مثالب النواصب او الصوالب القواصب فی مطاعن النواصب جلد 2

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب:

او الصوالب القواصب فيمطاعن النواصب

تأليف: الحافظ الشهير شمس الإسلام رشيدُ الدين

مُحمّدِ بنِ عَلىِّ بنِ شَهر آشُوب بنِ أَبِي نَصرِ بنِ أَبِي الجَيشِ المَازَنّدَرانی السروى

المتوقى سنة 588هـ

تحقيق: دار الوفاق الوطني ببغداد

المخطوطات العربية

حقوق الطبعة، محفوظة

الطبعة الأولى

1436 هـ

محرر الرقمي: ولي رادمرد

الإهداء

الجزء الثاني

إلى من ظلمتهم السقيفة رسول الله الأكرم وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين وإلى شيعتهم الطيبين..

اصدادشعبةالتحقیق

قسم الشوون الفکریة والثقافیّة

دار الوفاق الوطني ببغداد

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق - وزارة الثقافة العراقية لسنة 2015: 34876.

الرقم الدولي: 9789933489359

بسم الله الرحمن الرحیم

اللّهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام و أهله و تذل بها النفاق و أهله و تجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك و القادة إلى سبيلك و ترزقنا بها كرامة الدنيا و الآخرة اللّهم ما عرفتنا من الحق فحملناه و ما قصرنا عنه فبلغناه اللّهم المم به شعتنا و اشعب به صدعنا و ارتو به فتقنا و كثر به قلتنا و أعزز به ذلتنا و أغن به عائلنا و اقض به عن مفرمنا و اجبر به فقرنا و سد به خلتنا و پسر به عسرنا و بیض به وجوهنا و فك به أسرنا و أنجح به طلبتنا و أنجز به مواعيدنا و استجب به دعوتنا و أعطنا به سؤلنا و بلغنا به من الدنيا و الآخرة آمالنا و أعطنا به فوق رغبتنا يا خير المسئولين و أوسع المعطين اشف به صدورنا و أذهب به غيظ قلوبنا و الهدنا به لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم و انصرنا به على عدوك و عدونا إله الحور آمين. اللّهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه و آله و غيبة ولينا وكثرة عدونا و قلة عددنا وشدة الفتن بنا و تظاهر الزمان علينا فصل على محمّد و آله و أعنا على ذلك بفتح منك تعجله و بضر تكشفه و نصر تعزه و سلطان حق تظهره و رحمة منك تجللناها و عافية منك تلبسناها برحمتك يا أرحم الراحمين.

في ذكر بعض ما يزعمونه العامة:

وزعمتم انّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ترک الناس بلا إماكم شفقة عليهم مخافة أن يعصوا خليفته فيكفروا ويذنبوا وانّ من زنا وسرق وقتل وأتى كل كبيرة نهى الله عنها فانّه لا يكفر. ثم رويتم ان من عصى خليفته كفروا.

تعجب من الجبرية انهم قالوا: نحن لا نقدر على تحريک ريشة وانّ ما يأتي منّا منم الحركات والسكنات من عند الله ولسنا بمختارين بل مجبرين على الأفعال.

ثم يعتقدون في الإمامة الاختيار والنّص والشورى.

ومن عجيب أمركم أنّه يجب أن يحفظ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في زوجته ولا توجبون أن يحفظ فى إبنته فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ).

ثم أنّه إنّما يجب الاحترام لزوجتيه اللتين تظاهرتا عليه وكان ذلك لمكان أبويهما لا لمكانة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بل لبغضهما أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وخروجهما على أميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قولاً وفعلاً.

ثم تلعنون من ظلم عائشة تعنون عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتثنون على قاتلها وهو خال المؤمنين تخفون أمره ولا تستطيعون أن تسمعوا لعن من ظلم فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ).

ثم لا يسمع أمّ المؤمنين لأزواج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الا لعائشة وقد قال الله تعالى: وَ أَزْواجُهُ أُمَّهَاتُهُم (1).

ثم لا تذكرون خديجة (عَلَيهَا السَّلَامُ) مفضلها متفق عليه وهي اوّل من بيعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وآمنت وانفقت وآموت ورزق منها الولد ولم يتزوّج عليها بغيرها في حياتها وكان يذكر عنها.

قال السّيد الحميري:

رفضتم خديجة ام البنين *** وامّ البنات الكرام الغر

وقلتم لعائشة أمّنا *** ومريم لنا نحو قوم عذر

وقاتلتم دونها الأوصياء *** خير البريّة فيمن غبر

فما ظفرت كفّها بالّذي *** أرادت وردّت بغیر الظّفر

وأتعجب منكم ان ابابكر وعائشة لا يخطر بالبال أن يقاسا بأبي سفيان وأم حبيبة.


1) الاحزاب: 6.

ثم لا تقول أحد منكم: أنّ محمّد بن ابى بكر خال المؤمنين، بل ذلك خصوصية لمعاوية حتى انهم يقولوا معاوية خال المؤمنين.

فأىّ حقّ استحق معاوية هذا الإكرام دون محمّد؟

أم كيف وجب أن يحفظ أم حبيبة في أخيها معاوية وأن لا يحفظ عائشة في أخيها محمّد؟

والصّديق والصّديقة أحرى بالفضائل من غيرهما.

وأنتم أهل القياس وهذا ينافي القياس ولا نجد لذلك الاّ أنّ محمّداً كان خصّيصاً من على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعاوية كان صاحب حربه المبتدئ بلعنه وسبّه.

فان كان ذنب محمّد بن ابى بكر اجلابه على عثمان، فمن العدل أن تضع محاربة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع معاوية.

وهب أنّ محمّد بن ابى بكر قد خطا في ذلك أليس عبدالله بن عمر قد اعتزل عن رب معاوية متزهد وخالف أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟

فلم لا تقولون له خال المؤمنين وهو إبن الفاروق؟

ورويتم: ان السنة في تسطيح القبور مسنّى (1)وإن رأيتم قبراً مسطحاً تلعنون صاحبه وتقولون أن صاحبه رافضيّاً.

ورووا عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أنه سطح قبر ابراهيم ابنه.

وقال ابوهياج الاسدى قال لى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أبعتك على ما بعتني(2)فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا ترى قبراً مشرفاً الا سويته ولا مثالاً الا طمسته.


1) مسلّماً، خ ل.

2) ابعثك على ما بعثني، خ ل.

وذكر الطبري في تاريخه بالاسناد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: جعل قبر ابی بكر مثل قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مسطحاً ورش عليه الماء(1).

وقلتم: ان القاضي اذا فرق بين المرأة زوجها بشهادة شاهدين ورجع الشاهدان عن الشهادة وتابا انّ المرأة لا تردّ الى زوجها وإنّ تلك الفرقة جائزة عليها ابداً ولها أن تنكح الأزواج وأن تزوّجها أحد الشاهدين اللذين شهدا بالزور، فنكاحه حلال.

وزعمتم ان الذي يكون به الفرقة لا يكون به الإجماع، فابطلتموه من وجه وأثبتموه من جهة أخرى بلا حجة.

وقد رووا جميعاً: أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير ولا تنقروا كنقر الديك ولا تقعوا كإقعاء الكلب ولا تلفتوا كالتفات القرد.

وهم الاكثر ذلمك فاعلون ولقول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مخالفون وببدعتهم أخذون.

وفى أحاديث البصريين من مسند أحمد: أنّه قال عمران بن الحصين: صلّي بنا علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجعل يكبر كلّما سجد وكلّما رفع رأسه، فلما سلّم قال عمران: صلى بنا هذا مثل صلاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وزعمتم ان ما دون الشرك مغفور لكم وأنّ الشرك لا يكون الا أن يدعوا مع الله إله آخر.

وتروون عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل في ليلة ظلماء على صفا أسود.


1) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف السيد ابن طاووس (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 553. الطبقات الكبرى ابن سعد ج 3 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 209. أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر (البلاذري) ج 10، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 96. تاريخ الطبري، محمّد بن جرير الطبري ج2، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 614.

وقال الله تعالى: وخلف من بعدهم خلف الآية إلى قوله: محسنين(1).

ورويتم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حلق شعر رأسه وقت موته وقسم على أصحابه ولكن يكتموا شرف أولاده وتقطعوا نسله.

قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُم (2).

وقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): كل وبسب منقطع يوم القيامة الأسببي ونسبي.

والطرفة انّكم تجعلون الذوايب لمن لم يكن لآبائهم فيقولون هذا بكري وهذا يزيدي.

وأبيتم أن يذكر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند العطيّة والذبيحة والجماع.

وقال الله تعالى: وَ رَفَعنا لَكَ ذِكْرَك (3).

وفسره المفسرون: انّه عني بذلك: إنّي لا أذكر في موضع الأ ذكرت معي.

فزعمتم أنّ ذكر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مع الله شرك.

فتبيّن ان كل ما يتقرب به العبد إلى الله لا يقبل منه الا ما كان خالصاً لله وان كلّما يذكر فيه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) غير خالص، فاىّ شرك اكبر من هذا.


1) الاعراف: 169-170؛ و في المصحف مع ما اورده في المتن اختلاف نشير اليها: فَخَلَفَ من بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرَثُوا الكتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَ إِنْ يَأْتهم عَرَضِ مِثْلُهُ يَأخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ميثاق الكتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَ دَرَسُوا ما فيه وَ الدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرُ للَّذينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ و أَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ.

2) محمّد: 22.

3) الشرح: 4.

وأجمعتم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ترك الناس بلا إمام ليختاروا لأنفسهم، فاختاروا ابابكر.

ثم قلتم: ان ابابكر لم يرض بما صنع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فجعلها لعمر.

ثم قلتم: انّ عمر لم يرض بما صنع ابوبكر ولا بما صنع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى جعله شورى بين ستة، فخطيتم الصحابة كلّهم.

وروى مسلم نحواً من عشرين خبراً في أنّ الأومة اثنى(1)عشر كلّهم من قريش.

وقد ذكر البخاري في الصحيح والسجستاني في السنن وابن بطة في الابانة وأحمد بن حنبل في المسند، ثم تكفرون من اعتقدهم.

فلا تخلوا هذه الأخبار:

إما أن تكون صحيحة أو غير صحيحة.

ولا تحكمون أنها غير صحيحة لأنها في هذه الكتب.

فاذا صححتموها(2)فلا نجد في تيمي ولا عدوي ولا أموي ولا مروانيّ هذه العدّة مجملاً أو مفصلاً.

وبنو العباس اكثر من ذلك.

و لم يدع فى الأمة أنّ الأئمة إثنى عشر سوى الإمامية.

فثبت مقالهم بروايتكم والآخرجت الأخبار عن كونها مقيدة (3).

وتقولون اللّهم صلّ على محمّد وعلى صاحبيه وضجيعيه ومونسيه لتقربوا منه أصحابه وتفرّقوا بينه وبين آله.


1) اثنتى، خ ل.

2) صححموها، خ ل.

3) مفيدة، خ ل.

وعلى رغم أنفكم (1)تقولون في التشهد وتكتبون في الكتب وتجهرون على المنابر والمناير (2): اللّهم صل على محمّد وآل محمّد.

وقال الشافعي: الصلاة على النبي محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وآله (عَلَيهِم السَّلَامُ) فريضة.

وقال أبو حنيفة: الصلاة على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فريضة وعلى آله (عَلَيهِم السَّلَامُ) سنة.

فتركتم الفرض والسنة وأخذتم بالبدعة.

ووجدناكم يا أهل السنة والجماعة تقولون أنّ الله تعالى لم يبعث نبيه الله الى خلقه بجميع ما يحتاجون اليه من امر دينهم وحلالهم وحرامهم وأموالهم وفروجهم ودمائهم ومواريثهم ورقهم وساير أحكامهم.

وأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يكون يعرف ذلك أو عرفه فلم يبين لهم.

وأنّ الصحابة والتابعين والفقهاء استنبطوا ذلك من فروع الدين فاقاموا احكاماً سمّوها سنّة وأمروا (3)الناس عليها ومنعوهم أن تجاوزوها الى غيرها.

وهم فيها مختلفون.

ويحلّ بعضهم ما يحرم بعض ويحرم بعضهم ما يحلّه بعض.

وربّما كان في مسئلة أو ثلاثة أو أكثر وكلّها حق (4).

وأنّ كلّ مجتهد مصيب ومن زاغ عن ذلك فقد ضل ضلالاً مبيناً ولا يصلّى(5)خلفه ولا تقبل شهادته ولا يحمل (6)عنه حديث.


1) أمتكم، خ ل.

2) جمع المنارة كما لا يخفى، وقد تورد هذه الكلمة في بعض الإستعمالات بالمنائر، فتامّل.

3) أجروا، خ ل.

4) أحقف خ ل.

5) تصلّى، خ ل.

6) لا تحمل، خ ل.

في وجه تسميتهم بأهل السّنة والجماعة

ومن وافقهم على ذلك وإن كان خارجيّاً أو مشبّهيّاً فانّه سنّي لأنهم وافقوهم على تفضيل الشيخين على عليه وخاضوا في عدا (1)وقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ولا يضرهم ما صنعوا (2).

وذكر ابن عبد ربه في العقد:


1) كذا في المخطوطات.

2) في النسخ المخطوطة وردت هذه الجملة على ما في المتن والمتيقن عندى كتابة احد النسخ عن الآخر لمطابقة أحد النسخ فى الأغلاط وغير ذلك من السقطات مع الآخر من النسخ وفي نسخة ذهب بعض الكلمات لذهاب المدة عليها او رؤية الماء أو غير ذلك من الامور الموجبة لانخرام النسخة وجعل كاتب النسخة الثانية محله بياضاً ولا يبقى محل للشك في استنساخ احدهما عن الآخر والصحيح عندى ان الجملة كانت في نسخة الاصل التي كتبت النسخة الأولى منه رديئة فى الخط و القرائة الصحيح للكلمة خرجت عن قدرة الناسخ وکذلک استنسخ ناسخ نسختنا الثانية عن الأولى بلا توجه الى عدم مناسبة المعنى في البين وكتبه مطابقا لما رأه کام صدر امثال ذلك منه غير مرة والصحيح والمتيقن عندى ان تكون الجملة هكذا: وخاضوا في عداوة آل النبي؛ وكتبت كلمة عداوة بقرب كلمة آل(عداوة آل النبي) وصار ذلك منشاء التوهم فقرئها الكاتب: عدا وقال النبي، فتبر تجده عميقاً ظريفاً إن شاء الله تعالى.

انّ الحسن (1)بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) ومعاوية بمسكن من أرض السواد من ناحية الأنبار فاصطلحا وسلّم الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأمر فسمّى معاوية عام الجماعة.

ومن ذلك تقول (2)عامّتكم: أنّه باع الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخلافة من معاوية.

فالخلافة كيف تباع (3)أو كيف تشترى (4)؟

وذكر العسكرى وهو سنّي في كتاب المواعظ والزواجر أنّه لما تمت لمعاوية أموره من قتل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصلح الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما سماه عام السنة.

وحكى الكرابيسي(5)وهو من أهل الظواهر: انّما سماه يزيد لعنه الله لما دخل رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكل من دخل فى ذاك الباب سماه سنّياً.

وقال أبويوسف: يقول أهل المدينة: السنّة السنة انّما هي سنة الحجاج وأصحاب الشرطة فجعلوها سنة.

وذكر ابن بطة فى الإبانة انّه قال الحجّاج السنة الجماعة سنة اربعين، أى كانت الجماعة على معاوية.

وفي مسند احمد بن حنبل عن ابي عمر بن الجوني قال انس بن مالک ما أعرف اليوم شيئاً مما كنا عليه على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

قال: قلنا له: فأين الصلاة؟


1) الحسين، خ ل.

2) يقوله خ ل.

3) يباع، خ ل.

4) يشترى، خ ل.

5) الكرابيثي، خ ل.

قال: أولم يضيعوك والصلاة ما قد علمتم (1).

الصاحب (2):

حبّ علي بن أبي طالب *** هو الذي يهدي إلى الجنة

إن كان تفضيلي له بدعة *** فلعنة الله على السنة

الحميري:

وقالوا سنة الشيخين عدل *** وما الشيخان ان كانا الاما


1) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا زياد بن الربيع أبو خداش اليحمدي قال سمعت أبا عمران الجوني يقول سمعت أنس بن مالك ما أعرف شيئا اليوم مما كنا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله قال قلنا له فأين الصلاة فان أولم تصنعوا في الصلاة ما قد علمتم (مسند أحمد ج3 ج 3 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 10). حدثنا نصر بن علي حدثنا زياد بن الربيع حدثنا أبو عمران الجوني عن أنس بن مالك قال ما أعرف شيئا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له فأين الصلاة يا أبا حمزة فقال أولم تصنعوا في الصلاة ما قد علمتم (مسند ابی یعلی ج7 ص198). حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا زياد بن الربيع أبو خداش اليحمدي قال سمعت أبا عمران الجوني يقول سمعت أنس بن مالك يقول ما عرف اليوم شيئا مما كنا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله قال قلنا فأين الصلاة قال أو لم تضعوا في الصلاة ما قد علمتم (حلية الأولياء لأبي نعيم ج 9 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 226).

2) ذكر له الثعالبي في [ يتيمة الدهر ] ج 3 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 247؛ المناقب ج 2 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 291.

وما الشيخان ان ركناً وجارا *** بنا عن قصد غايتنا وهاما

لغيره:

یرون الشافعي لهم اماما *** فهم ابداً به متمسكونا

و مالک مالک للعلم فيهم *** وفقه ابو حنيفة يدرسونا

وساقهم ابن حنبل فى طريق *** فسمیهم به المتسننونا

وصرتم بعد ذلک کالنصاری *** یقول الحنبلی مثلثينا

فلا اصحاب ذا يرضون هذا *** ولا عن رأى هذا يعدلونا

هوى بين الجوارح ليس عنه*** الی یوم القيامة ينزعونا

رایتم شافعيّاً قطّ أمسی *** حنيفياً أروناه أرونا

البلاط الشهر محين علي بن حمر أشرب المريخراة السريعة

يخالف بعض هم بعضا وكل *** مصیب القول فيما يزعمونا

نرى ذا هوى هذا وهذا *** بغيظ منهم متجادلينا

فكيف يكون في ضدّين قول *** إذا كانا علی خلف أبينا

فصل:

في كتمانهم الحق وإظهارهم الباطل

كانوا يكتمون مناقب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) كما كتموا مسجد الغدير بيد عمر وميقات المسلخ بمسجد عائشة وهمد مسجد براثا (1)وجعل بيت علىّ (جَلَّ جَلَالُهُ) وفاطمة (جَلَّ جَلَالُهُ) في المسجد.

وقد روى مسلم والبخارى وابن ماجة والطبري عن عائشة في حديثهم بمرض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقالت في جملة ذلك فخرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين رجلين من اهل بيته أحدهما الفضل ورجل اخر يخطّ قدماه عاصباً رأسه.


1) كذا في نسخة، وفي نسخة كتبت بلا تنقيط.

فلمّا حكى الرّاوي ذلك لإبن عباس قال أتعرف الرجل الآخر؟

قال: لالم تسمه لي.

قال: هو علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وما كانت أمنا (1)تقدر تذكره بخير وهى تستطيع.

وکتم انس بن مالک و البراء بن عازب وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): من كنت مولاه فعلي مولاه.

وكانا بعد ذلك برویان ذلک اضطراراً.

وكتم عكرمة آية التطهير.

وذكر صاحب الأغاني: انّ معاوية أنفذ جمالاً ومأتي رجل من الخوارج ليطم أثر غدير خم.

ولقد عدل مصنفوا كتب الصحاح عن ايراد اكثر مناقب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) واجتنبوا عن مثالب أعدائهم لما فيها من تنبيه المستضعفين على النظر في احوال القوم.

وكانوا يروون نصف الخبر أو بعضه وهبهم حذفوها من الصحاح أيستطيعون أن يحذفوها من التاريخ والسير والأمالي والسنن والجوامع والتفاسير التي طبقت الأرض.

ونرجع الى رواية ما ورد في الصحاح من طريق أهعل السنة مع ما أخذ الله على العلماء من الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه بل كانوا يعدلون(2)بمناقبهم الى اعدائهم.


1) أمتنا، خ ل.

2) ...

كما قال الرّضي (رضی الله عنه) مولفه:

تروي مناقب فضلها أعداؤها *** وابدا تسندها (1)الى أضدادها

ومن فرط بغضهم:

انّ ابانعيم صاحب الحلية قدم مأة وسبعون رجلاً من الصحابة في كتابه على الحسن والحسين فاطمة (2)(عَلَيهِم السَّلَامُ).

وقدّم خمسين رجلاً من التابعين على زين العابدين لم. وازكى القوم البخارى وقد اخرج فى الصحيح عن ابن ملجم وعدّله وروى عن بسر (3)بن ارطاة وعن عمران بن حطّان. وترك فيه ذكر غدير خم وخبر الطير. وأعدل القوم ابن جرير الطبري وما ذكر في تاريخه حديث الطّير (4)ولا فى تفسيره سبب نزول هل أتى. وقد ذكر (5)في إشخاص أبي ذرّ اشياء كريهة وأموراً شنيعة ذكرها (6).


1) نسندها خ ل. بسندها، خ ل. يسندها، خ ل.

2) كذا في المخطوطات.

3) بشر، خ ل.

4) وهكذا حديث غدير خم لم يذكره في تاريخه؛ مكتوب في حاشية بعض النسخ

5) ترک، خ ل.

6) غيره، خ ل.

وأنصف القوم مسلم وقد ذكر في خطبة كتابه عن سفين قال: كان الناس يحملون(1)عن جابر الجعفي قبل أن يظهر الخبر.

ثم روى عن جرّاح بن مليح أنّه سمع جابراً يقول: عندى سبعون ألف حديث عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كلها.

فياعجبا مسلم المعتمد كان لا يأخذ عمّن أخذ (2)من محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه ولد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وانفذ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اليه سلامه على لسان جابر الأنصاري وسماه باقر علم النبيين.

ويأخذ ممن لا يعرف له أصل.

ولقد كانوا يلبسون الحق على الناس كما روى ان شاميّاً سدل يوم صفّين: من ابوتراب الخارجي هذا الذي نقاتله؟

قالوا: علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فتحوّل الى عسكر العراق.

وقال اعرابي: هب لي هذه الوصيفة، يعني: سكينة بنت الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

فقالت أم كلثوم(عَلَيهِا السَّلَامُ): ويلك يا يزيد هكذا تفعل ببنات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟

فضرب الأعرابي بيده الى السيف وعدا على يزيد وقتل الأعرابّي.

وسئل بعضهم عن معاداته لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسببها قال: بلغنى انه لا يصوم ولا يصلّى.


1) تحملون، خ ل.

2) عمّن أخذ لم يرد في بعض النسخ.

وسأل عبدالله بن على مشايخ اهل الشام ما حملكم في خروجكم على آل

الرسول (عَلَيهِم السَّلَامُ)؟

فحلفوا اننا ما نعرف من آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) سوى بني أمية.

وكان ذلك من تزوير عمرو ومعاوية.

وقال بعضهم لرجل: ألزم السنة.

قال: وما السنة؟

قال: حبّ ابى بكر بن ابي طالب وعمر بن ابي قحافة وعثمان بن ابي سفيان وأستاذهم معاوية بن ابى الخطاب ثم ألعن أباتراب.

قال: ومن معاوية هذا؟

قال: ويلك لا تعرفه هذا كان من حملة العرش فزوّجه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ابنته عائشة.

قال: ومن أبو تراب؟

قال الذى كان يقاتل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دائماً فصار اليوم خارجياً.

قال محمّد الشهرستاني:

لمحمّد سلوا سيوف محمّد *** ضربوا بها هامات آل محمّد

وكان آل محمّد أعداؤه *** وكأنّما الأعداء عترة أحمد

عبد المحسن الصوري:

يا بنى الزهراء ماذا فعلت *** فيكم الأيّام من من عجب وذمّ

وأبيكم والذى وصّی به *** لأبيكم جدّكم فى يوم خمّ

و عجيب ان حفا بکم*** قام في الناس وفيكم لم يقم

ثم صارت سنة جارية *** كلّ من أمكنه الظل ظلم

ولما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرحوا وجعلوا عيداً وأرادوا أن يلبسوا على الناس يوم عيدهم، فقالوا: من طبخ فيه وأكتحل فيه أو إستسقى أو ملح يكون له كذا وكذا من الثواب.

قال ميثم التمار: قالوا كان (1)فيه توبة آدم وانّما كان ذلك في ذى الحجة وقالوا فيه خرج يونس من بطن الحوت وانما كان فى ذى القعدة وقالوا فيه إستوى فلک نوح وانما كان ذلك في الثاني عشر من ذى الحجة وقالوا فيه فقل البحر لبني إسرائيل وإنّما ذلك في ربيع الأول.

عبدالله بن سنان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبر وخلق الظلمة يوم الأربعاء يوم عاشوراء في مثل ذلك تعنى (2)العاشر من المحرّم في تقديره


1) كأنّ، خ ل.

2) تعيني، خ ل.

مرزكي النحوي:

ألا أنّ يوم الطّف من آل هاشم *** لا شام يوم سنّ الحرب واجبة

ففيه سقی قابیل هابيل حتفه *** وساور نوحاً من أعاديه غالبة

وفيه تولى عقر ناقة صالح *** قد ارو شئت للخليل لهايبة

وفيه رمى الألواح موسى تعبثا *** وجرّ اليه رأس هارون جاذبة

وفيه عدت تسطوا اليهود ببغيها *** على زكريا وإبنه و تواثبه

وفيه ثوى عم النبي محمّد *** وفضت ثناياه وأدمى حاجبه

وفيه سرت أرجاس حرب وغيرها *** بضم العوالى للحسين تجاربه

فيه تولّى حربه كل مارق *** بقتل يوم بدر يطالبه

ثم كانوا يمنعون الناس عن رواية مناقبهم بالخير (1)كما قال معاوية لابن عباس: انا كتبنا للآفاق بنهي (2)عن ذكر مناقب عليّ بن أبي طالب السلام فکف لسانك.

قال: أفنهينا عن قرائة القرآن؟

قال: لا، قال: أفنهينا عن تأويله؟

قال: نعم، قال: أفتقرأه ولا نسئل عما عني الله به؟ والعمل به أولى من قرائته.

قال: كيف نعمل ولا نعلم ما عني الله به؟

قال: سل عن غير أهل بيتك.

قال: انّه متروک (3)علينا، أفتسأل غيرنا يا معاوية انتهانا (4)ان نعبد الله فاذا تهلک الأمة.

قال: أقرؤا ولا ترووا مما انزل الله فيكم وأرووا ما سوى ذلك.

قال: يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، الآية (5).

ثم انفذ معاوية اليه بمأة ألف درهم ونادى ان قد برأة للذمة ممن روى حديثاً في مناقب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفضل أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ).


1) بالحبر، خ ل.

2) ننهي، خ ل.

3) مترک، خ ل.

4) كذا.

5) أشار بقوله الى هذه الاية: يُريدُونَ ليُطفوا نُورَ الله بأفواههم والله متم نو -مُ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الكافرون (الصف: 8).

وكتب الى جميع عماله لا تجيزوا لأحد من شيعة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) شهادة وأحسنوا بمن ذكر من مناقب عثمان.

فلبثوا بذلك ما شاء الله، ثم كتب الى عماله ان الحديث في عثمان قد كثر وفشا (1)في كل مصر، فادعوا الناس الى الرواية فى معاوية وفضله فانّ ذلكم أحبّ الينا وأقرّ لأعيننا وأدحض لحجّة أهل البيت.

فعمل على ذلك حتى عملوا صبيان المكاتب ونسوان الدور.

وكان القاضي والخطيب والمحدّث والمذكر والفقيه والشاعر يتقدّم اليهم بالايعاد والتخويف ألّا يذكروا جزئاً (2)واحداً من فضائلهم.

فلذلك كانت أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ) يلحنون قفى كلامهم.

قال عبد الله بن سداد الزياد الليثي: ورددت أنّي أترك أن احدث بفضائل علي بن أبي طالب (جَلَّ جَلَالُهُ) يوماً الى الليل وان عنقى ضربت.

وأتي بعض الشيعة ملكاً فقال: كم جزية ذمّي؟ قال: دينار.

قال: ها دينارين على أن أذكر الحق فأبى.

فلقد كان المحدّث يحدّث بحديث فى الفقه أو يأتي بخبر المبارزة، فيقول: قال رجل من قريش، أو يقول: قال رجل من المسلمين.

قال السدي: كان عبد الرحمن بن ابى ليلى يقول: حدّثنى رجل من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).


1) نشا، خ ل.

2) حزناً، خ ل.

وكان الحسن البصري يقول: قال أبوزينب وأبو حنيفة يروى ويقول: روى مسروق عن الصدّيقة بنت الصديق حبيبة الله يعنى عائشة؛ وإذا ذكر أمير المؤمنين (جَلَّ جَلَالُهُ) يقول: قال الشيخ.

وكانوا لا يجسرون أن يسمّوا الأولاد عليّاً؛ منهم:

موسى بن علي بن رباح سمّي إبنه عليّاً فذبحوا إبنه في حجره.

قال ابوعبد الله الورّاق: كنت بسمرقند فتكلّم الناس في العجايب فقال بعضهم: وأعجب من هذا سمعت رجلاً يق.ل محمّد وعلي فقاموا اليه وضربوه حتى مات وقالوا: انا سمعنا ذلک منک.

وقال المعتمر بن (1)سليمان: سمعت أبي يقول كتبت المغازي بالمدينة أيام بنى اميّة وما احد يذكر عليها (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخبر الاّ قطع لسانه.

وفى كامل المبرّد: أنّ ابا الاسود الدئلي كان من سكان البصرة في بني(2)قشير وكانوا يرجمونه بالليل فشکی ذلك الى رؤسائهم.

فقالت العامّة: الله يرميه، فقالوا: لو أنّ الله رماني لما أخطأني.

ثم أنشد:

يقول الأرذلون بنو قشير *** طوال الدهر لا تنسى عليا

أحبّ محمّدا حبّا شديدا


1) معتمرين، خ ل.

2) بين، خ ل.

و عباسا وحمزة و الوصيّا

بنو عمّ النبيّ واقربيه *** احب الناس كلهم البينا

فإن يك حبّهم رشدا أصبه *** و لست بمخطئ إن كان غيّا

وكان المحقّقون يكتمون الحق خوفاً على نفوسهم وأهاليهم.

وروى عبدالله بن احمد بن حنبل انّه سأل مالک بن دینار عن ابى جبير من كان حامل لواء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟

قال: فنظر الىّ فقال: كأنّك رخي البال؟

فغضبت وشكوت الى الفراء، فقال: انك سألته وهو خائف من الحجاج، فسءله الآن.

فسألته فقال: كان حاملها على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذا سمعته من عبد الله بن عباس(1).

قال جابر بن يزيد لقد فتشت عن ضمائر فقهاء الحجاز والعراق والمغرب زيادة على ثمانية وسبعين رجلاً بالرفق، فما وجدت منهم من يعرف لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضله سوى ثلاثة نفر منهم فدفنت ما اصبت منهم في الماء(2).


1) من عبّاس، خ ل.

2) وهل المراد من الدفن فى الماء الدفن في الطين تحت الماء كما في الانهار او استعمل ما لا يستعمله الا الفصيح، فعلى كلى التقديرين ان الكلام تنادى باعلى صوتها بانه كان تلميذاً للامام والامام لا يكون الا ابن علی بن ابی طالب روحى لتراب مرقده الفداء وهم الفصحاء واهل الكلام وشيعته يقتبسون من انوارهم ومخالفيهم لا يتكلمون بالعربية الا كان مثلهم كمثل من يأكل خرء الكلاب.

وكانت الشعراء يحذفون المناقب من دواوينهم خوفاً من العامة.

الا ترى الى رائية ابي تمام وميميته والى نونية المتنبي والى دالية البحتري والى قافية ابی فراس والی کلمات ابي نواس والى تعارض المعرّى.

وكان ابراهيم بن عباس الصولي يمدح على بن موسى الرضا (عَلَيهِما السَّلَامُ) فلما ولى ابراهيم بن العباس ديوان الضياع (1).

عن ابى اسحاق ابن ابراهيم أخى زيدان الكاتب عن ضياع كانت في يده بحلوان وغيرها وطالبه بمال فنفذ اليه من يعلمه ان شعره فى الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخطبه عندي وبغير خطه والله لئن استمر على ظلمي ولم يزل عنبي المطالبة لأوصلن الشعر الى المتوكل. فلما سمع ابراهيم ذلك اضطرب اضطراباً شديد واسقط جميع ما كان طالبه به وأخذ الشعر منه.

وكانت العلماء يضيفون الهزل لكيما يذكروا في كتبهم منقبة مثل الأغاني عن الأصفهاني والاقتراح عن أبي حيان التوحيدي وغير ذلك.

واجتمعت العامة على قتل رجل فقال له بعضهم: ما ذنبك؟

قال: قلت عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أفضل من معاوية.

فقال: يا قوم أسئلكم مسئلة.

قالوا: هات. قال: من خير الناس بعد رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟


1) كذا.

قالوا: ابوبكر قال ومن بعده؟ قالوا عمر قال: ومن بعده؟ قالوا عثمان. قال: ومن

بعده؟ قالوا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال: لا والله معاوية. قالوا: بلى. قال: فلم تقتلون هذا المسكين.

وقيل لبهلول: من خير الناس بعد رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟ قال: على (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فضربوه وقالوا: قل ابوبكر، ثم سألوه: ومن خيرهم بعد ابي بكر؟ فقال: علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فضربوهو قالوا: قل عمر. ثم سألوه: ومن خيرهم بعد عمر؟ قال: علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضربوه.

فقالوا: قل عثمان. ثم سألوه: ومن خيرهم بعد عثمان؟ قال: نمرود بن کنعان.

قالوا: قل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال: لا اقول بعد ذلك لان في أسمه سماً.

وكان الوليد يجهد في دفن اسمائهم ثم انقطع رائه وقال لبنيه يوماً: يا بني عليكم بالدين فانّي لم أرى الدين بنى شيئاً فهدمته الدنيا ورأيت الدنيا قد بنت بنياناً هدمه الدين.

ما زلت أسمع اهلينا وأصحابنا يسبّون عليّاً ويدفنون فضائله ويحملون الناس على شنئانه، فلا يزيد ذلك في القلوب الأقرباً.

ويجتهدون في تقريبهم من نفوس الخلق فلا يزيدون بذلك الا بعداً.

إبن هان المغربي:

إذا ما بناء شاده الله وحده *** تهدمت الدنيا ولم ينهدم

قال الشعبي (1): لقد كنت اسمع خطباء بني أمية لعنهم الله يسبّون عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على منابرهم فكأنما يشال الضبعة الى الشسماء وكنت أسمعهم يمدحون أسلافهم فكأنّما يكشفون عن جيفة.

ولقد هدم عبد الملک ابن مروان بيت عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كان في مسجد المدينة لما عرف أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تركها وسدّ أبواب الأخر وزاد في المسجد تعلّلاً.

ذكر ما جرى في عمارة الحائر وتسلّط اليهود

وأمر المتوكّل بخرب (2)قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه وكرب موضعها وإجراء الماء عليها وقتل زوّارها وسلّط قوماً من اليهود حتّى تولّوا ذلك الى أن قتل المتوكّل فأحسن المستنصر سيرته وأعادوا التربة في أيامه.

وأمر محمّد بن زيد بعمارة المشهدين والبناء عليهما وبعد ذلك زيد فيه وبلغ عضد الدّولة الغاية فى تعظيمها (3)والأوقاف عليهما.

وكان المعتزّ حرق المشهد بمقابر قريش على ساكنيه السّلام.

ولمثل هذا دفن الإمام السلام فاطمة ليلاً وأوصى بنفسه سراً.

ثم انهم يزورون على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) باحاديث كذب. روى يحيى بن ابى كثير عن ابي معشر: انّ معاوية قال لرجل من الصحابة تكذب لى على النبي كذبة في حديث ترويه عنه ولك مأتا ألف درهم، فأبى فقال: لك أربع مأة ألف درهم، فقال: نعم.


1) لم يرد اسم القائل في بعض النسخ واثبتناه من متن مصحح

2) بتخريب، خ ل.

3) تعظيمها، خ ل.

فأعطاه أربع مأة ألف درهم في حديث كذب حتى رواه عن النبي.

وحكى أنّ شيخ المضيرة أخذ اربع مأة آلاف درهم من بني أمية على أربع مأة حديث. قال معاوية لعمرو بن مرّة صاحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): هل لك ان تقوم مقاماً تقول فيه ان قضاعة (1)معد وأطعمك مصر والعراق سنة؟ قال: نعم.

فجمع معاوية الناس وصعد عمرو المنبر فقال: أيها السائل يوم المفخر يوم التقينا في العجاج الأكدر نحن بنى الشيخ الهجان الأكبر قضاعة بن مال بن حمير.

فقال معاوية انزل قطع الله لسانک وكانوا يكتبون تزاويرهم في كتب ملاح ويتركونها وهنا في أقل شيئ ليطهر فضائلهم.

ومن دأبهم:

ان من سمع حقاً يقول: هذا من كلام الرافضة.

حكي انه وقع قفص من يد رجل فطار الطبير فقال: لعن الله القفص. فغضبت إمرأته وقالت: ما أنت الآ رافضي.

فاجمعت الغوغا عليه وقالوا إليها (2)ما سمعت منه؟ قالت: لعن القفص.... (3).


1) قصاعة، خ ل.

2) ما لها، خ ل.

3) لم يتيسر لنا على الاحتمال قرائة كلمة أو كلمتين هنا ونحتمل أيضاً إمضاء المصحح او اراقة مقدار من الحبر في المحل والكل محتمل لدينا لوجود اثر من الحبر هنا ولشباهة الموجود بما اذا كان فى البين متن وذهب لبعض الحوادث وبقيت بعض الآثار من الكتابة.

والقفص من سعف (1)نخل البرني وكانت أمّ المومنين تحبّ البرني، فاذا لعن القفص، لعن البرني، وإذا لعن البرني لعن أمّ المومنين.

أنشد:

رأيته في الخراب منبطحاً *** ينفخ فی باب سرمه بوق

فقلت ماذا فقام يبهتنی *** انت تقول القرآن مخلوق

ومن تعريضاتهم:

ابكا من الرافض (2)فى جنازة الطالبي.

الخورزمي:

وتبادرت (3)أجفانها (4)فكأنّها (5)


1) اثبتنا الكلمة من بعض النسخ ل.عدم وجوده في البعض.

2) كذا في المخطوطات، والصحيح عندى الروافض كما يتبين لك في ما يأتي.

3) تباورت، خ ل.

4) أجنانها، خ ل.

5) بكائها، خ ل.

مقل الروافض في جنازة طالبي (1)

وقولهم: أوسع من خفّ الرافضي.

يعنون انهم يوسعون الخفّ للمسح على الرجلين.

إذا صلّيت (2)حاذوني ليدرو كيف وضع يدي ورجلي.

وكان معاوية (3)

ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كل مصر فادعوا الناس إلى الرواية فى معاوية و فضله و سوابقه فإن ذلك أحب إلينا و أقر لأعيننا و أدحض لحجة أهل البيت و أشد عليهم - فقرأ كل أمير وقاض كتابه على الناس فأخذ الرواة في فضائل معاوية على المنبر في كل كورة و كل مسجد زورا وألقوا ذلك إلى معلمي الكتاتيب فعلموا ذلك صبيانهم كما يعلمونهم القرآن حتى علموه بناتهم ونساءهم و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله.

و كتب زياد ابن أبيه إليه في حق الحضرميين أنهم على دين علي و على رأيه فكتب إليه معاوية اقتل كل من كان على دين علي و رأيه فقتلهم و مثل بهم.

و كتب كتابا آخر انظروا من قبلكم من شيعة علي و اتهمتموه بحبه فاقتلوه و إن لم تقم عليه البينة فاقتلوه على التهمة و الظنة و الشبهة تحت كل حجر حتى لو كان الرجل تسقط منه كلمة ضربت عنقه حتى لو كان الرجل يرمى بالزندقة و الكفر كان يكرم و يعظم و لا يتعرض له بمكروه و الرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان لا سيما الكوفة و البصرة حتى لو أن أحدا منهم أراد أن يلقي سرا إلى من يثق به لأتاه في بيته فيخاف خادمه و مملوكه فلا يحدثه إلا بعد أن يأخذ عليه الأيمان المغلظة ليكتمن عليه ثم لا يزداد الأمر إلا شدة حتى كثر و ظهر أحاديثهم الكاذبة و نشأ عليه الصبيان يتعلمون ذلك.

قد استعمل زياد بن ابيه على البصرة والكوفة لقتل الشيعة وكتب في أمر الحضرميين اليه: أقتل من كان على دين علي ومثل بهم.

1) الطالبي، خ ل.

2) صلاتي، خ ل.

3) الإحتجاج على أهل اللجاج (للطبرسي) ج 2 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 295، احتجاج الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر مناقب أمير المؤمنين و أولاده عليهم السلام حين أمر معاوية بلعن أمير المؤمنين (عليه السلام) و قتل شيعته وقتل من يروي شيئا من فضائله وفيه: و كتب معاوية إلى جميع عماله في جميع الأمصار أن لا تجيزوا لأحد من شيعة علي و أهل بيته شهادة و انظروا قبلكم من شيعة عثمان و محبيه و محبي أهل بيته و أهل ولايته و الذين يروون فضله و مناقبه فأدنوا مجالسهم و قربوهم و أكرموهم و اكتبوا بمن يروي من مناقبه و اسم أبيه و قبيلته ففعلوا حتى كثرت الرواية في عثمان و افتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصلات و الخلع و القطائع من العرب والموالي وكثر ذلك في كل مصر و تنافسوا في الأموال و الدنيا فليس أحد يجيء من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة إلا كتب اسمه و أجيز فلبثوا بذلك ما شاء الله.

وكتب الى جميع البلدان من أحبّ عليّاً وأولاده، فأمحوا إسمه من الديوان.

ونقش على المواضع (1)معاوية خال المومنين على(2).

وسارت بنو أمية بسيرته ولقد اتفقت (3)السلطنة لأعداء اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من يوم توفي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى أيامنا هذه من تيمي أو عدوي أو أمويّ أو مرواني(4)أو عباسي أو تركيّ.


1) الجوامع، خ ل.

2) حال علی، خ ل.؛ خال على، خ ل.

3) كذا على ما تيسر لنا من القرائة

4) مرادي، خ ل.

وقد ظهر هذا الحق ظهوراً في كتبهم وعلى لسانهم وذلك فضل الله يؤتيه(1)من يشاء من عباده.

وتدعون انّ مالک بان انس غلام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن أحمد غلام موسى ابن جعفر وانّ أبا حنيفة والشافعي والثوري أخذوا عنهم وعن أصحابهم.

ثم لا يلتفتون الى مقالات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ويعوّلون (2)على قياساتهم الفاسدة.

فصح ان ذلك للمدارس الرفيعة الشرفات والمنابر الكثيرة الدرجات والمنارات المؤيدة المقامات والمساجد المزخرفة المشهورة والمشاهد المشيدة المعمورة والمواقف المقدّسة المبرورة (3)والارزاق الموسعة الموفورة والمراكب المحلاة بالدرر واليواقيت والسبيوف المهنّدة المصاليت.

شاعر:

فان جئنا بعلم باقري (4)*** غدوا (5)بالصدّ عنه عادلينا

وقالوا ما تعلّمنا قديماً *** لفقه غير فقه الفاقهينا

كان علوم أهل البيت كانت


1) تؤتيه، خ ل.

2) تعولون، خ ل.

3) المزورة، خ ل.

4) كذا

5) عدوا، خ ل.

محرّمة على المتعلّمينا

ولكن لو رووها لم يكونوا *** لحكم (1)في البلاد مقلّدينا

ولا كانت فلانهم (2)طوالا *** وكانوا فوقها متطيلسينا

ولا ركبوا البغال ولا امتطوها *** وكانوا مثلنا مترجلينا

فصل في خطائهم في الأحكام لبغض أهل البيت

إشارة:

يسمعون كلام الله يتلى عليهم الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكم (3)وقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في آخر عمره على المنبر: اللّهم بلّغت (4)

(فصل)

و خرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من المدينة متوجها إلى الحج في السنة العاشرة لخمس بقين من ذي القعدة و أذن في الناس الحج فتجهز الناس للخروج معه و حضر المدينة من ضواحيها و من جوانبها خلق كثير فلما انتهى إلى ذي الحليفة ولدت هناك أسماء بنت عميس محمّد بن أبي بكر فأقام تلك الليلة من أجلها و أحرم من ذي الحليفة و أحرم الناس معه و كان قارنا للحج بسياق الهدي ساق معه ستا و ستين بدنة و حج علي من اليمن و ساق معه أربعا وثلاثين بدنة و خرج بمن معه من العسكر الذي صحبه من اليمن و معه معه الحلل التي أخذها من نجران فلما قارب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مكة من طريق المدينة قاربها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من طريق اليمن فتقدم الجيش إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فسر بذلك وقال له بما أهللت يا علي فقال يا رسول الله إنك لم تكتب إلي بإهلالك فعقدت نيتي بنيتك وقلت اللّهم إهلالا كإهلال نبيك فقال فأنت شريكي في حجي و مناسكي و هديي فأقم على إحرامك و عد على جيشك و عجل بهم إلي حتى نجتمع بمكة.

و قد روي أيضا عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ساق في حجته مائة بدنة فنحر نيفا و ستين ثم أعطى عليا نيفا وثلاثين فلما رجع علي إلى جيشه وجد الناس قد لبسوا تلك الحلل فقال للذي استخلفه عليهم ويحك إلى ما فعلت من غير إذن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال إنهم سألوني أن أدفعها إليهم فيتجملوا بها و يحرموا فيها فقال بئس ما فعلوا و بئس ما فعلت فانتزعها من القوم و شدها في الأعدال فكثرت شكاية القوم عليا فنادى منادي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ارفعوا ألسنتكم من شكاية علي فإنه خشن في ذات الله و لما قدم قدم النبي مكة و طاف و سعى نزل عليه جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو على المروة بهذه الآية و أتموا الحج و العمرة لله فخطب الناس و حمد الله و أثنى عليه وقال دخلت العمرة في الحج هكذا إلى يوم القيامة وشبك بين أصابعه ثم قال لو استقبلت من أمري ما استدبرته ما سقت الهدي ثم أمر مناديه فنادى من لم يسق منكم هديا فليحل و ليجعلها عمرة و من ساق منكم هديا فليقم على إحرامه و قام إليه رجل من بني عدي و قال يا رسول الله أنخرجن إلى منى و رءوسنا تقطر من النساء فقال إنك لن تؤمن بها حتى تموت فقام إليه سراقة بن مالك بن جشعم فقال يا رسول الله أ لعامنا هذا أم للأبد قال لا بل لأبد الأبد فأحل الناس أجمعون إلا من كان معه هدي و خطب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الناس يوم النفر من منى فودعهم.

و لما قضى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نسكه و قفل إلى المدينة و انتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم و ليس بموضع للنزول لعدم الماء و المرعى فنزل عليه جبرئيل وأمره أن يقيم عليا و ينصبه إماما للناس فقال إن أمتي حديثو عهد بالجاهلية فنزل عليه أنها عزيمة لا رخصة فيها و نزلت الآية و إن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس فنزل رسول الله بالمكان الذي ذكرنا و نزل المسلمون حوله و كان يوما شديد الحر فأمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بدوحات هناك فقم ما تحتها و أمر بجمع الرحال في ذلك المكان و وضع بعضها على بعض ثم أمر مناديه فنادى بالناس الصلاة جامعة فاجتمعوا إليه و إن أكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شدة الرمضاء فصعد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على تلك الرحال حتى صار في ذروتها و دعا عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرقي معه حتى قام عن يمينه ثم خطب الناس فحمد الله و أثنى عليه و وعظ و نعى إلى الأمة نفسه فقال إني دعيت و يوشك أن أجيب و قد حان مني خفوق من بين أظهركم و إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله و عترتي أهل بيتي و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ثم نادى بأعلى صوته ألست أولى بكم منكم بأنفسكم فقالوا اللّهم بلى فقال لهم على النسق و قد أخذ بضبعي علي فرفعهما حتى رئي بياض إبطيهما و قال فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و خذله ثم نزل و كان وقت الظهيرة ثم صلى ركعتين ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الظهر فصلي بالناس و جلس في خيمته و أمر عليا أن يجلس بخيمة له بإزائه ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فهنئوه بالإمامة و يسلمون عليه بإمرة المؤمنين ففعل الناس ذلك اليوم كلهم ثم أمر أزواجه و جميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن معه و يسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن ذلك و كان ممن أطنب في تهنئته بذلك المقام عمر بن الخطاب وقال فيما اخذل من قال بخ بخ ل.ك يا علي أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة و أنشأ حسان يقول:

یناديهم يوم الغدير نبيهم *** بخم و أسمع بالرسول مناديا

و قال فمن مولاكم و وليكم *** فقالوا و لم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا و أنت ولينا *** و لن تجدن منا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني *** رضيتك من بعدي إماما و هاديا

فمن كنت مولاه فهذا ولى *** فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللّهم وال وليه *** و كن للذي عادى عليا معاديا

فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك و لم يبرح رسول الله من ذلك المكان حتى نزل اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا فقال الحمد لله على كمال الدين و تمام النعمة و رضى الرب برسالتي و الولاية لعلي من بعدي.

و لما قدم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المدينة من حجة الوداع عقد لأسامة بن زيد الإمرة و أمره أن يقصد حيث قتل أبوه و قال له أوطئ الخيل أواخر الشام من أوائل الروم و جعل في جيشه أعيان المهاجرين و وجوه الأنصار و فيهم أبو بكر و عمر و و أبو عبيدة عسكر أسامة بالجرف فاشتكى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) شكواه التي توفي فيها و كان يقول في مرضه نفذوا جيش أسامة و يكرر ذلك إنما فعل ذلك لئلا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الإمامة و يطمع في الإمارة و يستوسق الأمر لأهله.

[في وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ]

(فصل)

قال: و لما أحس النبي بالمرض الذي اعتراه و ذلك يوم السبت أو يوم الأحد لليال بقين من صفر أخذ بيد على و تبعه جماعة من أصحابه و توجه إلى البقيع ثم قال:

السلام عليكم أهل القبور ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها آخرها أولها ثم قال: إن جبرئيل كان يعرض علي القرآن كل سنة مرة و قد عرضه علي العام مرتين و لا أراه إلا لحضور أجلي ثم قال يا علي إني خيرت بين خزائن الدنيا و الخلود فيها أو الجنة فاخترت لقاء ربي و الجنة فإذا أنا مت فغسلني و استر عورتي فإنه لا يراها أحد إلا أكمه ثم عاد إلى منزله فمكث ثلاثة أيام موعوكا ثم خرج إلى المسجد يوم الأربعاء معصوب الرأس متكئا على علي بيمنى يديه و على الفضل بن عباس باليد الأخرى فجلس على المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس إنه قد حان مني خفوق من بين أظهركم فمن كانت له عندي عدة فليأتني أعطه إياها و من كان له عندي دين فليخبرني به فقام رجل فقال يا رسول الله لي عندك عدة إني تزوجت فوعدتني بثلاثة أواق فقال انحلها إياه يا فضل فلبث الأربعاء والخميس و لما كان يوم الجمعة جلس على المنبر فخطب ثم قال أيها الناس إنه ليس بين الله أحد و بین شيء يعطيه به خيرا أو يصرف به عنه شرا إلا العمل الصالح أيها الناس لا يدع مدع و لا يتمن متمن و الذي بعثني بالحق لا ينجي إلا العمل مع رحمة الله و لو عصيت لهويت اللّهم بلغت ثلاثا ثم نزل فصلى بالناس ثم دخل بيته و كان إذ ذاك في بيت أم سلمة فأقام بها يوما أو يومين فجاءت عائشة فسألته أن ينقل إلى بيتها لتتولى تعليله فأذن لها فانتقل إلى البيت الذي أسكنته عائشة و استمر المرض به فيه أياما و ثقل فجاء بلال عند صلاة الصبح و رسول الله مغمور بالمرض فنادى الصلاة رحمكم الله فقال يصلي بالناس بعضهم فقالت عائشة مروا أبا بكر ليصلي بالناس و قالت حفصة مروا عمر فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اكففن فإنكن صويحبات يوسف ثم قام و هو لا يستقل على الأرض من الضعف و قد كان عنده أنهما خرجا إلى أسامة فأخذ بيد علي بن أبي طالب و الفضل بن عباس فاعتمدهما و رجلاه يخطان الأرض من الضعف فلما خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب فأومأ إليه بيده فتأخر أبو بكر و قام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و كبر و ابتدأ بالصلاة فلما سلم و انصرف إلى منزله استدعى أبا بكر و عمر و جماعة من حضر المسجد ثم قال ألم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة فقال أبو بكر إني كنت خرجت ثم عدت لأحدث بك عهدا و قال عمر إني لم أخرج لأنني لم أحب أن أسأل عنك الركب فقال نفذوا جيش أسامة يكررها ثلاث مرات ثم أغمي عليه من التعب الذي لحقه فمكث هنيئة و بكى المسلمون و ارتفع النحيب من أزواجه و ولده و من حضره فأفاق قال ائتوني بدواة و كتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا - ثم أغمي عليه فقام بعض من حضر من أصحابه ليلتمس دواة كتفا فقال له عمر ارجع فإنه يهجر فلما أفاق قال بعضهم أ لا نأتيك يا رسول الله بكتف و دواة فقال أ بعد الذي قلتم لا و لكن احفظوني في أهل بيتي و استوصوا بأهل الذمة خيرا وأطعموا المساكين و الصلاة و ما ملكت أيمانكم - فلم يزل يردد ذلك حتى أعرض عن القوم بوجهه فنهضوا و بقي عنده العباس و الفضل و علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أهل بيته خاصة فقال العباس يا رسول الله إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا من بعدك فبشرنا و إن كنت تعلم أنا نغلب عليه فأوص بنا فقال أنتم المستضعفون من بعدي و صمت و نهض القوم و هم يبكون فلما خرجوا من عنده قال ردوا علي أخي علي بن أبي طالب و عمي فحضرا فلما استقر بهما المجلس قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يا عباس يا عم رسول الله تقبل وصيتي و تنجز عدتي و تقضي ديني فقال العباس يا رسول الله عمك شيخ كبير ذو عيال كثير و أنت تباري الريح سخاء و كرما و عليك وعد لا ينهض به عمك فأقبل على علي فقال يا أخي تقبل وصيتي و تنجز عدتي و تقضي ديني فقال نعم يا رسول الله فقال ادن مني فدنا منه فضمه و نزع خاتمه من يده فقال له خذها فضعه في يدك و دعا بسيفه و درعه و يروى أن جبرئيل نزل بها من السماء فجيء بها إليه فدفعها إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و قال له اقبض هذا في حياتي و دفع إليه بغلته و سرجها و قال امض على اسم الله إلى منزلك - فلما كان من الغد حجب الناس عنه و ثقل في مرضه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و كان علي لا يفارقه إلا لضرورة فقام في بعض شئونه فأفاق إفاقة فافتقد عليا فقال ادعوا لي أخي وصاحبي و عاوده الضعف فقالت عائشة ادعوا أبا بكر فدعي فدخل فلما نظر إليه أعرض عنه بوجهه فقام أبو بكر فقال ادعوا لي أخي وصاحبي فقالت حفصة ادعوا له عمر فدعي فلما حضر رآه النبي فأعرض فأعرض عنه بوجهه فانصرف ثم قال ادعوا لي أخي و صاحبي فقالت أم سلمة ادعوا له عليا فإنه لا يريد غيره فدعي أمير المؤمنين فلما دنا منه أوى إليه فأكب عليه فناجاه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) طويلا ثم قام فجلس ناحية حتى أغفى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) [ثم] خرج علي فقال له الناس يا أبا الحسن ما الذي أوعز إليك فقال علمني رسول الله ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب و أوصاني بما أنا قائم به إن شاء الله ثم تقل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و حضره الموت فلما قرب خروج نفسه قال له ضع رأسي يا علي في حجرك فقد جاء أمر الله عز و جل فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك و امسح بها وجهك ثم وجهني إلى القبلة و تول أمري وصل علي أول الناس و لا تفارقني حتى تواريني في رمسي و استعن بالله عز و جل و أخذ علي رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه و أكبت فاطمة تنظر في وجهه و تندبه و تبكي و تقول:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

ففتح رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عينيه و قال بصوت ضئيل يا بنية هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه و لكن قولي و ما محمّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم فبكت طويلا فأومأ إليها بالدنو منه فدنت إليه فأسر إليها شيئا تهلل له وجهها ثم قضى و يد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثم وجهه و غمضه و مد عليه إزاره و اشتغل بالنظر إلى أمره فسئلت ما الذي قال إليك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فسرى عنك قالت أخبرني أني أول أهل بيته لحوقا به و أنه لن تطول المدة بعده حتى أدركه فسرى ذلك عني.(إعلام الورى بأعلام الهدى (ط – القديمة)، النص، ص: 130).

.

1) لعلم، خ ل.

2) قلانسهم، خ ل.

3) المائدة: 3.

4) [ في حجة الوداع وتنصيب علي (عليه السلام) إماما يوم الغدير]

ولا يكون كاملاً الا وقد نص على جميع أحكامه وعرّفهم ما كلّفهم فيه من جميع حلاله وحرامه.

ولا يقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بلغت الا بعد ما استيقن بمقالة (1)فيزعمون ان الكتاب والسنة لم يشتملا على جميع أحكام الاسلام.

وذلك أنّهم لما أعيتهم النصوص عوّلوا على الظنون والآراء والإستحسان والأهواء؛ وقال الله تعالى: مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (2)ويسمعون


1) مقالته، خ ل.، مقاله، خ ل. ل

2) المائدة: 44.

قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): انّي مخلف فيكم الثّقلين؛ والنجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض؛ ومثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح؛ أو أشباهها.

وأنّ الله قد أزاح بأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأغناهم بهم عن غيرهم فيتركونهم ويتعلّقون بأذيال مالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وداود وأحمد.

ويقولون: هؤلاء علماء الاسلام وأئمّة الأنام، هذبوا الشرع وتمتموا الناقص.

وأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أتباعهم في بدعهم وآرائهم وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم (1).

ويسمّون أنفسهم أهل السنة وقد غيّروها وبدلوها وأستحدثوا بآرائهم وأهوائهم ما ليس منها.

والسّنة ما سنّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أقواله وأفعال.

ويدّعون أنهم أهل الجماعة مع أقاويلهم المختلفة وفتاويهم الشّاذة.

وتكون الشيعة عندهم أهل البدعة لكونها (2)متفقة النص في كلّ حادثة.

وينقل(3)كلّ طائفة من أصحاب مالک وابى حنیفة والشافعي واحمد وغيرهم بما اخبرت وروت فلا يقال لاحد منهم: لا يبق بک(4).

وإذا نقل فقهاء الشيعة عن أئمتها (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولا يصدق روايتها فيما اسندوه اليهم وانهم يرون وجوب العمل باخبار الآحاد.


1) النساء: 83.

2) أثبتانها من بعض النسخ.

3) كذا.

4) لا حق لك، خ ل. لا نيق، لا ينق، خ ل.

فان اورد عليهم خبر عن آل الرسول يلا لا يقبلونه.

وخبر اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) عندهم دون اخبار الآحاد رتبة وأقل منها درجة.

ويختارون عليه أخبار أبى هريرة والمغيرة بن شعبة وأبى موسى الاشعرى وكعب الاحبار وعامر الشعبي وأمثالهم.

وعندهم كل مجتهد مصيب

وعندهم كل مجتهد مصيب الا الشيعة فانّهم في اجتهادهم على خطاء وبدعة.

وانّ كلّ من أفتى فى الاسلام بفتوى سواء أقام عليها أو رجع عنها فهو من فقهاء الأمّة الاّ الأئمّة من أهل بيت النبوة (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل: الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) والصادق جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانهم ليسوا من فقهاء الامّة ولا من الجماعة والسنة.

ومن اقتدى بهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو من أهل الضلال والبدعة.

وقالوا: ان علوم الشريعة متفرقة في الأمة وتعجبوا من قولنا: انها مجموعة في وصاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما تعجب الكفار وحكى الله عنهم: أَجَعَلَ الْآلِمَةَ إِلهَا وَاحِداً إِنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (1)ألقي الذكر عليه من بيننا بل هم فی شک من ذکری (2).

قال الشاعر:

ولیس الله بمستنكر


1) ص: 5.

2) قد أجمع بين آيتين من كتاب الله: األقي الذكرُ عَلَيْهِ من بيننا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشَرِّ (القمر: 25) أ أَنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْننا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَكَري بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَاب(ص: 8).

أن يجمع العالم في واحد

ثم يروون أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: خذوا ثلث دينكم من عائشة لا بل خذوا كل دينكم عن عائشة.

يا عجبا كيف يثبت لها هذا الكمال واستحال مثله في وصاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟

ومن عجب انّهم يصدقون الروايات عن ابي حنيفة واحمد وشافعی و مالک و الروايات عن اهل البيت ايلام لا يصدقون فيها.

ومن العجب أنّ فاطمة سيبدة نساء العالمين (جَلَّ جَلالُهُ) بنت رسول ربّ العالمين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تخرج في ظلامة لها (جَلَّ جَلالُهُ) فلا يساعدها بشر مع قرب العهد برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم يخرج عائشة بنت ابى بكر، فتحرض الناس على قتال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتال من معه.

وتستحل دماء أولاده وشيعته فيجيئها (1)عالم الى أن يهلك أكثرهم بين يديها.

وقولهم عثمان ذى النورين يعنون بذلك انه تزوج بابنتي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقد اختلف الأقوال في ذلك فان صح انهما ابنتاه (2)

[هل لرسول الله بنات غير سيدة النساء فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)]

زواج رقية و أم كلثوم من عثمان بن عفان من المشهورات في التاريخ الإسلامي عند الخاصة و العامة، و ربّ مشهور لا أساس له سيّما و أن الذين قالوا بصحة هذا الزواج أناس انتشر صيتهم، و عرفوا بالتحقيق في فترة زمنية قل فيها العلماء المتخصصون، و الناس عادة الناس عادة مع ما شاع و اشتهر و إن كان خطأ، فيرسلونه إرسال المسلمات

[روایتان موافقتان لأخبار العامة]

و منشأ الاعتقاد بهذا الزواج هو وجود روايتين تدلان على ذلك رواهما صاحب البحار نقلا و عن قرب الإسناد الخصال و هما و بالغض عن سنديهما موافقان للعامة القائلين بزواج تينك المرأتين من عثمان بن عفان الذي أصبغوا عليه لقب «ذو النورين» في حين لم يصبغوه على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي اقترن بأفضل امرأة عرفتها البشرية منذ آدم إلى ولادتها بل إلى يوم البعث، مع اعتراف العامة أن الصدّيقة سيدة نساء العالمين، و أصبغ عليها ألقابا لم يصبغها على أية امرأة في العالم كالزهراء و الطاهرة و تفاحة الفردوس و مهجة فؤاد المصطفى و أم أبيها الخ..

و الشيخ المفيد ممن اعتقدوا بصحة هذا الزواج، معتمدا - بحسب دعواه- على أن الزواج كان على ظاهر الإسلام، فقال: «و ليس ذلك بأعجب من قول لوط عليه السلام- كما حكى الله تعالى عنه هؤلاء بناتي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته و هم كفار ضلال قد أذن الله تعالى في هلاكهم.

و قد زوج رسول الله ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الأصنام، أحدهما: عتبة بن أبي لهب، و الآخر: أبو العاص بن الربيع.

فلما بعث (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فرّق بينهما و بين ابنتيه فمات عتبة على الكفر، و أسلم أبو العاص بعد إبانة الإسلام، فردّها عليه بالنكاح الأول.

و لم يكن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حال من الأحوال مواليا لأهل الكفر و قد زوج من تبراً من دينه، و هو معاد له في الله عزّ و جلّ. و هاتان البنتان هما اللتان تزوجهما عثمان بن عفان بعد هلاك عتبة و موت أبي العاص، و إنما زوجه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على ظاهر الإسلام، ثم إنه تغير بعد ذلك، و لم يكن على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تبعة فيما يحدث في العاقبة، هذا على قول بعض أصحابنا.

[دعوى الشيخ المفيد و الإيراد عليها]

و على قول فريق آخر أنه زوجه على الظاهر و كان باطنه مستورا عنه، و ليس بمنكر أن يسترالله عن نبيه نفاق كثير من المنافقين وقد قال سبحانه و منْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النّفاق لا تَعْلَمُهُمْ فلا ينكر أن يكون في أهل مكة كذلك و النكاح على الظاهر دون الباطن على ما بيناه».

يرد عليه: إن عرض لوط (عليه السلام) لبناته على قومه يعتبر حكما اضطراريا و عنوانا ثانويا دفعا لفاحشة اللواط التي كانت سائدة يوم ذاك في قومه، فقياسها على تزويج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لبناته من كافرين مع الفارق، هو أنه لا يوجد عنوان اضطراري حتى يلجأ النبي ليزوج ابنتيه منهما.

هنا أمران و أما دعواه - كغيره ممن تبعه عليها من أن رقية و زينب تزوجهما عثمان بن عفان بعد هلاك عتبة و موت أبي العاص، فلا تكون صحيحة إلا بعد التسليم بأمرين:

1- أن تينك الفتاتين قد تزوجتا بذينك الكافرين.

2- التسليم بكونهن ابنتي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

أما الأمر الأول [إثبات أن تينك الفتاتين قد تزوجتا قبل عثمان بكافرين]:

فالشيخ المفيد عليه الرحمة، أشار إلى أن الفتاتين هما رقية و زينب - حسبما أفاد في المسألة الخمسون من المسائل الحاجبية؛ و هما اللتان تزوّجهما عثمان بن عفان بعد هلاك عتبة، و موت أبي العاص - حسبما أفاد في المسائل السروية و ما اعتمده الشيخ المفيد هو بعينه ما ذكره الشيخ أبو القاسم الكوفي المتوفى عام 352 هـ في كتاب الاستغاثة.

و لكن ما وجدناه في قرب الإسناد (لمؤلفه الثقة أبي العباس عبد الله بن جعفر الحميري من أصحاب الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) و قد تشرف بمكاتبات من الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) أن عثمان تزوّج أولا بأم كلثوم، و ثانيا برقية، قال: حدثني مسعدة بن صدقة، قال: حدثني جعفر بن محمّد عن أبيه قال:

«ولد الرسول الله من خديجة: القاسم و الطاهر، و أم كلثوم و رقية و فاطمة و زينب، فتزوج علي (عليه السلام) فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) و تزوّج أبو العاص بن ربيعة- و هو من بني أمية - زينب و تزوّج عثمان بن عفان أم كلثوم و لم يدخل بها حتى هلكت، و زوجه رسول الله مكانها رقية...».

كما روى الصدوق الخبر المتقدم نفسه بسند آخر: فواحدة متفق عليها- و هي رقية- و أخرى مختلف فيها - و هي بنظر المفيد زينب و بنظر الحميري و الصدوق، أم كلثوم - و لا نعلم المستند الذي اعتمده الشيخ أبو القاسم الكوفي في الاستغاثة، لذا لا يمكن لروايته أن تعارض رواية الحميري.

[تعارض الأخبار على الثانية التي تزوجها عثمان]

و على فرض المعارضة - لوجود رواية اعتمدها صاحب الاستغاثة - لا يمكن تقديم روايته على رواية الحميري و الصدوق إلا إذا كانت بنحو مستفيض و شيء من هذا ليس حاصلا. و مهما يكن، فالإشكال يبقى على حاله - سواء قدمنا رواية الحميري أم رواية أبي القاسم الكوفي - و هو: هل أن الفتاتين المنسوبتين إلى رسول الله قد تزوجتا بعتبة و أبي العاص أم لا؟.

[القرائن على عدم تزوجهن بعتبة و أبي العاص]

و يشهد أنهن لم يتزوجن بعتبة و أبي العاص ما يلي:

1- أن أغلب المصادر التاريخية تذكر أن جميع أولاد النبي ولدوا في الإسلام إلا عبد مناف ولد في الجاهلية حسبما ورد في رواية عامية ضعيفة.

قال المقدسي: «عن سعيد بن أبي عروة، عن قتادة، قال:

ولدت خديجة لرسول الله: عبد مناف في الجاهلية، و ولدت له في الإسلام غلامين و. أربع بنات القاسم و به كان يكنى أبا القاسم، فعاش حتى مشى ثم مات و عبد الله مات صغيرا، و أم كلثوم و زينب و رقية، و فاطمة».

و قال القسطلانى و الديار بكري: «وقيل ولد له قبل المبعث ولد يقال: عبد مناف فيكونون على هذا اثني عشر وكلهم سوى هذا ولدوا في الإسلام بعد المبعث».

و قال الزبير بن بكار و غيره بأن عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، قد ولدوا كلهم بعد الإسلام و قال السهيلي كلهم ولدوا بعد النبوة».

فإذا كانتا - أي رقية و أم كلثوم - قد ولدتا بعد الإسلام، فكيف يصح أن يقال أنهما تزوجتا في الجاهلية بكافرين؟!

2- تشير بعض المصادر أن رقية كانت أصغر بنات النبي، حتى من الصديقة الطاهرة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، بل إن بعضهم يعتقد أن أم كلثوم كانت هي الأصغر من الكل.

فإذا صح ذلك فكيف يقال إنهما تزوجتا قبل الإسلام، لا سيّما أن أشهر الروايات نصت أن الصديقة الزهراء عليها السّلام ولدت في السنة الخامسة بعد البعثة و عليه «فكيف تكون رقية قد تزوجت في الجاهلية بابن أبي لهب ثم لمّا بعث رسول الله أسلمت، فطلقها زوجها ليتزوجها عثمان، فتحمل و تسقط في السفينة حين الهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة بعد البعثة»؟.

3- يوجد اضطراب في الأخبار بشأن أم كلثوم و رقية، فبعض منها ينص على أن عثمان تزوج أم كلثوم فماتت و لم يدخل بها، ثم زوّجه النبي اختها رقية بعد معركة بدر، و بعض ينص على أنه تزوج رقية في مكة و هاجر بها إلى الحبشة و هذا الاضطراب يوجب الاختلال في تقديم طائفة على طائفة، لكون الطائفتين من الروايات أخبار آحاد لا يعوّل عليها. هذا مضافا إلى اضطراب ما ذكروا من أن أبا لهب قد أمر ولديه بطلاق بنتي النبي بعد نزول سورة تبت يد أبي لهب بحجة أن هاتين البنتين قد صبتا إلى دين أبيهما، ثم إن عثمان تزوّج رقية و هاجر بها إلى الحبشة، و هذا بدوره يتنافى مع قولهم أن السورة قد نزلت حينما كان المسلمون محصورين في شعب أبي طالب، لأن بداية الحصار في الشعب كان في السنة السادسة من البعثة أي بعد الهجرة إلى الحبشة بسنة!

و عليه، إذا كانت رقية و أم كلثوم قد ولدتا بعد البعثة و إذا كان أبو لهب قد أمر ولديه بطلاق البنتين بعد نزول سورة «المسد» في العام السادس للبعثة أي يوم حصار شعب أبي طالب، فكيف يمكن الجمع بين ولادة البنتين بعد البعثة و بين نزول السورة في العام السادس للبعثة؟!!

بل الأعجب من ذلك كيف يمكن أن يجمع العامة بين ولادة البنتين بعد البعثة و بين الزواج من ابني أبي لهب، ثم الطلاق منهما، ثم زواج رقية من عثمان و مهاجرتها إلى الحبشة في السنة الخامسة للبعثة؟!!

هذا مضافا إلى وجود روايات تشير إلى أن نزول سورة «تبت» في السنة الثالثة للبعثة بعد نزول آية إنذار العشيرة (و انذر عشيرتك الأقربين)، فعلى هذا القول أيضا، يتأكد استحالة الجمع المذكور.

4- إن القول بزواج رقية و أم كلثوم بابني أبي لهب يتوقف على أن تكون خديجة قد تزوجت برسول الله و في وقت مبكر قبل البعثة، والآراء في ذلك ستة:

1- قبل البعثة بعشرين سنة.

2- قبل البعثة بستة عشر سنة.

3- قبل البعثة: بخمسة عشر سنة.

4- قبل البعثة بعشر سنين.

5- قبل البعثة بخمس سنين.

6- قبل البعثة: بثلاث سنين.

أرجح الأقوال هو السادس و ذلك لأن عمر خديجة عليها السّلام يوم وفاتها خمسون سنة على الأصح. و بقية الأقوال لا تساعد عليها القرائن و ذلك: أما على الرأي الأول فيكون عمرها عليها السلام يوم ماتت 72 عاما لأن عمرها يوم تزوجت- حسبما عليه جمهور العامة - أربعون عاما، يضاف إليها عشرون قبل البعثة، ثم اثنا عشر ما بعد البعثة، فيكون المجموع ما ذكرنا، و هو خلاف المشهور من أن عمرها يوم ماتت خمسون عاما.

و على الرأي الثاني يكون مجموع عمرها يوم ماتت 68 عاما، و على الرأي الثالث، عمرها 67 عاما، و على الرابع 62 عاما. و على الخامس 57 عاما، فيكون عمر رقية و أم كلثوم حدود الأربعة أو خمسة سنين.

و يرجح ما قلنا أنهم قالوا: إنها عليها السّلام لم تلد في الجاهلية سوى عبد مناف.

هذا مضافا إلى «تأكيد الدولابي و الديار بكري: أن عثمان قد تزوج رقية في الجاهلية و معنى ذلك أن ما يذكرونه من زواج بنتي رسول الله بابني أبي لهب لا يصح، إذا لوحظ ما يذكرونه من سبب طلاقهما إياهما.

فالقول بأن رقية و أم كلثوم قد ولدتا في الجاهلية، ثم كبرتا و تزوجتا بابني أبي لهب ثم بعثمان، يصبح موضع شك و ريب». بل هو باطل قطعا لأن زواج عثمان متأخر عن زواج ابني أبي لهب و ذلك بملاحظة ما ورد من أن رقية و أم كلثوم كانتا أصغر من الصديقة الطاهرة التي ولدت في السنة الخامسة من البعثة على أرجح الأقوال، هذا مضافا إلى أنّ جماعة من المؤرخين - أمثال القسطلاني و المقدسي و السهيلي - نصوا على أن أولاد النبي كلّهم قد ولدوا بعد النبوة باستثناء عبد مناف بحسب بعض الأقوال.

5- لم يرو التاريخ أن أم كلثوم أو زينب اللتان يدعى أنهما ابنتا النبي و أنهما طلقتا و أن عثمان قد تزوج بإحداهن بعد الهجرة بسنوات إن لهاتين ذكرا حين الهجرة إلى المدينة، و حينما حمل أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معه الفواطم و أم أيمن و جماعة من ضعفاء المؤمنين.

و ليس ثمة أية إشارة إلى أم كلثوم أو زينب فهل هاجرتا قبل ذلك أو بعده؟

و مع من؟ و لما ذا؟ أم أنها قد جعلت في جملة الضعفاء؟ فلما ذا إذن أفردت عن أختها الصدّيقة الزهراء عليها السّلام و عن أم أيمن و جعلت في جملة ضعفاء المؤمنين؟

و هل أن أم أيمن أفضل من بنات النبي حتى أفردت عنهن؟!

6- دلت الأخبار المستفيضة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نفى مصاهرة غير أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حيث ورد انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال:

يا عليّ أوتيت ثلاثا لم يؤتهنّ أحد و لا أنا أوتيت صهرا مثلي و لم أوت أنا مثلي، و أوتيت صديقة مثل ابنتي و لم أوت مثلها، و أوتيت الحسن و الحسين من صلبك و لم أوت من صلبي مثلهما و لكنكم مني و أنا منكم.

فلو كان عثمان أو أبو العاص قد تزوجا بنات رسول الله لم يصح منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ذلك القول، لا سيما و أن هذا الكلام قد صدر منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد

ولادة الحسنين (عليه السلام) فلا مجال لدعوى أن عثمان قد يكون تزوج بإحدى بناته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد صدور هذا القول منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

قد يقال: إن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) «أوتيت صهرا مثلي و لم أوت أنا..» يراد منه أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يرزق بصهر يحمل صفات روحية لا يحملها أحد من الناس حتى أصهرته الآخرين كعثمان.

قلنا: هذا التوجيه مردود و إلا لكان قال أوتيت صهرين لم أوت مثلهما لا سيما و أن القوم أصبغوا عليه لقب ذي النورين. هذا مضافا إلى أن عبد الله بن عمر احتج على من قال له في فتنة ابن الزبير«... فما قولك في على و عثمان؟!

قال: أما، عثمان فكان الله عفا عنه، و أما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه، و أما علي، فابن عم رسول الله و ختنه و أشار بيده فقال هذا بيته حيث ترون».

فلو كان عثمان صهرا لرسول الله لكان المناسب لابن عمر أن يستدل به على السائل، بل كان أنسب من غيره، و ذلك للحاجة الماسة إلى كل ما من شأنه أن يظهر قربه من النبي و مقامه منه - لو كان - بغية دفع الشبهة عن عثمان حين فرّ في أحد. فلو كان عثمان صهرا للنبي كأمير المؤمنين عليّ لما أجلّ ابن عمر ذكر هذه المنقبة لعثمان؟!

و أما الأمر الثاني [التسليم بكونهنّ ابنتي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ]:

فلا نقطع بصحة ما قيل من أن لرسول الله بنات غير الصديقة الطاهرة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، و ما ورد في خبر واحد في مصادرنا لا يعول عليه بعد ما عرفت من القرائن في الأمر الأول، هذا مضافا إلى موافقته لأخبار العامة القائلين بصحة ذلك لينسبوا فضيلة لعثمان بن عفان، و ما كان موافقا لأخبارهم لا حجية فيه عندنا، بل على فرض التسليم بصحة الخبر الذي دل على وجود بنات له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيحمل على كونهن ربائب قام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بتربيتهن، وقد كان العرب يطلقون على ربيبة الرجل:

إنها ابنته، كما هو معروف و لو قلنا بأنهنّ بنات له حقيقة لا ادعاء «فلعلهنّ متن و هن صغار»، مما حمل القصاصون الأمويون على أن ينسبوا أمر تزويجهن لعثمان.

[الرأي الصحيح انهن ربائبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ]

لكن الأخير غير سديد لعدم وجود دليل عليه، فالأرجح أنهن ربائبه و ذلك لأمور:

الأول: ما أفاده المحدّث الثقة الجليل أبو القاسم الكوفي المتوفى عام 352 هـ «روی مشايخنا من أهل العلم عن الأئمة من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) و الرواية صحيحة عندنا عنهم، كانت لخديجة بنت خويلد من أمها أخت يقال لها «هالة» قد تزوجها رجل من بني مخزوم، فولدت بنتا اسمها هالة، ثم خلف عليها بعد أبي هالة رجل من تميم يقال له أبو هند، فأولدها ابنا كان يسمی هندا ابن أبي هند و ابنين فكانتا هاتان الابنتان منسوبتين إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): زینب و رقية من امرأة أخرى قد ماتت، و مات أبو هند، و قد بلغ ابنه مبالغ الرجال و الابنتان طفلتان و كان في حدثان تزويج رسول الله بخديجة بنت خويلد، كانت هالة أخت خديجة فقيرة، و كانت خديجة من الأغنياء الموصوفين بكثرة المال، فأما هند ابن أبي هند فإنه لحق بقومه و عشيرته بالبادية و بقيت الطفلتان عند أمهما هالة أخت خديجة، فضمت خديجة أختها هالة مع الطفلتين إليها، و كفلتهم.

و كانت هالة أخت خديجة هي الرسول بين خديجة و بين رسول الله في حال التزويج، فلما تزوج رسول الله، بخديجة ماتت هالة بعد ذلك بمدة يسيرة، و خلفت الطفلتين زينب و رقية في حجر رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلّم) و حجر خديجة فربياهما، و كان من سنة العرب في الجاهلية من يربي يتيما ينسب ذلك اليتيم إليه، و إذا كانت كذلك فلم يستحل لمن يربيها تزويجها لأنها كانت عندهم بزعمهم بنت المربي لها، فلما ربّى رسول الله خديجة هاتين الطفلتين الابنتين ابنتي أبي هند زوج أخت خديجة، نسبتا إلى رسول الله و خديجة و لم تزل العرب على هذه الحال...».

و قال ابن شهر آشوب: «تزوّج - أي النبي محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) - بمكة أولا خديجة بنت خويلد.. و روى أحمد البلاذري، و أبو القاسم الكوفي في كتابيهما، و المرتضى في الشافي، و أبو جعفر في التلخيص: أن النبي تزوّج بها و كانت عذراء، و يؤكد ذلك ما ذكر في كتابي الأنوار و البدع، أن رقية و زينب كانتا ابنتي هالة أخت خديجة».

و نقل صاحب البحار عن المناقب قال: «و في الأنوار و الكشف و اللمع و كتاب البلاذري أن زينب ورقيّة كانتا ربيبتيه من جحش...».

فما ذكره أبو القاسم الكوفي و غيره يكفي في إثبات كون البنتين ربيبتين و أمهما هالة أخت خديجة، و أن خديجة لم تتزوج بأحد قبل البعثة سوى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏ و سلم)، و ما ادعاه القوم من زواجها برجل غير النبي مخدوش به لا يصلح أن يكون دليلا لاضطراب المعلومات التي يقدمها مدعو تزويجها بغير النبي، فقد جاءت هذه المعلومات متناقضة و متضاربة، هل اسم أبي هالة الذي تزوجته خديجة هو «النباش بن زرارة» أو «زرارة بن النباش» أو اسمه «هند» أو «عتيق» أو مالك بن النباش بن زرارة التميمي الأسدي، إلى ما هنالك من اختلافات و اضطرابات كثيرة لا يمكن الجمع بينها، مما يستلزم سقوطها عن الحجية.

الثاني: قال أبو القاسم الكوفي أيضا:

«إن خديجة لم تتزوج بغير رسول الله، و ذلك أن الإجماع من الخاص و العام من أهل الآنال (الآثار ظ) و نقلة الأخبار على أنه لم يبق من إشراف قريش و من ساداتهم و ذوي إِلَّا النجدة منهم من خطب خديجة و رام تزويجها فامتنعت على جميعهم من ذلك، فلما تزوجها رسول الله غضب عليها نساء قريش و هجرنها وقلن لها خطبك إشراف قريش و أمراؤهم، فلم تتزوجي أحدا منهم؟ و تزوجت محمّدا يتيم أبي طالب، فقيرا، لا مال له؟ فكيف يجوز في نظر أهل الفهم أن تكون خديجة يتزوجها أعرابي من تميم، و تمتنع من

سادات قريش و إشرافها على ما وصفناه؟! ألا يعلم ذو التمييز و النظر أنه من أبين المحاله أفظع المقال؟! و لما وجب هذا عند ذوي التحصيل ثبت أن خديجة لم تتزوج غير رسول الله..».

و عليه فكيف تقبل خديجة الزواج من أعرابي مجهول الحسب و تترك ذوي الشرف و المكانة من قبيلة قريش المعروفة بغطرستها و جبروتها، ألم تكن الفرصة سانحة يوم ذاك لكي تنتقم قريش من امرأة لم تكترث بهم و لا بزعامتهم و رفضت عروضهم، و تقربهم منها؟!

الثالث: دعوى أن خديجة قد تزوجت برجلين قبل النبي خطة صنعتها السياسة الأموية لتكريس فضيلة لعائشة أم المؤمنين التي لم يتزوج رسول الله بكرا عليها، لذا نلاحظ الإطراء و المديح من أصحاب التراجم على عائشة عند ما يصنفها بالبكر الوحيدة التي تزوجها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، هذا مضافا إلى تسجيلهم منقبة لعثمان حيث حرص محبوه على إبقاء هاتين البنتين باكرتين فلا يدخل بهما ابنا أبي لهب - حسبما تفيد بعض مروياتهم - رغم أهلية البنتين و أهلية زوجيهما لذلك، و عدم وجود أي مانع أو رادع. نعم، لا بدّ من إبقائهما كذلك لينال عثمان الشرف الأوفى في هذا المجال!! لذا يروون أنه لما ماتت أم كلثوم قال رسول الله: «لو كن عشرا لزوجتهنّ عثمان أو قوله فيما أخرجه ابن عساكر: لو أن لي أربعين بنتا لزوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا تبقى منهن واحدة.

أو قوله فيما جاء به ابن عساكر من طريق أبي هريرة قال: إن رسول الله لقي عثمان بن عفان على باب المسجد فقال: يا عثمان! هذا جبريل يخبرني أن الله قد زوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية على مثل مصاحبتها.

و كما في رواية عن أبي هريرة قال: «دخلت على عقبة فأخبرته: أن رسول الله كان عندها آنفا، و سألها كيف تجد عثمان؟ فقالت بخیر، قال أكرميه فإنه من أشبه أصحابي بي خلقا».

ليت شعري! كيف يصف النبي عثمان بهذه الأوصاف التي قل نظيرها في البشر، ثم في نفس الوقت يحرم عليه الدخول في قبر رقية، لأنه رفت جارية في نفس ليلة وفاتها؟ أو ليس عثمان هو الذي قتل رقية؟ و هل من الأخلاق النبوية أن يختلي عثمان بجارية ليلة وفاة حليلته و معقد شرفه بصهر رسول الله، حتى و لو كانت مقارفة النساء على الوجه المحلّل فهي من منافيات المروءة و من لوازم الفظاظة و الغلظة فأي إنسان تحبّذ له نفسه التمتع بالجواري في أعظم ليلة عليه هي ليلة تصرّم مجده، و انقطاع فخره و انفصام عرى شرفه، فكيف هان ذلك على الخليفة عثمان؟! و حيث إن رسول الله منع عثمان من النزول في قبر رقية و كان أحق الناس بذلك لأنه كان بعلها، و سكت عثمان و لم يقل أنا عند ما قال النبي: «أيكم لم يقارف الليلة أهله» لأن عثمان كان قد قارف ليلة ماتت رقية بعض نساءه و لم يشغله الهم بالمصيبة و انقطاع صهره من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن المقارفة، فحرم بذلك ما كان حقا له و كان أولى من أبي طلحة و غيره ممن نزل في قبرها ليدفنها، حسبما ادعى العامة، و إن كنا نشك بصحة ذلك، إذ كيف يسمح النبي لرجل أجنبي أن يلامس جسد امرأة مسلمة حتى و لو كان من وراء الثوب، فلم لم ينزل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في قبرها ما دامت رقية هي ابنته؟!

و زبدة المقال: أن رقية و أم كلثوم هما ربيبتا رسول الله من غير خديجة، و قد كان العرب يطلقون على ربيبة الرجل: إنها ابنته، و عليه يصح أن يقال لمن يتزوج تلك الربيبة: أنه صهر لذلك الرجل.

من هنا يتضح لنا وجه القول الذي نسب إلى أمير المؤمنين على فرض صحته - حينما قرر لعثمان أن نسبته إلى رسول الله أكثر من نسبة سلفيه أبي بكر و عمر إليه، فقال له: «و قد نلت من صهره ما لم ينالا».

و مع هذا لم يقم ذاك الصهر على تينك الربيبتين بواجبه تجاه الرجل الذي أكرمه بتزويج ربيبتيه له.

[دفع وهم]

فإن قيل: كيف يجوز أن ينكح النبي ربيبتيه من يعرف من باطنه خلاف الإيمان؟

قلنا: أن تزويجه ربيبتيه لعثمان مع ما علم من علم من حاله على فرض حصول ذلك الزواج لا يخلو من أمرين:

1- إما أن يكون زوجه على ظاهر الإسلام، بمعنى أن الله تعالى قد أباح له مناكحة من ظاهره الإسلام و أن علم من باطنه النفاق، وخصه بذلك و رخص له فيه كما خصه في أن يجمع بين أكثر من أربع حرائر في النكاح، و أباحه أن ينكح بغير مهر، و لم يحظر عليه المواصلة في الصيام و لا في الصلاة بعد قيامه من النوم بغير وضوء و أشباه ذلك مما خص به و حظر على غيره من عامة الناس.

2- و إما أن يكون زوجه إياها تألفا له على الإسلام، كما تزوج هو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) آله و سلّم من حفصة و عائشة و بنت أبي سفيان، فكان زواجه منهنّ تأليفا للقلوب إلى الإسلام فما الضير أن يزوج من عرف من باطنه خلاف الإيمان لما ذكرنا، و لمصلحة لم ندرك كنهها؟

إذن، ربما يكون إصرار الآخرين على بنوة رقية و أم كلثوم و زينب لرسول الله و إرسال ذلك إرسال المسلمات من دون أي تحقيق أو تمحيص رغم وجود ما يقتضي التأمل و الاحتياط، ربما يكون ذلك راجعا إلى الحرص على إيجاد منافسين لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) في فضائله الخارجية، لذا نجد العامة قد أطلقوا على عثمان لقب «ذي النورين» و لم يطلقوه على سيدة النساء فاطمة مع اعترافهم بأنها أفضل من رقية و أم كلثوم و زينب بل و خديجة أمها عليها السّلام. فلم لم يطلقوا على الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقب «ذي النور» كما فعلوا بعثمان؟! إنا لا نشك أن وراء تلك النسبة أصابع سياسية اختلقت تلك المنقبة كما اختلقوا منقبة أخرى لعمر بن الخطاب حيث أضافوا على سجل مناقبه زواجه من أم كلثوم بنت أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فليستا كالبتول (جَلَّ جَلالُهُ) وليدة الاسلام.

1) فيحينها، خ ل.

2) وقد صنّف بعض الاساتيد فى هذا الموضوع ضمن كتابه في شرحه على المؤتمرما هذا لفظه:

ويسمون عثمان ذو النورين لانّه تزوج بهما (1)

المسألة العاشرة في تزويج أم كلثوم و بنات الرسول ما قوله أدام الله تعالى علاه في تزويج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابنته من عمر بن الخطاب. و تزويج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ابنتيه زینب و رقية من عثمان.

الجواب أن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابنته من عمر غير ثابت و طريقه من الزبير بن بكار و لم يكن موثوقا به في النقل و كان متهما فيما يذكره و كان يبغض أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و غير مأمون فيما يدعيه على بني هاشم.

و إنما نشر الحديث إثبات أبي محمّد الحسن بن يحيى صاحب النسب ذلك في كتابه فظن كثير من الناس أنه حق لرواية رجل علوي له و هو إنما رواه عن الزبير بن بكار. و الحديث بنفسه مختلف فتارة يروي أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تولى العقد له على ابنته.

و تارة يروي أن العباس تولى ذلك عنه.

و تارة يروي أنه لم يقع العقد إلا بعد وعيد من عمر و تهديد لبني هاشم.

و تارة يروي أنه كان عن اختيار و إيثار.

ثم إن بعض الرواة يذكر أن عمر أولدها ولدا أسماه زيدا وبعضهم يقول إنه قتل قبل دخوله بها.

و بعضهم يقول إن لزيد بن عمر عقبا.

و منهم من يقول إنه قتل و لا عقب له. ومنهم من يقول إنه و أمه قتلا

و منهم من يقول إن أمه بقيت بعده.

و منهم من يقول إن عمر أمهر أم كلثوم أربعين ألف درهم.

و منهم من يقول مهرها أربعة آلاف درهم.

و منهم من يقول كان مهرها خمسمائة درهم.

و بدو هذا الاختلاف فيه يبطل الحديث و لا يكون له تأثير على حال فصل تأويل الخبر ثم إنه لو صح لكان له وجهان لا ينافيان مذهب الشيعة في ضلال المتقدمين على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ). أحدهما أن النكاح إنما هو على ظاهر الإسلام الذي هو الشهادتان و الصلاة إلى الكعبة و الإقرار بجملة الشريعة.

و إن كان الأفضل مناكحة من يعتقد الإيمان و ترك مناكحة من ضم إلى ظاهر الإسلام ضلالا لا يخرجه عن الإسلام إلا أن الضرورة متى قادت إلى مناكحة الضال مع إظهاره كلمة الإسلام زالت الكراهة من ذلك و ساغ ما لم يكن بمستحب مع الاختيار.

و أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان محتاجا إلى التأليف و حقن الدماء و رأى أنه إن بلغ مبلغ عمر عما رغب فيه من مناكحته ابنته أثر «8» ذلك الفساد في الدين و الدنيا و أنه إن أجاب إليه أعقب صلاحا في الأمرين فأجابه إلى ملتمسه لما ذكرناه.

و الوجه الآخر أن مناكحة الضال كجحد الإمامة و ادعائها لمن لا يستحقها حرام إلا أن يخاف الإنسان على دينه و دمه فيجوز له ذلك كما يجوز له إظهار كلمة الكفر المضادة لكلمة الإيمان و كما يحل له أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير عند الضرورات و إن كان ذلك محرما مع الاختيار.

و أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مضطرا إلى مناكحة الرجل لأنه يهدده و يواعده فلم يأمنه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على نفسه و شيعته فأجابه إلى ذلك ضرورة كما قلنا إن الضرورة تشرع إظهار كلمة الكفر قال الله تعالى إلَّا مَنْ أكْرهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالْإِيمان.

فصل زواج بنات الرسول

و ليس ذلك بأعجب من قول لوط (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما حكى الله تعالى عنه هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته و هم كفار ضلال قد أذن الله تعالى في هلاكهم.

و قد زوج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الأصنام أحدهما عتبة بن أبي لهب و الآخر أبو العاص بن الربيع.

فلما بعث (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فرق بينهما و بين ابنتيه فمات عتبة على الكفر و أسلم أبو العاص بعد إبانة الإسلام فردها عليه بالنكاح الأول.

و لم يكن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حال من الأحوال مواليا لأهل الكفر و قد زوج من تبرأ من دينه و هو معاد له في الله عز و جل.

و هاتان بنتان هما اللتان تزوجهما عثمان بن عفان بعد هلاك عتبة و موت أبي العاص و إنما زوجه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على ظاهر الإسلام ثم إنه تغير بعد ذلك و لم يكن على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تبعه فيما يحدث في العاقبة هذا على قول بعض أصحابنا.

و على قول فريق آخر أنه زوجه على الظاهر و كان باطنه مستورا عنه.

و ليس بمنكر أن يستر الله عن نبيه نفاق كثير من المنافقين و قد قال سبحانه و من أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا عَلَى النِّفاق لا تَعْلَمُهُمْ فلا ينكر أن يكون فيه أهل مكة كذلك و النكاح على الظاهر دون الباطن على ما بيناه.

فصل للرسول خصوصية

و يمكن أن يكون الله تعالى قد أباحه مناكحة من ظاهره الإسلام وإن علم من باطنه النفاق و خصه بذلك و رخصة له فيه كما خصه في أن يجمع بين أكثر من أربع حرائر في النكاح و أباحه أن ينكح بغير مهر و لم يحظر عليه المواصلة في الصيام و لا في الصلاة بعد قيامه من النوم بغير وضوء و أشباه ذلك مما خص به و حظر على غيره من عامة الناس.

فهذه الأجوبة الثلاثة عن تزويج النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعثمان و كل واحد منها كاف بنفسه مستغن عما سواه.

و الله الموفق للصواب.

ولا يسمون عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذو النورين وهو أبو السبطين الحسن والحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ).

1) و في المسائل السروية للمفيد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 86:

ولقّبوا خالد بن وليد سيف الله ولا يسمّون بذلك أمير المؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي اهلك بسيفه الكفار والبغاة.

وقال هو (عَلَيهِ السَّلَامُ): انا سيف الله على أعدائه ورحمته على أوليائه.

وانّما اختص خالد بذلك لما فعل بأهل اليمامة غدراً وقتل مالک ابن نويرة ظلماً ووطی إمرأته في ليلته.

فأشار عمر الى ابى بكر باقامة الحدّ عليه.

فقال: يا عمر ان خالداً سيف من سيوف الله.

وأجمعوا ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: ما اقلت الغبراء ولا اصلت الخضراء على ذى لهجة أصدق من أبي ذرّ.

ولا يسمّى أبوذرّ مع ذلك صديقاً ويسمون ابابكر صديقاً ولم يروو فيه مثل هذا. وقولهم: ان معاوية كاتب الوحي.

وقد كان بين يدي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اربعة عشر نفساً يكتبون الوحي، أخصهم علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فما يستحق هذا النعت دونه (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟

ويقول المعتزلة:

العاقل لا يعدل عن المعلوم الى المجهول ولا يترك اليقين بأخذ المظنون ويناقضون

أنفسهم ويقولون: انّ اهل الجمل تابوا مما اقترفوه واقلعوا عما اجترموه، وهم اهل هذه

الآية: وَ نَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلَّ (1)الآية، ويعتمدون في ذلك على أخبار آحاد وحكايات شواذ، وقال الله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (2)وقال: إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (3).

قول ابى بكر: أقيلوني بيعتكم فيطلق على نفسه بان الاستخلاف كان بينهم.

ومع ذلك يقولون: يا خليفة رسول الله.

ولا يسمون عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليفته وقد استخلفه في مقامات عدة منها:

ما أجمعوا عليه أنّه خلفه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في توجهه الى تبوك، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

وهذا استخلاف ظاهر فعلاً وقولاً.

فكيف لا يكون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليفة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويكون ابوبكر خليفة على أمور لم يؤدها (4).

الجاحظ (5)فى كتاب العبّاسية قال: وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في الديانات يرد من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو اقرب اسناداً وأصحّ حالاً وأحسن اتصالاً حتى اذا صاروا الى القول فى ميراث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نسخوا الكتاب


1) الحجر: 47؛ الاعراف: 43.

2) الإسراء: 36.

3) الزخرف: 86

4) يردها، خ ل.

5) رسائل الجاحظ ط مصر، صص 300-303.

وخصوا خبر العام بما لا يداني بعض ما رووه وكذبوا ناقليه وذلک ان کلب انسان منهم إنّما يجرى الى هواه ويصدّق ما يوافق رضاه (1)

فان قيل: اذا كان أبو بكر قد حكم بخطا في دفع فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) عن الميراث، و احتج بخبر لا حجة فيه، فما بال الأمة أقرته على هذا الحكم، و لم تنكر عليه. و في رضاهم و امساكهم دليل على صوابه.

قلنا: قد بينا أن ترك النكير لا يكون دليل الرضا إلا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا. على أنا قد بينا: ما يدل على أن النكير كان واقعا من فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بما ذكرناه – من خطبتها و هجرانها له إلى أن ماتت في وصايتها بأن لا يصليا عليها، ودفنها ليلا- ما كفى. و قد أجاب عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه (العباسية) عن هذا السؤال جوابا جيد المعنى و اللفظ، نحن نذكره على وجهه، ليقابل بينه و بين كلامه في (العثمانية) و غيرها. قال: «و قد زعم أناس أن الدليل على صدق خبرهما - يعني أبا بكر و عمر - في منع الميراث و براءة ساحتهما: ترك أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) النكير عليهما.

ثم قال: فيقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما، إن تركهم النكير على المتظلمين منهما و المحتجين عليهما و المطالبين لهما دليل على صدق دعواهم او استحسان مقالتهم. و لا سيما و قد طالت المناحاة و كثرت المراجعة و الملاحاة و ظهرت الحسيكة و اشتدت الموجدة و بلغ ذلك من فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) أنها أوصت ألا يصلي عليها أبو بكر. و لقد كانت قالت له حين أتته طالبة بحقها و محتجة لرهطها: من يرثك اذا مت يا أبا بكر؟

قال: أهلى و ولدي قالت فما بالنا لا نرث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟ فلما منعها ميراثها و بخسها حقها، و اعتل عليها، و جنح في أمرها، و عاينت الهضم و أيست من النزوع و وجدت مس الضعف وقلة الناصر، قالت والله لأدعون الله عليك، قال: و الله لادعون الله لك. قالت: والله لا أكلمك أبدا. قال: والله لا أهجرك أبدا. فان يكن ترك النكير منهم على أبي بكر دليلا على صواب منعها، إن في ترك النكير على فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) دليلا على صواب طلبها و ادنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت، و تذکیرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ و رفع قدرها عن البذاء و أن تقول هجرا او تجور عادلا و تقطع واصلا. فاذا لم تجدهم انكروا على الخصمين جميعا، فقد تكافأت الأمور و استوت الأسباب. و الرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا و بكم و أوجب علينا و عليكم.

ثم قال: فان قالوا: فكيف يظن بأبي بكر ظلمها و التعدي عليها و كلما ازدادت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) عليه غلظة ازداد لها لينا، ورقة حيث تقول: «و الله لا أكلمك أبدا» فيقول: والله لا أهجرك أبدا ثم تقول والله لأدعون الله عليك فيقول: والله لأدعون الله لك. ثم يتحمل منها هذا القول الغليظ و الكلام الشديد في دار الخلافة، و بحضرة قريش و الصحابة، مع حاجة الخلافة إلى البهاء و التنزيه و ما يجب لها من الرفعة و الهيبة. ثم لم يمنعه ذلك أن قال معتذرا أو متقربا كلام المعظم لحقها المكبر لمقامها الصائن لوجهها المتحنن عليها: ما أحد أعز علي منك فقرا، و لا أحب إلي منك غنى، و لكن سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة». قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم و السلامة من الجور، و قد يبلغ من مكر الظالم و دهاء الماكر – اذا كان أريبا و للخصومة معتادا - أن يظهر كلام المظلوم و ذلة المنتصف، و حدب الوامق ومقة المحق.

[ليس ترك النكير حجة الرضا بدليل ترك النكير على عمر في حديث تحريم المتعتين و في تناقضه البين بين شهادته بأن النبي جعل الأئمة من قريش و شكه في الستة اهل الشورى - و كلهم من قريش - حينما تمنى حضور سالم]

و كيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة و دلالة واضحة - وقد زعمتم أن عمر قال على منبره: «متعتان كانتا على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): متعة النساء، و متعة الحج، أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما» فما وجدتم أحدا أنكر قوله و لا استشنع عليه مخرج نهيه، و لا خطأه في معناه، و لا تعجب منه و لا استفهمه.

فكيف تقضون بترك النكير - وقد شهد عمر يوم السقيفة و بعد ذلك:

أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: «الأئمة من قريش» ثم قال - في شكاته -: «لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك» حين أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شوری. و سالم عبد لامرأة من الأنصار، و هي أعتقته و حازت ميراثه. ثم لم ينكر ذلك من قوله منکر و لا قابل انسان بین قولیه و لا تعجب منه. و إنما يكون ترك النكير على من لا رغبة عنده و لا رهبة دليلا على صدق قوله و صواب عمله فأما ترك النكير على من يملك الضعة و الرفعة و فعة و الأمر الأمر و النهي و القتل و الاستحياء، و الحبس و الاطلاق، فليس بحجة تشفي و لا دلالة تغني.

قال و قال آخرون: بل الدليل على صدق قولهما وصواب عملهما: إمساك الصحابة عن خلعهما و الخروج عليهما و هم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ورد النصوص و لو كانا كما يقولون و ما يصفون - ما كان سبيل الأمة فيها إلا كسبيلها فيه. و عثمان كان أعز نفرا، و أشرف رهطا، و اکثر عددا، و اكبر ثروة و أقوى عدة.

قلنا: انما لم يجحدا التنزيل و لم ينكر النصوص، و لكنهما - بعد قرارهما بحكم الميراث و ما عليه الظاهر من الشريعة- ادعيا رواية و تحدثا بحديث لم يكن محالا كونه و لا مجتمعا في حجج العقول مجيئه و شهد لهما عليه من علته مثل علتهما فيه. و لعل بعضهم كان يرى تصديق الرجل اذا كان عدلا في رهطه، مأمونا في ظاهره، و لم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة، و لا جرب عليه غدرة فيكون تصديقه له على جهة حسن الظن و تعديل الشاهد، و لأنه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج، و الذي يقطع بشهادته على الغيب، و كان ذلك شبهة على اكثرهم، فلذلك قل النكير، و تواكل الناس و اشتبه الأمر، فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ذلك من باطله إلا العالم المتقدم أو المؤيد المسترشد، و لأنه لم يكن ل (عثمان) في صدور العوام و في قلوب السفلة و الطغام ما كان لهما من الهيبة و المحبة، و لأنهما كانا أقل استئثارا بالفيء، و أقل تفكها بمال الله منه و من شأن الناس احتمال السلطان ما وفر عليهم أموالهم و لم يستأثر بخراجهم و لم يعطل ثغورهم، و لأن الذي صنع أبو بكر من منع العترة حقها و العمومة ميراثها قد كان موافقا لجلة قريش و كبراء العرب. و لان عثمان أيضامضعوفا في نفسه، مستخفا بقدره، لا يمنع ضيما، و لا يقمع عدوا و لقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذع و التشنيع و النكير لأمور لو أتى عمر أضعافها و بلغ أقصاها، لما اجترءوا على اغتيابه، فضلا عن مباداته و الاغراء به و مواجهته كما اغلظ عيينة بن حصين، له فقال له: أما أنه لو كان عمر لقمعك و منعك. قال عيينة عمر كان خيرا لي منك: رهبنى فاتقاني و اعطانى فاغناني.

ثم قال: و العجب أنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث - على اختلافهم في التشبيه و القدر و الوعيد - يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب إسنادا و أصح رجالا و أحسن اتصالا، حتى اذ صاروا إلى القول في ميراث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نسخوا الكتاب و خصوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما ردوه و اكذبوا قائليه. و ذلك: ان کل انسان منهم إنما يجري إلى هواه و يصدق ما وافق رضاه» انتهى كلام الجاحظ.

الشافي في الإمامة ج 4 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 89 عيادة الشيخين للزهراء و إبائها عن الحديث معهما؛ بحار ج4 الأنوار ج 29 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 380 و أما القسم الثالث؛ تلخيص الشافي ج 3 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 155 ليس ترك النكير حجة الرضا بدليل ترك النكير على عمر في حديث تحريم المتعتين، و في تناقضه البين بين شهادته بأن النبي جعل «الأئمة من قريش» و شكه في الستة اهل الشورى – و كلهم من قريش - حينما تمنى حضور سالم؛ شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید ج16 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 267 الفصل الثاني في النظر في أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هل يورث أم لا؛ عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار ج 5 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ج 5 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 127 جاحظ در «رساله عباسیه» اساس اعتقادات اهل سنت را قلع کرده.

.

1) نقل هذا الكلام فى تلخيص الشافى مع اضافات والیک نص المطلب: [ان قيل: اذا اخطأ ابو بكر في دفع حق فاطمة، فلما ذا سكت عنه الأصحاب و الجواب عنه. و نقل كلام الجاحظ في (العباسية) المناقضة لما في (العثمانية)]

ومن العجب:

ان ابابكر تقدّم في الصّلاة بقول عائشة ثم رووا عنها: انّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قام ورجلاه يخطّان الأرض وهو متكئ على رجلين أحدهما الفضل بن عبّاس فاخرا ابابكر من المحراب.

فيجعلون تقديمه ولاية ولا يجعلون تأخيره عزلاً (1).


1) فراجع في ذلك الى ما سأله بعض الاصحاب عن الامام في حين اشتغاله بمطالعة كتب المخالفين لحرصه على المطالعة وخطر بباله بعض الاسئلة وساله عن المعصوم فاجابه والمستفاد من الجواب كذب الامامة لابى بكر فى الصلاة من راس وقال بعض الناس لا يبعد امامة أميرالمؤمنين بالناس بامر من النبي ولذلك ولحقدهم دسوا هذا الحديث للمقابلة لامر الخلفاء بان كل ما ورد من الروايات في شان على واهل بيته يجب على المنيوكين من رواتهم صناعة حديث بمضمونه في شان الثلاثة وهذا المطلب من البينات في التاريخ وعلى هذا لا يبعد امامة الأمير بالناس وروايتهم بذلك وجعلهم ابن قحافة بدل اميرالمؤمنين وقال الاستاد فى ضمن كلامه ولعله لا يبعد الاقتداء من الرسول بامير المؤمنين حتى تعلم الناس امامته بعد الرسول.

وقولهم: لا يدخل الجنة متبغض لاحد من الصحابة.

وليس بمسلم من روى قبيحاً منهم ولهم فى الانبياء اقوال تقشعر منها الجلود وترتعدّ لها القلوب.

فينسبون آدم وحواء الى الشرك وابراهيم الى الإفك ويوسف الى ارتكاب المحظور والجلوس مع زليخا مجلس الفجور.

وموسى انه قتل نفساً ظلماً وداود أنّه عشق بإمرأة أوريا وحمله عشقه على انه قتل زوجها وتزوّجها ويونس ان غضب على الله وسيدنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عشق زوجة زيد بن حارثة.

فكيف يكون القادح في الأفاضل المصطفين سنيّاً صديقاً ومن قدح في قوم غيرمعصومين رافضيّاً زنديقاً؟

ألم يسمعوا قوله تعالى: وَ لَقَدِ اختَرْناهُمْ عَلَى (عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى الْعالَمين) (1).


1) الدخان: 32.

وقال لأصحاب نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): وَ ما محمّد إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ (1).

وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ان من اصحابى من لا يرانى بعد ما يفارقني. ومنهم: اصحاب العقبة ومنهم من نكثوا عهده. ونزل فيهم: وَ لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ (2)فمنهم الذين انهزموا يوم حنين، قوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ (3)وأشباه ذلك.

والعجب انّهم يحزنون لقتل عمر وعثمان ويهونون الأمر في قتل على والحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ).

وقال النبي (4)(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يومكم أقرائكم.

وفى الخبر: دفان كانوا سواء فى القرائة، فافقهكم، وصاحب المسجد أولى بالمسجد.

وقد صحّ ان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان افقه واقراء من جميع الأمة وانّه سدّ أبواب الصحابة كلّها حتى سدّ باب عمّه العباى وترك باب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفتوحاً.

فكيف يتقدّم عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) غيره؟

قوم را و (5)ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد ولى عمرو بن عاص واسامة بن زيد على ابي بكر وعمر ثم يولونه على أمير المؤمنين علي والعباس.


1) آل عمران: 144.

2) الاحزاب: 15.

3) التوبة: 25.

4) للنبي، خ ل.

5) كذا.

وقد اعترفوا بانّ الامّة ليس لها ان تمضى حكماً ولا ان يقيم على احد حداً ولا تنفذ جيشاً ويزعمون ان لها انّ لها أن يجعل هذه الامور لأحدها وتردّ اليه ما لم تردّ اليها (1)وتملّكه من الشريعة أشياء لا يملكها من غير أن يأذن في ذلك مالكها.

وهذا من أظرف الامور وأعجبها.

وقالوا: إختيار الأمة الى العلماء وأن الجماعة تختارهم الذين لا يغلطون في اختيارهم ولا يخطئون (2).

ويعلمون مع هذا انّ ابابكر اختار (3)وانّ عمر اختار (4)ابى بكر وان عثمان اختار (5)عبدالرّحمن عوف مع عدم (6)الشروط التي ذكروها.

ومن عجيب دعواهم (7)اجتماعهم على امامة ابى بكر مع علمهم بقلة عدد العاقد لها وتأخير بني هاشم وانكار بنى حنيفة (8)لها ومخالفة الانصار.

ثم ينكرون ان يكون الاجماع حصل على حصار عثمان في خلعه وتكفيره وقتله وأهل المدينة ومن كان بها كلّهم محاربين أو خاذلين ولا يحفظ فى الانكار عليهم قول القائل


1) ترد اليها ما لم ترد اليها لم ترد اليها لم ترد اليها، خ ل.

2) يخطوئن، خ ل. يخطو عن، خ ل.

3) كذا فى المخطوطات والظاهر صحة ما اثبتناه.

4) كذا فى المخطوطات والظاهر صحة ما اثبتناه.

5) كذا فى المخطوطات والظاهر صحة ما اثبتناه.

6) عبدالرحمن عوف مع عدم هذه الجملة ليست في بعض النسخ واثبتناه من بعض آخر لاستقامة المتن مع وجوده في البين.

7) دعوائهم، خ ل.

8) كذا.

ومنعهم ان يصلّوا عليه وأن يدفن في مقابر المسلمين وبقى مكانه مرميّاً ثلاثة أيام لم يستعظم ذلك مستعظم.

ومن تأمّل هذه الحال علم انها أحق وأولى بالاجماع.

وقصدوا الى من ردّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اليه جيشاً فلم يحسن تدبيره ورجع منهزماً، فجعلوه امام الانام ويردون اليه تدبير الجيوش العظام ويصيرونه (1)قدوة الاسلام.

وقالوا: الامام قدوة فى الشريعة مع جواز جهله ببعضها.

ولا يجيزون ان يرجع اليه فى الكل اذا لم يعلمه (أن يكون قدوة فيها مع جهله بكلّها ويقولون: يرجع فى البعض الذى لا يعلمه إلى الأمة وأى فرق اليرعيته في بعض ما لا يعلمه) (2)وبين حاجته اليهم فى الكلّ بما لا يعلمه.

بل من العجب: ان يكون الامام محتاجاً الى من هو محتاج اليه ومقتدياً برعيته.

ومن العجب امتناعهم ممن علموه فاسقاً وتجويزهم امامة من يجوز أن يكون بباطنه كافراً.

فان كان الفسق مانعاً من تقديم الفاسق ليكون تجويز الكفر مانعاً من تقديم من عليه لانّ الكفر يشتمل على الفسق وغيره.

ومن عجيب إفتخارهم لأبى بكر بآية الغار ويعدّون معصيته حسنة وحزنه مسرة وتجعلونه يوم عيد.


1) يصرونه، خ ل.

2) ان يرجع اليه في الكل اذا لم يعلمه، في بعض النسخ هذه الجملة ضرب عليه بالشطب جعل مكانها ما جعلناه بين الهلالين.

وكان الأليق أن يحزنوا كما حزن ويغتمّوا مما جنى وأثم بل يبكون لبكائه ان كانوا من شيعته واهل وفائه.

والطرفة: ان مبيت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفراش ليس له فخر وحزن ابى بكر وبكاه فخر.

وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وقيت بنفسي خير من وطأ الحصى *** ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

يخاف رسول الله أن يمكروا به *** فوقاه ربّي ذو الجلال من المكه

وبت أراعيهم ف ما يثبتونني *** وقد صبرت نفسي على القتل و والأسر

وقال ابوبکر وروى ابن اسحاق في السيرة:

فلما ولجت الغار قال محمّد *** أمنت فثق من كل ممس ومدلج

بربك إن الله ثالثا الّذي *** ثقوا به من كل مثوى ومفرج

ولا تحزنن فالحزن لا شك فتنة *** وإثم على ذي المنهج المتحرج

فاقرّ الرجل ان حزنه في تلك الحال فتنة، وإثم والفتنة والإثم الكفر. قال الله تعالى: الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل (1).

ويدعون محبة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وتكذبهم جوارحهم يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم واذا ذكرت مناقبهم لا تسكن قلوبهم واذا نشرت فضائلهم لا يثبت عقولهم.

ولم صار المتبع لهم رافضيّاً والمناصب لهم بالعداوة سنيّاً؟

واذا سمعوا من يقول: اللّهم العن ظالمي آل محمّد هلا يبغضون ويقولون: هذا تعريض (2)ورفض وتشرير وبغض وفتن محض، والمسلم لا يكون لعاناً، والتسبيح أفضل من اللعن.

و (3)يلعنون الشيعة لعناً صريحاً صار لعن ظالمي أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تعريضاً ورفضاً ومقتاً وبغضاً ولعن الشيعة حقاً وفرضاً.

ولم صارت فضائل اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) اذا وردت في خلال حديثهم وما تواتر من روايات شيوخهم، تسمع وتثبت ؛ واذا انتزعت وميزت، تدفع؟

وفتاوى الشيعة اذا جمعت بفتاويهم صحت واذا افترقت بطلت.

ومن ظاهر بغضهم لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) انهم اذا ذكروا الحسن بن علي بن فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حذفوا من اسمه الالف واللام وقالوا: حسن بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) ويقولون لاولاده اولاد حسن استصغاراً له واستحقاراً لذكره.


1) البقرة: 217.

2) تعرض، خ ل.

3) في بعض النسخ اضافة: مع هذا

ويقولون مع ذلك الحسن البصري، فيثبتون فى اسمه الالف اللام واجلالاً له وتفخيماً لذكره وذلك لانه كان متحازاً (1)عن موالاة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

وكان لهم من الشهرة بقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والطواف برأسه وايطاء الخيل جسمه ودوّنوا الدواوين لقاتله وجعلوا لاولادهم سمة يعرفون بها واوقافاً تصل اليهم حتى اليوم. فيقولون:

بنو خداش أولاد من خدش وجه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد قتله تقرباً ان قاتله.

وأولاد الصبّاح (2)من صاح بقتله.

وبنو الجرور من جرّه في المعركة (3).

وبنو السراويل اولاد من سلب سراويله.

وبنو السرج اولاد الذي كان يسرح خيله لدوس (4)جسده.

ووصل بعض هذه الخيل الى مصر قطع من حوافرها وسمر (5)به على ابواب الدور للتبركبها.

وجرت بذلک السنة الى يومنا هذه الغاية.

وبنو السنان اولاد الذى حمل الرمح وعلى سنانه رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وبنو الملحي اولاد الذى ملح رأسه.


1) متحاذاً، خ ل.

2) بنو الصياح، خ ل.

3) الحركة، خ ل.

4) تدوس، خ ل.

5) سمى، خ ل.

وقيه يقول:

ويكبّرون بأن قتل ت وإنّما *** قتلوا بك التكبير والتهليلا

وبنو الطشتي وهو الذى حمل الطشت الذي وضع فيه رأسه.

وهم بدمشق من بنى الملحي معروفون.

وبنو القضيب وهو الذى احضر القضيب الى بين يدى يزيد لعنه الله لنقر ثناياه.

وبنو الدرجي وهو الذى ترك الدرج الخيزراني عند رأسه.

وبنو المعلّق هو الذي علّق ردسه من مسمار في باب جيرون من دمشق فبقى المسمار الى يومنا هذا حتى قلعه محمّد بن زنكي في سنة ستة وستين وخمس مأة.

وقال ابن قتيبة في كتابه اوّل خارجي خرج في الاسلام الحسين بن علي(عَلَيهِ السَّلَامُ).

وهذا اليوم يوم عيدهم ويواظبون (1)على البر والصدقة والمسارعة الى البذل والصلة والتبرك بشراء ملح سنة والتورّك فى المجالس المستحسنة المظاهره بطيب


1) وجب لهم ان يواظبوا على فروج امهاتهم والاخت والزوجة منهم لا يدخل فيه ما لا يجوز دخوله فيه وصار سبباً لخروج مأبون منكوح يتقول بامثال هذه الاقاويل وانت تقول اول من خرج من الاسلام هو ابن رسول الله فهل تدرى سبب قولك هذه؟ وانا اقول لك: كان السبب لذلك علمک باول من خرج فی الاسلام و جهلک باول من دخل فی امک یابن الزانية، فیجب علیک احصاء الداخلين بامک و تشخيص من كان نطفتك الخبيثة منه حتى لا تذهب الى هذا الرأى، ايها المأبون الواسع

الابدان والمجاهرة بمصافحة الاخوان انه مخصوص بالمناقب (1)العظام والفضائل الجسام (2).

وفى مدينة قرطبة يأخذون ليلة عاشوراء رأس بقرة ويجعلون على العصاء ويطوفون بها في الشوارع والازقة والاسواق ويجمع حوله صبيان ويدفعون(3)ويلعبون ويقولون: يا ستى المروّسة اطعمينا المطنفسة، يعنون القطائف.

فصل فيما جاء فيهم أجمعين

الباقر(عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيَّا أَمْ َزاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (4)قال: اذا امر الله تعالى اعداء امیر المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى النار الذين احتقروا امر علي بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) امرنا أوليائه الى الجنة كابي ذرّ وسلمان وعمار واشباهه قالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (5).

البخارى عن ابى هريرة قال قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لهلاک امتي على يدى غلمة من قريش.

البخارى عن انس قال: قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) للانصار: انكم سترون بعدى اثره فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض.


1) اضفناها من بعض النسخ.

2) الحسام، خ ل.

3) يدفنون، خ ل.

4) ص: 63.

5) ص: 62.

الخصال في آداب الملوک ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خطب فقال: ايها الناس انه سيكون بعدى اقوام يكذبون فيقبل ذلك منهم وامور تأتي من بعدى تزعم اهلها عنّى معاذ الله ان اقول على الله الا حقاً فما امرتكم الا بما امرنى ربّى ولا وعدتكم الا اليه وسيعلم الذين ظلموا اى منقلب ينقلبون (1).

وفي قرائة ابن مسعود وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أي منقلب ينقلبون.

فقال عبادة بن الصامت ومتى ذلك يا رسول الله ومن هؤلاء؟ عرفناهم لنحذرهم.

فقال: اقوام قد استعدّوا لها من يومهم هذا، يعنى الخلافة، وسيظهرون لكم اذا بلغت النفس من ههنا وأومئ بيده الى حلقه.

فقال عبادة فاذا كان كذلك فالی من یا رسول الله؟

فقال: اذا کان کذلک فعليك بالسمع والطاعة للسابقين من عترتى فانهم يصدونكم عن الغي ويدعونكم الى الحق ويحيون (2)ربّي وسنتي ويميتون(3)البدع ويقمعون بالحق اهلها ويزولون مع الحقب حيث زال ولئن يخيل الى انكم تفعلون ولكن محتجّ عليكم اذا انا اعلمتكم ذلك (4)

(تفسير فرات الكوفي، ص: 305؛ بحار الأنوار (ط - بیروت)، ج16، ص: 374) .

.

1) اشار الى ما في المصحف في: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَي مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ (الشعراء: 227).

2) يحبّون، خ ل.

3) يعيبون، خ ل.

4) قال حدثني علي بن محمّد بن علي بن عمر الزهري معنعنا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: قام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فينا خطيبا فقال الحمد لله على آلائه و بلائه عندنا أهل البيت و أستعين الله على نكبات الدنيا و موبقات الآخرة و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أنى [أن] محمّدا عبده و رسوله أرسلني برسالته إلى جميع خلقه ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة و اصطفاني على جميع العالمين من الأولين و الآخرين أعطاني مفاتيح خزائنه كلها و استودعني سره و أمرني بأمره فكان القائم و أنا الخاتم و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا و أنتم مسلمون و اعلموا أن الله [أنه] بكل شيء محيط و أن الله [أنه] بكل شيء عليم* أيها الناس إنه سيكون بعدي قوم يكذبون علي فلا تقبلوا [ فيقبلوا منهم] ذلك و أمور تأتي من بعدي يزعم أهلها أنها عني و معاذ الله أن أقول على الله إلا حقا فما أمرتكم إلا بما أمرني به و لا دعوتكم إلا إليه وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال فقام إليه عبادة بن الصامت فقال متى ذلك يا رسول الله و من هؤلاء عرفنا [هم] لنحذرهم فقال أقوام قد استعدوا للخلافة من يومهم هذا و سيظهرون لكم إذا بلغت النفس مني هاهنا و أومأ بيده إلى حلقه فقال له عبادة بن الصامت فإذا كان كذلك فإلى من يا رسول الله قال إذا [فإذا] كان ذلك فعليكم بالسمع و الطاعة للسابقين من عترتي فإنهم يصدونكم عن الغي و يهدونكم إلى الرشد و يدعونكم إلى الحق فيحيون كتاب ربي [كتابي] و سنتي و حديثي ويميتون [يموتون] البدع و يقمعون [يقيمون] بالحق أهلها و يزولون مع الحق حيث ما زال فلن يخيل إلى [لي] أنكم تعلمون و لكني مجتمع عليكم إذا [أنا] أعلمتكم [أعلمكم ذلك فقد أعلمتكم أيها الناس إن الله تبارك و تعالى خلقني و أهل بيتي من طينة لم يخلق أحدا غيرنا و من ضوى إلينا [موالينا ضوء] فكنا أول من ابتدأ من خلقه فلما خلقنا فتق [نورا] بنورنا كل ظلمة و أحيا بنا كل طينة طيبة و أمات بنا كل طينة خبيثة ثم قال هؤلاء خيار خلقي و حملة عرشي و خزان علمي و سادة أهل السماء و الأرض هؤلاء البررة [البراء] المهتدون [المهتدين] المهتدى بهم من جاءني بطاعتهم و ولايتهم أولجته جنتي [و أولجته أبحته] كرامتي و من جاءني بعداوتهم و البراءة منهم أولجته ناري و ضاعفت عليه عذابي و ذلك جزاء الظالمين ثم قال نحن أهل الإيمان بالله ملاکه تمامه حقا [حقا] و بنا سداد الأعمال الصالحة و نحن وصية الله الأولين في الآخرين و إن منا الرقيب على خلق الله و نحن قسم الله الذي] قسم بنا حيث يقول [الله تعالى اتقوا الله الذي تسائلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا أيها الناس إنا أهل البيت [بيت] عصمنا الله من أن نكون مفتونين أو فاتنين أو مفتنين أو كذابين [كاذبين] أو كاهنين أو ساحرين أو عائقين [عائفين] أو خائنين [خائبين] أو زاجرين أو مبتدعين أو مرتابين أو صادفين [صادين] عن الخلق [أو] منافقين فمن كان فيه شيء من هذه الخصال فليس منا [مني] و لا أنا منه الله منه بريء و نحن منه براء و من برئ الله منه أدخله جهنم و بئس المهاد و إنا أهل بيت [البيت] طهرنا الله من كل نجس فنحن الصادقون إذا نطقوا و العالمون إذا سئلوا و الحافظون لما استودعوا جمع الله لنا عشر خصال لم يجتمعن لأحد قبلنا [بعدنا] و لا تكون لأحد غيرنا العلم والحلم والحكم و اللب و النبوة [الفتوة] و الشجاعة و الصدق [و الصبر] و الطهارة والعفاف فنحن كلمة التقوى وسبيل الهدى و المثل الأعلى و الحجة العظمى و العروة الوثقى و الحق الذي أمر الله في المودة فما ذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون.

النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ان من اصحابى من لا يراني بعد ان افارقه أو بعد ان يفارقني.

وفي حديث ان من اصحابى من لا يراني بعد خروجي من الدنيا.

فقال أصحاب التواريخ: مكن وسم بالنفاق على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نيف وثمانون رجلاً.

روى فى قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ باب باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ فيصير الْعَذاب (1).

يصير أئمة الهدى وشيعتهم في باطن السور الذى فيه الرحمة والنور ويصير أئمة الضلال في ظاهر السور.

فينادون الم نكن معكم فى الدنيا ونبينا ونبيكم واحد وصلاتنا وصلاتكم واحد وصومنا وحجّنا واحد؟


1) الحديد: 13.

فینادی ملک من عند الله: بلى ولكنكم فتنتم انفسكم فيما امركم الله ورسوله فتربصتم وارتبتم ولاية أئمة الهدى وغرتكم الاماني (1)

(تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) [سورة الحديد (57): الآيات 13 الى 15] ؛ البرهان في تفسير القرآن ج 5 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 287 [سورة الحديد (57): الآيات 13 الی 17]).

.

وفی مسند ابی یعلی الموصلی، اعتقاد اهل السنة الاشتهى ومجموع ابى العلاء الحافظ الهمداني الحنبلی وغیر ذلک طرق عن انس وابي برزة وابى رافع: ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يتمشى الى قبا فمرّ بحديقة فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما احسن هذه الحديقة.


1) قال محمّد بن العباس رحمه الله حدثنا محمّد بن الحسن بن علي بن مهران عن أبيه جده عن الحسن بن محبوب عن الأحول عن سلام بن المستنير قال: سألت أبا جعفرع عن قول الله تبارك و تعالى فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب ينادونهم أ لم نكن معكم قال فقال أما إنها نزلت فينا و في شيعتنا و في الكفار أما إنه إذا كان يوم القيامة و حبس الخلائق في طريق المحشر ضرب الله سورا من ظلمة فيه باب باطنه فيه الرحمة يعني النور و ظاهره من قبله العذاب يعني الظلمة فيصيرنا الله و شيعتنا في باطن السور الذي فيه الرحمة و النور و يصير عدونا و الكفار في ظاهر السور الذي فيه الظلمة فيناديكم عدونا و عدوكم من الباب الذي في السور من ظاهره أ لم نكن معكم في الدنيا نبينا و نبيكم واحد و صلاتنا و صلاتكم واحدة وصومنا و صومكم و حجنا و حجكم واحد قال فيناديهم الملك من عند الله بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم بعد نبيكم ثم توليتم و تركتم اتباع من أمركم به نبيكم و تربصتم به الدوائر و ارتبتم فيما قال فيه نبيكم و غرتكم الأماني و ما أجمعتم عليه من خلافكم لأهل الحق و غركم حلم الله عنكم في تلك الحال حتى جاء الحق و يعني بالحق ظهور علي بن أبي طالب و من ظهر من الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعده بالحق و قوله و غركم بالله الغرور يعني الشيطان فاليوم لا يؤخذ منكم فدية و لا من الذين كفروا أي لا توجد لكم حسنة تفدون بها أنفسكم مأواكم النار هي مولاكم و بئس المصير.

فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): حديقتك يا علي في الجنة احسن منها حتبى مرّ بسع حدائق علی ذلک ثم اهوى اليه فاعتنقه وبكى وبكا علي(عَلَيهِ السَّلَامُ).

ثم قال: ما الذي ابکاک یا رسول الله؟

قال: ابکی لضغائن في صدور قوم لن يبدوا لك الأ من بعدی.

فقال: يا رسول الله كيف اصنع؟

قال: تصبر فان لم تصبر تلق جهداً وشدّة.

قال: يارسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أتخاف فيها هلاك ديني؟

قال: بل فيها حياة دينك

واشتهر قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): عهد معهود ان الامة تغدر بك وانت تقاتل على سنتي، الخبر.

الحميري:

على أنّه يوم الحديقة قال يا *** علــیّ وعینــاه معــا تكفــان

ستغدر بعـدى من قريش عصابة *** بعهدک والخصمان مشتهران

فصبراً جميلاً انّ صدرك سالم *** فما الغدر قولاً لى وما السببان(1)


1) كتبت هذه الكلمة فى المخطوطات غير منقوطة.

إبن حماد:

أیس بعدی (1)بعدددين محمّد *** عليه أناس بالتهجم (2)والغشم

وأمهلهم لا عاجزاً عن قتالهم *** وولاهم ماقد تولّوا من الإثم

وكان رسول الله جاراه امرهم *** وما اثتهوه فى الصحيفة من ظلم

فقال علي للنبيّ فما ترى *** من الرأي لي أفديك بالاب والأمّ

فقال له أصبر مثل صبري فانّني *** صبرت بامر الله صبر اولى العزم

واثب عليهم حجّة الله وانتظر *** قديناهم مقرونة الوصل بالصّرم

فاضرب (3)صفحاً عنهم وهو عالم *** لمحنـتهم اذا كــان ذلـک من الحتم


1) تعدى، خ ل.

2) بالتجهم، خ ل.

3) أعرض، خ ل.

خطیب منبج:

وفی یوم الحدائق قدا بينت *** شواهد فضله للشاهدينا

غذاه بکى النبي وقال النبى وقال مالي *** اراک تبل بالدمع (1)الجفون

فقال ضغائن بصدور قوم *** أراهم قد غدوا(2)لک موغلينا

فان انا متّ فابدوها وكانوا *** لحبلک یابن عمّي قاطعينا

البخارى مرفوعاً الى ابن عمر قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): الا لا ترجعها بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.

إبن حماد:

لا ترجعوا بعدى لكفركم *** والخلف فى الدين والتحريف طلّابا

هذا الامام لکم بعدي يسددكم *** رشداً ويوسعكم علماً علاً و آدابا


1) بالدفع، خ ل.

2) عذوا، خ ل.؛ عدوا، خ ل.

انّي مدينة علم الله وهو لها *** بابا فمن رامها فليقصد البابا

أوصى اليه وفيها مقنع لهم *** لو لم يكونوا له بالبهت غضابا (1)

وقال انت کهارون الخليفة من *** موسى على قومه بالحقّ اذعابا(2)

وقال انت أخي اذا كان بنهم *** أخا نقارب اشباها واضرابا

قوله تعالى: وَ ما محمّد إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (3).

تفسير الثعلبى ومسند احمد عن حذيفة بن اليماني ابوهريرة وابن مسعود قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يؤخذ بناس من اصحاب ذات الشمال فاقول: يا ربّ اصحابي أصحابي.

فیقال: انّك لا تدرى ما احدثوا بعدك؟

فاقول: بعداً وسحقاً.


1) عضابا، خ ل.

2) اذعانا، خل.

3) آل عمران: 144.

وفي الاحياء عن الغرالي: عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يرفع الى اقوام فيقولون: يا محمبد يا محمّد فاقول: یا ربّ اصحابی اصحابی. فتقول: لا تدرى ما احدثوا بعدك؟ فاقول: بعداً وسحقاً.

وفي مسند مسلم عن انس قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني حتى اذا رأيتهم ورفعوا الي اختلجوا دوني فاقول: أى ربّ اصحابي فيقال: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك انهم ارتدوا على اعقابهم القهقري.

وفي مسند احمد عن ابي سعيد الخدري قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): انا فرطناكم على الحوض فاذا جئت وقام رجال يقولون انا فلان بن فلان فاقول اما النسب فقد عرفت ولكنّكم احدثتم بعدى وارتدتم القهقرى.

وفي تفسير الثعلبي عن حذيفة وابى هريرة قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ليردن على الحوض اقوام حتى اذا رأيتهم اختلجوا دونى فاقول اصحابی فیقال انك لا تدرى ما احدثوا بعدک انّهم ارتدوا على اعقابهم القهقرى.

وفي البخاري عن سهل بن حنيف قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): وليردنّ علي اقوام اعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم.

ورواه النعمان بن أبي عياش عن ابي سعيد الخدري يزيد فيه فاقول انهم امّتي فیقال انک لا تدرى ما احدثوا بعدك.

مسند الموصلى عن فردوس(1)الديلمي وفى رواية بن عباس عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): فاقول كما قال العبد الصالح: وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ


1) دوس، خ ل.

الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (1فيقال: ان هؤلاء لن يزالوا مرتدين) على اعقابهم منذ فارقتهم. وفي....(2)الحميري:

يوم بعث ويوم عرض وذلّ *** فيه تبدى سرائر الاخيار

نیری احمد النبيّ رجالاً *** من قريش يهوون ذات اليسار

من قريش وغيرهم فيساقون *** فيصلون خرّ(3)تلك النار

فيقول النبي يا رب اصحابی *** وقوومى و منهم اصهاری

ما لهم يخلون دوني فقال *** الإله لا تأسفن على الكفار

انّ اصحابك الذين تراهم *** نكثوا القهقرى على الادبار


1) المائدة: 117.

2) بقى بقدر كلمة غير مقروئة.

3) حفر، خ ل.

خطيب:

ألم يقل النبي الطّهرقولا *** ورواه لنا ثقات المخبرينا

سافقد في غداة الحشر قوما *** عهدتهم بعهدى ماسكينا

اذا وردوا علیّ الحوض ظلّوا *** ما صنعواه بعدی محجلينا

فاسئل عنهم فيقال عادوا *** على الاعقاب بعدک ناکصينا

عصوك وابتدعوا فاقول بعدا *** و سحقا للغ واة المبدعينا

ابن علوية الإصفهاني:

أمّن لهم قال النبر قال النبي سواهم *** قولا لذى الحمران والسودان

انتم وانى فاعلموا فرط بكم *** وراد حوضي المترع الملآن

عنه يزوّد أخي علي من طغى

وبغي واسقى الناس بالقدحان

فاقول كيف خلفتمونى فيها *** هما وعزّة خالقى اشجان

وهما الكتاب وعترتی اهلى فلا *** تجنوا بترک هداهما عصیانی

وتمسكوا أنّى احذركم وقد *** أوسعتكم من ربّ فى الايدان(1)

ان تعدلوا عنهم فلیس بمعدل *** عـنهم لغـير عبـادة الأوثـان

العوني:

وقال سياتي الحوض قوم فيخلجوا *** عن الحوض دونی في اكف زبني

اقول لاصحابي لماذا خلجتم *** أعن دار اکرام برام بذل هوان

فيدعوا منادى ان قومك بدّلوا *** المثاني من افعالهم بمثانی


1) نسئ وقد اعذرت في الايد، خ ل.

ولو انهم اذ جئتهم بك صدقوا *** لما باینوا قرباك بالشـــنان

سأدعوا الا بعداً وسحقاً حقاً بمن به *** اذا عد اهل الغدر يغتدران(1)

قوله تعالى: وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهَ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَنْوِى لِلْمُتَكَبِّرينَ (2):قال من يدعى انه امام من الله کذلک.

النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): من حجد امامة من بعدى فقد حجد نبوّتي ونبوة الانبياء(3)من قبلي.

وقال: الجاحد مقيم على الباطل والمقيم على الباطل كافر.

السيد (4):

غششت أبا حفص وصي محمّد *** وظاهرت من بغي عليه أبا بکر

و قلدته أمر الخلافة بعده *** وغير كما أولى بذلكما الأمر

فما لعدي و المكارم و العلى


1) يعتذران، خ ل.

2) الزمر 60.

3) الرسل، خ ل.

4) أي: الحميري.

وما لبني تيم بن مرة و الفخر

أطعت به رأي ابن شعبة (1)مذهبا *** هل لامرء في طاعة الرجس من عذرى

الكميت:

وغاب نبي الله عنهم وفقده *** على الناس من رزء ما هناک محلل

فلم أر مخذولا أجل مصيبة *** وأوجب منه نصرة حين يخذل

يصيب به الرّامون عن قوس غيرهم *** فيـا آخـرا أسـدى لـه الغـيّ أوّل

قوله تعالى: وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السبيل (2)نزلت فيهم.

جابر: قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا كعب بن عجرة نعوذ بالله من أمرة السفهاء. قال: وما ذلک یا رسول الله؟


1) شيعة، خ ل.

2) المائدة: 77.

قال: أمراء سوء يكون بعدي فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد على الحوض، الخبر.

ثابت الثمال عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): أوصى من آمن بي وصدقني بولاية علي بن أبي طالب.

قال: ولائه ولائي وولائي ولائهف عهداً عهد الله الي وأمرني أن أبلغكموه ألا هل سمعتم؟

قالوا: نعم يارسول الله.

قال: اما اني اقول لكم هذا وانّى اعرف منكم من يركب عنقه فينقصه حقه.

قالوا: علمنا من هم يا رسول الله؟

قال: أما أنّى عرفتهم ولكني أمرت بالاعراض عنهم الى امر هو كائن وكفى الرجل منكم ما في قلبه.

الحميري:

عجبت من قوم أتوا أحمدا *** بخطة لیس لها مدفع

قالوا له لو شئت اخبرتنا *** الی من الغاية والمفزع

اذا توفيـت وفارقتنـا *** ومنهم فى الملك من يطمع

قال ولو اخبرتكم مفزعا

ما ذا عصيتم فيه اذ تصنعوا

صنيع اهل العجل اذ فارقوا *** هـارون والترك له اودعـوا

وفـى الـذى قال بيان لمـن *** يعقل عند القول أو يسمع (1)

مهیار:

ألاسل قريشا ولم منهم *** من استوجب الذمّ أو قيد

وقل لهم بعد طول الضلال *** ألم تشكر وا نعمة المرشد

اتاكم على فترة فاستقام *** بكم جايرين (2)عن القصد

وولى حميداً الی ربّه *** ومن سنب ما سنّه يجهد

وقد جعل الامر من بعده *** لحيـدر بـالخبر المسنـد


1) يسمح، خ ل.

2) جايزين، خ ل.

وســمّاه مولى باقرار مـن *** لو اتبع الحق لم يجهد

فملتم بها حسد المفضل عنه *** ومن یک خیر الورى يحسد

وقلتم بذك قضى الاجتماع *** ألا أنّــما الحـق للمفــرد

يغر على هاشم والنبيّ *** تلاعب بها تيم أو عدي

وما آل حرب اخترا آثما *** اعادوا الضلال على ما بدی

قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ: أى يخرجهم من ظلمات الذنوب الى نور المغفرة.

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ: بتوليتهم اماماً ليس من الله. أُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (1).

للرضي:

أين نكم للذي يرجوا بك


1) البقرة: 257.

مع رسول الله فوزا ونجا

يوم يغدوا وجهه عن معشر *** معرضا ممتنعا عند اللّقاء

شاکیا منهم الى الله و هل *** يصلح الجيل الذى منه شکا

ربّ ما آووا ولا حاموا ولا *** نصروا أهلي ولا أعنوا عنا

بدّلوا دينی ونالوا أسرتي *** بالعظيمات ولم يرع الا

لو ولاه (1)قد ولوا من عترتي *** قائم الشرك لابقى ورع

نقضوا عهدى وقد ابرمته *** وعرى الدين وما اتبوا (2)

عری:

حرمی (3)مستردفات وبنو ابنتي


1) ولا، خ ل.

2) ابتوا، خ ل.؛ ابقوا، خ ل.

3) كذا.

الاذنون(1)ذبح للعدا

أترى لست لديهم كأمرء *** خلفوه بجميل اذ مضی

ربب أنى اليوم خصم لهم *** جئت مظلوماً وذا يوم القضا

في شواهد التنزيل: روى عن ابن عباس: لما نزلت وَ اتَّقُوا فِتْنَةٌ (2)من ظلم علياً مقعدی (3)هذا بعد وفاتى فكانما جحد نبوّتي ونبوّة الانبياء من قبلي.

وفي كتاب ابي عبد الله محمّد بن على السراج فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): يابن مسعود انه قد نزلت علیه آية وَ اتَّقُوا فِتْنَةً (4).

وانا مستودعكما ومسمى لك خاصة الظلمة فكن لما اقول واعياً وعنّي له مؤدّياً من ظلم علياً مجلسي هذا كمن جحد نبوّتي ونبوّة من كان قبلي فقال له الراوي: يا ابا عبد الرحمن أسمعت هذا من رسول الله؟

قال: نعم. قال: قلت: كيف وليت الظالمين؟

قال: لا جرم جلبت عقوبة عملي وذلک انّي لما استاذنت امامي كما استأذنه جندب و عمار وسلمان وانا استغفر الله واتوب اليه.


1) الادنون، خ ل.

2) الانفال: 25.

3) مقامي، خ ل.

4) الانفال: 25.

شاعر:

يوم الظهر حین نوى *** وخلّا الجن و البراء

كشاة عاب راعيها *** لهم سرحان قد اسرا

ومن اصحابهم عجبی *** لأمرمنهم بدرا

ولايتهم بنوهم *** و قد جاؤوبها نکرا

لقد وردوا علی امر*** عظیم ثم ما صدرا

وكانت هاشم اولی *** لان الله قد امرا

قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا (1).


1) الكهف: 103-104.

البخارى يرفعه الى جابر قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ليؤيدن هذا الأمة بقوم لا خلاق لهم وفتوح الامصار ليستوى (1)فيه المسلمون والكفار.

الكميت:

لنا (2)راعيا سوء مضيعان منها *** أبوجعدة العادي وعرفا جيال

انت غنم ضاعت وغاب رعاؤها *** لنا (3)فرغل (4)فيها شريك وتنقل

أتصلح دنيان جميعا وديننا *** علی ما به ضاع السام (5)المؤبل

ولو ولي الهودج الثوابج بالذى *** ولينا به ما دعدع المترجل (6)

برینا كبرى القدح أوهن فتنة *** من القوم لا شار ولا متنبل

ولاية سلعد الف كاّنه


1) يستوي، خ ل.

2) لها، خ ل.

3) لها، خ ل.

4) فزغل، خ ل. نرغل، خ ل.

5) السوام، خ ل.

6) المترخل، خ ل.

من الرهط المخلوط بالنوک ائول(1)

هو الاضبط الهواس فينا شجاعة *** وفيمن يعاديه المجف المثقل

كان كتاب الله يعنی بـأمره *** وبالنهى فيه الكودني الموکّل

ألم یتدبّر آیــة فتدلّــه *** علی ترک مافيه أم القلب مقفل

وفى المجبرة:

سنوالنا ما لا يسنّ ببغيهم *** فی سرب ما شبة لها ذبيان

ذبیان (2)عاتا في البلاد وأفسدا *** وابر عدوّهما على الرعيان

ذبیان (3)لا يعنى الضراء عليهما *** وهما حيال الشاء يفتلسان (4)


1) اثول، خ ل.

2) ديبان، خ ل.

3) دیبان، خ ل.

4) يقتلسان، خ ل.

سليمان بن عبدالله بن سنان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): في قوله: إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ (1)يعنى الذين كذبوا بولاية الوصي قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهَ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (2)لتكذيبهم بولاية علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبيلِ الله (3)وسبيل الله هو وصيّ رسول الله إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُون (4).

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا (5)برسالاتک ثُمَّ كَفَرُوا بولاية وصيك فَطُبعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُون. العوني:

و لولا الجبت والطاغوت ما ان *** تحيّر فى ضياء الحق القويم

هما جلبا على الاسلام ما لا يرى *** الاسلام منه بالتسليم

فان رتعا من من الدنيا جنانا *** اعادهم الی وزر وخیم

فقد خسرــ المربح مدائح عز


1) المنافقون: 1.

2) المنافقون: 1

3) المنافقون: 2.

4) المنافقون: 2

5) المنافقون: 3.

به يفضى الى نار السموم

ومن كان الاله له غريما *** فاين يروغ عن حق الغريم

فديناهم فبين الناس نهب (1)*** ومنها حطهم (2)لهف الكظیم

فباريهم خصیم الخلق فيهم *** کفی بالله فيهم من خصیم

لهم على ليزداد و اثاما *** يضاعف من عذابهم الالیم

و کل دم اریق لهم ففیه *** هم شركاء عن علم العلیم

جابر الجعفي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): قوله: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهَأندادا (3)هم أئمّة الظلمة. وجاء رجل الى ابى بكر وسأله فقال: اني نذرت الاّ أكلّم زوجتي حيناً. فقال: يكون الى القيامة لقوله: وَ مَتاعُ إلى حين (4).


1) كذا.

2) حظهم، خ ل.

3) البقرة: 165

4) البقرة: 36؛ الاعراف: 24؛ الانبیاء: 111.

فقال: اربعين سنة لقوله: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (1).

فسأل عثمان فقال: سنة واحدة تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حين (2).

فسأل عليا السلام فقال: ان نذرت غدوة فتكلم عشية وان نذرت عشية فتكلم غدوة قوله تعالى: فَسُبْحانَ الله حينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (3).

ففرح الرجل وقال: الله اعلم حيث يجعل رسالته.

وقال المرتضى: نقلت الامامية عن أئمتها (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنها ستة اشهر.

أبو القاسم بن هان المغربي:

فمالقريش وميراثكم *** وقد فرض الله فيما مضی

لکم طور سيناء من فوقهم *** وما لهم فیه من مرتقی

شهیدی على ذاك حكم النبيّ *** بين المقام وبين الصفا

بمکة سمّاهم الطّلقا *** ففرق بين الدنا والقصی

وان كان يجمعكم غالب


1) الانسان 1.

2) ابراهیم 25.

3) الروم: 17ص: 97.

فان الوسايط عين الذرى

وفى اخبار الطالبيين:

انّه قال ابوذر: لما نزلت يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوه (1)قال رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): تحشر امتى عليّ يوم القيامة على خمس رايات:

راية مع عجل هذه الامة، فأسئلهم ما فعلتم بالثقلين بعدي؟

فيقولون: أما الاكبر فحرفنا (2)وأمّا الاصغر فابغضنا وعادينا.

فاقول: ردّوا مظمئين مسودة وجوهكم.

ثم ذكر راية فرعون هذه الامة.

ثم سامريها.

ثم ذا الثدية.

قال: ثم تردّ راية عليّ مع امام المتقين وخاتم الوصيين وسيّد المؤمنين، فأسئلهم ما فعلتم بالثقلين بعدي؟

فيقولون: امّا الاكبر فاتبعنا واطعنا واما الاصغر فوازرنا ونصرنا حتى اهريقت دماؤنا.

فاقول: ردّوا روا مروئين مبيضة وجوهكم.

الحميري:

والناس يوم البعث راياتهم


1) آل عمران: 106.

2) فخرقنا وفرقنا، خ ل.

خمس فمنها هالک اربع

قائدها العجل وفرعونها *** و سامري الامة المسبع

و مخرج من دينه مارق *** اجدع عبدلكع اوكع

وراية قائدها وجهه (1)*** كانه الشمس اذا تطلع

امام عل وله شيعة *** تسقى من الحوض ولا تمنع

إبن عبّاس:

قد اظهر الايمان وقراء القرآن فهم بآياته مستهزؤن وقاموا الى الصلاة وهم کسالی وأدوا الفرائض وهم لها كارهون، فلما رووا ان لا يغر فى هذا الدين الا الاتقياء الابرار والعلماء الاخيار وسمّوا انفيهم سيماء الصالحين ليظن المسلمون خيراً وهم عن بهم آيات الله معرضون، فوالله ما زادهم طول العمر الا عناداً ولا زادهم في ذلك لاهل الدين الأغشا.

محمّد بن نعمان:

والناس في عمياء عن رشدهم


1) حيدر، خ ل.

جمهورهم قد ظل مفتون

صدوا عن الامر الذى كلّفوا *** وصيروا الكفر بهم (1)دینا

ما لولا لى الجبت يوالونه *** وعاندوا خیر الوصییّنا

وناصبوا السبطين من خبثهم *** وعظموا العجل وقارونا

فلا رعى الله لهم حرمة *** وزادهم وهنا وتوهينا

إبن حماد:

لعنة الله على كل امرا *** سامكم ظلما وحق الاوّلا(2)

لحا البادى بالظلم لکم *** ولحا الثانى الذى فيه تلا

كفرا بالله لما اتخذا


1) لهم، خ ل.

2) خانكم او كان عنكم عدوه، كذا في التصحيحات الواردة في نسخة.

أمرة الدین سفاها دولا

انکروا مولاهما نعمته *** و له كانا قديما حوّلا (1)

و استباحا حرمة الله معا *** و على ظلم البتول اشتملا

اظهروا فى الملك زهدا و تقى *** ثم عاثا فيه لما حصلا

فصل فيما جاء فيهما:

القاسم بن جندب قال: سئل عبدالله بن عباس عن قوله: رَبَّنَا أَرِنَا الَّذِيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْس (2)قال: هما هما.

قلت: من هما؟ قال: و (3)الاول والثانى.

وذلك مروى عن الصادق والباقر (عَلَيهِما السَّلَامُ)

ثم قالا: وهما اول من ظلم آل محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) خولا، خ ل.

2) فصلت: 29.

3) كذا.

عن عكرمة عن ابن عباس قال قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أوّل من يحثو للخصومة بين يدى الرحمن انا.

اول من يدخل النار من مظلمتى عتيق بن ابى قحافة وابن الخطاب في زمامين من النار.

وقراء: أَرِنَا الَّذِيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْس (1).

وروى انه لما نزلت هذه الآية دعاهما النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال فيكما نزلت هذه الآية.

ابو معمر عن زيد بن على والحسن بي على الأحمرى في قوله: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنا وَ كُبَرَاءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (2)قال: هما فلان وفلان.

عبدالرحمن بن كثير في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا (3)قال انزلت في فلان وفلان آمنوا بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في اول الامر وكفروا حين عرضت عليهم الولاية حين قال: من كنت مولاه فعلي مولاه.

ابو حمزة قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما بعث الله نبياً الا وفى وقته شيطان يؤذيانه ويغتمانه ويضلان الناس بعده، فاما نوح فقنطير وجذام واما صاحبا ابراهيم فكيل وزرام واما صاحبا موسى فالسامرى ومرعقيبا واما صاحبا عيسى فيولين ومرليون (4)واما

صاحبا محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فخير ودلام (5).


1) فصلت: 29.

2) الاحزاب: 67.

3) النساء: 137.

4) مرتيون، خ ل.

5) فحبتر وزريق، خ ل.

السید:

لله یوم ارى فيه الورى زمرا *** بح الحناجر من ظماء وظمآن

ومن مناد ينادي بحيرة (1)*** اين الذين هما كانا اضلان

دیک الجن:

اذا ما لوصيّ يسقى حزبه *** من الحوض كأسا بها ينهل

وقيل خذوا خصماء النبي *** و ما غيّروا وبما بدّلوا

فسيق الى النار أهل الضلال *** سوقا (2)عنيفا ولم يمهلوا

وصار اللذان اضلاهما *** يضمهما الدرك الأسفل

إبن حماد:

فهم اسسوا بنیان كلّ ضلالة


1) تحيرة، خ ل.

2) سوياً، خ ل.

تزل بها الاقدام بعد كما زلوا

و هم القجوا بين البريّة فتنة *** مجددة ما ان يحط لها رحل

ولولاهم ما شك في الدين مسلم *** وما كان بين الخلف في مذهب وحل

ولا انشعبت اهوائهم في اعتقادهم *** ولا طال فى الآراء خرج ولا دخل

حبيب بن ثابت: قوله تعالى: الظَّانِّينَ بِالله ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَ لَعَنَهُمْ وَ أَعَدَّ هُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً (1)فيهما نزلت.

مالک ابن ضمرة الرواسى لما سير ابوذر اجتمع على بن ابى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمقداد وعمار وحذيفة وابن مسعود فقال ابوذر: ألستم تشهدون ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: شرّ الاولين والآخرين إثنا عشر، ستة من الاولين وستة من الآخرين.

فمن الاولين: ابن ادم الذى قتل أخاه وهامان وفرعون وقارون والسامري والدجال اسمه فى الاولين يخرج في الآخرين.

واما الستة من الآخرين فهو: نعثل وفرعون وهامان هذه الامة ومعاوية وعمرو وابوموسى. أفتشهدون على ذلك؟


1) الفتح: 6.

قالوا: نعم انا على ذلك من الشاهدين.

ابان بن تغلب عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَ النَّاشِطَاتِ نَشْطاً (1)العروق التي في صدر فلان وفلان.

عبدالله بن سيابة عن جعيد همدان قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): فى التابوت الاسفل من النار اثنا عشر ستة من الاولين وستة من الآخرين.

اما الستة من الاولين فابن آدم قاتل اخيه وفرعون الفراعنة والسامري والدجال كتابه في الاولين وتخرج في الآخرين وهامان وقارون.

واما الستة من الآخرين: فنعثل ومعاوية وعمرو وابو موسى ونسى المحدث اثنين (2).

وفي رواية ابن عباس وموسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظهر اسمهما.

وفى رواية حنان (3)بن سدير عن رجل عن ابی عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ): واثنان من هذه الامة احدهما شرّهما في التابوت من قوارير تحت الفلق في بحر نار.

السيد:

فی توابیت عظام جوف نار مطبقات *** ولهم فيها خوار خوار البقرات


1) النازعات: 2.

2) واذا بلغ الى هاهنا نسوا ما نسوا كما نسوا رئسائهم قولهم بخ بخ في الغدير وكلمات الرسول في امامة اميرالمؤمنينولهم ان يقولوا قلم این جا رسید سر بشكست لما في الذكر من انکسار ظهورهم فلهم ان لا بذكروا اسامي الاثنين.

3) حيان، خ ل.

شاعر:

توابيت من نار عليهم تطبقت *** لهم زفرة في جوفها بعد زفرة

تشتان من فى النار قد كان هكذا *** ومن هو في الفردوس فوق الابرة

آخر:

قال امام القاسطين ورأيه *** فيما رواه الناس عن ثوبان

تشتان تابوت له في غمرة *** من بحر نار سوّدت بدخان

فيها عقارب كالبغال لواسب *** ونواهش الحيّات كالارسان

ابو عبد الله لم: في قوله: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهَ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (1)قال: فلان وفلان.


1) البقرة: 27.

قوله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الحمير (1).

داود بن كثير عن الصادق السلام: ان زريقا وصاحبه نكريان محتبسين في عين يقال لها حضوضا في اسفل درک من النار فى صورة حمارين ديزجين (2)فاذا اصابهما الم العذاب صرخا وهو قوله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الحَمير (3).

الشاعر:

فکن من عتيق ومن غندر *** ابيا بريا ومن نعثل

كلاب الجحيم خنازيرها *** اعادی بنى احمد المرسل

الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٌّ عَدُوًّا (4)قال جبرئيل: يا محمّد قد ج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لك عدوین ضالين يبغيان لوصیک علی بن ابی طالب السلام العظائم ويقيمان له بالغوايل.

إبن حماد:


1) لقمان 19.

2) وبرجين، خ ل.

3) لقمان 19.

4) وَ كَذلكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْل غُرُوراً وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (الانعام: 112)؛ وَ كَذلكَ جَعَلْنَا لَكُلِّ عَدُوا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَ كَفَى بِرَبِّكَ هادِياً وَ نَصيراً (الفرقان: 31).

برئت اليه من ائمة فتنة *** اقاموا الوغى فيه عناداً على رجل

برئت اليه من نكول (1)وقاسط *** ومارق دين مات فيه على دخل

برئت اليه من ظلوم و غاشم *** ومن غاصب ارث فيه يابن بالغل

ومن آكل الاكباد ابرء وأنتفي *** ومن تابع القوم الطغاة على السكل

محمّد بن الفضيل عن ابى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (2)قال: الشمس الاول والقمر الثاني.

ابوالحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (3)قال: يعذبان ابوفلان وفلان.

روى فى قوله: عَنِ الْيَمينِ وَ الشِّمالِ عِزينَ (4)الآية نزلت فيهما حين حجدا ولاية عليّ(عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) نكوث، خ ل.

2) القيامة: 9.

3) الرحمن: 5.

4) عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزين؛ المعرج: 37.

أبو العلاء (1):

انى وان كنت لا ابدى مجاذلة *** العصبة جعلت وجه المور قفا

لعالم غير ذى شك بناعقها *** وصاحبيه وماكاد او ما اختطفا

الذين لآل المصطفى قتلوا *** وغادروهم شلالا طائرين سفا (2)

مالوا عن الحق واستغشوا ثيابهم *** مستکبرین وارخو دونه السحفا (3)

قوم شورا عاجل الدنيا بدينهم *** وصيبروا الدين في الدنيا له هدفا

خانوا و ما خان مولانا ابو حسن *** و ناقضو عهدهم في الدين حين وفا

لسنا نرى لاخى تيم وصاحبه *** اخى عدى مساغا في الذي افترقا


1) فى المخطوطات لذهاب كلمة فى البين فلمرور الايام عليها لم يتيسر لنا القرائة فكانت الكلمة شبيهة الى المعرى او السروى لوجود كليهما بين الشعراء.

2) شقا، خ ل.

3) السحقا، خ ل.ك السجفا، خ ل.

تقمصا شرها بالامر وارتديا *** دون الوصيّ بحق الله والتحفا (1)

قوله تعالى: أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قالَ احْسَوا فيها وَ لا تُكَلِّمُونَ (2)

انّهم تداكو بعضهم على بعض سبعين عاما حتى ينتهوا الى قعر جهنم.

قوله تعالى: وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامان (3)يعنى الاول والثاني.

أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ): فاقسم بالذي فلق الحبة وبراء النسمة وانزل التورات على موسى صدقا وعدلاً لتنعطفن عليكم هذه الآيات عطف الضروس على ولدها.

الكميت:

ان الوصي على كان اوّلهم *** سلما وافخرهم فخرا اذا فخرا

فى منزل انرول الله الرسول به *** لم يعطه ربّه من قبله بشراً

من كان يزعمه هذا قدام له *** حتى يرى انفه فى الترب منعفرا


1) والتحقا، خ ل.

2) المؤمنون: 107 – 108.

3) القصص.6.

قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهَ وَ صَدَفَ عَنْهَا » و مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّه وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَنْوِى لِلْكَافِرِينَ (1)وتناصرت الآثار من رواة الاخبار عن اهل البيت ليلا: ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) امر ابابكر لينادي في الناس من جاء بلا اله الا الله مخلصا فله الجنّة، فاستقبله عمر فنهاه فرجعا الى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال:

ما فعلت یا ابابکر؟

فقال نهانی هذا وقال ان تاديت بها الكل الناس عليها.

فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لا ننسيا شققه ولا نقصصاه ريقه ولا تكذبان احدوثته ولا تمنعاه حقه.

الصاحب:

یا آل هند وزياد *** انکم عرض الحدايد (2)

اهل الضلالة والجهال *** فی دفائن والعقائد

هذا ول ترك الامامة *** فى الاقارب والأباعد

لم تجترى عصب الهبوط


1) أوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أَنْزِلَ عَلَيْنَا الْكتابُ لَكُنَّا أهدى منهُم فَقَدْ جاءَكم بينة من ربكم مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدى رَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّب بآيات الله وَ صَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدفُونَ عَنْ آياتنا سُوءَ الْعَذاب بما كانُوا يَصْدفُونَ (الانعام: 157)؛ فَمَنْ أَظْلَمُ ممَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّه وَ كَذَّبَ بالصدق إذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوى للكافرين (الزمر: 32).

2) الخرايد، خ ل.

علی مناولة الفراقد

والبيت لا يبقى على عمد *** اذا وهب القواعد

قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بعيداً وقوله: ﴿وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فيها وَ لَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (1).)ابو عبدالله في قوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذاب أليم (2فيهما نزلت.)سئل صفوان بن يحيى ابا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: عن عهد الجن؟)فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ: ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يكن جاهلاً لكنه اراد الحجة عليهم فبعث العهد مع الاول الى وادى الجن فلم يرد عليه احد فبعث مع الثانى فکان کذلک فاوحی الله تعالى ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يبلغ عنّى غير أمير المؤمنين فبعث العهد معه وبعثهما مع امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فينادي: السلام عليكم. فقالت الجن: وعلیک السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين اهبط الينا فانا امرنا ان لا نردّ السلام الأعلى نبي أو وصيّ نبي.)


1) الأحزاب: 36 وَ ما كانَ لمُؤمن ولا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُم الخيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبينا؛ النساء: 14 وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالداً فيها وَ لَهُ عَذَابٌ مُهين.

2) النور: 63.

فلما نزل اليهم بسط له بساط ووضع له منبر فصعد المنبر وفتح الكتاب فقراء منه ماشاء الله ان يقراء واقبل الثانى فيه الى صاحبه فقال والله ما رأيت سحراً أعجب من هذا. فقال صاحبه وأى شيئ رأيت من سحر عليّ، فامر محمّد أعجب من اهمره أنّه لما كان ليلة الغار حملني قدامه فاستقبله قوم من قريش، فقلت: قد رأونا، فقال: ویلک لو رأونا لم يقعدوا بحذائنا يهرقون الماء (1فقال: انى لأرى سفينة جعفر واصحابه يسيرون فى البحر فقلت فارنيها فنمسح وجهي فنظرت اليه ثم عاد المسح على وجهى فاذا انا فى الغار فاضمرت عند ذلك انه ساحر مريد.)العونة:وقالوا عليّ افضل الناس كلهم *** ولولاه كنّا عرضة الهلكاتوقالوا علي الحق معه وعنده *** برئ من الادناس والتهماتوقالوا موصانا وقالوا فقيهنا *** واحفظنا للذكر والأثراتوقالوا له الحسنى وقالوا له التقى *** وقالوا له العقبى مع القرباتوأناموا اليه باقرار أنفس *** اجابته طوعاً غير مضطهدات


1) بالماء، خ ل.

فما بالهم شكوا وقد ما يتقنوا *** اذا سون ام زلوا عن الطرقاتقال ابو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ: ما نهى الله عن شيئ الا وقد عصيا فيه حتى لقد نكحوا ازواج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) صلق سناه إمرأة من بني عامر بن صعصعة التي قالت اعوذ بالله منک وطلق إمرأة من بنى كندة بنت ابى الجون التي قالت لو كان نبيا ما مات ابنه ابراهيم.)فلما قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ وولّى الامر الاول ارتضى العامرية والكندية وقد خطبتا فاجتمع الاول والثانى وقالا اختار ان اشئتها الحجاب وان شئتها الباه.)فاختار الباه فتزوجتا فجذم احد الرجلين وجن (1الآخر.)ثم قال ابو جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ: لو سدلتم عن رجل تزوج إمرأة فطلقها قبل ان يدخل بها لا تحل لابيه، قالوا: لا.)قال: فرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ اعظم حرمة من آبائهم.)وروى عن على بن الحسين علما انه قال: وقد سئل عن الرجلين فقال: كافران كافر من تولاهما.وقال الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ: هما أوّل من ابتز (2)حقّنا وحملا الناس على رقابنا وادخلا الذل بيوتنا، الخبر (3).)


1) وجه، ح له.

2) ابتر، خ ل.

3) تقريب المعارف (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 245 [نكير الإمام الباقر(عَلَيهِ السَّلَامُ)]؛ بحار الأنوار (ط – بيروت) ج 30 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 381 [20] .

وفى رواية: والله لقد ضيعانا وذهبا بحقنا وجلسا في مجلسنا وكنا احق به منهما ووطيا على اعناقنا وحملا الناس على رقابنا (1.)وسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ: انهما اسلما طوعاً وكرهاً وقال: اسلما طمعاً لانهما كانا يخالطان (2)اليهود ويسمعان بخروج محمّد واستيلائه على العرب كاستيلاء بخت النصر على على بني اسرائيل.)فلما خرج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏ ساعداه على الشهادتين طمعاً ان يجدا منه ولاية بلد اذا انتظم امره وكان حالهما كحال فعلة والفعيل اذا جاءا عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبايعاه.)وهذا الجواب صدر عن صاحب الامر(عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)ابوجعفر عبدالله البرقي:رضیت لنفسى اماما عليّا (3***)واصبحت من آل تيم برياولدت على فطرة المسلمين ***فالفيتنى مومنا مستوياتنقصت تيما لبغض لها *** وابغضت من اجل تم عديا


1) سقطت هذه الرواية من نسخة واثبتناها من الآخر ولا دليل لسقوطه عن نظر الناسخ الا تشابه الروايتين، تقريب المعارف (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 243 [ نكير الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)]؛ بحار الأنوار (ط - بیروت) ج 30 (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) 380 [20].

2) يطان، خ ل.

3) عليا امامک، خ ل.

الحميري:ما النبي اروع كاع عنه *** وما لعمر وابي الفصيلأعند الامن فجفجفة ونفخ *** وعند الخوف اطراق الدليل (1)لقد جاروا وما عدلوا وليسوا *** بمرضيين ثم ولا عدولابوبكر الخوارزمی:دخول النار فى حب الوصي *** وايثارى لاولاد النبیّاحبّ اليّ من جنات عدن *** اخلدها بتیم او عدي


1) الذليل، خ ل.

## فصل: في ذكرهم### إشارة:جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ فى قوله: ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهَ أَنْدَاداً) (1)قال: هم واللهأولياء الثلاثة اتخذوهم ائمة من دون الامام الذي جعله الله للناس اماما فلذک قال ولو يرى الذين ظلموا الى قوله في (2)النار. بكير بن حمران سمعت ابا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في قوله: شُرَكاءُ مُتَشَاكِسُون (3)قال: الاول والثانى واصحابهما ورجلا سلما لرجل قال نحن وشيعتنا سلموا لموالينا.

وقوله: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ (4)يعنى الاول والثاني ومن اقتدى بهما.

ولما نزلت قوله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذينَ لَعَنَهُمُ الله (5)الآيات، دعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الثلاثة وقال: فيكم نزلت هذه الآية.

وقال المسيب بن شریک نزلت فى بنى اميبة وبنى هاشم على قرائة من قراء: ان توليتم يعنى بنى اميّة والارحام، بني هاشم.


1) البقرة: 165.

2) وفى المصحف: من النار.

3) الزمر: 29

4) العنكبوت: 13.

5) محمّد: 22-23

{في ثواب من لعن الشيخين}

فی ثواب من لعن الشیخین(1)

زرارة بن اعین عن ابی عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فى قوله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ (2)قال: من ذكر فلانا وفلانا ولعنهما في كلّ غداة كتب الله له سبعين حسنة ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات لعنهما الله ومن اتبعهما فى سر السر وظاهر العلانية.

خطب أمير المرمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال فيها لما سئل عنهما لو قاتلتم عدوّكم كان أصلح لكم من مسألتي عنهما.

ودخل الورد بن زید علی ابی جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له: جعلت فداك ما تقول فيهما؟ قال: يا ورد ما اهرقت محجة من دم الأكان وزرها في اعناقهما الى يوم القيامة من غير ان ينقص من اوزار العاملين منها شيئ.

ثم قال: يا ورد

لدى الحكم قبل اليوم ما يقرع العصى *** وما علم الانسان الاّ ليعلما

عبد الملک بن عمر سألت ابا عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنهما قال فضحك ثم قال: وما عسيت ان اقول في عبدين عصيا مولاهما.


1) اضافة منا، عفي عنا سيئاتنا لاننا نحب ان يعطينا الله الشيخين في القيامة حتى نفعل بهما الوطى من كل حفرة كانت فيهما.

2) الأنعام: 160؛ النمل: 89؛ القصص: 84

قال الرضاع (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد لزم بلجام دابته رجل من ولد خالد يابن رسول الله ما تقول فيهما؟

فقال: يا هذا قل سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر.

قلت: يابن رسول الله انت حجة الله على خلقه في ارضه أسئلك فلا تجيبني؟

فقال: يا هذا لنا أمّ (1)صالحة خرجت من الدنيا وهى عليهما ساخط (2)لم يأتنا الينا بالرضاء عنهما.

وسئل زيد بن على وهو في المعركة ما تقول فيهما؟

فلم يكلّمه حتى اصاب جبينه تبل(3)فقال: این السائل؟

فقال: ها انا ذا فقال هما رمیانی هما قتلانی.

فما التزمت قتل بني عليّ *** وشيعته سوى المتقدمينا

دیک الجن:

ما کان تیم لها شم بأخ *** ولا عدي بأحمد بأب

لکن حديثى عداوة وقلى


1) أي: فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، كما في حاشية النسخ

2) ساخطة، خ ل.

3) تيل، خ ل.

سهر کافى غيابة الشعب

قاما بدعوى الى الظلم عالية *** وحجة خذله من الكذب

من ثم اروى بني نبيّکم *** قصعا بايدى عدوّ بالكلب (1)

أبو نصر الواسطي:

فلولا هماما جار في الحكم اوّل *** عليهم ولم يستن بالجور آخر

السّوسي:

یا آل احمد انتم خير الورى *** وبذاك جاء النقل والاسناد

لولا الثلاثة ما غصبتم حقّكم *** لیس ابن هند وابنه وزياد


1) عدوه الكلب، خ ل.

ابراهيم ابن عبد الحميد عن ابی عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأيت عنده مكتوبا في مصحف: هذه جهنم التي كنتم بها تكذبان اصلياها اليوم لا تموتان فيها ولا تحييان.

البرقي:

والله والله ايمان اوکدها *** بالله احلفها علما وايقانا

لوان مفتاح ماء المرن تحب يدى *** وكنت عينا (1)اسح (2)الويل هتانا

لما سقیت ابابكر ولا عمر *** ولا ابي عوف ولا الملعون عثمانا

ولا الفعيل (3)ولا عمرو ولا *** ابن سعد اذا ما جاء ظانا (4)

ولا ابن مرجانة المسروق سبته *** ولا اللعين يزيد ابن ما كانا

ولا هام ولا عبدالملک ولا *** عاتي الوليد ولا الطاغي سليمانا


1) غيثا، خ ل.

2) اشح، خ ل.

3) الفضيل، خ ل.

4) ظمانا، خ ل.

فهؤلاء اضلوا الحق ويلهم *** اری عداوتهم الله قربانا

الذين اذاعوا كلّ فاحشة *** هم اهلكوا لابي ذر وسلمانا

لم يحفظوا الرسول الله حرمته *** ولا له عظموا قدرا ولا شأنا

ولا له سمعوا ما كان ينذره *** حتی ظنناهم صما وعميانا

لا زالت ألعنهم ما عشت مجتهدا *** حتی أوسد بين الترب اكفانا

في ذكر الصحيفة وأصحاب العقد

اختلف في سنة التعاقد فاكثرهم يقولون كان ذلك في حجة الوداع وهو قول ابى ابن كعب ويقال عند اداء سورة برائة.

سلمة بن كهيل قال: نزلت آية النجوى ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ

يُنبِّتُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليم (1)في قوم تعاهدوا بينهم يؤتوها عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ). وفي حديث سليمان الاقطع عن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما يدل على ذلك.

العباس بن الحارث الهاشمى انّ القوم تواقعوا بالكعبة لئن ذهب محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يولوها اهل بيته فدعو النبي (2)امية الى الذي صنعوا فقالت: لا والله لا نطيعكم الا ان لا ينالوا من الفئ شيئاً فانهم زعموا انه لهم فانزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ اهْدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ هُمْ وَ أَمْلى هم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُم (3)فنزلت فى بنى اميّة والاول والثاني وابو عبيدة.

ونزلت التي بعدها فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَاهُمْ (4).

ابو اسحاق ابراهيم في كتابه واحمد بن حنبل في مسنده وابو نعيم الحافظ في الحلية ومحمود الزمخشرى فى الفائق واللفض لابى اسحاق: ان ابي بن كعب لما قال كعب سمّ هلک اهل العقدة وربّ الكعبة ثلاثا هلكوا واهلكوا والله ما عليهم اسى ولكن آسى على ما يهلكون من بعدهم من المسلمين.

وروى ابو جارية العبدى عن ابي ذرّ مثله.


1) المجادلة: 7.

2) فهو عوانين، خ ل.

3) محمّد: 25-26.

4) محمّد: 27-28.

ثم قال: يا قوم اجتمعوا على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقالوا: انا نسمع رسول الله ذكر هذا الرجل ويذكر فضله يريد ان لا يخرج هذه الإمرة من اهل بيته فتعالوا فلنتعاقد، فتعاقدوا فيه فانزل الله تعالى: وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (1).

فقلت: من اهل التعاقد؟

فقال: الاول والثانى وابو عبيدة وفعلة والفعيل وعبد الرحمن وسعد وعمرو والمغيرة.

قال: فجعل بيوتهم خاوية من الملك بما ظلموا فى تعاقدهم، فخوت بيوتهم من الملک الذي طلبوه وحرصوا عليه فلا يرجع في آلهم ابداً.

ثم حلف انها نزلت فيهم.

محمّد بن عبدالله بن الحسن قال دخلت الكعبة اثنا عشر ثمانية من قريش واربعة من سائر الناس فتعاقدوا ان قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يولونها احدا من بني(2)عبد المطلب.

عن عبدالله بن ميمون عن ابيه عن ابى جعفر السلام قال: نزلت الآية في الكتاب الذي كتبه فلان وفلان ام ابرموا امر الآيتين.

زرارة بن اعين: سألت ابا جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله تعالى: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ (3)قال: كانوا تحالفوا على آل محمّد لئن قبض رسول الله لا يدفعوا الامر في آل محمّد ولا


1) النمل: 51-52.

2) اثبتناها من نسخة

3) الحج: 25

يعطوهم من الخمس، فانزل الله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (1).

فهى تجرى في كلّ سرقة أو معصية أو مظلمة.

محمّد بن عقيل عن فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهما قال: سمعت رجلا من بني اسد يسأل ابي ما بال قوم تأمروا على ابيك ولم يأمروه؟

فقال: ان القوم تعاقدوا وتوافقوا ان لا يولوها أبي.

ابو جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ الَّذينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ هُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى هم (2)قال: الذين ارتدوا فلان واصحابه حين حجدوا الهدى والهدى سبيل على بن ابى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) والشيطان سوّل لهم هي الادلم.

واما قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ (3)فان فلانا وفلانا وفلانا توافقوا لئن قبض رسول الله لا يرجع الى آل محمّد للامر فدعوا بعض بنى اميّة الى مشايعتهم على ذلك فاجابواهم الى ان لا يعطوا آل محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيئا من الخمس.

ثم قال لهم بنوامية الى من تجعلون الخلافة من بعده؟

قال الادلم الى فلان قال بنواميّة اما هذا لا نطيعكم فيه واما الخمس فنطيعكم في بعض الامر هو امر آل محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخمس اطاعوهم فيه ولم يطيعوهم في ان تكون


1) الزخرف: 80.

2) محمّد: 25.

3) محمّد: 26.

الخلافة الى فلان فكان الذين كرهوا ما انزل الله فلان وفلان وكان من شايعهم على ذلک ابو عبيدة وعبدالرّحمن وسالم مولى أبي حذيفة.

قال: فكتبوا بينهم كتابا فكان الذى كتب الكتاب ابو عبيدة.

قال: فاطلع الله عز وجل نبيه على ما كتبوا وانزل الله عليه أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبرَمُون (1)الآيات.

وقيل: عقدوا فى ان لا تولوها هاشمياً بعد رسول الله وان ينكحوا ازواجه من بعده فنزل: وَ أَزْواجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ الله (2)ولقد ونحهم (3)له على ذلك لما نزل القرآن فانکروا وجلفوا عليه فانزل في الحال: يَحْلِفُونَ بالله ما قالُوا وَ لَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَ ما نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً هُمْ وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَليماً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما هُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِير (4).

وروى ان عمر كتب الصحيفة واودعوها الى عبيدة فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اصبحت امين هذه الامة وباطن الأمر انها غدر.

ابان بن عياش سمعت الحسن بن ابى الحسن يقول: قال عمر عند موته لو ان لي بلاغ الارض ذهبا لافتديت به من هول المطلع و لوددت ان خرجت منها كفافا لا على ولا لي.


1) الزخرف: 79.

2) الاحزاب: 6.

3) هنا كلمة اشكلت علينا قرائتها.

4) التوبة: 74.

فقال له ابنه سبحان الله تقول هذا؟

قال: دعنى ویلک فنحن اعلم بما صنعنا وتوافقنا عليه انا وصاحبي وابو عبيدة ومعاذ.

ابوسعيد ان الثاني قال عند موته اتوب الى الله من تعاقدنا على اهل البيت ان قبض رسول الله لا نوليه منهم احدا.

وهى الصحيفة التي روت العامة ان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)دخل على عمر وهو مسجّى فقال: ما ابالى القى الله بصحيفة هذا المسجى.

وكان عمر الكاتب لها فلما اودعوه الصحيفة خرجوا من الكعبة فدخلوا المسجد ورسول الله فيه جالس فنظر الى ابي عبيدة فقال: هذا امين هذه الأمة.

فالامين لا يخلوا ان يكون امينا لقوم على شيئ مثل وديعة او معاملة او توسط او نحوها، واما ان يكون ليس في القوم امين غيره.

فان كان امينهم على شيئ كان لهم عنده فصح خير اهل البيت الام وان كان امين الصحابة ولم يكن فيهم امين غيره فهذا فيه خذى على قابله.

السنوي:

جرّ الضلال صحيفة ختمت *** بعد النبیّ ختامها قض

ولكل قلب مسلم حرق *** ولكل عظ مؤمن رضب

ولكل عن (1)موحد سرق


1) غير، خ ل.

بدم المدامع ماؤها فضب

الحميري:

فما بال الخلافة فى عدى *** وتيم والامور لها انقلاب

وصنو محمّد فيهم علي *** لقد ضاموه اذ كتب الكتاب

فخادوا عن وليهم ومالوا *** الى شيخين حكمها تباب

هماد ظلما الوصی وعانداه *** وعاونهم على الظلم الصحاب

وله:

تراضوا(1)بجمعهم في الصحيف *** وما عارف القوم كالهايم

باخراج آل رسول الإله *** من الملك والحكم الحاکم


1) تراموا، خ ل.

وكلانوا بكفران ربّ العباد *** وشتم الرسول مع الشاتم

مهیار:

وقائل لى علی کان وارثه *** بالنص منه فهل اعطوه ام منعوا

فقلت كانت هنات لست اذكرها *** يجزى بها الله اقواما بما صنعوا

ابلغ رجالا اذا سميتهم زویت *** عنی وجوه بنى الشحناء تمتنع

توافقوا وقضاة الدين مايلة *** فحين قامت تلاحوا فيه واقترعوا

اطاع اولهم فى الغدر (1)ثانيهم *** وجاء ثالثهم يقفوا ويتبع

فالدهر لونان والدنيا مقبلة *** الآن قلبک (2)کیف يرتدع


1) العذر، خ ل.

2) قلب، خ ل.

والناس بعدك ما لاقوا وما قربوا *** وللخيانة ما عابوا وما شنعوا

هذى قضايا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) المهملة عذراً وشمل رسول الله منصدع وآله وهم آل الله وهم رعاة ذا للدين ضيموا بعده ورعوا ميثاقه فيهم ملقى وامته عليهم مع من عاداهم شيع تضاع بيعته يوم الغدير لهم بعد الرضا وتحاط الروم والبيع ما بين ناشر حبل (1)امس ابرم(2).

يعد مسنونه بعده البدع وبين منتقض بالمكر يخدعه عن آجل عاجل حلو فينخدع. ابن عودي النيلي:

الى الله ابرء من الرجال تتابعوا *** على ظلمهم اهل التقى حين اقدموا

وعاتوا بآل المصطفى بعد موته *** بمن قتل المختار بالامس منهم

وتاروا عليه ثورة جاهليّة *** على انه ما كان في القوم مسلم

باسافهم اردوهم و بدينهم *** اريق باطراف القنا منهم الدم


1) كذا.

2) ابرمه، خ ل.

وما قدمت يوم الطفوف امية *** على الى السبط الاّ بالذين تقدّموا

مرزكي:

ان ضرب الهام فى بدر غدا *** جالبا بالطف نهتيك الحرم

الصوري:

سيسأل من عادى النبى واهله *** بما اذا خلفتم لا خلفتم محمّدا

بماذا ينال الفاسقون شفاعة *** لاحمدلما حاربوا آل احمدا

ترجون عفو الله كلا تبوئو *** من النار اذ خالفتم الله متعمدا

البرقيّ:

وعند ما مكرا في صحن دارهم *** بطن الصحيفة من ظلم وعدوان

من سالم ومعاذ والزنيم (1)ومن *** ابي عبيدتهم والاعور الزاني

ظلّوايديرونها ما بينهم سفهاً *** دور الكؤوس على غوغا شنئان

هذا يناولها هذا وذاك اذا *** كانها كرّة فى وسط الميدان

فصل فی اصحاب العقبة وخبر البعير

عمار وحذيفة انه نزل قوله تعالى: وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَ ما نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْناهُمُ الله وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً هُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَليماً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما هُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصير (2)في اصحاب العقبة.

ابن جريح وابن جبير في قوله: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللهَ وَ هُمْ كَارِهُون (3)في اصحاب العقبة.


1) الزينم، خ ل.

2) التوبة: 74.

3) التوبة: 48.

ابن کیسان: قوله تعالى: يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِالله وَ آيَاتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (1)نزلت في اصحاب العقبة.

مقاتل في قوله: وَ لَقَدْ َكانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَ كانَ عَهْدُ اللهَ مَسْؤُل (2)نزلت في اصحاب العقبة.

الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): يَحْذَرُ المُنافِقُونَ (3)نزلت يوم العقبة.

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله وَ رُسُلِهِ (4)نزلت في اصحاب العقبة.

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَإِذا نَزَلَت بِساحَتِهم (5)نزلت فيهم.

ابن بابويه فى الخصال وفى الامتحان وابن جرير الطبرى فى المسترشد وابان بن عثمان (6)في كتابه ومحمّد بن اسحاق والزجاج والكلبى والواقدى والزهرى باسانيدهم عن ابي ذر وعمار وحذيفة وابى الطفيل ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نهى ان يسبقه احد عقبة ابرس ويقال اسمها عقبة ذي قيق.

قال حذيفة: فامرني ان اقعد فى اصلها فانظر من يمر واخبره


1) التوبة: 64-66.

2) الاحزاب: 15.

3) التوبة:64.

4) النساء: 150.

5) الصافات: 177 فَإِذا نَزَلَ بساحتهمْ فَسَاءَ صَباحُ المُنْذَرين.

6) حثمن، خ ل.

وفى تفسير الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حذيفة ان اقول لاكبر صخرها ان رسول يأمرك ان تنفرجى حتى ادخل جوفک و انظر منک المارّين فاديت الرسالة ودخلت الصخرة ورايت الاربعة عشر على جمالهم متلثمين ثم انفجرت الصخرة فحوّله الله مثل طائر فطار في الهواء محلقا فاخبره بما كان فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): فانهض بنا انت وسلمان وعمار وتوكلوا على الله فوجدوا فوق الطريق حجارة فى دباب فدحرجوها من فوق لينفروا الناقة برسول الله فلما قربت الدباب من ناقة رسول الله ارتفعت ارتفاعا عظيما فجاوزت ناقته.

وفي خبر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد حرجوا الدباب بين قوائم الناقة فذعرت وكادت ان ينفر برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فصاح بها اسكنى فليس عليك بأس فسكنت فكانت ليلة ظلمائ فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): لا تخف على منهم احدا فاخذت الارض باخفاف رواحلهم فصاح بهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وفي رواية: قال حذيفة: عرفت جمالهم فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ادعوهم بامائهم فدعاهم فلم تجيبوه وهرولوا بجمالهم فنادى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لجمالهم بالوقف فوقفت فنزلوا عنها فتجاوز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن المضيق وهم على راسه شاهرين سيوفهم فوقف (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقفة فادركته الصحابة فانسلوا في بينهم فعنفهم الناس للمخالفة فقالوا: لم يبلغنا المنادى.

وفي رواية ابى الحارثة عن أبي ذر كان عمار آخذا بحظام الناقة وحذيفة خلفها فحمل القوم على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مضيق وكانا يذبان عنه.

مسند الانصار عن احمد في حديث حذيفة كان اصحاب العقبة اربعة عشر رجلاً.

جابر عن ابی جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ) اصحاب العقبة اربعة عشر رجلاً ابوالشرور وابو الدواهي وابو الحارث وعمرو وابن عوف وسعد وابوسفيان وابنه وفعلة والفعيل وابو الاعور السلمى وابو قتادة الانصارى والمغيرة بن شعبة.

روى عمار وحذيفة انه كان فيهم ابو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة وخالد ولم يذكر الفعيل ولا ابا سفيان ولا قتادة.

وفي حديث آخر عن حذيفة ذكرهم سوى الفعيل وسالم.

وعن الاعمش كانوا خمسة رجلا وذكر الجماعة مع سالم والفعيل ومحمّد بن مسلمة ولم يذكر خالدا ولا ابا سفيان.

وعن محمّد بن حمران عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال: وجدنا في كتاب أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ) اسماء اصحاب العقبة فاذا هم خمس وعشرون نفسا وذكر ابا فلان وفلان وفلان وفعلة والفعيل وابو سفيان ومعاوية وعمر (1)وابوالاعور وسعد وسعيد وخالد بن وليد وخالد بن عرفة والحكم ابن ابى العاص ومروان والاشعث ابن قيس وجرير بن عبدالله البجلي وابو حذيفة مولى سالم وابوهريرة وابو موسى وابو عبيدة وعبد الرحمن وابو قتادة وسالم والمغيرة.

وفي حديث عمار وحذيفة قلت افلا تضرب رقابهم؟

قال: اكره ان يتحدث الناس ان محمّدا استنصر بقوم حتى اذا استظهر على اصحابه قتلهم ولكن الله اخبرني بخبر القوم وسماهم لي انطلق فادع الى الذين في ذلك الخباء فكانوا خمسة عشر رجلا فانطلق القوم معى فلما نظر اليهم استرجع وقال ما حملكم


1) كذا فى المخطوطات ولعل الصحيح عمرو.

على هذا الفعل العظيم؟ وذكر عن كلب واحد منهم قوله وعنفهم فكانوا يقولون: انا لم نومن بك قبل الساعة يقينا وظننا ان الله لا يطلعك عليه.

فجعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يخرج اضغانهم.

وفي رواية الاصبغ بن نباتة انه قال ارادوا والله قتل محمّد فلما رآهم رسول الله قال منافقون الى يوم القيامة اما انت يا اول فما اوقفك هذا الموقف؟

قال آخیت بینی و بین زفر.

فقال للثاني: ما اوقفك ههنا؟

قال: برح الخفاء يا رسول الله.

:فقال یا فعيل ما اوقفک؟

قال: خفت فوت المطى فسبقت براحلتى من (1)ووقعت اصبح بجمل (2).

فقال: وانت يا ثالث (3)ما اوقفک؟ فقال: يارسول الله ان الثانی امرنی بذلک.

فقال: يا فعيل اما انت فروثة حمار خير منک.

واما انت يا نعمان فجيفة على الصراط ملقى تطأك المنافقون باقدامهم.

وقال: واما انتم فمنافقون الى يوم القيامة.

محمّد بن اسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن عن عطية العوفی قال: دخلت مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فاذا رجل قد تسجى بثوبه وحوله جماعة فسألتهم عن شيئ فلم يعرفون


1) زيادة من بعض النسخ.

2) بجملي، خ ل.

3) وانت رابع، خ ل.

فقلت یا اصحاب محمّد تظنوا (1)على بالعلم فكشف المسجّى ثوبه عن وجهه فاذا شيخ ابيض الراس واللحية فقال عن اى امر الامة تسأل فوالله ما زالت هذه الامة مكبوبة على وجهها مذ قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وايم الله بقيت الى يوم الجمعة (2)لا يؤمن (3)مقاما اقتل فيه.

قال: فسمعته يقول: الاهلک اهل العقبة الاهلك اهل العقبة الا هلك اهل العقبة الا ابعدهم الله والله ما اساء عليهم انها اساء على من يهلكون من امة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلما كان يوم الاربعا رأيت الناس يموجون.

فقلت: ما بالكم؟ قالوا مات سيّد المسلمين ابى بن كعب

قلت: ستر الله على هذا المسلم حيث لم تقم ذاك المقام

العوني:

ويعسوب دين الله في حومة الوغى *** اذا خاض اهل النكث والغدرات

اذا ولوالادبار كافح مق مقبلا *** و لم ترد الرايات منهزمات

ولا خاف من عمر ولا هاب مرحبا *** ولا استعظم الاحزاب مجتمعات


1) تظنون، خ ل.

2) القيامة، خ ل.

3) لأقومن، خ ل.

ولا هو ممن يقرّ (1)واثبتهم *** ولا طلبوه مرّة بهناة

الناشي:

فبات محمّد فى الليل يسرى *** وقد طرحت لناقته ذباب (2)

فولوا عنه حين غدا سليما *** فضمهم المغاير والشعاب

فاحدق بالنبيّ بارض حون(3)*** حواليه الحقيبة والحقاب

وأسماهم لطائفة وفيهم *** حذيفة ظل سعيهم وخابوا (4)

وقال الا اكتموا الاسماء عنهم *** فقاموا بالوصیة واستجابوا


1) يفر، خ ل.

2) دباب، خ ل.

3) حونى، خ ل.

4) كذا فى المخطوطات مع ما بعده من الابيات، فتامل.

منصور ابن حماد (1):

هم الذين نافقوا *** محمّدا وفارقوا

و صيه ووافقوا *** من صدّ عنه وسرا

حسبک یوم العقبة *** من قصه مشعبه

وفعله ما اعجبه *** كافيه من اكتفى وغيره

عمّا لكم ثالث اهل العقبة *** فجات مما رامه و ارتقبه

رام بخير المرسلين احمد *** كل لعين يحسن منكر (2)


1) كذا في المخطوطات.

2) لا يخفى عليك ما في الشعر من التشويش ولعدم حصول نسخة مصححة او ما ينقل فيه الشعر صحيحة ابقينا الشعر على حاله وللمستحصل تصحيح الشعر حتى نستفيد من علمه وتصحيحاته، والله على كل شيئ لقدير.

فصل: فى كتمانهم وصيّة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

عن الباقر محمّد بن على (عَلَيهِما السَّلَامُ) انه نزل قوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعَامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وَ اللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآب (1)في الاول والثاني ومن اتبعهم بطلب الملك وتركوا وصية النبي في علي (عَلَيهِما السَّلَامُ).

وقال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَليم (2)وقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم (3).

البخارى عن ابن عمر قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): ما حق امر مسلم له شيئ يوصى فيه يبيت المبيت الا وصيته مكتوبة عنده.

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏): من مات بغير وصية مات ميتة الجاهلية.

ثم روى التاريخى انه سئل ابن عباس اوصی رسول الله؟ قال: لا. قيل: كيف ذاك؟


1) آل عمران: 14.

2) البقرة: 180-181.

3) النساء: 11.

قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ابعثوا الى عليّ فادعوه فقالت عائشة: لو بعثت الى ابي بكر وقالت حفصة بعثت الى عمر.

قال: فاجتمعوا عنده جميعا فقلا رسول الله انصرفوا فلم یک لى حاجة اليكم فانصرفوا.

روى البخارى ان عايشة ذكر عندها ان عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)كان وصيّاً فغضبت فقالت متى اوصى اليه وقد كنت مستندته الى صدری فدعى بالطشت فلقد اسحبت في حجري وما شعرت انه قد مات فمتى اوصى له.

فابصروا هذا التشنيع على الطاهر المطهر رويتم حديث عليّ والعباس ومنازعتهما الى ابى بكر ومرة اخرى الى عمر.

وقد اجمعتم انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) انتقل من غير وصية مع حثبه عليها وايجابه لها بل الى خلاف ما امر الله تعالى واوجب على الكلفين بل نسبتموه الى موت الجاهلية.

والطرفة ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خرج بلا وصية وما احتاج الامة الى خليفة وابوبكر وصى الى عمر ولم يجوز ابوبكر ان تخرج من الدنيا بلا وصيّة ويترك الناس بلا خليفة ولا استحلّ عمر حتى جعلها شورى في ستة.

وفي الكتاب الاعتماد عن الملك الصالح انه ناظر ابا اسحاق الاسکندرانی فقالک هل استخلف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) احدا؟

قال: لا. فال: هل الخبر المروى عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) انه قال من كذب على عامدا متعمدا فليتبوء مقعده من النار صحيح؟

قال: نعم قال: فاخبرنى عما كان ابوبکر في خلافته یکاتب به عماله وكتابه يقول: من خليفة رسول الله ام من خليفة المسلمين؟ قال: بل من خليفة رسول الله. قال: أليس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مضى ولم يستخلف؟ فقلا: لعله ما كان ابوبكر يكتب به الى الناس ولعله ما كان يقول من خليفة رسول الله.

فقال: ذكر المبرد في كامله وليس فيه انتصار مذهب ان ابابكر كتب حين ولى عمر هذا ما عهد ابوبكر خليفة رسول الله عند آخر عهده بالدنيا واول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتقى منها الفاجر ان استعملت عليكم عمر بن الخطاب فان برّ و عدل فذلک علمی به وان جار وبدّل فلا علم لى بالغيب والخير اردت ولكل امرئ ما كسبت وسيعلم الذين ظلموا الآية (1).

والملك الصالح ما كان يحتاج الى هذا التعسف لان الطبرى والخطيب ذكرا في تاريخهما انه لما ولى عمر قالوا له يا خليفة خليفة رسول الله فقال عمر: هذا امر يطول كلما جاء آخر خليفة قالوا يا خليفة خليفة خليفة رسول الله بل انتم مؤمنون وانا اميركم فسمّى اميرالمومنين.


1) هيهات اذا قلنا انه لعنه الله قراء القرآن وآمن به حتى استفاد منه في تكلمه، بل انه قال بمقالة من عند نفسه واشبه بالقرآن حتى يظل بكلامه بعض حمار كانوا حوله ويتصورونه اماما ولهذا ما جعلنا المتن قسما من القرآن وابقينا المتن على حاله.

وفى تاريخ البلاذرى ان بلالاً يقف على باب ابى بكر فيقول: السلام علیک یا خلیفة رسول الله فلما استخلف عمر قال الصلاة يا خليفة خليفة رسول الله فقلا عمر انتم مومنون وانا اميركم فدعى اميرالمومنين (1).

وفى تاريخ البلاذرى وفائق الزمخشرى انه قيل لابي بكر يا خليفة الله فقال: انا خليفة محمّد وانا بذلك راض.

وذكر ابن الانبارى فى الزاهر عن ابن شهاب ان عمر بن عبد العزيز سأل ابابكر بن ابى خثيمة لأى سبب كان يكتب أبوبكر من ابوبكر خليفة رسول الله وكان عمر يكتب من خليفة ابى بكر ثم كتب من اميرالمومنين؟

قال: كتب عمر الى عامل العراق ابعث الى برجلين نبيلين جلدين اسألهما عن العراق واهله فبعث اليه بليد بن ربيعة وعدى بن حاتم فاناخا راحلتيهما بفناء المسجد حتى دخلا فوجدا عمر وحكى له مقالتهما ثم قال فانت الامير ونحن المومنون فاستحسن ذلك عمر وقال للناس انا امير وانتم المومنين.

وفى كتاب التعجب عن الكراجكى ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان راعى الامة ومدبرها وله في له في خاصته اولاد وازواج و اقارب واشياء يتنازع فيها اهله وغيره وله حقوق تحتاج


1) الا لعنة الله عليهم في ما ارتكبوه في حق بلال فراجع الى روضة المتقين وحاشية الوحيد على المنهج وسماء المقال فيما رووه من منقولات رجال الكشي في حق بلال وما عملوه الخلفاء به لمحبته بيت الوحى وضربه اياه ويظهر لك عندئذ مجعولية كل قول يدل بشكل من الاشكال على ميل بلال الى ائمة النار واخياره مقام المؤذنية لهم.

الى ان تقضى وله دين وعدات يجب ان يقضى ولا يقوم بذلک الا وصى وهل الوصية الا مثل قوله من كنت مولاه فعليّ مولاه وقوله انت منى بمنزلة هارون من الا انه لا نبى بعدى واستنابته اياه فى اداء سورة البرائة وفي طرح الاصنام موسی وغیر ذلک.

ومن عجب امرهم انهم يعترفون ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يتولى بنفسه استخلاف من يستخلفه في امر من الامور وتامير من يأمره فى مصر من الامصار حتى انه انفذ سرية قدم عليها جعفرا فقال ان اصيب فاميركم زيد فان اصيب زيد فاميركم عبدالله بن رواحة.

فانظر الى هذا الناهي (1)والاستظهار لهذه السرية فى المصلحة ورفع التنازع واجماعهم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان اذا خرج من المدينة استخلف عليها وعلى من فيها من يقوم بمصالحهم بنهضته ويسير فيهم بعد بسيرته اشفاقا من اهمالهم وفرقا (2)من فساد احوالهم وطلبا لمصلحتهم.

فانها اهلها (3)بعض من قلد القيام بحسن النظر اليهم فى السياسة والتدبير مع قر المسافة بينه وبينهم وسرعة اوبته (4)اليهم.


1) التنافي، خ ل.

2) وقوعا، خ ل.

3) اهمفلها، خ ل.

4) اوتيه، خ ل.

ثم انه عند وفاته وطمع اهل الكفر والنفاق فيهم وترقبهم لاختلاف كلمتهم وتشتت شملهم اهمل امرهم وترك الاستخلاف فيهم وحرمهم (1)اللطف ولم يحسن النظر لهم فانعم النظر في حياته فى الامر الصغير وحرسه من التفريط واهمل عند وفاته الامر الكبير والخطر الخطير وعرّضه للتضييع وهم قد اعترفوا بان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد اوصى الى عليّ بامر تركته وما خلفه مما كان في يده ثم ادعوا ان كل ما ترك صدقة لا ينظر فيها الاّ الخليفة.

ثم من العجب ان من يعترف بان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصيّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اوصى اليه بما كان له وفى يديه ويملكه ويحويه ولم يوصى اليه بامر الامة كلها ولا تعدّت وصيته الى امور تركته واهله الى غيرها وهذا قول متناقض واثم عظيم بنسبة الرسول الى الاخلال بالاهم بالاهمال الاخطر.

فالمناقضة قولهم ان جميع ما خلفه صدقة لا يورث كما يورث سواه وان فدک والعوالي صدقة ينظر فيها الخليفة بعده الذى تختاره الامة فلا يجوز ان يقبل فيه شهادة من يثبت له الوصية. فليت شعرى بما ذا اوصى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذا كان جميع ما خلفه صدقة لا ينظر فيها الا الخليفة واما نسبتهم له انه اخل بالاهم بكونه لم يستخلف خليفة للنظر في ذلک ولأن في (2)المهم من حفظ الشريعة والقيام بامر الله وكل ذلك مما يختاره الامة مع المعلوم من تشعب الآراء وتعذر اتفاق الاهواء.


1) اضافة من نسخة.

2) كلمة في زيادة من بعض النسخ.

وقال غيره: النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين حكم الجلد ونصف الجلد والارش والجناية ومسائل الحيض والجنابة وتزرك اوجب الامور وأوكد الفرائض وتمام الدين ونحن نشاهد (1)الامراء والقضاة بل سائر الناس لا يسافرون مرحله (2)الا و ولى عهد له (3)يقوم مقامه في اموره، فالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مع عصمته يحمل امر دينه وهو دين الله في سفر القيامة.

ابن العودى النيلي:

وكل نبی جاء قیل وصه *** مطاع وانتم للوصی عصيتم

ففعلكم فى الدين اضحى منافيا *** لفعلى وامرى غير ما قد امرتم

و قلتم مضى عنا بغير وصية *** الم اوص لو طاوعتم وعقلتم

وقد قلت من لم يوص قبل موته *** یمت جاهلا بل انتم قد جهلتم

نصبت لكم بدى اماما يدلكم *** على الله فاستكبرتم وظللتم


1) نحن نشاهد من بعض النسخ.

2) برحله، خ ل.

3) لهم، خ ل.

وقد قلت فى تقديمه ولائه *** علیکم بما شاهدتم و سمعتم

على غدا منّي محلا وقربة *** کهرون من موسى فلم عنه حلتم

شقیتم به شقوى ثمود بصالح *** وكل امرئ يبقى له ما يقدم

لقد جائني في الوحى بلغ رسالتي *** وها انا فى تبليغها اتكلم

علی و سيلي فاتبعوه فانه *** وليكم بعدى اذا غبت عنكم

فملتم الى الدنيا فضلت حلو مكم *** الا كلّ مغرور بدناه يندم

مهیار:

أبالله يا قوم يمضى قوم يمضى النبي *** مطاعا فيعصی و ما غسلا

ويوصى فيحرض دعوى عليه *** وفی ترکه دینه مهملا

ويجتمعون على زعمهم *** وینبیک سعد به اشكلا

فیعقب اجماعهم ان یبیت *** مفضولهم يقدم الافضلا

وان ينزع الامرمن اهله *** لان عليا له اهّلا

البرقي:

أوصيتم فتركتم الايصاء *** و عمیتم فركبتم الاهواء

و سلکتم سبل الضلال جهالة *** حتى كان على القلوب غطاء

ونستم قول النبي محمّد *** يوم الغدير وكنتم شهداء

عقدت نفوس القوم فيه خيانة *** وجعلتم بدل الولاء لواء

متستر عين الى الضلالة والردى *** وعن الفرائض والحقوق بطاء

وجعلتم تيما ائمة هاشم *** والشاء يعجز ان يكون رعاء

نسبتم النبى الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى ترك الوصية فلما صححناها رويتم انه لا وصية لوارث حتى تصلوا بذلك الى تضییع حق على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) وهذا حديث باطل ممنوع لم يثبت عند نقاد الآثار وكتاب الله يدلّ على فساده قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقين (1).

وان زعمتم انها خاصة فى الوالدين والاقربين اذا لم يكونوا ورثة لكفرهم فهذا بحكم القرآن وعموم الآي يبطل التحكم به.

فصل في تناقض احكامهم

جابر قال ابو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: حَتَّى إذا جاءَنا قالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ المُشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرين (2)قال الاول والثاني حين يراه قال: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ الآية.

محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: هذانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (3)قال: عنى هذين زريق وحبتر يعنى خصومتهم في حق علی بن ابی طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) والولاية والطاعة.


1) البقرة: 180.

2) الزخرف: 48.

3) الحج: 19.

ذكر الواحدى فى اسباب نزول القرآن والبخارى فى الصحيح انه قدم ركب من بنسی تميم على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال ابوبکر امر القعقاع بن معبد بن زرارة وقال عمر بل امر اقرع بن حابس فقال ابوبكر ما اردت الا خلافى فقال عمر ما اردت خلافک فتماریا حتى ارتفعت اصواتهما فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهَ وَ رَسُولِهِ (1)فنهاهما عن سوء الادب بين يدي الله ورسوله وخوّفهما.

ثم قال: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون (2).

ورويتم ان اول من مدّ يده للبيعة عمر الذى كان يقول كانت بيعة ابي بكر فلتة وقى الله شربها ثم امر بقتل من عاد لمثل فعله.

فهل الذي بايعه هو الذي طعن في بيعته، ثم قبل خلافته (3)ابن عباس.

قال الثانى: كان امر الاول فلتة جائنى بها كما حبوته بها في الأول.

الهيثم بن عدى عن مجالد قلت للشعبي: أكان بن مسعود وابن عباس يقولان فيهما؟

قال: نعم لقد كان في صدر عمر صبّ على ابى بكر فقال رجل من الازد ما سمعنا رجل قط اسلس قيادا من الرجل الاول للثانى فقال للشعبي (4)يا اخا الازد فكيف تصنع بالفلتة التى وقى الله شرها أترى عدوا يقول فى عدوه ما قال الثاني في الاول؟

فقال للرجل يا ابا عمرو انت تقول ذلك؟


1) الحجرات: 1.

2) الحجرات: 2.

3) خلافة، خ ل.

4) الشعبي، خ ل.

فقال الشعبي انا اقوله قاله عمر بن الخطاب على رؤوس الاشهاد فلم اودعه (1).

الحميري:

أولم يقل عمرعلانیة *** لهم حتی اقر بجرمه اقرارا

كانت مبايعتى عتيد فلتة


1) روى الهيثم بن عدي، عن مجالد قال: غدوت يوما إلى الشعبي، و أنا أريد أن أسأله عن شيء بلغني أن ابن مسعود، كان يقوله، فأتيته في مسجد حيه، و في المسجد قوم ينتظرونه، فخرج و نهض إليه القوم فقلت: أصلحك الله، أ كان ابن مسعود يقول:؟ ما كنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة قال: نعم كان ابن مسعود يقول ذلك، و كان ابن عباس يقوله، و كان لابن عباس علوم يعطيها أهلها و يصونها عن غيرهم، فبينا نحن كذلك، إذ أقبل رجل من الأزد، فجلس إلينا، فأخذنا في ذكر أبي بكر و عمر، فضحك الشعبي و قال: لقد كان في صدر عمر خب (ضب) على أبي بكر، فقال الأزدي و الله ما رأينا، و لا سمعنا قط برجل، كان أسلس قيادا لرجل من عمر لأبي بكر و لا أقول فيه بالجميل (من عمر في أبي بكر)، فأقبل علي الشعبي و قال: هذا مما سألت عنه، ثم أقبل على الرجل، فقال الشعبي: يا أخا الأزد، فكيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها، أترى عدوا يقول في عدوه، ما قاله عمر في أبي بكر؟ فقال الرجل: سبحان الله يا أبا عمرو، أنت تقول مثل هذا؟! فقال الشعبي: ما أنا أقوله، و لكن قاله عمر بن الخطاب، فنهض الرجل مسرعا و لم يودع، و هو كالمغضب يهمهم بما لا يفهم من الكلام [قال مجالد:] فقلت للشعبي ما أحسب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس و يبثه فيهم، قال: إذا لا أحفل به و قد قاله عمر على رءوس المهاجرين و الأنصار، و لم يحفل به أ أحفل به أنا و أنتم أيضا فأذيعوه عني ما بدا لكم. المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ص: 246؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص: 29؛ بحار الأنوار (ط - بیروت)، ج30، ص: 448.

اخسر میزانى لها اخسارا

ما ان لكم مثل سوى هذا الذى *** يبتاع بالفرس الجواد حمارا

اسی (1)الانام صغيرهم وكبيرهم *** حاشى الوصى و حزبه كفارا

كفر العتيق ونعثل ودلامة *** يا رب من منهم لا تدع ديارا

وله:

وقلتم فلتة لما ندمتم *** لبيعتكم و قد بايعتموها

وقيتم شرها فبما زعمتم *** العمروالله ما وقيتموها

فیا لک بیعة ابقت خبالا *** وانتم للشقاء باء بدأتموها


1) یاسی، خ ل.

وله:

وقال اخو عدى حين ضاقا *** بما فعلوه ذرعا راقبونا

لقد كانت مبایعتی افتنانا *** فلم ازدد بها الا فتونــا

وكانت فلتة من راكبيها *** فلجوا واستجابوا الاجنبين

العوني:

اذ قال كانت فلتة *** لا تغفرمن عاد فيها

فاقتلوه لا وزر فلم *** دعا اذا الفلتة الزكيا (1)

ابن حماد:

اما عمرقام فی حزبه *** فقال اسمعوا ما اقول وعوه


1) كذا في جميع النسخ.

الا ان بيعتكم فتنة *** فمن عاد فى مثله فاقتلوه

غيره:

وقد زعموها فلتة كان بدؤها *** وقال اقتلوا من عاد في ذاك يخصم

اجتمعت الامة على ان الاول قال بعد البيعة أقيلونى أقيلونى، فاستقالهم الولاية والامرة عليهم.

وقد اجتمعت الناس دعوا عثمان الى الخلع فابي فحصروه لذلك وتوعدوه بالقتل اذ لم يخلع نفسه ليختارو لانفسهم من يرضون فابى الا دفاعهم عن ذلك وقال لا اخلع قميصا قمصنيه الله.

فوجدنا هذين الفعلين متضادين يوجب احدهما ان كان صوابا خطاء خلافة فاقتل تيم بقوم (1)ذكرتم ان العقد وقع بهم في عقد البيعة الاول ولم يقتدوا بهم في حلّ عقده الثالث وهم الذين حاصروه ثم قتلوه.

منصوز الآبي:

یا راضيا سقيفة الانصار *** وساخطا اجتماع اهل الدار


1) يقوم بقوم، خ ل.

عددت رای نفریسیر *** وفلتة كانت بلا تدبير

حجة اجماع ولا اجتماع *** وكان كمن خير هم امتناع

وقلت يوم الدار ضلوا كلهم *** وجل اصحاب النبيّ جلّهم

ما خالفت انصاره مهاجرا *** بل نابذوه كلهم مجاهرا

لم يطو عن ذاك الزبير كسبحة *** ولم يخالف قاتليه طلحة

وكان عمار اشدّ الناس *** علیه فی مغمة المراس

تختار زورا وتقول زورا *** تطعن في النص وترضى الشورى

قس يا فتى ان كنت ذا تفكير *** سقيفة القوم الى الغدير

وزعمتم ان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يستخلف وان الاول استخلف الثانى وان الثانى جعل علي الشورى.

ابن العودى النيلي:

تولى باجماع على الناس اول *** ونص على الثانى بها وهو مغرم

وقال اقیلونی ولست بخيركم *** فلم نصها لو صح ما كان يزعم

فاثبتها من جوره بعد موته *** صهاكية خشناء للخصم تكلّم

ولو ادرک الثاني لمولى حذيفة *** لولاه دون الغير والانف يرغم

وقد نالها الشورى من القوم ثالث *** وجرد سيف للوصى ولهذم

فشوری و اجماع ونص خلافة (1)*** تعالوا على الاسلام نبكى ونلطم


1) خلافه، خ ل.

أبو يحيى الوزير المغربي (1):

لئن کان اجماعهم حجة *** فلم ناقض الشيخ فيها دليله

وقام الخليفة من بعده *** يسن الضلال فيهدى سبیله

ویزعم بيعته فلتة *** ويصدق لا صدق الله قیله (2)

وحكم الاول في الردة وقال والله لو منعونى عقالا لجادلتهم بالسيف فبعث خالداً فقتل مالك بن نويرة وتزوج امرأته وسبّاهم فقال عمر لخالد والله لئن وليت من امور المسلمين شيئا لقتلتك به و من قتلت من اصحابه فقد تحقق عندی انک قتلته رغبة منک فی امراته. فلما قام عمر عزل خالدا وردّهم بعدما ولدوا وانكحوا وزعم اهل الرواية انه استرجع نواحي تستر وفيهن حوامل فردّهن على ازواجهن فاذا كان فعل ابي بكر هم خطاء فقد اطعم المسكين الحرام من اموالهم وملكهم العبيد الحرام من بعض نسائهم. اولادهم واوطائهم الفروج الحرام من نسائهم.


1) العربي، خ ل.

2) كذا.

فان كان فعله حقا فقد اخذ عمر نساء من قوم يستحقون وطيهم حلالا وردّ على قوم لا يستحقونهن يطأونهن حراما ففى كلا الوجهين أخطئا وفعلا ما لا يرضى الله ورسوله.

الشاعر:

ولم سرى الی بنی حنیفة *** بخالد جهلا وظلما وعدا

فسار بالجيش اليهم خالد *** متبعا للامر في سفك الدماء

ولم سبواحريمهم واقتسموا *** القوم جميعا بالبنات والنساء

وانكر الرجس اللام فعله *** ذاک وان کان على حال سواء

العوني:

ومانص فيما يزعمون بينهم *** عليهم و ما كانوا بولاة

ولا التام قول المسلمين عليهم *** وهم غیر ابطال وغير حماة

وقد خالفوا القرآن في بعض فعلهم

وسنوا امورا غير ملتئمات

حرّم ذا ما كان ذاك احلّه *** یفرح بالآراء مختلفات

وكذب ذا هذا وسمّوه صادقا *** مسيبا وتلكم ابدع البدعات

وفي فتيا الجاحظ انه قال النظام انى لاعجب من قول الثاني اني لاستحيى من الله ان اخالف الاولفان كان الثانى بايعه فان خلافه لا يجوز فقد خالفه في الحد مأة مرّة وفى اهل الردة وفى امور كثيرة وان كان لم يقل ذلك لان الاول لم يخطى ولكنه كان استبان له بعد ان الحق ما قال الاول في الكلالة فان کان ذلک کذلک فما وجه قوله: انی لاستحيى من الله ان اخالف الاول وهذا قول لو (1)قال به ابعد الناس كان عليه في الاقرار به على ان الاول لم يعزم (2)على ذلكو قد تبراء اليهم.

ابن العودى:

لقد شرعوا في نقض ما شاد (3)احمد *** ولكن دين الله لا يتهدم

يقيم حدود الله فى غير كنهها


1) او، خ ل.

2) يغرم، خ ل.

3) ساد، خ ل.

ويفتى اذا استفتى بما ليس يعلم

يكفّر هذا رأى هذا بقوله *** وينقض هذا ما له ذاک یبرم

يقرب رب مفضول ويبعد فاضل *** ويسكت منطيق وينطق ابكم

وما اخرّوا فيهم عليا لموجب *** ولكن تعدى منهم وتغشرم (1)

ولكن حقود اظهرت وضغائن *** اثيرت وبغى بين الظلمن بينهم

وقول الثانى على الاول وددت أنى شعرة فى صدر الاول ثم قام بعده بجمعة فقال: ان بيعة فلان كانت فلتة وقى الله شرّها فمن عاد الى ومثلها فاقتلوه وفي حديث آخر فاضربوه بالسيف فبينا هو يود ان يكون شعرة في صدره وبينما هو يأمر بقتل من بايع مثله. الشاذكوني عن جعفر بن سليمان الضبعي عن أبي عمران الخزمي قال قال الاول الصديق وددت أني شعرة في صدر عبد مؤمن ثم قال الثاني وددت اني شعرة في صدر الاول.


1) تغشم، خ ل. مولم، خ ل.

ثم انتم ترون اذا كان يوم القيامة تجلى الله للناس عامة وللاول خاصة رواه لكم الزهرى والشعبي.

الناشي:

الا ايه الناس الذين تواردوا *** بشرب ماء بجرع (1)الصاب ناهله

ترکتم هداة الدين لم يقتدوا بهم *** فساستكم جهاله واراذله

رجعتم على اعقابكم فعلا *** على المنابر ضدّ النبيّ وجاهله

وفي تاريخ الطبرى انه قال الشعبي كان ابو بكر لا يستعين (2)في حربه باحد من اهل الردة حتى ملات وكان عمر قد استعان بهم وهل كان فعلها الا لاتباع (3)الهوى وحمية الجاهلية؟

وفي حديث محمّد بن الصباح الكناني عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه لما سمع ابوبكر مقالة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) دعا بصحيفة ليكتب لها بها كتابا فاقبل عمر فقال يا خليفة رسول الله ما


1) الجرع، خ ل.

2) يستعين، خ ل.

3) السباع، خ ل.

تصنع؟ فقال: هذه بنت رسول الله كلمتنی فی فدک و زعمت ان رسول الله تصدّق بها عليها فاردت ان اكتب لها كتابا.

فقال عمر: ناولني الكتاب فناوله فحرقه ثم قال: لا والله لا تكتب لها بفدك حتى تقيم البينة، بالقصة.

وفي رواية محمّد بن اسلم عن زيد بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الثاني بعث الى ولد فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) بقلة فدک فقفال له بعض اهله طعنت على من كان قبلك.

ورويتم ان الاوّل ارق (1)سبى اليمن وبيعوا فوطيت الفروج فلما استخلف الثاني اعتق ذلك السبى وقال: لا املک علی عربی فاعتقهن وهنّ حبالى وفرّق بينهن وبين من اشتريهن فمضين الى بلادهن ومعهن اولاد ايضا منهن وذلک ان اباموسی ادعی انه اعطاهن عهدا وحلف على ذلك فردهم عمر الى ارضهم حبالی فمن این کان في الحكم ان يحلف ابوموسى وهو مدّعى على حقوق المسلمين ثم يخرج الحقوق من ايديهم بلا بينة فهذه من عجائب رواياتكم على الصحابة.

وذكر المرتضى فى الشافى الدليل على ان الثاني لم يكن متدينا بصحة امامة الاول اشياء منها:

ما رواه الهيثم بن عدى عن عبدالله بن عباس الهمداني عن سعيد بن جبير قال ذكر الشيخان عند ابن عمر فقال:رجل كانا والله شمسى هذه الامة ونوريها.

فقال ابن عمر وما يدريك؟ قال له الرجل: أو ليس قد ائتلفا؟ قال ابن عمر: قد اختلفا لو كنتم تعلمون ثم ذكر انه استاذن عليه عبد الرحمن بن ابي بكر فقال الثاني


1) سرق، خ ل.

دويبة سوء وهو خير من ابيه فلما دخل عليه كلّمه فى الخطية الشاعر واطلاقه من الحبس فقال: ان الخطية ندا فدعنى احسمه (1)بطول الحبس فالح عليه عبدالرحمن وابي الثاني وخرج عبدالرحمن واقبل على الثانى فقال: اوفى عقله انت الی یومک هذا على ما كان من تقدم احيمق بنی تیم علی وظلمه لی (2)وساق الكلام الى ان قام خطيبا في الناس فقال: ايها الناس ان بيعة ابي بكر فلتة الخبر.

و منها ما رواه شریک ابن عبد الله النخعی عن عمر عن معمر بن مرة عن ابيه عن عبد الله بن سلمة عن أبي موسى الاشعرى ان قريشا كرهوا من الأول استخلاف الثانى وكان طلحة احدهم واشارو عليه الا يستخلفه لانه فظّ غليظ فقال الثاني كلا بل كان الاول اعنف واظلم كان والله احد قريش كلها ثم قال والهفاه على ضبيل(3)بنى تيم بن مرة لقد تقدمنى ظالما وخرج الى حلها آثما الى آخرالخبر.

وزعمتم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبض وهو راض عن المهاجرين الاولين وانهم من اهل الجنة ثم اختار منهم ستة ليختاروا رجلا منهم وقال ان اتفق اربعة من الستة التي اختارهم وابا اثنان فاضربوا اعناقهما وان افترقوا ثلاثة ثلاثة فافرقة التى فيها عبد الرحمن الحق معها فاضربوا اعناق الثلاثة الآخر وان حقت (4)ثلاثة ولم يفرغوا من شانهم فاضربوا جميعا فكيف يقتل اهل الجنة وكيف لا يكون الحق في حيّز علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد قال اعناقهم النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عليّ مع الحق والحق مع علي.


1) فقال عمر ان الخطية اندى فدعني اقومه، خ ل.

2) احیتمونی تیم علي وفاطمة لي، خ ل.

3) ضييل، خ ل.

4) حفت، خ ل.

وروى عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد قال قال الثانى للزبير أما انت يا زبير فمؤمن الرضا كافر الغضب (1)واما انت يا علي فمراى.

فيا عجباهم عندهم من اهل الجنة ويقول هذا القول وهل يصلحان للشورى.

العوني:

فمن تیم بریت و من عدى *** ووغد بنى امية والصمیم

وأبراء من بنى مرداس جمعا *** ولست اليهم بالمستليم

و اشياع الجميع برئت منهم *** خصوصهم ومن كل العموم

امیة ام بنی مرداس شرّ (2)*** عليهم من ذوى الظلم القديم

فلم يرعوا لاحمد من ذمام *** ولا حاطو لاحمد من حريم


1) المغضب، خ ل.

2) امية شر خلق الله جمعا، خ ل.

فصل في ذكر العريش

جميل بن دراج عن ابى جعفر السلام في قوله لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق (1)في فلان وفلان.

فى الاغانى عن الاصفهاني والمغازلى عن ابن اسحاق روی ابن مسعود انه لما فاتت عير قريش وادركهم القتال استشار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ابابكر وعمر فقالا كلاما احمرّ وجه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الغضب.

وفي صحيح مسلم عن انس قال: فتكلم ابوبكر فاعرض عنه ثم تكلم عمر فاعرض عنه ووافق الطبرى مسلما واحمد بعد ذلک فقالا فقام سعد بن معاذ فقال ايانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو امرتنا ان نخيضنا البحر لاخضناها ولو أمرتنا ان نضرب اكبادها الى برک (2)العماد (3)لفعلنا قال: ففرح رسول الله وانطلقوا حتى نزلوا بدر الخبر.

وفي تفسير على بن ابراهيم وابي حمزة الثمالى ان الاول قال انها قريش وخيلاها اما امنت منذ كفرت ولا ذلت منذ غرّت ولم تخرج على هيئة الحرب فقال النبي الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اجلس فجلس ثم قام الثاني فقال مثل ذلك فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اجلس فجلس ثم و رافقهم البخارى فى الرواية قالوا: فاتاه المقداد فقال يا رسول الله انا لا نقول كما قالت بنو


1) الانشقاق: 19.

2) ابرک، خ ل.

3) العباد، خ ل.

اسرائيل لموسى اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون فوالذي بعثك بالحق لجالدنا من دونه معك حتى تبلغه فدعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) له بخير فقال سعد ما تقدم ذكره فقال النبى علي الله سيروا على بركة الله فان الله قد وعدنى احدى الطائفتين ولن يخلف الله وعده.

قال الطبرى وابن اسحاق قال سعد بن معاذ یا رسول الله نبنی لک عريشا فتكون فيه ونغد (1)عندک رکایبک ثم نکفی عدونا فان اظهرنا عليهم اظهرنا وان كانت الاحری جلست علی رکایبک فلحقت مکانک فدعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) له بخير ثم بنى له عريشا وجلس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيه ودخل معه الاول وراى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في وجه سعد بن معاذ الكراهية وكان هو قائماً متوشحا بالسيف فى نفر من الانصار يخافون عليه كثرة العدو فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كأنك تكره ما يصنع الناس؟ قال: اجل والله يا رسول الله كانت اول وقعة اوقعها الله بالمشركين وكان الانجازى فالقتل (2)احب الى من استياقء الرجال.

وقالت العامة جلوسها فى العريش افضل من جهاد على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسيف لانهما كانا لانا مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مستقره يدبران الامر معه فدل على انهما افضل الخلق عنده.

فقال المرتضى في الفصول قال الله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ غَيْرُ أُولي الضَّرَرِ وَ المُجاهِدُونَ في سَبيل الله (3)فلما منعهما النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هذه الفضيلة واجلسهما مع علمنا ان ذلك لعلم بانهما لو تعرضا للقتال او عرضا له لافسدا اما بان ينهزما كما انهزما يوم احد وخيبر وحنين فكان في ذلك اعظم الضرر على المسلمين ولا يأمن


1) تعد، خ ل.

2) الانجاز بالقتل، خ ل.

3) النساء: 95.

وقوع الوهن فيهم لهزيمة شيخين من جملتهم او كانا من فرط ما يلحقهما من الخوف والجزع يصيران الى اهل الشرك مستأمنين او غير ذلك من الفساد الذي يعلمه الله ولعلّه لطف للأمة بان امر الرسول بحبسهما عن القتال.

فاما من توهم انه أجلسهما للاستعانة برأيهما فقد ثبت انه كان كاملا معصوما مؤيدا بالملائكة يوحى اليه وينزل القرآن عليه ولک یکونا کذلک وان الله تعالى قال: إِنَّ الله اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْواهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهَ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهَ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيم (1)فلا يخلوا من ان يكونا مؤمنين او غير مومنين فان كانا مومنین فقد اشترى انفسهما بالجنة على شرط القتال المؤدّى الى القتل منهم لغيرهما او قتل غيرهما لهما ولو کانا كذلك لما حال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بينهما وبين الوفاء بشرط الله عليهما من القتال.

وفى منعهما من ذلك دليل على انهما بغير الصفة التي يعتقدها فيهما الجاهلون.

وقال المامون جلوسه فيه للتدبير اكان يدبر دون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) او معه فيشركه او لحاجة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى رأيه وكلها باطل.

فان كان فضلهلتخلفه عن الحرب فيجب ان يكون كل متخلف فاضلا فيصير التخلف افضل من الجهاد والله تعالى يقول: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ المُجاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللَّهَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَ


1) التوبة: 111

أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظيما (1). ثم ان قصة العريش خبر واحد والرواية قد جائت بما يمنع كون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في العريش وهي ظاهر فى الاخبار لانه روى انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يوم بدر بين الصفوف يسويها ويربيها وبیده سهم.

وقال سوار بن عرة وكزنی وقال ارجع الی مکانك وكنت خارجا من الصف.

العوني:

اقول وقد حازا تراث محمدا *** لو شئت صدا صاغرين واحجما

متی اوجفا خيلا ورجلا وانما *** لعبدک کانا مغنما متغرما

هما جبنا عن مرحب يوم خيبر *** وكنت لديه ضیغما غشمشما

هما نکلا عن كل مزن شهدته *** وسقيته كأس المنية علق ة علقما

المعرّى:

والدهر انسى بني بكر يجيرهم


1) النساء: 95.

وسوف ينبى قرشا غدرة الشمر

لما تولى يزيد الامر هان على *** معاشر كونه من قبل في عمر

صار الكتاب مزامير الغواة لهم *** به اغاني وفى حاميم والزمر

شاعر:

لم بين جاهد عن دينه *** بالبيض والخطية الشمر

وبين من فرّ على خيفة *** في الزحف في احد وفي بدر

فصل في حكم القبر

قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)، ولا خلاف انهما لم تستانسا ولم تسلما على اهلها.


1) النور: 27.

وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (1)ذكر الطبرى التاريخي فى خبر طويل عن ابن مسعود يذكر فيه وداع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال فقال النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اذا غسلتموني وكفنتمونی فضعونی علی سریري في بيتي هذا على شفير قبرى ثم اخرجوا عنى ساعة فان اول من يصلى على جلیسی و خلیلی جبرئیل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم ملك الموت ثم جنوده ثم الملائكة باجمعها فالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في ادعائه فضعونى على سريري في بيتي يكون صادقا ولو لم يكن البيت له لما جاز له ان يقول ذلك ومن ادعى ذلك فعليه البينة.

ثم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما هاجر المدينة اشترى مكانا يسمّى مربدا وجعله مسجدا وبيوتا ومن ادعى غير ذلك فعليه الحجة.

اما قوله: وَ قَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ (2)يستعملن من جهة السكني في الملك يقال هذا بيت فلانة ومسكنها، قال الله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتهن (3).

اما قولهم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قسم الحجر بين نسائه وبناته فمن اين هذه القسمة تقتضى التمليك دون الاسكان والانزال ولو كان ملكهن لكان ظاهرا.

واجمعت العامة ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يعهد اليهم فى دفنهما في بيته ولا وصى بذلك لانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) توفى بغير وصية على زعمهم فهجموا على حرمه وضربوا بالمعاول عند راسه وادخلوا عليه خبيثين وهما ميتان جیفتان و دفنوهما معه بغير اذنه غصبا.


1) الاحزاب: 53.

2) الاحزاب: 33.

3) الطلاق: 1.

وترى الناس ينهون عن رفع الصوت فى مسجده اعظاما له لقوله: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ (1)وعاتب من ناداه من وراء بيوته قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (2)وفي قرائة ابن مسعود اكثرهم بنی تیم (3)وايضا بني تيم لا يعقلون.

والى الساعة لا يرفع احد صوته في المسجد الى جانبه الا اسكت وهم ضربوا عند راسه بالمعاول

العوني:

وقولكما جاراه حيا وميتا *** وفقا احق الجار يقتضيان

لقد ظلماه جقه فى حياته *** وحالا ومالا اقبح المـيلان

فان يدفنا فی ظله وجواره *** فجسماهما بالنار يضطرمان

كذا اللات والعزى على البيت علقا *** وليسا بقرب البيت ينتفعان

ولكنه اضحى وبالا عليهما


1) الحجرات: 2.

2) الحجرات: 4.

3) تميم، خ ل.

لما خالفا فى الوحى آى قر آن

ولا ترفعوا اصواتكم فوق صوته *** فلم لهما فى قبره حدثان

وهل حفر الا بضرب معاول *** لها وحية فى وقت يحتفران

وكانا لا يطمعان في الدخول وهما حيان بغير اذنه فهل جاء الوحى بعد وفاة النبي بجواز ذلك لان حرمته حيا وميتا سواء.

والمجمع عليه ان من دفن فی ملک قوم ويخطى الى حريمهم بغير اذن منهم رضی به لهم ان ينبشوه فكيف بحريم رسول الله وفى بيته وتربته وحق ابنته وازواجه.

وقد ورى ان هذا احذ اسباب التى او جبت النبش وان المهدى (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف) يفعله.

وروى ابوبصير وغيره عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لما راى عبدالله بن الحسن بن الحسن وجماعة من آل ابی طالب مقيدين بكى وقال بعد كلام هذا والله مما طرقه الاولان مما فعلا بعلى بن ابى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث جاءا (1)بالنار الى داره ليحرقوها ثم دخل الى البيت فاستخرج سقطا ففتحه فاذا فيه حطب على قدر عظم الذراع فقال: اتدرى ما هذا الحطب؟ مما تحرقهما به.

ابن حماد:

فکانی بهما قد نبشا


1) جاء، خ ل.

وعلى جذعيهما قد جعلا

و کانی بهما قد خرقا *** بلهيب النار حتی اشتعلا

جدد الله على روحيهما *** لعنة تترى واجزی نعثلا

وله:

ولابد من نبش قبرهما *** وصلبهما فوق جذعيهما

ويحرق بالنار جسميهما *** وينادي عليهما باسميهما

الا ان هذان خانا رسولا

عاصم بن عبد الحميد عن صفوان بن يحيى عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) سالته عن الرجلين أهما مع ما الله النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الحجرة؟

قال: لا انهما لم يبيتا معه اكثر من ليلة حتى نقلا الى واد في جهنم يقال له وادى الدود. وروى واد فى برهوت يقال له وادى الدود.

اوما كان لفاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) بنص الكتاب نصف الارث ولم يكن للباقيات من الازواج نصيب يدفن فيه الحسن بن على كما دفن فيه الخبيثين ودفع فيه الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فدفع حق اهل البيت حتى نازعوهم في القبر.

مهیار:

بای حكم بنوه يتبعونكم *** وفخركم الكم صحب له تبع

وكيف ضاقت على الاهلين تربته *** وللاجانب من جنبيه مضطجع

الصقر البصرى:

منعوا اعز الخلق منک قرابة *** ورضوا لجسمك بالغريب مضاجعا

ابن حماد:

أيدفن في جنب احمد اجنبي *** و یمنع سبطه منه ويحمی

ألم یک سبطه الحسن الزكى *** له لحمتا بلى و دما وعظما

والعجب ان الثانى ارسل الى امّ الشرور ليستاذنها في الدفن وقد قال الله تعالى: لا تَدْخَلُوا بَيو تَ النَّبِيِّ (1)فنسب البيوت اليه ونسبها الثاني اليها ولا يجوز ان يدفن


1) الاحزاب: 53.

النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الا فى بيته والموضع الذى قبض فيه فان كان هذا البيت لها كما زعم الثاني ما الله فقد جعلته النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خرج من ملكها فما معنتى استثمارها وان كان البيت من قبل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فهى وغيرها فيه سواء.

وسأل فصال بن الحسن ابا حنيفة ان اخا لى يقول ان خير الناس بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانا اقول ان ابابكر خير الناس بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبعده عمر فما تقول انت؟

قال: كفى بمكانهما عن رسول الله كرما وفخرا اما علمت انهما ضجيعاه في قبره واى حجة أوضح من هذا؟

قال: فانه يقول: ان كان الموضع لرسول الله دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضعه اذ ليس لهما فيه حق وان كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله فقد اساءا وما احسنا انه رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما.

قال: لم يكن لهما ولا ولادهما ولكنهما نظرا فى حق ابنتيهما فاستحقا من الله فيه لحقوق ابنتيهما.

قال: فانه يقول انت تعلم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبض عن تسعة حشايا والبيت على ما روى تسعة اذرع في ثمانية اشبار، قسط الازواج هو تسع الثمن فلم يكن ترى يسع الثمن منه هل هو الافتراء ودونه مشاع لا يجوز ان يدفن فيه الا باذن اصحابه وبعد فما بابل عايشة وحفصة ترثان رسول الله وفاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) ابنته تمنع الميراث؟

فصاح ابو حنيفة نحوه عنّي فانه والله رافضي خبيث.

وقال الطاقي لابي حدرة ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ترک بیوته التي اضافها الله اليه ونهى الناس عن دخولها باذنه ميراثا لاهله او تركها صدقة على جميع المسلمين فان تركها ميراثا فانه

قبض على تسعة نسوة وانما لعايشة تسع ثمن هذا البيت مع سائر النساءالذي دفن فيه صاحبک ولا يصيبها من البيت الافترا او اقل وان كان صدقة فالبلية اعظم فانه لم يصب من البيت الا ما لادنى رجل من المسلمين فدخول بيت النبي بغير اذنه في حياته وبعد وفاته معصية الا لعلى وولده كما تعلمون ان النبي امر بسد جميع ابواب الناس الى المسجد ما خلا باب على (عَلَيهِ السَّلَامُ)ولم يتركوا لابي بكر وعمر كوّة ينظر اليها وغض ب منهم العاباس، القصة.

ففتحوا بابا سده رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسدوا بابا فتحه/.

دعبل:

حاشاكم انّ رسول الله ضاجعه *** رحیان مالهما فى الدين من خطر

أينفع الرجس من قرب النبى ولا *** على النبى بقرب الرجس من ضرر

هیهات کل ارئ رهن بما کسبت *** له يداه فخذ ما شئت او فذر

محمّد بن حبيب الضبي:

ما ضر جدک احمد فی قبره *** قبر الذين كلاهما ظلام

ولجاعليه بغير اذن بيته

غصبا وكل ناكث عشام

غيره:

الا يا معشر الناس الى ما هذه البدعة *** رسول الله مدفون وشيطانان في بقعة

وقيل:

في جماد ونار تجاورا بعد تنائها *** ما ابغض الجار الى الجار

صارا جيمعا من یدی مالک *** فى النار والكافر في النار

الناشي:

جسمان قد بعدا تالله اذ قرب قربا *** من احمد ويلاء ويل من قربا

لاذا بحجرت ه کيما يضر هما *** لو جاورا غيره في قبره كربا

ما استذانا احمد فى حفر حفرته *** ولا عليا اخاه بالذى غصبا

لو لم يكونا ضجیعی قبره نبشت *** وفوق ظهر الثرى من ذلة سحبا

لو كان عندهما الهادى نبيهما *** ما جاوراه على رغم ولا غصبا

لوكان كان حيا ورام القوم حجته *** عن العيون لابد اخلفهم وابا

فصل في ذكر السقيفة

ابو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (1)فلان وفلان الذين كذبا رسول الله في عليّ (عَلَيهِما السَّلَامُ) وتوليا عن ولايته لما قبض النبى اشتغل اخوهوصيته بغسبله وجهزه فاغتنم الاول والثاني الغفلة في استبداد احدهما بهذا الامر ومساعدة كل منهما لصاحبه فيه ليكون لاحدهما اخذه بعد الآخر وتاطمعهما في نيل ذلك علمهمتا بكراهية كثير من المنافقين لعلي بسبب وترهم به من له سفك دماء اقاربهم على الاسلام حتى دخلوا فيه قهرا بالسيف وتحققهما حسدهم على ما كان من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حياته يظهر له على جماعتهم من المسيزة مع حداثة سنه وكبر سنهم فاسرعا قبل فراغ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من غسل النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتجهيزه اذ لو حضر


1) الليل: 14-16.

السقيفة لما عدل الناس عنه لان الولى يسارع الى مبايعته والعدو يستحيى اذا رءاوا خاف العاقبة فلا يرغبون عنه.

ابن حماد:

والناس في عقله عنهم بهم شغل *** بالمصطفى شاغل عماله مرجوا

ولو تشاور فيها المسلمون لما خلا *** بنو هاشم منها ولا خرجوا

ولا تفرقت الآراء وانبسطت *** للظلم والجور بسط ليس يندرج

لقد لقوا ما جنوا في قعر مظلمة *** خلودهم بلظاها سوف ينتتج (1)

وروى ان المغيرة بن شعبة مرّ بابى بكر وعمر وهما جالسان في الباب وهو مغلق فقال: ما تجلسكما؟

فقالا: ينتظر خروج هذا الرجل لنعرف منه ما وصى به اليه.

فقال: تبا لكما ولمن قدمكا والله لئن تم ذلك لتنتظران هذا الامر الحبالى من بنى هاشم قوما فانظرا لانفسكمكا فكان ذلك ترغیبا بعزمهما.

كما قال الحميري:


1) ينتقح، خ ل.

لقد سفهت حلم بنى عدى *** و تیم عند فقدهم الرشيدا

غذاة ثناهم اهم وعن اقربیة *** برأى سوء اعور ء اعور من ثمودا

فصدّهم ابن شعبة عن عليّ *** وقد حضر والبيعته الصدودا

يقول لهم متى تعطو عليّا *** مقاليد الخلافة والعهودا

تکن فى عقبه و تکن قريش *** الی یوم المعاد لهم عبيدا

لقصر حين ورث اقربيه *** بارض الشام ملكهم التليدا

فان لم يبق منهم غير طفل *** ولید بايعوا ذاک الوليدا

اطاعوهم كطاعة قوم موسی *** ذاة غذا بسادتهم وقودا

اطاعوا فى الولاية سامرى *** اضلهم وارهقهم صعودا

فضلوا حول عجلهم عکوفا *** یخور فیرکعون له سجودا

واعطوها ابابکر عتيقا *** فلم يك عنه فيها حميدا

فقام لهم بها حتی اذا ما *** اريد لنفسه فيمن اريدا

خبرا سلفا به عمرا فولی *** امور الناس جبارا عنيدا

عتلا جافيا جلفا بخیلا *** جبانا حين يلقى الصيد صيدا

قال اعثم الكوفى والواقدى وابن اسحاق ان عمر انكر وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) القصة؛ فافتتن الناس واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة فانشاء بشر بن سعد الاعور الانصارى يقول:

الاقداری ان الفتى لم يخلد *** وان المنايا للرجال بمرصد

لقد حدعت اذاننا وانوفنا *** غداة فجمعنا بالنبي محمّد

الى قوله:

وانى لارجوا ان يقوم بامرنا

عليّ بامر الله يهدى ويهتدى

فقال ابوبكر ان محمّدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد مضى لسبيله ولابد لهذا الامر من قائم يقوم به فدبروا او انظروتا وهاتوا آرائكم رحمكم الله.

فاتي العباس الى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقص عليه الحديث وقال امدد یدیک نبایعک انا وابو سفيان وهو مقدم بني عبد شمس ولما مقدم بنی هاشم و یبایعک اهل بیتک فان مثل هذا الامر لا يؤخر.

الصاحب:

للصبرات فات تعارضه *** فلک یدور وقلة العمر

فاذا عزمت الامر فامض له *** من قبل نقض عوائق الدهر

وانظر عليا حسين اشغله *** غسل النبى الطاهر الطهر

ترك الخلافة كى يعود لها *** حتی استفاق لها ابوبكر

جعلوك رابعهم ابا حسن *** ظلموک حق الارث والصهر

والى الخلافة سابقوك فما

سبقوک فی احد ولا بدر

وقتلت فى احد اوائلهم *** فلاجل ذا طلبوک بالوتر

روى العباسي عن ابى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): جاء العباس الى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له امش حتى تبايع لك الناس.

قال: اتراهم فاعلين؟

قال: نعم. قال: فاين قول الله تعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ (1).

الزاهي:

ابسط يدا منک کی ابايعها *** تأمن نفوس من الردى جزءة

فقال ان النبى اطلعنی *** على غيوب بالسر مطلعة

ان رمتها طاحت الشريفة بالكفر *** وخلعت الاصنام مرتجعة

وارتفعت للضلال مرتبة


1) العنكبوت: 1-2.

لم تک عند الرشاد مرتفعة

دیک الجن:

وقال قم فانني متابعک *** وامدد يدا فاننی مبایعک

وانت اولی من عتيق واحق *** انی اری کید عدو قد سبق

وروى انه قال ايها الناس شقوا امواج الفتن بسفن النجاة وعرجوا عن طريق المنافرة وضعوا تيجان المفاخرة افلح من نهض بجناح او استسلم فاراح ما آجن ولقمة يعض بها اكلها ومجتنى الثمرة لغير وقت ایناعها كالزرع بغير ارضه فان اقل يقولوا حرص علی الملک وان اسكت يقولوا جزع من الموت هيهات بعد اللتيا والتي والله لابن ابى طالب انس بالموت من الطفل بثدى امه بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاض 1 طربتم الارشية في الطوى البعيدة.

فقال العباس بعد منصرفه ان عليا قد اعتمد على القرابة ولا قرابة في الملك فلم يمنعه ذلك عن رسول الله ولا استمالته الدنيا الى ان يترك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مسجى في البيت ويخرج فيطلبالامر لنفسه كما فعل القوم ورأى ان الاهتمام برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) احب اليه الله من رياسة الدنيا لانه كان على يقين مما له عند اللله فى العقبى وقد كان الواجب على

القوم ان ينهملوا الى ان يوارى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويفرغ من مصيبتهم العظمى بفقد نبيهم.

روى الطبرى والوافدى و ابن ابی اسحاق والزهرى وابن المسيب قال ابوهريرة انما دفن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد ثلاثة ايام.

محمّد بن عبد الله بن الحسن بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) عن ابيه ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دفن بعد ثلالثة ليلاها ایام فوربّ الصفا والمروة ما صلى عليه الاول والثاني.

مهیار:

مات ولكم ينعق على اصحابه *** ناعقه منه ولم يرع جمل

ولا شكا القائم فى مكانه *** منهم ولا عنفهم ولا عدل

ما ذاك الا ان نياتهم *** في الكفر كانت يستوى ويعتدل

الناشي:

ظنوا نبوة احمد ملكا وما *** زالوا لآيات النبوة حجدا

حسدوا الوصى على جلالة قدره *** فيهم وحق لمثله ان يحسدا

تركوا النبى جنازة وسعوا الف *** طلب الخلافة في السقيفة حسدا

عقدوا لانفسهم هناک امارة *** قد کان یکره احمد ان تعقدا

خطيب المنبج:

وقالوا نحن نجوى الارث عنه *** ولم نر ابعدين مقربينا

تشاغل بالنبي ولم يكونوا *** بموت نبيهم متشاغلينا

وقالوا اهله بالحزن اولى *** ونحن لغير ذلك قد ولينا

فما حضرواله اذ ذاك غسلا *** ولا قاموا عليه مکفنینا

ولا شهدوا له دفنا فرادی *** مع الهادي الوصى ولا شنينا

دیک الجن:

ولم يشهدوا دفنه اذ مضی

ولا كفنوه ولا غسلوا

ولم ينظروا وجهه اذ قضی *** ولا هم الى لحده اوصلوا

وولّی خلافته عجلهم *** وقلدها امرها الاحول

قال ابن اسحاق والواقدى وابو مخنف فلما اصبحوا اجتمع ابوبكر وعمر وابوعبيدة فى السقيفة عند سعد بن عبادة وتشاجروا فى الخلافة فقالت الانصار نحن رضينا بصاحبنا سعد، فقال عويمر بن ساعدة ان الحلافة لا تكون الا لاهل بيت النبوة فاجعلوها حيث جعلها الله فان لهم دعوة ابراهيم.

زيد مرزكي:

ولولا اختلاف القوم بد احمد *** لما اختلفوا ان الوصى امام غيره

و سلموا ولاة الامر امرهم *** ماسلّ بينهم في الارض سيفان

ثم خطب معن بن عدى الانصارى ثم ثابت بان قيس بن شماس وهجم عليهم بريدة الاسلمي برسالة على وفاطمة (عَلَيهِما السَّلَامُ) ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد جهزناه وبقى منذ يومين فان اردتم الصلاة والدفن فاحضروا فهم ابوبكر ان ينزل فقال عمر ان محمّدا بخلاف الآدميين ولا يتغيّر عن حاله فارقبوا

ففرغ من هذا المهم الدينى.

فلما انصرف بريدة خرجت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فوقفت على الباب ثم قالت: لا عهد لي بقوم اسواء محضرا منكم تركتم رسول الله جنازة بين ايدسينا وقطعتم امركم بينكم ولم تو امرونا ولم تزاولنا حقا كانكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم والله حسيب بيننا و بينكم في الدنيا والآخرة.

ابن الحجاج

وبحق كمن دفعوه عن *** ميراثه یوم السقیفه

عبد المحسن الصورى:

لا لا تكن من معشر *** غدروا وقد شهدوا الغديرا

و تناكروه كانهم کالا *** مس ماکانوا حضورا

وتؤامروا ما بینهم *** ان تنصبوا منهم اميرا

مستوقرين فما یرون *** منازل الاهلين دورا

وتوارثوها لیس یخر

ــج عنهم شبرا قصيرا

قال الاعثم والواقدى وابن اسحاق فاجاب ابوبكر الثابت بن قيس وفضل قريش عليهم ثم قال رضيت بيعة هذين الرجلين عمر وابي عبيدة فقالا انت احق منا يا معشر الانصار فنحن الامراء وانتم الوزراء لا تعاتون بمشورة ولا تقضى دونكم الامور.

فقال احد الانصار انا نخاف الاثرة. فقال ابوبكر لكم المساواة شق الابلة.

قال العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان والله كما خافووا.

ورووا انه قال حباب بن المنذر بين الجموح الانصارى لا تغتروا بمقالهم ما عبد الله جهارا في بلادكم ولا جمع الا فى مساجدكم ولا اسلم الا من سبوه انتم احق بها منهم فان ابوا منا امير ومنهم امير.

ابن علوية الاصفهاني:

يوم السقيفة حين جاء عميدهم *** سعد (1)تخص بعرشه الدهمان

منا امير فاعلموه ومنكم *** ايضا امير ان ابتم ثاني


1) سعة، خ ل.

فقال عمر کذبت لا ام لك فقال بل انت لا ام لك ولا ارض لک فقلا عمر لک الاسلام واحد وتالقرآن واحد والامير واحد فتشاجرا فقال عمر لا تحسدوا اخوانكم فيما ساقه الله اليهم فقال حباب لا حق فيها الا لسعد فقال عمرك ان سعدا لا يصلح لها.

قال ثابت سعد اصلح لها من غيره لان الدار داره وانت نازل عليه.

فقام حسّان وانشاء ابياتا منها:

لا تنكرن قريشا فضل صاحبنا *** سعد فما في مقالي اليوم من اود

نحن الذين ضربنا الناس عن عرض *** حتى استقاموا فكانت بيضة البلد

لستم باولی بها منا لان لنا *** وسط المدينة فضل العز والعدد

وفي تاريخ الطبرى وصحيح البخارى قول عمر كان بيعة ابي بكر فلتة وتمت الا وانها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها ان الانصار خالفوا واجتمعوا باسرهم في سقيفة بني ساعدة وتخلف عنا عليّ والزبير ومن معهم واجتمع المهاجرون الى ابي بكر فقلت لابی بکر انطلق بنا الى اخواننا الانصار تشهد حضرتهم فانطلقنا.

فلما سكتوا اردت ان اكلم فقال ابوبکر علی رسلک فکرهت ان اعصيه فتكلم ابوبكر وقال اما ما ذكرتكم من خير فانتم له اهل ولم نعرف هذا الامر الا لهذا الحي من قريش

هم اوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم احد هذين الرجلين فبايعوا ايهمتا شئتم واخذ بيدى ويد ابي عبيدة بن الجراح.

فقال قائل من الانصار انا خذيلها المحكك وعذيفها المرحّب منا امير ومنكم امير يا معشر فريش.

وكثر اللفظ وارتفعت الاصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت ابسط یدک یا ابابكزر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الانصار وانا والله ما وجدنا فيها من امر حضرنا اقوى من مبايعته ابى بكر خشينا ان فارقنا القوم ولم يكن بيعة ان يبايعوا رجلا بعدنا فاما بايعناهم على ما لا نرضى واما يخالفهم فيكون فسادا.

في تاريخ الطبرى انه لما قالت الانصار منا امير ومنكم امير قال ابوبكر منا الامراء ومنكم الوزراء ثم انى قد رضيت لكم احد هذين الرجلين عمر وابو عبيدة.

فقالت الانصار لا نبايع الا عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فتفكروا في هذه المخاريق وحبّ الرياسة وجلب الدنيا الى انفسهم.

الحميري:

ان الذين على عليّ البراء *** و تصورو في صورة الخلفاء

جحدوا مناقب آل بيت محمّد *** فتصوروا فى ستر بيت الماء

وله:

ارقت ونالني خطب کبیر

وطال على ذا الليل القصیر

وعاودنى عوائد معضلات *** فدمع العين منحدر درود

لفعل معاشر كفروا وضلوا *** غلاة رضوا وعجلهم الامير

رضوا بالعجل من هاد امين *** رآه الاعور النكالنكد المشير

وصدوا عن امامهم صفاها *** اماما لا يحيف ولا يجور

ابوة ابوه و من لم ينكروه *** وناصر احمد وهوالمجیر

وقال ابو فروة بن عمرو الانصاري يا معشر قريش هل فيكم رجل يحل (1)الخلافة ويقبل الشورى فيه ما في على (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟

قال قيس بن صهرمة ليس فينا من فيه ما فى عليّ.

قال فصدقت فهل في على ما ليس في احد منكم؟

قال نعم. قال: فما صدّكم عنه؟ قال: اجماع الناس على ابى بكر لشيخوخيته.


1) يحل له، خ ل.

قال: اما والله لئن اصبتم منكم لقد اخطيتم سنتكم فلو جعلتموها في على لاكلتموها من فوقكم ومن تحت ارجلكم.

الناشي:

وقالوا الخلافة محظورة *** على من يساوى سنيه سنوکا

اقروا بانک اقضاهم *** وامضاهم ان هم جادلوك

وانک اعلمهم بالهدى *** وباب المدينة لم ينكروكا

وظنوک اذ عقدوا امرها *** غداة السقيفة ما شاوروكا

فاقام عمر اربعين رجلا شهدوا ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال الائمة من قريش

وهذدا الخبر لا اصل له ولا يوجد فى التواريخ وان صح لم يكن المراد بقوله ان الائمة

من قريش ان كل رجل من قريش يصلح لهذا الأمر فيتساوى فيه الاذناب والاشراف

وانما اراد بذلک ان من كان اقرب الى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان احق بهذا الامر اشارة الى ان قريشا اقرب الى رسول الله من الانصار لكون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) منها.

و ذلک ما روی مسلم باسناده الى واثلة بن الأسقع عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعیل واصطفی قریشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفانی من بنی هاشم.

فكان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) اقرب الناس اليه هذا اذا فرضنا ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم ينص عليه.

البرقى:

فسلمت لقريش باجتماعهم*** ان الخلافة فيها دون قحطّان

فان يكن باحتجاج او مخاصمة*** فهاشم اهلها من بين عدنان

وقلدوها عتيقا بين ما حتقبوا*** ومهدوها له من غير سلطان

ويا سبحان الله این ابوطالب في القرب من رسول الله من تيم بن مرة لولا لعصبية و الهوى.

وقال امير المؤمين السلام يا اعجبا أتكون الخلافة بالصحابة و لا تكون بالصحابة والقرابة.

والعجب من قول ابى بكر ان الائمة من قريش قاصدا بهذا القول طلب الرياسة لنفسه وهو يعلم ان ظهراني الامة من هو افضل من بنى هاشم الذين هم اقضل قريش لولا ما نحققه من حسد الناس لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحصول الضغائن في قلوبهم ويسندونها الى

رجل من مسالميهم وتالفت قلوبهم لم يروا معه في خبر انه منذ استسلم بعد كفره والى ان توفى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قتل قتيلا ولا جرح جريحا ولا عرف له شيئ من ذلك في غزاة من الغزوات.

خطیب منبج:

وقاموا بالسقيفة فاستبدوا *** بما كانوا له متوقعينا

وردوا عزمة الانصار عنها *** وقد كانوا عليها عازمینا

بقولهم الخلافة من قريش *** وان الاقربين الاقربونا

فاين قرابة التيمی منها *** او العدوى هاتوا خبرونا

فمن اولی به فی کل حال *** و اعظم حرمة فى المسلمينا

اسرته القريبة منه ام من *** غدوا عن قربه متباعدينا

الملک الصالح:

اخذتم عن القربى خلافة احمد

وصير تموها بعده فى الاجانب

وليس على التحقيق تيم بن مرة *** لو اخترتم الانصاف من آل طالب

البشنوى:

قدمتم تیما برايكم *** ولهاشم الابرام والبغض

اكاهلة الاصحاب عندكم *** اذا النوافل مثلها الفرض

مرزكى الموصلى:

لعبتم بدين الله بعد نبیه *** الى ان عفت آياته وملاعبه

وعن منهج التنزيل والنص عجتم *** الى ظلف يلقى المخاطب راكبه

بتقديمكم تيما على آل هاشم *** فيافلتة السوء المشؤوم عواقبه

فقال ابوبكر لا اريدها لنفسى هذا وابو عبيدة فقال عمر والله لا يوليها احد منا غيرك ابسط يدک حتی نبایعک فسل حباب سیفه على عمر فقال بشير انا اول بيعته وصفق يده على يده ثم تبعه عمر وابو عبيدة وسالم مولى حذيفة والمغيرة بن شعبة فلما رات الاوس ما صنع بشير قال بعضهم لبعض وفيهم اسيد بن حصين والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها معهم نصيبا ابدا فقوموا فبايعوا ابابكر فقاموا اليه فبايعوه.

قال هشام قاله ابو مخنف وحدثني ابوبكر محمّد الخزاعي ان اسلم اقبلت بجماعتها حتى تضايقت السكك ليبايعوا ابابكر فكان عمر يقول لو رايت اسلم ايقنت بالنصر. فظهر ان امر السقيفة بنى على المغالبة والمخالبة وان كلا منهم كان يجذب اليه بما اتفق له ومن حق او باطل وقوة وضعف وان سبب ضعف الانصار وقوة المهاجرين عليهم انحياز بشر حسدا لسعد بن عبادة وانحياز الاوس عن الخزرج.

وفي رواية سليم بن قيس عن سلمان قال قلت لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان القوم صنعوا كذا وان ابابكر الساعة على منبر النبي ما يرضى الناس ان يبايعوا له بيئد واحدة انهم ليبايعون بیدیه جميعا يمينه و شماله قال ياسلمان هل تدری اول من بايعه؟ قال بايعه (1)في ظلة بني ساعدة بشر وابو عبيدة وعمر قال هل تدرى من بايعه لما صعد المنبر منبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال رايت شيخا كبيرا متوكئا على عصى بين عينيه سجادة شديد التشهير قد صعد اليه وهو يبكى ويقول الحمد لله الذى لم يمتنى من الدنيا حتى رايتك في هذا


1) اضافة من بعض النسخ.

الامکان ابسط يدك ابایعک فبسط يده فبایعه قال ان ذلک ابلیس اخبرنی به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقاً مِنَ المؤمنين (1)لما قام عتيق على منبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) جائه ابليس في صورة شيخ عابد عليه ثياب صوف فصعد المنبر فقال الحمد لله الذي لم يمتنى الخبر.

فاتبعه رجل فلما اخرج من المسجد رفع ثيابه وكسع استه برجله ثم قال اليوم كيوم آدم.

ثم قال حقق ظنى فى تيم وهذه كانت ارادتى فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين.

ابن الحجاج:

ولو اننى يوم السقيفة حاضر *** لقمت بفعل محم الخرر دنبل

وریعت اذان الاجماعة كلهم *** واول ما ابدوا بشيخي الذي ولى

السروجي:

قالوا ايا حين القوم قد نكثوا *** عهد النبى وخانوا خاتم الرسل

وسلموا لابی بکر خلافته


1) سباء: 20.

وفیک قد زهدوا يا ناظر المقل

فقال حيدرة بالله ما جهلوا *** حقى ولكنهم ردوا الى بهل

ودين آبائهم والعاكفين على *** امثاله من حدود القوم فى الاول

وكان اول ظلم القوم ويلهم *** اعراضهم عن امير المؤمنين علي

مهیار:

يوم اظل بغلة لا يستقى(1)*** منها الصدى ونعمة لا تنجلي

فكانه يوم الوصى مدافعا *** عن حقه بعد النبى المرسل

وفي تاريخ ابويوسف النسوى انه لما رضيت بنو عبد شمس وبنو المغيرة بابي بكر يوم السقيفة قال من فرحه لا مانع (2)لما اعطيت ولا معطى لما منعت صار ذلك سنتهم في القنوت.


1) لا يشتقى، خ ل.

2) معطى، خ ل.

وفى هذا الكتاب انه لما حج ابوبكر فى ايام خلافته في السنة الاولى حج بالناس عباد بن اسيد والسنة الثانية عمر بن الخطاب انما ظهرت قريش على الانصار برسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولحمته بنو هاشم اولى من الاباعد وعلي اولى من سایر بنی هاشم وبنوهاشم اولى وبعدهم من سبق بفضيلة.

فبايعوه على انه شيخ قريش فان ارادوا السِّن فقد كان ابو قحافة حيا وهو ابوه وان ارادوتا العلم فقد رووا ابى اقراءكم وزيد افرضكم وان ارادوا الزهد فسلمان وابوذر وان ارادوا الشرف فابوسفيان وسعد بن عبادة وان ارادوا الصلاة فعبد الرحمن عوف وابن ام مكتوم وان ارادوا الولاية فعمرو بن عاص واسامة بن زيد وان ارادوا الشجاعة فالزبير وخالد وان ارادوا السبق فخالد بن سعيد بن عاص وزيد ابن الحارثة وان ارادوا القرابة فبنو هاشم وكل هؤلاء سابقون عليه فضلا عن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فان كان الامر على ما ذكروه انه لم يستخلف عليا ولم ينص عليه فلا اقل من ان يكون احد المعاصرين من اهل الحل والعقد او ممن يشاور لهاذا الامر فان اختاره القوم اصابوا الحق لكونه الافضل وان اختاروا غيره بحضرته علم الناس انه قد رضى بذلک و اختاره الناس وسلم اكثر الخلق من دخول النار لان الناس بايعوا مكرهين في واقعة.

الحميري:

ولقد ضل قوم موسى و هموا *** لاخيه بالقتل والانكار

کذبوه وصدقوا سامریا

وتولوا له عجلا له خوار

کلا خار خورة عبدوه *** مذعنينا نواكس الابصار

جسدا صيغ من حلى وطافوا *** حوله بالعشى والابكار

ودعا قومنا الی مشية *** العجل دعاء الرهبان والاحبار

فاجابوا اليه طرا وكانت *** سنة قدرت من الاقدار

وله:

ان تكن قوم لموسى اتخذوا *** بعده عجلا مصوغا من ذهب

کلمتا خار لهم خروا له *** سجدا من تحته فوق الركب

تركوا هاديهم واتبعوا *** سامريا صيغ من بهم عزب

فعجبنا منهم مما اتوا

ولقد ردنا عليهم فى العجب *** قد نصبنا نحن عجلا ثانيا

من عظام وعروق وعصب *** فاطعناه ولم نؤمن به

واتخذناه اماما منتصب *** وجعلنا لعتيق امرة

وكسوناه قميصا مستلب *** وحطبنا لهم فی حبلنا

بئس للحطاب (1)منا ما حطب

وتركنا علم الدين الذى *** لم يزل فی کنه اصل النسب

وله:

فطافوا بعجل كلما خار خورة *** رایت عکوفا حوله وله زمر

دعاهم اليه السامرى وردهم *** نكوصا على الاعقاب عن واضح الاثر

فياويحها من امة كيف فارقت


1) يبس الحطاب، خ ل.

هداها فاخبت نورها بعد ما زهر

وله:

و اعجب من راى اليهود وقوله *** وقد ضمنى يوما واياه مشهد

فقلت له اشهد تفز بسعادة *** بان رسول الله حقا محمّد

ومن قولى تعجب ضاحكا *** أاتبعكم انى اذا لمغندر

لم يلبسوا لما تولى نبيكم *** ثلاثة ايام تعد وتفتقد

وبايعتم من لم يكن لنبيکم *** وصيا ولم ينو الرشاد فترشد

وحرفتهم فرقا بعد موته *** فحاق بكم خزى وعار مجدد

وانتم قتلتم اهل بیت نبیکم *** وعترته لما تولى محمّد

وداوود فى الانساب بيني وبينه *** يقينا من الآباء تسعين توجد

فينفذ في حكم النصارى قضيتى *** و حکمی مطاع في الدين تهود

فعيرته بالعجل اذ غاب عنهم *** نبيهم موسى الوجيه المسدد

وقلت له ظلتم على العجل عكفا *** متى ما تخریوا ما تخروا وتسجد

وا فقال فان كنا فطنا فاننا *** نتوب جميعا كلنا ليشس نحجدوا

نصبتم لكم مجلين بعد نبيكم *** فما منهما الا يطاع محمّد

جميع النصارى واليهود بفعلنا *** يعيرنا والعار يبقى ويخلد

دیک الجن:

اقمتم عتيقا مقام النبی *** فاضحى لا وزاركم يحمل

عد لتم عن الرشد نصا لما *** اتاكم به المصطفى المرسل

وقد قبضوا ارث بنت النبى *** فیاويلهم غیر موید

كما اختار اصحاب موسى النبى *** بهارون عجلا به استبدلوا

ولم يسمعوا ما ابان النبی *** (عليه السلام) ولم يقبلوا

لقد اسخطوا الله جل اسمه *** ولكنه بهم يمهل

وكان ابوعبدالله السلام يقرء قوله: وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ (1حتى اذا بلغ مهجورا، يعنى ملقا هذيانا وقدمنا الى ما عملوا من عمل یعنی ظلم آل محمّد فجعلناه هباء منثورا یعنی باطلا غیر مقبول اصحاب الجنة يعنى اهل البيت المظلومين ومن تبعهم على الحق فلا ابعد الله الا الظالم.)ربعی بن خراش في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ(2)الآية، ققال العاض يده الثاني والخليل الاول (3).


1) الفرقان: 27.

2) الفرقان: 27.

3) الثاني، خ ل.

وفي رواية عن ابن مسعود وعن ابى جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الاول يقول يا ليتنى لم اتخذ فلانا خليلا يعنى الثاني لقد اضلني عن الذكر بعد اذ جائني الآية اى اضلني عن اتباع على بن ابی طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وقراء ابن مسعود ياليتني لم اتخذ عمرا خليلا.

الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): في قوله: انهم عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُون (1)يقول العمرضون عن الولاية الاول والثانى والثالث

الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فى قوله: لا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَ نَسْراً وقد اضلوا كثيراً (2)الاية الاول: يغوث والثانى يعوق والثال نسر وقد اضلوا كثيرا من اتباعهم ولا تزد الظالمين الا ضلالا.

الاعثم والواقدى وابن اسحاق لما كان يوم الثالث قال عبد الرحمن يا معشر الانصار ليس فيكم مثل ابي بكر وعمر وابي عبيدة فقال زيد بن ارقم وليس فيكم مثل سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وابى بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وحبيب بن عدى وخزيمة بن ثابت وغسيل الملائكة ولولا ان عليا وبنى هاشم اشتغلوا بالمصيبة ما طوع فيها من طمع.

فقال له ابوبكر لقد كنت غنيا عن هذا ان تاتى القوم قد بايعوا وسكتوا فتذكرهم شيئا قد نسوه.

فالعاقل يتفكر في كلامه هل هو الا كلام طماع مدلس؟


1) المومنون: 74.

2) نوح: 23.

البرقي:

فلما توفى ابوقاسم *** وعاند منهم اناس عليا

وعاتوا ابوذر من اجله *** وسلمان صاحبنا الفارسا

ویوم السقيفة اذ اجمعوا *** بان لا تولونها طالبيا

تولى الخلافة من دونه *** وكان لها دونه محتویا

ازالوا علی الحق اربابه *** وولوه شيطان سوء غويا

فكانوا كموسی اتى قومه *** وقد عبدوا العجل والسامريا

ابن حماد:

والمصطفى لما غسل *** ولا الى القبر دخل

ولا عن الدنيا ارتحل *** والظلم منه قد فشا

لوآمنوا لا تشغلوا *** بالحزن عما فعلوا

اذ فعلوا وانكلوا *** با الله خیر من مشا

لوآمنوا ما ضيعوا *** ما استحفظوا واستودعوا

بل صنعوا ما صنعوا *** لانهم منه براء

والله لوان اسلموا *** لا استعظموا ما اجرموا

و ما علیه اقدمکوا *** بالعهد منهم لا الخظا

اذ نصب الله لهم *** بفضله افضلهم

فنصبوا احملهم *** فی نسب اذا اعترا

لا بقديم يشرف *** ولا بعلم یوصف

ولا شجاعا یعرف *** صفرا من الخير حلا

فصل في أنّ إمامته أبرد وكانت بلا رضا

قال الباقر(عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتاب (1)الكتاب القرآن، قوله يعلمهم الكتاب والحكمة تفرقوا بعد ما جائتهم البينة من الله ورسوله واوصياء من بعده فقالت الانصار منا امير ومنكم امير فوقعت الفرقة ولا تزال الى يوم قيام القائم بالسيف وما امروا الا ليعبد الله مخلصين بالولاية لامير المرمنين وذلك دين القيمة.

وسئل الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا (2)الاية، لما دعوا عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى البيعة على منازل منهم من حمله الحسد على امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل الثاني وابوعبيدة وسالم والمغيرة ومنهم من حملته حمية الجاهلية لقتل اقاربهم مثل خالد بن الوليد وطلحة ومنهم من حملته البغضاء لدخولهم فى الاسبلام كرها مثل الثاني ومنهم من حسد سعد بن عبادة مثل الاوس ومنهم من بايعوه طمعا في الدنيا مثل المغيرة بن شعبة ومنهم من صاروا مكرهين مثل الزبير.


1) البينة: 1.

2) العنكبوت: 12؛ الأحقاف: 11.

ولما صعد الاول المنبر قال خواص علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الا تنزله من المنبر؟ فقال سلمان وابوذر انكم ان اتيتموه بذلک اعنتم علی انفسكم فذكروه وناصحوه.

وفي رواية عثمان بن المغيرة المنكر على ابوبكر جلوسه في الخلافة من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص والمقداد وسلمان وابي بن كعب وعمار و ابوذر وبريدة الاسلمي ومن الانصار خزيمة بن ثابت وسهل بن خيف واخوه عثمان وابوايوب وابوالهيثم بن التيهان.

وروى معهم ابن مسعود وزيد بن وهب.

فان هؤلاء جاهروه بالتفريغ ونصحوه وذكروه وفضحوه فجلس في بيته ثلاثة ايام فلقاه عمر وطلحة وعثمان وعبد الرحمن وسعد وابو عبيدة في عشايرهم شاهرين سيوفهم فاخرجوه من منزله وعلى المنبر وقال قابل منهم والله لئن عاد احد فتكلم بمثل الذين تكلموا به لنملأن اسيافنا فيه وممن لم يبايعوه، فخيار الانصار وساير بنى عبدالمطلب مثل عليّ والعباس وعقيل وابي سفيان بن الحارث وابي الطفيل بن الحارث وعتبة بن ابي لهب واولادهم وسلمان و ابوذر والمقداد وعمار وخالد وابان ابنا سعيد بن عاص والبراء وسهل واخوه عثمان وابوایوب وجابر بن عبدالله وبريدة وأبى وحذيفة وخزيمة وابو الهيثم وابن مسعود وزيد بن وهب وسعد بن عبادة وابنه قيس وجماعة من اهله والزبير وابوسفيان بن صخر وعبادة بن الصامت ومسطح والنعمان بن زيد وغيرهم.

ولقد عجبت الاكابر عن عقد الامر له وانكروه غاية الانكار.

وروى ان ابوسفيان سمع الضجة وقت البيعة فسال عنها فقيل بويع ابوبكر فارتاع لذلك ولم قيل لسنه وسابقته وعلمه بما يصلح العرب عليه فقال اما سنه فان اباه اسن

منه واما علمه بما يصلح العرب عليه فان العرب تفنن عن درها وتسيل عن عكرها حتى لا يعرفها تيم ولا اشباهها وامتا سابقته فلم يسبق ويمضغ لمنعيه صياصي عزيمتكم بها فهل وجد ابن ابی قحافة الا اعيجف صنبورا مقصب الشماريخ مختبط الاوراق اذا مدت الجياد لاجريتها تراجع على عقبيه تراجع النكل.

ثم انشاء يقول:

تدرع سربال العلاء ابوبکر *** وسار على ذل العشيرة بالقهر

و دانت له بالكره اعناق معشر *** ابینت قواهم يوم دانوا على الصغر

ثم صار الى اميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوجده مشغولا بتجهيز رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فنادى من وراء الباب:

بنو هاشم لا تطمعوا الناس فيكم *** ولا سيما تیم بن مرة اوعدى

فالامر الا فيكم واليكم *** لها الا ابو الحسن على

ابا حسن فابسط لها كف حازم *** فانک للامر الذى يرتجى ملى

ثم نادى باعلى صوته یا بنی عبد نمناف ارضيتم ان يلي عليكم ابو الفصيل الرذل بن الرذل اما والله لو شئت ملأتها عليهم خيلا ورحلا فلم يجبه اميرالمؤمنين لشغله برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وفى رواية انه ناداه امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال ارج ابا سفیان فوالله ما تريد الله بما تقول وما زلت تكيد الاسلام واهله ونحن مشاغيل برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلى كل امرئ ما اكتسبت وهو ولى ما احتقب.

وفى تاريخ الطبرى واغانى الاصفهاني انه قال ابوالا بحر جاء ابوسفيان الى على فقال يا ابا الحسن ما بال هذا الامر الى اضعف قريش واقلها فوالله لو شئت لأملأتها عليه خيلا ورحلا فقال له عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا ابا سفیان طال ما عاديت الله ورسوله والمسلمين فما ضرّهم ذلك شيئا.

وفي تاريخ الطبرى انه لما اجتمع على بيعة ابى بكر اقبل ابوسفيان وهو يقول والله انى لارى عجاجة لا يطفيها الآدم يا بني عبد مناف فيما ابوبکر ولی امورکم این المستضعفان على والعباس.

وقال يا ابا الحسن ابسط يدک حتی ابایک فابی علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجعل يتمثل بقول المتلمس:

ان الهوان حمار الاهل يعرفه *** والحر منكرة الرسلة الاحد

ولا يقيم على ضيم يراد به *** الا الاذلان غير الحى والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته *** وذا يشبح ولا يبكى له احدا

وروى انه دخل المسجد فاذا القوم قد اقبلوا باجمعهم وهم يعترضون كل من رآوه فيقدمونه يبايع شاء ذلك ام ابی فاتى معاذ الى الباب من فوره فطرقه فقال العباس من انت؟ فقال ابوسفیان قال ما الخبر فقال:

بنو هاشم ما بال ميراث احمد *** ينقل عنكم فى لقيط وحامل

أعبد مناف كيف يرضون بالذى *** اراه وفیکم مرهفاث الفواصل

فدى لكم امى ثبوا وثقوا بنا *** وبالنصر منا قبل فوت المخايل

فقل لعلى يضرب الامر مصدرا *** قولا لعباس الندى ذو الفضايل

متى كانت الذبيان تعدد (1)بشانكم *** متی قرنت تیم بكم في المحافل

يجازى بها تیم عديا وانتم


1) تعدو، خ ل.

احجق واولى بالامور الاوائل

وقال ابن عائشة انشاء ابوسفيان:

واصخت قريش بعد عز ومنعة *** خضوعا لتيم لا لضرب القواصب

فيالهف نفسي بالذى ظفرت به *** وما كان منها فايز بالرغايب

وفي تاريخ ابن جرير باسناده عن ثابت قال لما استخلف ابوبكر قال ابوسفيان ما لنا ولابی فصیل انما هي بنو عبد مناف قال فقيل له انه قد ولى ابنک قال وصله رحم.

وفى تلخيص الشافعى انه روى جميع اهل السير ان عليا والعباس لما تنازعا في الميراث وتخاصما الى عمر مرّة قال عمر من يعذرني من هذين ولى ابوبكر فقالا عق وظلم والله يعلم انه كان برًا تقيا ثم وليت فقالا عق و ظلم وغير خاف عليهم وانما كانوا يحاملونه وخرج العباس الى المسجد وقد اجتمعوا فيه فاخذ بعضا دتى(1)الباب فقال:

ما كنت احسب ان هذا الامر منتقل *** ن هاشم ثم منها عن ابى حسن

ألیس اول من صلى بقبلتهم


1) كذا.

واعرف الناس بالقرآن والسنن

وآخر الناس عهدا بالنبي ومن *** جبريل عون له فى الغسل والكفن

من فيه ما فيهم لا تمترون به *** وليس في القوم ما فيه من الحسن

ما ذا الذى ردكم عنه فنعلمه *** ها ان بيعتكم منم اغين الغبن

ثم قال:

عجبت لقوم امروا غير هاشم *** علی هاشم رهطا لنبي محمّد

وليسوا باكفاء لهم فى عظيمة *** ولا نظرا فی فعال و سودد

وروى ان نابغة الجعدى خرج من منزله فسال عمران بن الحصين وقيس بن صرمة وقد عادى من السقيفة ما وراء كما؟ فقال عمران:

ان كنت ادرى فعلى بدنة *** من كثرة التخليط الى من انه

وقال قيس:

اصبحت الامة في امر عجب *** قد قلت قولا صادقا غير كذب

ان غدا تملک اغلام العرب

فقال النابغة فما فعل ابو الحسن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ فقالا مشغول بتجهيز النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال:

قولا لاصلع هاشم آن انتما *** لاقيتها لقد حللت ارومها

واذا قريش بالفخار تساجلت *** كنت الجدير وكنت زعيمها

وعلیک سلمت الغداة بامرة *** للمومنين فما رعت تسليمها

لكنت بنو تيم بن مرة عهده *** برات نيرانها و حجیمها

و تخاصمت يوم السقيفة والذى *** فيه الخصام دا يكون خصيمها

وقال سلمان کردید و بکردید و ندانید چه کردید.

وفى رواية اخرى وحق از میر ببردید

فئوجی عنقه.

عنه الحميري:

وقد قال بن عبد الله لما

رآهم للوصى مراغمينا

فعلتم بالخطاء وما علمتم *** فاخطاتم ولستم تعلمونا

غيره:

قال لهم سلمان لما عدلوا *** فعلتم امرا واذا لم تفعلوا

عبادة بن الصامت:

يا للرجال اخروا عليا *** عن رتبة كان لها مرضيا

أليس كان دونهم وصيا

وقال امّ سلمة:

لقد ضعضع الاسلام فقدان احمد *** وابكى عليهم رحمة كل مسلم

و احزنه حزنا بما لو صحبه *** الغواة على الهادى الوصى المكرم

وصی رسوبل الله اول مسلم *** واول من صلى وزکی بدرهم

اخى المصطفى دون الذين تامروا *** عليه وان بزوه فضل التقدم

ابراهيم الثقفى فى كتاب الغيبة انه جاء بريدة حتى ركز رايته في وسط اسلم ثم قال لا ابايع حتى يبايع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال عليّ يابريدة ادخل فيما دخل فيه الناس فان اجتماعهم احب الى من اختلافهم اليوم.

وفى هذا الكتاب ان عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لهم بايعوا ان هؤلاء خيروني اما ان ياخذوا ما ليس لهم او اقاتلهم وافرق امر المسلمين.

وفي رواية ان هؤلاء خيرونى ان يظلمونى حقى وابايعهم او يقتلوني واقتلهم فاخترت ان اظلم حقى وان فعلوا ما فعلوا.

وقال معروف بن خربوذ المكى كان مسطح بن اليمانة بن عباد وكان بدريا لما بويع ابوبكر يقول لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) رحمك الله الا تقاتل فنقاتل معك فاعلمه علي انه لو قاتل ما خف معه احد وكان يستبطى عليا فيها فيقول:

بنی عم اناديكم فهبوا *** وصحبى لواجاب ندای صحب

رضيتم ان يضيع الامر عنك *** ويصح وهو بين الناس نهب

و تغصبكم بني تيم بن مرة *** وما فى الدين يا الله غص

ارى المستضعف المظلوم فينا *** ظليما تحته سنة و جذب

يعنى ان الظليم فى سنة الجذب يقعد فى ارحية حتى يموت مكانه.

وقال على بن جنادة السلوني قال ابو الطفيل بن الحارث وكان بدريا اهل شعر:

مبلغ عنى عن الناى هاشما *** مغلغلة ضاقت بها حرج الصدر

أيوتى اليكم ما اتى من طلاية *** وفيكم وضصى المصطفى صاحب الامر

ولو اسد الله اسمتدت حسياته *** لاغنى عنا الدين والعسر والیسر

ولو ذو الجناحين الطويل نجاد *** هو الأورع الرحب الرسيعة والصدر

ولو كان يغشى شائها ابن سخيلة *** لا بصرته حامي الحقيقة ذا نكر

احقا على الدنيا بكم واستكانة *** اری ام قلوبا ما يفسق من الكفر

یعنی ابن سخيلة عبيدة بن الحارث لان امه سخيلة الثقفية.

وقال زيد بن على كان ابوسفيان بن الحارث بن عبد المطلب ياتى باب فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) بعد وفات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فیضی به کل صباح فيقول كيف صباحكم بعد نبيكم ومسائكم فتخرج له ام ايمن فتقول يا ابا سفیان شر صباح وشر ممسى فقدنا رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وفقدنا الوحى وما اتى الى هذين من الظلم يعنى عليا وفاطمة عليهالهما فقال ابوسفيان:

من مبلغ عنا ابا القاسم *** صلى الله عليه انبانا

تراثک احاشية تیم فقد *** تسلوا الیکم الیوم ارزانا

وفاطمة تعول اعوالها *** قد قطعت بالحزن احشانا

والاصلع المضطهد المبتلی *** یعض عنه الطرف اعضانا

قل لبنی هاشم اسدى الثرى *** أتاكل الاكلب اشلانا

فاتبعوا للحرب قداونت *** وكشفوا بالحرب ضرانا

وله:

ایا صاحب الكف المشير ببيعة *** بها قبل ان يوصى الرعية راعيا

عجلت على الشورى وعن مجلس الوصى *** وخلت الهدى مجالها عن تغاليا

وكيف يامر الناس قبل انتظامه *** مبادهة لا تستش ير الموالیا

وقال جابر الانصارى جاء خالد بن سعيد بن العاص وكان من السابقين الى امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال یا ابا الحسن اعلمت ما احدث القوم من البيعة فقال لقد اوتيت به وانا في شغل بمصابنا في رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عما احدثوه فقال خالد لقد علمت انقطاعی الیک دون بنی ابی و محبتی لک فمربی با مرک فانت والله احب الناس الى فدعا له امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و قال لقد علمتک ناطقا سابقا الى كل خير انصرف ننظر في ذات بيننا فعندى من رسول الله عهد ولئن بايعنى رجال من المسلمين لا وطأتهم سيفى وقليل ما هم قال قال خالد فانا على اترک و نصب امرک او قعدت قعدنا وان نهضت نهضنا ثم قال:

تشکر لابي سفيان في مقاله *** دخابک صخر بن حرب صالحة

فانت اهل لها ولم تزل

یالک من كلمة نطقت بها

لا تقصص الله فاک من رجلى *** ذهبت بالفضل في دعائك اذ

تدعوا الی امرة الوصى عليّ *** ان کنت فی الدین آخرا فلقد

اتيت ما قد فضل على الاول

وفخروا به انه قال خالد هذا عليّ وعثمان ارضيتم يا بنى عبد مناف ان يلي عليكم غيركم.

عن سعيد بن مسيب فى خبر انه راى العباس وعقيل وعتبة بن ابي لهب والفضل بن عباس جماعة وضعوا نارا على باب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال العباس يا لها عظيمة بما اتى الينا فلان وفلان فقال الفضل:

ما لقومى لا يسمعون ندای *** اصموا ام هم رهون رماس

ام هم مخلدون بالخفض والنقض *** لعهدى ام هم ارجاس

ام اطاعوا الاعداء فينا *** فاصبحوا ابدا خليفى شماس

ام احسوا لنا الوصى عليا

ام هم للوصى غير مراس

علم الله اننى ادرک الوتر *** و بالنفس اسرتي قد اواسی

غیر انى تبعت من غير وهن *** واستكان مقالة العباس

وفي حديث عمران بن الحصين الخزاعي انه قال بريدة الاسلمي:

يا بيعة هل هوا بها *** اسا وحب دعایم

لله ما ذا باثمة *** اذ ذاک باء الآثم

أيكون بيعتهم هدی *** ويغيب عنها هاشم

ويكون زايد اهلها *** مولى بثينة سالم

وقال عدي بن الحاتم:

ابا حسن صبرا ففى الصبر عصمة

وفيه نجاة المرء في السر والجهر

ألم تران الصبر اجحي لذي الجحى *** وان ابتداء الامر شين على الامر

وقد لقي الاخيار قبلک ما لقوا *** واوذى عباد الله في سالف الدهر

قال عمار الدهني قال قيس بن عبادة:

لقد علمت ابناء قيلة انني *** غداة الفخار سربها وليابها

وانی متى اظلم امدّ لظالمي *** سماوات موت يسهل سحابها

ساصبر نفسي ما استطعت وان ابت *** وجدت زر بانا رجل مصابها

فلی بعلی بعلى اسوة وبفاطم *** غداة فجئ بعد الكتاب كتابه

وعن ابى البخترى قال حدثنا عبدالله بن الحسن بن الحسن ان بلالا ابي ان يبايع ابابكر وان عمر جاء اخذ بتلابيبه فقلا بلالا هذا جزاء ابابکر منک انه اعتقك فلا تجئ تبايعه فقال بلال ان كان انما اعتق الله محتسبا فليدعنى الله الذى اعتقنى له وان كان

اعتقنى لنفسه فها ذا واما بيعته فما كنت ابايع احدا لم يستخلفه رسول الله ولا تقدمه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ان الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهَ وَ رَسُولِهِ (1)ولقد علمت يا عمر ان رسول الله عقد لابن عمه عقدا هو في اعناقنا الى يوم القيامة وجعله مولانا من بعده يوم الدوحات فاينا يستطيع ان يبايع على مولاه.

قال عمر فان كنت غير فاعل فلا تقکم معنا لا ام لك.

فقال بلال:

بالله لابابی بکر نجوت ولولا *** الله عض على اوصالى الضبع

الله بوانی خیر او اکرمنی *** وانما الخير عند الله متبع

ولا يلقيني تبوعا كل مبتدع *** فلست مبتدعا مثل الذي ابتدعوا

قال وخرج بالا الى الشام واقام بها الى ان مات ولم يبايع ابابكر.

وقال عبد الله بن احمد بن حنبل شعر:

لعمری لئن با يعتم ذى حفيظة *** على الدين معروف العفاف موفقا


1) الحجرات: 1.

عليا وصى المصطفى ووزيره *** واول من صلى لدى العرش واتقى

رجعتم الى نهج الهدى بعد زيغكم *** وجمعتم من شمله ما تمزقا

وقال نعمان بن زید صاحب زاله الانصار:

يا ناعى الاسلام قم فانعه *** قد مات عرف واتى منكر

ما لقريش الا على كعبها *** من قدموا اليوم ومن اخروا

مثل على من خفى امره *** عليهم والشمس لا تستر

ليس قريش فى وغي حربها *** صديقها فار وقهم الاكبر

وكاشف الكرب اذا خطّه *** اعيا على واردها المصدر

وکبر الله وصلی وما *** صلى ذو الغيث والاكبر

تدبيرهم ادى الى ما اتوا *** تبا لهم یا بئس ما دبروا

وقال عتيبة بن ابي لهب بن عبدالمطلب:

تولت بنو تیم علی هاشم ظلما *** وزادوا عليا عن امارته قدما

ولم يحفظوا قربی نبى قريبة *** ولم ينسبوا ممن يولونهم علما

وروى ان زينب بنت ايابة بن المطلب سمعت الاصوات فقالت ما هذا قيل ابوبكر يبايع فصاحت ثم خرجت تبكي وترثى النبي بمقالة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ):

انا فقدناک فقد للارض وابلها *** فاختل اهلک فاشهدهم ولا تعب

قد کان بعدك ابناء وهيمنة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

تجهمتنا رجال واستخف بنا *** لما قضيت وحالت دونک الکتب

فقال اهل اليمامة لخالد بن وليد والله لا اطعنا ابا فصيل ابدا وقال خالد والله لارفعنا عنكم السيف ابدا حتى تسموه اباالفضل الاكبر.

وروى من غير وجه ان عمر قام الى بيعة ابى بكر بعد ثلث من مبايعته فقال يا خليفة رسول الله ارسل الى هذا الرجل فليبايع فقد بايع الناس فقال ابوبكر ابعث اليه فقال عمر لقنفذ بن عمير العدوي امض الى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقل له خليفة رسول الله يقول لك احضر فبايع فمضى قنفذ فطرق الباب عليه وعنده العباس وبنوه والزبير وسلمان و المقداد وغيرهم فقال من هذا فقال قنفذ فقال ماتريد فقال خليفة رسول الله يقول لک اخرج فبايع فقال سبحان الله ما اسرع ما كذبتم على رسول الله ما اعرف لرسول الله خليفة غيرى فعاد قنفذ فاخبرهم.

فكبا ابوبكر كبوة ثم جلس فقام عمر اليه ثانية فقال مثل الاول فاتاه قنفذ فقال اجب اميرالمومنين فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا سبحان الله لقد تسمى بغير اسمه وادعى ما ليس له ما اعرف اميالمرمنين غيرى فرجع اليهم فاخبرهم فكبا ابوبكر كبوة اشد من الاول ثم قال له اجلس فقام اليه عمر فقال لا ترسل الى هذا الرجل فليبايع فانفذ قنفذ يدعوه فصاح فاطمة لا يا ابتاه ما لقينا من ابى بكر وعمر فرجع قنفذ فاخبرهم فقام عمر وخالد واسيد بن الحصين وقنفذ وحماد وسلمة بن اسلم من بنى الاسهل وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالک و عبدالله بن رمعة ومضوا اليه.

وفى رواية الكلبي عن ابن عباس وفي حديث الزهرى وفى رواية عبدالله بن العلاء وفى كتاب المعرفة عن ابى اسحاق ابراهيم الثقفى عن زابدة بن قدامة انه خرج عمر في نحو ستين رجلا فاستاذن فى الدخول عليهم فلم يوذن له فشعب واجلب فخرج اليه الزبير مصلتا سيفه ففر الثانى من بين يديه حسب عادته وتبعه الزبير فعثر بصخرة

في طريقه فسقط لوجهه فنادى عمر دونكم الكلب واحاطوا به واخذ سلمة بن اسلم سیفه فضربه على صخرة فكسره فسيق اليه الزبير سوقا عنيفا الى ابى بكر حتى بايع كرها.

وعاد عمر الى الباب واستاذن فقالت فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) علیک بالله ان كنت تومن بالله ان تدخل على بيتى فانى حاسره فلم يلتفت الى مقالها وهجم فصاحت يا ابة ما لقينا بعدک من ابی بکر وعمر وتبعه اعوانه فطالب امیر المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخروج فلم يمتنع عليه لما تقدم من وصية رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وظن بالمسلمين عن الفتنة وكان غرضه المحاماة على الدين وحياطته الذى جهدوا فى فله وتفرق كلمة اهله وخرج معهم.

الناشي:

يا ذا الذي قيل الوصية ما اتي *** غير الذى يرضى الاله وما اعتدا

اصلحت حال الدين بالامر الذى *** اضحی لحالك فى الرياسة مفسدا

و علمت ان ان اردت قتالهم *** ولو عن الاسلام خوفک شردا

فجمعت شملهم بترک خلاقهم *** وان اعتديت من الخلافة مبعدا

لیتم دینا قد امرت بحفظه *** وجمعت شملا كاد ان يتبددا

ابن حماد:

اليس الثقات رووا في الحديث *** وما راسلوه وما خاطبوه

اليس تواری و اصحابه *** فجاؤا الى البيت واستخرجوه

امات ابى امس واليوم قد *** ذهبتم ببعلى لكى تقتلوه

الم يكسر القوم سيف الزبير *** اما قال قائلهم اكتفوه

اما ذهبوا بعلى الرضا *** على الكره منه وقد لبنوه (1)

اما رافعوا السيف من فوقه *** وبالقتل ان لم يجب هددوه

اما جذبواي یده قائلين *** بايعنا طايعا فاترکوه

ووالله ما مثله من اطاع


1) هذه الكلمة كتبت بلا نقطة واثبتناها من بعض المصدار.

امثالهم قط بل اكرهوه

وخرجت الطاهرة (عَلَيها السَّلَامُ) فى اثره وهى تقول لزفر: يابن السود الاسرع ما ادخلت الذل على بيت رسول الله قال ولم يبق من بنى هاشم امرأة الا خرجت معها فلما رآها ابوبکر مقبلة هاب ذلك فقام قائما وقال ما اخرجک یا بنت رسول الله فقال اخرجتني انت وهذا ابن السوداء معك فقال الاول يا بنت رسول الله لا تقولسي هذا فانه كان لا یبک حبيبا قالت لو كان حبيبا ما ادخل الذل بيته.

دیک الجن في القصيدة العاملة:

ان عتيقا وابا حفص معا *** لای امر صنعا ماصعنا

اکثرز قولى لم يصب فعلهما *** ولا ارى والله عذرا لهما

وفى معرفة الرجال عن الكشى واختيار الرجال عن الطوسى قال ابوحمزة سالت ابا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقول لما مروا بامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رقبته حبل الى رزيق ضرب ابوذر يده على الاخرى ثم قال يا ليت السيوف قد عادت بايدينا ثانية وقال المقداد لو شاء دعا ربه وقال سلمان مولای اعلم بما فيه.

ومن شعر.... وى (1)بنت الحارث بن عبدالمطلب


1) هنا كلمة لم يتيسر لنا قرائتها.

وقيد على نحوهم وهو کاره *** لمثل البعير فى الاباعر اجرب

فظلوا عليه ماسحين اكفهم *** ولم يظفروا منه الغداة بمطلب

وفي رواية الكلبى والزهرى انه خرج بعلی بن ابی طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يقول انا عبدالله واخو رسوله انا الصديق الاكبر لا يقولها الا مفتر كذاب حتى انتهوا به الى الاول فقيل له بايع فقال انا احق بها منكم وبهذا الامر ولا ابايعكم ابدا وانتم اولى بالبيعة لى واحق وقد بايعتمونى فى حيات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بيعة جاء بها جبرئيل من عند الله عز وجل.

وانكم انما اخذتم هذا الأمر واحتججتم عليهم بقرابتكم من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فمن اقرب الى رسول الله انا أو انتم.

دیک الجن:

قال لهم لا غلوا وجاشوا *** وهاجت الارذال والاوباش

هل لكم مکرمتی و علمی *** ام لكم ارثى من ابن عمى

ما تيم من هاشم ولا عدى *** وبلا بنوها دين من محمّد

فان زعمتم انكم اصحابه *** النص لا يشبهه قرابة

قل لابى القاسم يا ابالقاسم *** تقر عت کفک کف هاشم

با احمد الخير نبي الرحمة *** بعدک خلت باخيك الامة

صار عتیقا دونه ابن عمکا *** وجاز ما كان له ايحكمكا

وفي حديث الثمالي عن زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحديث الكلبى والزهرى ايضا انه قال له اخذتم هذا الامر من الانصار بالحجة عليهم بالقرابة زعمتم ان محمّدا منكم واعطوكم المقادة وسلموتا اليكم الامارة وانا احتج عليكم بالذى احججتم به على الانصار نحن أولى بمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) منكم حيا وميتا لانا اهل بيته واقرب الخلق اليه فان كنتم تخافون الله فانصرفوا واعرفوا لنا فى هذا الأمر ما عرفته لكم الانصار وقد بايعكمرسول الله لي في حياته بالولاية والموالاة بيعة جاء بها جبرئيل وامر الله عزوجل نبيه بها.

فقد خالفتم ما امركم الله وما بايعتم على رسول الله فقال عمر انک ایها الرجل لست بمتروک او تبايع فقال امیر المؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ) احلب حلبا لک شطره اسدد له اليوم الامر ليرده علیک غدا لا والله لا ابايعه حتى اكره.

وقد ورى البلاذرى ان عليا السلام قال لعمر احلب حلبا لک شطره طاهرين الجزري:

قال اقیلونى فما اقاله *** الثاني فاى الرجلين اعلم

مهدها فى غيره لنفسه *** تالله لا تفعل هذا مسلم

ابن حماد:

وانا قدم التيمى تجربة *** حتى يكون له التوطيب والفلج

فقال ابو عبيدة انك حدث السن وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن ثلاث وثلاثون سنه وهولاء مشيخة فوقک فان بقيت فانت غدا الى هذا الأمر حلیق بدینک (1)وفضلک و سابقتک و قرابتک غير ان الناس قد بايعوا ورضوا بهذا الشيخ فارض بما رضى به المسلمون فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاي شيئ بقى من الفضل لم يقر لى ولا تصلح الخلافة الا لمن كانت هذه الخصال فيه وهى في لا فيكم يا ابا عبيدة تقول انت لئن هذه الامة فاتق الله في نفسک فان هذا اليوم له ما بعده من الايام فليس لك ان تخرجوا سلطان محمّد من داره


1) لدينك، خ ل.

وقعر اهل بيته الى دوركم ففى بيوتنا نزل القرآن ونحن معدن العلم والفقه والدين والسنة والفرائض ونحن اعلم بامور الخلق منكم فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الله بعدا ومنه عليكم سخطا.

فقال بشير بن سعد الانصارى والله لو ان هذه الكلام سمعه منك الناس لما اختلفوا علیک رجلان ولبايعك الناس اجمعهم غیر انک جلست في منزلك ولم تشهد هذا الامر فظن الناس انه لا حاجة لك فيه والآن قد سبقت بالبيعة لهذا الشيخ فقال عليّ يا بشير أو كان يجب عليّ ان اترك رسول الله في بيته لم اجنه في حفرته واخرج وانازع الخلافة.

ثم قال لبيعتي كانت قبل بيعة ابى بكر شهدها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وامر الله بها أو ليس قد با یعنی وسبقت بيعتى وشهدها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) واشهد الله عليهم فما بالهما يدعيان ما ليس لهما وليسا باهله.

پوفی حدیث الحارث بن الاسود الديلمي عن جندب بن عبدالله البجلي وفي حديث الثمالي عن زين العابدين علم انه لما سالوه البيعة قال لهم لم افعل قالوا اذا تقتل لوما وصغر الک.

قال اذن اكون عبدالله واخو رسوله وقالوا بايع فالتفت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال يابن ام ان القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فرجع يومئذ ولم يبايع ثم انصرف الى منزله وآلا الا يضع ردائه عن عاتقه الا للصلاة حتى يولف القرآن وتجمعه فانقطع مدة الى ان جمعه ثم خرج اليهم به فى ازار يحمله وهم مجتمعون في المسجد فانكرو مصيره بعد انقطاعه عنهم مع التيه فقالوا الامر ما جاء ابوالحسن فلما توسطهم عنهم

وضع الكتاب بينهم ثم قال ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال اني مخلف فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتى اهل بيتي وهذا الكتاب وانا العترة.

فقام اليه عمر فقال له انى يكن عندک قرآن فعندنا مثله ولا حاجة لنا فيكما فحمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكتاب وعاد به بعد ان الزمهم الحجة.

ابن حماد:

يوم السقيفة اذ مر و البيعتهم *** لله من خیر مستقنع شیع

تبا لها بيعة قد اشمتت بكم *** اهل الكنائس طول الدهر والبيع

هل استشير علي فى مضيهم *** يوم السقيفة ام عم النبى دعى

ام الصحابة كانوا حاضرين لها*** ام لم يكن بهم خلق بمرتفع

هلا قضوا قبلها حق النبي فما *** كان الذى رغبوا فيه بمندفع

ان ضاع اجر رسول الله عندهم *** فى اهله فهو عند الله لم يضع

صی احمد اولى من صحابته *** لولا ابتغاريا الناس والسمع

وانه كان اوليهم بموضعه *** کما استحق اولوالارحام فاستمع

أليس للجار بالتقريب شفعته *** فاعطوا عليا كما يعطون بالشفع

هوى الهوى بکم في بحر مهلكة *** فبعتم سنن من الرحمن بالبدع

وله:

ولما مضوايوم السقيفة بغتة *** وكانوا مع الانصار في السب والشتم

وقالوا له قرب النبي ولاته *** فقالوا نعم المصطفى وبنو العم

فقال عتیق ای هذين شئتم *** فولوه دفعا عن بني هاشم الشتم

رای نفسه دون ابن جراح رتبة *** كذى كان عند طائفة بكم

فاعطوا عتيقا بيعة خرجوا بها *** عن الدين والاسلام والرشد والجزم

ووالله ما ولوا عتيقا لفضله *** ولا الهدى الفوه فيه ولا فهم

ولكن ارادوه دفع آل محمّد *** عن الحق فاعتدوا بذاك من الغنم

وساموا عليا ان يبايع جبتهم *** وكلهم للطهر بايع فى خمّ

العنبري:

يا امة السوء التي اقوالها *** کدو به مبتورة افعالها

تبت یديوم السقيفة بايعت *** بقتالهم الله كان قتالها

بغيا جعلتم قتلهم وقتالهم *** وفضيحة عرقکم آمالها

غيره:

يا امة لم ترع حق نبيها *** وتنافست فی نعثل ودلام

و تانت با قبح منكر من غيها

فتبدلت بعد الضياء بظلام

فديار اولاد النبى دوارس *** من هدهم عطل من الايام

وقد صحح في صحيح مسلم والبلاذرى برواية عايشة انه تخلف عليّ عن البيعة مدة حيات فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) ستة اشهر لانه كان له من الناس جهة فى حياتها فلما ماتت واستنكر وجوه الناس بايع في حكم المكره.

وقد رواه الثقفى وقد رويتم كلكم ان علياء (عَلَيهِ السَّلَامُ) استنكر وجوه الناس وقال كنا نرى ان لنا فى هذا الامر اشیاء فاستبد به علينا هذا اذا تركنا ما رواه الشيعة وكثير من السنة من انه لم يبايع حتى صار عمر الى بيته بقبس من النار ليحرق عليه وعلى وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في البيت فخرج مكرها وبايع وفى غرر ان جيرانه ولاصفياء امير المؤمنين.

عن الحسين الفضال روى عدى بن حاتم وعمرو بن حريث قال واحد منها ما رحمت واحدا كرحمى على بن ابى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) رايته حين اتى به الى بيعة الأول فلما نظر الى القبر قال يابن ام ان القوم استضعفونى وكادوا يقتلونني فقال بايع فقال ان لم افعل قال اذا نقتلك قال اذا تقتلون عبد الله واخا رسول الله فبايع واصابعه مضمومة.

فاما حديث عزمهم بتحريق دار اهل البيت وضرب فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) ووقوع السقط يجيئ في باب الثانى انشاء الله تعالى.

وقالت فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) لما منعت فدک و خاطبت الانصار فقالوا يا بنت رسول الله لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا له ما عدلنا بعلى احد فقالت وهل ترک ابی یوم غدير خم لاحد عذرا.

وفى حديث العايدات عن فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ)الا هلم فاسمع وما عشت اراك الدهر عجب فقد اعجبك الحادث فى اى لجاء اسندوا وباى غمرة تمسكوا لبئس المولى ولبئس العشير وبئس للظالمين لا استبدلوا الله الذنابى بالقوادم والعجر بالكاهل فرغما لمعاطس القوم يحسبون انهم يحسنون صنعا الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ويحهم افمن يهدى الى الحق احق ان يتبع، الآية.

منصور الفقيه:

سبحان مهمل من يقول *** بان آل ابی قحافة

اولی واحری حرة *** من آل احمد بالخلافة

و انکر ذلك من لم يطمع فيها من الطلقاء كما تقدم من ابوسفيان وغيره حتى تعدى ذلك الى ارتداد الاعراب حتى قال بعضهم:

اطعنا رسول الله اذا كان بيننا *** فيا عجبا ما بال دین ابی بکر

للابيات واشنع الامامة القصة.

وزعم ان بيعة ابى بكر كانت اجماعا فا جماع لم يدخل فيه اميرالمؤمنين والعباس وبتنو هاشم جميعا وخيار الصحابة انما توكن فرقة.

مهیار:

وفيم صير تم الاجماع حجتكم *** والناس ما انفقوا طوعا وما اجتمعوا

وامر على بعيد من مشورته *** ستكره فيه والعباس يمتن

وتدعيه ريش بالقرابة و *** الانصار لا رفعوا فيها ولا وضعوا

وای خلف كخلف كان بینکم *** لولا تلفق اخبار وتصطنع

الحميري:

بای عذر رام باية حجة *** خلعوا الوصى وبايعوا التيميا

اوما من العدوان ان عدلوا *** لها من هاشم وتورثون عديا

اوليس من جلل الخطوب يحكم

ابن صهاک فیها عودة وبديا

اوليس داعهية بان اوصى به *** شورى فكان له الطريق مضيا

ابو القاسم المغربي:

الا ان امرا کان ابرم آنفا***وان قال قوم فلتة غير مبرم

باسیاف ذاك البغى اول مثلها *** اصيب عليّ لا بسيف ابن ملجم

وبالحقد حقد الجاهلية انه *** الى اليوم لم يطعن ولم ينصرم

وبالثار في بدر اريقت دمائكم *** وقيد اليكم كل اجرد صلدم

مهیار:

ولم تنزع الامر من اهله *** لان عليا له اهلا

وصاورا يخطون فى اهله *** بظلمهم کلکا کلکلا

تدب عقارب من کیدهم *** فتفتنهم اولا اولا

امیة لابسة عارها***وان حقق الثار او حصلا

ويم السقيفة يابن النبی***یطرق یومک فی کربلا

فخانک فیه من الغادرين *** من غیرالحق او بدلا

الی ان تحلت بها تیمها***واصبحت بنو هاشم عطلا

ولكما سری امرتیم فطال *** اثبت عدى له الاحبلا

و مدت امية اعناقها *** وقد هون الغصب واستسهلا

فقال ابن عفان ما لم يكن *** يظن ومانال بل قولا

ولما امتطاها علی اخوک *** رد الی الحق فاستقبلا

و جاؤوا يسومونه قاتلين *** و هم قد ولوا ذلك النعثلا

احمد بن عمر بن ابی عاصم قاضی اصفهان قال حدثنا ابوكبر بن شيبة عن محمّد بن بشير العبدى عن عبدالله بن عمر بن زيد ابن اسلم عن ابيه في خبر انه لما قال ابوبكر السعد بن عبادة قعدت عن بيعتى وقد بايعه المهاجرون والانصار.

قال وقد قعد عن بيعتك من هو خير منك ومنا ابن عم رسول الله صلى الله عليهما وزوج فاطمة وابوالحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وما دعيت الى نفسى الا بعد ما رايتكم قد دفعتموها عن اهل بيت نبيكم فلما فعلتم ذلك قلت منا امير ومنكم امير اذ دفعتم صاحب حق عن حقه والفضل في اربع خصال السبق والعلم والجهاد والقرابة في كلام له.

فقال ابوبکر اتريد ان بعتک بی فقال لا والله ما اريد ذلك ولا يريد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عرفه ذلك واعلمه ان سيكون بعده ما قد كان وامره بالجلوس ابوبکر جرى هذا الامر وليس يمكن نقضه فجاملونى وكفروا السنتكم عنى كما كففتم ايديكم فقال صبر جميل والله المستعان.

البشنوي:

يوم السقيفة كانت من نتيجته *** تلک الوقایع في صفين الى الجمل

حتى راسا حريم المصطفى سلبا

و ابن النبی قتیل الطف بالاسل

فصل في ظلامة أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)

سئل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله تعالى: وَ أَقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَ مَكْرَ السَّيِّي (1)حين مرض على بن ابی طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عاد ه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعاده الناس فقال عمر لابي بكر تساءل رسول الله قد كنت عهدت الينا على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانه لنراه لما به فان حدث به حدث فما تامرونا به فاعرض عنه حتى اعادها ثلاثا فقال لن يموت حتى تميلانه غيطا وتوسعانه غدرا وتجدانه بعد ذلک صابرا خاطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال ما لنا ولقريش وما شكر منا قريش غير انا اهل البيت شيد الله فوق بنيانهم بنيانا واعلا فوق رئوسهم رئوسنا الله عليهم فنقموا علسيه ان اختارنا عليهم الصحف والدين وورثنا هم الدين فوثبوا علينا وجحدوا فضلنا ومنعوا حقنا والبونا اسباب اعمالنا واعلامنا اللّهم انى استعديك على قريش فخذ لي بحقى منها ولا تذدع مظلمتى وطالبهم يا ربّ بحقثى فانک الحكم العدل وان قريشا صغرت عظیم قدرى واستحلت المحارم متى واستخفت بی وقهرتني على ميراثى من ابن عمى واغروا بی اعدائى وتروا بيني و بين العرب وسلبونى ما مهدت لنفسى من لدن


1) فاطر: 42-43.

صبای بجهدى وكلّى ومنعوني ما خلفه اخى وشقيقى وقالوا انك لحريص منهم أليس بنا اهتدوا من متاة الكفر ومن عمى الضلالة وغى الظلماء وليس انقذتهم من الفتنة الصماء والمحنة العمياء.

ويلهم ألم اخلصهم من نيران الطغاة وكثرة العتاة وسيوف البغاة ووطأة الاسد ومقارعة الطماطمة ومماحكة القماقمة الذين كانوا عجم العرب وغيم الحرب وقطب الاقدام وجبال القتال ومنهام الخطوب وسبل السيوف أليس بي تسنموا الشرف ونالوا الحق والنصف ألست اية نبوة محمّد ودليل رسالته وعلامة رضاه وسخطه الذي كان بي يقطع الدرع الدلاص واصطلم الرجال الخراص وبي كان يفرى جماجم اليهم وهام الابطال الى ان فرغت تيم الى الفرار وعدى الى الانقكاص.

اما واني لو سلمت قريشا للمنايا والحقوف وتركتها لحصدتها سيوف الغواة ووطأتها الاعاجم وكرات الاعادى وحملات الاعالى وطحنتهم سنابک الصافنات وحوافر الصاهلات ومواقف الازل والهول فى ظلال الاعنّة وبريق الاسنة وما بقوا لهضمى ولا عاشوا لظلمى ولما قالوا انك لحريص متهم اللّهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق فانی مهدت مهاد نبوة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ورفعت اعلام دینک و اعلنت منار رسولک فوثبوا على وعالونى ونالوا منى وترونى.

قال لا يحق اخذا ولا على دين مضيا ولا فتنة خشيا.

ثم قال بعد كلام انما نطق لكم العجماء ذات بيان والخرساء ذات البرهان الا وانى فتحت الاسلام ونصرت الدين وعززت الرسول وبنيت اعلامه واعليت مناره واعلنت اسراره واظهرت اثره وحاله وصفيت الدولة ووطأت للماشي والراكب ثم قد نها صافية على انى مستاثر.

ثم قال بعد كلام فسبقا ان لى جميع نهاية الميدان يوم الرهان وما شككت في الحق منذ رايته و هلک قوم رجعوا عنى.

ثم قال بعد كلام فقاتلت حق القتال وصبرت حق الصبر على ان اعر تيما وعديا اتت به تیم وعدی اعم لی دیناتی به ابن عمى وامامي وانما قمت تلك المقامات واحتملت تلك الشدائد وتعرضت للحتوف على ان نصيبي من الاجر موفّر وانى صاحب محمّد وخليفة محمّد امام امته بعده وصاحب رايته في الدنيا والآخرة.

اليوم اكشف السريرة عن خفى واجلى الثقذلي عن ظلامة حقى.

ثم قال يا اهل اللب والمعرفة انى مذل مضطهد مظلوم مغصوب مبتور محقور وانهم ابتزوا حقى واستاثروا بميراثى.

ثم قال بعد كلام يا معشر المهاجرين والانصار اين كانت سبقة تيم و عدى الى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة يوم الانواء اذ تكاثفت الصفوف وتكاثرت الحتوف وتقارعت السيوف ام هلا خشيا فتنة الاسلام يوم عيد وداد اذ شمخ بانفه وطمح ببصره ولم يشفقا على يوم رضوى اذا السهام تطير والمنايا يسير والاسد تزير وهلا بادرا يوم العشيرة اذ الاسنان تصطک والاذان تستک والدروع تهتك وهلا كانت مبادرتهما يوم بدر اذ الارواح فى الصعداء يرتقى والجياد بالصناديد ترتدى والارض من دماء الابطال ترترى ولم لم تشفقتا على الدين يوم بدل الثانية والدعاس يرعب والارواح تشخب والصدور تخضب أو هلا بادرا يوم ذات اللبوث وقد اصطلم السرقب وادلهم الكوكب والعيون تدمع والمنية تلمع والصفاح ترقع.

ثم عدد وقايع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقرعهما بانهما كانا في النظارة ثم قال: ما هذه الدهماء والدهياء ووردت علينا من قريش انا صاحب هذه المشاهد وابو هذه المواقف وابن

هذه الافعال الحميدة يا معشر المهاجرين والانصار اني على بصيرة من امرى وثقة من دينى انطلقت الخرساء البيان وفهمت العجماء الفصاحة وابينت العمياء بالبرهان هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم قد توافقنا على حدود الحق والباطل اخرجتم من الشبهة الى الحق ومن الشك الى اليقين فسيروا رحمكم الله فمن نكث البيعتين وغلب الهوى عليه فضل وابعدوا رحمكم الله.

فمن اخفى الغدر وطلب الحق من غير اهله فتاه العنوا رحمكم الله من انهزم الهزيمتين. ثم قال بعد كلام ان قريشا طلبت السعادة فشقيت وطلبت النجاة فهلكت وطلبت الهداية فظلّت ان قريشا قد اضلت اهل دهرها ومن ياتي بعدها من القرون.

الناشي:

فلم لم یثور وابيدر وقد *** قوى القوم اذ بارزوک

ولم عردوا اذ شحنت العدی***بمهراس احد د ولم نازلوکا

ولم اجحموايوم يبلغ و قد***ثبت لعمر ولم اسلموكا

لم یوم الخيبر لم يثبتوا *** برایة احمد و استركبوكا

فلاقيب مرحب والعنكبوت *** واسيدا يحامون اذ واجهوكا

فانت مقدم فى كل ذا *** فلله درّک لم اخر وكا

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بسبعة ايام لما فرغ من جمع القرآن وتاليفه بعد كلام له:

ولقد تقمصها دونى الاشقيان ونازعانى فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة واعتقلاها جهالة لبئس ما وردا ولبئس ما لانفسهما مهدا تيلا عنان في منقلبهما ان يبراء كل واحد من صاحبه يقول لقرينه اذا التقيا يا ليتنى لم اتخذ فلانا خليلا لقد اضلني عن الذكر بعد اذ جائني.

وقال ابن مسعود فى قرائته لم اتخذ عمرا خليلا.

وفى رواية اهل البيت فلانا هو عمر بن الخطاب لقد اضلنى عن الذكر بعد اذ جائني وكان الشيطان للانسان خذولا.

فانا والله الذكر الذى عنه ضل والسبيل الذى له ابى والايمان الذي به كفر والقرآن الذي اياه هجر والصراط الذى عنه نكب فلان رتعا فى الحطام المنصرم والغرور المنقطع وكانا منه على شفا حفرة من النار لها على شر ورود في اخبث وقود ما لهما من راحة ولا من عذابهما من مندوحة ان القوم لم يزالوا عابدی اصنام وسدنه اوثان يقيمون لها المناسك وينصبون لها العساير يجعلون لها البحيرة والسايبة والوصيلة والحام ويقتسمون لها الازلام قد استحوذ عليهم الشيطان وغمرتهم سوداء الجاهلية فاخرجنا الله تعالى رحمة واطلعنا عليهم رافة نورا لمن اقتبشسه وفضلا لمن تبعه وعزا

بعد الذلة وكثرة بعد القلة فهابتنا القلوب والابصار واذعنت لنا الجبابرة وطواغيتها فاو لجناهم باب الهدى و ادخلناهم باب دار السلام وفلجوا بنا على العالمين وابدت لهم ايام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) آثار الصالحين مصل قانت ومعتكف زاهد يظهرون الامانة وياتون المبانة حتى تاذا دعى الله عزوجل نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يكن ذلك الا لمحة من خفقة او مبصر من برقة الى ان رجعوا على الاعقاب وانتكصوا على الادبار وطلبوا الاوتار واظهروا النكايث وردموا الباب وقلبوا الدار وغيروا آثار الرسول ورغبوا عن احكامه وبعدوا عن انواره واستبدلوا بالمستخلف بديلا اتخذوه وكانوا ظالمين وزعموا ان من اختاروا من آل ابی قحافة اولى بمقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وان مهاجر ابن ابي قحافة خير من المهاجرين والانصار الا وانها اول شهادة زور رفعت فى الاسلام شهادتهم ان صاحبهم مستخلف رسول الله.

فلما كان من سعد بن عبادة ما كانوا رجعوا عن ذفلك فقالوا ان رسول الله مضى ولم يستخلف وكان رسول الله الطيب المبارک اول مشهود عليه بالزور في الاسلام وعن قليل تجدون غبّ ما يعملون وسيجد التالون غبّ ما اسسه الاولون ولان من كان تبعه وشفا من الاجل ومدد من المنقلب وادراك من الامل فقد امهل الله شدا وعادوا سبغ عليهم نعمة ظاهرة وباطنة وامدهم بالاموال والاعمار فلما بلغوا المدة واستنموا الاكلة اخذهم الله عزوجل ومنهم من اخذهم الصيحة ومنهم من احرقته الظلمة ومنهم من اخذته الرجفة ومتا كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون الى آخر كلامه.

محمّد الموسوى

دفعت نص رسول الله عن رجل

بسيفه عند نصر الدین اعراک

اولى لكم ثم اولى غير محسنة *** حسن الذي كان في الاسلام اولاک

انکرت مولاک بل مولى الانام ومن *** يجل بالفضل عن وصف و ادراک

اخو النبى الذى لم يصيبه صنم *** ولا يدنس من جهل باشراک

ولا انثنی خوف قرن عنه يوم وغى *** بل باسل قاتل فی کل فتاک

وقد طلبناک یا تیم هناک وفی *** بدر واحد وسلع ما وجدناک

وذكر الواقدى فى كتاب الجمل وقد روى غيره من طرق مختلفة ان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين بويع خطب ثم قال: حق وباطل ولكل اهل لئن امر بالباطل لقديما فعل ولئن قل الحق لريا (1)ولعل ولقل ما ادبر شيئ فاقبل وانى لاخشى ان تكونوا في فترة وما علينا الا الاجتهاد وقد كانت امور مضت ملتم فيها ميلة كانت عليكم ما كنتم عندى


1) كذا.

فيها بمحمودين اما انى لو اشاء لقلت عفا الله عما سلف سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب تممه فى خبر طويل.

ومن نهج البلاغة: اللّهم انی استعدیک بک علی قریش فانهم قطعوا رحمى وكفروا آبائى واجمعوا على منازعتى حقا كنت اولی به من غیری وقالوا الا ان في الحق ان ناخذه وفى الحق ان نمنعه فاصبر مغموما او مت متاسفا فنظرت فاذا ليس لي معين ولا ذاب ولا مساعد الا اهل بيتى فضننت بهم عن المنية فاغضيت على القذى وجرعت ريقى على الشجى وصبرت على الأذى ووطنت نفسى على كظم الغيظ وما هو امر من الصلقم والم من جر الشفار.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): الى كم اعظى الجفون على القذى واسحي ذيلي على الاذى واقول لعل وعسى.

وله (عَلَيهِ السَّلَامُ): الشقشقية المقمصة اما والله لقد تقمصها ابن ابی قحافة وانه ليعلم ان محلى منها محل القطب من الرحى ينحدر عن السيل ولا يرقى الى الطير فسدلت دونها كشحا وطفقت ارتای بین اصول بید جذاء او اصبر على طخية عميا يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح مومن حتى يلقى ربه فرايت ان الصبر على ها تا اجحى فصبرت في العين قذى وفى الحلق شجى ارى تراثى نهبا حتى مضى الاول سبيله فادلى بها الى فلان بعده ثم تمثل بقول الاعشى:

شتان ما یومی علی کورها *** ويوم حيان اخى جابر

فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته اذ عقدها لآخر بعد وفاته فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويكثر العثار فيها ويقل الاعتذار منها وصاحبها الراكب الصعبة ان انشق لها خرم وان اسلس لها تقحم فهنى الناس لعمر الله يخبط وشماس وتلون واعتراض فصبرت على طول المدة وشدة المحنة حتى مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم انى احدهم في الله الشورى متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت اقرن الى هذه النظاير لكننى اسففت اذا سفوا وطرت اذا طاروا فصغى رجل منهم لضعته ومال الآخر لصهره مع هن وهن الى ان قام ثالث القوم نافحا حصينه بين نثيله ومعتلفه وقام معه بنو امية يخضمون مال الله خضم الابل بقلة الربيع الى ان انتكث عليه قتله واجهر عليه عمله وكبت به بطنه فما راعنى الا والناس الى لعرف الضييبع ينسالون على من كل وجه حتى لقد وطى الحسنان وشق عطفای مجتمعين على كربيضة العنهم فلما نهضت بالامر نكثت طايفة ومرقت اخرى وقسط آخرون كانهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا (1يُريدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين) (2)بلى والله قد سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا فى اعينهم وراقهم زبرجها اما والذي فلق الحبة وبراء النسمة لولا حظور الحاظر وقيام الحجة بوجود الناصر وما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة (3)ظالم ولا شعب مظلوم لا لقيت خبلها على غاربها واسقيت اخرها بكاس اولها ولا لقيتم دنياكم هذه عندى ازهد من عفطة عنز.


1) اثبتنا كلمة: لا من المصحف.

2) القصص: 83.

3) لظة، خ ل.

فنول كتابا فجعل يقراء فلما بلغ من قرائته قال ابن عباس يا امير المؤمنين لو اطردت مقالتك من حيث افضيت قال هیهات یا ابن عباس تلک شقشقة هدرت ثم قرت.

وقال الرشيد للنظام بلغنی انک لا تعرف دنیا لقولک:

اصبحت جم بلابل الصدر *** واتيت منصوبا على عمر

ان بحت ضاع دمی وان *** اسكت يضيق بذلكم صبرى

قال: فالبيت الثالث:

فما اتاه الي ابى حسن *** زفروا صاحبه ابی بکر

فقال الرشيد بعد کلام کثیر دعوناک لنستنيئك من الزندقة فاراك قد ادخلتنا في الرفض.

المعريّ:

وهى الدنيا تراها ابدا *** زمرا را واردة اثر زمر

يا ابا السبطين لا تحفل بها *** أعتيق ساد فيها او زفر

ابو الفوارس:

ان رمت تشرب من رحيق الكوثر

فاخلص یقینک في ولاية حيدر

وابراء فما عقد الولا الا البرا *** من شیخ تیم من عصابة حبتر

ودع الصهاكى الزنيم ونعثلا *** عنی ابن عفان الغوى المفترى

غيروا سبل الرشاد وبدلوا *** سنن الهداية بالشنيع المنكر

جحدوا عليا حقه وتقدموا *** ظلا عليه ولم يكن بموخر

يا من تقدم حبترا بضلالة *** كم لا يقدم يوم بدر وخيبر

فی ای قوم قدموا لملمة *** فيقدمون لذاك فوق المنبر

بالله لا ارضی اقایس منهم *** الفا بشسع من نعيلة قنبر

من يعبد الاصنام ليس بواجب *** منا نقاس بمن لها بمكسر

یا آل طه حبكم لى خية

يوم المعاد من الجحيم المسعر

البشنوي:

انکرتم حق الوصى جهالة *** ونصبتم للامر كل (1)معلم

عوجتم بالجهل غير معوج *** واقمت بالغى غیرمقوم

صبرتم بعد الثلاثة رابعا *** من كان خامسا خمسة كالانحم

ابوالقاسم بن....... (2)

ابنی لوی ابن فضل قديمكم *** ام ابن حلم كالجبال رصين

نازعتم حق الوصی ودنه *** جرم محجر مانع وحجون

فاضلتموه على الخلافة بالتي *** اردت وفيكم حدّها المسنون


1) كذا فى المخطوطات والظاهر انه كلمة كلب وبدلت بكل للشباهة.

2) لم يتيسر لنا قرائة تمام اسمه ونسبه لعدم وجوده في نسخة وذهاب شلكه الكلى من نسخة.

حرفتموها عن ابى السبطين عن *** زيغ وليس من الهجان هجين

لو يتقون الله لم يطمح لها *** طزرف ولم يشمخ ل.ها عرنين

لكنكم كنتم كاهل العجل *** لم يحفظ لموسى منهم هارون

ماذا تريد من الكتاب نواصب *** ولوا طنونا دونها وبطون

هی بغية اظللتموها فارجعوا *** فی آل ياسين قوت ياسين

ردوا عليهم حكمهم فعليهم *** نزل البيان وفيهم التبيين

فصل في شكاية الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)

الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين (1)قال يعنى المكذب بالحساب.


1) الماعون: 1.

فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُ الْيَتيم (1)قال هو عتيق وابن صهاک من منعهما الحسن والحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِم ساهُون (2)هو عتيق وابن صهاک و من تبعهما على ظلمهما آل محمّد حقوقهم. دخلت ام سلمة على فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) فقالت لها كيف اصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله؟ قالت اصبحت بين كمد وكرب فقد النبى وظلم الوصى هتك والله الذي من حجته فاصبحت امامته مقتصة على عغير ما شرعه الله فى التنزيل وسنّها النبي في التاويل ولكنها احقاد بدر وتراث احد كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة لامكان الوثبات فلما استهدف لها ارسلت علينا شئابيب الآثار من مخيلة الشقاق فتقطع وتر الايمان من قسى صدورها فليس ما وعد الله على حفظ الرسالة وكفالة المومنين احرزوا عايدتهم غرور الدنيا بعد انتصاب ممن فتک بآبائهم في مواطن الكرب ومنازل الشهادات.

وقالت (عَلَيها السَّلَامُ): لما تكلمت مع الاقلمعاشر المسلمين المسرعة الى قيل الباطل المغتصب على الفعل الخاسر افلا يتدبرون القرآن أم على قلوبهم اقفالها كلا بل ران على قلوبهم يتتابع سيئاتكم فاخذ بسمعكم وابصاركم ولبئس ما تاولتم وساء ما به اشرتم وشرّ ما به اعتصمتم لتجدن والله محملها ثقيلا وغيها وبيلا اذا كشف لكم الغطاء وبان ورائكم الصراط وبدالكم من ربكم ما لم تكونوا تحسبون وخبر هنالك المبطلون.


1) الماعون: 2.

2) الماعون: 4-5.

قالت (عَلَيها السَّلَامُ) للانصار: معاشر الفتية واعضاد التقية وانصار الدين والملة وحصنة الاسلام ما هذه الغميرة فى حقى والاعراض عن ظلامتى اما كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال المرء يحفظ فى ولده لسرعان ما احدثتم وعجلان ذا اهالة ولكم بما حاورت طاقة القولون مات محمّد فخطب لعمرى جليل استوسع وهئه واستنهر فتقه واظلمت لديكم والله الارض وتكردت الصفوة واجلبت القرحة وتفرحت السلعة والتابت خيرة الله وخشعت الجبال واكدت الآمال ووضع الحريم واديلت المتحرمة هي والله المصيبة الكبرى والنازلة العظمى لا مثلها نازلة ولا بايقة عاجلة اعلن بها كتاب الله في افنيتكم ممساكم ومصبحكم هتافا وصراخا وتلاوة والحانا ولقبله ما حلت بانبياء الله ورسله وَ ما محمّد إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (1)ابنى قبيلة اهضم تراث ابيه وانتم بمرآئ ومسمع تلبسكم الدعوة وتشملكم الحيرة وفيكم العدة والعدد ولكم الدار والجنن تقرع صحبتى اذانكم فلا تجيبون وتسمعون صختي فلا تغيثون وانتم نخبة الله التى انتخب وخيرته التي انتحل لنها اهل البيت فنابذتم العرب وناجزتم اليهم وكافحتم الامم ولا نبرح وتبرحون نامركم وتامرون حتى دارت لنا بكم رحى الاسلام و در حلب البلاد وهدءات دعوة الهرج وسكنت فورة السراب وطفيت جمرة الكفر وقرّ نفار الحق واستوثق نظام الدين فاني حرتم بعد


1) آل عمران: 144.

الغضد وكلفتم بالدعة وحججتم بالذى وعيتم فان تَکفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (1).

لا وقد قلت الذي قلت عن عرفة منى بالخلة خامرتكم ولكنها فيضة النفس وهيظة العظم وكضة الصدر ونفثة الغيظ وحوز العناء ومعذرة الحجة فدونكموها فاحتقنوها دبرة الظهر نقية الحف باقية العار موسومة الشنار موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة والحاكم الواحد الاحد.

ثم عطفت على قبر ابيها وانشأت تقول:

ماذا على من شتم تربة احمد *** ان لا يشم مدى الزمان غواليا

صبت على مصائب لوانها***صبت على الايام صرن لياليا

فلما انصرفت من عنده قال الاول للثاني تربت يداك لو تركتنى رفعت الخرق وتلاقيت الفتق الم يكن ذلك بنا احق فقال قد كان في ذلك ضعف لشانک و توهین لخلافتک ما اشفقت الا علیک.

فقال الاول ثكلتك امك انها بضعة محمّد وقد علم الناس ما دعونا اليه وما نحن لها عليه من الغدر قل هل هى الا غمرة انجلت وساعة انقضت وكأن ما قد فات لم يكن


1) ابراهیم: 8.

في كلام حتى قال قلدوني ما يكون من ذلك قال فضرب ابوبكر يده على كتف عمر فقال رب كربة فرجتها يا عمر.

ابن شاذان ابوالحسن القمى بالاسناد عن ابان بن تغلب عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لما انصرفت فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) من عند ابي بكر اقبلت على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت له يا ابن ابی طالب اشتملت مشيمة الجبن وقعدت حجرة الظنين وقصدت قادمة الاجذل فخاتک ریش الاعزل.

هذا ابن ابي قحافة قد ابتزنى نخيلة ابى وبليغة ابنى والله لقد اجد في ظلامي والد في خصامي حتى منعتنى فبيله والمهاجرة وصلها وغضت الجماعة دونى طرفها فلا مانع ولا دافع خرجت والله كاظمة وعدت راغمة ليتنى ولا خيار لي مت قبل ذلّتي وتوفيت قبل منيتى عذیری فیک الله حاميا ومنك عاديا ويلاه في كل شاررق ويلاه مات المعتمد ووهن العضد شكواى الى ربى وعدواى الى ابى اللّهم انت اشد قوة فاجابها اميرالمؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا ویل لک بل الويل لشانیک نهنهی غربک بانت الصفوة ويقية النبوة فوالله ما ونيت فى دينى ولا اخطات مقدورى فان كنت تزر اين البلغة فرزقک مضمون ولعیلتک مامون و ما اعد لك خير مما قطع عنك فاحتسبی فقالت: حسبی الله ونعم الوكيل.

ومن كلام لها صلوات الله عليها: تسرون حسوا في ارتعاء وتمشون لاهله وولده في الضراء ونصبر منک علی مثل جز المدى وحفر السنان في الحشا.

ومن انشائها (عَلَيها السَّلَامُ):

انا فقدناک فقد الارض وابلها

فاختل قومك فاشهدهم ولا تغب

قد کان بعدک انباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

وكل اهل له قربى ومنزلة *** عند الاله على الادنين تقترب

ابدت لنا رجال فحوى صدورهم *** لما فقدت وحالت دونک الترب

فلیت قبلک کان الموت صادفنا *** وليتنا نحن قد غبنا ولا تغب

ضاقت علينا بلاد بعدما رحبت *** وسیم سبطک خسفا فيه لي نصب

ابن حماد:

کفاک يجير آل بيت محمد *** اصابهم منهم اصاب واوجعا

وقفت على ابياتهم فرايتها *** خراباتا باهرة الحو بلقعنا

دعبل:

لا اضحك الله سن الدهر ان ضحكت *** يوما وآل رسول الله قد قهروا

مشردون نفوا عن مقر دارهم *** كانهم جنوا ما ليس يغتفروا

العوني:

ای ارض شئت او بلدة *** لم ترفیها لهم ماتما

حتی تولى منهم هارب *** لم یرالا طالبا هاضما

العنبري:

اذا راى فى العالمين مصيبة *** ضربت بآل محمّد امثالها

دعبل:

ان اليهود بحبها لعزيرها *** امنت حوادث دهرها الخوان

وكذا الانصار حبهم لمسيحهم *** يمشون زهوا في قرى النجران

وكذى المجوس بحبهم نيرانهم *** لا يكتمون عبادة الأوثان

والمومنون بح آل محمد***يرمون فى الآفاق بالبهتان

لا يقدرون على اذاعة سرهم *** حذرا من التشنيع والعدوان

له في ذكر الكعبة:

طبت بیتا وطاب اهلک اهلا *** اهل بیت النبي والاسلام

يأمن الطیر والوحوش ولا *** يأمن آل النبي عند مقام

فصل في أنّ فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) توفيت غضبى عليهما

صحیح مسلم وتاريخ الطبرى عم عايشة ان فاطمة ارسلت الی ابی بکر تساله عن ميراثها عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقى من خمس حمير فقال الاول ان رسول الله قال لا نورث ما تركناه صدقة انما ياكل آل محمّد من هذا المال وانا والله لا اغير شيئا من صدقة رسول الله من حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هو ولا عملن فيها بما عمل رسول الله فهجرته فلم تكلم حجتي توفيت وعاشت بعد النبی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ستة اشهر فلما توفيت دفنها بعلها عليّ صلوات الله عليهما ليلا ولم يؤذن بها ابابكر وكان لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الناس جهة حياة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) حرمة فلما توفيت استنكر عليه وجوه الناس فراى مصالحة ابابكر مبايعته ولم يكن بايع تلك الاشهر ولا اخذ من بنى هاشم فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) موعدك العشية للبيعة؛ الخبر.

وفى رواية الطبرى انه ارسل الى ابى بكر ان اتينا ولا ناتنا باحد معک وکره ان ياتيه عمر لما علم من شدة عمر القضية.

وفي كتاب المعرفة والتاريخ عن ابى يوسف النسوى وتاريخ القاضي ابي بكر احمد بن كامل وتاريخ احمد البلاذرى روى الزهرى عن عروة قالت عايشة عاشت فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ستة اشهر فلمتا توفيت صلى عليها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودفنها ولم يوذن فيها ابابكر.

ورووا جميعا بلا خلاف ان الاول قال قبل وفاته ثلاث فعلات فعلتها ووددت انى لم افعلها وددت انى لم ابعث خالد بن الولید الی مالک بن نويرة وقومه يعنى المسمين

اهل الردّة و وددت انى لم اكشف بيت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وان كان اغلق على حرب ووددت اني لم احرق الفجأة.

اقرّ على نفسه بذلك واجمعت الامة ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال من اذى فاطمة فقد اذاني ومن اذانى فقد اذان الله عز وجل.

وفي صحيح مسلم عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) انها ابنتى بضعة منى يريبني ما ارابها ويوذيني ما اذاها.

وفى البخارى عن المسود بن مخرمة ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال فاطمة بضعة مني فمن اغضبها فقد اغضبنی.

ورووا جميعا ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لفاطمة با فاطمة ان اللله يغضب لغضبك ويرضا لرضاک.

فثبت برواياتهم انهما اذياها ومنعا حقها وقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ هُمْ عَذاباً مُهينا (1)وثبت انهما كشفها بيتها وهذا اوجب غضب الله تعالى عليهما لغضبها.

وثبت بنص خبر عايشة انها ماتت غضبى على الاول فلم تاذن بالصلاة عليها وهذا لا يكون الا من غضب عظيم وثبت انها حلفت انها لا تكلم الاول والثانى حتى يلقى الله ولما حضرتها الوفاة اوصت عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يدفنها ليلا ولا يدع احدا منهمتا يصلى عليها وحسب الاول اغضابه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بغضب فاطمة لتكذيبه لها فيما ادعته.

نظم:


1) الاحزاب: 57.

فمر سال قبر النبى كئيب *** مولفة تبكى باربعه سجیم

وما كلمهم بعد حتى توفيت *** بغضتها تسرى من الغم والهم

وروى الواقدى ان فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)لما حضرتها الوفاة اوصت علياء (عَلَيهِ السَّلَامُ) الا يصلى عليهما ابوبكر وعمر فعمل بوصيتها فقالا له فى ذلك قال فانها امرتنى ان لا تصليا عليها فسكتا ورجعا.

وروى انهتا بقيت خمسا وسبعين يوما عليلة تتظلم منهما وتدعوا الله عليهما فلمتا اشتدت عليها استاذنا عليها تاذن لهمتا الجا اذن لهما امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن امرها فلم يجبهما فاستشفعا به اليها.

وروى ان ابابكر استشفع باسماء بنت عميس زوجته وكانت ربيبتها فقالت لها يا بنت رسول الله والله انى لاعلم ان الله لم يخلق اهل بیت هم افضل منكم وقد سالني ابوكبر کلامک له وله حق الزوج على المرأة تشفعيني في الاذن له فاذنت له فقال: يا بنت محمّد کلمینی قالت لا والله لا اكلمك ابدا قال فاجعلني في حل قالت لا والله لا افعل حتى القى ربي ثم احاکمک اليه.

وروى انها (عَلَيها السَّلَامُ) قالت لهما سالتكما بالله سمعتها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول فاطمة بضعة منى آذى الله من آذاها قالا نعم قالت فاشهد الله وملئكته ورسوله انكما قد اذیتمانى قوما فاخرجا عنى فوالله لا اكلمتكما بعد هذا حتى اقف انا وانتها بين يدى الله عز وجل ان

ابی رسول الله اخبرنى انى اول اهل بيته لحوقا به فوالله لاشكوكما اليه فقاما وخرجا وقالا يا ابا الحسن بنت رسول الله لما بها فاذا كان من امرها شيئ فآذناه بها فاستدعته وقال يابن عم امال من الحق ما تقبل وصیتی قال بلى قالت نشد تک الله ان لا اذنتهما بامرى ولا احضرتهما الصلاة على قال افعل فلما قضت نحبها نظر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تجهيزها ومعه الحسن والحسين واحخرجهما الى ابيها صلى الله عليهم اجمعين ليلا وجلس اميرالمومنين من الغد بالباب فحضر العمر ان ينتظران اخراجها فيمن حضر فقام اليهما عقيل وقال لهما ان ابنت رسول الله قد اخرجت البارحة فقاما مغضبين واقبلا على عتاب امير المومنين فقال لهما لم يكن لهما من الحق ما اقبل وصيتها قالا بلى قال فانها اوصتنى الا احضر كما للصلاة عليها ولا دفنها فخاصماه.

وروى ابوبکر بن مردويه باسناده عن سفيان عن معمر عن الزهري عن عائشة قالت توفيت فاطمة فدفنها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليلا وصلى عليها ولم ياذن ابابكر.

وروى الواقدى انه قال عمر لقد هممت ان اخرجها ثم صلى عليها فقال على اما ما ثبت قائمة فى يدى يعنى سبفه فلا يكون ذلك ولا نعمة عين اذ اموت دونه فالتفت عمر الى ابى بكر فقال لو تركتنى لقاربت ما بين رجليه فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو رمت ذلک یا ابن السوداء لانقلعت حنادل صم قفاك فقال ابی بکر یا عمر لقد خلينا من هو خير من فاطمة يعنى النبى او ترکناه فولیه دوننا.

وفى رواية الثانى قال لقد هممت ان انبشها واصلى عليها فغضب اميرالمومنين من ذلك غضبا شديدا لم يغضب مثله فى ساير ما كان منهما اليه وقال يا ابن السوداء تنبشها ثم جذب من سيفه شبرا وقال والله لو هممت بذلک ففرقت بین راسک وجسدک فسکنه ابوبکر.

وفى كتاب الانوار ان القوم اصبحوا الى البقيع فوجدوا فيه اربعين قبرا جديدا فشکک قبرها من ساير القبور فضجوا ولام بعضهم بعضا فهموا نبشها فخرج اميرالمومنين مغضبا قد احمرت عينا وودرت اوداجه على بدنه قباه الاصفر الذي مان يلبسه في يوم الكريهة متكيا على سيفه ذو الفقار حتى ورد البقيع فسيق الناس النذير فقال الهم هذا على بن ابى طالب قد اقبل كما ترون يقسم بالله لئن بحثتم من هذه القبور شيئا لبغبغن على غابر الامة السيف فتول القوة.

الحميري:

ولو جمعتنا جنة الخلد لم اكن *** لا لقاهما فيها ببشرى ولا بشر

لما ظلما بنت النبي محمّد *** صرا جامع اعوان الخيانة والغدر

فاطم قد اوصت بان لا يصليا *** وان لا يقربا من رحا القبر

عليا ومقدادا وان يخرجوا بها***رويدا بليل في سكون وفي سير

فما قصرا عن حد ما امرا به *** ولا يجاوزاه قيل شبر ولا فتر

سلامة الموصلى:

لما قضت فاطمة الزهراء غسلها *** عن اذنها بعلها الهادى وسبطاها

وقام حتى اتى بطن البقيع بها *** لیلا فصلى عليها ثم واراها

ولم يصل عليها منهم احد *** حاشا لها من صلاة القوم حاشاها

حتى اذا اصبح القوم الداة اتوا *** بعل البتول ولم يدروا بمثواها

قالوا له يا ابا السبطين ما فعلت *** بنت النبي فانا قد فقدناها

اجابهم لحقت بالمصطفى فملوا *** عليه غيضا وحقدا حين اخفاها

قال قائلهم سر الصاحبه *** لولا المخافة منه ان نبشناها

فعندها هزّ مولایی ابو حسن *** صمصامة المصطفى هزا واشاها

وقال والقلب منه قد....

اذن ابيد قريشا في محافلها *** من البرية ادناها و اقصاها

ابن حماد:

وقد اوصت ابا حسن عليا *** بحقى ان علا الارجاس يغشى

فغسلها الوصي ابا حسين *** و واراها وجنح الليل مغشى

وقال دلام فى غداها هلموا *** لنظهرها ببحث او نبشی

فجرد ذو الفقار علی غیضا *** وقال عساک افني كل وحشی

اینبش بنت احمد كل نعل *** عتل ارزق العينين حيشی

فاخر سهم ولو احرف لبث *** اباد لبوثهم بظنی و همیش

صاحب النظم والنثر:

وجاء وابعد ذاك الى على *** حرانا فى ثياب الشامتينا

فقالوا این فاطمة نصلى *** عليهایا امير المؤمنينا

فقال دفنتها في جنح ليل *** وانتم فى المدينة غافلينا

فقال فاین تربتها ففيها *** شفاء من هموم يعترينا

والا بعثرت من قبل نشر *** قبور معاشر دفنوا سنينا

وتحدث سنة في الناس تبقى *** بها تجرى صلاء الكافرينا

فابرز ذوالفقار على عليهم***فولوا بالمذلة راجعينا

وجاء في رواية ان الثانى قال اطلبوا قبرها حتى ننبشها سرا و نصلى عليها فطلبوه فلم يجدوا

فصل في نفي المساواة بين علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبينهم

كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اولى الناس بالنبى اصلا واكرم الناس نسلا وانجب الناس ولادة واقوى الناس بدنا واسمح الناس نفسا واجرى الناس جنانا (1)وابراء الناس من عبادة صنم واتقى الناس لم يذق مما ذبح على النصب واثبت الناس في الحرب ولا يفر منها قط.

وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يشد به الظهر وهو ادخل الرعب في قلوب الكافرين ولم يحتج الى مشاورة في حكم ولم يفتقر في توزيع قسمة ولم يستنكف العرب عن امرية والمخصوص بسكنى المسجد والطاهر المطهر واوفى الناس من انفسهم فلا تحب الامومنا ولا يحبه الامومن ولا يبغضه الا منافق وحبه ايمان ولم تخش الا الله ولم يعمل الا على اليقين وكان اصدق الناس لهجة وانطق لسانا واتم الناس بيانا واعلم الناس علما وافقه الناس فقها واحلم الناس حلما ولا يحكم الا بما يدرى.

وفى هذه الخصال عليّ اولى الناس به دون غيره فكيف استجزتم ان تفرقوا بين اخي رسول الله وبين اخى عمر استجاز ان يفرق بين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبين غيره فليتامل المتامل.

فانهم اصلح للامامة هذا الذى جعله الله اماما عليه فلم يستعن عليه في شيئ من احواله فلذا من افلاذ الجبال فى قوة جسمية مع اجتماع قلبه وحدثه في المناهزة والكياد عند المسابقة وصحة تدبيره ثم قرن به المعرفة والديانة والعلم والحكمة والنطق


1) جبانا، خ ل.

والبلاغة فاحتاج البلغاء اليه فى فصاحته والادباء لبراعته والناقلة لفقهه والمرتادون لقياسه والمتكلمون لحجاجه الحكماء لبواطنه والمستنبطون لكرامته ولا يعلم الناس اذا كان ابعدهم من الشرك وكانت الطيبات للطيبين مثل صهره وزوجته واولاده ام من لم يفهم حدود الصلاة ولا يحكم بين المحكم والمتشابه الى ان مات وفر في المواضع كلها وانقضى اكثر ايامه فى الكفر ولو قيل لابي بكر اتوثر ان النبي كان ریاک وشملتک برکته لقال وددت ذلك لو قيل لعلى اتحب ام لو كان ذلك لغيرك لتعوذ منه ولو قيل له اتود لو كانت فاطمة زوجتك والحسن والحسين ولداک وحمزة عمک وجعفر اخوک وابوطالب ابوک و عبدالمطلب جدّك ورسول الله حموك وخديجة حماك لقال وددت ذلك ول قيل لعلی مثل ذلك لتعوذ منه ولو قيل لابي كبر اتحب ان تکون نفسک نفس رسول الله في المباهلة وتكون داخا رسول الله في يوم المواخاة لقال وددت ان لو كان ذلك ولو قيل لعلى لو كان جميع ذلك لغيرك لاستعاذ منه ولو قيل له اتوثر انه نزلت فيك آية التطهير لقال من لي بذلك ولو قيل لعلى اتوثر ان تخص بذلک غیرک لتعوذ وهكذا في ساير مناقبه.

ويقال انه احتكم رجلان تخاصما في افضل الناس بعد رسول الله الى السيد الحميرى فقال احدهما انا اقول انه على بن ابى طالب فقال السيد الحميري واي شيئ يقول هذا ابن الزانية فضحك الزاهي:

وجاهل يسالني ما الذى *** انکرت فى الاول من عار

والكل يحكون المستبصر

نفسا بدا فى وجه دينار

فقلت کلا يس هذا لمن *** اغضب اخيارا باشرار

يش اخو المختار علما كمن *** لم يك في العلم بمختار

ليس الذي بات على فرشه *** كخائف فى ليلة الغار

ليس الذى لم يطو غدرا به *** كناكثه بالعهد غدار

ليس الذى يحين عند الوغى *** كفارس فی الحرب کرار

ليس اخو جهل كذى خبرة *** يعلم اکوار وادوار

لا تفرن المنكوس فی فى غيه *** لصاعد في القدس طيار

ولا يواری بهجیر القلا *** ضلال جنات وانهار

هذا محال حين قايس

بالساكن دار صاحب الدار

العبدي:

أ أرتضى بعتيق من ابي حسن *** اذا رضيت بسوء ماللیک و الخسف

والله لو قاس تيما كلها احد *** بشسع قبر لاسترجعت من انفى

يا شيعة الجبت والطاغوت انكم *** اذا اعتبرناكم خمر بلا اكف

ان الخنازير ما واها الحشوش کما***ان الكلاب مكبات على الجيف

برئت من ظالم الزهرائ فاطمة *** وغاصب اول الحق منحرف

وله:

قال لمن قاس الوصى بمن *** لم يزل والنقص فى قرن

قیست من خان النبى بمن *** لم يخل من الخيلاء ولم يخن

ابعبد اللات قست فتی *** ماحقا يوما على وثن

ام بشمس النهار قست عمی *** مثل يوم الحندس الدجن

مهیار:

اعتيق كعلی فــ *** ـی التحام واشتیاک

ام طليقون استرابوا *** عن خبيثات الركاک

خسرت صفقة قوم *** وزنوا هذا بذاک

السيد:

ان قلت ان عليا عند خالقه *** خیر غدا من ابى بضر ومن زفر

انی و من این انکر تم فقدتكم *** قولى فانكم شر من الحمر

البرقى:

وقايسوا بعلى لا ابا لهم *** من راسه لا يستوى نعل سلمان

وقدموا ابا بضر وقد علموا *** بانه عاجز عن حملها وان

ابن طوطي الواسطى:

يا معشر خانوا عهود نبيهم *** فضاعت وصاياه لهم وتخيروا

جحدتم بها واستفتيها بفوسكم *** فنكرتم المعروف والعرف تنكر

على ظالميه لعنة الله دايبا *** تروح عليهم بالعذار وتنكر

ايجعل خيرا من على ظلالة *** عتيقا وخير منه لا شک قنبر

العوني:

يا ذا الذي اضحی بقایس دایبا *** بين الرجال فيقسم الاقسام

خل النبي محمّدا ووصيه *** و ابنیه عنک و دونک الاقواما

مهلا تقيس الى الوصى بفضله *** من ليس يصلح للوصى غلاما

وله:

وصى محمّد واخوه اولی *** به من کل افاک اثیم

وفضل وصى محمّد والمساوى *** به فضل الكريم الى اللئیم

وبين المقرنين اليه افكا *** ما بين السفيه الى الحليم

ابن حماد:

من يقيس به من لا يقاس الى *** تراب قنبر قم فاعضض على الحجر

به اغز له الخلق دعوته *** فى الارض لا بابی بکر ولا زفر

وله:

عجبت لذى جهل به وبفضله *** ولكنه غاو على قلبه قفل

یقیس به من لست ارضی بعبده *** يكون له من حيدر راسه نعل

ابن الرومي:

اتانی فعلا لجنة لو اقستها *** بخرطوم فيل كان ازری و انقصا

فقال وتحت القول من خشونة *** وما كنت عنه في الخصام لانكصا

جعلت عليا في الخلافة قد علا *** عتيقا وتاليه الوزير المحفصا

فقلت له كلا وكيف يكون ذا *** وكيف اقول الدر او في من الحصا

متى ما اقل مولا افضل منهما *** كن للذى فضلته متنقص

الم تر ان السيف يزري بحدة

مقالك هذا السيف امضى من العصا

العوني:

وهل يقاس حیدر بحبتر *** وهل يقاس الارض جهلا بالسماء

هل يستوى المومن والمشرك *** والمعصوم من معصية ومن عصا

هل يستوى من كسر الاصنام *** والساجد للاصنام كلا الاسوا

هل يستوى الفاضل والمفضول *** ام هل يستوى شمس النهار والدجى

آخر:

عقدی و دینی وضميرى الذى *** ارجو به فوزني لدى الحشر

ان علی بن ابی طالب *** افضل عندى من ابى بكر

ومن اخيه عمر بعده *** وثالث القوم ابی عمر

آخر:

ياويل فصابت الانام لقد *** تتابعوا في الضلال بل تاهوا

قاسوا عتيقا بحيدر سخنت *** عیونهم بالذى به باهوا

کم بین من شک فی هدایته *** وبين من قيل انه الله

فصل في انّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) افضل منهم

ان الله تعالى قد نهانا عن متابعة سبعة:

النفس ان النفس لامارة بالسوء الهوى ولا تتبع الهوى الاصنام انكم وما تعبدون من دون الله الشهوة ويريد الذين يتبعون الظلمة ولا تركنوا الى الذين ظلموا الشيطان ولا تتبعوا خطوات الشيطان الغادة الباطلة ولا تتبعوا اهواء قوم قد ضلوا الدليل على ان مولى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) افضل منهم وهو ان اسامة مولى رسول الله وهو مولى على بن ابى طالب من وجهين احدهما من مولى لرسول الله فهو مولى لعلي لانه ابن عمه من حيث الولاء الذى يملک ویورث والوجه الاخر ان كان مولى رسول الله من الولاء فى الدين الذي يكون الرسول اول من نفسه فان عليا مولاه كذلك بما جعله له على

الامة يوم الغدير بالاجماع وقد ثبت ان النبى قدم اسامة على جيش فيه الأول والثاني والثالث واكثر الصحابة قبل موته.

حدثنا الواقدى عن ابى الزياد عن هشام عن عروة عن ابيه وحدث ايضا عن محمّد بن عبدالله بن عمير عن عمرو بن دينار قال كتان منهم الاول والثاني.

وروى الزهرى وهلال بن عامر ومحمّد بن اسحاق عن محمّد بن جعفر عن عروة نحو ذلک وروی جابر عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحوه وروى محمّد بن اسامة عن ابيه مثله وذكر البلاذرى فى تاريخه ان ابابكر وعمر كانا معا في جيش اسامة.

وذكر الطبرى ان عمر كانت تحت راية اسامة.

وذكر ايضا ان النبى امر عمرو بن العاص بابي عبيدة بن الجراح على المهاجرين والانصار فيهم ابوبكر وعمر في ما بين وكانوا جميعهم خمس مأة وان عمر وصل بالناس.

وروى الطبرى والبلاذري في تاريخهما بالاسناد عن ابن عمر انه طعن بعض الناس في امارة اسامة فقال سلام ان تطعنوا فى امارته فقد كنتم تطعنون في امارة ابيه من قبل وايم الله ان كان نحليقا للامارة.

وروى نقلة الاخبار ان الاول والثانى كانا يسلمان على اسامة في حال خلافتهما بالامرة.

شا الله عليه واله

وروى ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان تعالج سكرات الموت وتقول نفذوا جيش اسامة فاعلموا انه رافضي.

وفى كتاب العقد انه اختصم اسامة مع عمرو بن عثمان فى حايط من حوائط المدينة بين يدى معاوية فقال عمر و يا اسامة اتنكر انک مولای فقال حاش لله والله ما يسترنى

ننسی فیک ولایی برسول الله اشرف من امية وما ولدت فقال عمرو يا ابن السوداء فقال اسامة ان كانت سوداء فهى خير من امك لانها مولاة رسول الله وقد بشرها بالجنة وانها كانت تخبر بفضائل رسول الله قبل مبعثه وابي والله خیر من ابیک ابی زید بن حارثة حب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و من.... ورباه وقتل شهيدا في طاعة الله وطاعة رسوله وقد مضى رسول اللهوانا امير على ابیک و صاحبيه المتقدمين له فاياى تفاخر يا ابن عثمان قتيل مروان.

فقال عمرو لبني امية ما تسمعون ما تقول العبد فقام مروان فجلس عن يمين عمرو وقام الحسن بن على (عَلَيهِما السَّلَامُ) فجلس عن يمين اسامة فقام سعيد بن عاص فجلس مع عمرو فقام الحسين بن على هاما فجلس مع اسامة فقام عبدالرحمان بن الحكم فجلس مع عمرو فقام عبدالله بن العباس فجلس مع اسامة فلما نظر معاوية الى الفريقين خشى ان يتعاظم الامر فقال عندى علم هذا الحايط اشهد ان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اقطعه اسامة فاقبضه یا اسامة فنهض الاسامة والهاشميون وبقى الأمويون مع عمرو.

وقالوا لمعاوية: والله ما شهدت رسول الله اقطعه اسامة ولا كان شهادتك الا زورا فقال معاوية: ذكرتهم يوم صفين.

وروى ان الثانى قال للاول اكتب الى اسامة يقدم عليک فان في قدومه قطع الشنعة عنا فكتب اليه من عبد الله ابى بكر خليفة رسول الله الى اسامة بن زيد اما بعد فان المسلمين فزعوا الى واستخلفونى وامرونى عليهم بعد وفاة النبي واذا قرأت كتابي هذه فادخل فيما دخل فيه المسلمون واذن لفلان بن خطاب في تخلفه عنك فانه فانه لا غنائى منه وتوجه الوجه الذي وجهک رسول الله.

وفي رواية فاذا اتاک کتابی فاقبل الى انت ومن معك فان المسلمين قد اجتمعوا على وولونی امرهم فلا تخلفن فتعصی ویاتیک منی ما تكره.

فاجابه اسامة من اسامة بن زيد عامل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على غزوة الشام.

اما بعد فقد اتاني كتاب ينقض اخره، اوله ذکرت فی اوله انك خليفة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم قلت ان المسلمين قد اجتمعوا عليک و امروک علیهم وانت تعلم انى انا ومن معى من جماعة المهاجرين ما رضينا بك ولا ولیناک امرنا و انظر ان تدفع كبرك ولا تتخلف فتعصى الله ورسوله وتعصى من استخلفه رسول الله علیک و علی صاحبک ولم يعزلني حتى قبض و انک و صاحبک رجعتها وعصيتها فاقمتها فى المدينة بغير اذنى ولو كانت البيعة حقيقة كانت فى مسجد رسول الله عليه لا في سقيفة بني ساعدة وسالنى ان اذن لعمر في تخلفه عنى ومالى ان اذن له فقد اذن لنفسه قبل ان اذن له ومالى ان اذن له ولاحد امره رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالشخوص معى الى من اشخصني اليه وما امرک في تخلفک وامر عمر في تخلفه الا واحد ولیس بینک و بینه فرق ومن عصى رسول الله بعد وفاته فهو بمنزلة من عصاه في حياته وقد امرك و عمر بالمسير معى ورايه لكما خير من رايكما لانفسكما وما خفى عليه موضعكما وقد ولى عليكما ولم يولكما وعصيانه نفاق وكفر فهو الاول ان يخلعها من عنقه فقال الثاني لا تفعل قميص قمصك الله لا تخلعه فتندم ولكن الح على اسامة بالكتب ومر فلانا وفلانايكتوبون اليه ان لا يفرق جماعة المسلمين وان يدخل المدينة معهم فيما صنعوا ولا يشمل الاسلام فتنة من قبلك فانه حديث عهد بالكفر.

وروى انه لما نادى ابوسفیان (1)لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يغسل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعثوا الى عكرمة بن ابى جهل (وعمومته الحارث بن هشام) (2)ووجهوا اليه وبعثوا الى ابى سفیان فارضوه بتولية يزيد قال وخرج اسامة بذلك الجيش حتى انتهيعزله واستعمل مكانه يزيد اخا معاوية.

فلما قدم اسامة بعد اربعين يوما قام على باب المسجد ثم صاح يا معاشر المسلمين عجبا لرجل استعملنی عبليه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيتامرني على وعزلني.

وفي حديث الواقدى عن اسماعيل بن ابی خالد عن قيس بن ابی حازم انه خرج الى الغزو ورجع بعد اربعة اشهر ولامته لوما كثيرا.

فالامة مجمعة على ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فى وقت وفاته ولى عليه وعلى صاحبه وعلى جماعة من المهاجرين والانصار وامره بالمسير تحت رايته وهو امير عليهم الى بلاد الشام ويقال الى ارز روم (3)من اقليم فلسطين وخرج اسامة في حياة النبي بالعسكر خارجا بالمدينة واعتل النبي بعلته التي توفى فيها فلم يزل النبي يقول لينفذوا جيش اسامة حتى توفى فلما توفى لم ينفذا وتاخرا عنه واقبلا فى طلب ما استوليا عليه من امور الامة فبايع الناس ابابكر واسامة معسكر فى مكانه خارج المدينة حتى تم بيعته بعث الى اسامة ان الناس تراضوا بى ولم تجدوا لهم غنائ عنى وانا ايضا محتاج الى عمر فخلفه عندى وامضى فى الوجه الذی امرک رسول الله بالمضى اليه.


1) معاوية؛ خ ل.

2) وبعثه الى ابي سفيان الحرث بن هشام، خ ل.

3) الروم، خ ل.

فكتب اليه اسامة من الذی اذن لك بالتخلف حتى تطلب مين الاذن لغيرك ان كنت طائعا الله ورسوله فارجع الى مركزك الذي اقامك فيه رسول الله.

فلم يقنع الاول معصيته فى نفسه الله ولرسوله بتخلفه عن طاعة اسامة حتى بعث ايضا الثاني على معصية الله ومعصية رسوله فلما امره من التخلف عن اسامة لان الامة مجتمعة على انه لو عصى من عصى رسول الله وخالفه فقد عصى الله وخالفه ومن اطاع الرسول فقد اطاع الله بنص الكتاب بذلك من الله تعالى.

والامة مجتمعة على ان معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته وان طاعته بعد وفاته كطاعته فى حياته وان من قصد الى معصيته ومخالفته مختارا متعمدا من غير توبة يقع منه في ذلك فقد استحق النار وانهما تركا امر رسول الله وخالفاه متعمدين ذاکرین غير ناسين ولا غافلين وهذا يوجب الكفر مطلقا وهبتهما لم يكونا في الجيش هل جهزا هذا الجيش بعد النبى أليس هو المتولى فان كان فيه فقد عصى الله وخالف رسوله وان لم يكن فيه فقد خالفه بتعطيل امره ففى الحالين جميعا عاص.

وقال الله تعالى فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُون (1)ومعصية الرسول في حياته ووفاته سواء.

توفى النبي واسامة عليهم امير والامير افضل من المامور عليه وكيف يكون الامام عليه امير.

الحميري:

وفيما قال في جيش ابن زید


1) الشعراء: 216.

فما كانوا له بالمقتدينا

وكان ختام ما اوصى اليه *** ذلك لم يكونو قابلينا

فتلک شواهد للشك فيه *** بردته افتراء المفترينا

وله:

اسامة عبد بنی هاشم *** ومولى عتيق ومولى زفر

لقد فضل الله ذاک ابن زيد *** بفضل الولاء له اذ شكر

علی زفروعتیق کما***رواه لنا فیهما من حضر

و لوکان دونها لم یکن *** لیرفع فوقهما فی الخبر

فصيره لهما قائدا *** وقال له قد سلمنا السفر

فجیشک نحو العدو الذى

بعثت اليه فلم ينتظر

وقال عتيق الا يا زفیر *** يكلفنا الغزو بعد الكبر

فولا وماتا جمیعا ولم *** يطيع اسامة فيما امر

الناشي:

افضا اسامة اذهما من جيشه *** لم يحفلوا بمقال احمد حبذا

ونسوا وصية احمد فى اهله *** وبغوا عليه تحمق ا عليه تحمقا وتمردا

غصبوا الوصى امامة مفروضة *** وهو القريب وقلدوها الابعدا

العوني:

اما روى المسرق فى الملامة *** من قال بالمفضول بالامامة

قول النبى اذ رأى حمامة *** ان انفذوا الى الجيش الاسامة

فلم ابى من انفذ المضيا *** حتى اذا ما الطاهر الطهر مضى

فقال ناعيه الى القوم قضى *** تناهض الخلاف فيمن نهضا

والطهر ما كفن بل ما غمضا *** يلقون رمزا بينهم خفيا

حتی اذا اضمهم السقيفة *** جرت خطوب بينهم طريقة

وقال من قال لفرط الخيفة *** من كل رهط فانصبوا خليفة

فاجتمعوا فالتطموا مليا *** وفاز بالامرة اهل الغلبة

بعد الوثوب بينهم والجلبة *** فبر سعد بن عبادة سلبة

فهل ترى لعقدهم من غلبة *** لم يحضروا القصة هاشميا

ابن الحجاج:

فبحق المرتضى المدفوع عن حق الامامة *** والذى من اجله لم ينفذوا جيش اسامة

منصور النميري:

ما كان ولی احمد واليا *** على على فتولوا عليه

قل لابى القاسم ان الذى *** وليت لم يترک ما فى يديه

هل فى رسول الله من اسوة *** لو يقتدى القوم بما سنّ فيه

اخوک قد خولفت فیه کما *** خالف موسی قومه فى اخيه

طاهر الجزری (1):

اول ما خولف فى اسامة *** يا امة تعجب منها الامم


1) وله، خ ل.

لو نفذوا الجيش الاسامي لما *** بويع الا الهاشمى العلم

دیک الجن:

یا لقریش ای مکر مکرها *** يهذ اركان الجبال سحرها

لفعلهم فى مرض المبارک *** و نفسه فى قبضة المهالك

والجيش قد عسكره اسامة *** وکیدهم تعمل فى الامامة

من بعد ان قال النبي مزمعا *** سيرا مع الجيش ولا تضجعا

قفا لما قال ابن زيد فامضيا *** ولا تبطيا او تابيا او مليا

فانه عليكم امیر***وفضله فوقكم من منیر

فصل في أنهم لا يصلحون للإمامة

لم يكونوا معصومين ولا افضل من رعيتهم ولا اكثر ثوابا عند الله ولا عالمين باحكام الشرع وقد اتى منهم ما الزم الكفر بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال الله تعالى لابراهيم على نبينا وآله وعليه السلام: إنّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماما (1)قال ابراهيم مسرورا ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين قال ومن الظالمون من ولدى؟ قال من سجد لصنم دونى. يدل عليه قوله: إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظيم (2)وهذا ختم من الله تعالى وانهم قد عبدواد الاوثان اكثر عمرهم.

ثم قال ابراهيم واجنبني وبنى ان نعبد الاصنام وكيف يكون من ابراهيم من عبد الاوثان اربعين سنة.

وقد قال من تبعنى فانه منى.

وفى الخيبر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) انا دعوة ابى ابراهيم.

وفى خبر فانتهت الدعوة الى والى عليّ.

وقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اطلبوا لي غلاما ما يعبد الأوثان فاتوه بزيد بن ثابت فجعل اليه كتابة الوحى فالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يجوز كتب آية من عبد صنما فكيف يجوز ان يحكم في دين الله من اشرک اکثر عمره.

الحميري:


1) البقرة: 124.

2) لقمان 13.

من ذاك ما وصف الله الخليل به*** فله يبين على الابصار (1)موقعه

لما الم فاما ما ابتلاه به *** امامة بعد ان انشاء يشرفه

فقال من خرج یا رب عهدک فی *** ذریتی هل ينفينى موقفه

فقال ليس ينال الظالمين معا *** عهدى ووعدى فيه لست اخلفه

الفضل والتفضيل عن العوني:

الم یکن فی حالة نبینا *** ثم رسولا منذرا نبيا

ثم خلیلا صفوة صفیا***ثم اماما هادیا مهدیا

کان وعند ربه مرضیا***وعندها قال ومن ذريتی

قال له لا لن ينال رحمتی


1) الانصاف، خ ل.

وعهدى الظالم من بريتي

ابنت لملكی ذاک وحدانیتی *** سبحانه ما زال وحدانيا

ابن العودى النيلي:

فو اعجبا من این کانوا نظایره *** وهل فيهم طيب كمن ليس يفهم

من این ليث ان يقاس بالسبع *** واين من الشمس المنيرة انجم

عصوا ربهم فيه ضلالا فاهلكوا *** کما هلکت من قبل عاد وجرهم

ما عذرهم للمصطفى في معادهم *** اذا قال لم مضتم علی وجرتم

وما عذرهم ان قال ماذا صنعتم *** بصفوى من بعدى ماذا فعلتم

عهدت اليكم بالقبول لامره *** فلم خنتم فى عهده وغدرتم

نبذتم كتاب الله خلف ظهوركم

وخالفتموه بئس ما صنعتم

وخلفت فيكم عترتى لهدائكم *** فلم قمتم فى ظلمهم وقعدتم

قلبتم لهم ظهر المحن وجرتم *** عليه و احسانى اليكم كفرتم

ومازلتم تطغون بالقتل فيهم *** الى ان بلغتم منهم ما اردتم

كأنهم كانوا من الروم فالتقت *** سرایا صلبا منهم فظفرتم

ولكن اخذتم من بنى ثبارك *** فحسبكم ظلما على ما اجرتم

العوني:

على الذي يسقى على الحوض في غد *** ومن قلتما فى الحوض لا يردان

على مفاتيح مفاتيح الجنان كلية *** ومن قلتما الجنات لا يلجان

علي صراط الله ملک یمینه

و من قلتما في النار ينتكسان

على موازين القصاص ولاؤه *** ومن قلتما للحق يليان

على شهيد النفس عند خروجها *** یكون فما ذا منه ينتظران

على امام المومنين وانما***اماما کما جبتان طاغيتان

على يسر الحق تحت لواده *** وشيخا كما عن ذاك منزویان

على له المهدى من لكما به *** وفاطمة الزهراء والحسنان

ايا لاية الكبرى تقيسان غيرها *** افى نباء المشهور تختصمان

افى العروة الوثقى وحبل اعتصامها *** وفلک نجاة الحق تهتريان

فصل فيما تعلقوا من الآيات فى فضائلهم

قال الله تعالى فَأَمَّا الَّذينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تأويله (1). كذَّب من زعم انهما كانا من المهاجرين الاولين لقوله: السَّابِقُونَ الْأَوَّلُون (2)لان المهاجرين الأولين هم الذين هاجروا الهجرة الاولى وهى الهجرة الى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حصاره بمكة حين حاصرت قريش بني هاشم مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في شعب عبد المطلب اربع سنين.

والامة مجتمعة على انهما لم يكونا معهم لانه كانوا فيهم بنو هاشم فقط واما الانصار الاولون فهم السبعون الذين جاؤوا الى مكة فبايعوا رسول الله في منزله في منزل عبد المطلب ليلا في عقبة وهم العقبيون فى اجماع اهل الاثر.

اما قوله: رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ هُمْ (3)فقد يمكن ان يكون ذلك خصوصا وان كان مخرجه مخرج العموم وكذلك نظايره في الكتاب لان الله لا يرضى الا عمن استقام فى طاعته وان الجنة اعدها لمن يسارع الى مرضاته.

قوله: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنين (4)وهذا اجماع نزل في عام الحديبية حين وقعت

الهدنة بين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبين قريش فخالفوا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فى امره فقالوا لا نرضى بهذا الصلح ولا نعطى الدنية في ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل فكانوا الفا وسبع


1) آل عمران: 7.

2) التوبة 100.

3) التوبة: 100.

4) الفتح: 18.

مأة رجل فاخذ رسول الله عند ذلك بيد على فجلسا عند الشجرة فاخذ المسلمون السلاح وحملوا على قريش حملة رجل واحد وحملت قريش عليهم فانهزموا وتبعهم قریش فامر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند ذلك ان يلتقى قريشا فيردها فقام على في وجه قريش وصاح فيهم فارتدعوا وقالوا يا على هل بدا لابن عمك فيما اعطانا من الهدنة قال لا فهل بدا لكم انتم قالوا لا قال فانصرفوا وصار وفدهم الى رسول الله فكتبوا كتاب الصلح بشروطها وندم اصحاب رسول الله على ما كان فيهم من الخلاف على النبى فاعتذروا اليه فاقبل النبى يوبخهم بذكر المواطن التي هربوا فيها فاظهروا التوبة فقال النبى الان فعودوا الى البيعة فقد نقضتم ما كان لي في اعناقكم. فبايعوه عند ذلك تحت الشجرة وبايعهم بيعة الرضوان فكانت هذه رضوانا بعد سخط من شيئ معلوم قد تقدم منهم يدل عليه قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهَ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفِى بِما عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيما (1)ان فيهم من ثبت وفيهم من نكث وذلك ان الله تعالى لو علم انهم ينكثوا جميعا ولا واحد منهم لما كان قوله فمن نكث فانها ينكث على نفسه حكمة اذا كان لا فائدة فيه والله احكم ان يقول قولا لا فائدة فيه.

وقد وجدنا النكث فى كثير من الروساء الذين بايعوا تحت الشجرة خاصة من الاول والثاني وذلک ان فى الخبر باجماعهم ان بيعتهم كانت تحت الشجرة على ان لا يفروا ولا ينهزموا وان اثبتوا فى الحرب حتى تقتلوا او يغلبوا كما رووا جميعا عن جابر


1) الفتح: 10.

الانصارى انه قال بايعنا رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على الموت ثم وجدنا هم في عقب ذلك قصدوا في تلك السنة بلاد خيبر القصة.

فانهزم ابوبكر ثم عمر فكان هذا اول النكث منهما من بيعة الرضوان ثم تكامل النكث من اكثرهم يوم حنين بعد فتح مكة فانهزموا كلهم وكانوا يومئذ اثنى عشر الفا فلم يثبت منهم الا ثمانون رجلا مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت تالراية واذا كانت بيعتهم تحت الشجرة المسماة ببيعة الرضوان ان لا يفروا ولا ينهزموا ثم فروا وانهزموا فليس قد نكثوا بيعة الرضوان.

العوني:

هل بيعة الرضوان الا امانة *** فاول من قد خانها السلفان

وما استوجب الرضوان من خان ربه *** فما لکما ایای تختدعان

وبئس الرفيقان الشريكان في الرخاء *** وفى ساعة الاهوال ينهزمان

قوله: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (1)وانهما كانا منهم ووقوع الرضا لمن اختص بالاوصاف التي فيها قوله فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قريبا ولا خلاف بين اهل النقل ان الفتح كان بعد بيعة


1) الفتح: 18.

الرضوان بلا فصل هو فتح خيبر وان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعث الاول ثم الثاني فرجع كل واحد منهما منهزما فغضب النبى وقال لاعطين الراية غدا رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله كرار غير فرار وكان الفتح على يدى على (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فخرجا عن حكم الآية.

قوله: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحِاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ هُمْ دينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى هُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون (1)سماهم الله تعالى خلائف وصارت الفتوح على ايديهم والجواب ان الاية مشروطة بالايمان والكلام فيه ثم الاستخلاف ههنا ليس الامامة بل المعنى بقائهم في اثر من مضى من القرون وجعلهم عوضا منهم وخلفا يدل على قوله وهو الذي جعلكم خلايف في الارض قوله عسى ربکم ان یهلک عدوكم ويستخلفكم ثم ان هذا الاستخلاف والتمكين في الذين كانا في ايام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين اعلى الله كلمته واظهر دعوته واكمل دينه وليس كل التمكين كثرة الفتوح والغلبة على البلدان لان ذلك يوجب ان دين الله لم يتمكن الى اليوم لعلمنا ببقاء مما كل الكفر فاذا اسلم ان المراد به الامامة فقال ابن عباس و مجاهد هم امة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال علماء اهل البيت انها ذلک عند قيام المهدی (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف) لانه ما كان ذلك الى ايامنا.


1) النور: 55

قوله: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتَدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَديد (1)وهو غير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لقوله فاستاذنوک فقل لن يخرجوا معى ابدا وقد دعى الى القتال بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قلنا انما اراد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليدعوكم فيما بعد الى قتال قوم اولى باس شديد وقد دعاهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد ذلك الى غزوات موته وخيبر وتبوك وغيرها وهذا غلط منهم في التاريخ.

ولهذا قال الضحاک هم ثقيف وقال ابن جبیر هم هوازن وقال قتادة هوازن وثقيف.

ولنا ايضا ان نقول هو المعنى اميرالمومنين في قتال الخوارج.

قوله: لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ المُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ (2)الظاهر فيقضى العموم وانهم تابوا فتاب الله عليهم ولا بد ان يكون توبتهم مشروطة وان الله لا يقبل توبة من نكث فيجب ان يدلوا على وقوع التوبة من الجماعة حتى يدخلوا تحت الظاهر.

قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجُمْعَانِ (3)الظاهر العموم واذا سلمنا ذلك جايز ان يحمل العفو على العقاب للعمل في الدنيا دون المستحق في الآخرة.

قوله: وَ الَّذِينَ جَاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان (4)فهذا شرط يحتاج الى دليل في اثباته للجماعة ومع هذا فهو سؤال وليس كل سؤال يقتضى الاجابة.


1) الفتح: 16.

2) التوبة: 117.

3) آل عمران: 155.

4) الحشر: 10.

قوله: محمّد رَسُولُ الله وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار (1)لنا فيها المنازعة في العموم ولو سلم العموم لم يسلم ما قصدوه لان قوله والذين معه اما من كان في زمانه وصحبته او من كان على دينه وملته والاول يقتضى عموم اوصاف الآية لجميع من عاصره وصحبه ومعلوم أن كثيرا من هؤلاء كانوا منافقين فثبت ان المراد بالذين معه من كان على دينه ومتمسكا بملته وهذا الخروج الظاهر من يد المخالف وينقض غرضه في الاحتياج به لانا لا نسلم له ان من كان بهذه الصفة فهو ممدوح مستحق لجميع صفات الآية.

قوله: اشداء على الكفار الشدة على الكفار انما يكون ببذل النفس في جهادهم والصبر على قتالهم وان لاحظ لمن يعنون في ذلك قوله الصابرين ولاصادقين والقانتين مقتضاها العموم ويليق باميرالمومنين لان الصابرين فسره الله في قوله والصابرين في الباساء والضراء وحين الياس والصادقين في قوله رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه من القتال وغيره والقانتين فى قوله أمن هو قانت والمنفقين في قوله الذين ينفقون اموالهم.

سلامة الحنيني:

قعدوا عن كل هذا جزعا *** ثم قالوا نحن اربابا الرتب

نحن اولى بالنبي المصطفى *** من بنيه واخيه في النسب


1) الفتح: 29.

وابنة الهادى الرضا فاطمة *** حقها بعد ابه يغتصب

ما لهم لا غفر الله لهم *** جعلوا الديتن الى الدنيا سبب

الكميت:

فتلک ولاة السوء قد طال ملكهم *** فحتام حتام العشاء المطول

رضوا بفعال السوء في اهل دينهم *** فقد ابتموا طوری عنایی واثكلوا

هموا حرفونا بالعمى هوة الردى *** ما شب نار الحالفين مهول

فعدلهم جور واحلم حلمهم *** سفاه وتقويهم ظلال مضلل

محمّد بن حبيب الضبي:

ان الكرام الاطهر ابن هاشهم *** وبنو امیه ارحبون لبام

لغا والغنا تیم قبلهم *** وعدنا والتابعون طغام

ارجع الی مثل الذين تقدما *** وكلاهما یوم الوعى فحجام

الغاصبين برايكم لا بيكم

ولغاطكم وكلاهما رشام

دینا جعين حجاج امكم وفی *** سمعهما عن قوله استصمام

فديان فى الدنيا كها الفلح الذى *** سميته عند الاله خصام

وكلاهما بمحمد لوصيه *** فی دفعه عن حقه هصام

بسطا سيوف بني امية فيكم *** فيها بنو العباس لیس تلام

وتحملا احرى الزمان دمائكم *** ولتلك اعباء تجل عظام

فعليهماد اللعن الاله مضاعفا *** ما لاح صح واجن ظلام

فلعابد الاصنام اعذر منهما *** وهما لاکثر من تری اصنام

والجبت والطاغوت ان عدا فما *** فيها لکم ریب ولا استعجام

فصل في ذكر ألأخبار الكاذبة فيهم

رويتم انهما سيدا كهول اهل الجنة وهذا من وضع بني امية بازاء قوله الحسن والحسين سیدا شباب اهل الجنة واجماعهم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تدخلون الجنة جردا مردا مكحلين في حسن يوسف وطول آدم وسن عيسى وخلق محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ومنه حديث الاشجعية فان زعمتم انهما يشبان شبابا فقد رويتم ان الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة من ابلاولين والاخرين وابوهما خير منهما وما علمنا جنة فيها كهول الاجنة الكفار التى هى الدنسيتا فهما سيدا الكفار لقوله الدنيا سجن المومن وجنة الكافر.

وراويه عبدالله بن عمر ومن حاله فى بغض اهل البيت معروفة وهو ايضا كالجار الى نفسه. ورويتم مثل الاول والثانى مثل جبرئيل وميكائيل فى السماء وان جبرئيل وميكائيل ملكتان الله لم يعصيا الله قط ولم يفارقا طاعته وهما قد اشركا بالله وان اسلما بعد الشرك لم. وكان اكثر ايامهما الشرك بالله فمحال ان يشبها بهما.

وقولكم انهما كانا وزيرى رسول الله فالوزارة في اللغة معونة ومعونة النبي انما تكون من جهتين للتادية والابلاغ الى الناس دين الله الذي جاء به من عنده لقوله وَلَقَدْ آتينا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هَارُونَ وَزيرا (1)وكان هارون مبلغا مع


1) الفرقان: 35.

موسی رسالات الله تعالى لقوله: اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ (1)والثاني مجاهدة الكفار وكلاهما وجدا في على (عَلَيهِ السَّلَامُ) دونهما ولا يجوز وزارته فى المشورة لانه مويد بالوحى واعلم الناس ولا فى الدنيا لانه زهد عنها.

اقتدوا بالذين من بعدى ابوبكر وعمر فلو كانت الرواية صحيحة لكان معنى ورويتم قوله بالرفع اقتدوا بها الناس فابوبكر وعمر باللذين من بعدى كتاب الله والعترة ومعنى قوله بالنصب اقتدوا باللذين من بعدى كتاب الله والعترة ابابكر وعمر ثم انهم ان يكونا متفقين من كل جهة كانا واحدا في العدد والصورة او كانا مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما.

وهذا تكليف ما لا يطاق لانك اذا قتلت بواحد خالفت الآخر والدليل على اختلافهما انه استخلف ابوبكر ولم يفعل ذلك عمر وسمى ابوكبر اهل الردة وردهم عمر احرارا ولو صح هذا الخبر لاحتجا به وقت البيعة على سعد بن عبادة ولم يكونا يحتاجان الى الاحتياج عليهم بعشيرة رسول الله وقومه.

ومن قولهم الائمة من قريش ولكانا يقولان يا معشر الانصار قد امركم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالاقتداء بها فليس لكم مخالفته احتجا به فلم يذكر ادل على الخرض ولا يوجب ايضا امامة الكل بما رويتم اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم ولا يجوز ان يقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بلک لغیر معصوم الا ترى ان الله تعالى لما امر نبيه بالاقتدائ بمن تقدم من الانبياء امنه من غلطهم اولا فقال أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (2)


1) طه: 43.

2) الانعام: 90

فبالاجماع انهما لم يكونا معصومين وكفى بذلك خزيا انه لم ينقل هذا الخبر عن غيرهم او شهادة الرجل لنفسه لا تقبل.

ثم انه لو اراد الامامة بعده لكانا امامين في عصر واحد معا وذلك لا يجوز وان كان احدهما كان اماما فيكون الخبر غير مستقيم لانه ما قدم احدهما عهلى الآخر والنبى افصح العرب وان اراد ما يرويانه بعد بعد الرسول فقد روت عايشة وانس وابسى ما الله هريرة اكثر منهما وان اراد ما تحدثانه فقد اجمعوا له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة ولم يقل الا محدثة فلان وفلان وكل محدث بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ضلال.

ورويتم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما بنى المسجد مسجد قبا فنصب قبلته ثم امر ابابكر ان يضع جرا الى جنب حجره ثم امر لعمر ثم امر لعثمان ثم قال هؤلاء ائمة من بعدى فلو كان هذا كما تزعمون لكانوا اعلموا بهذا يوم السقيفة.

وبلما قال ابوبكر قد اخبرت احد هذين الرجلين ولا اكتفى بهذا حجة وكان عمر لا يحتاج الى الشورى.

والعجب انوه امر لعلى بوضع الحجر ان كان هو من الخلفائ فبخس حقه.

ورويتم اصحابی کالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم هذا القول لا يخلوا ما قال لاصحابه وغيرهم او لاصحابه دون غيرهم ولا يصح ان يقول لاصحابه لان ذلك لا يستقيم في الكلام الفصيح وان قال لغير اصحابه هم الذين رواه فلو كان قال لغيرهم لكان قد ذكر ذلك في الخبر وكانوا يقولون ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال من اسلم من غير اصحابه اصحابی کالنجوم قلما لم يكن فيه تخصیص ظهر بطلانه ولو سلمنا انه اراد بهذا غير الصحابة فالصحابة تنازعوا بينهم حتى قتل بعضهم بعضا كمحاصرة عثمان وما كانت الصحابة الا محاصر او قاتلا او خاذلا فكان هؤلاء المهتدين وكذلك يوم الجمل ويوم

صفين فكيف الاهتداء بالاقتداء بهم فان روى خیر اصحابی کالنجوم فالاجتماع منهم ان سعد بن عبادة كتان سيد الانصار وهو من وجوه الصحابة لم يبايع لهما بل خالفهمتا وکذلک حالی علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) و سایر بنی هاشم.

ورويتم ان تولوا الاول تجدوه قويا في دين الله ضعيفا في نفسه وان تولوا عمر تجدوه قويا في دين الله قويا فى نفسه وان تولوا عليا تجدوه هادیا مهدیا یسلک الطريق بهم ولن تفعلوا ثم زعمتم امن عمر شک فیمن قال انه هادی مهدى ثم زعمتم انه قال في دعابة فمن اقام الناس على المحجة والكتاب والسنة ينيب الى اللعب والبطالة واذا شهد لرجل بقوة فى الدين والنفس وشهد لآخر بقوة فى الدين وضعف النفس فيكون عمر افضل من الاول لانه قوى فى الحالين معا وكيف تتقدم الاضعف على الاقوى.

ثم رويتم ان عمر الى كنت اباذر اذا امر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بشيئ من افعال البر الى ذلك طمعا ان اسبق ابابكر اليه فاجده قد سبقنى الى ذلك فان كان هذا الخبر صحيحا فالاول باطل.

وذكر الحاكم ان البيع فى معرفة اصول الحديث ان هذا الحديث منقطع لان عبد الرزاق لم يسمع من الثورى والثورى لم يسمع عن ابي اسحاق.

ورويتم ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال اني رايت مكتوب على ساق العرش مكتوبا لا اله الا الله محمّد رسول الله ابوبكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذى النورين. أيجوز ان يكتب الله اسم رسوله الطاهر المطهر سيد البشر على عرشه ويكتب اسماء من كانوا في عبادة الأوثان والكفر بالرحمن اكثر اعمارهم ولم يكن لرب الظالمين من الانبياء والمرسلين من يقارن بسيد الخلق.

ورويتم ان اهل الجنة ليتراون في عليين كما تترابا الكواكب الدراري لاهل الارض وان ابابكر وعمر لمنهم ولا شك ان اهل الجنة يتراون لكن هذه العلاوة زيادة وكيف يجوز ان يذكر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) جماعة من اهل الجنة من بينهم اثنين فاذا رسول الله يكونئ ظالما.

ورويتم ان الخلافة بعدى ثلاثين سنة وذلك باطل لانا وجدنا تنقص شهور من ثلاثين سنة لان النبى قبض فى سنة احد عشرة فيكون سور عشرون سنة وستة اشهر وقبض اميرالمومنين في سنة اربعين.

وادعيتم ان عليا قال على المنبر ولقد استنفر الا ان خير هذه الامة بعد نبيها الاول والثانى وهذا مستحيل من قبل ان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو علم انهما افضل ما ولى عليهما مرة عمروبن العاص ومرة اسامة بن زيد وغيرهما ولا يجوز ان يقال خير هذه الامة فلان وفلان ولو صح انما اشار الى جماعة تحت منبره وهو دونهما وارادان يرضيهم بكلام لا مضى له حتى يبايعوه والحرب خدعة هذا لقوله ما اضلت الخضرائ الخير وهو من المجاز وعن الامة المتحيرة كما قال ابوذر وسلمان ايتها الامة المتحيرة لو قدمتم من قدم الله واخرتم من اخر الله ما عال ولى الله ولا طاس بهم عن فرايض الله.

ورويتم خير امتى القرن الذى في عصرى ثم الذين يلونهم ومن تقدم منهم افضل ممن تاخر منهم وقد علما من استبصر في هذا العصر في دينه وشغل نفسه بمعرفته وبصيرته حتى عرف من ذلك ما فيه نجاته بتوفيق الله افضل من غير مستبصرة كانوا في ذلك العصر لانهم كانوا فى ارتفاع الشبهات ويرون المعجزات فكان البرهان قد قطع عذرهم والبيان قد ازاح عللهم فشتان بينهم وبين من يستبصر في دينه باخبار متضادة واقاويل مختلفة حتى ينظر ويعتبر بسهر ليله وظماء نهاره ليصل الى الحق به

اولئک بارزوا الله فى كتابه وتغيير سنن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقتل اولاده وسبّ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الف شهر.

ورويتم ان الله تعالى اطلع على اهل بدر فقال اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم فمراد النبى لا يخلوا اما انه عنا الخير او عنا الشر فان عنى الخير فهم مغفورون فلم يستانفون ثم لا يتصور ذلك في الخير اصلا وان اراد الشر فهو بموجب اباحة المحارم لهم وقوله اعلموا ما شئتم دليل على انه جعل الاختيار اليهم ان شاؤوا اكثروا منه وان شاؤوا اقلوا وذلك فضيحة.

والوجه فيه ان الله تعالى قد عقر منهم من كراهية الجهاد في هذا الموطن كما اخبر عنهم في قوله كما اخرجک ربک القصة.

ثم قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) استانفوا اعمال الخير بالطاعة وحسن التسليم وهذا يخص بمن استانف منهم اعمال الخير ومن قصر عن ذلك فخارج عن حكمه.

وهم الطايعون وشهدوا للعشرة بالجنة وان الله تعالى قد اخبرنا ان الجنة لاهل طاعته لرسول الله العاملون بامره المتبعون لسنته بقوله من يطع الرسول فقد اطاع الله وقوله ما اتاكم الرسول فخذوه واذا ثبت ذلك ثم وجدنا تسعة من هؤلاء قد خالفوا سنته وابدعوا في دينه وانكروا الحق وقاتل بعضهم بعضا كقتل عثمان وطلحة والزبير وحديث الجمل وصفين ولا يجوز من النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ان يقول مثل هذا في قوم غير معصومين لان القطع لمن ليس بمعصوم اغراء بالذنوب.

مع ثم ان الذي رواه واحد من العشرة وهو سعيد بن زيد بن نفيل وهو منزل لنفسه تزكيته لغيره وذلك طريق الى التهمة وقد ذكر ابويحيى الجرجانی امثلة ذلك في الرد على الاخبار الكاذبة.

ابوتمام الطائي:

اريني فتى لم يقبله الناس او فتى *** يصح له عزم وليس له وفر

طغی فى من عليها واستبد برايهم *** وقولهم الا اقلهم الكفر

وقاسوا وحی امرتهم وكلاهم *** دلیل اولى التقوى به الشمس والبدر

ستجدونكم استبقاوكم حلب الردى *** الى هوة لا الماء فيها ولا البحيرة

سميتم عبور الضحک خوضا فانه *** يعدونها لو قد طغى بكم البحر

وکنتم حصى من تحت قدرتها *** على جهل ما امسيت بقدرته القدر

فهلا زجرتم طاير الجهل قبل ان *** تجى بما لا ينسون به الزجر

طويتم شباب يجيزون عوارها *** فانى لها جنوا وقد حصرا النشر

فعلتم بابناء النبى ورهطه

افاعيل ادناها الخيانة والغدر

ومنم قبله احلبتم لوصية*** بلاهية دهياء ليس لها قدر

فجئتم بها بكر اعوانا ولم يكن *** لها قبلها مثلا عوانا ولا بكر

ابن حماد:

قد رضينا محمّدا وعليا *** وبنى احمد دون الاحباب

نحن في حزبهم ولسنا بنالی *** بسواهم من ساير الاحزاب

من على امامه فكفی *** شغلا به عن ائمة النصاب

مهیار:

ما لقريش وما وقتك عهدها *** و دامحتک و دها علی وحل

و طلبتک عن قدیم غلها *** بعد اخیک بالتراب والرحل

وكيف ضموا امرهم واجتمعوا *** فاشتروا الراى وانت منغول

ولیس فيهم قادح بريته *** فیک و لا فاض عليک بوهل

ولا تعد بینهم منقبة *** الا لك التفضيل فيها والجمل

ما القوم نافقوا محمدا***عمر الحياة ونعل منه الغيل

وبايعوه بقلوب نزل *** القرآن فيها ناطقا بما نزل

وما لهم عادوا وقد وليتهم *** فذكروا تلك الخزازات الادل

وبایعوك علی خداع كلهم *** باسط كف تحتها قلب تعل

ضرورة ذاک کما هددا *** من عاهد منهم احمد ثم نکل

للبعدى (1):

ولیک مولاى حق الولائ *** وعاديت شانیک الا ولا

وصاحبه الادلم الاحولا *** وعاديت من نعثلا

وخالفت من ذا وذاك العدولا *** اذا ما رای نبش قبريهما

وصلبهما فوق خدعيهما *** وعاين تحريق جبهیها

ونودى هناک باسميهما *** الا ان هذين جانا الرسول

فصل في اللطائف والنكت

الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحِات (2).


1) كذا.

2) ص: 28.

عليا والائمة من ولده؛ كالمفسدين في الارض الاول والثاني والثالث واتباعهم من الظلمة ام نجعل المتقين كالفجار.

وروى في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبِي (1)یعنى عليا والحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعني ثلاثة.

استفاض عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) انّه قال نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ونحن اول الامة محاسبون.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) انا اول من يحاسب فى الدماء فاذا كانت هذه الامة يحاسب واوّل وقعة كانت بين الموحدين والمشركين يوم بدر واول دم اهرق فيه دم الوليد بن عتبة وهو اول من بارز عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضربه على قرنه ضربة بدرت منها عيناه فاول جاث للخصومة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) والوليد والنبيون والملائكة والحجق والعدل من جهة وابليس وجنوده من جهة فيحكم الله عز وجل لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالجنة والخصمه بالنار وهو اول من يرد الجنة ويورد خصمه النار عند الحق مقدما في الآخرة ايكون عن غيره موخرا في الدنيا.

بیت:

لاستعملن السيف في كل مارق *** يقول عليّ اخر وهو اول


1) النحل: 90.

سئل عن الصندلي عن الخبر اصحابي كالنجوم فقال وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على الشمس ونور الكواكب منها الاول قال اقیلونی والثانى قال ابلونی و علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال سلوني قبل ان تفقدونی.

قال سلونی قبل فقدى قد *** ابانه عن علم علمه الباهر

لو شئت اخبرت بما قد مضی*** وما بقى فى زمن الغايب

يروون ان النبى سئل من موم القوم اذا اجتمعوا فقال اقرءهم لكتاب الله الخبر.

وقد اقررتم ان الاول لم يقراء القرآن ولم يعلم ما فيه ومن لم يعلمه كيف يكون فقيها ويعرف احكامه.

روى ابووابل كانت عايشة وقت نزع الاول باكية فتمثلت بقول حاتم:

لعمر ما نعنى السرا عن الفتى *** اذا خرجت يوما وضاقت بها الصدر

فقال يا بنية لا تقولى كذا ولكن قولى وجائت سكرة الحق بالموت، فغير الكتاب.

وجهله في قوله وفاكهة وابا او من يقول اشهد بالله لقد ذاق محمّد الموت ولم زفر جمع القرآن وافحم عن الذاريات والنازعات او من حرف القرآن وحرفه على فتى يحكم بين التورات والزبور والانجيل والقرآن.

وفي تاريخ الاشراف عن البلاذرى انه كان عمر وعثمان يرسلان الى عايشة فيسالانها عن المشئ واختار النبى للتامير على سرية فجعل كل احد يعلم من القرآن فيقولون كذا سورة البقرة فياعجبا النبى لا يجوز ان يقدم على سرية الا من كان اعلم فكيف يقدم جماعة نحو هذا شانهم.

الناشي:

ان المقلد لم يكنذا خيرة *** بعشير عشر عشير ما قلدا

قد سائلوه عن اليسير فلم يجب *** فيه جوابا يستجاد ولا اهتدى

ثم استقال فعنقوه فنصها في غيره بعد الممات واكدا ان الامامة لا يتم لمعشر تركوا نبيهم باحد مفردا وجزع الأول عند الموت فقال ليتنى تبنة فى لبنة وليتنى لم اك شيئا والثاني كان ياتي حذيفة اليمان ويساله عن نفسه أمن المنافقون وتارة الى ابن عوف وشک الشعبى فيه فقال ان الثانى كان يبكى من خطيئته.

وقد رويتم ان النبى بشرهما بالجنة فيكون هذا القول ممن بشره الصادق عن ربه الجليل الا ان يكون هذا المنار عنده كذابا لا يركن الى قوله.

وقد قال اميرالمومنين عليّ على منبر الكوفة ما ينتظر اشقيها ان يخضب هذه من هذه.

وقوله لابن عباس وقد ساله عن امتناعه من الطعام احب ان القى ربي قميضا.

وقوله وقد ضربه ابن ملجم لعنه الله فزت والله ما يرى ابوك سواء بعد هذا اليوم واشباه ذلك.

کشواذ بن املاس:

طوبى لقوم يعبدون البارى *** ويل لمن اطاع شيخ الغار

قسمة كاذب فی النار *** وجوههم مسودة كالقار

من الذى یصبح فى السعیر *** ینهق فى السعير کالحمير

یا ليتنی لم اتخذ فلانا *** كان خليل ماردا شيطانا

قد كرهوا لسادتي افضالهم*** فاحبط الله لهم اعمالهم

فلما توفى النبى كانت ورثته فاطمة وعلى والعباس وكان اسامة ولاء فلم تكن الولاء لفاطمة بالاجماع ولا للعباس لقوله الذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيئ فلم يبق الا على فالنبي اذا كان امر اسامة عليهم كانوا مولى مولى على.

الحميري:

یاتیم تیمک الهوى فتبعته

وعن البصيرة يا عدی عداک

وجمعت آل المصطفى ولوئه*** ووليته ظلما فمن والاک

و بسطت ايدى عبد شمس *** فاعتدت بالظلم على جارية مغناک

لا تحسبن لك توبة مما جری *** والله ما قتل الحسين سواك

رجل مات و ترک اقربائ و بعداء المال يصل الى البعدائ ولا يصل الى الاقربائ.

رجل مات وترك ولدا وغلاما وتركته شجرة فكيف الميراث الولد الفاطمة والغلام ابوبكر والشجرة المنبر.

البشنوي:

ما شقیت بناقتها ثمود***کما تاهت قريش فى شقاها

ولا صفت القلوص على المجاوى *** باكثر من بين الزهرائ جاها

وما انفردت بذلک عبد شمس *** فتیم مع عدى استساها

هما حجدا الولاء بدوح خم

وورز الحرب يحرم من جناها

و حازا حق ذى القربى عنادا *** لما الرحمن اوحیة سفاها

و... فاطمة غصبا وردا *** شهادة ام ايمن غاصباها

قوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالمين فالظالم من اشرك بالله وذبح للاصنام وقريش والعرب قد اشركوا وذبحوا ما خلا عليا فانه نشاء في حجر النبى فلا يجوز امامة اشرک بالله فكيف حال من ذهب اكثر عمره فيهو القرآنية:ابا لسبق اسلاما على احتججتها *** نعم بعد كفر قبله باوانتقضی به عمرا هما ثم اسلم *** له وهما للكفر مكتملانومن قيل العربي واللات فيها *** من الجهل واستوائهما الصنمانوهذا على كان مذ كان طاهرا *** فهل يتساوى الطهر والنجساتى

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (1)والمناجى هو الاقرع بن حابس التيمى فكيف حال من دخل داره وضرب بنته و غصب ملکه ابن حماد:

وفرضت يوم الغدير ولائه *** فتقبلوا ما قلت بالا قرار

حتى اذا ما غبت عنهم بدلوا *** اقرارهم بالامس بالانكار

غصبوا اخاک مکانه طلبا *** لما قد كان اسلفهم من الاقرار

وابتز انک دون بنتک بعضهم *** واتى لتحرق بيتها بالنار

وثوی بنوک مقلين على الظما***ومردى الأوطان في الاقطار

وسبوا بناتک کالاماء حواسرا *** ذللا يطاف بهن في الامصار

اترى جزائک هذا بما


1) الحجرات: 4.

لقد تهم من في حرف هار

ابراء الى المهيمن منهم *** والیک فی جهری وفی اضماری

قوله تعالى: وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِي (1)ضل سبعون الفا بخوار عجل حسد ولم يقدرون على منعهم عن عبادته وحبه فكيف يقوى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على القوم وقال تعالى: أَرِنَا الَّذِيْنِ أَضَلا نا (2)باعوا اديانهم بخوار عجل واشربوا في قلوبهم العجل فجاء في حقهم فاقتلوا انفسكم....... عجال فى السقيفة وصدوا عن سواء السبيل وجاء فى حقهم انبئكم بالاخسرين اعمالا.

الناشي:

لم يحضر وا دفن النبي وغسله *** اذ اذللوا سعدا وكان مسددا

قد كان من حق النبي عليهم *** من قبل ان يسكن قبره ان يقصدا

منعوا عليا وهو بغسل جسمه *** من ان يعان على النبي ويعضدا


1) طه: 85.

2) فصلت: 29.

قوله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الحمير (1)شبه البدير بنهيق الحمير لان على نهيقه لشهوة او احلف او لخصم وهؤلاء رفعوا اصواتهم في السقيفة لحرصهم الدنيا وغضبهم على علي عالم وحزبهم معد الحق.

قال الله تعالى كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (2)قوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا وهم كعب بن مالک ومرارة بن الربيع وهليل بن امية فى خلفه واحدة هذا العتاب فكيف حال ثلاثة لم يتقدموا قط بل انهزموا في بدر وخيبر وحنين والاحزاب واعجبا تخلفوا عن الحروب وتقدموا فى الملك سد ابوابهم عن المسجد فكانوا بمنزلة الجنب والحائض والمشرك ولا عابري سبيل حتى تقتلوا انها المشركون نجس الاول ان بات ثلاث ليال فى الغار فقد بات على على فراشه ليلة الغار وبات في الشعب ثمانية سنين في رواية ابن سيرين واربع سنين فى روايات كثيرة وكان النبى ومن حضوره ابرام وبلية حتى قال لا تحزن وبيتوتة عليّ على فراشه وقاية لنفسه وهو على خطر.

ابن حماد:

عبدت هاروت فاشقی و هامان و قارون من عمر و عبا *** هم الثلاث الذى اعدهم الله وقود الناره خطبا

قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعالَمين (3)فقال في آدم اسجدوا لآدم وفي نوح يا نوح اهبط بسلام منا وفي ابراهيم يا نار کونی


1) لقمان: 19.

2) الجمعة: 5.

3) آل عمران: 33.

بردا وسلاما على ابراهيم وفى موسى وانا اخترتک یا موسى وفي عيسى اني عبدالله آتانی الکتاب وفى محمّد العمرك انهم لفى سكرتهم يعمهون وفى على انها وليكم الله ورسوله الآية فصار لكل واحد عدو وحاسد.

قوله: وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٌّ عَدُوًّا (1)وخاصم ابليس آدموكان من الكافرين وقوم نوح جاهروه واستوت على جودی و خاصم نمرود ابراهیم وارادوا به کیدا فجعلناهم الاخسرين وخاصم فرعون موسى ثم اغرقنا الآخرين ونجينا موسى ومن معه وخاصم ابوجهل المصطفى فبطل وسجح ذكره ليظهره على الدين كله وخاصم الجماعة عليا فجعلناهم ائمة يدعون الى النار.

الحسن الدوريستي:

ارانی اذا ارسلت ربحا مريحة *** ندحرج من ذى قنبيط و عنصل

واذا انحدرت فى اسفل البطن *** كجلمود صخر حطه الرحل من على

ذكرت بها في الحال غير مقصر *** مساوی عتیق والدلام ونعثل

انا الطاعن الدارى عليهم ديانة *** انا المقتدى بالطاهرین بنى على


1) الانعام: 112؛ الفرقان: 21.

قوله تعالى: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري (1)فاعرضوا عن ولى الله وهو الذكر فاسئلوا اهل الذكر ولقوله ذكرا رسولا.

قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ أَزْواجَكُم (2)فالزوجة بالظهار لا تصير اما والدعى لا تصير ابنا فالغى المدعى كيف يكون اماما ذلكم قولكم بافواهكم في اختياركم والله يقول الحق النص.

وقال النبي علىّ مع الحق وهو يهدى السبيل يعنى قوله قل هذه سبيلي و قال النبي من انتسب الى غير ابيه اذ انتمى الى غير مواليه فعليه لعنة الله وهؤلاء نحو بنى هاشم وبنى عبد المطلب وقدموا تيما وعديا على بنى هاشم.

البرقى:

فيا عجبا من امة عدلت به *** سواه واحفت للنبى اتهامها

ولولاه ما زکی الاله صلاتها *** ولا قبل الرحمن منها صيامها

يحبب مصباح الهدى ويامر من *** يراكب من جهل عليّ ظلامها

والا فقد ادنى اليها بنتها *** وعرفها في كل عصر امامها


1) طه: 124.

2) الاحزاب: 4.

وقد قلدت من قلد الله امرها *** لما سامها بالخيف من كان سامها

ولو ولت الاحكام والى دينها *** اذا لا سوى بهديتها وانتظامها

ولكن عتب عن امر ذى العز واعتدت *** فخلا عليها الشقا وطغامها

من ولد فى الكعبة وهو ساجد وقتل فى المسجد وهو ساجد ولم يعص الله بين السجدتين بطرفة عين كيف يساوى مع من اشرك اربعين سنة.

النحاة قدموا الاسم على الفعل والحرف لايتلافه معهما فكانه الافضل فعلى يوخر لا يتلافه مع النبى ويليه ويليه نسب وفضله على الاقران واقترانه مع القرآن انی تارک فيكم الثقلين شنع الاسامى العرب يدل على قوله لم نجعل له من قبل سميا وقال ابو شنع الاسامى سبیلی ار رحمن يمس الارض بالهدب فكان النبي يغير الاسماء الخبث سمى ابابكر عبدالله وكان عبد الكعبة وابن عوف عبدالرحمن وشهابا هشاما وحربا سلما والمضطجع المنبعث وارضا تسمى عقرة خضرة وشعب الضلالة شعب الهدى وبنى الريشة بنى الرشاد وبين مغوى بنى رشد وبنى الصماء بني السميعة فواحد عبد الكعبة والبكر هو الفتى من الابل وعمر منقول عن عامر وعثمن فرخ الكروان وما احسن قول الصاحب قوم قوافيهم اذا جمعت كانت تجاه لسائل البشير يعنى دين ليسوا كقوم ترى قوافيهم علامة للتيوس والبقر يعنى قرن وذلك يوخذ من اواخر

اسمائهم واسم على من اسماء الله تعالى لعلو شانه بل هو سمى الله حسد ابلیس آدم فضل عن الجنة وحسد اعداء على فضلوا ام تحسدون الناس على ما اتاهم الله من فضله الى قوله سعيرا المجاهرون مع آدم ثلاثة ابليس والحية والطاووس فلعن ابليس وان علیک اللعنة وتوارث عداوة الحية بنو آدم فمن وجدها قتلها والطاووس وقع في بلاد الهند شريدا والمجاهرون مع على ثلاثة فقتل الاول بيد الثاني وقتل الثاني بيد عبد وقتل الثالث بيد الغوغاء والمرجع الى الله قيل لابليس ما منعك ان تسجد جوابه انا خير منه وقالوا نحن الصحابة فقال اميرالمومنين ايكون الخلافة بالصحابة ولا يكون بالصحابة والقرابة فقال الله لابليس وان عليك اللعنة وقال لهم ومن يشاقق الرسول قال ابليس انا خير منه وقال فرعون اليس لی ملک مصر وقال قارون انها اوتيته على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقيل لطالوت انى يكون له الملك وقالت الانصار منا امير ومنكم امير وقالت الجماعة نحن الصحابة افلا يقول اميرالمومنين ونحن الصحابة والقرابة والميراث للاقرب فالاقرب.

قال ابليس انى لكما من الناصحين حتى ظهر منه الجحود السجود لمن خلقت طينا وزعموا ان النبى انه مولاهم حتى ظهر كفرانهم بيوم الغدير ام يقولون افتريه تصدی ابلیس آدکم انه مومن وكتان من الكافرين ونافق اعدائه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) اننا محبوك وكانوا منافقين ينادونهم الم نكن معكم اغرت الملائكة بعبادة ابليس على اصلكم اعتداوه فتبرا منه واتبعه واغر الناس زهادتهم فلما تبين انه عدو الله تبراء منهم المومنون واقتد بهم المنافقون.

ذكر الكراجكى فى كتاب انه خالف القوم عليا كما خالف موسی اخاه هارون نبسیهم يذكرهم هذا مع مثل اولين الى هارون لانه كان مترددا مع اخيه في خلاصهم من يد فرعون ملک مصر ونفور هؤلاء من اميرالمومنين.

ولما وترهم به ما قتل اقربائهم على الدين ونقلهم من الكفر الى الايمان وان هؤلاء بعد ما شاهدوه من المعجزات خالفوا الديليل العقل الذى لا يحتمل التاويل وهؤلاء خالفوا النص الى صوب من التاويل.

ومن عجيب امرهم ان امامة الأول ثبت بالاختيار مع سماعهم قول عمر كانت بيعة ابو بكر فلتة فشهد انها كانت وقعت بغتة عن غرة وحصلت فجأة على عجلة من غير مشورة وهذا غاية الذم لها والتكذيب لما ادعوه فيها مع التهديد بسفك دم من عاد الى مثله او ليس بشک عاقل فى ان غلبة التى هى العجلة وانداد تضاد ما يدعونه من التامل والاختيار.

البرقى:

قام النبي وقد حفوا به زمرا *** من بين مسمع واع وحیران

فقال جبريل عن ذى العرش خبرني *** بما ضاق به در عى و اشجانی

فخفت انبئكم حتى تهددنى *** والله يعصمنى منكم ويرعاني

الست اولی بکم منكم بانفسكم

قالوا بلى بارتياب غير ايقان

فقال ان عليا لى بمنزلة *** كانت لهارون من موسى بن عمران

مولاه مولای هذا الحق واستمعوا *** لا تاخذوه باحقاد وضغائن

والله يعلم انی قد نعمتكم *** نصحا يوافق سرى فيها علاني

قالوا بمعنا واقررنا بطاعته *** وفى ضمائرهم اسرا و عصيان

فقال اولهم سرا لصاحبه *** ان الهوى خلق فی کل انسان

فانزل الله تكذيبا لقولهما *** و بابه ائتمروا حقا بفرقان

والنجم حين هوى ما ضل صاحبكم *** ولم يقل بالهوى لكن بقرآن

فادبروا فاسرا القول بينهما *** واكداه بآلاء وايمان

والقوم ما اسلموا الا لما

فرقوا فاستسلموا فرعا من غیر ایمان

ابن حماد:

وا امة من قبل ضلت ضلالة *** ولا احترمت بعد الرسول احترامها

بها الاهواء عن طرق الهدى *** و حببت الدنيا اليها حطامها

فولت ولاة الحرب احكام دينها *** وقد حللو عنها عليها حرامها

هديها نبي الله من حيرة العمى *** وبصرها منهاجها وقوامها

وخلف فيها من يقوم مقامه *** لينتهی الیه فى الامور احتكامها

فما غاب عنه وجهه ان تنكروا *** وابدوا حقودا قد تاطالوا اكتمامها

ما فرغوا من غسله وجموعهم *** على نقض عهد الله يرجى ازدحامها

وقال لمن عطوه بالامس عهدهم

ايطمع فیها او يروم مرامها

فاعطوا عتيقا بيعة نال شومها *** على امة شماته كفا واسامها

ابن الحجاج:

من اجله ابراء الى الله من *** محبة الاول والثانی

الخالدي:

اتری انی وددت عتيقا *** او تواليت نعثلا ودلاما

لست لامن مخلدان *** تواليت اناسا عند للخار اياما

ای ذنب ترى احترمت *** فاضحى الدهر خصمي باولهن خصاما

القسم الثاني

باب أبي الشرور

فصل في أصل أبو الفصيل ودنائته

قوله تعالى:الخَبيثَاتُ لِلْخَبيثينن (1)المفضل بن سلمة في كتاب المفاخر وابن عبد ربه في العقد والخطيب في التاريخ فى خبر ان باالفصيل فخر بين يدى النبى فقال دعفل النسابة ممن الرجل قال من قريش قال افمنكم قصی بن كلاب الذي جميع القبايل من فهز فكان يدعى مجمعا قال لا قال افمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجافا قال لا قال افمنكم شيبة الحمد معظم خير السماء الذي كان وجهه قمر ضيئ ليلة الظلام الداجى قال لا قال افمن المغيضين للناس انت قال لا قال افمن اهل الندوة انت قال الا قال افمن اهل السقاية انت قال لا قال افمن تيم الاراذل للانذال فما انت من اعلا قريش بل انت من ادناها وعند مقابح رهطه فتبسم النبى فقال على لقد وقعت من الاعرابى على ياقعه قال اجل ان لكل طامة طامة وان البلاء موكل بالمنطق.

وفي كتاب آخر ان ابا الفصيل ولى هاربا فقال دعقل:


1) النور: 26.

صادف در السیل درا یتبعه

طورا وطورا يرفعه

وقال له بعض من فخر عليه رقرنس ان فيها جماعة من علا نجمة وسقط سهمه يعنى بنو هاشم وتيما وعديا.

وقيل للفرزدق وصنعت كل قبيلة الا تيما فقال لم اجد حسبا فاصنعه ولا نباء فاهدمه جرير:

یا تیم تیم عدى لا ابا لكم *** لا يوقعنكم في سوءة عمر

وقال جرير لقد هجوت التيم فى ثلالث ظلمات ما هجا فيهن شاعر قبلى، قلت:

من الاصلاب ينزل لوم قوم *** وفى الاخلاق يخلق والمشيم

الشاعر:

نصرنا بنی تيم بن مرة شقوة *** وهل تيم الا اعبد واماء

آخر:

ويقضى الامن حين تعيب تیم*** ولا يستاذنون وهم شهود

وانک لو رایت عبيد تیم *** وتيما قلت انهم البعيد

عبدالرزاق اليماني عن معمر الزهرى وحذيفة الكلبى عن ابی صالح ابن عباس قال ان ضم تيم بن مرة مان من تمر وكانوا يعجبونه بالغداة يسجدونه صنما يعبدونه يومهم فاذا السواء اقسموه بينهم فاكلوه ثم يعبدون مكانه غيره.

ابو طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ):

بنو تیم توارثها هضيض *** بنوتیم وكلهم عدیم

هم انتهكوا المحارم من اخيهم *** فكل فعالهم دنس ذمیم

قال الأصمعي كانت العرب تاكل والذيبان.

قال الحمیری فی ذلک:

اتری صهاكا و ابا ابنها *** وابا قحافة اكل الذبان

کانوتا يرون وفى الامور عجائب *** ياتى بهن تصرف الازمان

ان الخلافة فى وراثة احمد *** فيهم تكون وهيئة السلطان

ولغيره:

اذا وليتم تيم بن مرة فيكم *** فلا خير فى ارض الحجاز ولا مصر

وفى كامل للمبرد انه قال ابو الفصيل لاشتمنک شتما يدخل معک قبرک قال معک والله لا معى.

وفي اللوليات انه لما قال الاول اللّهم العن صاحب هذا الخبر يعرض بسعد بن عاص یکذب رسلک ويصد عن سبیلک فقال بابنه عمرو بل العن ابي قحافة فانه كان لا يقاتل عدوا ولا يقرى ضيفا.

وقد ذكر الغزالى فى الاحياء نحوا من ذلك وفى التعريض عن ابي بكر المرزبانى ان عبدالله بن الزبير قال لابنه ان تيما يقعون في قومي قال فاذا فعلوا ذلك فاقراء عليهم هل اتى على الانسان حين من الدهر لم يک شيئا مذکورا.

ولنا في هذا الباب:

بنی تم امار تكم حديثه

وان وضاعة فيكم قديمة

وان عداوتى لبني عدی *** وذلک لی طریق مستقيمة

وقال ابو الفصيل لعتبة بن حصين الفرازى الست الذى كان يقتل لناته خشية املاق فقال لا والله وكيف نخشى الاملاق من كان له من الابل والغنم ما علمته ولكن كان تصل ان يفجر بهن مثلک قال فضحک رسول الله وآلی ابوالفصيل لا يعير بعدها عربيا.

ولنا فيه:

بنی تیم بن مرة ان فيكم *** مفاضح ليس في احد سواكم

قال الكبى ابو قحافة دنيا ساقطا وكان يقوم على سطح عبدالله بن جذعان وينادى على طعامه باجرة فيقول هلموا الى الفالوذج وكان بعيد الصوت وكان يرزقه كل يوم اربعة دوانق فضة سوداء وايا عنى امية بن الصلت في مدح ابن جذعان:

له داع بمكة منه حل *** وآخر فوق دارته ينادی

الی روح من الشيرى عليها *** لباب البر تلك بالبهاد

قال ابو الجيش البلخى كان ابو الفصيل خياطا في الجاهلية ودكانه بمكة ظاهر وكان ينادى للتجار على ثيابهم يبيع لهم.

وقال صاحب العقد قال ابو الشرور لغلام له كان يتجر بالثياب اذا كان الثوب سايغا فانشره وانت قائم واذا كان قصيرا فانشره فانت جالس فانما البيع مكائن.

وقال قوم كان معلما.

وقال الكلبي ثم كاتن اجير الخديجة فى التجارة وقالوا كان يسرق فضوبل علف جمالها.

ابن الكلبي كان عبدالرحمن بن ابى بكر شهيرا بالزنا.

وقال المفسرون نزل قوله تعالى فيه: وَ الَّذي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُما يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهَ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إلا أساطيرُ الْأَوَّلين (1)فيه فانه كان مع الكفار يوم الحرب.

وقال ابن جرير صاحب المسترشد تزوج ابوقحافة عثمان بن عامر بابنة اخيه سلمى بنت صخر بن عامر.

وقال بعض المحدثين كانت سلمى مملوكة فاحشة مسنية يباع ولدها فلما ولدت بابي الفصيل احبته فقالت لسيدها فاعتقه فاعتقه فالحق بابي قحافة فمتى سمى عتيق ابي قحافة.

وقال الكلبي وكانت سلمى بنت صخر بن عامر التيمية امة بنت عم ابيه وكانت ماشطة ولم يكن في على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا فى آبائه ولا فى اولاده لا هذه الفضائل.


1) الاحقاف: 17.

البشنوى:

اتوب الی من بالمعاصي لقيته *** وحسبى الهى والشفيع رسوله

اما في قسيم النار كفوا بقوله *** ووالدها خير الرجال بقوله

وليس بقصاب وليس تعارف *** يأم بقوم للذى جعلواله

الناشي:

وتوارز ويثنون دين محمد***بالزعم يروون العباد تجلدتا

واستنبطوا كفرا وابدوا حلية *** للدين نسكا كاذبا وتزهدا

لو انهم كفروا لعادوا مثل ما *** كانوا رذالا فى قريش وغدا

مذا يخيط وذا يبيع اباعرا *** ويعود ثالثهم الى ما عودا

ترحى وياكل فضل ربح تجارة

اضحى بها كلفا حريصا مجهل

شاعر:

اعتیق تیم کیف تفخر شما *** وابوک من مجد الكرام بمعزل

ان ابن جذعان يشبع نظنكم *** اشیاخ قومك فى الزمان الاول

فاشكر لهاشم ما بقيت فعالها *** ولتكفرن الله ان لم تفعل

فصل في جهل العتيق (1)


(1) فنحب ان نشير هنا اتماما للفائدة الى بعض الرسائل المصنفة من قبل الاصحاب في المطاعن حتى يكمل الاستفادة من الكتاب باستصحابک کتابا واحدا ومعك كتب ورسائل متعددة من النوادر:

[ نقض العثمانية للإسكافى المستخرجة من شرح ابن ابى الحديد]

فصل فيما كان من أمر طلحة والزبير عند قسم المال أمر

و نحن نذكر هاهنا في هذه القصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتابه الذي نقض فيه كتاب العثمانية لشيخنا أبي عثمان فإن الذي ذكره لم نورده نحن فيما تقدم.

قال أبو جعفر لما اجتمعت الصحابة في مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد قتل عثمان للنظر في الإمامة أشار أبو الهيثم بن التيهان و رفاعة بن رافع و مالك بن العجلان و أبو أيوب الأنصاري و عمار بن ياسر بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ذكروا فضله و سابقته و جهاده و قرابته فأجابهم الناس إليه فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة و منهم

من و فضله على المسلمين كلهم كافة ثم بويع وصعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة هو يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة فحمد الله و أثنى عليه و ذكر محمّدا فصلى عليه ثم ذكر نعمة الله على أهل الإسلام ثم ذكر الدنيا فزهدهم فيها و ذكر الآخرة فرغبهم إليها ثم قال أما بعد فإنه لما قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) استخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فعمل بطريقه ثم جعلها شورى بين ستة فأفضي الأمر منهم إلى عثمان فعمل ما أنكرتم و عرفتم ثم حصر و قتل ثم جئتموني طائعين فطلبتم إلي و إنما أنا رجل منكم لي ما لكم و علي ما عليكم و قد فتح الله الباب بينكم وبين أهل القبلة و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم و لا يحمل هذا الأمر إلا أهل الصبر و البصر و العلم بمواقع الأمر و إني حاملكم على منهج نبيكم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و منفذ فيكم ما أمرت به إن استقمتم لي و بالله المستعان ألا إن موضعي من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد وفاته كموضعي منه أيام حياته فامضوا لما تؤمرون به و قفوا عند ما تنهون عنه و لا تعجلوا في أمر حتى نبينه لكم فإن لنا عن كل أمر تنكرونه عذرا ألا و إن الله عالم من فوق سمائه و عرشه أني كنت كارها للولاية على أمة محمّد حتى اجتمع رأيكم على ذلك لأني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول أيما وال ولي الأمر من بعدي أقيم على الصراط ونشرت الملائكة صحيفته فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله و إن كان جائرا انتفض به الصراط حتى تتزايل مفاصله ثم يهوى إلى النار فيكون أول ما يتقيها به أنفه و حر وجهه و لكني لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم ثم التفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) يمينا وشمالا فقال ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار و فجروا الأنهار و ركبوا الخيول الفارهة و اتخذوا الوصائف الروقة فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه و أصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون فينقمون ذلك و يستنكرون و يقولون حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ألا و أيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته فإن الفضل النير غدا عند الله و ثوابه و أجره على الله و أيما رجل استجاب لله و للرسول فصدق ملتنا و دخل في ديننا و استقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام و حدوده فأنتم عباد الله و المال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد و للمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء و أفضل الثواب لم يج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الدنيا

للمتقين أجرا و لا ثوابا و ما عندَ الله خَيْرٌ للأبرار و إذا كان غدا إن شاء الله فاغدوا علينا فإن عندنا مالا نقسمه فيكم و لا يتخلفن أحد منكم عربي و لا عجمي كان من أهل العطاء أو لم یكن إلا حضر إذا كان مسلما حرا أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم ثم نزل.

إعطاءه قال شيخنا أبو جعفر و كان هذا أول ما أنكروه من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أورثهم الضغن عليه و كرهوا ءه و قسمه بالسوية فلما كان من الغد غدا و غدا الناس لقبض المال فقال لعبيد الله بن أبي رافع كاتبه ابدأ بالمهاجرين فنادهم و أعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير ثم ثن بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك و من يحضر من الناس كلهم الأحمر و الأسود فاصنع به مثل ذلك.

فقال سهل بن حنيف يا أمير المؤمنين هذا غلامي بالأمس و قد أعتقته اليوم فقال نعطيه كما نعطيك فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير و لم يفضل أحدا على أحد و تخلف عن هذا القسم يومئذ طلحة و الزبير و عبد الله بن عمر و سعيد بن العاص و مروان بن الحكم و رجال من قريش و غيرها.

قال و سمع عبيد الله بن أبي رافع عبد الله بن الزبير يقول لأبيه و طلحة و مروان و سعيد ما خفي علينا أمس من كلام علي ما يريد فقال سعيد بن العاص و التفت إلى زيد بن ثابت إياك أعني و اسمعي و اسمعي يا جارة فقال عبيد الله بن أبي رافع لسعيد و عبد الله بن الزبير إن الله يقول في كتابهو لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ.

ثم إن عبيد الله بن أبي رافع أخبر عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك فقال والله إن بقيت و سلمت لهم لأقيمنهم على المحجة البيضاء و الطريق الواضح قاتل الله ابن العاص لقد عرف من كلامي و نظري إليه أمس أني أريده و أصحابه ممن هلك فيمن هلك.

قال فبينا الناس في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير و طلحة فجلسا ناحية عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم طلع مروان و سعید و عبد الله بن الزبير فجلسوا إليهما ثم جاء قوم من قريش فانضموا إليهم فتحدثوا نجيا ساعة ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فجاء إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال يا أبا الحسن إنك قد وترتنا جميعا أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا و خذلت أخي يوم الدار بالأمس و أما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب و كان ثور قريش و أما مروان فسخفت أباه عند عثمان

إذ ضمه إليه و نحن إخوتك و نظراؤك من بني عبد مناف و نحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال في أيام عثمان و أن تقتل قتلته و إنا إن خفناك تركناك فالتحقنا بالشام.

فقال أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم و أما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق الله عنكم و لا عن غيركم و أما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس و لكن لكم علي إن خفتموني أن أؤمنكم و إن خفتكم أن أسيركم.

فقام الوليد إلى أصحابه فحدثهم و افترقوا على إظهار العداوة و إشاعة الخلاف فلما ظهر ذلك من أمرهم قال عمار بن ياسر لأصحابه قوموا بنا إلى هؤلاء النفر من إخوانكم فإنه قد بلغنا عنهم و رأينا منهم ما نكره من الخلاف والطعن على إمامهم و قد دخل أهل الجفاء بينهم و بين الزبير و الأعسر العاق يعني طلحة. فقام أبو الهيثم و عمار و أبو أيوب و سهل بن حنيف و جماعة معهم فدخلوا على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالوا يا أمير المؤمنين انظر في أمرك و عاتب قومك هذا الحى من قريش فإنهم قد نقضوا عهدك و أخلفوا وعدك وقد دعونا في السر إلى رفضك هداك الله لرشدك و ذاك لأنهم كرهوا الأسوة و فقدوا الأثرة و لما آسيت بينهم و بين الأعاجم أنكروا و استشاروا عدوك و عظموه و أظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة و تألفا لأهل الضلالة فرأيك.

فخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فدخل المسجد وصعد المنبر مرتديا بطاق مؤتز را ببرد قطري متقلدا سيفا متوكئا على قوس فقال أما بعد فإنا نحمد الله ربنا و إلهنا و ولينا و ولي النعم علينا الذي أصبحت نعمه علينا ظاهرةً و باطنَةٌ امتنانا منه بغير حول منا ولا قوة ليبلونا أ نشكر أم نكفر فمن شکر زاده و من كفر عذبه فأفضل الناس عند الله منزلة و أقربهم من الله وسيلة أطوعهم لأمره و أعملهم بطاعته و أتبعهم لسنة رسوله و أحياهم لكتابه ليس لأحد عندنا فضل إلا بطاعة الله و طاعة الرسول هذا كتاب الله بين أظهرنا و عهد رسول الله و سیر و سيرته فينا لا يجهل ذلك إلا جاهل عاند عن الحق منكر قال الله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أَنْثَى وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أتقاكُمْ ثم صاح بأعلى صوته أطِيعُوا اللَّهَ وَ أطيعوا الرَّسُولَ فإن توليتم فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ثم قال يا معشر المهاجرين و

الأنصار أتمنون على الله و رسوله بإسلامكم بَل اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمان إِنْ كُنتُمْ صادقين ثم قال أنا أبو الحسن و كان يقولها إذا غضب ثم قال ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تمنونها و ترغبون فيها و أصبحت تغضبكم و ترضیکم لیست بداركم و لا منزلكم الذي خلقتم له فلا تغرنكم فقد حذرتكموها و استتموا نعم الله عليكم بالصبر لأنفسكم على طاعة الله و الذل لحكمه جل ثناؤه فأما هذا الفيء فليس لأحد على أحد فيه أثرة و قد فرغ الله من قسمته فهو مال الله و أنتم عباد الله المسلمون و هذا كتاب الله به أقررنا و له أسلمنا و عهد نبينا بين أظهرنا فمن لم يرض به فليتول كيف شاء فإن العامل بطاعة الله و الحاكم بحكم الله لا وحشة عليه ثم نزل عن المنبر فصلى ركعتين ثم بعث بعمار بن ياسر و عبد الرحمن بن حنبل القرشي إلى طلحة و الزبير و هما في ناحية المسجد فأتياهما فدعواهما فقاما حتى جلسا إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال لهما نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة و دعوتماني إليها و أنا كاره لها قالا نعم فقال غير مجبرين و لا مقسورين فأسلمتما لي بيعتكما و أعطيتماني عهدكما قالا نعم قال فما دعاكما بعد إلى ما أرى قالا أعطيناك بيعتنا على ألا تقضي الأمور و لا تقطعها دوننا و أن تستشيرنا في كل أمر ولا تستبد بذلك علينا و لنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت فأنت تقسم القسم و تقطع الأمر وتمضي الحكم بغير مشاورتنا و لا علمنا فقال لقد نقمتما يسيرا و أرجأتما كثيرا فاستغفرا الله يغفر لكما أ لا تخبرانني أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه قالا معاذ الله قال فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشيء قالا معاذ الله قال أ فوقع حكم أو حق لأحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه قالا معاذ الله قال فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي قالا خلافك عمر بن الخطاب في القسم أنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا و سويت بيننا و بين من لا يماثلنا فيما أفاء الله تعالى علينا بأسيافنا و رماحنا و أوجفنا عليه بخيلنا و رجلنا و ظهرت عليه دعوتنا و أخذناه قسرا قهرا ممن لا يرى الإسلام إلا كرها فقال فأما ما ذكر تماه من الاستشارة بكما فو الله ما كانت لي في الولاية رغبة و لكنكم دعوتموني إليها و جعلتموني عليها فخفت أن أردكم فتختلف الأمة فلما أفضت إلي نظرت في كتاب الله وسنة رسوله فأمضيت ما دلاني عليه و اتبعته و لم أحتج إلى آرائكما فيه و لا رأي غيركما و لو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه و لا في

السنة برهانه و احتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه و أما القسم و الأسوة فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء قد وجدت أنا و أنتما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يحكم بذلك و كتاب الله ناطق به و أما هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِه تَنْزِيلُ مِنْ حَكِيم حَميد و قولكما جعلت فيئنا وما أفاءته سيوفنا و رماحنا سواء بيننا و بين غيرنا فقديما سبق إلى الإسلام قوم و نصروه بسيوفهم و رماحهم فلم يفضلهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في القسم و لا أثرهم بالسبق و الله سبحانه موف السابق و المجاهد يوم القيامة أعمالهم و ليس لكما و الله عندي و لا لغيركما إلا هذا أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق و ألهمنا وإياكم الصبر ثم قال رحم الله امرأ رأى حقا فأعان عليه و رأى جورا فرده و كان عونا للحق على من خالفه.

قال شيخنا أبو جعفر و قد روي أنهما قالا له وقت البيعة نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الأمر فقال لهما لا و لكنكما شريكاي في الفيء لا أستأثر عليكما و لا على عبد حبشي مجدع بدرهم فما دونه لا أنا ولا ولداي هذان فإن أبيتما إلا لفظ الشركة فأنتما عونان لي عند العجز و الفاقة لا عند القوة و الاستقامة.

قال أبو جعفر فاشترطا ما لا يجوز في عقد الأمانة و شرط (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهما ما يجب في الدين و الشريعة.

قال رحمه الله تعالى و قد روي أيضا أن الزبير قال في ملإ من الناس هذا جزاؤنا من علي قمنا له في أمر عثمان حتى قتل فلما بلغ بنا ما أراد جعل فوقنا من كنا فوقه.

قال طلحة ما اللوم إلا علينا كنا معه و أهل الشورى ثلاثة فكرهه أحدنا يعني سعدا و بايعناه فأعطيناه ما في أيدينا و منعنا ما في يده فأصبحنا قد أخطأنا اليوم ما رجوناه أمس و لا نرجو غدا ما أخطأنا اليوم.

فإن قلت فإن أبا بكر قسم بالسواء كما قسمه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لم ينكروا ذلك كما أنكروه أيام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فما الفرق بين الحالتين.

قلت إن أبا بكر قسم محتذيا لقسم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلما ولي عمر الخلافة و فضل قوما على قوم ألفوا ذلك ونسوا تلك القسمة الأولى وطالت أيام عمر و و أشربت قلوبهم حب المال و كثرة العطاء و أما الذين اهتضموا فقنعوا و مرنوا على القناعة و لم يخطر لأحد من الفريقين

له أن هذه الحال تنتقض أو تتغير بوجه ما فلما ولي عثمان أجرى الأمر على ما كان عمر يجريه فازداد وثوق القوم بذلك و من ألف أمرا أشق عليه فراقه و تغيير العادة فيه فلما ولي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد أن يرد الأمر إلى ما كان في أيام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أبي بكر و قد نسي ذلك و رفض و تخلل بين الزمانين اثنتان و عشرون سنة فشق ذلك عليهم و أنكروه و أكبروه حتى حدث ما حدث من نقض البيعة و مفارقة الطاعة و لله أمر هو بالغه.

[فصل] في إسلام أبي بكر و علي و خصائص كل منهما

و ينبغي أن نذكر في هذا الموضع ملخص ما ذكره الشيخ أبو عثمان الجاحظ في كتابه المعروف بكتاب العثمانية في تفضيل إسلام أبي بكر على إسلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأن هذا الموضع يقتضيه لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكاية عن قريش لما صدق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و هل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا لأنهم استصغروا سنه فاستحقروا أمر محمّد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيث لم يصدقه في دعواه إلا غلام صغير السن وشبهة العثمانية التي قررها الجاحظ من هذه الشبهة نشأت و من هذه الكلمة تفرعت لأن خلاصتها أن أبا بكر أسلم و هو ابن أربعين سنة و علي أسلم و لم يبلغ الحلم فكان إسلام أبى بكر أفضل.

ثم نذكر ما اعترض به شيخنا أبو جعفر الإسكافي على الجاحظ في كتابه المعروف بنقض العثمانية و يتشعب الكلام بينهما حتى يخرج عن البحث في الإسلامين إلى البحث في أفضلية الرجلين و خصائصهما فإن ذلك لا يخلو عن فائدة جليلة و نكتة لطيفة لا يليق أن يخلو كتابنا هذا عنها و لأن كلامهما بالرسائل و الخطابة أشبه و في الكتابة أقصد و أدخل و كتابنا هذا موضوع لذكر ذلك و أمثاله.

قال أبو عثمان قالت العثمانية أفضل الأمة و أولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي قحافة لإسلامه على الوجه الذي لم يسلم عليه أحد في عصره و ذلك أن الناس اختلفوا في أول الناس إسلاما فقال قوم أبو بكر و قال قوم زيد بن حارثة و قال قوم خباب بن الأرت.

و إذا تفقدنا أخبارهم و أحصينا أحاديثهم و عددنا رجالهم و نظرنا في صحة أسانيدهم كان الخبر في تقدم إسلام أبي بكر أعم و رجاله أكثر و أسانيده أصح و هو بذاك أشهر و اللفظ فيه أظهر مع الأشعار الصحيحة و الأخبار المستفيضة في حياة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و بعد وفاته و

ليس بين الأشعار و الأخبار فرق إذا امتنع في مجيئها و أصل مخرجها التباعد و الاتفاق و التواطؤ و لكن ندع هذا المذهب جانبا و نضرب عنه صفحا اقتدارا على الحجة و وثوقا بالفلج و القوة و نقتصر على أدنى نازل في أبي بكر و ننزل على حكم الخصم فنقول إنا وجدنا من يزعم أنه أسلم قبل زيد و خباب و وجدنا من يزعم أنهما أسلما قبله و أوسط الأمور أعدلها و أقربها من محبة الجميع و رضا المخالف أن نجعل إسلامهم كان معا إذ الأخبار متكافئة و الآثار متساوية على ما تزعمون و ليست إحدى القضيتين أولى في صحة العقل من الأخرى ثم نستدل على إمامه أبي بكر بما ورد فيه من الحديث و بما أبانه به الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من غيره.

قالوا فمما روي من تقدم إسلامه ما.

حدث به أبو داود و ابن مهدي عن شعبة و ابن عيينة عن الجريري عن أبي هریرة قال أبوبكر أنا أحقكم بهذا الأمر يعني الخلافة ألست أول من صلى.

روى عباد بن صهيب عن يحيى بن عمير عن محمّد بن المنكدر أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال إن الله بعثني بالهدى ودين الحق إلى الناس كافة فقالوا كذبت و قال أبو بكر صدقت.

و روى يعلى بن عبيد قال جاء رجل إلى ابن عباس فسأله من كان أول الناس إسلاما فقال أ ما سمعت قول حسان بن ثابت

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة *** فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

الثاني التالي المحمود مشهده *** و أول الناس منهم صدق الرسلا

قال أبو محجن:

سبقت إلى الإسلام و الله شاهد *** و كنت حبيبا بالعريش المشهر

و قال كعب بن مالك:

سبقت أخا تيم إلى دين أحمد*** كنت لدى الغيران في الكهف صاحبا

و روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن إدريس و وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة قال قال النخعي أبو بكر أول من أسلم.

و روى هيثم عن يعلى بن عطاء عن عمرو بن عنبسة قال أتيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و هو بعكاظ فقلت من بايعك على هذا الأمر فقال بايعني حر و عبد فلقد رأيتني يومئذ و أنا رابع الإسلام قال بعض أصحاب الحديث يعني بالحر أبا بكر و بالعبد بلالا.

و روى الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن سليم بن عامر عن أبي أمامه قال حدثني عمرو بن عنبسة أنه سأل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و هو بعكاظ فقال له من تبعك قال تبعني حر و عبد أبو بکر و بلال

و روى عمرو بن إبراهيم الهاشمي عن عبد الملك بن عمير عن أسيد بن صفوان صاحب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لما قبض أبو بكر جاء علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال رحمك الله أبا بكر كنت أول الناس إسلاما.

و روى عباد عن الحسن بن دينار عن بشر بن أبي زينب عن عكرمة مولى ابن عباس قال إذا لقيت الهاشميين قالوا علي بن أبي طالب أول من أسلم و إذا لقيت الذين يعلمون قالوا أبو بكر أول من أسلم

قال أبو عثمان الجاحظ قالت العثمانية فإن قال قائل فما بالكم لم تذكروا علي بن أبي طالب في هذه الطبقة و قد تعلمون كثرة مقدميه و الرواية فيه قلنا قد علمنا الرواية الصحيحة و الشهادة القائمة أنه أسلم و هو حدث غرير و طفل صغير فلم نكذب الناقلين و لم نستطع أن نلحق إسلامه بإسلام البالغين لأن المقلل زعم أنه أسلم و هو ابن خمس سنين و المكثر زعم أنه أسلم و هو ابن تسع سنين فالقياس أن يؤخذ بالأوسط بين الروايتين و بالأمر بين الأمرين و إنما يعرف حق ذلك من باطله بأن نحصي سنيه التي ولي فيها الخلافة و سني عمر و سني عثمان و سني أبي بكر و مقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالمدينة و مقامه بمكة عند إظهار الدعوة فإذا فعلنا ذلك صح أنه أسلم و هو ابن سبع سنين فالتاريخ المجمع عليه أنه قتل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شهر رمضان سنة أربعين.

قال شيخنا أبو جعفر الإسكافي لو لا ما غلب على الناس من الجهل و حب التقليد لم نحتج إلى نقض ما احتجت به العثمانية فقد علم الناس كافة أن الدولة و السلطان لأرباب مقالتهم و عرف كل أحد علو أقدار شيوخهم و علمائهم وأمرائهم و ظهور كلمتهم و قهر سلطانهم و ارتفاع التقية عنهم و الكرامة و الجائزة لمن روى الأخبار والأحاديث في فضل أبي بكر و ما كان تأكيد من بني أمية لذلك و ما ولده المحدثون من الأحاديث طلبا لما في أيديهم فكانوا لا يألون جهدا في طول ما ملكوا أن يخملوا ذكر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ولده و يطفئوا نورهم و يكتموا فضائلهم و مناقبهم و سوابقهم و يحملوا على شتمهم و سبهم ولعنهم على المنابر فلم يزل قلة السيف يقطر من دمائهم مع عددهم و كثرة عدوهم فكانوا بين قتيل و أسير و شريد و هارب و مستخف ذليل و خائف مترقب حتى إن الفقيه و المحدث و القاضي و المتكلم ليتقدم إليه و يتوعد بغاية الإيعاد و أشد العقوبة ألا يذكروا شيئا من فضائلهم و لا يرخصوا لأحد أن يطيف بهم و حتى بلغ من تقية المحدث أنه إذا ذكر حديثا عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كنى عن ذكره فقال قال رجل من قريش و فعل رجل من قريش و لا يذكر علياع و لا يتفوه باسمه. ثم رأينا جميع المختلفين قد حاولوا نقض فضائله و وجهوا الحيل و التأويلات نحوها من خارجي مارق و ناصب حنق و ثابت مستبهم و ناشئ معاند و منافق مكذب و عثماني حسود يعترض فيها و يطعن و معتزلي قد نقض في الكلام و أبصر علم الاختلاف و عرف الشبه و مواضع الطعن و ضروب التأويل قد التمس الحيل في إبطال مناقبه و تأول مشهور فضائله فمرة يتأولها بما لا يحتمل ومرة يقصد أن يضع من قدرها بقياس منتقض و لا يزداد مع ذلك إلا قوة و رفعة و وضوحا و استنارة و قد علمت أن معاوية و يزيد و من كان بعدهما من بني مروان أيام ملكهم و ذلك نحو ثمانين سنة لم يدعوا جهدا في حمل الناس على شتمه و لعنه و إخفاء فضائله و ستر مناقبه و سوابقه روى خالد بن عبد الله الواسطي عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم قال لما بويع لمعاوية أقام المغيرة بن شعبة خطباء يلعنون علياع فقال سعيد بن زید بن عمرو بن نفيل ألا ترون إلى هذا الرجل الظالم يأمر بلعن رجل من أهل الجنة.

روی سلیمان بن داود عن شعبة عن الحر بن الصباح قال سمعت عبد الرحمن بن الأخنس يقول شهدت المغيرة بن شعبة خطب فذكر عليا(عَلَيهِ السَّلَامُ) فنال منه.

روى أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صدقة بن المثنى النخعي عن رياح بن الحارث قال بينما المغيرة بن شعبة بالمسجد الأكبر و عنده ناس إذ جاءه رجل يقال له قيس بن علقمة فاستقبل المغيرة فسب عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ).

روی محمّد بن سعيد الأصفهاني عن شريك عن محمّد بن إسحاق عن عمرو بن علي بن الحسين عن أبيه علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال قال لي مروان ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم قلت فما بالكم تسبونه على المنابر قال إنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك.

روى مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي عن ابن أبي سيف قال خطب مروان و الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالس فنال من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال الحسن ويلك يا مروان أ هذا الذي تشتم شر الناس قال لا و لكنه خير الناس.

و روى أبو غسان أيضا قال قال عمر بن عبد العزيز كان أبي يخطب فلا يزال مستمرا في خطبته حتى إذا صار إلى ذكر علي و سبه تقطع لسانه و اصفر وجهه و تغيرت حاله فقلت له ذلك فقال أ و قد فطنت لذلك إن هؤلاء لو يعلمون من على ما يعلمه أبوك ما تبعنا منهم رجل.

و روى أبو عثمان قال حدثنا أبو اليقظان قال قام رجل من ولد عثمان إلى هشام بن عبد الملك يوم عرفة فقال إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب.

و روی عمرو بن الفناد عن محمّد بن فضيل عن أشعث بن سوار قال سب عدي بن أرطاة عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنبر فبكى الحسن البصري و قال لقد سب هذا اليوم رجل إنه لأخو رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الدنيا و الآخرة

و روى عدي بن ثابت عن إسماعيل بن إبراهيم قال كنت أنا و إبراهيم بن يزيد جالسين في الجمعة مما يلي أبواب كندة فخرج المغيرة فخطب فحمد الله ثم ذكر ما شاء أن يذكر ثم وقع في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضرب إبراهيم على فخذي أو ركبتي ثم قال أقبل علي فحدثني فإنا لسنا في جمعة أ لا تسمع ما يقول هذا.

و روی عبد الله بن عثمان الثقفي قال حدثنا ابن أبي سيف قال قال ابن لعامر بن عبد الله بن الزبير لولده لا تذكر يا بني عليا إلا بخير فإن بني أمية لعنوه على منابرهم ثمانين سنة فلم یزده الله بذلك إلا رفعة إن الدنيا لم تبن شيئا قط إلا رجعت على ما بنت فهدمته و إن الدين لم يبن شيئا قط و هدمه.

و روی عثمان بن سعيد قال حدثنا مطلب بن زياد عن أبي بكر بن عبد الله الأصبهاني قال كان دعي لبني أمية يقال له خالد بن عبد الله لا يزال يشتم عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما كان يوم جمعة وهو يخطب الناس قال و الله إن كان رسول الله ليستعمله و إنه ليعلم ما هو و لكنه كان ختنه و قد نعس سعيد بن المسيب ففتح عينيه ثم قال ويحكم ما قال هذا الخبيث رأيت القبر انصدع و رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول كذبت يا عدو الله.

و روى القناد قال حدثنا أسباط بن نصر الهمداني عن السدي قال بينما أنا بالمدينة عند أحجار الزيت إذ أقبل راكب على بعير فوقف فسب عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخف به الناس ينظرون إليه فبينما هو كذلك إذ أقبل سعد بن أبي وقاص فقال اللّهم إن كان سب عبدا لك صالحا فأر المسلمين خزيه فما لبث أن نفر به بعيره فسقط فاندقت عنقه.

و روى عثمان بن أبي شيبة عن عبد الله بن موسى عن فطر بن خليفة عن أبي عبد الله الجدلي قال دخلت على أم سلمة رحمها الله فقالت لي أ يسب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيكم و أنتم أحياء قلت و أنى يكون هذا قالت أليس يسب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و من يحبه.

و روى العباس بن بكار الضبي قال حدثني أبو بكر الهذلي عن الزهري قال قال ابن عباس لمعاوية ألا تكف عن شتم هذا الرجل قال ما كنت لأفعل حتى يربو عليه الصغير و يهرم فيه الكبير فلما ولي عمر بن عبد العزيز كف عن شتمه فقال الناس ترك السنة.

قال قد و روي عن ابن مسعود إما موقوفا عليه أو مرفوعا كيف أنتم إذا شملتكم فتنة يربو عليها الصغير و يهرم فيها الكبير يجري عليها الناس فيتخذونها سنة فإذا غير منها شيء قيل غيرت السنة.

قال أبو جعفر وقد تعلمون أن بعض الملوك ربما أحدثوا قولا أو دينا لهوى فيحملون الناس على ذلك حتى لا يعرفوا غيره كنحو ما أخذ الناس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان و ترك

قراءة ابن مسعود و أبي بن كعب و توعد على ذلك بدون ما صنع هو و جبابرة بني أمية و طغاة مروان بولد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و شيعته و إنما كان سلطانه نحو عشرين سنة فما مات الحجاج حتى اجتمع أهل العراق على قراءة عثمان ونشأ أبناؤهم و لا يعرفون غيرها لإمساك الآباء عنها و كف المعلمين عن تعليمها حتى لو قرأت عليهم قراءة عبد الله و أبي ما عرفوها و لظنوا بتأليفها الاستكراه والاستهجان لإلف العادة و طول الجهالة لأنه إذا استولت على الرعية الغلبة وطالت عليهم أيام التسلط و شاعت فيهم المخافة وشملتهم التقية اتفقوا على التخاذل و التساكت فلا تزال الأيام تأخذ من بصائرهم وتنقص من ضمائرهم و تنقض من مرائرهم حتى تصير البدعة التي أحدثوها غامرة للسنة التي كانوا يعرفونها و لقد كان الحجاج و من ولاه كعبد الملك والوليد و من كان قبلهما و بعدهما من فراعنة بني أمية على إخفاء محاسن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و فضائله و فضائل ولده و شيعته وإسقاط أقدارهم أحرص منهم على إسقاط قراءة عبد الله و أبي لأن تلك القراءات لا تكون سببا لزوال ملكهم وفساد أمرهم و انکشاف حالهم و في اشتهار فضل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ولده و إظهار محاسنهم بوارهم و تسلیط حكم الكتاب المنبوذ عليهم فحرصوا و اجتهدوا في إخفاء فضائله و حملوا الناس على كتمانها و سترها و أبى الله أن يزيد أمره و أمر ولده إلا استنارة و إشراقا إلا شغفا و حبهم و شدة و ذكرهم إلا انتشارا و كثرة وحجتهم إلا وضوحا وقوة و فضلهم إلا ظهورا و شأنهم إلا علوا و أقدارهم إلا إعظاما حتى أصبحوا بإهانتهم إياهم أعزاء و بإماتتهم ذكرهم أحياء و ما أرادوا به و بهم من الشر تحول خيرا فانتهى إلينا من ذکر فضائله و خصائصه و مزایاه و سوابقه ما لم يتقدمه السابقون و لا ساواه فيه القاصدون و لا يلحقه الطالبون و لو لا أنها كانت كالقبلة المنصوبة في الشهرة و كالسنن المحفوظة في الكثرة لم يصل إلينا منها في دهرنا حرف واحد إذا كان الأمر كما وصفناه.

قال فأما ما احتج به الجاحظ بإمامة أبي بكر بكونه أول الناس إسلاما فلو كان هذا احتجاجا صحيحا لاحتج به أبو بكر يوم السقيفة و ما رأيناه صنع ذلك لأنه أخذ بيد عمر و يد أبي عبيدة بن الجراح و قال للناس قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا منهما من شئتم و لو كان هذا احتجاجا صحيحا لما قال عمر كانت بيعة أبى بكر فلتة وقى الله شرها و لو كان

احتجاجا صحيحا لادعى واحد من الناس لأبي بكر الإمامة في عصره أو بعد عصره بكونه سبق إلى الإسلام و ما عرفنا أحدا ادعى له ذلك على أن جمهور المحدثين لم يذكروا أن أبا بكر أسلم إلا بعد عدة من الرجال منهم علي بن أبي طالب و جعفر أخوه و زيد بن حارثة و أبو ذر الغفاري و عمرو بن عنبسة السلمي و خالد بن سعيد بن العاص و خباب بن الأرت و إذا تأملنا الروايات الصحيحة و الأسانيد القوية و الوثيقة وجدناها كلها ناطقة بأن علياع أول من أسلم.

فأما الرواية عن ابن عباس أن أبا بكر أولهم إسلاما فقد روي عن ابن عباس خلاف ذلك بأكثر مما رووا و أشهر فمن ذلك.

ما رواه يحيى بن حماد عن أبي عوانة و سعيد بن عيسى عن أبي داود الطيالسي عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس أنه قال أول من صلى من الرجال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وروى الحسن البصري قال حدثنا عيسى بن راشد عن أبي بصير عن عكرمة عن ابن عباس قال فرض الله تعالى الاستغفار لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القرآن على كل مسلم بقوله تعالى رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لإخوانَنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بالإيمان فكل من أسلم بعد علي فهو يستغفر لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وروى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال السباق ثلاثة سبق يوشع بن نون إلى موسى و سبق صاحب پس إلى عيسى و سبق علي بن أبي طالب إلى محمّد عليه وعليهم السلام.

فهذا قول ابن عباس في سبق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الإسلام و هو أثبت من حديث الشعبي و أشهر على أنه قد روي عن الشعبي خلاف ذلك من حديث.

أبي بكر الهذلي و داود بن أبي هند عن الشعبي قال قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا أول من آمن بي و صدقني وصلى معي.

قال فأما الأخبار الواردة بسبقه إلى الإسلام المذكورة في الكتب الصحاح و الأسانيد الموثوق بها فمنها:

ما روى شريك بن عبد الله عن سليمان بن المغيرة عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود أنه قال أول شيء علمته من أمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أني قدمت مكة مع عمومة لي و ناس من

قومي و كان من أنفسنا شراء عطر فأرشدنا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه و هو جالس إلى زمزم فبينا نحن عنده جلوسا إذ أقبل رجل من باب الصفا و عليه ثوبان أبيضان و له وفرة إلى أنصاف أذنيه جعدة أشم أقنى أدعج العينين كث اللحية براق الثنايا أبيض تعلوه حمرة كأنه القمر ليلة البدر و على يمينه غلام مراهق أو محتلم حسن الوجه تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها حتى قصدوا نحو الحجر فاستلمه و استلمه الغلام ثم استلمته المرأة ثم طاف بالبيت سبعا و الغلام و المرأة يطوفان معه ثم استقبل الحجر فقام و رفع یدیه و کبر و قام الغلام إلى جانبه و قامت المرأة خلفها فرفعت يديها و كبرت فأطال القنوت ثم ركع و ركع الغلام و المرأة ثم رفع رأسه فأطال و رفع الغلام و المرأة و رفع الغلام و المرأة معه يصنعان مثل ما يصنع فلما رأينا شيئا ننكره لا نعرفه بمكة أقبلنا على العباس فقلنا يا أبا الفضل إن هذا الدين ما كنا نعرفه فيكم قال أجل و الله قلنا فمن هذا قال هذا ابن أخي هذا محمّد بن عبد الله و هذا الغلام ابن أخي أيضا هذا علي بن أبي طالب و هذه المرأة زوجة محمّد هذه خديجة بنت خويلد و الله ما على وجه الأرض أحد يدين بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة.

و من حديث موسى بن داود عن خالد بن نافع عن عفيف بن قيس الكندي و قد رواه عن عفيف أيضا مالك بن إسماعيل النهدي و الحسن بن عنبسة الوراق و إبراهيم بن محمّد بن ميمونة قالوا جميعا حدثنا سعيد بن جشم عن أسد بن عبد الله البجلي عن يحيى بن عفيف بن قيس عن أبيه قال كنت في الجاهلية عطارا فقدمت مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب فبينا أنا جالس عنده أنظر إلى الكعبة و قد تحلقت الشمس في السماء أقبل شاب في وجهه القمر حتى رمى ببصره إلى السماء فنظر إلى الشمس ساعة ثم أقبل أقبل حتى دنا من الكعبة فصف قدميه يصلي فخرج على أثره فتى كأن وجهه صفيحة يمانية فقام عن يمينه فجاءت امرأة متلففة في ثيابها فقامت خلفهما فأهوى الشاب راكعا فركعا معه ثم أهوى إلى كأن الأرض ساجدا فسجدا معه فقلت للعباس يا أبا الفضل أمر عظيم فقال أمر و الله عظيم أتدري من هذا الشاب قلت لا قال هذا ابن أخي هذا محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب أ تدري من هذا الفتى قلت لا قال هذا ابن أخي علي بن أبي طالب بن عبد المطلب أ تدري من المرأة قلت لا قال هذه ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى هذه خديجة زوج محمّد هذا و

إن محمّدا هذا يذكر أن إلهه إله السماء و الأرض و أمره بهذا الدين فهو عليه كما ترى و يزعم أنه نبي و قد صدقه على قوله علي ابن عمه هذا الفتى و زوجته خديجة هذه المرأة و الله ما أعلم على وجه الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة قال عفيف فقلت له فما تقولون أنتم قال ننتظر الشيخ ما يصنع يعني أبا طالب أخاه.

وروى عبد الله بن موسى و الفضل بن دكين و الحسن بن عطية قالوا حدثنا خالد بن طهمان عن نافع بن أبي نافع عن معقل بن يسار قال كنت أوصى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال لي هل لك أن نعود فاطمة قلت نعم يا رسول الله فقام يمشي متوكئا علي و قال أما إنه سيحمل ثقلها غيرك و يكون أجرها لك قال فو الله كأنه لم يكن علي من ثقل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) شيء فدخلنا على فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال لها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كيف تجدينك قالت لقد طال أسفي و اشتد حزني و قال لي النساء زوجك أبوك فقيرا لا مال له فقال لها أما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما و أكثرهم علما و أفضلهم حلما قالت بلی رضیت یا رسول الله و قد روى هذا الخبر يحيى بن عبد الحميد و عبد السلام بن صالح عن قيس بن الربيع عن أبي أيوب الأنصاري بألفاظه أو نحوها.

وروى عبد السلام بن صالح عن إسحاق الأزرق عن جعفر بن محمّد عن آبائه أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما زوج فاطمة دخل النساء عليها فقلن يا بنت رسول الله خطبك فلان و فلان فردهم عنك و زوجك فقيرا لا مال له فلما دخل عليها أبوها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) رأى ذلك في وجهها فسألها فذكرت له ذلك فقال يا فاطمة إن الله أمرني فأنكحتك أقدمهم سلما و أكثرهم علما و أعظمهم حلما و ما زوجتك إلا بأمر من السماء أما علمت أنه أخي في الدنيا والآخرة.

وروى عثمان بن سعيد عن الحكم بن ظهير عن السدي أن أبا بكر و عمر خطبا فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) فردهما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و قال لم أومر بذلك فخطبها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فزوجه إياها و قال لها زوجتك أقدم الأمة إسلاما.

و ذکر تمام الحديث قال و قد روى هذا الخبر جماعة من الصحابة منهم أسماء بنت عميس وأم أيمن و ابن عباس و جابر بن عبد الله.

قال و قد روى محمّد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أبي رافع قال أتيت أبا ذر بالربذة أودعه فلما أردت الانصراف قال لي و لأناس معي ستكون فتنة فاتقوا الله و عليكم

بالشيخ علي بن أبي طالب فاتبعوه فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول له أنت أول من آمن بي و أول من يصافحني يوم القيامة و أنت الصديق الأكبر و أنت الفاروق الذي يفرق بين الحق و الباطل و أنت يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الكافرين و أنت أخي و وزيري و خير من أترك بعدي تقضي ديني و تنجز موعدي.

قال و قد روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي قال سمعت علي بن أبي طالب يقول أنا عبد الله و أخو رسوله و أنا الصديق الأكبر لا يقولها غيري إلا كذاب و لقد صليت قبل الناس سبع سنين.

وروت معاذة بنت عبد الله العدوية قالت سمعت علياع يخطب على منبر البصرة و يقول أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر و أسلمت قبل أن يسلم.

وروى حبة بن جوين العرني أنه سمع عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول أنا أول رجل أسلم مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏):

رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن حبة بن جوين وروى عثمان بن سعيد الخراز عن علي بن حرار عن علي بن عامر عن أبي الحجاف عن حکیم مولی زاذان قال سمعت علياع يقول صليت قبل الناس سبع سنين و كنا نسجد و لا نركع و أول صلاة ركعنا فيها صلاة العصر فقلت يا رسول الله ما هذا قال أمرت به

وروى إسماعيل بن عمرو عن قيس بن الربيع عن عبد الله بن محمّد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال صلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الإثنين وصلى علي يوم الثلاثاء بعده.

و في الرواية الأخرى عن أنس بن مالك استنبئ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الإثنين و أسلم علي يوم الثلاثاء بعده.

و روى أبو رافع أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) صلى أول صلاة صلاها غداة الإثنين وصلت خديجة آخر نهار يومها ذلك وصلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الثلاثاء غدا ذلك اليوم.

قال و قد روي بروايات مختلفة كثيرة متعددة عن زيد بن أرقم و سلمان الفارسي و جابر بن عبد الله و أنس بن مالك أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أول من أسلم و ذكر الروايات و الرجال بأسمائهم و روى سلمة بن كهيل عن رجاله الذين ذكرهم أبو جعفر في الكتاب أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال أولكم ورودا علي الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب.

وروى ياسين بن محمّد بن أيمن عن أبي حازم مولى ابن عباس عن ابن عباس قال سمعت عمر بن الخطاب و هو يقول كفوا عن علي بن أبي طالب فإني سمعت من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول فيه خصالا لو أن خصلة منها في جميع آل الخطاب كان أحب لي مما طلعت عليه الشمس كنت ذات يوم و أبو بكر و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة مع نفر من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) نطلبه فانتهينا إلى باب أم سلمة فوجدنا عليا متكئا على نجاف الباب فقلنا أردنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال هو في البيت رويدكم فخرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فسرنا حوله فاتكأ على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ضرب بيده على منكبه فقال أبشر يا علي بن أبي طالب إنك مخاصم و إنك تخصم الناس بسبع لا يجاريك أحد في واحدة منهن أنت أول الناس إسلاما و أعلمهم بأيام الله.

و ذكر الحديث.

قال و قد روى أبو سعيد الخدري عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مثل هذا الحديث.

قال روى أبو أيوب الأنصاري عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال لقد صلت الملائكة علي و على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبع سنين و ذلك أنه لم يصل معي رجل فيها غيره.

قال أبو جعفر فأما ما رواه الجاحظ من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إنما تبعني حر و عبد.

فإنه لم يسم في هذا الحديث أبا بكر و بلالا و كيف و أبو بكر لم يشتر بلالا إلا بعد ظهور الإسلام بمكة فلما أظهر بلال إسلامه عذبه أمية بن خلف و لم يكن ذلك حال إخفاء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الدعوة و لا في ابتداء أمر الإسلام.

و قد قيل إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما عنى بالحر علي بن أبي طالب و بالعبد زيد بن حارثة.

و روى ذلك محمّد بن إسحاق قال وقد روى إسماعيل بن نصر الصفار عن محمّد بن ذكوان عن الشعبي قال قال الحجاج للحسن و عنده جماعة من التابعين و ذكر علي بن أبي طالب ما تقول أنت يا حسن فقال ما أقول هو أول من صلى إلى القبلة و أجاب دعوة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و إن لعلي منزلة من ربه و قرابة من رسوله و قد سبقت له سوابق لا يستطيع ردها أحد فغضب الحجاج غضبا شديدا و قام عن سريره فدخل بعض البيوت و أمر بصرفنا.

قال الشعبي و كنا جماعة ما منا إلا من نال من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقاربة للحجاج غير الحسن بن أبي الحسن رحمه الله.

و روی محرز بن هشام عن إبراهيم بن سلمة عن محمّد بن عبيد الله قال قال رجل للحسن ما لنا لا نراك تثني على علي و تقرظه قال كيف و سيف الحجاج يقطر دما إنه لأول من أسلم و حسبكم بذلك.

قال فهذه الأخبار.

و أما الأشعار المروية فمعروفة كثيرة منتشرة فمنها قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب مجيبا للوليد بن عقبة بن أبي معيط

و إن ولي الأمر بعد محمّد *** علي و في كل المواطن صاحبه

وصي رسول الله حقا و صنوه *** وأول من صلى و من لان جانبه

و قال خزيمة بن ثابت في هذا

وصي رسول الله من دون أهله *** و فارسه مذ كان في سالف الزمن

و أول من صلى من الناس كلهم *** سوى خيرة النسوان والله ذو منن

و قال أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس حين بويع أبو بكر

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف*** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن

أليس أول من صلى لقبلتهم *** و أعلم الناس بالأحكام و السنن

قال أبو الأسود الدؤلي يهدد طلحة و الزبير

و إن عليا لكم مصحر *** يماثله الأسد الأسود

أما إنه أول العابدين *** بمكة و الله لا يعبد

و قال سعيد بن قيس الهمداني يرتجز بصفين

هذا علي و ابن عم المصطفى *** أول من أجابه فيما روى

هو الإمام لا يبالي من غوى

و قال زفر بن يزيد بن حذيفة الأسدي:

فحوطوا عليا و انصروه فإنه *** وصي و في الإسلام أول أول

و إن تخذلوه و الحوادث جمة *** فليس لكم عن أرضكم متحول

قال و الأشعار كالأخبار إذا امتنع في مجيء القبيلين التواطؤ و الاتفاق كان ورودهما حجة فأما قول الجاحظ فأوسط الأمور أن نجعل إسلامهما معا فقد أبطل بهذا ما احتج به لإمامة أبي بكر لأنه احتج بالسبق و قد عدل الآن عنه.

قال أبو جعفر و يقال لهم لسنا نحتاج من ذكر سبق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا مجامعتكم إيانا على أنه أسلم قبل الناس و دعواكم أنه أسلم و هو طفل دعوى غير مقبولة لا بحجة.

فإن قلتم و دعوتكم أنه أسلم و هو بالغ دعوى غير مقبولة إلا بحجة.

قلنا قد ثبت إسلامه بحكم إقراركم و لو كان طفلا لكان في الحقيقة غير مسلم لأن اسم الإيمان و الإسلام و الكفر و الطاعة و المعصية إنما يقع على البالغين دون الأطفال و المجانين و إذا أطلقتم و أطلقنا اسم الإسلام فالأصل في الإطلاق الحقيقة كيف.

و قد قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنت أول من آمن بي و أنت أول من صدقني. و قال لفاطمة زوجتك أقدمهم سلما أو قال إسلاما.

فإن قالوا إنما دعاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى الإسلام على جهة العرض لا التكليف.

قلنا قد وافقتمونا على الدعاء و حكم الدعاء حكم الأمر و التكليف ثم ادعيتم أن ذلك كان على وجه العرض و ليس لكم أن تقبلوا معنى الدعاء عن وجهه إلا لحجة.

فإن قالوا لعله كان على وجه التأديب و التعليم كما يعتمد مثل ذلك مع الأطفال قلنا إن ذلك إنما يكون إذا تمكن الإسلام بأهله أو عند النشوء عليه و الولادة فيه فأما في دار الشرك فلا يقع مثل ذلك لا سيما إذا كان الإسلام غير معروف و لا معتاد على بينهم سنة أنه ليس ليس من دعاء أطفال المشركين إلى الإسلام و التفريق بينهم و بين آبائهم قبل أن يبلغوا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الحلم.

و أيضا فمن شأن الطفل اتباع أهله و تقليد أبيه و المضي على منشئه و مولده و قد كانت منزلة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حينئذ منزلة ضيق وشدة و وحدة و هذه منازل لا ينتقل إليها إلا من ثبت الإسلام عنده بحجة و دخل اليقين قلبه بعلم و معرفة.

فإن قالوا إن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يألف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فوافقه على طريق المساعدة له قلنا إنه و إن كان يألفه أكثر من أبويه و إخوته و عمومته و أهل بيته و لم يكن الإلف ليخرجه عما نشأ عليه و لم يكن الإسلام مما غذي به و كرر على سمعه لأن الإسلام هو خلع الأنداد و البراءة ممن أشرك بالله و هذا لا يجتمع في اعتقاد طفل.

و من العجب قول العباس لعفيف بن قيس ننتظر الشيخ وما يصنع فإذا كان العباس و حمزة ينتظران أبا طالب و يصدران عن رأيه فكيف يخالفه ابنه و يؤثر القلة على الكثرة و يفارق المحبوب إلى المكروه و العز إلى الذل و الأمن إلى الخوف عن غير معرفة و لا علم بما فيه.

فأما قوله إن المقلل يزعم أنه أسلم و هو ابن خمس سنين و المكثر يزعم أنه أسلم و هو ابن تسع سنين فأول ما يقال في ذلك إن الأخبار جاءت في سنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم أسلم على خمسة أقسام فجعلناه في قسمين القسم الأول الذين قالوا أسلم و هو ابن خمس عشرة سنة.

حدثنا بذلك أحمد بن سعيد الأسدي عن إسحاق بن بشر القرشي عن الأوزاعي عن حمزة بن حبيب عن شداد بن أوس قال سألت خباب بن الأرت عن إسلام علي فقال أسلم و هو ابن خمس عشرة سنة و لقد رأيته يصلي قبل الناس مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و هو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ.

و روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن أن أول من أسلم علي بن أبي طالب و هو ابن خمس عشرة سنة.

القسم الثاني الذين قالوا إنه أسلم و هو ابن أربع عشرة سنة.

رواه أبو قتادة الحراني عن أبي حازم الأعرج عن حذيفة بن اليمان قال كنا نعبد الحجارة و نشرب الخمر و علي من أبناء أربع عشرة سنة قائم يصلي مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليلا و نهارا و قريش يومئذ تسافه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما يذب عنه إلا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

و روى ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد قال أسلم علي و هو ابن أربع عشرة سنة القسم الثالث الذين قالوا أسلم و هو ابن إحدى عشرة سنة.

رواه إسماعيل بن عبد الله الرقي عن محمّد بن عمر عن عبد الله بن سمعان عن جعفر بن محمّدع عن أبيه محمّد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن عليا حين أسلم كان ابن إحدى عشرة سنة.

وروى عبد الله بن زياد المدني عن محمّد بن علي الباقرع قال أول من آمن بالله علي بن أبي طالب و هو ابن إحدى عشرة سنة و هاجر إلى المدينة و هو ابن أربع ابن أربع و عشرين سنة.

القسم الرابع الذين قالوا إنه أسلم و هو ابن عشر سنين.

رواه نوح بن دراج عن محمّد بن إسحاق قال أول ذكر آمن و صدق بالنبوة علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو ابن عشر سنين ثم أسلم زيد بن حارثة ثم أسلم أبو بكر و هو ابن ست و ثلاثين سنة فيما بلغنا

القسم الخامس الذين قالوا إنه أسلم و هو ابن تسع سنين.

رواه الحسن بن عنبسة الوراق عن سليم مولى الشعبي عن الشعبي قال أول من أسلم من الرجال علي بن أبي طالب و هو ابن تسع سنين و كان له يوم قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تسع و عشرون سنة

قال شيخنا أبو جعفر فهذه الأخبار كما تراها فإما أن يكون الجاحظ جهلها أو قصد العناد. فأما قوله فالقياس أن نأخذ بأوسط الأمرين من الروايتين فنقول إنه أسلم و هو ابن سبع سنين فإن هذا تحكم منه و يلزمه مثله في رجل ادعى قبل رجل عشرة دراهم فأنكر ذلك و قال إنما يستحق قبلي أربعة دراهم فينبغي أن نأخذ الأمر المتوسط و يلزمه سبعة دراهم و يلزمه في أبي بكر حيث قال قوم كان كافرا و قال قوم كان إماما عادلا أن نقول أعدل الأقاويل أوسطها و هو منزلة بين المنزلتين فنقول كان فاسقا ظالما كذلك في جميع الأمور المختلف فيها.

فأما قوله و إنما يعرف حق ذلك من باطله بأن نحصي سني ولاية عثمان و عمر و أبي بكر و سني الهجرة و مقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكة بعد الرسالة إلى أن هاجر فيقال له لو كانت الروايات متفقة على هذه التاريخات لكان لهذا القول مساغ و لكن الناس قد اختلفوا في ذلك.

فقيل إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أقام بمكة بعد الرسالة خمس عشرة سنة رواه ابن عباس.

و قيل ثلاث عشرة سنة و روي عن ابن عباس أيضا.

و أكثر الناس يرونه.

و قيل عشر سنين رواه عروة بن الزبير و هو قول الحسن البصري و سعيد بن المسيب

و اختلفوا في سن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال قوم كان ابن خمس و ستین و قيل كان ابن ثلاث و ستين وقيل كان ابن ستين و اختلفوا في سن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقيل كان ابن سبع و ستين و قيل كان أن ابن خمس و ستین و قیل ابن ثلاث وستين و قیل ابن ستین و قیل ابن تسع و خمسين. فكيف يمكن مع هذه الاختلافات تحقيق هذه الحال و إنما الواجب أنيرجع إلى إطلاق قولهم أسلم علي فإن هذا الاسم لا يكون مطلقا إلا على البالغ كما لا يطلق اسم الكافر إلا على البالغ على أن ابن إحدى عشرة سنة يكون بالغا و يولد له الأولاد فقد روت الرواة أن عمرو بن العاص لم يكن أسن من ابنه عبد الله إلا باثنتي عشرة سنة و هذا يوج يوجب أنه احتلم و بلغ في أقل من إحدى عشرة سنة.

و روي أيضا أن محمّد بن عبد الله بن العباس كان أصغر من أبيه [علي بن] عبد الله بن العباس بإحدى عشرة سنة فيلزم الجاحظ أن يكون عبد الله بن العباس حين مات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) غير مسلم على الحقيقة و لا مثاب و لا مطيع بالإسلام لأنه كان يومئذ ابن عشر سنين رواه هشيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال توفي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أنا ابن عشر سنين.

قال الجاحظ فإن قالوا فلعله و هو ابن سبع سنين أو ثماني سنين قد بلغ من فطنته و ذكائه و صحة لبه و صدق حدسه و انكشاف العواقب له و إن لم يكن جرب الأمور و لا فاتح الرجال و لا نازع الخصوم ما يعرف به جميع ما يحب على البالغ معرفته و الإقرار به قيل لهم إنما نتكلم على ظواهر الأحوال و ما شاهدنا عليه طبائع الأطفال فإنا وجدنا حكم ابن سبع سنين أو ثمان ما لم يعلم باطن أمره و خاصة طبعه حكم الأطفال و ليس لنا أن نزيل ظاهر حكمه و الذي نعرف من حال أفناء جنسه بلعل وعسى لأنا و إن كنا لا ندري لعله قد كان ذا فضيلة في الفطنة فلعله قد كان ذا نقص فيها.

هذا على تجويز أن يكون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغيب قد أسلم و هو ابن سبع أو ثمان إسلام البالغ غير أن الحكم على مجرى أمثاله وأشكاله الذين أسلموا و هم في مثل سنه إذ كان إسلام هؤلاء عن تربية الحاضن وتلقين القيم و رياضة السائس.

فأما عند التحقيق فإنه لا تجويز لمثل ذلك لأنه لو كان أسلم و هو ابن سبع أو ثمان و عرف فضل ما بين الأنبياء و الكهنة و فرق ما بين الرسل و السحرة و فرق ما بين خبر النبي و

المنجم و حتى عرف كيد الأريب و موضع الحجة و بعد غور المتنبئ كيف يلبس على العقلاء و تستمال عقول الدهماء و عرف الممكن في الطبع من الممتنع و ما يحدث بالاتفاق مما يحدث بالأسباب و عرف قدر القوى و غاية الحيلة و منتهى التمويه و الخديعة و ما لا يحتمل أن يحدثه إلا الخالق سبحانه و ما يجوز على الله في حكمته مما لا يجوز و كيف التحفظ من الهوى و الاحتراس من الخداع لكان كونه على هذه الحال و هذه مع فرط الصبا والحداثة و قلة التجارب و الممارسة خروجا من العادة و من المعروف مما عليه تركيب هذه الخلقة و ليس يصل أحد إلى معرفة نبي و كذب متنبئ حتى يجتمع فيه هذه المعارف التي ذكرناها و الأسباب التي وصفناها و فصلناها و لو كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذه الصفة و معه هذه الخاصية لكان حجة على العامة و آية تدل على النبوة و لم يكن الله عز و جل ليخصه بمثل هذه الأعجوبة إلا و هو يريد أن يحتج بها و يجعلها قاطعة لعذر الشاهد و حجة على الغائب و لو لا أن الله أخبر عن يحيى بن زكريا أنه أتاه الحكم صبيا و أنه أنطق عيسى في المهد ما كانا في الحكم و لا في المغيب إلا كسائر الرسل و ما عليه جميع البشر فإذا لم ينطق لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك قرآن و لا جاء الخبر به مجيء الحجة القاطعة المشاهدة القائمة و فالمعلوم عندنا في الحكم أن طباعه كطباع عميه حمزة و العباس و هما أمس بمعدن جماع الخير منه أو كطباع جعفر و عقيل من رجال قومه و سادة رهطه و لو أن إنسانا ادعى مثل ذلك لأخيه جعفر أو لعميه حمزة و العباس ما كان عندنا في أمره إلا مثل ما عندنا فيه أجاب شيخنا أبو جعفر رحمه الله فقال هذا كله مبني على أنه أسلم و هو ابن سبع أو ثمان و نحن قد بينا أنه أسلم بالغا ابن خمس عشرة سنة أو ابن أربع عشرة سنة على أنا لو نزلنا على حكم الخصوم و قلنا ما هو الأشهر و الأكثر من الرواية و هو أنه أسلم و هو ابن عشر لم يلزم ما قاله الجاحظ لأن ابن عشر قد يستجمع عقله و يعلم من مبادئ المعارف ما يستخرج به كثيرا من الأمور المعقولة و متى كان الصبي عاقلا مميزا كان مكلفا بالعقليات و إن كان تكليفه بالشرعيات موقوفا على حد آخر و غاية أخرى فليس بمنكر أن يكون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو ابن عشر قد عقل المعجزة فلزمه الإقرار بالنبوة و أسلم إسلام عالم عارف لا إسلام مقلد تابع و إن كان ما نسقه الجاحظ و عدده من معرفة السحر و النجوم والفصل بينهما و بين النبوة و

معرفة ما يجوز في الحكمة مما لا يجوز و ما لا يحدثه إلا الخالق و الفرق بينه و بين ما يقدر عليه القادرون بالقدرة و معرفة التمويه و الخديعة و التلبيس و المماكرة شرطا في صحة الإسلام لما صح إسلام أبي بكر ولا عمر ولا غيرهما من العرب و إنما التكليف لهؤلاء بالجمل ومبادئ المعارف لا بدقائقها و الغامض منها و ليس يفتقر الإسلام إلى أن يكون المسلم قد فاتح الرجال و جرب الأمور و نازع الخصوم و إنما يفتقر إلى صحة الغريزة و كمال العقل و سلامة الفطرة ألا ترى أن طفلا لو نشأ في دار لم يعاشر الناس بها و لا فاتح الرجال و لا نازع الخصوم ثم كمل عقله و حصلت العلوم البديهية عنده لكان مكلفا بالعقليات.

فأما توهمه أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أسلم عن تربية الحاضن و تلقين القيم و رياضة السائس فلعمري إن محمدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان حاضنه و قیمه و سائسه و لكن لم يكن منقطعا عن أبيه أبي طالب و لا عن إخوته طالب و عقیل و جعفر و لا عن عمومته و أهل بيته و ما زال مخالطا لهم ممتزجا بهم مع خدمته لمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فما باله لم يمل إلى الشرك و عبادة الأصنام لمخالطته إخوته و أباه و عمومته و أهله و هم كثير و محمّد واحد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أنت تعلم أن الصبي إذا كان له أهل ذوو كثرة و فيهم واحد يذهب إلى رأي مفرد لا يوافقه عليه غيره منهم فإنه إلى ذوي الكثرة أميل و عن ذي الرأي الشاذ المنفرد أبعد و على أن علياع لم يولد في دار الإسلام و إنما ولد في دار الشرك و ربي بين المشركين و شاهد الأصنام و عاين بعينه أهله و رهطه يعبدونها فلو كان في دار الإسلام لكان في القول مجال و لقيل إنه ولد بين المسلمين فإسلامه عن تلقين الظئر و عن سماع كلمة الإسلام و مشاهدة شعاره لأنه لم يسمع غيره و لا خطر بباله سواه فلما لم يكن ولد كذلك ثبت أن إسلامه إسلام المميز العارف بما دخل عليه و لو لا أنه كذلك لما مدحه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بذلك و لا أرضى ابنته فاطمة لما وجدت من تزويجه.

بقوله لها زوجتك أقدمهم سلما

و لا قرن إلى

قوله و اكثرهم علما وأعظمهم حلما

و الحلم العقل و هذان الأمران غاية الفضل فلو لا أنه أسلم إسلام عارف عالم مميز لما ضم إسلامه إلى العلم و الحلم اللذين وصفه بهما و كيف يجوز أن يمدحه بأمر لم يكن مثابا عليه و لا معاقبا به لو تركه و لو كان إسلامه عن تلقين وتربية لما افتخر هو(عَلَيهِ السَّلَامُ) به علی رءوس الأشهاد و لا خطب على المنبر و هو بين عدو و محارب و خاذل منافق.

فقال أنا عبد الله و أخو رسوله و أنا الصديق الأكبر و الفاروق الأعظم صليت قبل الناس سبع سنين و أسلمت قبل إسلام أبي بكر و آمنت قبل إيمانه.

فهل بلغكم أن أحدا من أهل ذلك العصر أنكر ذلك أو عابه أو ادعاه لغيره أو قال له إنما كنت طفلا أسلمت على تربية محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ذلك وتلقينه إياك كما يعلم الطفل الفارسية و التركية منذ يكون رضيعا فلا فخر له في تعلم ذلك و خصوصا في عصر قد حارب فيه أهل البصرة و الشام و النهروان وقد اعتورته الأعداء و هجته الشعراء فقال فيه النعمان بن بشير.

لقد طلب الخلافة من بعيد *** و سارع في الضلال أبو تراب

معاوية الإمام و أنت منها *** على وتح بمنقطع السراب

و قال فيه أيضا بعض الخوارج

دسسنا له تحت الظلام ابن ملجم *** جزاء إذا ما جاء نفسا كتابها

أبا حسن خذها على الرأس ضربة *** بكف كريم بعد موت ثوابها

و قال عمران بن حطّان يمدح قاتله

يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره حينا فأحسبه *** أوفى البرية عند الله ميزانا

فلو وجد هؤلاء سبيلا إلى دحض حجة فيما كان يفخر به من تقدم إسلامه لبدءوا بذلك و تركوا ما لا معنى له.

و قد أوردنا ما مدحه الشعراء به من سبقه إلى الإسلام فكيف لم يرد على هؤلاء الذين مدحوه بالسبق شاعر واحد من أهل حربه و لقد قال في أمهات الأولاد قولا خالف فيه عمر

فذكروه بذلك و عابوه فكيف تركوا أن يعيبوه بما كان يفتخر به مما لا فخر فيه عندهم و عابوه بقوله في أمهات الأولاد.

ثم يقال له خبرنا عن عبد الله بن عمر و قد أجازه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الخندق و لم يجزه يوم أحد هل كان يميز ما ذكرته و هل كان يعلم فرق ما بين النبي و المتنبئ و يفصل بين السحروالمعجزة إلى غيره مما عددت فصلت.

فإن قال نعم و تجاسر على ذلك قيل له فعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك أولى من ابن عمر لأنه أذكى و أفطن بلا خلاف بين العقلاء و أنى يشك في ذلك قد رويتم أنه لم يميز بين الميزان و العود بعد طول السن و كثرة التجارب و لم يميز أيضا بين إمام الرشد و إمام الغي فإنه امتنع من بيعة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطرق على الحجاج بابه ليلا ليبايع لعبد الملك كيلا يبيت تلك الليلة بلا إمام زعم لأنه.

روي عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال من مات و لا إمام له مات ميتة جاهلية.

و حتى بلغ من احتقار الحجاج له و استرذاله حاله أن أخرج رجله من الفراش فقال أصفق بيدك عليها فذلك تمييزه بين الميزان و العود و هذا اختياره في الأئمة و حال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكائه فطنته و توقد حسه و صدق حدسه معلومة مشهورة فإذا جاز أن يصح إسلام ابن عمر و يقال عنه إنه عرف تلك الأمور التي سردها الجاحظ و نسقها و أظهر فصاحته و تشدقه فيها فعلي بمعرفة ذلك أحق و بصحة إسلامه أولى.

و إن قال لم يكن ابن عمر يعلم ويعرف ذلك فقد أبطل إسلامه و طعن في رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيث حكم بصحة إسلامه و أجازه يوم الخندق.

لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان قال لا أجيز إلا البالغ العاقل.

و لذلك لم يجزه يوم أحد.

ثم يقال له إن ما نقوله في بلوغ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحد الذي يحسن فيه التكليف العقلي بل يجب و هو ابن عشر سنين ليس بأعجب من مجيء الولد لستة أشهروقد صحح ذلك أهل العلم و استنبطوه من الكتاب و إن كان خارجا من التعارف و التجارب و العادة و كذلك مجيء الولد لسنتين خارج أيضا عن التعارف و العادة وقد صححه الفقهاء و الناس.

و يروى أن معاذا لما نهى عمر عن رجم الحامل تركها حتى ولدت غلاما قد نبتت ثنيتاه فقال أبوه ابني و رب الكعبة فثبت ذلك سنة يعمل بها الفقهاء و قد وجدنا العادة تقضي بأن الجارية تحيض لاثنتي عشرة سنة و أنه أقل سن تحيض فيه المرأة وقد يكون في الأقل نساء يحضن لعشر و لتسع وقد ذكر ذلك الفقهاء وقد قال الشافعى فى اللعان لو جاءت المرأة بحمل و زوجها صبي له دون عشر سنين لم يكن ولدا له لأن من لم يبلغ عشر سنين من الصبيان لا يولد له و إن كان له عشر سنين جاز أن يكون الولد له و كان بينهما لعان إذا لم يقر به.

و قال الفقهاء أيضا إن نساء تهامة يحضن لتسع سنين لشدة الحر ببلادهن.

قال الجاحظ و لو لم يعرف باطل هذه الدعوى من آثر التقوى و تحفظ من الهوى إلا بترك علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكر ذلك لنفسه و الاحتجاج به على خصمه قد نازع الرجال و ناوى الأكفاء و جامع أهل الشورى لكان كافيا ومتى لم تصح لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الدعوى في أيامه و لم يذكرها أهل عصره فهي عن ولده أعجز و منهم أضعف.

و لم ينقل أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) احتج بذلك في موقف و لا ذكره في مجلس و لا قام به خطيبا و لا أدلى به واثقا لا سيما و قد رضيه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عندكم مفزعا و معلما و جعله للناس إماما و لا ادعى له أحد ذلك في عصره كما لم يدعه لنفسه حتى يقول إنسان واحد الدليل على إمامته أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دعاه إلى الإسلام أو كلفه التصديق قبل بلوغه ليكون ذلك آية للناس في عصره و حجة له و لولده من بعده فهذا كان أشد على طلحة و الزبير و عائشة من كل ما ادعاه من فضائله و سوابقه و ذکر قرابته.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله إن مثل الجاحظ مع فضله و علمه لا يخفى عليه كذب هذه الدعوى و فسادها و لكنه يقول ما يقوله تعصبا و عنادا و قد روى الناس كافة افتخار علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسبق إلى الإسلام و أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) استنبئ يوم الإثنين و أسلم علي يوم الثلاثاء.

و أنه كان يقول صليت قبل الناس سبع سنين.

أنه ما زال يقول أنا أول من أسلم و يفتخر بذلك و يفتخر له به أولياؤه و مادحوه و شيعته في عصره و بعد وفاته و الأمر في ذلك أشهر من كل شهير و قد قدمنا منه طرفا و ما علمنا

أحدا من الناس فيما خلا استخف بإسلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لا تهاون به و لا زعم أنه أسلم إسلام حدث غرير و طفل صغير و من العجب أن يكون مثل العباس وحمزة ينتظران أبا طالب و فعله ليصدرا عن رأيه ثم يخالفه علي ابنه لغير رغبة و لا رهبة يؤثر القلة على الكثرة و الذل على العزة من غير علم ولا معرفة بالعاقبة وكيف ينكر الجاحظ و العثمانية أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دعاه إلى الإسلام و كلفه التصديق.

و قد روي في الخبر الصحيح أنه كلفه في مبدإ الدعوة قبل ظهور كلمة الإسلام و انتشارها بمكة أن يصنع له طعاما و أن يدعو له بني عبد المطلب فصنع له الطعام و دعاهم له فخرجوا ذلك اليوم و لم ينذرهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لكلمة قالها عمه أبو لهب فكلفه في اليوم الثاني أن يصنع مثل ذلك الطعام و أن يدعوهم ثانية فصنعه و دعاهم فأكلوا ثم كلمهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فدعاهم إلى الدين و دعاه معهم لأنه من بني عبد المطلب ثم ضمن لمن يوازره منهم و ينصره على قوله أن يجعله أخاه في الدين و وصيه بعد موته و خليفته من بعده فأمسكوا كلهم و أجابه هو وحده قال أنا أنصرك على ما جئت به و أوازرك وأبايعك فقال لهم لما رأى منهم الخذلان و منه النصر و شاهد منهم المعصية و منه الطاعة و عاين منهم الإباء و منه الإجابة هذا أخي و وصبي و خليفتي من بعدي فقاموا يسخرون و يضحكون ويقولون لأبي طالب أطع ابنك فقد أمره عليك.

فهل يكلف عمل الطعام ودعاء القوم صغير مميز و غر غیر عاقل و هل يؤتمن على سر النبوة طفل ابن خمس سنين أو ابن سبع و هل يدعى في جملة الشيوخ و الكهول إلا عاقل لبيب و هل يضع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يده في يده و يعطيه صفقة يمينه بالأخوة و الوصية و الخلافة إلا و هو أهل لذلك بالغ حد التكليف محتمل لولاية الله و عداوة أعدائه و ما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه و لم يلصق بأشكاله و لم ير مع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه و هو كأحدهم في طبقته كبعضهم في معرفته.

و كيف لم ينزع إليهم في ساعة من ساعاته فيقال دعاه داعي الصبا و خاطر من خواطر الدنيا و حملته الغرة و الحداثة على حضور لهوهم و الدخول في حالهم بل ما رأيناه إلا ماضيا على إسلامه مصمما في أمره محققا لقوله بفعله قد صدق إسلامه بعفافه و زهده و لصق برسول

الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من بين جميع من بحضرته فهو أمينه و أليفه في دنياه و آخرته و قد قهر شهوته و جاذب خواطره صابرا على ذلك نفسه لما يرجو من فوز العاقبة و ثواب الآخرة وقد ذكر هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلامه و خطبه بدء حاله و افتتاح أمره.

حيث أسلم لما دعا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الشجرة فأقبلت تخد الأرض فقالت قريش ساحر خفيف السحر فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا رسول الله أنا أول من يؤمن بك آمنت بالله و رسوله وصدقتك فيما جئت به و أنا أشهد أن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك و برهانا على صحة دعوتك.

فهل يكون إيمان قط أصح من هذا الإيمان و أوثق عقدة و أحكم مرة و لكن حنق العثمانية و غيظهم و عصبية الجاحظ و انحرافه مما لا حيلة فيه ثم لينظر المنصف و ليدع الهوى جانبا ليعلم نعمة الله على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإسلام حيث أسلم على الوضع الذي أسلم عليه فإنه لو لا الألطاف التي خص بها و الهداية التي منحها لما كان إلا كبعض أقارب محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أهله فقد كان ممازجا له كممازجته و مخالطا له كمخالطة كثير من أهله و رهطه و لم يستجب منهم أحد له إلا بعد حين و منهم من لم يستجب له أصلا فإن جعفراع كان ملتصقا به و لم يسلم حينئذ و كان عتبة بن أبي لهب ابن عمه و صهره زوج ابنته و لم يصدقه بل كان شديدا عليه و كان لخديجة بنون من غيره و لم يسلموا حينئذ و هم ربائبه و معه في دار واحدة و كان أبو طالب أباه في الحقيقة و كافله و ناصره و المحامي عنه و من لولاه لم تقم له قائمة و مع ذلك لم يسلم في أغلب الروايات و كان العباس عمه و صنو أبيه و كالقرين له في الولادة و المنشا و التربية و لم يستجب له إلا بعد حين طويل و كان أبو لهب عمه و كدمه و لحمه و لم يسلم و كان شديدا عليه فكيف ينسب إسلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الإلف و التربية و القرابة و اللحمة و التلقين و الحضانة و الدار الجامعة و طول العشرة و الأنس و الخلوة و قد كان كل ذلك حاصلا لهؤلاء أو لكثير منهم و لم يهتد أحد منهم إذ ذاك بل كانوا بين من جحد و کفر و مات على كفره و من أبطأ و تأخر وسبق بالإسلام و جاء سكيتا و قد فاز بالمنزلة غيره.

و هل يدل تأمل حال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الإنصاف إلا على أنه أسلم لأنه شاهد الأ(عَلَيهِ السَّلَامُ) و رأى المعجزات و شم ريح النبوة و رأى نور الرسالة و ثبت اليقين في قلبه بمعرفة و علم و نظر صحيحلا بتقليد و لا حمية ولا رغبة و لا رهبة إلا فيما يتعلق بأمور الآخرة.

قال الجاحظ فلو أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان بالغا حيث أسلم لكان إسلام أبي بكر و زيد بن حارثة و خباب بن الأرت أفضل من إسلامه لأن إسلام المقتضب الذي لم يعتد به و لم يعوده و لم يمرن عليه أفضل من إسلام الناشئ الذي ربي فيه ونشأ و حبب إليه و ذلك لأن صاحب التربية يبلغ حيث يبلغ و قد أسقط إلفه عنه مؤنة الروية و الخاطر و كفاه علاج القلب و اضطراب النفس و زيد و خباب و أبو بكر يعانون من كلفة النظر و مؤنة التأمل و مشقة الانتقال من الدين الذي قد طال الفهم له ما هو غير خاف و لو كان علي حيث أسلم بالغا مقتضبا كغيره ممن عددنا كان إسلامهم أفضل من إسلامه لأن من أسلم و هو يعلم أن له ظهرا كأبي طالب و ردءا كبني هاشم و موضعا في بني عبد المطلب ليس كالحليف و المولى و التابع و العسيف و كالرجل من عرض قريش أ و لست تعلم أن قريشا خاصة و أهل مكة عامة لم يقدروا على أذى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما كان أبو طالب حيا و أيضا فإن أولئك اجتمع عليهم مع فراق الإلف مشقة الخواطر و علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان بحضرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يشاهد الأعلام في كل وقت و يحضر منزل الوحي فالبراهين له أشد انكشافا و الخواطر على قلبه أقل اعتلاجا و على قدر الكلفة والمشقة يعظم الفضل و يكثر الأجر.

قال أبو جعفر رحمه الله ينبغي أن ينظر أهل الإنصاف هذا الفصل و يقفوا على قول الجاحظ و الأصم في نصرة العثمانية و اجتهادهما في القصد إلى فضائل هذا الرجل و تهجينها فمرة يبطلان معناها و مرة يتوصلان إلى حط قدرها فلينظر في كل باب اعترضا فيه أين بلغت حيلتهما و ما صنعا في احتيالهما في قصصهما و سجعهما أليس إذا تأملتها علمت أنها ألفاظ ملفقة بلا معنى و أنها عليها شجى و بلاء و إلا فما عسى أن تبلغ حيلة الحاسد و يغني كيد الكائد الشانئ لمن قد جل قدره عن النقص و أضاءت فضائله إضاءة الشمس و أين قول الجاحظ من دلائل السماء و براهين الأنبياء وقد علم الصغير و الكبير و العالم و الجاهل ممن بلغه ذكر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و علم مبعث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يولد في دار الإسلام و لا غذي

في حجر الإيمان و إنما استضافه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى نفسه سنة القحط و المجاعة و عمره يومئذ ثماني سنين فمكث معه سبع سنين حتى أتاه جبرئيل بالرسالة فدعاه و هو بالغ كامل العقل إلى الإسلام فأسلم بعد مشاهدة المعجزة و بعد إعمال النظر و الفكرة و إن كان قد ورد في كلامه أنه صلى سبع سنين قبل الناس كلهم فإنما يعني ما بين الثمان و الخمس عشرة و لم يكن حينئذ دعوة ولا رسالة و لا ادعاء نبوة و إنما كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يتعبد على ملة إبراهيم و دين الحنيفية و يتحنث و يجانب الناس و يعتزل و يطلب الخلوة و ينقطع في جبل حراء و كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معه كالتابع و التلميذ فلما بلغ الحلم وجاءت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الملائكة و بشرته بالرسالة دعاه فأجابه عن نظر و معرفة بالأعلام المعجزة فكيف يقول الجاحظ إن إسلامه لم يكن مقتضبا.

وإن كان إسلامه ينقص عن إسلام غيره في الفضيلة لما كان يمرن عليه من التعبد مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبل الدعوة لتكونن طاعة كثير من المكلفين أفضل من طاعة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أمثاله من المعصومين لأن العصمة عند أهل العدل لطف يمنع من اختص به من ارتكاب القبيح فمن اختص بذلك اللطف كانت الطاعة عليه أسهل فوجب أن يكون ثوابه أنقص من ثواب من أطاع مع تلك الألطاف.

و كيف يقول الجاحظ إن إسلامه ناقص عن إسلام غيره وقد جاء في الخبر أنه أسلم يوم الثلاثاء و استنبئ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الإثنين فمن هذه حاله لم تكثر حجج الرسالة على سمعه و لا تواترت أعلام النبوة على مشاهدته و لا تطاول الوقت عليه لتخف محنته و يسقط تقل تكليفه بل بان فضله و ظهر حسن اختياره لنفسه إذ أسلم في حال بلوغه و عانى نوازع طبعه و لم يؤخر ذلك بعد سماعه.

و قد غمر الجاحظ في كتابه هذا أن أبا بكر كان قبل إسلامه مذكورا و رئيسا معروفا يجتمع إليه كثير من أهل مكة فينشدون الأشعار و يتذاكرون الأخبار و يشربون الخمر و قد كان سمع دلائل النبوة و حجج الرسل وسافر إلى البلدان و وصلت إليه الأخبار و عرف دعوى الكهنة وحيل السحرة و من كان كذلك كان انكشاف الأمور له أظهر و الإسلام عليه أسهل و الخواطر على قلبه أقل اعتلاجا و كل ذلك عون لأبي بكر على الإسلام و مسهل إليه سبيله و

لذلك لما قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أتيت بيت المقدس سأله أبو بكر عن المسجد و مواضعه فصدقه و بان له أمره و خفت مئونته لما تقدم من معرفته بالبيت فخرج إذا إسلام أبي بكر على قول الجاحظ من معنى المقتضب و في ذلك رویتم

عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا و كان له تردد و نبوة إلا ما كان من أبي بكر فإنه لم يتلعثم حتى هجم به اليقين إلى المعرفة و الإسلام.

فأين هذا و إسلام من خلي و عقله و ألجئ إلى نظره مع صغر سنه و اعتلاج الخواطر على قلبه و نشأته في ضد ما دخل فيه و الغالب على أمثاله و أقرانه حب اللعب و اللهو فلجأ إلى ما ظهر له من دلائل الدعوة و لم يتأخر إسلامه فيلزمه التقصير بالمعصية فقهر شهوته و غالب خواطره و خرج من عادته و ما كان غذي به لصحة نظره و لطافة فكره و غامض فهمه فعظم استنباطه و رجح فضله و شرف قدر إسلامه و لم يأخذ من الدنيا بنصيب و لا تنعم فيها بنعيم حدثا و لا كبيرا و حمى نفسه عن الهوى و كسر شرة حداثته بالتقوى و اشتغل بهم الدين عن نعيم الدنيا و أشغل هم الآخرة قلبه و وجه إليه رغبته فإسلامه هو السبيل الذي لم يسلم عليه أحد غيره و ما سبيله في ذلك إلا كسبيل الأنبياء ليعلم أن منزلته من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كمنزلة هارون من موسى و أنه و إن لم يكن نبيا فقد كان في سبيل الأنبياء سالكا و لمنهاجهم متبعا و كانت حاله كحال إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإن أهل العلم ذكروا أنه لما كان صغيرا جعلته أمه في سرب لم يطلع عليه أحد فلما نشأ و درج و عقل قال لأمه قالت أبوك قال من ربي فمن رب أبي فزبرته و نهرته إلى أن طلع من شق السرب فرأى كوكبا ف قال هذا ربّی فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رأى القَمَرَ بازغا قالَ هذا ربِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدني ربِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رأى الشَّمْسَ بازغَةٌ قال هذا ربي هذا أكبرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قال يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ و في ذلك يقول الله جل ثناؤه وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ وعلى هذا كان إسلام الصديق الأكبر(عَلَيهِ السَّلَامُ) لسنا نقول إنه كان مساويا له في الفضيلة و لكن كان مقتديا بطريقه على ما قال الله تعالى إنَّ أُولى النَّاس بإبراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ و أما اعتلال الجاحظ

بأن له ظهرا كأبي طالب وردءا كبني هاشم فإنه يوجب عليه أن تكون محنة أبي بكر و بلال و ثوابهما و فضل إسلامهما أعظم مما لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأن أبا طالب ظهره و بني هاشم ردوه و حسبك جهلا من معاند لم يستطع حط قدر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا بحطه من قدر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و لم يكن أحد أشد على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قراباته الأدنى منهم فالأدنى كأبي لهب عمه و امرأة أبي لهب و هي أم جميل بنت حرب بن أمية و إحدى أولاد عبد مناف ثم ما كان من عقبة بن أبي معيط و هو ابن عمه و ما كان من النضر بن الحارث و هو من بني عبد الدار بن قصي و هو ابن عمه أيضا و غير هؤلاء ممن يطول تعداده و كلهم كان يطرح الأذى في طريقه و ينقل أخباره و يرميه بالحجارة و يرمي الكرش و الفرث عليه و كانوا يؤذون عليا(عَلَيهِ السَّلَامُ) و لما كأذاه و يجتهدون في غمه و يستهزءون به و ما كان لأبي بكر قرابة تؤذيه كقرابة علي و كان بين علي و بين النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الاتحاد والإلف و الاتفاق أحجم المنافقون بالمدينة عن أذى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خوفا من سيفه و لأنه صاحب الدار و الجيش و أمره مطاع و قوله نافذ فخافوا على دمائهم منه فاتقوه و أمسكوا عن إظهار بغضه و أظهروا بغض علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و شنآنه فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في في حقه في.

الخبر الذي روي في جميع الصحاح لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق.

و قال كثير من أعلام الصحابة كما:

روي في الخبر المشهور بين المحدثين ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغض علي بن أبي طالب و أين كان ظهر أبي طالب عن جعفر و قد أزعجه الأذى عن وطنه حتى هاجر إلى بلاد الحبشة و ركب البحر أ يتوهم الجاحظ أن أبا طالب نصر عليا و خذل جعفرا.

قال الجاحظ و لأبي بكر فضيلة في إسلامه أنه كان قبل إسلامه كثير الصديق عريض الجاه ذا يسار و غنى يعظم لماله و يستفاد من رأيه فخرج من عز الغنى و كثرة الصديق إلى ذل الفاقة و عجز الوحدة و هذا غير إسلام من لا حراك به و لا عز له تابع غير متبوع لأن من أشد ما يبتلى الكريم به السب بعد التحية و الضرب بعد الهيبة و العسر بعد اليسر ثم كان أبو بكر دعية من دعاة الرسول و كان يتلوه في جميع أحواله فكان الخوف إليه أشد و المكروه نحوه

أسرع و كان ممن تحسن مطالبته و لا يستحيا من إدراك الثأر عنده لنباهته و بعد ذكره و الحدث الصغير يزدري و يحتقر لصغر سنه و خمول ذكره.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما ما ذكر من كثرة المال و الصديق و استفاضة الذكر و بعد الصيت و كبر السن فكله عليه لا له و ذلك لأنه قد علم أن من سيرة العرب و أخلاقها حفظ الصديق و الوفاء بالدمام و التهيب لذي الثروة و احترام ذي السن العالية و في كل هذا ظهر شدید و سند و ثقة يعتمد عليها عند المحن و لذلك كان المرء منهم إذا تمكن من صديقه أبقى عليه و استحيا منه و كان ذلك سببا لنجاته و العفو عنه على أن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن لم يكن شهره سنه فقد شهره نسبه و موضعه من بني هاشم و إن لم يستفض ذكره بلقاء الرجال و كثرة الأسفار استفاض بأبي طالب فأنتم تعلمون أنه ليس تيم في بعد الصيت كهاشم ولا أبو قحافة كأبي طالب و على حسب ذلك يعلو ذكر الفتى على ذي السن و يبعد صيت الحدث على الشيخ و معلوم أيضا أن عليا على أعناق المشركين أثقل إذ كان هاشميا و إن كان أبوه حامى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و المانع لحوزته و علي هو الذي فتح على العرب باب الخلاف و استهان بهم بما أظهر من الإسلام و الصلاة و خالف رهطه و عشيرته و أطاع ابن عمه فيما لم يعرف من قبل و لا عهد له نظير كما قال تعالى لتنذرَ قَوْماً ما أنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غافلُونَ ثم كان بعد صاحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و مشتكي حزنه و أنيسه في خلوته و جليسه و أليفه في أيامه كلها وكل هذا يوجب التحريض عليه ومعاداة العرب له ثم أنتم معاشر العثمانية تثبتون لأبي بكر فضيلة بصحبة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مكة إلى يثرب و دخوله معه في الغار فقلتم مرتبة شريفة وحالة جليلة إذ كان شريكه في الهجرة و أنيسه في الوحشة فأين هذه من صحبة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) له في خلوته و حيث لا يجد أنيسا غيره ليله و نهاره أيام مقامه بمكة يعبد الله معه سرا و يتكلف له الحاجة جهرا و يخدمه كالعبد يخدم مولاه و يشفق عليه و يحوطه و كالولد يبر والده و يعطف عليه و.

لما سئلت عائشة من كان أحب الناس إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قالت أما من الرجال فعلي و أما من النساء ففاطمة

قال الجاحظ و كان أبو بكر من المفتونين المعذبين بمكة قبل الهجرة فضربه نوفل بن خویلد المعروف بابن العدوية مرتين حتى أدماه و شده مع طلحة بن عبيد الله في قرن و جعلهما في الهاجرة عمير بن عثمان بن مرة بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة و لذلك كانا يدعيان القرينين و لو لم يكن له غير ذلك لكان لحاقه عسيرا و بلوغ منزلته شديدا و لو كان يوما واحدا لكان عظيما و علي بن أبي طالب رافه وادع ليس بمطلوب و لا طالب و ليس أنه لم يكن في طبعه الشهامة و النجدة و في غريزته البسالة في الشجاعة لكنه لم يكن قد تمت أداته و لا استكملت آلته و رجال الطلب و أصحاب الثأر يغمصون ذا الحداثة و يزدرون بذي الصبا و الغرارة إلى أن يلحق بالرجال و يخرج من طبع الأطفال.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما القول فممكن و الدعوى سهلة سيما على مثل الجاحظ فإنه ليس على لسانه من دينه و عقله رقیب و هو من دعوى الباطل غير بعيد فمعناه نزر و قوله لغو و مطلبه سجع و كلامه لعب ولهو يقول الشيء و خلافه و يحسن القول و ضده ليس له من نفسه واعظ و لا لدعواه حد قائم و إلا فكيف تجاسر على القول بأن عليا حينئذ لم يكن مطلوبا و لا طالبا وقد بينا بالأخبار الصحيحة و الحديث المرفوع المسند أنه كان يوم أسلم بالغا كاملا منابذا بلسانه و قلبه لمشركي قريش ثقيلا على قلوبهم و هو المخصوص دون أبي بكر بالحصار في الشعب و صاحب الخلوات برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في تلك الظلمات المتجرع لغصص المرار من أبي لهب و أبي جهل و غيرهما و المصطلي لكل مكروه و الشريك لنبيه فى كل أذى قد نهض بالحمل الثقيل و بان بالأمر الجليل و من الذي كان يخرج ليلا من الشعب على هيئة السارق و يخفي نفسه و يضائل شخصه حتى يأتي إلى من يبعثه إليه أبو طالب من كبراء قريش كمطعم بن عدي و غيره فيحمل لبني هاشم على ظهره أعدال الدقيق و القمح و هو على أشد خوف من أعدائهم كأبي جهل و غيره لو ظفروا به لأراقوا دمه أ علي كان يفعل ذلك أيام الحصار في الشعب أم أبو بكر و قد ذكر هو(عَلَيهِ السَّلَامُ) حاله يومئذ

فقال في خطبة له مشهورة فتعاقدوا ألا يعاملونا و لا يناكحونا و أوقدت الحرب علينا نيرانها و اضطرونا إلى جبل وعر مؤمننا يرجو الثواب و كافرنا يحامي عن الأصل و لقد كانت

القبائل كلها اجتمعت عليهم وقطعوا عنهم المارة و الميرة فكانوا يتوقعون الموت جوعا صباحا و مساء لا يرون وجها و لا فرجا قد اضمحل عزمهم و انقطع رجاؤهم.

فمن الذي خلص إليه مكروه تلك المحن بعد محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحده و ما عسی أن يقول الواصف و المطنب في هذه الفضيلة من تقصي معانيها و بلوغ غاية كنهها و فضيلة الصابر عندها و دامت هذه المحنة عليهم ثلاث سنين حتى انفرجت عنهم بقصة الصحيفة و القصة مشهورة.

و كيف يستحسن الجاحظ لنفسه أن يقول في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنه قبل الهجرة كان وادعا رافها لم يكن مطلوبا و لا طالبا و هو صاحب الفراش الذي فدى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بنفسه و وقاه بمهجته و احتمل السيوف و رضح الحجارة دونه و هل ينتهي الواصف و إن أطنب و المادح و إن أسهب إلى الإبانة عن مقدار هذه الفضيلة و الإيضاح بمزية هذه الخصيصة.

فأما قوله إن أبا بكر عذب بمكة فإنا لا نعلم أن العذاب كان واقعا إلا بعبد أو عسيف أو لمن لا عشيرة له تمنعه فأنتم في أبي بكر بين أمرين تارة تجعلونه دخيلا ساقطا و هجينا رذيلا مستضعفا ذليلا و تارة تجعلونه رئيسا متبعا و كبيرا مطاعا فاعتمدوا على أحد القولين لنكلمكم بحسب ما تختارونه لأنفسكم و لو كان الفضل في الفتنة و العذاب لكان عمار و خباب و بلال و كل معذب بمكة أفضل من أبي بكر لأنهم كانوا من العذاب في أكثر مما كان فيه و نزل فيهم من القرآن ما لم ينزل فيه كقوله تعالى وَ الَّذينَ هَاجَرُوا فى الله من بعد ما ظُلِمُوا قالوا نزلت في خباب و بلال و نزل في عمار قوله إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنَّ بِالْإِيمان وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يمر على عمار و أبيه و أمه و هم يعذبون يعذبهم بنو مخزوم لأنهم كانوا حلفاءهم فيقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.

و كان بلال يقلب على الرمضاء و هو يقول أحد أحد و ما سمعنا لأبي بكر في شيء من ذلك ذكرا.

و لقد كان لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنده يد غراء إن صح ما رويتموه في تعذيبه لأنه قتل نوفل بن خويلد و عمیر بن عثمان يوم بدر ضرب نوفلا فقطع ساقه فقال أذكرك الله و الرحم فقال قد قطع الله كل رحم و صهر إلا من كان تابعا لمحمّد ثم ضربه أخرى ففاضت نفسه و صمد لعمير بن

عثمان التميمي فوجده يروم الهرب و قد ارتج عليه المسلك فضربه على شراسيف صدره فصار نصفه الأعلى بين رجليه.

و ليس أن أبا بكر لم يطلب بثأره منهما ويجتهد لكنه لم يقدر على أن يفعل فعل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فبان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفعله دونه قال الجاحظ و لأبي بكر مراتب لا يشركه فيها علي و لا غيره و ذلك قبل الهجرة فقد علم الناس أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما ظهر فضله و انتشر صيته و امتحن و لقي المشاق منذ يوم بدر و أنه إنما قاتل في الزمان الذي استوفى فيه أهل الإسلام و أهل الشرك وطمعوا في أن يكون الحرب بينهم سجالا و أعلمهم الله تعالى أن العَاقِبَةَ لِلمُتَّقينَ و أبو بكر كان قبل الهجرة معذبا و مطرودا مشردا في الزمان الذي ليس بالإسلام و أهله نهوض و لا حركة و لذلك قال أبو بكر في خلافته طوبى لمن مات في فأفأة الإسلام يقول في ضعفه.

قال أبو جعفر رحمه الله لا أشك أن الباطل خان أبا عثمان و الخطأ أقعده و الخذلان أصاره إلى الحيرة فما علم و عرف حتى قال ما قال فزعم أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل الهجرة لم يمتحن و لم يكابد المشاق و أنه إنما قاسي مشاق التكليف و محن الابتلاء منذ يوم بدر و نسي الحصار في الشعب و ما مني به منه و أبو بكر وادع رافه يأكل ما يريد و يجلس مع من يحب مخلى سربه طيبة نفسه ساكنا قلبه و علي يقاسي الغمرات و يكابد الأهوال و يجوع و يظمأ و يتوقع القتل صباحا و مساء لأنه كان هو المتوصل المحتال في إحضار قوت زهيد من شيوخ قريش و عقلائها سرا ليقيم به رمق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و بني هاشم و هم في الحصار و لا يأمن في كل وقت مفاجأة أعداء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) له بالقتل كأبي جهل بن هشام و عقبة بن أبي معيط و الوليد بن المغيرة و عتبة بن ربيعة و غيرهم من فراعنة قريش و جبابرتها ولقد كان يجيع نفسه و يطعم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) زاده و يظمئ نفسه و يسقيه ماءه و هو كان المعلل له إذا مرض و المؤنس له إذا استوحش و أبو بكر بنجوة عن ذلك لا يمسه مما يمسهم ألم و لم يلحقه مما يلحقهم مشقة و لا يعلم بشيء من أخبارهم و أحوالهم إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل ثلاث سنين محرمة معاملتهم و مناكحتهم و مجالستهم محبوسين محصورین ممنوعين من الخروج و التصرف في أنفسهم فكيف أهمل الجاحظ هذه الفضيلة و نسى هذه

الخصيصة و لا نظير لها و لكن لا يبالي الجاحظ بعد أن يسوغ له لفظه و تنسق له خطابته ما ضيع من المعنى ورجع عليه من الخطأ.

فأما قوله واعلموا أن العاقبة للْمُتَّقين ففيه إشارة إلى معنى غامض قصده الجاحظ يعني أن لا فضيلة لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجهاد لأن الرسول كان أعلمه أنه منصور و أن العاقبة له و هذا من دسائس الجاحظ و همزاته و لمزاته و ليس بحق ما قاله لأن رسول الله أعلم أصحابه جملة أن العاقبة لهم و لم يعلم واحدا منهم بعينه أنه لا يقتل لا عليا و لا غيره و إن صح أنه كان أعلمه أنه لا يقتل فلم يعلمه أنه لا يقطع عضو من أعضائه و لم يعلمه أنه لا يمسه ألم جراح في جسده و لم يعلمه أنه لا يناله الضرب الشديد.

و على أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد أعلم أصحابه قبل يوم بدر و هو يومئذ بمكة أن العاقبة لهم كما أعلم أصحابه بعد الهجرة ذلك فإن لم يكن لعلي والمجاهدين فضيلة في الجهاد بعد الهجرة لإ(عَلَيهِ السَّلَامُ)ه إياهم ذلك فلا فضيلة لأبي بكر و غيره في احتمال المشاق قبل الهجرة لإعلامه إياهم بذلك-.

فقد جاء في الخبر أنه وعد أبا بكر قبل الهجرة بالنصر و أنه قال له أرسلت إلى هؤلاء بالذبح و إن الله تعالى سيغنمنا أموالهم و يملكنا ديارهم.

فالقول في الموضعين متساو و متفق.

قال الجاحظ و إن بين المحنة في الدهر الذي صار فيه أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مقرنين لأهل مكة و مشركي قريش و معهم أهل يثرب أصحاب النخيل و الآطام و الشجاعة و الصبر و المواساة و الإيثار و المحاماة و العدد الدثر و الفعل الجزل و بين الدهر الذي كانوا فيه بمكة يفتنون و يشتمون و يضربون و يشردون و يجوعون و يعطشون مقهورين لا حراك بهم و أذلاء لا عز لهم و فقراء لا مال عندهم و مستخفين لا يمكنهم إظهار دعوتهم لفرقا واضحا و لقد كانوا في حال أحوجت لوطا و هو نبي إلى أن قال لَوْ أنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أو آوِي إِلى رُكْنِ شدید و.

قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عجبت من أخي لوط كيف قال أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيد و هو يأوي إلى الله تعالى

ثم لم يكن ذلك يوما ولا يومين و لا شهرا ولا شهرين و لا عاما و لا عامين و لكن السنين بعد السنين و كان أغلظ القوم و أشدهم محنة بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أبو بكر لأنه أقام بمكة ما أقام رسول الله ثلاث عشرة سنة و هو أوسط ما قالوا في مقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله ما نرى الجاحظ احتج لكون أبي بكر أغلظهم و أشدهم محنة إلا بقوله لأنه أقام بمكة مدة مقام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بها و هذه الحجة لا تخص أبا بكر وحده لأن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أقام معه هذه المدة و كذلك طلحة وزيد و عبد الرحمن و بلال و خباب و غیرهم و قد كان الواجب عليه أن يخص أبا بكر وحده بحجة تدل على أنه كان أغلظ الجماعة و أشدهم محنة بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فالاحتجاج في نفسه فاسد.

ثم يقال له ما بالك أهملت أمر مبيت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفراش بمكة ليلة الهجرة هل نسيته أم تناسيته فإنها المحنة العظيمة و الفضيلة الشريفة التي متى امتحنها الناظر و أجال فكره فيها رأى تحتها فضائل متفرقة و مناقب متغايرة و ذلك.

أنه لما استقر الخبر عند المشركين أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مجمع على الخروج من بينهم للهجرة إلى غيرهم قصدوا إلى معاجلته وتعاقدوا على أن يبيتوه فى فراشه و أن يضربوه بأسياف كثيرة بيد كل صاحب قبيلة من قريش سيف منها ليضيع دمه بين الشعوب و يتفرق بين القبائل و لا يطلب بنو هاشم بدمه قبيلة واحدة بعينها من بطون قريش و تحالفوا على تلك الليلة و اجتمعوا عليها فلما علم رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ذلك من أمرهم دعا أوثق الناس عنده و أمثلهم في نفسه و أبذلهم في ذات الإله لمهجته و أسرعهم إجابة إلى طاعته فقال له إن قريشا قد تحالفت على أن تبيتني هذه الليلة فامض إلى فراشي و نم في مضجعي و التف في بردي الحضرمي ليروا أني لم أخرج و إني خارج إن شاء الله. فمنعه أولا من التحرز و إعمال الحيلة وصده عن الاستظهار لنفسه بنوع من أنواع المكايد و الجهات التي يحتاط بها الناس لنفوسهم و ألجأه إلى أن يعرض نفسه لظبات السيوف الشحيذة من أيدي أرباب الحنق و الغيظة فأجاب إلى ذلك سامعا مطيعا طيبة بها نفسه و نام على فراشه صابرا محتسبا واقيا له بمهجته ينتظر القتل ولا نعلم فوق بذل النفس درجة يلتمسها صابر و لا يبلغها طالب والجود بالنفس أقصى غاية الجود و لو لا أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

علم أنه أهل لذلك لما أهله و لو كان عنده نقص في صبره أو في شجاعته أو في مناصحته لابن عمه و اختير لذلك لكان من اختاره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) منقوضا في رأيه مضرا في اختياره و لا يجوز أن يقول هذا أحد من أهل الإسلام و كلهم مجمعون على أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عمل الصواب و أحسن في الاختيار.

ثم في ذلك إذا تأمله المتأمل وجوه من الفضل منها أنه و إن كان عنده في موضع الثقة فإنه غير مأمون عليه ألا يضبط السر فيفسد التدبير بإفشائه تلك الليلة إلى من يلقيه إلى الأعداء. و منها أنه و إن كان ضابطا للسر وثقة عند من اختاره فغير مأمون عليه الجبن عند مفاجأة المكروه ومباشرة الأهوال فيفر من الفراش فيفطن لموضع الحيلة و يطلب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيظفر به.

و منها أنه و إن كان ضابطا للسر شجاعا نجدا فلعله غير محتمل للمبيت على الفراش لأن هذا أمر خارج عن الشجاعة إن كان قد قامه مقام المكتوف الممنوع بل هو أشد مشقة من المكتوف الممنوع لأن المكتوف الممنوع يعلم من نفسه أنه لا سبيل له إلى الهرب و هذا يجد السبيل إلى الهرب و إلى الدفع عن نفسه و لا يهرب و لا يدافع.

منها أنه وإن كان ثقة عنده ضابطا للسر شجاعا محتملا للمبيت على الفراش فإنه غير مأمون أن يذهب صبره عند العقوبة الواقعة و العذاب النازل بساحته حتى يبوح بما عنده و يصير إلى الإقرار بما يعلمه و هو أنه أخذ طريق كذا فيطلب فيؤخذ فلهذا قال علماء المسلمين إن فضيلة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلك الليلة لا نعلم أحدا من البشر نال مثلها إلا ما كان من إسحاق و إبراهيم عند استسلامه للذبح و لو لا أن الأنبياء لا يفضلهم غيرهم لقلنا إن محنة أعظم لأنه قد روي أن إسحاق تلكاً لما أمره أن يضطجع وبكى على نفسه و قد كان أبوه يعلم أن عنده في ذلك وقفة و لذلك قال له فَانْظُرْ ما ذا ترى و حال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخلاف ذلك لأنه ما تلكأ ولا تتعتع ولا تغير لونه ولا اضطربت أعضاؤه و لقد كان أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يشيرون عليه بالرأي المخالف لما كان أمر به و تقدم فيه فيتركه و يعمل بما أشاروا به کما جرى يوم الخندق في مصانعة الأحزاب بثلث تمر المدينة فإنهم أشاروا عليه بترك ذلك فترکه و هذه كانت قاعدته معهم و عادته بينهم و قد كان لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يعتل بعلة و أن يقف و

يقول يا رسول الله أكون معك أحميك من العدو و أذب بسيفي عنك فلست مستغنيا في خروجك عن مثلي و نجعل عبدا من عبيدنا في فراشك قائما مقامك يتوهم القوم برؤيته نائما في بردك أنك لم تخرج و لم تفارق مركزك فلم يقل ذلك و لا تحبس و لا توقف و لا تلعثم و ذلك لعلم كل واحد منهما (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن أحدا لا يصبر على ثقل هذه المحنة و لا يتورط هذه الهلكة إلا من خصه الله تعالى بالصبر على مشقتها و الفوز بفضيلتها و له من جنس ذلك أفعال كثيرة.

کیوم دعا عمرو بن عبد ود المسلمين إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم عنه لما علموا من بأسه و شدته ثم كرر النداء فقام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال أنا أبرز إليه فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إنه عمرو قال نعم و أنا علي فأمره بالخروج إليه فلما خرج قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) برز الإيمان كله إلى الشرك كله.

و كيوم کیوم أحد حيث حمى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من أبطال قريش و هم يقصدون قتله فقتلهم دونه حتى قال جبرئیل (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا محمّد إن هذه هي المواساة فقال إنه مني و أنا منه فقال جبريل و أنا منكما.

و لو عددنا أيامه و مقاماته التي شرى فيها نفسه لله تعالى لأطلنا و أسهبنا قال الجاحظ فإن احتج محتج لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمبيت على الفراش فبين الغار و الفراش فرق واضح لأن الغار و صحبة أبي بكر للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد نطق به القرآن فصار كالصلاة والزكاة و غيرهما مما نطق به الكتاب و أمر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و نومه على الفراش و إن كان ثابتا صحيحا إلا أنه لم يذكر في القرآن و إنما جاء مجيء الروايات و السير و هذا لا يوازن هذا و لا يكايله.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا فرق غير مؤثر لأنه قد ثبت بالتواتر حديث الفراش فلا فرق بينه و بين ما ذكر في نص الكتاب و لا يجحده إلا مجنون أو غير مخالط لأهل الملة أ رأيت كون الصلوات خمسا و كون زكاة الذهب ربع العشر و كون خروج الريح ناقضا للطهارة و أمثال ذلك مما هو معلوم بالتواتر حكمه هل هو مخالف لما نص في الكتاب عليه من الأحكام هذا مما لا يقوله رشيد و لا عاقل على أن الله تعالى لم يذكر اسم أبي بكر في الكتاب و إنما قال إذْ يَقُولُ لصاحبه و إنما علمنا أنه أبو بكر بالخبر و ما ورد في السيرة وقد قال أهل التفسير إن قوله تعالى وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ كناية عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه مكر

بهم و أول الآية وَ إِذْ يَمْكُرُ بكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُتْتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ الله وَ اللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ أنزلت في ليلة الهجرة ومكرهم كان توزيع السيوف على بطون قريش و مكر الله تعالى هو منام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفراش فلا فرق بين الموضعين في أنهما مذكوران كناية لا تصريحا و قد روى المفسرون كلهم أن قول الله تعالى وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضات الله أنزلت في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليلة المبيت على الفراش فهذه مثل قوله تعالى إذْ يَقُولُ لصاحبه لا فرق بينهما.

قال الجاحظ و فرق آخر و هو أنه لو كان مبيت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفراش جاء مجيء كون أبي بكر في الغار لم يكن له في ذلك كبير طاعة لأن الناقلين

نقلوا أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال له نم فلن يخلص إليك شيء تكرهه.

و لم ينقل ناقل أنه قال لأبي بكر في صحبته إياه و كونه معه في الغار مثل ذلك و لا قال له أنفق و أعتق فإنك لن تفتقر و لن يصل إليك مكروه.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا هو الكذب الصراح والتحريف و الإدخال في الرواية ما ليس منها و المعروف المنقول.

أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال له اذهب فاضطجع في مضجعي و تغش ببردي الحضرمي فإن القوم سيفقدونني لا يشهدون مضجعي فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك حتى يصبحوا فإذا أصبحت فاغد في أداء أمانتي.

و لم ينقل ما ذكره الجاحظ و إنما ولده أبو بكر الأصم و أخذه الجاحظ و لا أصل له و لو كان هذا صحيحا لم يصل إليه منهم مكروه.

و قد وقع الاتفاق على أنه ضرب و رمي بالحجارة قبل أن يعلموا من هو حتى تضور و أنهم قالوا له رأينا تضورك فإنا كنا نرمي محمّدا و لا يتضور.

ولأن لفظة المكروه إن كان قالها إنما يراد بها القتل فهب أنه أمن القتل كيف يأمن من الضرب والهوان و من أن ينقطع بعض أعضائه و بأن سلمت نفسه أليس الله تعالى قال لنبيه بلغ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ و مع ذلك فقد كسرت رباعيته و شج وجهه و أدميت ساقه و ذلك لأنها عصمة من القتل خاصة و

كذلك المكروه الذي أومن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه و إن كان ذلك صح في الحديث إنما هو مكروه القتل.

ثم يقال له و أبو بكر لا فضيلة له أيضا في كونه في الغار لأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال له لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا و من يكن الله معه فهو آمن لا محالة من كل سوء فكيف قلت و لم ينقل ناقل أنه قال لأبي بكر في الغار مثل ذلك فكل ما يجيب به عن هذا فهو جوابنا عما أورده فنقول له هذا ينقلب عليك في النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأن الله تعالى وعده بظهور دينه و عاقبة أمره فيجب على قولك ألا يكون مثابا عند الله تعالى على ما يحتمله من المكروه و لا ما يصيبه من الأذى إذ كان قد أيقن بالسلامة و الفتح في عدته.

قال الجاحظ و من جحد كون أبي بكر صاحب رسول الله فقد كفر لأنه جحد نص الكتاب ثم انظر إلى قوله تعالى إنَّ اللَّهَ مَعَنا من الفضيلة لأبي بكر لأنه شريك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في كون الله تعالى معه و إنزال السكينة قال كثير من الناس إنه في الآية مخصوص بأبي بكر لأنه كان محتاجا إلى السكينة لما تداخله من رقة الطبع البشري و النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان غير محتاج إليها لأنه يعلم أنه محروس من الله تعالى فلا معنى لنزول السكينة عليه و هذه فضيلة ثالثة لأبي بكر.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله إن أبا عثمان يجر على نفسه ما لا طاقة له به من مطاعن الشيعة و لقد كان في غنية عن التعلق بما تعلق به لأن الشيعة تزعم أن هذه الآية بأن تكون طعنا و عيبا على أبي بكر أولى من أن تكون فضيلة و منقبة له لأنه لما قال له لا تَحْزَنْ دل على أنه قد كان حزن و قنط و أشفق على نفسه وليس هذا من صفات المؤمنين الصابرين و لا يجوز أن يكون حزنه طاعة لأن الله تعالى لا ينهى عن الطاعة فلو لم يكن ذنبا لم ينه عنه و قوله إنَّ اللَّهَ مَعَنا أي إن الله عالم بحالنا و ما نضمره من اليقين أو الشك كما يقول الرجل لصاحبه لا تضمرن سوءا و لا تنوين قبيحا فإن الله تعالى يعلم ما نسره و ما نعلنه و هذا مثل قوله تعالى و لا أدْنى مِنْ ذلكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا أي هو عالم بهم و أما السكينة فكيف يقول إنها ليست راجعة إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و بعدها قوله وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا أَ ترى المؤيد بالجنود كان أبا بكر أم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

و قوله إنه مستغن عنها ليس بصحيح و يستغني أحد عن ألطاف الله و توفیقه و تأییده و و تثبيت قلبه و قد قال الله تعالى في قصة حنين و ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بما رَحُبَت ثُمَّ وَلّيْتُم مدبرينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

و أما الصحبة فلا تدل إلا على المرافقة و الاصطحاب لا غير و قد يكون حيث لا إيمان كما قال تعالى قالَ لَهُ صاحبَهُ وَ هُوَ يُحاورهُ أكَفَرْتُ بالَّذِي خَلَقَكَ و نحن و إن كنا نعتقد إخلاص أبي بكر و إيمانه الصحيح السليم و فضيلته التامة إلا أنا لا نحتج له بمثل ما احتج به الجاحظ من الحجج الواهية و لا نتعلق بما يجر علينا دواهي الشيعة و مطاعنها.

قال الجاحظ و إن كان المبيت على الفراش فضيلة فأين هي من فضائل أبي بكر أيام مكة من عتق المعذبين و إنفاق المال وكثرة المستجيبين مع فرق ما بين الطاعتين لأن طاعة الشاب الغرير و الحدث الصغير الذي في عز صاحبه عزه ليست كطاعة الحليم الكبير الذي لا يرجع تسويد صاحبه إلى رهطه و عشيرته.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما كثرة المستجيبين فالفضل فيها راجع إلى المجيب لا إلى المجاب على أنا قد علمنا أن من استجاب لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أكثر ممن استجاب لنوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ثواب نوح أكثر لصبره على الأعداء و مقاساة خلافهم و عنتهم و أما إنفاق المال فأين محنة الغني من محنة الفقير و أين يعتدل إسلام من أسلم و هو غني إن جاع أكل و إن أعيا ركب و إن عري لبس قد وثق بیساره و استغنى بماله و استعان علی نوائب الدنيا بثروته ممن لا يجد قوت يومه و إن وجد لم يستأثر به فكان الفقر شعاره و في ذلك قيل الفقر شعار المؤمن وقال الله تعالى لموسى يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين.

وفي الحديث أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام.

وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول اللّهم احشرني في زمرة الفقراء.

و لذلك أرسل الله محمّدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقيرا و كان بالفقر سعيدا فقاسي محنة الفقر و مكابدة الجوع حتى شد الحجر على بطنه و حسبك بالفقر فضيلة في دين الله لمن صبر عليه فإنك لا تجد صاحب الدنيا يتمناه لأنه مناف لحال الدنيا و أهلها و إنما هو شعار أهل الآخرة.

و أما طاعة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و كون الجاحظ زعم أنها كانت لأن في عز محمّد عزه و عز رهطه بخلاف طاعة أبي بكر فهذا يفتح عليه أن يكون جهاد حمزة كذلك و جهاد عبيدة بن الحارث و هجرة جعفر إلى الحبشة بل لعل محاماة المهاجرين من قريش على رسول الله كانت لأن في دولته دولتهم و في نصرته استجداد ملك لهم و هذا يجر إلى الإلحاد و يفتح باب الزندقة و يفضي إلى الطعن في الإسلام و النبوة.

قال الجاحظ و على أنا لو نزلنا إلى ما يريدونه جعلنا الفراش كالغار و خلصت فضائل أبي بكر في غير ذلك عن معارض.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله قد بينا فضيلة المبيت على الفراش على فضيلة الصحبة في الغار بما هو واضح لمن أنصف و نزيد هاهنا تأكيدا بما لم نذكره فيما تقدم فنقول إن فضيلة المبيت على الفراش على الصحبة في الغار لوجهين أحدهما أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد كان أنس بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و حصل له بمصاحبته قديما أنس عظيم و إلف شديد فلما فارقه عدم ذلك الأنس حصل به أبو بكر فكان ما يجده علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الوحشة و ألم الفرقة موجبا زيادة ثوابه لأن الثواب على قدر المشقة.

و ثانيهما أن أبا بكر كان يؤثر الخروج من مكة و قد كان خرج من قبل فردا فازداد كراهية للمقام فلما خرج مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وافق ذلك هوى قلبه و محبوب نفسه فلم يكن له من الفضيلة ما يوازي فضيلة من احتمل المشقة العظيمة و عرض نفسه لوقع السيوف و رأسه الرضخ الحجارة لأنه على قدر سهولة العبادة يكون نقصان الثواب.

قال الجاحظ ثم الذي لقي أبو بكر في مسجده الذي بناه على بابه في بني جمح فقد كانبنى مسجدا يصلي فيه و يدعو الناس إلى الإسلام و كان له صوت رقیق و وجه عتيق و كان إذا قرأ بكى فيقف عليه المارة من الرجال و النساء و الصبيان و العبيد فلما أوذي في الله و منع من ذلك المسجد استأذن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الهجرة فأذن له فأقبل يريد المدينة فتلقاه الكناني فعقد له جوارا و قال و الله لا أدع مثلك يخرج من يخرج من مكة فرجع إليها و عاد لصنيعه في المسجد فمشت قريش إلى جاره الكناني و أجلبوا عليه فقال له دع المسجد و ادخل بيتك و اصنع فيه ما بدا لك.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله كيف كانت بنو جمح تؤذي عثمان بن مظعون و تضربه و هو فيهم ذو سطوة و قدر و تترك أبا بكر يبني مسجدا يفعل فيه ما ذكرتم و أنتم الذين رويتم عن ابن مسعود أنه قال ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر بن الخطاب و الذي تذكرونه من بناء المسجد كان قبل إسلام عمر فكيف هذا.

و أما ما ذكرتم من رقة صوته و عتاق وجهه فكيف يكون ذلك.

و قد روى الواقدي و غيره أن عائشة رأت رجلا من العرب خفيف العارضين معروق الخدين غائر العينين أجناً لا يمسك إزاره فقالت ما رأيت أشبه بأبي بكر من هذا فلا نراها دلت على شيء من الجمال في صفته.

قال الجاحظ و حيث رد أبو بكر جوار الكناني و قال لا أريد جارا سوى الله لقي من الأذى الذل و الاستخفاف و الضرب ما بلغكم و هذا موجود في جميع السير و كان آخر ما لقي هو و أهله في أمر الغار و قد طلبته قريش و جعلت فيه مائة بعير كما جعلت في النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلقي أبو جهل أسماء بنت بكر فسألها فكتمته فلطمها حتى رمت قرطا كان في أذنها.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا الكلام و هجر السكران سواء في تقارب المخرج و اضطراب المعنى و ذلك أن قريشا لم تقدر على أذى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أبو طالب حي يمنعه فلما مات طلبته لتقتله فخرج تارة إلى بني عامر وتارة إلى ثقيف و تارة إلى بني شيبان و لم يكن يتجاسر على المقام بمكة إلا مستترا حتى أجاره مطعم بن عدي ثم خرج إلى المدينة فبذلت فيه مائة بعير لشدة حنقها عليه حين فاتها فلم تقدر عليه فما بالها بذلت في أبي بكر مائة بعير أخرى و قد كان رد الجوار و بقي بينهم فردا لا ناصر له و لا دافع عنده يصنعون به ما يريدون إما أن يكونوا أجهل البرية كلها أو يكون العثمانية أكذب جيل في الأرض و أوقحه وجها فهذا مما لم يذكر في سيرة و لا روي في أثر ولا سمع به بشر و لا سبق الجاحظ به أحد.

قال الجاحظ ثم الذي كان من دعائه إلى الإسلام و حسن احتجاجه حتى أسلم على يديه طلحة و الزبير و سعد و عثمان و عبد الرحمن لأنه ساعة أسلم دعا إلى الله و إلى رسوله.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله ما أعجب هذا القول إذ تدعي العثمانية لأبي بكر الرفق في الدعاء و حسن الاحتجاج و قد أسلم و معه و معه في منزله ابنه عبد الرحمن فما قدر أن يدخله في الإسلام طوعا برفقه و لطف احتجاجه ولا كرها بقطع النفقة عنه و إدخال المكروه عليه و لا كان لأبي بكر عند ابنه عبد الرحمن من القدر ما يطيعه فيما يأمره به و يدعوه إليه.

كما روي أن أبا طالب فقد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوما و كان يخاف عليه من قريش أن يغتالوه فخرج ومعه ابنه جعفر يطلبان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فوجده قائما في بعض شعاب مكة يصلي و علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معه عن يمينه فلما رآهما أبو طالب قال لجعفر تقدم وصل جناح ابن عمك فقام جعفر عن يسار محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلما صاروا ثلاثة تقدم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و تأخر الأخوان فبكى أبو طالب و قال:

إن عليا وجعفرا ثقتي *** عند ملم الخطوب و النوب

لا تخذلا و انصرا ابن عمكما *** أخي لأمي من بينهم و أبي

و الله لا أخذل النبي و لا *** يخذله من بني ذو حسب

فتذكر الرواة أن جعفرا أسلم منذ ذلك اليوم لأن أباه أمره بذلك و أطاع أمره و أبو بكر لم يقدر على إدخال ابنه عبد الرحمن في الإسلام حتى أقام بمكة على كفره ثلاث عشرة سنة خرج يوم أحد في عسكر المشركين ينادي أنا عبد الرحمن بن عتيق هل من مبارز ثم مكث بعد ذلك على كفره حتى أسلم عام الفتح و هو اليوم الذي دخلت فيه قريش في الإسلام طوعا و كرها و لم يجد أحد منها إلى ترك ذلك سبيلا و أين كان رفق أبي بكر و حسن احتجاجه عند أبيه أبي قحافة و هما في دار واحدة هلا رفق به و دعاه إلى الإسلام فأسلم و قد علمتم أنه بقي على الكفر إلى يوم الفتح فأحضره ابنه عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و هو شيخ كبير رأسه كالثغامة فنفر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) منه و قال غيروا هذا فخضبوه ثم جاءوا به مرة أخرى فأسلم.

و كان أبو قحافة فقيرا مدقعا سيئ الحال و أبو بكر عندهم كان مثريا فائض المال فلم يمكنه استمالته إلى الإسلام بالنفقة و الإحسان و قد كانت امرأة أبي بكر أم عبد الله ابنه و اسمها نملة بنت عبد العزى بن أسعد بن عبد بن ود العامرية لم تسلم و أقامت على شركها بمكة و

هاجر أبو بكر و هي كافرة فلما نزل قوله تعالى وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ فطلقها أبو بكر فمن عجز عن ابنه و أبيه و امرأته فهو عن غيرهم من الغرماء أعجز و من لم يقبل منه أبوه و ابنه و امرأته لا برفق و احتجاج و لا خوفا من قطع النفقة عنهم و إدخال المكروه عليهم فغيرهم أقل قبولا منه و أكثر خلافا عليه.

قال الجاحظ و قالت أسماء بنت أبي بكر ما عرفت أبي إلا و هو يدين بالدين و لقد رجع إلينا يوم أسلم فدعانا إلى الإسلام فما رمنا حتى أسلمنا و أسلم أكثر جلسائه و لذلك قالوا من أسلم بدعاء أبي بكر أكثر ممن أسلم بالسيف و لم يذهبوا في ذلك إلى العدد بل عنوا الكثرة في القدر لأنه أسلم على يديه خمسة من أهل الشورى كلهم يصلح للخلافة و هم أكفاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و منازعوه الرئاسة و الإمامة فهؤلاء أكثر من جميع الناس.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أخبرونا من هذا الذي أسلم ذلك اليوم من أهل بيت أبي بكر إذا كانت امرأته لم تسلم و ابنه عبد الرحمن لم يسلم و أبو قحافة لم يسلم و أخته أم فروة لم تسلم وعائشة لم تكن قد ولدت في ذلك الوقت لأنها ولدت بعد مبعث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بخمس سنین و محمّد بن أبي بكر ولد بعد مبعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بثلاث وعشرين سنة لأنه ولد في حجة الوداع و أسماء بنت أبي بكر التي قد روى الجاحظ هذا الخبر عنها كانت يوم بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بنت أربع سنين و في رواية من يقول بنت سنتين فمن الذي أسلم من أهل بيته يوم أسلم نعوذ بالله من الجهل و الكذب و المكابرة و كيف أسلم سعد و الزبير و عبد الرحمن بدعاء أبي بكر و ليسوا من رهطه و لا من أترابه و لا من جلسائه و لا كانت بينهم قبل ذلك صداقة متقدمة و لا أنس وكيد و كيف ترك أبو بكر عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة لم يدخلهما في الإسلام برفقه و حسن دعائه و قد زعمتم أنهما كانا يجلسان إليه لعلمه و طريف حديثه و ما باله لم يدخل جبير بن مطعم في الإسلام وقد ذكرتم أنه أدبه و خرجه منه أخذ جبير العلم بأنساب قريش و مآثرها فكيف عجز عن هؤلاء الذين عددناهم و هم منه بالحال التي وصفنا و دعا من لم يكن بينه و بينه أنس و لا معرفة إلا معرفة عيان و كيف لم يقبل منه عمر بن الخطاب و قد كان شكله و أقرب الناس شبها به في أغلب أخلاقه و لئن رجعتم إلى الإنصاف لتعلمن أن هؤلاء لم يكن إسلامهم إلا بدعاء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لهم و

على يديه أسلموا و لو فكرتم في حسن التأتي في الدعاء ليصحن لأبي طالب في ذلك على شركه أضعاف ما ذكرتموه لأبي بكر لأنكم رويتم أن أبا طالب قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا بني الزمه فإنه لن يدعوك إلا إلى خير وقال لجعفر صل جناح ابن عمك فأسلم بقوله ولأجله أصفق بنو عبد مناف على نصرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكة من بني مخزوم و بني سهم و بني جمح و لأجله صبر بنو هاشم على الحصار في الشعب و بدعائه و إقباله على محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أسلمت امرأته فاطمة أسد بنت فهو أحسن رفقا و أيمن نقيبة من أبي بكر و غيره و إنما منعه عن الإسلام أن ثبت أنه لم يسلم إلا تقية و أبو بكر لم يكن له إلا ابن واحد و هو عبد الرحمن فلم يمكنه أن يدخله في الإسلام و لا أمكنه إذ لم يقبل منه الإسلام أن يجعله كبعض مشركي قريش في قلة الأذى لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و فيه أنزل و الذي قال لوالديه أفٍّ لَكُما أ تَعداننى أنْ أَخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُما يَسْتَغِيتَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمَنْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إلا أساطير الأولين و إنما يعرف حسن رفق الرجل و تأتيه بأن يصلح أولا أمر بيته و أهله ثم يدعو الأقرب فالأقرب فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما بعث كان أول من دعا زوجته خديجة ثم مكفوله و ابن عمه علياع ثم مولاه زيدا ثم أم أيمن خادمته فهل رأيتم أحدا ممن كان يأوي إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يسارع و هل التاث عليه أحد من هؤلاء فهكذا يكون حسن التأتي و الرفق في الدعاء هذا و رسول الله مقل و هو من جملة عيال خديجة حين بعثه الله تعالى و أبو بكر عندكم كان موسرا و كان أبوه مقترا و كذلك ابنه و امرأته أم عبد الله و الموسر في فطرة العقول أولى أن يتبع من المقتر و إنما حسن التأتي و الرفق في الدعاء ما صنعه مصعب بن عمیر لسعد بن معاذ لما دعاه و ما صنع سعد بن معاذ ببني عبد الأشهل لما دعاهم و ما صنع بريدة بن الحصيب بأسلم لما دعاهم قالوا أسلم بدعائه ثمانون بيتا من قومه و أسلم بنو عبد الأشهل بدعاء سعد في يوم واحد و أما من لم يسلم ابنه و لا امرأته و لا أبوه و لا أخته بدعائه فهيهات أن يوصف و يذكر بالرفق في الدعاء و حسن التأتي و الأناة قال الجاحظ ثم أعتق أبو بكر بعد ذلك جماعة من المعذبين في الله و هم ست رقاب منهم بلال و عامر بن فهيرة وزنيرة النهدية و ابنتها و مر بجارية يعذبها عمر بن الخطاب فابتاعها منه و أعتقها و

أعتق أبا عيسى فأنزل الله فيه فَأَمَّا مَنْ أعْطى وَ اتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسرُهُ الْيُسْرى إلى آخر السورة.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله

أما بلال و عامر بن فهيرة فإنما أعتقهما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) روى ذلك الواقدي و ابن إسحاق و غيرهما.

و أما باقي مواليهم الأربعة فإن سامحناكم في دعواكم لم يبلغ ثمنهم في تلك الحال لشدة بغض مواليهم لهم إلا مائة درهم أو نحوها فأي فخر في هذا و أما الآية فإن ابن عباس قال في تفسيرها فَأَمَّا مَنْ أعْطى وَ اتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ اليُسرى أي لأن يعود.

و قال غيره نزلت في مصعب بن عمير قال الجاحظ و قد علمتم ما صنع أبو بكر في ماله و كان ماله أربعين ألف فأنفقه درهم في نوائب الإسلام وحقوقه و لم يكن خفيف الظهر قليل العيال و النسل فيكون فاقد جميع اليسارين بل كان ذا بنين و بنات و زوجة و خدم و حشم و يعول والديه و ما ولدا و لم يكن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبل ذلك عنده مشهورا فيخاف العار في ترك مواساته فكان إنفاقه على الوجه الذي لا نجد في غاية الفضل مثله و لقد.

قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما نفعني مال كما نفعني مال أبي بكر

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أخبرونا على أي نوائب الإسلام أنفق هذا المال و في أي وجه وضعه فإنه ليس بجائز أن يخفى ذلك و يدرس حتى يفوت حفظه و ینسی ذکره و أنتم فلم تقفوا على شيء أكثر من عتقه بزعمكم ست رقاب لعلها لا يبلغ ثمنها في ذلك

العصر مائة درهم و و كيف يدعي له الإنفاق الجليل.

و قد باع من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعيرين عند خروجه إلى يثرب و أخذ منه الثمن في مثل تلك الحال.

و روی ذلك جميع المحدثين.

و قد رويتم أيضا أنه كان حيث كان بالمدينة غنيا موسرا.

و رويتم عن عائشة أنها قالت هاجر أبو بكر و عنده عشرة آلاف درهم.

و قلتم إن الله تعالى أنزل فيه وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى قلتم هي في أبي بكر و مسطح بن أثاثة.

فأين الفقر الذي زعمتم أنه أنفق حتى تخلل بالعباءة.

و رویتم أن لله تعالى في سمائه ملائكة قد تخللوا بالعباءة و أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) رآهم ليلة الإسراء فسأل جبرائيل عنهم فقال هؤلاء ملائكة تأسوا بأبي بكر بن أبي قحافة صديقك في الأرض فإنه سينفق عليك ماله حتى يخلل عباءه في عنقه.

و أنتم أيضا رويتم أن الله تعالى لما أنزل آية النجوى فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةٌ ذلكَ خَيْرٌ لَكُمْ الآية لم يعمل بها إلا علي بن أبي طالب وحده.

مع إقراركم بفقره و قلة ذات يده و أبو بكر في الحال التي ذكرنا من السعة أمسك عن مناجاته فعاتب الله المؤمنين في ذلك فقال أ أشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَاتِ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فجعله سبحانه ذنبا يتوب عليهم منه و هو إمساكهم عن تقديم الصدقة فكيف سخت نفسه بإنفاق أربعين ألفا و أمسك عن مناجاة الرسول و إنما كان يحتاج فيها إلى إخراج درهمين.

و أما ما ذكر من كثرة عياله و نفقته عليهم فليس في ذلك دليل على تفضيله لأن نفقته على عياله واجبة مع أن أرباب السيرة ذكروا أنه لم يكن ينفق على أبيه شيئا و أنه كان أجيرا لابن جدعان على مائدته يطرد عنها الذبان.

قال الجاحظ و قد تعلمون ما كان يلقى أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ببطن مكة من المشركين و حسن صنيع كثير منهم كصنيع حمزة حين ضرب أبا جهل بقوسه ففلق هامته و أبو جهل يومئذ سيد البطحاء و رئيس الكفر و أمنع أهل مكة و قد عرفتم أن الزبير سل سيفه و استقبل به المشركين لما أرجف أن محمّدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد قتل و أن عمر بن الخطاب قال حين أسلم لا يعبد الله سرا بعد اليوم و أن سعدا ضرب بعض المشركين بلحي جمل فأراق دمه فكل هذه الفضائل لم يكن لعلي بن أبي طالب فيها ناقة ولا جمل وقد قال الله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا فَإِذا كَان

الله تعالى قد فضل من أنفق قبل الفتح لأنه لا هجرة بعد الفتح على من أنفق بعد الفتح فما ظنكم بمن أنفق من قبل الهجرة و من لدن مبعث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى الهجرة و إلى بعد الهجرة.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله إننا لا ننكر فضل الصحابة و سوابقهم و لسنا كالإمامية الذين يحملهم الهوى على جحد الأمور المعلومة و لكننا ننكر تفضيل أحد من الصحابة على علي بن أبي طالب و لسنا ننكر غير ذلك و ننكر تعصب الجاحظ للعثمانية و قصده إلى فضائل هذا الرجل و مناقبه بالرد والإبطال و أما حمزة فهو عندنا ذو فضل عظیم و مقام جليل و هو سيد الشهداء الذين استشهدوا على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أما فضل عمر فغير منكر و كذلك الزبير و سعد و ليس فيما ذكر ما يقتضي كون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفضولا لهم أو لغيرهم إلا قوله و كل هذه الفضائل لم يكن لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها ناقة ولا جمل فإن هذا من التعصب البارد و الحيف الفاحش و قد قدمنا من آثار علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل الهجرة و ما له إذ ذاك من المناقب و الخصائص ما هو أفضل و أعظم و أشرف من جميع ما ذكر لهؤلاء على أن أرباب السيرة يقولون إن الشجة التي شجها سعد و إن السيف الذي سله الزبير هو الذي جلب الحصار في الشعب على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و بني هاشم و هو الذي سير جعفرا و أصحابه إلى الحبشة وسل السيف في الوقت الذي لم يؤمر المسلمون فيه بسل السيف غير جائز قال تعالى ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُوا أَيْدِيَكُمْ وَ أقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَة الله فتبين أن التكليف له أوقات فمنها وقت لا يصلح فيه سل السيف و منها وقت يصلح فيه و يجب فأما قوله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ فقد ذكرنا ما عندنا من دعواهم لأبي بكر إنفاق المال و أيضا فإن الله تعالى لم يذكر إنفاق المال مفردا و إنما قرن به القتال و لم يكن أبو بكر صاحب قتال و حرب فلا تشمله الآية و كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) صاحب قتال و إنفاق قبل الفتح أما قتاله فمعلوم بالضرورة و أما إنفاقه فقد كان على حسب حاله و فقره و هو الذي أطعم الطعامَ عَلى حُبِّه مسكيناً وَ يَتِيماً وَ أسيراً وأنزلت فيه و في زوجته و ابنيه سورة كاملة من القرآن و هو الذي ملك أربعة دراهم فأخرج منها درهما سرا و درهما علانية ليلا ثم أخرج منها في النهار درهما سرا و درهما علانية فأنزل فيه قوله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ باللَّيْلِ وَ النَّهار سرًّا وَ عَلانِيَةً و هو الذي قدم بين يدي نجواه صدقة دون المسلمين

كافة و هو الذي تصدق بخاتمه و هو راكع فأنزل الله فيه إنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.

قال الجاحظ و الحجة العظمى للقائلين بتفضيل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قتله الأقران و خوضه الحرب و ليس له في ذلك كبير فضيلة لأن كثرة القتل و المشي بالسيف إلى الأقران لو كان من أشد المحن و أعظم الفضائل و كان دليلا على الرئاسة و التقدم لوجب أن يكون للزبير و أبي دجانة و محمّد بن مسلمة و ابن عفراء و البراء بن مالك من الفضل ما ليس لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأنه لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا و لم يحضر الحرب يوم بدر و لا خالط الصفوف و إنما كان معتزلا عنهم في العريش و معه أبو بكر و أنت ترى الرجل الشجاع قد يقتل الأقران و يجندل الأبطال وفوقه من العسكر من لا يقتل و لا يبارز و هو الرئيس أو ذوي الرأي و المستشير في الحرب لأن للرؤساء من الاكتراث والاهتمام و شغل البال و العناية و التفقد ما ليس لغيرهم و لأن الرئيس هو المخصوص بالمطالبة و عليه مدار الأمور و به يستبصر المقاتل و يستنصر و باسمه ينهزم العدو و لو لم يكن له إلا أن الجيش لو ثبت و فر هو لم يغن ثبوت الجيش كله و كانت الدبرة عليه و لو ضيع القوم جميعا و حفظ هو لانتصر و كانت الدولة له و لهذا لا يضاف النصر والهزيمة إلا إليه ففضل أبي بكر بمقامه في العريش مع رسول الله يوم بدر أعظم من جهاد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من جهاد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك اليوم و قتله أبطال قريش.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله لقد أعطي أبو عثمان مقولا و حرم معقولا إن كان يقول هذا على اعتقاد و جد و لم يذهب به مذهب اللعب و الهزل أو على طريق التفاصح و التشادق و إظهار القوة و السلاطة و ذلاقة اللسان وحدة الخاطر و القوة على جدال الخصوم ألم يعلم أبو عثمان أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان أشجع البشر و أنه خاض الحروب و ثبت في المواقف التي طاشت فيها الألباب وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ فمنها.

يوم أحد و وقوفه بعد أن فر المسلمون بأجمعهم و لم يبق معه إلا أربعة علي و الزبير و طلحة و أبو دجانة فقاتل و رمى بالنبل حتى فنيت نبله و انكسرت سية قوسه و انقطع وتره فأمر عكاشة بن محصن أن يوترها فقال يا رسول الله لا يبلغ الوتر فقال أوتر ما بلغ قال عكاشة فو الذي بعثه بالحق لقد أوترت حتى بلغ و طويت منه شبرا على سية القوس ثم

أخذها فما زال يرميهم حتى نظرت إلى قوسه قد تحطمت و بارز أبي بن خلف فقال له أصحابه إن شئت عطف عليه بعضنا فأبى و تناول الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتقض بأصحابه كما ينتقض البعير قالوا فتطايرنا عنه تطاير الشعارير فطعنه بالحربة فجعل يخور كما يخور الثور و لو لم يدل على ثباته حين انهزم أصحابه و تركوه إلا قوله تعالى إِذْ تُصْعَدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَد وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أَخْرَاكُمْ.

فكونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أخراهم و هم يصعدون ولا يلوون هاربين دليل على أنه ثبت و لم يفر

و ثبت يوم حنين في تسعة من أهله و رهطه الأدنين و قد فر المسلمون كلهم و النفر التسعة محدقون به العباس أخذ بحكمة بغلته و علي بين يديه مصلت سيفه و الباقون حول بغلة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يمنة ويسرة يمنة ويسرة و قد انهزم المهاجرون و الأنصار وكلما فروا أقدم هو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يمنة و يسرة و قد انهزم المهاجرون و الأنصار و كلما فر و أقدم هو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و صمم مستقدما يلقى السيوف و النبال بنحره وصدره ثم أخذ كفا من البطحاء و حصب المشركين و قال شاهت الوجوه.

والخبر المشهور عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو أشجع البشر كنا إذا اشتد البأس و حمي الوطيس اتقينا برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لذنا به.

و فكيف يقول الجاحظ إنه ما خاض الحرب و لا خالط الصفوف و أي فرية أعظم من فرية من نسب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى الإحجام و اعتزال الحرب ثم أي مناسبة بين أبي بكر و رسول الله في هذا المعنى ليقيسه و ينسبه إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) صاحب الجيش و الدعوة و رئيس الإسلام والملة و الملحوظ بين أصحابه و أعدائه بالسيادة و إليه الإيماء و الإشارة و هو الذي أحنق قريشا و العرب و ورى أكبادهم بالبراءة من آلهتهم و عيب دينهم و تضليل أسلافهم ثم وترهم فيما بعد بقتل رؤسائهم و أكابرهم و حق لمثله إذا تنحى عن الحرب و اعتزلها أن يتنحى و يعتزل لأن ذلك شأن الملوك والرؤساء إذا كان الجيش منوطا بهم و ببقائهم فمتى هلك الملك هلك الجيش و متى سلم الملك أمكن أن يبقى عليه ملكه و إن عطب جيشه فإنه يستجد جيشا آخر و لذلك نهى الحكماء أن يباشر الملك الحرب بنفسه و خطئوا الإسكندر لما بارز قوسرا ملك الهند و نسبوه إلى مجانبة الحكمة و مفارقة الصواب و

الحزم فليقل لنا الجاحظ أي مدخل لأبي بكر في هذا المعنى و من الذي كان يعرفه من أعداء الإسلام ليقصده بالقتل و هل هو إلا واحد من عرض المهاجرين حكمه حكم عبد الرحمن بن عوف و عثمان بن عفان و غيرهما بل كان عثمان أكثر منه صيتا و أشرف منه مركبا و العيون إليه أطمح و العدو إليه أحنق و أكلب و لو قتل أبو بكر في بعض تلك المعارك هل كان يؤثر قتله في الإسلام ضعفا أو يحدث فيه وهنا أو يخاف على الملة لو قتل أبو بكر في بعض تلك الحروب أن تندرس و تعفی آثارها و ينطمس منارها ليقول الجاحظ إن أبا بكر كان حكمه حكم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مجانبة الحروب و اعتزالها نعوذ بالله من الخذلان و قد علم العقلاء كلهم ممن له بالسير معرفة و بالآثار و الأخبار ممارسة حال حروب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كيف كانت و حاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها كيف كان و وقوفه حيث وقف و حربه حيث حارب و جلوسه في العريش يوم جلس و إن وقوفه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقوف رئاسة و تدبير و وقوف ظهر و سند يتعرف أمور أصحابه و يحرس صغيرهم و كبيرهم بوقوفه من ورائهم و تخلفه عن التقدم في أوائلهم لأنهم متى علموا أنه في أخراهم اطمأنت قلوبهم و لم تتعلق بأمره نفوسهم فيشتغلوا بالاهتمام به عن عدوهم و لا يكون لهم فئة يلجئون إليها و ظهر يرجعون إليه و يعلمون أنه متى كان خلفهم تفقد أمورهم و علم مواقفهم و آوى كل إنسان مكانه في الحماية و النكاية و عند المنازلة في الكر و الحملة فكان وقوفه حيث وقف أصلح لأمرهم و أحمى و أحرس البيضتهم و لأنه المطلوب من بينهم إذ هو مدبر أمورهم و والي جماعتهم أ لا ترون أن موقف صاحب اللواء موقف شريف و أن صلاح الحرب في وقوفه و أن فضيلته في ترك التقدم في أكثر حالاته فللرئيس حالات الأولى حالة يتخلف و يقف آخرا ليكون سندا وقوة و ردءا و عدة و ليتولى تدبير الحرب و يعرف مواضع الخلل.

و الحالة الثانية يتقدم فيها في وسط الصف ليقوي الضعيف و يشجع الناكص.

و حالة ثالثة و هي إذا اصطدم الفيلقان و تكافح السيفان اعتمد ما تقتضيه الحال من الوقوف حيث يستصلح أو من مباشرة الحرب بنفسه فإنها آخر المنازل و فيها تظهر شجاعة الشجاع النجد و فسالة الجبان المموه.

فأين مقام الرئاسة العظمى لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أين منزلة أبي بكر ليسوي بين المنزلتين و يناسب بين الحالتين.

و لو كان أبو بكر شريكا لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الرسالة و ممنوحا من الله بفضيلة النبوة و كانت قريش و العرب تطلبه كما تطلب محمّدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و كان يدبر من أمر الإسلام و تسريب العساكر و تجهيز السرايا و قتل الأعداء ما يدبره محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لكان للجاحظ أن يقول ذلك فأما و حاله حاله و هو أضعف المسلمين جنانا و أقلهم عند العرب ترة لم يرم قط بسهم و لا سل سيفا و لا أراق دما و هو أحد الأتباع غير مشهور و لا معروف و لا طالب و لا مطلوب فكيف يجوز أن يجعل مقامه و منزلته مقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و منزلته.

و لقد خرج ابنه عبد الرحمن مع المشركين يوم أحد فرآه أبو بكر فقام مغيظا عليه فسل من السيف مقدار إصبع يريد البروز إليه فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يا أبا بكر شم سيفك و أمتعنا بنفسك

و لم يقل له و أمتعنا بنفسك إلا لعلمه بأنه ليس أهلا للحرب و ملاقاة الرجال و أنه لو بارز لقتل.

و كيف يقول الجاحظ لا فضيلة لمباشرة الحرب و لقاء الأقران وقتل أبطال الشرك و هل قامت عمد الإسلام إلا على ذلك و هل ثبت الدين و استقر إلا بذلك أتراه لم يسمع قول الله تعالى إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذينَ يُقاتلُونَ في سَبيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوص و المحبة من الله تعالى هي إرادة الثواب فكل من كان أشد ثبوتا في هذا الصف و أعظم قتالا كان أحب إلى الله و معنى الأفضل هو الأكثر ثوابا فعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا هو أحب المسلمين إلى الله لأنه أثبتهم قدما في الصف المرصوص لم يفر قط بإجماع الأمة و لا بارزه قرن إلا قتله.

أ تراه لم يسمع قول الله تعالى وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهدينَ عَلَى القاعدين أجْراً عَظيماً و قوله إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أمْوالَهُمْ بأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتلون في سبيل الله فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْه حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ ثم قال سبحانه مؤكدا لهذا البيع و الشراء وَ مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ و

قال الله تعالى ذلكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَا وَلا نَصَبَ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لَا يَطَوْنَ مَوْطِئاً يَغيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٌّ نَيْلًا إِنَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلَ صَالِحٌ.

فمواقف الناس في الجهاد على أحوال و بعضهم في ذلك أفضل من بعض فمن دلف إلى الأقران و استقبل السيوف و الأسنة كان أثقل على أكتاف الأعداء لشدة نكايته فيهم ممن وقف في المعركة و أعان و لم يقدم و كذلك من وقف في المعركة و أعان و لم يقدم إلا أنه بحيث تناله السهام و النبل أعظم غناء و أفضل ممن وقف حيث لا يناله ذلك و لو كان الضعيف و الجبان يستحقان الرئاسة بقلة بسط الكف و ترك الحرب و أن ذلك يشاكل فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لكان أوفر الناس حظا في الرئاسة و أشدهم لها استحقاقا حسان بن ثابت و إن بطل فضل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجهاد لأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان أقلهم قتالا كما زعم الجاحظ ليبطلن على هذا القياس فضل أبي بكر في الإنفاق لأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان أقلهم مالا.

و أنت إذا تأملت أمر العرب و قريش و نظرت السير و قرأت الأخبار عرفت أنها كانت تطلب محمّدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و تقصد قصده و تروم قتله فإن أعجزها و فاتها طلبت علياع و أرادت قتله لأنه كان أشبههم بالرسول حالا و أقربهم منه قربا و أشدهم عنه دفعا و أنهم متى قصدوا عليا فقتلوه أضعفوا أمر محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و كسروا شوكته إذ كان أعلى من ينصره في البأس و القوة و الشجاعة و النجدة و الإقدام و البسالة ألا ترى إلى.

قول عتبة بن ربيعة يوم بدر و قد خرج هو و أخوه شيبة و ابنه الوليد بن عتبة فأخرج إليه الرسول نفرا من الأنصار فاستنسبوهم فانتسبوا لهم فقالوا ارجعوا إلى قومكم ثم نادوا يا محمّد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأهله الأدنين قوموا يا بني هاشم فانصروا حقكم الذي أتاكم الله على باطل هؤلاء قم يا علي قم يا حمزة قم يا عبيدة.

ألا ترى ما جعلت هند بنت عتبة لمن قتله أحد لأنه اشترك هو و حمزة يوم هو و حمزة في قتل أبيها يوم بدر ألم تسمع قول هند ترثي أهلها

ما كان عن عتبة لي من صبر*** أبي و عمي و شقيق صدري

أخي الذي كان كضوء البدر*** بهم كسرت يا علي ظهري

و ذلك لأنه قتل أخاها الوليد بن عتبة و شرك في قتل أبيها عتبة و أما عمها شيبة فإن حمزة تفرد بقتله.

و قال جبير بن مطعم لوحشي مولاه يوم أحد إن قتلت محمّدا فأنت حر و إن قتلت عليا فأنت حر و إن قتلت حمزة فأنت حر فقال أما محمّد فسيمنعه أصحابه و أما على فرجل حذر كثير الالتفات في الحرب و لكني سأقتل حمزة فقعد له و زرقه بالحربة فقتله.

و لما قلنا من مقاربة حال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الباب لحال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و مناسبتها إياها ما وجدناه في السير و الأخبار من إشفاق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و حذره عليه و دعائه له بالحفظ و السلامة

قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الخندق و قد برز علي إلى عمرو و رفع يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه اللّهم إنك أخذت مني حمزة يوم أحد و عبيدة يوم بدر فاحفظ اليوم علي عليا رَبِّ لا تذرني فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثينَ و لذلك ضن به عن مبارزة عمرو حين دعا عمرو الناس إلى نفسه مرارا في كلها يحجمون ويقدم علي فيسأل الإذن له في البراز حتى قال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إنه عمرو فقال و أنا علي فأدناه و قبله و عممه بعمامته و خرج معه خطوات كالمودع له القلق لحاله المنتظر لما يكون منه ثم لم يزل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) رافعا يديه إلى السماء مستقبلا لها بوجهه و المسلمون صموت حوله كأنما على رءوسهم الطير حتى ثارت الغبرة و سمعوا التكبير من تحتها فعلموا أن عليا قتل عمرا فكبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و كبر المسلمون تكبيرة سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين.

و لذلك قال حذيفة بن اليمان لو قسمت فضيلة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم.

و قال ابن عباس في قوله تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ القتال قال بعلي بن أبي طالب.

قال الجاحظ على أن مشي الشجاع بالسيف إلى الأقران ليس على ما توهمه من لا يعلم باطن الأمر لأن معه في حال مشيه إلى الأقران بالسيف أمورا أخرى لا يبصرها الناس و إنما يقضون على ظاهر ما يرون من إقدامه و شجاعته فربما كان سبب ذلك الهوج و ربما كان الغرارة و الحداثة و ربما كان الإحراج و الحمية و ربما كان لمحبة النفخ و الأحدوثة و ربما

كان طباعا كطباع القاسي و الرحيم و السخي و البخيل قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله فيقال للجاحظ فعلى أيها كان مشي علي بن أبي طالب إلى الأقران بالسيف فأيما قلت من ذلك بانت عداوتك لله تعالى و لرسوله و إن كان مشيه ليس على وجه مما ذكرت و إنما كان على وجه النصرة و القصد إلى المسابقة إلى ثواب الآخرة و الجهاد في سبيل الله و إعزاز الدين كنت بجميع ما قلت معاندا و عن سبيل الإنصاف خارجا و في إمام المسلمين طاعنا و إن تطرق مثل هذا الوهم على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليتطرقن مثله على أعيان المهاجرين الأنصار أرباب الجهاد و القتال الذين نصروا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأنفسهم و وقوه بمهجهم و فدوه بأبنائهم و آبائهم فلعل ذلك كان لعلة من العلل المذكورة و في ذلك الطعن في الدين و في جماعة المسلمين.

و لو جاز أن يتوهم هذا في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و في غيره لما

قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) حكاية عن الله تعالى لأهل بدر اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم و لا قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) برز الإيمان كله إلى الشرك كله.

و لا قال أوجب طلحة.

و قد علمنا ضرورة من دين الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تعظيمه لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعظيما دينيا لأجل جهاده و نصرته فالطاعن فيه طاعن في رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذ زعم أنه قد يمكن أن يكون جهاده لا لوجه الله تعالى بل لأمر آخر من الأمور التي عددها و بعثه على التفوه بها إغواء الشيطان و كيده و الإفراط في عداوة من أمر الله بمحبته و نهى عن بغضه و عداوته.

أترى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خفي عليه من أمر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما لاح للجاحظ و العثمانية فمدحه و هو غير مستحق للمدح.

قال الجاحظ فصاحب النفس المختارة المعتدلة يكون قتاله طاعة و فراره معصية لأن نفسه معتدلة كالميزان في استقامة لسانه و كفتيه فإذا لم يكن كذلك كان إقدامه طباعا و فراره طباعا.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله فيقال له فلعل إنفاق أبي بكر على ما تزعم أربعين ألف درهم لا ثواب له لأن نفسه ربما تكون غير معتدلة لأنه يكون مطبوعا على الجود و السخاء و لعل

خروجه مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الهجرة إلى الغار لا ثواب له فيه لأن أسبابه كانت له مهيجة و دواعيه غالبة محبة الخروج و بغض المقام و لعل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في دعائه إلى الإسلام و إكبابه على الصلوات الخمس في جوف الليل و تدبيره أمر الأمة لا ثواب له فيه لأنه قد تكون نفسه غير معتدلة بل يكون في طباعه الرئاسة وحبها و العبادة و الالتذاذ بها و لقد كنا نعجب من مذهب أبي عثمان أن المعارف ضرورة و أنها تقع طباعا و في قوله بالتولد و حركة الحجر بالطبع حتى رأينا من قوله ما هو أعجب منه فزعم أنه ربما يكون جهاد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و قتله المشركين لا ثواب له فيه لأنه فعله طبعا و هذا أطرف من قوله في المعرفة و في التولد.

قال الجاحظ و وجه آخر أن عليا لو كان كما يزعم شيعته ما كان له بقتل الأقران كبير فضيلة و لا عظيم طاعة لأنه قد.

روي عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال له ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين.

فإذا كان قد وعده بالبقاء بعده فقد وثق بالسلامة من الأقران و علم أنه منصور عليهم و قاتلهم فعلى هذا يكون جهاد طلحة و الزبير أعظم طاعة منه.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا راجع على الجاحظ في النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأن الله تعالى قال له وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ منَ النَّاس فلم يكن له في جهاده كبير طاعة و كثير طاعة و كثير من الناس يروي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر فوجب أن يبطل جهادهما و قد قال للزبير ستقاتل عليا و أنت ظالم له.

فأشعره بذلك أنه لا يموت في حياة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و قال في الكتاب العزيز لطلحة و ما كانَ لَكُمْ أَنْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَ لا أَنْ تَنْكَحُوا أَزْواجَهُ منْ بَعْده قالوا نزلت في طلحة فأعلمه بذلك أنه يبقى بعده فوجب ألا يكون لهما كبير ثواب في الجهاد و الذي صح عندنا من الخبر و هو قوله ستقاتل بعدي الناكثين.

أنه قال لما وضعت الحرب أوزارها و دخل الناس في دين الله أفواجاً و وضعت الجزية و دانت العرب قاطبة.

قال الجاحظ ثم قصد الناصرون لعلي و القائلون بتفضيله إلى الأقران الذين قتلهم فأطروهم و غلوا فيهم و ليسوا هناك فمنهم عمرو بن عبد ود تركتموه أشجع من عامر بن الطفيل و عتبة بن الحارث و بسطام بن قيس و قد سمعنا بأحاديث حروب الفجار و ما كان بين قريش و دوس و حلف الفضول فما سمعت لعمرو بن عبد ود ذكرا في ذلك.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أمر عمرو بن عبد ود أشهر و أكثر من أشهر و أكثر من أن يحتج له فلنتلمح كتب المغازي و السير و لينظر ما رثته به شعراء قريش لما قتل فمن ذلك ما ذكره محمّد بن إسحاق في مغازيه قال و قال مسافع بن عبد مناف بن زهرة بن حذافة بن جمح يبكي عمرو بن عبد الله بن عبد ود حين قتله علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) مبارزة لما جزع المذاد أي قطع الخندق

عمرو بن عبد كان أول فارس *** جزع المذاد و كان فارس مليل

سمح الخلائق ماجد ذو مرة *** يبغي القتال بشكة لم ينكل

و لقد علمتم حين ولوا عنكم *** أن ابن عبد منهم لم يعجل

حتى تكفنه الكماة و كلهم *** يبغي القتال له و ليس بمؤتل

و لقد تكنفت الفوارس فارسا *** بجنوب سلع غير نكس أميل

سال النزال هناك فارس غالب *** بجنوب سلع ليته لم ينزل

فاذهب علي ما ظفرت بمثلها *** فخرا و لو لاقيت مثل المعضل

نفسي الفداء لفارس من غالب *** لاقی حمام الموت لم يتحلحل

أعني الذي جزع المذاد و لم يكن *** فشلا و ليس لدى الحروب بزمل

و قال هبيرة بن أبي وهب المخزومي يعتذر من فراره عن علي بن أبي طالب و تركه عمرا يوم الخندق و يبكيه

لعمرك ما وليت ظهري محمّدا *** و أصحابه جبنا و لا خيفة القتل

و لكنني قلبت أمري فلم أجد *** السيفي غناء إن وقفت ولا نبلى

وقفت فلما لم أجد لي مقدما *** صدرت كضرغام هزبر إلى شبل

ثنی عطفه عن قرنه حين لم يجد *** مجالا و كان الحزم و الرأي من فعلي

فلا تبعدن يا عمرو حيا و هالكا *** فقد مت محمود الثنا ماجد الفعل

و لا تبعدن يا عمرو حيا و هالکا *** فقد كنت في حرب العدا مرهف النصل

فمن الطراد الخيل تقدع بالقنا *** و للبذل يوما عند قرقرة البزل

هنالك لو كان ابن عمرو لزارها *** و فرجها عنهم فتى غير ما وغل

كفتك علي لن ترى مثل موقف *** وقفت على شلو المقدم كالفحل

فما ظفرت كفاك يوما بمثلها *** أمنت بها ما عشت من زلة النعل

و قال هبيرة بن أبي وهب أيضا يرثى عمرا و يبكيه

لقد علمت عليا لؤي بن غالب *** لفارسها عمرو إذا ناب نائب

و فارسها عمرو إذا ما يسوقه *** علي و إن الموت لا شك طالب

عشية يدعوه علي و إنه *** لفارسها إذ خام عنه الكتائب

فيا لهف نفسي إن عمرا لكائن *** بيثرب لا زالت هناك المصائب

لقد أحرز العليا علي بقتله *** و للخير يوما لا محالة جالب

و قال حسان بن ثابت الأنصاري يذكر عمرا:

أمسى الفتى عمرو بن عبد ناظرا *** كيف العبور و ليته لم ينظر

و لقد وجدت سيوفنا مشهورة *** و لقد وجدت جيادنا لم تقصر

و لقد لقيت غداة بدر عصبة *** ضربوك ضربا غير ضرب الحسر

أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة *** یا عمرو أو لجسيم أمر منكر

و قال حسان أيضا:

لقد شقيت بنو جمح بن عمرو *** و مخزوم و تیم ما نقيل

و عمرو كالحسام فتى قريش *** كأن جبينه سيف صقيل

فتى من نسل عامر أريحي *** تطاوله الأسنة و النصول

دعاه الفارس المقدام لما *** تكشفت المقانب و الخيول

أبو حسن فقنعه حساما *** جرازا لا أفل و لا نكول

فغادره مكبا مسلحبا *** على عفراء لا بعد القتيل

فهذه الأشعار فيه بل بعض ما قيل فيه.

أما الآثار و الأخبار فموجودة في كتب السير و أيام الفرسان و وقائعهم و ليس أحد من أرباب هذا العلم يذكر عمرا إلا قال كان فارس قريش و شجاعها و إنما قال له حسان.

ولقد لقيت غداة بدر عصبة:

لأنه شهد مع المشركين بدرا وقتل قوما من المسلمين ثم فر مع من فر و لحق بمكة و هو الذي كان قال و عاهد الله عند الكعبة ألا يدعوه أحد إلى واحدة من ثلاث إلا أجابه و آثاره في أيام الفجار مشهورة تنطق بها كتب الأيام والوقائع و لكنه لم يذكر مع الفرسان الثلاثة و هم عتبة و بسطام و عامر لأنهم كانوا أصحاب غارات و نهب و أهل بادية و قريش أهل مدينة و ساكنو مدر و حجر لا يرون الغارات و لا ينهبون غيرهم من العرب و هم مقتصرون على المقام ببلدتهم وحماية حرمهم فلذلك لم يشتهر اسمه كاشتهارهؤلاء.

و يقال له إذا كان عمرو كما تذكر ليس هناك فما باله

لما جزع الخندق في ستة فرسان هو أحدهم فصار مع أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على أرض واحدة و هم ثلاثة آلاف و دعاهم إلى البراز مرارا لم ينتدب أحد منهم للخروج إليه و لا سمح منهم أحد بنفسه حتى وبخهم و قرعهم و ناداهم ألستم تزعمون أنه من قتل منا فإلى النار و من قتل منكم فإلى الجنة أ فلا يشتاق أحدكم إلى أن يذهب إلى الجنة أو يقدم عدوه إلى النار فجبنوا كلهم ونكلوا وملكهم الرعب و الوهل فإما أن يكون هذا أشجع الناس كما قيل عنه أو يكون المسلمون كلهم أجبن العرب و أذلهم و أفشلهم وقد روى الناس كلهم الشعر الذي أنشده لما نكل القوم بجمعهم عنه و أنه جال بفرسه و استدار و ذهب يمنة ثم ذهب يسرة ثم وقف تجاه القوم فقال

بححت من النداء *** بجمعهم هل من مبارز

و وقفت إذ جبن المشيع *** وقفة القرن المناجز

وكذاك أني لم أزل *** متسرعا نحو الهزاهز

إن الشجاعة في الفتى *** و الجود من خير الغرائز

فلما برز إليه على أجابه فقال له:

لا تعجلن فقد أتاك *** صوتك غير عاجز

ذونية وبصيرة *** يرجو الغداة نجاة فائز

إني لأرجو أن أقيم *** عليك نائحة الجنائز

من ضربة تفنى و يبقى *** ذكرها عند الهزاهز

و لعمري لقد سبق الجاحظ بما قاله بعض جهال الأنصار

لما رجع رسول الله من بدر و قال فتى من الأنصار شهد معه بدرا إن قتلنا إلا عجائز صلعا فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا تقل ذلك يا ابن أخ أولئك الملأ.

قال الجاحظ و قد أكثروا في الوليد بن عتبة بن ربيعة قتيله يوم بدر و ما علمنا الوليد حضر حربا قط قبلها و لا ذكر فيها.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله كل من دون أخبار قريش و آثار رجالها وصف الوليد بالشجاعة و البسالة و كان مع شجاعته أنه يصارع الفتيان فيصرعهم و ليس لأنه لم يشهد حربا قبلها ما يجب أن يكون بطلا شجاعا فإن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يشهد قبل بدر حربا و قد رأى الناس آثاره فيها.

قال الجاحظ وقد ثبت أبو بكر مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم أحد كما ثبت علي فلا فخر الأحدهما على صاحبه في ذلك اليوم.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما ثباته يوم أحد فأكثر المؤرخين و أرباب السير ينكرونه و

جمهورهم يروي أنه لم يبق مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا علي و طلحة و الزبير و أبو دجانة وقد روي عن ابن عباس أنه قال و لهم خامس و هو عبد الله بن مسعود و منهم من أثبت سادسا و هو المقداد بن عمرو.

و روى يحيى بن سلمة بن كهيل قال قلت لأبي كم ثبت مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم أحد فقال اثنان قلت من هما قال علي و أبو دجانة.

و هب أن أبا بكر ثبت يوم أحد كما يدعيه الجاحظ أ يجوز له أن يقول ثبت كما ثبت علي فلا فخر لأحدهما على الآخر و هو يعلم آثار على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك اليوم.

و أنه قتل أصحاب الألوية من بني عبد الدار منهم طلحة بن أبي طلحة الذي رأى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في منامه أنه مردف كبشا فأوله و قال كبش الكتيبة نقتله فلما قتله علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مبارزة و هو أول قتيل قتل من المشركين ذلك اليوم كبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و قال هذا كبش الكتيبة.

و ما كان منه من المحاماة عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و قد فر الناس و أسلموه فتصمد له كتيبة من قریش فیقول یا على اكفنى هذه فيحمل عليها فيهزمها و يقتل عميدها حتى سمع المسلمون و المشركون صوتا من قبل السماء

لا سيف إلا ذو الفقار *** و لا فتى إلا علي

و حتى قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن جبرائيل ما قال:

أ تكون هذه آثاره و أفعاله ثم يقول الجاحظ لا فخر لأحدهما على صاحبه.

ربَّنَا افْتَح بَينَنا وَ بَينَ قَوْمنا بالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الفاتحين.

قال الجاحظ ولأبي بكر في ذلك اليوم مقام مشهور خرج ابنه عبد الرحمن فارسا مكفرا في الحديد يسأل المبارزة و يقول أنا عبد الرحمن بن عتيق فنهض إليه أبو بكر يسعى بسيفه فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) شم سيفك و ارجع إلى مكانك و متعنا بنفسك.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله ما كان أغناك يا أبا عثمان عن ذكر هذا المقام المشهور لأبي بكر فإنه لو تسمعه الإمامية لأضافته إلى ما عندها من المثالب لأن قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ارجع دليل على أنه لا يحتمل مبارزة أحد لأنه إذا لم يحتمل مبارزة ابنه و أنت تعلم حنو الابن على الأب و تبجيله له و إشفاقه عليه و كفه عنه لم يحتمل مبارزة الغريب الأجنبي.

و قوله له و متعنا بنفسك إيذان له بأنه كان يقتل لو خرج و رسول الله كان أعرف به من الجاحظ فأين حال هذا الرجل من حال الرجل الذي صلى بالحرب و مشى إلى السيف بالسيف فقتل السادة والقادة و الفرسان و الرجالة.

قال الجاحظ على أن أبا بكر و إن لم تكن آثاره في الحرب كآثار غيره فقد بذل الجهد و فعل ما يستطيعه وتبلغه قوته و إذا بذل المجهود فلا حال أشرف من حاله.

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما قوله إنه بذل الجهد فقد صدق و أما قوله لا حال أشرف حاله فخطأ لأن حال من بلغت قوته فأعملها في قتل المشركين أشرف من حال من نقصت قوته عن بلوغ الغاية ألا ترى أن حال الرجل أشرف في الجهاد من حال المرأة و حال البالغ الأيد أشرف من حال الصبي الضعيف.

فهذه جملة ما ذكره الشيخ أبو جعفر محمّد بن عبد الله الإسكافي رحمه الله في نقض العثمانية اقتصرنا عليها هاهنا و سنعود فيما بعد إلى ذكر جملة أخرى من كلامه إذا اقتضت الحال ذكره.

تقريب المعارف للحلبي:

القسم الأول في التوحيد [والنبوة و العدل و الإمامة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين و هو ثقتي الحمد لله رب العالمين و صلاته على نبيه و آله الطاهرين و سلامه أما بعد فإنى مجيب على ما سألتمونيه أدام الله توفيقكم من إملاء جمل العبارات على المعارف على وجه يزيد عن تقريب مخل و يغني عن إطالة ممل يطلع بها متأملها على تكليفه العقلي و يقف منها على معظم الغرض الديني و يتنبه بها المضطلع و يقتدي بها المبتدئ و من الله تعالى أستمد المعونة و التوفيق

مسائل التوحيد:

مسألة في وجوب النظر:

أول الأفعال المقصودة التي لا يصح خلو العاقل منها وجوبا النظر المؤدي إلى المعرفة يفرق ما بين الحق و الباطل لأن كل عاقل نشأ بين العقلاء يعلم اختلافهم ودعوة كل فريق منهم

إلى مذهبه و تخويفه من خلافه فيخافهم لا محالة و إذا خاف وجب عليه التحرز مما خافه لعلمه ضرورة بوجوب التحرز من الضرر فلا يخلو أن يتحرز باتباع الجل أو اطراح الجل أو اتباع بعض عن نظر أو تقليد.

و اتباع الجل محال للتنافي ما بينهم و اطراح الجل يقتضي كونه على ما كان عليه من الخوف و اتباع البعض عن تقليد لا يرفع خوفه مما أطرحه من المذاهب لتجويز كونه حقا و لا يقتضي سكونه إلى ما ذهب إليه لتجويز كونه باطلا فلم يبق لتحرزه من الضرر المخوف إلا النظر المميز للحق من الباطل فوجب فعله لكونه تحرزا من ضرر

[دفع وهم]

ما يعطينا هذا الاستدلال وجوب النظر للتحرز من ضرر المذاهب و لا يفيد الوجه الذي يشترطونه في وقوع المعارف عن المتولدة عن النظر الموقع الذي يستحق بها و بما تولدت عنه الثواب و يؤمن العقاب.

لأن الوجه الذي لأجله وجب النظر على جميع الطرق كونه تحرزا من ضرر مخصوص و هذا الوجه حاصل في هذه الطريقة فيجب مساواتها لطريقتي العلم بالثواب والعقاب و وجوب معرفة فاعل الحي و ما هو عليه من النفع من حيث كان الناظر عند الخوف من معرة أهل الحق و الباطل إنما ينظر في الأدلة للوجه الذي خوفه الدائن بها من كونه طرقا إلى معرفة من خلقه حيا قادرا عاقلا سميعا بصيرا و خلق المنافع له و كلفه فعل الواجب و ترك القبيح ليعلم بمعرفته کونه منعما فيشكره و مكلفا لما يستحق الثواب عليه من فعل الواجب و اجتناب القبيح بفعل هذا و الإخلال بذاك فيؤدي الواجب عليه من شكره فيحوز به المدح و الثواب و يأمن الذم و العقاب على الوجه الذي يستحق عليه الذم و المدح أقرب من الواجب و أبعد من القبيح و وقوع نظره على هذا الوجه موجب لحصول المعارف به للوجه الذي له وجبت بغير شبهة ومقتض لاستحقاق الثواب بما فعله من النظر و تولد عنه من المعرفة و إن نظر في الشبه فهو غير منفك من الخوف و استحقاق العقاب و فوت الثواب بترك النظر في أدلة المعارف و إذا لم ينفك من الخوف منها و الحال هذه فإنما ينظر في شبه المبطلين ليعلم هل هي شبه أم أدلة فمتى وفي النظر حقه كشف له عن كونها شبها و اضطره

الخوف إلى النظر في الأدلة و أفضى به إلى العلم بمدلولها فبان لحوق هذه الطريقة في وجوب النظر بالأوليين في وقوعه موقعه و حصول المعارف عنه لوجهها و إن كان ترتيبها مخالفا لترتيبها.

مسألة في الأجسام و حدوثها.

و أول منظور فيه الأجسام لأن تقدير قدمها يسقط حكم التكاليف المكتسبة و تقدير حدوثها يعينها وطريق العلم بحدوثها مبني على مقدمة ضرورية ونتيجة مكتسبة فالمقدمة حدوث ما لم يسبق الحوادث و النتيجة إثبات الجسم بهذه الصفة.

و تفتقر إلى إثبات أغيار للجسم و أنها محدثة و أن الجسم غير سابق لها و طريق إثباتها حصول العلم بصحة تنقله في الجهات و هو على ما هو عليه و وجوب اختصاصه ببعضها إذ لو وجب الأول لم يزل متنقلا و لاستغنى عن ناقل و لو جاز الثاني في حال الاختصاص لم يكن جهة أولى به من جهة فلا بد له من مقتض و لا يجوز أن يكون جنسه و لا وجوده لصحة خروجه عن الجهة کونه جنسا و موجودا و لا يجوز أن يكون عدم معنى لأن المعدوم لا يخصص ولا يؤثر ولا يجوز أن يكون صفة بالفاعل لأنها الحدوث أو وقوعه على وجه و ذلك يقتضي حدوث الجسم لحاجته في الوجود إلى جهة و وجوب تقدم الفاعل لفعله و هذا غاية المطلوب و لأن كونها بالفاعل يوجب اختصاصها بحال الحدوث و لمن أحدث موصوفها و تعلق به جميع صفاتها إذ من المحال أن يحصل الحدوث لمن لا يقدر على الحادث و لا على جميع صفاته أو يحصل كيفية الحدوث في حال البقاء كفعلي و فعل غيري.

و اختصاص الجسم بالجهة لمن لا يقدر على ذاته ولا على جميع صفاته و في حال بقائه كحدوثه يحيل كون ذلك بالفاعل فثبت أن المقتضي لهذا الحكم أمر غير الجسم و انتقال الجسم عن الجهة إلى غيرها يقتضي بطلان ما كان أوجب اختصاصه بالأولى و تجدد ما خصصه بالثانية لاستحالة الكمون و الانتقال على الأعراض و تجدد الشيء عن عدم حقيقة في حدوثه و عدمه بعد الوجود يحيل قدمه لوجوب وجود القديم و ما ليس بقديم محدث.

و كون الجسم متحيزا يوجب حاجته إلى جهة قد بينا استناد اختصاصه بها إلى معنى فلو جاز خلوه منه لخلا منها و ذلك محال لكونه متحيزا فثبت أن وجوده مضمن لوجود الحوادث و قد علمنا ضرورة حدوث ما له هذا الحكم فوجب إلحاق هذا التفصيل بتلك الجملة.

طريقة أخرى:

معلوم أن للأجسام أحكاما هي عليها مدركة و غير مدركة فالمدركة الألوان و الطعوم و الأرابيح و الحرارة والبرودة و الآلام المبتدأة و غير المدركة الرطوبة و اليبوسة و الشهوة و النفور و الحياة و القدرة و العلوم الضرورية التي هي من كمال العقل وطريق إثبات الجميع أغيارا للجسم طريق إثبات الأكوان و قد بيناه.

و يدل في المدركات خاصة أن الإدراك يتعلق بأخص صفات المدرك و أخص صفات ذاته على ما وضح برهانه في غير موضع فلا يخلو أن يتعلق الإدراك بذات الجسم أو بصفة له نفسية أو بالفاعل، أو بذات غير الجسم أو جبت حكم المدرك له و لو كان متعلقا بذات الجسم لاستمر حكمه باستمرار بقاء الجسم و المعلوم خلاف ذلك و لوجب أن لا يختلف الحكم في الإدراك و لا يتغاير العلم الحاصل عنده لكون ذات الجسم واحدة متماثلة الجنس و في اختلاف ما يتعلق به الإدراك و تغاير الحكم عنده في التعلق دليل على تعلقه بغير الجسم و لأن الإدراك يتعلق ببعض هذه المدركات و يبطل حكمه لبطلانها بضد و يحصل للمدرك حكم بإدراك الضد الثاني يخالف حكم المدرك المنتفى عنه و الجسم باق على ما هو عليه في كلا الحالين فبطل تعلق الإدراك به و لمثل هذا يبطل تعقله بصفة له نفسية و تعلق الإدراك بأخص صفات المدرك يحيل كون هذه المدركات صفة بالفاعل و لأن صفات الفاعل هي الحدوث أو وقوعه على وجه و هذه الصفات متجددة في حال بقاء الجسم و لأن حصول العلم بها متغايرة منفصلة من العلم بذات الجسم يحيل كونها صفات بالفاعل فثبت تعلق الإدراك بذات غيره و هي محدثة لتجددها للجسم بعد عدم و بطلانها عن وجود لأن تضادها يمنع من كمونها و استحالة قيامها بأنفسها يحيل الانتقال عليها و لو كانت صفات بالفاعل مع استحالة ذلك لصح الاستدلال بتجددها بعد عدم و انتفائها عن وجود إذ ذلك دليل على حدوثها و إذا ثبت حدوثها ذوات كانت أو صفات اقتضى ذلك حاجتها إلى محدث قديم

لنفسه ذات صفات نفسية تستحيل على الأجسام على ما بينته و ذلك يقتضي حدوث الأجسام من حيث كان قدمها يقتضي مماثلتها للقديم سبحانه في جميع الصفات المعلوم استحالتها عليه و ما ليس بقديم من الموجودات محدث.

طريقة أخرى:

لو كان المتحيز موجودا لم يزل لوجب اختصاصه في تلك الحال بجهة لما هو عليه في ذاته أو لمقتض قديم إذ إسناد ذلك إلى مقتض يحدث أو بالفاعل لا يتقدر و لو كان كذلك لاستحال خروج كل متحيز عن جهته لاستحالة العدم على القديم و خروج الموصوف عن صفته النفسية و هو موجود و في علمنا بصحة خروج كل متحيز عن جهته و وجوب ذلك في المنتقل منها و تباين المتجاورين و تجاور المتباينين دليل على أنه لم يختص الجهة لنفسه و لا لمقتض قديم و لأنه لو اختص الجهة لنفسه مع تماثل المتحيزات لوجب كون جميعها في جهة واحدة للاشتراك في صفة النفس و ذلك محال و كذلك الحكم لو اختصها لمقتض قديم لأن القديم قديم لنفسه و الاشتراك في صفة النفس يقتضي الاشتراك في مقتضاها وذلك يوجب اختصاص سائر المتحيزات بجهة واحدة لاشتراك الجل في مقتضى التخصص بالجهة و ذلك محال فاستحال له قدم شيء من المتحيزات و ما ليس بقديم من الموجودات فهو محدث.

و إذا تقرر ذلك فالناظر مخير بين الاعتماد في حدوث الأجسام على هذه الطريقة الأخيرة و بناء جميع المعارف عليها و بين الطريقة الأولى في حدوث الأجسام لكونها غير خالية من الحوادث و بين أن يستدل بحدوث المعاني الخارجة من مقدور المحدث على إثباته تعالى و ما يجب إثباته تعالى عليه من الصفات النفسية و الجائزة و حسن أفعاله و ما يتعلق بذلك من مسائل المعارف لخروجها أجمع عن مقدور الجسم كالجسم و بين أن يستدل بحدوثها بجل جنس منها بانفراده على إثبات جميع المعارف و بين أن يستدل بحدوثها على إثبات محدثها و ما يختصه تعالى من الصفات المستحيلة على الأجسام على الوجه الذي سلف فيعلم بذلك حدوث الأجسام إذ كل واحد من هذه الطرق دليل واضح على جملة المعارف و من تأمل ما أوردناه من ذلك علم أنا نهجنا طرقا واضحة في الاستدلال على جملة المعارف وسعنا بها

المسلك لكل ناظر و نبهنا على ما لم نسبق إليه منها و لم نضيق عليه الاستدلال تضييق من سلف من العلماء بهذا الشأن رضي الله عنهم و من عاصرناه و المنة لله تعالى.

مسألة في إثبات المحدث:

إثبات المحدث يبتنى على جملة وتفصيل.

فالجملة مبنية على دعائم أربع أولها إثبات حوادث في الشاهد و ثانيها إضافتها إلى محدث فی منا ثالثها تخصيص حاجتها إليه في حدوثها و رابعها بيان إيجاب حاجة كل محدث في حدوثه إلى محدث و التفصيل إثبات حوادث يستحيل تعلقها بمحدث.

فأما الدلالة على إثبات الدعوى الأولى من الجملة فقد سلفت حيث بينا حدوث الأكوان. وأما الدلالة على الدعوى الثانية فمعلوم وجوب وقوع التأثيرات من المؤثر منا بحسب أحواله من علومه و قدره و إرادته و لو كانت فعلا لغيره لم يجب ذلك فيها و أما الدلالة على الدعوى الثالثة فمعلوم استغناء الحادث قبل وجوده و بعد وجوده عن فاعل لجعله وما بعد أو باقيا فلم يبق من صفاته ما يصح حاجته إلى مؤثر غير حدوثه و لأنا إنما علمنا كون التأثيرات فعلا لمؤثرها لوقوعها بحسب قصده و المتجدد عند القصد من أحوال المقصود إليه هو الحدوث فيجب تخصص الحاجة به إذ كان العلم بنفس الحاجة لا ينفصل من العلم بوجه الحاجة و أما الدلالة على الدعوى الرابعة فهو إنا إذا بينا وقوف الحدوث على محدث و أحلناه من دونه وجب الحكم على كل حادث بحاجته إلى محدث للاشتراك في جهة الحاجة.

و أما التفصيل فقد علمنا حدوث الأجسام و الأجناس المخصوصة و علمنا توفر دواعي المحدثين إليها وتعذرها عليهم لغير وجه معقول و ما تعذر ذلك فمستحيل فتجب حاجتها إلى محدث لكون ذلك تفصيلا للجملة المدلول على صحتها ليس بطبيعة و لا علة و لا جسم و لا عرض لكون الطبع و العلة غير معقولين فلا يصح إضافة شيء إليهما و لخروجهما عند مثبتهما عن صفة المتحيز و كون فاعل العالم بهذه الصفة على ما بينته و لوجوب تأثيرهما عنده و استناد حدوث الأجسام إلى الجواز إذ لو وجب حدوثها لم ينفصل ذلك عن ذواتها و ذلك يقتضي وجوب وجودها في كل حال و يحيل عدمها في حال و قد دللنا على كونها

معدومة على قبل هذا الوجود و لتعذر الأجناس المخصوصة على جنس الجواهر و الأعراض حسبما أشرنا إليه و نستوفيه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

مسألة في كونه تعالى قادرا:

و لا بد من كون فاعلها سبحانه قادرا لوقوعها منه و وجوب كون من صح منه الفعل على صفة ليست حاصلة لمن تعذر عليه لو لا ثبوتها له دونه لتعذر منهما أو صح منهما و اتفاق الفصحاء على وسم من كان كذلك قادرا و ليس لأحد أن يسند هذه الصفة إلى من تعذر عليه الفعل دون من صح منه لأن الجوهر المعدوم لا يخلو أن يكون عليها أو ليس عليها فإن كان عليها وجب تعذر الفعل عليه و إن وجد و إن لم يكن عليها صح منه الفعل في حال العدم و كلا الأمرين مستحيل و لأن صحة الفعل تأثير لا يجوز إسناده إلى النفي لاستحالة حصوله معه فوجب إضافته إلى ثبوت صفة.

مسألة في كونه تعالى عالما:

و لا بد من كونه تعالى عالما لثبوت صفة الأحكام في أكثر أفعاله تعالى و افتقار هذه الصفة إلى امر زائد على كون القادر قادرا لتعذر تحصيلها على اكثر القادرین و وصف الفصحاء من حصلت له بكونه عالما.

و ليس لأحد أن يقدح في ذلك بأن التأليف مقدور للمحدث و لا يمكن إضافته إلى القديم سبحانه قطعا و إذا جاز إضافته إلى غيره ومعه يكون الأجناس محكمة لم يمكن إثباته تعالى عالما لأن هذا يسقط بأول حى من حيث استحال إضافة تأليفه إلى غيره تعالى و لا له أن يقدح بوجود ما ليس بمحكم من أفعاله تعالى في كونه عالما لأن ما ليس بمحكم يصح وقوعه ممن ليس بعالم و صحة الاستدلال به على كون فاعله غير عالم.

و هذه الطريقة مبنية على حدوث الأجسام بالطريقة الأولة.

و على الطريقة الثانية أنا قد علمنا وجودها في الجواهر على وجوه مخصوصة و مقادير معلومة لها كانت الجواهر ذهبا و فضة و عنبرا و مسكا و ماء و دهنا و عظما و عصبا و عروقا و لحما و شعرا و صوفا و ريشا إلى غير ذلك من أجناس الجماد و الحى و ما هما عليه من

البنى و الصفات و الهيئات المختلفة مع تساويهما في كونهما جواهر و حلول هذه الأجناس فيهما و ذلك يقتضي كون موجدهما في هذه المحال عالما.

مسألة في كونه تعالى حيا.

و لا بد من كونه سبحانه حيا لثبوت كونه قادرا عالما.

و افتقار هاتين الصفتين إلى كون موصوفهما حيا لحصول العلم بفرق ما بين من صح أن يعلم ما لا يعلمه و يقدر على ما لا يقدر عليه كالأمي الذي يصح أن يعلم الكتابة و الضعيف الذي يصح أن يحمل الثقيل و من لا يصح ذلك فيه كالجماد و الموات وهما على حالهما هذه و وجوب استناد ذلك إلى صفة زائدة لمن صح منه الأمران ليست حاصلة لمن استحالا فيه لو لا ثبوتها له لارتفع الفرق المعلوم و وصف أهل اللسان العربي من كان كذلك بأنه حي.

و ليس لأحد أن يقدح في ذلك بأن المصحح لكون الحي حيا هو العلم و القدرة و هما يستحيلان عليه تعالى فيجب أن لا يكون حيا لأن المصحح لكون الذات حية كونها قادرة عالمة دون العلم و القدرة.

يوضح ذلك بأن علمنا بكونها قادرة عالمة كاف في إثباتها حية و إن لم نعلم هناك قدرة و لا علما.

مسألة في كونه تعالى موجودا:

و يجب أن يكون تعالى موجودا لاستحالة وقوع التأثيرات من معدوم لأنه لو أثر معدوما لم یکن فرق بین وجوده و عدمه.

مسألة في كونه تعالى قديما:

و يجب أن يكون تعالى قديما لأنه لو كان محدثا لتعذر عليه تعالى ما يتعذر على المحدث من الأجناس و في اختصاصها به سبحانه دليل على قدمه.

و إسناد ذلك إلى كونه تعالى قادرا لنفسه يقتضي كونه قديما أيضا لاستحالة كون المحدث و قادرا لنفسه لتماثل جنس المحدث القادر و وجوب اشتراك المتماثلين في صفة النفس تعذر الحصر و الاختصاص في مقدوراته تعالى و حصول العلم باختصاص المحدثين ببعض الأجناس و انحصار ما يقدرون عليه منها ووجود أكثر الجواهر الموجودة غير قادرة.

طريقة أخرى:

لو كان فاعل الأجناس محدثا لاحتاج إلى محدث و ذلك يقتضي وجود ما لا يتناهى أو إثبات قديم بغير دليل و كلا الأمرين محال و قلنا إن تقدير حدوث فاعل العالم يمنع من إثبات قديم بدليل أنه إذا جاز وجود سائر الأجناس من محدث جاز إسناد إحداثه إلى محدث إذ لا يكون المحدث إلا من أجناس المحدثات فيتعذر إثبات قديم تستند الحوادث إليه فيلزم ما قلناه من وجود ما لا نهاية له مع استحالته بدليل وجوب حصر ما وجد.

طريقة أخرى مختصة بالمعاني المذكورة:

قد علمنا حدوث الحياة و القدرة و الألوان و الطعوم و سائر ما ذكرناه من الأجناس المخصوصة و أن لها محدثا قادرا عالما حيا موجودا لا يخلو أن يكون قادرا لنفسه أو بقدرة و لو كان قادرا بقدرة لتعذرت عليه سبحانه هذه الأجناس كتعذرها على الأجسام القادرة بقدرة أو..

سبحانه فثبت أنه تعالى قادر لنفسه لا يخلو أن يكون قديما أو محدثا و كونه قديما يصحح ما قلناه و كونه محدثا يقتضي حاجته إلى محدث بعد محدث و قد بينا فساد ما يؤدي إليه ذلك.

و لو صح تقدير قديم تنتهي الحوادث إليه مع استحالته لم يقدح في طريقتنا لأن كونه فاعلا يقتضي كونه قادرا لنفسه أو بقدرة و كونه قادرا بقدرة يحيل تعلق إيجاد حي قادر عليه به كتعذر ذلك على كل قادر في الشاهد لكونه قادرا بقدرة و كونه قادرا لنفسه يقتضي مشاركة فاعل هذه الأجناس له في القدم لمشاركته له في صفة النفس.

فصح الاستدلال بهذه الأجناس على جملة المعارف من دون العلم بحدوث الأجسام و دل ذلك على حدوث الأجناس على الوجه الذي بيناه بضد ما ظنته المعتزلة من تعذر الاستدلال على حدوثها بغير الأكوان و إثبات محدث من دون حدوث الأجسام المنافي لما تضمنه القرآن من الاستدلال بتجدد صفات الأجسام التي ذكرناها على إثباته تعالى و ما يجب كونه عليه سبحانه و يجوز و يستحيل.

كقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لَنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طَفْلًا ثُمَّ لَتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْد علم شَيْئاً وَ تَرَى الْأَرْضَ هامدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ أَنْبَتَتْ من كُل زَوجٍ بَهِيجٍ ذلك بأنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتِي وَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرُ. و أمثال هذه الآيات.

و قد علمنا أن الاستدلال منها بتجدد الجواهر لا يمكن لصحة تنقلها في الجهات و تجويز كل ناظر لذلك يمنع من القطع على وجودها في الحال بعد عدم.

و لأنه سبحانه كرر الاستدلال بصفة متجددة للجواهر بعد صفة و لو كان الاستدلال بالجواهر لكان الاقتصار على التراب كافيا و لم يكن لتكرير الصفات معنى لأن جواهر الموصوف موجود منذ أخبر سبحانه بالتراب.

و لأن تعليق الاستدلال بالجواهر لا يدل لو دل إلا بذكر التراب دون ما بعده لكون جواهر النطفة هي جواهر التراب و جواهر العلقة هی النطفة و المضغة هي العلقة و العظم هو المضغة فلم يبق لاستدلاله سبحانه بالآيات إلا التنبيه على تجدد الأجناس التي ذكرناها الحالة الجواهر الدالة بتجددها على أن لها مجددا و بتعذرها على الأجسام على كونه سبحانه مخالفا لها و بكونها محدثة على أنها مربوبة له بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة من الفتيا القادحة في حجة القرآن وحكمة منزله سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا.

و إنما قلنا بتعذر جنس الجواهر و ما ذكرناه من أجناس الأعراض و مقاديرها و وجوهها الدالة على كون فاعلها عالما على الحي القادر من الأجسام لتوفر دواعيه إليها و خلوصها من الصوارف في أكثر الأحوال و تعذر تحصيلها من غير مانع معقول و ما تعذر لا لمانع فإنما تعذر للاستحالة إذ بها حصل الفرق بين المستحيل و الجائز و إلا قد بينا أن الجسم لا يكون إلا قادرا بقدرة و القدر من حيث كانت قدرا يستحيل بها فعل شيء من هذه الأجناس لا مباشرة و لا متولدة بدليل استعمال محل القدرة والاعتماد في سائر الجهات و لا يحصل شيء من هذه الأجناس فالاختراع متعذر بجنس القدر بدليل افتقارها في التأثير إلى استعمال

محلها على طريقة واحدة و لما يجده الحي من عظيم المشقة في مباشرة بعض الأفعال لمحل القدر و لو كان الاختراع مقدورا للقدر لم يكن لقادر إلى تحمل المشاق داع و ليس لأحد أن يقول إن المانع من حصول هذه الأجناس من المحدث هو فقد علم أو آلة أو بنية أو قدرة لو فعلت للمحدث لتأتى بها ما تعذر لأن العلم و الآلة و البنية إنما يحتاج إليها في وجه الفعل دون حدوث جنسه فلا يجوز أن يكون فقدها مؤثرا في تعذر الجنس و المقدور. يوضح ذلك صحة وقوع الأجناس المقدورة المفتقر حصولها على الوجوه إلى العلم و البنية و الآلة من دونها و لأن العلم و أكثر الآلات مقدور به للجسم فلو كان التعذر مستندا إليها لصح من بعض الأجسام تحصيلها و لم يتعذر بهما إيجاد الجواهر و الحياة و سائر الأجناس و يفعل له القديم سبحانه ما لا يقدر عليه من الآلات و البنى فيصح ذلك منه و المعلوم خلاف ذلك و القدر و إن اختلفت فمقدورها متفق بدليل تساوي أحوال القادرين بقدر فيها يصح من كل منهم و يتعذر عليه و لو صح اختلاف متعلقها لجاز وقوع قادرين على الأكوان دون الأصوات وعلى الإرادات دون الاعتقادات و المعلوم خلاف ذلك ولأن تقدير قدرة يصح بها ما يتعذر بهذه القدر ينقض أحكام سائر الأجناس و ما يستند به كل جنس منها من الحكم الراجع إلى ذاته فيصح وجود كون يصح به الفعل و طعم يتعلق بالمعلومات و قدرة و علم يوجبان للمحل حكم الطعم واللون و إن كان الموجود من هذه الأجناس بخلاف ذلك و هذا غاية في التجاهل.

و لأن ذلك يصحح وقوع الجواهر و الحياة في أكثر الأجسام بأن يفعل لها قدر يصح بها و هو محال و لأن القدر لو اختلف متعلقها لصح بالقدرة الواحدة حمل الحمل و لتعذر ببعضها ما يصح بالبعض فيكون بعض القادرين مختصا ببعض المقدورات و ذلك بسط الفساد. و بهذا نعلم تعذر إضافة ما عليه الأجسام من الصفات المخصوصة إليها لأن تعذر الأجناس منها يحيل تعلق وجوهها و مقاديرها التي لها اختلفت الأجسام لأنه لا يقدر على تحصيل الذات على وجه و يوجد من الجنس مقدارا دون مقدار من لا يقدر على ذواتها و نقلها من محل إلى محل مستحيل.

و ليس لأحد أن يعترضنا لإدخال العلم الضروري في جملة الأجناس المتعذرة على المحدث مع كونه مقدور الجنس لكل محدث.

لأن العلم و إن كان مقدورا للمحدث ففعله في غيره مستحيل بدليل توفر الدواعي إلى تعلم من يهم تعليمه و تعذر ذلك لغير وجه معقول إلا الاستحالة و لأن العلم منا لا يقع إلا متولدا أو مستندا إلى توليد و لا سبب له إلا النظر و النظر من أفعال القلوب و لا جهة له و ما لا جهة له لا تعدى به الأفعال و إذا تعذر فعل العلم في الغير على المحدث لم يجز إسناد العلوم الضرورية إلى غير العالم بها من المحدثين و لا إضافتها إليه لكونه مضطرا إلى معلومها و حصولها له ابتداء من قصد و إذا تعذرت إضافتها إلى العالم بها و غيره من المحدثين ثبت اختصاصها بالقديم سبحانه.

و كذلك القول في الألم المبتدأ تستحيل إضافتها إلى المحدث لأنه لا يقدر عليه إلا متولدا عن الوهي بغير شبهة فإذا علمنا وجود آلام مبتدأة غير متعلقة بنا علمنا أنها جارية مجرى العلوم الضرورية و الحياة و الأجناس المذكورة فدلت كدلالتها.

و إذا ثبت كونه سبحانه قديما لم يخل أن يكون قديما لنفسه أو لمعنى قديم أو محدث أو بالفاعل و كونه كذلك لمعنى محدث أو بالفاعل محال لتجدد مقتضى ذين الصفتين و حصول الوجود للقديم فيما لم يزل و إسناد ذلك إلى معنى قديم لا يصح لأن القول فيه و لم كان كذلك كالقول في فاعل العالم سبحانه فإما وجود ما لا نهاية له من المعاني القديمة أو الانتهاء إلى قديم لنفسه يجب معه كون القديم سبحانه كذلك من دون معنى قديم.

مسألة في كونه تعالى قادرا فيما لم يزل:

و هو سبحانه قادر فيما لم يزل لأن تجدد كونه قادرا يقتضي كونه كذلك لحصول قدرة يستحيل إحداثها به أو بغيره لأن تقدير كونه سبحانه غير قادر يحيل كونه فاعلا لقدرة و غيرها و غيره إن كان قديما لم يخل أن يكون قادرا أو غير قادر و كونه غير قادر يحيل كونه فاعلا و كونه قادرا لم يزل يوجب مساواة القديم سبحانه له في ذلك لاشتراكهما في القدم على ما نبينه و كونه قادرا بعد أن لم يكن يوجب حاجته إلى قادر و القول فيه كالقول فيه فيؤدي إلى وجود ما لا نهاية له أو إلى قادر لم يزليجب معه كون القديم كذلك لأنا سنبين

استحالة وجود قديم ثان و إن كان محدثا لم يجز وقوف كون القديم سبحانه قادرا على فعل القدرة له لتعلق إحداثه به و وجوب كونه قادرا قبله و لأن جنس القدر يتعذر على المحدث بدليل توفر دواعيه إليها عند الحاجة و تعذرها لا لوجه إلا الاستحالة و إذا استحال كونه قادرا بقدرة محدثة ثة مع ثبوت كونه قادرا ثبت كونه كذلك فيما لم يزل

مسألة في كونه تعالى حيا موجودا:

و إذا ثبت كونه تعالى قادرا فيما لم يزل ثبت كونه حيا موجودا فيما لم يزل لوجوب كون القادر حيا موجودا.

مسألة في كونه تعالى عالما فيما لم يزل:

و هو تعالى عالم فيما لم يزل لأن تجدد ذلك يقتضي كونه عالما بعلم محدث لا يجوز إسناد إحداثه إليه و لا إلى غيره قديم و لا محدث لأنه لو خلا من كونه عالما لم يصح منه فعل العالم لنفسه لافتقار تجدد العلم إلى كون فاعله عالما من حيث لم يكن جنس الفعل و إنما هو وقوع الاعتقاد على وجه دون وجه و ما هو كذلك لا يقع إلا يقع إلا عن قصد مخصوص يفتقر إلى كون فاعله عالما و لأنا متى تتبعنا العلوم وجدنا أجمع يفتقر إلى كون فاعلها عالما و لا يجوز أن يكون من فعل غيره قديما كان أو محدثا لما بيناه في قادر و العلم و إن كان من مقدورات المحدث ففعله في غيره مستحيل كاستحالة فعل القدر لنفسه و ببعض ما تقدم يسقط تحصيل صفة القادر و العالم له بالفاعل و إذا استحال إحداث علم له تعالى أو صفة العالم و ثبت كونه عالما ثبت كونه كذلك لم يزل.

مسألة في كون صفاته تعالى نفسية:

و هذه الصفات نفسية لوجوبها له تعالى و كون الصفة الواجبة نفسية بدليل استغناء ما وجب من الصفات للموصوف عن مؤثر و وقوف الجائز منها على مقتض و أيضا فقد علمنا أن من حق الصفة النفسية أن لا يعلم الموصوف إلا عليها لكونها مقتضاة الذات عن صفات و المعاني و الفاعل بخلاف ذلك لاستنادها إلى مؤثر مغاير للموصوف يصح أن يحصل و أن لا يحصل و إذا وجبت هذه القضية في صفات النفس و كانت حاصلة فيما هو عليه سبحانه من الصفات التي أثبتناها ثبت أنها نفسية.

و ليس لأحد أن يقول ما أنكرتم و إن كانت هذه الصفات واجبة له تعالى و لا يعلم إلا عليها أن يكون لمعان قديمة.

لأن ذلك يقتضي نقض صفات النفس و يمنع من تميزها من صفات المعاني و الفاعل و ذلك محال و لأن القول بقدم الصفة أو حدوثها فرع لثبوتها وقد بينا انسداد طريق إثبات صفاته تعالى لمعان جملة فسقط الاعتراض.

مسألة في عدم جواز خروجه تعالى عن هذه الصفات:

ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لاستنادها إلى النفس المستحيل مفارقتها للموصوف ما وجد و كونه تعالى قديما لنفسه و وجوب الوجود لمن هو كذلك في كل حال.

مسألة في كونه تعالى سميعا بصيرا:

و هو تعالى سميع بصير لكونه تعالى حيا يستحيل عليه الآفات بدليل وصف الحي الذي لا آفة به بذلك و ليستا صفة زائدة على كون الحي حيا إذ لو كانتا زائدتين على كون الحي حيا لجاز وجود حي لا آفة به لا يوصف بهما بأن لا يؤخذ تلك الصفة له أو يؤخذ في غير حي فيوصف بهما و المعلوم خلاف ذلك.

مسألة في كونه تعالى مدركا:

و هو تعالى مدرك بشرط وجود المدرك و الإدراك حكم زائد على سائر صفات الحي بدليل حصوله من دونها أجمع و ثبوتها مع عدمه و ثبوته يقف على كون الذات حية لا آفة بها بشرط وجود المدرك و ارتفاع الموانع لتعذر حصوله لمن ليس بحي أو من به آفة من الأحياء أو للحي السليم مع عدم المدرك أو وجوده مع حصول مانع و وجوب حصوله مع تكاملها و المقتضي له كون الحي المدرك حيا مدركا و ما عداه شروط لرجوع حكمه إلى الجملة الحية و انفصال ما عداه منها و هو متميز من صفات النفس و المعاني و الفاعل لأنه لو كان نفسيا لوجب حصوله لكل جوهر موجود حيا كان أو مواتا لتماثلها و أدنى ذلك لكل لأنه حي لا شرط لظهور صفات النفس إلا الوجود وقد علمنا وجود كثير من الجواهر الحية و الجماد من دون حكم الإدراك و لو كان لمعنى أو بالفاعل لجاز تكامل ما قدمناه من المقتضي و الشروط من دونه بأن لا يوجد ذلك المعنى أو لا يفعله القادر إن كان صفة أو

يوجد المعنى أو صفة الفاعل فيمن لم يتكامل له الشروط التي ذكرناها فيحصل حكمه و الصفات.

المعلوم خلاف ذلك فثبت تميزه من جميع و إذا تقرر هذا و علمناه تعالى حيا يستحيل عليه الآفات و الموانع فلا بد من كونه مدركا متى وجد المدرك لحصول المقتضي لهذا الحكم وثبوت الشرط مسألة في كونه تعالى مريدا و هو سبحانه مريد لوقوع أفعاله على وجه دون وجه و في حال دون أخرى و افتقار وقوع الأفعال على ذلك إلى كون فاعلها مريدا لتعلق كونه قادرا عالما بجميعها على حد سواء فلا يجوز إسناد وقوعها على الوجوه و في الأوقات المخصوصة إلى كون فاعلها قادرا عالما. و إرادته فعله لاستحالة كونه مريدا لنفسه مع كونه كارها لأن ذلك يقتضي كونه مريدا كارها لكل ما يصح كونه مرادا و ذلك محال و لأن ذلك يوجب كونه مريدا لكل ما يصح إرادته من الحسن و القبح و سنبين فساد ذلك أو بإرادة قديمة لفساد قديم ثان و لأن ذلك يقتضي قدم المرادات أو كون إرادته عزما و كلا الأمرين مستحيل و كونها من فعل غيره من المحدثين محال لأن المحدث لا يقدر على فعل الإرادة في غيره لاختصاص إحداثها بالابتداء و تعذر الابتداء من المحدث في غيره و يستحيل وجود قديم ثان على ما نبينه فلا يمكن تقدير إحداثها به.

و هي موجودة لا في محل لاستحالة حلولها فيه تعالى لكونه قديما يستحيل كونه بصفة المحال و حلولها في غيره في حي أو جماد يقتضي اختصاص حكمهابما حلته و يحيل تعلقها به تعالی فثبت وجودها لا في محل و لوجودها على هذا الوجه الذي له انقطعت عن كل حي ما وجب اختصاصه به تعالی.

مسألة في نفي الصفات الزائدة له تعالى:

و لا صفة له تعالى زائدة على ما ذكرناه لأن الطريق إلى إثباته تعالى هو العقل فلا يجوز إثباته تعالى على صفة لا يقتضيها الفعل بنفسه ولا بواسطة كما لا يجوز أن نثبت للمدرك

صفة لا يقتضيها الإدراك و الذي يدل عليه الفعل بنفسه و هو مجرد وقوعه كونه تعالى قادرا

و بإحكامه على كونه عالما و بترتبه على الوجوه على كونه مریدا و لم يبق للفعل صفة زائدة و إثبات ما لا يدل عليه الفعل جهالة.

و ليس لأحد أن يقول إنكم قد أثبتم صفات خارجة عما ذكرتموه لا يقتضيها الفعل لأنا لم نثبت له تعالى من الصفات إلا ما له تعلق بالصفات التي دل عليها الفعل أما كونه حيا موجودا فلكونه قادرا و سميعا بصيرا مدركا من أحكام كونه حيا و كونها نفسية كيفية في استحقاقها مسألة في كونه تعالى لا يشبه المحدثات.

و هو تعالى لا يشبه المحدثات المتحيزة و ما حلها من الأعراض لقدمه تعالى و حدوث هذه الأجناس.

مسألة في استحالة إدراكه تعالى بالحواس:

يستحيل إدراكه تعالى بشيء من الحواس لاختصاص حكم الإدراك المعقول بالأجسام و الأعراض و ليس كذلك و إدراك لا يعقل لا يجوز إثباته و لأنه تعالى لو كان مدركا بشيء من الحواس لوجب أن ندركه الآن لكوننا على الصفة التي لها يجب إدراك الموجود مع ارتفاع الموانع.

مسألة في كونه تعالى غنيا:

و هو تعالى غني يستحيل عليه الحاجة لاختصاصها بمن يجوز عليه الضر و النفع و اختصاصهما بمن يلذ و يألم و اختصاصهما بذي الشهوة و النفار و كونهما معنيين يفتقران إلى محل متحيز و كونه تعالى قديما يحيل كونه متحيزا و استحالة تحيزه يحيل اختصاص المعاني به و إذا استحال عليه الشهوة و النفار استحال عليه اللذة و الألم.

و أيضا فلا يخلو أن يكون مشتهيا لنفسه أو لمعنى قديم أو محدث و كونه مشتهيا لنفسه يوجب كونه مشتهيا لكل ما يصح كونه مشتهى و ذلك يؤدي إلى إيجاد ما لا يتناهى من المشتهيات و إلى أن لا يستقر أفعاله على قدر مخصوص و لا بوقت معين و إلى أن يكون ملجأ إلى إيجاد المشتهى و ذلك كله محال و لا يجوز أن يكون كذلك لمعنى قديم لصحة تعلقه بما يتعلق به شهواتنا الحادثة - و الاشتراك في جهة التعلق يقتضي تماثل المتعلقين و لا أن يكون القديم مماثلا للمحدث و أيضا فإن كونه مشتهيا لمعنى قديم يقتضي كونه يجوز

ملجأ إلى فعل المشتهى و إلى أن لا يستقر أفعاله على قدر و لا وجه كما قلناه لو كان كذلك للنفس.

و لا يجوز أن يكون مشتهيا لمعنى محدث لأنه لا يجوز أن يكون كذلك أو لا لمعنى من فعله تعالى و ذلك يقتضي كونه ملجأ إلى فعل الشهوة و المشتهى و ذلك محال فاستحال كونه مشتهيا و استحالة الشهوة عليه يقتضي استحالة النفور لكونه ضدا لها و لا شبهة في أن استحالة أحد الضدين على الشيء يحيل الضد الآخر و لأنه لو كان نافرا للنفس أو لمعنى قديم لم يصح منه إيجاد شيء لكونه نافرا عنه و لا داعي إلى فعل ما له هذه الصفة و نفور محدث لا داعي إليه و ما لا داعي إليه منه تعالى يستحيل إيجاده فثبت استحالة الشهوة و النفار عليه تعالى و إذا استحالا فيه سبحانه استحال عليه الضر و النفع و من لا يصح عليه الضر و النفع لا تتقدر فيه الحاجة و إذا استحالت عليه الحاجة ثبت كونه غنيا

مسألة في كونه تعالى واحدا:

و هو سبحانه واحد لا ثاني له في القدم و الاختصاص بما ذكرناه من الصفات النفسية لأنه لو جاز وجود قديمين قادرين لأنفسهما لم يخل أن يكون مقدورهما واحدا من حيث كانا قادرين لأنفسهما أو متغايرا من حيث كانا قادرين و كون مقدورهما واحدا يحيل كونهما قادرین و تغاير مقدورهما يحيل كونهما قادرين لأنفسهما فثبت أنه سبحانه واحد لا ثاني له.

و قلنا إن من حق القادرين أن يتغاير مقدورهما لأن تقدير مقدور واحد لقادرين يصح له معه أن يدعو أحدهما إلى إيجاده داع خالص من الصوارف و تتوفر صوارف الآخر عنه فإن يوجد يقتضي ذلك إضافته إلى من يجب نفيه عنه و إن لم يوجد يجب نفيه عمن يجب إضافته إليه و كلا الأمرين محال و قلنا إن تقدير قادرين لأنفسهما يوجب كون مقدورهما واحدا لأن من حق القادر لنفسه أن يكون قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا إذ تخصيص مقدوراته و انحصارها يخرجه عن كونه قادرا لنفسه و إذا صح هذا فمقدور كل قادر لنفسه يجب كونه مقدورا لمماثله في هذه الصفة و ذلك يحيل تغاير مقدورهما.

طريق آخر:

و هو لا يخلو أن يكون مقدورهما واحدا أو متغايرا و كونه واحدا يقتضي إضافة الفعل إلى من يجب نفيه عنه أو نفيه عمن يجب إضافته إليه لصحة اختلاف الدواعي و الصوارف منهما و كونه متغايرا يقتضي اجتماع الضدين و ارتفاع الفعل من القادر عليه لغير وجه و كلاهما محال فثبت أن صانع العالم سبحانه واحد و قلنا بذلك لأن تقدير تغاير مقدورهما يصحح توفر دواعي أحدهما إلى ما توفرت عنه صوارف الآخر فإن يوجد المقدوران الضدان يجتمع و إن يرتفعا فلغير وجه معقول من حيث علمنا أنه لا وجه يقتضي تعذر الفعل على القادر لنفسه.

و ليس لأحد أن يقول وجه ارتفاع المقدورين كونهما قادرين على ما لا نهاية له لأن المصحح لوقوع الفعل هو كون الذات قادرة فلا يجوز أن يجعل ذلك وجها لتعذره لأنه يقتضي كون المصحح للشيء محيلا له و ذلك فاسد و ليس له أن يقول وجه التعذر أن أحدهما ليس بالوجود أولى من الآخر لأنا نعلم هذا في مقدوري الساهي و قد يوجد أحدهما و ليس له أن يقول اشتراكهما فى العلم بالمقدورات و الدواعي منهما يحيل اختلاف الدواعي منهما لأن الاشتراك في العلم بالشيء و ما يدعو إلى فعله لا يمنع من اختلاف الدواعي إليه يوضح ذلك علم كل عاقل بحسن التفضل و ما للمحتاج إليه فيه من النفع و عدم الضرر لهما وقد يدعو بعض العالمين بذلك دواعي فعله و ينصرف عن ذلك آخرون.

طريق آخر:

و هو أنا قد دللنا على أن فاعل العالم سبحانه مريد بإرادة موجودة لا في محل فلو كانا قديمين لم يخل إذا فعل أحدهما أو كلاهما إرادة على الوجه الذي يصح كونه مريدا بها لم يخل أن يوجب حالا لهما أو لأحدهما أو لا يوجب.

و إيجابها لهما محال إيجاب الإرادة الواحدة لحيين كاستحالة إيجابها لحي واحد حالتين لأن إيجاب الإرادة لحي واحد حالتين أقرب من إيجابها لحيين فإذا استحال أقرب الأمرين فالأبعد أولى بالاستحالة و أيضا فإن إيجاب الإرادة الحال أمر يرجع إلى ذاتها فلو أوجبت في بعض المواضع حالا لحيين لوجب أن يوجب ذلك في كل موضع لأن الحكم المسند إلى

النفس لا يجوز حصوله في موضع دون موضع و قد علمنا استحالة الإرادة الواحدة حالا لحيين فيما بينا - فيجب الحكم بمثل ذلك في كل إرادة.

و إيجابها لأحدهما محال لأنه لا نسبة لها إلى أحد القديمين إلا كنسبتها إلى الآخر فلا وجه لتخصصها بأحدهما.

و إن لا يوجب حالا يوجب قلب جنسها و هو محال و إذا كانت دالة على كون فاعلها مريدا و كان تقدير قديم ثان يحيل كون فاعل العالم سبحانه مريدا ثبت أنه واحد لا ثاني له.

و ليس لأحد أن يخصص إيجابها حالة المريد لمن هي فعله و تابعة لدواعيه دون الآخر كما يقولون فيمن فعل فيه إرادة لدخول النار و هو مشرف على الجنة في أن هذه الإرادة لا تؤثر لكونها غير تابعة لدواعيه و لا يدخل هذا المريد إلا الجنة لمجرد الداعي لأن الدليل مبني على استحالة حصول موجب الإرادة و هو حال المريد مع تقدير قديمين و لا يفتقر ذلك إلى حدوثها تابعة لدواعي محدثها فإنما يحتاج إلى ذلك في تأثرها دون إيجابها الحالة المقتضاة عن نفسها الواجب حصولها بشرط وجودها على كل وجه أ لا ترى أن الإرادة المفروض فعلها في الحي لدخول النار قد أوجبت كونه مريدا و إنما لم تؤثر دخولها لكونها غير تابعة لدواعيه فصار القدح وفقا للاستدلال على ما تراه و المنة لله و لأن اختلاف دواعي القديمين محال لاختصاص دواعي القديم بالحكمة المستحيل تعري قديم منها و على هذا الدليل ينبغي أن يعول من طريق العقل لاستمراره على الأصول و سلامته من القدح.

طريق آخر:

و هو علمنا من طريق السمع المقطوع على صحته أن صانع العالم سبحانه واحد لا ثاني له و الاعتماد على إثبات صانع واحد سبحانه من طريق السمع أحسم لمادة الشغب و أبعد من القدح لأن العلم بصحة السمع لا يفتقر إلى العلم بعدد الصناع إذا كانت الأصول التي يعلم بصحتها صحة السمع سليمة و إن جوز العالم بها تكاملها لأكثر من واحد من تأمل ذلك وجده صحيحا و إذا لم يفتقر صحة السمع إلى تميز عدد الصناع أمكن أن يعلم عددهم من جهته فإذا قطع العدد بكونه واحدا وجب العلم به و القطع ينفي ما زاد عليه.

مسألة في لزوم الاعتقاد بمسائل التوحيد:

و إذا تقرر ما قدمناه من مسائل التوحيد و علمنا صحتها بالبرهان لزم كل عاقل اعتقادها أمنا من ضررها قاطعا على عظيم النفع بها و فساد من خالفها من المذاهب و حصول الأمان من معرتها و نزول الضرر بمعتقدها من حيث كان علمه بحدوث الأجسام و الأعراض يقضي بفساد مذاهب القائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم وعلمه بحاجتها إلى فاعل قادر متخير عالم حي يوجب فساد مذهب من أضافه إلى علة أو طبيعة أو غير ذلك ممن ليس في هذه الصفات.

و علمنا بكونه تعالى قديما لا يشبه شيئا و لا يدرك بشيء من الحواس يبطل مذهب الثنوية و المجوس و النصارى و الصابئين و المنجمين و الغلاة و مجيزي إدراكه تعالى بشيء من الحواس من فرق المسلمين لإثبات هؤلاء أجمع إلهية الأجسام المعلوم حدوثها لحدوث كل جسم على ما قدمناه.

هذا إن أرادوا بالقدم إلهية أعيان الأجسام التي هي نور و ظلمة و شیطان و کوکب و صنم و بشر كعلي و المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) و إن أرادوا أمرا يجاور هذه الأجسام فالمجاور لا يكون إلا جسما و إن أرادوا أمرا حالا فالحلول من خواص الأعراض و إن أرادوا بالإدراك المعقول منه و إن أرادوا غير ذلك أشاروا إلى ما لا يعقل لأن كل عبارة يعبرون بها من قولهم اتحد و اختص و تعلق و غير ذلك متى لم يريدوا به مجاورة أو حلولا لم يعقل و فساد ما لا يعقل ظاهر و كذلك القول في إدراك لا يعقل.

علمه بتفرده سبحانه بالقدم و الصفات النفسية التي عيناها يبطل مذاهب الثنوية و المجوس و عباد الأصنام و الطبائعيين و الصابئين والمنجمين و الغلاة و المفوضة و القائلين بقدم الصفات زائدا على ما تقدم.

مسائل العدل:

الكلام في العدل كلام في أحكام أفعاله و ما يتعلق بها من أفعال خلقه و الحكم بجميعها بالحسن و يتقدم أمام ذلك الحسن و القبيح و الطريق إلى العلم بهما و يلي ذلك أحكام الأفعال.

مسألة في الحسن و القبيح:

الحسن ما يستحق به المدح مع القصد إليه و ينقسم إلى واجب و ندب و إحسان فالواجب هو ما يستحق به المدح و بأن لا يفعل و لا ما يقوم مقامه الذم و ينقسم إلى واجب مضيق لا بدل منه و إلى ما له بدل و إلى ما يختص كل عين و ما هو على الكفاية و إلى ما يتعين و إلى ما لا يتعين و الندب هو ما يستحق به المدح و لا ذم على تركه و هو مختص بالفاعل و الإحسان هو ما قصد به فاعله الإنعام على غيره و من حقه تعلقه بغير الفاعل و يستحق فاعله المدح لحسنه و الشكر على المنعم عليه وصفة الحسن مشترطة في جميع أجناسه بانتفاء وجوب القبح.

القبيح هو ما يستحق به الذم - و ينقسم إلى فعل قبيح كالظلم و إخلال بواجب كالعدل بشرط إمكان العلم بوجوب الشيء و قبحه.

و الحسن و القبح على ضربين عقلي و شرعي.

فالشرعى كالصلاة والزكاة و الزنا و الربا.

و العقلي العدل و الصدق و شكر المنعم و الظلم و الكذب و الخطر.

و لا خلاف في أن الطريق إلى العلم بحسن الشرعيات و قبحها السمع و إن كان الوجه الذي له كانت كذلك متعلقا بالعقليات.

الخلاف في العدل و الصدق و الظلم و الكذب و ما يناسب ذلك فالمجبرة تدعي اختصاص طريق العلم به السمع و الصحيح اختصاصه بالعقول و العلم به على وجهين ضروري و مكتسب فالضروري هو العلم على الجملة بقبح كل ضرر عري من نفع يوفى علیه و دفع ضرر أعظم أو استحقاق أو على جهة المدافعة و بكل خبر بالشيء على ما هو به و وجوب شكر كل نعمة.

و المكتسب هو العلم بضرر معين بهذه الصفة و خبر معين و كون فعل معين شكر النعمة و قلنا إن الأول ضروري لعمومه كافة العقلاء و حصوله ابتداء على وجه لا يمكن العالم إخراج نفسه عنه بشبهة كالعلم بالمشاهدات و لو كان مكتسبا لوقف على مكتسبه فاختص ببعض العقلاء و أمكن إدخال الشبهة فيه كسائر العلوم المكتسبة.

و ليس لأحد أن يقدح في هذا بخلاف المجبرة لأن المجبرة لا تنازع في حصول هذا العلم لكل عاقل و هو البرهان على كونه ضروريا و دخول الشبهة عليهم بأنه معلوم بالسمع يسقط لعموميته العقلاء من دان منهم بالسمع و أنكره و بمخالفته السمعيات بدخول الشبهة فيها و بعده عنها و بحصول الشك في جميع السمعيات بالشك في النبوة و ارتفاع الريب بقبح العقليات و الحال هذه و بكون السمع المؤثر للحسن و القبح معدوما في حال وقوع الحسن و القبح من المكلف مع استحالة تأثير المعدوم و وجوب تعلق بما أثر فيه على أكد الوجوه و بعد السمع المدعى تأثيره في أفعالنا لاختصاصه به تعالى.

و إسناد ذلك إلى الميل و النفور ظاهر الفساد لاختلاف العقلاء فيما يتعلق بالميل و النفور و اتفاقهم على قبح الظلم و الكذب و حسن الصدق و العدل و لأن الميل و النفور يختصان المدركات و قد نعلم قبح ما لا ندركه و لأنا قد نعلم قبح كثير مما نميل إليه و حسن كثير مما ننفر عنه و لأنا نعلم ضرورة استحقاق فاعل العدل و الصدق المدح و فاعل الظلم و الكذب الذم و لا يجوز إسناد ذلك إلى الميل و النفور المختصان به تعالی و قبح ذم الغير و مدحه على ما لم يفعله وقلنا إن التفصيل مكتسب لوقوف حصوله لمن علم الجمل و لو كان ضروريا لجاز حصوله من دونها.

مسألة في كونه تعالى قادرا على القبيح:

و هو تعالى قادر على القبح من جنس الحسن و إنما يكون قبيحا لوقوعه على وجه حسنا لوقوعه على وجه كقول القائل زيد في الدار فإن كان متعلق الخبر بالمخبر عنه على ما هو به فهو حسن و إن كان متعلقه بخلاف ما هو به فهو قبيح فلو لم يكن تعالى قادرا على القبيح لم يكن قادرا على الحسن.

و أيضا فلا يخلو القبيح أن يكون جنسا أو وجها و كونه تعالى قادرا على جنس و وجوهه لقيام الدلالة على كونه قادرا لنفسه و القادر لنفسه يجب أن يكون قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا لأن كونه قادرا يصحح تعلقه بكل مقدور و ما صح من صفة النفس وجب لأنه لو لم يجب لاستحال من حيث لا مقتضي لوجوب ما جاز في صفة النفس خارج عنها فلا يتقدر فرق بين الصحة و الوجوب فيها. و لأن كون القادر قادرا يصحح تعلقه بكل مقدور

المقتضي للحصرو التخصيص هو القدر المتعلقة بأجناس مخصوصة يستحيل تعلقها بغيرها و بما زاد على الجزء الواحد من الجنس الواحد في المحل الواحد و الوقت الواحد على ما بينته فيجب الحكم فيمن كان قادرا لا بقدرة بكونه قادرا على كل جنس و قدر و وجه فإذا ثبت كونه تعالى قادرا لنفسه وجب كونه قادرا على القبيح جنسا كان أو وجها.

و لأن خروج القبيح عن كونه مقدورا له سبحانه يخرجه عن كونه قادرا جملة لأنا نقدر عليه مع كوننا قادرين بقدر محدثة فالقبيح إن كان وجها لجنس فتعذره يقتضي تعذر الجنس و إن كان جنسا ضدا للحسن فتعذره يقتضي تعذر ضده فيجب الحكم في من لا يقدر عليه بكونه غير قادر و قد ثبت كونه قادرا فيجب أن يكون قادرا عليه و لأنا نقدر على القبيح و هو أكد حالا منا في كونه قادرا لصحة تعلقه بما لا يقدر عليه من الأجناس و المقادير في كل حال و على كل وجه.

و قول النظام إنه لو كان سبحانه قادرا على القبيح لصح منه وقوعه فيقتضي ذلك خروجه تعالى عن كونه عالما أو غنيا أو انتقاض دلالة القبيح على ذلك يسقط بوجوب كونه قادرا على كل ما يصح كونه كذلك والقبيح من جملته و هذا كاف في سقوط الشبهة. على أنا نستأنف كلاما في إسقاطها فنقول إنا قد علمنا أنه لا يصح وقوع مقدور العالم الذي لا يجوز عليه العبث إلا لداع و الداعي إلى فعل القبيح المعلوم هو الحاجة و هي مستحيلة فيه تعالى فلا يتوهم منه تعالى وقوعه على حال لعدم ما لا يصح وقوع المقدور المعلوم إلا معه كما لا يقع مع العجز عنه و إن اختلف جهتا التعذر أ لا ترى أنا لا نتوهم وقوع فعل أعلمنا الله سبحانه فيه أنه لا يختاره و إن كان قادرا عليه و لا فرق بين معين ممن بخبره تعالى عن حال الغير أنه لا داعي له إلى فعل ما و بين أن نعلم بالدليل أنه لا داعي له إلى القبيح في وجوب القطع على تعذر وقوعه منه و إذا صح هذا علمنا أنه سبحانه لا داعي له إلى القبيح لكونه عالما بقبحه و بأنه غني عنه وجب القطع على ارتفاع المقدور على كل حال.

و أيضا فلو فرضنا وقوعه منه مع تعذره لاقتضى ذلك نقض دلالته على الجهل أو الحاجة من حيث قدرنا وقوعه من العالم الغني كما لو قيل لنا لو ظهر المعجز على يد كذاب ما كانت

يكون حال المعجز فإنما كانت دلالته على الصدق منتقضة و لا يلزم على هذا أن يقال لنا فقولوا الآن بانتقاض دلالتهما لأن المفروض محال ورد الجواب يحسنه و الحال الآن بخلاف ذلك فلا يجوز لنا الحكم بانتقاض دلالة القبيح و لا المعجز.

مسألة في كونه تعالى لا يفعل القبيح:

و هو تعالى لا يفعل القبيح لعلمه بقبحه و بأنه غني عنه وقلنا ذلك لأن صفة القبح صارفة عنه وكذلك من علم وصوله إلى نفعه بالصدق على الوجه الذي يصل إليها بالكذب لا يؤثره على الصدق و إنما يصح إيثاره على الصدق متى جهل قبحه فينتفي الصارف أو دعت إليه الحاجة فيقابل داعيها صارف القبح فيؤثره.

و أيضا فالقبح يستحق به الذم و الاستخفاف و خفوض الرتبة و ذلك صارف قوي عنه لا يجوز معه إيثاره إلا لجهل به أو لحاجة زائدة عليه و كلا الأمرين مستحيل فيه سبحانه فلا يصح منه مواقعة القبيح و إذا كانت هذه القضية سارية في القبح وجب القطع على انتفاء الداعي منه تعالى إلى شيء منه و تعذر وقوع جميعه و لا يلزم على ذلك وقوع كل حسن لأن صارف القبح موجب لارتفاعه ممن علمه و استغنى عنه و داعي الحسن غير موجب لعلمنا بأن أحدنا قد يفعل الشيء لحسنه و لا يفعل كل ما شاركه في صفة الحسن كصدقة درهم لحسنها و ترك أمثالها مع مساواتها لها في صفة الحسن ولا يجوز أن يترك كذبا لقبحه و يفعل مثله.

و ليس لأحد أن يقول كما لا يفعل القبيح إلا لجهل به أو اعتقاد حاجة إليه فكذلك الحسن قد لا يفعل إلا لاجتلاب نفع أو دفع ضر فيجب أن لا يفعله سبحانه لاستحالة الضر و النفع عليه لأنا قد بينا تعذر وقوع القبيح إلا لجهل أو لحاجة فيجب فيمن لا يصحان عليه أن لا يفعله على حال و المعلوم ضرورة في الحسن خلاف ذلك لوقوعه منه تعالى مع استحالة النفع و الضر عليه و لأنا نعلم إرشاد الملحد الضال عن الطريق إليها و عن التردي في البئر بحيث لا يراد أحد ولا يرجو معه نفعا و لا دفع ضرر فلم يبق لفعله وجه إلا مجردالحسن و لأن من علم وصوله إلى نفع أو دفع ضرر بالصدق كالكذب لا يختار إلا الصدق و لا وجه لذلك إلا مجرد الحسن

مسألة في تعلق إرادته و کراهته به و ما لا يصح.

في ما يصح قد بينا كونه تعالى مريدا أو كارها فينبغي أن يبين ما يصح تعلق إرادته به و كراهته و ما لا يصح ذلك فيه.

كون المريد مؤثرا مختص بحدوث الفعل لكون هذه الحال وجها لوقوع الفعل على صفة دون صفة و وجه الفعل كيفية لحدوثه فيجب أن يكون ما أثره مصاحبا لحدوثه فإذا اختص تأثيرها بالحدوث.

و المحدثات على ضربين أفعاله تعالى و هو على ضربين مفعول لغرض يخصه كالواجب في حكمته و الإحسان إلى خلقه و كلاهما مراد لأن العالم بالفعل المخلى بينه و بين إرادته القاصد بفعله غرضا يخصه لا بد من كونه مريدا له لو لا ذلك لم يكن بأن يفعله لذلك الغرض دون غيره و الثاني مفعول لغرض يخص غيره كالإرادة و ما هذه حاله لا يجب كونه مرادا لأن الداعي إلى المراد داع إلى إرادته فهي كالجزء منه فلا يفتقر إلى إرادة يخصها.

و لا يصح أن يكره شيئا من أفعاله لأن كونه سبحانه كارها لشيء يقتضي قبحه و هو لا يفعل القبيح و لأن الواقع من مقدوراته تعالى قد بينا وجوب كونه تعالى مريدا له فلا يجوز أن يكون كارها له لأن ذلك يقتضي كونه مريداكارها لشيء واحد و هو محال.

و أفعال عباده سبحانه على ضربين واقع عن إلجاء و إيثار و ما وقع بإلجائه تعالى لا بد من كونه مريدا له لأنه بإلجائه في حكم فعله و لا بد من وقوع ما هذه حاله لكونه جاريا مجرى فعله الذي لا بد من وقوعه متى أراده فلا يجوز إلجاؤه إلى قبيح لأن ذلك مقتض لكونه فاعلا له و قد بينا فساد ذلك.

و ما وقع بإلجاء غيره تعالى حكمه حكم ما اختاره العبد الملجأ من حسن و قبح و سنبينه. و على كلا الوجهين لا بد من كون الملجأ مريدا لما ألجئ إليه إذ معنى كونه ملجأ توفر دواعيه لخوف الضرر أو لرجاء النفع و خلوص الدواعي إلى الفعل يقتضي كون القادر مريدا. و الواقع عن إيثار على ضروب واجب و ندب و قبیح و مباح فالواجب و الندب مرادان له تعالى بغير شبهة لأنه قد أمر بهما و رغب فيهما والأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة لعلمنا بوجود جنسه و صيغته و ليس بأمر و لتجدد إرادته تعالى لذلك حال الأمر به و تعلقها

بالمراد المكلف فعله على جهة الإيثار له المصحح لغرض المجري بالتكليف إليه لافتقار ما يجب فعله أو تركه أو الترغيب فيه في كونه كذلك إلى تعلق إرادته سبحانه على وقوعه على هذا الوجه و لا يجوز أن يكره شيئا مما أراده من أفعال عباده الواجبة و المندوبة لأن كراهيته يقتضي قبح المكروه و قد علمنا حسن هذه الأفعال عبادة الواجبة تعالى مريد لها على ما دللنا عليه فلا يجوز أن يكون كارها لها لأن ذلك يقتضي كونه تعالى مريدا كارها للشيء الواحد مع استحالته.

و أما القبيح فهو سبحانه كاره له لأنه قد نهى عنه و النهي لا يكون نهيا إلا بالكراهة لوجود الجنس و الصيغة فما ليس بنهي و لأنه تعالى لا يجوز أن يريد القبيح لما بينته و لا يجوز أن يكون غير مريد له و لا كاره لأن ذلك يخرجه عن حد التكليف فلم يبق إلا كونه كارها له و إذا ثبت أنه تعالى كاره لقبائح العباد لم يجز أن يريد شيئا منها لأن ذلك يقتضي كونه مريدا کارها لها مع فساد ذلك.

و أيضا فإن إرادة القبيح قبيحة لأن كل من علمها إرادة قبيح علم قبحها يوضح ذلك توجه ذم العقلاء إلى مريد القبح كفاعله فلو أراد تعالى القبيح لم يرده إلا بإرادة يفعلها على ما بيناه من وقوف كونه مريدا على فعله الإرادة له و هذا يقتضي كونه فاعلا للقبح و قد بينا فساد ذلك و تعلق المجبرة في كونه تعالى غير مريد لما لم يقع من الطاعات و مريدا لما يقع من القبائح بأنه لو أراد ما لا يقع فوقع ما لا يريد و ارتفع ما أراد للحقه نقص كالملك المريد من عبيده نصرته متى لم يقع منهم ما أراد كان مغلوبا ظاهر السقوط لأن وقوع المكروه و ارتفاع المراد إنما يدل على نقص المريد الكاره إذا كان في ذلك نفع له و في خلافه ضرر عليه و هو قادر على المنع مما كره و الحمل على ما أراد كإرادة الملك من أنصاره الذب عن دولته و كراهية القعود عن نصرته فيه نفع له و في خلافه ضرر عليه فمتى لم يقع ما أراد و يرتفع ما كره لحقه نقص لتعلق الضرر به و عجزه عن دفعه عنه و التكليف بخلاف ذلك لأنه لا يتعلق به تعالى منه نفع و لا ضرر بل هما مختصان بالمكلف و إن كان فعل ما أراده و ترك ما كرهه مختصا بنفع المأمور المنهي و كان هذا النفع مختصا بوقوع ذلك و ارتفاع هذا بإيثاره و هو قادر على إلجائه إلى فعل المراد و ترك المكروه كإرادة سلطان الإسلام و أنصاره من أهل

الذمة الإيمان و كراهيتهم منهم الكفر لما لهم في ذلك من النفع المختص بإيثارهم دون إلجائهم مع كونهم قادرين على الجائهم إليه و اصطلامهم دونه لم يكن في ذلك نقص على المريد الكاره و لم يصفه أحد بالغلبة و هذه صفة ما أراده تعالى و كرهه من عباده لأن نفعه مختص بهم و هو موقوف على حصول ذلك عن إيثارهم دون قهرهم مع كونه سبحانه قادرا عليه و إن لم يفعله فلا يجوز وصفه تعالى لوقوع القبائح التي كرهها و ارتفاع الطاعات التي أرادها منهم بصفة نقص تعالى عن ذلك و لا وصفهم بأنهم غالبون له تعالى كما لا يصف أحد أهل الذمة بكونهم غالبين لسلطان الإسلام و أنصاره لإيجادهم خلاف ما أراد منهم و أما المباح من أفعالهم فلا يصح كونه مريدا له و لا كارها لأن كونه مرادا يقتضي كونه طاعة و كونه مكروها يقتضي كونه قبيحا وذلك يخرجه عن صفة الإباحة.

مسألة في كونه تعالى متكلما:

و هو تعالى متكلم و كلامه فعله و أولى ما حد به الكلام أن يقال هو ما تألف من حرفين فصاعدا من الحروف المعقولة إذا وقع ممن يصح منه أو من قبيله الإفادة.

الدلالة على ذلك أنه متی تكاملت هذه الصفات كان كلاما و إن اختل شيء منها لم يكن كلاما و إذا ثبت أنه من جنس الصوت و علمنا ضرورة تجدده بعد عدم لإدراكنا له بعد أن كنا غير مدركين له و عدمه بعد وجوده لانتفاء كونه مدركا في الثاني من حال إدراكه إذ لو كان باقيا لاستقر إدراكنا له فثبت أنه محدث والمتكلم من فعل الكلام بدليل وقوعه بحسب أحواله و إذا ثبت حدوث الكلام و كونه من دخل المتكلم وجب أن يكون تعالى قادرا عليه لكونه قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا و الكلام كذلك و الطريق إلى العلم بكونه متكلما هو السمع و قد علمنا ضرورة من دين النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن القرآن كلامه تعالى و إذا ثبت كونه تعالى متكلما وجب أن يكون كلامه فعله لثبوت الاشتراك فيما له كان المتكلم متكلما و لأن كلامه تعالى من جنس الصوت و هو محدث فيجب كونه محدثا و لأنه خطاب لمخاطبين فلو كان قديما لكان ما فيه من الأخبار الماضية كذبا و باقي الأخبار و الأوامر و النواهي عبثا و هو يتعالى عن ذلك و لأنه قد أخبر أنه محدث فقال ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرِ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَتْ ومِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَث و قول المخالف إن القديم هو ما هذا الكلام حكاية عنه ظاهر الفساد لأنا

قد بينا أن الكلام من جنس الأصوات و هي محدثة فيجب الحكم بحدوث كل كلام لكونه صوتا و ما ليس بصوت لا يكون كلاما.

و لأن ما هذا القرآن حكاية عنه لا يخلو أن يكون من جنس هذا الكلام أو مخالفا له فإن يكن من جنسه فحكمه حكمه في الحدوث و إن كان من غير جنسه لم يجز أن يكون هذا القرآن حكاية له لأن الشيء لا يكون حكاية لما ليس مثلا له و لئن جاز أن يكون هذا المتلو حكاية لما ليس من جنسه ليجوزن ذلك في أصوات الطير بل في كل جنس من الأعراض فيوصف بأنه قرآن و هذا ضلال.

و لأن ذلك يقتضي أن لا يوصف هذا بأنه قرآن و لا كلام الله تعالى لأنه ليس بكلام الله و لا هو القرآن و إنما القرآن خلافه و هذا كفر و قد وصف الله تعالى هذا المتلو بأنه قرآن و كلامه و أنه منزل من لدنه و كل ذلك يقضي بفساد ما قالوه.

و القرآن و إن كان محدثا فوصفه بأنه مخلوق بدعة و إن كان المعنى واحدا لأمور منها أنه لا يوجد هذا الاسم في كتاب و لا سنة بل الوصف له مختص بالأحداث.

و منها أن وصف الكلام بأنه مخلوق يفيد مكذوب يقال هذا كلام مخلوق و مختلق و مخترق و مفتعل بمعنى مكذوب و منه قوله وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتِ و قوله إِنْ هذا إِنَّا حُلْقُ الْأَوَّلِينَ و إذا كان إطلاق الخلق على الكلام يفيد الكذب وجب تنزيه كلامه تعالى عن هذا الوصف.

و منها ما روي عن أئمتناع من القول بتبديع من وصفه بالخلق.

مسألة في الجبر و الاختيار:

و التأثيرات الواقعة من جهة العباد مباشرها و متولدها هم المحدثون لها دونه و قالت المجبرة بأسرها إن المتولد من فعل تعالى و قال جهم في المباشر ما قاله في المتولدو قال النجار هو فعل القديم و المحدث و قال الأشعري هو من فعل تعالى خلق و من العبد كسب.

و الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وجوب وقوعها بحسب أحوال من وقعت منه و لو كانت فعلا لغيره من قديم أو محدث لاختلف الحال.

و ليس لأحد أن يقول إذا كان القديم تعالى قادرا على إيجادها مطابقة لأحوالكم فما المانع من كونها فعلا له لأن الوجوب يمنع من ذلك و لأن إثباته تعالى فرع لإثبات محدث في الشاهد فلا يصح ممن نفى محدثا في الشاهد أن يثبت غائبا و لأن أضاف الفعل إلى فاعل لا يمكن إلا بوقوعه بحسب أحواله فلا يجوز نفيه عمن يعلم تعلقه به على هذا الوجه و إضافته إلى من تعلق بينه و بينه و هو لو كان فعلا له لم يكن كذلك إلا لوقوعه منه على هذا الوجه و أيضا فمعلوم حسن الأمر والنهي و توجه المدح و الذم إلى من تعلق به التأثير الحسن و القبيح و لا يجوز إسناد ذلك إلى الكسب لكونه غير معقول بدليل تكرير المكالة لمدعيه و المطالبة بإفهامه و ارتفاع العلم بحقيقته و لأن ذلك ينتقض بالمتولد كما نعلم حسن الأمر و النهي بالمباشر و توجه المدح والذم عليه يعلم مثل ذلك في المتولد و هو كاف في صحة الاستدلال على كون العبد فاعلا لأن إضافة المتولد إلى إحداثه يقتضي إضافة المباشر بغير شبهة و إذا ثبت كونه قادرا لحاجة الفعل في وقوعه إلى كون فاعله قادراو هو قادر بقدرة لتجدد كونه كذلك بعد أن لم يكن و خروجه عن ذلك و أحواله على ما كانت عليه و لتزايد مقدورات بعضنا على بعض و هي من فعل الله تعالى ليوفر دواعينا في أحوال الحاجة و تعذرها لا لوجه و من حكمها إيجاب حالة المختار و تصحيح الفعل من الحي بدليل تعذره مع انتفائها.

و من صفتها أن لا يصح بها الفعل إلا مع استعمال محلها بدليل تعذر الاختراع علينا و وقوف تأثيرها على المشارة لمحلها أو لما ماسه و هي قدرة على الضدين لصحة تصرف كل قادر في الجهات المتضادة و لو كان ذلك عن قدرين لصح انتفاء إحداهما فيوجد قادر لا يصح منه التصرف في الجهات و المعلوم خلاف ذلك وتأثيرها مختص بالأحداث بدليل ثبوت صفة القدم من دونها و تعذر إيجاد الموجود و لأن المتجدد عند القصد إلى المقدور من صفاته هو الحدوث و هي متقدمة للفعل لاختصاص تأثيرها بالأحداث فيجب أن تكون موجودة في حال عدمه و لأن الحاجة إليها ليخرج بها الفعل من العدم إلى الوجود فإذا وجد استحال تعلقه بها و لا فرق في استغنائه عنها بوجوده بين أول حال و ثانيها و لأنا قد دللنا على تعلقها بالضدين فلو كانت مصاحبة لهما مع كونها موجبة عندهم لاقتضى ذلك اجتماع

الضدين و هو محال و لا يجوز حدوث الفعل على وجهين لأن ذلك لو جاز بقادر أو قادرين لصح تفريقهما لأن القادر على جمع الصفتين قادر على تفريقهما و ذلك يقتضي فعل أحدهما في حال الحدوث و الآخر في حال البقاء و فيه إيجاد الموجود مع استحالته.

و أيضا وصفه الحدوث لا يتزايد إذ لو كان الفعل صفة زائدة على مجرد حدوثه لوجب أن يكون لها حكم زائد على الأولى ونحن نعلم أنه لا حكم للمحدث و لا صفة يزيد على كونه محدثا لأن الأحكام كلها المشار إليها مع صفة زائدة حاصلة مع الأولى فلا يجوز إثبات ما لا فرق بين إثباته ونفيه ولا يجوز حدوث مقدور واحد بقادرين و لا قدرين - لأنه لو كان لا يمتنع أن يتوفر دواعي أحدهما إليه وصوارف الآخر عنه فإن وقع اقتضى إضافته إلى من يجب نفيه عنه و إن ارتفع اقتضى نفيه عمن يجب إضافته إليه و كونه بقدرتين يصح انتفاء إحداهما فإن وقع فبقدرة معدومة و إن ارتفع خرجت الأخرى من كونها قدرة عليه و كلاهما محال و إذا استحال مقدور واحد بقادرين أو قدرتين و تجدده على وجهين فسد مذهب النجار و الأشعري لكونهما مبنيين على ذلك.

مسألة في عدم تعلق القدرة بالأعدام:

و الإعدام لا يتعلق بقدرة و لا قادر لأن العدم ليس بذات و لا صفة و لا حكم و لا يعقل منه غير خروج الذات عن الوجود فلا يصح تعلقه بقادر و لا قدرة لأنه لا بد لتعلق القدرة من متعلق و إذا لم يكن العدم ذاتا و لا صفة و لا حكما استحال تعلقه بقادرو أيضا فلو تعلق الإعدام بالقادر يجري مجرى الإحداث في وقوف حصوله على قادر و استحالة ثبوت من دونه فيؤدي إلى صحة بقاء ما لا يبقى من الأعراض بأن لا يقصد القادر إلى إعدامها و ذلك محال.

مسألة في قبح تكليف ما لا يطاق:

يقبح تكليف ما لا يطاق وحقيقته ما يتعذر وقوعه من المكلف لفقد قدرة عليه أو حصول عجز لو كان معنى أو فقد آلة أو بنية أو علم فيما يحتاج إليها أو حصول منع أو تعليق بزمان لا تصح في مثله.

الدليل على ذلك ذم كافة العقلاء من كلف غيره ما يتعذر وقوعه من جهته لأحد الأسباب التي ذكرناها و وصفه بأنه تكليف لما لا يطاق

مسألة في التكليف:

التكليف حسن لكونه تعريضا لما لا يصل إليه إلا به و يشتمل على خمس مسائل أولها ما التكليف و ثانيها ما يجب كون المكلف عليه من الصفات وثالثها ما يجب كون المكلف تعالى عليه من الصفات و رابعها بيان الغرض في التكليف و خامسها بيان المكلف صفاته و التي يحسن معها التكليف.

فأما حقيقة التكليف فهي إرادة الأعلى من الأدنى ما فيه مشقة على جهة الابتداء الدليل على صحة ذلك أنه متى تكاملت هذه الشروط وصف المريد بأنه مكلف و الإرادة بأنها تكليف و المراد منه بأنه مكلف و متى اختل شرط لم يثبت شيء من هذا الوصف.

و أما ما يجب كون المكلف عليه من الصفات فيجب أن يكون المكلف بالحسن منعما بنعم يوجب طاعته على المكلف معلوما أو مظنونا من حاله أنه لا يريد قبيحا.

و أما ما يجب كونه تعالى عليه من الصفات في حق كونه مكلفا ما يشق فعلا و تركا تعريضا للثواب و يلزم المكلف عبادته كذلك فينقسم إلى صفات هو سبحانه تعالى عليها و صفات يتعلق بأفعاله.

فأما ما يختصه تعالى فكونه تعالى قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا و عالما بكل معلوم لا يجوز خروجه عن الصفتين ليقطع المكلف على وصوله إلى ما لا يحسن التكليف من دونه و مريدا لأن اختصاص التكليف بوجه يفتقر إلى كون المكلف سبحانه مریدا له دون غيره و على الصفات التي لا تتم هذه الصفات من دونها أو هي مقتضاة عنها كموجود و حي و قدیم و ينفي عنه تعالى ما يقدح في ثبوتها من التشبيه و الإدراك بالحواس و الحاجة و الثاني. أما ما يتعلق بأفعاله فأن يكون حكيما لا يفعل قبيحا و لا يريده و لا يخل بواجب من حيث كان تجويز خلاف ذلك يرفع الثقة بما لا يحسن التكليف إلا معه و يعلم ما يقتضي ذلك من المسائل و فساد ما يقدح فيه و أن يكون له نعم يستحق بها العبادة بأن يكون مستقبلة بأنفسها لا يفتقر إلى غيره و أن تكون أصولا للنعم فلا يقدر نعمة منفصلة عنها و لا

يحصل من دونها و أن يبلغ في الغاية في العظم إلى حد لا يساويها نعمة و إنما قلنا ذلك لأن العبادة المستحقة له تعالى غاية في الشكر فلا بد من اختصاصها بغاية من العظم و افتقار كل نعمة إليها من حيث اختص شكرها بالغاية التي لا يبلغها شكر و هو كونه عبادة قد علمنا ما هو عليه تعالى من الصفات و كونه حكيما بما تقدم وعلمنا ثبوت الشروط التي اعتبرناها في نعمة من الإيجاد والحياة و الأقدار و فعل الشهوة و المشتهى و كون ذلك أصلا لكل نعمة و افتقار كل نعمة إليها و تعذر انفصالها منها و بلوغها الغاية في العظم و انغمار جميع نعم المحدثين في جنب بعضها فيجب كونه تعالى مستحقا للعبادة دون كل منعم.

في الغرض من التكليف:

و يجب أن يكون له تعالى غرض في التكليف يحسن لمثله لأن خلوه من غرض أو ثبوت غرض لا يحسن لمثله لا يجوز عليه سبحانه.

و يجب كونه تعالى مزيحا لعلة المكلف بالتمكين و الاستصلاح و البيان لأن تكليفه من دون ذلك قبيح على ما بينته.

و أما الوجه في ابتداء الخلق و تكليف العقلاء منهم فالخلق جنسان حيوان و جماد فالغرض في إيجاد الحي منه لينفع المكلف بالتفضل و الثواب و يحوز العوض و يجوز أن يكون في خلقه لطف غیره و غير المكلف فالتفضل و العوض و يجوز أن يكون في خلقه لطف للمكلف.

و غير الحي الغرض في خلقه نفع الحي وقلنا إن الغرض في تكليف العاقل التعريض للثواب لأنه سبحانه لما خلقه و أكمل عقله و جعله ذا طباع يقبل إلى القبيح و ينفر عن الواجب و لم يغنه بالحسن عن القبح و لم يجز أن يكون ذلك لغير غرض لكونه عبثا و لا لغرض هو الانتفاع به أو دفع الضرر لاستحالتهما عليه تعالى و لا للإضرار به لكونه ظلما و لا لدفع الضرر عنه لكونه قادرا على ذلك من دون التكليف فيصير عبثا علمنا أن الغرض هو التعريض للنفع.

و قلنا إن التعريض للنفع حسن لعلمنا و كل عاقل بحسن تكلف المشاق في أنفسنا و تعريض غيرنا لها تعريضا للنفع و استحقاق المدح من عرض غيره لنفع كاستحقاقه على إيصاله إليه.

و قلنا إن هذا النفع ثواب لأن ما عداه من ضروب المنافع يحسن منه تعالى الابتداء بها فلا يجوز أن يكلف المشاق لما يحسن الابتداء به لأن ذلك عبث لا يجوز عليه سبحانه.

و قلنا إن الثواب مما يقبح الابتداء به لكونه نفعا واقعا على جهة الإعظام مقترنا بالمدح و التبجيل و معلوم ضرورة قبح الابتداء بالمدح و التعظيم و إنما يحسن مستحقا على الأمور الشاقة الواقعة عن إيثار و لذلك اختصت منافع من ليس بعاقل من الأحياء بالتفضل و العوض دونه لتعذر استحقاقهم له و وجود الجماد لنفع الحي ظاهر في أكثره و ما لا يعلم ذلك من حاله تفصيلا فمعلوم على الجملة من حيث كان خلاف ذلك يقتضي كون موجده سبحانه عابتا و ذلك فاسد.

و لا يقدح في حسن تكليف العاقل للوجه الذي بيناه تكليف من علم من حاله أنه يكفر أو يعصي لأن الوجه الذي حسن تكليف من علم من حاله أنه يؤمن قائم فيه و هو التعريض للثواب و كونه سبحانه عالما من حاله أنه لا ينتفع بما عرض له لا ينقض الغرض المجرى بالتكليف إليه لأن المعرض للنفع الممكن من الوصول إليه محسن إلى المعرض و إن علم أو ظن أنه لا ينتفع بل يستضر بسوء اختياره.

يوضح ذلك حسن عرض الطعام على الجائع و إدلاء الحبل إلى الغريق لينجو و إن ظن أنهما لا يفعلان.

و القديم سبحانه و إن علم في من عرضه بتكليفه لنفع عظيم أنه لا يقبل ما يصل به إليه بل بسوء النظر لنفسه فيختار هلاكه على بصيرة من أمره و تمكن من صلاحه لا يخرجه سبحانه عن كونه محسنا إليه بالتعريض للنفع العظيم و لا يقتضي قبح فعل المكلف و سوء نظره لنفسه قبح فعله تعالى من التعريض مما [فما] اختاره العبد المسيء و علمه سبحانه بأنه لا يؤمن ليس بوجه قبح كما أن علمنا بأن جميع الكفار لو جمعوا لنا و دعوناهم لم يؤمنوا ليس بمقتض لقبح دعوتنا لهم إلى الإيمان وأكد ما اعتمد عليه في هذا الباب أنه سبحانه قد كلف من علم أنه يكفر أو يعصي مع علمنا بحكمته سبحانه و أنه لا يفعل قبيحا و لا يريده و قد كلف

من علم أنه يكفر أو يعصي فيجب القطع على حسنه لكونه من فعله هذا و يغني عن تكلف كلام لإفساد كون هذا التكليف لشيء من وجوه القبح كالظلم و الاستفساد و غيرهما. و إذا كان الوجه في حسن التكليف كونه تعريضا فينبغي أن نبين ما التعريض المقتضي لحسن التكليف و هو مفتقر إلى شروط ثلاثة أولها أن يكون المعرض متمكنا مما عرض له و ثانيها أن يكون المعرض مريدا لما عرض بفعله للثواب وثالثها أن يكون المعرض عالما أو ظانا وصول المعرض إلى ما عرض له متى فعل ما هو وصله إليه.

و الدلالة على الشرط الأول قبح تعريض الأعمى لما لا يتم إلا بالرؤية و الزمن لما لا يصل إليه إلا بالسعي بأوائل العقول.

و الدلالة على الشرط الثاني إن من مكن غيره بإعطائه المال من المنافع و المضار لا يكون معرضا له لأحدهما إلا بالإرادة و كون المكلف مريدا لما عرض لفعله النفع كاف عن كونه مريدا للنفع في حال التعريض لأن من عرض ولده للتعليم ليستحق المدح و التعظيم يكفي في حسن تعريضه كونه مريدا التعليم ما أجري به إليه من المدح و التعظيم بل لا يحسن إرادتهما في حال التعريض لكونهما غير مستحقين في تلك الحال و لهذا قلنا إنه سبحانه مريد للتكليف في حال الأمر به أو إيجابه عقلا دون ما هو وصله إليه من الثواب لقبح إرادة ثواب التكليف في تلك الحال و لأن الثواب متأخر عن التكليف و كونه تعالى مريدا للشيء قبل حدوثه لا يصح لكون الإرادة الواقعة على هذا الوجه عزما يستحيل عليه تعالى.

و ليس لأحد أن يقول إن إ(عَلَيهِ السَّلَامُ) المكلف وجوب الواجب و قبح القبيح يغني عن كونه مريدا لأن ذلك يقتضي كونه معرضا لما أعلم وجوبه و إن كره فعله و ذلك فاسد و لأن أحدنا قد يعلم غيره وجوب واجبات و قبح أشياء و لا يكون معرضا لأحدهما إلا بكونه مريدا.

و الدلالة على الشرط الثالث أن التعريض بسلوك طريق إلى مصر لا يوصل إليه منه على حال ليصل إليه قبيح.

و هذه الشروط أجمع ثابتة في تكليفه تعالى لأنه مريد لما كلفه حسب ما دللنا عليه و المكلف قادر على ما كلفه معلوم من حاله وصوله إلى ما عرض له من الثواب بامتثاله ما كلفه حسب ما دللنا عليه و ذلك يقتضي حسن التكليف و إذا ثبت حسن التكليف.

وجب لأنه لا واسطة بين وجوبه و قبحه من حيث كان القديم سبحانه قادرا على أن يغني العاقل بالحسن عن القبيح فإذا لم يفعل و أحوجه إليه بالشهوات المخلوقة فيه و خلى بينه و بينه فلا بد أن يكلفه لأنه إن لم يكلفه الامتناع منه و إن شق تعريضا لعظيم النفع بالثواب كان مغريا له بالقبح و ذلك لا يجوز عليه تعالى.

و أما بيان الأفعال التي تعلق بها التكليف وصفاتها. فمن حق ما تعلق التكليف بفعله أو تركه عقلا أو سمعا صحة إيجاده لأن تكليف ما لا يصح إيجاده قبيح كالجواهر و الحياة و لا يحسن تعلقه بما لا يستحق بفعله أو بأن لا يفعل الثواب لأن الغرض الذي له حسن كونه تعريضا للثواب فلا يحسن تكليف ما لا يوصل بفعله أو تركه إليه.

و هو ينقسم إلى ما يستحق بفعله الثواب و إلى ما يستحق بأن لا يفعل العقاب و هو الواجب و إلى ما لا حكم لتركه و هو الندب و الإحسان و إلى ما يستحق بأن لا يفعل الثواب و هو القبيح و لا مدخل للمباح في التكليف حيث كان لا حظ لفعله و لا تركه في استحقاق الثواب و ما لا يوصل إلى الثواب لا يحسن تكليفه و لا بد لما كلف الله تعالى فعله أو تركه من وجه اقتضى ذلك فيه لأنه لو لا وجه اقتضاه لم يكن ما وجب أولى بذلك من الندب أو القبيح من الوجوب و الندب و التكليف على ضربين ضروري و مكتسب و الضروري على ضربين واجب و ندب.

و الواجبات على ضربين أفعال و تروك.

و الأفعال العدل و الصدق وشكر النعمة و أمثال ذلك والتروك الظلم و الكذب والخطر - و تكليف ما لا يطاق و أمثال ذلك وجهة وجوب الأفعال و قبح التروك كونها عدلا و صدقا و ظلما و كذبا لأن كل من علمها كذلك علم وجوب ذلك و قبح هذه.

و المندوبات على ضربين أفعال و تروك و الأفعال الإحسان و الحلم والجود و قبول الاعتذار و العفو و أشباه ذلك و التروك خلاف ذلك وجهة كون هذه مندوبا إليها كونها كذلك لأن كل من علمها علمها مندوبا إليها و المكتسب على ضربين عقلي و سمعي.

و العقلي العلم بحدوث العالم و إثبات محدثه و ما يجب كونه تعالى عليه من الصفات و أحكام أفعاله و ما يتعلق بها و الحكم لجميعها بالحسن و لا تعلق لشيء منه بأفعال الجوارح و لا ترك فيه وجهة وجوب هذا التكليف كونه شرطا في العلم بالثواب والعقاب الذي هو اللطف في التكليف الضروري و لكونه شرطا في شكر النعمة و قد سلف برهان ذلك.

و السمعي على ضربين أفعال و تروك و الأفعال مفروض و مسنون و جهة وجوب الفرائض كونها لطفا في فعل الواجب العقلي و ترك القبيح و قبح تركها لأنه ترك لواجب و جهة الترغيب في المسنون كونه لطفا في المندوب العقلي و لم يقبح تركه كما لم يقبح ترك ما هو لطف فيه و التروك الزنا و الربا و شرب الخمر وسائر القبائح الشرعية و جهة قبحها كون فعلها مفسدة في القبح العقلي و وجب تركها لأنه ترك القبح و الواجب في هذا التكليف العلم دون الظن و طريقه الكتاب و الإجماع و السنة المأثورة عن الصادقين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و العمل به لوجوهه المخصوصة وقد دللنا على صحة هذه الفتيا و فصلنا ما أجملناه هاهنا في مقدمتي كتابي العمدة و التلخيص في الفروع.

و من شرط الحسن في تكليف هذه الأفعال و التروك تقوية دواعي مكلفها إلى ما يختار عنده أفعالها و صوارفه عن تروكها أو يكون إلى ذلك أقرب دون ما يقتضي الإلجاء المنافي للتكليف لأن ذلك جار مجرى التمكين فمتى علم سبحانه في شيء كونه لطفا في التكليف على أحد الوجهين و كان مختصا بمقدوره سبحانه فلا بد أن يفعله و إن كان من مقدورات المكلف فلا بد من بيانه له وإيجابه عليه و إن كان اللطف لا و إيجابه عليه و إن كان اللطف لا يتم إلا بفعله تعالى و فعل المكلف وجب عليه سبحانه فعل ما يختص به و بيان ما يختص المكلف و إيجابه و إن كان من فعل غير المكلف فعلم سبحانه أن ذلك الغير يفعل هذا اللطف حسن تكليف هذا و إن علم أنه لا يختاره و في أفعاله تعالى أو أفعال المكلف بدل منه فعل ما يختصه و بين ما يختص المكلف و إن لم يكن له بدل أسقط تكليف ما ذلك اللطف لطف فيه لأن تكليفه و

الحال هذه قبيح على ما بينته و تكليف غيره ما لا مصلحة له فيه قبيح أيضا و إن كان لطفه يتعلق بفعل قبيح أو بما لا يصح إيجاده فلا بد من إسقاط تكليفه لتعلقه بما لا يصح إيجاده أو يقبح فعله وقلنا بوجوب ما ذكرناه لأنه لا فرق في قبح المنع بينه و بين قبح المنع من التمكين.

يوضح ذلك أن من صنع طعاما لقوم يريد حضورهم نفعا لهم و عادته جارية في استدعائهم برسول فلم يفعل الإرسال مع كونه مريدا لحضورهم يستحق الذم كما لو أغلق الباب دونهم و لا شبهة في وجوب ما يستحق الذم بتركه و إذا صح هذا و كان القديم سبحانه مريدا لتكليفه فلا بد أن يفعل له ما يعلم أنه يختار التكليف عنده أو يكون أقرب إليه أو يبينه له إن كان من فعله و سقط تكليفه إن كان معلقا بما لا يصح إيجاده أو يقبح أو مختصا بفعل غيره مع العلم بأنه لا يفعله و لا بدل له لكونه تعالى عادلا لا يخل بواجب في حكمته سبحانه و ما هو من فعله تعالى لا بد أن يكون معلوما للملطوف له به أو مظنونا أو معتقدا لكونه داعيا و ما لا يعلم ولا يظن و لا يعتقد لا يكون داعيا وسواء كان ما هو من فعله تعالى لطفا في واجب أو مندوب إليه أو ترك قبيح فإنه يجب في حكمته سبحانه فعله لكونه مريدا للجميع و بيان ما هو لطف من فعل المكلف في التكاليف الثلاثة.

فأما ما يختص المكلف فالواجب عليه فعل ما هو لطف في واجب و ترك قبيح و ترك ما هو مفسدة فيهما و هو في لطف المندوب بالخيار و لا فرق في إ(عَلَيهِ السَّلَامُ)ه ما هو لطف له في تكليفه و إزاحة علته بين أن ينص له على كونه كذلك أن و بین يوجب عليه فعلا بدليل عقلي أو سمعي فيعلم بذلك كونه لطفا في واجب أويوجب عليه تركه فيعلم بذلك كون فعله مفسدة أو يرغبه في فعل أو ترك فيعلم كونه لطفا في مندوب و يحسن تكليفه ما هذا اللطف لطف فيه و إن جهله كذلك إذا كان متمكنا من العلم به لكون علته مزاحة بالتمكين و إن فرط فيما يجب عليه و من شرط اللطف أن يتأخر عن التكليف و لو بزمان واحد لكونه داعيا و لا تتقدر الدواعي إلى غير ثابت فإن علم سبحانه في فعل من الأفعال أنه إن صاحب التكليف دعا إلى اختياره فليس ذلك بلطف لكونه وجها و سببا لحصول التكليف.

فوصف هذا الجنس من الأفعال بأنه لطف اشتقاقا من التلطف للغير في إيصال المنافع إليه و تسمى صلاحا لتأثيره وقوع الصلاح أو تقريب المكلف إليه و يسمى استصلاحا على هذا الوجه و يسمى منه توفيقا ما وافق وقوع الملطوف به فيه عنده و يسمى منه عصمة ما اختار عنده المكلف ترك القبيح على كل حال تشبيها بالمنع من الفعل و إن كان الفعل القبيح إنما ارتفع مع اللطف باختيار المكلف و مع المنع لأجله فساوى الحال في ارتفاع القبيح على كل وجه و إن اختلف جهتا الارتفاع فلذلك سمي الملطوف له بهذا الضرب من اللطف معصوما و يجوز أن يكون الوجه في التسمية بمعصوم من حيث كان مفعولا له ما امتنع معه من القبيح تشبيها بالممنوع على الوجه الذي بيناه و لا يلزم على هذا عصمة سائر المكلفين لأن ما له هذه الصفة من الألطاف موقوف على ما يعلمه سبحانه من كونه مؤثرا في اختيار المكلف ما كلف فعله أو تركه و ما هذه حاله يجوز أن يختص ببعض المكلفين و لا يكون في المعلوم شيء يعلم من حال الباقين كونهم مختارين لما كلفوه عنده فيختص فعله إذ ذاك بمن علم من حاله كونه غير مختار عنده لشيء من القبائح دون من علم أنه لا يترك القبيح عند شيء من الأفعال كما خبر عنهم سبحانه بقوله وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ - يريد أن يشاء إلجاءهم و كقوله سبحانه وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آية ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ – و أمثال ذلك من الآيات الدالة على وجود مكلفين لا يختارون شيئا من الطاعات و لا يتركون شيئا من القبائح و إن فعل لهم كل آية.

و يحسن تكليف من يعلم أنه لا لطف له و أنه يطيع أو يعصي على كل حال لأنه متمكن بجميع ضروب التمكين مما كلف و لم يمنع واجبا و ليست هذه حال من لطفه في القبيح أو فيما لا نهاية له لأن هذا اللطف لم يفعل له فقبح تكليفه.

و أما الصلاح الدنيوي العري من وجوه القبح فغير واجب لأنه لا تعلق له بالتكليف و لا له في نفسه صفة وجوب كالصدق و الإنصاف لأن وجوب ما هذه حاله معلوم ضرورة على جهة الجملة و مكتسبا على جهة التفصيل و لأنه لو كان له وجه يقتضي وجوبه لكان ذلك لكونه نفعا و ذلك يوجب كل نفع لا ضرر فيه على الفاعل والمفعول له و المعلوم ضرورة

خلاف ذلك لوجودنا سائر الأغنياء من العقلاء يمنعون غيرهم ما له هذه الصفة و لا يستحقون به الذم من أحد وتعلق القائلين بالأصلح في إثبات وجه لوجوبه بذم مانع الاستظلال بظل حائطه و التقاط المتناثر من حب زرعه و تناول الماء من نهره ليس بصحيح لأنه لو كان الوجه فيه كونه نفعا خالصا لوجب كل نفع خالص لأن صفة الوجوب لا تختص بمثل دون مثل و قد علمنا ضرورة خلاف ذلك و إنما قبح المنع بحيث ذكروه لكونه عبثا لا غرض فيه و لهذا متى حصل فيه أدنى غرض حسن و لو كان الوجه في قبح منعه كونه نفعا خالصا لم يحسن لوجود غرض فيه كالظلم على أن مثالهم بخلاف الأصلح لقولهم بوجوب فعل ما فيه نفع خالص و قد علمنا أنه لا يجب بناء الحائط للاستظلال به و لا حفر النهر لتناول الماء منه و لا نثر الحب للالتقاط و إذا لم يجب فلا شاهد لهم.

ولا لهم أن يتعلقوا في إيجابه بأن فاعله جواد و مانعه بخیل - وصفة الجود مدح و هو جدير بها سبحانه وصفة البخل ذم لا يجوز عليه تعالى لأن ذلك تعلق بعبارة يجوز غلط مطلقها و صوابه و لا يجوز إثبات وجه الوجوب و القبح للموصوف ضرورة أو استدلالا و لا يجوز عند أحد من العلماء إثبات صفات الذوات بها على أن المعلوم اختصاص إطلاق الجود و البخل بغير من ذكروه لأنه لا أحد يصف من لم يمنع من الاستظلال و الالتقاط الذي هو شاهد لهم بأنه جواد و إنما يصفون بذلك من أكثر الإحسان كحاتم و إن كان عليه فيه ضرر بل لا يصفون بالجود من له إحسان ما و لو كان الجود اسما لمن ذكروه لوجب اختصاصه به أو إطلاقه و المعلوم خلاف ذلك و أما بخيل فليس بوصف لمن ليس بجواد لعلمنا بوجود أكثر العقلاء غير موصوفين بالجود و لا البخل و لو كان اسما لمن منع نفعا خالصا لوجب وصف كافة العقلاء به حتى الأنبياء و الأوصياء و الفضلاء لأنه لا أحد منهم إلا و هو مانع ما له هذه الصفة و إنما هو مختص بمانع الواجب عليه لغيره لكونه اسما للذم حسب ما نطق به القرآن وإطلاق العرب له على مانع القرى لاعتقادهم وجوبه عليهم و لهذا لا يصفون به من أخل بواجب يختصه و لا مانع التفضل على كل حال و يجوز أن يكون ذلك مجازا و المجاز لا يقاس عليه و لا يجعل أصلا يرجع إليه فسقط ما تعلقوا به معنی و عبارة و المنة لله.

و أيضا فإن المفعول منه في الوقت الواحد لا بد من انحصاره لوجوب انحصار ما يخرج إلى الوجود و ما زاد عليه مما حكمه حكمه في النفع لا يخلو أن يكون مقدورا له تعالى أو غير مقدور ولا يصح كونه غير مقدور لكونه تعالى قادرا لنفسه و لكونه مقدورا لا يخلو أن يكون واجبا أو غير واجب و كونه واجبا يقتضي كونه تعالى غير منفك في حال من الإخلال بالواجب فلم يبق إلا أنه غير واجب.

و ليس لأحد أن يقول فأنتم تجيزون فعل الأصلح فيلزمكم في الجواز ما ألزمتموه في الوجوب لأن الإخلال بالواجب لا يجوز عليه تعالى و الإخلال بالجائز جائز منه فافترقا بغير شبهة.

و ليس له أيضا أن يقول القدر الزائد إن كان صلاحا فلا بد أن يفعله و إن لم يكن كذلك فلا مسألة علينا لأنا فرضنا مساواة القدر الزائد المعدوم لما وجد منه في الصلاح فاقتضى سقوط وجوب الأصلح أو كونه تعالى غير منفك من الإخلال بالواجب فسؤالهم إذن خارج عن تقديرنا و لنا في هذا الدليل نظر لا يحتمله كتابنا هذا.

و أيضا فلو لم يكن في أفعاله تعالى ما له صفة الإحسان لم يجب شكره لاختصاص الشكر به دون سائر الأفعال فإذا لم يتعين شكره لم يستحق العبادة لكونها كيفية في الشكر و ذلك ضلال.

و أيضا فإنا نعلم ضرورة أن من جملة الأفعال الواقعة منا ما يستحق به الشكر و المدح و لا يستحق به الذم كما نعلم أن من جملتها واجب و مباح فيجب أن يكون تعالى قادرا لنفسه على ما هذه حاله وذلك ينتقض قوله إنه ليس في الشاهد و لا الغائب ما يخرج عن واجب في العدل أو واجب في الجود.

و أما المكلف فهو الجملة الحية المشاهدة بدليل حصول العلم بوقوع الأفعال الدالة على كون من تعلقت به قادرا أو المحكمة المترتبة الدالة على كون من تعلقت به عالما مريدا منها و القادر العالم المريد هو الحي المكلف و إذا كان المعلوم استناد ما دل على كونه كذلك إلى الجملة وجب وصفها به دون ما لا يعلم ولا يظن تعلق التأثيرات به إذ كان نفيها عن الجملة المعلوم ضرورة تعلقها بها و إضافتها إلى من لا يمكن إضافتها إليه إلا على هذا الوجه

تجاهل و لا نعلم حصول الإدراك بأبعاضها و المدرك هو الحي فيجب أن يكون كل عضو حصل به الإدراك من جملتها و لأن الأفعال تقع بأطرافها ويبتدأ بها التأثيرات المحكمة و يخف باليدين ما يثقل باليد الواحدة و لا وجه لذلك إلا كون هذه الأعضاء محلا للقدر و محل القدر هو القادر و القادر هو الحي.

و ليس لأحد أن يقول ما المانع من كون الحي غيرها و تقع أفعاله فيها مخترعة لأن الاختراع يتعذر بجنس القدر و لأنه لو صح منه أن يخترع فيها لصح في غيرها و ذلك محال و لأنه لو صح منه الاختراع لجاز أن يخترع في الإصبع الواحدة من حمل الثقيل ما ينقل باليدين و المعلوم خلاف ذلك و لأنا نعلم انتفاء الحياة بانتقاض هذه البنية و لو كان الحي غيرها لكان لا فرق بين قطع الرأس و الشعر و المعلوم خلاف ذلك و ببعض ما قدمناه يبطل كون الحي بعض الجملة لصحة الإدراك بجميع أبعاضها و بوقوع الأفعال في حالة واحدة بكثير من أعضائها مع تعذر الاختراع على ما بيناه.

و أما صفات المكلف فيجب أن يكون قادرا ليصح منه إيجاد ما كلف و القدرة مختصة بمقدوراته سبحانه فيجب عليه فعلها و إن كان التكليف يفتقر إلى آلة وجبت في حكمته سبحانه فعل ما يختصه كاليد و الرجل و تمكينه من تحصيل ما يختصه كالقلم و القوس لتعذر الفعل المفتقر إلى آلة من دونها لتعذره من دون القدرة و إن كان التكليف مما يفتقر العلم به و العمل إلى زمان وجب تبقيته الزمان الذي يصحان في مثله لأن اخترامه من دونه قبيح. و يجب أن يكون عالما بتكليفه و وجهه أو متمكنا من ذلك لأن الغرض المقصود من الثواب لا يثبت مع الجهل بوجوب الأفعال لاختصاص استحقاقه بإيقاع ما وجب أو ندب إليه و اجتناب ما قبح للوجه الذي له حسنا و قبح هذا و لأن المكلف لا يأمن براءة ذمته مما وجب عليه فعلا و تركا من دون العلم بهما فما اقتضت الحكمة كونها من فعله تعالى فلا بد من فعله للمكلف كالعلم بالمشاهدات بأوائل العقول و سائر الضروريات و ما اقتضت المصلحة كونه من فعل المكلف وجب إقداره عليه بإكمال عقله و نصب الأدلة و تخويفه من ترك النظر فيها و يكفي ذلك في حسن تكليف ما يجب علمه استدلالا و إن لم يكن معلوما

في الحال و لا مما لا يعلم في الثاني لأن التكليف كاف و التقصير مختص بالمكلف و الحال التي يصح معها تكليف العلم بالمعلوم هي كون الحي عاقلا مخوفا من ترك النظر في الأدلة و العقل مجموع علوم من فعله تعالى و هي على ضروب منها العلم بالمدركات مع ارتفاع اللبس.

و منها العلم بأن المعلوم لا بد أن يكون ثابتا أو منتفيا و الثابت لا يخلو أن يكون لوجوده أول أو لا أول لوجوده.

و منها العلم بوجوب شكر المنعم و رد الوديعة و الصدق و الإنصاف و قبح الظلم و الكذب و الخطر و استحقاق فاعل تلك و مجتنب هذه المدح المدح والذم على فعل هذه و اجتناب تلك إذا وقع ذلك عن قصد.

و منها العلم بتعلق التأثيرات بالعبد و فرق ما بين من تعلقت به و تعذرت عليه.

و منها العلم بجهات الخوف و المضار و ما يستندان إليه من العادات.

و قلنا إن العقل مجموع هذه العلوم لأنها متی تكاملت لحي وصف بأنه عاقل و متى اختل شيء منها لم يكن كذلك و لو كان العقل معنى سواها لجاز تكاملها بحي و لا يكون عاقلا بأن لا يفعل فيه ذلك المعنى أو يفعل في حي من دونها فيكون عاقلا و المعلوم خلاف ذلك. قلنا إنها من فعله تعالى لحصولها على وجه الاضطرار في الحي لأنهالو كانت من فعل الحي منا لكانت تابعة لمقصوده.

و قلنا إن كونه عاقلا شرط في تكليفه الضروري هو من جملتها - و المكتسب لا يتم من دونها لافتقاره إلى النظر الذي يجب أن يتقدمه العلم بمجموعها و لأنه لا حكم للنظر من دونه.

و مما يجب كونه عليه التخلية بينه و بين مقدوره فإن علم سبحانه حصول منع من فعله تعالى أو فعل المكلف أو غيره قبح تكليفه لتعذر وقوعه و إن اختلفت أسباب التعذر و لا يحسن منه تعالى تكليفه بشرط زوال المنع لأنه عالم بالعواقب و الاشتراط فيه لا يتقدر و إنما يحسن فيمن لا يعلم العواقب و لذلك متى علمنا أو ظننا حصول منع من فعل لم يحسن منا تكليفه.

و مما يجب كونه عليه صحة الفعل وتركه لأن إلجاءه ينقض الغرض المجري بالتكليف إليه من الثواب الموقوف على إيثار المشاق و الإلجاء يكون لشيئين أحدهما أن يعلم العاقل أو يظن في فعل أنه متى رامه منع منه لا محالة كعلم الضعيف أنه متى رام قتل الملك منع منه هو الملجأ إلى الترك و هذا الضرب من الإلجاء لا يتغير و الثاني يكون بتقوية الدواعي إلى المنافع الكثيرة الخالصة أو الصوارف بالمضار الخالصة و هذا يجوز تغييره بأن يقابل الدواعي صوارف يزيد عليها و الصوارف دواع يزيد عليها و لهذا استحال الإلجاء على القديم سبحانه لاستحالة ما يستند إليه من المنع و رجاء النفع و خوف الضرر و من صفاته أن يكون مائلا إلى القبيح نافرا من الواجب محتاجا لاستحالة تقدير التكليف من دون ذلك من حيث كانت المشقة شرطا فيه ولا مشقة من دون الميل و النفور لأن ما يلتذ به الحي أو لا يلتذ به لا يألم لا يشق عليه فعلا كان أو تركا و لأن الوجه في حسنه التعريض للنفع الملتذ به و متى لم يكن الحي على صفة من يلتذ ببعض المدركات و يألم ببعض لم يدعه داع إلى تكلف مشقة لاجتلاب نفع أو دفع مضرة وكونه كذلك يقتضي كونه محتاجا إلى نيل النفع و دفع الضر فإن فرضنا غناه بالحسن عن القبيح ارتفعت المشقة التي لا يتقدر تكليف من دونها.

و ليس من شرط التكليف أن يعلم المكلف أن له مكلفا لأن التكليف الضروري ثابت من دون العلم بمكلفه سبحانه و لأن المعرفة بالمكلف سبحانه لا وجه لوجوبها إلا تعلقها بالضروري فلو وقف حسن التكليف على العلم بالمكلف لتعذر ثبوت شيء من التكاليف. و ليس من شرطه أن يعلم المكلف أنه مكلف لأنا قد بينا قبح الاشتراط في تكليفه سبحانه و قبحه يوجب القطع على تبقية المكلف الزمان الذي يصح منه فعل ما كلف على وجه فلو كان من شرطه أن يكون عالما بأنه مكلف لوجب أن يكون قاطعا على البقاء إلى أن يؤدي ما كلف أو يخرج وقته و ذلك يقتضي كونه مغرى بالقبح أو عصمته و الإغراء لا يجوز عليه و عصمة كل مكلف معلوم ضرورة خلافه و لأنا نعلم من أنفسنا و غيرنا من المكلفين أنه لا أحد منا يقطع على بقائه وقتا واحدا بل يجوز اخترامه بعد دخول وقت التكليف و قبل تأديته

العبادة و بعدما دخل فيها و لم يحملها و إنما نعلم أنه مكلف ما يحتاج إلى زمان إذا فعله أو خرج وقته إن كان موقتا.

و ليس لأحد أن يقول فعلى هذا لا يلزم أحدا أن يفعل شيئا من الواجبات و إن فعلها فلغير وجه الوجوب لأنه لا يتعين له على ما ذكرتم إلا بعد الأداء أو خروج الوقت لأنه و إن لم يعلم كونه مكلفا ما خوطب به إلا بعد فعله أو خروج وقته فإنه يعلم وجوب الابتداء به و إذا علم ذلك وجب عليه الدخول فيه و العزم على فعله لوجهه و لأنه يجوز البقاء و يعلم أنه إن خرج وقته و لم يؤده استحق الضرر فيجب عليه التحرز من الضرر المخوف و يفعله لوجهه فكل ما مضى منه جزء علم كونه مكلفا له حتى يمضي جملته أو وقته و إن اخترم على بعضه في وقته فتكليفه مختص بما فعله دون ما لم يفعله إن قيل فيلزم على هذا أن يفرد كل حكم واجب من جملة تكليف بقصد مخصوص.

قيل إذا كان الحكم من جملة تكليف وجب عليه الابتداء به كفاه أن يبتدئ به بعزم على جملته و تفصيله لوجهه لاختصاص تكليفه بذلك و إن كان إفراد كل حكم من جملة تكليف بنية تخصه أفضل و نية الجملة كافية إذ لا فرق في تعلقها بالحكم بين مصاحبته أو تقدمها عليه في حال الابتداء بالعبادة التي هو من جملتها

مسألة في الألم:

الألم ما أدرك بمحل الحياة فيه و هو جنس و غير جنس:فالمدرك بمحل الحياة فيه كالحادث عند الوهي و في رأس المصدع جنس و المدرك بمحل الحياة في غيره كالحرارة و البرودة و الطعم ليس بجنس غير هذه المدركات.

قلنا ذلك لأن الحي يجد من طريق الإدراك عند قطع بعض أعضائه ما لم يكن يجده و يفصل بين تألمه من ناحية ذلك العضو و بين غيره و الإدراك يتعلق بأخص صفات المدرك و لا يجوز تعلقه بتفريق البنية لأن الأكوان غير مدركة بمحل الحياة و لا غيره و الميل و النفور غير مدركين و لأن حال كل منهما يحصل للحي و هو غير آلم و لا ملتذ فثبت وجود معنى تعلق الإدراك به و ليست هذه حاله عند إدراك الحرارة و الطعم و غيرهما لأن الإدراك تعلق بجنس معلوم فلا حاجة بنا إلى إثبات غيره لما فيه من الجهالة.

و سمي هذا الذي المعنى ألما إذا أدركه الحي و هو نافر و يسمى لذة إذا أدركه و هو مشته و الشهوة و النفار معنيان مغايران للألم واللذة مختصان بالقديم تعالى و الألم مقدور للمحدث و لا يصح منه إلا متولدا عن الوهي و تقع منه تعالى متولدا و مبتدأ كحصوله للمصدع المنفرس و إذا ثبت أن الألم جنس الفعل بطل قول من زعم أنه قبيح لكونه ألما من حيث كان الشيء لم يقبح لجنسه لأن ذلك يقتضي اختصاص القبح بجنس معين أو يماثل سائر الأجناس لصحة الاشتراك في صفة القبح و يتعذر الجنس في شيء من أعيان الجنس و إنما يقبح لوقوعه على وجه و لهذا يقبح بعض الأكوان و يحسن بعض.

و الوجه الذي عليه يقبح الألم هو كونه ظلما بتعريه من نفع يوفى عليه و دفع ضرر هو أعظم منه و استحقاق و كونه مدافعة و كونه عبثا بتعريه من عوض مثله أو أنفع لا يحسن إيصاله إلى المؤلم من دونه أو لدفع ضرر يندفع بغيره أو كونه استفسادا بأن يكون داعيا إلى قبيح أو صارفا عن حسن و الوجه الذي عليه يحسن هو أن يكون فيه نفع أو دفع ضرر أعظم أو عن استحقاق أو مدافعة.

و قلنا بقبحه لتلك الوجوه و حسنه لهذه لحصول العلم الضروري لكل عاقل بذلك من غير نظر و لا تأمل و يقوم الظن في جميع ذلك مقام العلم لعلمنا باتباع الحسن و القبح له. و الوجه الذي يصح منه تعالى الإيلام أن يكون مستحقا أو لطفا و هذان الوجهان ثابتان فيما يفعله في الدنيا فأما ما يفعله تعالى في الآخرة فمختص بالاستحقاق لأن اللطف فيها غير متقدر.

و قلنا باختصاص إيلامه في الدنيا بالوجهين لأن الوجوه التي يقبح عليها الألم لا تصح منه تعالى لما بيناه من حكمته تعالى.

و لدفع الضرر قبيح منه و إن حسن منا على وجه لأن الإيلام لدفع الضرر لا يحسن إلا بحيث لا يندفع الأعظم إلا به يوضح ذلك أن كسر يد الغريق لتخليصه لا يحسن مع غلبة الظن بخلاصه بمجرد الجذب و يحسن إذا غلب الظن أنه لا يتخلص إلا به و القديم تعالى قادر على دفع كل ضرر من غير إضرار فلا وجه له منه تعالى.

و لمجرد النفع لا يحسن لكونه عبثا لأن من استأجر غيره لنقل الرمل من جهة إلى أخرى لنفعه بالأجرة حسب يستحق الذم لكونه عبثا و إذا فعل سبحانه الألم لاعتبار المفعول في المؤلم أو غيره فلا بد من عوض ينغمر في جنبه ليخرج به عن كونه ظلما و لهذا حسن ما يقع منه سبحانه من إيلام و لم يحسن ما يقع منا عريا من النفع و دفع الضرر و الاستحقاق و المدافعة و هو الظلم و إن كان في مقابلته عوض لا بد من إيصاله إلى المظلوم و لا فرق في حسن الألم للطف بین أن يكون اللطف مختصا به أو مع مساواة النفع له في ذلك لأنه بالعوض المستحق عليه قد لحق بالنفع و زاد عليه فحاله تعالى في التخيير بينهما بخلاف حالنا لأنا لا نقدر و لا نعلم من الأعواض ما يحسن له الألم و لذلك لم يحسن منا الاستصلاح به بحيث يقوم النفع مقامه.

و الوجه في حسن إيلام الأطفال كونه لطفا للعقلاء و في البهائم كونه كذلك و للانتفاع به في الدنيا فيخرج ذلك عن حد العبث و علیه عوض يخرجه عن كونه ظلما و قلنا ذلك لأن إضافته إلى الطبائع أو الكواكب أو الظلمة أو الشيطان أو القديم تعالى على وجه يقبح و لا يصح على ما دللنا على فساده و كونه لذة معلوم ضرورة خلافه و كونه للاستحقاق يقتضي مصاحبة الذم له و معلوم قبحه و تقدم تكليف قبل زمانه و ذلك يقتضي حصول الذكر له و لأن القائلين بذلك يبنونه على قبح الإيلام لغير الاستحقاق و قد بينا حصول العلم الضروري بحسنه للنفع و دفع الضرر و المدافعة و لأنه يوجب عليهم تقدم تكليف على تكليف إلى ما لا نهاية له أو الانتهاء إلى تكليف غير مستحق فيسقط معه مذهبهم و يقتضي كون التكليف عقابا و ذلك محال و بهذا يسقط مذهب القائلين بالتناسخ ويسقطه أيضا قيام الدلالة على أن الحي هو الجملة دون بعضها أو غيرها و استحالة كون زيد قردا – و إنما كان يصح ذلك لو كان الحي غير الجملة وقد أفسدناه و إن كانوا لا يهتدون إلى هذا الذي لا يتقدر تناسخ من دونه و لأنه يقتضي تكميل عقل المنسوخ ل.يعلم كونه معدولا فيه معدنا و المعلوم ضرورة خلاف ذلك و لأنه كان يجب ذم كل مؤلم لكونه عقابا و إن كان نبيا أو صديقا و اعتذارهم في عدم الذكر بالموت لا يغني سببا لأن فقد العلم في مدته لا يمنع عند الأحياء و إكمال العقل من الذكر بل يجب كالنوم و حال العقلاء فى البعث و لأن الموت غير متقدر على

مذاهبهم و إنما هو انتقال الروح أو الحي فإن فهموا مذهب القائلين به من جملة إلى جملة فعلى هذا ما حاله في التنقل في الهياكل إلا كالتنقل في الأماكن فكما يجب العلم بحمل أحوال المنتقل عن بلد إلى أخرى فكذلك يجب ما قلناه.

مسألة في العوض:

العوض هو النفع المستحق العري من تعظيم و تبجيل وليس بدائم لأنه لو كان من حقه الدوام لكان شرطا في حسنه و قد علمنا حسن الألم لنفع منقطع و جهة استحقاقه على المحدث كون ما يستحق به ظلما من فعله أو واقعا عند فعله كالآلام الواقعة من الكحل.

و هو على ضربين أحدهما نقله كالأموال و ما لا يصح يصح ذلك فيه كالآلام و الغموم على السب و فوت المنافع فعوض الأول يصح التخلص بإيصاله إلى مستحقه أو استحلاله لصحة قبضه و استيفائه و الثاني يقف على الانتصاف منه تعالى في الآخرة لتعذر القبض فيه و الاستيفاء و جهات استحقاق العوض عليه تعالى من وجوه أربعة أحدها لألم يفعله للطف به كالآلام المبتدأة في الأطفال و البالغين و ما يفعله عند التعريض منا للحر و البرد لعلمنا بحسن ذلك و لو كان العوض على من طرح غيره في الثلج لكان قبيحا مع كونه فعلا له سبحانه و إنما يقبح التعريض و ثانيها ما يفعل بأمره كالضحايا و حدود الامتحان و ثالثها ما يفعل بإباحته كذبح الحيوان و ركوب البهائم و الحمل عليها و استخدام الرقيق و رابعها ما يفعل بإلجائه.

و جهة استحقاق العوض من الوجه الأول قد بيناه و من الوجوه الثلاثة علمنا بحسن ما يقع من الألم بأمره و إباحته و إلجائه فلو لا أنه سبحانه تكفل بالعوض عنه لقبح كسائر ما يفعله من الألم بغيرنا.

و يجوز تعجيل ما يمكن ذلك فيه في الدنيا لأنه لا صفة له يمنع من تعجيله و ما لا تعجيل منه لا بد من فعله في الآخرة لمستحقه من العقلاء وغيرهم و لا يجوز في حكمته سبحانه تمكين غيره من الظلم إلا مع إمكان الانتصاف منه في حال الاستحقاق لأن تبقيته أو تكفل العوض عنه تفضل عليه يجوز منعه و الانتصاف واجب ولا يجوز تعلقه به و الصحيح حسن تمكين من علم أنه يستحق من الأعواض بمقدار ما يستحق عليه في المستقبل أو

يتكفل القديم سبحانه عنه العوض لأن الانتصاف للمظلوم و إيصاله إلى ما يستحقه من الأعواض ممكن مع كل واحد من الأمرين كإمكانه مع ثبوت العوض في حال الظلم و لا مانع من قبح و لا غيره.

مسألة في الآجال:

الكلام في الآجال عبارة و معنى فالعبارة الأجل و هو الوقت لأن أجل الدين وقت استحقاقه و الوقت هو الحادث الذي تعلق به حدوث غيره إذا كان معلوما و الموقت هو الحادث المتعلق بالوقت إذا لم يكن معلوما كطلوع الشمس هو وقت لقدوم زيد إذا كان المخاطب يعلم طلوعها لأنه حادث معلوم تعلق به حادث غير معلوم.

فإذا صح هذا فأجل الموت أو القتل وقت حدوثهما و لو جاز أن يطلق على حدوث موت أو قتل أجلان لجاز عليه أن يطلق عليه وقتان و تقدير بقائه لو لم يمت أو يقتل لا يجوز له أن يوصف بأن له أجلان لأن ما لم يحدث فيه موت و لا قتل لا يوصف بذلك بالتقدير كما لا يكون ما لم يقع فيه موت و لا قتل وقتاللموت و لا قتل و المعنى هل كان يجوز بقاء من مات أو قتل أكثر مما مضى أم لا و هذا ينقسم إن أريد كونه مقدورا فذلك صحيح لكونه سبحانه قادرا لنفسه فالامتناع منه كفر و إن أريد العلم بوقوعه و حصوله فمحال لأنه سبحانه عالم لنفسه فلو كان يعلم أن هذا الميت أو المقتول يعيش أكثر مما مضى لعاش إليه و لم يمت و لم يقتل في هذه الحال و في اختصاص موته أو قتله بها دليل على أنه المعلوم الذي لا يتقدر غيره و كونه معلوما لا يوجب وقوعه و لا يحيل تعلق القدرة بخلافه لأن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به و لا يجعله كذلك لأنا نعلم جمادا و حيوانا و مؤمنا و كافرا فلا يجوز انقلاب ما علمناه و إن كنا لم نوجب شيئا منه.

مسألة في الرزق:

الرزق ما صح الانتفاع به و لم يكن لأحد المنع منه بدليل إطلاق هذه العبارة فيمن تكاملت له هذه الشروط.

الملك ما قدر الحي على التصرف فيه و لم يجز منعه بدليل صحة هذا الإطلاق على من تكاملت له هذه الصفات كمالك الدار و الدراهم و الحرام لا يكون رزقا لمن قبضه لأن الله

تعالى أباح الانتفاع بالرزق بقوله تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْق الله وَ لا تَعْثَوا في الأَرضِ مُفْسِدِينَ و مدح على الإنفاق منه فقال سبحانه و ممَّا رَزَقْناهُمْ يُنفِقُونَ و كونه حراما ينافي ذلك و لأنه لا يخلو أن يكون سمة الرزق مختصة بما ذكرناه أو بما يصح الانتفاع به فقط كونها مختصة بما قلناه يمنع من وصف الحرام بالرزق و اختصاصها بما يصح الانتفاع به يقتضي كون أموال الغير و أملاكهم و أزواجهم و الخمر و لحم الخنزير أرزاقا لصحة الانتفاع بالجميع و ذلك فاسد فثبت اختصاص سمته بما قلناه.

و الرازق هو من فعل الرزق أو سببه أو مكن منه على جهة التفضل و القصد بدليل وصف من تكاملت هذه الشروط له رازقا و لا يوصف البائع و لا قاضي الدين و لا المورث بأنه رازق و إذا وجب هذا لجميع ما ينتفع به الحي منا من غير منع يوصف بأنه تعالى الرازق له لأنه الموجد للأجسام و ما فيها من أجناس الملذوذات و الممكن من تناولها و المرغب في إيصالها و المبيح لها و إن وصل الحي إلى شيء منها بفعله أو من جهة غيره لاختصاص ذلك بما هو الخالق و المبيح و المقدر على تناوله و إيصاله و المرغب فيه و خالق الشهوة لمتناوله و يجوز وصف من أوصل إلى غيره تفضلا بأنه رازق له مجازا و قد وصفهم بذلك سبحانه فقال وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ – و لأنه قد تفضل بما يصح الانتفاع به و قد كان له أن لا يفعل و لهذا يستحق به الشكر

مسألة في الأسعار:

الكلام في الأسعار عبارة و معنى فالعبارة ما السعر و هو تقدير البدل فيما يباع به الأشياء بدليل صحة هذه العبارة على تقدير البدل دون البدل و المبدل منه لأن قولنا الحنطة قفيزان بدرهم لا يكون القفيزان و لا الدرهم سعرا على حال.

و ينقسم العبارة إلى رخص وغلاء.

فالرخص هو انحطاط السعر عما جرت العادة به في وقت و مكان مخصوصين بدليل صحة إطلاق الرخص مع تكامل هذه الأوصاف و اعتبرنا الوقت والمكان لأن اختلاف المكان أو الوقت يمنع من إطلاق الرخص و لذلك لا يوصف الثلج وقت سقوطه من السماء بالرخص

و لا في محله و إنما يوصف بذلك فيما نأى عن محله من الجبال في زمان الحر إذا زاد على المعهود.

و الغلاء هو زيادة السعر على ما جرت به العادة في وقت و مكان مخصوصين بدليل ما قدمناه.

و المعنى إلى من يضاف الرخص و الغلاء وذلك مختص بما فعل سببهما فإن كان الرخص لتكثير أجناس المبيعات أو إماتة الخلق أو تقليل شهواتهم للشيء الرخيص فهو مضاف إليه سبحانه لوقوف ذلك على فعله و إن كان الرخص مسببا عن العباد يجبر الناس على بيع الأمتعة أو يدل بما يملكونه من كثيرها بالثمن اليسير فالرخص مضاف إليهم لوقوعه عند أفعالهم والغلاء إن كان حادثا للجدب والقحط أو تكثير الخلق أو تقوية شهواتهم فمضاف إليه سبحانه و إن كان لاحتكار الظلمة أو إخافة السبل و منع المسافرة فمضاف إلى من فعل ذلك دونه تعالى.

و لذلك يجب شكره سبحانه على الوجهين الأولين و يذم أو يمدح من سبب الغلاء أو الرخص من العباد.

مسائل النبوة:

مسألة في كون الرئاسة واجبة في حكمته تعالى:

الرئاسة واجبة في حكمته تعالى على كل مكلف يجوز منه إيثار القبيح لكونها لطفا في فعل الواجب و التقريب إليه و ترك القبيح أو التبعيد منه بدليل عموم العلم للعقلاء بكون من هذه حاله عند وجود الرئيس المبسوط اليد الشديد التدبير القوي الرهبة إلى الصلاح أقرب و من الفساد أبعد و كونهم عند فقده أو ضعفه بخلاف ذلك وقد ثبت وجوب ما له هذه الصفة من الألطاف فى حكمته تعالى فوجب لذلك نصب الرؤساء في كل زمان اشتمل على مكلفين غیر معصومين و المخالف لنا في هذه لا يعدو خلافه أن يكون في الفرق بين وجود الرؤساء و عدمهم في باب الصلاح أو في صلاح الخلق برئيس أو في وقوع القبح عند وجودهم كفقدهم فإن خالف في الأول فيجب مناظرته لظهور هينه للعقلاء و علمهم بكذبه على نفسه فيما يعلم ضرورة خلافه و إن خالف في الثاني لم يضر لأنا لم نقل إن صلاح الخلق نفع كل

رئيس و إنما دللنا على كون الرئاسة لطفا في الجملة فصلاح العقلاء على رئيس دون رئيس أن الرئاسة المطلوب بها لا فساد فيها لعصمة من ثبتت له و توفيقه و لا يقدح على أنا سنبين إن خالف على الوجه الثالث لم يقدح أيضا لأن الرئاسة لطف و ليست ملجئة فلا يخرجها عن ذلك وقوع القبيح عندها كسائر الألطاف و لأن الواقع من القبيح عندها يسير من كثير و لولاها لوقع أضعافه بقضية العادة و لا فرق في وجوب الاستصلاح بما يرفع القبح جملة أو بعضه أو يبعد منه أو يؤثر وقوع كل واجب واحد أو يقرب إليه و لا يقدح في ذلك إيثار بعض العقلاء لرئيس دون رئیس و اعتقاد الصلاح لفقد الرؤساء لأنا لم نستدل بفعلهم و إنما استدللنا بقضية العادة الجارية بعموم الصلاح بالرؤساء و الفساد بفقدهم فحكمنا بوجوب ما له هذه الصفة في حكمته سبحانه و قبح الإخلال به مع ثبوت التكليف و ليس في الدنيا عاقل عرف العادات ينازع فيما قضينا به من الفرق بين وجود الرؤساء المهيبين و عدمهم بل حال ضعفهم وفعل العقلاء أو بعضهم بخلاف ما يعلمونه لا يقدح في علمهم كما لا يقدح إيثارهم للقبائح و إخلالهم بالواجبات الضرورية في وجوب هذه و قبح تلك على أن دعواهم اعتقاد بعض العقلاء حصول الصلاح للخلق بعدم الرؤساء كاعتقاد بعضهم عدم الصلاح بوجودهم كذب على أنفسهم يشهد الوجود به لعلمنا بأنه ليس في الدنيا عاقل سليم الرأي من الهوى يؤثر عدم الرؤساء جملة و يعتقد عموم الصلاح به و الفساد بوجودهم فالمعلوم من ذلك هو اعتقاد بعض العقلاء حصول الفساد برئاسة ما يختصه ضررها بحسد أو طمع أو خوف ضرر إلى غير ذلك دون نفي الرئاسة جملة كأهل الدعارة و المفسدين في الأرض الذين لا يتم لهم بلوغ ما يؤثرونه من أخذ الأموال و الفساد في الأرض إلا بفقد الرؤساء المرهوبين فلذلك آثروا فقدهم و اعتقدوا حصول الصلاح لهم بعدمهم و لا شبهة في قبح هذا الاعتقادو الإيثار و هم مع ذلك غير منكرين لحصول الصلاح بجنس الرئاسة و لهذا لا توجد فرقة منهم بغير رئيس مقدم يرجعون إلى سياسته كالخوارج و غيرهم من فرق الضلال الذاهبين إلى قبح كل رئاسة يخالف ما هم عليه من النحلة كاعتقاد الكفار والمنافقين ذلك في رئاسة الأنبياء و الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) و إنما كرهوا رئاستهم و اعتقدوا حصول الفساد بها و الصلاح بعدمها لاعتقادهم حصول المفسدة بها لكونها قبيحة و لم ينكر أحد منهم وجوب

الرئاسة جملة و لهذا لم نر فرقة منهم إلا ولها رئيس مطاع و كمعتقدي حصول صلاحهم برئاسة ما و عدمه بوجود أخرى فهم يكرهون هذه و يؤثرون تلك كراهية قريش و من وافقها في الرأي رئاسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاعتقادهم فوت الأماني بنبوتها، و إيثارهم رئاسة غيره لظنهم بلوغ الأغراض الدنيوية بها فهؤلاء أيضا لم ينكروا عموم الصلاح بالرئاسة في الجملة و إنما كرهوا رئاسته لصارف عنها و آثروا أخرى لداع إليها.

و كمن حسد بعض الرؤساء و شنأه من العقلاء إنما يكره رئاسته حسدا و بغضا و لا يكره رئاسة من لا شنآن بینه و بینه کقریش و من وافقها على حسد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) و بغضه في الفضل على جميعهم وتقدمه في الإسلام على سائرهم و عظیم نکایته فيهم إنما كرهوا رئاسته لذلك و لم يكرهوا رئاسة من لا داعي لهم إلى حسده و عداوته.

و كمن يرى الرئاسة لأنفسهم و يرشحهم لها إنما يكرهون كل رئاسة مناكسة لهم و يعتقدون حصول الفساد بها فيما يخصهم لأن مقصودهم لا يتم إلا بذلك ككراهة المستخلفين بعد وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و من تبعهم من خلفاء بني أمية و بني العباس رئاسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ذريته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاعتقادهم حصول الفساد بها فيما يخصهم لأن مقصودهم من رئاسة الأنام لا يتم إلا بذلك و لم ينكر أحد منهم الرئاسة و كيف ينكرونها مع حصول العلم بمثابرتهم عليها و منافستهم فيها و استحلالهم بعد استقرارها لهم ذم القادح فيها و مظاهرتهم بأن نظام الخلق وصلاح أمرهم لا يتم إلا بطاعتهم و الانقياد لهم و استصلاحهم رعاياهم بالرؤساء و اجتهادهم في تخير ذوي البصائر لسياسة البلاد و من فيها بالتأمير على أهلها و كراهية رعية الظلمة من الرؤساء المسرفين في الفساد لرئاستهم لما فيها من الضرر دينا و دنیا و اعتقادهم الصلاح بفقدها لذلك و لا يكره أحد من هؤلاء رئاسة ذوي العقل و الإنصاف و لا يعتقد حصول الفساد بها بل يتمناها لعلمه بما فيها من الصلاح و على هذا يجري القول في كل طائفة من العقلاء كرهوا رئاسة رئيس إنما يكرهونها لأمر يخصهم نفعه و ضرره فليتأمل يوجد ظاهرا و شبهة الخصم به مضمحلة و من المقصود في إيجاب الرئاسة العامة أجنبية و المنة لله.

و لا يقدح في الاستصلاح بالرئيس و وجوب وجوده لذلك عقلا قولنا إن العقاب لا يستحقه بعضنا على بعض لأن المقصود يصح من دون ذلك من حيث كان علم المكلف أو ظنه بأنه متى رام القبيح منعه منه الرئيس بالقهر صارفا له عنه بل ملجئا في كثير من المواضع و لأن العقاب و إن لم يستحقه بعضنا على بعض فالمدافعة حسنة بكل ما يغلب في الظن ارتفاع القبح به و إن تلفت معه نفس الدافع.

فإذا كان هذا ثابتا عقلا و علم المكلف بكون الرئيس القوي منصوبا لمدافعة مريدي الظلم عن المظلوم صرفه ذلك عن إيثاره على أنا و إن منعنا من كون العقاب مستحقا بعضنا و نفينا استحقاق القديم له قطعا فإنا نجيز استحقاقه منه سبحانه على القبح عقلا و يقطع به حسا، و تجويز المكلف كون الرئيس الملطوف له به منصوصا له عقاب العاصي كاف في الزجر.

و لا يقدح فيما ذكرناه القول بأن الصلاح الحاصل بالرؤساء دنيوي فلا يجب له نصبهم لأنا قد بينا تخصصه بالدين و إن اقترن به الدنيوي على أن وجودهم إذا أثر صلاح الدنيا كالأمن فيها و التصرف في ضروب المعايش بمنع الرؤساء المفسدين و صرف من يتوهم منه الفساد عنه بالرهبة و ارتفاع هذا الصلاح الدنيوي بعدمهم يقهر الظالمين و أخافهم ذوي السلامة عاد الأمر إلى الصلاح الديني بوجودهم المؤثر لوقوع الحسن و ارتفاع القبح و فساد الدين بعدمهم و لم ينفصل من الصلاح الدنيوي بغير إشكال.

ولا يقدح في ذلك دعوى الإلجاء لخوف الرئيس إلى فعل الواجب و ترك القبح على ما اعتمده المتأخرون من مخالفينا لأن ذلك يسقط ما لا يزالون يمنعون منه من تأثير الرئاسة في وقوع الواجب و ارتفاع القبح من حيث كان الشيء لا يكون ملجئا إلا بعد كونه غاية في التأثير فكيف يجتمع القول بذلك مع نفي التأثير جملة لذي عقل سليم.

و بعد فالملجئ إلى الفعل و الترك هو ما لا يبقى معه صارف عن الفعل و لاداع إلى الترك فتجب إذ ذاك وقوع هذا و ارتفاع ذاك و الرئاسة بخلاف ذلك لعلمنا ضرورة بتردد الدواعي إلى الواجب و القبيح و الصوارف عنهما و وقوع كثير من القبيح و ارتفاع كثير من الواجب

عند وجود الرؤساء المهيبين و استحقاق فاعل القبح و المخل بالواجب الذم و الاستخفاف و استحقاق مجتنب هذا و فاعل ذلك المدح وكل هذا ينافي الإلجاء بغير شبهة.

و لا يمنع من عموم اللطف بالرئاسة تقدير وجود واحد منفرد لا يتقدر منه ظلم أحد لأن من هذه صفته إذا كان الظلم مأمونا منه صح منه العزم على فعله متى تمكن منه لأن العزم على القبح لا يفتقر إلى التمكن منه في الحال لصحة عزم كل من جاز منه القبح على ما يقع بعد أحوال متراخية على العزم و إذا صح هذا فعلم هذا المفرد أن من ورائه رئيس متى رام الظلم منعه منه بالقهر أو أنزل به ضررا مستحقا أو مدافعا به صرفه ذلك عن العزم عليه كما يصرف ظن كل عاقل عن العزم على قتل السلطان أنه متى رام ذلك منع منه و لا فرق و الحال هذه بين كون الرئاسة لطفا في أفعال القلوب أو الجوارح.

و هذا التحرير يقتضي كون الرئاسة لطفا في الجميع لأن الصارف عن أفعال الجوارح صارف عن العزم عليها كما أن الداعي إليها داع إلى العزم والعزم على الشيء جزء منه أو كالجزء في الحسن و القبح ولا قدح بعموم المعرفة للأزمان و التكاليف و المكلفين في اللطف و خصوص الغنى و الفقر في تميز الرئاسة منهما فيما له كانت لطفا لأن قياس الألطاف بعضها على بعض لا يجوز لوقوف كونها ألطافا على ما يعلمه سبحانه و إثبات أعيانها و أحكامها بالأدلة فعموم المعرفة لعموم مقتضيها و أحكامها بالأدلة و خصوص الغنى و الفقر لاختصاص موجبهما لا لكونهما لطفا في الجملة و اختصاص الرئاسة بمن يجوز منه فعل القبيح في أفعال الجوارح و ما يتعلق بها من أفعال القلوب و بكل زمان وجد فيه مكلفون بهذه الصفة بحسب ما اقتضته الأدلة فيها و لا يخرجها ذلك عن كونها لطفا لمخالفتها باقي الألطاف كما لم يخرج كل لطف خالف لطفا سواه في مقتضاه عن كونه كذلك.

اشتراط العصمة في الرئيس:

و هذا اللطف لا يتم إلا بوجود رئيس أو رؤساء لا يد على أيديهم يرجع إليه أو إليهم الرئاسات و لا يكون كذلك إلا بكونه معصوما لأنا قد بينا وجوب استصلاح كل مكلف غير معصوم بالرئاسة فاقتضى ذلك وجوب رجوع الرئاسات إلى رئيس معصوم و إلا اقتضى وجود ما لا يتناهى من الرؤساء أو الإخلال بالواجب في عدله تعالى و كلاهما فاسد.

و لنا تحرير الدلالة على وجه آخر فنقول العلم بوجوب الحاجة إلى رئيس لا ينفصل من العلم بوجه الحاجة لأنا إنما علمنا حاجة المكلفين إلى رئيس من حيث وجدناه لطفا في فعل الواجب و اجتناب القبيح و هذا لا يتقدر إلا في من ليس بمعصوم فصار العلم بالوجوب لا ينفصل من العلم بوجهه و ترتيب الأول أولى لبعده من الشبهة وإسقاطه الاعتراض بعصمة كل رئيس و افتقار هذا إلى استئناف كلام لإسقاط ذلك.

و لا بد من كون الرئيس أعلم الرعية بالسياسة لكونه رئيسا فيها و قبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه.

و لا بد من كونه أفضلهم ظاهرا لهذا الوجه بعينه و أكثرهم ثوابا لوجوب تعظيمه عليهم و خضوعهم له و التعظيم قسط من الثواب و استحقاق ذمته منه ما لا يساويه فيه أحد من الرعية يقتضي كونه من أفضلهم بكثرة الثواب.

و لا سبيل إلى تميزه إلا بمعجز يظهر عليه أو نص يستند إلى معجز لما قدمناه من وجوب صفاته لتعذر علمها على غير القديم تعالى.

و لا اعتراض بما لا يزالون يهذون به من كون الاختيار طريقا إذا علم سبحانه اتفاق اختیار المعصوم لأن هذا أولا لا يتقدر من دون نص على اختيار الرئيس و نحن في أحكام عقلية قبل السمع و بعد فما له قبح تكليف اختيار الأنبياء (عَلَيهِ السَّلَامُ) و الشرائع و إن علم اتفاق إصابة المختارين للمصلحة يقتضي قبح تكليف اختيار الرئيس.

و أيضا فتكليف ما لا دليل عليه و لا أمارة تميزه بصفته قبل وقوعه قبيح و إذا فقد المكلف الأدلة و الأمارات المميزة لذي الصفة المطلوبة بالاختيار قبح تكليفه و لم ينفعه علمه بعد وقوع الاختيار بصفة المختار.

على أن هذا المعلوم لا يخلو أن يختصه تعالى دونهم أو ينص لهم على أن اختيارهم يوافق المعصوم و الأول لا يؤثر شيئا فيما قصدوه و الثاني نص على عين المعصوم لأنه لا فرق بين أن ينص سبحانه على عينه أو على تميزه بفعل غيره.

و يصح هذا اللطف برئيس واحد في الزمان بهذه الصفة و يستصلح أهل الأصقاع بأمرائه الملطوف لهم و يجوز كونه بوجود عدة رؤساء بالصفات التي بيناها في وقت واحد.

و يجب ذلك في كل صقع في ابتداء الرئاسة و في كل حال تعذر العلم بوجود الرئيس المخصوص فيها و من قبله من الأمراء لأن تعذر العلم فى ابتداء الرئاسة لطف فيه و إن كنا قد أمنا هذه التجويز و القطع في شريعتنا لحصول العلم بأن الرئيس واحد و أنه لا مكلف تكليفا عقليا لا سمعيا خارج عن تكليف نبوة نبينا و إمامة الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ما جاء به من الشرعيات و إن التكليف من دون العلم أو إمكانه قبيح فاقتضى ذلك رفع الجائز العقلي و ما ابتنى عليه من الوجوب.

تقسيم الرئاسة إلى نبوة و إمامة:

و هذه الرئاسة قد تكون نبوة و كل نبي رسول و إمام إذا كان رئيسا و قد تكون إمامة ليست بنبوة و معنى قولنا نبي يفيد الإخبار من أنبأ ينبئ و نبأ بالتشديد من التعظيم مأخوذ من النبوة و هو الموضع المرتفع و في عرف الشرائع المؤدي عن الله بغير واسطة من البشر و هذه الحقيقة الشرعية تتناول المعنيين المذكورين لأن المؤدي عن الله تعالى مخبر و مستحق في حال أدائه التعظيم والإجلال و أما رسول فمقتض لمرسل و قبول منه للإرسال كوكيل و وصي و هو في عرف الشرائع مختص بمن أرسله الله تعالى مبينا لمصالح من أرسل إليه من مفاسده و في عرف شريعتنا مختص بمحمّد بن عبد الله بن عبد المطلب لأنه لا يفهم من قول القائل قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و روى عن الرسول غيره و الإمام هو المتقدم على رعيته المتبع فيما قال و فعل.

و الغرض فى بعثة النبی:

زائدا على الاستصلاح برئاسته إن كان رئيسا عقليا من الوجه الذي ذكرناه بيان مصالح المرسل إليهم من مفاسدهم التي لا يعلمها غير مكلفهم سبحانه و هو الوجه في حسن البعثة لكون اللطف غير مختص بجنس من جنس و لا بوجه من وجه و لا وقت من وقت و إنما يعلم ذلك عالم المصالح وقد بينا وجوب فعل ما يعلمه لطفا من فعله سبحانه و بیان ما يعلمه كذلك من أفعال المكلف فيجب متى علم أن من جنس أفعاله ما يدعوه إلى الواجب و يصرفه عن القبيح أو يجتمع له الوصفان أو يكون مقربا أو مبعدا أن يبين ذلك للملطوف له بالإيحاء إلى من يعلم من حاله تحمله بأعباء البلاغ و كونه بصفة من تسكن الأنفس إليه و

إقامة البرهان على صدقه متى علم تخصص المصلحة ببيانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) دون فعله تعالى العلم بذلك في قلبه أو خطابه على وجه لا ريب فيه أو ببعض ملائكته أو كونه نائبا في بيان المصلحة مناب ما تصح النيابة فيه.

صفات الرسول:

و الصفات التي يجب كون الرسول (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليها هي أن يكون معصوما فيما يؤدي لأن تجويز الخطأ عليه في الأداء يمنع من الثقة به و يسقط فرض اتباعه و ذلك ينقض جملة الغرض بإرساله و أن يكون معصوما من القبائح لكونه رئيسا و ملطوفا برئاسته لغيره حسب ما دللنا عليه و لأن تجويز القبيح عليه ينفر عن النظر في معجزه و لأنه قدوة فيما قال و فعل و تجويز القبيح عليه يقتضي إيجاب القبيح و لأن تعظيمه واجب على الإطلاق و الاستخفاف به فسق على مذاهب من خالفنا كفر عندنا و وقوع القبيح منه يوجب الاستخفاف فيقتضي ذلك وجوب البراءة منه مع وجوب الموالاة له.

المعجز و شرطه:

و الطريق إلى تميزه المعجز أو النص المستند إليه لاختصاصه من الصفات بما لا يعلمه إلا مرسله تعالى.

و يفتقر المعجز إلى شروط ثلاثة منها أن يكون خارقا للعادة من فعله تعالى مطابقا لدعواه. و اعتبرنا فيه خرق العادة لأن دعوى التصديق بالمعتاد لا يقف على مدع من مدع و لا يميز صادقا من كاذب و إن كان من فعله تعالى كطلوع الشمس من المشرق و مجيء المطر في الشتاء و الحر في الصيف و طريق العلم بذلك اعتبار العادات و ما يحدث فيها و خروج الفعل الظاهر على يد المدعي عن ذلك.

و اعتبرنا كونه من فعله تعالى لجواز القبيح على كل محدث و جوازه يمنع من القطع على صدق المدعي و كون ما أتى به مصلحة و طريق العلم بذلك أن يختص خرق العادة بمقدوراته تعالى كإيجاد الجواهر و فعل الحياة أو يقع الجنس من مقدورات العباد على وجه لا تمكن إضافته إلى غيره كرجوع الشمس و انشقاق القمر و أمثال ذلك.

و اعتبرنا كونه مطابقا للدعوى لأنه متى لم يكن خرق العادة متعلقا بدعوى مخصوصة لم يكن أحد أولى به من أحد.

فإذا تكاملت هذه الشروط فلا بد من كونه دلالة على صدق المدعي لكون هذا التصديق نائبا مناب لو قال تعالى صدق هذا فيما يؤديه عني كما لافرق في كون الملك الحكيم مصدقا لمدعي إرساله له بين أن يقول صدق علي أو يفعل ما ادعى كونه مصدقا له به مما لم تجر عادة الملك بفعله فإن كان ما ذكرناه مشاهدا ففرض المشاهد له النظر فيه لكونه خائفا من فوت مصالح و تعلق مفاسد و إن كان نائيا عن حدوث المعجز أو موجودا بعد تقضيه – فلا بد مع تكليف ما أتى به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من نصب دلالة على صدقه وصحة ما أتى به لقبح التكليف من دونهما وذلك يكون بأحد شيئين إما قول من يعلم صدقه و إن كان واحدا أو تواتر نقل لا يتقدر في ناقليه الكذب بتواطؤ و افتعال أو اتفاق لبلوغهم حدا في الكثرة و تنائي الديار و الأغراض أو وقوع نقلهم على صفة يعلم الناظر فيها تعذر الكذب في مخبرهم من أحد الوجوه بقضية العادة و إن قلوا و إن كانت هذه الطبقة تنقل عن غيرها وجب ثبوت هذه الصفات في من ينقل عنه ثم كذا حتى يتصل النقل بجماعة شاهدت المعجز لا يجوز على مثلها الكذب و ذلك لا يتم إلا بتعين الأزمنة للناظر في النقل و تميز الناقلين ذوي الصفة المخصوصة في كل زمان لأن الجهل بأعيان الأزمنة يقتضي الجهل بأهلها و تعين الأزمنة مع الجهل بأعيان الناقلين الموصوفين يقتضي تجويز انقطاع النقل و تجويز افتعاله و استناده إلى معتقدين دون الناقلين فمتى اختل شرط مما ذكرناه ارتفع الأمان من كذب الخبر المنقول و متى تكاملت الشروط حصلت الثقة بالمنقول.

و هذه الصفات متكاملة في نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و من عداه من الأنبياء (عَلَيهِ السَّلَامُ) فطريق العلم بنبوتهم إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكونهم غير مشاهدين و لا تواتر بمعجز أحد منهم لافتقار التواتر إلى الشروط المعلوم ضرورة تعذرها في نقل من عدا المسلمين و إذا وجب ذلك اقتضى القطع على نبوة من أخبر بنبوته من آدم و نوح و إبراهيم و موسی و عیسى و غيرهم من الأنبياء على التفصيل و الجملة و كونهم بالصفات التي دللنا على كون النبي عليها و تأول كل ظاهر سمعي خالفها

بقريب أو بعيد لوقوف صحته على أحكام العقول و فساد تضمنه ما يناقضها إذ كان تجويز انتقاضها به يخرجها من كونها دلالة على فساد سمع أو غيره و هذا ظاهر الفساد.

طريق العلم بنبوة نبينا محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏):

و طريق العلم بنبوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) من وجهين أحدهما القرآن و الثاني ما عداه من الآيات كانشقاق القمر و رجوع الشمس و نبوع الماء من بين أصابعه و إشباع الخلق الكثير باليسير من الطعام و غير ذلك.

و القرآن يدل على نبوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) من وجوه:

أحدها حصول العلم باختصاصه به (عَلَيهِ السَّلَامُ) و تحديه الفصحاء به و تقريعهم بالعجز عن معارضته كما يعلم ظهوره (عَلَيهِ السَّلَامُ) و دعواه النبوة و قد يضمن آيات التحدي بقوله فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر... فَأْتُوا بسورة من مثله ثم قطع على مغيبهم فقال سبحانه قُلْ لَئن اجْتَمَعَتِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بمثل هذا الْقُرْآن لا يَأْتُونَ بمثله وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لَبَعْض ظَهيراً و معلوم توفر دواعيهم إلى معارضته و خلوصها من الصوارف و ارتفاعها فلا يخلو أن يكون جهة الإعجاز تعذر جنس الكلام أو مجرد الفصاحة و النظم أو مجموعهما أو سلب العلوم التي معها يتأتى المعارضة و الأول ظاهر الفساد لكون كل محدث سليم الآلة قادرا على جنس الكلام و من جملته القرآن و لهذا يصح النطق بمثله من كل ناطق و الثاني يقتضي حصول الفرق بين قصير سورة و فصيح الكلام على وجه لا لبس فيه على أحد أنس بموضع الفصاحة لكون كل سورة منه معجزا و ما عداه معتادا كالفرق بين انقلاب العصا حية و تحريكها و فلق البحر و الخوض فيه و ظفر البحر و جدوله و في علمنا بخلاف ذلك و إنا على مقدار بصيرتنا بالفصاحة نفرق بين شعر النابغة و زهير و شعر المتنبئ فرقا لا لبس فيه مع كونهما معتادين و لا يحصل لنا مثل هذا بين قصير سورة و فصيح كلام العرب مع وجوب تضاعف ظهور الفرق بينهما لكون أحدهما معجزا و الآخر معتادا دليل على أنه لم يخرق العادة بفصاحته و لا يجوز كون النظم معجزا لأنه لا تفاوت فيه و لهذا نجد من أنس بنظم شيء من الشعر قدر على جميع الأوزان بركيك الكلام أو جيده و إنما يقع التفاوت بالفصاحة.

و لا يجوز أن يكون الإعجاز بمجموعهما من وجهين.

أحدهما إنا قد بينا تعلق الفصاحة و النظم بمقدور العباد منفردين و ذلك يقتضي صحة الجمع بينهما لأن القادر على إيجاد الجنس على وجهين منفردين يجب أن يكون قادرا على إيجاده عليهما مجتمعين إذ كان الجمع بينهما صحيحالو لا هذه لخرج عن كونه قادرا عليهما. الثاني إنه لو كان نظم الفصاحة المخصوصة يحتاج إلى علم زائد لكان علمنا بأن العرب الفصحاء قد نظموا ما قارب القرآن في الفصاحة شعرا و سجعا و خطبا دليلا واضحا على كونهم قادرين على نظم فصاحتهم في مثل أسلوب القرآن لأنا قد بينا أن القدرة على نظم واحد يقتضي القدرة على كل نظم و إذا بطلت سائر الوجوه ثبت أن جهة الإعجاز كونهم مصروفين و جرى ذلك مجرى من ادعى الإرسال إلى جماعة قادرين على الكلام و التصرف في الجهات و جعل الدلالة على صدقه تعذر النطق بكلام مخصوص و سلوك طريق مخصوص في أن تعذر ذين الأمرين مع كونهم قادرين عليهما قبل التحدي و بعد تقضي وقته من أوضح برهان على كونه معجزا لاختصاصه بمقدوره تعالى و تكامل الشروط فيه.

إن قيل بينوا جهة الصرف و حاله و عن أي شيء حصل قيل معنى الصرف هو نفي العلوم بأضدادها أو قطع إيجادها في حال تعاطي المعارضة التي لو لا انتفاؤها لصحت منهم المعارضة و هذا الضرب مختص بالفصاحة و النظم معا لأن التحدي واقع بهما و عن الجمع بينهما كان الصرف و أيضا فلو لا ذلك لكان القرآن معارضا لأنا قد بينا عدم الفرق المقتضي للإعجاز بينه و بين فصيح كلامهم و كون النظم و الفصاحة و الجمع بينهما مقدورا و لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جرى في التحدي على عادتهم ومعلوم أن معارض المتحدي بالوزن المخصوص لا يكون معارضا حتى تماثل في الفصاحة و الوزن والقافية و إنما وجب هذا لتعلق التحدي بالرتبة في الفصاحة و الطريقة في النظم.

و لا يمكن أحدا كذا دعوى معارضة للقرآن.

لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو عورض مع ظهور كلمة المعارض و ضعفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكانت المعارضة أظهر من القرآن و ما وجب كونه كذلك لا يجوز إستاره فيما بعد على مجرى العادات و لأنه لو عورض لكانت المعارضة هي الحجة و القرآن هو الشبهة و ذلك يقتضي ظهورها لتكون للمكلف طريق إلى النظر يفرق ما بين الحق و الباطل.

و ليس لأحد أن يقول إنما لم يعارضوا لأنهم ظنوا أن الحرب أحسم لأن الحرب لم تكن إلا بعد مضي الزمان الطويل الذي تصح في بعضه المعارضة لا مشقة و لا خطر و فيها الحجة و الحرب خطر بالأنفس و الأموال و لا حجة فيها و العاقل لا يعدل عن الحجة مع سهولتها إلى ما لا حجة فيه مع كونه خطرا إلا للعجز عن الحجة و لهذا لو رأينا متحديا ذوي صناعة بشيء منها و مفاخرا لهم به و مدعيا التقدم عليه فيها ثم تحداهم به فعدلوا عن معارضته إلى شتمه و ضربه لم تدخل علينا شبهة في عجزهم عما تحداهم و لا ريب في عنادهم و هذه حال القوم المتحدين بالقرآن بلا قبح و ببعض هذا يسقط شبهة من يقول إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شغلهم بالحرب عن معارضته لأن الحرب لم تكن إلا بعد مضي أزمنة يصح في بعضها وقوع المقدور الذي صارف عنه مع خلوص الدواعي إليه و لأن الحرب لا تمنع من الكلام و لهذا اقتربت كذا بالنظم والنثر و لم ينقص رتبة ما قالوه من ذلك في زمنها في الفصاحة عما قالوه في غيرها علی أن الحرب لم تستمر و إنما كانت أحيانا نادرة في مدة البعثة و مختصة في حالها بقوم من الفصحاء دون آخرين.

و من وجوه إعجاز القرآن قوله تعالى فَتَمَنَّوا المَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صادِقِينَ وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً فقطع على عدم له فكان كما أخبر و هذا يقتضي اختصاص هذا الإخبار بالقديم تعالى المختص بعلم الكائنات القادر على منعهم من التمني بالقول و يجري ذلك مجرى لو قال لهم الدلالة على صدقي أنه لا يستطيع أنه لا يستطيع أحد منكم أن ينطق بكذا مع كونهم قادرين على الكلام في ارتفاع اللبس أن تعذره يقتضي كون ذلك معجزا.

و منها ما تضمنه من أخبار الأمم السالفة وقصص الرسل مع حصول نشوئه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعيدا عن مخالطة أهل الكتب و الكتابة أميا فيها نائيا عن سماع أخبار الأنبياء.

و منها ما تضمنه الأخبار من عن بواطن أهل النفاق و إظهارهم خلاف ما يبطنون و العلم بما في النفوس موقوف عليه تعالى فيجب كونه دلالة على نبوته.

و منها ما تضمنه من الإخبار عن الكائنات مطابقة الخبر المخبر في قوله تعالى سَيُهزَمُ الْجَمْعُ وَ يُولُونَ الدُّبَرَ و لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ الم غُلَبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ و قوله تعالى لَئِنْ أَخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُم

وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوكُنَّ الْأَدْبَارَ و قوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ الآية و قوله إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ و أمثال ذلك من الآيات و الإخبار بما يكون مستقبلا و وقوع ذلك أجمع مطابقا للخبر مع علمنا بوقوف ذلك عليه تعالى و هذه الأخبار إنما تدل على صدق المخبر بعد وقوع المخبر عنه و لا يجوز أن يجعلها دلالة على افتتاح الدعوة لتأخرها عنها.

و أما دلالة الآيات الخارجة من القرآن الدالة على نبوته (عَلَيهِ السَّلَامُ):

فتفتقر إلى شيئين أحدهما إثبات كونها الثاني كونها معجزات و الدلالة على الأول أنا نعلم و كل مخالط لأهل الإسلام تعين الناقلين من فرق المسلمين و انقسامهم إلى شيعة و غيرهم و بلوغ كل طبقة في كل زمان حدا لا يجوز معه الكذب و إخبار من بينا من الفريقين عن أمثالهم و أمثالهم عن أمثالهم حتى يتصلوا بمن هذه صفته من معاصري النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنه انشق له القمر و ردت الشمس و نبع الماء من بين أصابعه و أشبع الجماعة بقوت واحد مع حصول العلم بتميز أزمانهم و وجود من هذه صفته في كل زمان و ذلك يقتضي صدقهم لأن الكذب لا يتقدر فيمن بلغ مبلغهم إلا بأمور إما باتفاق من كل واحد أو بتواطؤ أو بافتعال من نفر يسير و انتشاره فيما بعد و الأول ظاهر الفساد لأن العادة لم تجر بأن ينظم شاعر بيتا فيتفق نظم مثله لكل شاعر في بلده فضلا من شعراء أهل الأرض و الثاني يحيله تنائي ديارهم و اختلاف أغراضهم و عدم معرفة بعضهم لبعض و لو جاز لوقع العلم به ضرورة لأنه لا يكون إلا باجتماع في مكان واحد أو بتكاتب و تراسل و كل منهما لو وقع من الجماعات المتباعدة الديار لحصل العلم به لكل عاقل و افتعاله ابتداء بنفر يسير و انتشاره فيما بعد يسقط من وجهين أحدهما تضمن نقل من ذكرناه صفة الناقلين و اتصالهم بالنبي لصفتهم المتعذر معها الافتعال في المنقول فما منع من كذبهم في النقل للخبر يمنع منه في صفة الناقلين و الثاني أن النقل لهذه المعجزات لو كان مفتعلا من نفر يسير ثم انتشر لوجب أن نميزهم بأعيانهم و نعلم الزمان الذي افتعلوه فيه حسب ما جرت به العادات في كل مفتعل مذهبا كملكا و یعقوب و نسطور و منتحلي الإنجيل كمتى و لوقا و ينا - و کمنشئي القول بالمنزلة بين المنزلتين من واصل و عمرو بن عبيد و ما أفتاه جهم بن صفوان و ما ابتدعه أبو الحسن

الأشعري و ما اخترعه ابن كرام و تميز الأوقات بذلك وتعين المحدث فيها و إذا وجبت هذه القضية في كل مفتعل وفقدنا العلم و الظن بمفتعل هذه الآيات و زمان افتعالها بطل كونها مفتعلة و إذا تعذرت الوجوه التي معها يكون الخبر كذبا في مخبر الناقلين لأيام النبي ثبت صدقهم.

و أما الدلالة على الثاني فهو أن كل متأمل يعلم تعذر رد الشمس و انشقاق القمر على كل محدث و أما نبوع الماء من بين الأصابع فمختص بإيجاد الجواهر و ما فيها من الرطوبات التي لا يتعلق بمقدور محدث و كذلك القول في إشباع الخلق الكثير بيسير الطعام و هو لا محالة مستند إلى ما لا يقدر عليه قوله تعالى لرجوعه إلى إيجاد الجواهر المماثلة للمأكول مع علمنا بتعذرها على المحدثين ولا يقدح في نقل هذه الآيات اختصاصه بالدائنين به لأن المعتبر في صدق الناقل وصحة المنقول ثبوت الصفة التي معها يتعذر الكذب و إن كان الناقل فاسقا و قد دللنا على ثبوتها لناقلي المعجزات فيجب القطع على صدقهم و سقوط السؤال على أن النقل مفتقر إلى داع خالص من الصوارف و لا داعى لمخالف الإسلام الراكن إلى التقليد العاشق لمذهب سلفه لنقل ما هو حجة عليه مفسد لنحلته بل الصوارف عنه خالصة من الدواعي فلذلك لم ينقل مشاهدو المعجزات من مخالفي الملة لما شاهدوه و نشأ خلفهم عن سلف لم ينقلوها إليهم فانقطع نقلها منهم و لا يقيم هذا عذرهم لثبوت الحجة بنقلها ممن بيناه مع كونهم مخوفين من العذاب الدائم بجحدها و يقلب هذا السؤال على مثبتي النبوات من مخالفي الإسلام بأن يقال لو كانت المعجزات اللاتي يدعون ظهورها على إبراهيم و موسى و عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثابتة لفصلها كل مخالف فمهما انفصلوا به كان انفصالا منهم.

و إذا ثبت بنبوة نبينا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجب اتباعه و العمل بما جاء به على الوجه الذي شرعه و الحكم بفساد كل ما خالفه من النحل و ضلال مخالفه و القطع على كفره لكون ذلك معلوما من دينه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

في النسخ:

و لا يقدح في ثبوت النبوة لرسول الله ما يقوله بعض اليهود من أن النسخ يؤدي إلى البداء لأن الفعل لا يكون بداء إلا أن يكون المأمور به هو المنهي عنه بعينه و أن يكون المكلف واحدا

و الوقت واحدا و الوجه واحدا لأنه لا وجه للنهي عن المأمور به مع تكامل الشرائط المذكورة إلا أن الأمر ظهر له ما كان مستترا و هذا مستحيل فيه تعالى لكونه عالما لنفسه و متى اختل شرط واحد لم يكن بداء بغير شبهة بل تكليف حسن و ما أتى به نبيناع ليس ببداء لأن المنهي. عنه به (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير غير المأمور به موسى و المكلف غير المكلف و الوقت غير الوقت و الوجه و الصفة غير الوجه و الصفة و إنما هو تكليف اقتضت المصلحة بيانه و قد بينا أن الوجه في البعثة بيان المصالح من المفاسد ما و هو كذلك موقوف على ما يعلمه سبحانه فمتى علم اختصاص المصلحة بفعل أو ترك مدة و كون ذلك بعد انقضائها مفسدة أو لا مصلحة فيه فلا بد من اختصاص المصلحة بفعل أو ترك مدة و كون ذلك بعد انقضائها مفسدة أو لا مصلحة فيه فلا بد من إسقاطه و إلا كان نبوته مفسدة أو ظلما لا يجوزان عليه سبحانه و لذلك متى علم سبحانه في عمل معين كونه مصلحة لمكلف مفسدة لآخر وجب أمر أحدهما به و نهي الآخر عنه و إن علم في فعل معين كونه مصلحة لمكلف و في فعل آخر مفسدة له فلا بد من أمره بأحدهما و نهيه عن الآخر و إن علم أن الفعل في وقت مصلحة و في آخر مفسدة فلا بد من أمره به في وقت المصلحة و نهيه عن مثله في وقت المفسدة و إن علم أن إيقاع الفعل على وجه يكون مصلحة و على آخر يكون مفسدة فلا بد من الأمر بإيقاعه على وجه المصلحة و النهي عن وجه المفسدة.

الدلالة على حسن التكليف مع هذه الوجوه قبح ذم من كلف مع تکاملها أو بعضها و لأن تجويز قبح التكليف و الحال هذه ينقض النبوات لأنه لا وجه لها إلا ما ذكرناه و لا انفصال من الملحدة و البراهمة فيما يقدحون به من اختصاص الإمساك بالسبت دون الأحد و وجوب العبادة في وقت معين و قبحها في غيره و تحليل مثل المحرم في وقتي الصوم و الإفطار و في تحريمه مثل المحلل على كل حال كالشحم المختلط باللحم و المتميز منه و وجوب السبت على من بعث إليه موسى دون غيره ممن تقدم أو عاصر أو تأخر إلا بإسناد ذلك إلى المصلحة الموقوفة على ما يعلمه سبحانه.

و إذا تقرر هذا و كان ما أتى به نبيناع من الشرائع مغايرا لأعيان ما كلفوه و في غير وقته و على غير وجهه و بغیر مکلفيه حسب ما بيناه ثبت حسنه و وجوبه لكونه مصلحة معلومة بصدق المبين.

أما إن قيل بينوا لنا ما النسخ ل.نعلم تميزه من البداء قيل هو كل دليل رفع مثل الحكم الشرعي الثابت بالنص بدليل لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه.

و قلنا رفع مثله لأن رفع عين المأمور به بداء و قلنا شرعي لأنه لا مدخل للنسخ في العقليات و قلنا ثابتا لأنه لا يرفع ما لم يجب مثله و قلنا بدليل لأن سقوط التكليف بعجز أو منع أو فقد آلة أو غير ذلك من الموانع لا يكون نسخا.

و قلنا مع تراخيه عنه لأن المقارن لا يكون نسخا لو قال تعالى صل مدة سنة كل يوم ركعتين لم يكن سقوط هذا التكليف بانقضاء الحول نسخا.

و متى تكاملت هذه الشروط كان نسخا و المرفوع منسوخا و الرافع ناسخا و تأمل كل ناسخ و منسوخ في شرعنا يوضح عن تكامل هذه الشروط فيه.

و امتناعهم من النظر في دعوتنا و تحرزهم من تخويفنا بدعواهم أن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمرهم بإمساك السبت أبدا و تكذيب من نسخه إخلال بواجب التحرز و اعتصام بغير حجة لأنه لا طريق لهم إلى العلم بصحة هذا الخبر بل لا طريق لهم إلى إثباته واحدا و إنما يخبرون عن اعتقادات متوارثة عن تقليد لافتقار ثبوت النقل المتواتر و ما ورد من طريق الآحاد إلى العلم بأعيان الأزمنة وتعيين الناقلين فى كل زمان لأن الجهل بالزمان يقتضي الجهل بمن فيه و تعذر العلم به و فقد العلم بثبوت الناقلين فيه يمنع من العلم بالتواتر و الآحاد بغير إشكال و هذان الأمران متعذران على اليهود لأنه لا يمكن لأحد منهم دعوى حصول النص بأعيان الأزمنة متصلة بوجود اليهود فيها إلى زمن موسى و إن ادعاه طولب بالحجة و لن يجدها بضرورة و لا دلالة و الأزمان المعلوم وجود اليهود فيها لا سبيل لهم إلى إثبات ناقلين من جملتهم آحاد فضلا عن متواترين و إذا تعذر الأمران لم يبق لاعتقادهم صحة هذا الأخبار إلا التقليد الذي لا يؤمن مخوفا و لا يقتضي تحرزا و لأن وجوب التحرز من تخويفنا ضروري و العلم بما تخوف منه ممكن لكل ناظر في الأدلة و ما يدعى على موسى إذا لم يكن إثباته

على ما أوضحناه قبح التكليف معه و هو سبحانه لا يكلف على وجه يقبح فيجب لذلك القطع على سقوط تكليف شرعهم و فرض التمسك به بخبر غير ثابت بعلم ولا ظن مع الخوف العظيم من المتمسك به على أن الخبر المذكور من جنس الأقوال المحتملة للاشتراط و التخصيص والتقييد والتجوز بغير إشكال و المعجز بخلاف ذلك فلو فرضنا صحته لوجب تخصصه أو اشتراطه أو نقله عن حقيقة إلى المجاز لثبوت النسخ ل.شرعهم بالمعجز الذي لا يحتمل التأويل إذ لا فرق بين تخصيص القول أو اشتراطه أو نقله عن أصله بالدليل الأصلي و اللفظي و العقلي بل العقلي آكد وإذا جاز نقل الألفاظ عن موضعها بمثلها فبالأدلة العقلية أجوز. على أن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن كان قال هذا لم يخل من أحد وجهين إما أن يريد الامتناع بالنسخ و تكذيب من أتى به و إن كان صادقا بالمعجز أو يريد ذلك مع فقد علم التصديق و إرادة الأول لا يجوز لكونه قادحا في نبوته بل في جميع النبوات لوقوف صحتها على ظهور العلم بالمعجز و فساد كونه دالا في موضع دون موضع فلم يبق إلا أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن كان قال ذلك فعلى الوجه الثاني الذي لا ينفعهم و لا يضرنا.

و ليس لهم أن يعتذروا مما لزمناهم بفقد دليل على نبوة من ادعى نسخ شرعهم لأن فقد ذلك ليس بمعلوم ضرورة فيجب عليهم أن يجتنبوا السكون إلى ما هم عليه حتى ينظروا فيما يدعوا إليه و يخوفوا منه و متى فعلوا الواجب عليهم علموا صحة نبوة نبينا (عَلَيهِ السَّلَامُ) و فساد ما يدينون به لأنا قد دللنا بثبوت الأدلة الواضحة على نبوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) و إلا يفعلوا فإنما يؤتون في فقد العلم بالحق من قبل أنفسهم و بسوء اختيارهم و الحجة لازمة لهم.

ثم يقال لهم دلوا على نبوة من تزعمون أنكم على شرعه فإن فزعوا إلى ترتيب العبارة عن الاستدلال بالتواتر بمعجزات موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) طولبوا بإثبات صفات التواتر فإنهم لا يجدون سبيلا إليها حسبما أوضحناه و إذا تعذر ذلك سقط دعواهم و لزمتهم الحجة.

ثم يسلم لهم دعوى التواتر و يقابلوا بالنصارى فلا يجدون محيصا عن التزام النصرانية و تصديق عيسى أو تكذيبه و موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ إثبات أحد الأمرين و الامتناع من تساويهما لا يمكن و كل شيء يقدحون به في نقل النصارى يقابلون بمثله من البراهمة و للنصارى أكبر المزية لحصول العلم لكل مخالط باتصال وجودهم في الأزمنة إلى من شاهد المعجزات و تعذر مثل

ذلك فيهم و لا انفصال لهم من النصارى بضلالهم في إلهية المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو القول بالنبوة أو الاتحاد لتميز النقل من الاعتقاد بصحة دخول الشبهة في الاعتقاد و ارتفاعها عن التواتر و ثبوت صدق المتواترين و إن كانوا ضلالا أو اعتقدوا عند هذا النقل ضلالا أ لا ترى إلى وجود كثير من العقلاء قد ضلوا عند ظهور المعجزات على الأنبياء و الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاعتقدوا لذلك إلهيتهم و لم يمنع ذلك من صدقهم فيها لانفصال أحد الأمرين من الآخر و إلزامهم على هذه الطريقة نبوة نبيناع لتواتر المسلمين في الحقيقة بالمعجزات الظاهرة عقيب دعواه أبلغ في الحجة لأنه لا يمكنهم القدح في نقل المسلمين بشيء مما قدحنا به في نقلهم و ما قدحوا به على النصارى و هذا كاف و المنة لله.

مسائل في الإمامة:

و الغرض في الإمامة وصفات الإمام:

و الغرض في الإمامة المنفردة عن النبوة ما بينا من حصول اللطف بها و عموم الاستصلاح لكل مكلف يجوز منه فعل القبيح و يجوز اختصاص هذه الرئاسة بهذا اللطف و يجب له نصبه الرئيس ذي الصفات التي بينا وجوب تأثير ثبوتها و انتفائها في الاستصلاح لكل و الاستفساد و يجوز أن يكون الرئيس الملطوف للخلق بوجوده مؤديا عن نبي و منفذا لشرعه أو نائبا في ذلك عن إمام مثله و يعلم كونه كذلك بقوله لأن قيام البرهان على عصمته يؤمن المكلف كذبه فيما يخبر به فإذا ثبت كونه مؤديا فلا بد من كونه معصوما من القبائح للوجوه التي لها كان النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذلك و عالما بما يؤديه لاستحالة الأداء من دون العلم و إن كلف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وجب كونه عالما بكل معروف و منكر لكون الأمر بالشيء و الحمل عليه فرعا للعلم بحسنه و كون النهي عن الشيء و المنع منه فرعا في الحسن للعلم بقبحه و لأن الحمل على فعل ما يجوز الحامل عليه كونه قبيحا و المنع مما يجوز المانع منه كونه حسنا قبيح و إن تعبد بإقامة حدود وجب كونه ممن لا يواقع ما يستحق به ما يستحق به لأن ذلك يخرجه عن كونه إماما و إن تعبد بجهاد وجب كونه أشجع الرعية لكونه فئة لهم و يجب أن يكون هذه حاله عابدا زاهدا مبرزا فيهما على كافة الرعية لكونه قدوة فيهما.

و يجوز من طريق العقل أن يبعث الله سبحانه إلى كل مكلف نبيا و ينصب له رئيسا و يجب ذلك إذا علم كونه صلاحا و إنما علمنا أنه لا نبي بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و لا إمام في الزمان إلا واحد بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) المعلوم ضرورة من دينه حسب ما قدمناه.

و هذه الصفات الواجبة و الجائزة حاصلة للأئمة بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الملطوف بوجودهم لأمته المحفوظ بهم شرعه المنفذون لملته المتكاملوا الصفات التي بينا وجوب كون الرئيس و الحافظ عليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ابنا علي ثم علي بن الحسين ثم محمّد بن علي ثم جعفر بن محمّد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمّد بن علي ثم علي بن محمّد ثم الحسن بن علي ثم الحجة بن الحسن صلوات الله عليهم أجمعين لا إمامة فى الملة لغيرهم لا طريق إلى جملة الشريعة من غير جهتهم و لا إيمان لمن جهلهم أو واحدا منهم.

الدلالة على ذلك ما بيناه من وجوب الصفات للرئيس العقلي و الحافظ للتكليف الشرعي و فقد دلالة ثبوتها لمن عداهم أو دعوى بها فيمن سواهم ممن ادعى الإمامة أو ادعيت له ممن استمر القول بإمامته و فساد خلو الزمان من إمام لكون ذلك مفسدة لا يحسن التكليف معها و قيام البرهان على ضلال من خالف أهل الإسلام و لأنه لا أحد قطع على ثبوت هذه الصفات المدلول على وجوب حصولها للإمام إلا خصها بمن عيناه من الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيجب القطع بصحة هذه الفتيا لأن تجويز فسادها يقتضي فساد مدلول الأدلة و ذلك باطل و هذان الدليلان كافيان في إثبات إمامة الجميع مجملا و مفصلا و نحن نفرد الإمامة كل منهم كلاما يخصها.

و لا يعترض هذين الدليلين مذاهب الكيسانية و الناووسية و الواقفة و أمثالهم لإسناد الجميع ما يذهبون إليه إلى دعوى حياة الأموات المعلوم ضرورة موتهم و لأنهم أجمع منقرضون فلا يوجد منهم إنسان معروف فخرج لذلك الحق من جملتهم.

عصمة الأئمة:

و ليس لأحد أن يقول إن الأمة و إن لم يقطع على عصمة من ادعيت له الإمامة في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و من ذكرتموه من ذريته (عَلَيهِ السَّلَامُ) فليست قاطعة على نفيها عنهم و هو موضع الحجة من استدلالكم كما لا يجب نفي العصمة عن كل من لم يقطع على نفيها عنه

بل نجيز فيهم و في كل من لم نعرفه أو عرفناه بالعدالة أن يكون معصوما و إن لم يقطع على ثبوتها له لأنا إذا كنا قد دللنا على كون العصمة من صفات الإمام الواجبة كالإسلام و الحرية و العدالة المجمع على اعتبارها في الإمام وجب القطع على نفي إمامة من لم يقطع على كونه معصوما كما يجب مثل ذلك فيمن لا يعلم إسلامه و حريته و عدالته و إن جوزنا كونه بهذه الصفات فلا فرق عند أحد من الأمة في في فساد الإمامة بين أن يعلم كون من ادعيت له عريا من هذه الصفات و بين أن لا يعلم عليها فيجب القضاء في العصمة و وجوب القطع على ثبوتها للإمام و نفي إمامة من لم يقطع على ثبوتها له كالقضاء على سائر الصفات لوجوب ثبوت الكل للإمام و ليس لأحد أن يقول استدلالكم هذا مبني على الإجماع و أنتم لا تجعلوه حجة لأنا بحمد الله لا نخالف في كون الإجماع حجة و إنما نمنع من خالفنا من إثباته حجة من الطرق التي يدعيها و الخلاف في ذلك المذاهب لا يقتضي إنكاره فكيف يظن بنا ذلك مع العلم بإثباتنا معصوما في كل عصر من جملة الفرقة الإسلامية.

و ليس له أن يقول اعتباركم صحة الإجماع مقصور على المعصوم الذي لو انفرد قوله لكان حجة لأن اعتبارنا دخول المعصوم في الإجماع كاعتبارهم دخول العالم في كل إجماع و فساده بخروجه عنه فإن كان اعتبارنا دخول المعصوم في الإجماع كاعتبارهم دخول العالم في كل إجماع و فساده بخروجه عنه فإن كان اعتبارنا دخول المعصوم مانعا من الإجماع فحالهم أقبح.

على أن استدلالنا بهذه الطريقة صحيح من دون اعتبار الإجماع لأنا قد بينا من طريق العقل وجوب الإمامة و العصمة و ذلك يقتضي صحة فتيانا من وجهين أحدهما حصول العلم الضروري من دينه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببقاء الحق في أمته إلى انقضاء التكليف و أنه لا يجوز كفر جميعها و جحد إمامة المعصوم كفر لكونه من جملة الإيمان لا يجوز اتفاق الأمة عليه فإذا تقرر هذا علمنا أن الأمة فى القول بإمامة الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) من لدن النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و إلى الآن بين قائل بعصمة الإمام و جاحد لها علمنا ضلال الجاحد لها وصواب القائل بها إذ لو ضل القائل كالجاحد لاقتضى ذلك الشهادة على جميع الأمة بالكفر و قد أمنا ذلك فوجب القطع على صواب الدائن بالعصمة.

الثاني أنا آمنون كون الحجة المعصوم الموفق في جميع الأقوال و الآراء و الأفعال من جملة الفرق المخالفة للإسلام لقيام البرهان على ضلال جميعها و لا من فرق الأمة المنكرة للعصمة لضلالها أيضا و إذا وجب هذا اقتضى كونه من جملة الفرقة القائلة بالعصمة و وجب لذلك القطع على صوابها فيما أجمعت عليه فصح استدلالنا من غير افتقار بنا إلى اعتبار الإجماع.

معجزات الأئمة:

و من الحجة على إمامة أعيان الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنا قد دللنا على وقوف تعيين الإمام على بيان العالم بالسرائر سبحانه بمعجز يظهر على يديه أو نص يستند إليه و كلا الأمرين ثابت في إمامة الجميع.

أما المعجز فعلى ضروب منها الإخبار بالكائنات و وقوع المخبر مطابقا للخبر.

و منها الإخبار بالغائبات.

و منها ظهور علمهم ذي الفنون العجيبة في حال الصغر و الكبر و تبريزهم فيه على كافة أهل الدهر على وجه لم يعثر عليهم بزلة و لا قصور عند نازلة و لا انقطاع في مسألة من غير معلم و لا رئيس يضافون إليه غير آبائهم و فيهم من لا يمكن ذلك فيه كالرضا و أبي جعفر و أبي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) و إعجاز هذه الطريقة من وجهين أحدهما أن العادة لم تجر فيمن ليس بحجة أن يتقدم في علم واحد فضلا عن عدة علوم من غير معلم.

الثاني أن كل عالم عدا حجج الله سبحانه محفوظ عنهم التقصير عند المشكلات و العجز عند كثير من النوازل و الانقطاع في المناظرة.

و منها تعظيمهم مدة حياتهم من المحق و المبطل و شهادة الكل على لؤم من ينقصهم و إن كان عدوا و الإشارة بذكرهم بعد الوفاة و خضوع العدو و الولي لمشاهدهم و هجرة الفرق المختلفة إليها وتقربهم إلى مالك الثواب والعقاب سبحانه بحقهم مع فقد الخوف منهم و الطمع فيما عندهم و حصول عكس هذا الأمر فيمن عداهم من منتحلي الإمامة و ذوي الخلافة بنفوذ الأمر و ثبوت الرجاء و الخوف.

و هذه الطرق منها ما هو معلوم ضرورة كظهور علمهم و ثبوت تعظيمهم في الحياة و بعدها و منها ما هو معلوم لكل ناظر في الأخبار ومتأمل الآثار لثبوت التواتر به كالنص على ما نبینه.

و من ذلك رد الشمس لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و كلام الجمجمة و إحياء الميت بصرصر و ضرب الفرات بالقضيب و بصوبه حتى بدت حصباؤه و كلام أهل الكهف إلى غير ذلك من آياته الثابتة و من ذلك ضرب الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) النخلة اليابسة بيده فأينعت حتى أطعم الزهري من رطبها.

وَ قَولُهُ لِأخِيهِ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَدْ عَلِمْتُ مَنْ سَقَانِي السَّمَّ فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَاحْمِلْنِي إِلَى قَبْرِ جَدِّي رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لِأجَدِّدَ بهِ عَهْداً وَ سَتَخْرُجُ عَائِشَةُ لَتَمْنَعَ مِنْ ذَلكَ.

فكان كما قال:

و من ذلك ما سمع من كلام رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وَ قَولُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَبْلَ مَسِيرِه لِأُمِّ سَلَمَةَ إِنِّي مَقْتُولُ فِي طَرِيقي هَذَا وَ قَولَهُ لِعُمَرَ بْنِ سَعْدِ وَ قَدْ قَالَ لَهُ إِنَّ قَوْماً سُفَهَاءَ يَزْعُمُونَ أَنِّي أَقْتَلْكَ إِنَّهُمْ لَيْسُوا سُفَهَاءَ وَلَكِنَّهُمْ عَلَمَاءُ وَ إِنَّهُ يَسُرُّنِي إِلَّا تَأْكُلَ مِنْ تَمْرِ العراق شَيْئاً.

فكان كما قال:

و من ذلك كلام الحجر الأسود لعلي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و شهادته له بالإمامة و دعاؤه للظبي فجاءه فأكل معه من الطعام و إخباره عبد الملك بن مروان بقصة الكتاب إلى الحجاج و إخباره أن الله تعالى قد زاد في ملكه لذلك زمانا طويلا و إخباره بولاية عمر بن عبد العزيز و قصة يزيد.

و من ذلك عود د النخلة اليابسة لأبي جعفر محمّد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذات تمر و انتشاره عليه و على أصحابه و مسح يده على عيني أبي بصير حتى رأى الحاج ثم مسحه عليهما فرجعتا و إنفاذه الجن في حوائجه.

و من ذلك مسح أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عين أبي بصير حتى رأى السماء ثم أعاده و إخباره المنصور بما آل إليه أمره و إخباره الشامي بحاله منذ خرج من منزله و إلى أن وصل إليه.

و من ذلك دعاء أبي الحسن موسى بن جعفرع الشجرة فجاءت تخد الأرض خدا ثم أشار إليها فرجعت و خطابه للأسد و قصصه مع علي بن يقطين و قَوْله لهِشَامِ بْنِ سَالِمِ بَعْدَ شَكَهِ وَ قَوْلِهِ فِي نَفْسِهِ أَيْنَ أَذْهَبُ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ أمْ إِلَى الْمُرْجِئَةِ أَمْ إِلَى الزَّيْدِيَّةِ فَقَالَ لَهُ إِلَيَّ إِلَيَّ لَا إِلَى الْحَرُورِيَّةِ وَ لَا إِلَى الْمُرْجِيَّةِ وَ لَا إِلَى الزَّيْدِيَّةِ.

و من ذلك إخراج أبي الحسن علي بن موسى الرضاع السبيكة من الأرض لإبراهيم بن موسی و فهمه كلام السخلة و إخباره بقصة آل برمك قبل وقوعها بصفتها و قصة الغفاري و ما عليه من الدين المجهول.

ومِنْ ذَلِكَ تَوَضُّرٌّ أَبِي جَعْفَرٍ محمّد بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي مَسْجِد بِبَغْدَادَ يُعْرَفُ مَوْضِعُهُ بِدَارِ الْمُسَيَّبِ فی أصل نَبقَة يَابسَة فَلَمْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى احْضَرَتْ وَ أَيْنَعَتْ حَدَّثَنِي الشيخ أبو في الْحَسَنِ محمّد بْنُ محمّد قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبو عَبْدِ اللَّهِ محمّد بْنُ محمّد الْمُفِيدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ أكَلَ مِنْ نَبِقِهَا وَ هُوَ لَا عَجَمَ لَهُ.

و قصة الشامي و تخليصه من الحبس من غير مباشرة.

و من ذلك قصة أبي الحسن علي بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع علي بن مهزیار و خروجه في القيظ بآلة الشتاء و إخباره بما أضمره في عرق الجنب و قصة صالح بن سعيد و خان الصعاليك وقصة يونس النقاش و الفص الياقوت.

و من ذلك قصة أبي محمّد الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع زينب الكذابة و قصة السنور.

و من ذلك لصاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصة المصري و المال و قصة الحسين بن فضل و قصة أحمد بن الحسن و التوقيعات على أيدي السفراء بفنون الغائبات في أمثال لهذه الآيات يطول بذكرها الكتاب و يخرج به عن الغرض بهذا المختصر من أراد الوقوف على جميع ذلك وجده في تصانيف شيوخنا رضي الله عنهم و فيما ذكرناه كفاية و جميعه إذا تؤمل وجد

مختصا به تعالى على وجه خارقا للعادة مطابقا لدعوى من ظهر على يده الإمامة فاقتضى صدقه كسائر المعجزات.

و طريق ثبوت هذه الآيات تواتر الإمامية بها كالنص الجلي على ما نوضحه.

إن قيل ظهور المعجز على يد المدعي فرع لجوازه فدلوا على ذلك.

قيل المعجز للتصديق نائب مناب قوله تعالى صدق هذا علي و ذلك يقتضي جواز ظهوره على من للناظر مصلحة في العلم بصدقه و قد بينا حصول اللطف بوجود الإمام و تعذر تميزه من دونه أو ما يستند إليه من النص فيجب ظهوره عليه بحيث لا نص ينوب منابه و هذا يقتضي جوازه مع ثبوته بل يجوز ظهوره على من يستحق التعظيم من الصالحين ليقطع المكلف على كونه مستحقا للتعظيم فيفعله خالصا من الاشتراط و لا لا يقتضي ذلك التنفير عن النظر في معجزات الأنبياء (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لا يمنع من كونها مثبتة لهم بالنبوة لأن الباعث على النظر في المعجز هو الخوف من فوت المصالح و ذلك حاصل في مدعي الإمامة و الصلاح كمدعي النبوة فيجب كون الناظر مدعوا مع الجميع فأما كونه مبينا فإنما يبين الصادق من الكاذب ثم يرجع الناظر إلى قوله المؤيد به قاطعا على صدقه آمنا من دعواه النبوة و ليس بنبي أو الإمامة مع كونه صالحا حسب لكون المعجز مؤمنا من ذلك و أيضا فإنا نعلم ظهور الآيات على من ليس بنبي و لا إمام كمريم و أم موسى أما مريم فنطق المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين الوضع و في المهد عقیب دعواها البراءة مما قذفت به و معاينتها الملك مبشرا لها عن الله تعالى بما يفتقر معه إلى معجز لتعلم كونه رسولا الله سبحانه إليها و نزول الرزق عليها من السماء و هي في في كفالة زكريا (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أما أم موسى فإخباره سبحانه بالإيحاء إليها و الوحي معجز و لأن إلقاءها موسى في أليم واثقة برجوعه إليها يقتضي علمها بصحة الوعد و ذلك لا يمكن إلا بالمعجز و إذا كان ظهور المعجز على من ليس بنبي واجبا في حال و جائزا في آخر و حاصلا في آخر و وجدنا الناقلين من الشيعة جماعة لا يجوز على بعضهم الكذب في المخبر الواحد على ما نبينه فيما بعد ينقلون هذه المعجزات خلفا عن سلف حتى يتصلوا في النقل عن الطبقات التي لا يتقدر في خبرها الكذب لمن شاهدها ظاهرة على أيدي الحجج المذكورين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثبت كونها واقتضى ذلك إمامتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ).

النص على إمامة الأئمة:

و أما النص فعلى ضربين متناول للجميع (عَلَيهِ السَّلَامُ) و مختص بكل واحد منهم فالأول من طرق منها قوله تعالى فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ وذلك يقتضي علم المسئولين كل مسئول عنه و عصمتهم فيما يخبرون به لقبح تكليف الرد دونهما و لا أحد قال بثبوت هذه الصفة لأهل الذكر إلا خص بها من ذكرناه من الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) و قطع بإمامتهم.

و منها قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادقين فأمر باتباع المذكورين و لم يخص جهة الكون بشيء دون شيء فيجب اتباعهم في كل شيء و ذلك يقتضي عصمتهم لقبح الأمر بطاعة الفاسق أو من يجوز منه الفسق و لا أحد ثبتت له العصمة و لا ادعيت فيه غيرهم فيجب القطع على إمامتهم و لا اختصاصهم بالصفة الواجبة للإمامة و لأنه لا أحد فرق بين دعوى العصمة لهم و الإمامة.

و منها قوله تعالى وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فأمر سبحانه بالرد إلى أولي الأمر و قطع على حصول العلم للمستنبط منهم بما جهله و هذا يقتضي كونهم قومه بما يرجع إليهم فيه مأمونين في أدائه و لا أحد ثبتت له هذه الصفة و لا ادعيت له غيرهم فيجب القطع على إمامتهم من الوجهين المذكورين.

و منها قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد و جِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاءِ شَهِيداً و قوله وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فأخبر تعالى بثبوت شهيد على كل أمة كالنبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكون شهادته حجة عليهم وذلك يقتضي عصمته من وجهين أحدهما ثبوت التساوي بينه و بين النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحجة بالشهادة الثاني أنه لو جاز منه فعل القبيح و الإخلال بالواجب لاحتاج إلى شهيد بمقتضى الآية و ذلك يقتضي شهيد الشهيد إلى ما لا نهاية له أو ثبوت شهيد لا شهيد عليه و لا يكون كذلك إلا بالعصمة و لم يثبت هذه الصفة و لا ادعيت إلا لأئمتناع فاقتضت إمامتهم من الوجه الذي ذكرناه.

و منها قوله تعالى وَ كَذلكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاس فأخبر تعالى بكون المذكورين عدولا ليشهدوا عنده على الخلق وذلك يقتضي ثبوت هذه الصفة قطعا لكل

واحد منهم للاشتراك في الشهادة و لم تثبت هذه الصفة و لا ادعيت لغيرهم فدلت على إمامتهم من الوجوه التي ذكرناها.

و من ذلك ما اتفقت الأمة عليه:

مِنْ قَوْلِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِنِّي مُخَلَّفُ فِيكُمُ التَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا.

فأخبرع بوجود قوم من آله مقارنين للكتاب في الوجود و الحجة و ذلك يقتضي عصمتهم و لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمر بالتمسك بهم و الأمر بذلك يقتضي مصلحتهم لقبح الأمر بطاعة من يجوز منه القبح مطلقا و لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكم بأمان المتمسك بهم من الضلال و ذلك يوجب كونهم ممن لا يجوز منه الضلال و إذا ثبتت عصمة المذكورين في الخبر ثبت توجه خطابه إلى أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ) لعدم ثبوتها لمن عداهم أو دعواها له و ذلك يقتضي إمامتهم من الوجهين المذكورين.

وَ مِنْ ذَلِكَ قَولُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا وَقَعَ فِي النَّارِ وَ فِي آخَرَ هَلَكَ.

و ذلك يفيد عصمة المرادين لأنه لا يمكن القطع على نجاة المتبع مع تجويز الخطأ على المتبع و عصمة المذكورين يفيد توجه الخطاب إلى من عيناه و يوجب إمامتهم على الوجه الذي بيناه في أمثال لهذه الآيات و الأخبار قد تكرر معظمها في رسالتي الكافية و الشافية و من ذلك نص رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على أن الأئمة من بعده اثنا عشر(عَلَيهِ السَّلَامُ).

كَقَوْلِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنْتَ إِمَامُ ابْنُ إِمَامٍ أَخُو إِمَامٍ أبو أئمة حُجَجِ تِسْع تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُم أعْلَمُهُمْ أَحْكَمُهُمْ أَفْضَلُهُمْ.

وَ قَوْلِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَدَدُ الأئمة مِنْ بَعْدِي عَدَدُ نُقَبَاء مُوسَى.

و خبر اللوح و خبر الصحائف و أمثال لهذه الأخبار الواردة من طريقي الخاصة و العامة مع علمنا بصحة ما تضمنه نقل الفريقين المتباينين و الطائفتين المختلفتين إذ كان لا داعي لمخالف المنقول إليه مع كونه حجة عليه إلا الصدق فيه و ثبوت النص منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذا العدد المخصوص ينوب مناب نصه على أعيان أئمتناع لأنه لا أحد قال بهذا في نفسه غيرهم و شيعتهم لهم فوجب له القطع على إمامتهم.

و أما الضرب الثاني من النص على أعيان الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأفضلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) و النص ثابت عليه بشيئين أفعال و أقوال والأقوال على ضربين كتاب و سنة و السنة على ضربين معلوم من ظاهره المراد و من دليله و معلوم من دليله المراد.

فأما النص بالفعل فمن تأمل أفعال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و اختصاصه به و مؤاخاته له و تقديمه على جميع الصحابة و القرابة في جميع الأحوال و الأمور و تأميره في كل بعث و إفراده من التأمير عليه في شيء بقوله في المأمورين له إني باعث فيكم رجلا كنفسي و تخصيصه في السكني و التبليغ و الصهر و الدخول عليه بغير إذن و حمل الراية و المباهلة و المناجاة و الأخوة و القيام له و رفع المجلس بما لم يشركه فيه أحد و ما اقترن بهذه الأقوال من الأفعال المختصة له.

وَ قَولُهُ فِي الْبُعُوثِ إِنِّي بَاعِثُ رَجُلًا كَنَفْسِي وَ عَلِيٍّ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ وَ عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَليَّ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ مَا دَارَ وَ أَنَا وَ عَلِيٍّ كَهَاتَيْنِ وَ مَنْزِلُكَ فِي الْجَنَّةِ تُجَاهُ مِنْ مَنْزِلِي تُكْسَى إِذَا كُسِيتُ وَ تُحَيَّا إِذَا حُيِّيتُ وَ أَنْتَ أَوَّلُ جَاثِ لِلخُصُومِ مِنْ أُمَّتِي وَ صَاحِبُ لِوَائِي وَ سَاقِي حَوْضِي وَ أَوَّلُ دَاخِلِ الجَنَّةِ مِنْ أُمَّتِي وَ أَبُو ذُرِّيَّتِي وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا رَجُلٌ مِنِّي وَ عَلِيٍّ مِنِّي وَ أنَا مِنْ عَلِيٍّ وَ حَرَبُّكَ حَرْبِي وَ سِلْمُكَ سِلْمِي وَ مَنْ سَبَ عَلِيّاً فَقَدْ سَبَّنِي و من سَبَّنِي فَقَدْ سَب اللَّهَ وَ مَنْ سَبَّ اللَّهَ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى مَنْخِرِه فِي النَّارِ.

و أمثال ذلك من الأقوال والأفعال التي يطول بها الكتاب.

علم كونه مؤهلا لخلافته (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما يعلم مثل ذلك في ملك اختص رجلا و أبانه بالأفعال و الأقوال من أتباعه هذا الضرب من الاختصاص.

و أما نص الكتاب على إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأي كثيرة منها قوله تعالى إنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ و هم راكِعُونَ.

فأخبر سبحانه أن المقيمي الصلاة و المؤتي الزكاة في حال الركوع أولى بالخلق من أنفسهم حسب ما أوجبه بصدر الآية له تعالى ولرسوله و لا أحد من المؤمنين ثبت له هذا الحكم غير أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيجب كونه إماما للخلق و كونه أولى بهم من أنفسهم.

إن قيل دلوا على أن لفظة وليكم تفيد الأولى بالتدبير و أنها لا يحتمل في الآية غير ذلك و أن الأولى بالتدبير مفترض الطاعة على من كان أولى به و أن المشار إليه بالذين آمنوا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قيل برهان إفادة ولي لأولى ظاهر لغة وشرعا يقولون فلان ولي الدم و ولي الأمر و ولي العهد و ولي اليتيم و ولي المرأة و ولي الميت يريدون أولى بما هو ولي فيه بغير إشكال.

و برهان اختصاص وَلِيُّكُمُ في الآية بأولى أن وليا لا يحتمل في اللغة إلا شيئين المحبة و الأولى و لا يجوز أن يريد بالولاية في الآية المحبة لأن قوله تعالى إِنَّما وَلِيُّكُمُ خطاب لكل مکلف بر و فاجر كسائر الخطاب و كونه خطابا عاما يمنع من حمله على ولاية المحبة و النصرة لأن الله تعالى ورسوله والمؤمنين لا يوادون الكفار و لا ينصرونهم بل الواجب فيهم خلاف ذلك فبطل كون المراد بالولاية في الآية المودة و النصرة على جهة الإخبار و لا الإيجاب.

و لأنه لا يخلو أن يكون خطابا لجميع الخلق برهم و فاجرهم أو الكفار خاصة أو لجميع المؤمنين دونهم أو لبعض المؤمنين و كونه خطابا للجميع أو للكفار خاصة يمنع من كون المراد بالولاية المودة و النصرة على ما بيناه و لا يجوز أن يكون خطابا لجميع المؤمنين لأن الآية تتضمن ذكر ولي ومتول و ذلك يقتضي اختصاصها بالبعض و كونه خطابا لبعض المؤمنين يمنع من حمل الولاية على المودة و النصرة لعموم فرضها للجميع.

و لأن حرف إنَّما يثبت الحكم لما اتصل به و ينفيه عما انفصل عنه بغير تنازع بين العلماء بلسان العرب كقوله تعالى إنَّما إلهُكُمُ اللهُ أثبت الإلهية له ونفاها عمن عداه و كقوله إنَّما أمرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هذه الْبَلْدَة الَّذي حَرَّمَها خص العبادة برب البلدة و نفاها عمن عداه و قوله إنَّما أَنْتَ مُنذر على هذا الوجه.

وَ قَوْلُ النَّبيِّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِنَّمَا الأعْمَالُ بالنِّيَّات.

وَ قَوْلُهُ إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ وَ إِنَّمَا الربا في النَّسِيئَةِ وَ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.

كل ذلك يفيد إثبات الحكم للمتصل بحرف إنما و نفيه عن المنفصل إلا ما علم بدليل آخر من إيجاب الغسل من غير الماء و ثبوت حكم الربا في غير النسيئة.

و قول الفصيح إنما لك عندي درهم و إنما الفصاحة في الجاهلية و إنما الحداق البصريون على هذا النحو بغير إشكال و إذا تقرر ما ذكرناه فحرف إنَّما في الآية يفيد الولاية فيها لله تعالى و لرسوله و للمؤمنين و ينفيها عمن عداهم وذلك يمنع من حملها على ولاية المودة و النصرة المعلوم عمومها و إذا بطل أحد القسمين ثبت الآخر.

و لأن الذينَ آمَنُوا مختص ببعض المؤمنين من وجهين أحدهما وصفهم بإيتاء الزكاة و ذلك يقتضي خروج من لم يخاطب بالزكاة أو خوطب ففرط على الصحيح من المذهب عن الآية الثاني وصفهم بإيتاء الزكاة في حال الركوع في قوله وَ هُمْ راكِعُونَ لارتفاع اللبس من قول القائل فلان يجود بماله و هو ضاحك و يضرب زيدا و هو راكب و يلقى خالدا و هو ماش في أنه لا يحتمل إلا الحال دون الماضي و المستقبل ومعلوم أن هذا حكم لم يعم كل مؤمن بل لا دعوى لاشتراك اثنين من المؤمنين معينين فيه و إذا ثبت الخصوص و كان كل من قال لخصوص المؤمنين في الآية قال باختصاص الولاية بالأولى لأن خصوصها يمنع من حملها على المودة و النصرة الواجبة على الجميع.

و برهان إفادة الأولى للتدبير الأحق بالتصرف في المتولي للإمامة و فرض الطاعة ظاهر لأن هذا المعنى متى حصل بين ولي و متول أفاد فرض الطاعة لأنه لا يكون أولى به و أملك بأمره من منه بنفسه إلا لكونه مفترض الطاعة عليه إذ لا معنى لفرض الطاعة غير ذلك و وجوب ذلك للمذكور على جميع الخلق يفيد إمامته لجميعهم كإفادة قوله تعالى النبي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لذلك.

و برهان اختصاص الَّذينَ آمَنُوا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) من طرق منها وصف المذكور من إيتاء الزكاة في حال الركوع و لا أحد ادعي فيه ذلك غيره (عَلَيهِ السَّلَامُ).

و منها أنا قد بينا اختصاص الحكم ببعض المؤمنين و كل من قال بخصوصه ممن يعتد بقوله خصها بعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

و منها قيام البرهان على أن الولاية فى الآية تفيد الأولى وكل من قال بذلك خص بها عليا.

و منها تواتر الخبر من طريقي الشيعة و أصحاب الحديث بنزول الآية فيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عقيب تصدقه بالخاتم راكعا.

و منها احتجاجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك على وليه و عدوه مع عدم النكير و ارتفاع أسباب الإمساك عنه عدا الرضا و التصديق.

و منها حصول العلم لكل متكامل الأخبار بأحواله و ذريته لدعوى ذلك منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لنفسه و دعوى كافة ذريته وذلك يقتضي صدقه و صدقهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ كونهم كاذبين على الله تعالى و رسوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما لا يذهب إليه مسلم و لا قدح في شيء مما قدمنا بما رواه الشاذ من نزول الآية في ابن سلام لأنا لم نستدل بالإجماع فينا و إنما عولنا على تواتر الفريقين و لأن الإجماع على مبنى دليل لا يقدح فيه إلا ما قدح فيه و لأنه لا يخلو أن يكون ابن سلام هو المتولي في الآية و المتولى و لا يجوز أن يكون المتولى على جهة الخصوص لأنه رجوع عن عموم الآية بغير دلالة و لأن ذلك يقتضي تخصص الولاية به والإجماع بخلاف ذلك على كلا المذهبين في ولاية الآية و إن كان متوليا مع غيره فلا ينفعهم و لا يضرنا ولا يجوز أن يكون متوليا على مذهب من قال إن الولاية فيها بمعنى المودة لأن ذلك يقتضي اختصاصها بابن سلام مع حصول الإجماع بعمومها و لا على مذهب من قال إنها بمعنى الأولى لأن ابن سلام لا يستحق ذلك بإجماع فلم يبق لتوجهها إليه خاصة وجه.

و ليس لأحد أن يقدح بتضمن الآية لفظ الجمع و مدح المتصدق و وصفه بإيتاء الزكاة و علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) واحد و فقير و قاطع الصلاة بما فعله لأن العبارة عن الواحد بلفظ الجمع على جهة التعظيم ظاهر في العربية و كون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقيرا غير معلوم وإلقاؤه الخاتم في الصلاة من يسير العبث المباح فيها و لأن كثيره كان مباحا و لا طريق إلى العلم بتقدم فعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) على النسخ من تأخره عنه و لأن رسول الله رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مدحه على فعله و تمدح هوع به من غير منكر عليه و ذلك يمنع من كونه مذموما و لأنا قد دللنا على اختصاص الآية به بما لا محيص عنه مع تضمنها تعظيم المذكور فاقتضى ذلك سقوط جميع ما قدحوا به و لأن مدح المذكور فيها عن فعل تقدم و وصفه فيه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة راكعا تعريف له و تمييز من غيره و هذا واضح و المنة لله.

و منها قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ َأطِيعُوا الرَّسُولَوَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فأوجب سبحانه تعالى طاعة أولي الأمر على الوجه الذي أوجب طاعته تعالى و طاعة رسوله بمقتضى

العطف الموجب لإلحاق حكم المعطوف بالمعطوف عليه وقد علمنا عموم طاعته سبحانه و طاعة رسوله في الأعيان والأزمان و الأمور فيجب مثل ذلك لأولي الأمر بموجب الأمر و ذلك يقتضي توجه الخطاب بأولي الأمر إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأن لا أحد قال بعموم طاعته أولي الأمر إلا خص بها علياع و الأئمة من ذريته (عَلَيهِ السَّلَامُ) و إذا عمت طاعته الأمة الأزمان و الأمور ثبت كونه إماما لإجماع الأمة على إمامة من كان كذلك و عدم استحقاقه لغيره و ليس لأحد أن يقول إنا لم نعلم عموم طاعته سبحانه و رسوله بالآية و إنما علمناه بدليل آخر فدلوا على مشاركة أولي الأمر فيه بدليل غير الآية ليسلم لكم المراد لأن إطلاق لفظ الطاعة و توجه الخطاب بها إلى المخاطبين كافة الحاضرين و المتجددين إلى يوم القيامة يفيد عمومها لجميعهم في كل حال و أمر و إن لم يكن هناك دليل على هذا العموم غير هذا الظاهر لأنه لو أراد تعالى خاصا من المخاطبين أو الأزمان أو الأمور لبينه فيجب الحكم بعموم ما قلناه و لايجوز تخصيص شيء منه إلا بدليل و أيضا فحصول العلم بعموم تعالی و رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من غير الظاهر لا يقدح في استدلالنا لأن الظاهر إذا دل على ما قلناه كان مطابقا لما تقدم العلم به من عموم طاعته تعالى و رسوله و استفاد المخاطب مشاركة أولي الأمر له تعالى ولرسوله في عموم الطاعة بمقتضى العطف سواء كان ذلك معلوما بالظاهر أو بغيره و لم يجز تخصيص طاعتهم بغير دليل و إن كان الأول معلوما من وجهين و الثاني معلوم من وجه واحد و يجري ذلك مجرى حكيم قال لأصحابه تقدم لهم العلم بعموم طاعة بعض خواصه عليهم أطيعوا فلانا و أشار إليه الطاعة التي تعدونها و فلانا و أشار إلى من لم يتقدم لهم العلم بحاله في وجوب مشاركة الثاني للأول في الطاعة و عمومها بغير إشكال.

ترتيب آخر الأمة في أولي الأمر رجلان أحدهما يخص بها أمراء السرايا و هم أمراء أبي بكر و عمر و عثمان و علي و الآخر يخص بها عليا و ذريته (عَلَيهِ السَّلَامُ) المذكورين و يحكم بها على إمامتهم و إذا بطل أحد القولين ثبت الآخر ولا يجوز توجهها إلى أمراء السرايا من وجوه.

أحدها إن ظاهرها يفيد عموم الطاعة من كل وجه و طاعة أمراء السرايا مختصة بالمأمورين لهم و بزمان ولايتهم وبما كانوا ولاة فيه فطاعتهم. ما ترى خاصة من كل وجه و ما تضمنه الآية عام من كل وجه.

و منها أنه سبحانه وصف أولي الأمر بصفة لم يدعها أحد لأمراء السرايا فقال وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلَمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فحكم تعالى بكون أولي الأم ممن يوجب خبره العلم بالمستنبط و حال أمراء السرايا بخلاف ذلك.

منها أن صحة هذه الفتيا مبنية على صحة إمامة أبي بكر و عمر و عثمان و فيما مضى لنا و يأتي من الأدلة ما يقتضي فساد إمامتهم ففسد لذلك ما صحته فرع صحتها.

و منها أنه تعالى أطلق طاعة أولي الأمر كطاعته تعالى و رسوله و لم يخصها بشيء و ذلك يقتضي عصمتهم لأن تجويز القبيح على المأمور بطاعته على الإطلاق يقتضي الأمر بالقبيح أو إباحة ترك الواجب من طاعته و كلا الأمرين فاسد و لا أحد قطع بعصمة أمراء السرايا فبطل توجه الآية إليهم.

ترتیب آخر إطلاق طاعة أولي الأمر يقتضي عصمتهم لقبح الأمر مطلقا بطاعة مواقع القبيح و لا أحد قال بعصمة أولي الأمر إلا خص بها عليا و الطاهرين من ذريته (عَلَيهِ السَّلَامُ).

و منها قوله تعالى و إِذ ابتَلى إبراهيمَ رَبَّهُ بكَلمات فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جَاعِلُكَ للنَّاس إماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فنفى سبحانه أن ينال الإمامة ظالم و هذا يمنع من استحق سمة الظلم وقتا ما من الصلاح للإمامة لدخوله تحت الاسم المانع من استحقاقها.

و أيضا فإنه سبحانه أخبر بمعنى الأمر أن الظالم لا يستحقها و خبره متعلق بالمخبر على ما هو به فيجب فساد إمامة من يجوز كونه ظالما وذلك يقتضي وقوف صلاحها على المعصوم و يوجب فساد إمامة أبي بكر و عمر و عثمان و العباس لوقوع الظلم منهم و لعدم القطع على عصمتهم و إذا بطلت إمامة هؤلاء ثبتت إمامة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا قول لأحد من الأمة خارج عن ذلك و تبطل إمامتهم من الآية بأن جوابه تعالى بنفي الإمامة عن الظالم خرج مطابقا لسؤال إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ذلك يقتضي اختصاصه لمن كان ظالما ثم تاب لقبح سؤال الإمامة للكافر في حال كفره و وقوع الكفر من هؤلاء معلوم فيجب دخوله [ دخولهم] تحت النفي.

و ليس لأحد أن يقدح في بعض ما مضى بأن التائب من الظلم لا يكون ظالما لأن ظالما من أسماء الفاعلين في اللغة كقاتل و ضارب و ليس باسم شرعي و الأسماء المشتقة من الأفعال ثابتة بعد التوبة كثبوتها قبلها يقولون هذا قاتل زید و ضارب عمر و و خاذل علي و أن تابوا

مما اقترفوه و لو كان من أسماء الشرعية لقبح هذا الإطلاق بعد التوبة كفاسق و كافر و لأن العرب تصف فاعل الضرر الخالص بظالم كما تصفه الشريعة و لو كان منقلا يجري مجرى مصل و مزك لاختصاصه بعرف الشرع كذين الاسمين و إقرار الشريعة له على أصل الوضع يسقط الشبهة لأنها مبنية على قبح الوصف به بعد التوبة و ما قررته الشريعة من الأسماء على أصله لا يجوز سلبه للتائب بلا خلاف بين العلماء بأحكام الخطاب.

و أما النص الجلي من السنة.

فَقَولُهُ لعَلي بن أبي طالب صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ أنْتَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي.

و في مقام:

أَنْتَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي.

و أمره لأصحابه في غير مقام بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين و في مقامات

أنتَ الصَّدِّيقُ الْأَكْبَرُ وَالْفَارُوقُ الْأَعْظَمُ وَ ذُو النُّورَينِ الْأَزْهَرُ وَ يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَالُ يَعْسُوبُ الظُّلَمَة.

و هذه الأقوال بصريحها مفيدة استخلافه عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أمته و دالة على إمامته فيجب القطع لها على صحة ما نذهب إليه.

إن قيل لو دلوا على صحة هذه الأخبار ليتم لكم المقصود منها قيل فيما ذكرناه من الأخبار ما تواتر بنقله الخاصة والعامة و منها ما تواترت به الشيعة وضامها على نقله بعض أصحاب الحديث فالأول خبر الدار و هو

جَمَعَ النَّبِيُّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَبَني هاشم أربعينَ رَجُلًا فِيهِمْ مَنْ يَأْكُلُ الجَدَعَةَ وَ يَشْرَبُ الْفَرَقَ وَ يَصْنَعُ لَهُمْ فَخِذَ شَاةٍ بِمُدَّ مِنْ قَمْح وَ صَاعٍ مِنْ لَبَن فَأكَلُوا بِأجْمَعِهِمْ وَ شَرِبُوا وَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ بِحَالِهِ ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَقَالَ بَعْدَ حَمْد الله وَ التَّنَاء عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةٌ وَ إِلَى النَّاسِ عَامَّةٌ فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا الأَمْرِ وَيَنْصُرْنِي يَكُنْ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ وَزِيرِي وَ وارثي وَالْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ وَ قَامَ عَلِيٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ أَنَا أَوَازِرُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ اجْلِسَ فَأَنْتَ أَخِي وَ وَصِي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي.

و قد أطبق الناقلون من الفريقين على هذا كنقلهم المعجزات إذ كان من جملتها إطعام الخلق الكثير باليسير من الطعام و هو هذا اليوم و كل من روى هذا المقام روى القصة كما شرحناها و أيضا فقد أجمع علماء القبلة على يوم الدار و طريق العلم به النقل و كل نقل ورد به منتقل على ما ذكرناه من النص على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). بالأخوة و الوصية و الوزارة و شد الأزر و الخلافة من بعده فلحق هذا التفصيل بتلك الجملة إذ جحده جحد لها.

و من ذلك أمره لأصحابه بالتسليم على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإمرة المؤمنين في غير مقام و قد تناصر الخبر المتواتر بذلك من طريقي الشيعة و أصحاب الحديث من تأمل النقل وجد ذلك ظاهرا في العامة وقد قيل في ذلك أشعار معلوم إضافتها إلى قائليها كأشعار الشعراء في الجاهلية و الإسلام فمنه

قَوْلُ حَسَّان بن ثابت يَوْمَ الرَّايَةِ *** وَ كَانَ عَلَى أَرْمَدَ الْعَيْنِ يَبْتَغِي

دَوَاء فَلَمَّا لَمْ يُحس مُدَاوِياً

إِلَى قَوْله:

فَخَصَّ بهَا دُونَ الْبَريَّة كُلِّهَا *** عَليّاً وَ سَمَّاهُ الْوَزِيرَ الْمُؤَاخِيَا

و الوزارة في عرف النبوة خلافة بغير إشكال بدليل قوله وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلي أي خليفة و إماما باتفاق المفسرين و لأن اللفظ الذي تضمن الوزارة و الأخوة هو اللفظ الذي تضمن الخلافة و إنما اقتصر على ذكر بعض المنطوق به اختصارا و تعويلا على علم السامع.

و منه:

قَوْلُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِي وَ قَدْ رَكَزَ رَايَتَهُ فِي بَنِي أَسْلَمَ وَ قَالَ لَا أَبَايِعُ إِلَّا مَنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنْ أَسَلَّمَ عَلَيْهِ بإِمْرَة الْمُؤْمِنِينَ

يَا بَيْعَةً هَدَمُوا بِهَا *** اساً وَ جَلَّ دَعَائِمٌ

إِلَى قَوْلِهِ:

أمَرَ النَّبِيُّ مَعَاشراً *** هُمْ أَسْوَةً وَ لَهَازِمُ

إنْ يَدْخُلُوا فَيُسَلِّمُوا *** تَسْلِيمَ مَنْ هُوَ عَالم

إِنَّ الْوَصِيَّ هُوَ الْخَليفَةُ *** بَعْدَهُ وَالْقَائم

وقَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِي وَ قَدْ سَمِعَ أَصْوَاتَ النَّاسِ فِي السَّقِيفَة لِقَيْسِ بْنِ صَرْمَةَ وَ عِمْرَانَ بْنِ

حُصَينٍ

قولا لِأَصْلَعَ هَاشِمٍ إِنْ أَنْتُمَا *** لَاقَيْتُمَاهُ لَقَدْ حَلَلْتُ

إِلَى قَوْله:

وَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ الْغَدَاةَ بإِمْرَة *** للْمُؤْمِنينَ فَمَا رَعَتْ تَسْلِيمَهَا

يَا خَيْرَ مَنْ حَمَلَتْهُ بَعْدَ محمّد *** اُنْثَى وَ أَكْرَمَ هَاشِمِ وَ عَظِيمَهَا

نَكَتَتْ بَنُو تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ عَهْدَهُ *** فَتَبَوَّاتٌ نِيرَانَهَا وَ جَحِيمَهَا

وَ تَخَاصَمَتْ يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَ الَّذِي *** فيه الْخِصَامُ غَداً يَكُونُ خَصِيمَهَا

و طريق العلم بهذه الأشعار كسائر أشعار الشعراء و هي دالة على ثبوت النص الجلي من وجهين أحدهما: أنه لا داعي لقائلها مع ظهور الكلمة لجحد النص و تولي الأمر من دون المنصوص عليه و إخافة الدائن به إلا الصدق الثاني أنه لم يحفظ عن أحد من الأمة تكذيب لقائليها مع ارتفاع الأعذار كلها في ترك النكير.

و الثاني المختص بتواتر الشيعة الإمامية هو ما عدا خبر الدار و التسليم مما ذكرناه و مما لم نذكره وطريق العلم بتواترهم أنا نعلم و كل مخالط وجود فرقة عظيمة من الطائفة الإمامية معروفة بنقل الحديث في كل زمان إلى زمن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بنقل خلف عن سلف حتى يتصلوا بمن شوفه بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقامات.

أنتَ الخَليفَةُ من بَعْدِي وَ أَنْتَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ.

إلى غير ذلك من النص الصريح بالإمامة و بلوغ كل طبقة منهم الحد الذي يتعذر معه الكذب بتواطؤ أو اتفاق على ما بيناه في النبوات فليراع ذلك في كل شيء قدح به في نقل الشيعة عائد على نقل المسلمين و كل شيء صحح ذلك صحح هذا و تأمل ذلك يسقط ما يطالبون به من إثبات سلف للشيعة أو دعوى افتعال أو حصول كثرة بعد قلة أو سبب جامع إلى غير ذلك فليتأمل.

و وضعنا الاستدلال على الوجه الذي بيناه ليسقط ما لا يزالون يهذون به من أن النص الجلي لو كان حقا لم يقف نقله على الشيعة أو لو كان حقا لكان شائعا و يعم العلم به و يجري مجری الصلاة و الصوم و نص أبي بكر على عمر لأن تواتر العامة بخبر الدار و خبر التسليم يسقط معظم هذا الاعتراض وتواتر الفريقين به يقتضي شياعه و سقوط دعوی کتمانه و ثبوت الحجة بنقله يقتضي عموم تكليفه و وقوف العلم على الناظر دون المعرض المحجوج بالتعريف الفاقد للعلم بتقصيره إذ ليس من شرط التكليف أن يعلم وجوبه أو قبحه ضرورة بل ذلك موقوف على ما يعلمه تعالى من الصلاح للمكلف و هذا أصل مقرر بين أهل العدل لو لا ثبوته يسقط تكليف المعارف العقلية و ما يبتني عليها من الشرعيات الموقوف عليها على الاكتساب.

و خالف حال النص على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لنص أبي بكر على عمر و النص على الصلاة لأنه لا صارف عن نقل نص أبي بكر لمخالف و لا مؤالف هذا يتدين به و ذلك لا يرتفع بثبوته و لا خوف ديني و لا دنيوي في نقله كذلك حكم الصلاة والزكاة و حال النص على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على خلاف ذلك.

على أنا نعلم و هم ضرورة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم ينص على صلاة سادسة و لا على سلمان و يقطع جميعا على بهت من ادعى ذلك و كذبه و ليست هذه حالنا في دعوى النص على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإذا جاز أن يفقد النص على شيئين و يختلف حال العلم بإثباتهما.

على أنا نورد طرقا من نقل أصحاب الحديث لهذا الضرب من النص هذا الاعتراض.

فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَوْهُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِي وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس وَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَ عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمي جَميعاً عَنْ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَعَلى وَلِيُّهُ.

وَ رَوَوْا مِنْ طَرْق عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَ محمّد بْن عَلِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنَّهُ قَالَ عَلِيٌّ وَلِيُّكُمْ من بعدي.

و رَوَوْا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَ ابْنِ عَبَّاسِ وَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِي وَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ كُلِّهِمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنَّهُ قَالَ عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَ هُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِن مِنْ بَعْدِي.

رَوَوْا عَنْ عَبْد الله بن الحارث قَالَ: دَخَلَ عَلِيٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَى رَسُول اللَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ عِنْدَهُ عَائِشَةُ فَجَلَسَ بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ مَا وَجَدْتَ لاسْتكَ مَوْضعاً إِلَّا فَخذي أوْ فَخذُ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مَهْلًا لَا تُؤذيني في أخي فَإِنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدُ المُسْلِمينَ وَ أمِيرُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ يَوْمَ الْقِيَامَة يُقعدُهُ اللَّهُ عَلَى الصِّرَاطَ فَيُدْخِلُ أوْلِيَاءَهُ الْجَنَّةَ وَ أَعْدَاءَهُ النَّارَ.

وَ رَوَوْا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَمَّا أَسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ أُوحِيَ إِلَيَّ فِي عَليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أَنَّهُ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَلِينَ.

وَ رَوَوْا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اسْكَبْ لِي وَضُوءاً فَتَوَضًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْن ثُمَّ قَالَ يَا أَنَسَ يَدْخُلُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أميرُ الْمُؤْمِنينَ وَ سَيِّدُ الْمُسْلِمينَ وَ قَائد الغُرِّ الْمُحَجَلِينَ وَ خَاتَمُ الوَصِيِّينَ قُلْتُ اللّهم اجْعَلْهُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ عَلِيٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ مَنْ هَذَا يَا أنَسَ فَقُلْتُ عَليٍّ فَقَامَ مُسْتَبْشِراً وَ اعْتَنَقَهُ ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَرَقَ وَجْهه بوجهه [بوَجْه ] عَليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَقَدْ رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ الْيَوْمَ فِي شَيْئاً مَا صَنَعْتَهُ بِي قَط قَالَ وَ مَا يَمْنَعُنِي وَ أَنْتَ وَأَنْتَ تُؤَدِّي عَنِّي وَ تُسْمِعُهُمْ صَوتي وَ تُبَيِّنُ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فيه بَعْدي.

وَ رَوَوْا عَنْ رَافِعِ مَوْلى عَائِشَةَ قَالَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ بِإِنَاء مُغَطَّى فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ عَائِشَةَ فَوَضَعَتْهُ عَائِشَةُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَمَدَّ يَدَهُ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ لَيْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدُ

الْمُسْلِمِينَ يَأْكُلُ مَعِي فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَ مَنْ أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَسَكَتَ ثُمَّ جَاءَ جَاءَ فَدَقَ الْبَابِ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَرَجَعْتُ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ أَدْخِلْهُ - فَدَخَلَ فَقَالَ مَرْحَباً و أهلا والله لَقَدْ تَمَنَّيْتُكَ حَتَّى لَوْ أبْطَأتَ عَلَيَّ لَسَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَجِيتَنِي وَ بك اجلس فَكُلْ فَجَلَسَ فَأَكَلَ فَقَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَاتَلَ اللَّهُ مَنْ قَاتَلَكَ عَادَى اللَّهُ مَنْ عَادَاكَ الحديث.

وَ رَوَوْا عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَقَالَ كَانَ عَلَيَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول أ رايتم لَوْ أَنَّ نَبِی َّالله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قُبِضَ مَنْ كَانَ يَكُونُ أميرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا أَنَا وَ رُبَّمَا قِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَنظُرُ إِلَيْهِ وَ يَتَبَسم.

وَ رَوَوْا عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَاعِداً مَعَ أَصْحَابه فَرَأَى عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدُ الْمُسْلِمينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَلِينَ.

و رَوَوْا عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ محمّد بْن عَليَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عُرِجَ بِي فَانْتَهَوْا بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فِي عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثَلَاثَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ وَ إمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَلِينَ.

وَ رَوَوْا عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِي مِنْ عِدَّةَ طَرْق أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنْ نُسَلَمَ عَلَى عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإمْرَة الْمُؤْمِنينَ.

وَ مِنْ طُرُقِ أَنَّهُ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ اذْهَبًا فَسَلَّمَا عَلَى أميرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالا يَا رَسُولَ الله وَ أَنْتَ حَيٍّ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ أَنَا حَيٍّ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ مِنَ اللَّهِ أَمْ مِنْ رَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بَلْ مِنَ اللهِ وَرَسُوله.

وَ رَوَوْا عَنِ الْمَسْعُودِي عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بَيْته حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ منَ الْمُهَاجرينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ عَائِشَةُ إِلَى جَنْبه و ذلكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيْهِنَّ فَجَاءَ عَلِيٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَلَمْ يَرَ مَجْلِساً فَجَلَسَ بَيْنَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَا ابْنَ أبي طالب مَا وَجَدْتَ مَجْلِساً إِنَّا فَخِذِي فِي هَذَا الْيَوْمِ اليَوْمِ تَحُولُ بَيْنِي و بين رَسُول اللَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مَا هَذَا بأولمَا لَقيتُ مِنْكَ فَقَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بيده فَضَرَبَ كَتفَهَا فَقَالَ يا حُمَيْرَاءُ لَا تُؤذيني في وَ سَيِّد الْمُسْلِمِينَ بَعْدِي وَ أولى النَّاسِ بِالنَّاسِ بَعْدِي وَ اللَّهِ

لَيُقْعِدَنَّهُ اللهُ عَلَى الصِّرَاطِ فَلَيُقَسِّمَنَّ النَّارَ فَيَقُولُ هَذَا لِي وَهَذَا لَكَ فَيُدْخِلَنَّ اللَّهُ وَلِيَّهُ الْجَنَّةَ وَ لَيُدْخِلَنَّ عَدُوهُ النَّارَ.

وَ رَوَوْا عَنْ طَرِيف عَنِ الْأَصْبَعِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ألا أدلُكُمْ عَلَى مَا إِنْ تَمَسَّكُتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَداً بَعْدِي قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّه قَالَ هَذَا عَليٌّ أخِي وَ وَزِيري و وارثي وَ خَلِيفَتِي إِمَامُكُمْ فَأَحِبُّوهُ لِحُبِّي وَ أَكْرِمُوهُ لكَرَامَتِي فَإِنَّ جَبْرَئِيلَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَمَرَني أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ.

و روَوْا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا إِن اسْتَدلُلْتُمْ عَلَيْهِ لَمْ تَهْلِكُوا وَ لَمْ تَضِلُّوا إِنَّ إِمَامَكُمْ وَ وَلِيَّكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَوَازِرُوهُ وَ نَاصِحُوهُ وَ صَدَقُوهُ إِنَّ جَبْرَئِيلَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَمَرَنِي بِذَلكَ.

وَ رَوَوْا عَنْ عُبَيْد الله بن عبيد الله بن محمّد بن بن عمر بن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ محمّد بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَالَ لفَاطِمَةَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَا بُنَيَّةُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَشْرَفَ عَلَى أهْلِ الدُّنْيَا فَاخْتَارَ آبَاكِ عَلَى رِجَالِ الْعَالَمِينَ فَاصْطَفَانِي بِالنُّبُوَّةِ وَ جَعَلَ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ ثُمَّ أشرف ربِّي الثَّانِيَةَ فَاخْتَارَ زَوْجَكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب عَلَى رِجَالِ الْعَالَمِينَ فَجَعَلَهُ أَخِي وَ وَزِيرِي وَ خَليفَتِي فِي أَهْلي.

الحديث:

وَ رَوَوْا عَنْ مَطَرِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِنَّ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَيْرَ مَنْ أَتْرَكُ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وَ رَوَوْا عَنْ أَنَسٍ قَالَ كُنْتُ خادماً لرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَبَيْنَا أنَا أوَضيه إذْ قَالَ يَدْخُلُ وَاحِدٌ هُوَ أميرُ المُؤمِنينَ وَ سَيِّدُ المُسْلِمينَ وَ خَيْرُ الْوَصيِّينَ وَ أولى النَّاس بالنَّاس وَ أميرُ الغُرِّ الْمُحَجَلِينَ قُلْتُ اللّهم اجْعَلْهُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى قُرِعَ الْبَابِ فَإِذَا عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَلَمَّا دَخَلَ عَرِقَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَرَقاً شَدِيداً فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مِنْ وَجْهِهِ بِوَجْهِ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ اْ نَزَلَ فِي شَيْءٍ فَقَالَ أَنْتَ مِنِّي تُؤَدِّي عَنِّي وَ تُبْرِئُ دَمَتِي وَ تَبْلُغُ رِسَالَتِي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ تُبَلِّغ الرِّسَالَةَ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ تُعَلَّمُ النَّاسَ مِنْ بَعْدِي تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ مَا لَمْ يَعْلَمُوا أو تُخبِرُهُم.

وَ رَوَوْا عَنْ عَمْرُو الْمُسْلِي قَالَ سَمِعْتُ جَابِراً الجُعْفِي يَقُولُ أَخْبَرَنِي وَصِيُّ الْأَوْصِيَاءِ قَالَ دَخَلَ عَلِيٍّ، عَلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ عِنْدَهُ عَائِشَةُ فَجَلَسَ قَرِيباً مِنْهَا فَقَالَ يَا عَائِشَةُ لَا تُؤْذِينِي فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيّدِ الْمُسْلِمِينَ يَقْعُدُ غَداً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الصِّرَاطِ فَيُدْخِلُ أَوْلِيَاءَهُ الجَنَّةَ وَ أَعْدَاءَهُ النَّارَ.

وَ رَوَوْا عَنْ أبِي الْمُنْذِرِ الْهَمْدَانِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أبِي بَرزَةَ الْأَسْلَمِي قَالَ كُنَّا إِذَا سَافَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانَ عَليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) صَاحِبَ مَتَاعه فَإِنْ رَأى شَيْئاً يَرْمُهُ رَمَّهُ وَ إِنْ كَانَتْ نَعْلُ حَصَفَهَا فَنَزَنَا مَنْزِنَا فَأَقْبَلَ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِخَصْفِ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ دَخَلَ أَبو بَكْرٍ فَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ اذْهَبْ فَسَلَّمْ عَلَى أميرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ أَنْتَ حَيٍّ قَالَ وَ أَنَا حَيٍّ قَالَ وَ مَنْ ذَلِكُمْ قَالَ خَاصِفُ النَّعْلِ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اذْهَبْ فَسَلَّمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ بُرَيْدَةً وَ كُنْتُ أَنَا فِيمَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَسَلَّمَ عَلَى عَليَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَسَلَّمْتُ عَلَيْه كَمَا سَلَمُوا وَ رَوَوْا عَنْ حَبِيبِ بْنِ يَسَارِ وَ عُثْمَانَ بْنِ نسيطة [بَسِيطَةٌ ] مِثْلَهُ وَ عَنْ أبي بُرَيْدَةَ مِثْلَهُ.

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ لِعَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَا عَلِيُّ مَنْ أَطَاعَكَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَ مَنْ أطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَاكَ فَقَدْ عَصَانِي وَ مَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ.

و رَوَوْا عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ زَاذَانَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ص يوم عَرَفَةَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ بَاهَى بِكُمُ الْيَوْمَ لَيَغْفِرَ لَكُمْ عَامَّةً وَ يَغْفِرُ لِعَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) خَاصَّةٌ فَقَالَ ادْنُ مِنِّي يَا عَلِيُّ فَدَنَا فَأَخَذَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ السَّعِيدَ كُلَّ السَّعِيدِ حَقَّ السَّعِيدِ مَنْ أطَاعَكَ وَ تَوَكَاكَ مِنْ بَعْدِي وَ إِنَّ الشَّقِيَّ كُلَّ الشَّقِيِّ حَقَّ الشَّقِيِّ مَنْ عَصَاكَ وَ نَصَبَ لَكَ الْعَدَاوَةَ من بعدي.

وَ رَوَوْا عَنْ أبي أيُّوبَ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ بَاهَى بِكُمْ فِي هَذَا اليَوْمِ فَغَفَرَ لَكُمْ عَامَّةً وَ غَفَرَ لِعَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) خَاصَّةٌ فَأَمَّا الْعَامَّةُ فَفِيهِمْ مَنْ يُحْدِثُ بَعْدِي أحداثاً وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَ أَمَّا الْخَاصَّةُ فَطَاعَتُهُ طَاعَتِي وَ مَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي.

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي [ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ لِعَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَا عَلِيُّ مَنْ خَالَفَكَ فَقَدْ خَالَفَنِي وَ مَنْ خَالَفَنِي فَقَدْ خَالَفَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ.

وَ رَوَوْا عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ إِلَّا وَ قَدْ وَصَلَ وُدِّي إِلَى قَلْبِهِ وَ مَا وَصَلَ وُدِّي إِلَى قَلْبِ أَحَدٍ إِلَّا وَصَلَ مِنْ وُدُّ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَى قَلْبِهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَبَ يَا عَلِيُّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُبْغِضُكَ يُحِبُّنِي حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثَاً.

و هذه نصوص صريحة على فرض طاعة علي كالنبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ذلك مقتض لإمامته لأنه لا أحد يثبت طاعته كالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا من يثبت إمامته و على كونه خليفة من بعده و ولي أمره و أولى الخلق بأمته و سيد المسلمين و أمير المؤمنين قد نقلها من ذكرنا و أضعافهم من رجال العامة كل منها مقتض بصريحه النص عليه بالإمامة.

و أما النص المعلوم مراده منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالاستدلال فخبرا تبوك والغدير و طريق العلم بهما كبدر و أحد و حنين و غزوة تبوك و حجة الوداع وصفين و الجمل لأن كل ناقل لغزوة تبوك ناقل لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي.

و كل من نقل حجة الوداع نقل نزول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بغدير خم و جمع الناس به و قيامه فيهم خطيبا و تقريره الأمة على فرض طاعته و قوله بعد الإقرار منهم.

مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلى مَوْلَاهُ.

كما أن كل من روى بدرا روى مبارزة علي و حمزة و أبي عبيدة لشيبة و عتبة و الوليد و قتل الثلاثة و كل من روى أحدا روى قتل وحشي حمزة بن عبد المطلب (عَلَيهِ السَّلَامُ) و كل من روى الجمل روى قتل طلحة و الزبير و عقر الجمل و هزيمة أنصاره و كل من روى صفين نقل قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه [و] ذي الكلاع الحميري لعنه الله و رفع المصاحف و حصول العلم بهذا التفصيل لكل مخالط متأمل للسير و الآثار كالجمل و إذا كان العلم بخبري تبوك و الغدير جاريا مجرى ما ذكرناه من الوقائع المعلومة على وجه يقبح الخلاف فيه لم يحتج إلى استدلال على إثباتهما كما لم يحتج إليه في شيء من الوقائع و ما ذكرناه من تفصيل الحادث فيها.

هذا مع علمنا و كل متأمل للروايات بثبوت ذين الخبرين في نقل من لم يرو المغازي ممن يقوم الحجة بنقله من الخاصة والعامة فشاركا لعامة الوقائع في النقل و استبدا بنقل متواتر

من الشيعة و أصحاب الحديث فيجب الحكم بتساوي الطريق إلى العلم بالجميع إن لم يحكم لما ذكرناه بالزيادة لما بينا له من المزية على الوقائع و ليس لأحد أن يقول إن الأمر لو كان كذلك لاشترك في العلم به العامي و الخاص لأن العلم به ليس من كمال العقل فيجب القول بعمومه و إنما يحصل للمخالط المتأمل للآثار على الوجه الذي ذكرناه دون البعيد عنهما كأمثاله من المعلومات التي يعلم العلم بها من خالط العلماء و تأمل النقل و لا يحصل للمعرض كتفصيل ما جرى في بدر و أحد و الجمل وصفين و تبوك و حجة الوداع و كون الركوع والسجود و الطواف و الوقوف بعرفة من أركان الصلاة و الحج و تعلق فرض الزكاة بأنواع التسعة و إيجاب تعمد الأكل والشرب و الجماع في الصوم بالقضاء و الكفارة إلى باقي أحكام هذه العبادات و ما ثبت تحريمه من المأكل و المشارب و المناكح و المعايش و أحكام البيوع و الشهادات و القصاص و المواريث و المعلوم ضرورة من دينه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وجوبها مع وجودنا أكثر العامة وقطان البدو والسواد جاهلين بجميعها أو معظمها لتشاغلهم بما بينهم من المعايش و الأغراض الدنيوية فإن كان جهل العامي المعرض عن سماع النقل بخبري الغدير و تبوك قادحا في عموم علمهما لكل مخالط متأمل للآثار كجهل من ذكرنا من العوام و أهل البدو والسواد و الجند و الأكراد بما يعم العلم به من تفاصيل الحروب الدينية و الأحكام الشرعية قادح فيما أجمع عليها المسلمون منها و عم العلم به لكل مخالط متأمل وهذا ما لا يطلقه أحد من العلماء لعظيم ما فيه و إن كان جهل هؤلاء الحاصل فيهم لتشاغلهم عن مخالطة العلماء و إعراضهم عن سماع النقل و الفتيا غير قادح في عموم العلم بما اتفق العلماء عليه و علم من دينه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الشرعيات لم يقدح جهل العوام وطغام الناس بخبري تبوك والغدير في ثبوتهما و عموم العلم بهما.

و لذلك لا نجد أحدا من علماء القبلة قديما و حديثا ينكرهما و لا يقف في صحتهما كما لا يشك في شيء من الأحكام المجمع عليها و إن خالف في المراد بهما.

و لا يقدح في هذا ما حكاه الطبري عن ابن أبي داود السجستاني من إنكار خبر الغدير بل ذلك يؤكده لأنه لا شبهة في عموم العلم بما انقضت الأعصار خالية من منكر له مع ثبوت الاحتجاج به على أكثر أهلها و وقوف دعوى إنكاره على واحد لا ثاني له قد سبقه إجماع

أهل الأعصار وتأخر عنه إذ بهذا تميزت المعلومات العامة من غيرها و لم يقدح فيها بعد استقرارها و انقراض العصر بفتيا صحتها و اتفاق العلماء على عموم الحجة بها حدوث مخالف فيها بل أطرح الكل قوله لو لا ذلك لبطلت الشريعة جملة إذ لا معلوم منها إلا وقد حدث من يخالف فيه على أن المضاف إلى السجستاني من ذلك موقوف على حكاية الطبري مع ما بينها من الملاحاة و الشنئان و قد أكذب الطبري في حكايته عنه و صرح بأنه لم ينكر الخبر و إنما أنكر أن يكون المسجد بغدير خم متقدما و صنف كتابا معروفا يعتذر فيه مما قرفه به الطبري و يتبرأ منه و ما يجري حاله في الثبوت هذا المجرى الذي لا يمكن دعوى مخالف فيه إلا واحد اجتمع عليه العلماء بخلافه و يعتذر هو مما أضيف إليه و يكذب الحاكي عنه الذاهب إليه مستغن عن إقامة حجة على صحته.

و ليس لأحد أن يقول فإذا كان العلم بخبري تبوك و الغدير عاما فلم فزع أكثر سلفكم إلى إيراد الأسانيد بهما و إثبات طريق النقل لهما و أي حاجة فيما عم العلم به كبدر و حنين إلى ترتيب نقل.

لأن العلماء من سلفنا و خلفنا رضي الله عنهم لم يعولوا في إثبات ذين الخبرين إلا على ما ذكرناه و إنما نبهوا في الاستدلال على الطريق وصفة التواتر تأكيدا للحجة و تنبيها للمعرض على الطريق التي يعم العلم بتأملها و جروا في ذلك مجرى من يسأل بيان العلم بصفة حجة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هل هي قرآن أو إفراد أو تمتع و أعيان المخلفين عن غزاة تبوك و هل كانت ذات حرب أم لا و بقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يوم أحد دون غيره و بقتل عتبة و شيبة و الوليد ببدر في فزعه إلى الإشارة إلى كتب أصحاب السيرة وطرق الناقلين لذلك لا يجد مندوحة عنه إذ هو الطريق الذي منه لحق التفصيل بالجمل في عموم العلم و لذلك يجد كل من لم يخالط العلماء و يسمع الأخبار و يتأمل الآثار من العوام و أهل السواد و الأعراب و أشباههم لا يعلم شيئا من ذلك و لا يكون التنبيه لهم على طريق العلم بما نقله الرواة و أصحاب السير من تفاصيل ما جرى قادحا في عموم العلم بها لكل متأمل للآثار كذلك حال المنبه من شيوخنا رضي الله عنهم على طرق الناقلين و المشير إلى صفات

المتواترين بخبري تبوك و الغدير للمعرض عن سماع ذلك ليس بقادح فيما بيناه من عموم العلم بهما للمتأملين.

على أن بإيراد ما نقله أصحاب الحديث من الخاصة والعامة حصل للسامع العلم بهما كما ينقل الرواة للمغازي حصل العلم بها لكل سامع و كيف يكون التنبيه على طريق عموم العلم بالمنقول قادحا فيه لو لا الغفلة.

و إذا كانت الحجة ثابتة بهما على الوجه الذي ذكرناه تعين فرض النظر فيهما ليعلم المراد بهما و متى فعل هذا الواجب دل فاعله على كون كل منهما دالا على إمامة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من وجوه.

أما خبر تبوك فإنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دل به على أن علياع منه بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة في الحال التي استثنى فيها ما لم يرد ثبوته لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من النبوة وذلك يقتضي ثبوت ما عداها من منازل هارون لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد وفاته و دال على استخلافه له بهذا القول من وجوه منها أن من جملة منازل هارون (عَلَيهِ السَّلَامُ) كونه خليفة لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بني إسرائيل و قد نطق بذلك القرآن في قوله سبحانه و قالَ مُوسى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأصْلِحْ الآية و أجمع عليه المسلمون فيجب كون علي من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و عليهما كذلك إذ لا فرق بين أن يقول فيه أنت الخليفة من بعدي و بين أن يقول أنت مني بمنزلة هارون من موسى مع علم المخاطب بكون هارون خليفة لموسى كما لافرق بين قول الملك الحكيم لمن يريد استيزاره أنت وزيري أو أنت مني بمنزلة فلان من فلان المعلوم كونه وزيرا له.

و منها أن من جملة منازل هارون كونه مفترض الطاعة على كافة بني إسرائيل فيجب كون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذلك وذلك يوجب إمامته إذ لا فرق بين أن يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنت الخليفة من بعدي أو إمام أمتي أو المفترض الطاعة عليهم أو أنت مني بمنزلة هارون من موسى مع علم السامع و الناظر بكون هارون مفترض الطاعة على كافة بني إسرائيل.

منها أن من جملة منازل هارون كونه مستحقا لمقام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) باتفاق فيجب أن يكون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)كذلك إذ لا فرق بين أن يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنت مستحق لمقامي أو أنت مني بمنزلة هارون المعلوم استحقاقه لمقام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).

و ليس لأحد أن يقدح فيما ذكرناه بأن الاستحقاق و فرض الطاعة و الاستخلاف كان لهارون بالنبوة وقد استثناها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيجب أن يلحق بها في النفي ما هو موجب عنها.

لأنا نعلم عدم وقوف الاستخلاف و فرض الطاعة على النبوة لصحة استحقاق ذلك من دونها و المعلوم ثبوت الاستحقاق و الاستخلاف و فرض الطاعة لهارون (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لا سبيل إلى العلم بوجهه.

على أنه لو سلم لهم ذلك لم يضرنا لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) جمع في الاستحقاق فيجب الحكم بمشاركتهما فيه و إن اختلف جهتاه إذ كان اختلاف جهات الاستحقاق لا يمنع من المشاركة فيه بغير إشكال و إنما كان يكون في كلامهم شبهة لو كان فرض الطاعة و الخلافة لا يثبتان إلا لنبي ليكون استثناء النبوة استثناء لهما و المعلوم خلاف ذلك فليس استثناؤها يقتضي استثناء المنازل الثابتة بها و إلا لم يكن في كلام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فائدة لأنه لا يبقى شيء من منازل هارون يصح إثباته لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حسب ما تضمنه لفظ النبي و دل منه على مراده و ذلك مما لا يصح وصفه به فلم يبق إلا القول بثبوت منازل هارون له بعد النبوة أو بها و ليس في استثنائها استثناء المنازل ليصح مقصود النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و ليس لأحد أن يقول المحبة و النصرة غير موجبين عن النبوة كالخلافة وفرض الطاعة الثابتين عنها فإذا استثناهما باستثناء مقتضيهما بقيت المحبة و النصرة فتخصص مراده بهما وذلك يخرج كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن العبث.

لأن المحبة و النصرة كالخلافة و فرض الطاعة في صحة كونهما موجبين عن النبوة كصحة كون الخلافة وفرض الطاعة ثابتين بغير النبوة إذا كانت هذه القضية واجبة فمطلق قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بتناول جميع المنازل الهارونية إلا ما استثناه من النبوة التي لا يدل استثناؤها على استثناء بعض المنازل دون بعض لصحة استحقاق الكل بها و خروج ثبوت الجميع عن مقتضاها فلو أراد بعض ما عدا المستثنى لوجب عليه بيانه و في إطلاقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و إمساكه عن الإبانة بتخصيص مراده ببعض المنازل دليلا على إرادته الجميع.

و أيضا فإن المحبة و النصرة معلوم ضرورة لكل سامع مقر بالنبوة و منكر لها ثبوتها لعلي من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلا فائدة أيضا إذا في إ(عَلَيهِ السَّلَامُ) ما لا يدخل في معلومه شبهة على أن ذلك لو صح أن يكون مرادا مع بعده و قصده النبي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لنص عليه خاصة و لم يحتج إلى إطلاق لفظ موهم

له و لغيره مع عدم الإبانة و لا يجوز أن يقال على هذا لو أراد الخلافة لنص عليها بعينها و لم يحتج إلى قول يحتملها و غيرها لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد بما قاله الخلافة و ما عداها من المنازل الهارونية عدا النبوة و لو نص على الخلافة أيضا لم يستفد من نصه غيرها فافترق الأمران المنة لله.

و ليس لهم أن يقولوا لو أفاد الخبر فرض الطاعة و الاستخلاف لكان ثابتا في حياته كثبوت ذلك لهارون من موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) و الإجماع بخلاف ذلك.

لأن الخبر إذا كان مفيدا للاستخلاف بما أوضحناه وجب حمله على عرف الاستخلاف وقد علمنا أنه لا يفهم من قول الملك لغيره أنت خليفتي و القائم مقامي إلا بعد وفاته.

و أيضا فإن الخبر إذا وجبت به إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على كل حال فمنع الإجماع من ثبوتها في حال الحياة بقيت أحوال بعد الوفاة. و بعد فإنا قد أوضحنا أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أفصح في كلامه بمراده فأغنى الناظر عن هذا القدح بقوله إلا أنه لا نبي بعدي فنفى النبوة بعده فاقتضى ذلك أن يكون ما عدا المستثنى ثابتا في الحال التي نفي فيها ما لم يرده من المنازل فناب ذلك مناب قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنت مني بعد وفاتي بمنزلة هارون من موسى في حياته لأن إطلاق الاستحقاق و فرض الطاعة يتناول زماني الحياة و الوفاة فإذا استثنى ما لم يرده من المنازل التي لو لا الاستثناء لكانت ثابتة في حال بعد الوفاة اختص مراده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بها دون حال الحياة لأنه لا فرق بين قول القائل لصاحبه اضرب غلماني يوم الخميس إلا زيدا و بين قوله اضرب غلماني إلا زيدا يوم الخميس في تخصيص أمره بإيقاع الضرب بالمأمور بهم بيوم الخميس و لا يجوز حمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدي على بعد نبوتي لأنه رجوع عن الظاهر الذي لا يفهم من إطلاقه إلا بعد الوفاة.

كَقَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً.

أوْ كَقَوْله لَعَليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) سَتَغْدِرُ بكَ الْأُمَّةُ بَعْدِي.

وَ قَوْله تُقَاتِلُ بَعْدِي النَّاكثينَ وَ الْقَاسِطينَ وَالْمَارِقِينَ.

في إفادة ذلك أجمع بعد الوفاة بغير إشكال.

و لأن الخبر قد أفاد فرض الطاعة و الإمامة فمنع ذلك من حمله على ما قالوه.

و لأنه لا أحد قال إن الخبر يفيد الإمامة إلا قال بثبوتها بعد وفاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) و قد دللنا على اختصاص إفادته لذلك و لو سلم ما قالوه لاقتضى استحقاق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإمامة و فرض الطاعة في كل حال انتفت فيه النبوة من بعد ثبوتها له و لا يخرج من ذلك إلا ما أجمع عليه المسلمون.

و لا يعترضنا قولهم إن لفظ منزلته لفظ توحيد و أنتم تحملونها على جملة منازل لأن القائل قد يعبر عمن له عدة منازل من السلطان فيقول منزلة فلان من السلطان جليلة و هو يريد الجميع و يوضح ذلك ثبوت الاستثناء مع قبح دخوله في لفظ الواحد إذ كان من حقه أن يخرج من الجملة ما تعلق به و تبقى ما عداه و إذا ثبت أن لفظ منزلة متناول لعدة منازل بدلیل دخول الاستثناء الذي لا يدخل إلا على الجمل فكل من قال بذلك قال إن الخبر مفيد للإمامة.

و ليس لأحد أن يقول إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو أراد الخلافة لشبهه بيوشع لأنا قد بينا دلالة الخبر على الخلافة مع تشبيهه بهارون فاقتضى ذلك سقوط السؤال إذ كان الاقتراح في الأدلة باطلا.

على أن لعدوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بتشبيهه بهارون عن يوشع وجهين أحدهما أن خلافة هارون منطوق بها في القرآن و مجمع عليها و خلافة يوشع مقصورة على دعوى اليهود العرية من حجة الثاني أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصد مع إرادة النص على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإمامة إيجاب باقي المنازل الهارونية من موسى له منه من النصرة و شدة الأزر و المحبة و الإخلاص في النصيحة و التأدية عنه و لو شبهه بيوشع لم يفهم منه إلا الخلافة فلذلك عدل إلى تشبيهه بهارون (عَلَيهِ السَّلَامُ).

و أما خبر الغدير فدال على إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) من وجهين أحدهما أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قرر المخاطبين بما له عليهم من فرض الطاعة

بقوله ألَسْتُ أُولَى بِكُمْ مِنْكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ.

فلما أقروا قال عاطفا من غير فصل بحرف التعقيب.

فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلى مَوْلاهُ.

و ذلك يقتضي كون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشاركا له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في كونه أولى بالخلق من أنفسهم و ذلك مقتض لفرض طاعته عليهم و ثبوتها على هذا الوجه يفيد إمامته بغير شبهة.

إن قيل دلوا على أن من جملة أقسام مولى أولى و أنها في الخبر مختصة به و أن أولى يفيد الإمامة.

قيل أما كون أولى من جملة أقسام مولى فظاهر في العربية ظهورا لا يدخل في [فيه] شبهة على أحد عرفها لثبوتها من جملة أقسامها و حصول النص منهم عليها كالمالك و المملوك و نص أهلها على كونها من جملة الأقسام كهما و قد نطق القرآن بذلك في قوله تعالى مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ يريد أولى بكم و قوله سبحانه و لكُلِّ جَعَلْنا مَوَاليَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان و الأقربون يريد أولى بالميراث بغير خلاف بين علماء التأويل و لأنه لا تحتمل لفظة مولى في الآيتين إلا الأولى على أن اشتقاق أقسام مولى يرجع إلى الأولى على ما بينته و ذلك يوجب حملها عليه لكونها حقيقة في الأولى دون سائر الأقسام.

و أما كونها مقصودة في الخبر دون سائر الأقسام فمن وجهين أحدهما أنها الأصل لسائر أقسام مولى فيجب حمل مطلقها عليها كخطاب سائر الحكماء الثاني اتفاق العلماء بالخطاب على أن تقديم البيان على المجمل و طريق المخاطبين على المراد به أبلغ في الإفهام من تأخيره.

يوضح ذلك أن مواضعة المكلف سبحانه على معنى صلاة وزكاة قبل الخطاب بهما أبلغ في البيان من تأخير ذلك عليه و أن قول القائل لمن يريد إفهامه أ لست عارفا بأخي زيد الفقيه و داري الظاهرة بمحلة كذا فإذا قال بلى قال فإن أخي ارتد و داري احترقت أبلغ في الإبانة عن مراده من تأخير هذا البيان عن قوله ارتد أخي و احترقت داري لوقوع العلم بمقصوده مع الخطاب الأول في الحال و تراخيه مع الثاني و لاختلاف العلماء فيما يتأخر بيانه و هل هو بيان له أم لا و اتفاقهم على كون ما تقدم بيانه مفيدا للعلم بالمراد حين يسمع المجمل و إذا تقرر هذا و کنا و خصومنا و کل عارف بأحكام الخطاب متفقين على أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو قال بعد قوله:

مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلى مَولاهُ.

أردت بمولى أولى لم يحسن الشك في إرادته بلفظة مولى أولى و لم يستحق المخالف فيه جوابا إلا التنبيه على غفلته فتقديمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) التقرير على الأولى و إتيانه بعده بالمجمل أبلغ في بيان مراده من التقرير الأول على ما أوضحناه من ذلك.

ليس لأحد عرف الخطاب أن يقول دلوا على أن الكلام الثاني مبني على الأول و أن الأول بيان له لأن دخول الفاء المختصة بالتعقيب في الكلام الثاني يوجب تعلقه بالأول على أخص الوجوه و تعلقه به مع احتماله لو انفرد له و لغيره من المعاني دليل على كونه بيانا له لأن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فمن كنت مولاه متعلق بقوله ألست أولى بكم بمقتضى العطف و تعلقه به يقتضي إرادة مولى لترتبه عليه و كونه بيانا له وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) إثر ذلك فعلي مولاه جار هذا المجرى فيجب إلحاقه به و الحكم له بمقتضاه.

و أما إفادة الأولى للإمامة فظاهر لأن حقيقة الأولى الأملك بالتصرف الأحق بالتدبير يقولون فلان أولى بالدم و بالمرأة و باليتيم و بالأمر بمعنى الأحق الأملك فإذا حصل هذا المعني بين شخص و جماعة اقتضى كونه مفترض الطاعة عليهم من حيث كان أولى بهم من أنفسهم في تقديم مراداته و إن كرهوا و اجتناب مكروهاته و إن أرادوا و على هذا خرج قوله تعالى النَّبي أولى بالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ و عليه قررهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و إذا وجب مثله للمنصوص عليه به وجبت طاعته على الوجه الذي كان له (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وجوبها على هذا الوجه يقتضي إمامته بغير نزاع و بهذا التحرير تسقط شبهة من يظن اختصاص أولى بشيء دون شيء أو بحال دون حال أو مكلف دون مكلف لأن ترتبها على ما قرره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من فرض الطاعة الثابت عمومها للمكلفين و الأحوال و الأمور يوجب المشاركة له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في جميع ذلك و لأنه لا أحد قال إن مراده بمولى أولى إلا قال بإيجاب طاعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الجميع و عمومها للأحوال و الأمور.

و الوجه الثاني من الاستدلال أن مجرد.

قَوْله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَليٍّ مَوْلاهُ.

يدل على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد الأولى المفيد للإمامة لما قررناه من وجوه ثلاثة منها أن لفظة مولى حقيقة فی الأول لاستقلالها بنفسها و رجوع سائر الأقسام في الاشتقاق إليها لأن المالك إنما كان مولى لكونه أولى بتدبير رقيقه و بحمل جريرته والمملوك مولى لكونه أولى بطاعة مالكه و

المعتق و المعتق كذلك و الناصر لكونه أولى بنصرة من نصره و الحليف لكونه أولى بنصرة حليفه و الجار لكونه أولى بنصرة جاره و الذب عنه و الصهر لكونه أولى بمصاهره و الأمام و الوراء لكونه أولى بمن يليه و ابن العم لكونه أولى بنصرة ابن عمه و العقل عنه و المحب المخلص لكونه أولى بنصرة محبه و مواده.

و إذا كانت لفظة مولى حقيقة في الأولى وجب حملها عليها دون سائر أقسامها كوجوب ذلك في سائر الخطاب الجاري هذا المجرى.

الثاني أن لفظة مولى لو كانت مشتركة بين سائر الأقسام و غير مختصة ببعضها لوجب حمل خطابه صبها على جميع محتملاتها إلا ما منع مانع كوجوب مثل ذلك في خطاب مشترك فقدت الدلالة من المخاطب به علی تخصص مراده ببعض محتملاته.

الثالث أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جمع الخلق لهذا الأمر و أظهر من الاهتمام به ما لم يظهر منه في شيء مما أتى به و لا بد لذلك من غرض مثله لأن خلوه من غرض أو غرض مثله عبث و سفه و لا يجوز وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) به و لا يجوز أن يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) المالك و لا المملوك و لا المعتق و لا المعتق و لا الحليف و لا الجار و لا الأمام و لا الوراء و لا الصهر لحصول العلم الضروري بخلاف ذلك أجمع و لا يجوز أن يريد ابن العم لأنه لا فائدة فيه لحصول العلم به قبل خطابه و لا يجوز أن يريد ولاية المحبة و النصرة لوجوبهما على كافة المسلمين فلا وجه لتخصيصه عليا بها فلم يبق إلا الأولى الأحق بالتدبير الأملك بالتصرف.

و ليس لأحد أن يحمل مراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلفظة مولى على الموالاة على الظاهر و الباطن حسب ما وجب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المخاطبين من وجوه منها أن طريقته المقدمة يمنع منه و منها كون مولى حقيقة في أولى يجب لها حمل المراد عليها حسب ما بيناه و منها وجوب حمل اللفظ المحتمل للأشياء على جميع محتملاته فلو كان ما ذكروه مما يحتمله لفظة مولى لوجب دخوله تحت المراد من غير منافاة لإرادة الأولى.

و منها أن الموالاة على الباطن ليست من أقسام مولى في لغة العرب المخاطبين بها فلا يجوز حمل خطابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما لا يفيد مطلقه من غير مواضعة تقدمت و لا بيان تأخر. و منها أنه لو كانت هذه الولاية من جملة الأقسام لوجب لو أرادها أن يقول من كان مولاي فهو مولى لعلي

لأنه و علياع هو المتوليان على الظاهر والباطن دون المخاطبين فلما خرج خطابه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعكس ذلك استحال حمل مولى في الخبر على ولاية الباطن و الظاهر لو كان ذلك شائعا في اللغة لأنه يقتضي كون النبي و علي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هما المتوليان للمخاطبين على الظاهر والباطن و هذا ظاهر الفساد.

على أن الحامل لمخالفينا على هذا التأويل المتعسف تخصيص علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما لا يشركه فيه غيره حسب ما اقتضت الحال و الولاية على الظاهر والباطن حاصلة لجماعة من الصحابة باتفاق فمنع ذلك من تخصيص علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها لو كان الخطاب محتملا لها اللّهم إلا أن يريدوا ولاية خاصة لا يشرك النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيها غير علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليكون فيكون ذلك تسليما منهم الإمامة بغير شبهة.

إن قيل فطريقكم من هذا الخبر يوجب كون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إماما في الحال و الإجماع بخلاف ذلك قيل هذا يسقط من وجوه أحدها أنه جرى في استخلافه عليا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على عادة المستخلفين الذين يطلقون إيجاب الاستخلاف في الحال و مرادهم بعد الوفاة و لا يفتقرون إلى بيان لعلم السامعين بهذا العرف المستقر.

و ثانيها أن الخبر إذا أفاد فرض طاعته و إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على العموم و خرج حال الحياة بالإجماع بقي ما عداه.

و ليس لأحد أن يقول على هذا الوجه فألحقوا بحال حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أحوال المتقدمين على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنا إنما أخرجنا حال الحياة من عموم الأحوال للدليل [و لا دليل] على إمامة المتقدمين و سنبين ذلك في ما بعد و لأن كل قائل بالنص قائل بإيجاب إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بلا فصل فإذا كان دالا على النص بما أوضحنا سقط السؤال و وجب إلحاق الفرع بالأصل.

و ثالثها أنا نقول بموجبه من كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفترض الطاعة على كل مكلف و في كل أمر و حال منذ النطق به و إلى أن قبضه الله تعالى إليه و إلى الآن و موسوما بذلك و لا وما بذلك و لا يمنع منه إجماع لاختصاصه بالمنع من وجود إمامين و ليس هو في حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كذلك لكونه مرعيا النبي

(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و تحت يده و إذا كان مفترض الطاعة فقط لثبوته للأمراء و إنما كان كذلك لأنه لا يد فوق يده و هذا لم يحصل إلا بعد وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

مراعاة أمير المؤمنين القوم لا تقدح في إمامته:

و لا يمكن القدح في ثبوت إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإمساكه عن النكير ومبايعته للقوم و إظهار التسليم و حضور مجالسهم و الصلاة خلفهم و أخذ عطائهم و النكاح عطائهم و النكاح من سبيهم و إنكاح عمر ابنته و قول العباس له عند وفاة النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أ لا يدخل بنا إليه فنسأله هل لنا في هذا الأمر شيء و لو كان النص ثابتا لم يجهله العباس و امتناعه بعد وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مبايعة العباس و أبي سفيان و هما سيدا بني عبد مناف و دخوله في الشورى و تقلده الأمر بعد عثمان بالاختيار و تحكيم الحكمين.

لأن هذه الأمور أجمع غير قادحة في شيء من أدلة النص و مع ذلك فهي ساقطة على أصول المسئول عنها و السائل و لا شبهة فى سقوط ما هذه حاله من الشبه وسقوط فرض الإجابة عنه.

أما سلامة النص من القدح بها فلسلامة الظواهر الدالة عليه من الكتاب و السنة منها إذ كانت أجمع لا يخرج شيئا من نصوص الكتاب و السنة عن اقتضائه للنص بغير شبهة على متأمل و سلامة الظاهر من القدح بشيء مما ذكر مقتض للمصير إلى موجبها من القول بإمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) و سقوط اعتراضهما بشيء لا تعلق له بهما و لأن ثبوت النص على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإمامة يقتضي ثبوت إمامته بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و إلى حين وفاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ثبوت ذلك في هذه الحال يقتضي القطع على استمرار عدالته فيها لو لم تكن العصمة من شروط الإمامة و الحكم لجميع أفعاله بالحسن لإجماع الأمة على فساد إمامة الإمام بما يقع من فسق فسقط لذلك أيضا جميع ما اعترضوا به و لم يبق إلا الرجوع إلى المنازعة في ظواهر النصوص فيكون ذلك رجوعا لما سلموه و إسقاطا لما اعترضوا به و هو المقصود و استئنافا لاعتراض النصوص المحروسة بالحجة من كل شبهة على ما سلف بيانه و المنة لله سبحانه.

و أما سقوط هذه الاعتراضات على أصولنا فما بيناه من كون النص بالإمامة كاشفا عن عصمة المنصوص عليه و لا شبهة في سلامة الأفعال المعصوم من القدح و الحكم لجميعها بالحسن

و بعد معترضها عن الصواب و أما سقوطها على أصولهم فلأنهم قد أجمعوا أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) من رؤساء المجتهدين و ممن لا يعترض اجتهاده باجتهاد واحد سواه و من كانت هذه حاله فغير ملوم في شيء من اجتهاداته عند أحد منهم و لا مأزور عند الله تعالى فكيف يوسع لمن هذه أصوله و اعتقاداته في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يقدح في عدالته بما اجتهد فيه مع قولهم بصواب كل مجتهد و إن بلغ غاية في التقصير لو لا قلة الإنصاف.

و ليس لهم أن يقولوا لسنا نخطئه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شيء مما ذكرناه و إنمانافينا به ما تدعونه من النص عليه.

لأنهم متى لم يفرضوا قبح هذه الأمور مع تسليم النص لم يصح القدح بها في إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ لا قدح بشيء من الأفعال الحسنة في إمامة منصوص عليه و لا مجتاز على أن هذه الأفعال إذا كانت حسنة عند الجميع فلا منافاة بينها و بين النص الكاشف عندنا عن عصمة المنصوص علیه و عن علو رتبته في الاجتهاد عندهم و ليس بموجب عليه عندنا و لا و لا عندهم تقلد الأمر على كل حال و إنما يتعين هذا الفرض بشرط التمكن المرتفع بالاضطرار إلى سقوطه و ما تبعه من الأمور المذكورة و غيرها فكيف ظن مخالفونا في الإمامة منافاة النص لما ذكروه من الأمور لو لا بعدهم عن الصواب على أنا نتبرع بذكر الوجه في جميع ما ذكروه مفصلا و إن كنا مستغنين عنه بما ذكرناه.

أما ترك النكير ففرضه متعين بمجموع شروط يجب على مدعي تكاملها في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إقامة البرهان بذلك و هيهات أن الممكن فعله من النكير قد أدلى به (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو التذكار و التخويف و التصريح باستحقاقه الأمر دونهم و ما زاد على ذلك من المحاربة موقوف على وجود الناصر المفقود في الحال بغير إشكال و كيف يظن به (عَلَيهِ السَّلَامُ) تمكنا من حرب المتقدمين عليه من رآه لا يستطيع الجلوس في بيته دونهم لو لا قبيح العصبية و شديد العناد.

و أما البيعة فإن أريد بها الرضا فمن أفعال القلوب التي لا يعلمها غيره تعالى بل لا ظن بها فيه لفقد أمارتها و ثبوت ضدها و إن أريد الصفقة باليد فغير نافعة لا سيما مع كونها واقعة عن امتناع شدید و تخلف ظاهر و تواصل إنكار عليه و تقبیح لفعله و موالاة مراجعه بتحديد

تارة وتخويف أخرى و تحشيم و تقبيح إلى غير ذلك مما هو معلوم و دلالة ما وقع على هذا الوجه على كراهية المبايع واضحة.

و أما إظهار التسليم فعند فقد كل ما يظن معه الانتصار و لهذا صرح (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند التمكن من القول بوجود الأنصار بأكثر ما في نفسه من ظلم القوم له و تقدمهم عليه بغير حق و سنورد طرفا منه فيما بعد إن شاء الله و ذلك مانع من وقوع تسليمه عن رضا.

و أما حضور مجالسهم فللأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المتمكن منه و تنبيه الغافل و إرشاد الضال و تعليم الجاهل و استدراك الفائت و هذا أمور يختص به (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجوبها مضافا إلى غيرها تمكن منها و منع من تلك فوجب عليه فعل ما تمكن منه و يسقط عنه فرض الممنوع منه.

و أما الصلاة خلفهم فلا دلالة على كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقتديا بهم لكون الاقتداء من أفعال القلوب و لأنه أقرأ القوم و أفقههم فلا يجوز له الاقتداء بهم حسب ما نص عليه شارع الجماعة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و لأنه إمام الذي لا يجوز التقدم عليه ولا يجوز له اتباع رعيته فهذه أصولنا الموافقة للأدلة يمنع من كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقتديا بغيره فأما أصول القوم فإنهم يجيزون الصلاة خلف الفاسق فكيف تكون صلاة المسلم خلف أبي بكر دلالة على إمامته أو فضله أو قادحة في عدالة المصلي أو إمامته لو لا غفلة السائل و جهله بأصوله و أصول خصمه.

و أما أخذ العطاء فليسوا بذي مال يخصهم إعطاؤه و إنما هو مال الله الذي جعله لأنصار الإسلام و أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) زعيم النصرة و أحق الأنصار به على أن فرض تصريف هذا المال مردود إليه جملة فتمكنه من البعض لا يقتضي رضاه بالمنع من البعض الآخر و لو كان العطاء من مالهم لم يدل على صواب رأيهم في الإمامة بإعطائه ولا خطاء علي بأخذه كسائر العطايا.

و أما نكاحه من سبيهم فبنو حنيفة لا يعدون أمرين أما كونهم مستحقين المسبي في الملة أو غیر مستحقین و كونهم مستحقين يقتضي إباحة تملك سبيهم و إن كان السابي ظالما ليس بإمام و لا بمأموم عدل لو لا ذلك يحرم نكاح المسبي في كل زمان لا إمام فيه منصوص عليه و لا مجتاز و قد أجمع المسلمون على خلاف ذلك و كونهم غير مستحقين يقتضي كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

عاقدا على خولة الحنفية لكونه عالما بما يحل و يحرم و ممن لا يقدم على ما يعلمه حراما باتفاق.

و أما مناكحة عمر فالتقية المبيحة للإمساك عن النكير لما فعلوه من تقلد أمر الإمامة مبيحة لذلك لكونه مستصغر في جبنه على أن حال عمر في خلافه لا تزيد على حال عبد الله بن أبي السلول و غيره من المنافقين وقد كانوا يناكحون في زمن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لإظهار الشهادتين و انقيادهم للملة و هذه حال عمر و علم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالدليل كفر عمر كعلم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالوحي كفر ابن أبي السلول و غيره فكما لم يمنع ذلك من مناكحتهم فكذلك هذا.

و أما ما روي عن العباس من قوله لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ادخل بنا إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الحديث فغير معلوم فيلزم تأوله والأشبه أن يكون كذبا من حيث كان ظاهره يقتضي جهل العباس رضي الله بالنص المعلوم لنا اليوم و لمن يتجدد إلى يوم القيامة حسب ما وضحت الحجة به لكل متأمل لا يجوز على العباس جهلها على أنه لو كان ثابتا لكان الوجه في سؤاله لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) است(عَلَيهِ السَّلَامُ) النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن الأمر و هل يصير إلى المستحق له بالنص أم يدفع عنه فامتنع (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ذلك لعلمه بإ(عَلَيهِ السَّلَامُ) النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) له بخروج الأمر عنه إلى القوم المخالفين لما أمر به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من خلافته عليهم لئلا يخبر به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ظاهرا فيظن من لا بصيرة له أن ذلك نص فتحصل شبهة فلذلك ما عدل عن إجابة العباس رضي الله عنه إلى ما سأل و ليس في امتناعه عليه و لا قول العباس له دلالة على عدم النص لما بيناه من ثبوته و احتمال قول العباس لما يوافق الثابت بالأدلة و أما امتناعه من بيعة العباس و أبي سفيان فلأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأى بشاهد الحال فسادا في بيعتهم إما لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو بايع للزمه القيام بما لا ناصر له عليه أو لخوف ضرر ممن تم له السلطان بمظاهرته بالمناقشة له في سلطانه ببيعة ذين الرجلين المعظمين في قومهما ألا ترى إلى لجاجهم في بيعته خوفا منه و إلجائه إليها مع إظهار الإمساك و لزوم منزله فكيف به لو علم كونه مبايعا لنفسه فلذلك ما عدل عن بيعتهما.

و أما دخوله في الشورى فللضرورة الداعية إلى ذلك إذ كان العاقد لها موجبا على القوم الذين يخبرهم الدخول فيها و هو ممن قد علمت حاله قد علمت حاله و شديد إقدامه و تهجمه على مخالفه و ليحتج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) القوم بمناقبه و ذرائعه إلى الخلافة و ما أنزل الله فيه و ذكره رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

من النصوص الدالة على إمامته و ما كان متمكنا لو لا دخوله في الشورى من ذلك فصار دخوله لهذا الوجه واجبا ليس يقدح في إمامته و لا منصوب لعاقد الشورى و ليتوصل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالدخول مع القوم إلى القيام بما جعل إليه النظر فيه من الأمور الدينية التي من أوضح برهان على ما تقولها الشيعة من مشاركة عمر للقوم في سوء الرأي في الإسلام و و أهله و اتفاقهم على عداوة النبوة و أهلها و المتحققين بولايتها لمن أنصف نفسه و تأمل هذه الحال و منها يمينه سالما مولى أبي حذيفة و إخباره أنه لو كان حيا ما يخالجه في تقليده أمر الإمامة شك و خطاؤه في هذا من وجوه أولها أنه إخبار عن إيجابه إمامة سالم من غير روية و لا مشاورة مع العلم بأن فعله ليس بحجة و إيجاب ما ليس على إيجابه دليل قبيح.

و ثانيها أنه نقيض لاحتجاجه يوم السقيفة على الأنصار باختصاص الإمامة بقريش و مبطل لإمامة أبي بكر المبنية على سقوط حجة الأنصار بالقربى و إمامته لكونها فرعا لإمامة أبي بكر بإجماع و مفسد للظاهر من مذاهب الخصوم في مراعاة القرشية في صفات الإمام.

ثالثها حصول العلم الضروري بفساد رأي من رجح سالما على علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) و العباس رضي الله عنه و المختارين للشورى و وجوه بني هاشم و أعيان المهاجرين و الأنصار في شيء من أحواله فضلا عن جميعها و من تأمل خطاب هذا القائل علم أن مقصوده الوضع من الصحابة و القرابة و استخفافه بأقدارهم و تهاونه بنكيرهم عليه و قلة فكره بالمناقضة بينهم بأدنى تأمل.

و رابعها أنه تحقيق لما ترويه الشيعة من تقدم المعاهدة منه و من صاحبه و أبي عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة على نزع هذا الأمر من بني هاشم لو قد مات محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو لا ذلك لم يكن ليمينه سالما و إخباره عن فقد الشك فيه مع حضور وجوه الصحابة و أهل السوابق و الفضائل والذرائع التي ليس لسالم منها شيء وجه يعقل و كذلك القول في يمينه أبا عبيدة بن الجراح على الرواية الأخرى و ليس لأحد أن يجعل سكوت الصحابة عنه دلالة على صوابه فيما ذكرناه عنه من المطاعن عليه.

لأن السكوت لا يدل على الرضا بجنب الاحتمال لغيره و هو هاهنا محتمل للخوف و حصول المفسدة كاحتماله للرضا فلا يجوز القطع إلا بدلالة و لأن البرهان واضح يخطبه فيما قدمناه

و الأمر ظاهر على وجه لا لبس فيه من المناقصة للظاهر و التحجر و الأمر بقتل من لا يستحق القتل على رأي أحد و إيجاب قول المشهود له بضعف الرأي و الدين و يمين الموالي الفجار و الشك في وجوه الأبرار فلا اعتبار في شيء من ذلك بسكوت محتمل. على أن تأمل هذا يوضح عن فساد طريقتهم في كون الإمساك عن النكير حجة في الدين لحصوله مع ما يعلم قبحه بقريب من الاضطرار.

في دفن الرجلين مع النبي في حجرته:

و مما يعم الرجلين أمرهما بالدفن مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حجرته وفيه ترك لتوقيره عن ضرب المعاول لديه لثبوت حرمته بعد الوفاة كالحياة.

و فيه أن هذه الحجرة لا يخلو أن يكون موروثة كما نقول أو صدقة كما يقولون و كونها موروثة يقتضي قبح التصرف فيها بغير إذن الوارث و لم يستأذناه بغير شبهة و كونها صدقة يمنع من التصرف فيها على كل حال كسائر الصدقات و دعوى كونها لعائشة باطل من وجوه منها أن الظاهر كونها ملكا له (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لا دلالة بانتقالها.

و منها قوله تعالى لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبي - فأضاف البيوت إليه و لأن المعلوم أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما هاجر إلى المدينة ابتاع مكان مسجده و حجرته فبناه فلما وصل أهله و أزواجه أنزل كلا منهم منازله.

و منها أنه لم يرو أحد إيذان عائشة بدفن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بيت سكناها و لو كان بيتا لها لم يدفن إلا بإذنها و منها أن غاية ما يتعلق به في ذلك دعوى عائشة و قد ردوا دعوى فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) و هي أعدل و قوله سبحانه و قَرْنَ فِي بُيُوتِكُن - يفيد السكني بدليل تناول هذا الإطلاق لجميع الأزواج و لا أحد يدعي ملكا لواحدة منهن عدا عائشة.

بعض مطاعن الثالث:

و أما مطاعن الثالث فأمور كثيرة منها رده الحكم بن أبي العاص بعد نفي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إياه و إباحة دمه متى دخل دار الإسلام وإقرار المتقدمين ذلك النفي و إدخاله المدينة على مراغمة من بني هاشم و سائر المسلمين و اتخاذ ابنه مروان بطانة و بسط يده و رواية في أمور المسلمين و إعطاؤه خمس إفريقية مع ظهور حاله و سوء ر سوء رأيه في الإسلام و أهله.

و منها تقليده المشهورين بالفسق و التهمة على الإسلام أمور المسلمين كالوليد بن عقبة بن أبي معيط المشهود له و لسائر نسله بالنار للإخوة التي بينهما على الكوفة وتوقفه عن عزله مع ظهور فساده في الولاية و مجاهرته بالفسق و توقفه عن إقامة الحد عليه مع إقامة الشهادة بشرب الخمر و إتيانه المسجد وصلاته بالناس و هو سكران و تقليد سعيد بن العاص بعد عزله الوليد و إقراره على الولاية مع عظيم الشكاية لجوره و قبيح سيرته و قوله إنما هذا السواد بستان لقريش إلى أن أخرجه المسلمون منها قسرا مراغمة لعثمان و رده بعد ذلك واليا عليهم و منعهم له من دخول الكوفة بالاضطرار و تقليد عبد الله بن عامر بن كريز على البصرة للخولة التي بينهما و عبد الله بن أبي سرح على مصر للرضاعة التي بينهما و يعلى بن أمية و يقال ابن منية على اليمن وأسيد بن الأخنس بن الشريق على البحرين لكونه ابن عمته.

و عزل المأمونين من الصحابة على الدين المختارين الولاية المرضين السيرة و هذا من عظيم المنكرات.

و منها استئثاره بمال الله تعالى و تفريقه في بني أمية و تفضيلهم في العطاء على المهاجرين و الأنصار و في هذا ما فيه.

و منها تمزيق المصاحف و تحريقها و طرحها في الحشوش و هذا ضلال.

و منها استخفافه بعبد الله بن مسعود و أمره بضربه بغير جرم حتى كسرت أضلاعه بالضرب و موته من ذلك و هو من وجوه الصحابة.

و منها ضرب عمار بن ياسر لإنفاذه وصية ابن مسعود حتى فتق و إغماؤه من الضرب يوما و ليلة.

و منها إخراج أبي ذر إلى الشام لأمره بالمعروف ثم حمله من الشام لإنكاره على معاوية خلافه للكتاب و السنة مهانا معسفا و استخفافه به و نیله من عرضه و تسميته بالكذاب مع شهادة النبي صله بالصدق و نفيه عن المدينة إلى الربذة حتى مات بها رحمه الله تعالى مغربا.

و منها استخفافه بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين أنكر عليه تكذيب أبي ذر و منها عزل عبد الله بن الأرقم عن بيت المال لما أنكر عليه إطلاق الأموال لبني أمية بغير حق.

و منها قوله لعبد الرحمن بن عوف یا منافق و هو الذي اختاره و عقد له و منها حرمانه عائشة و حفصة ما كان أبو بكر و عمر يعطيانهما و سبه لعائشة وقوله وقد أنكرت عليه الأفاعيل القبيحة لئن لم تنتهي لأدخلن عليك الحجرة سودان الرجال و بيضانها.

و منها هدر دم الهرمزان و جفينة قتيلي ابن عمر و اعتذاره من ذلك بأن الناس قريبو عهد بقتل أبيه.

و منها حماية الكلاء و تحريمه على المسلمین و تخصصه به و منع غلمانه الناس منه و تنكيلهم بمن أراده.

و منها ضربه عبد الله بن حذيفة بن اليمان حتى مات من ضربه لإنكاره عليه ما يأتيه غلمانه إلى المسلمين في رعي الكلاء.

و منها أكله الصيد و هو محرم مستحلا وصلاته بمنى أربعا و إنكاره متعة الحج مع إجماع الأمة على خلاف ما فعل.

وَ مِنْهَا ضَرَبَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَنْبَلِ الْجُمَحِيَّ وَ كَانَ بَدْرِيَا مِائَةَ سَوْطٍ وَ حَمْلُهُ عَلَى جَمَلٍ به يُطَافُ به في المدينة لإنكاره عَلَيْهِ الْأَحْدَاثَ وَ إِظْهَارِه عُيُوبَهُ فِي الشَّعْرِ وَ حَبْسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُوثَقاً بِالْحَدِيدِ حَتَّى كَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ وَ عَمَّارٍ مِنَ الْحَبْسِ

ابلغ عَلِيّاً وَ عَمَّاراً فَإِنَّهُمَا *** بمَنْزل الرشد إِنَّ الرَّشْدُ مُبْتَدرُ

لَا تَتْرُكَا جَاهلًا حَتَّى يُوَقِّرَه *** دينُ الإِلَه وَ إِنْ هَاجَتْ به مَرَرُ

لَمْ يَبْقَ لِي مِنْهُ إِلَّا السَّيْفُ إِذْ عَلَقَتْ *** حَبَائِلُ الْمَوْتِ فِينَا الصَّادقُ الْبَرَرُ

يَعْلَمُ بِأَنِّي مَظْلُومٌ إِذَا ذُكِرَتْ *** وَسْطُ النَّدَى حِجَاجُ الْقَوْمِ وَالْعُدْرُ.

فَلَمْ يَزَلْ عَليَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعثمَانَ يُكَلِّمُهُ حَتَّى حَلَّى سَبِيلَهُ عَلَى أَنْ لَا يُسَاكَنَهُ بِالْمَدِينَةِ فَسَيَّرَهُ إِلَى خَيْبَرَ فَأَنْزَلَهُ قَلْعَةٌ بهَا تُسَمَّى الْقَمُوصُ فَلَمْ يَزَلْ بهَا حَتَّى نَاهَضَ الْمُسْلِمُونَ عُثْمَانَ وَ سَارُوا إِلَيْه من كُلِّ بَلَد فَقَالَ فِي الشِّعر:

لَوْ لَا عَلَيَّ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْقَذَنِي *** عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْأَغْلَال وَ الصَّفَد

لَمَا رَجَوْتُ لَدَي شَدَّ بجَامعَة *** يمنى يَدَيَّ غِيَاتُ الْقَوْتِ مِنْ أَحَدٍ

نَفْسِي فَدَاءُ عَليَّ إِذْ يُخلصني *** من كافر بعدَ مَا أَغْضَى عَلَى صَمَد

منها تسيير حذيفة بن اليمان إلى المدائن حين أظهر ما سمعه من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيه و أنكر أفعاله فلم يزل يعرض بعثمان حتى قتل.

و منها نفي الأشتر و وجوه أهل الكوفة عنها إلى الشام حين أنكروا على سعيد بن العاص و نفيهم من دمشق إلى حمص.

و منها معاهدته لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وجوه الصحابة على الندم على ما فرط منه و العزم على ترك معاودته و نقض ذلك و الرجوع عنه مرة بعد مرة و إصراره على ما ندم منه عاهد الله تعالى و أشهد القوم على تركه من الاستئثار بالفيء و بطانة السوء و تقليد الفسقة أمور المسلمين.

و منها كتابه إلى ابن أبي سرح بقتل رؤساء المصريين و التنكيل بالأتباع و تخليدهم الحبس لإنكارهم ما يأتيه ابن أبي سرح إليهم و يسير به فيهم من الجور الذي اعترف به و عاهد على تغييره.

و منها تعريضه نفسه و من معه من الأهل و الأتباع للقتل و لا يعزل ولاة السوء.

و منها استمراره على الولاية مع إقامته على المنكرات الموجبة للفسخ و تحريم التصرف في أمر الأمة و ذلك تصرف قبيح لكونه غير مستحق عندهم مع ثبوت الفسق.

ما يقدح في عدالة القوم:

و مما يقدح في عدالة الثلاثة قصدهم أهل بيت نبيهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتحيف و الأذى و الوضع من أقدارهم و اجتناب ما يستحقونه من التعظيم.

فمن ذلك أمان كل معتزل بيعتهم ضررهم و قصدهم عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالأذى لتخلفه عنهم و الإغلاظ له في الخطاب و المبالغة في الوعيد و إحضار الحطب لتحريق منزله و الهجوم عليه بالرجال من غير إذنه و الإتيان به مليبا و اضطرارهم بذلك زوجته و بناته و نسائه و حامته من بنات هاشم و غيرهم إلى الخروج عن بيوتهم و تجريد السيوف من حوله و توعده بالقتل إن امتنع من بيعتهم و لم يفعلوا شيئا من ذلك بسعد بن عبادة و لا بالخباب بن المنذر و غيرهما ممن تأخر عن بيعتهم حتى مات أو طويل الزمان.

ذلك و من ردهم دعوى فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشهادة علي و الحسنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و قبول دعوى جابر بن عبد الله في الجنينات و عائشة في الحجرة و القميص و النعل و غيرهما.

و منها تفضيل الناس في العطاء و الاقتصار بهم على أدنى المنازل.

و منها عقد الرايات و الولايات المسلمة القبح و المؤلفة قلوبهم و مكيدي الإسلام من بني أمية و بني مخزوم و غيرهما و الإعراض عنهم و اجتناب تأهلهم لشيء من ذلك.

و منها موالاة المعروفين ببغضهم و حسدهم و تقديمهم على رقاب العالم كمعاوية و خالد و أبي عبيدة و المغيرة و أبي موسى و مروان و عبد الله بن أبي سرح و ابن كريز و من ضارعهم في عداوتهم و الغض من المعروفين بولايتهم و قصدهم بالأذى كعمار و سلمان و أبي ذر و المقداد و أبي بن كعب و ابن مسعود و من شاركهم في التخصص بولايتهم (عَلَيهِ السَّلَامُ).

و منها قبض أيديهم عن فدك مع ثبوت استحقاقهم لها على ما بيناه و إباحة معاوية الشام و أبي موسى العراق و ابن كريز البصرة و ابن أبي سرح مصر و المغرب و أمثالهم من المشهورين بكيد الإسلام و أهله.

و تأمل هذا بعين إنصاف يكشف لك عن شديد عداوتهم و تحاملهم عليهم كأمثاله من الأفعال الدالة على تميز العدو من الولي و لا وجه لذلك إلا تخصصهم بصاحب الشريعة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في النسب وتقدمهم لديه في الدين و تحققهم من بذل الجهد في طاعته و المبالغة في نصیحته و نصرة ملته بما لا يشاركون فيه و في هذا ما لا يخفى ما فيه على متأمل.

القسم الثاني في المثالب:

[النكير على أبي بكر و عمر و أمور متفرقة]

و مما يقدح في عدالتهم: ما حفظ عن وجوه الصحابة و فضلاء السابقين و التابعين من الطعن عليهم، و ذمّ، أفعالهم و التصريح بدمهم و تصريحهم هم بذلك عند الوفاة، و تحسّرهم على ما فرط منهم.

فأما أقوال الصحابة والتابعين القادحة في عدالتهم:

[نكير أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)]

ما حفظ عن علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من التظلم منهم، و التصريح و التلويح بتقدمهم عليه بغير حق في مقام بعد مقام.

كَقَوْله حينَ أرَادُوهُ بالبيعة لأبي بَكْرِ: وَ اللَّهِ [أَنَا] لَا أَبَايِعُكُمْ وَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِالْبَيْعَة لي.

وقولهُ (عليه السلام): يَا ابْنَ أمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي.

وقَولُهُ (عليه السلام) في عدة مَقَامَات: لَمْ أزَلْ مَظْلُوماً - أَوْ مَا زِلْتُ مَظْلُوماً - مُنْذُ قُبض رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وقَوْلُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): ظُلِمَتِ الْحَجَرُ وَ الْمَدَرُ.

وجَوَابُهُ (عليه السلام) لِمُعَاوِيَةَ: زَعَمْتَ لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتَ وَ عَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتَ، وَ إِنِّي كُنْتُ أَقَادُ إلى بيعَتَهُمْ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوش أمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذَمَّ فَمَدَحْتَ، وَ مَا عَلَى الْمُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ مَظْلُوماً إِذَا لَمْ يَكُنْ شَاكَاً في دينه وَ لَا مُرْتَاباً فِي يَقِينه، وَ لَقَدْ قَالَ نُوحٌ: رَبِّ إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، وَ قَالَ لُوطٌ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدِ..

فصرّح بظلم القوم له و وضوح عذره بقصور يده عن الانتصار منهم.

وجَوَابُهُ لَهُ فِي هَذَا الكتاب: وَ لَقَدْ بَارَا مَنْ قَدَّمَتْ وَ فَضَّلَتْ بَنُو قَيْلَةَ يَوْمَ السَّقِيفَة، فَاحْتَجُوا بالْقُرْبَى فَانْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِرَسُولِ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَنَحْنُ أَحَقُّ بِهِ، أَوْ لَا فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهَا..

فصرّح أنّ القوم المتقدمين عليه لا يعدون أن يكونوا ظالمين له و الأنصار.

وقَوْلُهُ (عليه السلام) في خُطبته المَشْهُورَة بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ وَ قَدْ أهْلَكَ اللهُ الْجَبَابِرَةَ عَلَى أَفْضَلِ أَحْوَالِهِمْ وَ آمَنِ مَا كَانُوا، وَ مَاتَ هَامَانُ وَ هَلَكَ فِرْعَوْنَ وَ قُتِلَ عُثْمَانُ، أَلَا وَ إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَيَوْمَ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِ نَبِيِّكُمْ.

فكنّى عن الأول بهامان، و عن الثاني بفرعون، وصرّح بذكر عثمان لارتفاع التقية عنه في أمره، لمشاركة السامعين له في الطعن عليه و شبه حالهم و المتبعين لهم كيوم بعث فيه محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و هذا صريح بالتضليل.

وقَالَ (عليه السلام) فِيهَا: وَ لَقَدْ سَبَقَني فِي هَذَا الْأَمْرِ مَنْ لَمْ أشْرِكْهُ فِيهِ، وَ مَنْ لَمْ أَهَبُهُ لَهُ، و من لَيْسَ لَهُ مِنْهُ تَوْبَةً إِلَّا بِنَبيَّ يُبْعَثُ، أَلَا وَ لَا نَبِيَّ بَعْدَ محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، أَشْرَفُ مِنْهُ عَلَى شَفا جرف هار، فَانْهارَ به في نار جهنم.

فصرح بأن المتقدم عليه تقدم من غير استحقاق و لا إذن من المستحق، و أنه أتى بذلك ما لا يغفر إلا بنبي يبعث، فغلق الغفران بما لا يكون، و لم يكتف بذلك حتى أخبر أنه أشرف منه على شفا جرف هار، و لم يرض بذلك حتى قال: فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

وَ قَالَ فِيهَا: وَ لَقَدْ مَضَتْ مِنْكُمْ أمُورُ وَ سَلَفَتْ مِلْتُمْ عَلَيَّ فِيهَا مَيْلَةٌ وَاحِدَةً، كُنتُمْ فِيهَا غَيْرَ مَحْمُودِي الرَّأْيِ، أمَا لَوْ [1] شَاءُ أنْ أقُولَ لَقَلتُ: سَبَقَ الرَّجُلَانِ، وَ قَامَ الثَّالِثُ كَالْغُرَابِ همتهُ بَطْنُهُ، وَ فَرْجُهُ أمله [وَيْلَهُ، لَوْ قُصَّ جَنَاحَاهُ وَ قُطِعَ رَأْسُهُ كَانَ خَيْراً لَهُ، شُغِلَ عَنِ الْجَنَّةِ، وَ النَّارُ أمَامَهُ.

فأخبر (عليه السلام) بتحاملهم عليه و ظلمهم جميعا له، و أنّ الثالث يلي بذلك السابقين إلى ظلمه.

وقَوْلُهُ (عليه السلام) في خُطْبَته الوَسيلَة وَ لَئِنْ تَقَمَّصَهَا دُونِيَ الْأَشْقَيَانِ، وَ نَازَعَانِي فِيمَا لَيْسَ لَهُمَا بِحَقِّ وَ هُمَا يَعْلَمَان فَرَكبَاهَا ضَلَالَةٌ وَ اعْتَقَدَاهَا جَهَالَةٌ، فَلَبِئْسَ [ما] عَلَيْه وَرَدًا، وَ بِئْسَ مَا لأنفُسهما مَهَّدَا، ببلاغتان [ يَتَلَاعَنَان] من مَحَلَّهمَا، وَ يَبْراً كُلٌّ منهما من صاحبه بقَوْله لقَرينه إذا التَقَيَا: يا لَيْتَ بَيني وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ.

وقَولُهُ فِيهِمَا: وَ لَيْسَ رَتَعَا فِي الحُطَامِ الْمُتَصَرِّمِ وَ الْغُرُورِ الْمُنْقَطِعِ، وَ كَانَا مِنْهُ عَلَى شَفَا مِنَ الأَجَلِ وَ مَنْدُوحَةٍ مِنَ الْأَمَلِ، فَقَدْ أَمْهَلَ اللَّهُ شَدَّادَ بْنَ عَادٍ وَ بَلْعَمَ بْنَ بَاعُورًا وَ ثَمُودَ بْنَ عَبُودِ، وَ

أسْبَغَ عَلَيْهِم نعمه ظاهرة وباطنَةٌ حَتَّى إِذَا أَتَتْهُمُ الْأَرْضِ بَرَكَاتِهَا أَخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ أرْدَتْهُ الخَسْفَةُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ أحْرَقَتْهُ الظُّلْمَةُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ أهْلَكَتْهُ الرَّجْفَةُ، وَ ما كَانَ اللَّهُ لَيَظْلِمَهُمْ وَ لكنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، وَ لَمْ يَكُنْ حَالُ الظَّالِمِينَ كَحَفْقَة أَوْ وَميض بَرْقَة، حَتَّى لَوْ كُشَفَ لَكَ عَمَّا هَوَ [ى إِلَيْهِ الظَّالِمُونَ وَ آلَ إِلَيْهِ الْأَخْسَرُونَ لَهَرَبْتُ إِلى اللهِ عَزَّ دَكْرَهُ ممَّا هُمْ فِيهِ مُقِيمُونَ، خِزْيٌ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدَّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

و هذا نص جلّي منه (عليه السلام) على ضلال المتقدمين عليه.

وقَولُهُ (عليه السلام) فِي خُطْبَةِ الشَّقْشِقِيَّةِ: وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُ القُطب مِنَ الرَّحَا، يَنْحَدِرُ مِنْهُ السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيْهِ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا تَوْباً، وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وَ طَفَقْتُ أرتَئى بَيْنَ أنْ أصُولَ بيد جَدَاءَ، أَوْ أصْبرَ عَلَى طَحْيَة أَرْتَنِي عَمْيَاءَ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَيْكَ أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذِى وَ فِي الْحَلْقِ شَجاً أرَى تُراثي نَهْباً.

فعدل (عليه السلام) عن تسمية المتقدّم عليه و تكنيته وتلقيبه بما تدعى له من الألقاب الحسنة إلى أقبح الألقاب، و ذلك غاية في الاستخفاف به، وصرّح بأنه تولى الأمر دونه مع علمه بكونه منه كالقطب من الرحى الذي لا يتم صلاحها من دونه، مع كونه في الذروة منه التي ينحدر عنها السيل و لا يرقى إليها الطير لعلوها، و أنه ظل مرتئيا في الصولة بالظالم مع عدم الناصر المعبر عنه بقصر اليد، أو يصبر على العظيمة، و أنه رجح الصبر من حيث كانت الصولة بغير ناصر لا ترفع ظلما و تؤثر هلاك الصائل، ثم وصف حاله صابرا في عينه القذا و في حلقه الشجا، و ذلك موكد لما قلناه.

مر في كلامه مصرحا بالتظلم من الثاني والثالث، و وصف خلافتيهما بالضلال كالأول.

و وَ قَالَ: فَلَمَّا نَهَضْتُ بالْأمْر نَكَتَتْ طَائِفَةٌ وَقَسَطَتْ شَرْدَمَةً وَ مَرَقَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: تلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلْها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ العاقبَةُ للمُتَّقِينَ، بَلَى وَ الله لَقَدْ سَمعُوهَا وَ لَكنْ حُلَيت الدُّنْيَا في أعينهمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا، أما وَ الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ لُزُومُ الحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ

اللهُ عَلَى وَلَاةِ الْأَمْرِ أَنْ لَا يُقَارُوا عَلَى كِفَةٍ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومِ، فَالْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَ لَسَقَيْتُ آخرَهَا بكَأس أولَهَا، وَلَألْفَوا دُنْيَاهُمْ أَهْوَنَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَة عَنْز.

فوصفهم بإيثار الدنيا على الآخرة على وجه يوجب على المتمكن من ذلك منعهم بالقهر و سوى بينهم و بين المتقدمين عليه بجعلهم آخرا لأولهم، وصرّح باستحقاق الجميع الموافقة عن الظلم و إيثار العاجلة على الآجلة، و أنه إنما أمسك عن أولئك و قاتل هؤلاء لعدم التمكّن هناك لفقد الناصر، وحصوله هاهنا لكثرته، و هذا تصريح منه (عليه السلام) بظلم القوم له.

وقَولُهُ (عليه السلام) فِي رِسَالَتِهِ إِلَى ابْنِ حُنَيْف: بَلَى قَدْ كَانَتْ لَنَا فَدَكَ مِنْ جَمِيعِ مَا أَظَلَّهُ الْفَلَكُ، فَشَحَتْ فِيهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسِ آخَرِينَ..

فهذا نص على ظلم الآخذين لفدك منه و من آله عليهم السلام.

وقَوْلُهُ (عليه السلام) الْمَشْهُورُ: أنا أنْفُ الْهُدَى وَ عَيْنَاهُ ألَا أُنَبِّئُكُمْ بِحَاجِبِي الضَّلَالَةِ، تَبْدُو مَخَازِيهِمَا فِي آخرِ الزَّمَان.

وقَولُهُ (عليه السلام): وَ اللَّهِ، لَأَخَاصِمَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَ اللَّهِ لَيَقْضِيَنَّ لِيَ اللَّهُ عَلَيْهما.

وقَولُهُ (عليه السلام) الْمُسْتَفِيضُ: بَايَعَ وَ اللَّهِ النَّاسُ أَبَا بَكْرِ وَ أَنَا أُولَى بِهَا مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا، فَكَظَمْتُ غَيْظِي وَ انْتَظَرْتُ أَمْرَ رَبِّي وَ الْزَقْتُ كَلْكَلِي بِالْأَرْضِ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ هَلَكَ وَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ، وَقَدْ وَ اللَّهِ عَلِمَ أَنِّي أولى النَّاسِ بِهَا مِنّي بقميصي هَذَا، فَكَظَمْتُ غَيْظي وَ انْتَظَرْتُ أَمْرَ ربِّي، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ هَلَكَ وَ جَعَلَهَا شُورَى، وَ جَعَلَنِي سَادِسَ سِتَّة كستهم [كَسَهُم] الْجَدَّةِ، وَ قَالَ اقْتُلُوا الْأَقَلَّ، وَ مَا أَرَادَ غَيْرِي، فَكَظَمْتُ غَيْظِي وَ انْتَظَرْتُ أَمْرَ رَبِّي وَ الْزَقْتُ كَلْكَلِي بِالْأَرْضِ وقَولُهُ (عليه السلام): قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) [وَ] أنا أولى بِالنَّاسِ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا، وَ إِنَّ أوَّلَ شقْصِنَا إِبْطَالُ حَقْنَا مِنَ الحُمُسِ، فَلَمَّا رَبَّ أَمْرُنَا طَمِعَتْ رُعْيان اليهم [البهم] مِنْ قُرَيْشٍ فِينَا، وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ الْهُدَى بِالْأَبْرَارِ.

في كلام طويل.

و هذا تصريح منه (عليه السلام) بكونه أولى الناس بالأمر، و أن المتقدم عليه ظالم.

و منه مارُوِيَ عَنِ الْأَصْبَعِ بْنِ نُبَاتَةَ، وَ عَنْ رَشَيْد الْهَجَرِي، وَ عَنْ أَبِي كُدَيْنَةَ الْأَسَدِي، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ عَليَّ (عليه السلام) بِأسَانِيدَ مُخْتَلِفَة قَالُوا: كُنَّا جُلوساً في المَسْجِد إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنَ الْبَابِ الصَّغير يُهْوِي بيده عَنْ يَمِينِهِ يَقُولُ: أَ مَا تَرَوْنَ مَا أَرَى قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا الَّذِي تَرَى قَالَ أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَتِيقاً فِي [سَدَفَ] النَّارِ يُشيرُ إِلَيَّ بِيَدِهِ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لِي، لَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ.

وَ زَادَ أَبُو كُدَينَةَ: أَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْهُمَا حَتَّى يُرْضِيَانِي، وَ ايْمُ الله لَا يُرْضِيَانِي أَبَداً.

وَ سُئِلَ عَن السَّدَفَ فَقَالَ: الْوَهْدَةُ الْعَظيمَةُ.

ورَوَوْا عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِي (عليه السلام) فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، فَقَالَ لِي: مَا جاءَ بِكَ فِي هَذه السَّاعَةِ قُلْتُ: حُبُّكَ يَا َأمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللَّهَ قُلْتُ: اللَّهَ، قَالَ: أَ لَا أَحَدُتُكَ بأشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لَنَا وَ أَشَدِّهِمْ عَدَاوَةٌ لِمَنْ أَحَبَّنَا قُلْتُ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ ظَنَنْتُ ظَنّاً، وَقَالَ: هَاتِ ظَنَّكَ، قُلْتُ: أَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ قَالَ ادْنُ مِنِّي يَا أَعْوَرَ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ ابرأ منهما.

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِنِّي لَاتَوَهُمْ تَوَهُما فَأَكْرَهُ أنْ أرْمِي بِهِ بَرِيئاً: أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ فَقَالَ إِي وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأ النَّسَمَةَ، إِنَّهُمَا لَهُمَا ظَلَمَاني حَقّي و تغاصاني [نغصاني] ريقي، وَ حَسَدَانِي، وَ أَذَيَانِي، وَ إِنَّهُ لَيُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ صَحِيجُهُمَا وَ نَصْبُهُمَا وَ رَفْعُ أَصْوَاتِهِمَا وَ تَعْيِيرُ رَسُول اللَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِيَّاهُمَا.

ورَوَوْا عَنْ عُمَارَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ هُوَ فِي مَيْمَنَةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَ عِنْدَهُ النَّاسِ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَحِبُّكَ، فَقَالَ: لَكنِّي وَ الله مَا اُحِبُّكَ، كَيْفَ حُبُّكَ لأبي بَكْر وَ عُمَرَ فَقَالَ: وَ اللَّه إِنِّي لَأحِبُّهُمَا حُبّاً شديداً، قَالَ: كَيْفَ حُبُّكَ لعُثمَانَ قَالَ قَدْ رَسَخَ حَبْهُ فِي السُّوَيْدَاء مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ عَلي (عليه السلام) أنَا أَبُو الْحَسَن..، الحديث.

ورَوَوْا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّتَني نَقيع، عَنْ أَبِي كُدَيْنَةَ الْأَزْدِي قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى أميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فِيمَنْ نَزَلَتْ قَالَ مَا تُرِيدُ، أَ تُرِيدُ أَنْ تُغْرِيَ بِيَ النَّاسَ قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ

الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ أحِبُّ أنْ أعْلَمَ قَالَ: اجلس فَجَلَسَ، فَقَالَ: اكْتُبْ عَامِراً، اكْتُبْ مَعْمَراً، اكْتُبْ عُمَرَ، اكتُبْ عَمَّاراً، اكتب مُعْتَمراً، في أحَدٍ الْخَمْسَة نَزَلَتْ.

قَالَ سُفْيَانَ: قُلْتُ لفضيل: أ تَرَاهُ عُمَرَ قَالَ فَمَنْ هُوَ غَيْرُهُ.

[نكير الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)]

ورَوَوْا عَن الْمُنْذر التَّوْرِي قَالَ سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَليَّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يَقُولُ: إِنَّ أَبا بَكْر وَ عُمَرَ عَمَدَا إِلَى الْأَمْرِ وَ هُوَ لَنَا كُلُّهُ، فَجَعَلَا لَنَا فِيهِ سَهُما كَسَهْمِ الْجَدَّةِ، أَمَا وَ اللَّهِ لَتَهْمِرُ بِهِمَا أَنْفُسُهُمَا يَوْمَ يَطلُبُ النَّاسُ فيه شَفَاعَتَنَا.

ورَوَوْا عَنْهُ (عليه السلام)، وَسَالَهُ رَجُلٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ وَ اللَّهِ لَقَدْ ضَيَّعَانَا، وَ ذَهَبًا بِحَقِّنا، جَلَسَا مَجْلساً كُنَّا أحَقَّ به منْهُمَا، وَ وَطَنَا عَلَى أعْنَاقنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رقابنا.

[نكير الإمام السجاد(عَلَيهِ السَّلَامُ)]

ورَوَوْا عَنْ أَبِي الْجَارُودِ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا السَّلَامُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فَقَالَ: أَضَعَنَا بِآيَاتِنَا، وَاضْطَجَعَا بسَبيلنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رِقَابَنَا.

وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ صَحِبْتُ عَلِيَّ بْنَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا السَّلَامُ بَيْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ مَا تَقُولُ فِيهِمَا قَالَ مَا عَسَى أَنْ أَقُولُ فِيهِمَا، لَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَ لَا غَفَرَ لَهُمَا.

وعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا السَّلَامُ بِيَنْبعَ، يَدِي فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ في هَدَيْنِ الرَّجُلَيْنِ أ تَبْراً مِنْ عَدُوِّهِمَا فَغَضِبَ وَ رَمَى بيده منْ يَدي، ثُمَّ قَالَ وَيْحَكَ يَا قَاسِمٌ هُمَا أَوَّلُ مَنْ أَضَعَنَا بِآيَاتِنَا، وَ اضْطَجَعَا بِسَبِيلَنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا، وَ جَلَسَا مَجْلساً كُنَّا أَحَقَّ به منْهُمَا.

وَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنْهُ (عليه السلام) مِثْلَهُ، وَ زَادَ: فَلَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا..

وعَنْ أَبِي عَليَّ الْخُرَاسَانِي، عَنْ مَولى لِعَلِيِّ بْنِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا السَّلَامُ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا السَّلَامُ فِي بَعْضِ خَلَوَاتِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي عَلَيْكَ حَقَّاً، أَ لَا تُخْبِرْنِي عَنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: كَافِرَانِ، كَافِرٌ مَنْ أَحَبَّهُمَا.

وعَنْ أبِي حَمْزَةَ التُّمَالِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا السَّلَامُ وَ قَدْ خَلَا: أَخْبِرْنِي عَنْ هَدَيْن الرَّجُلَيْن قَالَ هُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا، وَ أخَذا ميراثنَا، وَ جَلَسَا مَجْلساً كُنَّا أَحَقَّ به منْهُمَا، لَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا وَ لَا رَحِمَهُمَا كَافران، كَافِرُ مَنْ تَوَلّاهُمَا.

وعَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا السَّلَامُ: أَنْتُمْ تُقْتَلُونَ فِي عُثْمَانَ مِنْ ستِّينَ سَنَةٌ، فَكَيْفَ لَوْ تَبَرَاتُمْ مِنْ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ.

[نكير الإمام الباقر(عَلَيهِ السَّلَامُ)]

ورَوَوْا عَنْ سَوْرَةَ بن كُلَيْب قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَر (عليه السلام) عَن أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالَ هُمَا أَوَّلُ مَن ظَلَمَنَا حَقَّنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رقابنَا، قَالَ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ فَأعَادَ عَلَيَّ ثَلَاتَا، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الرابعة فَقَالَ:

[شِعرٌ]

لذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تُقْرَعُ *** الْعَصَا وَ مَا عُلْمَ الْإِنْسَانُ إِنَّا لَيَعْلَمَا

وعَنْ كَثِيرِ النَّواءِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ هُمَا أوَّلٌ مِّن انْتَرَى عَلَى حَقْنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى أعْنَاقِنَا وَأَكْتَافَنَا، وَأَدْخَلَا الذُّلَّ بُيُوتَنَا. وعَنْهُ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ وَ اللَّهِ لَوْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا أعْوَاناً لَجَاهَدَهُمَا، يَعْني: أبا بَكْر وَعُمَرَ.

و عَنْ بَشِيرٍ قَالَ سَأَلت أبا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فَلَمْ يُجِبْنِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَلَمْ يُجِبْنِي، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الثَّالِثَةِ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أخْبِرْنِي عَنْهُمَا فَقَالَ: مَا قُطِرَتْ قَطْرَةً دَمٍ مِنْ دمَانَنَا وَ لَا مِنْ دمَاء أحد منَ الْمُسْلِمينَ إِلَّا وَهيَ في أعناقهما إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

ورَوَوْا أَنَّ ابْنَ بَشير قَالَ قُلْتُ لأبي جَعْفَر (عليه السلام) إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَن رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَالَ: اللّهم أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَبِي جَهْلٍ أو بِعُمَرَ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): وَ اللَّهِ

مَا قَالَ هَذَا رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَطُّ إِنَّمَا أَعَزَّ اللَّهُ الدِّينَ بِمحمّد عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ، مَا كَانَ اللَّهُ ليُعز الدين بشرَار خَلْقه.

ورَوَوْا عَنْ قُدَامَةَ بْنِ سَعْدِ الثَّقَفِيُّ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: أدْرَكْتُ أَهْلَ بَيْتِي و هم يصيبونهما.

وعَنْ أبِي الْجَارُودِ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَ كَثِيرُ النَّوَاءُ عِنْدَ أَبي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقَالَ كَثِيرُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ رَحِمَكَ اللَّهُ هَذَا ابو الْجَارُودِ تَبَرًا مِنْ أبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): كَذَبَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنِّي قَطُّ، وَ عِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أَخُو أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَيَّ أَقْبِلْ إِلَيَّ يَا كَثِيرُ، كَانَا وَ الله أَوَّلَ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا، وَأَضَعَنَا بآياتنا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رقابنا، فَلَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا وَ لَا غَفَرَ لَكَ مَعَهُمَا يَا كَثِيرُ.

وَ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ: سُئِلَ أَبو جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْهُمَا وَ أَنَا جَالِسٌ فَقَالَ هُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رِقَابَنَا، وَ أَخَذَا مِنْ فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) عَطِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَدَكَ بِنَوَاضِحِهَا، فَقَامَ مُيَسِّرُ فَقَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُمَا بَرِيئَانِ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام):

[شعر]

لذي الحِلْمِ قَبْلَ اليَوْمِ مَا تُقْرَعُ *** الْعَصَا وَ مَا عَلَّمَ الْإِنْسَانُ إِنَّا لَيَعْلَمَا

ورَوَوْا عَنْ بَشِيرِ بْنِ أَبِي أَرَاكَةَ الْبَتَّالِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فَقَالَ كَهَيْئَةِ الْمُنْتَهِرِ: مَا تُرِيدُ مِنْ صَنَمَيِ العَرَبِ، أَنْتُمْ تُقتَلُونَ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَيْفَ لَوْ أظْهَرْتُمُ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمَا، إذا لَمَا نَاظَرُوكُمْ طَرْفَةَ عَيْن.

وعن حُجرٍ بَجَليٍّ قَالَ: شَكَكْتُ في أَمْرِ الرَّجُلَيْنِ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَسَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ ظَلَمَنَا وَ ذَهَبَ بِحَقْنَا وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وعَنْهُ (عليه السلام) قَالَ: لَوْ وَجَدَ عَلِيٌّ أَعْوَانَا لَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمَا.

وعَنْ سَلَامِ بْنِ سَعِيدِ الْمَحْزُومِي، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُصْعَدُ عَمَلُهُمْ إِلَى السَّمَاء وَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عَمَلَ: مَنْ مَاتَ وَ لَنَا أَهْلَ البَيْتَ في قَلْبِهِ بُغْضُ، وَ مَنْ تَوَلَّى عَدُونَا وَ تَرَكَ وَلَايَتَنَا، وَ مَنْ تَوَلَّى أبَا بَكْر وَ عُمَرَ.

وعَنْ وَرْدِ بْنِ زَيْد أخي الكُمَيْت قَالَ: سَأَلْنَا محمّد بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَكَمْ عَدْلٌ بَرِئَ مِنْهُمَا، وَ مَا مِنْ مِحْجَمَةِ دَمَ تُهَرَاقُ إِنَّا وَ هِيَ فِي رقابهما.

وعَنْهُ (عليه السلام) وَ سُئِلَ عَنْ أبي بَكْر وَ عُمَرَ فَقَالَ: هُمَا أوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا، وَ قَبَضَ حَقَّنَا، وَ تَوَتَّبَ عَلَى رِقَابِنَا، وَ فَتَحَ عَلَيْنَا بَاباً لَا يَسْدُهُ شَيْءٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة، فَلَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا ظُلْمَهُمَا إِيَّانَا.

وعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أبي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَقُلْتُ: أَئِمَّتُنَا وَ سَادَتَنَا، نُوَالِي مَنْ وَالَيْتُمْ وَ نُعَادِي مَنْ عَادَيْتُمْ وَ نَتَبَرًا مِنْ عَدُوِّكُمْ، فَقَالَ: بَحْ بَحْ يَا شَيْخُ إِنْ كَانَ لِقَوْلِكَ حَقيقَةً، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ لَهُ حَقِيقَةٌ، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ قُلْتُ: إِمَامًا عَدْل رَحِمَهُمَا اللَّهُ، قَالَ يَا شَيْخُ وَ اللَّهِ لَقَدْ أَشْرَكْتَ فِي هَذَا الأَمْرِ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهِ لَهُ فِيهِ نَصِيباً.

وعَنْ فُضَيْلِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: مَثَلُ أَبِي بَكْرٍ وَ شِيعَتِهِ مَثَلُ فِرْعَوْنَ وَ شيعته، وَ مَثَلُ عَلَيَّ (عليه السلام) وَ شِيعَته مَثَلُ مُوسَى (عليه السلام) وَ (عليه السلام) وَ شِيعَته.

ورَوَوْا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حديثاً، قَالَ أَسَرَّ إِلَيْهِمَا أمْرَ الْقِبْطِيَّة، وَ أَسَرَّ إِلَيْهِمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَلِيَانِ أَمْرَ يَلَيَان أَمْرَ الْأُمَّة من بَعْده ظَالمَيْنِ فَاجِرَيْنِ غَادرين.

[نكير الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)]

ورَوَوْا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّخَعِي، عَنْ محمّد بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَخِي الْاَرْقَط، قَالَ قُلْتُ لِجَعْفَرِ بْنِ محمّد عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: يَا عَمَّاهُ إِنِّي أتَخَوَّفُ عَلَيَّ وَ عَلَيْكَ الْفَوْتَ أوِ الْمَوْتَ وَ لَمْ يُفْرَش لي أمْرُ هَدَينِ الرَّجُلَيْنِ، فَقَالَ لِي جَعْفَرُ (عليه السلام): ابرأ منْهُمَا بَرَأ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُما.

ورَوَوْا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنَانٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ محمّد عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَالَ، قَالَ لِي:

أبو بَكْر وَ عُمَرُ صَنَمَا قُرَيْشَ اللَّذَانِ يَعْبُدُونَهُمَا.

ورَوَوْا عَنْ اسْمَاعِيلَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ محمّد عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَالَ: كَانَ إِذَا ذَكَرَ عُمَرَ زَنَّاهُ، وَ إِذَا ذَكَرَ أَبَا جَعْفَر أَبا الدَّوَانِيقِ رَنَّاهُ، وَ لَا يُرَنِّي غَيْرَهُمَا.

[نكير أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)]

و تَنَاصَرَ الْخَبَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ محمّد بْنِ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرِ بْنِ محمّد عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنْ طرق مختلفة، أنَّهُمْ قَالُوا كُلِّ مِنْهُمْ: ثَلَاثَةٌ لَا يَنظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِمَامٌ وَ لَيْسَ بِإِمَامٍ، وَ مَنْ جَحَدَ إِمَامَةَ إِمَامٍ مِنَ اللَّهِ، وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيباً.

وَ مِنْ طُرْق أَخَرَ: [أن] للأولين.

وَ مِنْ آخَرَ لِلأَعْرَابِيَّيْنِ فِي الإِسْلَامِ نَصِيباً.

إلى غير ذلك من الروايات عمّن ذكرناه.

و عن أبنائهم: أبي الحسن موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمّد بن علي و علي ابن محمّد و الحسن بن علي عليهم السلام، مقترنا بالمعلوم من دينهم لكلّ متأمل حالهم، و أنهم يرون في المتقدمين على أمير المؤمنين و من دان بدينهم أنهم كفار.

و ذلك كاف عن إيراد رواية.

و إنما ذكرنا طرقا منها استظهارا.

و قد روت الخاصة والعامة عن جماعة من وجوه الطالبيين ما يضاهي المروي من ذلك عن الأئمة عليهم السلام.

[نکیر زيد بن علي الشهيد]

فَرَوَوْا عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ حَيْتُم قَالَ: بَعَتَني زَيْدُ بْنُ عَليَّ دَاعِيَةٌ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا أَجَابَتْنَا إِلَيْهِ الشَّيعَةُ فَإِنَّهَا لَا تُجِيبُنَا إِلَى وَلَايَة أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، قَالَ لِي: وَيْحَكَ أحَدٌ أعْلَمُ مَظْلِمَتُهُ مِنَّا، والله لَئِنْ قُلْتَ إِنَّهُمَا جَارًا في الحُكْمِ لَتُكَذِّبَنَّ، وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّهُمَا اسْتَأْثَرًا بِالْفَيْء لَتُكَذِّبَنَّ، وَلَكِنَّهُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا وَحَمَلَ النَّاسَ عَلَى رقابنَا، وَاللهِ إِنِّي لَأَبْعْضُ أَبْنَاءَهُمَا مِنْ بُغْضي آبَاءَهُمَا، وَ لَكنْ لَوْ دَعَوْتُ النَّاسَ إِلَى مَا تَقُولُونَ لَرَمَوْنَا بِقَوْس واحد.

ورَوَوْا عَنْ محمّد بْنِ فُرَاتِ الْجَرْمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنِ عَلِيٍّ يَقُولُ: إِنَّا لَنَلْتَقِي وَ آلَ عُمَرَ فِي الحَمَّامِ فَيَعْلَمُونَ أَنَّا لَا نُحِبُّهُمْ وَلَا يُحِبُّونَا، وَاللَّهِ إِنَّا لَنَبْغِضُ الْأَبْنَاءَ لِبَعْضِ الْآبَاءِ.

ورَوَوْا عَنْ فُضَيْل بن الزبير قَالَ قُلْتُ لزَيْدِ بْن عَليَّ (عليه السلام): مَا تَقُولُ في أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالَ قُلْ فِيهِمَا مَا قَالَ عَليَّ، كُفَّ كَمَا كَفَّ لَا تُجَاوِزْ قَولَهُ، قُلْتُ: أَخبرني عَنْ قَلْبِي أَنَا خَلَقْتُهُ قَالَ لَا، قُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ عَلَى الَّذِي خَلَقَهُ أَنَّهُ وَضَعَ فِي قَلْبِي بُغْضَهُمَا، فَكَيْفَ لِي بِإِخْرَاج ذَلكَ منْ قَلْبي، فَجَلَسَ جَالساً وَ قَالَ أَنَا وَالله الذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَأَبْعْضُ بَنيهما مِنْ بُغْضِهِمَا، وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا سَمِعُوا سَبَ عَلِيَّ (عليه السلام) فَرِحُوا.

ورَوَوْا عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ الأَعْدَارِي قَالَ: سُئِلَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فَلَمْ يُجِبْ فيهما، فَلَمَّا أَصَابَتْهُ الرَّمْيَةُ نَزَعَ الرُّمْحَ منْ وَجْهه [و] اسْتَقْبَلَ الدَّمَ بِيَدِهِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ كَبد، فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَا هُمَا وَ اللَّهِ شُرَكَاءُ فِي هَذَا الدَّمِ، ثُمَّ رَمَى بِهِ وَرَاءَ ظَهره. وعَنْ نَافِعِ التَّقَفِيِّ- وَ كَانَ قَدْ أَدْرَكَ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ- قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَسَكَتَ فَلَمْ يُحِبُهُ، فَلَمَّا رُمِيَ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَا هُمَا أَوْقَفَانِي هَذَا الْمَوْقِفَ.

[نكير يحيى بن زيد الشهيد]

ورَوَوْا عَنْ يَعْقُوبَ بْن عَدِيٍّ قَالَ: سُئِلَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ عَنْهُمَا وَ نَحْنُ بِخُرَاسَانَ وَ قَدِ الْتَقَى الصَّفَّانِ فَقَالَ هُمَا أقَامَانَا هَذَا المُقَامَ، وَ اللهِ لَقَدْ كَانَا لَئِيماً جَدُهُمَا، وَلَقَدْ هَمَّا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أن يَقْتُلَاهُ.

[نكير عبد الله بن الحسن و ابنه موسى]

وَ رَوَوْا عَنْ قَلَيْبِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ كُنْتُ مَعَ أَبِي بِمَكَّةَ، فَلَقيتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الطَّائف مَولى لتقيف نَالَ مِنْ أبِي بَكْر وَ عُمَرَ، فَأَوْصَاهُ أَبِي بِتَقْوَى اللَّه، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا محمّد أَسْأَلُكَ بِرَبِّ هَذه البَنيَّة وَ رَبِّ هَذَا الْبَيْت هَلْ صَلَّيَا عَلَى فَاطِمَةَ قَالَ لَا، قَالَ: فَلَمَّا مَضَى الرَّجُلُ قَالَ مُوسَى: سَبَبْتَهُ وَ كَفَرْتَهُ، فَقَالَ: أَي بُنَيَّ لَا تَسبَّهُ وَ لَا تُكَفّره، اللّهم وَ اللَّه لَقَدْ فَعَلَا فِعْلًا عَظيماً.

في رواية أخرى أي بُنَيَّ لَا تُكَفِّرْهُ، فَوَ اللَّهِ مَا صَلَّيَا عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آله، وَ لَقَدْ مَكَثَ ثَلَاثَاً مَا دَفَنُوهُ، إِنَّهُ شَغَلَهُمْ مَا كَانَا مَا كَانَا يُبْرمان.

ورَوَوْا أَنَّهُ أَتَى يَزِيدُ بْنُ عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَ هُوَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ انْشُدُكَ اللَّه أ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مِيرَاتَهَا قَالَ:

نَعَمْ، قَالَ فَانْشُدُكَ اللَّهَ أَ تَعْلَمُ أَنَّ فَاطِمَةَ مَاتَتْ و هي لَا تُكَلِّمُهُمَا - يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَ أَوْصَتْ أَنْ لَا يُصَلِّيَا عَلَيْهَا قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَانْشُدُكَ بالله أ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ بَايَعُوا قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ اغْتَنَمُوا شُغُلَهُمْ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: وأسألك بالله أ تَعْلَمُ أَنَّ عَليّاً (عليه السلام) لَمْ يُبَايِعْ لَهُمَا حَتَّى أُكْرِهَ قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَأَشْهِدُكَ أَنِّي مِنْهُمَا بَرِيءٌ وَ أَنَا عَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ وَ فَاطمَةَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قَالَ مُوسَى: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أبي: أي بُنَيَّ وَ الله لَقَدْ أَتَيَا أَمْراً عَظيماً.

ورَوَوْا عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَ ذَكَرَهُمَا، فَقَالَ قُلْ لهَؤُلاء نَحْنُ نَأْتَمُ بفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْهَا أَنَّهَا مَاتَتْ.

وَ هِيَ غَصْبَى عَلَيْهِمَا، فَنَحْنُ نَغْضِبُ الغَضَبِهَا وَنَرْضَى لِرِضَاهَا، فَقَدْ جَاءَ غَضَبُهَا، فَإِذَا جَاءَ رضَاهَا رَضِينَا.

قَالَ مُخَوَّلُ وَ سَأَلْتُ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ لِي مَا أَكْرَهَ ذِكْرَهُ، قُلْتُ لمُخَوَّل: قَالَ فِيهِمَا أشَدَّ مِنَ الظُّلم والفُجُورِ وَ الْغَدْرِ قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ مُخَوَّلَ: وَ سَأَلْتُهُ عَنْهُمَا مَرَّةً فَقَالَ أتَحْسَبُنِي بَتَرِيَاً، ثُمَّ قَالَ فِيهِمَا قَوْلًا سَيِّئاً.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ هُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا وَ مِيرَاثَنَا مِنْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْه و آله، فَغَصَبَانًا فَغَصَبَ النَّاسُ.

[نكير يحيى بن عبد الله بن الحسن]

ورَوَوْا عَنْ يَحْيَى بْنِ مُسَاوِرٍ قَالَ سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ لِي: أَبْرَأَ مِنْهُمَا.

[نکیر محمّد بن عمر بن الحسن]

ورَوَوْا عَنْ عَبْد الله بن محمّد بن عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ بن أبي طالب (عليه السلام) قَالَ: شَهِدْتُ محمّد بن عمر و محمّد - بن عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ وَ هُوَ: الَّذِي كَانَ مَعَ الْحُسَيْنِ بِكَرْبَلاءَ، وَكَانَتِ الشَّيْعَةُ تُنْزِلْهُ بِمَنْزِلَةِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، يَعْرِفُونَ حَقَّهُ وَ فَضْلَهُ - قَالَ

فَكَلَّمَهُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ محمّد بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالب (عليه السلام) لأبي: اسْكُتْ، فَإِنَّكَ عَاجِز و الله، إِنَّهُمَا لَشُرَكَاء فِي دَمَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).. وَ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَ اللَّهِ لَقَدْ أَخْرَجَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مَسْجِدِه وَ هُمَا يَتَطَهَّرَان، و أُدْخِلَا وَ هُمَا خِيفَةً فِي بَيْته.

[نكير عبد الله بن الحسن]

ورَوَوْا عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - وَ كَانَ فَاضِلا زَاهِداً - قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ هُوَ يَطُوفُ بالبَيْتِ فَقَالَ: وَ رَبِّ هَذَا البَيْت وَ رَبِّ هَذَا الرَّكْنَ وَ رَبِّ هَذَا الحَجَرَ، مَا قَطَرَتْ مَنَّا قَطْرَةً دَمَ وَ لَا قَطَرَتْ مِنْ دمَاء الْمُسْلِمِينَ قَطْرَةً إِلَّا وَ هي في أعناقهما يَعْني أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ.

[نکیر محمّد بن الحسن]

ورَوَوْا عَنْ إِسْحَاق بْنِ أَحْمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ محمّد بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قُلْتُ: أَصَلِّي خَلْفَ مَنْ يَتَوَالَى أَبا بَكْر وَ عُمَرَ قَالَ لَا، وَ لَا كَرَامَةَ.

[نکیر محمّد بن عمر بن الحسن]

ورَوَوْا عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ سُئِلَ محمّد بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب (عليه السلام) عَنْ أَبي بَكْر وَ عُمَرَ وَ عُمَرَ فَقَالَ قُتِلْتُمْ مُنْدُ سِتِّينَ سَنَةٌ فِي أنْ ذَكَرْتُمْ عُثْمَانَ، فَوَ اللَّهِ لَوْ ذَكَرْتُمْ أبا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَكَانَتْ دِمَاؤُكُمْ أَحَلَّ عِنْدَهُمْ مِنْ دِمَاءِ السَّنَانِيرِ.

[نكير الحسن بن على بن الحسين]

ورَوَوْا عَنْ أرْطَاةَ بن حَبيب الأسدي قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن الشَّهيد (عليه السلام) بِفَضٌ يَقُولُ هُمَا وَ الله أَقَامَانَا هَذَا الْمَقَامَ وَ زَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَا يُورث.

[نكير الحسن بن محمّد]

ورَوَوْا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْمُون، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ محمّد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَالَ: مَا رَفَعَتْ امْرَأَةٌ مِنَّا طَرْفَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقَطَرَتْ مِنْهَا قَطْرَةً إِلَّا كَانَ فِي أَعْنَاقِهِمَا.

[نكير الحسن بن إبراهيم و الحسين بن زيد و عدة من أهل البيت]

ورَوَوْا عَنْ قُلَيْبِ بْنِ حَمَّادٍ قَالَ سَأَلْتُ الْحَسَنَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَ الحسين بن زيد بن عَلي (عليه السلام)، وَعدَّةً من أهْل الْبَيْت عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابَنَا لَا يُخَالِفُنَا مِنْ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا انْتَهَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أوْقَفَهُمَا وَ شَكٍّ فِي أَمْرِهِمَا، فَكُلُهُمْ قَالُوا: مَنْ أوْقَفَهُمَا شَكَا فِي أَمْرِهِمَا فَهُوَ ضَالٌ كَافِرٌ.

[نکیر فاطمة بنت الحسين]

ورَوَوْا عَنْ محمّد بْنِ الْفُرَاتِ قَالَ حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ الْحَنَفِيَّةُ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَنَّهَا كَانَتْ تُبعْضُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَ تَسبهما.

[نكير عبد الله بن محمّد بن عقيل]

ورووا عن عمر بن ثابت قَالَ: حَدَّتَني عَبْدُ اللَّه بْنُ محمّد بن عَقيل بن أبي طالب قَالَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَدَلاً فی النَّاسِ وَ ظَلَمَانَا فَلَمْ يَغْضَ النَّاسُ لَنَا، وَ إِنَّ عُثْمَانَ ظَلَمَنَا وَ ظَلَمَ النَّاسَ فَغَضِبَ النَّاسُ لِأَنْفُسِهِمْ فَمَالُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.

[ حديث مرض علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ما قاله النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأبي بكر و عمر]

وَ رَوَوْا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ جُنْدَبِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكَ قَالَ مَرِضَ عَلي (عليه السلام) فَتَقْلَ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ رَأسه، فَدَخَلَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ مَعَهُ النَّاسُ، فَامْتَلَا البَيْتُ، فَقُمْتُ مِنْ مَجْلسي فَجَلَسَ فِيهِ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آله، فَغَمَزَ أبو بَكْر عُمَرَ، فَقَامَ فَقَالَ: يَا سُولَ اللَّهِ إِنَّكَ كُنْتَ عَهِدْتَ إِلَيْنَا فِي هَذَا عَهْداً، وَ إِنَّا لَا نَرَاهُ إِلَّا لِمَا بِهِ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٍ فَإِلَى مَنْ فَسَكَتَ رَسُولُ الله (عليه السلام) فَلَمْ يُحِبُّ، فَغَمَزَهُ الثَّانِيَةَ فَكَذَلكَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ، فَرَفَعَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذَا لَا يَمُوتُ مِنْ وَجَعَه هَذَا، وَ لَا يَمُوتُ حَتَّى تُمْلَيَاهُ غَيْظاً وَ تُوَسَعَاهُ غَدْراً وَ تَجدَاهُ صَابراً.

[نکیر حذيفة بن اليمان]

ورَوَوْا عَنْ يَزِيدَ بْن مُعَاوِيَةَ الْبكَالِي قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَان يَقُولُ: وَليَ أبو بَكْر فَطَعَنَ فِي الإِسْلَامِ طَعْنَةً أَوْهَنَهُ، ثُمَّ وَلِيَ عُمَرُ فَطَعَنَ فِي الإِسْلَامِ طَعْنَةٌ حَلَّ وَسَطَهُ، ثُمَّ وَلِيَ عُثْمَانُ بَعْدَهُ فَطَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ طَعْنَةٌ مَرَقَ مِنْهُ.

و فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَلِيَنَا أَبُو بَكْرٍ فَطَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ طَعْنَةٌ، ثُمَّ وَلَيْنَا عُمَرُ فَحَلَّ الْأَزْرَارَ، ثُمَّ وَلَيَنَا عُثْمَانُ فَخَرَجَ مِنْهُ عُرْيَاناً.

[نكير الحكم بن عيينة]

ورَوَوْا عَنْ آبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: كَانَ إِذَا ذَكَرَ عُمَرَ أَمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ يَدْعُو ابْنَ عَبَّاس فَيَسْتَفْتِيهِ مُغَايَظَةٌ لعَليَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

[نكير الأعمش]

ورَوَوْا عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قُبِضَ نَبِيُّهُمْ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَلَمْ يَكُنْ بِهِمْ هَمْ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: منَّا أميرُ وَ مِنْكُمْ أمير، وَ مَا أَظُنُّهُمْ يُفْلِحُونَ.

ورووا عن مُعَمَّرِ بن زَائِدَةَ الْوَشَاء قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى الْأَعْمَشِ أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة يُجَاء بأبي بَكْر وَ عُمَرَ كَالتَّورينِ الْعَقيرَينِ، لَهُمَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خُوَارٌ.

ورَوَوْا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْوَرْدِ قَالَ: قَالَ الْأَعْمَسُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ: هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمَا وَ سَمَّاهُمَا، قُلْتُ لِلْمَسْعُودي: سَمَّاهُمَا قَالَ: نَعَمْ أبو بَكْر [ وَ عُمَرَ.

ورَوَوْا عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ زَائِدَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِت قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أبو بَكْر] أَفْضَلُ مِنْ عَلي (عليه السلام)، فَغَضِبَ حَبيب ثُمَّ قَامَ قَائماً فَقَالَ: و الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَفِيهِمَا نَزَلَت: الظَّانِّينَ باللَّه ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائرَةُ السَّوْءِ وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَ لَعَنَهُم الآيَةَ.

[نكير أبي الجارود]

ورَوَوْا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْمُسَاوِرِ، عَنْ أبِي الْجَارُودِ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَدِينَتَيْنِ:

مَدينَةٌ بِالْمَشْرِقِ وَ مَدينَةٌ بِالْمَغْرب، لَا يَفْتُرَان مِنْ لَعْن أَبي بَكْر و عمر.

[نكير شريك]

ورَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ شَرِيكاً يَقُولُ: مَا لَهُمْ وَ لِفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وَ اللَّهِ مَا جَهَزَتْ جَيْشَاً وَ لَا جَمَعَتْ جَمْعاً، وَ اللَّه لَقَدْ آذَيَا رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في قبره.

ورَوَوْا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْن يَحْيَى التَّوْريّ قَالَ: سَمِعْتُ شَريكاً وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْد الله أبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ سُنَّةً فَقَالَ يَا مُعَافَا خُذْ بِيَدِهِ فَأَخْرِجْهُ وَ اعْرِفْ وَجْهَهُ وَ لَا تُدْخِلْهُ عَلَيَّ، يَا

أَحْمَقُ لَوْ كَانَ حُبُّهُمَا سُنَّةٌ لَكَانَ واجباً عَلَيْكَ أنْ تَذْكُرَهُمَا فِي صَلَاتِكَ كَمَا تُصَلِّي عَلَى محمّد وَ آلِ محمّد.

[النكير على عثمان و أمور متفرقة]

و أما النكير على عثمان فظاهر مشهور من أهل الأمصار و قطان المدينة من الصحابة و التابعين يغني بشهرة جملته عن تفصيله، و نحن نذكر من ذلك طرفا يستدل به على ما لم نذكره.

فمن ذلك:

نكير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ):

مارَوَاهُ الثَّقَفِيُّ مِنْ عِدَّةِ طَرْقِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ أَتَيْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) أَسْتَشْفِعُ إلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: إلَى حَمَّال الخَطَايَا!.

ورَوَى الثَّقَفِيُّ أنَ الْعَبَّاسَ كَلَّمَ عَلِيّاً (عليه السلام) فِي عُثْمَانَ، فَقَالَ: لَوْ أَمَرَنِي عُثْمَانُ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ دَارِي لَخَرَجْتُ، وَ لَكِنْ أبى أنْ يُقيم كِتابَ الله.

وروى الثَّقَفِيُّ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) قَالَ دَعَانِي عُثْمَانُ فَقَالَ اغْنِ عَنِّي نَفْسَكَ وَ لَكَ عِيرُ أُولُهَا بالمدينة و آخرها بالعراق، فَقُلْتُ: بَحْ بَحْ قَدْ أَكْثَرْتَ لَوْ كَانَ مِنْ مَالِكَ، قَالَ:

فَمِنْ مَالِ مَنْ هُوَ قُلْتُ: مِنْ مَالِ قَوْمٍ ضَارَبُوا بِأَسْيَافِهِمْ، قَالَ لِي: أ وَ هُنَاكَ تَذْهَبُ، ثُمَّ قَامَ إِلَيَّ فَضَرَبَني حتى حَجَزَهُ عَنِّي الرَّبوُ، وَ أَنَا أَقُولُ لَهُ: أَمَا إِنِّي لَوْ شِئْتُ كَانْتَصَفْتُ.

وذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ الدَّارِ قَالَ: دَخَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ وَ الزبيرُ وَ طَلْحَةُ وَ عَلِيُّ بْن أبي طالب (عليه السلام) عَلَى عُثْمَانَ، فَكَلَّمُوهُ فِي بَعْضٍ مَا رَأَوْا مِنْهُ، فَكَثَرَ الْكَلَامُ بَيْنَهُم، وَ كَانَ عَلِيٍّ (عليه السلام) مِنْ أعْظَمهم عَلَيْهِ، فَقَامَ عَلي (عليه السلام) مُغْضَباً، فَأَخَذَ الزُّبَيْرُ بتَوبه فَقَالَ: اجلس، فَأَبَى فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْهُ فَوَ اللَّه مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَكلُ، وَ اللَّه لَقَدْ عَلمَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ فيه وَ لَا في واحد من ولده.

ورَوَى الْوَاقِدِيُّ في كتابه عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي عُثْمَانَ ظَاهِراً أَنَّهُ صَلَّى بمنّى أوَّلَ وَلَايَته رَكْعَتَيْن حَتَّى إِذَا كَانَت السَّنَةُ السَّادِسَةُ أتَمَّهَا، فَعَابَ ذَلكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ تَكَلَّمَ فِي ذَلكَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُكْثرَ عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَهُ

عَلي فِيمَنْ جَاءَهُ، فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا حَدَثَ أَمْرُ وَ لَا قَدِّمَ عَهْدٌ، وَ لَقَدْ عَهِدْتَ نَبِيَّكَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَ أَنْتَ صَدْراً مِنْ وَلايَتِكَ، فَمَا هَذَا قَالَ عُثْمَانُ: رَأي رايته.

نكير أبي بن كعب:

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ في تاريخه بإسناده قَالَ: جَاءَ [رَجُلٌ] إِلَى أَبي بن كَعْب فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ عُثْمَانَ قَدْ كَتَبَ لِرَجُلٍ مِنْ آلِ أَبِي مُعَيْطِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَم إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ أَبَيُّ: لَا يَزَالُ تَأْتُونِي بِشَيْءٍ مَا أَدْرِي مَا هُوَ فِيهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ مَرَّ، الصَّكُ، فَقَامَ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ يَا ابْنَ الْهَاوِيَة يَا ابْنَ النَّارِ الْحَامية أ تَكْتُبُ لَبَعْض آل أبي مُعَيْط إِلَى بَيْت مَال الْمُسْلِمينَ بِصَكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَم فَغَضِبَ عُثْمَانُ فَقَالَ: لَوْ لَا أَنِّي قَدْ نَفَيْتُكَ لَفَعَلْتُ بِكَ كَذَا وَكَذَا.

وَ ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ في تاريخه قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ إِلَى أَبي بن كَعْب فَقَالَ يَا أَبَا الْمُنْذر أ لَا تُخبرني عَنْ عُثْمَانَ مَا قَولُكَ فيه فَأَمْسَكَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جَزَاكُمُ اللَّهُ شَراً يا أصْحَابَ محمّد، شَهِدتُم الوَحْيَ وَ عَايَنتُمُوهُ ثُمَّ نَسْأَلُكُمُ التَّفَقَّهُ فِي الدِّينِ فَلَا تُعْلَمُونًا فَقَالَ أَبِي عِنْدَ ذَلِكَ: هَلَكَ أَصْحَابُ الْعُقْدَة وَ رَبِّ الْكَعْبَة، أمَا وَ اللَّه مَا عَلَيْهِمْ آسَى، وَ لَكنْ آسَى عَلَى مَنْ أهْلَكُوا، وَالله لَئنْ أبْقَاني اللَّهُ إِلَى الجُمُعَة لأقُومَنَّ مَقَاماً أَتَكَلَّمُ فيه بمَا أَعْلَمُ، قُتلتُ أو اسْتَحْيِيتُ، فَمَاتَ رَحمَهُ اللَّهُ يَومَ الْخَمِيسِ.

نكير أبي ذر:

رَوَى الثَقَفِيُّ في تاريخه بإسناده عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: اسْتَأْذَنَ أبو ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَقَالَ لِي: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس: فَرَجَعْتُ إِلَى عُثْمَانَ فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ عَلَيْهِ، قَالَ إِنَّهُ يُؤذيني [قُلْتُ: عَسَى أَنْ لَا يَفْعَلَ، فَأَذنَ لَهُ مِنْ أَجْلِي، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ، فَجَعَلَ يَقُولُ اتَّقِ اللَّهَ وَعُثْمَانُ يَتَوَعَدُهُ، قَالَ أَبو ذَر: إِنَّهُ قَدْ حَدَّتَنِي نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه و آله: أَنَّهُ يُجَاهُ بِكَ وَ بِأصْحَابِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُبْطَحُونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ فَتَمُرُ عَلَيْكُمْ البَهَائِمُ فَتَطَؤُكُمْ، كُلَّمَا مَرَّتْ أخْرَاهَا رُدَّتْ أولُهَا، حَتَّى يَفْصِلَ بَيْنَ النَّاسِ.

قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ: فَحَدَّتَنِي الْعَزْرَمِيُّ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: تُرْفَعُونَ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ مَعَ الثَّرَيَّا ضَرَبَ بِكُمْ عَلَى وُجُوهِكُمْ فَتَطَؤُكُمُ الْبَهَائِم.

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ في تاريخه أنَّ أبا ذَرٍّ لَمَّا رَأى أنَّ عُثْمَانَ قَدْ أمَرَ بتَحْريق المَصاحف، فَقَالَ لَهُ: يَا عثمَانُ لَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ حَرَقَ كِتَابَ الله فَيَكُونَ دَمُكَ أوَّلَ دَم يُهَرَاقُ.

وذَكَرَ فِي تاريخه، عَنْ تَغْلَبَةَ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ عُثْمَانَ وَ عِنْدَهُ أَنَاسٌ مِنْ أصْحَاب محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من أهل بَدْر وَ غَيْرِهِمْ، فَجَاءَ أَبو ذَرِّ يَتَوَكَّا عَلَى عَصَاهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ إِنَّكَ تَصْنَعُ كَذَا وَكَذَا وَ تَصْنَعُ كَذَا وَكَذَا، وَ ذَكَرَ مَسَاوِيَهُ، فَسَكَتَ عُثْمَانُ، حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ قَالَ: مَنْ يَعْذرني منْ هَذَا الَّذِي لَا يَدَعُ مَسَاءَةٌ إِنَّا ذَكَرَهَا، فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَجَاءَ فَقَامَ فِي مَقَامِ أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا تَرَى أَبَا ذَرِّ لَا يَدَعُ لِي مَسَاءَةٌ إِلَّا ذَكَرَهَا، فَقَالَ يَا عُثْمَانُ إِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ أبِي ذَرٍّ، يَا عُثْمَانُ أَنْهَاكَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، ثَلَاثَ مَرَاتِ اتْرُكْهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: إنْ يَكُ كاذباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَك صادقاً يُصبكُمْ بَعْضُ الَّذي يَعدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفُ كَذَّابٌ، قَالَ لَهُ عُثْمَانُ:

بفيكَ التُّرَابُ، قَالَ لَهُ عَليٍّ (عليه السلام)، [بَلْ] بفيكَ التُّرَابُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.

ورَوَى الثَّقَفِيُّ في تاريخه أنَّ أبا ذَرِّ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ لَيُجَاءُ بي يَوْمَ الْقِيَامَة وَ بكَ وَ بِأَصْحَابِكَ حَتَّى نَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الجَوْزَاءِ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُرْمَى بِنَا إِلَى الْأَرْضِ فَتُوطِئُ عَلَيْنَا الْبَهَائِمُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ مُحَاسَبَة العباد، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَلْ سَمِعْتَ هَذَا مِنَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالَ: لَا، قَالَ أَبو ذَرَّ: انْشُدُكَ اللَّهَ سَمِعْتَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَ لَا أظَلَّت الخَضْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَة أَصْدَقَ مِنْ أبي ذَرٍّ قَالَ أمَّا هَذَا فَقَدْ سَمِعْتُهُ، فَرَجَعَ أَبو ذَرٍّ وَ هُوَ يَقُولُ: وَالله مَا كَذَبْتُ.

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيَّانَ السُّلَمِي أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لأبي ذَرٍّ مَا لَكُمْ وَ لعُثْمَانَ مَا تَنْقَمُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: [بَلَى] وَ اللَّهِ لَوْ أَمَرَنِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ دَارِي لَخَرَجْتُ وَ لَوْ حَبْوا، وَ لَكنَّهُ أَبَى أَنْ يُقيمَ كِتَابَ اللَّه.

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخه: أَنَّ أَبا ذَرِّ الْقِي بَينَ يَدَيْ عُثْمَانَ، فَقَالَ يَا كَذَّابٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مَا هُوَ بِكَذَّاب، قَالَ: بَلَى وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَكَذَّابٌ، قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا هُوَ بِكَذَابٍ، قَالَ

عُثْمَانُ: التَّرَابُ فِي فِيكَ يَا عَلِيُّ، قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) بَلِ التَّرَابُ فِي فِيكَ يَا عُثْمَانُ، قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله يَقُولُ مَا أَظَلَّت الخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّت الغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَة أَصْدَقَ مِنْ أبي ذَرٍّ، قَالَ: أَمَا وَالله عَلَى ذَلكَ لَأسِيرنَّهُ، قَالَ أَبُو ذَرَةٌ أَمَا الله لَقَدْ حَدَّتَني خليلي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّكُمْ تُخْرِجُونِّي مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ.

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ في تاريخه، عَنْ سَهْلِ بْن سَعْد السَّاعدي قَالَ كَانَ أبو ذَرَّ جَالساً عِنْدَ عُثْمَانَ وَ كُنْتُ عِنْدَهُ جَالساً، إِذْ قَالَ عُثْمَانُ أَ رَأَيْتُمْ مَنْ أدَّى زَكَاةَ مَالهِ هَلْ فِي مَالِهِ حَقٌّ غَيْرَهُ قَالَ كَعْبُ: لَا، فَدَفَعَ أبو ذَرٍّ بَعَصَاهُ فِي صَدْرِ كَعْب ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّيْنِ أَنْتَ تُفَسِّرُ كِتَابَ الله برأيكَ، لَيْسَ الْبرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب وَ لكنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَ آتَى المالَ عَلى حُبِّه ذَوي القُربى واليتامى وَالْمَسَاكِينَ، قَالَ ألَا تَرَى أَنَّ عَلَى الْمُصَلِّي بَعْدَ إيتاء الزَّكَاة حَقّاً في ماله، ثُمَّ قَالَ عُثْمَانُ أتَرَوْنَ بَأساً أَنْ نَأْخُذَ مِنْ بَيْت مَال الْمُسْلِمِينَ مَالا فَنُفَرِّقَهُ فِيمَا يَنُوبُنَا مِنْ أَمْرِنَا ثُمَّ نَقْضِيهِ ثُمَّ قَالَ أَنَاسُ مِنْهُمْ: لَيْسَ بِذلِكَ بَاسَ، وَ أَبُو ذَرٍّ سَاكِتٌ، وَأَبُو فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ مَا تَقُولُ فَقَالَ كَعْبُ: لَا بَأسَ بذلكَ، فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَوَجَى بِهَا فِي صَدْرِه ثُمَّ قَالَ أَنْتَ يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّين تُعَلَّمُنَا دِينَنَا ! فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا أَكْثَرَ أَذَاكَ لي وَ أُولَعَكَ بأصْحَابِي الْحَقِّ بِمَكينكَ وَ غَيِّبٌ عَنِّي وَجْهَكَ.

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ، عَنِ الْحُسَيْن بن عيسى بن زَيْد عَنْ أبيه: أنَّ أَبَا ذَرٍّ أَظْهَرَ عَيْبَ عُثْمَانَ وَ فَرَاقَهُ للدين، وَ أغْلَظَ لَهُ حَتَّى شَتَمَهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَبَرَأَ مِنْهُ، فَسَيَّرَهُ عُثْمَانُ إِلَى الشَّامِ.

ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخه، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ... أَنَّ أَبَا ذَرَّ زَارَ أَبَا الدَّرْدَاءِ بِحِمْصِ، فَمَكَتَ عنْدَهُ ليالي، فَأَمَرَ بحماره فأوكفَ فَقَالَ أَبو الدَّرْدَاءِ: لَا أَرَاني إِلَّا مُشَيِّعَكَ، وَ أَمَرَ بِحِمَارِه فَأسرج، فَسَارًا جَميعاً عَلَى حَمَارَيْهِمَا، فَلَقَيَا رَجُلًا شَهِدَ الْجُمُعَةَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بِالْجَابِيَة، فَعَرَفَهُمَا الرَّجُلُ وَ لَمْ يَعْرِفَاهُ، فَأَحْبَرَهُمَا خَبَرَ النَّاسِ، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ قَالَ وَ خَبَرُ آخَرُ كَرِهْتُ أَنْ أَخبر أَخْبرَكُمْ به الْآنَ وَ أرَاكُمْ تَكْرَهَانه، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَعَلَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ نُفِيَ قَالَ: نَعَمْ وَ اللَّه فَاسْتَرْجَعَ أبو الدَّرْدَاءِ وَ صَاحِبُهُ قَرِيباً مِنْ عَشْرِ مَرَّات، ثُمَّ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:

فَارتَقبْهُمْ وَاصْطَبِرْ كَمَا قِيلَ لِأصْحَابِ النَّاقَةِ، اللّهم إِنْ كَانُوا كَذَّبُوا أَبَا ذَرٍّ فَإِنِّي لَا أَكَذِّبُهُ، وَ إِن اتَّهَمُوهُ فَإِنِّي لَا أَنَّهِمُهُ، وَ إِنِ اسْتَغَسُّوهُ فَإِنِّي لَا أَسْتَعْشُهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانَ

يَأْتَمنْهُ حَيْثُ لَا يَأْتَمِنُ أَحَداً وَ يَسُرُّ إِلَيْهِ حَتَّى لَا يَسُرُّ إِلَى أَحَدٍ، أَمَا وَ الَّذِي نَفْسَ أَبي الدَّرْدَاء بيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَطَعَ يَمِينِي مَا أَبْغَضَتُهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ مَا أظَلَّت الخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّت الغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَة أَصْدَقَ مِنْ أبِي ذَرٍّ.

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تاريخه بإِسْنَادِهِ قَالَ قَامَ مُعَاوِيَةٌ خَطِيباً بِالشَّامِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا خَازِنَ، فَمَنْ أعْطَيْتُهُ فَاللَّهُ يُعطيه، وَ مَنْ حَرَمْتُهُ فَاللَّهُ يحرمه، فَقَامَ إِلَيْه أَبو ذَرٍّ فَقَالَ:

كَذَبْتَ وَالله يَا مُعَاوِيَةُ، إِنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ حَرَمَ اللَّهُ وَ تَمْنَعُ مَنْ أَعْطَى اللَّهُ.

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ إِنَّ أحَدَنَا فَرْعَوْنُ هَذه الأمة، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أما أنا فلا.

وعَنْهُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَخِي أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةٌ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ حَرَّفَ قُلُوبَ أهْلِ الشَّامِ وَ بَغْضَكَ إِلَيْهِمْ، فَمَا يَسْتَفْتُو إِلَيْهِمْ، فَمَا يَسْتَفْتُونَ غَيْرَهُ وَ لَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ إِلَّا هُوَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنِ احْمِلْ أَبَا ذَرٍّ عَلَى نَاب صَعْبَة وَقَتَب، ثُمَّ ابْعَتْ مَعَهُ مَنْ يَحْشُنُ بِهِ خَشِناً عَنِيفاً حَتَّى يَقْدَمَ بِهِ عَلَيَّ، قَالَ: فَحَمَلَهُ مُعَاوِيَةٌ عَلَى نَاقَهُ صَعْبَة، عَلَيْهَا قَتَبُ، مَا عَلَى الْقَتَبِ إِلَّا مِسْحُ، ثُمَّ بَعَثَ مَعَهُ مَنْ يُسَيِّرَهُ سَيْراً عَنِيفاً، وَ خَرَجْتُ مَعَهُ، فَمَا لَبِثَ الشَّيْخُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى سَقَطَ مَا يَلِي الْقَتَبَ مِنْ لَحْمِ لَحْمِ فَخِذَيْهِ وَ قَرِحَ، فَكُنْتُ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَخَذْتُ مَلَائِي فَالْقَيْتُهُمَا تَحْتَهُ، فَإِذَا كَانَ السحر نزعتهما، مَخَافَةَ أنْ يَروني فَيَمْنَعُوني منْ ذَلكَ، حَتَّى قَدمْنَا الْمَدينَةَ، وَ بَلَغْنَا عُثْمَانَ مَا لَقِيَ لقي أبو ذَرٍّ مِنَ الوَجَع وَالْجَهْدِ، فَحَجَبَهُ جُمْعَةً وَ جَمْعَةً، حَتَّى مَضَتْ عِشْرُونَ لَيْلَةً أَوْ نَحْوُهَا، وَ أَفَاقَ أبو ذَرٍّ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَ هُوَ مُعْتَمدُ عَلَى يَدَيَّ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَ هُوَ مُتَكَلِّ، فَاسْتَوَى، قاعداً، فَلَمَّا دَنَا أبو ذَرَّ مِنْهُ قَالَ عُثْمَانُ شعر:

لَا أَنْعَمَ اللهُ بِعَمْرٍو عَيْناً *** تَحيَّةَ السُّخط إذا التقينا

فَقَالَ لَهُ أبو ذَر لَمَ، فَوَ اللَّهِ مَا سَمَّانِي اللهُ عَمْرُواً، وَ لَا سَمَّانِي أَبْوَايَ عَمْرُواً، وَ إِنِّي عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي فَارَقْتُ عَلَيْه رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مَا غَيَّرْتُ وَ لَا بَدَلْتُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: كَذبت، لَقَدْ كَذَّبْتَ عَلَى نَبِيِّنَا وَ طَعَنْتَ فِي دِينَنَا وَ فَارَقْتَ رَأيَنَا وَ ضَغَنْتَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ

عَلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ لَبَعْض عَلْمَانه: ادْعُ لي قُرَيْشاً، فَانْطَلَقَ رَسُولُهُ، فَمَا لَبِثْنَا أَنِ امْتَلَا الْبَيْتُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانُ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ فِي هَذَا الشَّيْخ الكَذَّابِ الَّذِي كَذَبَ عَلَى نَبِيِّنَا وَ طَعَنَ فِي دِينَا وَضَغَنَ قُلُوبَ المُسْلِمِينَ عَلَيْنَا، وَ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْتَلَهُ أَوْ أصْلَبَهُ أوْ أنْفَيَهُ منَ الأرض، فقال بعضهم: راينا لرأيكَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّهُ صَاحِبُ رَسُول اللَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ لَهُ حَقٌّ، فَمَا مِنْهُمْ أحَدٌ أدَّى الذي عَلَيْهِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلكَ إِذْ جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالب (عليه السلام) يَتَوَكَّاً عَلَى عَصا سراً، فَسَلَّمَ، عَلَيْهِ وَ نَظَرَ وَ لَمْ يَجِدْ مَقْعَداً، فَاعْتَمَدَ عَلَى عَصَاهُ، فَمَا أَدْرِي أَ تَخَلَّفَ عَمْداً أَمْ يُظَنُّ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): فِيمَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيْنَا قَالَ عُثْمَانُ: أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ فِي أَمْرِ قَدْ فُرِّقَ لَنَا فِيهِ الرَّأْيُّ.

فَاجْمَعْ رَأَيْنَا وَ رَأيَ المُسْلِمِينَ فيه عَلَى أمْرِ، قَالَ عَلي (عليه السلام) وَ لِلَّهِ الْحَمْدُ، أَمَا إِنَّكُمْ لوِ اسْتَشَرْتُمُونَا لَمْ نَالُكُمْ نَصِيحَةٌ، فَقَالَ عُثْمَانَ: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ فِي هَذَا الشَّيْخِ الَّذِي قَدْ كَذَبَ عَلَيْنَا وَ طَعَنَ فِي دِينِنَا وَخَالَفَ رَأيَنَا وَضَعَنَ قُلُوبَ الْمُسْلِمينَ عَلَيْنَا، وَ قَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَقْتُلَهُ أَوْ نَصْلَبَهُ أَوْ نَنْفيَهُ مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) أفَلَا ادْلُكُمْ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ وَ أَقْرَبَ رُشْداً: تَتْرُكُونَهُ بِمَنْزِلَةِ مُؤْمِنٍ آلِ فِرْعَوْنَ إِنْ يَك كاذباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفُ كَذَّابٌ، قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: بفِيكَ التُّرَابُ، فَقَالَ عَلی ٌعَلَيْهِ السَّلَامُ بَلْ بفيكَ التُّرَابُ، وَسَيَكُونُ بهِ، فَأَمَرَ بِالنَّاسِ فَأَخْرِجُوا.

وعَنْهُ فِي تَارِيخه، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ بِأَبِي ذَرٍّ مِنَ الشَّامِ إلَى عُثْمَانَ، كَانَ مِمَّا ابْنَهُ بِهِ أَنْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، قَالَ أَبو ذَر: أجَلْ أَنَا أَقُولُ وَ الله لَقَدْ رأيتني رابع أربعَة مَعَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مَا أَسْلَمَ غَيْرُنَا، وَ مَا أَسْلَمَ أبو بَكْر وَ [لا] عُمَرُ، وَ لَقَدْ وَلَيَا وَ مَا وَلِيتُ، وَ لَقَدْ مَاتَا وَ إِنِّي لَحَيُّ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَ إِنَّهُ تَرَابِعُ الإِسْلَامِ، فَرَدَّ عُثْمَانُ ذَلِكَ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ كَانَ بَيْنَهُمَا كَلَامُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَ الله لَقَدْ هَمَمْتُ به قَالَ عَلي (عليه السلام): وَ أَنَا وَاللَّهِ لَأهم بكَ، فَقَامَ عُثْمَانُ وَ دَخَلَ بَيْتَهُ وَ تَفَرَّقَ النَّاسِ.

وعَنْهُ فِي تَارِيخه، عَنِ الْأَحْنَفَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذْ جَاءَ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَل افْتَقَرَ اللَّهُ مُنْذُ اسْتَغْنَى فَقَالَ أَبو هُرَيْرَةَ: سُبْحَانَ الله، بَل اللَّهُ الْغَني

الحَميدُ، لَا يَفْتَقرُ أبَداً وَ نَحْنُ الْفُقَرَاء إِلَيْهِ، قَالَ أَبو ذَرٍّ فَمَا بَالُ هَذَا الْمَالَ يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: مَالُ اللَّهِ قَدْ مَنَعوهُ أهْلَهُ مِنَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَقُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا لَا تَأبُونَ مِثْلَ هَذَا، قَالَ إِنَّ هَذَا رَجُلٌ قَدْ وَطَنَ نَفْسَهُ عَلَى أنْ يُذبَحَ فِي اللَّه، أمَا إِنِّي أَشْهَدُ أنّى سَمِعْتُ رسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ: مَا أظَلَّت الخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذي لَهْجَة، أصْدَقَ مِنْ أبِي ذَرٍّ، فَإِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى أَشبَهِ النَّاسِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ بِراً وَ زُهْداً وَنُسُكاً فَعَلَيْكُمْ بِهِ.

وعَنْهُ في تاريخه، عَن الْمَغْرُور بن سُوَيْد قَالَ كَانَ عُثْمَانُ يَخْطُبُ، فَأَخَذَ أَبُو ذَرِّ بِحَلْقَة الْبَابِ فَقَالَ أَنَا أَبُو ذَرٍّ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدَبٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ: إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ فِي قَوْمِهِ، مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ، وَ مَنْ رَكَبَهَا نَجَا قَالَ لَهُ عُثْمَانُ كَذَبْتَ فَقَالَ لَهُ عَليٍّ (عليه السلام) إِنَّمَا كَانَ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَك صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، فَمَا أتَمَّ حَتَّى قَالَ عُثْمَانَ: بفيكَ التُّرَابُ، فَقَالَ عَلَيَّ (عليه السلام): بَلْ بِفِيكَ التُّرَابُ.

وذَكَرَ الواقدي في تاريخه، عَنْ سَعيد بن عَطَاء، عَنْ أبي مَرْوَانَ الْأَسْمَرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا صُدَّ النَّاسُ عَنِ الْحَجِّ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ أَظْهَرَ أبو ذَرِّ بالشَّامِ عَيْبَ عُثْمَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ أوْ خَرَجَ شَتَمَ عَثْمَانَ، وَ ذَكَرَ مِنْهُ حَصَالًا كُلَّهَا قَبِيحَةٌ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عُثْمَانَ كِتاباً يَذْكُرُ لَهُ مَا يَصْنَعُ أبو ذَرٍّ، وَ ذَكَرَ [الواقدي] مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ، حَدَفْنَاهُ اختصاراً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابَكَ وَ فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ جُنْدَب، فَابْعَتْ إِلَيَّ به، وَ احْمِلْهُ عَلَى أغْلَظ الْمَرَاكِب و أوْعَرِهَا، وَ ابْعَثْ مَعَهُ دَلِيلًا يَسِيرُ بِهِ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ حَتَّى لَا يَنْزِلَ عَنْ مَرْكَبِهِ، فَيَغْلَبَهُ النَّوْمُ فَيُنسِيَهُ ذِكْرِي وَ ذِكْرَكَ، قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى مُعَاوِيَةَ حَمَلَهُ عَلَى شَارف لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَتَبْ، وَ بَعَثَ مَعَهُ دَليلًا، وَ أمَرَ أنْ يَفُذَّ بِهِ السَّيْرَ، حَتَّى قَدمَ بهِ الْمَدِينَةَ وَ قَدْ سَقَطَ لَحْمُ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَقَدْ أَتَانَا آتِ وَ نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ صَحْوَةٌ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالب (عليه السلام)، فَقِيلَ: أبو ذَرٍّ قَدْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَخَرَجْتُ أَغْدُو، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ، فَإِذَا شَيْخُ نَحِيفُ آدَمُ طُوَالُ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَ اللَّحْيَةِ يَمْشِي مَشْياً مُتَقَارِباً، فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمَّ مَا لِي أَرَاكَ لَا تَحْطُو إِلَّا خَطُوا قَرِيباً! قَالَ: عَمَلُ ابْنِ عَفَّانَ:

حَمَلَني عَلَى مَرْكَب وَعْرِ، وَ أَمَرَ بِي أَنْ أَتَعَبَ ثُمَّ قَدمَ بي عَلَيْهِ لَيَرَى فِي رَأْيَهُ، قَالَ فَدَخَلَ بِهِ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَا أَنْعَمَ اللهُ لَكَ عَيْناً يَا جَنيدِبُ، قَالَ أَبُو ذَرَ: أَنَا جُنْدَبُ وَ سَمَّانِي رَسُولُ الله عَبْدَ الله فَاخْتَرْتُ اسْمَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الَّذِي سماني به عَلَى الاسْمِ الَّذي سَمَّاني به أبي، فَقَالَ [لَهُ] عُثْمَانُ أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّا نَقُولُ إِنَّ يَدَ اللَّه مَغْلُولَةٌ وَ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيَاءُ فَقَالَ أَبو ذَرَ: لَوْ كُنتُمْ لَا تَزْعُمُونَ ذَلكَ لَأَنْفَقْتُمْ مَالَ اللَّه عَلَى عِبَادِ اللهِ، وَ لَكِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ: إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، جَعَلُوا مَالَ اللَّهِ دُولًا، وَ عِبَادَ اللهِ حَوَلا، و دينَ الله دَخَلا، ثُمَّ يُرِيحُ اللَّهُ الْعِبَادَ مِنْهُمْ، فَقَالَ عُثْمَانُ لَمَنْ حَضَرَهُ أ سَمِعْتُمْ هَذَا مِنْ نَبِيِّ اللَّه (عليه السلام) فَقَالُوا: مَا سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ وَيْلَكَ يَا أَبَا ذَرِّ أ تَكْذبُ عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله! فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لَمَنْ حَضَرَهُ: وَ أَمَا تَظُنُّونَ أنِّي صَدَقْتُ قَالُوا: لَا وَ الله مَا نَدْرِي، فَقَالَ عُثْمَانُ: ادْعُوا عليا - (عليه السلام) - [فَدْعِي]، فَلَمَّا [جَاءَ] قَالَ عُثْمَانُ لأبي ذَرَ اقْصُصْ عَلَيْهِ حَدِيثَكَ فِي بَنِي أبي العاص، فَحَدَّتَهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ لعَليَّ (عليه السلام) هَلْ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لَا، وَقَدْ صَدَقَ أبو ذَرٍّ، فَقَالَ عُثْمَانُ: بِمَ عَرَفْتَ صِدْقَهُ فَقَالَ عَلِيٍّ (عليه السلام): إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ: مَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ وَ لَا أقلت الغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَة أَصْدَقَ مِنْ أبِي ذَرٍّ، فَقَالَ مَنْ حَضَرَ مِنْ أ ذَرٍّ، فَقَالَ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آله: صَدَقَ أبو ذَرٍّ، فَقَالَ أَبو ذَرِّنَ أَحَدَتُكُمْ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثُمَّ تَتَهمُونِي! مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعِيسُ حَتَّى أَسْمَعَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيه و آله.

وذَكَرَ الْوَاقدي في تاريخه، عَنْ صُهْبَانَ مَولى الْأَسْلَمِيِّينَ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا ذَرَّ يَوْمَ دُخلَ به عَلَى عُثْمَانَ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ مُدَرِّعاً قَدْ دُرِّعَ بِهَا عَلَى شَارِف حَتَّى أنيحَ بِهِ عَلَى بَابِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي فَعَلْتَ وَ فَعَلْتَ فَقَالَ أَنَا الَّذِي نَصَحْتُكَ فَاسْتَغْشَمْتَني، وَ نَصَحْتُ صَاحِبَكَ فَاسْتَغَشَنِي، فَقَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ وَ الله وَ لَكنَّكَ تُريدُ الْفتْنَةَ وَ تُحِبُّهَا، قَدْ انْغَلْتَ الشَّامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ لَهُ ابو ذَرِّ: اتَّبِعْ سُنَّةَ صَاحِبَيْكَ لَا يَكُونُ لأحَد عَلَيْكَ كَلَامُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا لَكَ وَلذَاكَ لَا أَمَّ لَكَ فَقَالَ أَبو ذَرِّ وَ اللهِ مَا وَجَدْتَ لِي عُدْراً إِلَّا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَغَضِبَ

عُثْمَانُ وَ قَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَذَا الشَّيْخِ الْكَذَابِ: إِمَّا أنْ أضْرِبَهُ وَ أَحْبِسَهُ، أَوْ أَقْتُلَهُ - فَإِنَّهُ قَدْ فَرَّقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمينَ - أو، أَنْفَيَهُ.

مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ، فَتَكَلَّمَ عَلِيٍّ (عليه السلام) - وَ كَانَ حَاضِراً - فَقَالَ: أَشِيرُ عَلَيْكَ بِمَا قَالَ مُؤْمِنُ آل فرْعَوْنَ: فَ إِنْ يَكُ كاذباً فَعَلَيْهِ كَذَّبُهُ وَ إِنْ يَك صادقاً يُصبكُمْ بَعْضُ الَّذي يَعدُكُمْ الْآيَةَ فَقَالَ عُثْمَانُ: بفِيكَ التُّرَابُ، فَقَالَ عَلي بن أبي طالب (عليه السلام): بَلْ بفيكَ التُّرَابُ، وَيْحَكَ يَا عُثْمَانُ تَصْنَعُ هَذَا بِأبي ذَرٍّ صَاحِب رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنْ كَتَبَ إِلَيْكَ فِيهِ مُعَاوِيَةٌ، وَ هُوَ مَنْ عَرَفْتَ زَهْقَهُ وَ ظَلَمَهُ، وَ تَفَرَّقُوا فَجَعَلَ أبو ذَرِّ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِه، وَجَعَلَ أَصْحَابُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَأْتُونَهُ، وَ كَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْزَمُهُمْ لَهُ، فَمَكَثَ أيَّاماً، ثُمَّ أَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَأْتِي بِهِ قَدْ أَسْرِعَ بِهِ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ وَيْحَكَ يَا عُثْمَانُ اْ مَا رَأَيْتَ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ رَأَيْتَ أَبا بَكْر وَ رَأَيْتَ عُمَرَ، هَلْ رَأَيْتَ هَذَا هَدْرَهُمْ إِنَّكَ لَتَبْطِسُ بِي بَطْشَ جَبَّارٍ، فَقَالَ اخْرُجْ عَنَّا من بلادنَا، فَقَالَ أَبُو ذَرَةٌ مَا أَبْغَضَ إِلَيَّ حِوَارَكَ، فَإِلَى أَيْنَ أَخْرُجُ قَالَ حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ: أ فَأَخْرُجُ إِلَى الشَّامِ أَرْضِ الْجِهَادِ قَالَ إِنَّمَا جَلَبْتُكَ مِنَ الشَّامِ لِمَا قَدْ أَفْسَدْتَهَا، أفَارُدُّكَ إِلَيْهَا قَالَ: فَأَخْرُجُ إِلَى الْعِرَاقِ قَالَ: لَا، قَالَ: وَ لمَ قَالَ: تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ هُمْ أهْلُ شَبَه وَ طَعْنٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ، قَالَ: أ فَأَخْرُجُ إِلَى مِصْرَ قَالَ: لَا، قَالَ أَيْنَ أَخْرُجُ قَالَ:

إِلَى حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ أَبُو ذَرِّ: هُوَ إِذا التَّعَرُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، أَخْرُجُ إِلَى نَجْدِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: الشَّرَفُ الشَّرَفَ الْأَبْعَدُ أَقْصَى فَأَقْصَى، قَالَ أَبُو ذَرَ: قَدْ أَبَيْتَ ذَلكَ عَلَيَّ، قَالَ:

امْضِ عَلَى وَجْهِكَ هَذَا وَلَا تَعْدُونَ الرَّبَدَةَ، فَخَرَجَ أبو ذَرَّ إِلَى الرِّبَدَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بهَا حَتَّى تُوفّي.

نکیر عمار بن یاسر:

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخه، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ خَطَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ فِيهَا: وَ اللَّهِ لَأُوتَرَنَّ بَني أُمَيَّةَ، وَ لَوْ كَانَ بِيَدِي مَفَاتِيحُ الْجَنَّةَ لَأدْخَلْتُهُمْ إِيَّاهَا، وَ لَكِنِّي سَأعْطِيهِمْ مِنْ هَذَا المَالَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ مَنْ من زعم، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسر: أنْفِي وَ اللَّهِ تُرْغَمُ مِنْ ذَلكَ، قَالَ عُثْمَانُ: فَأرغم اللَّهُ أَنْفَكَ، فَقَالَ عَمَّارُ: وَأَنْفَ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ تُرْعَمْ، قَالَ وَ إِنَّكَ لَهُنَاكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ! ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَوَطَاهُ، فَاسْتَخْرِجَ مِنْ تَحْتِهِ - وَ قَدْ غُشِيَ عَلَيْهِ وَ فَتَقَّهُ.

وذَكَرَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ شَقِيق قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمَّارٍ فَقَالَ: ثَلَاثَ يَشْهَدُونَ عَلَى عُثْمَانَ وَ أَنَا الرَّابِعُ، وَ أنَا أَسْوا الْأَرْبَعَةِ، وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ... وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ،... وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَ أَنَا أَشْهَدُ لَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ.

و عَنْهُ في تاريخه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لَعَمَّار يَوْمَ صفِّينَ: [عَلَى] مَا تُقَاتِلُهُمْ يَا أَبَا الْيَقْطَان قَالَ عَلَى أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ عُثْمَانَ مُؤْمِنٌ، وَنَحْنُ نَزْعُمُ أَنَّهُ كَافِرُ.

و عنه فِي تَارِيخِهِ، عَنْ مُطَرْفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِيرِ الْحَرَشِيِّ قَالَ انْتَهَيْتُ إِلَى عَمَّارٍ فِي مَسجد البَصْرَة وَ عَلَيْهِ بُرْنَس وَ النَّاسُ قَدْ أطَافُوا به وَ هُوَ يُحَدِّتُهُمْ عَنْ أحداث عُثْمَانَ وَ قَتْله، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ وَ هُوَ يَذكُرُ عُثْمَانَ رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ، فَأَخَذَ عَمَّارٌ كَفَّاً مِنْ حَصَا الْمَسْجِدِ فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَا كَافِرُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَا عَدُوٌّ اللَّهِ، وَ أَوْعَدَ بِالرَّجُلِ، فَلَمْ يَزَلِ الْقَوْمُ يُسْكِنُونَ عَمَّاراً عَنِ الرَّجُلِ حَتَّى قَامَ وَ انْطَلَقَ، وَقَعَدْتُ فِي الْقَوْمِ حَتَّى فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ حَدِيثِهِ وَ سَكَنَ غَضَبُهُ، ثُمَّ إِنِّي قُمْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْيَقْطَانِ رَحِمَكَ اللَّهُ أ مُؤْمِناً قَتَلْتُمْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَمْ كَافِراً فَقَالَ: لَا بَلْ قَتَلْنَاهُ كَافِراً، بَلْ قَتَلْنَاهُ كَافِرًا، بَلْ قَتَلْنَاهُ كَافِراً.

عنه، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ خَبِيرٍ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي آسَى عَلَى شَيْءٍ تَرَكْتُهُ خَلْفِي، غَيْرَ أنِّى وَدِدْتُ أَنَّا كُنَّا أَخْرَجْنَا عُثْمَانَ مِنْ قَبْرِهِ فَأَضْرَمَنَا عَلَيْهِ نَاراً.

و ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخه، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ أَتَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ عُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْه قَامَ مَعي فَكَلَّمْتُهُ، فَلَمَّا ابْتَدَاتُ الكَلَامَ جَلَسَ، ثُمَّ اسْتَلْقَى وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: وَيْحَكَ يَا أَبَا الْيَقْطَانِ إِنَّكَ كُنْتَ فِينَا لَمِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَ السَّابَقَةِ، وَ مِمَّنْ عُذِّبَ فِي الله، فَمَا الَّذِي تَبْغِي مِنْ سَعْيِكَ فِي فَسَادِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ مَا صَنَعْتَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَهْوَى إِلَى عِمَامَتِهِ فَنَزَعَهَا عَنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ خَلَعْتُ عُثْمَانَ كَمَا خَلَعْتُ عِمَامَتِي هَذِهِ، يَا أَبَا

إِسْحَاقَ إِنِّي أريدُ أنْ تَكُونَ خِلَافَةٌ كَمَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه و آله، فَأَمَّا أَنْ يُعْطِيَ مَرْوَانَ حُمْسَ إِفْرِيقِيَةَ، وَ مُعَاوِيَةَ عَلَى الشَّامِ، وَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ شَارِبَ الْخَمْرِ عَلَى الْكُوفَة، وَ ابْنَ عَامر عَلَى الْبَصْرَة، وَ الْكَافِرَ بمَا أُنْزِلَ عَلَى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مصْرَ، فَلَا وَ الله لَا كَانَ هَذَا أَبَداً حَتَّى يُبْعَجَ في خاصرته بالْحَقِّ.

نكير عبد الله بن مسعود:

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخه، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيق قَالَ قُلْنَا لِعَبْدِ اللَّهِ: فِيمَ طَعَنْتُمْ عَلَى عُثْمَانَ قَالَ: أَهْلَكَهُ السُّحُ، وَ بِطَانَةُ السَّوْءِ.

وعَنْهُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُود:

لوَدِدْتُ أَنِّي وَ عُثْمَانَ بِرَمْلِ عَالِجٍ، فَتَتَحَاثُ التُّرَابَ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَرُ.

وعَنْهُ، عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابِ عَبد الله مِنْهُمْ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْس وَمَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ وَ عُبَيْدَةً السَّلْمَانِيُّ وَ شَقِيقَ بْنُ سَلَمَةَ وَ غَيْرُهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ لا يَعْدِلُ عُثْمَانُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَة.

وَ فِي أُخْرَى: جَنَاحَ ذُبَابٍ.

و عَنْهُ، عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله يَلْعَنُ عُثْمَانَ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلكَ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَشْهَدُ لَهُ بالنَّار.

و عَنْهُ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي بَيْتِ وَ نَحْنُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا - نَتَذَاكَرُ أمْرَ الدَّجَّال و فتْتَتَهُ، إِذْ دَخَلَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالَ مَا تَتَذَاكَرُونَ مِنْ أَمْرِ الدَّجَّالِ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ فِي الْبَيْتِ لَمَنْ هُوَ أَشَدُّ عَلَى أُمَّتِي مِنَ

الدَّجَّالِ وَ قَدْ مَضَى مَنْ كَانَ فِي الْبَيْت يَوْمَئِذٍ غَيْرِي وَ غَيْرُ عُثْمَانَ، وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أنِّي وَ عُثْمَانَ بِرَمْلِ عَالِجِ يَتَحَانَّا التَّرَابَ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ.

و عَنْهُ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْد الله بن مَسْعُود فَقَالَ: صَلَّى هَؤلاء جُمُعَتَهُم قُلْتُ: لَا، قَالَ: إِنَّمَا هَؤلاء حُمُرُ، إِنَّمَا يُصَلِّي مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُضْطَرُّ وَ مَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ، فَقَامَ بَيْنَنَا فَصَلَّى بِغَيْرِ أَذَانِ وَ لا إقَامَة.

و عَنْهُ، [عَنْ] أبى الْبَحْتَرِي قَالَ: دَخَلُوا عَلَى عَبْد الله - حَيْثُ كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَن يُسيره - و عنده أصْحَابُهُ، فَجَاءَ رَسُولُ الوَلِيدِ فَقَالَ إِنَّ الْأميرَ أَرْسَلَ إِلَيْكَ: إِنَّ أميرَ الْمُؤْمِنينَ يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَدع هؤلاء الكَلِمَاتِ، وَ إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَرْضِكَ قَالَ رَبِّ كَلِمَات [لا] اخْتَارُ مِصْرِي عَلَيْهِنَّ، [قيل:] مَا هُنَّ قَالَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ كِتَابُ اللهِ، وَ أَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله، وَ شَرُّ الْأمور مُحْدَتَتْهَا، وَكُلُّ مُحْدَتَة ضَلَالَةٌ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُود لَيَخْرُجَنَّ منْهَا ابْنُ أُمِّ عَبد، و أتْرُكُهُنَّ أَبَداً وَ قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُهُنَّ.

و قَدْ ذَكَرَ ذَلكَ أجْمَعَ وَ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ الْوَاقِدِيُّ في كتاب الدَّارِ.

تركناه إيجازا.

نکیر حذيفة بن اليمان:

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ جَاءَتْ بَنُو عَبْسٍ إِلَى حُذَيْفَةَ يَسْتَشْفَعُونَ به عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ حُذَيْفَةٌ: لَقَدْ أَتَيْتُمُونِي مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ وَدِدْتُ أَنَّ كُلَّ سَهُم فِي كِنَانَتِي فی بطنه.

و عَنْهُ، عَنْ حَارِثِ بْنِ سُوَيْد قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَذَكَرْنَا عُثْمَانَ، فَقَالَ: عُثْمَانَ! وَ اللَّه مَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ فَاجِراً في دينه، أوْ أَحْمَقَ فِي مَعِيشَته.

و

عَنْهُ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جبيرٍ، عَنْ يَزِيدَ مَولى حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي شُرَيْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: طَلَبْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في منزله فَلَمْ أَجِدْهُ، وَ طَلَبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ فِي حائط نائماً رَأْسُهُ تَحْتَ نَحْلَة فَانْتَظَرْتُهُ طَوِيلًا فَلَمْ يَسْتَيْقِظُ، فَكَسَرْتُ جَرِيدَةٌ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقُولَ ثُمَّ جَاءَ أَبو بَكْرِ فَقَالَ: انْذَنْ لِي، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عَلِي (عليه السلام) فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ وَ أَبَشِّرَهُ بِالْجَنَّةِ ثُمَّ قَالَ يَجِينُكُمُ الْخَامِسُ لَا يَسْتَأْذِنُ وَ لَا يُسَلَمُ وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَجَاءَ عُثْمَانُ حَتَّى وَتَبَ مِنْ جَانب الحائط، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله بنُو فُلَان يُقَاتِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.

و ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ أَبِي وَائِل قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: لَقَدْ دَخَلَ عُثْمَانُ قَبْرَهُ بِفَجْرِه.

و عَنْهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الله بن السائب قَالَ: لَمَّا قُتلَ عُثْمَانُ اُتي حُذَيْفَةٌ وَ هُوَ بِالْمَدَائِنِ، فَقِيلَ:

يا أبا عبد الله لقيتُ رَجُلًا آنفاً عَلَى الجِسْرِ فَحَدَّتَني أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ، قَالَ هَلْ تَعْرِفُ الرَّجُلَ قُلْتُ أَظُنُّني أعْرِفُهُ وَ مَا أَتَثَبِّتُهُ، قَالَ حُذَيْفَةً إِنَّ ذَلِكَ عثيم [عَيْتُمُ الجِنِّي، وَ هُوَ الَّذِي يَسِيرُ بالأَخْبَارِ، فَحَفِظُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدُوهُ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: مَا تَقُولُ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ [فَقَالَ: هَلْ هُوَ إِلَّا كَافِرُ قَتَلَ كَافِر [1] أوْ مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِراً، فَقَالُوا: مَا جَعَلْتَ لَهُ مَخْرَجاً، قَالَ: اللَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً.

و عنه، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قُلْتُ لِأبي وايلِ: حَدَّتْنَا فَقَدْ أَدْرَكْتَ مَا لَمْ نُدْرِكَ، فَقَالَ اتَّهِمُوا الْقَوْمَ عَلَى دِينِكُمْ، فَوَ اللهِ مَا مَاتُوا حَتَّى خَلَطوا، لَقَدْ قَالَ حُذَيْفَةً فِي عُثْمَانَ: إِنَّهُ دَخَلَ حُفْرَتَهُ وَ هُوَ فَاجِر.

نكير المقداد:

و

ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخه، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى عُثْمَانَ، وَ إِذَا رَجُلٌ يَمْدَحْهُ، فَوَتَبَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَخَذَ كَفَا مِنْ حَصًا أَوْ تُرَاب، فَأَخَذَ يَرْميه به، فَرَأَيْتُ عُثْمَانَ يَتَّقيه بِیَدِهِ.

و ذَکَرَ في تَارِيخِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ لَمْ يَكُنِ الْمَقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ يُصَلِّي خَلْفَ عُثْمَانَ، وَلَا يُسَمِّيه أميرَ الْمُؤْمِنِينَ.

[وَ ذُكرَ عَنْ سَعِيدِ أَيْضاً قَالَ: لَمْ يَكُنْ عَمَّارُ وَ لَا الْمَقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ يُصَلِّيَانِ خَلْفَ عُثْمَانَ وَ لَا يُسَمِّيانه أميرَ الْمُؤْمِنِينَ ]

نكير عبد الرحمن بن حنبل القرشي:

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ لتَّقَفيُّ في تاريخه تَارِيخه، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَنْبَل الْقُرَشِيُّ - وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْر - مِنْ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى عُثْمَانَ، وَ كَانَ يَذْكُرُهُ فِي الشِّعْرِ، وَ يَذكُرُ جَورَهُ وَ يَطْعَنُ عَلَيْهِ، و يبرأ مِنْهُ وَ يَصِفُ صَنَائِعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلكَ عُثْمَانَ عَنْهُ ضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْط وَ حَمَلَهُ عَلَى بَعير وَ طَافَ به في المدينة، ثُمَّ حَبَسَهُ مَوْبقاً فِي الْحَدِيد.

نکير طلحة بن عبيد الله:

ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخه، عَنْ مَالِكِ بْنِ النَّصْرِ الْأَرْجَنِي: أَنَّ طَلْحَةَ قَامَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ وَ كَرِهُوكَ للبدع التي أحدثت وَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا وَ لَا يَعْهَدُونَهَا، فَإِنْ تَسْتَقمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، وَ إِنْ أَبَيْتَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَضَرَّ بذلكَ مِنْكَ فِي دُنْيَا وَ لَا آخرَة.

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: انْطَلَقْتُ بِأَبِي أَقُودُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا سَمِعْنَا لَغَطَ النَّاسِ وَ أصْوَاتَهُمْ، فَقَالَ أبي: يَا بُنَيَّ مَا هَذَا فَقُلْتُ: النَّاسُ مُحْدِقُونَ بِدَارِ عُثْمَانَ، فَقَالَ مَنْ تَرَى مِنْ قُرَيْش قُلْتُ: طَلْحَةَ، قَالَ: اذْهَبْ بِي إِلَيْهِ فَأَدْنِي مِنْهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ: يَا أَبَا محمّد أ لَا تَنْهَى النَّاسَ عَنْ قَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ، قَالَ يَا أَبَا سَعِيدِ إِنَّ لَكَ دَاراً فَاذْهَبْ فَاجْلِس فِي دَارِكَ، فَإِنَّ نَعْتَنَا لَمْ يَكُنْ يَخَافُ هَذَا الْيَوْمَ.

و ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَوْمَئِذٍ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ عَلَيْهِ السَّلَاحُ عِنْدَ بَابِ الْقَصْرِ يَأْمُرُهُمْ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ.

و ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أبي لَيْلَى قَالَ انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَدِينَة أَيَّامَ حَصْرٍ عُثْمَانَ في الدَّارِ، فَإِذَا طَلْحَةُ بْنُ بن عبيد في مِثْلِ الْخَزَّةِ السَّوْدَاءِ مِنَ الرِّجَالِ وَ السَّلَاحِ مُطِيفٌ بِدَارِ عُثْمَانَ حَتَّى قُتِلَ.

و ذُكِرَ عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ طَلْحَةَ يُرَامِي الدَّارَ، وَ هُوَ فِي خَزَّةَ سَوْدَاءَ عَلَيْهِ الدِّرْعُ قَدْ كَفَرَ عَلَيْهِ بِقَبَاء، يُرَامُونَهُ وَ يُخْرِجُونَهُ إِلَى الدَّارِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُرَامِيهِمْ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ دَارٍ مِنْ قِبَلِ دَارِ ابْنِ حَزْمٍ فَقُتِلَ.

و ذَكَرَ الْوَاقديُّ في تَارِيخِهِ، عَنْ عَبْد الله بن مالك، عَنْ أبيه قَالَ لَمَّا أَشْخَصَ النَّاسُ لِعُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ مَالِكَ اشْتَرَى مِنِّي ثَلَاثَةَ أَدْرَاعِ وَ خَمْسَةَ أسياف، فَرَأَيْتُ تِلْكَ الدَّرُوعَ عَلَى أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَلْزَمُونَهُ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يومين.

و ذَكَرَ الْوَاقدي في تاريخه قَالَ: مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَاب محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَشَدَّ عَلَى عُثمَانَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ حَتَّى مَاتَ، وَ مِنْ سَعْدِ بْن أبي وقاص حَتَّى مَاتَ عُثْمَانُ وَ أعْطَى النَّاسَ الرِّضَى، وَ مِنْ طَلْحَةَ، وَ كَانَ أَشَدَّهُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَهْفُ الْمُصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، يَأْتُونَهُ بِاللَّيْلِ يَتَحَدَّثُونَهُ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ جَاهَدُوا، فَكَانَ وَلِي الْحَرْبَ وَ الْقِتَالَ وَ عَمِلَ الْمَفَاتِيحَ عَلَى بَيْت المَالِ وَ تَوَلَّى الصَّلَاةَ بالنَّاسِ، وَ مَنَعَهُ وَ مَنْ مَعَهُ منَ الْمَاء، وَ رَدَّ شَفَاعَةَ عَلي (عليه السلام) فِي حَمْلِ الْمَاءِ إِلَيْهِمْ، وَ قَالَ لَهُ: لَا وَ اللَّهِ وَ لَا نَعْمَةٌ عَيْنٍ، وَ لَا بِبَرَكَةِ يَأْكُلُ، وَ لَا يَشْرَبُ، حَتَّى يُعْطِي بَنِي أُمَيَّةَ الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِهَا.

وَ رَوَى قَوْلَهُ لِمَالِكَ بْنِ أَوْسٍ وَ قَدْ شَفَعَ إِلَيْهِ فِي تَرْكِ التَّأليب عَلَى عُثْمَانَ: يَا مَالِكُ إِنِّي نَصَحْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَقْبَلْ نَصيحتي، وَأَحْدَثَ أَحْدَانَا، وَ فَعَلَ أُمُوراً لَمْ نَجِدْ بُداً مِنْ أَنْ يُغَيْرَهَا، وَ الله لَوْ وَجَدْتُ منْ ذَلكَ [بدا ] مَا تَكَلَّمْتُ وَ لَا أَكَبْتُ.

نكير الزبير بن العوام:

و ذَكَرَ الْوَاقدي في تاريخه قَالَ: عَتَبَ عُثْمَانُ عَلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مَا فَعَلْتُ وَ لَكنَّكَ صَنَعْتَ بِنَفْسِكَ أمْراً قَبيحاً، تَكَلَّمْت عَلَى منبر رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأمر أعْطَيْتَ النَّاسَ فيه الرِّضَا، ثُمَّ لَقِيكَ مَرْوَانُ وَ صَنَعْتَ مَا لَا يُشْبِهُكَ، حَضَرَ النَّاسُ يُرِيدُونَ مِنْكَ مَا أَعْطَيْتَهُمْ، فَخَرَجَ مَرْوَانُ فَآذَى وَ شَتَمَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.

و ذَكَرَ فِي تَارِيخه أنَّ عُثْمَانَ أَرْسَلَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ إِلَى الزَّبَيْرِ فَوَجَدَهُ بِأَحْجَارِ الزَّيْتِ فِي جَمَاعَة، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عُثْمَانَ وَ مَنْ مَعَهُ قَدْ مَاتَ عَطَشاً، فَقَالَ لَهُ الزبير حيل بينهم و بين ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُريب.

نكير عبد الرحمن بن عوف:

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخه، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَثُرَ الْكَلَامُ بَيْنَ عَبْدِ رَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ وَ بَيْنَ عُثْمَانَ حَتَّى قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَكَ لَأَخْرِ جَنَّكَ هَذَا الْأَمْر كَمَا أَدْخَلْتُكَ فيه، وَ مَا غَرَرْتَني إِلَّا بِاللَّه.

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ، عَنِ الْحَكَمِ قَالَ كَانَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ وَ بَيْنَ عُثْمَانَ كَلَامُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَالله مَا شَهِدْتَ بَدْراً، وَ لَا بَايَعْتَ تَحْتَ الشَّجَرَةَ، وَ فَرَرْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: وَ أَنْتَ وَ الله دَعَوْتَني إِلَى الْيَهُودِيَّة.

و

عَنْهُ، عَنْ طَارق بن شهَاب قَالَ رَأَيْتُ ابْنَ عَوْفِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ عُثْمَانَ أَبَى أَنْ يُقيمَ فِيكُمْ كِتابَ اللهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ وَ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ لَهُ، قَالَ: إِنَّهُ نَقَضَ، وَ لَيْسَ لِنَاقِضِ عَهدٌ.

و عَنْهُ، عَنْ أبَى إِسْحَاقَ قَالَ: ضَجَّ النَّاسُ يَوْماً حِينَ صَلَوا الْفَجْرَ في خَلَافَة عُثْمَانَ، فَنَادَوْا بِعَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ، فَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَيْهِمْ وَ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ خَلَعَ قَمِيصَهُ مِنْ جَنْبِهِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ محمّد، يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أَشْهِدُ اللهَ وَ أَشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ خَلَعْتُ عُثْمَانَ مِنَ الخلَافَة كَمَا خَلَعْتُ سربالي هَذَا، فَأَجَابَهُ مُحِيبٌ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ الْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلَ وَ كُنْتَ مَنَ المُفْسِدِينَ، فَنَظَرُوا مَن الرَّجُلُ، فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالب عَلَيْهِ السَّلَامُ.

و عَنْهُ قَالَ أَوْصَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ أنْ يُدْفَنَ سرا، لَئَلَّا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ.

و ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخه، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّرِيدِ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي مَاتَ فيه أعُودُهُ، فَذَكرَ عِنْدَهُ عُثْمَانُ، فَقَالَ عَاجِلُوا طَاغِيَتَكُمْ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَمَادَى في مُلكه، قَالُوا: فَأَنْتَ وكَيْتَهُ، قَالَ: لَا عَهْدَ لَنَاقض.

و ذَكَرَ النَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَالِسًا، فَطَلَعَ عُثْمَانُ حَتَّى صَعِدَ الْمُنْبَرَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَن فَقَدْتَ أكْثَرَكَ شَعْراً.

وَ ذَكَرَ فِيه: أنَّ عُثْمَانَ أَنْفَدَ المُسْوَرَ بْنَ مَحْرَمَةَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَن يَسْأَلُهُ الْكَفَّ عَن التَّحْرِيض عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن أنَا أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَحْدي وَ لَكنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ جَميعاً: إِنَّهُ غَيَّرَ وَ بَدَّلَ قَالَ الْمُسْوَرَ: قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ فَدَعْ أَنْتَ مَا تَقُولُ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا وَ الله مَا أَجِدُهُ يَسَعُني أَنْ أَسْكَتَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ خالي: اتَّقِ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ فِى أُمَّةٍ محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله، وَ مَا أعْطَيْتَني مِنَ الْعَهْدِ وَ الْمِيثَاقِ: لَتَعْمَلُنَّ بكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ صَاحِبَيْكَ، فَلَمْ تَفِ.

وَ ذَكَرَ فِيهِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُود قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن في أحداث عُثْمَانَ: هَذَا مِمَّا عَمِلْت! فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ أَخَذْتُ إِلَيْكُمْ بالوثيقة، فَأَمْرُكُمْ إِلَيْكُمْ.

و ذَكَرَ فِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ هَذَا عَمَلُكَ! فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَإِذَا شنتَ فَخُذْ سَيْفَكَ وَ أَخُذُ سَيْفي.

نكير عمرو بن العاص:

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ في تاريخه، عَنْ لُوط بن يَحْيَى الْأَزْدِي قَالَ جَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ لَعُثْمَانَ: إِنَّكَ رَكِبْتَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ النَّهَابِيرَ وَ رَكِبُوهَا بِكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ، فَقَالَ يَا ابْنَ النَّابِغَةِ قَدْ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ وَ أَنَا أَتُوبُ إِلَيْهِ، أَمَا إِنَّكَ مِمَّنْ يُؤلَبُ عَلَي وَ يَسْعَى فِي السَّاعِينَ، قَدْ لَعَمْرِي أضْرَمْتَهَا، فَأَسْعِرْ وَأضْرِمُ مَا بَدَا لَكَ فَخَرَجَ عَمْرُو حَتَّى نَزَلَ فِي أَدَانِي الشَّامِ وَ ذَكَرَ فِيهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ذَكَرَ عُثْمَانَ فَقَالَ إِنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِالْفَيْء فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ، وَ اسْتَعْمَلَ أَقْوَاماً لَمْ يَكُونُوا بِأَهْلِ الْعَمَلِ مِنْ قَرَابَتِهِ وَ آثَرَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ سَفْكَ فِي دَمِهِ وَ انْتهَاكُ حُرمته.

و عَنْهُ فيه قَالَ: قَامَ عَمْرُو إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ إِمَّا أَنْ تَعْدلَ وَ إِمَّا أَنْ تَعْتَزِلَ، فَلَمَّا أَنْ نَشَبَ النَّاسُ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ تَنَحَّى عَنِ الْمَدِينَةِ وَ خَلَفَ ثَلَاثَةَ عَلْمَةٍ لَهُ لِيَأْتُوهُ بِالْخَبَرِ، فَجَاءَ اثْنَانِ بِحَصْرٍ عُثمَانَ، فَقَالَ إِنِّي إِذا نَكَأْتُ قَرْحَةٌ أَدْمَيْتُهَا، وَ جَاءَ الثَّالِثُ بِقَتْلِ عُثْمَانَ وَ وَلايَة عَليَّ (عليه السلام)، فَقَالَ وَا عُثْمَانَاهُ، وَ لَحِق بِالشَّامِ.

و ذَكَرَ الْوَاقدي في تاريخه أنَّ عُثْمَانَ عَزَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَنْ مَصْرَ وَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الله بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَقَدِمَ عَمْرُو الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَأْتِي عَلِيّاً (عليه السلام) فَيُؤَلِّبُهُ عَلَى عُثْمَانَ، وَ يَأْتي الزبير وَ يَأْتي طَلْحَةَ، وَيَ [ت] لَقَى الرُّكْبَانَ يُخبرُهُمْ بأحداث عُثْمَانَ، فَلَمَّا حُصرَ عُثْمَانُ الْحِصَارَ الْأَوَّلَ خَرَجَ إِلَى أَرْضِ فَلَسْطِينَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى جَاءَهُ خَبَرٌ قَتْلِهِ، فَقَالَ: أَنَا

أبو عَبْدِ الله، إِنِّي إذا أحلُّ قَرْحَةٌ نَكَأْتُهَا، إِنِّي كُنْتُ لَأحَرِّضُ عَلَيْهِ، حَتَّى إِنِّي لَأَحَرِّضُ عَلَيْهِ الراعي في غَنَمه، فَلَمَّا بَلَغَهُ بَيْعَةُ النَّاسِ عَلَيّاً (عليه السلام) كَرِهَ ذَلكَ وَ تَرَبَّص حَتَّى قُتِلَ طَلْحَةُ وَ الزبير، ثُمَّ لَحق بمُعَاوِيَةَ.

نکیر محمّد بن مسلمة الأنصاري:

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ الْأَنْصَارِي: أنَّ محمّد بن مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِي قَالَ يَوْمَ قُتلَ عُثْمَانُ: مَا رَأَيْتُ يَوْماً قَطُّ َأقَرَّ لِلْعُيُونِ وَ لَا أَشْبَهَ بِيَوْمِ بَدْرٍ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ.

و روى فيه، عَنْ أبي سُفْيَانَ مَولى آلِ أَحْمَدَ قَالَ أَتَيْتُ محمّد بْنَ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِي فَقُلْتُ: قَتَلْتُمْ عُثْمَانَ فَقَالَ: نَعَمْ وَايْمُ الله مَا وَجَدْتُ رَائِحَةٌ هِيَ أَشبَهُ برَائِحَة يَوْمٍ بَدْر منْهَا.

وَ قَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخه، عَنْ محمّد بْنِ مَسْلَمَةَ: مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الثَّقَفِيُّ

نكير أبي موسى:

وَ ذَكَرَ الْوَاقدي في تاريخه قَالَ: لَمَّا وَكَى عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامر بن كَرَيزِ الْبَصْرَةَ، قَامَ أبو مُوسَى الْأَشْعَرِي خطيباً، فَحَمدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ قَدْ أَتَاكُمْ رَجُلٌ كَثِيرُ الْعَمَّات و الخالات في قُرَيْشٍ، يَبْسُطُ الْمَالَ فِيهِمْ بَسْطاً، وَ قَدْ كُنْتُ قَبَضَتُهُ عَنْكُمْ.

نكير جبلة بن عمرو الساعدي:

و ذَكَرَ الْوَاقدي في تاريخه، عَنْ عَامر بن سَعْد قَالَ: أَوَّلُ مَن اجْتَرَا عَلَى عُثْمَانَ بالنُّطْقِ السَّيِّئ جَبَلَةُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِي، مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ وَ هُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قَوْمِهِ وَ فِي يَدِ جَبَلَةَ بْنِ عَمْرِو جَامعَةٌ، فَسَلَّمَ، فَرَدَّ تَرُدُّونَ عَلَى رَجُل فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوم، فَقَالَ جَبَلَة: ل عُثْمَانَ فَقَالَ: والله لأطْرَحَنَّ هَذه الجَامعَةَ فى عُنْقكَ أوْ لَتَتْرُكَنَّ بِطَانَتَكَ هَذه، قَالَ عُثْمَانُ: أَيَّ بطَانَة فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَا تَخَيَّرُ النَّاسِ، فَقَالَ مَرْوَانَ تَخَيَّرْتُهُ، وَ مُعَاوِيَةَ تَخَيَّرْتُهُ، وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ كَرَيْزِ تَخَيَّرْتُهُ، وَ عَبْدَ الله بْنَ سَعْدِ تَخَيَّرْتُهُ، منْهُمْ مَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بدَمهِ، وَ أَبَاحَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) دَمَهُ، فَانْصَرَفَ عُثْمَانُ، فَمَا زَالَ النَّاسُ مُجْتَرُونَ عَلَيْهِ.

و ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّرِيدِ قَ[ مَرَّ عُثْمَانُ] عَلَى جَبَلَةَ بْنِ عَمْرٍو السَّاعِدِي وَ هُوَ عَلَى بَاب دَاره و و معه جَامِعَةٌ، فَقَالَ يَا نَعْتَلُ وَ الله لَأَقْتُلَنَّكَ أَوْ لَأَحْمَلَنَّكَ عَلَى جَرْبَاءَ وَ لَأُخْرِجَنَّكَ إِلَى حَرَّةَ النَّارِ، ثُمَّ جَاءَهُ مَرَّةً أخرَى وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَنْزَلَهُ عَنْهُ.

وَ ذَكَرَ فِيهِ: أَنَّ زَيْدَ بن ثابت مَشَى إِلَى جَبَلَةَ وَ مَعَهُ ابْنُ عَمِّه أبو أسيد الساعدي، فَسَأَلَاهُ الْكَفَّ عَنْ عُثْمَانَ، فَقَالَ: وَ الله لَا أَقْصُرُ عَنْهُ أبداً، وَ لَا الْقَى اللَّهَ فَأَقُولَ: أطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا.

نکیر جهجاه بن عمرو الغاري:

و ذَكَرَ الْوَاقدي في تاريخه، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ خَرَجَ عُثْمَانُ إِلَى المَسْجِد وَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ مَوَالِيه، فَنَجَّدَ النَّاسُ يَنْتَابُونَهُ يَميناً وشمالا، فَنَادَاهُ بَعْضُهُمْ: يَا نَعْتَلُ، وَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ ذَلكَ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُم حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَشَتَمُوهُ، فَسَكَتَ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّ السَّامِعَ المُطِيعَ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وَ السَّامِعَ العَاصِي لَا حُجَّةَ لَهُ، فَنَادَاهُ بَعْضُهُمْ: أَنتَ أنتَ السَّامِعُ العَاصِي، فَقَامَ إِلَيْهِ جَهْجَاهُ بْنُ عَمْرُو الْغَفَارِيُّ - وَ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ - فَقَالَ: هَلَم إِلَى مَا نَدْعُوكَ إِلَيْهِ، قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ نَحْمِلُكَ عَلَى شَارِف جَرْبَاءَ فَنُلْحِقُكَ بِجَبَلِ الدخان، قَالَ عُثْمَانُ: لَسْتَ هُنَاكَ لَا أَمَّ لَكَ، وَ تَنَاوَلَ ابْنُ جَهْجَاه الغفَارِيُّ عَصا في يَدِ عُثْمَانَ - وَ هي عَصَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله- فَكَسَرَهَا عَلَى رُكْبَتِه، وَ دَخَلَ عُثْمَانُ دَارَهُ، فَصَلَّى بالنَّاس سَهلُ بنُ حُنَيف.

وَ ذَكَرَ فيه - عن عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي حَبِيبَة - الحَدِيثَ، وَ قَالَ فِيهِ: إِنَّ عُثْمَانَ قَالَ لَهُ: قَبَّحَكَ اللهُ وَ قَبَّحَ مَا جِئْتَ بهِ، قَالَ أَبُو حَبِيبَةَ وَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِنَّا عَنْ مَلَاء مِنَ النَّاسِ، وَقَامَ إِلَى عُثْمَانَ شِيعَتُهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَحَمَلُوهُ فَأَدْخَلُوهُ الدَّارَ، وَ كَانَ آخِرُ يَوْمٍ رَأَيْتُهُ فِيهِ.

نكير عائشة

و ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخه وَ تاريخه وَ التَّقَفي في تاريخه قَالَ: جَاءَتْ عَائِشَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَتْ:

أعْطِني مَا كَانَ يُعْطِينِي أَبي وَ عُمَرُ، قَالَ: لَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعاً فِي الْكِتَابِ وَ لَا فِي السُّنَّةِ، وَ لَكِنْ كَانَ أَبُوكَ وَ عُمَرُ يُعْطَيَانك عَنْ طِيبَة أَنْفُسهما وَ أَنَا لَا أَفْعَلُ قَالَت فَأعْطني ميراثي منْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْه و آله، قَالَ: َأ وَ لَمْ تَجيء فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) تَطْلُبُ مِيرَانَهَا مِنْ: رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَشَهِدْتِ أَنْتِ وَ مَالِكُ بْنُ أَوْس الْبَصْرِيُّ: أَنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَا يُورث، وأبطلت حَقَّ فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وَ جِنْت تَطلبِينَهُ!! لَا أَفْعَلُ.

وَ زَادَ الطَّبَرِيُّ: وَ كَانَ عُثْمَانُ مُتَكَناً، فَاسْتَوَى جَالِساً وَ قَالَ: سَتَعْلَمُ فَاطِمَةٌ أَيُّ ابْنِ عَمَّ لَهَا مِنِّي اليَوْمَ ألَسْت وَ أعْرَابِي يَتَوَضاً ببوله شَهِدْت عِنْدَ أبيك! قَالا جَمِيعاً فِي تَارِيخِهِمَا: فَكَانَ إِذَا خَرَجَ عُثْمَانُ إِلَى الصَّلَاةِ أخْرَجَتْ قَمِيصَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ تُنَادِي: إِنَّهُ قَدْ خَالَفَ صَاحِبَ هَذَا الْقَميص.

وَ زَادَ الطَّبَرِيُّ يَقُولُ هَذَا قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَمْ يَبْلُ وَ قَدْ غَيَّرَ عُثْمَانُ سُنَتَهُ، اقْتُلُوا نَعْتَلًا قَتَلَ اللَّهُ نَعْتَلا.

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخه، عَنْ مُوسَى التَّغْلِبِي، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمَعُونَ، وَ إِذَا كَفَّ مُرْتَفَعَةٌ وَصَاحِبُ الْكَفِّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ الْعَهْدُ حَدِيثُ، هَاتَان نَعْلَا رَسُولِ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ قَمِيصُهُ، إِنَّ فِيكُمْ فِرْعَوْنُ أَوْ مِثْلُهُ، فَإِذَا هِيَ عَائِشَةُ تَعْنِي عثْمَانَ، وَ هُوَ يَقُولُ: اسْكُتِي، إِنَّمَا هَذه امْرَأَةٌ رَأَيْهَا رَأيِّ المَرْأة وعقلهَا عَقْلُ الْمَرْأَةِ.

و ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: رَفَعَتْ عَائِشَةُ وَرَقَاتِ مِنْ وَرَقِ الْمُصْحَفِ بَيْنَ عُودَيْنِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابِهَا وَ عُثْمَانُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَتْ: يَا عُثْمَانُ أَقمْ مَا فِي كتاب الله، إِنْ تُصَاحِبْ تُصَاحِبْ غَادراً وَ إِنْ تُفَارقَ تُفَارقَ عَنْ قَلَى، فَقَالَ عُثْمَانُ: أَمَا وَ اللَّه لَتَنْتَهين أو لَأُدْخِلَنَّ عَلَيْكَ حُمْرَانَ الرِّجَال وَ سُودَانَهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ أمَا وَ اللَّه إِنْ فَعَلْتَ لَقَدْ لَعَنَكَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَليه و آله، ثُمَّ مَا اسْتَغْفَرَ لَكَ حَتَّى مَاتَ.

و

ذَكَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ أَخْرَجَتْ عَائِشَةُ قَمِيصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله، فَقَالَ لَهَا عُثْمَانُ: لَئِنْ لَمْ تَسْكُتي لَأمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ حُبْشَاناً، قَالَتْ: يَا غَادِرُ يَا فَاجِرُ أَخْرَبْتَ أمَانَتَكَ وَ مَزَّقْتَ كتابَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا انْتَمَنَهُ رَجُلٌ قَطُّ إِلَّا حَانَهُ، وَ لَا صَحِبَهُ رَجُلٌ قَطُّ إِنَّا فَارَقَهُ عَنْ قَلَى.

و ذَكَرَ فِيهِ قَالَ نَظَرَتْ عَائِشَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَتْ: يَقْدَمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الوردُ الْمَوْرُودُ.

و ذَكَرَ فيه، عَنْ عَكْرِمَةَ: أنَّ عُثْمَانَ صَعدَ المَنْبَرَ، فَأطْلَعَتْ عَائِشَةُ وَ مَعَهَا قَمِيصُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله، ثُمَّ قَالَتْ: يَا عُثْمَانُ أَشْهَدُ أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْقَمِيصِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْآيَةَ.

و ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ مَوْلى ثَابِت قَالَ كُنْتُ فِي الْمَسْجِد فَمَرَّ عُثْمَانُ، فَنَادَتْهُ عَائِشَةُ: يَا غَادِرُ يَا فَاجِرُ أَخْرَبْتَ أمَانَتَكَ وَ ضَيَّعْتَ رَعِيَّتَكَ، وَ لَوْ لَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسِ لَمَشَى إِلَيْكَ رِجَالٌ حَتَّى يَذْبَحُوكَ ذَبْحَ الشَّاةِ، فَقَالَ لَهَا عُثْمَانُ: امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ الآيَةَ.

و ذَكَرَ فيه: أنَّ عُثْمَانَ صَعدَ الْمِنْبَرَ، فَنَادَتْ عَائِشَةُ وَ رَفَعَت القَميصَ فَقَالَتْ: لَقَدْ خَالَفْتَ صَاحِبَ هَذَا، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ هَذه الزَّعْرَاءَ عَدُوَّةُ اللهِ، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهَا وَ مَثَلَ صَاحِبَتِهَا حَفْصَةَ فِي الْكِتَابِ امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ الْآيَةَ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا نَعْتَلُ يَا عَدُوٌّ اللَّهِ إِنَّمَا سَمَّاكَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بِاسْمِ نَعْتَلَ الْيَهُودِيِّ الَّذِي بِالْيَمَنِ، وَلَاعَنتُهُ وَ لَاعَنَهَا.

و ذَكَرَ فِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُصْعَب الْعَبْدِي قَالَ: قَامَ عُثْمَانُ ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: نِسْوَةً تَكْتُبْنَ فِي الْآفَاقِ لِتُنكَثَ بَيعتي و يُهرَاقَ دَمِي، وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَمْلاً عليهن حُجُرَاتِهِنَّ رِجَالًا سُوداً و بيضاً لَفَعَلْتُ ألَسْتُ خَتَنَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)

عَلَى ابْنَتَيْه، ألَسْتُ جَهَزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَة، ألَمْ آلُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِلَى أَهْل مَكَّةَ، قَالَ إِذْ تَكَلَّمَت امْرَأَةٌ من وَرَاء الحجاب، قَالَ فَجَعَلَ يَبْدُو لَنَا حَمَارُهَا أَحْيَاناً، فَقَالَتْ: صَدَقْتَ، لَقَدْ كُنْتَ خَتَنَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلَى ابْنَتَيْه فَكَانَ مِنْكَ فِيهِمَا مَا قَدْ عَلِمتَ، وَ جَهَزْتَ جَيْشَ العُسْرَة، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

فَسَيُنفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، وَ كَتَبَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فيكَ عَنْ بَيْعَةِ الرّضْوَانِ إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ لَهَا أهلا، قَالَ فَانْتَهَرَهَا عُثْمَانُ، فَقَالَتْ:

أمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَالَ إِنَّ لِكُلِّ أُمَّة ِفرْعَوْنُ، وَ إِنَّكَ فَرْعَوْنُ هَذه الأمة.

و ذَكَرَ فِيهِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقِ قَالَ لَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى عُثْمَانَ تَجَهَّزَتْ عَائِشَةُ لِلْحَجِ، فَجَاءَهَا مَرْوَانُ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدِ، فَسَأَلاهَا الْإِقَامَةَ وَ الدَّفْعَ عَنْهُ، فَقَالَتْ: قَدْ عَرَيْتُ غرائرِي، وَ أدْنَيْتُ رِكَابي، وفَرَضْتُ عَلَى نَفْسِي الْحَجَّ فَلَسْتُ بِالَّتِي أُقِيمُ فَنَهَا، وَ مَرْوَانُ يَتَمَثَّلُ:

فَحَرَقَ قَيْس عَلَى الْبَلَادِ *** حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ أَجْدَمَا

فَقَالَتْ: أَيُّهَا المُتَمَتِّلُ بِالشَّعْرِ ارْجِعْ فَرَجَعَ، فَقَالَتْ: لَعَلَّ تَرَى أَنِّي إِنَّمَا قُلْتُ هَذَا الَّذِي قُلْتُهُ شَكَاً في صَاحِبِكَ، فَوَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ عُثْمَانَ مَخِيطُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ غَرَائِرِي.

حَتَّى أكُونَ أَقْذِفُهُ فِي الْيَمِّ، ثُمَّ ارْتَحَلَتْ حَتَّى نَزَلَتْ بَعْضَ الطَّرِيقِ، فَلَحقَهَا ابْنُ عَبَّاس أميراً عَلَى الْحَجِّ، فَقَالَتْ لَهُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطَاكَ لسَاناً وَ علماً، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَخْزُلَ عَنْ قَتْل هَذا الطَّاغية غداً، ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَلَمَّا قَضَت نُسْكَهَا بَلَغَهَا أَنَّ عُثْمَانَ قُتلَ، فَقَالَتْ:

أبْعَدَهُ اللهُ بمَا قَدَّمَ يَدَاهُ، الحَمْدُ لله الذي قَتَلَهُ، وَ بَلَغَهَا أَنَّ طَلْحَةَ وَلي بَعْدَهُ، فَقَالَتْ: أَيُّهُنَّ ذَا الْإِصْبَعِ، فَلَمَّا بَلَغَهَا أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) بُويِعَ قَالَت وَدِدْتُ أَنَّ هَذِهِ وَقَعَتْ عَلَى هَذِهِ.

و

ذَكَرَ الْوَاقدي في تاريخه كَثِيراً ممَّا ذَكَرَهُ التَّقَفي، وَ زَادَ في حَدِيث مَرْوَانَ وَ مَجِيئه إِلَى عَائِشَةَ، أنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِت كَانَ مَعَهُ، وَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَدِدْتُ وَ الله أَنَّكَ وَصَاحِبَكَ هَذَا الَّذِي يَعْنِيكَ أَمْرُهُ في رَجُل كُلُّ واحد مِنْكُمَا رَحاً وَ أَنَّهُ فِي الْبَحْرِ، وَ أمَّا أَنْتَ يَا زَيْدُ فَمَا أَقَلَّ وَ اللَّه مَنْ لَهُ مِثْلُ مَا لَكَ مِنْ عِصْدَانِ الْعَجْوَة.

وَ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ آخَرَ: أَنَّ الْمُكَلَّمَ لَهَا فِي الْإِقَامَةِ مَعَ مَرْوَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدِ، قَالَتْ: لَا وَ الله وَ لَا سَاعَةً، إِنَّ عُثْمَانَ غَيَّرَ فَغَيَّرَ اللهُ به آتْرَكُمْ وَ الله وَ تَرَكَ أَصْحَابَ محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله.

وَ زَادَ خطابها لابن عَبَّاس: إِنَّكَ قَدْ أعطيتَ لسَاناً وَجَدَلًا وَعَقْلاً وَ بَيَاناً، وَقَدْ رَأَيْتَ مَا صَنَعَ ابْنُ عَفَّانَ، اتَّخَذَ عِبَادَ الله حَوَلا فَقَالَ يَا أُمَّهُ دَعِيهِ وَ مَا هُوَ فِيهِ، لَا يَنْفَرِجُونَ عَنْهُ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، قَالَت: أَبْعَدَهُ اللَّهُ.

وَ مِنْ طَرِيق آخَرَ: إِيَّاكَ أَنْ تَرُدَّ النَّاسَ عَنْ هَذَا الطَّاغِيَةِ، فَإِنَّ الْمِصْرِيِّينَ قَاتَلُوهُ.

وَ رُويَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ دَخَلْتُ عَلَيْهَا بِالْبَصْرَة فَذَكَرْتُهَا هَذَا الحديث، فَقَالَتْ: ذَلكَ الْمَنْطِقُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ يَوْمَئِذٍ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَنِي لَمْ أرَ لِي تَوْبَةٌ إِلَّا الطَّلَبَ بِدَمِ عُثْمَانَ، وَ رَأَيْتُ أَنَّهُ قتلَ مَظْلُوماً، قَالَ فَقُلْتُ لَهَا فَأَنْت قَتَلْتيه بلسانك، فَأَيْنَ تَخْرُجين! تُوبِي وَ أَنْتَ في بَيْتك، أو أرْضِي وَكَاةَ دَمِ عُثْمَانَ وَلَدَهُ، قَالَتْ: [دَعْنَا مِنْ جِدَالِكَ فَلَيْسَ مِنَ الْبَاطِلِ فِي شَيْءٍ.

وَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ عَائِشَةَ بنت قُدَامَةَ قَالَتْ:] سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) تَقُولُ - وَ عَثَمَانُ مَحْصُورٌ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَاء: أَحْسَنَ أبو محمّد حِينَ حَالَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَاءِ، فَقَالَتْ لَهَا يَا أمَّهُ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَتْ: إِنَّ عُثْمَانَ غَيَّرَ سُنَّةَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله، وَ سُنَّةَ الْخَليفَتَيْن من قبله، فَحَلَّ دَمُهُ.

و ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: إِنَّ عُثْمَانَ أرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى طَلْحَةَ فَأَبَيْتُ وَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أنْ أقِيمِي وَ لَا تَخْرُجِي إِلَى مَكَّةَ، فَقُلْتُ: قَدْ جَلَيْتُ ظَهْرِي وَ عَرَّيْتُ غَرَائِرِي وَ إِنِّي خَارِجَةٌ غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَ لَا وَ اللَّهِ مَا أَرَانِي أرْجِعُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَالَتْ: بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، كَانَ أَبِي - تَعْنِي:

الْمِقْدَادَ - يَنْصَحُ لَهُ فَيَأْبَى إِلَّا تَقْرِيبَ مَرْوَانَ وَسَعِيدَ بْنَ عَامِرٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: حُبّهُمْ وَاللَّهِ صَنَعَ مَا تَرَيْنَ، حَمَلَ إِلَى سَعيد بن العاص مائَةَ، ألف وَ إِلَى عَبْد الله بن خالد بن أُسَيْد ثَمَانَمائَة ألف، وَ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَم مِائَةَ الف، و أعْطَى مَرْوَانَ خُمُسَ إِفْرِيقِيَةَ لَا يَدْرِي بِكَمْ فَلَمْ يَكُن اللهُ لَيَدَعَ عُثْمَانَ.

و ذَكَرَ فِي تاريخه، عَنْ عَلْقَمَةَ بْن أبي عَلْقَمَةَ، عَنْ أبيه، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى عثْمَانَ، تُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَيْهِ وَ تُوَلُّبُ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمَّا قُتِلَ وَ بُويِعَ عَلِيٌّ (عليه السلام) طَلَبَتْ بِدَمِهِ.

و أمثال هذه الأقوال و أضعافها المتضمنة للنكير على عثمان من الصحابة والتابعين المنقولة في جميع التواريخ.

و إنما اقتصرنا على تاريخي الثقفي و الواقدي لأن لنا إليهما طريقا، و لأن لا يطول الكتاب. و فيما ذكرناه كفاية، و من أراد العلم بمطابقة التواريخ ل.ما أوردناه في هذين التاريخين فليتأملها يجدها موافقة.

[حصر عثمان في داره و ما جرى عليه]

ثُمَّ أطْبَقَ َأهْلُ الْأَمْصَارِ وَ قُطَانُ الْمَدِينَة مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ - إِلَّا النَّفَرَ الَّذِينَ احْتَصهُم عُثْمَانُ لَنَفْسه وَ أَثَرَهُمْ بِالْأَمْوَالِ كَزَيْدِ بْنِ ثَابِت وَ حَسَّانَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزَّبَيْرِ، وَ مَرْوَانَ، وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - عَلَى حَصْره في الدَّارِ، وَ مُطَالَبَته بخَلْع نَفْسه مِنَ الْخِلَافَة أوْ قَتْله، إِلَى أَنْ قَتَلُوهُ عَلَى الْإِصْرَار عَلَى مَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ وَ مَنْ ظَفَرُوا به فِى الْحَالِ مَنْ أَعْوَانه، وَ أَقَامَ ثَلاثاً لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ مِنْ ذَويه أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَ لَا يَدْفَنَهُ خَوْفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَى أَنْ شَفَعُوا إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي دَفْنِهِ، فَأذِنَ فِي ذَلِكَ عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَدْفِنُوهُ فِي مَقَابِرِ المُسلمينَ، فَحُمِلَ إِلَى حَسٌ كَوْكَبٌ مَقْبَرَة الْيَهُود، وَ لَمَّا أَرَادَ النَّفَرُ الَّذِينَ حَمَلُوهُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ منعهم من مِنْ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَ رَجَمُوهُمْ بِالْأَحْجَارِ، فَدُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةِ، وَ لَمْ يَزَلْ قَبْرَهُ مُنْفَرِداً عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمينَ إِلَى أنْ وَليَ مُعَاوِيَةٌ، فَأَمَرَ بِأنْ يُدْفَنَ النَّاسُ [منْ] حَوْله حَتَّى اتَّصَلَ الدَّفْنُ

بمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ الْقَتْلِ مِنْ وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ - كَعَلي (عليه السلام)، وَ عَمَّارٍ، وَ محمّد بْنِ أَبِي بَكْرِ، وَ غَيْرِهِمْ، وَ أَمَائِلِ التَّابِعِينَ - إِلَّا قَالَ قَتَلْنَاهُ كَافِراً.

هذا الذي ذكرناه من نكير الصحابة والتابعين على عثمان موجود في جميع التواريخ و كتب الأخبار، و لا يختلف في صحته مخالط لأهل السير والآثار، و إن أحسن الناس كان فيه رأيا من أمسك عن نصرته ومعونة المطالبين له بالخلع، و كفّ عن النكير عنه و عنهم، كمن ذكرناه من مواليه و بني أمية، و من عداهم بین قاتل و معاون بلسانه أو يده أو بهما.

و [معلوم] تخصص قاتليه بولاية علي (عليه السلام)، و كونهم بطانة له و خواصا- كمحمّد بن أبي بكر، و عمّار بن ياسر، و الأشتر، و غيرهم من المهاجرين والأنصار و أهل الأمصار - و تولي الكافّة لهم تولي الصالحين، و المنع منهم بالأنفس و الأموال و إراقة الدماء في نصرتهم، و الذبّ عنهم، و رضاهم بعلي (عليه السلام) مع علمهم برأيه في عثمان و التأليب عليه، و تولي الصلاة و هو محصور بغير أمره، و اتخاذه مفاتح لبيوت الأموال، و اتخاذ قتلته أولياء [و] خاصته أصفياء و إطباقهم على اختياره و قتالهم معه، و الدفاع عنه و عنهم، و استفراغ الوسع في ذلك، و عدم نكير من أحد من الصحابة أو التابعين يعتدّ بنكيره.

[تكفير عثمان]

ثم اشتهر التدين بتكفير عثمان بعد قتله، و كفر من تولاه من علي (عليه السلام) و ذريته و شیعته و وجوه الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، حفظ عنهم و التصريح بذلك، المستغني عنه بمعلوم القصود منهم، غير أن في ذكره [إيناسا] للبعيد عن سماع العلم و تنبيها للغافل من شبه الجهل.

فمن ذلك ما رووه من طرقهم أنّ عليا (عليه السلام) خطب الناس بعد قتل عثمان، فذكر أشياء قد مضى بيانها.

من جملتها:

قَولُهُ (عليه السلام) سَبَقَ الرَّجُلَان وَ قَامَ الثَّالثُ كَالْغُرَاب همتهُ بَطْنَهُ وَ فَرْجُهُ، وَيْلَهُ لَوْ قُصَّ جنَاحَاهُ وَ قُطِعَ رَأْسُهُ كَانَ خَيْراً لَهُ، شُغِلَ عَنِ الْجَنَّةِ، وَ النَّارُ أَمَامَهُ.

و

رَوَوْا عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَزَوَرٍ، عَنِ الْأَصْبَعِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيّاً (عليه السلام) عَنْ عُثْمَانَ فَقَالَ وَ مَا سُؤَالُكَ عَنْ عُثْمَانَ، إِنَّ لعُثمَانَ ثَلَاثَ كَفَرَات وَ ثَلَاثَ غَدَرَات وَ مَحَلَّ ثَلَاثَ لَعَنَاتِ، وَ صَاحِبَ بَلِيَّاتِ، لَمْ يَكُنْ بِقَدِيمِ الْإِيمَانِ، وَ لَا تَابِتِ الهِجْرَةِ، وَ مَا زَالَ النِّفَاقُ فِي قَلبِهِ، وَ هُوَ الَّذِي صَدَّ النَّاسَ يَوْمَ أحد.

الحديث طويل.

و ذَكَرَ الثَّقَفِيُّ فِي تَارِيخه، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ قَالَ أَتَيْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) فِي الرَّحْبَة فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّتَّنَا عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: ادْنُ، فَدَنَوْتُ، قَالَ: ارْفَعْ صَوْتَكَ، فَرَفَعْتُ صَوْتِي، قَالَ كَانَ ذَا ثَلَاثِ كَفَرَاتِ، وَ ثَلَاثِ غَدَرَاتِ، وَ فَعَلَ ثَلَاثَ لَعَنَاتِ، وَ صَاحَبَ بَلِيَّاتِ، مَا كَانَ بِقَدِيمِ الإِيمَانِ، وَ لَا حَدِيثَ النِّفَاقِ، يَجْزِي بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ. في حديث طويل.

و ذَكَرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي إِسْحَاقَ، وَ كَانَ قَدْ أَدْرَكَ عَلِيّاً (عليه السلام) قَالَ: مَا يَزِنُ عُثْمَانُ عِنْدَ اللهِ ذَبَاباً، فَقَالَ ذَبَاباً فَقَالَ: وَ لَا جَنَاحَ ذُبَابٍ، ثُمَّ قَالَ وَ لَا [فَلا] نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَزْناً.

و ذَكَرَ فِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيد التَّيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) يَقُولُ: أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ عُثْمَانُ يَعْسُوبُ الْكَافِرِينَ.

وَ عَنْ أَبي الطَّفَيْلِ: وَ عُثْمَانُ يَعْسُوبُ الْمُنَافِقِينَ.

و ذَکَرَ فِيهِ، عَنْ هُبَيرَةَ بنِ ميرم قَالَ كُنا جلوساً عِندَ عَليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَدَعَا ابْنَهُ عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُثْمَانَ، ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَمْ أُسَمِّهِ بِاسْمِ عُثْمَانَ الشَّيْخ الكَافِرِ، إِنَّمَا سَمَّيْتَهُ بِاسْمِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُون.

و ذَكَرَ في تاريخه من عدة طرق: أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) كَانَ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ وَ يَقُولُ:

انْفُرُوا إِلَى أئمة الْكُفْر وَ بَقيَّة الأَحْزَاب و أولياء الشَّيْطَان، انْفُرُوا إِلَى مَنْ يَقُولُ: كَذَبَ اللَّهُ وَ رسولهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، انْفِرُوا إِلَى مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى دَمِ حَمَّالِ الْخَطَايَا، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَحْمِلُ خَطَايَاهُمْ إِلَى يَومٍ القيَامَة، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْء.

و ذَكَرَ فِيه، عَنْ عَمر بنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ هِنْدِ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ حُبِّي وَ حُبُّ عُثْمَانَ في قَلْبِ رَجُلٍ إِلَّا اقْتَلَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.

و رُوِيَ فِيهِ مِنْ طَرْق: أنَّ جِيفَةَ عُثْمَانَ بَقِيَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُدْفَنُ، فَسَأَلَ عَلَيْا (عليه السلام) رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي دَفْنه، فَأَذِنَ لَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُدْفَنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَقَابِرِهِمْ وَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَمَّا عَلمَ النَّاسُ بِذلِكَ قَعَدُوا لَهُ فِي الطَّرِيقِ بِالْحِجَارَةِ، فَخَرَجُوا بِهِ يُرِيدُونَ حُشَ كَوْكَبِ مَقْبَرَةِ اليَهُود، فَلَمَّا انْتَهَوا به إِلَيْهِمْ رَجموا سرِيره.

رُويَ فِيهِ مِن طَرقٍ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ سَائِنَا عَنْ دَمِ عُثْمَانَ فَإِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُ وَ أنَا مَعَهُ.

و رُوِيَ فِيهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ خَالِدِ الْأَسَدِي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ آبَائِهِ قَالَ:

كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلَيَّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يَقُولُ: [مَعْشَرَ] الشَّيعَةَ عَلَمُوا أَوْلَادَكُمْ بُغْضَ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ في قَلْبه حُبِّ لَعُثْمَانَ فَأَدْرَكَ الدَّجَّالَ آمَنَ بهِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ آمَنَ به في قبره.

و رَوَوْا فِيهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَالَ: إِنَّا وَ بَنُو أُمَيَّةَ تَعَادَيْنَا اللهِ، فَنَحْنُ وَ هُمْ كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَاءَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) بِرَايَةِ الْحَقِّ فَرَكَزَهَا بَيْنَ أظْهُرِنَا، وَ جَاءَ إِبْلِيسُ بِرَايَةِ الْبَاطِلِ فَرَكَزَهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَ إِنَّ أَوَّلَ قَطرَةِ سَقَطَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ دَمِ الْمُنَافِقِينَ دَمَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.

ورُوي فيه، عَنِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) السَّلَامُ: أَنَّ عُثْمَانَ حِيفَةٌ عَلَى الصِّرَاطِ، مَنْ أَقَامَ عَلَيْهَا أَقَامَ عَلَى أهْل النَّارِ، وَ مَنْ جَاوَزَهُ جَاوَزَ إِلَى الْجَنَّة.

و رُوِيَ فِيهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: أَنَّ عُثْمَانَ جِيفَةٌ عَلَى الصِّرَاط، يَعْطفُ عَلَيْهِ مَنْ أَحَبَّه و يُجَاوِزُهُ عَدُوُّهُ.

و رُويَ فيه، عَنْ محمّد بن بشير قَالَ سَمِعْتُ محمّد بْنَ الْحَنَفِيَّة يَلْعَنُ عُثْمَانَ وَيَقُولُ:

كَانَتْ أَبْوَابُ الضَّلَالَة مُعْلَقَةً حَتَّى فَتَحَهَا عُثْمَانُ.

و رُوِيَ فِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ محمّد بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تكن [تَكُونُ] حَرْبُ سَالِمَةٌ حَتَّى يَبْعَثَ قَائِمُنَا ثَلَاثَةَ أَرَاكِيبَ فِي الْأَرْضِ رَكْبٌ يُعْتَقُونَ مَمَالِيكَ أهْلِ الدَّمَّةِ، وَ رَكْبَ يَرُدُّونَ المَظَالِمَ، وَ رَكْبَ يَلْعَنُونَ عُثْمَانَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.

و رَوَى قُتَيْبَةُ، عَنْ أَبي سَعيد التَّيْمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَمَّار بن ياسر يَقُولُ: ثَلَاثَ يَشْهَدْنَ عَلَى عُثْمَانَ بالْكُفْرِ وَ أَنَا الرَّابِعُ.

و قد ذكرنا هذا الحديث و شهادة عمار عليه بالكفر في مقام بعد مقام.

و رُوِيَ فِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ قَالَ قُلْتُ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَفَرْتُمْ عُثْمَانَ قَالَ بِثَلَاثِ: جَعَلَ الْمَالَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنياء، وَ جَعَلَ الْمُهَاجِرِينَ بمَنْزلَة مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه و آله، وَ عَملَ بِغَيْر كتاب الله.

وَ مِنْ طَرِيق آخَرَ قَالَ: كَفَّرْنَاهُ بِثَلَاثَ مَزَّقَ كتَابَ الله وَ نَبَدَهُ في الحُسُوشِ وَ أَنْزَلَ الْمُهَاجِرِينَ بمَنْزِلَة مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (عليه السلام)، وَ جَعَلَ الْمَالَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنياء، فَمَنْ ثَمَّ أَكْفَرْنَاهُ وَ قَتَلنَاهُ.

وروِيَ فِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عَمْرُو قَالَ قُلْتُ لِزُبَيْد الْأَيَامِي: إِنَّ أَبَا صَادِق قَالَ:

وَ اللَّهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ فِي قَلْبِي مِثْقَالَ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ حُبّاً لِعُثمَانَ وَ لَوْ أَنَّ لِي أَحَداً ذَهَباً، وَ هُوَ شَرٌّ عِنْدِي مِنْ حِمَارٍ مُجَدَّعٍ لَطَحَانَ، فَقَالَ زَبَيْدٌ: صَدَقَ أبو صَادِق.

و رُوِيَ فِيهِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَضَرْنَا فِي مَوْضِعِ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفَ الْإِمَامِيُّ: يَأْبَى قَلْبِي إِلَّا حُبَّ عُثْمَانَ، فَحَكَيْتُ ذَلكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ.

و رَوَوْا عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ عِنْدِي شَرٌّ مِنْ قَارُونَ.

و رَوَوْا فِيهِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ قَالَ سَأَلْتُ فَقُلْتُ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ عُثْمَانُ أمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ وَ لَا سَوَاءٌ مَنْ جَاءَ إِلَى أَمْرٍ فَاسِد فَأَصْلَحَهُ خَيْراً، وَ مَنْ جَاءَ إِلَى أَمْرٍصَالِحٍ فَأَفْسَدَهُ.

و رَوَوْا فِيهِ عَنْ جُوَيْبرٍ، عَنِ الصَّحَاكِ قَالَ قَالَ لِي: يَا جُوَيْرُ اعْلَمْ أَنَّ شَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الأَشْيَاحُ الثَّلَاثَةُ، قُلْتُ مَنْ هُمْ قَالَ: عُثْمَانُ وَطَلحة والزبير.

و رووْا فِيهِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ زَرُودِ الرَّفَّيِّ، عَنْ أبِي جَارُودِ العَبْدِي قَالَ أَمَّا عجلُ هَذه الأمَّة فَعُثْمَانُ، وَ فِرْعَوْنُهَا مُعَاوِيَةٌ، وَ سَامِرِيُّهَا أبو مُوسَى الْأَشْعَرِى وَ ذُو التَّدْيَةِ، وَ أَصْحَابُ النَّهَرِ مَلْعُونُونَ، وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب عَلَيْهِ السَّلَام.

وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْأَرْقَمِ قَالَ سَمِعْتُ الْأَعْمَشِ يَقُولُ وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ وَجَاتُ عُثْمَانَ بِخَنجَرٍ في بطنه فَقَتَلْتُهُ.

و

رَوَوْا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كَهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، قَالَ يُرْفَعُ عَثْمَانُ وَ أَصْحَابُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يبْلُغَ بِهِمُ الثَّرَيَّا ثُمَّ يُطْرَحُونَ عَلَى وُجُوههم.

و رُوِيَ فِيهِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الدُّهْلي قَالَ وَ الله لَا تَكُونُ الْأَرْضِ سلماً سلْماً حَتَّى يَلْعَنَ عُثْمَانَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرَب، لَا يُنْكَرُ ذَلكَ أَحَدٌ.

و رُوِيَ فِيهِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَنْبَلِ الْجُمَحِيَّ - وَ كَانَ بَدْرِيَا - قَالَ:

ذُقْ يَا أَبَا عَمْرُو بِسُوءِ الْفِعْلِ *** وَذُقْ صنع كافر ذي جَهْل

لمَا صَدَدْتَ بَابَ كُلِّ عَدْل *** وَ رُمْتَ نَقْصَ حَقْنَا بِالْبُطْلِ

غَدًا عَلَيْكَ أَهْلُ كُلِّ فَضْل *** بالْمَشْرَفِيَّاتِ الْعُصاةِ الْفَصْل

فَذُقْتَ قَتْلًا لَكَ أَيَّ قَتْلِ *** كَذَاكَ يُجْزَى كُلٌّ عَات دَغَل.

في أمثال لهذه الأقوال المحفوظة عن الصحابة والتابعين، ذكر جميعها يخرج عن الغرض، و في بعض ما ذكرناه كفاية في المقصود، و المنة لله.

[الطلب بثأر عثمان و سببه ]

إن قيل: أ فليس قد أنكر ما جرى وطلب بثأر عثمان طلحة والزبير، و هما صحابيان، و عائشة و هي زوج النبي (عليه السلام) و معاوية و عمرو بن العاص و هما صحابيان، و من كان في حيزهم من المسلمين قيل أوّل ما في هذا أنّ الحال التي وقع فيها القتل بعثمان لم يحصل فيها نكير من أحد يعتد به، و هو الوجه المقتضي لحسن الواقع من قتل عثمان، و لا تأثير لما أظهره القوم المعنيون من النكير شاما و عراقا لوجوب اختصاص النكير لما يتوقع حدوثه، دون الماضي الذي يستحيل تأثير الإنكار فيه، و لم يبق إلا أن يقال: إنّ الواقع منهم

كان انتصارا، فيسقط ذلك على مذاهبنا و مذاهبهم، و إن كان غير نافع لهم في موضع القدح إنكار من ذكروه.

فأمّا سقوطه على مذاهبنا فلانا نثبت النصّ [على] علي (عليه السلام) و ندين بأنه كاشف عن عصمته (عليه السلام)، حسب ما وضح برهانه و قامت حجته، و ذلك يقتضي صواب فعله (عليه السلام) و ضلال المنكر عليه و المنتصر منه و الخارج عن طاعته، و سقوط الأحكام المخالفة لحكمه و الشهادة على جميعها بالقبح.

و على أصول الخصوم: أنهم يثبتون إمامته بعد عثمان باختيار الامة، و يقطعون على خطأ الخارج عن طاعته المختار و ضلال المحارب له من غير حدث، و علي (عليه السلام) لم يحدث باتفاق.

على أن تأمل حال الفريقين و تتبع أفعالهم، و كشف أغراضهم يوضح عن خلاف ما ظنّه السائل من الإنكار لباطل أو الانتصار لحق أو طلب ثأر، و يوضح عن قصدهم التأمير على الناس، و خلع طاعة المنصوص عليه و المختار، ليأسهم من بلوغ الأغراض الفاسدة في ولايته، و حرصهم على نيل الأماني الدنيوية على أي وجه يمكن و بأي شيء تمّ من حسن الأفعال و قبيحها.

و من كانت هذه حاله فلا اعتداد بفعله، و لا تأثير لما يظهره من النكير المعلوم خلاف غرضه فيه و فساده لو كان مقصودا، لقبحه، و نحن ننبه على جمل ذلك و مايقتضيه.

أمَّا عَائِشَةُ، فَالْمَعْلُومُ من حَالَهَا عَدَاوَةٌ عُثْمَانَ وَ الْمُجَاهَرَةُ بالنَّكير عَلَيْهِ وَ التَّالِيبُ إِلَى أَنْ أحْصِرَ، وَخُرُوجُهَا إِلَى مَكَّةَ، بَعْدَ الظَّنِّ الْقَوِيِّ بِهَلَاكِهِ، مُؤلَبَةٌ عَلَيْهِ، وَ ذَاكِرَةً أَحْدَاثَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَ مُخَالَفَتَهُ سِيرَةَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ في مَحَافِلِ مَكَّةَ، وَ كَاتبَةٌ به إلَى الْبَلَادِ، إِلَى أَنْ بَلَغَهَا قَتْلُهُ وَ الإِرْجَافُ ببيعَة طَلْحَةَ، فَأظْهَرَتْ مِنَ السُّرُورِ بِالأمْرينِ وَالدَّمَ لعُثمَانَ وَ الْمَدْحِ لطَلْحَةَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاقِلُونَ، فَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفاً مِنْ ذَلكَ أَجْمَعَ، وَ أعْجَلَتِ الرِّحْلَةَ مُعْتَبطَةٌ بِالْحَالَيْنِ.

إِلَى أَنْ صَحَ لَهَا فِي الطَّرِيقِ وَلَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ بَيْعَةُ النَّاسِ لَهُ لخلات [الخلاف]، فَعَادَتْ نَاكِصَةٌ عَلَى عَقِبهَا، وَاجِمَةٌ مِنْ وَلَايَتِهِ، عَظِيمَةَ الْوَجْدِ لِخِلَافَتِهِ، مُظْهِرَةَ التَّوَجُعِ

لعُثْمَانَ وَ مَا جَرَى عَلَيْه، مُشَيَّدَةً لقَتْله مظلُوماً نَاشِدَةً دَمَهُ في المَحَافِلِ، مَوْلَبَةٌ عَلَى عَلي (عليه السلام)، مُعْلَنَةٌ بأَنَّهُ قُتلَ عُثْمَانُ وَ شِيعَتُهُ مَظْلُوماً.

حَتَّى اجْتَمَعَ لَهَا أَوْلِيَاءُ عُثْمَانَ، وَ مُبْغَضُوا عَليَّ (عليه السلام) وَ مُكَيَّدُوا الْإِسْلَامِ وَ أَغْرَارُ قُرَيْشٍ. وَ بَلَغَ ذَلِكَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ، فَوَافَقَ شَحْنَا فِي صُدُورِهِمَا، فَاسْتَأْذَنَا عَلِيّاً (عليه السلام) فِي الْعُمْرَةِ، عَزْماً مِنْهُمَا عَلَى نَكْتَ بَيْعَته، وَ رَغْبَةً في اللحوق بعَائِشَةَ، تأميلا لبلوغ الرِّئَاسَةِ الفَانيَة مِنْ جَهَته، وَطَمَعاً فِي الدُّنْيَا الْمُؤيس مِنْهَا لَدَيْهِ، فَخَوَّفَهُمَا (عليه السلام) الْغَدْرَ وَ النَّكْتَ، فَجَدَّدًا عَهْداً ثانياً، فَأَذنَ لَهُمَا.

فَلَمَّا وَصَلَا مَكَةَ نَاشَدَا النَّاسَ دَمَ عُثْمَانَ، وَ أَنَّ عَلِيّاً دَسَ عَلَيْهِ حَتَّى قُتلَ، وَ آوَى قَتَلَتَهُ وَ اتَّخَذَهُمْ بِطَانَةٌ، مَعَ مَا نَعْلَمُ مِنْ حَالِهِمَا فِي عُثْمَانَ وَ حَصْرِهِ، وَ الْمُشَارَكَة فِي قَتْله، وَ بَرْء أميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنْ ذَلكَ، وَ لُزُومِهِ مَنْزِلَهُ حَتَّى قُتِلَ.

فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ أجَابُوا عَائِشَةَ وَ أَمْثَالُهُمْ مِنَ الطَّمَّاعِ وَ أَجْلَافِ الْأَعْرَابِ، فَمَضَوْا جَميعاً إِلَى الْبَصْرَة نَاكَثينَ بَيْعَةَ أمير الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهَا دَعَوُا النَّاسَ إِلَى خَلْعِ عَلِيَّ (عليه السلام) وَ بَيْعَتِهِمَا وَ عَائِشَةَ، فَأَجَابَهُمْ مَنْ لَا بَصِيرَةَ لَهُ أَوْ مَنْ يَرْغَبُ في الْفِتْنَةِ، وَ امْتَنَعَ حَكِيمُ بْنُ جَبَلَةَ الْعَبْدِي فِي مِائَتَيْنِ مِنْ صَلَحَاءِ قَوْمه، فَقَتَلُوهُ وَ جَمَاعَتَهُ، وَ غَدَرُوا بعثمَانَ بْن حُنَيْف - وَ قَتَلُوا السَّابحَةَ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَخَافُوا أَخَاهُ سَهْلًا عَلَى قَوْمِهِم بِالْمَدِينَةِ، فَنَكَلُوا به، وَ فَتَحُوا بَيْتَ الْمَالَ بهَا، فَأَخَذُوا مِنْهُ مَا شَاءُوا.

وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ أَطْرَافُ النَّاسِ، وَ قَوِيَ أَمْرُهُمْ وَ عَظُمَتْ فِتْنَتُهُمْ.

فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيّاً (عليه السلام)، كَانَتْ عُمَّالُهُ وَ أَمَرَاؤُهُ بِحَالِ الْقَوْمِ وَ إِفْسَادِهِمْ فِي الْبَلَادِ، فَسَارَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ ذَوِي السَّوَابِقِ وَ أُولِي الْبَصَائرِ، لِيَتَنَافَى فَارِطَهُمْ وَ شَغَبَ صَدْعِهِمْ فِي الإِسْلَامِ وَبَرِيقَ لَمْعِهِمْ فِي الدِّينِ.

فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى، وَ إِلَى كتابه، وَ سُنَّة نَبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله، وَ الدُّخُولِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَ خَوْفِهِمُ الْفِتْنَةَ وَ الْفُرْقَة.

فَابُوا إِلَّا الْقِتَالَ أوْ خَلْعَ نَفْسه منَ الْأمْر ليُولُوهُ مَنْ شَاءُوا، أوْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِمْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ لَيَرَوْا

رَأيَهُمْ فِيهِمْ.

فَسَأَلَهُمْ ذكْرَ حَدَتْ يُوجِبُ خَلْعَهُ، أَوْ تَقْصير يَمْنَعُ مِنْ إمَامَته، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَكَرَّرَ الْأَعْدَارَ، وَ بَالَغَ فِي النصيحة، وَ الدَّعْوَةَ إلى كتاب الله وَ السُّنَّة، و التخويف منَ الْفِتْنَةَ وَ الْفُرْقَة، عَلَى الانفراد بكُلِّ منْهُمْ بنَفْسه و برسله، و الاجتِمَاعِ.

وَ َلَا جَوَابَ إِلَّا قَولُهُمْ مَعَ الخَوْفِ شدَّةُ المَطَامِع، وَ سَمِعْنَا أنَّ هَاهُنَا دُنْيَا جِئْنَا بِطَلَبِهَا، وَ ظَنَّ ابْنُ أبی طالب أَنَّ الْأَمْرَ قَد اسْتَوْسَقَ لَهُ، وَ أَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ، وَ نَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ.

فَكَرَّرَ التّدْكَارَ وَالْوَعْظَ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلكَ إِلَّا طُغْياناً وَ إصْرَاراً، فَأمْسَكَ عَنْ قَتَالهمْ وَ اقْتَصَرَ عَلَى الدُّعَاءِ، حَتَّى بَدَءُوهُ بالحَرْبِ، وَ قَتَلُوا دَاعِيَهُ بِالْمُصْحَفِ إِلَى مَا فِيهِ وَ هُوَمُسْلِمٌ، وَرَشَقُوا أصْحَابَهُ بِالسَّهَامِ، فَجَرَحُوا قَوْماً وَ قَتَلُوا آخَرِينَ، وَ حَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، وَ عَائِشَةُ عَلَى جَمَلَهَا مُحَفْحِفاً، وَ عَلَى هَوْدَجِهَا الدُّرُوعُ بَارِزَةٌ بَينَ الصَّفَيْنِ تُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ فحينئذ أذنَ (عليه السلام) لأَنْصَاره بالقتال، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى صَرَعَ اللَّهُ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ نَاكَثينَ غَادِرِينَ، وَ قَتَلَ انْصَارَ الْجَمَل و وكَى الْبَاقُونَ مُدبرينَ، وَ عُقرَ جَمَلُ الْفتْنَةَ، وَ أخذَتْ عَائِشَةُ، وَ نَادَى مُنَادِيهِ (عليه السلام) بِأنْ لَا يُتَّبِعْ مُنْهَزِمَ، وَ لَا يُجَهَرْ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُعْرَضُ لِمَنْ الْقَى سِلَاحَهُ أوْ دَخَلَ دَارَهُ، وَ قَسَمَ مَا حَوَاهُ الْعَسْكَرُ مِنْ كُرَاعٍ وَ سَلَاحٍ وَ مَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَ الوِلْدَانِ، وَ لَمْ يَعْرِضُ لِمَا خَرَجَ عَنْهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُحَارِبِينَ وَ أهْلِيهِمْ، وَ عَفَا عَنِ الانْتِقَامِ مِنْ عَائِشَةَ وَ مَنْ سَلَمَ مِنْ أَنْصَارِهَا، وَ أَنْفَدَهَا إِلَى الْمَدِينَة في صُحْبَة النِّسَاء. فهذه جمل أحوال أهل الجمل باتفاق الناقلين، ليست من النكير في شيء، و ظاهرها الطلب بثأر عثمان على مذاهب الجاهلية، و منازعة أمير المؤمنين (عليه السلام) الأمر رغبة في الخلافة، دون الانتصار لحقِّ أو دفع الباطل، وخطأهم في ذلك ظاهر من وجوه:

أما عائشة، فإذا كان المعلوم من حالها عداوة عثمان و التعريض به، و التأليب عليه، و استمرارها على ذلك إلى أن قتل، و اغتباطها بقتله، و ما سمعته من تولّي طلحة للخلافة، فلما بلغها ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) للأمر رجعت عن ذلك كله إلى خلافه. علم أن الحامل لها على الطلب بدم عثمان عداوة أمير المؤمنين (عليه السلام)، دون الانتصار له.

و لو سلم رأيها في عثمان، لكان الواجب عليها الرضى بما فعلته الصحابة و أولو البصائر الذين بهم انعقدت إمامة عثمان و إمامة من تقدّمه عندها، التي لا يتمكن منها إلا بتولي الأمر

لمثل هذا قبل القيام بأمر الأمة عند اختيار القوم له بعد عثمان، من حيث كان سببا يقتضي تمكينه من تنفيذ ما جعل إليه تنفيذه، و إن لم يكن له وجها لاستحقاقه الإمامة الثابتة له من قبل الله سبحانه، و إن جهل العاقدون و اعتقدوا استحقاقه لها من غير وجهه، و ذلك يعيّن عليه فرض الدخول في الشورى و تقلد الأمر، للوجه الذي ذكرنا، فكيف يجعل قدحا من النصّ عليه أو تصويبا للمتقدم دونه.

[ مسألة التحكيم و تحميلها على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)]

و أمّا تحكيمه (عليه السلام) الحكمين، فقد علم كل مخالط لأصحاب السيرة و ناقلي الآثار أنّ ذلك لم يقع بإيثاره، بل المعلوم من حاله (عليه السلام) إرادة الحرب و المناجزة لمعاوية و كراهية التحكيم، و إنّما الجأه أصحابه إلى النزول على حكم معاوية فيما أراده و كادهم به من إيثار التحكيم، و توعدوه على استدامة الحرب بالقتل، فلم يجد بدا من إجابتهم، إذ هم الأنصار الذين بهم يقاتل على عدوه، فإذا قعدوا عن نصرته و اضطروه إلى مراد خصمه يضيق عليه فرض الرجوع إليهم، و إلا صاروا عونا عليه مع محاربيه، فلا يتم له أمر، و يعرض نفسه و من أطاعه للهلكة بغير شبهة، و فعل يقع على هذا الوجه عذر فاعله فيه واضح.

على أنه (عليه السلام) ما أجاب إلى [طلبهم] و الحال هذه إلا بشرط الرجوع إلى الكتاب و السنّة الثابتة لعلمه بأنّهما لا يدلان على حق لمعاوية بل هما دليلا إمامته و فرض طاعته و الانقياد له، فلم يرجع بتحكيمه (عليه السلام) إلا إلى الحجّة التي لو ابتدأ بها قبل الحرب لكان مصيبا، وكذلك فعل قبل المحاربة، و ذلك شبهة المخالفين عليه من أصحابه.

و لهذا لمّا عدل الحكمان عن موجب الكتاب و السنة لم يمض حكمهما، و تجهّز لحرب معاوية، وسار بأصحابه إليه، حتى شغل عنه بالخوارج، فلمّا فرغ منهم كتب إلى البلاد مستنفرا، و كرّر الدعوة و الاستنفار على عدوّه في عدة مقامات، و لم تزل هذه حاله إلى أن عوجل دون ذلك صلوات الله عليه مرضيا فعله و سيرته.

فأيّ شبهة في التحكيم، أو فيما ذكروه قبله يمنع من النص عليه، أو تقتضي تصويب الأدلة المتقدمين له لو لا جهل الخصوم بمواقع و الشبهة!!

[بطلان خلافة المتقدمين على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أمور متفرقة]

و ليس لأحد أن يقدح في ثبوت إمامته (عليه السلام) عن الأدلة الواضحة- عقلا و سمعا و فعلا و قولا - بما يدعي من إمامة المتقدمين عليه و فساد القول بالأمرين، لأن هذه الدعوى باطلة على ما اقتضته الأدلة من مذاهبنا الصحيحة، و على ما اجتنبوه من المذاهب الفاسدة.

[ بطلان خلافة القوم على مقتضى مذهبنا]

فأما فسادها من مذاهبنا الصحيحة فمن وجوه:

أحدها: ثبوت إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) حسب ما دللنا عليه، إذ كان ثبوتها يسقط فرض النظر في إمامتهم فضلا عن صحتها، و يقتضي القطع على فسادها.

و ليس لأحد أن يقول: لم كنتم [أولى] بأن تمنعوا من إمامة المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام)، لدعوى إمامته (عليه السلام) ممن منع من ثبوت إمامته، لصحة إمامتهم.

لاستناد ثبوت إمامته (عليه السلام) إلى العقول و الأفعال التي لا تحتمل، و الكتاب و السنة المتقدمة على ما معه يدعى ثبوت إمامة القوم من الاختيار المتعلّق بفعل الأمة بعد النبي الذي لا حكم له مع النص، و لا يحسن فعله مع تقديره و لا يتوهم مع أدلة العقل و برهان الفعل، و لا قدح بدعواه في ذلك، كما لا قدح بخلق الموذيات و ذبح الحيوان و إيلام الأطفال في حكمته تعالى، لوجوب تقدّم النظر في إثبات فاعل لهذه الأشياء على النظر في حسنها من قبحها، و تقديمه يقتضي إثبات فاعل حكيم لا يجوز معه فعل القبيح و لا إرادته، فيسقط لذلك القدح، و يجب القطع على الحسن، و ثبوت الفرض الحكمي في ذلك، و إن لم يتميز كذلك يجب تقديم النظر فيما يدعى من النص على ما يدعى من الاختيار، للوجه الذي ذكرناه، و متى يفعل ذلك يعلم ثبوت إمامته (عليه السلام) بالعقل و السمع، فيعلم به فساد إمامة المتقدمين عليه.

و ليس لأحد أن يقول: دعوى ثبوت النصّ على الاختيار وصفته و المختارين وصفتهم تمنع من النظر في دعوى النص على الإمامة.

لأن مدّعي ذلك لا يستند إلى كتاب ولا سنّة، معلومة و إنّما يعوّل على أخبار آحاد، أو فعل الصحابة يوم السقيفة، و يزعم أن ذلك كاشف عن النص على الاختیار و صفته، و خبر

الواحد لا يوجب العلم و لا يصح به العمل، و مجيز العمل به لا يجيزه في مسألتنا هذه، لعموم بلواها، وفعل الصحابة لا حكم له و لا داعي الى النظر فيه مع دعوى برهان العقل، و ثبوت النص من الكتاب و السنة المجمع عليهما على إمامة علي (عليه السلام) بغير شبهة عند متأمل.

و لأن الأمة في الآيات اللاتي ذكرناها و الأخبار المعلومة رجلان: قائل إنها لا تحتمل النص، و هم القائلون بإمامة القوم على اختلافهم، وقائل إنّها دلالة على النص، و هم الشيعة بأسرهم، و كل من قال ذلك قطع على فساد إمامتهم.

فعلى هذا يجب على كل مكلف أن ينظر في مقتضى هذه الآيات و الأخبار المعلومة، ليعلم هل يدلّ على النص كما تزعم الشيعة أو لا يحتمله كما يزعم مخالفوهم، من حيث كان تقدير كونها دالة على الإمامة يمنع من النظر في فعل الصحابة، لحصول الخوف المتقدم للنظر فيها على النظر في أدلتنا و ارتكاب الخطر المرتفعين مع تقديم النظر فيها على فعل الصحابة، الذي لا يتقدر فيه ضرر، لما يأمن كونها محتملة للنص، و متى فعل الواجب عليه من تقديم النظر المتكامل الشروط علم دلالتها على النص المرتفع به احتمال فعل الصحابة، للدلالة على إمامة القوم، فقطع لذلك على فسادها.

على أنّ لما أسلفناه من البرهان العقلي على إحالة كون الاختيار طريقا إلى الإمامة يسقط فرض النظر عن كل مكلف في إمامة القوم، لوقوف صحتها على الاختيار المعلوم فساد كونه طريقا إليها، و يقتضي قبحه لتعلقه بما ثبت قبحه بالعقول.

و منها: قيام الأدلة على وجوب كون الإمام على صفات من العدالة في الظاهر و الباطن و ماضي الزمان و مستقبله، و التقدم في العلم و الفضل و الشجاعة و الزهد على الكافة.

و ذلك يبطل إمامة القوم من وجهين:

أحدهما: أنّه لا أحد الأمة من قطع على ثبوت هذه الصفات لواحد منهم، فتجب له فساد إمامتهم، لعدم القطع فيهم بما يجب ثبوته للإمام.

الثاني: أنّه لا أحد قال بوجوب هذه الصفات إلا قطع على فساد إمامتهم، فإذا كانت ثابتة بالأدلة الواضحة وجب بها القطع بصحة فتيا الدائن بها.

و منها: أنه لا يخلو دليل إمامتهم من أن يكون نصا، أو دعوة، أو ميراثا، أو اختيارا، و قيام. الدلالة على أنّها لا سبيل على تميز عين الإمام إلا بمعجز أو نص يستند إليه، فتبطل الدعوة و الميراث و الاختيار على كل وجه.

و يبطل النص، لأنه لا أحد قطع بما قلناه إلا منع من ثبوته للقوم، و لأنّ الإجماع سابق لدعوى هذه المذاهب عدا الاختيار و أنه لم يحتج بها يوم السقيفة ولا بعده من ترشح للإمامة أو ادعيت فيه، و إذا خلت أعصار الصحابة والتابعين وتابعيهم من دعوى هذه المذاهب، وجب القطع على فسادها.

و لأن فساد إثبات الإمامة بالدعوى معلوم بأول نظر، لأنه إثبات ما لا دليل عليه إلا مجرد الدعوى التي لا تميّز حقا من باطل، و لأنه لا دليل على كون الدعوة طريقا من كتاب و لا سنّة، و ما لا دليل على إثباته يجب نفيه.

و لأن القول بالدعوى يقتضي وجود عدة أئمة و الاجماع بخلاف ذلك، أو سقوط فرض الإمامة، أو حصول فساد لا يتلافى من حيث صح أن يدعي الإمامة في وقت واحد عدة نفر في صقع أو بأصقاع، و ثبوت الكلّ يقتضي عدة أئمة [و] فساد الكل يسقط فرض الإمامة، و إثبات بعض دون بعض اقتراح في الاثبات و النفي لعدم الفرق، و يقتضي أن يغلب ظنّ بعض المكلفين كون أحدهم أهلا للإمامة دون غيره، و يغلب ظن آخرين بخلاف ذلك، فيفضي إلى فساد لا يتلافى.

و لأن الميراث منتقض بإجماع الأمة على اعتبار صفات الإمام، و استحقاق الميراث من لم يتكامل فيه، بل لم تثبت له صفة منها، و لأنه لا دليل على كون الميراث طريقا إلى الإمامة، و ما لا دليل عليه يجب القطع بنفيه.

و لأن الاختيار مفتقر إلى نص معلوم على تسويغه و لا سبيل على ذلك، و لأن الإمامة لا يملك التصرف فيما يستحقه الإمام بحق الولاية على الأمة، فمحال أن تثبت إمامته باختيار، لأن ذلك يقتضي تمليكه ما لا يملكه المختارون له، و ذلك فاسد بأوائل العقول.

و لأنه يقتضي وجود عدة أئمة، أو انتقاض فرض الإمامة، أو فساد لا يتلافى، لأنه لا يخلو أن يكون العاقدون للإمامة جميع العلماء مع تسليم الكافة لهم من العامة، أو بعضهم.

و وقوفه على الكل يقتضي إيقاف الأمر إلى تجميع علماء الأمة و عامتها في مكان واحد للاختيار، و يتفق رأيهم على واحد بعينه، وذلك كالمتعذر، لأنّ تقدير اتفاق دواعيهم إلى ذلك، و قطع الأغراض الدينية و الدنيوية، و انقياد أهل كل مصر و إقليم لأهل مصر واحد غير جائز في العادة، و لو جاز اتفاق ذلك - مع بعده - لكانت الحال في التعذر على ما بيناه، لتعذر المتّهم بهذا الشأن و الباعث عليه و الجامع للكفاية له.

و إذا تعذر حصوله بجميع الأمة لم يبق إلا تعلّقه ببعضها، وفعل بعضها ليس بحجّة، و لو كان حجة لاقتضى صحة أن يغلب ظنّ علماء كل إقليم بأنّه لا يصلح للأمة إلا من يليهم أو يلي غيرهم.

فإما أن يعقد كلّ لمن يغلب ظنه بصلاحه للإمامة، أو لا يعقد حتى يتفقوا و اتفاقهم محال

على ما بيناه و فرضنا من ورائه، من حيث كانت غلبة ظنّ كلّ فريق من العلماء بأنه لا يصلح للإمامة إلا من يليهم أو يلي غيرهم دون ما عداه، يمنع من رجوعه إلى غيره من العلماء بغير خلاف بين المجتهدين.

و عقد كل فريق لمن غلب ظنّه بصلاحه للإمامة فاسد من وجوه:

أحدها: أنّ فيه إثبات عدة أئمة في وقت واحد و الاجماع بخلاف ذلك.

و منها: أنه يؤدي على استحلال بعضهم قتال بعض لظنه به خروجه مما وجب عليه الدخول فيه من طاعة إمامه، كما قالوا مثل ذلك في إمامة أبي بكر و عمر و عثمان المعقودة ببعض الأمة، و هذا ظاهر الفساد، و لما فيه من إراقة الدماء، و خراب الديار، و الانقطاع عن جميع المصالح الدينية والدنيوية، فبطل القول بالاختيار، لما يؤدّي إليه من الفساد.

و لا يجوز أن يكون النص طريقا إلى إمامتهم، لقصوره على دعوى الشذوذ، و تعذر معرفة الدائن به منذ أزمان و فساد وقوف الحق في ملتنا على فرقة لا تعرف في أكثر الأزمان، ولاستناد دعوى مبنية على خبر واحد لا يجوز إثبات الإمامة به باتفاق، و لو ثبت لم يدل كخبر الأحجار و الصلاة:

من حيث كان وضع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) مسجد قبا على ما رووه - على حجر و قوله: أبو بكر، و ثانیا و قوله: عمر، و ثالثا و قوله: عثمان، و رابعا و قوله علي (عليه السلام)، لا يفيد

بظاهره الإمامة و لا دليله، لأنه لو كان فيه حجة لاحتج به القوم يوم السقيفة، و لاحتج به أبو بكر في خلافة عمر و لاستغنى به عمر عن الشورى، و لاحتج به عثمان يوم الدار، و ذلك يدل على أنه مفتعل أو لا حجّ ة فيه.

وصلاة أبي بكر لو كانت بأمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لم يكن فيها حجة، لأنها لم تتم له، لخروج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) باتفاق، و عزله و تولي الصلاة بنفسه، مع ما هو عليه من شديد المرض، و ذلك يدل على أن تقدّمه لم يكن عن أمره فلذلك تلافاه، أو بأمره و نسخه الله، كقصة البراءة.

و لو سلّم أن تقديمه للصلاة كان بأمره (عليه السلام) و أنّه تولاها بنفسه - و إن كان فاسدا- لم يدل على الفضيلة فضلا عن الإمامة لصحة عقد الصلاة عندهم بالفاسق، و عندنا بمن ظاهره العدالة و إن كان فاسقا عند الله، و لأنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و الخلفاء عندهم من بعده قد قدموا للصلاة من لا يصلح للإمامة ولا يرشح لها و لا رشح باتفاق.

[بطلان خلافة القوم على مقتضى مذهبهم]

و أما فساد إمامة القوم على مقتضى مذاهب القائلين بها مع تقدير تسليمها فهو:

أنهم متفقون على أنه لا يصلح للإمامة إلا الرجل الحرّ، المسلم، العدل العالم، الشجاع، السديد الرأي، العابد، الزاهد، القرشي على رأي الجمهور، فإذا تكاملت هذه الصفات لم تثبت إمامته إلا بنص من الله تعالى، و اختيار من كافة العلماء، و تسليم من الباقين، مستند إلى نص منه تعالى على صفة الاختيار و المختارين، أو دعوة إلى نفس الموصوف، ومتى اختل شيء من الصفات لم يصلح المرء للإمامة، و إن دعي أو اختير لها لم تنعقد إمامته، و إن تكاملت لشخص و لم يحصل نص عليه لاختيار و لا دعوة لم تنعقد إمامته، و إن انعقدت بشيء من ذلك فوقع منه فسق انفسخ العقد و بطلت إمامة المعقود له.

و نحن بمشيئة الله وعونه نبيّن أنّ الصفات لم تتكامل لواحد من الثلاثة، ثم نسلّمها و نبين أنّه لم يحصل على إمامته نص و لا اختيار و لا دعوة، و أنه لو كانت صحيحة لكان قد وقع منهم في حال ولايتهم من القبائح ما يقتضي فسخها، و نبين أنه لم يقم دليل على كون الاختيار، فسقط بكل واحد من هذه دعوى صحة إمامتهم، و المنة لله.

[عدم تكامل صفات الإمامة للقوم]

أمّا الحرية والقرشية و ظاهر الاسلام:

فقد علم ما يقدح به الشيعة في أنسابهم و إسلامهم و يرديه من حيث ميلادهم، وصحة ذلك يوجب القطع على نفي الحرية و القرشية و الاسلام و وروده فقط يمنع من القطع بثبوت ذلك المفتقر صحة الإمامة إلى ثبوته قطعا.

و أما العدالة:

فقد وقع منهم في حال حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) ما يمنع منها، لفقد العلم بحصول التوبة منه، و ثبت من أحداثهم بعده (عليه السلام) المعلوم حصول الإصرار عليها ما يمنع كلِّ واحد من ذلك على أيسر الأمر من العدالة، و يقتضي فساد الولاية.

أمّا الواقع منهم في حياته (عليه السلام):

فما روي من قصة التنفير به (عليه السلام) ليلة العقبة و المعاهدة على نزع الأمر من أهله، و قد ورد ذلك من طريقي الخاصة العامة، و عن جميع المنفرين و المعاقدين، و الثلاثة من جملتهم، وذلك ضلال لم تثبت منه توبة.

و منه: انهزامهم يوم أحد و خیبر و حنین، و كون المنهزم فاسقا، و النص بالتوبة عن المنهزمين في أحد و حنين مختص بالمؤمنين و ليسوا كذلك، قطعا و إن قطعنا نحن على نفي الإيمان عنهم و لفقد ذلك في هزيمة خيبر.

و منه: احجامهم عن الحرب في جميع المواطن المحتاج فيها إلى معاونة النساء و الصبيان، و ذلك إخلال بواجب.

و منه: تعقب عمر ما قاضی علیه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) بأنها ليست دينه، بل هو خير لك يا عمر و للمسلمين، و قوله أثر ذلك: ألم تعدنا دخول مكة آمنين محلّقين، و رده عليه: لم أعدكم العام وستدخلها إن شاء الله و مضيّه إلى أبي بكر منكرا بعد ما قال و قيل له بقوله له: أ رأيت ما فعل صاحبك - يعني رسول الله (عليه السلام) - و الله لو أن لي سيفه لضربت به وجهه. و لا شبهة في كفر المتعقب على رسول الله صلّى الله عليه و آله، و الشاکّ

في و عوده، أو المنكر لما شرعه، و المضيقة بالصحبة على المخاطب، و بمثل هذه الكلمة الأخيرة حكموا على بني حنيفة بالكفر والردة على المسلمة.

و لهذه الأحاديث نظائر كثيرة، إيرادها مخرج لنا عن الغرض من أرادها وجدها في كتاب الفاضح والمسترشد للطبري و المعرفة للثقفي، و غيرهما.

و أمّا الواقع منهم بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و قبل الاستخلاف فضروب كثيرة:

منها: تخلّفهم عن جيش أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنه، مع تأكيد الأمر عنه عليه السلام- إلى أن فاضت نفسه- بانفاذه، و لا فرق بين خلافه (عليه السلام) في ما أمر به من المسير مع أسامة، و بين خلافه فيما أمر به من الصلاة والزكاة و الإمامة، و ذلك فسق لا شبهة فيه، و دعوى خروج أبي بكر من البعث لا يفي شيئا، لثبوت الرواية به من كافة الشيعة، و قد بينا كون ما تواتروا به صدقا و قد نقله الجمهور من أصحاب الحديث.

[و لو] سلّم خروجه من البعث لكان إقراره عمر و أبا عبيدة و المغيرة و سالما على التخلّف و منعهم من النفوذ فسقا يمنع من عدالته، إذ لا فرق بين أن يخالف أمر النبي صلى الله عليه و آله، أو يمنع من نفوذه، و لأن فسق عمر و من شاركه في العقد لأبي بكر لخروجهم عن البعث بإجماع - كاف في تفسيق الجميع، لأنه لا أحد فرّق بين القوم في العدالة أو الفسق، و لا يسوغ ذلك اجتهادا لأنه لا حكم للاجتهاد مع ثبوت النص، لكونه فرعا له، و لأنّ تسويغه في إبطال النص يقتضي فساد الشريعة جملة، و ذلك كفر، و تخصيص [مخالفة] النص في موضع دون موضع اقتراح لا يقول به أحد.

و منه: رغبتهم عن تولّي أمر رسول الله صلى الله عليه و آله، و تشاغلهم عن تغسيله و تجهيزه و الصلاة عليه بأمر الدنيا إلى... من.. و يعيد من سلم الرغبة عن الصلاة على المبرز في الفضل و العبادة في الملة، فضلا عن.. و رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) إليه، آله إليه، و هذا خبيث جدا.

و منه: منازعتهم إلى السقيفة لانتهاز الفرصة، من غير توقف على حضور العلماء، و لا مشاورة أحد من بني هاشم و لا مكاتبة لأحد من علماء الأمصار ولا انتظار لحضورهم، و ذلك إخلال بواجب عند المختارين.

و منه: طلبهم الإمامة يوم السقيفة من غير جهتي النص و الاختيار على ما نبينه، و توصلهم فيها إلى رئاسة الدنيا بما يجب كونه خالصا لله تعالى من قولهم: نحن السابقون، و نحن المهاجرون، و نحن الذين فعلنا في الاسلام كذا و لا شبهة في فساد عمل يقرب به إلى منافع الدنيا، و فساد ذلك مع وجوبه عليهم يقتضي التفسيق بغير شبهة.

و منه: رضى كلّ واحد منهم بتقليده الأمر بفعل من ليس فعله حجّة من الملة على ما نبيّنه، لا شبهة في فسق من قبل العقد له بمن لا يمضي به العقد عند العقد عند أحد منهم، و إذا ثبت فسق القوم المعرضين للإمامة قبل ثبوت العقد لهم بها لم يصح العقد لعدم [ال] شرط المتفق عليه من وجوب عدالة المعقود له.

و أمّا العلم بما يحتاج إلى الإمام فيه:

فبرهان تعرّيهم منه واضح من وجوه:

منها: أن لم يحفظ عن نبي الهدى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) نص يوصفهم به، مع نص على أحوال الصحابة في

قوله:

أَقْرَؤُكُمْ أَبي.

وَ أَفْرَضُكُمْ زَيْد.

وَ أَعْرَفُكُمْ بِالْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ مُعَاذُ.

وَ أَقْضَاكُم علي.

و أنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيَّ بَابُهَا.

و عَلِي مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيُّ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ مَا دَارَ.

و قَولُهُ لفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)زَوَّجْتُكَ أقْدَمَهُمْ سلْماً وَأعْظَمَهُمْ حَلْماً وَ أكثر وَأكْثَرَهُمْ

علماً.

و إخراجه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) القوم من القراءة و علم الفرائض و الأحكام و الحلال و الحرام دليل على تعريهم من الجميع.

و منها: أنهم لو كانوا من علماء الصحابة وفقهائهم، لكانت حالهم في ذلك أظهر من حال علي (عليه السلام) و معاذ و ابن عباس و ابن مسعود، و زید، و أمثالهم الذين اشتهر حالهم في علم الفتيا، وسلّم الكلّ لهم التقدّم في العلم، لقوة سلطانهم، و التزام طاعتهم، و الانقياد لهم، وكثرة شيعتهم إلى الآن وفي فقد ذلك دليل على أنهم لم يكونوا من العلماء.

و لا يقدح في هذا ما روي عنهم من الفتيا في أعيان أحكام و حصول الخلاف منهم في مسائل.

لأنّ المروي عنهم من ذلك لا يقصر عنه أدنى المتعلمين، ولا يعجز عنه بعض أتباع الفقهاء، لقلة عدده و تعريه من حجّة واضحة و خلوّ أكثره من برهان و ما يحتاج إليه الإمام من العلم غير ذلك، من وجوب علمه بالأصول العقلية و الشرعية و جملة النصوص الشرعية، ليصح منه الاجتهاد عندهم.

و لأنّ إلى الإمام الأمر [بكل] معروف و النهي عن كلّ منكر، و ذلك لا يحسن من دون العلم بحسن المأمور و قبح المنهيّ، إذ كان الحمل على فعل ما يجوز الحامل عليه كونه قبيحا المنع مما يجوز المانع منه كونه حسنا قبيح، و هذا يقتضي كون الإمام عالما بكل حسن و قبح عقلي و سمعي، و حال القوم بخلاف ذلك.

و منها: اعتراف كلّ منهم بالجهل و القصور عن رتبة الكمال فى العلم، و رجوعه إلى غيره و تقليده له، مع اتفاقهم على اختصاص فرض التقليد بالعامي دون المتمكن من الاستدلال:

فمن ذلك؛ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: وَكيتُكُمْ وَ لَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، وَ لِي شَيْطَانَ يُغْرِينِي، فَإِنِ اسْتَقَمْتُ فَأَعِينُونِي، فَإِنْ زِغْتُ فَقَوْمُونِي.

فأخبر أنه يزيغ عن الحق و يفتقر إلى تقويمهم، و لو كان من أهل الاجتهاد لم يسغ له الرجوع إلى غيره، لكون كل مجتهد مصيبا و إن أخطأ و زاغ و إن قصر راجع اجتهاده فردّه إلى موجب الحكم، و لم يحتج إلى مقوّم كسائر المجتهدين الذين عند خصومنا أنّ أبا بكر

أفضلهم فيه و أعلمهم، و من كان في هذه الرتبة فهو غني بفضل بصيرته و قوة اجتهاده عن غيره، و في ايقافه التقويم عند الزيغ عن الحكم على غيره دليل على كونه عاميًا.

و من ذلك: جهله بالحكم في قصة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)السلام، و ما يجب من قبول قولها بغير بينة على ما نبينه، و ما يلزم في المسلمة من سماع بينتها و الحكم بها، و عمله بما يعلم خلافه، و عمله في الإرث بخبر واحد، و ترك ظاهر القرآن، مع وجوب تقديمه على أخبار الآحاد بإجماع.

و من ذلك: جهله بما يجب على بني حنيفة بمنع الزكاة عن تحريم أو استحلال، و إجراؤه الفقراء و النساء و الولدان مجرى عقلاء الأغنياء من الرجاله مع قبح ذلك بأدنى تأمل.

و جهله بالأب في قوله سبحانه و فاكهة و أبا، و معنى الكلالة و ميراث الجدّة، حتّى أفتاه أمير المؤمنين عليه السلام.

إلى غير ذلك مما حفظ عنه من قصوره عن العلم بما يحتاج إليه المكلّف، فضلا عن الإمام.

و من ذلك: جهل عمر بموت النبي (عليه السلام) مع وقوعه مشاهدة و تضمّن.

القرآن له، حتى تلا عليه أبو بكر إِنَّكَ مَيِّتَ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، فقال: كأني لم أسمعها، و هذا يدل على عظيم الجهل و شديد البعد عن سماع القرآن.

و منه: جهله بموجب الحدود التي يختصه فرضها حتى أمر مرة برجم الحامل، حتى منعه من ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، و روي أنه معاذ،

وَ قَالَ لَهُ: إِنْ يَكُنْ لَكَ عَلَيْهَا سَبِيلٌ فَلَا سَبيلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنهَا.

فرجع عن رجمها.

و أخرى: برجم المجنونة - مع إجماع الأمة

عَنِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنَّهُ قَالَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاث: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ، وَ عَنِ ينتبه، وَ عَن الْمَجْنُون حَتَّى يُفيق.

عتى نبّهه أمير المؤمنين (عليه السلام) على ذلك، فرجع عنه.

و أخرى:

أَنَّهُ وَجَدَ عَلَى زَعْمهِ رَجُلًا يَفْجُرُ بِامْرَأَةِ، فَأَخَذَهُمَا لَيَجْلدَهُمَا، فَلَقِيَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ: مَا لَكَ وَ لَهُمَا فَقَالَ يَا أَبَا الْحَسَن وَجَدْتُ هَذا الرَّجُلَ يَفْجُرُ بهَذه، فَقَالَ لَهُ أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَيْكَ الْبَيِّنَةُ، وَ إِلَّا فَلَهُمَا فِي جَنْبكَ حَدَان، إِلَّا أَنْ يَعْفُوا، فَاسْتَعْفَاهُمَا فَعَفَوا، فَقَالَ: لَوْ لَا عَلي هَلَكَ عُمَرُ.

و جهله بما يجب في المملصة حتّى أفتاه أمير المؤمنين (عليه السلام) بلزوم الدية على عاقلته، ففضها لوقته على بني عدي، و قال: لو لا علي هلك عمر.

و هذه أمور لا يجهلها من له أدنى أنس بالأحكام، فضلا عن العالم المبرز.

و منه: جهله بالحكم في المغيرة بن شعبة، و وجوب تعزيره باتفاق.

و منه: تكميله الحدّ على ابنه بعد الوفاة، وجهله بسقوط الحد عن الأموات.

و منه: جهله بأنّ الثابت من دين النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لا يجوز نسخه برأي و لا اجتهاد، حتى أقدم على تحريم متعة النساء برأيه، المعلوم تحليلها من زمن النبي صلى الله عليه و آله، و قد اعترف بذلك في قوله، و متعة الحج، المنطوق بها في القرآن المجمع على صحتها.

و منه: جهله بما أباحه الله تعالى من المهور، حتّى حرم الزيادة على مهر السنة و توعد بالعقاب، حتى ردّت فتياه امرأة، ردّت فتياه، امرأة، فرجع فقال: كل أحد أفقه من عمر حتى النساء.

و منه: جهله بجزية المجوس، حتى أفتاه بها عبد الرحمن بن عوف. و منه جهله بموضوع الشرائع و وقوف فرضها و نفلها و حرامها على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الغيوب، حتّى شرع للناس صلاة موظفة مقنّنة لا يزاد عليها و لا ينقص منها.

و منه: جهله بإباحة أهل الذمة الإقامة بين ظهراني، المسلمين حتى جلاهم عن جزيرة العرب، وقال: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان.

و منه: جهله بصفة الاختيار و شروطه، حتى شور الشورى، بخلاف ما قرره أصحاب الاختيار، و حكم فيها بما لا يجوز في الملة، و لا يجهله من له أدنى فطنة و أيسر بصيرة في الاسلام، على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله.

إلى غير ذلك من الأمور الدالة على جهله بما لا يجهله بعض المتفقهة، فضلا من رؤساء أهل الاجتهاد.

و من ذلك جهل عثمان: بقبح ردّ من نفاه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) عن دار الهجرة إليها، و نفي حبيبه أبي ذر عنها و إهانة [أوليائه] المخلصين و تقريب أعدائه الفاسقين، و أحكام التسوية في العطاء.

و قصوره عن أدنى منزلة في العلم لفقد ذكره في العلماء، و عدم الإسناد إليه بشيء من الأحكام يعتد بمثله.

في أمثال لهذا من فزع كل منهم إلى علي تارة، و إلى معاذ أخرى، و إلى زيد بن ثابت مرة، و إلى ابن عباس أخرى، و إلى غيرهم من علماء الصحابة عند بلوى الأحكام، و تقليدهم إياهم، و عملهم بفتياهم.

و هذه حال ينافي ما يعتبرونه من كون الإمام عالما، و لو لم يكن على قصورهم عن رتبة العلماء إلا أنه لم يحفظ عن جميعهم ما يعلم من تفقه شهر واحد لكفى في الدلالة على جهلهم بالأحكام، لوجوب ظهور ذلك، لعلو سلطانهم و كثرة أعوانهم.

و أما الشجاعة:

فمعلوم خلو الثلاثة منها، و تقدم أدنا موصوف بشيء منها عليهم، و أنّ حالهم في مغازي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و سراياه ينقسم إلى أمرين:

إما تخلّف عن القتال و نكوص عن النزال، بحيث الحاجة إليهم ماسة، كيوم بدر و الأحزاب و أمثالهما، مما لا شبهة على متأمّل للأخبار في تخلّفهما في ذين اليومين و غيرهما عن مباشرة الحرب وقتال الأقران.

و إمّا فرار على العقب و إسلام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كيوم خيبر، و ردّهما فيه راية رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مصرحين بالجبن متلاومين على الفرار، و ظهور الوهن لهزيمتهما في الاسلام و غضب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) من ذلك، و ذمّهما عليه، و وصفهما بالفرار، و نفي محبة الله و رسوله لهما و محبتهما له تعالى و لرسوله عليه السلام.

و انهزامهم يوم أحد، و إسلامهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و من معه من خلصائه. و انهزامهم يوم حنين، و رغبتهم بأنفسهم عن نصرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و من ثبت معه من أهله، و اختصاص أبي بكر من لوم الهزيمة فيه بما لم يشركه فيه أحد، لقوله: لن

نغلب اليوم من قلة و نزول القرآن بتوبيخه في قوله تعالى: وَ يَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضِ بِمَا رَحْبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُمْ مُدْبِرِينَ.

و رجوع عثمان من الهزيمة بعد ثلاث و توبيخ النبي (عليه السلام) له

بقوله: لَقَدْ ذَهَبَتْ فِيهَا عَرِيضَةً.

يعني الأرض.

هذا مع فقد العلم بمقام واحد أغنوا فيه عن الاسلام، أو بارزوا فيه قرنا، أو قتلوا بطلا معروفا على جهة الانفراد به أو المشاركة فيه، و ثبوت ذلك لأضعف المسلمين يعرف بشجاعة.

و إذا انتفت عنهم الشجاعة التي يجب كون الإمام عليها، لكونه.. في الحرب- بل بعض صفات الشجاعة التي لو ثبتت لهم لم تنفع - خرجوا عن صفة من يصلح للإمامة.

و أمّا سداد الرأي في السياسة:

فبرأ منه في سياسة الدين و الدنيا.

أما سياسة الدين فجميع ما قدحنا به في عدالتهم من الأفعال الواقعة قبل العقد و ما نذكره من ذلك بعده دالّ على قبيح سياستهم في الدين و موضح عن سوء رأيهم في المسلمين. و أما سياسة الدنيا فلو صح رأيهم فيها لم ينفع، لأن المطلوب حسن سياسة الدين و ما يتعلّق به، دون الدنيا التي لا تعلّق لها بالدين.

على أنهم لم يحسنوا سياسة الدنيا، لأنّ الداعي إلى فعل القبيح الانتفاع به، و الإقدام عليه لا لانتفاع به و لا دفع الضرر جهل مفرط و سوء رأي، و قد دللنا على قبح ولايتهم، لخلافها لمدلول الأدلة، فاقتضى ذلك خسران الآخرة، وكونهم عالمين بذلك إن كانوا ممن يعتقدها، و إلا يكونوا فالحجّة ألزم.

و لم نجدهم استعملوا نفعا يجوز لمثله أن يختار العاقل القبيح، بل كانوا من التقلّلو خشونة العيش في المطعم و الملبس وغيرهما على صفة الفقراء، مع تعرضهم بتولي الأمر للخطر العظيم في الدنيا، وتحصيل العداوة المخوف معها على الأنفس، و ما يليها من سوء العقبى،

و اكتساب الذم إلى يوم القيامة، بظلم من يجب حقه، و التصغير بمن يلزم تعظيمه، و تقریب من يجب إبعاده، و حرمان المستحق و إعطاء غيره.

و لو لم يدلّ على قبح سياستهم للدنيا إلا وضعهم من أهل بيت ولي رئاستهم المعظمين لديه على كافة أمته، و التصغير بهم، و قصدهم بالأذى و منع المنافع التي أمزجوا فيها أعداءهم، لكفى، إذ لا شبهة في فساد هذه السياسة، و قبح هذه السيرة، فأي شبهة تبقى على منصف في قبح سياسة من هذه حاله دينا و دنيا!!.

و أما عبادتهم:

فلم يعدّهم أحد من الأمة من عباد المدينة، و إن كان ثم دعوى عبادة فليست المعتبرة في الإمام.

و أما الزهد في الدنيا:

فالمعلوم خلافه من حرصهم عليها وطلبها من غير وجهها، إذ تخلفهم عن أسامة مع وجوب النفوذ معه والمسارعة إلى السقيفة و ترك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) جنازة بين أهله ومنافسة.، و جعل أفعال الآخرة من السبق و الهجرة ذريعة إلى الدنيا، وتعرضهم للأمر مع مناقشة الأنصار فيه، و استحقاق بني هاشم له و اعتقاد كلّ واحد من الفريقين كونه أولى به منهم، و خوف الشنان من ذلك الفتنة الصماء ينافي الزهد في الدنيا و يحيله، و يدل على قبح الحرص و سوء الطلب.

و أي عاقل يحسن منه دعوى الزهد في الدنيا لمن يحرص على تقلد الأمر على الأمة على

هذا الوجه، مع اختلال جميع الصفات فيه على ما، بيناه و علمه بذلك من نفسه، و يحمل الناس على بيعته طائعین و کارهین و یخوّف بالقتل على التخلف عنه لأفاضل المسلمين، و لا يرغب في صلاح أمر دنياه في مؤمن إلا و لا ذمة، فيأمر بقتل سعد ابن عبادة تارة، و بقتل على أخرى، و بقتل الزبير مرة و يكسر سيفه، و يهجم على دار علي (عليه السلام) بالرجال و يأتي [به] مكرها ليبايع، و يقتل بني حنيفة على الامتناع من حمل الزكاة إليه و إخراجها إلى فقرائهم، و يعم بفتنته لهم مستحقا و غیره، و يوجيء عنق سلمان، و يخرج بلالا عن المدينة لما امتنع عن البيعة، ويقاسم العمال، و يحكم في الشورى بما ذكرناه، و من يستبد بالأموال و

يعطيها من لا يستحقها من أهله و قراباته، و يعرض نفسه و من معه من الأهل و الأولياء للقتل ظنا بما لا يستحقه من الأمر، لاختلال الصفات فيه، و يضرب الأخيار كعبد الله و عمار، و ينفي أبا ذر في صلاح دنياه!!.

إلا جاهل بذلك من حالهم، أو مغمور بالعصبية لهم.

و إذا ثبت تعريهم من جميع الصفات التي لا يصلح للإمامة من لم يتكامل فيه باتفاق، سقط فرض النظر في دعوى اختيارهم و ثبوت إمامتهم به، و وجب القطع على فسادها و ضلال المتعرّض لها و المعرض و الدائن بها أولا وآخرا، و المنة لله.

[بطلان امامة القوم حتى مع تقدير ثبوت صفات الإمامة لهم]

و أما فساد إمامتهم مع تقدير ثبوت الصفات التي معها يصح الاختيار، فهو أن صحته تفتقر عندهم إلى ثلاثة أشياء:

أحدها: ثبوت النص به و بصفة متولّية، من حيث كان فقد النص يرفع الثقة بفعلهم.

الثاني: ارتفاع الموانع عن صحة العقد للمختار، إذ كان ثبوت مانع يحل الاختيار.

الثالث: وقوعه على الوجه الذي ذكروه، لأنّ وقوعه بغير صفته المعتبرة فيه يقتضي العقد له و كل مفقود و المنة لله.

[عدم ثبوت نص على إمامة القوم]

أما النص، فلو كان ثابتا لكان معلوما على وجه لا يحسن الخلاف فيه لعموم بلواه، و توفّر

الدواعي على نقله، وقوة البواعث على روايته لولاية المختار و انبساط يده، و كثرة أعوانه، النفع العظيم به، و عدم التحرز فيه، بعكس ما حصل في النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) وصفة متولّيه، و إذا فقد العلم به سقط دعوى ثبوته.

و ليس لأحد أن يدعى النص على الاختيار بما

رُويَ عَنْهُ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: إِنْ تُوَلُّوهَا أَبَا بَكْر تَجدُوهُ قَويّاً في دينه ضعيفاً في بَدَنَه، وَ إِنْ تُولُوهَا عُمَرَ تَجِدُوهُ قَوِيّاً في دينه قوياً فِي بَدَنَه، وَ إِنْ تُوَلُّوهَا عُثْمَانَ يُوَسِّعُكُمْ مَالًا، وَ إِنْ تُولُوهَا عَلَيّاً تَجِدُوهُ هَادِياً مَهْدِيّاً.

لأن فقد العلم بهذا الخبر دليل على افتعاله، لما ذكرناه من قوة الدواعي إلى نقل ما يعضد مذاهب القائلين بالاختيار و انتفاء الصوارف عنه.

و الذي يدلّ على فساده أمور:

منها: أنه يتضمن وصف الرجلين بالقوة، مع حصول العلم بانتفائها [عنهما] من علم أو عبادة أو شجاعة، حسب ما قدمناه، فيصير كذبا لا يجوز على النبي صلى الله عليه و آله.

و منها: أنه لو كان ثابتا لاحتج به أبو بكر يوم السقيفة على الأنصار، فهو أبلغ من قوله: نحن المهاجرون الأولون، و نحن من قريش، و هم عترة النبي صلى الله عليه و آله، و لما لم يفعل ثبت أن الخبر مخرص.

عمر

و منها قوله: قد اخترت لكم احد الرجلين، يعني: عمر و أبا عبيدة، و لو كان الخبر صحيحا لوجب أن يقول: قد اخترت لكم احد الرجلين عليّا أو عمر، إذ أخذ الثلاثة كان: عليا أو عثمان، و لا يذكر أبا عبيدة و يعدل عمن نص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) على اختياره.

منها: أنه لو كان صحيحا لم يجز لأبي بكر أن ينص على عمر و يأخذ الناس ببيعته إلا بعد إحضار أمير المؤمنين و عثمان، و إجماع الأمة على أخذهم، و لكان له أن يحتج على من أنكر عليه ولاية عمر و وصفه له بالفظاظة و الغلظة، وتخويفه الله من ولايته عليهم، فيقول: ما وليتم عليكم إلا من نص رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) على اختياره.

و منها: أنه لو كان صحيحا لأغنى عمر عن الشورى على أعيان المختارين، لأنه لم يبق منهم غير علي و عثمان، فكان ينبغي بمقتضى الخبر أن يختار أحدهما، و لا يشرك معهما في الشورى من لم ينص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) على اختياره و لا أن يتمنّى لها سالما و لا ذكر له في النص، ولا يتكلف شيئا مما تكلّفه من الاهتمام بأمر القائم مقامه، و قد كفاه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) ذلك بنصه على عينه.

و منها: أنه لو كان صحيحا لم يجز لأبي بكر أن يتقدم على عمر، و لا يسوغ يسوغ لأحد من الأمة تقديمه عليه، لكونه أقوى منه دينا و بدنا، و لا لواحد منهم على علي، للنص على كونه هاديا مهديا سلك الطريقة المثلى قطعا، وفقد ذلك منهم.

على أن الحديث خبر عن حالهم، لو قد فعلوا لألفوا أبا بكر بصفة كذا، و عمر بصفة كذا، و عليا بصفة كذا.

و الخبر كاشف كالعلم و ليس بمقتض، و إنّما المقتضى للإيجاب الأمر، و ليس بأمر، إذ لو كان أمرا لم يجز لأحد منهم مخالفته، و قد بينا عملهم بخلافه.

و بعد فهو عري من النص على أعيان المختارين وصفاتهم من ذوي الحل و العقد، فلا ينفع في موضع الحاجة.

[ثبوت المانع من اختيار القوم]

و أمّا ثبوت المانع من اختيار القوم فكونهم مرتبطين بطاعة أسامة و اتباعه في البعث، و تعذر الجمع بين الأمرين كارتباط أسامة بذلك وخروجه بتعين فرض الإنفاذ لأمره صلّى الله عليه وآله عن النظر في أمر الإمامة فضلا عن الصلاح لها.

و قَدْ صَرَّحَ أَبو بَكْرٍ بِوُجُوبِ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ: لَوْ تَخَطَّفَتْنِي الطَّيْرُ مِنْ مَجْلِسِي وَ يُفَرَّقُ عَنِّي جُنْدِي حَتَّى أَبْقَى وَحْدِي لَمْ يَكُنْ لِي بُدَّ مِنْ إِنْفَادَ جَيْشِ أَسَامَةَ.

و إذا كان معترفا بتضيق فرض الإنفاذ فهو و صاحباه و من عقد له من جملة الأتباع، خرجوا بذلك عن التأهيل للاختيار و إن تكاملت لهم صفات الإمام - المعلوم انتفاؤها عنهم - و ذلك يسقط فرض النظر في حال العاقدين و من عقدوا له.

[عدم حصول الاختيار بصفته المعتبرة]

و أما عدم الاختيار بصفته المعتبرة عن الثلاثة المتقدمين، فقد بينا أن صحته تفتقر إلى حضور جميع العلماء، للنظر في أحوال من يصلح للإمامة، فاذا استقر رأيهم على واحد و سلّم لهم العامة الرضى به بايعوه و هذا مفقود في الجميع.

أما عدم هذه الصفات المعتبرة في اختيار الأول فظاهر لكل متأمل، إذ معلوم لكل ناظر توليته الأمر عليه على غير وجه الاختيار، من حيث علمنا و هم سبق الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة، و ترشحهم سعد بن عبادة للأمر، و عزمهم على بيعتهم [له] من غير مشاورة لمن عداهم أو تأخر عنهم من المهاجرين، و إنذار ابن ساعدة العجلاني عمر ابن الخطاب بحال

الأنصار و ما اجتمعوا له و عزموا عليه، و مجيء عمر إلى أبي بكر، و مضيهما إلى ظلة بني ساعدة، و معهما أبو عبيدة بن الجراح و المغيرة بن شعبة، و سالم مولى أبي حذيفة - لا يعلم لهم سادس من المهاجرين و من هاشم- و من عداهم من المهاجرين مشغولون بأمر رسول الله صلى الله عليه و آله، و ما جرى بين حاضري السقيفة من الخوض و ذكر كل فريق منهم فضائله في الاسلام، و إدلائه بأفعال الآخرة:

من السبق و الهجرة و الصبر على الأذى، و النصرة، والإيثار، والإيواء و التحقق بالدار، و جعل كلّ منهما هذه الأفعال الدينية ذريعة إلى تولي الأمر، وقوة حجة المهاجرين بالقربى، و فزع الأنصار عند النكول عنها إلى المصالتة، وعلوّ كلمتهم لذلك، و قوة أمرهم على المهاجرين لكثرتهم، وقلة أولئك و إشرافهم على تمام الأمر لسعد بن عبادة، و فسخ بشر بن سعد بن معاذ هذا النظام حسدا لابن عمه سعد، و اخماده نار الأنصار بقوله: ثواب نصرتكم وإيثاركم بالديار و الأموال على الله تعالى، و هذا الأمر لقريش أهل بيت نبيكم و أقربائه، و انقطاعهم عن محاجته، وتقدّمه إلى أبي بكر مبايعا، و مشاركة عمر و أبي عبيدة و المغيرة له في ذلك، و لحوق عشيرة بشير بن سعد به علما منها بما قصد له من إفساد الأمر على سعد بن عبادة، و امتناع سعد و من [في] حيزه من البيعة، و أمر البيعة، و أمر عمر بقتله في الحال لو أنفذ أمره، و مقامه على الخلاف إلى أن قتل غيلة، و قول الحباب بن المنذر لبشير بن سعد: و الله ما حملك على ما صنعت إلا الحسد لابن عمّك، و تطلبه أنصارا يمنع بهم من بيعة أبي بكر فلم يجد فأقام على الخلاف و تخلّف بني هاشم قاطبة عن العقد و إنكارهم ما جرى و تخلّف أمير المؤمنين (عليه السلام) في منزله و معه جماعة من بني هاشم و غيرهم و امتناعه من البيعة أشدّ امتناع، و مجيء امتناع، و مجيء العباس و أبي سفيان إليه، و عرضهما أنفسهما على بيعته، و اجتماع بني هاشم و جماعة من المهاجرين والأنصار إلى دار علي (عليه السلام)، و قصد القوم له بالرجال و السلاح و خروج الزبير عليهم بالسيف مصلتا، و سقوطه لوجهه، و أخذ عمر السيف و ضربه به الأرض حتى انكسر و:قوله خذوا الكلب و استخراجهم عليا عليه السلام..، و تجريدهم للسيوف من حوله و حملهم له على بيعة أبي بكر، و امتناعه منها، و

قَولُهُ: وَ اللَّهِ لَا أَبَايِعُكُمْ وَ انْتُمْ أَحَقُّ بِالْبَيْعَةِ لِي، وَ قَوْلُ عُمَرَ: وَ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَبَايِعُ لَنَقْتُلَنَّكَ، وَ قَولُهُ (عليه السلام): إِنْ تَقْتُلُونِي فَإِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِ اللهِ، وَقَوْلُ عُمَرَ: أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَنَعَمْ وَأَمَّا أخُو رَسُول اللَّه فَلَا.

إلى غير ذلك من أقوال علي وفاطمة و بني هاشم و جماعة من المهاجرين والأنصار، و جواب القوم لهم.

و قول سلمان کردا و نکردا و ندان نم، يعني فعلتم و ما فعلتم و إفصاحه بالعربية: أما و الله إذ عدلتم بها عن أهل بيت نبيكم ليطمعن فيها الطلقاء و أبناء الطلقاء.

و ذكر بريدة الأسلمي رأيه في بني أسلم و قوله لا أبايع إلا من أمرني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) أن أسلم عليه بإمرة المؤمنين.

و أخذهم الناس بالبيعة بالغلظة و اللين.

و إذا كانت هذه الجملة معلومة لكلّ سامع للأخبار و متأمل للسير و الآثار، ثبت وقوع الولاية على الوجه الذي ذكرنا من الغلبة، دون ما يعتبرونه من صفة الاختيار، و إجماع العلماء له و ترجيحهم بين الرجال إلى أن يستقر لهم رأي على واحد فيبايعوه، ويسلم له الباقون، لبعد ما بين الأمرين وتنافيهما في الأوصاف.

و أما فقد الصفة المعتبرة عندهم في الاختيار من العاقدين له، فمعلوم اختصاص الحضور في السقيفة بنفر يسير من المهاجرين و غيبة بني هاشم و أكثر المهاجرين عنها، و خالف أكثر الحاضرين لها من الأنصار في العقد، و فيهم العلماء المعتد بهم في الرضا و الإنكار و و العامّة الذين لا يصلح الاختيار مع كراهيتهم، لكونهم من الأمة الذين نص النبي صلى الله عليه و آله عن- عندهم على نفي الخطأ عن إجماعهم، و إذا كان هذا معلوما لكل متأمّل للسير و الآثار فسدت إمامة المعقود له لحصولها ببعض الامة المتفق على جواز الخطأ عليها، و فسد[ت] لفسادها إمامة عمر و عثمان، لكون إمامتيهما فرعا لها و مبنية على صحتها باتفاق.

و ليس لأحد أن يقول إنّ الخلاف يوم السقيفة و التخلّف الحاصل و غيبة من ذكرتموه و إن كان معلوما، فقد علم زواله فيما بعد، و حصول الرضى من الجميع بإمامة المعقود له، و تسليم الطاعة له، و ذلك يدلّ على إجماعهم، و هو حجة لا ينعقد على ضلاله

لأن هذا لو سلّم لهم لن ينفعهم شيئا، لاتفاقهم على أنّ الحجّة في الإمامة و غيرها الاجماع، و هو معقود يوم السقيفة باضطرار، وفقده يقتضي تعري العقد فيها من حجة الصحة.

و إذا لم تنعقد إمامة أبي بكر يوم السقيفة، لفقد دليلها الذي هو الاجماع، و وقوعها بمن لا يعتد بمثله في الملة باتفاق، لم تنعقد فيما بعد بإجماع، لأنه لا أحد قال بفسادها يوم إلا قال بذلك في كل حال، و لا أحد حكم بصحتها إلا بنى ذلك على ثبوتها يوم السقيفة، فاذا وضح برهان فسادها فيه سقط فرض النظر فيما بعده من الأحوال و ما يدعى من اتفاق عليها أو خلاف فيها.

على أنّ ذلك مبني على ظهور التسليم من الجميع و ارتفاع النكير من الكل، و أنه دلالة الرضا، و أنّ الرضا هو دلالة الإجماع.

و نحن نبيّن أنّ النكير حاصل، و أنه لو كان مرتفعا لم يكن دلالة الرضا، و أنّ الرضا ليس بإجماع.

أما دعوى ارتفاع النكير فظاهر البطلان، لحصول العلم بموت سعد على الخلاف، و هو من العلماء الذين يجب الاعتداد به، و إقامة علي (عليه السلام) على النكير متخلفا في منزله مدة التمكن من ذلك، مصرحا في أكثر أحواله لما يقتضي إنكاره.

كَقَوْلِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ: وَاللَّهِ لَا أَبَايِعُكُمْ وَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِالْبَيْعَةِ لي.

و قَوْله لَمَّا هَدَدَهُ بِالْقَتْلِ: يَا ابْنَ أمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي، وَ لَمْ أَزَلْ مَظْلُوماً مِّنْدُ قبض رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَليه و آله.

و قَولُهُ: ظُلَمْتُ الْحَجَرَ وَ الْمَدَرَ.

و قَوْله (عليه السلام): وَ لَقَدْ سَبَقَني فِي هَذَا الأَمْرِ هَذَا الْأَمْرِ مَنْ لَمْ أشركه فيه و مَن لَم اهَبُهُ لَهُ، وَ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ تَوْبَةً إِلَّا بَنَبيُّ يُبْعَثُ، أَلَا وَ لَا بَعْدَ محمّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه و آله، أَشْرَفُ مِنْهُ عَلَى شَفا جرف هارِ انْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

و قَوْله (عليه السلام): وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلِّ الْقُطب مِنَ الرَّحَى، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا يَوْماً، وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَسْحاً، وَ طَفَقْتُ أَرْتَنِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بيد جَدَاءَ وَ أَصْبرَ عَلَى طَحْيَة عَمْيَاءَ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَا، فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَدَّى وَ فِي الْحَلْقِ شَجِّى أَرَى تُرَاتِي نَهْباً.

إلى آخر الكلام المشهور المتضمّن للتصريح بالتظلم من القوم المتقدمين عليه.

و قَوْله (عليه السلام) وَ لَئِنْ تَقَمَّصَهَا دُونِيَ الْأَشْقَيَانِ وَ نَازَعَانِي فِيمَا لَيْسَ لَهُمَا بِحَقِّ، وَ هُمَا يَعْلَمَان، وَ رَكَبَاهَا ضَلَالَةٌ، وَ اعْتَقَدَاهَا جَهَالَةٌ، فَلَبِئْسَ مَا عَلَيْهَا وَرَدَا وَ بِئْسَ مَا لأَنْفُسهما مَهَّدَا، يَتَلَاعَنَانِ فِي مَحَلَهِمَا، وَ يَبْراً كُلِّ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبه بقوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرينُ.

في أمثال لهذه الأقوال المحفوظة عنه في ابتداء الأمر، و في خلافة عثمان، و حين آل الأمر إليه و حصول العلم لكل مهتم بتدينه (عليه السلام) بذلك وذريته و شيعته إلى يومنا هذا.

و ما ظهر من إنكار سلمان الفارسي رضي الله عنه لأمرهم، و مشاركة الزبير، و جماعة من بني هاشم، و كثير من الأنصار، كقيس بن سعد بن عبادة، و الحباب بن المنذر، و بريدة الأسلمي و تخلف بلال عن البيعة إلى أن مات.

و إذا كان هذا النكير من وجوه الصحابة معلوما سقطت دعواهم ارتفاعه.

على أن ارتفاع النكير لا يدلّ على الرضى، لاحتماله له و لغيره من الرجاء و الخوفو الاستفساد و الاشتباه، و إذا كان محتملا لم يجز حمله على أحد محتملاته إلا بدلالة، و لا دلالة، فحامله على الرضى بغير حجّة كحامله على الرجاء أو الخوف، بل هو أعذر، لكون المعقود له ممّن يرجى نفعه و يخاف ضرره، لقوة سلطانه و انبساط يده.

و بعد، فلو كان دلالة الرضى لم تكن فيه حجة، لأن تقلد أبي بكر الأمر أمر منفصل عن رضى الإمامة به، فيصح أن يكون مخطئا في توليه الأمر، و يكون الممسك عن الإنكار عنه مخطئا، لإخلاله بالواجب عليه من الإنكار و لا يكون ذلك إجماعا على الخطأ، لتغاير

الفعلين المختلفين، إذ كان الدليل المانع من اتفاق الأمة على الخطأ مختصا بفعل واحد، لحصول العلم بخطا كلّ فرقة من الأمة الأمة في مسألة و مسائل.

و على هذا التحرير لو سلّم للقوم جميع ما يظنونه دليلا على إمامة أبي بكر لم ينفعهم، لخروجه عن كونه إجماعا.

و أما ولاية عمر، ففرع لإمامة أبي بكر، فاذا كانت فاسدة لما دللنا عليه لحقت بها في الفساد باتفاق.

و أيضا فمعلوم حصولها بنص أبي بكر، و أنه كتب له الصحيفة بالعهد، و أخذ الناس بالرضى بها شاءوا أم أبوا، من غير إ(عَلَيهِ السَّلَامُ) بما فيها، و إنكار طلحة و جماعة من المسلمين عليه، و مضيه على رأيه و اطراح نكيرهم و هذا بغير شبهة مناف لما يعتبرونه من صفة الاختيار و المختارين.

و أمّا ولاية عثمان، فمبنية على ولاية الرجلين، فاذا كانت باطلة لحقت بها في البطلان بإجماع.

و أيضا فهي فرع لصحة الشورى و وقوع العقد فيها على المشروع، و سنبين فسادها و ما اشتملت عليه من قبيح الأفعال و منافاتها لشريعة الاسلام على مذهب القائلين بالنص و الاختيار، فاقتضى ذلك فسادها بغير ارتياب.

و بعد، فهي معلّقة باختيار عبد الرحمن بن عوف خاصة، و ليس بحجة الملة، و إن جعله عمر عيارا على القوم، لكونه أيضا غير حجّة عند مدعي إمامته، و لأنه رغب بها عن علي (عليه السلام) بشرطه عليه السيرة و الكتاب و السنة، و إبائه سيرة أبي بكر و عمر، و بيعته عثمان على ذلك.

و كون ذلك عن جهل يخرجه عن البصيرة بالدين و يمنع من كونه عيارا على المسلمين، لو كان فعل واحد من فضلائهم عيارا عليهم.

و كونه عن علم يقتضي عظيم العناد للملة، و الرغبة عن الكتاب و السنة إلى سيرة رجلين أحسن أحوالهما أن يكونا من أهل الاجتهاد و الذين يجوز عليهم الخطأ، و ذلك مسقط لفعله لو كان يصح الاعتداد في عقد الإمامة بواحد.

و بعد، فكيف ساغ له سوم علي (عليه السلام) - و هو من أفضل العلماء بغير نزاع- تقليد أبي بكر و عمر، مع تحريم التقليد على مثله باتفاق و عدل عن بيعته لإبائه (عليه السلام) ما لا تجوز له الإجابة إليه من تقليد الرجلين فكيف جاز له بيعة مجيب له إلى تقليد غيره، مع علمه إن كان من أهل الاجتهاد بأن العامي الذي يجوز له التقليد لا يصلح للإمامة، و تحريم التقليد على العلماء، و فسق المقلّد منهم لغيره.

و أن عثمان إن كان عاميا فاختياره للإمامة لا يجوز بإجماع، و إن كان عالما فقد فسق بإجابته إلى التقليد، فقبح اختياره على كل حال. و من اتبعه من أهل الخلاف وصونه من العقد قديما و حديثا امتناع علي (عليه السلام) من تولية الأمر معما فيه من عموم الصلاح للإسلام على سيرة الرجلين و اشتراطه السيرة للكتاب و السنة على ضلال سيرتهما، لكونهما مخالفين للكتاب و السنة.

و هلّا دل الحاضر من المسلمين و من قلّدهم إلى يومنا هذا إمساك عبد الرحمن عن موافقة علي (عليه السلام) عن وفق سيرة الرجلين للكتاب و السنة أنها مخالفة لهما!

و أيّ شبهة تبقى على ملتفت متأمل منصف في ضلال سيرة الرجلين و خلافهما للشرع، و هو يرى عليا (عليه السلام) يرغب عن ولاية الإمام و فيها ما فيها دينا و دنيا، و لا بها يسير فيهم، بمحضر من أهل الشورى و وجوه المهاجرين والأنصار و أخلاط الناس و لا يقول له أحد منهم:- و أكثرهم أولياء القوم - و هل سيرتهما إلا على الكتاب و السنة فلم تأباها و لا يقول لعبد الرحمن: الموافقة للكتاب و السنة، ولا يقول له عبد الرحمن: هذا ما دعوتك إليه فنبايعه لإجابته إياه إلى ما اشترط عليه، و لا يرغب عن بيعته إلى بيعة عثمان.

و أي ريب يبقى في تدين علي (عليه السلام) بضلال القوم و قبيح سيرتهما، و هو يرغب عن التمكين من معظم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وتنفيذ الأحكام بولاية الأمر و لا بسيرتهما! و أي شك يدخل على عارف بالاجتهاد، و ما يجب كون الإمام عليه عند مثبتيه في فساد إمامة عثمان و هو يراه مبايعا على تقليد، الرجلين و فساد إمامته إن كان عاميا، و كونه فاسقا لا تجوز إمامته إن كان من أهل الاجتهاد و ليس لأحد أن يقول: كيف تصح لكم هذه الدعوى و أنتم تعلمون مذاهب خصومكم في عدد العاقدين، ففيهم من يقول واحد، و فيهم

من يقول: اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة يعقدون لواحد لأنه لا تنافي بين ما قلناه و بين هذه المذاهب، من حيث كان كلّ منهم لا يعتبر صحة العقد بهذا العدد خاصة، و إنما توقف ولايته عليه و يعتبر تسليم باقي العلماء و رضاهم بالعقد و إمساك الباقين من الأمة الدال عنده على الرضى إن فقدت المبايعة.

و كيف يشتبه على متأمل أن أحدا من علماء الأمة يدين بصحة الإمامة بعقد بعض الأمة، مع فقد دعوى من أحد من أهلها، لكون الحجة ثابتة في شيء يفعل بعضها بل جميعها إلا عالم واحد، و حصول النزاع من جمهورها في كون الإجماع حجة، و مع وجود كل متكلّم في صحة الاختيار يثبته على صحة الإجماع و انعقاده عليه.

و لو كان ما ذكره السائل، مذهبا لاستغنى القوم الذاهبون إليه عن إيراد ما يظنونه دليلا على ثبوت الإجماع في إمامة أبي بكر و عمر و عثمان، من التعلق بالإمساك و ترك النزاع، و غير ذلك مما لا حجّة فيه على ما بيناه و لوجب عليهم الاشتغال بكون ما ذهب إليه كل فريق من العدد وجعله حجة في صحة العقد، لما لم يتعرض لذلك أحد منهم و وجدنا الجميع يفتقر إلى مراعاة الإجماع في نصرة ما ذهب إليه ويقول: إذا عقد هذا العدد المخصوص و سلم الباقون، صح ما ذكرناه.

و لو لا أنّ بعض من ينتمي إلى العلم بالاعتزال سأل عن ذلك - مع كثرة جهل أهل بلادنا بمذاهب الناس - لم يكن بنا حاجة إلى ذكره لظهور، فساده و حصول الاجماع على خلافه.

[ذكر القبائح الواقعة منهم حال ولايتهم المقتضية لفسخها ]

و تأمل هذا الكلام يغني عن إسقاط ما يتعلقون به في إمامة القوم من إجماع و غيره

بالأحداث الواقعة منهم في حال ولايتهم، فهو أنا لو تجاوزنا لهم عن جميع ما قدمناه، لكانت القبائح الواقعة منهم في حال تعليمهم كافية في فساد إمامتهم على كل حال، لأنّ ثبوت فسقهم في حال الولاية تعليمهم الولاية كافية تمنع من ثبوت إمامتهم وصحة العقد بها قبل وقوع هذه الأحداث، فيقتضي فسخها لو كان العقد صحيحا بها، إذ لا أحد من الأمة أثبت فسقهم في حال ولايتهم إلا حكم بفساد عقدها و فسخ العقد الصحيح بالفسق الواقع بعده.

فمن ذلك الحادث في ولاية أبي بكر.

و هو على ضروب:

منها: تسميته بخليفة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، مع العلم الضروري بكذبه

في هذا الا اسم على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) إذا كانت ولايته على أحسن الأحوال مستنده إلى اختيار الأمة و المختار باجتهادها لا يكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه و آله، و إنما يكون كذلك من نص صلى الله علیه و آله على خلافته، دون من تعلّق استخلافه بفعل غيره عليه السلام.

و ليس لأحد أن يقول: إذا كان اختيار الأمة له عن نص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) على الاختيار وصفة المختارين فهو مضاف إلى النبي (عليه السلام) و إن وقع بغيره.

لأن الأمر لو كان كذلك - مع أنا قد بينا فساد الدعوى له - لم يكن ما فعلوه من اختيار أبي بكر مسوغا لإضافة استخلافه إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لحصول العلم في عرف الاستخلاف بخلافه، و أنه لا يجوز أن يضاف إلى نبي و لا إمام و لا ملك استخلاف غيره إلا بعد أن يكون هو الناص على عينه.

و لهذا لا يضاف إلى الملك أمارات القرى الصادرة عن اختيار أمير الإقليم المنصوب من قبل الملك المأذون له في الولايات، وكذلك حكم كل رئاسة منصوص عليها من قبل رئيس لا يضاف إلى الرئيس الأول استخلاف أحد ممن أذن له في استخلاف.

فكذلك إذا كان الأمر على ما قالوه لم يجز إضافة خلافة أبي بكر إلى رسول الله صلى الله عليه و آله، و إن كانت حاصلة بفعل من أذن له بالاستخلاف على الجملة.

كما يقال في كل موضع ذكرناه: هذا خليفة الأمير أو خليفة الوزير، و لا يقال:

خليفة الملك إلا لمن نص الملك على خلافته، و إن كان الوزير و الأمير مأذونا لهما في الاستخلاف.

و اذا صحت هذه القضية ثبت فسقه بكذبه على رسول الله صلى الله عليه و آله.

و منها: إرادته لتخلّف عمر و أبي عبيدة و غيرهما من أنصاره عن النفوذ في جيش أسامة، مع وجوبه، و إرادة القبيح قبيحة و كونه مريدا لذلك معلوم على وجه لا ريب فيه.

و منها قصة فدك منعه فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) منها، و خطأه في ذلك من وجوه :

منها: قبضه يد النائب عنها عن التصرف فيها بغير حجة،

مع استقرار الشرع و مطابقته لأدلة العقل بحظر قبض اليد المتصرفة في شيء عنه بغير بينة تمنع منه.

و منها كونه حاكما فيما هو خصم فيه،

و ذلك ظاهر الفساد في الشرع.

و منها: مطالبته بالبينة مع استغنائها (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنها باليد،

و وجوب ذلك عليه دونها، وردّ دعواها و مطالبتها بالبينة مع إجماع الأمة على صدقها في هذه الدعوى، فإن يجهل هذا الإجماع فليس من الأمة، و إن يعلمه فقد ردّ دعوى يعلم صحتها، وطالب بأمارة الظنّ مع ثبوت دلالة العلم و أخذ منها ما يعلم استحقاقها، و إباحته لمن يعلم كونه غير مستحق له، و هذا عظيم جدا.

و منها: قيام الدلالة على عصمتها من وجوه:

منها [آية التطهير ]

قوله تعالى: إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً، و فاطمة

عليها السلام من جملة المذكورين بإجماع، و لا وجه للإرادة هاهنا إلا الإخبار عن ذهاب الرجس عن المذكورين و ثبوت التطهير، لأنّ الإرادة المتعلّقة بطاعات العباد لا تخص مكلفا من مكلف، و الارادة في الآية خرجت مخرج التخصيص للمذكور فيها و الإبانة له من غيره، و لأن حرف إنّما يثبت الحكم لما اتصل به و ينفيه عما انفصل عنه، و ذلك يمنع من حمل إرادة الآية على العموم.

و قَولهُ ع: فَاطِمَةً بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤلِمُنِي مَا يُؤْلِمُهَا وَ يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا،

و ذلك لا يمكن إلا مع كونها معصومة، لأن تجويز القبح عليها يصحح وقوعه، و وقوعه موجب لأذاها باللعن والذم و الحد و التعزير، وذلك مناف للخبر، و لأنه لو شهد عليها

شهود بما يوجب الحد لوجب جلدهم حدّ المفتري دونها، باجماع، وذلك لا يصح إلا مع

القول بعصمتها، و إذا ثبتت عصمتها اقتضى ذلك قبول قولها لاقتضائه العلم بصحته، و أغنى عن البينة التي لا توجب علما.

و لا يجيء من ذلك القول بأن الرجل جهل عصمتها، لأنه لا تكليف له في ذلك.

لأن صحة دعواها عليها السلام إذا كانت مستندة إلى ثبوت عصمتها فلا بد من أن تحتج عليه بدليلها الذي لا حجة لها غيره، و إذا فعلت ذلك تعين عليه فرض النظر الذي متى يفعله يعلم عصمتها، و إن لا يفعل يخل بالواجب عليه و الاخلال بالواجب قبيح، و مطالبة المعلوم الصدق بينة استظهار على العلم بالظن، و ذلك جهل قبیح و ظلم صريح.

و منها: أنه لا يخلو أن تكون فدك مما يجب في الشرع تسليمه لفاطمة ع، أو ممّا يجب منعها منهT

و لا ثالث هاهنا.

و القسم الأول يقتضي كون المانع ظالما، لإخلاله بالواجب من تسليم الحق إلى مستحقه، فاسقا لجهله بما يجب على الحاكم علمه.

و الثاني يقتضي كونها و حاشاها - مطالبة بما لا تستحقه، و كاذبة في دعواها و تظلّمها من الحق الواجب عليها و مشاركة أمير المؤمنين (عليه السلام) لها في ذلك، للرضى به و إقرارها عليه و مشاركتها في الدعوى و التظلم.

و الإجماع بخلاف ذلك، فصح القسم الأول.

و بهذا يسقط اعتذارهم للرجل بأنه حكم على الظاهر في الملة من اتفاق الحكم على البينة، و أنه عادل في حكمه، و إن كانت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)صادقة. لاتفاق العقلاء على أنه لا حكم للظنّ مع إمكان العلم ظنّا عن، ثبوته، وقد أجمع المسلمون على صحة الحكم بالعلم و أجاز رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) شهادة خزيمة بن ثابت فيما يعلم صحته، لاستناده إلى صدق النبي صلى الله عليه و آله و ثبوت نبوته و سمّاه ذا الشهادتين.

فلا عذر إذا لمن منع مستحقا يعلمه كذلك، و لا يصح وصفه عادلا مع قبضه يدا عما يعلم كونه ملكا لها، و إباحته لمن يعلم أنه لا يستحقه، لحصول العلم الضروري الذي لا تصح مخالفته، و لا انتظار دليل عقلي و لا شرعي بخلافه - بكون من كان كذلك ظالما.

و منها: ردّه شهادة أمير المؤمنين و الحسنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أم أيمن بصحة النحلة،

مع إجماع الأمة على عدالتهم وعلمهم بموقع الشهادة و ذلك يقتضي عدوله عن موجب الحكم إلى إرادة الظلم وفعله.

و اعتذاره للرد: بأنّ عليا (عليه السلام) [زوج] و الحسنين عليهما السلام ابنان و أم أيمن مولاة، و هم يجرون إلى أنفسهم بشهادتهم.

ليس بعذر، لأنه يقتضي القدح في عدالتهم المعلوم ثبوتها بإجماع، و يدلّ على شك القادح في عدالتهم في نبوة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) أو جهله، لحصول العلم من دينه بصواب هؤلاء الشهود و كونهم من أعلا المباحين درجة، إذ التصديق بثبوت هذه الصفة لهم و القدح في عدالتهم لا يجتمع.

و لأن هذا لو كان سببا مانعا من قبول شهادة العدل لكانت فاطمة و علي و الحسنان عليهم السلام أعلم به من أبي بكر، فكانت لا تعرضهم للشهادة و لا يتعرضون لها، لعلمهم بأنها لا تقبل، لأن ذلك فسق و سوء تدبير و سفه مأمون منهم بإجماع، و غير مأمون من الرجل، و كان به أحق.

و بهذا تسقط شبهة من قدح في شهادة الحسنين عليهما السلام بالصبا، لأن ذلك لو كان مانعا من قبول شهادتهما لكان علي (عليه السلام) به أعلم من أبي بكر، و كان لا يعرضهما للشهادة، و لكان ردّ شهادتهما لذلك أولى من ردّها بالنبوة، و لما لم يقل ذلك أبو بكر دلّ على أنهما معتد بشهادتهما.

و منها: قبوله دعوى جابر في الحثيات و عائشة و حفصة من ثياب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)، و إقرارهما في ثبوته بغير بينة، مع تميز المردود دعواه و شهادته في الفضل، و تبريزه عليهم في العدالة و الزهد و اختصاصهم من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) بمنزلة لم يشاركهم فيها أحد، و ذلك يوضح عن قصده أهل هذا البيت بالظلم، و إرادة الوضع منهم، و التصغير من قدرهم. بأدنى تأمل.

و منها: حين طالبت بفدك من جهة الإرث - إذ دفعها عنها بالنحلة - كذبه على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة،

ليتم له منع فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)لفدك من جهة الإرث كالنحلة و الدلالة على كذبه من وجوه:

منها: تصريح القرآن بخلافه

في قوله تعالى: وَ وَرَثَ سُلَيْمانُ داوُدَ و قوله تعالى: يَرتُني وَ يَرثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، و إطلاق الإرث مختص بانتقال الأعيان إلى الوارث فيما يصح نقله، و رفع الحظر، وصحة تصرفه فيما لا يصح نقله من الحرث و الرباع، فيجب حمله عليه دون ما يدعى من علم و غيره، و لأن العلم و النبوة لا يورثان لوقوف النبوة على ما يعلم الله سبحانه من صلاح الخلق، و يفعله من تصديق النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لبيان ذلك، و العلم على اكتساب العالم له، و لأنّ الظاهر من سليمان يتناول جميع الأشياء، من قوله: وَ أُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عقيب قوله: وَ وَرِتْ سُلَيْمانُ داوُدَ، فلا وجه لتخصيصه بشيء من شيء، و اشتراط ذكره له (عليه السلام) كون الوارث مرضيا يمنع من تخصيص الميراث في الآية بالنبوة، لأنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لا يكون إلا مرضيّا، وخوفه من بني العم أيضا يمنع من النبوة والعلم، لأن النبوة موقوفة على المصالح، و الغرض في العلم بذله فلا وجه لخوفه إلا تعلقه بالمال.

و منها: قوله تعالى: للرِّجال نَصيبٌ ممَّا تَرَكَ الوالدان وَ الْأَقْرَبُونَ وَ للنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوالدان و الْأَقْرَبُونَ ممَّا قَلَّ مِنْهُ أوْ كَثرَ نَصيباً مَفْرُوضاً، و هذا عام.

و قوله تعالى: وَ لَكُلِّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان وَالْأَقْرَبُونَ و هذا عام أيضا.

و قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين، و هذا عام في جميع الأولاد.

و قوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ*، و هذا عام أيضا في جميع ذوي الأرحام.

و لأن المعلوم من دينه (عليه السلام) ثبوت حكم التوريث بين ذوي الأنساب و الأسباب، و إذا كان حكم التوريث معلوما من دينه ضرورة وقد نطق به القرآن وجب القطع على كذب المدعي لخلافه، لا سيما و لا نعلم مشاركا له في روايته.

و دعوى إمساك الصحابة عنه لا يغني شيئا، لاحتماله للرضى و غيره على ما بيناه، و لحصول الإمساك منهم أيضا عن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) و ترك النكير عليها في دعوى النحلة و الميراث.

و لا يجوز أن يقول جاهلهم في هذا قد أنكر عليها أبو بكر، لأنه يقال له: و قد أنكرت هي أيضا على أبي بكر، و هل من فضل!

و منها: أنّ هذا الخبر لو كان صدقا لم يختص سماعه بأبي بكر،

بل الوجوب في حكمة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إ(عَلَيهِ السَّلَامُ) أهل بيته به لاختصاص فرض تبليغه إليهم بهم، لكونه من فروضهم دون أبي بكر.

و لو أعلمهم لم يطالبوا إلا عن علم منهم بتحريم المطالبة، و ذلك مأمون منهم بغير خلاف، و لأنه (عليه السلام) نص على أنّ عليا (عليه السلام) أعلم القوم و أقضاهم، و باب مدينة علمه، و من لا يفارق الحق و لا يفارقه، و ذلك يمنع من جهله بحكم شرعي يعلمه أبو بكر.

و ألا يبلغه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) إليهم و لا إلى من تقوم الحجة بنقله إخلال منه (عليه السلام) بواجب الأداء، و ذلك مأمون منه باتفاق، فلم يبق إلا كذب المخبر به.

و بعد، فلو سلّم الحديث لم يمنع من مقصودنا من وجهين:

أحدهما: أن إعرابه غير مضبوط، فيصح أن تكون الرواية بنصب صدقة، فتكون فائدته: أنّ المتروك للصدقة لا يورث، بخلاف كل موص بصدقة لا يمضي منها ما زاد على الثلث. الثاني: أنه لو ثبت ما أرادوا من نفي التوريث لكان مختصا بما يصح ذلك فيه من أملاكه، و فدك خارجة عن هذا، لكونها من جملة الأنفال التي لا تملك على حاله و لا يصح تصرف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و لا من يقوم مقامه من الحجة من الأئمة المستحقين للأنفال في شيء من منافعها بعد الوفاة، لاختصاص ذلك بالقيام في حفظ الملة مقام الماضي.

و ليس لأحد أن يقول: فأبو بكر بهذه الصفة.

لأنا نعلم ضرورة أنه لم يدعها لنفسه، و ذلك يقتضي جهله بهذا الحكم، أو علمه بأنه ليس من أهله، و أي الأمرين كان قدح في عدالته.

إن قيل: فعلى أي وجه صح من فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)أن تدعي استحقاقها بالنحلة تارة و بالميراث أخرى.

قيل: للوجه الذي له حلّ لها التصرف فيها في حياة النبي صلّى الله عليه و آله، [و] هو إذنه لها بذلك، و بعد وفاته، إذن أمير المؤمنين (عليه السلام) المستحق لها بنيابته في الحجة عن

رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و لم تتمكن عليها السلام أن تطلبها من هذا الوجه المقتضي لتضليل ولي الأمر دون أمير المؤمنين (عليه السلام) كما لم يتمكّن أمير المؤمنين (عليه السلام) من التصريح بذلك، فعدلت إلى دعوى النحلة من رسول الله صلى الله عليه و آله، و هي صادقة، لكونها منحولة منه عليه السلام.

و لما دفعت عنها بفعل من قد اعتقد كونها ملكا للنبي (عليه السلام) يصح ميراثه

قَالَتْ: فَاذَا لَمْ تُعْطنيها بالنَّحْلَة وَكَانَتْ عِنْدَكَ ملكاً لأبي فَأَنَا أُولَى الْخَلْق بميراثه.

فعدل إلى الخبر الذي لا حجة فيه على وجه و هي عليها السلام في ذلك واضحة للاحتجاج عليه، موضعه و إن كان الوجه في استحقاقها ما بيناه.

على أن الرجل قد ناقض ما ادعاه على النبي صلى الله عليه آله و حكم به على فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)بإقراره الأزواج في بيوت النبي (عليه السلام)، و القميص في يد عائشة الذي أخرجته للتأليب على عثمان و السلاح والفرس والنعلين و القضيب و البردة و العمامة و الحمار و الناقة العضباء و الراية في يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

و ذلك لا يعدو أحد أمرين: إما كونه كاذبا في الخبر، أو مانعا لأهل الصدقة ما يستحقونه من هذه الأشياء المقرة في يد من لا يستحق الصدقة و إن استحقها فهو كبعض الفقراء.

و ممّا يدلّ على كونه ظالما بمنع فدك من استمرار تظلّم فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) منه، و قَوْلِهَا: فَدُونَكَهَا مَرْمُومَةٌ مَرْجُولَةٌ تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الْحَاكَمُ اللَّهُ، وَ الزَّعِيمُ محمّد، وَ عِنْدَهَا هُنَاكَ يَحْسَرُ المُبْطِلُونَ، أ فِي آيَةٍ يَا ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَ لَا أَرِثَ أَبِي، لَقَدْ جئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا.

إلى غير ذلك من كلامها و هجرانها إلى أن ماتت و إيلافها على ترك كلامه، و إيصائها بدفنها ليلا، لئلا يصلّي عليها.

و تظلّم أمير المؤمنين (عليه السلام) في أحوال التمكن من منعهم فدک، و

قَوْلِهِ الْمَشْهُورِ: وَ كَانَتْ لَنَا فَدَكَ مِنْ جَمِيعِ مَا أَظَلَّهُ الْفَلَك، فَشَحَتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَ سَخَتْ نُفُوسُ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَاكِمُ اللَّهُ.

و تظلّم الأئمة من ذريتهما عليهما السلام و الأبرار من ذريتهم إلى يومنا هذا.

و منها: قتال بني حنيفة وقتلهم وسبي ذراريهم و قسمة فيئهم،

مع ظهور إسلامهم و إقرارهم به، و عقد الجمع و الجماعات في مساجدهم، و المجاهرة بشعار الاسلام، و ذلك ضلال لا ريب فيه على منصف، و لا عذر بدعوى منع الزكاة، لأنّ الظاهر إسلامهم، و منع الزكاة غير معلوم، و لو كان معلوما لم يقتض ردّة إلا بعد العلم بكونه صادرا عن استحلال لحصول الإجماع على أنّ مانع الزكاة وتارك الصلاة محرما ليس بمرتد، و لا سبيل إلى ذلك.

و لو كان إليه سبيل لكان مختصا بالأغنياء من العقلاء البالغين دون الفقراء و النساء و الولدان و ذوي النقص عن الكمال.

و في عموم الانتقام والشهادة بالردّة على [ال] جميع دلالة على ظلم المنتقم و الراضي به و جهلهما بالأحكام و إباحته الدماء و الأموال و وطىء الحرائر بغير عقد و استرقاق المولودين على الفطرة و الحرية لغير وجه و إسقاط الاقتصاص من جاني ذلك و درء الحد عن خالد فيما أتاه من الفجور بزوجة مالك بن نويرة و الاقتصاص منه بمن قتله بغير حق يقتضي كفره إن كان مستحلا، و فسقه إن كان محرما.

و منها: نصه على عمر من غير مشاورة الصحابة،

و مراغمته كثيرا منهم من ذلك و ايجابه الانقياد له و إن كرهوا، و ذلك خطأ ظاهر، لأنّ قوله ليس بحجة يجب اتباعها باتفاق.

و من ذلك: تعمّد الكلام في الصلاة،

مع حصول الإجماع بتحريمه مع ما يدلّ عليه من قبيح الفعل الفارط المستدرك بالكلام في الصلاة.

و أمّا الأحداث الواقعة من عمر بن الخطاب في ولايته.

فعلی ضروب:

منها: تفضيله عائشة و حفصة في العطاء

من غير سبب يوجب ذلك لهما من سد ثغر أو حماية بيضة أو عناء في الاسلام، و فيه منع لمستحق و إعطاء في غير حق.

و منها: حرمان آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما جعله الله لهم من الخمس المأخوذ في حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و ولاية أبي بكر، مع تحريم الصدقة عليهم، و ذلك غاية في القصد إلى الإضرار بهم و المبالغة في ظلمهم.

و منها: اقتراضه من بيت المال وفيه استباحة التصرف في غير الملك بغير إذن،

لتعذر الإذن في بيت المال لفقد العين في مستحقه، و تجويز حصول الحاجة بالأمة إليه في حال لا يستطيع أداءه لفقره، أو حصول الموت دونه حسب ما روي من وفاته و عليه من بيت المال عشرة الالف درهم.

و منها: إسقاط الحدّ والاقتصاص عن خالد بن الوليد بما أتاه إلى بني حنيفة،

بعد تقدم الإنكار منه في ولاية أبي بكر، و شهادته على خالد بالفسق، و إيلائه على الانتصار منه متى يمكن، و ذلك منه إخلال بواجب يقتضي فسق المخلّ.

و منها: إسقاط الحدّ و التعزير [عن المغيرة] بن شعبة،

و جلد ثلاثة من المسلمين حدّ المفتري بتلقينه زيادا الرجوع عن الشهادة، بقوله: ما كان الله ليفضح رجلا من أمة محمّد على يديك، فعلم زياد غرضه مع قلة دينه، فقال: رأيته بين الشعب الأربع ورأيت نفسا عاليا و لم أر الميل في المكحلة، فأسقط حد المغيرة الذي لو لا هذا التلقين لكان ثابتا من حيث علمنا و كل ناظر: أنّ الشهود لم يحضروا من البصرة إلى المدينة ليقيموا الشهادة إلا عن يقين بما يشهدون به، و لذلك سبقوا زيادا بالشهادة، علما منهم بمشاركته.

و أما إسقاطه التعزير عنه فقد ثبت بشهادة الأربعة مخالطة المغيرة للمرأة، و هذا فعل يوجب التعزير، بشاهدين، فضلا عن أربعة و لم يفعله، و لأنه أسقط التعزير عن زياد لكونه معرضا وحده لمخالطه.

و لا عذر بأن يقال للإمام أن يلقن ما يدرأ به الحد عن المسلم سترا عليه، لأن المغيرة ليس بذلك أولى من ثلاثة نفر من أفاضل المسلمين، فلو كان الغرض الستر على المسلم لكان الشهود بذلك أولى لكونهم ثلاثة و المغيرة واحدا، و لهذا

كَانَ عُمَرُ يَقُولُ مَا لَقِيتُ الْمُغِيرَةَ قَطُّ إِلَّا خِفْتُ أنْ أرْجَمَ بِحِجَارَة مِنَ السَّمَاءِ.

،لعلمه بأنه أسقط عنه حدا واجبا، و جلد ثلاثة بغير حق.

و منها: تحريمه ما يعترف بتحليله حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من نكاح المتعة،

بقَوْله عَلَى المنبر: مُتْعَتَان كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله ضَلَالًا، وَ أَنَا مُحَرَّمُهُمَا، وَ أنَا أَنْهَى عَنْهُمَا، وَ أَعَاقِبُ عَلَيْهِمَا: مُتعَةُ النِّسَاءِ وَ مُتْعَةُ الْحَقِّ، فَأَمَّا مُتْعَةُ الْحَجِّ فَإِنِّي أكْرَهُ أنْ تَرُوحَ النَّاسُ إِلَى مِنِّى شُعْتَاً غُبراً وَ يَرُوحُ الْمُتَمَتَّعُونَ مُدَّهنينَ مُتَطَيِّبِينَ، وَ أَمَّا مُتْعَةٌ النِّسَاءِ فَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ يَرَى فِي أَهْلِهِ مَالًا وَ وَلَداً لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ كَهَذَا، وَ رَفَعَ صَبِيّاً عَلَى يَدِهِ.

و هذا القول منه يدل على ثبوت تحليل المتعة - إلى أن حرمها هو - من وجوه:

منها: أن التحريم لو كان ثابتا عن نبي الهدى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاستغنى ثبوته عن تحريمه الذي لا يفيد شيئا، كاستغناء سائر المحرمات.

و منها: أنه صرح فيه بقوله: كانتا حلالا أنا أحرمهما،

فنسب التحليل إلى رسول الله صلى الله عليه و آله، و أضاف التحريم إلى نفسه، و ليس إليه منه شيء.

و منها: أنه أطلق القول بتحريم المتعتين، وقد أجمع المسلمون و نطق القرآن بمتعة الحج، و كونها عبادة في حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و إلى الآن، فدل ذلك على مساواة متعة النساء لها في هذا الحكم، و تخصص تحريمها بقوله في تلك الحال، لخروج القول منه بتحريمهما مخرجا واحدا.

و منها: أنه علل تحريم كلّ منهما بشيء رآه عنده صلاحا،

و لا يجوز تحريم الحلال الشرعي و لا إسقاط العبادة بالرأي على مذهب أحد من الأمة. و منها: أنّها لو كانت حراما في زمنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاستغنى بثبوت المفسدة في المحرمات الشرعية من تعليل ظاهر الفساد،

و سكوت الحاضرين ليس بشيء يعتد به لاحتماله و لأنه لم يدلّ على تحريم متعة الحج، فكذلك متعة النساء.

و ممّا يدّل على إباحة هذا الضرب من النكاح إلى أن حرمه إجماع الأمة على تحليله في زمن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و عدم دليل على تحريمه،

و تعذر إثبات أحد يعرف له مذهب في تحريمه مدة زمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و خلافة أبي بكر وصدر من ولايته، وذلك يقتضي تخصّص التحريم به و تحريم المعلوم تحليله فسق.

و منها تحريمه المغالاة في المهور مع تقرير الشرع بإباحتها،

و رجوعه عن ذلك بقول امرأة، و

قَوْله: كُلُّ أحَد أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حَتَّى النِّسَاءُ.

و منها: ابتداعه صلاة موظفة ذات صفة مخصوصة في شهر رمضان،

و عقده الجماعة بها، مع وقوف العبادات الشرعية فرضا و نفلا على المصالح المفتقر بيانها إلى نصه تعالى، و هو مفقود فيها، فثبت أنّها بدعة.

و لأنه (عليه السلام) لم يجمع بهم منذ بعث و إلى أن قبض في صلاة نافلة، و لو كان الجمع شائعا و فيه مصلحة لفعله أو نص عليه.

و لأنهم قَدْ رَوَوْا عَنْهُ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَافِلَةٌ جَمَاعَةٌ بِدْعَةٌ، وَ صَلَاةَ الضُّحَى بِدْعَةُ، أَلا فَلَا تَجَمَّعُوا لَيْلًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي النَّافِلَةِ، وَ لَا تُصَلُّوا الضُّحَى، فَانَّ قَلِيلًا مِنْ سُنَّةِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ، أَلا وَ إِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ سَبِيلَهَا فِي النَّارِ.

و قد أجمعوا أنَّهُ قَالَ: لَا عَمَلَ إلَّا بنيَّة، وَ لَا نَيَّةَ إِلَّا بِعَمَل وَ لَا عَمَلَ وَ لَا نيَّةَ إِلَّا بِإِصَابَةِ السُّنَّة.

و قَالَ (عليه السلام): مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي عِنْدَ اخْتِلَافِ أُمَّتِي.

و اتفقوا أنَّ عُمَرَ قَالَ: - وَقَدْ رَأَى النَّاسَ مُجْتَمَعينَ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ وَالْمَصَابِيحُ تَزْهَرُ إِنَّهَا لَبِدْعَةٌ، وَنِعْمَتِ البدعة.

قَدْ نَقَلَ أصْحَابُ السِّيرِ وَ غَيْرُهُمْ: أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ سَأَلُوا عَلَيْهَا عَلِيّاً (عليه السلام) أَنْ يَنْصِبَ لَهُمْ إِمَاماً لِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا وَ عَرَّفَهُمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَ خِلَافُ السُّنَّةِ، فَنَصَبُوا لَهُمْ إِمَاماً بِغَيْرِ أَمْرِه وَ اجْتَمَعُوا لَهَا، فَأَنْفَدَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) السَّلَامُ وَ مَعَهُ الدَّرَّةَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَ قَدْ دَخَلَ المَسْجِدَ وَ مَعَهُ الدَّرَةُ تَبَادَرُوا الْبَابَ وَصَاحُوا: وا عُمَرَاه.

و إذا ثبت نهي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) عن هذه الصلاة، و وصفها بالبدعة، و وصفها.. وصيه (عليه السلام) بذلك، مع اتفاق الأمة على وصف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) كل بدعة بالضلال ثبت منعها و ضلال الآمر بها.

و لا يمكنهم الامتناع من موجب هذه الروايات، لأن فيها معلوما يجب العمل به باتفاق، و مظنونا يجب عليهم العمل به كسائر أخبار الآحاد.

و لا ينجي من ذلك قولهم: إنّها عبادات ذات أفعال و أذكار و أحكام تقرر الشرع بحسنها.

لأن الصلاة الشرعية ليست ذات القراءة و الركوع و السجود و التسبيح فقط، و إنما تكون كذلك إذا وقعت على الوجه المشروع، بدليل قبح صلاة الظهر قبل الزوال، أو إلى غير القبلة، أو مع إخلال بعض الشروط و الأحكام، أو مع تكاملها لغير الوجه المشروع، و قبح النافلة في وقت الفريضة المضيق.

و إذا لم تكن التراويح مشروعة، خرجت من قبل العبادات إلى حيّز البدع و إن كانت ذات أفعال مخصوصة مثلها تكون عبادة إذا وقعت على الوجه المأمور به.

و منها: وضعه على الخراج أرضيهم، مع ثبوت النص من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و العمل بخلاف ذلك، و هذا نسخ ل.ما شرعه و نسخ شرعه المؤبد ضلال.

و منها: نقله مقام إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

من الموضع الذي نقله النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إليه، و ردّه إلى حيث كان في الجاهلية، و هذا كالّذي قبله.

و منها: أخذه الأموال من عمال البلاد بالتهمة

التي لا إقرار بها و لا بيّنة و لا علم و لا إقرارهم على الأعمال فيما بعد.

و منها: إقدامه على ضرب كثير..

كثرة من المسلمين و أهل الذمة بالدرّة، و من غير ذنب، كأبي هريرة و غيره، و ذلك ظلم، لكونه ضررا خالصا.

و منها: تقليده معاوية رقاب المسلمين و أموالهم،

مع ظهور حاله و تهمته على الدين و أهله، و إقراره على الولاية مع استبداده بالأموال و اتخاذ أعداء الاسلام بطانة، و السيرة بخلاف السنة.

و منها شويرة الشورى،

و ردّ أمر الإمامة إلى ستة نفر علي و طلحة والزبير، و عثمان و عبد الرحمن بن عوف، و سعد، و قولهُ فِيهِمْ: هَؤلاء أفْضَلُ أُمَّةٍ محمّد، وَ سَمِعْتُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَ قبضَ وَ هُوَ عَنْهُمْ رَاضِ، وَكُلٌّ يَصْلُحُ لِهَذَا الأَمْرِ، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ، فَلْيَخْتَارُوا رَجُلًا منهم، فَإِذَا رَضُوا بِهِ فَهُوَ الْإِمَامُ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ بَايَعَ رَجُلَانِ لِرَجُلٍ وَ رَجُلَانِ لرَجُلٍ، وَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: فَإِنْ رَضِيَ رَجُلَانِ بِرَجُل وَ رَجُلَانِ بِرَجُلٍ، فَالْحَقِّ فِي الْفِرْقَةِ الَّتِي فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَ اقْتُلُوا الثَّلَاثَةَ الْأَخَرَ، وَ إن اتَّفَقَ الْخَمْسَةُ وَ خَالَفَ واحدٌ فَاقْتُلُوهُ، وَ إن اتَّفَقَ أَربَعَةٌ وَ خَالَفَ اثْنَانِ فَاقْتُلُوهُمَا، [فَإِنْ] مَضَتْ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَ فَلَمْ يُبْرمُوا أَمْرَهُمْ فَاضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَ مِنْ طَرِيق آخَرَ: فَاهْدِمُوا عَلَيْهِمُ البَيْتَ، وَ وَكَّلَ بِهِمْ صُهَيْباً الرُّومِيَّ وَ مَعَهُ الرِّجَالُ بِالسَّلَاحِ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ.

فَقِيلَ لَهُ: مَا يَمْنَعُكَ مِنْ عَلِيٍّ وَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: مَا يَمْنَعُكَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَقَالَ:

أَكَرَهُ أنْ أتَحَمَلَهَا حَيّاً وَ مَيَّتاً، فَقَالَ لَهُ الْمُغَيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: فَمَا يَمْنَعُكَ مَنْ أَبْنكَ عَبْد اللَّه فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ وَ اللَّه مَا أَرَدْتُ اللهَ بذلكَ، كَيْفَ أَسْتَخْلِفُ رَجُلًا لَمْ يُحْسن أنْ يُطَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقِيلَ لَهُ: فَأَلَا أَدْخَلْتَ فِيهِمُ الْعَبَّاسَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ طَلِيقٌ، وَ هَذَا أَمْرُ لَا يَصْلُحُ لِطَلِيقِ.

وَ منْ طَريق آخَرَ: أَنَّهُ قيلَ لَهُ: مَا يَمْنَعُكَ منْ وَاحد منْهُمْ، فَقَالَ مَنْ قِيلَ: عَلي فِي قَرَابَتِهِ [وَ سَابقَتِهِ] وَ صِهْرِهِ وَ بَلَائِهِ، فَقَالَ فِيهِ بَطَالَةً وَ فُكَاهَةٌ، وَ مِنْ طَرِيقِ آخَرَ فِيهِ دُعَابَةٌ، وَ مِنْ آخَرَ:

أَنَّهُمْ إِنْ وَلَوْهَا الْأَصْلَعَ سَلَكَ بِهِمُ الطَّرِيقَ، وَ مِنْ آخَرَ:

و [أ] مَّا أَنْتَ يَا عَلِيُّ فَوَ اللَّهِ لَوْ وُزْنَ إِيمَانُكَ بِإِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَيَرْجِحُهُمْ، فَقَامَ عَلي مُولياً، فَقَالَ عُمَرُ: وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ لَكُمْ مَكَانَ رَجُلٍ لَوْ وَلَيْتُمُوهَا إِيَّاهُ لَحَمَلَكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ،

قَالُوا: مَنْ هُوَ قَالَ هَذَا الْمُوَلِي مِنْ بَيْنَكُمْ قَالُوا: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَيْسَ إِلَى ذَلكَ سَبيلٌ.

قيلَ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ طَلْحَةَ قَالَ فَابْنُ الزَّهْو وَ النَّحْوَةَ، وَ منْ طَريق آخَرَ: طَلْحَةُ رَجُلٌ مُتَكَبِّر، أنفُ فِي الْأَرْضِ وَأَنفُ فِي السَّمَاءِ، وَ هَذَا أَمْرُ لَا يَصْلُحُ لِمُتَكَبِّرِ، وَ مِنْ آخَرَ:

وَأمَّا أمَّا أَنْتَ يَا طَلْحَةُ أفَلَسْتَ الْقَائِلَ إِنْ قُبضَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَنَنْكَحَنَّ أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِه فَمَا جَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) محمّداً بأحَقِّ ببنات عَمِّنَا مِنَّا، فَأَنْزَلَ اللهُ فيكَ وَ ما كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَ لا أَنْ تَنْكَحُوا أَزْواجَهُ منْ بَعْده أبداً الْآيَةَ قِيلَ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَن الزُّبَيْرِ فَقَالَ: وَعْقَةٌ لَقِسَ مُؤْمِنُ الرِّضَى كَافِرُ الْغَضَبِ شَحِيحٍ، وَ مِنْ طَرِيقِ آخَرَ وَ أَمَّا أَنْتَ يَا زُبَيْرُ فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ قَلْبُكَ يَوْماً وَ لَا لَيْلَةً، وَ مَا زِلْتَ جَلْفاً جافياً. قِيلَ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ هُوَ رَجُلٌ عَلَى ضَعْفِ، وَ هَذَا أَمْرُ لَا يَصْلُحُ لِلضَعِيف،

مِن طريق آخَرَ: وَ أَمَّا أَنْتَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَن فَإِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ قَوْمَكَ.

قِيلَ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: لَوْ وَلِيَهَا لَحَمَلَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَ لَوْ فَعَلَهَا لَقَتَلُوهُ، وَ مِنْ طَرِيقِ آخَرَ وَ أَمَّا أَنْتَ يَا عُثْمَانُ فَوَ اللَّهِ لَرَوتَةٌ خَيْرٌ مِنْكَ.

قيلَ: فَمَا يَمْنَعُكَ من سَعْد قَالَ صَاحِبُ مَقْنَب و قتال لَا يَقُومُ بقَرْيَة لَوْ وَلَيَ أَمْرَهَا، وَ مِنْ طَرِيق أَخَرَ: إِنَّهُ صَاحِبٌ صَيْد وَ قَنَص، وَ هَذَا أَمَرُ لَا يَصْلَحُ لصاحب صَيْد.

وَهَذَا قَالَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ لَهُ إِلَّا الْقَوِيُّ فِي غَيْرِ عَنْفَ، رَقِيقٌ فِي غَيْرِ ضَعْف، جَوَادٌ فِي غَيْرِ سَرَفِ، وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ سَالِمُ مَولى أبي حُذَيْفَةَ حَيَا مَا تُخَالِجُني فيه الشكوك، أو:

لَمْ يُخالجني فِيهِ شَكٍّ وَ فِي بَعْضِ الرِّوَآيَاتِ: لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَيَا لَوَلَّيْتُهُ.

وَ رَدَّ أمْرَ الصَّلاة إِلَى صُهَيْب وَ قُبض فَاجْتَمَعُوا للاختيار، وَ لَمْ يَكُنْ سَعْدٌ حَاضِراً في رواية، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَنَا عَديلُ الْغَائب، فَأَيُّكُمْ يَهَبُ سَهْمَهُ فَيَخْتَارُ فَأَمْسِكُوا، فَقَالَ أَنَا أَهَبٌ سَهْمي فِي الْإِمَامَةِ عَلَى أَنْ أَخْتَارَ مَنْ شِئْتُ، فَأَمْسَكُوا فَقَالَ لا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَ عَضَدَ الحَاضِرُونَ قَوْلَهُ، فَأَجَابَ الْقَوْمُ إِلَى رَدَّ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَ أَمْسَكَ أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ: - وَ النَّاسُ مَعَهُ - مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَسَن إِمَّا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّكَ منَ الْإِمَامَة وَ تَخْتَارَ مَنْ شَئْتَ، أَوْ تَرْضَى بِمَا رَضِيَ بِهِ أَصْحَابُكَ، فَلَمْ يَجِدْ بُداً مِنَ الرِّضَى فَاسْتَظْهَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِأَخدِ

الميثاق لَتَحْكُمَنَّ بالكتاب و السُّنَّةَ، فَبَداً به، فَقَالَ امْدُدْ يَدَكَ أبايِعْكَ عَلَى أَنْ تَسير فينا بسيرة أبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ (عليه السلام) أَبايِعُكَ وَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَخُذْهَا عَلَى أَنْ أَسير فيكُمْ بكتاب الله وَ سُنَّة نَبِيِّهِ، فَرَدَّ يَدَهُ وَ أَتَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْله لَعَلِيَّ (عليه السلام)، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، فَبَايَعَهُ، وَ أَخَذَ الْحَاضِرِينَ بِالْبَيْعَةِ لَهُ فَبَايَعُوهُ، وَ امْتَنَعَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَايِعُ وَ إِلَّا ضَرَبْتُ عَنْقَكَ، فِي تَارِيخِ الْبَلادَرِي وَغَيْرِهِ.

وَ مِنْ طَرِيق آخَرَ: أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) خَرَجَ مُغْضَباً، فَلَحِقَهُ أَصْحَابُ السُّورَى، فَقَالُوا لَهُ: بَايِعْ وَ إِلَّا جَاهَدْنَاكَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ خُنُونَةٌ حُنْتَ دَهْراً، وَ مِنْ طَرْقٍ أَخَرَ عَنِ الطَّبَرِيِّ وَ ه: نَصَعَت الخُنُونَةُ يَا ابْنَ عَوْفِ لَيْسَ هَذَا أَوَّلَ يَوْمٍ تَظَاهَرْتُمْ عَلَيْنَا فِيهِ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصفُونَ، وَ الله مَا وَكَيْتُ عُثْمَانَ إِلَّا لَيَرُدَّ الْأمْرَ إِلَيْكَ، وَاللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِيشان، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ وَ شَاوَرْتُ النَّاسِ، فَإِذَا هُمْ لَا يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ.

وَ رَوَى الطَّبَرِيُّ: أَنَّ النَّاسَ لَمَّا بَايَعُوا عُثْمَانَ تَلَكَاً عَليٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَمَنْ يَنكُتْ فَإِنَّما يَنْكُتُ عَلَى نَفْسه، فَرَجَعَ عَليٍّ (عليه السلام) فَبَايَعَ.

وَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الطَّبَرِي: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَن قَالَ لَعَليَّ (عليه السلام): قَدْ قُلْتُ ذَلكَ لعُمَرَ، فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): أ وَ لَمْ يَكُنْ ذَلكَ كَمَا قُلْتَ.

فَلَمَّا يَئِسَ عَليَّ مِنْ رُجُوعهمْ إِلَى الْحَقِّ خَطَبَهُمْ، فَذَكَرَ مَنَاقِبَهُ وَ ذَرَائِعَهُ إِلَى الْإِمَامَة وَ النَّص عَلَيْهَا فِي مَقَامِ بَعْدَ آخَرَ، یُقَرِّرُهُمْ عَلَى كُلِّ فَضيلَة وَ نَصَّ و يُنَاشِدُهُم اللَّهَ تَعَالَى، فَيُقَرُّونَ.

هذه صورة الشورى قد ذكرناها جمل ما يحتاج إليه.

و الطعن على عاقدها من وجوه:

منها: أنه مخالف بذلك لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على مذهبي القائلين بالنص و الاختيار

و لمن نص عليه و لجميع الأمة، و ذلك ضلال بغير شبهة. فأما مخالفته لرسول الله صلى الله عليه و آله، فلأنّ الشيعة تقول إنّه (عليه السلام) نص على رجل بعينه حسب ما دللنا عليه، و من خالفها يدعي أنه (عليه السلام) لم ينص على أحد، و ترك أمر الإمامة إلى الأمة بأسرها لتختار من شاءت و الشورى بخلاف الأمرين بغير شبهة.

أما مخالفته لأبي بكر، فلأنه نص عليه بالخلافة شاءت الأمة أم أبت، و ليست الشورى كذلك.

و أما مخالفته لسائر فرق الأمة، فلا شبهة في مخالفته بالشورى للقائلين بالنص و الدعوة و الميراث و الاختيار عند القائلين به عقده مردود إلى العلماء، جميع ء، و تسليم العامة في قصير الزمان أو طويله، و لا أحد منهم يجيز عقدها ببعض العلماء، و لا تخص بولايته واحدا من واحد، و لا إماما من مأموم و لا يعين مقدار زمانه و الشورى بخلاف ذلك. هذا كله لأنها مقصورة على اقتراح عمر دون سائر الأمة، مع كونه واحدا منها، و لم يج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) له ذلك دونها على رأي أحد و مقصورة على نفر من الأمة تخيّرهم برأيه معدودين لا تجوز الزيادة عنده، فيهم و لا أمارة على ثبوت الإمامة باختيارهم فضلا عن دليل، و منحجز عليهم في الاجتهاد و ترجيح فرقة ابن عوف على الأخرى و تضيّق زمان الاختيار، مع إجماع الأمة على أنه لا يحجز في رأي مجتهد و لا تعيين لمدة زمانه و لا دليل على قبول رأي مجتهد دون مجتهد.

و منها: شهادته للقوم بالجنّة و الرضوان من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و صلاح كل منهم للإمامة دون سائر الصحابة، ثم نقض ما أبرم و أكذب ما أخبر من وجوه:

أولها وصفه كلا منهم بصفة تمنع من صلاحه للإمامة،

هذا بالدعابة، و هذا بالبخل، و هذا بالكبر، و هذا بالصيد و اللعب، و هذا بمحبة أعداء الدين، و هذا بالضعف، و هذا تفصيل يقتضي نقض تلك الجملة بغير شبهة، مع وضوح برهان أحد الخبرين و كونه معذورا إن كان صادقا في التفصيل بتعريض من لا يصلح

الكذب في للإمامة للاختيار لها، إذ لا فرق بين أن يقلّدها من لا يصلح لها و بين أن يعرضه لها.

منها: أنه شهد لعبد الرحمن بالضعف،

و جعله عيارا على القوم، و من كان ضعيفا في دينه أو رأيه - إذ ضعف الحال معلوم خلافه لا يجوز أن يجعل عيارا على الأمة.

وثالثها: أنه لم يصف أحدا من القوم - برواية أحد-

إذ وصف به علیا علیه السلام:

من قوة الإيمان و البصيرة بالأمر، وسلوكه بمن تبعه المحجة البيضاء، فكان ينبغي أن لا يعدل به عن الأمر، لشكه بل قطعه في كلّ منهم بخلاف ذلك، أو بجعله على أقل الأحوال عيارا عليهم و لا يجعل من شهد له بالضعف فى الرأي و الدين بمطلق القول عيارا عليه، و يعرض بقتله من أول قوله إلى آخره، لأنه المظنون خلافه من دون الجماعة، ليقدم النص عليه، و من لم يزل يسمع منه من التظلم التقدّم عليه و الترشح للأمر دونه ما لم يسمع من غيره، بقوله: و إن خالف واحد فاقتلوه، بعينه، ثم ظنّ مشاركة الزبير له لكونه ابن عمته و لما كان من التحيّز إليه يوم السقيفة و الغضب له و تجريد السيف و استمراره على ولايته،

فَقَالَ: وَ إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ وَ أَربَعَةً فَاقْتُلُوا الاثْنَيْنِ، ثُمَّ ظَنَّ مُشَارَكَةَ طَلْحَةَ لِلزُّبَيْرِ فِي الرَّأْي [لما] بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَحْوَّةِ، فَقَالَ: فَإِنْ بَايَعَ رَجُلَانِ لِرَجُلٍ وَ رَجُلَانِ لِرَجُلٍ فَكُونُوا مَعَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَن وَ اقْتُلُوا الثَّلَاثَةَ الْأَخَرَ، ظَنّاً مِنْهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَن لَا يُفَارِقُ عُثْمَانَ، للصهر الَّذِي بينهما - عبد الرَّحْمَنِ زَوج أم كلثوم بنت عقبَةَ بن أبي معيط، و أمها أم أرْوَى أُمُّ عُثْمَانَ، فَهِيَ أَخْتَهُ لِأُمِّهِ - وَ سَعْدُ ابْنُ عَم عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ حِزْبَ، وَ هَوْلاءِ حِزْبٍ، فَبَيَّنَ الْأَمْرَ من أوله إلى آخره عَلَى قَتْلِ عَلَيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَ لَمْ يَحْفِ ذَلكَ عَلَيْهِ (عليه السلام) لِأَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ عَادُوكُمْ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ لعَدَاوَتِهِمْ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ عُمَرَ: إِنْ يُبَايِعُ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ وَ اثْنَانِ لِوَاحِدِ فَالْحَقِّ حَقٌّ عَبْد الرَّحْمَن وَ اقْتُلُوا الثَّلَاثَةَ الْأَخَرَ أمَا وَ الله مَا أَرَادَ غَيْرِي لأَنَّهُ عَلَمَ أَنَّ الزِّبَيْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حيزي، وَ طَلْحَةُ لَا يُفَارِقُ الزُّبَيْرَ، فَلَمْ يُبال إذَا قَتَلَني و الزبير أنْ يَقْتُلَ طَلْحَةَ، أَمَا وَ اللَّه لَئنْ عَاشَ عُمُرَهُ لَأَعْرِفَنَّهُ سُوءَ رأيه فينا قديماً وحديثاً، وَ لَئِنْ مَاتَ لَيَجْمَعُني وَ إِيَّاهُ يَوْمَ يَكُونُ فَصلَ الخِطَابِ.

و رابعها: أنه عرض للأمر من يظن به الفساد في الدين من تقديمه أعداءه من آل أبي معيط على رقاب المسلمين.

و خامسها أمره بقتل الستة تارة، و بقتل اثنين أخرى، و بقتل ثلاثة أخرى،

و بقتل الجميع إن لم يبرموا أمرهم إلى ثلاث من غير حدث، و هذا عظيم، لكونه نصا على قتل أهل الجنّة و الأفاضل [من] الصحابة من غير حدث، إذ لا يجوز على رأي أحد قتل

المخالف فيما طريقه الاجتهاد، ولا يسوغ في الشريعة استحلال دم من لم يصح اجتهاده في ثلاث، و لا يقوم برهان على كون الحق في اجتهاد عبد الرحمن دون علي (عليه السلام) الْمَقُولُ فيه: عَليَّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقِّ مَعَ عَلي يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ مَا دَارَ.

و لا يجوز عند أحد من المجتهدين رجوع العالم إلى مثله و لا ترك اجتهاده له، و لا يمكن أحدا إقامة برهان على أنّ إصابة عبد الرحمن الحق باجتهاده دون من خالفه فساد مع ذلك يقتضي استحلال دم المقطوع له بالثواب، إذ كان القطع بثوابه مانعا من استحقاقه العقاب الذي قتل قسط منه لو كان الاجتهاد مسوّغا ذلك، فكيف و المعلوم خلافه.

و بعد، فاذا قتل الستة الذين هم عنده الصالحون للإمامة دون سائر الصحابة، من يرى يقوم بأمر الأمة أو ليس هذا منه نقضا للاختيار و فساد الإمامة، أو إيجاب ذلك لغير أهله رأي مصيب لمن يأمر بقتل رؤساء القبائل و أ(عَلَيهِ السَّلَامُ)ها أو لا يعلم أو يظنّ أنّ الإقدام على قتل علي (عليه السلام) و هو سيد بني هاشم و من له في الإسلام ما ليس لغيره من المآثر، و عثمان و هو سيد بني أمية، و طلحة و هو سید بني تيم، و الزبير و هو سید بني أسد، و سعد و عبد الرحمن و هما سيّدا بني زهرة - صبرا على رءوس الأشهاد من غير استحقاق - فتح لباب فتنة صماء و طخية عمياء، لا يرجى صلاحها و لا يؤمل فلاحها! و كيف لا يظن ذلك من وصف عثمان بما آل أمره إليه وكيف لم يصرفه عن الأمر مع ما فيه من عظيم الوزر ما صرفه عن ولاية عثمان من الخوف لتقديم آل أبي معيط و أي شبه بين تقديم رئيس على رئيس و بين قتل الرؤساء بغير استحقاق من المبالغة في الفساد أ و ليس هذا من أوضح برهان على سوء رأيه في أمة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و قبح نظره لهم، و قصده إلى فساد أمرهم! فأي عدالة تكون مع هذه الحال، بل أي إسلام عند متأمل لها!

و منها وصفه لأمير المؤمنين بالفكاهة و البطالة،

و هذه حال الخليع، المتهالك في المجون، البعيد عن الرصانة والوقار، المعلوم ضرورة من حاله ضد ذلك من الهيبة و الوقار.. و الحلم، و يكفي في ظهور كذبه فيما وصف به عليا (عليه السلام) أنه لا يمكن أحدا من الخلق أن يضيف شيئا واحدا يدلّ على فكاهته و خلاعته، بل لم يزل الخلق يعتذرون المعدول عنه بتشدده في الحق، و حمله القريب و البعيد و الولي

و العدوّ على موجبه، إلا أن يريد بذلك حسن الخلق و البشر بأهل الإيمان، المنافي لفظاظته و غلظته على المؤمنين، فيكون ذلك عائدا بالقدح على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) الموصوف به في القرآن و المعلوم من حاله بظاهر الأفعال و المتفرد من دينه (عليه السلام) فيؤول الحال إلى قبيح من الأول

و منها وصفه لعبد الرحمن بالضعف، و جعله عيارا على الأمة،

و معلوم أنه لم يرد بضعفه الفقر، لحصول العلم بسعة حاله، و لا ضعف الجسم، لأنه لا يمنع ضعف الجسم إذاصح الرأي و الدين وقوة القلب في الحرب من تولي الأمر، فلم يبق إلا ضعفه في الرأي و الدين و من كان كذلك لا يجوز لمن عرفه أن يجعله عيارا على الأمة كافة، و يأتمنه على أمرها، و يوجب الانقياد له، و إن أبى ذلك آب قيل:.. بصواب الرأي و عصمة الدين.

و منها: إخراجه العباس ره، مع عظم قدره في الاسلام

و حسن رأيه فيه في جميع الأحوال و تخصيصه بقربي النبي صلى الله عليه و آله، و تعظيم النبى صلى الله عليه و آله، له و تكامل ما يعتبرونه من الشروط في الإمامة له، و تقديم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) له على جميع أصحاب الشورى، عدا علي عليه السلام.

و أي أمر يصلح له طلحة مع حمقه و کبره، و ه، و الزبير مع بخله، و عبد الرحمن مع ضعفه، و عثمان مع سوء رأيه، و سعد مع فكاهته، لا يصلح له العباس و اعتذاره ابنه مع زهده و علمه، و إنكاره على المشیر علیه به و اعتذاره بجهله بحكم الطلاق إذ ذاك يقدح في إمامته، لحصول العلم بجهله بكثير من الأحكام الراجع فيها إلى علي تارة و إلى معاذ أخرى و إلى غيرهما من الصحابة.

و الذي يزعم أنّ طلحة أو الزبير أو واحدا من الخمسة الذين يخيّرهم أفقه من عبد الله، و معظم ما يرويه الفقهاء عنه، و لا رواية بشيء من الفقه عن بعض القوم، و إن روي فيسير من كثير مما روي عن عبد الله، بل لم يرو عنه نفسه بعض ما روى عن ابنه، فان كان لا يصلح للإمامة لجهله فأبوه بذلك أولى، لكونه أعلم منه، بدليل تضاعف المحفوظ عنه من الأحكام ما روي عن أبيه، وقوله معتذرا لاخراجه من الأمر... واحد منهم بالخلائق، إشعار منه.. إذ

لو كانت الخلافة دينا و السيرة عادلة لكان الواجب المثابرة عليها و حث الحميم على المشاركة فيها و إن َشقّ ذلك، إذ كان الحازم في الدين لا يتملّص من الحق، و لا يرغب بنفسه، و لا خاصته عما به يتم الثواب إن شق بحمله و عظمت مئونته، و في تملصه من هذا الأمر و رغبته بولده عنه، كاشف عن بصيرته بسوء عاقبته و قبح منقلبه، أو رغبته عن الحق و زهده فيما يستحق به الثواب، و كل منهما قبيح.

و منها قوله إني أكره أن أتحملها حيا وميتا،

لأنه بما فعله في الشورى متحمل لها في حياته و بعد وفاته، إذ لا فرق بين أن ينص على واحد بعينه و بين ما فعله من حصر الأمر في ستة نفر معيرا عليهم عبد الرحمن، منحجرا عليهم في اجتهادهم، إذ لو كان صادقا في كراهية تحميلها الأزجى الأمر على الأمة كلها. و منها: تخيّره للشورى من يعلم هو و كل حاضر و غائب و متجدد في الأزمنة كون غيره أسبق إلى الاسلام،

و أفضل هجرة و أعلم بصيرة و أحسن بلاء في الاسلام و أعلم بالأحكام، و أعرف بالسياسة، و آمن على الأمة و من لم يعاب قط في شيء، و لا قدح عليه بشيء، كفضلاء بني هاشم، و ذوي السوابق و الهجرة من قريش و غيرهم، و عظماء الأنصار المشهود لهم بصواب الرأي و حسن المآل.

في كونهم مقدوحا في أنسابهم وبواطنهم و تهمتهم على الاسلام و أهله.

[بيان حال عثمان و طلحة والزبير و سعد و عبد الرحمن]

لِتَنَاصُرِ الخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الشَّيعَةِ وَ أصْحَابِ الْحَدِيثِ بِأنَّ عُثْمَانَ وَ طَلْحَةَ والزبيرَ وَ سَعْداً وَ عَبْدَ الرَّحْمَن مِنْ جُمْلَة أصْحَاب الْعَقَبَة، نَفَرُوا بِرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْه و آله.

وَ أنَّ عُثْمَانَ وَ طَلْحَةَ الْقَائِلَانِ: أ يَنْكِحُ محمّد نِسَاءَنَا وَ لَا نَنْكِحُ نِسَاءَهُ وَ اللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ لَأَجَلْنَا عَلَى نسائه السَّهَامَ!! وَ قَوْل طَلْحَةَ لَاتَزَوَّجَنَّ أمَّ سَلَمَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوارَسُولَ الله وَ لا أَنْ تَنْكَحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِه أَبَداً.

وَ قَوْلِ عُثْمَانَ يَوْمَ أَحَدٍ: لَالْحَقَنَّ بِالشَّامِ، فَإِنَّ لِي بِهَا صَدِيقاً يَهُودِيًا.

وَ قَوْلِ طَلْحَةَ: لَالْحَقَنَّ بِالشَّامِ فَإِنَّ لِي بِهَا صَدِيقاً نَصْرَانِياً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أولياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض الْآيَةَ.

وَ قَوْلِ عُثْمَانَ لِطَلْحَةَ وَ قَدْ تَنَازَعَا وَ اللَّهِ إِنَّكَ أَوَّلُ أَصْحَابِ محمّد تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةٌ، فَقَالَ طَلْحَةُ: وَ أَنْتَ وَ الله لَقَدْ قُلْتَ مَا يَحْبسُنَا هَاهُنَا إِلَّا نَلْحَقَ بقَوْمِنَا.

و قد روي من طريق موثوق به ما يصحح قول عثمان لطلحة،

فَرُوِيَ أَنَّ طَلْحَةَ عَشقَ يَهُودِيَّةً فَخَطَبَهَا لَيَتَزَوْجَهَا، فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ يَتَهَوَّدَ، فَفَعَلَ.

وَ فِيهِ قَالَ الشَّاعرُ، شَعْرَ:

يَهُودِيَّةٌ قَالَتْ وَ أَوْمَتْ بكَفِّهَا *** حَرَامٌ عَلَيْكَ الدَّهْرُ حَتَّى تَهَودًا.

و قدحوا في نسبه بأنّ أباه عبيد الله كان عبدا راعيا بالبلقاء، فلحق بمكة، فادعاه عثمان بن عمرو بن كعب التميمي، فنكح الصعبة بنت دز مهر، الفارسي و كان بعث به إلى اليمن، فكان بحضرموت خرازا.

و فيه يقول حسان بن ثابت شعر:

أ لم تر أن طلحة في قريش *** به من الغطارفة العظام

و كان أبوه بالبلقاء عبدا *** في يده الشوك في جنح الظلام

هو العبد الذي جلب ابن سعد *** و عثمان من [ال] بلد الشام

و قول الآخر، شعر:

بني دزمهر و الدعي أبوهم *** رجیع قد الصقت بالأكارع

بني... في أبوكم... *** في الوادي يفتق الضفادع

و أنتم ببيع اللحم أحذق منكم *** بقرع الكماة بالسيوف القواطع

و أما الزبير فكان أبوه ملّاحا بجدة و كان جميلا، فادعاه خویلد و زوجه عبد المطلب صفية.

و رَوَوْا أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ زَيْدِ بْن الْحَسَن كَانَ وَالِياً عَلَى الْمَدِينَة من قبل الْمَنْصُور، فَعُزل و أقي مِنْ وَ أقِيمَ لِلنَّاسِ رَجَاءَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ بِجُرْمٍ يُعْدَرُ فِي عَزلِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ ذَنْبُ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ دَسُوا عَلَيْهِ رَجُلًا مِنْ ولد الزبيرِ، فَضَرَبَهُ بِنَعْل فِي يَدِهِ وَ قَالَ أَنْتَ الَّذِي صَنَعْتَ بِي وَ صَنَعْتَ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنِي: تَكلَتْكَ أَمُّكَ وَ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مَنْ لَا يُنْكَرُ وَ لَا يُجْهَلُ، أَنَا فَلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ الزَّبَيْرِ بْنِ الْعَوامِ، قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ الْمَلَاح هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ، إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ أَدْلَكَ عَلَى سفن أبيكَ فَعَلْتُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَلاحاً منْ أهْل جَدَّةَ وَ سُفْنُهُ بِهَا، قَالَ الزُّبَيْرِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اشْهَدُوا عَلَى مَا يَقُولُ لي وَ قَدْ وَلَدَتْني صَفِيَّةٌ، قَالَ هي أدنتكَ مِنَ الظَّلِّ، وَ لَوْلاهَا لَأَضْحِيتَ فِي الشَّمْس.

و أما سعد، فقد

رَوَوْا عَنْهُ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: اتَّقُوا دَعْوَةَ سَعْد.

يعني على الضلال.

و ثبت: أنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) خَطَبَ النَّاسَ فِي خِلَافَته فَقَالَ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقَدُونِي، فَوَ اللَّهِ لَا تَسْأَلُونِّي عَنْ فِئَةٍ تُضِلُّ مِائَةٌ وَ تَهْدِي مِائَةٌ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِسَائقهَا وَ قَائِدِهَا وَ نَاعَقِهَا، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مَالك: أخبرني كَمْ فِي رَأْسِي وَ لِحْيَتِي طَاقَةٌ مِنْ شَعْرِ قَالَ: قَدْ أَعْلَمَنِي خَلِيلِي أَنَّكَ تَسْأَلْنِي عَنْ هَذَا، أخبرك أنّ عَلَى كُلِّ طَاقَة شَعر في رأسكَ مَلَكَ يَلْعَنُكَ، وَ عَلَى كُلِّ طَاقَة شَعْر في لِحْيَتِكَ شَيْطَانٌ يقرك [يُقويك]، وَ أَنَّ فِي بَيْتِكَ لَسَخَلا يَقْتُلُ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهما.

قَالَ: وَ إِنَّ عُمَرَ بْنَ سَعْدِ صَبِيٌّ يَدْرَج.

و قد قدحوا في نسبه بأنّ السلافة بنت مالك العذري قدمت مكة و معها ابن لها صغير يدعى مالك بن غراب من بني عذرة، فنزلوا على وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فنكح وهب السلافة، فولدت غلاما سمّاه مالكا فمات الغلام، فوثب وهب بن عبد مناف- وقيل: هو وهيب- فأخذ ولد السلافة من غراب العذري، فادعاه و خاصم فيه العذريين.

و في أبي وقاص مالك بن غراب العذري الملصق إلى وهيب بن عبد مناف يقول ضرار: أمسى يناقرني لئيم واضع *** عند المراغة مالك بن غراب

فافخر بعذرة ان فخرت فانهم *** ولدوك و اترك زهرة بن كلاب

فإذا ظلمت فصح فإنك منهم *** يا آل عذرة عند كل خطاب

و أمسعد بن مالك أبي وقاص حمية ابنة سفيان بن أمية بن عبد شمس، وقال: إنها ملصقة النسب بسفيان.

و أم حمية سمية أمة أبي السرح..

و أما عبد الرحمن بن عوف، فأم عوف منبعة أمة خزاعية يقال فيها شر، و هي أم العيداق، يقال: إنّها أمة عبد المطلب بن هاشم و يقال إنها أمة وحشية لبني كعب أجراها..، وهما عبدان لبني كعب قطعت يد أحدهما في سرقة.

و هذه قدوح في أنسابهم إن كانت معلومة منعت على كل حال من تأهيلهم للإمامة، و إن كانت مظنونة فكذلك أيضا لدخول الظن في هذا الباب كالعلم.

و لو لم يقدح فيهم إلا بما وصفهم به عمر لكفى في وجوب الرغبة عنهم إلى من لا طعن عليه بشيء، فكيف بما ذكرناه من حالهم المعلومة أو المظنونة.

هذا مع ظهور ر فسقهم و تهالكهم في رغبة الدنيا و اطراح الآخرة على رأي الفريقين، بحصر هم عثمان و من معه من النساء و الولدان و البهائم و منعهم جميعا الماء، وقتلهم

لعثمان بعد ذلك، وطرحه جيفة لا يتمكن أحد من أوليائه أن يدفنه، و نكتهم بيعة علي عليه السلام.

إلى غير ذلك من الأحداث التي لا يتمكّن أحد من إضافة شيء منها إلى أحد من بني هاشم و غيرهم من أعيان المهاجرين من قريش و غيرهم و ذوي البصائر من الأنصار.

[بيان حال عائشة و أصحاب الجمل]

و هذا من أوضح عندها و عند أعوانها على الانتصار له.

و لو صح خطأ القاتل لم يكن من الطلب بثأره في شيء، لبعد ما بينهما من النسب.

و لو كانت من أولياء الدم لكانت من ذلك بمعزله لكونها امرأة من دونها رجال فهم أولى بعثمان.

و لو صحت ولايتها في المطالبة لوجب اختصاصها بالتظلّم إلى إمام المسلمين و حاكمهم و من لا يتهم بميل إلى باطل و لا إيثار لهوى و من لم تزل تصفه من ذلك بما لم تصف أحدا، و ابتداؤها بالحرب ليس من التحاكم في شيء.

و لو كانت الحرب سائغة لكانت من فروض الرجال دونها بغير خلاف.

و لو كانت الحرب من فروض النساء لكانت خارجة عن ذلك بنص التنزيل الموجب عليها لزوم البيت و إطالة الحجاب.

و لو كانت الحرب من فروضها لوجب قصرها على القتلة و الأعوان على القتل الذين منهم طلحة و الزبير دون إمام المسلمين الملازم بيته و من في حيزه من المهاجرين والأنصار الذين لم يقتلوا عثمان و لا رضوا بقتله عند كافة الخصوم من أوليائها إلى..

هذا، و لو كان قتال القوم سائغا لقتلهم عثمان و رضاهم بذلك و ولايتهم قتلته لوجب عليها أن تخصهم بالحرب و الجهاد، دون أهل البصرة الذين [لم] يشعروا بشيء من ذلك و لا شركوا فيه بقول و لا فعل عند أحد من الخصوم.

فعلى أي وجه ساغ ذلك و بأي دليل طلبت بيعتهم وبأي شريعة ساغ لها مطالبة الناس بنكث بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و قتال الممتنع من ذلك و بأي برهان استحلت دم من قتل منهم من صلحاء المسلمين من غير حدث يوجب القتل و بأي حجة حلّ لها العذر بعثمان

بن حنيف و من معه من الأنصار و التنكيل به وقتلهم و على أي مذهب ساغ لها فتح باب بيت مال المسلمين و التصرف فيه بغير إذن من الصحابة أهل العقد و الحل عندها و عند

شيعتها و أفاضل التابعين و ما لها لم ترتدع لتنابح كلاب الحوأب مع تقدم التحذير لها من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) بذلك، وإخبارها بكونها ظالمة في مسيرها!.

و بأي علّة ساغ لها تفريق أموال المسلمين في المعونة على الفتنة فيهم و من أي وجه حلّ لها إظهار السلاح في دار الأمن و ما المانع لها إن كانت طالبة بالثأر من الرجوع إلى دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى التحاكم إليه مع علمها بعدله و بعده عن الظلم و ما الصارف لها- إن كانت حضرت للإصلاح بين المسلمين على ما يهذي به أولياؤها- عن الرجوع إلى دعوة أمير المؤمنين (عليه السلام) لها إلى الكتاب و السنة و ما الصارف لها عن الرجوع إلى وعظه و تخويفه من خلاف الكتاب و السنة و ما يتم ذلك من فساد أمر الأمة وسوء القضاء و إثارة الفتنة و ما لها لم تذكر الحجّة في خروجها، و العذر في هتك حجابها، و الوجه في قتالها و جميع الأعذار للفتنة و ما لها لم تستثر من طلحة و الزبير و هما من جملة القتلة بلا خلاف وعلى أي وجه استحلت قتل حامل المصحف داعيا إلى ما فيه و بأي دليل عقلي أو شرعي بدأت بحرب إمام الملة و من في حيزه من ذوي السوابق و الأبصار و أنصار الحق مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أهل بدر و حنين و المفروغ إلى إبرامهم و نقضهم عندها و عند أوليائها مع دعائهم إلى الله تعالى و رسوله عليه الصلاة و السلام و ما شرعاه، و إمساكهم عن القتال إيجابا للحجة عليها و بأيّ وجه استحلت دماءهم و ما الحامل لها تعريض أنصارها المقرين لها للقتل بمن يدعوها إلى المسالمة المحاكمة هلا خافت مالك العقاب سبحانه إن كانت عارفة به من إراقة دماء الفريقين مع تمكنها من حقنهما و هلّا صرفها عن ذلك ما سمعته من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) في علي (عليه السلام) من المآثر الدالة على تحريم خلافه فضلا عن حربه، من

قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:

عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ علي.

و

قَوْله (عليه السلام) حَرْبكَ حَرْبِي وَ سَلْمُكَ سِلْمِي.

، و أمثال ذلك، و الشهادة له و لولديه و لجماعة ممن في حيزه بالجنة و ما لها لم ترتدع عن قتاله مع اختصاص نصرته بوجوه الصحابة و ذوي البصيرة و الورع و أنصار الملة، اختصاص نصرتها بأغدار قريش و المؤلفة قلوبهم و المتهمين على الاسلام و أهل السواد و أجلاف الأعراب لو لا ما ذكرناه من عداوة على (عليه السلام) التي لها عميت القلوب و طاشت الأفهام ما لها لم تخف بحربها من قتل المشهود لهم بالجنة كعلي و الحسنين عليهم السلام و عمار و غيرهم من أهل بدر و حنين و بيعة الرضوان و فضلاء التابعين و لم لم يرق أسمقها من.. أهل الحق عند الظهور عليهم و تجب إلى المسالمة و وضع السلاح المدعو إليهما فتحقن بذلك باقي الدماء، ويتلافى فارط الشقاق و لم أحوجت إلى عقر الجمل و لم تجب إلى الأمان إلا قسرا و لم لم تشكر عليا (عليه السلام) على ما من به عليها من التجاوز عن الانتقام منها و إكرامها مدة مقامها و إلى أن أوصلها بيتها و لم كفرت نعمته الظاهرة عليها و صرحت بذمه و التعريض به و أظهرت الشماتة بقتله و اعترضت في دفن ولده، و اوصلت ذلك في أحوال التمكن إلى أن فارقت الدنيا و أما طلحة و الزبير، فمعظم ما قدمناه من وجوه الخطأ الواقع من عائشة قائم فيهما، لكونهما الزعيمين لأمرها المشاركين لها في جميع ما عددناه، فلا وجه لتكراره وتنقيصهما أنهما من جملة من حصر عثمان و ضيق عليه و شرك في قتله.

و فيهما يقول حسان بن ثابت شعر:

من عذيري من الزبير و من *** طلحة هاجا أمرا له إعصار

بم قالا للناس دونكم العجل *** فشيّت وسط المدينة نار

و الأبيات معروفة.

فكيف يطلب بثأر المقتول من قتله و لأنهما بايعا طائعين و نكثا من غير حدث يحدث منه (عليه السلام) يوجب ذلك، إلا فوت الأمنية و الطمع في الرئاسة.

و لأنهما هتكا حجاب رسول الله صلى الله عليه و آله عن زوجته و أبرزاها على رءوس الأشهاد، وصانا حلائلهما.

و إذا تقررت هذه الجملة وصح لك ضلال أصحاب الجمل و قبح قصدهم و بعدهم عن الدين بكل واحد مما ذكرناه فكيف بجميعه، فسقط الاعتراض بفعلهم.

[بيان حال معاوية و عمرو بن العاص و من في حيزهما]

و أما معاوية و عمرو بن العاص و من كان في حيزهم، فالواجب عليهم طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و الانقياد له و النزول على حكمه، لثبوت إمامته على أصولنا بالنص عليه بها، و على أصول المخالف لحصول الاختيار المتكامل الصفات الذي لم يحصل على إمامة غيره ممن تقدمه و تأخر عنه، فلما لم يفعلوا و أظهروا الشقاق عليه و الخروج عن دار الأمن إظهار السلاح فيها و محاربة الإمام العادل (عليه السلام) و من لا يرتاب أحد في فضله و تقدّمه في الدين من وجوه المهاجرين والأنصار و التابعين بإحسان، وذلك دال على ضلالهم على أصولنا، و فسقهم على أصول مخالفينا و موضح عن فساد غرضهم في الدين من وجوه:

منها: قعودهم عن نصرة عثمان و الدفع عنه ظالميه عندهم و هم من رعيته المرتهنين ببيعته، مع تمكنهم من ذلك.

و منها: ظهور حال عمرو بن العاص في عداوة عثمان، لعزله عن مصر و إنكاره عليه و خروجه إلى أطراف الشام مؤلبا و كاتبا بأحداثه إلى البلاد إلى أن قتل، و مشاركة معاوية، و حربه له في ذلك لاختصاصه به و تولي الجميع له.

و منها: كذبهم فيما أظهروه من الطلب بثأر عثمان المقتول بإيثارهم، لتمكنهم من نصرته و قعودهم عنها، و ما ذكرناه من حال عمرو و ولاية معاوية و جنده.

و منها: خروجهم عن طاعة الإمام المختار على وجه لم يختر عليه أحد قبله، و إظهار شقاقه و مخالفة ما أجمع عليه العلماء من التابعين و الصحابة.

و منها: منعهم ما قبلهم من أموال المسلمين و صدقاتهم الواجب عليهم حملها إلى بيت مال المسلمين.

و منها اعتصامهم ببلاد الاسلام و منع الامام العادل (عليه السلام) و كافة العلماء المعتد بعقدهم و حلّهم من التصرف فيها، و كونهم بذلك عاصين بغير إشكال.

و منها: مطالبتهم بثأر من لا ولاية لهم في دمه.

و منها طلبهم ذلك على أقبح الوجوه من المجاهرة بحرب و الفساد في البلاد المنافي لطلب القود المستحق في الشرع، و رغبتهم عما دعوا إليه من الكتاب و السنة.

و منها: استحلالهم قتال أمير المؤمنين و الحسنين عليهم السلام و من في حيزهم من سابقي الصحابة و فضلاء التابعين المشهود لأكثرهم بالجنة من غير حدث يوجب ذلك بل يوجب خلافه من توليهم و الانقياد لهم.

و منها شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و من في حيّزه من فضلاء المسلمين عليهم بالضلال تدينهم بذلك مع حصول العلم ببعدهم عن الهوى و الفتيا و العمل بغير حق.

و إذا ثبت ضلال معاوية و عمرو و من في حيّزهما على أصولنا و فسقهم على أصولهم و قبح اغراضهم في قصدوه وجب الحكم بذلك عليهم و لا يجوز الاعتداد بفعلهم.

و ليس لاحد أن يقول: فإذا كان علي (عليه السلام) و أصحابه على بصيرة من ضلال معاوية و أصحابه، فلم رجع عن قتاله الواجب عندكم إلى المسالمة و تحكيم الرجال الذين يجوز عليهم الخطأ لأنا قد بينا وقوع التحكيم على جهة الاضطرار و كونه لو كان عن إيثار حسن، لتعلقه بالكتاب و السنة الدالين على حق علي (عليه السلام) و باطل معاوية، و أن الحال لمّا جرت بخلاف ذلك لم يرض بها (عليه السلام) و أظهر النكير و اهتم بقتال معاوية حتى عوجل دونه صلوات الله عليه، فاقتضى ذلك سقوط ما عورضنا به.

[ما أظهره القوم عند وفاتهم الدال على ضلالهم]

و قد تناصرت الروايات بما أظهره القوم عند الوفاة من التصريح بما بيناه، و إن كان ثابتا بالأدلة فاقتضى تأكيده.

فمن ذلك:

قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيث طَوِيلٍ: ثَلَاثَ فَعَلْتُهُنَّ لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلَهُنَّ لَيْتَنِي لَمْ أَكْشِفُ بَيْتَ فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)وَ لَوْ كَانَ مُغْلَقاً عَلَى حَرْبٍ، وَ لَيْتَنِي يَوْمَ السَّقِيفَةِ كُنْتُ ضَرَبْتُ عَلَى يَدِ أَحَدِ الرَّجُلَيْن فَكَانَ الْأَميرَ وَ كُنْتُ الْوَزِيرَ.

و هذا منه نصّ بما تقوله الشيعة و تأباه عامة مخالفيهم اليوم من الهجوم على باب فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)و نص على قبيح ما أتاه في ذلك، و برهان واضح على قبيح ولايته يوم السقيفة، لأنها لو كانت حسنة لم يتمن فقدها، و إن كانت حسنة فإنما تأسف على ما أوجبته من القبائح، إذ لا بد من وجه قبيح له تأسف.

و من ذلك:

قَوْلُ عُمَرَ عِنْدَ وَفَاته: وَدَدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ كَفَافاً أَلَا عَلَيَّ وَ لَا لِي.

و هذا موضح عن علمه من نفسه بقبح ما أتاه بخلافته.

و قَولُهُ وَ قَدْ قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلفَ فَقَالَ إِنِّي أكْرَهُ أنْ أتَحَمَلَهَا حَيّاً وميتاً.

و لو كانت خلافته لله رضى لكان تحملها قربة إليه سبحانه لا يجوز لمسلم التملص منها. قَولُهُ:- وَ قَدْ جَمَعَ بَني عَبْدِ المُطلب بَعْدَ مَا طَعَنَ - يَا بَنِي عَبْدِ المُطَلب أ رَاضُونَ أَنْتُمْ عَنِّي فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابه وَ مَنْ ذَا الَّذِي يُسْخِطُ عَلَيْكَ، فَأعَادَ الْكَلَامَ ثَلَاثَ مَرَّات، فَأَجَابَهُ رَجُلٌ بمثل جَوَابه، فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ وَ قَالَ نَحْنُ أَعْلَمُ بمَا أشْعَرنَا قُلُوبَنَا، إنَّا وَالله أَشْعَرْنَا قُلُوبَنَا مَا نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِينَا شَرَّهُ، وَ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِينَا شَرَّهَا.

و هذا نص منه على قبيح ما فعل.

و قَولُهُ لابنه عَبْدِ اللَّهِ وَ هُوَ يُسْنَدُهُ إِلَى صَدْرِهِ وَيْحَكَ، ضَعْ رأسي بالأَرْضِ، فَأَخَذَتْهُ الْغَشْيَةُ، [قَالَ:] فَوَجَدْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ ضَعْ رَأْسِي بِالْأَرْضِ، فَوَضَعْتُ رَأْسَهُ بِالْأَرْضِ فَعَفَرَ بِالتُّرَابِ ثُمَّ قَالَ وَيْلٌ لِعُمَرَ وَ وَيْلٌ لِأُمِّهِ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ.

و هذا تصريح منه بما أضفناه إليه.

و قَولُهُ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: أتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثَ مِنِ اعْتصَابِي هَذَا الْأَمْرَ أَنَا وَ أَبُو بَكْرِ مِنْ دُونِ النَّاسِ، وَ اسْتَخْلَافِي عَلَيْهِمْ، وَ مِنْ تَفْضِيلِيَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.

و قَولُهُ: أَتُوبُ إلَى اللَّه من ثَلَاث من رَبِّي رَقيق الْيَمَنِ، وَ منْ رُجُوعي عَنْ جَيْشَ أَسَامَةَ بَعْدَ إِذْ أَمَّرَهُ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلَيْنَا، وَ مِنْ تَعَاقُدنَا عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ إِنْ قُبض رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَلَّا نُوَلِيَهُ مِنْهُمْ أَحَداً.

وما رووهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ وَ هُوَ يَمُوتُ، فَجَعَلَ يَجْزَعُ، فَقُلْتُ: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبشرْ برَوْح الله وَ كَرَامَته فَجَعَلْتُ كُلَّمَا رَأَيْتُ جَزَعَهُ قُلْتُ هَذَا، فَنَظَرَ إِلَيَّ [فَقَالَ:] وَيْحَكَ فَكَيْفَ بِالْمُمَالَاةِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ.

[بيان كفر القوم ومناقشة الزيدية]

و إذا ثبت حدوث ما ذكرناه من القبائح الواقعة من الثلاثة في حال ولايتهم بطلب إمامتهم بها لاتفاقهم على ذلك، وإذا بطلت في حال بطلت في كل حال باتفاق.

و إذا ثبتت إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) عقلا و سمعا و اقتضى ثبوتها ثبوت الصفات الواجبة للإمام له، و فسدت إمامة المتقدمين عليه على أصولنا و أصولهم.

ثبت أن الواقع منهم و ممن اتبعهم متدينا بإمامتهم من محاربته (عليه السلام) و غيرهم كفر، لأنه لا أحد قال بوجوب عصمة الإمام إلا قطع بكفر القوم و من دان بإمامتهم، و لأن كلّ من أثبت النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) قال بذلك.

و لا يقدح في هذه الطريقة خلاف الزيدية، لانعقاد الاجماع بما قلناه، و انقراض الأزمان به قبل حدوث مذاهب الزيدية.

على أنّ لنا ترتيب الاستدلال على وجه يسقط معه خلاف الزيدية.

فنقول: لا أحد قال بالنص الجلي إلا قطع على كفر القوم، فتخرج الزيدية من هذه الفتيا، لأنها تنكر النص الجلي.

و لأنّا نعلم وكلّ مخالط من دين أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأئمة من ذريته عليهم السلام القطع على كفرهم و الدائن بإمامتهم، وقد ذكرنا طرفا من ذلك فيما سلف، و فتياهم بذلك حجّة، لكونهم معصومين، و لأن فتياهم هذه لو كانت خطأ لكانوا ضلالا، و هذا ما لا يطلقه و فيهم مسلم.

إن قيل: أ فتطعون على كفر من تابعهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى الآن قيل: قد مضى في كلامنا ما يغني عن هذا بقولنا: إن الفتيا مختصة بتكفير الأعيان على جهة التفصيل بمن علمناه متدينا بإمامتهم من الصحابة و غيرهم إلى الآن، و من لم يعلم ذلك من حال ففرضنا فيه الوقف والتجويز لكل واحد من الكفر والفسق.

ان قيل: كيف يمكنكم ذلك مع ظاهر إيمانهم و تدينهم بالاسلام، و اجتهادهم فيه، و تقریب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لهم، و تعظيمه إياهم، ومنعكم من وقوع الكفر بعد الإيمان على مذاهبكم في الموافاة.

قيل: المظاهرة بالايمان والاجتهاد في أفعاله و بذل الأنفس و الأموال في نصرته لا يدل على مطابقة الباطن له لا على كونه صادرا عن علم قصد به وجهه إذ كانت هذه الأمور لا يعلمها إلا علّام الغيوب، و إنما يعلم منها ما نصّ عليه سبحانه.

فإذا فقدنا النصّ فيهم بذلك ووضح البرهان بكفرهم و موتهم عليه علمنا أن الاعتقاد الماضي منهم كان جهلا، و إن أظهروا إيمانا أو تقليدا أو علما لغير وجهه لا يستحق بهما المعتقد ثوابا لوقوف استحقاقه على العلم المقصود به و وجهه الذي له الذي له وجب، و وجوب القطع على كفر من كان كذلك حسب ما اقتضاه البرهان.

فأمّا تعظيم النبي صلّى الله عليه و آله، فغير مسلّم لفقد دليله و تعذر إثباته، إذ كان التقريب و الإيناس و المظاهرة لا يدل على تعظيم لصاحبه، لحصول ذلك أجمع مع من تجب البراءة منه لكفره.

على أنّ المتقرّر من شرعه (عليه السلام) تعظيم مظهر الاسلام و المطيع فيه، مشترطا بكون ما أوجبه واقعا لوجهه باتفاق العلماء، فلو سلّم تعظيمه (عليه السلام) للقوم لكان جاريا فيه على الوجه الذي شرعه من الاشتراط.

فإذا وضح برهان كفرهم في حياته (عليه السلام) بما بيناه لم ينفعهم تعظيمه (عليه السلام) شيئا، كما لا ينفع تعظيم المسلمين من علموه مظاهرا بالعبادة و الاجتهاد و هو منافق أو مقلد أو عالم لغير الوجه الذي تعلّق التكليف به.

[ما استدل به على إيمان القوم من الكتاب و السنة وردّه]

و قد تعلّق من لا بصيرة له بأحكام الخطاب في إثبات إيمان القوم و استحقاقهم الثواب- ليتوصل بذلك إلى اثبات إمامتهم، و ردّ ما يذهب إليه من القطع بكفرهم و خلودهم في النار - بآيات من القرآن و أخبار عن النبي صلى الله عليه و آله، نذكرها، و نبين وجه الشبهة منها و سقوطها.

[ما استدل به من الكتاب]

فمن ذلك: قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَد كُنَّهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً.

قالوا: و هذه صفات القوم: آمنوا و عملوا الصالحات و خافوا في بدء الاسلام، و استخلفوا الأرض، و آمنوا بعد الخوف، فمنع ذلك من فرقهم بالضلال و دلّ على صحة إيمانهم و في إمامتهم.

الجواب: أنّ الوعد بالاستخلاف في الآية متوجّه إلى ذوي الإيمان ما في الباطن و الظاهر و عمل الصالحات، لوجوهها المخصوصة، و الاخلاص في العبادة لله تعالى من الإشراك و الرياء و غيرهما مما يشوب الاخلاص، و الأمن بعد الخوف لله تعالى، غير معينين بأسمائهم.

و قد دللنا على ضلال المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) على أصولنا و أصولهم و الدائنين بولايتهم، فاقتضى خروجهم من حكم الآية، وتوجّهها إلى من تكاملت فيه صفاتها من غيرهم.

على أنا لو افترضنا الكلام في الآية من دون ذلك لم يكن لهم فيها متعلّق من وجوه:

منها: افتقارهم في تخصيصهم بها إلى إقامة برهان على ثبوت صفات المذكورين فيها لهم، و ثبوته يغني عن الآية في المقصود باتفاق، و إذا تعذر ذلك عليهم خرج الظاهر من أيديهم بغير إشكال.

و منها: أنه لا يخلو أن يكون المراد بالاستخلاف المذكور في الآية توريث ديار الكفار، كقوله تعالى: وَ أورتُنا بَنِي إِسْرائيلَ،... و أورتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها،... وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ،... وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ،... إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلَفُ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ.

أو الخلافة على العباد و تدبير البلاد، كآدم (عليه السلام) في قوله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ، و طالوت في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالوت ملكاً، و داود في قوله: يا داود إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، و سليمان في قوله سبحانه: رَبِّ اغْفِرْ لي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ، و قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلَمْنا مَنْطَقَ الطَّيْرِ وَ أوتينا من كُلِّ شَيْء، و هارون (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ قالَ مُوسى لأخيه هارُونَ اخْلُفْني في قَوْمِي و أصلح، و رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) في قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ، فكان للناس، و علم من دينه صلوات الله عليه و آله كونه خليفة على أهل الأرض و رئيسا لجميعهم.

و ظاهر التصرف في البلاد وأهلها بالقهر و الاضطرار.

فان كان أراد الأول فلا مزية لبعض المستخلفين في الديار على بعض، و ليس من الخلافة المطلوبة في شيء.

و إن أراد على الوجه الثاني فهو خطاب لغيرهم، لعدم النص أو ما يستند إليه من المعجز على استخلافهم، كاستخلاف من ذكرناه من الأنبياء عليهم السلام.

و لا يعترض هذا قولهم: أنّ ثبوت خلافتهم من اختيار مأذون لهم فيه يقتضي إضافتها إليه تعالى من وجوه:

أحدها: أنه مبني على أنّ الله تعالى قد نصّ على الاختيار، وقد بيّنا فساد ذلك.

و منها: أن من أذن لغيره أن يختار وكيلا لنفسه أو وصيّا من بعده فاختار، فان الوكيل وكيل له و الوصي كذلك، دون من أذن له، و لا يقول أحد هذا وصيّ فلان، و هذا وكيله، و إن كانت الوكالة و الوصية بإذنه.

و منها: أنّ ظاهر الآية يقيّد وقوع الاستخلاف للمذكورين فيها به تعالى، كاستخلاف من قبلهم، و قد علمنا أنّ الله تعالى لم يستخلف أحدا منهم باختيار الأمة، و إنما دلّ على ذلك بمعجز أو نص يستند إلى معجز، فيجب كون المستخلفين بها كذلك.

و هذا يختصّ الآية بأئمتنا عليهم السلام، لثبوت النص من الكتاب و السنة و المعجز على خلافتهم.

و لا يجوز أن يريد تعالى الاستخلاف على الوجه الأخير، لأنه سبحانه أضافه إليه، و ذلك يقتضي حسنه و إباحة التصرف له، و تملك البلاد والعباد على جهة الغلبة قبيح لا يجوز إضافته إليه سبحانه، و لا يحسن معه التصرف على كل حال.

فان جاز للمجبّرة إضافة خلافتهم إلى الله تعالى من حيث تم لهم تملك أمر الأمة و تصريفهم على إرادتهم - لم يجز ذلك لأهل العدل، و يلزمهم عليه إضافة خلافة كلّ متغلّب إلى الله تعالى من بني أمية و بني عباس، بل عبّاد الأصنام، فان التزموا ذلك ارتفعت المزية، و لم ينازعهم في استحقاق القوم سمة الخلافة على الوجه الذي يستحقه كل متغلب و ظالم، إذ ذلك صریح مذهبنا المدلول عليه و ليس مما يريدونه في شيء، و إنما يمنعهم من إثبات خلافتهم على وجه يحسن معه إضافتها إلى الله تعالى حسب ما اقتضته الآية، فأما على وجه يقبح لا يجوز مع إضافتها إلى الله تعالى فغير منازعين فيه، و الآية أجنبية منه.

و منه: قوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتَدْعَونَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبُكُمْ عَذَاباً أليماً.

و أولو البأس هم أهل الردّة و الروم و فارس و الداعي إلى قتالهم أبو بكر و عمر و عثمان، و قد تضمّنت الآية فرض طاعتهم، فاقتضى ذلك إيمانهم وإمامتهم.

و الجواب: من وجوه:

منها: أن الآية نزلت في المتخلفين عن الحديبية بعد الأمر بمنعهم من الخروج إلى خيبر ذات المغانم المنصوص على منع هؤلاء المخلّفين منها، فاقتضت اختصاص الدعوة بالنبي صلى الله عليه و آله، و قد دعى بعد خيبر إلى حنين و فتح مكة و تبوك و غيرهن باتفاق، لأنّ الله تعالى حرم حضور خيبر و مغانمها على المخلفين عن الحديبية بإجماع و نص التنزيل في قوله تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لَتَأْخُذُوها ذَرُونَانَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ الله، يعني سبحانه: ما أمر به من تحريم الخروج الى خيبر على المخلّفين عن الحديبيّة، فقال رادًا عليهم: قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَليلا الآية، ثم قال سبحانه:

عقيب هذه الآية: قُلْ للْمُخَلَّفين من الْأَعْرَابِ سَتَدْعَوْنَ الآية، يريد سبحانه:

هؤلاء المخلّفين عن الحديبية، و ذلك دالّ على أنّ الداعي لهم هو النبي صلى الله عليه و آله، لقوله: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةً.

و تضمّن هذه الآية للخبر عن نفي الخروج معه و قتال الأعداء أبدا باطل من وجهين: أحدهما: أنّ الآية المتعلّق بها في إمامة القوم نزلت في سنة ست بعد خيبر في المخلفين عن الحديبية باتفاق العلماء بالتفسير و ما يقتضيه ظاهرها على ما بيناه، و هذه الآية نزلت في سنة تسع في المخلفين عن تبوك، و إذا كان المراد من المخلّفين بآية الفتح غير المخلفين بآية براءة على تبوك سقط التعلق.

و أيضا مخلفي آية الفتح معرضون بالدعوة للثواب بقوله تعالى: فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً، و مخلّفي آية براءة مقطوع على كفرهم و عذابهم و موتهم عليه و مصيرهم إليه في سياق الآية، برهان ذلك قوله سبحانه: إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقُعُود َأوَّلَ مَرَّةَ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالفِينَ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مات أبداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ وَ لا تُعْجِبْكَ أمْوالَهُمْ وَ أولادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ انفسهم و هُمْ َكافِرُونَ، فوجب أن يكون المذكورون في آية براءة غير أولئك، للقطع على عقاب هؤلاء و كفرهم و موتهم على ذلك، و تعريض أولئك بالطاعة و الثواب.

و منها: أن إضافتها إلى القوم فرع لصحة كونهم دعاة إلى الجهاد على وجه يحسن، و ذلك فرع لثبوت إمامتهم، وقد بينا فسادها على أصولنا و أصولهم، فاقتضى ذلك قبح دعوتهم.

و إذا وجب ذلك، فلو كان الداعي غير النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لوجب أن يكون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأنه لم يدع أحد أحد بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) المخلّفين دعوة صحيحة غيره بنص النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على قتال الناكثين و القاسطين و المارقين و ثبوت إمامته في حال دعوته باجماع.

و لا يقدح في كونه داعيا قوله سبحانه في المدعو إليهم: تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ، و محاربوا علي (عليه السلام) مسلمون.

لأنهم عندنا و عند أكثر أهل العدل ليسوا مسلمين.

أما نحن، فلما قدمناه من الفتيا بكفر جاحد النص و محارب المنصوص عليه، و لأنا نعلم من حال القوم استحلال دمه و ذريته و شیعته و استحلال دماء أهل الايمان كفر، و لأنه و أصحابه كانوا مصرحين بكفرهم.

و قَولُهُ (عليه السلام)، وَ الله مَا قُوتلَ أهْلُ هَذه الْآيَة حَتَّى الْيَوْمِ: يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُم عَنْ دِينِهِ، وَ مِنْ طُرُقِ أَخَرَ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ إلى قَوْلِهِ ألا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أيمانهم.

و لو كانوا مسلمين لكان واصفهم بالكفر ضالا، و هذا ما لا يطلقه مسلم.

و لاتفاق النقلة على قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله: حَرْبكَ يَا عَلي حَرْبِي وَ سَلْمُكَ سَلْمي.

و أنّه لم يرد نفس حربه، لتغايرهما، فلم يبق إلا أنه أراد أن حكم حربك و محاربك حكم حربي و محاربي، وحرب النبي صلى الله عليه و آله، کفر و محاربه كافر، فيجب الحكم على حربه و محاربه بذلك.

و أما من خالفنا من أهل العدل في اعتقادهم أنّ الواقع منهم كبيرة يخرج عن سمة الاسلام إلى الفسق و إذا لم يكونوا مسلمين صح تعلّق الخطاب بهم.

على أن الاسلام في اللغة هو الاستسلام، و لم يكونوا كذلك، إذ يقول سبحانه:

أوْ يُسْلِمُونَ يريد يستسلمون على أصل الوضع، و بهذا الوجه يسقط خلاف المجبر، و إن كان ساقطا بما تقدّم من الأصول الصحيحة المنافية لمذاهبهم الفاسدة.

على أنّا لو سلمنا أنّ الداعي في الآية من ذكروه، لم يقتض ذلك إمامتهم، لأنّ الأمر بقتال الروم و فارس متقدّم من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) فالمجيب لهذه الدعوة طائع لله و رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) فلذلك استحق الثواب و المتولي عاص لهما فلذلك استحق العقاب و قتال المرتد عن الملة المجاهر بالحرب واجب على كل مسلم إماما كان الداعي لهم أم مأموما باتفاق، فصارت إجابة هذا الداعي واجبة لكونها إلى واجب، و التولي عنها قبيح لكونه إخلال بواجب، لأنّ طاعة الداعي مفترضة على كل حال، بل لكونها لحق لازم بغیر دعوة من دعى إليه.

و منه: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أعزَّةَ عَلَى الكافرين الآية.

قالوا: و لا أحد قابل المرتدين غير أبي بكر، فيجب توجه الخطاب إليه، و ذلك ينافي ما تقوله الشيعة فيه.

و الجواب: أن المأتي بهم لقتال المرتدين موصوفين في الآية بصفات تجب على من ادعي لشخص أو أشخاص أن تدلّ على تكاملها له أو لهم.

و هي وصفهم بأنّهم يحبون الله ويحبّهم - و هذا يقتضي القطع على إيمانهم وعلو منزلتهم عند الله تعالى - و كونهم ذوي ذلة و رفق بأهل الايمان و عزة و شديد وطي على الكفّار، مجاهدين في سبيل الله، لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائم، في شق ممّا وصفهم به سبحانه.

فليثبتوا تكامل هذه الصفات لأبي بكر ليسلم لهم كونه المقاتل للمرتدين، و إن ثبت ذلك يغنهم عن الآية في المقصود و هيهات على أنا نتبرع ببيان خروج أبي بكر منها.

فنقول معلوم انهزامه و الثاني له بخيبر، و قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله:

لَأعْطَيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا كَرَاراً غَيْرَ فَرَّار يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَ اللهُ وَ رَسُولُهُ يُحِبَّانه، فَأَعْطَاهَا عَليّاً عَلَيْهِ السَّلَامُ.

، فاقتضى ذلك ثبوت محبته لله تعالى و رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و محبتهما له، و الحكم له بالكر، وانتفاء ذلك عنهما، فخرجا عن مقتضى الآية.

و بعد، فإنه وصاحبه لم يكونوا من أهل الذلة على المؤمنين، لغلظتهم على أهل بيت نبيهم عليهم السلام و على سعد بن عبادة و الزبير و سلمان و بلال.

و قد صرّح أبو بكر بذلك فقال: و إذا عصيت فاجتنبوني لا أمثل في أشعاركم و أبشاركم، مع ما صنعه ببني حنيفة من غير استحقاق، على ما بيناه.

و وصف الصحابة عمر بالغلظة وثبوتها له بظاهر أفعاله.

و حال عثمان بذلك و إقدامه بالضرر القبيح و الاستخفاف بأهل الايمان ظاهرة.

و لا من أهل العزّة على الكفّار و لا المجاهدين باتفاق على خلوّ ذكرهم بنكاية في كافر أو عناء في شيء من مواقف الجهاد، و ثبوت ذلك أجمع لعلي (عليه السلام) و شيعته.

فيجب خروجهم من مقتضاها و توجهها إليه (عليه السلام) و إلى من اتبعه مخلصا في قتال المرتدين.

و منه قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَتَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً.

قالوا: أبو بكر و عمر و كثير ممن تابعهم و رضي بهم من جملة المبايعين باتفاق، فيجب توجه الرضوان إليهم، و ذلك يمنع من كفرهم، ويقتضي ثبوت إيمانهم و إمامتهم.

و الجواب: من وجوه:

منها: أنه لا حجة لهم فيها على أصولهم، لجواز الكفر بعد الايمان و السخط بعد الرضوان عندهم، فعلى هذا لو سلّم توجّه الرضوان إلى المبايعين لم يمنع من السخط بما أحدثوه بعد البيعة من جحد النص و غيره مما بيناه، كما لم يمنع ذلك من فسق طلحة و الزبير و غيرهما من جملة المبايعين على ما أوضحناه.

و منها: أنّ الرضوان على البيعة مشترط بالوفاء بما هي بيعة عليه، بدليل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَتْ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفَى بما عاهَدَ [عَلَيْهُ] اللَّهَ فَسَيُؤْتِيه أجْراً عَظيماً، فليدلوا على وفائهم بالبيعة، و لن يجدوا سبيلا إليه، بل المعلوم نكتهم بهزيمتهم عقيب هذه البيعة بخيبر، فخرجا من الظاهر.

و منها: أنّ الوعد بالرضوان على البيعة مشترط بإيقاعها لوجهها قربة إلى الله تعالى، كسائر الطاعات، فليدلوا على وقوع بيعتهما و من اتبعهما على هذا الوجه و هيهات، بل الواقع من عمر في ذلك اليوم برهان واضح على ما شرحناه على تعري أفعالهما من الوجه الذي يستحق به الرضوان فيختص بمن ثبت إيمانه من المبايعين فليدلوا على ثبوت إيمانهم ليسلم لهم الظاهر، بل ليسعون بثبوته عنه، و لن يستطيعوه، و أنى لهم به، و قد قامت البراهين السالفة بضلالهم.

و منها: أن الرضوان في الآية متوجّه إلى المؤمنين عند الله تعالى، المبايعين لوجه الله، المعلوم ما في قلوبهم من الايمان و الوفاء بالبيعة في المستقبل، المنزول عليهم لذلك السكينة المقارنة للطمأنينة و النصر، المثاب عليهم بالفتح القريب الكائن بهم و على أيديهم، و لم يحصل القوم بحمد الله من هذه الصفات شيء غير ظاهر البيعة، لتعريهم من الإيمان و إيقاع البيعة لوجهها بحجة النص الكاشف عن كفرهم، و انتفاء السكينة عنهم، و نكث البيعة للهزيمة الواقعة منهم، وتعريهم بالفتح من الفرار.

و إذا ثبت هذا، فنحن و إن شككنا في خروج كثير من المبايعين عن هذا الرضوان أو دخولهم فيه فلسنا نشك في خروج القوم الذين ادعي توجّه الرضوان إليهم عنه بخروجهم عن صفات المرضي عنهم في الآية، و يخصص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) به و من كان في حيزه من المؤمنين، لثبوت الصفات له بإجماع.

و منه: قوله تعالى: محمّد رَسُولُ الله وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلا من الله ورضواناً سيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلكَ مَثَلُهُمْ فی التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ليَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً.

قالوا: فأخبر سبحانه بالمغفرة للذين معه و هم أصحابه و ذلك ينافي قولكم بضلالهم و المبايع لهم.

و الجواب من وجوه:

منها: أنه تعالى لم يرد بقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ في الزمان و لا المكان و لا على ظاهر الاسلام، لأنه لا مدحة في ذلك، و الآية مختصة بمدح المذكور فيها و القطع على ثوابه، و ذلك يدل على إرادته سبحانه ب الَّذِينَ مَعَهُ المؤمنين حقا، فليدلّ الخصوم على ثبوت إيمان من جعلوا الآية مدخوله عند الله، ليسلم لهم الظاهر، بل ثبوته مغن في المقصود عنه باجماع، و لن يجدوه، بل الثابت ضلالهم بالبرهان المانع من ثبوت البرهان و استحقاق الرضوان.

و منها: أنّ المذكورين فيها موصوفون بصفات معلوم خلوّ القوم منها، وتكاملها لأمير المؤمنين و حمزة عليهم السلام، و خاصة شيعتهم، كعمار و أبي ذر و مقداد و سلمان و أبي و ابن مسعود و بريدة وجابر و خزيمة و سعد و ولده قیس و سعد بن معاذ و في أمثالهم، فيجب إخراجهم من حكمها و تخصيصه بهؤلاء.

فمن ذلك وصفهم بالشدّة على الكفار، وكلّ متأمّل يعلم خلوّهم من ذلك.

و منه: الرحمة بأهل الإيمان، و قد بينا كونهم بخلاف ذلك.

و منه: ابتغاؤهم بالطاعات فضل الله ورضوانه، و لا يكون كذلك من تخلف عن أسامة، و لم يحضر جهاز رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) رغبة في الدنيا و جعل أفعال الآخرة يوم السقيفة ذريعة إلى الخلافة، وصادر العمّال و اقترض من بيت المال، وخص بمال الله بني أمية أعداء الدين في الجاهلية و الاسلام إلى غير ذلك مما سطرناه، و حال متبعهم في ذلك كحالهم.

و منه وصفهم بالنصر لله ولرسوله (عليه السلام) و ذلك مختص بالجهاد وبذل الأنفس و الأموال فيه، و ليسوا كذلك بغير إشكال.

و هذه الصفات متكاملة فيمن ذكرناه فيجب توجه المدحة إليهم دون هؤلاء الضلال.

و من ذلك قوله تعالى: وَ السَّابِقُونَ الْأولُونَ منَ الْمُهاجرين والأنصار وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإِحْسانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ.

قالوا: و المتقدمون على أمير المؤمنين (عليه السلام) و أكثر من عقد لهم و بايعهم من جملة هؤلاء المذكورين، وقد أخبر سبحانه برضاه عنهم و استحقاقهم الثواب، و ذلك مناف لما يقولونه فيهم.

و الجواب من وجوه:

أحدها: أن الوعد في الآية متوجّه إلى من وقع سبقه و اتباعه لوجهه المخصوص قربة لله تعالى، فليدلوا على كون القوم كذلك ليتوجه الرضوان إليهم، و لن يجدوه، بل الموجود ضلالهم و خروج أفعالهم من قبل الطاعات بما وضح برهانه سالفا.

و ثانيها: أنّ الرضوان مشترط بالموافاة، و لم يواف القوم بما سبقوا إليه، لردّهم أمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) في وصيته، و ما أتوه إلى أهله بما بيناه.

و ثالثها: أنّ وقوع السبق موقع القربة لا يمنع من عصيان في المستقبل، إما فسق على مذاهب الكل أو كفر على مذاهب الخصوم، و إذا صح ذلك جاز تقدير وقوع سبقهم موقعه، و إن عصوا عصوا من بعده، كوقوع ذلك من طلحة و الزبير و عمرو بن العاص و أمثالهم من السابقين و التابعين و قطعنا عليهم، به لما أتوه إلى أهل بيت نبيهم عليهم السلام من بعده، فليستنفذ الخصم لمنعنا من ذلك جهده إن استطاعه، و إلا فالحجّة لازمة له و الآية خطاب لغيرهم، و هم الذين لم يتدينوا بجحد النص من السابقين و التابعين و هم كثير معين و غير معين.

و من ذلك: قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً منَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى.

قالوا و هذه صفة المذمومين عندكم الممدوحين في الآية.

و الجواب: أنّ الخطاب في الآية متوجّه إلى من أنفق و قاتل قبل الفتح من المؤمنين عند الله تعالى متقربا بهما للوجه الذي شرعا، فليدلوا على تكامل هذه الصفات للقوم ليسلم لهم المقصود، فان يتعرضوا لذلك يختص الكلام به وسقط تعلقهم بالآية، و إن لا يفعلوا فلا يقع لهم فيها.

و كذلك القول في جميع ما مضى من الآيات و يأتي، فليتأمل لتقع المضايقة فيه.

على أنّا نتبرّع ببيان تعرّي القوم من صفات المذكورين في الآية.

أما الإيمان - الذي لا تصح قربة من دونه - فقد دللنا على تعريهم منه بما لا يختل على متأمل، فمنع من توجه الخطاب إليهم.

و أما الإنفاق، فيفتقر على أمور:

منها: ثبوت المال للمنفق و تعيين الزمان الواقعي فيه و الجهة المتصرف فيها، و كونه قربة إلى الله تعالى، وكلّ مقصود.

أما المال، فالمعلوم من حال أبي قحافة كونه صياد القماري بمكة، فلما أضر صار مناديا لمائدة عبد الله بن جذعان و أبو بكر في الجاهلية خياطا، و في الاسلام يبيع الخلفان، و عمر في الجاهلية جزارا، و في الاسلام كلا على غيره من المسلمين و قد عد الناس الأغنياء من قریش فلم يعدّهما أحد، وعدوا عفّان و ابنه عثمان.

و أما الزمان، فلا يخلو أن يكون قبل الهجرة أو بعدها، و في أي الحالين كان اقتضى حصول العلم بوجه الذي وقع فيه الإنفاق من حالتي مكة والمدينة.

وكذلك القول في الجهة ممّا يجب العلم بعينها، أ في مصالح حال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و المتبعين له، أو مداراة الكفّار، أو تجييش الجيوش و كلّ ذلك لا سبيل إلى إثبات شيء منه بيقين، و إنّما هو مختصّ بالارجاف، لا يجد مدّعيه سبيلا إلى إثبات شيء غير ابتياع بلال عتقه، و هو من أوضح برهان على عدم الإنفاق، لاختصاص الدعوى به، مع بعده من صفة الإنفاق.

و أمّا الجهاد، فقد بينا خلو القوم منه، و ثبوت ضده من الانهزام في موطن بعد موطن.

و إذا خلوا من دعوى القتال الثابت في الآية بغير شبهة، فلو ثبت الانفاق لم ينفع، لأنّ الوعد في الآية يتوجه إلى من جمع بينهما، دون من انفرد بأحدهما، و بهذا يخرج عثمان من مقتضى الظاهر، لخروجه عن جملة المجاهدين و إن كان له إنفاق و انتفاء الصفتين عنهم أو أحدهما كاف في خروجهم عن مقتضى الآية.

و لم سلّم كونهم ذوي إنفاق و قتال مع تعذر ذلك - لم يقتض توجه الخطاب إليهم، لأنه لا حكم و لا نفاق و لا قتال من دون الايمان الذين هم براء منه.

و لافتقار صحتهما لو ثبت إيمان فاعلهما إلى إيقاعهما للوجوه الشرعية على جهة الاخلاص، فليثبتوا ذلك.

و مما يوضح نفي القتال و الانفاق عنهم، أو وقوعهما - لو كانا ثابتين- لغير وجههما، أنّهما لو كانا كذلك لوجب النص عليهما به و ارتفاع اللبس فيه كجهاد علي و حمزة و جعفر عليهم السلام و أمثالهم المعلوم ضرورة ثبوت النص بوقوعه موقع المستحق، و تعظيم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لأجله، و شهادته لهم به و نزول القرآن بإيثار علي (عليه السلام) على نفسه و أهله المسكين و اليتيم و الأسير، و تصدقه في حال الركوع و ليلا و نهارا و سرا و علانية، و تقديمه على المناجاة دون سائر الأمة، وحصول الاجماع بذلك و النص على وقوعه موقع القربة و القطع بثوابه.

و لمّا فقدنا ذلك، و اختص الدعوى له بالارجاف - مع وجوب عموم العلم به لو كان ثابتا، لعلوّ كلمة من يضاف إليه، و كثرة الاتباع وقوة الدواعي للاحتجاج به، و انتفاء جميع الصوارف عن الناقل و عظيم النفع له بنقله - علمنا انتفاءه، أو وقوعه على وجه لا يستحق به ثوابا و إلحاقه بانفاق من نص الله تعالى على حال إنفاقه بقوله تعالى:

وَ ما مَنَعَهُمْ أنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَ هُمْ كسالى وَ لا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَ هُمْ كَارِهُونَ، و قوله سبحانه قُلْ أَنْفَقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ منْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فاسقين، فنص تعالى على قبح إنفاق هؤلاء المذكورين، مع مظاهرتهم بالاسلام، لوقوعه لغير الوجه المعتبر فى القبول و استحقاق الثواب، و بهذا يسقط التعلّق بانفاق عثمان و من يدعى له بانفاق ممن لم يعلم وقوعهما على الوجه المخصوص.

و إذا لم يكن توجه الخطاب في الآية إلى من ذكروه قطعا، بل المقطوع به خروجهم منها بما أوضحناه، وجب توجهها إلى من ثبت إيمانه و جهاده و إنفاقه بما أوضحناه، و وجب توجهها إلى من ثبت إيمانه و جهاده و إنفاقه على جهة الإخلاص قبل الفتح و بعده، كعلي و حمزة و جعفر عليهم السلام، و زيد بن حارثة و عبد الله بن رواحة و سعد و عمار و سلمان و أبي ذر و مقداد و أمثالهم ممن أجمع المسلمون على ثبوت جهادهم قبل الفتح و بعده، و إنفاق قوم منهم و وقوع ذلك موضع الرضوان و إلى من كان كذلك عند الله تعالى ممن لم

نعرفه على جهة التعين، و لا علمنا خروجه عن الايمان، و وقوع الأفعال الشرعية منه موقعها، كالقوم المذكورين.

و من ذلك في أبي بكر خاصة قوله تعالى: إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما في الغار إذْ يَقُولُ لصاحبه لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْه وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها.

قالوا: فاختص (عليه السلام) بمصاحبته في مثل تلك الحال التي لا يطلع عليها إلا المخلصين من الأولياء، ونطق به القرآن بأنّه ثانيه و صاحبه في الطريق ومشارك له في الكون معه، و أنه (عليه السلام) شجّعه و رق له، و أنّ السكينة نزلت عليه لخوفه و حاجته إليها، و غنى النبي (عليه السلام) عنها.

و الجواب: أنه لا فضيلة في القصة، بل هي دالة على النقص، و أنه لو سلّم مرادهم منها لم يضرّ فيما قصدناه و لم ينفعهم.

فأمّا بيان عدم الفضيلة منها، فلسنا نعلم استصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏)، لأنه رُوِيَ أَنَّهُ فَقَدَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَتَبعَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَحِقَهُ بِعَدْ آلَةِ السَّفَرِ، فَسَأَلَهُ الصحبَةَ، فَلَمْ يَتَمَكَّن من كتمانه.

و لو كان بأمره لاحتمل أمورا:

منها: أنه كان معه في بيت عائشة بحيث لا يخفى عليه شيء من أمره، فلم يجد بدامن استصحابه خوفا من إذاعته، إما لضعف رأي أو دين.

و منها: للأنس به.

و منها: إسلامه ظاهره له و ظنّه به الخير.

و ليس في شيء من ذلك ما يعصم مما تقوله الشيعة فيه.

و أما كونه ثانيا، فمخبر عن عد، و لا فضيلة فيه، و الغرض به تنبيه المخاذلين في نصرته (عليه السلام)، على أنه تعالى متولي ذلك منه في هذه الحال و غيرها، كما تولى ذلك في حال كونه فريدا قرين واحد.

و أمّا كونه معه في الغار، فلا يدل على فضيلة لاشتمال المكان على الفاضل و المفضول و من لا فضل له، و إنما يعلم فضله بغير الكون.

و تسميته بالصحبة لا يفيد إلا مجرد المصاحبة في السفر و ظاهر الانقياد، و كل منهما لا يدل على الفضل منفردا.

و التسكين و التشجيع يتوجه إلى الولي و العدو، و لا سيما في مثل تلك الحال.

و إخباره (عليه السلام) إنّ الله معهم بمعنى النصرة المقصود بها النبي صلى الله عليه و آله، و لو كان متوجّها إليهما لم يقتض فضلا، لأن المقصود من نصرة النبي (عليه السلام) و المنع منه يقتضي منع الكائن معه في الغار و إن كان كافرا، لأنهم لو وصلوا إليه بسوء لوصلوا إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لحصولهما في مكان واحد.

و نزول السكينة عليه لو سلّم لم يدل على فضيلة لاقتضائها الطمأنينة و زوال الخوف المخوف منه الضرر على النبي صلى الله عليه و آله، لأن ظهور الهلع ممن هو معه في تلك الحال ربّما تعدّى إلى معرفة الكفّار بمكانهم، فلذلك سكنه.

و أما دلالة الآية على نقيصة أبي بكر فمن وجهين:

أحدهما قوله تعالى لا تَحْزَنْ لا يخلو أن يكون ناهيا أو مشجّعا، فان كان ناهيا فالنهي يدلّ على كراهية المنهي و النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لا يكره إلا قبيحا، و إنيك تشجيعا فلم يحصل إلا عن هلع من الرجل أو خوف أو خبة، و ذلك شك في خبره (عليه السلام)، لأنهم لا يختلفون في أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) أطلعه على هجرته، و أنه سبب علوّ الكلمة، فلو وثق بهذا الوعد لم يخف من وصول الضرر إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و لا إلى من هو معه، و هذا أعظم من الأول.

الثاني: تخصص السكينة بالنبي (عليه السلام) مع حاجة أبي بكر إليها لخوفه، و أنها لم تنزل قط على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و معه مؤمنون إلا عمتهم، كقوله تعالى:

ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُوله وَ عَلَى الْمُؤْمِنينَ، فلو كان من جملة المؤمنين لنزلت عليه السكينة مع حاجته إليها في تلك الحال.

إن قيل: من أين قلتم إن السكينة مختصة بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏).

فيجب رجوع الهاء في قوله عليه [عليه - (عليه السلام) - و إن كان قد تقدم ذكر أبي بكر، من حيث كانت عادة المقدّم في الضمير المتصل أن يرجع آخره إلى من تعلّق به أوله، ما لم يمنع مانع، كقوله: تُعَزَرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً و أصيلًا، إنما انقطع الضمير في و تُسَبِّحُوهُ عن الأول، لأن التسبيح لا يليق بالرسول و يخصه تعالى، لو لا ذلك لم ينفصل، و لأنه لا يوجد في كلام العرب ضمير يتعلّق أوّله بمذكور و أوسطه بمذكور آخر و آخره بالمذكور الأول.

فلا يجوز أن تكون الهاء في عَلَيْه مختصة بأبي بكر، مع علمنا بأنها في قوله:

نَصَرَهُ متعلقة بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) بغير شبهة و في قوله: وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، و معلوم أنّ المؤيد بالجنود هو النبي صلى الله عليه و آله، فيجب أن يكون هو المنزول عليه السكينة.

و من ذلك فيه خاصة قوله تعالى: وَ الذي جاءَ بالصَّدْقِ وَصَدَّقَ به أولئكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. قالوا: وقد نقل المفسرون اختصاصها بأبي بكر، و فيها الوعد بالمصدق للثواب.

و الجواب من وجوه:

منها: أنّ الراوي لذلك من جهلة المفسرين هم الذين أولوا القرآن بآرائهم، و أضافوا القبيح إلى الله تعالى، و شبهوه بخلقه، كمقاتل و قتادة و داود [و] الحواري و الكلبي، و لا اعتداد بتأويل من هذه حاله.

و بعد فهو معارض بما رواه ابن عباس و مجاهد و غیرهما من علماء التفسير.

فمنهم من:

رَوَى الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) وَ صَدَّقَ بهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه و آله.

و منهم من:

رَوَى الَّذِي جَاءَ بالصِّدْقِ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ صَدَقَ بهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

و هو أولاها، لأنه أول المصدّقين به بلا خلاف.

و لا يقدح في ذلك بما لا تزال جهالهم يقولونه من صغر سنه، لأنه (عليه السلام) لم يكن صغيرا يبعد منه التصديق، لكونه ابن عشر سنين، وقد وجدنا في زماننا من هو في هذا السن يدرك فهم كثير مما يبعد فهمه عن الكهول، و لأنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) دعاه إلى الاسلام بغير خلاف، و لا يجوز أن يدعو من ليس بكامل، لقبح ذلك، و لأنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) مدحه بالسبق، و تمدح هو به على أعدائه، و لا وجه لذلك إلاوقوع سبقه موقعه.

على أنا إن وقعنا فيمن نزلت هذه الآية، فلسنا في خروج أبي بكر منها، لضلاله المدلول عليه، و تضمنها الوعد للمذكور فيها بالثواب، و لفقد برهان على وقوع تصديق أبي بكر موقعه ليسلم له الوعد، و لو أمكن ذلك لأغنى عن الآية بلا خلاف.

و من ذلك فيه: قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أعْطى وَ اتَّقَى وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى.

قالوا: وقد روى المفسرون أنه أبو بكر.

و الجواب: أنا آمنون كون الآية [ليست] فيه لما قدمناه من ضلالته، وتضمنها وصفا لا يليق بالضلال.

ثم لو فرضنا ارتفاع ذلك، لكان الظاهر العموم في كل معط و مصدق، فلا يجوز تخصيصها إلا بدلالة و لا دلالة في قول المفسرين.

و بعد، فروايتهم مختصة بتصديقه بحديقة نخل تسمّى الحسنى.

فأوّل ما في هذا أنّه لا تعرف في الحجاز حديقة توصف بذلك، و لأنه لو كان الحال كذلك لقال: تصدق، و لما قال: صَدَّقَ، و هو من التصديق و قابله بكذب المتعلقين بالاعتقادات دون الصدقة دلّ على ما ذكرناه.

و من ذلك فيه: قوله تعالى: وَلا يَأْتَل اُولُوا الْفَضْل مِنْكُمْ وَ السَّعَة أَنْ يُؤْتُوا أُولي القُربى و الْمَسَاكِينَ وَ الْمُهاجرين في سَبيل الله وَليَعْفُوا وَليَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

قالوا: و هذه الآية في أبي بكر و مسطح عند قذفه عائشة و حرمان أبي بكر إياه البر، و قد سماه الله تعالى أولي فضل، و هذا يخالف ما يقولون فيه.

و الجواب من وجوه:

منها: أن القول بتخصيص الآية بأبي بكر مستند إلى من ذكرناه من جهلة المفسرين، فلا يجوز لمثله الرجوع من ظاهر العموم المتضمّن لنهي كلّ مكلف عن التأل على حرمان أولي القربى و المساكين و المهاجرين بجريرة وقعت منهم.

على أنه قد روى جماعة من المفسرين ما يخالف ذلك، و أنّ ملاحاة وقعت بين المهاجرين و الأنصار في بعض البعث، فشجّ بعض المهاجرين أنصاريا، قالوا: لا تبروهم، فأنزل الله الآية، و أراد بالقربى قرابة النبي صلى الله عليه و آله.

و يقوّي هذه الرواية: أن مسطحا لم يكن من قرابة أبي بكر، و هو واحد، و ظاهر الآية الجمع، فصار حملها على هذه الرواية أولى، لمطابقتها لها من كل وجه و منافاتها لروايتهم، و أقلّ أحوالها أن تعارض ما رووه، فسقط التعلّق بها.

و منها: أنا لو سلمنا تخصصها بأبي بكر لكانت بالذم، أولى، لكونه منهيا بظاهرها عن فعل، و النهي لا يكون منه إلا عن قبيح، و إذا كان تاليه وقع على وجه يقبح، فالآية برهان على نقصه و ذمّه، فيكف تجعل دلالة على مدحه و أيضا فانّ الفضل المذكور فيها المراد فيه الفضل في الدنيا وسعة الحال فيها، لأنّ تعلّق الآية بالقصة التي ذكروها يقتضي ذلك، فكأنّه قال: و لا يأتل الأغنياء و ذووا السعة على منع الفقراء من رزق الله تعالى لديهم.

و أراد بالفضل هاهنا على مسطح دون غيره، لتخصص الحكم به، و حصول العلم بأن أبا بكر لم يكن من الأغنياء، لا سيما بعد الهجرة.

و إذا صح هذا، فالفضل في باب الدنيا ليس بثواب و لا دال عليه و لا مانع من قبيح.

[ما استدل به من السنة]

و تعلقوا من جهة السنّة بأشياء:

منها: ما

رَوَوْهُ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آله أَنَّهُ قَالَ خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.

و قَولُهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْر فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ.

و قوله: أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ.

و الجواب من وجوه:

منها: أنّ هذه أخبار آحاد بلا خلاف بين الأصوليين، و ما قصدوا له لا يكفي فيه إلا ما يوجب العلم باتفاق.

و منها: أنه لا يخلو أن يجعلوها دلالة على نفي القبيح عن كلّ واحد من الصحابة، أو عن إجماعهم.

و الأول معلوم ضرورة خلافه في كثير منهم، و إذا لم يمكن نفيه عن كل واحد لم ينفعهم، لصحة كون من اختلفنا فيه من جملة الآحاد الخارجين عن موجبه.

و الثاني غير نافع لهم، لأنا لا نخالف فيه، لوجوب وجود معصوم في كل قرن يدلّ دخوله في جماعة المجمعين على صحة إجماعهم، و المقدوح في عدالتهم ليسوا جميع الأمة، المعصوم من غيرهم.

و منها: أنّ هذه الأخبار معارضة بآيات و أخبار.

فالآيات: آيات المنافقين، و هي كثيرة.

و منها: وصفه تعالى لقوم من الصحابة برفع الأصوات على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و ترك تعظیمه و توقيره حتى نهاهم تعالى عن ذلك بقوله سبحانه: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْت النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ.

و قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدْعاء بَعْضُكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

و قوله تعالى: وَ إذا رأوا تجارَةً أَوْ لَهُوا انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ النّجارَة وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، فنص على إيثارهم التجارة و اللهو على الصلاة، و القصة مشهورة.

و قوله تعالى: و مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا.

و قوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، [نزلت هذه الآية] يوم بدر، و هي منافية لدعواهم للغفران لما تقدّم و تأخر من ذنوب أهل بدر و توبيخهم على هزيمتهم يوم أحد وحنين، وسوء اعتقادهم يوم الأحزاب والآيات بذلك ثابتة.

و قوله تعالى: وَ ما محمّد إِنَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتلَ انْقَلَبْتُم عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.

و غير ذلك من الآيات المتضمنة لذمّ قوم الآيات المتضمنة لذمّ قوم ممن هم على ظاهر الصحبة، إيراد جميعها يطول، و فيما ذكرناه كفاية.

و أما الأخبار: فما

رَوَوْهُ عَن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عَلَى الْحَوْضَ - حَوْضَ عَرْضُهُ مَا بَيْنَ سْرَى وَ صَنْعَاءَ فِيهِ قُدْحَانُ كَعَدَدِ النُّجُومِ - إِذْ يَأْتِي قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِي أَعْرِفُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَنْسَابِهِمْ إِذَا دَنَوْا مِنِّي اخْتَلَجُوا، دوني، فَأَقُولُ أصْحَابي أصْحَابي، فَيُقَالُ لِي: يَا محمّد إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحدثوا بَعْدَكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَى مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ أَلا بعداً، ألا سُحقاً ألا سُحقاً.

و قولهُ (عليه السلام) - وَ قَدْ ذُكِرَتْ فِتْنَةُ الدَّجَّالِ - إِنِّي لفتْنَةِ بَعْضِكُمْ أخْوَفُ مِنِّي لفتْنَةِ الدَّجَّالِ.

و قَولهُ (عليه السلام): إِنَّ مِنْ أَصْحَابِي مَنْ لَا يَرَانِي بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَني.

و قَولُهُ (عليه السلام) تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً، يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْض.

و قَولهُ (عليه السلام): لَتَسْلُكُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى لَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمْ فِي جُحْرِ ضَرٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّه الْيَهُودَ َوالنَّصَارَى، فَقَالَ: فَمَنْ إِذَنْ!.

و

قَولُهُ (عليه السلام): يُؤْخَذُ بِقَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصَيْحَابِي، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا لَكَ بِأَصْحَابِ، إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ:

بُعْداً للْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

في أمثال لهذه الروايات - يطول بذكرها الكتاب - واردة بما ذكرناه.

و هذه أخبار قد سلّمها الكل، و اقترن إليها القرآن، فيجب له الرجوع عما رووه، أو تخصيصه بمن يليق به و يتعين فرض البرهان على من ادعى تخصصه بمعين.

منها: أن يتكلّم على كل خبر منها:

أما ما رووه أولا، فإنّ قَولُهُ (عليه السلام): خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.

فدلالة على كثرة الاخيار في المذكورين دون جميعهم كقول القائل: بنو فلان خير من بني فلان و بنو فلان أشجع من بني فلان، لا يفيد كلام هذا إلا ما ذكرناه من كثرة الأخيار الشجعان في إحدى القبيلتين على الأخرى، يؤكد ذلك خروج أكثرهم عن هذه السمة باتفاق. و لحصول العلم الضروري بوجود أعيان تابعين أفضل من صحابة، و تابعيهم أفضل منهم، و معاصرين لنا أفضل من كثير من الصحابة.

و هو معارض بما:

رَوَوْهُ مِنْ قَوْلِهِ (عليه السلام) إِنَّ أَفْضَلَ أُمَّتِي قَوْمَ آمَنُوا بِي وَ لَمْ يَرَوْنِي، خَالَطَ حُبّي لحُومَهُمْ وَ دماءهم، فهم يؤثرونِّي عَلَى الْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ.

و أما ما رووه ثانيا في أهل بدر، فلا يخلو أن يريد (عليه السلام) غفر لكم الماضي من ذنوبكم، أو المستقبل.

فان أراد الماضي، فلا نفع فيه في موضع التعلّق، لأن غفران ما مضى لا يمنع من استيناف مثله.

إن أراد المستقبل، فباطل من وجهين:

أحدهما: أن ظاهر قوله (عليه السلام)، غفر إخبار عن ماضي لا يجوز حمله على مستقبل إلا و بدليل.

الثاني: أن القطع على غفران المستقبل على كل حال لمن ليس بمعصوم إغراء بالقبح، و أكثر أهل بدر غير مقطوع على عصمتهم، لوقوع القبح منهم، والإغراء لا يجوز عليه تعالى.

و أما ما رووه ثالثا، فباطل من وجوه:

منها: قيام البرهان على ضلال القوم المتقدمين في مقام النبوة و متبعيهم على ذلك.

و منها: أنّه (عليه السلام) لا يجوز أن يحكم بهداية المقتدي به [غير] معصوم، و لا أحد قطع على عصمة من ذكروه، فيجب توجّهه إلى أئمتنا عليهم السلام، لثبوت عصمتهم بالأدلة.

و منها: أنه لا يخلو أن يريد جميع الصحابة، أو بعضهم.

فإن أراد البعض، فعليهم أن يدلوا على أنّ القوم المقتدين من جملة ذلك البعض، و أنّى لهم به.

و إن أراد الجميع، فالمعلوم ضرورة خلافه، لوقوع القبح من أكثرهم، كطلحة و الزبير و قدامة بن مظعون المستحل الخمر، و مالك بن نويرة و بني حنيفة و غيرهم عندهم، و قاتلي عثمان، و معاوية و عمرو بن العاص المستحلين دماء أهل بدر و حنين، و وقوعه يحيل كون المقتدي بهم مهتديا.

و لأن ذلك يقتضي صواب مالك بن نويرة فيما فعله و من اتبعه و أبي بكر و خالد فيما أتياه إليه، و عثمان فيما صنعه بابن مسعود و عمار و أبي ذر و غيرهم و هم مصيبون في الإنكار عليه و على ذويه، و من منعه الماء وقتله، و علي و ذويه و من معه من المهاجرين الأنصار في قتال طلحة و الزبير و معاوية و عمرو و من في حيزهم، و هم في قتاله استحلال، دمه و هداية كل مقتد بواحد من هؤلاء.

و فساد ذلك ظاهر.

و مما تعلقوا به: مارَوَوْهُ عَنْهُ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِي فِي الْجَنَّةِ:

أبو بَكْرِ، وَ عُمَرَ، وَ عُثْمَانُ، وَ عَلِي، وَ طَلْحَةَ، وَ الزبير، وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ فُضَيْلِ، وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفُ، وَ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاح.

قالوا: فشهد لهؤلاء بالجنة، و ذلك يقتضي إمامتهم، لأنه لا أحد فرق بين الموضعين، فمنع من شهادتكم عليهم بالكفر المخالفة للنبي صلى الله عليه و آله.

و الجواب من وجوه:

أحدها: أنه خبر واحد لا يجوز العمل به عندنا في شيء، و لا عند الكل فيما طريقه العلم، و القطع على ثبوت الثواب لمكلّف معين مما لا يكفي فيه إلا العلم، لا سيما في ذي قبائح ظاهرة، فلا يجوز إثبات إثباته بخبر واحد باتفاق.

و ثانيها: أنه لم يروه إلا سعيد، و هو أحد العشرة، و لو كان ثابتا مع قوة الدواعي إلى نقله- لتضمن البشارة بالجنة لأولي الأمر - لوجب تواتره و شياعه إلى حد لا يبقى فيه لبس، و من فقد ذلك برهان على سقوطه.

و ثالثها: أنه لو كان ثابتا لكان معلوما لأبي بكر و عمر و عثمان و علي (عليه السلام):

فكان لا يَقُولُ أبو بَكْرِ عِنْدَ وَفَاته: لَيْتَني لَمْ أَكْشَف بَيْتَ فَاطِمَةَ وَ لَوْ أَغْلَقَ عَلَى حَرْبٍ، وَ لَيْتَنِي لَمْ أَقْتُلِ الهرمزَانَ، أَوْ لَيْتَنِي كُنتُ سَأَلْتُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هَلْ لِلْأَنْصَارِ حَقٌّ فِي الْأَمْرِ، فَكُنَّا لَا ننازعهم، وَ لَيْتَني بَايَعْتُ أَحَدَ الرَّجُلَيْن.

و لَا يَقُولُ عُمَرُ عِنْدَ وَفَاته: لَيْتَ أمِّي لَمْ تَلدْني، وَ لَيْتَني كُنتُ نَسْياً مَنْسِيَا، وَ وَدَّ ابْنُ الْخَطَابِ أَنَّهُ نَجَى كَفَافاً لَا عَلَيْهِ وَ لَا لَهُ، وَ يَأْمُرُ ابْنَهُ بِوَضع حَدَّهِ عَلَى التُّرَابِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُ ابْنُ عبَّاس: يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَ تَجْزَعُ، فَقَدْ كَانَ وَ اللَّهِ إِسْلَامُكَ عِزَا وَ إِمَارَتُكَ فَتْحاً، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ عُمَرُ: المَغْرُورُ وَالله مَنْ غَرَرتُمُوهُ، وَدَّ ابْنُ الْخَطَابِ أَنَّهُ نَجَا كَفَافاً لَا عَلَيْهِ وَ لَا لَهُ، وَيَقُولُ وَ قَدْ قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلِفَ ابْنَكَ عَبْدَ اللَّهِ - حَسْبُ آلَ الْخَطَابِ أَنْ يُدَانَ رَجُلٌ مِنْهُم بِالْخَلَائِقِ. لأن علم المكلف بالثواب وأمانه من العقاب يمنع من هذا الجزع و يؤمن من هذا الخوف، و ثبوتهما ينافي حصول اليقين به بغير شبهة.

و كان ينبغي أن يحتج به عثمان على محاصريه، لكونه أبلغ من جميع ما ذكره، و كان لا يظهر ما ظهر من وجوه الصحابة من الاستخفاف به و الشهادة عليه بالضلال و الحصر و منع

الماء و استحلال دمه وإراقته، لا سيما مع كون جميعهم. القوم هم العيار في جميع أمور الدين و كون جمهورهم عندنا بهذه الصفة، لأن علم المسلم الورع كون غيره من أهل الجنة قطعا يجب أن يمنعه من النفير به و الاستخفاف و التضليل و استحلال الدم.

و كان ينبغي أن يحتج به علي (عليه السلام) في مواضع الحاجة إليه، و يقبله حين رواه طلحة و الزبير يوم الجمل، و لا يرده و يشهد بكذبه و يقطع بضلال بعض المذكورين فيه و خلودهم في النار.

رابعها: أن الشهادة بالجنة تقتضي عصمة المشهود له، لأن فقدها فيه يقتضي الإغراء بالقبح، و التكليف مع الإغراء قبيح لا يجوز عليه سبحانه.

و لا أحد قطع على عصمة التسعة المذكورين فيه حسب ما بيناه في الثلاثة المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) و ما وقع من عبد الرحمن يوم الشورى و بعدها من ذم عثمان و خذلانه، و ما وقع من الجميع من التخلف عن أسامة و خذلان عثمان و و ما أتاه طلحة و الزبير من حصاره و الشدّ في أمره حتى قتل، و نكثهما بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) لغير حدث، و ما أتوه من القبائح في البصرة قبل حضور علي و بعده، من استحلال الدماء و الأموال بغير حق و قتال الإمام العادل وضلال الجميع بجحد النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) الثابت بالأدلة القاهرة، و موت الكلّ على الإصرار على ذلك، من غير علم و لا ظنّ بتوبة احد منهم.

و خامسها: أنّ هذا الخبر معارض بما رووه من

قول أميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لطَلْحَةَ وَ الزبير: - وَ قَد احْتَجَّا عَلَيْهِ - أَمَّا أَنْتُمَا فَتَشْهَدَان لي بِالْجَنَّةِ فَقَدْ حرم عَلَيْكُما قتالي،، وَ أمَّا أنا فيما قُلْتُمَا منَ الْكَافرين، أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُهُ إِنَّ فِي جَهَنَّمَ تَابُوتاً فِيهِ سِتَّةٌ مِنَ الْأُولِينَ وَ سِتَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ، إذَا أرَادَ اللَّهُ أنْ يُسَعَرَ جَهَنَّمَ فَتَحَ ذَلكَ التَّابُوتِ، وَ إِنَّ فِيهِ لَبَعْضَ مَنْ ذَكَرْتُمْ، وَ إِلَّا فَأَظْفَرَكُمُ اللَّهُ بِي وَ أَظْفَرَنِي بِكُمْ.

و هذه مباهلة من أمير المؤمنين (عليه السلام)، تقتضي ضلال القوم المذكورين في الخبر، و لم يرد عليه أحد من الصحابة و لا طلحة و الزبير و من كان في حيزهما، فصار إجماعا.

و من ذلك: ما

رَوَوْهُ عَنْهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنَّهُ قَالَ: اقْتَدُوا بِاللَّذِينَ مِنْ بَعْدِي:

أبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.

:قالوا والأمر بذلك ينافي ما يقولون فيهما.

و الجواب من وجوه:

منها: أنه خبر واحد لا يجوز العمل به عندنا على حاله و لا عند الكل في مثل هذه المسألة. و منها: أنه لم يرد إلا من جهة عبد الملك بن عمير اللخمي، و كان قاضيا لبني أمية معروفا بالفجور،

وَ هُوَ الَّذِي ذَبَحَ بِيَدِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَقْطَرَ رَضِيعَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) السَّلَامُ.

و لو كان ثابتا لم تقف روايته على هذا الفاجر، مع قوة الدواعي و انتفاء الصوارف.

و منها: أنّ الأمر بالاقتداء بهما يقتضي عصمتهما، لقبح الأمر بالاقتداء بمن يجوزمنه القبيح، ولا أحد قطع بها لهما.

و منها: وقوع القبائح التي بيناها منهما، و ذلك يمنع من الأمر بالاقتداء بهما.

و منها: أنه لا أحد من الأمة يدين بوجوب ب الاقتداء بهما، و لو كان ثابتا لوجب على أقلّ الأحوال تدين شيعتهما بذلك و تحريم خلافهما، وليسوا كذلك.

و منها: أنّ ظاهر الخبر يقتضي وجوب الاقتداء بهما معا، و ذلك محال، لحصول العلم بما بينهما من الاختلاف في الأحكام.

و منها: أنه لو كان صحيحا لاحتجا به يوم السقيفة على الأنصار، فهو أحج مما ذكراه، و لاحتج به أبو بكر في توليه عمر على من أنكر عليه ولايته من الصحابة.

و من ذلك ما رووه من كونهما معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) في العريش.

قالوا: وهذا يدلّ على غاية الاختصاص.

و الجواب من وجوه:

منها: أنه خبر واحد، وقد بينا فساد التعلق بمثله في مثل هذا.

و منها: أن الظاهر يوم بدر و حنين حين الحرب

كَوْنُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مُعَنِّياً للصُّفُوفِ وَ بِيَدِهِ سَهُمْ فَوَكَزَ بِهِ سَوَارَ بْنَ عَزَّةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله المْتَني أقدني، فَكَشَفَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَنْ بَطْنه، فَقَبَّلَهُ سَوَارٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آله: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا فَقَالَ يَا رَسُولَ الله هِيَ الْحَرْبُ وَأَنَا أرْجُو الشَّهَادَةَ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخرَ عَهْدِي أَنْ يَمَس جلدي جلْدَكَ، فَجَزَاهُ خَيْراً.

و هذا ينافي كونه في العريش منفردا أو مقارنا لغيره.

و منها: أنه لو ثبت كونهما معه في العريش لم يخل أن يكون بأمره أو بغير أمره.

و كونه بغير أمره لا فضيلة فيه، و يكون الحامل عليه الجبن، و يلحق بما وقع منهما من الفرار في [غير] مقام، لأنه ولا فرق بين القبح في القعود عن الجهاد مع الحاجة إليه، و بين الفرار منه، و لم ينههما عن ذلك، لاستغنائه عنه بتقدم الأمر من الله تعالى بالجهاد، و الحث منه سبحانه عليه، و لأنه (عليه السلام) إذا علم الوجه في تخلفهما حسن منه الامساك عنهما، خوفا من الفساد بظهور جورهما و فشلهما.

و إن كان بأمره- عليه الصلاة و السلام- فلا وجه له إلا الخوف من إفسادهما، لأن الشفقة عليهما من الجهاد ليست دينه لحصول العلم الضروري بالحث على الجهاد و ذمّ المتخلف عنه، و تعریض نفسه خلصائه و من أهله و أصحابه، له فصار العريش منقصة ظاهرة.

و ليس لأحد أن يقول الوجه في حبسهما في العريش للمشاورة.

لأنه (عليه السلام) غنيّ عن رأيهما بالوحى، و لأنه لو كان كذلك لحفظ ما أشارا به و نقل كما نقل ما أشارا به بعد الظهور على الكفار من احتباس الأسرى و بيعهم، و نزول القرآن بذم أبي بكر المشير به و مشورة الآخر بالقتل، و لأنّ الجلوس في العريش كان بعد الفراغ من الرأي و التقاء القوم للحرب، و لأن الحرب و سياستها غيبته عن رأي أبي بكر بنزول المكيدة و الملائكة وتوليهم أمرها.

[ ردّ من قال بأن ما عمله القوم لا يوجب الكفر]

إن قيل: فهب سلّم لكم خلاف المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) و أتباعهم، و محاربتهم لله و رسوله بتقدّمهم و حربهم، من أين لكم أنّ ذلك الخلاف كفر مضوا مصرّين

عليه و ما أنكرتم أن يكون فسقا يجوز العفو عنه أو حصول التوبة منه، ذلك و يمنع من فتياكم فيهم بالضلال و الخلود في النار على أصولكم في..

قيل: إنّ المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) و أعيان، أتباعهم، كسعد و سعید و خالد و أبي عبيدة و عبد الرحمن و سالم و المغيرة، فالأمة فيهم رجلان:

إما قائل بإيمانهم و موتهم على طاعة الله و طاعة رسوله عليه السلام.

أو قائل بخلافهم لله تعالى و رسوله عليه السلام.

وكل من قال بالثاني قال إن ذلك الخلاف كفر ماتوا عليه و استحقوا به الخلود في النار. و تسلیم خلافهم، و دعوى كونه فسقا ليس بكفر يصح غفرانه ابتداء، أو ثبوته حصلت منهم خروج من الاجماع.

فيجب على مقتضى تسليم السائل عصيانهم الحكم بصحة فتيانا.

و أيضا، فكلّ من أوجب الرئاسة عقلا و عصمة الرئيس قال فيهم بغيا، فلو كذلك كل من أثبت النص الجلي على أمير المؤمنين (عليه السلام) قال بذلك - و لذا كان برهان الرئاسة و صفتها و النص الجلي واضحا بما بيناه - ثبت خلافهم للواجب عليهم، و كونه كفرا مضوا عليه.

و أيضا، فاذا كانت الإمامة بصفاتها من جملة المعارف العقلية و التكذيب بها كفر، و قد ثبت تخصصها بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) بأمير المؤمنين (عليه السلام) بواضح الحجة، و تدينهم بجحدها، وجب الحكم بكفرهم.

و أيضا، ففرض الإمامة عام باتفاق فاذا ثبت لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالكتاب و السنة ثبت كفرهم بجحدهم ما يعم، فرضه كالصلاة والصوم.

إن قيل: هاتان الطريقتان مثبتتان على إنكارهم إمامة علي (عليه السلام) مستحلّين، فدلوا على ذلك.

قيل: ذلك معلوم من حالهم بأدنى تأمل و متيقن من قصدهم يوضحه: أن الشيعة بأسرها تقطع عليه، و من خالفها من شيعة المتقدمين يدينون بنفي إمامته، مضيفين هذه الفتيا إلى سلفهم، فارتفع لذلك اللبس في إنكار الإمامة عن استحلال.

و أيضا، فمعلوم من دين أمير المؤمنين (عليه السلام) و ذريته المعصومين عليهم السلام و شيعتهم الصالحين القطع على كفر القوم و موتهم علیه و خلودهم به في النار، و فتياهم بذلك خلفا عن سلف، و انقراض الأعصار بإطباق الذرية في النسب و الشيعة في المذهب عليه، و الفتيا حجة - لاستنادها في كل عصر إلى حجة معصوم لو ثبتت في عصر واحد لكفت، فكيف بها متناصرة في الأعصار المتوالية.

إن قيل: و من أي وجه علمتم ذلك من حال من ذكرتموه أبينوا عنه لنعلم صحة هذه الاضافة من فسادها.

قيل: أمّا تدين أمير المؤمنين و الأئمة من ذريته صلوات الله عليهم بذلك فمن وجوه: أحدها: تأمل حالهم، و ما حفظ عنهم بحضرة الولي و العدو من الازراء على القطع المقوّم بصلاتهم، كما يعلم بدين الشافعي و مالك و أبي حنيفة و من تبعهم بولاية القوم. و منها: تواتر شيعتهم عنهم و ذراريهم بذلك، و تقربهم إلى الله تعالى و إليهم به مع اختصاصهم بهم و توليهم و قبول ما يحملونه من حقوق الأموال و تعظيمهم مع هذه الحال و لو كان دينهم عليهم السلام بخلاف ما يظهر من ذريتهم و شيعتهم و يدينون به لأنكروا عليهم و برئوا منهم، و في فقد ذلك دليل على موافقتهم لهم فيه.

فأما طريق تدين الشيعة و الذرية بذلك، فالعلم الضروري من حالهم اتخاذهم شعارا على حال الأمن و الخوف.

و أمّا من عدا من ذكرنا من الصحابة، فعلى ضروب:

منها: ضرب مقطوع على إيمانهم كسلمان و عمار، و أبي ذر و مقداد، و حذيفة، و خزيمة، و عبد الله بن مسعود، و أبي بن كعب، و أبي سعيد الخدري، و العباس، و ولده، و بريدة أمثال لهؤلاء من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) العارفين بإمامته، المختصين الأسلمي، في بولايته الممسكين لامساكه.

و ضرب معلوم إيمانهم على جهة الجملة، لم يتعينوا بعين من ذكرناه، و لم يتبعوا الظالمين إتباع من نذكره.

و ضرب كفّار غير متعيّن بعين من قدّمناه، و هم الّذين يدينون بجحد إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) و هم رجلان منافق يظهر الاسلام ويبطن الكفر و معتقد لظاهر الاسلام عن تقليد بغير حجّة أو حجة واقعة غير موقعها يدين بجهله بامامة المتقدمين.

و ضرب فساق حملهم حب الدنيا وإيثار الرئاسة وارادة الحظوة عند الرؤساء على الترشح لهذا الأمر، أو إتباع المتغلبين رغبة عندهم، مع ثبوت إيمانهم عند الله تعالى و سوابقه إلى دينه وعلمهم بإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) و دينهم بفرضها و ضلال منكرها، فهم الجمهور الأكبر و السواد الأعظم.

و إن قيل: فاذا كانت هذه حال الناس بعد النبي صلى الله عليه و آله، فقد كان ينبغي لعلي (عليه السلام) أن يدعو إلى نفسه، و يذكر بفرض طاعته و واجب حقه، فاذا فعل فالجمهور على قولكم عارفون بإمامته و فرض طاعته و يجدون عنده ما يؤملونه من الدنيا مع سلامة الدين، فلا يبقى لهم صارف عنه، و منكر ذلك القليل الذي لا قوام لهم بأهل الحق.

قيل: أما دعوته صلوات الله عليه الناس إلى نفسه فغير واجبة عليه، لاستغنائه عنها بدعوة الله سبحانه بنص التنزيل، و دعوة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) في غير مقام بضروب الأقوال.

غير أنه (عليه السلام) قد دعى و نبه و خوف من خلافه، وصرّح بكونه أولى بالبيعة من مليحه إليها، و أحق الناس بمقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من القائم فيه.

فأجابه المخلصون و هم رجلان مستطيع للنصرة و هم الأقل الذين لا يتم بهم الانتصار، و من عداهم ذوو دین و ورع و ليسوا أهل حرب وقتال.

و تخلّف عنه الأكثر، فمن كان كافر بإمامته لا ترجى نصرته و من دان بها قد سبق إلى بيعة أبي بكر للوجوه التي ذكرناها من الطمع في الدنيا و عاجل بزخرفها يظن لتقصيره عن النصر أنّ ذمته مرتهنة ببيعته لأبي بكر، و أنه لا يسوغ له نكتها على حال، أو يعلم الحق في وجوب البيعة لأمر الله تعالى ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و ما أوجباه من إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) التي لا ينقضها عهد و لا يعذر في تركها عقد، و يصرفه عن ذلك الطمع في نيل الرئاسة وبلوغ المأمول من الدنيا بولاية القوم.

و ما زال الأكثر من الخلق من أول الدهر إلى الآن يؤثرون الدنيا على الآخرة، و يرغبون عنها لبعض ما رغب فيه أتباع الظالمين مع سلامة الظواهر و البواطن من الضلال و مؤثروا الآخرة على الدنيا وبايعوها لها الأقلّون عددا، عادتهم بذلك جارية، وحالهم فيه معلومة، و خلافه لا يعرف و بنقضه لا يتوهم.

و بهذا يسقط ما لا يزالون يتعجبون منه من عدول الناس عن ذوي العشيرة الكثيرة و الفضائل مع القربي و السبق و الجهاد و الزهد والعلم و كونه منصوصا عليه على ما يزعمون، العظيمة إلى من لا يدانيه في شيء و لا نص عليه، فليتأمل ذلك.

و لأنه لا قياس على الاتفاق و لا تعجب من تمام الرئاسة لذوي الدناءة و النقص على ذي النباهة و الفضل، و العادة به جارية، و الموجود له شاهده، و ما بين الخلق و الدني إلا أن تتم له الرئاسة حتى ينقاد له الفاضل و المفضول و السيد و المسود، ويسلم له الشجاع القوي و الضعيف الدني، و ينخع الكل بالطاعة رجاء أو خوفا.

و بعد، فهناك دعوى إلى ولاية القوم وصوارف عنه (عليه السلام) لما هو عليه و هم من الصفات.

منها: أن هناك منافقين اضطرهم علوّ كلمة الاسلام و خوف علي و شيعته المخلصين في النبوة إلى إظهاره لا داعي لهم إلى ولاية سنام هذا الدين و ناصره و مذل الشرك و دامغه، و لهذا نجدهم مدة حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و إلى أن قبضه سبحانه إليه يقدحون في الدين و يدغلون على المؤمنين و يتربصون بهم الدوائر و يرجفون في المدينة و من حولها، و لم يعرف مرجف في ولاية الثلاثة و لا قادح ولايتهم بذلك، فلما آل الأمر إلى علي (عليه السلام) عادت الحال إلى ما كانت عليه في أيام النبي صلى الله عليه و آله.

هذا برهان واضح على ما قلناه، مع ما فيه من برهان نفاق المتقدمين و مشاركتهم للمعروفين به أيام النبي صلى الله عليه و آله.

و منها: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) مزيل الرئاسات و مذلّ، العزيز، وقاتل الأحبة، ومفرق الجمع، و من هذه حاله فالصوارف عنه قوية، و إن كان المصروف محقا، لاستناد نفاره عنه إلى الطباع الغالبة و لهذا؛

قَالَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) - وَ هُوَ أَعْلَى الْخَلْقِ إِيمَاناً - لوَحْشِيُّ قَاتِلِ عَمِّهِ وَ قَدْ آمَنَ بِهِ: اخرج عني، فَإِنِّي لَا أُطيقُ أَرَى قَاتل عمي.

فما بال نخوة الجاهلية و قريبي عهد الايمان، و ليس في القوم المتقدمين شيء من ذلك. و منها: علم الكلّ من حال علي (عليه السلام) أنه إن يلي الأمر لا يعدو سيرة نبيهم صلّى الله عليه و آله: من التسوية بين الرئيس و المرءوس و السيد و المسود في العطاء، و علم الرؤساء و السادة و الشجعان الذين بهم تتم الرئاسات و ينقاد لهم الاتباع فيرضون لرضاهم و يسخطون لسخطهم، فذلك صرفهم عن ولاية علي (عليه السلام) إلى المتقدمين عليه.

و قد صرح بهذا عبد الرحمن يوم الشورى في تعريضه عليا (عليه السلام) للبيعة على سيرة أبي بكر و عمر و امتناعه من ذلك إلى السيرة بكتاب الله و سنة نبيه (عليه السلام)، و مبايعة عثمان على هذا الشرط، و إمساك أهل الحل و العقد و ذوي النجدة و الرأي عن الانكار على عبد الرحمن، لعلمهم بمقصده و قصد علي (عليه السلام) و ما يريده من سيرة النبوة المساوية بينهم و بين أطراف الناس، و ما يريده عبد الرحمن من التفضيل في العطاء.

و معلوم توفّر صوارف الرؤساء عن ولاية من هذه حاله و دواعيهم إلى ولاية من بين لهم في الدنيا منازلهم و ارتفاع الشبهة عن العقلاء في فساد رئاسة ذاك و تمام ولاية هذا، لحصول العلم الضروري بجريان العادة من أول الدهر و إلى الآن به.

و منها: علم الأماثل و رءوس القبائل بيأسهم من الخلافة ورئاسة الأنام مع ولاية علي (عليه السلام)، و ثبوت فضله و ذريته عليهم السلام، وتقدم النص من الله تعالى و من رسوله (عليه السلام) عليه وعليهم بالامامة وخلافة الخلق إلى يوم القيامة و طمعهم فيها يصرفها عنه إلى غيره.

و قد صرّح بهذا المغيرة بن شعبة يوم السقيفة في قوله وسعوا ما يتسع، و الله لئن وليتموها هاشميا لا يزال ينتظر بها الحمول في بطون النساء.

و قد صحح هذا الغرض الوجود، و كشف عدولهم بالخلافة عن أهلها الذين اختارهم الله سبحانه و رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) لها، عن تعديها إلى من كان لا يظن به صلاح للامارة على قرنه، كمعاوية بن أبي سفيان، و ولده يزيد و مروان بن الحكم الطريد ابن الطريد، و

مسلمة الفتح، و من هدر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) دمه، و من بعدهم من الولاة و الأمراء المعلنين بالفسق و عظيم الجور و قبح السياسة الدينية والدنيوية.

فلكلّ واحد من هذه الوجوه عدل بالأمر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مع ظهور فضائله، ثبوت ذرائعه و وسائله إليه، و انتفائها عمّن أهل للأمر وقدم عليه صلوات الله عليه و آله. أما محاربوه (عليه السلام)، فبرهان كفرهم أظهر من برهان كفر المتقدمين عليه، لأن كلّ شيء دل على كفر أولئك دلّ على كفر هؤلاء، عدا الدليل الأول لأن المعتزلة تحكم بفسق أصحاب الجمل و صفین دون كفرهم و تدّعي توبة أهل البصرة.

و يدلّ فيهم خاصة: ما اجتمعت الأمة عليه من

قَوْل رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آله:

حَرْبكَ يَا عَلِيُّ حَرْبِي وَ سَلْمُكَ سلمي.

و قَوْله (عليه السلام): مَنْ حَارَبَ عَلِيّاً فَقَدْ حَارَبَنِي وَ مَنْ حَارَبَنِي فَقَدْ حَارَبَ اللَّهَ.

و قَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَعَليَّ (عليه السلام): أَنَا حَرْبُ لِمَنْ حَارَبَت وَ سِلْمٌ لِمَنْ سَأَلَمْتَ.

و قد اتفقت الأمة على أنّ حرب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) و علي (عليه السلام) لملة كفر، و محاربه كافر، فيجب أن يكون حرب حال علي (عليه السلام) عليه و محاربه كذلك، حسب ما نص عليه و حكم به.

و يدلّ أيضا على ضلالهم حصول العلم من قصورهم استحلال دماء المؤمنين على الظاهر باتفاق، و المقطوع على إيمانهم عند الله تعالى كعلي و الحسن و الحسين و محمّد بن الحنفية و ابن عباس و عمار و جماعة من الصحابة والتابعين باجماع، و قد اتفق الكل على كفر مستحل دماء أهل الايمان فيجب الكفر لحكمهم.

و يدلّ أيضا على ذلك: المعلوم من شعار أمير المؤمنين (عليه السلام) و أصحابه في الجمل و الصفين و النهر من الحكم بكفر أهلها و تحليل دمائهم في حال الحرب و بعدها، و الحكم

بكفر المسلم و استحلال دمه ضلال و لا أحد حكم بذلك في علي (عليه السلام) و وجوه أصحابه، فتثبت صحة فتياهم.

إن قيل: أليس الخوارج تدين بكفر من ذكرتم، فكيف يصح مع ذلك هذا الاعتبار قيل: لا اعتداد بفتيا الخوارج الضلالهم عن الدين و مروقهم من الاسلام بما قدمناه و باتفاق الأمة على كفرهم و من هذه حاله لا تأثير لخلافه و لا، وفاقه على أنّ الاجماع بإيمان علي و ولده عليهم السلام و من ذكرناه من أصحابه و القطع بثوابهم عند الله سبحانه سابق لبدعة الخوارج، فجرى قدحهم في إيمان من ذكرنا حصول الاجماع، بايمانه، و كونه معلوما من دين النبي صلى الله عليه و آله، ضرورة مجرى المعلومات من دينه كالصلاة والزكاة و الثواب و العقاب، فكما لا يحكم للقدح في شيء منها و لا ريب في كفر القادح فكذلك إيمان المذكورين.

و بعد، فانّ الخوارج لم تكفّر عليا (عليه السلام) و شيعته بقتالهم القوم، و لا بشهادتهم بكفرهم و كيف بذلك و هم شركاؤهم في الأمرين فسقط الاعتراض بهم على دليلنا، و بان بعد الشبهة به منه.

و إنما اشتبه على الخوارج الأمر في التحكيم، فظنوه كبيرة، و مذهبهم في مرتكب الكبيرة و عامة كافر.

قد بينا حسن التحكيم و جهل من قبحه، و سنبين صحة ثبوت الإيمان مع ارتكاب الكبائر، فسقط بكل واحد من الأمرين مذهب الخوارج على كل وجه، و إن لم يكن الاعتراض بهم قادحا فيما ذكرناه.

إن قيل: لو كانوا كفارا لحكم فيهم بأحكام الكفّار من سبي، و قسمة في استيصال.

قيل: قد ثبت كفرهم بالأدلة القاهرة، فلا يقدح في سيرته فيهم بما يخالف أحكام المشركين و أهل الكتاب، باجماع العلماء على صواب سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيهم و كونها قدوة لجميع الأمة في محاربي أهل القبلة و من كان كذلك، فلا اعتراض على شيء مما يفعله.

و بعد، فقد علمنا اختلاف أحكام الكفار، كحال اليهود و النصارى و المجوس الحربيين يخالف حال الداخلين منهم تحت الذمة، و حال الجميع يخالف حال عبّاد الأصنام، و أحكام الكل تخالف أحكام المرتد، و أحكام المرتدين تختلف، و المجبرة و المشبهة عند كافة أهل العدل كفّار، وحالهم يخالف أحوال من قدمناه من ضروب الكفّار، و المعتزلة و من عداها من الخوارج وغيرهم من الفرق الجاحدة للنص أو إمامة إمام من الله تعالى عند الشيعة كفار، مع مخالفة حالهم لمن ذكرناه، و المقلّدة كفار عند جميع أهل النظر و إن اعتقدوا الحق بأسره، و أحكامهم خارجه عمن ذكرناه.

و إذا علمنا من دين المسلمين اختلاف أحكام الكفّار مع اشتراكهم في الكفر، لم تكن مخالفة المحاربين في الحكم لبعض الكفار مخرجة لهم عن سمة الكفر و حكمه، الثابتين بالأدلة، مع علمنا باستناد ذلك على سيرة المشهود له بالعلم و مقارنة الحق، حيث كان المدلول على ثبوت الحجة بقوله و فعله.

[ ردّ من ادعى توبتهم]

فأما دعوى توبتهم، فباطلة من وجوه:

منها: أن كل من قال أنّ قتالهم عليا (عليه السلام) كفر حكم بموتهم عليه، وقد دللنا على ذلك، فلحق التفصيل بالجملة.

و منها: إجماع آل محمّد عليهم السلام و شيعتهم على ذلك، و إجماعهم حجة بما بيناه. و منها: حصول العلم بقتل طلحة في المعركة و الزبير بوادي السباع فلو كانا تابا من نكث بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و حربه لوجب أن يرجعا إليه نادمين معتذرين، لا سيما و ذلك ممكن و من حصول خلافه دليل على إصرارهما.

و أيضا، فضلا لهم بالحرب معلوم، فلا يجوز الرجوع عنه بأخبار شاذة مقدوح في طرقها، و لو سلمت من القدح لكانت أحادا لا يجوز من جهة العقل و لا السمع عندنا العمل بها في شيء من الفروع، فكيف في مسألة لا يجوز الحكم فيها بشيء لا يوجب العلم باتفاق. و بعد، فلو صحت الأخبار المتعلقة بها في التوبة لم تدل على المقصود، لاحتمالها للتوبة غيرها، فلا يجوز الحكم بالمحتمل على ما لا يحتمل.

كَقَوْل طَلْحَةَ: مَا رَأَيْتُ مَصْرَعَ شَيْخ أضِيعَ مِنْ مَصْرَعِي، و:

نَدمْتُ نَدَامَةَ الكُسَعِيُّ لَمَّا *** رَأتْ عَيْنَاهُ مَا صَنَعَتْ يَدَاهُ.

و قَوْلِ الزَّبَيْرِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا شَهِدْتُ الْجَمَلَ.

وَ قَوْله، شعر:

فَاخْتَرْتُ عَاراً عَلَى نَار مُؤَججه *** أَنَّى يَقُومُ لَهَا خَلْقٌ مِنَ الطِّينِ.

و قَوْلِ عَائِشَةَ: لَيْتَ أمِّي لَمْ تَلدْنِي وَ لَا شَهِدْتُ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَ لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً.

في أمثال لهذه الخرافات، لأنه لا شيء من هذه الأقوال دال على التوبة بصفتها، بل الظاهر من حالها إفادة التأسف على فوت الأمنية من الظفر بعلي (عليه السلام)، و نيل المأمول من الخلافة.

و أحسن أحوالها أن تكون صادرة عن شكٍّ في الأمر، و ليست التوبة من الشك في شيء، يؤكد ما قلناه عدولهم عما لا تصح التوبة من دونه، مع إمكانه من الرجوع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و التنصل من قتاله و خلافه.

فأما بقاء عائشة، فغير نافع لحصول العلم بإصرارها على عداوة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و تعریضها به في مقام بعد مقام.

و قولها: كلّما جرى ذكر قصة الإفك أشار على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ‏) بطلاقي، فلا جرم أني لا أحبّه أبدا.

و قَوْلهَا:- وَقَدْ بَشَرَهَا بَعْضُ عَبيدهَا بِقَتْلَ عَلى صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْه - شعر:

فَإِنْ بَكَ نَائِباً فَلَقَدْ نَعَاهُ *** نَاعِ لَيْسَ فِي فِيهِ التُّرَابُ

ثُمَّ قَالَتْ لِلْعَبْدِ: مَنْ قَتَلَهُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلْجَمٍ، قَالَتْ: فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَ قَدْ سَمَّيْتُكَ عَبْدَ الرَّحْمَن.

ثُمَّ تَمَتَّلَتْ بِبَيْت آخَرَ، شعر:

وَ الْقَتْ عَصَاهَا وَ اسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى *** كَمَا قَرَّعَيْناً بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ

و مجاهرة بعداوة أمير المؤمنين، و الغبطة بقتله، و مَا جَرَى مِنْهَا عِنْدَ وَفَاة الْحَسَن (عليه السلام)، وَ قَدْ أَوْصَى أَنْ يُجَدِّدَ بهِ عَهْدُ بالنَّبِيِّ وَ يُدْفَنَ بالْبَقيعِ، فَجَاءَتْ مُسْرِعَةٌ عَلَى بَغْلِ يَقْدُمُهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ قَائِلَةٌ: لَا وَ اللَّهِ لَا يُدْفَنُ فِي بَيْتِي إِلَّا مَن أحبُّ، خُذُوا ابْنَكُمْ وَاذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ فَلَا سَبِيلَ لَكُمْ إِلَى دَفْنِهِ، فَقَالَ لَهَا ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ - وَ في رِوَايَة ابْنُ عَبَّاس - مَا لَكِ يَا حُمَيْرَاءُ ا تَحْمَلَكَ الْأَرْضِ عَدَاوَةَ لَبَني هاشم، يوما على جَمَلِ وَ يَوْماً عَلَى بَغْلِ، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ ذَلِكَ سَائِعاً لَدُفِنَ وَ إِنْ رُغمَ أنْفُكِ، لَكِنَّ الْحَسَنَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ أَعْرَفٌ بِحُرْمَة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مِنْكَ وَ منْ أبِيكَ وَ صَاحبه، أَذهَبتُم حُرمَتَهُ و ضَرَبتُم عِندَهُ بِالمِعوَلِ.

إلى غير ذلك مما يدلّ على عداوتها عليا و ذريته، يعلم ذلك من حالها كل سامع للأخبار، كما يعلم ولاية أم سلمة و أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر لعلي و ذريته عليهم السلام، فإلى دعوى أحمق من دعوى توبة من هذه حاله!!

القسم الثالث في إمامة الإمام الثاني عشر:

فصل في إثبات إمامة الحجة بن الحسن و وجه الحكمة في غيبته

ما قدمناه من الأدلة على إمامة الأئمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) برهان واضح على إمامة الحجة بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) و مغن عن تكلف كلام يختصها غير أنا نستظهر في الحجة على ذلك بحسب قوة الشبهة في هذه المسألة على المستضعف و إن كان برهان صحتها واضحا.

و الكلام فيها ينقسم إلى قسمين أحدهما إثبات إمامة الحجة بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) منذ قبض أبيه و إلى أن يظهر منتصرا لدين الله أعدائه من و الثاني بيان وجه الحكمة في غيبته و تعذر معرفة شخصه و مكانه و إسقاط ما يعترفها من الشبه.

فأما الدلالة على إمامته و ثبوت الحجة بوجوده فمن جهة العقل و السمع.

برهان العقل على إمامته:

فأما برهان العقل فعلمنا به وجوب الرئاسة و عصمة الرئيس و فضله على الرعية في الظاهر و الباطن و كونه أعلمهم بما هو رئيس فيه و كل من قال بذلك قال بإمامة الحجة بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) و كونه الرئيس ذا الصفات الواجبة دون سائر الخلق من وفاة أبيه و إلى أن يظهر الانتقام من الظالمين و لأن اعتبار هذه الأصول العقلية يقضي بوجود حجة في الأوقات المذكورة دون عداه لأن الأمة في كل عصر أشرنا إليه بين ناف للإمامة و مثبت لها معترف بانتفاء الصفات الواجبة للإمام عمن أثبت إمامته و مثبت لإمامة الحجة بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لا شبهة في فساد قول من نفى الإمامة لقيام الدلالة على وجوبها وقول من أثبتها مع تعري الإمام من الصفات الواجبة للإمام لوجوبها له و فساد إمامة من انتفت عنه و حصول العلم بكون الحق في الملة الإسلامية فصح بذلك القول بوجود الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ لو بطل كغيره من أقوال المسلمين لاقتضى ذلك فساد مدلول الأدلة أو خروج الحق عن الملة الإسلامية و كلا الأمرين فاسد فصح ما قلناه و قد سلف لنا استنادها بين الطريقتين إلى أحكام العقول دون السمع فأغنى عن تكراره هاهنا.

برهان السمع على إمامته:

و أما أدلة السمع على إمامته فعلى ضروب منها أن كل من أثبت إمامة أبيه و أجداده إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال بإمامته في الأحوال التي ذكرناها وقد دللنا على إمامتهم فلحق الفرع بالأصل و المنة لله و لأنا نعلم وكل مخالط لآل محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) و سامع لحديثهم بدينهم بإمامة الحجة الثاني عشرع و نصهم على كونه المهدي المستشير لله و لهم من الظالمين وقد علمنا عصمتهم بالأدلة فوجب القطع على إمامة الاثني عشر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) خاصة فما له وجبت إمامة الأول من الآيات و الأخبار له وجبت إمامة الثاني عشر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذ لا فرق بين الأمرين.

و منها النص على إمامة الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو على ضروب ثلاثة أحدها النص من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عدد الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أو أنهم اثنا عشر و لا شبهة على متأمل في أن النص على هذا العدد المخصوص نص على إمامة الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما هو نص على إمامة آبائه من الحسن بن

علي بن محمّد بن علي الرضا إلى علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ لا أحد قال بهذا العدد المخصوص و قصر الإمامة عليه دون ما نقص منه و زاد عليه إلا خص به أمير المؤمنين و الحجة بن الحسن و من بينهما من الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هذا الضرب من النص وارد من طريقي الخاصة والعامة.

نص رسول الله على عدد الأئمة من بعده من طريق العامة:

فمما روته العامة فيه:

عَنِ الشَّعْبِي عَنْ مَسْرُوق قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ مَسْعُود فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أ حَدَّتَكُمْ نَبيُّكُمْ كَمْ يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُود نَعَمْ وَ مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ وَ إِنَّكَ لَأَحْدَتْ الْقَوْمِ سنّاً سَمِعْتُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ يَكُونُ بَعْدِي مِنَ الْخُلَفَاء عِدَّةَ نُقَبَاء مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ من قريش و رووه عَن ابْن مَسْعُود من طرق أخَرَ.

وَ زَادَ فِي بَعْضِهَا مَسْرُوقٌ قَالَ كُنَّا جُلُوساً إِلَى عَبْدِ اللَّهِ يُقْرِنُنَا الْقُرْآنَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَلْ سَأَلْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَمْ يَمْلِكُ أَمْرَ هَذه الأمَّة مِنْ خَليفَة مِنْ بَعْدِه فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله مَا سَألنى أحَدٌ مُنْذُ قَدمْتَ العراقَ عَنْ هَذَا سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالَ اثْنَا عَشَرَ عدَّةَ نُقَبَاء بني إِسرَائِيلَ.

وَ رَوَوْا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ مَوْلَى مُجَاشِعٍ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِماً إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِذَا مَضَوْا سَاخَتِ الْأَرْضِ بأهْلَهَا.

و ساق الحديث.

وَ رَوَوْا عَنْ زياد بن حُتَيْمَةَ عَن الْأَسْوَد بن سَعيد الْهَمْدَانِي قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا لَهُ ثُمَّ يَكُونُ مَا ذَا فَقَالَ ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْجُ.

وَ رَوَوْا عَنِ الشَّعْبِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَالَ: لَا يَزَالُ أَهْلُ هَذَا الدِّينِ يُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ نَاوَاهُمْ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةٌ فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُومُونَ وَ يَقْعُدُونَ وَ تَكَلَّمَ بِكَلِمَة لَمْ أَنْهَمْهَا فَقُلْتُ لِأَبِي أَوْ لِأَخِي [الآخَرَ] أَيَّ شَيْءٍ قَالَ [قَالَ] فَقَالَ كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَ رَوَوْا عَنْ

سَمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ وَ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ وَ أَبِي خالد الْوَالِبِي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مِثْلَهُ.

وَ رَوَوْا عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي يَعْفُور عَنْ عَوْنِ بْن أبي جُحَيْفَةَ عَنْ أبيه قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ هُوَ يَخْطُبُ وَ عَمِّى جَالس جالس بَيْنَ يَدَيَّ فَقَالَ رَسُولُ الله فَقَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَا يَزَالُ أمْرُ أُمَّتِي صَالِحاً حَتَّى يَمُرَّ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ.

وَ رَوَوْا عَنْ رَبيعَةَ بن سَيْف قَالَ كُنَّا عِنْدَ شقيق الأصبحي فَقَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ الْأَصْبَحِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ يَكُونُ خَلْفِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةٌ.

وَ رَوَوْا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَا أَبَا الطَّفَيْلِ أَعْدَدْ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةٌ بَعْدَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثُمَّ يَكُونُ النَّقْفُ وَالنِّفَاقُ.

في أمثال لهذه الأحاديث من طريق العامة.

النص على عدد الأئمة من طريق الخاصة و من الشيعة ما تناصرت به روايتهم:

عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ محمّد بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِنِّي وَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَوَّلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَوْتَادُ الْأَرْضِ الَّتِي أَمْسَكَهَا اللهُ بهَا أنْ تَسيخ بأهْلهَا فَإِذَا ذَهَبَ الاثْنَا عَشَرَ مِنْ أَهْلِي سَاخَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَ لَمْ يُنظَرُوا.

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) مِنْ أَهْلِ بَيْتِي اثْنَا عَشَرَ نَقِيباً نُجَبَاءُ مُحَدِّثُونَ مَفهَّمُونَ و آخِرُهُم الْقَائِمُ بِالْحَقِّ يَمْلَؤُهَا عَدْلًا كَمَا مُلَتَتْ جَوْراً.

وَ رَوَوْا عَنْ أَبي بصير عَنْ أَبي عبد الله عَنْ آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ اختَارَ مِنَ الْأَيَّامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ مِنَ الشُّهُورِ شَهْرَ رَمَضَانَ وَ مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَ اخْتَارَ مِنَ النَّاسِ الْأَنْبِيَاءَ وَ اخْتَارَ منَ الْأَنْبِيَاء الرُّسُلَ وَ اخْتَارَني منَ الرُّسُلَ و اختَارَ مِنِّي عَلِیّاً وَ اخْتَارَ مِنْ عَلِيٍّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ اخْتَارَ مِنَ الْحُسَيْنِ الْأَوْصِيَاءَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ هُمْ تِسْعَةً مِنْ وَلْدِ الْحُسَيْنِ يَنْفُونَ

عَنْ هَذَا الدِّين تَحْريفَ الْغَالِينَ وَ انْتحَالَ الْمُبْطلينَ وَ تَأْوِيلَ الْجَاهلينَ تَاسعُهُمْ بَاطنُهُمْ وَ ظَاهِرُهُم وَ هُوَ قَائِمُهُم.

و رَوَوْا عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ قَدْ أَجْلَسَ الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَى فَخِذه وَ تَفَرَّسَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ إِمَامُ ابْنُ إِمَامٍ أبو أئمة حُجَجَ تِسْعَ تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ أَفْضَلُهُمْ أَحْلَمُهُمْ أعلمهم.

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي حَمْزَةَ التُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرِع قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْسَلَ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِلَى الجِنِّ وَ الْإِنْسِ عَامَّةٌ وَ كَانَ مِنْ بَعْدِهِ اثْنَا عَشَرَ وَصِيّاً مِنْهُمْ مَنْ سَبَقَ وَ مِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ وَ كُلٌّ جَرَتْ به سُنَّةٌ وَ الْأَوْصِيَاءُ الَّذِينَ بَعْدَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وَ رَوَوْا عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسِ الهِلَالِي قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ أَنَا وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ، وَ ابْنُ عَبَّاس وَ عُمَرُ بْنُ أَبي سَلَمَةَ وَ أَسَامَةَ بْنُ زَيْد فَذَكَرَ كَلَاماً جَرَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ وَ إِنَّهُ قَالَ يَا مُعَاوِيَةٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقُولُ إِنِّي أُولِى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ أخِي عَلِيُّ بْنُ أبي طَالب أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَإِذَا اسْتَشْهِدَ فَابْنُهُ الْحَسَنُ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَإِذَا اسْتُشْهِدَ فَابْنِي الْحُسَيْنُ أولى بالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَإِذَا اسْتُشْهِدَ فَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْن أولى بالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَ سَتُدْرِكُهُ يَا عَلِيُّ ثُمَّ ابْني محمّد بْنُ عَلِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ سَتَدْرِكُهُ يَا حُسَيْنُ ثُمَّ تُكْمِلُهُ اثْنَا عَشَرَ إِمَاماً مِنْ وُلد الْحُسَيْن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَر فَاسْتَشْهَدْتُ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاس وَ عُمَرَ بن أبي سَلَمَةَ وَ أَسَامَةَ بْنَ زَيْدِ فَشَهِدُوا لِي بذلكَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ قَالَ سُلَيْمَ وَ قَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ ذَلكَ مِنْ سَلْمَانَ وَ أَبي ذَرٍّ وَ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَ رَوَوْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

و منه ما تناصرت به الرواية من حديث الخضرع و سؤاله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المسائل فأمر الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإجابته عنها فأجابه فأظهر الخضرع بحضرة الجماعة الإقرار لله سبحانه بالربوبية و لمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالنبوة و لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإمامة و الحسن و الحسين و التسعة من ولد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنه الخضر(عَلَيهِ السَّلَامُ).

و رووا قصة اللوح الذي أهبطه الله تعالى على نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيه أسماء الأئمة الاثني عشر.

وَ رَوَوْا ذَلكَ مِنْ عِدَّةَ طُرُق عَنْ جَابر بن عبد الله الأَنْصَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَوْحٌ فيه أسْمَاءُ الْأَوْصِيَاء مِنْ وَلْدِهَا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَعَدَدْتُ اثْنَيْ عَشَرَ أَحَدُهُمُ الْقَائِمُ بالْحَقِّ اثْنَانِ مِنْهُمْ محمّد وَ أربعة منهُمْ عَلي صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعينَ.

وَ رَوَوْا عَنْ أبِي بَصِير عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بْنِ محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ: قَالَ أَبِي يَعْنِي الْبَاقِرَ محمّد بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً مَتَى يَحْفُ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فأَسْأَلَكَ عَنْهَا فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ أَي الْأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَ فَخَلَّى به في بَعْضِ الْأَيَّامِ فَقَالَ لَهُ يَا جَابِرُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي يَدِ أُمِّي فَاطِمَةَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ مَا أَخْبَرَتُكَ بِهِ أَنَّ فِيهِ مَكْتُوباً فَقَالَ جَابِرٌ أشهد بالله..

و ساق الحديث. و مما رووه حديث الاثنتي عشرة صحيفة المختومة باثني عشر خاتما التي نزل بها جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فعمل بما فيها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإذا احتضر سلمها إلى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ففتح صحيفة و عمل بما فيها ثم إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم واحدا بعد واحد إلى الثاني عشر(عَلَيهِ السَّلَامُ).

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنْ عِدَّة طُرُقِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ كِتَاباً قَبْلَ وفاته وَ قَالَ يَا محمّد هَذه وَصِيَّتُكَ إِلَى النُّخبة من أهْلِكَ قَالَ وَ مَا النُّحْبَةُ يَا تبرئيل قال علي بْنُ أَبِي طَالب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ كَانَ عَلَى الْكِتَابِ خَوَاتِيمُ مِنْ ذَهَب فَدَفَعَهُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِلَى عَلِيٍّ، وَ أَمَرَهُ أنْ يَفُكَ خَاتَماً مِنْهُ وَ يَعْمَلَ بِمَا فِيهِ فَفَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الْخَاتَمَ وَ عَمِلَ بِمَا فِيهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى الْحَسَنِ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَفُكَ خَاتَماً مِنْهُ وَ يَعْمَلَ بِمَا فِيهِ فَفَكَ الْحَسَنُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الْخَاتَمَ وَ عَمِلَ بِمَا فِيهِ فَمَا تَعَدَّاهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَفَكَ خَاتَماً فَوَجَدَ فِيهِ أَنِ اخْرُجْ بِقَوْمٍ إِلَى الشَّهَادَةِ فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ إِلَّا مَعَكَ وَاشْرِ نَفْسَكَ للهِ فَفَعَلَ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَفَكَ خَاتَماً فَوَجَدَ فِيهِ أن أطرق وَ اصْمُتْ وَ الزَمْ مَنْزِلَكَ وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ فَفَعَلَ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى ابْنه محمّد بْن عَليٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَفَكَ خَاتَماً فَوَجَدَ فيه حَدِّثَ النَّاسَ وَ أنْتهِمْ وَ لَا تَخَافَنَّ إِلَّا اللَّهَ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لِأحَد عَلَيْكَ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى ابْنه جَعْفَرع فَفَكَ خَاتَماً فَوَجَدَ فِيهِ حَدَّثِ النَّاسَ وَ أَفْتِهِمْ وَ انْشُرْ عُلُومَ أَهْلِ بَيْتِكَ وَ صَدَّقَ آبَاءَكَ الصَّالِحِينَ وَ لَا تَخَافَنَّ إِلَّا اللَّهَ وَ أَنْتَ فِي حِرْزَ وَ أَمَان فَفَعَلَ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ كَذَلِكَ يَدْفَعُهُ مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَى الَّذِي بَعْدَهُ ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَداً إِلَى قِيَامِ الْمَهْدِيُّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وَ مِمَّا رَوَوْهُ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ شَهِدْتُ جِنَازَةَ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مَاتَ وَ شَهِدْتُ عُمَرَ حِينَ بُويعَ عَلَيَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) جَالسٌ نَاحِيَةٌ فَأَقْبَلَ غُلَامٌ يَهُودِي جَمِيلٌ عَلَيْهِ تَيَابُ حِسَانٌ وَ هُوَ مِنْ وَلدِ هَارُونَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) حَتَّى قَامَ عَلَى رَأسِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ أَعْلَمُ هَذه الأمة بكتابهِمْ وَ أمْر نَبيهمْ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَطَأطأ عُمَرُ رَأسَهُ فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ وَ لمَ ذَاكَ فَقَالَ إِنِّي جِئْتُ مُرْتَاداً لِنَفْسِي شَاكَا في ديني أريدُ الحُجَّةَ وَ أطْلبُ الْبُرْهَانَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ دُونَكَ هَذَا السَّابِ وَ أَشَارَ إِلَى أمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ الْغُلَامُ وَ مَنْ هَذَا قَالَ عُمَرُ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أبو الحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ابْنَي رَسُولِ اللهِ وَ زَوْجُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ قَالَ فَأَقْبَلَ الْغُلَامُ إِلَى عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ لَهُ أَنْتَ كَذَلكَ فَقَالَ لَهُ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نَعَمْ قَالَ الْغُلَامُ فَإِنِّي أُرِيدُ أنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ثَلَاثِ وَ ثَلَاثِ وَ وَاحِدَة قَالَ فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ قَالَ يَا هَارُوني مَا مَنَعَكَ أنْ تَقُولَ سَبْعاً قَالَ لأنّى أُريدُ أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثَ فَإِنْ عَلِمْتَهُنَّ سَأَلْتُكَ عَمَّا بَعْدَهُنَّ وَ إِنْ لَمْ تَعْلَمُهُنَّ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيكُمْ عَالِمٌ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنَا أَسْأَلُكَ بِالْإِلَه الَّذِي تَعْبُدُهُ إِنْ أَنَا أَجَبْتُكَ عَنْ كُلِّ مَا تَسْأَلُ عَنْهُ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ وَ لَتَدْخُلَنَّ فِي دِينِي قَالَ مَا جِئْتُ إِلَّا لِذَلكَ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) سَلْ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ قَطْرَةِ دَمَ قَطَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أيُّ قَطْرَة هِيَ وَ أَوَّلُ عَيْنِ فَاضَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَيُّ عَيْنِ هِيَ وَ أَوَّلُ شَيْءٍ اهْتَزَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فَقَالَ أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَا هَارُونِيُّ أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ أَوَّلُ قَطْرَة قَطَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَيْثُ قَتَلَ أَحَدُ ابْنِي آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) صَاحِبَهُ وَلَيْسَ كَذَلكَ وَلَكِنَّهُ حَيْثُ طَمَثَتْ حَوَّاءُ وَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ ابْنَيْهَا وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ أَوَّلُ عَيْنِ فَاضَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْعَيْنُ الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَ لَيْسَ كَذَلِكَ هُوَ وَ لَكنَّهَا لَعَيْنُ الْحَيَاةِ الَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ فَتَاهُ وَ مَعَهُمَا النُّونُ الْمَالِحُ فَسَقَطَ مِنْهُ فِيهَا فَحَيَّ وَ هَذَا الْمَاءُ لَا يُصِيبُ مَيِّتاً إِلَّا وَ هَذَا المَاءُ لَا يُصِيبُ مَيْتاً إِلَّا حَيَّ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ أَوَّلُ شَيْءٍ اهْتَزَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الشَّجَرَةُ الَّتِي كَانَتْ مِنْهَا سَفِينَةٌ نُوحٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ لَيْسَ كَذَلِكَ هُوَ وَ لَكِنَّهَا النَّحْلَةُ التي أهْبِطَتْ مِنَ الْجَنَّة وهي العَجْوَةُ وَ مِنْهَا تَفَرَّعَ جَمِيعُ مَا تَرَى مِنْ أَنْوَاعِ النَّخْلِ فَقَالَ صَدَقْتَ وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَأجِدُ هَذَا فِي كُتُبِ أَبِي هَارُونَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كِتَابَتُهُ بِيَدِهِ وَ إِمْلَاءُ عَمِّي مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الثَّلَاثِ الْآخَرِ عَنْ أَوْصِيَاءِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ كَمْ أَئِمَّةَ عَدْلٍ بَعْدَهُ

وَ عَنْ مَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ وَ مَنْ يَكُونُ مَعَهُ سَاكِناً فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَا هَارُونِيُّ إِنَّ لمحمّدع اثْنَيْ عَشَرَ وَصِيّاً أنمَّةَ عَدْل لَا يَضُرُّهُمْ خذلانُ مَنْ خَذَلَهُمْ وَ لَا يَسْتَوْحَشُونَ بِخِلَاف مَنْ خَالَفَهُمْ وَإِنَّهُمْ أَرْسَبُ فِي الدِّينِ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي فِي الْأَرْضِ وَمَسْكَنُ محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جَنَّة عَدْن التي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَ و معه في مَسْكَنه فِيهَا الْأَئِمَّةُ الاثْنَا عَشَرَ العُدُولُ فَقَالَ صَدَقْتَ وَالله الذي لا إلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَأجِدُ ذَلكَ فِي كُتُبِ أَبِي هَارُونَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كِتَابَتُهُ بِيَدِهِ وَ إِمْلَاءُ عَمِّي مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوَاحِدِ كَمْ يَعِيشُ وَصِيُّ محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنْ بَعْدِهِ وَ هَلْ يَمُوتُ هُوَ أَوْ يُقْتَلُ قَالَ يَا هَارُونِيُّ يَعِيشُ بَعْدَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةٌ لَا تَزِيدُ يَوْماً وَ لَا تَنْقُصُ يَوْماً ثُمَّ يُضْرَبُ ضَربَةً هَاهُنَا وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنه وَ أوْماً إِلَى لِحْيَتِه فَتُخْضَبُ هَذه مِنْ هَذه قَالَ فَصَاحَ الْهَارُونِيُّ وَ قَطَعَ كَشْنيرَهُ وَ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ محمّداً عَبْدُهُ رَسُولُهُ وَ أَنَّكَ وَصِي رَسُولِهِ رَسُوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَنْبَغِي أَنْ تَفُوقَ وَ لَا تُفَاقَ وَ أنْ تُعَظَمَ وَ لَا تُسْتَضْعَفَ وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُ.

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي حَمْزَةَ التُّمَالِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ محمّداً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ نُورٍ عَظَمَتِهِ فَأَقَامَهُمْ أَشْبَاحاً فِي ضِيَاءِ نُورِهِ يَعْبُدُونَهُ يُسَبِّحُونَهُ وَ يُقَدِّسُونَهُ وَ هُمُ الْأَئِمَّةُ مِنْ بعد محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وَ رَوَوْا عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ مِنْ آلِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) اثْنَا عَشَرَ إِمَاماً كُلُّهُمْ مُحَدَّتْ وَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلي بن أبي طالب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) هُمَا الْوَالِدَانِ.

وَ رَوَوْا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَرِيشِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ محمّد بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ: إنَّ أميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ لِابْنِ عَبَّاسِ إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ في كُلِّ سَنَة وَ إِنَّهُ يَنْزِلُ في تلكَ اللَّيْلَة أَمْرُ السَّنَةِ وَ كَذَلِكَ وَلَاهُ الْأَمْرِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ مَنْ هُمْ قَالَ أَنَا وَ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ صُلْبي مُحَدِّثُونَ.

و بإِسْنَادِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأصْحَابه آمَنُوا بلَيْلَة الْقَدْر فَإِنَّهَا تَكُونُ بَعْدِي لَعَلي بْنِ أَبِي طَالب وَ وَلدِهِ وَ هُمْ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ بَعْدِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرِع قَالَ يَكُونُ تِسْعَةً أَئِمَّةِ بَعْدَ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ.

وَ رَوَوْا عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرِع يَقُولُ الْأَئِمَّةُ اثْنَا عَشَرَ إِمَامًا مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ثُمَّ الْأَئِمَّةُ مِنْ وَلدِ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فى أمثال لهذه الروايات الواردة من طريقي الخاصة والعامة.

(معلوم أن ورود الخبر متناصرا بنقل الدائن بضمنه و المخالف في معناه برهان صحته إذ لا داعى للمحجوج به إلا الصدق الباعث على روايته و إذا ثبت صدق نقلته اقتضى إمامة المذكورين فيه لكونه نصا على عدد لم يشركهم فيه أحد حسب ما قدمناه.

و الضرب الثانى من النص نص أبيه عليه بالإمامة و شهادة المقطوع بصدقهم بإمامته.

نص أبيه عليه بالإمامة و شهادة المقطوع بصدقهم بإمامته:

فأما النص من أبيه فما:

رُوِيَ مِنْ عِدة طرق عَنْ محمّد بْنِ عَلِيِّ بْنِ بِلَالٍ قَالَ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي محمّد الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَبْلَ مُضِيهِ بِسَنَتَيْنِ يُخبرني بِالْخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ.

رَوَوْا عَنْ عِدَّةِ طَرْق عَنْ أَبِي هَاشم الْجَعْفَرِي قَالَ قُلْتُ لأبي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) جَلَالَتُكَ يَمْنَعُنِي عَنْ مَسْأَلَتِكَ فَتَأْذَنْ إِلَيَّ أَنْ أَسْأَلَكَ فَقَالَ سَلْ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي هَلْ لَكَ وَلَدٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَإِنْ حَدَثَ أَمْرٌ فَأَيْنَ أَسْأَلُ عَنْهُ فَقَالَ بِالْمَدِينَة.

وَ رَوَوْا مِنْ عِدَّةَ طَرقٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ مِنْ أَبِي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) حِينَ قُتِلَ الزُّبَيرِيُّ هَذَا جَزَاءُ مَنِ اجْتَرَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوْلِيَائِهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَقْتُلُنِي وَ لَيْسَ لِي عَقِبٌ

كَيْفَ رَأَى قُدْرَةَ اللَّهِ فِيهِ قَالَ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ سَمَّاهُ بِاسْمِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ سِةٌ وَ خمسين ومائتين.

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الجَعْفَرِي قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ الخَلَفُ مِنْ بَعْدِي الْحَسَنُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَكَيْفَ لَكُمْ بِالْخَلَفِ مِنْ بَعْدِ الخَلَف فَقُلْتُ وَ لمَ جُعلتُ فدَاكَ قَالَ لأَنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ شَخْصَهُ وَ لَا يَحِلُّ لَكُمْ ُذكْرُهُ بِاسْمه فَقُلْتُ كَيْفَ نَذكُرُهُ فَقَالَ قُولُوا الْحُجَّةُ مِنْ آلِ محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وَ رَوَوْا عَنْ عَمْرُو الْأَهْوَازِي قَالَ: أراني أبو محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابْنَهُ، فَقَالَ هَذَا صَاحِبُكُمْ بَعْدِي.

وَ رَوَوْا عَنْ نَصْرِ بْنِ عَليَّ الْعِجْلِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ سَمَّاهُ قَالَ: أَتَيْتُ سُرَّمَنْ رَأَى وَ لَزِمْتُ بَابَ أَبِي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَدَعَانِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْتُ فَقَالَ مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ قَالَ قُلْتُ رَغْبَةً خدمتكَ قَالَ فَقَالَ لِي الزَمَ الدَّارَ قَالَ فَكُنْتُ مَعَ الْخَدَم فِي الدَّارِ ثُمَّ صِرْتُ أَشْتَرِي لَهُمُ الْحَوَائِجَ مِنَ السُّوقِ وَ كُنْتُ أَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ إِذْن إِذَا كَانَ في الدَّار رجَالُ قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَيْه يَوْماً وَ هُوَ فِي دَارِ الرِّجَالِ فَسَمِعْتُ حَرَكَةً فِي البَيْتِ فَنَادَانِي مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ فَلَمْ أَجْسُرْ أَنْ أَدْخُلَ وَ لَا أَخْرُجَ فَخَرَجَتْ عَلَيَّ جَارِيَةٌ مَعَهَا شَيْءٌ مُغَطَّى ثُمَّ نَادَانِي ادْخُلْ فَدَخَلْتُ فَنَادَى الْجَارِيَةَ فَرَجَعَتْ فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا اكْشفي عَمَّا مَعَكَ فَكَشَفَتْ عَنْ غُلَامِ أَبْيَضَ حَسَن الوَجْه فَكَشَفَ أَبُو محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَنْ بَطْنه فَإِذَا شَعْرُ نَابت مِنْ لَبَّته إلَى سُرَّتَه أَحْضَرُ لَيْسَ بِأسْوَدَ فَقَالَ هَذَا صَاحِبُكُمْ ثُمَّ أَمَرَهَا فَحَمَلَتْهُ فَمَا رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى مَضَى أَبُو محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ).

في أمثال لهذه النصوص.

و أما شهادة المقطوع بصدقهم فمعلوم لكل سامع لأخبار الشيعة تعديل أبي الأخبار الشيعة تعديل أبي محمّد الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جماعة من أصحابه و جعلهم سفراء بينه و بين أوليائهم و الأمناء على قبض الأخماس والأنفال و شهادته بإيمانهم وصدقهم فيما يؤدونه عنه إلى شيعته و أن هذه الجماعة شهدت بمولد الحجة بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أخبرت بالنص عليه من أبيه قطعت أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و بإمامته و كونه الحجة المأهول للانتصار من الظالمين فكان ذلك منهم نائبا مناب نص أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

لو كان مفقودا إذ لا فرق في ثبوت الحكم بين أن ينص عليه حجة معلوم ينص عليه حجة معلوم العصمة لكونه نبيا أو إماما و بين أن ينص عليه منصوص على صدقه بقول نبي أو إمام و الجماعة المذكورة أبو هاشم داود بن قاسم الجعفري و محمّد بن علي بن بلال و أبو عمرو عثمان بن سعيد السمان و ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان رضي الله عنهم و عمرو الأهوازي و أحمد بن إسحاق و أبو محمّد الوجنائي و إبراهيم بن مهزیار و محمّد بن إبراهيم.

نص آبائه عليه بغيبته و صفتها:

و أما الضرب الثالث من النص فهو ما ورد عن آبائه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من النبي و أمير المؤمنين إلى ابنه الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بغيبة الحجة قبل وجوده و صفتها قبل مولده و وقوع ذلك مطابقا للخبر من غير أن ينخرم منه شيء.

هذا الضرب من النص دال على إمامته و كونه المهدي المأهول إهلاك الظالمين لثبوت النص بغيبته القصرى و الطولى المختصة به و مطابقتها للخبر عنها.

فمن ذلك ما:

رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَارِقِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ قُلْتُ لَهُ كَانَ أَبُو جَعْفَرِعَ يَقُولُ لِقَائِمِ آلِ محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) غَيْبَتَانِ وَاحِدَةً طَوِيلَةٌ وَ الْأُخْرَى قَصِيرَةً قَالَ فَقَالَ لِي نَعَمْ يَا أَبَا بَصِيرِ إِحْدَاهُمَا أطْوَلُ مِنَ الْأَخْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ يَعْنِي ظُهُورَهُ حَتَّى يَخْتَلفَ وَلدُ فَلَان وَ تَضِيقَ الْحَلْقَةُ وَيَظْهَرَ السُّفْيَانِيُّ وَ يَشْتَدَّ الْبَلَاءُ وَيَشْمَلَ النَّاسَ مَوْتُ وَ قَتْلُ يَلْجَنُونَ فِيهِ إِلَى حَرَمِ اللهِ وَ حَرَمِ رَسُولِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وَ رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنَّهُ قَالَ يَفْسُدُ النَّاسُ ثُمَّ يُصْلِحُهَا اللَّهُ بَعْدَ أمْنِ وَلَدِي حَامِلَ الذِّكْرِ لَا أَقُولُ حَامِلا فِي حُسْنِهِ وَ لَا مَوْضِعِهِ وَ لَكنْ فِي حَدَاثَة سنّه وَ يَكُونُ ابْتِدَاء أَمْرِه بِالْيَمَنِ.

وَ رَوَوْا عَنِ الْأَصْبَعِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ أَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَوَجَدْتُهُ يَنكُتُ فِي الْأَرْضِ فَقُلْتُ لَهُ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا لِي أَرَاكَ مُفَكَّراً تَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ َأ رَغْبَةً مِنْكَ فِيهَا قَالَ وَ اللَّهِ مَا رَغِبْتُ فِي الدُّنْيَا قَطُّ وَ لَكنِّي في مولود يَكُونُ مِنْ ظَهْرِي الْحَادِيَ عَشَرَ بَعْدِي وَ هُوَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَمْلَؤُهَا

عَدْلًا وَ قِسْطاً كَمَا مُلَنَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً يَكُونُ لَهُ حَيْرَةٌ وَ غَيْبَةٌ تَضِلُّ بِهَا [فِيهَا] أقْوَامٌ وَ يَهْتَدِي بهَا آخَرُونَ قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَا لَكَائِنُ قَالَ نَعَمْ كَمَا أَنَّهُ مَحْتُومٌ.

وَ رَوَوْا عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ إِنَّ لِلْغُلَامِ غَيْبَةٌ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ قُلْتُ وَ لِمَ قَالَ يَخَافُ وَ أَوْمَا بيده إلَى بَطْنهِ ثُمَّ قَالَ يَا زُرَارَةٌ وَ هُوَ الْمُنتَظَرُ وَ هُوَ الَّذِي يَشْكُ النَّاسُ فِي وَلَادَته فمنهم مَن يَقُولُ مَاتَ أَبُوهُ وَ لَا خَلَفَ لَهُ أبُوهُ وَ لَا خَلَفَ لَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَاتَ أبوهُ وَ هُوَ حَمْلُ وَ مِنْهُم مَنْ يَقُولُ هُوَ غَائبُ قَدْ وَلدَ قَبْلَ مَوْت أبيه بسَنَتَيْن وَ هُوَ الْمُنتَقِمُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِسَنتَينِ وَ هُوَ الْمُنتَقِمُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَمْتَحِنَ الشَّيعَةَ فَعِنْدَ ذَلكَ يَرْتَابُ الْمُبْطِلُونَ.

وَ رَوَوْا عَن الْمُفَضَّل بن عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبو عَبْد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّه سُبْحَانَهُ أرْضَى مَا يَكُونُ عَنْهُ وَ أرْضَى مَا يَكُونُ عَنْهُ إِذَا افْتَقَدَ حُجَّةَ اللَّه سُبْحَانَهُ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ وَ هُوَ فِي ذَلِكَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ تَبْطُلْ حُجَّةُ الله تَعَالَى وَبَيِّنَاتُهُ فَعِنْدَهَا تَوَقَعُوا الْفَرَجَ وَقَدْ عَلِمَ أنَّ أَوْلِيَاءَهُ لَا يَرْتَابُونَ و لو عَلِمَ أَنَّهُميَرْتَابُونَ مَا غَيَّبَهُ عَنْهُمْ طَرْفَةَ عَيْن وَ لَا تَكُونُ الْغَيْبَةُ إِلَّا عَلَى رُءُوس شرَارِ النَّاسِ.

وَ رَوَوْا عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ إِنَّ فِي الْقَائِمِ سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قُلْتُ كَأَنَّكَ تَذكُرُ حَيْرَةً أَوْ غَيْبَةٌ قَالَ وَ مَا تُنْكَرُ ذَلكَ منْ [هَذا] هَذه الْأُمَّةُ أَشْبَاهُ الْخَنَازِير إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا أَسْبَاطاً أولادَ أنْبِيَاءَ فَتَاجَرُوا يُوسُفَ وَ بَايَعُوهُ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَ هُم إِخوتُهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى قَالَ لَهُمْ أنَا يُوسُفُ فَمَا تُنْكِرُ هذه الأمَّةُ الْمَلْعُونَةُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يُريدُ أنْ يَسْتَرَ حُجَتَهُ في وقت من الأوقات لَقَدْ كَانَ يُوسُفُ إِلَيْه مُلْكُ مصْرَ وَ كَانَ بَيْنَهُ و بين أبيه وَ بَينَ مَسيرَةٌ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أنْ يُعْلَمَهُ مَكَانَهُ لَقَدَرَ عَلَى ذَلكَ وَ اللَّه لَقَدْ سَارَ يَعْقُوبُ ولدُهُ عِنْدَ الْبِشَارَةِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ مِنْ بَدْوِهِمْ إِلَى مِصْرَ فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْمَلْعُونَةُ أَنْ يَفْ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لِحُجَّتِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا فَعَلَ بِيُوسُفَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَيَكُونَ يَمْشِي فِي أَسْوَاقِهِمْ وَ يَطَأُ بُسُطَهُمْ وَ هُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ نَفْسَهُ كَمَا أَذنَ لِيُوسُفَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالُوا لَهُ أَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ.

وَ رَوَوْا عَنْ فُرَاتِ بْنِ أَحْنَفَ رَفَعَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ: ذُكرَ الْقَائِمُ مِنْ وَلدِهِ فَقَالَ لَيَغِيبَنَّ حَتَّى يَقُولَ الجَاهِلُ مَا للَّه فِي آلِ محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) حَاجَةٌ.

وَ رَوَوْا عَنِ الْمُفَضَلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ أَمَا وَ اللَّه لَيَغِيبَنَّ الْقَائِمُ عَنْكُمْ سِنِينَا مِنْ دَهْرِكُمْ حَتَّى يُقَالَ مَاتَ أَوْ قُتِلَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ وَ لَيَدْمَعَنَّ عَلَيْهِ عُيُونُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَتَمَحْصُنَّ وَ لتُكْفَونَ كَمَا تُكْفَأُ السِّفْنُ فِي أَمْوَاجِ الْبَحْرِ.

وَ رَوَوْا عَنِ الْأَصْبَغِ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ الشَّرِيدُ الطَّرِيدُ الْفَرِيدُ الْوَحِيدُ.

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَر(عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ فِي صَاحِبِ الْأَمْرِ أَرْبَعُ سُنَنِ مِنْ أَربَعَةِ أنْبِيَاءَ سُنَّةٌ من مو من موسى وسنة سُنَّةٌ من عيسَى وَ سُنَّةٌ من يُوسُفَ وَ سُنَّةٌ من محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ عَلَى جَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِه فَأَمَّا مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَخَائِفُ يَتَرَقَّبُ وَ أَمَّا عِيسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَيُقَالُ مَاتَ وَ لَمْ يَمُتْ وَ أَمَّا يُوسُفُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَالْغَيْبَةً عَنْ أَهْلِهِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُهُمْ وَلَا يَعْرِفُو فهم و لا يعرِفُونَهُ وَأَمَّا محمّد رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالسيف.

وَ رَوَوْا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ وَلَا بُدَّ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ عُزلة وَنِعْمَ الْمَنْزِلُ طَيِّبَةٌ.

وَ رَوَوْا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةً وَ الْأَخْرَى طَوِيلَةُ الأُولَى يُعْلَمُ مَكَانُهُ خَاصَّةً لأوليائه.

وَ رَوَوْا عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ قَالَ: قُلْتُ لأبي الحَسَنِ الرِّضَاعِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الْأمْرِ وَ أنْ يَسُوقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ بِغَيْرِ سَيْف فَقَدْ بُويِعَ لَكَ وَ ضُرِبَتِ الدَّرَاهِمُ بِاسْمِكَ فَقَالَ مَا مِنَّا أحَدٌ اخْتَلَفَتْ إِلَيْهِ الْكُتُبُ وَ أَشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ وَ سُئِلَ عَنِ الْمَسَائِلِ وَحُمِلَتْ إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ لِهَذَا الْأَمْرِ

غُلَاماً منَّا خَفيَّ المَوْلِد وَ المَنْشَا غَيْرَ خَفِي فی نَسَبه.

و رَوَوا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنَّ شِيعَتَكَ بِالْعِرَاقِ كَثِيرَةً فَوَ اللَّهِ مَا فِي أَهْلِ بَيْتِكَ مِثْلُكَ فَكَيْفَ لَا تَخْرُجُ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَطَاء قَدْ أَخَذْتَ تَفْرُسُ أُذُنَيْكَ للنَّوْكَى إِي وَ اللَّهِ مَا أَنَا بِصَاحِبَكُمْ قُلْتُ لَهُ فَمَنْ صَاحِبُنَا قَالَ انْظُرُوا مَنْ عَمِيَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُ ولادته فَذَلكَ صَاحِبُكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ يُشَارُ إِلَيْهِ بالأصابع ويُمْضَعُ بِالْأَلْسُنِ إِلَّا مَاتَ غَيْظاً أوْ رَغْمَ أنفه.

رَوَوْا عَنْ يَمَانِ التَّمَّارِ قَالَ قَالَ أَبو عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِنَّ لصاحب هذا الأمر غَيْبَةَ الْمُتَمَسِّكُ فِيهَا بدينهِ كَخَارِط الْقَتَادِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَأَيُّكُمْ يُمْسِكُ شَوْكَ الْقَتَادِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأمْر غَيْبَةٌ فَلْيَتَّقِ اللهَ عَبْدُ وَ لْيَتَمَسَّك بدينه.

وَ رَوَوْا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ يَفْقِدُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ يَشْهَدُ الْمَوْسِمَ يَرَاهُمْ وَ لَا يَرَوْنَهُ.

وَ رَوَوْا عَنْ عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاء عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ وَ اللَّهِ لَا يُنَوَّهُ بِاسْمِ رَجُلٍ مِنَّا فَيَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ النَّاسِ.

وَ رَوَوْا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَسْأَلُهُ عَنِ الْفَرَجِ فَقَالَ إِذَا غَابَ صَاحِبُكُمْ عَنْ دَار الظالمينَ فَتَوَفَّعُوا الْفَرَج.

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي هَاشم دَاوُدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِي قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقُولُ الْخَلَفُ مِنْ بَعْدِي الْحَسَنُ، فَكَيْفَ لَكُمْ بِالْخَلَفِ مِنْ بَعْدِ الْخَلَفِ فَقُلْتُ وَ لِمَ قَالَ لِأَنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ شَحْصَهُ وَ لَا يَحِلُّ لَكُمْ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ.

في أمثال لهذه الروايات الدالة على تخصص الإمامة بعد الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) و إلى الآن بالحجة بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ظهور معجزاته على أيدي سفرائه.

و مما يدل على إمامته ظهور الأعلام على أيدي سفرائه:

فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَوْهُ عَنْ محمّد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ شَكَكْتُ بَعْدَ مُضِي أَبِي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَاجْتَمَعَ عِنْدَ أبي مَالُ جَزِيلٌ فَحَمَلَهُ وَ رَكِبَ فِي السَّفِينَةِ فَخَرَجْتُ مَعَهُ مُشَيِّعاً فَوْعِكَ وَعْكاً شَدِيداً فَقَالَ يَا بُنَيَّ رُدَّنِي فَهُوَ الْمَوْتُ وَ قَالَ إِلَيَّ اتَّقِ اللَّهَ في هَذَا الْمَالَ وَ أَوْصَى إِلَيَّ وَ مَاتَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَمْ يَكُنْ أبِي لِيُوصِي بِشَيْءٍ غَيْرِ صَحِيحٍ أَحْمِلُ هَذَا الْمَالَ إِلَى الْعِرَاقِ فَأَكْتَرِي دَاراً عَلَى الشَّطُ فَلَا أَخْبِرُ أحَداً بِشَيْءٍ فَإِنْ وَضَحَ لِي شَيْءٌ كَوْضُوحِهِ أَيَّامَ أَبِي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنْفَدْتُهُ وَ إِلَّا أَنْفَقْتُهُ فَقَدمْتُ العرَاقَ وَ اكْتَرَيْتُ دَاراً عَلَى الشَّطُ وَ بَقيتُ أيَّاماً فَإِذَا أَنَا بِرُقْعَة مَعَ رَسُول فِيهَا يَا محمّد مَعَكَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى نَصَّ جَمِيعَ مَا مَعي ممَّا لَمْ أحط به علماً فَسَلَّمْتُ الْمَالَ إِلَى الرَّسُولِ وَ بَقِيتُ أيَّاماً لَا يُرْفَعُ بِي رَأْسُ - فَاعْتَمَمْتُ فَخَرَجَ إِلَيَّ قَدْ أَقَمْنَاكَ مَكَانَ أَبِيكَ فَاحْمَد الله.

أقسام المولى في اللسان

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وصلواته على سيدنا محمّد و آله الطاهرين. المولى ينقسم في اللغة على عشرة أوجه.

أولها الأولى و هو الأصل و العماد الذي ترجع إليه المعاني في باقي الأقسام قال الله تعالى في سورة الحديد فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ يريد جل اسمه هي أولى بكم على ما جاء في التفسير و ذكره أهل اللغة المحققون.

قال لبيد فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها و إمامها يريد أولى المخافة و لسنا نعلم من أهل اللغة في المعنى خلافا.

و الثاني مالك الرق قال الله تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَ هُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ يريد مالكه و الأمر في هذا المعنى أبين من أن يحتاج فيه إلى الاستشهاد.

و الثالث المعتق.

و الرابع المعتق.

و الخامس ابن العم قال الشاعر

مهلا بني عمنا مهلا موالينا *** لا تنشروا بيننا ما كان مدفونا

و السادس الناصر قال الله جل و عز ذلك بأنَّ اللَّهَ مَولى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكَافِرِينَ نَ لا مَولى لهم يريد لا ناصر لهم.

و السابع المتولي يتضمن الجريرة و يحوز الميراث.

و الثامن الحليف.

و التاسع الجار.

و العاشر الإمام السيد المطاع.

و هذه الأقسام التسعة بعد الأولى إذا تؤمل المعنى فيها وجد راجعا إلى الأولى و مأخوذا منه لأن مالك الرق لما كان أولى بتدبير عبده من غيره كان مولاه.

و المعتق لما كان أولى بميراث المعتق من غيره كان لذلك مولاه.

و المعتق لما كان أولى بمعتقه في تحمل جريرته و اتصف به ممن أعتقه غيره كان مولاه أيضا لذلك.

و ابن العم لما كان أولى بالميراث ممن بعد عن نسبه و أولى بنصرة ابن عمه من الأجنبي كان مولى لأجل ذلك.

و الناصر لما اختص بالنصرة فصار بها أولى كان من أجل ذلك مولى و المتولي لتضمن الجريرة لما ألزم نفسه ما يلزم المعتق كان بذلك أولى ممن لم يقبل الولاء وصار به أولى لميراثه فكان لذلك مولى.

و الحليف لاحق في معناه بالمتولي فلهذا السبب كان مولى.

و الجار لما كان أولى بنصرة جاره ممن بعد عن داره و أولى بالشفعة في عقاره فلذا كان أولى.

و الإمام المطاع لما كان له من طاعة الرعية و تدبيرهم ما يماثل الواجب بملك الرق كان لذلك أولى فصار جميع المعاني فيما حددناه يرجع إلى معنى الأولى و يكشف عن نتيجة ما ذكرناه في حقيقته و وصفناه وقد حمل العناد الناصبة على أن جحد بعضهم أن يكون الأولى أحد أقسام المولى أو يحصل ذلك في معناه و اعترف بعضهم أنفة من العناد و ادعوا أنه مجاز من الأقسام.

و فيما قدمناه من الدليل على أنه الأصل و العماد بيان فضيحة هؤلاء الأوغاد على أنه لا فصل بينهم و بين من جحد الأقسام التسعة واقتصر به على الأول فادعى فيها الاستعارة و المجاز بل هو بهذه الدعوى أقرب إلى الصواب لما شرحناه باب طرف من الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما استفاض عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في يوم الغدير من المقال.

قد أجمع حملة الأخبار و اتفق نقلة الآثار على أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) جمع الناس بغدير خم عند مرجعه من حجة الوداع ثم واجه جماعتهم بالخطاب فقال ألست أولى بكم منكم فلما أذعنوا له بالإقرار قال لهم على النسق من غير فصل في الكلام فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله فقررهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على فرض طاعته عليهم بصريح الكلام ثم عطف على اللفظ الخاص بما ينطوي على معناه و جاء فيه بحرف العطف من الفاء التي لا يبتدأ بها الكلام فدل على أنه الأولى دون ما سواه لما ثبت من حكمته عليه و آله السلام و أراد به البيان إذ لو لم يرد ذلك و أراد ما عداه لكان مستأنفا لمقال لا تعلق له بالمتقدم جاعلا لحرف العطف حرف الاستئناف هذا ما لا يقع إلا من أحد نفسين.

أحدهما جاهل باللغة و الكلام.

و الآخر قاصد إلى التعمية و الألغاز.

و رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يجل عن الوصفين و ينزه عن النقص في الصفات.

و شيء آخر لا يخلو رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيما يلفظ به من عبارة مولى من وجهين لا ثالث لهما على البيان.

إما أن يكون مراده فيه المعنى الذي قرر به الأنام من فرض الطاعة على ما ذكرناه أو يكون أراد غيره من الأقسام.

فإن كان مراده من ذلك فرض طاعته على الأنام فهو الذي نذهب إليه و قد صحت الإمامة لأمير المؤمنين ع. و إن كان مراده سواه من الأقسام فقد عبر عن مراده بكلام يحتمل خلاف ما أراد و ليس في العقل دليل على ما أراد و هذا ما لا يقع إلا من جاهل ناقص عاجز عن البيان أو متعمد لإضلال المخاطبين عن الغرض و عدوله عن الإفهام و قد أجل الله نبيه عن هذين القسمين و أشباههما من النقص عن الكمال.

و شيء آخر و هو إذا كان لفظ مولى ينقسم على عشرة أقسام ثم اعتبرنا ثمانية منها فأخرج لنا الاعتبار أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يقصد إلى شيء منها و لم يرده على وجه من الوجوه و لا سبب من الأسباب ثبت أنه عليه و آله السلام أراد الخارج عنها من الأقسام أو بعضه كائنا ما كان لا محالة إذ كان لا يخلو كلامهص من مراد و هذا مما لا شك فيه ولا ارتياب.

فنظرنا في القسم الذي يلي الأول على ما رتبناه و هو مالك الرق فوجدناه مما لا يجوز أن يقصده النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه لم يكن علي مالكا لرق كل من ملك النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) رقه فيكون بذلك مولى من كان مولاه.

و نظرنا في الذي يليه و هو المعتق و كان القول فيه كالقول في مالك الرق سواء لأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن معتقا لكل من أعتقه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الرق فيكون لذلك مولاه.

و لا كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) معتقا من رق و لا الرسول كذلك حاشاهما من ذلك.

و لم يجز أن يعني من كنت ابن عمه فعلي ابن عمه لأن هذا لغو من الكلام مع معرفة الجميع بأن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن عم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و علمهم يقينا بالاضطرار بأن ابن عم الرجل هو ابن عم جميع بني عمه على كل حال.

و لا يجوز أن يريد الناصر لأن المسلمين كلهم! من نصره النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلا معنى لتخصيصه من الجماعة بما قد شاركته فيه على البيان لأن هذا هو العبث في الفعل و اللغو في الكلام.

و لم يكن كل من تولى النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تولى عليا و لا يجوز أن يخبر بذلك كله لتنافي الكلام ولا يجب أن يكون قد أوجبه لأمرين.

الأول أنه خاطب الكافة و لم يكونوا بأسرهم أولياء على معنى الاعتزاء إليه بضمان الجرائر و استحقاق الميراث.

و الثاني للاتفاق على أن ذلك لم يكن واجبا في شيء من الأزمان و لا يجوز أن يكون قصد معنى الحليف لأنه لم يكن (عَلَيهِ السَّلَامُ) حليفا لجميع حلفاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏). و لا معنى لإرادته بلفظ مولى الجار لأنه قد كان معروفا عند جميع من عرف منزلة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه جار من جاوره النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدار بحلوله معه في المكان و لا إذا افترقا بالأسفار و لم يجب أن يكون علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جارا لجيران النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و كان الخبر عن ذلك كذبا من الأخبار.

مع أنه لو كان حقا لم يكن فيه فائدة توجب جمع الناس لها و تقريرهم على الطاعة و تعظيم الشأن.

فلم يبق إلا أنه ما أراد بقوله من كنت مولاه فعلي مولاه.

إلا الإمامة التي يعبر عنها تارة بلفظ أولى و يعبر عنها بصريح فرض الطاعة فإنه أحرى و هذا واضح البرهان باب شواهد الإمامة من هذا المقال بشعر الفصحاء من الشعراء و مما يدل على ما ذكرناه. ما تواترت به الأخبار أن حسان بن ثابت شاعر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) استأذن النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم الغدير أن يقول شعرا في ذلك المقام فأذن له فأنشأ يقول:

يناديهم يوم الغدير نبيهم *** بخم و أسمع بالرسول مناديا

فقال و من مولاكم و وليكم *** فقالوا و لم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا و أنت نبينا *** فلن تجدن منا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني *** رضيتك من بعدي إماما و هاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا *** له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللّهم وال وليه *** و كن للذي عادى عليا معاديا

فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.

فلو لا أن النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد بما ذكره في ذلك المقام النص على إمامة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على حسب ما صرح به حسان في هذا المقال لما دعا له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالتأييد و مدحة من أجله و أثنى عليه. و لو كان عليه و آله السلام عنى غيره من أقسام المولى لأنكر على حسان و لم يقره على ما اعتقده فيه و بينله غلطه فيما حكاه لأنه محال مع نصب الله تعالى نبيه للبيان أن يشهد بصحة الباطل و هو على الضلال أن يمدح على على الغلط من الاعتقاد.

و في شهادته عليه و آله السلام بصدق حسان فيما حكاه و نظمه الكلام بمدحه عليه و دعائه له بالتأييد من أجله على ما بيناه دليل على صحة ما ذكرناه و شاهد على أن المولى عبارة في اللغة عن الإمام لفهم حسان و الجماعة ذلك منها بما شرحناه.

و من ذلك ما تطابقت به الأخبار و نقله رواة السير و الآثار و دونه حملة العربية و الأشعار من قول قيس بن سعد بن عبادة سيد نقباء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الأنصار رحمه و معه راية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو بين يديه بصفين في قصيدته اللامية التي أولها قلت لما بغى العدو علينا

حسبنا ربنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ *** حسبنا ربنا الذي فتح البصرة

بالأمس و الحديث طويل *** حتى انتهى إلى قوله

و علي إمامنا و إمام

لسوانا أتى به التنزيل

يوم قال النبي من كنت مولاه *** فهذا مولاه خطب جليل

إن ما قاله النبي على الأمة *** حتم ما فيه قال وقيل

و في هذا الشعر دليلان على ما ذكرناه أحدهما أن المولى يتضمن الإمامة عند أهل اللسان للاتفاق على فصاحة قيس و أنه لا يجوز عليه أن يعبر عن معنى ما لا يقع عليه من اللفظ عند أهل الفصاحة لا سيما في النظم الذي يعتمد صاحبه فيه الفصاحة و البيان.

و الثاني إقرار أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قيسا و ترك نكيره و هو ينشد بحضرته و يشهد بالإمامة له يحتج به على الأعداء و أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممن لا يقر على باطل و لا يمسك عن الإنكار لا سيما مع ارتفاع التقية عنه و تمكنه من الإنكار.

و من ذلك احتجاج أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لنفسه بذلك في جوابه لمعاوية عن كتابه إليه من الشام و قد رام الافتخار فقال أ علي يفتخرابن آكلة الأكباد ثم قال لعبيد الله بن أبي رافع اكتب

محمّد النبي أخي وصنوي *** و حمزة سيد الشهداء عمي

و جعفر الذي يمسي و يضحي *** يطير مع الملائكة ابن أمي

و بنت محمّد سكني و عرسي *** فخالط لحمها بدمي و لحمي

و سبطا أحمد ولداي منها *** فأيكم له سهم كسهمي

سبقتكم إلى الإسلام طرا *** صغيرا ما بلغت أوان حلمي

و أوجب لي ولايته عليكم *** رسول الله يوم غدير خم

فأوجب الحجة على خصمه بالإمامة على الجماعة فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيه يوم الغدير ما قال و هذا الشعر منقول عنه على الظاهر و الانتشار.

و مما يدل على ما ذكرناه أيضا في هذا الباب قول الأخطل و هو رجل نصراني لا يتحيز إلى فرقة من فرق الإسلام و لا يتهم بالعصبية للشعر [للشيعة] و لا يطعن عليه في العلم باللسان في قصيدته التي يمدح فيها عبد الملك بن مروان فقد علمت الكافة عداوته لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)

فما وجدت فيها قريش لأمرها *** أعف و أوفى من أبيك و أمجدا

فأورى بزندیه و لو كان غيره *** غداة اختلاف الناس يوري لأصلدا

فأصبحت مولاها من الناس كلهم *** و أحرى قريش أن تهاب و تحمدا

فمدحه بالإمامة و رئاسة الجماعة و اقتصر في العبارة على ذلك و أنه أولى به من الناس كافة على لفظة مولى لإفادتها في اللغة و معرفة أهلها بأنها عبارة عنه و دالة على معناه و هذا بين لا خفاء فيه على منصف و لا ارتياب فيه.

و هذا الكميت بن زيد الأسدي رحمة الله عليه و إن لم يكن الحجة به في اللغة كحسان و قيس بن سعد فإنه لا حجة فيها على حال و قد أجمع أهل العلم بالعربية على فضله و ثقته في روايته لها و استشهدوا بشعره على صحة بعض ما اختلف منها و قال الأعرابي كان الكميت بن زيد أعرف الناس بلغات العرب و أشعارها و كان أوكد ما دعاه إلى التشيع القول بالنص على إمامة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الغدير من كنت مولاه فعلي مولاه وذلك قوله في قصيدته العينية

و يوم الدوح دوح غدیر خم *** أبان له الولاية لو أطيعا

و لكن الرجال تبايعوها *** فلم أر مثلها خطرا مبيعا

فلو لا أن لفظة مولى تفيد الإمامة لما جاز من الكميت و هو من أهل المعرفة باللغة بحيث ما وصفناه أن يحكم لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإمامة بها و لا أن يحتج بذلك في شعره الذي هو الطريق إلى العلم بمقداره في المعرفة باللسان و يجعله في نظمه الذي تسير عنه الركبان عند الناصبة في الاعتقاد و الشبهة به داخلة عليه في باب الاستدلال.

كيف يجوز أن تلحقه التهمة في الجهل بالعربية عند الخاصة و العامة من الناس و كيف يجوز أن يعرف بالعصبية في هذا الباب فإنه حمل لفظا عربيا غير محتمل عند أهله على الوجوه كلها و الأسباب و لم يوجد أحد من نظرائه فعل مثل ذلك لعصبية و لا عناد و لئن جاز هذا عليه مع ما وصفناه ليجوزن على جرير و الفرزدق و الأخطل بل على لبيد و زهير و إمرئ القيس حتى لا يصح الاستشهاد بشيء من أشعارهم على غريب القرآن ولا على لغة و لا على إعراب وهذا قول من صار إليه ظهر جهله عند العقلاء.

فصح مما أثبتناه من هذه الأشعار و دلائلها ما ذكرناه من برهان قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) على إمامة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و الله الموفق للصواب.

تم كتاب أقسام المولى وصلى الله على سيدنا محمّد و آله الطيبين الطاهرين و سلم.

و رَوَوْا عَنْ أَبي عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِي قَالَ أوْصَلْتُ أشْيَاء لِلْمَرْزُبَانِي وَكَانَ فِيهَا سِوَارُ ذَهَب فَقْبِلَتْ وَ رُدَّ عَلَيَّ السَّوَارُ فَأُمِرْتُ بِكَسْرِهِ فَكْسِرَ فَإِذَا فِي وَسَطِهِ مَتَاقِيلُ حَدِيدٍ وَ نُحَاسٍ وَ صُفْرٍ وَ أَخْرَجْتُ ذَلكَ مِنْهُ وَ أَنْفَذتُ الذَّهَبَ فَقُبِلَ.

و رَوَوْا عَنْ عَلِيِّ بْنِ محمّد قَالَ أَوْصَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ مَالًا فَرُدَّ عَلَيْهِ وَ قِيلَ لَهُ أَخْرِجْ حَقٌّ بَنِي عَمِّكَ مِنْهُ وَ هُوَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَم وَ كَانَ الرَّجُلُ فِي يَدِهِ ضَيْعَةً لِوُلْدِ عَمِّهِ فِيهَا شِرْكَةً قَدْ حَبَسَهَا عَلَيْهِمْ فَنَظَرَ فَإِذَا لِوُلْدِ عَمِّهِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَم فَأَخْرَجَهَا وَأَنْفَدَ الْبَاقِيَ فَقُبِلَ.

وَ رَوَوْا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ وَلدَ لِي عِدَّةٌ بَنِينَ فَكُنْتُ أكْتُبُ وَ أَسْأَلُ الدُّعَاءَ فَلَا يُكْتَبُ إِلَيَّ بِشَيْءٍ فَمَاتُوا كُلُّهُمْ فَلَمَّا وَلِدَ لِي الْحَسَنُ ابْنِي كَتبتُ أسْأَلُ الدُّعَاءَ فَأَجِبْتُ فَبَقِيَ وَ الحَمْدُ لله.

وَ رَوَوْا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْيَمَانِي قَالَ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ فَاتَّفَقَتْ قَافِلَهُ الْيَمَانِيِّينَ فَأَرَدْتُ الخُرُوجَ مَعَهُمْ فَكَتَبْتُ التَمسُ الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ فَخَرَجَ لَا تَخْرُجُ مَعَهُمْ فَلَيْسَ لَكَ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُمْ خِيَرَةً وَأَقِمْ بِالْكُوفَةِ قَالَ فَأَقَمْتُ وَ خَرَجَتِ القَافِلَةُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ حَنْظَلَةُ فَاجْتَاحَتْهُمْ قَالَ وَ كَتَبْتُ أستاذنُ في رُكُوب الْمَاءِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَسَأَلْتُ عَنِ الْمَرَاكِبِ الَّتِي خَرَجَتْ فِي تِلْكَ أَسْتَأْذِنُ السَّنَةِ فِي البَحْرِ فَمَا سَلِمَ مِنْهَا مَرْكَبُ خَرَجَ عَلَيْهَا قَوْمَ يُقَالُ لَهُمُ البَوَارِحُ فَقَطَعُوا عَلَيْهَا.

وَ رَوَوْا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ يَزِيدَ الْهَمْدَانِي قَالَ كَتَبَ أَبِي بِخَطَّهِ كِتَاباً فَوَرَدَ جَوَابُهُ كَتَبَ بِخَطِي فَوَرَدَ جَوَابُهُ ثُمَّ كَتَبَ بِخَطِّ رَجُلٍ جَلِيلٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا فَلَمْ يَرِدْ جوابا [جَوَابُهُ] فَنَظَرْتُ فَإِذَا الْعِلَّةُ فِي ذَلكَ أَنَّ الرَّجُلَ تَحَوَّلَ بَيْنَ ذَلِكَ قَرْمَطِياً.

وَ رَوَوْا عَن الْحَسَن بن الْفَضْلِ قَالَة وَرَدْتُ الْعِرَاقَ وَ زُرْتُ طُوسَ وَ عَزَمْتُ أَنْ لَا عَنْ بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِي وَ نَجَاحِ مِنْ حَوَائِجِي وَ لَوِ احْتَجْتُ أنْ أقِيمَ بِهَا حَتَّى أَتَصَدَّقَ قَالَ وَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ يَضِيقُ صَدْرِي بِالْمُقَامِ وَأَخَافُ أَنْ يَفُوتَنِي الْحَجِّ قَالَ فَجِئْتُ يَوْماً إِلَى محمّد بْنِ أحْمَدَ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لِي صِرْ إِلَى مَسْجِد كَذَا وَكَذَا فَإِنَّهُ يَلْقَاكَ رَجُلٌ قَالَ فَصِرْتُ إِلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ ضَحِكَ وَ قَالَ لَا تَعْتَمَّ فَإِنَّكَ سَتَحْجُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَ تَنْصَرِفُ إِلَى أهْلكَ وَ ولدكَ سَالِماً فَاطْمَأَنَّت نَفْسي وَ سَكَنَ قَلبي فَقُلْتُ أرَى مصْدَاقَ ذَلكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ

ثُمَّ وَرَدْتُ العَسْكَرَ فَخَرَجَتْ إِلَيَّ صُرَّةٌ فِيهَا دَنَانِيرُ وَ تَوْبَ فَاعْتَمَمْتُ وَ قُلْتُ فِي نَفْسِي جَزَائِي عِنْدَ الْقَوْمِ هَذَا وَ اسْتَعْمَلْتُ الْجَهْلَ فَرَدَدْتُهَا وَكَتَبْتُ رُقْعَةً ثُمَّ نَدِمْتُ بَعْدَ ذَلِكَ نَدَامَةٌ شَدِيدَةً وَ قُلْتُ فِي نَفْسِي كَفَرْتُ بِرَدِّي عَلَى مَوْلايَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثُمَّ كَتَبْتُ رُقْعَةٌ أُخْرَى أَعْتَذِرُ مِنْ فِعْلِي وَ أَبُوهُ بالْإِثْمِ وَاسْتَغْفِرُ مِنْ ذَلِكَ وَ أَنْفَدْتُهَا وَ قُمْتُ أَتَطَهَّرُ للصَّلَاةِ وَ أنَا فِي ذَلِكَ أُفَكِّرُ فِي نَفْسِي وَ أقُولُ إِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ الدَّنَانِيرُ لَمْ أحْلُلْ صِرَارَهَا وَ لَمْ أحْدِتْ فِيهَا حَدَتَا حَتَّى أَحْمِلَهَا إِلَى أَبِي فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مِنّي فَيَعْمَلُ فِيهَا بمَا يَشَاءُ فَخَرَجَ إِلَيَّ الرَّسُولُ الذي حَمَلَ إِلَيَّ الصُّرَّةَ وَ قِيلَ لَهُ أسَاتَ إِذْ لَمْ تُعْلمِ الرَّجُلَ أنَّا رُبَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ بِمَوَالِينَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَة لِيَتَبَرَّكُوا بِهِ وَ خَرَجَ إِلَيَّ أخْطَأتَ فِي رَكَ بِرَنَا فَإِذَا اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ فَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَزِيمَتُكَ وَ عَقْدُ نِيَّتِكَ الا تُحدث فِيهَا حَدَتَاً وَ لَا تُنْفِقَهَا فِي طَرِيقِكَ فَقَدْ صَرَفْنَاهَا عَنْكَ فَأَمَّا التَّوْبَ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِتُحْرِمَ فيه قَالَ وَ كَتبتُ في مَعنيين و أرَدْتُ أنْ أكتب في الثَّالث فَامْتَنَعْتُ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكْرَهَ ذَلكَ جَوَابُ الْمَعْنَييْن وَ الثَّالث الَّذي طَوَيْتُ مُفَسَّراً وَ الْحَمْدُ لله.

وَ رَوَوْا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ قَالَ: شَكَكْتُ فِي أَمْرِ حَاجِزِ بْنِ يَزِيدَ فَجَمَعْتُ شَيْئاً ثُمَّ صِرْتُ إِلَى الْعَسْكَرِ فَخَرَجَ إِلَيَّ لَيْسَ فِينَا شَكٍّ وَ لَا فِي مَنْ يَقُومُ مَقَامَنَا بِأَمْرِنَا قَادِرِينَ فَارْدُدْ مَا مَعَكَ إِلَى حَاجِزِ بْنِ يَزِيدَ.

وَ رَوَوْا عَنْ بَدْرٍ غُلَامِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ وَرَدْتُ الْجَبَلَ وَ أَنَا لَا أَقُولُ بِالْإِمَامَةِ أُحِبُّهُمْ جُمْلَةٌ إِلَى أَنْ مَاتَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَأَوْصَى فِي عِلَّته أنْ يُعْطَى الشَّهْرِيُّ السَّمَند وَسَيْفَهُ وَ مِنطَقَتُهُ إِلَى مَوْلاهُ فَخِفْتُ إِنْ أَنَا لَمْ أدْفَعِ الشَّهْرِي إِلَى إِذْكُوتَكِينَ نَالَني مِنْهُ اسْتحْفَافُ فَقَوَّمْتُ الدَّابَّةَ وَ السَّيْفَ وَ الْمِنْطَقَةَ بِسَبْعِمِائَةِ دِينَارٍ فِي نَفْسِي وَ لَمْ أطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً فَإِذَا الْكِتَابُ قَدْ وَرَدَ عَلَيَّ مِنَ الْعِرَاقِ أَنْ وَجهِ السَّبْعَمِائَةِ دِينَارِ الَّتِي لَنَا قِبَلَكَ مِنْ ثَمَنِ الشَّهْرِيِّ وَ السَّيْفِ وَ الْمِنْطَقَةِ.

وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي محمّد الحَسَنِ بْنِ عِيسَى الْعُرَيْضِيِّ قَالَ لَمَّا مَضَى أَبُو محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَرَدَ رَجُلٌ مِنْ مصْرَ بمَال إِلَى مَكَّةَ ِللنَّاحِيَةِ فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنَّ أَبَا محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَضَى مِنْ غَيْرِ وَلَد وَ الخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ جَعْفَرُ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَضَى أبو محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَنْ وَلَدٍ هُوَ خَلَفَهُ فَبَعَثَ

رَجُلًا يُكَنَّى أبا طالب فَوَرَدَ الْعَسْكَرَ وَ مَعَهُ كِتَابٌ فَصَارَ إِلَى جَعْفَر فَسَأَلَهُ عَنْ بُرْهَانَ فَقَالَ لَا يَتَهَيَّاَ في هَذَا الْوَقْتِ فَصَارَ إِلَى الْبَابِ وَ أَنْفَدَ الْكِتَابَ إِلَى أَصْحَابِنَا فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَجَرَكَ اللَّهُ فی صَاحِبَكَ فَقَدْ مَاتَ وَ أَوْصَى بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ إِلَى تَقَةَ لِيَعْمَلَ فِيهِ بِمَا يُحِبُّ وَ أَجِيبَ عَنْ كتابه.

وَ رَوَوْا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ خَفِيفِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بُعِثَ حَرَمٌ إِلَى الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ مَعَهُمْ خَادِمَانِ فَكَتَبَ إِلَى خَفِيف أنِ اخْرُجُ مَعَهُمْ فَلَمَّا وَصَلُّوا إِلَى الْكُوفَةِ شَرِبَ أَحَدُ الخَادِمَيْنِ مُسْكِراً فَمَا خَرَجُوا مِنَ الْكُوفَةِ حَتَّى وَرَدَ كِتَابُ مِنَ العَسْكَرِ بِرَدِّ الخَادِمِ الَّذِي شَرِبَ الْمُسْكِرَ وَ عَزلَهُ عَن الخدمة.

وَ رَوَوْا عَنْ محمّد بْنِ شَاذَانَ النَّيْسَابُورِي قَالَ اجْتَمَعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ دِرْهَم يَنْقُصُ منْهُ عشْرُونَ دِرْهَماً فَأَنفَتُ أنْ أبْعَثَ بِهَا نَاقِصَةٌ فَوَزَنْتُ مِنْ عِنْدِي عِشْرِينَ دِرْهَماً وَ بَعَثْتُ بِهَا إِلَى الأَسَدِي وَ لَمْ أكْتُبْ مَا لي فِيهَا فَوَرَدَ وَصَلَتْ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَم لَكَ مِنْهَا عِشْرُونَ دِرْهَماً.

وَ رَوَوْا عَنِ الحَسَنِ بْنِ محمّد الْأَشْعَرِيِّ قَالَ كَانَ يَرِدُ إِلَيَّ كِتَابُ أَبِي محمّدع فِي الْإِجْرَاءِ عَلَى الْجُنَيْدِ قَاتِلِ فَارِسَ وَ أبِي الْحَسَنِ فَلَمَّا مَضَى أبو محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَرَدَ اسْتَتْنَافُ مِنَ الصَّاحِبِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِالْإِجْرَاءِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَ صَاحِبَيْهِ وَ لَمْ يَرِدْ فِي أَمْرِ الجُنَيْدِ شَيْءٌ فَاغْتَمَمْتُ لِذَلِكَ فَوَرَدَ نَعْيُ الجَنيدِ بَعْدَ ذَلكَ فَإِذَا قَطعَ جَارِيهِ إِنَّمَا كَانَ لِوَفَاتِهِ.

وَ رَوَوْا عَنْ عِيسَى بْنِ نَصْرٍ قَالَ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادِ الصَّيْمَرِيُّ يَسْأَلُ كَفَنَا فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وَ بَعَثَ إِلَيْهِ الْكَفَنَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأيَّامٍ.

وَ رَوَوْا عَنْ محمّد بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ الْهَمْدَانِي قَالَ كَانَ لِلنَّاحِيَةِ عَلَيَّ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فَضِقْتُ بِهَا ذَرْعاً ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي لِي حَوَانِيتُ اشْتَرَيْتُهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ وَ ثَلَاثِينَ دِينَاراً قَدْ

جَعَلْتَهَا لِلنَّاحِيَةِ بِخَمْسِمِانَة وَ لَا وَ اللَّهِ مَا نَطَقْتُ بِذلِكَ فَكَتَبَ إِلَى محمّد بْنِ جَعْفَرٍ اقْبِضِ الحَوَانِيتَ مِنَ محمّد بْنِ هَارُونَ بِخَمْسَمَائَةِ دِينَارِ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ.

وَ رَوَوْا أَنَّ قَوْماً وَشَوْا إِلَى عُبَيْد الله بن سُلَيْمَانَ الْوَزير بوكَلَاء النَّوَاحِي وَ قَالُوا الْأَمْوَالُ تُجْبَى إِلَيْهِمْ وَ سَمَّوْهُمْ لَهُ جَميعَهُمْ فَهُمْ بِالقَبْضِ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ الْأَمْرُ الأمرُ مِنَ السُّلْطَان اطلبُوا أَيْنَ هَذَا الرَّجُلُ فَإِنَّ هَذَا أَمْرُ غَلِيظٌ فَقَالَ عُبَيْدُ الله بْنُ سُلَيْمَانَ نَقْبضُ عَلَى مَنْ ذَكَرَانَّهُ مِنَ الْوُكَلَاء فَقِيلَ لَهُ لَا وَلَكِنْ دُسُوا إِلَيْهِمْ قَوْماً لَا يُعْرَفُونَ بِالْأَمْوَالِ فَمَنْ قَبَضَ مِنْهُمْ شَيْئاً قَبضَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَشْعُرِ الْوُكَلَاءُ بِشَيْءٍ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِمْ أَلَّا تَأْخُذُوا مِنْ أَحَدٍ شَيْئاً وَ أَنْ يَمْتَنعُوا مِنْ ذَلِكَ وَ يَتَجَاهَلُوا بِالأمْرِ وَهُمْ لا يَعْلَمُونَ مَا السَّبَبُ فِي ذَلِكَ فَانْدَسِ لِمحمّد بْنِ أَحْمَدَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ وَ خَلَا بِهِ فَقَالَ مَعي مَالُ أُرِيدُ أنْ أصلَهُ فَقَالَ لَهُ محمّد غَلطت أنَا لَا أَعْرِفُ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ يَتَلَطَّفُ به وَ محمّد يَتَجَاهَلُ عَلَيْهِ وَ بَتُوا الْجَوَاسِيسَ فَامْتَنَعَ الْوُكَلَاءُ كُلُّهُمْ لَمَا كَانَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ وَ لَمْ يَظْفَرْ بِأحَدٍ مِنْهُمْ وَ ظَهَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْحِيلَةُ عَلَيْهِمْ وَ إِنَّهَا لَمْ تَتِم.

وَ رَوَوْا عَنْ محمّد بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ محمّد قَالَ خَرَجَ النَّهْي عَنْ زِيَارَةِ مَقَابِرِ قُرَيْشٍ وَ الْحَائِرِ عَلَى سَاكِنِيهَا السَّلَامُ وَ لَمْ يُعْرَفِ السَّبَبُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَشْهُرٍ دَعَا الْوَزِيرُ الْبَاقَطَانِي وَ قَالَ لَهُ الْق بَنِي الْفُرَاتِ وَ الْبُرْسِيِّينَ وَ قُلْ لَهُمْ لَا يَزُورُونَ مَقَابِرَ قُرَيْشٍ فَقَدْ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أنْ يُتَفَقَّدَ كُلُّ مَنْ زَارَ فَيُقْبَضَ عَلَيْهِمْ.

في أمثال لهذه الروايات إيراد جميعها يخرج عن الغرض و في بعض ما ذكرناه كفاية إثبات تواتر هذه الأخبار.

و ليس لأحد أن يقول جميع ما ذكرتموه من أخبار النصوص و المعجزات أخبار آحاد و هي مع ذلك مختصة بنقلكم و ما هذه حاله لا يلزم الحجة به لأن هذا القدح دعوى مجردة و من تأمل حال ناقلي هذه الأخبار علمهم متواترين بها على الوجه الذي تواتروا به من نقل النص الجلي وقد بينا صحة الطريقة فيه فلنعتمدها هنا عند الحاجة و مساو لنقل معجزات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و من لم يتأمل ذلك و أعرض عنه لبعض الصوارف فالحجة لازمة له و لا عذر له في

جهله بما يقتضيه لتمكنه من تحصيل العلم به لو نظر على الوجه الذي يجب عليه و إذا ثبت تواترها لم يقدح فيه اختصاص نقلها بالفرقة الإمامية دون غيرها لأن المراعى في صحة النقل وقوعه على وجه لا يجوز على ناقليه الكذب سواء كانوا أبرارا أو فجارا متدينين بما نقلوه أو مخالفين فيه و هذا الطعن. .

الحكمة في غيبته:

و أما الكلام في القسم الثاني و هو بيان الحكم في غيبة الحجة و سقوط الشبهة بها فعلى الجملة و التفصيل.

أما الجملة فإذا تقررت إمامة صاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالأدلة العقلية و السمعية و اقتضى كونه المعصوم فيما قال و فعل الموثق فيما يأتي وجب القطع على حسن ذلك و سقوط التبعة عنه و إسناده إلى وجه حكمي له حسنت الغيبة و لم يجز لمكلف علم ذلك أن يشك في إمامته لغيبة أو يرتاب بوجوده لتعذر تميزه و مكانه لأن حصول ذلك عن عذر لا ينافي وجود الغائب و لا يقدح في إمامته الثابتين بالأدلة كما لا يقدح إيلام الإنهاك و ذبح البهائم و خلق المؤذيات في حكمة القيم سبحانه الثابتة بالبرهان و كذلك خوف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حال و استتاره في أخرى و مهادنته في أخرى وتباين ما أتى به من العبادات و الأحكام لا ينافي نبوته و لا يقدح في حجته الثابتين بالأدلة.

و إن كان غير عالم بوجود الحجة و إمامته فلا سؤال له في غيبته إذ الكلام فيهاو هل هي حسنة أم قبيحة فرع لوجوده و ثبوت حجته ففرضنا مع هذا الجاهل بإمامة الحجة إيضاح الأدلة على إمامته و فرضه أن ينظر فيها فإن يفعل يعلم من ذلك ما علمناه و يسقط عنه شبهة الفرع لثبوت الأصل و إن لا يفعل يكن محجوبا في الأصل و الفرع.

و هذا القدر من الجملة كاف في سقوط جميع ما يتعلقون به من الشبه في إمامة الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) و غيبته عن رعيته و استمرارها و عدم اللطف بالظهور و ارتفاع الحفظ و التبليغ للشريعة معها انتفاء الإرشاد و التنبيه و القيام بما يلزم الإمام من الأمر و النهي و إقامة الحدود و الجهاد و قبض الحقوق و طول عمر الحجة.

لأن ذلك أجمع ليس بقبيح في جنسه و إنما يقبح لوقوعه على وجه مخصوص و يحسن لآخر و إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يعلم ثبوت وجه الحسن في جميعه و بين أن يعلم استناده إلى معصوم لا يجوز عليه فعل القبيح كعلمنا ذلك في جميع تأثيرات الأنبياء (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ تقدير فرق بين الأمرين متعذر و هذا أحسم لمادة الشغب و أبعد من الشبه.

من أسباب الغيبة الخوف و عدم الناصر:

و أما التفصيل و أن حسن غيبة الخائف من الضرر القوي الظن بكون الغيبة مؤمنة له منه فمعلوم ضرورة وجوبها عليها فضلا حسنها لكونها محرزا من ضرر و أما ثبوت ذلك في غيبة الصاحب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمختص به (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكل ذي ظن لخوف ويحرز منه لا يفتات عليه فيه.

على أنا إذا كنا و كل مخالط متأمل بقدم وجوده أو تأخره نعلم نص النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و الأئمة من ذريتهما (عَلَيهِ السَّلَامُ) على إمامة الثاني عشر و كونه المزيل لجميع الدول و الممالك الجامع للخلق على الإيمان بالقهر و الاضطرار علمنا توفر دواعي كل ذي سلطان و تابع له إلى طلبه و تتبع آثاره و قتل المتهم بنصرته لما نجدهم عليه من حب الرئاسة و إيثارها على الآخرة وقلة الفكر في العاقبة و تأييدها بقطع الأرحام و هجر الأحباب و بذل الأنفس و الأموال و قتل الأبرار و تعظيم الفجار و ارتفع الريب عنا بوجوب استتاره ما استمر هذا الخوف إلى أن يعلم بشاهد الحال أو بغير ذلك وجود أنصار يتمكن بمثلهم من تأدية الفرض من جهاد الكفار أو توبة المتغلبين من ذوي السلطان فحينئذ يظهر منتصرا للحق كظهور كل من الأنبياء و خلفاء الله في الأرض (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد الخوف و الاضطرار. و ليس لأحد أن يقول فما بال الموجودين من شيعته الذين قد ملأوا الأرض لم ينصروه على أعدائه و ما باله هوع لم يظهر منتصرا بهم ففي بعضهم نصرة لأنه ليس كل متدين بإمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصلح للحرب و ينهض نعت القتال و يقوي على مجالدة الأقران و لا كل مقتدر على ذلك يوثق منه بنصرة الحق و بذل النفس و الأموال و الحميم و هجر طيب العيش في اتباعه و إيثاره على هذه الأمور مع ما فيه من عظيم الكلفة.

و كيف يظن ذلك من يعلم ضرورة كون أكثر شيعته ذوي مهن و ضعف عن الانتصار من أضعف الظالمين و من لا يثبت الجمع الكثير منهم كواحد من أتباع المتغلبين و من يظن به

النصرة من نفسه من شيعة الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكونه ممارسا لآلات الحرب مخالطا لأصحاب الدول هو تبع للضلال و باذل نفسه في نصرة الفجارو معونتهم على مظالم العباد و من يرجى معونته بماله من ذوي اليسار منهم معلوم كونهم أو معظمهم مانعا لما يجب للحجة عليه في ماله من حقوق الخمس و الأنفال التي لو أخرجوها لأوشك ظهور الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتمكنه بها من الانتصار و لا عذر لأحد ممن ذكرناه لتمكن كل منهم من النظر في الأدلة الموصلة إلى العلم بالحجة و ما يجب له عليه و بذل الجهد من نفسه و تأدية الواجب عليه و إخلاص النية لنصرته و تمرين العامي نفسه على ما معه يستطيع النصرة من معاناة آلات الحرب و رياضة في عادتها. فلو فعل المكلفون أو أكثرهم أو من يصح به الانتقام من الباقين ما يجب عليه مما ذكرناه لظهر الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) و غلب كلمة الحق و لما لم يفعلوا ما يستطيعونه من تكليفهم ثبت تقصير كل منهم و كونه مستحقا للوزر و إخلاله بالواجب عليه وتأثيره في غيبة الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتأثير العدو المعلن وإذا لحق أكثر الأولياء بحكم الأعداء في تسبيب الغيبة سقط الاعتراض بكثرتهم. و حصول الغيبة للخوف الذي بيناه لا يمنع من العلم بإمامة الغائب (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ثبوت وجوده لوقوف ذلك على الأدلة التي سلمت دون الغيبة و الظهور اللذين لا تعلق لهما بثبوت حجة و لا انتفائها كسائر المعلومات بالأدلة.

كيفية الجمع بين فقد اللطف بعدم ظهوره و ثبوت التكليف:

و أما فقد اللطف بظهوره متصرفا و رهبة لرعيته مع ثبوت التكليف الذي وجوده مرهوبا لطف فيه مع عدمه فإن اختصاص هذا اللطف بفعل المكلف لتمكنه من إزاحة علة نفسه بمعرفة الحجة المدلول على وجوده و ثبوت إمامته و فرض طاعته ما في ذلك و في من الصلاح و قدرته على الانقياد و حسن تكليفه ما تمكين الإمام و إرهابه أهل البغي لطف فيه و إن كانا مرتفعين بغيبته الحاصلة عن جناية المكلف عن نفسه فالتبعة عليه دون مكلفه سبحانه و دون الحجة الملطوف له بوجوده و تکلیفه لازم له و إن فقد لطفه بالرئاسة لوقوف المصلحة في ذلك على إيثاره معرفة الإمام و الانقياد له باختياره دون الجائه كسائر المتعلقة بفعل الملطوف له من المعارف العقلية و العبادات الشرعية المعلوم حسن تكليف ما هي لطف فيه

من الضروريات و إن انتفى العلم و العمل بها من الملطوف له بها لكونه قادرا على الأمرين و فاقدا للاستصلاح بهما بسوء نظره لنفسه و قبیح اختياره.

العلة في عدم منع الله من يريد الحجة بسوء:

و ليس لأحد أن يقول إلا أيد الله سبحانه الحجة الملطوف بسلطانه للخلق أو منع منه من يريده بالسوء ليتم الصلاح و يحسن التكليف.

لأن هذا و إن كان مقدورا له تعالى و لكن المصلحة في غيره لوقوفها على اختيار المكلف دون إلجائه كسائر المعارف العقلية و التكاليف الشرعية المتعلق كونها مصلحة بفعل المكلف دون مكلفه سبحانه و تکلیفه الضروري ثابت و إن فقد لطفه لتعلق فقدانه به دون القديم سبحانه فكأنما أن سؤال من قال هلا ف (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) العلم الضروري بجملة المعارف للكفار و اضطر الكل إلى فعل الشرعيات و ترك قبائحها ليتم المصلحة و يحسن تكليفهم ما هذه المعارف و الشرائع لطف فيه ساقط فكذلك سؤال من قال هلا جبر الله تعالى الرعية على طاعة الرئيس و منعهم من ظلمه إذ كان العذر في الموضعين واحدا.

إمكان ظهوره لأوليائه في زمن الغيبة:

و ليس لأحد أن يقول فهب تكليف أعدائه مع غيبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لازم لتقصيرهم عن الواجب من تمكينه فما بال أوليائه العارفين به المتدينين بطاعته يمنعون لطفهم بظهوره لهم بجناية غيرهم و يلزمهم تكليف ما ظهور الإمام لطف فيه مع غيبته بجريرة سواهم و مقتضى الألطاف عندكم بخلاف هذا.

لأنا لا نقطع على غيبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جميعهم بل يجوز ظهوره لكثير منهم و من لم يظهر له منهم فهو عالم بوجوده و متدین بفرض طاعته و خائف من سطوته لتجويزه ظهوره له و لكل مكلف في حال منتصرا منه إن أتى جناية أو من غيره من الجناة فغيبته عنده على هذا التقدير كظهوره في كونه مزجورا معها بل حاله مع الغيبة أبلغ في الزجر من حيث كانت حال الظهور يقتضي اختصاص الحجة لمكان معلوم و خلوه مما عداه و في حال الغيبة لا مكلف من شيعته إلا و يجوز اختصاص الإمام بما يليه من الأمكنة و لا يأمن ظهوره فيها و إذا كانت

هذه حال أوليائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في زمان الغيبة حسن تكليفهم ما وجود الإمام لطف فيه و إن كان غائبا لحصول صلاحهم فيها بالظهور.

حفظ الشريعة في حال الغيبة:

و أما حفظه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الشريعة و تبليغها في حال الغيبة فإنها لم تحصل له إلا بعد تبليغ آبائه جميع الشريعة إلى الخلق و إبانتهم عن أحكامها و إيداع شيعتهم من ذلك ما يزاح به علة كل مكلف و حفظهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم في حال وجودهم و حفظه هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد فقدهم بكونه من وراء الناقلين و أحد المجمعين من شيعته و شيعة آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقام و الحال هذه إجماع العلماء شیعته و تواترهم بالأحكام عن آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع كونه حافظا من ورائهم مقام مشافهة الحجة و وجب على كل مكلف العمل بالشريعة الرجوع إلى علماء شيعته و الناقلين عن آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكونه آمنا من من الخطاء فيما أجمعوا عليه لكون الحجة المأمون واحدا من المجمعين و فیماتواتروا به عن الصادقين من آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لصحة الحكم المعلوم بالتواتر إسناده إلى المعصوم في تبليغه المأمون في أدائه و قطع على بلوغه جملة ما تعبد به من الشريعة لوجود الحجة المعصوم المنصوب لتبليغ الملة و بيان ما لا يعلم إلا من جهته وإمساكه عن النكير فيما أجمعوا عليه فقد فتياه بخلاف له أو زيادة فيه فمن أراد الشريعة في حال الغيبة فالطريق إليها ما ذكرناه و الحجة به قائمة لا و معضل و لا مشكل إلا و عند العلماء من شيعته منه تواتر و هم على الصحيح منه منه برهان من طلب ذلك ظفر به ظفر العلماء من شيعته و من عدل عنه و رغب عن الحجة مع لزومها له بتخويف شيعته و وضوح الحق على جملة الشريعة وقيام البرهان على جميعها فالتبعة عليه لتقصيره عما وضح برهان لزومه له و المحنة بينهم و بين منكر ذلك قد استوفينا ما يتعلق بهذا الفصل في كتاب العمدة و مسألتي الشافية و الكافية و أوضحنا عن ثبوت الحجة به و أسقطنا ما يتعلق به من الشبه فذكرها هاهنا يخرج عن الغرض و مريده يجده هناك مستوفى.

حكم تنفيذ الأحكام وإرشاد الضال و حقوق الأموال في حال الغيبة:

و أما تنفيذه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الأحكام و ردع الجناة باليد العالية و إقامة الحدود و جهاد الأعداء فساقط و عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتقيته و قصور يده بإخافة الظالمين له و أعوانهم و لا تبعة عليه في شيء من ذلك

لوقوف فرضه على التمكن منه باتفاق بل التبعة فيه على مخيفه و مسبب ضعفه عن القيام بما جعل إليه تنفيذه مع التمكن منه كسقوط ذلك عن كل نبي و وصي و مؤمن في حال الخوف و الضعف عن القيام به و لزوم التبعة للمانع من ذلك بإخافته إذ كان ذلك أجمع من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المعلق فرضها بالتمكن منها و عدم المفسدة دون الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) الممنوع من ذلك بالخوف و الاضطرار.

و أما إرشاد الضال عن الحق إليه فالأدلة على التكليف العقلي ثابتة و التخويف من ترك النظر فيها حاصل و البراهين على الحق من التكليف الشرعي قائمة و التخويف من الإعراض ثابت ظاهر و إن كان الحجة غائبا فمن ضل عن تكليف عقلي أو شرعي و الحال هذه أتى من قبل نفسه و لم يجب على الإمام إرشاده لكونه قادرا على النظر في أدلة المعارف و مستطيعا لتأمل فتيا الشيعة و ما يستند إليه من وجود الحجة المعصوم من ورائهم و فرض النظر في ذلك مضيق عليه بالتخويف الشديد من تركه فلو فعل كل مكلف ما يجب عليه منه لعلم ما يلزمه من تكليفه عقلا و سمعا و لما لم يفعل فالحجة لازمة له و لا عذر له في تقصيره عما يجب عليه علمه و عمله و إن كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) غائبا.

و أما حقوق الأموال الواجب حملها إليه ففرض قبضها وتصرفها فى وجوهها موقوف على تمكنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من ذلك و عدم التمكين له التبعة على مسبب هذا المنع و لا تبعة عليه كما لا تبعة على من قبله من آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و من قبلهم من أنبياء الله و حججه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و فرض مكلف ذلك إخراج ما تعين عليه فرضه من الزكوات و الفطرة وشطر الخمس إلى من يستحقه و هم معروفون منصوص على أعيانهم وصفاتهم في الكتاب و السنة المعلومة بنقل آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإن جهل حالهم سأل علماء العصابة عنهم أو حمل ما يجب عليه من الحقوق إليهم فيضعوه في مستحقيه و عزل ما يستحقه الإمام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) من من الخمس و الأنفال من جملة المال و أحرزه و انتظر به التمكن من إيصاله إليه أو إلى من يأذن له قبضه و الوصية به إن خاف الفوت قبل ذلك كسائر الحقوق المتعذر معرفة مستحقها بعينه فإن ضعف عن ذلك حمله إلى المأمون من فقهاء الطائفة ليحكم به بما شرع له و أي الأمرين فعل برئت ذمته مما وجب من حقوق الأموال.

رد من قال: لا حاجة إلى الحجة.

و ليس لأحد أن يقول فإذا كان التكليف العقلي و السمعي ثابتا و الطريق إليها واضحا في زمان الغيبة فلا حاجة بالمكلفين فيها إلى الحجة لصحة التكليف من دونه و هذا ينقض قولكم بوجوب الحاجة إليه في كل حال.

لأنا قد بينا قبح التكليف العقلي من دون الرئاسة لكونها لطفا في فعل الواجب و ترك القبيح و قولنا الآن بإمكان العلم بالتكليف العقلي في حال الغيبة منفصل من حصول اللطف برئاسة الغائب بغير شبهة على متأمل و لزوم التكليف به لعدوه و وليه في زمان الغيبة لا يقتضي القدح في وجوب وجوده لأن تقدير عدمه يقتضي سقوط تكليفها أو ثبوته من دون اللطف و كذلك قد بينا أن العلم بوصول المكلف إلى جملة التكليف الشرعي لا يمكن مع عدم الحجة المنصوص لحفظه و إن علم و إن علم أحكاما كثيرة لتجويزه بقاء أكثر ما كلفه من الشرعيات لم يصل إليه فكيف يعترض علينا لقولنا بلزوم التكليفين في زمان الغيبة و إمكان العلم بهما فيقال ذلك مقتض للاستغناء عن الإمام مع وقوف التكليفين على وجوده و إن كان غائبا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو لا غفلة الخصم.

رد من قال: لا حاجة إلى ظهور الحجة.

و ليس لأحد أن يقول فإذا كنتم معشر القائلين بإمامة الحجة بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) حال الغيبة عندكم كحال الظهور في إزاحة العلة في التكليفين عقلا و سمعا بل قد رجحتم الغيبة في بعض المواضع على الظهور فلا حاجة بكم خاصة إلى ظهوره و لا وجه لتمنيكم ذلك ورغبتكم إلى الله تعالى فيه.

لأنا و إن كانت علتنا مزاحة في تكليفنا على ما وضح برهانه ففي ظهور الحجة على الوجه الذي نص عليه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) فوائد كثيرة و تكاليف يتعين بظهوره و منافع حاصلة بذلك ليس شيء منها حاصلا في حال الغيبة لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يظهر لزوال دول الظالمين المخيفين لشيعته ذراري آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و رفع جورهم بعدله و إبطال أحكام أهل الضلال بحكم الله و السيرة بالملة الإسلامية التي لم يحكم بجملتها منذ قبض الله نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏).

منها الأمر بكل معروف و النهي عن كل منكر و جهاد الكفار مع سقوط ذلك أجمع عنا في حال الغيبة و هذه أحكام تثبت و حقوق تظهر و قبائح ترتفع و تکاليف تتعين بظهوره ليست حاصلة في حال غيبته.

و منها زوال الخوف عن شيعته و ذرية آبائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بظهور سلطانه و ارتفاع التقية بدولته و سهولة التكليف الشرعي ببيانه و سقوط كلفة النظر الشاق في الأدلة الموصلة إليه في حال غيبته.

و منها براءة الذمم من الحقوق الواجبة له في الأموال المتعذر إيصالها إليه في زمان الغيبة. و منها ظهور الدعوة إلى جملة الحق في المعارف و الشرائع بظهوره و الفتيا بذلك و العمل بها في جميع الأرض مع ارتفاع مع ارتفاع ذلك في حال الغيبة و هذه فوائد عظيمة لها رغبنا إلى الله تعالى في ظهوره لنفوز بها و نكون من أنصاره عليها فنحظى بثواب نصرته و نسر بنفوذ حكم الله و ظهور عدله (عَلَيهِ السَّلَامُ).

مسألة طول الغيبة و طول عمر الحجة:

و أما طول الغيبة و تراخي الزمان بها فلثبوت الواجب لها و استمراره من إخافة الظالمين و إصرارهم على الظلم والعزم على استيصال الحجة و إذا كان ما له وجبت الغيبة مستمرا حسن لذلك استمرارها و كانت التبعة على موجب ذلك دون الحجة المضطر إليها.

و أما طول العمر و بقاء الشباب مع كونه خلافا للعادات فلا قدح به لكونه مقدورا للقديم سبحانه و شائعا في حكمه و إنما يفعل منه من طول و قصر و شیخوخة و تبقية شباب ما تعلقه يقتضي المصلحة فعله لكون ذلك موقوفا على مقدوره تعالى المعلوم حسن جميعه و بمقدوره تعالى بغير شبهة على موحد و إنما استبعد ذلك ملحد يضيف التأثيرات إلى الطبائع أو الكواكب فأما من أثبت صانعا قادرا لنفسه فشبهته في ذلك ساقطة و لم يبق إلا استبعاده في العادة مع المنع من خرق العادات لغير الأنبياء (عَلَيهِ السَّلَامُ) و كلا الأمرين ساقط.

أما استبعاده في العادة فالمعلوم خلافه لإجماع الأمة على طول عمر نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنه عاش ألفا و مائتين وقد نطق القرآن بنبوته في قومه داعيا ألْفَ سَنَة إِلَّا خَمْسين عاماً و لا شبهة في وجوده حيا قبل الدعوة و بعد الطوفان.

و أجمع العلماء بالنقل على كون الخضرع حيا باقيا إلى الآن و هو على ما وردت الروايات به من ولد الثاني من ولد نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) و يكفي كونه صاحبا لموسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) باقيا إلى الآن. و قد تواتر الخبر و أجمع أهل السيرة على طول عمر لقمان الحكيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لقمان الحكيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنه عاش عمر سبعة

أنسر و فيه يقول الأعشى

لنفسك أن تختار سبعة أنسر

إذا ما مضى نسر خلوت إلى نسر

فعمر حتى خال أن نسوره

خلود و هل تبقى النفوس على الدهر

و قال لأدناهن إذ حل ريشه

هلكت و أهلكت بن عاد و ما تدري

و إنما اختلفوا في عمر النسر ففيهم من قال ألف سنة و فيهم من قال خمسمائة سنة و أقل ما روي أن عمر السبعة الأنسر الذي عاشه لقمان ألف و خمسون و مائة سنة و قد تناصرت الروايات بطول عمر سلمان الفارسي رضي الله عنه و أنه لقي من لقي المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عاش إلى خلافة عمر بن الخطاب.

و نقل الكل من أصحاب الحديث أو من تثبت بنقله الحجة من الفرق المختلفة أخبار المعمرين و دونوا أشعارهم و أخبارهم فمن ذلك عمرو بن حممة الدوسي عاش أربعمائة سنة حاكما على العرب و هو ذو الحلم الذي يقول فيه المتلمس اليشكري

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا *** و ما علم الإنسان إلا ليعلما

و هو القائل

كبرت وطال العمر حتى كأنني *** سليم أفاع ليله غير مودع

فما الموت أفناني و لكن تتابعت *** على سنون من مصيف و مربع

ثلاث مئین قد مررن کواملا *** و ها أنا هذا أرتجي مر أربع

و منهم الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد المذحجي.

و كان من حكماء العرب و فصحائهم و هو القائل

أكلت شبابي فأفنيته *** و أمضيت بعد دهور دهورا

ثلاثة أهلين صاحبتهم *** فبادوا و أصبحت شيخا كبيرا

عسير القيام قليل الطعام *** قد ترك الدهر خطوي قصيرا

أبيت أراعي نجوم السما *** أقلب أمري بطونا ظهورا

و منهم المستوغر و هو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم بن مر بن أد بن طلحة بن إلياس بن مضر.

عاش ثلاثمائة سنة و أدرك أول الإسلام و روي أنه مات قبل ظهور النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و هو القائل:

و لقد سئمت من الحياة وطولها *** و عمرت من عدد السنين مئينا

مائة أتت من بعدها مائتان لي *** و ازددت من عدد الشهور سنينا

هل ما بقي إلا كما قد فاتنا *** يوم يكر و ليلة تحدوها

و منهم دويد بن زيد بن نهد بن سود بن أسلم بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن مرة بن مالك بن حمير عاش أربعمائة سنة و ستا و خمسين سنة و هو القائل:

اليوم يبنى لدويد بيته

إلى قوله:

لو كان للدهر بلى أبليته *** أو كان قرني واحدا كفيته

و من قوله:

ألقى علي الدهر رجلا و يدا *** و الدهر ما أصلح يوما أفسدا

يفسد ما أصلحه اليوم غدا

و منهم زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير. عاش مائتي سنة و واقع مائتي وقعة و كان سيدا مطاعا شريفا في قومه و يقال كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه كان سيد قومه و شريفهم و خطيبهم و شاعرهم و وافدهم إلى الملوك و طبيبهم و کاهنهم و فارسهم و له البيت فيهم و العدد منهم و له حكم و وصايا و أشعار مشهورة فمن قوله:

لقد عمرت حتى ما أبالى *** حتفي في صباحي أو مسائي

و حق لمن أتت مائتان عاما *** عليه أن يمل من الثواء

و منهم ذو الأصبع العدواني و اسمه حرثان بن محرث بن الحارث بن ربيعة بن وهب بن حكماء ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان و كان شاعرا فصيحا و من العرب عاش مائة سنة و سبعين سنة و في رواية أبي حاتم أنه عاش ثلاث مائة سنة و من حسن شعره

لا يبعدن عهد الشباب و لا *** لذاته و نباته النضر

هزئت أثيلة إن رأت هرمي *** و أن أنحني لتقادم ظهري

أكاشر ذا الطعن المبين عنهم *** و أضحك حتى يبدو الناب أجمع

و أهدنه بالقول هدنا و لو يرى *** سريرة ما أخفي لبات يفزع

و منهم الربيع بن ضبع الفزاري روي أنه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له يا ربيع أخبرني عما أدركت من العمر و رأيت من الخطوب الماضية فقال أنا الذي أقول:

ها أنا ذا آمل الخلود و قد *** أدرك عقلي و مولدي حجرا

فقال عبد الملك قد رويت هذا من شعرك و أنا صبي يا ربيع لقد طلبك جد غير عاثر ففصل لي عمرك فقال عشت مائتي سنة في فترة عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عشرين ومائة في الجاهلية وستين في الإسلام و هو القائل:

إذا كان الشتاء فأدفئوني *** فإن الشيخ يهدمه الشتاء

فأما حين يذهب كل قر *** فسر بال خفيف أو رداء

إذا عاش الفتى مائتين عاما *** فقد ذهب المسرة و الفتاء

و منهم عبد المسيح بن بقيلة و اسمه ثعلبة بن عمرو بن قيس بن حيان عاش ثلاثمائة سنة خمسين سنة و أدرك الإسلام فلم يسلم و كان نصرانيا و بنى له قصرا بالحيرة وعاش إلى خلافة عمر و لما نزل خالد بن الوليد بالحيرة صالحه على مائة ألف درهم فقال في ذلك

أ يعد المنذرين أرى سواما *** تروح بالخورنق و السدير

تحاماه فوارس كل قوم *** مخافة ضيغم عالي الزئير

إلى قوله:

نؤدي الخرج بعد خراج كسرى *** و خرج من قريظة و النضير

كذاك الدهر دولته سجال *** فيوم من مساة أو سرور

و منهم النابغة الجعدي و اسمه قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة و يكنى أبا ليلى و أدرك الإسلام فأسلم و هو القائل:

تذكرت و الذكرى تهيج على الهوى *** و من حاجة المحزون أن يتذكرا

نداماي عند المنذر بن محرق *** أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا

کهول و فتيان كأن وجوههم *** دنانير مما شيف في أرض قيصرا

و أيضا

لبست أناسا فأفنيتهم *** و أفنيت بعد أناس أناسا

ثلاثة أهلين أفنيتهم *** و كان الإله هو المستآسا

يعني المستعاض و له *** و لقد شهدت عكاظ قبل محلها

فيها و كنت أعد مل فتيان *** و المنذر بن محرق في ملكه

و شهدت يوم هجائن النعمان *** و عمرت حتى جاء أحمد بالهدى

و قوارع تتلى من القرآن

و منهم أكثم بن صيفي الأسدي عاش ثلاثمائة سنة و ثلاثين سنة و أدرك النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) و آمن به قبل أن يلقاه و له أحاديث كثيرة و حكم و هو القائل

و إن امرأ قد عاش تسعين حجة *** إلى مائة لم يسأم العيش جاهل

مضت مائتان بعد عشر و فازها *** و ذلك من عد الليالي قلائل

و منهم صيفي بن رياح عاش مائتي سنة و سبعين سنة لا ينكر من عقله شيء و هو في بعض الروايات ذو الحلم الذي يقول المتلمس اليشكري فيه البيت السالف و منهم ضبيرة بن سعد بن سهم بن عمرو عاش مائتي سنة و عشرين سنة و لم يشب و أدرك الإسلام و لم يسلم و مات أسود الشعر صحيح الأسنان فرثاه ابن عمه قيس بن عدي فقال:

من يأمن الحدثان بعد *** ضبيرة السهمي مائتا

سبقت منيته المشيب *** فكان ميتته افتلاتا

فتزودوا لا تهلكوا *** من دون أهلكم خفاتا

و منهم شريح بن هاني بن نهيك بن دريد بن سلمة أدرك الإسلام و قتل في ولاية الحجاج و هو القائل:

قد عشت بين المشركين أعصرا *** ثمة أدركت النبي المنذرا

و بعده صديقه و عمرا

و يوم مهران و يوم تسترا

و الجمع من صفينهم و النهرا

هیهات ما أطول هذا عمرا

و منهم الحارث بن مضاض الجرهمي عاش أربعمائة سنة و أدرك الإسلام و لم يسلم وقتل يوم حنين و هو القائل:

حرب عوان ليتني فيها جدع

.................

و إذا كان ما ذكرناه من أعمار هؤلاء معلوما لكل سامع للأخبار وفيهم أنبياء صالحون و كفار معاندون و فساق معلنون سقط دعوى خصومنا كون عمر الغائب خارقا للعادة لثبوت أضعاف ما انتهى إليه من المدة لأبرار و فجار.

على أن خرق العادة على غير الأنبياء (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما يمنع منه المعتزلة و إخوانها الخوارج إذا تكاملت فيه شروط المعجز و طول عمر الحجة (عَلَيهِ السَّلَامُ) خارج عن قبيل الإعجاز بغير شبهة لانفصاله من دعواه بل هو مستحيل - لأن تأخر الدعوى ومضي العمر الخارق للعادة لا تؤثر شيئا لوجوب تقدم الدعوى لخرق العادات المفعول للتصديق عقيبها و تقدم الدعوى بطول العمر لا يجدي شيئا لتعريها من برهان صحته و لوقوعها على ما لم يحصل إلا بعد أزمان.

اللّهم إلا أن يجعل جاعل طول عمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) مدة معلومه دلالة على صدقه بعد مضي الزمان الذي أخبر به غير أن هذا المعجز من قبيل الإخبار بالغائبات دون طول العمر. أو يجعل جاعل ظهوره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد طول المدة شابا قويا معجزا فيصح ذلك إلا أنه مختص بزمان ظهوره دون زمان غیبته.

و بعد فلو سلمنا أن طول عمر الغائب (عَلَيهِ السَّلَامُ) المدة التي بلغها أحد من ذكرناه من المعمرين و أضعافها خارقا للعادة على ما اقترح علينا و أنه من قبيل الإعجاز لم يقدح ذلك في شيء مما قدمناه لجواز ظهور المعجز عندنا على الأبرار فضلا عن الحجج و الصالحين حسب ما دللنا عليه في ماضي كتابنا هذا و أوضحناه.

كيف يمكن معرفة الحجة عند ظهوره:

فإن قيل فهب أنكم تعلمون تخصيص حجة الإمامة في هذا الزمان بابن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكيف لمن ظهر له من خاصته في زمان الغيبة بمعرفته و لجميع شیعته و غیرهم حين الظهور العام.

قيل لا بد في حال ظهوره الخاص والعام من معجز يقترن به ليعلم الخاص و العام من شيعته و غيرهم عند تأمله كونه الحجة تعيينه إذ كان النص المتقدم من الكتاب و السنة و الاعتبار العقلي دلالة على إمامته و تخصيص الحجة على الجملة و لا طريق لأحد من المكلفين منها إلى تعيينه وكذلك وجب ظهور المعجز مقترنا بظهوره (عَلَيهِ السَّلَامُ).

القسم الرابع في المعاد

مسألة في تقسيم التكليف الشرعي:

التكليف الشرعي على ضربين أفعال و تروك والأفعال على ضروب اثني عشر الصلاة و حقوق الأموال و الصوم و الحج و الزيارات و الوفاء بالعهود و الوعود و النذور و الوفاء بالأيمان و تأدية الأمانة و الكفارات و الوصايا و أحكام الجنائز و ما يلزم من العبادة في فاعل الحسن و القبح و المصر عليهما.

و التروك على ضروب أربعة مآكل كالميتة والدم ولحم الخنزير و كل محرم من الأغذية و مشارب كالخمر و الفقاع و كل محظور من الأشربة و مدركات كالأغاني و الملاهي و كل قبيح من الأصوات و مناكح كالزناء و اللواط و كل وطئ محرم.

الأفعال ينقسم إلى مفروض و مسنون و التروك كلها قبيحة و قد فصلنا أحكام هذه العبادات في كتاب التلخيص إذ كان بذلك أولى من هذا الكتاب المقصور على المعارف.

و جهة وجوب الفرائض كون فعلها لطفا في واجبات العقول و اجتناب قبائحها و قبح تركها لأنه ترك لواجب و جهة الترغيب في المسنون كونه لطفا في مندوبات العقول و لم يقبح تركه كما لا يقبح ترك ما هو لطف فيه و جهة قبح التروك كون فعلها مفسدة و وجب تركها لأنه ترك لقبيح.

و قلنا ذلك لأنه لا بد لما وجب أو قبح أو رغب فيه من وجه له كان كذلك لولاه لم يكن ما وجب أولى بالوجوب من القبح أو الترغيب حسب و لا ما قبح أولى بالقبح من الحسن. و إذا كان لا بد من وجه لم يخل أن يكون الأمر والنهي على ما قالته المجبرة أو كونها شكرا لنعمته تعالى على ما ذهب إليه بعض المتكلمين أو الترك على ما قاله أبو علي أو الفعل على ما نقوله.

و لا يجوز أن يكون الأمر والنهى لأنه متى لم يكن للفعل صفة لها يحسن تعلق الأمر به أو النهي عنه كان الأمر و النهي عبثا و لم يكن المنهي عنه أولى بالنهي من الأمر به و لا المأمور به أولى بالأمر من النهي عنه.

و لأنها فرع لصدق المدعي و صدقه موقوف على النظر في معجزه و لا داعي إلى ذلك إلا خوف المفاسد في ما ينهى عنه و فوت المنافع في ما يأمر به فينبغي حصول صفتي المصلحة المفسدة فيما يدعو إليه و ينهى عنه قبل أمره ونهيه الكاشف عن كونهما كذلك.

و لأن الأمر الشرعي متناول للفرض والنفل والشيء الواحد لا يجوز أن يقتضي إيجابا لشيء ترغيبا في غيره و لأن مجرد الأمر والنهي لا يخصص المأمور و لا المنهي بوقت دون لا وقت و بوجه دون وجه و لا بصفة دون أخرى و هذه صفة العبادات الشرعية قبحت تعلقها بالمصالح المخصصة لها بالأوقات و الصفات و الشروط.

و لا يجوز كون الوجه فيها شكرا لنعمه تعالى لأن حقيقة الشكر هي الاعتراف بالنعمة و العزم على تعظيم فاعلها و ليست الشرعيات من ذلك في شيء و لأن شكره تعالى تعم المكلفين و الأزمان على كل حال و الشرعيات يختص مكلفا.

و يسقط عن آخر و يجب على صفة يختص الفاعل و يقبح من دونها و يسقط مع صفة له و يجب بارتفاعها و لأنها ينقسم إلى فرض و نفل و حرام و المقتضي الواحد لا يجوز أن يقتضي إيجابا و ندبا و قبحا.

و لا يجوز أن يكون الترك هو المراعى في العبادات و القبائح الشرعيات لأن الإشارة و التعيين و النص والترغيب و التزهيد و الزجر بوجه إلى الصلاة والزكاة و الحج و الزناءو

الرباء و شرب الخمر دون تركها و لو كان الترك هو المقصود في التكليفين لوجب تخصص ذلك أجمع به دون الفعل فثبت في كتابي العمدة و التلخيص.

و العلم بهذا التكليف فرع للمعارف التي أسلفناها لوقوف العلم به على صدق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏) الموقوف على خرق العادة المسند كونه معجزا دالا على الصدق إلى تخصصها بمقدور القديم تعالى لجواز القبيح على من عداه و تقدم العلم بحكمته ليأمن من الناظر تصديق...

الفهرست:

فصل... 15

في كتمانهم الحور وإظهارهم الباطل... 15

ومن فرط بغضهم:... 17

ومن دأبهم:... 29

ومن تعريضاتهم:... 30

فصل في خطائهم في الأحكام لبغض أهل البيت... 34

وعندهم كل مجتهد مصيب... 42

فصل فيما جاء فيهم أجمعين... 72

فصل فيما جاء فيهما...101

فصل: في ذكرهم...117

في ثواب من لعن الشيخين...118

فى ذكر الصحيفة وأصحاب العقد...122

فصل في اصحاب العقبة وخبر البعير...132

فصل: في كتمانهم وصية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ‏)...140

فصل في تناقض احكامهم...149

فصل في ذكر العريش...165

فصل في حكم القبر...169

فصل في ذكر السقيفة...178

فصل في أن إمامته أبرد وكانت بلا رضا...209

فصل في ظلامة أمير المؤمنين على (عَلَيهِ السَّلَامُ)...245

فصل في شكاية الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)...257

فصل في أن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)توفيت غضبى عليهما...265

فصل فى نفى المساواة بين على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبينهم...273

فصل في ان عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) افضل منهم...282

فصل في أنهم لا يصلحون للإمامة293

فصل فيما تعلقوا من الآيات في فضائلهم...298

فصل في ذكر الأخبار الكاذبة فيهم...306

فصل في اللطائف والنكت...315

القسم الثاني...333

باب أبى الشرور...333

فصل في أصل أبو الفصيل ودنائته...333

الفهرست:...700