ghaemiyeh.com
نوادی المخلوطا العربیة
مثالب النواصب
او الصوالب القواصب في مطاعن النواصب
تأليف الحافظ الشهير شمس الإسلام رشيد الدين
محمد بن على بن شهر آشوب بن أبي نصر بن أبي الجيش المازندرانی الى السروى
المتوقى سنة 588 ه
تحقيق دار الوفاق الوطني ببغداد
المخطوطات العربية
حقوق الطبع ومحفوظة
الطبعة الأولى
1436 ه
محرر الرقمي: محمد مبين روزبهاني
الجزء الثالث
إلى من ظلمتهم السقيفة رسول الله الأكرم وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين وإلى شيعتهم الطيبين ...
اضداد شعبة التحقیق
قسم الشوون لفکریته و الثقافیة
دار الوفاق الوطني ببغداد
ISBN 978-9933-489-35-9 رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق - وزارة الثقافة العراقية لسنة 2015: 34876.
4893591 9789953 و الرقم الدولي: 9789933489359
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام و أهله و تذل بها النفاق و أهله و تجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك و القادة إلى سبيلك و ترزقنا بها كرامة الدنيا و الآخرة اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه و ما قصرنا عنه فبلغناه اللهم المم به شعتنا و اشعب به صدعنا و ارتو به فتقنا و كثر به قلتنا و أعزز به ذلتنا و أغن به عائلنا و اقض به عن مفرمنا و اجبر به فقرنا و سد به خلتنا و پسر به عسرنا و بیض به وجوهنا و فك به أسرنا و أنجح به طلبتنا و أنجز به مواعيدنا و استجب به دعوتنا و أعطنا به سؤلنا و بلغنا به من الدنيا و الآخرة آمالنا و أعطنا به فوق رغبتنا يا خير المسئولين و أوسع المعطين اشف به صدورنا و أذهب به غيظ قلوبنا و الهدنا به لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم و انصرنا به على عدوك و عدونا إله الحور آمين. اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه و آله و غيبة ولينا وكثرة عدونا و قلة عددنا وشدة الفتن بنا و تظاهر الزمان علينا فصل على محمد و آله و أعنا على ذلك بفتح منك تعجله و بضر تكشفه و نصر تعزه و سلطان حق تظهره و رحمة منك تجللناها و عافية منك تلبسناها برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عن الباقر (علیه السّلام) في قوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى(1)الاول والثانى واتباعها انما يتذكر اولوالالباب الائمة الذين غرس في قلوبهم العلم من ولد آدم.
وعنهما (علیهما السّلام) انه قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من يقبل منكم وصيتى ويوازرني على امرى ويقضى ديني وسينجز عداتى من بعدى ويقوم مقامى والخليفة من بعدى في امتى يعلمهم من تاويل القرآن ما لم يعلموا ، اعادها ثلاثا فقال الاول والثاني لسلمان ماذا يقول محمد آنفا فقام اليه اميرالمومنين فضمه الى صدره وقال انت لها يا على فانزل الله وَ
1) الرعد : 19.
مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنفاً أُولئِكَ الَّذينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم(1). فى فتيا الجاحظ وتفسير الثعلبى والبلخى والقشيرى والطوسي والنقاش وكتاب ابن بطة انه سئل العتيق عن قوله فاكِهَةً وَ أَبا(2)فقال اية سماء تظلنى ام اى ارض ثقلنی ام این اذهب كيف اصنع اذا قلت في كتاب الله ما لا اعلم اما الفاكهة فاعرفها واما الاب فالله اعلم .
وفي رواية اهل البيت انه بلغ ذلك امیرالمومنین فقال ان الاب هو الكلا والمرعى وانم قوله فاكهة وابا اعتذار من الله على خلقه فيما اعدلهم به وخلقه لهم ولا لغامهم مما يجيئ به انفسهم .
قال النظام ثم سئل عن الكلالة فقال اقول فيها برائى فان اصبت فمن الله فان اخطأت فمنى ومن الشيطان الكلالة دون الولد والوالد.
وقوله هنا خلاف قوله هناك فكيف يجوز ان يحكم فى الاموال وحقوق المسلمين برأى لا يدرى صاحبه بعلى فيه مخطئ .
ومن استعظم القول بالراى ذلك لاستعظام لم يقدم على القول هذا الاقدام .
وحديث الكلالة رواه الغزالي في المستصفى.
ولما اراد العتيق ان يجمع ما تهيأ له من القرآن صرخ مناديا في المدينة من كان عنده شيئ من القرآن فلياتنا به ثم قال ولا يقبل من احد شيئا الا بشاهدى عدل وهذا مخالف
لقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْل هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهيرا(1)فان كان الرجل وصاحبه جهلاء هذا من القرآن وضنا انه يجوز لاحد من الناس ان ياتي بمثله فذلك غاية الجهل ومن حل هذا المحل لا يجوز ان يحكم بين المسلمين فضلا عن منزلة الامامة فان كانا علما ذلكک من كتاب الله فلم يصدقا اخبار الله تعالى فيه ولم يثقابحكمه فى ذلك فهو افضح وهذا يلزم انهما لم يكونا عالمين بتنزيل القران لانهما لو كانا عالمين لم يحتاجا ان يطلباه من غيرهما ببينة عادلة واذ لم يعلما التنزيل كان محالا ان يعلمه التاويل ومن لم يعلمها كان جاهلا باحكام الدينو حدود ما انزل الله على رسوله ومن كان بهذه الصفة لا يصلح للامامة وانما قصد لجمعه سببا لترک قبول مصحف على (علیه السّلام) لكل لا يظهر على ما ارتكباه من الاستيلاء.
ثم انهما احتاجا الى زيد بن ثابت حتى يجمعه من الرقاع والاكتاف والعسب واللجاف وهى الحجارة وصدور الرجال وفقد زيد آيات من كتاب الله فما وجدها الا عند خزيمة بن ثابت وهى لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظيمِ(2)وغیر ذلک. رواه البخاري والطبری.
فقال قوم هذا لا يصلح ان يكون خليفة في الارض ويجلس في مجلس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ويتصدر بحيث ينوب مناب المعصوم من الخطاء والزلل ولا يحفظ القرآن ومن لم
يحفظه فاحرى ان لا يعرف الحكم بتاويله وينزل به الاحكام فيقول ما اعرف حتى اسأل الناس .
وقد اقررتم بقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سائل من يأم الناس فقال اقرئهم بكتاب الله الخبر.
وقد اقررتم ايضا انه لم يستتم القرآن كله فكيف يكون فقيها وكيف يقرف بين المحكم والمتشابه من لا يقراء التنزيل كله ومن لا يعلم التنزيل كيف يعرف التاويل ويقول في الكلالة ما قد عرفتموه و کذلک صاحبه.
ورووا بان عتيقا قال فى الكلالة ما اراها الا ما لم يكن ولد ولا والد .
وفى رواية اللهم انى لا اعلم الا ان لا يكون الوالدان والولد.
وقال عمر اخرج من الدنيا ولا اعرف الكلالة .
وفي رواية لا اراني افهمهما ابدا.
رووا جمعا بلا خلاف عن العتيق انه قال فى وقت وفاته وددت انى سالت رسول الله عن الكلالة ما هى وعن الجد ما له من الميراث وعن هذتا الامر لمن هو فكان لا ينازع فيه.
وهذا قول جاهل باحكام الدين فلقد شهر نفسه بالجهل فى الشريعة واحكامها ومن كان جاهلا ثم يحكم بين الناس بما لا يعلمه يستحق قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(1).
1) المائدة: 44.
ثم انه اقر وشهد بان الأمر لغيره وانهد لا حق فيه لانه لو كان له فيه حق لكان قد علمه من الله ومن رسوله فغصب حق غيره من الأمر الدينى والدنياوى عامدا وذلك هو الكفر بعينه.
ثم انه كان اصم اعمى عن خبر يوم الغدير والمباهلة وتبوك وغيرها.
وقال بعض اهل اللغة الكلالة من الكلل وذلك ماخوذ من الاكليل فتكلكل القرابة حوالى الميت فيورث منهم اقربهم اليه تكليلا.
والصحيح ان الكلالة ماخوذ من الكل من قولك فلان كل على فلان قوله وهو كل على مولاه وكلف من يقرب الى الميت بنفسه من غير ان يتقرب اليه بغيره فليس هو من الكلالة وكل من يتقرب الى الميت بغيره فهو كل على من يتقرب به الى الميت فذلك هو الكلالة.
وفي خصال الملوک عن موسى بن عيسى انه قد خطب اول ما بويع فقال ان هذا مقام نعد له كلاما فسوف نعد له كلاما ونزل.
وروى ابن قتيبة انه قال انكم تكلفونى ما كان يقول به رسول الله عجزت عنه فان الرسول كان ياتيه الوحى من الله وكان موفقا مسدودا وانا اقول من عند نفسى فان اصبت فمن الله ومن رسوله وان اخطأت فمن نفسى فراؤا ذلك منه فضلا ومن كان يقول عن نفسه من غير كتاب ولا سنة فهو اجهل الجاهلين وما حاجته ان يقول من عند نفسه والله تعالى يقول الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(1)ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ
1) المائدة: 3.
مِنْ شَيْءٍ(1)وَ انَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ(2). فاذا كان الله تعالى اكمل الدين ولم يفرط فى الكتاب والكتاب تبيان لكل شيئ فقد جمع الله العلم في كمال الدين والكتاب المبين. ولكن الشان فيمن يعرفه ثم انه ما يقول من نفسه اما كان من الدين او من غيره فان كان من الدين فيلزم ان الله تعالى بعث رسوله بشريعة ناقصة حتى تمم العتيق بخطاء او صواب وان كان ما يقوله من غير الدين فما حاجتنا اليه واذا لم يكن من الدين فهو البدعة وكل بدعة ضلالة. وفى تاريخ الطبرى عن سفيان عن مسعر قال لما ولى ابوبكر قال له ابوعبيدة انا اکفیک المال یعنی الجزاء وقال له عمر انا اکفیک القضاء فمكث به زمانا لا ياتيه رجلان .
وقد روت العامة والخاصة انه اراد ان يقم الحد على رجل شرب الخمر فقال الرجل ان شربتها ولا علم لى بتحريمها ما ربح عليه فارسل الى علي (علیه السّلام) يساله عن ذلك فقال (علیه السّلام) مر ثقتين من رجال يشهد احد بذلک فاستتبه وخل سبيله فكان الرجل صادقا في مقالته فخلا سبيله.
وساله اعرابی فقال انى رجل بدوى ولا ادرى ما يجب على في الحج وانني اصبت بيض زمام فشويته واكلته وانا محرم فما يجب على فقال يا اعرابی اشکلت علی قضیتک فدله الى عمر وكله عمر الى عبدالرحمن فلما يعرفا فقالوا علیک بالاصلح فقال امير المومنین علیک سلاى الغلامين شئت فقال الحسن یا اعرابی الک ابل قال
نعم قال فاعهد الى عدد ما اكلت من البيض نوقا فاضر بهن بالفحول فما فصد منها فاهده الى بيت الله العتيق الذى حججت اليه فقال يا اميرالمومنين ان من النوق السلوب ومنها ما لم يلزق فقال ان يكن من النوق السلوق والمزلق وان من البعض ما يمزق قال يسمع صوت معاشر الناس ان الذى فهم هذا الغلام هذه القضية هو الذي فهمها سليمان بن داوود .
وساله آخر عن رجل تزوج بامراة بكر فولدت عشية ومات الرجل فجاز ميراثه الابن والام فلم يعرفه فقال على (علیه السّلام) هذا رجل لجارية حبل منه فلما تمخضت مات الرجل واشتهر انه ما عرف الحكم فى عقد موالى صفية عمته حيث نازعه الزبير بن العوام ورافعه الى عمر حتى عرفه الصواب وقال له عمر الزبير احق بالميراث من اعتقه ورجع الى قوله.
وجائه برجل آخر فقال ان هذا ذكر انه احتلم بامی مدهش فقال له اميرالمومنين اذهب فاقمه فى الشمس واضرب ظله .
والفتوى في ذلك ما ذكرناه فی مناقب آل ابی طالب.
وساله نصرانيان ما الفرق بين الحب والبغض ومعدنهما واحد وما الفرق بين الحفظ والنسيان ومعدنهما واحد وما الفرق بينم الرويا الصادقة والرويا الكاذبة ومعدنهما واحد ؟
فاشار الى عمر فلما اساله اشار الى على (علیه السّلام) فقال علي (علیه السّلام) ان الله تعالى خلق الارواح قبل الاجساد بالفى عام فاسكنها الهواء فمهما اعترف هناك ائتلف ههنا ومهما يتناكر هناک اختلف ههنا.
ثم سالاه عن الحفظ والنسيان فقال ان الله تعالى خلق آدم وجعل لقبه غاشية فمهما مر بالقلب والغاشية مفتحة حفظ وحصر فمهما مر بالقلب والغاشية منطقة لم يحفظ ولم يحصر .
ثم سالاه عن الرويا الصادقة والرويا الكاذبة فقال ان الله تعالى خلق الروح وجعل لها سلطانا فسلطانها النفس فاذا نام العبد خرج الروح بقى سلطانها فيمر به بجيل من الملائكة وجيل من الجن فمهما كان من الرويا الصادقة فمن الملائكة فمهما كان من الرويا الكاذبة فمن الجن فلما سمعا ذلك اسلما على يديه وقتلا يوم صفين في صفه (علیه السّلام).
وذكر ابوعيسى الترمذى وابن بطة العكبرى وابن ماجة فى كتبهم عن قبيصة بن ذويب انه جائت الجدة ام الام او ام الاب اليه فقالت ابن ابنى او ابن ابنتى مات وقد اخبرت ان لى فى الكتاب حقا فقال الشيخ ما اجد لك في الكتاب حقا وما سمعت ان رسول الله قضی لک بشیئ فاسل فقال فشهد المغيرة بن شعبة ان رسول الله اعطاه السدس قال ومن سمع معک قال محمد بن سلمة فاعطاها السدس.
يا عجبا من امام دله المغيرة الزاني على الشرع.
ودخل رجل على النبى وهو على طعام فدعا به اليه فقال انا صائم فقال كم ولدک قال واحد قال کم مالک فقال عشرة الاف درهم فقال العتيق تكلمت بثلاث كلمات مفتريات ولقد رايتك اليوم تاكل ولک ولدان وانت ذو جمال يبلغ كراؤها كل سنة عشرة الف درهم
فقال الرجل رایت ظاهرا ولی باطن اكلت اليوم مع عيالى وسمعته يوقل من اكل مع عياله فهو صائم ومات ولي ولد وسمعته يقول لان تقدم لک طفل خیر لک من ان
تخلف مأة مثله وتصدقت بعشرة الف درهم وسمعته يقول مالک من مالک ما اکلت فافنيت، الخبر.
وذكر الطبرى فى التاريخ والبلاذرى فى انساب الاشراف والسمعاني في الفضائل وابو عبيدة القاسم بن سلام في الاحوال عن هشام بن عروة عن ابيه قال خطب ابوبکر فقال اما بعد فانی ولیت امركم ولست بخيركم .
وفى كلام له فان انا استقمت فاتبعوني وان زغت فقوموني .
وفي رواية فانى احسنت فاعینونی و ان اسات فقومونى وفي رواية غيرهم وان هذا كناية غيرى ولم اخذتمونى بسنة نبيكم ما اطيقها ان كان لمعصوما من الشيطان وان كان لينزل عليها من السماء فاذاعترف انه محتاج الى الرعية لتقومونه ويعينوه ومن الضلال يرتعوه والى الهدى يرشدوه فكيف يقدم على الصحابة المسشهورين بالعلم فضلا عن اهل البيت (علیهم السّلام).
وفى تاريخ الطبرى انه قال الا وان لى شيطان يعتريني فاذا اتانی فاجتنبونی لا اوتر في اشعاركم وايشاركم.
ولنا:
يقولن خير الناس بعد محمد
ابوبكر الصديق ويح لخيرکم
اكذبتم صديقكم فى مقالة
وليتم امرا ولست بخير كم
سال ابن میثم ابا الهذيل العلاف فقافل له اليس تعلم ان ابليس ينهى عن الخير كلهويامركم بالشر كله قال نعم قال فيجوز ان يامرك بالشر كله وهو لا يعرفه وينهى عن الخير كله وهو لا يعرفه قال لا فقد ثبت ان ابليس يعلم الشر كله والخير كله فقال ابوالهذيل اجل قال فاخبرنی عن امامك الذى تاتم به بعد الرسول هل كان يعلم الخير كله والشر قال لا قال فابلیس اعلم من امامک.
وقال بعض الخلفاء لبهلول من الخليفة بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال امهلني يوما ثم ركب قصبته وقال البشرى ملك الروم فقد اسلم فقال الخليفة الحمد الله قال بهلول ويهدى ويعلمهم العلم ويفتى لهم قال فعن قريب كيف علم هذا قال ويتمنى ان يجلس في الخلافة قال لا يمكن هذا قال هذا جوابک.
وساله الرشيد ابوبكر وعمر افضل ام على (علیه السّلام) قال هما اثنان وعلى وعباس افضل منهما وساله المقتفى العباسي فقال ابوبکر افضل ام على علام فقال ان اميرالمومنين المقتفى هو ابن عم على وهو اقرب وانسب وافضل واكرم واكمل واعلم من الكل.
الموسى:
عجبت ت لمن يقول انا امام
وما عرف الخطاء من الصواب
الايا من ينادى ذا المعالي
عليا فى الفخار وفى انتساب
با ذا انت تشه ابن لى
وقصر عن مناكير الجواب
اتحصى مثل ما تحصيه قل لي
والا انت اکذب من سراب
ودع ما لا يليق به لمن لا
يقاس بعبده في كل باب
ولاعطى القوس باريها عليا
امیر لامومنين ابا تراب
ابن حماد:
لولا قيام على بالشريعة من
بع النبي لعاد الناس في الكفر
انظر الى حكمة الهادى وحكمتهم
حتی یکفر هم ان كنت ذا نظر
كم خالفوا الله والطهر النبي وكم
من جور في الناس مستطر
فهات سيرة مولايي التي سطرت
له فعلة محودة الاثر
وله:
اما اکد الله میثاقه
عليهم بخم بدلوه
فناصره نبیکم ناصره
فلم خذلوه فلم حرروه
وسلمى غدا سلمه منكم
فما سالموه بلی حاربوه
وقال لهم لن مولاکم
على لمئكی فلا يجحدوه
على انه کان منجا لهم
اذ الخطب لظهم استصر خوه
وان اشكل الحكم وشيمة
عليهم ولم يهتدوا
الحميري:
فمن يساوى بعلى الهدى
في المبتدى الامر وفى الحاض
او يجعل النور الى ظلمة
غیر الغبى مشرک کافر
حلف يهول من بنى مرة
او يجعل العدل كال جاهل
الجماني:
قالوا انی ركب له فضله
قلنا لهم هناه الله
وقد يسبه العبد بمولاه
ان عليا كان مولى لمن
كان رسول الله مولاه
الصاحب:
قولا لهذا الخارجي الناصب
لا زلت في حزن ولعن واصب
ندعوا باركابا اماما عادلا
رجلی و رجلك في حريم الكاذب
العدل والتوحيد من مذهبي
اف على الالحاد والجبر
اخرت دین المصطفى احمد
فاف من دين ابى نصر -
الباقر (علیه السّلام) في قوله : اولئک الذین طبع الله على قلوبهم فاصمهم واعمى ابصارهم(1)الآية نزلت في الاول والثاني .
وعنه (علیه السّلام) في قوله وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللهُ لا يُحِبُّ الْفَساد(2)هو حبتر وزفر.
عيسى بن يونس عن ابى اسحاق الهمداني عن اسماعیل بن ابی خالد عن قيس بن ابی حازم قال عرض على عبد اللات فرسا فقال هلا فارس احمله عليه فقال فتى من الانصار فقال احملني عليه يا خليفة رسول الله فقال لان احمل عليه غلاما قدركب الخيل احب الى من احملك عليه فوالله انا افترت منك ومن ابيكفقام اليه المغيرة بن شعبة فكلمه على نفسه فكانها كانت الى مزاده فتواعد الانصار وان تقتدوا منه فبلغ ذلک عبدالللات فخطبهم فقال ما بال اقوام يزعمون ان افيدتم من المغيرة والله لئن اجلبهم من ديارهم اقرب اليهم من ان افيدهم منه فعطل حق الانصار ولم يعاقب الظالم لان المغيرة كان من خواصه وانما ضرب الانصارى لاجله وعزل خالد بن سعيد بن العاص وهو من السابقين وكان النبى ولاه الشام فقبض وهو وال عليها واصطعن عليه بماذ جرى بينهما بحضرة النبى وارزاه على ابی قحافة فصرفه لما ولى وقلد مكانه
يزيد بن ابي سفيان ومعاوية اخاه بعده وهم من الطباق التى طرق معاوية ما طرق هشيم وابوبكر بن عباس والقاضى الحسن اللولوى وان رجلا اقطع اليمين اضافة عبداللات فقام يقوم الليل ويصوم النهار قال له عبداللات والله مالیلک بلیل سارق ولا نهارک بنهار سارق فاراک اقطع فمن قطعک قال قطعني بعلي بن منية باليمن ظلما وتعديا فقال اما لاسلين عن ذلك فلئن كان قطعك ظلما قطعته فبينما هو كذلك اذا فقدت قلادة لاسماء بنت عميس فلم يوجد لها اثر فاتاهم طلحة ففتشوت الاقطع فاستخرجوها من حجره فقطع عبداللات يده اليسرى فبقى لا يد له فقيل اللولوى حين حدثهم بهذا الحديث تانا(1)على فكان عليه ان يقطع يساره فقال تريدون ان اقول ان عبد اللات اخطاء ولا اختلاف بين الامة ان الرجل يقطع بعد قطع اليد رجله فان عاد عليه ويحبس وينفق عليه من بيت المال .
وجه آخر ان الضيف مامون بمنزلة اهل البيت ولا قطع على الموتمن لانه داخل بيته.
وروى الواقدى عن عبد الله بن الحارث بن الفضل عن ابيه عن سفيان بن ابی العوجاء السلمى قال كتب عبداللات الى طريفة بن الحاجرة وهو عامله اما بعد فانه بلغني ان الفجأة ارتد عن الاسلام فسر اليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله او تاسره فتاتینی في وثاق فسار اليه فلما التقيا قال الفجأة ما كفرت وانى لمومن وما انت باولى بعبد اللات منى انت اميره وانا اميره قال له طريفة ان كنت صادقا فالق السلاح ثم انطلق الى عبداللات فاخبره بخبرک فوضع السلاح فاوثقه طريفة في جامعة وبعث به الى عبداللات فلما قدم له ارسله الى بنى جشم فحرقه بالنار وهو يقول انا مسلم وهل
1) في الاصل كتبت الكلمة بلا تنقيط.
الاسلام الا الاقرار باللسان . وفى تجارب الامم عن ابن مسكويه اوقد في مصلى المدينة نارا ثم رمی به مغموطا والنبى قال النار عذاب الله ولا يعذب بعذاب الله فاستجاب هو ما كانت الجاهلية تتامم به.
قال شاعرهم:
اليس هم عذبوا بالنار جارهم
وهل يعذب غير الله بالنار
ومنها اطلاقه الاشعث بن قيس وتزويجه ثم اظهر الندم على تحريق ذلك واطلاق هذا حتى قال عند موته باجماع الامة ثلاث فعلهن وذلك ان لم افعلهن وودت اني لم ابعث خالد بن الوليد الى مالک بن نويرة وقومه يعنى المسمين باهل الردة و وددت انى لم اکشف بيت فاطمة وان كان اغلق على حرب وودت انى لم احرق الفجأة فجعل نفسه فى الحالات الثلاث بعد ان فاتت .
وذكر الطبرى فى التاريخ انه كان الاشعث ستامن لسبعين نفسا ثم انه نزل بعد السبعين فقالوا ليس كل الامان فقال لابی بکر استبقنى لحربک وزوجنی اختک فزوجه اخته .
وفى رواية غيره انها كانت عوراء فولدت له محمدا .
وذكر الواقدى فى كتاب الردة ومحمد بن اسحاق في الايضاح انه لما ابى بالاشعث فسير الى ابى بكر قال له حكمني في نفسی قال حکمتک قال تطلقنى قال قد فعلت قال تزوجنی باختک قال اما هذا فلی امین اوامره فانی ابا قحافة فاخبره فقال
الاشعث بن قيس الكندى المكر قال نعم قال زوجه ما كنا نطمع بهذا في الجاهلية فزوجه فقال الاصبغ بن حوملة الليثى(1):
اتیت بکندی وقد ارتد وانتهى
الى غاية ما نکث میثاقه کفرا
فكان ثواب النكث احياء نفسه
وكان ثواب الكفر تزويجه البكر
ولو انه یاتی علیک نکاحها
وتزويجها الا مهرية مرا
ولو انه رام الزيادة مثلها
لا يبخسه عشرا واتبعتها عشرا
اما کان فی تیم بن مرة واحد
تزوجه لولا اردت به الفجرا
ولو كنت لما ان اتاک قتلته
لقد منها ذخرا واحررتها اجرا
فلما ولی امیرالمومنین (علیه السّلام) طمع الاشعث فى مثلها منه فقال (علیه السّلام) اجمعا مثل حمق بن ابي قحافة.
1) كذا في نسخة وفي الأخرى لم يتيسر لنا القرائة.
وفى كتاب العقد قال زوجنيها یا امیرالمومنین یعنی زینب فقال اعزب بعتك الكثكث ولک الاثلب اعزک ابن ابی قحافة زوجك ام فروة .
وزعمتم ان عبداللات ندم على ان لا يكون اقاد منه والزمتموه الخطا في تركه اليس كان الأمر فى يده فلم مضى على الخطا.
وروى زياد البكالى عن ابن عروة عن ابيه ان عبداللات وجه يعلى بن منبه على قضاء اليمن وخراجها فالتوى عليه قوم من حضرموت فبعث بعلى جيشا وسبى نيفا وسبع مأة رجل وامرأة فقدم بهم على عبداللات فباعهم ثم بعد ذلك قدم قوم من اليمن على عبداللات فحلفوا بالله انهم كانوا مسلمين وان يعلى ظلمهم وقتلهم وسباهم ظلما فاسقط فى يديه وشاور فهمم فاشاروا بعتقهم وقد وطيت الفروج ومات منهم في رقهم كثير وکذلک شرح بعد ذلک.
ومن العجائب انه لما حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه فى الاستيلاد اذ مرض بعده وطالب الناس بالبيعة له والرضا به وقد اجمعوا في رواياتهم ان الغالب من الناس ومئذ اهل الكراهية فلما كثروا عليه وخوفوه من الله في توليته عليهم وقالوا له ما تقول لربك اذا قدمت عليه وقد وليت علينا فظا غليظافواجه طلحه وقال ابالله يخوفنى اذا لقيت الله قلت له انى استخلفت علی اهلک خیر اهلک.
رواه الطبرى فى تاريخه والزمخشرى فى فايقه بل رووا ذلك من مناقبهما وفضائلهما وكتان هذا القول منه جامعا للعجائب المبكرات القطيعات.
اما استخلافه الثاني على الناس فقد تقلد الاثم في امور الناس مثل الذي يقلد منه في حياته ثم يقلد منه جميع ما جرى فى ايام الثانى بعد وفاته بتمليكه ما لا يملكه فقد باء بغضب من الله .
ثم خالف النبي عل الله لانه مضى بلا وصية على زعمه واما قوله بالله تخوفني فليس يخلو حاله في ذلك من احد وجهين اما ان يكون قد قال هذا لانه عند نفسه لا يخاف الله تعالى لانه زكى مخلص فى العبادة برئ من كل هفوة وذلة وقايل هذا عامدا عاص الله تعالى فقد استوجب منه المقت .
وقال الله تعالى فَلَا تُرَكُوا أَنْفُسَكُمْ(1)ومن زكي نفسه فقد خالف الله في نهيه .
او ان يكون تاراد بقوله بالله تخوفني انه لا يخافه ولا يبالى به استهخانة منه بنفسه ومعتقد هذا كافر .
واما قوله اختلفت فيهم خیر اهلک فهذا كلام جاهل لانه شهد للثانى انه خير القوم وهذا لا يعلم الا من اطلعه الله عليه ارايت لو اجابه الله تعالى وقال له من جعل الیک ذلک و من وليک عليهم حتى يستخلف فيهم غيرك بعدك ما يكون عند الله حجته.
وقوله خیر اهلک فما نعرف وجها يوجب اطلاق الاهل الله تعالى بل يقال خلق الله وبيت الله وناقة الله وعبد الله.
وكذا ارى انه ظن انما یعنی بذلك ما كانت العرب يسمى قريشا آل الله من وقت اصحاب الفيل اى خاص الله واخطاء لانك اذا قلت خیر اهلك انما يكون بمعنى الاقارب والله منزه عنها .
وفى كتاب الدليل عن البشنوى انه قال محمد بن ابى بكر لابيه عند موته فيمن تراک تجعل هذا الامر بعدک یا ابه قال فی فلان بن خطاب قال محمد لو انه لک بحق ما عدلت به عن ولدک .
1) النجم : 32.
وروى اهل السنة ان ابابكر لما سئل قبائل العرب حمل زكاتهم اليه انقاد الناس الى ملتمسه طوعا وكرها امتنعت عليه قبيلة بنو يربوع وقالوا ان رسول الله لم يامرنا بدفع ذلک الیک ولا امرك بمطالبتنا فعلام تطالبنا بما لا يامر الله به ولا رسوله، فسماهم اهل الردة .
وقد روى نافع عن ابن عمر انه سال مالک ابن نويرة مما تريد منا قال اريد زكات اموالكم قالوا من توصها قال الى ابی بکر قال یا خالد اني لم اومر بذلك اني قد وردت بزكات قومى الى رسول الله فلما اردت الانصراف من عنده قلت يا رسول الله انا لا نامن حدت الزمان فان کان منک کون فالى من نؤدى الزكات ؟ فضرب بيده على منكب على بن ابى طالب (علیه السّلام) فقال لى هذا فان ايتينى بكتاب من على (علیه السّلام) اعطيتك الزكات كما امرت قال فمكر به خالد فاخذه و غدر به وقتله لوقته واصبح من غد عروسا بزوجته وانصب قدر الطبيخ وجعل راس مالک احد الاثافي، الخبر.
وفى الاغانى قال بن شهاب ان مالک بن نويرة كان اكثر الناس شطرا وان خالد لما قتله فصبر اتقيه لقدر فنضج ما فيها قبل ان بلغت النار الى شواته.
وقال سمم بن نويرة يخاطب عبداللات وخالدا في قتل اخيه رواه صاحب العقد وصاحب الأغاني عن الرياسي:
عم القتل اذا الرياح تناوح
بين البيوت قلت يابن الازور
دعوته بالله ثم قتلته
او هو دعاک بذمة لم تعذر
فاذهب فلا تنفك حامل لعنة
مار عرغت رمح الغصن الغصفر
وذكر الطبرى ان باب قتادة قال خالد ان القوم نادوا بالاسلام ان لهم امانا فلم يلتفت خالد الى قوله وامر بقتلهم وقسم سبيهم خلف ابوقتادة الا يسيرا تحت لواء خالد ابدا وركب فرسه شاذا الى ابي بكر وخبره بالقصة .
ورويتم انه لما بعث اليهم خالدا قتل مقاتليهم وسبى ذراريهم واستاطل اموالهم وجعل ذلك كله فيئا قسمه بين المسلمين فقبلوا ذلك منه مستملين له ووطئوا نسائهم الا نفرا منهم عمر بن الخطاب فانه عزل نصيبه وصانه حتى افضى اليه الامر فرده عليهم وكانت خولة بنت جعفر والدة محمد بن الحنفية فيهم فبعث الى اميرالمومنين يرغبه فيها فتزوجها امير المومنين القصة.
وقد ذكرتها في مناقب آل ابی طالب.
ورويتم ان خالدا لما اقبل من غزاته تلك اقبل حتى دخل المدينة وقد عزز المشاقص في عمامته فقام اليه عمر فاخذها من عمامة فكبرها واخذ بتلابيبه يقوده الى ابى بكر وهو يقول والله لو ملكت من امر الناس لضربت عنقه والله لقد تحقق عندی انک قتلت مالك بن نويرة ظلما ورغبة في امراته لجمالها.
وزاد الطبرى فى الرواية انه عدو الله عدا على امرء مسلم فقتله ثم ثرا على امراته والله لارجمنک فلما دخل على ابى بكر .
وفى العقد عن الاندلسى انه لما مات خالد ايام عمر فكان بينهما هجرة لذلك امتنع الناس من البكاء عليه فابطل الاول قول عمر واجاز لخالد ما صنع بل نصره على من انكر عليه فعله من المسلمين .
معما روى اهل الحديث جميعا بغير خلاف منهم الطبرى ومسلم والبخارى عن القوم الذين كانوا مع خالد انهم قالوا اذن موذننا وموذنيهم وصلينا وصلوا وتشهدنا الشهادتين وتشهدوا.
ومما رواه مسلم والبخارى ان عمر قال لابي بكر كيف تقاتل قوما يشهدون لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وقد سمعت رسول الله فاذا قالوا حقنوا دمائهم واموالهم وحسابهم على الله فقال لو منعونى عقالا او عيانا مما كانوا يدفعونه الى النبي فان فعل بامر من الله ورسوله فاين الدليل على ذلك وان فعل برایه فمن راى ان يقتل المسلمين وتستبيح اموالهم ويسبى ذراريهم وتجعلها فتيا وتسميهم اهل الردة واى ردة ههنا مع ما رووه جميعا ما ذكرناه فثبت انه كان ظالما جاهلا.
ابو منصور الابي:
امامکم قاتل اهل الردة
فما اراكم تكون ضده
وکان مالک بن نويرة واليا من قبل رسول الله على صدقات بني يربوع فلما بلغه وفاة النبی امسك على اخذ الصدقة من قومه فقال لهم تربصوا بها حتى يقوم قائم بعد النبي وننظر ما يكون من امره وقد صرح بذلك الحديث يقول:
وقال رجال سدد الله مالكا
وقال رجال مالك لم يسدا
فقلت دعونى لا ابا لا بيكم
علم اخط رائي في المعاد ولا البدى
وقالوا اخذوا اموالكم غير خايف
ولا ناظر فيما يجيئ به غد
فذونكموها الاهی مالكم
ضررة احلا فا لم تجدد
ساجعل نفسی دون ما تجدونه
وان قائم بالامر محدث قائم
اطعنا وقلنا الدين دين محمد
ابو علم الطائی:
ولعمرى ما ذاق ذاک بهم
عن سبل المنكرات والاثام
دون ان انفذوا قضائه
الكفار فى المسلمين والاسلام
واستحلوا النساء وانهمكوا
قتل از واجهن غير سوامى
مومنون بالله فاسل
ما الكارب ذى الخار قطام
قادة خالد قعمم ام
الراس منه بمشرق حسام
لا لذنى بل رای زوجة
الحايز فارت لخطوة وسام
ثم والموت يحفر الموت فى حى
بطن الكلى وضرب الهام
قال للمسلمين فيه وامسی
ودق دهيا مستهل الغمام
وهو فی بیته عروس خلی
من مقاساة موجها مترامی
ثم لم يضرم ضرم المورية من
ذلک زندا هيهات وقت الضرام
وروی علمائكم عن ابى بكر بن عباس وسفيان بن عيينة والحسن بن صالح بن حيّ ووكيع بن الحراج وعبادة بن يعقوب الاسدى وعن عمر بن ابي المقدام عن ابي اسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وروى عمر بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وروى صالح بن ميثم عن ابي بريدة عن ابيه وروى هارون بن عبيدة عن يحيى بن عبد الله عن ابيه وروى علماء اهل البيت نحو عمار وابي ذرّ ويحيى بن سلمة عن كهيل عن الباقر (علیه السّلام) وعن ابى الصباح الكناني عن الصادق (علیه السّلام) وقد تداخلت الروايات بعضهم في بعض انه اجتمع ابو حفص وخالد في منزل عبداللات فقال ابو حفص لا يصلح لك هذا الامر دون ان تقتل عليا قال ومن تقدم عليه قال خالد لعنه الله انا فواعده فقال اذا انا سلمت في صلاة الصبح فاغله بالسيف فارسلت اسماء بنت عميس ظهيرا لها ليتلوا بباب اميرالمومنين قوله تعالى إِنَّ المَلَا يَأْتَمرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحين(1)فقال على من داخل وغبت اذن ما سمعت وجزاء مرسلتك خيرا ممن يقتل الناكثين والقاسطين والمارقين و اخبرت اسماء بنت ابى بكر زوجها الزبير فلما خرج لصلاة الصبح اشتمل على سيفه وجاء حتى قعد خلف خالد فلما جلس عبداللات للتشهد ندم وخاف فبقى مفكرا فقال لا يفعلن خالد ما امرته ثم سلم .
وفى رواية لا يفعل خالد ما امرته ثلاثا ثم سلم.
وفي رواية ابوبريدة يا خالد لا تفعل ما امرتك ثم سلم.
1) القصص : 20.
وفي رواية ابى الصباح الكناني عن الصادق (علیه السّلام) لا تفعلن خالد ما امرتک فان فعلته قتلتك ثم سلم فقال على لخالد من غير ان يساله عما امر به او كنت فاعلا قال نعم لو تمم لاتممت.
وفي رواية اى والله لو امرني لوضعته في اكثرك شعرا.
وفي رواية اى ورب الكعبة لو لم يتكلم نعمتك به فقال الزبير من خلفه والله لو رفعتها لطارت الى الارض قبل ان تصير الى راسه وكان مستعدا له فالتفت امیر المومنين (علیه السّلام) الى الاول وقال يا ابابكر احق ما يقول خالد قال نعم وشر قتلک صلاح المسلمین قال ولم ذا قال سمعت رسول الله يقول اقتلوا الفذ كائنا من كان فقال على لخالد كذبت قتلت انت اضيق حلقة من ذلك اما والذى فلق الحبة وبراء النسمة لولا ما سبق به القضاء لعلمت اى الفرقين شر مكانا واضعف جندا.
وفى خبر طويل عن عمار رضى الله عنه انهم هجموا على اميرالمومنين بقذفهم خالد فوثب به عليّ فحثله وهم به وجعل يقمص الاذلاء واذاله رغاء ولساع ببوله في المسجد.
وفي رواية ابي ذر رحمه الله ان اميرالمومنين اخذ باصبعيه السبابة والوسطى في ذلك الوفت وعصره عصرا صاح خالد صيحة منكرة ففزع الناس همتهم انفسهم واحدث خالد في ثيابه وجعل يضريب برجليه ولا يتكلم .
وفى كتاب البلاذرى ان اميرالمومنين جعله اصبعه السبابة والوسطى في حلقه وشاله بهما وهو كالبعير عظما فضرب به الارض فدق عضعضة واحدث مكانه وبقى يقول هما والله امرانی هما والله امرانی فقال عبداللات لزفر هذا مشورتک المنكوسة کانی كنت انظر الى هذا والحمد لله على سلامنا كان كلما جاء احد ليخلصه من يده لخظة
لحظة ينحى عنه رعبا فقال الثانى لو اجتمع على اهل منى لما خلصوه فتشفعوا الى عباس فجاء عباس وقال لو قتلتموه لما تركنا ا تيميا يمشى على وجه الارض ثم اقسم عليه بحق القبر ومن فيه وبحق ولديه وامهما الا تركته وقبل بين عينيه فتركه .
وروى المعرى عن اسماعيل بن ابراهيم عن عمر بن ابي نصر قال سمعت خالد القشيرى على المنبر يقول لو كان فى ابن ابى طالب خيرا ما امره ابودور والصديق بقتله.
وقيل لسفيان ولوكيع ولابن حى ما تقولون في ما كان من عبداللات فی ذلک قالوا جميعا سئة ولم تتم.
وقد حدث ابو يوسف فقال لبعض اصحابه وما الذي امر به الأول خالدا یا ابا یوسف فاشهرا وقال اسكت وما انت وذلك وليس كان على سامعا مطيعا لابي ركب ما حرر باكثر من هذا ان يامر بضرب عنق رجل هو واصحابه مقرون ان النبى شهد له.....(1)ولئئن كان غير راض ببيعته فان الامر كما قلت الشيعة في تقدمه بغير رضا منه وقال بعض اهل المدينة ولا باس بقتل رجل في صراح الامة انما اراد قتل على لان عليا اراد تفرق الامة وصدهم عن بيعة الاول وقد جعلتم هذا الحديث حجة في كتاب الصلاة بان من احدث قبل ان يسلم وقد قضى التشهد ان صلاته تامة ولذبلک جوز ابو حنيفة الصراط بمنزلة التسليم فصار هذه البدعة سنة يستعملها اوليائه فاذا سئلوا لم الكلام قبل التسليم جايز عندكم قالوا لان الاول تكلم قبل التسليم في الصلاة .
1) سقطت الكلمة من المخطوطات والقياس ياتي انه كلمة: بالجنة.
قيل بماذا امره؟ قالوا بقتل على بن ابى طالب.
فامره بقتل علی بن ابی طالب كفر وكلامه الذى لا يختلف فيه في الصلاة قبل التسليم مفسد لصلاته تلك توجب عليه الاعادة ولم ينقل اوليائه انه اعاد ذلك الصلاة وتركه لاعادتها توجب الكفر ايضا لقول النبى من ترك صلاة واحدة فقد كفر وقول من زعم انه سلم فى نفسه قبل ان يتكلم فهو فاسد لانه صلاته عقدها مصليا بالجماعة ولا يسع للامام الاباظهار التكبير والتسليم بعد الكلام المفسدة للصلاة فان جهل ذلك فقد استحق العقوبة ولا يصلح للامامة وان تركه على علم منه فقد بارز الله فيه فيا معشر المسلمين هل احدث اميرالمومنين فى الاسلام حدثا يستحق به القتل من عبد اللات الاما كان من قتله المشركين فى ساير الغزوات فاراد الاخذ الثار لهم عليه اذا كان عاجزا عن المكافحة وقال الله تعالى: وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظيما(1).
السيد:
وما خالد حین یسمونه
بسیف الاله الا مذکر
وقول عتیق له طل عن
یمین علی یتصل ذکر
فان انا اسلمت فاضرب به
علیا وایاک ان ینکر
1) النساء : 93.
فحار عتیق فنادى به
اخالد لا يفعل بما امر
و سلم بعد تكليمه
وذللک امر به قد شهر
وله:
يوم الجنتين تنقم
ومال زالواله متنقمينا
فما صدقت ظنونهم وردوا
بغيظهم وما عيون فروا
ويوم القرح قد ردوا مرارا
وكانوا للوصى مكاندينا
فرد الله كيدهم علي
وكان الله خير الماكرينا
وله:
لعن الاله الباغين واهلكوا
والراضين بضرته الزهراء
والامرين بما اراد و خالدا
لعنا تجدد بكرة ومساء
ابن حماد:
نامل بفضلک ما رتبع
عليه وهموا بان يفعلوه
فهذا فسل خالدا عنهم
على ايما خطة وافقوه
وقول الذي قال قبل السلام
حديثا رووه ولم ينكوه
حديثا رواه ثقات الحديث
ما ضعفوه وما عللوه
اتی بن معيرية في الصحيح
وزكى الرواة الا ولا سندوه
وماهو في فقههم حجة
خلاف الشريعة قد قلدوه
وله:
وواطا على قتل الوصى خويلد
فاعظم بها من حظه كيف رامها
فهمته من عظم البلية نفسه
وجاد به عقب القطيع ورامها
ولم يستطع نطقا لاجل صلاته
فما زال مدهوشا ملوک لجامها
تقول الا لا تفعلن خويلد
امرت وابدى بعد ذاک سلامها
غیره:
برئت ممن قال فى المحراب
وعنده بقية الاحزاب
لا تفعلن خالد د بما امر
ويل له يوما اذ الخلق نشر
الباقرين (علیهما السّلام) في قوله كُلُّ خَتَارٍ كَفُور(1)والختار الفرار يعنى الاول والثاني لما فرا يوم خيبر وغيره.
1) لقمان : 32.
وقال الله تعالى فَضَّلَ اللهُ المُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَة(1)وقد اجتمعت الامة ان عليا كان المجاهد في سبيل الله وكاشف الكرب عن وجه رسول الله المتقدم في ساير الغزوات اذا لم يحضر النبي واذا حضر النبي فهو تاليه والقائم مقامه وصاحب الراية وحمل اللواء .
مصعب بن عمير فلما قتل حملها اميرالمومنين
البشنوى:
فما هارب عند اللقائ وكثابت
ولا مخطئ في حكمه مثل صائب
وقد كان الشيخان فى سائر الغزوات تابعين غيره متبوعين كانا تحت راية عمرو بن العاص الفاسق فى الغزوات ذات السلاسل ثم كانا تحت راية اسامة غلام حدث لخستهما ولو كان له شيئ من ذلك الجمليه الرواة والناقلون للاخبار وهذه كتب المغازى المولفة التى ياثرها علماؤهم تصفحناها فما وجدنا ذكره في شيئ منها انه راى قط طاعنا او مطعونا او ضاربا او مضروبا او راميا او مرميا او ثبت في حرب(2)او برد قط الى قرن او سفک بیده دما او خدش قط نفسا ولم يكن لحربه اسم ولا لمقتوله جسم وانما كان بمنزلة النظارة فليس الجهاد بالنظر من بعيد فما كان حضوره الا كانه شاهد غايب جيران رجل.
قال الفرزدق :
هم شهدوا غايبين بنصرهم
لنصر الضعيف غایب غیر حاضر
لغيره:
هنالك لو تبغى كلينا وجدتها
اذل من القروان تحت المناسم
بل وجدنا فيه انه فرّ في اكثرها لو سلم الرسول في هذه المواطن مع ما كتب الله عليه من الجهاد .
العبدي :
وهل كان حبتر الا رينما
وهل كان في الجرد الا ليما
وهل كان فى الحكم الا ظلوما
وهل كان في الحرب الا هزيما
اروی اسئل له او فتيلا
وهذه غزوات النبى اولها بدر فلم يكن له فيها اثر سوى انكم فصلتموه عن الحرب انه جلس مع النبى فى العريش يحدثه ويونسه والمشورة والتدبير قبل وقوع الحرب وعند وقوعها فالطعن والحرب.
قال المتنبي:
الراى قبل شجاعة الشجعان
وقد ذكرنا بطلان ذلك فيما مضى كان النبى مشغولا بالتفرع والدعاء باسطا يديه يقول رب ان تهلک هذه العصابة لم تعبد وقال اللهم انت ربي انزلت على الكتاب وامرتني بالقتال ووعدتني بالنظر انك لا تخلف الميعاد وقد ايد الله ورسوله بالملائكة ونصره من كل وجه باهل السماء واهل الارض.
ولقد روى ان النبى قال حين قال ابوبشير الانصارى بيتا رسول الله يدبر الناس من خلفنا حتى صار امامنا يحثو التراب فى وجوههم فان كان الحتار معه في العريش لیوانسه این كان حين استقدم امام اصحابه فصار عرض الاسنة والسهام وهو المطلوب هلا استقدم معه ان كان قد وثق وعده اياه بالنصر لعمرى لو كان له ضربة بسوط لشهر .
وقد قال الله تعالى وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ(1)بملائكة السماء وسيف على بن ابى طالب ونودى من السمتاء لا سيف الا ذو الفقار لا فتى الا على .
1) آل عمران : 123.
ابن عباس في قوله : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(1)عن بدر والخارجون الى بدر.
ابن حماد:
وسل ببدر واحد والنضير فان
انصفت بين الليث والضبع
ويوم خيبر قد اخبرت من نكثت
بالذل رايته والجبن والضرع
وفى احد اذ رميت جبهة النبى وكسر رباعيته وقتل حمزة عمه ومصعب بن عمير صاحب رايته وانهزم المسلمين ولم يبق مع النبى فى اوضح الروايات سوى علي ثم عاد اليه ستة رجال فكان الاول اول المنهزمة لا يعرج على احد حتی روی انه بلغ بهزيمته الجبل فانزل الله في الحال إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخراكُمْ(2)ولقد احرج رسول الله لما تفرقوا عنه ان يقاتل فر عن قوسه حتى اندقت شينهما ومشى راجلا يضاعفا بين درعين وبارز ابی بن خلف فقتله.
الحميري:
ويوم احد حين ولوا واصعدوا
وقام رسول الله يدعوا ويسمع
ينادي باخر اهم لكيما يردهم
فولوا سراعا خفية يورعوا
فواشی رسول الله فيه بنفسه
فلم ينهزم عنه كمن يتضعضع
وفى الخندق لما اجتمعت الاحزاب وفيهم عمرو بن عبدود كمتا قال الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ َزاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَناجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا(1)فبقوا ستين ليلة مهاجرين وهم يزيدون على ثلاثة آلاف رجل ثم كان من قتلهم عمرو بن عبدود وغيره ما كان.
الحميري:
وفى يوم عيد حين نادى بجمعهم
فقام على والقبائل حضر-
عتيق وسعد بن عوف ونعثل
وطلحة والعاتي برير وحبتر
كانهم من خشية الهلک والردی
حمير يلقاها هزبر غضنفر
1) الأحزاب : 10.
مرزکی:
این صديقكم بدر واحد
وحنين يا ويك والفاروق
این کانوا في يوم انب غمر
و خندق القوم وهو رحب عميق
طالبا للبراز والضرب والطعن
وقد جف في الشفاء البريق
فاتاه من الانام على
لبث عاب للصالحات سوق
فسافاه كأس المنية صرفا
واعترى الجميع بعد التفريق
وفى خيبر دفع الراية الى الاول ثم الى الثانى فرجعا منهزمين فقال النبي لاعطين الراية رجلا الخبر.
ذكره البخارى ومسلم والطبرى والبلاذرى ومحمد بن اسحاق وابوبكر البيهقى وابو نعيم صاحب الحلية والمظفر السمعانى ولا سعرى الحنبلى فلقيه النبي كرارا ومن فر يكون فرارا وقال الله وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ
باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ المصير(1)فقد استحقا بنص القرآن واجماع الامة غضب الله ودخول جهنم فمن ادعى التوبة فعليه الدلالة فما وقع اليه راية بعدها ولا استكفاء من امر الحرب والجهاد أحد دعايم الايمان الكباروبه كانوا يتفاضلون قوله: وَ فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ(2).
شاعر:
أجعلتم من فر يوم حباتر
حو النبى مكسا بلواء
مثل الذى حمل اللواء مبادرا
ولباب حصنهم هناک دجاه
وعلا بحد السيف قمة مرحب
سبى الحلائل او سياح حماه
سلامة العبدي:
اناموني من سقى المردى
مرحبا والحرب يذكيها الغضب
لست مولی من باجماع الورى
قط مذ كان بسيف ما ضرب
انا مولی من كى الله به
المومنين الحرب فى يوم الكرب
الحميري:
فاما انت اولى ذى بيان
اعان على ذى وثب وظلم
فانک یوم خبر خفت لم-
سمی لک مرحب فی ظل دهم
فملت براية نكست وكانت
منافرة على الاعداء تيمى
بها يوتى اذا نصبت لحرب
بايمن طائر واعز نجهم
فجئت تجبنا رعبا کاهاما
يجبن معشر اليسوا بكهم
فاعرض واجمد عص- سبان لما
اتیت به هناک ای رجم
محمد النبى وقال انی
سادفعها الی نقصان شهم
ماعطيها غدا رجلا امینا
بري الصدر من كذب واثم
العوني:
وقد رویتمک له فی یوم خیبر ما
قص من ضده عنه تحيفه
بردة رايتها الاسلام ناكثه
بالذل يذهله عنها خوفه
فقال مهلا ساعطيها غدا
رجل يحبه الله لا تحربه موقفه
وفى الفتح سار اليها مع النيبى وهى داره و قراره و بها ابره واهله فلم يكن حامل الراية ولا امر طايفة ولا منقذ بالجماعة.
المعرى:
استحى من شمس النهار ومن
قمر الدجى وجوهه المزهر
لهن في تعظیم فی خلدی
اولی واجدر من بنى فهر
وفى حنين ساير النبي اليها في اثنى عشر الفا وعجب المسلمون بالكثرة وقال ابوبكر لمن تغلب من قلة فانهزم المسلمون من بركة قاله واسلموا النبى فثبت مكانه على بغلته وعلى بين يديه يذب ويقيه بنفسه وتسعة رهط من بنى هاشم احدهم العباس اخذ بلجام البغلة والباقون محدقون به وبه يتلقون الاسنة والسيوف حتى قال العباس:
نضرارسول الله في الحرب...
وقد فر من فر عنه فاقشعوا
والعباس بعيد من الكذب وفي القرآن وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِين(1)فكان اول ومن راجع ثلاثون من الانصار ثو توالوا فلم يعد الحتار ولا صاحبه الا على الساقة وقد سفك الدماء واسر الاسراء وخيرت الغنائم ثم دعيتم ان الاول كان على الميمنة والثاني على الميسرة فان كنتم صادقين فقد فرا من الزحف ووليها الدبر وهزما المسلمين وان كنتم كاذبين وهو اقل من العيب فما معنى ادعاء الباطل .
وفی تبوک سار النبى فى اثنين وثلاثون الفا قد كان النبى فى بعض الموطن قد اخرج الى القتال وبارز بنفسه وتعرض للعدو وترى المسلمين ابلوا في موقف بعد موقف حتى استشهد منهم من يستشهد وجرح من جرح بحقهم امور الصعاب فما كان العتيق في جميعها ولا فى الغزاة ومن ظن ممن يلاقى الحروب بان لا يصاب فقد ظن عجزا ولم يره احد اصابه خدش .
1) التوبة : 25.
والنبي فقد كلم وامير المومنين قد خرج اكثر المواطن وهو بمعزل عن ذلك فلا لله اصلح ولا عن رسول الله حامى ولا للمسلمين واسى ولالدين نصر ولا للحمية فعل وقد كان في هذا المواطن صحيح الجسم في لامته وسيفه واكثر ما ادعوا له ان عبدالرحمن ابنه وهو مشرك ودعا الى المبارزة يوم احد فخرجا اليه ابوه فقال له النبی ضیم نفسک و امتنعا بسیفک فکذبوا على رسول الله لانه بذل نفسه الى الموقف ومكافحة الاعداء ابراه ظن یا ابن ابی قحافة عن القتال وهو تحرض الناس على الجهاد أفيجوز ان ينهي عنه وقال امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله الخبر.
وقد استشهد مثل عمه حمزة وجعفر وعبيدة ابنا عمه وزيد بن حارثة وهو له كالولد ومن الروساء مثل سعد بن معاذ وغيرهم من المهاجرين والأنصار وعن ..... بن ابى قحافة .
وذكروا انه هم بالخروج الى الاشعث بن قيس وكان راى الجماعة التوقف عنهم فقال الحتار(1)اجاهدهم ولو كنت فريدا فجعل يخرم بعيره فقال له اسماء بنت عميس لقد كنت وقت الحرب فى العريش فما هذا للرجال اليوم فحارب عنه خالد في حصن فاحتجوا بهمته هذه انه في الشجعان وفضلوه ولم يخرج ولو خرج لكان اشجع الخلق فكيف يمرهم وفعل وفعل.
ثم الطريق الى معرفة الشجاعة انما يعرف بالوحى ويظهر فيه افعال يعلم بها حالة بتكرره في مبارزة الأقران والصبر عند اللقاء وترك الفلرار ولم يأت وحى فيه وليس
1) كذا في نسخة.
له موقف غير يوم ذى القصة فاخرج عليه وعلى جيشه مأتا اعرابي فانهزم وانقض الجيش فهلا صبر ووقف لاصحابه .
فقال الاخطل بن قيس:
الا كل ارماح قصار الة
فداء لارماح يصين على العمى
ابو غير ضرب الحيم الهام وقده
و طعن كافواه المزفقة الخمر
اطعنا رسول الله ما كان بيننا
فيالهفنا ما بال دین ابابكر
فقوموا ولا تعطوا الليام معادة
وقوموا ولو كان القيام على الخمر
فدی لبنی بر طريقى وبالذى
عشيرة زادوا بالرباح ابابكر
أنورثها بكرا اذا كان بعده
فتلک و بیت الله قاصم الظهر
ورويتم انه ضرب في بداية الاسلام حتى اسود وغشى عليه فحمل الى داره مسدودا في كساء الخاذل خير من المخذول.
وكان على (علیه السّلام) هو الطاعن بالرمحين والضارب بالسيفين ولما اسلم كان في جوار الدعتة(1)وعثمان في جوار سعد بن العاص بن امية وعبد الرحمن في جوار الاسود بن عبد يغوث وماكان على (علیه السّلام) يحتاج الى جوار .
وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن عبدالرزاق من معمر عن الزهري قال كان نوفل بن خويلد قرن الحتار بطلحة قبل الهجرة بمكة واوثقهما بحبل وعذبها يوما الى الليل حتى سئل امرهما ولما عرف النبى حضوره بدرا قال اللهم اكفنى نوقل بن خويلد ثم قال لاد من له علم بنوفل بن خويلد فقال علي (علیه السّلام) انا قتلته يا رسول الله فكبر النبي فقال الحمد لله الذى اجاب دعوتي فيه.
ابوتمام الطائي:
لم يكونوا غداة بدر ولاف
احد وللسيوف فيه دوامی
هناة.... ذا لامامة الشطب
ويكثرن من قنبر الغلام
حیث لم يروم الكرية الا
کل ماض حنان بمقام
کعلی طاب اسمه واخي
جعفرا وكحمزة الاقدام
لا لقوم كانوا اذا ازدحم الامر
1) كذا.
وشب الضرام بعد الضرام
تخلطوا الشذ بالنجاء وولوا
عودا بالنخيل والآطام
هب قوم كانوا يناما
فحازواما قصرنا رعية للنام
لم یخافوا الحى القوي
ولم يرعوا فى قبره من دمام
موسى بن جعفر (علیهما السّلام) في قوله أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ(1)قال كانت اذا نزلت الاية في على (علیه السّلام) ثنا احدهم صدره ليلا يسمعها واستحقا من النبي .
الباقر (علیه السّلام) في قوله يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور(2)اصحاب الصحيقفة وان رسول الله كان اذا حدث بشيئ من فضائل
على او تلى عليهم ما انزل الله فيه يقضوا ثيابهم وقاموا يقول الله تعالى يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور(1).
الباقر (علیه السّلام) في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصيرا(2)قال ایانا امر ان يؤدى الاول.
قوله منا الامام الذى يكون عنده علم الكتاب والعلم والسلاح وقال (علیه السّلام) في قوله فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَ لْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَليم(3)في عتيق وابن صهاك لانهما حرفا عليهم الامانة على الناس في ولاية علي (علیه السّلام) الخبر.
نزل قوله تعالى يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ اللَّهَ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين(4)فكان النبي يقسم فيفصله عليهم ثم نزل وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ اللَّهَ خُمْسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى(5)وكان الذي الله جل وعز مضافا الى ما للرسول وكان النبي يفرقه مدة حياته في بني هاشم وكان فرضا واجبا ولم تنزل آية فسخت ذلك فقال ابوبکر هو للوالى وقد اخرجه من ايدى مستحقه تعمدا واذا كان الله حرم الصدقة على آل
سول ومنعهم ابوبكر لخمس فليس في المسلمين احد انقص نصيبا منهم ولا اقل في الفى خطا اذا كان المسلمون تحل لهم الصدقة وهى محظورة عليهم فاذا قرابة النبي قد اضرت وكانت اقرب الى النفع فى الدنيا والآخرة ولذلك هي واقروا ان سهام اليتامى والمساكين وابن السبيل قائمة لهم فصدقوا ببعض الكتاب وكذبوا ببعضه.
الباقرين (علیهما السّلام) في قوله: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُل الْأَنْفَالُ اللهَ وَ الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنين(1)فلما قبض رسول الله منعوا اميرالمومنين (علیه السّلام) ما نفله الله ورسوله وتعاونوا عليه وكابروه ومن تبعهم وقال ابن صهاک تزعم ان ما ما أفاء الله يفيك الكثكث فقال امیرالمومنین بل یکفیک الكثكث(2).
اجمع فقهاؤكم فيما نفلوا ان النبى كان يقسم الخمس من الغنائم في بني هاشم على فرتائض الله وان الاول لما ولى ادعى الخمس وادعاه من تابعه ثم اشترى به الخيل والسلاح فقسموا بين جنوده ولم يسال البينة كما سال فاطمة والعباس فيحي بني هاشم من حقوقهم سنى اطمع فيه الطلقاء وابناء الطلقات وجاء معاوية وابنه فوثبا على حق النبي واباحا حريمه وقتلا اولاده وسبا ذراريه فلما كان من محمد بن ابي بكر الاحتجاج عليه قال يا محمد ابوك الذي مهد مهاده وثنانه ملکه وساده وازره على
ذلک فاروقه فان یک ما نحن فيه حقا فابوک اوله فان یک باطلا فابوک اسسه فغضب ایاک بما بدا لک اودع واورد .
الشافعي على ابي حنيفة باسناده عن عبد الرحمن بن ابى ليلى ان في عهد الثاني اتي بمال عظيم من فارس وسوس والاهواز فقال یا بنی هاشم لوافرضتمونى حقكم من هذه الغنائم لا عرضكم عنه فقال على تجوز فقال العباس اختاف فوت حقنا فكان كما قال ومات الثانى ولم يرد علينا وفات حقنا وسئل على وابن عباس وابن الحنفية عن الخمس فقال كل واحد منهم الخمس لنا منعناه فصرنا ان الله جعل الخمس ستة اقسام في قوله وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ اللهَ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى(1)
وجعل الأول فى السلاح والكراع عروة بن الزبير قال قطع الاول سهم ذوي القربى وسهم المولفة قلوبهم ثم ولى عمر بن عبدالعزيز ردّ السهمين.
الكلبى قال روساء المسلمين يا رسول الله صفیک والربع ودعنا والباقى فكذا كنا نعمل في الجاهلية .
وانشدوه:
كل المرباع منها والصفايا
و حکمک والبسيطة والفضول
فنزل كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم فقالوا سمعا وطاعة لامر الله ولامر رسوله فجعل الربع في الخمس لآل النبي والفئ للنبي خاصة فما عملوا بالشرع ولا بالعرف .
1) الأنفال : 41.
عمر بن ابی مسلم الجهني قال سمعت الباقر والصادق (علیهما السّلام) يترحمان على عمر بن عبدالعزيز ويذكران صنيعه وقد كان فرق عمر بن عبدالعزيز سهم ذوي القربي في بنی هاشم وبنى عبدالمطلب.
ابوفراس:
الحق مهتضم والدين محترم
وفی آل رسول الله مقتس
يا للرجال اما الله منتصر
ن لطغاة ولا للدين منتقم
بنو علی رعایا فی دیاره
والارض تملكها النسوان والخدم
وما السعيد بها الا الذي ظلموا
ولا الشقى بها الا الذى احترم
للمتقين من الدنيا عواقبها
وان تعجل فيها الظالم الاثم
دعبل :
ارى فيئهم فى غيرهم اقتسمها
وايديهم من فيئهم صفرات
بعض السادة:
اكلتم حقنا وحرمتمونا
عسی بم الدواين ان تدورا
ثم انتزع فدک من يد فاطمة (عليها السلام) وهي لها وفى ملكها تنصرف فيها سنين من ابيها بلا دافع ولا مانع ولا منازع اذ كانت لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وكانت خالصة للنبي لانه افتتحها صلحا فنزل عليه جبرئيل فقال له ان الله تعالى يقول وآت ذى القربى حقه وقال ومن ذا القربى يا جبرئيل قال فاطمة قال وما حقها قال فدک فاستدعاها فسلمها اليها بامر الله فلم يزل بعلها وينصرف فيها باعوانها الى ان قبض النبى فلما غلب الاول على الامر طرد اعوانها عنها وقبضها مع الارث فادعى ان رسول الله وسمج لعله وانها داخلة فيما قبضه من الميراث وشهدت اسماء بنت عميس وام ايمن لفاطمة فحلفت فاطمة فقال يجوز ان تكون صادقة فما صدق قولها ولا قبل شهادة من شهد لها ولا التفت الى يمينها واغلها وهو شهد وحده شهادة قاطعة انه سمع النبى يقول انا معاشر الانبياء لا نورث ثم ادعى جماعة من الصحابة دعاوى فقبلها بغير بينة وامضاها وخرج اليهم منهم جابر بن عبد الله الانصارى انه ادعى ان النبى وعده اذا ورد مال البحرين ائن يحثوا له ثلث حثوات فامضى له وانجز ذلک له من المسلمين لم يضطره الى اقامة البينة وادعى جوير بن عبد الله البجلي ان النبى اوعده ان يقطعه ارضا نفيسة اسماها فاقطعه اياه بقوله ايضا وادعى بهم الدارى ان النبى وعده ان يقطعه قريتين من قرى الشام فاقطعه القريتين لانه صهره على اخته وكان
سبب في ذلك ان رسول الله لما وصى الى اميرالمومنين ان يقضي دينه وينجر وعده اقام بعد قبضه مناديا فنادى من كانت له عند رسول الله عدة او له عليه دينا فليأت علی بن ابی طالب فانه ينجز عنه فاتاه اصحاب الديون والعدات مرسلا فكان تقضى ذلك بدعواهم من ماله ولا يكلفهم البينة عليه فلما راى ذلک الاول اراد ان يشارك فی ذلک الفضائل رياء وزعم أولياء الاول انه وكيل الامة وان المسلمين وكلوه بالقيام بامورهم فكان احتجاجه لموكلته فى الارث باطلا لانه مدعى لى خصم له ولهم لانه احد المسلمين بزعمه فهو بالحقيقة جار الى نفسه لاميرالمومنين فيما شهد به ومن كان الحاكم المستمع منه ومن فاطمة ومن القاضى فيما يوجد الحكم ان كان هو فيه كل شریک یدعی شاهد جار خصم حاكم.
ولقد فحص المامون عن ذلك فاطردت الحجة له في رد فدک علی ولد فاطمةي فردها ردا ظاهرا بعد ان جمع العلماء لذلك وسالهم عنه وقد تقدمه فی ذلک عمر بن عبدالعزیز فی ایام بني امية والكفر شامل والردة مستحكمة وهو عندهم امام من ائمة العدل فرد فدک ردا ظاهرا على اربابها فعوتب على ذلك وقيل له ظلمت الشيخين فقال والله ظلما انفسهما .
وروی(1)
ص: 503 [موعظة الإمام محمد بن علي الباقرع لعمر بن عبد العزيز]
رواه أبو صالح الطائي، قال: حدثنا الحماني، قال حدثنا شريك، عن هشام بن معاذ، قال: كنت جليسا لعمر بن عبد العزيز، حيث دخل المدينة، فأمر مناديه أن ينادي: من كانت له مظلمة، أو قال: ظلامة فليأت الباب فأتاه محمد بن علي (علیه السّلام) فدخل عليه مولاه مزاحم، فقال له: إن محمد بن علي (علیه السّلام) بالباب فقال له: أدخله يا مزاحم فدخل محمد، و عمر تسح عيناه بالدموع، فيمسحها، فقال محمد (علیه السّلام) ما أبكاك يا عمر ؟ فقال هشام أبكاه كذا كذا يا ابن رسول الله.
فقال محمد [بن علي (علیه السّلام)]: يا عمر، إن الدنيا سوق من الأسواق، منها خرج الناس بما ينفعهم، ومنها خرجوا بما يضرهم و كم من قوم هم قد ضرهم مثل الذي أصحابنا فيه حتى أتاهم الموت، فاستوعبوا فخرجوا من الدنيا نادمين لما لم يأخذوا لما أحبوا من الآخرة ،عدة، و لا لما كرهوا جنة قسم ما جمعوا من لا يحمدهم، وصاروا إلى ما يعذرهم، فنحن و الله محقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نغبطهم بها فنوافقهم فيها، و ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نتخوف عليهم منها ، فنكف عنها؛ فاتق الله و اجعل في قلبك اثنين تنظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدمه بين يديك حتى تخرج إليه، و تنظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربك، فابتغ به البدل و لا تذهبن إلى سلعة بارت على من كان قبلك.
فاتق الله يا عمر ، و افتح الأبواب و سهل الحجاب و انصر المظلوم، و رد المظالم، ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله:
فجثا عمر على ركبتيه، ثم قال إيه أهل بيت النبوة، قال نعم يا عمر من إذا رضي لم يدخل رضاه فى الباطل، و من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، و من إذا قدر لم يتناول ما ليس له.
قال: فدعا عمر بدواة و قرطاس و كتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما رد عمر بن عبد العزيز، ظلامة محمد بن علي، فدك.
ثم كان يجب على الأمة أن ينظروها، و لا يخذلوها، و لا يكذبوها فإن فاطمة بضعة من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا تدعي غير حقها، و علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين لا يشهدون بالزور.
فذكر هذا المحتج، أن من فعل هذا الفعال بآل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلا نصيب له في الإسلام. هذا و قد أعطيا ابنتيهما ما ادعيا من ميراث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم منعهما عثمان.
الخصال، ج 1، ص: 104: حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن جرير الطبري قال أخبرنا أبو صالح الكناني عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن شريك عن هشام بن معاذ قال: كنت جليسا لعمر بن عبد العزيز حيث دخل المدينة فأمر مناديه فنادى من كانت له مظلمة أو ظلامة فليأت الباب فأتى محمد بن علي يعني الباقرع فدخل إليه مولاه مزاحم فقال إن محمد بن علي بالباب فقال له أدخله يا مزاحم قال فدخل و عمر يمسح عينيه من الدموع فقال له محمد بن علي أبكاك يا عمر فقال هشام أبكاه كذا و كذا يا ابن رسول الله فقال محمد بن علي يا عمر إنما الدنيا سوق من الأسواق منها خرج قوم بما ينفعهم و منها خرجوا بما يضرهم و كم من قوم قد ضرهم بمثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت فاستوعبوا فخرجوا من الدنيا ملومين لما لم يأخذوا لما أحبوا من الآخرة عدة و لا مما كرهوا جنة قسم ما جمعوا من لا يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم فنحن و الله محقوقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نغبطهم بها فنوافقهم فيها و ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نتخوف عليهم منها فنكف عنها فاتق الله و اجعل في قلبك اثنتين تنظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدمه بين يديك و تنظر الذي تكرهه أن يكون معك إذا قدمت على ربك فابتغ فيه البدل و لا تذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن تجوز عنك واتق الله عز و جل يا عمر و افتح الأبواب و سهل الحجاب «2» و انصر المظلوم و رد الظالم ثم قال ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله فجثى عمر على ركبتيه ثم قال إيه يا أهل بيت النبوة فقال نعم يا عمر من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل و إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق و من إذا قدر لم يتناول ما ليس له فدعا عمر بدواة و قرطاس و كتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما رد عمر بن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي فدك.
ابو صالح الطائي عن الجماني عن هشام بن معاد قال لما دخل عمر بن عبد العزيز المدينة امر مناد ينادى من كانت له مظلمة وظلامة فليات الباب فاتاه الباقر (علیه السّلام)1) المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام،
ودخل وقال ياعمر انما الدنيا سوق من الاسواق في كلام الى ان قال ثلاث من كن فيه ...... من اذا رضى لم يدخله رضاه بالباطل واذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق ومن اذا قدر لم يتناول ما ليس له فدعى عمر بدواة وقرطاس وقال هذا ما رد عمر بن عبدالعزيز ظلامة محمد بن علي (علیهما السّلام) فدك الى آخر الكتاب فقيل له طعنت على الصيخين فقال هما والله طعنا على انفسهما وان فاطمة بضعة من رسول الله لا تدعى غير حقها وان عليا و الحسن والحسين (علیهم السّلام) لم يشهدون بالزور.
وفى رواية انه لما قالوا له طعنت على الشيخين قال رويدكم يا بنى العاص فوالله لا كنت قائدكم الى النار عسى ان انجو كفافا لا على ولا لي وانشد يقول:
ومالي وما وضع الاولون
الا ان اكون حمیدا رشدا
عسی والعلى امرء ناجيا
اكون مدى الدهر منه بعيدا
الرضي:
يا ابن عبد العزيز لو بكت
العين فتى من امية ابکیتک
غیر انى اقول انک قد طبت
وان لم يطب ولم يرک بیتک
انت نزهنا عن السب والقذف
فلو امکن الحفراء الجزيتك
والى هذا اشار الفرزدق في مرثيته :
كم من شريعة حق قد شرعت لهم
کانت امنیت و اخرى منك ينتظر
يا لهف نفسى ولهف اللاهفين معى
على العدول التي تعتالها الحفر
عباية عن ابن عباس قال قال على ان لى يوما احج فيه ابن ابی قحافة ذلک يوم يحشر فيه المبطلون.
وفى الارشاد ان فاطمة اصبحت تنادی واسوء صباحاه فسمع الاول فقال لها:
ان صباحك لصباح سو
مصائب قوم عند قوم فوائد
الرياشي عن العمرى ان معاوية لما حج من المدينة فوقف على سقيفة بني ساعدة ثم قال مارس بحد اودع ان كان ابو بكر بالامن لسعيد الجد العظيم الخط.
قول عبدالرحمن بن عوف في خبر ان العباس لما طالب الميراث قال له عمر ان كنت من هذا يوم تاتيه تريد منه البيعة فلا يبايعك ثم انت الان تاتينا فتستعدينا عليه فلا نعدیک فقال له ابوبكر في ذلك فقال لا يكون هو لكنه متظاهرين علينا ثم اذا ارادوا الحاجة اتونا فسمعنا منهم فلما رد العباس قال ابوبكر لو كنت تركتني لا تحدث سر بک من علی فقال له عمر كيف تقضى له على على بالميراث ونحن رددنا فاطمة عنه فقال الاول ما زلت موفقا للخير يا ابا حفص .
وفي حديث ابويوسف يعقوب الثقفى انه لما هم الاول برد فدک قال الثاني حرص سلبک الله لبک وقد فعل فقد علمت انک ناهیک و حقیق انت بذلك اذهب عنک نلعب محمد بنا واستيثاره بالصفايا دوننا وتقديمه احداث بنى هاشم علينا والله لئن سقيتهم اليوم صفوها لیسقینک غدا كدرها ولئن رددت الاول لتطالبن بالاكثر وليقولن من شاء ان يقول عرفوا الحق بعد ان جهلوه ثم لتعودن على اتان ابي قحافة فلتستدرها لجوعتك ولتقابلنها لرحلتك ولتعفقن بها لتعطلک ولعمری آن تلک لاحسن حالتک ان ترکت و ذاك والله ما انا آمن ان يثبت بک و بی اصلع بنی هاشم وثبه المحن الموثور فيستخرج قلوبنا من صدورنا يغيظ بنا من قد وعظناه به فات من اصامة هذا البيت ما شئت ان تاتى وطاطى نمن اطوالهم واغضض من ابصارهم واتركهم بحيث لو تم لمحمد تدبيره فهم كنت تكون كحبو بهم من رقدتهم وقتا لن تبلغوا انا وانت ويلك ان فاطمة متخمرة تقعد بنا وتقوم لئن صانعناها برد فدكها لتطلبن فاها على لسان سريع في هدنم ما نبنى ونقض ما نبرم ثم قال له عمر ستعلم ان خالفنى من اى المطاعم طعمت و من اى المشارب شربت ثم مضى فلقيه المغيرة بن شعبة القصة.
السروجي:
ولا نصفوه ولاة الأمر ما خرجت
على فاطم ارثها بالمكر والحيل
ولا استباحوا دما اولاده غصبا
يوم الطفوف يبيض الهند والاسل
وعن وصى المصطفى قعدوا
تقاعدا کان مردودا الى هبل
وحدث الرافعي محمد بن عبد الله بن ابى رافع انه كان الاول اذا جاء على والعباس فقال العباس انا عم رسول الله ووارثه وقد حال بيني وبين تركته على فقال الاول این كنت يا عباس حين جمع رسول الله بنى عبد المطلب وانت احدهم فقال ایکم یوازرنی فيكون وصيى وخليفتى فى اهلى وينجز موعدى ويقضى دينى فقال له العباس فما اقعدک مجلسک هذا فقدمته وتامرت عليه فقال الاول اغدرا يا بنى عبد المطلب ثم رايتم من بعد انهما الاول الى الثانى فقال الثانمى اخرجوهما عنى فقد هممت یا بنی عبدالمطلب.
وذكر ابن عبد ربه الاندلسي في كتاب العقد انه قال متكلم هارون الرشيد اتريد ان اقرر هشام الحكم عليا كان ظالما فقال له ان فعلت فلک کذا كذا فلما حضر قال له يا ابا محمد روت الامة باجمعها ان عليا نازع العاباس الى ابى بكر في رداء النبي وسيفه وفرسه قال نعم قال فايمتا كان الظالم لصاحبه فخاف هشام من الرشيد فقال لم يكن فيهما ظالم قال فيختصم اثنان فى امر وهما جميعا محقان قال نعم اختصما ملكان الى داود وليس فيهما ظالم انها ارادا ان فهماه على ظلم كذا هذا تحاكما الى ابي بكر فعرفاه ظلم لهما .
ابن علوية:
أمن من حوى الميراث منهم بعده
والاوليان عليه يختصمان
حين النبى وعمه اكرم به
حينا وصنوا به في الصنوان
عصمان موتلفان ما لم يحضر
ناسا وعند الناس مختلفان
جهر الباطل بغيه ولباطل
منها الى الصديق يحكمان
لم يجهلا حكم القضية فى الذى
جاء له الفاروق يصطحبان
لكن للازم حجة كانا به
ذهبا على الاقوام يتحدان
لله ایة حجة فى ارثه
اتحدا وكانا عنه ينحرفان
قولا به منکرا كما دخلا
علیقالوا لا تخف خصمان
عبدالرحمن نصیر(1):
1) كذا.
اخذا الشيخان بالثمن
من الارث الوراثة
وبنو العم بخميسهم
فقد جازوا الخلافة
وبنو صاحبه النصف
لهم فى التصرفف اخر
ان هذا لهو الحق
وما يبقی الخرافه
ابوهاشم الجعفری:
اذا كان لم يورث وكان تراثه
بزعم ابي نصر دوننا حلا
فقد حرتم تالميراث والامرة التي
لها الذكر فاستوعبتم الفرع والاصلا
وفارقتم المولى الوصي وانتم
عكوف على من ليس يعد له فضلا
وفرقتم بين النبی وآله
ولاذمة فيهم ولا رعيتم ولا الا
فهل انتم الا لموسى وقومه
وقد فارقوا هارون واتبعوا العجلا
القاضي بن قريعة :
ان كان عندى درهم
او كان فی بیتی دقيق
خبرت من ن اهل الكساء
وكفرت بالبيت العتيق
وظلم ...... القول
کما يعتقها العتيق
البذقی:
هم منعوا فاطمه حقها بذا
مسجون يصالح بالصبر قلنا شجنا
ولم تعلها منهم حجة
ولكن يقولون زورا وغيا
اسرک حماک جمیع التراث
فقال امنعوا الارث منى نبي
لعمرى لقد زعموا باطلا
وجاؤوا بحكم له جاهليا
وجادل فى فدک مشيخة
وقال بظل لديه عليا
فقامت وقد ظلمت حقها
وما منوا غيرها آدمیا
ووالله ما نال ما نالهم
فصيحا من الناس او اعجميا
دعبل اللائمي:
لقد شغل الدموع عن المعاني
مصائب الاطيبين بني(1)علی
تهضمهم بنو تيم وتیم
وبنو بمصهم(2)لبنى الدعى
ولا النبی یقدم آل تيم
علیهم حمزة وبنى عدى
وقد طمعت سائر ان تولی
امور المسلمين على الولى
وناخية(1)بن سامة :
قد تسامت اليها والا باعد من لوى
وابناء القبائل من نغیض
فويلها ومن سلفی عنی
فوارث ابن امه للصفى
تنازعها بنوهن بنولی
ولو غير العواة تنازعوها
لحلت معدن الحق الرضی
فوا اسفا على هرات دهر
فضايل فيه اولاد الزكی
ينحى المصطفون به واضحی
بنو الطلقاء فى صدر البدى
ونال الفی اولاد البغايا
واولاد النبی بغیر فیء
1) ناحية؛ ناجية، خ له
ولما انشاء الكميت :
اموی علیا امیر المؤمنين ولا
ارضی بشتم ابى بكر ولا عمرا
ولا اقول وان لم يعطيا فدكا
نت النبى ولا ميراثه كفرا
الله اعلم ماذا يحضران به
يوم التغابن من سعى اذا حضرا
آتاه السيد الحميرى فعاتبه في قوله وانشده:
لامنين ابا ركب ولا بتر
ان الدهر طوعا من زفر
ان یکون افتر فاذنب فقد
يغفر الله وقدما ماغفر
ما سايقة كانت وقد
احدثا واستبدلا خيرا بشر
ومسی تاب من اسراقه
واستقل الله لما ان غیر
فعفی عنه ولم يشمت به
بعد ما اشقى على نار سقر
الى الله تعالي ذكره
لا الى اعمالنا منه المفر
اوقدا حربا فلا ان علت
نار حرب يترامى بالشر
كل ذنب ما خلا ذنب اولی
ناصبوا حرب على مغتفر
بكتاب الله ان كنت به
عن سواه بكتاب تفتقر
فصل في ظلم حبتر
الباقر (علیه السّلام) في قوله فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ علیم(1)نزلت فی عتیق و ابن صهاک و من تتابع في ظلم على (علیه السّلام).
واعلم ان الفصل بنحو الفصل الاول وذلك انه شهد وحده منفردا شهادة قاطعة يجمع معه عليها احد من اصحابه انه سمع النبى يقول نحن معاشر الانبياء لا نورث وما تركنا فهو صدقة حتى جاز بذلك تركته وروى ولده واهله وسكت الناس عن
1) البقرة : 181.
ذلک وقال ان الاراضى كانت فى يديها عن سبيل الطعمة وما سمع بحاكم قطع بشهادة واحد فكيف والحاكم هو الشاهد وكيف يقبل منه وهو متهم على اهل البيت باغتصابه اياهم خلافة الرسول ثم وسعوا القول بالرواية عن عايشة ومالک بن اوس ابن الحدثان وابى هريرة فاما عايشة فذكرت انها سمعت اياها يذكر ذلك واما ابو هريرة فقال حضرت منازعة فاطمة (عليها السلام) لابي بكر فاحتج عليها ذلک واما مالک فقال سمعت عمر يقول حدثني ابوبكر فاذا الروايات كلها من طريق واحدة والوسطاء متهمون غير مامونين ولا موثوق بهم ولقد قبض النبى وتركته فى ايدى مخلفيه هكذا سبيل كل واحد بحكم الكتاب والسنة والاجماع فزعم الاول ان الانبياء لا تورث فكان هو المدعى وفاطمة هي التي لها وفى يدها الارث والبينة تجب عليه وعلى موكليه لا عليها ولم يكن للتركة خطر وانما اراد الااول التضييق على الطاهرة وتكذيب قولها ومنعها حقها كمنعه ايرالمومنين الخلافة واعمد في منعهم كل قليل وكثير ثم لم يقبل دعويها ورد شهادة على والحسن والحسين وقال انهم تجرون شهادتهم الى انفسهم واما شهادة ام ايمن فهی مولاتک و مولاة ابیک ثم سنّ بذلک فی الامة الا يقبل شهادة رجل لامرئته ولا شهادة امرأة لزوجها ولا شهادة الوالد لولده ولا شهادة الولد لوالده.
وانشدت اروى بنت الحرب بن عبد المطلب:
افاطم قومی فاندبی خیر مالک
واكرم ثا وفى التراب مغيب
وقولى صلاة الله يا ابة ابتدت
علیک و راحت من بنى فقرب
جزاک عن الاسلام ربک صالحا
و عنی جزاک الله بالخير من اب
ولم تدر ماذا بعد فقدك احدثت
عدى وتيم عندنا عندنا من يكذب
ومن قبله ما احدثو بيعة
لهم ولما تغيب في التراب وتذهب
يقولون لم يورث ابوک فنهنه
رویدک عنا و اقصرى ابنة النبي
الحميري:
وقلتم نحن اولى من على
انه حجة ادركتموها
وقلتم لم نورثها نبی
ففیم اذا ولم ورثتموها
فولا بعده عمرا عتيق
يكافیه بها فرضتموها
فکم من سنة فيها امتم
وکم من بدعة احييتموها
ابن عباس لما بلغ فاطمة اجتماع الشيخين على منع فدكها قالت هذا اول غدرة واقبح فجرة قاتلهما الله ثم مرت اليهما وقالت مسطبين(1)ثم انتم اولا تزعمون ان لا ارث لنا افحكم الجاهلية تبغون ، الآية ؛ ايها المعشر المسلمة ابتز ارثيه واعلب على ماليه افي الله يا بن ابی قحافة ان ترث اباک ولا ارث ابى ويحا لقد جئت شيدا فريا افلا على عهد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم اذ يقول الله وورث سليمان داوود مع ما اقص الله من خبر يحيى اذ قال رب هب لي من لدنك وليا الآية وقال واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض وقلوه يوصيكم الله فى اولادكم الآية وقال ان ترك خير الوصية للوالدين والاقربين وقال واتقوا الله الذى تسالون به والارحام وانت تزعم ان لا ارث لي من ابى فخصكم الله بآية اخرج ابي منها ام تقولون اهل ملتين لا يتوارثان افلست ابي من ملة واحدة ام انتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه منا اهل البيت ام تقولون على الله ما لا تعلمون الى آخر الخطبة.
واعلم ان القرآن ينطق بتكذيب هذه الدعوى وابطال هذه الشهادة قوله يوصيكم الله فى اولادكم فهذا خطابا عاما وفرضا شاملا والنبي جاء بهذا الحكم وشرع لنا هذا الشرع وهو اولسى ان يعتقده ويدين به والدعوى يبطل عنده قوله وورث سليمان داوود كان نبيا فى حياة ابيه بقوله وداوود وسليمان اذ يحكمان في الحرث القصة.
1) كذا.
وقول زکریا فهب لي من لدنک ولیا الآيات وقال النبى ما ياتيكم منى فاعرضوه على الكتاب فان وافقه انا قلته وان خالفه فردوه وقد بين الله فرائض المواريث و. قال سنّ الله لكم ان تضلوا فضل هؤلاء ولم يقبلوا النبيين فان قالوا الانبياء لا يورث فقد ورث امير المؤمنين بالعلم من رسول الله وورث ابوبكر الامارة فما ورثت فاطمة والعباس وتسع نسايا فخرجوا من ارثه صفرا فكان العلم لغيرهم والامارة لابي بكر ولموكلسيه و من این صار لابي بكر ان يرث اباقحافة ولعمر ان يرث الخطاب وكل ولد ورث اباه ولا ترث فاطمة (عليها السلام) اباها فلو حکم بذلك في الجاهلية كان شنيعا قبيحا ان مثل ابي سفيان وعتبة وابى جهل والوليد من مشرك قريش كانوا ارجح حلوما واعظم انفة من اعداء اهل البيت ولو ولوا من امرهم ما ساروا فيهم هذه السيرة ولقد روى ان ابابكر سمح لحفظته موضع عمر منه بحجرتها التي كانت تسكنها من الارث حتى باعها عصبتها بعد ذلك من عمر بن عبدالعزيز بمال عظیم فزادها في المسجد وفتح لها خرجته والنبي لم يطلق للرجلين موضع اصبع كوة ينظران اليه.
البشنوى:
ایعطی قحافة وراثة
ووراثة المص- طفى يمنع
وما لم ر....ن فی بيتها
نزول الكتاب ولا المربع
نزول الحواهم فى موضع
بجبريل كان هو الموضع
أبنت خديجة مدفوعة
ویحل صهاک لا یدفع
سليمان وارث داووده
ویحیی عن الارث لا يمنع
لکم اعين ما بها تبصرون
ولست مسامعكم تسمع
الحميري:
قالوا النبيون الاولى لا يورثوا
ولذاك لا يرث الوصى نبيا
ثكلتهم امهاتهم و هبلتهم
اوليس يحيى وارث زكريا
هذا سليمان النبى الم يرث
داوود ملکا قد حواه سنيا
اولم يرث هارون موسى قبلهم
فمضى بذلك راضيا مرضيا
ابن عودي النيلي:
منعتم تراثی من ابى لا ابا لكم
فلم انتم آبائكم قد ورثتم
و قلتم نبى لا تراث لولده
فاحر متمونى الارث فيما زعمتم
وهذا سليمان لداوود وارث
ويحيى لزكريا فلم ذا منعتم
فان كان منه للنبوة وارث
كما قد حكمتم في الفتاوى وقلتم
فقد ينبغى نسل النبيين
ومن جاء منهم بالنبوة يوسم
الكميت:
وقالوا ورثناها ابانا وامنا
و ما ورثتهم ذاك ام ولا اب
ولكن مواريث ان امسا الذى
وه دان شرقى لك ومغرب
يقولون لم يورث ولولا تراثه
لقد شركت فيه بكيل وارحب
و..... ولحم والسكون وجهرة
وليده والجنان بكر وتعلب
...
وكان بعد العيش عضو مورب
فان هي لم تصلح لعضو سواهم
فان ذوى القربى احق واقرب
ابودهبل الجمحي:
لقد كان فى ام الکتاب...
وفى الوحى لم ينسخ لوحى حكومها
فرايض فى الميراث قد تعلمونها
يلوح لدى اللب البصير ارومها
بها دان من قبل المسيح بن مريم
ومن يعد لما امر بريمها
فاما لكل غير آل محمد
فیقضى له احكامها وزعيمها
واما بميراث النبى فيرتمى
به الر .....ن دفها وجسيمها
فكيف وضلوا بعد خمسين حجة
يلام على ملك السراة اديمها
محمد بن الحسن الكلاعي:
وابدوا لفاطمة في فدک
وخانوا المطهر فی ماترک
فاصبحت محارمه تنتهک
وميرات اولاده مشترک
وعاشوا بآرائهم لاعبينا
الواصفي:
لقد لاقت الزهراء من بعد فقده
علی فدک امرام من الامر فاضحا
زواقنيع عن تراث محمد
ابيها ولاقت من دلام قبائحا
قياليته اذ حاز ارث محمد
لفاطمة فى ذلك القدر سامحا
لقد فعلا فعل التمرد ظاهرا
وقد افضحا فى المسلمين فضائحا
وقد خالفا المختار في اهل بيته
وغشاه في القربى وقد كان ناصحا
البرقي:
فلم يوار رسول الله فى حدث
حتى تعصب فرعون لهامان
فاستخرجا فدكا منها وقد علما
بانها حقه حقا بتبيان
فلا اقول ابا ركب ولا زفر
على الصواب وقد جاءا ببرهان
فان تقولوا اصابا فاليهود اذا
بارث داوود اولی من سلیمان
العبدي:
فلما بات احمد عاد حبترا
علیهم غیر مستور خفی
وقالوا نحن اولى من على
الا بعدا لقومهم الغوی
وقالوا نحن بالميراث اولی
لعمر الله من حكم غوی :
وقالت وهی باکیة لاردی
ويحكم فی الجاهلي
افى القرآن ان تزوى حقوقى
ويحويها دعی بن الدعی
السيف(1):
يا عباد الله انی سایل
عن امور لست عنها بالحلى
هل سمعتم ميتا فيما مضى
خان سرا ثاله ... الاولى
بعتيق وزريق رغما
ورثا احمد من دون على
له قال:
لا يورث تكذيبا لما *** انزل الرحمت بخلا
1) كذا.
وجشع(1):
ابن ما قال ابويحيى الذى
قام فى المحارب يدعوا ويجزع
رب هب لی وارثا يخلفنی
وارثا فضلا وعلما يتبع
فاذا مت حوا علمي وما حرت
من مالی وجنبيه الضلع
وهب الله له يحیي وفد
ناله الدهر بشيب وضلع
و سلیمان نبی الله قد
ورثت كفاه داوود الصنع
ورث الشیخ اباه ملک
والذى كان من المال جمع
ما سمعنا بعتيق ظالما
نفسه فيما تعدى وابتدع
لا بعهد عنده یدلی به
من رسول الله مايوس الطمع
1) كذا.
غصب التيمی ملکا فاینا
ربع التيمی ملکا فاینا
آثر الدنيا على آخره
ليصیب الدى فيها والشبع
فاصاب العيش منها طرفا
ثم ولى العيش منه فانقطع
العوني:
ما عذره فى اخذ ارث محمد
لابناه لست من العصبات
ولكن بغوا نقض الكتاب وباينوا
بضغن ثوى فى انفس خفنات
انالوا عهود الله من كان ظالما
باخبار زورکن مفتريات
بما يستوجب المستاثرون عليهم
تراثهم ان كنت ذا نصفات
لقد خاضت الاهوا بهم في فعالهم
يجلوا من الاثام ملتطمات
وله:
حتی اذا ما الحدوا مبعوثا
واودعوه الجدث المجدوثا
لاتوا خمار الفتنة المكروثا
مكرا وقالوا لم يكن موروثا
فلم دعوت المبدع المسينا
یا قارى القران بالتجوید
فى العمل الصالح والشديد
الم تجد فی حده المحدود
ارث سیلمانک من داوود
وارث بحق بعده زکریا
وله:
و مسائلى عن ارث احمد بعده
فاجبته تحت الكلام كلاما
ان كنت تسالني سوال تعلم
فاسمع جوابا ليس فيه ملاما
او كنت تسالني سوال معنت
فاسمع هبلت وفى الجواب سمام
فالارث ارث محمد من بعده
للصحب وهو على ذويه حرام
وهنوا ان الانبياء لا تورث
فقد روى علمائكم لما نزلت وآت ذى القربى حقه دعا فاطمة فقال لها فدکو
رواه ابو حفص عمر بن عهلی بن عبدالرحمن بن داوود الخبرى عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن الخدري قال لما نزلت الخبر.
واخبر ايضا عبدالرحمن بن صالح الازدى عن انس الملاى عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن الخدرى .
واخبر ايضا ابو معمر سعيد بن حتيم وعلى بن غنم الكندى ويحيى بن على وعلى بن مسهر عن فضيل بن مرزوق .
ورووا عن الاسدى وعن المجاهد ايضا.
انشد العوني:
قال تعالى اذا بان الفرقة
وآت ذى القربى القريب حقه
فكيف يرون انا معاشر الانبياء لا نورثفقد اعطيا ابنتيهما ما ادعيا من ميراث رسول الله ثم منعهما عثمان ورووا عن شريك ان عايشة وحفصة اتيا نعثلا يطلبان منه ما كانا ابويهما يعطيهما فقال لا ولا كرامة والل ما ذلك لكما عندى فالحقا وكان متكئا فجلس
وقال سيعلم فاطممة ان ابن العم انالها اليوم ثم قال لستما اللتين شهدتما عند ابويكما ولفقتها نفسكما اعرابيا يتظهر ببوله.
مالک بن اوس بن الحدثان ثم شهدتم قال لا نورث ما تركناه صدقة فمرة تشهدون ان تركته صدقة ومرة تطلبون ميراثه وفى رواية فان كنتما شهدتما بباطل فعليكما وعلى من اجار شهادتكما لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس اجمعين والله ما اشک بعد هذا انكما قد قد شهدتما بباطل فوليا يلعنانه ويدعوان عليه فقال اين انتما فالتفتا وهما بريان انه قد رجع لهما الى ما يحبان فقال قد انزل الله سورة كفاكم اخسرنا في الدنيا والاخرة.
وفى رواية انه قال عثمان فابطلتها بشهادتكما ميراث فاطمة (عليها السلام) الذي فرضه الله في كتابه قالتا اعطينا ما كان من قبلك يعطينا قال مكان ابواكما يعطيانكما ما يريدان وانا امنعكما ما اريد فقالا اخذت سلطاننا ومنعتنا مالنا قال فاى سلطان كان لكما ولا بواكما السلطان الله يوتيه من يشاء من عباده انما عليا بغیر شورى من المسلمين والمال للمسلمين لا لى ولا لكما فانصرفتا يسبانه ويسبهما .
کشواذ بن املاس:
جائته يوما وهو فوق المنبر
حمراء اوبنت الدلام الاعسر
قالت له يا عثم رقت حالی
وغلب الفقر وقلت مالی
وهات مالا غير ذى نفاد
قال ولا كف كا الرماد
واغلظت فی قوله ثعبان
ما انت الا مارد شيطان
قال لها نعمان يا نبوح
مراة لوط ثو زوج نوح
وفى البخاري في خبر طويل عن عروة بن الزبير عن عايشة وكانت فاطمة (عليها السلام) تسال ابا بكر نصيبها مما ترک رسول الله من خيبر وفدک وصدقته بالمدينة فابی ابوبكر عليها ذلك وقال لست تارکا کان رسول الله يعمل به الا عملت به اخشى ان تركت شيئا من امره ان ازيغ فاما صدقته بالمدينة فدفعها عمر الى على وعباس واما خيبر وفدک فامسكهما عمر فيا عجبا من امرهم فان ابابكر وعمر منعا عن على وفاطمة وعن ساير الازواج على انه صدقة ثم اعطيا ابنتيهما فقط ثم اعطى عمر صدقة النبى بالمدينة عليا والعباس وامسک خیبر و فدک کانه آمن ببعض وكفر ببعض ثم ان عثمان منع من عايشة وحفصة ما اعطاهما ابوهما واقطعها مروان فلما ولی مروان جعل الثلثين منها لابنه عبد الملك والثلث لابنه سليمان فلما ولی عبدالملک جعل ثلثه لعبد العزيز وبقى الثلث لسليمان فلما ولى سليمان جعل ثلثه لعمر بن عبدالعزيز فلما ولى عمر بن عبد العزيز ردها كلها على ولد فاطمة فاستاثر بها اللعناء من بعده الى ان تولى المامون فجمع فقهاء الامة من البلدان ويحتج معهم فاعترفوا ان الحق لفاطمة ثم امر عمر بن مسعدة بانشاء سجل قرى على سایر الاعمال بردها.
يا عجبا الصديق المقدم يمنع ميراث النبى ويعطى ولده واذا قيل له انها ولدها محتاجون الى انفاق جعل لهم فى كل سنة بلعة(1)ويجرى على عايشة وحفصة في كل سنة اثنا عشر الف درهم .
وقد روى لكل واحد منهما اثنا عشر الف درهم.
العوني:
اما غصباها ارثها ثم اصبحا
لوارثها دونها يرثان
ابوجعفر:
بملح يداوى اللحم ان كان منتنا
فما حيلة الملح الذى قد تغيرا
فعدل ابى ركب اذا كان شاملا
فلم غضب الزهراء في فدک القرى
فمن كان هذا فعله کان کافرا
و من شک فی کفرانه کان اکفرا
واتى العباس الى الاول فطلب القطيعة التي كان النبى اقطعه اياه من الحيرة والرصافة والقائظ فلم يقبل قوله وهو يعطى الاعراب والاحزاب والطلقاء ويصدقهم على
1) كذا.
دعواهم ويكذب عم رسول الله ويخرج عليا ولا يقبل قول فاطمة ولا اقول ابنيهما ثم يسالهم البينة فاذا اتوه بها تساق عنهم بالحبل .
البشنوى:
تكذب الزهراء فاطمة
ماذا تقول اذا بدا العرض
وشهودها بالحق ثابتة
ولبت احمد ظلمك المحض
بالحق يقض- الله بينكما
يا ظالما عن شانه القبض
مع سهم ذی القربى على فدک
والظلم يتلوا بعته(1)البعض
حاتم باسناد له لما كان بعد وفات النبى دارت فاطمة سبعة ايام على المهاجرين والانصار معها سلمان و ابوذر والمقداد وعمار وتسالهم عما سمعوا من رسول الله في فدک فلم تجد لها معينا فقالت لعلى يا بن عم اذهب الأول فاطلب لي ليكون اوكد للحجة.
فخرج امير المؤمنين فاذا به جاء فقال ايذكر يا رجل يوما قال رسول الله فدک لفاطمة ليس لاحد فيه حق فقال يا ابا الحسن قد ذهب ذلك على فقال ان قال لک رسول الله
1) كذا والظاهر : بعضه.
ویامرک برده اترد ذلك قال نعم واخذ بيده الى المسجد مسجد قبا فلما بلغ المسجد اخذ بتلبيبه وادخله المسجد فاذا برسول الله واقفا في محرابه مرتديا بردائه فنظر اليه وعض عليه الانامل وقال بئس ما خلفتنى فى قومى اكفرت بالذی خلقک من تراب ردّ على فاطمة فدك.
فخرج حبتر فقال مد يدک یا ابا الحسن لاجد ذلك البيعة ورجع الى منزله فقال لاصحابه اقیلونی اقیلونى وجلس ثلاثة ايام فدخل عليه الثانى فقال ما شانک فقص عليه الحديث فقال اليس كنت معه فى الغار اذا اراك البحر والسفن فقال نعم فقال هذه يضامن ذلك.
الحميري:
مواريث النبی واقربي
تناولها بنو تیم بن مرّ
وآل عدى حازوها جمیعا
و نسل امية بافظ امر
اخذ حقهم الی ان
اتوا بالكفر يغمز كل كفر
وقالوا ابن كبشة قد سحرکم
یریکم کل بهتان و سحر
ویزعم انه اتاه علما
فيا لقريش من اولا .... نصر
فما في قول احمد من جنان
نعیم دائم او ورد جسر(1)
وله:
ماذا تقول اذا اتاک محمد
جهرا وانت بعن طرفک تنظر
ینهاک عن ظلمی فتعلم اننی
اولى بهذا الامر منك واجدر
و مضى يريد به مصلى احمد
صلی علیه الواحد المتکبر
فرای رسول الله فى محرابه
والله يفعل ما يشاء ويقدر
نادی فاسمعه النبى ولم يكن
اذ ذاک بینهما حجاب تستر
سلم تراث اخى اليه كانه
اولی و انك للشقى الاخسر
لا تركبن ولیکم بظلامة
1) كذا.
فتحملوا الذنب الذى لا تغفر
فنوی عتیق ردها فدكا لها
قال الوصى له اهل تتفکر
ورعا امراء فى قلبه لذوى النهی
غش یبوح به عليه وينشر
والغش لا يخفی فاخبره بما
قال الوصى له فقال المخبر
لا يرد عنک ما رايت فانه
سحر وليس بضاير من يسحر
ابن عباس قال كنا ذات ليلة عنده فبينا فى سمر لنا ان نحن برجل قد هجم علينا متزرا بازار صنعانی مترد برداء عدى فى رجليه نعلان حضرمیتان خضراوتان وفي يده عكازة سوحط يتوكاء عليه فسلم علينا فرددنا عليه فقال له الاول ارتفع رحمك الله فوقف على قدميه وتوكاء على عكازته وقال انى رجل من اهل اليمن اردت الحج وكانت لي جارة فقالت لى انك سوف تلقى الرجل الذي زعم انه خليفة رسول الله فاذا لقيته فبلغ رسالتی قلت ماجور انشاء الله فقال الاول قل رحمک الله فقال هي تقول لك انى امراة ضعيفة وكان والدى يعينني على زمانى وكانت له ارضون فكنت اعيش منها وبعلى وابناى فلما توفى والدى وثب على بعد وفاته امير البلد فنزع الارضين من يدى وجعلها لنفسه ودخلها ياخذه ولا ينالنى منها تمرة ولا برة فقال الاول ما ذاك له ولا كرامة للظالم المتعدى والله لافضحنه ولاعزلنه ولاكيدن به
فالتفت اليه الثانى فقال يا خليفة رسول الله ابعث الى هذا الخبيث المخبث من يحضر حتى تنزل به عقوبتک فقد جار وظلم واعتدى.
فقال الرجل نعوذ بالله من سخط الله نعوذ بالله من غضب الله ثم قال فمن يكون اظلم واجور ممن اظلم ذرية رسول الله ثم غاب الشخص في اعيننا فقال الاول لخدمه ردوه فقالوا ما راينا احد دخل ولا خرج وان الباب لمغلق من اول الليل فالتفت الى الثاني فقال له اسمعت كلام الرجل فقال الثانى ليهولنک ذلک فان الذي سمعت في وادى الجن اعجب من هذا.
قال ابن عباس فسمعنا هاتفا هو يقول:
يا من يسمى باسم لا يليق به
اعدل على آل ياسين الميامين
اتجعل الخضر ابليسا لقد ذهبت
بك المذاهب عن راى المضلين
فتب الى الله مما قد ركبت به
لى النبى نبی ودع ظلم الوليين
نحن الشهود وقد دلی علی فدک
بنت النبي وكيد غير مفتون
فالله يشهد ان الحق حقهم
لا حق تيم ولا حق العديين
وقد شهدت اخاتيم وصيته
بانه الفاضل القوام للدين
لا تقبضن ابوبكر ابا حسن
ما خصه الله من خير النبيين
خص النبي عليا حين فارقه
بالحلم والعلم والقران والدين
دون الصحابة طرا غير مكتتم
بان حیدر من خير الوصين
لم لا وفيت ابابكر ببيعته
يوم الغدير على رؤوس الملاعين
لن يغفر الله ما دبرت فی فدک
من ظل- ظلم فاطمة مع عبد مغبون
ثم قال:
عدات اخا تيم على كل ملحد
وجرت على ال النبي محمد
و اعنيت تيما مع عدى وزهرة
وافقرت عزا من سلالة احمد
افی فدک شکا بان محمدا
جريها الفطم دون تيم بمشهد
على وسلمان ومقداد بعده
و جندب مع عمار في وسط مسجد
واشهدنا بالامس ان تراثه
لفاطمة دون البعيد المبعد
وروى جميع مشايخنا ان اميرالمومنين فقدم الى الاول بالشهادة بسبب ارض فدک وامتنع الاول من تسليمها الى فاطمة قال له يا ابابكر انشدك الله الا صدقتنا عما اسئلک عنه قال قل قال لو ان رجلين احتكما في شيئ وهو في يد احدهما دون الآخر اكنت تخرجه من يده دون ان يثبت عندك ظلمة قال ممن كنت تسال البينة منهما وعلى من كنت توجب النهى منهما قال ساءل البينة من المدعى واوجب النهى على المنكر قال فلم تحكم فينا بغير ما تحكم به فى المسلمين قال ويف ذلك قال لان الذين زعموا ان رسول الله قال ما تركناه فهو صدقة له فى تصدقه نصيب وتانت لا تجيز شهادة الشريك وتركه رسول الله على حكم الاسلام فى يدى وورثته الى ان تقوم البينة العادلة ممن لا نصيب له فيما يشهد به وعلى ورثة رسول الله اليمين فيما يذكرونه من ذلك فقد خالفت حكم الله وحكم رسوله اذا قبلت شهدة الشركاء في الصدقة علينا وطالبتنا باقامة البينة على ما نذكره فيما ادعوه علينا فهل هذا الا الظلم والتحامل.
ثم قال يا فلان ارايت لو شهد الشهود المعدلون من المسلمين عندك على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا ؟
قال اذا والله اقيم عليها الحد ولا ياخذن في الله لومة لائم.
قال (علیه السّلام) اذا والله كنت تخرج من دين الاسلام ومن دين الله ورسوله.
قال ولم؟
قال لانك تكذب الله وترد قوله وتصدق المخلوقين اذ قد شهد الله لفاطمة بالطهارة في قوله انهما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا فقلت انک تقبل شهادة من شهد عليها بالرجس وتترك شهادة الله لها بالنفى عنها فلما لم يخرجوا باقام عن المجلس وترك عليا وانصرف.
وقال مشايخنا من اذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا لا يكون كذابا ولا يطلب باطلا ولو كان قول الاول صدقا في قوله تركة النبى صدقة على جميع المسلمين فاذا فاطمة تكون ظالمة بجميع المسليمن والاجماع ان النبى باهل بعلى وفاطمة والحسنين في قوله نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ومن لم يكن كاذبا فهو صادق.
فلما رد الاول دعواهم وشهادتهم اما انه فى شک من کلام الله تعالی او شک فی صدقهم وكلاهما باطل وقال الله تعالى كونوا مع الصادقين فقطعنا على صدقهم ولو اجتمع العالم عليهم .
والعجيب كيف يرد شهادة امير المؤمنين وهم يروون قول النبى على مع الحق والحق على الخبر.
او كيف ترد شهادة الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة او كيف يرد شهادة ام ايمن امرأة من اهل الجنة وانها كانت تخبر بفضائل النبى قبل ظهور حاله او كيف يكذب فاطمة في دعويها وهم يروون فاطمة بضعة منى فالنبي لا يكذب ونسبتهم بانهم يجرون لانفسهم فاقامهم مقام الكذابين الشاهدين بالزور الطالبين لاباطل
المستحلين للمحارم واعتقادهم انها طلبت باطلا وقالت كذبا ولم تكن تعلم من دين ابيها انها لا حق لها في تركته ثم يدعون مع هذا خذوا شطر دينكم (عليكم)(1)من عايشة الخبر(2).
فتحفظ عايشة جميع الدين وتجهل فاطمة ساله حتى تطلب محالا .
واعجب منه ان بعلها لم يعلمها الصواب ولم يمنعها عن الخروج من منزله ليطلب الباطل بين الناس .
واعجب من ذلك ان النبى لم يعلم ابنته ولا يوصى اليها انه لا حق لها في ميراثه وقد جرت عادة العقلاء بذلك مع قول الله وانذر عشیرتک الاقربين وقوله يا ايها الذين آمنوا قوا انفسكم وأهليكم نارا وقوله بعثت الى اهل بيتى خاصة والى الناس عامة وقال النبي نحن اهل البيت لا تحل لنا الصدقة فلو كان تركة النبي صدقة لما جاز لها مطالبتها ولا استحل اخذها واذا كانت صدقة على المسلمين فالمسلمون كلهم شركاء فيه فكيف يقبل الاول شهادة الشركاء وبما كانوا تجرون الى انفسهم كما كان على (علیه السّلام) يجر الى نفسه على زعمه وقد حصل العلم بزهدها وزهد ابن عمها في الحلال من الدنيا فكيف الحرام الذي لا يجوز طلبه.
ومن اطعم الطعام على حبه المسكين واليتيم والاسير ونزلت فيه هل اتى لا يطلب ولا يلتمس الباطل ولا يجر الى نفسه ولا يظلم الناس ولا كان الاول اعلم بشرع النبي من فاطمة وبعلها وولديها.
وقد اجمعوا ان عليا كان عنده ما خلفه رسول الله من تركته البغلة والسيف والعمامة فكيف جاز لهم ترک ذلک عند على وهو باجماع لا تحل له الصدقة وان كان على قهرهم على ذلك خرج من دين الله ووجب عليهم محاربته كقصدهم المسمين باهل الردة اذ كان قد خالف النبى تعمدا بمنعه بما امر به فى تركته وخالف الله تعالى جهارا فى استحلاله الصدقة وقد حرمها الله عليه ولزمهم ايضا في امساكهم عن محاربته في ذلك ما لزمه من الذم واستحقاق العقوبة وهذا يوجب عليهم البرائة من جميع المهاجرين والانصار وان كانت الصحابة حاربوا عليا في ذلك لقد خالفوا جميعا رسول الله بتركهم صدقته فى اهل بيته وقد اخبرهم انهم اهل بيت لا تحل لهم الصدقة.
هذا مع ما يلزمهم من تكفير اهل البيت جميعا متى صح ان تركته صدقة لان النبي كان خان اهل بيته فى ذلك لانهم لا يخلوا اما ان يكونوا قد علموا ذلك من النبي فخالفوهم تعمدا فيلزمهم الكفر او ان يكونوا لم يعلموا بذلك فقد خانهم رسول الله بكتمان امر الصدقة عنهم واعلام غيرهم ذلك مع تحريمهم الصدقة عليهم وانه ورثة رسول الله وهذا يوجب ان يكون النبى قد قصد فتنة المسلمين واضلالهم وهلاكهم وکذلک من ظن باهل بيته مخالفة النبي في ما امر به من انی(1)تركته صدقة فقد كذب رسول الله في قوله انى تارك فيكم الثقلين الخبر ومن كذب رسول الله كان ممنن لا يومن بالله .
سلامة الموصلى:
يا ذا الذي خان مولایی و ابعدها
1) كذا في النسخ والظاهر: ان.
عن ارثها فدكا وازواها
ان فلت ان رسول الله قال لها
لا تقربى فدكا بعدی و اوصاها
اوجبت ان ابنة المختار ظالمة پ
اذا خالفت ما روسل الله اوصاها
او قلت خوّلها عن امر خالقه
فلم تهضمتها ما كان اعطاها
تری ابوها بامر الله خولها
او ادركته له القربى فحاباها
ان قلت خولها للقرب ابنته
اوجبت ان اباها خالف اللاها
تبت یداک اخا تیم با خبتا
وحسبک النار يوم البعث تصليها
اصبحت اسقی قریشا كلها عملا
کا ثمود قد اركان شاقاها
وانت غادرت بالامس بضعتها
وقد علمت بان الله ارضاها
لغيره:
اتراهم عدلوا في منعهم
بنت ختتام النبيين فدک
ام تراها غلطت فيما ادعت
حاش لله وما قالت افک
ابن حماد:
منعهم فاطمة ارثها
وما كان فى الحق ان يمنعوه
ولولا الغمى والهوى لم يكن
ليحمل ظلمهم شايعوه(1)
تری طلبت غير ما تستحق
ام جهلت علم ما علموه
تری لم یکن بعلها صادقا
فلم فى الشهادة لم يقبلوه
فلله من اثر آثوره
وظلم عظیم لهم اسوره
1) كذا.
وله:
وابتزارث المصطفى من
عندها من فدك عدوانه
فطالبته واقام عنده
هودها فردهم بهتانة
وله:
قل لی لما لطمت
اظلمت تام ظلمت
وجهلت ام علمت
لابد من لا او بل
ترى النبی لم یقل
بها قبیل یرتحل
لا تطلبی ما لا یحل
ام كان عن هذا سهی
تری علي اذا شهد
لها بزور واجتهد
وكان اتقی من زهد
هات قل لى ما تشا
ولو كان واضع هذا الخبر قال انا من بنى الانبياء لا اورث ما تركته فهو صدقة لكان مقبولا لكنه قد عمى حتى يظهر لاهل المعرفة باطله وكذبة بشهادة كتاب الله نحو ورث سليمان داوود وقول ذكريا رب هب لي من لدنک ولیا فان قالوا انما سليمان ورث داوود النبوة فيقول كيف لم يرث اهل البيت الامامة عن النبي لو كان النبي من الانبياء عشرة نبيين لكان بالحصص اذ الميراث لا يجوزه بعض دون بعض فيلزم ان يكون اولاد الانبياء موجودين في كل زمان فباق ذلک فی اولاد نبينا واولاد اولاده ووجدنا كثيرا من الانبياء اولادهم انبياء ووجدنا كثيرا غير نبى اولهم آدم ثم نوح وغيرهم .
الناشي:
وقد غالبوا ابنة المصطفى
علی فدک مثل ما غالبوا
شهدا لها وهى صديقة
دقوها ولا صدقوكا
ولا صدقوا الحسن والحسين
ولا ام ایمن اذ واقفوكا
الم يكفهم قول خر الورى
علی مع الحق...
ابن حماد:
بنفسى منهم الزهراء ولما
تغشاها من الحدثان مغشى
عدت تیم وفعل بنى عدى
عليها وهى و نهی ذات دهش
بوالدها وقد سقى المنايا
فجازوا ارثها منه بفحش
فولت عنهم والدمع جار
بظلمهم لها والطرف مغشى
الى قبر تضمن خير میت
سموع ما تقول لها و تنشى
بعلم منک ما قدنيل منها
ابى والقلب بالاحزان محشى
محمد الموسوي:
قد اعتديت على الزهراء في فدک
ولم یذقها شديد الذل الاك
اذيت فيها رسول الله ظالمة
فلا ملام علينا ان لعناک
وقل قال رسول الله لست بمورث
ودون الورى بالقول ناجاک
وقد اتت بشهود ما لمثلك ان
ترد امثالهم يوما بدعواک
ظلما وافكا نقض الله منک علی
ما تقتضى حكمه فی دینه فاک
طلبت اعدل من صنو النبي ومن
سبطيه يا ذا الذى للغى اعماك
احمد بن علوية:
يا ذا الذى جعل التراث لغيره
ن غير معرفة با هو جان
لو کان ذاک کما یؤل لم يكن
يقضى بمورثه له الحكان
انى يكون وليس ذاك لكائن
للابعدين وراثة الاخوان
حاز الوراثة بالحقيقة دونهم
اذ لم يكونوا عندها يا دانی
قامت الدلالة على وجوب العصمة والمقدمون على اميرالمومنين غير مقطوع على عصمتهم باجماع واذ ثبت وجوب عصمة الامام فكان من قال بذلك قطع على انهلا حظ لهم فى الامامة والقول بامامتهم مع القول بعصمة الامام خروج عن الاجماع واذا دللنا على ثبوت النص على اميرالمومنين ومع ثبوت النص عليه لا يثبت امامة لغيره على حال ولا دليل على صحة امامتهم وما لا دليل عليه لا يجوز القول به وحجتهم العظمى فى امامتهم ادعاء اخبار الصحابة لهم فقالوا قد ثبت انهم لا يجتمعون على خطاء الامام اذا نصبته الامة لم تخل من ان يكون محتاجا الى من يعلمه وياخذ على يديه ويقيم الحد عليه ولولا يكون كذلك فان لم يكن محتاجا الى ما ذكرناه فهو المعصوم وهذا نقض قولهم واذا كان محتاجا الى ذلك فلابد ان يكون له امتام وذلك الى ما لا نهاية له وذلک فاسد.
الامام هو الذي يقيم على الامة الحدود وتاخذ منه الحقوق ومحال ان تنصب هي من يقيم الحدود عليها وياخذ الحقوق منها لانه لو جاز ذلك لجاز ان ياخذ الحقوق من
انفسها وتقيم الحدود عليها ولو جاز ذلك لاستغنى عن الامام واجتمع الاصل الذي اجتمعنا نحن وخصومنا عليه انه لا بد له من امام.
لا يخلوا الاختيار من ان يكون الى كل الامة او الى بعضها فان كان الى كلها لم يجز ان يقام الامام الا بعد اجتماع الخلق عليه وفي ذلك اهمال وتعطيل لكل فرض ومضى الدهور قبب ان يقوم الامام او يكمون الى بعضها فواجب على ابعاض الامة كلها اذا اتصلبهم موت الامام فينتذبوا الى نصيب الائمة فيصيب فيقيم كل بعض اماما لان اقامة الامام الى البعض وليس البعض الذى له اوجبتهم الامام معروفا وان قالوا يقيمها العلماء ففي كل بلدة علماء.
بوجه ان يختار الامة رجلا فيكن اماما تجب طاعته عليها عند الله ويكون الذى يعصيه عاصيا الله ورسوله الجاز ان يختار الامة رجلا فيكون نبيا لهم فلما استحال اختيار النبي استحال اختيار الامام.
لما كان الامام لا يكون الا معصوما والعصمة ليسيت فى ظاهر الخلقة استحال ان يختار الامة لانه لا سبيل الى معرفته واذلم يجد السبيل الى معرفته لم يمكن اختياره .
لما كان الاختيار من بعض الامة وهم العلماء على زعمهم وكان في العقول ان يختاروا من عرفوا باطنه وظاهره ان امكنهم ذلك دون من لم يعرفوا باطنه وجب ان يختار كل واحد من الاعلماء الا نفسه لانه عالم بظاهرها وباطنها واذا وجب ان يختار كل واحد نفسه فسد الاختيار لانه لا يجب ان يكون الف امام فى وقت واحد ولا يكون بتة لان كل واحد يختر نفسه ولا يختار عنه.
قوله تعلى وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة وقوله تعالى يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس.
قال الله تعالى لابراهيم انی جاعلک للناس اماما قال ابراهیم سرورا بها ومن ذريتي قال لا ينال عهدى الظالمين قال ومن الظالم من ولدى قال من سجد لصنم دونى وقد تقدم هذا المعنى من قبل.
اجمع المفسرون ونقلة الاخبار انه لما نزلت عليه سورة برائة دفعها النبى الى الاول ثم اخذها ودفعها الى على فاختلفوا فى تفصيل ذلك فقال الواقدى وعروة الزبير وابوهريرة انه اخذها منه قبل الخروج فدفعها الى على وقال لا يبلغنى عنى الا انا او رجل منى .
وفي رواية احمد والبلاذرى فى كتاب اخبار الملوک عن ابن عباس ان النبي بعث سورة برائة مع ابى بكر ثم بعث عليا فاخذها منه .
وفى الصحيح الترمذى ومسند احمد بن حنبل عن زيد بن نقيع ..... ابوبكر لما اخذ منه بكى وقال يا رسول الله حدث فى شيئ قال لا ولكن امرت ان لا يبلفها الا انا اورجل منى.
وفي تاريخ ابن جرير باسناده عن الترمذى وفى فضايل السمعانى ايضا ان عليا اخذها منه عند الشجرة من ذى الحليفة . وفي رواية عن الطبرى انه ادركه بالعرج.
وروى الحاكم الحكانسی(1)باسناده عن سماك بن حرب عن انس وروى الشعبي عن محرز عن ابي هريرة انه ادركه بذى الحليفة وفي رواية ابي رافع انه لحقه بين مكة والمدينة .
قال ابن عباس فلما سار يعنى ابا حبتر نزل جبرئيل على النبى وقال ان الله يقرئك الشسلام ويقول لا يؤدى عنك الا انت او رجل منك فاستدعى عليا وقال اركب
1) كذا فى المخطوطات والظاهر : الحسكاني.
ناقتى الغضباء ... الاول فخذ برائة من يده وامضى الى مكة فانبذ عهد المشركين اليهم وخير الاول بان يسير مع ركابك او يرجع فلما قص عليه عاد الى النبي جزعا وقال يا رسول الله انک اهلتنى لامر طالت الاعناق فيه فلما توجهت له رددتني عنه فقال هبط الى جبرئيل عن الله تعالى انه لا يؤدى عنك الا انت او رجل منك ولا يؤدى عنى الا على.
وعن الباقرين عليها انطلق على بها حتى اذا كان يوم النحزر قام عند جمرة العظمى ثم جعل ينادى .
ابونصر عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال خطب على الناس واحترط سيفه فقال لا يطوفين بالبيت عريان ولا يحجن البيت مشرك ومن كان له مدّة فهو الى مدته ومن لم يكن له فمدته اربعة اشهر وفي رواية ابي عبدالله الحافظ باسناده عن زيد بن بقيع عن امير المؤمنين الا لا يدخلن الجنة الانفس مومنة.
وفى رواية عن الباقرين (علیهما السّلام) انه جعل ينادى بهذه الآيات فسيحوا في الارض اربعة اشهر لمن كان له عهدا فقام خداش وسعيد اخو عمرو بن عبدود فقالا ولم نسير يا على اربعة اشهر بل برسا منک و من ابن عمک وليس بيننا وبين ابن عمك الا السيف والرمح و ان شئت بدانا بک فقال على ثم قال فاعلموا انكم غير معجز الله الى قوله عهدهم الى مدتهم واولئک حى من كانه(1)وكانت مدتهم تسع اشهر وفي رواية انه على قبيس يوم الحج الأكبر وابلغ جميع اهل الموسم يتلهفون عليه وما فيهم الا من قتل اباه واخاه او حميمه فصدهم الله عنه وعاد الى المدينة وحده سالما منصورا فقد ثبتن
1) كذا والظاهر: كنانة.
لعلى في هذا المقام ست خصابل وثبت عليه یعنی ابابكر ست خصال فعلى الناسخ وهو المنسوخ وعلى العازل وهو المعزول وعلى المثبت للعلى وهو المنفى له وعلى المدى عن النبى حكما وخبر وهو الذى لا يصلح ان يودى عنه وعلى منزه عن موقف الجهل بالموسم والموقف بالمزدلفة ومن حج ذى الحجة وختم به حج الجاهلية وهو غير ذلك وعلى من النبى وهو ليس منه سفمن نفاه الله عن محمد لا يصلح للامامة وکذلک من نفاه في الدين والاداء للذمم عن النبى فلا يصلح ايضا وفي كتاب الاصح انه احتج عليه جماعة فقالوا انت المدفوع عنها في اداء ذمة واحدة في حيات النبى فكيف قمت مقامه في جميع الذمموانت معزول بالله ليس لاحد من الامة ان تولى من عزله اللله فى السماء ومحمد فى الارض الا بوحى من الله وهذا معدومه .
انت معزول رسول الله فانه عزلك عن الراية يوم خيبر وعن قتل صاحب الاختلاف ذى الثدية حين امرك بقتله وعن الجيش الذى نزل فيه سورة والعاديات وعن سكنى المسجد وامر بسد بابک وعن الصلاة يوم تقدمت بامر بلال عن عايشة فاذا كنت منسوخا فان الله قد امر بامور قد نسخها وحرم العمل بها وخطرها وحرام العمل المنسوخ مع الناسخ هذا اذا كان تابعا فكيف تجوز ان يكون موديا عن ذمم رسول الله متبرعا فقال هذا قول على عنه لا قولكم.
ثم امر خالد بقتل على وقالوا كيف يودى عنه بعد موته ولم يود عنه في حياته ومن لم ياتمنه الله على اية كيف يوتمنه رسول الله على امته عزله النبي عن ادائها فكيف يجوز لهم ان يولوا ولاية على من عزله به واذا لم يصح مع وجود على الاداء عن النبي والقيام معه لتسع ايات او عشر فكيف يجوز مع وجوده ان يقونم مقام رسول الله في ستة الاف وماتين وثمان عشرة آية والشريعة كلها .
البشنوي:
بعثت برائة مع ابي بكر فما
رضى الاله لوال الموسم
من ليس يرضى ان يبلغ سورة
عنه فكيف له بامر مبرم
ابوحاتم:
وكيف يولى الأمر من كان في الوغى
بخيبر اذ لا قوة اول من ولی
ووليتم معزول يوم براءة
ولم يرضه الرحمن في سورة تتلى
الحميري:
ويوم برائة ووحين وجه احمد
عتيقا ويتلوها ويتلوها بجمیع وسیع
فاتبعه عزلا وقال لصهره
اليه فبادر انه سيضجع
ففیئ فيها جتائت من الله عزمه
ليوذنهم بالحرب منهم فيدفعوا
فادرکه من بعد ما سار ليلة
ويوما وقلب الشيخ حيران موجع
فیماه ربى فى القران يمنه
اذا ما من الرحمن والامر مقطع
العوني:
ما رویم شرح رد المرسل
بالامر فی برائة المنزل
فیعرفوا حقا مقام الاول
حتما على الله بلا تعمل
وتعرفوا المسخوط والمرضيا
البرقى:
اجعلتم تیم الله هاشم
والشاء تعجز ان يكون رعاآ
و نسيتم الی مضی ببرائة
نحر الحجيج ليورد السفهاآ
فاتي الأمين فقال ربک ذوالعلی
تقراء اللهم عليك منه براآ
ويقول ليس يرد عنك رسالة
خلقا سواک فلا تؤد هذاآ
من تقوم مقام روحك روحه
نصحا ودينا كاملا ووفاآ
غيره:
من کان ارساله نبيكم
الحرب ذات مراحل
تعل يتلوا برائة بين اهل منى
والمشركون يهاد و ادخل
فی تسع آیات منزلة
فیها اذ ان الله یستعمل
قد كان قلدها ابابكر
فاتبعه على بعد بالعزل
وابی تبارک و حرمه حکما
الا امر من ذلك النحلی
فمضی ابو حسن فادتهم
غیر الدليب بها والاصل
ابن اذينه عن بريد عن أبي جعفر (علیه السّلام) فثى قوله الم تر الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يومنون بالجبت والطاغوت قال ابو فلان وفلان ويقولون الذين كفرا هؤلاء اهدى من الذين آمنوا سبيلا من آل محمد الآيات ورويتم انه لما تولى الاول خرج من الغد الى السوق فقيل له في ذلك فقال لا تعزونى من عيال فانه لا بد لى ولهم من كرى تعطونيه على القيام بامركم والحكم بما انزل الله من الصلاة وبفضله والحج والجهاد والانمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك ففرض لی فی کل یوم ثلاثة دراهم ونصيب من شاة.
وذكر الغزالى فى الاحياء انه اشار الصحابة عليه بترك التجارة وكان ياخذ كفاية من المصالح .
وروى جماعة انه كان يقول ان لم تعطوني شيئا تصرفت فى معاشی وتجارتي فكانت اعمال بره بالكرى والاجماع ان اعمال البر بالكرى فاسد فالصلاة خلف المستاجر فاسدة لفساد صلاة الامام المستاجر.
ثم بين ذلك ان يكون من بعده فمن يعمل برا الى ان تقوم الساعة بالكرى فلذلك اخذ الفضة على الحكم والفقهاء على الحديث والقصاص على القصص والقراء على القرآن والموذنون على التاذين وكيف ياخذ ذلك اذ لا دخول له في قوله انها
الصدقات للفقراء ولا في قوله واعلموتا انما غنمتم من شيئ ولا في قوله یسئلونک عن الانفال حتى يعطوا الجزية ولا فى قوله قل لا اسئلكم اجرا الا المودة في القربى ولا مخرج لابواب المال من هذه الوجوه الا بالكرى وقد اخبر الله تعالى عن الانبياء فقال اتبعوا من لا يسالكم عليه اجرا .
البشنوي:
وسيد قوم خصمهم في كتابه
الههم بالخمس خمس فضوله
ليس بقصاب وليس بقارن
يام بقوم الذى جعلوا له
امستاجر بالخلف دون اهابة
عليه احبتاه سبيله
ومن ورق فى كل يوم ثلاثة
وثالثه الست الصحيح اکیله
لئن لم تكن ضلت قریش با انت
و حاشای من ذا القول اني اقوله
وکفی شک ما روی ابو عبيدة في غريب الحديث والزمخشري في الفائق وابو نعيم فسى حلية الأولياء اخبارا منها عن طارق بن شهاب انه قال الاول طوبى لمن مات في ناباة الاسلام قيل وما الناباة ؟ قال حدة الاسلام .
ومنها عن الاعمش عن أبي صالح قال لما قدم اهل اليمن زمان الاول سكمعوا القرآن جعلوا يبكون قال فقال الاول هكذا كنا ثم قست قلوبنا من بعد ذلك فهى كالحجارة او اشد قسوة.
وقد ذكره الغزالي في الاحياء.
ومنها عن زيد بن اسلم قال دخل الثانى على الاول وهو تجزر فقال الله الله غفر الله لك والاول يقول هذا اوردنى للوارد وفى غريب الحديث وهو ينضض لسانه وكلاهما بمعنى التحریک.
وقد اخرجه الغزالى فى الاحياء ايضا وفى تفسير الكرابيسى وزهرة المحفوظ البستى ومواعظ الكرامى وفى كتب كثيرة انه قال الحبتر عند موته ياليتني كنت طايرا في القفار واكل من الاثمار واشرب من الانهار وآوى الى اغصان الاشجار ولم اول على الناس ثم دخل على الثانى وهو ينضض لسانه ويقول هذا الذى اوردنى الموارد وقد شهر عنه قوله ليتنى تبنة فى لبنة وليتنى شعرة فى صدر مومن .
وقيل لابی در تحب ان تحشر في مسلاخ الاول فقال قيل ولم قال لاني على ثقة من نفسی و شک من غیری.
وفي كتاب المسترشد عن ابن جریر انه روی اسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم قال سئل شريک عن رجل مات ولم يعرف ابابكر قال لا شيئ عليه قيل فانه لا يعرف عليا قال في النار لان النبى قال من كنت مولاه فعلى مولاه الخبر.
ولقد اشتهرت خطبة الاقالة عنه لا يشك فيه اثنان وقال مجنون لعمرو بن عبيد فيقول في الامامة بعد الرسول قال لابي بكر قال ولم قدمتموه قال لقول النبي قدموا خيركم وولوا افضلكم قال فانی اوجدک انه صعد المنبر وقال وليتكم ولست بخيركم فلو له
بهذا لا يخلوا اما ان يكون صادقا او كذبا فان صدق فكذبتم عليه وان كذب فلا يصلح للمنبر .
ثم انه ان صدق فلا يصلح للامامة والامارة وان كذب فلا يصلح للامامة ثم انه كان يدور ثلاثة ايام يقول اقيلوني.
ومرة يقول البدار قبل البوار ثم يقول وليتكم ولست بخيركم منكم فلو كانت بيعته حقا ما استقالها.
والعجب انه اسقاط لهما ثم جعلهما لغيره.
قال امير المؤمنين على فى حطية بالكوفة فيا عجبا بينا هو يستقبلها في حياته اذ عقدها الاخر بعد وفاته وادعيتم الفضل لرجل لم يدعه لنفسه اقال وليتكم ولست بخيركم فكذبتم صديقكم وهو اعلم بنفسه منكم كما قال الله للانسان على نفسه بصيرة اقرّ على نفسه انه محتاج الى ان يقوم والذي يقومه اعلم بالحق منه .
القاضى اذا عزل نفسه لا يثبت احكامه وقد عزل نفسه الشيخ وكان يقول ثلاثة اقیلونى شقاق المحبث خير الناس بعد رسول الله فقال حبل وكذبت وصدق ابوبكر في قوله اقیلونى فلست بخيركم وهو الصديق وكان هذا يدل على خروجه من الدنيا على غير يقين وائنه كان فى شک مما كان عليه فلما احتضر تيقن انه ظلم نفسه .
الحميري:
وقالوا وليناكم ولست بخيركم
وتلكم لعمرى غير محترضات
وله:
وقال لهم اقیلونی مرارا
وقد ابدى ندامة نادمينا
اقیلونى ببيعتكم فاني
ارى اهل الولاية ساخطينا
اذا ما لم يطيقوا ما حملتم
وكم تلقوا بذلك ناصحينا
فحلوا المستقل به يداوى
اموركم وكونوا وادعينا
کشواذ:
شتان بين من يقل سلوني
وبين ما قال لهم قیلونی
ولنا:
ويقول لست بخركم بولایتی
فوق المنابر قوله متنصل
هو القلوب يحول دون رشادها
بنصول عهد خصبه لم ينصل
ويسومها من بعد ما ابدى لها
قول المعر وعرفة المتزلزل
ومن العجايب والعجايب جمة
تسليمهتا بوثيقة المتحيل
ثنی وسن وكلها مبثوثة
یوم السقیفة بالقرار الاول
فما رواه زيد بن على وسعيد بن جبير وابو عمرو والضرير وضارب بن مضروب وابوالقموص وغيرهم انه لما نزل قوله یسئلونک عن الخمر الآية فكان المسلمون من بين شارب وتارک فشرب الاول والثانى ثم صلوا فهجر الثاني في قوله يا ايها الكافرون فنزل يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى فكانوا يشربون قبل وقت لا صلاة فشربها الى الاول فقعد ينوح على قتلى اهل بدر شعر شداد الليثي :
تحيا بالسلامة ام بآب
وهل لک بعد ر هضک من سلام
ذرینی اصطبح يا ام بکر
فان الموت نقب عن هشام
فود بنو المغيرة لو قدوه
تالف من رحال او سوام
کانی بالطوى طوى بدر
الفتان والشيب الكرام
تحيرنا النبی بان سحنا
وكيف حياة اصداء وهام
الامن مبلغ الرحمن عنی
بانی تارک شهر الصیام
ليقتلنى تاذا ما كنت حیا
ويحيينی اذا رمت عظامی
اذا ما الراس فارق منكبيه
فقد شبع الانيس من الطوام
وقيل لسيد الحميرى لانصف الخمر بانشاد عرض به :
صفراء ان شئت قلت مشربه و رسا
وان شئت عسجدا جدا فقال
لتروادا..... المراج وتعلوا
بهاذ دعيون كالر.... في الحلل
یا طیب هاتیک لو تحل وقد
كانت حلالا في ساير الحلل
لولا فلان عن وسوء سكرته
كانت حلالا كسانع العل
وذكر الطبري في تاريخه وابوالمعالی شاهفور في التفسير عن عكرمة والزهرى والشعبي وابن مسعود ان الروم والفرس اقتتلوا فى ادنى الارض يوم اذرعات فانهزمت الروم فبلغ ذلك النبى فشق عليهم لكونهم اهل الكتاب وفرح الكفار بمكة فنزل الم غلبت الروم فى ادنى الأرض تالى قوله غافلون فقال ابوبكر ليظهرن الروم على فارس اخبرنا بذلك نبينا فقام اليه ابى ابن خلف فقال كذبت يا ابا فصيل فيا جاعل عشرة قلايص الى ثلاث سنين ثم جاء الى النبى فخبره فقال هكذا ذكرت انها البضع ما بين الثلاث الى التسع فرايده في الحضر وماده في الاجل فخرج ابوبكر فلقى ابنا فقال لعلک ندمت فقال لا تعالى اذ ايدك فى الحضر واما ذكر في الاجل فاجعلها ماة قلوص الى تسع سنين قال قد فعلت ثم اظهر الله الروم على فارس عام الحديبية وقال الشورى يوم بدر وقوله يومئذ يفرح المومنون وروى انهما اخذا اولادهم كفيلا فلما غلبت الرومفارسا وربطوا لخير لهم المدائن وبنوالرومية اخذ ابوبكر الخطر في ورثته فالخطر حرام في شريعة الاسلام .
سلامة الحنيني:
نا مولى الفجر والعشر لعشر مع
الشفع والوتر حقيقا لا كذب
لست مولى الجبت والطاغوت و
الخمر والميسر فينا والنصب
انا مولى العدول والاحسان
والبر والقربى بلحمى والعصب
لست مولى الفسق والفحشاء و
البغى.... والموت الوحب(1)
وذكر الطبريو الغزالى فى كتابيهما واللفظ الطبرى انه قال ابوبكر انظروا كم اتفقت منذ وليت من بيت المال واقضوه عنى فوجئده مبلغه ثمانية الف درهم فما صح انه قضى عنه ام لا وقد ثبت عليه هذا الدين قد قال انه ومن يغلل يات بما غل يوم القيامة.
وروى الواقدى عن ربيعة بن عثمان عن يزيد بن رومان وافلح بن عبدالحميد بن جعفر بن ابی رافع الطائى قال صاحب ابابكر في سفرها بنصيحة فقال لى لا تشرك بالله شيئا واقم الصلاة وصم شهر رمضان وحج البيت واعتمر ولا تامرن على ما تبين من المسلمين فلما استخلف حينه فقلت له يا ابابكر الم تنهنى الا اتامر على الانين قال بل قلت فما بالك تامرت على امة محمد وقال الله تعالى لم تقولون ما لا تعلمون قال اختلف الناس وحفت عليهم الضلالة ودعونى فلم اجد من ذلك بدا وقد اخرجه صاحب الاحياء كان يبنى على الامارة حيث لم يطمع فيها فلما لوح له وثب عليها .
1) كذا.
ويعسوب دين الله بل جونه الوغى
اذا خاض اهل النكث والغدرات
اذا ولوا الادبار كافح مقبلا
ولم یرد الرايات منهزمات
ولا خاف من عمرو ولا خفت مرحبا
ولا ستعلم الاحزاب مجتمعات
ولا هو ممن یفر وابنتیهم
ولا طلبوه مرة بهنات
و ممن کان اهل النفاق ولا بک
ومما كان اهل النفاق ولا بک
ناح لقتل بدر بالفجعات
ولاهر بعض المرجفين اولى الخنا
ولا من ذوى التكذيب والهزوات
ولا وضع الميراث في غير اهله
ولا خالف القران في الفعلات
ولا عبد الات المضل ولا انحنى
فیسجد للعزى ولا لمنات
وفي تفسير الحسن العسكرى في قوله تعالى واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا اف اولهم وثانيهم الى تاسعهم كانوا يلقون سلمان واصحابه ويقولون هؤلاء اصحاب الساحرى والاهوج يغنون النبى والوصى فيقول الاول اسخر منهم اذا التقوا فيقول من جاء بسلمانمن الاسلام الذى قال محمد سيد الانام سلمان منا اهل البيت ثم قال المقداد انت الذى قال فیک رسول الله لعلي يا على المقداد اخوك في الدين وقد قدمتك الخبر ثم تقول لابي ذر رضع انت الذى قال فيك رسول الله ما اقلت الغبراء ولا اضلت الخضراء الخبر ثم يقول لعمار مرحبا يا عمار لقد رضيتک رسول الله لعلی اخيه مصافيا وعلى اعدائه مناويا حتى اخبر لك ستقتل في محبته وتحشر القيامة في زمرته ثم تقول للمنافقين انها لحن مستهزئون فقال الله تعالى يتستهزئ بهم وفي تاريخ البلاذرى انه من ابوسفيان بسلمان وصهيب وبلال فقالوا لو اخذت السيوف من عنق عدو الله ماخذها فقال الاول تقولون هذا الشيخ قريش وسيدها ثم انى رسول الله فقال یا ابابکر لعلک اغضبتهم لقد اغضبت ربك وذكر ابوالعباس الحسنى في المصابيح باسناده الى عبد المومن الانصارى عن الباقر قال النبى من احب عليا ووالاه احبه الله وهداه ومن ابغض عليا وعاداه اختمه الله واعماه ووجبت رحمة ربى لمن احب عليا وتولاه ووجبت لعنة ربى لمن ابغض عليا وعاداه فقالت اما الشرور يا رسول الله ادع لى ولابي فقال ان كنت وابوك ممن تحب عليا وتولاه وجبت لكما رحمة ربى وان كنتما ممن ابغض عليا وعاداه فقد وجبت لكما لعنة ربي فقالت اعادني الله ان اکون وبی کذلک فقال ابوک اول من يغصبه حقه وانت اول من تقاتله.
الحميري:
اجدک هل سمعت مثل قوم
صواهرون وقد اتبعوا غويا
عصوا هارون واتبعوا مضلا
عتيقا فى السياسة سامريا
اشد ضلالة انا اتبعنا
ابابكر وخالفنا عليا
تبعناه ولم نتبع عليا
وكان هو الخليفة والوصية
*فصل فی تبحط کل الدیان(1)
قوله الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما انزل اليك والذی انزلنا الیک من الكتاب هو الحق ومن يومن به یعنی علی یومن به ومن الاحزاب من ينكر بعضه الاول والثاني انکر تاويل ما انزل في على .
ابوالورد عن ابى جعفر ذلك بانهم الذين اتبعوا ما اسخط الله الاية، في على بن ابى طالب وآل محمد.
صالح بن كيسان عن عبدالرحمن بن حميد عن عبدالرحمن بن عوف عن ابيه قال قال ابودور في مرضه الذى قبض فيه ثلاث وددت انى تركتها ان لم اكن حرقت بالفجأة
1) كذا.
وانی قتلته سریعا او اطلقته فحيما ووددت ان يوم السقيفة كنت قذفت الأمر في عنق احد الرجلين عمر او ابو عبيدة اميرا وكنت وزيرا وثلاث وددت انی کنت سالت عنهن رسول الله سالته فيمن هذا الامر فلم ينازعه احد وسالته هل للانصار في هذا الامر نصيب وسالته عن ميراث الاخ والعم لما وافى الناس حوله قال ابوقحافة لا اقيم في بلد تتقدم فيه ابنى على فلحق باللطائف فكتب اليه ابنه من فلان خليفة رسول الله الى ابى قحافة اما بعد فان الناس قد تراضوا بى وانا اليوم خليفة الله فلو قدمت الينا كان احسن بک فلما قرء الكتاب قال ما منعهم من على قالوا هو حدث وقد اكثر القتل فى القبائل وهو اسن منه فقال لو كان الامر كذلك فانا اسن منه لقد ظلموا عليا حقه وقد بايع له النبي وامر ببيعته .
ثم كتب اليه اما بعد فقد اتانی کتابک فوجته ترضى في الناس وهو امر ... فلا تدخلن في امر يصعب علیک الخروج منه غدا ويكون عقاك منه الى الندامة الى آخر الكتاب.
وروى انه كتب الى مسيلمة الكذاب يوبخه على فعله فاجابه اما بعد فان الناس قد اجتمعوا على كما اجتمعوا عليك و اختارونی کما اختاروک فاجبت كما اجبت فاخلع نفسک بالحجاز لاخلع نفسى بالعراق.
وفي كتاب ابى الحسن على بن عمر القزويني ان محمد بن ابى بكر كتب ال معاوية اما بعد فانک قد قدمت علی امر عظیم من ادعائك الخلافة انما انت طليق ابن طليق اسير المسلمين انت واباك وعبدهم لم يكن لكما هجرة ولا سابقة في جاهليته ولا اسلام ادعيا بني ادعياء اما امک فهند ذات الراية الفاجرة ولسنا ندرى من ابوک علی الحقيقة انما اظهرت الاسلام وامنت بزعمك قبل وفاة الرسول باشهر قلايل سبعة او دونها
وقد علمت ان امیرالمؤمنین مولاک واسبق الناس الى المكرمات والفضائل والدلالات و كشف الحروب العظيمات قتل اخاک و قسی علی الاسلام اباک وادخلك فى الاسلام كرها فلم يستحيى من الله ولا من رسوله ان وثبت عليه وغصبته حقه وادعيت منزلته وقلت انا اطلب بدم عثمان والله لقد دعاك الى نصرته فابيت وكنت اول شامت به انت الان بزعمک تطلب بدمه اف لک یا ابن هند فکتب اليه معاوية لم ازل مذ كنت اوفر على بن ابى طالب واعرف له فضله وسابقته وشرفه وشرف ابيه جاهلية واسلاما فلم يزل وراسا مروسا سیدالی بن سید حتی کان ابو ک عتيق اول من غصبه خلافة واغتصبه حقه فان يكن ما نحن فيه صوابا فابوک اوله وان يكن خطاء فابوک اسنه فقال الان ما شئت فی ابیک او دع قال فكتب اليه محمد يا عدو الله وابن عدوه ان کان ابى فعل ذلك فقد علمه الله انى برى من فعله وتنصلت من ظلمه ودخلت في اوليائه مع امام الهادى على بصيرة منى وطاعته لامير المؤمنين صلوات الله عليه فهذه صورة امرى عند الله مشهور فیالیت انک اتبعت سبیلی او فعلت فعالى وكنت ممن عرف حق امير المؤمنين ولنا عاقبة الدار على ظالمي آل الرسول الله اللعنة والبوار .
ومن كتاب الكر والفر قالوا ان انكرتم ان يكون النبى قد نص على ابى بكر بتقديمه اياه في الصلاة قلنا وما انكرتم ان يكون عمر نص على صهيب لتقديمه اياه في الصلاة قالوا وجدنا عليا مقرا لابى بكر بالخلافة قلنا وجدنا يوسف مقرا لاخوته بالعبودية قالواها انكرتم ان يسمى خليفة رسول الله من لم يستخلفه قالوا الدليل على رضاء الناس بابى بكر اول من الأمر سمعهم وطلقهم له قلنا والدليل على رضا الناس بمعاوية ويزيد وساير بني امية سمع الناس وطاعتهم لهم.
الباقر (علیه السّلام) في قوله ربنا غلبت علينا شقوتنا يعنى الأول والثاني والثالث .
للشيخ مفيد في كتاب الفصول والعيون انه سال ابوالهذيل بن ميثم ما الدليل على انّ عليا كان اولى بالامامة منه فقال الدليل على ذلک اجماع اهل القبلة بان عليا كان عند وفاة النبى مومنا عالما كافيا ولم يجتمعوا بذلك عليه فقال ومن لم يجتمع عليه عافاك الله قال انا واسلافي من قبل واصحابى الان قال فانت و اصحابک ضلالن تائهون قال الجواب هذا الكلام الا السباب واللطام.
وقال وسال هشام بن الحكم ضرار بن عمرو الضبي فقال يا عمرو حيرتي على ما تجب الولاية والبرائة ام على تظاهر ام على الباطن قال على الظاهر ايما رجلين كان اذب عن وجه رسول الله بالسيف واقتل اعداء الدين بين يديه على وفلان فقال ولكن فلان كان اشدّ يقينا فقال هذا هو الباطن ولقد اعرفت(1)لعلى بظاهر عليه من الولاية بما لا يجب لفلان ثم قال افليس اذا كان الباطن مع الظاهر فهو الفضل الذي لا يدفع قال بلى قال الست تعلم ان النبي قال لعلى انت منى بمنزلة هارون من موسى الخبر، قال نعم قال افیجوز ان يقول هذا القول الا وهو عنده فى الباطن مومن قال لا قال فقد صح لعلى ظاهره وباطنه ولم يصح لصاحبك ظاهر وباطن.
قال وسال المعروف بن الكتبى الشيخ المفيد رحمه الله ما الداخل على فساد امامته قال مجتمعة على ان الامام لا يحتاج الى امام وقد اجتمعت على انه قال وليتكم ولست
1) كذا، ولعل الصحيح: اعترفت.
بخيركم فان ........ فاتبعون وان اعوججت فقومونى فاعرف بحاجته الى رعيته وفقره اليهم فى تدبيره ومن احتاج الى الرعية فهو الى الامام احوج فاذا اثبت حاجته الى الامام بطلت امامته بالاجماع المنعقد ان الامام لا يحتاج الى امام.
وقال بهلول للقاضى يحيى بن اكثم من تولى الأمر بعد النبي فقال الاول قال ليس لاحد ان يوتى من عزله الله الا بوحى من الله وهذا معدوم لانه معزول عزله رسول الله عن الراية وعن قتل صاحب الاختلاف وعن الجيش الذي نزلت فيه سورة والعاديات وعن سكون المسجد وامر بسد بابه وعن الصلاة يوم تقدم بامر بلال عن عايشة وعن اداء سورة برائة وكنا منسوخا وان الله تعالى قد امرنا بامور ثم نسخها وحرم العمل بها وحظرها فصار كالحايض عن العبادات وكالسكران عن الصلوات.
وقال لبهلول(1)لواصل بن عطا كيف يصلح للامامة من يقول ان لى شيطان يعتريني فان زغت فقومونى وان استقمت فاعینونی وان غضبت فيجنبوني قفهو يخبركم على المنبر انه مجنون او كان يحل لكم او تولوا مجنونا وقوله فاذا رايتموني مغضبا فجنبونى فاقر انه لا يومن اذا غصضب ان تمثل باشعار السلمكين وابشارهم.
وقد روى عن النبى انه قال المومن لم يخرجه غضبه من الحق الخبر.
وقال الشيخ المفيد لابي بكر الباقلانی الک دلیل علی امامته قال اجماع الامة قال اليس الايمان من شرط الامامة قال نعم قال فاين قامت الدلالة على ايمانه وقال ضرار لابن میثم جئتک مناظرا فى الامامة قال حيث متحكما قال ومن اين لک ذلک قال انت تعلم ان المناظرة ربما انتهت الى حد يغمض فيه الكلام ويتوجه الحجة على الخصم
1) كذا ولعل الصحيح: البهلو.
فیتحمل بذلك او يعاند ولن يشعر بذلک اکثر مستمعه بل کلهم ولكني ادعوك الى منصفة من القول اختر احد الامرين اما ان تقبل قولى في صاحبی واقبل قولک فی صتاحبك فهذه واحدة فقال ان قبلت قولک فی صاحبک قلت فيه انه كان اماما وافضل من خليفة النبى فلا ينفعني بعد ذلک ان قبلت ذلک منک ان اقول انه صهر النبى واختاره المسلمون اماما قال فاقبل قولی فی صاحبک واقبل قولک فی صاحبی قال وهذا ايضا لا يمكن اذا قبلت قولك فيه نسبته الى الضلالة والظلم والنفاق فلا ینفعنی قبولک قوولى انه صاحب وامين قال فاذا كنت لا تقبل قولک فی صاحبک ولا قولى فيه ولا قولى فى صاحبی ولا قولك فيه فما جئت الا متحكما .
وقال مجنون لعمرو بن عبيدة ما الدليل على امامته قال تراضى الناس به فقال كيف تراضوا به الناس وان اكثر الانصار قالوا منا امير ومنكم امير واما المهاجرون فان الزبير قال لا ابايع الا عليا فامر به وكسر سيفه وجاء ابوسفیان فقال يا ابا الحسن ان شئت ملأتها خيلا ورجلا يعنى المدينة وخرج سلمان.
فقال کردید و بکردید و ندانید که کردید.
فوجى عنقه وابا بنو هاشم تبعته فهؤلاء المهاجرون والانصار .
وقال بعضهم وكيف يصلح لها من اعترف انه من اهل النار دولة.
الواقدى عن عبد الله بن جعفر عن بن عون قال قال الاول قد علمت اني داخل النار و واردها فلیت شعرى هل اخرج منها ام لا .
النبى اذا لم يستخلف كيف جاز لابى ركب ان يقول البدار البدار قبل دخول النار ثم انه شاک فی نفسه فيدعوا الناس الى النار .
وقال ابن میثم لابي الهذيل اخبرنى عمن اقر على نفسه بالكذب والشهادة الزور هل يجوز شهادته في ذلك المقام على آخرين قال لا قال افلست تعلم ان الانصار دعت الامره لانفسها ثم اكذبت نفسها في ذلك المقام وشهدت عليها بالزور ثم اقرت بها للاول وشهدت له فكيف تجوز شهادة قوم اكذبوا انفسهم وشهدوا عليها بالزور مع اخذنا و هنک به من القول فی ذلک.
احمد بن يوسف:
ايها السائل عن خير الورى
خير من تحت السماوات نزار
وقريش ذروة المحدوفى
هاشم ارست عتوى وقرار
هاشم فخر قصی کلها
ابن تيم وعدى والفجار
لهم اید طوال فى العلى
ولمن ساماهم ايدى قصار
لهم الوحی وفهیم بعده
امرة الحق وللحق خيار
وهم اولی بارحامهم
فی كتاب الله ان كان اعتبار
بعيد كقريب نسبا
لا ولا يعدل بالطرف الحمار
الموالى لمواليهم وان
ابنة الدهر له ریشا فطار
ولفيف الفوا بينهم
بيعة فيها اختلاف و انتشار
زعموها فلتة ثم ادعوا
انها جامعة وهى البوار
قوله ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى الآية محمد بن عبدالحميد و ابان بن تغلب عن الصادق اتى الأول بعد البيعة الى اميرالمومنين وقال يا ابا الحسن ما كان هذا الامر عن مواطاة منى ولا رغبة فيما وقعت فيه ولا حرصا عليه ولا ثقة يرضى فيما تحتاج الامة اليه ولا قوة بمال ولا عشيرة ولكن خفت الفتنة حكين رايت من الانصار ما رايت ومن انحراف قومک عنک فمالک تضمر علی ولا استحقه فیک و تظهر لی الكراهة فيما صرت اليه وتنظر الى بعين السامة فقال له على (علیه السّلام) یا ابابکر انک شیخ قريش وذو السابقة الى الاسلام فما كلفك اذ لم ترغب فيه ولم تحرص عليه ولا وثقت بنفسک فی القيام فيه فيما يحتاج منه منک فقال حملنی علی ذلک اجتماع الناس علی
وحديث سمعته من رسول الله ان الله لا تجتمع امتى على الضلالة فقال على افكنت واهلى من الامة اولم تكن قال بل خير الامة قال وكذلك العصابة المجتمعة عليك ثم ساق الحديث وانشده بالفضائل حتى عدّد عليه اربع مأة منقبة الى ان قال فهذا و شبهه یا ابا ركب يستحق به الامامة والقيام بامور امة محمد مع العلم بالكتاب والقضايا والحدود وانت خلو من اكثرها وليس عندك ما يحتاج اليه الامة ان حاجتك منا بدا وجادلك معاندا فما حجتک غدا عند الله وما تقول لرسول الله ولم يامرک به ان كنت تومن بالله واليوم الاخر؟
قال فبكا الشيخ وقال صدقت يا ابا الحسن انظرني فادبر فيها انا فيه فبات ليلته فراى رسول الله في منامه كانه ممثل في مجلس فقام الأول لتسلم عليه فاتاه مقابل وجهه فسلم فولی وجهه حتى اتاه ثلاثة فسلم على ذلك يولى عنه وجهه فقال يا رسول الله امرتنی بامر فعصیتک فاحرضت عنى فلا ترد سلامى على فقال عاديت ولی الله ولی رسوله ادّ الحق الى اهله قال فمن اهله یا رسول الله قال من عاتبک علیه علی بن ابی طالب فقال رددته عليه ثم لم يره فاثبته مذعورا فلما اصبح جاء الى على في بيته وقال ابسط یدک ابایعک یا ابا الحسن واخبره بما راى في نومه قبسط يده فمسح عليها و . سلم اليه وقال له اخرج الى مسجد رسول الله فاخبر الناس بما رايت وبما جرى بینی وبینک واخرج نفسي من هذا الامر واسلمه اليك فلما خرج من عنده صادفه الاعتر وقال ما لک یا خلیفة رسول الله فاخبره بما كان منه وبما رأى في منامه فقال له انشدك الله ان يبادر الى هذا فانك تشمت به آخر الدهر وبعد فان قريشا لا يوافقک عليه ولا يغرك سحر بنی هاشم فليس هذا باقل ما سمعت منهم فما زال به حتى رده عن رايه وصرفه عن عزمه ورغبه فيما هو فيه وفى الثبات عليه.
وفي رواية الحلبى عن اشياخه انه قال أتريد ان تشمت بنا بنو هاشم ويستولوا على الامر فتعود الى اتان ابی قحافة ولانامن على انفسنا من ابن ابی طالب ولم يزل به حتى رده ثم قال سيا لكيع انما اراد ان يمكر بك فليظهر للناس امرك فقلنا الغوغاء اما ان تنظر لنفسک ولنا قبل ان نهلک انک لعاجز الراى حيث الامر قد استقام لك تريد ان ترده الى اهله بعد ما ملكته اف لك يا اكل الذبان ثم انه راى عليا في المسجد فقال الثانى يا ابن طالب دون ما ترون منا خرط القتاد .
وفي رواية الى حازم القزويني عن الرضا وفي رواية ابان بن عثمان ان الاول رقا المنبر وقال ايها الناس اقيلوني اقيلونى ثم بدا بقص الرويا فقام اليه ابو حفص فقال ما الذي دهاک والله لا افلناک ولا استقلناک ورقا المنبر وصدّه عن مقل اثم(1)انه راى اميرالمومنين عند قبر النبي فقال له دون ما تريد خرط القتاد وسيوف حداد الخبر.
...... وقال للاول يوما وقد لاقاه قول الواعظ الزاجر :
حلت مقاما لست اهلا له
ولا تكن فى العد بالغادر
انی اولی منک فان ابیتنی
بحجة او علم ظاهر
قال اترضی بالنبي الهدى
فقال كالمستهزء الساحر
واين منا وهو تحت الثرى
1) كذا ولكن الصحيح عندنا: مقال ثم.
حتی یقوم للحشر الحاشر
قال فان شاهدته حاکما
علیک حک الموجب الآمر
تسلم الأمر ان لهله
موفيا لیس بمستاثر
قال نعم فاستاقه حيدر
الی فنالی سکة المایر
اذا رسول الله فى قبلة المسجد
لا يخفی عند راغم صاغر
فقال سلم لعلی الهدى
تسلیم عند راغم صاغر
فارتاع خوفا وعلا نافرا
منه کمثلک الحمل النافر
وللكفر لا بورک فی سادر
و حتی اذ ما صده سادر
وقال ما مثل بنی هاشم
فی ساير العالم من ساحر
وزاده كفرا علی كفره
رأفة العجل من السامرى
الحسن بن كثير عن ابيه قال دخل محمد بن ابى بكر على ابيه وهو يتلوا فقال يا ابة ما لی انک بحال لم تكن بها قال يا بنى لرجل قبلى مظلمة لو احلنى منها الرحرت ان افيق قال ومن هو یا ابه قال علی بن ابی طالب قال یا ابه انا ضامن علیه تحلیلک قال فانت اعظم الناس منة على اذا قال فاتيت عليا وسالته ان يحلله فقال نعم يا بنى وکرامة لک ایت اباک فقل له ایت المنبر فاخبر الناس بظلامه اياى وهو في حلّ قال فلما ذكر ذلك لابيه قال ما اراد الا ان لا يصلی علی ابیک اثنان .
وروى ان محمدا قال لاميرالمومنين ابسط يدك ابایعک علی ان ابی ظلمک حقک فقال له وكيف علمت قال لان ابى الى حضرته الوفاة كنت انا واخي عبدالرحمن وعايشة وزفر عنده وكان يقول يا ويلى ثلاثا فقال زفر يا خليفة رسول الله تدعوا بالويل والثبور فقال هذا رسول الله وعلى يبشرانى بالنار وهو يقول لعمرى لقد وفيت بها وظاهرت على ولى الله انت و اصحابک الاربعة عشر فابشروا بالنار في اسفل السافلين وبيده صحيفة التي تعاهدنا عليها فى الكعبة ان مات محمد ما نجعل الخلافة في اهل بيته فلما سمعها زفر خرج وخرجت عايشة واخى عبدالرحمن يقولون انه ليهجر فقلت له قل لا اله الا الله فقال لا يتهيا لى ان اقولها يا بني قد حيل بيني وبينها حتى ادخل التابوت فقلت ای تابوت من نار مقفل عليها يقفل من نار فيه اثنا عشر رجلا انا واصحابى قلت والثاني قال نعم قلت له اتهدى قال لا والله ما الهدى لعن الله بن صهاک فهو الذي صدني عن الذكر بعد اذ جائنى فبئس القرين فما زال يدعوا
بالويل والثبور حتى غضته ثم قال كلهم اياك ان تخرج شيئا مما سمعنا فيشمت بنا ابن ابی طالب قال محمد قال لى اميرالمومنين بعد وفاة الثانى ايت عبدالله بن عمر فانه وابوک فی مکان و علق معه و احک حكاية ابيك فلما قلت له ذلك قال يا محمد اكتم على ما اقول ان ابى حضرته الوفاة بكى فقلت له ما يبكيك فقال ایت علی بن ابی طالب وقل له ارد الامر الیک فتجعلني في حلّ مما كان بينى وبینک فلما حضرته قال تکلم یا ابا حفص قال تحللنى من كل شيئ عملته بک واردّها علیک قال نعم على ان تشهد رجلين من المهاجرين ورجلين من الانصار بانک ظلمتنی حقی انت و صاحبک وادعيتما ما لم يكن لكما باسم فحول وجهه الى الحايط فخرج علي فقلت له يا ابه لقد اجابک الرجل فاعرضت عنه فقال انک احمق انما اراد ان لا يصلى علي احد فلما حضرته الوفاة كان منه مسلما ما كان من ابیک.
البراء بن عازب في خبر اجتمع المغيرة بن شعبة وابو عبيدة بن الجراح والاول والثاني فى الليلة الثانية من وفاة النبى وخافوا نفاخ الامر فقال المغيرة ارى ان تلقوا العباس فتجعلوا في هذا الامر نصيبا يكون له ولمن بعده فتكونوا حينئذ قد قطعتم عنكم ناحية بنی هاشم ويكون لكم حجة عند الناس اذ مال العباس معكم فقال ابوبكر ان النبي خلا الناس تدبروا امرهم يختاروا لانفسهم في ما يصلحهم متفقين لا مختلفين وان الناس اختارونى عليهم واليا ولامورهم راعيا ثم قال فاما ان دخلتم في ما دخل فيه عامة المسلمين واجتمعوا او صرفتم الطاعنون عما مالوا اليه وقد جئناک یزیدان نجعل لك فى هذا الامر نصيب يكون لمن بعدك اذ كنت عم رسول الله وان كان المسلمون رأو مكانك و مکان صاحبک فعدلوا هذا الأمر عنكم فعل رسلكم یا بنی هاشم فان رسول الله منا منكم فقال الثانى اى والله واخرى انا لم تاتكم من حاجته ما اليكم
ولكن كرهنا ان يكون الطاعن هنا فسقا قم الامر بكم وبهم فانظروا لانفسكم وعامتكم فقال العباس لقد اعجبنى شجاعة ابن أبي قحافة بعد الحين وخطابته بعد الغى الا كان هذا يوم خيبر ويوم حنين وقد انهزم عن رسول الله في كلام طويل له ثم قال وزعمت انه خلا الناس يختارون لانفسهم مصيبين للحق لا ما يلين بزيغ الهوى فان یک هذا الامر لرسول الله فانت بحقنا اخذت وعلينا تعديت ولنا ظلمت ولن يكن للمسلمين فما وجب لك اذ كنا كارهين لما اتيت وما ابعد قولک انهم قالوا الیک من قولهم عدلوا عنك وما اقول فى هذا اروم صرفك ولاذاني في لبس من امرک ولكن الحجة يصيبها من البيان واما ما بدلت فى ولمن بعدى فان یکن حقا لک تعطیناه فامسکه علیک وان يكن حقا للمسلمين فما لك ان تحكم فيه دونهم وان يكن حقا لك تعطيناه فامسکه علیک وان یکن حقا للمسلمين فما لك ان تحكم فيه دونهم وان يكن حقا لنا فانا لا نرضی منک احد بعضه دون ان ياخذ حقه كله واما قولک رسول الله منا ومنكم ورسول الله شجرة نحن اغصانها وانتم خيرانها واما قولك يا ابن الخطاب انک لا تخاف الناس علينا فان الذي قد تقدمتم له اول.
العوني:
امامي هو المختار والقوم جيرة
وهل يستوى الجيران و بك مع الاهل
الحماني:
اذا ناز عتک قريش الفخار
یوما دامتک طغیانا
فزدها بخطبة عم الرسول
بغی الحمير برهانا غداة
یقول لها القائلان
وشر المقالة برهانا
على رسلكم يا بنی هاشم
کان المشاة امنانا
محمد منا ومنكم الا فلا
تنس هاتيک نسيانها
فقال محمد من تبعة
تفرعت المجد عليك انها
فنحن اللجد علیک انها
وانتم و هاتيك جيرانها
احشروا الذين ظلموا وازواجهم وما كانوا يعبدون .
عن الباقر والصادق عن النبى الحمد لله رب العالمين قالا دعوة اهل الجنة حين شكروا الله على حسن الثواب مالک یوم الدين قال جبرئيل ما قالها مسلم قط الا صدقه الله و صدقه اهل سمائه ایاک نعبد قال اخلاص العباد و ایاک نستعین قال افضل ما ملكت به العباد حوائجهم اهدنا الصراط المستقيم قال دين الله الذي نزل به جبرئيل على محمد صزراط الذين انعمت عليهم وهديتهم بالاسلام وبولاية على بن ابى طالب ولم يغضب عليهم ولم يضلوا للمغضوب عليهم اليهود اليهود والنصارى والشكاك الذين لا يعرفون امامة اميرالمومنين الضالين يعنى الاول والثانى ضالين عن امامة على بن ابی طالب اول من ظلم فى الاسلام تامر الاول على الامة ثم تسمى بخلافة رسول الله فكانت هذه حالة جامعة للظلم والمعصية والكذب على الله وعلى رسوله ولو جاز لقائل ان يقول انه خليفة رسول الله من غير ان يستخلفه النبي على احد من حدود التاويل لجاز فكل مسلم ثم انه طلب من الناس الصدقات والاخماس والجزية وغيره ....... وظلما لانه غير مامور بذلک ولا ماذون فصار عاصيا الله ورسوله.
ابن عباس اول من دفع سهم المولفة قلوبهم الاول فانقاد له الناس طوعا وكرها وامتنعت عليه قبيلة من العرب فى دفع دالزكاة اليه فسماهم اهل الردة فقتلهم ونهب مالهم وسبى ذراريهم ثم انه اكل الحرام تعمدا لما استولى على الامة فرض لنفسه اجرة على ذلك ثلاثة درهم وهذا اظهر ما يكون من الحرام وكان على ذلك مصر الى ان مات واستمر بدعته هذه في كل ايام وقاض ومعلم وقاری وموذن الى زماننا هذه.
ورويتم عنه .... كذبائح اهل الكتاب حلال والله تعالى يقول : ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الآية ، فوثقتم باليهود وهو ياكلون ذبائحكم التي تسكمون عليها والله تعالى يقول لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود وقد سمى ما لم يذكر
الله عليه شريكا وفسقا وكذلك النصارى انما يسمون باسم المسيح وقلتم تجادلون عنهم فيما قال الله تعلى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم وانما عنى بالطعام الذى ليس فيه روح وقلتم هو الذبائح.
ورويتم ان ابابكر قال ندمت ان لا اكون سالت النبى عن ذبائح اهل الكتاب وقد رواه نصر بن شميل عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن عبيدة قال سالت عليا عن ذبائح نصارى العرب فقال لا تاكل ذبائحهم فانهم لم يتعلقوا من دينهم الا يشرب الخمر.
وفى رواية ابراهيم بن المهاجر انه سال ابراهيم النخعى عن قوله وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم فقال وهم ياكلون الخنزير فان قلتم ان الخنازير محمرم علينا فقد حرم الله ما اهل لغير الله وما لم يذكر اسم الله عليه واوجب ان كل ما جرب عليه سهام العرب من السبى لم يخرج منه خمسه الى اهله ان ذلك الفرج(1)مشترك ولا يوطى الفرج المشترك الا حراما فكيف يكون اولاد السبايا ومن منع الخمس ان يقيم في اهله.
وروی شریک ان فيما اجابه عباس لابن نجدرة الحرورى اما الخمس فانا نقول انه لنا وزعم انه لبس(2)فصبرنا واني اخبرك ان جميع الناس فخرج خمسنا الا شيعتنا فانا احللناه لهم يطيبوا واحل اكل الميت حيث قال كبل المسمكة(3)الطافية.
وفى سنن ابسی داوود وابن ماجة عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله ما القى البحر او جزر(1)عنه فكلوه وما مات فيه فطعا(2)فلا تاكلوه .
وشرح هذا الباب قد تفرق في مواصعه.
ابوبصير عن ابی عبدالله في خبر خروج رسول الله هاربا من قريش فاتبعه عتيق ويريد ان يغمر(3)به الى قريش فاعلمه الله تعالى بذلک وامره ان ياخذه معه والا دل عليه فوقف رسول الله حتى دنا منه فاخذ يده وقال له تعالى وتلك فما زلت الليلة لي موذيا فقال يا رسول الله انما اردت اشیعك واعلم علمک . ولا حاجة لي ان اكون معك بل احب ان اكون بمكة الرب عنك فقال ان الله تعالى امرنى ان اخذك معى ثم قبض عليه وكان من اشد الناس قبضة فانطلق معه وهو كاره فلما انتهى الى الغار اقبل ابوبكر يضططرب مخافة على نفسه ان يقتل فقال النبى لما عرف ذلک عنه ویلک لا تحزن ان الله معنا ثم اراه البحر والسفينة(4)وما يهز فيه وقال ان جاووا من ههنا ركبنا
من هنا فكفر الاول(1)وقال هذا ساحر مبين وما هو الا ساحر كذاب . قال اسحاق بن عمار لم تنزل الا ويلك لا تحزن ان الله معنا.
وعن ابن عباس كان النبى يمشى الى الغار والاول معه فتارة يمشى عن يمينه وتارة عن يساره وتارة عن امامه وتارة عن ورائه كان يريد بالنبي مكرا .
وقال الاول فدخلت الغار فوجدت به حجرا فسددت بعقبى فلدغتنى الحيّة .
وروى انها كانت خريش .
1) بل اظهر كفره لانه من اول امره اكذب بانه دخلل في الاسلام حتى يتوصلون باظهارهم الاسلام كذبا الى اهدافهم وليس لهم هدف الا غصب الخلافة لما يكون عندهم ذهاب عبادة الاصنام بورود النبى وخلافة الوصى والائمة عند تتلمذهم عند اليهود وهم اعلم بعد الائمة واسمائهم وكيفية حياتهموهم من اول الامر قصدوا اطفاء نور المحمدى والعلوى والفاطمى وابنائهم وانهم كتبوا صحيفة دارت بينهم وفيه اسا اعتقاداتهم بالاصنام وما يجب عليهم فعلهم من منعهم حق المعصوم من الرسول الى المهدى ودارت الصحيفة من ارباب السقيفة الى الآن بين اهل السقيفة فانهم يعتقدون بان من صار حاكما منهم وجب عليه العمل بهذه القوانين ولنا لما قلناه مع تفردنا بذكره علنا دلائل اخذناه من اساتيدنا ولكن شيخنا الاستاد قال يوما في مجلس خصوصى كان بيننا وبينه رحمه الله ولا ثالث لنا اعتقاده بهذا القول وعد من اعتقد بهذا القول من العلماء منهم الشيخ محمد حسين الاصفهانی صاحب نهاية الدراية ومنهم صاحب تفسير مجد البيان ومنهم النائيني والآخوند وشيخ دائرة التحقيق الانصارى ومن المتقدمين الشيخ الطوسي وصاحب المهذب والكافى فى الفقه والسيد هاشم البحرانى ولوجوب التقية عليهم في ذكر مثل هذا القول وتفردهم فى كل عصر به امسكوا عن ذكر المسالة وبحمد الله انا اول من اظهر هذا القول آملا من المعاصرين ومن يجيئ من بعدى التفكر والتدبر والتحقيق و البسط والاشاعة حول هذا القول والله هو الموفق للصواب.
وفي حديث البراء بن عازب انه قال فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا منهم الا سراقة بن خشعم على فرس له فقال يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال لا تحزن ان الله معنا حتى اذا دنا منا بكيت و(1)البكاء (من فعل النبى)(2).
الناشي:
وليلة الغار فيها من مثالیه(3)
ما لا يكون لخلق من بها ثلبا
وذاك ان رسول الله صادقة
فى الليل يتبعه كي ينذر الرقبا
فلم يزل احمد المختار يصحبه
فهذا الى الغار حتى انه نكثا
اذا حصلا فى الغار ما لبثت
عنا كب الدوح حتى مدت(4)الطيبا
وظلت الطير فى الاعشاء امنية
يدعوا وافرضها لم تطلع الرغبا
فحين عاين فقد ظل(1)مجتهد
یسد بالحيلة الاحجار والنقبا
وفى طويته... من عظم عليه
انذار من من نواحی غارهم قربا
فععرف المصطفى ما في طويته
فصاح بالحيل الملموم فانشعبا
فعاين البحر فيه كل جارية
يسرى بها المقلع(2)ينجى كل من ركبا
فاظهر الحزن اذ لم يشف غلته
من احمد فاراق الدمع فانسكبا
وما على نفسه اذ ظل مغتصبا
فانزل الله محمودا سكينته
على النبي وحل الرجس مجتنبا(5)
الحميري:
وما لابی رکب سوى الغار مفخرا
وان كثر المكثار فيه واطنبا
ولم يبق للمخزون(1)في دار خزنة(2)
له عملا الا هباء مبينا
وقد قيل لا تحزن فقال الابل
واحدث شيئا كان اسوى واسحبا(3)
وقال(4)ناصبى ان كلب اهل الكهف يحشر معهم فكيف فلان فاجبت ان الكلب حرسهم ولم يبنح(5)عليهم .
قوله وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فثبت منه وتافيه.
ولم يثبت عن فلان الا الجزع والهلع والحزن حتى قال الرسول ويلك لا تحزن وانه كان الكلب(6)في سفينة نوح .
فالكلب كلب والنبى نبى والاوثان كانت في الكعبة فلم ينتفع بها ولم يضرها(1).
کشواد(2):
يقول الرب فى اصحاب کهف
فكانوا فتية(3)الرحمن حقا
بان ثامنهم كل كلب لديهم
أليس الكلب في الجنات حقا
کذا كان اللعين لدى نبى
كمثل فى ذا الكهف حقا
دعبل:
کذلک اهل الكهف في الكهف سبعة
اذا احسبوا يوما(4)وثامنهم كلب
وانی ارى فضلا علیک لکلبهم
أليس انک ذو ذنب وليس له ذنب
استفتى محمد بن اسحاق صاحب الامر عن قول ناصبى ان النبى انها ذهب بفلان لانه خاف عليه كما خاف على نفسه ولما علم انه يكون الخليفة فى امته كيلا يختل الدين من بعده وقد انام عليا على فراشه لما علم انه لو قتل لا يختل الاسلام بقتله فقال لم لم ينقض عليه بقولك اولستم(1)يقولون ان النبى قال ان الخلافة بعدى ثلاثون سنة على اعمار هذه الاربعة فاذا كان الامر كذلك فلما كان الاول الخليفة من بعده كان الثلاثة خلفاء امته من بعده فلم ذهب بخليفة واحدة الى الغار ولم يذهب بهذه الثلاثة وعلى هذا الاساس يكون النبى مستحقا بهم دون الاول فانه يجب عليه ان يفعل بهم مثل ما فعل بالاول.
إبن طوطي الواسطي:
فما سرى الهادى النبى مهاجرا
وقد مكروا الاعداء والله امکر
وصاحب في السرى عتيقا مخافة
لكيلا بمسراه لهم كان يخبر
وقاه على فى الفراش بنفسه
وبات ربيط الجاش ما كان يذعر
1) في المخطوطات: او الشتم، وما اثبتناه بالقياس لاستقامة المتن به دون ما ورد في المخطوطات.
فكان مكان المكر حيدرة الرضا
من الله لما كان بالقوم يمكر
لينها ولكن كان بالحزن يؤمر
قال الشيخ المفيد فى قوله ثانى اثنين اذ هما فى الغار الآية، وجه الدلالة فيها من ستة مواضع انه ثانيه واجتمع معه وصار صاحبه وسفهه النبى بقوله لا تحزن فان الله معنا ونزول السكينة عليه لان النبى لم يفارقه السكينة قط اما قوله ثاني اثنين فهو اخبار عن العدد لعمرى لقد كانا اثنين فما فى ذلك من الفضل ونحن نعلم ضرورة ان نبيا وذميا او مومنا ومومنا او مومنا وكافرا اثنان والقائل(1)اذا قال فلان ثاني فلان مطلقا بقيد(2)يقارب المنزلة وفى الآية انه ثانيه فى المكان فلا يفيد غير العدد فاما اجتماعها في المكان فانه كالاول لان المكان يجمع المومن والكافر وايضا فان مسجد النبي اشرف من الغار وقد جمع المومنين والمنافقين والكافرين قوله فما للذین کفروا قبلک مهطعين وايضا فان سفينة نوح جمعت النبى والشيطان والبهايم واما قوله ان يقول لصاحبه فالصاحب اذا اطلق افاد الاضافة الى المصحوب والتخصص به لان اسم الصحبة يجمع المومن والكافر والمومن والمومن والكافر والكافر والعاقل والبهيمة والحيوان والجماد قال الله قال له صاحبه وهو يحاوره اكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي لا اشرک بربی احدا قال الكفار وما صاحبكم
بمجنون اضاف النبى اليهم بالصحبة والمضاف اليه اقوى حالا من المضاف وقال حاكيا عن يوسف يا صاحبى السجن اما احدكما فيسقى ربه خمرا ومعلوم انهما كانا كافرين وايضا فان اسم الصحبة يطلق بين العاقل والبهيمة ثقوله وما ارسلنا من رسل الا بلسان قومه الا يرو انهم سموا الحمار صاحبا .
قال الهذلي:
ان الحمار مع الحمار مطية
واذا خلوت به فبئس الصاحب
وسموا الوحش صاحبا.
قال الهذلي :
لقد غدوت وصاحبي وحشية
تحت الرداء بصيرة بالمشرف
وسموا الفرس صاحبا.
قال المازدى:
لقد دعوت الوحش فيه وصاحبي
شخص القوائم من هنان الهيكل
وسموا الجماد مع الحى صاحبا.
قالوا: ازرت هندا وذاك بعد اجناب ومعى صاحب كثوم اللسان يعنى السيف واما قوله لا تحزن فانه وبال عليه ومنقصة ودليل على خطائه لان قوله لا تحزن نهى فلا يخلو حزنه طاعة او معصية فان كان طاعة فان النبى لا ينهى عن الطاعات بل يامر بها ويدعوا اليها وان كان معصية فقد نهاه النبي عنها وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل انه نهاه وقال المرتضى النهى لا يتوجه فى الحقيقة الا للزجر عن القبيح ولا سبيل السي صرفه بغير دليل ولا سيما و قد ظهر من جزعه وغاية ما يكون مثله فساد الحال عن الاخفاء فهو انما هي عن استدامة ما وقع منه ولو سكنت نفسه الى ما وعد الله نبيه وصدقة فيما اخبر به لم يحزن حيث يجب ان يكون آمنا واما قوله ان الله معنا فان النبي اخبر ان الله معه وخبر عن نفسه بلفظ الجمع كقوله انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون وقيل ان الله معنا لان الله مع البر والفاجر والمومن والكافر قوله ما يكون من نجوى ثلاثة تالا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم الآية، وقد قيل ايضا ان ابابكر قال يا رسول الله خبرنی علی اخیک على بن ابى طالب ما كان منه فقال النبي لا تحزن ان الله معنا اى معى ومع اخي علي (علیه السّلام).
العوني:
واما حديث الغار اذا جئتما به
فمنقبتا افکی و سلبان
اتانى النبي المصطفى يز عمانه
نعم وهو اذ ثناه اخبت(1)ثان
1) لخبت، خ ل.
الم تعلما ان النبى استرابه(1)به
قال لا تحزن اخا الرجفان
وهل مومن من ساء قلنا(2)بریه(3)
ولما يثق من احمد بضمان
فما انزل الله السکینة عندها
علیه فما ذاك تربتیان
ولكن عليه ليلة الغار لم يخف
كما خاف هذا ايها الخصمان
ولا شاء قلنا حين بات بربه
على فرش المختار هل تعبان(4)
واما قوله ان السكينة نزلت على الاول فانه ترك الظاهر لان الضمائر قبل هذا وبعده تعود الى النبى بلا خلاف قوله الا تنصروه فقد نصره الله اذ اخرجه لصاحبه وکذلک فيما بعده قوله وايده فكيف تخللها ضمير عائد الى غيره وكيف تنزل جنود الملائكة
على الأول وفى هذا اخراج النبى من النبوة . وقال مشايخنا ان الله تعالى لم ينزل السكينة قط على نبيه فى موطن كان معه فيه مومن الا عمّهم في نزولها قوله يوم حنين اذ اعجبتكم كثرتكم الى قوله ثم انزل الله سكينة على رسوله وعلى المومنين والزمهم كلمة التقوى وقال فى المومن خاصة لقد رضي الله عن المومنين وقوله هو الذي انزل السكينة في قلوب المومنين ولما كان فى هذا الموضع خصه(1)وحده بالسكينة وقال فانزل الله سكينته عليه ولو كان معه مومن لشركه معه فيها كما شرك فيما تقدم من المومنين فدل اخراجه متن السكينة على خروجه من الايمان ولولا انه احدب بحربه(2).
وتوجه اليه النهى عن استدامة لما حرمه الله منها ما تفضل به على عثره من المومنين الذين كانوا مع النبي في المواطن الآخر.
والسكينة في قوله يوم حنين لعلى خاصة لانه لم يبق مع النبى الا سبعة من بني هاشم وعلى يضرب بين يديه وقال مومن الطاق لابى جدرة هل انزل الله سكسينته على رسوله في غير الغار .
قال نعم قال فقد جزع(3)صاحبك في الغار منها رخصه بالحزن ومكان على في هذه الليلة على فراش رسول الله افضل من مكان صاحبك فى الغار لانه لم يجزع والكفار اختاروا من كل بطن رجلا القصة.
وان كان فى حرز النبى خائفا حزينا .
ابن حماد:
هل لیت فوق فراش المصطفى احد
سواه ليس بحرار ولا هلع
خلاف من رهقت في الغار مهجته
حببنا وثارت عليه علة الصرع
ابو مقاتل الطولي:
وفی ثیابک فوق الفرش حين مضى
ولم تهب لقريش لا ولم يخف
خلاف من ذهب في الغار مهجته
فظل من فشل ذا مدمع ذرف
ابراهيم بن سعيد الجزري:
قالوا تحب عليا قلت ويحكم
احب من حبه ينجى من النار
قالوا لكان ابا بكر احق بها
لانه انس المختار في الغار
فقلت ويحكم اتيتما هربا
من العدى وعلى بات في الدار
شاعر:
ان قلتم قد كان مع خير الورى
الغار اذ هتفا به اعدائه
اجعلتم من كان مستر المن
وراى النبی بنفسه ووقاه
وقد وجدنا الصاحب الهارب يذهب بالصاحب المخالف لان يكون منه دلالة عليه ونفر المخلص مكانه ليصلح شانه قوله تعلى و من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله.
البرقى:
ونسيتم الغار الذى ما مثلا
عارا عليه سبة وردا آ
اذ بات يخلف احمد و اهليه
ححير البرية للخيوف وقاء
يوذونه بالحذف وهو موطن
نفسا لاحمد ان يكون فدا آ
قد حف حدب الشر حول جداره
مشتملين من السلاح خفا آ
فوقاه من كيد العدو ومكره
ما لا تقيه الوالد الابنا آ
ومضى النبى مكاتما لمبرة
في جنح ليل ينبغي الاخفا آ
فالقي هناک ابا الفصيل فخاف ان
يهدى العيون اليه والحا آ(1)
الباقر (علیه السّلام) في قوله تعالى يريد الله بكم اليسر امر المومنين والعسر عتیق وابن صهاک ليطفؤا نور الله بافواههم انهم المعينون .
ويروى ان النبى لما استمر به المرض وثقل عليه جاء بلال عند صلاة الصبح ورسول الله مغمور فنادى الصلاة رحمكم الله فقال النبي يصلي بالناس بعضهم فقالت عايشة مروا ابابكر فليصل بالناس وقالت حفصة مروا عمر فقال النبي اكفض(2)فانكن صواحبات يوسف.
وذكر صاحب الاحياء انه قال انكن صواحبات يوصف .
ثم رووا انه قام وهو لا يستقبل على الأرض من الضعف وقد كان عنه انهما خرجا الى اسامة فاخذ بيده على والفضل فاعمدهما ورجلاه يخطان الارض من الضعف فلما
خرج الى المسجد وجد ابابكر قد سبق الى المحراب فاومن اليه بيده فتاخر ابوبكر وقام رسول الله وكبر وابتداء بالصلاة فلما سلم وانصرف الى منزله استدعى ابوبكر وعمر وجماعة من حضر المسجد وقال الم امركم ان تنفذوا جيش اسامة فقال الاول انى كنت قد خرجت ثم عدت لاحدث بک عهدا وقال عمر اني لم اخرج لاني لم احب ان اسال عنك الركب فقال انفذوا جيش اسامة يكررها ثلاثا ثم اغمى عليه فلما افاق قال ایتونی بدواة وكتف الخبر.
وقد علمنا ان بلالا مولى ابى بكر(1)وعايشة ابنته فيجوز ان يجيران الى انفسهما كما جرّ على والحسنين في شهادة فدك الى انفسهم ثم لم يقبل شهادة امراة في الدين والآخرة كما لم يقبل شهادة ام ايمن في ضياع ثم انه قول امراة ليست بمامونة على المجاباة ثم انها من وراء حجاب وانكم لا تقبلوا قولها لو شهدت ان النبي قدمه للصلاة طالبناكم بالحجة ثم نقول افيجوز لاحد ان يتقدم رسول الله او يستخلف رسول الله عن احد ويقول الله تعالى يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ثم ان النبى اما في تلك الحال موسما او شريكا او اماما فالاولان باطلان فلم يبق الا
1) ان بلالا قد ذاب فى محبة اهل البيت وان جعلوا فى شانه احاديث حتى شوهوا صورته وسيرته على الناس لانه خالف السقيفة وكف نفسه عن الاذان لاهل الباطل وما ذكره البهبهاني في حاشيته على رجال الاسترابادی وکذلک ما اورده المجلسي في شرحه على الروضة وما فى سماء المقال من رواية عده الكلباسي من شواهد على ان مختصر الكشى قد اسقط منه احاديث فى طى الزمان لان البعض نقل من المختصر بعض الروايات والان غير موجود فيه ومن امثاله حديث مخالفة موذن رسول الله مع اهل الباطل فراجع.
انه كان يوئما وقد دعيتم له فضلا لم يتم له وانها الى التهمة اقرب منها الى الفضيلة فلو كان ذلك بامر النبى لما عزله عنها ولما خرج مبادرا علته فنحاه عنها لكي لا يفتح بهما بعده على امته فيكونون في ذلك معذورين واما ان يكون هو امره بذلك وقد كان مفوضا اليه كما قد كان في قصة تبليغ برائة فنزل جبرئيل وقال لا يؤديها الا انت او رجل منک فعزله بعلی.
وفى الحالين جميعا مذموم لانه كشف عنه ما كان مستورا فلا يصلح للاستخلاف ولا هو مامون على شيئ لانه لا يعزل الرسول عن صلاة قد امر باقامتها الا لحدث يوجب عزله او يكشف عن حال مستحقه من بعده مستورة عن الناس اذ لم يكن بامره لانه لو كان بامره لما الح في امر اسامة هذا الالحاح وقد كان يعلم ميت اليس نعى نفسه الى الناس قبل ذلك بشهر .
رواه الواقدى عن ابن مسعود نعى نفسه قبل فقال حياكم الله رحمكم الله حفضكم الله رزقكم الله في كلام كثير او كان لما خرج صل خلفه كما صلى على اصولكم مع عبدالرحمن ما ادركه وهو في الصلاة فلم يعزله عن المقام خلفه مع الموتمين .
رواه ابوبكر بن شيبة الاصفهانى ثم لم يختلفوا في تقديمه عتاب بن اسيد للصلاة بالناس في مكة حين فتحها النبى وكان رسول الله يصلى بالناس الظهر والعصر وعتاب يصلى بالناس الثلاث الصلوات والاجماع ان مكة افضل من المدينة وقد اختلفتم فى انه ازال ابابكر عن المحراب فاقامه بينه وبين الصف.
ذكره الشعبي عن السرى بن اسماعيل ان النبى كان يكبر وهو جالس ويكبر ابوبكر بتكبيره.
وروى ابوهريرة العبدى عن الخدرى فخرج النبى بين على والفضل حتى اخرجوا ابابكر وتقدم النبى بهم ووضعوه على المنبر فاوصى بعترته وفي قول آخر انه نفى معه فى المحراب يصليان جميعا بالناس قاله ابو حنيفة واحمد والبخاري.
وفى قول اخر ما ذكر في الحلية في خبر طويل عن وهب بن منبه انه لما تقدم ابوبكر وكان رجلا رقيقا فلما نظر الى حلق المكان من رسول الله لما ساک خر مغشيا عليه وصرخ المسلمون بالبكاء فسمع رسول الله ضج الناس فقال ما هذه الضجة فقالوا ضجة المسلمين لفقدك يا رسول الله فدعا على بن ابى طالب والعباس فاتكأ عليهما فخرج الى المسجد فصل بالناس ركعتين خفيفتين ثم اقبل بوجهه ونصحهم الخبر.
وفى روايتنا عن الاباقر في خبر فقالت عايشة قل لابي بكر يصل بالناس فافاق النبي فخرج خحتى اخر ابابكر اخر الصفوف فقال ما بال قوم تقدموا من غير امرى حسدا لاهل بيتى ملاء الله اجوافهم نارا وقلوبهم نارا.
ولو كان ابوبكر فامع النبى محاذيا وجبت مشاركته للرسول في الامامة واوجب ان يكون ذلك سنة مستعملة في الاسلام والجماع انه لا يجوز ان يصلى رجل جماعة فيقوم فرادى صفا وحده من فعل ذلك وعقد الصلاة بنية الجماعة فلا صلاة له ومن لا صلاة له فلا دين لهئ فلما اقام الرسول له فرادى بينه وبين الصف كان قد اقامه مقام من لا صلاة له ثم انه لو اجتمع اهل العلم على انه صلى الناس فان الصلاة خاص ولاخاص لا يدخل في العام .
وقد رويتم صلوا خلف البر والفاجر فله ان يام فاجرا ان يصلى بنا وليس في هذا فضل ثم انه لو صلى بالناس ما كانت صلاته الا كصلاة غيره فانه امر النبي سعد بن عبادة على المدينة فى غزوة الابواء وفى غزوة وران وسعد بن معاذ في عغزوة بواطة
وزيد بن حارثة في غزوة سفوان وبين المصطلق وابا سلمة المحروقي في غزوة ذى العشيرة وابا البابة في بدر السال وفي بني قينقاع وغزوة السويق و عروة(1)في غزوة عظفان وغزوة ذى امر وفى غزوة ذات الرقاع وابن أم مكتوم في قرقرة الكدر وفي بني سليم واحد وحمراء الاسد وبني النضير والخندق وبنى قريطة وبنى لحيان وذى فرد وحجة الوداع والاكيدر وسباع بن عرفطة في الحديبية وفي دومة الجندل واباذر في حنين وفي عمرة الفضا وابن الرواحة فى بدر الموعد .
وكان امير المؤمنين يصلى فى المدينة ايام تبوك وغزوة اللطائف وكذلك في السرايا وقد تقدم زيد بن حارثه سبع مرات ومحمد بن مسلمة ثلاث مرات وقد تقدم جماعة مثل عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وابي عبيدة وعابسة بن محصن ومرتد العنوى وغيرهم .
فما ادعى منهم الخلافة بعد ما ثبت لهم التاخير وثبت لصاحبك مع الشك وقد كان النبى يولى امرة المسلمين فيما فيه الصلاة والاحكام من ليس بفاضل مثل عمرو بن العاص فانه ولاه على ابي بكر وعمر في غزوة السلاسل وولى خالد بن وليد لوليد بن عقبة وكان آخر تولية اسامة بن زيد .
وجعل ابابكر وعمر وسعد بن وقاص وابا اعور السلمى وسعيد بن زيد وقنادة بن النعمان وسلمة بن اسلم تحت لوائه وكانت الصلاة توجب الامامة لكان عبد الرحمن قد ادعاها فانه على زعمك بالنبی ولا ادعا صاحبک ....عمر عمر ان يصلى بالناس وقت الشورى.
1) كذا في نسخة والظاهر انه من زيادة النساخ.
کشاجم:
وا معشر الظالمين الذين
اذاقوا النبى مضيض الثكل
افى حكمكم ان مفضولكم
يوم بعصبة من قد فضل
فان كان لا كان من يزعمون
اماما و ذلک خطب حلل(1)
فلم خرج المصطفى حافيا
یمیل به سكران العلل(2)
فنحاه عن ظل محرابه
وناداه منتهزا لا تصل
فلولا تبايعهم فى الضلال
ما كان يطمع فینا فعل
کانکم حين قلدتم
نصبتم اساف به لو هبل
فیا لک من باطل في المحال
ثم وبالک حق بطل
عدلتم بها عن امام الهدى
فلا عدى اللعن عمن عدا
فما جاء ما جئتمونا به
ن الظلم اعمى القرون الاول
يخالفكم فيه نص الكتاء
وما نص فى ذاك خير الرسل
نبذتم وصيته بالعراء
وقلتم عليه الذى لم يقل
لقد طمس الغى ابصاركم
وضل بكم عن سواء السبيل
أيمنع فاطمة حقها
ظلوم غشوم زنیم عتل
وتردى الحسين سيوف الطغاة
ضمان لم يطف حر العلل
البرقي:
ثم احت احتججتم بالصلاة وسنة
فاعمتموها عینیه عمياء
لها الصلاة فا لكم من ذكرها
فحالكم لا لا ولا استعلاء
حميرا التي امرت بها
ثم سواها فى الورا شهداء
اذ كان ولم يكن بزعمکم
فيمنعهموا نصا لکم بزعمكم
اما النبى فكان وقت اذانهم
فى غشية من بعدها اغماء
قالوا الصلاة فد تاخر وقتها
من ذا يقيم لنا الصلاة كفاء
لما افاق المصطفى ما غشية
قالوا الصلاة فقالت الحمراء(1)
قد اذنوک فقلت دونکم ابی
قال اخرجونی اقصد و الحقباء
ما بين عباس وبين وصيه
والناس فى شطر الصلاة فضاء
1) الحميراء، خ ل.
حتى اتى المحراب رحب رجله
روحى نفيه الكيد(1)والاسواء
ان کان ذلک امرة فى زعمكم
فخروجه من بيته بقضاء
يا امة السوء التي قد اظهرت
لنبيها ووليها بغضاء
ان الذى قدمتموه برایکم
ما زال فى كل الأمور وراء
اغواكم العدوى حتى بهتهم
فوقعتم فی فتنة ضماء
وله:
لقد فتنوا بعد موت النبى
وقد فان من مات عبدا رضيا
غداة اتی صائحا للصلاة
بالال وكان عبدا نفيا(2)
1) الكيل، خ ل.
2) كذا، وقد ذكرنا غير مرة وكتبنا في سالف الزمان رسالة في برائة بلال من كل هذه الاوصاف وتصنيع روايات ذامة في حقه لانه خالف الخلفاء وقام مخالفا لهم بين ايديهم لذلک ابهتو علیه و علی فرض صحة انه اخبر المنيوك للصلاة فلان عايشة قالت له اخبر ابي للصلاة في مقام النبى فزعم بلال كان ذلك من امر عن النبي فحينئذ ذهب الاشكال بالكلية.
واحمد ذاک فی حظرة
يعالج للموت امرا وحيا
فقامت من الدار شيطانه
ينادى بلالا نداء خفيا
یصلى عتيقا بالمسلمين
فجائت بذلک امرا فريا
فلما توسط محرابه
اتى جبرئيل ينادى النبيا
محمد قم فتن المسلمون
فقام النبی ینادى عليا
توکی علی عمه والرضا
سریعا على ضعفه منخيا(1)
فنحاه عه مزيلا له
وقد كان لا كان عن ذا غنيا
وما قدموه بامر النبی
1) متحيا، خ ل.
وما كان يوما به مرتضيا
دیک الجن:
لو كان فيما قالت الرواة
فلا تمت الصلاة
ماء ما يحمله الرجلان
وهو يمنی نفسه الاماني
فجر من قبله المحراب
وحل فیها طاهر الاثواب
حتی اذا ما سلم النبی
قام اليه العم والوصی
کلاهما مبارک بعدی(1)
ما شانه تيم ولا عدى
ثم استعلا فقام المنبرا
فاوضج ... وتورا
الا تضيعوا الثقلین بعدى
کتاب ربی و فروع جلدى
1) كذا.
تمسكوا كوا طلب الرشی(1)
من كلمات الله والتصدیق
وعترتی من بعد ذاک عترتی
وحبهم مفترض فی امتی
لا يرد الحوض لهم معاند
ولا يحق الله فيهم حجد
لما تواترت(2)فى شان على عصل الاول وقال ليس يرضى محمد حتى عقد لابن عمه من بعده فنزل انهم لفى سكرتهم يعمهون .
جابر عن أبي جعفر فى قوله وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد والاول الحايد زعمتهم انه انفق على النبى اربعين الفا وقد قال الله تعالى ووجدک عائلا فاغنى اغناه الله من سعته كيف يحتاج الى مال احد رعيته ثم انه لا يخلوا ما انفقه بمكة قبل الهجرة او بالمدينة فان انفق بمكة فعل(3)ما انفق هذا المال وفيما صرفه ، هل
كان للنبى من الحشم والعيال ما انفق عليهم هذا المال كله من مدة ما اسلم ابوبكر الى وقت الهجرة ام جهز النبى على الجيوش بمكة ذلك المال وبالاجماع انه لم يشهر سيفا بمكة وانما المسلمون اربعين رجلا وخرجوا الى الجيشة وان كان انفقه عليه بالمدينة من بعد الهجرة فقد علم اهل الاثر ان ابابكر ورد المدينة محتاجا الى مواساة الانصار في الدور والمال وفتح الله سبحانه وتعالى على رسوله من بعد الهجرة من غناوم الكفار وبلدانهم ومع هذا فانما اقام بالمدينة عشر سنين الى ان توفى وكان تشد حجر المجاعة على بطنه ويطوى الثالثة والسبعة والاقل والاكثر فقيل له فى ذلک فقال انی ابیت عند ربي فيطعمني ويسقينى الى ان فتح الله على البلدان فمن يدفع اليه اربعون الفا لا يكون بهذه الحال في مدة عشر سنين ثم لما امر الله تعالى وقال يا ايها الذين آمنوا انها(1)ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة قعد جميع المهاجرين عن مناجاته غير على القصة.
فمن لا تسمح(2)نفسه بصدقة درهم لمناجاة رسول الله وامر الله تعالى ويتاخر عن ذلک کیف يتقدم اربعين الفا وليس في الخبر ان ذلك كان دينارا او درهما فاحكم على المجهول فلقائل ان يقول ان ذلك اربعون الف تمرة او حنطة.
وزعمتم ان اسماء بنت ابى بكر انها سميت بذات النطافين(3)لانها سقت نطاقتها بعثت قربة النبى ولم يكن عنده غيره ورويتم انه كان لابي بكر بعيرين بعد الهجرة فقال للنبي خذ احدهما فقال النبى بالثمن ولو كان عليه انفاق لم يقل هذا لما قال وكيف
يحصل ذلك لمن كان والده يصيد القمارى والدباسي فلما عمى وعجز دخل على بن جذعان فنصبه ينادى عللى مائدته كل يوم هو عامل خديجة وهو دلالا للناس او معلما او خياطا واربعون الفا لا يحصل لهؤلاء وكسب هؤلاء شيئ نزر ولو عملوا الكرى وقيصره لا يحصل منهم .
نظم:
والا فهذا المال من این اصله
وفيما تری انفاقه تریان
وزعمتم انه مات فى الخلافة ولم يخلف الا ناصحا وعبدا صقلا ومن كان موسرا ثم ملک لا يطالب المسلمين كل يوم ثلاثة دراهم وقد روى انه مات وعليه دين من بيت المال اربعون الف درهم لعل اتراوى عنى ذلك وزوّر تزويرا وهذا يدل على اشرافه(1)ولو كان موسرا لما مدّ يده الى اموالهم وقد قال الله تعالى كلوا واشربوا ولا تسرفوا واما قوله تعالى ومن انفق من قبل الفتح وقاتل تقضى الجمع بينهما.
واما قوله ومن اعطى واتقى الآيات(2)انما نزلت عند علمائهم مع موافقة اهل البيت لهم على ذلك انها نزلت في رجل من الانصار وكانت له تحله في حائط رجل من
1) كذا والظاهر: اسرافه.
2) كتبت في حاشية النسخ ما لا يسعنا ترك ذكره فنذكره وان لم يكن من المتن وكتبه بعض من اغفل عن ذكر اسمه ذيل الحاشية: روى ان على بن ابى طالب قال أنا من رسول الله كالعضد من المنكب و كالذراع من العضد و كالكف من الذراع رباني صغيرا و آخاني كبيرا و لقد كان لي منه مجلس سر لا يطلع عليه احد غيري الا الله تعالى و أوصى إلي دون أصحابه و أهل بيته و لأقولن ما لم أقله لأحد قبل هذا اليوم مذ سمعت من رسول الله وهو انه سالت رسول الله من أن يدعو لي بالمغفرة فقال أفعل يا على افعل ذلك لاجلک فقام وصلى صلاة فلما فرغ من صلاته رفع يديه بالدعاء سمعته يقول: اللهم بحق علي عندك اغفر لعلي فقلت يا رسول الله ما هذا فقال أ و أحد أكرم منك عليه فأستشفع به إليه. نقل من اليون (كذا) في تفسير قوله تعالى فاما من اعطى واتقى الآية.
الانصار وكان صاحب الحائط يتاذى بتلك النخلة فشكا الى النبى فدعا صاحب النخلة وقال تجعل هذه النخلة لاخيك اضمن لک نخلة في الجنة فابى فيسمع رجل من الانصار فاشتراها منه بحائط واعاها لصاحب الدار فقطعها من حائطه وضمن رسول الله له نخلة فنزل فيهما الآيات الى قوله والاولى ثم قصد جماعة المسلمين بنذرهم في ذلك فقال فانذرتكم الى قوله وتولى ثم وسيجنبها الاتقى الذي الآية ترغيبا للمسلمين في فعل الخير فلا ترى ان التفسير فى هذا كله خلاف ما يدعونه وقد ترک لعلى انها وليكم الله ورسوله والذين آمنوا في خاتم فضة وقوله الذين ينفقون اموالهم باربعة دراهم وقوله عل اتى على الانسان الى ثلاثين آية وثلاثة اقراص من الشعير وهذا مال الوافر لم يات فيه اية اما انه كذب او كان رياء فلم يقبل لو نسى الله تعالى ذكره بل قد جاء فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى .
العوني:
فان تزعما انفق المال قربة
فانکما فی ذاک تدعیان
وما باله لم يات في الذكر ذكره
بترجة للناس وحی قرآن
كما جائت الآيات في اهل هل اتی
بانهم من ربه م بمکان
لاطعام مسكين وما سور صوله
وقوت يتيم ما له ابوان
شكر الله اليسير واهمل
الكبير اما والله تمتكران
قوله والسابقون الاولون لفظ السابقون فى الآية مطلق غير مضاف ويحتمل ان لا يكون مضافا الى اظهار الاسلام بل يكون المراد به السبق الى الخيرات ويكون قوله الاولون تاكيدا المعنى السبق كما يقولون فلان سابق فى الفضل وسابق الى الخيرات سابق كقوله ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات واذا اسلم ان السبق ههنا اظهار الاسلام لا بد من ان يكون مشروطا بالاخلاص في الباطن لان الله لا يعد بالرضا من اظهر الاسلام لم ينيطه فيجب ان يكون الباطن معتبرا ومدلولا عليه فمن يدعى دخوله تحت الآية حتى يتناوله الوعد بالرضا والوجه الثانى يودّى ان يكون جميع المسلمين سابقين الا الواحد الذى لم يكن بعده اسلام احد فلم يبق الا الوجه الاول ولهذا تارة
بقوله الاولون لان من كان قبله غيره لا يكون اولا بالطلاق(1)ومن هذه صفته بلا خلاف فهو على وجعفر وحمزة و حباب بن الارت وزيد وعمار ومن الانصار سعد بن معاذ وابو الهيثم وحزيمة فاما ابوبكر ففى تقدم اسلامه خلاف كثير .
قوله للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم كيف يكون في ابي بكر لانه كان عندكم غنيا موسرا والالف واللام يقتضيان الاستغراق لقوله يبغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله اولئک هم الصادقون فوصف بالصدق من تكاملت له الشرايط ففيها ما هو مشاهد ككلاهجر والاخراج م الدار والاموال وفيها ما هو باطن لا يعلمه الا الله وهو ابتغاء الفضل من الله ونصرة الله ورسوله لان المعتبر فی ذلك بالنايات ان يثبتوا(2)الجماع(3)هذا الصفات في كل من اعطى وصدق يحملها على التحضيض بلا دليل اقتراح لان قايله لا تحل فرقا بينه وبين من خصها بغير ما ذكروه على انهم رووا عن ابن عباس وانس بن مالک آنها نزلت فی ابی الدحداح وسمرة بن جندب وال ابى الدحداح الانصاري هو الذي صدق بالحسنى وسمرة هو الذى بخل واستغنى واذا تكافأت الروايتان بقيت الآية على عمومها قوله ولا يامل اولوا الفضل منكم والسعة تجب حملها علبى العموم لان الحمل على الخصوص بلا دليل لا يجوز على ان المعنى بها ينبغى ان يكون من اولى الفضل والثانى من اولى السبقة وهما منتفيان من ابى بكر قوله يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه الآية قالوا قد صح ان ابابكر قاتل اهل الردة فيكون هو المعنى بقوله
يحبهم ويحبونه هذا دعوى لان اهل الردة كانوا يظهرون الشهادة والتاذون الصلاة وليس هذا من حكم الارتداد وقد صح عن النبي لعلى تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين وهؤلاء عندنا مرتدون بذلک صرحا ان امیرالمؤمنين قال يوم البصرة والله ما قوتل اهل هذه الاية حتى اليوم وتلى هذه الآية.
وقد روى عن عمار وحذيفة وغيرهما مثل ذلك انه صح في حديث الراية وحديث الطير محبة الله اياه ولم يثبت لغيره ثم قال اذلة على المومنين ومعلوم حال اميرالمومنين في التواضع وكظم الغيض وقد اقر صاحبكم بان له شيطانا يعتريه ثم قال اعزة عن الكافرين يعنى بقتالهكم ولم يسبق امير المؤمنين اليها سابق ولا لحقه فيها لاحق ثم قال يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم هو وصف اميرالمومنين وهو منفى عنهما بالاجماع لانه لا قتيل لهما في الاسلام ولا جهاد بين النبي.
ورويتم انه سئل النبى من احب الناس الیک قال عائشة قال فمن الرجال قال ابوها وهذا باطل لانكم رويتم حديث الطير لعلى فاى روايتكم مقبل وهل عاقل يذكر حبّ زوجته حاشى عن رسول الله ثم انه غيرة على نفسه وولده واختار بنی تیم الاجلاف على بنى هاشم الاشراف ورويتم لو كنت متخذا خليلا اتخذت ابابكر خليلا وهذا باطل لانكم رويتم انه اخا بين اصحابه واخر عليا فقال له في ذلك فقال له ما اخرتک الا لنفسى فاى الروايتين يثبت بطلت الاخرى.
وقد صح بروايتكم هذه انه لم يتخذ خليلا واذا لم يكن خليلا يكون عدوا كما يقول في قوله لو لا ان اسبق على ....... لامرتهم بالسوال ورويتم عن على من فضلني على الاول جلدته حد المفترى فعلى يجلد الحد(1)من لا يجب عليه الحد فيكون مستعد بالحدود الله عامدا بخلاف امره(2)وليس تفضيل من تفضل عليه بعربة(3)وكيف تكذبون الاول فى قوله وليتكم ولست بخيركم فايما اصدق عنكم ابوبكر على نفسه او على على ابوبكر مع تناقض الحديث نفسه.
ورويتم ان النبى كان راكبا ويغوث يمشى فاوحى الله اليه اما تستحيى انت راكب وهو يمشى فمعني........ ان یمشی مثله او يركب......... او يمشى وهو يركب وجميع ذلك خلاف دین الاسلام لان الله تعالى قد امر بتعظيم قوله وتعزروه وتوقروه وقوله ولا ترفعوا أصواتكم فوق الآية فكيف يجوز هذا التوبيخ .
ورويتم من اراد ان يرى ميتا يمشى على وجه الارض ينظر الى الاول سماه ميتا والحى افضل من الميت ولا يستوى الاحياء ولا الاموات وسمى عليا حيا او من كان ميتا فاحييناه وعمر بن الخطاب رجلا كان يتمارت قال لا تمت عليا دينا.
ورويتم انه اغلق بابه وقال هل من مستقيل فاقيله فقال على قدمک رسول الله ذابو خرى(4)وهذا باطل لان عليا تقعد عن بيعته بروايتكم ستة اشهر.
ورويتم انه قعد عنها حتى قبضت فاطمة فاوصت انها يدفن ليلا ولا يشهد جنازتها ثم انه كانم النبى استخلفه فكيف جاز له ان يستقيل ويقول للانصار قد رضيت احد هذين رجلين ابا عبيدة او عمر .
وسال يحيى بن اكثم محمد بن على التقى بلما روى ان جبرئيل قال يا محمد ان الله يقرئك السلام ويقول لك سل فلانا هل هو منى راض فانى عنه فقال عليه ليس وافق هذا الخبر كتاب الله ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسها الآية فالله تعالى ما خفى عليه رضضى الأول عن سخطه حتى سال عن مكنون سره وهذا مستحيل في العقول وقالوا ان الله تعالى متى رضى عنه وقت جحوده وهو يقول ولا يرضى لعبادة الكفر او يوم احد حين هرب عن النبى فى يوم خيبر حين انهزم براية النبي او في غزاة السلاسل حين رجع جدا(1)او يوم حنين(2)حين هرب مع الهاربين ام في الحال التي امره الرسول بقتل الرجل المصلى ام فى ولاية اسامة حين ولاه الرسول ام في قتل الذين منعوه الزكاة وسماهم اهل الردة ام لامره خالد في قتل على ثم تكلم فى صلاة الجماعة ام فى كشفه بيت فاطمة وهذه منزلة يفوق منازل الانبياء لان الله ما خاطبهم بهاذا الخطيب العظيم ولو نسبت هذا الى النبى(3)كان منكرا عدهم(4)فكيف الاول الذي اشرك بالله وقال الله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر وليس به فضل يقولكم صديق لان هذا الاسم في كتاب الله قوله والذين آمنوا بالله ورسوله
اولئک هم الصديقون وقد يسمى من هو عندكم دون ابوبكر بافضل من هذا الاسم كالفاروق وذى النورين والهادى والمهدى والمتوكل.
ثم ان الصديق من صدق بالحق والفاروق من يفرق بين الحق والباطل وقد جربهما رسول الله يوم خيبر اذ ناولهما الراية ففرا ولم يصدقه وفيما كان بعده من النصرة في العاجل والشرف في الاجل كما صدق حمزة وجعفر وعبيدة وعلى فقال الله تعالى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عواد هذا اسم سماه الناس به لما ولى ولذلك لا يجد في شيئ من الاخبار ولو كان هذا صحيحا لكان قد ادعاه وقاله في المواطن التي يراد فيها كما رووا جميعا ان عليا قال في غير موطن وشهد له النبى بذلک فی غیر موضع قوله والذى جاء بالصدق وصدق به فقد ثبت انه اسلم بعد على وجعفر وزيد وخديجة وابي ذر وعمرو بن عتيبة وخالد بن سعيد وغيرهم فهذا يليق بهؤلاء.
ثم الصواب ان يكون لكل مصدق تقدم لقوله اولئک هم الصديقون .
ثم ان المفسرين اختلفوا في ذلك قالوا المراد به النبى وقيل هو على بن ابى طالب وما زلنا نسمع من العامة بحق الصادق والصديق يعنون بالصادق النبي وبالصديق ابابكر وفضل يجيئ للمقالة(1)فكانهم يفضلونه على النبي.
ابن حماد:
والله صدقه بزعم معاشر
سموا سواه بینهم صديقا
والله اكذبهم وقد خلفوا لما
1) للمبالغة، خ ل.
قالوا وقد قالوا حقا وعقوقا
هيهات لایسمی بهذا الاسم
عند الله الا من يكون صدوقا
هو الفرق بين اهل الكفر والايمان
فادع الصادق المصدوقا
وله:
وسموا صديقا وما كان صادقا
وكان ابوذر اح-----ق بهذا الاسم
ان رسول الله بين صدقه
عليهم وما كانوا بعمى ولاصم
ولكن عموا عنه وصموا اذا تروا
هويهم على تقديمه والهوى يعمی
و اخبرهم عن نفسه و هو صادق
وقد قام فيهم خاطبا ظاهرا لهم
ولیتکم کرها الست بخیرکم
الا فاحذروا ريغي ولا تامنوا للمی(1)
1) كذا.
فقد كذبوا صديقهم عقاله
بلى خيرنا فهو المكذب فى الرغم
المعرى:
غلب السفاه فلم يلقب معشر
بالمومنين وهم من الكفار
ومن البلية ان يسمی صاد قا
من رصفه الاولى لكذوب فار
قائل:
وذى جدل لى قد اطال جداله
يقول من الصديق ان كنت مخبر
فقلت علی کان صدیق احمد
واتيه بالله غيب ومحضر -
فقال فمن للدين قد كان سابقا
ومن بهداة القوم تزهوا وتفخروا(1)
فقلت له ان الذى قد ذكرته
1) تفجروا، خ ل.
لقد كان قدما بالمهيمن يكفر
وان عليا لم يرى قط ماحدا
لاصنامهم يوما وذلك منکر
وقولكم له المقدم ولم يقدمه الله لان امامته باخباركم بل انتم قد سموه لنا.
ابوالقاسم بن هابي المغربي:
هم قدحوا تلك الزناة التي ورت
ولو لم تشب النار لم يتضرم
وهم رشحوا تيمالارث نبيهم
وماكان تيمی اليه بمسی
علی ای حكم الله اذبابكونه
يحل لهم تقديم غير المقدم
ابن العودی ابنیلی:
ونازعة فيها رجال ولم يكن
لهم قدم فيها ولا متقدم
وظلوا عليها عاكفين كانهم
علی کره کل لها يتوغم
المرزكى النحوى الموصلى:
لو ان من قدم استخلفه
محمد فى قومه لم يستقل
امامة المفضول في اهل التقى
باطلة عند وجود من فضل
وزعمتم انه اقام مقام الرسول باختيار قوم منهم اياه ثم سمى نفسه خليفة رسول الله افيكون خليفة رسول الله من لم يستخلفه الرسول وهذا اول شهادة زور عليه ويشهد هو وكل من نابعه شهادة زور الى اليوم وقال الله تعلى وترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة وقال النبى من كذب علي متعمدا فلیتبوائ مقعده من النار فاى كذب اعظم من ان يدعى رجل خلافة رسول الله فى اعظم المقامات في مسجده وعلى منبره وعند تربته وبين يدى ذريته وفي مسجد الحرام ويجمع بذلك في كل معبر جماعة الامة حتى يحضزروا كذبه ويكونوا شهود الشهادة ويكتب الى الوكلاء من خليفة رسول الله.
وقد وصف الله المومنين فقال والذين لا يشهدون الزور ومع ذلك يقول ليتني سالت رسول الله من هذا الامر من بعده ومع ذلك يشهد انه لم يوص فشهادة الزور مع ذلك عند الله اكبر من قولهم انه لم يوص ودعواهم انه خليفة من لم يوص ام كذبهم على رسول الله ولاستحلالهم لموضعه مع هذه الجلال وقد تقدم هذا المعنى في موضعين من كتابنا هذا الا انه لا يخلوا من فائدة.
الحميري:
قالوا ابوركب خليفة احمد
كذبوا عليه ومنزل القران
ما کان سمى له بخليفة
بل کان ذاک خليفة الشيطان
بل کان ذاك خليفة مستخلفة
من غير مشورة من الاعيان
بل کان ذاک يحيى ابليس الذى
القى خلافته الى ثعبان
لى ابن هند بعده والى ابنه
والی الحتارز(1)من بنى مروان
ان الخلافة من وراثة احمد
يهم تصير ورهبة السلطان
وله:
يهم
فتامر وا عن غير ان يستخلفوا
وكفى بما انتهكوا هنالك ماثما
1) كذا.
ثم انهزوا لوليه وصیه
بالموذيات وجرعوه علاقها
العوني:
انتم خلفتم بلا استخلاف
من صاحب الامر ولا ائتلاف
من القلوب بل على اختلاف
...
ابو العلاء السروى:
سموهم خلفا جاهلون وهم
مخلفون عن الايمان لا خلفا
ان الخليفة من قال الرسول له
انت الشبيه بهارون الذى سلفا
وهم نیيهم قد خالفوا وبغوا
فاجل خلافتهم مستقه خلفا
وقد علوتم فى حقه حتى تروون فيه من كل غث وسمين حتى حكى انه سمع مضحكة في محلل فتخالفوا في صاحبها فقال بعضهم وحق شبيه الاول ان فلانا صاحبها.
ابو عبدالله في قوله ان الانسان لربه لكنود يعنى الاول كنود ای کنود لولاية اميرالمومنين الى آخر السورة كلا ان الانسان ليطغى الى قوله الرجعي كتان الين الرجلين فى الظاهر وارد اهما في الباطن
محمد بن عيسى يرفعه قال ابو عبد الله الاول كان خبيثا انما كان يصيد العقارب بيد الآخر يخرج الشيئ فان اجازه الناس والا قال رحمك الله ما دعاك الى هذا.
الحميري:
عتيق لها قد كان اشهد جانبا
وان لم يكن فيها عتيق بذى عذر
على انه قد كان يظهر رقه
اذا خاطبته بالامور لني نجری
قوله تعالى فليدع نادیه یعنی عشیرته وكان ابن صهاک من اعوانه على اطفاء نور الله.
عاصم بن داوود الهمداني قال قال الانسان ان رسول الله تلقتون بان عمه ولو تد زان يجعله نبيا جعله وانه كندى يظن ان هذا الامر يصير الى اهل بيته من بعده ولو قد مات لعرف ابن عمه ما يكون حاله وما يستقر فراره فنزل اما انت بنعمة ربك بمفتون.
وفى كتاب الامتحان كان اميرالمومنين يمر الى شام ومحمد بن ابى بكر معه وقال یهودی یا محمد بن ابی بکر ان لنا قبل ابیک امانة فادها الينا فقال اميرالمومنين ان في هذا الوادى بئرا يسمى جهتام فاتها فان كان ابوك مات على الكفر فيكون هناك فاسئل عنه فاتى البئر وصاح به فقال ابوه من علمك ان ههنا فقال على فقال له اوردنی ههنا ولا يتركني بعد.
الشاذكونى قال حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الياس بن معوية عن عكرمة بن خالد المخزومي الحسين الحسين عن ابى بشر عن مجاهد وروى ابو ایوب المنقرى باسناده عن عكرمه كلهم جميعا ان الانسان حج في ذي القعادة فلما كان عليه المقبل حج رسول الله فى ذى الحجة فقام فخطب الناس وقال ان الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السماوات والارض ربى ....ت اصاب الله بك فقال وما عن الشهور اثنى عشر شهرا فكيف يكون موديا عنه بعد موته من لم يود عنه في حياته.
وروى ان الانسان اول ما افتتح به امره ان ارسل الى اميرالمومنين تاخذ خاتم النبيين وكان قد سلمه مع الدرع والراية والبغلة والحمار والعبد والامة.
الكميت:
تجانبهم غضبا بجور امورهم
فلم ار غضبا مثله حين يغضب
مهیار:
ردع العذر اخو غل
عن الارث رقاک
واقتدا من بعده الناس
ما ردى ولداک
یابى فى قبضة افجار
منهم کل زاک
ظاهر بالارض جسما
نفسه فوق السهاک
العوني:
ای دلیل على ما تدعون له
اساهم لو ترك الاسراف مسرفة
احافظ لكتاب الله يعرفه
بالحفظ من كان بالتقصير يعرفه
فارس فى الوغى مقدامه بطل
اوذوا فرار ضئيل الشخص مترفة
قل لی اکان فقيها في قضية
تاتيه الطف ما فيه واكثفه
ارا هد فى مقام الملك ام..
.... ويتلفه
اليس ولى باحد عن محمده
وفى جفين مكان الرجف مرجفه
اليس قال اقيلوني فكيف علی
ما يستقيل بدا منه تلهفه
لم عن اسامة مولاه يخلف بما
هذا احل لل له عنه تخلفه
الم تخالف رسول الله معتمدا
فكيف يخلفه فينا مخالفه
قل لي ابالسبق اسلاما حكمت لی
بالامس طال على العرى تعكفه
ام بالتقدم فى المحراب عندك ما
صحت ولايته اذ انت يرجفه
بالامس صلی به عمر و امرک ذا
افواه عندك عند الخلق اضعفه
اتزعمون رسول الله وافقه
فیه فصار اذ ذاک موقفه
توبوا الى الله ما قد تقدم
فالانسان كان يساله عما كان اسلفه
ردوا مظالم اهل البيت واعترفوا
قد عاف وليكم الامهال عنفه
ردوا وديعتهم بالحق قد ارقت
بالله من اخذه بالحق ازفه
الناشی:
اذا لم يترا من اعداء على
فما لک فى محبة ثواب
و بغضک من يعاد بم ثواب
و بغضک من يوالهم عقاب
ومن يليد بالعسل المصفى
و فی اجرابه صبر وصاب
يقاس بحيدر من ليس فيه
اذا فكرت دین وارتقاب
وحسبک ظالم فاطمة دليلا
علی الحدة والهطع الخطاب
لغيره:
نحن فى الله نوال المرتضی
ونعادی من له كان ظلم
قل والاعتيقا والا عتيقا دونه
ودلاما انت عندى فى الهدم
خاک لو لم يكن اعمى لم يكن
يترك النور ويختار الظلم
قال الباقر لا يستوى الخبيث والطيب وقوله الخبيثات للخبيثين الآية الخبيث ابن صهاک وفيه نزلت الآية وقال الباقر يا ايها المدثر قكم فانذر وربک فکبر وثیبک فطهر والرجز فاهجر هو الثاني .
وعنهما في قوله ذرنى ومن خلقت وحيدا الوحيد ولد الزنا وهو ابن صهاک الی آخر الاية .
وفي صحيح مسلم عن ابي ذر قال النبى لبئس من رجل ادعى لغير ابيه وهو يعلمه الا كفر ومن ادعى ما ليس فليس منا وليتبوء مقعده من النار استدل اهل الحق ان من نقل من اصلاب الطاهرين الى ارحام الطاهرات اولى بالامر ممن ولد على غير رشده وناله سفاح الجاهلية.
ابن عباس قال النبى ما ولدنى من سفاح اهل الجاهلية شيئ وما ولدني الا نكاح كنكاح الاسلام وقد قال الله تعالى لقد جائكم رسول من انفسكم عزيز عليه .
وقال تعالى الذى يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين .
وقد عرف اهل النسب ان اباه الخطاب وجده نفيل وامه خثعمة وجدته صهاک من عدى وليس في قريش اوضع منها ولا تيم مع ضعتها فهو كما قال الشاعر :
مردد بین الخفاء
ترديدا فكان ابو الخطاب عثمان متزوجا بابنة اخيه فامر الناس الا يزيدوه عن الخطاب لما عرف من قصة جده ورواه محمد بن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن ربيعة عن لقيط عن مالک بن هدن قال سمعت عنه قال تعلموا انسابكم تصلوا به ارحامكم ولا يسالني احد عما وراء الخطاب وقد صحح ابو يحيى الجرجاني المحدث ان الصهاكي كان ابوه شاكرا و به كان ابن الحجاج يعرض في قصيدته :
لعن الله ابن شاکر
البحخارى والاحياء ومسند احمد عن ابي موسى في خبر انه قال رجل للنبى من ابى قال ابوک خلافة فقام اليه آخر من ابى قال ابوک سالم مولى شيبة فبرك عمر علی ركبتيه وقال رضيا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا.
وفى رواية ان عمر ما وجهه وقال يا رسول الله اما تتوب الى الله .
وروى ابويعلى الموصلي في المسند عن انسانه قال وبمحمد نبيا وبالقرآن اماما لا تسئل عما ستبت او نومن على ما انزل علينا لاسدين علينا سواينال ....... عفا الله عنک قال فهل انتم منتهون قالوا انتهينا يا رسول الله فمن لم يثق بنسبه يقول مثل هذا.
وروی برید بن هارون عن جرير بن عثمان عن عوف بن مالک قال جاء رجل الى الثانى فقال ان على نذر ان اعتق نسمة من ولد اسماعيل فقال والله ما اصبحت اثق الا بما كان من حسن وحسين وعلى وعبد المطلب فانهم من شجرة رسول الله فانه سمعته يقول هم بنو ابى ومن لم يصح نسبه كيف ينسب الى ابراهيم ومن لم ينسب اليه كيف يصلح للامامة وقد قال الله تعالى ملة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل فالذي يصح نسبه من ابراهيم لا يكون الا كما سماه ابراهيم ومن لم يسميه ابراهيم مسلما فليس هو بمسلم بقضية الاية وانه كان بالنسب الصحيح الا بهم ثم اخراجهم من الامر يدل على كفرانه .
بیت:
اذا ذكرت عديا في بني مضر -فقـ
ـدم الدال قبل العين في النسب
الكلبى قال كان يزيد بن الخطاب اخو عمر من سفاح الجاهلية وكان الخطاب يعمل الاوحاب.
قال الحميري:
فلم سفکک فيه لنفسک ظالما
كله ظلم الخطاب ضيف بني عمر
شرى منه بیع السوق
والناس حاضر بمكة اغبارا من الخمر
فقال له الخطاب والمكر عنه
...مربع ما يحق عدى مکر
بروح غدا ظهر المالک فانتقذ(1)
دنانير صفر عندنا كل كالخمر
فراح الى ماذا يومل قبضه
وقد وطن الخطاب نفسه على الغدر
فحط خطوط فی کتاب مرقش
ببطن اديم قد من ادم وفر
فلما اتاه فال دونک فانتفد
1) فاسند.
مالک عندی غیره آخر الدهر
فناشده بالله ضيف بن هاش
وبالحل والاحرام والبيت ذى الستر
فلا اتى فى الغى الا يماد
ثنى راجعا والدمع في عينيه يجرى
فنادى بويل فاستجاب لصوته
فتی غير ما ولا صرع عمر
فقال ...
غلب عليها بالخديعة والمكر
واقبل اذلاقی یجر ازاره
من الغيظ كالطاط المرجع بالهدر
فلما كلم الخطاب حى اقله
من الارض حملا ثم ارداه لل...
فراس برجليه جوانب بطنه
واعفى حه حتى التقى الأرض بالجعر
واب ابویعلی باعتار ضيفه
وقد ظفرت كفاه بالحمد والاجر
وقد بال خطاب ذیل ازاره
بما سال من شر على العقب من دبر
فدى لابی یعلی بن هالة اسرتي
فقد كان مدراكا اذا ضيم بالوتر
وكان جرير يهجو ذو الرمة فكان مما قال:
عجبت لمن حل عبد مشمس
وفی ای یوم لم تشمس رحالها
وفيم عدى عند الخلق من العلى
وايامنا اللاتى بعد فعالها
مدد بكف من عدى فقيرة
لتدرك من زيد بدالا... لها
یيماشي عليها لومها ما تجنه
من الناس ما ما بيت عند رحالها
فقل لعدی يستقن بناتها
على فقد اعيا عديا رجالها
ترى اللوم ما دامت عدى مخلدا
سرابیلها منه ومنه نعالها
وفي تعريض ابی بکر احمد بن محمد الحلوانى قال قدم عمرو بن العاص على عمر من مصر فقال متى عمرک یا عمر من مصر فذكر عهدا قريبا فقال عمر لقد سرت سير صرورة مشتاق قال بن سيرين من لم تابطه الاماء ولا حملته البغاياء في عراض الماء يعرض بعمر في ولادة صهاک له فقال عمر اما علمت ان الدجاجة سحصن من النراب فيلحق ولدها بالديك والبيض مسومها الى طرفها يعرض به لولادة ام النابغة .
وفى كتاب مفتخر والامتحان ابو جعفر بن بابويه مصنفها انه دوود الرقى وابوبصير ومعاوية بن عمار ومعاوية بن وهب وصفوان الجمال وعبد الله بن سنان اسحاق بن عمار والمفضل بن عمر انه شكت جارية لاسماعيل بن جعفر ان فلان صهاكى يعرض بي فقال لها عدية دار الدواب حتى يصلي اتینی فاعلمینی فوعدته فلما احضر اخبرته بحضوره فقام في عشر من مواليه فاخرجوه فضربوه حتى ظنوا انهم قتلوه ثم امر به فخر برجله فطرح على باب اهله فلما اصبح اهله فاذا به مطروحا فقالوا من قتلك قال اسماعیل فتخلفوا من مسجد النبي تيم وعدى وان بنی هاشم اجتمعوا فصاروا خلفاء فاقبل بعضهم يقول لا نرضى باسماعيل حتى نقتل جعفرا اولا فما صنع اسماعيل الا بامره اذا قبل جعفر فصلى ركعتين فقال شيخ منهم يا ابا عبد الله اخبرني عن اسماعيل وما صنع بفلان ایرضی منک صنع قال بعضهم لو لم يكن يرضى منه لم يصنع اسماعيل ما صنع فغضب ابو عبدالله فرفع راسه فقال يا فلان ليشس فی القوم اسن منک ولا اعلم بما اريد ان اقول لك وحق القبر ومن فيه لئن لم ينصر فن لاخر من الصحيفة التي تعرف فانه مستور عن اهل المدينة حالها فافضحتك وافضحن والد ابيك فقال الشيخ يا قوم قوموا بنا فان احق من احتمل لاسماعيل ما جاء به لنحن انصرفوا بنا فان لهم
قرابة من رسول الله وان كان جاء من اسماعيل امر فنحن احق من احتمل فانصرفوا قالوا فسالناه عن الصحيفة فقال ان صهاک كانت امة لعبد المطلب وكانت حبشية مثل يده السواد وكانت الجاهلية لايرى باسا من ان يمششى الرجل على الجارية او الامة فيقضى حاجته ويواقعها ويمضى وان نفيلا مر بها نصف النهار وهي تسقى ابلا لعبد المطلب وقد اتزرت بكساء فلما رأى خلفها فوقع عليها فحملت بخطاب فوارته فكانما امتحطه بشبه فلما ترعرع و ادرک اخبر قومه وتيما بما كان منه وان الخطاب ابنه فمشت تيم وعدى الى عبد المطلب فقالوا ان دان نفیلا مر بصهاک جاریتک وانهه وقع عليها فولدت الخطاب وهو ابنه فمن علينا بذلك والا فبعاه قال ابی و هبته لعبد الله اب النبي فابعثوا اليه فانى ارجوا ان لا يخالفكم فبعثوا اليه فاتاهم فقالت عبدالمطلب يا بنى قدمت الیک تیم و عدی فی الخطاب وقد ادعاه نفيل وزعم انه ابنه من انك فقال عبد الله لا والله لا ادفعه اليه حتى اوسمه دوارتين فى وجهه واكتب به علیه کتابا انه مملوك متى اخذه القصة.
و به عرضه الحميري:
في يوم خيبر غضب النبي لها وابنه بها
ودعا اخا ثقة لكهل منجب
رجلا كلا طرفيه من سام وما
حام له باب ولا يابی اب
وله:
ولقد حدثني من لم يكن كذابا
رجل من قريش يعرف الانسابا
ان صهاک لنفيل ولدت خطابا
امة سوداء كانت تالف العرابا
فاتاها ليلة من اهلها ستارا
لم يسق مهرا ولم يرض لها اربابا
البشنوی:
ان كنت لا ابری من ابن صهاک
فبريت من حاميم والانفال
وا الولاء معاند المحمد
من بعد اقرار بفضل الوالي
حسدا فد بعد ما لامته
ظلم لکن للقوم فى الامال
ابن الحجاج:
زنت صهاک بعد علم
منها بان الزنا حرام
فلا تلمها ولم رينها
يزعم ان بانها امام
وروی ان صهاک کانت ببطن عرته ترعى ونفيل يختلف اليها وكانت تسرق له السمن والخبز فاذا سئلت عنه قالت اخذته الكلاب فلما حملت بالخطاب خافت على نفسها واتقت فوجدها الزبير بن عبد المطلب فى حايط من الطايف ونفيل معها فطرح في رقبتها حبلا وردها الى مكة حتى ولدت الشين وهو الخطاب وكذلك كانت الجاهلية يسمى ولد الزنا الشين(1)فلما ثبت الصبى كان يرعى الغنم فلما كبر كان يرعى الابل واذا ضاق احتطب لهم واستسقى وهرب نفيل من الزطبير حتى لحق باشام فاستجار الحارث بن ابي سمرة الغساني ثم ان الزبير دخل الشام في بعض تجاراته فدخل على الحارث فعظمه ورحب به وجائه وقال له ترد الخطاب الى نفيل قال له اين هو ملک قال عندی قال فاتینی به قال غدا ولکن صف لي صهاک قال هي جارية حبشية موسومة صهكا هدلاء السفيه السفلى باحدى عليها قبل وبالاخرى حول جهمه المخياء فكانت فى غنم لنا وكان هذا الملط يغشاها فولدت غلاما صبيحا ثم غدا اليه الزبير وسال عن نفيل فقال قد اعلمته انک ههنا فما امسک استه ضرطا وهرب ثم ان نفيلا دخل مكة مخفيا فاتى زيد بن کعب وسیافة ابن مالک ومطيع بان نهثل قومه من بنى عدى فتكلموا فيه على ان يومنه ويرد عليه ابنه فلم يلتفت اليهم وخرج الى النجاشي فجاء موالى عبد المطلب وتكلموا في ذلك فقال اذهبوا بعبد الله وابي طالب معكم فهو لا يعصيها فلما قدم الزبير مشى اليه القوم وهم الف وسبع مأة رجل وثمان
1) كذا.
مأة امرأة وخمس مأة صبى من بنى عدى ودخلوا داره بعلامات وجاووا بعبد الله وابي طالب فقبلا راسه و سالاه ان يهبه لعبد المطلب فقال اما والله لا افعله دون ان اسمه على وجهه واضرب الله على الصفا فقال الامر لك على هذا الشرط فقالوا اما الجارية لك فاصنع بها في امرها ما احببت فاما الغلام فلنا في شرط فاكتب علينا الكتاب واما ابوه ولا يدخل الحرم ما دمت عليه ساخطا ثم اتى بالخطاب ونزل بلبسه السفلى وكواه من اصل الانف الى شحمة الأذن ووضع داورة بين عينيه وكتب عليه كتابا وعلى ابيه يقبل له ولعبد الله وابى طالب واولاد ثلاثتهم لان صهاک کانت جارية امهم دون والدهم فشرط فيه ان الخطاب فى ولده عتقائهم وطلقائهم ان شاء ويردوهم في الرق ولد الزبير وعبداالله وابي طالب وعلى نفيل ان لا يدخل مكة ولا زمزم الا باسته قبل وجهه واذا خرج فعل مثل ذلك وسلم اليهم الخطاب واخرجت صهاک فاوقفت للناس بمكة يوم عرفة وثلاثة ايام نهى ويوما بسوق المجاز ويوما بسوق عكاظ ثم نفاها عن مكة فماتت بالطائف.
ابن حماد:
الیس صهاک ام الخطاب عبدة الزبير
التي اضحى نفيل بها تزنی
فجائت بخطاب فلا العتيق ناله
ولا البيع بل خلى على الرق واستثنى
فاولاده ملک لال محمد
وانا زعمت واناف شيعته الملكن
ايعدل سادات الورى بعبيدهم
يقاس بعبد والهجان سوى الهجن
وفي رواية الهيثم بن عدى الطائى وابي عبيده معمر بن المثنى وغيرهما ان صهاک الحبشية كانت ام الثاني وطيها عبد العزى.
وفيه يقول الحميرى:
صهاک خان والدها ابن حام
فاشبه نسلها فى اللون حاما
ولقد كان الاله اهان حاما
واكرم بالهدى والدين ساما
و آية ذاک انک لست تلقی
لها من نسلها الا دلاما
ترى فى بطن راحته بیاضا
وظاهر ها ثرى فيه ادهام ادهاما
....... العد من جعد
حيانا فى الزغي رعشا لهاما
ابوجعفر في قوله والليل إذا يغشى قال الليل فى هذا الموضع المنكر غشى اميرالمومنين وفى دولته التى جرت له عليه تاريخ النشابي قال زر بن حبيش رايت عمر بن الخطاب ادهم اصلع اعتر يمشي حافيا مشرف على الناس راكب.
السد:
كان الخبيث دلاما اذهما وحشا
خلقا اسف كريه اللون بوالا
وكان ابجر جيتنا اذفر دنسا
فى عينيه قبل يعنون احو ...
وكان السف يوطى العنف ذا عنق
فضا مدخوله فى الصدر ادخالا
وكان اوضح مقدورا به سيرا
في العين العين يشبه فى التشبيه بطالا
يد اليسار له يمنى ويمنته
يلقى اليسار لمن قال شلالا
ونشاء المنكر بمكة وكان هجر في الجاهلية في الادم يسافر به وروى انه كان قصابا .
.......(1)
وليس قصابا وليس بقارن
یام بقوم للذى جعلواله
امستاجر بالحلف دون اهابه
...یب عليه ما حباه سبيله
ومن ورق في كل يوم ثلاثة
وثا ثلثه(2)بالسب الصحاح اكيله
یعنی بذلك لما ولی الاول جعلو له فى كل يوم ثلاثة دراهم وحلف شاة ومنعوه راسها واهابها فلما ولى الثانى قال لا تسعنى الذى كنتم تجرونه على ابي بكر لان المسلمين قد كثروا ففرضوا له ستة دراهم وراس جزور وعنقه كل يوم سوى ما كان فرض لنفسه من العطاء مع المهاجزین والانصازر فصار ذلك سنة في تعليم القرآن وحكم القضاة وحديث القصاص وتاذين الموذنين وامام(3)وقرائهم عليه في شهر رمضان وجعل الابق والدابة والله تعالى اتبعوا من لا يسالكم اجرا قل لا اسئلكم عليه من اجر .
قال وروى انه كان يبيع الابل وقال اميرالمومنين في كلام له كان زفر يصلى الا ان يبيع الابل وما كان لزفر شيئ الا وانا احق به وانما كان من حى اخمل قريش حسبا وابطائهم عن الخير ذكر واقلهم عددا وابطائهم دخولا فلما رفعه الله ودارت الامور اعلن لنا ما كان في قلبه وسجد لنا سيفه واعانه علی ذلک ابلال قریش واهل الجهل ومن كان يطلبنا بثارنا فى الجاهلية فصار رفيعا بعد الضعة وعليا بعد السفل وحالف الاول علينا فسموا انفسهم الاسماء وعدلوا ما كان لنا والله لو كان لي بعض اعوانهم من يصدق الحرب ويصبر على الضرب اكافحتهم ولكن القوم خذلوني ودفعونى عن حقى وانا المقدم بها والمخصوص لها والله يجرى يجرى عادة بفعلهم واليه المصير .
ورات عهد الصهاكى فی ملکه فقالت یا زفر عهدتک وانت شیخی عمیرا في سوق عكاظ تصارع الصبيان فلم تذهب بک للايام حتی سمیت اميرالمومنين فاتق الله في الرعية فان من ضاف الوعيد قرب منه البعيد ومن خاف الموت خشى الفوت.
..... يصول ابو حفص عليا بدرة رويد فان المرء يطفوا ويرسب کانک لم تتبع خمو له قط تشبع ان الزاد شيئ محبب فلما بعث النبى اظهر الاسلام فلما سمع ولا علم انه منذ ذلك اليوم الى وقت الهجرة كانت معه معونة او نصرة للنبى ما كان يلقى من قريش بل كان خاملا فيها كانت الهجرة فلما استقروا بالمدينة كان امره في خطبة الزهراء وفى سد بابه في المسجد واعتراضه في ذلك الامر الاول ولقد سالا موضع الكوة ينظر منها فما شفع وكان مبداء امره فى الاسلام ما ذكره محمد بن اسحاق انه لما نزل قوله انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قالت قريش لا نرضى بابائنا وامهاتنا وانفسنا كما يقول يتم ابوطالب فقال ابوجهل على لقاتله ماة من النوق فقام عمر فقال الضمان صحیح یا ابا الحكم فقال نعم فاشهدوا على ذلك الاوثان ثم
استقبل نحو النبى فساله رجل عن خروجه فقال لقتل بن ابی کبشه قال و این بنو هاشم عن ذبلك فذهبا ملقيا جذعه مقمطة للذبح فنادت يا آل ذريح قد جائكم برسول يصيح بلسان فصيح يدعوكم الى امر نجيح بشهادة ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله.
وفى تاريخ الطبرى ان عمر قال لى عبد الله بن كعب لقد كنا في الجاهلية نعبد الاصنام ونعتق الاوثان ثم قال بعد كلام له اذ سمعت من صوت العجل یا آل ذریح امر نجيح رجل يصيح يقول لا اله الا الله قال فاسلم الرجل وفى تكلم اللطائف توجه عمر نحوه فرای نفرا من بنى خزاعة يصالحون عند هبل فنطق بهبل :
یا ايها الناس ذو الاجسام
ما انتم وطايش الاحلام
ومسند الحكم الى الاصنام
کلکم اراه کالانعام
اما تزول ما اری امامی
قد لاح فى الباطن من نهام
قد جاء بعد الكفر والاسلام
یامر بالصلاة والصيام
والامر بالصلات للارحام
ويزجر الناس عن الاثام
فلما سمعوا ذلك نسوا خصومتهم واحملوا جميعا وكان هو توجه نحو النبي فثقيل له ان اختك قد اسلمت وحا بين الارث يعلمها سورة طه فجاء اليها وبها وفي اعتقاد السنة عن الاشتهى انه لما ضرب عمر اخته بسبب الاسلام وسال الدم منها بكت ثم قالت ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد اسلمت فقال ما هذا الكتاب اعطينيه فقالت لا اعطیک لست من اهل انت لا تغتسل من الجنابة ولا تطهر وهذا لا يمسه الا المطهرون .
وفى حلية الأولياء فى خبر ... لى انه لما قصد دار النبى خرج النبي واخذ بمجامع ثيابه ثم بتره بتر مطهما لك ان وقع ركبتيه وقال ما انت بمنية يا عمر فاسلم وروى انه افشاء عمر اثيابا منها .
وقد ظلمت ابنه الخطاب ثم هدى
قلبى عشية قالوا قد صاغر
وقد ندمت على ما كان من زلل
وظلمها حين تتلى عندها السور
وفي تاريخ الطبرى انه قال عبدالله بن ثعلبة بن شعير اسلم عمر بعد خمس واربعين رجلا واحدى وعشرين امراة .
الشريف الرضي:
يفاخرنا قوم بمن لم یلد
تیم اذا عد السوابق او عدى
ويبنون من لو قدموه لقدموا
جواد عداء فى الجياد مقلد
بنو هاشم بعد النبى وباعها
بار می علی او نبل مجد و سودد
ولولا على ما علو برواتها
ولا جعجعوا بمرعى ومورد
اخذنا عليكم بالنبي وفاطم
طلاع مساعی من مقام ومقعد
البشنوى:
یا امة رغبت عن رسدها نفها
وملة لحقت فى الغى بالملل
جعلتم اهل بيت المصطفى تبعا
للتابعین بالخدیجة لا العمل
السائلين لهم عن كل مشتبه
والمقتدين به فی کل مشتکل
تبا لامة سوء صيرت حسدا
او نالها موضع الشجان بالخطل
یا سامريا بدت فى العجل فلتته
حكمت بالقبل فيها حكم ذى حيل
لشاعر :
ما دلام الاكجيفة كل
والضرورات احوجنا اليه
فمن الضطر غير باغ ولا عاد
فلا اثم فى الكتاب عليه
يا عجبا قاسوا قطع الظلام الى بدر التمام لما احتجب الغمام فيا الافكة من الطوا السوام ابناء اللئام واشباه الانعام وجهلة الاقوام كيف يقاس اخو رسول الله الى ابن الخطاب .
يا للعجب من اولاد الذياب وسكان التياب و غيلان الخراب واكلة الشراب ومنتجعى السراب وبين الارتياب.
ابن حماد:
.... يا من يقيس به من لا يشاكله
دون الوصول اليه مسلک خرج
نهبت الحق بالبهتان معتمدا
فالبهت مستقبح عند الورى جمع
بين الامام الذي يهدى الى رجل
لا يهتدى او يهدى فاعلموا درج
والله ما كان تقديم الدلام على
مولاه في قلبه مذ قط تختلج
وانما قدم التيمی تجربة
حتى يكون له التوطيد والفلح
ابو الحسن القصرى:
يا من تقيس به الدلام جهالة
اتقاس راكب كامل برذین
الناشي:
قل لمن لا مک فی حقهم
ما علی ودلام بسر-ا
الحميري:
يضجون ان قلنا اب م نبینا
احب الينا من قنيع ومن زفر
فما حج بیت الله بعد محمد
احب الينا من على ولا اعتمر
وما احدفي الناس الا محمد
لدى الله خير منه ولا ابوالبشر
وانى بتفضيل عليا عليهم
اذا انقل البهتان من ذاك واعتذر
كتفضيل نور المنير على العمى
وتفضيل عود العشار على الغشى
وله:
ان قلت ان عليا عند خالقه
خيرا عدا من ركب ومن زفر
عجبت عصایب من قولى وسائهم
ولست منه وان عجوا بمعتذر
شاعر:
يقيس به من لست ارضى بعبده
يكون له من حد قاسه بعلا
هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ابو جعفر وابو عبد الله في قوله یوفک عنه من افک ولايته من اخيه ومن استقام فى ولايته دخل الجنة قتل الخراصون الى قوله يوم الذين يتساهون زريق وصاحبه هذا على بن ابى طالب عليه ما بلغنا انه سال احدا قط واما عمر فانه كان يسال عب الرحمن بن عوف وكعب الاحبار وعبد الله بن سلام وزید بن ثابت وعمرو بن العاص ....... يقول لابن عباس عصى باغواص رواه ابن بطة فى الإبانة عن عبد الله بن دينار وفي الاحياء انه كان يقدم ابن عباس وهو حديث النبي عن اكابر اصحابه ويساله دونهم.
وفي مسند ابو يعلى الموصلى قال عمر بن معتل اصاب رجلا من بني كنانة مامومة فاراد عمر ان يفيد منه فقال له العباس بن عبد المطلب سمعت رسول الله يقول لا قود في مامومة ولا جايفة ولا مسهلة فاعرفه العقل.
وفى الموطاء ان رجلا ساله عن جرادة قتلها وهو محرم فقال لكعب فقال احكم فقال کعب درهم فقال عمنر انک لتجد الفداء التمرة خير من جرادة.
وق ثبت رجوعه الى اميرالمومنين على راغما بعد ما عجزت الحاحبة في ثلاث وعشرين مسالة وتفاخر ابو حامد الغزالي في الاحياء ان عمر هذا الذي سد باب الكلام والجدل وضرب ضبيعا بالدرة لما أورد عليه سوالا فى تعارض اثنين في كتاب الله تعالى وهجره وامر الناس بهجره .
والاصل فى ذلك ما رواه علمائكم منهم النقاش في تفسيره وابو عبد الله بن بطة في الابانة وابن الانيبارى فى كتاب الهاات بالاسناد عن السايبة بن زيد وعن أبي عثمان ايضا انه اتاه رجل يقال له ضبيع فساله عن الذاريات وعن النازعات وعن المرسلات فعلاه بدرته وكان معتها فامر فحسر عن راسه فاذاله وقره فقال الاول لک لو اصبتک مخلوق لضربت عنقك ثم امر به فحبس فجعل يخرجه كل يوم فيضربه خمسين جريدة حتى ضربه اربع مأة قال الرجل ان تريد قتل فالسيف اروح ما خيبت حياته سالت شيئا فان علمت فعلمنى والا فقل اعلم لی به فانصرف عنك فيسر به الى البصرة وصار منفيا وكتب الى اهل البصرة لا تجالسوه ولا تبايعوه وفي الابانة في حديث سليمان بن حسان ان عمر ضربه حتى سجمه في الدم يسيل على وجهه فقال حسبک يا اميرالمومنين ولقد ذهبت والله كنت اجببته في الله وفي حديث الزهرى انه ضرب ضبيعا حتى سالت الدم على وجهه وفى تفسير النقاش لما طالت هجرة الناس عنه اتاه ابوموسى الاشعرى فقال والله لنادين الناس ان تجالبون ئولا نحقن بالترك فكتب ابوموسى الى عمر بذلك فاذن للناس ان تجالبونه فكان ضبيع بعد ذلك يتولى والله لولا شعيراتي لعملت والله لولا شعيراتي لقتلت فاي شيئ اعجب من هذا الفعل ان يقعد مقعد رسول الله ولا يكون عنه ما يحتاج الامة اليه ويعامل مثل هذه المعاملة لجهل نفسه.
وفى غريب الحديث عن ابي عبيدة من روايتين انه سال اعرابي عن محرم اصاب ضبيا فسال الاعسر عبدالرحمن فقال يهدى شاة وقال الاعرابى والله ما درى اميرالمومنين حتى استفتى غيره فحققه بالدرة وقال اتقتل في الحرم وتغمض الفتيا.
ان الله تعالى قال يحكم به ذوا عدل منكم ابا زفر وهذا عبد الرحمن وكان اسم الاعرابی ابی قبیضه جابر ما وجدنا مفتيا يفعل مثل ذلك.
وفي تعليقات ابن مقله ان الاعسر قراء او ياخذكم على تخوف فلم يدر ما تخوفت فكان فسال حسان بن ثابت وغيره عن ذلك وامر بالكتاب الى الامصار بالمسئلة من الخوف فاقبل غلام يقود شيخا فقال يا اميرالمومنين ان ابى هلک وخلفني يتيما في حجر عمى وتركنى مالا فلم يزل يتجوفه حتى افناه فقال الثاني الله اكبر وعلم ان التجوف هو النقصان.
وفي البخارى فى خبر طويلا انه سال الصحابة عن نزول قوله يود احدكم ان يكون له جنة قالوا والله اعلم فغضب العسر فقال اقولوا يعلم ولا نعلم فقال ابن عباس مثل بعضى يضرب بطاعة الله ثم عمل بالمعاصي وفي درة الغواص في اوهام الخواص عن ابن الحريرى ان الصحابة قد اختلفوا فى المودة فقال لهم اميرالمومنين انها لا يكون مودة حتى ياتي عليها بالنارات السبع فقال له عمر صدقت اطال الله ابقاک واراد علی بالنارات السبع طبقات الخلق السبع المبنية فى قوله ولقد خلقنا الانسان من صلالة فاشار الى انه اذا استهلك بعد الولادة ثم دفن فقد ويد.
وروى ابو حمزة الثمالي وابو اسحاق الثعلبي في تفسيرهما والزجاج في مغابته والواحدى فى اسباب نزول القرآن واللفظ للثمالى انه قال عمر لابن سلام نزل على محمد الذين اتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابنائهم فكيف هذه المعرفة قال نعرف نبى الله بالنعت الذى نعته الله اذا رايناه فيكم كما اخذناكم يعرف احدنا ابنه اذا راه بين الغلمان وايم الله انا بمحمد اشد معرفة يا بنى لانى عرفته بما نعته الله في كتابه واما ابنى فانى لا ادرى ما احدثه امه
وفى روض الجنان عن ابى الفتوح الرازى والكشف والبيان عن الثعلبي وفي تاريخ الطبرى انه سال زفر جماعة فيهم سلمان وطلحة والزبير وكعب ما الفرق بين الخليفة و الملک فقال سلمان الخليفة من يعدل فى الرعية ويقسم بالسوية ويشفثق عليهم شفقة الرجل على اهله يقضى كتاب الله فقال كعب ان سلمان ملى حكما وعلمتا وما كنا نعرف ذلک فقال عمر فانا الخليفة ام الملك فقال ان جبيت من ارض المسلمين در هما درهما او اقل او اكثر ثم وضعته فى غير حقه فانت الملك غير خليفة.
وروى ابن مسعود انه قال عمر لا ادرى ما اصلع بالمجوس ابن عبدالله بن عباس فقالوا هادوذا فقال ما سمعت عليا ان عمك يقول في المجوس فان كنت لم تسمعه فساله عن ذلک فمضى ابن عباس الى على فساله عن ذلك فقال افمن يهدى الى الحق احثق ان يتبع امن لا يهدى الا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون ثم تافتاه .
وقد رواه البخارى واحمد بن حنبل نجا من ذلك الا انهما قالا ولم يكن عمر اخذ الجزية ممن المجوس حتى شهد عبد الرحمن ان النبى اخذها من المجوس.
فى كامل المبرد وعقد ابن عبد ربه روى الزبير .... ان مالا يذكر عليا وعثمن وطلحة
وزبير فيقول والله ما اقتلوا الا على الثريد الاعفر ودخل محمد بن الحسنی علی مالک
عن انس ليسمع منه الحديث فسمع في منزله صوت ابلجن فقال سبحان فقال مالک ما لک قال هو زمر قال فما انكرت منه ..... فسمع وقع الاوتان فقال سبحان الله فقال ما لک مالک قال اسمع .... قال انا لا ابرى لهذا باسا وفى الاغاني الاصفهاني انه قال الح......... كنت بالمدينة فخلالى الطريق فى نصف النهار فحطت اغني:
ما بال اهلک بارباب
جزاء كانهم عضاب
قال فاذا خرجة قد فتحت واذا وجه قد بدا يتبعه لحمية خمراء وقال يا فاسق اسات التادية ومنعت القابلة واذعت الفاحشة ثم اندفع يغتيه فظننت خلوهنا قد يسر بعينيه فقلت اصلحك الله من این لک هذا الغنا قال فشاءت وانا غلام فقالت لی امی یا بنی ان المغنى اذا كان قبيح الوجه لم يلتفت الى عقابه فدع الغنا اطلب العفة فانه لا يضر معه قبح الوجه فتبعت الفقهاء فبلغ الله بى ما ترى فقلت له اعد جعلت فداک فقال تريد ان تقول اخذ به عن مالک بن انس فاذا هو مالک بن انس .
وفى حلية الأولياء وغيرها في روايات عن احمد بن حنبل وابي داوود وابن وهب ان مالكا ضرب وحلق وحمل على بعير وانه جعفر بن سليمان وروى اشهب بن عبد العزيز وهو اجل اصحابه قال كنت عبد مالک فسئل عن النية فقال بين ثلاثة قلت اكعب ما قلت لا تفعل فعسى ان اقول بايعنى انها واحدة وروى عن مالک انه کان يرى راى الخوارج وانه سئل عنهم فقال ما عسى ان اقول في قوم ولونا فعدلوا فينا وسئل مالک عن رجل قتل اخاه عليه فقال يقتلى به فقال ابوهما انا الوارث وقد وهب
فقال ليس ذلک اليك فكان ابوهما اذا سئل عنهما يقول قتل احدهما صاحبه والاخر قتله مالک ویروی عن الشافعى انه قال ما يحل لمالك ان يفتى .... قبا ويه من انزل فاغتسل ثم خرج منه ماء بع غسله فلا غسل عليه من اغتسل للجمعة ..... وتشاغل اعاد الغسل عند رواحه من يتقن الطهارة ثم شك فى الحدث بنى .... اليقين سور الكلب والخنزير من الطعام والمايعات مراخ وما المياه ....... طاهر ومن لم يجد من وما ولغ به کلب فانه يتوضاء به من ترك الاستنجاءئ والاستجمار وصلى بالنجاسة لعذر من سهو او عدم ما يزيله اجزائه الاستعاذة بعد القرائة بخلاف الاجماع ذهب الى قوله فاذا قرائت القرآن فاستعذ بالله كما يقول اذا اكلت فقل باسم الله ويكرمان يقرء بسم الله الرحمن الرحيم فى الصلاة بل يكبر ويبتدى بالجمار الا في رمضان لا باس امامه ولد الزنا ووافقه ابو حنيفة يجوز ايام المحدود والاقطع لا باس بصلاة الماموم بين يدى امامه ووافقه الشافعي على ذلك النجاسات كلها ما لم يكن متفاحشا فهو عفو عنه والتفاحس عند احمد شر وعند مالک نصف الثوب ومن لم يجد الا ثوبا نجسا فليصل منه ولا اعادة عليه القرآن و ثیابک فطهر ومن لم يجد الا ثوب حرير فليصل فيه لا باس بالصلاة في المقبرة الجديدة وتكره في المقبرة القديمة.
النوافل المرتبة فى اليوم والليلة فاذا فاتت اوقاتها لا تقضى من كانت له عشرون دينارا او قاست عنده سنين فلم يخرج زكاتها فليس عليه الا نصف دينار ويجب الزكات في العدس واللوبيا والجلجلان وحب الفجل واشباه ذلك ولا تجب في بذر الكتان ولا في القرطم ولا فى القطن والقصب لا زكات على اهل الذمة في اموالهم لا باس بصيام يوم الشك متطوعا يجوز للمتمتع ان يصوم ايام التشريق يعطى الفارسي ثلاثة اسهم سهم له وسهمان للفرس النبى للفارس سهمان وللراجل سهمان يجوز اكراء
ارض بالطعام لا يقبل الشهادة على الاعسار لو حلف الا ياكل لحما فاكل شحما حنث في يمينه ولو حلف الا ياكل شحما فاكل لحما لم ينحث ناقض يستحب توجيه الذبيحة الى القبلة وان ذبح الى غير ... فلا شيئ ولا باس بذبايح اهل الكتاب ثم قال ويكره صيد البرى لا باس باكل الميت الحيان طافيا او ماشيا صيد البحر كله.... اتلفه مسلم او مجوسی طفا او لم يطف لا يحرم اكلب الكلب الماء وخنزيره ولا باس ...السرطان واكمل السلحفاة والصفدع والطير كله مباح ذو المخاطب وغيره لا باس .... والعقبان والرخم والعربان وساير سباع الطير.
وفي كتاب عن ابن ماجة ....ن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال نهى رسول الله يوم خيبر عن اكل كل ذى ..... من السباع وكل ذى مخلب من الطير لا باس باكل الوبر والثعلب والارنب .... الكلب.
وفى سنن ابن ماجة حريمة ابن حرى قال قلت يا رسول الله ما تقول .... ثعلب قال ومن ياكل الثعلب قلت وما تقول فى الذيب قال وياكل الذيب ..... خير قلت وما تقول في الضبع قال ومن يأكل الضبع لا باس بالانتفاع ..... الخنزير ولا باس بعلف الدواب بالطعام للنجس ما اكل لحمه منها ولا يوكل ... بهيمة الأنعام الوحشى كله مباح ما عدا الخنزير فانه حرام السباع مكروهة والخيل مكروهة دون كراهية السباع نكاح حراير الكتابيات جايز وطى اما بهن بالملك دون النکاح جايز لرجل ان ينكح امة ابيه امه بخلاف ابيه اذا ارتضع موارد من لبن بهيمة يصيران اخوين المراءة لا يجوز لها ان يتصرف في مالها الا باذن زوجها ولو قال لها انت على كظهر امى كان مظاهرا ولو قال انت على كظهر زيد او كظهر الدابة كان مظاهرا او اذا اعتقل الطلاق بقلبه ولم يلقط به لسانه يكرمه ...... صح القولين ويجوز الخلع على المجهول والمعدوم مثل
العبد الابق........ والثمرة التي لم يبد صلاحها وكان له ذلك ان اسلم وان لم يسلم ناشی..... انت طالق يوم اموت او نوم تموتين في الحال لو قال انت طالق اذا ...... ولو قال انت طالق اذا مت انا واذا مت انت مطلق فى ... رواه ابن وهب ومن قال لامرأة اجنبية انت طالق ان تزوجتک فتزوجها لزم طلاقها ولو قال كل امراة اتزوجها من بل د كذا فهي طالق وتزوج من ذلك البلد امراة طلقت عليه ثم عاد فتزوجها طلقت عليه ايضا واكثر الحمل سبع سنين او خمس او اربع ولا باس في الاضحية الجماء والمكسورة ........ والحرفا والشرقا والعضباء السعوط باللبن .... الرضاع من خير امراته فاختارت نفسها فقد طلقت ثلاثا ولو قال لامرته انت ... واراد بذلک الطلاق كان طلاقا ولو قال لامته انت طالق واراد بذلك العاق کان عاقا .... ويقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ويقتل العبد بالعبد والامة بالامة والامة...... ويقتل الرجل بامراته ومن سرق من حلى الكعبة .... ولا قطع عليه ولا يجوز للمراة ... الزوج ان تهب ولا تعتق ولا يتصدق باكثر من ثلثها الا باذن زوجها فان فعلت..... من ثلثها الا باذن زوجها فان فعلت باكثر من ثلثها فزوجها بالخيار فى اجارة ذلك.... ردها وقد قيل له رد صدقتها كلها اذا ازاددت على ثلثها ومن قطع من حمار القاضى ... ذنبه ففيه كمال قيمته يبيح المخنث انه يستعمل لانه مالك نفسه وطء النساء في احباسهن...
والقاضی ابوالعلا صاعد الرازی:
حاولتها من خلفها فتمانعت
وقالت معاذ الله من فعلک ذاک
فقلت لها جازت على قول مالک
فقالت رضاک الله فی ید مالک
ابن الحجاج:
وقل-
وقلت ان اميرالمومنين....
على معاوية فى يوم صفين
او قلت ان الحسين السبط قام به
فى الله عزم امام غير مامو....
فلا ابن مرجانة فيه بمحتقب
اثم المسئ ولا يمر يبلغون
ان اجرا...
آل النبوة احير غير ممنون
وقلت افضل من يوم الغدير اذا...
صحـ...
ویوم عیدک عاشورا تعدله
ما يستعد النصارى للقرلين
ما بدت...
ولا باس ربک باس غير مامور
فهم القائلون بوجوب الامامة والعصمة والنص الجلى فكل من جمعها فهو امامى وان ضم اليها حقا فى المذهب كان ام باطلا فى خبر يا على امتى ستفترق ثلاثة فرق فزرقة شیعتک وهم المومنون وفرقة عدول وهم الشاكون وفرقة غالوا فيك وهم الجاحدون فانت و شیعتک فی الجنة وعدوك والغالي في النار .
لما اظهر القول مغيرة بن سعيد الكوفى بامامة محمد بن عبد الله بن الحسن بريت منه
اصحاب الصادق فقالواد ارفضوه ويقال يسمى بذلك لشيعة تركوا زيد بن على ويقال اظهر ذلك السفاح ويقال بل سمی بذلک اصحاب موسى ثم اذخره الله لخواص امة محمد .
الذين ترون احق العبادات لعن من خرج على على في الجمل وصفين.
لما قتل الحسين افترقوا فقال الجمهور بامامة زين العابدين وبعضهم رجعوا وهم كيسانية اصحاب المختار واسمه كيسان وقيل ان اباه وضعه بين اميرالمومنين وهو وضعه فمسح يده على راسه فقال كيس كيس فلزمه هذا الاسم وقيل ان اصاحب شرطة المختار كان المكنى بابا عمرة كيسان وقيل ان محمدا استعمل الكيسان مختارا على العراقين بعد قتل الحسين وامره بالطلب بثارته وسمه كيسان لما عرف من قيامه وهذا مذهب من زعم ان محمدا اماما بعد اخته قال بعضهم انه كان االامام بعد اميرالمومنين وان الحسن انما ادعى فى ظاهر الدعوة الى محمدامره وان الحسين ظهر بالسيف باذنه وهم الكربته نسبوا الى رجل ضرير يقال له كرب وكان حمرة بن عمارة الزيدى منهم وقال بعضهم ان الامام على ومحمد ابنه ولا يرون للحسن والحسين امامة وهم الحيانية اصحاب حيان بن مسراح و اصحاب ابراهيم الاشتر كانوا يطوفون بالليل فى ازقة الكوفة وينادون يا لثارات الحسين وحكى عن بعضهم انه مات والامامة لولد ابى هاشم عبدالله وعبد الله مات وهو الذي يرجع و يقال لهم ... نسبوا الى رئيس لهم يقال له بيان الهدى وقد ادعى ..... بقوله هذا بيان للناس وعن
بعضهم ان الامامة فى ولد محمد لا يخرج الى غير ..... الحتارثية وعن بعضهم ان محمد بن علی اوصى ابنه ابراهيم وهو ..... الرزامية نسبوا الى رئيس يقال له رزام وعن بعضهم .. ..... ان الامامة انتقلت من ولد محمد الى ولد العباس وهم العباسية وعن بعضهم ان عبدالله ابنه حي لا يموت وانه العالم وعن بعضهم انه مات وانه يقوم بعد الموت وهو المهدى وعن بعضهم ان محمدا حى مقيم بجبال رضوى بين مكة والمدينة وقد انقرضوا جميعا .
بعد وفات الصادق فرعت فرقة انه حى وانه لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويملائ الارض قسطا وعدلا وهم الناووسية سموا بذلك لرئيسهم عبدالله بن ناووس البصرى وفرقة قالوا توفى ونص على اسماعيل وهو القائم المنتظر ومنهم من نسب الى المبارک مولاه وهم المباركية يقال بل نسب الى المبارك بن على العبدی وفرقة قالت بامامة ابنه محمد بن اسماعيل لما روا مماته وهم القرامطة نسبوا الى سوادى يقال له قرمطوته وكان يدعوا الناس الى عبادة الحجر ومنهم من قال ان الذي نص على محمد بن اسماعيل هو الصادق دون اسماعيل وهؤلاء الفرق الثلاث هم الاسماعيلية سموا بذلك لادعائهم امامته ومنهم من قال كان الامام بعد الصادق محمد بن جعفر وهم الاسمطية نسبهم الى رئيس يقال له يحيى بن اسمط ومنهم من يقال ان الامام بعد الصادق عبد الله بن جعفر وهم الفطحية نسبوا الى عبد الله بن افطح رئيسهم وكان
افطح الرجلين او افطح الراس وقالوا ان عبد الله هو الافطح ولم يبق من الناووسية ولا من القائلين بمحمد بن جعفر احد.
لما مات موسى بن جعفر افترقوا فرقا فقال جمهورهم بامامة الرضا فسموهم القطعية وقال جماعة بالوقف على موسى وادعوا انه المهدى وقال جماعة انه مات وسيبعث وهو القائم فسميت الواقفة فى الرضا و من قام مقامه بعد موسى فقال بعضهم هؤلاء خلف ابي ابراهيم الى وان خروجه وقال الباقون بانهم ضالون وقالوا في الرضا خاصة قولا عظيما الممطورة سموا بذلك لان على بن اسماعيل ويونس بن عبدالرحمن ناظروهم حتى خرجوا الى المشافهة فقال لهم على بن اسماعيل ما انتم الا كلاب ممطورة وشدت فرقة فانكروا موت ابی ابراهیم وحبسه وزعموا ان ذلك كان تخيلا للناس وانه حى غايب وانه هو المهدى وزعموا استخلف على الامة محمد بن بشير مولى بني اسد و وذهبوا الى القول بالغلو والاباحة والتناسخ وهم البشرية.
لما توفى الرضا وخلف ابنه ابا جعفر واختلفوا وتفرقوا ثلاث فرق فرقة على الحق وفرقة ابدت الى قول الواقفة وفرقة قالت بامامة احمد بن موسى وهم الراجعة.
لما توفى ابو جعفر تفرقوا ثلاث فرق فقال نفر بامامة ابى الحسن محمد بن على اخو ابى محمد ونفر بامامة محمد بن على بن محمد بن موسى واخوه جعفر بن على والجمهور على الحق .
والخلاف السادس:
لما توفى ابو محمد الحسن بن علی بن محمد افترقوا على ما حكاه النوبختى اربعة عشر فرقة فالجمهور على الحق وفرقة ان ابا محمد مات وعاش بعد موته وهو القائم وفرقة انه مات والامام بعده اخوه جعفر وفرقة ان الحسن كان مدعيا وانكروا امامة اخيه محمد والامام جعفر بن على وفرقة ان الامام محمد بن على اخو الحسن ورجعوا عن امامة الحسن وادعوا حياة محمد وفرقة ان الامام بعد الحسن ابنه المنتظر وابنه على بن الحسن وليس كما يقول القطعية انه محمد بن الحسن وقالوا بعد بمقالة القطعية في العغيبة والانتظار حرفا بحرف وفرقة ان القائم ابن الحسن ولد بعد ابيه بثمانية اشهر وهو المنتظر وفرقة ان ابا محمد مات عن غير ولد ظاهرا لكن حبل بعض جواريه القائم من بعده الحسن محول ما ولدته امه وانها يجوز ان يبقى ماة سنة حاملا واذا ولدته ظهرت ولادته وفرقة ان الامامة بطلت بعد الحسن وفرقة ان محمد بن على ... امام بعد ابيه على وانه لما حضرته الوفاة وضى الى غلام ويقال له... ووصاه ان ان
يسلمه الى اخيه جعفر بعد محمد بن على على هذا الترتيب وفرقة ان الحسن كان اماما فلما قبض لا يقطع عن جعفر ولا على غيره حتى يتبين لنا ذلك وفرقة ان الامام بعد ابيه وعند وفاته نص على اخيه جعفر قال ابو حاتم الرازى وهم الناجية الخمارية نسبوا الى رئيس لهم يقال له على بن قادن ومنهم وفرقة قال الشريف الرضي في الفصول والعيون ليس هذه الفرق موجودة في زماننا هذا الامامية الا اثنى عشرية وقد استخرجت ذلك من فصول المرتضى ومقالات الكشى ومقالات ابى الحسن الرقا الرازى والاراء والديانات عن النوبختى من اصحابنا ومن كتب العامة مثل مقالات ابى القاسم البلخي والاراء والديانات عن عيبد الجبار بن احمد وفرق الفرق عن ابى الحسن الاشعرى وفرق الفرق عن ابى منصور البغدادى واسامى الفرق وفر ق الامة عن صاحبيهما وربما يتداخل بعض هذه الفرق في بعض لمقتضى الحال .
ابن حماد:
فلا خفف الله سوء العذاب
عنهم فکم منكر احدثوه
وکم باطل محدث ابنوه
وحق لربهم ابطلوه
واشياعهم فى الغی مثلهم
ينتهون فى بحرما توسموه
بریت الی الله من فعلهم
وخالف ساير ما ابدعوه
فاما النبى فقد خالفوه
واما القران فقد احرقوه
فحسبهم قدرا و لما خبوه
وما قدموه وما اخروه
ولیلی هو الله ثم الرسول
وبعد هما فالوصی...
ومنن هذه فبنه الهداة
ارضى لنفس بمال مال رضوه
او اصل ما عشيت ما واصلوه
کذلک قاطعوه ما طاطعوا
ابن العودى النيلي:
وقالوا اختلاف الناس في الفقه رحمة
فلم ذا لما هذا يحل محرم
اربان لا لبيان ام كان دينهم
على النقض من دون الكمال قمموا
ام الله لا يرضى بشع نبيه
فاصحوا وهم في ذلك الشرع اقوم
ام المصطفى قد كان في وحي ربه
مقصر عن تبليغه وبحججهم
ام القوم كانوا انبياء صواما
فلما مضل المبعوث عنهم تكلموا
ام الدين لم تكمل عل عهد احمد
فعادوا اليه الكمال واحكموا
ام الشرع فيه كان زيغ عن الهدى
فسوه من بعد النبى وقوموا
اما قال ان اليوم اكملت دينكم
واتممت بالنعماء منى عليكم
وقال اطیعوا الله ثم رسوله
تفوزوا ولا تعصوا اولوا الامر منكم
وما فرض انباري في كتابه
بشیئ ولا مشية منهم
فلم حرموا ما كان حل وحللوا
بفتواهم ما جء وهو محرم
ترى الله فيما قال زل اوهقا
بنی الهدی ام كان جبریل نويهم
لقد ابدعوا فيما اتوا من خلافه
وقالوا اقبلوا عما يقول وسلم
تم الكتاب بعون الملک الوهاب(1)
قال [الشيخ] أبو جعفر محمد بن جریر بن رستم بن يزيد الطبري [الإمامي]:
احتج قوم من أهل الزيغ و العداوة الله جل ذكره و لرسوله (صلی الله علیه و آله و سلم).
أن الخلافة لم تصلح بعد الرسول ص، إلا لأبي بكر بن أبي قحافة بدعواهم أنه كان أفضل الناس بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و أنه كان قدمه للصلاة في علته.
فدللناهم على موضع خطئهم، و أعلمناهم أن رسول الله ص كان يولي أمر المسلمين مما هم فيه من الصلاة و الأحكام و أمور الدين من ليس بفاضل، مثل عمرو بن العاص، فإنه ولاه على أبي بكر و عمر في غزوة ذات السلاسل و ولى خالد بن الوليد و الوليد بن عقبة و ولى أسامة بن زيد و كان آخر توليته؛ و جعل أبا بكر و عمر و أبا عبيدة بن الجراح، و سعد بن أبي وقاص و أبا الأعور السلمي، و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، في رجال من المهاجرين والأنصار عدة، منهم: قتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم بن حريش تحت لوائه و كان أشدهم إنكارا لولايته عياش بن أبي ربيعة حتى قال: أ يستعمل هذا الغلام على المهاجرين و الأولين؟ فكثرت القالة فسمع عمر بن الخطاب هذا القول فرده على من تكلم به و جاء إلى النبي ص فأخبره بقول من قال فغضب رسول الله ص من بعض ذلك القول غضبا شديدا، فخرج في علته و قد عصب رأسه بعصابة و عليه قطيفة وصعد المنبر، فحمد الله و أثنى عليه ثم قال:
1 - أيها الناس ما مقالة بلغني عن بعضكم في تأميري أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبل، و ايم الله إنه للإمارة لخليق و ابنه بعده للإمارة خليق، و هو من أحب الناس إلي و إنهما أهل لكل خير فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم.
ثم نزل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فدخل بيته وذلك ليوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول، و جاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله ص، و فيهم أبو بكر و عمر، و رسول الله يقول:
أنفذوا جيش أسامة و دخلت أم أيمن و هي أم أسامة، فقالت: يا رسول الله لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل فإن أسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أنفذوا بعث أسامة.
فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد و رسول الله ثقيل مغمى عليه، فدخل أسامة على رسول الله وعيناه تهملان و عنده العباس عمه رحمه الله، النساء حوله فتطأطأ إليه أسامة فقبله رسول الله ص و رفع يديه إلى السماء ثم نصبهما إلى أسامة.
قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي فرجعت إلى معسكري، فلما كان يوم الإثنين جاء أسامة فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) اغد على بركة الله فودعه أسامة، و رسول الله مفيق، فصاح أسامة بأصحابه و أمرهم باللحوق بالمعسكر، و بالرحيل.
فلما متع النهار فبينا أسامة يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن يخبره أن رسول الله ص يموت، فامتنع عليه القوم فتوفي رسول الله في ذلك اليوم حين زاغت الشمس، و هو يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول و دخل الناس من الجرف إلى المدينة و لم ينفذوا لأمر رسول الله، ثم اضطربوا، و بايعوا لأبي بكر قبل دفن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ثم ادعى القوم أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة.
فحدث الواقدي، و هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي [المتوفى 207] قال:
2 - حدثنا ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان أبو بكر فيهم.
3 - وحدثنا أيضا، عن محمد بن عبد الله بن نمير عن عمرو بن دينار مثله.
فقد ثبت من رواية المخالفين أن رسول الله ص كان آخر عهده و هو يغرغر، قال: أنفذوا جيش أسامة، و كان أبو بكر فيهم، و زعم القوم أن رسول الله بالصلاة في علته و إقامته مقامه فكيف يكون ذلك و قد ألح و قد ألح ص في أسامة هذا الإلحاح، ألم يعلم أنه ميت؟ أليس قد نعي نفسه قبل ذلك بشهر؟.
4 - رواه الواقدي عن عبد الواحد بن أبي عون قال عبد الله بن مسعود نعى نبينا نفسه قبل موته بشهر، فقال: [مرحبا بكم] حياكم الله بالسلامة، رحمكم الله، رزقكم الله، نفعكم الله آواكم الله - يعني إلى الجنة- وقاكم الله، أوصيكم بتقوى الله.
تم بحمد الله وقد بذلنا الجهد في مقابلة الكتاب مع النسخ الخطية وليس في ايدينا من النسخ الا نسخ يظهر منها السقط والنقصان ولعدم جودة الخط وقعنا في ما لا وقعنا فيه في طيلة حياتنا ونرجو من الاخوان العفو عما وقع فيه من الخطاء والاشتباه لضعف منى ونقص من النسخ فتكاملت باجتماعهما العيوب والله هو العاصم.
فنحن الآن نذكر كتاب المسترشد للطبرى الامامي بتمامه تتميما للفائدة ولكثرة ما نقل عنه المصنف:
1) [باب أن رسول الله ص لم يصل خلف أبي بكر]
في كلام طويل.
فكيف يقدم رجلا و يجعله خليفته من بعده في أمته بزعمهم، وقد أمره بالخروج مع أسامة، و معه الجماعة التي خاف من ناحيتها على الإسلام و على تبديل أمره؟!، و لو كان ذلك كذلك لم يكن معني الصلاة
معني الاستخلاف، لأن أبا بكر لو كان مستخلفا عن رسول الله ص لما جاز له أن يدعوه إلى غيره، و لا جاز للأنصار أن يقولوا منا أمير ومنكم أمير و لكان أبو بكر المدعي له بالخلافة يدعيها لنفسه ما قالوا.
[اختلاف الأمة في صلاة أبي بكر].
على أنهم قد اختلفوا في صلاة أبي بكر، ففرقة زعمت أنه صلى بأمر بلال عن عائشة، و فرقة زعمت أن عليا (عليه السلام) أمر بذلك لما خاف أن تفوته نفس رسول الله ص حين أتاه بلال يؤذنه بالصلاة فقال لهم:
صلوا،
فقال عبد الله بن زمعة كنت عدت إلى رسول الله حتى أتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): مروا بالناس فليصلوا.
قال عبد الله فلقيت عمر فقلت: صل بالناس يا عمر، فقام عمر في المقام، فلما كبر سمع رسول الله صوته، و كان رجلا مجهرا فأخرج رسول الله ص رأسه فقال: لا، لا، ليصل بهم ابن أبي قحافة و هذا بروايتهم(1).
1) دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 187، و من ثم لو وضعنا نقل البيهقي إلى جنب ما قاله إبن الجوزي المتوفى (597) في «آفة أصحاب الحديث» ص 55 ط طهران،
لا تضح منه الحق، لأن ابن الجوزي ناقش الحديث مناقشة تامة، ورده من الأساس، و إليك نص كلامه:
[قال ابن الجوزي]: الباب الأول في إقامة الدليل من النقل الصحيح على أن رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم لم يصل خلف أبي بكر؛ إعلم يا طالب الحق: أن تقدم أبي بكر الصديق رضى الله عنه اتفق مرتين جاء فيهما رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم ليصلى خلف أبي بكر، فأما المرة الأولى فكانت في زمن عافية رسول الله صلى الله عليه (و آله و) سلم و كان ذلك في أول سنة من سني الهجرة: أخبرنا ابو القاسم هبة الله [ابن] محمد بن الحصين قال أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عفان، قال حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد قال كان قتال في بني عمرو بن عوف بلغ النبي صلى الله عليه (و آله) و سلم، فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم، و قال: يا بلال إن حضرت الصلاة و لم آت فمر ابا بكر فليصل بالناس.
فلما حضرت العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فتقدم بهم و جاء رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم بعد ما دخل أبو بكر فى الصلاة، فلما رأوه صفحوا و جاء رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر، قال: و كان أبو بكر اذا دخل في الصلاة لم يلتفت، فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه التفت فرأى النبي صلى الله عليه (و آله) و سلم خلفه، فاومأ إليه رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم بيده أن أمضه، فقام أبو بكر كهيئته فحمد الله على ذلك ثم مشى القهقرى، فتقدم رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم فصلی بالناس.
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم صلاته قال: يا أبا بكر ما منعك اذ أومأت إليك ان لا تكون مضيت؟ فقال أبو بكر: لم يكن لابن أبي قحافة ان يؤم رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم؛ و قال للناس اذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال و ليصفح النساء.
هذا حديث متفق على صحته، أخرجه البخاري عن حماد و أخرجه مسلم عن يحيى عن مالك كلاهما عن أبي حازم، و هو ظاهر لا يحتاج الى كشف، و ان رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم أم الناس.
[قال ابن الجوزي]:
أما المرة الثانية فكانت في مرضه صلى الله عليه (و آله) و سلم، أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب، قال أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت فقلت يا رسول الله ان أبا بكر رجل أسيف و انه متى قام مقامك لا يسمع الناس فلوا أمرت عمر، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس.
قالت: فقلت لحفصة: قولي له، فقالت له حفصة: يا رسول الله ان أبا بكر رجل أسيف و انه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو امرت عمر فقال: إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس.
فأمروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم خفة، فقام يهادي بين رجلين و رجلاه تخطان في الأرض حتى
دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب ليتأخر فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم أن قم كما أنت، فجاء رسول الله صلى الله عليه (و آله) سلم حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسول الله يصلي بالناس قاعدا و أبو بكر قائما يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم و الناس يقتدون بصلاة أبي بكر.
هذا حديث متفق على صحته، أخرجه البخاري عن قتيبة و اخرجه مسلم عن بكر كلاهما عن أبي معاوية.
و اخرجا في الصحيحين من حديث موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن [عبد الله بن] عتبة قال: دخلت على عائشة فقلت: حدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم فقالت أرسل رسول الله إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ثم وجد رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم من نفسه خفة، فخرج بين رجلين، أحدهما العباس - و أبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه (و آله) و سلم ان لا يتأخر، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي و هو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم، و الناس يصلون بصلاة أبي بكر.
قال عبيد الله: فدخلت على ابن عباس فعرضت حديثها عليه، فما انكر منه شيئا، غیر أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا، قال هو علي بن أبي طالب.
و اخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: أمر رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، قال عروة:
فوجد رسول الله من نفسه خفة، فخرج و اذا أبو بكر يؤم الناس، فلما رآه أبو بكر استأخر، فأشار إليه أن كما أنت، فجلس رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله و الناس يصلون بصلاة أبي بكر.
قال الجوزي و قد أخرجه الإمام أحمد من طرق عن عائشة، فلم أر الاطالة بذكرها. أقول: هذا نص الحديث في المسند:
أخبرنا ابن الحصين قال أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال:
حدثنا عبد الله بن أحمد، قال حدثني أبي، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس قال: لما مرض رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ثم وجد خفة، فخرج، فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه (و آله) و سلم، فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره، و استفتح من الآية التي انتهى اليها أبو بكر.
قال أحمد: وحدثنا وكيع قال حدثنا اسرائيل عن أبي إسحاق عن الأرقم [ارقم بن شرحبيل] عن ابن عباس قال: لما مرض رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم جاء بلال مؤذنه بالصلاة، فصلى بالناس و وجد رسول الله صلى الله عليه (و آله) سلم خفة، فخرج يتهادى بين رجلين و رجلاه تخطان في الأرض، فلما رآه الناس سبحوا بأبي بكر، فذهب يتأخر فأومأ إليه أي مكانك فجاء النبي صلى الله عليه (و آله) حتى جلس، و قام أبو بكر عن يمينه، فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه (و آله) و سلم و الناس يأتمون بأبي بكر، و اخذ النبي صلى الله عليه (و آله) و سلم من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر.
أقول: أورد إبن الجوزي الحديث المذكور مختصرا من المسند و إليك النص:
حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أرقم بن شرحبيل، عن ابن العباس قال: لما مرض رسول الله (صلى الله عليه و سلم) مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة فقال: أدعوا لي عليا، قالت عائشة: ندعوا لك أبا بكر ، قال: أدعوه، قالت حفصة: يا رسول الله ندعوا لك عمر، قال: أدعوه، قالت أم الفضل: يا رسول الله ندعوا لك العباس قال: أدعو، فلما اجتمعوا، رفع رأسه فلم ير عليا فسكت فقال عمر : قوموا عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس فقالت عائشة:
إن أبا بكر رجل حصر و متى مالا يراك الناس يبكون فلوا أمرت عمر يصلي بالناس، فخرج أبو بكر فصلى بالناس و وجد النبي (صلى الله عليه و سلم) من نفسه خفة فخرج يهادي بين رجلين و رجلاه تخطان في الأرض فلما رأه الناس سبحوا أبا بكر فذهب يتأخر، فأومأ إليه، أي مكانك فجاء النبي (صلى الله عليه و سلم حتى جلس قال و قام أبو بكر عن يمينه و كان أبو بكر يأتم بالنبي (صلى الله عليه و سلم) و الناس يأتمون بأبي بكر. قال ابن عباس و أخذ النبي (صلى الله عليه و سلم) من القراءة من حيث بلغ أبو بكر. و مات في مرضه ذاك عليه السلام. و قال وكيع فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم) و الناس يأتمون بأبي بكر.
[قال ابن الجوزي]:
و في هذه الأحاديث الصحاح المشروحة أظهر دليل على ان رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم كان الإمام لأبي بكر، لانه جلس عن يساره، و قولهم: يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله دليل على أن رسول الله صلى الله عليه (و آله) و سلم كان الإمام، فمن المعاند الآن؟ و من صاحب الهوى؟.
قال أحمد المحمودي: يقصد ابن الجوزي الشيخ عبد المغيث بن زهير الحربي المتوفى (583)، و هو الذي ألف كتابا في اثبات ان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) صلى خلف أبي بكر و ابن الجوزي رد عليه بالنقل الصحيح أن النبي (صلی الله عليه و آله و سلم) لم يصل خلف أبي بكر كما رأيت، و من أراد التفصيل فعليه بكتاب المذكور ، أي «آفة أصحاب الحديث» تحقيق السيد علي الميلاني، ففيه ما يوضح الحق و يكشف السر، من مقدمة المحقق دام توفيقه إلى تحقيق المصنف، فراجع الكتاب ليتضح لك الحق.
و روى علي بن بشير قال حدثنا عثمان بن معبد، قال حدثنا عمرو بن ثابت عن جعفر بن محمد (علیه السّلام)، عن محمد بن علي (علیه السّلام)، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع قال: لما ثقل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أتاه بلال يؤذنه بالصلاة فقال لعلي: اخرج فصل بالناس فخرج عليه السلام ليصلي بالناس، و خشي أن يفوته رسول الله بنفسه، فلقي أبا بكر فقال: صل بالناس، و رجع علي إلى رسول الله، فقال له رسول الله: أصليت بالناس ؟ فقال علي: أمرت أبا بكر يصلي بالناس و خشيت أن تفوتني نفسك، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أخرجني أخرجني فخرج متوكئا على علي بن أبي طالب و الفضل بن العباس و صلى بالناس فأخر أبا بكر و صلى رسول الله بالناس.
6 و حدثنا عمرو بن مبارك قال حدثنا نوح بن دراج عن
منصور بن حازم، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (علیه السّلام)، قال:
قلت له: إن الناس يذكرون أن رسول الله ص أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، قال: قال لعلي (علیه السّلام): صل بالناس، فخرج و خشي أن يفوته رسول الله ص بنفسه فقال لأبي بكر: [صل بالناس] فإني أخشى أن يفوتني رسول الله بنفسه فلما قال (صلی الله علیه و آله و سلم) له: أ صليت بالناس؟ فقال:
يا رسول الله أمرت أبا بكر أن يصلي بالناس و خشيت أن تفوتني بنفسك، فوجد رسول الله ص خفا فقال: أخرجني، فخرج متوكئا على علي ع و الفضل بن العباس، وصلى بالناس و أخر أبا بكر؛.
7 و حدث علي بن بشير، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر
عن الزهري، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة [قالت:] إن رسول الله ص لما ثقل أتام مؤذنوه الثلاثة، بلال و ابن أم مكتوم و عبد الله بن زيد، فقال: صلوا، فخرجوا من عنده، فوجد رسول الله خفة فقام و لم يقدر على النهوض، فتوكأ على رجلين أحدهما الفضل بن العباس، فوضع يده على منكبيهما حتى خرج، فصلى بالناس.
قال عبيد الله: فحدثت بذلك عبد الله بن عباس، فقال هل تدري من الرجل الآخر؟ فقلت: لا، فقال: هو علي بن أبي طالب، و لكنها لا تقدر أن تذكره بخير و لا تستطيع.
[استخلاف رسول الله ص أصحابه في أماكن مختلفة
و لم يدع أحد منهم شيئا مما لا يعنيهم:] و لو اجتمع أهل العلم على أنه صلى بالناس ما كانت صلاته إلا كصلاة غيره
، فإنه أمر (صلی الله علیه و آله و سلم)، أبا لبابة بن عبد المنذر في غزوة بدر أن يصلي بالناس فلم يزل يصلي بهم حتى انصرف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و استخلف عام الفتح ابن أم مكتوم الأعمى فلم يزل يصلي بالناس في المدينة و استخلف في غزوة حنين أبا رهم كلثوم بن حصین أحد بني الغفار و استخلف عام حنين أبا ذر
الغفاري و استخلف في غزوة الحديبية سباع بن عرفطة.
استخلف في غزوة تبوك علي بن أبي طالب (علیه السّلام) على المدينة و أمر ابن أم مكتوم أن يصلي بالناس و استخلف عتاب بن أسيد على مكة و رسول الله ص مقيم بالأبطح و أمره أن يصلي بالناس بمكة الظهر والعصر و العشاء الآخرة و كان رسول الله ص يصلي بهم الفجر والمغرب فكان يصلي بهم إلا الفجر و المغرب.
و استخلف في غزوة ودان سعد بن عبادة و استخلف في غزوة بواط سعد وبن معاذ في طلب كرزين بن جابر الفهري، زيد بن حارثة و في غزوة العشيرة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي و في غزوة قينقاع أبا لبابة.
و في غزوة أكيدر، ابن أم مكتوم و في غزوة ذي قرد، عثمان بن
عفان و في غزوة بدر الموعد، عبد الله بن رواحة،.
فما أحد منهم ادعى الخلافة بحمد الله و منه، ولا خاضوا في شيء مما لا يعنيهم. فإن احتج محتج بأن صلاة أبي بكر هي خلاف هذه الصلاة لمرض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و قرب وفاته، و إنه يجب أن يؤخذ بالأقرب فالأقرب.
فالحجة عليه، أن النبي ص كان عليلا، و أمر عليا (علیه السّلام) أن يخرج فيصلي بالناس فخاف أن تفوته نفس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على ما حكيناه، فأمره به من ذكرناه. و قد روت جماعة أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، قال: مروا بعض القوم أن يصلي بالناس، فقالت عائشة: يا بلال قل لأبي بكر أن يصلي بالناس، و قالت حفصة: مروا أبي فليصل بالناس، و أفاق قد اللغط، فقال: أما إنكن صويحبات يوسف.
فلما استقر أبو بكر في محرابه و سمع (صلی الله علیه و آله و سلم) تكبيره خرج يتهادى بين علي (علیه السّلام) و الفضل بن العباس، فنحاه و صلى بالناس، فكان أبو بكر يسمعهم التكبير، و هي آخر صلاة صلاها، فهذا آخر فعله.
8 وروی أصحاب الأخبار، مثل أبي بکر بن أبي شیبة و ابن الأصفهاني وغیرهما أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) صلى خلف عبد الرحمان بن عوف ركعة من الصبح.
فلو كانت الصلاة توجب الخلافة كان عبد الرحمان بن عوف قد ادعاها، و لادعاها صهيب الذي أمره عمر بن أمره عمر بن الخطاب أن يصلي بالناس على أن مذهب القوم أن الصلاة خلف كل بر
و فاجر جائزة.
فقد بان إقرارهم أن الصلاة غير موجبة عقد الإمامة، ثم اضطروا إلى أن ادعوا قول المهاجرين رضينا لدنيانا من رضيه رسول الله لديننا و كان مذهبهم بطلان أمر صاحب الأمر، فأعلم ذلك تقف على المراد.
فأما الصلاة فلم يجعلها عز و جل سببا للإمامة، و إن صحت صلاة أبي بكر بالناس، فإن سبب هذه الصلاة إذا صحت هذه الرواية مخرجة عن عائشة و حفصة، و للصلاة معنى مخصوص من فرائض الله جل ذكره و أن الصلاة من المصلى غير دالة على الفضل فإن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عقدها لأسامة في حياته و أمره على المهاجرين، و على من هو أفضل منه
عندكم، فإن كان عقده و تأميره لا يوجبان إمامته فكذلك أمر أبي بكر بالصلاة، كذلك لا يوجب تقديمه وفضله إذا كان المفضول يصلي بالفاضل فإن جاز للنبي أن يصلي خلف عبد الرحمن بن عوف كما رويتموه و قلتموه، و خلف أبي بكر، فجائز أن يصلي أبو بكر بقوم هم مثله أو فوقه أو دونه، و الصلاة خلف كل بر و فاجر جائزة عندكم و مع ذلك إن للصلاة معنى خاص و الخاص لا يدخل في العام.
و دليل :آخر أن الصلاة لو كانت مقرونة بالإمامة كان عمر قد خالف سبيلها و طريقها، [حيث] قد أمر صهيبا أن يصلي بالمهاجرين والأنصار و قدمه عليهم، ففعل عمر بصهيب كفعل النبي بأبي بكر، و لو علم أن الصلاة لا تجوز إلا للأفضل، و لمن يلي أمور المسلمين لم يخالف سبيلها، و سببها هو الرجل الشهم الذي ينظر في العواقب، و يحترز من القليل، و يحتشم الذم، و ليس ممن يرضي أن تقع في الدين شبهة و لا خلة فكيف أمن أن يكون المأمور بالصلاة يدعى استحقاق الخلافة، أو تدعى له كما تدعى لغيره و لمن كان قبله و أن يقول المسلمون: رضينا لدنيانا
ما رضيه خليفة رسول الله لديننا.
فهذا أوضح دليل أن عمر لم يجعل صلاة أبي بكر سببا للخلافة، و أن مذهبه كان في تقديم صهيب اقتداء بالرسول إذ نصب لهم من يصلي بهم في حياته.
فكيف جاز مع ما شرحنا أن يدعى له الفضل و الإمارة من أجل الصلاة، وهناك ما يدفع دعواهم و يبطل فضله، فقد أخبر [أبو بكر] عن نفسه، و أعلم الأمة فقال: إني وليتكم و لست بخيركم و أخبر عمر أن
بيعته كانت فلتة و أنها لم تكن برضى و لا باختيار، و هو أخوه وصاحبه، و الذي أقامه ذلك المقام، و في مخاطبته المهاجرين والأنصار ما يدل على ما ذكرناه.(1)
1) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج، ج 2، ص 22، نقلا عن أبي جعفر الطبري العامي، في التاريخ: عن ابن عباس رضی الله عنه: قال:
قال لي عبد الرحمن بن عوف: و قد حججنا مع عمر، شهدت اليوم أمير المؤمنين بمنى و قال له رجل: إني سمعت فلانا يقول: لو قد مات عمر لبايعت فلانا، فقال عمر: إني لقائم العشية في الناس أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين إن الموسم مجمع رعاع الناس و غوغائهم و هم الذين يقربون من مجلسك و يغلبون عليه و أخاف أن تقول مقالة لا يعونها و لا يحفظونها فيطيروا بها، و لكن أمهل حتى تقدم المدينة و تخلص بأصحاب رسول الله فتقول ما قلت متمكنا فيسمعوا مقالتك، فقال: و الله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس فلما قدمناها، هجرت يوم الجمعة لحديث عبد الرحمن، فلما جلس عمر على المنبر حمد الله و أثنى عليه، ثم قال بعد أن ذكر الرجم وحد الزنا:
إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا، فلا يغرن إمرا أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فلقد كانت كذلك، و لكن الله وقى شرها، و ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق كأبي بكر، و أنه كان من خبرنا حين توفى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، أن عليا و الزبير تخلفا عنا في بيت فاطمة و من معهما، تخلفت عنا الأنصار، و اجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت له: إنطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نحوهم فلقينا رجلان صالحان من الأنصار قد شهدا بدرا، أحدهما عويم بن ساعدة و الثاني معن بن عدي فقالا لنا: إرجعوا فاقضوا أمركم بينكم، فأتينا الأنصار و هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة و بين أظهرهم رجل مزمل فقلت من هذا؟ قالوا: سعد بن هذا؟ قالوا سعد بن عبادة وجع، فقام رجل منهم، فحمد الله و أثنى عليه فقال: أما بعد فنحن الأنصار ، و كتيبة الإسلام و أنتم يا معشر
قريش رهط نبينا، قد دفت إلينا دافة من قومكم، فإذا أنتم تريدون أن تغصبونا الأمر.
فلما سكت، و كنت قد زورت في نفسي مقالة أقولها بين يدي أبي بكر، فلما ذهبت أتكلم، قال أبو بكر على رسلك، فقام فحمد الله و أثنى عليه، فما ترك شيئا كنت زورت في نفسي إلا جاء به أو بأحسن منه، و قال: يا معشر الأنصار إنكم لا تذكرون فضلا إلا و أنتم له أهل، و إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش أوسط العرب دارا و نسبا، و قد رضيت لكم أحد
أليس كان يدور عليهم ثلاثة أيام مرة يقول: أقيلوني و مرة يقول: البدار، و لو كان الأمر كما ذكروه لكان يدعي لنفسه أنه الحبر الفاضل، و أنه يستحق الخلافة و الإمامة بفضله فيثبت له الأمر ولا يختلف عليه و لكنه لم يستجزم أن يقول غير الحق، أو يدعي ما ليس له، و لم يأمن مع ذلك أن يبكت و يكذب في وجهه و يرد عليه قوله ففي ذلك بطلان دعواهم و إستحالة أقاويلهم إنه كره أن يمدح نفسه، فكيف جاز في هذا الموضوع وحده و لم يجز في سائر الأشياء.
أليس إدعى من بعده أنه خليفة رسول الله ص، و كتب إلى عماله:
من أبي بكر خليفة رسول الله؛ و قد زعمتم أن النبي ص لم يستخلف.
و كيف جاز أن يقول بعد أن بويع له: البدار قبل البوار، أ لم يكن هذا القول منه بعثا على تحضيض الناس على البيعة؟ و إنما أراد أن يعقد الأمر قبل فراغ أهل البيت فيجرى الأمر خلف مراده.
و معنى آخر، لو كان هذا الأمر كما ادعوا أن الصلاة توجب الفضل لقال: وليتكم لأني أفضلكم، و قد سمحت أنفس قريش بطاعته و الإنقياد على ولايته، و أعطته المقادة، وصرفوا الأمر عن جهته حسدا و بغيا، و لو كان هذا الأمر يجري ما ذكروه
من جهة التواضع، و أنه يمدح نفسه لكان رسول الله ص أولى بذلك، و كان يقول: أرسلت إليكم و لست بخيركم، و لم يكن يقول: أنا سيد ولد آدم، و أنا زين القيامة، و أنا أفصح العرب، و لا فخر.
دلالة أخرى لو كان الأمر على ما ذكروه، لما كانت عائشة تدفع عن أبيها الصلاة تقول: إن أبي رجل رقيق لا يستطيع أن يقف موقف رسول الله.
9 رواه الواقدي: قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: لما اشتد رسول الله قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس - قالت عائشة: و الله ما أقول ذلك حبا [إلا أني كنت أحب] أن يصرف الله ذلك عن أبي و قلت: إن الناس لن يحبوا رجلا قام مقام النبي أبدا، و إنهم يتشائمون به في كل حديث حدث فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل ضعيف رقيق كثير البكاء، إذا قرئ القرآن، فقال: مروه فليصل بالناس، فعدت لمثل قولي، فقال: إنكن صويحبات یوسف، مروه فليصل بالناس.
و أخرى: لو كان الأمر على ما ذكرتموه، ما كان أبو بكر يشير إلى عمر، و إلى أبي عبيدة بن الجراح و يقول: إني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين.
أخرى: أن اختيار عمر في الشورى يبطل قولهم حيث لم يقصد الأفضل فيوليه، و في قوم فاضل و مفضول، ثم صار يتمنى لها أبا عبيدة و معاذ بن جبل، و سالما، فهذا [من] أوضح الأمور.
و قد ذكرنا ما رويتموه من الإختلاف في صلاة أبي بكر، و كذا أغفلنا
خبر أبي حنيفة الفقيه و غيره - رواه إبراهيم بن
میمون قال:
10- حدثنا عائذ بن حبيب، قال: حدثنا حماد عن إبراهيم النخعي قال: لم يكن أبو بكر كبر، فلما سمع حس رسول الله تأخر فأخذ النبي بيده و أقامه إلى جنبه فکبر و كبر أبو بكر بتكبيره و كبر الناس بتكبير أبي بكر..
و روى الواقدى أيضا قال:
11 - حدثنا سعيد بن عبد الله بن أبي الأبيض، عن المنقري عن عبيد الله بن أبي رافع:
عن أم سلمة، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، كان في وجعه، إذا خف ما يجد خرج فصلى بالناس، و إذا وجد ثقلا قال: مروا الناس فليصلوا، فصلى بهم يوما ابن أبي قحافة الصبح، فصلى ركعة، ثم دخل رسول الله فقعد إلى جنبه، فائتم بأبي بكر، فلما قضى أبو بكر الصلاة أتم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ما فاته من الصلاة.
12 و روی الواقدي: عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن أبا بكر كبر في الصلاة، وجاء رسول الله فجلس إلى جنب أبي بكر و كان يأتم برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
قال الواقدي:
13 - و حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس قال: قام أبو بكر فصلى بالناس فقرأ بعض السورة فجاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فنكص أبو بكر، فأشار رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقرأ رسول الله من حيث كان أبو بكر قرأ، و جعل
أبو بكر يأتم برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
14 [و] روى الشاذكوني، قال:
أخبرني يحيى بن آدم قال: حدثنا قيس عن عبد الله بن أبي السفر عن أرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس، عن العباس بن عبد المطلب: أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لما انتهى إلى أبي بكر و هو يصلي، قرأ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من حيث انتهى أبو بكر.
فهذه رواياتكم عن علمائكم، وفقهائكم، و هذا اختلافكم و أحلافكم، و ليس في ما اختلف فيه القوم حجة، لأنه متى اتجه من جهة انتقض من جهة أخرى، فكيف يقدر على تصحيح ما اختلفوا فيه!؟، فكيف يعتمد على ما رووه، و هم الذين تركوا الحق و مالوا إلى الدنيا، وتداولوا الأموال و دخلوا في طاعة بني أمية، و رووا لهم ما أحبوه حتى وصلوا إلى حاجاتهم و لعنوا معهم علي بن أبي طالب (علیه السّلام) نيفا و ثمانين سنة، و هم الذين قتلوا عثمان بن عفان، و اجتمعوا على قتل زيد بن علي و خذلوا الحسين بن علي و قاتلوه، و قتلوه بعد أن خذلوه، و أنتم تدينون الله بدينهم و تعتمدون على رواياتهم، و سأسمي جماعتهم، و أذكر وقيعة بعضهم في بعض.
منهم: هشام البغي الذي زعم أن شرب النبيذ سنة و تركه مروة، فجعل ترك السنة مروة و زعم أن الروح التي في عيسى ليست بمخلوق، فأراد سلمة بن [الفضل] الأبرش قاضي الري أن ينكل به، فهرب منه هشام إلى خراسان.
و من رواتكم وفقهائكم محمد بن سيرين و كان مؤدبا للحجاج، على ولده.
و منهم: سفيان الثوري ، و كان في شرطة هشام بن عبد الملك و هو ممن شهد قتل زيد بن علي (علیه السّلام) ، فلا يخلو من أن يكون ممن قتله أو خذله.
و منهم يزيد بن هارون، و كان في قهرمة الحسن بن قحطبة.
و منهم: الزهري و هو الناقل لجل أخباركم و كان مع هشام بن عبد الملك يلعن علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، و قد قتل رجلا.
15 -
رواه أبو أيوب سليمان الشاذكوني، قال:
أخبرنا سفيان بن عيينة : أن الزهري عزر غلاما له فمات.
و روى أبو أيوب قال:
حدثني سفيان بن حبيب، عن أبي جعفر الخطمي: أن الزهري قتل إنسانا- روى أبو أيوب قال:
16 - حدثني سفيان بن عيينة الخطمي، قال: حدثني: أن الزهري عزر غلاما له، فمات تحت يده، فقنط حتى أتى علي بن الحسين (علیه السّلام) فقال له: قنوطك أعظم من ذنبك!.
17 - و من رواتكم وجلة فقهائكم سعيد بن المسيب الذي زعمتم، أنه لم يقم للوليد بن عبد الملك، و هو أشد [خلفاء] بني أمية تجبرا، حتى جاء و وقف عليه و سلم، و عددتم ذلك فضيلة [له].
و يموت علي بن الحسين (علیه السّلام) و لا يصلى عليه، ويقول: ركعتين أصليهما أحب إلى من حضور ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
رواه الواقدي قال:
18- حدثنا أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري، قال: لما وضعت جنازة علي بن الحسين (علیه السّلام) ليصلى عليه اتسع الناس إلى جنازة داخل المسجد، فقال خشرم مولى النخع لسعيد بن المسيب: ألا تشهد هذا الرجل الصالح في البيت الصالح، وسعيد لم يخرج، قال سعيد: ركعتين أصليهما في بيتي أحب إلي أن أشهد هذا الرجل الصالح في البيت الصالح.
فهذا سعيد بن المسيب فقيه الحجاز يمتنع أن يشهد جنازة ابن رسول الله، فليت شعري أي دین هذا؟! ابن ناقل هذا الدين يموت فلا يشهده!!، و علي بن الحسين (علیه السّلام) عند جميع الأمة من جلة
العباد، و هذا فعل سعيد به، و الله المستعان.
19 -
و كان محمد بن سيرين من جلة فقهائكم، يسمع الحجاج يلعن عليا فلا ينكر عليه، فلما سمع من يلعن الحجاج خرج من المسجد، وقال: لا أستطيع أن أسمع يشتم أبا محمد.
20 - و أما سفيان الثوري:
فقد روى جرير أنه قال مر علي بن أبي طالب (علیه السّلام) عند جميع على مسجد تيم، فقال: بيعة تيم لجودة بنائه، قال جرير:
فذكرت ذلك للمغيرة فقال: ما بني مسجد تيم إلا بعد علي.
فمن أين جاء سفيان بهذا الحديث.
21 - و من رواتكم منصور بن المعتمر، و كان شرطيا لهشام بن عبد الملك.
22 - و من رواتكم: خالد بن عبد الله،
روى أن الجنة والنار يخربان [تخربان].
23 - و من رواتكم و فقهائكم: سعيد بن جبير، و كان على عطاء الخيل في زمن الحجاج، و غزا الروم مع يزيد بن معاوية، و خرج بعد ذلك مع القراء على الحجاج، وتخلف عن الحسين بن علي (علیه السّلام) عند جميع .
24- و من رواتكم وفقهائكم: الحسن البصري و كان ممن خرج مع عبد الرحمن بن محمد الأشعث، و تخلف عن الحسين بن علي (علیه السّلام) عند جميع ، ثم خرج في جند الحجاج إلى خراسان مع قتيبة بن مسلم، و هو القائل في عثمان: قتله الكفار، و خذله المنافقون، فنسب المهاجرين والأنصار إلى النفاق.
25 -
و من فقهائكم: مسروق بن الأجدع، و مرة الهمدانيان رغبا عن الخروج مع علي بن أبي طالب (علیه السّلام) عند جميع إلى صفين و أخذا عطاءهما من علي (علیه السّلام) عند جميع ، و خرجا إلى قزوين.
و كان مسروق يلي الخيل لعبيد الله بن زياد، و مات عاشرا، و أوصى أن يدفن في مقابر اليهود و قد روت الرواة أن اللعنة تنزل عليهم، و قد روى عن اختراق قبورهم مخافة نزول العذاب و مسروق [يوصي أن يدفن في مقابرهم، و كان ما يأوله من دفنه معهم أعظم مما فاته، فأنه ذكر أنه يخرج من قبره، و ليس هناك من يؤمن بالله و رسوله غيره.
26 - و من علمائكم وفقهائكم أبو موسى الأشعري، وقد
شهد عليه أبو حذيفة بن اليمان بروايتكم أنه منافق،
رواه جرير بن عبد الحميد الضبي و رواه محمد بن حميد الرازي قال:
27 - حدثنا جرير عن زكريا بن يحيى، عن حبيب بن يسار و عبيد الله عبيد الله بن زياد، عن سويد بن غفلة، قال: كنت مع أبي موسى على
شاطئ الفرات فقال: سمعت رسول الله، يقول: إن بني إسرائيل اختلفوا و لم يزل الاختلاف بينهم، حتى بعثوا حكمين ضالين ضل من تبعهما، و لا ينفك أمركم أن يختلف حتى تبعثوا حكمين ضالين، و يضل من اتبعهما، فقلت: أعيذك بالله أن تكون أحدهما، قال: فخلع قميصه، و قال:
برأني الله من ذلك كما برأني من قميصه.
28 - و من علمائكم: المغيرة بن شعبة، و قد شهد عليه ثلاثة بالزنا، و لقن الرابع فتلجلج في الشهادة، فرفع عنه الحد.
29 - و من جلة فقهائكم:
عبد الله بن مسعود الذي أمر به عثمان،
فدق ضلعه، و منه مات و هو يقول: وددت أني و عثمان برمل عالج، يحثو أحدنا على صاحبه حتى يموت الأعجز منا، فيريح الله منه المسلمين.
30 - و روی علمائكم وفقهائكم: أن عبد الله قال: عثمان جيفة على الصراط.
31 -
و روى عبدة عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عبد الله بن مسعود: عثمان جيفة على الصراط.
32 - و روی عن عمار [أيضا] مثله.
33 -
و روى عن عبد الله: أن عثمان لا يزن عند الله جناح بعوضة.
34 و روی خالد، عن عمر بن شمر، عن شريك، و منصور، عن الأعمش، عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة عن عبيد الله، عن عبد الله بن
مسعود قال: قال رسول الله: يدخل عليكم رجل من أهل النار فدخل عثمان،!.
فأيهما عندكم أفضل، عثمان، أم عبد الله؟، فعل عثمان بعبد الله ذلك الفعل و قال عبد الله في عثمان: هذا القول عثمان: هذا القول والله المستعان على ما ظهر من [فعل] أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم).
35 -
و قد قال عبد الله: لما أثبت عثمان المعوذتين في مصحفه قال:
المعوذتان ليستا من كتاب الله، و إنما عوذ بهما النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
، فلئن كان صدق عبد الله، لقد هلك عثمان بإثباتهما في كتاب الله، و ليستا منه، و قد
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): لعن الله الزائد في كتاب الله،.
و لئن كان كاذبا لقد هلك عبد الله بجحوده ما أنزل الله تعالى و كفروا من شئتم منهما.
36 و روى عن حذيفة قال: قام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، إلى سباطة قوم، فبال قائما ففج حتى شفقت عليه أن يقع، فدنوت من عقبه، فصببت الماء من خلفه فاستحى رواه هشام بن عبد الله، عن
محمد بن جابر، عن الأعمش، عن حذيفة..
قد روي أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: لا یری عورتي إلا إلا عمي، و أن علي بن أبي طالب (علیه السّلام) أراد أن يخلع منه القميص نودي من جانب البيت لا تكشفوا عورة نبيكم (صلی الله علیه و آله و سلم).
38 - و من فقهائكم ورواة أخباركم أبو و قد ضرب عمر بن هريرة الدوسي الخطاب رأسه بالدرة و قال: أراك قد أكثرت الرواية عن رسول الله و لا أحسبك إلا كذابا، و قال يا عدو الله و عدو الإسلام خنت مال الله و قرمه قرمه اثني عشر ألف درهم،
و قال فيه أمير المؤمنين أكذب الناس على رسول (صلی الله علیه و آله و سلم) هذا الغلام الدوسي.
39 و روی أحمد بن مهدي، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال:
حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبي صالح عن أبي هريرة، أنه سب رجلا على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: يا ابن فلانة التي كانت تعمل كذا و كذا في الجاهلية، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن فيك لشعبة من الكفر.
قال: فلما ذكر الكفر ، ارتعدت رجلاي و كبح بي، فقلت يا رسول الله استغفر الله لي، فوالله لا أسب أحدا يدعى إلى الإسلام أبدا.
و لا نعلم أحدا روى أنه استغفر (صلی الله علیه و آله و سلم) له.
و من كان هذا قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فيه، فكيف تصح عنه الأخبار .
و قد روى من العجائب ما لا خفاء به عند النقلة، و هؤلاء جلة أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) يمتنعون من رواية الحديث كما هو برواية
العلماء منهم، و هم قد ألجأتهم الحاجة إلى ذلك، فأما هم فخافوا و لم يرووا، دليل ذلك.
ما رواه سليمان الشاذكوني قال:
40- حدثنا سفيان قال: حدثنا عمار الدهني، عن مسلم البطين عن عمرو بن ميمون، قال: اختلفت إلى عبد الله ثمانية عشر شهرا فما سمعته يحدث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلا حديثا واحدا، فلما حدث به غشیه البهر و العرق، و قال: هذا أو نحو هذا.
و روى الشاذكوني قال:
41 - حدثنا سفيان، قال حدثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، قال: صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة، فما سمعته يحدث عن النبي إلا حديثا واحدا.
و روى الشاذكوني، قال:
42 - حدثنا سفيان بن عيينة، قال حدثنا هشام بن حجير، عن
طاوس قال: جاء بشير بن كعب إلى ابن عباس، فجعل يحدثه، فقال ابن عباس: عد بحديث كذا وكذا، فقال له: و الله ما أدري أعرفت حديثي كله، و أنكرت هذين، أم أنكرت حديثي كله و عرفت هذين، فقال ابن عباس إنما كنا نحدث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إذا كان لا نكذب عليه، فأما إذا ركب الناس الصعب و الذلول فقد تركنا الحديث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
و روى أحمد بن مهدي قال:
43 - حدثني عبد الغفار بن داود، عن ابن لهيعة، عن – أبي
الأسود، سود، عن عروة بن الزبير، قال؛ قيل؛ للزبير بن العوام، ما لك لا تحدث عن النبي كما يحدث عنه الصحابة، و أنت من المهاجرين الأولين،- فقال: إن رسول الله كان بشرا، و كان يحدث بالأمر يأتيه، و يحدثه الرجل من أصحابه، فيعجبه فيحدث به و يأتيه الرجل من أهل الكتاب فيحدثه بالحديث فيعجبه و يحدث به فانطلقتم فحملتم الحديث كله عن رسول الله و لو وضعتموه كما وضعه كان خيرا.
44 حدثنا أحمد بن مهدي، قال: حدثنا محمد بن بكير، قال:
حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن بيان بن [بشر] عن وبرة بن
عبد الرحمن، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قلت للزبير: ما لك ما تحدث عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كما يحدث أصحابك؟! قال:
سمعته يقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
فهؤلاء جلة أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، يقولون هذا القول، و يتبرؤن من الحديث و ينكرونه، فكيف يوثق بمن قد روى هذه الأخبار المتناقضة.
45 - و منهم عبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان يقاتل علي بن أبي طالب (علیه السّلام) مع معاوية و ابنه [أبيه]، قد نقله سفيان. رواه جرير بن عبد الحميد الضبي.
46 - و من رواتكم:
كعب الأحبار الذي قام إليه أبو ذر بين يدي ،عثمان، فضرب رأسه بمحجنة، و قال له: يا ابن اليهودية متى كان مثلك تكلم بالدين، فوالله ما خرجت اليهودية من قبلك [قلبك].
47 و من فقهائكم و علمائكم و رواة أخباركم
عبد الله بن عمر، الذي قعد عن بيعة علي (علیه السّلام) ثم مضى إلى الحجاج فطرقه ليلا، فقال:
هات يدك لأبايعك لأمير المؤمنين عبد الملك، فإني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: من مات و ليس عليه إمام فمات ميتة جاهلية حتى أنكرها عليه الحجاج مع كفره و عتوه.
48 - و من فقهائكم و علمائكم: عطاء بن أبي رباح الذي شك في المسح على الخفين،
رواه عنه هشام بن عبد الله، عن عبد الواسع بن أبي طيبة عن محمد بن عبيد الله، عن عطاء، قال: قلت له في المسح على الخفين و الجوربين، فقال: أما ترضون أن أسلم لكم الخفين، فقلبتم [فقبلتم] روايته، و أجزتم شهادته، و قد شك عندكم في سنة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لأن المسح عندكم على الخفين سنة.
49 و من فقهائكم:
إبراهيم النخعي الذي تخلف عن الحسين بن علي (علیه السّلام)، و خرج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، و خرج في
جيش عبيد الله بن زياد إلى خراسان، و هو الذي يقول: لا خير في النبيذ إلا في ثلاثة أيام، وقد روت الأمة، أن رسول الله قال: كل مسكر حرام.
50 - و من رواتكم وفقهائكم: أبو حنيفة الذي زعم إشعار البدن مثلة و لا إشعار، و قد روت عائشة: أن النبي كان يشعر بدنته.
قال أبو حنيفة: لو أن رجلا تزوج أمه على عشرة دراهم لم يكن زانيا و لم يجب عليه الحد، و لو أن رجلا لف ذكره
بحريرة ثم أدخله فرج امرأة لم يكن زانيا و لم يجب عليه الحد، و لو أن رجلا غاب عن امرأته عشرين سنة و بها حبل [منه] فإن الحبل منه و إن كان في جيش معروف و يشهد أصحابه أنه لم يزل معهم في عسكرهم، و كذلك لو قدم و معها ابن سنة و أكثر أن الولد ولده، و زعم أن من أتى امرأة أو غلاما ما بين أفخاذهما فلا حد عليه.
51 - و من رواتكم وفقهائكم
أبو إسحاق السبيعي و قد أخرج بديلا في من يقاتل الحسين (علیه السّلام).
52 - و من فقهائكم ورواتكم:
الشعبي خرج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وتخلف عن الحسين بن علي (علیه السّلام)، فقال له الحجاج:
أنت المعين علينا؟ قال: نعم ما كنا فيها بررة أتقياء، و لا فجرة أقوياء.
أنه و روی سرق من بيت المال في خفه مأة دينار.
رواه أبو أيوب الشاذكوني قال:
53 - حدثني حسين الأشقر، قال حدثنا عمرو بن ثابت قال::
قلت لأبي إسحاق الهمداني: الشعبي يقع في الحارث الأعور، فقال:
هو من رجاله، و لقد دخل الشعبي بيت المال فسرق في خفه مائة دينار،
و أن شريحا و مسروقا و مرة الهمداني كانوا لا يؤمنون على علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
و رويتم عن سفيان الثوري أنه قيل له: كيف يروي عن أبي مريم الغفاري و أنت تعلم أنه يشرب الدساكر و يمر بك و هو سكران؟! فقال:
لأنه لا يكذب في الحديث.
54 -
و روى أبو عاصم النبيل: أن خالدا الحذاء، أول من وضع لهم العشور، و قال إن أموال التجار يختلف فيها في كل وقت و لا يمكن أخذ الزكاة منها، فلو وضع عليهم شيء يكون صلحا.
55 - و روی فقهاؤكم مثل حماد بن زید و غیره ممن تحتجون بهم
علينا إنهم قالوا: إنا لنرى عليا بمنزلة العجل الذي اتخذوه بنو إسرائيل، فقال بعض: إن أصحاب علي (علیه السّلام) أشد حبا له من أصحاب العجل هؤلاء
الذين رووا المنكرات، أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: ما أبطأ عني جبرائيل قط إلا ظننته بدأ بعمر .
56 - و روت علماؤكم وفقهاؤكم ضد ذلك، أن عمر، و من هو من هو أجل من عمر عندكم ليلة العقبة فيمن تجسسوا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)،
رواه عبيد الله بن موسى، عن الوليد بن جبير عن أبي الطفيل عن حذيفة: أن عمر تجسس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
و هذه إختلافات في رواياتكم، عن رجالكم، و عن قوم أخذتم عنهم دينكم و اعتمدتم عليهم، وجعلتموهم حجة لكم عند الله تحتجون بهم علينا، و نحن الآن نذكر وقيعة بعضهم في بعض، وذكر بعضهم بعضا.
[علماء السير وفقهاء الحديث] :
فقال علمائكم وفقهاء الأمة: إن عامة من تعلق به الحديث مبتدعة، فذكروا من قدرية أهل المدينة محمد بن إسحاق بن يسار القرشي صاحب السير، و عبد الرحمن بن إسحاق، و محمد بن عبد الرحمن القرشي، و إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، و شريك بن
عبد الله، و عطاء بن يسار؛ وقد تعلق حديث المدينة بهؤلاء.
و من أهل مكة: عبد الله بن أبي نجيح و هشام بن حجير، و إبراهيم بن نافع؛ و من أهل الشام: مكحول، و ثور بن زید، و غیلان.
و من أهل البصرة: قتادة بن دعامة السدوسي، و معبد الجهنى، و عوف بن أبي جميلة الأعرابي و يزيد الرقاشي و سعيد بن أبي عروبة، و عمرو بن عبيد، و هشام بن الدستوائي، و همام بن يحيى و عباد بن منصور من بني سامة بن لوي و أبان بن أبي عياش، و عباد بن
ميسرة المنقري، و زكريا بن حكيم الحبطي، و هارون الأعور، و حماد الأبح، عمر الأبح، و عطاء بن أبي ميمونة، و أبو هلال محمد بن سليم الراسبي، وصالح المزني، وصالح الناجي، و الربيع بن صبيح، و الأشعث ابن
و سعيد السمان، و أبو الربيع عبد الواحد بن زید، و عنبسة بن سعيد القطان [الواسطي البصري]، و عثمان بن مقسم، و أبو عبيدة الناجي، و عبد الوارث بن سعيد النسوي، و سفيان بن حبيب، و أبو قطن مهدي بن هلال و عباد بن صهيب، و المنهال بن الجراح و عبد الله بن غالب.
فهؤلاء فقهاء البصرة و رواة حديثهم و أخبارهم، و كلها معلقة
بهم، وقد قذفوهم بالبدعة والضلال.
و ممن نسب من أهل الكوفة إلى الترفض، و ذكروا أنهم اقتدوا بجماعة من جلة أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مثل سلمان الفارسي و أبي ذر الغفاري، و المقداد بن الاسود، و عمار بن یاسر، و جابر بن عبد الله الأنصاري، و أبي سعيد الخدري، و البراء بن عازب بن حصين، و حذيفة ابن اليمان، و خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، و عبد الله الصالحي، و حبشي بن جنادة السلولي، و عبد الله بن عباس، و عبد الله بن جعفر و أبي رافع مولى رسول الله، و أبي جحيفة، و عبد الله بن أبي أوفى، و زيد بن أرقم.
و منهم سعيد بن المسيب بن مجاهد، و سويد بن غفلة السلمي و الحارث الأعور، علقمة، و الربيع بن خثيم، و أويس [بن عامر] القرني، و إبراهيم النخعي، و عبد خير، و [مالك بن
الحارث] الأشتر، و عبيد الله بن أبي رافع، و محمد بن أبي بكر، و القاسم ابن محمد بن أبي بكر.
ذكروا أن هؤلاء من جلة الرافضة، واقتدى بهم علقمة بن قيس النخعي، و عبيدة السلمي، و أبو البختري مولى طه، و الحارث بن عبد الله [الأعور] الهمداني، و عاصم بن ضمرة السلولي [الكوفي]، و حجر (حجية) بن عدى الكندي و زيد و صعصعة ابنا صوحان، و عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، و زر بن حبيش، و ربعي بن خراش العبسي،
و أبو حنان الأشجعي، و سعيد الهمداني، و علي بن ربيعة و عامر بن واثلة الليثي، و أبو ظبيان، و أبو الأسود بن قيس و سويد بن الحارث الهمداني و سائب بن عطاء السائب، و زاذان أبو عمر و ميسرة، و خالد بن عرعرة، و أبو هلال العكي و
أبو جحيفة [السوائي] و الحارث بن لقيط و هبيرة بن يريم قيل: و أبو عبد الله الجدلي و زهير بن الأقمر و عبد
خير الخيواني و أبو ليلى الكبير و عبد الله بن سلمة و عبد الرحمان بن يزيد و مالك بن الحارث النخعي، و أبو العيش و الأصبغ بن نباته، و كليب الأودي بن علا، و عمر بن نفخة، و قيس بن شفي، و عبد الله بن قيس التميمي،
و سعيد بن شفي، و حبة بن جوين العرني، و عتاب بن عبيد الأسدي، و أبو ناجية و أبو عاصم بن كليب، و حيان بن الحارث و عبيد الله، و سليمان، و سعد بنو مرة ، الأسلمي، و إبراهيم بن يزيد النخعي و سالم بن أبي الجعد، و هلال بن يساف، و خيثمة بن عبد الرحمن و عمارة بن عمير ،
الحارث و عطية بن سعد [بن جنادة] العوفي و الحكم بن عتيبة، و الحارث العكلي، و أبو السفر الهمداني، و سلمة بن كهيل، و سماك بن حرب، و زبيد الأيامي، و أبو إسحاق الهمداني و أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي، و عبيد الله بن يزيد، و المقدام بن شريح الحارثي، و عامر بن شقيق الأسدي
و عطاء بن السائب، و حصين بن عبد الرحمن السلمي، و منصور بن المعتمر، و إسماعيل السدي، و الأعمش بن سليمان مهران، و مخول بن راشد، و قيس بن مسلم، و عبد العزيز بن رفيع [الأسدي]، و أبان بن تغلب، و ليث بن أبي سليم الهمداني و [ثابت بن هرمز] أبو المقدام الحداد، و عمارة بن
القعقاع الضبي الضبي و جامع بن شداد المحاربي، و عثمان بن المغيرة الثقفي، و يزيد بن أبي زياد الهاشمي، و فضيل بن عمرو الفقيمي، و الأسود بن قيس، و حبيب بن أبي
ثابت، و عبد الرحمان بن عبد الله بن الإصبهاني، و مهران البجلي، و داود بن أبي عوف و خالد بن علقمة، وعبد الملك بن عمیر، و عاصم بن کلیب،
و المغيرة بن سعد، و أبو قرارة بن أبي ظبيان، و العلاء بن المسيب، و ضرار بن مرة الشيباني، و أبو سنان، و سنان بن حبيب، و إبراهيم ابن المهاجر ، و أبو الهيثم المرادي، و عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، و أبو يعقوب،
و عمران بن أبي مسلم، و إبراهيم بن عبد الأعلى، و الوليد بن عقبة و ثوير بن أبي فاخته، و عمار الدهني، و عبد الملك بن أعين، و بكير بن كثير و سالم بن أبي حفصة، و عمران بن ظبيان، و جابر الجعفي، و حكيم
بن جبیر و موسى بن قيس الحضرمي و علي و الحسن إبنا صالح بن حي، و عبد الله بن بکیر، و زيد بن سعد بن أوس و يوسف بن مهاجر، و مسافر الجصاص و يعلى بن الحارث و حرب بن یعلی، و سعيد بن خثیم، و سعيد بن محمد الوراق، و یونس بن بكير، و قيس بن الربيع و نوح بن
دراج، و الصباح ابن یحیی، و مندل و حبان ابنا علي، و أبو خالد الأحمر و يزيد بن يحيى، أحمر بن بشير و علي بن غراب و علي بن عابس و أبو إسرائيل الملائي و يونس بن أبي إسحاق
و زيد بن إسرائيل بن يونس و المطلب بن زياد و أبو بكر السراج و الحجاج بن أرطاة و بسام الصيرفي، و مجالد بن سعيد الهمداني، و الأجلح الكندي و عبد الملك بن أبحر و عبد الله بن شبرمة الضبي و أبو حمزة الثمالي و أبو عاصم الثقفي، و وظر بن خليفة؛
و عمر بن بشير الهمداني و إسماعيل الأزرق و حميد الملائي و بشير بن المهاجر و دلهم بن صالح، و مسلم الأعور ، و شريك بن عبد الله و محمد بن الفضل و عبد الله بن نمير، و أسباط بن محمد القرشي و وكيع الجراح ،
و عبد الله بن داود، و الفضل بن دكين، و عبد الله بن منقذ العبسي و مالك بن إسماعيل النهدي، و ابن الاصفهاني و إسماعيل بن أبان الغنوي و نصر بن مزاحم العطار، و جماعة كثيرة لم نذكرهم.
فهؤلاء رواة الحديث من أهل الكوفة، و رافضة عندهم، و حديث العوام متعلق بهم.
و قد نسبوا جماعة من أهل الكوفة إلى البدعة، من أجل عثمان، لا من أجل علي ع؛ منهم: سفيان الثوري، و أبو بكر بن عياش، و یعلی بن عبید، و یحیی ابن اليمان.
و من أهل واسط: هيثم بن بشیر، و خالد بن عبد الله، و عباد ابن العوام و محمد بن يزيد، و محمد بن الحسن، و جعفر بن أياس، و الأصبغ بن زيد و عثمان بن عطاء، و أبو الحكم سيار، و يعلى بن مسلم، و أيوب بن أبي مسكين، و سفيان بن حسين.
و من أهل البصرة: يحيى بن سعيد القطان.
و ممن يطعن على علي ع من أهل الكوفة:
مسروق إبن الأجدع الهمداني، و عبد الله بن حبيب و هو أبو عبد الرحمن الأسلمي، و الأسود بن يزيد النخعي، و عامر بن شراحيل، و مرة [بن شراحيل] الهمداني، و عبد الله بن عقبة، و عبد الله بن الحارث النخعي، و أبو وائل شقيق بن
سلمة الأسدي، و عبد الله الجهني و سويد بن أبي حازم، و علي بن عبد الله، و عبد الله بن يزيد الأنصاري، و يزيد بن شريك التيمي.
و منهم: طبقة أخرى يحملون على علي (علیه السّلام) منهم:
عون بن عبد الله بن عتبة، و القاسم بن عبد الرحمان، و طلحة بن مصرف اليامي، و مغيرة بن المقسم الضبي، و حماد بن أبي سليمان، و أبو حنيفة النعمان بن ثابت، و ذر بن عبد الله الهمداني، و عمرو بن مرة
الجملي، و مالك بن مغول البجلي، و عمر بن ذر الهمداني، و عبد الملك بن ميسرة، و محمد بن سوقة [الغنوي]، و المسعودي، و إسماعيل بن أبي خالد البجلي، و شهاب بن خراش الشيباني، و العوام بن حوشب الشيباني، و القاسم بن معن بن عبد الرحمان، و أبو إسماعيل المعلم، و زائدة قدامة الثقفي [الكوفي]، و أبو الأحوص بن سليم، و عبد الله بن إدريس الأودي [الكوفي]، أبو معاوية الضرير، و حماد بن أسامة، جعفر بن عون [القرشي] المخزومي، و محمد بن عبيد الطنافسي، و يحيى بن عبد الحميد الحماني، و أحمد بن عبد الله بن يونس [التميمي اليربوعي]، و إسحاق بن منصور [بن حيان] الأسدي، و مصعب بن المقدام الخثعمي [الكوفي]، وحماد بن أسامة.
و ممن ينسب إلى الرفض من أهل البصرة: علي بن زيد بن جدعان التميمي [القرشي]، و أبو الأسود الدئلي و أبو حرب بن أبي الأسود [الدئلي] و الجارود [بن أبي سبرة] الهذلي،و
ربعي بن عبد الله بن الجارود [بن أبي سبرة] الهذلي، و عبد الله بن يحيى ابن سلمان الثقفي، أبو يعقوب التوأم البصري، و حارثة بن قدامة السعدي، و عمار بن
أبي عمار مولى بني هاشم، و جعفر بن سلیمان و نوح بن قيس البطاحي و يونس بن أرقم [الكندي البصري].
و ممن ينسب للحمل على علي ع من أهل البصرة طبقة أخرى [منهم]:
أبو لبيد الجهضمي، و عمير الضبي، و كعب بن سور من ازد عمان.
و مثل هذه الطبقة من أهل مصر و الشام؛ مشرح بن هاعان و علي بن رباح، و جبرائیل بن هاعان، و أبو راشد
مسلم الخولاني، و أبو يحيى الغساني.
و ممن ينسب إلى الإرجاء من أهل مكة منهم:
طلق بن حبيب، و عبد العزيز بن أبي رواد، و عبد المجيد بن عبد العزيز.
و من مرجئة الكوفة: ذر بن عبد الله الهمداني و مسعر بن كدام الهلالي، و عمر بن ذر الهمداني، و حماد بن أبي سليمان الأشعري، و مالك بن مغول البجلي، و عمرو بن مرة الجملي، و أبو حنيفة الفقيه، و زهير بن معاوية الجعفي، و محمد بن خازم أبو معاوية الضرير، و أبو يحيى الحماني، و يحيى بن أبي يحيى الحماني، و حماد بن أبي حنيفة، و أبو يوسف القاضي، وخالد بن عبد الله [الواسطي] الطحان، و محمد بن الحسن صاحب أبي خنيفة.
و ممن يقول منهم بقول الخوارج: جابر بن زيد أبو الشعثاء و أبو لبيد الجهضمي؛ و ممن خرج من البصرة مع ابن الأشعث منهم: مسلم بن يسار
و أبو الجوزاء، و الحسن بن أبي الحسن [أبو سعيد] البصري؛ و ممن خرج من أهل الكوفة [منهم]:
أبو البحر الطائي، و أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، و عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، و عبد الرحمان بن أبي ليلى، و محمد بن سعيد بن مالك، و سعيد بن جبير، و عامر الشعبي، و إبراهيم النخعي.
و ممن خرج مع المختار منهم:
شبث بن ربعي الرياحي، و هبيرة بن يريم، و أبو إسحاق الهمداني، و يزيد بن الحارث، و عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، و عبد الرحمن بن مخنف بن سليم الغامدي، و حسان بن فائد العبسي، و أبو عبيدة بن حذيفة ابن اليمان العبسي، و قيس بن سعيد، و محمد بن قرظة بن كعب الأنصاري، و أبو عبد الله الجدلي، و موسى بن أبي موسى [الأشعري] و أبو صادق،
و عتيبة و أسماء بن خارجة.
فهؤلاء جملة فقهائنا و فقهائهم، و لا نعلم أحدا من سلم من عنتهم، إما كانوا مع بني أمية يأخذون منهم و يدخلون معهم فيما كانوا فيه و إما مبتدع ضال قدري أو رافضي، أو مرجي، أو ثاري.
فليت شعري بمن نقتدي؟ يا معشر أصحاب الحديث، فإنكم تقتدون في حالة و تطعنون في حالة فبأي أمريكم نأخذ ؟! أليس زعمتم أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قدم أبا بكر في الصلاة وصلى خلفه، قد كان يجب أن يعقلوا هذا الموضع!! كيف يجوز للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يصلي خلف رجل من الأمة؟ و الله جل ذكره يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله.
أم كيف يجوز لرجل من الأمة أن يتقدم بين يدي رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) أ ما تعلمون أنكم قد نسبتم النبي ص إلى أنه قد أتى ما نهى عنه الأمة، و أن من تقدم بين يدي الله و رسوله فقد عصى الله؟! أم كيف تثبت روايتكم مع اختلافكم، و هذا قولكم، ثم
اقتديتم بقوم ذكرتم أن العقد وقع بهم، فكيف اقتديتم بهم في عقد البيعة لابي بكر، ثم لم تقتدوا بهم في حل عقد
عثمان و هم أولئك بأعيانهم ، ثم لم يرضوا بحل أمره حتى حاصروه ثم قتلوه.
و قد رويتم أن الذي مد يد أبي بكر للبيعة كان عمر بن الخطاب، و هو الذي كان يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ثم أمر بقتل من عاد لمثل فعله فهذا الذي بايعه هو الذي طعن في بيعته، فمرة تبنون و مرة تهدمون، فعلى أي شيء تعتمدون من هذه الروايات و التخليطات؟! ألستم
تروون أن رسول الله ص سئل عنه من يؤم القوم إذا اجتمعوا؟ فقال: أفقههم في دين الله، أقرؤهم لكتاب الله، فقيل: فإن كانوا في القراءة سواء، فقال: أفقههم في دين الله، قيل: فإن كانوا في الفقه سواء، قال: أقدمهم هجرة..
و قد أقررتم أن أبا بكر لم يكن يقرأ القرآن و لم يعرف ما فيه، و من لم يقرأ القرآن كيف يكون فقيها، وكيف يفرق بين المحكم والمتشابه، من
لا يتلو التنزيل، و لا يعرف التأويل، ويقول: في الكلالة ما قد عرفتموه، فمن أحق بالصلاة و القيام بأمر الأمة؟ هذا الذي لم يعرف التأويل و لم يقرأ التنزيل؟ أم من عرف المحكم والمتشابه، و الناسخ والمنسوخ، و و أعلم القوم و افقههم.
أليس روی علمائكم ما ذكرناه؟
57 روى أبو أيوب سليمان بن داود المنقري قال:
حدثني علي بن هاشم بن البريد، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال:
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي (صلی الله علیه و آله و سلم): أ ما ترضى أنك خير أمتي في الدنيا و الآخرة، و أن امرأتك خير نساء أمتي في الدنيا و الآخرة، و أنك أخي و وارثي و وزيري انصرف فإنه لا يصلح ما هناك إلا أنا و أنت.
58 و روی سليمان الشاذكوني قال:
حدثنا علي بن هاشم بن البريد عن محمد بن عبيد الله بن أبي
رافع عن أبيه، عن علي بن أبي رافع، قال: أتيت أبا ذر أودعه، فقال: إنه ستكون فتنة، و لا أراكم إلا أنكم ستدركونها، عليكم بالشيخ علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فإني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول له:
أنت أول من آمن بي و أول من يصافحني يوم القيامة و أنت الصديق الأكبر، و أنت الفاروق تفرق بين الحق و الباطل، أنت يعسوب المؤمنين، و أنت أخي و وزيري و خليفتي في أهلي، و خير من أخلف بعدي، تقضي ديني، و تنجز موعدي.
و ادعيتم أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أخر الفاضل، و قدم المتأخر للصلاة بأسانيدكم رجالكم الذين شرحنا أخبارهم و بينا ،آثارهم و وصفنا أفعالهم، و عنه أخذتم دينكم و اعتمدتم على رواياتهم، و في القوم زعمتم كذابون مدلسون.
59 -
و روى أبو أيوب الشاذكوني أيضا، قال: حدثنا معاذ بن الأغضف قال: سمعت شعبة يقول: قد أخذت من أربعمائة شيخ، ثلاثمائة و ثمانية و تسعون مدلسون إلا رجلين لا يدلسان، أبو عون و عمرو بن مرة.
60 -
و روى الشاذكوني قال: حدثنا بعض أصحاب سفيان الثوري قال: سئل سفيان الثوري، عن إبراهيم بن المهاجر، فقال: ضعيف وسئل عن سماك بن حرب، فقال:
ضعیف، و سئل عن طارق، فقال: ضعيف، ثم قال سفيان: لو سئلتموني عن عامة الذين أخذت منهم، ما زكيت كذا و كذا
منهم.
61 - فهذا شعبة يقول ما ذكرناه، و هذا سفيان يقول ما ذكرناه، و قد جرحا جميع من أخذتم منه و عامة العلم متعلق بهم، فكيف يعتمد على هذه الروايات، و على هؤلاء الرجال و شعبة يقول هذا القول فيهم، وسفيان يقول ما ذكرناه، أو ليس هم الذين اعتمدتموهم في زمانهم، ونقلوا ذلك عن أئمتكم.
و هم الذين حملوا أبا ذر الذي
قال فيه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): ما أقلت الغبراء و لا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
62 و قال فيه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): يحشر أبو ذر أمة واحدة.
و هم سيروه على قتب إلى الشام و نفوه إلى الربذة. و دقوا ضلع ابن مسعود. و قتلوا عثمان. فضربوا عمارا حتى فتقوا بطنه. و آووا طريد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، و جعلوا لمروان خمس أفريقية، و أخذوا مائة ألف درهم من بيت مال المسلمين، و أحرقوا القرآن فكيف قبلتم هذه الروايات
عن هؤلاء القوم الذین طعنتم عليهم في حالة وقبلتم عنهم في حالة أخرى؟ مع إختلافهم في الدين كله.
و هذا أبي بن كعب الذي له الدين و السابقة و معه القرآن يقول في الأمة
ما ذكره إسحاق بن إبراهيم قال:
63 - أخبرني سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد - عن الحسن العوفي، قال: دخلت مسجد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فإذا أنا برجل قد تسجى
بثوبه، و حوله جماعة، فسألتهم عن شيء فجبهوني، فقلت: يا أصحاب محمد [أ] تضنون بالعلم؟! قال: فكشف الرجل المسجى الثوب عن وجهه، فإذا شيخ أبيض الرأس و اللحية، فقال:
عن أي هذه الأمة تسأل فو الله ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ قبض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و ايم الله لئن بقيت إلى يوم الجمعة لأقومن مقاما أقتل فيه، قال: و سمعته يقول مثل ذلك، ألا هلك أهل العقدة، ألا أبعدهم الله و الله ما آسى عليهم إنما اسى على الذين يهلكون من أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، قال فلما كان يوم الأربعاء رأيت الناس يموجون، فقلت: ما لكم؟ قالوا: مات سيد المسلمين أبي بن كعب قال: فقلت: ستر الله على هذا المسلم حيث لم يقم ذلك المقام.
فهذا أبي بن كعب. يقول: في الأمة أنها مكبوبة على وجهها منذ قبض الله نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم).
فكيف تصح هذه الأخبار؟ و مع أصحاب رسول الله هذا الاختلاف، و هذا أبو بكر ينهى عن هذه الولايات، و يظهر الزهد، فلما توفي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) طلب الأمر. رواه الواقدي، قال:
64 - حدثنا ربيعة بن جهور، يزيد بن رومان، قال: و حدثني عبد الحميد بن جعفر، و كل حدثني بطائفة، و بعض ادعي له من بعض أنه لما كان في غزوة ذات السلاسل، و أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عمرو بن العاص، خرج معه أبو بكر، ثم بعث بأبي عبيدة بن الجراح مددا لعمر، وقال: رافع بن أبي رافع الطائي، كنت ممن نفر مع أبي عبيدة، و كنت رجلا أغير في الجاهلية على أموال الناس، و كنت أجمع الماء في بيض النعام و أجعلها في أماكن أعرفها، فإذا مررت بها و قد ظمأت استخرجتها فشربت منها، فلما نفرت في ذلك البعث، قلت: و الله لأختارن لنفسي
صاحبا ينفعني الله به، فاخترت أبا بكر الصديق، وصحبته، و كانت له عباءة فدكية فإذا ركب حملها و إذا نزل بسطها، فلما قفلنا :قلت يا أبا بكر رحمك الله، علمني شيئا ينفعني الله به، قال: قد كنت فاعلا و لو لم تسئلني، لا تشرك بالله شيئا، و أقم الصلاة وآت الزكاة، وصم شهر رمضان، و حج و صم شهر رمضان و حج البیت و اعتمر، و لا تتأمرن على اثنين من المسلمين:
فقلت له: أما ما أمرتني من الصلاة والزكاة والصيام و حج البيت فإني فاعله، و أما الإمارة فإني رأيت الناس لا يصيبون هذا الشرف و هذا الغنى، و هذه المنزلة عند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلا بها، قال: إنك استنصحتني فجهدت لك نفسي، قال: فلما توفي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و استخلف أبا [أبو] بكر جئته فقلت: يا أبا بكر ألم تنهني أن أتأمر على اثنين من المسلمين؟
قال: بلی قلت : فما لك تأمرت على أمة محمد، قال: اختلف الناس و خفت عليهم الهلك، و دعوني فلم أجد بدا أجد بدا من ذلك.
فهذا أبو بكر ينهى عن طلب الإمارة حيث لم يطمع فيها، فلما لوح له بها وثب عليها.
ثم يجب على الأمة النظر في هذه الأمور حتى يقف على ما كان من جماعة صحبت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و يعرف ميلهم إلى طلب الدنيا، و ذكر بعضهم بعضا، ما ارتكبوا بعد وفاة نبيهم فيجعلون فعلهم بعلي (علیه السّلام) إحدى المنكرات، و أن من دفع عليا عن حقه، إنما كانوا قوما هتف القرآن بهتكهم، و قوما ما تمكن الإسلام من قلوبهم، و قوما أحبوا الإمرة، و اشتهوا الولاية، و لو لا أن الله أوجب معاداة أعدائه، كما أوجب موالاة أوليائه، و حرم على المسلمين تركهما فقال في كتابه:
لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.
و قال أيضا: و لو كانوا يؤمنون بالله و النبي و ما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء. لسكتنا عن مبغضيه، و سترنا عليهم، و لم نظهر عوراتهم، غير أن عذرنا في ذلك
قد وضح، و بعد فلو كان محل من صحب الرسول محل من لا يعادي إذا عصى الله و رسوله و لا يذكر بالقبيح لسكتنا أيضا، و لكن اقتدينا بهم في ذكر بعضهم لبعض يدل على أنهم خرجوا عن أمر الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم).
هذا علي (علیه السّلام) ، و عمار ، و أبو الهيثم بن التيهان و جميع من كان في حزب علي (علیه السّلام) لم يروا أن يتغافلوا عن طلحة و الزبير و عائشة، حتى فعلوا بهم ما يفعل بالشراة في هذا، و هذا طلحة والزبير و عائشة و من كان في حزبهم، لم يتغافلوا عن علي ع حتى قصدوا له كما يقصد المعللون.
و هذا معاوية و عمرو بن العاص لم يريا عليا بالعين التي [يرى] بها القاصي جاره و صديقه، و لم يمسكا عن ضرب وجهه بالسيف، وقتل أصحابه، و قد كانوا قبل ذلك ارتقوا إلى لعنه و لعن عبد الله بن عباس.
و هذا سعد و ابن عمر و أصحابه لم يروا أن يقلدوا عليا أمرهم حتى قعدوا عنه.
و هذا عثمان قد نفى أبا ذر إلى الربذة كما يفعل بأهل الخنا و الريبة؛ و هذا عمار و ابن مسعود يلعنان عثمان، ثم فعل بهما عثمان ما قد تناهى الخبر عنهما، فما أنكر أحد من أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، و داس بطن عمار و دق ضلع ابن مسعود، و ما أنكروا على عمار و لا على ابن مسعود ما قالاه في عثمان.
و هذا عمر بن الخطاب شهد لأهل الشورى أنهم في الجنة، و أنهم أفضل أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم أمر بضرب أعناقهم إن لم يبرموا أمرهم و ذلك لغير جرم؛ و هذه عائشة تخرج قميص رسول الله و تقول: هذا قميص رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يبل و قد أبلى عثمان سنته، ثم هي أول من سمته نعثلا، ثم خرجت تطلب بدمه!!، فلا فعلها الأول أنكروا و لا عن فعلها الاخير قعدوا!.
ثم أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، جميعا حصروا عثمان و منعوه الماء حتى قتل، فما يخلو أحد من أصحاب محمد من أمرين إما أن يكون قاتلا أو خاذلا و هو رجل من أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) له شرف و صحبة، و هو من أقربهم قرابة، قد انعقدت بيعته في أعناقهم و للإمام حق على رعيته؛ و هذا المغيرة بن شعبة له صحبة أدعي عليه أنه زنى، فما أنكر عمر عليه ذلك، و لا قال إن أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يجوز
عليهم ذلك، ولكنه سمع من الشهود ثم إحتال في أمره حتى دفع عنه الحد؛ و عمر قد إتهم أبا هريرة الدوسي، و له صحبة، و قال له: يا عدو الله و عدو رسوله و عدو المسلمين، أخنت مال الله، أخنت مال الله، و استرجع منه إثني عشر ألف درهم؛ وقد قال لأبي موسی الأشعري: حيث اتهمه بالكذب في حديث الاستيذان، لتأتيني بمن سمع هذا الحديث معك أو لأفعلن حتى مضى أبو موسى مذعورا يطلب من سمع معه الحديث من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
و هذا عمر قد أنكر على أبي بكر، بقوله: أقتلوا سعدا، قتل الله سعدا، و هو سيد الأنصار ؛
و عمر الذي هم بإحراق بيت فاطمة (عليها السلام) و شتم علياع و الزبير.
و هذا أبو بكر، قد أنكر على عبد الرحمان بن عوف، حين أراد أن يولي عمر، فقال: جعلت لكم بعدي و استخلف عليكم خيركم، و كلكم ورم أنفه يريد أن يكون الامر له، فستتخذون ستور الحرير وسط الديباج(1)
فأما الثلاث التي وددت أني تركتهن؛ فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء و إن كانوا غلقوه على الحرب، و وددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي، و أني كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا. و وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في أحد الرجلين (قال الطبري): يريد عمرو أبا عبيدة - فكان أحدهما أميرا و كنت وزيرا.
و أما اللتي تركتهن فوددت أني يوم أتيت بالاشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنه تخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه، و وددت أني سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة، كنت أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، و إن هزموا كنت بصدد لقاء أو مددا. و وددت أني كنت إذ وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل سبيل الله و مد يديه و وددت أني كنت سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لمن هذا الامر ؟ فلا ينازعه أحد، و وددت أ كنت سألته: هل للأنصار في
.1) أنظر تاريخ الامم و الملوك للطبري، ج 3، ص 429، ط مصر، تحقیق محمد أبو الفضل ابراهيم: قال أبو بكر رضى الله عنه: أجل إني لا أسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، وددت أني تركتهن، و ثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم):
هذا الامر نصيب؟
و وددت أني كنت سألته: عن ميراث إبنة الأخ و العمة، فإن في نفسي منهما شيء!!. و هذا عمر قد أنكر على أبي بكر فقال: كانت بيعة أبي بكر فلتة، و أنكر عليه تغافله عن خالد بن الوليد و قد قذف بالزنا، و أنه قتل رجلا مسلما رغبة في امرأته لجمالها، فلم يحفل أبو بكر لذلك من قوله ثم كان من أمر أبي بكر في أمر الصحابة وقتله إياه ما كان وما كان من أمر مجاعة خالد.
و روى الواقدي، قال:
64 - حدثني خالد بن القاسم، عن عبد العزيز بن سعيد بن سعد، أن خالد بن الوليد لما حبس مجاعة في الحديد، قال له: زوجني ابنتك، قال:
مهلا، فإني قاطع ظهري مع ظهرك عند صاحبك إن القالة عليك كثيرة، ما أقول هذا رغبة عنك، قال زوجني أيها الرجل فزوجه، فكتب إليه أبو بكر مع سلمة بن سلامة بن قيس لعمري يا خالد ابن أم خالد إنك فارغ تنكح النساء و تعرس بهن، و تضاع لذلك دماء المسلمين عددهم ألف و مائتان لم تخف، [فلما] قرأ ذلك خالد، قال: هذا فعل عمر ...
و روى الواقدي: قال:
65 - حدثنا عبد الله بن الحرث بن الفضل، عن أبيه، عن سفيان عن أبي العرجاء السلمي في حديث طويل قال: كتب أبو بكر إلى طريفة بن حاجزة و هو عامله:
أما بعد، فإنه بلغني، أن الفجاءة ارتد عن الإسلام فسر بمن معك من المسلمين حتى قتله أو تأسره، فتأتيني به في وثاق و السلام.
فسار إليه بمن معه، فلما التقيا، قال له: يا طريفة ما كفرت و إني لمسلم، و ما أنت بأولى بأبي بكر مني، و أنا أميره، فقال له طريفة: إن كنت
صادقا فألق السلاح، ثم انطلق إلى أبي بكر، فأخبره بخبرك، فوضع السلاح فأوثقه طريفة بجامعة، و بعث به إلى أبي بكر، فلما قدم به أرسله إلى بني جشم فحرقه بالنار، و هو يقول: أنا مسلم؛.
فأي أمر أعجب من هذا الأمر أن يكون رجل يذكر أنه مسلم يحرق النار،!! و هو يقول: أنا مسلم، و هل الإسلام إلا الإقرار باللسان؟.
ثم كان بين ابن مسعود و بين أبي بن كعب من السباب حتى نفى كل واحد منهما صاحبه من أبيه. ثم
قول عبد الرحمن بن عوف في مناقب عثمان: ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول [لي] عثمان: یا منافق، فليت شعري متى نافقت؟
أ في توليتي إياه، أم رضاي بمن لم يكن رضي؟.
ثم قول حذيفة في عثمان:
ثم قول علي بن أبي طالب (علیه السّلام): كذبت، أنا خير منك و منهما، عبدت الله قبلهما و عبدته بعدهما.
فهذه أفعال شرحناها ليعلم الناظر في كتابنا، أن القوم غيروا و بدلوا، كما غير سائر الأمم بعد أنبيائها؟ و لا ينبغي أن يستتبع ذلك إذا ذكروا بما أتوه، و إرتكبوه، فالقوم إن كانوا قد أحسنوا في وقت من الأوقات فقد أساؤا في وقت آخر بعد ذلك، فإحسانهم أولا لا ينفعهم مع إساءتهم آخرا، و لا ينكر القول فيهم، لأن الله عز و جل، إن كان فضل أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) و مدحهم في حال طاعتهم، فقد ذمهم في حال معصيتهم، هذا موسی عليه السلام قد مدح قومه في حالة و اختار منهم
سبعين رجلا كانت سريرتهم عند الله خلاف ظاهرهم عند موسى (علیه السّلام)، و نحن نشرحه في هذا الباب إن شاء الله.
من ذا الذي يجسر أن ينكر ذلك، أو يجتري على القول بأن أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) يمنع من عداوتهم في حال إسائتهم، بعد قول الله تعالى لنبيه: لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين، و بعد قوله جل ذكره: قل إني أخاف إن عصيت عذاب يوم عظيم *، و بعد قوله [تعالى]: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ربي فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوى فيضلك عن
سبيل الله. إلا من لا فهم له، و لا تمن عنده، و محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) معصوم، و الأمة غیر معصومة، فخاطبه الله تعالى بهذا الخطاب تأديبا له و تحذيرا لأمته؟؛ و محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) مأمون، و الأمة غير مأمونة، فمن هاهنا،
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.
و قال لهم: الشرك أخفى من دبيب النمل.
66 و قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : لهم لتركبن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل، و القذة بالقذة، حتى لو أن رجلا منهم دخل جحر ضب لدخلتموه فقيل: يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن أرى .
فدل هذا القول منه لترتدن كما ارتدت اليهود و النصارى حين فقدوا موسى و عيسى (عليهما السلام)
و قال (صلی الله علیه و آله و سلم): إن من أصحابي من لا يراني بعد خروجي من الدنيا.
، و قال(علیه السّلام): يؤخذ بناس من أصحابي ذات الشمال، فأقول: يا ربي أصحابي، فيقال: يا محمد لا تدري ما أحدثوا بعدك !!، فأقول: بعدا و سحقا.
، وقال: إن الإسلام بدأ غريبا و سيعود كما بدأ.
و نذكر فعل أصحاب موسى (علیه السّلام)، و ارتدادهم، و أي شيء أعجب من إرتدادهم، و عبادتهم العجل و هو حي لم يمت، و لم يبعد عن موضعهم و لا طالت غيبته عنهم، و أخوه و وزیره و شريكه في النبوة، و من يقوم مقامه، مقيم معهم، مقيم معهم، فاختار منهم سبعين رجلا، كانوا خيار أصحابه عنده، فنزل بهم العذاب، لنفاق كانوا انطووا عليه، و لو أن الله خبر بقصتهم ما قبلتموه و لا إستشنعتم ذكرهم بذلك، و لا أنكرتم ردتهم كما أنكرتم ردة عامة أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) هذا مع قرب عهدهم بموسی، و مقام نظيره (علیه السّلام) بين أظهرهم، فكيف أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) الذين آمنوا رجوعهم إلى الدنيا لو لا أنكم لم تدخلوا قلوبكم من العصبية لأصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) لأنكرتم الخبر، و دفعتموه عصبية كل ذلك ميلا منكم على علي (علیه السّلام)، ما كنتم بالدين يسعهم السكوت عنهم كقولكم في أصحاب عثمان و تظليلكم إياهم، فادعيتم لما جرى الأمر في حال علي (علیه السّلام) إن ذلك كله جرى على الصواب، فسبحان من قرركم بألسنتكم، أن عامة أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) منافق يسره كفره، أو ضعيف لم يتمكن الإسلام من قلبه، أو من أسلم من تحت السيف ليحتج عليكم و تفضحون، و مع ذلك إن أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) اختلفوا!.
[اختلاف الناس في الحديث]:
67 و هو ما رواه محمد بن عبد الله بن مهران، عن حماد بن عيسى، عن ابن أذينه، عن أبان بن أبي عياش: عن سليم بن قيس الهلالي، قال: قلت: لعلي بن أبي طالب (علیه السّلام):
يا أمير المؤمنين، إني سمعت من سلمان، و المقداد بن الأسود و أبي ذر، من تفسير القرآن، و من الرواية، عن نبي الله شيئا، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت
منهم، و كان في أيدي الناس أشياء من تفسير القرآن و من الأحاديث أنتم تخالفونها، و تزعمون أن ذلك باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله تعمدا، و يفسرون القرآن برأيهم؟.
فقال علي (علیه السّلام): قد سألت فاستمع الجواب:
إن في أيدي الناس، حقا و باطلا، و صدقا و كذبا، و ناسخا و منسوخا، و عاما و خاصا، و محکما و متشابها، و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في عهده، حتى قام خطيبا فقال:
أيها الناس كثرت الكذابة، فمن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار.
ثم كذب عليه من بعده، و إنما أتى بالأحاديث أربعة رجال ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) متعمدا، و لو علم المسلمون أنه منافق كاذب لم ينقلوا حديثا عنه، و لم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا صاحب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) رآه و سمع منه، و قد أخبره الله جل ذكره عن المنافقين، بما أخبر، ثم بقوا بعده، وتقربوا إلى الملوك و الدعاة إلى النار بالزور و الكذب والبهتان، فقلدوهم الأعمال و حملوهم على رقاب المسلمين، و أكلوا معهم
الدنيا، و الناس مع الملوك و الدنيا، إلا من عصم الله فهذا أحد الأربعة.
و رجل سمع من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) شيئا فلم يحفظه على، وجهه، فوهم فيه و لم يتعمد كذبا، فهو في يده يعمل فيه، و يرويه، و يقول: أنا سمعته من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و لو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه، و لو علم هو أنه وهم لرفضه.
و رجل ثالث سمع من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) شيئا يأمر به ثم نهى عنه، و هو لا يعلم، أو سمعه نهى عن شيء ثم أمر به و هو لا يعلم، فحفظ المنسوخ و لم يحفظ الناسخ، و لو علم الناس أنه منسوخ لم يقبلوه.
و رجل رابع: لم يكذب على الله جل ذكره، و لا على رسوله، مبغض للكذب، خوفا من الله تبارك و تعالى، و تعظيما لرسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يوهم بل حفظ ما سمع على جهته، فجاء به كما سمع لم يزد فيه
و لم ينقص منه و حفظ الناسخ والمنسوخ، و إن أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ناسخ و منسوخ مثل القرآن، و خاص و عام و محکم و متشابه، يكون من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الكلام على وجهين: كلام عام و کلام خاص، فيسمع من لم يعلم ما عنى به ص مثل القرآن يسمعه من لم يعلم ما عنى به تبارك و تعالى، و ليس كل أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يسأله و كانوا يحبون أن الأعرابي و الطارئ فيسأل رسول يجيء الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى يسمعوا منه؛ و كنت رجلا أدخل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كل يوم دخلة و كل ليلة دخلة، يجيبني فيها عما أسأله، أدور معه حيثما دار و كان قد
علم أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه لم يفعل ذلك غيري، و ربما كان ذلك في بيتي و رسول الله ص في منزلي لم تقم عني فاطمة، لا أحد من بني، فإذا سألته أجابني، و إذا سكت عنه ابتدأني، فما نزلت على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) آية من القرآن إلا أقرأنيها و أملاها علي و كتبتها بخطي، و دعا الله تبارك و تعالى لي أن يفهمني و يحفظني فما نسيت آية من كتاب الله مما علمني تأويلها، فحفظتها و أملاها علي فكتبتها بيدي، و لا يرد على رسول الله حلال و لا حرام، أمر أو نهي طاعة أو معصية إلا علمنيه و حفظنيه، و لم أنس منه حرفا واحدا منذ وضع يده على
صدري، و دعا الله لي أن يملأ قلبي علما و فهما و فقها و حكما و نورا يعلمني، فلا أجهل، و حفظني فلا أنسى، فقلت ذات يوم:
يا رسول الله إنك منذ دعوت لي بما دعوت لم أنس شيئا مما علمتني،
مما لم تمله علي، و لم تأمرني بكتابه، أ تخاف علي النسيان؟ قال: لا لست أخاف عليك النسيان و لا الجهل، فقد أخبرني الله عز وجل: أنه قد استجاب لي فيك..
و قد شرحنا من أمور القوم ما فيه لطالب الحق منفعة، و قد يجب
على من [له] فهم و عقل، أن يتأمل الأمور التي جرت، و لا يهتم و لا يثق و لا يركن إلى أفعالهم، و لا يميل إليهم، مع دفعهم الحق، و إنكارهم موضع الحجة التي دل عليها الله جل و عز، بل الحق أن يأخذ بقول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و يعتمد على من دل عليه من الذين جعلهم سفينة النجاة، وقال من ركبها نجا كما نجا قوم نوح، و من تخلف عنها غرق كما غرق قوم نوح.
فنحن نرجو الفوز بتمسكنا بهم، و إطراح من لم يؤمن بالتمسك بهم و حسبنا الله و نعم الوكيل
(2) الباب الثاني باب الفضل و العلم لمن ادعوهما له
: 68 - ادعوا العلم و الفضل لرجل لم يدعهما لنفسه،
فإنه قام على منبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: إن لي شيطانا يعتريني! فإن استقمت فأعينوني، و إن زغت فقوموني، و إن غضبت فجنبوني.
فزعم أنه يزيغ، و يحتاج أن يقوم!؛
و قال أيضا على منبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): وليتكم و لست بخيركم.
و قد قال فيه عمر بن الخطاب، و هو وليه و صاحبه و أخوه، و ممن عقد له البيعة حين أتاه عبد الرحمان بن أبي بكر، يسأله في أمر الحطيئة الشاعر، لابنه عبد الله: عبد الرحمان بن أبي بكر لدويبة سوء، و لهو خير
من أبيه.
69 - رواه الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش الهمداني عن سعيد بن جبير، قال: ذكر أبو بكر و عمر عند عبد الله بن عمر، فقال رجل من القوم: كانا شمسي هذه الأمة و بدريها فقال ابن عمر و ما يدريك ؟! فقال الرجل: أليس قد ائتلفا؟ فقال [ابن عمر]: بل اختلفا لو كنتم تعلمون فأشهد أني كنت عند أبي يوما، وقد أمرني: أن أهيئ أحلاسا، و أصلح
منها، إذ استأذن عبد الرحمان بن أبي بكر، فقال [أبي]: دويبة سوء، و لهو خير من أبيه!. فأوحشنى [منه] ذلك، فقلت يا أبه: عبد الرحمن خير من أبيه؟! فقال: و من ليس خيرا من أبيه لا أم لك.
و أذن لعبد الرحمان، فدخل، فكلمه في أمر الحطيئة، أن يرضى عنه، و قد كان حبسه في شعر قاله ، فقال له: إن في الحطيئة تأودا، فدعني أقومه أقومه و أحسنه بطول الحبس، فألح عليه عبد الرحمان فأبى، و خرج عبد الرحمان، فأقبل علي عمر، فقال أو في غفلة أنت إلى يومك هذا عما كان من أفحج (أحيمق) بني تيم، و تقدمه علي و ظلمه لي؟!
فقلت: يا أبه لا أعلم شيئا من ذلك، فقال: يا بني، و ما عسيت أن تعلم، فقلت: و الله لهو أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم، فقال: إن ذلك لكما ذكرت على رغم أبيك و سخطه، فقلت يا أبه: أفلا تحكي أفعاله بمقام في الناس، يبين ذلك عنه، فقال: وكيف لي بذلك، مع ما ذكرت من أنه أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم،
إذا لرضخت هامة أبيك بالجندل قال [ابن عمر] ثم تجاسر فجسر، فما دارت الجمعة حتى وقف به في الناس، فقال:
يا أيها الناس: كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه!.
فكان الذي حدا عمر على ذلك مع ما كان في صدره عليه أنه بلغه عن قوم، هموا بأفاعيل، فكانت التي هيجت عمر، فقال ابن عمر: [إن] لكل أمر سببا، و إن ما كان من أخبار هؤلاء القوم الذين هموا بأفاعيل، هي التي هيجت على عمر، و أنه باب فتحه عمر من السخطة على أبي بكر.
70 -
روى الهيثم بن عدي عن مجالد قال: غدوت يوما إلى الشعبي، و أنا أريد أن أسأله عن شيء بلغني أن ابن مسعود، كان يقوله، فأتيته في مسجد حيه، و في المسجد قوم ينتظرونه، فخرج و نهض إليه القوم فقلت: أصلحك الله، أ كان ابن مسعود يقول:؟
ما كنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، قال: نعم كان ابن مسعود يقول ذلك، و كان ابن عباس يقوله و كان لابن عباس علوم يعطيها أهلها و يصونها عن غيرهم، فبينا نحن كذلك، إذ أقبل رجل من الأزد، فجلس إلينا، فأخذنا في ذكر أبي بكر و عمر، فضحك
الشعبي و قال: لقد كان في صدر عمر خب على أبي بكر، فقال الأزدي:
و الله ما رأينا، و لا سمعنا قط برجل كان أسلس قيادا لرجل من عمر لأبي بكر و لا أقول فيه بالجميل (من عمر في أبي بكر)، فأقبل علي الشعبي و قال: هذا مما سألت عنه، ثم أقبل على الرجل، فقال الشعبي: يا أخا الأزد، فكيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها، أترى عدوا يقول في عدوه، ما قاله عمر في أبي بكر؟ فقال
الرجل: سبحان الله يا أبا عمرو، أنت تقول مثل هذا؟! فقال الشعبي: ما أنا أقوله، لكن قاله عمر بن الخطاب، فنهض الرجل مسرعا و لم يودع، و هو كالمغضب يهمهم بما لا يفهم من الكلام [قال مجالد:] فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويبثه فيهم، قال: إذا لا أحفل به و قد قاله عمر على رءوس المهاجرين والأنصار، و لم يحفل به أ أحفل به أنا و أنتم أيضا فأذيعوه عني ما بدا لكم.
71 -
و روى شريك بن عبد الله النخعي، عن محمد بن عمرو بن
مرة، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي موسى الأشعري، قال: حججت مع عمر فلما نزلنا و عظم الناس خرجت من رحلي و أنا أريد عمر، و نحن بمكة، فلقيت المغيرة بن شعبة فقال: أين تريد ؟ فأعلمته أني أريد عمر [فهل لك؟ قال: نعم]، فمضينا جميعا فدخلنا عليه، فذكرنا أبا بكر ، فقال: كان و الله أعق و أظلم، و كان و الله أحسد قريش كلها وا لهفتاه على ضليل بني تيم بن مرة، و الله لقد تقدمني ظالما و خرج إلي
منها آثما، فقيل له تقدمك ظالما قد عرفنا، فكيف خرج إليك منها آثما؟ قال: إنه لم يخرج إلي منها إلا بعد يأس منها أم و الله لو كنت أطعت زيد بن الخطاب ما تلمظ من حلاوتها بشيء أبدا، و لكني قدمت و أخرت و صعدت، و صوبت و نقضت و أبرمت فلم أجد بدا من الإغضاء له على ما نشبت منه فيها، و لم تجبني نفسي على ذلك و أملت إنابته و رجوعه فو الله ما فعل حتى أثغر بها نفسا؛ فقال له المغيرة: فما منعك منها وقد عرضها عليك يوم السقيفة بدعائه إياك إليها، ثم أنت الآن متعقب بالتأسف عليه ؟ فقال له عمر:
ثكلتك أمك يا مغيرة، إني كنت لأعدك من دهاة العرب!، كأنك كنت غائبا عما هناك، إن الرجل ماكرني فماكرته فألفاني أحذر من قطاة أنه لما رأى شغف الناس به، و إقبالهم بوجوههم عليه أيقن أنهم لا يريدون به بدلا، فأحب مع ما أرى من شخوص الناس إليه وشغفهم به أن يعلم ما عندي، و هل تنازعني إليها نفسي بإطماعي فيها و التعريض لي بها، و قد علمت أني لو قبلت ما عرض علي يجب الناس إلى ذلك، و كان أشد
الناس إباء، الذين كرهوا رده إياها لي عند موته فألقاني قائما على أخمصي حذرا، و لو أجبته إلى قبولها لم تدفع الناس ذلك إلي و أخباها علي ضغنا في قلبه، ثم لم آمن من أتباعه و لو بعد حين مع ما بدا له و لي من كراهية الناس لما عرض علي منها، أو سمعت نداءهم في كل ناحية عند عرضه إياها علي، لا نريد سواك يا أبا بكر أنت لها، فرددتها عند ذلك، فلقد رأيته التمع وجهه لذلك سرورا.
و لقد و الله عاتبني مرة على شيء كان بلغه عني، و ذلك أنه لما قدم عليه الأشعث بن قيس أسيرا، فمن عليه و زوجه [أخته] أم فروة بنت أبي قحافة، قلت للأشعث و هو بين يديه: ا بعد إسلامك ارتددت كافرا!؟
فنظر إلي الأشعث نظرا حديدا علمت أنه يريد كلاما، ثم أمسك، فلقيني بعد ذلك في سكة من سكك المدينة، فقال: أنت صاحب الكلمة يومئذ يا ابن الخطاب؟ فقلت: نعم، و لك عندي شر من ذلك، فقال: بئس الجزاء هذا لي منك، فقلت: و على ما تريد مني حسن الجزاء؟ فقال: أ ما تأنف من أتباع هذا الرجل! يعني بكر - و ما حداني على الخلاف عليه إلا تقدمه عليك، و لو كنت صاحبها لما رأيت مني خلافا.
فقلت: قد كان ذلك، فما تأمرني الآن؟ قال: هذا وقت صبر حتى يفرج الله، و يأتي بمخرج، فمضى و مضیت، و لقي الأشعث الزبرقان بن بدر السعدي، فذكر له ما جرى بيني و بينه من الكلام، فنقل الزبرقان الكلام إلى أبي بكر فذكر ذلك، ثم قال: إنك لتشوق إليها يا ابن الخطاب؟ فقلت: و ما يمنعني من التشوق إلى ما كنت أحق به ممن غلبني عليه، أما والله لتكفن أو لأقولن كلمة بالغة بي و بك ما بلغت، فإن شئت استدمت ما فيه عفوا - قال: بل أستديمه و هي صائرة إليك بعد أيام، فما ظننت أن تأتي عليه جمعة بعد ذلك حتى يردها إلي، فو الله ما ذكر لي منها حرفا بعد ذلك.
و لقد مد في أمدها عاضا على نواجذه، حتى كان عند إياسه منها حين ما حضرته الوفاة، فكان ما رأيتما منه؛ ثم قال لنا: احفظا ما قلت لكما و ليكن منكما بحيث أمرتكما إذا شئتما على بركة الله و في حفظه.
فنهضنا و كل واحد منا يتعجب إلى صاحبه من قوله.
[و] لعمري أن أبا بكر قد تكلم في أمر غير عمر أيضا ، و أنكروا من أمره أشياء تكلم بها.
72 - و من ذلك
ما رواه زيد بن أسلم، عن أبيه؛ قال:: دخل عمر على أبي بكر، و هو آخذ بلسانه ينضنضه، فقال [له عمر]:
الله [الله يا خليفة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و أبو بكر يقول: هاه إن هذا أوردني الموارد].
[قال المصنف] ثم أنكروا أحكاما حكم بها خالف فيها [عمر من أحكام] الكراع و السلاح، و لم يبايع على ذلك و [ما ورد] في القرآن؛ و ما كان من عمر في مخالفته في [قصة] مالك بن نويرة قتله خالد بن الوليد، فأ [خذه إلى أبي بكر] فقال عمر: و
الله لئن وليت شيئا من الأمر، [لأقيدنك] بمن قتلت من أصحابه، فقد تحقق عنه ...
على الإسلام رغبة
منك في إمرأته ... ألح في أمره و إبطال فضله.
و نحن نشرح بعد ... له الفضل بحديث روي عن أمير المؤمنين (علیه السّلام)... معنى له أنه صعد المنبر في وقت إحتاج ... إلى القتال و عرف شغفهم به فأعطاهم ... خير هذه بعد نبيهم أبو بكر و عمر ... اله الفضل، و لعمري إنها صفة عليه ... يجوز أن يقال: خير هذه الأمة بعد [رسول الله] (صلی الله علیه و آله و سلم)، ليس من هذه الأمة .... و إنما الأمة ...
أن أمير المؤمنين لو أراد ... خير هذه الأمة أبو بكر و عمر، و كان ...
دعواهم، و لكن إن كان الامام على ما ذكروه [فأشار] إلى جماعة تحت
منبره و هم دونهما ... التي أشير إليها أبو بكر و عمر، و إنما أراد [من الحديث] معنى له حتى يبايعوه كما ذكرنا و الحرب [خدعة، كما
ورد] عن أمير المؤمنين أنه قال: [إذا حدثتكم عن رسول] الله رسول الله، فلئن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) [و] قال: ما أقلت الغبراء لا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
أ فترى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ممن أقلته الغبراء و أظلته الخضراء، و لكن هذا على مجاز اللغة، و حديث أبي يدل على أنه لم يدع الفضل لنفسه حيث قيل له: و عنده إبنة سعيد بن الربيع، هذه إبنتك؟ قال هذه إبنة من هو خير مني سعيد بن الربيع، فقد تبین أن الفضل قد زال بهذه الأشياء التي
شرحناها.
و لعمري أن عمر من أعدل الشهود عليه فيما ذكره من قبيح القول فيه و هو صاحبه، و أخوه والمتقدم له و المتابع له، و المبادر إليه، فمن إدعى له الفضل بعد ما شرحنا من أمره فليس إلا معاندا.
73 - و احتج بعض أهل العلم في قول أمير المؤمنين (علیه السّلام): ألا إن خير هذه الأمة، أنه عنى المتحيرة، و كما قال أبو ذر و سلمان: «أيتها الأمة المتحيرة لو قدمتم من قدم الله، و أخرتم من أخر الله، ما عال ولي الله، و لا طاش سهم عن فرائض الله».
فهذا لعمري إن أمير المؤمنين (علیه السّلام) خاطب الأمة المتحيرة، فقال: خيركم أبو بكر و عمر، و لعمري أن الأمة المتحيرة أبت أن تختار إلا من قد نفاه الله، و تطرح من إختاره الله و رسوله حسدا و بغيا وطلبا للإمرة، خلافا على الله و على رسوله، فإن الله قد اختار و رسوله قد دخل على اختيار الله، فأبت الأمة المتحيرة إلا ما أتت، و الله عز و جل يقول: وما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.
فلما فعلت [الأمة] ذلك، و اختلفت و افترقت كما افترقت بنو إسرائيل على إحدى و سبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة، و افترقت النصارى على إثنين وسبعين فرقة، كلها هالكة إلا واحدة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث و سبعين فرقة، كلها هالكة إلا واحدة، وتفترق الواحدة على إثنتي عشرة فرقة كلها هالكة إلا واحدة !!.
فطلبنا هذه الفرقة الناجية، فوجدنا
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد دل عليها بقوله: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق.
هذا دليل واضح، إذ كان (صلی الله علیه و آله و سلم) قد دل على أهل بيته، و جعلهم كسفينة نوح، و أعلم الأمة أن من ركبها نجا، و من تخلف عنها غرق، فأبت الأمة إلا ما ذكرنا، و الله المستعان.
قد ذكرنا جملا تدل على إبطال فضل من إدعوا له الفضل، و نحن نوضحه لأولي الألباب، إن شاء الله).
(3) باب ثبت الفضل لمن له الفضل
أجمعت الأمة أنه لا اختلاف بينها، أن الفضل لعلي (علیه السّلام) و لأبي بكر، ثم لو يورد ثالث، فأوردنا قاطعة، بفضل ذلك عن الله جل و عز قال الله عز و جل: فضل الله المجاهدين بأموالهم و أنفسهم على القاعدين درجة أنفسهم على القاعدين درجة و كلا وعد الله الحسنى، و فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة و رحمة.
فقد علمت الأمة: أن عليا (علیه السّلام) [هو] المجاهد في سبيل الله و الكاشف الكرب عن وجه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و أن أبا بكر لم يخدش رجلا قط، و إنما كان بمنزلة النظارة في الحروب التي شهدها فهذه واضحة من كتاب الله جل ذكره.
ثم نذكر قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حين سأله سلمان (رحمه الله علیه):
فقال: من وصيك يا رسول الله؟ فقال: يا سلمان إن أخي وصفيي و خليلي، و وزيري و وصيي ينجز موعدي، و يقضي ديني، و هو خير من أترك
بعدي علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
74 - ثم قال علي (علیه السّلام): أنا أول رجل عبد الله من هذه الأمة، و أول
رجل أسلم، و أنا وصي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و أنا خير الأوصياء.
75 و قال (علیه السّلام): أنا عبد الله، و أخو رسوله، لا يقولها غيري إلا مفتر كذاب.
76 و قال (علیه السّلام): أنا قسيم النار ، و أقول هذا لي و هذا لك.
77 و قال: أنا صاحب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم القيامة أذود عنه المنافقين، كما تذاد غرائب الإبل.
و قال (علیه السّلام): أنا أول من يجثو للخصومة يوم القيامة.
و هذا خبر عجيب! نحن نشرحه في موضعه إن شاء الله.
78 و قال (علیه السّلام): عهد إلي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه لا يحبني إلا مؤمن، و لا يبغضني إلا منافق.
79 و قال (علیه السّلام): أمرت بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين.
80 و قال (علیه السّلام): أنا يعسوب الدين، و أنا أمير المؤمنين.
و قال أبو ذر له (علیه السّلام): أنا أشهد لك بالولاء و الإخاء. ثم نذكر أخبارا لا تدفع تدل على فضله:
81 حدثنا إسحاق بن راهويه، قال: سمعت يحيى بن آدم يقول: سئل شريك؟ فقيل له: ما تقول: في رجل مات لا يعرف أبا بكر؟ قال: لا شيء عليه، قيل له: فلا يعرف عليا (علیه السّلام) قال: في قال: في النار! لأن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أقامه علما یوم الغدير، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه - الخبر.
82 و روى إسماعيل بن عمرو البجلي، عن يحيى بن
سلمة بن كهيل عن أبيه، عن أبي حازم:
عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): خير هذه الأمة بعدي: أولها إسلاما علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
83 و روى إبراهيم بن إسماعيل اليشكري، قال:
حدثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي وائل:
عن أبي حذيفة، قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: علي خير البشر من أبى فقد كفر..
84 و روی عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أبي نجيح ، عن مجاهد، عن ابن عباس قال::
إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لفاطمة (عليها السلام): أ ما علمت أن الله اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة، فاختار منهم رجلين، أحدهما أبوك، و الآخر بعلك.
85 و روى إسماعيل بن عمرو البجلي، قال: حدثنا حماد بن شعيب عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): علي خير البشر من أبى فقد كفر.
86 و روى الحماني، عن شريك عن عثمان بن المغيرة، عن أبي اليقظان، عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل
جابر عن علي (علیه السّلام)، فقال ذاك خير البشر، وهل يشك فيه إلا كافر؟.
87 و روی حفص عن عمرو بن أبي المقدام، و عبد الله بن إدريس، عن أبي الجحاف، و كثير بن إسماعيل عن عطية العوفي، قال: سئل جابر بن عبد الله عن علي (علیه السّلام)، فقال ذاك خير البشر، قيل له: فما تقول فيمن شك فيه؟ قال: ما يشك فيه إلا كافر، و ما يشك فيه إلا منافق.
[علي بن أبي طالب (علیه السّلام) خير الناس بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)]:
88 و روی سهیل بن عثمان، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، قال:
حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش، عن عطية - [حيلولة]- قال:
حدثنا قيس بن حفص، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا محمد بن عبد الله العرزمي، عن عطية، قال: قلنا لجابر بن عبد الله: أخبرنا عن علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، :قال كان خير الناس بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
89 و روى المسعودي: قال: حدثنا محمد بن سعيد الأنصاري قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): علي بن أبي طالب (علیه السّلام) أفضل أمتي.
90 و روى المسعودي، قال: حدثنا يحيى بن سالم العبدي، عن صالح بن أبي الأسود، سود، عن هاشم بن البريد، عن بنان الطائي، عن عبد الله بن مسعود، قال: قرأت سبعين سورة من فلق على رسول الله كما أنزلت، و زيد بن ثابت له ذوابة يرعى الإبل، و قرأت بقية القرآن على خير خلق الله بعد نبي الله علي بن أبي طالب.
[علي (علیه السّلام) خير البشر]:
91 و روى حفص بن عمر الكوفي، قال: قال أبو معاوية: قال لي الأعمش : يا أبا معاوية، أ لا أحدثك حديثا لا غبار فيه؟ قلت بلى قال: حدثني أبو وائل و لم يسمع منه أحد غيري،! قال: حدثني عبد الله قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): قال لي جبرائيل: يا محمد، علي خير البشر، من أبى فقد كفر!.
92 و روى المسعودي، قال: حدثنا أبو غسان و سهل بن عامر قالا:
حدثنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: ذكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، الخوارج، فقال: أما إنهم شر الخلق و والخليقة، يقتلهم خير الخلق الخليقة، وأقربهم وسيلة من الله یوم القيامة.
93 و روى الرازي، قال: حدثنا صالح بن عقبة، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: دخلت على عائشة، فقلت لها: علام قاتلت عليا (علیه السّلام)؟ فقالت لي: و الله لقد قاتلت خير الناس!، فقلت لها: أ علمت أنه خير الناس؟! فقالت: سمعت رسول الله خليلي، يقول:
علي خير البشر ، من أبى فقد كفر !!.
94 و روى المسعودي قال: حدثنا عمرو بن زياد الباهلي،
قال: حدثنا شريك عن سماك عن الفضل بن سلمة عن أم هاني بنت أبي طالب :قالت قلت يا رسول الله إن ابن أمي يؤذيني تعني عليا، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إنه لا يؤذي مؤمنا، إن الله طبعه على خلقي يا أم هاني هاني إنه إنه أمين في السماء، و أمين في الأرض، إن الله جعل لكل نبي وصيا- شيث وصي آدم و شمعون وصي عيسى، و علي وصيي و هو خير الأوصياء في الدنيا والآخرة، و أنا صاحب الشفاعة يوم القيامة، و أنا الداعي، و هو المؤدي.
95 و روى الطالقاني، عن حميد بن مسلم، عن حنظلة بن أبي سفيان عن شهر بن حوشب، قال: لما دون عمر الدواوين، بدأ بالحسن و الحسين، فدعا الحسن فأعطاه عطاءه، و أقعده على حجره، أو قال:
[على] فخذه، و قبل بين عينيه و حثا في حجره حتى ملأه، ثم دعا الحسين، فأعطاه عطاءه و أقعده على حجره أو فخذه، و قبل ما بين عينيه و حثا في حجره حتى ملأه، فقال عبد الله بن عمر: قدمتهما علي و لي صحبة، و ليس لهما صحبة، و لي هجرة و ليس لهما هجرة؟ فقال:
اسكت لا أم لك - أبوهما خير من أبيك، و أمهما خير من أمك.
96 و روی عبد الرزاق، عن معمر، قال: سبقنا سفيان الثوري إلى موضع ذكره عند خروجه من عندنا، فقلت: يا أبا عبد الله إن هذا دين، و قد رأيت أهل اليمن و ما عندكم من العلم، فمن أفضل أصحاب
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عندك؟، فقال: علي بن أبي طالب (عليه السلام).
97 و روى السعيدي، قال: حدثنا أبو نعيم، عن موسى بن قيس قال: قال سمعت سلمة بن كهيل [يقول]: ما أعدل بعلي أحدا من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
98 و روى أبو نعيم، و عبيد الله بن موسى، نعيم، و عبيد الله بن موسی قالا: قال موسی بن قيس: أتيت سفيان بن سعيد الثوري في يوم مطير، فقلت: إني لم لم آتك في هذا اليوم إلا التماس الخلوة؟ فأخبرني من تفضل؟ قال: أنت لمن تفضل؟ قلت: عليا، قال: رحمك الله، إني لأرجو أن تلج الجنان ثلاثا!.
قال: و سمعت أبا نعيم، و قد سأله رجل يوما، فقال: يا أبا نعيم من تفضل، قال: كان سفيان الثوري، يقدم الشيخين، فقال له الرجل: جزاك الله عن السنة خيرا و مضى، فقال أبو نعيم: انظروا إلى هذا ابن الرعناء و الله ليوم من علي أكثر من ملء الأرض مثلهما و إنه لمولاهما.
99 و روى عبد الرزاق: عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس، قال: نظر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى علي (علیه السّلام) فقال [له]: أنت سيد في الدنيا، و سيد في الآخرة من أحبك فقد أحبني، و من أحبني فقد أحب الله، و من أبغضك فقد أبغضني، و من أبغضني
فقد أبغض الله، و الويل لمن أبغضك بعدي.
100 و روى يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، [قال:] إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أصابه الجوع حتى أجهده، فقال: لعلي هلم بنا إلى منزلك، و علي (علیه السّلام) و أهله و عياله في مثل معناه!
قال علي (علیه السّلام):
فاستحييت أن أخبره الخبر، فملت معه، فلما رأته فاطمة (عليها السلام) دخلت البيت، و دعت ربها، و ابتهلت إليه، و تقربت إلى الله عز و جل بأبيها في ابتهالها، فإذا بقصعة من ثريد تفور ، فأخرجتها و قدمتها إلى أبيها (صلی الله علیه و آله و سلم) فنظر إليها [علي] نظرا منكرا، فقال: أنى لك هذا، فقالت: هو من عند الله، فأجابه النبي عنها، فلما فرغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من
الأكل، قال: الحمد لله الذي جعلكما مثل مريم و زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله.
101 قال: حدثنا أحمد و بن حنبل، قال: وحدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: بينا النبي في محفل من أصحابنا إذ قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، و إلى نوح في فهمه، و إلى إبراهيم في خلته، و إلى موسى في مناجاته، و إلى عيسى في سنته، و إلى محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) في تمامه وكماله فلينظر إلى هذا الرجل المقبل.
فنظر الناس متطاولين فإذا هم بعلي بن أبي طالب (علیه السّلام) كأنما ينقلع من صبب، و ينحط من جبل.
102 و روى إبراهيم بن إسماعيل اليشكري، عن سعيد بن عمرو،
عن محمد بن عبيد الله، عن أبيه، عن جده أبي رافع؛ أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) التفت إلى علي (علیه السّلام) و قال: إنك أخي في الدنيا و الآخرة، و وزيري و وارثي.
103 و روی قيس بن حفص الدارمي، قال: حدثنا علي بن الحسين العبدي عن الأعمش، عن ربيعة السعدي، عن حذيفة بن اليمان، قال: علي أخو رسول الله و شقیقه، و هو معه في السنام السنام الأعلى..
104 قال: و حدثني محمد بن القاسم بن حيوة بن سمرة، قال:
حدثني عبد الرحمن بن دليل الحلبي، قال: حدثني أبي، عن السدي، عن زيد بن أرقم، قال:
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من أراد أن يتمسك بقضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله في الجنة، فليتمسك بحب علي بن أبي طالب.
105 و روى أبو أيوب سليمان بن داود المنقري، قال: حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه، عن جده قال::
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي (علیه السّلام): أ ما ترضى أنك خير خير أمتي في الدنيا و الآخرة، و أنك أخي و وارثي.
106 و روی سليمان بن داود المنقري قال: حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع،
قال: أتيت أبا ذر أودعه، فقال:
إنها ستكون فتنة، و لا أراكم إلا ستدركونها، فعليكم بالشيخ [علي] بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، يقول له: أنت أول من آمن بي و أول من يصافحني يوم القيامة، و أنت الصديق الأكبر ، و أنت الفاروق تفرق بين الحق و الباطل، و أنت يعسوب المؤمنين، و أنت أخي و أنت أخي و وصيي و وزيري، و خليفتي في أهلي و خير من أخلف بعدي تقضي ديني و تنجز موعدي.
107 و روى أبو حفص علي بن عمر بن بحر، قال: حدثنا عمر بن الحسن الراسبي، قال: حدثنا سكن بن عبد العزيز، قال: حدثنا هلال بن حباب، عن أبيه، قال: خطبنا علي (علیه السّلام) فقال: نحن و الله الذي لا إله غيره أئمة العرب و منار الهدى، حبنا أهل البيت و الإيمان معا، من تقدمنا هلك، و من تخلف عنا ضل.- و أشار بإصبعيه.
108 و روی سويد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال: حدثنا الأزور، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز عن عبد الله [بن مسعود]، قال:
رأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و كفه في كف علي و هو يقبله فقلت: يا رسول الله، ما منزلة علي منك؟ قال:
إن منزلة علي مني، كمنزلتي من الله.
109 - و روى اليماني، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا سوار بن مصعب، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن الأصبغ بن نباتة:
أبي هريرة قال: رأيت معاذ بن جبل يديم النظر إلى وجه علي
بن أبي طالب، فقلت: تديم النظر إلى وجه علي كأنك لم تره؟! فقال: إني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : النظر إلى وجه علي عبادة.
110 و حدثنا الحسين بن يوسف السعد، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، قال: حدثنا سليمان الأعمش، عن عباية الأسدي، قال: بينما ابن عباس جالس على شفیر زمزم، و نحن حوله إذ قام إليه رجل فقال: يا ابن عباس فيما قاتل علي أهل لا إله إلا الله، و لم يكفروا بصلاة ولا صيام ولا بزكاة و لا بحج؟ فقال ابن عباس: ممن الرجل؟ فقال:
رجل من أهل الشام، فقال: أعوان كل ظالم إلا من عصم الله.
و سأحدثكم أن علي بن أبي طالب لم يقر له بفضله كما لم يقر موسى للخضر بفضله حين خرق السفينة، فإن النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) قدمه و شهد جل أصحابه بالفضل له، و عمر يقول: من قال غير هذا فهو مفتر، عليه ما على المفتري بغضا منه لعترة الرسول رحمه الله.
رواه أبو داود، قال:
111 - حدثنا هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال::
جلس ناس في خلافة عمر، فتذاكروا أبا بكر، و ذكروا عمر في حديث طويل، قال: ثم خطب عمر فقال: أيها الناس إن خير الناس بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أبو بكر، فمن قال غير هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري.
فاقتدت العامة به و طرحوا أخبار رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) طاعة منهم لعمر؛ ثم نذكر فضله رجوعا إليه ثم هو أقرب الناس قربا و أمسهم رحما برسول الله، قد خصه الله بنبيه إذ جعله في حجره لما عرف من عواقب أمره، فأسلم و الناس كفار، و أبصر الناس فجار، وصلى للرحمن و هم يعبدون الأصنام، و وقى بنفسه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) غير ناكل فسبق السابقين و كان أول المسلمين و أفضل الناصرين، فقصم الله به كل جبار عنيد، و كل ذي بأس شديد في مواطن الكرب، و أعز به الدين، و کشف به الأهوال، إذ كان عدة الأقران عند النزال و قاتل الأبطال عند الصيال و شرف الإسلام يوم القتال، أفعاله يوم بدر مشهورة، و يوم أحد معروفة و يوم الأحزاب معلومة، و يوم عمرو بن عبد ود حيث نادي البراز معلنة، و الناس مطرقون [رءوسهم]، فأسال الله على يده مهجته، و لقي به موته، و فرج عن المسلمين كربتهم.
و يوم خيبر يوم الراية، إذ أخرجه النبي، و هو أرمد بعد ما انهزم القوم دفعة بعد دفعة حتى قال النبي [(صلی الله علیه و آله و سلم)]: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله، ثم وصفه، فقال: كرار
غیر فرار،
فبعثه مؤیدا و شهد له بإخلاص الله له المحبة لصدقه في عزيمة، و يمنه في النقيبة، و هدم الله به حصنهم، و أفاء على المسلمين غنيمتهم، فليس لأحد أن يشهد على
رسوله، إلا لعلي (علیه السّلام)، و هذا أمر عجيب لمن فهمه حتى قال عمر بن الخطاب: فما أحببت الإمارة إلا يومئذ.
112 و روى ذلك ابن أبي شيبة: قال: حدثنا ابن فضل، قال:
حدثنا سالم بن أبي حفصة، عن جميع بن عمير، قال:
أتيت ابن عمر أسأله عن علي (علیه السّلام) فقال: إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بعث عمر بن الخطاب إلى خيبر فرجع يقول له المسلمون: و يقول لهم:
فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): لأعطين هذه الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله، ليس بفرار، فتطاول لها أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): أين علي؟ فأوتي به أرمد العين فتفل في عينيه و دعا له فما اشتكت عينه حتى قتل! ثم عقد له الراية فو الله ما صعد آخرنا حتى فتح الله خيبر، فاستأذنه حسان بن ثابت أن يقول شعرا، فقال: قل: فأنشأ يقول:
و كان علي ارمد العين يبتغي *** دواء فلما لم يحس مداويا
شفاه رسول الله منه بتفله *** فبورك مرقيا و بورك راقيا
فقال: سأعطي الراية اليوم ضاربا *** كميا محبا للرسول مواليا
يحب الإله، و الإله يحبه *** به يفتح الله الحصون الأوابيا
فخص بها دون البرية كلها *** عليا و سماه الوزير المؤاخيا.
ثم يوم حنين، إذ ولوا مدبرين لا يلوون على شيء، و لا على أحد من المسلمين، و يوم أحد، إذ مروا مصعدين و الرسول يدعوهم و لا يجيبون، و هو في ذلك كله صابر على الأذى، قاصم لجبابرة العدى،
الوليد، و شيبة يوم بدر، و طلحة و قومه يوم أحد و عمرو بن [عبد] ود العامري يوم الأحزاب، و مرحب و قومه يوم خيبر ، لا يعد جبارا إلا و هو سمام منيته، و بسيفه كف الله بليته، ينزل جبرائيل على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يخبره بمنزلته عند أهل السماء بحداثته، حتى
قال الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم): هو مني يا جبرائيل و أنا منه، فقال جبرائيل: و أنا منكما.
[و] ملائكة الله أنصاره، و هم عند ذلك حضاره مكتنفين له بالتأييد، قد عصمه الله بالتوحيد و التسديد، فصار حامل راية الإسلام و الإيمان في جميع المواطن، المشار إليه في جميع الأماكن، حتى و أتى به الله في الملاعنة مع ذريته أبناء الرسول
(صلی الله علیه و آله و سلم) و زوجته و ابنيها الأطهار الأبرار، فقال:
ندعو أنفسنا و أنفسكم، فخلط نفسه بنفسه.
ثم أمر الله بنبذ العهد للمشركين على يده بقوله: براءة من الله و رسوله فلما نزلت عليه السورة: بعث بها مع أبي بكر بن أبي قحافة، بأمر الله تعالى من إظهار أمره، و الكشف عن حال علي (علیه السّلام) ليكون أبو بكر منسوخا بعلي (علیه السّلام) و يكون علي الناسخ، فهبط: جبرائیل، فقال: يا محمد إنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فبعث عليا في أثره و أمره أن يأخذ منه سورة البرائة و يقرأها على الناس بمكة.
فكشف [الله] عز و جل، و أعلم الأمة، أنه لا يؤدي عن رسول الله غيره ليكون ذلك دليلا له فيما بعد هنيئا مريئا ما أعطاه الله و خصه به،
و أبان به فضله، و دل الأمة عليه، فقام به مسمعا، و قد اعترض بسيفه المشركين، و المشركون يعلون عليه الأرض ما فيهم من يجسر أن يمد بصره فضلا عن منابذته حتى نبذ العهد وصدق الوعد.
ثم تظاهر ذلك بسد الأبواب إلا بابه حتى أباحه الله تعالى من مسجده ما أباحه لرسوله، و أفرده بإخوته، حين آخی بینه و بین نفسه، و آخى بين أصحابه، [و ألفهم على مراتبهم]، فصار جهال الأمة يقرنون بين اخي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و بين أخى عمر بن الخطاب، لا بل لم يرضوا حتى فضلوه عليه، فيا عجبا ما أعمى قلوبهم و أقل معرفتهم بالتمييز،! إذ القوم في طبقة أخرى، و هو مع رسول الله.
ثم أخبرهم (صلی الله علیه و آله و سلم): أنه ولي لمن والاه و عدو لمن عاداه، و إن الله [ناصر أنصاره و خاذل أعدائه]، ثم أعطاه الحكم و العلم و الصدق و الزهد، لم يتخذ غير سبيل الله سبيلا، و لا غير دليله دليلا، و لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، و لم يقارف إثما، و لم يشارك في مظلمة ظالما، فهدى الله به من هداه، و هدی به من قصد لا يرضى سخط الله، و لا يجانب الهدى، و لا يحمل الأمور إلا على التقي، و قد طهره الله على لسان نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) بإذهاب الرجس عنه و عن ذريته، و اختصه بأن جعل عقب نبيه ولده، فعترة رسول الله وديعته التي ضيعوها، قد خصه الله من
الفضائل بما لم يخصص به غيره، و جعله مفتاح كل فضيلة، إذ جعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، مبدأ الدعوة، و جعله التالي الذي يقوم بأمره من بعده، له شرف الدنيا و الآخرة، فما من شرف تمتد إليه الأبصار، وترتفع عنه الأقدار، و تعظم فيه الأخطار، و تحسن فيه الآثار، إلا و هو البائن به على الأمة، قاتل بعده الناكثين، والقاسطين، و المارقين، و الملحدين، و الجاحدين.
فلم يكن وصي يعدل وصي نبينا إذ جعله موضع حاجته فيما عهد إليه بعده في خاص أموره و عامها، و جعله قاضي دينه و منجز وعده و موضع أسرار دينه الذي غسل بدنه، و واری جثته، و سالت نفس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في كفه و مسح بها وجهه، قد أسنده إلى صدره، لا يطمع أحد في مشاركته و الناس في السقيفة لا
يهمهم أمر نبيهم قد تجالدوا بسيوفهم طلبا للإمرة حتى قال بعضهم: اقتلوا سعدا قتل الله سعدا!، ثم قالت الأنصار لما دفعوها عن أهل البيت النبوة: منا أمير و منكم أمير، و أكبوا على دنياهم، و أهملوا أمر آخرتهم، و هان عليهم موت نبيهم، فبعدا للقوم الظالمين، فبان على السابقين من الأمم الخالية، و الفاضلين الأولين، ثم كانت زوجته سيدة نساء العالمين الذي جعل الله ذريته منها ذرية الرسول فرفع بها درجته، و أبان فضله و شرف منزلته، زاد الله رفعة بها و علوا.
فهذه خصال ليست لأحد من الأمة، فهل يقدم هذا على الذي هذه صفاته، إلا من فقاً عين الإيمان و أزال عمود الإسلام، وضعضع أركان الدين، أم هل لمؤمن أن يقعد مقعد التقي النقي البريء من دنس الجور
و ضلال الحيرة إلا من عض على لجام الكفر، فحطمه و على عمود الدين فقصمه، و على بنيانه فهدمه، و على ستر الحق فانتهكه، أو من قد حمل راية الشيطان معلنا، و مضى بها في طاعته، مقدما لهواه، مؤثرا لمبتغاه، قد مكنه زمانه، و جعله في الأمور أمامه، ثم عدل فصار باب الفتنة، وإمام الضلالة، وقائد أهل البدعة الذي أمات الإسلام فقبره، و قاتله فقهره، و زال أمر من فيه مصلحة العباد و معه الرشاد، فيا ويل من أزال الحق عن جهته حسدا و بغيا، وميلا إلى طلب الإمرة، و حبا للولاية، ألم يكن إلى الإسلام سابقا ؟ و لمجاهدة أعداء الله بين يدي نبيه متشوقا، و بالقضايا والأحكام معروفا، و لكشف الشبهات من المعضلات مدخرا و موصوفا هيهات قد إنقطع الطمع أن يوجد له نظير.
توصيف ابن عباس عليا ع لما سأله معاوية:
و قد وصفه رباني هذه الأمة عبد الله بن عباس حيث سأله معاوية عنه، فقال: 113- كان والله للقرآن تاليا، و للشر قاليا، و عن المين نائيا، و عن المنكرات ناهيا و عن
الفحشاء ساهيا، و بدينه عارفا، و من الله خائفا، و من الموبقات صارفا، و بالليل قائما و بالنهار صائما، و من دنیاه سالما، و على عدل البرية ملازما، وبالمعروف آمرا، و عن المهلكات زاجرا و بنور الله ناظرا و لشهوته قاهرا، فاق العالمين ورعا و كفافا، و قناعة و عفافا، و سادهم زهدا و أمانة، و برا و حياطة.
كان و الله: حليف الإسلام، و مأوى الأيتام، و محل الإيمان، و منتهى الإحسان و ملاذ الضعفاء، و معقل الحنفاء، كان للحق حصنا حصينا، و للناس ركنا ركينا، قائما بحق الله صابرا محتسبا حتى عز الدين في الديار، و عبد الله في الأقطار، و في الضواحي و البقاع، و التلاع و الرياع، وفورا في الرخاء، شكورا في الأواء.
كان و الله: هجادا بالأسحار ، كثير الدموع عند ذكر النار، دائم الفكرة في الليل و النهار، نهاضا إلى كل مكرمة سعاء إلى كل منجية فرارا من كل موبقة.
كان و الله: علم الهدى، و كهف التقى، و محل الحجى و بحر الندى، و طود النهى و كنف العلم للورى، و نور السفر في ظلم الدجى
كان [و الله] داعيا إلى المحجة [البيضاء] العظمى، و مستمسكا بالعروة الوثقى، و عالما بما فى الصحف الأولى، و علاما بطاعة الملك الأعلى، و عارفا بالتأويل و الذكرى و متعلقا بأسباب الهدى، و حائدا عن طرقات الردى، وساميا إلى المجد و
العلى، و قائما بالدين و التقوی، و تاركا للجور و الردى، و خير من آمن و اتقى، و سيد من تقمص و ارتدى و أبر من انتعل و احتفى، و أصدق من تسربل و اكتسى، و أكرم من تنفس و قرأ، و أفضل من صام وصلى، و أفخر من ضحك و بكي، و أخطب من مشى على الثرى، و أفصح من نطق في الورى بعد النبي المصطفى، صلى القبلتين.
فهل يساويه أحد و هو زوج خير النساء؟ فهل يوازيه و هو أبو السبطين؟ فهل یدانیه مخلوق؟
كان و الله الأسد قتالا، و في الحروب شعالا، و في الهزاهز جبالا، فعلى من لعنه و انتقصه حقه لعنة الله إلى يوم التناد.
فهذه خصال لا نعرف لأحد من الأمة مثلها، وهي خصال مشهورة.
ثم نحتج الآن على من ادعى الإمامة لغيره حتى نوضح أنه لم يصلح لها إلا علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
(4) باب نفي الإمامة عمن لم يصلح لها و إثباتها لمن صلح لها
114 - قال الله عز و جل، حيث خاطب إبراهيم (علیه السّلام):
لا ينال عهدي الظالمين
أبو بكر ليس من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)
فادعو الإمامة لرجل: قد عبد الأوثان، و أشرك بالله أكثر عمره، و جاء في تفسير هذه الآية: أنهم عابدوا الأوثان، وفعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) دليل حيث بعث إلى مكة، ليقرأ عليهم سورة البرائة، فلما خرج من المدينة، أمسك الجليل تعالى حتى إنصرف عنه، و تسامعت القبائل بخبره، و إستعظم الكل أمره للعلة التي ذكرناها من قبل؛ ثم هبط جبرئيل على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يعلمه أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فبعث عليا (علیه السّلام) في أثره و أمره أن يتناول منه السورة و يقرأها على أهل مكة، و أقره على الحج العلة نحن نشرحها من
بعد إن شاء الله.
و كان علي (علیه السّلام) المؤدي عن ذمة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و أبو بكر المعزول بأمر الله عن أداء هذه الذمة الواحدة، فضلا عن سائر ذممه، فقد علم أهل القبلة أن هنا أمرا قد نفى
الله عنه أبا بكر ، و ليس هو فيه من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و لا رسول الله فيه منه و أمرا قد بينه لعلي (علیه السّلام) فهو فيه من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فليجعلوا ما شاءوا من دين أو نسب فلابد لهذه المنية أن يكون الرجل ليس من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في نفسه، فلا يؤدي عن ذمة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إلا من هو من أهله، أو أن لا يكون من ليس من أهل ملته، فإن جماعة إحتجت أنه من أهل ملتك، فأنكرها ذلك عليهم، فأوردوا حججا لم يقدروا على دفعها، فأمسكنا عن مراجعتهم مخافة أن يوردوا علينا ما لا قبل لنا به، و نحن نذكر ما ذكروه؛115 - قالوا: قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم (علیه السّلام): و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني، قالوا: كيف يكون من إبراهيم من عبد الأصنام أربعين سنة، و
قد قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم قال له جبرئيل في مبيت علي (علیه السّلام) على الفراش: يا محمد هذه المواساة قال له: يا جبرئيل إنه مني و أنا منه فقال جبرئيل (علیه السّلام): و أنا منكما.
علي (علیه السّلام) من رسول الله و رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) منه
قالوا: لا يمكن أن يكون جبرئيل من قريش، و لعمري بل أراد أنه من أهل ملتكما و على دينكما.
و من نفاه الله عن محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) في الدين لا يصلح للأمة [للإمامة] ولا لأداء الذمم عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلما أوردوها علينا أمسكنا مخافة إيرادهم ما أطم من هذه.
116 - و احتجوا علينا
بقول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) المؤمنون يسعى بذمتهم أدناهم و يجير عليهم أقصاهم و هم يد على من سواهم.
الموجه قالوا: إذا كان حكم رسول الله أن الذمة اللازمة يسعى بها الأدنى من المؤمنين، ثم هبط جبرئيل في هذا الرجل على نبي الله فقال: إن الله عز و جل
يقول: إن الرجل الموجه في هذه الذمة لا يؤدي عنك كيف يؤهله لأداء سائر الذمم، و احتج عليه حين ولى الأمور بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قوم من المؤمنين، فقالوا: أيها الرجل حرام تأهيلك هذه المنزلة التي أنزلتها، و أنت المخصوم المدفوع عن أدنى ذمة واحدة من بين العالم، لم
تؤدها عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و هو حي بين أظهرنا يقوم الزيغ، فكيف قمت مقامه في أداء جميع الذمم بعده، بعده، فأنت معزول بأمر الله، وليس لأحد من الائمة أن يولي من عزله الله إلا بوحي من الله و هو معدوم ، ثم أنت معزول عن ذلك، عزلك رسول الله عن الراية، و عن قتل صاحب الاختلاف، و عن قتل الجيش الذي نزلت فيه سورة والعاديات و عن سكنى المسجد، و أمر بسد بابك، و عن الصلاة يوم تقدمت بأمر بلال عن عائشة و إذ كنت منسوخا، فان الله عز و جل قد أمرنا بأمور ثم نسخها، و حرم العمل بها و حظرها فلذلك جعلك منسوخا، و حرم العمل بالمنسوخ مع الناسخ، هذا في حالة كنت فيها تابعا، فكيف يحوز حالة كنت فيها تابعا ، فكيف يحوز أن تؤدي عن ذمم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فى حالة كنت فيها متبوعا.
فلما قيل له ذلك: قال: هذا قول علي بن أبي طالب، لا قولكم. ثم أمر خالد بن الوليد بالفتك بعلي (علیه السّلام) و نحن نذكره في موضعه إن شاء الله.
[إقرار أبي بكر على نفسه]
و قالت فرقة أخرى: كيف تصلح للأمة، و أنت قد أقررت على نفسك، أنك من أهل النار.
رواه الواقدي: قال:
حدثنا عبد الله بن جعفر، عن ابن عوف، قال: قال أبو بكر: قد علمت أني داخل
النار أو واردها، فليت شعري هل أخرج منها أم لا؟.
و قالوا أيضا: أ لست الذي قلت: إن لي شيطانا يعتريني عند غضبى؟.
[كيف يصلح للإمامة من له شيطان يعتريه؟!]
فكيف يصلح للإمامة، من له شيطان يعتريه؟! و كيف يؤمن على الأحكام و الدماء و الفروج و هذه حاله؟! فلم يؤخره ذلك، و لا منعه التحرج عن قول ما لا يفي به، و الله المستعان.
ثم احتج المحتج أنه قال: قد ثبت لعلي (علیه السّلام) في ذلك المقام حين بعث في أمر أبي بكر، خمس خصال و ثبت على أبي بكر خمس خصال علي الناسخ، و أبو بكر المنسوخ، و علي العازل و أبو بكر المعزول، و علي المثبت من رسول الله، و أبو بكر المنتفي و علي المؤدي عن رسول الله ذممه و أحكامه حكما و خبرا، و أبو بكر الذي لا يصلح أن يؤدي و علي المنزه عن موقف الجهل بالموسم والوقوف بالمزدلفة، و أبو بكر المولى الموسوم بالجهل و بدعة الوقوف بالمزدلفة، و من حج الجاهلية.
في ذي القعدة الذي ختم به حج رواه أبو أيوب سليمان بن داود المنقري، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا حسين الأشقر، قال: حدثني إياس بن
معاوية، عن عكرمة بن خالد المخزومي [قال]: إن أبا بكر حج في ذي القعدة، فلما كان العام المقبل حج رسول الله في ذي الحجة، فخطب الناس فقال:
أيها الناس، إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات و الأرض. إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات و الأرض منها أربعة حرم ثلاثة متوالية: ذو القعدة و ذو الحجة و محرم و رجب الذي بين جمادى و شعبان، و كان الحج يكون في شهر رمضان، و في ذي القعدة، فحج أبو
بكر و لم يحج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلما كان العام المقبل حج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): فوافق الحج ذا الحجة.
قال سفيان بن حسين: و حدثني أبو بشر، عن مجاهد، أن أبا بكر حج في ذي القعدة.
117 قال: وحدثنا محمد بن بكير الحضرمي، قال: حدثنا عباد بن العوام، قال: أخبرني سفيان يعني ابن الحسين، عن الحكم، عن المقسم: عن ابن عباس، [قال:] إن النبي بعث أبا بكر، و أمر [ه] أن ينادي بهذه الكلمات، قال: ثم أتبعه عليا فبينا أبو بكر نازل في بعض الطريق، إذ سمع رغاء ناقة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الغضباء، فخرج فزعا، و ظن أنه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فإذا علي (علیه السّلام) فدفع إليه كتاب رسول الله، فأمره على الموسم، و أمر عليا
أن ينادي بتلك الكلمات، فانطلقا، فقام علي في أيام منى، فنادى:
ذمة الله و ذمة رسوله، بريء من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر و اعلموا أنكم غير معجزي الله لا يحجن بعد العام مشرك و لا يطوفن بالبيت عريان و لا يدخل الجنة إلا كل مؤمن.
فكان ينادي بها، فإذا مج حلقه قام أبو هريرة، فنادى بها..
قال سفيان:
11 - و حدثني إياس بن معاوية، عن عكرمة بن خالد المخزومي، أن أبا بكر حج في ذي القعدة، فلما كان العام المقبل حج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقام فخطب، فقال:
أيها الناس، إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات و الأرض إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات و الأرض منها
أربعة حرم ثلاثة متوالية [ذو القعدة، و ذو الحجة و محرم]. و رجب الذي بين جمادی و شعبان،
فلا تظلموا فيهن أنفسكم، و إن الشهر كذا وصفق بيديه و هكذا ثلاث مرات، و قبض الإبهام في الثالثة يعني تسعة و عشرين.
فحج أبو بكر في ذي القعدة، و لم يحج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلما كان العام المقبل، حج رسول الله، فوافق الحج في ذي الحجة في العشر.
قال المحتج و نحن الآن نورد حجة يفصل بهذا الأمر في ما إدعيناه حتى يعرفه أولو الألباب، إذ قلنا سألنا عليا أ كان يسره أن كان أقام أربعين سنة يعبد الأصنام، و يشرب الخمر و يعمل بالربا و يعمل بأعمال أهل الجاهلية، و إباحة ما حظر الله إباحته حتى إذا بلغ الأربعين، و قد استولت تلك الأحوال عليه، و طبعت على قلبه، و نبت لحمه و دمه مما ذبح على النصب، و حرمت الكتب أسلم، فيكون تعوذه من ذلك كتعوذه من النار، و من كل عاهة و آفة و نقيصة، و رذيلة، في دنيا أو دين ثم سألنا أبا بكر، أ يسوءه، أن لو كان الله نزهه عن هذه الأحوال، التي كان مقيما عليها ولدا و ناشئا و ،کهلا و نبت عليها لحمه و دمه، و كان إسلامه في حداثته، فإنه إن كان على الإسلام و الملة، سوف يتمنى ذلك غاية التمني، فعلي (علیه السّلام) الآن بموضع غاية تمني أبي بكر و أبو بكر بموضع نهاية تعوذ علي (علیه السّلام).
ثم سأل سائل هؤلاء المخالفين فقال: كيف استجزتم مع ما قد ذكرنا من هذه الأسباب، أن تقرنوا بين أخي رسول الله، و [بين] أخي عمر بن الخطاب، فإن من استجاز ذلك إستجاز أن يقرن بين رسول الله
و غیره و هذا فيه الكفر.
فلينظر الناظر و ليتأمل المتأمل أيهما أصلح للإمامة أ هذا الذي جعله الله علما لا يستغن عنه الناس في شيء من أحواله، و جعله الله فلذا من أفلاذ الجبال في قوة جسمه مع إجتماع قلبه و حذقه في المناهزة و الكياد عند المسابقة، وصحة التدبير (تدبيره)، ثم قرن به المعرفة و الديانة و الحكم و الحكمة، و العلم، و النطق، و البلاغة، فاحتاج البلغاء إليه لفصاحته و الأدباء لبراعته، و الناقلة لفقهه، و المرتادون لقياسه والمتكلمون لحججه، و الحكماء لحكمته الحكماء لحكمته و المستنبطون لكرامته فمن اختار، وجد فوق الذي أمل، ثم لا يعلم الناس الطهارة مفتقرة إليه فضلا أن يكون مفتقرا إليها، إذ كان أنجب الناس ولادة، و أبعدهم من الشرك بالله، و من كل ما ذبح على النصب فمن طهارته وفضله على الأمة إختار الله له خير امرأة خلقها، و أخرجت للناس، فلما اجتمعا كانت نتيجتهما سيدي شباب أهل الجنة الذين عظمت بهما المنة بشهادة الكل زوجها الرسول بأمر الله، و غذاها بالفضول من وحی الله تؤاكله الطيبات، و تتابعه على الصالحات أم من لم يفهم حدود الصلاة، و لا فرق بين المحكم والمتشابه إلى أن توفي.
و إنما ذكرنا جملا من التفسير و كرهنا التطويل و أتينا بجوامع، من التلخيص، لعلمنا بمعرفة من لم يجر إلى العبادة أنه مباين للعالم في أسبابه، و نأي عن دينهم في إكتسابه للكمال الذي قصروا عنه من حال طفولته إلى حين كهولته، و كان بحيث يتعجب المتأمل، و يبهر المتفرس فيه و يقهر بالبيان مناظريه، و يفسر بالبرهان مناكریهم.
و من الدليل أيضا أنه رأى أباه و عمومته و عشیرته، و قبائل العرب يشهدون على رسول الله أنه كذاب، و أنه ساحر، ثم لا يصرفه ذلك من التمسك به و الثبات على ما قيل فيه، و المسارعة إلى أموره صبيا صغيرا و يافعا كبيرا يصلي معه و الناس
بين هازل و ساخر لا يرى له مع المكذبين مصدقا و هم ملء الأرض، و لا مع المدافعين محققا، قد قنع بالواحد، و إغتبط بالدين لا بالدنيا، و لا بما يفيده، لا يستزيد منها ولا توحشه القلة، و لا تهزه وفور الكثرة، إنما هو التفويض، فتبارك الله ما أعمى هذه القلوب؛ ألا يفكرون؟، أن الله عز و جل لم يقرن هذا الرجل في حال شبابه برسول الله، و لم يتصل به إلا وقد اختاره من بين العالم، و ركب فيه ما هو ظاهر لأولي الألباب من حسن الفهم و إمضاء العزم، و وعي الرسالة عن الرسول و التنزه عن رجاسة الجاهلية، إذ لم يخش إلا الله في أحواله كلها،
و لم يصب بفرجه حراما و لم يدخله جوفه، و لم يتعلق عليه بكذب و لم يستطع تخطئته في حكم، و لم يتعايا في قضية و لم يحف في قسم، و لم يتعد في ظن، و لم يتحرك الداعية شهوة، و لم يخاصم في حجاج إلى سائر ما إن تأمله المأملون مع الكفاية و الحجى، وجدوه واضح البينات واجب الحقيقة، منير البرهان، لا يعلم إلا على اليقين، ولا يتخول الظنون ولا يتخوف الشيطان.
ثم هو أول من يحكم له بالجنة، و على خصمه بالنار، إذا كان أول من يجثو للخصوم يوم القيامة و هذا وعدنا شرح هذه القصة و نحن ذاكروا الخبر مستقصى عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: نحن السابقون يوم القيامة، و نحن أول الأول محاسبون.
و قال (صلی الله علیه و آله و سلم): إن أول من يحاسب في الدفاف إذا كانت هذه الأمة، أول أمة تحاسب. ، و أول وقعة كانت بين الموحدين و المشركين يوم بدر. و أول دم أهريق يوم بدر دم الوليد بن عتبة و هو أول من بارز علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، فضربه على قرنه ضربة ندرت منها عيناه، فأول جاث للخصوم علي و النبيون و الملائكة،
و الحق و العدل من جهة، و إبليس و جنوده و المشركون من جهة، فإذا حكم الله عز و جل لعلي [(علیه السّلام)] على الوليد، كان ذلك فتحا تاما، و خطبا عاما، للحق كله على
الباطل كله، و الخير بحذافيره على الشر بأسره، فمن المجاري من الأمة في ميدانه، و من المقارن له أو المقاوم له، و هو أول من يحكم له بالجنة، و على خصمه بالنار، و هو أول من يرد الجنة و يرد خصمه النار.
ثم أجمعت الأمة قاطبة أن عليا (علیه السّلام) كان يصلح للخلافة و لم تجمع أن أبا بكر كان يصلح لها، وقالت الجماعة التي أنكرت إمامته:
كيف يصلح لها هو وصاحبه؟ و قد أقر أنه غاصب يعمل بالحمية فعل الجاهلية، و يخاطب عليا (علیه السّلام) بما
رواه الواقدي، قال:
119 - حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال:
سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما قبض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، خرجت أنا و أبو بكر، حتى دخلنا على علي بن أبي طالب، في بيت فاطمة، وعنده المهاجرون، فقلت: ما تقول يا علي؟ قال: أقول: خيرا، نحن أولى برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و ما نزل، قال: قلت: كلا، و الله الذي نفسي بيده، حتى تحزوا رقابنا بالمناشير.
ثم استدللنا، و استدل أهل النظر: أن من نقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، أولى بالأمة ممن ولد علی غیر رشده، و ناله سفاح أهل الجاهلية، فلا حسب معلوم، و لا نسب معروف، ثم كان صائبا يعرف ذلك أهل المعرفة بالنسب، بأن أباه عثمان بن عامر، و أمة أم الخير بنت صخر، و كان عثمان متزوجا بابنة أخيه!، و أما صاحبه، فأمر الناس أن لا يزيدوه على الخطاب لما وقف عليه من أمر نسبه، و قصة جدته، و ما كانت ترمی به.
رواه محمد بن فضيل: عن أبي لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن مالك بن هدم:
سمعت عمر بن الخطاب يقول: تعلموا أنسابكم، تصلوا أرحامكم، ولا يسألني أحد عن ما وراء الخطاب..
أو ليس قد خاطبه ابن عباس حين طعن، بما
رواه الواقدي، قال:
120 - حدثني كثير بن زيد، عن عمر مولى عفرة، عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر حين طعن، فقلت له: أسلمت إذ كفر الناس، و نصرت إذ خذل الناس و مضى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و هو عنك راض، وقتلت شهيدا، و لم يختلف في ولايتك اثنان، فقال عمر: أعد مقالتك، فأعدتها عليه ثلاثا، فقال: أما إن المغرور من غررتموه، أما و الله لو أن لى ما طلعت عليه الشمس من صفراء و بيضاء لافتديت به من هول المطلع.
أ فمن هذه حاله أصلح للإمامة، أم من هو من رسول الله، و رسول الله منه، و من جرى مع رسول الله في صلب إلى رحم، لم في صلب إلى رحم لم يمسسه سفاح أهل الجاهلية، فصار نادرة العالمين، و موضع تأمل المتأملين الذي حمل باب خيبر بشماله و هو أربعة أذرع في خمسة أشبار في أربعة أصابع عمقا، حجرا صلدا دور ثمانية، فأثر فيه بأصابعه، و حمله بغير مقبض! ثم ترس
به و ضارب الأقران بسيفه حتى هجم عليهم، ثم زجه من ورائه أربعين ذراعا، فاجتمع عليه قسامة حتى أزالوه عن مكانه!.
أليس هذا من آيات الله [و] المعجزة الباهرة للعقول؟
ثم إنه أشرف الناس حسبا، و أصحهم نسبا، إذ كان من نفس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و إذ كان أولى الناس به.
أليس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنجب الناس ولادة، و أكرمهم نسلا؟
و علي أقرب الناس إليه، و أولاهم به؟.
أليس رسول الله، أبرأ الناس من عبادة الأوثان، و ما ذبح على النصب و علي علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله، إذا كان في جيش هو الأمير، و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله، لا يفر من الزحف و لا يولي الدبر، و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله إذا كان في جيش إشتدت به الظهور و قويت به النفوس، و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله، قد ألقى في قلوب أعدائه منه الرعب، و في قلوب أوليائه المحبة، و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله، لا يحتاج إلى مشورة في الحكم، و لا يفتقر إلى أصحابه إلى توزيع القسم، و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله لا يستنكف الناس من إمارة و لا يرون عارا في ولاية و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله، المخصوص بسكنى المسجد، و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله، لا يرجع على الناس به هجنته، و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله البريء من الاستبداد على الله و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله، لا يخشى إلا الله تبارك و تعالى، و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله، أنطق الناس لسانا و أتمهم بيانا، و علي أولى الناس به؟.
أليس رسول الله، لا يحكم بما لا يدري، و علي أولى الناس به؟.
مناشدته (علیه السّلام) يوم الشورى
و هذا علي أمير المؤمنين [(صلی الله علیه و آله و سلم)] خطب يوم الشورى فعدد خصالا هذه منها، فقال:
1 - نشدتكم الله، هل فيكم أحد، أخوه رسول الله غيري ثم قالوا: اللهم لا.
2 - قال: نشدتكم الله، هل فيكم أحد، له أخ كأخي جعفر المزين بجناحين يطير مع الملائكة في الجنة حيث يشاء غيري؟ قالوا:
اللهم لا.
3 - قال: نشدتكم الله، هل فيكم أحد، عمه كعمي حمزة، أسد الله، و أسد رسوله و سيد الشهداء غيري؟ قالوا: اللهم لا.
4 - قال نشدتكم الله، هل فيكم أحد، قتل مشركي قريش [قبلي] غيري؟ قالوا: اللهم لا.
5 - قال: نشدتكم الله، هل فيكم أحد، صاحب راية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) منذ يوم بعثه الله إلى يوم قبضه غيري؟ قالوا:
اللهم لا.
6 - قال: نشدتكم الله، هل فيكم أحد، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): في غزوة تبوك، حيث شكوت إليه ما قاله في المنافقون بالمدينة، فقال: إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، و منزلتك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي [غيري]؟ قالوا: اللهم لا.
7 - قال: نشدتكم الله، هل فيكم أحد، يوم أتي رسول الله بالطير، قال:
اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي من هذا الطير، فأتيته غيري؟ قالوا: اللهم لا.
8 - قال: نشدتكم الله، هل فيكم أحد قال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عند خروج نفسه: لا يغسلني غيرك أحد، فإن رأى أحد شيئا من جسدي، و أنا ميت ذهب بصره، غيري؟ قالوا: اللهم لا .
9 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، سالت نفس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في كفه، فمسح بها وجهه غيري؟ قالوا: اللهم لا.
10 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد غسل رسول الله، بالروح و الريحان مع الملائكة المقربين غيري؟ قالوا: اللهم لا.
11 - قال: نشدتكم الله، أفيكم أحد، قلب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أحد، قلب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مع الملائكة لا أشاء أقلب منه عضوا إلا قلبته الملائكة معي و حظي بغسله من جميع الناس غيري؟ قالوا: اللهم لا.
12 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قسم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الحنوط الذي نزل به جبرائيل، فجعل لي جزءا، و لفاطمة جزءا غيري؟،
قالوا: اللهم لا.
13 - قال نشدتكم الله أ فيكم أحد، علم كيف الصلاة على رسول الله (ص) غيري؟ قالوا: اللهم لا.
14 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، يوم أنزلت سورة البراءة جملة على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فبعث بها مع أبي بكر، فلما بلغ الحديبية نزل عليه جبرائيل: فقال: يا محمد، إنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فدفعها إلي غيري؟ قالوا: اللهم لا .
15 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد ، ردت عليه الشمس، يوم نام رسول الله، ورأسه في حجري غيري؟ قالوا: اللهم لا .
16- قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، حين مرض رسول الله، ينزل عليه جبرائيل، فقال: إن ربك يخبرك أن شفاك في عذق رطب يجتنيه لك ابن عمك فاجتنيته، و شفي بذلك، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
17 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، مر به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بين حدائق المدينة، فلم يمر بحديقة إلا قلت: يا رسول الله، ما أحسن هذه الحديقة!، فيقول: حديقتك في الجنة أحسن منها، حتى مررت بعشر
حدائق، غيري؟ قالوا: اللهم لا .
18 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم خيبر بعد أن انهزم من بعث لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله، و يحبه الله و رسوله، کرار غیر فرار، غيري؟، قالوا: اللهم لا.
19 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، تفل رسول الله في عينيه و هو أرمد، فذهب ما به، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
20 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، جعل رسول الله، يدا بين كتفيه و يدا بين ثدييه ، و قال: اللهم أذهب عنه الحر و القر، فلم يجد حرا و لا قرا غيري؟ قالوا: اللهم لا.
21 - قال نشدتكم الله، أ فيكم أحد، اجتمع خمسون نفرا على باب خيبر فلا يطيقوه، فكنت حملته وحدي! و تترست به و قاتلت الأقران، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
22 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال له رسول الله إنه لم يبعث نبي قط إلا و معه قوة ثمانين رجلا، و لا كان وصي إلا و معه قوة أربعين رجلا، و إن وصيكم علي، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
23 - قال: نشدتكم الله أ فيكم أحد، عنده درع رسول الله، و جميع سلاحه و نعلاه، و قضیبه، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
24 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، خلفه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): على نسائه و أهله، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
25 - قال: نشدتكم الله، أفيكم أحد، ضمن دين رسول الله، و عداته و أداها، غيري؟
قالوا: اللهم لا.
26 - قال: نشدتكم الله، أفيكم أحد، زوجه رسول الله فاطمة، ثم قال:
يا على لا تعجل حتى آتيكما، فأتى، وقال: اللهم أذهب عنهما الرجس وطهرهما تطهيرا، غيري؟ قالوا: اللهم لا .
27 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قام رسول الله على بابه كل يوم، حتى قبض، يقول: السلام عليكم أهل البيت، الصلاة يرحمكم الله، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
28 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال له رسول الله: أنت أمير المؤمنين و سيد المسلمين، و قائد الغر المحجلين غيري؟ قالوا:
اللهم لا .
29 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال له رسول الله حين قال: من يرتوي لنا؟ فكاع الناس فأخذت القربة و نزلت القليب، فلما ملأتها صعدت فاستقبلتني رياح ثلاث! كل ذلك تردني إلى القليب، فلما رأيت رسول الله استبطأني أخبرته بما أصابني، فأخبرني، أن ذلك جبرائيل و ميكائيل، و إسرافيل، جاءوا في زحوف من الملائكة يسلمون عليك غيري؟ قالوا: اللهم لا.
30 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، يوم انقلب الناس على أعقابهم، فلم يبق مع رسول الله أحد غيري، فهبط جبرائيل في أربعة آلاف ملك، كلهم ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار، و لا فتى إلا علي غيري؟ قالوا:
اللهم لا.
31 - قال نشدتكم الله، أفيكم أحد، يوم قال جبرئيل لرسول الله: لقد عجبت ملائكة السماء من مواساة هذا الرجل إياك ! فقال: يا جبرائيل، ما يمنعه و هو مني و أنا منه، فقال :جبرائيل و أنا منكما، غيري؟ قالوا:
اللهم لا.
32 - قال نشدتكم الله، أفيكم أحد، يوم عبر عمرو بن عبد ود الخندق و كاع عنه جميع الناس [فق] تلته غيري؟ قالوا: اللهم لا.
33 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قتل مرحب فارس خيبر، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
34 - قال: نشدتكم الله، أفيكم أحد بعثه رسول الله إلى بني جذيمة فلما رجعت إليه قال يا على لقد سرت فيهم بسيرة الله غيري؟ قالوا:
اللهم لا.
35 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، بعثه رسول الله إلى اليمن، فلما رجعت إليه، قال: يا علي لقد قضيت فيهم بحكم الله في السماء، غيري؟
قالوا: اللهم لا.
36 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، سئل عن حلال و حرام، فلم يكع عنه غيري؟
قالوا: اللهم لا.
37 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قتل سبعين رجلا من قريش يعدون فارسا يبلغ الماء آنافهم قبل شفاههم غيري؟ قالوا: اللهم لا.
38 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، نزلت فيه السابقون السابقون أولئك المقربون غيري؟ قالوا: اللهم لا.
39 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، نزلت فيه «لا يستوي منكم من أنفق (من) قبل الفتح و قاتل» الآية غيري؟ قالوا: اللهم لا.
40 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، نزلت فيه أ جعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام الآية، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
41 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، نزلت فيه إنما وليكم الله و رسوله الآية غيري؟ قالوا: اللهم لا.
42 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال له النبي: منزلك يواجه منزلي في الجنة غيري؟ قالوا: اللهم لا.
43 - قال: نشدتكم الله، أفيكم أحد، قال فيه رسول الله: إن أول من
يرد علي الحوض غدا أولكم إسلاما علي بن أبي طالب غيري؟ قالوا:
اللهم لا.
44 - قال نشدتكم الله، أ فيكم أحد، أسند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى صدره في مرضه الذي توفي فيه، فقال: يا أخي ألا أبشرك ؟ قلت: بلى قال:
قول الله عز و جل: إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية أنت و شيعتك تردون علي الحوض غيري؟ قالوا: اللهم لا.
45 - قال نشدتكم الله، أ فيكم أحد، جعله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في طلاق نسائه مثل نفسه غيري؟ قالوا: اللهم لا .
46 - قال: نشدتكم الله، أفيكم أحد، قال له رسول الله: يوم المباهلة، إذ نزلت: فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم
أنت نفسي، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
47 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال له رسول الله: في حجة الوداع، كيف كان حجك؟ قلت: إهلالا كإهلال رسول الله، فأعطاني من هديه الثلث، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
48 - قال نشدتكم الله، أفيكم أحد، ناجى رسول الله اثنتي عشرة سنة و قدم بين يدي نجواه صدقة، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
49 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال فيه رسول الله: إن فيكم من يقاتل على التأويل، كما قاتلت على التنزيل، قالوا: يا رسول الله من هو؟، قال: خاصف النعل، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
50 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال له رسول الله: لا يحبك إلا مؤمن، و لا يبغضك إلا منافق، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
51 - قال نشدتكم الله أ فيكم أحد، قال فيه رسول الله: من سره أن يحيى حياتي، و يموت ميتتي، و يدخل جنة وعدنيها ربي فليتول علي بن أبي طالب، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
52 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، لما نزلت فيه: إنما أنت منذر و لكل قوم هاد فقال فيه رسول الله: أنا المنذر ، و علي الهادي، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
53 - قال: نشدتكم الله، أفيكم أحد، يوم أرادت قريش أن تفتك برسول الله! و نزل عليه جبرائيل: فأمره بالمسير إلى المدينة، فاضطجعت على فراش النبي، غيري؟
قالوا: اللهم لا.
54 - قال نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا علي، قد فضلك الله عليهم كما فضل الذهب على الفضة، وكما فضل
الشمس على القمر، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
55 - قال نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال له رسول الله: إن الله أعطاني أربع خصال في علي لم يعطها أحد من الأنبياء قبلي يواري عورتي و يقضي ديني، و هو على حوضي، و معه لواء الحمد تحته آدم و من ولد!، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
56 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، قال فيه رسول الله: إني لست أخاف عليه أن يرجع كافرا بعد إيمان، و لا زانيا بعد إحصان، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
57 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، كان يحمي رسول الله بقدميه
حتى كان يدخلهما بينه و بین زوجته، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
58 - قال: نشدتكم الله أ فيكم أحد قال له رسول الله: أنت المظلوم من بعدي، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
59 - قال: نشدتكم الله، أ فيكم أحد، تفل رسول الله: في فيه فمج العلم مجا، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
60 - قال: نشدتكم الله، أفيكم أحد، يرد عليه من أمر دينه ما لا يعلمه
الناس إلا فزعمتم [فزعتم] إليه غيري؟ قالوا: اللهم لا.
61 - قال: نشدتكم الله، أفيكم أحد أكل في حياة رسول الله من طعام الجنة، غيري؟
قالوا: اللهم لا. الحديث.
فهذه أكثر من مائة خصلة أوردها هوع على الأمة ليوجب عليهم الحجة، بكتاب الله و سنة نبيه.
فقال عبد الرحمن بن عوف تأخذها أن تسير فينا بسيرة أبي بكر و عمر، قال: أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه.
فلما رأى عبد الرحمن بن [عوف] امتناعه، قال: یا عثمان، تأخذها على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر و عمر، قال: نعم قال: هي لك.
أ فمن هذه الخصال فيه مجتمعه، أولى بالإمارة و بالقيام بأمر الأمة بعد رسول الله؟، أم من لا يعرف وجوه ما ولوه؟ و هو مفتقر إلى قنبر، فضلا
عن علي بن أبي طالب (علیه السّلام)، و من لم يحكم بحكم قط إلا خولف فيه، و بين له الخطأ، و من ذكر أن له شيطانا يعتريه، و من يجزع عند الموت جزعا حتى قال: ليتني تبنة في لبنة، و لم أك شيئا، و قرأ: و جاءت سكرة الحق بالموت، فغير الكتاب.
و روي: أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بشره بالجنة، أ فيكون هذا القول ممن بشره الصادق، عن ربه الجليل؟ ، اللهم إلا أن يكون هذا المبدأ الذي ختم به هذا الأمر كله عنده كذابا لا يركن إلى قوله، و لا يثق بما عنده ولا يخفى على ذي لب، أنه لو بشر بالجنة كما يروون لكان قوله
كقول أمير المؤمنين و سيد المسلمين، حيث قال على منبر الكوفة لما قرب أمره و انقضت أيامه: ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من هذه شوقا إلى ربي عز و جل، و تصديقا [إني] إلى لقاء ربي لمشتاق، و لحسن ثوابه لمنتظر راج و إني لعلى الصراط المستقيم فى يقين من أمري، و بينة من ربي.
و كقوله حين قال له ابن عباس: و قد رآه امتنع من الطعام: يا أمير المؤمنين ما يمنعك من الطعام؟ فقال: أحب أن ألقى ربي خميصا إيقانا بحتم القضاء، و اشتياقا و تصديقا لنبإ الرسول.
و كقوله للحسين: و الله ما يبالي أبوك، وقع على الموت، أو وقع الموت عليه.
و
كقوله للحسن لما ضربه ابن ملجم: فزت و الله، و ما يرى أبوك سوءا بعد هذا اليوم؛.
هكذا تكون المعرفة بالله عز و جل، و يكبر شأن رسول الله ص و هكذا يكون التصديق بما جاء من عند الله عز و جل، لا كمن جزع و خاف عاقبة ما سلف.
(5) باب: الرد على من قال: لم قعد علي بن أبي طالب عن طلب حقه؟!
121 - بزعمكم إذا، كيف سكت عنه إذا (ان) كان له؟! إنا لما أوردنا هذه القواطع التي إحتججنا بها، و البراهين التي كشفنا عنها، و لم يقدروا على إبطالها، طالبونا بهذه، فقالوا: ما بال هذا الرجل قعد عن طلب حقه؟
إذ علم أن الخلافة له دون غيره، و لم يضارب عليها بسيفه، أكان أضعف من الرجل الذي غلبه مكانه ؟ أم كانت بنو هاشم أقل عددا و أضعف جندا من بني تیم؟
فأخبرناهم بالعلة في ذلك و شرحنا ما كانت علة قعوده (علیه السّلام) عن طلب حقه بالسيف دون اللسان من
قوله، حيث سأله الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين إني سمعتك تقول: ما زلت مظلوما! فما منعك من طلب ظلامتك والضرب دونها بسيفك؟
فقال: يا أشعث منعني من ذلك، ما منع هارون (علیه السّلام) إذ قال لأخيه موسى (علیه السّلام): إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل و لم ترقب قولي، و كان معنى ذلك، أنه قال له موسى حين مضى لميقات ربه:
إن رأيت قومي ضلوا و اتبعوا غيري، فنابذهم، و جاهدهم، فإن لم تجد أعوانا فاحقن دمك و كف يدك!، و كذلك قال لي أخي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و أنا فلا أخالف ،أمره، و ما ضننت بنفسي عن الموت فما ذا أقول له إذا لقيته؟ وقال: ألم أمرك بحقن دمك و كف يدك، فهذا عذري.
122 - و قوله حين سأله ابن دودان فقال يا أمير المؤمنين: عجبت لهؤلاء القوم الذين عدلوا هذا الأمر عنكم،! و أنتم الأعلون نسبا و فرطا برسول الله، و قيما للكتاب!؟ فقال: [(علیه السّلام)] يا ابن دودان، إنك لقلق الوضين، و تسأل عن غير ذي مسئلة و هذا أحسن الإجابة قد استعلمت!.
مع فاعلم أنها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم [و سخت عنها نفوس] آخرين، فإن يرتفع عنا محن البلوى نحملهم من الحق على محضه، و إن تكن
الأخرى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات و فلا تأس على القوم الفاسقين.
و وجه آخر: ما ذكره العلماء، قلنا: إن أمير المؤمنين (علیه السّلام) منعه من طلب الخلافة بعد فراغه من دفن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و بعد أن توثب الظالمون، فبايعوا أبا بكر إن المدينة كانت محتشية بالمنافقين و كانوا يعضون الأنامل من الغيظ، و كانوا
ينتهزون (يهتبلون) الفرصة، وقد تهياؤا لها و وافق ذلك فى شكاة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و قبل وفاته، و علي (علیه السّلام) مشغول بغسل رسول الله و بإصلاح أمره و دفنه، فلما إنجلت الغمة و بايع الناس أبا بكر من غير مناظرة أهل البيت قعد في منزله، و طلب الخلافة بلسان دون سيفه، و تكلم و أعلم الناس حاله و أمره معذرا يعلم الناس أن الحق له دون غيره، و ذكرهم ما كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عقد له، ثم رجع و قعد عن القوم، فصاروا إلى داره و أرادوا أن يضرموها عليه و على فاطمة (عليها السلام) نارا!، فخرج الزبير بسيفه حتى كسروه.
123 رواه محمد بن هارون:
عن أبان بن عثمان: قال: حدثني سعيد بن قدامة، عن زائدة بن قدامة: أن أبا بكر دعا عليا (علیه السّلام) إلى البيعة فامتنع، وقال: إني لأخو رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يقولها غيري إلا كذاب، و أنا و الله أحق بهذا الأمر منكم، و أنتم أولى بالبيعة لي، إنكم أخذتم هذا الأمر من العرب بالحجة وتأخذونه منا أهل البيت غصبا و ظلما، احتججتم على العرب بأنكم أولى الناس بهذا الأمر منهم بقرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأعطوكم المقادة وسلموا لكم الأمر فأنا أحتج عليكم بما احتججتم به على العرب، فنحن و الله أولى بمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) منكم فأنصفونا من أنفسكم إن كنتم تؤمنون بالله، و اعرفوا لنا من هذا الأمر ما عرفته لكم العرب، و إلا
فبوءوا بالظلم، و أنتم تعلمون.
فقال أبو عبيدة بن الجراح: [يا أبا الحسن] أبو بكر أقوى على هذا الأمر، و أشد احتمالا فارض به و سلم له، و أنت بهذا الأمر خليق و به حقيق في فضلك و قرابتك و سابقتك! فقال لهم [علي (علیه السّلام)]:
124 - یا معشر قريش، الله الله، لا تخرجوا سلطان محمد من بيته إلى بيوتكم، فإنكم إن تدفعونا أهل البيت عن مقامه في الناس، و حقه تؤزروا فو الله لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القاري لكتاب الله الفقيه في دين الله العالم بسنة رسول الله المضطلع بأمر الرعية، فو الله إن ذلك فينا فلا تزينوا لأنفسكم ما قد سميتمونا، و لا تتبعوا الهوى، و لا تزدادوا من الله إلا بعدا.
فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو سمع الناس مقالتك من قبل أن يبايعوا أبا بكر، ما اختلف عليك اثنان، فقال أبو بكر لعلي (علیه السّلام) عند ذلك: إن لم تبايع [فلا] أكرهك!، فانصرف علي (علیه السّلام) في ذلك اليوم.
فسألت زائدة بن قدامة: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (علیه السّلام).
125 - قال: و أخبرنا مخول بن إبراهيم النهدي، قال: حدثنا مطر
بن أرقم قال: حدثنا أبو حمزة الثمالي:
عن علي بن الحسين (علیه السّلام)، قال لما قبض [النبي] (ص) و بويع أبو بكر، تخلف علي (علیه السّلام) فقال عمر لأبي بكر : ألا ترسل إلى هذا الرجل المتخلف فيجيء فيبايع؟، قال [أبو بكر]: يا قنفذ اذهب إلى علي و قل له: يقول لك خليفة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) تعال بايع! فرفع علي (علیه السّلام) صوته، وقال: سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، قال: فرجع فأخبره، ثم قال عمر: أ لا تبعث إلى هذا الرجل المتخلف فيجيء يبايع ؟ فقال لقنفذ اذهب إلى علي فقل له:
يقول لك أمير المؤمنين: تعال بايع، فذهب قنفذ، فضرب الباب، فقال علي ع: من هذا؟ قال: أنا قنفذ فقال ما جاء بك ؟ قال: يقول لك أمير المؤمنين: تعال فبايع! فرفع علي (علیه السّلام) صوته و قال سبحان الله! لقد ادعى ما ليس له، فجاء: فأخبره، فقام عمر: فقال: انطلقوا إلى هذا الرجل حتى نجيء إليه، فمضى إليه جماعة، فضربوا الباب، فلما سمع علي (علیه السّلام) أصواتهم لم يتكلم، و تكلمت امرأت [ه] فقالت: من هؤلاء،
فقالوا: قولي لعلي: يخرج و يبايع، فرفعت فاطمة (عليها السلام) صوتها، فقالت:
يا رسول الله ما لقينا من أبي بكر و عمر بعدك ؟!! فلما سمعوا صوتها، بكى كثير ممن كان معه، ثم انصرفوا و ثبت عمر في ناس معه، فأخرجوه و انطلقوا به إلى أبي بكر حتى اجلسوه بين يديه!، فقال أبو بكر: بايع، قال:
فإن لم أفعل ؟، قال: إذا والله الذي لا إله إلا هو تضرب عنقك!، قال علي (علیه السّلام): فأنا عبد الله و أخو رسوله قال (أبو بكر): بايع، قال: فإن لم أفعل، قال: إذا و الله الذي لا إله إلا هو، تضرب عنقك، فالتفت علي (علیه السّلام) إلى القبر، وقال: يا ابن أم إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني ثم بايع و قام!..
126 و حدث الواقدي: قال: حدثنا ابن أبي حنيفة، عن داود بن الحصين، قال: غضب رجال من المهاجرين والأنصار في بيعة أبي بكر، و قالوا: من غير مشورة و لا رضى منا، و غضب علي و الزبير، و دخلا بيت فاطمة، و تخلفا عن البيعة، فجاءهم عمر في عصابة، فيهم أسيد بن حضير و سلمة بن أسلم بن جريش الأشهلي، فصاح عمر: اخرجوا أو
لنحرقنها عليكم!، فأبوا أن يخرجوا، فصاحت بهم فاطمة و ناشدتهم الله، فأمر عمر سلمة بن أسلم، فدخل عليهما، و أخذ سيف أحدهما فضرب به الجدار حتى كسره، ثم أخرجه ما يسوقهما حتى بايعا..
127 قال و أخبرني إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدئلي، قال:
بعثني أبي إلى جندب بن عبد الله البجلي، أسأله عما حضر من أبي بكر و عمر مع على، حيث دعواه إلى البيعة، قال: أخذاها من على !! قال: فكتب إليه: لست أسألك عن رأيك، اكتب لي بما حضرت و شاهدت، فكتب: بعثا إلى علي فجيء به ملبيا، فلما حضر، قالا له: بايع، قال [علي:] فإن لم أفعل؟ قال: إذا تقتل!، قال: إذا تقتلون عبد الله و أخا رسول الله، قالا: أما عبد الله فنعم، و أما أخو رسول الله فلا!! ثم قالا له:
بایع، قال: [إن] لم أفعل ؟ قالا: إذا تقتل وصغرا لك، قال: إذا تقتلون عبد الله و أخا رسول الله، قالا: أما عبد الله فنعم، و أما أخو رسول الله فلا! قال:
فرجع يومئذ و لم يبايع.
قال [الواقدي]:
128 و روی النعمان المعروف بابن الشيخ: قال: حدثني أبي عن محمد بن جمهور، عن زرارة، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (علیه السّلام)، قال: لما خرج أمير المؤمنين علي (علیه السّلام) من منزله، خرجت فاطمة (عليها السلام) والهة! فما بقيت امرأة هاشمية إلا خرجت معها حتى انتهت من القبر فقالت: خلوا عن ابن عمي، فو الذي بعث محمدا بالحق لئن لم تخلوا عنه،
لأنشرن شعري، و لأضعن قميص رسول الله الذي كان عليه حين خرجت نفسه على رأسي و لأخرجن إلى الله، فما صالح بأكرم على الله من ابن عمي، و لا الناقة بأكرم على الله مني، و لا الفصيل بأكرم على الله من ولدي.
قال سلمان: و كنت قريبا منها ، فرأيت و الله حيطان مسجد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) انقلعت من أسفلها، حتى لو أراد الرجل أن ينفذ من تحتها لنفذ! فقلت: يا سيدتي و لاتي، إن الله تبارك و تعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة، فرجعت الحيطان ! حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا.
فمن أين زعموا أنه لم يطلب الخلافة بلسانه دون سیفه و قد قعد في بيته ستة أشهر يعلم الناس، فمرة يخرج ملبيا، و مرة يدارى، و مرة يقول:
و يقال له: [بايع] يقول: فإن لم أفعل، يقال له: تضرب عنقك.
ثم دخل بعد ذلك، فيما دخل فيه الناس، و أشفق على الإسلام و أهله، و خاف أن يثور عليه من كلام متكلم أو شغب شاغب، فإن الأنصار لما رأت الأمر قد أزيل عن صاحبه، قالت: فمنا أمير و منكم أمير، و قالوا:
نرد هذا الأمر جدعا إذ أزلتموه عن أهل بيت النبوة فخدعوا فقيل لهم:
منا الأمراء، و منكم الوزراء، فصاروا هم الأمراء، و لم تكن الأنصار وزراء فدعاه النظر للدين إلى الكف عن الإظهار، و رأى التجافي عن الأمر أصلح، و علم أن ترك منازعة من لا يصلح لكل الأمور لا يعادل التغرير بالدين و لا يفي بالخطاب في دروس الإسلام و ما فيه فساد العاجلة والآجلة، فآثر الخمول ظنا بالدين، و آثر الآجلة على العاجلة.
ثم وقع أمر الردة، و امتنع كثير من الناس أن يخرجوا إلى محاربتهم، فقالوا لأبي بكر: كيف تخرج؟ و إبن عم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قاعد عنك؟! فضرع أبو بكر إلى عثمان بن عفان، و سأله أن يكلم علي بن أبي طالب (علیه السّلام) و يسأله البيعة فإنه لو لا مخافة إضطراب الأمر عليه لجعلها لعلي، فعندها مشى عثمان إلى علي (علیه السّلام)، فقال: يا بن عم رسول الله، إنه لا يخرج إلى قتال هذا العدو أحد و أنت قاعد.
129 رواه الواقدي قال: حدثني عبد الرحمن بن جعفر، عن ابن عون، قال: لما ارتدت العرب، مشى عثمان إلى علي (علیه السّلام)، فقال: يا ابن عم [رسول الله] إنه لا يخرج أحد في قتال هذا العدو و أنت لم تبايع و قد
تراقب الأمور كما ترى، و عسى الله أن يجعل فيما ترى خيرا، و إني أخشى من الأمر أن يعظم فيأتي بما فيه الزوال، فلم يزل عثمان بعلي حتى مشى به إلى أبي بكر، و سر بذلك من حضر من المسلمين، و خرجت به الركبان في كل وجه و جد الناس في القتال.
، و كان مع ذلك مذهبه الكف عن تحريك الأمر بالسيف إذ أبصر أسياف الفتن مسلولة، و شواهد الفساد بادية، و أرماح القوم توجهت لأكباد الإسلام و أهله، فأمسك عن طلب حقه، و مع ذلك فإن العرب كانت في أمره على طبقات:
فمن رجل قتل علي (علیه السّلام) أباه و أخاه أو إبنه، أو إبن عمه، أو حميمه أو صفيه، أو سيده، أو فارسه، فهو مضطغن قد أغضب على حقه فهو ينتظر الفرصة، و يترقب الدائرة، قد كشف قناعه و أبدى عداوته، حتى قال قائلهم منهم: كيف تهجع قريش، و قد قتلت منهم سبعين رجلا تشرب آناقهم الماء قبل شفاههم.
و من رجل قد أخفى غيظه و أكمن ضغنه، و إنما يحركه أول علة
تحدث، و أول تأويل يعرض ، و أول فتنة تنجم، فهو يترصد الفرصة، و يترقب الفتنة، حتى يصول صيال الأسد و يروغ روغان الثعلب، فيشفي غليله، كما
قتل خالد بن الوليد بالغميصاء، الرجال، وتعدى إلى الأطفال بعمه الفاكهة [الفاكه] بن المغيرة، حتى رفع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): يديه إلى السماء، مما و رأى المسلمون بياض إبطيه، و قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم بعث عليا (علیه السّلام) فوداهم.
و من موتور قد شجى بثكله قد زمه الإسلام، وقيده الدين، فهو يكابد حقده و يساور غيظه، إذا ذكر مصرع أبيه أو أخيه.
و من رجل عرف شدته في أمره و اعتقاده في دينه، و خشونة مذهبه، و جملة نفسه، و من والاه أمره على الخلق و حذر مخالفته، فأراد رجلا ألين منه (علیه السّلام).
و من رجل كره أن تكون النبوة و الخلافة في مغرس واحد، فإن ذلك أحرى أن تعود دولة، في قبائل قريش.
و من همج رعاع لا نظام لهم و لا إختيار عندهم و هم الأعراب و أشباه الأعراب أجلاف يتفرقون من حيث يجتمعون، و يجتمعون من حيث يتفرقون، لا تؤمن
صولتهم إذا هاجوا، و لا يؤمن هيجهم إذا سكتوا، إن أحصنوا بغوا، و إن أجدبوا أثاروا.
و من فرقة قد تفقهوا في الدين، و عرفوا سبب الإمامة، و أين محلها، لكنهم قليل و في كثير، و خيار في كل زمان، و إن كثروا فهم أقل عددا من الباقين.
ثم وجب على الأمة إذا قعد هذا الرجل المدلول عليه من طلب حقه بسيفه للعلة التي ذكرناها، و ان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد دل عليه، فلما كفاه (علیه السّلام) لم يحتج أن يدل على نفسه، و هذا كما دعا الله عز و جل الملائكة إلى السجود لآدم، فلم يكن لآدم أن يدعو إلى نفسه، وقد كفاه الله ذلك، وقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) له ع دليل حيث قال: يا علي أنت بمنزلة الكعبة يؤتى إليها و لا تأتي.
130 رواه العباس بن بكار، عن شريك، عن سلمة بن كهيل، عن الصنابحي عن علي (علیه السّلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا علي أنت بمنزلة الكعبة يؤتى إليها و لا تأتي.
مناشدته (علیه السّلام) مع الخوارج
131 - و قد احتج على الخوارج حين
بعث علي (علیه السّلام) بعبد الله بن عباس، يحاجهم فقالوا: نقمنا يا ابن عباس على صاحبك خصالا كلها مكفرة موبقة، تدعو إلى النار!.
أما الأولى : فإنه محا اسمه من إمرة المؤمنين، ثم كتب الكتاب بينه و بين معاوية، فإذا لم يكن أمير المؤمنين فنحن المؤمنون و لسنا نرضى أن يكون علي ع أميرنا.
[و أما] الثانية: فإنه شك في نفسه، حيث قال للحكمين: انظرا، فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتاه، و إن كنت أولى بها منه؟، فأثبتاني، فإذا هو قد شك في نفسه، فلم يدر | هو أ هو أحق بها أم معاوية؟ فنحن فيه أشد شكا.
و أما الثالثة: فإنه جعل الحكم إلى غيره، و قد كان عندنا من أحكم الناس.
و أما الرابعة: فإنه حكم في دين الله الرجال، و لم يك ذاك إليه.
و أما الخامسة: قسم بيننا الكراع و السلاح يوم البصرة، و منعنا النساء و الذرية.
و أما السادسة: فإنه كان وصيا، فضيع الوصية.
فقال ابن عباس: قد سمعت يا أمير المؤمنين مقالة القوم، و أنت أحق بالجواب.
فقال (علیه السّلام):
يا ابن عباس: قل لهم: ألستم ترضون بحكم الله و حكم رسوله؟
قالوا: نعم، قال: أبدأ على ما بدأتم به أول الأمر، فقد كنت أكتب لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم صالح أبا سفيان و سهيل بن عمرو فكتبت:
بسم الله الرحمن الرحيم *: هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله، و سهيل بن عمرو و صخر بن حرب، فقال سهيل: إنا لا نعرف الرحمن الرحيم، و لا نقر أنك رسول الله فمحوت الرحمن الرحيم، و كتبت باسمك اللهم، و محوت رسول الله، و كتبت محمد بن عبد الله،
فقال لي: يا علي إنك تدعى إلى مثلها، فتجيب و أنت مكره، و
هكذا، كتبت بيني و بين معاوية وعمرو بن العاص، فقالا: قد ظلمناك إن أقررنا أنك أمير المؤمنين و قاتلناك، و لكن اكتب: علي بن أبي طالب، فمحوت كما محا رسول الله، و كتبت كما كتب رسول الله، فإن أثبت ما ثبتوني؛ فقالوا: هذه لك خرجت منها.
قال: و أما قولكم: إني شككت في نفسي، حيث قلت للحكمين:
انظرا، فإن كان معاوية أحق بها مني، فأثبتاه، فإن ذلك لم يكن شكا مني و لكنه نصف من القول، و قد قال الله تعالى: و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين
فلم یکن ذلك شکا، و قد علم الله: أن ننبیه کان علی الحق، قالوا: وهذه لك خرجت منها.
قال: و أما قولكم: إني جعلت الحكم إلى غيري، و قد كنت عندكم من أحكم الناس!، فهذا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة، و قد كان أحكم الناس؟، و قد قال الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فتأسيت برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، قالوا: و هذه لك خرجت منها؛ قال: و أما قولكم: إني حكمت في دين الله الرجال فقد حكم الله جل ذكره في طائر، فقال: و من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم فدماء المسلمين أعظم من دم طائر، قالوا: و هذه لك خرجت منها؛ قال: و أما قولكم: إني قسمت يوم البصرة الكراع و السلاح و منعتكم النساء و الذرية، فإني مننت على أهل البصرة، كما من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على أهل مكة، و قد عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم، و لم نأخذ صغيرا بكبير، و بعد فأيكم يأخذ عائشة بسهمه؟، قالوا: و هذه لك خرجت منها.
قال: وأما قولكم: كنت وصيا فضيعت الوصاية، فأنتم كفرتم و قدمتم علي غيري و أزلتم الأمر عني، و لم أك كفرت بكم، و ليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم، فإنما تدعوا الأنبياء إلى أنفسهم و الوصي مدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه، ذلك لمن آمن بالله و رسوله، و قد قال الله تعالى:
و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت ليكفر بتركه إياه، و لكن كانوا يكفرون بتركه، لأن الله تبارك و تعالى قد نصبه لهم علما، وكذلك نصبني علما، حيث قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا علي أنت بمنزلة
الكعبة يؤتى إليها و لا تأتي؛ فقالوا: و هذه لك خرجت منها و حججتنا، فأذعنوا معه أربعة آلاف رجل ممن قعدوا عنه؛.
فأي دليل أوضح من هذا الدليل في عدم قعوده عن طلب حقه بالسيف؛
132 ثم إنه لما بويع له، و نكث من نكث [ف] طلبهم على النكث و قاتلهم عليه ، و قد خطب الناس، فقال في خطبته:
إن الله ذا الجلال و الإكرام، لما خلق الخلق و اختار خيرة من خلقه، و اصطفى صفوة من عباده أرسل رسوله منهم و أنزل كتابه عليهم و شرع له دينه، و فرض فرائضه و كانت الجملة قول الله عز و جل: أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم.
و هؤلاء أهل البيت خاصة دون غيرهم، فانقلبتم على أعقابكم، وارتددتم، و نقضتم الأمر، و نكتتم العهد و لم تضروا الله شيئا، و قد أمركم الله أن تردوا الأمر إلى الله و رسوله، و إلى أولي الأمر منكم، المستنبطين للعلم، فأقررتم بمن جحدتم، قد قال الله لكم: أوفوا بعهدي أوف بعهدكم و إياي فارهبون.
إن أهل الكتاب و الحكمة و الإيمان آل إبراهيم بينه الله لكم، فحسدوا، فأنزل الله عز و جل: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة و آتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به و منهم من صد عنه و كفى بجهنم سعيرا.
فنحن آل إبراهيم فقد حسدنا كما حسد آباؤنا، و أول من حسد آدم (علیه السّلام) الذي خلقه الله عز و جل بيده، و نفخ فيه من روحه، و أسجد له
ملائكته، علمه الأسماء و و اصطفاه على العالمين، فحسده الشيطان فكان من الغاوين، ثم حسد قابيل هابيل فقتله فكان من الخاسرين، و نوح حسده قومه
فقالوا: ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون (منه) و يشرب مما تشربون، و لئن أطعتم بشرا مثلكم (إنكم) إذا لخاسرون. و لله الخيرة، يختار من يشاء من عباده، و يختص برحمته من يشاء*، يؤتي الملك من يشاء و الحكمة من يشاء.
ثم حسد نبينا (صلی الله علیه و آله و سلم) ألا و نحن أهل البيت الذين أذهب الله عنا الرجس، فنحن محسودون كما حسد آباؤنا، قال الله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي، و قال تعالى:
أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ؛ فنحن أولى الناس بإبراهيم، و نحن ورثناه، و نحن أولو الأرحام اللذين ورثناه الكعبة و الحكمة و نحن أولى بإبراهيم أفترغبون عن ملة إبراهيم؟ و قد قال الله عز و جل: فمن تبعني فإنه مني.
یا قوم أدعوكم إلى الله و إلى رسوله و إلى كتابه، و إلى ولي أمره و وصيه، و وارثه، فاستجيبوا لنا، و اتبعوا آل إبراهيم، و اقتدوا بنا، فإن ذلك
لنا فرضا واجبا، والأفئدة من الناس تهوي إلينا، و ذلك دعوة إبراهيم (علیه السّلام) حيث قال: فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.
فهل نقمتم منا إلا أن آمنا بالله و ما أنزل علينا، فلا تفرقوا فتضلوا، و الله شهيد عليكم، فقد أنذرتكم، ودعوتكم، وأرشدتكم ثم أنتم أعلم و ما تختارون.
133 و قال ع أيضا في خطبة [أخرى]: هلك من قارن حسدا، و قال باطلا، و والی على عداوتنا أو شك في فضلنا، إنه لا يقاس بنا آل محمد من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بنا من جرت نعمتنا عليهم، نحن أطول الناس أغراسا، و نحن أفضل الناس أنفاسا، و نحن عماد الدين، بنا يلحق التالي، و إلينا يفيء الغالي، و و إلينا يفيء الغالي، و لنا خصائص حق الولاية، و فينا الوصية و الوراثة، و حجة الله عليكم في حجة الوداع يوم غدير
خم، و بذي الحليفة، و بعده المقام الثالث بأحجار الزيت، تلك فرائض ضيعتموها، و حرمات انتهكتموها، و لو سلمتم الأمر لأهله، و لو أبصرتم باب الهدى رشدتم.
اللهم إني قد بصرتهم الحكمة، و دللتهم على طريق الرحمة، و حرصت على توفيقهم بالتنبيه و التذكرة، ودللتهم على طريق الجنة بالتبصر و العدل و التأنيب، ليثبت راجع، و يقبل و يتعظ مذكر، فلم يطع لي قول
اللهم إني أعيد القول ليكون أثبت للحجة عليهم:
يا أيها الناس اعرفوا فضل من فضل الله و اختاروا حيث اختار الله، و اعلموا أن الله قد فضلنا أهل البيت بمنه حيث يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.
فقد طهرنا الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن *، و من كل دنية و كل رجاسة، فنحن على منهاج الحق و من خالفنا فعلى منهاج الباطل، و الله لئن خالفتم أهل بيت نبيكم لتخالفن الحق إنهم لا يدخلونكم في ردى، و لا يخرجونكم من باب هدی و لقد علمتم و علم المستحفظون من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أني و أهل بيتي مطهرون من
الفواحش و لقد قال (صلی الله علیه و آله و سلم): لا تسبقوهم فتضلوا، و لا تخالفوهم فتجهلوا، و لا تخلفوا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم كبارا، و أحكمكم صغارا، و اتبعوا الحق و أهله حيث كانوا قد و الله فرغ من الأمر، لا يزيد فيمن أحبني رجل منهم ولا ينقص منهم رجل؛ وذلك أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لي: يا علي إن الله قد أخذ من شيعتك الميثاق، لا يزيد فيهم رجل و لا ينقص منهم رجل، أنت و شيعتك في الجنة.
134 و قال (علیه السّلام) في مقام آخر: لقد استكبر أقوام في زمن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و أضمروا لعلي الغل المدفون و من بعده ما قعدوا للثقل الأكبر بالمرصد، حتى أدخلوا فيه الإلحاد و قعدوا للثقل الأصغر بالاضطهاد، و لقد أسروا في رسول الله النجوى و صدق فيه بعضهم بعضا، و تعارضوا عليه الحسد من عند أنفسهم و الله لقد ارتد بعد رسول الله أقوام، ارتدوا على الأعقاب و غالتهم السبل، و اتكلوا على الولائج، و هجروا السبب الذي أمروا بمودته، أصابوا بالأمر غير أهله، و نقلوا البناء من غروس أساسه، و بنوه في غير
موضعه.
فتلك لعمري أكبر الكبائر ، فتحوا على أنفسهم باب البلاء، و أغلقوا باب العافية، و تركوا الرخاء، و اختاروا البلاء، فصاروا في غمرة تغشى أبصار الناظرين، و ريب
بنته لها عقول الطامعين، منها يشعث البنيان، و اتبعوا ملة من شك و ظلم و حسد، و ركن إلى الدنيا، و هو القائل لأشباهه في الإسلام مضاهيا للسامري، في قوله مقتديا به في أفعاله، جاهلا لحق القرابة مستكبرا عن الحق، ملقيا بيديه إلى التهلكة بعد البيان من الله عز و جل، و الحجج التي تتلو بعضها بعضا، معتديا على
القرابة كما اعتدى في السبت أهله.
ألا و إن لكل دم ثائر، و إن الثائر يريد دماءنا، والحاكم في حق ذي القربى و اليتامى والمساكين و أبناء السبيل: الله الذي لا يفوته مطلوب يوثر حذو النعل بالنعل مأكلا بمأكل و مشربا بمشرب، أمر من طعم العلقم، و كما هو آت قريب، و يحسبكم ما تزودتم، و حملتم على ظهوركم من مطايا الخطايا، مع الذين ظلموا.
135 - ثم أقبل (علیه السّلام) على الحسن (علیه السّلام)، فقال:
يا بني، ما زال أبوك مدفوعا عن حقه، مستأثرا عليه منذ قبض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى يوم الناس هذا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
136 و قالع في مقام آخر:
أيها الناس، استصبحوا من شعلة مصباح واضح، و امتاحوا من عين صافية، قد روقت من الكدر، و امتاروا من طور الياقوت الأحمر، فلعمري ما فوض إليكم؛
و اعلموا أن الذي هو أعلم بكم لو وقفتم ببابه و قلدتموه الأمر هداكم، فليس المعروف كل ما عرفتموه، و ليس المنكر كل ما أنكرتموه، فلربما سميتم المعروف منكرا و سميتم المنكر معروفا، و احتجتم إلى رأي البائس الفقير الذي يحدث الرأي بعد الرأي، يريد أن يلصق ما لا يلتصق، ينقض رأيه ما قد أبرمه آل الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، و يهدم ما قد شيدوه لكم، و لو سلمتم الأمر لأهله سلمتم، و لو أبصرتم باب الهدی رشدتم.
الله الله عباد الله، ألقوا هذه الأزمة إلى صاحب الأمر عفوا، و لا تقيسوا هذه الأمور بآرائكم فترتدوا القهقرى على أعقابكم، و لا تتكلوا على أعمالكم، خوفا مما في غب أناتكم، و لا تزولوا عن صاحب الأمر فتذقوا [فتذموا] غب أفعالكم؛ ألا فتمسكوا من إمام الهدى بمعجزته، و خذوا من يهديكم ولا يضلكم، فإن العروة الوثقى التي تفوتكم، إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون.
137 و قال (علیه السّلام) في مقام آخر ، لما ولي الأمر:
أهلك الله فرعون و هامان و قارون، و الذي نفسي بيده، لتخلخلن خلخلة و لتبلبلن بلبلة و لتغربلن غربلة ، و لتساطن سوطة القدر حتى
يعود أسفلكم أعلاكم، و لقد عدتم كهيئتكم يوم بعث فيكم نبيكم (صلی الله علیه و آله و سلم) و لقد تبينت بهذا الموقف و بهذا الأمر ، و ما كتمت رحمة و لا سقطت وسمة، هلك من
ادعی، و خاب من افترى، اليمين و الشمال مضلة الطريق، و المنهج ما في كتاب الله و آثار النبوة.
ألا إن أبغض عبد خلقه الله لعبد وكله إلى نفسه، و رجل قمش في أشباه الناس علما فسماه الناس عالما، حتى إذا ورد من آجن، و ارتوى من غير طائل، قعد قاضيا للناس لتخليص ما اشتبه من غيره، فإن قاس شيئا بشيء لم يكذب بصره، و إن أظلم عليه شيء كتم ما يعرف من نفسه، لكيلا يقال: خباط عشوات، و مفتاح جهالات لا يسأل عما لا يعلم، فيسأل [فيسلم] ولا ينهض بعلم قاطع [فيغنم] يذري الرواية إذراء الريح الهشيم، تصرخ منه المواريث، يحل بقضائه الفرج الحرام، و يحرم بقضائه الفرج الحلال لا يلى [ملي] بتصدير ما ورد عليه، و لا ذاهل عما فرط عنه؛
ألا إن علم الذي هبط به آدم و جميع ما فضلت به الأنبياء عليهم السلام في عترة نبيكم، فأين يتاه بكم و أين تذهبون؟ يا معشر من نجا من أصحاب السفينة، هذا مثلها فيكم كما نجا في هاتيك من، فكذلك من ينجو في هذه منكم من ينجو، ويل لمن تخلف عنهم، إنهم لكم كالكهف لأصحاب الكهف سموهم بأحسن أسمائهم، و مما سموا به في القرآن، هذا عذب فرات سائغ شرابه فاشربوا و هذا ملح أجاج فاحذروا، إنهم باب حطة فادخلوا؛ ألا إن الأبرار من عترتي و أطايب أرومتي، أعلم الناس صغارا و أعلمهم كبارا، من علم الله ،علمنا و من قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، و إن تدبروا عنا يهلككم الله بأيدينا، أو بما شاء، معنا راية الحق، من تبعها لحق، و من تخلف عنها محق، و بنا ينير الله الزمان الكلف، و بنا يدرك الله ترة كل مؤمن، و بنا يفك الله ربقة الذل عن أعناقكم، و بنا يختم الله لا بكم.
138 و قال (علیه السّلام) في موطن آخر:
يا معشر الناس، أنا أنف الهدى و عيناه،- و أشار بيده إلى وجهه.
يا معشر الناس، لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس [قد] اجتمعوا على مائدة شبعها قصير و جوعها طويل، و الله المستعان.
يا معشر الناس، إنما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فأصابهم العذاب بنياتهم في عقرها، قال الله عز و جل: فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر.
و قال لهم نبي الله: ناقة الله و سقياها فكذبوه فعقروها و قال:
فاتقوا الله و أطيعون و لا تطيعوا أمر المسرفين، الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون و قال تعالى: إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون.
139 و قال (علیه السّلام) في مقام آخر قولا قاطعا لمن فهمه فيه لأهل المعرفة مقنع أنه:
[لم] يوجس موسى [(علیه السّلام)] من نفسه خيفة أشفق عليه من غلبة الرجال، و ذوي الضلال، و كان بنو يعقوب على المحجة العظمى حتى باعوا أخاهم و عقوا أباهم، و بعد الإقرار توبتهم، و باستغفار أبيهم راحتهم، اليوم توافقنا على حدود الحق و الباطل، و تتأهب أبناؤه، من وثق بماء لم يظماً.
و خطب عليه السلام، بعد إفضاء الأمر إليه و كفتنا المئونة بما ذكر فيها مما احتاج إليه الناس من علة قعوده و بيعته لأبي بكر و عمر، و ذلك حين سئل عنهما، فقال:
140 - لو قاتلتم عدوكم كان أصلح لكم من مسألتي عنهما،!.
141 و روى الشعبي، عن شريح بن هاني قال: خطب علي بن أبي طالب (علیه السّلام) بعد ما افتتحت مصر، ثم قال:
و إني مخرج إليكم كتابا، و كتب:
بسم الله الرحمن الرحيم * من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي من المؤمنين و المسلمين:
أما بعد، فإن الله بعث محمدا (صلی الله علیه و آله و سلم) بشيرا ونذيرا للعالمين و أمينا على التنزيل، و شهيدا على الأمة، و كنتم يا معشر العرب على شر دين تنحتون في حجارة خشن من صفاة صم، و تسفكون دماءكم، و تقتلون أولادكم و تقطعون أرحامكم، و تأكلون أموالكم بينكم بالباطل*، سبلكم خائفة، و الأصنام فيكم منصوبة؛ فمن الله عز و جل عليكم بمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) و بعثه إليكم رسولا ، فقال: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
فكان الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إليكم من أنفسكم بلسانكم، فعلمكم الكتاب والحكمة و الفرائض، و أمركم بصلة أرحامكم، وحصن دمائكم و أداء الأمانة إلى أهلها، و نهاكم عن النجاسة، و أمركم بكل خير يدني إلى الجنة و يباعد من النار، فلما استكمل مدته من الدنيا توفاه الله حميدا سعيدا مرضيا علمه، مشكورا سعيه، فيا لها من مصيبة، خصت الأقربين، و عمت جميع المسلمين؛ فلما مضى لسبيله، ترك كتاب الله و أهل بيته إمامين لا يختلفان و أخوين لا يتخاذلان، و مجتمعين لا يفترقان، قد كنت أولى الناس به مني بقميصي ، فسارع المسلمون بعده، فو الله ما كان يلقى في روعي، و لا يخطر على بالي!! أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) عني فلما أبطئوا بالولاية علي، و هموا بإزالتها عني، و ثبت الأنصار و هم كتيبة الإسلام، فقالت: إذا لم تسلموها لعلي فصاحبنا سعد بن عبادة أحق بها من غيره!.
فو الله ما أدري إلى من أشكو؟ إما أن تكون الأنصار ظلمت حقها، و إما أن يكونوا ظلموني بل حقي المأخوذ، و أنا المظلوم.!.
و قال قائل من القوم: إن رسول الله استخلف أبا بكر في حياته، لأنه أمره أن يصلي بالناس و الصلاة هي الإمامة؛ فعلام المشورة فيه إن كان رسول الله استخلفه؟! فأتى رهط من أصحاب محمد [(صلی الله علیه و آله و سلم)] يعرضون علي النصرة.
منهم خالد، و أبان ابنا سعيد بن العاص، و المقداد بن الأسود الكندي و أبو ذر الغفاري و عمار بن ياسر و سلمان الفارسي و الزبير بن العوام، و أبو سفيان بن حرب، و البراء بن مالك الأنصاري، فقلت لهم:
إن عندي من نبي الله العهد و له الوصية، و ليس لي أن أخالفه، و لست أجاوز أمره، و ما أخذه علي الله لو خزموا أنفي لأقررت سمعا وطاعة لله عز و جل، فبينا على ذلك، إذ قيل: قد انثال الناس على أبي بكر و أجفلوا عليه ليبايعوه، و ما ظننت أنه تخلف عن جيش أسامة، إذ كان
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أمره عليه و على صاحبه، و قد كان أمر أن يجهز جيش أسامة، فلما النبي رأيته قد تخلف و طمع في الإمارة، و رأيت انثيال الناس عليه أمسكت يدي، و رأيت أني أحق بمقام محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) في الناس ممن قد رفض نفسه، فلبثت ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام و أظهرت ذلك يدعون إلى محو دين الله، و تغيير ملة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فخشيت إن لم أنصر الإسلام و قعدت، أن أرى فيه ثلما و هدما تكون مصيبته علي أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب، و ينقشع كما ينقشع السحاب؛ و رأيت الناس قد امتنعوا بقعودي عن الخروج إليهم، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فتألفته، و لو لا أني فعلت ذلك لباد الإسلام، ثم نهضت في تلك
الأحداث حتى أناخ الباطل، و كانت كلمة الله هي العليا و لو كره المشركون * ثم إن سعد بن عبادة، لما رأى الناس يبايعون أبا بكر، نادى: و الله ما أردتها حتى صرفت عن علي ، و لا أبايعكم أبدا حتى يبايعكم علي، و لعلي لا أفعل و إن بايع، و أحببت أن أقطع قول سعد فركب فرسه و أتى حوران، و أقام في غسان حتى هلك، و أبى أن يبايع.
و قام فروة بن عمر الأنصاري، فقال: يا معشر قريش هل فيكم رجل تحل له الخلافة، أو يقبل في الشورى فيه ما في علي؟ قالوا: لا، قال:
فهل في علي ما ليس في أحد منكم؟ قالوا: نعم، قال: فما صدكم عنه؟! قالوا: اجتماع الناس على أبي بكر ؟! قال: أما والله لئن كنتم أصبتم أسنتكم لقد أخطأتم سننكم، فلو جعلتموها في علي لأكلتم من فوقكم و من تحت أرجلكم؛ فتولى أبو بكر فصحبته و الله مناصحا و أطعته فيما أطاع الله، جاهد و ما طمعت أن لو حدث به حادث و أنا أن يرد الأمر الذي نازعته فيه إلى طمع مستيقن، و لا يئست منه يأس من لا يرجوه، و لو لا خاصة ما بينه و بين عمر و أمر قد عقداه بينهما، لظننت أنه لا يدفعها عني هذا، و قد سمع قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لبريدة الأسلمي، و ذلك:
أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعثني و خالد بن الوليد إلى اليمن فقال:
إذا تفرقتما فكل واحد منكما أمير على حياله، و إذا اجتمعتما فأنت يا علي أمير على خالد، فأغرنا على أبيات، وسبينا فيهم خولة بنت جعفر جان الصفا، و إنما سمیت جان الصفا لحسنها، فأخذت خولة و اغتنمها خالد مني! و بعث بريدة الأسلمي إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأخبره بما كان مني و من أخذي خولة، فقال له
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حظه في الخمس أكثر مما أخذ، إنه وليكم بعدي، و يسمعها أبو بكر و عمر!.
و هذا بريدة لم يمت، فهل بعد هذا مقال لقائل ؟!، فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه، فسمعت و أطعت، و ناصحت للدين، وتولى عمر تلك الأمور، و كان مرضي السيرة، ميمون النقيبة عندهم، حتى إذا احتضر، قلت في نفسي: لن يعدلها عني، فجعلني سادس ستة، و أمر صهيبا أن يصلي بالناس! و دعا أبا طلحة زيد بن سهل الأنصاري، فقال: كن في خمسين رجلا من قومك فاقتل من أبى أن يرضى من هؤلاء الستة، فكيف قال: قبض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و هو عن هؤلاء الستة راض، و قال: في حالة: اقتل من أبى منهم و هم عنده ممن قد رضي الله و رسوله عنهم، إن ذلك لمن العجب!! ثم اجتمعوا فما كانوا لولاية أحد أشد كراهية منهم لولايتي عليهم، فكانوا يسمعوني أحاج أبا بكر فأقول:
يا معشر قريش إنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن، يعرف السنة و يدين بدين الحق، فخشي القوم إن أنا وليت
عليهم أن لا يكون لهم في الأمر نصيب ما بقوا، و أخذوا بأنفاسهم، و اعترض في حلوقهم، فأجمعوا إجماعا واحدا، فصرفوا الولاية عني إلى عثمان و أخرجوني من الإمرة عليهم رجاء أن ينالوها و يتداولوها، ثم قالوا هلم فبايع و إلا جاهدناك!!.
فبايعت مستكرها، و صبرت محتسبا ، فقال عبد الرحمن: يا ابن أبي طالب إنك على هذا الأمر لحريص، قلت: حرصي على أن يرجع حقي في عافية، و لا يجوز لي عنه السكوت لإثبات الحجة عليكم و أنتم حرصتم على دنيا تبيد، فإني قد جعلني الله و رسوله أولى به منكم، و أنتم تصرفون وجهي دونه، و تحولون بيني و بینه، فبهتوا و الله لا يهدي القوم الظالمين * اللهم إني أستعديك على قريش، فإنهم
قطعوا رحمي ، رحمي، أضاعوا أضاعوا سنتي و صغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي، أمرا كنت أولى الناس به منهم فسلبونيه، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، و في الحق أن تمنعه فاصبر كمدا أو مت متأسفا حنقا، و ايم الله لو
استطاعوا أن يدفعوا قرابتي كما قطعوا سنتي لفعلوا، و لكن لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، و كان نبي الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عهد إلي فقال: يا ابن أبي طالب لك ولاية أمتي من بعدي فإن ولوك في عافية و اجتمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم، و إن اختلفوا عليك فدعهم و ما هم فيه، فإن الله سيجعل لك مخرجا.
فنظرت فإذا ليس معي رافد و لا ذاب، و لا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم الموت و الهلاك و لو كان بهم حمزة أو أخي جعفر، ما بايعت كرها، فأغضيت على القذى و تجرعت الشجي، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم و آلم القلوب [للقلوب] من حز الشفار،
ثم تفاقمت الأمور، فما زالت تجري على غير جهتها، فصبرت
عليكم حتى إذا نقمتم على عثمان أنبتموه فقتلتموه، خذله أهل بدر، و قتله أهل مصر، ما أمرت و لا نهيت عنه، و لو أمرت به لكنت قاتلا، و لو نهيت عنه لصرت ناصرا.
ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم فأمسكت يدي فنازعتموني و رافعتموني، و بسطتم يدي فكففتها، و مددتموها فقبضتها، ثم تداككتم علي تداكك الهيم على حياضها يوم ورودها، و ازدحمتم علي [حتى] ظننت أن بعضكم قاتل بعضا، و أنكم قاتلي حتى انقطع النعل و سقط الرداء، و وطئ الضعيف، و بلغ من سرور الناس بيعتهم إياي أن حمل إليها الصغير و خرج إليها الكبير، و تحامل إليها العليل و حسرت إليها الكفار، فقلتم بايعنا لا نجد غيرك و لا نرضى إلا بك، فبايعنا لا
نتفرق و (لا) نختلف، فبايعتكم على كتاب الله وسنة نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) و دعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايعني طائعا قبلت منه و من أبي تركته، فبايعني فيمن بايعني طلحة والزبير، و لو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما، و كان طلحة يرجو اليمن، و الزبير يرجو العراق، فلما علما أني غير موليهما، استأذنا في العمرة، يريدان الغدرة، فأتيا عائشة فاستخفاها مع شيء كان في نفسها علي؛ و النساء نواقص العقول، نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة في أيام حيضهن، و أما نقصان عقولهن فلا شهادة لهن إلا في الدين و شهادة امرأتين برجل، و أما نقصان
حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال
و قادهما عبد الله بن عامر إلى البصرة، وضمن لهما الأموال و الرجال، فبينا هما يقودانها إذا هي تقودهما، فاتخذاها دريئة يقاتلان بها و إلى خطيئة أعظم مما أتيا أخرجا أمهما زوجة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و كشفا عنها حجابا ستره الله جل اسمه عليها، وصانا حلائلهما ما أنصفا الله ولا رسوله فأصابوا ثلاث خصال من حقها على من فعلها من الناس في كتاب الله عز و جل، البغي و النكث و المكر، قال الله تعالى: يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم و قال تعالى: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه و قال تعالى: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
فقد و الله بغيا علي ونكثا بيعتي، و غدرا بي، إني منيت بأربعة ما مني أحد بمثلهن، منيت بأطوع الناس في الناس، عائشة بنت أبي بكر الناس، عائشة بنت أبي بكر و بأشجع الناس الزبير بن العوام، و بأخصم الناس طلحة بن
عبيد الله، و بأكثر الناس مالا يعلى بن منية التميمي، أعان علي بأصواع الدنانير، و الله لئن استقام هذا الأمر لأجعلن ماله وولده فيئا للمسلمين، فأتيا البصرة و أهلها
مجتمعون على طاعتي و بيعتي، و بها شيعتي و خزان بيت مال المسلمين، فدعوا الناس إلى معصيتي، و إلى نقض بيعتي فمن أطاعهم أكفروه و من عصاهم قتلوه، فثار بهم حكيم بن جبلة العبدي في سبعين رجلا من عباد أهل البصرة و كانوا يسمون أصحاب الثفنات كأن جبهاتهم مثل ثفنات الإبل، و أبى أن يبايعهما يزيد بن الحرث اليشكري و هو شيخ أهل البصرة يومئذ وقال: اتقيا الله، إن
أولكما قادنا إلى الجنة فلا يقودنا آخركما إلى النار؛ أما يميني فشغلها عني علي [بن أبي طالب] (علیه السّلام) ببيعتي إياه و أما شمالي فهذه خذاها فارغة إن شئتما!، فخنق حتى مات.
و قام عبد الله بن حكيم التميمي، فقال يا طلحة تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم هذا كتابي إليك، قال: هل تدري ما فيه؟ قال: اقرأه علي، فقرأه، فإذا فيه عیب عثمان و دعاؤه إلى قتله، ثم أخذا عاملي عثمان بن حنيف أمير الأنصار فمثلا به، و نتفا كل شعرة في رأسه و وجهه، و قتلا شيعتي، طائفة صبرا و طائفة غدرا، جالدوا بالسيوف حتى لقوا الله عز و جل صادقين، فو الله لو لم يصيبوا منهم رجلا واحدا متعمدين بقتله لحل لي قتالهم وقتل ذلك الجيش كله؛ أما طلحة فرماه مروان بسهم فقتله، و أما الزبير فذكر قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) له تقاتل عليا و أنت له ظالم فرجع من الحرب على
عقبه؛ و أما عائشة، فإن نبي الله نهاها عن مسيرها، فعضت يدها ندامة على ما كان منها؛
و كان طلحة لما نزل بذي قار، قام خطيبا فقال:
يا أيها الناس، إنا أخطئنا في أمر عثمان خطيئة لا يخرجنا منها إلا الطلب بدمه!! و علي قاتله و عليه القود، و قد نزل ذا قار مع نساجي اليمن و قصابي و منافقي
مصر؛ فلما بلغني ذلك كتبت إليه أناشده بحق محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) أ لست أتيتني في أهل مصر؟ و قد حصروا عثمان!؟ فقلت: انهض بنا إلى هذا الرجل، فإنا لا نستطيع قتله إلا بك، ألا تعلم أنه سير أبا ذر، و فتق بطن عمار و آوى الحكم بن العاص طريد رسول الله، و استعمل الفاسق في كتاب الله الوليد بن عقبة بن أبي معيط و قد ضرب في الخمر و سلط خالد بن الوليد على عرفطة العذري و أنحى على كتاب الله يحرفه و يحرقه!! فقلت: لا أرى قتله اليوم، أنت اليوم تطلب بدمه!؟ فأتياه [فابناه] معكما عمرو و سعيد،، فخلياه [فخلوا] عنهما يطلبان بدم أبيهما، متى كانت أسد و تیم أولياء دم بني أمية!؟ فانقطعا عند ذلك؛ و قام عمران بن الحصين الخزاعي صاحب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: يا هذان لا تخرجانا من طاعة الله على أنفسكما، ولا تحملانا على نقض بيعته، فإنها لله رضى، أ ما وسعتكما بيوتكما حتى جئتما بأم المؤمنين لطاعتها إياكما من مسيرها معكما، كفا عنا أنفسكما، و ارجعا، [من حيث جئتما] فأبيا عليه ثم نظرت في أهل الشام فإذا هم بقية الأحزاب و حثالة الأعراب فراش نار و ذبان طمع، تجمعوا من كل أوب و منزل ممن كان ينبغي أن يؤدب و يدرب و يولى عليه، ليسوا من المهاجرين و الأنصار و لا التابعين بإحسان، فسرت إليهم و دعوتهم إلى الطاعة و الجماعة فأبوا إلا شقاقي
و عنادي و فراقي، وقاموا في وجوه المسلمين ينضحونهم بالنبل، فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلوهم، فلما عضهم السلاح و وجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعون إلى ما فيها فأنبأتهم، أنهم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن و أنهم رفعوها خديعة ومكرا و مكيدة وغدرا ، فامضوا على حقكم و قتالكم فأبيتم علي و قلتم: اقبل منهم فإن أجابونا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه
من الحق، و إن أبوا، كان أعظم لحجتنا عليهم فقبلت منهم، و كففت عنهم و كان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين يحييان ما أحيى القرآن، و يميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما وتفرق حكمهما و نبذا حكم القرآن وخالفا ما في الكتاب و اتبعا أهواءهما بغير هدى من الله فجنبهما الله السداد، و ركسهما في الضلال؛ و انحازت فرقة عنا فتركناهم و ما تركونا، فقلنا ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ، ثم كتاب الله بيننا وبينكم، فقالوا: كلنا قتلتهم وكلنا استحل دماءهم و دماءكم، فشدت عليهم خيلنا فصرعهم الله مصارع الظالمين..
فهذه حجج شرحناها و ذكرناها، و ذكرنا قول أمير المؤمنين (علیه السّلام) لنرد على من ذكر (علیه السّلام) لم يطلب حقه، و هل يكون الطلب أكثر من هذا القول؟! فليت شعري، كيف إستجزتم أن تقولوا: سكت علي عن طلب حقه؟! و ما كان سكوته إلا الرضا بمن بايعه، ولا نعلم طلبا أكثر من طلبه لأنه عرف القوم على حقه ما تناسوه و تجاهلوه هذا، و هم لا يشكون في فضله و علمه و شجاعته، أليس يقرون أنه أول ما ضارب الأقران بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بسيفه حتى قام الإسلام، و هدم الله به أركان الكفر؟
و قد فشل كثير من المسلمين، و ولى رجال من المهاجرين فغيرهم الله و فضحهم حيث يقول: إذ تصعدون ولا تلوون على أحد و الرسول يدعوكم في أخراكم.
فما ثبت مع رسول الله غيره و غير عميه، أليس قبض العباس في بعض المواطن على لجام بغلة رسول الله و نادوا الفرار و هو يقول:
یا صاحب السور، يا قراء القرآن إلى أين الفرار عن رسول الله؟ أرغبتم بأنفسكم عن نفسه، فكشف الله به و بعميه حمزة والعباس الكرب و كسر صولة من كفر و عاند،
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي بعد ذلك المقام:
«يا علي إنك تقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله» و أعلمه (عليه السلام) في ذلك المقام: أن جبرائيل نادى: لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي.
فأين المذهب عمن هذه حالته و هذا فعله، و هذا قوله وهذا دعائه على نفسه؟! أما علم أهل المعرفة أنه لم يدفع عن حقه إلا حسدا و بغيا، أعاذنا الله من الحيرة و الضلالة إنه ولي قدير.
(6) الباب السادس حول قصة الغار
[قصة الغار لا تدل على فضيلة لأبي بكر] 143- احتجوا علينا حين انقطعوا، و لم تبق لهم حجة: إن أبا بكر كان في الغار مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و أن الله جل ذكره، ذكره في كتابه،
فقال: ثاني اثنين إذ هما في الغار و لا نعلم أن الله تعالى ذكره بخير
أو أثنى عليه، فكشفوا عن أمر كان مستورا عن كثير من الأمة، و بعثوا على إظهاره بعد أن كنا ممسكين عن شرحه، و نحن الآن نظهره و نكشفه، إذ أبوا و عدوا كونه مع رسول الله ص في الغار فضيلة، حتى يقف عليه أهل المعرفة [فنقول]:
إن الله جل ذكره ذكر السكينة في كتابه في مواضع كثيرة، فأي موضع ذكر فيه نبيه و المؤمنين معه وصلتهم به، قال الله تعالى:
لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و قال تعالى: و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا و ضاقت عليكم الأرض بما رحبت - إلى قوله -: ثم أنزل الله سكينته على رسوله و على المؤمنين وقال تعالى: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم
فليتأمل المتأملون حال أبي بكر ، و ليمعنوا النظر ، فإنهم سيقفون على ذكر السكينة في الغار بين جميع ما أنزل الله تعالى في كتابه مفردا لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليس لصاحبه فيها حظ، و أنه جل ذكره، قال:
ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه و أيده بجنود لم تروها فأفرد الله رسوله بالسكينة، و خصه بالوقار و الطمأنينة دون صاحبه، و إن ضرب الأنك بآذانهم.
و ذهبوا إلى عوج التأويل و زيغ التفسير ، و إلى ما يأبى الحق إلا إقامته، و اللغة إلا إظهاره، فقالوا: إنما نزلت السكينة على أبي بكر دون رسول الله، إذ كان رسول الله مستغنيا عنها، و أبو بكر محتاجا إليها احتججنا عليهم بما لا يقدرون على دفعه، و عرفناهم خطأ ما تأولوه، فإن الغار قبل كل موطن ذكرت فيه السكينة، وقد سمعنا الله تعالى يقول:
و يوم حنين، و هي أيام حروب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم أنزل الله سكينته على رسوله و علی المؤمنين، و لو كانت لا تنزل عليه إلا عن فقر و فاقة لكان مستغنيا عنها يوم حنين و حاجته إليها في الغار أشد حاجة،
فما كانت نزلت قبل ذلك الوقت، إذ كانت أول سكينة نزلت.
و أخرى - أن الله وصل السكينة بالجنود التي أيد بها من أنزلت عليه السكينة، فهل المؤيد بالجنود في مذهبكم أبو بكر - لا النبي؟!، كلا إن ذلك لمن المستحيل؛! و من الكلام البين ما المراد بها أهل لرؤيتها ببصره و سماع مخاطبتها بأذنه، و فهم منطقها بعقله، و نحن ندعوهم مع هذا البرهان إلى خصلة أخرى لا يقدرون على دفعها، و هي:
أن للسكينة علامات: فأول علاماتها فقدان القرار و النكاية في الفجار، فإن كان هذا الرجل ممن هذه صفته فواجب لازم أن تكون السكينة عليه نازلة هابطة، و الطمأنينة له لازمة، و إن كان يشوب إقبالا بإدبار و ثباتا بفرار، فالسكينة متعهدة، نظرنا، فإن كان مدبرا في كل موطن و موليا في كل زحف كما عرض به النبي و بصاحبه يوم فرا من خيبر،
فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لأعطين هذه الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله کرارا غیر فرار.
فوسم من كان قد انهزم بالفرار و سماه فرارا، و سمى عليا (علیه السّلام) كرارا، و جعله غير فرار، فالسكينة أجل قدرا و أعظم منزلة، و أعلا مرتبة و أنفس خطرا من أن يطيش محلها، و هذه كتب المغازي المؤلفة التي يؤثرها علماؤهم فليتصفحوها، فإن وجدوا ذكره في شيء منها، أو رئى ثابتا في موضع واحد لاقي فيه، أو قاتل زمنا فضلا عن بطل، أو كان مطاعنا، أو مطعونا ، أو راميا أو مرميا، أو ضاربا، أو مضروبا، فسبيل ذلك الحق و نحن في ما ذكرنا مبطلون، و إن وجد المشركون من نكايته براء و وجد من مكروههم خليا كما قال الله تعالى: مسلمة لا شية فيها فليعلم الذين ادعوا له نزول السكينة عليه أنه [كان] عنها في إعتزال، و إذ قد ذكرنا أمر الغار، فإنا ذاكرون قصة الصحبة إذ كنا غير آمنين أن يحتجوا بها علينا أن سماه الله صاحبا لرسوله و قد اعتدوا بها فضيلة له وذلك ذهول ممن ذهب إليه، وقلة معرفة بالكتاب، إن الصحبة يستحق المسمى بها من صاحب صاحبا إما على كفر أو إيمان، قال الله جل ذكره:
قال له صاحبه و هو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب فقد جعل كل واحد منهما صاحبا لصاحبه، و هما متباینان، و قول
النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) له: لا تحزن إن الله معنا، أغلظ عليه من كثير مما ذكرنا لأن النبي لا ينهى عن الخير، و لو كان حزنه بخير، و هو مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الغار لم ينهه، و لكن لسوء ظنه بالله وبرسوله و لقلة إحتفاله بما أنبأه به الرسول و لما أدركه من قلة اليقين، وضعف القلب قدر أن يكون الرسول في قبضة المشركين فإن الحزن مع رسول الله برىء من الإيمان إذ كان داعيا إلى الشك، و هذه نقيصة شديدة، و قد عدوها فضيلة!، و لو أمسكوا عن ذكرها لأمسكنا عن شرحها، و الله بالغ أمره.
و أما قولكم: إنه صديق، فإنا وجدنا هذا الإسم في كتاب الله للمسلمين عامة، لم نجد له فيها خاصة دونهم، وذلك قوله تعالى:
و الذين آمنوا بالله و رسله أولئك هم الصديقون و كل المسلمين يؤمنون بالله و رسله و هم صديقون، فلم تثبت له بهذا الإسم فضيلة هذا.
و إنا لما فرغنا من قصة الغار، سألونا عن شرح
قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)
لعلي (علیه السّلام): أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
لما فيه من العجائب،! فشرحنا منه ما عرفناه.
(7) الباب السابع: شرح قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلي (علیه السّلام): أنت مني بمنزلة هارون من موسى (و إخراج قصصه)
144 كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) غزا تبوكا و كان لا يعزم على غزاة إلا ورى بغيرها إلا ما كان من تبوك لبعد السفر و الحاجة إلى الاستعداد، و التقدم في الجهاد، فخلف عليا (علیه السّلام) على المدينة و على الحرم، و خلف ابن أم مكتوم الأعمى، ليصلي بمن تخلف عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالمدينة، و لم يأذن لأحد من أصحابه في التخلف، و كان سبب تخلف علي (علیه السّلام) عنه أن تبوك بعيدة عن المدينة، فلم يأمن الرسول
(صلی الله علیه و آله و سلم) العرب أن يصيروا إليها، إذ كان قد وترهم و سفك دماءهم، و سبى البنات، و الأمهات و الأخوات و الأزواج، و كانت في صدورهم، عليه حقود، فلم يكن ليدعها بلا حافظ، و يخليها بلا حائط،
فتكون نهزة لمن اهتبل، وفرصة لمن أغفل.
و أخرى أنه علم (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه لا يكون هناك قتال، و خرج في جيش يروى أنهم كانوا أكثر من أربعين ألف رجل و خلف بالمدينة جيشا و هو علي (علیه السّلام) وحده، و كان الذين تخلفوا عن رسول الله، الذين قال الله تعالى فيهم: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف و طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون. يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم.
و قال عز و جل: و لا تصل على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره.
فما ظنك بمدينة ليس فيها إلا منافق أو امرأة؟، و النساء لحم على وضم فخلف عليا حافظا، إذ كان مأمونا في نفسه معصوما، فحصن الله عز و جل به المدينة و عفف به حرمهم، فتكلم فيه المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له، فلحق علي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال:
يا رسول الله، زعم المنافقون أنك خلفتني استثقالا لي؟ فتضاحك رسول الله، ثم أمر فنودي في الناس كلهم، فاعصو صبوا و تجمعوا، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم):
145 - يا أيها الناس، ما فيكم من أحد إلا و له خاصة من أهله، ألا إن عليا مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
فصار علي (علیه السّلام) من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، و بذلك المكان الذي أرادوا أن يضعوا منه، بمنزلة هارون من موسى في أسبابه كلها إلا ما استثناه من النبوة، و لا أحبهم يأتون بمثلها
في أحد من العالمين، فعلي (علیه السّلام) ليس بأخيه لأبيه و أمه كما كان هارون، و إنما هو أخوه في الدين لا كما كان
هارون و إنما فرق بينه و بين علي النسب لما بلغا إلى عبد المطلب ليزوجه سيدة نساء العالمين، وينتج منهما سيدا شباب أهل الجنة، و لو لا ذلك لانقطع نسل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فهذه علة النسب؛ و إنما كان هارون المتقدم لموسى، و موسى كان بعده الباقي، فقد عدم علي بفضل الأب و الأم و الأخوة في النسب و إنما كانت أخوته من رسول الله أخوة الدين، و المشاكلة و المشابهة، و تقدم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و تخلف [علي] بعده، فأين هارون من الأمرين؟ و استثنى رسول الله النبوة فيه، فليت شعري ما الحجة فيه بعد هذه الأشياء التي قد شرحناها؟!.
أللهم إلا أن يجعلوا كلام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لغوا، فلا نعلم أمرا بقي إلا أن يخلفه في أمته بعده، كما أن هارون لو بقي بعد موسى كان خليفته في أمته، فإن كان النبي يرد الإستخلاف، و لم يرد أنه أخوه لأبيه و أمه، فأي منزلة عنى؟ و إلى أي ذهب؟ و لم إستثنى النبوة؟
فما هو إلا أن وافق في الأشياء كلها هارون، و نحن ذاكروها إن شاء الله:
قال الله عز و جل: و أوحينا إلى موسى و أخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا و اجعلوا بيوتكم قبلة فكان التشابه في ذلك أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بنى لنفسه و لعلي المسجد و أخرج منه سائر
الخلائق، فلم يدع لهم بابا إلا بابه.
و أنه سمى ولده حسنا و حسینا و محسنا فقال: إني سميت
ولدي باسم ولد هارون شبر و شبیر و مشبر.
و الأخرى أنه لما مضى [موسى] لمیقات ربه، استخلف هارون على قومه و كذلك استخلف الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) عليا ثلاث وهلات، مرة على حرم الله حجة للناس حتى ظهر هو بالمدينة، و مرة على فراشه حجة على الخلق حين توارى بأبي بكر في الغار، ومرة ثالثة في غزوة تبوك على المدينة، ثم كانت المرة الرابعة استخلافه بعد وفاته، ثم جعل خلافته علامة واضحة،
فقال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة.
، فعاش خليفة بعده ثلاثين سنة.
146- و الأخرى أنه لم يكن أحد أفضل من هارون بعد موسى (علیه السّلام) فكذلك وجب لعلي (علیه السّلام) مثله، و الأخرى أنه لم يكن أحب إلى موسى من هارون (علیه السّلام) فكذلك وجب لعلي (علیه السّلام) مثله،
و قد سئلت عائشة: من كان أحب إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فقالت: من الرجال علي و من النساء فاطمة.
و الأخرى: أن هارون، كانت له من بني إسرائيل حالتان؛ إحداهما أنه كان المجيب فيهم حتى انه بلغ من أمرهم
أنهم اتهموا موسى في قتله!، فقال: يا أولاد الأفاعي، أو في ابن أمي تتهموني؟!.
فأراهم هارون على سريره في الهواء فأومأ إليهم بوفاته!،.
و الحالة الثانية، أنه بلغ من بغضه لعبدة العجل، و بغض عبدة العجل له، أن كادوا يقتلونه استضعافا لقلة من معه على رفض العجل، فسماهم عبدة العجل الرافضة، و كذلك علي (علیه السّلام) كان مجيبا، وسميت شيعته الرافضة لرفضهم عبادة العجل.
و الأخرى: أنهم أرادوا قتل علي (علیه السّلام) حتى عصمه الله كما عصم هارون، حين قيل لخالد ما قيل: لما أراد الله أن يجري عليه كل سنة
جرت على هارون، إذ كادوا يقتلونه!! و لما يفعلوا حيث
ائتمر الأول و الثاني فبعثا إلى خالد بن الوليد، فواضعاه الأمر و فارقاه على قتل علي (علیه السّلام) و ضمن ذلك لهما، فسمعت أسماء بنت عميس ذلك، و هي امرأة أبي بكر في خدرها، فأرسلت جارية لها، وقالت لها: ترددي في بيت علي، و قولي: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، ففعلت الجارية، فسمعها علي، فقال رحمها الله، فمن يقتل الناكثين والمارقين والقاسطين ؟! و وقعت المواعدة بصلاة الفجر.
، إذ كان أحرى للصدفة و الشبهة و لكن الله بالغ أمره 147-
روى ذلك صناديدهم: سفيان بن عيينة، و الحسن بن صالح بن حي، و وكيع بن الجراح، و عباد بن يعقوب الأسدي [الرواجني]، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:
أن الأول أمر خالد بن الوليد: فقال: إذا انصرفت من [صلاة] الفجر، فاضرب عنق علي، فصلى ثم ندم، فجلس في صلاته حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم قال في صلاته: «يا خالد لا تفعل ما أمرتك به»،
ثلاثا، فالتفت علي (علیه السّلام) فإذا خالد مشتمل على السيف في جانبه، فقال: يا خالد أ كنت به فاعلا؟، فقال: إي و الله لو لا أنه نهاني!، فقال له علي: كذبت لا أم لك، أنت أضيق حلقة إست من ذلك.
[ثم قال (علیه السّلام)]: أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة، لو لا ما سبق به القضاء لعلمت أي الفريقين شر مكانا و أضعف جندا.
فقيل لسفيان و ابن حي: ما تقولان فيما كان من الأول في ذلك؟
فقالا: كانت سيئة لم تتم.
ثم جعل سفيان الثوري، هذا الفعل أصلا، وقال في الرجل إذا أحدث قبل أن يسلم إذا فرغ من التشهد إن صلاته تامة! فكره علي (علیه السّلام) أن يقدم عليه حتى استثبت، و أوجب عليه الحجة، فقال:
148- أ بعد قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من كنت مولاه فهذا علي مولاه، و بعد قوله:
أنت مني بمنزلة هارون من موسى، و بعد كذا كذا عدد خصالا [أ] هذه سبيلها؟ قال: نعم، فقبض علي (علیه السّلام) صدره بیده، فجعل يرغو رغاء البعير، و نبع بوله في المسجد، واجتمع الناس عليهما يمدونهما لتخليصه من يده، فراموا مراما صعبا مستحيلا من الإمكان، فناداهم الأول: نحلف بالله العظيم أن لو تمالأ عليه أهل الأرض ما استنقذوه منه، و لكن ناشدوه بحق صاحب القبر!! فلما ناشدوه خلى عنه، و قال: «لو عزمت علی ما هممت به لشققتك شق الثوب»، و تركه و أمسك عنه كما أمسك عن طلب حقه بالسيف.
149 و أخبرني الحسن بن الحسين العرني، قال: حدثنا عبيد الله بن المبارك، و يحيى بن خالد، عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه.
عن أبي جعفر محمد بن علي (علیه السّلام)، قال: لما أبطأ علي عن البيعة على الأول، أمر الأول خالد بن الوليد، فقال: إذا سلم علي من صلاة الفجر فاقتله، فسلم الأول في نفسه، ثم [ندم] فنادى يا خالد لا تفعلن ما أمرتك به، و خالد إلى جنب علي فقال: له (علیه السّلام): أ كنت فاعلا؟ قال: نعم، قال: أنت أضيق حلقة إست من ذلك، ثم أهوى علي بيده إلى حلق خالد، فجعل يرغو رغاء البكر.
قال: فاجتمع عليه الناس، فلم يقدروا على أن يخلصوه، فقال الأول: لو اجتمع عليه أهل منى لم يخلصوه، و لكن سلوه بحرمة صاحب القبر و المنبر فناشدوه بذلك فتركه.
150 -
و روى العرني، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن عمرو بن نصر، قال: سمعت خالد بن الوليد القسري، يغتاب عليا، ويقول: و الله لو كان في أبي تراب خير ما أمر أبو بكر الصديق بقتله.
فهذا دليل على أن الأول أمر خالد بن الوليد بقتل علي، و أن الخبر في ذلك مستفيض، و لو أراد علي بعد ذلك أمرا لقبض خالدا على رءوس أعدائه قبضة يضرب بعضها ببعض، فيثير دماغه و دماغ كثير منهم لفعل، و لكان مليا بذلك، و لكن لم يأذن الرسول في ذلك، و أراد أن يصبر و يؤجر كما
صبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و الأصنام تعبد بين عينيه، فأتاه ملك: فقال: إن شئت ضممت عليهم الأخشبين، و هما جبلان يكتنفان مكة، و إن شئت صبرت؟، فقال: بل أصبر.
151- و أخرى: أن المؤمنين أحبوا عليا كما أحب أصحاب هارون، و أبغضه المنافقون، كما أبغض هارون عبدة العجل،
فأخبره النبي ص بذلك، وقال: لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق..
و أخرى:
أن موسى لما دخل على فرعون، و هارون قائم على رأسه في الديباج و الذهب، فقال لموسى من يصدقك؟ فقال: هذا القائم على رأسك فسأله، فقال: أشهد أنه صادق و أنه رسول الله جل وعز إليك، فقال: إني لا أعاقبه إلا بإخراجه من تكرمتي، و إلحاقه بدرجتك، فدعا له بجبة صوف و ألبسه إياها، و بعصا فوضعها في يده فعوضه الله من
ذلك أن ألبسه قميص الحياة فكان هارون آمنا من الموت ما دام عليه، و كذلك ألبس الله جل اسمه علياع قميصا هو أفضل من ذلك القميص بقدر فضل محمد، على موسى (علیه السّلام).
و إخباره إياه من المحتوم أن لا يموت إلى يوم كذا من ساعة كذا بعد ثلاثين سنة، و بعد أن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، و بعد أن يؤثر ثم تخضب لحيته من دم رأسه فكان هارون إذا نزع القميص غير آمن، و كان علي (علیه السّلام) آمنا على كل حال، و قد أقروا بألسنتهم أن عليا قد عرف أجله، و وقت وفاته.
رواه الشاذكوني، قال:
152- حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عيسى، عن يحيى بن سيرين، قال: إن كان أحد عرف أو قال: علم متى أجله، فعلي بن أبي طالب.
و أخرى: أن عليا (علیه السّلام) أول من صدق رسول الله ص، كما صدق هارون موسى (علیه السّلام).
و أخرى: أنه لم يكن لأحد منزلة عند موسی كمنزلة هارون لا يساويه أحد، و كذلك وجب مثلها لعلي.
و أخرى أنه لا نبي بعد رسول الله، و لو كان لم يكن غير علي، لأن الاستثناء أوجب ذلك له.
153 رواه الشاذكوني: قال: أخبرني يوسف بن يعقوب بن الماجشون قال: أخبرني محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص:
قال: سمعت النبي ص يقول لعلي (علیه السّلام): أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه ليس معي نبي.
قال ابن المسيب: فأحببت أن أشافه بذلك سعدا، فأتيته فذكرت ما قال عامر عنه، قال: نعم، سمعته من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، قلت: أنت سمعته؟ فأدخل إصبعيه في أذنيه، و قال سمعته بهاتين و إلا فصمتا.
فقد دل هذا القول من رسول الله، أنه لا نبي معه و لا نبي بعده، و لو كان لم يكن غير علي (علیه السّلام) ، فهذا ما عرفناه من منزلة هارون من موسى مما
وافق أمير المؤمنين من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
و نحن الآن نشرح قصة ابن أم مكتوم الأعمى، وصلاته بالناس، في غزوة تبوك بالمدينة، كان سبب ابن أم مكتوم الأعمى في الصلاة بمن بقي في المدينة و تخلفوا عن رسول الله ص و الذين هم رضوا بأن يكونوا مع الخوالف*، ففضحهم الله بأن جعل لهم الأعمى إماما* و من شأن الأعمى أن يتنجس ثوبه و لا يعلم، و يتوجه نحو القبلة، ليس إلا التسليم و التقليد، و ينحرف عن القبلة و هو في صلاته ليس إلا أن ينوي علياع الصلاة، فنزه الله عليا (علیه السّلام) أن يكون إماما لهؤلاء الصم البكم الذين لا يعقلون، كما نزهه عن إمارة الموسم، و بدعة الوقوف بالمزدلفة عام برائة، و كنا وعدنا شرح العلة في إقامة أبي بكر الحج للناس عام برائة، و نحن نشرحه حتى يعرفه أولو الألباب.
154 كان سبب ولاية أبي بكر الموسم، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) اعتمر و مكة في أيدي المشركين، حرصا على الطواف بالبيت و المشاهد السوابغ الله في تلك الأماكن، فأمسك (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذه السنة عن الحج و مكة في أيديهم لتدبير الله العظيم الذي بعضه أمر براءة و كانت العرب تنسئ النسيء، و مع ذلك، أن كثيرا منهم كانوا يتعايشون بالتناهب و التغالب و التحارب، فكانت أشهر الحرام هذه الثلاثة المتصلة ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، فطال عليهم الأمر ، فولدوا بآرائهم حتى إذا
انتهوا إلى المحرم في السنة بعد السنة ألغوه، و سموه صفرا، ثم بعد صفر شهر ربيع الأول و مضوا على ذلك، و تطاولت المدة، و تفانت القرون، فاختلط عليهم الحساب، و لم يدروا في أي شهر هم للنسيء الذي كانوا يفعلونه، فقال الله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله - إلى قوله :
زين لهم سوء أعمالهم و الله لا يهدي القوم الكافرين فصار حجهم مجهول الوقت، لا يدرون إذا حجوا في أيام الحج حجوا أم في غيرها ؟! ثم ولد من هذا الفعل أن يقف بالمزدلفة، و لا يمضي إلى عرفة، ففسد بذلك حجهم، و الوقوف بالمزدلفة لأنهم قالوا:
نحن أهل الحرم و لا نخرج منه، ففسد لذلك أيضا حجهم و بطل، فأنزل الله عز و جل من بعد: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس يعني إبراهيم، و إسماعيل، ثم استدارت السنون و أطلع الله نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) على ذلك لما جعل مكة في يديه، فبعث أبا بكر و معه سورة البراءة، و أمره بإقامة الحج للمشركين، ليثبت اليد، و كان (صلی الله علیه و آله و سلم) عالما بأن الزمان، قد استدار، فلم يطلعهم على ذلك، و لا أعلم أبا بكر، و تركهم و إياه جهلا، لا يدرون أ في وقت الحج هم؟ أم في غير وقته، و لا أمره أن يمضي إلى عرفات، فمضى أبو بكر، فقام معهم بالمزدلفة على سنة أهل الجاهلية بباطل الحج، فختمت حجج الجاهلية الفاسدة زمانا و مكانا بأبي بكر، و طهر الله الحرم من المشركين بعلي (علیه السّلام).
، فالأمر الفاسد وقتا و مكانا ما توجه فيه أبو بكر و نزه عنه علي (علیه السّلام). و الأمر الحق الذي هو في قرائة برائة على المشركين عزل عنه أبو بكر و توجه به علي، و كذلك نزهه (صلی الله علیه و آله و سلم) عن الصلاة في المدينة بالمنافقين، إذ كان (علیه السّلام) لا يجوز أن يكون إماما لقوم ليس فيهم إلا منافق أو مشرك فهذه هي العلة.
[خطبة رسول الله ص في الحج]
: 155 فلما كان في السنة الثانية، حج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فمر بقريش و أبنيتها و فساطيطها بالمزدلفة لا يشكون لوقوف أبي بكر في العام الماضي، إن الله قد ثبت سننهم التي ولدوها و إن رسول الله سيقف معهم كما وقف أبو بكر، فمر بهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: السلام عليكم، ثم طواهم و قصد لعرفات، فقطعت الأبنية، و قوضت و تركت عرصة البدعة قاعا و لحقت قریش برسول الله، و من حج من المؤمنين، فعرفهم، فخطبهم رسول الله فقال:
ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات و الأرض [قال الله عز و جل]: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات و الأرض منها أربعة حرم، [و قال تعالى]:
إنما النسيء زيادة في الكفر، ثم قال:
أيها الناس إن الله عز و جل باهي بكم الملائكة عامة و بعلي خاصة امضوا على بركة الله.
[ـرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و المسلمون في غدير خم بعد حجة الوداع]
: 156 فلما قضى حجه، و صار بغدير خم، وذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجة، أمره الله عز و جل بإظهار أمر علي (علیه السّلام) فكأنه أمسك لما عرف من كراهة الناس لذلك إشفاقا على الدين و خوفا من ارتداد القوم فأنزل الله عز و جل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس.
فما أمهل أن يدخل المدينة، و بينه و بينها میلان، و لا انتظر به وقت الصلاة، وقد قرب وقتها! فإنهم خرجوا و الرمضاء تحت أرجلهم، وليس ذلك إلا لأمر عجيب!
فنادى الصلاة جامعة في غير وقت صلاة فخرج الناس على طبقاتهم: الحر و العبد، و القرشي و العربي، وقد كان الدين قد كملت شرائعه غير الإمامة و الولاية، فأكملها عز و جل بعلي، قالوا: فخرجنا و الرمضاء تحت أرجلنا، فخطبنا رسول الله
(صلی الله علیه و آله و سلم) بما قد ذكرناه.
، و بعض رواة الخبر زاد على بعض، و نحن نذكر بعضا.
157 حدثنا أحمد بن مهدي، قال: حدثنا شهاب بن عباد البصري قال: حدثنا عبد الله بن بكر النخعي، عن حكيم بن جبير.
عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال: لما كان يوم غدير خم أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بشجر يدعى الدوح فقم ما تحتهن، ثم قال: إني لم أجد لنبي إلا نصف عمر النبي الذي كان قبله و إني أوشك أن أدعى فأجيب فما أنتم قائلون؟ فقال: كل رجل منا كما شاء الله أن يقول: نشهد أنك قد بلغت و نصحت فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم):
158 - أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسول الله؟ و أن الجنة حق، و أن النار حق، و أن البعث حق؟ قالوا: يا رسول الله بلى، فأومأ رسول الله إلى صدره، و قال: و أنا معكم، ثم قال رسول الله: أنا لكم فرط، و أنتم واردون علي الحوض، و سعته ما بين صنعاء إلى بصرى، فيه
عدد الكواكب قدحان ماؤه أشد بياضا من الفضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين؟
فقام رجل، فقال: يا رسول الله ما الثقلان؟ قال: الأكبر، كتاب الله طرفه بيد الله و [الثاني] سبب طرفه بأيديكم، فاستمسكوا به، و لا تزلوا و لا تضلوا، والأصغر: عترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، سألت ذلك لهما، فلا تقدموهم فتهلكوا، ولا تتخلفوا عنهم فتضلوا ،
و لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله.
159 و روی يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا قيس بن الربيع، قال: حدثنا العبدي، عن أبي سعيد [الخدري]: أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) دعا الناس إلى علي (علیه السّلام) بغدير خم، و أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك، فقم و ذلك يوم الخميس، ثم دعا عليا و أخذ بضبعيه ورفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا.
فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): الله أكبر على إكمال الدين، و إتمام النعمة، و رضى الرب برسالتي و بالولاية لعلي من بعدي [ثم] قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله.
160- فقال حسان بن ثابت: [ائذن لي يا رسول الله أن أقول في علي أبياتا تسمعهن، فقال: قل على بركة الله،] فقام حسان، فقال يا معشر مشيخة قريش اسمعوا قولي بشهادة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم):
يناديهم يوم الغدير نبيهم *** بخم فأكرم بالرسول مناديا
يقول: فمن مولاكم و وليكم *** فقالوا: و لم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا و أنت ولينا *** و لا تجدن منا لك الدهر عاصيا
فقال له: قم يا علي فإنني ***رضيتك من بعدي إماما و هاديا.
161 روى الحسن بن الحسين العرني، عن أبي يعلى الأسلمي، عن عبد الله بن موسى، عن يحيى بن منقذ الشامي قال: سمعت ابن عباس يقول:
أمر الله تعالى نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) بإظهار ولاية علي (علیه السّلام)، فقال:
يا رب، الناس حديث عهد بالجاهلية، و متى أفعل، قال الناس: فعل بابن عمه كذا كذا!، فلما قضى حجه، رجع حتى إذا كان بغدير خم، أنزل الله جل و عز:
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فخرج رسول الله، و معه علي، فقال:
يا أيها الناس، ألستم تزعمون؟ أني مولى كل مؤمن و مؤمنة؟
قالوا بلى قال من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، و أعن من أعانه، و أبغض من أبغضه، و أحب من أحبه.
قال ابن عباس: فوجبت و الله بيعته في أعناق الناس و أتم خطبته.
و زاد بعض الرواة على بعض في معنى ما حكيناه:
162- و لما قال: ألستم تشهدون؟ أني أولى بكل مؤمن من نفسه و قالوا: بلى، استغلق الرهينة، وحصل الإقرار، فعطف الكلام على أوله بعد أن استوثق منهم، و عقد عليهم الأمر، فقال:
من كنت مولاه فعلي مولاه. ثم دعا له و لإخوانه، و دعا على أعدائه، و الخاذلين له، فقال: وال من والاه، و عاد من عاداه و انصر من نصره، و اخذل من خذله.
(و هذا دعاء لا يقع إلا لإمام مفترض الطاعة، و إلا فما معنى قوله:
و انصر من نصره، و اخذل من خذله) و لم يدر كثير من الناس ما عنى به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى اختلفوا و قد كانت نزلت على رسول الله: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم نزل الشرح بقوله [تعالى]:
اليوم أكملت لكم دينكم و نزل: و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله (و رسوله) أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.
و ذلك أنه لا خيرة مع الله جل ذكره الذي يعلم الغيب، و لا مع رسول الله، و لا يجوز إتباع الظن إنما هو اليقين، فتأول المنافقون، كما قال الله عز و جل: و قد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه و هم يعلمون.
163 فمنهم من قال ذلك، ولاء التكافؤ الذي المؤمنون به بعضهم أولى ببعض و منهم من قال: إنه عنى بالولاية التي جعلها الله لرسوله و جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن ذهب إلى ولاء التكافؤ ، فقد سخف رسول الله أن يجمع الناس و ينادي الصلاة جامعة و الرمضاء تحرقهم!! فيقول من اعتقته فقد اعتقه علي (علیه السّلام)، و لم يكن جمع عبيده و مواليه فقط، إنما جمع الناس على طبقاتهم و في الجمع عمر حين ضرب بيده على منكب علي (علیه السّلام)، و قال: أصبحت يا بن أبي طالب مولاي و مولى كل مؤمن ومؤمنة!!، و إذا كان ولاء التكافؤ ، فما معنى قول عمر، و قد أقر أنه مولاه!؟
و قالت العلماء لمن خالفهم من المنافقين و المخالفين: إن هذا القول من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يحتمل خمسة معاني لا غير، فمنها ولاء النبوة، و ولاء الإيمان، و ولاء الإسلام، و ولاء العتق، و ولاء الولاية، ثم نظروا
و قاسوا الوجوه الخمسة، فأجمعوا أنه لا يجوز أن يقوم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مجمع ينادي بتوكيد أمر لا معنى له، و لا حاجة بالناس إليه، و لا منفعة لهم فيه، فيكون قیامه عابث و هذا منفي عنه (صلی الله علیه و آله و سلم).
ثم نظروا هل يجوز أن يكون ذلك ولاء النبوة و الرياسة فاستحال لقوله (صلی الله علیه و آله و سلم) لانبي بعدي؛ ثم نظروا هل يجوز أن يكون ذلك ولاء الإيمان، أو الإسلام، أو العتق فوجدوا أن المعروف عند الناس، أن المؤمن ولي المؤمن لا ولي الكافر، و قد يكون إيمان علي (علیه السّلام) قبل أن يقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
ألولاء لمن أعتق، و لم يكن بهم حاجة أن يقوم النبي فيهم فيعلمهم ما كان عندهم مشهورا.
فقد بطلت الوجوه الخمسة باجماعهم، و أجمعوا ضرورة أن معنى الولاية أن يكون أولى بهم من أنفسهم، أنفسهم، كما كان النبي أولى بهم من أنفسهم، لا أمر لهم معه،
و قد شرح أمير المؤمنين (علیه السّلام) في كلام له، فقال:
164 - إني وليت هذا الأمر دون قريش، لأن نبي الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال:
الولاء لمن أعتق فجاء نبي الله بعتق الرقاب من النار و عتقها من النسيء، فهذان اجتمعا أعظم من عتق الرقاب من الرق، فكان للنبي ولاء
هذه الأمة، و كان لي بعده ما كان له، فما جاز لقريش على العرب من فضلها عليها بالنبي جاز لبني هاشم على قريش، و جاز لي على بني هاشم لقول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من كنت مولاه فعلي مولاه، و كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عهد إلي فقال: يا ابن أبي طالب لك ولاء أمتي من بعدي، فإن ولوك في عافية و اجتمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم، و إن اختلفوا عليك فدعهم و ما هم فيه، فإن الله سيجعل لك مخرجا.
و قد استغنينا بعد ما شرحنا من قوله من التأويلات، لأن التأويل إنما يقع في شيء لم يفسر، فإذا جاء عنهم . استغنى به عن كل قیل و قال، و أبى الله جل ذكره إلا ما كان من إقراركم بألسنتكم و اضطراركم إلى تلقف الظنون بعد التفسير، و إلى إعادة الحسبان بعد البيان، و إلى إشتفاء بعضكم من آباء بعض ما لا يغني من الحق، و رجوعكم إلى حكم الجاهلية و إلى أن أقمتم شرائع الدين بالرواية الكاذبة التي اختلفتم فيها، و إلى أن شهدت كل فرقة على صاحبتها بالنار، زادكم حيرة.
[علي أمير المؤمنين بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) برواية أبي سعيد الخدري]
: ثم قول أبي سعيد الخدري يدل على أنه أمير المؤمنين بعد رسول الله؛
165 رواه یحیی بن مساور، عن إسماعيل بن زياد عن فضيل بن يسار، عن أبي هارون العبدي، قال: كنت أرى رأي الخوارج، حتى جلست إلى أبي سعيد الخدري، فسمعته يقول: أمر الناس بخمس، فعملوا بأربع و تركوا واحدة فقالوا: يا أبا سعيد ما هذه الأربع التي عملوا بها؟ فقال الصلاة و الزكاة، و الحج، وصوم شهر رمضان، فقيل: فما الوحدة التي تركوها؟، قال: ولاية علي بن أبي طالب (علیه السّلام)!،فقيل و إنها مفترضة معهن؟ قال: نعم، قيل:
فقد كفر الناس إذا!؟، قال: فما ذنبي؟ و كان رسول الله قد أقامه
[مقامه] بعد أن نعيت إليه نفسه، و علم أنه لاحق بربه، وصائر إلى كرامته، فأمر أن يدل على الإمام القائم بأمره من بعده بما جاء به، ففعل به، و أقامه للناس، و إنما بقي بعد هذا الموقف ثمانين يوما.
(8) باب الرد على من قال: إن إسلام علي، إسلام الصبيان!!.
[علي بن أبي طالب (علیه السّلام) أول من أسلم و آمن برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و صدقه]. 166- زعمت البكرية، أن إسلام علي (علیه السّلام) إسلام الصبيان
ليس كإسلام المعتقد العارف المميز، فقلنا لهم: هل لزم عليا إسم الإسلام و حكمه لا؟، فلابد من نعم، ثم قلنا لهم فما معنى قولكم:
إسلام علي ؟ أقلتم على المجاز أم على الحقيقة؟، فإن قالوا على الحقيقة بطلت دعواهم، و إن قالوا على المجاز، فقد سخفوا قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يكون دعا إلى الإسلام من لا يعقل، ولا تقوم حجة الله عليه!.
ثم يقال لهم: فعلي عرف و أقر ، أو لم يعرف و لم يقر؟ فإن قالوا عرف و أقر، فقد بطل قولهم، و إن قالوا: أقر و لم يعرف، قيل لهم: فلم سميتموه مسلما و لما يسلم!، فإن إقترف ذنبا هل يقام على من يلزمه هذا الإسم حد، أو لا يقام عليه؟ فلابد من جواب!.
ثم يسألون، هل إنتقل عن حالته التي هو عليها مقيم، أو مقيم بعد؟
فإن قالوا: انتقل، فقد أقروا بالإسلام، و إن قالوا: لم ينتقل فمحال أن
يسموه بإسم لم ينتقل إليه، و لا يجوز يسمى غير المسلم مسلما، و يقال لهم: فهل دعاه رسول الله، أو لم يدعه؟ فإن قالوا: قد دعاه قيل لهم: دعا من يجب أن يدعوه، أو من لم يجب أن يدعوه؟ فإن قالوا:
من طريق التأديب لا من طريق الفرض قيل لهم فهل يجب هذا في غيره من إخوته و بني عمه، أو في أحد من الناس؟ و لم يخص النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عليا (علیه السّلام) بالدعوة، و أفرده ده من بين العالم إلا لعلة فيه خاصة ليست في غيره، أو ليس قد عرض على النبي إبن عمه يوم بدر، و قد تمت له أربع عشرة سنة، فلم يجزه، ثم عرض عليه يوم أحد، وقد تمت له خمس عشرة سنة، فأجازه، فصار هذا السر أصلا للعالم، و جرت عليه الأحكام أفما وقفوا على أن هذا الرجل مخصوص
بأشياء هي محظورة على غيره، كسد أبواب الناس و فتح بابه أو ليس قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): له أن
يجنب في هذا المسجد، و ليس ذلك لغيره، و هذه أسباب لا يدفعها من آمن بالله إلا من جرى على العناد!.
و يقال لهم: خبرونا عن علي حيث دعي لو لم يجب إلى ما دعي إليه، أكانت تكون حالته كالإجابة إلى ما دعي إليه؟ فإن قالوا: الحالتان واحدة
فقد أحالوا تسميتهم إياه مسلما، و إن قالوا: حالته خلاف حالته الأولى، فقد أقروا أيضا بما أنكروه و يقال لهم: لم لم يرث بزعمكم أبا طالب، و فيه الدليل البين؟!.
ثم يسألون عن علي (علیه السّلام): فيقال لهم: أليس كان في أمره مصمما، و على البلايا صابرا، و لملازمة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و الرغبة في خدمته مؤثرا، و لأبويه مفارقا، و لأشكاله من الأحداث مباينا، و لرفاهية الدنيا و لذاتها مهاجرا؟، قد لصق برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يشاركه في المحن العظام و النوازل الجسام مثل حصار الشعب، و الصبر على الجوع و الخوف من إحتمال الذل بل هو شبيه يحيى بن زكريا (علیه السّلام): في الأشياء كلها غير النبوة، أنه و باین الأحداث في حال حداثته، و الكهولة في حال كهالته و يقال لهم: أخبرونا هل وجدتم أحدا في العالم من الأطفال و الصغار و الكبار من قصته كقصة علي (علیه السّلام): أو تعرفون له عديلا أو شبيها، أو تعلمون أن أحدا أخص بما خص به، کلا، و لا يجدون إلى ذلك سبيلا، فلذلك جعله المصطفى (صلی الله علیه و آله و سلم) أخاه و وزيرا لنفسه و من بعده وزيرا و وصيا و إماما.
(9) باب: تثبيت الإمامة و أنها مفترضة (و تثبيت الوصاية لقرب الأمر بينهما)
[لقد بدأت بإستنساخ هذا القسم من الكتاب أي الباب التاسع، يوم الثلاثاء الثاني و العشرون من جمادي الثانية لسنة / 1398 مستمدا من الله عز و جل أن يوفقنا لإتمامه.]
167 - قال الله جل و عز: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم.
و قال تعالى: إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون.
فوصف الله تعالى الولي بفضله، و دل عليه بشخصه، و قرن ولاية المدلول عليه الموصوف بالصلاة و الزكاة في حال الركوع بولاية الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، فنحن نطالب بأن يدل على المدلول عليه، فليجعلوه من شاؤا بعد أن يقيموا فإن هذه الإمامة مفترضة طاعة لله عز و جل، و قد دل على شيء من الأشياء، و لا يجوز أن يجعل قول الله عز و جل هزوا ، ثم قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم غدير خم ما ذكرناه من قبل ثم دعا
لمن نصره بالنصر، و على من خذله بالخذلان، و لا بد لقول الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) من معنى حيث أخبر أن موالاته موالات الله تعالى، و أن معاداته معاداة الله جل إسمه.
فنحن نقررهم، أن هذا يوجب إمامة وخلافة، إذ كان النص لا يكون إلا لإمام، و إلا لبطل المعنى، و لم دل عليه، ودعا إليه و لأوليائه بالنصر، و على أعدائه بالخذلان في ذلك الموقف و ذلك الوقت، في غير وقت صلاة، و الرمضاء تحرق أرجلهم ، و لم ينتظر وقت الصلاة و لا دخول المدينة، فهذا يدل على أمر قد أمر به أن يأتيه قبل أن يزول عن مكانه.
168 - و نرجع الآن إلى قول الله عز و جل، الذي هو الأصل، و عليه بناء الأمر: أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم و هذه مخاطبة من الله جل ذكره، خاطب بها المؤمنين، و لم يخاطب بها أولي الأمر، بل أمر المؤمنين أن يطيعوه و
يطيعوا أولي الأمر، و المخاطبة بعث على من ندبهم إلى طاعته و طاعة أولى الأمر، و ذلك أنه لا يجوز أن يكون المطيع هو المطاع و لا المأمور هو الأمر، و الدليل أنه لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة الرسول كما قرن عز و جل طاعة رسوله بطاعته
تعالى، إلا و أولي الأمر فوق الخلق، كما أن رسول الله فوق أولي الأمر، و نحن
نطالبهم في هذا الموضع أن يدلونا على هؤلاء القوم الذين دل عليهم، فإن الله لم يكن يوجب و لا يوجد قال و نضطرهم إلى الإقرار إن الله إذا دل على قوم بأعيانهم فحرام مخالفتهم إلى غيرهم.
169 - و احتج علينا القوم: أن الله عنى بأولي الأمر، أمراء السرايا، فاحتججنا عليهم نحن بقاطعة، أن الله تعالى، إن كان أمر بطاعة أمراء السرايا، فقد أمر بطاعة المنهزمين، فإن أبا بكر كان من أمراء السرايا يوم خيبر، ثم عمر، فانهزما، و هل هذا الأصل إلا سنة موسى و هارون حذو القذة بالقذة، و الله يقول: سنة الله في الذین
خلوا من قبل و لن تجد لسنة الله تبديلا. و كان موسی و هارون وقفا على بني إسرائيل يذكرانهم نعم الله و يكرران ذلك، ثم قالا لهم: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم و لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، فكان جوابهم الإباء، و احتجاجهم بالخوف و الرهبة من القوم الذين استعظموا أجسادهم، و استكبروا أبدانهم، فقالوا: إن فيها قوما جبارين و إنا لن ندخلها حتى يخرجوا فشرط لهم موسی و هارون [عليهما السلام] الغلبة و النصر و الفلج، فأبوا إلا تمسكا بالمعصية، و رهبة من القوم، و اتهموا موسی و هارون في قولهما!، ففسقهم موسى (علیه السّلام) بقوله: فافرق بيننا و بين القوم الفاسقين.
170 - إن مثل ذلك أيام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، حين انصرف من الحديبية، و كان فتح خیبر، بين فتح المدينة، و فتح مكة، فسار إليهم حتى نزل بساحتهم، و قد تلا على
أمته من بني إسماعيل ما تلاه موسى على أمته من بني إسرائيل، من ضمان الله لهم بالفتح، فأخذ الراية الأول فانصرف منهزما، فهذا من كلام بني إسرائيل الأول: إن فيها قوما جبارين، ثم أخذ الراية الثاني، وكان ذلك سبيله فانصرف منهزما، يجبن أصحابه و يجبنونه من غير قتال و لا لقاء فكانت سنة القوم من الثاني، إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فهذا عملها، و القصة تطول حتى
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله، و يحبه الله و رسوله كرارا غير فرار.
، فسمي من أعطاه الراية كرارا، وسمي من انهزم فرارا؟.
ثم ما فعله خالد بن الوليد في بني جذيمة حين
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد.
، و كان أيضا من أمراء السرايا و قد انهزم الأول و الثاني مع عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، فهؤلاء أمراء السرايا قتلوا النفس المحرمة، فتبرأ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من فعل
خالد، و بعث عليا (علیه السّلام)، فوداهم حتى ميلغة الكلب، و قد زعموا أن الله أمر بطاعة المنهزمين!!.
171 - و وجه آخر: أغلط مما ذكرنا، أن أمراء السرايا قد ماتوا كلهم، و الأمة قائمة، فإذا كانت الآية قد [أمات] مات من نزلت فيه بطلت، فليس بعدهم طاعة و في ذلك نقض الولايات، على أن الآية لا يكون ثلثاها ناسخا، و ثلثها منسوخا، لأن طاعة الله طاعة رسوله فرض إلى يوم القيامة، و طاعة ولاة الأمر إن كانوا أمراء السرايا ساقطة، فهذا واضحة؟
و زعم قوم منهم، أنهم العلماء والفقهاء، و أن الله فرض طاعتهم على الأمة، و وجدنا الذين أشير إليهم بالعلم و الفقه منهم قد اختلفوا في الأحكام، فإن كانت طاعة الله تلزم بالإختلاف، و بأن يحرم أحدهم الفرج و يحله الآخر، فإن أطيع فقيه فيما يحل عصى الآخر فيما يحرم، و إن عصى الذي يحل أطيع الذي يحرم ، فكيف يطاعان في حالة واحدة؟
و كيف يفرق بين من طاعته لازمة؟ و بين من طاعته غير لازمة؟ و كيف تلزم الطاعة قوما هذه حالتهم؟ و كيف يعرف ولي الله من عدوه؟ و كيف يعلم حزب الله من حزب الشيطان.
فقد وضحت هذه أيضا عليهم، و بطل إحتجاجهم و الحمد لله، و لو لا ما يجرون إليه من العناد، ما احتجنا إلى الاحتجاج عليهم بعد ما يرون من فقهائهم، و رواة أخبارهم ما نذكره:
172 روى الحسين بن نصر المنقري: قال أخبرني إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن السدي، عن أبي صالح:
عن ابن عباس في قول الله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، قال: علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
73 قال: و في قوله [تعالى]: و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم قال ابن عباس: علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
و احتج عليهم بعض المحتجين، فقالوا: أخبرونا عن القوم الذي ذكرتم، أ كانوا معصومين أم لم يكونوا معصومين؟ فإن الإمام لا يجوز أن يكون غير معصوم، إذ يكون محتاجا إلى غيره، و إلى حاكم يقيم أوده و إذا كان غير معصوم فهو غير مأمون على نفسه في إنتهاك المحارم، و لا يجوز أن يكون محتاجا إلى معلم يعلمه،
و إلى أحد فوق يديه، إن إنتهك محرما أقام عليه الحد ، و إن إرتكب منكرا أزاله، و إذا كان كذلك لم يؤمن على غيره، ومستحيل أن يكون الإمام محكوما عليه، و هو المؤدب للناس، و من المحال أن يحتاج إلى من يرشده، و هو المقوم المرشد، فهذه واضحة.
174 - و إحتج بعض أهل العلم عليهم، فقال: أخبرونا عن هؤلاء
العلماء الذين أمر الله بطاعتهم، و الوقوف عند أمرهم، أنهم متساوون في متساوون في المعرفة و العلم أم بعضهم أعلم من بعض، فإن قالوا: هم متساوون فقد أحالوا، و إن قالوا: يتفاضلون، قيل لهم: فما علامة الفاضل، و إلى من ترجع الأمة؟ إلى الفاضل أم [إلى] المفضول؟ فان قالوا: بل إلى الفاضل فقد ثبت موضع الفضل و العلم، و استغنينا عن إقامة البرهان.
و إحتج فقال: إنا وجدنا صاحبكم بخلاف هذه الصفة، و رأيناه قد جرى عليه الخطأ و الزلل في الأحكام، و وقف الناس على ذلك حتى نقموه و أنكروه، و ردوه، فدللنا فعله ذلك على أنه غير معصوم ، ثم أمره في الفقه و العلم ظاهر عند الإمامة، وقد قال الله [تعالى]: أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى. و ذلك في أشياء نقمت عليه الأمة، و نحن نذكرها ما احتج به هذا المحتج في أمره و أمر صاحبه.
ذكر أن الأمة نقمت على الأول، و هو القائم مقام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) باختيار قوم منهم إياه، أنه سمى نفسه خليفة رسول الله، و أنه كتب إلى العمالة من خليفة رسول الله، ثم زعم و زعم صاحبه: أن النبي لم يستخلف أ فيكون خليفة رسول الله من لم يستخلفه رسول الله؟ فكيف استجازت الأمة أن تنصب له خليفة لم يقمه؟ و كيف سمته خليفة رسول الله؟ و كيف
يجوز لها أن تقيم خليفة لا تقدر على عزله إذا نقمت عليه؟، ثم مع ذلك زعمت الأمة، أنه أولى بمقام رسول الله من أهل بيته!، و أن المهاجرين من آل أبي قحافة و آل الخطاب خير من المهاجرين من بني هاشم، فكانت أول شهادة زور شهدوا في الإسلام، و كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أول مشهود عليه في الإسلام، و كانوا أول مشهود عليه بالزور ،!! فهذه ظلامة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
175 - و نقموا عليه :أنه زعم، أن الأنبياء لا يورثون خلافا لقول الله عز و جل:
حتى تواصلوا إلى أخذ نحلة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لابنته فاطمة (عليها السلام) و لم يقبلوا دعواها، سألوها البينة، فأتت بعلي و الحسن و الحسين، و جاءت بأم أيمن فرد شهادتهم و لم يقبلها، و قال: أما علي فزوجك يجر إلى نفسه بشهادته، و كذلك الحسن و الحسين يجران بشهادتهما إلى أنفسهما ، و أما أم أيمن فهي مولاتكم.
ثم سن بذلك
للإمامة ألا تقبل شهادة الرجل لامرأته، و لا [شهادة] إمرأة لزوجها، و لا الوالد لولده، و لا الولد لوالديه!! و لم تجتمع الأمة على أن رسول الله رد شهادة أحد من هؤلاء ؟!!.
فيا معشر المسلمين، انظروا إلى ما فعله هذا الذي قام مقام رسول الله و سمى نفسه خليفة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كيف استجاز منع فاطمة (عليها السلام) حقها، و كذبها في دعواها، و جرح شهادة علي بن أبي طالب، و الحسن و الحسين،! [و هما سيدا شباب أهل الجنة].
و لعمري لقد دل قول الثاني، على ما قد فعلوه، حين توفى رسول الله فجاء حتى دخل على علي (علیه السّلام) بما نحن ذاكروه.
176 رواه الواقدي قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر يقول: لما توفي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) خرجت أنا و أبو بكر، حتى دخلنا على علي بن أبي طالب، و هو في بيت فاطمة، و عنده المهاجرون، فقلت:
ما ذا تقول يا علي؟ قال: أقول خيرا، نحن أولى برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و ما نزل، قلت الذي قال: نعم قلت: نعدل قال: نعم، قلت: كلا، و الذي نفسي
بيده حتى تحزوا رقابنا بالمناشير
فهذا دليل [على] أنهم قصدوا أهل بيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
[إعطاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فدك لفاطمة (عليها السلام):]
فأما فدك:
فقد روى فقهاؤهم و علماؤهم، أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لما نزلت عليه: و آت ذا القربي حقه قال رسول الله: يا فاطمة، لك فدك.
177 و روى أيضا، قال: لما نزلت على رسول الله: و آت ذا القربى حقه دعا فاطمة، فأعطاها فدك.
178 و حدثنا، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: حدثنا علي بن عابس الملائي، عن فضيل بن مرزوق عن عطية: عن أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم):
و آت ذا القربى حقه قال: يا فاطمة لك فدك.
فهذه رواياتهم، ثم يجرون إلى العناد، و إلى منع ابنة رسول الله
حقها، تعصبا على رسول الله و ذريته!!.
و لعمري لقد كان عمر بن عبد العزيز أعرف بحقها حين رد إلى محمد بن علي (علیه السّلام) فدك، فقيل له: طعنت على الشيخين؟!، فقال: هما طعنا على أنفسهما، و ذلك لما صار إليه محمد بن علي (علیه السّلام).
[موعظة الإمام محمد بن علي الباقرع لعمر بن عبد العزيز]
179 رواه أبو صالح الطائي، قال: حدثنا الحماني، قال:
حدثنا شريك، عن هشام بن معاذ، قال: كنت جليسا لعمر بن عبد العزيز، حيث دخل المدينة، فأمر مناديه أن ينادي: من كانت له مظلمة، أو قال: ظلامة، فليأت الباب، فأتاه محمد بن علي (علیه السّلام) فدخل عليه مولاه مزاحم، فقال له: إن محمد بن علي (علیه السّلام) بالباب، فقال له: أدخله يا مزاحم فدخل محمد، و عمر تسح عيناه بالدموع، فيمسحها، فقال محمد (علیه السّلام): ما أبكاك يا عمر ؟ فقال هشام: أبكاه كذا و كذا يا ابن رسول الله.
فقال محمد [بن علي (علیه السّلام)]: يا عمر، إن الدنيا سوق من الأسواق، منها خرج الناس بما ينفعهم، و منها خرجوا بما يضرهم، و كم من قوم هم قد ضرهم مثل الذي أصحابنا فيه حتى أتاهم الموت فاستوعبوا فخرجوا من الدنيا نادمين، لما لم يأخذوا لما أحبوا من الآخرة عدة، و لا لما كرهوا جنة، قسم ما جمعوا من لا يحمدهم، و صاروا إلى ما يعذرهم، فنحن و الله محقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نغبطهم بها فنوافقهم فيها، و ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نتخوف عليهم منها، فنكف عنها؛ فاتق الله و اجعل في قلبك اثنين تنظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدمه بين يديك حتى تخرج إليه، و تنظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربك، فابتغ به البدل، و لا تذهبن إلى سلعة بارت على من كان قبلك.
فاتق الله يا عمر، و افتح الأبواب، و سهل الحجاب و انصر المظلوم،
و رد المظالم، ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله :
فجثا عمر على ركبتيه، ثم قال: إيه أهل بيت النبوة، قال: نعم يا عمر، من إذا رضي لم يدخل رضاه في الباطل، و من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، و من إذا قدر لم يتناول ما ليس له.
قال: فدعا عمر بدواة و قرطاس و كتب:
بسم الله الرحمن الرحيم*:
هذا ما رد عمر بن عبد العزيز* ظلامة محمد بن علي، فدك.
ثم كان، يجب على الأمة أن ينظروها، و لا يخذلوها، و لا يكذبوها فإن فاطمة بضعة من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا تدعي غير حقها، و علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين لا يشهدون بالزور.
فذكر هذا المحتج، أن من فعل هذا الفعال بآل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلا نصيب له في الإسلام.
هذا و قد أعطيا ابنتيهما ما ادعيا من ميراث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم منعهما عثمان.
روى ذلك، شريك: أن عائشة و حفصة أتنا عثمان بن عفان تطلبان منه ما كان أبواهما يعطيانهما، فقال لهما: لا والله، و لا كرامة، ما زاد لكما، عندي، فألحتا، و كان متكئا فجلس، و قال: ستعلم فاطمة، أي ابن لها أنا اليوم، ثم قال لهما ألستما اللتين شهدتما عند أبويكما؟ و لفقتما معكما، أعرابيا يتطهر ببوله، مالك بن أوس بن الحدثان، فشهدتما الحدثان فشهدتما معه، أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: لا نورث ما تركناه صدقة؟
فمرة تشهدون، أن ما تركه رسول الله صدقة، ومرة تطالبون ميراثه،
فهذا منأعاجيبهم.
180 - و مما نقموا عليه:
أن العباس بن عبد المطلب، أتاه، و طلب قطيعته التي كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أقطعه إياها من الحيرة و الرصافة و الغائظ، فلم يقبل قوله.
، و لم يجز له ما أجازه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و هو يعطي الأعراب و الأحزاب، و الطلقاء و أبناء الطلقاء، ويصدقهم على ما ادعوه و مناديه فى كل موسم من كانت له عدة عند رسول الله، كائنة ما كانت فليأت، فكان يعطيهم، و يقبل دعواهم،
و يكذب عم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و يجرح شهادة علي (علیه السّلام) و لا يقبل قول فاطمة الزهراء (عليها السلام) و لا قول ابنيها،! ثم يسألهم البينة، فإذا أتوا بها تسلق عليهم بالحيل جرأة على الله عز و جل، و عداوة لنبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) و تعرضا لأهل بيته.
181 - و مما نقموا عليه:
أن فقهاء الأمة اجتمعوا فيما نقلوا أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يقسم الخمس من الغنائم في بني هاشم على ما فرضه الله،.
و أن الأول لما ادعى أن الخمس للمسلمين ادعاه من بايعه معه، ثم استوفى الخيل و السلاح، فقسمها بين المسلمين لم يسأل البينة، كما سئل العباس و فاطمة (عليها السلام)، فنحى بني هاشم، عن جميع ما كان لهم ، و أزال أمرهم، و أطمع فيهم الطلقاء أبناء الطلقاء، حتى مضت سنته، و بطلت سنة رسول الله، و جاء، من بعدهما معاوية و ابنه، فوثبا على حق رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فاحتازاه، ثم قتلا ولديه، و أباحا حريمه، فلما كان من محمد بن أبي بكر الاحتجاج عليه، قال: يا محمد، أبوك مهد مهاده و ثنى لملكه وساده، و وافقه على ذلك فاروقه، فإن يكن ما نحن فيه حقا فأبوك أوله، و إن يكن باطلا، فأبوك أساسه، فعب أباك بما بدا لك، أو دع،
في كلام كثير. ثم أفضى الأمر إلى يزيد بن معاوية، فقام مقام رسول الله، فوثب بما سنه له أبوه، و سنه الحبران الفاضلان بزعمهم على ابن رسول الله، و سید شباب أهل الجنة، في جماعة من ولد أبيه الذين هم ولد رسول الله من بني هاشم، و سبي بنات رسول الله سوقا إلى الشام كما تساق سبايا الروم و الخزر، و الأمة تنظر، لا معين يعين، و لا منكر ينكر.
ثم أباح المدينة حرم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أياما و لياليا لأهل الشام، حتى افتض فيها ألف بكر من بنات المهاجرين والأنصار و [كان] الملعون يتمثل بقول ابن الزبعري:
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا و استهلوا فرحا *** ثم قالوا: يا يزيد لا تشل
قد جزیناهم ببدر بعد ما *** قوم القتل بقتل فاعتدل
لست للشيخين إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
إن يكن أحمد حقا مرسلا *** لم يكن عترته الله خذل
فحقق عدو الله و ابن عدوه، أنه قد طلب ثاره من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و أنه أدركه أصيب من أهل بيته يوم بدر و ذلك بما سنه الحبران الفاضلان، فما فاتت بمن خصلة من الخصال تركوها و لم يأتوها، لقد بقيت آثار كسري قائمة إلى غايتنا هذه، و آثار رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) دارسة، و لقد إصطفوا أمواله بعده، و هدموا نبوته، قتلوا ولده، و سبوا بناته، و أخذوا خمسه، و هدموا مسجده، و عمروا فيه آثارهم، و رزقوه و شیدوه، خلافا على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و كسروا منبره و خالفوا عليه
بالزيادة، و هدموا عليه بيت ربه مرتين من بعده، و استحلوا حرمه و حرم ربه، و أباحوه، و غيروا سنته، و أبدعوا في دينه، و دخلوا عليه بيته بغير إذنه فهذه الأشياء كلها مما سنه الحبران الفاضلان.
182 - و مما نقموا عليه:
أنه لما ولي، قال للناس: لا تفردوني من عيالي، فإنه لا بد لي و لكم من كري أعطيه على القيام بأمركم وصلاتكم و حجكم، و جهاد عدوكم، و إقامة الحدود، و غير ذلك من دين الله الذي بعث به محمد، ففرضوا له ثلاثة دراهم في كل يوم على قيامه بأمرهم.
، فكانت صلاته بهم، و جهاده، و حکمه، و غير شيء من حكمه، و غير شيء من أعمال البر بكرى، و إجماع الأمة أنه من عمل شيئا من أعمال البر بكرى كان عمله فاسدا مردودا عليه و أن الصلاة خلف المستأجر فاسدة، وجعل ذلك يقوم من بعده، و للأمة التي تعمل شيئا من أعمال البر، فليس أحد الأمة حكم، أو تعليم قرآن إلا طلب عليه الكري، اقتداء به و بصاحبه و استنانا بسنته، فذهبت الحسنة من الناس بتعليم الخير ، و رأوا أخذ الكري أصلح و أجدى عليهم في دنياهم.
فمن هاهنا أخذ القضاة الكرى على الحكم وقالت الفقهاء: أعطونا نحدثكم، و قال المؤذنون: أعطونا نؤذن لكم، وقالت القصاص أعطونا نقص لكم، و قال الأئمة: أعطونا نؤمكم في شهر رمضان، و قال الله جل ذكره خلاف هذا، و أخبر عن الأنبياء، و خلائف الأنبياء، أنهم لم يسألوا أحدا شيئا على ما أتوهم به، فقال: اتبعوا من لا يسئلكم أجرا و هم مهتدون ولا نعلم نبيا من الأنبياء، و لا عالما من العلماء يريد بعلمه يسأل شيئا، لا ذهبا و لا فضة، فهذا ما سنه الحبران الفاضلان؟!.
183 - و مما نقموا عليه: فعله بالفجاءة، إحراقه بالنار، و هو يقول: أنا مسلم،
روى الواقدي قال: حدثنا عبد الله بن الحرث بن الفضل، عن أبيه، عن سفيان، عن أبي العوجاء السلمي، في حديث طويل قال:
كتب الأول، إلى طريفة بن حاجزة، و هو عامله، أما بعد فقد بلغني أن الفجاءة ارتد عن الإسلام، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأسره فتأتين به في وثاق و السلام.
فسار بمن معه، فلما التقيا، قال: يا طريفة ما كفرت، و إني لمسلم، فأوثقه طريفة في جامعة، و بعث به إلى الأول، فلما قدم إليه، أرسل به إلى ابن جثم فحرقه بالنار، و هو يقول: أنا مسلم.
ثم سلط خالد بن الوليد على الناس، فقتلهم، وقتل مالك بن نويرة على الإسلام رغبة في امرأته لجمالها، فسوغه الأول ذلك، و أنكره الثاني عليه، و لم يغير ذلك، و أهدر دمه.
184 - و مما نقموا عليهم: أنهم غيروا ما فرضه الله عليهم، في حرمة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و لم يشكوا أن حرمته في وفاته كحرمته في حياته، فقد قال الله جل و علا: لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم، و أجمعت الأمة أن النبي لم يعهد إليهم في دفن الأول و الثاني معه بيته و لا أوصى بذلك، فضربوا بالمعاول عند رأسه و أدخلوا القوم عليه، و دفنوهما معه بغير إذنه، و تراهم يبرمون في النهي عن رفع الصوت في مسجد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إعظاما له، وتوقيرا، و لم يوقر في ضرب المعاول عند رأسه، ثم أدخلوهما عليه و كانا لا يطمعان في الدخول عليه و هما حيان، و هو حي بغير إذنه.
و من العجب، أن الثاني أرسل إلى عائشة يستأذنها في الدفن مع الرسول!؛ فليت شعري، ما معناه في ذلك؟ و أي أمر إلى عائشة في الدفن مع رسول الله؟ و قد قال الله جل و عز: لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم فنسب الله البيوت إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و نسبها الثاني، إلى
عائشة، و لا يجوز أن يدفن النبي إلا في بيته، و الموضع الذي قبض فيه، فإن كان البيت لعائشة كما زعم الثاني، فقد جعلته للنبي، لأنه لا يدفن الأنبياء إلا في أرضهم و ملكهم، و إن جعلته للنبي فقد خرج من ملكها، فما معنى استيمارها؟، و إن كان البيت من قبل النبي كما قال الله جل و عز، فعائشة و غيرها من الأجنبيات في البيت سواء، فما ندري أي شيء كان لعائشة من أمر رسول الله ص حتى استوذنت فأذنت، فهذا ما فعل الحبران الفاضلان.
[تحريم عمر: المتعتان وحي على خير العمل]
185 - و مما نقموا على الثاني: الذي سموه فاروقا، و زعم المحتج أنه إنما سمي إنما بذلك لأنه فرق بين الحق و أهله، و
أنه صعد المنبر، وقال:
أيها الناس، ثلاث كن على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنا أنهى عنهن و أحرمهن و أعاقب عليهن، منها: المتعتان، متعة النساء و متعة الحج، فإنه متى لم يتمتع الناس بالعمرة إلى الحج اعتمر الناس في كل وقت قدرت عليكم الحيرة و قامت ذلك أسواقكم في كل وقت مع في من تحصين الإحرام و تعظيمه، فإني أستفظع أن يروح الحاج إلى منى شعثا غبرا قد لوحتهم السماء، و غيرت ألوانهم الشمس، و روح المتمتعون [المتمتعين] لم يصبهم من ذلك شيء!.
و أما متعة النساء، فإني متى أبحتها للناس لم يزل الرجل يرى في حرمه مثل هذا الطفل و جاء بطفل من ولادة متعة، فصعد به المنبر!؛ و الثالثة: حي على خير العمل، فإن الناس إذا سمعوها في الأذان، اتكلوا عليها وعطلوا الحج و سائر الأعمال!.
فما أعجب من هذا الفعل يا معشر المسلمين!، أن يقوم عمر على منبر رسول الله يحرم، و يحلل و يحظر و يطلق من غير أمر
رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و بعد انقطاع الوحي، فلا برسول الله، و لا بصاحبه الذي أقامه ذلك المقام، إقتدى، و أعجب من هذا أن المهاجرين والأنصار قعود، و لا ينكر ذلك منكر، و لا يدفعه دافع، قد أطيع في ذلك كله و أخذ بأسماعهم و أبصارهم حتى قال بعض الصحابة: إنا لنراه بقية الرهبان، و قال الله عز و جل: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله و ما صلوا لاحبارهم ورهبانهم و لكن دعوهم إلى معاصي الله عز و جل، فأجابوهم فكانت تلك عبادتهم و هم المهاجرون و الأنصار الذين شهدوا رسول الله و شهدوا أحكامه و نزل القرآن بين ظهرانيهم.
186 -
و روى الواقدي قال: حدثني هارون، عن أبان بن صالح، عن عامر بن سعيد، عن عدي بن حاتم، أنه جاء إلى رسول الله فقال:
يا رسول الله اتخذوا أحبارهم و رهبانهم و رهبانهم أربابا من دون الله، و الله ما كانوا يعبدونهم، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أليس إذا كانوا أحلوا لهم شيئا استحلوه؟ و إذا حرموا عليهم شيئا حرموه؟ فقال عدي: بلي، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): فتلك عبادتهم.
، فصار عمر على هذا معبودا عندهم و في هذا إبطال أمر الله و طرح سنن رسول الله؟، فهذا الذي زعموا لم
يغير و لم يبدل، و هو عندهم الحبر الفاضل!.
187 - و مما نقموا عليه:
أن الناس كانوا على عهد رسول الله و عهد الأول، و صدرا من ولايته يطلقون النساء طلاق السنة، حتى أجاز الثاني، الثلاث في مجلس واحد، وقال: أجيزوها لئلا يتبايع فيها الغيران، و السكران، وقال: إن الله جعل لكم في الطلاق أناة فاستعجلتموها فأجزت عليكم ما استعجلتم!.
فلو أن قائلا له: يا ثاني من أطلق لك أن تجيز أمرا لم يجز الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، و من جعل إليك التحريم و التحليل؟ و من أباح لك ذلك المحظور؟ لا و الله، و لكنهم عبدوه عبادة، و أجازوا أمره في مخالفة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، كل ذلك حملا على بني هاشم أهل بيت النبوة؟!.
188 -
و روي: أن عبد الله ابنه، طلق امرأته ثلاثا على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فردها عليه، و أمره أن يمسكها أو يطلقها للسنة.
، و عطلوا ما قال الله عز و جل في الطلاق للعدة، و عصوا الله جل و عز و أطاعوه؟! وقد أنكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : الطلاق الثلاث.
رواه الشاذكوني، قال:
189 - حدثنا عبد الله بن وهب المصري، قال: حدثنا مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبيه، قال: سمعت
محمود بن لبيد يذكر، أن رجلا طلق امرأته على عهد رسول الله، ثلاثا بمرة واحدة فقال: يلعب بكتاب الله، و أنا بين ظهرانيكم.
190 - و مما نقموا عليه:
أن العلماء، و رواة الحديث، رووا: أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، صلى بالناس، فجمع بين الظهر و بين العصر و بين المغرب والعشاء، من غير خوف و لا مطر.
قال الراوي: قلت لابن عباس : لم فعل ذلك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟
قال: لئلا يحرج أمته.
و
قال الثاني: الجمع بين الصلاتين من الكبائر؟!.
191 - و مما نقموا عليه:
أن رسول الله، وضع المقام بين الكعبة و الحجر، بينه و بين جدار الكعبة ذراع، فكان هناك صلاة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في ولاية الأول، و أمر الله جل ذكره نبيه، أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، و فرض ذلك عليه، و على الأمة فلما ولي عمر، قال: من يعرف موضع المقام في الجاهلية؟ فقال ابن أبي وداعة السهمي:
أنا يا أمير المؤمنين أعرفه، لقد أخذت مقداره و قياسه بشبر عندي و
علمت أنه سيحتاج إليه يوما ما، فقال له الثاني: آت به، و قدره و قاسه حتى انتهى إلى الموضع الذي كان فيه في الجاهلية، فوضعه فيه، فهو فيه إلى يومنا هذا.
، فأزال المقام عن الموضع الأول الذي وضعه فيه رسول الله و وضعه في الموضع الذي كان فيه في الجاهلية، و لم يرض بفعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و لا بقول الله حيث قال: اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فأبطل أمر الله، و دفع أمر رسول الله، و أحيى أمر الجاهلية و المهاجرون و الأنصار حوله، قد ضربت عليهم الذلة، فليس منهم منكر
و لا مغير، و قد نقل شريعتهم التي شرعها الله و رسوله إلى الشرائع الجاهلية ثم يزعمون أنه لم يغير و لم يبدل! 192 - و مما نقموا عليه: أخذه ثمانين ألف درهم،
من أموال المسلمين، ثم أوصى إبنه عبد الله عند موته، أن يكثر فيها ماله، و يردها، و قد قتل عثمان في أقل من هذا المقدار!؛ و لا نعلم أحدا روى، أن عبد الله، قضى هذا المال عن الثاني!.
193 - و مما نقموا عليه:
قوله لعياله: أنا و أنتم في هذا المال كولي اليتيم، إن استغنينا استعففنا، و إن احتجنا أكلنا بالمعروف.
، و الرواية عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لرجل سأله زماما من شعر من الغنيمة، فقال: سألتني زماما من نار، ما كان لك أن تسألنيه و لا لى أن أعطيكه،.
فمن أين جاز للثاني أن يدفع من أموال المسلمين، ما لم يجزه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في نفسه، و إنما هو مقدار زمام من الشعر، و لم يرو أحد عن رسول الله، أنه استحل شيئا من مال اليتيم، لا بسبب فيء و لا غير ذلك مما قد أباحه الثاني لنفسه، و لم يعده، ثم أنزل أقواما ذي عقول و أحلام بمنزلة الأيتام، و حظر عليهم، و حرم و أباح و حلل، فقبلوا ذلك منه، و لم ينكروه عليه، و كان لعمري أعرف بهم و أعلم.
194 - و مما نقموا عليه: وضعه للعطاء، وفرضه إياه للناس، و اتباعه سير الأكاسرة و القياصرة، رغبة عن الاستنان بسنة
رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فإن من سنته حمل [الناس] على الجهاد و طلب الثواب من الله، فأفسد على الناس الجهاد، و أفسد النيات، و سن فيهم الجهاد بالكرى، فترك الناس ما أمرهم الله به، و مالوا للكری، و الناس يجاهدون منذ زمانه إلى اليوم على مطامع العطاء، و كرى الديوان، فذهب الجهاد الذي أمر الله به إلا من قوم قليل، و أجمعت الأمة، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يفرض لأمته العطاء، و لا وضع لهم ديوانا، و ما فعل الرجل هذا إلا خلافا على رسول الله، و على صاحبه.
195 - و مما نقموا عليه: ما أحدث في الفروج، و قوله: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء، فمضت السنة بذلك، إلى اليوم، و جرى الحكم بالحكمية و العصبية، و الكتاب ينطق بخلاف ذلك و السنة، وجائت بإجماع الأمة، أن رسول الله، عمل في ذلك بخلاف ما عمله الثاني و سنه.
196 - و مما نقموا عليه: قوله : ليس على عربي ملك، وقد سبي
رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من قبائل العرب ما عتق، و استرق و أطلق، كما فعل بالعجم، و فعل ذلك أبو بكر فيمن سبى من أهل الردة، فخالف عمر رسول الله، و خالف صاحبه، و أطلق أبو بكر وقال: ليس على عربي ملك خلافا على رسول الله، و خلافا على صاحبه.
197 - و مما نقموا عليه: قوله: لا تجلدوا العرب، و لا ترجموها فتفتنوها، و الأمر عن الله تعالى، و عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): أن العجمي و العربي في إقامة الحدود سواء إذا وجب عليهما، في ذلك تعطيل الحدود و الخلاف على الله، و على رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم).
198 - و مما نقموا عليه: تفضيله للناس بعضا على بعض في القسمة، و تفضيله المهاجرين على الأنصار، و تفضيله الأنصار على غيرهم، و تفضيله العرب على العجم، و قد كان أشار على أبي بكر بذلك فلم يقبل منه قال: لقد عهدنا رسول الله أمس في هذه القسمة، و قد كان معه المهاجرى و الأنصاري، و العجمي، فلم يفضل أحدا على أحد، و إن و إن أنا عملت برأيك، لم آمن أن ينكر الناس علي لقرب عهدهم بسيرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و إنما هذه القسمة معاش الناس، يحتاج الأنصاري، إلى ما يحتاج إليه المهاجري، و إنما المهاجرون و الأنصار، فضلهم و شرفهم عند الله جل ذكره، لا في القسمة التي لا يجب أن يفضل فيها أحد على أحد، فلما
أفضى الأمر إليه، فضل بعضهم على بعض خلافا على رسول الله، و خلافا على صاحبه في كثير من الأشياء.
199 - و مما نقموا عليه
تعطيله الحد في المغيرة بن شعبة الثقفي، بعد ما شهد عليه ثلاثا بالزنا، و تقدم الرابع ليشهد، فنظر في وجهه فقال: يا شيخ العرب ما تقول أنت؟ ثم قال: إني أرى وجه رجل ما كان الله ليفضح بشهادته رجلا من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) به فجبهه أولا ثم لقنه، ففهم تلقينه، فخلط في الشهادة، و قال: رأيت منظرا قبيحا، و سمعت نفسا عاليا، و لم أر الذي فيه ما فيه فقال عمر: الله أكبر، ما كان الشيطان ليشمت رجلا برجل من أصحاب رسول الله، ثم جلد الشهود، فأبطل حدا، و لقن الشاهد المداهنة في شهادته، فكرر أحد الشهود الثلاثة المضروبين شهادته فأراد أن يجلده ثانيا، فقال أمير المؤمنين (علیه السّلام) لما رآه يريد أن يجلده، و لم يجز أن يجلد رجلا لا يجب عليه الحد و هو حاضر، و لا يجيز ذلك فقال: إنك إن جلدته رجمت صاحبك، فأمسك عن جلده إبقاء على صاحبه.
، و لو كان ما جرى إليه في أمر المغيرة بن شعبة و عصبية عمر له في الإسلام و هو غض طري كان يجري في الجاهلية، لكان مستبشعا، و أنه
يروى أن قردا زنى في الجاهلية فاجتمعت عليه القرود، فرجمنه.
، فهذه القرود ترجم،
و الثاني يعطل الحد في المغيرة بن شعبة،! و يحد من لا يجب عليه الحد في دار الإسلام، و المهاجرون و الأنصار حوله، لا يجسرون أن يغيروا،! فأي شيء أفظع من هذا الفعل.
200 - و مما نقموا عليه : إجلاؤه أهل نجران، و أهل خيبر عن ديارهم و قد أقرهم رسول الله، وكتب لهم كتابا بذمتهم و صلحهم، و هو في أيديهم إلى يومنا هذا، لم يجزه كتاب رسول الله، وقال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب خلافا على رسول
الله و نقضا لعهده!.
201 -و مما نقموا عليه: ما عمل به في أمر السواد بالشام والعراق من إقراره ما أقر من غير قسمة في أيدى أهله، و وضعه الخراج على ما فعله المسلمون، و مساحته العامرة و الغامر بدرهم، و قفيز حنطة فعل الأكاسرة رغبة عن دين الله تعالی و دین رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم).
202 - و مما نقموا عليه: وضعه عن جماجم أهل العهد، على
أقدارهم في اليسار من اثني عشر درهما، إلى ثمانية و أربعين درهما، و الفقهاء مجمعون على
أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أخذ عن كل حاكم دينارا.
و مضت به السنة، فاطرح عمر قول رسول الله و عمل برأيه.
203 - و مما نقموا عليه: حكمه في امرأة المفقود [زوجها] أن تتربص بنفسها أربع سنين، أ ترى لا يمكن أن يغيب الرجل في موضع لا يقدر على الخروج أربعين سنة فضلا عن أربع سنين، حتى أطلق التزويج لامرأة متزوجة فأباح الفروج، حتى أن المرأة كانت تتزوج في أيامه، فيقدم الزوج الأول فيخير بين المرأة و الصداق، خلافا على الله و على رسوله، و جرأة على أحكام الله عز و جل، اقتحاما على حدود الله، ثم لا مغير يغير،! و لا منكر ينكر، ثم يزعمون أنه لم يغير و لم يبدل، و هذا حكمه.
ثم أورد طامة هي أعظم من هذه نحن نحكيها هنا: حظر على امرأة كانت عنده التزويج و زعم أنه حظر فرجها على الأزواج، لما طلقها و كرهته المرأة، و خافت أن يراجعها.
رواه الشاذكوني، قال:
204 - حدثنا عبد الله بن وهب المصري، قال: حدثنا فرات بن رزين، عن علي بن رباح البصري، قال: كانت تحت عمر امرأة من قريش فطلقها تطليقة أو تطليقتين و هي حبلى، فلما أحست بالولادة، غلقت الأبواب حتى وضعت، فأخبر بذلك عمر فأقبل مغضبا حتى دخل المسجد، فإذا
هو بشيخ، فجلس إليه، فقال: اقرأ علي ما بعد المائتين من سورة البقرة، فذهب يقرأ، فإذا في قراءته ضعف، فقال: يا أمير المؤمنين، هاهنا غلام، حسن القراءة، فإن شئت دعوته لك؟، قال: نعم، فدعاه فقرأ عليه: و لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فقال عمر: ألا إن فلانة من اللاتي يكتمن ما خلق الله في أرحامهن و إن الزواج عليهن حرام ما بقيت!!.
فيا معشر الناس، أ ما تعجبون من هذا الرجل، من فقهه و فعله؟! ذكر أن فعل هذه المرأة حيث كرهت مراجعته كتمانها ، ما خلق الله في رحمها، و زعم أن الزواج حرام عليها ما بقي، فأي شيء أعجب من هذا الفعل أن يكون يحظر و يطلق في الإسلام كيف يشاء، و هو مطاع طاعته عندهم أكثر من طاعة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم).
205 - و مما نقموا عليه: أنه قضى في الحد بسبعين قضية كل واحدة تخالف الأخرى، فلما كان عند وفاته رجع عنها كلها، وقال: إني لم أقض في هذا الحد شيئا.
رواه الواقدي، قال:
حدثنا ربيعة بن عثمان، عن نافع، قال عمر: عند الموت: إني لم
أقض في الحد شيئا.
، فصار قدوة في القول بالرأي.
206 - و مما نقموا عليه: ما حكم به في الضوال و الأمانات مثل عبد آبق من مولاه، أو دابة ضالة، فحكم في ذلك إن أصابه إنسان في مصر لم يرد الأمانة فيه لأخيه المسلم حتى يأخذ منه عشرة دراهم و إن أصابه خارجا من البلد، أخذ منه أربعين
درهما، فصار ذلك سنة إلى يومنا هذا.
فذكر المحتج بهذه الحجج التي ذكرناها، إن الشيطان، لو قيل له:
أحكم و اجتهد في مخالفة حكم الله تبارك و تعالى ما قدر أن يحكم إلا بدون ذلك أن يكون يأمر الناس بترك رد الأمانات إلى المسلمين إلا بالاجعال، و الله يقول: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و الثاني يقول: لا تردوها إلا بأخذ الاجعال، فأي حكم أفظع من هذا الحكم!.
207 - و مما نقموا عليه:
قيامه على منبر رسول الله، يوعد الناس العقوبة لمن غالى في مهر امرأة، و يقول: لا تجاوزوا به في أكثر من أربعمائة فضيق على الناس ما أباحهم الله تعالى رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) من الإكثار في ذلك، حتى قامت إليه امرأة و خطأته و احتجت عليه بكتاب الله فقالت: يا عمر، الله أحق أن يؤخذ بقوله منك، فقال: و ما قال الله؟ قالت:
إن الله جل و عز قد أباحنا من المهور أكثر مما أبحت حيث يقول:
آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أ تأخذونه بهتانا و إثما مبينا فقال الثاني:
کل أحد أفقه منك يا عمر حتى المخدرات، و رجع عن قوله!.
فهذا الذي يزعمون أن عنده تسعة أعشار العلم، و هو أعلم
بالعشر العاشر من أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فلئن كان الأمر كذلك لقد خاب و خسر أصحاب محمد، إن كان هذا الرجل مع هذه الأحكام أعلم منهم.
208 - و مما نقموا عليه:
أن رجلا من اليهود أصيب مقتولا في سكك المدينة، فخطب الناس، و ناشدهم عنه، فقام إليه رجل معه سيف مضرج بدمه، و أنشده شعرا، زعم أنه لليهودي و هو:
و أشعث غرة الإسلام مني *** خلوت بعرسه ليل التمام
و قال: يا أمير المؤمنين، إن أخي خرج غازيا في جيش، و خلفني في أهله أتعهدهم، فأتيت منزله، فإذا أنا بهذا اليهودي قاعد مع أهله، فلم أملك نفسي أن دخلت عليه فضربته بهذا السيف حتى برد، فقال عمر: اقتل و أنا شريكك.
، فأبطل حدا، و أطل دما، و الأمة مجتمعة أنه لا يقبل قول مدع إلا ببينة، فصدق القاتل بلا بينة على ما ادعاه، و قد أقر بالقتل و أبطل الدم من الرجل المعاهد بدعوى القاتل بغير بينة و قد قذف إمرأة مسلمة محصنة بمعاهد، و أزال عنه الحد بادعاء الخصم بلا بينة، فما العجب إلا من المهاجرين والأنصار أن يكونوا قد وقفوا على
هذه الأشياء العجيبة، ولا ينكرون ولا يغيرون، و قول الثاني عندهم مقبول، و إن خالف حكم الله و حكم الرسول فكيف يكون العناد إلا هكذا.
209 - و مما نقموا عليه أمره بالصلاة النافلة جماعة في شهر رمضان و لم يفعل ذلك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و لا أبو بكر و قال هو: هي بدعة حسنة،
و قال رسول الله: كل بدعة ضلالة.
فألزم الناس جماعة في شهر رمضان،
و مر أمير المؤمنين بالمساجد، و قد حدث فيها هذه البدعة فقال نور الله قبره.
، فلم يدر كثير من الناس ما قال، و لا فهم ذلك إلا أهل المعرفة باللغة، فهذه من بدائعه.
210 - و مما نقموا عليه توليته معاوية بن أبي سفيان و قد سمع
رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: إذا رأيتم معاوية على منبري هذا فاقتلوه.
قال الحسن البصري: فلم يفعلوا و لم ينجحوا، و قد ولاه الثاني أمر المسلمين، فخطب على منابرهم، و تحكم في أموالهم و فروجهم و جعل له سبيلا إلى طلب الخلافة، حتى قتل ولد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و جرى على يده و يد ابنه ما جرى.
211 - و مما نقموا عليه: أنه جعل أموال المومسات في الجاهلية في بيت مال المسلمين، و فرق فيهم كما فرق أموال الفيء.
212 - و مما نقموا عليه: شكه في إيمانه مع ما يرون فيه أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: إنه من أهل الجنة، و إنه أحد العشرة الذين
شهد لهم النبي بالجنة، و هذا الشعبي الذي هو إمامهم يقول فيه:
ما رواه سعيد بن سليمان، قال:
حدثنا مبارك بن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل الأسدي، قال::
شهدت الشعبي يذكر عليا و يقول: لو رضوا أن نقول رحمه الله، إنه لقريب القرابة، قديم الهجرة، عظيم الحق، زوج فاطمة، و أبو الحسن و الحسين فكان فكان في هذا، إذ قام رجل من القوم، فقال: إن عليا يشهد أن عمر في الجنة فما تقول أنت يا أبا عمرو ؟ فقال الشعبي: كان يبكي الناس من خطيئة، و أنا أشهد له بالجنة، فأنت أعلم و ما شهدت.
فهذا قول الشعبي، و ذكر المحتج أن عمر شك في إيمانه في غير موطن، وقال: كيف يدخل الجنة شاك في إيمانه و أنتم تعلمون أنه
أتى حذيفة بن اليمان يسأله عن نفسه، أ هو من المنافقين؟ .
فما أعجب هذا القول منه إن كان الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) قد شهد له بالجنة، فما يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون ما رووه من شهادة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) له بالجنة باطلا، و إما أن يكون الثاني غير معتمد على ما قال الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، و إلا فما معنى مخاطبة حذيفة، و مسألته إياه، أ منافق هو أم لا؟ ولا يجوز لأحد من المسلمين أن يأمن فيه ما قد خافه هو على نفسه، و الله عز و جل يقول: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون.
فذكر هذا المحتج المواطن التي قد شك فيها في إيمانه، و قد عارض النبي غير مرة، و تقدم بين يديه.
213 منها قوله للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم الحديبية، يوم وادع قريشا، و كتب بينه و بينهم كتابا على أن من خرج إليهم من قبله لم يردوه و من خرج
من أهل مكة ردوه إليهم، فغضب الثاني و قال لصاحبه: يزعم أنه نبي و هو يرد الناس إلى المشركين.
ثم أتى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: ألست برسول الله حقا؟ قال: بلی، قال: و نحن المسلمون حقا؟! قال: بلى، قال: و هم الکافرون؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : إنما أعمل بما يأمرني به الله ربي، إنه من خرج منها إليهم راغبا! فلا خير لنا في مقامه بين أظهرنا و من رغب فينا منهم، فسيجعل الله له مخرجا و مخرجا.
فقال الثاني: و الله ما شككت في الإسلام إلا حين سمعت رسول الله يقول ذلك!!.
و قام من عند النبي متسخطا لأمر الله و أمر رسوله، غير راض بذلك ثم أقبل يمشي في الناس، و يؤلب على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و يعرض به و يقول: وعدنا برؤياه التي زعم أنه رآها يدخل مكة و قد صددنا عنها ومنعنا منها، ثم تنصرف الآن، و قد أعطيناه الدنية في ديننا!، و الله لو أن أعوانا ما أعطيت الدنية أبدا فقد كان أعطي الأعوان، و قيل له يوم أحد قاتل، و يوم خيبر ففر بأعوانه، و بلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك، فقال له:
إنه قد بلغني قولك!، فأين كنتم يوم أحد ؟! و أنتم تصعدون و لا تلوون على أحد، و أنا أدعوكم في آخركم؟.
فقال: أعوذ بالله من غضب الله و غضب رسوله، و أستغفر الله مما كان منى يا رسول الله، قد كان الشيطان ركب عنقي في ذلك الوقت.
و روى الواقدي ما هو أشنع من هذا، قال:
214 - حدثنا يعقوب بن محمد عن عبد الرحمن بن عبد الله عن الحارث بن عبد الله بن كعب، قال: سمعت أم عمارة تقول يوم الحديبية: إني لأنظر إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، يومئذ جالسا متربعا، و إن عباد بن بشر، وسلمة بن أسلم بن حريش مقنعان في الحديد، قائمان على رأس رسول الله، إذ رفع سهيل بن عمرو صوته، فقالا له: اخفض من صوتك عند رسول الله، و سهيل بارك على ركبتيه كأني أنظر إلى علم في شفته، إذ وثب الثاني إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟ فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أنا عبد الله و رسوله، لا أخالف أمره، و لن يضيعني فقال له الثاني: أعذرك الله، و جعل يردد الكلام على النبي، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أ لا تسمع يا ابن الخطاب، رسول الله يقول ما يقول؟ تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، و اتهم رأيك.
215 - و قال ابن عباس: قال لي الثاني في خلافته: و ذكر القضية ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت إلى يومئذ، و لو وجدت شيعة أخرج معهم رغبة عن القضية لخرجت!!.
216 - و قال أبو سعيد الخدري: جلست يوما عند الثاني و ذكر القضية، فقال: لقد دخلني يومئذ الشك، و راجعت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مراجعة ما راجعته مثلها، و لقد قلت في نفسي، لو كان مائة رجل على مثل رأيي ما دخلنا فيها أبدا!!.
و قال الثاني: يا رسول الله، أ لم تك حدثتنا، ستدخل المسجد الحرام، و تأخذ مفتاح الكعبة، و تعرف مع المعرفين، و هذا هدينا لم يصل إلى البيت، و لا نحن؟ فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أما إنكم ستدخلونه، فأخذ مفتاح الكعبة، و أحلق رأسي رءوسكم، و أعرف مع المعرفين.
ثم أقبل على الثاني فقال: أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون و لا تلوون على أحد و أنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب.
إذ جاؤكم من فوقكم و من أسفل منكم و إذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا انسيتم يوم كذا؟
أنسيتم يوم كذا؟ أ نسيتم يوم كذا؟!.
فلما كان الفتح، و أخذ رسول الله المفتاح، قال: ادعوا لي الثاني فجاء، فقال: هذا الذي كنت قلت لكم، فلما كان في حجة الوداع، وقف بعرفة، وقال: إي و الله، هذا البيت، و هذا الذي قلت لكم!..
و لا يعلم أحد، ما عنى به، و هذا القول من النبي غليظ جدا لمن فهمه، و زعم هذا المحتج، قال: فمن يرد على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هذا الرد، و لا يقبل منه، و لا يصدقه؟، أي
حظ له في الإسلام، و إن من يقر بلسانه أنه شك في دينه كما شك يوم أي نصيب له في الإسلام.
217 -
و قال الواقدي: قال ابن عباس و أبو سعيد الخدري: لا ينبغي لمن آمن برسول الله، أن يستعجل أمر الله، فقد كان من سهيل بن عمرو و استفصائه على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ما ذكرناه، و لقد نظرنا إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند المنحر، يقرب إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بدنة، و الرسول ينحرها بيده، و دعا الحلاق، فحلق رأسه، و أنظر إلى سهيل بن عمرو، و هو يلقط من شعره، و أراه يضعه على عينيه، و فيه، و قد رأيناه يوم الحديبية يأبى أن يكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم*، و أن يقر، أن محمدا رسول الله!.
218 و منها اعتراضه بين يدي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حاطب بن أبي بلتعة، حيث قال: ائذن لي أضرب عنقه، فإنه قد نافق، فقال النبي: أتريد
يا عمر ؟ أن تقول العرب، أن محمدا يقتل أصحابه.
219 و منها اعتراضه على رسول الله حيث قال: يا رسول الله ائذن لي أضرب عنق أبي سفيان بن حرب، و كان العباس قد أجاره، فألح عليه في قتل أبي سفيان، حتى قال له العباس: مهلا يا عمر، فو الله لو كان رجلا من بني عدي لما قلت ذلك!، و لكنك قد علمت أنه رجل من بني عبد مناف..
220 و منها قوله لصفية بنت عبد المطلب: يا صفية، إن قرابتك لن تغني عنك شيئا، فبلغ ذلك النبي، فقال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي غدا عند الله لا تنفع !!، أ يرجو شفاعتي خارجكم؟ و لا يرجوها بنو عبد المطلب!..
221 -
و روی عمر بن رافع عن إسماعيل، عن أيوب السجستاني عن عكرمة بن خالد المخزومي، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال:
قدم نصر بن عبد الله الثقفي، على عمر من الطائف، و معه ناس من أصحابه، فقال لهم: لا تبدءوا أمير المؤمنين بشيء حتى يسألكم، فجاءه رجلان يختصمان، فحكم بينهما، فقالا: أصبت أصاب الله بك ، فقال عمر: و ما يدريكما، فو الله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ ؟!.
فقال هذا المحتج: كيف جاز، أن يحكم في دماء المسلمين و
أموالهم، و هو لا يدري، أصاب أم أخطأ؟! و كيف استحل ذلك؟، و استجازه، و زعموا، أن بين عينيه ملكا يسدده، فليت شعري، أين كانت غيبة الملك عنه في ذلك الوقت؟ إذ كان لا يدري أصاب أم أخطأ !!، ثم يفضل و يقدم على من عنده علم المنايا و البلايا، وفصل الخطاب و زعموا أن إسمه مكتوب على العرش، و قد شك في إسلامه غير مرة!! فهذا الحبر الفاضل عندهم!، و هذه صفته و أفعاله!.
222 - و مما نقموا عليه:
فسأله أنه أتاه رجل يقال له: ضبيع عن قول الله عز و جل: و الذاريات ذروا و عن: و النازعات غرقا و عن: والمرسلات عرفا و كان معتما، فحسر عن رأسه فإذا له وفرة و قال له: أولى لك. لو أحسبك محلوقا لضربت عنقك.
ثم أمر به، فحبس، فجعل. يخرجه كل يوم، فيضر به خمسين جريدة، حتى ضربه أربعمائة!! فقال له الرجل: قد عذبتني، فإن يكن قتلي تريد؟، فالسيف أروح لي، بما استوجبت ما صنعت بي؟، إنما سألتك عن شيء من كتاب الله، فإن كان لك علم؟،
فعلمني، و إن لم يكن لك علم فقل : لا علم لي فأنصرف عنك، و إلا فإني ما سألتك ما أستحق به الضرب
فأمر به فسير به إلى البصرة، فصار منفيا، وكتب إلى أهل البصرة، لا تجالسوه و لا تبايعوه!!.
فأي شيء، أعجب من هذا الفعل !؟ ، أن يكون رجل يقدر أن من قعد ذلك المقعد، لا يجوز أن لا يكون عنده علم ما يحتاج إليه الأمة، و لم يعلم أن عند الرجل غفلة عن العلوم، فيعامله هذه المعاملة و إنما ضرب هذا الرجل ليقطع عن نفسه مادة هذا السؤال فلو سئل عن فعله بهذا الرجل ماذا كان يقول ؟ فهذا الذي كان يعمل بالحق عندهم!!.
223 - و مما نقموا عليه: اختياره أصحاب الشورى، من أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) من المهاجرين الأولين، و زعمه أن النبي قبض و هو عنهم راض، و أنهم من أهل الجنة، و ذكر أنه يكره أن يتحملها حيا و ميتا، فلئن كانت خلافته على منهاج رسول الله، فإنه ليحب أن يتحملها حيا
و ميتا، لأنه الحق، و هو في آخر حين، و لئن كان قد علم أنها على غير جهتها لقد أحسن، حيث تحوب أن يتحملها ميتا، فاختار هؤلاء الستة الذين اختارهم، وقال: إن اتفق أربعة من الستة و أبى إثنان فاضربوا أعناقهما و هما عنده من أهل الجنة، ثم حكم بحكم آخر، فقال:
إن افترقوا ثلاثة ثلاثة فالفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف معها الحق، ثم حكم بحكم ثالث، فقال: إن مضت ثلاثة أيام، و لم يفرغوا من شأنهم، فاضربوا أعناق القوم جميعا!!.
فياعجبا!، زعم أنه يتخوف أن يولي أحدا، مخافة أن لا يعلم بالحق، و لا يتخوف من ضرب أعناق ستة من المهاجرين الأولين هم عنده خيار الأمة، و يشهد أنهم من أهل الجنة، و في عقد دين الله التكفير لمن إستحل قتل مؤمن، فأية خصلة من
الخصال لم يأمر بها، ثم مع ذلك يدور على إزالتها من بني هاشم أهل بيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و يحوم حول قتلهم بغضا لله عز و جل، و لرسوله و لأهل بيته (علیه السّلام) و ذلك أنه قدر، فقال علي و الزبير ابن عمته، و لن يخالف عليه، و قد كان حين دعي إلى بيعة أبي بكر ما كان من تجريد سيفه دون علي و إنكاره بيعة أبي بكر، و طلحة بن
عبيد الله لا يخالف الزبير لمواخاة رسول الله بينهما فهؤلاء ثلاثة لا يفترقون و عثمان بن عفان، و عبد الرحمن بن عوف قبل إخاء النبي لهما بينهما، ما بينهما، من الصهرية، وسعد بن أبي وقاص ابن عم عبد الرحمن و لم يخالف عليه، ففي أي فرقة يكون عبد الرحمن إلا في هذه الفرقة؟، و أي دليل أدل على العقل منه؟ بأنه لم يرد إلا إزالة العقل و الأمر عن بني هاشم بغضا منه لهم، و حملا عليهم و الله له بالمرصاد!.
224 - و مما نقموا عليه:
ما رواه عبد الله بن صالح عن ليث بن سعد قال: قال عمر للزبير : أما أنت يا زبير، فمؤمن الرضا كافر الغضب، و أما أنت يا علي فمراء!.
فما أعجب منه هذا القول في قوم هم عنده من أهل الجنة!، ثم ينسبهم إلى الكفر و الرياء و الله المستعان!.
[وضع الأحاديث المتناقضة وجعلها عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)]:
225 - و أعجب من ذلك ما وضعوا فيه من الأخبار الكاذبة المتناقضة التي تدفعها العقول، ثم لم يرضوا بها حتى حكوها عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، و نسبوها إليه، وليس ذلك [لعمري] بمنكر من فعل القول ميلا منهم إليه، و بغضا لبني هاشم أهل بيت النبوة.
و هذا أبو هريرة الدوسي رجل من أصحاب الصفوة، فقير لا مال له أعطى على أربعمائة حديث وضعها له و رواها عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بأربعمائة ألف درهم، فمال إلى الدنيا، و أهمل أمر آخرته!.
226 - ثم ما رواه غيره من العجائب في عمر، فقد رووا أن السكينة ملك ينطق على لسانه، فليت شعري، بأي شيء فرقوا بينه و بين النبي بل لم يرضوا أن يجروه في ميدانه حتى فضلوه عليه فإن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يؤدي رسالة ربه إلى أمته عن ملك من الملائكة، و كان عمر عندهم وفي رواياتهم ينطق على لسانه ملك، و زادوه آخر بين عينيه يوفقه و يسدده، فالملك الآخر مما قد فضل به على النبي، و يروون أنه حكم
بأشياء أخطأ فيها حتى فهمه أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقال له الحكم كذا و كذا حتى قال: لو لا علي لهلك عمر وقال كل أحد أفقه من عمر ، و في حديث آخر، أنه كان يقول لابن عباس غص يا غواص و يفرح منه!.
فليت شعري، أين كان الملك المسدد له، في وقت خطأه؟، و أين كان الملك الآخر الذي ضرب على قلبه و لسانه؟ و كيف لم يقصه عن الزيغ و الزلل، و هذه صفته عندهم.
227 و روت الأمة أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يسأل عن الشيء تعلما أو تعنتا فيقول: لا علم لي [في] شيء من ذلك، و ينتظر نزول الملائكة بالوحي،.
و [أما] الثاني لا حاجة به إلى الملك ونزوله لحضوره إياه، إذا كان ينطق على لسانه، فمن كانت هذه صفته لم تكن تغيب عنه الملائكة، و لا تفارقه، و كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ربما انتظر الوحي أياما و يسأل عن الشيء، فيتأجل السائل إنتظارا للوحي، فهذه لعمري فضيلة ظاهرة على فضل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)!.
فيا شر أمة قبلت هذه الأشياء في رجل عبد الأوثان و أشرك بالله أربعين سنة، فأي جهل و أي شيء أفظع من هذا !؟، أن يفضل على النبي أ لا يستحون من هذه الروايات الفظيعة المنكرة؟!. ثم ما كفى
حتى رووا:
أن رسول الله، قال: لو لم أبعث لبعث فيكم عمر!.
228 -
و روي أنه قال: ما أبطأ عني جبرئيل إلا ظننت أنه بعث إلى عمر!.
، فأي كفر لم يرووه ميلا إلى عمر؟، و أي شك لم يؤدوه؟
ويلهما أنهم علموا أن الله عز و جل أخذ ميثاق محمد على النبيين ليؤمنن به لینصرنه، و بشروا به أممهم فى قصص موسی و عیسی بن مريم و غيرهما من النبيين وهذا عيسى يقول: يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد، فكان محمد أول الأنبياء فى الميثاق، وذلك قوله تعالى و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و إبراهيم (و موسی) و عیسی ابن مریم.
فبدأ به تعالى ذكره قبل نوح.
فقالوا: في عمر هذا القول،
و هذا جبرئيل يقول للنبي : إني قد سلمت عليك في صلب آدم.
، و قال الله تعالى لنبيه (صلی الله علیه و آله و سلم):
ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين فإن كان كما قالوا؟، فرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عذاب على عمر، لأنه لو لم يبعث لبعث عمر نبيا!، و لا يعلم أن رتبته أجل من رتبة النبوة!، و المزيل له عن هذه الرتبة التي
ليس ورائها رتبة هو النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، و هذا يوجب أن ليس على الأرض أحد أبغض إلى عمر من هذا الذي أزاله عن هذه المنزلة الرفيعة، فتبارك الله ما أعجب هذه الأسباب و أغلظ هذه الأمور التي ركبوها!، و هم لا يعقلون!.
229 -
و رووا: أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) نزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد ربك يقرئك السلام، و يقول لك: أقرئ عمر السلام، و سله!.
، أ هو عني راض كرضاي عنه ؟!، فلو نسب هذا إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان منكرا عندهم، فكيف إلى عمر الذي قد أشرك بالله، و عبد الأصنام أربعين سنة 230 - و
يروون: أن عمر بن الخطاب: سراج أهل الجنة!.
، فلو لم يخلق الله عمر لبقيت الجنة مظلمة بلا سراج لها!!، و الله المستعان.
231 -
و رووا: أن النبي، قال يوم بدر: لو نزل عذاب من السماء ما نجا غير عمر بن الخطاب!.
و الله عز و جل يقول:
و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون، و زعموا أن العذاب لو نزل لم يكن يؤمن على الطاهر الطيب!، و كان يؤمن على عمر!.
232 -
و يروون: أن عمر نادى مناديه: ابن زنيم، قال: يا سارية الجبل و عمر بالمدينة، و سارية بفارس، فسمع سارية صوت عمر، فانحاز إلى الجبل!.
و إنما وضعوا هذا الحديث، بإزاء حديث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في جعفر بن أبي طالب، حين رفع له بموتة حتى نظر إلى معترك جعفر ابن أبي طالب، ثم نعى
جعفر إلى الناس، و أخبرهم أنه أصيب، و أصيب بعده زيد بن حارثه، و أصيب بعد زيد عبد الله بن رواحة رضي الله عنهم.
فأرادوا مضاهاة رسول الله، بل أرادوا تفضيله على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فإن كان عمر قوى إلى إسماع سارية، لقد قوى سارية، على إجابة عمر ، و ما أعلم أحدا من أهل العقل و المعرفة يفكر في مثل هذا القول، إلا صرف القول فيه إلى الكفر بالله، و الله المستعان.
233 -
رووا: آن شاعرا أنشد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) شعرا قاله فيه، فدخل رجل، فقال النبي: اسکت، فسکت حتى خرج الرجل، قال
النبي للشاعر: عد فيما كنت فيه، فعاد الشاعر ، فدخل الرجل، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) اسکت، فسكت، فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الشاعر:
يا رسول الله، من هذا الذي تسكتني له إذا دخل، و تأمرني بالإنشاد إذا خرج!؟، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هذا عمر، و هو لا يحب الباطل؟!!.
فأي كفر و عتو و فجور يكون من قوم هو أعظم و أفحش من رواية قوم عن النبي نسبوه فيها إلى حب الباطل؟ ، و أن عمر لا يحبه، و لا يشهده و النبي يشهده، فنزهوا عمر بن الخطاب مما لم ينزهوا عنه النبي الطاهر المطهر الذي قد فضله الله على خلقه، و لولاه ما خلق الله الدنيا، فأى
فضيلة أظهر من هذه الفضيلة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) التي حكوها في هذا الخبر، و فيما رووه من هذه الأخبار التي أخرجناها، و شرحناها، و إنما فعلنا ذلك ليعلم الناظر في كتابنا، أن من لفق هذه العجائب، و روي فيه هذه الأخبار التي لو رويت في سيد ولد آدم الذي هو زين القيامة، كان ذلك عندهم منكرا، و لم ينكروه في رجل
قد عبد الأوثان، و أشرك بالله أربعين سنة، بل تلقوا ذلك بالقبول ميلا منهم إليه، و
حملا على بني هاشم أهل بيت النبوة؛ 234 - و هذا هو الذي يروى عنه، أنه قام بظلم فاطمة (عليها السلام)، و امتنع أن يحمل الصحيفة، و الدواة إلى رسول الله، و هو الذي نسبه إلى أنه هجر!، ثم قال: حسبنا كتاب الله ردا منه على النبي، مما علم من مراده، و لو علم أن هذا الأمر فيه أو في صاحبه، لبادر بالصحيفة و الدواة، و في قوله: حسبنا كتاب الله الكفر بالله، لأن جل ذكره يقول: و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا، و في فعله و رده ما أمر الرسول به ما هو دليل على ما ذكرناه، و الله المستعان.
235 -
و رووا طامة أخرى، و هي: أن النبي، قال وزنت بأمتي فرجحت ثم وزن بها أبو بكر فرجح، ثم وزن بها عمر فرجح، ثم رجح
ثم رجح ثلاثا !!!.
، فزعموا أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي هدى الله به الأمة، و كان رحمة للخلق رجح مرة، و رجح أبو بكر مرة، مساواة لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و وزن عمر فرجح ثلاث مرات!.
فهذا لعمري رجحان ظاهر بين على صاحبه الذي هو خير منه عندهم، ثم على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ثلاث مرات و فضل صاحبه ظاهر عليه، لأنهم قد رووا، أن عمر، قال: لوددت أني شعرة في صدر أبي بكر، فما أعجب هذا الأمر، و هذا أبو بكر، يود أنه شعرة في جنب مؤمن!.
236 -
رواه الشاذكوني:
قال: أخبرنا جعفر بن سليمان الضبيع قال: سمعت أبا عمر ابن الجون يقول: قال أبو بكر الصديق: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن!.
فهذا أبو بكر يود أنه شعرة في جنب عبد مؤمن و عمر يود أنه شعرة في صدر أبي بكر، ثم أنتم تروون أن الله عز و جل يتجلى له يوم القيامة خاصة!،
رويتموه عن وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن أبي وائل:
237 - عن حذيفة، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إذا كان يوم القيامة، تجلى الله للناس عامة، و لأبي بكر خاصة!.
و رويتم عن ابن أبي ذؤيب، عن الزهري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثل ذلك !؟ .
فأي شيء ء أعجب مما قد لفقتموه من هذه الأخبار؟، ثم أفردتم لذلك الأسانيد التي هي عندكم صحيفة، فهذه من عجائبكم، وهذه رواياتكم المناقضة لا تستحيون منها، و أنتم رويتم هذه الأشياء، من الأحكام التي غلطوا فيها، و أقررتم أنهم لم يفهموها، و نقمتم عليه بعض ما ذكرناه عنكم، و لو شرحنا ما أخرجتموه بتمامه فيها لطال كتابنا ولكنا
اقتصرنا على اليسير مما قد ذكرتموه مما رواه علماؤكم فيهما، و لعمري، إن في دون ما ذكرنا مقنعا لمن أحب أن ينظر، و يتفحص، و يتدبر، و من جرى عليه بعض ما قد رويتموه لم يصلح للإمامة، إذ كان غير مأمون على نفسه، و علی رعيته، وقد قال الله جل ذكره للأمة: فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون*، و قال: و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.
(10) الباب العاشر [باب تثبيت الوصية و الوصايا]
[حديث الثقلين وصية رسول الله ص بالإمامة و الولاية]
: 237 - ثم نرجع الآن إلى ما كنا إبتدأنا فيه من تثبيت الإمامة و الوصاية و نحتج بما لا يدفع من
أهل بيتي ما إن
قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا و لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
238 و قال أمير المؤمنين (علیه السّلام): ألا إن عترتي و أطايب أرومتي أحلم الناس صغارا و أعلمهم كبارا، ألا و إنا أهل بيت من علم الله علمنا و من قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، و إن تدبروا عنا يهلكهم الله بأيدينا أو بما شاء، [و] معنا راية الحق من تبعها لحق، و من تأخر عنها محق، ألا و بنا يفتح، و بنا يختم، لا بكم.
، فإنه جل و عز قد أمر بطاعة أقوام بأعيانهم، و الرسول قد دل عليهم، و حظر على المتمسكين بهم أن يضلوا، و الدليل على ذلك أن الله قد طبعهم على الخير، و علمهم ما احتاجت إليه الأمة، فلا يتغيرون و عروبتهم معروفة، فلا يتكلفون و لا
يختلفون إلى علماء العامة، و لا يجالسون فقهائها، و لا يتدارسون كتبها، بل ينظرون في علم الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي هو عندهم لا اختلاف فيه، و إنك لتلقى الصغير منهم و تظن أنه غفل عن (في) الآداب و العلوم لحداثته.
ثم إن رمت امتحانه أو أردت استرشاده اغترفت من لج بحر عميق مع حسن مواقع مواعظه و صبره على التعليم و رفقه بالقلوب النافرة و علمه بموضع القبول، و ستر ما يجب ستره عن العامة، إذا أجابك لم يخط عليك و إن قال لم يبط.
ثم عنده الفرق بين الأمور المشكلة مما تعجز عنه العامة من
الأشياء الغامضة الممتنعة، و اللطيف الذي يتسكع فيه علماء العامة ما يخرس عنده المشار إليه في العلم، ثم قد ساسوا أنفسهم بالصون و الاجتهاد في العبادة و لم
يلتمسوا من حظوظ الدنيا إلا ما هو حقهم، و لا مالوا إليها، و حكوا سيرة الكتاب و السنة، و جانبوا سير الملوك و الجبابرة، و صارت أعمالهم موازية لعلومهم، فمن أجل ذلك،
قال الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم):
إني تارك فيكم [الثقلين] ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا [بعدي أبدا].
، فقد علم الرسول أنهم لا يتمسكون، فقال: ما إن تمسكتم بهما!.
ثم دل على الإمامة أنها قائمة متصلة محصورة في أهل بيته إلى يوم القيامة، و أن الله تعالى لا يدع خلقه بلا حجة، و الإيماء من الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) كثير فضلا عن التصريح، فإن المطاع يكفيه الإيماء! و الرسول قد صرح و دل و لم يكمن ليوجب، و لا يوجد غير أن علمه بالقوم بعد علم الأنبياء، أنهم لا يتمسكون!!.
و من الدليل أيضا، أن القوم على ما ذكر أمير المؤمنين (علیه السّلام): أنهم أحلم الناس صغارا، و أعلمهم كبارا، دعا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عليا (علیه السّلام) إلى الإسلام، و هو غلام صغير لا تقوم الحجة على أمثاله من
ذوي أسنانه، و هذا عبد الله بن العباس، رأى جبرئیل و هو صغير!، فاغتم رسول الله لذلك، ثم قال: اللهم اجعله في آخر عمره، و ذلك أنه نظر إلى جبرئيل فأغمي عليه فجعله الله حبرا من الأحبار و عمي آخر عمره و دعا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أمور لم يدع إليها غيرهم زادهم الله رفعة و علوا، و لا يروى عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه دعا أحدا إلى التي ذكرناها غيرهم، و لا من كانت طبيعته لا تحتمل الدعاء، و أمثالهم ممن سنه كسنتهم من غير أهله، لا يفرقون بين النبي و المتنبي، و هذا أبين دليل، لأن النبي حجة الله الذي لا يليق به دعاء الصبيان إلى الإسلام الذين لا يفرقون بين النبي و المتنبي، و لكن العرق الصالح ينمي، و النسب الثاقب يسري، و
تعليم الرسول به ينجع، و من يتولى النبي تأديبه و يضمن حضانته بوحي من الله، فليس إلا باختيار الله إياه، و هذه منزلة لا منزلة ورائها.
أو دليل آخر،
مشی رسول الله و العباس ليحملا الكل عن ابي طالب، ثم اختاروا، فاختار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عليا، و اختار العباس جعفرا و اختار أبو طالب عقيلا،.
ففي اختياره ليتخذه ولدا و هو صغير، ثم لما يقع أخا بينه و بين نفسه دلیل علی عظم شأنه و كبر قدره و من يقضي عليه رسول الله فراسة مع الوحي فيه لرفيع المكان عالي الشأن فما ينكر لمن هذا محله و قدره أن يفرق بين النبي و المتنبي، و يكون ممن تقوم حجة الله عليه، و قد نزل عليه جبرئيل في رحله وسمع حسه، و قعد مقعده و رأى أثره، و لا ينكر ممن هذا ،محله أن يقوم بأعباء النبوة بعد النبي، إذ كان قد خصه بهذه الأشياء التي لم يختص بها غيره، و نحن فلا ندعي غير الإمامة و الوصاية.
و ننكر قول الجهال الذين ادعوا لما رأوا من عجائبه، ما إدعته النصارى في
المسيح!، و ليست عجائب علي (علیه السّلام) كل علاماته حتى لو لم تظهر للناس زالت إمامته، و لكنها زيادة فى شهرة أمره، و نباهة اسمه، و لوجوب الحجة على من وقف عليها و عاينها و سمعها، و إنما جعلنا الإمامة بعد النبوة، و في أدنى المراتب، إذ كان الإمام ثالث ثلاثة لأن على الرسول دعاء الناس إلى الدين، فمن امتنع ضربه بالسيف حتى يدخله في الدين، فإذا انعقد عليه أمر الدين، وجب عليه قبول الحق ممن يقيمه مقامه، و الإمام ليس له أن يدعو إلى نفسه إذ كان مدلولا عليه.
239 و من الدليل على إمامته أيضا أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أوصى إليه (علیه السّلام) و لا في فطرة العقل أن يوصي إليه في دينه، و إنجاز مواعيده،
و يترك أمر الأمة مهملا، لأنه لا شيء أعظم عنده خطرا، و لا أجل قدرا من أمر أمته في إرشاده إلى ما فيه صلاحهم ونجاتهم وتعريفهم الفرق فيما شجر بينهم، و حملهم على مصلحتهم، و ليس في فطرة العقل أن يوصي من الصغير في الأمر، و يدع الكثير، فكيف ادعوا أنه جعل الإمام إلى الأمة ليختاروا، و قد علم أن اختيارهم له خير من إختيارهم لأنفسهم، و كيف استجازوا أن يدعوا ذلك؟ أ ما علموا أن المحتج إذا إحتج عليهم، فقال:
ادعيتم أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جعل اختيار الإمام إليكم، إنما كان أهل بيته الذين تخلفوا من الأمة، فيدخلون في هذا الإختيار، فليت شعري ما الجواب،؟! فقبح الله هذا القول و قبح من إدعاه.
أ ما علموا أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) معصوم،؟ و الأمة جلها غير معصومة و النبي يعمل بالحق، و عامة الأمة تعمل بالظن،
و قد قال النبي لأصحابه:
الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل.
، فهذا من يعرفه فيهم، و من يقف عليه ينزل عليه خبر السماء غدوة و عشية،
و قال لهم أيضا: 240 - ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.
فاختيار من ينزل عليه خبر السماء، خير من إختيار من خاطبهم الله وقال: اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، و هم المنافقون و المرتدون.
فإن قالوا: إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يوص إلى أحد، و خلاهم و الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء، و السنة التي جعلها أصلا.
فالحجة عليهم أنه قد أوصاهم بالتمسك به و برجل من عترته يبينه لهم، فإن في القرآن المحكم والمتشابه، و الناسخ والمنسوخ، و اختلفت الأمة في التأويل
التفسير، و احتاجت إلى من يقيمه، و يشرح ما فيه من الحلال و الحرام، و المحكم و المتشابه، فاختلفوا، لأن القرآن لا يشرح ما فيه، وكيف يأمر (صلی الله علیه و آله و سلم) بالوصية، و يدعها و يهمل أمر أمته، و أمر أزواجه و ولده، و قد كان قول الله تعالى
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، موجبا للتأسي، فكيف نتأسى بمن يأمر بالشيء و لا يأتيه؟!
و كيف ادعوا على رسول الله، و استجازوا لأنفسهم أن ينسبوه إلى تضييع أمر الأمة، و تركهم بلا راع يرعاهم، و لا قائم يقيم عليهم الحدود، و قد قال الله تعالى في كتابه: اليوم أكملت لكم دينكم و الحكم بين عباد الله من دين الله، فإن الله قد خاطب نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: و أن احكم بينهم بما أنزل الله و قال: و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون و قال: إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم و أملى لهم.
فكيف ارتدوا إلا بعد أن دخلوا في الإسلام، و بعد ما كرهوا من الأمر ما أنزل الله، فصاروا بهذا الفعل مرتدين عن الإسلام و من يرتد عن الإسلام فقد رجع إلی الكفر!، و قال [تعالى] جل ذكره: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به و يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا
فوجدناه جل ذكره، قد بين أن هؤلاء قوم قد دخلوا في الإسلام، و ادعوا الإيمان، ثم ضلوا يتحاكمون إلى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به، و لسنا ندري من الطاغوت، غير أنا نعلم أن كل حاكم يحكم بخلاف حكم الله تعالى و حكم رسوله
فهو طاغوت، و كذلك من لم يكن ممن قال الله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول و إلى أولي الأمر منكم.
فمن لم يفعل ذلك و تحاكم إلى غيرهم، فقد تحاكم إلى الطاغوت و من تحاكم إلى الطاغوت فقد خالف أمر الله، و من خالف أمر الله فقد كفر.
241 - و احتجوا بعد ذلك حيث لم يجدوا حجة بالحديث الذي رووا إن تولوا أبا بكر تجدوه ضعيفا في بدنه، و إن تولوها عمر تجدوه قويا في بدنه فإن كانت رواياتهم صحيحة عند بعضهم، فجلهم قد طعن في الحديث من جهة العقل إذ لم يدع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمر أبي بكر مهملا حتى قال في صفته: ضعيفا في بدنه، لئلا يشتبه أمره على مضعوف فيدخل قلبه وهن، و المجاهد القوي أفضل من المجاهد الضعيف، لأن المجاهد لا يكون إلا بفضل القوة.
و قيل لهم زعمتم أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جعل الأمر إلى الأمة، فجاءت جماعة من الأمة، فاختارت أبا بكر، فينبغي إن كان الأمر على ما زعمتم أن يكون أبو بكر يدع الأمر من بعده كما تركه الرسول و لا يولي عمر، عمر و كان يجب على أن يدع ذلك كما تركه الرسول، و لا يجعل الأمر في ستة نفر؛ بل يجعل الأمر إلى الأمة كلها، و لا يحصره في ستة، ثم لم يرض بذلك حتى أمر بضرب أعناقهم إن لم يبرموا أمرهم، فأبو بكر لم يقتد برسول الله في مذهبهم، و كذلك] عمر، فلا برسول الله اقتدی، و لا بصاحبه أبي بكر، فهؤلاء كلهم قد خالفوا أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، بزعمهم.
و قام بعد ذلك عثمان بالأمر، وعقدوا له البيعة في أعناقهم، ثم ادعوا عليه أنه قد غير و بدل، ثم راودوه على خلعها و توعدوه بالقتل إن لم يفعل، فقال: ما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله!، فلما أبى عليهم قتلوه، فلا أعلم تخليطا أعجب من هذا
التخليط الذي لا يشبه أوله آخره، و كيف ادعوا و استجازوا لأنفسهم، أن الرسول أهمل أمرهم، و وكلهم إلى أنفسهم، و جعل الاختيار إليهم، و هو عاقل يعرف سريرة القوم و علانيتهم و القوم جهال لا يميزون بين الصالح والطالح؟، و كيف يقدرون على استخراج الأفضل و الأعلم مع تخلفهم؟!، و لا يعرف ذلك إلا العالم المستغني بنفسه، و المعلم الذي هو الرسول!. [تاريخ الذهبي ج 2 ص 446].
فقد أوجبوا في مذهبهم أنهم قد ساووا رب العزة في الاختيار!، و ساووا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي عرفه أمر العباد، و قد يجب مع ذلك،
إن كان العقد إليهم أن يكون الحل أيضا إليهم، و لا ينكروا ما فعل بعثمان، إذ كان قد خالفهم، هذا لعمري يجب على أهل الدين و المعرفة أن ينظروا فيه بالرأي لا بالهوى، فلعل الله يرشدهم إلى ما هو أرضى عنده و يعرفهم ما كانوا من القوم، و ما جرى من العجائب، ثم لا يعلم بين الأمة اختلاف، إن الإمامة زمام الرياسة و عماد النبوة، و ربيطة ما جاء به الرسول و بها تنتظم معاني الطهارة، و العلم، و
الورع، و الزهد، و التقوى، فإن الجماعة لا تكون جماعة إلا بالاجتماع على إمام عادل، و ما كان الرسول أن يضيع أمر الأمة، و يهملهم، و لا يولي عليهم رجلا معروفا مشهورا ليكونوا جماعة من بعده، كما كانوا جماعة في أيامه إذ كان (صلی الله علیه و آله و سلم) قد عرفهم و علم منهم ما لم يعلمه غيره.
و كان من تشديده في إقامة الإمام و الحض على طاعته، أن قال:
242 نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، و بلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، و النصيحة لأئمة الدين المسلمين، و اللزوم للجماعة.
243 - و من تشديده في ذلك قوله: ليؤمكم أقرؤكم فقد حل قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): حيث أمر أن يؤمهم أقرؤهم [و] أن لا يقضي بينهم إلا أقضاهم، ثم ذكر الوالي بعده أن يرحم صغيرهم، و يجل كبيرهم، و لا يمنعهم فيئهم، ولا يجعل الأموال دولة بين الأغنياء منهم، و لا يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم، و الوالي إذا كان من قبل الله عز و جل، فقد جمع الله فيه ثلاث خصال التي هي يهدي الدليل عليه لئلا يعسر عليه طلبه و تخفى معرفته على الطالب المرتاد، فأولهن القرابة بالرسول المعلن ذكره على الصوامع، و الثانية العلم بحاجة الناس، إذ كان قد وضعه لحاجتهم لأنه إن لم يكن عنده علم ما تحتاج إليه الأمة كان كأحدهم في الجهل، و الثالثة، أن يكون مأمونا عليهم و على الدين، و إلا لم يؤمن عليهم أن يخرجهم عن الهدى و يدخلهم في الردى، معصوما عن الخطأ و الزلل، فإذا كملت خلاله كان مأمونا مأمولا، [و كذلك أمير المؤمنين (علیه السّلام) ما زال مأموما مأمولا].
فقد أوجد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه لا بد من إمام، و أوجده أمير المؤمنين (علیه السّلام) و الادعاء على الرسول أنه ترك الأمر مهملا من أعظم
ما إدعوه، و ذلك أنه لم يفتتح بلدة قط فتركها طرفة عين و لا بعث سرية فتركها بلا وال يوليه عليهم، و لا خرج عن المدينة في وجه من الوجوه إلا خلف عليهم من يقوم بشأنهم إشفاقا عليهم و كراهة لتشتتهم و اضطرابهم، فكيف أجزتم أن تنسبوه إلى تضييع أمر أمة عند خروجه عن الدنيا، و قد كان عرف طمع المنافقين في هذا الأمر، و وقف على اختلاف كلمتهم و كيف يصلحون مهملا و قد كان (صلی الله علیه و آله و سلم) مواد السماء تأتيه فإن هفوا تداركهم و إن غلطوا ردهم، و إن جهلوا علمهم و إن شكوا وقفهم و إن زلوا قومهم، (و إن غيروا و بدلوا نبههم) إبقاء على دهمائهم، و نظرا لجماعتهم، و كان (صلی الله علیه و آله و سلم)، في رأفته و رحمته، كما ذكره الله في كتابه
حيث قال: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم.
244 فمن هاهنا قال (صلی الله علیه و آله و سلم): اختلاف أمتي رحمة.
أي اختلافهم إلي رحمة لهم ما دمت حيا بين ظهرانيهم ليردوا الأمر إلي حتى أقوم ميلهم، و أقفهم على الطريقة الواضحة.
فكما لم يدع تولية الوالي في حياته، و روادهم تأتيه بتقويمه لهم في إختلافهم، و يردون عليه فلا يغفل عن تقويمهم [و إن غفلوا] ولا يدع ملامتهم و إن زهدوا، كذلك لم يدعهم بعد وفاته.
فكيف إستجازوا أن يعرفوه بأنه أهملهم بعد وفاته وتركهم بلا وال من قبله و الحاجة إلى الوالي بعد وفاته أشد، إذ لم يكن لهم من يقيمهم إذا اختلفوا، و كان على الاختيار لهم أقدر ، و لا سيما و هو على الإنتقال من دار الدنيا، و ذلك آخر عهده بأمته الذين لم يألها منذ ولاه الله ، أمرها نظرا و عطفا و لينا و تأديبا، و سنته في وفاته كسنته في حياته، و ذلك إنا لم نر و لم تر الأمة شيئا من سنة يغفلها مهملا بل لم يزدها إلا تأكيدا، و من المحال أن يترك الأمة و يهمل أمرها حتى تختلف و تعمل بآرائها، فيقع التفاوت و الاختلاف، و قد نفى الله ذلك عن نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: إن أتبع إلا ما يوحى إلي * و وصفه جل ذكره فقال: و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فإذا وقع الاختلاف فكل فرقة تقول بما تهوى، و على هذا تبطل سنة الرسول و تثبت سنن الأمة المختلف فيها، [كذا].
245 - و قد احتجوا لذلك و رووا، أن سنن الأنبياء بخلاف سنن الرسول، إذ كانت الأنبياء كلها لم تدع [يدعوا] أمر أممهم مهملا بل إستخلفوا عليهم هذا، و قد علموا أنه سيكون بعدهم أنبياء، فكيف استحلوا أن ينسبوا خاتم الأنبياء و من كان
تأريخهم، و من ختمت به النبوة في ترك الاستخلاف و ليست أمة أحوج إلى وصي و إمام من هذه الأمة، إذ كان (صلی الله علیه و آله و سلم) خاتم الأنبياء!.
و هذا آدم أوصى إلى هابيل، فلما قتل هابيل أوصى إلى شيث، و أوصى نوح إلى سام ابنه، و أوصى إبراهيم إلى إسحاق، و أوصى إسحاق إلى يعقوب، و أوصى يعقوب إلى يوسف [و أوصى يوسف إلى موسى] و أوصى موسى إلى هارون، فلما مات هارون أوصى إلى يوشع، و أوصى داود إلى سليمان، و أوصى سليمان إلى آصف، و أوصى عيسى إلى شمعون!.
فكيف أقررتم بوصية الأنبياء كلهم وجحدتم وصية خير الأنبياء و قد أمره الله تعالى بالاقتداء بهم في الاستخلاف، فقال: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده و لم يكن (صلی الله علیه و آله و سلم) يهتدي في الأشياء كلها، و يدع القدوة بهم في الإستخلاف وحده، و يخالفهم، فمن وصفه (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه مضى و لم يستخلف خليفة، فقد وصفه بتضييع أمر الأمة و تعطيل الحدود و الأحكام، و إحياء أمر الجاهلية و هو بخلاف هذه الصفة، فإن نبينا (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يمت حتى ورث علمه وصيا [كذا] يقوم مقامه، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل 246 - و من الدليل قول الله جل ذكره: و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.
فقد دل بصراحة على أولى الأمر منهم في حياة رسول الله، و أشار إليه و احتجوا بحجة واهية جدا! فقالوا: إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يوص، إذ
كان لا مال له، و هذه عليهم، لأن عامة الأنبياء الذين أوصوا لم يكن لهم مال فالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أكثرهم مالا، إذ كان حقه في الخمس قائما في كل مغنم إلى يوم القيامة، بفرض من الله و كانت عليه ديون و عليه عدات.
و هو مع ذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم يقوم لهم مقام الوالد البر.
وصية الرسول مع ذلك لا تدفعها حجج العقول بل توجبها، و ليس لأحد أن ينكر ذلك، وقد ادعاها علي (علیه السّلام) لنفسه، و ادعاها لولده و أهل بيته قاطبة، و جاءت شيعته تدعيها له مع ما قد جاء في ذلك من الحديث، و رواية الفقهاء من المرجئة و العثمانية و هم مع ذلك يقرون غير أنهم لا يفقهون.
247 - أليس قد روت فقهائهم عامة ما قد حكيناه
أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، قال: من يقضي ديني و ينجز موعدي فهو معي في درجتي؟!.
هل قضى دينه أحد غير وصيه؟
248 - أليس
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): لا يؤدي عني إلا علي؟.
249 - أليس
روی حذيفة بن اليمان، و أبو سعيد الخدري، عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، أنه خير الناس و خير الأوصياء؟،.
أليس زعمتم أن العباس عم رسول الله نازع عليا في تركة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى ظلمه ؟!.
حدثه الرافعي محمد بن عبد الله بن رافع عن أبيه أبي رافع، أنه كان عند أبي بكر، إذ جاء علي و العباس، فقال العباس: أنا عم رسول الله و وارثه، و قد حال علي بينه و بين تركته فقال أبو بكر: فأين كنت يا عباس؟
حين جمع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بني [عبد] المطلب، و أنت أحدهم، فقال:
أيكم يوازرني و يكون وصيي و خليفتي في أهلي و ينجز عدتي و يقضي ديني؟، فقال له العباس: بمجلسك [هذا] تقدمته و تأمرت عليه، فقال أبو بكر: أ غدرا يا بني عبد المطلب ؟!.
ثم رويتم أنهما ارتفعا من بعد أبي بكر إلى عمر، فقال عمر:
أخرجوهما عني قد فهمت يا بني عبد المطلب.
، و إنما تنازعا عنده
ليعرف القاعد ذلك المقعد لا حق له في ذلك المجلس، و أنه لهما و لم يرض به أحد منهما حكما بل ليقف على ظلمه لهما، كما أن الملكين صارا إلى داود (علیه السّلام)، فقالا: خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق و لا تشطط و اهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة واحدة فقال أكفلنيها و عزني في الخطاب، فقال داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه فلما حكم لأحد هما على الآخر طارا، فأسقط في يد داود فعرف ما أرادا، و علي و العباس إنما تظلما إلى أبي بكر ثم عمر ليعرفا ظلمهما لا أن بينهما اختلافا، و الحمد لله.
250 و نرجع الآن إلى شرح ما كنا فيه من أمر الوصية و تثبيت الإمامة، و هو قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إني تارك فيكم الثقلين، و
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): إنما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق...
فقد دل النبي على قوم بأعيانهم،
و قال (صلی الله علیه و آله و سلم): أهل بيتي أمان لأمتي. ،
، فأهل بيته هم الذين حرم الله عليهم الصدقة، وقد قال الله جل ذكره: و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.
فمن سلك صراط الله المستقيم و اتبع نوره المنير، خرج من الشبهات، و الإختلاف، و الحيرة و الضلالة، وصار إلى مستقر الأمن و ضياء
القوم، و معدن الخير، و موضع الرسالة و مقر الرحمة و الرأفة، و الهدى، و أمان الأمة، و سفينة النجاة، و دار السلامة و الإسلام، و ولاية المهتدين، و اتباع الصادقين و أحساب العالمين و التمسك بحبل المؤمنين، عصمنا الله من الزيغ.
251 - ثم لم نجد أحدا أكذب عليا (علیه السّلام) في عصره و لا ادعاها لغيره و لا لنفسه، إلا أن يكون معاندا مريدا، ثم
قول سلمان (رحمه الله علیه) للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إنه لم يكن نبي قط إلا و كان له وصي، قال: فمن وصيك؟، فسكت عنه مليا، ثم لقيه فقال له: يا سلمان من كان وصي موسى؟ فقال: يوشع بن نون، قال لم أوصى إليه؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: لأنه خير من ترك بعده، ثم قال: هل تدري من وصيي من بعدي؟ قال: لا، قال: علي أخي و وصيي في أمتي، و ابناه سبطا هذه الأمة، سميتهما باسم ابني هارون شبرا و شبيرا.
، و الدليل قائم أن النبي ضمنه الوفاء بعداته، و قضاء ديونه، و دفع إليه سيفه و درعه و نعلیه و خاتمه.
252 - و من الدليل أيضا على أن عليا (علیه السّلام) هو المخصوص بالإمامة و الخلافة، و الوصية، و أنه كان أرضا لها وسماء، إذ كان نفس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أن القوم لما ساروا إلى رسول الله، ليحاجوه في المسيح أنزل الله:
فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم ونساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل، فنجعل لعنت الله على الكاذبين، دعا أهل بيته، و كان علي من نفس رسول الله، و كان هاشمي الوالدين، و كان أشبه الناس برسول الله، لأنه لم يعبد وثنا قط، حجرا من دون الله كما عبده من قعد مقعده، و لا أكل ربا، و لا ذبح لغير الله و لا
أكل منه، و كان مبرأ من الأقذار ، مطهرا من الآفات، لم يدنس بالريب، و لم يولد من سفاح، و لا كانت أمه و جدته صاحبة راية و لا كانت ممن ينتابها الفساق، بل هو كما قال الله: أولئك هم المطهرون!!.
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لم يمسني سفاح أهل الجاهلية، و لم أزل أنقلب من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات.
، فليس لأحد أن يدعي الطهارة إلا من جرى مع رسول الله إلى عبد المطلب الذي هو جده، و جد أهل بيته، و لا يصلح للإمامة إلا من هذه صفته، و كان قلبه كما وصف الله قلب إبراهيم (علیه السّلام)، حيث قال: إذ جاء ربه بقلب سليم، هكذا صفة من اختصه الرسول و رباه و نشأ على أدبه، و هديه و خلقه.
253 - ثم هذا علي أول الناس إسلاما، و آخرهم هجرة و احتمل مكروه الوصية، و نهض بأعباء الإمامة، وصبر في دار الكفر مظلوما مقهورا محتسبا، و كان مفتاح الأمر وخاتمته، و لما أراد الله أن يشهر أمره
بالفضيلة اختصه بها ليكون علما للطالب، إذ كان مدلولا عليه، و لم يكن الله ليدع عباده و الجهل، لأنه ليس للجهل سواهم، و لا للهلكة أنشأهم، و لم يكن ليدلهم على الإسلام و الصلاح، و هو يريد إفسادهم، و إن هذا غير جائز على الله أن يدع العباد ولا يدلهم على الصلاح إذ كانت عقولهم لا تبلغ جميع مصالحهم في دنياهم، فكيف يصلح لأمر الدين!؟، و إذا كانوا عاجزين عن أمر الدنيا فهم عن الدين أعجز، و لو لا ذلك لكان إرسال الرسل إليهم فضولا و خطأ، و إذا كانوا عاجزين عن العلم بمصلحة أبدانهم في دنياهم، فهم عن المستنبط بالقياس مما لا تدركه الحواس، و عن المؤجل الذي لا يعرف بالمعجل و عن الخفي الذي [ل] يعرف بالظاهر أعجز ؟!، فكيف لو وقفوا على غامض الدين من التعديل و التجويز،
و معرفة ما يجوز على الله، و مما لا يجوز؟ و على الفرق بين الكهنة و الرسل، و بين النبي و المتنبي، و بين الكاذب من الأخبار و بين الصحيح، و كيف يفصل بين التأويل في الوعد و الوعيد، و الأسماء و الأحكام و بين العلم بالحلال و الحرام، و كيف يخفى على ذي عقل أن الناس لا بد لهم من قيم يعرفهم مصالح دينهم، فالرسول قد أقامهم على جملة أمرهم، و أقام لهم الإمام ليدلهم على ما يختلفون فيه من بعده و عليه التفصيل.
فالأمر بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) راجع إلى الإمام المدلول عليه بعد أن يطاع و يؤخر له، لأن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) يشرع الشريعة و يخبر بالجملة،
و الإمام يشرح من بعده للأمة ما يختلفون فيه، و لو لا أن في وسع الناس قبول الإرشاد، وضبط التلقين لكانوا هملا و لسقط عنهم الأمر والنهي، و لو أن الناس لم يكونوا مطبوعين على تلقي العلم من المؤدبين، و لم يكن لإدراك الحواس من أثر ما كان بينهم و بين البهائم فرق، و إذا كان الجهل بالمصالح و غلبة الطباع و شره الشهوات على الناس غير مأمون، فلا بد لهم في كل دهر من قيم عليم معرف حكيم لإقامتهم على مصالحهم التي لا تبلغها عقولهم، و [أما] الإمام فلا يجوز أن يكون محتاجا إلى غيره، و لا مضطرا إلى من يقيم أوده و إذا كان ناقصا كان كمن حكم بتلك الأحكام التي قد شرحناها من قبل، و كمن
أتي بامرأة حبلى من غير زوجها فأمر برجمها و رجم ما في بطنها! حتى قال له أمير المؤمنين (علیه السّلام): هذه قد ظهر جرمها، فما جرم ما في بطنها؟! فقال: لو لا علي لهلك عمر.
و قد يجب على الأمة أن تعلم أن الناقص لا يجوز أن يكون إماما بعد الرسول لأن الله قد إختار خيرة من خلقه، و اصطفى صفوة من عباده فأرسل الرسول، و جعله
خلقه
خیر خلقه و فرض الفرائض و أقام الإمام على هديه و لم يكن ليهملهم، روی ذلك رواتهم وفقهائهم:
254 فمن ذلك ما رواه عباد بن يعقوب الأسدي و محرز بن هشام
قالا: حدثنا السدي عن عبد الله السلمي قال: دخلت أنا و العلاء بن هلال على أبي إسحاق السبيعي، حين قدم من خراسان، فقلت حدثني أخوك أبو داود السبيعي، عن بريدة الأسلمي، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أمرهم أن يسلموا على علي (علیه السّلام) بإمرة المؤمنين فقال عمر بن الخطاب أمر من الله أم من رسوله؟! فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): أمر من الله و من رسوله.
255 و روى المنقري: قال: حدثنا صفوان بن يحيى، عن عاصم بن جميل، عن فضیل قال: حدثني عمران، قال كنت أنا و أخي بريدة عند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فدخل أبو بكر ، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يا أبا بكر سلم على علي (علیه السّلام) بإمرة المؤمنين، فقال أبو بكر: أمر من الله أم من رسوله ؟! فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): من الله و من رسوله.
ثم جاء عمر ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) له سلم على علي بإمرة المؤمنين فقال عمر: أمر من الله أم من رسوله ؟ فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الله و من رسوله.
ثم جاء سلمان، فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): سلم على علي بإمرة المؤمنين، فسلم، فسلم، ثم جاء عمار، فقال له سلم على علي بإمرة المؤمنين فسلم ثم جلس، فأقبل علينا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بوجهه فقال:
إنني قد أخذت ميثاقكم على ذلك كما أخذ الله ميثاق بني إسرائيل حيث قال لهم: أ لست بربكم قالوا بلى و سألتموني أنتم، أ من الله أم من رسوله، فقلت: من الله و من رسوله!.
أما والله لئن أبغضتموه لتكفرن ، أما والله لئن أبغضتموه لتكفرن مرتين.
فخرجوا من عند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و رجل من القوم يضرب بإحدى يديه على الأخرى و يقول كلا ورب الكعبة، فقلت: يا أبا داود من ذلك الرجل؟ فقال: إنك لا تحتمله، و جابر من خلفي يغمزني، أي سله، فألححت عليه، فقال: هو الأعرابي.
256 قال و حدثنا يوسف بن كليب المسعودي، قال: حدثنا يحيى بن سالم العبدي، قال: حدثنا الصباح المزني، عن العلاء بن
المسيب.
عن أبي داود، عن بريدة الأسلمي، قال: أمرنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن نسلم على علي بإمرة المؤمنين، و نحن تسعة و أنا أصغر القوم يومئذ.
257 و روى البزاري، قال: حدثنا محمد بن الحرث بن بريد، عن روح بن القاسم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
عن حذيفة بن اليمان، قال: دعانا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى بيعة علي بن أبي طالب يوم غدير خم، فلما بايع الناس اتكأ رجل قد سماه علي المغيرة بن شعبة ثم انطلق يتمطى و هو يقول: و الله ما نقر لعلي بن أبي طالب بولاية، فأنزل الله على نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى، فصعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و هو يريد البراءة منه
و تسميته للناس، و كان له وقت لم يبلغه، فأنزل الله لا تحرك به لسانك لتعجل به،
فسكت رسول الله..
فهذه روايتهم على أن فقهائهم قد ستروا جل ما روى في أهل بيت النبوة حذرا على دمائهم وخوفا من بني أمية، و الذي بقي منه في أيدي العامة القليل النزر، و نحن قد كفانا ما حكينا فقد اختار الله جل ذكره لهم الخيار ، و بقي من لا يصلح
للإمامة، فجروا إلى الجحود حبا للدنيا، وجحدوا صاحب الحق حقه، و من جحد الحق لزمه اسم الجحود و الجاحد للحق مقيم للباطل، و المقيم للباطل كافر.
و قد روی فيمن جحد عليا حقه ما نحن ذاكروه.
258 روى أبو محمد الهاشمي، قال: حدثنا إبراهيم بن سليمان العطار الصائدي، قال: حدثنا عبد الصمد بن علي الهاشمي، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس، قال: صمتا كما عميتا إن لم أكن سمعت رسول الله يقول: جاحد علي حقه يجيء
یوم القيامة في عنقه طوق من حديد فيه
ثلاثمائة قرنة في كل قرنة شيطان يبزق في وجهه و يكلح في وجهه،.
فهذا شأن من جحد عليا حقه فقد خرج من الإيمان إلى الكفر.
و نحن نسألهم بعد ما احتججنا عليهم بهم عن كل من ولي الأمر من بر أو فاجر ممن أطاع الله أو عصاه، هل تجوز طاعته؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: هذا خلاف أمر الله، لأن الله يقول و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون و يقول: فقاتلوا التي تبغي حتى إلى أمر الله.
و أنتم تأمرون بطاعتهم وتدعون إليها، ثم يقال لهم: أليس قد أمر الله المؤمنين بقتال الفئة الباغية؟ فإذا قالوا بلى، قيل لهم: أليس الباغية هي الظالمة، فإذا قيل بلى، قيل لهم: كيف يجب علينا قتالهم وتجب علينا طاعتهم إذا غلبوا من غير رجوع منهم و لا توبة، فمن هناك وجب علينا
قتالهم فمن المحال أن تجب علينا طاعتهم، فإذا قالوا لا تجب علينا بالمعاصي، قيل لهم فأخبرونا عنهم، فإذا حكموا بغير ما أنزل الله، و أمروا بقتال من لا يجب عليه
القتل أو بقطع من لا يجب عليه القطع فما الواجب علينا؟ نطيعهم أو نقاتلهم؟ فإن قالوا نطيعهم فقد نقضوا قولهم، و إن قالوا:
نقاتلهم فقد أخرجوهم من الإمامة وهذا نقض لقولهم أطيعوه لو كان عبدا حبشيا، و الخيار هو الذي لا يحتاج إلى أحد من الأمة وتحتاج إليه لعلمه و معرفته، فأمره ظاهر، إذ كان الله قد دل عليه و دل عليه الرسول و برىء من النفاق
لقول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فيه : لأعطين الراية غدا إلى رجل يحب الله و رسوله، و يحبه الله و رسوله،.
و ليس لأحد من الأمة أن يشهد لأحد أن الله يحبه و رسوله و يحب الله و رسوله إلا لعلي (علیه السّلام)، وقد أيد ذلك
بقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فأتاه علي (علیه السّلام)، فأكل معه،.
و لا يعلم لأحد من الأمة مثلها.
و قد يجب على الأمة أن تعقل هذا الموضع، و لا تقدم على من
يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله فإن الله لا يحب إلا الخيار، وقد برئ من النفاق، فإن المنافقين في أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كثير لا يعرفهم إلا الله و رسوله. و قد دل رسول الله حذيفة بن اليمان على قوم منهم، و أمره بستر ذلك إبقاء عليهم و كراهة لهتك ستورهم، و أصحاب العقبة قد كان منهم ما لا خفاء به، و هم جلة أصحاب محمد، و تقدم (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى حذيفة في شأن الرجلين الجليلين عند الأمة أن لا يخبرنا باسميهما
259 رواه أحمد بن مهدي قال: حدثنا نعيم بن حماد قال:
حدثنا هشيم عن مجالد، عن عامر، عن صلة بن زفر، قال:
قلت لحذيفة: أين علمت أسماء المنافقين من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ قال: بينا أنا في الحجيج مع رسول الله ليلا، إذ أنا بركب المسلمين، يقولون: إذا أتينا العقبة فعقنا بناقته فيقع عنها فندق عنقه فنستريح منه، فلما سمعت ذلك، أتيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و كان نائما جعلت أقرأ و أرفع صوتي حتى استيقظ فقال من هذا؟ فقلت: أنا، قال: ما شأنك؟ فقلت: سمعت فلانا و فلانا وفلانا يقولون كذا وكذا، فقال:
إن فلانا و فلانا و فلانا منافقون، أعداء الله و أعداء رسوله فلا تخبرن بذلك أحدا.
260 و روی الواقدي، قال: حدثني عبد الله بن عبد العزيز، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، عن خلاد بن سويد، عن أبي قتادة في حديث طويل، قال لما كان رسول الله ببعض الطريق، مر به بعض المنافقين و تناجوا أن يطرحوه عن عقبة في الطريق، فلما بلغ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى تلك العقبة أرادوا أن يسلكوها، فأخبر رسول الله بخبرهم، فقال للناس:
اسلكوا بطن الوادي، وسلك رسول الله العقبة، و أمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، و أمر حذيفة بن اليمان أن يسوق من خلفه، فبينا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يسير في العقبة، إذ سمع حس القوم قد غشوه، فغضب و أمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم، و قد رأى غضب رسول الله فجعل يضرب وجوه رواحلهم بمحجن كان في يده (معه) و ظن القوم أن رسول الله قد اطلع على مكرهم، فانحطوا عن العقبة مسرعين حتى خالطوا الناس، و أقبل حذيفة حتى أتى رسول الله و قد ضاق به فلما خرج من العقبة و نزل الناس، فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لحذيفة: يا حذيفة هل عرفت راحلة فلان وفلان، و كان القوم ملثمين، فما أبصرهم من أجل ظلمة الليل، قال: لا.
261 - و روى أنهم حين أرادوا ذلك نفروا فسقط بعض متاع راحلته فقال أسيد بن حصين يا رسول الله، قد اجتمع الناس و نزلوا، فمن كان منا يظن برجل من الذين هموا بهذا فيكون الرجل من عشيرته فهو الذي يقتله و إن أحببت و الذي بعثك بالحق نبيا لأبيتن في هذه الليلة بهم، فلا أروح حتى آتيك برء وسهم، و إن كانوا منا كفيتكم و إن كانوا من الأنصار أمرت سيد الخزرج فكفاك من في ناحيته، فإن مثل هؤلاء لا يتركون، إلى متى تداهنهم؟ أو قال حتى متى تداهنهم؟، و قد صاروا اليوم في القلة و الذلة و قد ضرب الإسلام بجرانه فما تستبقي من هؤلاء يا رسول الله ؟
قال: يا أسيد إني أكره أن يقول الناس: إن محمدا لما انقطعت الحرب بينه
و بين المشركين وضع يده في قتل أصحابه، فقال : يا رسول الله فإن هؤلاء ليسوا بأصحاب، قال: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله؟ قال بلى و لا شهادة لهم، قال: أليس يظهرون أني رسول الله؟ قال: بلى و لا شهادة لهم، قال: فقد نهيت عن قتل أولئك.
262 و روی الواقدي قال: فحدثني يعقوب بن محمد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده، قال: كان أهل العقبة الذين أرادوا بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ما أرادوا ثلاثة عشر رجلا قد سماهم رسول الله لحذيفة بن اليمان و عمار بن ياسر..
263 قال الواقدي: و حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه، قال: تنازع عمار بن ياسر و رجل من المسلمين في شيء فتسابا، فلما كاد الرجل يعلو عمارا في السباب قال عمار: كم كان أصحاب العقبة؟ قال: الله أعلم، قال: أخبرني عن علمك بهم، فسكت الرجل،
فقال بعض الحاضرين: بين لصاحبك ما سألك عنه، و إنما يريد عمار أشياء قد خفيت عليهم، فكره الرجل أن يحدثه فأقبل القوم على الرجل يسألونه، فقال الرجل: كنا نتحدث أنهم كانوا أربعة عشر رجلا، فقال عمار: فإنك كنت فيهم فهم خمسة عشر، فقال الرجل: مهلا، أذكرك الله أن تفضحني، فقال عمار:
و الله ما سميت أحدا منهم و لكني أشهد أن الخمسة عشر رجلا، فاثنا عشر منهم حرب لله و لرسوله في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة و لهم سوء الدار.
264 قال فحدثني معمر بن راشد، عن الزهري، قال: نزل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن راحلته، فأوحى الله إليه و راحلته باركة، فقامت راحلته تجر زمامها فاقتادها حذيفة حتى رأى النبي جالسا و أناخها، ثم جلس عندها حتى قام النبي فأتاه فقال: من هذا؟ قال: أنا حذيفة بن اليمان فقال النبي له: فإني مسر إليك أمرا فلا تذكرنه، و ذكر أمرهم، أو قال:
فذكر أمرا و لم يعلم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ذكرهم لأحد غير حذيفة..
265 و روى يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: ساب رجل عمارا، فقال حذيفة: أو قال عمار: كان الذين تجسسوا على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليلة العقبة أربعة عشر رجلا فإن كنت فيهم فهم خمسة عشر.
266 و روی عبید الله بن موسى عن الوليد بن جميع، عن
الطفيل، عن حذيفة أو عمار، قال: تجسسوا على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليلة العقبة الثلاثة وصاحبا البصرة و عمرو بن العاص، و أبو مسعود، و أبو موسى، و قد ذكر جماعة من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
فكيف يوقف على أخبار قوم هذه صفتهم، و يعدل بهم قوم قد برأهم الله من النفاق، وأظهر أمرهم لا يعادل بهم، و من جللهم الرسول، و دعا لهم بإذهاب الرجس عنهم لا يفرق بهم عمن قد شرحنا امرهم.
267 -
و روی عبید الله بن موسى، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: حدثتني أم سلمة - حيلولة - 268 - و روى علي بن قادم، قال: حدثني أبو إسرائيل، عن زبيد اليامي عن شهر بن حوشب.
عن أم سلمة، قالت: جمع رسول الله أهل بيته فجللهم، وقال: اللهم هؤلاء أهلي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
فهؤلاء أهل بيته و ذريته الذين شهد لهم رسول الله بما أتاهم من علم الكتاب و شهدوا على الناس بما أوتي إليهم من علم الكتاب، و هم أهل الذكر و حملة الكتاب و خزان الوحي، و أمناء الله في أرضه، و حجته على عباده، و هم آل محمد و ذريته الباقون من بعد نوح التي بارك الله عليها، حيث يقول: ذرية من حملنا مع نوح، فجعل الله بقية الخلق من بعد نوح الذرية التي بارك عليها حيث يقول: ذرية من حملنا و يقول:
و لقد أرسلنا نوحا و إبراهيم و جعلنا في ذريتهما النبوة و الكتاب، و يقول: رحمت الله و بركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد، فهذه هي التي جعلها الله في الذرية و قد أنبأنا أنه جعل الكتاب حيث جعل النبوة فقال: هذا ذكر من معي و ذكر من
قبلي، و الذكر الكتاب.
269 -
و ذكر ابن أبي عمير، عن أبيه، عن صالح الأسود، قال: سمعت
محمد بن عمر قال: (ذكر من معي) نحن و (ذكر من قبلي) هم؟! فهل يستقيم لأحد اتبع الكتاب من يهود أو نصارى من قبائل العرب و شعوب العجم أن يقولوا:
نحن صفوة الله دون آل عمران و نحن الذين أوتوا الكتاب دونهم و نحن أعلم بالكتاب منهم، فمن قال ذلك كذبه القرآن، قال الله تعالى: ولقد آتينا موسى الهدى و أورثنا بني إسرائيل الكتاب و قال: و آتينا موسى الكتاب و جعلناه هدى لبني
إسرائيل ... و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا.
فقد بين لكم أنه اصطفى آل عمران، و أنه أورثهم الكتاب من بعد موسى و جعل منهم أئمة يهدون بأمره، ثم بين في الكتاب أنه اصطفى آل إبراهيم و آل عمران و أنهم ذرية بعضها من بعض، ثم قال: في هذه الأمة ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم يعني آل محمد خاصة ورثة الذين ذكرنا.
، و ذكر إبراهيم بن يحيى الثوري، قال:
270 - حدثنا صفوان بن مهران قال: سأل رجل أبا جعفر (علیه السّلام)
فقال: بأبي وأمي أنتم بم فضلتم على غيركم من بني أبيكم؟ قال: بأربع، قال: و ما هي ؟ قال: لنا من الله الطهارة، و ذلك قوله [تعالى]: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا و لنا من رسول الله الولادة، و لنا من كتاب الله الوراثة، و ذلك قوله : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، و لنا الأنفال خاصة لا يدعي فيها إلا كذاب و لا يمنعناها إلا ظالم، وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما ولت أمة أمرها رجلا و فيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرها يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا.
271 و روی محمد بن النعمان بن عبد السلام، قال: حدثنا مسدد عن خالد بن عبد الله الواسطي عن أبي علي حسين الرحبي عن عكرمة؛
عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما من قوم أمروا أميرا و فيهم من هو أرضى عند الله منه إلا خانوا الله وكتابه و رسوله و المؤمنين.
272 قال و حدثني إبراهيم بن ميمون و عثمان بن سعید، قالا: حدثنا علي بن عابس عن الحارث بن حصيرة عن القاسم بن جندب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): اسكب لي وضوء أتوضأ، ثم قام فتوضأ؛ ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال:
يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين و سید المسلمين و قائد الغر المحجلين، و خاتم الوصيين [قال أنس]: قلت:
اللهم اجعله رجلا من الأنصار، وكتمته، إذ جاء علي، فقال: من هذا يا أنس؟ قلت: علي، فقام مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرقه بوجهه، و يمسح عرق وجهه بوجه علي فقال علي : يا رسول الله، لقد رأيتك صنعت بي شيئا ما صنعته بي قط، قال: و ما يمنعني؟ و أنت تؤدي عني و تسمعهم صوتي، و تبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي، و هذا من طريق أنس بن مالك.
علي أمير المؤمنين و سيد المسلمين بلسان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)
: 273 و روی من طريق عائشة و مولاها ما ذكره عثمان بن سعد قال:
حدثنا محمد بن كثير عن إسماعيل بن زياد عن أبي إدريس، عن رافع مولى عائشة، قال: كنت خادما لعائشة، و أنا غلام أعاطيهم إذ كان رسول الله عندها، إذ جاء جاء فدق الباب، فخرجت إليه، فإذا جارية معها إناء مغطى، فرجعت إلى عائشة فأخبرتها، فقالت: أدخلها فدخلت، فوضعت بين يدي عائشة الإناء، فوضعته عائشة بين يدي رسول الله، فمد يده يأكل، فقال: ليت أمير المؤمنين و سيد المسلمين و خير أمتي يأكل معي، فقالت عائشة: من أمير المؤمنين خير أمتك؟
فسكت، ثم أعادها (صلی الله علیه و آله و سلم) فسألته، فسكت فجاء جاء فدق الباب، فجئت إليه، فإذا علي (علیه السّلام) فرجعت إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأخبرته، فقال: أدخله ثم قال له: مرحبا و أهلا، لقد تمنيتك و لو أبطأت علي لسألت الله أن يجيئني بك، اجلس فكل، فجلس فأكل، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): قاتل الله من يقاتلك، و عادى الله من يعاديك، فقالت عائشة: من يقاتله و من يعاديه؟
فسكت، ثم أعادتها ، فقالت: من يقاتله و من يعاديه؟ فقال النبي [(صلی الله علیه و آله و سلم)]:
أنت و من معك، [و هذا من طريق عائشة و مولاها، (ح)].
فلا نعلم أحدا يقدر على دفع العيان إلا مكابرة ، و فيما حكيناه دليل على إقامته.
274 و روی ابن ميمون، عن علي بن عامر، عن أبي الجحاف حيلولة- و عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت
هذه الآية في علي (علیه السّلام): يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته.
275 و روى إبراهيم بن يحيى الثوري قال« حدثنا مختار العبدي قال: حدثنا السدي ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قول الله:
قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون قال بفضل الله و النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و رحمته علي (علیه السّلام).
276 قال و سمعت المسعودي، قال: قال شريك: في قول الله:
يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة قال: في ولاية علي.
277 و روی نوح بن دراج، عن إبراهيم النخعي، عن عبد الله بن عباس، في حديث طويل، قال: دخلنا على أمير المؤمنين، فقلنا: يا أبا الحسن أخبرنا بما أوصى إليك رسول الله، فقال: إني سأخبركم، قال:
إن الله اصطفى لكم الدين و ارتضاه لكم و تمم عليكم نعمه و كنتم أحق بها و أهلها، الله الله يا علي احفظ وصيتي، و ارع ذمامي، و أوف بعهدي و أنجز موعدي، و اقض ديني، و كن مكاني، و قم مقامي، و أحي سنتي و ادع من يجيء إلى ملتي، إن الله تعالى لما اصطفاني، و اختارني، ذكرت دعوة موسى، فقلت: إلهي اجعل لي وزيرا، فأوحى الله إلي،: أن عليا وزيرك و ناصرك و الخليفة من بعدك، فأنت يا علي و ولدك أئمة الهدى و أنتم قادة التقى، و بقية عترة المصطفى، أنتم الذين أوجب الله على العباد مودتكم و ولايتكم و أنتم الشجرة التي أنا أصلها و أنتم فرعها، فمن تمسك بها فقد نجا، و من تخلف عنها فقد هوى، أنتم الذين ذكركم الله في كتابه، و وصفكم لعباده، فقال: إن الله اصطفى آدم و نوحا و آل إبراهيم و آل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض فأنتم صفوة الله من آدم و سلالته من نوح، و الآل من إبراهيم و الأسرة من إسماعيل، و العترة الهادية من محمد (صلی الله علیه و آله و سلم).
فاصبر يا علي على قضاء الله حلوه و مره، أما إنهم سيظهرون لك من بعدي ما كتموا و يعلنون لك ما أسروا، فإن أتوك فتابعوك طائعين غير مكرهين، فاقبلهم فحظهم الأوفى أصابوا، و ربهم أطاعوا و نبيهم أرضوا، و إن أزالوا الحق عنك عداوة وضغنا فحظهم نقصوا، و ربهم عصوا، و نبيهم أسخطوا و الذي سيصير الأمر إليه يا علي سيموت و يدعها ليس بمخلد فيها فلا تزاحمهم على دنياهم، و لا تبع باقيا بفان، و ائتني مظلوما، و لا تأتني ظالما، و اعلم أنك ما تصير إليه خير مما أنت فيه.
278 حدثنا أبو حفص عمر بن علي بن يحيى، قال: حدثنا قيس بن حفص، قال: حدثنا يونس، عن علي بن حزور، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي (علیه السّلام)، قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين فخير الناس سبعة كلهم من ولد عبد المطلب، يدعى
نبيكم خير الأنبياء من ولد عبد المطلب، ووصي نبيكم سيد الأوصياء من ولد عبد المطلب، و الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة من ولد عبد المطلب، و حمزة سيد الشهداء من ولد عبد المطلب، و جعفر ذو الجناحين من ولد عبد المطلب، و المهدي الذي يخرج في آخر الزمان من ولد عبد المطلب، نحلة من الله لم يعط الأولين و الآخرين مثلها..
279 و روى يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش عن عباية الأسدي، عن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لفاطمة (عليها السلام): إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحدا من الأولين قبلنا و لا يدركها أحد من الآخرين غيرنا.
نبينا خير الأنبياء و هو أبوك، و وصينا خير الأوصياء و هو بعلك، و شهيدنا خير
الشهداء و هو حمزة عمك، و من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء و هو جعفر بن أبي طالب ابن عمك، و مناسبطا هذه الأمة، و مهديهم ولدك.
280 و حدثنا عمرو بن أبي المقدام عن يونس بن خباب، عن أبي جعفر، محمد بن علي (علیه السّلام) قال:
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما بال أقوام إذا ذكر آل إبراهيم و آل موسی و آل استبشروا، و إذا ذكر آل محمد اشمأزت قلوبهم، و الذي نفسي بيده لو أن أحدهم وافى بعمل سبعين نبيا ما قبل الله منه حتى يوافي بولايتي و ولاية أهل بيتي.
281 و حدثنا أبو حفص، قال: حدثنا عمر بن الخطاب الراسبي قال: حدثنا سكين بن عبد العزيز، عن هلال بن خباب عن أبيه، قال: خطبنا علي (علیه السّلام) فقال في خطبة:
نحن و الله الذي لا إله غيره أئمة العرب و منار الهدى حبنا أهل البيت و الإيمان معا، من تقدمنا هلك، و من تخلف عنا ضل.
قال: و أشار بإصبعيه.
282 و روى عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا حريز عن الأعمش عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام لقيته أساقفتها و رءوسها، و قد تقدمه العباس بن عبد المطلب على فرس، و كان العباس جميلا بهيا،
فجعلوا يقولون: هذا أمير المؤمنين و يقولون له، السلام عليك يا أمير المؤمنين فيقول: لست بأمير المؤمنين و أمير المؤمنين ورائي، و أنا و الله أولى بالأمر منه، فسمعه عمر قال: ما هذا يا أبا الفضل؟ قال: هو الذي سمعت، فقال: لكني أنا و إياك قد خلفنا بالمدينة من هو أولى بها مني ومنك، قال العباس: و من هو؟ فقال: علي بن أبي طالب قال: فما الذي منعك و صاحبك أن تقدماه؟ فقال: خشية أن يتوارثها عقبكم إلى يوم القيامة، و كرهنا أن تجتمع لكم النبوة و الخلافة!!.
قال له العباس: إن من حسدنا فإنما يحسد رسول الله..
283 و روی یزيد بن هارون عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود قال كنا عند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و أصحابه عنده حفل مجتمعون، و فيهم علي بن أبي طالب فخط رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) خطا بين يديه، و خطا إلى جانبه فقال: هذا السبيل و أشار إلى علي (علیه السّلام) و هذه السبل و أشار إليهم فتفرق بكم عن سبيله و أشار إليه ذلكم وصاكم به و أشار إلى السماء لعلكم تعقلون.
284 قال: وحدثنا علي بن جعفر المديني، عن أبيه، عن
سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة قال: نظر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى علي بن أبي طالب، فقال: هذا باب الهدى الذي من دخله كان آمنا و هو حجة الله على عباده.
قال علي المديني: عجبا للمخذول أبي هريرة، يروي مثل هذا عن نبي الله، ثم يخالف عليا و يكون مع معاوية..
285 و روى أبو وليد الكناني فيما رواه، عن حبيب الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن عمر في تحلل علي عند موته، فقال له علي (علیه السّلام): على أن تشهد لي شاهدین بظلمك إياي، فأبى عمر ذلك، فقال له ابن عمر بعد خروج علي (علیه السّلام): قد أنصفك الرجل، فقال عمر:
اسكت، أراد أن لا يترحم على أبيك رجلان.
286 و روى أحمد بن يونس الضبي قال: حدثنا جندل بن والق، قال: حدثنا محمد بن عمر المازني عن منصور بن مهاجر عن إسماعيل بن أبي زياد عن برد بن أبي
بشار عن مكحول عن بشر بن عطية.
قال: لعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثلاثة فقال: ألا لعنة الله و الملائكة أجمعين على من انتقصني من حقي شيئا، و على من آذى عترتي و أهل بيتي، و على من استخف بولايتي، و ولاية علي من ولايتي.
287 و روی سفیان بن وكيع قال: حدثنا أبو نعيم، عن عبد الملك بن أبي عتبة، عن الحكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
عن بريدة، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت بلی، قال: من کنت مولاه فعلي مولاه، هو وليكم من بعدي يا بريدة.
288 و روى الحسن بن الحسين العرني عن كادح [بن جعفر] عن ابن لهيعة، عن مسلم بن يسار.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لعلي (علیه السّلام): أنت تؤدي ذمتي، و تقاتل على سنتي، و أن الحق معك و الحق على لسانك و في قلبك و بين عينيك و أن الإيمان مخالط لحمك و دمك، كما خالط لحمي و دمي.
289 قال: وحدثنا إبراهيم بن هراسة عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر.
عن جابر بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله يوم الحديبية أخذ بضبع علي بن أبي طالب، و هو يقول: علي أمير البررة، قاتل الفجرة منصور من نصره مخذول من خذله.
290 و روی محمد بن محمد بن جميل، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق.
عن عائشة، أنها قالت: يا رسول الله، من الخليفة من بعدك؟ قال:
خاصف النعل، قالت: من خاصف النعل ؟ قال: انظري، فنظرت فإذا علي بن أبي طالب، قالت: يا رسول الله ذاك علي بن أبي طالب، قال هو ذاك.
291 و روى أبو عوانة موسى بن يوسف القطان الكوفي، قال:
حدثنا أحمد بن صبيح قال: حدثنا يحيى بن يعلى، عن عمران بن عمار عن أبي إدريس مؤذن بني قصي، قال: أخبرني مجاهد.
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من فارق عليا فارقني و من فارقني فارق الله.
292 و روى أبو داود، عن ابن عباس، أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لعلي:
أنت ولي كل مؤمن بعدي.
293 و روي عن الأسود بن عامر، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: علي مني و أنا منه، لا يؤدي عني إلا أنا أو علي.
294 و روى أبو سهيل أحمد بن التمامي قال: حدثنا عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن العباس، قال: حدثنا معاوية بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إن الله عهد إلي في علي بن أبي طالب (علیه السّلام) عهدا، فقلت: ربي بينه لي، قال اسمع يا محمد، قلت: ربي سمعت قال: يا محمد إن علي بن أبي طالب راية الهدى من بعدك و إمام أوليائك و نور من أطاعني، و هو الكلمة التي ألزمها عبادي، فمن أحبه فقد أحبني، و من أبغضه فقد أبغضني، فبشره بذلك.
295 و روي عن محمد بن أبان عن فضيل عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن
زاذان؛ عن سلمان قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: كنت أنا و علي نورا بين يدي الله قبل أن يخلق الله آدم قسم ذلك بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم قسم النور جزءين ركبا في آدم فجزء أنا و جزء علي بن أبي طالب، فنور الحق معنا نازل حيثما نزلنا.
296 و روي عن زكريا بن يحيى الكوفي، عن علي بن القاسم عن سعد بن طارق، عن عثمان بن القاسم عن زيد بن أرقم، قال:
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ألا أدلكم على ما إن تسلمتم عليه لم تهلكوا،؟ إن إمامكم وليكم علي بن أبي طالب، فناصحوه وصدقوه فإن جبرائيل أمرني بذلك.
297 و روى الحماني، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي.
عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: الله ربي و لا إمارة لي معه (و أنا رسول الله و لا إمارة معي، و علي مولى من
كنت مولاه و لا إمارة معه).
298 و روى الحسن بن الحسين العرني عن كادح [بن جعفر] عن [عبد الله] بن لهيعة، عن مسلم بن يسار.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما قدم علي على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)
بفتح خيبر، قال رسول الله: لو لا أن تقول طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عیسی ابن مریم لقلت فيك اليوم قولا لا تمر بملإ من المسلمين إلا أخذوا من تراب رجليك و فضل طهورك يستشفون به، و لكن حسبك أن تكون مني و أنا منك ترثني و أرثك، و أنت مني بمنزلة هارون من موسى مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي و أنك تؤدي ذمتي، و تقاتل على سنتي، و أنك غدا في الآخرة أقرب الناس مني، و أنك غدا على الحوض خليفتي، و أنك أول من يرد علي الحوض غدا، و أنك أول من يكسى معي، و أنك أول داخل الجنة من أمتي، و أن شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي أشفع لهم، ويكونون في الجنة جيراني، و أن حربك حربي سلمك سلمي و سرك سري و علانيتك علانيتي، و سريرة صدرك كسريرة صدري و أن ولدك ولدي، منجز عداتي، و أن الحق معك و الحق على لساني و في قلبك و بين عينيك، و أن الإيمان مخالط لحمك و دمك كما خالط لحمي و دمي، و أنه لا يرد علي الحوض غدا مبغض لك، و لن يغيب عنه محب لك غدا حتى يرد الحوض معك.
قال فخر علي (علیه السّلام) ساجدا، ثم قال: الحمد لله الذي من علي بالإسلام، و علمني القرآن، و حببني إلى خير البرية خاتم النبيين و سيد المرسلين إحسانا منه إلي و فضلا منه علي.
فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عند ذلك: لو لا أنت يا علي لم يعرف المؤمنون بعدي.
299 و روى العرني، عن يحيى بن يعلى عن عمار بن رزيق الضبي عن أبي إسحاق عن زياد بن طريف الطائي قال:
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من أحب أن يحيا حياتي و يموت ميتتي و يدخل الجنة التي وعدني ربي و هي جنة الخلد قضيبا غرسه بيده، فليتول علي بن أبي طالب و ذريته من بعده فإنهم لن يخرجوهم من باب هدى و لن يدخلوها في باب ضلالة.
300 و روى القاسم بن المنذر النخعي، عن قيس بن الربيع عن الرصافي عن مالك المازني قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: أتاني معاوية و عمرو بن العاص و أبو موسى الأشعري، فقالوا: جئناك نسألك عن هذا الرجل يعنون عليا (علیه السّلام) فقلت: هو أحلى عندي من العسل و أمر عندكم من الدفلى و أخف على فؤادي من الريش و أثقل عليكم من الجبال الرواسي، أو قال: من الجبل الراسي، من حاد عنه أخطأ الطريق، و من لزمه سلك الحدود أمن العثار، فهو شمس الله المنيرة وسبيله الواضح و علمه ،اللائح، نور لمن لزمه، و شفاء لمن
اقتدی به، حجة الله على خلقه و باب حطته ومن [دخله سلك مسالكه] كان آمنا، و من تركه كان خائبا. أما والله ما حدتم عنه إلا لخشونة مأكله و تقصي أموره، و الله لو ألعقكم [لفقكم] الله من الدنيا حسواتها ما ابتغيتم به بدلا، و و الله ما عليا (علیه السّلام) أردنا بما قلنا، و ما أردنا به إلا الله وحده، ثم القربة إلى رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) و
سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
فهذه أخبارهم ! قد رووها كلها دالة على إمامة علي (علیه السّلام) من دون قوم توثبوا عليها، و ذكروا أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أهمل أمر الأمة فيها، فلما أوردنا عليهم القواطع سألونا: لم حظرتم الإمامة إلا أن تكون في بني هاشم؟! دون تيم و عدي و سائر قبائل قريش؟ فأوردنا حججا لم يقدروا على دفعها و قربناها من أفهامهم، و لم نجر في العناد كما جروا، و علمناهم فيها أن الإمامة التي هي فرع الرسالة لا تجوز إلا أن تكون في قوم تجتمع
فيهم الخصال التي نذكرها.
فأولها القرابة بالرسول ثم العلم و المعرفة بما تحتاج إليه الأمة، ثم الإمامة و العفة الزهد في الدنيا.
301 - قالوا: فمن أين زعمتم أن أولهم علي بن أبي طالب؟
قلنا: لأنه أعلم أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) بما تحتاج إليه الأمة من أمر دينها مع قرب القرابة، ثم لا تكون إلا في الأفضل و الأعلم و الأفقه من أهل بيت النبوة، و نظرنا في أمر علي بعد إيراد الأخبار عليكم، فاضطررناكم بالنظر ضرورة حتى أقررتم.
302 - ثم إنا نظرنا فإذا الكتاب ينطق بأن لله خيرة من خلقه و ذاك قوله: يخلق ما يشاء و يختار 303 - ثم نظرنا في الخيرة من خلقه، فإذا الكتاب ينطق أنهم المؤمنون بقوله: إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، فنظرنا فإذا علي من المؤمنين.
304 - ثم نظرنا إلى خيرته من المؤمنين، فإذا الكتاب ينطق بالسابقين بقوله: و السابقون السابقون أولئك المقربون فنظرنا فإذا علي (علیه السّلام) من السابقين بإجماع منا و
من المخالفين، 305 - ثم نظرنا فإذا الكتاب ينطق بالجهاد بقوله: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله فنظرنا فإذا علي من المجاهدين بالإجماع؛ 306 - ثم نظرنا إلى خيرة الله من المجاهدين فإذا الكتاب ينطق بالإنفاق قبل الفتح بقوله: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا فنظرنا فإذا علي قد أنفق من قبل الفتح و قاتل؛ 307 - ثم نظرنا هل لله خيرة من هؤلاء؟ فإذا الكتاب ينطق بالعمل الصالح بقوله: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا یره و بقوله [تعالى]: ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلا إلا كتب [لهم) به عمل صالح.
فما رأينا أحدا إدعى أمر الإمامة عمل في الجهاد أكثر مما عمل علي (علیه السّلام)، فلم يخالف بعد رسول الله (علیه السّلام) في أبي بكر، و رأيناها مجمعة أن عليا (علیه السّلام) أكثر عملا في الجهاد و هي التجارة التي تنجي من عذاب أليهم و أنه (علیه السّلام) كان أثبت في الصف المرصوص الذي وصفه الله تعالى من أبي بكر، و كان أقتل للأقران من أبي بکر، و سمعنا الله جل ذكره يقول: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون و يقتلون و كان علي (علیه السّلام) من أشد الناس تسليما لهذا البيع و أكثر من أبي بكر فعلا، وسمعنا الله يقول: يا أيها النبي جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم * و لا غلظ أشد من القتل و كان علي (علیه السّلام) أغلظ الناس على الكفار من أبي بكر، لقتله الصناديد و الأبطال منهم، و قد وصف الله أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: و الذين معه أشداء على الكفار.
فثبتت هذه الصفة لعلي (علیه السّلام) دون أبي بكر لشدته على الكفار، وقتله الصناديد؛ و سمعنا الله يقول:
فالذين هاجروا و أخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم، و رأينا عليا (علیه السّلام)، قد ثبت هذا له و لم يثبت لأبي بكر لأنه لم يخرج في سبيل الله كخروجه، و لم يقتل قرنا ولا بطلا، و لم يفتح فتحا على عهد
رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
308 - ثم نظرنا هل دل الله على خصلة غير الجهاد من الفضل فإذا الكتاب ينطق بالتقوى بقوله : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وجاء في التفسير، أكرمكم: خيركم عند الله.
309 - ثم نظرنا هل دل على المتقين؟ ، فإذا الكتاب ينطق بقوله:
و أزلفت الجنة للمتقين * فدلنا على أن المتقين هم الذين يخافون الله.
310 - ثم نظرنا، هل دلنا الله على الذين يخافونه؟ فإذا الكتاب ينطق بقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء فدلت الآية أن الخاشعين العلماء.
311 - ثم نظرنا هل فضل الله العلماء؟ فإذا الكتاب ينطق بقوله:
يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات، وقال:
هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب و قوله [تعالى]: شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط فمدح الله العلماء بما مدح به الملائكة.
312- ثم نظرنا، فإذا علي بن أبي طالب ممن قد أجمعت الأمة عليه، و اختلفوا في أبي بكر، و ليس المجمع عليه كالمختلف فيه، فثبت فضله، فصار أولى بالإمامة نظرا و قياسا، و ذلك أن الله تعالى، ذكر حكاية عن بني إسرائيل حيث سألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكا يقاتل في سبيل الله، فقال لهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا فقالوا أنى يكون له الملك علينا و نحن أحق بالملك منه و لم يؤت سعة من المال
فقال إن الله اصطفاه علیکم و زاده (بسطة) في العلم و الجسم ففضل الله طالوت بالعلم و القوة، و أجمعت الأمة لا اختلاف بينها أن عليا (علیه السّلام) أشد من أبي بكر.
313- ثم سمعنا الله يقول: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا و ينصرون الله و رسوله أولئك هم الصادقون
، فنظرنا فإذا علي ممن قد أجمع الناس على أنه كان من فقراء المهاجرين، فثبت له الصدق في إيمانه و أجمعوا أن أبا بكر كان غنيا فخرج من هذه الآية؛ 314-
و روي عن عائشة أنها قالت أنفق أبو بكر على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أربعين ألفا!.
، فقد دل ذلك على أنه كان غنيا فعل ذلك أم لم يفعل؟!.
315 - ثم سمعنا الله يقول: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فلزمنا و كل مسلم أن نكون مع علي بن أبي طالب لأنه قد ثبت له الصدق.
316 - ثم سمعنا الله يقول: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه و من أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما. فشرط لما وفي البيعة الرضوان و الأجر العظيم.
317 - ثم سمعنا الله يقول: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه و لم يقل كل مؤمن، و كانت البيعة على الموت و على أن لا يفروا، و قال في موضع آخر:
و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، و كان عهد الله مسؤلا و ذلك يوم الخندق، و كان ممن صدق الله يومئذ بقتله عمرو بن عبد ود العامري، فثبت له الصدق على ما عاهدوا الله عليه، و قد أمرنا الله أن نكون مع الصادقين و ألزمنا ذلك و لم يلزمنا فيمن قدمه عليه الجمهور.
318 - و روى أن أبا بكر هرب يوم أحد و انهزم يوم خيبر هو و عمر، و لم ينهزم علي قط. ثم لم ينجس بعبادة الأوثان والأصنام قط، و ترك أباه وهو أعز
قریش، و بایع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على حداثته لا لسيف قهره، و لا لعشيرة ذليلة، و لا لفائدة دنيوية، و هو ممن وصفه الله حيث يقول:
و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام ثم قال: و من ذريتنا أمة مسلمة لك بعد ما قال: لا ينال عهدي الظالمين، فنظرنا في أمر الظالم، فإذا الآية قد فسروها بأنه عابد الأصنام، فإن من عبدها فقد لزمه اسم الظلم، فقد نفى الله للظالم أن يكون إماما،
319 و قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أنا دعوة أبي إبراهيم،.
و ليس لأحد أن يقول: أنا ابن إبراهيم إلا رسول الله وقد جرى معه من صلب إبراهيم إلى عبد المطلب، فإنه [فقد خ ل]
قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): نقلت من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، لم يمسسني سفاح أهل
الجاهلية.
و أهل الجاهلية كانوا يسافحون و أنسابهم غير صحيحة، و أمورهم مشهورة عند أهل المعرفة.
320 و روی حمید قال: جاء رجل إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك العبد الذي ولدت على فراشه فقام عمر بن الخطاب فأخذ مقدم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ثم قال: رضينا بالله ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد نبيا، و بالقرآن كتابا، لا نسأل عما سبقنا، ونؤمن بما أنزل علينا، لا تبدين علينا سوآتنا، و اعف عنا عفا الله عنك!، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) فهل أنتم منتهون؟ قال: انتهينا يا رسول الله.
فهذا عمر بن الخطاب لم يثق بنسبه و أمر الناس أن لا يزيدوه على الخطاب.
321 -
روی محمد بن فضيل عن أبي لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط،
عن مالك [بن هدم] قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم، ألا و لا يسألني أحد عما وراء الخطاب.
، و هذا عمر سئل عن عتق رقبة من ولد إسماعيل سأله رجل عن ذلك، فلم يثق إلا بما كان من رسول الله و عبد المطلب.
322 روى ذلك يزيد بن هارون عن حريز بن عثمان عن عوف بن مالك قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إن علي نذر أن أعتق نسمة من ولد إسماعيل، فقال: والله ما أصبحت أثق لك بأحد إلا ما كان من حسن و حسين و علي بني عبد المطلب فإنهم من شجرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و إني سمعت رسول الله يقول: هم ولد أبي.
فانظروا كيف لم يعرف عمر إلا ولد عبد المطلب و لم يثق في النسب إلا بهم، و يصح له نسبه كيف يجوز أن ينسب إلى إبراهيم،؟ و كيف يصلح للإمامة؟، فإن الله يقول: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل، فالذي لا يصح نسبته إلى إبراهيم فليس بمن سماه إبراهيم مسلما، و من لم يسمه إبراهيم مسلما فليس بمسلم و هذا أمر جليل يجب على الأمة أن تفهمه و تنظر فيه فإن من نظر و فحص رشد إن شاء الله.
323 - ثم هذا علي بن أبي طالب قد بقي بعد أبي بكر نحو ثلاثين سنة يعبد الله، فقد عبد الله قبله و بعده.
324 و روي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أن رجلين كانا متواخيين فمات أحدهما قبل صاحبه، فصلى عليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ثم مات الآخر فصلى عليه رسول الله ثم ماثل الناس بينهما فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): فأين صلاة هذا بعد صلاته، و صيامه بعد صيامه؟ لما بينهما كما بين السماء إلى الأرض.
فهذا قوله في رجلين متكافئين، فكيف بمن لا يقترن به أحد من الأمة، فإذا كان الإمام هذه صفته، فدليله ،ظاهر فإنه متى لم تكن هذه صفته ادعاها من لا يصلح كما قد ادعى، فالنبي خاتم الأنبياء و الإمام فلا غنى عنه كما قال الله: إنما أنت منذر و لكل قوم هاد.
فمن برهان أولهم الذي أقامه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن الله خصه بالذرية التي أبى الله أن يخرجها إلا من خير أرومة خلقها فإن النبي قد صاهره رجال من بني عبد مناف، منهم: الربيع بن أبي العاص و عتبة بن أبي لهب، و عثمان بن عفان، فكان هو المصطفى لكرم النجل وطيب المغرس.
325 - ثم ما كان يظهر من أمر القوم في فقهه في الدين و كماله في العلم حتى كان عمر بن الخطاب الذي ادعوا له تسعة أعشار العلم و أنه شارك الناس في العشر العاشر لا يمتنع مع كراهته إياه وبغضه له
و حرصه على إطفاء نوره و نور بني هاشم أن يسأله و يستتبعه حتى قال:
لو لا علي لهلك عمر؛ ثم متابعة جلة أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) من المؤمنين له أهل العلم و الدين.
326 - منهم سلمان الفارسي رضى الله عنه الذي أدرك علم الأول و الآخر؛
327 و منهم عمار بن ياسر الذي ملئ إيمانا إلى حشاشته و قال
فيه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): عمار جلدة بين عيني،
و هذا حين ارتجز، و هم ينقلون حجارة المسجد بأبيات سمعها من أمير المؤمنين:
لا يستوي من يعمر المساجدا *** إن بات فيها قائما و قاعدا
و من غدا عن الغبار حائدا
يعرض بعمر، فقال له عمر: يا ابن السوداء لهممت أن أغمسه أنفك، فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):
328 - ما لكم و لعمار ؟ عمار جلدة ما بين عيني، ثم قال لعمار:
تقتلك الفئة الباغية.
329 و منهم أبو ذر الغفاري الذي
قال فيه النبي [(صلی الله علیه و آله و سلم)] إنه يموت وحده و يبعث وحده و يدخل الجنة وحده.
330 - و منهم المقداد بن الأسود.
331 - و منهم زيد بن صوحان الذي
قال فيه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): يسبقه عضو منه إلى الجنة فقطعت يده يوم مؤتة، و قتل مع علي (علیه السّلام)، يوم الجمل..
332 - ثم رجوع الزبير بن العوام بعد ما برز بين الصفين حين تنازلا و تذاكرا، فإذا كان الزبير لا يظن به الجبن أو الضعف و ليس برعديد و لا
خوان فليس لرجوعه وجه إلا التوبة.
333 - ثم
قول عائشة : لأن أكون لم أشهد الجمل أحب إلي من عشرين ولدا من رسول الله كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
334 - ثم قول ابن عمر مع بغضه لعلي (علیه السّلام): وددت أني قاتلت الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب، ثم غمس الحسن و الحسين أيديهما الدماء معه في و هما سيدا شباب أهل الجنة، ثم كان مفتاح الظفر به و بعميه حمزة و العباس، ثم هو صاحب مرحب و صاحب باب خیبر ؛ 335- ثم استخراجه العين و إزالة الصخرة التي
اجتمع إليها ليدفعها عن رأس العين عالم من الناس فلم يقدروا فجاء علي فرمى بها قاب خلوة فكانت كما قال السيد:
فكأنها كرة بكف حزور *** عبل الذراع رحابها في ملعب
336 - و من برهانه: أنه طول ما لقى من الحروب مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، لم يبارز أحدا إلا ظفر به، و لا جرح أحدا إلا مات و لم يخرج في حرب إلا و هو ماش طول الدهر بغير جنة إلى العدو.
337 - و من عجائبه: نزول الراهب بكتابه يقرأه على الناس من كتب النبوة يخبر عن إمامة و عن وجوب متابعته، و علمه و حلمه حلمه و کماله.
338 - و من دلائله
قوله يوم الجمل: قد أمرت بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين،.
فالناكثون: الزبير و طلحة و من تابعهما، و المارقون: عبد الله بن وهب الراسبي صاحب الخوارج و من تابعه، و القاسطون معاوية و عمرو بن العاص و أصحابهما.
339 و من دلائله
ما روى عبد الله بن العباس (رحمه الله علیه) قال: لما نزل (علیه السّلام) ذا قار، بعثني مع ابنه الحسن عمار إلى أهل الكوفة، فخرجنا
حتى قدمناها، فدعونا الناس فأجابونا، و عجلنا الرجوع إلى علي (علیه السّلام) قبل اجتماع الناس و تحاشدهم و خروجهم، فلما كان صبيحة يوم من الأيام، قال لنا: يأتيكم اليوم من الكوفة ثمانية آلاف و بضع و ثلاثون رجلا، فقمت على وادي ذي قار أعدد صفوفهم وجماجم رءوسهم، فما زاد فارس على ما قال ولا نقص..
340 و من دلائله و عجائبه
ما قال حذيفة بن اليمان له عليه السلام لما سار من عثمان: إني والله ما فهمت قولك، و لا عرفت تأويله حتى بلغت ليلتي هذه أتذكر ما قلت لي بالحرة و أنت مقبل! كيف أنت يا حذيفة إذا ظلمت العيون العين؟! و النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يومئذ بين أظهرنا، فلم أعرف تأويل كلامك، و نسيت أن أذكر ذلك للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يومئذ، فلما كان من أمري ما أراد الله بي أذكرني الله كلمتك في ليلتي، و رأيت ابن أبي قحافة قد قام مقام رسول الله و اسمه عبد الله أول اسمه عين؛ ثم الذي كان من بعده عمر و أول اسمه عين، ثم الذي كان من بعده عثمان و أول اسمه عين، و أنت علي المظلوم و أول اسمك العين، فعلمت أن هذا تأويل كلمتك، فقال له: يا حذيفة أين أنت عن عبد الرحمن بن عوف حين مال بها إلى عثمان!!.
341 و من عجائبه : قوله للرجل حين دعا عليه، فقال: إن كنت كاذبا فسلط الله عليك غلام ثقيف، قالوا: يا أمير المؤمنين و من غلام ثقيف؟ قال: غلام لا يدع الله حرمة إلا انتهكها و لا عظيمة إلا ارتكبها، و أخذ في وصف الحجاج بن يوسف الثقفي، فأدرك الرجل الحجاج فقتله.
3421 و من عجائبه: حيث خطب الناس بالكوفة لما رأى عجزهم، فقال: مع أي إمام بعدي تقاتلون؟ و أي دار بعد داركم تمنعون؟ أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيفا قاطعا و أثرة قبيحة يتخذها الظالمون عليكم سنة، فوجد ذلك كله كما قال.
343 و من عجائبه و دلائله: ما نقله المرجئة و الناصبة عن صخر بن أبي الجهم العدوي و كان مواليا لعثمان معاديا لعلي (علیه السّلام)، قال:
خرجت بكتاب عثمان و المسلمون قد نزلوا بذي خشب إلى معاوية، وقد طويته طيا لطيفا في قراب سيفي و قد تنكبت الطريق و توجهت سواد الليل حتى إذا كنت بجانب الجرف إذا أنا برجل على بغلة مستقبلي و معه رجلان يمشيان أمامه فإذا هو علي بن أبي طالب قد أقبل من ناحية البدر، فأثبتني، و لم أثبته حتى سمعت كلامه، فقال لي: أين تريد يا صخر؟ قلت:
العراق فأدع لي بالصحبة، فقال لي: فما هذا الذي في قراب سيفك؟ فقلت له: لا تدع مزاحك أبدا، ثم جزته و تركني.
344 و من عجائبه: ما كان من أمر ذى الثدية بالنهروان حيث قال:
اطلبوه في القتلى فإنه رجل علامته كذا و كذا، و على يده مثل الثدي له شعيرات كشارب السنور ثمان أو تسع، فطلب ثلاث مرات فلم يوجد، فلما عادوا، قام بنفسه يطلبه، فوجده فأخرجه على الصفة التي أخبر.
345 و من عجائبه: ما كان في غزاة بني زبيد، و أمر الرجل الذي دعا عليه، و في وجهه برص و خال فتفشى الخال في وجهه حتى اسود وجهه كله!.
346 و من عجائبه: دعاؤه على أنس حين ثقل عليه، وقال: إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء فى وجهك كله لا تواريها العمامة، فبرص كله من قرنه إلى قدمه.
فهذه جملة من عجائبه، و لو شئنا لأتينا بأضعاف ذلك مما لا يقدرون على دفعه، ثم لما لم يقدروا على دفع ما أوردناه طالبونا بعلة التقية، و كيف جاز لبني هاشم القعود عن حقهم في زمان أعدائهم، و لم يجز للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إخفاء نفسه، فأعلمناهم أن الرسول قد استعمل التقية حينا حتى وجد أعوانا، فلما وجدهم خرج إلى المدينة، و أظهر الأمر، على أن شرط الرسول خلاف شرط الإمام بعده لأن الرسول هو مبتدئ الدعوة ومظهر الشريعة، فندعوه إلى إظهار المصلحة، و بنو هاشم لو
كانوا في تقية طول مدتهم لكان الدين مكتوما، و لم يكن على ظهر الأرض إذ كانت الحجة لا تلزم إلا بظهور الآية إذا ظهرت، و إذا أعلن الرسول، محجوج فقد صارت الدار علانية، ولا يجوز أن يرسل الله رسولا فتكون آياته كلها في دار التقية، فلا يظهر أمره و لا يشيع خبره و الرسول هو البشير، و لا بد للبشير من علم بصدقه ببرهان يقيمه و لا يجوز أن يحيى الموتى لمن أظهر دعواه و أخفى معناه، لأنه فلق البحر
و أحيا الموتى و أنطق الذئب و مشى على الماء و هو ساكت، و لم تقم حجته
على من بعث إليه، فأما بنو هاشم فقد يجوز لهم التقية لأنهم ليسوا الذين أبدعوا الشريعة، فإذا كان أمر المتقدمين قد أعلن فقد كمل الأمر و جازت التقية، إذ وقف على حال الظالمين لهم و المنكرين لحقهم، و عرف كراهتهم لهم، ثم كانوا في زمن بني أمية و الذين أباحوا دمائهم حتى أصبحوا غير آمنين على أنفسهم، إذ كانت الأمة لا تنصرهم غير طائفة منها، فلما كانوا غير رسل و لا أنبياء جاز لهم التقية، لأن الحظر وقع على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي أمر بإظهار الدعوة إذ كان مبعوثا إلى الكفار، فدعاهم إلى الدخول في الدين و جالدهم عليه بالسيف، فأجابه من أجابه و حاد عنه من حاد فلما وجبت الدعوة على من تابعه و صلى بصلاته، و صام بصيامه و أقام عمود الدين و كانوا ممن قام بهم الدين، و لم يحتج الأئمة إلى إظهار أمر خامل وجب على الأمة طلب الإمام
لقول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، لعلي (علیه السّلام): أنت بمنزلة الكعبة تؤتى و لا تأتي.
347 - و الدليل على ذلك أن الجائرة من بني أمية الذين جعلوا المدينة ثغرا، و مكة مقتلا، و هما حرم الله و حرم رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و كان في طول ما ملكوا و قهروا و استقلوا و طغوا، جهدوا مع تمكنهم و
قدرتهم في قمع آل محمد و شيعتهم، و إماتة أمرهم، و إطفاء نورهم، و القتل لمن أظهر تفضيلا لهم و روى حديثا عنهم، و لم يزل السيف يقطر من دمائهم و لم تزل السجون مشحونة بدعاتهم و مظهري فضلهم، فكانوا بين قتيل و أسير، و مستخف و طريد حتى إن الفقيه المحدث و القاص المذكر ليتقدم إليهم بالإبعاد و التخويف ألا يذكروا حرفا واحدا من فضائلهم حتى صار أسوأ الناس قولا فيهم أقرب الناس إليهم، و لقد كان المحدث في الفقه ليأتي بخبر من خبر المبارزة، فيقول: قال رجل من قريش ولا يذكر عليا (علیه السّلام)، و كان مكحول يعتمد في الفقه على قول علي بن أبي طالب فيقول إذا ذكر قوله: قال أبو زينب، و لم يجسروا أن يسموا آلا، و لا عليا !!
348 - منهم: موسى بن رباح المحدث سمى ابنه عليا فذبحوا ابنه في حجره فلم یزدهم الله إلا رفعة و علوا، و لم يزدد أمرهم إلا استنارة حتى صار ذلك زيادة في نباهتهم، فإن الحجاج بن يوسف دام سلطانه عشرين سنة، وقد أخذ الناس بقراءة ما في مصحف عثمان و علي ترك قراءة عبد الله بن مسعود، و أبي بن كعب، و كان يضرب عليه و يوعد شيعة علي (علیه السّلام) و عترة الرسول بما صنعت الجبابرة في قومها، فنشأ عليها الصغير، و هرم عليها الكبير حتى لم يعرفوا إلا مصحف عثمان، لقد جهد القوم في إطفاء نورهم إطفاء نورهم و طمس آثارهم، و ما جعل الله جعل الله في قلوب المؤمنين من المحبة لهم فما قدروا على ذلك، و كانوا على إخفاء حسناتهم حرصا منهم على إسقاط قراءة عبد الله و أبي [بن كعب] فعلى حسب ذلك أظهر الله أمرهم على السنة الخاصة والعامة، ثم زانها المرجىء و العثماني وفقهائهم لا يمتنعون من رواية فضل
علي (علیه السّلام) و ولده أهل البيت، و كانوا مع رواياتهم يحرفون الحديث، و يتأولون فيه صدق الحديث، و إنكار الواضح بمخرج الكلام و ظاهر مضايق المخارج، و كانوا من أصحاب الإحتيال حتى أخبرت كاليهود حيث أخبروا بمعجزات عيسى فزعموا أنه ساحر، و كالزنادقة حيث أخبروا بعجائب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، فادعت بعجائب أن ذلك كله سحر ، و إذا كانت أمورهم لا تزداد إلا حدة و لا يزداد المحدثون الذين قربوا من الملوك و ما كانوا يوردون عليهم من إطفاء نورهم إلا إزديادا من الروايات في تنقصهم وليس يزداد شأنهم إلا علوا و فضلهم إلا بيانا و حبهم إلا شغفا و محبتهم إلا هوى فهل ذلك إلا من إمارات الحق، إذ كان الله عز و جل قد جعلهم نور الأبصار ، و أعلام الهدى و باب السلامة و في الإقتداء بهم كالنجوم، و في النجاة كسفينة نوح و سببهم متصل بالسماء إليهم في الحق ينتهي و عنهم فيه يصدر، و من عندهم تقتبس صبروا على الأواء و البلوى، إذ كانوا أحق الناس بالرسول و إذ كانوا البقية بعده و الأخيار من الأمة، قد أخذ الرسول مودتهم أجره، و قد أضحوا عن الناس بعده أخلافا على الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، و صاروا مثقلين مصفدين بكل واد منهم جسد يبلى، و قتيل ينعى، لا يدعو إلى
نصرهم داع، حتى نالهم السبي، و أصابهم الجهد هذا و هم خيار الخلق؛ 349 - و قد أغرى العامة على بغضهم حتى لو تحرك متحرك من بني تيم أو بني عدي أو من بني أمية أو خارجي خرج صاروا معه على بني هاشم أهل بيت النبوة وضاربوا معه بالسيف، فيا سوأة للعارفين و يا حجة على المتوسلين بوسائل منكرة حتى إن القائل ليقول في دعائه:
أللهم إني أسألك بحق أبي بكر و عمر إلا فعلت كذا و كذا!، و لا يتقربون إلى الله عز و جل برسوله، و إلى رسوله بذريته، فقد وضح عنهم الجحود و بسوء الخلافة،
فيا حسرتاه على قدر ما ،نالهم و يا أسفاه على ما قد أصابهم، و يا فضيحتاه عند نبيهم يوم يلقونه، فيقول: كيف خلفتموني في الثقلين؟ فلم أعلم لهم حجة، إلا أن يقولوا:
أما الثقل الأكبر فحرفناه!؟، و أما الثقل الأصغر فقتلناه، هذا و هم يمنعون جيرانهم من الضيم و أهل بيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، جياع قد آمنت الوحوش و هم لم يأمنوا يمسون و يصبحون، و هم ينهشون عصوا الله والرسول، و أطاعوا الثاني عمر فيهم!؟، إذ كان أغلظ الخلق عليهم لا يريد إلا إطفاء نورهم و إماتة أمرهم!، و ليس القصد لهم بل القصد لصاحب الرسالة!، و هذا أمر لا خفاء به.
350 أليس
قال الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، و قد تغرغر ايتوني بدواة
و صحيفة أكتب لكم ما لا تضلون معه بعدي.
فقال الثاني: هجر رسول الله!! ثم قال: حسبنا كتاب الله!.
و في هذا القول كفر بالله العظيم! لأن الله جل ذكره يقول: و ما آتاكم الرسول ، فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا فزعم عمر أنه لا حاجة له فيما دعاهم إليه الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، لعلمه أن الرسول يريد تأكيد الأمر لعلي (علیه السّلام)، و لو علم أن الأمر له أو لصاحبه لبادر بالدواة و الصحيفة.
روى ذلك عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله [بن عتبة]، عن ابن عباس، قال: لما حضرت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الوفاة، قال: هلم بالدواة و الصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده أبدا، فقال الثاني عمر: إن رسول الله قد
غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله!، فاختلف أهل البيت فمنهم من يقول:
قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده، فلما أكثر اللغط و الاختلاف عنده، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): قوموا.
قال عبيد الله: و كان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله و أن بین يكتب لهم كتابا من أجل اختلافهم ولغطهم.
فأي أمر أوضح من قول الثاني عمر حسبنا كتاب الله ولا حاجة بنا إلى ما يدعونا إليه الرسول، و لا شاهد أعدل من ابن عباس و قد كانت منه في مخاطبته لعبد الله ما فيه من التصريح ببغض بني هاشم.
351 -
رواه سفيان بن عيينة عن النهدي عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه عبد الله بن عمر، قال: كنا عند الثاني عمر عمر ذات يوم، إذ قال:
من أشعر الناس؟ قلنا فلان و فلان، فبينا نحن كذلك، إذ طلع عبد الله بن عباس فسلم، فأجلسه إلى جنبه و قال: قد جاءكم ابن بجدتها من أشعر الناس يا ابن عباس؟ قال: ذاك زهير بن أبي سلمى، قال: فأنشدني شيئا من شعره، استدل به على ما تقول، قال: امتدح قوما من بني غطفان يقال لهم: بنو سنان، فقال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم *** قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم *** طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنس إذا امتحنوا جن إذا فزعوا *** مبرزون بهاليل إذا جهدوا
محسدون على ما كان من نعم*** لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا
فقال: قاتله الله يا ابن عباس: لقد قال كلاما حسنا ما كان يصلح إلا في أهل هذا البيت من بني هاشم لقرابتهم من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال ابن عباس: وفقك الله يا أمير المؤمنين و لم تزل ،موفقا فقال: يا ابن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ فقلت: لا، قال: لكني أدري، قلت: فما هو؟
352 - قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة و الخلافة فتبجحوا على الناس بجحا فنظرت قريش لأنفسها، فاختارت و وفقت و أصابت قال: فأطرق ابن عباس طويلا، ثم قال: [أ] تميط عني غضبك يا أمير المؤمنين و تسمع كلامي؟! قال: تكلم يا ابن عباس قال: أما قولك إن قريشا كرهت فإن الله تبارك و تعالى يقول: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم.
353 - و أما قولك: إنا نبجح عليهم بجحا، فليس منا مع قرابتنا
من رسول الله جخف و لا نجفخ، و كيف ذلك؟ و الله يقول لنبيه (صلی الله علیه و آله و سلم): و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.
و أما قولك: إن قريشا اختارت، فإن الله تعالى اسمه اختار من خلقه خير خلقه، فإن كانت قريش نظرت من حيث نظر الله، فقد وفقت و أصابت، قال عمر: على رسلك يا ابن عباس، أبت قلوبكم لنا يا بني هاشم إلا بغضا لا يزول، و حقدا لا يحول، فقال ابن عباس: مهلا يا عمر مهلا، لا تنسب قلوب بني هاشم و قلب رسول الله إلى ما تنسبها إليه، فإن الله عز و جل قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. 354- فأما قولك: حقدنا، فكيف لا يحقد من غصب على شيئه و راه في يدي غيره فقال عمر: أما أنت يا ابن عباس، فقد بلغني عنك كلاما [كلام] أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك مني، قال: و ما هو ؟ فإن يك باطلا، فمثلي أماط الباطل عن
نفسه، و إن يك حقا فما تزيل منزلتي منك، فقال: بلغني أنك تقول: أخذ منا هذا الأمر حسدا و ظلما، فقال ابن عباس:
إن كان كذلك فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنة.
355 - و أما قولك ظلما، فقد علم الله عز و جل و علم الناس أن قريشا تفتخر على العرب بحق رسول الله، و نحن أحق برسول الله من قريش جميعا، فقال له الثاني عمر: قم عني، فوثب ابن عباس، فلما ولى، هتف به الثاني عمر من خلفه إلى أين يا مولى على، ما كان منك لحقك
راع، فقال ابن عباس: إن لي عليك و على كل مسلم حقا، فمن حفظه فقد
أصاب حظه، و من ضيعه فقد أخطأ حظه، ثم طواه و مضى؛ فالتفت الثاني عمر إلى جلسائه فقال: واها لابن عباس، فو الله ما رأيته لاحن أحدا قط إلا خصمه.
، فقد اعترف بأنه انقطع مخصوما.
فهذه رواياتكم عن أئمتكم، فمن كان هذا قوله لابن عباس! و هو رهباني هذه الأمة !! و من
دعا له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال: اللهم فقهه بالدين و ألهمه التأويل، و علمه التنزيل،.
و من رأى جبرئيل مرتين، و من قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فيه و في أبيه الذي هو عمه و صنو أبيه،
ما رواه داود بن عطاء، عن موسى بن عبيدة الترمذي؛ 356 - عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي: أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: إن هذا عمي العباس حاطني بمكة من المعك و أخذ البيعة على الأنصار، و نصرني في الإسلام مؤمنا بالله عز و جل مصدقا بي فاحفظه و حط له دينه عن كل مكروه.
و قد كان عنه أكثر مما ذكرنا.
357 رواه شبابة بن سوار عن إسرائيل، عن عبد الأعلى عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: وقع رجل من الأنصار في أب للعباس في أمر الجاهلية، فغضب العباس فلطمه، فقال قومه: لنلطمنه كما لطمه، و لبسوا السلاح، فبلغ ذلك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فصعد المنبر، فقال:
أيها الناس تعلمون [أي أهل الأرض] أكرم على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)،؟ [قالوا: أنت أعلم] قال: فإن العباس مني و أنا منه، لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا، فألقوا السلاح، و قالوا: يا رسول الله نتوب إلى الله و إليك فاستغفر لنا.
فهذه من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و هو الحكم العدل و العباس اللاطم، فكيف لو كان مظلوما ما كان يبلغ من نكيره.
358 و روى ابن أبي أويس عن الدراوردي عن إبراهيم بن طهمان عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث أن العباس شكا عمر إلى النبي، فقال رسول الله: ما دخل قلب عبد الإيمان، و لم يحبكم لله ولرسوله، ثم خطب الناس و هو محمر وجهه، فقال: من آذى العباس فقد آذاني، احفظوني في عمي العباس، فإن عم الرجل صنو أبيه.
في أشباه لهذا كثيرة إن ذكرناها لطال الكتاب، و إنما قصصنا بعض خبره ليعلم الناس بغضه لبني هاشم، و أن بغضه لهم هو بغض لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
359 - و من العجب
أن الناس قحطوا في أيامه حتى خلطوا الرماد بالطعام فجعل الثاني عمر يستقي أربعين يوما فلم يسقوا ثم أتى لعم رسول الله، وسأله الخروج معه فاستقى به، فقال العباس: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب و لا يكشف إلا بتوبة، و قد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك (صلی الله علیه و آله و سلم) و هذه أيدينا ممدودة إليك بالرغبة و نواصينا
بالتوبة، فاسقنا الغيث فسقاهم الله وأنقذهم من الهلكة، فقال العباس: يستسقون بنا و يتقدمونا.
، فإذا قحطوا استسقوا بهم، و إذا ذكروا الخلافة تمنوا سالما مولى أبي حذيفة و الجارود العبدي، فلو استحيا في
وقت من الأوقات لاستحيا ثمة، أ ما كان يستحي من عم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حين يقول يستسقي [بنا] و يتقدمونا؟! أ ما علم أن أهل البيت زين البيوت و شرف المحلات وصفوة الصفوات السباق إلى الخيرات، قد طهرهم الله و طهر نبيهم و ذريته عن أوساخ الناس، و حرم عليهم من الصدقات ما حرم على نبيه، ثم جعل لهم بدل ذلك سهاما لا يدخلون بها مع الداخلين جميعا لأنواع الطهارة لهم بوجوب الفضيلة فيهم التي بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، نالوها و إليه نسبوها و به عرفوها و كيف يقربهم الجمهور الأعظم و قدوتهم [الثاني] من قد ذكرناه في أول الكتاب، و آخره.
360 - و إنا لنعجب كثيرا مما بقي في أيدي الرواة من فضائلهم و لا نعجب مما درس و محا و طمس في طول ولايتهم و ولاية بني أمية فإن الناس بقوا في أيامهم و أيام اعتدائهم أكثر من مائة سنة لا يجسر أحد أن يذكرهم بخير فضلا عن ذكر مناقبهم إقتداء بمن مهد لبني أمية و أزال الخلافة عن بني هاشم الذين هم أعلام الدین و معدن الرسالة و بيت الحكمة ومصابيح الهدى و المدلول عليهم و الحمد لله على ذلك كله إذ جعلهم برسول الله العلماء زادهم الله رفعة و علوا و جعلنا لسلوك آثارهم
أتباعا و لهم على دين الله أعوانا و لمحبيهم إخوانا أحلنا بذلك منازلهم و أهلنا للنعم العظام و المنن الجسام و الذب عن حرمة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و الدفع عن مظلمته، وفقنا الله تبارك و تعالى إنه ولي ذلك و القادر عليه.
هذا آخر كتاب المسترشد في الإمامة، و الحمد لله رب العالمين * و صلى الله على نبيه محمد و آله الطيبين الطاهرين حسبنا الله و نعم الوكيل.
الیک نص كتاب الغارات للثقفى الكوفى: بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين خبر علي (علیه السّلام) و معاوية بن أبي سفيان و أهل الشام بعد حرب الخوارج و استنفار علي بن أبي طالب (علیه السّلام) أهل العراق و سيره و أموره و كلامه بعد النهروان إلى حين مقتله (علیه السّلام).
حدثنا أبو علي الحسين بن إبراهيم بن عبد الله بن منصور قال: حدثنا محمد بن رسف قال حدثنا الحسين بن علي بن عبد الكريم الزعفراني قال: قال إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي قال: حدثنا
إسماعيل بن أبان قال حدثنا عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن قهد من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال حدثنا المنصور بن عمرو عن زر بن حبيش قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) يخطب قال إبراهيم و أخبرني أحمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال: حدثني أبي قال حدثني ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش قال خطب علي (علیه السّلام) بالنهروان ثم اتفقا يزيد أحدهما حرفا و ينقص حرفا و المعنى
واحد قال: خطب فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: «أيها الناس أما بعد أنا فقأت عین الفتنة و لم يكن أحد ليجترئ عليها غيري» و في حديث ابن أبي ليلى «لم يكن ليفقأها أحد غيري و لو لم أك بينكم ما قوتل أصحاب الجمل و أهل النهروان و ايم الله لو لا أن تنكلوا و تدعوا العمل لحدثتكم بما قضى الله على لسان نبيكم (صلی الله علیه و آله و سلم) لمن فاتكهم مبصرا لضلالتهم
عارفا للهدى الذي نحن عليه» ثم قال: «سلوني قبل أن تفقدوني إني ميت أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم» و ضرب بيده إلى لحيته «و الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة و لا عن فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها و سائقها» فقام إليه رجل فقال: حدثنا يا أمير المؤمنين عن البلاء؟ قال: إنكم في زمان إذا سأل سائل فليعقل و إذا سئل مسئول فليثبت ألا و إن من ورائكم أمورا أتتكم جللا مزوجا و بلاء مكلحا ملحا و الذي فلق الحبة
و برأ النسمة أن لو فقدتموني و نزلت كرائه [كراهية] الأمور و حقائق البلاء لقد أطرق كثير من السائلين و فشل كثير من المسئولين و ذلك إذا قلصت حربكم و شمرت عن ساق و كانت الدنيا بلاء عليكم و على أهل بيتي حتى يفتح الله لبقية الأبرار فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات يوم بدر و يوم حنين تنصروا و تؤجروا لا تسبقوهم فتصر عكم البلية» فقام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين حدثنا عن الفتن قال: إن الفتنة إذا أقبلت شبهت و إذا أدبرت نبهت يشبهن مقبلات و يعرفن مدبرات إن الفتن تحوم كالرياح يصبن بلدا و يخطئن أخرى ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية إنها فتنة عمياء مظلمة مطينة عمت فتنتها و خصت بليتها و أصاب البلاء من أبصر فيها و أخطأ البلاء من
عمي عنها يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى تملأ الأرض عدوانا و ظلما و بدعا ألا و إن أول من يضع جبروتها و يكسر عمدها و ينزع أوتادها الله رب العالمين و ايم الله لتجدن بني أمية أرباب سوء لكم بعدي كالناب الضروس تعض بفيها و تخبط بیدیها و تضرب برجليها تمنع درها لا يزالون بكم حتى لا يتركوا في مصركم إلا تابعا لهم أو غير ضار و لا يزال بلاؤهم بكم حتى لا يكون انتصار
أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه إذا رآه أطاعه و إذا توارى عنه شتمه و ايم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم ألا إن من بعدي جماع شتى إن قبلتكم واحدة و حجكم واحد و عمرتكم واحدة و القلوب مختلفة» ثم أدخل أصابعه بعضها في بعض فقام رجل إليه فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: «هذا هكذا يقتل هذا هذا و يقتل هذا هذا قطعا جاهلية ليس فيها هدى و لا علم يرى نحن أهل البيت منها بمنجاة و لسنا فيها بدعاة»
فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما نصنع في ذلك الزمان قال: «انظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا و إن استصرخوكم فانصروهم تؤجروا فلا تسبقوهم فتصر عكم البلية» فقام رجل آخر فقال: ثم ما يكون بعد هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: «ثم إن الله تعالى يفرج الفتن برجل منا أهل البيت كتفريج الأديم بأبي ابن خيرة الإماء يسومهم خسفا و يسقيهم بكأس مصبرة فلا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا يضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر ودت قريش عند ذلك بالدنيا و ما فيها لو يروني مقاما واحدا قدر حلب شاة أو جزر جزور لأقبل منهم بعض الذي يرد عليهم حتى تقول قريش لو كان
هذا من ولد فاطمة لرحمنا فيغريه الله ببني أمية فيجعلهم ملعونين أينما ثقفوا أخذوا قتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل و لن تجد لسنة الله تبديلا».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرني إبراهيم بن المبارك البجلي و إبراهيم بن العباس البصري الأزدي أنهما حدثاني بهذا الحديث عن ابن المبارك قال: حدثنا بكر بن عيسى قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد البجلي عن عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش الأسدي أنه قال: سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: «أنا فقأت عين الفتنة و لو لا أنا ما قوتل أهل النهروان و
لا أصحاب الجمل و لو لا أني أخشى أن تتكلوا فتدعوا العمل لأخبرتكم بالذي قضی
الله على لسان نبيكم لمن قاتلهم مبصرا بضلالهم عارفا للهدى الذي نحن عليه».
في غني و باهلة
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثني عبيد بن سليمان النخعي قال: حدثني سعيد الأشعري قال: استخلف علي (علیه السّلام) حين سار إلى النهروان رجلا من النخع يقال له: هانئ بن هوذة فكتب إلى علي (علیه السّلام): أن غنيا و باهلة فتنوا فدعوا الله عليك أن يظفر بك عدوك قال: فكتب إليه علي (علیه السّلام) «أجلهم من الكوفة و لا تدع منهم أحدا».
قال عبيد بن سليمان حدثنا عبد الله بن الرومي أن عليا (علیه السّلام) قال: «لا يجاوروني فيها بعد ثلاث».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرني علي بن قادم قال: أخبرني شريك بن عبد الله النخعي عن ليث عن
أبي يحيى قال: سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: «يا باهلة اغدوا خذوا حقكم مع الناس و الله يشهد أنكم تبغضوني و أني أبغضكم».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال: حدثني يوسف بن كليب المسعودي قال: حدثني معاوية بن هشام عن الصباح بن يحيى المزني عن الحارث بن حصيرة عن أصحابه عن علي (علیه السّلام) أنه قال: «ادعوا لي غنيا و باهلة و حيا آخر قد سماهم فليأخذوا عطاياهم فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما لهم في الإسلام نصيب و إني لشاهد لهم في منزلي عند الحوض و عند المقام المحمود أنهم أعدائي في الدنيا
و الآخرة لآخذن غنيا أخذة تضطرب منها باهلة و لئن ثبتت قدماي لأردن قبائل إلى قبائل و قبائل إلى قبائل و لأبهرجن ستين قبيلة ما لها في الإسلام نصيب».
حدثنا محمد قال« حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرنا يوسف بن كليب قال: حدثني يحيى بن سالم العبدي عن عمرو بن عمير عن أبيه عن علي (علیه السّلام) أنه قال: «ادعوا لي غنيا و باهلة فليأخذوا أعطياتهم فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما لهم في الإسلام نصيب و لئن ثبتت قدماي لأردن قبيلة إلى قبيلة و لأبهرجن ستين قبيلة ما لها في الإسلام نصيب».
قدوم علي (علیه السّلام) إلى الكوفة عن حرب الخوارج
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال أخبرنا محمد بن إسماعيل مولی قریش قال: حدثنا نصر بن مزاحم المنقري قال: حدثنا عمر بن سعد عن نمير بن وعلة عن أبي
الوداك: أن علي بن أبي طالب (علیه السّلام) لما فرغ من حرب الخوارج قام في الناس بالنهروان خطيبا فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد فإن الله قد أحسن بكم و أعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام» فقاموا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا و كلت سيوفنا و نصلت أسنة رماحنا و عاد أكثرها قصدا ارجع بنا إلى مصرنا نستعد بأحسن عدتنا و لعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا فإنه أقوى لنا على عدونا و كان الذي ولي كلام الناس يومئذ الأشعث بن قيس.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال: وحدثني
أبو الحسن البصري إبراهيم بن العباس قال: حدثنا ابن المبارك البجلي عن بكر بن عیسی قال: حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن أنه قال:
سمعت عليا (علیه السّلام) يقول و نحن بمسكن: «يا معشر المهاجرين ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين» فبكوا و قالوا البرد شدید و كان غزاتهم في البرد فقال (علیه السّلام): «إن القوم يجدون البرد كما تجدون» قال: فلم يفعلوا و أبوا فلما رأى ذلك منهم قال: «أف لكم إنها سنة جرت عليكم».
و سمعت أصحابنا عن أبي عوانة عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن قال: قال علي (علیه السّلام): يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم و لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين فاعتلوا عليه» فقال: «أف لكم إنها سنة جرت».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: وحدثني إبراهيم بن العباس البصري قال: حدثنا ابن المبارك البجلي عن بكر بن عيسى قال: حدثنا عمر بن عمير الهجري عن طارق بن شهاب: أن عليا (علیه السّلام) انصرف عن حرب النهروان حتى إذا كان في بعض الطريق نادى في الناس فاجتمعوا فحمد الله و أثنى عليه و رغبهم في الجهاد و دعاهم إلى المسير إلى الشام من وجهه ذلك فأبوا و شكوا البرد و الجراحات و كان أهل النهروان قد أكثروا الجراحات في الناس فقال: «إن عدوكم يألمون كما تألمون و يجدون البرد كما تجدون» فأعيوه و أبوا فلما رأى كراهيتهم
رجع إلى الكوفة و أقام بها أياما و تفرق عنه ناس كثير من أصحابه فمنهم من أقام يرى رأي الخوارج و منهم من أقام شاكا في أمرهم.
دخوله (علیه السّلام) الكوفة
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرني محمد بن إسماعيل قال: حدثنا نصر بن مزاحم قال: حدثنا عمر بن سعد عن نمير بن وعلة
عن أبي الوداك قال: لما كره الناس المسير إلى الشام أقبل بهم علي (علیه السّلام) حتى نزل النخيلة و أمر الناس أن يلزموا معسكرهم و يوطنوا على الجهاد أنفسهم و أن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا نصر بن مزاحم قال: حدثنا عمر بن سعد عن نمير العبسي قال: و مر علي (علیه السّلام) على الشغار [الشفار] من
همدان فاستقبله قوم فقالوا: أقتلت المسلمين بغير جرم و داهنت في أمر الله و طلبت الملك و حكمت الرجال في دين الله؟ لا حكم إلا لله فقال علي (علیه السّلام) «حكم الله في رقابكم ما يحبس أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم إني ميت أو مقتول بل قتلا» ثم جاء حتى دخل القصر.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال: أخبرنا نصر بن مزاحم قال: حدثني عمر بن سعد عن نمير بن وعلة عن أبي الوداك: أن الناس أقاموا بالنخيلة مع علي (علیه السّلام) أياما ثم أخذوا يتسللون و يدخلون المصر فنزل و ما معه من الناس إلا رجال من وجوههم قليل و ترك المعسكر خاليا فلا من دخل الكوفة خرج إليه ولا من أقام معه صبر فلما رأى ذلك دخل الكوفة.
في استنفاره الناس
حدثنا محمد قال حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرنا إبراهيم بن قادم قال: حدثنا شريك عن شبيب بن غرقدة عن
المستظل بن حصين قال: قال علي (علیه السّلام): «يا أهل الكوفة لتجدن في الله و لتقاتلن على طاعته أو ليسوسنكم قوم أنتم أقرب إلى الحق منهم فليعذبنكم وليعذبنهم الله».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: وحدثني محمد بن إسماعيل قال: أخبرنا زيد بن معد النمري عن نمير بن وعلة عن أبي الوداك قال: لما تفرق الناس عن علي (علیه السّلام) بالنخيلة و دخل الكوفة جعل يستنفرهم على جهاد أهل الشام حتى بطلت الحرب تلك السنة.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال: حدثنا إبراهيم بن عمرو بن المبارك البجلي قال: حدثني أبي عن بكر بن عيسى قال: حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب أن عليا (علیه السّلام) قال للناس و هو أول كلام له بعد النهروان و أمور الخوارج التي كانت فقال
: «يا أيها الناس استعدوا إلى عدو في جهادهم القربة من الله و طلب الوسيلة إليه حيارى عن الحق لا يبصرونه و موزعين بالكفر والجور لا يعدلون به جفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان و يتسكعون في غمرة الضلال و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل و توكلوا على الله و كفى بالله وكيلا و كفى بالله نصيرا قال فلم ينفروا و لم ينتشروا فتركهم أياما حتى أيس من أن يفعلوا فدعا رءوسهم و وجوههم فسألهم عن رأيهم و ما الذي يثبطهم فمنهم المعتل و منهم المنكر و أقلهم النشيط فقام فيهم ثانية فقال: «عباد الله ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ثوابا و بالذل و الهوان من العز خلفا أ و كلما ناديتكم إلى
الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة يرتج عليكم فتبكمون فكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون و كأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لله أنتم ما أنتم إلا أسود الشرى في الدعة وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس ما أنتم
بركن يصال به و لا زوافر عز يعتصم إليها لعمر الله لبئس حشاش نار الحرب أنتم إنكم تكادون ولا تكيدون تنتقص
أطرافكم و لا تتحاشون و لا ينام عنكم و ينام عنكم و أنتم في غفلة ساهون إن أخا الحرب اليقظان أودى من غفل و يأتي الذل من وادع غلب المتخاذلون و المغلوب مقهور و مسلوب أما بعد فإن لي عليكم حقا و لكم علي حق فأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة و النصح لي في المشهد و المغيب و الإجابة حين أدعوكم و الطاعة حين آمركم و إن حقكم علي النصيحة لكم ما صحبتكم و التوفير عليكم و تعليمكم كيلا تجهلوا و تأديبكم كي تعلموا فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره و ترجعوا إلى ما أحب تنالوا ما تحبون وتدركوا ما تأملون».
حدثنا محمد قال حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا أبو عاصم الثقفي محمد بن أبي
أيوب قال: حدثنا أبو عون الثقفي محمد بن عبيد الله قال: جاءت امرأة من بني عبس و علي (علیه السّلام) على المنبر فقالت: يا أمير المؤمنين ثلاث بلبلن القلوب قال: و ما هن؟ قالت رضاك بالقضية و أخذك بالدنية و جزعك عند البلية قال (علیه السّلام): ويحك إنما أنت امرأة انطلقي فاجلسي على ذيلك قالت لا و الله ما من جلوس إلا في ظلال السيوف.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و حدثني إبراهيم بن العباس قال: حدثنا ابن المبارك البجلي عن بكر بن عيسى: أن عليا (علیه السّلام) جعل يخطب الناس و يحضهم على
المسير إلى معاوية و أهل الشام فجعلوا يتفرقون عنه يتثاقلون عليه و يعتلون بالبرد مرة و بالحر مرة أخرى.
قال بكر بن عيسى حدثنا الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: «يا معشر المسلمين يا أبناء المهاجرين انفروا إلى أئمة الكفر و بقية الأحزاب و أولياء الشيطان انفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة إنه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئا».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال حدثنا بهذا الكلام عن قول أمير المؤمنين ع غير واحد من العلماء كتبناه في غير هذا الموضع.
حدثنا محمد قال حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان الأزدي قال: حدثنا عمرو بن شمر الجعفي عن جابر عن رفيع بن فرقد البجلي قال سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: «ألا ترون يا معشر أهل الكوفة و الله لقد ضربتكم بالدرة التي بها السفهاء فما أراكم تنتهون و لقد ضربتكم بالسياط التي أقيم بها الحدود فما أراكم ترعوون فما بقي إلا سيفي و إني لأعلم الذي يقومكم بإذن الله و لكني لا أحب أن آتي ذلك منكم و العجب منكم و من أهل الشام أن أميرهم يعصي و هم يطيعونه و أن أميركم يطيع الله و أنتم تعصونه إن قلت لكم انفروا إلى عدوكم قلتم القر يمنعنا أفترون عدوكم لا يجدون القر كما تجدونه و لكنكم أشبهتم قوما قال لهم رسول الله ص ص انفروا في
سبيل الله فقال كبراؤهم لا تنفروا في الحر فقال الله لنبيه قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون و الله لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني و لو صببت الدنيا بحذافيرها على الكافر ما أحبني و ذلك أنه قضي ما قضي على لسان النبي الأمي انه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك كافر و قد خاب من حمل ظلما و افترى يا معشر أهل الكوفة و الله لتصبرن على قتال عدوكم أو
ليسلطن عليكم قوما أنتم أولى بالحق منهم فليعذبنكم ثم ليعذبنهم الله بأيديكم أو بما شاء من عنده أ فمن قتلة بالسيف تحيدون إلى موتة على الفراش فأشهد أني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول موتة على الفراش
أشد من ضربة ألف سيف أخبرني به جبرئيل فهذا جبرئيل يخبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بما تسمعون قال عمرو: عن جابر عن فرقد أنه سمع هذا الكلام عن علي (علیه السّلام) على المنبر.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و أخبرني محرز بن هشام المرادي قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة الضبي قال: كان أشراف أهل الكوفة غاشين لعلي (علیه السّلام) و كان هواهم مع معاوية و ذلك أن عليا كان لا يعطي أحدا من الفيء أكثر من حقه و كان معاوية بن أبي سفيان جعل الشرف في العطاء ألفى درهم.
سيرته (علیه السّلام) في المال
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرني عمرو بن حمادة بن طلحة الفراز قال: حدثنا محمد بن الفضيل بن غزوان عن أبي حيان التيمي عن مجمع: أن عليا (علیه السّلام) كان يكنس بيت المال كل يوم جمعة ثم ينضحه بالماء ثم يصلي فيه ركعتين ثم يقول تشهدان لي يوم القيامة.
حدثنا محمد قال حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال: وحدثني شيخ لنا عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى المدني عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم عن علي (علیه السّلام) قال: «كان خليلي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يحبس شيئا لغد و كان أبو بكر يفعل ذلك و قد رأى عمر بن الخطاب في ذلك رأيا أن دون الدواوين و أخر المال من سنة إلى سنة و أما أنا فأصنع كما صنع خليلي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)»
قال: فكان علي (علیه السّلام) يعطيهم من الجمعة إلى الجمعة و كان يقول: «
هذا جناي و خياره فيه ***
إذ كل جان يده إلى فيه
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و أخبرنا عمرو بن علي بن محمد قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا أبو حيان التيمي قال: حدثنا مجمع التيمي: أن عليا (علیه السّلام) كان ينضح بيت المال ثم يتنفل فيه ويقول: «اشهد لي يوم القيامة أني لم أحبس فيك المال على المسلمين».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثني أحمد بن معمر قال: حدثنا محمد بن فضيل عن أبي حيان عن مجمع عن علي (علیه السّلام): مثله.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرنا ابن الأصفهاني قال: حدثنا شقيق بن عيينة عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: أتى عليا (علیه السّلام) مال من أصفهان فقسمه فوجد فيه رغيفا فكسره سبع كسر ثم جعل على كل جزء منه كسرة ثم دعا أمراء الأسباع فأقرع بينهم أيهم يعطيه أولا و كانت الكوفة يومئذ أسباعا.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال: حدثني البصري إبراهيم بن العباس قال: حدثني ابن المبارك البجلي قال: حدثني بكر بن عيسى قال: حدثني عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه أنه قال: كنت عند علي (علیه السّلام) فجاءه مال من الجبل فقام و قمنا معه حتى انتهينا إلى خربندجن و جمالين فاجتمع الناس إليه حتى ازدحموا
عليه فأخذ حبالا فوصلها بيده و عقد بعضها إلى بعض ثم أدارها حول المتاع ثم قال: «لا أحل لأحد أن يجاوز هذا الحبل-» قال فقعدنا من وراء الحبل و دخل علي
(علیه السّلام) فقال: «أين رءوس الأسباع؟» فدخلوا عليه فجعلوا يحملون هذا الجوالق إلى هذا الجوالق و هذا إلى هذا حتى قسموه سبعة أجزاء قال: فوجد مع المتاع رغيفا فکسره سبع كسر ثم وضع على كل جزء كسرة ثم قال: «
هذا جناي و خياره فيه *** إذ كل جان يده إلى فيه
» قال: ثم أقرع عليها فجعل كل رجل يدعو قومه فيحملون الجوالق.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثنا القزاز قال: حدثنا علي بن هاشم عن أبيه قال: حدثنا يزيد بن عبد
الرحمن عن الشعبي قال: دخلت الرحبة و أنا غلام في غلمان فإذا أنا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) قائما على صبرتين من ذهب و فضة و معه مخفقة فجعل يطرد الناس بمخفقته ثم يرجع إلى المال فيقسمه بين الناس حتى لم يبق منه شيء و رجع و لم يحمل إلى بيته منه شيئا فرجعت إلى أبي فقلت: لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس قال: و من هو ؟ يا بني قلت: رأيت أمير المؤمنين عليا (علیه السّلام) فقصصت عليه الذي رأيته يصنع فبكى و قال: يا بني بل رأيت خير الناس.
حدثنا محمد قال حدثنا الحسن قال: حدثنا هارون بن عنترة عن زاذان قال: انطلقت مع قنبر إلى علي (علیه السّلام) فقال: قم يا أمير
المؤمنين فقد خبأت لك خبيئة قال: «فما هو» قال قم معي فقام و انطلق إلى بيته فإذا باسنة مملوة جامات من ذهب وفضة فقال: يا أمير المؤمنين إنك لا تترك شيئا إلا قسمته فادخرت هذا لك قال علي (علیه السّلام): «لقد أحببت أن تدخل بيتي نارا كثيرة فسل سيفه فضربها فانتثرت من بين إناء مقطوع نصفه أو ثلثه ثم قال اقسموه بالحصص ففعلوا فجعل يقول: «
هذا جناي و خياره فيه *** إذ كل جان يده إلى فيه
يا بيضاء و یا صفراء غرى غيري»
قال: و في البيت مسال و إبر فقال: «اقسموا هذا» فقالوا: لا حاجة لنا فيه قال: و كان يأخذ من كل عامل مما يعمل فقال: «و الذي نفسي بيده لتأخذن شره مع خيره».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا عبد الرحمن بن عجلان البرجمي عن جدته قالت: كان علي (علیه السّلام) يقسم فينا الأبزار يصره صررا الحرف و الكمون و كذا و كذا.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرني
عبد الله بن أبي شيبة قال حدثني حفص بن غياث و عباد بن العوام عن الحجاج عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه: أن دهقانا بعث إلى علي (علیه السّلام) بثوب ديباج منسوج بالذهب و قال حفص موسوم فابتاعه منه عمرو بن حريث بأربعة آلاف درهم إلى العطاء.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال: و أخبرني أحمد بن معمر الأسدي قال: حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن مجمع
عن يزيد بن محجن التيمي قال: أخرج علي (علیه السّلام) سيفا له فقال: «من يشتري سيفي هذا مني ؟ فو الذي نفسي بيده لو أن معي ثمن إزار لما بعته».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرني إبراهيم بن العباس قال: حدثنا ابن المبارك البجلي عن بكر بن عيسى قال: حدثنا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي عن مجمع عن أبي رجاء: أن عليا (علیه السّلام) أخرج سيفا له إلى
السوق فقال: من يشتري مني هذا؟ فلو كان معي ثمن إزار ما بعته» قال أبو رجاء فقلت له: يا أمير المؤمنين أنا أبيعك إزارا و أنسئك ثمنه إلى عطائك فبعته إزارا إلى عطائه فلما قبض عطاءه أعطاني حقي.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و أخبرني يوسف بن كليب المسعودي قال: حدثنا الحسن بن حماد الطائي عن عبد الصمد البارقي عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (علیه السّلام) قال:
قدم عقيل على علي (علیه السّلام) و هو جالس في صحن مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله قال: «و عليك السلام يا أبا يزيد ثم التفت إلى الحسن بن علي (علیه السّلام) فقال: «قم و أنزل عمك فذهب به فأنزله و عاد إليه فقال له: «اشتر له قميصا جديدا و رداء جديدا و إزارا جديدا و نعلا جديدة فغدا على علي (علیه السّلام) في الثياب فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين قال: «وعليك السلام يا أبا يزيد» قال: يا أمير المؤمنين ما أراك أصبت من الدنيا شيئا إلا هذه الحصباء؟ قال: «يا أبا يزيد يخرج عطائي فأعطيكاه فارتحل عن علي (علیه السّلام) إلى معاوية فلما سمع به معاوية نصب كراسيه و أجلس جلساءه فورد عليه فأمر له بمائة ألف درهم فقبضها فقال له معاوية: أخبرني عن العسكرين؟ قال: مررت بعسكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فإذا ليل كليل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و نهار كنهار النبي إلا أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليس في القوم
و مررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممن نفر برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليلة العقبة ثم قال: من هذا الذي عن يمينك يا معاوية؟ قال: هذا عمرو بن العاص قال: هذا الذي اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جزارها فمن الآخر؟ قال الضحاك بن قيس الفهري: قال: أما والله لقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيس فمن هذا الآخر؟ قال:
أبو موسى الأشعري قال: هذا ابن المراقة [السراقة] فلما رأى معاوية أنه قد أغضب جلساءه قال: يا أبا يزيد ما تقول في؟ قال: دع عنك قال: لتقولن قال: أ تعرف حمامة؟ قال: و من حمامة؟ قال: أخبرتك و مضى عقيل فأرسل معاوية إلى النسابة قال: فدعاه فقال:
أخبرني من حمامة؟ قال أعطني الأمان على نفسي و أهلي فأعطاه قال حمامة جدتك وكانت بغية في الجاهلية لها راية تؤتى.
قال الشيخ قال أبو بكر بن زبين هي أم أم أبي سفيان.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال و حدثني إبراهيم بن العباس قال: حدثنا ابن المبارك عن بكر بن عيسى قال: حدثنا هارون بن سعد عن حبيب بن أبي الأشرس عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال: قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعلي (علیه السّلام) يا أمير المؤمنين لو أمرت لي بمعونة أو نفقة فو الله ما عندي إلا أن أبيع بعض علوفتي قال له: «لا و الله ما أجد لك شيئا إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال وحدثنا إبراهيم بن المبارك عن بكر بن عيسى قال حدثنا الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة عن عمارة بن عمیر أنه قال: كان لعلي (علیه السّلام) صديق يكنى بأبي مريم من أهل المدينة فلما سمع بتشتت الناس عليه أتاه فلما رآه قال: «أبو مريم؟ قال: نعم قال: «ما جاء بك؟» قال: إني لم آتك لحاجة و لكني كنت أراك لو ولوك أمر هذه الأمة أجزأته قال: «يا أبا مريم إني صاحبك الذي عهدت ولكني منيت بأخبث قوم على وجه الأرض أدعوهم فلا يتبعوني فإذا تابعتهم على ما يريدون تفرقوا عني».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثنا إبراهيم بن العباس قال: حدثنا ابن المبارك قال حدثنا بكر بن عيسى قال كان علي (علیه السّلام) يقول: «يا أهل الكوفة إذا أنا خرجت من عندكم بغير رحلي و راحلتي و غلامي فأنا خائن و كانت نفقته تأتيه من غلته بالمدينة من
ينبع و كان يطعم الناس الخبز و اللحم ويأكل هو الثريد بالزيت و يكللها بالتمر من العجوة و كان ذلك طعامه و زعموا أنه كان يقسم ما في بيت المال فلا يأتي الجمعة و في بيت المال شيء و يأمر ببيت المال في كل عشية خميس فينضح الماء ثم يصلي فيه ركعتين و زعموا أنه كان يقول و يضع يده على بطنه و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لا تنطوي ثميلتي على قلة من خيانة و لأخرجن منها خميصا».
حدثنا محمد قال حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و أخبرني شيخ لنا عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني عن عبد الله بن أبي سليم عن أبي إسحاق الهمداني: أن امرأتين أتنا عليا (علیه السّلام) عند القسمة إحداهما من العرب و الأخرى من الموالي فأعطى كل واحدة خمسة و عشرين درهما و كرا من الطعام فقالت العربية يا أمير المؤمنين إني امرأة من العرب و هذه امرأة من العجم فقال علي (علیه السّلام): «إني لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني إسحاق».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و حدثني عبد الله بن محمد بن عثمان الثقفي قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي سيف عن فضيل بن الجعد عن مولى الأشتر قال: شكا علي (علیه السّلام) إلى الأشتر فرار الناس إلى معاوية فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين إنا قاتلنا أهل البصرة بأهل البصرة و أهل الكوفة و الرأي واحد و قد اختلفوا بعد و تعادوا و ضعفت النية وقل العدد و أنت تأخذهم بالعدل و تعمل فيهم بالحق و تنصف الوضيع من الشريف و ليس للشريف عندك فضل
منزلة على الوضيع فضجت طائفة ممن معك من الحق إذا عموا به و اغتموا من العدل إذ صاروا فيه وصارت صنائع معاوية عند أهل الغنى و الشرف فتاقت
أنفس الناس إلى الدنيا وقل من الناس من ليس للدنيا بصاحب و أكثرهم من يجتوي الحق و يستمرئ الباطل و يؤثر الدنيا فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين تمل إليك أعناق الناس و تصف نصيحتهم و تستخلص ودهم صنع الله لك يا أمير المؤمنين و كبت عدوك و فض جمعهم و أوهن كيدهم و شتت أمورهم إنه بما يعملون خبير فأجابه علي ع فحمد الله و أثنى عليه و قال: «أما ما ذكرت من عملنا و سيرتنا بالعدل فإن الله يقول من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد و أنا من أن أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف و أما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور و لم يدعوا : فارقونا إلى عدل و لم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم . قد فارقوها و ليسألن يوم القيامة أ للدنيا أرادوا أم لله عملوا و أما ما ذكرت من بذل الأموال و اصطناع الرجال فإنا لا يسعنا أن نؤتي امرأ من الفيء أكثر من حقه و قد قال الله و قوله الحق كم
من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين و بعث الله محمدا (صلی الله علیه و آله و سلم)
وحده فكثره بعد القلة و أعز فئته بعد الذلة و إن يرد الله أن يولينا هذا الأمر يذلل لنا صعبه و يسهل لنا حزنه و أنا قابل من رأيك ما كان الله رضى و أنت من آمن أصحابي و أوثقهم في نفسي و أنصحهم و أراهم عندي».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عثمان قال: حدثني علي بن أبي سيف عن أبي حباب عن ربيعة و عمارة: أن طائفة من أصحاب علي (علیه السّلام) مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال و فضل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش على الموالي و العجم و من تخاف
خلافه من الناس و فراره. قال: و إنما قالوا له ذلك للذي كان معاوية يصنع بمن أتاه فقال لهم علي (علیه السّلام): «أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور و الله لا أفعل ما طلعت شمس و ما لاح في ما لاح في السماء نجم و الله لو كان مالهم لي لواسيت بينهم فكيف و إنما هي أموالهم» قال : ثم أزم طويلا ساكتا ثم قال: من كان له مال فإياه و الفساد
فإن إعطاء المال في غير حقه تبذير و إسراف و هو ذكر لصاحبه في الناس و يضعه عند الله و لم يضع رجل ماله في غير حقه و عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم و كان لغيره ودهم فإن بقي معهم من يودهم و يظهر لهم الشكر فإنما هو ملق و كذب و إنما يقرب أن ينال من صاحبه مثل الذي كان يأتي إليه من قبل فإن زلت بصاحبه النعل فاحتاج إلى معونته و مكافأته فشر خليل و ألأم خدين و من صنع المعروف فيما آتاه الله فليصل به القرابة و ليحسن فيه الضيافة و ليفك به العاني و ليعن به الغارم و ابن السبيل و الفقراء و المهاجرين و ليصبر نفسه على النوائب و الخطوب فإن الفوز بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا و درك فضائل الآخرة».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال: وحدثني محمد بن هشام المرادي قال: أخبرنا أبو مالك عمر بن هشام قال:
حدثنا ثابت أبو حمزة عن موسى عن شهر بن حوشب: أن عليا (علیه السّلام) قال لهم: «إنه لم يهلك من كان قبلكم من الأمم إلا بحيث ما أتوا من المعاصي و لم ينههم الربانيون و الأحبار فلما تمادوا في المعاصي و لم ينههم الربانيون و الأحبار عمهم الله بعقوبة فأمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم و اعلموا أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يقربان من أجل و لا ينقصان من رزق فإن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها
من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال فإذا كان لأحدكم نقصان في ذلك و رأى لأخيه عفوة فلا
يكونن له فتنة فإن المرء المسلم ما لم يغش دناءة يظهر فيخشع لها إذا ذكرت و تغرى بها لئام الناس كان كالياسر الفالج ينتظر أول فوزه من قداحه يوجب له بها المغنم ويذهب عنه بها المغرم فذلك المرء المسلم البريء من الخيانة ينتظر إحدى الحسنيين إما داعي الله فما عند الله خير له و إما رزق [رزقا] من الله واسع [واسعا] فإذا هو ذو أهل و مال و معه حسبه المال والبنون حرث الدنيا و العمل الصالح حرث الآخرة و قد جمعهما الله سيرته (علیه السّلام) في نفسه لأقوام».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرني يوسف بن كليب بن عبد الملك عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن معاوية بن عمار قال: حدثنا جعفر بن محمد بن علي (علیه السّلام) قال: ما اعتلج على علي (علیه السّلام) أمران لله قط إلا
أخذ بأشدهما و ما زال عندكم يأكل مما عملت يده يؤتى به من المدينة و إن كان ليأخذ السويق فيجعله فى الجراب ثم يختم عليه مخافة أن يزاد فيه من غيره و من كان أزهد في الدنيا من علي (علیه السّلام).
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثنا ابن أبي عمرو النهدي قال: حدثني أبي عن أبي مريم عن عمرو بن مرة عن سويد بن الحارث قال: أمر علي (علیه السّلام) عمالا من عماله فصنعوا للناس طعاما عماله فصنعوا للناس طعاما في شهر رمضان فذكروا أنهم صنعوا خمسا و عشرين جفنة و أتي بقصعة عليها أضلاع فأخذ ضلعين و قال: إنما هما تجزيانني فإذا فنيتا أخذت مكانهما».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثنا محمد بن أبي عمرو النهدي قال: حدثنا أبي عن هارون بن مسلم البجلي عن أبيه قال: أعطى علي (علیه السّلام) الناس في عام واحد
ثلاثة أعطية ثم قدم عليه خراج أصفهان فقال: «أيها الناس اغدوا فخذوا فو الله ما أنا لكم بخازن ثم أمر ببيت المال فكنس و نضح فصلى فيه ركعتين ثم قال: «يا دنيا غري غيري» ثم خرج فإذا هو بحبال على باب المسجد فقال: «ما هذه الحبال؟» فقيل جيء بها من أرض كسرى فقال: «اقسموها بين المسلمين» فكأنهم ازدروها فنقضها بعضهم فإذا هي كتان يعمل فتأسفوا فيها فبلغ الحبل من آخر النهار دراهم.
حدثنا محمد قال حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال وحدثنا الحكم بن سليمان قال: حدثنا النضر بن منصور عن عقبة بن علقمة قال: دخلت على علي (علیه السّلام) فإذا بين يديه لبن حامض أذتني حموضته و كسر يابسة فقلت يا أمير المؤمنين أ تأكل مثل هذا؟ فقال لي: يا أبا الجنوب رأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا و أشار إلى ثيابه فإن أنا لم
آخذ بما أخذ به خفت أن لا ألحق به».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و حدثني إبراهيم بن العباس قال: حدثنا ابن المبارك عن بكر بن عيسى قال: حدثنا جعفر بن محمد بن علي عن أبيه (علیه السّلام) قال: كان علي (علیه السّلام) يطعم الناس بالكوفة الخبز و اللحم و كان له طعام على حدة فقال قائل من الناس: لو نظرنا إلى طعام أمير المؤمنين ما هو فأشرفوا عليه و إذا طعامه ثريدة بزيت مكللة بالعجوة و كان ذلك طعامه و كانت العجوة تحمل إليه من المدينة.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرني أحمد بن معمر قال: أخبرني عبد الرحمن بن مغراء عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة قال: دخلت على أمير المؤمنين (علیه السّلام)
القصر فإذا بين يديه قعب لبن أجد ريحه من شدة حموضته و في يده رغيف ترى قشار الشعير على وجهه و هو يكسره و يستعين أحيانا بركبته و إذا جاريته فضة قائمة على رأسه فقلت لها يا فضة أ ما تتقون الله في الشيخ لو نخلتم دقيقه؟ فقالت: إنا نكره أن يؤجر و نأثم وقد أخذ علينا أن لا ننخل له دقيقا ما صحبناه فقال علي (علیه السّلام): «ما يقول؟» قالت: سله فقلت له ما قلت لها: لو ينخلون دقيقك؟ فبكى ثم قال قد سقط من الأصل قائمة بأبي و أمي من لم يشبع ثلاثا متوالية من خبز بر حتى ولم فارق الدنيا و لم ينخل دقيقه» قال: يعني رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
عن عدي بن ثابت قال: أتي علي (علیه السّلام) بفالوذج فأبى أن يأكله.
عن صالح: أن جدته أتت عليا (علیه السّلام) و معه تمر يحمله فسلمت و قالت أعطني هذا التمر أحمله قال: «أبو العيال أحق بحمله» قالت: وقال: «أ لا تأكلين منه؟» قالت قلت لا أريده قالت فانطلق به إلى منزله ثم رجع و هو مرتد بتلك الملحفة و فيها قشور التمر فصلى بالناس فيها الجمعة.
و بحذف الإسناد عن جعفر بن محمد (علیه السّلام): أتي علي (علیه السّلام)
بخبيص فأبى أن يأكله قالوا: تحرمه؟ قال: «لا و لكني أخشى أن تتوق إليه نفسي» ثم تلا «أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا».
و عن بعض أصحاب علي (علیه السّلام): أنه قيل له: كم تصدق ؟! أ لا تمسك ؟ قال: «إي والله لو أعلم أن الله قبل مني فرضا واحدا لأمسكت و لكني و الله ما أدري أقبل الله مني شيئا أم لا».
عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: أعتق علي (علیه السّلام) ألف أهل بيت بما مجلت يداه و عرق جبينه.
و عن جعفر بن محمد (علیه السّلام) قال: أعتق علي (علیه السّلام) ألف مملوك مما عملت يداه و إن كان عندكم إنما حلواه التمر و اللبن و ثيابه الكرابيس و تزوج (علیه السّلام) ليلى فجعل له حجلة فهتكها و قال: حسب أهل علي ما هم فيه».
عن مغيرة الضبي قال لما نكح علي (علیه السّلام) ليلى بنت مسعود
النهشلي قالت: ما زلت أحب أن يكون بيني و بينه سبب منذ رأيته قام مقاما من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فذكر أنه ولدت له عبيد الله بن علي فبايع مصعبا يوم المختار.
عن قدامة عن بن عتاب قال: كان علي (علیه السّلام) ضخم البطن ضخم مشاشة المنكب ضخم عضلة الذراع دقيق مستدقها ضخم عضلة الساق دقيق مستدقها و رأيته يخطبنا في يوم من أيام الشتاء عليه قميص قهز و إزار فأتاه آت فقال له: يا أمير المؤمنين أدرك بني تميم قد ضربتها بكر بن وائل بالكناسة فقال: «ها» ثم أقبل في خطبته ثم
أقبل آخر فقال: مثل ذلك فقال: «ها» ثم أتاه الثالث ثم الرابع و قال أدرك بكر بن وائل قد ضربتها بنو تميم بالكناسة فقال: «الآن صدقتني عن بكرك يا شداد أدرك بكر بن وائل و بني تميم فأفرغ بينهمة.
عن جعفر بن محمد عن أبيه (علیه السّلام) قال: ابتاع علي (علیه السّلام) قميصا سنبلانيا بأربعة دراهم ثم دعا الخياط فمد كم القميص فقطع ما جاوز الأصابع.
عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت علي بن أبي طالب (علیه السّلام) و عليه قميص له إذا بلغ أطراف أصابعه و إذا قبضه تقبض حتى يكون إلى نصف ساعده.
عن أبي الأشعث العنتري عن أبيه قال: رأيت علي بن أبي طالب (علیه السّلام)
و قد اغتسل في الفرات يوم الجمعة ثم ابتاع قميص كرابيس بثلاثة دراهم فصلى بالناس فيه الجمعة و ما خيط جربانه بعد.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال أخبرني الحسين بن هاشم عن أبي عثمان الدوري عن أبي إسحاق السبيعي قال: كنت على عنق أبي يوم الجمعة و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) يخطب و هو يتروح بكمه فقلت: يا أبه أمير المؤمنين يجد الحر ؟ فقال لي: لا يجد حرا و لا بردا و لكنه غسل قميصه و هو رطب و لا له غيره فهو يتروح به.
" حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرنا إبراهيم بن میمون قال: حدثني علي بن عابس عن أبي إسحاق قال:
رفعني أبي فرأيت عليا (علیه السّلام) أبيض الرأس و اللحية عريض ما بين المنكبين.
" حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرني عبد الله بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله قال:
كان علي (علیه السّلام) يخطب على منبر من آجر.
" حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرنا عبد الله بن أبي شيبة قال: شريك بن سرير عن أبيه هو حكيم بن صميت قال: رأيت عليا (علیه السّلام) أبيض الرأس و اللحية.
" حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرنا عبد الله بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن أبي هلال قال: حدثنا سوادة بن حنظلة قال: رأيت عليا أصفر اللحية.
حدثنا عبد الله بن بلج البصري عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن مختار التمار عن أبي مطر و كان رجلا من أهل البصرة قال كنت أبيت في مسجد الكوفة و أبول في الرحبة و أكل الخبز من البقال فخرجت ذات يوم أريد بعض أسواقها فإذا بصوت بي فقال: «يا هذا ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك و أتقى لربك» قلت: من هذا؟ فقيل لي: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فخرجت أتبعه و هو متوجه إلى سوق الإبل فلما أتاها وقف في وسط السوق فقال: «يا معشر التجار إياكم و اليمين الفاجرة فإنها تنفق السلعة وتمحق البركة» ثم أتى سوق الكرابيس فإذا هو برجل وسيم فقال: «يا هذا عندك
ثوبان بخمسة دراهم؟» فوثب الرجل فقال: نعم يا أمير المؤمنين فلما عرفه مضى عنه و تركه فوقف على غلام فقال له: «يا غلام عندك ثوبان بخمسة دراهم؟» قال نعم عندي ثوبان أحدهما أخير من الآخر واحد بثلاثة و الآخر بدرهمين قال: «هلمهما» فقال: «يا قنبر خذ الذي بثلاثة» قال: أنت أولى به يا أمير المؤمنين تصعد المنبر و تخطب الناس فقال: يا قنبر أنت شاب و لك شره الشباب و أنا أستحيى من ربي أن أتفضل عليك لأني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: «ألبسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تأكلون» ثم لبس القميص و مد يده في ردنه فإذا هو يفضل عن أصابعه فقال: «يا غلام اقطع هذا الفضل» فقطعه فقال الغلام: هلمه أكفه يا شيخ فقال: «دعه كما هو فإن الأمر أسرع من ذلك».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرنا يوسف بن بهلول السعدي قال: حدثنا شريك بن عبد الله عن عثمان الأعشى عن زيد بن وهب قال:
قدم على علي (علیه السّلام) وفد من أهل البصرة فيهم رجل من رؤساء الخوارج يقال له الجعد بن نعجة فقال له في لباسه: ما يمنعك أن تلبس؟ فقال «هذا أبعد لي من الكبر و أجدر أن يقتدي بي المسلم» فقال له: «اتق الله فإنك ميت» قال: ميت؟! «بل و الله قتلا ضربة على هذا يخضب هذه قضاء مقضيا و عهدا معهودا و قد خاب من افتری».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرنا عبد الله بن أبي شيبة قال: حدثنا جعفر بن عون قال: حدثنا مسعر عن ابن جحادة عن أبي سعيد قال:
كان علي (علیه السّلام) يأتي السوق فيقول: «يا أهل السوق اتقوا الله و إياكم و الحلف فإنه ينفق السلعة و يمحق البركة فإن التاجر فاجر إلا من أخذ الحق و أعطاه السلام عليكم ثم يمكث الأيام ثم يأتي فيقول مثل مقالته فكان إذا جاء قالوا: قد جاء المرد شكنبه فكان إلى سرته [سريته] فيقول: إذا جئت قالوا قد جاء المرد شكنبه فما يعنون بذلك قالت له: يقولون: قد جاء عظيم البطن فيقول: «أسفله طعام و أعلاه علم».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: وحدثني بشيرة بن خثيمة المرادي قال: حدثنا عبد القدوس عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي (علیه السّلام): أنه دخل السوق
فقال: «يا معشر اللحامين من نفخ منكم في اللحم فليس منا» فإذا هو برجل موليه ظهره فقال: كلا و الذي احتجب بالسبع فضربه علي (علیه السّلام) على ظهره ثم قال: «يا لحام
و من الذي احتجب بالسبع ؟» قال رب العالمين يا أمير المؤمنين فقال له: «أخطأت ثكلتك أمك إن الله ليس بينه و بين خلقه حجاب لأنه معهم أين ما كانوا فقال الرجل: ما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: «أن تعلم أن الله معك حيث كنت» قال: أطعم المساكين ؟ قال: «لا إنما حلفت بغير ربك».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرنا عبد الله بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي (علیه السّلام) قال:
كان يخرج إلى السوق و معه الدرة فيقول: «إني أعوذ بك من الفسوق و من شر هذه السوق».
قال إبراهيم و سمعت أبا زكريا الحريري يحيى بن صالح عن الثقات من أصحابه: أن عليا (علیه السّلام) كتب: «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عوسجة بن شداد سلام عليك أما بعد فإن جهال العباد تستفز قلوبهم بالأطماع حتى تستعلق الخدائع فترين بالمنى عجبت من ابتياعك المملوكة التي أمرتك بابتياعها من مالكها و لم تعلمني حين ابتعتها أن لها بعلا فلما أتتني فسألتها رددتها إليك مع مولاي مثعب فادع الذي باعك الجارية و ادع زوجها فابتع من زوجها بضعها و أخلصها إن رضي فإن أبى و كره بيع بضعها فاقبض ثمنها
و ارددها إلى البائع و السلام» و كتب عبيد الله بن أبي رافع في سنة تسع و ثلاثين.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و أخبرني عبيد بن الصباح قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة: أن عليا (علیه السّلام) قسم قسما فسوى بين الناس.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و حدثني علي بن هلال الأحمسي قال: حدثنا إبراهيم بن عاصم بن
عامر عن أبي بكر بن عياش عن قدم الضبي قال: بعث علي (علیه السّلام) إلى لبيد بن عطارد التميمي ليجاء به فمر بمجلس من مجالس بني أسد و فيه نعيم بن دجاجة فقام نعيم بن دجاجة فخلصه فأتوا أمير المؤمنين عليا (علیه السّلام) فقالوا: أخذنا الرجل فمررنا على نعيم بن دجاجة فخلصه و كان نعيم من شرطة الخميس فقال: علي بنعيم فأمر به أن يضرب ضربا مبرحا فلما ولوا به قال: يا أمير المؤمنين إن المقام معك لذل و إن فراقك لكفر قال: «إنه لكذلك؟ قال: نعم قال: «خلوا سبيله».
في عماله (علیه السّلام)و أموره
حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا إبراهيم قال: أخبرنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا الحسن بن حي قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: إن علیا (علیه السّلام) رزق شريحا القاضي خمسمائة.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و أخبرنا مخول بن إبراهيم قال: حدثنا إسرائيل عن عاصم بن سليمان عن محمد بن سيرين عن شريح قال: بعث إلي علي (علیه السّلام): أن «اقض بما كنت تقضي حتى يجتمع أمر الناس».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثنا إسماعيل بن أبان قال: حدثنا عمرو بن شمر عن سالم الجعفي عن الشعبي قال: وجد علي (علیه السّلام) درعا له عند نصراني فجاء به إلى شريح يخاصمه
إليه فلما نظر إليه شريح ذهب يتنحى فقال: «مكانك» و جلس إلى جنبه و قال: «يا شریح أما لو كان خصمي مسلما ما جلست إلا معه و لكنه نصراني و قال رسول الله ص إذا كنت و إياهم في طريق فألجئوهم إلى مضايقه وصغروا بهم كما صغر
الله بهم في غير أن تظلموا» ثم قال علي (علیه السّلام): «إن هذه درعي لم أبع و لم أهب» فقال للنصراني: ما يقول أمير المؤمنين فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي و ما أمير المؤمنين عندي بكاذب فالتفت شريح إلى علي (علیه السّلام) فقال: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟ قال: «لا» فقضى بها للنصراني فمشى هنية ثم أقبل فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام النبيين أمير المؤمنين يمشي بي إلى قاضيه و قاضيه يقضي عليه أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله الدرع و الله درعك يا أمير المؤمنين انبعث الجيش و أنت منطلق إلى صفين فخرت من بعيرك الأورق لك و حمله على فرس قال الشعبي و أخبرني من رآه فقال: «أما إذا أسلمت أسلمت فهي يقاتل مع علي (علیه السّلام) الخوارج في النهروان.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و أخبرني يحيى بن صالح الحريري قال: أخبرنا أبو العباس الوليد بن
عمرو و كان ثقة عن عبد الرحمن بن سليمان عن جعفر بن محمد بن علي (علیه السّلام) قال: بعث علي (علیه السّلام) مصدقا من الكوفة إلى باديتها فقال: «عليك يا عبد الله بتقوى الله و لا تؤثرن دنياك على آخرتك وكن حافظا لما ائتمنتك عليه راعيا لحق الله حتى تأتي نادي بني فلان فإذا قدمت عليهم فانزل بفنائهم من غير أن تخالط أبنيتهم ثم امض إليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم فتقول يا عباد الله أرسلني إليكم ولي الله لأخذ منكم حق الله في أموالكم فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه فإن قال قائل منهم لا فلا تراجعه و إن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه و لا تعده إلا خيرا حتى تأتي ماله فلا تدخله إلا بإذنه فإن أكثره له و قل له: يا عبد الله أ تأذن لي في دخول ذلك فإن أنعم فلا تدخله دخول المسلط عليه فيه ولا عنيف
به و اصدع المال صدعين فخيره أي الصدعين شاء فحيثما اختار فلا تتعرض له و اصدع الباقي صدعين فلا تزال حتى يبقى حق الله في ماله فإذا بقي حق الله في فاقبضه فإن استقالك فأقله ثم اخلطها ثم اصنع مثل الذي صنعت حتى تأخذ حق الله في ماله فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحا مسلما مشفقا أمينا حافظا غير معنف بشيء منها ثم احدر ما اجتمع عندك من كل ناد إلينا نضعه حيث أمر الله به فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه أن لا يحولن بين ناقة وفصيلها و لا يفرقن بينهما و لا يمصر لبنها فيضر ذلك بفصيلها ولا يجهدنها ركوبا و ليعدل بينهن في ذلك ليوردها كل ماء يمر به و لا يعدل بهن عن نبت الأرض إلى جواد الطرق في الساعات التي تريح و تعنق و ليرفق بهن جهده حتى يأتيننا بإذن الله سمانا غير
متعبات و لا مجهدات فيقسمن على كتاب الله وسنة نبيه فإن ذلك أعظم لأجرك و أقرب لرشدك فينظر الله إليها و إليك و إلى جهدك و نصيحتك لمن بعثك و بعثت في حاجته فإن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: ما نظر الله إلى ولي يجهد نفسه لإمامه بالطاعة و النصيحة إلا كان معنا في الرفيق الأعلى».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و أخبرنا ابن الأصفهاني قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: فرض علي (علیه السّلام) لمن قرأ ألفين ألفين
قال و كان أبى ممن قرأ القرآن.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و أخبرني إبراهيم عن يحيى الثوري قال: حدثنا أبو إسحاق بن مهران عن سابق البربري قال: رأيت عليا (علیه السّلام) أسس مسجد الكوفة إلى قريب من طاق الزياتين قدر شبر شبر قال: و رأيت
المحبس و هو خص و كان الناس يفرجونه و يخرجون منه فبناه علي (علیه السّلام) بالجص و الآجر قال فسمعته و هو يقول: «
أ ما تراني كيسا مكيسا *** بنيت بعد نافع مخيسا
من كلامه (علیه السّلام)
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرنا أبو غسان النهدي مالك بن إسماعيل قال حدثنا عبد السلام بن حرب النهدي عن محمد بن سوقة عن العلاء بن عبد الرحمن
قال: قام رجل إلى علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فسأله عن الإيمان فقال (علیه السّلام) الإيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين و العدل و الجهاد فالصبر منها على أربع شعب على الشوق و الشفق والزهادة و الترقب فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات و من أشفق من النار رجع عن المحرمات و من زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات و من ارتقب الموت سارع إلى الخيرات و اليقين منها على أربع شعب على تبصرة الفطنة و تأول الحكمة و موعظة العبرة و سنة الأولين فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة و من تأول الحكمة عرف العبرة و من عرف العبرة فكأنما كان الأولين من العدل منها على أربع شعب على غائص الفهم و غمرة العلم و زهرة الحكم و روضة الحلم فمن فهم فسر جمل العلم و من علم
عرف شعائرهم [شرائع] الحكم و من حلم لم يفرط أمره و عاش به في الناس حميدا و الجهاد منها على أربع شعب على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الصدق في المواطن و شنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن و من
نهى عن المنكر أرغم أنف المنافقين و من أنف المنافقين و من شنأ الفاسقين غضب الله و من غضب الله غضب الله له.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال حدثنا إبراهيم قال: وحدثنا أبو زكريا بهذا الكلام أكثر من هذا و رواه عن أهل العلم من أصحابه قال: قال علي (علیه السّلام): أما بعد فإن الله شرع الإسلام فسهل شرائعه لمن ورده و أعز أركانه على من حاربه فجعله عزا لمن تولاه و سلما لمن دخله و هدى لمن ائتم به و زينة لمن تحلى به و عدلا لمن انتحله و عروة لمن اعتصم به و حبلا لمن استمسك به و برهانا لمن تکلم به و نورا لمن استضاء به و شاهدا لمن خاصم به و فلجا لمن حاج به و علما لمن وعى و حديثا لمن روى
و حكما لمن قضى و حلما لمن حرب و لبا لمن تدبر و فهما لمن تفطن و يقينا لمن علم وبصيرة لمن عزم و آية لمن توسم و عبرة لمن اتعظ و نجاة لمن صدق و مودة من الله لمن صلح و زلفى لمن اقترب وثقة لمن توكل و راحة لمن فوض و صبغة لمن أحسن أحسن و خيرا لمن سارع و جنة لمن صبر و لباسا لمن اتقى و طهرا لمن رشد و كتبة لمن آمن و أمنة لمن أسلم و روحا للصادقين فذلك الحق سبيله الهدی و صفته الحسنى و مأثرته المجد فهو أبلج المنهاج مشرق المنار مضيء المصابيح رفيع الغاية يسير
المضمار جامع الحلبة متنافس السبقة أليم النقمة قديم العدة كريم الفرسان فالإيمان منهاجه و الصالحات مناره و العفة مصابيحه و الموت غايته و الدنيا مضماره و القيامة حلبته و الجنة سبقته و النار نقمته و التقوى عدته و المحسنون فرسانه
فبالإسلام يستدل على الصالحات و بالصالحات يعمر الفقه و بالفقه يرهب الموت و بالموت تختم الدنيا و بالدنيا تجوز القيامة وبالقيامة تزلف الجنة و الجنة حسرة
أهل النار و النار موعظة المتقين و التقوى سنخ الإيمان و الإيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين و العدل و الجهاد فالصبر على أربع شعب على الشوق و الشفق و الزهادة والترقب فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات و من أشفق من
النار رجع عن المحرمات و من زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات و من ارتقب الموت سارع في الخيرات و اليقين على أربع شعب على تبصرة الفطنة و تأويل الحكمة و موعظة العبرة و سنة الأولين فمن تبصر في الأولين فمن تبصر في الفطنة تبين في الحكمة و من تبين في الحكمة عرف العبرة و من عرف العبرة فكأنما كان في الأولين
و العدل على أربع شعب على غائص الفهم و غمرة العلم و زهرة الحكم وروضة الحلم فمن فهم فسر جمل العلم و من علم عرف غرائب الحكم و من حلم لم يفرط في أمره و عاش به في الناس حميدا و الجهاد على أربع شعب على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الصدق في المواطن و شنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين و من نهى عن المنكر أرغم أنف الفاسقين و من صدق في المواطن قضى ما عليه و من شنأ الفاسقين غضب الله و من غضب لله غضب الله له فذلك الإيمان و دعائمه و شعبه و الكفر على أربع دعائم على الفسق و الغلو و الشك و الشبهة فالفسق على أربع شعب على الجفاء و العمى و الغفلة و العتو فمن جفا حقر الحق و مقت الفقهاء و أصر على الحنث و من عمي الذكر و اتبع الباطل و بارز ربه و خالفه و ألح عليه الشيطان و من غفل جثا على ظهره و حسب غيه رشدا و غرته الأماني و أخذته الحسرة إذا انقضى الأمر و انكشف عنه الغطاء و بدا له من الله ما لم يكن يحتسب و من عتا عن أمر الله تعالى الله عليه ثم أذله بسلطانه و صغره بجلاله كما فرط في جنبه و اغتر بربه الكريم و الغلو على أربع شعب على التعمق و التنازع و الزيغ و الشقاق
فمن تعمق لم ينب إلى الحق و لم يزدد إلا غرقا في الغمرات و لم تحسر عنه فتنة إلا غشيته أخرى و انخرق دينه فهو يهوي في أمر مريج و من نازع و خاصم قطع سهم الفشل و بلي أثره من طول اللجاج و من زاغ ساءت عنده الحسنة و حسنت عنده السيئة و سكر سكر الضلال و من شاق وعرت عليه طرقه و أعضل عليه أمره و ضاق مخرجه و حري أن ينزع عن رتبته بما لم يتبع سبيل المؤمنين و الشك على أربع شعب على المرية و الهول و التردد و الاستسلام فبأي آلاء ربك يتمارى
الممترون و من هاله ما بين يديه نكص على عقبيه و من تردد في الريب سبقه الأولون و أدركه الآخرون و وطئته سنابك الشياطين و من استسلم لتهلكة الدنيا و الآخرة هلك فيهما و من نجا من ذلك فبفضل اليقين و الشبهة على أربع شعب على إعجاب بالزينة و تسويل النفس و تأول العوج و لبس الحق بالباطل و ذلك بأن الزينة تأفك عن البينة
و أن تسويل النفس تقحم إلى الشهوة و أن العوج يميل ميلا عظيما و أن اللبس ظلمات بعضها فوق بعض و ذلك الكفر و دعائمه و شعبه و النفاق على أربع دعائم على الهوى و الهوينا و الحفيظة و الطمع فالهوى على أربع شعب على البغي
و العدوان و الشهوة و الطغيان فمن بغى کثرت غوائله و تخلى عنه و نصر عليه و من اعتدى لم تؤمن بوائقه ولم يسلم قلبه و من لم يعزف نفسه عن الشهوات خاض في الحسرات و من طغى ضل عمدا بلا عذر و لا حجة و الهوينا على أربع شعب على الهيبة و الغرة و المماطلة والأمل و ذلك أن الهيبة ترد عن الحق و تفريط [تفرط] المماطلة في العمل حتى يقدم الأجل و لو لا الأمل علم الإنسان حسب ما هو فيه و لو علم حسب ما هو فيه مات خفاتا من الهول و الوجل و الحفيظة على أربع شعب على الكبر و الفخر و الحمية و العصبية فمن استكبر أدبر
و من فخر فجر و من حمي أصر و من أخذته العصبية جار فبئس الأمر أمر بين إدبار و فجور و إصرار و جور عن الصراط و الطمع على أربع شعب على الفرح و المرح و اللجاجة و الكبر فالفرح مكروه عند الله و المرح خيلاء و اللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حمل الآثام و الكبر لهو و لعب و شغل و استبدال بالذي هو أدنى بالذي هو خير
فذلك النفاق و دعائمه و شعبه و الله قاهر فوق عباده تعالى جده و استوت مرته اشتدت قوته و اصطنعت نفسه و صنع على عينه و جل وجهه و أحسن كل شيء خلقه و انبسطت يداه و وسعت رحمته و ظهر أمره و أشرق نوره و فاضت برکته
استضاءت حكمته و هیمن کتابه و فلجت حجته و خلص دینه و حقت كلمته سبقت حسناته و صفت نسبته و أقسطت موازینه و بلغت رسله و أحضرت حفظته ثم جعل السيئة ذنبا و الذنب فتنة و الفتنة دنسا و جعل الحسنى عتبي و العتبى توبة و التوبة طهورا فمن تاب اهتدى و من افتتن غوى ما لم يتب إلى الله و يعترف بذنبه و يصدق بالحسنى ولا يهلك على الله إلا هالك فالله الله ما أوسع ما لديه من التوبة والرحمة و البشرى و الحلم العظيم وما أنكر ما عنده من الأنكال و الجحيم و العزة والقدرة و البطش الشديد فمن ظفر بطاعته اجتلب كرامته و من ذل في معصيته ذاق وبال نقمته هنالك عقبى الدار لا يخشى أهلها غيرها و هنالك خيبة
لیس لأهلها اختيار نسأل الله ذا السلطان العظيم و الوجه الكريم و الحلم العظيم [الخير] و الخير عاقبة المتقين و خیر مرد يوم الدين.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و حدثني أبو زكريا يحيى بن صالح الحريري قال: حدثني الثقة عن كميل بن زياد قال: أخذ أمير المؤمنين (علیه السّلام) بيدي و أخرجني إلى ناحية الجبان فلما أصحر تنفس الصعداء و قال: «يا كميل إن
هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها احفظ عني ما أقول: الناس ثلاثة عالم رباني و متعلم على سبيل نجاة و همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجئوا إلى ركن وثيق
یا کميل العلم خير من المال العلم يحرسك و أنت تحرس المال و العلم يزكو على الإنفاق و المال تنقصه النفقة يا كميل محبة العلم دين يدان به تكسبه الطاعة في الحياة و جميل الأحدوثة بعد الموت و منفعة المال تزول بزواله و العلم حاكم و المال محكوم عليه يا كميل مات خزان المال و هم أحياء و العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة ها إن هاهنا لعلما جما و أوماً إلى صدره بيده لم أصب له حملة بلى أصيب لقنا غير مأمون يستعمل آلة الدين في الدنيا يستظهر بحجج الله على أوليائه و ببغضه على كتابه أو منقادا لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه يقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ألا لا ذا و لا ذاك أو منهوما باللذة سلس القيادة للشهوة أو مغرما بالجمع و الادخار ليسا من رعاة الدين أقرب شيء شبها
بهما الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا و إما خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله و بيناته و كم ذا و أين أولئك أولئك و الله الأقلون عددا و الأعظمون عند الله قدرا بهم يحفظ الله حججه و بيناته حتى يودعها نظراءهم و يزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين فاستلانوا ما استوعره المترفون و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه و الدعاة إلى دينه آه آه شوقا إلى رؤيتهم أستغفر الله لي و لك انصرف إذا شئت».
خطبة لأمير المؤمنين علي (علیه السّلام)
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرني الحسين بن هاشم قال: وحدثني أبو زكريا الحريري عن أصحابه قال:
«الحمد لله نحمده و نستعينه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له و من يضلل الله فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله انتجبه بالولاية و اختصه بالإكرام و بعثه بالرسالة أحب خلقه إليه و أكرمهم عليه فبلغ رسالات ربه و نصح لأمته و قضى الذي عليه أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خير ما تواصت به العباد و أقربه من رضوان الله و خيره في عواقب الأمور فبتقوى الله أمرتم و لها خلقتم فاخشوا الله
خشية ليست بسمعة و لا تعذير فإنه لم يخلقكم عبثا و ليس بتارككم سدى قد أحصى أعمالكم وسمى آجالكم و كتب آثاركم فلا تغرنكم الدنيا فإنها غرارة مغرور من اغتر بها و إلى فناء ما هي نسأل الله ربنا وربكم أن يرزقنا وإياكم خشية السعداء و منازل الشهداء ومرافقة الأنبياء فإنما نحن به و له».
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال و عن أبي زكريا قال: و له (علیه السّلام) «الحمد لله أحمده تسبیحا و نمجده تمجيدا نكبر عظمته لعز جلال وجهه و نهلله تهليلا موحدا مخلصا و نشكره في مصانعه الحسنى أهل الحمد و الثناء الأعلى و نستغفره للحت من الخطايا و نستعفيه من ملح ذنوب البلايا
و نؤمن بالله يقينا في أمره و نستهدي الله بالهدى العاصم المنقذ العازم بعزمات خیر قدر موجب فصل عدل قضاء نافذ نفوذ سابق بسعادة في كريم مكنون و نعوذ بالله من مضيق مضايق السبل على أهلها بعد اتساع مناهج الحق لطمس آيات منير الهدى بلبس ثيابه مضلات العمل ونشهد غیر ارتیاب حال دون يقين مخلص بأن
الله واحد موحد وفي وعده وثيق عقده صادق قوله لا شريك له في الأمر و لا ولي له من الذل نكبره تكبيرا لا إله إلا هو العزيز الحكيم و نشهد أن محمدا ص بعيث الله بوحيه و نبیه بعينه و رسوله بنوره أرسله مجيبا مذكرا مؤديا متقيا - [مبقيا]
مصابیح شهب ضياء مبصر و ماحيا ماحقا مزهقا رسوم أباطيل خوض الخائضين إبدار [بدار] اشتباك ظلمة كفر دامس فجلا غواشي الأظلام بلجي راكد بتفصيل آياته من بعد توصيل قوله و فصل فيه القول للذاكرين بمحكمات منه بينات و مشتبهات يتبعها الزائغ قلبه ابتغاء التأويل تعرضا للفتن و الفتن محيطة بأهلها و الحق نهج مستنير من يطع الرسول يطع
الله و من يطع الله يستحق الشكر من الله بحسن الجزاء و من يعص الله و رسوله يعاين عسر الحساب لدى اللقاء قضاء بالعدل عند القصاص بالحق يوم إفضاء الحق إلى الخالق أما بعد فمنصت سامع لواعظ نفعه إنصاته و صامت ذو لب شغل قلبه بالفكر في أمر الله حتى أبصر فعرف فضل طاعته على معصيته و شرف نهج ثوابه على احتلال من عقابه و محیر النائل رضاه عند المستوجبين غضبه عند تزايل الحساب و شتى بين الخصلتين و بعيد تقارب ما بينهما أوصيكم بتقوى الله بارئ
الأرواح و فالق الإصباح».
عن أبي سلام الكندي قال: كان علي ع يعلمنا الصلاة على النبي ص يقول: قولوا اللهم» داحي المدحوات و بارئ المسموكات و جابل القلوب على فطرتها شقيها و سعيدها اجعل شرائف صلواتك و نوامي بركاتك و رأفة
تحننك على محمد عبدك و رسولك ونبيك الخاتم لما سبق و الفاتح لما انغلق و المعلن الحق بالحق و الدافع جيشات الأباطيل و الدامغ صولات الأضاليل كما حمل فاضطلع بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك غير نكل عن قدم و لا واه في
عزم واعيا لوحيك حافظا لعهدك ماضيا على نفاذ أمرك حتى أورى قبس القابس و أضاء الطريق للخابط و هديت به القلوب بعد خوضات الفتن و الآثام و أنار موضحات الأعلام و نيرات الأحكام فهو أمينك المأمون و خازن علمك المخزون شهيدك يوم الدين و بعيثك بالحق و رسولك إلى الخلق اللهم فاجزه مضاعفات الخير من فضلك اللهم أعل على بناء البانين بناءه و أكرم مثواه لديك و منزلته و أتمم له نوره و اجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة مرضى المقالة ذا منطق عدل و حظ فصل و حجة و برهان عظیم آمين رب العالمين».
و بحذف الإسناد عن إبراهيم بن محمد من ولد علي (علیه السّلام) قال: كان علي (علیه السّلام) إذا نعت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: «لم يك بالطويل الممغط و لا بالقصير المتردد و كان ربعة من القوم و لم يك بالجعد القطط و لا السبط كان جعدا رجلا و لم يك
بالمطهم و لا المكلثم و كان في وجهه تدوير أبيض مشرب حمرة أدعج العين أهدب الأشفار جليل المشاش و الكتد أجرد ذا مسربة شثن الكفين و القدمين إذا مشى تقلع كأنما يمشي في
صبب و إذا التفت معا بين كتفيه خاتم النبوة و هو خاتم النبيين أجود الناس كفا و أجرأ الناس صدرا و أصدق الناس لهجة و أوفى الناس ذمة و ألينهم عريكة و أكرمهم عشرة».
حدثنا إبراهيم بن إسماعيل اليشكري و كان ثقة: أن عليا (علیه السّلام) سئل عن صفة الرب فقال: «الحمد لله الأحد الصمد الفرد المتفرد الذي لا من شيء كان و لا من شيء خلق ما كان قدره بان من الأشياء وبانت الأشياء منه فليس له
صفة تنال و لا حد يضرب له فيه الأمثال كل دون صفاته تحبير اللغات وضل هنالك تصاريف الصفات و حار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير و انقطع دون
الرسوخ في علمه جوامع التفسير و حال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب و تاهت في أدانيها العقول فتبارك الذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن تعالى الذي ليس لصفته نعت موجود و لا وصف محدود و لا أجل ممدود و سبحان الذي ليس له أول مبتدأ و لا غاية منتهى و لا آخر يفنى فسبحانه كما وصف نفسه و الواصفون لا يبلغون نعته حد الأشياء عند خلقه إياها إبانة له من شبهها و إبانة لها من شبهه فلم يحلل فيها فيقال: هو فيها كائن و لم يبن عنها فيقال: هو عنها بائن و لم ينأ عنها فيقال له أين و لكنه أحاط بها علمه و أتقنها صنعه و ذللها أمره و أحصاها حفظه فلم يعزب عنه خفيات غيوب المدى و لا غامض
سرائر مكنون الدجى و لا
ما في السماوات العلى و لا الأرضين السفلى لكل شيء منها حافظ و رقيب و كل شيء منها بشيء محيط و المحيط بما أحاط به منها الله الواحد الصمد المبدئ لها لا من شيء و المنشئ لها لا من شيء ابتدعها خلقا مبتدأ يجعل لها خلقا آخر بفناء و لم يزل هو كائن تبارك و تعالى لا تغيره صروف سوالف الأزمان و لم يتكأده صنع شيء كان إنما قال لما شاء كن فكان بلا ظهير عليه و لا أعوان فابتدع ما خلق على غير مثال سبق و لا تعب ولا نصب و كل صانع شيء فمن شيء صنع و لا من شيء صنع ما خلق و كل عالم فمن بعد جهل تعلم و الله لم يجهل و لم يتعلم أحاط بالأشياء علما فلم يزدد بتجربته بها خبرا علمه بها قبل أن يكونها كعلمه بها بعد تكوينها لم يكونها لتشديد سلطان ولا لخوف من زوال و لا نقصان و لا استعانة على ند مكابر و لا ضد مثاور و لا شريك مكاثر لكن خلائق مربوبون و عباد داخرون فسبحان من لا يئوده خلق ما ابتدأ و لا تدبير ما برأ و لا من عجز و لا فتور بما خلق اكتفى خلق ما علم و علم ما أراد لا بتفكير حادث علم أصاب
لا شبهة دخلت عليه فيما أراد و لكن قضاء متقن و علم محكم توحد فيه و خص نفسه بالربوبية فحوى الإلهية والربوبية ولبس العز والكبرياء و استخلص الحمد والثناء واستكمل المجد و السناء تفرد
بالتوحيد و توحد بالتمجيد و تكرم بالتحميد و عظم عن الشبهة و جل سبحانه عن اتخاذ الأبناء و تطهر و تقدس سبحانه عن ملامسة النساء و عز و جل سبحانه عن مجاورة الشركاء فليس له فيما خلق ضد و لا فيما ملك ند و لم يشركه في ملكه أحد كذلك الله الواحد الأحد الصمد المبيد للأمد و الوارث للأبد الذي لا يبيد ولا ينفد فتعالى الله العلي الأعلى عالم كل خفية و شاهد كل نجوى لا كمشاهدة شيء من الأشياء علا السماوات العلى إلى الأرضين السفلى و أحاط الأشياء علما بجميع فعلا الذي دنا و دنا الذي علا له المثل الأعلى و الأسماء الحسنى تبارك و تعالى».
أبي عمرو الكندي قال كنا ذات يوم عند علي (علیه السّلام) فوافق الناس منه طيب نفس مزاح فقالوا: يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك قال: «عن أي أصحابي؟» قالوا: عن أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: «كل أصحاب محمد أصحابي فعن أيهم تسألونني؟» فقالوا عن الذين رأيناك تلطفهم بذكرك و بالصلاة عليهم دون القوم قال: «عن يهم؟ قالوا: حدثنا عن عبد الله بن مسعود قال: «قرأ القرآن
و علم السنة و كفى بذلك» قالوا: فو الله ما درينا بقوله و كفى بذلك كفى بقراءة القرآن و علم السنة أم كفى بعبد الله؟ قال: فقلنا حدثنا عن أبي ذر قال: «كان يكثر السؤال فيعطى و يمنع و كان شحيحا حريصا على دينه حريصا على العلم الجزم قد ملئ في وعاء له حتى امتلأ وعاؤه علما عجز فيه» قالوا: فو الله ما درينا بقوله: عجز فيه أعجز عن كشفه ما كان عنده أو عجز عن مسألته قلنا: حدثنا عن حذيفة بن اليمان قال: علم أسماء المنافقين وسأل عن المعضلات حين غفل عنها و لو
سألوه لوجدوه بها عالما» قالوا: فحدثنا عن سلمان الفارسي قال: «من لكم بمثل لقمان الحكيم و ذلك امرؤ منا أهل البيت أدرك العلم الأول و أدرك العلم الآخر و قرأ الكتاب الأول وقرأ الكتاب الآخر بحر لا يترف» قلنا: فحدثنا عن عمار بن ياسر قال: «ذلك امرؤ خالط الله الإيمان بلحمه و دمه و شعره و بشره حيث زال زال معه ولا ينبغي للنار أن تأكل منه شيئا» قلنا: فحدثنا عن نفسك قال: «مهلا نهانا الله عن التزكية» قال له رجل: فإن الله يقول: و أما بنعمة ربك فحدث قال: «فإني أحدث بنعمة ربي كنت و الله إذا سألت أعطيت و إذا سكت ابتدئت و إن تحت الجوانح مني لعلما جما فاسألوني. فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين فما قول الله: و الذاريات ذروا؟ قال: «الرياح ويلك» قال: فما [الحاملات] فالحاملات وقرا؟ قال: «السحاب ويلك» قال: فما [الجاريات] فالجاريات يسرا؟ قال: «السفن ويلك» قال« فما [المقسمات] فالمقسمات أمرا؟ قال: «الملائكة ويلك» يقول: ويلك أي: لا تعد إلي متعنتا قال: فما السماء ذات الحبك؟ قال: «ذات الخلق الحسن» قال: فما السواد الذي في جوف القمر؟ قال: «أعمى سأل عن عمياء ويلك سل تفقها و لا تسأل تعنتا ويلك سل عما يعنيك و دع ما
لا يعنيك» قال: والله إن ما سألتك عنه ليعنيني قال: «إن الله عز و جل يقول: و جعلنا الليل و النهار آيتين فمحونا آية الليل هو السواد الذي في جوف القمر» قال: فما المجرة؟ قال: «يا ويلك سل تفقها و لا تسأل تعنتا يا ويلك سل عما يعنيك» قال: فو الله إن ما سألتك عنه ليعنيني قال: «إنها شرج السماء و منها فتحت السماء بماء منهمر زمن الغرق على قوم نوح» قال: فما قوس قزح؟ قال: ويلك لا تقل: قوس قزح فإن قزح الشيطان و لكنها القوس و هي أمان أهل الأرض فلا غرق بعد قوم نوح» قال: فكم بين السماء و الأرض؟ قال: «مد البصر و دعوة بذكر الله فيسمع
لا تقول غير ذلك فاسمع لا أقول غير ذلك» قال: فكم بين المشرق و المغرب؟ قال: «مسيرة يوم للشمس تطلع من مطلعها فتأتي مغربها من حدثك غير ذلك كذب» قال: فمن الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟
قال: «كفرة أهل الكتاب فإن أوليهم كانوا في حق فابتدعوا في دينهم فأشركوا بربهم و هم يجتهدون في العبادة يحسبون أنهم على شيء فهم الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» ثم رفع صوته و قال: «و ما أهل النهروان غدا منهم ببعيد قال ابن الكواء: لا أتبع سواك و لا أسأل غيرك قال: إذا كان الأمر إليك فافعل.
قال: و انتهى هذا الحديث عن ابن جريج عن رجل و عن زاذان.
قال ابن جريج: و أخبرني غيرهما: أنه سأله عن الذين بدلوا نعمت الله كفرا قال: «دعهم لغيهم هم قريش» قال فما ذو
القرنين؟ قال: «رجل بعثه الله إلى قومه فكذبوه و ضربوه على قرنه فمات ثم أحياه الله فبعثه إلى قومه فكذبوه و ضربوه على قرنه فمات ثم أحياه الله فهو ذو القرنين و ضربتاه قرناه» و في غير هذا الحديث «و فيكم مثله».
عن عامر الشعبي: أنه سأله يعني ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين أي خلق الله أشد ؟ قال: «إن أشد خلق الله عشرة الجبال الرواسي و الحديد تنحت به الجبال و النار تأكل الحديد و الماء يطفئ النار و السحاب المسخر بين السماء و الأرض
يحمل الماء و الريح تقل السحاب و الإنسان يغلب الريح يتقيها بيديه و يذهب لحاجته و السكر يغلب الإنسان والنوم يغلب السكر والهم يغلب النوم فأشد خلق ربك الهم».
و عن الشعبي قال علي بن أبي طالب (علیه السّلام): «سلوني» فجثا
شريح لركبتيه سأله فقال له علي (علیه السّلام): «أنت أقضى العرب».
و عن الأصبغ بن نباتة: أن رجلا سأل عليا (علیه السّلام) عن الروح قال: «ليس هو جبرئيل» قال علي (علیه السّلام): جبرئيل من الملائكة و الروح غير جبرئيل» و كان الرجل شاكا فكبر ذلك عليه فقال: لقد قلت شيئا عظيما و ما أحد من الناس يزعم أن الروح غير جبرئيل قال علي (علیه السّلام): «أنت ضال تروي عن أهل الضلال يقول الله لنبيه: أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه و تعالى عما يشركون ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده فالروح غير الملائكة وقال: ليلة القدر خير من ألف
شهر تنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم وقال: يوم يقوم الروح و الملائكة صفا و قال لآدم و جبرئيل يومئذ مع الملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد جبرئیل مع الملائكة للروح و قال لمريم: فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا وقال لمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم): نزل به الروح الأمين على قلبك ثم قال لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين و إنه لفي زبر الأولين و الزبر الذكر والأولين رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) منهم فالروح واحدة و الصور شتى قال سعد: فلم يفهم الشاك ما قاله أمير المؤمنين (علیه السّلام) غير أنه قال: الروح غير جبرئيل فسأله عن ليلة القدر فقال: إني أراك تذكر ليلة القدر و تنزل الملائكة والروح فيها
قال له علي (علیه السّلام) قد رفرشت نزول الملائكة بمشفرة [على قدر فرشت] فإن عمي عليك شرحه فسأعطيك ظاهرا منه تكون أعلم أهل بلادك بمعنى ليلة القدر ليلة القدر ليلة القدر» قال: قد أنعمت علي إذا بنعمة قال له علي (علیه السّلام): «إن الله فرد يحب الوتر و فرد اصطفى الوتر فأجرى جميع الأشياء على سبعة فقال عز و جل: خلق
سبع سماوات و من الأرض مثلهن و قال: خلق سبع سماوات طباقا و قال جهنم لها سبعة أبواب و قال: سبع سنبلات
خضر و أخر يابسات و قال: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف و قال: حبة أنبتت سبع سنابل و قال سبعا من المثاني و القرآن العظيم فأبلغ حديثي أصحابك لعل الله يكون قد جعل فيهم نجيبا إذا هو سمع حديثنا نفر قلبه إلى مودتنا و يعلم فضل علمنا و ما نضرب من الأمثال التي الأمثال التي لا يعلمها إلا العالمون بفضلنا قال السائل: بينها في أي ليلة أقصدها؟ قال: «اطلبها في السبع الأواخر و الله لئن عرفت آخر السبعة لقد عرفت أولهن و لئن عرفت أولهن لقد أصبت ليلة القدر» قال: ما أفقه ما تقول قال: «إن الله طبع على قلوب قوم فقال: إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا فأما إذا أبيت و أبى عليك أن تفهم فانظر فإذا مضت ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان فاطلبها في أربع و عشرين و هي ليلة السابع و معرفة السبعة فإن من فاز بالسبعة كمل الدين كله و من الرحمة للعباد و العذاب عليهم و هم الأبواب التي قال تعالى : لكل باب منهم جزء مقسوم يهلك عند كل باب جزء و عند الولاية كل باب».
عن الأصبغ بن نباتة قال: كتب صاحب الروم إلى معاوية يسأله عن عشر خصال فارتطم كما يرتطم الحمار في الطين فبعث راكبا إلى علي (علیه السّلام) و هو في الرحبة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين قال علي (علیه السّلام): «أما إنك لست من أهل رعيتي؟» قال: أجل أنا رجل من أهل الشام بعثني إليك معاوية لأسألك عن عشر خصال كتب إليه بها صاحب الروم فقال: إن أجبتني فيها حملت إليك الخراج و إلا حملت إلي أنت خراجك فلم يحسن أن يجيبه فبعثني إليك أسألك قال علي (علیه السّلام): «و ما هي؟» قال: ما أول شيء اهتز على و الأرض؟ و أول شيء ضج على الأرض؟ كم بين الحق و
الباطل؟ و كم بين المشرق والمغرب؟ و كم بين الأرض و السماء؟ و أين تأوى أرواح المسلمين؟ و أين تأوي أرواح المشركين؟ و هذه القوس ما هي؟ و هذه المجرة ما هي؟ و الخنثى كيف يقسم لها الميراث؟ فقال له علي (علیه السّلام): «أما أول شيء اهتز على الأرض فهي النخلة و مثلها مثل ابن آدم إذا قطع رأسه هلك و إذا قطعت رأس النخلة إنما هي جذع ملقى و أول شيء ضج على الأرض واد باليمن و هو أول واد فار منه الماء و بين الحق و الباطل أربع أصابع بين أن تقول رأت
عيني و سمعت و ما لم يسمع [تسمع] و بين السماء و الأرض مد البصر و دعوة المظلوم و بين المشرق و المغرب يوم طراد للشمس و تأوي أرواح المسلمين عينا في الجنة تسمى سلمى و تأوي أرواح المشركين في جب في النار تسمى برهوت و هذه القوس أمان الأرض كلها من الغرق إذا رأوا ذلك في السماء و أما هذه المجرة فأبواب السماء فتحها الله على قوم نوح ثم أغلقها فلم يفتحها و أما الخنثى فإنه يبول فإن خرج بوله من ذكره فسنته سنة الرجل و إن خرج من غير ذلك
فسنته سنة المرأة فكتب بها معاوية إلى صاحب الروم فحمل إليه خراجه و قال: ما خرج هذا إلا من كتب نبوة هذا فيما أنزل الله من الإنجيل على عيسى ابن مريم (علیه السّلام).
و عن شيخ من فزارة أن عليا (علیه السّلام) قال: «إن مما صنع الله لكم أن عدوكم يكتب إليكم في معالم دينهم».
عن سعيد بن المسيب: أن رجلا بالشام يقال له: ابن الخيبري وجد
مع امرأته رجلا فقتله فرفع ذلك إلى معاوية فكتب إلى بعض أصحاب علي يسأله فقال علي (علیه السّلام): «إن هذا شيء مما كان قبلنا» فأخبره أن معاوية كتب إليه فقال علي (علیه السّلام): «إن لم يجئ بأربعة يشهدون به أقيد به».
قال: حدثنا أبو حبرة بينما علي ذات يوم إذ أقبل رجل فقال: «من أين أقبل الرجل؟» قال: من أهل العراق قال: «من أي العراق؟» قال من البصرة قال: «أما إنها أول القرى خرابا إما غرقا و إما حرقا حتى يبقى بيت مالها و مسجدها كجوجو سفينة فأين منزلك منها؟» فقال الرجل مكان كذا قال عليك بضواحيها عليك بضواحيها».
عن شرحبيل عن علي (علیه السّلام) قال: كيف بكم و إمارة الصبيان
من قريش قوم يكونون في آخر الزمان يتخذون المال دولة و يقتلون الرجال فقال الأوس بن حجر الثمالي: إذا نقاتلهم و كتاب الله قال: «كذبت و کتاب الله».
قال: حدثنا الحسن بن بكر البجلي عن أبيه قال: كنا عند علي (علیه السّلام) في الرحبة فأقبل رهط فسلموا فلما رآهم علي (علیه السّلام) أنكرهم فقال: «من أهل الشام أنتم أم من أهل الجزيرة؟» قالوا: بل من أهل الشام مات أبونا و ترك مالا كثيرا و ترك أولادا رجالا و نساء و ترك فينا خنثى له حياء كحياء المرأة و ذكر كذكر الرجل فأراد الميراث كرجل منا فأبينا عليه فقال (علیه السّلام) «فأين كنتم عن معاوية؟» فقالوا قد أتيناه فلم يدر ما يقضي بيننا فنظر علي (علیه السّلام) يمينا وشمالا و قال:
«لعن الله قوما يرضون بقضائنا و يطعنون علينا في ديننا انطلقوا بصاحبكم فانظروا إلى مسيل البول فإن خرج من ذكره فله ميراث الرجل و إن خرج من غير ذلك فورثوه مع النساء» فبال من ذكره فورته كميراث الرجل منهم.
عن ابن عباس قال: قال علي (علیه السّلام): «أول هلاك أهل الأرض قريش و ربيعة» قالوا: و كيف؟ قال: «أما قريش فيهلكها الملك و أما ربيعة فتهلكها الحمية.
بحذف الإسناد قال: قال علي (علیه السّلام): «أما و الله ما قاتلت إلا مخافة أن ينزو فيها تيس من بني أمية فيتلاعب بدين الله».
کتاب علي (علیه السّلام) إلى معاوية
إن عليا ع كتب إلى معاوية «من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى معاوية : إن الله تبارك و تعالى ذا الجلال و الإكرام خلق الخلق و اختار خيرة من خلقه و اصطفى صفوة من عباده يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم
الخيرة سبحان الله و تعالى عما يشركون فأمر الأمر و شرع الدين و قسم القسم على ذلك و هو فاعله و جاعله و هو الخالق و هو المصطفي و هو المشرع و هو القاسم و هو الفاعل لما يشاء له الخلق و له الأمر و له الخيرة و المشية و الإرادة و القدرة و الملك و السلطان أرسل رسوله خيرته و صفوته بالهدى و دين الحق و أنزل عليه كتابه فيه تبيان كل شيء من شرائع دينه فبينه لقوم يعلمون و فرض فيه الفرائض و قسم فيه سهاما أحل بعضها لبعض و حرم بعضها لبعض بينها يا معاوية إن كنت تعلم الحجة و ضرب أمثالا لا يعقلها إلا العالمون فأنا سائلك عنها أو بعضها إن كنت تعلم و اتخذ الحجة بأربعة أشياء على العالمين فما هي يا معاوية و لمن هي و اعلم أنهن حجة لنا أهل البيت على من خالفنا و نازعنا و فارقنا و بغی
علينا و المستعان الله عليه توكلت و عليه فليتوكل المتوكلون و كانت جملة تبليغه رسالة ربه فيما أمره و شرع و فرض و قسم جملة الدين يقول الله: أطيعوا الله أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم هي لنا أهل البيت
ليست لكم ثم نهى عن المنازعة و الفرقة و أمر بالتسليم و الجماعة كنتم أنتم القوم الذين أقررتم لله ولرسوله بذلك فأخبركم الله أن محمدا ص لم يك أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين و قال عز و جل: أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم فأنت و شركاؤك يا معاوية القوم الذين انقلبوا على أعقابهم و ارتدوا و نقضوا الأمر و العهد فيما عاهدوا الله ونكثوا البيعة و لم يضروا الله شيئا أ
لم تعلم يا معاوية أن الأئمة منا ليست منكم و قد أخبركم الله أن أولي الأمر المستنبطو العلم و أخبركم أن الأمر كله الذي تختلفون فيه و يرد إلى الله و إلى الرسول و إلى أولي الأمر المستنبطي العلم فمن أوفى بما عاهد الله عليه يجد الله موفيا بعهده يقول الله أوفوا بعهدي أوف بعهدكم و إياي فارهبون و قال عز و جل: يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة وآتيناهم ملكا عظيما وقال للناس بعدهم فمنهم من آمن به و منهم من صد عنه فتبوأ مقعدك من جهنم و كفى بجهنم سعيرا نحن آل إبراهيم المحسودون أنت الحاسد لنا خلق الله آدم بيده و نفخ فيه من روحه و أسجد له الملائكة و علمه الأسماء كلها و اصطفاه على العالمين فحسده الشيطان فكان من الغاوين و نوحا حسده قومه إذ قالوا: ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل
عليكم ذلك حسدا منهم لنوح أن يقروا له بالفضل و هو بشر و من بعده حسدوا هودا إذ يقول قومه: ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه يأكل مما تأكلون منه و يشرب مما تشربون و لئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون قالوا ذلك حسدا أن يفضل الله من يشاء و يختص برحمته من يشاء و من قبل ذلك ابن آدم قابيل قتل هابيل حسدا فكان من الخاسرين وطائفة من بني إسرائيل إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله فلما بعث الله لهم طالوت ملكا حسدوه و قالوا أنى يكون له الملك علينا و زعموا أنهم أحق بالملك منه كل ذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق و عندنا تفسيره و عندنا تأويله و قد خاب من افترى و نعرف فيكم شبهه و أمثاله ما و تغني الآيات و النذر عن قوم لا يؤمنون و كان نبينا ص فلما جاءهم كفروا به حسدا من عند أنفسهم أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده حسدا من القوم على تفضيل بعضنا على بعض ألا و نحن أهل البيت آل إبراهيم
المحسودون حسدنا كما حسد آباؤنا من قبلنا سنة و مثلا قال الله: و آل إبراهيم آل لوط و آل عمران و آل یعقوب و آل موسی و آل هارون و آل داود
فنحن آل نبينا محمد ص أ لم تعلم يا معاوية أن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا و نحن أولو الأرحام قال الله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله
أنفسهم و أزواجه أمهاتهم و نحن أهل البيت اختارنا الله و اصطفانا وجعل النبوة فينا و الكتاب لنا و الحكمة و
العلم و الإيمان و بيت الله و مسكن إسماعيل ومقام إبراهيم فالملك لنا ويلك يا معاوية و نحن أولى بإبراهيم و نحن آله و آل عمران و أولى بعمران و آل لوط و نحن أولى بلوط و آل يعقوب و نحن أولى بيعقوب و آل موسی و آل هارون و آل داود و أولى بهم و آل محمد و أولى به و نحن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا و لكل نبي دعوة في خاصة نفسه و ذريته و أهله و لكل نبي وصية في آله أ لم تعلم أن إبراهيم أوصى ابنه يعقوب و يعقوب أوصى بنيه إذ حضره الموت و أن محمدا أوصى إلى آله سنة إبراهيم و النبيين اقتداء أمره الله ليس لك منهم و لا منه سنة في النبيين و في هذه الذرية التي بعضها من بعض قال الله لإبراهيم وإسماعيل و هما يرفعان القواعد من البيت ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة لك فنحن الأمة المسلمة و قالا ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك و يعلمهم
الكتاب والحكمة ويزكيهم فنحن أهل هذه الدعوة و رسول الله منا و نحن منه بعضنا من بعض و بعضنا أولى ببعض في الولاية و الميراث ذرية بعضها من بعض و الله سميع عليم و علينا نزل الكتاب و فينا بعث الرسول و علينا تليت الآيات و نحن المنتحلون للكتاب و الشهداء عليه و الدعاة إليه والقوام به فبأي حديث بعده
يؤمنون أفغير الله يا معاوية تبغي ربا أم غير كتابه كتابا أم غير الكعبة بيت الله و مسكن إسماعيل و مقام أبينا إبراهيم تبغي قبلة أم غير ملته تبغي دينا أم غير الله تبغي ملكا فقد جعل الله ذلك فينا فقد أبديت عداوتك لنا و حسدك و بغضك و نقضك عهد الله و تحريفك آيات الله و تبديلك قول الله قال الله لإبراهيم: إن الله اصطفى لكم الدين أ فترغب عن ملته وقد اصطفاه الله في الدنيا و هو في الآخرة من الصالحين أم غير الحكم تبغي حكما أم غير المستحفظ منا تبغي إماما الإمامة لإبراهيم و ذريته و المؤمنون تبع لهم لا يرغبون عن ملته قال: فمن تبعني فإنه مني أدعوك يا معاوية إلى الله و رسوله و كتابه و ولي أمره الحكيم من آل إبراهيم و إلى الذي أقررت به زعمت إلى الله و الوفاء بعهده و ميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا و لا تكونوا
كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من الأمة الأربى ف لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون اتبعنا و أمة فنحن اقتدينا فإن ذلك لنا آل إبراهيم على العالمين مفترض فإن الأفئدة من المؤمنين و المسلمين تهوي إلينا و ذلك دعوة المرء المسلم فهل تنقم منا إلا أن آمنا بالله و ما أنزل إلينا واقتدينا و اتبعنا ملة إبراهيم صلوات الله عليه و علی محمد و آله» فكتب معاوية من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب قد انتهى إلي كتابك فأكثرت فيه ذكر إبراهيم وإسماعيل و آدم و نوح والنبيين و ذكر محمد ص و قرابتكم منه و منزلتكم وحقك و لم ترض بقرابتك من محمد حتى انتسبت إلى جميع النبيين ألا و إنما كان محمد رسولا من الرسل إلى الناس كافة فبلغ رسالات ربه لا يملك شيئا غيره ألا و إن الله ذكر قوما جعلوا بينه و بين الجنة نسبا و قد
خفت عليك أن تضارعهم ألا و إن الله أنزل في كتابه أنه لم يتخذ ولدا و لم يكن له شريك في الملك و لم يكن له ولي من الذل فأخبرنا ما فضل قرابتك و ما فضل حقك و أين وجدت اسمك في كتاب الله و ملكك و إمامتك وفضلك ألا و إنما نقتدي بمن كان قبلنا من الأئمة و الخلفاء الذين اقتديت بهم فكنت كمن اختار و رضي و لسنا منكم
قتل خليفتنا أمير المؤمنين عثمان بن عفان و قال الله و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فنحن أولى بعثمان وذريته و أنتم أخذتموه على رضى من أنفسكم جعلتموه خليفة و سمعتم له و أطعتم فأجابه علي (علیه السّلام): «أما الذي عيرتني به يا معاوية من كتابي وكثرة ذكر آبائي إبراهيم وإسماعيل و النبيين فإنه من أحب آباءه أكثر ذكرهم فذكرهم حب الله و رسوله و أنا أعيرك ببغضهم فإن بغضهم بغض الله و رسوله و أعيرك بحبك آباءك و كثرة ذكرهم فإن حبهم كفر و أما الذي أنكرت من نسبي من إبراهيم وإسماعيل و قرابتي من محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) و فضلي و حقي و ملكي و إمامتي فإنك لم تزل منكرا لذلك لم يؤمن به قلبك ألا و إنا أهل البيت كذلك لا يحبنا كافر ولا يبغضنا مؤمن و الذي أنكرت من قول الله عز و جل فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فأنكرت أن يكون فينا فقد قال الله النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله و نحن أولى به و الذي أنكرت منه من إمامة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) زعمت أنه كان رسولا و لم يكن إماما فإن إنكارك ذلك على جميع النبيين الأئمة و لكنا نشهد أنه كان رسولا نبيا إماما (صلی الله علیه و آله و سلم) و لسانك دليل على ما في
قلبك و قال الله تعالى: أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم و لو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم و لتعرفنهم في لحن القول و الله
يعلم أعمالكم ألا و قد عرفناك قبل اليوم و عداوتك و حسدك و ما في قلبك من المرض الذي أخرجه الله و الذي أنكرت من قرابتي و حقي فإن سهمنا و حقنا في كتاب الله قسمه لنا مع نبينا فقال: و اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه للرسول و لذي القربى و قال فآت ذا القربى حقه أو ليس وجدت سهمنا مع سهم الله و رسوله و سهمك مع الأبعدين لا سهم لك إن فارقته فقد أثبت الله سهمنا و أسقط سهمك بفراقك و أنكرت إمامتي و ملكي فهل تجد في كتاب الله قوله لآل إبراهيم و اصطفاهم على العالمين فهو فضلنا على العالمين أ و تزعم أنك لست من العالمين؟ أو تزعم أنا لسنا من آل إبراهيم فإن أنكرت ذلك لنا فقد أنكرت محمدا (صلی الله علیه و آله و سلم) فهو منا و نحن منه فإن استطعت أن تفرق بيننا و بين إبراهيم (صلی الله علیه و آله و سلم) و إسماعيل و محمد و آله في كتاب الله فافعل».
خبر مصر
" عن الكلبي عن محمد بن يوسف عن العباس بن سهل: أن محمد بن أبي حذيفة هو الذي حرض المصريين على قتل عثمان و ندبهم
إليه فلما ساروا إلى عثمان فحصروه و كان هو حينئذ بمصر وثب على عبد الله بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤي و هو عامل عثمان يومئذ على مصر فطرده منها و صلى بالناس فخرج ابن أبي سرح من مصر و نزل على تخوم أرض مصر مما يلي فلسطين و انتظر ما يكون من أمر عثمان فطلع عليه راكب فقال يا عبد الله ما وراءك؟ خبرنا بخبر الناس فقال اقعد قتل المسلمون عثمان فقال ابن أبي سرح إنا لله و إنا إليه راجعون يا عبد الله ثم صنعوا ما ذا؟ قال بايعوا ابن عم رسول الله علي بن أبي طالب (علیه السّلام)
قال إنا لله و إنا إليه راجعون قال له الرجل كان ولاية علي عدلت عندك قتل عثمان؟ قال أجل فنظر إليه الرجل فتأمله فعرفه فقال كأنك عبد الله بن أبي سرح أمير مصر قال أجل قال له الرجل إن كانت لك في نفسك حاجة فالنجاء النجاء فإن رأي أمير المؤمنين فيك و في أصحابك شر إن ظفر بكم قتلكم أو نفاكم عن بلاد المسلمين و هذا بعدي أمير يقدم عليكم قال ابن أبي سرح و من الأمير؟ قال قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فقال ابن أبي سرح أبعد الله ابن أبي حذيفة فإنه بغى على ابن عمه و سعى عليه وقد كان كفله و رباه و أحسن إليه فأساء جواره فوتب على عامله و جهز الرجال إليه حتى قتل و وثب على عامله و خرج ابن أبي سرح حتى قدم على معاوية بدمشق.
ولاية قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري رحمه الله مصر
و كان قيس بن سعد رحمه الله من مناصحي علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فلما قام علي استعمله على مصر.
عن سهل بن سعد قال لما قتل عثمان و ولي علي بن أبي طالب (صلی الله علیه و آله و سلم) دعا قيس من بن سعد فقال: «سر إلى مصر فقد وليتكها و اخرج إلى رحلك فاجمع فيه من ثقاتك و أحببت أن يصحبك حتى تأتيها و معك جند فإن ذلك أرهب لعدوك و أعز لوليك فإذا أنت قدمتها إن شاء الله فأحسن إلى المحسن و اشتد على المريب و ارفق بالخاصة والعامة فإن الرفق يمن»
فقال له قيس بن سعد رحمك الله يا أمير المؤمنين قد فهمت ما ذكرت أما قولك اخرج إليها بجند فو الله إن لم أدخلها بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبدا فإذا أدع ذلك الجند لك فإن احتجت إليهم كانوا منك قريبا و إن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدة لك و لكني أسير إليها بنفسي و أهل بيتي و أما ما أوصيتني
به من الرفق و الإحسان فإن الله تعالى هو المستعان على ذلك قال فخرج قيس بن سعد في سبعة نفر من أصحابه حتى دخل مصر فصعد المنبر فأمر بكتاب معه فقرئ على الناس فيه بسم ! الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله بحسن صنعه و تقدیره و تدبیره اختار الإسلام دينا لنفسه و ملائکته و رسله و بعث به الرسل إلى عباده و خص من انتجب من خلقه فكان مما أكرم الله عز و جل به و خصهم به من الفضيلة أن بعث محمدا ص إليهم فعلمهم الكتاب والحكمة و السنة و الفرائض و أدبهم لكيما يهتدوا و جمعهم لكيما لا يتفرقوا و زكاهم لكيما يتطهروا فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه فعليه صلوات الله و سلامه و رحمته و رضوانه إنه حميد مجيد
ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا امرءين منهم صالحين عملا بالكتاب و أحسنا السيرة و لم يتعديا السنة ثم توفاهما الله فرحمهما الله ثم ولي من بعدهما وال أحدث أحداثا فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا ثم نقموا عليه فغيروا ثم جاءوني فبايعوني فأستهدى الله الهدى و أستعينه على التقوى ألا و إن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسوله و القيام بحقه و النصح لكم بالغيب و الله المستعان و حسبنا الله و نعم الوكيل و قد بعثت إليكم قيس بن سعد الأنصاري أميرا فوازروه و أعينوه على الحق و قد أمرته بالإحسان إلى محسنكم و الشدة على مريبكم و الرفق بعوامكم و خواصكم و هو ممن أرضى هديه و أرجو صلاحه و نصيحته نسأل الله لنا ولكم عملا زاكيا و ثوابا جزيلا و رحمة واسعة و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و كتب عبيد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست و ثلاثين». قال لما فرغ من قراءة الكتاب قام قيس بن سعد خطيبا فحمد الله و أثنى عليه وقال:
الحمد لله الذي أمات الباطل و أحيا الحق و كبت الظالمين. أيها الناس إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا ص فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة نبيه فإن نحن لم نعمل فيكم
بكتاب الله وسنة رسوله فلا بيعة لنا عليكم فقام الناس فبايعوا و استقامت له مصر و أعمالها فبعث عليها عماله إلا أن قرية منها قد أعظم أهلها قتل عثمان و بها رجل من بني كنانة يقال له يزيد بن الحارث فبعث إلى قيس بن سعد ألا إنا لا نأتيك فابعث عمالك والأرض أرضك و لكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس قال: و وثب مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري فنعى عثمان و دعا إلى الطلب بدمه فأرسل إليه قيس ويحك أ علي تثب و الله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر و أني قتلتك فاحقن دمك فأرسل إليه مسلمة أني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر. قال و كان قيس له حزم و رأي فبعث إلى الذين اعتزلوا أني لا أكرهكم على البيعة و لكني أدعكم و أكف عنكم فهادنهم و هادن مسلمة بن مخلد و جبى الخراج و ليس أحد ينازعه. قال: و خرج أمير المؤمنين علي (علیه السّلام) إلى الجمل و هو على مصر و رجع إلى الكوفة من البصرة و هو بمكانه فكان أثقل خلق الله على
معاوية لقربه من الشام و مخافة أن يقبل إليه علي (علیه السّلام) بأهل العراق و يقبل إليه قيس أهل مصر فيقع بينهما. فكتب معاوية إلى قيس بن سعد و علي (علیه السّلام) يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا أما هو بعد فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها أو في ضربة سوط رأيتموه ضربها أو في شتمة رجل أو تعييره واحدا أو في استعماله الفتيان من أهله فإنكم قد علمتم
إن كنتم تعلمون أن دمه لم يحل بذلك فقد ركبتم عظيما من الأمر و جئتم شيئا إدا فتب إلى ربك يا قيس إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئا و أما صاحبك فإنا قد استيقنا أنه أغرى الناس به و حملهم على قتله حتى قتلوه و أنه لم يسلم من دمه عظم قومك فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن
يطلب بدم عثمان فافعل و بايعنا على أمرنا هذا و لك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت و لمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان و سلني من غير هذا ما تحب فإنك لا تسألني من شيء إلا أوتيته و اكتب إلى برأيك فيما كتبت إليك و السلام فلما جاء قيسا كتاب معاوية أحب أن يدافعه و لا يبدي له أمره و لا يعجل له حربه فكتب إليه: أما بعد فقد وصل إلي كتابك و فهمت ما ذكرت من قتل عثمان و ذلك أمر لم أقاربه و ذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان و دسهم إليه حتى قتلوه و هذا أمر لم أطلع عليه و ذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فلعمري إن أولى الناس كان في أمره عشيرتي و أما ما سألتني من متابعتك على الطلب بدمه و عرضت علي ما عرضت فقد فهمته و هذا أمر لي فيه نظر و فكر و ليس هذا مما يعجل إليه و أنا كاف عنك و ليس يأتيك من قبلي شيء تكرهه حتى ترى و نرى و السلام عليك و رحمة الله بركاته. قال فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقاربا مباعدا و لم يأمن أن يكون له في ذلك مخادعا مكايدا فكتب إليه معاوية أيضا
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما و لم أرك تتباعد فأعدك حربا أنت هاهنا كجمل جرور و ليس مثلي من يصانع بالخدائع و لا يختدع بالمكايد و معه عدد الرجال و أعنة الخيل فإن قبلت الذي عرضت
عليك فلك ما أعطيتك و إن أنت لم تفعل ملأت عليك مصر خيلا و رجلا و السلام. قال فلما قرأ قيس بن سعد كتاب معاوية و علم أنه لا يقبل منه المدافعة و المطاولة أظهر له ما في قلبه فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فالعجب من استسقاطك رأيي و اغترارك بي و طمعك في أن تسومني لا أبا لغيرك الخروج من طاعة أولى الناس بالأمر و أقولهم بالحق و أهداهم سبيلا و أقربهم من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وسيلة و تأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر و أقولهم بالزور
و أضلهم سبيلا و أبعدهم من رسول الله ص وسيلة و لديك قوم ضالون مضلون من طواغيت إبليس و أما قولك إنك تملأ علي مصر خيلا و رجلا فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك إنك لذو جد و السلام. فلما أتى معاوية كتاب قيس بن سعد أيس منه وثقل مكانه عليه و كان أن يكون بالمكان الذي هو به غيره أعجب إليه و اشتد على معاوية لما يعرف من بأسه و نجدته فأظهر للناس أن قيسا قد بايعكم فادعوا الله له وقرأ عليهم كتابه الذي لان فيه و قاربه و اختلق معاوية كتابا فقرأه على أهل الشام. بسم الله الرحمن الرحيم إلى الأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد أما بعد فإن قتل عثمان كان حدثا في الإسلام عظيما و قد نظرت لنفسي و ديني لم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برا تقيا و نستغفر الله لذنوبنا و نسأله العصمة لديننا ألا و إني قد ألقيت إليك بالسلم و أجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم فعول علي فيما أحببت من الأموال و الرجال أعجله إليك إن شاء الله تعالى و السلام عليك. قال فشاع في أهل الشام أن قيسا صالح معاوية فسرحت عيون علي
بن أبي طالب (علیه السّلام) إليه بذلك فلما أتاه ذلك أعظمه و أكبره و تعجب له و دعا ابنيه الحسن و الحسين و ابنه محمدا و دعا عبد الله بن جعفر فأعلمهم بذلك وقال: ما رأيكم؟ فقال عبد الله بن جعفر : يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اعزل قيس بن سعد عن مصر فقال لهم: «إني و الله ما أصدق بهذا على قيس» فقال له عبد الله بن جعفر اعزله يا أمير المؤمنين فو الله إن كان ما قد قيل حقا لا يعتزلك إن عزلته قال: وإنهم لكذلك إذ أتاهم كتاب من قيس بن سعد فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن قبلي رجالا معتزلين سألوني أن أكف عنهم و أن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى و يرون وقد رأيت أن أكف عنهم و ألا أعجل و أن أتألفهم فيما بين ذلك لعل الله أن يقبل بقلوبهم و يفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله و السلام. فقال له عبد الله بن جعفر ما أخوفني يا أمير المؤمنين أن يكون هذا مما اتهم عليه إنك إن أطعة في تركهم و اعتزالهم استشرى الأمر و تفاقمت الفتنة و قعد عن بيعتك كثير ممن تريده على الدخول فيها و لكن مره بقتالهم فكتب إليه علي (علیه السّلام):
«بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فسر إلى القوم الذين ذكرت فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون و إلا فناجزهم و السلام». فلما أتى قيس بن سعد الكتاب فقرأه لم يتمالك أن كتب إلى أمير المؤمنين: أما بعد يا أمير المؤمنين فالعجب لك تأمرني بقتال قوم كافين عنك لم يمدوا إليك يدا للفتنة و لا أرصدوا لها فأطعني يا أمير المؤمنين و كف عنهم فإن الرأي تركهم يا أمير المؤمنين و السلام فلما أتاه هذا الكتاب قال له عبد الله بن جعفر يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر يكفك أمرها و اعزل قيسا فو الله لبلغني أن قيسا يقول: إن سلطانا لا یتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء و الله ما أحب أن لي سلطان الشام مع سلطان
مصر و أني قتلت ابن مخلد. و كان عبد الله بن جعفر أخا لمحمد بن أبي بكر لأمه و كان يحب أن يكون له إمرة وسلطان.
عزل قيس بن سعد عن مصر و تولية محمد بن أبي بكر
قال: فبعث علي بن أبي طالب (علیه السّلام) محمد بن أبي بكر إلى مصر و عزل قيسا و كتب معه إلى أهل مصر كتابا فلما قدم على قيس قال له قيس: فما بال أمير المؤمنين؟ ما غيره؟ أ دخل أحد بيني و بينه؟ قال: لا و هذا السلطان سلطانك و كان بينهما نسب و كانت تحت قيس قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر الصديق فكان قيس زوج عمته فقال قيس لا و الله لا أقيم معك ساعة واحدة و غضب حين عزله علي (علیه السّلام) عنها فخرج منها مقبلا إلى المدينة و لم يمض إلى علي (علیه السّلام) بالكوفة. و كان قيس مع شجاعته و نجدته جوادا مفضالا.
فحدثني علي بن محمد بن أبي سيف عن هشام بن عروة عن أبيه أن قيسا لما خرج عن مصر فمر بأهل بيت من بلقين فنزل بينهم فنحر لهم صاحب المنزل جزورا فاتاهم بها قال دونكم هذه فلما كان الغد نحر لهم أخرى ثم حبستهم السماء اليوم الثالث فنحر لهم ثالثة فأتاهم فقال دونكم هذه ثم إن السماء أقلعت فلما أراد قيس أن يرتحل و كان جوادا وضع عشرين ثوبا من ثياب مصر و أربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل و قال لها إذا جاء صاحبك فادفعي هذه إليه و خرج قيس بن سعد فما أتت إلا ساعة حتى لحقه الرجل صاحب المنزل على فرس و معه رمح و الثياب و الدراهم بين يديه فقال يا هؤلاء خذوا ثيابكم و دراهمكم فقال قيس انصرف أيها الرجل فإنا لم نكن لنأخذها فقال الرجل و الله لتأخذنها فعجب قيس منه ثم قال الله أبوك أ تكرمنا و تحسن ضيافتنا فكافأناك فليس بهذا بأس فقال الرجل إنا لا
نأخذ لقرى ابن السبيل و الضيف ثمنا و الله لا أفعل ذلك أبدا فقال قيس أما إذ أبى فخذوها فو الله ما فضلني رجل من العرب قط غيره. قال و قال أبو منذر مر قيس في طريقه برجل من بلي يقال له الأسود فنزل به فأكرمه فلما أراد قيس أن يرتحل وضع عند امرأته ثيابا
و دراهم فلما جاء الرجل دفعت إليه امرأته ذلك فلحقه فقال ما أنا ببائع ضيافتي و الله لتأخذنها و إلا طعنتك بالرمح فقال قيس ويحكم خذوه.
ثم أقبل قيس حتى دخل المدينة فجاءه حسان بن ثابت شامتا به و كان عثمانیا فقال له نزعك علي بن أبي طالب و قد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم و لم يحسن لك الشكر فزجره قیس و قال له يا أعمى القلب يا أعمى البصيرة و الله لو لا أن ألقي بين رهطي و رهطك حربا لضربت عنقك اخرج عني. ثم إن قيسا و سهل بن حنيف خرجا حتى قدما على علي (علیه السّلام) الكوفة فخبره قيس الخبر و ما كان بمصر فصدقه و شهد هو و سهل بن حنيف مع علي (علیه السّلام) صفين و كان قيس بن سعد رحمه الله طوالا أطول الناس و أمدهم قامة و كان سناطا أصلع شيخا شجاعا مجربا مناصحا لعلي و ولده حتى توفي رحمه الله.
و بحذف الإسناد قال كان قيس بن سعد بن عبادة مع أبي بكر
و عمر في سفر في حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فكان ينفق عليهما و على غيرهما و يتفضل فقال له أبو بكر: إن هذا لا يقوم به مال أبيك فأمسك يدك فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عبادة لأبي بكر أردت أن تبخل على ابني إنا قوم لا نستطيع البخل. و كان قيس يقول في دعائه اللهم ارزقني حمدا و مجدا و شكرا فإنه لا حمد إلا بفعال و لا مجد إلا بمال اللهم وسع علي فإن القليل لا يسعني و لا أسعه.
قال: كان قيس على مصر عاملا لعلي (علیه السّلام) فجعل معاوية يقول: لا تسبوا قيسا فإنه معنا فبلغ ذلك عليا فعزله و أتى المدينة فجعل الناس يغرونه و يقولون له نصحت فعزلك فلحق بعلي (علیه السّلام) و بايعه و معه اثنا عشر ألفا ا على الموت و أصيب علي (علیه السّلام) و صالح الحسن (علیه السّلام) معاوية فقال لهم قيس إن شئتم دخلتم فيما دخل فيه الناس و إن شئتم بقيتم على بيعتكم قالوا: بل ندخل فيما دخل فيه الناس فبايع من معه معاوية إلا خثيمة الضبي فقال معاوية: دعوا خثيمة.
عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان قيس بن سعد بن عبادة مع
علي بن أبي طالب (علیه السّلام) على مقدمته و معه خمسة آلاف قد حلقوا رءوسهم.
خبر قدوم محمد بن أبي بكر مصر و ولايته رحمه الله عليها
عن الحارث بن كعب عن أبيه قال: كنت مع محمد بن أبي بكر حيث قدم مصر فلما أتاها قرأ عليهم عهده «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر أمره بتقوى الله في السر و العلانية و خوف الله في المغيب و المشهد و باللين للمسلم و بالغلظة على الفاجر و بالعدل على أهل الذمة و بالإنصاف للمظلوم و بالشدة على الظالم و بالعفو عن الناس و بالإحسان ما استطاع و الله يجزي المحسنين و أمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة و
الجماعة فإن لهم في ذلك من العاقبة وعظيم المثوبة ما لا يقدرون قدره و لا يعرفون كنهه و أمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى
عليه من قبل و لا ينتقص ولا يبتدع ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل و أمره أن يلين لهم جناحه و أن يساوي بينهم في مجلسه و وجهه و ليكن القريب والبعيد عنده في الحق سواء و أمره أن يحكم بين الناس بالحق و أن يقوم بالقسط و لا يتبع الهوى و لا يخاف في الله لومة لائم فإن الله مع من اتقاه و آثر
طاعته على ما سواه والسلام و كتبه عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لغرة شهر رمضان سنة ست و ثلاثين قال ثم إن محمد بن أبي بكر قام خطيبا فحمد الله و أثنى عليه وقال: أما بعد فالحمد لله الذي هدانا و إياكم لما اختلف فيه من الحق و بصرنا و إياكم كثيرا مما عمي عنه الجاهلون ألا إن أمير المؤمنين ولاني أموركم و عهد إلي بما سمعتم و لن آلوكم خيرا ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب فإن يكن ما ترون من آثاري و أعمالي لله طاعة و تقوى فاحمدوا الله على ما كان من ذلك فإنه هو الهادي له و إن رأيتم من ذلك عملا بغير حق فادفعوه إلي و عاتبوني عليه فإني بذلك أسعد و أنتم بذلك جديرون وفقنا الله و إياكم لصالح العمل برحمته ثم نزل..
قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب (علیه السّلام) و هو إذ ذاك بمصر عاملها لعلي يسأله جوامع من الحرام و الحلال و السنن و المواعظ فكتب إليه : لعبد الله أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن رأى أمير المؤمنين أرانا الله و جماعة المسلمين فيه أفضل سرورنا و أملنا فيه أن يكتب لنا كتابا فيه فرائض و أشياء مما يبتلى به مثلي من القضاء بين الناس فعل فإن الله يعظم لأمير المؤمنين الأجر و يحسن له الذخر. فكتب إليه علي (علیه السّلام): «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى محمد بن أبي بكر و أهل مصر سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد وصل إلي كتابك فقرأته و فهمت عنه و أعجبني اهتمامك بما لا بد منه و ما لا يصلح المسلمين غيره و ما سألتني ظننت أن الذي دلك عليه نية صالحة و رأي غير مدخول و لا خسیس و قد بعثت
إليك أبواب الأقضية جامعا [لك ما أردت فيها] فيها ولا قوة إلا بالله و حسبنا الله و نعم الوكيل»..
و كتب إليه عما سأله من القضاء وذكر الموت و الحساب وصفة الجنة
و النار و كتب في الإمامة وكتب في الوضوء و كتب إليه في مواقيت الصلاة و كتب إليه في الركوع و السجود و كتب إليه في الأدب و كتب إليه في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و كتب إليه في الصوم و الاعتكاف و كتب إليه في الزنادقة و كتب إليه في نصراني فجر بامرأة مسلمة و كتب إليه في أشياء كثيرة لم يحفظ منها غير هذه الخصال وحدثنا ببعض ما كتب إليه.
قال إبراهيم فحدثنا يحيى بن صالح قال: حدثنا مالك بن خالد الأسدي عن الحسن بن إبراهيم عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (علیه السّلام) عن عباية: أن عليا (علیه السّلام) كتب إلى محمد بن أبي بكر و أهل مصر: «أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله في سر أمرك و علانيته و على أي حال كنت عليها و اعلم أن الدنيا دار بلاء و فناء و الآخرة دار بقاء و جزاء فإن استطعت أن تؤثر ما يبقى على ما يفنى فافعل فإن الآخرة تبقى و إن الدنيا تفنى رزقنا الله و إياك بصرا لما بصرنا وفهما لما فهمنا حتى لا نقصر عما أمرنا به و لا نتعدى إلى ما نهانا عنه فإنه لا بد لك من نصيبك من الدنيا و أنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج فإن عرض لك أمران أحدهما للآخرة و الآخر للدنيا فابدأ بأمر الآخرة و لتعظم رغبتك في الخير و لتحسن فيه نيتك فإن الله عز و جل يعطي العبد على قدر نيته و إذا أحب الخير و أهله و لم يعمله كان إن شاء الله كمن عمله فإن رسول الله ص قال حين رجع من تبوك: لقد كان بالمدينة أقوام ما سرتم من مسیر و لا هبطتم من واد إلا كانوا معكم ما حبسهم إلا المرض يقول كانت لهم نية
ثم اعلم يا محمد إني وليتك أعظم أجنادي أهل مصر و إذ وليتك ما وليتك من أمر الناس فأنت محقوق أن تخاف فيه على نفسك وتحذر فيه على دينك و لو كان ساعة من نهار فإن استطعت أن لا تسخط فيها ربك لرضى أحد من خلقه فافعل فإن في الله خلفا من غيره و ليس في شيء غيره خلفا منه فاشتد على الظالم و لن لأهل الخير وقربهم إليك و اجعلهم بطانتك و إخوانك و السلام».
عن الحارث عن أبيه قال: بعث علي ع محمد بن أبي بكر أميرا على مصر فكتب إلى علي (علیه السّلام) يسأله عن رجل مسلم فجر بامرأة نصرانية و عن زنادقة فيهم من يعبد الشمس والقمر وفيهم من يعبد غير ذلك وفيهم مرتد عن الإسلام وكتب يسأله من مكاتب مات و ترك مالا و ولدا فكتب إليه علي (علیه السّلام) «أن أقم الحد فيهم على المسلم الذي فجر بالنصرانية و ادفع النصرانية إلى النصارى يقضون فيها ما شاءوا و أمره في الزنادقة أن يقتل من كان يدعي الإسلام ويترك سائرهم يعبدون ما شاءوا أمره في المكاتب إن كان ترك وفاء لمكاتبته فهو غريم بيد مواليه يستوفون ما بقي من مكاتبته و ما بقي فلولده».
عن عبد الله بن الحسن عن عباية قال: كتب علي (علیه السّلام) إلى محمد و أهل مصر: «أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله و العمل بما أنتم عنه مسئولون فأنتم به رهن و أنتم إليه صائرون فإن الله عز و جل يقول: كل نفس بما كسبت رهينة و قال و يحذركم الله نفسه و إلى الله المصير وقال: فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون فاعلموا
عباد الله أن الله سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير فإن يعذب فنحن أظلم و إن يعف ف هو أرحم الراحمين و اعلموا أن أقرب ما يكون العبد إلى الرحمة و المغفرة حين يعمل بطاعة الله و مناصحته في التوبة فعليكم بتقوى الله عز و جل
فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها و يدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها خير الدنيا و خير الآخرة يقول الله وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا: خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة و لدار الآخرة خير و لنعم دار المتقين و اعلموا عباد الله أن المؤمن يعمل لثلاث إما لخير الدنيا فإن الله يثيبه بعمله في الدنيا قال الله سبحانه و آتيناه أجره في الدنيا و إنه في الآخرة لمن الصالحين فمن عمل لله تعالى أعطاه أجره في الدنيا والآخرة و كفاه المهم فيهما وقد قال يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة و أرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة قال للذين أحسنوا الحسنى و زيادة فالحسنى هي الجنة و الزيادة هي الدنيا و إما لخير الآخرة فإن الله يكفر عنه بكل حسنة سيئة يقول: إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين حتى إذا كان يوم القيامة
حسبت لهم حسناتهم و أعطوا بكل واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فهو الذي يقول جزاء من ربك عطاء حسابا و يقول عز و جل: فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا و هم في الغرفات آمنون فارغبوا فيه و اعملوا به و تحاضوا عليه و اعلموا عباد الله أن المؤمنين المتقين ذهبوا بعاجل الخير و اجله شاركوا أهل الدنيا في دنياهم و لم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم يقول الله عز و جل: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت و أكلوها بأفضل ما أكلت شاركوا أهل الدنيا في دنياهم أكلوا من أفضل ما يأكلون و شربوا من أفضل ما يشربون و لبسوا من أفضل ما يلبسون و سكنوا بأفضل ما يسكنون و تزوجوا من أفضل ما يتزوجون و ركبوا من أفضل ما
يركبون أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا مع أنهم غدا من جيران الله عز و جل يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون لا يرد لهم دعوة و لا ينقص لهم نصيب من لذة فإلى هذا يشتاق من كان له عقل و لا حول و لا قوة إلا بالله
و اعلموا عباد الله أنكم إن اتقيتم ربكم وحفظتم نبيكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد و ذكرتموه بأفضل ما ذكر وشكرتموه بأفضل ما شكر و أخذتم بأفضل الصبر و جاهدتم بأفضل الجهاد و إن كان غيركم أطول صلاة منكم و أكثر صياما إذ كنتم أتقى الله منهم و أنصح لأولياء الأمر من آل محمد و أخشع و احذروا عباد الله الموت و نزوله و خذوا له عدته فإنه يدخل بأمر عظيم خير لا يكون معه شر أبدا أو شر لا يكون معه خير أبدا فمن أقرب إلى الجنة من عاملها و من أقرب إلى النار من عاملها إنه ليس أحد من الناس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلين يصير إلى الجنة أو إلى النار أ عدو هو لله أم هو ولي له فإن كان وليا لله فتحت له أبواب الجنة و شرعت له طرقها و رأى ما أعد الله له فيها ففرغ من كل شغل و وضع عنه كل ثقل و إن كان عدوا الله فتحت له أبواب النار و شرعت له طرقها و نظر إلى ما أعد الله له فيها فاستقبل كل مكروه و ترك كل سرور كل هذا يكون عند الموت و عنده يكون بيقين قال الله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون و يقول الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم
تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين و اعلموا عباد الله أن الموت ليس منه فوت فاحذروه قبل وقوعه و أعدوا له عدته فإنكم طرداء الموت وجدوا للثواب إن أقمتم له أخذكم و إن هربتم منه أدرككم فهو ألزم لكم من ظلكم معقود بنواصيكم و الدنيا تطوى
من خلفكم فأكثروا ذكر الموت عند ما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات فإنه كفى بالموت واعظا و كان رسول الله ص كثيرا ما أصحابه بذكر الموت فيقول أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات حائل بينكم و بين الشهوات و اعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت لمن لم يغفر الله له و يرحمه و احذروا القبر و ضمته و ضيقه و ظلمته وغربته فإن القبر يتكلم كل يوم و يقول: أنا بيت التراب و أنا بيت الغربة و أنا بيت الدود والهوام و القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إن المسلم إذا دفن قالت له الأرض مرحبا و أهلا قد كنت ممن أحب أن يمشي على ظهري فستعلم إذا وليتك كيف صنعي بك فيتسع له مد البصر و إذا دفن
الكافر قالت له الأرض: لا مرحبا و لا أهلا فقد كنت ممن أبغض أن يمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك فتضم عليه حتى تلتقي أضلاعه و اعلموا أن المعيشة الضنك التي قال الله تعالى: فإن له معيشة ضنكا هي عذاب القبر
إنه ليسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا تنهش لحمه حتى يبعث لو أن تنينا منها نفخ في الأرض ما أنبتت ريعها أبدا و اعلموا عباد الله أن أنفسكم و أجسادكم الرقيقة الناعمة التي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم مما لا طاقة لكم به و لا صبر لكم عليه فتعملوا بما أحب الله سبحانه وتتركوا ما كره فافعلوا و لا حول و لا قوة إلا بالله و اعلموا عباد الله أن ما بعد القبر أشد من القبر يوم يشيب فيه الصغير و يسكر فيه الكبير و يسقط فيه الجنين و تذهل كل مرضعة عما أرضعت و احذروا يوما عبوسا قمطريرا يوما كان شره مستطيرا أما إن شر ذلك اليوم و فزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب و السبع الشداد و الجبال الأوتاد و الأرضون
المهاد و انشقت السماء فهي يومئذ واهية و تغيرت فكانت وردة كالدهان و كانت الجبال سرابا بعد ما كانت صما صلابا يقول الله سبحانه و نفخ في الصور فصعق من في السماوات
و من في الأرض إلا من شاء الله فكيف بمن يعصيه بالسمع والبصر و اللسان و اليد و الرجل و الفرج و البطن إن لم يغفر الله و يرحم و اعلموا عباد الله أن ما بعد ذلك اليوم أشد و أدهى على من لم يغفر الله له من ذلك اليوم فإنه يقضي و يصير
إلى غيره إلى نار قعرها بعيد و حرها شدید و عذابها جدید و شرابها صدید و مقامعها حديد لا يفتر عذابها و لا يموت ساكنها دار ليست لله سبحانه فيها رحمة و يسمع فيها دعوة و فيها دعوة واعلموا عباد الله أن اعلموا عباد الله أن مع هذا رحمة الله التي وسعت كل شيء لا تعجز عن العبادة وجنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين خير لا يكون معه شر أبدا و شهوة لا تنفد أبدا و لذة لا تفنى أبدا و مجمع لا يتفرق أبدا قوم قد جاوروا الرحمن و قام بين أيديهم الغلمان بصحاف من ذهب فيها الفاكهة و الريحان فقال رجل: يا رسول الله إني أحب الخيل أ في الجنة خيل؟ قال: نعم و الذي نفسي بيده إن فيها خيلا من ياقوت أحمر عليها سروج الذهب يركبون فتدف بهم خلال ورق الجنة قال رجل: يا رسول الله إني يعجبني الصوت الحسن أ في الجنة الصوت الحسن؟ قال: نعم و الذي نفسي بيده إن الله ليأمر لمن
يحب ذلك منهم بشجر يسمعه صوتا بالتسبيح ما سمعت الآذان بأحسن منه قط قال رجل: يا رسول الله إني أحب الإبل أ في الجنة إبل؟ قال: نعم و الذي نفسي بيده إن فيها بخات [بخاتي] من ياقوت أحمر عليها رحال الذهب قد ألحقت [ألحفت] بنمارق الديباج يركبون فتزف بهم خلال ورق الجنة و إن فيها صور رجال و نساء يركبون مراكب أهل الجنة فإذا أعجب أحدهم الصورة قال: اجعل
صورتي مثل هذه الصورة فيجعل صورته عليها و إذا أعجبته صورة المرأة قال: رب اجعل صورة فلانة زوجته مثل هذه الصورة فيرجع وقد صارت صورة زوجته على ما اشتهى و إن أهل الجنة يزورون الجبار كل جمعة فيكون أقربهم منه على منابر
من نور و الذين يلونهم على منابر من ياقوت و الذين يلونهم على منابر من زبرجد و الذين يلونهم على منابر من مسك فبينا هم كذلك ينظرون إلى نور الله جل جلاله و ينظر الله إلى وجوههم إذ أقبلت سحابة تغشاهم فتمطر عليهم من النعمة و اللذة و السرور والبهجة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه
ثم قال: بلى إن مع هذا ما هو أفضل منه رضوان الله الأكبر فلو أننا لم يخوفنا إلا ببعض ما خوفنا لكنا محقوقين أن يشتد خوفنا مما لا طاقة لنا به و لا لنا عليه صبر و أن يشتد شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه و لا بد لنا منه فإن استطعتم عباد الله أن يشتد خوفكم من ربكم و يحسن به ظنكم فافعلوا فإن العبد إنما تكون طاعته على قدر خوفه إن أحسن الناس طاعة الله أشدهم له خوفا».
في الصلاة و الوضوء
انظر يا محمد صلواتك كيف تصليها فإنما أنت إمام ينبغي لك أن تتمها و أن تحفظها بالأركان و لا تخففها و أن تصليها لوقتها فإنه ليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاتهم نقص إلا كان إثم ذلك عليه ولا ينقص ذلك من صلاتهم شيئا ثم الوضوء فإنه من تمام الصلاة اغسل كفيك ثلاث مرات
و تمضمض ثلاث مرات و استنشق ثلاث مرات و اغسل وجهك ثلاث مرات ثم يدك اليمنى ثلاث مرات إلى المرفق ثم يدك الشمال ثلاث مرات إلى المرفق ثم امسح رأسك ثم اغسل رجلك اليمنى ثلاث مرات ثم اغسل رجلك اليسرى ثلاث مرات فإني رأيت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هكذا كان يتوضأ قال النبي ص: الوضوء نصف الإيمان
انظر صلاة الظهر فصلها لوقتها لا تعجل بها عن الوقت لفراغ و لا تؤخرها عن الوقت لشغل فإن رجلا جاء إلى رسول الله ص فسأله عن وقت الصلاة فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): أتاني جبرئيل فأراني وقت الصلاة فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم صلى العصر و هي بيضاء نقية ثم صلى المغرب حين غابت
لشمس ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الصبح فأغلس به و النجوم مشتبكة كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كذا يصلي قبلك فإن استطعت - لا قوة إلا بالله أن تلتزم السنة المعروفة و تسلك الطريق الواضح الذي أخذوا فافعل لعلك تقدم عليهم غدا ثم انظر ركوعك و سجودك فإن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان أتم الناس صلاة و أحفظهم لها و كان إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم و بحمده ثلاث مرات و إذا رفع صلبه قال: الله لمن حمده اللهم لك الحمد ملء سماواتك و ملء أرضك و ملء ما سمع شئت من شيء فإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى و بحمده ثلاث مرات اعلم يا محمد أن كل شيء من عملك يتبع صلاتك و اعلم أن من
ضيع الصلاة فهو لغيرها أضيع أسأل الله الذي يرى و لا يرى و هو بالمنظر الأعلى أن يجعلنا وإياك ممن يحب ربنا و يرضى حتى يبعثنا وإياكم على شكره و ذكره و حسن عبادته و أداء حقه و على كل شيء اختاره لنا من دنيانا و ديننا و أولانا و آخرتنا جعلنا الله وإياكم من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
في الوصية
فإن استطعتم يا أهل مصر أن يصدق قولكم فعلكم و سركم علانيتكم و لا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا عصمنا الله و إياكم بالهدى و سلك بنا و بكم المحجة الوسطى و إياكم و دعوة الكذاب ابن هند و تأملوا و اعلموا أنه لا سواء إمام الهدى و إمام الردى و وصي النبي و عدو النبي جعلنا الله و إياكم ممن يحب و يرضى و
قد قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إني لا أخاف على أمتي مؤمنا و لا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه و أما المشرك فيخزيه الله بشركه و لكني أخاف عليكم كل منافق عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون ليس به خفاء و قال النبي ص من سرته حسناته و ساءته سيئاته فذلك المؤمن حقا و قد كان يقول: خصلتان لا تجتمعان في منافق حسن سمت و فقه في سنة
اعلم يا محمد أن أفضل الفقه الورع في دين الله و العمل بطاعته أعاننا الله و إياك علی شکره و ذكره و أداء حقه والعمل بطاعته ثم إني أوصيك بتقوى الله في سر أمرك و علانيته و على أي حال كنت عليها جعلنا الله و إياك من المتقين ثم أوصيك بسبع هن جوامع الإسلام اخش الله و لا تخش الناس في الله فإن خير القول ما صدقه العمل و لا تقض في أمر واحد بقضاءين مختلفين فيتناقض أمرك و تزيغ عن الحق و أحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك و أهل بيتك و الزم الحجة عند الله و أصلح أحوال رعيتك و خض الغمرات إلى الحق و لا تخف في الله لومة لائم و انصح لمن استشارك و اجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين و بعيدهم».
في الصوم و الاعتكاف
«و عليك بالصوم فإن رسول الله ص عكف عاما في العشر الأول من شهر رمضان و عكف في العام المقبل في العشر
الأوسط من شهر رمضان فلما كان العام الثالث رجع من بدر فقضى اعتكافه فنام فرأى في منامه ليلة القدر في العشر الأواخر كأنه يسجد في ماء و طين فلما استيقظ رجع من ليلته و أزواجه و أناس معه من أصحابه ثم إنهم مطروا ليلة ثلاث و عشرين فصلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حين أصبح فرئي في وجه النبي النبي ص الطين فلم يزل يعتكف في العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله و قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): من
صام رمضان ثم صام ستة أيام من شوال فكأنما صام السنة جعل الله خلتنا و إياكم خلة المتقين و ود المخلصين و جمع بيننا وبينكم في دار الرضوان إخوانا على سرر متقابلين إن شاء الله أحسنوا يا أهل مصر مؤازرة محمد و اثبتوا على طاعتكم تردوا حوض نبيكم (صلی الله علیه و آله و سلم)».
قال إبراهيم حدثني عبد الله بن محمد بن عثمان عن علي بن محمد بن أبي سيف عن أصحابه أن عليا (علیه السّلام) لما أجاب محمد بن أبي بكر بهذا الجواب كان ينظر فيه و يتعلمه و يقضي به فلما ظهر عليه وقتل أخذ عمرو بن العاص كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية بن أبي سفيان
و كان معاوية ينظر فى هذا الكتاب ويعجبه فقال الوليد بن عقبة و هو عند معاوية لما رأى إعجاب معاوية به مر بهذه الأحاديث أن تحرق فقال له معاوية مه يا ابن أبي معيط إنه لا رأي لك فقال له الوليد: إنه لا رأي لك أفمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها وتقضي بقضائه فعلام تقاتله؟ فقال معاوية: ويحك أ تأمرني أن أحرق علما مثل هذا و الله ما سمعت بعلم أجمع منه و لا أحكم و لا أوضح فقال الوليد: إن كنت تعجب من علمه و قضائه فعلام تقاتله؟ فقال معاوية: لو لا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لأخذنا عنه ثم سكت هنيئة ثم نظر إلى جلسائه فقال: إنا لا نقول إن هذه من كتب علي بن أبي طالب و لكنا نقول إن هذه من كتب أبي بكر الصديق كانت عند ابنه محمد فنحن نقضي بها و نفتي فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية حتى ولي عمر بن عبد العزيز
فهو الذي أظهر أنها من أحاديث علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فلما بلغ علي بن أبي طالب (علیه السّلام) أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية اشتد ذلك عليه.
قال أبو إسحاق فحدثنا بكر بن بكار عن قيس بن الربيع عن ميسرة بن حبيب عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال صلى بنا علي (علیه السّلام) فلما انصرف قال
ألا عجزت عجزة لا أعتذر *** سوف أكيس بعدها و أستمر
و أجمع الأمر الشتيت المنتشر
» قلنا: ما بالك يا أمير المؤمنين سمعنا منك كذا؟ قال: «إني استعملت محمد بن أبي بكر على مصر فزعم أنه لا علم له بالسنة فكتبت إليه كتابا فيه السنة فقتل و أخذ الكتاب».
قصة محمد بن أبي بكر
حدثنا المدائني عن أصحابه قال: فلم يلبث ابن أبي بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك المعتزلين الذين كان قيس بن سعد معاهدهم لهم فقال: يا هؤلاء إما أن تدخلوا في طاعتنا و إما أن تخرجوا من بلادنا فبعثوا إليه: أنا لا نفعل فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرنا و لا تعجل حربنا فأبى عليهم فامتنعوا منه و أخذوا حذرهم و كانت وقعة صفين و هم له هائبون فلما أتاهم خبر معاوية و أهل الشام و صارت أمورهم إلى الحكومة و أن عليا و أهل العراق قد رجعوا عن معاوية و أهل الشام اجترءوا على محمد بن أبي بكر فأظهروا المنابذة له فلما رأى ذلك محمد بعث ابن
جمهان البلوي إليهم وفيهم يزيد بن الحارث من بني كنانة فقاتلهم فقتلوه ثم بعث إليهم رجلا من كلب فقتلوه أيضا. و خرج معاوية بن حديج السكسكي فدعى إلى الطلب بدم عثمان فأجابه أناس كثير آخرون و فسدت مصر على محمد بن أبي بكر فبلغ عليا توثبهم عليه فقال: «ما لمصر إلا أحد الرجلين صاحبنا الذي عزلناه عنها بالأمس» يعني قيس بن سعد أو مالك بن الحارث الأشتر و كان علي (علیه السّلام) حين
رجع عن صفين قد رد الأشتر إلى عمله بالجزيرة وقال لقيس بن سعد: «أقم أنت معه على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة» ثم اخرج إلى آذربيجان فكان قيس مقيما على شرطته فلما انقضى أمر الحكومة كتب علي إلى مالك الأشتر و هو يومئذ بنصيبين: «أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين و أقمع به نخوة الأثيم و أسد به الثغر المخوف و قد كنت وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت علیه خوارج و هو غلام حدث السن ليس بذي تجربة
للحروب و لا مجربا للأشياء فاقدم علي لننظر فيما ینبغي و استخلف على عملك أهل الثقة و النصيحة و السلام». فأقبل مالك إلى علي (علیه السّلام) و استخلف على عمله شبيب بن عامر الأزدي و هو جد الكرماني الذي كان بخراسان صاحب نصر بن سيار فلما دخل مالك على علي (علیه السّلام) حدثه حديث مصر و خبره خبر أهلها و قال:
ليس لها غيرك فاخرج إليها رحمك الله فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك استعن بالله على ما أهمك و اخلط الشدة باللين و ارفق ما كان الرفق أبلغ و اعتزم على الشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة. فخرج الأشتر من عند علي (علیه السّلام) فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر و أتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية الأشتر مصر فعظم ذلك عليه و قد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدم عليها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر فبعث معاوية إلى رجل من أهل الخراج يثق به فقال له: إن الأشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت و بقيت فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الأشتر من عند علي (علیه السّلام) حتى أتى القلزم حيث تركب السفن من مصر إلى الحجاز فلما انتهى إليه أقام به.
خبر قتل الأشتر رحمه الله و توليته مصر
إن أهل مصر كتبوا إلى علي (علیه السّلام) أن يكتب عليهم من يكون عليها فبعث إليهم الأشتر قال المدائني في إسناده إن الأشتر لما أتى القلزم أتى الخراجي الذي دسه معاوية فقال: هذا منزل فيه طعام و علف و إني رجل من أهل الخراج فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف و طعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياه فلما شربها مات.
عن جابر و ذكر ذلك عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان: أن عليا كتب إليهم: «من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى من بمصر من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني قد بعثت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف و لا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر لا ناكل عن قدم و لا واه في عزم من أشد عباد الله بأسا و أكرمهم حسبا أضر على الفجار من حريق النار و أبعد
الناس من دنس أو عار و هو مالك بن الحارث الأشتر لا نابي الضريبة و لا كليل الحد حليم في الجد رزين في الحرب ذو رأي أصيل و صبر جمیل فاسمعوا له و أطيعوا أمره فإن أمركم بالنفر فانفروا و إن أمركم بالمقام فأقيموا فإنه لا يقدم و لا يحجم إلا بأمري و قد آثرتكم به على نفسي نصيحة لكم و شدة شكيمة على عدوكم عصمكم الله بالهدى و ثبتكم بالتقى ووفقنا وإياكم لما يحب و يرضى السلام عليكم و رحمة الله و بركاته». قال جابر عن الشعبي: إنه هلك حين أتى عقبة أفيق.
عن عاصم بن كليب عن أبيه أن عليا (علیه السّلام) لما بعث الأشتر إلى مصر واليا عليها و بلغ معاوية خبره بعث رسولا يتبع الأشتر إلى مصر يأمره باغتياله فحمل يأمره باغتياله فحمل معه مزودين فيهما شراب و صحب الأشتر
فاستسقى الأشتر يوما فسقاه أحدهما ثم استسقى ثانية فسقاه من الآخر و فيه سم فشربه فمالت عنقه فطلبوا الرجل ففاتهم.
عن مغيرة بن الضبي أن معاوية دس للأشتر مولى لآل عمر فلم يزل المولى يذكر للأشتر فضل علي و بني هاشم حتى اطمأن إليه الأشتر و استأنس به فقدم الأشتر يوما ثقله أو تقدم ثقله فاستسقى ماء فقال له مولى آل عمر: هل لك أصلحك الله في شربة سويق؟ فسقاه شربة سويق فيها سم فمات قال وقد كان معاوية قال لأهل الشام لما دس إليه مولى آل عمر ادعوا على الأشتر فدعوا عليه فلما بلغه موته قال ألا ترون كيف استجيب لكم. قال إبراهيم وقد روي من بعض الوجوه أن الأشتر قتل بمصر بعد قتال شديد و الصحيح أنه سقي السم قبل أن يبلغ مصر.
قال إبراهيم: و حدثنا محمد بن عبد الله بن عثمان عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني عن بعض أصحابه أن معاوية أقبل يقول لأهل الشام: أيها
الناس إن عليا قد وجه الأشتر إلى أهل الأشتر إلى أهل مصر فادعوا الله أن يكفيكموه فكانوا كل يوم يدعون الله في دبر كل صلاة و أقبل الذي سقاه السم إلى معاوية فأخبره بهلاك الأشتر فقام معاوية في الناس خطيبا فقال: أما بعد فإنه كان لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر و قطعت الأخرى اليوم يعني مالك الأشتر.
عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان قال: فلما بلغ علياع موت الأشتر قال: «إنا لله و إنا إليه راجعون و الحمد لله رب العالمين اللهم إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر فرحم الله مالكا فقد وفى بعهده و قضى نحبه و لقي ربه مع أنا قد وطنا أنفسنا على أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنها أعظم المصائب».
و حدثنا محمد بن هشام المرادي عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة الضبي قال: لم يزل أمر علي شديد حتى مات الأشتر و كان الأشتر أسود من الأحنف بالبصرة.
حدثنا محمد بن عبد الله عن ابن أبي سيف المدائني عن فضيل
بن خديج عن أشياخ النخع قالوا: دخلنا على علي (علیه السّلام) حين بلغه موت الأشتر فجعل يتلهف و يتأسف عليه ويقول: «الله» در مالك و ما مالك لو كان جبلا لكان فندا و لو كان حجرا لكان صلدا أما والله ليهدن موتك عالما و ليفرعن عالما على مثل مالك فلتبك البواكي و هل موجود كمالك؟» قال: فقال علقمة بن قيس النخعي فما زال علي يتلهف و يتأسف حتى ظننا أنه المصاب به دوننا و قد عرف ذلك في وجهه أياما.
من فضيل بن خديج عن مولى الأشتر قال: لما أصيب الأشتر وجدنا في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر «بسم الله الرحمن الرحيم عن عبد الله علي أمير المؤمنين إلى النفر من المسلمين الذين غضبوا الله إذ عصي في أرضه و ضرب الجور برواقه على البر و الفاجر فلا حق
يستراح إليه و لا منكر يتناهى عنه سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد وجهت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف و لا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر أشد على الكفار من حريق النار و هو مالك بن الحارث الأشتر أخو مذحج فاسمعوا له و أطيعوا فإنه سيف من سيوف الله لا نابي الضريبة و لا كليل الحد فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا و إن أمركم أن تنفروا فانفروا و إن أمركم أن تحجموا فاحجموا فإنه لا يقدم و لا يحجم إلا بأمري و قد آثرتكم به على نفسي لنصيحته و شدة شكيمته على عدوه عصمكم الله بالحق و ثبتكم باليقين و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته».
و أخبرني ابن أبي سيف عن أصحابه: أن محمد بن أبي بكر لما بلغه أن عليا (علیه السّلام) قد وجه الأشتر إلى مصر شق عليه فكتب علي (علیه السّلام) عند مهلك الأشتر إلى محمد بن أبي بكر «سلام عليك فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك و لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد و لا استزادة لك مني في الجد و لو نزعت ما حوت يداك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر مئونة عليك و أعجب ولاية إليك ألا إن الرجل الذي كنت وليته مصر كان رجلا لنا مناصحا و على عدونا شديدا فرحمة الله عليه و قد استكمل أيامه و لاقى حمامه و نحن عنه راضون فرضي الله عنه و ضاعف له الثواب و أحسن له المآب فأصحر لعدوك و شمر للحرب و ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة و أكثر ذكر الله و الاستعانة به و الخوف منه يكفك ما أهمك و يعنك على ما ولاك أعاننا الله و إياك على ما لا ينال إلا برحمته و السلام». فكتب إليه محمد بن أبي بكر رضي الله عنه جوابه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله علي أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد انتهى إلي كتاب أمير
المؤمنين و فهمته و عرفت ما فيه و ليس أحد من الناس أشد على عدو أمير المؤمنين و لا أرأف أرق لوليه مني و قد خرجت فعسكرت و آمنت الناس إلا من نصب لنا حربا و أظهر لنا خلافا و أنا أمر أمير المؤمنین و حافظه و لاجئ إليه و قائم به و الله المستعان على كل حال و السلام
1 عن عبد الله بن حوالة الأزدي أن أهل الشام لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان فلما انصرفا وتفرقا و بايع أهل الشام معاوية بالخلافة فلم يزدد معاوية إلا قوة و اختلف أهل العراق على علي (علیه السّلام) فما كان لمعاوية هم إلا
مصر وقد كان لأهلها هائبا لقربهم منه و شدتهم على من كان على رأي عثمان و قد كان علم أن بها قوما قد ساءهم قتل عثمان و خالفوا عليا مع أنه كان يرجو أن يكون له فيها معاونه إذا ظهر عليها على حرب علي (علیه السّلام) لعظم خراجها قال: فدعا معاوية من كان معه من قريش عمرو بن العاص
السهمي و حبيب بن مسلمة الفهري و بسر بن أرطاة العامري و الضحاك بن قيس الفهري و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و دعا من غير قريش نحو شرحبيل بن السمط و أبي الأعور السلمي و حمزة بن مالك الهمداني فقال: أتدرون لما ذا دعوتكم؟ قالوا: لا قال: فإني دعوتكم لأمر هو لي مهم و أرجو أن يكون الله قد أعان عليه فقال له القوم أو من قال منهم : إن الله لم يطلع على غيبه أحدا و ما ندري ما تريد فقال له عمرو بن العاص أرى و الله أن أمر هذه البلاد لكثرة خراجها و عدد أهلها قد أهمك فدعوتنا لتسألنا عن رأينا في ذلك فإن كنت لذلك دعوتنا و له جمعتنا فاعزم و اصرم و نعم الرأي ما رأيت إن في افتتاحها عزك و عز أصحابك و كبت عدوك و ذل أهل الخلاف عليك فقال له معاوية مجيبا: أهمك يا ابن العاص ما أهمك و ذلك أن عمرو بن العاص كان بايع معاوية على قتال علي بن أبي طالب (علیه السّلام) و أن له مصر طعمة ما بقي فأقبل معاوية على أصحابه و قال: إن هذا يعني ابن العاص قد ظن و قد حقق ظنه قالوا له: لكنا لا ندري و لعل أبا عبد الله قد أصاب فقال عمرو و أنا أبو عبد الله إن أشبه الظنون ما شابه اليقين. ثم إن معاوية حمد الله و أثنى عليه وقال: أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله لكم في حربكم هذه على عدوكم و لقد جاءوكم و هم لا يشكون أنهم يستأصلون بيضتكم و يحوزون بلادكم ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خیرا و كفى الله المؤمنين القتال و كفاكم مئونتهم و حاكمتموهم إلى الله فحكم
لكم عليهم ثم جمع لنا كلمتنا و أصلح ذات بيننا و جعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر و يسفك بعضهم دم بعض و الله إني لأرجو أن يتم الله لنا هذا الأمر وقد رأيت أن أحاول حرب مصر فما ذا ترون؟ فقال له عمرو قد أخبرتك عما سألت و أشرت عليك بما سمعت فقال معاوية للقوم ما ترون فقالوا نرى ما رأى عمرو فقال معاوية : إن عمرا قد عزم و صرم بما قال و لم يفسر كيف ينبغي أن نصنع قال عمرو : فإني أشير عليك كيف تصنع أرى أن تبعث جيشا
كثيفا عليهم رجل صارم تأمنه و تثق به فيأتي مصر فيدخلها فإنه سيأتيه من كان من أهلها على مثل رأينا فيظاهره على من كان بها من عدونا فإن اجتمع بها جندك و من كان بها من شيعتك على من بها من أهل حربك رجوت أن يعز الله نصرك و يظهر فلجك قال له معاوية: هل عندك شيء غير هذا نعمله فيما بيننا و بينهم قبل هذا؟ قال: ما أعلمه قال معاوية : فإن رأيي غير هذا أرى أن نكاتب من كان بها من شيعتنا و من كان بها من عدونا فأما شيعتنا فنأمرهم بالثبات على أمرهم و نمنيهم قدومنا عليهم و أما من كان بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا و نمنيهم شكرنا و نخوفهم حربنا فإن صلح لنا ما قبلهم بغير حرب و لا قتال فذلك ما أحببنا و إلا فحربهم بين أيدينا إنك يا ابن العاص لامرؤ أمين بورك لك في العجلة و بورك لي في التؤدة قال له عمرو: فاعمل بما أراك الله فو الله ما أرى أمرك و أمرهم يصير إلا إلى الحرب العوان قال: فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري و إلى
معاوية بن حديج الكندي و كانا قد خالفا عليا (علیه السّلام): بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله عز و جل قد ابتعثكما لأمر عظيم أعظم به أجركما و رفع به ذكركما و زینکما به في المسلمين طلبتما بدم الخليفة المظلوم و غضبتما لله إذ ترك حكم
الكتاب و جاهدتما أهل الظلم و العدوان فأبشرا برضوان الله و عاجل نصرة أولياء الله و المواساة لكما في دار الدنيا و سلطاننا حتى ينتهي ذلك إلى ما يرضيكما و يؤدى به حقكما فالزما أمركما و جاهدا عدوكما و ادعوا المدبرين عنكما إلى هداكما فكأن الجيش قد أظل عليكما فانقشع كل ما تكرهان و أدام كل ما تهويان و السلام عليكما و بعث بالكتاب مع مولى له يقال له سبيع فخرج الرسول بكتابه حتى قدم به عليهما بمصر و محمد بن أبي بكر يومئذ أميرها قد ناصبه هؤلاء النفر الحرب بها و هم عنه متنحون يهابون الإقدام عليه فدفع الكتاب إلى مسلمة بن مخلد فلما قرأه قال له الق به معاوية بن حديج ثم القني به حتى أجيب عني و عنه فانطلق إليه الرسول بكتاب معاوية فأقرأه إياه ثم قال له: إن مسلمة قد أمرني أن أرد الكتاب إليه لكي يجيب معاوية عنك و عنه قال: قل له: فليفعل فأتى مسلمة بالكتاب فكتب مسلمة الجواب عنه و عن معاوية بن حديج إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن هذا الأمر الذي قد ندبنا له أنفسنا و ابتعثنا الله به على عدونا أمر نرجو به ثواب ربنا و النصر على من خالفنا و تعجل النقمة على من سعى على إمامنا و طأطأ الركض في جهادنا و نحن بهذه الأرض قد نفينا من كان بها من أهل البغي و أنهضنا من كان بها من أهل القسط و العدل و قد ذكرت مؤازرتك فى سلطانك و ذات يدك وبالله إنه لا من أجل مال غضبنا و لا إياه أردنا فإن يجمع الله لنا ما نريد و نطلب و يؤتنا ما نتمنى فإن الدنيا و الآخرة لله رب العالمين وقد يؤتيهما الله جميعا عالما من خلقه كما قال في كتابه فأتاهم الله ثواب الدنيا و حسن ثواب الآخرة و الله يحب المحسنين عجل علينا بخيلك و رجلك فإن عدونا
قد كان علينا حربا و كنا فيهم قليلا و قد أصبحوا لنا هائبين و أصبحنا لهم منابذين فإن يأتنا مدد من قبلك يفتح الله عليك و لا قوة إلا به و هو حسبنا و نعم الوكيل. :قال فجاء هذا الكتاب معاوية و هو يومئذ بفلسطين فدعا النفر الذين سميناهم من قریش و غيرهم و أقرأهم الكتاب و قال لهم ما ذا ترون؟ قالوا: نرى أن تبعث إليهم جندا من قبلك فإنك مفتتحها إن شاء الله تعالى. قال معاوية فتجهز إليها يا أبا عبد الله يعني عمرو بن العاص فبعثه في ستة آلاف رجل فخرج يسير و خرج معه معاوية يودعه فقال له معاوية عند وداعه إياه أوصيك بتقوى الله يا عمرو و بالرفق فإنه يمن وبالتؤدة فإن العجلة من الشيطان و بأن تقبل من أقبل و أن تعفو عمن أدبر أنظره فإن تاب و أناب قبلت منه و إن أبى فإن السطوة بعد المعرفة أبلغ في الحجة و أحسن في العاقبة و ادع الناس إلى الصلح و الجماعة فإن أنت ظفرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك و كل الناس فأول حسنا.
توجيه معاوية عمرو بن العاص إلى مصر
إن معاوية لما بلغه تفرق الناس عن علي (علیه السّلام) و تخاذلهم أرسل عمرو بن العاص إلى مصر في جيش من أهل الشام فسار حتى دنا من مصر فتلقى محمد بن أبي بكر و كان عامل علي على مصر فلما نزل أداني مصر اجتمعت إليه العثمانية فأقام بها و كتب إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد فتنح عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر و إن الناس بهذه البلاد قد أجمعوا على خلافك و رفض أمرك و ندموا على اتباعك و هم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان فاخرج منها فإني لك من الناصحين و السلام قال: و بعث عمرو أيضا مع هذا الكتاب بكتاب معاوية إليه و فيه : أما بعد فإن غب البغي و الظلم عظيم الوبال و إن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا و التبعة الموبقة في الآخرة و ما نعلم
أحدا كان أعظم على عثمان بغيا و لا أسوأ له عيبا و لا أشد عليه خلافا منك الساعين و الساعين و ساعدت عليه مع المساعدين و سفكت دمه مع سعيت عليه في السافكين ثم أنت تظن أني عنك نائم ثم تأتي بلدة فتأمن فيها و جل
أهلها أنصاري يرون رأيي و يرفعون قولي و يستصرخونني عليك و قد بعثت إليك قوما حناقا عليك يستسفكون دمك و يتقربون إلى الله بجهادك قد أعطوا الله عهدا ليقتلنك و لو لم يكن منهم إليك ما قالوا لقتلك الله بأيديهم أو بأيدي غيرهم من أوليائه فأحذرك و أنذرك و أحب أن يقتلوك بظلمك ووقيعتك و عدوانك على عثمان يوم الدار تطعن بمشاقصك فيما بين أحشائه و أوداجه و لكني أكره أن تقتل و لن يسلمك الله من القصاص أين كنت أبدا و السلام. قال: فطوى محمد بن أبي بكر كتابيهما و بعث بهما إلى علي (علیه السّلام) و كتب إليه أما بعد فإن العاصي ابن العاص قد نزل أداني مصر و اجتمع إليه من أهل البلد كل من كان يرى رأيهم و قد جاء في جيش جرار وقد رأيت
ممن قبلي بعض الفشل فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمددني بالأموال الرجال و السلام. فكتب إليه علي (علیه السّلام) «أما بعد فقد جاءني رسولك بكتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل أداني مصر في جيش جرار و أن مصر في جيش جرار و أن من كان على مثل رأيه قد خرج إليه وخروج من كان يرى رأيه خير لك من إقامته عندك و ذكرت أنك قد رأيت ممن قبلك فشلا فلا تفشل و إن فشلوا حصن قريتك و اضمم إليك شيعتك و أذك الحرس في عسكرك و اندب إلى القوم . بن بشر المعروف بالنصيحة و التجربة و البأس و أنا نادب إليك الناس على الصعب و الذلول فاصبر لعدوك و امض على بصيرتك و قاتلهم على نيتك و جاهدهم محتسبا لله و إن كانت فئتك أقل الفئتين فإن الله يعز القليل و يخذل الكثير و قد قرأت كتابي الفاجرين
المتحابين على المعصية و المتلائمين على الضلالة والمرتشيين في الحكومة المتكبرين على أهل الدين اللذين
استمتعا بخلاقهما فلا يهدنك إرعادهما و إبراقهما وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله فإنك تجد مقالا ما شئت و السلام». قال فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه: أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه و تأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح و تخوفني بالمثلة كأنك علي شفيق و أنا أرجو أن تكون الدائرة عليكم و أن يهلككم الله في الوقعة و أن ينزل بكم الذل و أن تولوا الدبر فإن يكن لكم الأمر في الدنيا فكم و كم لعمري من ظالم قد نصرتم و كم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به و إلى الله المصير و إليه ترد الأمور و هو أرحم الراحمين و الله المستعان على ما تصفون. قال: و كتب محمد بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص جواب كتابه أما بعد فقد فهمت كتابك و علمت ما ذكرت و زعمت أنك لا تحب أن يصيبني منك ظفر فأشهد بالله أنك لمن المبطلين وزعمت أنك ناصح و أقسم أنك عندي ظنين و زعمت أن أهل البلد قد رفضوني و ندموا على
اتباعي فأولئك حزبك و حزب الشيطان الرجيم حسبنا الله رب العالمين و نعم الوكيل و توكلت على الله العزيز الرحيم رب العرش العظيم. قال: و أقبل عمرو بن العاص فقصد مصر فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله و أثنى عليه و صلى على محمد ص ثم قال: أما بعد يا معاشر المؤمنين فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة و يغشون الضلالة و يستطيلون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة و ساروا إليكم بالجنود فمن أراد الجنة و المغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجالدهم [فلیجاهدهم] في الله انتدبوا رحمكم الله مع كنانة بن بشر و من يجيب معه من
كندة فانتدب معه نحو ألفي رجل و تخلف محمد في نحو ألفين و استقبل عمرو كنانة و هو على مقدمة محمد فأقبل عمرو نحو كنانة فلما دنا منه سرح نحوه الكتائب كتيبة بعد كتيبة فجعل كنانة لا يأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو ففعل ذلك مرارا فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج الكندي فأتاه مثل الدهم فلما رأى كنانة ذلك الجيش نزل عن فرسه و نزل معه
أصحابه فضاربهم بسيفه و هو يقول: و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا و من يرد ثواب الدنيا نؤته منها و من يرد ثواب الآخرة نؤته منها و سنجزي الشاكرين ثم ضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله.
قتل محمد بن أبي بكر رحمة الله عليه
إن عمرو بن العاص لما قتل كنانة أقبل نحو محمد بن أبي بكر و قد تفرق عنه أصحابه فلما رأى ذلك محمد خرج يمضي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في الطريق فأوى إليها و جاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط و خرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه؟ قالوا: لا فقال أحدهم: إني دخلت تلك الخربة فإذا أنا فيها برجل جالس فقال ابن حديج هو هو و رب الكعبة فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه و استخرجوه و قد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو الفسطاط.
قال: و وثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص و كان في جنده فقال: والله لا يقتل أخي صبرا ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه عن قتله فأرسل عمرو إلى معاوية أن ائتني بمحمد فقال معاوية: أقتلتم كنانة بن بشر ابن عمي و أخلي عن محمد هيهات أ كفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر فقال
محمد اسقوني قطرة من الماء فقال معاوية: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه ظاميا محرما فسقاه الله من الرحيق المختوم و الله لأقتلنك يا ابن أبي بكر و أنت ظمآن فيسقيك الله من الحميم و الغسلين فقال له محمد بن أبي بكر : يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك و لا إلى من ذكرت إنما ذلك إلى الله يسقي أولياءه و يظمئ أعداءه و هم أنت و قرناؤك و من تولاك و توليته و الله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني ما بلغتم فقال له معاوية بن
حديج: أ تدري ما أصنع بك أدخلك جوف هذا الحمار الميت ثم أحرقه عليك بالنار؟ فقال محمد إن فعلتم ذلك بي فطال ما فعلتم ذلك بأولياء الله و ايم الله إني لأرجو أن يجعل الله هذه النار التي تخوفني بها بردا وسلاما كما جعلها على إبراهيم خليله و أن يجعلها عليك و على أوليائك كما جعلها على نمرود و أوليائه و إني لأرجو أن يحرقك الله و إمامك يعني معاوية بن أبي سفيان و هذا و أشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله سعيرا فقال له معاوية بن حديج إني لا أقتلك ظلما إنما أقتلك بعثمان فقال له محمد: و ما أنت عثمان؟ إن عثمان عمل بغير الحق و بدل حكم القرآن و قد قال الله عز و جل و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون و فأولئك هم الظالمون و فأولئك هم الفاسقون فنقمنا عليه أشياء عملها فأردنا أن يختلع من عملنا فلم يفعل فقتله من قتله من الناس فغضب معاوية بن حديج فقدمه فضرب عنقه ثم ألقاه في جوف حمار وأحرقه بالنار. فلما بلغ ذلك عائشة أم المؤمنين جزعت عليه جزعا شديدا و قنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص و
معاوية بن حديج و قبضت عيال محمد أخيها و ولده إليها فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها.
و كان معاوية بن حديج ملعونا خبيثا و كان يسب علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
قال: حدثنا داود بن أبي عوف قال: دخل معاوية بن حديج على الحسن بن علي بن أبي طالب (علیه السّلام) مسجد المدينة فقال له الحسن: «ويلك يا معاوية أنت الذي تسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أما والله لئن رأيته يوم القيامة و ما إن أظنك تراه لترينه كاشفا عن ساق يضرب وجوه المنافقين ضرب غريبة الإبل».
عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن شداد قال حلفت عائشة لا تأكل شواء أبدا فما أكلت شواء بعد مقتل محمد حتى لحقت بالله و ما عثرت
قط إلا قالت: تعس معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص و معاوية بن حديج.
عن أبي إسحاق أن أسماء بنت عميس لما أتاها نعي محمد بن أبي بكر و ما صنع به کظمت حزنها وقامت إلى مسجدها حتى شخبت دما.
عن أبي إسماعيل كثير النواء: أن أبا بكر خرج في غزاة فرأت أسماء بنت عميس في منامها و هي تحته كأن أبا بكر مخضب بالحناء رأسه و لحيته و عليه ثياب بيض فجاءت إلى عائشة فأخبرتها فقالت: إن صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر إن خضابه الدم و إن ثيابه أكفانه ثم بكت فدخل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و هي كذلك فقال: «ما أبكاها»؟ فقالوا: يا رسول الله ما أبكاها أحد و لكن أسماء ذكرت رؤيا رأتها لأبي بكر فأخبر النبي ص فقال: ليس كما عبرت عائشة و لكن يرجع أبو بكر صالحا فيلقى أسماء فتحمل منه أسماء بغلام تسميه محمدا يجعله الله غيظا على الكافرين و المنافقين فكان الغلام محمد بن أبي بكر رحمه الله قتل يومئذ فكان كما أخبر..
قال: و كتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان عند قتل محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر : أما بعد فإنا لقينا محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر في جموع أهل مصر فدعوناهم إلى الكتاب و السنة فعصوا الحق و تهوكعوا في الضلال فجاهدناهم فاستنصرنا الله عليهم فضرب الله وجوههم و أدبارهم و منحنا أكتافهم فقتل محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر و الحمد لله رب العالمين و السلام.
ورود قتل محمد بن أبي بكر على علي (علیه السّلام)
عن جندب بن عبد الله قال: و الله إني لعند علي جالس إذ جاءه عبد الله بن قعين جد كعب يستصرخ من قبل محمد بن أبي بكر و هو يومئذ أمير
على مصر فقام علي (علیه السّلام): فنادى في الناس «الصلاة جامعة» فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه وصلى على النبي ص ثم قال: «أما بعد فهذا صريخ محمد بن أبي بكر و إخوانكم من أهل مصر و قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله عدوكم فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم و الركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا على باطلهم و ضلالتهم منكم على حقكم فكأنكم بهم قد بدءوكم و إخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمواساة و النصر عباد الله إن مصر أعظم من الشام خيرا وخير أهلا فلا تغلبون على مصر فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم و و كبت لعدوكم اخرجوا إلى الجرعة و الجرعة بين الكوفة و الحيرة لنتوافى هناك كلنا غدا إن شاء الله» فلما كان الغد خرج يمشي فنزلها بكرة فأقام بها حتى انتصف النهار ذلك فلم يوافه منهم مائة رجل فرجع فلما كان العشي بعث إلى الأشراف فجمعهم فدخلوا عليه القصر و هو كئيب حزين فقال
: «الحمد لله على ما قضى من أمر و قدر من فعل و ابتلاني بكم أيتها الفرقة التي تطيع إذا أمرت و لا تجيب إذا دعوت لا أبا لغيركم ما تنتظرون بنصركم ربكم و
الجهاد على حقكم الموت أو الذل لكم في هذه الدنيا في غير الحق و الله لئن جاءني الموت و ليأتيني فليفرقن بيني و بينكم و إني لصحبتكم لقال أ لا دين يجمعكم أ لا حمية تغضبكم إذ أنتم سمعتم بعدوكم ينتقص بلادكم و يشن الغارة عليكم أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الظلمة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة فيجيبونه في السنة المرة و المرتين و الثلاث إلى أي وجه شاء ثم إني أدعوكم و أنتم أولو النهى و بقية الناس فتختلفون وتتفرقون عني و تعصونني و تخالفون علي؟» فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي فقال: يا أمير المؤمنين اندب الناس معي فإنه لا عطر بعد عروس لمثل هذا اليوم أدخر نفسي و إن
الأجر لا يأتي إلا بالكرة. ثم التفت إلى الناس وقال: اتقوا الله و أجيبوا إمامكم و انصروا دعوته و قاتلوا عدوكم و أنا أسير إليهم يا أمير المؤمنين قال: فأمر علي مناديه سعدا مولاه فنادى «ألا سيروا مع مالك بن كعب إلى مصر و كان وجها مكروها فلم يجتمعوا إليه شهرا فلما اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك بن كعب فعسكر بظاهر الكوفة ثم إنه خرج و خرج معه أمير المؤمنين (علیه السّلام) فنظر فإذا جميع من خرج معه نحو من ألفي رجل فقال علي (علیه السّلام): «سيروا على اسم الله فو الله ما إخالكم تدركون القوم حتى ينقضي أمرهم».
قال: فخرج مالك بهم و سار بهم خمس ليال ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري قدم على علي من مصر و قدم عليه عبد الرحمن بن المسيب الفزاري من الشام فأما الفزاري فكان عينه (علیه السّلام) بالشام و أما الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر بمصر فحدثه الأنصاري بما عاين و شهد بهلاك محمد و حدثه الفزاري أنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشرى من قبل عمرو بن العاص يتبع بعضها أثر بعض بفتح مصر و قتل محمد بن أبي بكر و حتى أذن معاوية بقتله على المنبر
فقال له: يا أمير المؤمنين ما رأيت يوما قط سرورا بمثل سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك ابن أبي بكر فقال علي (علیه السّلام): «أما إن حزننا على قتله على قدر سرورهم به لا بل يزيد أضعافا» قال: فسرح علي (علیه السّلام) عبد الرحمن بن شريح الشامي إلى
مالك بن كعب فرده من الطريق. قال: و حزن علي (علیه السّلام) على محمد بن أبي بكر حتى رئي ذلك فيه و تبين في وجهه وقام علي في الناس خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: «ألا و إن مصر قد افتتحها الفجرة أولياء الجور و الظلم الذين صدوا عن سبيل الله و بغوا الإسلام عوجا ألا و إن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه الله فعند الله نحتسبه أما والله لقد كان ما علمت ينتظر القضاء و يعمل للجزاء و يبغض شكل الفاجر و يحب هين المؤمن و إني والله ما ألوم نفسي على تقصير و لا عجز و إني بمقاساة الحرب لجد بصير و إني لأقدم على الأمر و أعرف وجه الحزم و أقوم بالرأي المصيب فأستصر حكم معلنا و أناديكم نداء المستغيث معربا فلا تسمعون لي قولا و لا تطيعون لي أمرا تصيرون الأمور إلى عواقب المساءة فأنتم القوم لا يدرك بكم الثار و لا تنقض بكم الأوتار دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع و خمسين يوما فجرجرتم علي جرجرة الجمل الأشدق و تثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في
جهاد العدو و لا رأي له في اكتساب الأجر ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب ضعيف كأنما يساقون إلى الموت و هم ينظرون فأف لكم ثم نزل فدخل رحله».
قال: و كتب علي (علیه السّلام) إلى عبد الله بن العباس و هو على البصرة: «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن العباس سلام عليكم و رحمة الله أما بعد فإن مصر قد افتتحت قد استشهد محمد بن أبي بكر فعند الله عز و جل نحتسبه و قد كنت كتبت إلى الناس و تقدمت إليهم في بدء الأمر و
أمرتهم بإغاثته قبل الوقعة و دعوتهم سرا و جهرا و عودا و بدءا فمنهم الآتي كارها و منهم المعتل كاذبا ومنهم القاعد خاذلا أسأل الله
تعالى أن يجعل لي منهم فرجا و مخرجا و أن يريحني منهم عاجلا فو الله لو لا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة و توطيني نفسي على المنية لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا عزم . و السلام» فكتب إليه عبد الله بن عباس لعبد الله علي أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس سلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر و هلاك محمد بن أبي بكر و أنك سألت الله ربك أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجا و مخرجا و أنا أسأل الله أن يعلي كلمتك و أن يعينك بالملائكة عاجلا و اعلم أن الله صانع لك و معزك و مجيب دعوتك و كابت عدوك و أخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تباطئوا ثم نشطوا فارفق بهم يا أمير المؤمنين و دارهم و منهم و استعن بالله عليهم كفاك الله المهم و السلام. قال: و أخبرني ابن أبي سيف أن عبد الله بن عباس قدم على على ع من البصرة
فعزاه على محمد بن أبي بكر رحمه الله.
عن مالك بن الجون الحضرمي أن عليا (علیه السّلام) قال: «رحم الله محمدا كان غلاما حدثا أما و الله لقد كنت أردت أن أولي المرقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص مصر و الله لو أنه وليها لما خلى لعمرو بن العاص و أعوانه العرصة و لما قتل إلا وسيفه في يده بلا ذم لمحمد بن أبي بكر» فلقد أجهد نفسه و قضى ما عليه قال: فقيل لعلي (علیه السّلام) لقد جزعت على محمد بن أبي بكر جزعا شديدا يا أمير المؤمنين قال: «و ما يمنعني أنه كان لي ربيبا و كان لبني أخا و كنت له والدا أعده ولدا».
رسالة أمير المؤمنين علي (علیه السّلام) إلى أصحابه بعد مقتل محمد بن أبي بكر رحمه الله
عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب قال: دخل عمرو بن الحمق و حجر بن عدي و حبة العرني و الحارث الأعور و عبد الله بن سبا على أمير المؤمنين (علیه السّلام) بعد ما افتتحت مصر و هو مغموم حزين
فقالوا له: بين لنا ما قولك في أبي بكر و عمر فقال لهم علي (علیه السّلام): «و هل فرغتم لهذا و هذه مصر قد افتتحت و شيعتي بها قد قتلت؟ أنا مخرج إليكم كتابا أخبركم فيه عما سألتم و أسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم فاقرءوه على شيعتي و كونوا على الحق أعوانا و هذه نسخة الكتاب من عبد الله على أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا من المؤمنين و المسلمين السلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله بعث محمدا (صلی الله علیه و آله و سلم) نذيرا للعالمين و أمينا على التنزيل و شهيدا على هذه الأمة و أنتم معشر العرب يومئذ على شر دين و في شر دار منيخون على حجارة خشن و حیات صم و شوك مبثوث فى البلاد تشربون الماء الخبيث وتأكلون الطعام الجشيب و تسفكون دماءكم و تقتلون أولادكم و تقطعون أرحامكم وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل سبلكم خائفة و الأصنام فيكم منصوبة و الآثام بكم معصوبة و لا يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون فمن الله
عليكم بمحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم و قال فيما أنزل من كتابه: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنین رؤف رحیم و قال لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم و قال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و وقال: الله ذو الفضل العظيم فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم و كنتم أول المؤمنين تعرفون وجهه و شعبه و عمارته فعلمكم الكتاب و الحكمة و الفرائض و
السنة و أمركم بصلة أرحامكم و حقن دمائكم وصلاح ذات البين و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و أن توفوا بالعهد و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها و أمركم أن تعاطفوا و تباروا و تباذلوا و تراحموا و نهاكم عن التناهب و التظالم و التحاسد و التقاذف و التباغي و عن شرب الخمر و بخس المكيال و نقص الميزان تقدم إليكم فيما أنزل عليكم ألا تزنوا و لا تربوا و لا تأكلوا أموال اليتامى ظلما و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و لا تعثوا في الأرض مفسدين و الأرض مفسدين و لا تعتدوا إن الله لا يحب
المعتدين و كل خير يدني إلى الجنة ويباعد من النار أمركم به و كل شر يباعد من الجنة و يدني من النار نهاكم عنه فلما استكمل مدته من الدنيا توفاه الله إليه سعيدا حميدا فيا لها من مصيبة خصت الأقربين و عمت جميع المسلمين ما أصيبوا بمثلها قبلها و لن يعاينوا بعد أختها فلما مضى لسبيله (صلی الله علیه و آله و سلم) تنازع المسلمون الأمر بعده فو الله ما كان يلقى في روعي و لا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) عن أهل بيته و لا أنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر و إجفالهم إليه ليبايعوه فأمسكت يدي و رأيت أني أحق بمقام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الناس ممن تولى الأمر بعده فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله و ملة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) و إبراهيم (علیه السّلام) فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما
هدما يكون مصيبته أعظم علي من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب و كما يتقشع السحاب فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته و نهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل و زهق و كانت كلمة الله هي العليا و لو كره الكافرون فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر و سدد و قارب و اقتصد فصحبته مناصحا و أطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا و ما
طمعت أن لو حدث به حدث و أنا أن يرد إلي الأمر الذي نازعته فيه طمع مستيقن و لا يئست منه يأس من لا يرجوه و لو لا خاصة ما كان بينه و بين عمر لظننت أن [أنه] لا يدفعها عني فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا و أطعنا و ناصحنا و تولى عمر الأمر و كان مرضي السيرة ميمون النقيبة حتى إذا احتضر قلت في نفسي: لن يعدلها عني فجعلني سادس ستة فما كانوا لولاية أحد أشد كراهية منهم لولايتي عليهم فكانوا يسمعوني (عند وفاة الرسول صلى الله عليه
و آله أحاج أبا بكر و أقول: يا معشر قريش إنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن و يعرف السنة و يدين دين الحق فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن لا يكون لهم في الأمر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان و أخرجوني منها رجاء أن ينالوها و يتداولوها إذ يئسوا أن ينالوا من قبلي ثم قالوا هلم فبايع و إلا جاهدناك فبايعت مستكرها و صبرت محتسبا فقال قائلهم: يا ابن أبي طالب إنك على هذا الأمر لحريص فقلت: أنتم أحرص ص مني و أبعد أ أنا أحرص إذا طلبت تراثي و حقي الذي جعلني الله و رسوله أولى به أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه و تحولون بيني و بينه؟ فبهتوا و الله لا يهدي القوم الظالمين اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي و أصغوا إنائي وصغروا عظيم منزلتي و أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه و في الحق أن تمنعه فاصبر
كمدا متوخما أو مت متأسا [أسفا] حنقا فإذا ليس معي رافد و لا ذاب و لا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الهلاك فأغضيت على القذى و تجرعت ريقي على الشجا و صبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم و آلم للقلب من حز الشفار حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم و
أمسكت يدي فنازعتموني و دافعتموني و بسطتم يدي فكففتها و مددتم يدي فقبضتها و ازدحمتم علي حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض أو أنكم قاتلي فقلتم بايعنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك فبايعنا لا نفترق و لا تختلف كلمتنا فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي فمن بايع طائعا قبلته منه و من أبى لم أكرهه و تركته فبايعني فيمن بايعني طلحة والزبير و لو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما فما لبثنا يسيرا حتى بلغني أن قد خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلا بايعني و أعطاني الطاعة فقدما على عاملي [عمالي] و خزان بيت مالي و على أهل مصر
كلهم على بيعتي و في طاعتي فشتتوا كلمتهم و أفسدوا جماعتهم ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدرا و طائفة صبرا وطائفة عصبوا بأسيافهم فضاربوا بها حتى لقوا الله صادقين فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لي به قتل ذلك الجيش كله فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم قد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين ثم إني نظرت في أهل الشام فإذا أعراب أحزاب و أهل طمع جفاة طغام يجتمعون في كل أوب و من كان ينبغي أن يؤدب و يدرب أو يولى عليه و يؤخذ على يديه ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار و لا التابعين بإحسان فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة و الجماعة فأبوا إلا شقاقا و نفاقا و نهوضا في وجوه المسلمين ينضحونهم بالنبل و يشجرونهم بالرماح فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم فلما عضهم السلاح و وجدوا ألم الجراح
رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها فأنبأتكم أنهم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن و أنهم رفعوها غدرا و مكيدة و خديعة و وهنا و ضعفا فامضوا على حقكم و
قتالكم فأبيتم علي و قلتم اقبل منهم فإن أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحق و إن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم فقبلت منكم و كففت عنهم إذ أبيتم و ونيتم و كان الصلح بينكم وبينهم على رجلين يحييان ما أحيا القرآن و يميتان ما أمات القرآن فاختلف رأيهما وتفرق حكمهما و نبذا ما في القرآن و خالف ما في الكتاب فجنبهما الله السداد ودلاهما في الضلال فنبذا حكمهما و كانا أهله فانخزلت فرقة منا فتركناهم ما تركونا حتى إذا عثوا في الأرض يقتلون و يفسدون أتيناهم فقلنا ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ثم كتاب الله بيننا و بينكم قالوا: كلنا قتلهم و كلنا استحل دماءهم و دماءكم و شدت علينا خيلهم و رجالهم فصرعهم الله مصرع الظالمين فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم كلت سيوفنا و نفدت نبالنا و نصلت أسنة رماحنا و عاد أكثرها قصدا فارجع بنا إلى
مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا و إذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا و فارقنا فإن ذلك أقوى لنا على عدونا فأقبلت بكم حتى إذا أطللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة و أن تلزموا معسكركم و أن تضموا قواصيكم و أن توطنوا على الجهاد أنفسكم ولا تكثروا زيارة أبنائكم و نسائكم فإن أصحاب الحرب المصابرون و أهل التشمير فيها الذين لا ينوحون من سهر ليلهم ولا ظما نهارهم و لا خمص بطونهم و لا نصب أبدانهم فنزلت طائفة منكم معي معذرة و دخلت طائفة منكم المصر عاصية فلا من بقي منكم ثبت و صبر و لا من دخل المصر عاد إلي و رجع فنظرت إلى معسكري و ليس فيه خمسون رجلا فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فما قدرت على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا فما تنتظرون أ ما ترون أطرافكم قد انتقصت؟ و إلى أمصاركم قد
افتتحت؟ و إلى شيعتي بها بعد قد قتلت؟ و إلى مسالحكم تعرى؟ و إلى بلادكم تغزى؟ و أنتم ذوو عدد كثير و شوكة و بأس شديد فما بالكم لله أنتم من أين تؤتون؟ و ما لكم أنى تؤفكون؟ و أنى تسحرون؟ و لو أنكم عزمتم و أجمعتم لم تراموا ألا إن القوم قد اجتمعوا و تناشبوا و تناصحوا و أنتم قد ونيتم و تغاششتم و افترقتم ما أنتم إن أتممتم عندي على ذي سعداء فنبهوا نائمكم و اجتمعوا على حقكم و تجردوا لحرب عدوكم قد بدت الرغوة عن الصريح و قد بين الصبح لذي عينين إنما تقاتلون الطلقاء و أبناء الطلقاء و أولي الجفاء و من أسلم كرها و كان لرسول الله ص أنف الإسلام كله حربا أعداء الله و السنة و القرآن و أهل البدع و الأحداث و من كانت بوائقه تتقى و كان على الإسلام
و أهله مخوفا و أكلة الرشا و عبدة الدنيا لقد أنهي إلي أن ابن النابغة لم يبايع حتى أعطاه و شرط أن يؤتيه أتية هي أعظم مما في يده من سلطانه ألا صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا و خزيت أمانة هذا المشتري نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين و إن فيهم لمن قد شرب فيكم الخمر و جلد الحد في الإسلام يعرف بالفساد في الدين و الفعل السيئ و إن فيهم لمن لم يسلم حتى رضخ له على الإسلام رضيخة فهؤلاء قادة القوم و من تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل من ذكرت منهم بل هو شر منهم هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الفساد و الكبر و الفجور وبالجبرية و الفساد في الأرض و اتبعوا الهوى و حكموا بغير الحق و لأنتم على ما كان فيكم من تواكل و تخاذل خير منهم و أهدى سبيلا فيكم العلماء و الفقهاء و النجباء والحكماء و حملة الكتاب و المتهجدون بالأسحار و عمار المساجد بتلاوة القرآن أ فلا تسخطون و تهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم و الأشرار الأرذال منكم
فاسمعوا قولي هداكم الله إذا قلت و أطيعوا أمري إذا أمرت فو الله لئن أطعتموني لا تغوون و إن عصيتموني لا ترشدون خذوا للحرب أهبتها و أعدوا لها عدتها و أجمعوا إليها فقد شبت و أوقدت نارها و علا شنارها و تجرد لكم فيها الفاسقون كي يعذبوا عباد الله و يطفئوا نور الله ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع و الجفاء و الكبر بأولى بالجد في غيهم وضلالهم و باطلهم من أولياء الله من أهل البر و الزهادة و الإخبات بالجد في حقهم و طاعة ربهم و مناصحة إمامهم إني و الله لو لقيتهم فردا و هم ملء الأرض ما باليت و لا استوحشت و إني من ضلالتهم التي هم فيها و الهدى الذي نحن عليه لعلى ثقة و بينة و يقين وصبر و إني إلى لقاء ربي لمشتاق و لحسن ثواب ربي لمنتظر و لكن أسفا يعتريني و حزنا يخامرني من أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها و فجارها فيتخذوا مال الله دولا و عباد الله خولا و الصالحين حربا و الفاسقين حزبا و ايم الله لو لا ذلك ما أكثرت تأنيبكم تأليبكم وتحريضكم ولتركتكم إذ ونيتم و أبيتم حتى ألقاهم بنفسي متى حم لي لقاؤهم فو الله إني لعلى
الحق و إني للشهادة لمحب ف انفروا خفافا و ثقالا و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف و تبوءوا بالذل و يكن نصيبكم الأخسر إن أخا الحرب اليقظان الأرق و من نام لم ينم عنه و من ضعف أودى و من ترك الجهاد في الله كان كالمغبون المهين اللهم اجمعنا و إياهم على الهدى و زهدنا و إياهم في الدنيا و اجعل الآخرة خيرا لنا و لهم من الأولى و السلام».
قصة مرج مرينا
عن بكر بن عيسى قال لما قتل محمد بن أبي بكر و ظهر معاوية على مصر قوي أمره و كثرت أمواله و ازداد أصحاب علي ع تفرقا عليه و كراهية للقتال و كان عامل مصر قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه عزله علي و بعث الأشتر رحمه الله إليها وقد كان له قبل أن يشخصه إلى مصر غارات بالجزيرة و ذلك أن معاوية بعث الضحاك بن قيس على ما في سلطانه من أرض الجزيرة و كان في يديه حران و الرقة و الرها و قرقيسيا و كان من كان بالكوفة والبصرة من العثمانية قد هربوا فنزلوا بالجزيرة في سلطان معاوية فبلغ الأشتر فسار يريد الضحاك بحران فلما بلغ ذلك الضحاك بعث إلى أهل الرقة و استمدهم فأمدوه و كان جل من بها
عثمانية أتوها هرابا من علي ع فجاءوا و عليهم سماك بن مخزمة الأسدي فأمره أهل الرقة فعسكروا جميعا بمرج مرينا بين حران و الرقة و أقبل الأشتر إليهم فاقتتلوا قتالا شديدا و بنو أسد يومئذ يقاتلون بنية و بصيرة و فشت فيهم الجراحات حتى كان عند المساء و أسرع الأشتر فيهم فلما حجز بينهم الليل سار الضحاك من ليلته حتى نزل حران فلما أصبح الأشتر تبعهم فنزل عليهم فحاصرهم بحران فأتى الصريخ معاوية فدعا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأمره بالمسير إليهم فلما بلغ ذلك الأشتر كتب كتائبه و عباً
جنوده و خيله ثم ناداهم: ألا إن الحي عزيز ألا إن الذمار منيع ألا تنزلوا أيها الثعالب الرواغة الجحر الجحر يا معاشر الضباب فنادوا: يا عباد الله أقيموا قليلا علمتم و الله أن قد أتيتم ثم مضى حتى مر بالرقة فتحصنوا منه ثم مضى حتى مر على أهل قرقيسياء فتحصنوا و انصرف فبلغ عبد الرحمن بن خالد منصرفه فأقام فلما كان بعد ذلك كاتب أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي معاوية فذكر بلاء قومه يوم مرج مرينا فقال في ذلك:
من مبلغ عني ابن حرب رسالة *** من عاتبين مساعر أنجاد
منيتهم إن أثروك مثوبة *** فرشدت إذ لم توف بالميعاد
أنسيت إذ في كل يوم غارة *** في كل ناحية لرجل جراد
لما رأى نيران قومي أوقدت *** و أبو أنيس فاتر الإيقاد
أمضى إلينا خيله و رجاله *** و أغذ لا يجري لأمر رشاد
ثرنا إليهم عند ذلك بالقنا *** و بكل أبيض كالعقيقة صاد
في مرج مرينا ألم تسمع بنا *** نبغي الإمام به وفيه نعادي
لو لا مقام عشيرتي و طعانهم *** و جلادهم بالمرج أي جلاد
لأتاك أشتر مذحج لا يتثني *** بالجيش ذا حنق عليك و آد
عن سليم: لما قتل محمد بن أبي بكر أتيت علياع فعزيته و حدثته بحديث حدثنيه محمد بن أبي بكر فقال علي (علیه السّلام): «صدق محمد رحمه الله إنه حي يرزق».
قتل محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس
حدثنا علي بن محمد بن أبي سيف أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أصيب لما فتح عمرو بن العاص مصر فبعث به إلى معاوية بن أبي
سفيان و هو يومئذ بفلسطين فحبسه معاوية في سجن له فمكث فيه غير كثير ثم إنه هرب و كان ابن خال معاوية فأرى معاوية الناس أنه كره انفلاته من السجن فقال لأهل الشام: من يطلبه؟ و قد كان معاوية فيما يرون يحب أن ينجو فقال رجل
من خثعم يقال له عبيد الله بن عمرو بن ظلام و كان شجاعا و كان عثمانيا: أنا أطلبه فخرج في خيله فلحقه بحوارين و قد دخل في غار هناك فجاءت حمر تدخله و قد أصابها المطر فلما رأت الرجل في الغار فزعت منه فنفرت فقال حمارون كانوا قريبا من الغار: و الله إن لنفر هذه الحمر من الغار لشأنا ما نفرها من هذا الغار إلا أمر
فذهبوا ينظرون فإذا هم به فخرجوا فوافاهم عبيد الله بن عمرو بن ظلام فسألهم عنه و وصفه لهم فقالوا له: ها هو ذا في الغار فجاء حتى استخرجه و كره أن يحمله إلى معاوية فيخلي سبيله فضرب عنقه رحمه الله تعالى.
خبر بني ناجية
فقال: «صنفهم ثلاثة أصناف و قال: أما المسلمون فخذ منهم البيعة و خل سبيلهم و أما النصارى فخذ منهم الجزية و خل سبيلهم و سبيل عيالاتهم و أما المرتدون فأغر بهم و بعيالاتهم وأموالهم ثم ادعهم إلى الإسلام ثلاث مرات فإن أجابوك و
إلا فاقتل مقاتليهم و اسب ذراريهم» فلم يجيبوه فقتل مقاتليهم و سبی ذراريهم فاشتراهم مصقلة بخمسمائة ألف وأعتقهم و لحق بمعاوية فقال أصحابه: يا أمير المؤمنين فيئنا قال: «إنه قد صار على غريم من الغرماء فاطلبوه».
قال لما بايع أهل البصرة علياع بعد الهزيمة دخلوا في الطاعة غير بني ناجية فإنهم عسكروا فبعث إليهم علي (علیه السّلام) رجلا من أصحابه في خيل ليقاتلهم فأتاهم فقال: ما بالكم عسكرتم ؟ و قد دخل الناس في الطاعة غيركم فافترقوا ثلاث فرق فرقة قالوا: کنا نصارى فأسلمنا و دخلنا فيما دخل فيه الناس من الفتنة و نحن نبايع كما بايع الناس فأمرهم فاعتزلوا فرقة قالوا: كنا نصارى و لم نسلم فخرجنا مع القوم الذين كانوا خرجوا قهرونا فأخرجونا كرها فخرجنا معهم فهزموا فنحن ندخل فيما دخل
محبت بن شهر بن شهر
فيه الناس و نعطيكم الجزية كما أعطيناهم فقال لهم: اعتزلوا و فرقة قالوا: إنا كنا نصارى فأسلمنا فلم يعجبنا الإسلام فرجعنا إلى النصرانية فنحن نعطيكم الجزية كما أعطاكم النصارى فقال لهم: توبوا و ارجعوا إلى الإسلام فأبوا فقتل مقاتليهم و سبى ذراريهم فقدم بهم على علي (علیه السّلام).
و روی محمد بن عبد الله بن عثمان عن أبي سيف عن الحارث بن كعب الأزدي عن عمه عبد الله بن قعين الأزدي قال: كان الخريت بن راشد قد شهد مع علي (علیه السّلام) صفين فجاء إلى علي (علیه السّلام) في ثلاثين من أصحابه يمشي بينهم حتى قام بين يدي علي (علیه السّلام) فقال له: و الله لا أطيع أمرك و لا أصلي خلفك و إني غدا لمفارق لك قال: و ذاك بعد وقعة صفين و بعد تحكيم الحكمين فقال له علي (علیه السّلام): «ثكلتك أمك إذا تنقض عهدك و تعصي ربك ولا تضر إلا نفسك أخبرني لم
تفعل ذلك؟» قال: لأنك حكمت في الكتاب و ضعفت عن الحق إذ جد الجد و ركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم فأنا عليك راد و عليهم ناقم و لكل جميعا مباين. فقال له علي (علیه السّلام): «ويحك هلم إلي أدارسك و أناظرك في السنن و أفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بها منك فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر و تستبصر ما أنت به الآن عنه عم و به جاهل فقال الخريت: فإني عائد عليك غدا فقال له علي (علیه السّلام) اغد و لا يستهوينك الشيطان و لا يتقحمن بك رأي السوء و لا يستخفنك الجهلاء الذين لا يعلمون فو الله لئن استر شدتني و استنصحتني و و قبلت منى لأهدينك سبيل الرشاد» فخرج الخريت من عنده منصرفا إلى أهله. قال عبد الله بن قعين فعجلت في أثره مسرعا و كان لي من بني عمه صديق فأردت أن ألقى ابن عمه في ذلك فأعلمه بما كان من قوله لأمير المؤمنين و ما رد عليه و آمر ابن عمه ذلك أن يشتد بلسانه عليه و أن يأمره بطاعة أمير المؤمنين و مناصحته و يخبره أن ذلك
خير له في عاجل الدنيا و أجل الآخرة. قال: فخرجت حتى انتهيت إلى منزله و قد سبقني فقمت عند باب
داره و في داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على علي (علیه السّلام) فو الله ما رجع و لا ندم على ما قال لأمير المؤمنين و ما رد عليه ثم قال لهم: يا هؤلاء إني قد رأيت أن أفارق هذا الرجل وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد و لا أراني إلا مفارقه فقال له أكثر أصحابه: لا تفعل حتى تأتيه فإن أتاك بأمر تعرفه قبلت منه و إن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقه فقال لهم: نعم ما رأيتم. قال: ثم عليهم فأذنوا لي فأقبلت على ابن عمه و هو مدرك بن الريان الناجي و كان من كبراء العرب فقلت له إن لك علي حقا لإخائك و ودك و لحق المسلم علی المسلم إن ابن عمك كان منه ما قد ذكر لك فاخل به و اردد عليه رأيه و عظم عليه ما أتى و اعلم أنني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتلك و نفسه و عشيرته فقال: جزاك الله خيرا من أخ إن أراد صاحبي فراق أمير المؤمنين فارقته و خالفته و أنا بعد خال به و مشير عليه بطاعة أمير المؤمنين و مناصحته و الإقامة معه و في ذلك حظه و رشده فقمت من عنده و أردت الرجوع إلى علي (علیه السّلام) لأعلمه
الذي كان ثم اطمأننت إلى قول صاحبي فرجعت إلى منزلي فبت به ثم أصبحت فلما ارتفع النهار أتيت أمير المؤمنين (علیه السّلام) فجلست عنده ساعة و أنا أريد أن أحدثه بالذي كان من قوله لي على خلوة فأطلت الجلوس فلم يزدد الناس إلا كثرة فدنوت منه فجلست وراءه فأصغى إلي برأسه فأخبرته بما سمعت من الخريت و ما قلت لابن عمه و ما رد علي فقال (علیه السّلام): دعه فإن قبل الحق و رجع عرفنا ذلك له و قبلناه منه و إن أبي طلبناه» فقلت: يا أمير المؤمنين فلم لم تأخذه الآن فتستوثق منه؟ فقال: «إنا لو فعلنا هذا لكل من نتهمه من الناس ملأنا السجون منهم و لا
أراني يسعني الوثوب على الناس و الحبس لهم و عقوبتهم حتى يظهروا لنا الخلاف». قال: فسكت عنه و تنحيت فجلست مع أصحابي ثم مكثت ما شاء الله معهم ثم قال لي علي (علیه السّلام): «ادن مني» فدنوت منه ثم قال لي مسرا: «اذهب إلى منزل الرجل فأعلم لي ما فعل فإنه قل يوم لم يكن يأتيني فيه إلا قبل هذه الساعة» قال: فأتيت منزله فإذا ليس في منزله منهم
ديار فدرت على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة أخرى من أصحابه فإذا ليس فيها داع و لا مجيب فأقبلت إلى علي (علیه السّلام) فقال لي حين رآني: «أ أمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا؟» قلت: لا بل ظعنوا قال: «أبعدهم الله كما بعدت ثمود أما و الله لو قد أشرعت لهم الأسنة و صبت على هامهم السيوف لقد ندموا إن الشيطان قد استهواهم فأضلهم و هو غدا متبرئ منهم و مخل عنهم». فقام إليه زياد بن خصفة فقال: يا أمير المؤمنين إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم علينا فنأسى عليهم فإنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا و لقلما ينقصون من عددنا بخروجهم منا و لكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليهم من أهل طاعتك فأذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله. فقال له علي (علیه السّلام): «اخرج في آثارهم راشدا» فلما ذهب ليخرج قال (علیه السّلام) له: «و هل تدري أين توجه «القوم؟» فقال: لا والله ولكني أخرج فأسأل و أتبع الأثر فقال له علي (علیه السّلام): «اخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى ثم لا تبرحه حتى يأتيك أمري فإنهم إن كانوا قد خرجوا ظاهرين بارزين للناس في جماعة فإن عمالي ستكتب إلي
بذلك و إن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم و سأكتب إلى من حولي من عمالي فيهم.» فكتب نسخة واحدة و أخرجها إلى العمال «بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا من العمال أما بعد فإن رجالا لنا عندهم بيعة خرجوا هرابا فنظنهم وجهوا نحو بلاد البصرة فاسأل عنهم أهل بلادك و اجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك ثم اكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم و السلام فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره فجمع أصحابه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر بكر بن وائل فإن أمير المؤمنين ندبني لأمر من أموره مهم له و أمرني بالانكماش فيه بالعشيرة حتى آتي أمره و أنتم شيعته و أنصاره و أوثق حي من أحياء العرب في نفسه فانتدبوا معي في هذه الساعة و عجلوا. قال: فو الله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع إليه منهم مائة رجل و نيف و عشرون أو ثلاثون فقال: اكتفينا لا نريد أكثر من هؤلاء.
قال: فخرج زياد حتى قطع الجسر ثم أتى دير أبي موسى فنزله فأقام به بقية يومه ذلك ينظر أمر أمير المؤمنين (علیه السّلام).
قال: حدثني ابن أبي سيف عن أبي الصلت التيمي عن أبي سعيد عن عبد الله بن وأل التيمي قال إني و الله لعند علي أمير المؤمنين (علیه السّلام) إذ جاءه فيج بكتاب يسعى من قرظة بن كعب بن عمرو الأنصاري و كان أحد عماله فيه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله علي أمير المؤمنين من قرظة بن كعب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد
فإني أخبر أمير المؤمنين أن خيلا مرت بنا من قبل الكوفة متوجهة نحو نفر و أن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد أسلم وصلى يقال له: زادان فروخ أقبل من قبل إخوان له بناحية نفر فلقوه فقالوا له: أ مسلم أنت أم كافر؟ قال: قال: بل مسلم قالوا: ما قولك في علي بن أبي طالب؟ قال قولي فيه خير أقول إنه أمير المؤمنين و وصي رسول الله ص و سيد البشر فقالوا له كفرت يا عدو الله ثم حملت عليه عصابة
منهم فقطعوه بأسيافهم و أخذوا معه رجلا من أهل الذمة يهوديا فقالوا له: ما دينك؟ قال: يهودي فقالوا: خلوا سبيل هذا لا سبيل لكم عليه فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا هذا الخبر و قد سألت عنهم فلم يخبرني عنهم أحد بشيء فليكتب
إلي أمير المؤمنين فيهم برأيه أنتهي إليه و السلام
فكتب إليه علي (علیه السّلام): «أما بعد فقد فهمت كتابك و ما ذكرت من أمر العصابة التي مرت بعملك فقتلت المرء المسلم و أمن عندهم المخالف المشرك و إن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا كالذين حسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ف أسمع بهم وأبصر يوم تختبر أحوالهم فالزم عملك و أقبل على خراجك فإنك كما ذكرت في طاعتك و نصيحتك و السلام قال وكتب علي (علیه السّلام) إلى زياد بن خصفة: «أما بعد فقد كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري وذلك أني لم أكن علمت أين توجه القوم و قد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية من قرى السواد يقال لها نفر فاتبع آثارهم و سل عنهم فإنهم قد قتلوا رجلا مسلما من أهل السواد مصليا فإذا أنت لحقتهم فارددهم إلي فإن أبوا فناجزهم و استعن بالله عليهم فإنهم قد فارقوا الحق و سفكوا الدم الحرام و أخافوا السبيل و السلام» قال عبد الله بن وأل فأخذت الكتاب منه و خرجت من عنده و أنا يومئذ شاب حدث فمضيت به غير بعيد فرجعت إليه فقلت: يا أمير
المؤمنين ألا أمضي مع زياد بن خصفة إلى عدوك إذا دفعت إليه الكتاب؟ فقال: «يا ابن أخي افعل فو الله إني لأرجو أن تكون من أعواني على الحق و أنصاري على القوم الظالمين» فقلت: يا أمير المؤمنين أنا و الله كذلك و من أولئك و أنا و الله حيث تحب قال ابن وأل: فو الله ما أحب أن لي بمقالة علي (علیه السّلام) تلك حمر النعم. قال: ثم مضيت إلى زياد بكتاب علي (علیه السّلام) و أنا على فرس لي رائع كريم و علي
السلاح فقال لي زياد: يا ابن أخي و الله ما لي عنك من غنى و إني لأحب أن تكون معي في وجهي هذا فقلت له: إني قد استأذنت أمير المؤمنين في ذلك فأذن لي فسر بذلك ثم إنا خرجنا حتى أتينا الموضع الذي كانوا فيه فسألنا عنهم فقيل لنا: إنهم قد أخذوا نحو المدائن فلحقناهم و هم نزول بالمدائن و قد أقاموا بها يوما و ليلة و قد
استراحوا و أعلفوا دوابهم فهم جامون مريحون و أتيناهم و قد انقطعنا و لغبنا و نصبنا فلما رأونا وثبوا على خيولهم واستووا عليها و جئنا حتى انتهينا إليهم فواقفناهم فنادانا صاحبهم الخريت بن راشد: يا عميان القلوب و الأبصار أ مع الله أنتم و مع كتابه و سنة نبيه أم مع القوم الظالمين ؟ فقال له زياد بن خصفة: لا بل و الله وكتابه وسنة رسوله و ابن عم رسوله و مع من الله و رسوله و الله نحن مع كتابه آثر عنده من الدنيا ثوابا و لو أنها منذ خلقت إلى يوم تفنى لأثر الله عليها الأبصار و الصم القلوب و الأسماع فقال لنا الخريت: أخبروني ما أيها العمي تريدون فقال له :زیاد و كان مجربا رفيقا قد ترى ما بنا من النصب و اللغوب و الذي جئنا له لا يصلحه الكلام علانية على رءوس أصحابك و لكن انزلوا و ننزل ثم نخلو جميعا فنذاكر أمرنا وننظر فيه فإن رأيت فيما جئنا له حظا لنفسك قبلته و إن رأيت فيما أسمع منك أمرا أرجو فيه العافية لنا و لك لم أردده عليك فقال له الخريت انزل فنزل ثم أقبل إلينا زياد فقال: انزلوا على هذا الماء فأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فنزلنا به فما هو إلا أن نزلنا فتفرقنا ثم تحلقنا عشرة عشرة و تسعة و ثمانية و سبعة يضعون طعامهم بين أيديهم
فيأكلون ثم يقومون إلى ذلك الماء فيشربون فقال لنا زياد: علقوا على خيولكم فعلقنا عليها مخاليها و وقف زياد في خمسة فوارس أحدهم عبد الله بن وأل
فوقف بيننا و بين القوم فانطلق القوم فتنحوا ناحية فنزلوا و أقبل إلينا زياد فلما رأى تفرقنا و تحلقنا قال سبحان الله أنتم أصحاب حرب و الله لو أن هؤلاء القوم جاء وكم الساعة على هذه الحال ما أرادوا من غرتكم أفضل من حالكم التي أنتم عليها عجلوا قوموا إلى خيولكم فأسرعنا و تحشحشنا فمنا من يتوضأ و منا من يشرب و منا من يسقي فرسه حتى إذا فرغنا من ذلك كله أتينا زيادا و إذا في يده عرق ينهش فنهشه نهشتين أو ثلاثا ثم أتى بإداوة فيها ماء فشرب ثم ألقى العرق من يده ثم قال: يا هؤلاء إنا قد لقينا العدو و إن القوم لفي عدتكم و لقد حزرتكم و إياهم فما أظن أحد الفريقين يزيد على الآخر خمسة نفر و و الله إني ما أرى أمركم و أمرهم إلا يصير إلى القتال فإن كان ذلك فلا تكونوا أعجز الفريقين
قال: ثم قال لنا: ليأخذ كل رجل منكم بعنان فرسه حتى أدنو منهم و أدعو إلي فأكلمه فإن تابعني على ما أريد و إلا فإذا دعوتكم فاستووا على متون خيلكم ثم أقبلوا إلي معا غير متفرقين فاستقدم أمامنا و أنا معه فسمعت رجلا من القوم يقول: جاءكم القوم و هم كالون معيون و أنتم جامون مريحون فتركتموهم حتى نزلوا أكلوا وشربوا و أراحوا دوابهم هذا و الله سوء الرأي و دعا زياد بن خصفة صاحبهم الخريت فقال له: اعتزل فلننظر في أمرنا فأقبل إليه في خمسة نفر فقلت لزياد: أدعو لك ثلاثة نفر من أصحابنا حتى نلقاهم في عددهم فقال: ادع من أحببت منهم فدعوت له ثلاثة فكنا خمسة و هم خمسة فقال له زياد ما الذي نقمت على أمير المؤمنين و علينا إذ فارقتنا؟ فقال له الخريت: لم أرض بصاحبكم إماما و لم أرض بسيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل و أكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس فإذا اجتمع الناس على رجل هو لجميع الأمة رضى كنت مع الناس فقال له زياد ويحك و هل يجتمع الناس على رجل منهم يداني عليا
صاحبك الذي فارقته علما بالله و بكتابه و سنة رسوله مع قرابته منه ص و سابقته في الإسلام؟ فقال له الخريت: ذلك ما أقول لك فقال له زياد: ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم ؟ فقال له الخريت: ما أنا قتلته إنما قتلته طائفة من أصحابي فقال له زياد فادفعهم إلي فقال له الخريت ما إلى ذلك سبيل فقال له زياد و كذلك أنت فاعل قال: هو ما تسمع.
قال: فدعونا أصحابنا و دعا الخريت أصحابه ثم اقتتلنا فو الله ما رأيت قتالا مثله منذ خلقني الله لقد تطاعنا بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت و عقرت عامة خيلنا و خيلهم وكثرت الجراح فيما بيننا و بينهم و قتل منا رجلان مولى لزياد كانت معه رأيته يدعى سويدا و رجل من الأبناء يدعى واقد بن بكر و صرعنا منهم خمسة نفر و حال الليل بيننا و بينهم و قد و الله كرهونا و کرهناهم و هرونا و هررناهم و قد جرح زیاد و جرحت ثم إنا بتنا في جانب و تنحوا فمكثوا ساعة من الليل ثم إنهم مضوا و ذهبوا فأصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا فو الله ما كرهنا ذلك فمضينا حتى أتينا البصرة و بلغنا أنهم أتوا الأهواز فنزلوا في جانب منها فتلاحق بهم ناس من أصحابهم نحو مائتين كانوا معهم بالكوفة و لم يكن معهم من القوة ما ينهضهم معهم حتى نهضوا فاتبعوهم من بعد فلحقوهم بأرض الأهواز فأقاموا معهم. قال: وكتب زياد بن خصفة إلى علي (علیه السّلام): أما بعد فإنا لقينا عدو الله الناجي و أصحابه بالمدائن فدعوناهم إلى الهدى و الحق و كلمة السواء فتولوا عن الحق فأخذتهم العزة بالإثم و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فقصدونا وصمدنا لهم فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم بين قائم الظهيرة إلى أن دلكت الشمس و استشهد منا
رجلان صالحان و أصيب منهم خمسة نفر و خلوا لنا المعركة و قد فشت فينا و فيهم الجراح ثم إن القوم لما ألبسهم الليل خرجوا من تحته متنكرين إلى أرض الأهواز و قد بلغني أنهم نزلوا منها جانبا و نحن بالبصرة نداوي جراحنا و ننتظر أمرك رحمك الله و السلام. قال: فلما أتيته بكتابه قرأه على الناس فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أصلحك الله يا أمير المؤمنين إنما كان ينبغي أن يكون مكان كل رجل من هؤلاء الذين بعثتهم في طلبهم عشرة من المسلمين فإذا لحقوهم استأصلوا شأفتهم وقطعوا دابرهم فأما أن يلقاهم أعدادهم فلعمري ليصبرن لهم فإنهم قوم عرب و العدة تصبر للعدة وتنتصف منها فيقاتلون كل القتال.
فقال له علي (علیه السّلام): «تجهز يا معقل إليهم و ندب معه ألفين من أهل الكوفة فيهم يزيد بن المغفل و كتب إلى عبد الله بن العباس بالبصرة: «أما بعد فابعث رجلا من قبلك صليبا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي رجل من أهل البصرة فليتبع معقل بن قيس فإذا خرج من أرض البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا فإذا لقيه فمعقل أمير الفريقين فليسمع منه و ليطعه و لا يخالفه و مر زياد بن خصفة فليقبل إلينا فنعم المرء زياد و نعم القبيل قبيله و السلام» قال: و كتب علي (علیه السّلام) إلى زياد بن خصفة: «أما بعد فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت به الناجي و أصحابه الذين طبع الله على قلوبهم و زين لهم الشيطان أعمالهم فهم حيارى عمون و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا و وصفت ما بلغ بك و بهم الأمر فأما أنت و أصحابك فلله سعيكم وعليه جزاؤكم و أيسر ثواب الله للمؤمن خير له من الدنيا التي يقبل الجاهلون بأنفسهم عليها ف ما عندكم ينفد و ما عند الله باق و لنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون و أما
عدوكم الذين لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من الهدى و ارتكاسهم في الضلال و الحق و جماحهم في التيه فذرهم و ما يفترون و دعهم في طغيانهم يعمهون أسمع بهم وأبصر فكأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل فأقبل إلينا أنت و أصحابك مأجورين فقد أطعتم و سمعتم و أحسنتم البلاء و السلام». قال: ونزل الناجي جانبا من الأهواز و اجتمع إليه علوج من أهلها كثير ممن أراد كسر الخراج و من اللصوص وطائفة أخرى من الأعراب ترى رأيه عن عبد الله بن قعين قال: كنت أنا و أخي كعب بن قعين في ذلك الجيش مع معقل بن قيس فلما أراد الخروج أتى عليا (علیه السّلام) فودعه فقال له علي (علیه السّلام): «يا معقل اتق الله ما استطعت فإنها وصية الله للمؤمنين لا تبغ على أهل القبلة و لا تظلم أهل الذمة و لا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين فقال معقل: الله المستعان فقال: «خير مستعان» ثم قام فخرج و خرجنا معه حتى نزل الأهواز فأقمنا ننتظر أهل البصرة فأبطئوا علينا فقام معقل فقال: يا أيها الناس إنا قد انتظرنا أهل البصرة و قد أبطئوا علينا و ليس بنا بحمد الله قلة و لا وحشة إلى الناس فسيروا بنا إلى
هذا العدو القليل الذليل فإني أرجو أن ينصركم الله و أن يهلكهم فقام إليه أخي كعب بن قعين فقال: أصبت إن شاء الله رأينا رأيك و إني لأرجو أن ينصرنا الله عليهم و إن كانت الأخرى فإن في الموت على الحق لتعزية عن الدنيا فقال: سيروا على بركة الله فسرنا فو الله ما زال معقل بن قيس لي مكرما موادا ما يعدل بين أحد من الجند. قال: و لا يزال يقول لأخي كيف قلت إن في الموت على الحق لتعزية عن الدنيا صدقت و الله و أحسنت و وفقت وفقك الله قال فو الله ما سرنا يوما و إذا بفيج يشتد بصحيفة في يده من عبد الله بن عباس إلى معقل بن قيس: أما بعد فإن أدركك رسولي بالمكان الذي كنت مقيما به أو أدركك و قد شخصت منه فلا
تبرحن من المكان الذي ينتهي إليك رسولي فيه حتى يقدم عليك بعثنا الذي وجهناه إليك فقد وجهنا إليك خالد بن معدان الطائي و هو من أهل الدين و الصلاح و البأس و النجدة فاسمع منه و اعرف ذلك له إن شاء الله و السلام. قال: فقرأ معقل بن قيس كتابه على أصحابه فسروا به و حمدوا الله و قد كان ذلك الوجه هالهم. قال: فأقمنا حتى قدم الطائي علينا و جاءنا حتى دخل على صاحبنا فسلم
عليه بالإمرة واجتمعا جميعا في عسكر واحد ثم خرجنا إلى الناجي و أصحابه فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامهرمز يريدون قلعة بها حصينة وجاءنا أهل البلد فأخبرونا بذلك فخرجنا في آثارهم نتبعهم فلحقناهم و قد دنوا من الجبل فصففنا لهم ثم أقبلنا نحوهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن المغفل الأزدي و على ميسرته منجاب بن راشد الضبي من بني السيد من أهل البصرة فوقف الخريت بن راشد الناجي فيمن معه من العرب فكانوا ميمنة و جعل أهل البلد و العلوج و من أراد كسر الخراج و جماعة من الأكراد ميسرة. قال: و سار فينا معقل يحرضنا و يقول لنا : يا عباد الله لا تبدئوا القوم و غضوا الأبصار و أقلوا الكلام و وطنوا أنفسكم على الطعن و الضرب و أبشروا في قتالهم بالأجر العظيم إنما تقاتلون مارقة مرقت و علوجا منعوا الخراج و لصوصا و أكرادا انظروني فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد قال فمر في الصف كله يقول لهم هذه المقالة حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل فوقف وسط الصف في القلب و نظرنا إليه ما يصنع فحرك رايته
تحريكتين ثم حمل في الثالثة و حملنا معه جميعا فو الله ما صبروا لنا ساعة واحدة حتى ولوا و انهزموا وقتلنا سبعين عربيا من بني ناجية و من بعض من اتبعه من العرب وقتلنا نحو ثلاثمائة من العلوج و الأكراد قال كعب بن قعين: و نظرت
فيمن قتل من العرب فإذا صديقي مدرك بن الريان قتيلا و خرج الخريت منهزما حتى لحق بسيف من أسياف البحر و بها جماعة من قومه كثير فما زال يسير فيهم و يدعوهم إلى خلاف علي (علیه السّلام) و يزين لهم فراقه و يخبرهم أن الهدى في فراقه و حربه و مخالفته حتى اتبعه منهم ناس كثير و أقام معقل بن قيس بأرض الأهواز و كتب إلى علي (علیه السّلام) معي بالفتح و كنت أنا الذي قدم بالكتاب عليه و كان في الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله علي أمير المؤمنين من معقل بن قيس سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنا لقينا المارقين و قد استظهروا علينا بالمشركين فقتلنا منهم ناسا كثيرا و لم نتعد فيهم سيرتك فلم نقتل منهم مدبرا و لا أسيرا و لم نذفف منهم على جريح و قد نصرك الله و المسلمين و الحمد لله رب العالمين و السلام قال: فقدمت بالكتاب فقرأه أمير المؤمنين على أصحابه و استشارهم في الرأي فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد فقالوا: يا أمير المؤمنين نرى أن تكتب إلى معقل بن قيس أن يتبع آثارهم و لا يزال في يزال في طلبهم حتى يقتلهم
أو ينفيهم من أرض الإسلام فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس قال: فردني إليه و كتب معي: «أما بعد فالحمد لله على تأييد أوليائه و خذلان أعدائه جزاك الله و المسلمين خيرا فقد أحسنتم البلاء و قضيتم ما عليكم وسل عن أخي بني ناجية فإن بلغك أنه قد استقر ببلد من بلاد المسلمين فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه فإنه لن يزال للمسلمين عدوا و للقاسطين وليا ما بقي و السلام». قال: فسأل معقل عن مسيره و المكان الذي انتهى إليه فنبئ بمكانه بالأسياف أسياف فارس و أنه قد رد قومه عن طاعة علي و أفسد من قبله من عبد القيس و من والاهم من سائر العرب و كان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين و منعوها في ذلك العام أيضا فسار إليهم
معقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة و أهل البصرة فأخذوا على أرض فارس حتى انتهوا إلى أسياف البحر فلما سمع الخريت بن راشد بمسيره أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأي الخوارج فأسر إليهم أني أرى رأيكم فإن عليا لم ينبغ له أن يحكم الرجال في أمر الله قال للآخرين من أصحابه مسرا إليهم: إن عليا قد حكم حكما ورضي به فخلعه حكمه الذي ارتضاه لنفسه فقد رضيت أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة و قال مسرا لمن يرى رأي عثمان: أنا و الله على رأيكم و قد قتل عثمان مظلوما معقولا و قال لمن منع الصدقة: شدوا
أيديكم على صدقاتكم ثم صلوا بها أرحامكم و عودوا بها إن شئتم على فقرائكم فأرضى كل صنف منهم بضرب من القول وأراهم أنه على رأيهم. قال: و كان فيهم نصارى كثير و قد كانوا أسلموا فلما اختلف الناس بينهم قالوا: و الله لديننا الذي خرجنا منه خير و أهدى من دين هؤلاء الذين لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء و إخافة السبل فرجعوا إلى دينهم. فلقي الخريت أولئك فقال: ويحكم إنه لا ينجيكم من القتل إلا الصبر لهؤلاء القوم و قتالهم أ تدرون ما حكم علي فيمن أسلم من النصارى ثم رجع إلى دينه إنه لا و الله لا له قولا و لا يقبل له توبة و لا يدعوه إليها و إن حكمه فيه لضرب عنقه ساعة يستمكن منه فما زال حتى جمعهم و خدعهم و جاءه من كان من بني ناجية في تلك الناحية و من غيرهم فاجتمع إليه ناس كثير. قال: وحدثني ابن أبي سيف عن الحارث بن كعب عن أبي الصديق الناجي قال ففعل هذا الخريت بالناس وجمعهم بالخديعة و المكر و كان منكرا داهيا فلما رجع معقل قرأ على أصحابه كتابا من علي (علیه السّلام) فيه-: «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ
عليه كتابي هذا من المسلمين و المؤمنين والمارقين و النصارى و المرتدين سلام على من اتبع الهدى و آمن بالله و رسوله و كتابه و البعث بعد الموت وافيا بعهد الله و لم يكن من الخائنين أما بعد فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه و أن أعمل فيكم بالحق و بما أمر الله تعالى به في كتابه فمن رجع منكم إلى رحله و كف يده و اعتزل هذا المارق الهالك المحارب الذي حارب الله و و رسوله و المسلمين و سعى في الأرض فسادا فله الأمان على ماله و دمه و من تابعه على حربنا و الخروج من طاعتنا استعنا بالله عليه و جعلنا الله بيننا و بینه و کفی بالله وليا و السلام». قال: فأخرج معقل راية أمان فنصبها و قال من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت و أصحابه الذين نابذوا أول مرة فتفرق عن الخريت كل من كان معه من غير قومه و عبأ معقل بن قيس أصحابه فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل الأزدي و على ميسرته المنجاب بن راشد الضبي ثم زحف بهم نحو الخريت و عامة قومه و قد حضر معه جميع قومه مسلمهم و نصرانیهم و مانعو الصدقة منهم فجعل مسلميهم ميمنة و النصارى و مانعي الصدقة ميسرة. قال: و جعل الخريت يومئذ يقول لقومه : امنعوا اليوم حريمكم وقاتلوا عن نسائكم و أولادكم فو الله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم و ليسلبنكم فقال له رجل من قومه : هذا و الله ما جرته علينا يدك و لسانك فقال لهم: قاتلوا فقد سبق السيف العذل
قال و حدثنا ابن أبي سيف عن الحارث بن كعب عن عبد الله بن قعين قال: سار فينا معقل يحرض الناس فيما بين الميمنة و الميسرة و يقول: أيها الناس ما تدرون أفضل مما سيق إليكم في هذا الموقف من الأجر العظيم إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة و ارتدوا عن الإسلام ونكثوا البيعة ظلما وعدوانا إني شهيد لمن قتل منكم بالجنة و لمن عاش بأن الله يقر عينه بالفتح و الغنيمة ففعل ذلك حتى مر
بالناس أجمعين ثم إنه وقف في القلب برايته و بعث إلى يزيد بن المغفل و هو في الميمنة أن احمل عليهم فحمل فثبتوا له فقاتلوا قتالا شديدا ثم إنه انصرف حتى وقف موقفه الذي كان فيه من الميمنة ثم بعث إلى المنجاب بن راشد الضبي و هو في الميسرة أن احمل عليهم فحمل فثبتوا له فقاتلوا قتالا شديدا طويلا ثم إنه رجع حتى وقف موقفه الذي كان فيه من الميسرة ثم إن معقلا بعث
إلى ميمنته و ميسرته إذا حملت فاحملوا جميعا فحرك دابته و ضربها ثم حمل و حمل أصحابه جميعا فصبروا لهم ساعة. ثم إن النعمان بن صهبان الراسبي بصر بالخريت فحمل عليه فضربه فصرعه عن فرسه ثم إنه نزل إليه وقد جرحه فأثخنه فاختلف بينهما ضربات فقتله النعمان بن صهبان و قتل معه في المعركة سبعون و مائة و ذهب الباقون في الأرض يمينا وشمالا و بعث معقل الخيل إلى رحالهم فسبى من أدرك منهم فسبى رجالا ونساء وصبيانا ثم نظر فيهم فمن كان مسلما فخلاه و أخذ بيعته و خلى سبيل عياله و من كان ارتد عن الإسلام فعرض عليه الرجوع إلى الإسلام و إلا القتل فأسلموا فخلى سبيلهم و سبيل عيالاتهم إلا شيخا منهم نصرانيا يقال له الرماجس ابن منصور فإنه قال والله ما زللت مذ عقلت إلا
في خروجي من ديني دين الصدق إلى دينكم دين السوء لا و الله لا أدع الله لا أدع ديني و لا أقرب دينكم ما حييت فقدمه معقل بن قيس فضرب عنقه و جمع الناس فقال: أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من المسلمين عقالين و عمد إلى النصارى و عيالاتهم فاحتملهم معه مقبلا بهم و أقبل المسلمون الذين كانوا معهم يشيعونهم فأمر معقل بردهم فلما ذهبوا لينصرفوا تصايحوا و دعا الرجال و النساء بعضهم إلى بعض.
قال: فلقد رحمتهم رحمة ما رحمتها أحدا قبلهم ولا بعدهم. قال: و كتب معقل إلى علي ع: أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده و عن عدوه إنا دفعنا إلى عدونا بالأسياف فوجدنا بها قبائل ذات عدة وحدة و جد و قد جمعوا لنا فدعوناهم إلى الطاعة و الجماعة و إلى حكم الكتاب و السنة و قرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين و رفعنا لهم راية أمان فمالت إلينا منهم طائفة و ثبتت طائفة أخرى فقبلنا من التي أقبلت وصمدنا إلى التي أدبرت فضرب الله وجوههم و نصرنا عليهم فأما من كان مسلما فإنا مننا عليه و أخذنا بيعته لأمير المؤمنين و أخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم و أما من ارتد فإنا عرضنا عليهم الرجوع إلى الإسلام و إلا قتلناهم فرجعوا إلى الإسلام غير رجل واحد فقتلناه و أما النصارى فإنا سبيناهم و أقبلنا ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة لكي لا يمنعوا الجزية و لكي لا يجترئوا على قتال أهل القبلة و إنهم للصغار و الذلة أهل رحمك الله يا أمير المؤمنين و أوجب لك جنات النعيم و السلام ثم أقبل بالأسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني و هو عامل لعلي (علیه السّلام) على أردشيرخرة و هم خمسمائة إنسان فبكى إليه النساء
و الصبيان وصاح الرجال يا أبا الفضل يا حامل الثقل و مأوى الضعيف و فكاك العناة امنن علينا فاشترنا و أعتقنا فقال مصقلة: أقسم بالله لأتصدقن عليهم إن الله يجزي المتصدقين فبلغ قوله معقلا فقال: والله لو أني أعلم أنه قالها توجعا لهم و وجدا و إزراء عليكم لضربت عنقه و لو كان في ذلك فناء بني تميم و بكر بن وائل. ثم إن مصقلة بن هبيرة بعث ذهل بن الحارث الذهلي إلى معقل فقال: يبيعني نصارى بني ناجية فقال: نعم أبيعكم بألف ألف درهم فأبى عليه فلم يزل يراوده حتى باعه إياهم بخمسمائة ألف درهم و دفعهم إليه و قال له: عجل بالمال إلى أمير
المؤمنين فقال مصقلة: أنا باعث الآن بصدر منه ثم أبعث بصدر آخر ثم كذلك حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله. قال: و أقبل معقل إلى علي (علیه السّلام) فأخبره بما كان منه في ذلك فقال له علي (علیه السّلام): «أحسنت و أصبت و وفقت.»
قال و انتظر علي (علیه السّلام) مصقلة أن يبعث إليه بالمال فأبطأ به فبلغ عليا (علیه السّلام) أن مصقلة خلى سبيل الأسارى و لم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء فقال: «ما أرى مصقلة إلا قد حمل حمالة لا أراكم إلا سترونه عن قريب مبلدحا» ثم كتب إليه: «أما بعد فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة و أعظم الغش على أهل المصر غش الإمام و عندك من حق المسلمين خمسمائة ألف درهم فابعث إلي بها حين يأتيك رسولي و إلا فأقبل إلي حين تنظر في كتابي فإني قد تقدمت إلى رسولي ألا يدعك ساعة واحدة تقيم بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال و السلام قال: و كان الرسول أبا حرة الحنفي فقال له أبو حرة إن تبعث بهذا المال و إلا فاشخص إلى أمير المؤمنين فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل بالبصرة و كان العمال يحملون المال من كور البصرة إلى ابن عباس فيكون ابن عباس هو الذي يبعث به إلى أمير المؤمنين (علیه السّلام) فقال له: نعم أنظرني أياما ثم أقبل من البصرة حتى أتى عليا (علیه السّلام) بالكوفة فأقره علي (علیه السّلام) أياما لم يذكر له شيئا ثم سأله المال فأدى إليه مائتي ألف
درهم و عجز عن الباقي و لم يقدر عليه. قال: حدثني ابن أبي سيف عن أبي الصلت عن ذهل بن الحارث قال: دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاء فطعمنا منه ثم قال: و الله إن أمير المؤمنين يسألني هذا المال و و الله لا أقدر عليه فقلت له: لو شئت لا يمضي عليك جمعة حتى تجمع هذا المال فقال: والله ما كنت لأحملها قومي و لا أطلب فيها إلى أحد ثم قال: أما و الله لو أن ابن هند يطالبني بها أو ابن عفان لتركها لي ألم تر إلى ابن عفان حيث أطعم الأشعث بن قيس مائة ألف درهم
من خراج آذربيجان في كل سنة فقلت: إن هذا لا يرى ذلك الرأي و ما هو بتارك لك شيئا فسكت ساعة و سكت عنه فما مكث ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية فبلغ ذلك عليا (علیه السّلام) فقال: ما له؟ ترحه الله فعل فعل السيد و فر فرار العبيد و خان خيانة الفاجر أما إنه لو أقام فعجز ما زدنا على حبسه فإن وجدنا له شيئا أخذناه و إن لم نقدر له على مال تركناه ثم سار إلى داره فهدمها.
و كان أخوه نعيم بن هبيرة الشيباني شيعيا و لعلي ع مناصحا فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب يقال له حلوان أما بعد فإني كلمت معاوية فيك فوعدك الكرامة و مناك الإمارة فأقبل ساعة تلقى رسولي إن شاء الله و السلام فلما وصل الكوفة علم به علي (علیه السّلام) فأخذ النصراني فقطع يده فمات فكتب نعيم إلى أخيه مصقلة جواب كتابه شعرا-:
لا ترميني هداك الله معترضا *** بالظن منك فما بالي و حلوانا
ذاك الحريص على ما نال من طمع *** و هو البعيد فلا يورثك أحزانا
ما ذا أردت إلى إرساله سفها *** ترجو سقاط امرئ لم يلف وسنانا
عرضته لعلي إنه أسد *** يمشي العرضنة من آساد خفانا
قد كنت في منظر عن ذا و مستمع *** تحمي العراق و تدعى خیر شیبانا
حتى تقحمت أمرا كنت تكرهه *** للراكبين له سرا و علانا
لو كنت أديت مال الله مصطبرا *** للحق أحييت أحيانا وموتانا
لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا *** فضل ابن هند و ذاك الرأي أشجانا
فاليوم تقرع سن العجز من ندم *** ما ذا تقول وقد كان الذي كانا
أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة *** لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا.
فلما وقع الكتاب إليه علم أن النصراني قد هلك و لم يلبث التغلبيون إلا قليلا حتى بلغهم هلاك صاحبهم فأتوا فقالوا: أنت أهلكت صاحبنا فإما أن تحييه و إما أن تديه فقال: أما أن أحييه فلا أستطيع و أما أن أديه فنعم فوداه. و حدثني ابن أبي يوسف عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال: قيل لعلي (علیه السّلام) حين هرب مصقلة: اردد الذين سبوا و لم تستوف أثمانهم في الرق فقال: «ليس ذلك في القضاء بحق قد عتقوا إذ أعتقهم الذي اشتراهم.» وصار مالي دينا على الذي اشتراهم و بلغني أن ظبيان بن عمارة أحد بني سعد بن زيد مناة قال في بني ناجية شعرا:
هلا صبرت للقراع ناجيا *** و المرهفات تختلي الهواديا
و الطعن في نحوركم تواليا *** و صائبات الأسهم القواضيا.
و بلغني من حديث عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال: لما بلغ عليا (علیه السّلام) مصاب بني ناجية وقتل صاحبهم قال: «هوت أمه ما كان أنقص عقله و أجرأه على ربه فإنه جاءني مرة فقال لي: إن في أصحابك رجالا قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم فقلت له إني لا أخذ على التهمة و لا أعاقب على الظن و لا أقاتل إلا من خالفني و ناصبني و أظهر لي العداوة ثم لست مقاتله حتى أدعوه و أعذر إليه فإن تاب و رجع إلينا قبلنا منه و إن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا بالله عليه و ناجزناه فكف عني ما شاء الله ثم جاءني مرة أخرى فقال لي: إني خشيت أن يفسد
عليك عبد الله بن وهب و زيد بن حصين الطائي إني سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتهما لم تفارقهما عليهما حتى تقتلهما أو توثقهما فلا يفارقان محبسك أبدا فقلت إني مستشيرك فيهما فما ذا تأمرني به؟ قال: إني آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابهما فعلمت أنه لا ورع له ولا عقل فقلت: و الله ما أظن أن لك ورعا و لا عقلا نافعا و الله كان ينبغي لك أن تعلم أني لا أقتل من لم يقاتلني و لم يظهر لي عداوته و لم يناصبني بالذي كنت أعلمتكه من رأيي
حيث جئتني في المرة الأولى المرة الأولى و وصفت أصحابك عندي و لقد كان ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول لي: اتق الله لم تستحل قتلهم و لم يقتلوا أحدا و لم ينابذوك و لم يخرجوا من طاعتك». قال انقضى خبر بني ناجية.
بسم الله الرحمن الرحيم
خبر عبد الله بن عامر الحضرمي بالبصرة
حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا الحسن بن علي الزعفراني قال إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي عن محمد بن عبد الله بن عثمان عن ابن أبي سيف عن يزيد بن حارثة عن عمرو بن محصن أن معاوية بن أبي سفيان لما أصاب محمد بن أبي بكر بمصر وظهر عليها دعا عبد الله بن عامر
الحضرمي فقال له سر إلى البصرة فإن جل أهلها يرون راينا في عثمان و يعظمون
قتله و قد قتلوا في الطلب بدمه و هم موتورون حنقون لما أصابهم ودوا لو يجدون من يدعوهم و يجمعهم و ينهض بهم في الطلب بدم عثمان و احذر ربيعة و انزل في مضر و تودد الأزد فإن الأزد كلهم جميعا معك إلا قليلا منهم فإنهم إن شاء الله غير مخالفيك و احذر من تقدم عليه فقال له عبد الله بن عامر أنا سهمك في كنانتك و أنا من قد جربت و عدو أهل حربك وظهيرك على قتلة عثمان فوجهني
إليهم متى شئت فقال له اخرج غدا إن شاء الله فودعه و أخذ بيده و خرج من عنده. فلما كان الليل جلس معاوية و أصحابه يتحدثون فقال لهم معاوية: في أي منزل ينزل القمر الليلة ؟ فقالوا: بسعد الذابح فكره معاوية ذلك
و أرسل إليه أن لا تبرح حتى يأتيك رسولي فأقام و رأى معاوية أن يكتب إلى عمرو بن العاص و كان عامله يومئذ على مصر يستطلع رأيه في ذلك فكتب إليه. بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص و قد كان يسمى بأمير المؤمنين بعد صفين و بعد تحكيم الحكمين سلام عليك. أما بعد فإني قد رأيت رأيا هممت بإمضائه و لم يخذلني عنه إلا استطلاع رأيك فإن توافقتني أحمد الله و أمضيه و إن تخالفني فأستجير بالله و أستهديه إني نظرت في أمر أهل البصرة فوجدت عظم أهلها لنا وليا و لعلي و شيعته عدوا و قد أوقع بهم علي الوقعة التي علمت فأحقاد تلك الدماء ثابتة في صدورهم لا تبرح و لا تريم و قد علمت أن قتلنا ابن أبي بكر و وقعتنا بأهل مصر قد أطفأت نيران أصحاب علي الآفاق و رفعت رءوس أشياعنا أينما كانوا من البلاد. و قد بلغ من كان بالبصرة على مثل رأينا من ذلك ما بلغ الناس و ليس أحد ممن يرى رأينا أكثر عددا أضر خلافا على علي من أولئك فقد رأيت أن أبعث إليهم عبد الله بن عامر الحضرمي فينزل في مضر و يتودد الأزد
و يحذر ربيعة و ينعى دم عثمان بن عفان و يذكرهم وقعة علي بهم التي أهلكت صالحي إخوانهم و آبائهم و أبنائهم فقد رجوت عند ذلك أن يفسدوا على علي و شيعته ذلك الفرج من الأرض ومتى يؤتوا من خلفهم و أمامهم يضل سعيهم و يبطل كيدهم فهذا رأيي فما رأيك فلا تحبس رسولي إلا قدر مضي الساعة التي ينتظر فيها جواب كتابي هذا أرشدنا الله و إياك و السلام عليك و رحمة الله و
بركاته. فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية: أما بعد فقد بلغني كتابك فقرأته فهمت رأيك الذي رأيته فعجبت له وقلت إن الذي ألقاه في روعك و جعله في نفسك هو الثائر لابن عفان و الطالب بدمه و إنه لم يك منك و لا منا منذ نهضنا
في هذه الحروب و نادينا أهلها و لا رأى الناس رأيا أضر على عدوك و لا أسر لوليك من هذا الأمر الذي ألهمته فأمض رأيك مسددا فقد وجهت الصليب الأديب الأريب الناصح غير الظنين و السلام فلما جاءه كتاب عمرو دعا ابن الحضرمي و قد كان ظن حين تركه معاوية أياما لا يأمره بالشخوص أن معاوية قد رجع عن إشخاصه إلى ذلك الوجه فقال له: يا ابن الحضرمي سر على بركة الله إلى أهل البصرة فانزل في مضر و احذر ربيعة و تودد الأزد و انع عثمان بن عفان و ذكرهم الوقعة التي أهلكتهم و من لمن سمع و أطاع دنيا لا تفنى و أثرة لا يفقدها حتى يفقدنا أو نفقده فودعه ثم خرج من عنده وقد دفع إليه كتابا و أمره إذا قدم أن يقرأه على الناس. قال عمرو بن محصن و كنت معه حين خرج. قال: فلما خرجنا فسرنا ما شاء الله أن نسير سنح لنا ظبي أعضب عن شمائلنا قال: فنظرت إليه فو الله لرأيت الكراهية في وجهه ثم مضينا حتى نزلنا البصرة في بني تميم فسمع بقدومنا أهل البصرة فجاءنا كل من يرى رأي عثمان بن أهلها عفان فاجتمع إلينا رءوس فحمد الله ابن عامر الحضرمي و أثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإن عثمان إمامكم إمام الهدى قتله علي بن أبي طالب ظلما فطلبتم بدمه و قاتلتم من قتله فجزاكم الله من أهل مصر خيرا وقد أصيب منكم الملأ الأخيار و قد جاءكم بإخوان لكم لهم بأس شديد يتقى و عدد لا يحصى فلقوا عدوكم الذين قتلوكم فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين فرجعوا و قد نالوا ما طلبوا فمالئوهم و ساعدوهم
و تذكروا تأركم تشفوا صدوركم من عدوكم. فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلالي فقال: قبح الله ما جئتنا به و دعوتنا إليه جئتنا و الله بمثل ما جاء به صاحباك طلحة والزبير أتيانا وقد بايعنا عليا (علیه السّلام) واجتمعنا له و كلمتنا واحدة و نحن على سبيل مستقيم فدعوانا إلى الفرقة قاما فينا بزخرف القول حتى ضربنا بعضنا ببعض عدوانا و ظلما فاقتتلنا على ذلك و ايم الله ما سلمنا من عظيم وبال ذلك و نحن الآن مجتمعون على بيعة هذا العبد الصالح الذي قد أقال: العثرة و عفا عن المسيء و أخذ بيعة غائبنا و شاهدنا أ فتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها ثم يضرب بعضنا بعضا ليكون معاوية أميرا و تكون له وزيرا و نعدل بهذا الأمر عن علي ع و الله ليوم من أيام علي ع مع النبي ص خير من بلاء معاوية و آل معاوية لو بقوا فى الدنيا ما الدنيا باقية. فقام عبد الله بن خازم السلمي فقال للضحاك : اسكت فلست بأهل أن تتكلم في أمر العامة ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال: نحن يدك و أنصارك و القول ما قلت: و قد فهمنا ما ذكرت فادعنا إلى أي شيء شئت فقال له الضحاك بن عبد الله: يا ابن السوداء و الله لا يعز من نصرت و لا يذل من خذلت فتشاتما.
و الضحاك هذا هو الذي يقول
يا أيهذا السائلي عن نسبي *** بین ثقيف و هلال منصبي
أمي أسماء وضحاك أبي *** وسيط مني المجد من معتبي.
و هو القائل في بني العباس:
ما ولدت من ناقة لفحل *** بجبل نعلمه و سهل
كستة من بطن أم الفضل *** أكرم بها من كهلة و كهل
عم النبي المصطفى ذي الفضل *** و خاتم الأنباء بعد الرسل.
فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثم التيمي فقال: عباد
الله إنا لم ندعكم إلى الاختلاف و الفرقة و لا نريد أن تقتتلوا و لا نريد أن تتنابذوا و لكنا إنما ندعوكم لجمع كلمتكم و توازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم و أن تلموا شعثكم وتصلحوا ذات بينكم فمهلا مهلا رحمكم الله اسمعوا لهذا الكتاب الذي يقرأ عليكم ففضوا كتاب معاوية و إذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين و المسلمين من أهل البصرة سلام عليكم أما بعد فإن سفك الدماء بغير حلها وقتل النفس التي حرم الله قتلها هلاك موبق و خسران مبين لا يقبل الله ممن سفكها صرفا و لا عدلا و قد رأيتم رحمكم الله آثار ابن عفان و سيرته و حبه للعافية و معدلته و سده للثغور و إعطاءه بالحقوق و إنصافه للمظلوم و حبه الضعيف حتى وثب الواثبون عليه و تظاهر عليه الظالمون فقتلوه مسلما مخرما [محرما] ظمآن صائما لم يسفك فيهم دما و لم يقتل منهم أحدا و لا يطلبونه بضربة سيف و لا سوط و إنما ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه و إلى قتال من قتله فإنا و إياكم على أمر هدى واضح و سبيل مستقيم إنكم إن جامعتمونا طفئت النائرة و اجتمعت الكلمة و استقام أمر هذه الأمة و أقر الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حق فأخذوا بجرائرهم و ما قدمت
أيديهم إن لكم علي أن أعمل فيكم بالكتاب و أن أعطيكم في السنة عطاءين و لا أحتمل فضلا من فيئكم عنكم أبدا فنازعوا إلى ما تدعون إليه رحمكم الله و قد بعثت إليكم رجلا من الناصحين و كان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفان و
عماله و أعوانه على الهدى و الحق جعلنا الله و إياكم ممن يجيب إلى الحق و يعرفه و ينكر الباطل و يجحده و السلام عليكم و رحمة الله. فلما قرئ عليهم الكتاب قال عظماؤهم سمعنا وأطعنا عن أبي منقر الشيباني قال: قال: الأحنف بن قيس لما قرئ عليهم الكتاب أما أنا فلا ناقة لي في هذا و لا جمل و اعتزل أمرهم ذلك. و قال عمرو بن مرحوم من عبد قيس: أيها الناس الزموا طاعتكم
و لا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم واقعة وتصيبكم قارعة و لا تكن لكم بعدها بقية ألا إني قد نصحت لكم و لكن لا تحبون الناصحين حدثنا ثعلبة بن عباد أن الذي كان سدد لمعاوية رأيه في إرسال ابن الحضرمي كتاب كتبه إليه صحار بن عباس العبدي و هو ممن كان يرى رأي عثمان و يخالف قومه في حبهم عليا (علیه السّلام) و نصرتهم إياه. قال: فكتب إلى معاوية أما بعد فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الذين بغوا على إمامهم وقتلوا خليفتهم ظلما و بغيا فقرت بذلك العيون وشفيت بذلك النفوس و ثلجت أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين و لعدوه مفارقين و لكم موالين وبكم راضين فإن رأيت أن تبعث إلينا أميرا طيبا زاكيا ذا عفاف و دين يدعو إلى الطلب بدم عثمان
فعلت فإني لا إخال الناس إلا مجمعين عليك فإن ابن عباس غائب عن الناس و السلام فلما قرأ معاوية كتابه قال: لا عزمت رأيا سوى ما كتب به إلي هذا و كتب إليه جوابه أما بعد فقد قرأت كتابك فعرفت نصيحتك و قبلت مشورتك فرحمك الله وسددك اثبت هداك الله على رأيك الرشيد فكأنك بالرجل الذي سألت قد أتاك و كأنك بالجيش قد أطل عليك فسررت و حییت و قبلت و السلام. قال لما نزل ابن الحضرمي ببني تميم أرسل إلى الرءوس فأتوه فقال لهم أجيبوني إلى الحق و انصروني على هذا الأمر و إن الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن
عبيد قد استخلفه عبد الله بن عباس و قدم على علي (علیه السّلام) إلى الكوفة يعزيه عن محمد بن أبي بكر قال: فقام إليه صحار فقال: إي و الذي له أسعى و إياه أخشى لننصرنك بأسيافنا و أيدينا. و قام المثنى بن مخربة العبدي فقال: لا و الذي لا إله إلا هو لئن لم
ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنأخذنك بأسيافنا و أيدينا و نبالنا و أسنة رماحنا أ نحن ندع ابن عم نبينا و سید المسلمين و ندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ و الله لا يكون ذلك أبدا حتى نسير كتيبة إلى كتيبة و نفلق الهام بالسيوف. قال: فأقبل ابن الحضرمي على صبرة بن شيمان الأزدي فقال: يا صبرة أنت رأس قومك وعظيم من عظماء العرب و أحد الطلبة بدم عثمان رأينا رأيك و رأيك رأينا و بلاء القوم عندك في نفسك وعشيرتك ما قد ذقت و رأيت فانصرني و كن من دوني فقال له إن أنت أتيت فنزلت في داري نصرتك و منعتك فقال: إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أنزل في قومه من مضر فقال: اتبع ما أمرك به و انصرف من عنده. و أقبل الناس إلى ابن الحضرمي فكثر تبعه ففزع لذلك زياد و هاله و هو في دار الإمارة فبعث إلى الحصين بن المنذر و مالك بن مسمع أسنة فدعاهما فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم أنصار أمير المؤمنين و شيعته و ثقته و قد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم فأجيروني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين رأيه فأما مالك بن مسمع فقال: هذا أمر لي فيه نظر فأرجع إلى من ورائي و أنظر و ذلك أستشير في و ألقاك و أما الحصين بن المنذر فقال: نعم نحن فاعلون و لن نخذلك و لن نسلمك فلم ير زياد من القوم ما يطمئن إليه. فبعث إلى صبرة بن شيمان الأزدي فقال: يا ابن شيمان أنت سيد قومك و أحد عظماء هذا المصر فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت أفلا تجيرني و تمنعني و تمنعني و تمنع بيت مال
المسلمين فإنما أنا أمين عليه فقال: بلى إن أنت تحملت حتى تنزل في داري منعتك فقال له إني فاعل فحمله ثم ارتحل ليلا حتى نزل دار صبرة بن شيمان و كتب إلى عبد الله بن عباس و لم يكن معاوية ادعى زيادا بعد لأنه إنما ادعاه بعد وفاة علي (علیه السّلام) بسم الله الرحمن الرحيم للأمير عبد الله بن عباس من زياد بن عبيد سلام عليك أما بعد فإن عبد الله بن عامر الحضرمي أقبل من قبل معاوية حتى نزل في بني تميم و نعى ابن عفان و دعا إلى الحرب فبايعه
جل أهل البصرة فلما رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن شيمان و قومه لنفسي و لبيت مال المسلمين فرحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم و إن الأزد معي و شيعة أمير المؤمنين من سائر القبائل تختلف إلي و شيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرمي و القصر خال منا و منهم فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه و يعجل علي بالذي يرى أن يكون فيه منه و السلام قال فرفع ذلك ابن عباس إلى علي (علیه السّلام) فشاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك و كانت بنو تمیم و قيس و من يرى رأي عثمان قد أمروا ابن الحضرمي أن يسير إلى قصر الإمارة حين خلاه زياد فلما تهيأ لذلك ودعا له أصحابه ركبت الأزد و بعثت إليه و إليهم إنا و الله لا ندعكم تأتون القصر فتنزلون به من لا نرضى و من نحن له كارهون حتى يأتي رجل لنا و لكم رضى فأبى أصحاب ابن الحضرمي إلا أن يسيروا إلى القصر و أبت الأزد إلا أن يمنعوهم فركب الأحنف فقال لأصحاب ابن الحضرمي: إنكم و الله ما أنتم بأحق بقصر الإمارة من القوم و ما لكم أن تؤمروا عليهم من يكرهونه فانصرفوا عنهم ثم جاء إلى الأزد فقال: إنه لم يكن ما تكرهون و لن يؤتى إلا ما تحبون فانصرفوا رحمكم الله ففعلوا. و عن الكلبي أن ابن الحضرمي لما أتى البصرة و دخلها نزل في بني تميم في دار سنبل و دعا بني تميم و أخلاط مضر فقال: زياد
لأبي الأسود الدؤلي أ ما ترى ما صنع أهل البصرة إلى معاوية و ما في الأزد لي مطمع فقال: إن
كنت تركتهم لم ينصروك و إن أصبحت فيهم منعوك فخرج زياد من ليلته و أتى الأزد و نزل على صبرة بن شيمان فأجاره فبات ليلته فلما أصبح قال له صبرة: يا زیاد ليس حسنا بنا أن تقوم فينا مختفيا أكثر من يومك هذا فاتخذ له منبرا و سريرا
في مسجد الحدان و جعل له شرطا وصلى بهم الجمعة في مسجد الحدان و غلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة و جباها و اجتمعت الأزد على زياد فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: يا معشر الأزد أنتم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي و أولى الناس بي و إني لو كنت في بني تميم و ابن الحضرمي فيكم نازلا لم أطمع فيه أبدا و أنتم دونه فلا يطمع ابن الحضرمي في و أنتم دوني و ليس ابن آكلة الأكباد في بقية الأحزاب و أولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة من أمير المؤمنين علي في المهاجرين والأنصار و قد أصبحت فيكم مضمونا و أمانة مؤداة و قد رأينا وقعتكم يوم الجمل فاصبروا مع الحق كصبركم مع الباطل فإنكم لا تحمدون إلا على النجدة و لا تعذرون على الجبن. فقام شيمان أبو صبرة و لم يكن شهد يوم الجمل و كان غائبا فقال: يا معشر الأزد ما أبقت عواقب الجمل عليكم إلا سوء الذكر و قد كنتم
أمس على علي (علیه السّلام) فكونوا اليوم له و اعلموا أن سلمكم جاركم ذل و خذلكم إياه عار و أنتم حي مضماركم الصبر و عاقبتكم الوفاء فإن سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم و إن استمدوا معاوية فاستمدوا عليا و إن وادعوكم فوادعوهم. ثم قام صبرة بن شيمان فقال: يا معشر الأزد إنا قلنا يوم الجمل نمنع مصرنا و نطيع أمنا و ننصر خليفتنا المظلوم فأنعمنا القتال و أقمنا بعد انهزام الناس حتى قتل منا من لا
خير فينا بعده و هذا زياد جاركم اليوم والجار مضمون و لسنا نخاف من علي (علیه السّلام) ما نخاف من معاوية فهبوا لنا أنفسكم وامنعوا جاركم أو فأبلغوه مأمنه فقالت الأزد: إنما نحن لكم تبع فأجيروه فضحك زياد و قال يا صبرة أ تخشون ألا تقوموا لبني تميم؟ فقال صبرة: إن جاءونا بالأحنف جئناهم بأبي صبرة و إن جاءونا بالحتات جئتهم أنا و إن كان فيهم شباب ففينا شباب كثير فقال زياد: إنما كنت مازحا. فلما رأت بنو تميم أن الأزد قد قاموا دون زياد بعثت إليهم أخرجوا
صاحبكم ونحن نخرج صاحبنا فأي الأميرين غلب علي أو معاوية دخلنا في طاعته و لم نهلك عامتنا فبعث إليهم أبو صبرة إنما كان هذا يرجي عندنا قبل نجيره و لعمري ما قتل زياد و إخراجه إلا سواء و إنكم لتعلمون أنا لم نجره إلا تكرما فالهوا عن هذا عن أبي الكنود: أن شبث بن ربعي قال لعلي (علیه السّلام): يا أمير المؤمنين ابعث إلى هذا الحي من تميم فادعهم إلى طاعتك و لزوم بيعتك و لا تسلط عليهم أزد عمان البعداء البغضاء فإن واحدا من قومك خير لك من عشرة من غيرهم فقال له مخنف بن سليم الأزدي: إن البعيد البغيض من
عصى الله و خالف أمير المؤمنين و هم قومك و إن الحبيب القريب من أطاع الله نصر أمير المؤمنين و هم قومي واحدهم لأمير المؤمنين خير من عشرة من قومك فقال: أمير المؤمنين (علیه السّلام) «مه تناهوا أيها الناس و ليردعكم الإسلام و وقاره عن التباغي و التهاذي و لتجتمع كلمتكم و الزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره و كلمة الإخلاص التي هي قوام الدين و حجة الله على الكافرين و اذكروا إذ كنتم قليلا مشركين متفرقين متباغضين فألف بينكم بالإسلام فكثرتم و اجتمعتم و تحاببتم فلا تفرقوا بعد إذ اجتمعتم و لا تباغضوا بعد أن تحاببتم فإذا انفصل الناس و كانت بينهم الثائرة فتداعوا إلى العشائر والقبائل فاقصدوا لهامهم و وجوههم
بالسيوف حتى يفزعوا إلى الله و كتابه و سنة نبيه فأما تلك الحمية حين تكون في المسلمين من خطوات الشيطان فانتهوا عنها لا أبا لكم تفلحوا و تنجحوا.» ثم إنه (علیه السّلام) دعا أعين بن ضبيعة المجاشعي فقال: «يا أعين ما
بلغك أن قومك وثبوا على عاملي مع ابن الحضرمي بالبصرة يدعون إلى فراقي و شقاقي و يساعدون الضلال الفاسقين علي» فقال: لا تستأ يا أمير المؤمنين و لا يكن ما تكره ابعثني إليهم فأنا لك زعيم بطاعتهم و تفريق جماعتهم و نفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله قال «فاخرج الساعة» فخرج من عنده و مضى حتى قدم البصرة ثم دخل على زياد و هو بالأزد مقيم فرحب به و أجلسه إلى جانبه فأخبره بما قال له علي (علیه السّلام) و بما رد عليه و ما الذي عليه رأيه قال: فو الله إنه ليكلمه و إذا بكتاب من أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى زياد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد سلام عليك أما بعد فإني قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرق قومه عن ابن الحضرمي فارقب ما يكون منه فإن فعل و بلغ من ذلك ما يظن به و كان في ذلك تفريق تلك الأوباش فهو ما تحب و إن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانهض بمن أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم فإن ظفرت فهو ما ظننت و إلا فطاوعهم و ماطلهم ثم تسمع بهم و أبصر فكأن كتائب المسلمين قد أظلت عليك فقتل الله المفسدين
الظالمين و نصر المؤمنين المحقين و السلام». فلما قرأه زياد أقرأه أعين بن ضبيعة فقال له أعين: إني لأرجو أن تكفى هذا الأمر إن شاء الله ثم خرج من عنده فأتى رحله فجمع إليه رجالا من قومه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: يا قوم على [علام] تقتلون أنفسكم و تهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الأشرار و إني و الله ما جئتكم حتى عبيت إليكم الجنود فإن تنيبوا إلى الحق يقبل منكم و يكف
عنكم و إن أبيتم فهو و الله استئصالكم و بواركم فقالوا: بل نسمع و نطيع فقال: انهضوا الآن على بركة الله فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي فخرجوا إليه مع ابن الحضرمي فصافوه و واقفهم عامة يومه يناشدهم الله ويقول: يا قوم لا تنكثوا بيعتكم ولا تخالفوا إمامكم و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكتكم بيعتكم وخلافكم فكفوا عنه و لم يكن بينه و بينهم قتال و هم في ذلك يشتمونه و ينالون منه فانصرف عنهم و هو منهم منتصف. فلما أوى إلى رحله تبعه عشرة نفر يظن أنهم خوارج فضربوه بأسيافهم و هو على فراشه و لا يظن أن الذي كان يكون فخرج يشتد عريانا فلحقوه في الطريق فقتلوه فأراد زياد أن يناهض ابن الحضرمي حين قتل أعين
بجماعة من معه من الأزد و غيرهم من شيعة علي (علیه السّلام) فأرسلت بنو تميم إلى الأزد و الله ما عرضنا لجاركم إذ أجرتموه و لا لمال هو له و لا لأحد ليس على رأينا فما تريدون إلى حربنا و إلى جارنا فكان الأزد عند ذلك كرهت قتالهم فكتب زياد إلى علي (علیه السّلام) بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا أمير المؤمنين فإن أعين بن ضبيعة قدم علينا من قبلك بجد و مناصحة و صدق و يقين فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحتهم على الطاعة و الجماعة و حذرهم الفرقة و الخلاف ثم نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه فواقفهم عامة النهار فهال أهل الضلال مقدمه و تصدع عن ابن الحضرمي كثير ممن كان معه يريد نصرته فكان كذلك حتى أمسى فأتى رحله فبيته نفر من هذه الخارجة المارقة فأصيب رحمه الله فأردت أن أناهض ابن عند ذلك فحدث أمر قد أمرت صاحب كتابي هذا أن يذكره لأمير الحضرمي المؤمنين و قد رأيت إن رأى أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث إليهم جارية بن
قدامة فإنه نافذ البصيرة مطاع في العشيرة شديد على عدو أمير المؤمنين فإن يقدم يفرق بينهم بإذن الله و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
فلما جاء الكتاب و قرأه علي (علیه السّلام) دعا جارية بن قدامة فقال: «يا ابن قدامة تمنع الأزد
عاملي و بيت مالي و تشاقني مضر و تنابذني و بنا ابتدأها الله بالكرامة و عرفها الهدى و تدعو إلى المعشر الذين حادوا الله و رسوله و أرادوا إطفاء نور الله حتى علت كلمة الله و هلك الكافرون» قال: يا أمير المؤمنين ابعثني إليهم و استعن بالله عليهم قال قد بعثتك إليهم و استعنت بالله عليهم قال كعب بن قعين فخرجت مع جارية من الكوفة إلى البصرة في خمسين رجلا من بني تميم ما كان فيهم يماني غيري و كنت شديد التشيع قال: فقلت لجارية: إن شئت سرت معك و إن شئت ملت إلى قومي فقال: بل سر معي و انزل منزلي فو الله لوددت أن الطير و البهائم تنصرني عليهم فضلا من الإنس و عن كعب بن قعين أن عليا (علیه السّلام) كتب مع جارية بن قدامة كتابا فقال: «اقرأه على أصحابك» قال: فمضينا معه فلما دخلنا البصرة بدأ بزياد فرحب به و أجلسه إلى جانبه و ناجاه ساعة و ساءله ثم خرج فكان أفضل ما أوصاه به أن قال: احذر على نفسك و اتق أن تلقى ما لقي صاحبك القادم قبلك و خرج جارية من عنده فقام في الأزد فقال: جزاكم الله من حي خيرا ما أعظم عناءكم و أحسن بلاءكم و أطوعكم لأميركم و قد
عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره و دعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه ثم قر عليهم و على من كان معه من شيعة علي (علیه السّلام) وغيرهم كتاب علي فإذا فيه: «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرى عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين و المسلمين سلام عليكم أما بعد فإن الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البيئة و لا يأخذ المذنب عند أول وهلة و لكنه يقبل التوبة و يستديم الأناة و
يرضى بالإنابة ليكون أعظم للحجة و أبلغ في المعذرة و قد كان من شقاق جلكم أيها الناس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم و رفعت السيف عن مدبركم و قبلت من مقبلكم و أخذت بيعتكم فإن تفوا ببيعتي و تقبلوا نصيحتي و تستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب و السنة و قصد الحق و أقم فيكم سبيل الهدى فو الله ما أعلم أن واليا بعد محمد ص أعلم بذلك مني و لا أعمل أقول قولي هذا صادقا غير ذام لمن مضى و لا منتقصا لأعمالهم فإن خطت بكم الأهواء المردية و سفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي فها أنا ذا قربت جيادي و رحلت
ركابي و ايم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلا كلعقة لاعق و إني لظان أن لا تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلا و قد قدمت هذا الكتاب حجة عليكم و لن أكتب إليكم من بعده كتابا إن أنتم استغششتم نصيحتي و نابذتم رسولي حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله و السلام». فلما قرئ الكتاب على الناس قام صبرة بن شيمان فقال: سمعنا و أطعنا و نحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب و لمن سالم أمير المؤمنين سلم إن کفیت یا جارية قومك بقومك فذاك و إن أحببت أن ننصرك نصرناك و قام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه و مضى نحو بني تميم. فقام زياد في الأزد فقال: يا معشر الأزد إن هؤلاء كانوا أمس سلما فأصبحوا حربا و إنكم كنتم حربا فأصبحتم اليوم سلما و إني و الله ما اخترتكم إلا على التجربة و لا أقمت فيكم إلا على التأمل فما رضيتم أن أجرتموني حتى نصبتم لي منبرا و سريرا و جعلتم لي شرطا و أعوانا و مناديا
و جمعة فما فقدت بحضرتكم شيئا إلا هذا الدرهم لا أجبيه فإن لم أجبه اليوم أجبه غدا إن شاء الله و اعلموا أن حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدين و الدنيا من حربكم أمس عليا وقد قدم عليكم جارية بن قدامة و إنما أرسله علي (علیه السّلام) ليصدع أمر قومه و الله ما هو بالأمير المطاع و لا المغلوب المستغيث و لو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين أو لكان لي تبعا و أنتم الهامة العظمى و الجمرة الحامية فقدموه إلى قومه فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلك. فقام أبو صبرة بن شيمان فقال: يا زياد إني و الله لو شهدت قومي يوم الجمل رجوت أن لا يقاتلوا عليا وقد مضى الأمر بما فيه و هو يوم بيوم و أمر بأمر والله إلى الجزاء بالإحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيئ و التوبة مع الحق و العفو مع الندم و لو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء و استئناف الأمور و لكنها جماعة دماؤها حرام و جروحها قصاص و نحن معك فقدم هواك نحب لك ما أحببت. فعجب زیاد من كلامه و قال: ما أظن في الناس مثل هذا. ثم قام صبرة ابنه فقال: إنا و الله ما أصبنا بمصيبة في دين و لا دنيا كما
أصبنا أمس يوم الجمل و إنا لنرجو اليوم أن نمحص ذلك بطاعة الله و طاعة أمير المؤمنين و أما أنت يا زياد فو الله ما أدركت أملك فينا و لا أدركنا أملنا فيك دون ردك إلى دارك و نحن رادوك إليها غدا إن شاء الله تعالى فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منا فإنك إن لم تفعل تأت ما لا يشبهك و إنا و الله نخاف من حرب علي في الآخرة ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا فقدم هواك و أخر هوانا فنحن معك و طوعك ثم قام جيفر العماني و كان لسان القوم فقال: أيها الأمير إنك لو رضيت منا بما ترضى به من غيرنا لم نرض لك ذلك من أنفسنا و لو رضينا لك كنا قد خناك لأن لنا عقدا مقدما و حمدا مذكورا سر بنا إلى القوم إن
شئت و ايم الله ما لقينا يوما قط إلا اكتفينا بعفونا دون جهدنا إلا ما كان أمس. فلما أصبحوا أشارت الأزد إلى جارية أن سر بمن معك و مضت الأزد
بزياد حتى أدخلوه دار الإمارة و أما جارية فإنه كلم قومه و صاح فيهم فلم يجيبوه و خرج إليه منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه و أسمعوه فأرسل إلى زياد و الأزد يستصرخهم و يأمرهم أن يسيروا إليه ثم ساروا إلى ابن الحضرمي و خرج إليهم ابن الحضرمي و على خيله عبد الله بن خازم السلمي فاقتتلوا ساعة فأقبل شريك بن الأعور الحارثي و كان من شيعة علي ع و صديقا لجارية بن قدامة فقال: أ لا أقاتل معك عدوك؟ فقال: بلى. قال: فما لبثت بنو تميم أن هزموهم و اضطروهم إلى دار سنبل السعدي فحصروهم ذلك اليوم إلى العشي في دار ابن الحضرمي و كان ابن خازم معه فجاءت أمه و هي سوداء حبشية اسمها عجلى فنادته فأشرف عليها فقالت: يا بني انزل إلي فأبى فكشفت رأسها و أبدت قناعها و سألته النزول فقالت: و الله لئن لم تنزل لأتعرين و أهوت بيدها على ثيابها فلما رأى ذلك نزل فذهبت به و أحاط جارية و زياد بالدار و قال جارية: علي بالنار فقالت الأزد: لسنا من الحريق بالنار في شيء و هم قومك و أنت أعلم فحرق جارية الدار عليهم فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلا أحدهم عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثم التيمي و سمي جارية منذ ذلك اليوم محرقا فلما أحرق ابن الحضرمي و سارت الأزد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة و معه بيت المال قالت له: هل بقي علينا من جوارك شيء؟ قال: لا قالوا فبرئنا من جوارك قال: نعم فانصرفوا عنه إلى ديارهم و استقام لزياد أمر البصرة و ارتحل ببيت المال حتى رجع إلى القصر. وقال أبو العرندس العوذي في زياد و تحريق ابن الحضرمي:
رددنا زيادا إلى داره *** و جار تميم ينادي الشجب
لحا الله قوما شووا جارهم *** و للشاء بالدرهمين الشصب
ينادي الحباق و حمانها *** و قد حرقوا رأسه فالتهب.
عن محمد بن قيس عن ظبيان بن عمارة قال: دعاني زياد فكتب معي إلى علي ع: أما بعد فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمع ابن أعانه الحضرمي بمن نصره و من الأزد ففضه و اضطره إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتى حكم الله بينهما فقتل الحضرمي و أصحابه منهم من أحرق بالنار و منهم من ألقي عليه الجدار و منهم من هدم عليه البيت من أعلاه و منهم من قتل بالسيف و سلم منهم نفر أنابوا و تابوا فصفح عنهم بعدا لمن عصی و غوى و السلام على أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته. فلما وصل كتاب زیاد قرأه علي (علیه السّلام) على الناس فسر بذلك و سر أصحابه و أثنى على جارية و على الأزد و ذم البصرة فقال: «إنها أول القرى خرابا إما غرقا و إما حرقا حتى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة» ثم قال
لظبيان: «أين منزلك منها؟» فقلت: مكان كذا فقال: «عليك بضواحيها عليك بضواحيها».
. و انقضی خبر ابن الحضرمي.
قول علي (علیه السّلام) في الكوفة
قال: أخبرنا هارون بن خارجة قال: قال لي جعفر بن محمد (علیه السّلام): «كم بين منزلك و مسجد الكوفة؟» فأخبرته فقال: «ما بقي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا عبد صالح إلا و قد صلى فيه فإن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مر به ليلة أسري به فاستأذن فيه فصلى فيه
ركعتين و الصلاة الفريضة فيه ألف صلاة و النافلة خمسمائة صلاة و الجلوس فيه من غير تلاوة القرآن عبادة فأته و لو زحفا».
عن حبة العرني و ميثم التمار قالا: جاء رجل إلى علي (علیه السّلام)
فقال: يا أمير المؤمنين إني قد تزودت زادا و ابتعت راحلة و قضيت شأني يعني حوائجي فأرتحل إلى بيت المقدس فقال له: «كل زادك و بع راحلتك و عليك بهذا المسجد يعني مسجد الكوفة فإنه أحد المساجد الأربعة ركعتان فيه تعدل عشرا فيما سواه من المساجد البركة منه على اثني عشر ميلا من حيث ما أتيت و قد ترك من أسه ألف ذراع و في زاويته فار التنور و عند الأسطوانة الخامسة صلى إبراهيم الخليل (علیه السّلام) وقد صلى فيه ألف نبي و ألف وصي و فيه عصا موسى و شجرة يقطين و فيه هلك يغوث ويعوق وهو الفاروق و منه سير جبل
الأهواز و فيه مصلى نوح (علیه السّلام) و يحشر منه يوم القيامة سبعون ألفا لا عليهم حساب و لا عذاب و وسطه على روضة من رياض الجنة و فيه ثلاث أعين يزهرن أنبتت بالضغث تذهب الرجس و تطهر المؤمنين عين من لبن و عين من ماء جانبه الأيمن ذكر و جانبه الأيسر مكر و لو علم الناس ما فيه من الفضل لأتوه و لو حبوا».
غارة الضحاك بن قيس ولقيه حجر بن عدي و هزيمته
عن جندب الأزدي عن أبيه قال: أول غارة كانت بالعراق غارة الضحاك بن قيس على أهل العراق و كانت بعد ما حكم الحكمان و قبل قتل أهل النهر و ذلك أن معاوية لما بلغه أن عليا (علیه السّلام) بعد تحكيم الحكمين تحمل إليه مقبلا فهاله أمره فخرج من دمشق معسكرا و بعث إلى كور الشام فصاح فيها أن عليا قد سار إليكم و كتب إليهم نسخة واحدة فقرئت على الناس: أما بعد فإنا كنا قد كتبنا بيننا و بين علي
كتابا و شرطنا فيه شروطا و حكمنا رجلين يحكمان علينا و عليه بحكم الكتاب لا يعدوانه و جعلنا عهد الله و ميثاقه على من نكث العهد و لم يمض الحكم و أن حكمي الذي كنت حكمته أثبتني و أن حكمه خلعه و قد أقبل إليكم ظالما و فمن
نكث فإنما
ينكث على نفسه تجهزوا للحرب بأحسن الجهاز و أعدوا لها آلة القتال و أقبلوا خفافا و ثقالا و کسالی و نشاطا يسرنا الله وإياكم لصالح الأعمال فاجتمع إليه الناس من كل كورة و أرادوا المسير إلى صفين فاستشارهم و قال: إن عليا قد خرج إليكم من الكوفة و عهد العاهد به أنه فارق النخيلة. فقال له حبيب بن مسلمة فإني أرى أن تخرج حتى ننزل منزلنا الذي كنا فيه فإنه منزل مبارك قد متعنا الله به و أعطانا من عدونا فيه النصف وقال له عمرو بن العاص إنني أرى لك أن تسير بالجنود حتى توغلها في سلطانهم من أرض الجزيرة فإن ذلك أقوى لجندك و أذل لأهل حربك فقال معاوية: و الله إني لأعرف أن الرأي الذي تقول و لكن الناس لا يطيقون ذلك قال عمرو: إنها أرض رفيعة فقال معاوية و الله إن جهد الناس يبلغوا منزلهم الذي كانوا به يعني صفين فمكثوا يجيلون الرأي يومين أو ثلاثة حتى قدمت عليهم عيونهم أن عليا اختلف عليه أصحابه ففارقته منهم فرقة
أنكرت أمر الحكومة و أنه قد رجع عنكم إليهم فكثر سرور الناس بانصرافه عنهم ما ألقي من الخلاف بينهم. فلم يزل معاوية معسكرا في مكانه منتظرا لما يكون من علي و أصحابه و هل يقبل علي بالناس أم لا.؟ فما معاوية حتى جاءه الخبر أن عليا قد قتل تلك الخوارج و أراد بعد قتلهم أن يقبل إليه بالناس و أنهم استنظروه و دافعوه فسر بذلك هو و من قبله من الناس عن عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري قال: جاءنا كتاب عمارة بن عقبة بن أبي معيط من الكوفة و نحن
معسكرون مع معاوية نتخوف أن يفرغ علي من خارجته ثم يقبل إلينا و نحن نقول: إن أقبل إلينا كان أفضل المكان
الذي نستقبله به مكاننا الذي لقيناه فيه العام الماضي و كان في كتاب عمارة. أما بعد فإن عليا خرج عليه قراء أصحابه و نساكهم فخرج عليهم فقتلهم و قد فسد عليه جنده و أهل مصره و وقعت بينهم العداوة وتفرقوا أشد الفرقة فأحببت
أبي إعلامك لتحمد الله و السلام. قال: فقرأه معاوية علي و على أخيه و على الأعور السلمي ثم نظر إلى أخيه عتبة و إلى الوليد بن عقبة و قال للوليد: لقد رضي أخوك أن يكون لنا عينا قال: فضحك الوليد وقال إن في ذلك أيضا لنفعا. و بلغني أن الوليد بن عقبة قال لأخيه عمارة بن عقبة بن أبي معيط يحرضه:
فإن يك ظني بابن أمي صادقا *** عمارة لا يطلب بذحل و لا وتر
يبيت و أوتار ابن عفان عنده *** مخيمة بين الخورنق و القصر
تمشي رخي البال مستشزر القوى *** كأنك لم تشعر بقتل أبي عمرو.
قال: فعند ذلك دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري و قال له: سر حتى تمر بناحية الكوفة و ترتفع عنها ما استطعت فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي فأغر عليه و إن وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليهما و إذا أصبحت في بلدة فأمس في أخرى و لا تقيمن لخيل بلغك أنها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها فسرحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف جريدة خيل. قال: فأقبل الضحاك يأخذ الأموال و يقتل من لقي من الأعراب حتى مر بالثعلبية فأغار خيله على الحاج فأخذ أمتعتهم ثم أقبل مقبلا فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي و هو ابن أخ عبد
الله بن مسعود صاحب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة و قتل معه ناسا أصحابه.
قال أبو روق: فحدثني أبي أنه سمع عليا (علیه السّلام) و قد خرج إلى الناس و هو يقول على المنبر : يا أهل الكوفة اخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس و إلى جيوش لكم قد أصيب منها طرف اخرجوا فقاتلوا عدوكم و امنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين قال: فردوا عليه ردا ضعيفا و رأى منهم عجزا و فشلا فقال: «و الله لوددت أن لي بكل مائة رجل منكم رجلا منهم ويحكم اخرجوا معي ثم فروا عني إن بدا لكم فو الله ما أكره لقاء ربي على نيتي و بصيرتي و في على نيتي و بصيرتي و في ذلك روح لي عظيم و فرج من مناجاتكم ومقاساتكم و مداراتكم مثل ما تدارى البكار العمدة و الثیاب المتهرئة كلما خيطت من جانب تهتكت على صاحبها من جانب آخر» ثم نزل فخرج يمشي حتى بلغ الغريين ثم دعا حجر بن عدي الكندي من خيله فعقد له راية على أربعة آلاف ثم سرحه فخرج حتى مر
بالسماوة و هي أرض كلب فلقي بها إمرؤ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم الكلبي أصهار الحسين بن علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فكانوا أدلاءه على -ع طریقه و على المياه فلم يزل مغذا في أثر الضحاك حتى لقيه بناحية تدمر فواقفه فاقتتلوا ساعة فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا و قتل من أصحاب حجر رجلان عبد الرحمن و عبد الله الغامدي و حجز الليل بينهم فمضى الضحاك فلما أصبحوا لم يجدوا له و لأصحابه أثرا و كان الضحاك يقول بعد:
أنا الضحاك و أنا أبو أنيس *** و قاتل عمرو و هو ابن عميس
: عن مسعر بن كدام قال: قال علي (علیه السّلام): «لوددت أن لي بأهل
الكوفة أو قال: بأصحابي ألفا من بني فراس». عن زيد بن وهب قال: كتب عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه إلى علي أمير المؤمنين حين بلغه خذلان أهل الكوفة وعصيانهم إياه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله علي أمير المؤمنين من عقيل بن أبي طالب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله حارسك من كل سوء و عاصمك من كل
مكروه و على كل حال إني خرجت إلى مكة معتمرا فلقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء فعرفت المنكر في وجوههم فقلت لهم: إلى أين يا أبناء الشانئين؟ أ بمعاوية تلحقون عداوة؟ و الله منكم قديما غیر مستنكرة تريدون بها إطفاء نور الله و تبديل أمره فأسمعني القوم و أسمعتهم. فلما قدمت مكة سمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالهم ما شاء ثم انكفاً راجعا سالما فأف لحياة في دهر جرأ
عليك الضحاك و ما الضحاك إلا فقع بقرقر و قد توهمت حيث بلغني ذلك أن شيعتك و أنصارك خذلوك فاكتب إلي يا ابن أمي برأيك فإن كنت الموت تريد تحملت إليك ببني أخيك و ولد أبيك فعشنا معك ما عشت و متنا معك إذا مت فو الله ما أحب أن أبقى في الدنيا بعدك فواقا و أقسم بالأعز الأجل أن عيشا نعيشه بعدك في الحياة لغير هنيء و لا مريء و لا نجيع نجيع و السلام عليك و رحمة الله بركاته. فأجابه علي (علیه السّلام): «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبي طالب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد كلأنا الله و إياك كلاءة من يخشاه بالغيب إنه حميد مجيد فقد وصل إلى كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي تذكر فيه أنك لقيت عبد الله بن سعد بن
أبي سرح مقبلا من قديد في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء متوجهين إلى المغرب و أن ابن أبي سرح طال ما كاد الله و رسوله و کتابه و صد عن سبيله و بغاها عوجا فدع عنك ابن ابي سرح و دع عنك قريشا و خلهم و تركاضهم في الضلال و تجوالهم في الشقاق ألا و إن العرب قد أجمعت على حرب أخيك اليوم اجتماعها على حرب النبي ص قبل اليوم فأصبحوا قد جهلوا حقه و جحدوا فضله و بادروه العداوة و نصبوا له الحرب و جهدوا كل الجهد و جروا عليه جيش الأحزاب اللهم فاجز قريشا عني الجوازي فقد قطعت رحمي و تظاهرت علي و دفعتني عن حقي و سلبتني سلطان ابن أمي و سلمت ذلك إلى من ليس
مثلي في قرابتي من الرسول و سابقتي في الإسلام إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه و لا أظن الله يعرفه و الحمد لله على كل حال و أما ما ذكرت من غارة الضحاك على أهل الحيرة فهو أقل و أذل من أن يلم بها أو يدنو منها و لكنه قد كان أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة حتى مر بواقصة و شراف و القطقطانة فما والى ذلك الصقع فوجهت إليه جندا كثيفا من المسلمين فلما بلغه ذلك فر هاربا فلحقوه ببعض الطريق و قد أمعن و كان ذلك حين طفلت الشمس للإياب فتناوشوا القتال قليلا كلا و لا فلم يصبر لوقع المشرفية و ولى هاربا و قتل من أصحابه تسعة
عشر رجلا و نجا جريضا بعد ما أخذ منه بالمخنق و لم يبق منه غير الرمق فلأيا باأي ما نجا و أما ما سألتني أن أكتب إليك برأيي فيما أنا فيه فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله لا يزيدني كثرة الناس معي عزة و لا تفرقهم عني وحشة لأني محق و الله مع الحق و الله ما أكره الموت على الحق و ما الخير كله بعد الموت إلا لمن كان محقا و أما ما عرضت به علي من مسيرك إلي ببنيك و بني أبيك فلا حاجة لي في ذلك فأقم راشدا محمودا فو الله أحب أن تهلكوا معي إن
هلكت و لا تحسبن ابن أمك و لو أسلمه الناس متخشعا و لا متضرعا و لا مقرا للضيم واهنا و لا سلس الزمام للقائد و لا وطيء الظهر للراكب المقتعد إني لكما قال أخو بني سليم
فإن تسأليني كيف أنت فإنني *** صبور على ريب الزمان صليب
يعز علي أن ترى بي كآبة *** فيشمت عاد أو يساء حبيب
عن محمد بن مخنف قال: إني لأسمع الضحاك بن قيس بعد ذلك بزمان على منبر الكوفة يخطبنا و هو يقول: أنا ابن قيس و أنا أبو أنيس و أنا قاتل عمرو بن عميس قال: و كان الذي ظاهره على ذلك أنه أخبر أن رجالا من الكوفة يظهرون شتم عثمان و البراءة منه قال: فسمعته و هو يقول: بلغني أن رجالا منكم ضلالا يشتمون أئمة الهدى و يعيبون أسلافنا الصالحين أما و الذي ليس له ند و لا شريك لئن لم تنتهوا عما بلغني عنكم لأضعن فيكم سيف زياد ثم لا تجدونني ضعيف السورة و لا كليل الشفرة أما و الله إني لصاحبكم الذي أغرت على بلادكم فكنت أول من غزاها في الإسلام فسرت ما بين الثعلبية و شاطئ الفرات أعاقب من شئت و أعفو عمن شئت لقد ذعرت المخبئات في خدورهن و إن كانت المرأة ليبكي ابنها فلا ترهبه و لا تسكته إلا بذكر اسمي فاتقوا الله يا أهل العراق و اعلموا أني أنا الضحاك بن قيس.
فقام إليه عبد الرحمن بن عبيد فقال: صدق الأمير و أحسن القول ما أعرفنا و الله بما ذكرت و لقد أتيناك بغربي تدمر فوجدناك شجاعا صبورا مجربا ثم جلس فقال: أ يفتخر علينا بما صنع في بلادنا أول ما قدم و ايم الله لأذكرنه أبغض مواطنه تلك
إليه قال: فسكت الضحاك قليلا فكأنه خزي و استحيا ثم قال: نعم كان ذلك اليوم بأخرة بكلام ثقيل ثم نزله فقلت لعبد الرحمن بن عبيد: أو قيل له لقد اجترأت حين تذكره ذلك اليوم و تخبره أنك كنت فيمن لقيه فقال: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
قال: وحدثني ابن أخي محمد بن مخنف عن أبيه عن عمه قال:
قال الضحاك لعبد الرحمن بن مخنف حين قدم الكوفة: لقد رأيت منكم بغربي تدمر رجلا ما كنت أرى في الناس مثله رجلا حمل علينا فما كذب حتى ضرب الكتيبة التي أنا فيها فلما ذهب ليولي حملت عليه فطعنته في قمته فوقع ثم قام فلم يضره شيئا فذهب ثم لم يلبث أن حمل علينا في الكتيبة التي أنا فيها فصرع رجلا ثم ذهب لينصرف فحملت عليه فضربته على رأسه بالسيف فخيل إلي أن سيفي قد ثبت في عظم رأسه قال فضربني فو الله ما صنع سيفه شيئا ثم ذهب فظننت أنه لن يعود فو الله ما راعني إلا وقد عصب رأسه بعمامة ثم أقبل نحونا فقلت: ثكلتك أمك أما نهتك الأوليان عن الإقدام علينا؟ قال: و ما تنهياني و أنا أحتسب هذا في سبيل الله ثم حمل علينا فطعنني و طعنته فحمل أصحابه علينا فانفصلنا و حال الليل بيننا فقال له عبد الرحمن بن مخنف هذا يوم شهده هذا يعني ربيعة بن ناجد و هو فارس الحي و ما أظنه هذا الرجل يخفى عليه فقال له أ تعرفه؟ قال نعم قال: من هو؟ قال: أنا قال: فأرني الضربة التي برأسك قال: فأراه فإذا هي ضربة قد برت العظم منكرة
فقال له ما رأيك اليوم فينا أ هو كرأيك يومئذ؟ قال: رأي اليوم رأي الجماعة قال: فما عليكم اليوم من بأس أنتم آمنون ما لم تظهروا خلافا و لكن العجب كيف نجوت من زياد لم يقتلك فيمن قتل أو لم يسيرك فيمن سير؟ قال: أما التسيير فقد
سيرني و أما القتل فقد عافانا الله منه. فقال الضحاك: و الله لقد أصابني في ذلك الطريق عطش شديد ضل جملنا الذي كان عليه الماء فعطشنا و خفقت برأسي خفقتين لنعاس أصابني فتركت الطريق فانتبهت و ليس معي إلا نفر يسير من أصحابي ليس فيهم أحد معه ماء فبعثت رجلا منهم في جانب يلتمس الماء و لا أنيس إذ رأيت جادة فلزمتها فسمعت قائلا يقول:
دعاني الهوى فازددت شوقا و ربما *** دعاني الهوى من ساعة فأجيب
و أرقني بعد المنام و ربما *** أرقت لساري الهم حين يئوب
فإن أك قد أحببتكم و رأيتكم *** فإني بدارا عامر الغريب.
قال: فأشرف علي الرجل فقلت: يا عبد الله اسقني ماء فقال: لا والله حتى تعطيني ثمنه :قلت و ما ثمنه؟ قال: ديتك قلت: أ ما
ترى عليك من الحق أن تقري الضيف فتسقيه و تطعمه و تکرمه؟ قال: ربما فعلنا و ربما بخلنا قال: قلت: و الله ما أراك فعلت خيرا قط اسقني قال: ما أطيق قلت: إني أحسن إليك و أكسوك قال: لا والله ما أنقصك شربة من مائة دينار فقلت له: ويحك اسقني فقال: ويحك أعطني قلت لا و الله ما هي معي و لكنك تسقيني ثم تنطلق معي أعطيكها قال: لا و الله قال قلت اسقني ثم أرهنك فرسي حتى أوفيكها قال: نعم فخرج بين يدي و اتبعته فأشرفنا على أخبية و ناس على ماء فقال لي مكانك حتى آتيك فقلت: لا بل أجيء معك إلى الناس قال: فساءه حيث رأيت الناس والماء فذهب يشتد حتى دخل بيتا ثم جاء بماء في إناء فقال: اشرب لا حاجة لي فيه ثم دنوت من القوم فقلت: اسقوني ماء فقال شيخ لابنته: اسقيه فقامت ابنته و قل ما رأيت امرأة أجمل منها فجاءتني بماء و لبن فقال الرجل:
نجيتك من العطش و تذهب بحقي؟! و الله لا أفارقك حتى أستوفي منك حقي :قال فقلت اجلس حتى أوفيك فجلس فنزلت فأخذت الماء و اللبن من يد الفتاة فشربته ثم اجتمع إلي أهل الماء فقلت لهم هذا ألأم الناس فعل لي كذا و كذا و هذا الشيخ خير منه و أسدى استسقيته فلم يكلفني شيئا و أمر ابنته فسقتني ثم هذا يلزمني بمائة دينار فشتموه و وقعوا به و لم يكن بأسرع من أن لحقني قوم من أصحابي فسلموا علي بالإمرة فارتاب الرجل و الله و جزع جزع فذهب يريد أن يقوم فقلت له: و الله لا تبرح حتى أوفيك المائة فأخذ فرسي و جلس لا يدري ما أريد به فلما
كثرت أصحابي عندي سرحت إلي ثقلي فأتيت به ثم أمرت بالرجل فجلد مائة جلدة و دعوت الشيخ و ابنته فأمرت لهما بمائة دينار و كسوتهما و كسوت أهل الماء ثوبا ثوبا فحرمته فقال أهل الماء: كان أيها الأمير أهلا لذلك و كنت أيها الأمير لما أتيت به من خير أهلا فلما رجعت إلى معاوية فحدثته فعجب و قال: لقد لقيت في سفرك هذا عجبا.
قول علي (علیه السّلام) في قتله
عن أبي حمزة عن أبيه قال: سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: «بالله لتخضبن هذه من دم هذا» يعني لحيته من رأسه -
قال مازن: رأيت عليا (علیه السّلام) أخذ بلحيته و هو يقول: «و الله ليخضبنها من فوقها بدم فما يحبس أشقاكم».
عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال: شهدت لعلي (علیه السّلام) خطبة فجئت إلى أبي فقلت: أ سمعت من هذا خطبة آنفا ليقتلن؟ قال: و ما ذاك؟ قال: سمعته يقول: «و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لتخضبن هذه من هذا يعني لحيته من رأسه قال: سمعت ذلك.
غارة النعمان بن بشير الأنصاري على عين التمر و مالك بن كعب الأرحبي
عن محمد بن يوسف بن ثابت أن النعمان بن بشير قدم هو و أبو هريرة على علي (علیه السّلام) من عند معاوية بعد أبي مسلم
الخولاني يسألانه أن يدفع قتلة عثمان إلى معاوية ليقتلهم بعثمان لعل الحرب أن تطفأ و يصطلح الناس و إنما أراد معاوية أن يرجع مثل النعمان و أبي هريرة من عند علي ع إلى الناس و هم لمعاوية عاذرون و لعلي لائمون و قد علم معاوية أن عليا (علیه السّلام) لا يدفع قتلة عثمان إليه فأراد أن يكون هذان يشهدان له عند أهل الشام بذلك و أن يظهر عذره فقال لهما ائتيا عليا فناشداه الله و سلاه الله لما دفع إلينا قتلة عثمان فإنه قد آواهم ومنعهم ثم لا حرب بيننا وبينه فإن أبى فكونوا شهداء لله عليه و أقبلا إلى الناس فأعلماهم ذلك فأتياه فدخلا عليه فقال له أبو هريرة: يا أبا حسن إن الله قد جعل لك في الإسلام فضلا و شرفا أنت ابن عم محمد سيد المسلمين وقد بعثنا إليك ابن عمك معاوية يسألك أمرا تهدأ به هذه الحرب و يصلح الله به ذات البين أن تدفع إليه قتلة عثمان ابن عمه تدفع إليه قتلة عثمان ابن عمه فيقتلهم به ثم يجمع الله به أمرك
و أمره و يصلح الله بينكم وتسلم هذه الأمة من الفتنة و الفرقة ثم تكلم النعمان بنحو من هذا. فقال (علیه السّلام) لهما: «دعا الكلام في هذا حدثني عنك يا نعمان أنت أهدى قومك سبيلا؟» يعني الأنصار قال: لا فقال: كل قومك قد اتبعني إلا شذاذا منهم ثلاثة أو أربعة أ فتكون أنت من الشذاذ؟ فقال النعمان أصلحك الله إنما جئت لأكون معك و ألزمك و قد كان معاوية سألني أن أؤدي هذا الكلام و قد كنت رجوت أن يكون لي موقف أجتمع فيه معك و طمعت أن يجري الله تعالى بينكما صلحا فإذا كان غير ذلك رأيك فأنا ملازمك و كائن معك. و أما أبو هريرة فلحق
بالشام فأتى معاوية و خبره الخبر فأمره أن يخبر الناس ففعل و أما النعمان فأقام بعده أشهرا ثم خرج فارا من علي (علیه السّلام) حتى إذا مر بعين التمر أخذه مالك بن كعب الأرحبي و كان عامل علي (علیه السّلام) عليها فأراد حبسه و قال له: ما مر بك هاهنا؟ قال: إنما أنا رسول بلغت رسالة صاحبي ثم انصرفت فحبسه ثم قال: كما أنت حتى أكتب إلى علي فيك فناشده و عظم عليه أن يكتب إلى علي (علیه السّلام) فيه و قد كان قال لعلي (علیه السّلام): إنما جئت لأقيم فأرسل النعمان إلى قرظة بن كعب الأنصاري و هو بجانب عين التمر يجبي خراجها لعلي (علیه السّلام) فجاء مسرعا حتى وصل إلى مالك بن كعب
فقال له خل سبيل هذا الرجل يرحمك الله فقال له: يا قرظة اتق الله و لا تتكلم في هذا فإن هذا لو كان من عباد الأنصار و نساكهم ما هرب من أمير المؤمنين إلى أمير المنافقين فلم يزل يقسم عليه حتى خلى سبيله فقال له: يا هذا لك الأمان اليوم و الليلة و غدا ثم قال: و الله لئن أدركتك بعدها لأضر بن عنقك فخرج مسرعا لا يلوي على شيء و ذهبت به راحلته فلم يدر أين يتسكع من الأرض و أصبح ثلاثا لا يدري أين هو. قال النعمان: الله ما علمت أين أنا حتى سمعت قائلة تقول و هي تطحن:
شربت مع الجوزاء كأسا روية *** و أخرى مع الشعرى إذا ما استقلت
معتقة كانت قريش تصونها *** فلما استحلوا قتل عثمان حلت.
فعلمت أني عند حي من أصحاب معاوية و إذا الماء لبني القين فعلمت عند ذلك أني قد انتهيت إلى مأمني. ثم انتهى حتى قدم على معاوية فخبره بما كان و لقي ثم لم يزل مع معاوية مناصحا مجالدا لعلي و يتتبع قتلة عثمان حتى غزا الضحاك بن قيس أرض العراق ثم انصرف إلى معاوية و قد كان معاوية قال قبل ذلك
بشهرين أو ثلاثة أما من رجل أبعث من رجل أبعث معه بجريدة خيل حتى يغير على شاطئ الفرات فإن الله يرعب بها أهل العراق؟ فقال له النعمان: ابعثني فإن لي في قتالهم نية و هوى و كان النعمان عثمانيا قال فانتدب على اسم الله فانتدب و ندب معه ألفي رجل و أوصاه أن يتجنب المدن و الجماعات و أن لا يغير إلا على مسلحة و أن يعجل بالرجوع فأقبل النعمان بن بشير حتى دنا من عين التمر و كان بها مالك بن كعب الأرحبي الذي جرى له معه ما ذكرناه و كان معه بها ألف رجل و قد أذن لهم فرجعوا إلى الكوفة فلم يك بقي معه إلا مائة أو نحوها. فكتب مالك إلى علي (علیه السّلام): أما بعد فإن النعمان بن بشير قد نزل بي في جمع كثيف فرمى [فما] أنت ترى سددك الله تعالى وثبتك و السلام عن عبد الرحمن بن مخنف قال: كان مخنف بن سليم على الصدقة لعلي ع فكان على أرض الفرات إلى أرض بكر بن وائل و ما يليهم و كان قد بعث مالك بن كعب الأرحبي على العين فأقبل النعمان بن بشير في ألف رجل حتى أغار على العين فاستعان مالك بن كعب مخنف بن سليم و كان معه ناس كثير كانوا متفرقين.
قال عبد الله بن مخنف: فندب معي أبي مخنف خمسين رجلا و لم يوافقه يومئذ غيرهم فبعثني عليهم فانتهيت إلى مالك بن كعب وهو في مائة و النعمان و أصحابه قاهرون لمالك فانتهينا إليه مع الماء فلما رأوني ظنوا أن ورائي جيشا فانحازوا فالتقيناهم فقاتلناهم و حجز الليل بيننا و بينهم و هم يظنون أن لنا مددا فانصرفوا فقتل من أصحاب مالك بن كعب عبد الرحمن بن حرم الغامدي و ضرب مسلم بن عمرو الأزدي على قمته فكسر و انصرف النعمان. فبلغ الخبر عليا (علیه السّلام) فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: «يا أهل الكوفة المنسر من مناسر أهل الشام إذا أظل عليكم أغلقتم أبوابكم و انجحرتم في بيوتكم انجحار الضبة في
جحرها و الضبع في وجارها الذليل و الله من نصرتموه و من رمى بكم رمى بأفوق ناصل
أف لكم لقد لقيت منكم ترحا ويحكم يوما أناجيكم و يوما أناديكم فلا أجاب عند النداء و لا إخوان صدق عند اللقاء أنا والله منيت بكم صم لا تسمعون بكم لا تنطقون عمي لا تبصرون فالحمد لله رب العالمين ويحكم اخرجوا إلى أخيكم مالك بن كعب فإن النعمان بن بشير قد نزل به في جمع من أهل الشام ليس بالكثير فانهضوا إلى إخوانكم لعل الله يقطع بكم من الظالمين طرفا.» ثم نزل فلم يخرجوا فأرسل إلى وجوههم وكبرائهم فأمرهم أن ينهضوا و يحثوا الناس على
المسير فلم يصنعوا شيئا فقام عدي بن حاتم فتكلم. قال بكر بن عيسى: فحدثني سعد بن مجاهد الطائي عن المحل بن-
خليفة قال: لما دخل علي ع منزله قام عدي بن حاتم فقال: هذا والله الخذلان القبيح هذا و الله الخذلان غير الجميل ما على هذا بايعنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فقال يا أمير المؤمنين إن معي ألف رجل من طي لا يعصونني فإن شئت أن أسير بهم سرت قال: ما كنت لأعرض قبيلة واحدة من قبائل العرب للناس و لكن اخرج إلى النخيلة فعسكر «بهم فخرج فعسكر و فرض علي (علیه السّلام) سبعمائة لكل رجل فاجتمع إليه ألف فارس عدا طيئا أصحاب عدي بن حاتم فسار بهم على شاطئ الفرات فأغار في أداني الشام ثم أقبل.
عن عبد الله بن جوزة الأزدي قال: كنت مع مالك بن كعب حين نزل بنا النعمان بن بشیر و هو في ألفين و ما نحن إلا مائة فقال لنا: قاتلوهم في القرية و اجعلوا الجدر في ظهوركم ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و اعلموا أن الله تعالى ينصر العشرة على المائة و المائة على الألف و القليل على الكثير مما يفعل الله ذلك ثم قال: إن
أقرب من هاهنا إلينا من شيعة علي (علیه السّلام) و أنصاره و عماله قرظة بن كعب و مخنف بن سلیم فاركض إليهما وأعلمهما حالنا وقل لهما فلينصرانا بما استطاعا فأقبلت أركض وقد تركته وأصحابه و إنهم ليترامون بالنبل فمررت بقرظة بن كعب فاستغثته فقال
إنما أنا صاحب خراج و ما معي أحد أغيثه به فمضيت حتى أتيت مخنف بن سليم فأخبرته الخبر فسرح معي عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلا و قاتلهم مالك بن كعب و أصحابه إلى العصر فأتيناه و قد كسر هو و أصحابه جفون سيوفهم واستسلموا للموت فلو أبطأنا عنهم هلكوا فما هو إلا أن رأنا أهل الشام قد أقبلنا عليهم أخذوا ينكصون عنهم و يرتفعون عنهم و رانا مالك و أصحابه فشدوا عليهم حتى دفعوهم عن القرية فاستعرضناهم فصرعنا منهم رجالا ثلاثة ارتفع القوم عنا و ظنوا أن ورائنا مددا و لو ظنوا أنه ليس غيرنا لأقبلوا علينا و أهلكونا و حال الليل بيننا وبينهم فانصرفوا إلى أرضهم. و كتب مالك بن كعب إلى علي (علیه السّلام) أما بعد فقد نزل بنا النعمان بن بشير في جمع من أهل الشام كالظاهر علينا و كان عظم أصحابي متفرقين و كنا للذي كان منهم آمنين فخرجنا إليهم رجالا مصلتين فقاتلناهم حتى المساء و استصرخنا مخنف بن سليم فبعث إلينا رجالا من شيعة أمير المؤمنين (علیه السّلام) و ولده عند المساء فنعم الفتى و نعم الفتى و نعم الأنصار كانوا فحملنا على عدونا و شددنا عليهم فأنزل الله علينا
نصره و هزم عدوه و أعز جنده و الحمد لله رب العالمين و السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته. قال: لما ورد الكتاب على علي (علیه السّلام) قرأه على أهل الكوفة فحمد الله و أثنى عليه ثم نظر إلى جلسائه فقال: «الحمد لله» و ندم أكثرهم. عن أبي الطفيل قال علي (علیه السّلام): «يا أهل الكوفة دخلت إليكم و ليس لي سوط إلا الدرة
فرفعتموني إلى السوط ثم دفعتموني إلى الحجارة أو قال الحديد ألبسكم الله شيعا و أذاق بعضكم بأس بعض فمن فاز بكم فقد فاز بالقدح الأخيب.».
عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: قال علي (علیه السّلام): «أيها الناس إني دعوتكم إلى الحق فتوليتم عني و ضربتكم بالدرة فأعييتموني أما إنه سيليكم بعدي ولاة لا يرضون منكم بهذا حتى يعذبوكم بالسياط و بالحديد فأما أنا فلا أعذبكم بهما إنه من عذب الناس في الدنيا
عذبه الله في الآخرة و آية ذلك أن يأتيكم صاحب اليمن حتى يحل بين أظهركم فيأخذ العمال و عمال العمال رجل يقال له: يوسف بن عمرو يأتيكم عند ذلك رجل منا أهل البيت فانصروه فإنه داع إلى الحق».
قال: و كان الناس يتحدثون أن ذلك الرجل هو زيدع.
عن أبي صالح الحنفي قال: رأيت عليا (علیه السّلام) يخطب و قد وضع المصحف على رأسه حتى رأيت الورق يتقعقع على رأسه قال: فقال: «اللهم قد منعوني ما فيه فأعطني ما فيه اللهم قد أبغضتهم و أبغضوني و مللتهم و ملوني و حملوني على غير خلقي و طبيعتي و أخلاق لم تكن تعرف لي اللهم فأبدلني بهم خيرا منهم و أبدلهم بي شرا مني اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء».
عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت ابن أبي رافع قال: رأيت عليا (علیه السّلام) قد ازدحموا عليه حتی أدموا رجله فقال: «اللهم قد كرهتهم و كرهوني فأرحني منهم و أرحهم مني».
أمر دومة الجندل و قصة ابن العشبة
ذكر من حديث عبد الرحمن بن جندب عن أبيه أن أهل دومة الجندل من كلب لم يكونوا في طاعة علي (علیه السّلام) و لا معاوية وقالوا: نكون على حالنا حتى يجتمع الناس على إمام قال: فذكرهم معاوية مرة فبعث إليهم مسلم بن عقبة المري فسألهم
الصدقة و حاصرهم فبلغ ذلك عليا (علیه السّلام) و إمرأ القيس بن عدي أصهاره فبعث إلى مالك بن كعب فقال: «استعمل على عين التمر رجلا و أقبل إلى» فولاها عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب الأرحبي و أقبل إلى علي ع فسرحه في ألف فارس فما شعر مسلم بن عقبة إلا و مالك بن كعب إلى جنبه نازلا فتواقفا قليلا ثم إن الناس اقتتلوا و اطردوا يومهم ذلك إلى الليل لم يستفز بعضهم من بعض شيئا حتى إذا
كان من الغد صلى مسلم بأصحابه ثم انصرف و أقام مالك بن كعب في دومة الجندل يدعوهم إلى الصلح عشرا فلم يفعلوا فرجع إلى علي (علیه السّلام).
و من حديث أبي المثنى الكلبي أن عليا (علیه السّلام) بعث إلى الجلاس بن عمير و عمرو بن مالك بن العشبة الكلبيين و جعفر بن عبد الله الأشجعي فبعثهم إلى رجل يقال له: زهير بن مكحول بن كلب من بني عامر وقد أقبل يصدق الناس في السماوة فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن زهير بن مكحول هزم خيل علي (علیه السّلام) فاقتتلوا و رفعوا الجلاس بن عمير في إبل كلب فيها رعاة لهم فعرفوه فسقوه من اللبن و سرحوه. و أما عمرو بن العشبة فقدم على علي هو و الأشجعي و كان قد قال: (علیه السّلام) «إذا اجتمعتم فعليكم عمرو بن العشبة فلما رأى على عمرا قال
: «انهزمت؟!» و علا رأسه بالدرة فسكت فلما خرج لحق بمعاوية و بعث علي (علیه السّلام) إلى داره فهدمها. و قال عمرو بن العشبة:
لو كنت فينا يوم لاقانا العدي *** جاشت إليك النفس و الأحشاء
غارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار و لقيه أشرس بن حسان البكري و سعيد بن قيس
عن عبد الله بن يزيد بن المغفل أن أبا الكنود حدثه عن سفيان بن عوف الغامدي قال: دعاني معاوية فقال: إني باعثك في جيش كثيف ذي أداة
و جلادة فالزم لي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها فإن وجدت بها جندا فأغر عليهم و إلا فامض حتى تغير على الأنبار فإن لم تجد بها جندا فامض حتى تغير على المدائن ثم أقبل إلي و اتق أن تقرب الكوفة واعلم أنك إن أغرت على أهل الأنبار و أهل المدائن فكأنك أغرت على أهل الكوفة إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترهب قلوبهم و تجرئ كل من كان له هوى منهم و يرى فراقهم وتدعو إلينا كل من كان يخاف الدوائر وخرب كل ما مررت به من القرى و اقتل كل من لقيت ممن ليس هو على رأيك و احرب الأموال فإنه شبيه بالقتل و هو أوجع للقلوب. قال: فخرجت من عنده فعسكرت و قام معاوية في الناس خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فانتدبوا مع سفيان بن عوف فإنه وجه عظيم فيه أجر عظيم سريعة فيه أو بتكم إن شاء الله ثم نزل قال: فو الله الذي لا إله إلا هو ما مرت بي ثلاثة حتى خرجت في ستة آلاف ثم لزمت شاطئ الفرات فأغذذت السير حتى أمر بهيت فبلغهم أني قد غشيتهم فقطعوا الفرات فمررت بها و ما بها عريب كأنها لم تحلل
قط فوطئتها حتى مررت بصندوداء فتنافروا فلم ألق بها أحدا فمضيت حتى أفتتح الأنبار و قد أنذروا بي فخرج إلي صاحب المسلحة فوقف لي فلم أقدم عليه حتى أخذت غلمانا من أهل القرية فقلت لهم: خبروني كم بالأنبار من أصحاب علي قالوا: عدة رجال المسلحة خمسمائة و لكنهم قد تبددوا و رجعوا إلى الكوفة و لا
ندري الذي يكون فيها فيها قد يكون مائتي رجل. قال: فنزلت فكتبت أصحابي كتائب ثم أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة فيقاتلونهم و الله و يصبرون لهم و يطاردونهم في الأزقة فلما رأيت ذلك أنزلت إليهم نحوا من مائتين ثم أتبعتهم الخيل فلما مشت إليهم الرجال و حملت عليهم الخيل فلم يكن إلا قليلا حتى تفرقوا وقتل صاحبهم في رجال من أصحابه و أتيناه في نيف و ثلاثين رجلا فحملنا ما كان في الأنبار من أموال أهلها ثم انصرفت فو الله ما غزوت غزوة أسلم و لا أقر للعيون و لا أسر للنفوس منها و بلغني و الله أنها أفزعت الناس فلما أتيت معاوية فحدثته الحديث على وجهه قال: كنت و الله عند ظني بك لا تنزل في بلد من بلداني إلا قضيت فيه مثل ما يقضي فيه أميره و إن أحببت توليته وليتك و أنت أمين أينما كنت من سلطاني و ليس لأحد من خلق الله عليك أمر دوني.
قال: فو الله ما لبثنا إلا يسيرا حتى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الإبل هرابا من قبل علي. و عن جندب بن عفيف قال: والله إني لفي جند الأنبار مع أشرس بن حسان البكري إذ صبحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الأبصار منها فهالونا و الله و علمنا إذ رأيناهم أنه ليس لنا بهم طاقة و لا يد فخرج إليهم صاحبنا و قد تفرقنا فلم يلقهم نصفنا وايم الله لقد قاتلناهم فأحسنا قتالهم و الله حتى كرهونا ثم نزل صاحبنا و هو يتلو قوله تعالى فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا ثم قال لنا: من كان لا يريد لقاء الله و لا يطيب نفسا بالموت فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم فإن قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب و من أراد ما عند الله ف ما عند الله خير للأبرار ثم نزل في ثلاثين رجلا قال: فهممت و الله بالنزول معه ثم إن نفسي أبت و استقدم هو و أصحابه فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم الله فلما قتلوا أقبلنا منهزمين.
عن محمد بن مخنف: أن سفيان بن عوف لما أغار على الأنبار قدم
علج من أهلها على علي (علیه السّلام) فأخبره الخبر فصعد المنبر فقال: «أيها الناس إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار و هو معتز لا يخاف ما كان فاختار ما عند الله على الدنيا فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا ثم سكت عنهم رجاء أن يجيب يجيبوه أو يتكلموا أو يتكلم متكلم منهم بخير فلم ينبس أحد منهم بكلمة فلما رأى صمتهم على ما في أنفسهم نزل فخرج يمشي راجلا حتى أتى النخيلة و الناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم فقالوا ارجع يا أمير المؤمنين نحن نكفيك فقال: «ما تكفونني و لا تكفون أنفسكم فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله فرجع و هو واجم كئيب. و دعا سعيد بن قيس الهمداني فبعثه من النخيلة بثمانية آلاف و ذلك أنه أخبر أن القوم جاءوا في جمع كثير فقال له إني قد بعثتك في ثمانية آلاف فاتبع هذا الجيش حتى تخرجه من أرض العراق فخرج على شاطئ
الفرات في طلبه حتى إذا بلغ عانات سرح أمامه هانئ بن الخطاب الهمداني فاتبع آثارهم حتى إذا بلغ أواني قنسرين و قد فاتوه ثم انصرف. قال: فلبث علي (علیه السّلام) ترى فيه الكآبة والحزن حتى قدم عليه سعيد بن قيس فكتب كتابا و كان في تلك الأيام عليلا فلم يطق على القيام في الناس بكل ما أراد من القول فجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد و معه الحسن و الحسين (علیه السّلام) و عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (علیه السّلام) فدعا سعدا مولاه فدفع الكتاب إليه فأمره أن يقرأه على الناس فقام سعد بحيث يسمع علي قراءته و ما يرد عليه الناس ثم قرأ الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي إلى من قرئ عليه كتابي من المسلمين سلام عليكم أما بعد ف الحمد لله رب العالمين و سلام على
المرسلين و لا شريك لله الأحد القيوم وصلوات الله على محمد و السلام عليه في العالمين أما بعد فإني قد عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت أرجعتموني بالهزء من قولكم حتى برمت [ب] هزء من القول لا يعاد به وخطل لا يعز أهله و لو وجدت بدا من خطابكم والعتاب إليكم ما فعلت وهذا كتابي يقرأ عليكم فردوا خيرا و افعلوه و ما أظن أن تفعلوا فالله المستعان أيها الناس إن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى و درع الله الحصينة وجنته الوثيقة فمن ترك الجهاد في الله ألبسه الله ثوب ذلة وشملة البلاء وضرب على قلبه بالشبهات و ديث بالصغار و القماءة و أديل الحق منه بتضييع الجهاد وسيم
الخسف و منع النصف ألا و إني قد دعوتكم إلى جهاد عدوكم ليلا و نهارا و سرا و جهرا و قلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم فو الله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا فتواكلتم و تخاذلتم و ثقل عليكم قولي فعصيتم و اتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات في بلادكم و ملكت عليكم الأوطان و هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار فقتل بها أشرس بن حسان فأزال مسالحكم عن مواضعها و قتل
منكم رجالا صالحين و قد بلغني أن الرجل من أعدائكم كان يدخل بيت المرأة المسلمة و المعاهدة فينتزع خلخالها من ساقها و رعثها من أذنها فلا تمتنع منه ثم انصرفوا وافرين لم يكلم منهم رجل كلما فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندي ملوما بل كان عندي به جديرا فيا عجبا عجبا و الله يميث القلب و يجلب الهم و يسعر الأحزان من اجتماع هؤلاء على باطلهم و تفرقكم عن حقكم فقبحا لكم وترحا لقد صيرتم أنفسكم غرضا يرمى يغار عليكم و لا تغيرون و تغزون و لا تغزون و يعصى الله و ترضون و يفضى إليكم فلا تأنفون قد ندبتكم
إلى جهاد عدوكم في الصيف فقلتم هذه حمارة القيظ أمهلنا حتى ينسلخ عنا الحر و إن ندبتكم في صبارة الشتاء قلتم من يقوى على القر أمهلنا ينسلخ عنا البرد فكل هذا فرارا من الحر و الصر فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون فأنتم و الله من حر السيوف أفر لا و الذي نفس ابن أبي طالب بيده عن السيف تحيدون فحتى متى؟ و إلى متى؟! يا أشباه
الرجال و لا رجال و يا طغام الأحلام أحلام الأطفال و عقول ربات الحجال الله يعلم لقد سئمت الحياة بين أظهركم و لوددت أن الله يقبضني إلى رحمته من بينكم و ليتني لم أركم و لم أعرفكم معرفة و الله جرت ندما و أعقبت سدما أوغرتم يعلم الله صدري غيظا و جرعتموني جرع التهمام أنفاسا و أفسدتم علي رأيي و خرصي بالعصيان و الخذلان حتى قالت قريش و غيرها إن ابن أبي طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب الله أبوهم و هل كان منهم رجل أشد مقاساة و تجربة و لا أطول لها مراسا مني فو الله لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين فها أنا ذا قد ذرفت على الستين و لكن لا رأي لمن لا يطاع.» فقام إليه رجل من الأزد يقال له جندب بن عفيف آخذا بيد ابن أخ له يقال له: عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف فأقبل يمشي حتى استقبل أمير المؤمنين (علیه السّلام) بباب السدة ثم جثا على ركبتيه وقال: يا أمير المؤمنين ها أنا ذا لا أملك إلا نفسي و أخي فمرنا بأمرك فو الله لننفذن
له و لو حال دون ذلك شوك الهراس و جمر الغضا حتى ننفذ أمرك أو نموت دونه فدعا لهما بخير و قال لهما: «أين تبلغان مما نريد؟» ثم أمر الحارث الأعور الهمداني فنادى في الناس : «أين من يشري نفسه لربه و يبيع دنياه بآخرته أصبحوا غدا بالرحبة إن شاء الله و لا يحضرنا إلا صادق النية في المسير معنا و الجهاد لعدونا فأصبح بالرحبة نحو من ثلاثمائة فلما عرضهم قال: «لو كانوا ألفا كان
لي فيهم رأي» قال: و أتاه قوم يعتذرون و تخلف آخرون فقال: «و جاء المعذرون» و تخلف المكذبون قال و مكث أمير المؤمنين أياما باديا حزنه شديد الكآبة ثم إنه نادى في الناس فاجتمعوا فقام خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: «أما بعد أيها الناس فو الله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب و ما كانوا يوم أعطوا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يمنعوه و من معه من المهاجرين حتى يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين صغير [صغيرا] مولدهما و ما هما بأقدم العرب ميلادا و لا بأكثرهم عددا فلما أووا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)
و أصحابه و نصروا الله ودينه رمتهم العرب عن قوس واحدة و تحالفت عليهم اليهود وغزتهم القبائل قبيلة بعد قبيلة فتجردوا لنصرة دين الله و قطعوا ما بينهم و بين العرب من الحبائل وما بينهم وبين اليهود من العهود و نصبوا لأهل نجد و تهامة و أهل مكة و اليمامة و أهل الحزن و السهل و أقاموا قناة الدين و تصبروا تحت حماس الجلاد حتى دانت لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) العرب و رأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب.» فقام إليه رجل آدم طوال فقال: ما أنت بمحمد و لا نحن بأولئك الذين ذكرت فلا تكلفنا ما لا طاقة لنا به فقال له علي (علیه السّلام) «أحسن سمعا تحسن إجابة ثكلتكم الثواكل ما تزيدونى إلا غما هل أخبرتكم أني محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) و أنكم الأنصار إنما ضربت لكم مثلا و إنما أرجو أن تتأسوا بهم ثم قام رجل آخر فقال: ما أحوج أمير المؤمنين اليوم و من معه
إلى أصحاب النهروان ثم تكلم الناس من كل ناحية و لغطوا فقام رجل فنادى بأعلى صوته: استبان فقد الأشتر على أهل العراق و أشهد أن لو كان حيا لقل اللغط و لعلم كل امرئ ما يقول فقال (علیه السّلام) لهم: «هبلتكم الهوابل لأنا أوجب عليكم حقا من
الأشتر و هل للأشتر عليكم من الحق إلا حق المسلم؟!» فغضب و نزله فقام بن عدي الكندي وسعيد بن قيس الهمداني فقالا لا يسؤك الله يا أمير المؤمنين مرنا بأمرك نتبعه فو الله ما نعظم جزعا على أموالنا إن نفدت و لا على عشائرنا إن قتلت في طاعتك فقال لهم: تجهزوا للمسير إلى عدونا» فلما دخل منزله و دخل عليه وجوه أصحابه قال لهم: «أشيروا علي برجل صليب ناصح يحشر الناس من السواد» فقال له سعيد بن قيس الهمداني: يا أمير المؤمنين أشير عليك بالناصح الأديب الشجاع الصليب معقل بن قيس التميمي قال: «نعم» ثم دعاه فوجهه فسار فلم يقدم حتى أصيب أمير المؤمنين (علیه السّلام)..
عن أبي مسلم قال: سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: «لو لا بقية المسلمين لهلكتم».
عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي: أن عليا ع خطبهم بعد هذا الكلام فقال بعد أن حمد الله و أثنى عليه: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم المتفرقة أهواؤهم ما عز من دعاكم و لا استراح من قاساكم كلامكم يوهن الصم الصلاب و فعلكم يطمع فيكم عدوكم إن قلت لكم سيروا إليهم في الحر قلتم حتى ينسلخ عنا البرد فعل ذي الدين المطول من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب أصبحت لا أصدق قولكم و لا أطمع في نصركم فرق الله بيني و بينكم أي دار بعد داركم تمنعون؟! و مع أي إمام بعدي تقاتلون؟ أما إنكم ستلقون بعدي أثرة يتخذها عليكم الضلال سنة وفقرا يدخل بيوتكم وسيفا قاطعا وتتمنون عند ذلك أنكم رأيتموني و قاتلتم معي و قتلتم دونى و كأن قد».
عن الأعمش عن عطية قال: قال لهم علي (علیه السّلام) عن خالد
بن عرعرة قال: سمعت عليا أمير المؤمنين (علیه السّلام) يقول: «و الله لتفعلن ما تؤمرون أو لتركبن أعناقكم اليهود و النصارى إن بالكوفة مساجد مباركة و مساجد ملعونة فأما
المباركة فإن منها مسجد غني و هو مسجد مبارك و الله إن قبلته لقاسطة و لقد أسسه رجل مؤمن و إنه لفي سرة الأرض و إن بقعته لطيبة و لا تذهب الليالي و حتى تنفجر فيه عين وحتى تكون على جنبيه جنتان و أهله ملعونون و هو الأيام مسلوب منهم و مسجد جعفي مسجد مبارك و ربما اجتمع فيه أناس من الغيب يصلون فيه و مسجد ابن ظفر مسجد مبارك و الله إن أطباقه لصخرة خضراء ما بعث الله من نبي إلا فيها تمثال وجهه و هو مسجد السهلة و مسجد الحمراء و هو مسجد يونس بن متى (علیه السّلام) و لتنفجرن فيه عين تظهر على السبخة و ما حوله و أما المساجد الملعونة فمسجد الأشعث بن قيس و مسجد جرير بن عبد الله البجلي و مسجد ثقیف و مسجد سماك بني على قبر فرعون من الفراعنة».
فكانت غارة معاوية في أداني الكوفة.
عن بكر بن عيسى: أنهم لما أغاروا بالسواد قام علي (علیه السّلام) فخطب إليهم فقال: «أيها الناس ما هذا ؟! فو الله إن كان ليدفع عن القرية بالسبعة نفر من المؤمنين تكون فيها».
عن ثعلبة بن يزيد الحماني أنه قال: بينما أنا في السوق إذ سمعت مناديا ينادي الصلاة جامعة فجئت أهرول و الناس يهرعون فدخلت فإذا علي (علیه السّلام) على منبر من طين مجصص و هو غضبان قد بلغه أن ناسا قد أغاروا بالسواد فسمعته يقول: «أما و رب السماء و الأرض ثم رب السماء و الأرض إنه لعهد النبي ص إلي أن الأمة ستغدر بي».
عن المسيب بن نجبة الفزاري أنه قال: سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: إني قد خشيت أن يدال هؤلاء القوم عليكم بطاعتهم إمامهم و معصيتكم إمامكم و بأدائهم الأمانة و
خيانتكم وبصلاحهم في أرضهم و فسادكم في أرضكم و باجتماعهم على باطلهم و تفرقكم عن حقكم حتى
تطول دولتهم و حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه حتى لا يبقى بيت وبر و لا بيت مدر إلا دخله جورهم وظلمهم حتى يقوم الباكيان باك يبكي لدينه و باك يبكي لدنياه و حتى لا يكون منكم إلا نافعا [نافع] لهم أو غير ضار بهم و حتى يكون نصرة أحدكم منهم كنصرة العبد من سيده إذا شهده أطاعه و إذا غاب عنه سبه فإن أتاكم الله بالعافية فاقبلوا و إن ابتلاكم فاصبروا ف إن العاقبة للمتقين».
عن يحيى بن صالح عن أصحابه - أن عليا (علیه السّلام) ندب الناس عند ما أغاروا على نواحي السواد فانتدب لذلك شرطة الخميس فبعث إليهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ثم وجههم فساروا حتى وردوا تخوم الشام. و كتب علي (علیه السّلام) إلى معاوية: أنك زعمت أن الذي دعاك إلى ما فعلت الطلب بدم عثمان فما أبعد قولك من فعلك ويحك و ما ذنب أهل الذمة في قتل ابن عفان و بأي شيء تستحل أخذ فيء المسلمين؟! فانزع و لا تفعل و احذر عاقبة البغي لا تفعل و احذر عاقبة البغي و الجور و إنما مثلي و مثلك كما قال بلعاء لدريد بن الصمة
مهلا دريد عن التسرع إنني ***ما في الجنان بمن تسرع مولع
مهلا دريد عن السفاهة إننى *** ماض على رغم العداة سميدع
مهلا دريد لا تكن لاقيتني *** يوما دريد فكل هذا يصنع
و إذا أهانك معشر أكرمهم *** فتكون حيث ترى الهوان و تسمع
» فأجابه معاوية: أما بعد فإن الله أدخلني في أمر عزلك عنه نائيا عن الحق فنلت منه أفضل أملي و أنا الخليفة المجموع عليه و لم تصب في مثلي و مثلك إنما مثلي ومثلك كما قال بلعاء حين صولح على دم أخيه ثم نكث فعنفه قومه فأنشأ يقول:
أ لا آذنتنا من تدللها ملس *** و قالت: أ ما بيني و بينك من بلس
و قالت ألا تسعى فتدرك ما مضى *** و ما أهلك العانون في القدح و
الضرس
أ تأمرني سعد و ليث و جندع *** و لست براض بالدنية و الوكس
يقولون خذ عقلا و صالح عشيرة *** فما يأمروني بالهموم إذا أمسي
قال جندب بن عبد الله الوائلي كان علي (علیه السّلام) يقول: «أما إنكم ستلقون بعدي ثلاثا ذلا شاملا وسيفا قاتلا وأثرة يتخذها الظالمون
عليكم سنة فستذكروني عند تلك الحالات فتمنون لو رأيتموني و نصرتموني و أهرقتم دماءكم دون دمي فلا يبعد الله إلا من ظلم.
و كان جندب بعد ذلك إذا رأى شيئا مما يكرهه قال: لا يبعد الله إلا من ظلم. عن جندب بن عبد الله الأزدي أن علياع استنفرهم أياما فلم ينفروا فقام في الناس فقال: «أما بعد أيها الناس فإني قد استنفرتكم فلم تنفروا و نصحت لكم فلم تقبلوا فأنتم شهود كغياب و صم ذوو أسماع أتلو عليكم الحكمة و أعظكم بالموعظة الحسنة و أحثكم على جهاد عدوكم الباغين فلما أتي على آخر منطقي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا فإذا أنا كففت عنكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عرين [عزين]
تضربون الأمثال و تتناشدون الأشعار و تسألون عن تسألون عن الأخبار قد نسيتم الاستعداد للحرب و شغلتم قلوبكم بالأباطيل تربت أيديكم اغزوا القوم قبل أن يغزوكم فو الله ما غزي قوم قط في عقر ديارهم إلا ذلوا و ايم الله ما أراكم تفعلون حتى يفعلوا و لوددت أني لقيتهم على نيتي و بصيرتي فاسترحت من مقاساتكم فما أنتم إلا كإبل جمة ضل راعيها كلما ضمت من جانب انتشرت من جانب آخر و الله لكأني بكم لو قد حمس الوغا [الوغى] و أحم البأس قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس و انفراج المرأة عن قبلها»
فقام إليه الأشعث بن قيس فقال له يا أمير المؤمنين فهلا فعلت كما فعل ابن عفان فقال له علي (علیه السّلام): «يا عرف النار ويلك إن فعل ابن عفان لمخزاة على من لا دين له و لا حجة معه فكيف و أنا على بينة من ربي و الحق في يدي و الله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه يخذع لحمه و يهشم عظمه و يفري جلده و يسفك دمه لضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره أنت فكن كذلك إن أحببت فأما أنا فدون أن أعطي ذلك ضربا بالمشرفي يطير منه فراش الهام و تطيح منه الأكف و المعاصم و يفعل الله بعد ما يشاء». فقام أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد صاحب منزل رسول الله فقال: أيها الناس إن أمير المؤمنين قد أسمع من كانت له أذن واعية و قلب حفيظ إن الله قد أكرمكم بكرامة لم تقبلوها حق قبولها إنه ترك بين
أظهركم ابن عم نبيكم وسيد المسلمين عن بعده يفقهكم في الدين و يدعوكم إلى جهاد المحلين فكأنكم صم لا تسمعون أو على قلوبكم غلف مطبوع عليها فأنتم لا تعقلون أفلا تستحيون عباد الله إنما عهدكم بالجور و العدوان أمس قد شمل البلاء
و شاع في البلاد فذو حق محروم و ملطوم وجهه و موطوء بطنه و ملقى بالعراء تسفي عليه الأعاصير لا يكنه من الحر و القر و صهر الشمس و الضح إلا الأثواب
الهامدة و بيوت الشعر البالية حتى حباكم الله بأمير المؤمنين (علیه السّلام) فصدع بالحق و نشر العدل و عمل بما في الكتاب يا قوم فاشكروا نعمة الله عليكم و لا تولوا مدبرین و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون اشحذوا السيوف و استعدوا لجهاد عدوكم فإذا دعيتم فأجيبوا و إذا أمرتم فاسمعوا و أطيعوا و ما قلتم فليكن ما أضمرتم عليه تكونوا بذلك من الصادقين.
عن عباد بن عبد الله الأسدي قال: كنت جالسا يوم الجمعة و علي
(علیه السّلام) يخطب على منبر من آجر و ابن صوحان جالس فجاء الأشعث فجعل يتخطى الناس فقال: يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على وجهك فغضب فقال ابن صوحان ليبين اليوم من أمر العرب ما كان يخفى فقال علي (علیه السّلام): «من يعذرني من هؤلاء الضياطرة يقبل أحدهم يتقلب على حشاياه و يهجد قوم لذكر الله فيأمرني أن أطردهم فأكون من الظالمين و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لقد سمعت محمدا (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: ليضر بنكم والله على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا».
قال مغيرة: كان علي (علیه السّلام) أميل إلى الموالي و ألطف عن النعمان بن سعد قال: رأيت عليا (علیه السّلام) على المنبر يقول: «أين الثمودي؟» فطلع الأشعث فأخذ كفا من الحصى و ضرب وجهه فأدماه و انجفل و انجفل الناس معه و يقول: «ترحا لهذا الوجه ترحا لهذا الوجه».
عن يحيى بن سعيد عن أبيه قال: خطب علي (علیه السّلام) فقال: «إنما أهلك الناس خصلتان هما أهلكتا من كان قبلكم و هما مهلكتان من يكون بعدكم أمل ينسي الآخرة و هوى يضل عن السبيل» ثم نزل
عن الأصبغ بن نباتة قال: قال: خطب علي (علیه السّلام) فحمد الله و أثنى عليه و ذكر النبي فصلى عليه ثم قال: «أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله الذي بطاعته ينفع أولياءه
بمعصيته يضر أعداءه و إنه ليس لهالك هلك من معذرة في تعمد ضلالة حسبها هدى و لا ترك حق حسبه ضلالة و إن أحق ما يتعاهد الراعي من رعيته أن يتعاهدهم بالذي لله عليهم في وظائف دينهم و إنما علينا أن نأمركم كما أمركم الله به أن ننهاكم عما نهاكم الله عنه و نقیم لا أمر الله في قريب الناس و بعيدهم لا نبالي فيمن جاء الحق عليه و قد علمت أن أقواما يتمنون في دينهم الأماني يقولون نحن نصلي مع المصلين و نجاهد مع المجاهدين و نمتحن الهجرة و نقتل العدو و كل ذلك يفعله أقوام ليس الإيمان بالتحلي و لا بالتمني الصلاة لها وقت فرضه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا تصلح إلا به فوقت صلاة الفجر حين يزايل المرء ليله و يحرم على الصائم طعامه و شرابه و وقت صلاة الظهر إذا كان القيظ حين يكون ظلك مثلك و إذا كان الشتاء حين تزول الشمس من الفلك وذلك حين تكون على حاجبك الأيمن مع شروط الله في الركوع و السجود
و وقت العصر و الشمس بيضاء نقية قدر ما يسلك الرجل على الجمل الثقيل فرسخين قبل غروبها و وقت المغرب إذا غربت الشمس و أفطر الصائم و وقت صلاة العشاء الآخرة حين يسق الليل و تذهب حمرة الأفق إلى ثلث الليل فمن نام عند ذلك فلا أنام الله عينه فهذه مواقيت الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا و يقول الرجل هاجرت و لم يهاجر إنما المهاجرون الذين يهجرون السيئات و لم يأتوا بها و يقول الرجل جاهدت و لم يجاهد إنما الجهاد اجتناب المحارم و مجاهدة العدو و قد يقاتل أقوام فيحسنون القتال و لا يريدون إلا الذكر و الأجر و إن الرجل ليقاتل بطبعه من الشجاعة فيحمي من يعرف و من لا يعرف و يجبن بطبيعته من الجبن فيسلم أباه و أمه إلى العدو و إنما المآل حتف من الحتوف و كل امرئ على ما قاتل عليه و إن الكلب ليقاتل دون أهله و الصيام
اجتناب المحارم كما يمتنع الرجل من الطعام والشراب و الزكاة التي فرضها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) طيبة بها نفسك لا تسنوا عليها سنيها فافهموا ما توعظون فإن الحريب من حرب دينه
و السعيد من وعظ بغيره ألا وقد وعظتكم فنصحتكم و لا حجة لكم على الله أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم».
غارة يزيد بن شجرة الرهاوي على أهل مكة و لقيه معقل بن قيس الرياحي رحمة الله عليه
عن جابر بن عمرو بن قعين قال دعا معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي فقال: إني مسر إليك سرا فلا تطلعن على سري أحدا حتى تخرج من أرض الشام كلها إني باعثك إلى أهل الله و إلى حرم الله و أهلي و عشيرتي و بيضتي التي انفلقت عني و إليها رجل ممن قتل عثمان وسفك دمه و في ذلك شفاء لنا و لك و قربة إلى الله و زلفى فسر على بركة الله حتى تنزل مكة فإنك الآن تلاقي الناس هناك بالموسم فادع الناس إلى طاعتنا و اتباعنا فإن أجابوك فاكفف عنهم و اقبل منهم و إن أدبروا عنك فنابذهم و ناجزهم و لا تقاتلهم حتى
تبلغهم أني قد أمرتك أن تبلغ عني فإنهم الأصل والعشيرة و إني لاستبقائهم محب و لاستئصالهم كاره ثم صل بالناس و فقال له يزيد بن شجرة الرهاوي: إني لا أسير لك في هذا الوجه حتى تسمع مقالتي و تشفعني بحاجتي قال: فإن ذلك لك فقل ما بدا لك فقال: الحمد لله أهل الحمد و أشهد أن لا إله إلا الله رب العالمين و أن محمدا عبده و رسوله ص أما بعد فإنك وجهتني إلى قوم الله و مجمع الصالحين فإن رضيت أن أسير إليهم فأعمل فيهم برأيي و بما أرجو أن يجمعك الله و إياهم به سرت إليهم و إن كان لا يرضيك عني إلا الغشم و
تجريد السيف و إخافة البريء و رد العذر فلست بصاحب ما هناك فاطلب لهذا الأمر امرأ غيري فقال له: سر راشدا لقد رضيت برأيك و سيرتك و كان رجلا ناسكا يتأله و كان عثمانيا و كان ممن شهد مع معاوية صفين فخرج من دمشق مسرعا و شيعه رؤساء أهلها فأخذوا يدعون الله بحسن الصحابة و يقولون: أين تريد ؟ فيقول: ما أسرع ما تعلمون ذلك إن شاء الله فلما أخذوا ما يقبلون عنه قال: سبحان الله خلق الإنسان من عجل كأنكم قد علمتم إن شاء الله ثم مضى فقال: اللهم إن كنت قد قضيت أن يكون بين هذا الجيش الذي وجهت فيه و بين أهل حرمك الذي وجهت إليه قتال فاكفنيه فإني لست أعظم قتال من
شرك في قتل عثمان خليفتك المظلوم و لا قتال من خذله و لا دخل في طاعته و انتهك حرمته و لكني أعظم القتال في حرمك الذي حرمت. فخرج يسير و قدم أمامه الحارث بن نمير التنوخي على مقدمته فأقبلوا حتى مروا بوادي القرى ثم أخذوا على الجحفة ثم مضوا حتى قدموا مكة في عشر ذي الحجة عن عباس بن سهل بن سعد الأنصاري قال: لما الأنصاري قال: لما سمع قثم بن عباس بن عبد المطلب بدنوهم منه قبل أن يفصلوا من الجحفة و كان عاملا لعلي (علیه السّلام) على مكة و ذلك في سنة تسع ثلاثين قام في أهل مكة فحمد الله و أثنى عليه ثم قال:
أما بعد فقد وجه إليكم جند من الشام عظيم قد أظلكم فإن كنتم على طاعتكم و بيعتكم فانهضوا إليهم معي حتى أناجزهم و إن كنتم غير فاعلين فبينوا لي ما في أنفسكم و لا تغروني فإن الغرور حتف يضل معه الرأى و يصرع معه معه الرائي و يسرع به الريب فسكت القوم مليا لا يتكلمون فقال: قد بينتم لي ما في أنفسكم فذهب لينزل فقام شيبة بن عثمان فقال له: رحمك الله أيها الأمير لا يقبح فينا رأيك و لا يسوء بنا ظنك و نحن على طاعتنا و بيعتنا و أنت أميرنا و ابن عم خليفتنا فإن
تدعنا نجبك و إن تأمرنا نطعك فيما أطقنا ونقدر عليه فقرب دوابه و حمل متاعه و أراد التنحي عن مكة. عن عباس بن سهل بن سعد قال: قدم أبو سعيد الخدري فسأل عن قتم و كان له ودا وصفيا فقيل قد قدم دوابه و حمل متاعه یرید أن يتنحى عن مكة فجاء فسلم عليه ثم قال له ما أردت؟ قال له قد حدث هذا الأمر الذي بلغك و ليس معي جند أمتنع بهم فرأيت أن أعتزل عن مكة فإن يأتني جند أقاتل بهم و إلا كنت قد تنحيت بدمي قال له: إني لم أخرج من المدينة حتى قدم علينا حاج أهل العراق و تجارهم يخبرون أن الناس بالكوفة قد ندبوا إليك مع معقل بن قيس الرياحي قال هيهات هيهات يا أبا سعيد إلى ذلك ما يعيش أولادنا فقال له أبو سعيد: رحمك الله فما
عذرك عند ابن عمك و ما عذرك عند العرب إن انهزمت قبل أن تطعن و تضرب فقال: يا أبا سعيد إنك لا تهزم عدوك و لا تمنع حريمك بالمواعيد و الأماني اقرأ كتاب صاحبي فقرأه أبو سعيد فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى قثم بن العباس سلام عليك أما بعد فإن عيني بالمغرب كتب إلي يخبرني أنه قد وجه إلى الموسم ناس من العرب من العمي القلوب الصم الأسماع الكمه الأبصار الذين يلبسون الحق بالباطل ويطيعون المخلوقين في معصية الخالق و يجلبون الدنيا بالدين و يتمنون على الله جوار الأبرار و إنه لا يفوز بالخير إلا عامله و لا يجزى بالسيئ إلا فاعله و قد وجهت إليكم جمعا من المسلمين ذوي بسالة و نجدة مع الحسيب الصليب الورع التقي معقل بن قيس الرياحي و قد أمرته باتباعهم و قص آثارهم حتى ينفيهم من أرض الحجاز فقم على ما في يديك مما إليك مقام الصليب الحازم المانع سلطانه الناصح للأمة و لا يبلغني عنك وهن و لا خور و ما تعتذر منه
و وطن نفسك على الصبر في البأساء والضراء و لا تكونن فشلا و لا طائشا رعديدا و السلام». فلما قرأ أبو سعيد الكتاب قال قثم ما ينفعني من هذا الكتاب و قد سمعت بأن قد سبقت خيلهم خيله و هل يأتي جيشه حتى ينقضي أمر الموسم كله؟ فقال له أبو سعيد إنك إن أجهدت نفسك في مناصحة إمامك فرأى ذلك لك و عرف ذلك الناس فخرجت من اللائمة و قضيت الذي عليك من الحق فإن القوم قد قدموا و أنت في الحرم و الحرم حرم الله الذي جعله آمنا و قد كنا في الجاهلية قبل الإسلام نعظم الحرم فاليوم أحق أن نفعل ذلك. فأقام قثم و جاء يزيد بن شجرة الرهاوي حتى دخل مكة ثم أمر مناديا فنادى في الناس ألا إن الناس آمنون كلهم إلا من عرض لنا في عملنا و سلطاننا و ذلك قبل التروية بيوم فلما كان ذلك مشت قريش و الأنصار و من شهد الموسم من الصحابة وصلحاء الناس فيما بينهما و سألتهما أن يصطلحا فكلاهما سره ذلك الصلح فأما قثم فإنه لم يثق بأهل مكة و لا رأى أنهم يناصحونه و أما يزيد فكان رجلا متنسكا و كان يكره أن يكون منه في الحرم شر. عن عمرو بن محصن قال قام يزيد بن شجرة فحمد الله و أثنى عليه ثم قال:
أما بعد يا أهل الحرم و من حضره فإني وجهت إليكم لأصلي بكم و أجمع و آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر فقد رأيت والي هذه البلدة كره ما جئنا له و الصلاة معنا و نحن للصلاة معه كارهون فإن شاء اعتزلنا الصلاة بالناس و اعتزلها و تركنا أهل مكة يختارون لأنفسهم من أحبوا حتى يصلي بهم فإذا أبى فأنا آبي و الذي لا إله غيره لو شئت لصليت بالناس و أخذته حتى أورده إلى الشام و ما معه من يمنعه و لكني و الله ما أحب أن أستحل حرمة هذا البلد الحرام. قال: ثم إن يزيد بن شجرة أقبل حتى أتى أبا سعيد الخدري فقال: رحمك الله الق هذا الرجل فقل له: لا
أبا لغيرك اعتزل الصلاة بالناس و أعتزلها و دع أهل مكة يختارون لأنفسهم من أحبوا فو الله لو أشاء لبعثتك و إياهم و لكن و الله ما يحملني على ما تسمع إلا رضوان الله و التماسه و احترام الحرم فإن ذلك أقرب للتقوى و خير في العاقبة. قال له أبو سعيد: ما رأيت رجلا من المغرب أصوب مقالا و لا أحسن رأيا منك. فانطلق أبو سعيد إلى قثم فقال: ألا ترى ما أحسن ما صنع الله لك و ذكر له ذلك فاعتزلا الصلاة و اختار الناس شيبة بن عثمان
فصلى بهم فلما قضى الناس حجهم رجع يزيد إلى الشام و أقبلت خيل علي ع فأخبروا بعود أهل الشام فتبعوهم و عليهم معقل بن قيس فأدركوهم و قد رحلوا عن وادي القرى فظفروا بنفر منهم و أخذوهم أسارى و أخذوا ما معهم و رجعوا إلى أمير المؤمنين ففادى بهم أسارى كانت له ع عند معاوية. قال: قال أمير المؤمنين لأهل الكوفة ما أرى هؤلاء القوم يعني أهل الشام إلا ظاهرين عليكم قالوا: تعلم بما ذا يا أمير المؤمنين قال: أرى أمورهم قد علت و أرى نيرانكم قد خبت و أراهم جادین و أراكم وانين و أراهم مجتمعين و أراكم متفرقين و أراهم لصاحبهم طائعين و أراكم لي عاصين و ايم الله لئن ظهروا عليكم لتجدنهم أرباب سوء لكم من بعدي كأني أنظر إليهم قد شاركوكم في بلادكم وحملوا إلى بلادهم فيئكم و كأني أنظر إليكم يكش بعضكم على بعض كشيش الضباب لا تمنعون حقا و لا تمنعون لله حرمة و كأني أنظر إليهم يقتلون قراءكم و كأني بهم يحرمونكم و يحجبونكم و يدنون أهل الشام دونكم فإذا رأيتهم [رأيتم] الحرمان و الأثرة ووقع السيف تندمتم و تحزنتم على تفريطكم في جهادكم وتذكرتم ما فيه من الحفظ حين لا ينفعكم التذكار».
فيمن انتقص عليا (علیه السّلام) و عاداه
منهم عمرو بن العاص
قال: بلغ عليا (علیه السّلام) أن ابن العاص ينتقصه عند أهل الشام فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: يا عجبا لا ينقضي لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة و أني امرؤ تلعابة أعافس
و أمارس إنه و الله يعلم لقد قال: كذبا و نزغ آثما أ ما يشغله عن ذلك ذكر الموت و خوف الله و الحساب ؟! أما و شر القول الكذب إنه ليقول فيكذب و يعد فيخلف يسأل فيلحف و يسأل فيبخل و ينقض العهد و يقطع الإل فإذا كان عند البأس فزاجر و آمر ما لم تأخذ السيوف مأخذها من الهام فإذا كان ذلك فأكبر مكيدته أن يمرقط و يمنح استه قبحه الله و ترحه».
و منهم المغيرة بن شعبة
عن علي بن النعمان قال: قال علي (علیه السّلام): الئن ملكت لأرمينه
بأحجاره»
يعني المغيرة و كان ينتقص عليا (علیه السّلام).
عن جندب بن عبد الله قال: ذكر المغيرة بن شعبة عند علي (علیه السّلام) و جده مع معاوية فقال: «و ما المغيرة إنما كان إسلامه لفجرة وغدرة لمطمئنين إليه من قومه فتك بهم و ركبها منهم فأتى النبي ص كالعائذ بالإسلام والله ما رأى أحد عليه منذ ادعى الإسلام خضوعا و لا خشوعا ألا و إنه كان من ثقيف فراعنة قبل يوم القيامة يجانبون الحق و يسعرون نيران الحرب و يوازرون الظالمين ألا إن ثقيفا قوم غدر لا يعرفون بعهد يبغضون العرب كأنهم ليسوا منهم و لرب صالح قد كان فيهم منهم عروة بن مسعود و أبو عبيد بن مسعود المستشهد بقس
الناطف على شاطئ الفرات و إن الصالح في ثقيف الغريب».
و منهم الوليد بن عقبة
و هو الذي سماه الله في كتابه فاسقا و هو أحد الصبية الذين بشرهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالنار و قال شعرا يرد على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قوله: حيث قال في علي (علیه السّلام): «إن تولوه تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم» فقال:
فإن يك قد ضل البعير بحمله *** فلم يك مهديا و لا كان هاديا.
فهو من مبغضي علي (علیه السّلام) و أعدائه و أعداء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لأن أباه قتله النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بيد علي صبرا يوم بدر بالصفراء.
عن مغيرة الضبي قال: مر ناس بالحسن بن علي (علیه السّلام) و هم يريدون عيادة الوليد بن عقبة و هو في علة شديدة فأتاه الحسن (علیه السّلام) معهم عائدا فقال للحسن: أتوب إلى الله مما كان بيني و بين جميع الناس إلا ما كان بيني و بين أبيك يقول أي لا أتوب منه.
عن زر بن حبيش قال: سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: «و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إنه أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق».
لعهد إلي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن حبة العرني عن علي (علیه السّلام) قال: «إن الله أخذ ميثاق كل مؤمن على حبي و و أخذ ميثاق كل منافق على بغضي فلو ضربت وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني و لو صببت الدنيا على المنافق ما أحبني».
فيمن فارق عليا (علیه السّلام)
عن أبي ذر قال: قال: رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «من فارقني فقد فارق الله و من فارق عليا فقد فارقني».
و كان ممن فارق عليا (علیه السّلام) من أصحابه و لحق بمعاوية يزيد بن حجية و وائل بن حجر الحضرمي و مصقلة بن هبيرة الشيباني والقعقاع بن شور و طارق بن عبد الله و النجاشي الشاعر و غيرهم. و كان أصحابه لما نزل بقلوبهم من الفتنة و البلاء و الركون إلى الدنيا يغدرون و يختانون مال الخراج و يهربون إلى معاوية.
عن الأعمش قال: كان علي (علیه السّلام) يوليهم الولايات و الأعمال فيأخذون الأموال و يهربون إلى معاوية.
منهم المنذر بن الجارود العبدي
قال: كان علي (علیه السّلام) ولى المنذر بن الجارود فارس فاحتاز مالا من الخراج قال: كان المال أربعمائة ألف درهم فحبسه علي ع فشفع فيه صعصعة بن صوحان إلى علي (علیه السّلام) و قام بأمره و خلصه فقال: الأعور الشني يذكر بلاء صعصعة في أمره
سائل سراة بني الجارود أي فتى *** عند الشفاعة و الباب ابن صوحانا
ما كان إلا كأم أرضعت ولدا *** عقت فلم تجز بالإحسان إحسانا.
و كان صعصعة من مناصحيه (علیه السّلام).
قال الأسود بن قيس: جاء علي بن أبي طالب (علیه السّلام) عائدا صعصعة فدخل عليه فقال له: يا صعصعة لا تجعلن عيادتي إليك أبهة على قومك» فقال: لا و الله يا أمير المؤمنين و لكن نعمة و شكرا فقال له علي (علیه السّلام) «إن كنت لما علمت لخفيف المئونة عظيم المعونة» فقال صعصعة: و أنت و الله يا أمير المؤمنين إنك ما علمت بكتاب الله لعليم و إن الله في صدرك لعظيم و إنك بالمؤمنين لرءوف رحيم.
قصة يزيد بن حجية
و منهم يزيد بن حجية.
عن أبي الصلت التيمي قال: قام زياد بن خصفة التيمي إلى علي (علیه السّلام) فقال: يا أمير المؤمنين إن بعثتني في أثر يزيد بن حجية رددته إليك. و كان يزيد بن حجية قد استعمله علي (علیه السّلام) على الري و دستبى فكسر الخراج و احتجن المال لنفسه فحبسه علي و جعل معه مولى له يقال له سعد فقرب يزيد ركائبه و سعد نائم فلحق بمعاوية وقال: في ذلك شعرا
و خادعت سعدا و ارتمت بیرکائبی *** إلى الشام و اخترت الذي هو
أفضل
و غادرت سعدا نائما في غيابة *** و سعد غلام مستهل مضلل.
ثم خرج حتى أتى الرقة و كذلك كان يصنع الناس من أراد معاوية يبدأ بالرقة حتى يستأذن معاوية في القدوم عليه و كانت الرقة و قرقیسیاء و الرها و حران من حيز معاوية وعليهم الضحاك بن قيس و كانت هيت
و عانات و نصیبین و دارا و آمد و سنجار من حيز علي (علیه السّلام) و عليها الأشتر قبل أن يهلك و كانا يقتتلان في كل شهر. وقال يزيد بن حجية و هو بالرقة و قد بلغه قول زياد بن خصفة لعلي (علیه السّلام) إن بعثتني في أثره رددته إليك فقال في ذلك:
أبلغ زيادا أنني قد كفيته ***أموري و خليت الذي هو عاتبه
و باب سديد دونه قد فتحته *** عليك و قد ضاقت عليه مذاهبه
هبلت أ ما ترجو عتابي و مشهدي *** إذا الخصم لم يوجد له من يحاربه
فأقسم لو لا أن أمك أمنا *** و أنت موال ما انفلت أعاتبه
و أقسم لو أدركتني ما رددتني *** كلانا قد اصطفت إليه جلائبه.
و قال أيضا:
یا هند قومك أسلموك فسلمي *** و استبدلي وطنا من الأوطان
أرضا مقدسة و قوما فيهم *** أهل التفقه تابعو الفرقان
أحببت أهل الشام لما جئتهم *** و بكيت من جزع على عثمان.
و قال أيضا شعرا يذم فيه عليا و يخبره أنه من أعدائه لعنه الله فبلغ ذلك علياع فدعا عليه و قال لأصحابه: «ارفعوا أيديكم فادعوا عليه فدعا عليه علي (علیه السّلام) و أمن أصحابه.
قال: أبو الصلت التيمي فقال علي (علیه السّلام): «اللهم إن يزيد بن حجية هرب بمال المسلمين و لحق بالقوم الفاسقين فاكفنا مكره و کیده و اجزه جزاء الظالمين و قال و رفع القوم أيديهم يؤمنون و فيهم عفاق بن شرحبيل بن أبي رهم التيمي و كان عدوا لله ممن كان شهد على حجر بن عدي بعد حتى قتل فقال عفاق على من يدعو القوم؟ فقيل: على يزيد بن حجية قال تربت أيديكم أ على أشرافنا تدعون؟ فدنوا إليه فضربوه حتى كاد يهلك و وثب زياد بن خصفة فقال: دعوا لي ابن عمي و كان من مناصحي علي (علیه السّلام) فقال علي (علیه السّلام): «دعوا للرجل ابن عمه» فتركه الناس فأخذ زياد بيده فأخرجه من المسجد فأخذ و هو يمشي معه يمسح التراب عن وجهه و عفاق يقول: لا والله لا أحبكم ما سعيت و مشيت و الله لا أحبكم ما اختلف الدرة و الجرة و زياد يقول: ذاك أضر لك ذاك شر لك. فقال له زياد بعد ذلك:
دعوت عفاقا للهدى فاستغشني *** و ولی فریا قوله و هو مغضب
و لو لا دفاعي عن عفاق و مشهدي *** هوت بعفاق عوض عنقاء
مغرب
أنبئه أن الهدى في اتباعنا *** فيأبى فيضريه المراء فيشغب
فإن لا يشايعنا عفاق فإننا *** على الحق ما غنى الحمام المطرب
سيغني الإله عن عفاق و سعیه *** إذا بعثت للناس جأواء تحرب
قبائل من حي معد و مثلها *** يمانية لا تنثنى حين تندب
لهم عدد مثل التراب وطاعة *** تود و بأس في الوغى لا يؤنب.
فقال له عفاق لو كنت شاعرا لأجبتك و لكن أخبرك عن ثلاث خصال كن منكم الله ما أرى أن تصيبوا بعدهن شيئا مما يسركم. أما واحدة فإنكم سرتم إلى أهل الشام حتى إذا دخلتم عليهم بلادهم قاتلتموهم فلما ظن القوم أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف فسخروا بكم فردوكم عنهم فلا و الله لا تدخلونها بمثل ذلك الحد و الجد و العدد الذي دخلتموها أبدا. و أما الثانية فإنكم بعثتم حكما و بعث القوم حكما فأما حكمكم فخلعكم و أما حكمهم فأثبتهم فرجع صاحبهم يدعى أمير المؤمنين و رجعتم متلاعنين متباغضين فو الله لا يزال القوم في علاء و لا زلتم منهم في سفال أما الثالثة فإنه خالفكم قراؤكم و فرسانكم فعدوتم عليهم فذبحتموهم بأيديكم فلا و الله لا زلتم بعدها متضعضعين. ثم قال لفرسه: احدهم ثم مضى فشبه أصحابه. و كان يمر عليهم بعد فيقول اللهم إني منهم بريء و لابن عفان ولي. قال: فيقول التيمي أبو عبد الله بن وأل: اللهم إني لعلي ولي و من ابن عفان بريء و منك يا
عفاق. قال: فأخذ لا يقلع فدعوا رجلا منهم له سجاعة كسجاعة الكهان فقالوا: ويحك أ ما تكفينا بسجعك وخطبتك هذا ؟ قال كفيتم قال: فمر عفاق عليهم فقال: مثل ما كان يقول و لم يمهله أن قال له: اللهم اقتل عفاقا إنه أسر نفاقا و أظهر شقاقا و بین فراقا وتلون أخلاقا فقال عفاق ويحكم من سلط هذا علي؟ قال: الله بعثني إليك وسلطني عليك لأقطع لسانك و أنصل سنانك و أطرد سلطانك قال: فلم يك يمر عليهم بعد إنما يمر على بني مزينة.
و منهم الهجنع عبد الله بن عبد الرحمن
قال: كان عبد الله بن عبد الرحمن بن مسعود بن أويس بن مغيث الثقفي شهد مع علي (علیه السّلام) صفين و كان في أول أمره مع معاوية ثم صار إلى علي ثم رجع بعد إلى معاوية ثم سماه علي (علیه السّلام) «الهجنع» و الهجنع الطويل.
و منهم القعقاع بن شور.
قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن أبي إسحاق الشيباني قال: قال علي (علیه السّلام): «تسألوني المال و قد استعملت القعقاع بن شور على كسكر فأصدق امرأة بمائة ألف درهم؟ و ايم الله لو كان كفوا ما أصدقها ذلك».
و منهم النجاشي الشاعر
فكان شاعر علي (علیه السّلام) بصفين فشرب الخمر فحده أمير المؤمنين (علیه السّلام) فغضب و لحق بمعاوية و هجا عليا (علیه السّلام).
عن عوانة قال: خرج النجاشي في أول يوم من رمضان فمر بأبي سمال الأسدي و هو قاعد بفناء داره فقال له: أين تريد؟ قال: أريد الكناسة قال: هل لك في رءوس و أليات قد وضعت في التنور من أول الليل فأصبحت قد أينعت و تهرأت؟ قال:
ويحك في أول يوم من رمضان؟ قال: دعنا مما لا نعرف قال: ثم مه؟ قال: ثم أسقيك من شراب كالورس يطيب النفس و يجري في العرق و يزيد في
الطرق يهضم الطعام و يسهل للقدم الكلام فنزل فتغديا ثم أتاه بنبيذ فشرباه فلما كان من آخر النهار علت أصواتهما و لهما جار يتشيع من أصحاب علي (علیه السّلام) فأتى عليا (علیه السّلام) فأخبره بقصتهما فأرسل إليهما قوما فأحاطوا بالدار فأما أبو سمال فوثب إلى دور بني أسد فأفلت و أما النجاشي فأتي به عليا (علیه السّلام) قأتی به عليا (علیه السّلام) فلما أصبح أقامه في سراويل فضربه ثمانين ثم زاده عشرين سوطا فقال: يا أمير المؤمنين أما الحد فقد عرفته فما هذه العلاوة التي لا تعرف؟ قال: «لجرأتك على ربك و إفطارك في شهر رمضان» ثم أقامه في سراويله للناس فجعل الصبيان يصيحون به خرئ النجاشي فجعل يقول: كلا و الله إنها يمانية وكاؤها شعر فمر به هند بن عاصم السلولي فطرح عليه مطرفا ثم جعل الناس يمرون به فيطرحون عليه المطارف حتى اجتمعت عليه مطارف كثيرة ثم أنشأ يقول:
إذا الله حيا صالحا من عباده *** تقيا فحيا الله هند بن عاصم
و کل سلولي إذا ما دعوته *** سريع إلى داعي العلى والمكارم.
ثم لحق بمعاوية و هجا عليا (علیه السّلام) فقال:
أ لا من مبلغ عني عليا *** بأني قد أمنت فلا أخاف
عمدت لمستقر الحق لما *** رأيت قضية فيها اختلاف
عن أبي الزناد قال: دخل النجاشي على معاوية و قد أذن معاوية للناس عامة فقال الحاجبه ادع النجاشي قال و النجاشي بين يديه و لكن اقتحمته عينه فقال: ها أنا ذا النجاشي بين يديك يا أمير المؤمنين إن الرجال ليست بأجسامها إنما لك من الرجل أصغراه قلبه و لسانه قال: ويحك أنت القائل:
و نجی ابن حرب سابح ذو علالة *** أجش هزيم و الرماح دوان
إذا قلت: أطراف الرماح تنوشه *** مرثه له الساقان و القدمان.
ثم ضرب بيده إلى ثديه وقال: ويحك إنما مثلي لا تعدو به الخيل فقال: يا أمير المؤمنين إني لم أقل هذا لك إنما قلته لعتبة بن أبي سفيان. و لما حد علي ع النجاشي غضب لذلك من كان مع علي من اليمانية و كان أخصهم به طارق بن عبد الله بن كعب بن أسامة النهدي فدخل على أمير المؤمنين (علیه السّلام) فقال: يا أمير المؤمنين ما كنا نرى أن أهل المعصية و الطاعة و أهل الفرقة و الجماعة عند ولاة العدل و معادن الفضل سيان في الجزاء حتى رأيت ما كان من صنيعك بأخي الحارث فأوغرت صدورنا و شتت أمورنا و حملتنا على الجادة التي كنا نرى أن سبيل من ركبها النار فقال علي (علیه السّلام): إنها لكبيرة إلا على الخاشعين يا أخا بني نهد و هل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله فأقمنا عليه حدا كان كفارته؟ يا أخا بني نهد إن الله تعالى يقول : و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. فخرج طارق من عند علي و هو مظهر بعذره قابل له فلقيه الأشتر
النخعي رحمه الله فقال له يا طارق أنت القائل لأمير المؤمنين إنك أوغرت صدورنا و شتت أمورنا قال طارق نعم أنا قائلها قال له الأشتر: و الله ما ذاك كما قلت: و إن صدورنا له لسامعة و إن أمورنا له لجامعة قال: فغضب طارق و قال: ستعلم يا أشتر أنه غير ما قلت: فلما جنه الليل همس هو و النجاشي إلى معاوية فلما قدما عليه دخل اذنه فأخبره بقدومهما و عنده وجوه أهل الشام منهم عمرو بن مرة الجهني و عمرو بن صيفي و غيرهما قال فدخلا عليه فلما نظر معاوية إليه قال: مرحبا بالمورق غصنه المعرق أصله المسود غير المسود في أرومة لا ترام و محل يقصر عنه الرامي من رجل كانت منه هفوة و نبوة باتباعه صاحب الفتنة و رأس الضلالة و الشبهة التي اغترز في ركاب الفتنة حتى استوى على رحلها ثم أوجف في عشوة ظلمتها و تيه
ضلالتها و اتبعه رجرجة من الناس و هنون [هينون] من الحثالة أما والله ما لهم أفئدة أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها. فقام طارق فقال: يا معاوية إني متكلم فلا يسخطك أول دون آخر ثم قال و هو متكئ على سيفه: إن المحمود على كل حال رب علا فوق عباده فهم منه بمنظر و مسمع بعث فيهم رسولا منهم لم يكن يتلو من قبله كتابا و لا يخطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون فعليه السلام من رسول كان بالمؤمنين برا رحيما. أما بعد فإنا كنا نوضع فيما أوضعنا فيه بين يدي إمام تقي عادل في رجال من أصحاب رسول الله ص أتقياء مرشدين ما زالوا منارا للهدى و معالم الدين خلفا عن سلف مهتدين أهل دين لا دنيا و أهل الآخرة كل الخير فيهم و اتبعهم من الناس ملوك و أقيال و أهل بيوتات و شرف ليسوا بناكثين و لا قاسطين فلم تك رغبة من رغب عنهم و عن صحبتهم إلا لمرارة الحق حيث
جرعوها و لوعورته حيث سلكوها و غلبت عليهم دنيا مؤثرة و هوى متبع و كان أمر الله قدرا مقدورا و قد فارق الإسلام قبلنا جبلة بن الأيهم فرارا من الضيم و أنفا من الذلة فلا تفخرن يا معاوية أن قد شددنا إليك الرحال و أوضعنا نحوك الركاب فتعلم و تنكر أقول قولي هذا و أستغفر الله العظيم لي و لجميع المسلمين.
ثم التفت إلى النجاشي و قال ليس بعشك فادرجي فشق على معاوية ذلك و غضب و لكنه أمسك فقال: يا عبد الله ما أردنا أن نوردك مشرع ظمأ لا أن نصدرك عن مكرع رواء و لكن القول قد يجري بصاحبه إلى غير الذي ينطوي عليه من الفعل ثم أجلسه معه على سريره و دعا له بمقطعات و برود فصبها عليه ثم أقبل عليه بوجهه يحدثه حتى قام.
فلما قام طارق خرج و خرج معه عمرو بن مرة و عمرو بن صيفي الجهنيان فأقبلا عليه يلومانه في خطبته إياه و فيما عرض لمعاوية. فقال طارق لهما: و الله ما قمت بما سمعتماه حتى خيل لي أن بطن الأرض أحب إلي من ظهرها عند إظهاره ما أظهر من البغي و العيب و النقص لأصحاب محمد ص و لمن هو خير منه في العاجلة والآجلة و ما زهت به نفسه و ملکه عجبه و عاب أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و استنقصهم و لقد قمت مقاما عنده أوجب الله علي فيه أن لا أقول إلا حقا و أي خير فيمن لا ينظر ما يصير إليه غدا و أنشأ يتمثل بشعر لبيد بن عطارد التميمي
لا تكونوا على الخطيب الخطيب مع الدهر *** فإني فيما مضى لخطيب
أصدع الناس في المحافل بالخطبة *** يعيا بها الخطيب الأريب
و إذا قالت الملوك: من الحاسم *** للداء؟ قيل: ذاك الطبيب
غير أني إذ قمت كاربني الكربة *** لا يستطيعها المكروب
و كذاك الفجور يصرعه البغي *** في الناس مخطئ و مصيب
و خطيب النبي أقول بالحق *** و ما في مقاله عرقوب
إن من جرب الأمور من الناس *** و قد ينفع الفتى التجريب
لحقيق بأن يكون هواه *** و تقاه فيما إليه يئوب
فبلغ عليا (علیه السّلام) مقالة طارق و ما قال لمعاوية فقال: «لو قتل أخو بني نهد يومئذ لقتل شهيدا و زعم بعض الناس أن طارق بن عبد الله رجع إلى علي (علیه السّلام) و معه النجاشي. و عمل معاوية في إطراء طارق و تعظيم أمره حتى تسلل ما كان في نفسه و طارق فيما بلغنا هو القائل:
هل الدهر إلا ليلة وصباحها *** و إلا طلوع الشمس ثم رواحها
يقرب ما ينأى و يبعد ما دنا *** إلى أجل يقضي إليه انسراحها
و يسعى الفتى فيها و ليس بمدرك *** هواه سوى ما ضر نفسا طماحها
و من يسع منا في هوى النفس يلقها *** سريعا إلى الغي المقيم
جماحها
عاذلة قامت تلوم مدلة *** علي فلم يرجع قتيلا صياحها
و تزعم ان اللوم منها نصيحة *** و حرم في الدنيا علي انتصاحها
إذا كان أمر العاذلات ملامة *** فأولى أمور العاذلات اطراحها
وقد حنكتني السن و اشتد حنكتي *** و جانبي لهو الغواني و راحها
و قد كنت ذا نفس تراح إلى الصبا *** فأضحت إلى غير التصابي ارتياحها
و إني لمن قوم بنى المجد فيهم *** بيوتا فأمست ما تنال براحها
مطاعيم في القحط الجديب زمانهم *** إذا أقوت الأنواء هاجت رياحها
و أخلف إيماض البروق و عطلت *** بها الشول و استولت و قل فصاحها
و قر قرار الأرض أما ملوكهم *** و ساداتهم ما بل عشبا نصاحها.
و بلغنا أن معاوية قال لهيثم بن الأسود أبي العريان و كان عثمانيا
و كانت امرأته علوية تحب عليا (علیه السّلام) و تكتب بأخبار معاوية في أعنة الخيل فتدفعها إلى عسكر علي بصفين فيدفعونها إليه فقال: معاوية بعد التحكيم : يا هيثم أهل العراق كانوا أنصح لعلي أم أهل الشام لي فقال أهل العراق قبل أن يضربوا بالبلاء كانوا أنصح لصاحبهم من أهل الشام قال: ولم ذلك؟ قال: لأن القوم ناصحوا عليا (علیه السّلام) على الدين و هم أهل بصيرة و بصر و ناصحك أهل الشام على الدنيا و أهل الدنيا أهل يأس و طمع ثم والله ما لبث أهل العراق أن نبذوا الدين وراء ظهورهم و نظروا إلى الدنيا في يدك فما أصابها منهم إلا الذي لحق بك. قال معاوية فما منع الأشعث بن قيس أن يقدم علينا و يطلب ما قبلنا قال: أكرم نفسه أن يكون رأسا في العار و ذنبا في الطمع قال: هل كانت امرأتك تكتب بالأخبار إلى علي في أعنة الخيل فتباع ؟ قال: نعم فغضب الهيثم وقد كان معاوية يمنيه كثيرا و يعده بالصلة
فقال
:
و تالله لو لا الله لا شيء غيره *** و أني على أمر من الحق مهتدي
لغير قلبي ما سمعت و إنه *** ليملأ صدري بعض هذا التهدد
و لكنني راجعت نفسا شحيحة *** على دينها ليست بذات تردد
فأوردتها من منهل الحق منهلا *** و كان ورود الحق أفضل مورد
وعدت عدات يا ابن حرب كأنها *** لما كنت أرجو من وفائك في يدي
فلم تك في دار الإقامة واصلا *** و لا أنت عند الظن أنجزت موعدي
فلو كان لي بالغيب علم لردني *** مقالك دعني إن حظك في غد
عن محارب بن ساعدة الأيادي قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان و عنده أهل الشام ليس فيهم غيرهم إذ قال: يا أهل الشام قد عرفتم حبي لكم وسيرتي فيكم و قد بلغكم صنيع علي بالعراق و تسويته بين الشريف و بين من لا يعرف قدره فقال رجل منهم: لا يهد الله ركنك ولا يهيض جناحك و لا يعدمك ولدك و لا يرينا فقدك فقال: فما تقولون في أبي تراب؟ قال: فقال كل رجل منهم ما أراد و معاوية ساکت و عنده عمرو بن العاص و مروان بن الحكم فتذاكرا علياع بغير الحق. فوثب رجل من آخر المجلس من أهل الكوفة و كان قد دخل مع القوم فقال: یا معاوية تسأل أقواما في طغيانهم يعمهون اختاروا الدنيا على الآخرة و الله لو سألتهم عن السنة ما أقاموها فكيف يعرفون عليا و فضله؟ أقبل علي أخبرك ثم لا تقدر أن تنكر أنت ولا من عن يمينك يعني عمرا هو و الله الرفيع نجاره الطويل عماده دمر الله به
الفساد و أبار به الشرك و وضع به الشيطان و أولياءه و ضعضع به الجور و أظهر به العدل و أنطق زعيم الدين و أطاب المورد و أضحى الداجي و انتصر به المظلوم و هدم به بنیان النفاق و انتقم به من الظالمين و أعز به المسلمين العلم المرفوع و الكهف للعواذ ربيع الروح و كنف المستطيل ولي الهارب كريح رحمة أثارت
سحابا متفرقا بعضها إلى بعض حتى التحم و استحكم فاستغلظ فاستوى ثم تجاوبت نواتقه و تلألأت بوارقه و استرعد خرير مائه فأسقى و أروى عطشانه و تداعت جنانه و استقلت به أركانه و استكثرت وابله و دام رذاذه و تتابع مهطوله فرويت البلاد و اخضرت و أزهرت ذلك علي بن أبي طالب سيد العرب إمام الأمة و أفضلها و أعلمها و أجملها و أحكمها أوضح للناس سيرة الهدى بعد السعي في الردى فهو و الله إذا اشتبهت الأمور و هاب الجسور و احمرت الحدق و انبعث القلق و أبرقت البواتر استربط عند ذلك جأشه و عرف بأسه و لاذ به الجبان
الهلوع فنفس كربته و حمي حمايته عند الخيول النكراء والداهية الدهياء مستغن برأيه عن مشورة ذوي الألباب برأي صليب و حلم أريب مجيب للصواب مصيب فأمسكت القوم جميعا و أمر معاوية بإخراجه فأخرج و هو يقول: و قل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. قال: وكان معاوية تعجبه الفصاحة و يصغي للمتكلم حتى يفرغ من كلامه.
و منهم عقيل بن أبي طالب.
ذكر الشيخ عن أبي عمرو بن العلاء أن عقيل بن أبي طالب لما قدم على علي (علیه السّلام) بالكوفة يسترفده عرض عليه عطاءه فقال: إنما أريد أن تعطيني من بيت المال فقال: تقيم إلى يوم الجمعة فأقام فلما صلى أمير المؤمنين (علیه السّلام) الجمعة قال لعقيل: «ما تقول فيمن خان هؤلاء
أجمعين؟ قال: بئس الرجل ذاك قال: «فأنت تأمرني أن أخون هؤلاء و أعطيك!؟» فلما خرج من عنده أتى معاوية فأمر له يوم قدومه بمائة ألف درهم و قال له: يا أبا یزید أنا خیر لك أم علي؟ قال عقيل وجدت عليا أنظر لنفسه منه لي و وجدتك أنظر لي منك لنفسك. قال و ذكر أبو عمرو أن معاوية قال لعقيل: إن فيكم يا بني
هاشم لخصلة لا تعجبني قال وما تلك الخصلة؟ قال اللين قال: و ما ذلك اللين؟ هو ما أقول لك قال: أجل يا معاوية إن فينا لينا في غير ضعف و عزا في غير عنف فإن لينكم يا ابن صخر غدر وسلمكم كفر فقال معاوية ما أردنا كل هذا يا أبا يزيد فقال عقيل:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا *** و ما علم الإنسان إلا ليعلما
أن السفاهة طيش من خلائقكم *** لا قدس الله أخلاق الملاعين.
فأراد معاوية أن يقطع كلامه فقال: ما معنى هذه الكلمة طه-؟ فقال عقيل: نحن أهله و علينا نزل لا على أبيك و لا على أهل بيتك طه بالعبرانية يا رجل. و ذكر عن أبي عمرو أن الوليد قال لعقيل: يا أبا يزيد غلبك أخوك على الثروة قال: نعم و سبقني و إياك إلى الجنة قال: أما و الله إن شدقيه لمضمومان من دم عثمان قال: و ما أنت و قریش؟ و الله ما أنت فينا
إلا كنطيح التيس فغضب الوليد من قوله وقال والله لو أن أهل الأرض اشتركوا في قتله لأرهقوا صعودا و إن أخاك لأشد هذه الأمة عذابا فقال عقيل: صه و الله إنا لنرغب بعبد من عبيده عن صحبة أبيك عقبة بن أبي معيط.
و ذكر أبو عمرو بن العلاء قال: قال معاوية يوما و عنده عمرو بن العاص و قد أقبل عقيل: لأضحكنك من عقيل فلما سلم قال له معاوية: مرحبا برجل عمه أبو لهب فقال له عقيل: أهلا برجل عمته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد و هي عمة معاوية و هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب قال: معاوية: يا أبا يزيد ما ظنك بأبي لهب؟ قال: يا معاوية إذا دخلت النار فخذ على يسارك تجده مفترشا
و منهم حنظلة الكاتب
عن مغيرة الضبي قال: خرج عدي بن حاتم و جریر بن عبد الله
البجلي و حنظلة الكاتب من الكوفة إلى قرقيسياء قالوا لا نقيم ببلدة يعاب فيها عثمان.
و لحق بمعاوية من أصحاب علي (علیه السّلام) ابن العشبة و وائل بن حجر الحضرمي و خبره في قصة بسر بن أبي أرطاة لعنه الله.
عن بكر بن عيسى قال: لما بلغ معاوية تفرق أصحاب علي (علیه السّلام) و تخاذلهم و تركهم إياه و أنه بلغ من أمرهم أنه يندبهم إلى السواد فيأبون أرسل بسر بن أبي أرطاة إلى المدينة في جيش من أهل الشام فسار حتى قدمهم فدعى الناس إلى البيعة فأجابوه و حرق بها دورا من دور الأنصار و غيرهم من شيعة علي ع ثم سار إلى مكة ثم توجه إلى اليمن لا يمر بقوم يرى أن لهم لعلي رأيا إلا قتلهم و استباح أموالهم و بلغ ذلك علياع فقام و خطب و حمد الله و أثنى عليه وصلى على النبي ع و ذكر مسیر ابن أبي أرطاة لعنه الله إلى اليمن و ذكر تخاذل أصحابه و تركهم الحق و البلية التي دخلت عليهم و قال: «لو تطيعوني في الحق كما يطيع عدوكم صاحبهم في الباطل ما ظهروا عليكم.»
و قد كان الناس كرهوا عليا و دخلهم الشك والفتنة وركنوا إلى الدنيا وقل مناصحوه فكان أهل البصرة على خلافه و البغض له و جل أهل الكوفة و قراؤهم و أهل الحجاز و أهل الشام و قريش كلها.
عن أبي فاختة مولى أم هانئ قال: كنت عند علي (علیه السّلام) قاعدا فأتاه رجل عليه ثياب السفر فقال: يا أمير المؤمنين إني أتيتك من بلد ما تركت به لك محبا قال: «من أين
أتيت؟» قال: من البصرة قال: «أما لو أنهم يستطيعون أن يحبوني لأحبوني إني و شيعتي في ميثاق الله لا يزاد فينا رجل و لا ينقص إلى يوم القيامة».
و كان من عبادهم مطرف بن عبد الله بن الشخير و كان يبغض عليا و يخذل عنه.
عن ابن سيرين قال: دخل عمار بن یاسر علی ابن مسعود و عنده ابن الشخير فذكر عليا (علیه السّلام) بما لا يجوز أن يذكر به فقال له عمار يا فاسق إنك لهاهنا فقال أبو [ابن] مسعود: أنشدك الله يا أبا اليقظان في ضيفي. قال: كان أبو مسعود الجريري يقول: كان ثلاثة من أهل البصرة يتواصلون على بغض علي بن أبي طالب (علیه السّلام) و هم مطرف بن عبد الله بن الشخير و العلاء بن زیاد و عبد الله بن شقيق.
قال أبو غسان البصري بني عبيد الله بن زياد لعنه الله مساجد بالبصرة تقوم على بغض علي (علیه السّلام) و الوقيعة فيه مسجد بني عدي و مسجد بني مجاشع و مسجد كان في العلافين على فرضة البصرة و مسجد في الأزد قال و كان بالكوفة من فقهائها أهل عداوة له و بغض قد خذلوا عنه و خرجوا من طاعته مع غلبة التشيع على الكوفة فمنهم مرة الهمداني و مسروق بن الأجدع و الأسود بن يزيد و أبو وائل شقيق بن سلمة
و شريح بن الحارث القاضي و أبو بردة بن أبي موسى الأشعري و اسمه عامر بن عبد الله بن قيس و عبد الله بن قيس قد هرب إلى مكة يخذل الناس عنه و أبو عبد الرحمن السلمي و عبد الله بن عكيم وقيس بن أبي حازم و سهم بن طريف و الزهري و الشعبي بعد هؤلاء. عن فطر بن خليفة قال: سمعت مرة يقول: لأن يكون علي جملا يستقي عليه أهله خير له مما كان عليه . كان مرة يقول: أما علي فسبقنا بحسناته و ابتلينا نحن بسيئاته.
و منهم الأسود بن يزيد و مسروق بن الأجدع
عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه قال: كان الأسود و مسروق يمشيان إلى عائشة فيقعان عندها في علي (علیه السّلام) فأما الأسود فمات على ذلك و أما مسروق فلم يمت حتى صلى على علي في زوايا بيته.
و عن يحيى أيضا عن أبيه قال: دخلت أنا و زبيد الإيامى على قمير امرأة مسروق بعد موته فحدثتنا :قالت كان مسروق و الأسود بن يزيد يفرطان في سب علي ع فما مات مسروق حتى ما يصلي لله صلاة في بيته إلا ويصلي فيها على علي رضي الله عنه قلت: ولم ذلك؟ قالت لشيء سمعه من عائشة ترويه عن النبي ص فيمن أصاب الخوارج قالت: و أما الأسود فمضى على شأنه.
و منهم أبو بردة بن أبي موسى الأشعري
عن عبد الرحمن بن جندب قال: قال: أبو بردة لزياد أشهد أن حجر
بن عدي قد كفرة صلعاء قال عبد الرحمن يعني بذلك كفرة علي بن أبي طالب لأنه كان أصلع. قال: رأيت أبا بردة بن أبي موسى يقول لأبي العادية الجهني قاتل عمار بن ياسر أنت قتلت عمارا؟ قال: نعم قال ابسط يدك فقبلها ثم قال: لا تمسك النار أبدا.
و منهم أبو عبد الرحمن السلمي
عن عطاء بن السائب قال: قال رجل لأبي عبد الرحمن السلمي أنشدك بالله تخبرني فلما أكد عليه قال بالله هل أبغضت عليا إلا يوم قسم المال في
أهل الكوفة فلم يصبك و لا أهل بيتك منه شيء قال: أما إذا أنشدتني بالله فلقد كان ذلك.
عن سعد بن عبيدة قال: كان بين حيان و بين أبي عبد الرحمن السلمي شيء في أمر علي (علیه السّلام) فأقبل أبو عبد الرحمن على حيان فقال هل تدري ما جرا صاحبك على الدماء يعني عليا (علیه السّلام)؟
قال: و ما جرأه لا أبا لغيرك؟ قال: حدثنا أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لأصحاب بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم أو كلاما هذا معناه.
و كان بالحجاز أبو هريرة و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير و زید بن ثابت و قبيصة بن ذؤيب و عروة بن الزبير و سعيد بن المسيب.
و كانت قريش كلها على خلافه مع بني أمية.
فذكر ابن عائشة التيمي قال حدثنا أبو زيد القروي عن أبي إبراهيم بن عثمان عن فراس عن الشعبي عن شريح بن هانئ قال: قال علي (علیه السّلام): «اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي و أصغوا إنائي وصغروا عظيم منزلتي و أجمعوا على منازعتي».
و عن المسيب بن نجبة الفزاري عن علي (علیه السّلام) قال: «من وجدتموه من بني أمية فغطوا على صماخه و هو في ماء حتى يدخل الماء في فيه.
عن المسور بن مخرمة قال: لقي عمر بن الخطاب عبد الرحمن بن
عوف فقال: أليس كنا نقرأ قاتلوهم في آخر الأمر كما قاتلتموهم في أول الأمر قال: بلى ذلك إذا كان الأمراء بني أمية و الوزراء بني مخزوم.
عن أبي البختري قال: قدم على علي (علیه السّلام) رجل من مكة فقال له علي (علیه السّلام) «كيف تركت قریشا و الناس؟» قال: ترکت قريشا يلعبون بالأكرة بين الصفا والمروة فقال: «و الله لوددت أن النفس إلى أن يذل الله قريشا و يخزيها قبلها» قلت: يعني نفسه.
عن عبد الله بن الزبير قال سمعت علي بن الحسين يقول: «ما بمكة و لا بالمدينة عشرون رجلا يحبنا».
و منهم قبيصة بن ذؤيب
عن عمران بن أبي كثير قال: قدمت الشام فلقيت قبيصة بن ذؤيب فإذا هو قد جاء برجل من أهل العراق فأدخله على عبد الملك بن مروان فحدثه عن أبيه عن المغيرة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: «الخليفة لا يناشد فكسي و حبي و أعطي قال: فقدمت المدينة فلقيت سعيد بن المسيب في مسجد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقلت: يا أبا محمد إن قبيصة بن ذؤيب جاء برجل من أهل العراق فأدخله على عبد الملك بن مروان فحدثه عن أبيه عن المغيرة بن شعبة أن النبي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: «الخليفة لا يناشد» فرفع سعيد يديه فضرب بها على الأخرى فقال: قاتل الله قبيصة كيف باع دينه بدنيا فانية و الله ما من امرأة من خزاعة قعيدة في بيتها إلا و قد حفظت قول عمرو بن سالم الخزاعي لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم):
لاهم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا و أبيه الأتلدا
أ فيناشد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و لا يناشد الخليفة؟ قاتل الله قبيصة كيف باع دينه بدنيا فانية.
و منهم عروة بن الزبير
عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: كان عروة إذا ذكر عليا نال منه و يقول: يا بني و الله ما أحجم الناس عنه إلا [أنه] كان يخالف أمرا نهي عنه و لقد بعث إليه أسامة بن زيد أن ابعث إلي بعطائي فو الله لتعلم أنك لو كنت في فم أسد لدخلت معك فكتب إليه: إن هذا المال لمن جاهد عليه و لكن هذا مالي بالمدينة فأصب منه ما شئت.
و منهم الزهري
عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة فإذا الزهري و عروة بن الزبير قد جلسا فذكرا عليا فنالا منه فبلغ ذلك علي بن الحسين (علیه السّلام)
فجاء حتى وقف عليهما فقال: «أما أنت يا عروة فإن أبي حاكم أباك إلى الله فحكم الله لأبي على أبيك و أما أنت يا زهري فلو كنت أنا و أنت بمكة لأريتك كن أبيك.».
و منهم سعيد بن المسيب
عن أبي داود الهمداني قال: شهدت سعيد بن المسيب و أقبل عمر بن علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فقال له سعيد يا ابن أخي ما أراك تكثر غشيان مسجد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كما يفعل إخوتك و بنو عمك؟ فقال عمر: يا ابن المسيب أ كلما دخلت فأجيء فأشهدك ؟ فقال سعيد: ما أحب أن تغضب سمعت والدك عليا يقول: «و الله إن لي من الله مقاما لهو خير لبني عبد المطلب مما على الأرض من شيء» فقال عمر سمعت والدي يقول: «ما كلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا حتى يتكلم بها» فقال: سعيد يا ابن أخي جعلتني منافقا ؟ قال ذلك ما أقول لك قال: ثم انصرف. و كان أهل الشام أعداء الله وكتابه و رسوله و أهل بيته أجلافا جفاة غواة أعوان الظالمين و أولياء الشيطان الرجيم.
عن ميسرة قال: قال علي (علیه السّلام): «قاتلوا أهل الشام مع كل إمام بعدي».
و منهم عمر بن ثابت
قال: حدثنا الواقدي أن عمر بن ثابت الذي روى عن أبي أيوب الأنصاري حديث ستة أيام من شوال كان يركب بالشام و يدور في القرى بالشام فإذا دخل قرية جمع أهلها ثم يقول: أيها الناس إن علي بن أبي طالب كان رجلا منافقا أراد أن ينخس
برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليلة العقبة فالعنوه قال: فيلعنه أهل تلك القرية ثم يسير إلى القرية الأخرى فيأمرهم بمثل ذلك و كان في أيام معاوية.
و منهم مكحول
عن الحسن بن الحر قال: لقيت مكحولا فإذا هو مطبوع يعني مملوء بغضا لعلي بن أبي طالب (علیه السّلام) فلم أزل به لان و سكن.
عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: «ما لقي أحد من الناس ما لقيت» ثم بكى.
قال: حدثنا فرات بن أحنف قال: إن عليا (علیه السّلام)خطب الناس فقال: «يا معشر الناس أنا أنف الهدى و عيناه و أشار بيده إلى وجهه يا معشر الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله فإن الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير و جوعها طويل الله المستعان يا معشر الناس إنما يجمع الناس الرضا و السخط ألا و إنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فأصابهم العذاب بنياتهم في عقرها قال الله تعالى فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فقال لهم نبي الله عن قول الله: ناقة الله و سقياها فكذبوه فعقروها يا معشر الناس ألا فمن ساءل عن قاتلي فزعم قاتلي فزعم أنه مؤمن فقد
قتلني يا معشر الناس من سلك الطريق ورد الماء و من خالف وقع في التيه يا معشر الناس ألا أخبركم بحاجبي الضلالة تبدو مخازيها في آخر الزمان».
عن أبي عقيل عن علي (علیه السّلام) قال: «اختلفت النصارى على كذا و كذا و اختلفت اليهود على كذا و كذا و لا أراكم أيتها الأمة إلا ستختلفون كما اختلفوا و تزيدون عليهم فرقة ألا و إن الفرق كلها ضالة إلا أنا و من اتبعني».
عن حبيش بن المعتمر قال: دخلت على علي (علیه السّلام) في صحن
مسجد الكوفة فقلت: كيف أمسيت يا أمير المؤمنين قال: «أمسيت محبا لمحبنا و مبغضا لمبغضنا فأمسى محبنا مغتبطا بحبنا برحمة من الله ينتظرها و أمسى عدونا يؤسس بنيانه على شفا جرف هار فكان ذلك الشفا قد انهار به في نار جهنم و كان أبواب الجنة قد فتحت لأهلها فهنيئا لأهل الرحمة رحمتهم و التعس لأهل النار و من سره أن يعلم أ محبنا أو مبغضنا فليمتحن قلبه بحبنا إنه ليس عبد يحبنا إلا من خيره الله على حبنا وليس من عبد يبغضنا إلا من خيره على بغضنا نحن النجباء و أفراطنا أفراط الأنبياء و أنا وصي الأوصياء و أنا من حزب الله و حزب رسوله و الفئة الظالمة حزب الشيطان و الشيطان منهم».
عن الحسن بن علي قال: سمعت عليا (علیه السّلام) يقول: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: «يرد علي أهل بيتي و من أحبهم من أمتي هكذا وقرن بين السبابتين ليس بينهما فصل». عن أبي الجحاف عن رجل قد سماه قال: دخلوا على علي (علیه السّلام) و هو في الرحبة و هو على سرير قصير قال: «ما جاء بكم؟» قالوا: حبك و حديثك يا أمير المؤمنين قال: «و الله؟ قالوا: و الله قال: «أما إنه من أحبني راني حيث يحب أن يراني و من أبغضني رآني حيث يبغض أن يراني ثم قال: «ما عبد الله أحد قبلي مع نبيه إن أبا طالب هجم علي
و على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و أنا و هو ساجدان ثم قال: أ فعلتموها؟ ثم قال لي انصره انصره فأخذ يحثني على نصرته و على معونته».
عن حبة عن علي (علیه السّلام) قال: «لو صمت الدهر كله و قمت الليل كله و قتلت بین الركن والمقام بعثك الله مع هواك بالغا ما بلغ إن في جنة ففي جنة و إن في نار ففي نار».
و عنه (علیه السّلام): من أحبنا أهل البيت فليستعد عدة للبلاء».
و قال (علیه السّلام): «يهلك في محب مفرط و مبغض مفتر».
و قال (علیه السّلام): «يهلك في ثلاثة و ينجو في ثلاثة يهلك اللاعن و المستمع المقر و العامل للوزر و هو الملك المترف يتقرب إليه بلعني و يبرأ عنده من ديني و ينتقص عنده حسبي و إنما حسبي حسب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و ديني دينه و ينجو في ثلاثة المحب الموالي و المعادي من عاداني و المحب من أحبني فإذا أحبني عبد أحب محبي و أبغض مبغضي و شايعني فليمتحن الرجل قلبه إن الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه فيحب بهذا و يبغض بهذا فمن أشرب قلبه حب غيرنا فألب علينا فليعلم أن الله عدوه و جبریل و میکال و الله عدو للكافرين».
عن ربيعة بن ناجد عن علي (علیه السّلام) قال: «دعاني النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال لي: يا علي إن فيك من عيسى مثلا أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه و أحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له».
قال علي (علیه السّلام): «إنه يهلك في محب مطر يقرظني بما ليس في و مبغض مفتر يحمله شنئاني على أن يبهتني ألا و إني لست نبيا و لا يوحى إلي و لكني أعمل بكتاب الله ما استطعت فما أمرتكم به من طاعة الله
فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وفيما كرهتم و ما أمرتكم به أو غيري من معصية الله فلا طاعة في المعصية الطاعة في المعروف الطاعة في المعروف ثلاثا».
عن محمد بن الحنفية قال: «من أحبنا نفعه الله بحبنا و لو كان أسيرا بالديلم».
مسير بسر بن أبي أرطاة و غاراته على المسلمين و أهل الذمة و أخذه الأموال و رجوعه إلى الشام
عن أبي روق قال: كان الذي هاج معاوية على تسريح بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن أن قوما بصنعاء كانوا من شيعة عثمان يعظمون قتله لم يكن لهم
نظام و لا رأس فبايعوا لعلي (علیه السّلام) على ما في أنفسهم و عامل علي (علیه السّلام) يومئذ على صنعاء عبيد الله بن العباس و عامله على الجند سعيد بن نمران فلما اختلف الناس على علي (علیه السّلام) بالعراق وقتل محمد بن أبي بكر بمصر و كثرت غارات أهل الشام تكلموا و دعوا إلى الطلب بدم عثمان و منعوا الصدقات و أظهروا الخلاف فبلغ ذلك عبيد الله بن العباس فأرسل إلى ناس من وجوههم
فقال: ما هذا الذي بلغني عنكم؟ قالوا: إنا لم نزل ننكر قتل عثمان و نرى مجاهدة من سعى عليه فحبسهم فكتبوا إلى من بالجند من أصحابهم فثاروا بسعيد بن نمران فأخرجوه من الجند و أظهروا أمرهم و خرج إليهم من كان بصنعاء و انضم إليهم كل من كان على رأيهم و لحق بهم قوم لم يكونوا على رأيهم إرادة أن يمنعوا الصدقة. نذكر من حديث أبي روق قال و التقى عبيد الله و سعيد بن نمران و معهما شيعة علي فقال ابن عباس لابن نمران: و الله لقد اجتمع هؤلاء و إنهم لنا لمقاربون و لئن قاتلناهم لا نعلم على من تكون الدائرة فهلم فلنكتب إلى أمير المؤمنين (علیه السّلام) بخبرهم و عددهم و بمنزلهم الذي هم به فكتب إلى علي (علیه السّلام): أما لعد فإنا نخبر أمير المؤمنين أن شيعة عثمان وثبوا بنا و أظهروا أن معاوية قد شيد أمره و اتسق له أكثر الناس و إنا سرنا إليهم بشيعة أمير المؤمنين و من كان على طاعته و إن ذلك أحمشهم و ألبهم فتعبئوا لنا و تداعوا علينا من كل أوب و نصرهم علينا من لم يكن له رأي فيهم ممن سعى إلينا إرادة أن يمنع حق الله المفروض عليه و قد كانوا لا يمنعون حقا عليهم ولا يؤخذ منهم إلا الحق ف استحوذ عليهم الشيطان فنحن في خير و هم منك في قفزة و ليس يمنعنا من مناجزتهم إلا انتظار الأمر من مولانا أمير المؤمنين أدام الله عزه و ایده و قضى بالأقدار الصالحة في جميع أموره و السلام.
فلما وصل كتابهما ساء عليا (علیه السّلام) و أغضبه فكتب (علیه السّلام) إليهما: «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبيد الله بن العباس و سعيد بن نمران سلام عليكما فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنه أتاني كتابكما تذكران فيه خروج هذه الخارجة وتعظمان من شأنها صغيرا وتكثران من عددها قليلا و قد علمت أن نخب أفئدتكما وصغر أنفسكما وشتات رأيكما و سوء تدبيركما هو الذي أفسد عليكما من لم يكن عنكما نائما و جرأ عليكما من كان عن لقائكما جبانا فإذا قدم رسولي عليكما فامضيا إلى القوم حتى تقرءا عليهم كتابي إليهم و تدعواهم إلى حظهم و تقوى ربهم فإن أجابوا حمدنا الله فإن أجابوا حمدنا الله و قبلنا منهم و إن حاربوا استعنا عليهم بالله و نبذناهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين و السلام عليكما».
عن الكلبي أن عليا (علیه السّلام) قال ليزيد بن قيس الأرحبي: «أ لا ترى إلى ما صنع قومك؟» فقال: إن ظني يا أمير المؤمنين بقومي لحسن في
طاعتك فإن شئت خرجت إليهم فكفيتهم و إن شئت فكتبت إليهم فتنظر ما يجيبونك فكتب إليهم علي (علیه السّلام): «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من شاق و غدر من أهل الجند و صنعاء أما بعد فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو الذي لا يعقب له حكم و لا يرد له قضاء و لا يرد بأسه عن القوم المجرمين وقد بلغني تحزبكم و شقاقكم و إعراضكم عن دينكم وتوثبكم بعد الطاعة و إعطاء البيعة إعطاء البيعة و الألفة فسألت أهل الحجى و الدين الخالص و الورع الصادق و اللب الراجح عن بدء مخرجکم و ما نویتم به و ما أحمشكم له فحدثت عن ذلك بما لم أركم في شيء منه عذرا مبينا و لا مقالا جميلا و لا حجة ظاهرة فإذا أتاكم رسولي فتفرقوا و انصرفوا إلى رحالكم أعف عنكم و اتقوا الله و ارجعوا إلى الطاعة أصفح عن جاهلكم و أحفظ قاصيكم و أقم فيكم بالقسط و أعمل فيكم
بكتاب الله و إن أبيتم و لم تفعلوا فاستعدوا لقدوم جيش جم الفرسان عريض الأركان يقصد لمن طغى و عصى فتطحنوا طحنا كطحن الرحى فمن أحسن فلنفسه و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد ألا فلا يحمد حامد إلا ربه و لا يلم لائم إلا نفسه و السلام عليكم».
و وجه الكتاب مع رجل من همدان فقدم رسول علي (علیه السّلام) بالكتاب فلم يجيبوه إلى خير فقال لهم إني تركت أمير المؤمنين يريد أن يوجه إليكم يزيد بن قيس في جيش كثيف فلم يمنعه إلا انتظار ما يأتيه من قبلكم فشاع ذلك في شيعة عثمان فقالوا: نحن سامعون مطيعون إن عزل عنا عبيد الله و سعيدا. قال: فرجع الرسول من عندهم إلى علي (علیه السّلام) فأخبره خبر القوم و جاء على بقية ذلك أن معاوية قد سرح بسر بن أبي أرطاة لعنه الله قال عبد الله بن عاصم حدثت أن تلك العصابة حين بلغهم أن عليا يوجه إليهم يزيد بن قيس بعثوا إلى معاوية يخبرونه وكتبوا إليه كتابا فيه-:
معاوي إلا تسرع السير نحونا *** نبايع عليا أو يزيد اليمانيا.
فلما قدم الكتاب إلى معاوية دعا بسر بن أبي أرطاة و كان قاسي القلب سفاكا للدماء لا رأفة عنده و لا رحمة فوجهه إلى اليمن وأمره أن يأخذ طريق الحجاز و المدينة و مكة حتى ينتهي إلى اليمن و قال له لا تنزل على بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاة لهم منك أنك محيط بهم ثم اكفف عنهم و ادعهم إلى البيعة لي فمن أبى فاقتله و اقتل شيعة علي حيث كانوا..
و من وجه آخر عن يزيد بن جابر الأزدي قال: سمعت عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري يحدث في خلافة عبد الملك بن مروان قال: لما دخلت سنة أربعين تحدث الناس بالشام أن عليا (علیه السّلام) يستنفر الناس بالعراق فلا ينفرون معه و تذاكروا أن قد اختلفت أهواؤهم و وقعت الفرقة بينهم قال فقمت في نفر من أهل الشام إلى الوليد بن عقبة فقلنا له: إن الناس لا يشكون في اختلاف الناس على علي بالعراق فادخل إلى صاحبك فمره فليسر بنا إليهم قبل أن يجتمعوا بعد تفرقهم أو يصلح لصاحبهم منهم ما قد فسد عليه من أمرهم قال فقال: بلى لقد قاولته على ذلك و راجعته و عاتبته حتى لقد برم بي و استثقل طلعتي و ايم الله على ذلك ما أدع أن أبلغه ما مشيتم به إلي.
فدخل عليه فخبره بمجيئنا إليه ومقالتنا له فأذن لنا فدخلنا عليه فقال: ما هذا الخبر الذي جاءني به عنكم الوليد فقلنا هذا خبر في الناس سائر فشمر للحرب و ناهض الأعداء و اهتبل الفرصة و اغتنم الغرة فإنك لا تدري متى تقدر من عدوك على مثل حالهم التي هم عليها و أن تسير إلى عدوك أعز لك من أن يسيروا إليك و اعلم و الله إنه لو لا تفرق الناس عن صاحبك لقد نهض إليك فقال لنا ما أستغني عن رأيكم ومشورتكم ومتى أحتج إلى ذلك منكم أدعكم إن هؤلاء الذين تذكرون تفرقهم على صاحبهم و اختلاف أهوائهم لم يبلغ ذلك عندي بهم أن أكون أطمع في استئصالهم و اجتياحهم إلى أن أسير إليهم مخاطرا بجندي لا أدري علي تكون الدائرة أم لي فإياكم و استبطائي فإني آخذ بهم في وجه هو أرفق بكم و أبلغ في هلاكهم قد شننت عليهم الغارات في كل جانب فخيلي مرة بالجزيرة و مرة بالحجاز و قد فتح الله فيما بين ذلك مصر فأعز بفتحها ولينا و أذل به عدونا فأشراف أهل العراق لما يرون من حسن صنيع الله لنا يأتوننا على قلائصهم في كل
يوم و هذا مما يزيدكم الله به وينقصهم ويقويكم و يضعفهم و يعزكم و يذلهم فاصبروا و لا تعجلوا فإني لو رأيت فرصة لاهتبلتها. فخرجنا من عنده و نحن نعرف الفضل فيما ذكر فجلسنا ناحية و بعث معاوية عند مخرجنا من عنده إلى بسر بن أبي أرطاة من بني عامر بن لؤي
فبعثه في ثلاثة آلاف و قال: سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس و و أخف من مررت به و انهب أموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن يدخل في طاعتنا فإذا دخلت المدينة فأرهم أنك تريد أنفسهم و أخبرهم أنه لا براءة لهم عندك و لا عذر حتى
إذا ظنوا أنك فاكفف موقع بهم عنهم ثم سر حتى تدخل مكة و لا تعرض فيها لأحد و أرهب الناس منك فيما بين المدينة و مكة و اجعلهم شردات حتى تأتى صنعاء و الجند فإن لنا بهما شيعة و قد جاءني كتابهم. فخرج بسر بن أبي أرطاة في ذلك البعث حتى أتى دير مران فعرضهم فسقط أربعمائة ومضى في ألفين و ستمائة فقال الوليد بن عقبة: أرينا معاوية برأينا أن يسير إلى الكوفة فبعث الجيش إلى المدينة فمثلنا ومثله كما قال الأول:
أريها السها و تريني القمر
فبلغ ذلك معاوية فغضب عليه و قال:
و الله لقد هممت بمساءة هذا الأحمق الذي لا يحسن التدبير و لا يدري سياسة الأمور ثم إنه كف عنه. ثم سار بسر بن أبي أرطاة بمن تخلف معه من جيشه و كانوا إذا
وردوا ماء أخذوا إبل أهل ذلك الماء فركبوها و قادوا خيولهم حتى يردوا الماء الآخر فيردون تلك الإبل فيركبون إبل هؤلاء فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب من .المدينة. قال: وقد روي أن قضاعة استقبلتهم ينحرون لهم الجزر حتى دخلوا
المدينة. و عامل علي (علیه السّلام) على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري فخرج عنها هاربا و دخل بسر المدينة فخطب الناس و شتمهم و تهددهم يومئذ و توعدهم و قال: شاهت الوجوه إن الله ضرب مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا و قد أوقع الله ذلك المثل بكم وجعلكم أهله كان بلدكم مهاجر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و منزله و فيه قبره و منازل الخلفاء من بعده فلم تشكروا نعمة ربكم و لم ترعوا حق أئمتكم و قتل خليفة الله بين أظهركم فكنتم بین قاتل و خاذل و شامت و متربص إن كانت للمؤمنين قلتم أ لم نكن معكم و إن كان للكافرين نصيب قلتم أ لم نستحوذ عليكم و نمنعكم من المؤمنين ثم شتم الأنصار فقال: يا معشر اليهود و أبناء العبيد بني زريق و بني
النجار و بني سالم و بني عبد الأشهل أما والله لأوقعن بكم وقعة تشفي غليل صدور المؤمنين و آل عثمان أما والله لأدعنكم أحاديث كالأمم السالفة فتهددهم حتى خاف الناس أن يوقع بهم ففزعوا إلى حويطب بن عبد العزى و يقال: إنه زوج أمه فصعد إليه المنبر فناشده و قال عشيرتك و أنصار رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و ليسوا
بقتلة عثمان فلم يزل به حتى سكن فدعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوا و نزل بسر فأحرق دورا أحرق دار زرارة بن جرول أحد بني عمرو بن عوف و دار رفاعة بن رافع الزرقي و دار أبي أيوب الأنصاري و فقد جابر بن عبد الله ما لي لا أرى جابرا يا بني سلمة؟ لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر بن عبد الله الأنصاري فعاذ جابر بأم سلمة رضي الله عنها فأرسلت إلى
بسر بن أبي أرطاة فقال: لا أؤمنه حتى يبايع فقالت له أم سلمة: اذهب فبايع و قالت لابنها عمر اذهب فبايع فذهبا فبايعا.
عن وهب بن كيسان قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة إلى المدينة ليبايع أهلها على راياتهم وقبائلهم فجاءته بنو سلمة فقال: أ فيهم جابر؟ قالوا: لا قال: فليرجعوا فإني لست مبايعهم حتى يحضر جابر قال: فأتاني قومي فقالوا ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت فحقنت دمك و دماء قومك فإن لم تفعل ذلك قتلت مقاتلينا و سبیت ذريتنا قال: فاستنظرتهم الليل فأتيت أم سلمة زوجة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأخبرتها الخبر فقالت: يا بني انطلق فبايع احقن دمك و دماء قومك فإني قد أمرت ابن أخي أن يذهب فيبايع و إني لأعلم أنها بيعة ضلالة. قال: فأقام بسر أياما ثم قال لهم إني قد عفوت عنكم و إن لم
تكونوا لذلك بأهل ما قوم قتل إمامهم بين ظهرانيهم بأهل أن يكف عنهم العذاب و لئن نالكم العفو مني في الدنيا فإني لأرجو أن لا تنالكم رحمة الله استخلفت عليكم أبا هريرة فإياكم و خلافه ثم خرج إلى مكة.
عن الوليد بن هشام قال: بعث بسر بن أبي أرطاة أحد بني عامر بن لؤي لقتل من كان على رأي علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فأقبل من الشام حتى قدم المدينة فصعد منبر النبي ص فقال: يا أهل المدينة أخضبتم لحاكم وقتلتم عثمان مخضوبا و الله لا أدع في المسجد مخضوبا إلا قتلته ثم قال لأصحابه خذوا بأبواب المسجد و هو يريد أن يستعرضهم فقام إليه عبد الله بن الزبير و أبو قيس رجل من بني عامر بن لؤي فطلبا إليه حتى كف عنهم وخرج من المدينة فأتى مكة فلما قرب منها هرب قثم بن العباس و كان عامل علي (علیه السّلام) و دخل
بسر مكة فشتمهم و أنبهم ثم خرج من مكة و استعمل عليها شيبة بن عثمان الحجبي.
عن الكلبي أن بسرا لما خرج من المدينة إلى مكة فقتل في طريقه رجالا و أخذ أموالا و بلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامة أهلها و تراضى الناس بشيبة بن عثمان أميرا لما خرج قثم بن العباس عنها فخرج إلى بسر قوم من قريش فتلقوه فشتمهم ثم قال: أما والله لو تركت ورأيي فيكم لما خليت فيكم روحا تمشي على الأرض فقالوا ننشدك الله في أهلك و عشيرتك فسكت ثم دخل فطاف بالبيت وصلى ركعتين ثم خطبهم فقال: الحمد لله الذي أعز دعوتنا و جمع ألفتنا و أذل عدونا بالقتل و التشريد هذا ابن أبي طالب بناحية العراق في ضنك و ضيق قد ابتلاه الله بخطيئته و أسلمه بجريرته فتفرق عنه أصحابه ناقمين عليه و ولي الأمر معاوية الطالب بدم عثمان فبايعوا و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا فبايعوا و فقد سعيد بن العاص فطلبه فلم يجده و أقام أياما ثم خطبهم فقال:
يا يا أهل مكة إني قد صفحت عنكم فإياكم و الخلاف فو الله لئن فعلتم لأقصدن منكم إلى التي تبير الأصل و تحرب المال و تخرب الديار. و خرج بسر إلى الطائف فلقيه المغيرة بن شعبة فسأله و بلغني من غير هذا الوجه أن المغيرة بن شعبة كتب إلى بسر حين خرج من مكة متوجها إلى الطائف: أما بعد فقد بلغنى مسيرك إلى الحجاز ونزولك مكة وشدتك على المريب و عفوك عن المسيء و إكرامك لأولي النهى فحمدت رأيك في ذلك فدم على صالح ما أنت عليه فإن الله لن يزيد بالخير أهله إلا خيرا جعلنا الله و إياك من الأمرين بالمعروف و القاصدين إلى الحق و الذاكرين الله كثيرا. ثم لقيه بسر فقال: يا مغيرة إني أريد أن أستعرض قومك قال المغيرة: إني أعيذك بالله من ذلك إنه لم يزل يبلغنا منذ خرجت شدتك على عدو أمير المؤمنين عثمان فكنت بذلك محمود الرأي فإذا كنت على عدوك و
وليك سواء أثمت ربك و تغري بك عدوك و وجه رجلا من قريش إلى تبالة و بها قوم من شيعة علي (علیه السّلام)
و أمره بقتلهم فأخذهم و كلم فيهم فقيل له: هؤلاء قومك فكف عنهم حتى نأتيك بكتاب من بسر بأمانهم فخرج منيع الباهلي إلى الطائف و استشفع إلى بسر فيهم و تحمل بقوم من الطائف عليه فكلموه فيهم و سألوه الكتاب بإطلاقهم فأنعم لهم و مطلهم بالكتاب حتى ظن أنهم قد قتلوا وأن كتابه لا يصل إليهم حتى يقتلوا فكتب إليهم فأتى منيع منزله وقد كان نزل على امرأة بالطائف و رحله عندها فلم يجدها في منزلها فتوطا على ناقته بردائه و ركب فسار يوم الجمعة و ليلة السبت لم ينزل عن راحلته قط فأتاهم ضحوة و قد أخرج القوم ليقتلوا و استبطئ كتاب بسر فيهم فقدم رجل منهم فضربه رجل من أهل الشام فانقطع سيفه فقال: الشاميون بعضهم لبعض شمسوا سيوفكم حتى تلين فهزوها فتبصر منيع بريق السيوف فلوح بثوبه فقال القوم: هذا راكب عنده خبر فكفوا و قام به بعیره فنزل عنه و جاء يشتد على رجليه فدفع الكتاب إليهم و كان الرجل المقدم الذي ضرب بالسيف فانقطع السيف أخاه وأمر بتخليتهم.
عن سنان بن أبي سنان أن أهل مكة لما بلغهم ما صنع بسر خافوا
و هربوا و خرج ابنا عبيد الله سليمان و داود و أمهما جويرية أم حكيم ابنة خالد بن قارظ الكنانية و هم حلفاء بني زهرة و هما غلامان مع أهل مكة فأضلوهما عند بئر ميمون و میمون هذا ابن الحضرمي أخو العلاء بن الحضرمي و هجم عليهما بسر فأخذهما فذبحهما فقالت أمهما:
ها من أحس بابني الذين هما *** کالدرتين تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بنيي الذين هما *** سمعي و قلبي فقلبي اليوم مختطف
ها من أحس بنيي الذين هما *** مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
نبئت بسرا و ما صدقت ما زعموا *** من قتلهم و من الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابني مرهفة *** مشحوذة و كذاك الإثم يقترف
من دل والهة حرى مسلبة *** على صبيين ضلا إذ مضى السلف.
قال: و لما دخل بسر الطائف و كلمه المغيرة قال له صدقتني و نصحتني فبات فيها ثم خرج منها و خرج المغيرة فشيعه ساعة ثم ودعه
و انصرف عنه فخرج حتى مر ببني كنانة و فيهم ابنا عبيد الله بن العباس عبد الرحمن و قثم و أمهما جويرية بنت خالد بن قارظ الكنانية و قارظ من حلفاء بني زهرة و كان عبيد الله قد جعل ابنيه عند رجل من بني كنانة فلما انتهى بسر إليهما أراد أن يقتلهما فلما رأى ذلك الكناني دخل بيته و أخذ السيف و خرج إليه فقال له بسر ثكلتك أمك و الله ما كنا أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل؟ قال: نعم أقتل دون جاري أعذر لي عند الله و الناس ثم شد عليهم بالسيف حاسرا و هو يقول:
آليت لا يمنع حافات الدار ***و لا يموت مصلتا دون الجار
إلا فتى أروع غير غدار.
فضارب بسيفه حتى قتل و قدم الغلامين فقتلهما فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن: هذه الرجال تقتلها فعلام تقتل الولدان؟ و الله ما كانوا يقتلون في الجاهلية و لا في الإسلام والله إن سلطانا لا يشتد إلا بقتل الضرع الضعيف و المدرهم الكبير و رفع الرحمة و قطع الأرحام لسلطان سوء فقال بسر: و الله
لهممت أن أضع فيكن السيف قالت: و الله إنه لأحب إلي إن فعلته و قالت جويرية: أبياتها
ها من أحس بنيي الذين هما *** کالدرتين تشظى عنهما الصدف
التي كتبناها و يقال: إنه ذبحهما على درج صنعاء لا رحم الله بسرا.
عن الكناني قال: و خرج بسر من الطائف فأتى نجران فقتل عبد
الله الأصغر بن عبد المدان و كان يقال له: عبد الحجر و ابنه مالكا و قال بعضهم: إنه لم يقتل عبد الله و قتل مالكا و رجلا آخر من بني عبد المدان فبكاهما شاعر قریش فقال:
و لو لا أن تعنفني قريش *** بكيت على بني عبد المدان
لهم أبوان قد علمت معد *** على أبنائهم متفضلان.
و بلغنا أن عبد الله بن عبد المدان كان صهرا لعبيد الله بن العباس فأخذه بسر و قتله و دعا ابنه مالكا و كان أدنى لابيه في الشرف و كان يدعى لمالك باليمن فضرب عنقه ثم جمعهم وقام فيهم يتهدد أهل نجران فقال: يا معشر النصارى و إخوان القرود أما و الله لئن بلغني عنكم ما أكثره [أكره] لأعودن عليكم بالتي تقطع النسل و تهلك الحرث و تخرب الديار فمهلا مهلا و سار حتى أتى أرحب فقتل أبا كرب و كان يتشيع ويقال: إنه كان سيد من بالبادية
من همدان فقدمه و قتله قتلا ذريعا و أتى صنعاء و قد خرج عنها عبيد الله بن العباس و سعيد بن نمران و قد استخلف عبيد الله عليها عمرو بن أراكة بن عبد الله
بن الحارث بن حبيب الثقفي فمنع بسرا من دخول صنعاء و قاتله فقتله بسر و دخل صنعاء فقتل فيها قوما و أتاه وفد مأرب فقتلهم فلم ينج منهم إلا رجل واحد رجع إلى قومه فقال لهم أنعى قتلانا شيوخا و شبانا و بلغني من حديث عبد الملك بن نوفل عن أبيه أن بسرا لما صمد صمد عبيد الله بن العباس بصنعاء فأقبل عصابة من شيعة علي
(علیه السّلام) حتى وافوه بصنعاء فأقبل بسر نحوهم فاجتمعت شيعة عثمان فأقبلوا نحو صنعاء.
و ذكر عن أبي الوداك قال: كنت عند علي ع حين قدم عليه سعيد بن نمران الكوفة فعتب عليه و على عبيد الله أن لا يكونا قاتلا بسرا فقال سعيد: و الله قاتلت و لكن ابن عباس خذلني و أبى أن يقاتل و لقد خلوت به حين دنا منا بسر فقلت: إن ابن عمك لا يرضى مني و لا منك إلا بالجد في قتالهم و ما نعذر قال: لا و الله ما لنا بهم طاقة و لا يدان فقمت في الناس و حمدت الله و أثنيت عليه ثم قلت: يا أهل اليمن من كان في طاعتنا و على بيعة أمير المؤمنين فإلي إلي فأجابني منهم عصابة فقاتلت بهم فاستقدمت قتالا ضعيفا و تفرق الناس عني و انصرفت و وجهت إلى أهل فحذرته موجدة صاحبه عليه و أمرته أن يتمسك بالحصن و يبعث إلى صاحبنا و يسأله المدد فإنه أجمل بنا و أعذر لنا فقال: لا طاقة لنا بمن جاءنا و أخاف تلك.
و زحف إليهم بسر فاستقبلهم سعيد بن نمران فحملوا عليه فقاتل قتالا كلا و لا ثم انصرف هو و أصحابه إلى عبيد الله و حضر صنعاء ثم خرج منها حتى لقي أهل جيشان و هم شيعة لعلي (علیه السّلام) فقاتلهم و هزمهم و قتلهم قتلا ذريعا و تحصنوا منه ثم إنه رجع بهم إلى صنعاء.
عن الوليد بن هشام :قال خرج بسر من مكة و استعمل عليها شيبة بن عثمان ثم مضى يريد اليمن فلما جاوز مكة رجع قثم بن العباس إلى مكة فغلب عليها و كان بسر إذا قرب من منزل تقدم رجل من أصحابه حتى يأتي أهل الماء فيسلم فيقول: ما تقولون في هذا المقتول بالأمس عثمان؟ قال: إن قالوا قتل مظلوما لم يعرض لهم و إن قالوا كان مستوجبا للقتل قال: ضعوا السلاح فيهم فلم يزل على ذلك حتى دخل صنعاء فهرب منه عبيد الله بن العباس و كان واليا لعلي (علیه السّلام) عليها و استخلف عمرو بن أراكة فأخذه بسر فضرب عنقه و أخذ ابني عبيد الله فذبحهما على درج صنعاء و ذبح في آثارهم مائة شيخ من أبناء فارس و ذلك أن الغلامين كانا في منزل أم النعمان بنت بزرج امرأة من الأبناء.
مسیر جارية بن قدامة (رحمه الله علیه)
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم عن محمد بن عبد الله عن الوليد بن الحارث عن أبي سفيان عن عبد الواحد عن الضحاك و عوانة عن الكلبي و لوط بن يحيى الأزدي: أن ابن قيس بن زرارة الشاذي فخذ من همدان قدم على علي (علیه السّلام) فأخبره بخروج بسر فندب علي (علیه السّلام) الناس فتثاقلوا عنه فقال: «أ تريدون أن أخرج بنفسي في كتيبة تتبع كتيبة في الفيافي و الجبال ذهب و الله منكم أولو النهى الفضل الذين كانوا يدعون فيجيبون و يؤمرون فيطيعون لقد هممت أن أخرج عنكم فلا أطلب بنصركم ما اختلف الجديدان فقام جارية بن قدامة فقال: أنا أكفيكهم يا أمير المؤمنين فقال: «أنت لعمري لميمون النقيبة حسن النية صالح العشيرة و ندب معه ألفين و قال
بعضهم ألفا و أمره أن يأتي البصرة فيضم إليه مثلهم فشخص جارية و خرج معه يشيعه فلما ودعه قال: «اتق الله الذي إليه تصير و لا تحتقر مسلما و لا معاهدا و لا
تغصبن مالا و لا ولدا و لا دابة و إن حفیت و ترجلت وصل الصلاة لوقتها». فقدم جارية البصرة فضم إليه مثل الذي معه ثم أخذ طريق الحجاز حتى قدم اليمن لم يغصب أحدا و لم يقتل أحدا إلا قوما ارتدوا باليمن فقتلهم و حرقهم و سأل عن طريق بسر فقالوا: أخذ على بلاد بني تميم فقال: أخذ في ديار قوم يمنعون أنفسهم فانصرف جارية فأقام بجرش.
حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: و من حديث الكوفيين عن نمير بن وعلة عن أبي وداك قال: قدم زرارة بن قيس الشاذي فخبر عليا (علیه السّلام) بالعدة التي خرج فيها بسر فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: «أما بعد أيها الناس فإن أول فرقتكم و بدء نقصكم ذهاب أولي النهى و أهل الرأي منكم الذين كانوا يلقون فيصدقون ويقولون فيعدلون ويدعون فيجيبون و أنا الله قد دعوتكم عودا و بدءا و سرا و جهارا وفي الليل والنهار و الغدو والآصال فما يزيدكم دعائي إلا فرارا و إدبارا أ ما تنفعكم العظة و الدعاء إلى الهدى و الحكمة و إني لعالم بما يصلحكم ويقيم
أودكم و لكني و الله لا أصلحكم بإفساد نفسي و لكن أمهلوني قليلا فكأنكم و الله بامرئ قد جاءكم يحرمكم ويعذبكم فيعذبه الله كما يعذبكم إن من ذل المسلمين و هلاك الدين أن ابن أبي سفيان يدعو الأراذل و الأشرار فيجاب و أدعوكم و أنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون و تدافعون ما هذا بفعل المتقين إن بسر بن أبي أرطاة وجه إلى الحجاز و ما بسر ؟ لعنه الله لينتدب إليه منكم عصابة حتى تردوه عن شنته فإنما خرج في ستمائة أو يزيدون» قال: فسكت الناس مليا لا ينطقون فقال: «ما لكم أ مخرسون أنتم لا تتكلمون؟» فذكر عن الحارث بن حصيرة عن مسافر بن عفيف
قال: قام أبو بردة بن عوف الأزدي فقال: إن سرت يا أمير المؤمنين سرنا معك فقال: «اللهم ما لكم؟! لا سددتم لمقال الرشد أ في مثل هذا ينبغي لي أن
أخرج؟! إنما يخرج في مثل هذا رجل ممن ترضون من فرسانكم و شجعانكم و لا ينبغي لي أن أدع الجند و المصر و بيت المال و جباية الأرض و القضاء بين المسلمين و النظر في حقوق الناس ثم أخرج في كتيبة أتبع أخرى في الفلوات و شعف الجبال هذا و الله الرأي السوء و الله لو لا رجائي عند لقائهم لو قد حم لي لقاؤهم لقربت ركابي ثم لشخصت عنكم فلا أطلبكم ما اختلف جنوب و شمال فو الله إن في فراقكم لراحة للنفس و البدن فقام إليه جارية بن قدامة السعدي رحمه الله فقال: يا أمير المؤمنين لا أعدمنا الله نفسك و لا أرانا الله فراقك أنا لهؤلاء القوم فسر حني إليهم قال: «فتجهز فإنك ما علمت ميمون النقيبة» و قام إليه وهب بن مسعود الخثعمي فقال: أنا أنتدب إليهم يا أمير المؤمنين؟ قال: «فانتدب بارك الله فيك» و نزلفدعا جارية بن قدامة فأمره أن يسير إلى البصرة فخرج منها في ألفين و ندب مع الخثعمي من الكوفة ألفين فقال لهما : «اخرجا في طلب بسر بن أبي أرطاة حتى تلحقاه فأينما لحقتماه فناجزاه فإذا التقيتما فجارية بن قدامة على الناس» فخرجا في طلب بسر فخرج وهب بن مسعود من الكوفة و مضى
جارية إلى البصرة فخرج من أرض البصرة فالتقيا بأرض الحجاز فذهبا في طلب بسر.
و عن الحارث بن حصيرة عن عبد الرحمن بن عبيد قال: لما بلغ عليا (علیه السّلام) دخول بسر أرض الحجاز وقتله ابني عبيد الله بن العباس و قتله عبد الله بن عبد المدان و مالك بن عبد الله بعثني بكتاب في أثر جارية بن أثر جارية بن قدامة قبل أن يبلغه أن بسرا ظهر على صنعاء و أخرج عبيد الله منها و ابن نمران فخرجت بالكتاب حتى لحقت به
جارية ففضه فإذا فيه: «أما بعد فإني بعثتك في وجهك الذي وجهت له و قد أوصيتك بتقوى الله و تقوى ربنا جماع كل خير و رأس كل أمر و تركت أن أسمي لك الأشياء بأعيانها و إني أفسرها حتى تعرفها سر على بركة الله حتى تلقى عدوك و لا تحتقرن من خلق الله أحدا و لا تسخرن بعيرا و لا حمارا و إن ترجلت و حفیت و لا تستأثرن على أهل المياه بمياههم و لا تشربن من مياههم إلا بطيب أنفسهم و لا تسب مسلما و لا مسلمة و لا تظلم معاهدا ولا معاهدة وصل الصلاة لوقتها و اذكر الله بالليل و النهار و احملوا راجلكم و تأسوا على ذات أيديكم و أغذ السير حتى تلحق بعدوك فتجليهم عن بلاد اليمن وتردهم صاغرين إن شاء الله و السلام عليك و رحمة الله و بركاته».
قصة وائل بن حجر الحضرمي
عن الضحاك و عوانة عن الكلبي أن وائل بن حجر كتب إلى بسر أن نصف حضرموت شيعة عثمان فاقدم فليس بها أحد يمنعك فخرج بسر إلى حضرموت فلما قرب منها تلقاه وائل بن حجر بحملان و كسوة و قال له وائل ما تريد أن تصنع بأهل حضرموت؟ قال: أريد أن أقتل ربعهم قال له وائل: إن كنت تريد ذلك فاقتل عبد الله بن ثوابة فإنه ربعهم فدخل حضرموت و أتى عبد الله بن ثوابة فاستنزله و هو آمن للقتل فقتله و بلغ بسرا مسير جارية و أنه أخذ طريق الحجاز فخرج بسر من اليمن فانحدر إلى اليمامة.
و أما من ذكر عن فضيل بن خديج قال كان وائل بن حجر عند علي (علیه السّلام) بالكوفة كان يرى رأي عثمان فقال لعلي (علیه السّلام): إن رأيت أن تأذن لي بالخروج إلى بلادي و أصلح ما لي هناك ثم لا ألبث إلا قليلا إن شاء الله حتى أرجع إليك.؟ فأذن له علي (علیه السّلام) و ظن أن ذلك مثل ما ذكره فخرج إلى بلاد قومه و كان قيلا من أقيالهم عظيم
الشأن فيهم و كان الناس بها أحزابا وشيعا فشيعة ترى رأي عثمان و أخرى ترى رأي علي (علیه السّلام) فكان وائل بن حجر هناك حتى دخل بسر صنعاء. فكتب إليه: أما بعد فإن شيعة عثمان ببلادنا شطر أهلها فاقدم علينا فإنه ليس بحضرموت أحد يردك عنها ولا ينصب لك فيه. فأقبل إليها بسر بمن معه حتى دخلها فزعم أن وائلا استقبل بسر بن أبي أرطاة بشنوءة فأعطاه عشرة آلاف و إنه كلمه في حضرموت فقال له: ما تريد؟ قال: أريد أن أقتل ربع حضرموت قال: إن كنت تريد أن تقتل ربع حضرموت فاقتل عبد الله بن ثوابة إنه رجل فيهم و كان من المقاولة العظام و كان له عدوا في رأيه مخالفا فجاءه أحاط بحصنه و هو حصن مما كان الحبش بنته أول ما قدمت و كان بناء معجبا لم ير في ذلك الزمان مثله فدعاه إليه فنزل و كان للقتل آمنا فلما نزل أتاه فقال: اضربوا عنقه قال له: أ تريد قتلي؟ قال: نعم قال: فدعني
أتوضأ و أصلي ركعتين قال: افعل ما أحببت فاغتسل و توضأ و لبس ثيابا بيضا و صلى ركعتين ثم قدم ليقتله فقال: اللهم إنك عالم بأمري فقدم فضرب عنقه و أخذ له مائة و خمسين عينا فكانت له أخت و كان ذلك المال بينهما و كان لها منه الثلث فلما قتل و أخذ ماله قالت أخته من بقى القتيل و يبكع الدية أي و يعطي هذه لغتهم فبلغ قولها معاوية فرد عليها ثلث المال و بلغ عليا (علیه السّلام) مظاهرة وائل بن حجر شيعة عثمان على شيعته و مكاتبته بسرا فحبس ولديه عنده.
عن عبد الرحمن بن عبيد أن جارية بن قدامة أغذ السير في طلب بسر بن أرطاة ما يلتفت إلى مدينة مر بها و لا حصن و لا يعرج على شيء إلا أن يرمل بعض أصحابه من الزاد فيأمر أصحابه بمواساته أو يسقط بعير رجل أو تحفى دابته فيأمر أصحابه فيعقبونه قال: فمضى حتى انتهى إلى بلاد اليمن فهربت شيعة عثمان
فلحقوا بالجبال و اتبعتهم عند ذلك شيعة علي (علیه السّلام) و تداعت عليهم من كل جانب و أصابوا منهم و خرج جارية في أثر القوم و ترك المدائن أن يدخلها و مضى نحو بسر فمضى بسر
من حضرموت حين بلغه أن الجيش قد أقبل و أخذ طريقا على الجوف و ترك الطريق الذي أقبل منه و بلغ ذلك جارية فاتبعه حتى أخرجه من اليمن كلها و واقعه في أرض الحجاز فلما فعل ذلك به أقام بجرش نحوا من شهر حتى استراح و أراح أصحابه.
قدوم عبيد الله بن العباس و سعيد بن نمران على علي (علیه السّلام) بالكوفة
عن عبد الرحمن بن نعيم عن أشياخ من قومه أن عليا (علیه السّلام) كان كثيرا ما يقول في خطبته: «أيها الناس إن الدنيا قد أدبرت و آذنت أهلها بوداع و إن الآخرة قد أقبلت آذنت باطلاع ألا و إن المضمار اليوم و السباق غدا ألا و إن
السبق الجنة و الغاية النار ألا وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل فمن عمل في أيام مهله قبل حضور أجله نفعه عمله و لم يضره أمله ألا و إن الأمل يسهي القلب ويكذب الوعد و يكثر الغفلة و يورث الحسرة فاعزبوا عن الدنيا كأشد ما أنتم عن شيء تعزبون فإنها غرور و صاحبها منها في غطاء معنى و افزعوا إلى قوام دينكم بإقامة الصلاة لوقتها و أداء الزكاة لحلها و التضرع إلى الله الخشوع و له و صلة الرحم و خوف المعاد و إعطاء السائل و إكرام الضيف وتعلموا القرآن و اعملوا به و اصدقوا الحديث و آثروه و أوفوا بالعهد إذا عاهدتم و أدوا الأمانة إذا اؤتمنتم و ارغبوا في ثواب الله و خافوا عقابه فإني لم أر كالجنة نام طالبها و لم أر كالنار نام هاربها فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا من النار و اعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز أهل الخير بالخير».
عن القاسم بن الوليد: أن عبيد الله بن العباس و سعيد بن نمران قدما على علي (علیه السّلام) و كان عبيد الله عامله على صنعاء و سعيد بن نمران عامله على الجند خرجا هاربين من بسر بن أبي أرطاة و أصاب ابني عبيد الله بن العباس لم يدركا الحنث فقتلهما.
لعمر أبيك الخير يا عمرو إنني *** على وضر من ذا الإناء قليل
» و من حديث بعضهم أنه قال: «لو لم تكوني إلا أنت تهب أعاصيرك فقبحك الله» ثم رجع إلى الحديث ثم قال: «أيها الناس ألا إن بسرا قد اطلع اليمن و هذا عبيد الله بن عباس و سعید بن نمران قدما علي هاربين و لا أرى هؤلاء القوم إلا ظاهرين عليكم لاجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم وطاعتهم لإمامهم و معصيتكم لإمامكم و بأدائهم الأمانة إلى صاحبهم و خيانتكم إياي إني وليت فلانا فخان و غدر و احتمل فيء المسلمين إلى معاوية و وليت فلانا فخان و غدر و فعل مثله فصرت لا أتمنكم على علاقة سوط و إن ندبتكم إلى عدوكم في الصيف قلتم أمهلنا ينسلخ الحر عنا و إن ندبتكم في الشتاء قلتم أمهلنا
ينسلخ القر عنا اللهم إني قد مللتهم و ملوني و سئمتهم و سئموني فأبدلني بهم من هو خير لي منهم و أبدلهم بي من هو شر لهم مني اللهم مث قلوبهم ميث الملح في الماء» ثم نزل
عن عبد الله بن الحارث بن سليمان عن أبيه قال: قال على (علیه السّلام): لا أرى هؤلاء القوم إلا ظاهرين عليكم بتفرقكم عن حقكم و اجتماعهم على باطلهم و إن الإمام ليس
يساق شعره و أنه يخطئ و يصيب فإذا كان عليكم إمام يعدل في الرعية و يقسم بالسوية فاسمعوا له و أطيعوا فإن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر فإن كان برا فللراعي و الرعية و إن كان فاجرا عبد المؤمن ربه فيها و عمل فيها الفاجر إلى أجله و إنكم ستعرضون بعدي على سبي و البراءة مني فمن سبني فهو في حل من سبي ولا تتبرءوا مني فإن ديني الإسلام».
عن أبي عبد الرحمن السلمي: أن الناس تلاقوا و تلاوموا و مشت الشيعة بعضها إلى بعض ولقي أشراف الناس بعضهم بعضا فدخلوا على علي (علیه السّلام) فقالوا: يا أمير المؤمنين اختر منا رجلا ثم ابعث معه إلى هذا الرجل جندا حتى يكفيك أمره و مرنا بأمرك فيما سوى ذلك فإنك لن ترى منا شيئا تكرهه ما صحبتنا قال: (علیه السّلام) «فإني (علیه السّلام) قد بعثت رجلا إلى هذا الرجل لا يرجع أبدا حتى يقتل أحدهما صاحبه أو ينفيه و لكن استقيموا لي فيما آمركم به و أدعوكم إليه من غزو الشام و أهله.» فقام إليه سعيد بن قيس الهمداني فقال: يا أمير المؤمنين و الله لو أمرتنا بالمسير إلى قسطنطينية و رومية مشاة حفاة على غير عطاء و لا قوة ما خالفتك أنا و لا رجل من قومي قال: «فصدقتم جزاكم الله خيرا ثم قام زياد بن خصفة و وعلة بن مخدوع فقالا: نحن شيعتك يا
أمير المؤمنين التي لا تعصيك و لا تخالفك فقال: «أجل أنتم كذلك فتجهزوا إلى غزو الشام» فقال الناس: سمعا وطاعة قال: «فأشيروا علي برجل يحشر الناس من السواد و من القرى و من محشرهم فقال سعيد بن قيس: أما و الله أشير عليك بفارس العرب الناصح الشديد على عدوك قال له «من؟» قال: معقل بن قيس الرياحي قال: «أجل» فدعاه فسرحه في حشر الناس من السوداء [السواد] إلى الكوفة فلم يقدم حتى أصيب أمير المؤمنين (صلی الله علیه و آله و سلم).
رجع إلى حديث جارية بن قدامة و بسر قال ولما قدم جارية أقام بجرش شهرا فاستراح و أراح أصحابه و سأل عن بسر بن أبي أرطاة فقيل: إنه بمكة فسار نحوه و وثب الناس ببسر في طريقه حين انصرف لسوء سيرته و اجتنبه الناس بمياه الطريق وفر الناس عنه لغشمه و ظلمه و أقبل جارية حتى دخل مكة و خرج بسر منها يمضي قبل اليمامة فقام جارية على منبر مكة فقال: يا أهل مكة ما رأيكم ومع من أنتم؟ قالوا: كان رأينا معكم و كانت بيعتنا لكم فجاء هؤلاء القوم فدخلوا علينا فلم نستطع منهم و لم نقم لهم و كانت بيعتكم قبلهم و لكنهم قهرونا قال: إنما مثلكم مثل الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن قوموا فبايعوا قالوا: لمن نبايع رحمك الله
و قد هلك أمير المؤمنين علي رحمة الله عليه و لا ندري ما صنع الناس بعد قال: و أن يصنعوا إلا أن يبايعوا الحسن بن علي قوموا فبايعوا ثم اجتمعت عليه شيعة علي (علیه السّلام) فبايعوا و خرج منها فجاء و دخل المدينة و قد اصطلحوا على أبي هريرة يصلي بالناس فلما بلغهم مجيء جارية توارى أبو هريرة و جاء جارية حتى دخل المدينة فصعد منبرها فحمد الله و أثنى عليه و ذكر رسول الله ص فصلى عليه ثم قال: أيها الناس إن عليا رحمه الله يوم ولد و يوم توفاه الله و يوم يبعث حيا كان عبدا من عباد الله الصالحين عاش بقدر و مات بأجل فلا يهنأ الشامتين هلك سيد المسلمين و أفضل المهاجرين و ابن عم النبي ص أما و الذي لا إله إلا هو لو أعلم الشامت منكم لتقربت إلى الله عز و جل بسفك دمه و تعجيله إلى النار قوموا فبايعوا الحسن بن علي فقام الناس فبايعوا و أقام يومه ذلك ثم غدا منها منصرفا إلى الكوفة و غدا أبو هريرة يصلي بالناس و رجع بسر فأخذ على طريق السماوة حتى أتى الشام فقدم على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين أحمد الله فإني سرت في
هذا الجيش أقتل عدوك ذاهبا و راجعا لم ينكب رجل منهم نكبة فقال معاوية: الله فعل ذلك لا أنت و كان الذي قتل بسر في وجهه ذاهبا و راجعا ثلاثين ألفا و حرق قوما بالنار و قال الشاعر و هو ابن مفرغ:
إلى حيث سار المرء بسر بجيشه *** فقتل بسر ما استطاع و حرقا.
قال لما قدم جارية بن قدامة الجرش بلغه بها قتل أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب (صلی الله علیه و آله و سلم) فقدم مكة فقال: بايعتم معاوية قالوا: أكرهنا قال جارية: أخاف أن تكونوا من الذين قال الله فيهم و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا الآية ثم خرج حتى أتى المدينة فقال: إني لا أعلم أن فيكم أمير المؤمنين و لو أعرفه لبدأت به فبايعوا الحسن بن علي (علیه السّلام). وقد كان علي (علیه السّلام) دعا قبل موته على بسر بن أبي أرطاة لعنه الله فيما بلغنا فقال: «اللهم إن بسرا باع دينه بدنياه و انتهك محارمك و كانت طاعة مخلوق فاجر آثر عنده مما عندك اللهم فلا تمته حتى تسلبه عقله فما لبث بعد أبي وفاة علي ع إلا يسيرا حتى وسوس و ذهب عقله. عن علي بن محمد بن سيف قال: قال علي (علیه السّلام): «اللهم العن معاوية و عمرا و بسرا أ ما يخاف هؤلاء «المعاد؟ فاختلط بسر بعد ذلك فكان يهذي و يدعو بالسيف فاتخذ له سيف من خشب فإذا دعا بالسيف أعطي السيف الخشب فيضرب به حتى يغشى عليه فإذا أفاق طلبه فيدفع إليه فيصنع به مثل ذلك حتى مات لا رحمه الله. و في حديث آخر: أنه ذكر عنده بسر فقال: «اللهم العن بسرا و عمرا اللهم لتحل عليهم غضبك و لتصبهم نقمتك و لينزلن بهم رجزك وبأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين».
قال: فلم يلبث بسر إلا قليلا حتى وسوس و ذلك بعد صلح الحسن بن علي معاوية فكان يهذي بالسيف فيقول: أعطوني السيف أقتل به حتى جعل له سيف
من عيدان و كان يدنون به إلى المدفقة فما زال يضربها حتى يغشى عليه فما زال كذلك حتى مات لا رحمه الله قال وأقبل جارية حتى دخل على الحسن بن علي (علیه السّلام) فضرب على يده فبایعه و عزاه و قال ما يجلسك ؟ سر يرحمك الله سر بنا إلى عدوك قبل أن يسار إليك فقال: لو كان الناس كلهم مثلك سرت بهم و لم يحمل علي الرأي شطرهم أو عشرهم.» قال: و كان مضى حتى مر بأرض اليمامة فنزل بالماء و لم يكن أهل اليمامة خلوا في طاعة أحد بعد عثمان و كانوا معتزلين أمر الناس مع القاسم بن وبرة أميرهم الذي ولي عليهم فلما مر بهم بسر و أراد مواقعتهم أتى مجاعة بن مرارة فقال له: دع قومي لا تعرض لهم اخرج بي إلى معاوية حتى أصالحه على قومي فأخذه معه و ذهب به إلى معاوية فصالحه و كاتبه عن قومه. ثم إن معاوية لما أقبل على الحسن بن علي (علیه السّلام) و صالحه عبيد
الله بن العباس بمسكن و دخل في طاعة معاوية فأكرمه معاوية و أدناه و أوفى له بصلحه و ما ضمن له من المال فلما قدم معاوية النخيلة فبايعه الحسن و بسر صاحب مقدمته في ذلك كله حتى انتهى إلى النخيلة فلما بايعه الحسن تفرغ معاوية لاستعمال العمال فبعث المغيرة بن شعبة على الكوفة و كان قدم عليه بعد ذلك باثنتي عشرة ليلة من الطائف و بعث عتبة بن أبي سفيان على البصرة فقام إليه عبد الله بن عامر وقال: يا أمير المؤمنين إن عثمان هلك و أنا عامل البصرة عزلني علي فجعلت مالي ودائع عند الناس فإن أنت لم تولني البصرة ذهب مالي الذي في أيدي الناس فولاه
عند ذلك البصرة فخرج إليها و سرح معاوية معه بسر بن أبي أرطاة في جيش فأقبل حتى دخل البصرة فصعد المنبر فقال: الحمد لله الذي أصلح أمر الأمة و جمع الكلمة و أدرك لنا بثأرنا و كفانا مئونة عدونا ألا إن الناس آمنون ليس في صدورنا
على أحد ضغينة و لا نأخذ أحدا بأخيه. ثم إن بسرا صعد درجتين من المنبر ثم نادى بأعلى صوته ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يخرج فيبايع ألا إن الله طلب بدم عثمان فقتل قاتليه ورد الأمر إلى أهله فأقبل الناس يبايعون من كل مكان. و قد كان زياد عاملا لعلي (علیه السّلام) على فارس و قد كان فيما بلغنا أن معاوية كتب إليه في عهد علي (علیه السّلام) يدعوه و يهدده فكتب إليه زياد فيما ذكر بعض البصريين و كان كتاب معاوية: أما بعد فقد بلغني كتابك وايم الله لئن بقيت لك لأكافئنك. و كان كتاب زیاد بن عبيد إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فقد بلغني كتابك يا ابن بقية الأحزاب و ابن عمود النفاق و يا ابن آكلة الأكباد أ تهددني و بيني و بينك ابن عم ألفا رسول الله ص في سبعين قواطع سيوفهم و ايم الله لئن رميت ذلك مني لتجدني أحمر ضرابا بالسيف.
و رجع إلى الحديث. و لما بلغ زيادا قدوم عبد الله بن عامر أميرا أقبل إلى قلعة بفارس فنزلها و هي اليوم تدعى قلعة زياد و وثب بسر على بني زياد عبيد الله و سالم و محمد فأوقفهم فخرج عمهم أبو بكرة من البصرة حتى قدم على معاوية فقال معاوية: ما جاء بأبي بكرة إلا أمر أخيه زياد. فقال: و من حديث آخر لما دخل معاوية قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته اتق الله يا معاوية و اعلم أنك في كل يوم يزول عنك و ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا و من الآخرة إلا قربا و على أثرك طالب لا تفوته قد نصب لك علما لا تجوزه فما أسرع ما تبلغ العلم و ما أوشك ما يلحقك الطالب إن ما نحن و أنت فيه زائل و إن الذي نحن إليه
صائرون باق إن خير و إن شر فنسأل الله الخير و نعوذ به من الشر ثم إنه جلس ساعة لا يتكلم فقال له: يا أبا بكرة أ زيارتنا أشخصتك أم حاجة حدثت لك قبلنا
قال: لا والله لا أقول باطلا و لكنها حاجة بدت لي قبلك قال: فهات حاجتك فما أحب إلينا مما سرك قال: أريد أن تؤمن أخي زيادا قال هو آمن على نفسه و لكن في يده مال فارس و ذلك فيء المسلمين و ليس له مترك إذ لا ينبغي لحق المسلمين أن يترك عند قريب ولا بعيد قال أبو بكرة إنه لا يطلب صلحك و يزعم أنه يدفع ما كان في يده من حقوق المسلمين و يزعم أنه لا يستحل أموالهم قال: و كم هذا المال؟ قال: خمسة آلاف قال: فقد أمنته و رضيت بهذا منه قال: فاكتب إلى بسر فليخل سبيل بني أخي فإنه قد حبسهم فكتب إليه أما بعد فإن أبا بكرة أتاني و التمس لأخيه الأمان على ما أحدث و الصلح على ما في يديه فخل سبيل بني أخيه حين يقدم عليك و السلام حدثنا محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إبراهيم قال: فأما محمد بن عبد الله بن عثمان فحدثنا قال: حدثنا الوليد بن هشام أن بسرا أقبل بشرقي بلاد العرب حتى عبر البحر إلى فارس فأراد زيادا فتحصن منه وقد قتل علي بن أبي طالب (علیه السّلام) فانحدر إلى البصرة فدخلها فقام على المنبر فذكر عليا فقال: أنشدكم بالله أ تعلمون أن عليا كان كافرا منافقا
فسكت الناس فرد عليهم القول وقال: ألا ترون أناشدكم. فقام أبو بكرة فقال: أما إذا ناشدتنا فلا نعلم أنه كان كافرا و لا منافقا فأمر به فطوي حتى كادوا أن يقتلوه فوثب بنو السيد من بني ضبة فاستنقذوه من أيديهم. وكتب بسر إلى زياد أن اقدم علي إلا قتلت ولدك فكتب إليه زياد: أني لا أقدم و الله لا أمكنك من نفسي و لو قتلت ولدي صبية لا ذنب لهم فابعد لا و الله و ركب أبو بكرة على برذون له و أتى الكوفة و بها معاوية فدخل عليه و قال: يا معاوية أ على هذا بايعناك على أن تقتل الأطفال؟ قال: فما ذلك يا أبا بكرة؟ قال: هذا بسر يريد أن يقتل بني زياد فكتب إلى بسر لا تقتل بني زياد و لا تعرض لهم فرجع أبو بكرة فلما سار بالمربد
نفق برذونه و كان سار في ذهابه و مجيئه ثلاثة أيام فرفع أبو بكرة كتاب معاوية إلى بسر و قد أمر بسر بخشب فنصب لهم و لم يصلبوا بعد فكف عنهم.
قال: و أقبل بسر يتتبع كل من كان له بلاء مع علي (علیه السّلام) أو كان من أصحابه و كل من أبطأ عن البيعة فأقبل يحرق دورهم و يخربها و ينهب أموالهم. ففي مسير بسر و قتله و حرقه يقول يزيد بن ربيعة بن مفرغ حيث يقول:
تعلق من
أسماء ما قد تعلقا *** و مثل الذي لاقى من الشوق أرقا
فقصرك من أسماء بين و إنها *** إذا ذكرت هاجت فؤادا مشوقا
سقى هزم الإرعاد منبجس الكلى *** منازلها من مسرقان فسرقا
إلى الشرف الأعلى إلى رامهرمز *** إلى قريات الشيخ من نهر أربقا
إلى دشت بارين إلى الشط كله *** إلى مجمع السلان من بطن دورقا
فرام بني سرح عشيبا جنابه *** إلى مجمع النهرين حيث تفرقا
إلى حيث يرفأ من دجيل سفينة *** إلى مجمع النهرين حيث تفرقا
إلى حيث سار المرء بسر بجيشه *** فقتل بسر ما استطاع و حرقا
خيال لبنت الفارسي یشوقني*** على النار تسقيني شرابا مروقا.
قال: و اجتمع إلى معاوية بالنخيلة أشياعه و من كان يهوى هواه فأتاه أبو بكرة من البصرة و أتاه أبو هريرة من الحجاز و المغيرة بن شعبة من الطائف و عبد الله بن قيس الأشعري من مكة.
قال لما قدم معاوية النخيلة أتاه أبو موسى و عليه جبة سوداء و برنس أسود و معه عصا سوداء. عن محمد بن عبد الله بن قارب قال: إني عند معاوية لجالس إذ جاء أبو موسى فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين قال: وعليك السلام فلما تولى قال: و الله لا يلي هذا على اثنين حتى يموت.
و كان أبو بكرة لما قدم علي (علیه السّلام) البصرة لقي الحسن بن أبي الحسن و هو متوجه نحو علي (علیه السّلام) فقال: إلى أين قال إلى علي (علیه السّلام) قال: سمعت رسول الله ص يقول: ستكون بعدي فتنة النائم فيها خير من القاعد و القاعد فيها خير من القائم فلزمت بيتي. فلما كان بعد ذلك لقيت جارية بن عبد الله و أبا سعيد فقالا: أين كنت أمس؟ فحدثتهما بما قال أبو بكرة فقالا: لعن الله أبا بكرة أساء سمعا فأساء إجابة إنما قال: النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لأبي موسى : «تكون بعدي فتنة أنت فيها نائم خير منك قاعد و أنت فيها قاعد خير منك ساع». قال لما دخل معاوية الكوفة دخل أبو هريرة المسجد فكان يحدث و يقول: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و قال أبو القاسم و قال خليلي فجاء شاب من الأنصار يتخطى الناس حتى دنا منه فقال: يا أبا هريرة حديث أسألك عنه فإن كنت سمعته من النبي ص فحدثنيه أنشدك بالله سمعت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول لعلي من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه» قال أبو هريرة نعم و الذي لا إله إلا هو السمعته من النبي ص يقول لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و من عاداه» فقال له الفتى لقد والله واليت عدوه و عادیت وليه فتناول بعض الناس الشاب بالحصى و خرج أبو هريرة فلم يعد إلى المسجد حتى خرج من الكوفة. و أما خبر زياد فإنه لحق معاوية فأتم له صلحه ثم انصرف بعد أن ادعاه معاوية و ألحقه بأبي سفيان ثم ولاه بعد المغيرة بن شعبة الكوفة. ثم أقام بسر
بالبصرة إلى أن استوفى أموال عبد الله بن عامر و أقبل إلى معاوية و اجتمع ذات يوم هو و عبيد الله بن العباس عند معاوية بعد صلح الحسن (علیه السّلام) فقال ابن عباس لمعاوية: أنت أمرت هذا القاطع البعيد الرحم القليل الرحم بقتل ابني فقال معاوية: ما أمرته بذلك و لا
هویت فغضب بسر و ر می بسیفه و قال قلدتني هذا السيف و قلت اخبط به الناس حتى إذا بلغت ما بلغت قلت: ما هويت و لا أمرت! فقال معاوية: خذ سيفك فلعمري إنك لعاجز حين تلقي سيفك بين يدي رجل من بني عبد مناف و قد قتلت ابنيه أمس فقال عبيد الله بن عباس: أتراني كنت قاتله بهما؟ فقال ابن لعبيد الله ما كنا نقتل بهما إلا يزيد و عبد الله ابني معاوية فضحك معاوية و قال و ما ذنب یزید و عبد الله؟ قال عبيد الله أصغر من أخيه عبد الله.
واليك نص الرسالة العلوية [مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عم خلقه امتنانا، و شملهم إحسانا، وصلاته على سيدنا محمد رسوله، أوضح الأنبياء بيانا، و أجل الرسل برهانا و على أخيه أمير المؤمنين أعلى البرية شأنا بعد النبي عليه السلام و أسناهم في الفضل مكانا، و على الأئمة الذين جعل الله تعالى معرفتهم إيمانا و جحد فضلهم عصيانا، صلاة يمنحهم بها إحسانا و يوسعهم معرفة و رضوانا.
و لما كان الله تعالى قد خص سيدنا الشريف الجليل، نقيب الطالبيين -
أطال الله بقاه و أدام علاه - من المناقب أعلاها، و منحه من المواهب أسناها، و جعله في الشرف الباذخ و القدر الشامخ نبعة فضل لا يطاول و فرع أصل لا يماثل، و نسل
مجد مفرد، و ولد سيد أوحد وجوب معرفته ،امتحان، و الإقرار بفضله إيمان.
و قد كنت ذكرت بحضرته من فضل أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - على سائر العالمين سوى رسول الله خاتم النبيين – صلوات الله عليه و على آله الطاهرين - خدمت حضرته بعمل هذه الرسالة و بينت المذهب فيها و المقالة؛ إخلاصا في ولائه، و تقوية لنفوس أوليائه و اتباعا لمراده و كبتا لقلوب أضداده، و قد استوفيت فيها الأدلة، و أزحت عن اعتقاد الحق العلة، و الحمد لله.
فصل
الذي نذهب إليه في ذلك هو: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه - أفضل من جميع البشر ممن تقدم و تأخر، سوى رسول الله صلى الله عليه و آله، و على هذا القول إجماع الشيعة الإمامية، و لم يخالف فيه منهم إلا الأصاغر
الذين حادوا عن الطريق المعروفة بما هم عليه من إهمالهم أو محافظة عن أهلها، و أنا أذكر ما عندي من الأدلة بعد تقرير أصل في هذه المسألة.
أصل في بيان الفضل
أقول: إن الفضل المذكور، هو في الحقيقة عظم المنزلة عند الله سبحانه المقتضية نعيم الفاضل في المعاد و زيادة الفضل هو ارتفاع المنزلة المقتضي زيادة نعيم مستحقها. فالواصل إلى الفاضل في الآخرة من النعيم أكثر من الواصل إلى المفضول و منازل الفضل تتحصل بشيئين:
أحدهما: خطير الأعمال التي يتعاظم معها مستحق الثواب، فإنه لا شك في أن الثواب على الطاعات يتفاوت بحسب تفاوت الحسنات، كما أن العقاب على المعاصي يختلف بقدر اختلاف السيئات.
و الآخر: التفضل من الله تعالى و الاختصاص، و لا لبس في أنه سبحانه و تعالى يختص برحمته من يشاء.
و السبيل إلى معرفة فضل الفاضل شيئان أحدهما طارق السمع، والآخر الاعتبار، و كلاهما دال على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من سائر الأنام سوى رسول الله صلى الله عليه و آله محمد بن عبد الله، و أنا بعد هذا أذكر وجوه الاستدلال و مقدم ما يشهد بذلك من القرآن، فهو أفضل وارد منقول، و أعدل شاهد مقبول.
فصل فيما ورد من القرآن
قال الله عز و جل لنبيه صلى الله عليه و آله عند مناظرته وفد نجران في المسيح عليه السلام: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين.
فأمره سبحانه بأن يحضر لمباهلتهم في إثبات الحجة عليهم أبنائه و نسائه و نفسه فأجمعت الأمة على أنه صلى الله عليه و آله أتاهم و معه علي وفاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام و أراد بقوله: نساءنا فاطمة عليها السلام و
أنه عبر عنها بلفظ الجمع.
و بقوله: أنفسنا علي بن أبي طالب عليه السلام و أن الله تعالى أقامه على طريق التشبيه و التمثيل في المنزلة و علو القدر في الدنيا، وإثبات الحق على المخالفين بالحجة في نفس
رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و لا يصلح أن يكون المراد بقوله: و أنفسنا نفسه خاصة، و إنما يدعو غيره إلى نفسه، و الآية تتضمن أنه يدعو إلى نفسه، كما تتضمن أنه يدعو أبنائه و نسائه، فوجب أن يكون هناك مدعو عبر عنه بالنفس، و لم يكن مع الأبناء و المرأة - المعبر عنها بالنساء غير أمير المؤمنين صلى الله عليه، فوجب - بحكم التنزيل أن يكون هو النفس التي يدعو الرسول عليهما أفضل الصلاة و السلام.
و الثاني: أنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه و آله أحضره للمباهلة. وقد علم أنه لم يكن من جهة الأبناء و لا من جهة النساء، فمتى لم يكن هو المراد بقوله: و أنفسنا كان
النبي صلى الله عليه و آله قد أحضر من لم يؤمر بإحضاره و لم تتضمن ذكره و في فساد هذا بيان أنه المعني بقوله: و أنفسنا. فثبت شاهد ما تتضمنه الآية على أن عليا عليه السلام نفس رسول الله صلى الله عليه و آله على طريق التمثيل، المقتضي علو المنزلة في التفضيل.
إن النبي صلى الله عليه و آله قال فيه في عدة مقامات و نعوت إني باعث فيكم رجلا كنفسي».
فمما جاء في ذلك ما أخبرني به أبو حامد محمد بن علي بن أبي طالب البلدي عن أبي، عن أبي المفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني الكوفي قال:
حدثنا إبراهيم بن حفص بن عمر العسكري بالمصيصة من أصل كتابه، قال:
حدثنا عبيد بن الهيثم بن عبيد الله بن محمد الأنماطي بحلب، قال حدثنا عباد بن صهيب أبو محمد الكلبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه و من هوازن، نزل بالطائف فحصر أهل «وج» أياما فسأله القوم أن ينتزح عنهم ليقدم وفدهم فيشترط لهم و يشترطون لأنفسهم، فسار عليه السلام حتى نزل مكة، فقدم عليه نفر منهم بإسلام قومهم، و لم ينجع القوم له بالصلاة
و لا بالزكاة.
فقال صلى الله عليه و آله: «إنه لا خير في دين لا يكون فيه ركوع و لا سجود، أما و الذي نفسي بيده ليقيمن الصلاة و ليؤتن الزكاة أو لأبعثن إليهم رجلا هو مني كنفسي، فليضربن أعناق مقاتليهم، و ليسبين ذراريهم، هو هذا، هو هذا»..
ثم أخذ بيد علي عليه السلام فأشالها. ثم صار القوم إلى أهلهم بالطائف فأخبروهم بما قال رسول الله صلى الله عليه آله بالصلاة والزكاة، و أقروا بما شرط عليهم، فقال صلى الله عليه و آله: «ما استعصى علي أهل ملة و لا أمة إلا رميتهم بسهم الله»..
قالوا: یا رسول الله صلى الله عليك، و ما سهم الله؟ قال: علي بن أبي طالب، ما بعثته في سرية قط إلا رأيت جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره و ملك الموت أمامه، و سحابة تظله حتى يعطي الله تعالى حبيبي النصر والظفر».
و نظير ذلك في أخبار كثيرة أتت على ألسنة الخاصة و العامة.
و إذا كان أمير المؤمنين عليه السلام، قائما مقام نفس رسول الله صلى الله عليه و آله فهو أفضل من كل من فضل عليه رسول الله صلى الله عليه و آله و قد ثبت فضل رسول الله صلى الله عليه و آله على جميع خلق الله
تعالى بقوله: «أنا سيد البشر» و قوله : «أنا سيد ولد آدم و لا فخر».
و نحو ذلك مما اشتهاره و عموم العلم به مغن عن إيراد خبر فيه.
فأمير المؤمنين عليه السلام يليه في رتبة الفضل و هو بعده في المنزلة أفضل الخلق، و ليس يلزم- على ما ثبت- من أنه نفس رسول الله صلى الله عليه و آله أن يساويه في الفضل، بحصول الإجماع على أن رسول الله صلى الله عليه و آله أفضل منه، و لو لا ذلك لكانا سوى في درجة الفضل.
فهذا الاستدلال من القرآن، و أنا أورد بعده الاستدلال من الأخبار، و الحمد لله.
باب الاستدلال من الأخبار
فمن ذلك ما أجمعت الأمة عليه و لم تختلف فيه، من خبر المؤاخاة، و هو أن رسول الله صلى الله عليه و آله آخى بين الصحابة و اختار عليا عليه السلام أخا لنفسه دون جميع أمته.
و قد علم أن هذه المؤاخاة لم تكن لمحبة الدنيا وميل الطباع، و لا لسبب من أسباب
الدنيا يخرج عن الصواب، و إنما هي متعلقة بالدين، و أورده عن أمر الله في أن يؤاخي بين كل مشتبهين. فلما أخى بين الحاضرين، اختار عليا عليه السلام لنفسه أخا دون الناس أجمعين، فعلم أنه أشبه الخلق به في مقتضى الشرع و الدين و أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه و آله هو أفضل من كل من فضل عليه رسول الله صلى الله عليه و آله .
و قد اتصلت الأخبار بأنه أخوه في الدنيا و الآخرة:
منها: ما حدثنا به أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن أبي كامل الطرابلسي بالرملة سنة عشر و أربعمائة، قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي، قال حدثنا علي بن قادم قال حدثنا علي بن صالح عن حكيم بن جبير، عن جميع بن عمير، عن عبد الله بن عمر، قال: أخى رسول الله صلى الله عليه و آله بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: «يا رسول الله صلى الله عليه و آله آخيت بين أصحابك و لم تؤاخ بيني و بين أحد؟
فقال النبي صلى الله عليه و آله: «أنت أخي في الدنيا و الآخرة».
و حدثني القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم بن كليب السلمي الحراني بالرملة سنة عشر و أربعمائة، قال: حدثني محمد بن أحمد بن صفوة المصيصي، قال: حدثنا الحسن بن علي العلوي، قال حدثنا الحسن بن حمزة النوفلي، قال: حدثنا سليمان ابن جعفر الهاشمي، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: «آخى رسول الله صلى الله عليه و آله بين أصحابه، فقلت: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك و تركتني لا أخ لي؟ فقال: إنما ادخرتك لنفسي، أنت أخي في الدنيا و الآخرة».
فهو أقرب الناس شبها به في الآخرة، كما أنه لما كان أخاه في الدنيا كان أقرب الناس شبها به في الدنيا، و هذا يوضح أنه أعلى البشر بعد رسول الله صلى الله عليه و آله قدرا و أعظمهم عند الله في الآخرة ثوابا.
فصل
مما أجمع عليه خبر الطائر، الذي لم يدفعه من أهل العلم دافع، الشاهد بأن
أمير المؤمنين عليه السلام أحب الخلق إلى الله عز و جل، و أحب الخلق إليه تعالى هو أعظمهم ثوابا عنده؛ لأن محبة الله تعالى ليست ميل طباع، و إنما معناها الثواب، و الخبر مشهور، و ما قال أنس لسبب ما جرى منه فيه، معروف.
أنا أذكره من طريق ما حدثني به أبو الحسن علي بن الحسن بن مندة بمدينة طرابلس سنة ست و ثلاثين و أربعمائة، قال: حدثنا الحسين بن يعقوب البزاز سنة سبعين و ثلاثمائة، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، قال: حدثنا أبي إبراهيم ابن هاشم قال: لما عمل المأمون أبا هدبة - مولى أنس - إلى خراسان، بلغني ذلك، فخرجت في
لقائه، فصادفته في بعض المنازل، فرأيت رجلا طويلا خفيف العارضين منحنيا من الكبر، و قد اجتمع عليه الناس، فقلت له: حدثني رحمك الله، فإني أتيتك من بلد بعيد، لأسمع منك، فلم يحدثني من الزحمة التي كانت عليه، ثم رحل، فتبعته إلى الرحلة الأخرى، فلما نزل أتيته فقلت له: حدثني رحمك الله قال: أنت صاحبي بالأمس؟ قلت: نعم، قال: إذا و الله لا أحدثك إلا قائما لما بدا مني إليك، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: «من كان عنده علم فكتمه، ألجمه الله يوم
القيامة بلجام من نار»..
ثم قام قائما قال لي: كنت رأيت مولاي أنس مالك و هو معصب بعصابة بيضاء، فقلت: و ما هذه العصابة؟ فقال: هذه دعوة علي ابن أبي طالب، فقلت: و كيف؟ فقال أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه و آله طائر، و رسول الله صلى الله عليه و آله في بيت أم سلمة رضي الله عنها و كنت حينئذ أحجب رسول الله صلى الله عليه و آله، فأصلحته أم سلمة رضي الله عنها، و أتت به رسول الله صلى الله عليه و آله، و قالت لي أم سلمة: ألزم الباب لينال رسول الله صلى الله عليه و آله منه، فلزمت الباب و قدمته إلى النبي صلى الله عليه و آله، فلما وضعته بين يديه رفع رسول الله صلى الله عليه و آله يديه وقال: «اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر» فسمعت دعوة رسول الله صلى الله عليه و آله و أحببت أن يكون رجلا من قومي، فأتى علي بن أبي طالب عليه السلام فقلت: إن رسول الله عنك مشغول، فانصرف، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه و آله ثانية و قال اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر» فأتى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقلت: إن رسول الله عنك مشغول فانصرف، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه و آله رأسه و دعا ثالثة فقال: يا رب أتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر» فأتى علي عليه السلام، فقلت: إن رسول الله عنك مشغول فقال: «و ما يشغل رسول الله عني» و دافعني و دخل، فلما رآه رسول الله عليه السلام قبل بين عينيه فقال يا أخي، ما الذي حبسك عني و قد دعوت الله ثلاثا أن يأتي بأحب خلقه إليه يأكل معي من هذا الطائر ؟ فقال يا رسول الله، قد جئت ثلاثا، كل ذلك يردني أنس. فقال: «لم رددت عليا؟ فقلت: يا رسول الله إني سمعت دعوتك فأحببت أن يكون رجلا من الأنصار من قومي، فأفتخر به إلى الأبد ..
فقال علي عليه السلام: «اللهم ارم أنسا بوضح لا يستره من الناس» فظهر علي هذا الذي تراه، و هي دعوة علي عليه السلام.
و هذا خبر قد ورد من النقلين نقل الشيعة و نقل الناصبة، و علم أن
عليا عليه السلام احتج به يوم الشورى فقال: «أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال فيه رسول الله صلى الله عليه و آله: اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر غيري؟ قالوا: اللهم لا . و لم ينكر عليه ذلك أحد منهم؛ لعلمهم بصدقه، و هو دال بظاهر عمومه على أن عليا عليه السلام أفضل من كافة خلق الله سوى من حصل الإجماع على فضله عليه، و هو رسول الله صلى الله عليه آله.
فإن قيل : كيف تستدل بهذا الخبر على أن أمير المؤمنين عليه السلام أفضل من جميع من
تقدم من الأنبياء عليهم السلام، و اللفظ يتناول من يصح أن يأكل معي، و هذا الأمر غاية من فيه أنه أفضل من أهل عصره؟
قيل له: هذا غلط، لأنا استدللنا بعموم اللفظ، و عمومه يتناول كل من غاب و حضر، و تقدير الكلام من كان يأكل معي من هذا الطائر أحب خلق الله إليه؛ فيجب أن يكون كاشفا عن كونه بهذه الصفة، و لو لا أن دليل الإجماع أخرج رسول الله صلى الله عليه و آله من هذا العموم، و شهد بأنه أفضل منه، لدخل في جملة من شمله اللفظ.
فصل آخر
و مما يدل على ذلك، ما اشتهر من أن النبي صلى الله عليه و آله قال: أنا و علي كهاتين و جمع بین مسبحتيه، و قد علمنا أنه لم يرد بهذه الإشارة غير الرتبة في الفضل، فهو أفضل من كل من فضل عليه رسول الله صلى الله عليه و آله، و لو لا أن رسول الله صلى الله عليه و آله في الفضل أعلى منه درجة لساواه في الحقيقة.
و توضيح ذلك: أن النبي صلى الله عليه و آله أعطاه هذه الرتبة، و جعله منه بهذه المنزلة، و للمعطي على من أعطاه المزية. ألا ترى أن عليا عليه السلام لم يقل قط أنا و رسول الله صلى الله عليه و آله كهاتين؟ و إذا لم يعط هذه مساواته في كل حال فلابد من أن يكون أقرب خلق الله
به شبها في الفضل و علو القدر، و إلا لم يكن للكلام غرض يقصد.
و قد روی سلیمان الشاذكوني و علي بن المدائني أنه لما نزل عم يتساءلون * عن النبا العظيم قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «ما الله نبأ أعظم من علي».
فصل آخر
و مهما شك فيه أحد، فإنه لا شك يعترض في أن رسول الله صلى الله عليه و آله قال:
«الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، و أبوهما خير منهما»، و لم يقل عليه السلام
«سیدا شبابها» لوجود كهول فيها، فيكون ذلك تميزا، و إنما قاله ،وصفا، إذا كان أهلها شبابا حسب ما روي عنه صلى الله عليه و آله أنه قال: لا يدخلها العجز و قال: إن أهلها شباب كلهم، و لم يقل ذلك في الحسن و الحسين عليهما السلام أيضا لا يموتان شابين إذا كانا قد بقيا كهلا و شابا.
فعلم بهذا أنه فضلهما على جميع أهل الجنة سوى أبيهما لقوله: «أبو هما خير منهما» و إنما لم يستثن النبي صلى الله علیه و آله نفسه؛ لأنه المفضل، و من شأن المفضل أن لا يدخل في جملة من فضل.
فخير أهل الجنة رسول الله صلى الله عليه و آله - بما ثبت من كونه خير خلق الله – و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين صلوات الله عليهم أجمعين، و هم بهذا الخبر المجمع عليه أكثر في الآخرة ثوابا و نعيما من جميع العالمين.
فأما دعوی العامة أن النبي صلى الله عليه و آله قال: أبو بكر و عمر سيدا كهول أهل الجنة،
غير صحيح بما أثبتناه، أن الجنة ليس فيها كهول و إنما وضع المخالفون هذا الخبر ليقابلوا به خبر الحسن و الحسين عليهما السلام الذي لا يمكنهم دفعه و لا تأويله. و هذه عادة منهم جارية في فضائل أهل البيت عليهم السلام، و هي أن يدفعوا منها ما قدروا على دفعه، فإن أعجزهم دفعه - لظهوره و انتشاره - تأولوه بما يصرفه على غير مقتضاه، فإن لم يقدروا على ذلك افتعلوا خبرا يقابلونه به.
فصل آخر
و من ذلك ما تضمنته الأخبار الواردة على ألسن الخاص من النقلة و العام من أن أمير المؤمنين خير البشر:
منها: ما حدثنا به الشيخ أبو الحسن محمد بن شاذان القمي من طريق العامة، قال أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن [محمد بن] إسحاق بن سليمان بن حبابة البزاز بمدينة السلام قال حدثنا البغوي عبد الله بن محمد، قال: حدثنا [الحسن بن عرفة، قال: حدثنا] يزيد بن هارون، قال: حدثنا حميد الطويل، عن أنس، عن عائشة قالت، سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله، يقول: «علي بن أبي طالب خير البشر، من أبى فقد كفر». فقيل: فلم حاربتيه؟ قالت: و الله ما حاربته من ذات نفسي، و ما حملني عليه إلا طلحة و الزبير.
و روى أبو القاسم الهمداني، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القصار، قال:
حدثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدثنا أبي، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، قال: سألت عائشة عن علي عليه السلام فقالت خير البشر ما شك فيه إلا منافق.
و سألها مسروق في قصة الخوارج فقال لها بالله يا أماه لا يمنعك ما بينك و بين
علي أن تقولي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه و آله فيه و فيهم..
فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: «هم شر الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق و الخليقة».
قد جاء عنها من طريق آخر أنها سئلت عن علي ، فقالت: «ذاك خير البشر، لا يشك فيه إلا منافق».
فانظر ورود ذلك على لسان معانديه، ففيه أكبر آية.
و حدثنا الشيخ أبو الحسن بن شاذان، قال: حدثنا [أبو عبد الله أحمد بن] محمد بن الحسن بن أيوب الحافظ، قال: حدثنا أبو علي أحمد محمد بن بن جعفر الصولي قال حدثنا محمد بن الحسن قال حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا أبو معاوية، قال: قال لي الأعمش: يا أبا معاوية، ألا أحدثك حديثا لا تختار عليه؟
قلت: بلى، قال: حدثني أبو وائل – و لم يسمعه أحد غيري- عن عبد الله – و لم يسمعه
أحد غيري - قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه و آله - و لم يسمعه أحد غيري - قال: قال لي جبرئيل عليه السلام: «يا محمد علي خير البشر، من أبي فقد كفر».
و حدثني الشيخ أبو الحسن ... علي بن شاذان، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن إسحاق بن أبي الخطاب السوطي، قال: حدثنا إسماعيل بن علي الدعبلي، عن أبيه، قال: حدثنا الرضا عليه السلام عن [أبيه عن] جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله لعلي بن أبي طالب: «يا علي، أنت خير البشر».
و أخبرني أبو عبد الله الحسين بن أبي كامل الطرابلسي، قال: حدثنا خيثمة
ابن سليمان بن حيدرة، قال: حدثنا إبراهيم بن سليمان البهمي بالكوفة، قال:
حدثنا الحسين بن سعيد النخعي ابن عم شريك، عن إسحاق، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «علي خير البشر من أبى فقد كفر».
و حدثهم محمد بن عمير قال حدثنا الدلال أبو محمد، قال حدثنا العلاء بن عمر، قال: حدثنا الحسن بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «عليكم بدهن البنفسج فادهنوا به، فإن فضل دهن
البنفسج على سائر الأدهان كفضل علي على سائر الخلق».
و روی حفص بن عمر بن الصباح، قال: حدثنا إبراهيم الأصبهاني، قال:
حدثنا شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن سالم، قال: سألت جابرا عن علي، قال:
ذاك خير البرية ما شك فيه إلا كافر.
و روى أبو بكر الرازي، قال: حدثنا أحمد بن موسى الأسدي، قال: حدثنا القاسم بن الضحاك بن مفضل بن المختار بن فلفل، قال ابن هراسة، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عطية، قال: قلنا لجابر بعد ما كبر و سقطت حاجباه على عينيه: أي رجل كنتم تعدون عليا؟ فرفع حاجباه بيديه و قال: ذاك خير البشر.
و الأخبار الواردة بمثل هذا كثيرة و هي مروية في كتب العامة مسطورة.
فصل آخر
من الأخبار و من الأدلة على فضل أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - على جميع البشر، ممن تقدم و تأخر و ظهر، أن النبي صلى الله عليه و آله قال: «خلقت أنا و أنت يا علي من نور واحد».
و في خبر آخر: «من طينة واحدة».
و أنه «لو لم يخلق علي لم يكن لفاطمة كفو» من ولد آدم إلى يومنا.
و أنه «يوم القيامة على الحوض» و «على الصراط» و «و قسيم الجنة و النار»، و أن الأئمة من ولده عليهم السلام أصحاب الأعراف، و أنه: «أول من يدخل
الجنة و أول من يكسى إذا كسي رسول الله، و يسقى من الرحيق إذا سقي رسول الله صلى الله عليه و آله» و يزوج من الحور العين إذا زوج.
و أنه: «معه في السنام الأعلى».
و إن: «منزله يحاذي منزله عند الله تعالى».
و الروايات الواردة بذلك في النقلين جميعا أكثر من أن تحصى.
فصل آخر
و قد روت الشيعة و بعض العامة أن آدم عليه السلام لما خلقه الله تعالى، نظر إلى أشباح
تلوح، و هي أسماء على العرش مكتوبة و أنها خمسة: محمد، و علي، وفاطمة و الحسن، و الحسين عليهم السلام، و أنه سأل الله تعالى عنهم، فأخبره أنهم خير خلقه، و لو لا أنه يريد خلقهم ما خلقه.
و في خبر آخر أنه قال: «لولاهم ما خلقت السماء و الأرض».
فإن آدم لما عصى الله تعالى سأله بهم، و أنهم الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فتاب عليه. و الأخبار الواردة بذلك كثيرة:
منها: ما حدثني به شيخي أبو عبد الله البغدادي المعروف ب: ابن الواسطي رحمه الله، و سمعته من الشيخ أبي الحسن محمد بن شاذان القمي رضى الله عنه، قالا: أخبرنا أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدثني عبد
العزيز بن عبد الله، قال:
حدثني [جعفر بن محمد قال حدثني] عبد الكريم، قال حدثني صحار العطار أبو نصر، قال: حدثني أحمد بن محمد بن الوليد، قال: حدثني ربيع بن
الخراج قال: حدثني الأعمش، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «لما خلق الله آدم و نفخ فيه من روحه، عطس آدم فقال: الحمد لله، فأوحى الله تعالى إليه: حمدتني عبدي، و عزتي و جلالي، لو لا عبدان من عبادي أريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك، قال: إلهي، فهل يكونان مني؟ قال: نعم يا آدم، ارفع رأسك و انظر، فرفع آدم رأسه، فرأى مكتوبا على العرش: لا إله إلا الله، محمد نبي الرحمة، علي مقيم الحجة» ثم يذكر تمام الخبر. فصل آخر
و مما نقلته الشيعة و بعض محدثي العامة أن المهدي- عجل الله تعالى فرجه- إذا ظهر أنزل الله تعالى المسيح عليه السلام، فإنهما يجتمعان، فإذا حضر صلاة الفرض قال المهدي للمسيح «تقدم يا روح الله»- يريد تقدم الإمامة – فيقول المسيح: «أنتم أهل بيت لا يتقدمكم أحد» فيقدم المهدي ثم يصلي المسيح خلفه – صلى الله عليهما. و هذه شاهدة من المسيح بأن أهل البيت عليهم السلام أفضل من جميع الأنام.
و قد وضح الدليل بأن أمير المؤمنين عليه السلام أفضل أهل البيت، فهو إذا أفضل من سائر العباد، سوى رسول الله صلى الله عليه و آله و قد جاء في الحديث أن فاطمة - صلوات الله عليها - سألت أباها رسول الله صلى الله عليه و آله عن فضل أمير المؤمنين عليه السلام فقال لها: ذلك المرء لا [يقاس به] أحد، و هذا يفيد فضله على العالمين من الأولين والآخرين.
و روت الشيعة أيضا خبر الوسيلة و أنها كالمنبر تنصب لرسول الله صلى الله عليه و اله القيامة، و أن أمير يوم المؤمنين عليه السلام نعتها و وصف مراقيها فقال رسول الله صلى الله عليه و آله على المرقاة العليا، و أنا على المرقاة التي تليه و أعلام الأزمنة و حجج الدهور فعن أيماننا و أعلام الأزمنة فدوننا لا يرانا نبي مرسل و لا ملك مقرب إلا بهت لأنوارنا و عجب من ضيائنا».
الحديث بطوله و إنما اقتصرنا على بعضه.
و هذه الأخبار شاهدة بأن رسول الله صلى الله عليه و آله و الأئمة من بعده عليهم السلام أفضل من جميع خلق الله تعالى.
فصل آخر
من أخبار وردت من طريق العامة، سمعتها من الشيخ الفقيه أبي الحسن محمد بن أحمد بن شاذان رحمه الله، فإني اجتمعت به بمكة في سنة اثني عشر و أربعمائة أنا و جماعة من الإخوان في المسجد الحرام مقابل المستجار..
[فسمعناه منه] مائة منقبة من فضائل أهل البيت عليهم السلام، أخرجها من طريق العوام، شاهدة بعلو قدرهم على الأنام، قد ذكرت، و أنا أذكر منها نوعا آخر يتضمن أنه خير خلق الله، و أنه في الفضل ثاني رسول الله صلى الله عليه و آله:
حدثنا الشيخ أبو الحسن محمد بن أحمد بن شاذان القمي - رضوان الله عليه - قال حدثني أبو زكريا طلحة بن أحمد بن طلحة بن محمد بن محمد الصرام – مذ قدم علينا بالكوفة حاجا- قال: حدثني أبو معاد شاه بن عبد الرحمن بهراة، قال:
حدثني [علي بن عبد الله، قال: حدثني عبد الحميد القناد، قال: حدثني هشيم بن
بشير، قال: حدثني شعبة بن الحجاج قال حدثني عدي بن ثابت قال حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله علي أفضل من خلق الله تعالى غيري و الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، و أبوهما خير منهما، و إن فاطمة سيدة نساء العالمين، و لو أن لفاطمة خيرا من علي لم أزوجها منه».
حدثنا الشيخ أبو الحسن، عن محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا جعفر ابن على الدقاق، عن عبد الله بن محمد الكاتب، قال: حدثنا سليمان بن الربيع، قال:
حدثنا نصر بن مزاحم، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا الأشعث، عن مرة، عن أبي ذر، قال: نظر النبي صلى الله عليه و آله إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: «هذا خير الأولين و الآخرين من أهل السماوات و الأرضين، هذا سيد الصديقين، وسيد الوصيين و إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إذا كان يوم القيامة جاء على ناقة من نوق الجنة، قد أضاءت القيامة من نورها، على رأسه تاج مرصع بالزبرجد و الياقوت، فتقول الملائكة: هذا ملك مقرب، فيقول النبيون: هذا ملك مرسل، فينادي مناد من تحت بطنان العرش هذا الصديق الأكبر، هذا وصي حبيب الله، هذا علي بن أبي طالب، فيقف على متن جهنم، فيخرج منها من يحب، و يدخل فيها من يحب و يأتي أبواب الجنة، فيدخل فيها أولياءه بغير حساب».
و هذا خبر عظيم، يشهد لأمير المؤمنين عليه السلام بفضل جزيل، و أنه من طريق العامة من الأمر العجيب.
فأما قوله «يجيء حتى يقف على متن جهنم فيخرج منها من يحب».
فإنما معناه: أنه يخرجه منها بالشفاعة فيه، فقد ثبت أن الأمير المؤمنين عليه السلام شفاعة مقبولة، كشفاعة رسول الله صلى الله عليه و آله و كذلك لجميع الأئمة عليهم السلام.
و قوله: «يدخل فيها من يحب» معناه: أنه يدخل فيها من يستحق دخولها ممن لا يشفع في مثله.
و أما إدخاله أولياءه، فالمراد به الذين حسناتهم غير مشوبة بالمعاصي؛ لأن الحساب إنما هو على من خلط عملا صالحا و آخر سيئا.
و حدثنا أبو الحسن بن شاذان، قال: حدثني أحمد بن محمد، قال حدثني محمد ابن جعفر، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني محمد بن سنان، قال: حدثني زياد بن المنذر قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «ما أظلت الخضراء، و لا أقلت الغبراء بعدي أفضل من علي بن أبي طالب، و إنه إمام أمتي و أميرها، و إنه لوصيي و خليفتي عليها من اقتدی به بعدي اهتدی و من اقتدى بغيره ضل و غوى.
إني أنا النبي المصطفى، لم أنطق بفضل علي عن هوى، إن هو إلا وحي يوحي، نزل به الروح المجتبى عن الذي له ما في السماوات
و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى».
و قوله في هذا الخبر: «بعدي» لا يصح أن يريد به إلا الرتبة دون الزمان، بدليلين: أحدهما: قوله: «أظلت و أقلت» و لو أراد الزمان لقال: تظل و تقل.
و الثاني: اتفاق الأخبار، فإنه إن لم تحمل على الرتبة كان مخالفا لما قبله و لما بعده.
و حدثنا الشيخ أبو الحسن، قال: حدثني الحسن بن أحمد في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، قال: حدثني أبو بكر محمد، قال حدثني عيسى بن مهران، قال:
حدثني يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثني قيس بن الربيع، قال: حدثني الأعمش، قال: حدثني عباية، عن حبة العرني، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «أنا سيد الأولين و الآخرين، و أنت يا علي سيد الخلائق بعدي، أولنا كآخرنا، و آخرنا كأولنا».
و قوله في هذا أيضا: «بعدي» يريد به الرتبة في الفضل، بدليل قوله: «سيد
الخلائق» و هذا ظاهر بالمعلوم، و هو عائد إلى ما تقدم من ذكر الأولين و الآخرين - لأنه عطف في الفضل رتبته على رتبته، و هذا يشهد بأنه سيد الأولين و الآخرين مثله.
قوله: «أولنا كآخرنا، و آخرنا كأولنا» يؤكد ذلك، و يشهد بأنه بعد غيبته قائم في الفضل مقامه و سيد لمن كان سيده.
فصل آخر
مما سمعناه من الشيخ أبي الحسن بن شاذان في نوع آخر يتضمن تمييز أمير المؤمنين عليه السلام على سائر الأنام، حدثنا أبو الحسن، قال: حدثني أبو القاسم جعفر ابن محمد بن مسروق اللحام، قال: حدثني حسين بن محمد، قال: حدثني أحمد بن علويه المعروف ب: ابن الأسود الكاتب الأصبهاني، قال: حدثني إبراهيم بن محمد، قال: حدثني عبد الله بن صالح، قال: حدثني حريز بن عبد الحميد، عن مجاهد عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: لما أسري بي إلى السماء، ما مررت بملإ من الملائكة إلا سألوني عن علي، بن أبي طالب، حتى ظننت أن اسم علي في السماوات أشهر من اسمي. فلما بلغت السماء الرابعة و نظرت إلى ملك الموت عليه السلام قال لي: يا محمد، ما خلق الله خلقا إلا و أنا أقبض روحه إلا أنت و علي، فإن الله جل
جلاله يقبض أرواحكما بقدرته
و جزت تحت العرش إذا أنا بعلي بن أبي طالب واقفا تحت العرش، فقلت يا علي سبقتني؟ فقال لي جبرئيل من هذا الذي تكلمه يا محمد؟ فقلت: هذا علي بن أبي طالب، فقال: يا محمد، ليس هذا عليا و لكنه ملك من الملائكة خلقه الله على صورة علي بن أبي طالب، فنحن الملائكة المقربون كلما اشتقنا إلى وجه علي بن أبي طالب زرنا هذا الملك، لكرامة علي بن أبي طالب على الله سبحانه».
و حدثنا الشيخ قال حدثنا هارون بن موسى قال: حدثني جعفر بن علي الدقاق قال حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثني سعيد بن كثير، قال حدثني محمد بن الحسين المعروف ب سلقاق، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن
جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: «أول من يدخل الجنة من النبيين و الصديقين علي بن أبي طالب».. فقام إليه أبو دجانة الأنصاري فقال: تخبرنا يا رسول الله عن الله سبحانه إنه أخبرك أن الجنة محرمة على الأنبياء تدخلها أنت، و على الأمم حتى تدخلها أمتك ؟ قال : بلى ، و لكن أما علمت أن حامل لواء القوم إمامهم، و علي بن أبي طالب حامل لواء الحمد يوم القيامة بين يدي، يدخل به الجنة و أنا على أثره» ..فقام علي و قد شرق وجهه سرورا و هو يقول: «الحمد لله الذي شرفنا بك يارسول الله و روينا أيضا في خبر مذكور في حديثه بإسناده إلى النبي صلى الله عليه و آله إنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام: «يا علي، أنت أمير من في السماء، و أمير من في الأرض و أمير من مضى و أمير من بقي و لا أمير قبلك و لا أمير بعدك، و لا يجوز أن يسمى بهذا الاسم من لم يسمه الله عز و جل به».
فصل
مما روي في نوع آخر من فضل أمير المؤمنين عليه السلام شاهدا بما ذهبنا إليه : حدثنا الشيخ أبو الحسن بن شاذان ، قال: حدثني محمد بن محمد بن سعيد سعيد الدهقان، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه و آله و هو في بعض حجراته، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فلما دخلت عليه قال : «يا علي، أما علمت أن بيتي بيتك، فما لك تستأذن؟
فقلت: يا رسول الله، أحببت أن أفعل ذلك..
فقال: يا علي، أحببت ما أحب الله، و أخذت بآداب الله ..
يا علي، أما علمت أن الله خالقي و رازقي أمرني أن لا يكون لي شيء دونك..
يا علي، أنت وصيي من بعدي، و أنت المظلوم المضطهد بعدي ..
يا علي الثابت عليك كالمقيم معي، و مفارقك مفارقي ..
يا علي، كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك، إن الله تعالى خلقني و خلقك من نور واحد».
و حدثنا الشيخ أبو الحسن ، أيضا، قال: حدثنا محمد بن سعيد أبو الفرج، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن منصور، قال حدثني أحمد بن بن صبيح، قال: حدثني الحسين بن علوان قال حدثني عمرو بن ثابت قال: حدثني سعد بن طريف الخفاف، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و آله لعلي بن أبي طالب أنا مدينة العلم و أنت بابها و لن تؤتى المدينة إلا من الباب و كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك، لأنك مني و أنا منك، لحمك من لحمي، و دمك من دمي، و روحك من روحي، و سريرتك من سريرتي، و علانيتك من علانيتي و أنت إمام أمتي و خليفتي عليها بعدي، سعد من أطاعك، وشقي من عصاك، و ربح من تولاك، و خسر من عاداك، و فاز من لزمك، و خسر من فارقك، مثلك و مثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح عليه السلام من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق، و مثلكم مثل النجوم إذا غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة».
و هذان الخبران يشهدان بأن أمير المؤمنين عليه السلام قسيم رسول الله صلى الله عليه و آله خلقا و فضلا، و قسیم خير خلق الله يجب أن يكون خير جميع خلق الله.
فصل آخر
من نقل العامة في فضل أمير المؤمنين عليه السلام ما يقدم به على جميع الأنام: حدثني القاضي أبو الحسين أسد بن إبراهيم بن كليب السلمي الحراني نزيل بغداد بمدينة الرملة سنة عشر و أربعمائة، قال: أخبرنا حفص بن عمر بن علي العتكلي الخطيب قال أخبرني محمد بن الحسين بن إبراهيم الطوسي بمكة، قال: حدثني علي بن عبد العزيز، قال: حدثني أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثني سفيان الثوري، عن ابن راشد عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه و آله فأقبل علي عليه السلام فأدمن رسول الله صلى الله عليه و آله النظر إليه ثم قال: «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، و إلى نوح في حكمه، و إلى إبراهيم في حلمه، فلينظر إلى هذا».و حدثنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن طلحة بصيدا، قال: حدثني إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحلبي، قال: حدثني أبو أحمد العباس بن الفضل المكي، قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الدبري بصنعاء سنة إحدى و سبعين و مأتين، قال: حدثني عبد الرزاق، عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه و آله إذا أراد أن يشهر عليا عليه السلام في موطن أو مشهد علا على راحلته و أمر الناس أن تنخفض دونه، و إن رسول الله صلى الله عليه و آله أشهر عليا يوم حنين فقال: «أيها الناس من أحب أن ينظر إلى آدم في خلقه، و أنا في خلقي، و إلى إبراهيم في خلته و إلى موسى في مناجاته و إلى يحيى في زهده و إلى عيسى في سنته، فلينظر إلى علي ابن أبي طالب ... ثم ذكر تمام الخبر . و ما لأمير المؤمنين من الفضل الجزيل و إنما اقتصرنا منه على ما يماثل من قبله، فجمع رسول الله صلى الله عليه و آله في هذين الخبرين لأمير المؤمنين عليه السلام من الفضل الجزيل ما تفرق من فضائل الأنبياء - صلوات الله عليهم - و حيث أن النظر إليه وحده يقوم مقام النظر إلى جميعهم، و لم يكن ذلك لأحد، وجب تقديمه إلا على من حصل الإجماع على أنه أفضل منه و هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه و اله.
فصل
و من تتبع و نحل الأخبار الواردة على ألسنة الخاص و العام مما نقله الفريقان المختلفان و حكمه الرهطان المتعاديان - من شيعي وفق لنقله، و ناصبي سخر لحمله - رأى من أنواع فضائله عليه السلام ما لا تحصى مما يشهد بأنه فوق جميع الورى، و أنه لا يفضل عليه أحد إلا سيدنا رسول الله عليه السلام.و هذه الأخبار و إن ورد بعضها مورد الأحاد، فقد وافقت ما يتوارد لمثلها، وقد تواترت أيضا بمعانيها و تناظرت باتفاق مدلولها، و حملها من العامة طائفة لا يظن بها عصبية للمذكور فيها حملها على افتعالها، و هذا أعدل شاهد بصدقها، مع ما عضدها من الأدلة القاطعة على ثبوت مضمونها.
باب طريقة الاعتبار
أما الحجة على فضل أمير المؤمنين عليه السلام على جميع الأنام، من طريق الاعتبار، فهي أنه قد ثبت أن دین الإسلام أفضل الأديان، و العمل به أعلى درجات الأعمال، و إذا كان العمل به لا يحصل إلا بعد تنفيذه، لا يتم إلا
بنص منفذه، فأبلغ الخلق نصرة للنبي صلى الله عليه و آله و أعظمهم ذبا و محاماة عن الدين الإسلام، يجب أن يكون أجره عند الله تعالى في المعاد أعظم من جميع العباد أجرا إذا كان به تم التبليغ، و عمت المصلحة، و تم الكلام و شمل النفع في الدين و ثبتت الحجة على الخلق، و قد علم ما لأمير المؤمنين عليه السلام في نصرة صاحب الشرع و المعونة له على تبليغ السمع من المقامات الخطيرة و التأثيرات الأثيرة، و الأفعال المنيفة، و المواساة الشريفة الذي لا يماثل فيها شريك، و لا يدانيه في بعضها أحد، و في هذه جملة ظاهرة مكشوفة، و تفاصيلها في السير مذكورة، و في التواريخ مسطورة، و هي قاضية بأن أمير المؤمنين عليه السلام في الآخرة ثوابه أعظم ثواب و أفضله، و أن أجره أعلى أجر و أجز له، و إذا كان الفضل عند الله سبحانه هو عظم القدر و زيادة المستحق من الأجر و كان أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الحال، فهو أفضل خلق الله سوى سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه و آله.
فصل
و قد أقر له بخطير سوابقه من سلف و نقل تفرده بذلك من وافق و خالف.
حدثني الشيخ أبو المرجى محمد بن علي بن أبي طالب البلدي، قال: حدثني أبو المفضل محمد بن عبد الله بن محمد بن المطلب الشيباني، قال: حدثني محمد بن القاسم ابن زكريا المحاربي قال حدثني هشام بن يونس النهشلي، قال: حدثني أبو مالك الجهني، عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال: لو أن سابقة من سوابق علي بن أبي طالب عليه السلام قسمت على أهل الأرض لوسعتهم خيرا.و حدثني القاضي أبو إسحاق أسد بن إبراهيم بن كليب السلمي الحراني، عن أبي جعفر، قال: حدثني أبو عبد الله أحمد بن جعفر الجوهري، قال: حدثني أحمد بن علي المروزي، قال حدثني الحسين بن شبيب قال حدثني خلف، عن أبي هريرة العبدي، قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عمر فأتى نافع بن الأزرق و قال و الله إني لأبغض عليا، فرفع ابن عمر رأسه فقال أبغضك الله أتبغض - ويحك - رجلا سابقة من سوابقه خير من الدنيا و ما فيها.
فصل
في ذكر بعض سوابقه و مقاماته و ما له فيها، و من تأثيراته مما كان منه عليه السلام عند الجهاد و مكافحة الأضداد: مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه و آله ليلة هجرته، لما أجمع المشركون على الهجوم عليه لسفك دمه. و ذلك أن النبي صلى الله عليه و آله لما علم ذلك عنهم،
و عزم على الهرب خفية منهم أمر عليا عليه السلام أن يلتحف ببردته و ينام على فرشته ليظن من رآه من المشركين أنه رسول الله صلى الله عليه و آله، و لا يجدون في طلبه، فسارع إلى ما أمره، و بذل مهجته في طاعته، و رضي أن يفديه بنفسه، و هذا ما لا يكاد تسمح الأنفس بمثله.و قد روى الثقات عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: لما بات علي عليه السلام على الفراش أوحى الله إلى ملكين من ملائكته لم يكن في الملائكة أشد ائتلافا و مؤاخاة منهما فقال إني مميت أحدكما ، فاختارا أيكما يؤثر صاحبه بالبقاء؟ فتدافعا الموت بينهما، و آثر كل واحد منهما البقاء لنفسه فأوحى الله إليهما أين أنتما عن عبدي الراضي بالموت الذي بات على فراش ابن عمه يقيه الردى بنفسه؟ أما إني قد علمت من سريرته أن تلف نفسه أحب إليه من أن يؤخذ شعرة من شعر ابن عمه، انزلا إليه و اكلاه إلى الصبح». هنالك قالت الملائكة: هنيئا لك يا ابن أبي طالب، فأنت الحبيب المواسي.و في مبيته على
الفراش أنزل الله سبحانه: و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله و الله رؤف بالعباد.و قد ميز الناس بين ما كلفه أمير المؤمنين عليه السلام من مبيته على الفراش و بين ماكلفه إسماعيل عليه السلام، و قول إبراهيم عليه السلام: إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى و قول إسماعيل: قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فوجدوا تكليف أمير المؤمنين عليه السلام أشق، و ما بلي به أعظم و أشد؛ لأن إسماعيل عليه السلام سلم لهلاك يناله بيد أبيه ، و أمير المؤمنين سلم لهلاك يناله بيد أعدائه المشركين و قد كان يجوز أن تحمل أباه الرقة على أن يراجع الله فيه، و أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن يطمع في رقة عليه من المشركين، فبين التكليفين فرق عظيم ..و إذا كان بالتكليف يستحق عند الله تعالى المنازل العاليات فأعظم التكليف يستحق عليه أعظم الثواب، لا سيما تكليف فديت به مهجة خير الأنام، وتمت الهجرة التي هي سبب تنفيذ شريعة الإسلام.
فصل
فأما مقاماته في الجهاد التي قصر عن مساواته فيها جميع العباد، و ثبتت بها قواعد الإسلام، و استقرت بثبوتها شرايع الله و الأحكام، و هي أظهر من أظهر من أن يحتاج فيها إلى بيان، و نحن نذكر منها ما قارن قولا من أقوال النبي صلى الله عليه و آله تشهد بعظم موقع ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام، و أنه من المنزلة عند الله تعالى فوق جميع الأنام فمن ذلك ما كان منه يوم أحد و هو يوم المهراس - و قد انهزم سائر المسلمين و لم يبق بين يديه إلا علي بن أبي طالب عليه السلام، فرفع طرفه إليه و قال يا علي ما فعل الناس؟ فقال: نقضوا العهد و ولوا الدبر. قال فاكفني هؤلاء الذين قد قصدوني فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام فكشفهم عنه، وقتل منهم جماعة، فلم تزل كتيبة تأتي بعد كتيبة و رسول الله صلى الله عليه و آله يقول لأمير المؤمنين عليه السلام: اكفني من هؤلاء فيكفيه أمورهم قال جبرئيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه و آله: «لقد عجبت الملائكة و عجبنا من حسن مواساة على لك بنفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: «و ما يمنعه من و هو مني و أنا منه؟»، فقال جبرئیل و أنا منكما» ثم علا جبرئيل عليه السلام في الهواء و هو يقول و الناس يسمعون منه القول: حتى عجبت الملائكة فعله هذا لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي». و جاءنا في الحديث إنه لما انكشفت عن النبي صلى الله عليه و آله الكربات، و زالت عنه بهذه النصرة الملمات، قال لأمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا الحسن! لو وضع إيمان الخلائق و أعمالهم في كفة ميزان، و وضع عملك يوم أحد في الكفة الأخرى، لرجح عملك يوم م أحد على جميع ما عمل الخلائق، و إن الله تعالى باهي بك يوم أحد ملائكته المقربين و رفع الحجب من السماوات السبع، و أشرقت إليك الجنة و ما فيها، و ابتهج بفعلك رب العالمين و إن الله ليعوضك بذلك اليوم ما يغبطك به كل نبي و صديق و شهید».و هذا القول لا يحتاج إلى تفسير، و هو شاهد لأمير المؤمنين عليه السلام بفضل عظیم، و قدر خطير.حدثنا به الشيخ أبو الحسن محمد بن شاذان القمي رضى الله عنه، قال: حدثنا أبو محمد إبراهيم بن محمد المذاري الخياط، قال: حدثني محمد بن جعفر، قال: حدثني أيوب بن نوح، قال: حدثني ابن محبوب، قال: حدثني علي بن رئاب، قال: حدثني مالك بن عطية، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه و ذكر الحديث. و في معناه ما روي عن الحسن عليه السلام إنه خرج بعد وفاة أبيه عليهما السلام بيوم، فخطب الناس، فقال: «كيف يقاس رجل – يعني أباه - ما سبقه الأولون بعمل، و لا يدركه الآخرون بعمل». رواه يحيى بن عبد الحميد اليماني قال: حدثنا
شريك، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة و ذكر الحديث مقام له آخر . و من ذلك ما كان منه يوم الأحزاب، من سبب هزيمتهم، و عن النبي صلى الله عليه و آله ،بصرفهم و کفایته و جميع المسلمين أمرهم، فقتل رأسهم وعلمهم الذي به اجتمعت كلمتهم و علت صولتهم و هو عمرو بن عبد ود العامري، بعد أن حاصروا المدينة بضعا وعشرين ليلة و خاف المسلمون بأسهم، و وجلت منهم نفوسهم، و نطق المنافقون بما في قلوبهم، و قالوا: إن لم ينجز الله لنا وعده و لا نصر رسوله و عبده .. و في ذلك أنزل الله سبحانه: إذ جاؤكم من فوقكم و من أسفل منكم و إذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر و تظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديدا * و إذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله و رسوله إلا غرورا برز إلى المسلمين عمرو، فاقتحم على الناس الخندق، و دعا إلى البراز، فلم يجسر عليه أحد. فقال النبي صلى الله عليه و آله لمن حوله: «أيكم يبرز إلى عمرو و أضمن له على الله الجنة؟ فلم يكن في الناس من أقدم على هذا المقام غير أمير المؤمنين عليه السلام فبرز إليه، فأهلكه الله على يديه، فحين رأت الأحزاب قتله، انهزمت عن آخرها، و كفى الله تعالى بأمير المؤمنين عليه السلام أمرها، و في ذلك أنزل الله تعالى و رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا و كفى الله المؤمنين القتال بعلي و كان الله قويا عزيزا، و جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: ما شبهت قتل [علي] عمرا إلا كما أخبر الله من قصة داود و جالوت و روي أن الأحزاب لما انهزموا، افترقوا سبعين فرقة، قد كانت كل فرقة ترى وراءها علي بن أبي طالب. و هذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون خوفا، مثل و خيل لكل فريق أنه وراءها ..و الآخر: أن الملائكة الذين تبعوهم كانوا على صورته و قد اعتمد على هذا الوجه أحد الشيوخ في كتابه، فأتى المحفوظ من قول رسول الله صلى الله عليه و آله لما برز إلى عمرو، و أنه عليه السلام قال: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله فعدل به إيمان كل مؤمن، كما عدل بشرك عمرو شرك كل مشرك، و ظاهر هذا القول
مع من لفظ الاستثناء عام ،شامل و عمومه لا يخرج منه إلا النبي صلى الله عليه للإجماع؛ و لأن المفضل لا يدخل في جملة من فضل، و هذا يقتضي أن أمير المؤمنين عليه السلام يقوم مقام كل من آمن برسول الله صلى الله عليه و آله و قد اعتراه بذلك أعداؤه و سخر لنقله أضداده. حدثني القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم السلمي من طريق العامة بمدينة الرملة سنة عشر و أربعمائة، قال: أخبرني أبو حفص عمرو بن علي العتكي، قال: حدثني سعيد بن محمد الحافظ، قال: حدثني زكريا بن يحيى الشجري بدمشق، قال: حدثني محمد بن تسنيم أبو طاهر الوراق، قال: حدثنا جعفر بن محمد عن إبراهيم عن رقبة بن مصقلة عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: «لو أن السماوات و الأرض وضعتا في كفة و وضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي مقام آخر له، و من ذلك خيبر، و قد رجع عنها من أنفذهم النبي صلى الله عليه و آله، و قتل من المسلمين من قتل و انهزم من انهزم فلما أنفذ أمير المؤمنين - صلى الله عليه - كان الفتح على يديه، و قتل مرحبا، و فتح الحصن، و أظهر الله سبحانه المعجز على يده بقلع الباب الذي تحير لقلعه أولو الألباب.و المحفوظ عن رسول الله صلى الله عليه و آله لما قام ذلك المقام لو لا أن يقول فيك من أمتي ما قالت النصارى في المسيح بن لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بملإ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك و من فضل طهورك يستشفوا مریم به، و لكن حسبك أن تكون مني و أنا منك الحديث بطوله مما تضمنه من كريم منزلته و خطير محله و هذا يدل
على أن لعلي عليه السلام فضلا لا تقتضي المصلحة أن ينطق بكنهه النبي صلى الله عليه و آله و إنما يخبر ببعضه، و ما ذاك إلا لتفاوت عظيمة حدثنا بهذا الخبر من طريق العامة القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم الحراني،عن أبي جعفر العتكي عن سعيد الحافظ، عن أبي حصين الكوفي، عن عبادة الأسدي، عن كادح العائد، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن مسلم بن بشار، عن جابر، و ذكر الحديث فصل و مما يشهد بأن لأمير المؤمنين عليه السلام مناقب لا تحصى ما حدثنا به الشيخ أبو الحسن محمد بن شاذان القمي رضي الله عنه، قال: حدثنا ابن زکریا، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج، قال حدثنا الحسن بن محمد بن بهرام، قال: حدثنا يوسف ابن موسی القطان، قال: حدثنا جرير [عن ليث] عن مجاهد، عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «لو أن الغياض أقلام، و البحر مداد، و الجن حساب، و الإنس كتاب، ما أحصروا فضائل علي بن أبي طالب».
فصل آخر
من الاحتجاج في فضل أمير المؤمنين عليه السلام على جميع الأنام سوى سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله – و هو لا حق بالاعتبار- الدليل على أن إجماع الطائفة الذين هم علماء الشيعة الإمامية - كثرهم الله تعالى – فإنهم مجمعون على أن أمير المؤمنين عليه السلام أفضل العالم سوى رسول الله صلى الله عليه و آله، و هذا دليل مبني علی أن إجماعها حجة، و بيان ذلك مسطور في كتب الإمامية. و هذا [هو] الدليل الذي كان يعتقده الشريف المرتضى - نضر الله وجهه - في الجواب عن هذه المسألة، ورد إلي كتابه بذلك فقال: لا خلاف بين الإمامية في فضل أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - على جميع من تقدم، و إجماعها حجة يوجب العلم؛ لأن الإمام المعصوم قائم فيها و قائل في جميع ما أجمعت عليه بقولها و كان رحمه الله يختار هذه الطريقة من الأدلة، و هي مبنية على ما ذكرناه، من أن إجماع الطائفة حجة، و لا معتبر بدفع أصاغر الشيعة و من أنس منهم بكلام المعتزلة فضل أمير المؤمنين عليه السلام على سائر الأنام سوى رسول الله صلى الله عليه و آله؛ لأن المعول في الإجماع على قول الإمامية مختص بمذهبهم دون العامة و من شك بمخالطة المعتزلة منهم. و في بعض ما أوردناه كفاية من هذا الطريق في إثبات الحجة على صحة ما ذهبنا إليه في هذه المسألة. باب الكلام على الشبهة المعترضة للمخالف في هذه المسألة قال المخالف قد ثبت فضل الأنبياء عليهم السلام و أمير المؤمنين عليه السلام ليس بنبي، فكيف يفضل من ليس بنبي نبيا؟ فإن العقول تنفي هذا.و الجواب على أن استحالة فضل من ليس بنبي على من هو نبي غير معلومة ضرورة، و ليس ببعيد فضل من ليس بنبي على من هو نبي في العقل إذا لم يجمعهما زمان، و إذا اجتمعا أيضا و لم يكن الفاضل رعية للمفضول و معرفة الحق في ذلك موقوفة على الدليل. ثم إن مخالفنا في هذه المسألة بما اعترضه من هذه الشبهة لا يخلو إما أن يكون ناصبيا، أو شيعيا فإن كان ناصبيا معتزليا قيل له: لم اعتمدت؟! [على ذلك] و من شيوخك من يذهب إلى أن فضل من ليس بنبي على من هو نبي غير مستحيل إذا لم يكن الفاضل رعية للنبي، و لذلك صح [أعلمية] العالم الذي سأله عليه السلام نبي مرسل من أولي العزم من الرسل، و لم يثبت أن ذلك العالم نبي، لكنه لم يكن لموسى عليه السلام رعية ..و قد قال أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي أحمد البلخي – و هو شيخ البغداديين من المعتزلة - في كتابه الذي نعته بعيون المسائل و الجوابات في باب الكلام في إمامة المفضول: إنه قد يجوز أن يكون في بعض أزمنة رجلان، أحدهما أفضل من الآخر، فينبئ الله تعالى المفضول دون الفاضل. و قال عبد الجبار بن
أحمد الهمذاني - و هو رئيس البصريين من المعتزلة و قاضيهم - في كتابه الذي و سمه ب: المغني، في كلامه في الإمامة، قال و من قولنا: إن الرسول يجوز أن يكون مفضولا، و أن يكون مساويا لغيره في الفضل، و إنما يرجع الكلام إلى السمع في أنه يكون أفضل بعد أن يصير رسولا، و لو لا السمع كنا نجوز أن لا يكون هو الأفضل، و أن يكون في أمته من يساويه في ذلك. هذا نص كلامه، فلم يستحل في عقله أن يفضل من ليس بنبي على من هو نبي مرسل، مع كون الفاضل رعية للنبي المفضول فليس لمعتزلي أن يعجب من تفضيلنا أمير المؤمنين عليه السلام على أنبياء كثيرة لم يعاصرهم و لا كان في زمان أحد منهم و إن كان صاحب الشبهة ناصبيا حشويا قيل له: أ لا اطلعت على ما سطره شيوخك من فضائل أئمتك و تأملت ما ذكروه من ذلك كنت ترجع عن الاعتماد على شبهتك و لو لم يكن إلا دعواهم أن النبي صلى الله عليه و آله قال أبو بكر و عمر سيدا كهول أهل الجنة، مع علمهم أن الجنة فيها آدم و نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و سيدنا محمد خاتم النبيين - صلوات الله عليهم أجمعين – ففضلوهما هؤلاء بهذا القول- و هما غير نبيين- على جميع الأفاضل من النبيين هذا مع قولهم: إنه لم يكن من الرسل المصطفين الأخيار و أولي العزم من المفضلين إلا من ارتكب في حال نبوته ذنبا و احتقب إثما، فمنهم من شك في قدرة الله تعالى، و منهم من كذب متعمدا ومنهم من هم بالزنا و منهم من قتل نفسا ظلما ومنهم من هوى امرأة رجل، أخذها حتى منه، و يقولون في سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله أقوالا تقشعر منها الجلود.ثم يعتقدون مع هذا في أبي بكر و عمر و عثمان أنهم قد طهروا منزهون عن الفواحش، مبرءون من سائر الزلات، و من نسب إليهم شيئا فقد خرج من دين الإسلام و يرفعون منازلهم - بالاعتقاد القبيح - على الخيرة من الأنبياء الذين اصطفاهم الله تعالى على الورى، حتى أنهم يروون عن النبي عليه السلام أنه قال: إن بين عيني عمر يقيه .. و إن ملكا ينطق على لسانه ثم يعتقدون أن النبي عليه السلام تلا القرآن فألقى الشيطان ما زاده في تلاوته، فليس يحسن منهم أن يستعظموا قولنا في أمير المؤمنين عليه السلام و فضله على من ليس بأمير المؤمنين رعية له و لا في وقته، و هم يفضلون عمر بهذه الدعوى على النبي صلى الله عليه و آله و عمر أحد رعيته و إن كان المخالف من أصاغر الشيعة المائلين فيها لعلماء الطائفة قيل له: إن المعروف من قول من خالف منكم هو أن عليا عليه السلام لا يفضل لأحد من أولي العزم - صلوات الله عليهم - لكنه يفضل على من سواهم من الأنبياء عليهم السلام. ألستم القائلين بأن أمير المؤمنين أفضل الأوصياء، و معكم بذلك أخبار مروية من طريق الخاصة والعامة جميعا؟ فتعلقكم بهذه الشبهة ليس له معنى، و قد علم أن وصي آدم شيث و شيث نبي، و إن وصي إبراهيم إسماعيل – صلوات الله عليه - و إسماعيل نبي، و إن وصي موسى يوشع عليهما السلام و يوشع نبي، و إن وصي داوود سليمان، و سليمان نبي. و إذا كان بإقراركم أن أمير المؤمنين عليه السلام أفضل الأوصياء، فقد فضل على هؤلاء الأنبياء عليهم السلام؛ لأنهم أوصياء ثم إنه قد اشتهر بين العلماء، من جملة الأنبياء عليهم السلام دانیال و شعياء و إرميا، فيمتنع من تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام على هؤلاء؟ و كان من جملة الأنبياء خالد بن سنان و عاشت ابنته حتى أتت النبي عليه السلام، فرحب بها و أكرمها و سألها عن حالها و قال للناس: «هذه بنت خالد بن سنان نبي ضيعه قومه» .. أ فترى إنه من المنكر عندكم فضل أمير المؤمنين عليه السلام على خالد عليه السلام هذا؟ ما أظن شيعيا ينكره. ثم إن النبوة اسم، إذا كان مهموزا فهو مشتق من الإنباء، و الأنبياء هم الذين ينبئون عن الله تعالى ..و إذا كان غير مهموز، فهو
مشتق من [النباوة، بمعنى] الرفعة، فالأنبياء هم الذين رفع الله منازلهم على الخلق .. و لو نزلنا هذا الاسم على كل من يستحق معناه في الحالين لسمينا الأئمة - صلوات الله عليهم - أنبياء؛ لأنهم ينبئون رعاياهم عن الله تعالى، و قد رفع الله منازلهم على الخلق، لكن الشريعة منعت من هذا ..و قد أجمع المسلمون على أن نبينا صلى الله عليه و آله منعوت - دون من سواه - ب المصطفى، حتى أنهم لا يقولون إبراهيم المصطفى، ولا موسى المصطفى، كما يقولون محمد المصطفى و إن كان كل منهم مصطفى و ينعتون موسى ب الكليم؛ لأن الله تعالى كلمه بغير واسطة، و لا ينعتون نبينا محمدا صلى الله عليه و آله بالكليم و قد كلمه الله تعالى ليلة المعراج بغير واسطة.و هذا نظير قول الشيعة الإمامية: أن عليا عليه السلام منعوت - دون ما سواه - بأمير المؤمنين و إن كان كل إمام أمير المؤمنين .. و ينعتون جعفر بن محمد ب: الصادق و كل إمام صادق مثل ذلك فأما ظنهم أن النبوة اسم لمن أتى بشرع مبتدأ، فليس بصحيح؛ ذوي الشرائع محصورون، و ليس جميع الأنبياء محصورين و لم يكن لكل واحد من إسماعيل و إسحاق ويعقوب و يوسف عليهم السلام شرع و إنما كانوا على شريعة إبراهيم عليه السلام، و منفذين لها في الأنام، و كذلك الأنبياء موسی و عیسی و من جاء بعدهم من الأنبياء إنما كانوا منفذين شريعة موسى عليه السلام، و حافظين لها، و حججا على أهلها في معنى أسماء أئمتنا عليهم السلام، إلا أنهم سموا أنبياء و لم تسم بذلك أئمتنا.
فصل آخر
و قد اعترضت الشبهة للمخالف من وجه آخر فقال: إن الأنبياء عليهم السلام يوحى إليهم و عليا عليه السلام لا يوحى إليه، كان يوحى فكيف يفضل على أحد الأنبياء الذين يوحى إليهم؟ و الجواب عن هذا أنه غير معلوم في كل نبي أنه إليه، بل قد يجوز أن يكون من الأنبياء الذين ليسوا بأصحاب الشرائع من كان يلهم إلهاما، أو یری مناما، و قد أوحى الله إلى أم موسى عليه السلام أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم و ليس بهذا الوحي أن تفضل على أمير المؤمنين عليه السلام .. و لو قيل لأحد الناصبة: إن أم موسى أفضل من عائشة أم المؤمنين لصعب ذلك عليه، و لم يلتفت إليه، و كذلك لو قيل لأحد الشيعة ممن يخالفنا في هذه المسألة من الأصاغر: إن أم موسى أفضل من فاطمة البتول - صلى الله عليها - لم يقبل ذا، و لم يصغ إليه، و في هذا القدر كفاية في إماطة هذه الشبهة عمن كان ذا بصيرة. قد أوردت أطال الله بقاء سيدنا الشريف الجليل نقيب الطالبيين و أدام له العلو و التمكين – في هذه الرسالة في فضل أمير المؤمنين عليه السلام ما تيسر بما فيه كفاية لمن تصور و أتممت الحجة على من ناصب فأنكر، و أوضحت الحجة لمن سعى فقصر، فإن افتخر - حرسه الله – صدق، و إن جاز لي فقد سبق، و الحمد لله وحده.
فصل في جهل العتيق ... 4
فصل في احكام عبد اللات وسيرته ... 17
فصل في جبن الختار ... 34
فصل فى غصب الاول ... 48
فصل فى ظلم حبتر ... 67
فصل في إنّ أبا جعد وصاحباه لا يصلحان للإمامة ... 101
دليل آخر: ... 101
دلیل آخر: ... 102
دلیل آخر: ... 102
دلیل آخر: ... 103
دلیل آخر: ... 103
دلیل آخر: ... 103
دلیل آخر: ... 104
فصل في خيانة الجبت وشكه فسقه ... 110
واما فسقه ... 115
فصل في تحبط كل الديان () ... 121
فصل فيما يدلّ كفر أبي ركب ... 124
فصل في اصرار الفحشاء على الخطاء ... 128
فصل في بدع عبد الكعبة ... 135
فصل في ذكر صحبة الأعرابي في الغار وذكر هجرته ... 138
فصل في الكشف عن صلاة أبي دور ... 152
فصل في نفقة الحايد ... 163
فصل فى الآيات المنازلة زوراً ... 167
فصل في ردّ الأخبار الكاذبة في يغوث ... 169
فصل في الفردات في حق الانسان ... 179
باب أبي الدواهي ... 184
فصل في أصل الصهاک ... 184
فصل في نشو المنكر ... 196
فصل فى جهل الاعتر ... 205
باب مالک بن انس الاصبحي ... 208
فصل ... 208
فصل واما الإمامية ... 214
الرافضة: ... 214
اللاعنة: ... 215
الخلاف الاول: ... 215
الخلاف الثاني: ... 216
والخلاف الثالث: ... 217
الخلاف الرابع: ... 217
الخلاف الخامس: ... 218
والخلاف السادس: ... 218
الفهرس: ... 701