئة رجل لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر يأوون إليها، فجعلوالمستقبل وا أنفسهم في المسجد، وقالوا: نخرج في كلّ سريّة يبعثها رسول الله صلى الله عليه وآله، فحثّ الله الناس عليهم، فكان الرجل إذا أكل وعنده فضل؛ أتاهم به إذا أمسى.. (2)
1 - أوضحت هذه الآية المباركة ثلاث صفات لأفضل موارد الإنفاق؛ وذلك في إطار آدابه وأحكامه:
أوّل علامة الإنفاق الأفضل أن يكون متوجّهاً إلى المنشغلين بالجهاد في سبيل الله وقتال العدوّ وتعلم الفنون الحربية أو تحصيل العلوم اللّازمة، وهم لدى انشغالهم بذلك يعاقون عن تأمين معيشتهم، وهم كمن لا يستطيعون سفراً أو يحصلون على مال:لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبيل الله.
ثاني علامة الإنفاق الأفضل هو التوجّه إلى الأفراد الذين يجهل الناس فقرهم وحاجتهم لشدّة تعفّفهم، بل ويعدونهم أثرياء، وهم ليسوا كذلك حيث يمكن أن يعرفوا.. ولذا ترى الآية تقول: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ.
وثالث العلامات أنّهم على درجة عالية سامية من الطبع بحيث لا يتقدمون بالمسألة والإصرار على الناس أن يعطوهم شيئاًلا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافا. ثم تؤكد الآية بالقول: لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي: سفراً وتحصيلاً للمال.
2 - سيّما لغةً بمعنى العلامة.. فهم وإن كانوا لا يعربون عن حالهم إلّا أنّ في وجوههم علامات يفهم منها طبيعة ألمهم الذاتي والداخلي.
3 - إنّ الفرد الأصيل لا يطلب من الناس شيئاً، ناهيك عن أن يتقدم بالإصرار في السؤال وبعبارة أخرى؛ إنّ المحتاجين العاديين يصرون في الطلب، أما المحتاجون غير العاديين وبناءً على قول القرآن بأنهم لا يصرون في مسألتهم، فلا يفهم أنّهم يسألون بلا إصرار، وإنّما المفهوم هو أنهم فقراء غير عاديين، ذلك لأنّ سؤال الفقراء غالباً ما يكون مقروناً بالإصرار..
4 - ثمّ احتمال آخر في تفسير هذه الآية، وهو أنّهم في الحال الطبيعي لا يتقدمون بالمسألة أبداً، أما إذا اضطرّهم الحال؛ فإنّهم لا يصرون في السؤال.. وقال آخرون أيضاً: إنّ المقصود هو أنّهم يصرّون على ترك المسألة (ولكنّ هذا الاحتمال خلاف ظاهر الآية).
5 - قوله تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْر لتشجيع المنفقين لاسيما لدى الإنفاق على من لهم عزّة في أنفسهم وطبع سامي.. ومن الخير أن لا يأخذ العطاء لهم طابع الإنفاق لعدم
التسبّب لهم بالإحراج.. ولا ريب في أن الله تعالى عالم مطلع على النوايا.. وأنّ كلّاً يجزى حسب نيته.
6 - ترى هل المسألة مع عدم الحاجة والفقر حرام؟
الطلب والمسألة من كبائر الذنوب إذا كانت بلا حاجة، ولطالما حذرت الروايات من المسألة مع عدم الحاجة، كما نقرأ في الحديث النبوي الشريف: «لا تحل الصدقة لغني».(1)وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام: «من يسأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر».(2)
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)
ورد في أحاديث عديدة أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، وذلك أنه كان له أربعة دراهم، فتصدق بواحد في الليل وبآخر في النهار وبالثالث علناً وبالرابع سراً، فنزلت هذه الآية الكريمة. (1)
ولكنّنا نعلم أنّ نزول الآية في مورد خاص لا يحدّد مفهومها ولا ينفي شمول الحكم للآخرين.. مضافاً إلى أنّ هذه الآية وأمثالها مما نزل بحق أهل البيت عموماً تجعل منهم القدوة الأرقى لأن يحذو الناس حذوهم على اعتبارهم خلفاء النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله].
1 - الخطاب في هذه الآية الشريفة يفضي إلى أنّ الإنفاق مطلوب إلهي بأي صورة تم (في الليل أو النهار وفي السرّ كان أو العلن) والذين ينفقون يحفظ أجرهم عند ربّهم الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
2 - لا شكّ في أنّ بيان وانتخاب الأساليب المختلفة في الإنفاق رعاية لشروط الإنفاق
1) تفسير فرات الكوفي، ص 71 و 72 وعيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 62
الأفضل والأرقى، أي أنّ على المنفقين؛ وسواء كان إنفاقهم ليليّاً أو نهارياً أو سرياً أو علنياً لابد أن يراعوا الجوانب الأخلاقيّة والاجتماعيّة.. فحيث لا يستوجب الإنفاق على المحتاجين إظهاراً، فلابد من إخفائه حفظاً لكرامة المحتاجين وإحرازاً للإخلاص.. وحيث تقتضي المصلحة لا يجب الإخفاء، مثل الإنفاق في إطار تعظيم الشعائر أو تشجيع الآخرين، أو كان الإنفاق لا يتخذ بعداً شخصياً كالإنفاق في إطار الجهاد والمؤسسات الخيرية وأمثالها).
3 - يمكن أن يكون تقديم الليل على النهار والسرّ على العلن (في هذه الآية فيه الإشارة إلى أنّ إخفاء الإنفاق أفضل من إعلانه اللّهم إلّا أن يكون في البين سبب وجيه يوجب الإعلان عن الإنفاق، أو الإنفاق علانية.. رغم أنّ الإنفاق فعل شرعي لا تنبغي الغفلة عنه بحال من
الأحوال.
4 - معلوم أنّ الأجر والثواب على الإنفاق لطف من الله بعبده المنفق (لاسيما بملاحظة صفة الربوبية ناظرة إلى تربية الإنسان وتكامله) والأجر هذا لا يقلل من قيمة الإنفاق بل هو متناسب والألطاف الإلهيّة للربّ الكريم.. إذ يعطى المنفق بركات الدنيا وحسنات الآخرة وقرباً منه سبحانه وتعالى..
5 - لمّا كان الإنسان محتاجاً للمال والثروة والإمكانات لمواصلة حياته؛ فإنّه بطبعه يحزن لدى فقد ذلك ويقلق على مستقبله، خصوصاً وأنه يجهل ما سيحلّ به في الغد.. وهذا الأمر بالذات هو الذي يمنع المرء من الإنفاق في كثير من الأحيان... إلّا أن يكون مؤمناً حقاً بالوعد الإلهي، وعارفاً بالآثار والمنافع الاجتماعية للإنفاق: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
6 - المؤمنون المتقون لا يخافون الإنفاق في سبيل الله تعالى، ولا يستوحشون طريق المستقبل لتقديمهم قسماً من أموالهم ولا يحزنون لعلمهم المسبق أنهم سينالون في مقابل ما أنفقوا فضلاً من الله وبركات مادّيّة ومعنوية في هذا العالم ودار الآخرة يفوق بما لا يحصى المقدار الذي قدموه فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)
1 - تتمّة لبحث الإنفاق في سبيل الله وبذل المال لمساعدة المحتاجين، أورد القرآن في هذه الآية الشريفة مسألة أكل الربا، وهي المسألة المقابلة والمضادة لمسألة الإنفاق؛ ذلك لأنّ الربا يوجب مزيداً من الفقر في المجتمع وتراكم الثروة بيد عدة محدودة وحرمان الأكثرية الغالبة. إذ الإنفاق يثمر طهارة القلوب والنفوس واستقرار المجتمع، فيما الربا ينتج البخل والحقد والتنافر.
2 - مع أنّ هذه الآية آية مدنيّة، وكذلك آيتان من سورتي آل عمران وهما الآية (130) والآية (161) من سورة النساء نزلتا في المدينة أيضاً بعد الآية مورد البحث، وقد أكدت جميعها على ممنوعيّة وحرمة الربا.. إلّا أنّ لحن الآية يوضح أن ثَمّ نقاشاكان قد حدث قبل نزولها.. وبالالتفات إلى تاريخ نزول السور القرآنية، ينبغي الإشارة إلى أنّ ما يؤيد هذا المطلب آية من سورة الروم حيث ورد الحديث فيها عن الربا، وطبقاً لترتيب نزول القرآن تعتبر هذه السورة الثلاثين في القرآن؛ وقد نزلت في مكّة، إلّا أنّ حديثها ونهيها عن الربا كان عبارة عن موعظة
أخلاقية.. فقالت: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ.
3 - هذه الآية وسائر الآيات تتحدّث عن الربا، ولدى نزولها كانت هذه الظاهرة المالية المقيتة متفشية في مكة والمدينة وعموم الجزيرة العربية.. وكانت من أجلى صور الحياة الاقتصادية التي تضمنت أو أدّت إلى ظهور الطبقية والعجز الشديد في الطبقة المحرومة وطغيان وظلم الأغنياء.. ولذا؛ وجدنا صراع القرآن مع الربا يشكّل جانباً مهماً في صراع الإسلام الاجتماعي..
4 - فيما يتعلّق بالمقصود من هذا النص القرآني والتشبيه الوارد في مطلع الآية:الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ المَسْ وردت عدة أقوال: القول الأول: أقر أكثر المفسرين بأنّ الهدف من هذا التشبيه الواضح والبليغ هو تصوير حال المرابين في القيامة وأثاء مجيئهم إلى ساحة المحشر.. إذ يردون بهيئة المجانين المصروعين: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ المَس.
القول الثاني: ذهب بعض المفسرين إلى أنّ الهدف من هذا التشبيه في هذه الآية بيان حال واقع وحياة المرابين في الدنيا، لأن سلوكهم سلوك المجانين، فهم يفتقرون إلى التفكير الاجتماعي الصحيح، بل إنّهم يعجزون عن ضمان منافعهم، إذ لا مفهوم لمسائل التعاون والتكافل والعواطف الإنسانية والرفقة عندهم ، وقد أعمت أعينهم وأعدمت بصائرهم عبادة المال ولم يعودوا يعون النتائج الوخيمة لاستغلال الطبقات المحرومة والاستيلاء على أتعابهم، باعتبارها تخلق فيهم العداء والحقد تجاهه وتؤدّي إلى الثورة والانفجار الاجتماعي الذي يهدّد أصل الملكية.. وفي هذه الصورة ينعدم الأمن والاستقرار الاجتماعي، وعلى هذا؛ فإنّ المرابي لن ينعم براحة تذكر؛ حتى ينتهي به الأمر إلى سلوك المجانين المصروعين. القول الثالث: حيث يكون واقع الإنسان في العالم الآخر تجسيداً لأعمالهم الدنيوية، يكون من الممكن للآية أن تشير إلى المعنيين معاً، لأنّ الفرد المرابي الذي يكثر على سلوكه
الدنيوي باللاعقلانية وبعبادة المال والحرص الشديد على تكديس الثروة.. فإنّه سيكون في الآخرة كما المجنون ويحشر على هيئة المجنون المصروع.. وشاهد هذا الموضوع ما تمت الإشارة إلى القسمين معاً في نصوص الروايات.. كما نقرأ في رواية عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية: «آكل الربا لا يخرج من الدنيا حتى يتخبّطه الشيطان»(1)أي: يبتلى بالجنون.. وفي رواية أخرى في تشبيه المرابين نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه حينما عرج به إلى السماء رأى أُناساً وقد تضخّمت بطونهم إلى الحد الذي كانوا يعجزون فيه عن القيام فيسقطون إلى الأرض توالياً، فسأل جبرئيل عمّن يكون هؤلاء وعن ذنوبهم وجرائمهم، فأجابه بأنهم المرابون!(2)وهذا تشبيه، أو حتى نتيجة لأكلهم الربا وحرصهم المطلق في الدنيا على امتصاص قوت الآخرين واستغلالهم وتكديس ثرواتهم حتى تصير وبالاً عليهم..
5- وهنا سؤال يطرح نفسه، وهو: هل أنّ سبب الجنون والصرع هو من الشيطان الذي أشير إليه في الآية.. مع علمنا بأنّ الجنون ناتج عن مرض نفسي وحالة روحية، وله أسباب معروفة في الغالب؟
لدى الإجابة على هذا السؤال ينبغي القول بأنّ جمعاً من المفسرين ذهبوا إلى أنّ التعبير بالمس الشيطاني كناية عن المرض النفسي والجنون، وهذا ما كانت تستعمله العرب للتعبير عن الأمراض الروحية والجنون.. دون أن تكون مدخليّة حقيقية للشيطان فيه بحيث يتحكّم ويؤثر في روح الإنسان.. ولكن ليس من البعيد أبداً أنّ بعض أفعال الشيطان وبعض الأعمال المتهوّرة تسبّب نوعاً من الجنون الشيطاني، أي: تبعاً لهذه الأعمال يؤثر الشيطان في الشخص ويضرب التوازن النفسي والروحي.. وفضلاً عن ذلك؛ فإنّ الأفعال الشيطانية والباطلة حين
تتراكم وتتجمّع تؤدّي إلى حالة غير طبيعيّة وإلى فقدان القدرة على التمييز والتشخيص الصحيح والتفريط بالقدرة على التفكير المنطقي.
6 - منطق بعض المرابين قائل بأنّ البيع كما الربا وأنّه لا تفاوت بين الأمرين:ذَلِكَ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاأي أنّ الفعلين عبارة عن مبادلة تجارية تتم بين الطرفين، ولكنّ القرآن يردّ عليهم أنّ الأمرين لا يمكن أن يتساويا بحال من الأحوال، لأنّ الله تعالى قد أحلّ البيع وحرم الربا (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾.
7 - من المسلم أن هناك تفاوتاً عظيماً بين البيع والربا، وأنّ لهذا التفاوت العظيم فلسفة ودليلاً بحيث أصدر الله تعالى هذا الحكم الصارم للربا.. ولعل السبب في عدم إعطاء القرآن مزيداً من الشرح بهذا الصدد هو شدة وضوحه ولأنّ:
أولاً : في الشراء والبيع العادي يكون طرفا المعاملة رابحين أو خاسرين.. فتارة يربحان وأخرى يخسران.. ولعلّ أحدهما يربح والآخر يخسر.. ولكن المعاملة الربوية لا يربح فيها إلا صاحب المال المرابي، وهو لا يخسر أبداً، والخسران كلّه يلحق بالطرف المقابل، أي: المستدين.. ولهذا نجد آكل الربا والمؤسسات الربوية تتعاظم ثرواتها يوماً بعد يوم، وهي لا تكف عن استغلال الضعفاء أبداً..
ثانياً: لدى عقد البيع الطبيعي، يخطو الطرفان - البائع والمشتري - في مسار الإنتاج والاستفادة، في حين أنّ المرابي لا يؤدّي أي فعل إيجابي مفيد.
ثالثاً: بانتشار الربا تسقط الثروة إلى نقطة سلبية وتزلزل قواعد الاقتصاد الذي هو من أهم الأسس الاجتماعية، في حين أنّ التجارة الصحيحة توجب حركة المال بالشكل السليم.
رابعاً: أكل الربا يعد منشا للعداوة وصراع الطبقات غير المحمود، والحال أن التجارة الصحيحة لا تؤدّي إلى ذلك، ولا تسوق المجتمع إلى السقوط في صراع الطبقات وما يعقبه..
8 - فتحت هذه الآية الباب أمام توبة المرابين، وأكدت على أنّ من بلغته الموعظة
الإلهيّة التي تدين وتحرّم عمليّة الربا، فامتنع عنها، كان له نصيبه مما كسب من قبل تحريم الربا ويترك أمره إلى الله الغفور الرحيمفَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ..9 - قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ يصرّح بأن هذا كالقوانين الأخرى التي لا تشمل الماضي أيضاً، ذلك لأنّ القوانين إذا أريد لها أن تشمل الماضي السابق على تشريعها.. فإنّها ستتسبّب بمشاكل جمّة في حياة الناس، ولهذا كانت القوانين تأخذ طابعاً رسمياً منذ نفوذها ووجوب تطبيقها.. وهذا المنحى طبعاً لا يعني إعطاء الحق للمرابين إذا ما كانت لهم ديون على آخرين أن يستمروا في تعاملهم الربوي معهم، بل المقصود أن الأرباح السابقة التي اجتروها من المدينين لهم في الماضي وقبل نزول الآية قد غفرت لهم..10 - جملة ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ مع أنّ ظاهرها يوحي بأن مستقبل المرابي - من حيث العفو والمغفرة - غير واضح، وإنما هو متوقف على إرادة الله تعالى ولطفه، وبالنظر إلى النصّ السابق والقائل: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ يعلم أنّ عظيم خطر الربا صار سبباً لعدم التصريح بحكم العفو تجاه الذين مارسوا الربا حتى قبل نزول آية تحريمه..)11 - في خاتمة الآية وردت الإشارة إلى العذاب الأبدي، مع علمنا بأنّ هذا العذاب خاص بالكفّار دون المسلمين ..المذنبين وكأنّ هذا التعبير إشارة إلى أنّ المصرين على الربا لا إيمان صحيحاً لهم ذلك لأنّ عدم التزامهم بهذا القانون الإلهي الصارم يساوي إعلانهم الحرب على الله ورسوله.. ولأنّهم يواصلون التعامل بالربا، فهم يستمرون في العيش بلا إيمان ولن تكون عاقبتهم سوى الدمار والعذاب الأبديّ.12 - وهناك احتمال آخر، وهو أنّ الخلود هنا كالوارد في الآية (93 من سورة النساء فيما يتعلّق بمصير قاتلي الأبرياء، إذ قصد به العذاب المديد دون الخالد الأبدي..)
### الآية 276#### اشارةيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)#### النقاط المستفادة من هذه الآية: الربا، الصدقۀ، المحبۀ، الکفر، الإثم،1 - تجري هذه الآية الشريفة عملية قياس بين الربا والإنفاق في سبيل الله تعالى، إذ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ. 2 - كلمة ( محق) بمعنى النقصان والفناء التدريجي، والسبب في استعمال هذه المفردة هو أنّ الربا يعني النموّ التدريجي، ومن هنا ترى المرابي تتعاظم ثروته وتتجمع لديه بعد استغلاله وجمعه أتعاب الطبقة المستضعفة، ولعلّه يقضي بذلك على وجودها وحياتها.. أو يتسبب - على الأقل - بالعداء والحقد حتى يتعطش المستغل لدم المستغل ويعرّض ماله للخطر.. ولهذا؛ أكد النص القرآني على أنّ الله تعالى يسوق ثروة المرابي إلى الفناء بالتدريج..
3 - العلة في البركة ومضاعفة منافع الإنفاق أنّ الذين يراعون العواطف الإنسانية ويستشعرون الحاجة الاجتماعية وينفقون من أموالهم لسدّ حاجات المحتاجين، إنّما يتعاملون مع العواطف الإنسانية العامة، وهم بذلك لا يعرّضون أموالهم للخطر، بل إنّها تنمو وتتضاعف..
4- حكم البركة وزيادة الإنفاق لدى الفرد والمجتمع على حد سواء، ذلك لأنّ المجتمع الذي تعالج فيه مشاكل المحتاجين، فإنّ القدرة الفكرية والجسميّة لدى الطبقة المحرومة - وهي التي تشكل غالبية المجتمع - ستتفعل، وسيتبعها تحكيم نظام وواقع اقتصادي صحيح مشيّد على أساس التعاون والتكافل.
5 - كَفَّار مشتق من الكفور؛ على وزن فجور، تقال لشديد الكفران والإنكار للنعمة. وأثيم الكثير الذنب..
6 - المقصود من الكفّار الآثمين هم المرابون فهم لا يكتفون بمجرّد الامتناع عن الإنفاق والقرض الحسن واستعمال المال في إطار سدّ حاجة المضطرين وعدم الشكر لله على ما أولاهم من نعمة، بل ويستخدمون المال لمزيد من الظلم والجور وارتكاب المعاصي والفساد.. ومن الطبيعي والمعلوم أنه تعالى لا يحب هكذا نماذج.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)
1 - الخطاب في هذه الآية تناول فريق المؤمنين الذين يقفون بالضد من المرابين.. والمؤمنون بعملهم الصالح وصلاتهم وزكاتهم لهم أجرهم عند الله، وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
2 - الذين هجروا عبادة الذات وأحيوا في أنفسهم العواطف الفطرية النبيلة تحت مظلة الإيمان الحق لهم أجرهم عند ربّهم عبر علاقتهم بالله وإقامة الصلاة ومساعدتهم للمحتاجين ومنعوا دون تراكم الثروة وتكريس الطبقية المقيتة وساهموا في التقليل من وقوع الجرائم.. هؤلاء أجرهم عند ربهم وسيحظون بأطيب النتائج الدنيوية والأخروية.
3- من الطبيعي أنّ لا يصاب أفراد هذا الفريق باضطراب ووجل لعلاقتهم الحميمة بالله تعالى.. ولن تتعرّض أموالهم للخطر المحدق بثروات المرابين الذين تلاحقهم لعنات من يمتصون دماءهم ويستغلون من قبلهم.
4 - المؤمنون متميزون بالاستقرار والطمأنينة ولا يتعرّضون لأي خوف أو حزن وقلق على مصائرهم:وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)
جاء في تفسير علي بن إبراهيم رحمهما الله أنّ خالد بن الوليد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله بعید نزول آيات الربا وقال له: إنّ أبي كانت له معاملة مع ثقيف بالربا ولم يردوا عليه أمواله، وقد أوصى أن آخذ منهم الأرباح، فهل يجوز لي أخذها؟ فنزلت هذه الآية ونهت الناس كل النهي عن أخذ الزائد عن المال..(1)
وورد في بعض الروايات أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله بعد نزول هذه الآيات أمر والي مكّة أن: إذا لم يمتنع آل المغيرة عن التعامل بالربا وكانوا من المرابين المعروفين فقاتلهم.(2)
وجاء في رواية أخرى أنّ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قال بعد نزول هذه الآية: «ألا إنّ كل رباً من ربا الجاهليّة موضوع، وأوّل رباً أضعه ربا العباس بن عبد المطّلب». (3)
1 - يعلم من هذه الآية جيّداً أنّ النبي صلى الله عليه وآله حينما أبطل التعامل الربوي والمبالغ المترتبة عليه منذ الجاهليّة قد بدأ أوّلاً بمعاملات أقربائه، فألغى بدءاً ما يطلبه
العبّاس عمّه من الناس المدينين له، وقد كان كالكثير من الأثرياء الذين يتعاملون بالربا.
2 - الآية أعلاه ابتدأت بالإيمان وانتهت إليه.. وهذا في حقيقته تأكيد على أنّ الإيمان لا يتفق مع أكل الربا أبداً، وعليه؛ فالمؤمن ملزم بترك ما تبقى له من الربا عند الآخرين.
3 - ممنوعيّة وحرمة الربا لا تعني أن أكلي الربا كفار كما تصوّر الخوارج وذهبوا إلى أنّ مرتكب الكبيرة كافر، بل الحق هو أنّ أكل الربا لا يتوافق مع أساس الإيمان الراسخ والصادق.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)
2 - شرعيّة هذه الحرب قائمة على أساس القانون الذي وضعه الله تعالى في سورة الحجرات: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ.
3 -فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ يفهم من هذا النص القرآني بضرورة أن يعي المرابون أنهم سيتعرّضون لحرب من الله ورسوله.. فهو إعلان حرب من الله تعالى ورسوله ضد هذا الفريق المتمرد..
4 - يعلم من عبارةفَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أن الحكومة الإسلامية قادرة على اللجوء إلى القوّة لصد المرابين ( يشار إلى أن استعمال كلمة - حرب - تمّ بالتنكير للدلالة على أهمية هذه الحرب).
5 - يقول سبحانه وتعالى للمرابين إنّهم إذا ما تابوا وكفّوا عن التعامل بالربا، فإنّ لهم الحق باسترجاع رؤوس أموالهم الكائنة في أيدي الناس
(باستثناء الأرباح).. وهذا القانون عادل
تماماً، وذلك منعاً لظلمهم الآخرين، أو تعرّض هؤلاء الدائنين للإجحاف.. وفي هذه الصورة لا يكون ثَمّ ظالم ولا مظلوم وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ.
6 - جملة لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ رغم أنها وردت في المرابين ولكنها في الحقيقة شعار إسلامي سام.. ويؤكّد أنّ المسلمين كما لا ينبغي لهم أن يظلموا فلا يصح أن يقبلوا أو يستسلموا للظلم.. وهنا لابد من القول أنه ما لم يكن ثَمّ مظلوم أو يقبل بالظلم فإنّ الظالم - بطبعه - قلما يجرؤ على ممارسة الظلم.. ولو أنّ المسلمين كانوا على استعداد كافٍ للدفاع عن حقوقهم فإنّ أحداً لن يظلمهم.. ومن الجدير القول هنا إنّنا قبل أن نأمر الظالم بعدم الظلم يجب أن ندفع المظلوم إلى عدم الاستسلام للظلم
وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)
1 - المقصود من عدم القدرة على أداء الدين هو العجز عن سداد أصل القرض (وليس الربح على مبلغ الدين الذي لا يجوز أخذه أساساً).
2 - كان معروفاً في الجاهلية أن رجلاً إذا عجز عن سداد الربح على الدين، ألزم بمال مضاعف على الربح فيقع تحت الضغط، بل يجب لأداء أصل الدين أيضاً أن يمهل.. وهذا قانون عام يشمل جميع المدينين..
3- ثم التصريح في قانون الإسلام بعدم جواز مصادرة أو تجميد ممتلكات كالبيت ووسائل الحياة الضرورية للأشخاص إذا ما عجزوا عن أداء الدين. وإنما الذي يحق للدائن أخذه هو ما زاد على ذلك. وهذا دعم تام وحماية كاملة لحقوق الشرائح الاجتماعية الفقيرة ،وهو أكثر تقدماً من الكثير من البنود الحقوقية.. بمقدار ما هو مسألة أخلاقية وإنسانية تكمّل البحث الحقوقي السالف. ويقول للدائنين أن لا يضيقوا على المدينين.. وذلك ما يؤدّي إلى محق مظاهر ودواعي الحقد والرغبة في الانتقام، واستبدال ذلك بالمحبة والتسامح، ودعوة الضعفاء في المجتمع إلى النشاط الذي تعود فوائده على عموم المجتمع، مضافاً إلى أنه يعدّ صدقة وإنفاقاً في سبيل الله ويدخر في يوم الحاجة..
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)
1 - الآية الجليلة تطلق تحذيراً شديداً وتأمر بالتقوى من يوم العودة إلى الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ.
2- المتعارف في القرآن المجيد أنّه بعد بيان دقائق الأحكام والمنهج الإسلامي بخصوص بعض الموارد، ينتهي إلى تحذير عام وكلّي لتأكيد ما تم إيضاحه من قبل لتتكرّس مفاهيم ودوافع الأحكام والمناهج في الذهن والروح..
3 - في هذه الآية الجليلة تمّ إلفات نظر الناس إلى مبدأ البعث والحساب على أعمال المسيئين، وحرّضتهم على الانتباه والوعي بحقيقة يوم يوفّى فيه الإنسان نتيجة ما عمله في الدنيا بلا نقصان أو زيادة وذلك بعد أن حفظت له صحيفة أعماله ثم ستسلّم إليه.. هنالك سيصاب بأشد الهلع إذا ما رآها.. وهي التي تحوي ما جنته يداه دون أن يظلمه أحد، بل إنّه هو الذي ظلم نفسه... وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
4- هذه الآية من جملة الدلائل والشواهد على تجسّم أعمال الإنسان الدنيوية في دار الآخرة.
5 - نقل في تفسير (الدر المنثور) ومن طرق عدة أنّ هذه الآية هي آخر ما نزل على رسول
الله صلى الله عليه وآله.(1)وبالنظر إلى مضمونها، فإنّه لا يبعد - العلم أن سورة البقرة ليست هي السورة القرآنية الأخيرة - أن تكون هذه الآية هي آخر ما نزل.. لعلمنا بأنّ في بعض الأحيان كانت الآية القرآنية تنزل ثم تلحق بالسورة الخاصة بها وإن كانت سابقة لها في النزول.
6 - يمكن إيضاح مضارّ الربا عبر عدة نقاط :
ألف: التعامل الربوي يؤدّي إلى نقض التوازن الاقتصادي في المجتمعات وتكديس الثروات عند قطب واحد، حيث أن جماعة لوحدها هي التي تنتفع وتربح بواسطة التعامل الربوي، فيما الخسائر الاقتصادية تلحق بجميع أفراد المجتمع.. وإذا ما رأينا اتساع الهوّة على الدوام بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة في العالم، فذلك مردّه إلى الاقتصاد الرأسمالي المعتمد أساساً على الربا.. وهو ذاته الذي يؤدّي في كثير من الأحيان إلى اندلاع الحروب الدموية..
ب: لا شكّ في أنّ التعامل الربوّيّ نوع تعامل و تبادل غير سليم، ويوجب خمول العواطف والعلاقات، وبذر الحقد والعداوة في قلوب المؤمنين بوجه خاص.. والربا في الأصل قائم على أساس أنّ المرابي الدائن لا ينظر إلا إلى ربح ماله دون أن يهتم أبداً بالضرر الذي يعود على المدين.. هذا المدين الذي سيعي بأنّ المرابي قد اتخذ من المال والدين وسيلة لتدميره وتدمير غيره.
ج: لا شكّ أنّ المدين - الذي يعطي الأرباح - بداعي الحاجة والفقر غير راض بعملية الربا أساساً، ولكنّه لن ينس انتهازية المرابي أبداً، بل قد يصل به الأمر أنه يشعر بضغط قبضة المرابي على عنقه.. ولهذا؛ تراه يتوجّه باللعن في باطنه إلى المرابي ويتعطش الدمه ، لأنه یری بعينه أمواله ووجوده الذي كوّنه وكلّفه الكثير في جيب المرابي.. وفي هذه الأجواء المتأزمة تقع
1) الدر المنثور، ج 1، ص 369
عشرات الجرائم الرهيبة، أو قد يعمد المدين أحياناً إلى الانتحار ، أو قتل الدائن المرابي بشكل فجيع.. ولعلّ ذلك يصادف أزمة اجتماعيّة وانفجاراً عاماً وثورة شاملة.
د: حينما نعمد إلى إجراء تحقيق في البلدان الغنيّة والفقيرة وننظر إلى أعماقها، نشهد بوضوح انفصاماً في التعاون بين الشعوب والبلدان المرابية - الدائنة والمدينة، حيث سنرى شعوباً تسكب ثرواتها في جيوب شعوب أخرى.. والمدينة تنظر بعين الغضب والحقد والكراهيّة المميّزة إلى تلك الشعوب الغادرة مع أنها بمسيس الحاجة إلى مساعدتها المالية.. وهي ذات يوم ستتصرف بما لا يناسب الدائنين.. وهذا ما يؤدّي بنا إلى القول بأنّ الربا رذيلة أخلاقية استثنائية تؤثر كلّ التأثير في روح المدين وتخلق فيه الحقد والكراهية وتقضي على طبيعة العلاقة بينهما فيما يتعلّقبما يفترض من تعاون وتبادل تجاري وتفاهم اجتماعي، أو هي - على الأقل - تضعف ذلك إلى حدّ كبير..
ه-: أشير في الروايات، وضمن جملة قصيرة ومعبّرة إلى مدى الأثر الأخلاقي السيئ الذي يتركه الربا.. وقد ورد في ( الكافي) في علة تحريم الربا عن هشام بن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : «إنّما حرّم الله عزّ وجلّ الربا لكي لا يمتنع الناس من اصطناع المعروف». (1)
1) الكافي، ج 5 ، ص 146
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)
في هذه الآية جرى بيان (23) أمراً وتعليلاً مهماً بخصوص التعامل المالي ضمن الترتيب التالي:
الأمر الأوّل:
المؤمنون مكلّفون بكتابة وتدوين الدين لحفظ الثقة وحسن الظنّ المتبادل والاطمئنان الروحي وتحاشي النسيان وإساءة الظنيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.
الأمر الثاني:
لمزيد من الاطمئنان والثقة وحفظ العقد من التصرف الأحادي الجانب، يجب كتابة وثيقة العقد بحضور الطرفين: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ.
الأمر الثالث:
يجب أن يكتب الكاتب ناظراً إلى الحق وعين الواقع، ولهذا؛ اشترطت العدالة في الكاتب لتكون كتابته عن عدالة: بِالْعَدْلِ.
الأمر الرابع:
لا يصح امتناع من له القدرة على الكتابة، ولابد أن يكتب بما أمره الله تعالى:وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْأي تفعيلاً للموهبة التي حباه الله بها، فيساعد الكاتب طرفي العقد الاسيّما في بيئة نزول هذه الآية حيث كان المتعلمون قليلين).
الأمر الخامس:
على من بذمته المال أن يصرح به ويكتب الكاتب ما صرح؛ لا الذي يدعيه الدائن، وبالتالي؛ فإنّ أهل كلّ موهبة وحرفة مكلّفون بأداء مسؤولياتهم، فالكاتب يكتب للناس، ومن بذمته مال عليه الإملاء على الكاتب: وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ.
الأمر السادس:
إقرار – العاقل - على نفسه حجّة مقبولة: وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ.
الأمر السابع
على المدين أن يضع الله بين عينيه حين إملاء وتدوين العقد، فيذكر جميع خصوصيات الدين: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسُ مِنْهُ شَيْئا .
الأمر الثامن:
تدوين القانون يجب أن يكون بحيث لا يضيع فيه حقّ العاجز، ولهذا؛ إذا كان المدين سفيهاً أو ضعيفاً أو عاجزاً أو صمّاً أو أخرساً؛ كان على وليّه أن يملي بدلاً عنه، والكاتب يكتب إملاءه: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيها أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ.
الأمر التاسع:
من الأوامر والتعاليم التي تستوحى - ضمنياً - هي أنّ السفهاء والعاجزين محتاجون في الواقع إلى أولياء في الأمور الاجتماعية: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ.
الأمر العاشر :
يجب على الولي لدى الإقرار والإملاء عمّن هو تحت ولايته أن يراعي جانب العدالة (بالعدل﴾ ولابد من إحضار شاهدين: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ.
الأمر الحادي عشر:
يجب في هذه المعاملة المالية أو القرض إحضار شاهدين من الرجال، مِنْ رِجَالِكُمْ بمعنى أن يكونا بالغين مسلمين فالتعبير بالرجال يفيد البلوغ، وإضافة الضمير كُمْ تعني كونهما مسلمين لاسيما وأنّ المخاطب في الآية هم المسلمون وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ.
الأمر الثاني عشر:
فإن لم يتوفّر الشاهدان من الرجال كفى رجل وامرأتان: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
الأمر الثالث عشر:
يعلم من قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وما يليه، أنّ الثقة إذا كانت متبادلة، لزم من عليه الحق أن يؤدّيه في حينه ( وإن لم يتوفّر الكاتب) وإنّ وجوب كتابة عقد الدين يتحتّم حين لا تكون ثَمّ ثقة متبادلة بين الطرفين واحتمل ظهور الاختلاف بينهما فيما يلي من الأيام.
الأمر الرابع عشر :
حينما يكون الشاهدان رجلين؛ فلهما أن يشهد كلّ منهما على انفراد، أما إذا كان الشهود رجل وامرأتين؛ فلابد من حضور المرأتين معاً لدى الشهادة. درءاً لنسيان إحديهما، فتذكّر الأخرى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكَّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى.
الأمر السادس عشر:
متى ما تم استدعاء الشهود، لزمهم الحضور والشهادة، فالحضور وأداء الشهادة أمران واجبان: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا.
الأمر السابع عشر :
يجب تدوين مبلغ العقد، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لأن سلامة العلاقات الاقتصادية في المجتمع التي يهدف الإسلام إلى تحقيقها وحفظها توجب عدم التقصير حتى في كتابة
وتدوين المبالغ الصغيرة في نصوص العقود، فلا يصح الملل من كتابة تفاصيل العقد؛ سواء كان هذا العقد ذا بال أم لم يكن وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ.
الأمر الثامن عشر:
حينما تكون المعاملة المالية نقديّة (فيتم تبادل المال والبضاعة في وقت واحد )فلا ضير في عدم كتابة عقد هذه المعاملة:إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا.
الأمر التاسع عشر:
يعلم من قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ بالضمن أنه في حال كانت المعاملة نقدية؛ فإن تم كتابة عقدها؛ فذلك خير، إذ كثيراً ما يحدث أن يقع التنازع في المعاملة النقدية، لاسيما بخصوص تسليم المبلغ ومقداره والمسائل المتعلّقة بالخيارات.. أما كتابة العقد؛ فقاضية على احتمال ظهور الاختلاف .
الأمر العشرون:
مع أنّ كتابة العقد في المعاملة النقدية أمر غير لازم، ولكن من الأفضل اتخاذ الشاهد، لدرء الاختلاف بين الطرفين فيما بعد، ولذا ترى الآية تقول: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ.
الأمر الحادي والعشرون:
يحتمل أن يكون المقصود من عبارة: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ لزوم اتخاذ الشاهد في جميع المعاملات النقدية وغيرها، ومهما يكن؛ فإنّ فقهاء الشيعة والمخالفين(باستثناء القليل ممن عد اتخاذ الشاهد أمراً مستحبّاً لا واجباً )استدلوا بالآية التالية على هذه المسألة، ومن المسلّم أنّ المعاملات البسيطة اليومية (مثل شراء الخبر والطعام) غير مشمولة.
الأمر الثاني والعشرون:
قوله تعالى: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوافيه الإشارة إلى فلسفة الأحكام فيما يتعلّق بكتابة وثائق المعاملات.. وأنّ الدقة في تدوينها ضامن لتحقيق العدالة من جهة، وموجب لتكريس الثقة واطلاع الشهود إذا ما أدوا شهادتهم من جهة ثانية، وكذلك
لمنع الريبة وسوء الظن بين أفراد المجتمع من جهة ثالثة.. وهذا النص في الواقع إشارة إلى فلسفة الأحكام المذكورة فيما يتعلّق بكتابة وتدوين وثائق المعاملات ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا.
الأمر الثالث والعشرون:
آخر أحكام هذه الآية: عدم جواز إلحاق الأذى والضرر بكاتب المعاملة أو الشهود( لبيانهم الحق والتزامهم العدالة):وَلا يُضَارَ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وإلا فإنّه خروج على أمر الله سبحانه وتعالى: فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ.
1 - في هذه الآية التي هي أطول آية قرآنية جرى الحديث عن المسائل الحقوقية وطبيعة توثيق المعاملات التجارية، والأحكام والمقررات الواجبة والدقيقة في الأمور التجارية والاقتصادية ضماناً لنموّ الثروة نموّاً طبيعياً ودرءاً لوقوع الاختلاف والنزاع بين الناس.
2 - الأحكام الدقيقة والتفصيلية التي ذكرت في هذه الآية الشريفة بخصوص تنظيم وتوثيق المعاملات في جميع المراحل.. تشير إلى الاهتمام العميق في القرآن بأمور المسلمين الاقتصادية وتنظيم تعاملهم ، لاسيّما وأنّ القرآن - هذا الكتاب السماوي - قد نزل في بيئة متأخرة جاهلة، تفتقر لأدنى مقومات الثقافة والعلم، وهي القراءة والكتابة، حتى أن بعض المؤرّخين ذكروا بأنّ القادرين على القراءة والكتابة لم يكونوا أكثر من (17) رجلاً في عموم الجزيرة العربية، مضافاً إلى معرفة أهل مكة بأنّ نبيهم القادم بالقرآن إليهم لم يدرس ولم يتعلّم على أحد من قبل. وهذا وغيره دليل على عظمة الرسول والرسالة من جهة، وعلى أهمية الأمور والأحكام الاقتصادية التي ينبغي أن تنفّذ في المجتمع المسلم من جهة أخرى..
3- استعملت كلمة (الدين) في هذه الآية دون (القرض)، ذلك لأنّ القرض يكون في شيئين متماثلين، مثل المال الذي يؤخذ من أحد على سبيل الدين ثمّ يعاد نفسه إليه، إلّا أنّ
الدين يشمل كل أنواع الدين، سواء كان عن طريق الاقتراض أو بالمعاملات الأخرى، مثل الصلح والإجارة والبيع والشراء. حيث يجعل شخص شيئاً في ذمّة آخر، وعليه؛ فإنّ هذه الآية تشمل عموم الديون المعروفة في المعاملات، كما هو بيع السلف والنسيئة؛ وهو يشمل القرض في الوقت ذاته.. أما الذين خصوه ببيع السلف والنسيئة؛ فقد نقصهم الدليل، مع أنّ من الممكن أن يكون بيع السلف شأناً لنزول الآية أصلاً.
4 - تِجَارَةً حَاضِرَةً لغةً بمعنى المعاملة النقدية. وعبارة تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ تأكيد على نقدية التعامل.
5 - طبقاً لكلام القرآن في عبارة:وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ فإنّه لا يجوز إحراج أو إيذاء الكاتب والشاهد لأنّهما من عوامل إقامة العدل والحق.)6 - لتوثيق نص المكتوب بشكل دقيق فوائد ثلاث: :ألف ضمان تحقيق العدالة: ﴿أَقْسَط.
ب: يوجب جرأة وشجاعة الشهود لدى الشهادة:أَقْوم.
ج: المنع من إساءة الظن بين أفراد المجتمع: أَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا.
7 - قال المرحوم علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره المعروف ب- (تفسير علي ابن إبراهيم): ورد في الخبر أنّ في سورة البقرة خمسمئة حكم، وفي هذه الآية خمسة عشر حكماً.(1)
8 - كما رأينا أنّ تعداد أحكام هذه الآية بلغ ثلاثة وعشرين حكماً، بل إنّ العدد سيرتفع إذا أرفقنا معه الأحكام الضمنية، كما ذكر الفاضل المقداد في (كنز العرفان) وأضاف واحداً وعشرين حكماً فرعياً، وعليه؛ فإنّ كون العدد (15) لأحكام الآية إنّما هو لدى إدغامها في بعضها..
1) تفسير القمي، ج1، ص كنز العرفان، ج 2، ص 45 إلى 54.
9 - وجود النصين القائلين:وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللهُ إلى جانب بعضهما يشير إلى اتصالهما الوثيق الذي يراد منه أنّ التقوى وعبادة الله لهما كل التأثير العميق في الاطلاع والتعلّم والتنوّر.. فحينما يُصقل القلب بالتقوى يكون كما المرآة التي تعكس الحقائق.. وهذا المعنى له بعد منطقي تام، ذلك لأنّ رذائل الصفات وقبائح الأعمال تحجب ذهن الإنسان وتفكيره ولا تسمح له بأن يرى وجه الحقيقة على ما هو عليه، ولكن التقوى تزيح الحجب فيظهر الحق جليّاً.
10 - الحق يكون في أن يتلقى المرء قسماً من علومه عن طريق الدراسة والتعلم الرسمي الطبيعي، فيما القسم الآخر - وهو القاعدة والأصل - يتأتى من العلوم الإلهية عن طريق صفاء القلب والاغتسال بماء المعرفة والتقوى.. وهذا هو النور الذي يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء ممن وفّر في نفسه وجوهره الاستعداد للتلقي.. «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء». (1)
1) مصباح الشريعة، ص 16
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)
1 - هذه الآية مكملة للآية المتقدمة من حيث ذكرها أحكاماً أخرى خاصة بتدوين الوثائق التجارية، وهذه الأحكام عبارة عن استعمال الرهينة إذا ما كان المتعاملان في السفر ولم يكن ثَمّ من يكتب وثيقة المعاملة : وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبَا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ.
2 - رغم أنّ ظاهر الآية يوحي بأنّ تشريع قانون الرهن خاص بحالة السفر، إلّا أنّ عبارة وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبا يفهم عنها بوضوح أن المقصود هو الموارد والحالات التي يفتقد فيها الكاتب المدوّن عموماً.
3 - متى ما كان العثور على كاتب في الوطن متعسّراً - مثلاً - كفى وضع رهان.. والهدف من ذلك إجراء العقد على أرضية صلبة.. وسواء تمّ ذلك عبر تدوين العقد بالكتابة واتخاذ الشاهد عليه، أو عن طريق الرهن، وقد أشير إلى هذه الحقيقة في الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام كما روي في الحديث الشهير المروي في كتب المسلمين من أن رسول الله صلى الله عليه وآله رهن درعه في المدينة عند رجل يهودي بعد أن استدان منه مبلغاً من
المال.(1)
4 - يستفاد من هذه الآية أنّ الأميّة كانت متفشية في الجزيرة العربية إلى حد يكاد يكون مطلقاً. ولذلك فرضت هذه المسألة في حال سفر القوافل التي يصعب العثور فيها على من يكتب وثائق المعاملات التجارية.
5 - من شروط الرهن أن يقبض من قبل الدائن ليكون مدعاةً للثقة والاطمئنان، ولذا قالت الآية:فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ وقد ورد عن مولانا الإمام الباقر عليه السلام كما في (تفسير العياشي):« لا رهن إلّا مقبوضا»(2)أي: إلّا أن يسلّم إلى الدائن..
6 - في هذه الآية وفي معرض بيان الاستثناء في عدم لزوم إعطاء الرهن في أحكام الرهن ورد أنّ لدى حصول الثقة بين الطرفين المتعاملين لا يلزم التدوين ولا الرهن، فيكون التعامل على أساس الثقة والأمانة والاعتماد المتبادل واحترام التعامل: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ.
7 - وصف طلب الدائن وحقه في هذه الآية بكونه أمانة في ذمّة المدين، وخيانة الأمانة ذنب كبير.
8 - الأمر الجامع الذي خاطب به الله جميع الناس في هذه الآية بخصوص الشهادة هو أن العارفين بحقوق الآخرين ملزمون بأداء الشهادة إذا ما دعوا لها وأن لا يكتموها أبداً، بل إنّ الكثيرين يذهبون إلى وجوب الإدلاء بالشهادة من دون الدعوة: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.
9 - واضح أن أداء الشهادة - مع توفّر شروطها - واجب كفائي، ومعناه الاكتفاء بالشهادة
المطلوبة وسقوطها عن الآخرين إذا ما تحقق الهدف منها.
10 - حيث تكتم الشهادة ويمتنع عن أدائها بواسطة القلب والروح.. فإنّها تعدّ ذنباً قلبيّاً، ولهذا تم التعبير عن هذه الحالة الآثمة:وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.
11 - قوله تعالى: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تأكيد على ضرورة الالتفات والاهتمام بقضية حفظ الأمانة وأداء حقوق الآخرين وعدم كتمان الشهادة لأنّ الله عزّوجلّ عالم تمام العلم بما يفعل عبده..
12 - يمكن أن يجهل الناس بمن هو قادر على أداء الشهادة أو غير قادر عليها، وكذلك يمكن أن يجهلوا ما إذا كانت هناك وثائق على المعاملة أم لا، ومن هو الدائن ومن هو المدين.. ولكنّ الله تعالى يعلم كلّ ذلك تمام العلم، ويجزي كلاً حسب نواياه وأعماله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)
1 - أكملت هذه الآية ما تم بيانه في الآية المتقدّمة وقالت: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ... يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.
2 - لا تظنوا أن أعمالاً ككتمان الشهادة وبعض الذنوب القلبية الأخرى خافية على الله تعالى، بل إنّ الحاكم على عالم الوجود لا تخفى عليه خافية، وعليه؛ فلا تعجبوا أن إذا قيل لكم إنّه يحاسب على الذنوب الخفية ويعاقب..
3 - يحتمل أيضاً أن جملة وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ إشارة إلى جميع الأحكام التي وردت في الآيات السابقة، مثل الإنفاق بإخلاص والإنفاق بالرياء والملحق بالمن والأذى، وكذلك الصلاة والصيام وسائر الأحكام والعقائد.
4 - قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يدلّ على أنه عزّ اسمه عالم بكل شيء وقادر على كلّ شيء أيضاً ويحدّد جدارة وصلاحية كلّ شخص ويعاقب المتمردين على أمره..
5- يتصوّر أحياناً أن قوله سبحانه: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ في هذه الآية يتعارض والوارد في روايات وأحاديث عديدة بأن نية الذنب ليست ذنباً.. إلّا أنّ ردّ هذا التصوّر والإشكال أمر يسير وواضح ذلك لأنّ الروايات تلك متعلّقة بالذنوب ذات الفعل
الخارجي وتقع نيّتها مقدّمة لها، مثل الظلم والكذب وغصب الحقوق، لا تلك الذنوب ذات الخاصية الذاتية والتي تعتبر عملاً قلبيّاً مجرّداً، مثل الشرك والرياء وكتمان الشهادة.
6 - ثُمّ تفسير آخر للآية، وهو أنّ عملاً ما يمكن أن يؤدّى بصور مختلفة، مثل الإنفاق الذي قد يقوم به الإنسان تقرباً إلى الله تعالى وقد يؤدّيه رياءً وطلباً للشهرة.. والآية تقول وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ بناءً على علمه بطبيعة الإخفاء والإظهار.. وهو ينطبق مع مضمون الرواية القائلة: «لا عمل إلا بنيّة»(1)أي أنّ نيّة الإنسان وتصوّره وعقيدته هما اللذان يقفان وراء كلّ عمل..
7 - واضح أنّ إرادة الله تعالى في المغفرة لمن يشاء والتعذيب لمن يشاء لا تتم بلا دليل وحكمة، بل إنّ العفو الإلهي له دليله الخاص به، وهو أن يكون الفرد جديراً بالعفو، وكذلك عدم العفو والمصير إلى العذاب..
1) الكافي، ج 2، ص 84
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)
ذكر بعض المفسرين في شأن نزول هذه الآية الجليلة أنّ لدى نزول الآية السالفة هلع بعض الأصحاب وقالوا ليس منا برئ عن وساوس النفس وخطرات القلب، وعرضوا قولهم هذا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فنزلت هذه الآية ليعلموا بها الإيمان والتضرع إلى الله والطاعة والتسليم له..(1)
1 - كما بدأت سورة البقرة ببيان أقسام مهمة من المعارف الإسلامية والاعتقادات الحقة، ها هي في هذه الآية التي تليها تختم بهذه المعاني، وبهذا؛ تكون بدايتها وخاتمتها على درجة عالية من التطابق..
2 - هذا من مميزات الأنبياء المؤمنين إيماناً قاطعاً بديانتهم قبل غيرهم كما أنهم على أعلى المستويات التي يمكن تصوّرها من الاستقامةآمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
1) البحر المحيط، ج 2، ص 755
3 - المؤمنون يخالفون الذين يريدون الفصل بين الله وأنبيائه ويؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض آخروَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ.
4 - واضح أن موضوع الإيمان بالأنبياء لا ينافي موضوع نسخ الأديان الماضية بالأديان اللاحقة، ذلك لأنه وكما تمت الإشارة من قبل، فتعاليم الأنبياء كما هي تعاليم المراحل المختلفة من التحصيل الدراسي في المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية والجامعيّة، فهي؛ وإن كان أصلها واحداً، إلّا أنها تلقى بمستويات مختلفة، وحين يراد الارتقاء إلى المرحلة الأعلى؛ فإن المنهج السالف يزاح جانباً مع حفظ احترامه.
5 - المؤمنون وفضلاً عن هذا الإيمان الراسخ والجامع والقلبي بحاجة إلى إقرار وإطاعة في مقام العمل، ولهذا قد قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
6- سَمِعْنَا في بعض الموارد جاءت بمعنى فهمنا وصدّقنا وأحد مصاديقها هذه الآية، أي أننا آمنا بجميع أنبيائك ياربنا ونحن في مقام الطاعة على الدوام.
7- إلهنا! مهما نكن؛ فنحن بشر وقد تغلبنا غرائزنا أحياناً، فنتعرّض لسقوط ، ورجاؤنا مغفرتك ورحمتك، وما مصيرنا إلّا إليك.. وهكذا ينطبق الإيمان بالمبدأ والمعاد والأنبياء والرسل بالالتزام العملي بالتعاليم الإلهية.. وقالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)
1 - كما تمت الإشارة؛ فإنّ هاتين الآيتين تتحدّثان عن الذين اضطربوا للقول بأنّهم سيحاسبون على ما أخفوه في قلوبهم أو أعلنوه وأنهم سيجزون طبقاً لذلك، فقالوا: ليس منا من قلبه يخلو من الوساوس، فقالت هذه الآية: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
2 - الوسع لغةً لغة بمعنى المجال والقدرة، وعلى أساس هذه الآية؛ فإنّ الحقيقة العقلية قائلة بأنّ التكاليف الإلهية لن تكون خارجة عن نطاق الإنسان، ولذا وجب القول إنّ جميع الأحكام تفسّر وتقيّد بهذه الآية وبمدى قابلية الإنسان.
3 - واضح أنّ الشارع الحكيم قد وضع قانونه طبقاً لميزان قدرة الأفراد التي كان الله تعالى قد كرّسها فيه، وهذا الوضع والتشريع الحكيم لا ينفصل ولا ينفك عن الأحكام العقلية وهما يسيران معاً في جميع المراحل.
4 - قوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ إشارة إلى أنّ كل فرد يحصد ما زرعويلقى ما قدّم.. فما يعمل في الدنيا يلقاه في الآخرة.
5 - الغاية في قوله سبحانه: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ إلفات نظر الناس إلى مسؤولياتهم وعواقبهم؛ إبطالاً لخرافة الجبر والطالع والموهومات الأخرى؛ حيث يعمد البعض إلى رفع عقائرهم بها؛ تهرّباً من أداء وظائفهم ومسؤولياتهم.
6 - هذا التفاوت الذي نلاحظه في تعبير هذه الآية بخصوص الأعمال الصالحة كَسَبَتْ وبخصوص الأعمال الطالحة اكتسبت لعلّه ورد بلحاظ أن الكسب يراد به الإشارة إلى الميل الداخلي البعيد عن التكلّف والموافق للفطرة.. وأن الاكتساب هو النقطة المقابلة لذلك، بمعنى الإشارة إلى ما هو خلاف الفطرة.. وهذا ما يؤكد الحقيقة القائلة بأنّ صالح الأعمال يوافق الفطرة، فيما الأعمال السيّئة أمر مخالف للفطرة..
7 - قال اللغوي المعروف(الراغب) في كتابه (المفردات) لدى إيضاحه التفاوت بين الكسب والاكتساب: الكسب غير مخصوص بالأعمال المنحصرة بالإنسان لوحده؛ بل إنّه يشمل الآخرين أيضاً (مثل أعمال الخير التي لا تتحدّد بحدّ الإنسان، بل لعل من حوله يشتركون بنتائجه...) في حين أن مفردة الاكتساب تستعمل لدى الإشارة إلى أنّ الإنسان هو وحده من يتعرّض لنتائج أفعاله، مثل الذنوب الفردية التي لا تمس الآخرين (وينبغي الالتفات هنا إلى هذا التفاوت يحصل حين يتقابل الكسب والاكتساب في نص أو محال واحد).
9 - المؤمنون وتبعاً لبيان هذين الأصلين من جهة الله سبحانه وتعالى (التكليف حسب القدرة وأنّ كلّ فرد مسؤول عن عمله وعاقبته) يطلبون إليه تعالى سبعة أمور.. وهي بمثابة بيان لحقيقة تربوية عامة سواء أعربوا عن ذلك أم لم يعربوا..
الدعاء والطلب الأوّل: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ.
الطلب الثاني: رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا بداعي
المحاسبة والمعاقبة على الذنوب والطغيان.. فالمؤمنون هنا يطلبون إلى الله أن لا يكلّفهم بالمسؤوليات الجسيمة التي تؤدّي في بعض الأحيان ولدى بعض الأفراد إلى التخلّف عن أداء التكليف.. وهذا ما ورد في التعبير عنه في الحديث النبوي الشريف «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة».(1)
الطلب الثالث: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ.
الطلب الرابع:وَاعْفُ عَنَّا.
الطلب الخامس:وَاغْفِرْ لَنَا.
الطلب السادس: وَارْحَمْنَا.
الطلب السابع:أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
وهكذا تكون مطالب المؤمنين إلى ربّهم شاملة لأمور الدنيا والآخرة وتعود إلى التوفيق والنجاح الفردي والاجتماعي وهي لعمري مطالب جامعة للغاية..
10 - لأنّ المؤمنين يعلمون بكونهم مسؤولين عن أفعالهم، تراهم يتضرعون بهيئة خاصة مميّزة، ويسألون ربهم الذي يسلّمون له بكونه الربّ الذي يوليهم اللطف الخاص في تربيتهم، ويؤكدون على واقع الحياة الذي لا يخلو من نسيان الإنسان وغفلته وخطئهم.. ويعربون عن أنّهم يجهدون في الهروب من تعمّد الخطيئة.. فإنّ صدر عنهم نوع انحراف ما؛ فالله حريّ - بعظمته وربوبيته - أن يغفره..
11 - يمكن أن يطرح سؤال هنا وهو: هل يمكن للربّ العظيم أن يعاقب من ارتكب ذنباً بداعي الخطأ والنسيان.. ليكون ثَمّ مبرّر لطلب العفو والصفح ؟
لدى الإجابة ينبغي القول: تارة يكون النسيان لا يسلب عن الإنسان مسؤوليته أو يبررها،
1) الوافي، ج6، ص 69
مثلما جاء في القرآن: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَاوعليه؛ فإنّ النسيان هو وليد التساهل وعدم حمل الأمور إلى محمل الجدّ..
12 - من الجدير الالتفات إلى الفرق الواضح بين النسيان والخطأ.. إذ الخطأ عادة ما يطلق على الأفعال الناتجة عن الغفلة وعدم توجّه الإنسان وانتباهه، كمن يطلق سهماً في الصيد فيصيب إنساناً بالخطأ فيقتله أو يجرحه بلا قصد. ولكن النسيان يستعمل لفظه حينما يهمّ المرء بالقيام بأمر فينسي تفاصيله وخصائصه.. كمن يعاقب رجلاً ظنّاً بكونه المذنب، وذلك حين ينسى خصائص ومواصفات المذنب الحقيقي.
14 - يمكن أن يُسأل : إذا كانت الشريعة سهلة سمحاء فما بال الأقوام والأمم السالفة لم تكن لهم شريعة سهلة أيضاً؟
ينبغي القول وكما يفهم من الآيات القرآنية بأنّ التكاليف الشاقة التي ألقيت على الأمم السالفة لم تكن من أصل شرائعها.. وإنّما جرى ذلك بفعل تمردها؛ فكانت بمثابة الجزاء والعقوبة لها، كما حدث لبني إسرائيل الذين لم يكفّوا عن الإصرار على التمرّد والمعصية فحرّم عليهم بعض أنواع الطعام واللحوم الحلال في أصلها..(1)
15 - يمكن أن يكون قوله سبحانه :وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ إشارة إلى الامتحانات العسيرة أو العقوبات الثقيلة الدنيوية والأخروية أو الاثنين معاً.. ولعل استعمال عبارة لَا تَحْمِلْ في الجملة المتقدّمة وعبارة لَا تُحَمِّلْنَا بالتشديد في هذه الجملة لأجل هذه المسألة، ذلك لأنّ الجملة الأولى إشارة إلى الأمور الصعبة، فيما الجملة الثانية إشارة إلى الأمور
1) راجع سورة الأنعام / 146 وسورة النساء / 160.
والمسائل الخارجة عن الطاقة والقدرة والتحمل.
16 - العفو لغةً يعني محو آثار الشيء، وغالباً ما يراد به محو آثار الذنب، إذ يشمل آثاره الطبيعيّة إضافة إلى العقوبة المترتبة عليها، في حين أنّ المغفرة تعني التغطية على الذنب أساساً.
17 - المؤمنون يسألون ربّهم المتعال أن يغطي ذنوبهم وأن يمحو آثارها لئلا تترسخ في أرواحهم، مضافاً إلى عدم معاقبتهم عليها، ثمّ يسألونه رحمته الواسعة التي تشمل كلّ شيء؛ بما في ذلك حالهم..
18 - ما يكمّل هذه الحقيقة تكرار كلمة (ربّنا ) الذي يعمّهم بلطفه الخاص، ومضافاً إلى أنّ هذا التكرار يجسّد خلاصة وجذوة سورة البقرة.. ويعلّم الإنسان التسليم الروحي لهذا الربّ العظيم خالق الوجود.. ولهذا؛ وردت الإشارة إلى أنّ المؤمنين إذا ما طلبوا إلى الله أن يعفو عنهم
انحرافهم وأن ينصرهم على أعدائهم، فلابد لهم من الالتزام بمنهج (سمعنا وأطعنا).. أي أنهم تلقوا نداءات القرآن وأهل البيت عليهم السلام بكل وجودهم؛ وهم بصدد الطاعة والاتباع وأنّهم لا يفرّطون بشيء من طاقاتهم وقابلياتهم في هذا المجال.
19 - طالما رغب الأئمّة ومن بعدهم الفقهاء الصالحون المسلمين بقراءة هاتين الآيتين وبينوا عظيم الثواب على قراءتهما.. وأشاروا إلى أنّ اللسان والقلب إن اتفقا وتوافقا في تلاوتهما، ارتقى الإنسان بهما إلى حيث الاتصال الوثيق بالله تبارك وتعالى وصفاء الروح وتكريس حالة الوعي والفعالية في وجوده.
20 - يعلم من هذه الآية المباركة أنّ التكليف العسير وما لا يطاق ليس من شأن الإسلام ولا شأن الأديان السابقة الأخرى، بل إنّ أصل الإسلام قائم على حرية الإرادة والاختيار، ذلك لأنه يقول : إنّ كل امرئ بما كسب رهين، وإن من عمل صالحاً فلنفسه، ومن عمل طالحاً كان
مسؤولاً عمّا أساء.. وطلب العفو والمغفرة خير شاهد على هذا المدعى، وهو متطابق والمنطق
والعقل ومسألة الحسن والقبح، لأنه سبحانه الحكيم لا يجبر عبده على القيام بفعل ما، وهذا ما يدلّ على نفي ونقض خرافة الجبر.
21 - كيف يمكن أن يجبر الله تعالى عبده ثمّ ينهاه في ذات الوقت عن ارتكاب الذنب؟ ولكن يجب أن يعلم أنّ الإجبار على أداء التكاليف الشاقة العسيرة أمر محال وغير ممكن.. كما هي التكاليف الشاقة التي فرضت على بني إسرائيل التي لم تكن سوى نتيجة تمرّدهم العجيب والدائم وعقاباً على انحرافهم الرهيب عن جادة الحق.
الأب، 384، 488
الإبتلاء، 273، 342، 633
ابراهيم، 273 ، 282، 285، 287، 291، ،304 ،298 ، 295 ،285 ،294 ،293 683،671
الإبطال، 698
ابن السبيل، 523
الإتباع ، 374، 377، 384 ، 692
الإثم، 390 ، 420، 421، 450، 494، 499، 751 ،732 ،535
الأجر، 725، 734
الأجل، 586، 595، 748
الإحاطة، 652
الإحتجاج، 303
الإحسان، 160، 196، 247، 471، 575،598
الإختلاف ، 249 ، 401، 515 ، 642
الآخرة، 213 ، 223، 252، 285، 291، 325، ،45، 55، 167، 488، 530، 546،490،403،586
الإخلاص، 303
الأخوة، 546
120 ،107
آدم، 107، 115، 120 ،
اذن الله، 633 الله، 637
الأذن، 67 ، 652
الأذى ، 475، 554، 692، 695، 698
الإرتداد، 530
الإرث، 589
الأرض، 77 ، 94 ، 99، 103، 107، 115 235، ،257، 369، 369، 377، 652،637 ،754،704
الأسباب، 374
الأسباط، 298، 304
الإستجابة، 437
الإستطاعة، 722، 748
الإستعانة، 337
الإستغفار، 487
الإستكبار، 110
الإستمساك، 664
الإستهزاء، 513، 55، 584
الإستواء، 99
اسحاق، 295 ، 298، 304
الإسلام، 293، 294 ، 298، 504
الأسم الأعظم، 39
اسم الله تعالى، 39، 252
الإسم، 107
اسماعیل، 287 ، 293، 295 ، 298، 304
الإصر، 758
الإصطفاء، 626
الإصلاح، 421، 546، 55 ، 560، 569
الإضطرار، 390
اضعاف، 617
الإضلال، 90
الإطاعة، 756
الإعجاز، 173
الإغتراف، 633
الأقربين، 523
الأكل، 160، 162، 377، 388، 396، 727 ،447 ،450، 700،698،
الإنفاق، 704
الإله، 367
الإمامة، 273
الأمانة، 751
الأمة ، 287، 295 ، 305، 310، 515، 549
الامر بالمعروف، 128
الأمر، 180، 257، 380، 508
أمر الله ، 244
الأصابع، 67
الإمساك، 575، 584
الامطئنان، 683
الأمن، 605
الأمنية، 282
الأنثى، 407
الإنجيل، 244، 249، 270، 322
الإنذار، 264، 464 48، 515
الإنزال، 45، 77
الإنفاق، 40، 471 ، 523، 535، 689، 692، ،722 ،717 ،713 ،704 ،700 ،698 ،725
الإنفصام، 664
الإنقلاب 310
الأهلة، 454
الأولاد، 322، 589، 620، 702
الآية، 183، 235 ، 261، 287، 319، 330،369، 535، 549، 584، 610، 629 ،677،641
الإيلاء ، 564
الإيمان، 40، 45 ، 48، 55، 88، 90، 125،،220 ،217 ،210 ،201 ،192 ،167، 185 ،298 ،270 ، 244، 241 ،232 ،230، ،403، 425 ،388 ،372 ،337 ،310 ،549 ،533 ،520 ،510 ،513 ،437 ،557، 569، 586، 629، 664، 669 ،748 ،735 ، 698، 704 ، 734،683، 756
الباب، 454
بابل، 223
الباس، 447
البأساء، 403، 520
الباطل، 125، 450
البحر، 148، 369
البخس، 748
البر، 128، 454
البرائة ، 374 ، 375
البرق، 67، 69
البرهان، 247
البسط، 617 ، 647
البشارة ، 557 ، 217، 264، 464، 515، 88
البصر، 48 ، 63 ، 69، 246، 287، 566، 700،616
البصل، 165
البطن، 396
البعث، 155، 287، 515
البعل، 569
البعوضة، 90
البغى، 390، 515
البقرة، 180
البقل، 165
البكر، 180
البكم، 386، 66
البلاء، 146
البلد، 285
بني اسرائيل، 123، 135، 196 اسرائیل،
511 اسرائیل، 620
البهت، 671
البيان، 610
البيت، 282، 454
البيع، 727، 748
البينة، 507، 511، 515، 642
التابوت، 629
التبديل، 161، 420
التجارة، 55، 748
التحدي، 81
التحريف، 161، 185
التخفيف، 365
التراب، 698
الترفيع، 642
التزكية ، 287، 330، 396، 586
التسبيح، 103، 257
التسريح، 575
التسليم، 589
التطوع، 431
التعجيل، 494
التعدي، 173، 407، 45، 468، 575،584
التعليم، 637
التفضيل، 135، 642
التقديس، 103
التقوى، 72 ، 125، 137، 170، 175، 230، ،403، 410، 417، 425، 445، 454، 468 ، 513، 557،499 ،475 ،479، 494
،735 ،609 ،601 ،589 ،560، 584 740، 748، 751
التكليف، 758
التلاوة، 270
التمني، 213
التوبة، 120، 153، 287، 364، 447، 554، 737
التوحيد، 367
التوراة، 128 ، 151 ، 188، 201، 207، 220، 244، 249، 270، 316، 322
التيمم، 704
الثبت، 636
الثمرات ، 77 ، 88، 285، 32، 702
الثمن، 125، 188
جالوت، 633، 636 ، 637
جبرئیل، 217، 219،
الجبل، 683
الجحيم، 264
الجدل، 479
الجزاء، 137
الجسم، 626
الجنة، 88 ، 115 ، 192، 247، 520، 549، 702 ،700
الجنف، 421
الجنود، 633
الجهاد، 533
الجهل، 722
جهنم، 264، 285، 499
الجواب، 437
الجوع، 342
الحبة، 689
الحبط ، 530
الحج ، 354، 454، 475، 479، 487
الحجارة، 81، 183
الحجر، 162
حدود الله، 575 580، 447
الحر، 407
الحرام، 390 ، 727
الحرب، 737
الحرث، 180 ، 498 ، 557
الحرمة ، 390، 468
الحزن، 120، 167، 247، 692 ، 725، 734
الحساب، 513، 754
الحسد، 244
الحسرة، 375
الحسنة، 490
الحشر، 494
الحصر، 722
حطة، 160
الحق، 90 ، 125، 165، 180، 210، 244، 264، ،401 ،327 ،324 ،322 ،316 ،270 ،417، 450، 515، 598، 641، 748
الحكم، 249 ، 515
الحكمة، 107، 287، 287، 330، 507، 546 ، 569، 584، 711،683،637
الحلال، 377 ، 447، 580، 727
الحلق، 475
الحلم، 562، 595
الحمار، 677
الحنيف، 298
الحول، 589
الحي، 652
الحياء، 90
الحياة، 183 ، 513 ، 612، 671، 677،683
الحيض، 554
الحين، 115
الحيوة ، 213 ، 339، 369، 410، 496، 98
الخاوية، 677
الخبط، 727
الخبيث، 704
الخداع، 55
الخروج، 612
الخسارة، 94، 170
الخسران، 270
الخشوع، 131
الخشية، 183، 328
الخصومة، 496
الخطأ، 758
الخطوة ، 377، 504
الخطيئة، 160، 192
الخفا، 715
الخفى 754
الخلد، 88
الخلق، 72، 99
الخلود، 120 ، 192 ، 365، 530، 669، 727
الخليفة، 103
الخمر، 535
الخنزير، 390
الخوف، 120، 167، 247، 252، 328،725،342، 421، 575، 605 ، 692،734
الخيانة، 447
الخير ، 523، 526، 11، 717، 739
الخيرات، 325
خير الزاد، 479
الخيط الأبيض، 447
الخيط الأسود، 447
الدابة، 369
داود، 637
الدعاء ، 386 ، 437، 683، 748
الدم، 390
الدنيا، 252 ، 291 ، 488، 490، 496 ، 513، 530
الديار، 620
الدين، 465، 748
الذبح، 146، 180، 273
الذرية، 273
الذكر، 123 ، 135 ، 170، 334، 482، 488،194، 549، 584، 605، 711، 748
الذلة، 165
ذى القربى 196 القربى 403
الرأس، 475
الرأفة، 501
الربا، ،727، 732، 735، 737، 748
الربح ، 55
الرجاء: 533
الرجال، 569، 605
الرجعة، 348، 740
الرجل، 748
الرجوع، 66، 98، 133، 580، 617
الرحم، 569، 758
الرحمة ، 120 ، 153، 170، 234، 287، 310، 421، 464،407، ،390 ،350، 364 ،487 ، 533، 533، 564
الرحمن، 367
الرحيم، 367
الرزق، 40 ، ،88 ، 157، 162، 165، 285، 589 ،513 ،388
الرسالة، 201 ، 220 ، 241، 264، 310، 330، 403 ، 641،520، 642، 756
الرشد، 437، 664
الرضاع، 589، 589
الرضاية، 267، 586
الرعد، 67
الرعي، 232
الرفث، 447، 479
الركبان: 605
الركوع، 127، 282
رمضان: 433
رموز، 39
الرهبة، 123
الرهن، 751
روح القدس، 201، 642
الريا، 698
الريب، 81
الريح، 369
الزاد، 479
الزكوة ، 127، 196، 246، 403، 734
الزلزال، 520
الزلل، 507
الزوج، 88، 115، 223، 569
الزوجة، 115، 223، 593، 607
السب، 173
السبقة، 325
سبيل الله ، 458 ، 471، 530، 533، 616، 722،692،689
السبيل، 241
السجدة، 110، 160، 282
السحاب، 369
السحر، 223
سر الله تعالی، 39
السر، 185، 595، 725
السرح، 584
السرور، 180
السفاهة، 291، 307، 55، 748
السفر، 431، 751
سفك الدماء، 103
السقى، 162
السكينة، 629
السلوى، 157
سلیمان، 223
السماء، 67، 77، 99 ، 107، 161، 316، 369
السماوات السبع، 99
السماوات، 235، 257، 369، 652، 754
السمع، 48، 69، 210، 232، 287، 386، 420، 560، 566، 616، 664، 756
السن، 677
السنبلة، 689
السوء، 30
السؤال ، 264 ، 305 ، 437، 454 ، 523، 722
السورة، 81
السيئة، 192، 715
الشبهه، 261
الشجرة، 115
الشر، 526
الشراء، 125
الشراب، 677
الشرب، 162، 447 ، 633
الشرك، 77 ، 213، 234 ، 298، 549
شعائر الله، 354
الشفاعة، 137، 652
الشقاق، 298، 401
الشكر ، 150 ،155، 334، 354، 388، 612
الشمس، 671
الشهادة، 304 ، 310 ، 339، 433، 496، 748، 751
الشهر الحرام، 468 ، 530
الشهر ، 564
الشهيد، 81
الشيطان، 55 ، 110 ، 223، 504، 708، 727
الصابئة، 167
الصاعقة، 67
الصالح، 88
الصبر، 131 ، 337، 342، 399، 43، 633، 636
الصدق، 81 ، 125، 207، 210، 107، 213، 24، 4037 ،220 ،217
الصدقة، 475، 695 ، 698 ، 715، 732، 739
الصراط المستقيم، 307 ، 515
الصفا، 354
الصفح، 244
الصفراء، 180
الصلاح، 291
الصلاح، 364
الصلوة الوسطى، 603
الصلوة، 40 ، 127 ، 131، 196، 246، 282، 350، 603، 734 ،337
الصم، 386، 66 ، 425
الصوم، 433، 447، 475،431 ،
الصيب، 67
الضراء، 403، 520
الضرب، 183، 722
الضرر ، 223، 584، 589، 748
الضعف، 748، 702
الضلال ، 241 ، 55، 748، 482،399
الطاغوت، 664 ، 669 ، 758
طالوت، 626، 633، 165
الطعام، 431، 677 ، 55
الطل، 700
الطلاق، 566 ، 569، 575، 58، 584، 586، ، 589، 598، 601، 609
الطهر ، 554، 586
الطواف، 282، 354
الطور، 170، 210
الطيب، 704
الطير، 683
الظل، 508
الظلال، 157
الظلم، ،210 ،157، 161 ،153 ،150 ،115 ،328 ،319 ،304 ، 273 ،252 ،213 ،465، 575 ،584 620، 671 ،372، 740 ،737 ،717 ،713
الظلمة، 63، 67 ، 69 ، 669
الظن، 133، 188، 580، 633
عالم الشهود، 40
عالم الغيب، 40
العام، 677
العباد، 501
العبادة، 295، 437
العبد، 81، 196، 407
العبودية، 72، 388
العجب، 496
العجل، 150، 153، 210
العداوة، 377، 465، 504
العدة، 593
العدس، 165
العدل، 137، 748
العذاب، 55، 48 ، 146، 207، 213، 232، ،374، 396 ،372 ،252، 285، 365 407، 490، 754 ،399
العرش ، 677
العرفان، 322
العرفة، 482
العروة الوثقى، 664
العزة، 287 ، 499 ، 507، 546، 569، 683
العزم، 566
العسر، 739
العصا، 162
العصيان، 165، 210
العظام، 677
العظمة، 652
العفاف، 722
العفو، 244 ، 407، 447، 535، 601، 758،150
العقاب، 475، 511
العقل، 55 ، 183، 384، 386، 410، 610
العلم، ،107 ،103 ،99 ، 90 ،88، ، 77، 55، ،220 ،192 ،188، ، 185 ، 173 ،125 ،261، 304 ،200 ،249 ،230 ،223 ،431،420 ،380 ،330 ،322 ،319 ،523 ،507 ،450 ،468، 479، 494، 584، 586، 589،580 ،526، 560 ،601، 605، 616 ، 620 ،595 ،593 ،708 ،626 ، 652، 664 ، 677، 689 ،734،713
العلن، 725
العلي، 652
العمر، 213
العمرة ، 354، 475، 479، 487
عمل الصالح، 192
العمل، 183 ، 213 ، 246، 295، 303، 304، 751 ،700 ،375 ،305، 316
العمى، 386، 55
العنب، 702
العهد، 94، 123، 192، 220
عيسى، 201، 298، 642
العين، 162
الغشاوة، 48
الغضب، 165، 207
الغفران، 390 ، 421، 464، 487، 562، 564، 595
الغفلة ، 183 ، 304، 316، 327
الغمام، 508
الغمة، 157
الغمض 704
الغنى، 546، 598، 695، 704، 722
الغي، 664
الغيب، 40، 107
الفارض 180
الفتنة، 223، 273، 342، 461، 465، 530، 633
الفجر، 447
الفحشاء، 380، 708
الفدية، 431، 575
فرعون، 146، 148
الفرق، 756
الفرقان ، 433
الفريضة، 598 ، 601
الفساد، ،55، 94 ، 103، 162، 498، 546، 637
الفسق ، 90 ، 161، 220، 479، 748
الفضل ، 234 ، 601 ، 612 ، 708، 170، 482
الفعل، 81
الفقر ، 546، 598، 708، 715، 722
الفکر، 530، 535، 702
الفلاح، 454، 47
الفلك، 369
الفوم، 165
القبض، 617، 647
القبلة، 310 ، 316، 319
القتال، 526 ، 530، 616، 620، 642
القتل، 153 ،165 ، 183، 201، 210، 339، 458، 461، 465، 530
القثاء، 165
القدرة ، 69 ، 235، 244، 325، 677، 754
القدم، 636
القرء، 569
الفرقة، 185
القرآن، 287، 316، 322، 360، 396، 401،433، 515، 584، 756
القربان، 273
القربة، 437
القردة، 173
القرض، 617، 647
القرية، 160، 677
القساوة، 183
القسط، 748
القصاص، 407، 410، 468
القطع، 94
القلب، 48، 55 ، 201، 210، 217، 261، 496، 562، 683
القنوت، 603
القول، 196، 595، 695
القوم، 671
القيام، 603، 652، 727، 748
القيامة، 115، 513، 201
الكبر، 702
الكتاب، 128، 188، 201، 207، 220 ،316 ،287 ، 270 ، 249،234، 244 ،396، 401 ،360 ،330 ،322 ،319 ،403، 515، 584، 756
الكتابة، 188، 748، 751
الكتمان ،125، 183، 322، 360، 396، 751
الكذب، 55، 120، 201
الكرسي،652
الكره، 664
الكسب، 188، 295، 305، 698، 704، 740، 758
الكسوة، 589، 677
الكعبة، 282، 287، 316، 327، 328، 461، 530
الكفارة، 715
الكفر ، 48 ، 67 ، 81، 90، 98، 110، 120، ،220 ،219 ،210 ،207 ،201 ،165،125، ،270 ، 241، 244 ، ،234 ،232 ،223 ،285، 334، 365، 386، 461 ، 513 ،530، 636، 642، 664، 669، 671، 732،698، 758
الكلام، 396، 642
الكلمة، 261
كن فيكون، 257
اللبّ، 711
اللباس، 125
اللحم، 390 ، 677
اللعن، 201، 360 ، 365
اللغو، 562
لقاء الله ، 133
الليل، 369 ، 447، 725
الماء، 77، 183
ماروت، 223
المال، 342 ، 403 ، 450 ، 626، 692 ، 700، 737 ،725
المباشرة، 447
المتعة، 598
المثال، 90
المحاجة، 185
المحبة، 372 ، 458، 471، 498، 526، 732
المرء، 223
المرأة، 748
المرض، 431، 55
مرضات الله، 501، 700
المروة، 354
المرية ، 324
المريض ، 475
مريم، 201، 642
المس، 192، 598، 601، 727
المسجد الحرام، 316، 327، 328، 461، 475، 530
المسجد، 252، 447
المسكنة، 165
المسكين ، 196، 403، 431 ، 523
المسلم، 287
المشرق ، 255، 307، 403، 671
المشعر، 482
مصر، 165
المصيبة، 348
المصير، 756
المعروف، 407 ، 569، 575، 584، 586، 695، 595، 598، 609، ،593 ،589
المغرب، 255، 307، 403، 671
المغفرة، 399 ، 533، 549، 695، 708، 754، 756، 758
المكة، 285
المكروه، 526
الملّ ، 748
الملة، 291
الملك، 103، 107، 110، 671، 365، 403، 620، 626 ، 629، 637، 756 ،508
المنّ، 157، 698
المناسک، 488
المنفعة، 535
المهاد، 499
المؤاخذة، 562
الموت، 67 ، 98 ، 155، 183، 213، 294،،365، 369، 417، 593 ،339 ،295 ،605 ، 612، 671 ، 677، 740،683
موسی ،150 ، 151، 153، 162، 165، 201 ،629،620 ،298 ،241 ، 210
الموعظة ، 175، 584، 586، 727
المولى، 758
الميتة، 390
الميثاق، 94 ، 170 ، 196 ، 210
الميسر، 535
الميقات، 454
میکائیل، 219
النار، 63 ، 81، 120، 192، 285، 375،،549، 669 ،530 ،490 ،399 ،396 ،727 ،702
الناس، 496، 501، 612، 81
النبوة، 403، 515، 620، 626 ، 629
النجاة، 146، 148
النخيل، 702
الند، 372، 77
النذر، 713
النزول، 81 ، 125 ، 161، 220، 360، 384، 396، 401، 756
النساء، 146، 447، 554 ، 557، 564، 569، ،598 ،595، 584، 586، 580 ،575، 601، 748
النسخ، 235
النسک، 475
النسل، 498
النسي، 758
النسيان 601
النصارى، 167، 247، 249، 267، 273، 298، 304
النصر، 137، 267، 520، 636، 713، 758
النظر، 180، 232، 508
النظرة، 739
النعمة، 123 ، 135، 328، 511، 584
النفس، 342
النفع، 223
النكاح ، 549 ، 580، 586، 595، 601
النكال، 175
النهار، 369
النهار، 725
النهر، 88، 183، 633، 702
النور، 63 ، 69 ، 669
النوم، 652
هاروت، 223
هارون، 629
الهبوط، 115، 120، 165، 183
الهجرة، 533
الهداية، 47، 55 ، 90 ، 120، 151، 167، 180،328 ،310 ، 307 ، 298 ،267 ،217 ،482 ،33 ،399 ،384،350، 360، 671، 698، 717 ،515
الهدى، 475
الهلاك، 498، 471
الهواء، 267، 319
الوابل، 698 ، 700
الوالدات، 589
الوالدين، 196، 417
الوالدين، 523، 589
وجه الله ، 255، 717
الوجه، 325
الوسع، 708، 758
الوسعة، 255
الوصل، 94
الوصية، 417، 421، 605
الوعدة، 150، 708
الوفاء، 123، 403، 564
الوفى، 717
الوقود، 81
الولاية النصر، 235
الولاية ، 267 ، 307، 316، 669، 748
الولد، 146، 257 ، 589
اليتيم، 196، 403 ، 523، 546
اليسر، 739
يعقوب، 294، 295 ، 298، 304
اليقين، 45، 261، 560، 562
اليهود ، 247 ، 249 ، 267، 273 ، 298، 304
اليوم، 677
تفسير سورة الفاتحة ...... 5
من فضائل سورة الحمد ....7
النقاط المستفادة من الحمد لله :....19
النقاط المستفادة من كلمة ربّ :....19
النقاط المستفادة من كلمة العالمين :....20
النقاط المستفادة من هاتين الكلمتين (الرّحمن الرّحيم) ...21
النقاط المستفادة من كلمة مالك:...22
النقاط المستفادة من هذه الكلمة (يوم الدين) :....23
( النقاط المستفادة من (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ..... 25
النقاط المستفادة من اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ :...28
النقاط المستفادة من الذين (أنعمت عليهم)...31
النقاط المستفادة من غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ...31
النقاط المستفادة من وَلَا الضَّالِّينَ ....32
تفسیر سورة البقرة المباركة :....35
من فضائل سورة البقرة .:...37
تعرف على سورة البقرة: ...37
النقاط المستفادة في مسألة حروف القرآن المقطعة: الأسم الأعظم، اسم الله تعالی، سرالله تعالی، رموز ...39
الآيتان 1 و 2 ...39
الآية3 : ...40
النقاط المستفادة من هذه الآية: الغيب، الإيمان الصلوة، الإنفاق، الرزق عالم الشهود، عالم الغيب ...40
إشكال العلماء الغربيين والطبيعيين حول اعتماد
الغيب وغير المحسوسات...... 40
الردّ على هذه الأدلة وإثبات بطلانها:...41
الآية 4..... 45
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، الإنزال، الآخرة، اليقين ...45
الآية 5 ...47
النقاط المستفادة من هذه الآية: الهداية، الفلاح...47
الآية 6 و 7 ....48
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: الكفر، الإنذار، الإيمان، القلب، السمع، البصر، العذاب. الغشاوة،....48
جذوة القول :...53
الآيات من 8 و حتى 16 ...54
النقاط المستفادة من هذه الآيات: الإيمان، الآخرة، الخداع، العقل ،القلب ،المرض، العذاب، الكذب، الفساد، الإصلاح، السفاهة، العلم، الشيطان، الإستهزاء، الطغيان، العمى، الضلال، الهداية، التجارة، الربح .. 55
الآية 17...63
النقاط المستفادة من هذه الآية :النار ،النور، الظلمة، البصر....63
الآية 18....66
النقاط المستفادة من هذه الآية: الصم، البكم، الرجوع ...66
الآية 19...67
النقاط المستفادة من هذه الآية: السماء، الصيب، الظلمة، الرعد، البرق، الأصابع، الأذن، الصاعقة، الموت، الكفر ...67
الآية 20 ...69
النقاط المستفادة من هذه الآية البرق الظلمة النور، السمع، البصر .....69
الآية 21 ...72
النقاط المستفادة من هذه الآية: العبودية، الخلق، التقوى ......72
الآية 22
النقاط المستفادة من هذه الآية: الأرض، السماء، الأرض، الماء، الإنزال ،الثمرات، الند، العلم، الشرك ...77
الآيتان 23 و 24 ....80
النقاط المستفادة من هاتين الآية : الريب، النزول، العبد، السورة ،التحدي، الشهيد، الصدق، الفعل، النار، الوقود، الحجارة، الكفر، الناس .....81
الآية 25 ...87
خصائص نِعم الجنّة : ...87
النقاط المستفادة من هذه الآية :البشارة، الإيمان ،العلم، الصالح، الجنة، النهر ، الرزق ،الثمرات، الزوج، الخلد،...88
الآية 26 ...90
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحياء ،المثال ،البعوضة، الإيمان، العلم، الحق، الكفر، الإضلال، الهداية، الفسق...90
عجائب خلقة البعوضة من وجهة نظر الإمام الصادق عليه السلام...91
مثال بسيط لتعريف الهداية والضلال...93
الآية 27 ...94
الخاسرون الحقيقيون ...94
النقاط المستفادة من هذه الآية: العهد ،الميثاق، القطع، الوصل، الفساد، الأرض، الخسارة....94
النقاط المستفادة من هذا القسم: ...95
الآية 28 ...98
النقاط المستفادة من هذه الآية الكفر ، الموت الحيوة، الرجوع ...98
الآية 29 ...99
النقاط المستفادة من هذه الآية: الخلق، الأرض، الإستواء، السماء ...
السماوات السبع العلم ...99
الآية 30 ...103
النقاط المستفادة من هذه الآية: الملك، الأرض، الخليفة، الفساد، سفك ،الدماء، التسبيح، التقديس، العلم...103
معنى الخليفة ....103
الآيات 31 و 32 و 33 ...107
النقاط المستفادة من هذه الآيات : العلم، آدم، الملك، الإسم،الصدق، الحكمة، الغيب، السماء، الأرض...107
الآية 34 ...110
النقاط المستفادة من هذه الآية: الملك، السجدة ،الشيطان ،الإبليس ،الإستكبار، الكفر ...110
الآيتان 35 و 36 ...115
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: آدم ،الزوج، الزوجة، الجنة، الشجرة، الظلم، الهبوط، الأرض، القيامة، الحين....115
الآيات 37 و 38 و 39 ....120
النقاط المستفادة من هذه الآيات: اآدم ،التوبة، الرحمة، الهبوط، الهداية، الخوف، الحزن، الكفر ، الكذب النار، الخلود ...120
الآية 40 ....123
النقاط المستفادة من هذه الآية: بني اسرائيل، الذكر، النعمة، الوفاء، العهد، الرهبة ...123
الآية 41 و 42 ...125
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: الإيمان، النزول، الصدق، الكفر، الثمن، الشراء، التقوى ،اللباس، الحق، الباطل، الكتمان، العلم...125
الآية 43 ...127
النقاط المستفادة من هذه الآية: الصلوة، الزكوة، الركوع ...127
الآية 44 ...128
النقاط المستفادة من هذه الآية: البر، الامر بالمعروف ، الكتاب، التورات... 128
الآية 45....131
النقاط المستفادة من هذه الآية: الصبر، الصلوة، الخشوع ...131
الآية 46....133
النقاط المستفادة من هذه الآية: الظن ،الرجوع، لقاء الله ...133
نقاط مهمة في تعريف لقاء الله : ...134
الآية 47 ...135
النقاط المستفادة من هذه الآية: بني اسرائيل، الذكر، النعمة، التفضيل... 135
الآية 48 ...137
النقاط المستفادة من هذه الآية التقوى الجزاء، الشفاعة العدل ،النصر...137
التحقيق في منطق الوهابيين في مسألة الشفاعة ...144
الآية 49 ...146
النقاط المستفادة من هذه الآية : النجاة ،فرعون، العذاب، الذبح، الولد، النساء، البلاء ...146
الآية 50 ....148
النقاط المستفادة من هذه الآية : البحر، النجاة، فرعون .....148
الآيتان 51 و 52 ....149
أعظم انحرافات بني إسرائيل ...149
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: موسى، الوعدة، الظلم، العجل الشكر ، العفو ....150
الآية 53 ....151..
النقاط المستفادة من هذه الآية : موسى، التورات ،الهداية....151
الآية 54 ...153
النقاط المستفادة من هذه الآية : موسى، الظلم، العجل، التوبة، القتل ،الرحمة ...153
الآيتان 55 و 56 ....155
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: البعث ،الموت، الشكر .... 155
الآية 57 ...157
النقاط المستفادة من هذه الآية : الظلال، الغمة، المن، السلوى، الرزق ،الظلم...157
الآية 58 ...160
النقاط المستفادة من هذه الآية : القرية، الأكل، السجدة، حطة، الخطيئة، الأحسان .... 160
الآية 59 ...161
النقاط المستفادة من هذه الآية : الظلم، التبديل، التحريف، النزول، الظلم، السماء، الفسق ...161
الآية 60 ...162
قصّة انفجار عين الماء في الصحراء ....162
النقاط المستفادة من هذه الآية : موسى، السقى، العصا، الحجر، العين ،الأكل، الشرب، الرزق، الفساد ...162
الآية 61 ...165
النقاط المستفادة من هذه الآية : موسى، الطعام، الرزق، البقل، قثاء، فوم، العدس، البصل، الهبوط، مصر، الذلة السمكنة، الغضب، الكفر، القتل
الحق، العصيان ...165
الآية 62 ...167
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، الهداية ،النصارى، الصابئة ،الآخرة، الخوف، الحزن...167
سؤال مهم جداً (إيمان اليهود و النصارى):...168
الآيتان 63 و 64 ...170
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين : الميثاق، الطور، الذكر، التقوى ،الفضيلة، الرحمة، الخسارة ...170
الآية 65 ....173
النقاط المستفادة من هذه الآية: العلم، التعدي، السب، القردة، الإعجاز.....173
الآية 66 ...175
النقاط المستفادة من هذه الآية: النكال، الموعظة، التقوى ...175
الآيات من 67 وحتى 71 ...176
قصة بقرة بني إسرائيل:...176
نهاية قصة الذبح وأثر الإحسان بالوالدين: ...178
النقاط المستفادة من هذه الآيات: البقرة ،الفارض، البكر، الأمر، الصفراء، السرور، النظر، الهداية، الحرث، الحق، الذبح...180
الآيات من 72 و حتى 74 ...183
النقاط المستفادة من هذه الآيات: الكتمان ،القتل، الضرب، الحياة ،الموت، الآية، العقل، القساوة، الحجارة، النهر، الماء، الهبوط، الخشية
العمل، الغفلة ...183
الآيات 75 و 76 و 77 ...185
شأن نزول هذه الآيات :...185
النقاط المستفادة من هذه الآيات: الفرقة، الإيمان، التحريف، العلم، المحاجة، السر ...185
الآيتان 78 و 79 ...188
قصة نزول هاتين الآيتين: ...188
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين :العلم ،الكتاب ،التورات، الظن، الثمن، الكسب، الكتابة ...188
الآيات 80 و 81 و 82 .... 192
النقاط المستفادة من هذه الآيات: المس، النار ، العهد، العلم، السيئة، الخطيئة، الخلود، الإيمان، عمل، الصالح، الجنة، الخلود ......192
الآيات من 83 و حتى 86....195
شرح تاريخي لهذه الآيات: ...196
النقاط المستفادة من هذه الآيات :الميثاق ،بنی اسرائیل، العبد ،الوالدين، الإحسان، ذى القربى، اليتيم، المسكين، القول، الصلوة، الزكوة ...196
موارد تقريع هذه الآيات لليهود...200
الآيتان 87 و 88 ...201
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين:موسى، الكتاب، التورات، الرسالة، عيسى، مریم، روح القدس، الكذب، الكبر ،القتل، القلب، اللعن، الكفر،
الإيمان ...... 201
الآيتان 89 و 90 ...205
شأن نزول هاتين الآيتين ....205
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: الكتاب، التورات، الصدق، الكفر الغضب، العذاب ...207
الآيات 91 و 92 و 93 ...210
النقاط المستفادة من هذه الآيات: الإيمان، الكفر ، الحق، الصدق، القتل ،موسى، العجل، الظلم ،الطور، الميثاق، السمع، العصيان، العجل،
القلب...210
الآيات 94 و 95 و 96 ....213
النقاط المستفادة من هذه الآيات: الآخرة، الموت، الصدق، التمني،الظلم، الحيوة، الشرك، العمر، العذاب ،العمل ،...213
الآية 97 ...217
شأن نزول هذه الآية :...217
النقاط المستفادة من هذه الآية: جبرئيل، القلب، الصدق، الهداية البشارة، الإيمان ...217
الآية 98 ...219
النقاط المستفادة من هذه الآية : جبرئيل، ميكائيل، الكفر، العداوة ........219
الآيات 99 و 100 و 101 ...220
النقاط المستفادة من هذه الآيات: النزول، الكفر ، الفسق العهد، الإيمان، الرسالة، الصدق، الكتاب، التوراة، العلم ....220
الآية 102...222
قصة السحر في عصر سليمان :...222
النقاط المستفادة من هذه الآية :الشيطان، سليمان ،العلم، السحر، بابل، هاروت ،ماروت، الفتنة ،الكفر، المرء، الزوج، الزوجة، الضرر، النفع، الآخرة ...
223
الآية 103 .... 230
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، التقوى، العلم ...230
الآية 104 ...231
شأن نزول هذه الآية : ....231
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، الرعى ،النظر، السمع، الكفر، العذاب ...232
الآية 105...234
النقاط المستفادة من هذه الآية: الكتاب، الكفر، الشرك، الرحمة ،الفضل ...234
الآيتان 106 و 107...235
سبب نزول هاتين الآيتين: ...235
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: النسخ، الآية، القدرة، السماوات،
الأرض، الولاية النصر....235
الآية 108 ...241
قصة نزول هذه الآية ....241
النقاط المستفادة من هذه الآية : موسى، الرسالة ، الكفر، الإيمان، الضلال، السبيل،...241
الآية 109 ...244
النقاط المستفادة من هذه الآية: الكتاب، التوراة، الإنجيل، الإيمان، الكفر ،الحسد، الحق، العفو، الصفح، القدرة، أمر الله ...244
الآية 110....246
النقاط المستفادة من هذه الآية: الصلوة ،الزكوة، البصر، العمل ..... 246
الآيتان 111 و 112 ...247
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: الجنة، اليهود ،النصارى، البرهان ،الصدق، الأحسان، الخوف ، الحزن....247
الآية 113 ...249
قصة نزول هذه الآية ....... 249
النقاط المستفادة من هذه الآية: اليهود، النصارى، الكتاب، التوراة ،الإنجيل، الحكم، العلم، الإختلاف ...249
الآية 114 ...251
علّة نزول هذه الآية : ....251
النقاط المستفادة من هذه الآية: الظلم، المسجد، إسم الله، الخوف، الدنيا، الآخرة، العذاب ...252
الآية 115 ...254
سبب نزول هذه الآية: ...254
النقاط المستفادة من هذه الآية: المشرق، المغرب، وجه الله، العلم، الوسعة ..... 255
الآيتان 116 و 117
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: الولد، التسبيح، السماوات ،الأرض، كن فيكون، الأمر...257
الآية 118 ...261
النقاط المستفادة من هذه الآية: العلم الكلمة، الآية، الشبهه، القلب، اليقين ...261
الآية 119 ...264
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحق، البشارة، الإنذار، الجهنم، الجحيم، الرسالة، السؤال ...264
الآية 120....267
سبب نزول هذه الآية: ...267
النقاط المستفادة من هذه الآية: الرضاية، اليهود، النصراى، الهداية ،الهواء، الولاية، النصر ...267
الآية 121...270
روايات مختلفة في سبب نزول هذه الآية :...270
النقاط المستفادة من هذه الآية: الكتاب، التوراة، الإنجيل، الكفر، الإيمان ،الخسران، التلاوة، الحق....270
الآيتان 122 و 123...272
الآية 124 ...273
النقاط المستفادة من هذه الآية: ابراهيم، الإبتلاء، الإمامة، الذرية، الظلم،اليهود، النصارى، الفتنة، الذبح، القربان ،...273
الإمامة؛ أو منتهى السير التكاملي لإبراهيم: ...277
الآية 125 ....282
النقاط المستفادة من هذه الآية: البيت ،الكعبة، الأمنية، ابراهيم، الصلوة، الطواف، الركوع، السجود ...282
الآية 126 ....285
النقاط المستفادة من هذه الآية: ابراهيم، المكة، البلد ،الرزق، الثمرات ،الآخرة، الكفر ، العذاب، الجهنم، النار ...285
الآيات 127 و 128 و 129 ...287
النقاط المستفادة من هذه الآيات: ابراهيم، الكعبة، اسماعيل، السمع، البصر، المسلم، الأمة، التوبة، الرحمة، البعث، الآية، القرآن، الحكمة، الكتاب، التزكية، العزة، الحكمة... 287
الآية 130... 291
النقاط المستفادة من هذه الآية: ابراهيم ،الملة، السفاهة ف الدنيا، الآخرة، الصلاح....291
الآية 131 ...293
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإسلام ابراهيم اسماعيل ...............293
الآية 132 ...294
النقاط المستفادة من هذه الآية: ابراهيم، يعقوب، الموت، الإسلام ....... 294
الآيتان 133 و 134 ...295
قصة نزول هاتين الآيتين....295
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: يعقوب ،الموت، العبادة، ابراهيم ،اسماعیل، اسحاق، العمل، الأمة، الكسب ...295
الآيات 135 و 136 و 137 ...297
قصة نزول هذه الآيات ...297
النقاط المستفادة من هذه الآيات: اليهود، النصارى، الهداية، ابراهيم ،الشرك، الحنيف، الإيمان، اسماعیل، اسحاق، يعقوب، الأسباط،موسی،عيسى، الإسلام، الشقاق...298
الآية 138...301
قصة نزول هذه الآية :...301
النقاط المستفادة من هذه الآية : صبغة الله، العبودية ...301
الآية 139 ...303
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإحتجاج، العمل، الإخلاص ....303
الآية 140...304
النقاط المستفادة من هذه الآية: ابراهيم، اسماعيل، اسحاق، یعقوب، الأسباط، اليهود، النصارى، العلم، الظلم، الشهادة، الغفلة، العمل .... 304
الآية 141 ...305
النقاط المستفادة من هذه الآية: الأمة ،الكسب، السؤال، العمل ..... 305
الآية 142 ....306
قصّة نزول هذه الآية ....306
النقاط المستفادة من هذه الآية: السفاهة، الولاية، المشرق، المغرب ،الهداية، الصراط ،المستقيم ...307
الآية 143 ...309
النقاط المستفادة من هذه الآية: الأمة، الشهادة، القبلة، الرسالة، الإنقلاب ،الهداية، الإيمان، الرحمة ...310
الآية 144....315
علّة نزول هذه الآية : ....315
النقاط المستفادة من هذه الآية: السماء، الولاية، القبلة، المسجد الحرام ،الكعبة، الكتاب، التوراة ،القرآن، الحق، الغفلة، العمل ...316
الآية 145 ...319
النقاط المستفادة من هذه الآية :الكتاب، الآية، القبلة، الهواء، العلم، الظلم ...319
الآية 146...322
النقاط المستفادة من هذه الآية :الكتاب ،التوراة، الإنجيل، القرآن، العرفان ،الأولاد، الكتمان، الحق، العلم ...322
الآية 147 ....324
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحق ..المرية ...324
الآية 148...325
النقاط المستفادة من هذه الآية :الوجه، السبقة، الخيرات، الآخرة، القدرة .....325
الآية 149 ...327
النقاط المستفادة من هذه الآية: المسجد الحرام، الكعبة، الحق، الغفلة ...327
الآية 150 ...328
النقاط المستفادة من هذه الآية: المسجد الحرام، الكعبة، الظلم، الخشية، الخوف، النعمة، الهداية ...328
الآية 151....330
النقاط المستفادة من هذه الآية: الرسالة، الآية، التزكية، الكتاب، الحكمة، العلم ....330
الآية 152 ....334
النقاط المستفادة من هذه الآية: الذكر ،الشكر، الكفر ....334
الآية 153 ...337
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، الإستعانة، الصبر، الصلوة ... 337
الآية 154 ...339
النقاط المستفادة من هذه الآية: القتل ،الموت، الشهادة، الحيوة ....... 339
كيف هي حياة الشهداء الخالدة؟ ...340
الآية 155...342
النقاط المستفادة من هذه الآية: الخوف، الجوع، المال، النفس، الثمرات، الصبر، الإبتلاء، الفتنة ...342
الآية 156 ...347
شأن نزول هذه الآيات :...347
النقاط المستفادة من هذه الآية : المصيبة، الرجعة...348
الآية 157...350
النقاط المستفادة من هذه الآية: الصلوة، الرحمة، الهداية....350
الآية 158 ....352
مقدّمة في تاريخ الصفا والمروة: ...352
سبب نزول الآية:... 353
النقاط المستفادة من هذه الآية : الصفا، المروة، شعائر الله، الحج، العمرة، الطواف، الشكر ...354
الآية 159 ...360
شأن نزول الآية ..... 360
النقاط المستفادة من هذه الآية :النزول، الكتمان، الهداية، الكتاب ،القرآن، اللعن ...360
الآية 160...364
النقاط المستفادة من هذه الآية: التوبة ،الصلاح، الرحمة .....364
الآيتان 161 و 162.... 365
النقاط المستفادة من هاتين الآيتين: الكفر، الموت، اللعن، الملک ،الخلود، العذاب، التخفيف ...365
الآية 163 ....367
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإله، الرحمن، الرحيم، التوحيد .... 367
الآية 164 ...368
النقاط المستفادة من هذه الآية: السماوات، الأرض، الليل،النهار، الفلك، البحر، السماء، الحيوة، الأرض، الموت، الدابة، الريح، السحاب، الآية .. 369
الآية 165... 372
النقاط المستفادة من هذه الآية: الند، المحبة، الأيمان، الظلم، العذاب... 372
الآية 166 ...374
النقاط المستفادة من هذه الآية: البرائة، العذاب، الإتباع، الأسباب ..... 374
الآية 167 ... 375
النقاط المستفادة من هذه الآية البرائة العمل، الحسرة، النار ...... 375
الآية 168...377
النقاط المستفادة من هذه الآية: الأكل، الأرض، الحلال، الإتباع ،الخطوة ،الشيطان، العداوة ...377
الآية 169 ...380
النقاط المستفادة من هذه الآية: الأمر، السوء، الفحشاء، العلم ......380
الآية 170 ....384
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإتباع، النزول، الأب، العقل، الهداية.... 384
الآية 171 ....386
النقاط المستفادة من هذه الآية :الكفر، السمع، الدعاء، الصم ،البكم ،العمى، العقل ...386
الآية 172... 388
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان ،الأكل، الرزق، الشكر، العبودية ... 388
الآية 173.... 390
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحرمة، الميتة، الدم ،اللحم، الخنزير ،الحرام، الإضطرار، البغى، الإثم، الغفران، الرحمة ...390
الآية 174 ...396
النقاط المستفادة من هذه الآية: الكتمان، النزول، الكتاب، القرآن، الأكل، البطن، النار، الكلام، التزكية، العذاب ...396
الآية 175 ...399
النقاط المستفادة من هذه الآية :الضلالة، الهداية، العذاب، المغفرة ،
الصبر، النار...399
الآية 176....401
النقاط المستفادة من هذه الآية: النزول الكتاب، القرآن، الحق، الإختلاف ،الشقاق ...401
الآية 177 ...402
قصة نزول هذه الآية :...402
النقاط المستفادة من هذه الآية :المشرق، المغرب، الإيمان، الآخره ،الملک، الکتاب، الرسالة ،النبوة، المال، ذى القربي، اليتيم، المسكين، الزكوة، الوفاء، الصبر، البأساء، الضراء، الصدق، التقوى....403
الآية 178 ...407
شأن نزول هذه الآية ...... 407
النقاط المستفادة من هذه الآية: القصاص، الحر، العبد، الأنثى، العفو، المعروف، الرحمة، التعدي، العذاب ...407
الآية 179...410
النقاط المستفادة من هذه الآية: القصاص، الحيوة، العقل، التقوى ....... 410
الآية ....180.... 417
النقاط المستفادة من هذه الآية: الموت، الوصية، الوالدين، الحق ،التقوى ...417
الآية 181 ....420
النقاط المستفادة من هذه الآية :التبديل ،السمع، الإثم، العلم....420
الآية 182 ...421
النقاط المستفادة من هذه الآية: الخوف، الوصية، الجنف، الإثم، الإصلاح، الغفران، الرحمة ...521
الآية 183 ...425
النقاط المستفادة من هذه الآية :الإيمان، الصوم ،التقوى ،....425
الآية 184 ...431
النقاط المستفادة من هذه الآية: الصوم ،المرض، السفر، الطعام، الفدية، المسكين، العلم، التطوّع ...431
الآية 185... 433
النقاط المستفادة من هذه الآية: رمضان، القرآن، الهداية، الفرقان ،الشهادة، الصوم، ...433
الآية 186....437
شأن نزول هذه الآية : ....437
النقاط المستفادة من هذه الآية: السؤال، العبادة، القربة، الجواب، الدعاء، الإستجابة، الإيمان، الرشد...437
الآية 187 ...444
علّة نزول هذه الآية : ....444
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحلال، الصوم، الرفث ،النساء، الباس، الخيانة، التوبة، العفو، المباشرة، الأكل، الشرب، الخيط، الأبيض، الخيط الأسود، الفجر، الليل، المسجد، حدود الله، التقوى... 445
الآية 188 ...450
النقاط المستفادة من هذه الآية: الأكل، الباطل، الحق، المال، الإثم، العلم ....450
نماذج من الأحاديث والروايات عن الرشوة وأنواعها...452
الآية 189.....454
علة نزول هذه الآية:... 452
النقاط المستفادة من هذه الآية: السؤال، الأهلة، الميقات، الحج، البر، البيت، التقوى ،الباب، الفلاح ...454
الآية 190 ....458
قصّة نزول هذه الآية :. ...458
النقاط المستفادة من هذه الآية :القتل، سبيل الله، التعدى، المحبّة .... 458
الآية 191 ...461
علّة نزول هذه الآية ......461
النقاط المستفادة من هذه الآية: القتل، الفتنة ،المسجد الحرام، الكعبة، الكفر ....461
الآية 192 .... 464
النقاط المستفادة من هذه الآية: الغفران، البشارة، الإنذار، الرحمة ........ 464
الآية 193 ...465
النقاط المستفادة من هذه الآية: القتل الفتنة الدين، العداوة، الظلم .. 465
جواز الجهاد لعدة أهداف ...466
الآية 194...468
النقاط المستفادة من هذه الآية: الشهر الحرام، الحرمة، القصاص، التعدى، التقوى، العلم ...468
الآية 195 ...471
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنفاق، سبيل الله، الهلاكة، الإحسان ،المحبة ...471
الآية 196 ...475
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحج، العمرة، الحلق، الهدى، الرأس ،المريض، الأذى، الصوم، الصدقة، النسك، المسجد الحرام، التقوى،
العقاب...475
الآية 197...479
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحج ، الرفث، الفسق، الجدل، العمرة، العلم، التقوى، خيرالزاد ...479
الآية 198...482
النقاط المستفادة من هذه الآية: الفضيلة، العرفة، الذكر، المشعر، الهداية
الضلالة ......482
الآية ...487
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإستغفار، الحج، العمرة، الغفران ،الرحمة ...487
الآية 200...488
سبب نزول هذه الآية:... 488
النقاط المستفادة من هذه الآية المناسك الذكر، الأب، الدنيا، الاخرة... 488
الآية 201 ...490
النقاط المستفادة من هذه الآية: الدنيا، الآخرة، الحسنة، العذاب ،النار.... 490
الآية 202 ...492
النقاط المستفادة من هذه الآية :الكسب، الحساب....492
الآية 203 ...494
النقاط المستفادة من هذه الآية: الذكر، التعجيل الإثم، التقوى، الحشر، العلم ....494
الآية 204 ...496
سبب نزول الآية :... 496
النقاط المستفادة من هذه الآية: الناس، العجب، الحيوة، الدنيا، الشهادة ،القلب، الخصومة ...496
الآية 205 ....498
النقاط المستفادة من هذه الآية: الفساد، الهلاك ،الحرث ،النسل ،المحبة...498
الآية 206 ...499
النقاط المستفادة من هذه الآية: التقوى، العزة، الإثم، جهنم، المهاد ..... 499
الآية 207 ...500
سبب نزول هذه الآية :... 500
النقاط المستفادة من هذه الآية: الناس مرضات ،الله، الرأفة، العباد .... 501
الآية 208 ...504
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإسلم ،الخطوة، الشيطان، العداوة...504
الآية 209 ...507
النقاط المستفادة من هذه الآية البيّنة، العزة، الحكمة، العلم، الزلل...507
الآية 210 ...508
النقاط المستفادة من هذه الآية: النظر الظل الغمام، الملك ، الأمر ..... 508
الآية 211 ...511
النقاط المستفادة من هذه الآية : بنى اسرائيل البينة النعمة، العقاب... 511
الآية 212...513
قصة نزول هذه الآية ....... 513
النقاط المستفادة من هذه الآية: الكفر ،الحياة، الدنيا، الإستهزاء، الإيمان، التقوى، القيامة، الرزق، الحساب... 513
الآية 213 ...515
النقاط المستفادة من هذه الآية: الأمة، البعث، النبوة، البشارة، الإنذار، الكتاب ،القرآن، الحق، الحكم، الإختلاف، البينة، البغي، الهداية، الإيمان
الصراط المستقيم ...515
الآية 214 ...520
شأن نزول هذه الآية ....520
النقاط المستفادة من هذه الآية: الجنة، البأساء، الضراء، الزلزال، الرسالة، الإيمان، النصر ...520
الآية 215 ...523
شأن نزول هذه الآية : ...523
النقاط المستفادة من هذه الآية: السؤال ،الإنفاق، الوالدين، الأقربين ،اليتيم، المسكين، ابن السبيل، الخير، العلم ...523
الآية 216
النقاط المستفادة من هذه الآية: القتال، المكروه، الخير، المحبة، الشر ،العلم ....526
الآية 217 ...529
شأن نزول هذه الآية .......529
النقاط المستفادة من هذه الآية: الشهر الحرام، القتال، سبيل الله، الكفر ،المسجد الحرام، الكعبة، الفتنة، القتل، الإرتداد. الفكر، الحبط، الدنيا ،الآخرة، النار، الخلود ...530
الآية 218 ...533
شأن نزول هذه الآية : ....533
النقاط المستفادة من هذه الآية :الإيمان، الهجرة، الجهاد، سبيل الله الرجاء، الرحمة، المغفرة، الرحمة ...533
الآية 219 ...535
شأن نزول هذه الآية .......535
النقاط المستفادة من هذه الآية: الخمر الميسر، الإثم، المنفعة، الإنفاق، العفو، الآية، الفكر...535
ألف: آثار المسكر على العمر: ..538
ب: آثار الخمر على التناسل :...539
ج: آثار الخمر على الأخلاق:...539
د: الأضرار الاجتماعية للخمر:...539
ه- : الأضرار الاقتصادية للمشروبات الكحولية:...540
ألف: القمار أكبر عوامل الإثارة :...541
ب: علاقة القمار بالجرائم: ....542
ج: الأضرار الاقتصادية للقمار: ...542
د: الأضرار الاجتماعيّة للقمار:...542
الآية 220 ...545.
شأن نزول هذه الآية ....545
النقاط المستفادة من هذه الآية: الدنيا، الآخرة، اليتيم، الأخوة، الفساد، الإصلاح، الغنى، الفقر، العزة، الحكمة....546
الآية 221...549
شأن نزول هذه الآية :....549
النقاط المستفادة من هذه الآية: النكاح، الشرك، الإيمان، الأمة، النار، الجنة، المغفرة، الآية، الذكر...549
الآية 222 ...553
شأن نزول هذه الآية : ...553
الآية 223 ...557
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحيض، الأذى، النساء، الطهر التوبة... 557
النقاط المستفادة من هذه الآية: النساء، الحرث، التقوى ،الإيمان ،البشارة ...557
الآية 224 ...560
شأن نزول هذه الآية .....560
النقاط المستفادة من هذه الآية :اليمين التقوى، الإصلاح، السمع، العلم ....560
الآية 225...562
النقاط المستفادة من هذه الآية: اللغو، اليمين، القلب، المؤاخذة، الغفران، الحلم ،...562
الآية 226 ،....564
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيلاء ،النساء، الشهر، الوفاء، الغفران، الرحمة...564
الآية 227 ...566
النقاط المستفادة من هذه الآية: العزم الطلاق، السمع، البصر ..... 566
قصة معاناة المرأة عبر التأريخ....567
النقاط المستفادة من هذه الآية: الطلاق، القرء، الرحم، الإيمان، البعل، الزوج، الإصلاح، المعروف، الرجال، العزة، الحكمة، النساء...... 569
الآية 229 ...575
شأن نزول هذه الآية:... 575
النقاط المستفادة من هذه الآية: الطلاق، الإمساك، المعروف، التسريح، الإحسان الخوف، حدود الله الفدية، التعدي، الظلم النساء .....575
الآية 230 ...580
شأن نزول هذه الآية ... 580
النقاط المستفادة من هذه الآية: الطلاق، الحلال، النكاح الطلاق الرجوع الظن، حدود الله العلم النساء ...580
الآية 231....584
النقاط المستفادة من هذه الآية: الطلاق النساء، الإمساك، السرح المعروف ،الضرر التعدي الظلم، الآية، الإستهزاء، الذكر، النعمة الكتاب ،القرآن الحكمة، الموعظة، التقوى العلم ...584
الآية 232 ...586
شأن نزول هذه الآية ....586
النقاط المستفادة من هذه الآية الطلاق النساء، الأجل، النكاح، الرضاية، المعروف، الموعظة، الإيمان، الآخرة، التزكية، الطهر العلم....586
الآية 233 ...589
النقاط المستفادة من هذه الآية: الوالدين ،الوالدات، الرضاع، الأولاد، الحول، الولد، الرزق، الكسوة، المعروف ، الضرر، الإرث، الطلاق، الرضاع،
التسليم، التقوى، العلم ...589
الآية 234 ...593
النقاط المستفادة من هذه الآية: الموت، الزوجة، العدة، المعروف، العلم ....593
الآية 235 ....595
النقاط المستفادة من هذه الآية النساء، النكاح، السر، المعروف، القول، الأجل، العلم، الغفران، الحلم ...595
الآية 236....598
النقاط المستفادة من هذه الآية: الطلاق، النساء، المس، الفريضة، المتعة، الفقر، الغنى، المعروف، الحق، الإحسان ...598
الآية 237 ...601
النقاط المستفادة من هذه الآية :الطلاق، النساء، المس، الفريضة، العفو، النكاح، التقوى، النسيان، الفضل، العلم... 601
الآية 238 ...603
شأن نزول هذه الآية: ...603
النقاط المستفادة من هذه الآية: الصلوة، الصلوة، الوسطى، القيام، القنوت ...603
الآية 239... 605
النقاط المستفادة من هذه الآية: الخوف، الركبان، الرجال، الأمن، الذكر، العلم....605
الآية 240 ...607
النقاط المستفادة من هذه الآية: الموت، الوصية، الزوجة .....607
الآية 241 ...609
النقاط المستفادة من هذه الآية: الطلاق، المعروف، التقوى ...609
الآية 242 ....610
النقاط المستفادة من هذه الآية: البيان، الآية، العقل...610
الآية 243 ...612
شأن نزول هذه الآية ....612
النقاط المستفادة من هذه الآية: الخروج، الموت، الحياة، الفضل، الشكر، الناس ...612
الآية 244 ...616
النقاط المستفادة من هذه الآية: القتال، سبيل الله، العلم، السمع، البصر....616
الآية 245....617
شأن نزول هذه الآية: ....617
النقاط المستفادة من هذه الآية: القرض، اضعاف، القبض، البسط، الرجوع...617
الآية 246 ...620
النقاط المستفادة من هذه الآية: بني اسرائيل، موسی، النبوة، الملک ،القتال، الديار، الأولاد، الظلم، العلم ....620
الآية 247 ....626
النقاط المستفادة من هذه الآية: النبوة، طالوت الملک، المال، الإصطفاء، العلم، الجسم ...626
الآية 248 ...629
النقاط المستفادة من هذه الآية: التابوت، السكينة، موسى، هارون،الملک، الآية، الإيمان، النبوة ...629
الآية 249 ...633
النقاط المستفادة من هذه الآية: طالوت، الجنود، الإبتلاء، الفتنة، النهر ،الشرب، الإغتراف، جالوت، الظن، اذن الله، الصبر...633
الآية 250 ...636
النقاط المستفادة من هذه الآية: جالوت ،الصبر، القدم، الثبت، النصر،
الكفر ...636
الآية 251 ...637
النقاط المستفادة من هذه الآية: اذن الله ، داود، جالوت، الملک، الحکمة، التعليم ،الفساد، الأرض....637
الآية 252 ...641
النقاط المستفادة من هذه الآية: الآية، الحق، الرسالة...641
الآية 253 ...642
النقاط المستفادة من هذه الآية: الرسالة، التفضيل، الكلام، الترفيع، عيسى، مريم، روح القدس، القتال، البيّنة، الإختلاف، الكفر....... 642
الآية 254 ...647
النقاط المستفادة من هذه الآية: القرض، القبض، البسط...647
الآية 255 ...650
مقدمة في بيان ثمانية أحاديث في فضيلة آية الكرسي الجليلة.... 650
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحى، القيام، سنة، النوم، السماوات، الأرض، الشفاعة، الإذن، العلم، الإحاطة، الكرسي، العلي، العظمة..... 652
الآية 256...664
شأن نزول هذه الآية :... 664
النقاط المستفادة من هذه الآية :الكره، الرشد، الغي، الكفر، الطاغوت، الإيمان، العروة، الوثقى، الإستمساك، الإنفصام، السمع، العلم .......664
الآية 257...669
النقاط المستفادة من هذه الآية: الولاية، الإيمان، الظلمات، النور، الكفر ،الطاغوت، النار، الخلود ...669
الآية 258 ...671
النقاط المستفادة من هذه الآية: إبراهيم ،الملك، الحياة، الموت
الشمس، المشرق، المغرب، البهت، الكفر ، الهداية، القوم، الظلم .....671
الآية 259...676
شأن نزول هذه الآية: ...676
النقاط المستفادة من هذه الآية :قرية، الخاوية، العرش، الحياة، الموت، العام ،اليوم، الطعام، الشراب، السن، الحمار، الآية، العظام، الكسوة، اللحم، العلم، القدرة....677
الآية 260....682
علة نزول هذه الآية وقصتها: ...682
الآية 261 ...689
النقاط المستفادة من هذه الآية :ابراهيم، الحياة، الموت، الإيمان، الامطئنان القلب الطير، الدعاء، الجبل، العزة، الحكمة ....689
النقاط المستفادة من هذه :الآية ،الإنفاق، سبيل الله، الحبة ،السنبلة ،العلم ....689
الآية 262 ...692
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنفاق، سبيل الله، المال، الإتباع، الأذى، الخوف، الحزن ...692
الآية 263 ...695
النقاط المستفادة من هذه الآية القول، المعروف، المغفرة، الصدقة ،الأذى، الغنى ....695
الآية 264 ...698
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان الإبطال، الصدقة، المن، الأذى، الإنفاق الريا، صفوان التراب الوابل، الأكل، الكسب، الهداية، الكفر .. 698
الآية 265...700
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنفاق، المال ،مرضات الله، الجنة، الوابل، الأكل، الطل، العمل، البصر ...700
الآية 266 ...702
النقاط المستفادة من هذه الآية : الجنة، النخيل، العنب، النهر، الثمرات، الكبر، الأولاد ،الضعيف، النار، الفكر ...702
الآية 267 ...704
شأن نزول هذه الآية :....704
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، الإنفاق، الطيب، الكسب،الإرض، التيمم، الخبيث، الإنفاق، الغمض، الغنى ...704
الآية 268 ...708
النقاط المستفادة من هذه الآية : الشيطان، الوعدة الفقر، الفحشاء ،المغفرة، الفضل، الوسع، العلم...708
الآية 269 ...711
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحكمة ،الخير الذكر ، اللبّ .....711
الآية 270 ....713
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنفاق النذر العلم، الظلم، النصر ....713
الآية 271 ...715
النقاط المستفادة من هذه الآية ،الصدقة ،الخفا ،الفقر، السيئة، الكفارة... 715
الآية 272 ....717
شأن وقصة نزول هذه الآية :...717
النقاط المستفادة من هذه الآية: الهداية: الإنفاق، وجه الله، الخير، الوفى، الظلم...717
الآية 273 ....722
شأن نزول هذه الآية ... 722
النقاط المستفادة من هذه الآية: الفقر، الحصر، سبيل الله، الإستطاعة، الضرب ،الجهل، الغنى، العفاف، السؤال، الإنفاق...722
الآية 274 ...725
شأن نزول هذه الآية : ...725
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنفاق، المال، الليل، النهار، السرّ، العلن، الأجر، الخوف، الحزن ...725
الآية 275 ...727
النقاط المستفادة من هذه الآية: الأكل، الربا، القيام، الخبط، الشيطان، المس، البيع، الحلال، الحرام، الموعظة، النار، الخلود ...727
الآية 276 ....732
النقاط المستفادة من هذه الآية: الربا، الصدقة، المحبة، الكفر، الإثم ...732
الآية 277 ...734
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، العلم، الصلوة، الزكوة، الأجر، الخوف، الحزن....734
الآية 278 ...735
شأن نزول هذه الآية .....735
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، التقوى، الربا .... 735
الآية 279 ...737
النقاط المستفادة من هذه الآية: الحرب، الربا، التوبة، المال، الظلم.... 737
الآية 280 ...739
النقاط المستفادة من هذه الآية العسر النظرة اليسر، الصدقة، الخير... 739
الآية 281.... 740
النقاط المستفادة من هذه الآية: التقوى، الرجعة، الموت، الكسب، الظلم ...740
الآية 282...743
تعاليم وتعاليل الآية :...744
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، الدين، الأجل، الكتابة، العدل الحق، التقوى، البخس، ،السفة، الضعف، الإستطاعة، المل، الولاية،
الشهادة، الرجل، النساء ،المرأة، الضلال، الذكر، الدعاء، القيام، القسط، الربا، التجارة ،البيع، الضرر الفسق ....748
الآية 283 ...751
النقاط المستفادة من هذه الآية: السفر، الكتابة، الرهن، الأمانة، التقوى، الكتمان، الشهادة، الإثم، العمل ...751
الآية 284 ...754
النقاط المستفادة من هذه الآية: السماوات، الأرض، الخفي، الحساب ،المغفرة، العذاب، القدرة ...... 754
الآية 285...756
شأن نزول هذه الآية:...756
الآية 286 ...758
النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، النزول، الملک، الکتاب، القرآن ،الرسالة، الفرق، السمع، الإطاعة، المغفرة، المصير ...756
النقاط المستفادة من هذه الآية: التكليف، الوسع الكسب، النسي، الخطأ، الإصر، الطاقة، العفو، المغفرة ، الرحم ، المولى، النصر ، الكفر .... 758
الموضوعات....765
فهرس المحتويات...781