ghaemiyeh.com
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلد التاسع
تأليف
مركز الأبحاث العقائدية
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدّسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن(عليه السلام)
الموقع على الإنترنت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلّد التاسع
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية / قم
الطبعة : الاولي ١٤٣٣ – ٢٠٠٠ نسخة
عدد النسخ : ٢٠٠٠ نسخة – السعر : ٤٠٠٠ تومان
الألواح الحساسة : تيز هوش
المطبعة : ستارة
شابك (ردمك) ١-٩١-٥٢١٣-٦٠٠-٩٧٨
مركز الأبحاث العقائدية :
إيران ـ قم المقدّسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤
ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥
الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )
الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )
العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن(عليه السلام)
ص . ب : ٧٢٩
الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ ( ٣٣ ) ( ٠٠٩٦٤ )
الموقع على الإنترنت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
موسوعة من حياة المستبصرين
المجلّد التاسع
تأليف : مركز الأبحاث العقائدية / قم
الطبعة : الاولي ١٤٣٣ – ٢٠٠٠ نسخة
عدد النسخ : ٢٠٠٠ نسخة – السعر : ٤٠٠٠ تومان
الألواح الحساسة : تيز هوش
المطبعة : ستارة
شابك (ردمك) ١-٩١-٥٢١٣-٦٠٠-٩٧٨
مقدّمة المركز.... 11
(١) آزاد صديق الثواني (شافعي / العراق).... 13
(٢) إبراهيم الدليمي (شافعي / العراق).... 21
(٣) إبراهيم عبد الله عزيز خوشناو (شافعي / العراق).... 27
(٤) ابن يوسف بن يعقوب (مسيحي / العراق).... 30
(٥) أبو الحتوف بن حارث الأنصاري العجلاني (خارجي / العراق).... 32
(٦) أبو العباس خال شبل كاتب إبراهيم بن محمّد (سنّي / العراق).... 33
(٧) أبو حيدر الكبيسي (حنفي / العراق).... 35
(٨) أبو هوزان الجردي (شافعي / العراق).... 40
(٩) أحمد دحّام الدليمي (سنّي / العراق).... 49
(١٠) أحمد نايف جاسم الدليمي(حنفي / العراق).... 59
(١١) أديب محمّد عزيز (شافعي / العراق).... 59
(١٢) أديب نيروي سعيد (حنفي / العراق).... 65
(١٣) أزور خوشناو (شافعي / العراق).... 69
(١٤) إسراء الأمير (حنفية / العراق).... 76
(١٥) إسماعيل بن عيسى العباسي (سنّي / العراق).... 82
(١٦) إسماعيل خليل إبراهيم (شافعي / العراق).... 84
(١٧) أكرم مجيد رستم (شافعي / العراق).... 91
(١٨) أكرم يونس البرزنجي (شافعي / العراق).... 95
(١٩) السيّد إسماعيل الحميري (خارجي ثمّ كيساني / العراق).... 99
(٢٠) أمّ الأسود بنت أعين (سنّية / العراق).... 116
(٢١) أمانج حسن فتّاح (شافعي / العراق).... 117
(٢٢) باسم عبد المنعم الدليمي (حنفي / العراق).... 121
(٢٣) بريهة الجاثليق النصراني (مسيحي / العراق).... 126
(٢٤) بسيمة إلياس بابه (شافعيّة / العراق).... 129
(٢٥) بهرام المجوسي (مجوسي / العراق).... 133
(٢٦) بشّار محمّد شهيداوي (حنفي / العراق).... 135
(٢٧) ثابت عبيد الدليمي (شافعي / العراق).... 139
(٢٨) جبار سمين إسماعيل (شافعي / العراق).... 143
(٢٩) جبّار لطيف العزاوي (حنفي / العراق).... 148
(٣٠) جعفر بن محمّد بن الأشعث (سنّي / العراق).... 152
(٣١) جعفر خوشناور (شافعي / العراق).... 154
(٣٢) جعفر قادرويس (شافعي / العراق).... 160
(٣٣) جعفر محمّد البرزنجي (شافعي / العراق).... 164
(٣٤) جلال كريم رشيد (شافعي / العراق).... 168
(٣٥) جليل إبراهيم (شافعي / العراق).... 175
(٣٦) جليل سمين إسماعيل (شافعي / العراق).... 181
(٣٧) جمال الدين علي بن عبد العزيز الخليعي الموصلّي (ناصبي / العراق).... 186
(٣٨) جوان فايق سعيد (سنيّة / العراق).... 194
(٣٩) جوزيف عبد المسيح حبابة (محمّد) (مسيحي / العراق).... 199
(٤٠) الحارث بن أبي رسن الأودي الكوفي (سنّي / العراق).... 207
(٤١) الحباب الراهب (مسيحي / العراق).... 208
(٤٢) الحُرّ بن يزيد الرياحي الكوفي (سنّي / العراق).... 210
(٤٣) الحسن الشيباني الصاحب (سنّي / العراق).... 221
(٤٤) الحسن بن عبد الله (سنّي / العراق).... 223
(٤٥) حسن سالم العكيدي (شافعي / العراق).... 225
(٤٦) حسن عاشق الطائي (شافعي / العراق).... 232
(٤٧) حسن علي بحر العزاوي (حنفي / العراق).... 237
(٤٨) حسن هادي عليوي الجبوري (حنفي / العراق).... 240
(٤٩) حسين شريف رستم اليوزبكي (حنفي / العراق).... 255
(٥٠) حسين كاكاوند (شافعي / العراق).... 262
(٥١) حسين كريم مبارك (حنفي / العراق).... 266
(٥٢) حمدان شامار (مغالي / العراق).... 269
(٥٣) حمدان صفيان نجم الكبيسي (سنّي / العراق).... 273
(٥٤) حمران بن أعين الشيباني (سنّي / العراق).... 277
(٥٥) حنون معن محمداوي (صابئي / العراق).... 280
(٥٦) خالد العلواني (شافعي / العراق).... 284
(٥٧) خالد صبّار سرحان (سنّي / العراق).... 287
(٥٨) خالد ولي عبد الرحمن (سنّي / العراق).... 292
(٥٩) خليل الناصبي (ناصبي / العراق).... 297
(٦٠) خورشيد حسن جمشيد (شافعي / العراق).... 299
(٦١) ذنون ياسين يوسف (شافعي / العراق).... 304
(٦٢) رامي عبد الغني اليوزبكي (حنفي / العراق).... 312
(٦٣) زانا محمّد ظاهر محمّد جلال (شافعي / العراق).... 320
(٦٤) زرارة بن أعين بن سنسن الشيباني بالولاء الكوفي (سنّي / العراق).... 325
(٦٥) زرافة حاجب المتوكّل العباسي (سنّي / العراق).... 330
(٦٦) زركار عبد الله إبراهيم (شافعي / العراق).... 332
(٦٧) زكريّا بن إبراهيم (مسيحي / العراق).... 337
(٦٨) زهير عبد الملك مصطفى التيازي (شافعي / العراق).... 339
(٦٩) ستّار الفهداوي (حنفي / العراق).... 346
(٧٠) ستّار فلامرز (سنّي / العراق).... 353
(٧١) سعد بن الحرث الأنصاري العجلاني (خارجي / العراق).... 358
(٧٢) سعيد السامرائي (حنفي / العراق).... 359
(٧٣) سهام محمّد إبراهيم (شافعي / العراق).... 367
(٧٤) شادية علي خليفة (حنفية / العراق).... 372
(٧٥) شاكر شكر قادر (شافعي / العراق).... 374
(٧٦) شمعون بن حمون (سنّي / العراق).... 380
(٧٧) شهاب أحمد عزيز (شافعي / العراق).... 381
(٧٨) شيركوه نجم الدين (شافعي / العراق).... 385
(٧٩) صائب عبد الحميد (حنفي / العراق).... 388
(٨٠) صباح الصابري (صابئي / العراق).... 407
(٨١) صباح علي البياتي (شافعي / العراق).... 412
(٨٢) صباح مولود عبّاس (سنّي / العراق).... 424
(٨٣) صفاء الجنابي (شافعي / العراق).... 429
(٨٤) صلاح مهدي صالح العزاوي (شافعي / العراق).... 435
(٨٥) ضياء شموس جواد الحيّالي (شافعي / العراق).... 438
(٨٦) طارق نافع محمّد الدليمي (حنفي / العراق).... 440
(٨٧) طلال إبراهيم سلوم الشمّري (حنفي / العراق).... 443
(٨٨) عبد الرحمن بن محمّد البدري (سنّي / العراق).... 449
(٨٩) عبد الرحمن نديمان أحمد (شافعي / العراق).... 452
(٩٠) عبد الله الدّيصاني (ضالّ / العراق).... 458
(٩١) عبد الله النجاشي الزيدي الكوفي (زيدي / العراق).... 461
(٩٢) عدنان الزهاوي (سنّي / العراق).... 462
(٩٣) عذاب العزاوي (مالكي / العراق).... 465
(٩٤) عصام جورج برنارد (مسيحي / العراق).... 468
(٩٥) عصام صالح الجنابي (شافعي / العراق).... 472
(٩٦) علي البدري (شافعي / العراق).... 479
(٩٧) علي الشيخ (مسيحي / العراق).... 495
(٩٨) علي العزاوي (حنفي / العراق).... 505
(٩٩) علي النقشبندي (شافعي / العراق).... 508
(١٠٠) علي بن خالد (زيدي / العراق).... 513
(١٠١) عماد المحمّدي (شافعي / العراق).... 519
(١٠٢) عماد محمّد شيت عنين (حنفي / العراق).... 525
(١٠٣) عمّار العبيدي (حنفي / العراق).... 528
(١٠٤) عمر التميمي (حنفي / العراق).... 532
(١٠٥) فؤاد غريب علي (شافعي / العراق).... 535
(١٠٦) فؤاد يوسف بولص شماشا (مسيحي / العراق).... 541
(١٠٧) فاضل عمر التميمي (حنفي / العراق).... 547
(١٠٨) قاسم عاصم الدليمي (حنفي / العراق).... 550
(١٠٩) قاسم بن عبد الرحمن (زيدي / العراق).... 565
(١١٠) كامران صابر هوارمي (حنفي / العراق).... 567
(١١١) كامل حمّة عزيز (شافعي / العراق).... 569
(١١٢) كريم عسكر خوامراد (شافعي / العراق).... 580
(١١٣) كلاريز عبّاس حسين (شافعي / العراق).... 585
(١١٤) الكلبي النسّابة (سنّي / العراق).... 596
المصادر.... 599
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، حبيب قلوبنا ونور عيوننا، المصطفى محمّد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
والحمدُ لله على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ لنا الإسلام ديناً بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين عليهم سلام الله أجمعين.
الذي يطالع التاريخ وكتب التراجم والسير، يلاحظ أنّ عملية التحوّل المذهبي بدأت من القرن الأوّل الهجري، أي حصل هنالك انتقال من مذهب إلى آخر، أو فلنقل من مدرسة إلى أخرى ; لأنّ بوادر التحوّل المذهبي حصلت قبل حصر المذاهب السنيّة بالأربعة - الحنفيّة والمالكية والشافعية والحنبليّة - ففي القرن الأوّل الهجري كان المسلمون منقسمين إلى مدرستين فقط: أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وأتباع الخلفاء.
والعراق - سابقاً وحاضراً - شهد تحوّلاً مذهبيّاً وانتقالاً كبيراً من المذاهب السنيّة إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وشمل هذا التحول كلّ مدن العراق التي يسكنها الإخوة السنّة، وشمل أيضاً كلّ القوميّات التي تعيش على أرض الرافدين عرباً واكراداً وتركماناً.
ولم يقتصر الاستبصار وركوب سفينة النجاة - سفينة علي وأهل بيته (عليهم السلام) –
في العراق على المذاهب السنيّة فقط، بل شمل حتّى الخوارج والغلاة والصابئة والمجوس، بل حتّى أتباع الديانة المسيحيّة.
وهذا المجلّد الذي بين يديك أيّها القارئ الكريم - وهو التاسع من «موسوعة من حياة المستبصرين» الذي يضمّ بين دفتيه تراجم مجموعة من المستبصرين العراقيين - خيرُ دليل وشاهد على قولنا هذا ; إذ يتّضح من خلاله قدم حركة الاستبصار التي بدأت من القرن الأوّل الهجري وحتّى يومنا هذا، ويتّضح أيضاً أنّ هذه الحركة المباركة شملت كلّ مدن العراق التي يسكنها إخواننا السنّة، وشملت كذلك كلّ القوميات والمذاهب فيه .
وأمّا الأسباب التي أدّت بهذه المجموعة إلى ترك موروثها الديني الذي كانت تتعبّد الله به فترة من الزمن، وبدأت تتعبّد الله سبحانه وتعالى وفقاً لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فهي كثيرة بيّنها وسطّرها المستبصرون بأقلامهم، بل وبيّنوا الشخصيات الإسلاميّة والكتب التي تأثّروا بها والتي أدّت بهم إلى ركوب سفينة النجاة.
إنّ عدد تراجم المستبصرين في هذا المجلّد، ما هو إلاّ عبارة عن نماذج من تراجم هذه الفئة الخيّرة من الناس التي اتّبعت ما أملته عليهم الأدلّة العقليّة والنقليّة على أحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ولو أردنا استقصاء تراجم كلّ المستبصرين العراقيين لاستوجب ذلك منّا تأليف موسوعة بمفردها.
ختاماً نرفع أيدينا بالشكر لله سبحانه وتعالى ; لتوفيقه إيانا لإكمال هذه الموسوعة المباركة، وكذلك نتقدّم بالشكر الجزيل لكلّ الإخوة الأعزاء من أعضاء مركز الأبحاث العقائدية الذين ساهموا في إخراج هذا المجلّد: تأليفاً ومراجعة وتصحيحاً وطباعةً. علماً بأنّ الجهود مستمرة لإخراج الأجزاء الأخرى من هذا الموسوعة، والحمد لله ربّ العالمين أولاً وآخراً.
محمّد الحسّون
١٠ جمادى الأولى ١٤٣٢هـ
www.aqaed.com/Muhammad
Muhammad@aqaed.com
الصورة
ولد عام (١٩٦٣م) في كردستان العراق، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب، وبعد هجرته إلى إيران تعرّف بصورة مباشرة على عقائد الشيعة الإماميّة، فكان ذلك سبباً في استبصاره الذي أعلن عنه عام (١٩٨٧م).
من أدلّة استبصاره:
يقول «آزاد»: عندما اطّلعت على عقائد الشيعة الإماميّة، وتلقّيت دعوتهم لي إلى الحقّ، وجدّتهم يدعوني إلى مبادئ تقرّبني إلى ا لحياة الطيّبة.
وقد قال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ(1).
التيّار الوهّابي:
بدأ التيّار الوهّابي الذي يستمدّ أفكاره من ابن تيميّة بنشر معتقداته في الآونة الأخيرة ; ولهذا فكلّ مستبصر يحاول التحرّر من موروثه العقائدي السنّي فإنّه لاشكّ يجد من الضرورة أن ينظر في العقائد التي يروّج لها الوهّابية.
والملفت للنظر في هذا الصعيد هو آراء علماء المذاهب الإسلاميّة حول ابن
1) الأنفال (٨) : ٢٤.
تيميّة فإنّ الباحث يجد إطباق ا لعلماء على انحرافه وضلاله، وقد رفض مجموعة من علماء المذاهب المختلفة آراءه ومعتقداته، مثل: الإمام صدر الدين بن الوكيل المعروف بابن المرحل الشافعي، والإمام أبو حيّان، والإمام عزّ الدين ابن جماعة، والإمام كمال الدين الزملكاني الشافعي، وملاّ علي القاري الحنفي، وشهاب الدين الخفاجي الحنفي، والإمام محمّد الزرقاني المالكي، والإمام تقيّ الدين السبكي الشافعي، والحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي، والإمام عبد الرؤوف المناوي الشافعي، والشيخ مصطفى الحنبلي الدمشقي، والإمام شهاب الدين أحمد بن حجر المكّي الشافعي، والإمام صفيّ الدين الحنفي البخاري، والحافظ عماد الدين بن كثير الشافعي، وشيخ الإسلام صالح البلقيني الشافعي، والحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي»(1)حتّى أن بعض علماء المذاهب قالوا بأنّ ابن تيميّة زنديق.
وقال ابن حجر: إنّ ابن تيميّة عبدٌ خذله الله وأضلّه وأعماه، وأصمّه وأذلّه(2).
وقال العلماء: إنّ ابن تيميّة تبع مذهب الخوارج في تكفير الصحابة، وقال الأئمّة الحفّاظ: إنّ ابن تيميّة من الخوارج، كذّاب أشر أفّاك(3).
«ولا زال - ابن تيميّة - يتتبّع الأكابر، حتّى تمالأ عليه أهل عصره، ففسّقوه وبدّعوه، بل كفّره كثير منهم»(4).
ولم يكن هذا الهجوم العنيف ضدّ ابن تيميّة اعتباطاً، وإنّما هو نتيجة الأفكار الضالّة التي روّجها في العالم الإسلامي.
قال ابن الجوزي: ورأيت من أصحابنا من تكلّم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني، فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين، وفماً، ولهوات، وأضراساً وأضواء لوجهه هي السبحات ويدين وأصابع وكفّاً وخنصراً وإبهاماً، وصدراً، وفخذاً، وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس.
وقالوا: يجوز أن يمس ويُمس، ويدني العبد من ذاته.
وقال بعضهم: ويتنفّس، ثمّ يرضون العوام بقولهم: لا كما يعقل!
وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسمّوها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل.
ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظواهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا بأن يقولوا: صفة فعل، حتّى قالوا: صفة ذات!
ثمّ لمّا أثبتوا أنّها صفات ذات، قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة، مثل اليد على النعمة والقدرة، والمجيء والإتيان على معنى البّر واللطف، والساق على الشدّة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميّين، والشيء إنّما يحمل على حقيقته إذا أمكن، ثمّ يتحرّجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون:
نحن أهل السنّة، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام.
وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا، أنتم أصحاب نقل
وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: كيف أقول مالم يقل.
فإيّاكم أن تبتدعوا في مذهبه ماليس منه، ثمّ قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها، فظاهر القدم الجارحة، فإنّه لمّا قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى إنّ لله صفة هي روح ولجت في مريم!! ومَن قال: استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسّيّات.
وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل، فإنّا به عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقِدَم، فلو أنّكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، لما أنكر عليكم أحد، إنّما حملكم إيّاها على الظاهر قبيح.
فلا تُدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ماليس منه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً، حتّى صار لا يقال حنبلي إلاّ المجسّم، ثمّ زيّنتم مذهبكم أيضاً بالعصبيّة ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أنّ أصحاب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمّد التميمي يقول في بعض أئمّتكم لقد شان المذهب شيناً قبيحاً لا يغسل إلى يوم القيامة»(1).
من اعتقادات ابن تيميّة الباطلة:
يعتقد ابن تيميّة بأنّ الله تعالى في جهة ومكان، وقال في ردّه على كلام العلاّمة الحلّي: «وكذلك قوله: كلّ ما هو في جهة فهو محدث» لم يذكر عليه دليل. وغايته ما تقدّم أنّ الله لو كان في جهة لكان جسماً، وكلّ جسم محدث ; لأنّ الجسم لا يخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
وكلّ هذه المقدّمات فيها نزاع، فمن الناس مَن يقول: قد يكون في الجهة ماليس بجسم فإذا قيل له: هذا خلاف المعقول.
1) دفع شبه التشبيه: ١٠٢.
قال: هذا أقرب إلى العقل من قول مَن يقول: إنّه لا داخل العالم ولا خارجه، فإن قَبل العقل ذاك قُبل هذا بطريق أولى، وإن رُدّ هذا رُدّ ذاك بطريق أولى، وإذا رُدّ ذاك تعيّن أن يكون في الجهة، فثبت أنّه في الجهة على التقديرين»(1).
وقال ابن تيميّة يوماً وهو يعظ الناس على منبر الجامع بدمشق: إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من المنبر»(2).
وأيضاً من اعتقادات ابن تيميّة الباطلة اعتقاده بقيام الحوادث بالله تعالى، فقال في ردّه على العلاّمة الحلّي: وأمّا قوله: «وأنّ أمره ونهيه وإخباره حادث، لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وإخباره»، فيقال: هذه مسألة كلام الله تعالى والناس فيها مضطربون، وقد بلغوا فيها إلى تسعة أقوال»(3).
فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ؟ قالوا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل(4).
ومن عقائد ابن تيميّة الباطلة الأخرى اعتقاده بقدم نوع العالم، فقد قال ابن تيميّة في معرض ردّه: «نحن نقول: إنّه لم يزل مشتملاً على الحوادث، والقديم هو أصل العالم كالأفلاك ونوع الحوادث مثل جنس حركة الأفلاك وحينئذ فالأزلي مستلزم لنوع الحوادث لا لحادث معيّن، فلا يلزم قدم جميع الحوادث، ولا حدوث جميعها، بل يلزم قدم نوعها وحدوث أعيانها، كما يقول أئمّة أهل السنّة منكم، إنّ الرب لم يزل متكلّماً إذا شاء وكيف شاء»(5).
وأيضاً من عقائده المنحرفة قوله: بأنّ الله يتكلّم بصوت وحرف.
قال ابن تيميّة: «إنّ الله تعالى يتكلّم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره، وأنّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته وكذلك لا تشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه، ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد(1).
ومن العقائد الأخرى الباطلة لابن تيميّة اعتقاده بأنّ الله تعالى مركّب وله أبعاض:
قال ابن تيميّة: إذا قلنا: إنّ الله لم يزل بصفاته كلّها أليس إنّما نصف إلهاً واحداً بجميع صفاته؟ وضربنا لهم مثلاً في ذلك فقلنا لهم: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار، واسمها اسم واحد، وسُمّيت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته(2).
وهذا النص يكشف بوضوح بان عقيدة ابن تيميّة أنّ لله أجزاء وأبعاض، ويد الله غير ساقه ووجهه غير رجليه.
أضف إلى ذلك فإنّ من عقائد ابن تيميّة الباطلة تصوير احتياج الله تعالى إلى آلات يعمل بواسطتها قال ابن تيميّة: والصمد الذي لا جوف له، ولا يأكلّ ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن أو هي الأصل في هذا الباب.
وقال في حقّ المسيح وأمّه: مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ فجعل ذلك دليلاً على نفي الألوهيّة، فدلّ ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى. والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكلّ والشرب، فالغني المنزّه عن ذلك منزّه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنّها للعمل والفعل، وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل(1).
أضف إلى ما أشرنا إليه من عقائد ابن تيميّة الباطلة كلامه في حقّ أهل البيت (عليهم السلام) الذي يدلّ على نصبه، ودفاعه عن بني أُميّة الذين قتلوا وسلبوا أهل البيت (عليهم السلام) منها طعنه في خلافة الإمام علي (عليه السلام) حيث قال ابن تيميّة: قال: وأمّا علي فلم يتّفق المسلمون على مبايعته، بل وقعت الفتنة تلك المدّة، وكان السيف في تلك المدّة مكفوفاً عن الكفّار مسلولاً على أهل الإسلام(2).
وقال: ولم يكن في خلافة عليّ للمؤمنين الرحمة التي كانت في زمن عمر وعثمان، بل كانوا يقتتلون ويتلاعنون، ولم يكن لهم على الكفّار سيف، بل الكفّار كانوا قد طمعوا فيهم، وأخذوا منهم أموالاً وبلاداً»(3).
وقال أيضاً: «ومَن ظنّ أنّ هؤلاء الاثني عشر هم الذين تعتقد الرافضة إمامتهم فهو في غاية الجهل، فإنّ هؤلاء ليس فيهم مَن كان له سيف إلاّ علي بن أبي طالب، ومع هذا فلم يتمكّن في خلافته من غزو الكفّار، ولا فتح مدينة! ولا قتل كافراً! بل كان المسلمون قد اشتغل بعضهم بقتال بعض، حتّى طمع فيهم الكفّار بالشرق والشام من المشركين وأهل الكتاب حتّى يقال: إنّهم أخذوا بعض بلاد المسلمين، وأنّ بعض الكفّار كان يحمل إليه كلام حتّى يكفّ عن المسلمين، فأيّ
عزّ للإسلام في هذا»(1).
وقال ابن تيميّة أيضاً: «إنّ عليّاً قاتل على الولاية! وقد سبّب ذلك قتل خلق كثير عظيم، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفّار ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة خير»(2).
وقال: «وعلي يقاتل ليُطاع، ويتصرّف في النفوس والأموال، فكيف يجعل هذا قتالاً على الدين»(3)؟!
وقال حول فضائل الإمام علي(عليه السلام): «إنّ الفضائل الثابتة في الأحاديث الصحيحة لأبي بكر وعمر أكثر وأعظم من الفضائل الثابتة لعلي...»(4).
شخصيّة ابن تيميّة:
يستنتج كلّ باحث من خلال مطالعاته حول ابن تيميّة بأنّ ابن تيميّة أصل الفتنة التي نعيشها في يومنا هذا مع الوهّابية.
وهو يقول بالتجسيم والتشبيه.
وهو يقول بقدم غير الله تعالى.
وهو ينفي فضائل الإمام علي(عليه السلام).
وهو الذي أفسد عقائد الأُمّة الإسلاميّة.
والسبيل الوحيد للتحرّر من عقائد الوهّابيّة هو التسلّح بالعلم والمعرفة، وهذا ما دفع «آزاد» إلى المزيد من القراءة ولاسيّما قراءة الكتب العقائدية.
وعندما استبصر «آزاد» أدرك لذّة التحرر من التقليد الأعمى، وأنتابه شعور ديني معنوي لم يشعر به من قبل، ثمّ بدأ يبيّن للآخرين بمقدار قدرته الأدلّة التي دفعته إلى التحوّل المذهبي.
ولد عام ١٣٨١هـ (١٩٦٢م) في مدينة الرمادي، وشبّ شافعيّ المذهب متأثّراً بالأجواء المحيطة به.
عقبات وحواجز تحول دون الوصول إلى الهدف، وتراث عاجز أمام الأدلّة والبراهين العقلّية، كلّ له تأثيره في عرقلة حركة الباحث عن الحقيقة، ويبقى الحلّ هو التحرّر من أسر التبعيّة والتقليد الأعمى للآباء والأسلاف.
تخطّى «إبراهيم» عقبات الماضي، وذلك من خلال دراسة شاملة للتاريخ، استهدف من ورائها تنمية وعيه الديني والثقافي، فعكف على مطالعة الكتب مدّة طويلة من الزمن، وكانت النتائج غير متوقّعة له.
دراسة التاريخ:
يقول «إبراهيم»: بعد دراسة شاملة في التاريخ وكتب السِيَر، تجلّت لي حقائق غيّرت مسير حياتي من الظلمات إلى النور، حيث كانت النتائج توحي لي ببطلان ما تلقّيته من أسلافي وآبائي.
صور ذهنّية بدت لي أنّها المثل الأعلى في تبيين الشريعة المقدّسة، فأفضيت عليها منتهى القداسة والتنزيه، لكنّه بمجرّد اهتمامي بالبحث تحطّمت وتحطّم معها كلّ موروثي المقدّس، فألفيت الصحابة في قرارة نفسي من شخصيّات مقدّسة إلى
شخصيّات يلزم إخضاعها لقاعدة الجرح والتعديل، فانهالت عليّ ردود الأفعال من كلّ حدب وصوب، تحاول إرجاعي إلى حالة التقوقع والانعزال عن الدليل والبرهان، والركون إلى راحة التقليد الأعمى وعدم تحمّل عناء البحث والتحقيق.
ولم تكن ردود الأفعال هي الحاسمة للموقف، بل زادت في الطين بلّة، فبقيت في غاية الاستغراب إزاء تسليم مَن حولي لتراث هشّ لا يعوّل على دليل فحسب بل تناقض مضامينه الأدلّة والبراهين العقليّة والوقائع التاريخيّة التي تكشف بوضوح بطلان هذا التراث مهما كانت معطياته.
تخطّي عقبات الماضي:
تخطّي عقبة التراث هي الأكبر من نوعها يواجهها الباحث في طريقه للوصول إلى الحقيقة، فعلى الباحث التحرّر من العصبيّة العمياء، والقيام بدراسة معمّقة في صفحات التاريخ الإسلامي، لتكون النتائج واضحة لئلاّ يقع في فخّ صور يرسمها التراث له.
ومن هذا المنطلق قام «إبراهيم» بعمليّة البحث والتحقيق في هذا المجال، واستغرقت عنده عمليّة البحث مدّة طويلة يقول عنها:
عكفت على مطالعة الكتب مدّة طويلة علّني أجد ما يشفي غليلي وتعطّشي الذي كان يزداد يوماً بعد آخر لمعرفة الحقيقة، وكان موضوع البحث يتمحور حول الصحابة وما سطّر لهم التاريخ من مواقف لابدّ من دراستها، فقد كانت الحقبة الزمنيّة التي عاشها الصحابة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تأخذ حيّزاً واسعاً من تاريخ الأُمّة الإسلاميّة، وتدخل في منعطفات خطيرة، بما فيها التعرّض إلى كبار الصحابة، وكنت أعتقد بقداستهم وفق تعاليم أسلافي، ولكن كشفت لي الحقيقة بأنّها قداسة مزيّفة.
الصحابة:
يعرّف البخاري الصحابي بأنّه: «من صحب النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه»(1).
وقال ابن حجر في شرحه على البخاري: «... وقد وجدت ما جزم به البخاري من تعريف الصحابي في كلام شيخه عليّ بن المديني، فقرأت في «المستخرج لأبي القاسم بن منده» بسنده إلى أحمد بن سيّار الحافظ المروزي قال: سمعت أحمد بن عتيك يقول: قال علي بن المديني: من صحب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم...»(2).
وعلى ضوء هذا التعريف استدّل أهل السنّة على انضواء عدد كبير من المسلمين في دائرة الصحابة، وحكموا على عدالة كلّ من اتّصف بالصحبة للنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقالوا بعدالة جميعهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني: «اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة...»(3).
الصحابة تحت المجهر:
يتبيّن من خلال دراسة حياة الصحابة في ضمن الحركة التاريخية لمراحل الدعوة الإسلاميّة بأنّ الكثير من الثغرات تحمل في ثناياها العديد من الحقائق، وحاول البعض التعتيم عليها وإضفاء هالة من القداسة عليهم، فأصبح البحث عنهم تخطّياً للخطوط الحمراء!! فكان هذا العامل هو السبب الأساسي في تضليل الرأي العام.
ولكن كيف يمكن قبول الدعوى بعدالة جميع الصحابة وسيرتهم تصرخ بخلافها؟ والسنّة الشريفة تنفي عدالتهم؟
الأحاديث وعدالة الصحابة:
أخرج البخاري بسنده عن المغيرة قال: «سمعت أبا وائل عن عبد الله عن النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - قال: أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني فأقول: يا ربّ أصحابي. فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(1).
وعن ابن المسيّب أنّه كان يحدّث عن أصحاب النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - أنّ النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - قال: «يردّ على الحوض رجال من أصحابي فيحلئون عنه، فأقول: يا ربّ أصحابي. فيقول إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»(2).
وعن نافع بن عمر قال: حدّثني ابن أبي مليكة عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم -: «إني على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس دون، فأقول: يا ربّ منّي ومن أُمّتي فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم». فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهم إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا(3).
وعن أبي وائل قال: قال عبد الله قال النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم -: «أنا فرطكم على الحوض، ليرفعنّ إلي رجال منكم حتّى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي. يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك»(4).
وهذه الأحاديث تحكم ببطلان نظرّية عدالة جميع الصحابة، فكيف يصحّ كلام البخاري وابن حجر وغيره من علماء أهل السنّة في عدالة جميع الصحابة؟!
الآيات القرآنيّة وعدالة الصحابة:
هناك العديد من الآيات القرآنيّة تخالف نظريّة عدالة الصحابة، وتفصح عن وجود الكثير من المنافقين في صفوف أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منها قوله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم(1). تبيّن الآية وجود الكثير من المنافقين بين صحابة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يتوعّد الله بعذابهم مرّتين، فهل يعدّ هؤلاء من العدول؟
وقوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ(2)تحكي لنا الآية القرآنيّة عن وجود المؤامرات التي ستعقب عروج النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى.
وقد حققّ المنافقون مآربهم في تسافل الأُمّة نحو الجاهليّة، وأزاحوا المناصب الإلهيّة عن محلّها فجعلوا الخلافة في غير محلّها، وعقدوا السقيفة يتقاسمون فيها الخلافة، وبهذا ضلّلوا وأضلّوا المسلمين عن الهداية المحمديّة التي رسمها النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم.
ويدلّنا على انحراف العدد الغفير من الصحابة آنذاك ما أخرجه البخاري في باب الحوض عن أبي هريرة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «بينا أنا نائم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله.
قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم. قلت أين؟ قال: إلى النار والله. قلت ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم»(1).
ويكشف هذا الحديث عن هلاك الكثير من الصحابة وسلامة القليل منهم وهم كـ(همل النعم)، وهذا لا ينسجم مع ما يذكره علماء أهل السنّة حول عدالة جميع الصحابة.
حقائق تتجلّى:
يقول «إبراهيم الدليمي»: بعد تجلّي الحقائق وكشف الستار عن بصيرتي، قمت بغربلة معلوماتي العقائدّية الموروثة، وتركت السلف وتعاليمه التي طالما قدّستها من دون دليل، وبذلت جهدي على ضوء تعاليمها من دون بصيرة، واتّبعت ما تملي عليّ البراهين القاطعة والأدلّة الساطعة التي طالما حاول البعض إطفاء نورها.
فقد كشف لي التاريخ عن مكانة أهل البيت(عليهم السلام) ومنزلتهم الرفيعة التي حباهم الله بها، وجعلهم السراج المنير وحملة الرسالة النبويّة، والحجج على العباد، وجعل التمسّك بهم أمان من الانحراف والضلال، يدلّ عليه قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا على الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما»(2).
فالتحقت بركب آل محمّد وسفينة النجاة وهم أهل البيت(عليهم السلام).
الصورة
ولد عام ١٣٥٧هـ (١٩٣٩م) في ضواحي «السليمانية» في العراق، كان شافعيّ المذهب، وقد واصل دراسته الدينية ما يقارب عشر سنوات على ضوء المذهب الشافعي، ثُمّ أصبح عالماً دينياً وإماماً وخطيباً في عدّة قرى، كما أنّه مارس التدريس إضافة إلى التبليغ في شهر رمضان، ولكنّه استبصر بعد ذلك واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) على أثر النتائج العلميّة التي توصّل إليها عبر البحث.
أوّل سبب دفعني لمعرفة التشيّع:
يقول «الشيخ إبراهيم»: أوّل دافع حفّزني لقراءة تراث الشيعة هو مسألة الوحدة الإسلاميّة، لأنّني توصّلت إلى هذه النتيجة بأنّ العالم الإسلامي لا يمكنه أن يشكّل قوّة كبيرة إزاء تحدّي التيار الغربي إلاّ بعد تركه للخلافات المذهبيّة التي أضعفت بنيانه من الداخل.
فبدأت بعدها بالبحث من المحور الذي يمكنه أن يجمع أبناء الطوائف والمذاهب الإسلاميّة، فتأمّلت في القرآن والسنّة، وكانت النتيجة أنّني وجدت التمسّك بالقرآن والعترة هو المحور الوحيد الذي يمكن دعوة المسلمين للالتفاف حوله، وذلك على ضوء حديث الثقلين المتّفق عليه بين العامّة والخاصة.
ولكنّ «الشيخ إبراهيم» وجد نفسه يقترب إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وهو المذهب الذي كان يرى فيه الكثير من الأمور التي كان يظنّ أنّها دخيلة على الإسلام.
ويضيف «الشيخ إبراهيم»: «خضت بعد ذلك في مناقشات عديدة مع أحد فضلاء الشيعة من أهل بلدتي، وطالعت خلال ذلك بعض الكتب الشيعيّة من قبيل «ليالي بيشاور»، «دلائل الصدق»، «المراجعات»، «لماذا اخترت مذهب أهل البيت»، «أصل الشيعة وأصولها»، وكتباً أُخرى، وكانت النتيجة هو إزالة حجب الشبهات عن بصيرتي حول التشيّع، ومن ذلك الحين عرفت أحقّية الإمامة والأُمور العقائديّة، والمسائل الفقهيّة التي يذهب إليها الشيعة، وكان من أكثر المسائل التي تأثّرت بها هي وجود الإمام المهدي المنتظر عجّل الله فرجه وفتح أبواب الاجتهاد عند الشيعة.
ومن هذا المنطلق أعلن «الشيخ إبراهيم» استبصاره عام ١٣٩٥هـ (١٩٧٦م)، وتحوّل بعدها إلى داعية شيعيّة، ومبلّغ جوّال في القرى والمدن.
مؤلفاته:
توجّه «الشيخ إبراهيم» إلى التأليف فألّف الكتب التالية دفاعاً عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
١ - أربعون فضيلة من فضائل علي بن أبي طالب، (مطبوع باللغة الكرديّة).
٢ - الطريق المستقيم وسفينة النجاة (مطبوع باللغة الكرديّة).
٣ - مراتب علي بن أبي طالب في ٥٨ آية من كتاب الله العزيز (مطبوع باللغة الكرديّة).
٤ - من هو المهدي (تحت الطبع باللغة الكرديّة).
٥ - بعض المعلومات الطبيّة لكلّ عائلة كرديّة (باللغة الكرديّة).
وأمّا كتبه المؤلّفة باللغة العربيّة فهي:
١ - إثبات وصيّة خاتم الأنبياء بعشرة أحاديث لاثني عشر خليفة من عترته الطاهرة.
٢ - مدارك صفات الكمال لأفضل الرجال بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
٣ - ما نزل من القرآن في علي(عليه السلام).
٤ - قاموس اللغة (بثلاث لغات كردي، عربي، فارسي).
ومن هذا المنطلق استبصر على يديه العديد من الإخوة والعوائل، وهو لا يزال يبذل قصارى جهده للتعريف بمذهب الحقّ، وإنقاذ الناس من المذاهب التي شيّدتها أيدي السلطات الحاكمة لتهيمن بعد ذلك على مسار الحركة الإسلاميّة والوعي الديني الذي يبثّه الإسلام في قلوب أبنائه.
جاء في كتاب «بحار الأنوار» روى هبة الله بن أبي منصور الموصلي: أنّه كان بديار ربيعة كاتب نصراني، وكان من أهل «كفرتوثا» يسمّى «يوسف بن يعقوب»، وكان بينه وبين والدي صداقة، قال: فوافى فنزل عند والدي فقال له: ما شأنك قدمت في هذا الوقت؟
قال: دعيت إلى حضرة المتوكّل، ولا أدري ما يراد منّي إلاّ أنّي اشتريت نفسي من الله بمائة دينار، وقد حملتها لعلي بن محمّد بن الرضا(عليه السلام) معي. فقال له والدي: قد وفّقت في هذا.
قال: وخرج إلى حضرة المتوكّل وانصرف إلينا بعد إيّام قلائل فرحاً مستبشراً.
فقال له والدي: حدّثني حديثك.
قال: صرت إلى سرّ من رأى -وما دخلتها قطّ- فنزلت في دار، وقلت أحبّ أوصل المائة إلى ابن الرضا(عليه السلام) قبل مصيري إلى باب المتوكّل وقبل أن يعرف أحد قدومي.
قال: فعرفت أنّ المتوكّل قد منعه من الركوب وأنّه ملازم لداره، فقلت: كيف أصنع؟ رجل نصراني يسأل عن دار ابن الرضا لا آمن أن يبدر بي فيكون ذلك زيادة فيما أحاذره.
كان من الخوارج ممّن خرج على الإمام علي(عليه السلام) بعد التحكيم في صفّين، كما أنّه خرج مع عمر بن سعد لحرب الإمام الحسين(عليه السلام)، فلمّا كان اليوم العاشر، وقتل أصحاب الإمام الحسين(عليه السلام) وجعل الإمام الحسين(عليه السلام) ينادي ألا من ناصر ينصرنا، سمع أبو الحتوف النداء فقال: إنّا نقول لا حكم إلاّ لله ولا طاعة لمن عصاه، وهذا الحسين ابن بنت محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن نرجو شفاعة جدّه يوم القيامة فكيف نقاتله وهو بهذا الحال لا ناصر له ولا معين.
نقطة التحوّل:
من هذا المنطلق مال «أبو الحتوف» بسيفه مع الإمام الحسين(عليه السلام) على جيش ابن سعد وجعل يقاتل قريباً منه حتّى استشهد في سبيل الله.
وكان معه أيضاً أخوه «سعد بن الحارث الأنصاري»، واستشهدا معاً وسقطا صريعين في مكان واحد(1).
1) انظر: الكنى والألقاب ١: ٤٥.
جاء في كتاب «بحار الأنوار»: روى أبو محمّد البصري عن أبي «العباس» خال شبل كاتب إبراهيم بن محمّد، قال: كنّا أجرينا ذكر أبي الحسن(عليه السلام) فقال لي: يا أبا محمّد لم أكن في شيء من هذا الأمر وكنت أعيب على أخي وعلى أهل هذا القول عيباً شديداً بالذّم والشتم إلى أن كنت في الوفد الذين أوفد المتوكّل إلى المدينة في إحضار أبي الحسن(عليه السلام)، فخرجنا إلى المدينة.
فلمّا خرج وصرنا في بعض الطريق وطوينا المنزل وكان منزلاً صائفاً شديد الحرّ، فسألناه أن ينزل فقال: «لا»، فخرجنا ولم نطعم ولم نشرب فلمّا اشتدّ الحرّ والجوع والعطش فبينما ونحن إذ ذلك في أرض ملساء، لا نرى شيئاً ولا ظلّ ولا ماء نستريح، فجعلنا نشخص بأبصارنا نحوه قال: «مالكم أحسبكم جياعاً وقد عطشتم».
فقلنا: إي والله يا سيّدنا قد عيينا.
قال: «عرّسوا وكلوا واشربوا».
فتعجّبت من قوله ونحن في صحراء ملساء لا نرى فيها شيئاً نستريح إليه،
ولا نرى ماءً ولا ظلاًّ.
فقال: مالكم عرّسوا فابتدرت إلى القطار لأنيخ ثُمّ التفت، وإذا أنا بشجرتين عظيمتين تستظلّ تحتهما عالم من الناس وإنّي لأعرف موضعهما أنّه أرض براح قفراء، وإذا بعين تسيح على وجه الأرض أعذب ماء وأبرده.
فنزلنا وأكلنا وشربنا واسترحنا، وإنّ فينا من سلك ذلك الطريق مراراً، فوقع في قلبي ذلك الوقت أعاجيب، وجعلت أحدّ النظر إليه وأتأمّله طويلاً وإذا نظرت إليه تبسّم وزوى وجهه عنّي.
فقلت في نفسي: والله لأعرفنّ هذا كيف هو؟
فأتيت من وراء الشجرة فدفنت سيفي ووضعت عليه حجرين وتغوطّت في ذلك الموضع وتهيّأت للصلاة.
فقال أبو الحسن(عليه السلام): «استرحتم»؟
قلنا: نعم.
قال: «فارتحلوا على اسم الله»، فارتحلنا.
فلمّا أن سرنا ساعة رجعت على الأثر فأتيت الموضع فوجدت الأمر والسيف كما وضعت والعلامة وكأنّ الله لم يخلق ثُمّ شجرة ولا ماءً ولا ظلالاً ولا بللاً فتعجبت من ذلك، ورفعت يدي إلى السماء، فسألت الله الثبات على المحبّة والإيمان به، والمعرفة منه، وأخذت الأثر فلحقت القوم.
فالتفت إليّ أبو الحسن(عليه السلام) وقال: «يا أبا العباس فعلتها»؟
قلت: نعم يا سيدي، لقد كنت شاكّاً وأصبحت أنا عند نفسي من أغنى الناس في الدنيا والآخرة.
فقال: «هو كذلك هم معدودون معلومون لا يزيد رجل ولا ينقص»(1).
1) بحار الأنوار ٥٠: ١٥٩، الحديث ٤٥.
الصورة
مرّت ترجمته في (١: ٥٢٩) من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى معلومات أخرى لم تذكر من قبل.
لقد تأثّر «أبو حيدر» في مسير استبصاره بكتاب «السقيفة» للشيخ محمّد رضا المظفّر(رحمه الله) تأثّراً بالغاً، حيث أوضح له الكتاب مختلف التيارات الأساسيّة التي أوجدت تلك الواقعة، ودفع عنه الالتباسات التي كانت تحيط بها.
ولعلّ كثرة تأثّر «أبي حيدر» بهذا الكتاب بالذات - مع كثرة ما كتب في هذا المجال - جاء نتيجة لمناهج البحث الجديدة التي اتّخذها الشيخ المظفّر في كتابه هذا.
مع أنّ موضوع السقيفة قديم جدّاً، وسبق أن ناقشته عشرات الأقلام في مختلف العصور، غالباًما وتلاعبت فيه عواطف الكتّاب بأنواع الأساليب الخطابيّة التي لم يسلم من آفاتها إلاّ القليل. إلاّ أنّ الجديد في كتاب الشيخ المظفّر(رحمه الله) هو الانشاء الأنيق، والرؤية الواقعيّة غير المتحيّزة وأساليب العرض الملائمة لأذواق العصر الحديث.
فإنّ موضوع كهذا يحتاج إلى من يعالجه معالجة موضوعيّة مجرّدة عن الانحياز من ناحية، ويأخذ بيد الباحث حيث يرجى له من التطوّر الذي تقتضيه
المناهج العلميّة الحديثة من ناحية أخرى.
وقد قام بهذه المهمّة الشيخ محمّد رضا المظفّر(رحمه الله) فنال بذلك إعجاب العديد من الباحثين المعنيّين بهذه الشؤون منهم العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين(رحمه الله)صاحب كتاب «المراجعات».
مظلوميّة أمير المؤمنين(عليه السلام):
إنّ الباحث المنصف إذا تصفّح التاريخ بشتّى جوانبه، وبنفس حرّة وبلا انحياز يتأثّر بالكثير من الظلامات التي قارعت أهل البيت(عليهم السلام) وخاصّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) في حياته وبعد وفاته ما يشجي القلوب ويسيل الدموع.
يقول «أبو حيدر» حول قراءة كتاب «السقيفة»: «لكثرة تأثّري بهذا الكتاب أخذت أتصفّح الكتاب وأبكي على ما جرى على مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام)».
أقول: بل من الأحرى أن يُبكى على هذا التاريخ المظلم!!
الذي يُغصب فيه حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) وهو من قالت فيه عائشة - على ما بينها وبينه -: «ما رأيت رجلاً أحبّ إلى رسول الله منه»(1).
والذي يُترك فيه من انتخبه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للخلافة من أوّل البعثة وإلى آخر حياته، وهو القائل فيه: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا»(2)، وقال أيضاً: «من كنت مولاه فعلي مولاه»(3).
1) السنن الكبرى للنسائي ٥: ١٤٠، خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام): ١٠٩ ومسند أبي يعلى ٨ : ٢٧٠.
2) راجع: الكامل في التاريخ ٢: ٦٣، تاريخ الطبري ٢: ٦٣، بهذا اللفظ، وقد جاء في تفسير الطبري ١٩: ١٤٣: «إنّ هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا»، وكأنّ الطبري نسي الألفاظ التي ذكرها في تاريخه فأورد مكانها «كذا وكذا»!!
3) هذا الحديث من الأحاديث المتواترة بين الفريقين، فقد ورد في سنن الترمذي ٥: ٢٩٧، سنن ابن ماجة ١: ٤٥ مسند أحمد ١: ٨٤، ١١٩، ١٥٢ و...، السنن الكبرى ٥: ٤٥، ١٠٨ و...، مسند أبي يعلى ١: ٤٢٩ و١١: ٣٠٧، المعجم الكبير ٣: ١٧٩، ٤: ١٧، ١٧٣ و...، المعجم الأوسط ٢: ٢٤، ٣٢٤ و...، وغيرها من مصادر أهل السنّة.
ويُودَع بيته من قال فيه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا برز إلى عمرو بن عبد ود: «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه»(1).
ويبقى وحيداً بين المسلمين من آخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بينه وبينه(2)وقال: «إنّ علياً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي»(3).
ويُذمّ ويسبّ على المنابر(4)من قال فيه نبي الأُمّة(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»(5).
ويُقال بخروجه عن الحقّ وهو من قال فيه البشير النذير: «علي مع الحقّ، والحقّ مع علي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(6).
1) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٣: ٢٦١، ٢٨٥، العثمانيّة: ٣٢٤، ينابيع المودّة ١: ٢٨١، ٢٨٤ وغيرها.
2) يقول ابن عبد البرّ في الاستيعاب ٣: ١٠٩٩ في ترجمة الإمام علي(عليه السلام): آخى رسول الله بين المهاجرين بمكّة، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، وقال في كلّ واحدة منهما لعلي: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» وآخى بينه وبين نفسه. وذكر قصّة المؤاخاة العديد من المؤرّخين منهم: ابن كثير في البداية والنهاية ٣: ٢٧٧، والسيرة النبويّة ٢: ٣٢٤، وابن هشام في السيرة النبوّية ٢: ٣٥١، وغيرهم.
3) راجع: مسند أحمد ٤: ٤٣٨، سنن الترمذي ٥: ٢٩٦، المستدرك على الصحيحين ٣: ١١١، السنن الكبرى للنسائي ٥: ٤٥، ١٢٦ و... .
4) يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٤: ٥٦: «إنّ معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ علي والبراءة منه، وخطب بذلك على منابر الإسلام، وصار ذلك سنّة في أيّام بني أُميّة إلى أن قام عمر بن عبد العزيز فأزاله»، ثمّ يذكر شواهد تاريخيّة كثيرة على ذلك.
5) مسند أحمد ١: ٩٥، سنن الترمذي ٥: ٣٠٦، سنن النسائي ٨: ١١٦، السنن الكبرى ٥: ١٣٧ وغيرها.
6) راجع تاريخ بغداد ١٤: ٣٢٢ وتاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٤٩.
ويُسدُّ باب بيته وهو من أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن تُسدّ الأبواب إلاّ بابه وحين سُئل عن فعله قال: «ما أُمرتُ به فعلت، إنّ أتّبع إلاّ ما يُوحى إليّ»(1).
نعم، إنّه علي أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي نزلت فيه الآيات: آية الولاية فأولته الولاية على المسلمين(2)
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية واثبتها في كتاب الشرايع
تفسير الآلوسي ٦: ١٦٧.
، آية التطهير فطهّرته من الرجس(3)وآية المباهلة فجعلته نفس الرسول الأمين(صلى الله عليه وآله وسلم)(4). فهل ترى نزلت في حقّ غيره آية أو نصف آية؟!وهل هناك شخص ورد فيه ما ورد في الإمام علي(عليه السلام) كهذه الأحاديث والآيات التي يشدّ بعضها بعضاً.
ولكن للأسف، لم يرتو المسلمون من ينبوع علمه ومعدن حكمته بعد رسول
1) المعجم الكبير للطبراني ١٢: ١١٤، السيرة الحلبيّة ٣: ٤٦٠ وكنز العمّال ١١: ٦٠٠.
2) أجمع المفسّرون على نزول هذه الآية في أمير المؤمنين(عليه السلام). يقول المحقّق الجرجاني في شرح المواقف ٣: ٦١٤: «وقد أجمع أئمّة التفسير على أنّ المراد «بالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» علي، فإنّه كان في الصلاة فسأله سائل فاعطاه خاتمه فنزلت الآية. كما أنّ غالب المحدّثين يقولون بهذا، يقول الآلوسي في روح المعاني ٦: ١٦٧: «غالب الأخباريين على أنّ هذه الآية نزلت في علي كرم الله وجهه»، وقد أنشد بذلك شعراً فقال:
3) أجمع علماء ومفسرّو الفريقين على أنّ أمير المؤمنين علي(عليه السلام) فيمن نزلت فيه هذه الآية،إلاّ الشاذّ النادر غير المعتدّ بهم، وقد وردت روايات عديدة في مصادر السنّة في أنّ الآية نزلت في الخمسة الطاهرة(عليهم السلام)، راجع: صحيح مسلم ٧: ١٣٠، مسند أحمد ١: ٣٣١، ٦: ٢٩٢، المستدرك ٢: ٤١٦، ٣: ١٣٣، ١٤٧ السنن الكبرى للبهيقي ٢: ١٥٠، وغيرها من المصادر.
4) خرج مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للمباهلة كلّ من ابنته الزهراء وسبطاه الحسنان والإمام علي(عليه السلام)، فنزلت الآية فيهم، فعنى عزّ وجلّ بـ«أبنائنا» الحسنين(عليهما السلام) وبـ«نساءنا» السيّدة الزهراء وبـ«أنفسنا» علي أمير المؤمنين(عليه السلام)، راجع: صحيح مسلم ٧: ١٢٠، مسند أحمد ١: ١٨٥، سنن الترمذي ٤: ٢٩٤، المستدرك ٣: ١٥٠ و...
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ القليل منهم، فتُرك وحيداً.
بل صار الإسلام بفراقه غريباً وحيداً، إذ لو كانت الأُمّة قد وضعت كلّ شيء بمكانه، واتّبعت وأطاعت من عيّنه نبيّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) للخلافة من بعده لما كانت تضلّ وتختلف ويمزّق بعضها بعضاً.
يقول أمير المؤمنين(عليه السلام):... لو أنّ الأُمّة منذ قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) اتّبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم رغداً إلى يوم القيامة»(1).
وقال سلمان لمّا بويع أبو بكر: أمّا لو جعلتموها في أهل بيت نبيّكم لأكلتموها رغداً(2).
بلى، فالحقّ مع «أبي حيدر» عندما يتأثّر ويبكي للظلم والتعدّي الذي لحق بأمير المؤمنين والعترة الطاهرة(عليهم السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهم الذين أمر فيهم ربّ العزّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(3).
ولد «أبو هوزان» في «أربيل» إحدى محافظات العراق الشماليّة، ونشأ في أحضان أسرة كرديّة تعتنق المذهب الشافعي، اتّبع أسرته في معتقدها شأن أغلب الناس في تبعيّتهم العمياء لمعتقدات آبائهم وأسلافهم، فتشبّث بهذه العقيدة فترة طويلة من عمره، وأضفى عليهم هالة من العظمة والقداسة، ترسّخت معتقدات هذا المذهب في قلبه وعقله.
سار «أبو هوزان» على هذا المعتقد حتّى تعرّف على مذهب الشيعة، فتأثّر بمعتقداتها كثيراً، وووجد أنّها هي المعتقدات الوحيدة التي تروي عطشه في معرفة الحقيقة.
تابع «أبو هوزان» تحرّي الحقائق، واطّلع على كتب ومصادر الشيعة، وتعرّف على أدلّتهم وبراهينهم وحججهم، فوجدها باهرة ساطعة لامعة، لا يتخلّلها شكّ ولا ريب، فتبلورت عنده الحقائق، وتجلّت له الوقائع، فأذعن للحقّ الجلي، وتمسّك بعترة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
يقول «أبو هوزان»: إنّ من جملة الكتب التي اطّلعت عليها وجذبتني كثيراً هي كتب التفسير عند الشيعة، وتمتاز هذه التفاسير عن تفاسير أهل السنّة باغترافها من منابع العلوم الصحيحة الحقّة المرتبطة بعالم الوحي.
المائز في التفاسير الشيعيّة:
القرآن كتاب هداية وإرشاد، أنزله الله سبحانه وتعالى لإخراج البشريّة من أودية التيه والضلال، والعروج بها إلى أعلى مراتب الكمال، وفيه تبيان لكلّ شيء، وإرشاد إلى أفضل الطرق التي على الإنسان اجتيازها في هذه الدنيا، وفيه الحِكم والمواعظ، وفيه الأمثال والشواهد، وفيه القصص الخالدة، والأخبار الصادقة و... .
وهذه حقيقة تفرض نزول القرآن ميسّراً للجميع، وإمكان فهم كلماته ومعانيه لكلّ شخص، وإلاّ فكيف يتمكّن القرآن من تحقيق أهدافه وأداء رسالته لولم يكن مفهوماً عند الناس؟
ومن جهة أخرى نجد مواجهة الباحث لبعض الصعوبة في فهم معاني بعض الآيات القرآنيّة التي لا يتمكّن الإنسان من الإحاطة بها بحواسه وعقله.
فكيف يمكن أن نجمع بين هاتين الحقيقتين؟
والجواب يكمن في التمييز بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى، فالقرآن ميسّر للفهم من جهة معرفة مفهوم الألفاظ بحسب اللغة والعرف عند العرب، لأنّ القرآن نزّل بلغتهم، وهو كلام عربي مبين، فمن عرف اللغة العربيّة وأساليبها فهم الظاهر من ألفاظ القرآن الكريم، وليس في مفهوم ألفاظ الآيات القرآنيّة تعقيد يستلزم تحيّر الإنسان في فهم معنى تلك الآيات، كيف والقرآن هو الفصاحة والبلاغة بعينها؟ وقد اشترطوا فيهما خلوّ الكلام من التعقيد، وهذا ما يحتّم خلو القرآن من التعقيد في الألفاظ.
إنّما البحث والكلام في القسم الثاني: أي تفسير معاني القرآن، فالصعوبة تكمن في تفسير هذا المعنى، إذ هي معان مجرّدة ترتبط بعالم لا يمتلك الإنسان القدرة على التوغّل فيه بحواسه وعقله، فيحتّم على من أراد أن يبيّن هذه المعاني المجرّدة - التي صيغت في قوالب ألفاظ ضيّقة لا تتسع أن تحيط هذه الألفاظ بهذه
المعاني الرفيعة - أن يكون ذا اطّلاع وبصيرة كاملة لما تحمله هذه المعاني من مضامين عالية ومعارف سامية، فلابدّ من تأويل هذه المعاني لما يكون مصداقاً لها في الواقع، وقال تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً(1).
فهذه الآية المباركة تفرض على الناس ألاّ يتكلّموا بما لم يحيطوا به علماً، خصوصاً في الأمور المرتبطة بعالم الغيب.
وقد بيّن الله تعالى المعاني الباطنيّة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبيّن الرسول هذه المعاني لأهل بيته الأخيار(عليهم السلام) ليكونوا الملجأ من بعده لتبيين هذه الحقائق الغيبيّة للناس.
ومن هنا امتازت تفاسير الشيعة على تفاسير أهل السنّة، لأنّ التفاسير الشيعيّة متضمّنة لبيان المعنى الباطني للآيات الوارد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، بخلاف تفاسير أهل السنّة التي تفتقر إلى هذا الأمر، فأهل البيت(عليهم السلام) هم خزّان علم الله، وهم عدل القرآن الكريم، حيث قال الرسول الأمين(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ثمّ قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»(2).
فإليهم يُلتجأ في فهم المعاني لألفاظ القرآن، فهم(عليهم السلام) ورثة علم رسول الله، ومن معين كلامهم يرتوي الضمآن، ومن نورهم يقتبس التائه الحيران، وإلى سبيلهم يهتدي الضال من الأنام، وقد روي عن أبي الطفيل قال: شهدت عليّاً وهو يخطب وهو يقول: «سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلاّ حدّثتكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل أُنزلت أم
بنهار، أم في سهل أم في جبل»(1).
وأمّا تفاسير أهل السنّة فهي تفتقر إلى هذه الميزة الهامّة، ولذا ترى ما في تفاسيرهم من الأكاذيب على الله ورسوله لأنّهم أضلّوا الطريق وأرادوا أخذ العلم العالي ممّن ليس له بأهل فقد ضلّوا وأضلّوا.
وحقيقة الأمر كيف يمكن لنا أن نستند إلى ما رواه الصحابة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بصورة مطلقة ومن دون تمييز بين الناقل، والبحث هنا يرجع إلى مقولة عدالة جميع الصحابة التي يؤكّد عليهم أهل السنّة مراراً وتكراراً، وهي مقولة باطلة قطعاً، ويكفي في بيان زيف هذه الدعوى ما روي في البخاري عن ابن أبي وائل قال: «قال: أنا فرطكم على الحوض، وليرفعنّ رجال منكم، ثمّ ليختلجنّ دوني، فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(2)! وما روي فيه أيضاً عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: «لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبى لك صحبت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده»(3)! و... .
وهناك أمر آخر يزيد الطين بلّة، ويوجب ابتعاد تفاسير أهل السنّة عن بيان ما هو الصحيح في تفسير المعاني المتشابهة، وهو ما قام به أبو بكر وتبعه عمر ثمّ عثمان وباقي من تسلّط على رقاب المسلمين من منع تدوين الحديث، ومنع بيان كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بحجج واهية.
ومن هذا المنطلق نجد تفاسير أهل السنّة بعيدة كلّ البعد عن الحقائق، ومليئة
بالدسائس، قد أُسردت فيها أقوال سقيمة وآراء باطلة، وروي فيها أحاديث مكذوبة، ونصوص مجعولة، وتسرّبت الكثير من الإسرائيّليات فيها حتّى استنكر ابن خلدون هذا الكمّ الهائل فيها فقال: «وقد جمع المتقدّمون في ذلك وأوعوا، إلاّ أنّ كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغثّ والسمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك، أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُميّة، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم! ويستفيدونه منهم! وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى.
وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلاّ ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهوديّة، فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم ممّا لا تعلّق له بالأحكام الشرعيّة التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك.
وهؤلاء مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم - في أمثال هذه الأغراض - أخبار موقوفة عليهم...، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك»(1).
اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
تحلّى «أبو هوزان» بروح الشجاعة، وكسر حاجز التردّد، وأنهى الصراع
1) تاريخ ابن خلدون ١: ٤٤٠.
القائم في أعماق وجوده بين نداء حقّ يفرض عليه تغيير انتمائه وبين وساوس باطلة كانت تمنعه من ركوب سفينة النجاة، فاعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وشعر بالراحة والرضا والاستقرار، وكان ذلك عام ١٤٠٦هـ (١٩٨٦م)، فالتحق بركب أهل البيت(عليهم السلام) وركب سفينتهم سفينة النجاة التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى.
وألقى بذلك عبئاً ثقيلاً من الشكوك، وشعر براحة لا مثيل لها، لأنّه أصبح ينتمي إلى عقيدة قائمة بالدليل والبرهان لا على التقليد الأعمى.
الصورة
ولد عام ١٣٨٦هـ (١٩٦٧م) في العاصمة العراقية «بغداد»، ونشأ في أوساط أُسرة تعتنق المذهب السنّي، كان كثير الارتياد لمراقد أهل البيت(عليهم السلام) تبعاً لعادة البيئة التي كان ينتمي إليها، ولكنّه لم يكن يعرف عنهم شيئاً كثيراً.
شاءت الإرادة الإلهية أن يسافر «أحمد» إلى إيران ويقيم فيها، وكان لهذا السفر التأثير البالغ في توسيع ونموّ آفاقه الفكريّة، والذي دفعه إلى البحث والتحقيق، ومن ثُمّ التمسّك بالمذهب الشيعي كمعتقد فكري يضمن لمتّبعه الفوز والنجاة في الدارين.
نشوء الفكر الشيعي:
اختلف العلماء حول زمان ظهور التشيّع وبروزه ككيان مستقل، وهنالك أقوال كثيرة للباحثين في هذا المجال.
فقد قالوا: إنّه بدأ بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وما رافق ذلك من حوادث حول شخص الخليفة الذي سيحل محل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في إدارة البلاد.
وتشير الحوادث التاريخية إلى أنّ المسلمين انقسموا في ذلك الحين إلى ثلاث فصائل رئيسية وهم:
الأنصار الذين اعتبروا الخلافة حقاً طبيعياً لهم.
المهاجرون الذين ادّعوا أنّهم أولى بهذا الأمر من غيرهم وأنّهم شجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصله.
غالبيّة بني هاشم الذين كانوا يرون من علي بن أبي طالب(عليه السلام) المؤهّل الوحيد لهذا المنصب.
ولم يقتصر هذا الرأي على بني هاشم فحسب، بل التفّ حولهم وحول أمير المؤمنين بالذّات جمع من الصحابة، منهم سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر وغيرهم.
وقال البعض: إنّ ظهور التشيّع كان في أواخر خلافة عثمان، وبالتحديد في الفترة التي ظهرت فيها سياساته التعسفيّة في توزيع الثروات وتقريبه بني أميّة وتسليطهم على شؤون البلاد، فقد نجم عن سياسته تلك تململ واعتراض ممّن وقفوا في ذلك الوقت إلى جانب علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وأنّ تلك الحقبة من الزمن قد شهدت ميلاد التشيّع.
ويرى بعض آخر: أنّ ظهور التشيّع ككيان فكري كان بعد حرب صفين، وحدوث أخطر انشقاق في جيش أمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث تمادى بعض الأصحاب الذين سُمُوا بالخوارج لعصيانهم الإمام بتكفيرهم إياه، وقالوا بأنْ لا ضرورة للخلافة والإمامة!
وفي مقابل كلّ ذلك، هناك من يرى أنّ التشيّع ظهر في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونشأ على يديه، وأنّ الشيعة أولى الفرق الإسلاميّة والتي كانت تشايع عليّاً(عليه السلام) منذ زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
إنّ أقلّ مطالعة في الكتب التاريخية الّتي تناولت حقبة صدر الإسلام تكشف بشكل جليّ عن وجود هذه الفرقة التي كانت توالي أمير المؤمنين(عليه السلام) وتّتبعه، مثل
المقداد وعمّار بن ياسر وأبي ذر وسلمان، ولم يكن ذلك عن تعصّب فارغ، بل عن رؤية وتعمّق لما رأوه من وفاء أمير المؤمنين(عليه السلام) وإخلاصه واتّباعه لله ورسوله، وقد أطلق عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) اسم شيعة علي(عليه السلام).
فعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لعلي(عليه السلام): «أنت وشيعتك تردون على الحوض رواة مرويّين مبيضّة وجوهكم، وإنّ عدوك يردون على الحوض ضمأً مقمحين»(1).
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «كنّا جلوساً عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أقبل علي بن أبي طالب، فلمّا نظر إليه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قد أتاكم أخي، ثُمّ التفت إلى الكعبة فقال: وربّ هذه البنيّة إنّ هذا وشيعته (هم) الفائزون يوم القيامة»(2).
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)(3)ثُمّ التفت إليّ وقال: أنت يا علي وشيعتك، وميعادك وميعادهم الحوض، تأتون غرّاً محجّلين متوّجين»(4).
الوصول إلى الحقيقة:
لم يجد «أحمد دحّام» بعد اكتشاف الحقيقة سوى اتّباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)شاكراً الله تعالى على هذه النعمة، مستنيراً بنور النبيّ والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين، وكان ذلك في عام ١٤٠٨هـ (١٩٨٨م).
الصورة
ولد «أحمد» في «بغداد» عاصمة أرض السواد «العراق»، ونشأ في أحضان أسرة تنتمي إلى المذهب الحنفي، سلك نهج أبويه بتبعيّة عمياء شأن أغلب الأبناء، فهم يرون آبائهم أناساً أولي بصيرة وعلم وتديّن، فيسيرون مسارهم وينتهجون نهجهم بتبعيّة عشوائيّة تفتقر إلى أدنى مراتب العلم والمعرفة.
وتكون هذه المولاة في حقبة من حياة الإنسان حيث لم يكتمل الفرد ولم يكوّن لنفسه شخصيّة مستقلة عن أبويه، وبعد اجتيازه لهذه المرحلة بالذات والبدء بتكوين وبناء شخصيّته العلميّة وإعلان استقلاليته تتكوّن له قناعات ورؤى مختلفة، وتجول في ذهنه أسئلة واستفسارات عديدة تفرض عليه التحرّي عنها والبحث عن الإجابة الشافية والوافية لها، بشرط أن يتجاوز عقبتين تكمن في طريقه وتكون العائق الأكبر في نهج الباحث عن الحقّ والمتحرّي عن الحقيقة، وهما: العصبيّة، والتبعيّة العمياء للآباء والأسلاف.
فإن أمكنه اجتثاث التعصّب الأعمى من نفسه، والتخلّي عن تبعيّة آبائه وأجداده بتحكيم عقله - الذي جعله الرحمن حجّة على جميع الأنام - فستنفتح أمامه آفاق جديدة، ويطّلع على رؤىً مختلفة، ويمكّنه البحث بحياديه وموضوعيّة عن شتّى الأمور العالقة في ذهنه من دون أن يتأثّر بالعواطف الهائجة، والهتافات
الخادعة، والشعارات المغرية.
تمكّن «أحمد» من اجتياز هاتين العقبتين، وجعل عقله هو الحكم والفصل في جميع الأبحاث التي عزم الخوض فيها، وحرّر نفسه من التقديس الواهي لكلّ من أفضى عليه المجتمع هالة من القداسة، وجعل ينظر إلى الدليل والبرهان لا الاسم والعنوان.
كان «أحمد» يعيش في مجتمع خليط من الطائفتين الشيعيّة والسنيّة، فراودته تساؤلات عديدة عن عقائد المسلمين عامّة، والدوافع الكامنة وراء اختلافهم إلى عدّة مذاهب، وأيّ مذهب يسير على نهج الحقّ ويتّبع الهدى؟! وإلى غير ذلك من الأمور التي علقت في ذهن «أحمد» مدّة من الزمان حتّى أُتيحت له الفرصة في التفكير والتمعّن في معطيات الأدلّة التي أقامها كلّ من الفريقين.
قام «أحمد» بإجراء مقارنة بين براهين الشيعة والسنّة، مع تحكيمه للعقل والمنطق، وتغليبهما على باقي العوائق، وعند مقارنته للبراهين بهت «أحمد» إزاء ما توصّل إليه من نتائج البحث الحثيث الذي أجهده مدّة مديدة، ورأى أنّ أدلّة الشيعة وحججهم تعلو ولا يعلى عليها.
فمن جملة الموارد التي يتعجّب الإنسان لنشوء الخلاف فيها بين المسلمين هي مسألة الوضوء، فهو من جملة الأمور عامّة البلوى بين المسلمين، حيث لم يكن أمراً خفيّاً عليهم لتطمس معالمه وتخفى ملامحه، بل كان من الأمور التي يقوم به قاطبة المسلمين في كلّ يوم عدّة مرّات، وقد صرّح القرآن الحكيم بحكمه، فيا ترى كيف وقع هذا الخلاف فيه؟
الوضوء في عهد التشريع:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ(1)، والآية واضحة الدلالة على وجوب غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين للعربي الخالي عن شوائب الأوهام على كلتا القراءتين المشهورة في الأرجل. قال أبو حيّان: «قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر، وهي قراءة أنس، وعكرمة، والشعبي، والباقر، وقتادة، وعلقمة، والضحّاك: وَأَرْجُلِكُمْبالخفض، وقرأ نافع، والكسائي، وابن عامر، وحفص: وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب»(2).
فعلى الأوّل (الخفض): تكون الأرجل معطوفة على لفظ الرؤوس، والحكم في الرؤوس هو المسح فيسري إلى المعطوف عليه (الأرجل) للتشريك بين حكم المعطوف والمعطوف عليه، فلو قلت: أكرم زيداً وعمراً فحكم الإكرام يكون مشتركاً بين زيد وعمر فعليك إكرامهما كما هو واضح.
وعلى الثاني (النصب): - كما هو المثبت حاليّاً في الكتاب العزيز-: فهو عطف على موضع الرؤوس فإنّها محلاًّ منصوبة لوقوع فعل المسح عليها، وهذا هو الوجه الصحيح لإعراب الآية على قراءة النصب كما اعترف به أكثر علماء أهل السنّة.
وأمّا عطف الأرجل على الأيدي فيكون المعنى: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم فيرد عليه:
أوّلاً: قال علماء الأدب: أنّه لا يجوز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بفاصل أجنبي، فلا يفصل بينهما بمفرد فضلاً عن كونه جملة مستقلّة تبيّن حكم آخر غير حكم المعطوف عليه، فلا يمكن الفصل بينهما بخبر مغاير لخبر المعطوف عليه، فلا يقال أكرمت محمّداً وعليّاً ومررت ببكر وعمراً وتريد بذلك إكرامك لعمر
مع محمّد وعلي، فهذا الكلام في غاية البعد والركاكة ولا يصدر من متعرّب فكيف بعربيّ فصيح، فما تقول في القرآن الذي هو الفصاحة بعينها؟!
ثانياً: يلزم ترك العمل بمقتضى ظاهر العطف من غير ضرورة، إذ أنّ ظاهر العطف كون حكم المعطوف «الأرجل» والمعطوف عليه «الرؤوس» شيئاً واحداً وهو المسح، فالإعراض عن هذا الظاهر من دون ضرورة تقتضيه - كما في الآية الكريمة - بعيد عن الفصاحة والبلاغة.
ثالثاً: يلزم عند عطف الأرجل على اليدين بدل الرأس ترك العطف على ما بعد المعطوف إلى ما لا يليه، وهذا أبعد من البعيد، فلا يقال: أكرمت زيداً ومررت بعمر وبكراً وتريد عطف بكر على زيد دون عمر.
رابعاً: ذهب النحاة عند اجتماع عاملين على معمول واحد إلى لزوم إعمال الأقرب منهما، فلو فرض كون الأرجل معمولاً للغسل والمسح فاللازم تقديم العامل الأقرب وهو المسح.
ومن هذا المنطلق نرى أنّ القائلين بالمسح حجّتهم داحضة دامغة، فهم يفسّرون الآية الكريمة على كلتا القرائتين بما يوافق وينسجم مع أصول القواعد العربيّة والأدبية والبلاغيّة، من دون أي شذوذ ومخالفة.
أمّا القائلون بالغسل فهم يخالفون أُولى ا لقواعد الأدبيّة والبلاغيّة، ويتحمّلون المشقّة والجهد الكثير لصرف القرآن عن ظاهره، فقد اطّلعت على ما أورد عليهم على قراءة النصب التي هي أهون من قراءة الخفض، فإنّ ما أوردوه في الخفض على وجوب المسح ممّا لا يصار إليه بوجه وهو من الركاكة بمكان.
فقالوا بالعطف على الجوار أي أنّ الأرجل معطوفة على الرؤوس من باب المجاورة من دون أن تشترك معها في الحكم، فالأرجل سرقت الكسرة من
الرؤوس خاصّة، وهذا الكلام قد استهجنه علماء أهل السنّة أنفسهم، وجعلوه خارجاً عن نظم الإعراب وبلاغة القول وفصاحة الكلام، فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه بوجه من الوجوه فإنّ العطف على الجوار لو سلّم فهو إنّما يمكن ويتمّ للضرورة الشعريّة أو للنثر، فيقتصر على هذا المقدار.
أمّا في أمثال المقام حيث يكون العطف فيه عطف النسق فلا يمكن قبوله بوجه(1)، مع أنّه لا ضرورة في المقام أصلاً، فإنّ غاية ما يوجبه الخفض هو مراعاة السجع والتقفية، وذهب علماء البلاغة إلى حسن النظم فيما إذا لم يوجب إخلال في المعنى والتباس في الكلام، وعرفت ما في الخفض على الجوار من ركاكة - لمخالفته حكم المسح في الرأس - توجب خروج الكلام عن أُولى قواعد البلاغة والفصاحة، فكيف ينسب تجويز ذلك على الكتاب العزيز الذي هو الفصاحة والبلاغة بعينها؟!
وحكي عن أبي إسحاق النحوي أنّه قال: «الخفض على الجوار لا يجوز في كتاب الله عزّ وجلّ، وإنّما يجوز ذلك في ضرورة الشعر»(2)، وهذا أقوى الوجوه في استدلالهم على الخفض، وهناك وجوه أخرى ذكروها في غاية الوهن والضعف لا تصلح أن تكون دليلاً بحال لما فيها من المخالفة للفصاحة.
فصريح القرآن في المسح ولا يصار إلى الغسل فيه بوجه من الوجوه، فياترى ما الداعي الذي دعى القوم إلى مخالفة صريح القرآن وإبدالهم مسح الرجلين بغسلهما؟!
أمّا السنّة فهي عندهم على طائفتين:
الطائفة الأولى: توافق الكتاب وتوجب المسح على الأرجل، وهي عدّة روايات قد صرّح علماؤهم بصحّتها:
منها: ما عن الإمام علي(عليه السلام) بطرق مختلفة صحاح أنّه: «صلّى علي رضي الله عنه الظهر في الرحبة، ثمّ جلس في حوائج الناس حتّى حضرت العصر، ثمّ أتي بكوز من ماء فصبّ منه كفّاً فغسل وجهه ويديه ومسح على رأسه ورجليه، ثمّ قام فشرب فضل الماء وهو قائم، ثمّ قال: «إنّ ناساً يكرهون أن يشربوا وهم قيام ورأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعل مثل الذي فعلت»، وقال: «هذا وضوء من لم يحدث»(1). وفيه دلالة واضحة على أنّ أناساً أحدثوا في وضوء النبيّ، وأكّد الإمام علي(عليه السلام) أنّ هذا الوضوء الذي توضّأه هو الوضوء الصحيح غير المحدث على الرسالة المحمّديّة.
ومنها: ما عن ابن عبد خير عن أبيه قال: رأيت عليّاً توضّأ فمسح ظهورهما(2).
ولسنا بصدد إقصاء جميع الروايات الواردة في هذا الباب، بل الهدف هو بيان أنّ عند القوم أنفسهم روايات كثيرة صحيحة واردة بعدّة طرق توجب المسح على القدمين.
الطائفة الثانية: ما أوردوه من الروايات التي تدلّ على غسل الرجلين:
منها: رواية ويل للأعقاب أو العراقيب، فروي عن ابن العاص قال: «تخلّف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عنّا في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار»،
مرّتين أو ثلاثاً»(1).
ومنها: ما عن ابن الخطاب: «أنّ رجلاً توضّأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» فرجع ثمّ صلّى»(2).
وإلى غيرها ممّا رووه في هذا الصدد وقد أشكل بعض علمائهم في دلالة ما أوردوه تارة وفي سنده أخرى، فما تمّ دلالته فهو قاصر سنداً وما تمّ سنده تراه قاصراً في الدلالة، وخير ما قيل في المقام ما عن ابن حزم الظاهري قال: «أبطلتم مسح الرجلين وهو نصّ القرآن بخبر يدعي مخالفنا ومخالفكم أننا سامحنا أنفسنا وسامحتم أنفسكم فيه، وأنّه لا يدلّ على المنع من مسحها، وقد قال بمسحها طائفة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم»(3).
فنقول للقوم: على فرض تسليم صحّة روايات الغسل دلالة والإغماض في أسانيدها، والإغماض عن تأخّر زمان نشوء خلاف المسلمين حوله نحو ثلاث عقود بعد وفاة النبيّ، والإغماض عمّا ذكر لعثمان من نحو عشرين رواية في المقام من مجموع ١٤٦ رواية نقلت عنه وهو من المقلّين في الحديث، والإغماض عن معارضة الإمام علي(عليه السلام) وباقي الصحابة كأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر الغفاري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، والمقداد وعبد الرحمن بن عوف و... حيث أوجبوا المسح لا الغسل، والإغماض عمّا ورد من تغيير سنّة النبيّ(4)، والإغماض عن العوامل والعلل التي أدّت إلى قتل عثمان
1) صحيح البخاري ١: ٢١، كتاب العلم.
2) صحيح مسلم ١: ١٤٨، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء.
3) المحلّى ٢: ٦١، المسألة ٢٠١.
4) ففي البخاري عن سالم قال: سمعت أمّ الدرداء تقول: دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم شيئاً إلاّ أنّهم يصلّون جميعاً، وفيه أيضاً عن الزهري يقول: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقال لا أعرف شيئاً ممّا أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيّعت.
ودفنه في مقبرة اليهود حتّى أنّ بعض المؤرّخين أعرض عن ذكر ما أحدثه عثمان على السنّة النبويّة(1)ومنها إبدال سنّة مسح الرجلين بالغسل، أنّ غاية ما تثبتوه وجود طائفتين من الروايات، قسم يوجب المسح وموافق لكتاب الله، وقسم يوجب الغسل ومخالف لكتاب الله.
فأمّا أن نقدّم طائفة المسح لترجيحها بمعاضدة كتاب الله فالحكم مسحهما، أو نحكم بتعارض الطائفتين فيحكم بتساقطهما وبعده نرجع إلى كتاب الله وهو يقضي بالمسح.
وإمّا أن توجبون نسخ القرآن والسنّة، بالسنّة وفيه:
أوّلاً: أنّ نسخ القرآن بالسنّة لا ينسجم مع ما رووه عن عمر بن الخطاب، فعن الشعبي قال: لما بعث عمر بن الخطاب شريحاً على قضاء الكوفة قال: انظر ما تبيّن لك في كتاب الله فلا تسألن عنه أحداً وما لم يتبيّن لك في كتاب الله فاتّبع فيه السنّة(2)، فهذا عمر يقول بتقديم الكتاب على السنّة، وهل يعقل التقديم في غير المتعارض منهما؟ فلو وافق الكتاب السنّة فأيّ معنى لتقديم الكتاب عليها، فعمر –
1) فقال الطبري في تاريخه: ذكرنا كثيراً من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنّهم جعلوها ذريعة إلى قتله فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها، تاريخ الطبري ٣: ٣٩٩، (ذكر الخبر عن قتل عثمان) - وقال ابن الأثير: وقد تركنا كثيراً من الأسباب التي جعلها الناس ذريعة إلى قتله لعلل دعت إلى ذلك، الكامل في التاريخ ٣: ١٦٧. (ذكر قتل عثمان)، وما أدري ما تلك العلل التي دعت هؤلاء إلى ترك الخوض فيها غير أنّها صارت سنّة للناس وقد ألفوها فأصبح ذكرها هاجساً يتخوّف من بيانه لأنّ لا تعلوا أصوات القوم كما علت فقالوا: واسنّة عمراه!
2) السنن الكبرى ١٠: ١١٠، موضع المشاورة، وقريب منه في فتح الباري ١٣: ٢٤٤، والأحكام ٦: ٧٦٨، و... .
الخليفة - يوجب تقديم القرآن على السنّة، فما يرتضي تابعيه وما يقولون؟
ثانياً: والعجب من القوم أنّهم يتخبّطون في كلّ واقعة بما تشتهي أنفسهم، أليس عمر هو القائل: «حسبنا كتاب الله»(1)، وقوله هذا كان النبيّ، ألم يريد بذلك تقديم القرآن على قول النبيّ والنبيّ في ظهرانيّهم؟! فما عدا عما بدا حتّى أوجبتم نسخ القرآن بالسنّة لتصحيح عمل ثالث القوم؟!!
ثالثاً: قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لمعاذ «بم تحكم»؟ قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد»؟ قال: بسنة رسول الله(2)، فقدّم معاذ العمل بالقرآن على سنّة الرسول بين يدي النبيّ وأقرّه النبيّ على ذلك، فلو كانت السنّة تنسخ القرآن لبيّنه النبيّ لمعاذ.
رابعاً: أنّ دأب السلف تقديم الكتاب على السنة، قال ابن تيميّة: كانوا يقضون بالكتاب أوّلاً لأنّ السنّة لا تنسخ الكتاب...(3).
خامساً:أنّ القرآن مقطوع الصدور، والسنّة مظنون الصدور، والمقطوع مقدّم على المظنون.
سادساً: خالف بعض أساطينهم نسخ القرآن بالسنّة وتبعهم جمع على ذلك، فعن الشافعي قال: لا يجوز نسخ السنّة بالقرآن كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنّة(4)، وتبعه على ذلك جماعة من علمائهم.
سابعاً: لو سلّمنا مجارات القوم في صحّة نسخ القرآن بالسنّة والإغماض عن فساد هذا المبنى جملة وتفصيلاً، فهو إنّما يتمّ عندهم فيما لو كانت السنّة قطعيّة لا
يتخللها شكّ ولا ريب، وأنّى لهم إثبات هذا في الوضوء وقد عرفت مخالفة جمع كثير من الصحابة لسنّة الغسل بسنّة المسح عن رسول الله، فغايته وجود طائفتين إحداهما توجب المسح والأخرى توجب الغسل فلا يمكننا أن ننسخ كتاب الله بالطائفة المخالفة له بدعوى نسخ القرآن بالسنّة.
ثامناً: كيف نحكم بنسخ الكتاب والسنّة القاضية بالمسح بالسنّة القاضية بالغسل؟ فما المرجّح لتقديم سنّة الغسل على المسح؟ فلماذا لا ننسخ سنّة الغسل بالمسح؟ وعمل بعض الصحابة لا يكون مرجّحاً، لتعارضه بعمل جماعة آخرين منهم، وعمل التابعين لأحدهما لا يوجب ترجيح أن يكون الناسخ هو سنّة الغسل.
تاسعاً: أجمع المسلمون على أنّ سورة المائدة هي آخر سورة نزلت على الرسول الأمين ولم ينسخ منها آية واحدة.
التسليم إلى الحقّ:
سلّم «أحمد» للحقّ حينما انجلى له واعتنقه بصدق ويقين، لأنّه كان لا يقيم وزناً لغير الحقّ، وعلم أنّ عليه معرفة الحقّ بالرجال، لا معرفة الرجال بالحقّ، فركب سفينة أهل البيت(عليهم السلام) ونجا مع ركبها من الهلكة والضلال، ويطلب من عامّة المسلمين أن لا يتعصّبوا أمام البراهين الجليّة فيلتمسوا في قبالها وجوهاً ما أنزل الله بها من سلطان ويخالفون شتى المبادئ للبقاء على دين آبائهم وأسلافهم فيشملهم قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ(1)
1) البقرة (٢): ١٧٠.
ولد عام ١٣٨٦هـ (١٩٦٧م) في «كلار» بالعراق، ونشأ في أُسرة شافعيّة المذهب، وكان استبصاره عام ١٤١٤هـ (١٩٩٤م) في «خانقين»، ويصرّح «أديب» بأنّ من أهمّ أسباب استبصاره قراءة الكتب كمؤلّفات الدكتور التيجاني والاستماع إلى محاضرات المنبر الحسيني كمحاضرات الشيخ الدكتور أحمد الوائلي.
قدسيّة الصحابة قدسيّة غير واقعيّة:
وجد «أديب» من خلال مطالعاته المكثّفة بأنّ قدسيّة الصحابة قدسيّة غير حقيقية صنعتها أيادي أرادت أن تضع مقابل أهل البيت(عليهم السلام) جهة لتبعيد الناس عن تلقّي المعارف الإلهية من مصدرها الحقيقي والصحيح.
والصحابة أنفسهم يشهدون على أنفسهم، فقد روى أنس بن مالك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال للأنصار:
«إنّكم سترون بعدي إثرة شديدة، فاصبروا حتّى تلقوا الله ورسوله على الحوض».
قال أنس: فلم نصبر(1).
1) صحيح البخاري ٤: ٦٠، صحيح مسلم ٣: ١٠٥ باب ذكر الخوارج وصفاتهم.
وورد عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك، صحبت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده(1).
وهذا القول شهادة صريحة تكشف عن حقيقة إرادة السلطات الجائرة ووعّاظ السلاطين طمسها والتكتيم عليها.
ولكن الباحث عن الحقيقة لا يخفى عليه شيء، ويجد بأنّ الأمر لم يقتصر على شهادة الصحابة على أنفسهم، بل قد شهد الشيخان أيضاً على نفسيهما.
أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب بأنّه عندما اغتيل أظهر جزعه، فأراد ابن عباس أن يهدّئه ولكن أجابه عمر: «... وأمّا ما ترى من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أنّ لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عزّ وجلّ قبل أن أراه»(2).
وورد أيضاً عن عمر بن الخطاب أنّه قال:
«ليتني كنت كبش أهلي يسمّنونني ما بدا لهم، حتّى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبّون، فجعلوا بعضي شواءً وقطّعوني قديداً، ثمّ أكلوني، وأخرجوني عذرة، ولم أكن بشراً»(3)!
ولماذا يستبعد هذا القول من عمر بن الخطاب وقد قال من سبقه إلى سدّة الحكم أبو بكر عندما نظر إلى طائر على شجرة: «طوبي لك يا طائر تأكلّ الثمر، وتقع على الشجر، وما من حساب ولا عقاب عليك، لوددت أنّي شجرة على
«إنّني أتوقّف كثييراً عند مثل هذه النصوص، لأطّلع على مقاطع مثيرة من علاقتهم ]أي علاقة ا بي بكر وعمر[ مع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وما شهدتها تلك العلاقة من تخلّف عن إجراء أوامره وتلبية طلبه في اللحظات الأخيرة من عمره المبارك الشريف، ممّا أغضبه ودفعه إلى أن يأمر الجميع بمغادرة المنزل وتركه.
كما أنّني أستحضر أمامي شريط الحوادث التي جرت بعد وفاة الرسول وما جرى مع ابنته الزهراء الطاهرة(عليها السلام) من إيذاء وهضم وغمط وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم):
«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»(1).
وقالت فاطمة لأبي بكر وعمر: «نشدتكما الله تعالى ألم تسمعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول رضى فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ ابنتي فاطمة فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد اسخطني؟
قالا: نعم سمعناه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)،
فقالت:«فإنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ لاشكونّكما إليه»(2).
ويضيف التيجاني:
دعنا من هذه الرواية التي تدمي القلوب فلعل ابن قتيبة وهو من علماء أهل السنّة المبرزين في كثير من الفنون، وله تآليف عديدة في التفسير والحديث واللغة والنحو والتاريخ لعله تشيّع هو الآخر كما قال لي أحد المعاندين مرّة عندما أطلعته على كتابه تاريخ الخلفاء، وهذه هي الدعاية التي يلجأ إليها بعض علمائنا بعدما تعييهم الحيلة.
فالطبري عندنا تشيّع، والنسائي الذي ألّف كتاباً في خصائص الإمام علي تشيّع، وابن قتيبة تشيّع، وحتّى طه حسين من المعاصرين لمّا ألّف كتاب الفتنة الكبرى وذكر حديث الغدير واعترف بكثير من الحقائق الأخرى فهو أيضاً تشيّع!!
والحقيقة أنّ كلّ هؤلاء لم يتشيّعوا، وعندما يتكلّمون عنّ الشيعة لا يذكرون عنهم إلاّ ما هو مشين، وهم يدافعون عن عدالة الصحابة بكلّ ما أمكنهم، لكن الّذي يذكر فضائل علي بن أبي طالب ويعترف بما فعله كبار الصحابة من أخطاء نتهمه بأنّه تشيّع؟!
ثمّ يعود الدكتور التيجاني إلى رواية ابن قتيبة ويقول:
إذا شككتُ فيها فإنّه لا يمكنني أن أشكّ في صحيح البخاري الذي هو عندنا أصحّ الكتب بعد كتاب الله، وقد ألزمنا أنفسنا بأنّه صحيح، وللشيعة أن يحتجّوا به علينا ويلزموننا بما الزمنا به أنفسنا...
فها هو البخاري يخرج من باب مناقب قرابة رسول الله أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»(1).
وأخرج في باب غزوة خيبر عن عائشة أنّ فاطمة بنت النبيّ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت(2).
والنتيجة في النهاية واحدة ذكرها البخاري باختصار، وذكرها ابن قتيبة بشيء من التفصيل، ألا وهي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يغضب لغضب فاطمة ويرضى
لرضاها وأنّ فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر(1).
واصل «أديب» بحثه العقائدي، فوجد نفسه يقترب إلى التشيّع، وبدأ يحضر المجالس الحسينيّة، ويصغي إلى محاضرات المنبر الحسيني، كما بدأ يأخذ الأشرطة الصوتية ويستمع إلى محاضرات رائد المنبر الحسيني الدكتور أحمد الوائلي.
وبمرور الزمان تبلورت عنده القناعة التامّة بأحقّية مذهب التشيّع فأعلن استبصاره، فتوجّهت إليه الأنظار في منطقته، فبدأ «أديب» يبيّن للناس الأدلّة والبراهين التي دفعته إلى الاستبصار، وبدأ يكلّم الناس حسب مستواهم في الفهم، فالذي يستوعب الأدلّة يبيّن له الأدلّة وأمّا الشخص الفارغ من الناحية العلميّة فإنّه ممن لا تنفعه الأدلّة بل هو بحاجة إلى توعية ليهتم بالعلم والتعلم، وأمّا الشخص المتعصّب فإنّه بحاجة إلى تهذيب ليتخلّص من الشوائب العالقة بنفسه ليندفع نحو تطهير ذاته من الرذائل النفسيّة.
وعموماً فكلّ إنسان يواجه في اتجاهه نحو معرفة الحقّ موانع محدّدة، وينبغي على كلّ إنسان يبتغي معرفة الحقّ أن يشخّص هذه الموانع، ويجتهد في إزالتها لتتجلّى أمام بصيرته الحقيقة بوضوح.
كما ينبغي أن لا يغفل الإنسان بأنّ طريق معرفة الحقّ طريق ذات الشوكة ولا يمكن اجتيازه إلاّ عن طريق الاستعانة بالله وطلب العون والتسديد منه، ولا يستطيع الإنسان الاعتماد على قدرته الذاتيه في هذا الصعيد وإنّما السبيل الوحيد للتخلّص من الجهل وكيد الشيطان هو الاستعانة بالله العلي الأعلى والتوكل عليه والاعتصام به عزّ وجلّ.
1) ثمّ اهتديت للدكتور التيجاني: ١٣٧.
الصورة
ولد عام ١٣٨٠هـ (١٩٦١م) في «دهوك» بالعراق، وترعرع في أُسرة حنفية المذهب، ثمّ استبصر عام ١٤١٠هـ (١٩٩٠م) في إيران.
أسباب انتمائه المذهبي السابق:
كان السبب الأساسي الذي جعل «أديب» متمسّكاً بالانتماء المذهبي وفق مذهب أهل السنّة الاقتصار على التقليد للسلف وعدم الاهتمام بالبحث والتحقيق.
وكان الانشغال بالأُمور المعاشية وعدم الاهتمام الحقيقي بأمر الدين السبب الذي دفع «أديب» إلى التمسّك السطحي بمذهب أهل السنّة، ولكن عندما تغيّرت الأجواء المحيطة به وانتقاله إلى إيران وجد «أديب» نفسه أمام عقائد جديدة لم يكن مطّلعا عليها من قبل.
وهنا اندفع «أديب» إلى التأمّل والتفكير، وبدأ يعيش حالة الصحوة، فأدرك بأنّه قد آن أوان تمتين أُسسه العقائدية والفكرية والاهتمام بالبحث، فخصّص لنفسه وقتاً لذلك، وهنا بدأت رحلته في البحث.
كيف محقت السنّة النبوية:
إنّ أكبر مصيبة ابتلت بها الأُمّة الإسلاميّة بعد التحاق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق
الأعلى والتي أدّت إلى محق السنّة النبويّة، وخرق حدود الله عزّ وجلّ، هي اجتهاد بعض الصحابة مقابل النصّ.
ومن أوائل الصحابة الذين بادروا إلى فتح الاجتهاد مقابل النصّ على مصراعيه هو عمر بن الخطاب، وقد أشار العلاّمة عبد الحسين شرف الدين في كتابه «النص والاجتهاد» إلى العديد من هذه الموارد من الاجتهاد في مقابل النصّ.
ويرى الباحث بأنّ عمر بن الخطاب كان من أوائل من سمح لنفسه الوقوف بوجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعارض الرسول عدّة مرّات وجهاً لوجه منها:
بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا هريرة وقال له: «من لقيته من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه فبشّره بالجنّة».
فخرج أبو هريرة ليبشر فلقيه عمر ومنعه من ذلك وضربه حتّى سقط على أسته.
فرجع أبو هريرة إلى رسول الله وهو يبكي، وأخبره بما فعل عمر، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر: «ما حملك على ما فعلت»؟
قال: هل أنت بعثته ليبشّر بالجنّة من قال: لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه؟
قال رسول الله «نعم».
قال عمر: لا تفعل فإنّي أخشى أن يتّكل الناس على لا إله إلاّ الله(1)!
وسلوك وتصرّفات عمر مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّها تكشف بأنّه كان لا يعتقد بعصمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المطلقة، ويبدو أنّ هذا السلوك من عمر اتّجاه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
1) صحيح مسلم ١: ٤٤، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان، فتح الباري ١: ٢٠٢ صحيح ابن حبّان ١٠: ٤٠٩، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢: ٥٦.
هو الذي دفع أهل السنّة إلى عدم اعتقادهم بعصمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) خارج نطاق التبليغ، بل عقيدتهم بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما عدا السنّة بشر يخطئ ويصيب، بل هو بحاجة في موارد غير التبليغ إلى من يصوّب رأية، وكان عمر هو المتكفّل بهذه المهمّة!
وقد روى البخاري في صحيحه بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقبل مزمارة الشيطان في بيته! وهو مستلق على ظهره، والنسوة يضربن الدفوف، والشيطان يلعب ويمرح إلى جانبه حتّى إذا دخل عمر هرب الشيطان وأسرع النسوة فخبّأن الدفوف تحت أستهن، وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر: «ما رآك الشيطان سالكاً فجّاً حتّى سلك فجّاً غير فجّك»(1)!
وعندما استلم عثمان دفّة الحكم أفرط في هذا النمط من الاجتهاد في مقابل النصّ، فبالغ أكثر ممّن سبقوه، حتّى دفع حياته ثمن اجتهاده هذا.
وعندما ولي الإمام علي(عليه السلام) أُمور المسلمين واجه صعوبة شديدة في تطهير الساحة الإسلاميّة من البدع التي جاء بها من غصب الخلافة منه، وعندما حاول إزالة البدع «صاح وا عمراه الناس»(2).
وعندما جاء بني أميّة وبني العبّاس استغلّوا هذا الأمر وأدخلوا الكثير من البدع في الدين الإسلامي، ولم يبق الدين الإسلامي الصحيح إلاّ عند أهله وهم أهل البيت(عليهم السلام).
ولهذا فإنّ الاستبصار في يومنا هذا يعني الرجوع إلى سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الصحيحة والحقّة والتخلّص من السنّة المحرّفة.
أهل السنّة تسمية غير صحيحة:
أدرك «أديب» حقائق دفعته إلى الإعراض عن أهل السنّة، لأنّه وجدها تسمية غير مطابقة للواقع، ووجد بأنّ سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الحقيقية عند أهل البيت(عليهم السلام)، وأنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم الذين حفظوا السنّة الحقيقية.
ومن هنا يكتشف الباحث أسباب تأكيد الرسول على محبّة أهل البيت(عليهم السلام)ومودّتهم والتمسّك بهديهم وجعلهم قرناء للقرآن بحيث يؤدّي التمسّك بهما الاعتصام من الضلال وعندما نظر «أديب» في أدلّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وجد بأنّه لا منافي من الاستبصار وتغيير الانتماء المذهبي إلى التشيّع.
ويقول «أديب»: كانت المحاضرات الدينية من أهمّ الأسباب التي دفعتني إلى الاستبصار، وكانت كلّ محاضرة استمع إليها تضفي على قلبي نوراً يأخذ بيدي لينشلني من الظلام الذي كنت أعيش في أوساطه.
وبمرور الزمان أبصرت الحقيقة فأعلنت استبصاري، وكانت الأجواء المحيطة بي تشجّعني على ذلك، حيث كان حولي الكثير من الشيعة في إيران، فانتهزت هذه الفرصة والتحقت بركب أهل البيت(عليهم السلام).
ووجد «أديب» بعد استبصاره بأنّ العقيدة لا تكفي لوحدها. بل ينبغي أن يلتزم الإنسان مع الإيمان الصحيح بالعمل الصالح ليكمل إيمانه، وليكون العمل مطيّته للحصول على الكمال الحقيقي وهو القرب من الله تعالى، بل العمل الصالح هو الذي يرسّخ العقيدة في النفوس.
ومن هذا المنطلق اهتمّ «أديب» بالعبادات والالتزام بأحكام الشريعة من أجل تهذيب نفسه وتزكيتها وتطهيرها من الشوائب.
وبهذا تمكّن «أديب» أن يعيش الحياة الطيّبة، وأن يكون من المؤمنين الحقيقيين، وأن يتغلّب على جميع الموانع التي كان يواجهها في طريق الهداية.
الصورة
ولد عام ١٣٩١هـ (١٩٧٢م) في «أربيل» بالعراق، وكان استبصاره على يد والده، حيث ذهب إلى إيران وبقي فيها عدّة سنوات ثمّ عاد إليهم مستبصراً، فدفعه هذا الأمر إلى البحث والتحقيق حتّى انتهى به الأمر إلى الاستبصار واعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
آية الولاية:
طالع «أزور» خلال بحثه مجموعة من الكتب والكراسات وأكّد في مطالعاته على الأدلّة التي يعتمد عليها أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ومن أهمّ الأدلّة التي يبيّنها الشيعة لإثبات إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)هي آية الولاية وهي قوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1).
وقد أجمع المفسرون من علماء أهل السنّة والشيعة بأنّ هذه الآية نزلت في حقّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) عندما تصدق بخاتمه في أثناء الصلاة(2).
ولكن المخالفون - تبعاً لما أملت عليهم حكومة بني أميّة وبني العبّاس المعادية لأهل البيت(عليهم السلام) - توجّهوا إلى إثارة الشبهات في هذا الخصوص لصرف دلالة هذه الآية عن مدلولها الحقيقي.
احتجاج الإمام علي بآية الولاية:
من الشبهات التي طرحت حول آية الولاية أنّها لو كانت تدلّ على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) لاحتجّ بها الإمام علي(عليه السلام)، ولكنّه لم يحتجّ بها، وهذا ما يثير الشكّ في دلالتها.
الجواب: إنّ الأدلّة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) لا تعدّ ولا تحصى، ولا يوجد أيّ دليل على لزوم احتجاج الإمام علي(عليه السلام) بجميع هذه الأدلّة، وثانياً: فإنّ مسألة غصب الخلافة من الإمام علي(عليه السلام) لم تكن من منطلق الجهل بالأدلّة ليبيّن الإمام علي(عليه السلام) الأدلّة، وإنّما كانت المسألة مؤامرة لهيمنة قريش على دفّة الحكم والسيطرة على زمام أُمور الخلافة حبّاً للدنيا وطمعاً بالرئاسة وحسداً وبغياً منهم على الإمام علي(عليه السلام).
فالإمام علي(عليه السلام) دافع كثيراً عن حقّه إزاء من التبس عليهم الأمر وأتم الحجّة على الناس.
ولو فرضنا بأنّ الإمام علي(عليه السلام) لم يحتج بآية الولاية، فإنّ عدم الاحتجاج هذا لا يسقط دلالتها الواضحة، ولا يوجد تلازم بين المسألتين.
وأوّل من أثار هذه الشبهة هو الفخر الرازي في تفسيره للآية وقال:
«فلو كانت هذه الآية دالّة على إمامته لاحتجّ بها في محفل من المحافل»(1).
مع ذلك فالواقع التاريخي يكشف بأنّ الإمام علي(عليه السلام) احتجّ بهذه الآية
1) التفسير الكبير ١٢: ٢٨.
ولكن مصادر أهل السنّة لم تنقل هذا الاحتجاج، وليس هذا الأمر غريباً من مصادر دُوّنت في ظلّ حكومات كانت تكنّ أشدّ العداء لأهل البيت(عليه السلام) ولاسيّما الإمام علي.
وقد ورد احتجاج الإمام علي(عليه السلام) بآية الولاية في المصادر الشيعية التي هي أنقى المصادر ; لأنّها لم تخضع لإرادة الحكومات الجائرة، وذكر العديد من علماء الشيعة القدماء احتجاج الإمام علي(عليه السلام) بآية الولاية، منهم الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي(1)كما أشار إلى بعض الحديث جمع من مصادر أهل السنّة(2).
كيفية تصدّق الإمام علي(عليه السلام):
إنّ تصدّق الإمام علي(عليه السلام) بالخاتم موضع اتفاق الفريقين، وممّا جاء في مصادر أهل السنّة: «روى الحاكم الحسكاني بسند صحيح عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى يوماً بأصحابه صلاة الظهر، وانصرف هو وأصحابه، فلم يبق في المسجد غير علي قائماً، يصلّي بين الظهر والعصر، إذ دخل المسجد فقير من فقراء المسلمين، فلم يرفي المسجد أحداً خلا عليّاً، فأقبل نحوه فقال: يا ولي الله بالذي تصلّي له أن تتصدّق عليّ بما أمكنك، وله خاتم عقيق يماني أحمر، كان يلبسه في الصلاة في يمينه، فمد يده فوضعها على ظهره، وأشار إلى السائل بنزعه، فنزعه ودعا له، ومضى وهبط جبرائيل، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: فقد باهي الله بك ملائكته اليوم، أقرأ: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...(3).
وقد ذُكرت هذه الواقعة في المئات من مصادر أهل السنّة(1).
التصدّق حين الصلاة عبادة:
من الشبهات الأخرى التي أُثيرت حول آية الولاية أنّ الإمام علي(عليه السلام)عندما يصلّي فإنّ توجّهه يتمركز في ذكر الله، فكيف التفت(عليه السلام) حين الصلاة إلى الفقير والمتوقّع منه أن لا ينتبه إلى ذلك؟
الجواب: إنّ هذا الالتفات لم يكن لأمر دنيوي، وإنّما هو عبادة ضمن عبادة، ومدح الله للإمام علي(عليه السلام) في هذه القضية أفضل دليل على حسن ما فعل الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام).
سبب صيغة الجمع في آية الولاية:
ورد الإشارة في آية الولاية إلى الإمام علي(عليه السلام) بصيغة الجمع وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ ولا يصحّ الإشكال بأنّ الإمام علي مفرد فكيف يصحّ استعمال صيغة الجمع فيه، لأنّ مقام الآية من الموارد التي يصحّ فيها إطلاق صيغة الجمع وإرادة المفرد لأجل التفخيم والتعظيم.
كما ذهب الزمخشري - وهو من أعلام مفسري أهل السنّة - بأنّ الآية وردت بصيغة الجمع من منطلق ترغيب الآخرين، ليتبعوا الإمام علي في هذا الأمر، وليكن الإمام علي القدوة للجميع في هذا المجال(2).
تصدّق أو زكاة:
أشكل البعض بأنّ الله تعالى قال: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ولكن إعطاء الإمام علي للخاتم كان تصدّقاً ولم يكن زكاةً.
الجواب: إنّ إطلاق الزَّكَاةَ على الصدقة المندوبة أمر شائع في الفقه، فقد يطلق على الزكاة بأنّها صدقة واجبة وأخرى يطلق على الصدقة المستحبة بأنّها زكاة.
أداة الحصر في آية الولاية:
إِنَّمَا أداة حصر، وهذا ما صرّح به أهل اللغة، ولهذا قال العلاّمة الطباطبائي: «إنّ القصر في قوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ... لقصر الإفراد، كأنّ المخاطبين يظنّون أنّ الولاية عامّة للمذكورين في الآية وغيرهم، فأفرد المذكورين للقصر»(1). ووجود هذه الأداة في هذه الآية يدلّ بوضوح على أنّ الولاية أمر خاص بالإمام علي(عليه السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يصحّ قبول ولاية غيره.
لماذا لم تصرّح الآية باسم الإمام علي(عليه السلام):
لم تصرّح الآية اسم الإمام علي(عليه السلام)، والدليل هو اقتضاء إرادة الله ذلك، والله تعالى حكيم، ولو كان في تصريح اسم الإمام علي(عليه السلام) حكمة لذكره الله، ولكن شاءت الحكمة الإلهيّة اتّباع هذا الأسلوب في هداية العباد.
وعدم تصريح الاسم لا يقلّل من دلالة الآية، حيث أجمع العلماء من
1) الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي ٦: ١٤.
الفريقين بأنّ هذه الآية نزلت في حقّ الإمام علي(عليه السلام).
ومن أراد أن يهتدي فطريق الهداية واضح، ومن كان في قلبه مرض فإنّ الله لا يجبر أحداً على الهداية.
وإذا كان الاستضعاف العلمي في قديم الأيّام أمراً على أرض الواقع نتيجة التعتيم والتحريف، فالعذر في يومنا هذا نتيجة الانتشّار الواسع للمعلومات غير مقبول.
واستبصرت على يد والدي:
يقول «أزور» عاد أبي من رحلته إلى إيران، وعندما عاد استقبلناه بحفاوة، ولكنّنا تفاجأنا بأنّه عاد منتمياً إلى غير مذهبنا، فحملنا الأمر على أسوء المحامل، ولكن الوالد التزم بالتأنّي، وبدأ بمرور الزمان يبيّن لنا الحقائق التي دفعته إلى هذا التحوّل المذهبي.
وقدّم إلينا الوالد العديد من الكتب والكرّاسات وبدأنا بقراءتها، حتّى انكشفت لنا الحقيقة وعرفنا بأنّ الدين أمر لابدّ من قيامه على الأدلّة والبراهين لا التعصّب والأنانيات وبدأنا ننظر إلى العقيدة بموضوعية، وعندما تبلورت لدينا القناعة بأحقيّة التشيّع استبصرنا، وكان من أهمّ الأمور التي دفعتنا إلى الاستبصار إضافة إلى الأدلّة والبراهين هي تغيير سلوك وتصرفات الوالد، فإنّه عاد متحلّياً بأحسن خلق، عاد وكلامه نور وسيرته نور وأفعاله نور، فانجذبنا نحو هذا النور وبحثنا عن مصدره فرأينا كلام أهل البيت(عليهم السلام) نوراً، ومنهج أهل البيت(عليهم السلام) نوراً، وطريقة أهل البيت(عليهم السلام) نوراً.
وعندما أبصرنا النور أدركنا الظلمات التي كنّا فيها، وتوجّهنا نحو هذا النور، واستأنسنا بكلام أهل البيت(عليهم السلام) وانجذبنا بأحاديثهم.
وباتت الاعتراضات التي كانت متوجّهة إلينا من هنا وهناك فاقدة الأهميّة والاعتبار، فأهملناها وتركناها ولم نهتمّ بها، وكانت هذه ردود الأفعال كالزبد سرعان ما تلاشت وبقي الحقّ الذي توصّلنا إليه هو الباقي على أرض الواقع.
فإذا حاربنا البعض في قوتنا وعزّتنا وسمعتنا فدعهم وشأنهم فإنّنا لا نفعل إلاّ بوظيفتنا الشرعيّة.
قال الإمام الصادق(عليه السلام): قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلاّ بالقتل والتجبّر، ولا الغنى إلاّ بالغصب والبخل، ولا المحبّة إلاّ باستخراج الدين واتباع الهوى ; فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغني، وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبّة، وصبر على الذلّ وهو يقدر على العزّ، آتاه الله ثواب خمسين صدّيقاً ممّن صدّق بي»(1).
فاشهد يا رسول الله بأنّنا كان بإمكاننا البقاء على انتمائنا السابق واتّباع أهل السنّة والجماعة، وكان في بقائنا هذا المال والجاه واحترام الناس والعزّ الدنيوي، ولكنّنا بحثنا فأملت علينا الأدلّة اتباع وصاياك في أمير المؤمنين وأهل بيتك(عليهم السلام)فهدّدونا بالفقر والذلّ والعُزلة، ولكنّنا قبلنا ذلك طلباً لرضوان الله.
1) الكافي ١: ٩١.
ولدت في العراق ١٣٩٢هـ (١٩٧٣م)، ونشأت في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، ثمّ واصلت دراستها حتّى مرحلة الإعداديّة. وكان السبب الذي دفعها إلى اعتناق مذهب التشيّع هو قراءة كتب الدكتور التيجاني السماوي.
الاهتداء بنور أهل البيت(عليهم السلام):
من جملة المواضيع التي اهتمّت بها «إسراء الأمير» هو موضوع العصمة.
والعصمة في اللغة عبارة عن «الإمساك والاعتصام والاستمساك...، وإنّ العاصم والمعصوم يتلازمان فأيّهما حصل حصل معه الآخر»(1).
والعصمة في الاصطلاح - كما عرّفها الشيخ المفيد - «لطف يفعله الله تعالى بالمكلّف، بحيث تمنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة، مع قدرته عليهما»(2).
وقال أيضاً: «العصمة من الله لحججه هي التوفيق، واللطف، والاعتصام، من الحجج بهما عن الذنوب والغلط في دين الله»(3).
والعصمة ثابتة بالقرآن والسنّة والعقل، كما سنبيّن ذلك في هذا العرض.
أدلّة عصمة الأئمّة في القرآن الكريم:
قال الله تعالى في كتابه العزيز: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1)
تبيّن هذه الآية بأنّ مقام الإمامة مقام لا يناله المتّصف بصفة الظلم، وهذا ما يعني كون الإمام منزّهاً من كلّ شيء يؤدّي به إلى الدخول في دائرة الظلم.
ويقول عزّ وجلّ: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(2).
يؤكد سبحانه وتعالى في هذه الآية أنّ أهل البيت مطهّرون من كلّ رجس، والمراد من الرجس هو كلّ ما ينافي الطهارة وكذلك الآية تشير إلى أنّ الله عزّ وجلّ هو الذي طهّر أهل البيت(عليهم السلام) من الرجس وكذلك يقول عزّ من قائل: أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(3).
يقول الفخر الرازي في كتابه مفاتيح الغيب في تفسير هذه الآية: «إنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم والقطع، فلابدّ أن يكون (وليّ الأمر) معصوماً عن الخطأ ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله به بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يقضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد باعتبار واحد، وذلك محال.
فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، مثبت إن كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أولي الأمر المذكورين في هذه الآية لابدّ وأن يكونوا معصومون»(1).
أدلّة عصمة الأئمّة(عليهم السلام) من السيرة النبويّة:
قال رسول الله: «يا أيّها الناس إنّي تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(2). يقول الدكتور التيجاني في كتابه «لأكون مع الصادقين» حول هذا الحديث:
وهو كما ترى صريح بأنّ الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) معصومون أولاً ; لأنّ كتاب الله معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو كلام الله، ومن شكّ فيه كفر.
ثانياً: بما أنّ التمسّك بهما (الكتاب والعترة) يؤمّن من الضلالة، فدلّ هذا الحديث على أنّ الكتاب والعترة لا يجوز فيهما الخطأ.
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»(3).
وهو كما ترى صريح في أنّ الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) معصومون عن الخطأ ; ولذلك يأمن وينجو كلّ من ركب سفينتهم، وكلّ من تأخر عن ركوب سفينتهم غرق في الضلالة.
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل
الجنّة التي وعدني ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتولّ عليّاً وذرّيته من بعده، فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة»(1).
وهو كما ترى صريح في أنّ الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) - وهم عليّ وذريّته - معصومون عن الخطأ ; لأنّهم لن يدخلوا الناس الذين يتّبعوهم في باب ضلالة، ومن البديهي أنّ الذي يجوز عليه الخطأ لا يمكنُ له هداية الناس.
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا المنذرُ، وعليُّ الهادي، وبك يا علي يهتدي المهتدون من بعدي»(2).
وهذا الحديث هو الآخر صريح في عصمة الإمام، كما لا يخفى على أُولي الألباب.
وعلاوة على الرسول الكريم فإنّ الإمام علي(عليه السلام) أيضاً أثبت العصمة لنفسه والأئمّة من ولده عندما قال:
«فأين تذهبون وأنّى تؤفكون؟ والأعلام قائمةُ، والآياتُ واضحةُ، والمنار منصوبةُ، فأين يُتاه بكم؟ بل كيف تعمهون؟ وبينكم عترة نبّيكم، وهم أئمّة الحقّ، وأعلام الدين، وألسنةُ الصدق؟ فانزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش.
أيّها الناس خذوها من خاتم النبيّين(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّه يموت من مات منا وليس بميّت، ويبلى من بُلي منّا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون، وأعذروا من لا حجّة لكم عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر، وركزتُ فيكم راية الإيمان»(3)؟!
الدليل العقلي على عصمة الأئمّة(عليهم السلام):
وبعد هذا البيان من القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، وأقوال الإمام علي(عليه السلام) الدالّة كلّها على عصمتهم سلام الله عليهم، هل يرفض العقلُ عصمة من يصطفية الله سبحانه للهداية؟
والجواب: كلاّ لا يرفض ذلك، بل العكس، العقل يقول بوجوب تلك العصمة; لأنّ من وكّله الله وهمّه القيادة وهداية البشريّة لا يمكن أن يكون إنساناً ماديّاً يعتريه الخطأ والنسيان، وتثقل ظهره الذنوب والأوزار، فيكون عرضة لانتقاص الناس ونقدهم، بل العقل يفرض أن يكون أعلم الناس في زمانه وأعدلهم وأشجعهم وأتقاهم، وهي صفاتٌ ترفعُ من شأن القائد وتُعظّمه في أعين الناس، وتجلب له احترام الجميع وتقديرهم، وبالتالي طاعتهم له بدون تحفّظ ولا تملّق.
وإذا كان الأمر كذلك، لماذا كلّ هذا التشنيع والتهويل على من يعتقد بذلك؟
ويخيّل إليك وأنت تسمع وتقرأ انتقاد أهل السنّة على موضوع العصمة، بأنّ الشيعة هم الذين يقلّدون وسام العصمة لمن أحبّوهم، أو أنّ القائل بالعصمة يقولُ منكراً وكفراً!! فلا هذا ولا ذاك، إنّما العصمة عند الشيعة هي أن يكون المعصوم محاطاً بعناية إلهية، ورعاية ربّانيّة، فلا يتمكّن الشيطان من إغوائه، ولا تتمكّن النفس الأمّارة بالسوء من التغلّب على عقله فتجرّه للمعصية، وهذا الأمر لم يحرم الله منه عباده المتّقين كما جاء في الآية الكريمة: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ(1).
وهذه العصمة الموقوتة لعباد الله في حالة معيّنة، قد تزول لفقد سببها ألا وهي التقوى، فالعبد إذا كان بعيداً عن تقوى الله لا يعصمه الله، أمّا الإمام الذي
1) الأعراف (٧): ٢٠١.
اصطفاه الله سبحانه فلا يحيد ولا يتزحزح عن التقوى وخشية الله سبحانه وتعالى فتلازمه العصمة ملازمته للتقوى.
وفي قضيّة يوسف(عليه السلام) مع زليخا جاء في القرآن الكريم: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الُْمخْلَصِينَ(1).
ولأنّ سيّدنا يوسف لم يهمّ بالزنا، كما فسّره بعض المفسّرين، فحاشا أنبياء الله من هذا الفعل القبيح، ولكنّه همّ بدفعها وضربها إذا اقتضى الحال، ولكنّ الله سبحانه عصمه من ارتكاب مثل هذا الخطأ ; لأنّه لو فعله لكان سبباً في اتّهامه بالفاحشة، وتكون حجّتها قويّة ضدّه، فيلحقه منهم عند ذلك السوء»(2).
الاعتناق لمذهب التشيّع:
وتقول «اسراء الأمير»: ومن خلال قراءة كتاب التيجاني اطّلعت على الكثير من المعارف القائمة على الاستدلال والبرهان، فزاد هذا الأمر رغبتي في المزيد من البحث ; لأنّ البراهين التي رأيتها في أدلّة هذا المذهب كانت رصينة جداً ومقنعة، فتابعت البحث حتّى توصّلت إلى بطلان معتقداتي السابقة، فتركتها من غير رجعة، واعتنقت مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ودخلت في دائرة التشيّع وهي الدائرة المليئة بالنور والطمأنينة.
جاء في كتاب «بحار الأنوار»: روى عن أبي الحسن، علي بن الحسن بن الحجاج من حفظه، قال: كنّا جلوساً في مجلس ابن عمّي أبي عبد الله محمّد بن عمران بن الحجّاج وفيه جماعة من أهل الكوفة من المشايخ، وفيمن حضر العباس بن أحمد العباسي، وكانوا قد حضروا عند ابن عمّي يهنؤونه بالسلامة، لأنّه حضر وقت سقوط سقيفة سيّدي أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام)في ذي الحجّة من سنة ثلاثة وسبعين ومائتين.
فبينا هم قعود يتحدّثون إذ حضر المجلس «إسماعيل بن عيسى العباسي» . . . ، فقال لهم: يا أصحابنا اعلموا أنّ الله عزّ وجلّ مسائلي عمّا أقول لكم وما اعتقده من المذهب، حتّى حلف بعتق جواريه ومماليكه وحبس دوابه أنّه لا يعتقد إلاّ ولاية علي بن أبي طالب(عليه السلام)، والسادة من الأئمّة(عليهم السلام) وعدّهم واحداً واحداً، وساق الحديث، فأبسط إليه أصحابنا وسألهم وسألوه.
ثُمّ قال لهم: رجعنا يوم جمعة من الصلاة من المسجد الجامع مع عمّي داود، فلمّا كان قِبل منازلنا وقِبل منزله وقد خلا الطريق قال لنا: أينما كنتم قبل أن تغرب الشمس فصيروا إليّ، ولا يكون أحد منكم على حال فيتخلّف، لأنّه كان جمرة بني
هاشم، فصرنا إليه آخر النهار وهو جالس ينتظرنا، فقال: اجتمعوا كلّكم فاركبوا فى وقتكم هذا، وخذوا معكم الجمل -غلاماً كان له أسود يعرف بالجمل، وكان لو حمل هذا الغلام على سكر دجلة لسكرها من شدّته وبأسه- وامضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به الناس ويقولون: إنّه قبر علي تنبشوه وتجيئوني بأقصى ما فيه.
فمضينا إلى الموضع فقلنا: دونكم وما أمر به، فحفر الحفّارون وهم يقولون (لا حول ولا قوة إلاّ بالله) في أنفسهم، ونحن في ناحية حتّى نزلوا خمسة أذرع، فلّما بلغوا إلى الصلابة قال الحفّارون: قد بلغنا إلى موضع صلب وليس نقوى بنقره، فأنزلوا الحبشي فأخذ المنقار فضرب ضربة سمعنا لها طنيناً شديداً في البرّ، ثُمّ ضرب ثانية فسمعنا طنيناً شديداً أشدّ من ذلك، ثُمّ ضرب الثالثة فسمعنا أشدّ ممّا تقدّم، ثُمّ صاح الغلام صيحة، فقمنا فأشرفنا عليه وقلنا للذين كانوا معه: اسألوه ما باله، فلم يجبهم وهو يستغيث، فشدّوه وأخرجوه بالحبل، فإذا على يده من أطراف أصابعه إلى مرفقه دم وهو يستغيث، لا يكلّمنا ولا يحير جواباً، فحملناه على البغل ورجعنا طائرين.
ولم يزل لحم الغلام ينثر من عضده وجنبيه وسائر شقّه الأيمن حتّى انتهينا إلى عمّي.
فقال: أيش وراءكم؟
فقلنا: ما ترى، وحدّثناه بالصورة.
فالتفت إلى القبلة وتاب عمّا هو عليه، ورجع عن المذهب، وتولّى وتبرّأ، وركب بعد ذلك على مصعب بن جابر، فسأله أن يعمل على القبر صندوقاً، ولم يخبره بشي ممّا جرى، ووجّه من طمّ الموضع، وعمّر الصندوق عليه، ومات الغلام الأسود من وقته(1).
1) بحار الأنوار ٤٢: ٣١١، الحديث١.
الصورة
ولد عام ١٣٨٣هـ (١٩٦٤م) في العاصمة بغداد، فرضت عليه الأجواء التي عاشها الانتماء إلى المذهب الشافعي تبعاً لآبائه وأسلافه.
تراث حاول البعض تقديس تعاليمه مهما كلّف الأمر، وحقائق تصرخ في وجه هذه القداسة الموهومة، يحاول الباحث عن الحقيقة التوجّه نحوها وترك تراث هشّ لا يعول على دليل وبرهان، ولكن تنهال عليه ردود الأفعال من كلّ حدب وصوب، تحاول إرجاعه إلى حالة التقوقع والانفصال عن الدليل والبرهان، والركون إلى هذه القداسة المزيّفة، وبين هذا وذاك يكون على الباحث الوصول إلى الحقيقة بشقّ الأنفس.
لم يكن «إسماعيل» من الذين يركنون إلى راحة التقليد وعدم تحمّل عناء البحث والتحقيق، بل غاص في أعماق التاريخ بحثاً عن الحقائق المدفونة فيه، وكانت النتائج تشير إلى افتقار التراث إلى الدليل والبرهان، وتناقض معطياته مع التعاليم الإسلاميّة التي طال ما حاول البعض دفنها في غياهب الكتمان لتحقيق مآربهم ومكائدهم وطموحاتهم الدنيويّة المزيّفة.
يقول «إسماعيل»: كنت منذ صغري مشغوفاً بمطالعة الكتب التاريخيّة وغيرها من الكتب، وذلك لارتقاء مستواي العلمي والثقافي، وكنت أعقد جلسات
الحوار مع أصدقائي حول المسائل الدينيّة.
وذات يوم وقع نقاش بيني وبين شخص حول مسألة الوضوء، حيث لاحظته يتوضّأ بطريقة تختلف عن الطريقة التي ألفتها، فاستفسرته عن سبب اختلافه مع الوضوء السائد عندنا فقال: إنّي أتوضّأ وفق الطريقة الصحيحة.
فقلت له: وكيف ذلك وأنّك تمسح بعض رأسك وتمسح رجليك؟
والحال أنّه يجب أن تمسح كلّ رأسك وتغسل رجليك؟
فقال: ومن أين تقول بصحّة هذا الوضوء وتحكم ببطلان وضوئي، ألم يقل الله في محكم كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ(1).
فقلت له: ألم تعطف وَأَرْجُلَكُمْ على وَأَيْدِيَكُمْ بالنصب فيكون معناه وجوب الغسل؟
فقال: لا يجوز عطف وَأَرْجُلَكُمْ على وَأَيْدِيَكُمْ، وذلك لعدم جواز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون العطف على الرؤوس إمّا وفق قراءة الجر فقد عطف على اللفظ، وإمّا وفق قراءة النصب فقد عطف على محل بِرُؤُوسِكُمْ.
قلت له متفاعلاً: كيف تقول هذا ولم يقل به أحد من العلماء؟ هل تدّعي أنّك تعرف أكثر من العلماء؟
فقال لي: يا أخي نحن أبناء الدليل ولسنا من أبناء التقليد الأعمى اللذين ذمّهم القرآن الكريم بقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ(2).
فرددت عليه بقوّة: لا حاجة لي في ذلك، فهذه طريقة آبائي وأسلافي في الوضوء، ولا يمكن أن تكون غير صحيحة.
فقال لي: هنا تكمن المشكلة حيث اتّبعت آبائك وأسلافك، ولو تأمّلت في التاريخ الإسلامي لعرفت الدور الكبير الذي لعبته السياسة في تحريف عقائد الناس من أجل مآربهم ومصالحهم الشخصيّة. فأنا أدعوك أن نكون من أهل البحث والتحقيق.
هنا ثارت حميّة التعصّب المذهبي، فقلت له بغضب: كيف تجرأ أن تحكم على بطلان ما ذهب إليه السلف الصالح بترهات تذكرها، هل من المعقول أن يخالف السلف الصالح التعاليم الإسلاميّة؟
فقال بكلّ هدوء: يا أخي، بيّن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لنا أنّ الأُمّة الإسلاميّة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، فلست أنت وفرقتك إلاّ واحدة من هذه الفرق، ولكلّ فرقة آباء وأسلاف.
فقلت: نحن الأكثريّة فنحن على الحقّ.
فقال: وهل تعتبر الأكثريّة هي المعيار في تعيين الصواب وقد ذمّها الله في القرآن وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(1).
وانتهى النقاش وأنا أعيش حالة الانفعال والغضب.
وبعد ما خلوت بنفسي راودتني صور عن الحوار مع ذلك الشخص، وكنت أحاول نسيان ذلك لكن لم أستطع، فقمت بالبحث والتحقيق حول الموضوع لعلّني أجد ما أفحم الشيعي فيما بعد، لكن كانت نتائج البحث تشير إلى أمر آخر.
1) يونس (١٠): ٣٦.
أقوال العلماء في آية الوضوء:
اعترف العديد من علماء أهل السنّة بدلالة الآية على وجوب المسح في الوضوء، منهم ابن حزم في الاحكام:
«إنّ القراءة بخفض أرجلكم وفتحها، كلاهما لا يجوز إلاّ أن يكون معطوفاً على الرؤوس في المسح ولابدّ لأنّه لا يجوز البتّة أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بخبر غير الخبر عن المعطوف عليه لأنّه إشكال وتلبيس وإضلال لا بيان، لا تقول: ضربت محمّداً وزيداً، ومررت بخالد وعمراً، وأنت تريد أنّك ضربت عمراً أصلاً»(1).
وقال ابن حزم في المحلى: «وأمّا قولنا في الرجلين فإنّ القرآن نزل بالمسح، قال الله تعالى: وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وسواء قرئ بخفض اللام أو بفتحها هي على كلّ حال عطف على الرؤوس إمّا على اللفظ وإمّا على الموضع، لا يجوز غير ذلك ; لأنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضيّة مبتدأة.
وهكذا جاء عن ابن عبّاس قال: نزل القرآن بالمسح (يعني في الرجلين في الوضوء).
وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف، منهم علي بن أبي طالب(عليه السلام) وابن عبّاس والحسن وعكرمة والشعبي وجماعة آخرون، وهو قول الطبري، ورويت في ذلك آثار منها:
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثنا علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمّه - هو رفاعة بن رافع - أنّه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
1) الأحكام لابن حزم ٤: ٤٨٢.
(أنّها لا يجوز صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره الله عزّ وجلّ ثمّ يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين).
وعن إسحاق بن راهويه ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن عبد خير عن علي: (كنت أرى باطن القدمين أحقّ بالمسح حتّى رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح ظاهرهما).
ثمّ حاول ابن حزم التخلّص من القول بالمسح فادّعى وجود الناسخ لهذا الحكم فقال: «وإنّما قلنا بالغسل فيهما لما حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر - عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (تخلّف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سفر فأدركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار، مرّتين أو ثلاثا)(1).
ولكن يبدو أنّ ابن حزم غفل أو تغافل فيما بعد حيث يظهر منه عدم الركون إلى صحّة القول بالمسح فيقول: «وأبطلتم مسح الرجلين وهو نصّ القرآن بخبر يدّعي مخالفنا ومخالفكم أنّنا سامحنا أنفسنا وسامحتم أنفسكم فيه، وأنّه لا يدلّ على المنع من مسحها وقد قال بمسحها طائفة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم...»(2).
فقد أبطل استدلاله بادّعائه وجود الناسخ للآية المباركة، وذلك لكون سورة المائدة أخر سورة نزلت من القرآن ولم ينسخ منها شيء، فقد ورد عن عائشة أنّها قالت: «إنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها حلالاً فحلّلوه، وما
وجدتم فيها حراماً فحرّموه»(1).
وما أدري لعلّ ابن حزم يقول بكون الآية في غير سورة المائدة؟ ولعلّه غفل فيما بعد عن القول بالنسخ فنسب القول بالمسح إلى التابعين؟
وقال الآمدي في الأحكام: «ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين في الوضوء في قوله تعالى: وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ من أنّ المراد به الغسل، وهو في غاية البعد لما فيه من ترك العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من التشريك بين الرؤوس والأرجل في المسح من غير ضرورة»(2).
وقال الرازي في تفسيره: «وأمّا القراءة بالنصب فقالوا أيضاً: إنّها توجب المسح ; وذلك لأنّ قوله وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ فرؤوسكم في النصب ولكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، والجرّ عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور للنحاة. إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله: وَأَرْجُلَكُمْ هو قوله: وَامْسَحُواْ ويجوز أن يكون هو قوله: فاغْسِلُواْ لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله: وَأَرْجُلَكُمْ هو قوله: وَامْسَحُواْفثبت أن قراءة وَأَرْجُلَكُمْ بنصب اللام توجب المسح أيضاً، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح»(3).
تبلور الحقيقة:
يقول «إسماعيل»: بعد البحث الحثيث حول كلمات العلماء في آية الوضوء، تبيّن لي كيف دلّس علماؤنا الحقائق وحاولوا التعتيم عليها، ولا أدري بأيّ عذر اعتذروا؟ وعلى أيّ دليل استندوا؟
ومن خلال البحث عثرت على حقائق جوهريّة بين الشيعة والسنّة كمسألة الإمامة التي تعتبر الحجر الأساسي في اختلاف الفرق الإسلاميّة، وقد حاول البعض إبعاد الناس عن جوهر الخلاف وجرّهم إلى مسائل فرعيّة كالوضوء، حتّى يبقى الناس في غفلة عن مسألة الإمامة التي طالما أكّد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على الاهتمام بها في شتّى المواقف كحديث الدار وحديث المنزلة وحديث الغدير و...
الحقيقة:
كشفت الحقيقة لي بأنّ تراثنا لا يركن إلى الدليل، وإنّما تواكبه عاطفة تدفعه نحو ما ألفيت من آبائنا وأسلافنا، وحاول هذا التراث إرجاعي إلى التقليد الأعمى للآباء والأسلاف، ولكن عزمت على تركها واتّباع ما تملي عليّ الأدلّة والبراهين، فالتحقت بركب سفينة قال عنها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى.
ذلك من التعابير الدالّة على علوّ مقامهم.
ويجد الباحث بأنّ النظام الأموي حرص بعد انتهاء واقعة الطفّ إلى تكثيف الإعلام لإخفاء الحقائق، ولكن في المقابل حرص أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على تدوين أسمائهم ضمن بيان زياراتهم تصدّياً لإحباط مؤامرات الأمويّين.
زيارة الأنصار:
تتضمّن الزيارات الخاصّة بشهداء عاشوراء التعابير الكاشفة عن منزلتهم عند الله تعالى.
فقد ورد في هذه الزيارات جملة من التعابير من قبيل وصفهم بأولياء الله، وأحبّاء الله، وأصفيائه، وأنصار دين الله، وأنصار رسول الله، والتصريح بأنّهم نصحوا لله، وجاهدوا في سبيله فجزاهم الله عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء، وأنّهم الفائزون في درجات العلى، والذابّون عن توحيد الله، والصدّيقون وأنّهم فازوا فوزاً عظيماً، فياليتنا كنّا معهم فنفوز فوزاً عظيماً.
وكلّ هذه التعابير تكشف عن مقام منزلة أنصار الإمام الحسين(عليه السلام)، وفيها الكفاية لمعرفة عظمة قربهم من الله.
ولا يخفى أنّ هؤلاء الأنصار لم يبلغوا هذه الدرجات اعتباطاً، بل استشهادهم بين يدي الإمام الحسين هو الذي يكشف عن أصالتهم الدينيّة، وعن عمق إيمانهم، وعظمة تمسّكهم بالحقّ، وإلاّ فكانت دعوة الإمام الحسين عامّة للجميع، ولم يوفّق لها ولم يلبّي نداء الحسين: «من كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا» إلاّ هؤلاء الحواريّون ولو لا أنّهم كانوا من الذين جاهدوا أنفسهم في سبيل الله لمنعتهم أهواؤهم من الالتحاق بركب الإمام الحسين(عليه السلام).
وعموماً في دائرة الصراع بين الحقّ والباطل، والصراع بين النور والظلمة
فإنّ الإنسان لا يختار جبهة الحقّ والنور إلاّ بعد مجاهدته لنفسه.
تأثّره بواقعة الطفّ:
تأثّر «أكرم مجيد» بواقعة الطفّ نتيجة تعرّفه عليها عن طريق محاضرات المنبر الحسيني التي كان يصغي إليها ويستلهم منها العلوم والمعارف.
وتعرّف «أكرم مجيد» بعد انجذابه نحو واقعة عاشوراء على كتاب «لقد شيّعني الحسين(عليه السلام)» لمؤلّفه المستبصر السيّد إدريس الحسيني.
وقد جاء في هذا الكتاب: «كربلاء مدخلي إلى التاريخ، إلى الحقيقة، إلى الإسلام، فكيف الا أجذب إليها... تلك هي المحطّة التي أردت أن أنهي بها كلامي عن مجمل معاناة أهل البيت(عليهم السلام)، وظروف الجريمة التأريخيّة ضدّ نسل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هو من قتل الحسين؟ ولماذا قتل الحسين(عليه السلام)؟
... نحن لا نشكّ في أنّ مقتل الحسين هو نتيجة وضع تمتدّ جذوره إلى «السقيفة» إلى أخطر قرار صدر بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان ضحيّته الأولى هم آل البيت(عليهم السلام).
ونلاحظ من حركة التاريخ الإسلامي أنّ محاولة تهميش آل البيت(عليهم السلام)وقمع رموزهم بدأ منذ السقيفة، ورأيي لو جازف الإمام علي(عليه السلام) وفاطمة الزهراء(عليهم السلام)لكان فعلاً أحرقوا عليهم الدار ولكن شيء أشبه بعاشوراء وكربلاء الحسين(عليه السلام).
وإنّ بداية النشوء - أو بالأحرى إعادة النشوء - لحزب بني أميّة، كان منذ الخلافة الأولى ذلك أنّ معاوية وأخاه يزيد كانا عاملين على الشام وتقوّي نفوذهما منذ ذلك العهد، وكلّ المسلمين كانوا يدركون مدى القوّة التي يمكن أن
تمنحها الإمارة لرجال مثل معاوية ويزيد.
المعادلة مقلوبة، ميزان القوى اللامتكافئ بين الحزب الأموي وبني هاشم بدأ منذ وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وما ضرب ولا قُمع وما استضعف بعد الرسول رجل أو عشيرة مثل ما ظلم آل البيت(عليهم السلام)»(1).
والجدير بالذكر أنّ هذا الظلم والجور وقع بعد ما نزلت الآيات الكثيرة في حبّهم ومودّتهم وكذلك الروايات الواردة عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك.
قرأ «أكرم مجيد» كتاب «لقد شيعني الحسين كاملة، فتأثّر به، بحيث عدّه بعد ذلك من جملة أسباب استبصاره، وعندما اكتملت الصورة عنده أعلن استبصاره وبدأ يدعو إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
1) لقد شيعني الحسين، إدريس الحسيني: ٣١٥ - ٣١٦.
الصورة
مرّت ترجمته في ١: ١٢١ من هذه الموسوعة، ونشير إلى معلومات أخرى لم تدرج سابقاً.
بداية التعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
فيما كانت الحرب العراقية الإيرانية قائمة، وفي أحد الأيّام وعندما كان الأخ «أكرم البرزنجي» مقاتلاً في الجيش العراقي جيء بمجموعة من الأسرى الإيرانيين إلى مقرّه وأقترب من أحدهم - وكلّ واحد منهما لا يعرف لغة الآخر - فناوله أحد الأسرى كتاباً صغيراً ناعم الخط، فسارع إلى أخذه وإخفائه في حقيبته، خوفاً من عقوبة السلطة القاسية.
وحينما عاد إلى منزله في فترة الإجازة أخرج الكتاب، وأخذ يتصفّح أوراقه، فوجده كتاب دعاء يسمّى بمفاتيح الجنان للشيخ عبّاس القمّي فيه أدعية وصلوات وأعمال.
ووجد في هذا الكتاب من الأدعية في أعمال اليوم والشهر بل والساعة أيضاً، وتشتمل هذه الأدعية العالية المضامين على التوحيد والتسليم والعبوديّة لله تعالى، منها دعاء كميل بن زياد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي يقرأ في ليلة الجمعة،
وأدعية الإمامين الحسن والحسين وأبنائه المعصومين(عليهم السلام)، ودعاء الافتتاح، ودعاء أبي حمزة الثمالي في شهر رمضان وغيرها.
يقول الاخ «أكرم» في هذا الصدد: كنت عندما أقع في أيّ مشكلة أتوجّه إلى الله وأقرأ الأدعية المناسبة لما أنا فيه، وأجد أنّ مشكلتي قد ارتفعت، وهكذا دمت على هذا الأمر الذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى.
وهذا ممّا حثّني على البحث في طيات كتب أهل السنّة لعلّي أجد فيها ما يشابه هذه الأعمال والأذكار شيئاً، فلم أجد شيئاً.
فعلمت أنّ هذه الأدعية لم تكن صدرت عن أناس عاديين ; حيث لا تصل إليها أفكار البشر العادي، فإنّها كلمات دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، لا يمكن أن تصدر إلاّ ممّن كان مرتبطاً بالله، ومستقياً من بيت الوحي والغيب، من منبع صاف، من باب مدينة العلم.
التحرّي عن الحقيقة:
يقول الأخ «أكرم»: إنّه كان يسأل بعض الشيعة ليتعرّف أكثر على مذهبهم، فكان معظمهم إمّا قليل الثقافة بهذا الخصوص، وإمّا يخاف من السلطة في العراق فلا يحصل على جواب شاف.
وفي يوم من الأيّام سافر إلى العاصمة بغداد لزيارة أحد أقربائه، ودار بينهما حديث حول الشيعة ومعتقداتهم، وسأله عن مساجد الشيعة ليرى فيها عن كثب كيف يمارسون أعمالهم العبادية وشعائرهم الدينية.
ودخل إلى أحد المساجد الشيعية في يوم الجمعة وكانوا يؤدّون صلاة الجمعة - هذا كلّه بعد انقضاء الحرب الإيرانية العراقية، وكذلك بعد انقضاء حرب الخليج الثانية - وعند انتهاء الصلاة دنا من إمام الجماعة وكان سيّداً من سلالة رسول الله معتماً بعمامة سوداء، وسأله بعض الأسئلة، فأجابه عليها.
ورجع إلى مدينة السليمانية، وبعد مضيّ فترة من الزمن عاد إلى بغداد، فجاء إلى المسجد نفسه، ورأى ذلك السيّد، فطالبه بكتب تبيّن مذهب أهل البيت(عليهم السلام)ومعتقداتهم، إلاّ أنّ الرجل خاف منه ولم يعطه أيّ كتاب.
عاد «أكرم» إلى السليمانية، والتقى في أحد المعارض الفنية هناك بأحد الإخوة الشيعة حيث جرى معه نقاش في بعض المسائل الخلافية بين السنّة والشيعة كمسائل الإمامة والخلافة وعدالة الصحابة وأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)على بقيّة المذاهب بشكل سريع ; لأنّ المكان لم يكن مناسباً فاتّفقا على أن يكون بقية الحوار في بيته، وبالفعل تحاورا في هذه المسائل وغيرها.
وبعدها طلب منه بعض الكتب الشيعية، فأهداه بعد أيّام بعض الكتب ككتاب «المراجعات» وكتب أخرى.
الرشد إلى الصواب:
يقول «أكرم»: عندما بدأت بقراءة بعض الكتب الشيعية ككتاب «المراجعات» للسيّد عبد الحسين شرف الدين العاملي، وكتاب «ثمّ اهتديت» للتيجاني السماوي، وكتاب «السقيفة» للشيخ محمّد رضا المظفر، وكتاب «كذبوا على الشيعة» للسيّد رضي الرضوي، وكتابي «اقتصادنا» و«فلسفتنا» للشهيد محمّد باقر الصدر، فتأثّرت بها وكشف لي عن مدى تعمّق الشيعة الإماميّة وعلمائهم في فهم القرآن الكريم وأحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)، وسبرهم لغور كلماتهم، وإدراكهم لمقاصد ألفاظهم، وأسرار تراكيبها.
فوجدتهم على الحقّ، لكن بقي عندي تردّد في اتخاذ مذهب أهل البيت(عليهم السلام)كمعتقد، وسألت الله أن يوفّقني في مسيري نحو النور والهداية. فلجأت إلى كتاب مفاتيح الجنان - وكانت الليلة ليلة جمعة - وبدأت بقراءة دعاء كميل بن زياد لأمير المؤمنين(عليه السلام): «اللّهم أنّي أسألك برحمتك التي وسعت كلّ شيء، وبقوّتك التي
قهرت بها كلّ شيء، وخضع لها كلّ شيء، وذلّ لها كلّ شيء...»(1).
فسألت الله أن تشملني العناية الإلهية، وأن يريني طريق الهداية، ويمسك بيدي ويوصلني إلى الحقّ.
وتابعت قراءة بقية الدعاء «اللّهم انّي اتقرّب اليك بذكرك، واستشفع بك إلى نفسك، وأسألك بجودك ان تدنيني من قربك، وان توزعني شكرك، وان تلهمني ذكرك...».
«يا إلهي وسيّدي ومولاي ومالك رقّي يا من بيده ناصيتي يا عليماً بضرّي ومسكنتي، يا خبيراً بفقري وفاقتي، يا ربّ يا ربّ يا ربّ».
ببركة هذا الدعاء انفتحت لي آفاقاً عجيبة، وأحسست من خلال قراءة فقراته، والتفكّر في مضامينه، أثر في صفاء روحي، وتأثّر معنوي في نفسي، وهنا شملتني العناية الربّانية، فشعّ في قلبي النور المحمّدي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومشكاة أنوار أئمّة الهدى(عليهم السلام)، تولّدت عندي قناعة بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فتمسّكت بحبل الله المتين، واتخذت آل البيت(عليهم السلام) قادة وشفعاء، وهكذا اعتنقت مذهب الحقّ، مذهب محمّد وآل محمّد(عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً.
1) مصباح المتهجد: ٨٤٤، ٩١٠ / ٢٥.
«إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة»، ولقبه مفرغ، المعروف بالسيّد «الحميري»، الشاعر المشهور.
ولد بعمّان ونشأ بالبصرة، وكانت ولادته سنة ١٠٥هـ وتوفي ببغداد سنة١٧٣هـ ودفن بالجنينة في بغداد، وكانت وفاته في عهد خلافة هارون الرشيد.
ذكره الشيخ الطوسي في كتاب رجاله وعدّه من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)وقال «إسماعيل بن محمّد الحميري» السيّد الشاعر يكنّى أبا عامر.
وجاء في «تذكرة الشعراء» لابن المعتزّ: أنّه كان شاعراً وسيماً جسيماً مطبوعاً حسن الأسلوب وثيق الشعر.
وفي «لسان الميزان»: «إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة السيّد الحميري» الشاعر المفلّق يكنّى أبا هاشم.
وقال عنه صاحب «مجالس المؤمنين» القاضي نور الله الشوشتري: أنّه كان من أكابر أهل زمانه، واحرز قصب السبق في مضمار الفصاحة والبلاغة على أقرانه، وذكروا أنّ دفاتر ميميّاته كانت حمل بعير.
وذكره ابن شهراشوب في «معالم العلماء» في عداد شعراء أهل البيت
المجاهرين، ومن أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) ثُمّ قال: ولقي الإمام الكاظم(عليه السلام)، وكان في بدء الأمر خارجيّاً، ثُمّ كيسانيّاً، ثُمّ إمامّياً . . . الخ.
له قصائد في الأئمّة الأطهار(عليه السلام)، ومن قصيدة له في رثاء الحسين(عليه السلام) يقول:
امرر على جدث الحسـ ـين وقل لأعظمه الزكيّة
يا أعظماً لا زلت من وطفاء ساكبة رويّة
ما لذّ عيش بعد رضـ ـك بالجياد الأعوجيّة
قبر تضمّن طيّباً آباؤه خير البريّة
آباؤه أهل الريا سة والخلافة والوصيّة
والخير والشيم المهذّ بة المطيّبة الرضيّة
فإذا مررت بقبره فأطل به وقف المطيّة
وابك المطّهر للمطـ ـهر والمطهّرة الزكيّة
كبكاء معولة غدت يوماً بواحدها المنيّة
والعن صدى عمر بن سعـ ـد والملمّع بالنقيّة
شمر بن جوشن الذي طاحت به نفس شقيّة
جعلوا ابن بنت نبيّهم غرضاً كما ترمى الدريّة
لم يدعهم لقتاله إلاّ الجعالة والعطيّة
لما دعوه لكي تحـ ـكم فيه أولاد البغيّة
أولاد أخبث من مشى مرحاً وأخبثهم سجيّة
فعصاهم وأبت له نفس معزّزه أبيّة
فغدوا له بالسابغات عليه والمشرفيّة
والبيض واليلب اليما ني والطوال السمهريّة
وهم ألوف وهو في سبعين نفس هاشميّة
فلقوه في خلف لأحـ ـمد مقبلين من الثنّية
مستيقنين بأنّهم سيقوا لأسباب المنيّة
يا عين فابكي ما حيّيـ ـت على ذوي الذمم الوفيّة
لاعذر في ترك البكاء دماً وأنت به حريّة
اعتنق مذهب الشيعة الإمامية على يد الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام)روى الشيخ الصدوق طاب ثراه مسنداً عن حيّان السرّاج قال: سمعت السيّد بن محمّد الحميري يقول: كنت أقول بالغلوّ، واعتقد غيبة محمّد بن علي «ابن الحنفية»، قد ضللت في ذلك زماناً، فمنّ الله عليّ بالصادق بن محمّد(عليه السلام)، وأنقذني به من النّار، وهداني إلى سواء الصراط.
فسألته بعدما صحّ عنّي بالدلائل التي شاهدتها منه أنّه حجّة الله عليّ وعلى جميع أهل زمانه، وأنّه الإمام الذي فرض الله طاعته، وأوجب الاقتداء به.
فقلت له: يا ابن رسول الله، قد روي لنا أخبار عن آبائك(عليهم السلام) في الغيبة وصحّة كونها فأخبرني بمن تقع؟
فقال(عليه السلام): إنّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الإمام الثاني عشر من الأئمّة الهداة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وآخرهم القائم بالحقّ، بقيّة الله في الأرض، وصاحب الزمان، والله بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتّى يظهر، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.
قال السيّد: فلمّا سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمّد(عليه السلام) تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه، وقلت قصيدتي التي أوّلها:
فلمّا رأيت الناس في الدين قد غووا تجعفرت باسم الدين فيمن تجعفروا
وناديت باسم الله والله أكبر وأيقنت أنّ الله يعفو ويغفر
ودنت بدين الله ما كنت ديّناً به ونهاني سيّد الناس جعفر
فقلت: فهبني قد تهوّدت برهة وإلاّ فديني دين من يتنصّر
وإنّي إلى الرحمن من ذاك تائب وإنّي قد أسلمت والله أكبر
فلست بغال ما حييت وراجع إلى ما عليه كنت أخفي وأظهر
ولا قائل حيّ برضوى محمّد وإن عاب جهّال مقالي وأكثروا
ولكنّه ممّن مضى لسبيله على أفضل الحالات يقفى ويخبر
مع الطيّبين الطّاهرين الأولى لهم من المصطفى فرع زكيّ وعنصر
إلى أخر القصيدة، «وهي طويلة»، وقلت بعد ذلك قصيدة أُخرى:
أيا راكباً نحو المدينة جسرة عُذافرةً يُطوى بها كلّ سبب
إذا ما هداك الله عاينت جعفراً فقل لوليّ الله وابن المهذّب
ألا يا أمين الله وابن أمينه أتوب إلى الرحمن ثُمّ تأوّبي
إليك من الأمر الذي كنت مطنباً أُحارب فيه جاهداً كلّ معرب
وما كان قولي في ابن خولة مبطناً معاندة منّي لنسل المطيّب
ولكن روينا عن وصيّ محمّد وما كان فيما قال بالمتكذّب
بأنّ وليّ الأمر يُفقد لا يُرى ستيراً كفعل الخائف المترقّب
فتقسم أموال الفقيد كأنّما تغيّبه بين الصفيح المنصّب
فيمكث حيناً ثُمّ ينبع نبعة كنبعة جديّ من الأُفق كوكب
يسير بنصر الله من بيت ربّه على سؤدد منه وأمر مسبّب
يسير إلى أعدائه بلوائه فيقتلهم قتلاً كحرّان مغضب
فلمّا رُوي أنّ ابن خولة غائب صرفنا إليه قولنا لم نكذّب
وقلنا هو المهديّ والقائم الذي يعيش به من عدله كلّ مجدب
فإنّ قلت لا فالحقّ قولك والذي أمرت فحتم غير ما متعصّب
وأشهد ربّي أنّ قولك حجّة على الناس طرّاً من مطيع ومذنب
بأنّ وليّ الأمر والقائم الذي تَطَلّعُ نفسي نحوه بتطرّب
له غيبة لابدّ من أن يغيبها فصلّى عليه الله من مُغيّب
فيمكث حيناً ثُمّ يظهر حينه فيملك من في شرقها والمغرب
بذاك أدين الله سرّاً وجهرة ولست وإن عوتبت فيه بمعتّب
قال الشيخ الصدوق طاب ثراه: فلم يزل السيّد «إسماعيل الحميري» ضالاً في أمر الغيبة، يعتقدها في محمّد بن الحنفية حتّى لقي الإمام الصادق جعفر بن محمّد(عليه السلام).
ورأى منه علامات الإمامة، وشاهد فيه دلالات الوصيّة، فسأله عن الغيبة، فذكر له أنّها حقّ ولكنّها تقع في الثاني عشر من الأئمّة(عليهم السلام) وأخبره بموت محمّد بن الحنفية، وأنّ أباه شاهد دفنه.
فرجع السيّد عن مقالته واستغفر من اعتقاده ورجع إلى الحقّ عند اتضاحه له، ودان بإلامامة.
ورد في كتاب رجال الكشّي: حدّثني نصر بن الصباح، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عبد الله بن بكير، عن محمّد ابن النعمان، قال: دخلت على السيّد بن محمّد وهو لما به قد اسودّ وجهه، وازرقّت عيناه، وعطش كبده، وهو يومئذ يقول بمحمّد بن الحنفية وهو من حشمه، فجئت وكان أبو عبد الله(عليه السلام) قدم الكوفة، لأنّه كان انصرف من عند أبي جعفر المنصور.
فدخلت على أبي عبد الله(عليه السلام) فقلت: جعلت فداك إنّي فارقت السيّد بن محمّد الحميري لما به قد اسودّ وجهه وازرقّت عيناه، وعطش كبده وسلب الكلام!
فقال أبو عبد الله(عليه السلام): اسرجوا حماري، فأسرج له وركب ومضى، ومضيت معه حتّى دخلنا على السيّد، وإنّ جماعة محدقون به، فقعد أبو عبد الله(عليه السلام) عند رأسه، وقال: يا سيّد! ففتح عينيه ينظر إلى أبي عبد الله(عليه السلام) ولا يمكنه الكلام وقد
اسودّ وجهه، فجعل يبكي وعينه إلى أبي عبد الله(عليه السلام) ولا يمكنه الكلام، وإنا لنتبيّن فيه أنّه يريد الكلام ولا يمكنه، ورأينا أبا عبد الله حرّك شفتيه، فنطق السيّد فقال: جعلني الله فداك أبأوليائك يفعل هذا! فقال أبو عبد الله(عليه السلام): يا سيّد قل الحقّ يكشف الله مابك ويرحمك ويدخلك جنته التي وعد أوليائه، فقال في ذلك، تجعفرت بسم الله والله أكبر، فلم يبرح أبو عبد الله حتّى قعد السيّد(1).
كنيته أبو هاشم كما ذكره الأكثر، أو أبو عامر كما عن رجال الشيخ، والسيّد لقبه.
ولد بعمان ونشأ بالبصرة، حكاه في لسان الميزان عن أبي الفرج بن الجوزي في المنتظم، وكانت ولادته سنة ١٠٥هـ وتوفي ببغداد سنة ١٧٣هـ ودفن بالجنينة.
وأرّخه غيره سنة ١٧٨ أو١٧٩هـ ، وكانت وفاته في خلافة الرشيد، ففي الأغاني: ذكر محمّد بن إدريس العتبي عن معاذ بن يزيد الحميري أنّ السيّد عاش إلى خلافة الرشيد وفي أيّامه مات، وفيه بسنده عن بشير بن عمّار الصيرفي قال: حضرت وفاة السيّد في الرميلة ببغداد إلى أن قال: ودفنّاه في الجنينة ببغداد وذلك في خلافة الرشيد. انتهى.
نسبته:
«الحميري» نسبة إلى حمير بحاء مهملة مكسورة وميم ساكنة ومثنّاة تحتية مفتوحة وراء مهملة، قبيلة معروفة من اليمن، وفي أنساب السمعاني: هي من أُصول القبائل، نزلت أقصى اليمن وفي ذلك يقول المترجم:
إنّي امرؤ حميريّ حين تنسبني جدّي رعينٌ وأخوالي ذوو يزن
ثُمّ الولاء الذي أرجو النجاة به يوم القيامة للهادي أبي الحسن
1) رجال الكشي ٢: ٥٧٢.
تلقيبه بالسيّد:
سيادته لغويّة لا أنّه فاطميّ أو علويّ قال الكشّي في كتاب رجاله: روي أنّ أبا عبد الله(عليه السلام) لقى السيّد بن محمّد الحميري فقال: سمّتك أمّك سيّداً ووفقت في ذلك وأنت سيّد الشعراء.
أقوال العلماء فيه:
ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق(عليه السلام).
وذكره ابن شهرآشوب في معالم العلماء في شعراء أهل البيت المجاهرين، وذلك أنّه قال في آخر المعالم باب في بعض شعراء أهل البيت(عليهم السلام) وهم على أربع طبقات: المجاهرون، والمقتصدون، والمتّقون، والمتكلفون، ثُمّ قال: فصل في المجاهرين: السيّد أبو هاشم إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن محمّد بن وداع بن مفرغ الحميري، من أصحاب الصادق، ولقي الكاظم(عليه السلام)، وكان في بدء الأمر خارجيّاً، ثُمّ كيسانيّاً، ثُمّ إماميّاً.
وقال بشّار: لولا أنّ هذا الرجل شغل عنّا بمدح بني هاشم لأتعبنا.
وقال بعضهم: جمعت من شعره ألفين ومائتي قصيدة وزعمت أنّه لم يذهب عليّ منه شيء فبينا أنا ذات يوم أُنشد شعراً فقلت: لمن هذا؟
قالوا: للسيّد الحميري.
فقلت في نفسي: ما أراني في شيء بعد الذي جمعته.
وذكر ابن المعتزّ في طبقات الشعراء أنّه رُئي حمّال في بغداد مثقل فسئل عن حمله فقال ميميات السيّد.
وقيل له -السيّد الحميري- لم لا تقول شعراً فيه غريب؟ فقال: أقول ما يفهمه الصغير والكبير ولا يحتاج إلى التفسير، وأنشأ:
أيا ربّ أنّي لم أرد بالذي به مدحت عليّاً غير وجهك فارحم
وعن التحرير الطاووسي: إسماعيل بن محمّد الحميريّ حاله في الجلالة ظاهر ومجده باهر.
وفي مجالس المؤمنين: إنّه كان من أكابر أهل زمانه وأحرز قصب السبق في مضمار الفصاحة والبلاغة على أقرانه، وذكروا أنّ دفاتر ميمياته كانت حمل بعير.
وفي تذكرة ابن المعتزّ: أنّه كان للسيّد أربع بنات كلّ واحدة منهنّ تحفظ أربعمائة قصيدة من قصائده، ولم يترك فضيلة، ولا منقبة من فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) ومناقبه إلاّ نظم فيها شعراً، على أنّ فضائله ومناقبه(عليه السلام) لا يحيط بها نطاق النظم والنثر.
وذكر عبد الله بن المعتزّ في تذكرته أنّ أبويّ السيّد كليهما كانا أباضيّين، وكان يزجرهما ويردّهما عن عقيدة النصب الباطلة، وذكروا أنّه سئل السيّد كيف صرت شيعيّاً مع أنّك شاميّ حميريّ؟ فقال: صُبّت عليّ الرحمة صبّاً فكنت كمؤمن آل فرعون، وذلك أنّ الحميريّين كانوا من أتباع معاوية بصفّين وكان ذو الكلاع الحميريّ من قوّاد معاوية فيها.
ونقل ابن كثير الشامي في تاريخه عن الأصمعي أنّه قال: في السيّد الحميري: لولا تعرّضه للسلف في شعره ما قدّمت عليه أحداً في طبقته، قال صاحب المجالس: صحّة العقيدة وفسادها لا دخل له في جودة الشعر ورداءته والتقدّم والتأخّر فيه، لكن الأصمعي لعداوته لأهل بيت النبوّة يقول هذا في حقّ مدّاحهم وفقاً للمثل المشهور «وكلّ إناء بالذي فيه يرشح».
وفي المناقب عن كامل المبرد، كان أصمع بن مظفّر جدّ الأصمعي قطعه علي(عليه السلام) في السرقة، فكان الأصمعي يبغضه!
وفي لسان الميزان: إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة، السيّد الحميري الشاعر المفلّق يكنّى أبا هاشم.
وذكره المرزباني في النبذة المختارة في تلخيص أخبار شعراء الشيعة المشار إليها آنفاً، وهو الثامن عشر ممّن ذكر فيها فقال: كان شاعراً مجيداً لم يسمع أن أحداً عمل شعراً جيّداً وأكثر غيره، قال: وقيل قُريء على التوزي شعر عمران ابن حطان فقال: من ينشدنا شعراً صافياً من مدح السيّد، فأنشده رجل ممّن حضره:
أنّ يوم التطهير يوم عظيم فاز بالفضل فيه أهل الكساء
وقصيدته المذهّبة التي أوّلها «هلاّ وقفت على المكان المعشب»، فقال التوزي: لو أنّ شعراً يستحقّ أن لا ينشد إلاّ في المساجد لحسنه لكان هذا، ولو خطب به خاطب على المنبر في يوم جمعة لأتى حسناً ولحاز أجراً.
وفي الأغاني: كان شاعراً متقدّماً مطبوعاً، يقال: أنّ أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام ثلاثة: بشّار، وأبو العتاهية، والسيّد، فإنّه لا يعلم أنّ أحداً قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع، وإنّما مات ذكره وهجر الناس شعره لما يفرّط فيه من التعرّض لمن مال عن أهل البيت، فتحومي شعره من هذا الجنس وغيره لذلك، وهجره الناس تخوّفاً وترقباً، وله طراز من الشعر ومذهّب قلّما يلحق فيه أو يقاربه أحد، ولا يعرف له من الشعر كثير!
وعن تذكرة الشعراء لابن المعتزّ أنّه كان شاعراً وسيماً جسيماً مطبوعاً حسن الأسلوب وثيق الشعر.
وفي الأغاني عن أبي جعفر الأعرج ابن بنت الفضيل بن يسار قال: كان السيّد أسمر تامّ القامة أشنب ذا وفرة حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدّث في مجلس قوم أعطى كلّ رجل في المجلس نصيبه من حديثه.
قال الموصلي: حدّثني عمّي قال: جمعت للسيّد في بني هاشم ألفين وثلثمائة قصيدة فخلت أن قد استوعبت شعره حتّى جلس إلى يوماً رجل ذو أطمار رثّة فسمعني أُنشد شيئاً من شعره، فأنشدني له ثلاث قصائد لم تكن عندي، فقلت في نفسي: لو كان هذا يعلم ما عندي كلّه ثُمّ أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجيباً فكيف وهو لا يعلم وإنّما أنشد ما حضره، وعرفت حينئذ أنّ شعره ليس ممّا يدرك ولا يمكن جمعه كلّه. انتهى.
والظاهر ان ديوان الشعر المعروف هو جملة من مشهور قصائده وإلاّ فقد سمعت أنّ جميع شعره لا يدرك ولا يمكن جمعه كلّه، وإذا كان قد جمع له في بني هاشم خاصّة ألفان وثلثمائة قصيدة سوى شعره في غيرهم، وليست هي جميع شعره في بني هاشم، وإذا كانت ميمياته حمل حمّال مثقل كما مرّ فلابدّ أن يكون هذا الديوان بعض شعره.
عن الحسن بن علي بن المعتزّ الكوفي، عن غانم الورّاق، قال: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن تميم فأثبتني بعضهم فقال: هذا الشيخ والله راوية، فجلسوا إليّ وأنسوا بي، وأنشدتهم وبدأت بشعر ذي الرمّة فعرفوه، وبشعر جرير والفرزدق فعرفوهما، ثُمّ أنشدتهم للسيّد . . . قال: فجعلوا يمزقون «كذا» لإنشادي، ويطربون وقالوا لمن هذا فأعلمتهم فقالوا: هذا والله أحد المطبوعين، لا والله ما بقي في هذا الزمان مثله.
وفي فوات الوفيات للكتبي: قال المازني: سمعت أبا عبيدة يقول: ما هجأ أميّة أحد كما هجأهم يزيد بن مفرغ والسيّد الحميري. «انتهى». ويزيد بن مفرغ هو جدّه الأدنى.
من خصائص شعره السهولة، والعذوبة، والانسجام، وطول النفس، وذكر الأخبار والمناقب بما يسمّونه الشعر القصصي، ولم يترك فضيلة لأمير المؤمنين(عليه السلام)
إلاّ نظم فيها كما مرّ، وكان معظّما عند ملوك عصره من بني العباس في قوّة سلطانهم وتشدّدهم على أتباع العلويّين ومعاقبتهم بالحبس والنفي والقتل من هو أهون حالاً وأشدّ تستّراً من السيّد، مثل المنصور والمهدي والرشيد الذين هم من أشدّ بني العباس في ذلك، ومع هذا كانوا يتغاضون عنه خوفاً من لسانه ورعاية لمكانه.
أبواه خارجيان وهو شيعيّ:
في الأغاني بسنده عن إسماعيل بن الساحر راوية السيّد: أنّ أبويّ السيّد كانا أباضيّين، وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبّة، وكان السيّد يقول: «طالما سبّ أمير المؤمنين في هذه الغرفة. فإذا سئل عن التشيّع من أين وقع له؟ قال: غاصت عليّ الرحمة غوصاً».
وقال إسماعيل بن الساحر راويته :كنت عنده يوماً في جناح له فأجال بصره فيه ثُمّ قال: يا إسماعيل طالما والله شُتم أمير المؤمنين علي في هذا الجناح، قلت: ومن كان يفعل ذلك؟ قال: أبواي.
وروي عن السيّد أنّ أبويه لمّا علما بمذهبه همّا بقتله فأتى عقبة بن مسلم بن المهنا فأخبره بذلك فاجاره وبوّأه منزلاً وهبه له، فكان فيه حتّى ماتا ]أبواه [فورثهما. انتهى.
وقال المرزباني في تلخيص أخبار شعراء الشيعة المقدّم ذكره: كان أبواه يبغضان عليّاً(عليه السلام) فسمعهما يسبّانه بعد صلاة الفجر فقال:
لعن الله والديّ جميعاً ثُمّ أصلاهما عذاب الجحيم
حُكما غُدوةً كما صلّيا الفجـ ـر بلعن الوصيّ باب العلوم
لعنا خير مَن مشي فوق ظهر الأ رض أو طاف محرماً بالحطيم
كفرا عند شتم آل رسول الـ ـلّه نسل المهذّب المعصوم
والوصيّ الذي به تثبت الأر ض ولولاه دكدكت كالرميم
ثُمّ مضى إلى عقبة بن مسلم فخبّره الخبر فنقله إليه ووهب له داراً وفرشها له وأخدمه وقام بأموره.
وقيل: أنّه شرح حاله للأمير فقال: إنّ أُمّي كانت توقظني في الليل وتقول: إنّي أخاف أن تموت على مذهبك فتدخل النار فلا أُجيبها فجعلت تنغص على المطعم والمشرب. ومن شعره فيها:
وكم من خصيم لا مني في هواهم وعاذلة هبت بليل تونب
تقول ولم تقصد وتعتب ضلّة وآفة أخلاق النساء التعتّب
فأنت غريب فيهم متباعد كأنّك ممّا يتقونك أجرب
تعيبهم في دينهم وهم بما تدين به أزرى عليك وأعيب
فقلت دعيني لن أحبر مدحة لغيرهم ما حجّ الله أركب
أتنهينني عن حبّ آل محمّد وحبّهم ممّا به أتقرّب
وحبّهم مثل الصلاة وأنّه على الناس من بعض الصلاة لأوجب
قال: وكنت صبيّاً فإذا سمعتهما يثلبان علي(عليه السلام) خرجت عنهما وأبقى جائعاً وأُوثر ذلك على الرجوع، إليهما فأبيت في المساجد جائعاً لحبّي فراقهما وبغضي إيّاهما، فإذا أجهدني الجوع دخلت فأكلت ثُمّ خرجت، فلمّا كبرت قليلاً ابتدأت أقول الشعر فخرجت عنهما وكتبت إليهما:
خِف يا محمّد فالق الإصباح وأزل فساد الدين بالإصلاح
أتسبُّ صنوَ محمّد ووصيّه ترجو بذاك الفوز بالإنجاح؟!
هيهات قد بعدا عليك وقرّبا منك العذاب وقابض الأرواح
أغويت أُمّي وهي جدّ ضعيفة فجرّت بقاع الغيّ جري جماح
بالشتم للعلم الإمام ومن له إرث النبيّ بأوكد الإيضاح
فتواعدني بالقتل فأتيت الأمير عقبة بن مسلم فكان من أمري ما كان. (انتهى).
اعتقاده بمذهب الكيسانيّة، ثُمّ رجوعه إلى مذهب الإماميّة:
الكيسانيّة: هم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفية وأنّه المهديّ المنتظر، وأنّه حي في جبل رضوى بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان يجريان بماء وعسل، وأنّه يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وقال المرزباني في النبذة المختارة من تلخيص أخبار شعراء الشيعة، كان السيّد «رحمه الله» يرى رأي الكيسانيّة في محمّد بن الحنفيّة . . .
وقال: إنّه تاب بعد ذلك وقال:
تجعّفرت باسم الله والله أكبر وأيقنت أنّ الله يعفو ويغفر
ودنت بدين غير ما كنت دائناً به ونهاني سيّد الناس جعفر
وفي الإرشاد: أن السيّد إسماعيل بن محمّد الحميريّ رجع عن مذهب الكيسانيّة لما بلغه إنكار أبي عبد الله(عليه السلام) قوله ودعاؤه إلى القول بنظام الإمامة، وقال يمدحه وذكر الأبيات:
إذا ما هداك الله عاينت جعفراً فقل لوليّ الله وابن المهذب
ألا يا وليّ الله وابن وليّه أتوب إلى الرحمن ثُمّ تأوبي
إليك من الذنب الذي كنت مبطناً أجاهد فيه دائباً كلّ معرب(1)
وفي هذا الشعر دليل على رجوع السيّد عن مذهب الكيسانيّة وقوله بإمامة الصادق(عليه السلام). «انتهى».
1) الإرشاد ٢: ٢٠٦.
وفي فوات الوفيات للكتبي: كان السيّد الحميري يرى رجعة محمّد بن الحنفيّة في الدنيا، وكان كثير الشاعر يرى هذا الرأي، وكان السيّد يعتقد أنّ ابن الحنفيّة لم يمت وأنّه في جبل بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضّاختان يجريان بماء وعسل ويعود بعد الغيبة فيملأ الدنيا عدلاً كما مُلئت جوراً، ويقال: أنّ السيّد اجتمع بجعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) فعرفه خطأه وأنّه على ضلالة فتاب. «انتهى».
ترحّم الإمام الصادق(عليه السلام) عليه:
في الأغاني قال: . . . عن فضيل الرسان قال: دخلت على جعفر بن محمّد أعزّيه عن عمّه زيد ثُمّ قلت له: ألا أُنشدك شعر السيّد؟ فقال: أنشد، فأنشدته قصيدة يقول فيها:
فالناس يوم البعث رايتهم خمس فمنها هالك أربع
قائدهم العجل وفرعونهم وسامري الأمّة المفظع
ومارق من دينه مخرج أسود بعد لكع أكوع
وراية قائدها وجهه كأنّه الشمس إذا تطلع
فسمعت نحيباً من وراء الستور فقال: من قائل هذا الشعر؟ فقلت السيّد، فقال: رحمه الله،.
وعن عباد بن صهيب قال: كنت عند جعفر بن محمّد، فأتاه نعيّ السيّد فدعا له وترحّم عليه، فقال رجل: يا ابن رسول الله تدعو له وهو يشرب الخمر ويؤمن بالرجعة! فقال: حدّثني أبي عن جدّي أنّ محبّي آل محمّد لا يموتون إلاّ تائبين، وقد تاب ورفع مصلّى كان تحته فأخرج كتاباً من السيّد يعرّفه فيه أنّه قد تاب ويسأله الدعاء له.
أخباره:
أدرك السيّد الحميريّ خمسة من ملوك بني العباس: السفّاح والمنصور أخاه والمهدي بن المنصور والهادي بن المهدي والرشيد بن المهدي، وتوفي في خلافة هارون الرشيد.
وفي تلخيص أخبار شعراء الشيعة: أنّه كان حسن الحال عند المنصور يطلق لسانه بما أراد، فلمّا ظهر محمّد وإبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن، أمره ]المنصور [أن يقتصد في القول ويدع ما كان عليه من المغالاة في وصف الطالبيّين!!
وفي تلخيص أخبار شعراء الشيعة للمرزباني: قيل أنّه مرّ بقوم يتناظرون في التفضيل، فوقف عليهم فقال بعضهم: هذه طبقة دون طبقتك، فقال:
صدقت إلاّ أنّي كما قال جميل:
فقالت لنا قولاً فرددنا جوابه لكلّ كلام يا بثين جواب
ثُمّ أنشأ يقول:
أقول لأهل العمى الحائرينا من السامريّين والناصبينا
وجيراننا الطاعنين الذين على خير من دبّ نفساً ودينا
سوى الأنبياء مع الأوصياء من الأولين مع الآخرينا
لعمري لئن كان للسابقين وسيلة فضل على التابعينا
لقد كان للسباق السابقين عليهم من الفضل ما تدعونا
لقد فضّل الله آل الرسول كفضل الرسول على العالمينا
قال: فرجع أكثر أولئك عمّا كانوا عليه إلى تفضيل أمير المؤمنين(عليه السلام).
وعن الصولي أنّه قال أبو العيناء للسيّد: بلغني أنّك تقول بالرجعة! قال: هو ما بلغك، قال: أعطني ديناراً بمائة دينار إلى الرجعة، قال السيّد: على أن توصي لي
بمن يضمن أنّك ترجع إنساناً! أخاف أن ترجع قرداً أو كلباً فيذهب مالي.
وفي الأغاني بسنده عن الحسن بن علي بن حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال: كنّا جلوساً عند أبي عمرو بن العلاء فتذاكرنا السيّد، فجاء فجلس وخضنا في ذكر الزرع والنخل والساعة، فنهض فقلنا: يا أبا هاشم ممّ القيام؟ فقال:
إني لأكره أن أطيل بمجلس لاذكر فيه لفضل آل محمّد
لاذكر فيه لأحمد ووصيّه وبنيه ذلك مجلس قصف ردي
إنّ الذي ينساهم في مجلس حتّى يفارقه لغير مسدّد
وفي الأغاني بسنده: كان السيّد إذا استنشد شيئاً من شعره لم يبدأ بشيء إلاّ بقوله:
أجد بآل فاطمة البكور فدمع العين منهمر غزير
أشعاره في أهل البيت(عليهم السلام):
قد عرفت أنّ بعضهم جمع له في بني هاشم ألفين وثلثمائة قصيدة ولم يستوف شعره فيهم، وأنّ له فيهم(عليه السلام) ألفاً ومئتي قصيدة كانت تحفظ بنات له كلّ واحدة أربعمائة قصيدة منها، وأنّ بعضهم قال: إنّها على حرف الميم قط، عدا ما كان على غيره من الحروف، وإنّه لم يترك فضيلة لأمير المؤمنين(عليه السلام) إلاّ نظم فيها شعراً، وقد ذهبت الأيّام بهذه القصائد وبديوانه الذي كان معروفاً محفوظاً! ولم يبق من ذلك إلاّ ما كان في تضاعيف الكتب والمؤلّفات(1).
1) أعيان الشيعة ٣: ٤٠٥ ـ ٤١٨.
جاء في كتاب «أعيان الشيعة»:
أمّ الأسود بنت أعين بن سنسن الشيبانية بالولاء، أخت زرارة بن أعين، في الخلاصة: أمّ الأسود بنت أعين عارفة، قاله: علي بن أحمد العقيقي، وهي التي اغمضت زرارة. «انتهى».
وذكرها أبو غالب الزراري أحمد بن محمّد بن سليمان في رسالته إلى ابن ابنه محمّد بن عبد الله بن أحمد في آل أعين.. فقال عند ذكر أبناء أعين، ولهم أخت يقال لها أمّ الأسود، ويقال: أنّها أوّل من عرف هذا الأمر (يعني التشيّع) منهم من جهة أبي خالد الكابلي «انتهى».
ويظهر من كلام الشهيد الثاني في شرح الدراية عند ذكر الإخوة والأخوات من العلماء والرواية في مثال الثمانية، أنّها من العلماء والرواة مع إخوتها وأنّها تروي عن الصادق(عليه السلام)(1).
1) أعيان الشيعة ٣: ٤٧٥.
ولد عام ١٣٩٧هـ (١٩٧٧م) في مدينة السماوة بالعراق، واستبصر عام ١٤١٨هـ (١٩٩٨م) في كلار - السليمانيّة - وكان من أسباب استبصاره - حسب قوله - قراءة كتب السيّد مرتضى العسكري مثل (معالم المدرستين)، و(أحاديث أمّ المؤمنين) و(مائة وخمسون صحابي مختلق) كذلك وكتب الدكتور التيجاني السماوي بالأخص كتاب (ثمّ اهتديت) وكتاب (فاسألوا أهل الذكر).
كما أنّه تأثّر كثيراً بمحاضرات المنبر الحسيني للشيخ الوائلي، وكان لهذه المحاضرات دور كبير في انجذابه نحو مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
الصحابة ورزيّة يوم الخميس:
قرأ «أمانج حسن فتّاح» في كتاب (ثمّ اهتديت) للتيجاني السماوي أنّ مجمل قصّة رزيّة الخميس هي: أنّ الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل وفاته ثلاثة أيّام، فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة ليكتب لهم كتاباً يعصمهم من الضلالة، ولكن الصحابة اختلفوا بينهم، فمنهم من عصى أمره واتّهمه بالهجر، فغضب رسول الله وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شيئاً.
قال ابن عبّاس: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتدّ برسول الله وجعه،
فقال هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده. فقال عمر: إنّ النبيّ قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.
فاختلف أهل البيت واختصموا، منهم ما يقول: قرّبوا يكتب لكم النبيّ كتاباً لا تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر.
فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ، قال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا عنّي، فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
استغرب «أمانج حسن فتّاح» من قول عمر بن الخطاب حول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله»(1).
والأغرب من ذلك قول عمر بن الخطاب لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما شأنه أهجر، استفهموه، يهجر، ليهجر»(2).
وقال ابن الأثير(3)في تعيين القائل «ما شانه أهجر»: «ومنه حديث مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) «قالوا: ما شأنه أهجر» (أي اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام)، أي تغيّر كلامه واختلط لأجل ما به من مرض؟ وهذا أحسن ما يقال فيه، ولا يجعل إخباراً فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان، والقائل كان عمر ولا يظنّ به ذلك(4).
وقال ابن الجوزي: «فقال عمر: دعو الرجل فإنّه ليهجر»(5).
وقال أبو بكر الجوهري في كتابه (السقيفة وفدك)، وعنه ابن أبي الحديد في شرح النهج: «فقال عمر كلمة معناها أنّ الوجع قد غلب على رسول الله، ثمّ قال: عندنا القرآن حسبنا كتاب الله»(1).
وقد نسأل: لماذا ترك رسول الله كتابة الكتاب الذي يعصم الناس من الضلال، وهل كان في هذا الكتاب شيء جديد لما تركه النبيّ، لأنّه مأمور بتبليغ أوامر الله، كما أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بلّغ كلّ شيء يرتبط بالدين كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.
الجواب: أنّ الرسول كان مأمور بإبلاغ الناس ما أراد كتابته، ولكنّ الصحابة الذين كانوا حول الرسول منعوا النبيّ من كتابته، ولا يخفى أنّ الرسول لم يرد قول شيء جديد وإنّما أراد أن يؤكّد قبل وفاته على التمسّك بالقرآن والعترة وسيّد العترة هو الإمام علي بن أبي طالب، وعرف عمر بن الخطاب مقصود الرسول ; لهذا منع الرسول من هذا التأكيد، وقال: «حسبنا كتاب الله».
وهذا ما يبيّن بأنّه ومن حوله من الصحابة كان قرارهم تهميش العترة عن الساحة الاجتماعية، وبهذا سجّل الصحابة مخالفة علنيّة إزاء ما طلب منهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
اتّباع الحقّ:
إلمام «أمانج حسن فتّاح» بالحقائق دفعه للإعراض عن العقائد الباطلة التي كان يقدّسها نتيجة تقديس من حوله لها، ووجد «أمانج حسن فتّاح» بأنّ الأدلّة والبراهين تدفعه لاتّباع أهل البيت(عليهم السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والإعراض عن الصحابة الذين خالفوا أوامر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) واتّبعوا أهواءهم في الإعراض عن
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦: ٥١.
وصيّته في الإمام علي(عليه السلام).
وحاول «أمانج حسن فتّاح» بعد الاستبصار أن يبيّن الحقائق للآخرين من خلال عقد جلسات تجري فيها حوارات عقائديّة وعلميّة ويذكر فيها فضائل أهل البيت(عليهم السلام) ونتيجة لذلك تأثّر البعض في هذه المجالس واستبصروا بالحقائق.
كما كان يعقد «أمانج حسن فتّاح» جلسات في بيته لقراءة دعاء كميل في ليالي الجمعة، وزيارة الإمام الحسين(عليه السلام)، وكان دأبه تبيين الحقائق الدينيّة للآخرين.
الصورة
وكيف يسمح الإنسان لنفسه الإعراض عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بعد إلمامة بما قاله القرآن والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّهم؟!
ويا ترى من هو معاوية؟ ومن أبوه أبو سفيان؟ ومن أُمّه هند؟
فهو الطليق ابن الطليق، وهو الذي أمضى شبابه في تحشيد الجيوش لمحاربة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والقضاء على دعوته بكلّ جهوده، فلمّا كتب الله النصر لرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) اسلم رغم أنفه.
وبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حاول أبوه أبو سفيان الاصطياد بالماء العكر وإثارة الفتنة والقضاء على الإسلام، وبدأ يحرّض الإمام علي(عليه السلام) ضدّ أبي بكر وعمر، ولكنّ الإمام علي(عليه السلام) عرف نواياه السيّئة ولم يسمح له أن يحقّق مآربه المغرضة ضدّ الإسلام والمسلمين.
ولمّا آل أمر الخلافة لعثمان، قال أبو سفيان: «تلقّفوها تلقّف الكرة يا بني أميّة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ليس هناك جنّة ولا نار»(1).
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس: أنّ أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي فقال: هل هنا أحد؟
فقالوا: لا.
فقال: اللّهم أجعل الأمر أمر جاهليّة، والملك ملك غاصبيّة، واجعل أوتاد الأرض لبني أمية(2).
وعندما وقعت ولاية الشام بيد معاوية وبعد محاربته الإمام علي(عليه السلام) وسفك دماء المسلمين من أجل التسلّط على رقاب المسلمين وقعت بيده السلطة بعد فترة من استشهاد الإمام علي(عليه السلام) فهيمن بالقهر والقوّة، وفعل ما فعل، وبدأ يحارب
رسالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فبقيت آثار أفعاله موجودة في عقائد أتباع أهل السنّة إلى يومنا هذا.
معاوية وابتغائه دفن ذكر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):
روى الزبير بن بكّار عن مطوف بن المغيرة بن شعبة الثقفي قال: دخلت مع أبي على معاوية فكان أبي يأتيه ويتحدّث عنده ثمّ ينصرف إليّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب ممّا يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء فرأيته مغتمّاً، فانتظرته ساعة وظننت أنّه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: مالي أراك مغتّماً منذ الليلة؟
قال: يا بني إنّي جئت من عند أخبث الناس.
قلت له: وماذاك؟
قال: قلت لمعاوية وقد خلوت به: إنّك قد بلغت مُناك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً، فإنّك قد كبرت ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه.
فقال لي: هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه ملك أخوتيم فعدل وفعل ما فعل فما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: عمر، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعمل به، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به، وإنّ أخا هاشم يُصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، فأيّ عمل وأيّ ذكر يبقى مع هذا؟ لا أمّ لك، والله إلاّ دفناً دفناً(1).
1) مروج الذهب ٣: ٤٥٤.
فهذه حقيقة معاوية ولكنّه إن لم يجرأ المسّ بشخصيّة الرسول فقد أمر بسبّ أمير المؤمنين علي(عليه السلام) على المنابر وفي كلّ صلاة.
وقد ورد أنّ معاوية لعن عليّاً على المنبر، وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر ففعلوا.
فكتبت أمّ سلمة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى معاوية: إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك إنّكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله فلم يلتفت معاوية إلى كلامها(1).
وورد حدّثنا علي بن محمّد، حدثنا أبو معاوية، حدثنا موسى بن مسلم، عن ابن سباط - وهو عبد الرحمن - عن سعد بن أبي وقّاص، قال: لمّا قدم معاوية في بعض حجّاته فدخل عليه، فذكروا عليّاً، فنال منه، فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله يقول: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وسمعته يقول: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» وسمعته يقول: «لأعطينّ الراية اليوم رجلاً يحبّ الله ورسوله»(2).
وملخّص القول أنّ معاوية مؤسّس الدولة الأمويّة بذل غاية جهده لإخفاء فضائل أهل البيت(عليهم السلام) والتنقيص منهم، وليس أهل السنّة إلاّ من ساروا على نهج معاوية في هذا المجال، ومنهم معاوية واضح من سلوكه وتصرّفاته، فهو ابن من أراد القضاء على الإسلام فلم يفلح، فواصل معاوية مخطّطه ولكن بشكل جديد، وبلباس النفاق، وهو وإن لم يتمكّن من القضاء على الإسلام بشكل كامل لكنّه حرّف الكثير من عقائده وليس أهل السنّة إلاّ ضحايا هذا التحريف.
ثمّ جعل معاوية مكانه ولده يزيد ليكمل مخطّط القضاء على الإسلام، فبدأ
يزيد بقتل الإمام الحسين(عليه السلام) سيّد شباب أهل الجنّة وريحانه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وكلّ من كان معه من رجال أهل بيته حتّى أخذت حرائر أهل البيت سبايا، ثمّ استباح مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لجيشه الكافر ففعل فيها ما فعل طيلة ثلاثة أيّام، وقتل فيها عشرة آلاف من خيرة الصحابة، كما أنّه رمى الكعبة بالمنجنيق ولم يُبقى لها حرمة.
وهو الذي تمثّل بقول ابن الزّبعري الذي أنشده بعد واقعة أُحد قائلاً:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالمُلك فلا خبرٌ جاء ولا وحي نزل(1)
وعندما يتأمّل الباحث يجد أنّ مذهب أهل السنّة مذهب تدخّلت أيدي هؤلاء الحكّام لتحريفه، وذلك سيدعوه إلى الشكّ في صحّة معتقداته الإسلاميّة.
ولكن عقيدة أهل البيت(عليهم السلام) عقيدة نقيّة، وصلت إلينا عبر أناس وقفوا بوجه طغيان الحكّام الظلمة، وحفظوا التراث الأصيل بكلّ وجودهم، فهذا التراث أحقّ بالاتّباع ; لأنّه هو الإسلام الحقيقي.
وهذه هي القناعة التي وصل إليها «باسم عبد المنعم» فأعلن استبصاره من دون تردّد، وحاول أن يوفّر لنفسه الأجواء المناسبة التي تمتّن علاقته بأهل البيت(عليهم السلام)فواصل الحضور في المجالس الحسينيّة، والإصغاء إلى المحاضرات الإسلاميّة التي تُلقى فيها ; لأنّه كان يجدها تغذّيه بالمعنويّة إضافة إلى أنّها تمتلك الغذاء العلمي والفكري والثقافي الذي يُغني العقل والقلب والنفس.
1) تاريخ الطبري ٨: ١٨٧.
جاء في كتاب «بحار الأنوار»:
عن هشام بن الحكم، عن (جائليق) من جثالقة النصارى يقال له «بريهة»، قد مكث «الجاثليق» في النصرانية سبعين سنة، فكان يطلب الإسلام ويطلب من يحجّ عليه ممّن يقرأ كتبه ويعرف المسيح بصفاته ودلائله وآياته.
قال: وعرف بذلك حتّى اشتهر في النصارى والمسلمين واليهود والمجوس حتّى افتخرت به النصارى وقالت: لو لم يكن في دين النصرانية إلاّ «بريهة» لأجزأنا، وكان طالباً للحقّ والإسلام مع ذلك، وكانت معه امرأة تخدمه طال مكثها معه، وكان يسرّ إليها ضعف النصرانية وضعف حجّتها.
قال: فعرفت ذلك منه فضرب «بريهة» الأمر ظهراً لبطن وأقبل يسأل عن أئمّة المسلمين وعن صلحائهم وعلمائهم وأهل الحجى منهم، وكان يستقري فرقة فرقة لا يجد عند القوم شيئاً.
وقال: لو كانت أئمّتكم أئمّة على الحقّ لكان عندكم بعض الحقّ، فوصفت له الشيعة ووصف له هشام بن الحكم.
فقال يونس بن عبد الرحمن: فقال هشام: بينما أنا على دّكاني على باب
الكرخ جالس وعندي قوم يقرؤون عليّ القرآن، فإذا أنا بفوج النصارى معه ما بين القسّيسين إلى غيرهم نحو من مائة رجل عليهم السواد والبرانس، والجاثليق الأكبر فيهم «بريهة» حتّى نزلوا حول دكاني، وجعل «لبريهة» كرسيّ يجلس عليه، فقامت الأساقفة والرهبنة على عصيّهم، وعلى رؤوسهم برانسهم.
فقال «بريهة»: ما بقى في المسلمين أحد ممّن يذكر بالعلم والكلام إلاّ وقد ناظرته في النصرانية فما عندهم شيء فقد جئت أناظرك في الإسلام، فجرت محاورة بين «بريهة» وهشام فغلبه هشام.
قال: فرجع «بريهة» مغتمّاً مهتمّاً حتّى صار إلى منزله.
فقالت امرأته التي تخدمه: مالي أراك مهتمّاً مغتمّاً؟
فحكى لها الكلام الذي كان بينه وبين هشام.
فقالت «لبريهة»: ويحك أن تكون على حقّ أو على باطل؟
قال «بريهة»: بل على الحقّ.
فقالت له: أينما وجدت الحقّ فمل إليه، وإيّاك واللجاجة فإنّ اللجاجة شكّ، والشكّ شؤم وأهله في النار.
قال: فصوّب قولها وعزم على الغدو على هشام.
قال: فغدا إليه وليس معه أحد من أصحابه، فقال: يا هشام ألك من تصدر عن رأيه فترجع إلى قوله وتدين بطاعته؟
قال هشام: نعم «يا بريهة» ذلك هو أبو عبد الله(عليه السلام).
فارتحلا حتّى أتيا المدينة والمرأة معهما وهما يريدان أبا عبد الله(عليه السلام)، فلقيا موسى بن جعفر(عليه السلام) فحكى له هشام الحكاية، فلمّا فرغ قال موسى بن جعفر(عليه السلام): «يا بريهة» كيف علمك بكتابك؟
قال: أنا به عالم.
قال: «كيف ثقتك بتأويله»؟
قال: ما أوثقني بعلمي به.
قال: فابتدأ موسى(عليه السلام) يقرأ الإنجيل.
قال «بريهة»: والمسيح لقد كان يقرؤها هكذا، وما قرأ هذه القراءة إلاّ المسيح.
قال «بريهة»: إيّاك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك، قال: فآمن وحسن إيمانه و، وآمنت المرأة وحسن إيمانها.
قال: فدخل هشام و«بريهة» والمرأة على أبي عبد الله(عليه السلام) فحكى هشام الحكاية والكلام الذي جرى بين موسى(عليه السلام) و«بريهة» فقال أبو عبد الله(عليه السلام): ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1).
قال «بريهة»: جعلت فداك أنّى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟
قال: «هي عندنا وراثة من عندهم، نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما قالوها، إنّ الله لا يجعل حجّة في أرضه يسأل عن شيء فيقول لا أدري».
فلزم «بريهة» أبا عبد الله(عليه السلام) حتّى مات أبو عبد الله(عليه السلام)، ثُمّ لزم موسى بن جعفر(عليه السلام) حتّى مات في زمانه، فغسّله وكفّنه بيده، وقال: هذا حواريّ من حواري المسيح يعرف حقّ الله عليه، فتمنّى أكثر أصحابه أن يكونوا مثله(2).
ولدت عام ١٣٧٧هـ (١٩٥٨م) في مدينة «خانقين» بالعراق، وتربّت في أُسرة شافعية المذهب.
ثمّ أحسّت أنّها - وبعد مضي أكثر من ثلاثة عقود ونصف من عمرها - لم تصل إلى النتيجة المرتقبة دينيّاً من خلال تعاليم مذهبها في تلك المدّة، فقامت لفترة من الزمن بالبحث والتحقيق في كتب الطائفة الشيعيّة، فتأثّرت بـ«تفسير الميزان» للعلاّمة الطباطبائي(رحمه الله) ومؤلّفات الدكتور التيجاني تاثيراً بالغاً، كما تأثّرت بالمحاضرات والمجالس الحسينيّة التي تقام في شهر محرّم الحرام، فكان لهذه المجالس الدور الكبير في رحلتها إلى الهدى.
امتيازات كتب التيجاني:
إحدى الخصال الجيّدة التي امتازت بها كتب التيجاني تبويب المواضيع بصورة منظّمة، فإنّه في كتابه «لأكون مع الصادقين» - مثلاً - يضع الموضوع والإشكال من قبل أهل السنّة على طاولة البحث أوّلاً، ثمّ يقوم بالإجابة عليه من كتاب الله ثمّ من المصادر المعتبرة عندهم، وهي سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الصحاح والمسانيد السنّية، ويتطرّق أحياناً إلى طرح القصص التأريخية المرتبطة بتلك الواقعة من كتب السير والتاريخ، ولعلّ ترتيبه المناسب هذا، إضافة إلى المضامين
والاستدلالات المتقنة، وتنوّع المواضيع مع اتحادها نسقاً، هو الذي يدعو الباحث إلى قراءة هذه الكتب والاستفادة منها.
الجمع بين الصلاتين:
على سبيل المثال عندما يتّجه البحث نحو موضوع «الجمع بين الصلاتين» يذكر الإشكال الموجه ضد الشيعة واستدلال أهل السنّة بالآية الكريمة إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا(1)على وجوب التفريق بين الصلاتين، وذلك عملاً بمقتضاها الذي يدلّ على أنّ لكلّ صلاة وقتاً خاصاً لا يجامع وقت غيرها من الصلوات.
ثمّ يذكر استثناءً للحكم وهو إجماع الأمّة الإسلاميّة على جواز الجمع بعرفة بين الظهر والعصر، وبالمزدلفة بين المغرب والعشاء.
ثمّ يسلّط الضوء على نقطة الخلاف الجوهرية وهي جواز الجمع بين الفريضتين طيلة أيّام السنّة وبدون أيّ عذر.
فانّ الحنفية تقول بعدم جواز الجمع حتّى في السفر، وتخالف بذلك المذاهب السنّية الأُخرى والمذهب الشيعي.
وأمّا المالكية والشافعية والحنابلة فإنّهم يقولون بجواز الجمع في السفر، ويختلفون فيما بينهم في جوازه لعذر كالخوف والمرض والمطر.
وأمّا الشيعة الإماميّة، فهم متّفقون على جواز الجمع مطلقاً حتّى مع عدم الخوف والسفر والمطر، وذلك استناداً إلى الروايات الواردة عن العترة الطاهرة(عليهم السلام)في هذا المجال.
ولكنّ التيجاني وحيث إنّه في مقام الاحتجاج مع أهل السنّة يغضّ النظر عن ذكر هذه الروايات، لأنّهم لم يلزموا بها أنفسهم كحجّة عليهم، وإنّما ألزمهم بما
1) النساء (٤): ١٠٣.
يقرّون بصحّته(1)، فذكر طائفة من الروايات الموجودة في كتبهم المعتبرة ضمن قصّة لطيفة يذكر فيها أوّل صلاة جمع فيها بين الظهر والعصر واقتناعه باستدلالات السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر(رحمه الله) على جواز الجمع.
فمن الأحاديث الدالّة على جواز الجمع ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عبّاس، قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر(2).
كما أخرج عن ابن عبّاس أيضاً أنّه قال: صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر(3).
إلى غير ذلك من الروايات الموجودة فى كتبهم(4).
ثمّ ينقل «التيجاني» شواهد من سيرة المسلمين على الجمع بين الصلاتين:
منها ما أخرجه البخاري قال: سمعت أبا أمامة يقول: صلّينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثمّ خرجنا حتّى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلّي العصر، فقلت: يا عمّ، ما هذه الصلاة التي صلّيت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)التي كنّا نصلّي معه(5).
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عبّاس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة، الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة،
1) وذلك استناداً إلى ما روي عن الإمام الكاظم(عليه السلام): ألزموهم بما ألزموا أنفسهم، الاستبصار ٤: ١٤٧.
2) صحيح مسلم ٢: ١٥٢.
3) صحيح مسلم ٢: ١٥١، والموطأ: ١٤٤.
4) صحيح مسلم باب الجمع بين الصلاتين في الحضر ٢: ١٥٢، وفيه عدّة أحاديث، صحيح البخاري باب تأخير الظهر إلى العصر ١: ١٣٧، سنن الترمذي ١: ٨٤، وغير ذلك.
5) صحيح بخاري ١: ١٣٨.
فقال ابن عبّاس: أتعلّمني بالسنّة لا أُمّ لك، ثمّ قال: رأيت رسول الله جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد الله بن شقيق (راوي الخبر): فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدّق مقالته(1).
الوصول إلى المبتغى:
بعد البحث والتحقيق أحسّت «بسيمة» أنّها وصلت إلى ما كانت ترجوه وتتمنّاه من الاقتناع التام دينيّا، وأنهت مطافها متمسّكة بنور النبيّ الكريم وأهل بيته الطيبين الطاهرين، وكان تاريخ استبصارها عام ١٤١٤هـ (١٩٩٤م) في مدينة «كلار».
1) صحيح مسلم ٢: ١٥٢.
ورد في كتاب «دار السلام»:
روي عن عبد الله بن المبارك قال: لمّا قضيت مناسك حجّي في بعض السنين زرت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فرأيته في المنام فقال لي: إذا دخلت الكوفة بلّغ «بهرام المجوسي» عنّي السلام وقل له: إنّي أشفعك في يوم القيامة.
فلمّا دخلتها أتيت إليه وسأله عمّا عمله من الحسنات حتّى صار مورداً لتلطّف سيّد البريّات؟
فقال: كان لي بنون وبنات زوّجتهم بهنّ.
فقال: قل أحسن من هذا.
فقال: كان لي زنار عيّنته لكُلّ ولد لي يبلغ فيشدّه في وسطه.
فقال: هل فعلت حسنة في ديننا؟
فقال: نعم كانت في جواري امرأة لها أولاد أيتام دخلت ليلة في داري، وأوقدت مصباحاً وخرجت وأطفئت السراج ورجعت، فارتبت في أمرها، فخرجت في إثرها فرأيتها لمّا دخلت دارها، قال لها أولادها: ما أقدمت لنا؟
فقالت: استحييت أن أشكو الحبيب عند العدوّ.
فعلمت أنّهم محتاجون إلى الطعام، فجمعت كلّ ما كان عندي وملأت به طبقاً وارسلته إليها.
فقال عبد الله: هذا ما كنت أطلبه فابشر إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقرئك السلام ووعدك الشفاعة يوم القيامة، فبكى «بهرام» أسفاً على عمره الذي مضى في غير الإسلام.
فقال: لا يضيع في دينكم خير واحد فأعرض عليّ الإسلام فإنّ الدخول فيه واجب على كلّ أحد(1).
1) دار السلام فيما يتعلّق بالرؤيا والمنام ٢: ١٩٥.
الصورة
ولد عام ١٣٨٧هـ (١٩٦٨م) في مدينة «الموصل» بالعراق، ونشأ في أُسرة حنفيّة المذهب، ثمّ استبصر عام ١٤٠٦هـ (١٩٨٩م) نتيجة تأثّره بالثورة الإسلاميّة الإيرانية.
ومن الكتب التي تأثّر بها في استبصاره كتاب «عقائد الإماميّة» للشيخ محمّد رضا المظفّر، وكتاب «المراجعات» للعلاّمة شرف الدين، وكتاب «ثمّ اهتديت» للدكتور التيجاني السماوي.
الصحابة وتحريف الشريعة:
كان ينظر «بشّار» إلى الصحابة نظرة تقديس وإجلال، ولكنّه بمرور الزمان ونتيجة البحث واجه أدلّة وبراهين غيّرت وجهة نظره في هذا المجال.
ومن الأمور الملفتة للنظر في هذا المجال أنّ الصحابة غيّروا حتّى في الصلاة:
قال أنس بن مالك: ما عرفت شيئاً ممّا كان على عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)!
قيل: الصلاة.
قال: أليس ضيّعتم ما ضيّعتم فيها.
وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك «بدمشق» وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟
فقال: لا أعرف شيئاً ممّا أدركت إلاّ هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيّعت(1).
وقد يتصوّر البعض بأنّ التابعين هم الذين غيّروا وبدّلوا الأحكام الشرعيّة ومنها الصلاة، ولكن الواقع يكشف بأنّ أوّل من غيّر في الصلاة هو عثمان بن عفّان وأيضاً عائشة بنت أبي بكر.
أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما:
أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى بمنى ركعتين وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً من خلافته، ثمّ إنّ عثمان صلّى بعد أربعاً(2).
وأخرج أيضاً مسلم في صحيحه، قال الزهري: قلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ الصلاة في السفر؟
قال: إنّها تأوّلت كما تأوّل عثمان(3).
ولا غرابة فيما فعل عثمان بن عفان وقد غيّر الخليفة عمر بن الخطاب قبله في الشريعة، واجتهد مقابل النصوص الصريحة من سنن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل في مقابل النصوص الصريحة من القرآن الكريم منها: قال:
«متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما»(4)وقال لمن أجنب ولم يجد ماء: لا تصلّ! رغم قول الله تعالى في سورة المائدة: أَوْ
1) صحيح البخاري ١: ١٣٤، كتاب مواقيت الصلاة، الصلوات الخمس ٢: ٢٥٠. التعديل والتجريح ٢: ١٠١٦، البداية والنهاية ٩: ١٠٦.
2) صحيح البخاري ٢: ٣٥ كتاب تقصير الصلاة باب الصلاة بمنى، صحيح مسلم ٢: ١٤٦، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى.
3) صحيح مسلم ٢: ١٤٣، كتاب صلاة المسافرين، صحيح البخاري ٢: ٣٦، كتاب الكسوف، باب صلاة التطوع على الدواب.
4) انظر: المصنف لعبد الرزاق ٧: ٥٠٠ - ٥٠١، كنز العمال ١٦: ٥٢٠.
لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا(1). وأخرج البخاري في صحيحه في باب: «إذا خاف الجنب على نفسه» قال: سمعت شقيق بن سلمة قال: كنت عند عبد الله وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع؟ فقال عبد الله: لا يصلّي حتّى يجد الماء.
فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمّار حين قال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «كان يكفيك».
قال: ألم ترى عمر لم يقنع بذلك.
فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمّار، كيف تصنع بهذه الآية، فما درى عبد الله ما يقول.
فقال: إنّا لو رخّصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيممّ.
فقلت لشقيق: فإنّما كره عبد الله لهذا، قال نعم(2).
اتباع الأحقّ بالاتباع:
وجد «بشار» بعد البحث والمطالعة وتعرّفه على سلوك وتصرّفات الصحابة وإلمامه بمقام أهل البيت(عليهم السلام) وعظمة منزلتهم وما ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّهم، وبعد اطّلاعه على كيفية تعامل الصحابة مع أهل البيت(عليهم السلام) بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ الحقّ مع أهل البيت(عليهم السلام).
وأدرك «بشّار» بأنّ السلطات الجائرة السابقة روّجت مذهب أهل السنّة
دفاعاً عن مصالحها ومطامعها الدنيوية، وحرصاً للحفاظ على مآربها ومكانتها في السلطة، وقد زالت هذه السلطات وبقيت الأجيال اللاحقة على ما وجدت عليه السلف من منطلق التبعية العمياء، ومن منطلق حبّ الراحة وعدم الرغبة في التضحية، لأنّ تغيير هذا الكم الهائل من الانحراف يحتاج إلى جهاد وتضحية وإيثار ونضال.
والناس عموماً عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يدورونه ما دارت معائشهم، فإذا محّصوا بالبلاء، قلّ الديّانون.
ويرى «بشّار» بأنّ الظروف الصعبة التي مرّ فيها منحته القدرة ووفّرت له الأرضية النفسية المناسبة لتقبّل التغيير والاستعداد للتضحية في سبيل العقيدة، وهذه هي سنّة الله في الأُمم، فإنّه تعالى يمحّص الأُمم بالبلاء، فإذا وجد فيهم الخير فتح عليهم أبواب السماء من منطلق الرحمة والخير والبركة، ولكن إذا وجد فيهم التمرّد والعصيان فإنّه سيمدّهم أيضاً بالدنيا ولكن من منطلق الاستدراج والمكر ليلهوا وينغمسوا في الشهوات فينسيهم الله أنفسهم كما نسوا لقاء يوم القيامة.
اللّهم ارزقني الثبات:
قد يعيش الإنسان حالة معنويّة تدفعه إلى الاستبصار بسهولة، ولكن إذا كان هذا التحوّل سهلاً في بدايته فإنّ الثابت عليه كالماسك على جمرة من نار، ويحتاج الإنسان المستبصر إلى الثبات والاستقامة في هذا الدرب المليء بالمصاعب، لأنّه سبيل ينتهي بصاحبه إلى الجنّة، وطريق الجنّة غير مفروش بالزهور، بل هو طريق ذات ا لشوكة وقال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(1).
1) العنكبوت (٢٩): ٢ - ٣.
الصورة
ولد عام ١٣٨٢هـ (١٩٦٣م) في «بغداد»، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب، وبعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران اهتمّ بمطالعة الكتب الشيعيّة من أجل التعرف على عقائدهم، ثمّ توصّل من خلال البحث إلى أحقّية مذهب التشيّع فأعلن استبصاره عام ١٤٠٦هـ (١٩٨٦م) وهو في إيران.
السبيل لمعرفة الله:
يقول «ثابت»: قرأت كتب الدكتور التيجاني السماوي فتأثّرت بها، ومن جملة البحوث التي تناولها الدكتور التيجاني في كتابه «فاسألوا أهل الذكر» موضوع رؤية الله تعالى، وقد يبدو هذا الموضوع يسيراً ولكنّه يمتاز بالأهميّة ; لأنّه يكشف الأسس التي يعتمد عليها الإنسان في معرفة الله، وإذا كانت معرفة الإنسان لله معرفة غير صحيحة فإنّها ستنتهي به إلى عواقب لا تحمد عقباها، وستترك هذه المعرفة الخاطئة أثرها السلبي على جميع أبعاد الإنسان العقائديّة الأخرى.
ويقول الله في كتابه العزيز: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ(1).
1) الأنعام (٦): ١٠٣.
وقال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيٌْ(1).
وقال تعالى لموسى لمّا طلب رؤيته: لَن تَرَانِي(2).
وعندما يلاحظ الباحث هذه الآيات يستغرب من الذين يقبلون الأحاديث المرويّة في صحيح البخاري وصحيح مسلم بأنّ الله يظهر لخلقه ويرونه كما يرون القمر ليلة البدر(3)، وأنّه ينزل إلى سماء الدنيا في كلّ ليلة(4)، ويضع قدمه في النار فتمتلىء(5)، وأنّه يكشف عن ساقه لكي يعرفه المؤمنون(6)، وأنّه يضحك ويتعجّب وغير ذلك من الروايات التي تجعل من الله جسماً متحرّكاً ومتحوّلاً ومتغيّراً، وله يدان ورجلان، وله أصابع خمسة، يضع على الأوّل منها السماوات، وعلى الإصبع الثاني الأرضين، وعلى الإصبع الثالث الشجر، وعلى الرابع الماء، وعلى الخامس بقيّة الخلائق(7)! وله دار يسكن فيها، ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) يستأذن للدخول عليه في داره ثلاث مرّات(8)تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون.
ولكنّنا عندما نقرأ أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) - وهم أئمّة الهدى ومصابيح الدجي - نجد فيها التنزيه الكامل لله سبحانه وتعالى عن المجانسة والمشاكلة والتصوير والتجسيم والتشبيه والتحديد.
1) الشورى (٤٢): ١١.
2) الأعراف (٧): ١٤٣.
3) انظر: صحيح البخاري ٧: ٢٠٥. كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر، صحيح مسلم ١: ١١٢ كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية.
4) انظر: صحيح البخاري ٢: ٤٧، كتاب التهجّد باب الدعاء والصلاة من آخر الليل. صحيح مسلم ٢: ١٧٥، كتاب صلاة المسافر، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.
5) صحيح البخاري ٨: ١٨٦، كتاب التفسير، باب (وتقول هل من مزيد).
6) صحيح البخاري ٨: ١٨٢، كتاب التفسير، باب يوم يكشف عن ساق.
7) صحيح البخاري ٦: ٣٣: كتاب التفسير، باب قوله: (وما قدروا الله حقّ قدره).
8) صحيح البخاري ٨: ١٨٣، كتاب التفسير، باب قوله: (وعلّم آدم الاسماء كلّها).
قال الإمام علي(عليه السلام): «الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادّون ولا يؤدّي حقّه المجتهدون، الذي لا يدركه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود... فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، من قال «فيم» فقد ضمّنه، ومن قال: «علام» فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه...(1).
والباحث الذي يطلّع على الكنوز المعرفيّة التي بيّنها الإمام علي(عليه السلام) حول معرفة الله فإنّه يشتاق إلى معرفة المزيد منها، وهذا ما يدفعه إلى اغتراف المزيد من المعرفة العلويّة، وكلّ من اندمج مع كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) وحرّر نفسه من العصبيّة فإنّه سيكون من أتباعه وشيعته.
ويقول التيجاني السماوي: «إنّي ألفت نظر الباحثين من الشباب المثقّفين إلى الكنوز التي تركها الإمام علي(عليه السلام) والتي جُمعت في «نهج البلاغة»، ذلك السفر القيّم الذي لا يتقدّمه إلاّ القرآن، والذي بقي مع الأسف مجهولاً لدى أغلبيّة الناس، نتيجة الإعلام والإرهاب والحصار المضروب من قبل الأمويّين والعباسيّين على كلّ ما يتّصل بعلي بن أبي طالب(عليه السلام).
ولست مبالغاً إذا قلت بإنّ في «نهج البلاغة»، كثيراً من العلوم والنصائح التي يحتاجها الناس على مرّ العصور، وفي نهج البلاغة علم الأخلاق وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وإشارات قيّمة في علم الفضاء والتكنولوجيا، إضافة إلى الفلسفة والسلوك والسياسة والحكمة»(2).
مقارنة بين عقيدة أهل السنّة وعقيدة الشيعة حول التوحيد:
يعتقد أهل السنّة في خصوص الله تعالى سبحانه ما يلازم التجسيم، فهو تعالى عندهم يُرى ويتصّور ويمشي وينزل ويحوي جسمه دار إلى غير ذلك من الأمور المنكرة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
ولكنّ الشيعة تعتقد بما فيه تنزيه الله عن المشاكلة والمجانسة والتجسيم، وهم يقولون باستحالة رؤية الله في الدنيا والآخرة.
ويبدو أن ا لروايات التي يعتمد عليها أهل السنّة حول التوحيد كلّها من دسّ اليهود في زمن الصحابة ; لأنّ كعب الأحبار اليهودي الذي أسلم في عهد عمر بن الخطاب هو الذي أدخل هذه المعتقدات التي يقول بها اليهود، عن طريق بعض البسطاء من الصحابة أمثال أبي هريرة ووهب بن منبّه.
فأغلب هذه الروايات مرويّة في البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وقد أثبتت الحقائق التاريخيّة بأنّ أبا هريرة لا يفرّق بين أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وأحاديث كعب الأحبار حتّى ضربه عمر بن الخطاب ومنعه من الرواية في قضيّة خلق الله السماوات والأرض في سبعة أيّام.
ويضيف التيجاني السماوي: «ما دام أهل السنّة والجماعة يثقون في البخاري ومسلم ويجعلون منها أصحّ الكتب، وما دام هؤلاء يعتمدون على أبي هريرة حتّى أصبح عمدة المحدّثين، وأصبح عند أهل السنّة راية الإسلام، فلا يمكن والحال هذا أن يغيّر أهل السنّة والجماعة عقيدتهم إلاّ إذا تحرّروا من التقليد الأعمى ورجعوا إلى أئمّة الهدى وعترة المصطفى وباب مدينة العلم الذي منه يؤتى.
وهذه الدعوى لا تختصّ بالكبار والشيوخ، بل الشباب المثقّف من أهل السنّة والجماعة كذلك، ومن واجبه أن يتحرّر من التقليد الأعمى ويتّبع الحجّة والدليل والبرهان»(1).
1) المصدر السابق: ٢٨.
ولد عام ١٣٩٨هـ (١٩٧٨م) في «خانقين» بالعراق، وكان استبصاره وانتقاله من المذهب الشافعي إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام ١٤١٥هـ (١٩٩٥م) في «كلار» بالعراق.
يقول «جبار» حول أهمّ الأسباب التي دفعته إلى الاستبصار: قراءة كتب التيجاني، وكتاب معالم المدرستين، وكتاب المراجعات، ومتابعة جميع المحاضرات الإسلاميّة اليومية التي كانت تبثّ من إذاعة راديو طهران العربية، والحضور في جميع مراسم عاشوراء... هذه الأسباب تعاضدت ووفّرت لي الأجواء التي دفعتني إلى الاستبصار.
الاستبصار من العلل الناقصة حتّى تكوين العلّة التامة:
إنّ الأجواء التي عاشها «جبار» جعلته يتقدّم يوماً بعد آخر نحو الاستبصار وهكذا تجمّعت العلل الناقصة حتّى كوّنت العلّة التامّة التي أدّت إلى التحوّل المذهبي.
وكان «جبار» يقرأ الكتب والكراسات ويستمع إلى المحاضرات الدينية لخطباء المنبر الحسيني، وبدأت المعلومات الجديدة تحضر في ذهنه وتكرّر نفسها في سريرته:
يوم الدار... إعلان خلافة الإمام علي في أوّل يوم من إعلان الدعوة من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)...
أراد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) التأكيد على الثقلين في اللحظات الأخيرة من حياته، أراد أن يقول: عليكم بالقرآن والعترة وسيّد العترة علي بن أبي طالب لئلاّ تضلّوا بعدي أبداً، فقام عمر واتّهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالهجر وقال: «حسبنا كتاب الله...».
السقيفة... الصراع على الخلافة... عزل أهل البيت(عليهم السلام)... الهجوم على دار فاطمة... وأسقطوا جنينها... مظلومية الزهراء... فدك... دفنها سرّاً، منع تدوين الحديث... اجتهادات عمر في مقابل النّص... مظلومية الإمام علي... ما فعله عثمان... من قتل عثمان..؟ خلافة الإمام علي... عائشة ضدّ إمام زمانها... طلحة والزبير وسفك دماء المسلمين، معاوية... حكومة الطلقاء... رشق جثمان الإمام الحسن(عليه السلام) بالسهام بأمر عائشة... ووصلت الخلافة المقدّسة إلى شارب الخمر وقاتل النفس المحرّمة يزيد بن معاوية... مأساة كربلاء... واقعة الحرّة... ضرب الكعبة بالمنجنيق... مظلومية أهل البيت(عليهم السلام)... الحكومة بيد بني أُميّة!!
وبدأت هذه المواضيع تتداعى في ذهن «جبار»، وشرع بالبحث عنها وهو يزداد يوماً بعد آخر بعداً عن مذهب أهل السنّة.
ويسأل نفسه: هذا مذهب أهل السنّة أم مذهب بني أُميّة؟!
ومن هم بنو أُميّة والتاريخ يشهد عداءهم للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته وبعد وفاته.
أسباب عداء بني أُميّة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وصولهم للخلافة:
قد يقول الباحث بأنّ سبب عداء بني أُميّة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو من أجل الصراع على الحكومة والإمارة، ولكن الأمر الغريب الملفت للانتباه هو أنّ بني أُميّة بعد وقوع الخلافة بأيديهم فإنّهم لم ينقطعوا عن انتقاص شخصيّة رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولعلّ السبب يعود إلى استهدافهم إرغام أنوف بني هاشم الذين نالوا عزّاً وشرفاً بين كلّ القبائل العربية ولاسيّما إذا عرفنا بأنّ أُميّة كان ينافس أخاه هاشم ويحسده وقد بذل كلّ ما في وسعه لمواجهته.
أضف إلى ذلك أنّ الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) هو سيّد بني هاشم بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من غير منازع، وقد تجلّى للجميع عداء معاوية للإمام علي(عليه السلام)والحروب التي شنّها ضدّه لغصب الخلافة منه والإصرار على سبّه ولعنه على المنابر بعد استشهاده(عليه السلام).
ولعلّ من الأسباب الأخرى التي دعت بني أُميّة إلى الحطّ من قيمة رسول الله بعد وصولهم إلى الخلافة هو تبرير لما يقومون به من أعمال مخزية وقبائح شنيعة، فإذا كان رسول الله كما يصوّره بني أُميّة يميل مع هواه فلا لوم بعد ذلك على أمثال معاوية ويزيد واشباههم ومن الروايات المخزية الواردة في صحيح البخاري ومسلم:
أخرج البخاري في كتاب الغسل في باب إذا جامع ثمّ عاد، قال أنس كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهنّ إحدى عشر، قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنّا نتحدّث أنّه أُعطي قوّة ثلاثين.
وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عثمان بن عفان عن عائشة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعثمان حدّثا: أنّ أبا بكر استأذن على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثمّ انصرف، ثمّ استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثمّ انصرف.
قال عثمان: ثمّ استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: أجمعي عليك ثيابك.
فقضيتُ إليه حاجتي ثمّ انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟!
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ عثمان رجل حيّ، وإنّي خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إليّ في حاجته!
وأيضاً أخرج البخاري في صحيحه في باب التيمّم ومسلم في صحيحه في باب التيمّم أيضاً عن عائشة أنّها قالت: خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض أسفاره حتّى إذا كنّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء.
فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله وبالناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟
فجاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والناس، ليسوا على ماء وليس معهم ماء؟
قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرّك إلاّ مكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على فخذي، فنام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمّم فتيمّموا.
فقال أسيّد بن خضير وهو أحد النقباء: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر.
فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته(1).
الحقّ واضح لكنّ القلوب عليلة:
يقول «جبار سمين»: البحث عن الحقّ أبدى ثماره بسرعة ومن خلال قراءتي للكتب الشيعية ولاسيّما كتب المستبصرين تجلّت لي الحقيقة بوضوح.
كما كان يحضر «جبار» في مجالس الإمام الحسين(عليه السلام) ولاسيّما في شهر
1) صحيح البخاري ١: ٨٦ كتاب التيمّم، صحيح مسلم ١: ١٩١، كتاب الطهارة.
محرّم، فكان لهذا الأمر التأثير البالغ في استبصاره. وهذا ما دفعه بعد الاستبصار إلى أن يكون عضواً في لجنة مراسم الإمام الحسين(عليه السلام) في «كلار».
ويقول «جبار»: قمت بعد استبصاري بتوزيع الكتب ونشر المبادئ الإسلاميّة الصحيحة التي حفظها لنا أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
ويحاول «جبار» أن يساهم في توسيع نطاق نشر الفكر الشيعي في منطقته من خلال توفير الأجواء المناسبة المؤديّة إلى توعية الناس وتحفيزهم للاهتمام بأمور دينهم.
الصورة
ولد عام ١٣٨٥هـ (١٩٦٦م) في مدينة «بغداد»، درس حتّى أكمل المرحلة المتوسّطة في المدارس الأكاديميّة، كان أبوه حنفيّ المذهب وأمّة شيعيّة المذهب، وكان هذا هو السبب الأساسي الذي دفعه نحو البحث والاستبصار في نهاية المطاف.
الحوار الدائم بين أبي وأُمّي:
يقول «جبّار لطيف»: كانت والدتي منذ الصغر تصطحبني لزيارة العتبات المقدّسة لأهل البيت(عليهم السلام)، لكنّي لم أكن أعرف مَن هم أهل البيت(عليهم السلام)، وكانت أُمّي تلبسني السواد في شهر محرّم، وكنت لا أعلم سوى أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) وهو ابن بنت رسول الله قُتل شهيداً مظلوماً، عطشاناً، غريباً، وكان قاتله الشمر بن ذي الجوشن، ويزيد بن معاوية.
فعندما كبرت وبلغت مرحلة الرشد، بدأت والدتي تبيّن لي سيرة الإمام علي(عليه السلام) وفضائله وأحقّيّته بالخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا علم أبي ما قالته أُمّي غضب وجاء إلى أُمّي وتحدّث معها حول التاريخ الإسلامي، وكيفيّة إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر وقدسيّة هذا الصحابي، وعدالة عمر بن الخطّاب، فأجابته أُمّي بالبدع والتحريفات التي جاء بها هؤلاء، وظلمهم للإمام علي(عليه السلام)
والزهراء(عليها السلام).
وكان هذا النقاش ديدن أبي وأُمّي بين الحين والآخر، وكنت في الصغر لا أفهم ما يقولانه، ولا أعي سوى أنّهما يختلفان معاً حول مسألة تاريخيّة قديمة.
ولهذا لمّا بلغت الرشد، وبدأت أعي الحقائق ودفعني هذا الأمر إلى البحث.
ما هي الخلافة؟
من هو الخليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
لماذا يغضب أبي عند سماع كلام أُمّي؟
سألت والدي ذات يوم عن سبب اختلافه مع أُمّي في المجال العقائدي؟ فحدّثني عن سيرة الخلفاء الثلاثة، وعدالة الصحابة.
وبقيت أعيش في البيت الأجواء المتشنّجة، لأنّ طرفي الحوار -كما اكتشفت بعد ذلك- لم يكن لهما إلمام تام بحقائق التاريخ والعقائد الإسلاميّة، بل كان كلّ واحد منهما يتعصّب لما ورثه من آبائه، ويردّد ما لقّنه له علماء مذهبه من دون المعرفة الكاملة للأدلّة والبراهين.
ولمّا حان وقت وجوب أدائي للصلاة، كان أبي يدعوني للصلاة وفق الصورة التي يقولها لي، وكانت أُمّي تدّعي بطلان ما يقوله أبي، وتدعوني إلى كيفيّة أُخرى.
وبقيت في حيرة من أمري وبالمآل تبعت والدي لأنّه كان ربّ الأُسرة، وهو الحاكم في البيت وبيده الأمر والنهي.
ربّ ضارة نافعة:
يقول «جبّار لطيف»: شاءت الأقدار الإلهية أن أترك بلاد العراق وأُهاجر إلى إيران، فالتقيت في أرض المهجر العديد من الإخوة العراقيّين -سنّة وشيعة- وكانت تدور بينهم حوارات متعدّدة في الأُمور العقائدية، وكان من سمات هذه
الحوارات أنّها تتّسم بالهدوء والموضوعيّة والابتعاد عن التعصّب والأنانيّات، لأنّنا جميعاً كنا نشعر بأنّنا في أرض غربة، وينبغي أن نجتنب ما يفرّقنا أو يثير الاختلاف فينا لأنّنا بحاجة إلى الوحدة والاتّحاد.
وكما لا يخفى أنّ الوحدة لا تعني ترك البحوث العلميّة، بل تعني اتّباع الطريق والمنهاج الصحيح في الحوار.
فوجدت الفرصة المناسبة متوفّرة للبحث والتحقيق لمعرفة الحقّ، وأوّل ما أحببّت البحث عنه مسألة الصلاة، لأنّني كنت أعلم بأنّها عمود الدين.
فاستفسرت من الشيعة سبب اختلافهم معنا -أهل السنّة- في مسألة الصلاة؟
فأجابوني: بأنّ سبب ذلك يعود إلى الاختلاف في مصدر التشريع.
فقلت لهم: وهل نختلف نحن السنّة معكم في مصدر التشريع؟
قالوا: نعم، نختلف، ولكن لا في أصل مصدر التشريع وإنّما في الطريقة لمعرفة التشريع الحقيقي.
فطلبت منهم أن يوضّحوا لي ذلك.
فقالوا لي: أهل السنّة يقولون بأنّ الصحابة كلّهم عدول، ولهذا يعتمدون على جميع الصحابة في تلقّي ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولكنّ الشيعة لا تقول بعدالة جميع الصحابة، وإنّما تقول بعدالة بعضهم، لأنّ سلوك وتصرّفات بعض الصحابة تكشف بأنّ هذا البعض انحرف عن سبيل الحقّ وضلّ سواء السبيل، وتورّط في سفك دماء الأبرياء، من قبيل طلحة والزبير وغيرهم حيث خرجوا على إمام زمانهم وحاربوه، وكمعاوية وعمرو بن العاص و . . .
ومن هنا فالشيعة لا تعتمد على هؤلاء في معرفة ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل
ورد في كتاب «أصول الكافي» للشيخ الكليني:
عن صفوان بن يحيى، عن «جعفر بن محمّد بن الأشعث» قال: قال لي: أتدري ما كان سبب دخولنا في هذا الأمر ومعرفتنا به، وما كان عندنا منه ذكر ولا معرفة شيء ممّا عند الناس؟
قال: قلت له: ما ذاك؟
قال: إنّ أبا جعفر -يعني أبا الدوانيق- قال لأبي محمّد بن الأشعث: يا محمّد ابغ لي رجلاً له عقل يؤدّي عنّي.
فقال له أبي: قد اصبته لك هذا فلان بن مهاجر خالي.
قال: فأتني به.
قال: فأتيته بخالي.
فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر خذ هذا المال وأت المدينة وأت عبد الله ابن الحسن بن الحسن وعدّة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمّد فقل لهم. إنّي رجل غريب من أهل خراسان وبها شيعة من شيعتكم وجهوا إليكم بهذا المال، وادفع إلى كلّ واحد منهم على شرط كذا وكذا، فاذا قبضوا المال فقل: إنّي رسول وأُحبّ أن
يكون معيّ خطوطكم بقبضكم ما قبضتم، فأخذ المال وأتى المدينة فرجع إلى أبي الدوانيق ومحمّد بن الأشعث عنده.
فقال له أبو الدوانيق: ما وراءك؟
قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم بقبضهم المال خلا جعفر بن محمّد، فإنّي أتيته وهو يصلّي في مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فجلست خلفه وقلت حتّى ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه، فعجل، وانصرف، ثُمّ التفت إليّ فقال: يا هذا اتّق الله ولا تغرّ أهل بيت محمّد فإنّهم قريبو العهد بدولة بني مروان وكلّهم محتاج.
فقلت: وما ذاك أصلحك الله؟
قال: فأدنى رأسه منّي وأخبرني بجميع ما جرى بيني وبينك حتّى كأنّه كان ثالثنا.
قال: فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر: اعلم أنّه ليس من أهل بيت نبوّة إلاّ وفيه محدّث، وإنّ جعفر بن محمّد محدّثنا اليوم، وكانت هذه الدّلالة سبب قولنا بهذه المقالة(1).
1) أصول الكافي ١: ٤٧٥، الحديث ٦.
الصورة
ولد عام ١٣٧٠هـ (١٩٥١) في مدينة «أربيل»، وفرضت عليه الأجواء التي ترعرع فيها الانتماء إلى المذهب الشافعي.
تحريف الحقائق:
محاولة في إخفاء الحقائق على مدى القرون، تهدف إلى عرقلة مسار الباحث عن الحقّ، وتضع أصابع الاتهام متّجهة نحو البريء وتحاول تبرئة المتّهم، واقع عاشته الأُمّة الإسلاميّة منذ رحيل النبيّ إلى الرفيق الأعلى حتّى الآن، ورغم كلّ هذه المحاولات استطاع الكثير ممّن رفض حالة التقوقع والركون إلى راحة التقليد الأعمى للأسلاف والآباء الوصول إلى الحقيقة، حيث خاضوا في أعماق التاريخ بحثاً عن الحقّ، مغامرة يبدو أنّ المحرّفين للوقائع التاريخية قد ألقوا بشباكهم للحول دون وصول الباحث إلى جوهرة الحقيقة.
كان «جعفر خشناور» أحد اللذين حاولوا من خلال البحث والتحقيق في أعماق التاريخ الوصول إلى الحقيقة، تاركاً خلفه تراثاً يرى البعض له قداسة يصعب المساس بها.
يقول «جعفر خشناور»: لم يكن لي اطلاع على الشيعة واعتقاداتهم، حيث
لم يُفسح لنا المجال في التحقيق حول هذا المذهب، وذلك للاتهامات التي يرمى بها أصحاب هذا المذهب، أبرزها عبادة الأحجار والمراقد، مضافاً إلى انتسابهم إلى التكفير وترويج العقائد المنحرفة، ويعتبر هذا هو الهاجس الكبير لعدم اطّلاعي على التشيّع.
وشاءت الأقدار الإلهية أن أتعرّف على الشيعة وذلك من خلال تواجدي في إيران، وقد فوجئت عندما تعرّفت على عقائد الشيعة، وقد كنت أسمع عنهم بعبادتهم للأحجار والمراقد الشريفة التي تعتبر رمزاً لهم.
وذات يوم وقع نقاش بيني وبين أحد الشيعة حول زيارة القبور والمراقد، فبادرته بالسؤال حول حقيقة هذا الأمر، ولماذا يقوم الشيعة بعبادة هذه الأماكن، أليس هذا من الشرك؟
فأجابني قائلاً: أخي العزيز ومن قال لك بأنّنا نعبد هذه المراقد؟
فقلت له: هذا ما نسمعه عنكم في بلادنا، أليس الأمر كذلك؟
فقال: أخي الكريم هذه من التهم التي يرمى بها أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ولا تمسّ الواقع بصلة، فالشيعة لا تعبد سوى الله ولا تركن إلى غيره، فالشيعة يبتغون إلى الله الوسيلة التي أمرهم الله بها، ألم تقرأ قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(1).
أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا(2). والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام) وسيلة للتقرب بهم إلى الله، وقد ذكر القرآن نماذجاً كثيرة من هذا القبيل، فقد ورد في الذكر الحكيم: إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا
ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا(1). وأصبح مرقد أصحاب الكهف مزاراً يقصده الناس للزيارة، ولعلّه المثال الأسبق تاريخاً الذي يذكره القرآن الكريم.
وقفت في حيرة من أمري، لا أعلم ماذا أقول لهذا الشيعي، وقد ظهرت بوادر عدم اطّلاعي على البحث، فقلت له: أنا لا أعتمد على كلامك هذا، ولعلّه من مخترعات علمائكم، فلابدّ لي من المطالعة في الموضوع لكي أقف على ملابسات هذا الأمر.
فقال لي: يا أخي إنّي لم أحاول إقناعك بهذه الأمور، ومن الواضح أنّه عليك متابعة البحث والتحقيق حول الشبهات التي تعرض عليك، وأنّ طريق البحث والتحقيق هو السبيل الوحيد لمعرفة الحقائق، ولكن لابدّ من التخلّي عن العصبية وتبنّي البحث بصورة موضوعية حتّى تكون النتائج واضحة لك.
عزمت بعدها على متابعة البحث من أجل الوقوف على حقيقة الأمر، فعكفت على مطالعة الكتب مدّة من الزمن، وكلّما كنت أتابع البحث كانت النتائج غير متوقّعة، ولكن بعد التتبّع الحثيث حول مسألة زيارة القبور والتوسّل انكشف لي الكثير من الحقائق التي ساهمت في تغيير انتمائي الفكري والعقائدي.
زيارة القبور:
تهدف زيارة القبور إلى ضرورة الاقتداء بأصحاب المراقد الشريفة، وذلك لاستدامة المنهج الذي رسمه لهم هؤلاء الرموز، وتجعلهم أقرب إلى العهود التي تعاهدوها مع هؤلاء القادة.
وتتضمّن زيارة القبور على آثار تربويّة وأخلاقية، وذلك لأنّ المشاهد التي تضمّ في طيّاتها الأولياء والصالحين تهيّء الأرضية المناسبة لكي يستمدّ الإنسان
1) الكهف (١٨): ٢١.
القدرة على الاقتداء بهم والسير وفق منهجهم.
زيارة القبور في السنّة:
زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للقبور هي الأخرى من نوعها تبيّن مشروعية هذا العمل، فقد أخرج مسلم عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها...»(1).
وفي مجمع الزوائد عن أبي سعيد الخدري عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنّ فيها عبرة»، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح(2).
وعن أنس بن مالك قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن زيارة القبور وعن... قال: ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد ذلك: «إنّي كنت نهيتكم عن ثلاث ثمّ بدا لي فيهن: نهيتكم عن زيارة القبور ثمّ بدا لي أنّها ترقّ القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، فزوروها ولا تقولوا: هجراً...»(3).
كما هناك العديد من الروايات الدالّة على الآثار التي تترتّب على زيارة قبرر الأولياء والصالحين منها:
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من جاءني زائراً لا بعمله حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة(4).
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة»(5).
وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتّى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً» أو قال: «شفيعاً»(1).
نقل السبكي أنّ الحافظ أبا عبد الله ابن النجار قال في (الدرة الثمينة): روي عن علي رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «من لم يزر قبري فقد جفاني»(2).
الصحابة وزيارة القبور:
يذكر المحبّ الطبري قصّة زيارة عمر لقبر «غريمه» الذي استغاث به وهو يحجّ مع نفر من أصحابه في حديث طويل قال دعا عمر صاحب الماء فقال: هل أحسنت إلى الشيخ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أتاني وهو موعدك فمرض عندي ثلاثاً ومات فدفنته وهذا قبره، فكأنّي أنظر إلى عمر وقد وثب مباعداً ما بين خطاه حتّى وقف على القبر فصلّى عليه ثمّ اعتنقه وبكى...»(3).
بلال يزور قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):
يذكر ابن كثير في «أُسد الغابة» زيارة بلال لقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا ما يبيّن مشروعية الزيارة في عهد الصحابة.
يقول ابن كثير: «ثمّ إنّ بلالاً رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في منامه وهو يقول: «ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا» فانتبه حزيناً فركب إلى المدينة فأتى قبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وجعل يبكي عنده ويتمرّغ عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يقبّلهما ويضمّهما، فقالا له: نشتهي أن تؤذّن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلمّا قال: «الله أكبر، الله أكبر» ارتجّت المدينة، فلمّا قال:
«أشهد أن لا إله إلاّ الله» زادت رجّتها، فلمّا قال: «أشهد أن محمّداً رسول الله» خرج النساء من خدورهنّ فما رئي يوم أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم»(1).
وعن عبد الله بن أبي مليكة، أنّ عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أمّ المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن زيارة القبور؟
قالت: نعم، «كان قد نهى، ثمّ أمر بزيارتها»(2).
الحقيقة تتبلور:
يقول «جعفر»: بعد مضي مدّة غير قصيرة من البحث تجلّت لي الكثير من الحقائق التي ساهمت في غربلة موروثي العقائدي الناتج عن اتّباعي لأسلافي، ولو أنصف الباحث في عملية البحث لوقف على حقيقة الكثير من المسائل التي لا يزال يعتقد البعض بأنّ الحقّ لا يعدو ما نلقّاه عن طريق الفكر الوراثي الذي لا يزال مهيمناً على مجتمعاتنا الإسلاميّة.
ويمكن اكتشاف الحقيقة من خلال التخلّي عن التعصّب ; لأنّه يجعل الوصول إلى طريق الحقّ أكثر صعوبة، بل يغلق في الكثير من الأحيان الأبواب على الباحث ويجعله ملتجئاً إلى حالة الركون إلى التقليد الوراثي.
ولكن وبحمد الله تمكّنت من تخطّي هذه العقبة والوصول إلى طريق الهداية، وذلك عندما تبين لي الحقّ، فجعلت أهل البيت(عليهم السلام) هم الضياء الذي أستنير منه في الظلمات.
من مواليد مدينة «أربيل» بالعراق، نشأ في أسرة شافعيّة المذهب، واستبصر عام ١٤٠٦هـ (١٩٨٦م) وذلك بعد الاطّلاع والتحقيق الكامل، والحصول على القناعة التامّة وبعد الكثير من المناقشات جرت بينه وبين بعض الشيعة.
ولا شكّ أنّ الاستبصار لا يتحقّق بسهولة، فلابدّ من وجود دوافع قويّة ومستحكمة بحيث يكون لها القدرة لجعل الإنسان يترك معتقدات آبائه وأسلافه، والاتّجاه نحو عقائد أخرى، وليس من السهل أن يترك الإنسان عقيدة عاش في ظلّها فترة طويلة من الزمن، وصرف في سبيلها الغالي والنفيس، ثمّ يتبيّن له بطلانها ولزوم هجرانها والإعراض عنها.
وليت الإعراض يكون عن مجرّد العقائد والأفكار فحسب، بل يتّبع ذلك، دور الأفعال التي يواجهها الإنسان ممّن حوله، فتعرض عليه شتّى حالات الحرمان والمواجهة.
ولكنّ الأخ «جعفر قادرويس» تجاوز جميع هذه العقبات، وتوكّل على الله سبحانه وتعالى واستسلم للأمر الواقع، وأدرك بأنّ الأمر يرتبط بحياته الأبديّة، والمسألة تدور حول الجنّة والنار، وهي لا تحتمل التهاون أو المزاح.
تفسير مجمع البيان:
اهتّم «جعفر» بعد الاستبصار بالتمسّك بالقرآن والسنّة، فحفظ القرآن الكريم وكتب بحوثاً حول المفاهيم القرآنيّة بصورة محاضرات ودروس قرآنيّة.
واهتّم أيضاً بتفسير القرآن الكريم، وحفظ تفسير الآيات القرآنيّة حسب تفسير مجمع البيان للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أعلام القرن السادس، وقد ورد في مقدّمة هذا التفسير:
«إنّ أشرف العلوم وأسناها وأبهرها وأبهاها وأجلّها وأفضلها وأنفعها وأكملها هو علم القرآن، فإنّه لجميع العلوم الأصل منه تتفرّع أفانينها، والعماد عليه تبني قوانينها...
وقد خاض العلماء قديماً وحديثاً في علم تفسير القرآن، واجتهدوا في إبراز مكنونه، وإظهار مصونه، وألّفوا فيه كتباً جمّة، غاصوا في كثير منها إلى أعماق لججه، وشققوا الشعر في إيضاح حججه، وحقّقوا في تفتيح أبوابه، وتغلغل شعابه، إلاّ أنّ أصحابنا رضي الله عنهم لم يدوّنوا في ذلك غير مختصرات، نقلوا فيها ما وصل إليهم في ذلك من الأخبار، ولم يعنوا ببسط المعاني وكشف الأسرار، إلاّ ما جمعه الشيخ الأجل السعيد أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي قدّس الله روحه من كتاب التبيان، فإنّه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحقّ، ويلوج عليه رواة الصدق. قد ضمّن من المعاني الأسرار البديعة واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها، ولا بتنميقها دون تحقيقها، وهو القدوة استضيء بأنواره، واطأ مواقع آثاره.
ويضيف الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي حول كيفيّة تدوينه تفسير مجمع البيان قائلاً: شمّرت عن ساق الجدّ، وبذلت غاية الجهد والكد، وأسهرت الناظر، وأتعبت الخاطر، وأطلت التفكير وأحضرت التفاسير،
واستمددت من الله سبحانه التوفيق والتيسير.
وابتدأت بتأليف كتاب هو في غاية التلخيص والتهذيب، وحسن النظم والترتيب، بجميع أنواع هذا العلم وفنونه، ويحوي نصوصه وعيونه من علم قراءته وإعرابه ولغاته، وغوامضه ومشكلاته، ومعانيه وجهاته، ونزوله وأخباره، وقصصه وآثاره وحدوده وأحكامه، وحلاله وحرامه، والكلام عن مطاعن المبطلين فيه، وذكر ما يتفرّد به أصحابنا رضي الله عنهم من الاستدلالات بمواضع كثيرة منه على صحّة ما يعتقدونه من الأصول والفروع، والمعقول والمسموع على وجه الاعتدال والاختصار، فوق الإيجاز ودون الإكثار وسميّته كتاب «مجمع البيان لعلوم القرآن»، وأرجو - إن شاء الله تعالى - أن يكون كتاباً كثير الدرر، غزير الغرر، متواصف السمات، متناصف الصفات، سيّاراً في الإبحار والإغوار، طيّاراً في الآفاق والأقطار، مهذّب الترتيب، مذهّب التهذيب، أحكام الشريعة بمعانيه منوطة، وأعلام الحقيقة بمبانيه مربوطة، وبحول الله أعتصم، وبقوّته وعونه أفتتح وأختتم، وإيّاه أسأل الهداية التي هي أقوم، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب(1).
التمسّك بالقرآن والسنّة:
وعموماً وفّر «جعفر» لنفسه الأجواء المناسبة التي تساعده على صيانة قلبه ونفسه وعقله من الحجب والأدران والشوائب والزيغ.
1) مجمع البيان، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ١: ٣٣ - ٣٥، مقدّمة المؤلف.
وواجه «جعفر» الكثير من المضايقات من المتعصّبين، لكنّه لم يهتم بالأمر ; لأنّه كان يدرك بأنّ دوافع الذين يواجهونه ويخالفونه ويضايقونه هي الجهل وعدم تهذيب النفس والتعصّب، وأنّهم لو أدركوا الحقيقة، ولو رفعوا مستواهم العلمي، ولو هذّبوا أنفسهم لكانت سلوكهم وتصرّفاتهم مغايرة لما هم عليه الآن.
وكان موقف «جعفر» من هؤلاء هو التعامل بالتي هي أحسن، وكان يدعوا الله أن يهديهم ويحاول أن يتكلّم معهم بمقدار استيعابهم للقضايا الدينيّة.
وعموماً تحوّل «جعفر» بعد الاستبصار إلى داعية ديني ومذهبي، وجنّد نفسه لنشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)، وكان ينتهز جميع الفرص المتاحة لنشر الحقائق وتوعية الناس.
وكان يدرك «جعفر قادرويس» بأنّ السبب الأساسي الذي يمنع الناس من معرفة الحقّ هو الكسل وحبّ الراحة وعدم الاهتمام بالبحث والدراسة والمطالعة، والاكتفاء بالتقليد الأعمى.
ويرى أنّ السبيل الأوحد لتحرّر الإنسان من هذه الرذائل هو أن يوفّر لنفسه الأجواء المناسبة التي تدفعه وتحفّزه نحو البحث ورفع المستوى العلمي.
وكان «جعفر» يلفت أنظار الناس إلى أهميّة طلب العلم، وأهميّة البحث، ويشجّعهم على المطالعة ; لأنّه كان يعلم بأنّ الإنسان إذا تقدّم خطوة واحدة نحو معرفة الحقّ فسيتقدّم الله إليه أضعاف مضاعفة من الخطوات، وسيعينه في البحث، ويساعده على معرفة الحقّ والحقيقة.
الصورة
ولد في مدينة «كركوك» بالعراق، ونشأ في أجواء أملت عليه الانتماء إلى المذهب الشافعي، ثمّ دفعته ظروف خاصّة ليعيش فترة في إيران، فاطّلع فيها عن قرب على مذهب التشيّع وأصبح لديه إلمام بأدلّة الشيعة وبراهينهم، فاستبصر عام ١٤٠٥هـ (١٩٨٥م) في طهران.
تأثّره بعقائد الإماميّة:
تأثّر «جعفر» بكتاب «عقائد الإماميّة» للعلاّمة محمّد رضا المظفّر، وعندما طالع هذا الكتاب وجد بأنّ التشيّع يختلف عمّا يقوله المخالفون حوله، واستنتج بأنّ الطريقة الصحيحة للتعرّف على أصحاب أيّ عقيدة هي قراءة كتبهم المعتبرة، لأنّ المخالفين دائماً ينقلون صورة خاطئة ومشوّهة عن مخالفيهم.
وعرف «جعفر»، معنى التشيّع عند آل البيت(عليهم السلام)، وعرف بأنّ الأئمّة من آل البيت(عليهم السلام) لم تكن لهم همّة إلاّ تهذيب المسلمين وتربيتهم تربية صالحة كما يريدها الله تعالى منهم، فكانوا يعطفون على المسلمين ويبذلون قصارى جهدهم في تعليمهم الأحكام الشرعيّة وتلقينهم المعارف المحمّدية ولا يعتبرون الرجل تابعاً وشيعة لهم إلاّ إذا كان مطيعاً لأمر الله، مجانباً لهواه، آخذاً بتعاليمهم وإرشاداتهم.
ولا يعتبرون حبّهم وحده كافياً للنجاة كما قد يمنّي نفسه بعض من يسكن إلى الدعة والشهوات، ويلتمس عذراً في التمرّد على طاعة الله سبحانه، إنّهم لا يعتبرون حبّهم وولاءهم منجاة إلاّ إذا اقترن بالأعمال الصالحة، وتحلّى الموالي لهم بالصدق والأمانة والورع والتقوى.
قال الإمام الصادق(عليه السلام):
«يا خثيمة، أبلغ موالينا أنّه لا نغني عنهم من الله شيئاً إلاّ بعمل، وأنّهم لن ينالوا ولايتنا إلاّ بالورع، وإنّ أشدّ الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثمّ خالفه إلى غيره»(1).
بل يريد أهل البيت(عليهم السلام) من أتباعهم أن يكونوا دعاة للحقّ، وأدلاّء على الخير والرشاد، ويرون أنّ الدعوة بالعمل أبلغ من الدعوة باللسان:
قال(عليه السلام): «كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع»(2).
ومن محاورات أهل البيت(عليهم السلام) المبيّنة مدى تشديدهم وحرصهم على تهذيب أخلاق العباد.
محاورة الإمام الباقر(عليه السلام) مع جابر الجعفي:
«يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟! فوالله ما شيعتنا إلاّ من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلاّ بالتواضع والتخشّع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكفّ الألسن عن الناس إلاّ من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء...
فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ أتقاهم وأعملهم بطاعته.
يا جابر، والله ما نتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلاّ بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع»(1).
محاورة الإمام الباقر(عليه السلام)، مع سعيد بن الحسن:
قال الإمام الباقر(عليه السلام): «أيجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه»؟
سعيد: ما أعرف ذلك فينا.
الإمام الباقر(عليه السلام): لا شيء إذن!
سعيد: فالهلاك إذن!
الإمام الباقر(عليه السلام): «إنّ القوم لم يعطوا أحلامهم بعد»(2).
محاورة الإمام الصادق(عليه السلام) مع أبي الصباح الكناني:
قال الكناني للإمام الصادق(عليه السلام): ما نلقى من الناس فيك؟!
الإمام(عليه السلام): «ما الذي تلقى من الناس»؟
الكناني: لا يزال يكون بينا وبين الرجل الكلام، فيقول: جعفريّ خبيث؟!
الإمام: «يعيّركم الناس بي»؟!
الكناني: نعم.
الإمام(عليه السلام): «ما أقلّ والله من يتّبع جعفراً منكم، إنّما أصحابي من اشتدّ ورعه،
وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، هؤلاء أصحابي»(1)!
وقال الإمام الصادق(عليه السلام) في هذا المجال:
«ليس منّا - ولا كرامة - من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه»(2).
وقال(عليه السلام) «إنّا لا نعدّ الرجل مؤمناً حتّى يكون لجميع أمرنا متّبعاً ومريداً، ألا وإنّ من اتّباع أمرنا وإرادته الورع، فتزيّنوا به يرحمكم الله»(3).
وقال(عليه السلام): «ليس من شيعتنا من لا تتحدّث المخدّرات بورعه في خدورهنّ، وليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل فيهم خلق لله أورع منه»(4).
وقال(عليه السلام): «إنّما شيعة جعفر من عفّ بطنه وفرجه واشتدّ جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر»(5).
نتيجة تأثّره بأحاديث أهل البيت(عليهم السلام):
وجد «جعفر» تراث أهل البيت(عليهم السلام) كنزاً معرفياً كان يعيش حالة الحرمان منه، فعند ما تعرّف عليه أخذ هذا التراث بيده إلى المزيد من الانجذاب نحو مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ولم يكتف «جعفر» بهذا المقدار من المطالعة، بل توجّه لمعرفة الأدلّة العقائدية التي يعتمد عليها الشيعة، فلمّا تجلّت له الحقيقة أسرع في الإعراض عن عقائده الهشّة السابقة، وأعلن انتماءه لمذهب التشيّع، وهو يفتخر حالياً بأنّه من أتباع أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
الصورة
ولد عام ١٣٨١هـ (١٩٦٢م) في مدينة أربيل كردستان العراق، ففرضت عليه الأجواء التربويّة التي عاشها الانتماء إلى المذهب الشافعي.
حقيقة يحاول الإنسان الوصول إليها، تعاضدها مبادئ تلقّاها من الأسلاف تستمدّ شرعيّتها من تراث يحاول الهيمنة على أرض الواقع ويفرض تقديس المعطيات التي تمّ فرضها على أتباعه، واقع يعيشه الباحث عن الحقيقة، ومتأثّراً به في كثير من الأحيان.
لم يكن «جلال» من الذين يخضعون للتقليد الأعمى للآباء والأسلاف، بل كان يرى بأنّ على الإنسان البحث والتحقيق حول الأسس التي يركن إليها في معتقداته، وعليه التخلّي عن العصبيّة إزاء التعاليم التي عاش شطراً من عمره على ضوئها، وتبنّي البحث بصورة موضوعيّة بصورة لا تؤثّر العواطف والأحاسيس التي تنشأ عادة نتيجة التأثّر بالأجواء التربويّة التي يعيشها الباحث.
يقول «جلال»: منذ الطفولة كنت كثير التواجد في المساجد، وذلك لأداء الصلاة وغيرها من العبادات، هكذا كان بي الحال حتّى اندلعت الحرب الداخليّة في منطقتنا فهاجرنا نتيجة لذلك إلى ديار أخرى نلتمس فيها الأمان.
مرّت الأيّام على هذا المنوال ونحن نلتمس ملجاً آمناً حتّى شاءت الأقدار
الإلهية التعرّف على بعض الشيعة نتيجة الهجرة من بلادنا.
وكان هذا التعرف له السهم الأوفر في معرفة العديد من معتقدات الشيعة، وكان الملفت للنظر عدم انطباق الصورة الذهنيّة ا لتي رسمت لنا عنهم، فقد كنّا نعرفهم بأنّهم فرقة ضالّة تعبد الإمام عليّاً(عليه السلام) وتعبد الأحجار و...
ولم يكن هذا الأمر هو الواقع الذي شاهدته بعيني، فالشيعة لا تعبد الإمام عليّاً(عليه السلام) وإنّما تعتقد بأنّه الخليفة الأوّل للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مستندة إلى أدلّة وردت في كتب أهل السنّة.
وكان الملفت للنظر كثرة الاتّهامات التي يرمى بها أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، والحال أنّهم بعيدون كلّ البعد عن الإشاعات التي تروّج ضدّهم، وكان هذا الأمر هو الدافع للتعرّف على معتقدات هذه الطائفة.
التأثّر بالمجالس الحسينيّة:
تركت واقعة الطفّ أثرها البالغ حتّى بعد مضيّ القرون عليها، وذلك لما تحمله هذه الثورة من مضامين وقيم إنسانيّة جابهت الانحطاط الأخلاقي والتباعد عن القيم الإسلاميّة نتيجة التأثّر بالخطّ الانحرافي الجاهلي الذي استعاد بناءه بعد رحيل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى، وظهرت بوادر النفاق في الأُمّة الإسلاميّة، وأظهر القوم ضغائن حملوها في صدورهم طوال فترة الرسالة، وهذا ما يظهر جليّاً في خطبة فاطمة الزهراء سلام الله عليها للأنصار والمهاجرين في بوادر انقلاب القوم على الخطّ الرسالي، وغصب أبي بكر فدك التي وهبها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ابنته في حياته حيث تقول:
«.. فلمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلّين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفاً بكم،
فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرّة فيه ملاحظين، ثمّ ا ستنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، ووردتم غير مشربكم... فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنّى تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم... وقد خلّفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون؟! أم بغيره تحكمون؟! بئس للظالين بدلاً، ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين...»(1).
هكذا كان حال الأُمّة الإسلاميّة بعد رحيل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) واستمرّ الانحراف والانشقاق في صفوف الأُمّة الإسلاميّة حتّى اندلعت حروب داميّة كان السبب فيها خروج معاوية على إمام زمانه.
ولم يكتف معاوية بهذا الحدّ، فقام بتعيين ولده يزيد خليفة له ممّا جعل الأجواء أكثر تعكّراً، حيث كان يزيد مروجاً للفسق والفجور معروفاً بملاعبة القردة والكلاب وشرب الخمر و...
فقد عرّف المسعودي في «مروج الذهب» يزيد بأنّه:
«صاحب طرب وجوارح وكلاب وقُرُود وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه فقال:
اسقني شربة تروي مشاشي ثمّ مل فاسق مثلها ابن زياد
صاحب السرّ والأمانة عندي ولتسديد مغنمي وجهادي
ثمّ أمر المغنّين فغنوا به.
وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق.
وفي أيّامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وكان له قرد يكنّى بأبي قيس يحضر مجلس منادمته، ويطرح له
1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ١٦: ٢٥١.
متّكأ، وكان قرداً خبيثاً وكان يحمله على أتان وحشيّة قد ريّضت وذلّلت لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل يوم الحلبة...»(1).
يزيد وتنصيبه:
ظهرت بوادر المخالفة في تنصيب يزيد للخلافة من قبل أعوان معاوية ; وذلك للانحطاط الأخلاقي الواضح لدى يزيد ممّا يجعله غير مؤهّل للخلافة فقد ذكر الطبري مخالفة زياد لهذا الأمر عندما استشاره معاوية في تعيين يزيد خلفاً له.
«لمّا أراد معاوية أن يبايع ليزيد كتب إلى زياد يستشيره فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري فقال إنّ لكلّ مستشير ثقة، ولكلّ سرّ مستودع... وقد دعوتك لأمر اتّهمت عليه بطون الصحف، إنّ أمير المؤمنين كتب إليّ يزعم أنّه قد عزم على بيعة يزيد وهو يتخوّف نفرة الناس ويرجو مطابقتهم ويستشيرني، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد. فالق أمير المؤمنين مؤدّياً عنّي فأخبره عن فعلات يزيد...»(2).
«وكتب معاوية إلى زياد، وهو بالبصرة، إنّ المغيرة قد دعا أهل الكوفة إلى البيعة ليزيد بولاية العهد بعدي، وليس المغيرة بأحقّ بابن أخيك منك، فإذا وصل إليك كتابي فادع الناس قبلك إلى مثل ما دعاهم إليه المغيرة، وخذ عليهم البيعة ليزيد، فلمّا بلغ زياداً وقرأ الكتاب دعا برجل من أصحابه يثق بفضله وفهمه، فقال:إنّي أريد أن آتمنك على مالم آتمن عليه بطون الصحائف، أئت معاوية فقل له: يا أمير المؤمنين إنّ كتابك ورد عليّ بكذا، فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبغ، ويدمن الشراب، ويمشي على الدفوف... فلمّا صار الرسول إلى معاوية وأدّى إليه الرسالة قال: ويلي على
ابن عبيد»(1)!
استغاثة الناس بالإمام الحسين(عليه السلام):
عندما بلغ أهل الكوفة موت معاوية واستخلافه يزيد، أرسلوا بكتبهم إلى الإمام الحسين(عليه السلام) يدعونه إلى القيام ضدّ الطاغية يزيد، يشكون إليه عدم وجود إمام لهم، فقد أورد الطبري في أحداث سنة ستين للهجرة:
«عندما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير عن البيعة أرجفوا بيزيد، واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا مسير الحسين إلى مكّة، وكتبوا إليه عن نفر منهم، سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد وحبيب بن مظاهر وغيرهم:
بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليك، فإنّنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الأُمّة فابتزّها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمّر عليها بغير رضاً منها، ثمّ قتل خيارها، واستبقى شرارها، وإنّه ليس علينا إمام.
فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وسيّروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال. ثمّ كتبوا إليه كتاباً آخر وسيّروه بعد ليلتين فكتب الناس معه نحواً من مائة وخمسين صحيفة...»(2).
وعندما كثرت الرسل على الإمام الحسين(عليه السلام) أجابهم:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين، أمّا بعد، فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتمّ ومقالة جلّكم إنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليّ أنّه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله. فلعمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحقّ، والحابس نفسه على ذات الله والسلام»(1).
ولكن يزيد وأعوانه توسّلوا بكلّ الطرق للحول دون وصول الناس إلى الإمام الحسين(عليه السلام)، وذلك بالتهديد والترغيب والإغراء بالمال، فقد قتلوا مسلم بن عقيل رسول الحسين(عليه السلام) وهاني بن عروة، وأشاعوا بأنّ جيشاً من الشام قادم، وسنستقصي كلّ المخالفين و...، فعكّروا الأجواء متوجسين لحوق المسلمين بالإمام الحسين بن علي(عليه السلام).
وكان الإمام الحسين(عليه السلام) قد وصل إلى كربلاء، وأمر يزيد بقتل الإمام الحسين(عليه السلام) إذا امتنع عن البيعة، ولم يكن الإمام الحسين يبايع مثل يزيد كما قال ذلك في جواب مروان عندما طلب منه البيعة ليزيد في المدينة:
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذا قد بليت الأُمّة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول الخلافة محرّمة
1) تاريخ الطبري ٤: ٢٦٢.
على آل أبي سفيان»(1).
إلاّ أنّ يزيد لم يمنعه شيء في ارتكاب أكبر جريمة في تاريخ الأُمّة الإسلاميّة، فأمر بقتل الإمام الحسين(عليه السلام) ومن معه حتّى لا يبقى له ذكر، وأمر بسبي نسائه وعياله في الكوفة والشام و...
ولكن المواقف العظيمة التي سجّلها التاريخ للإمام زين العابدين(عليه السلام)وبطلة كربلاء زينب الكبرى أحبطت كلّ مخطط رسمه الطغاة، فعندما وصلت قافلة الأسرى إلى الشام، خطبت زينب الكبرى خطبتها التاريخيّة وفضحت كلّ أعمال يزيد وأعوانه.
سفينة النجاة:
يقول «جلال»: بعد دراستي لجوانب التاريخ تجلّت لي الحقيقة، وظهرت دسائس القوم، وانكشفت لي الأيادي المأجورة التي حاولت قلب الحقائق، فعزمت على ترك موروثي العقائدي وتشييد أسسي العقائديّة من جديد، فالتحقت بسفينة النجاة.
1) اللهوف في قتلى الطفوف: ١٨.
ولد عام ١٣٧٦هـ (١٩٥٧م) في «خانقين» بالعراق، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب، وكان استبصاره عام ١٤١٤هـ (١٩٩٤م) في «كلار»، وكان من أهمّ أسباب استبصاره التي صرّح بها قراءته لكتب الدكتور التيجاني ككتاب «ثمّ اهتديت» وكتاب «فاسألوا أهل الذكر»، وكتب السيّد مرتضى العسكري(رحمه الله) وكتاب «الخلافة المغتصبة» لإدريس الحسيني، واستماعه إلى المحاضرات الإسلاميّة كمحاضرات الشيخ أحمد الوائلي(رحمه الله).
الخلافة المغتصبة:
قرأ «جليل» في كتاب «الخلافة المغتصبة» قضيّة السقيفة، وكيفيّة غصب القوم الخلافة من الإمام علي(عليه السلام).
وأمّا في خصوص موقف الإمام علي(عليه السلام) فإنّه(عليه السلام) أدرك بعد كلّ ما وقع أنّه قد وقع في مأزق وداخل شراك خطير، فالعرب تظاهرت عليه واستضعفته، وتيّار الاغتصاب لم يركب الخلافة فحسب، وإنّما طوّق بيت الإمام(عليه السلام) وحاصره بعد أن مدّ جسور التعاون مع المنافقين، وأدرك بعدها الإمام أنّه أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما:
-أن يجهّز عليهم، فلا يبقي من تيّار الاغتصاب رجلاً يذكر.
-أو أن يصبر وينتظر حالما تعود الأمور إلى نصابها.
أمّا الخيار الأوّل فهو يسير على الإمام علي(عليه السلام) ،وهو مَن أرعب بسيفه العرب، واهتزّ لشجاعته الأبطال، وتيّار الاغتصاب كان مدركاً لكلّ ذلك، غير أنّهم أدركوا أنّ أبا الحسن لا يقاتل في أمر لا مصلحة للشرع فيه، أدركوا ذلك على مدى سنوات من الجهاد الذي كان يتزعّمه علي(عليه السلام) ; ولذلك تجاسروا عليه، وأبدوا بطولاتهم المزيّفة وكان الإمام علي(عليه السلام) على علم تامّ بحقيقة هؤلاء الجبناء الذين ما ثبتوا في معركة، ولا نصروا الإسلام، ولكنّه اختار البقاء منتظراً.
والإمام علي(عليه السلام) وهو ينتظر لم يكن مكتوف اليدين، لم يكن انتظاره سلبيّاًّ كما يبدوا للكثير.
كان علي(عليه السلام) نشيطاً، يعمل حسب ما تسمح به الظروف، متحرّكاً خلف الحصار المفروض عليه...
... الإمام علي(عليه السلام) إمام شرعي، وأمامه عصابة من المغتصبين لشرع الله، والمفروض إذ ذاك هو النهوض بالوضع بشكل يطيح بهؤلاء مع مراعاة مصلحة الإسلام، وقد عمل الإمام علي(عليه السلام) بالتقيّة وهو أولى بها وهو يعاصر مرحلة خطيرة عليه وعلى الإسلام.
وبالمقابل فإنّ تيّار الاغتصاب راح يعضد بعضه بعضاً، ويؤسّس له حلفاً متماسكاً، يتداولونه قهراً وغلبة، فأبو بكر عهد إلى عمر من دون مشورة، وهذا الأخير عهد إلى عثمان من خلال فبركة ملتوية وكلُّهم وقفوا من علي(عليه السلام) موقفاً صارماً.
... لقد اعتزل الإمام علي(عليه السلام) الخلفاء ولم يشاركهم في المعركة بعد أن كان هو قائدها على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك كلّه إعراباً عن موقفه الرافض
لشرعيّتهم، وكان لا يتدخّل إلاّ فيما أشكل على الناس من قضايا يرمي من خلالها إلى الحفاظ على الحدّ الأدنى من الشريعة، كما يرمي من خلالها إلى إقامة الحجّة على الناس، وإظهار عدم أعلميّة الخلفاء(1).
مأزق التاريخ:
لم يكن «جليل» مطّلعاً على تاريخ صدر الإسلام، وعندما قرأ التاريخ واجه أموراً دفعته إلى الاستغراب الشديد، وكلّما كان يقرأ فكانت نظريّة عدالة الصحابة تنهار أمام عينيه حتّى تلاشت تماماً وعرف بأنّ البديل الحقيقي والحقّ هو التمسّك بأهل البيت(عليهم السلام).
وعندما اطّلع «جليل» على عمق الاختلاف الذي كان بين الإمام علي(عليه السلام)والخلفاء أدرك حقيقة الأمر، وعرف بأنّ هذا الاختلاف ليس اختلافاً سطحيّاً ناشئاً من الاجتهاد بل هو اختلاف بين الحقّ والباطل، وعلى كلّ مسلم أن يحيط علماً بتاريخ الصحابة ليحدّد موقفه، ويحدّد المصدر المعرفيّ الذي يرغب أن يصل من خلاله إلى ما جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وهنا تتجلّى أهميّة الإلمام بالتاريخ، ولكن في قراءة التاريخ شروط، وقد قال مؤلّف كتاب الخلافة المغتصبة:
«كثيراً ما كانت الطريقة التي سلكها المؤرّخون في بحث أحوال الماضي من هذه الأُمّة موغلة في التواطؤ تارة وفي الغباء طوراً، فالأحداث كما تقع في الماضي تختلف كلّها عمّا يكتب على أديم التاريخ، وذلك كلّه راجع إلى أسباب معيّنة...
إنّ تراثنا تشكّل من خلال لعبة تاريخية، وقفت من ورائها سلطة الخلفاء التي كانت تنهج نهجاً تحريفيّاً في كلّ المؤسّسات الاجتماعيّة والثقافيّة من أجل
1) انظر الخلافة المغتصبة لإدريس الحسيني: ٩٧ - ٩٩ (بتصرّف يسير).
خلق واقع منسجم تتطابق فيه البنى السياسيّة بالاجتماعيّة والثقافيّة، ولأنّ القطاع الثقافي والتعليمي يشكّل ركيزة المجتمع الحضاري وأساساً للدولة العقائديّة فإنّ المؤسّسة السلطانيّة لعبت دوراً كبيراً في إعادة ترتيب محتوياتها الداخليّة، من أجل سلب العناصر النقيضة لتلك المؤسّسة.
وتفريغ كلّ ذلك المحتوى من كلّ ما من شأنه أن يكون قنبلة موقوتة تهدّد بقاء تلك المؤسّسة.
وليس عجيباً أن يذكر التاريخ امثلة كثيرة على ذلك، تعكس حرص المؤسّسة السلطانيّة على التصرّف في الجهاز المعرفي والثقافي للأمّة، ونزوع حالة من الشموليّة تجعل الفكر محكوماً برقابة شديدة وتحت رحمة الرغبة الخلفائيّة.
ومن هنا تبيّن كيف أنّ التحريف لم يخدم فقط الواجهة السياسيّة، بل انعكس ذلك أيضاً على فلسفة التاريخ وعلى مناهج التاريخ وشخصيّة المؤرّخ، فبعض المؤرّخين تألّف نجمهم وتلألأ في سماء التراث الإسلامي، على الرغم من صغر حجمهم ونبوغ غيرهم، ذلك بأنّ المؤرّخ كان نفسه يعاني أخطر محنة في الماضي، وإنّ مهنة التاريخ كانت أخطر مهنة يمكن تصوّرها ساعتئذ، ومن هنا كانت الشهرة والألمعيّة من شأن المؤرّخين المتزلّفين للبلاط والمدافعين عن نهج الخلفاء، في حين انطفأ فيه نجم النابغين الذين أفنوا حياتهم في العلم وبرعوا في هذه الصناعة، وترفّعوا عن الاختلاف إلى أبواب الخلفاء.
فكلّ ذلك كان بسبب ما تقتضيه السياسة من تحريف الحقائق وتزوير الأحداث بما يتّفق مع منهجها السياسي أو هواها السلطاني، وما تلزمه تلك العمليّة من تقريب المتزلّفين وتهميش العلماء المستقلّين.
وعلى الرغمّ من كلّ ذلك يبقى التاريخ ضرورة لاغناء عنها، والنظر في أحوال الماضي ضرورة علميّة لا مناص من مزاولتها ; لأنّها وحدها كفيلة بأن
تطلعنا على حقيقة ما جرى في الماضي لفهم ما يجري في الحاضر، وفيما يتعلّق بالتراث الإسلامي، لابدّ من تركيز الاهتمام بالتاريخ ومناهجه وكيفيّة ضبط الوثائق ونقدها وتحليل حفريّاته(1).
ما هو الحل؟
بدأ «جليل» يدرك بمرور ارتقاء مستواه الفكري بأنّه يحتاج إلى المزيد من البحث من أجل اكتشاف الحقيقة، وعرف بأنّ التاريخ على الرغم من تطاول أيدي التحريف عليه لكنّه ينطوي على حقائق يمكن اكتشافها من خلال المقارنة والرؤية الشموليّة ; لأنّ أيدي التحريف مهما تحاول إخفاء الحقائق لكن كان على امتداد التاريخ أناس حاولوا المحافظة على الحقائق وبذلوا غاية جهدهم لإبقائها،ولاسيّما الذين كانوا في صفوف المعارضة للسلطات الجائرة وفي صدارتهم أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
ويكشف التراث بأنّ أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حفظوا الكثير من الحقائق وأوصلوها إلى الأجيال التي كانت بعدهم، وكان هذا الأمر من أكبر الأسباب التي أدّت إلى تعرّض الشيعة إلى الاضطهاد والتشريد والتعذيب والقتل.
لا يضرّنا من ضلّ إذا اهتدينا:
أدرك «جليل» بأنّ طريق البحث شائك، وأنّ الكثير من الناس فشلوا في هذا الاختبار الإلهي، ولكنّه لم يهتمّ إلاّ بوظيفته التي كانت تملي عليه أن ينقذ أولاً نفسه من الجهل والضلال، أمّا التحرّر من الجهل فسبيله طلب العلم، وأمّا السبيل للتحرّر من الضلال فسبيله مجاهدة النفس والزامها في اتّباع الحقّ ; لأنّ الكثير قد يعرف الحقّ لكنّ هواه يمنعه من اتّباعه، فيلقيه هذا الأمر في أودية الضلال.
وواصل «جليل» جهاده مع نفسه، والتزم سبيل الاستقامة، حتّى وفّقه الله
1) انظر الخلافة المغتصبة لإدريس الحسيني: ١١٣ - ١١٤.
تعالى للاستبصار، فأعلن استبصاره عام ١٤١٤هـ (١٩٩٤م) في «كلار» بالعراق.
ولا شكّ كانت البداية صعبة، فواجه «جليل» الكثير من الاعتراضات والحرمان ممّن حوله، ولكن بمرور الزمان سهل عليه الأمر.
وكان هذا التحوّل بالنسبة إلى «جليل» تجارة مربحة، وإن كانت مرفقة ببعض الصعوبات ولكن هذه سنّة الحياة، فالجنّة لا تنال بالملذّات والشهوات واتّباع الهوى، بل تنال بالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس، ولا يكتسب الإنسان الجنّة إلاّ في ظلّ الحرمان.
وتمضي الأيّام ويزداد «جليل» شعوراً بالراحة والسعادة والطمأنينة ; لأنّه واثق بأنّه يسلك سبيل الهداية، وليس ممّن يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً ولكنّهم في الضلال يعمهون.
ويدرك «جليل» بأنّ ما حصل عليه كان نتيجة الجهود التي بذلها في سبيل الهداية ونتيجة التوفيق الإلهي ; ولهذا فإنّه يلزم نفسه دائماً الشكر لله حيث هداه إلى سواء السبيل.
على مقام علي سلام الله عليه، واستهدف معاوية من هذا الأمر هدفين:
أوّلاً: تصغير شأن الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، كما يسمّيه هو للتمويه على الناس واعتبار الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه أفضل منه.
ثانياً: كي يتقبّل الناس تجاوز أوامر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصاياه في امر الخلافة في أهل بيته، خصوصاً الحسنين(عليهما السلام) اللذين كان يعاصران معاوية، فإذا كان من الممكن أن يتجاوز الثلاثة أوامر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في علي(عليه السلام) لم لا يمكن أن يتجاوز معاوية الرابع أوامره(صلى الله عليه وآله وسلم) في أولاد علي(عليه السلام)؟
وقد نجح ابن هند في مخطّطه نجاحاً كبيراً، والدليل أنّنا اليوم عندما نتحدّث عن علم علي وشجاعته وقرابته وفضله على الإسلام والمسلمين يقف في وجوهنا من يقول قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لو وزن إيمان أمّتي بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر».
ويقف في وجوهنا من يقول: عمر الفاروق هو الذي يفرق بين الحقّ والباطل، ويقف في وجوهنا من يقول: عثمان ذو النورين الذي استحت منه ملائكة الرحمن.
والمتتبّع لهذه الأبحاث يجد أنّ عمر بن الخطاب أخذ نصيب الأسد في باب الفضائل، وليس ذلك من باب الصدفة، كلاّ ولكن لمواقفه المعارضة والمتعدّدة اتّجاه صاحب الرسالة أحبّته قريش، وخصوصاً للدور الذي لعبه عمر في إقصاء أمير المؤمنين وسيّد الوصيين علي بن أبي طالب عن الخلافة وإرجاع الأمر إلى قريش تتحكّم فيه كيف شاءت، ويطمع فيه الطلقاء والملعونون من بني أُميّة، وقريش كلّها وعلى رأسهم أبو بكر يعرفون بأنّ الفضل كلّه يرجع لعمر في تسلّطهم على رقاب المسلمين.
فعمر هو بطل المعارضة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعمر هو المانع لرسول الله بأن
يكتب الخلافة لعلي، وعمر هو الذي هدّد الناس وشكّكهم في موت نبيّهم حتّى لا يسبقوه بالبيعة لعلي، وعمر هو بطل السقيفة، وهو الذي ثبّت بيعة أبي بكر، وعمر هو الذي هدّد المتخلّفين في بيت علي بأن يحرق عليهم الدار بمن فيها إن لم يبايعوا أبا بكر.
وعمر هو الذي حمل الناس على بيعة أبي بكر بالقوّة والقهر، وعمر هو الذي كان يعيّن الولاة ويعطي المناصب في خلافة أبي بكر، بل لسنا مبالغين إذا قلنا بأنّه هو الحاكم الفعلي حتّى في خلافة أبي بكر نفسه.
وقد حكى بعض المؤرّخين بأنّ المؤلّفة قلوبهم لما جاؤوا لأبي بكر لأخذ سهمهم الذي فرضه الله لهم جرياً على عادتهم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فكتب لهم أبو بكر بذلك، فذهبوا إلى عمر ليتسلّموا منه فمزّق الكتاب، وقال: لا حاجة لنا بكم فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن أسلمتم وإلاّ فالسيف بيننا وبينكم، فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا له: أنت الخليفة أم هو؟ فقال: بل هو إن شاء الله تعالى وأمضى ما فعله عمر(1).
ومرّة أخرى كتب أبو بكر لصحابيّين قطعة من الأرض وأرسلها لعمر ليمضِ فيه، فتفل فيه عمر ومحاه، فشتماه ورجعا لأبي بكر يتذمّران فقالا: ما ندري أأنت الخليفة أم عمر؟! فقال: بل هو، وجاء عمر مغضباً إلى أبي بكر وقال له: ليس من حقّك إعطاء الأرض إلى هذين، فقال أبو بكر: لقد قلت لك بأنّك أقوى منّي على هذا الأمر ولكنّك غلّبتني(2).
ومن هنا يتبيّن لنا سرّ المكانة التي حظى بها عمر بن الخطاب لدى قريش عامّة ولدى بني أُميّة خاصّة حتّى سمّوه بالعبقري وبالملهم وبالفاروق وبالعدل
المطلق إلى أن فضّلوه على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولا يخفى على أحد عقيدة عمر في رسول الله من يوم صلح الحديبية إلى يوم رزيّة الخميس، كما أنّه منع الصحابة من التبرّك بآثار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقطع شجرة بيعة الرضوان، كما توسّل بالعبّاس عمّ النبيّ ليشعر الناس بأنّ رسول الله مات وانتهى أمره، فلا فائدة حتّى في ذكراه، فلا لوم على الوهابية الذين يقولون بهذه المقالات فهي ليست جديدة كما يتوهّم البعض(1).
ماذا بعد الحقّ:
عندما اكتشف «جليل» الحقائق، واتضحت له الأمور جليّاً، لم يجد بُدّاً سوى الإذعان بالحقّ، فأعلن استبصاره.
ويقول «جليل»: قمت بعد استبصاري بنشر مبادئ مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وتوزيع الكتب بين أصدقائي وأقربائي.
كما كان استبصاري بينهم ملفتاً للنظر وباعثاً على الاستغراب، فكان الكثير يسأل منّي الأسباب التي دفعتني إلى اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فكنت أبيّن لهم ذلك.
والغريب تعصّب البعض لمبادئ ليس لهم أي دليل على صحّتها وإنّما هي مجرّد موروث ديني تلقّوه من آبائهم، والكثير لا يهتمّ بعقائده أبداً ولكنّه عندما يسمع بأنّ صديقه تخلّى عن عقيدته الموروثة تثور عنده الحميّة ويصبح في الصفّ المقدّم من المواجهة.
وياليت أمثال هؤلاء يهتمّون اهتماماً حقيقياً بدينهم وعقائدهم وأن لا يكون دفاعهم أو مواجهتهم للعقيدة إلاّ عن دليل وبرهان.
1) انظر: فاسألوا أهل الذكر، للدكتور التيجاني: ٥٦.
نشر الحقّ:
اهتمّ «جليل» بعد استبصاره بنشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) ووزّع الكثير من الكتب الشيعية بين أصدقائه وأقربائه، وشارك في إحياء مراسم عاشوراء وإحياء المناسبات الدينية الأخرى. وراسل العديد من المراكز الدينية ليكون الرابط بينهم وبين المتعطّشين للحقيقة في إيصال الكتب والأشرطة إليهم، وكان موفقّاً جداً في هذا الصعيد، وهو لا يزال يعمل بمثابرة في نشر التشيّع على قدر وسعه، ويعيش رغم المصاعب التي يواجهها حالة الارتياح والاستقرار النفسي نتيجة اطمئنانه بأدائه للواجب الديني الذي فرض عليه في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولد «جمال الدين» من أبوين ناصبيين، ويُذكر في شعراء القرن الثامن الهجري، وعند بلوغه مرحلة الرشد اتّخذ من مدينة «الحلّة» العراقيّة سكناً له، وكان معروفاً بالأدب والشعر.
توفّي في الحلّة عام ٧٥٠هـ فدفن بها، وله قبر معروف في تلك المدينة.
عمل الابن بنذر أمّه:
جاء في بعض المصادر التأريخيّة(1)أنّ أمّ «جمال الدين» التي كانت تكنُّ النصب والعداء لأهل البيت(عليهم السلام) نذرت إن رزقها الله ولداً تقوم بتربيته حتّى يبلغ رشده ثمّ تبعثه لقطع طريق زوّار الإمام الحسين(عليه السلام) والمبادرة إلى سلبهم وسفك دمائهم.
وفعلاً، عملت الأم بمقتضى نذرها، فلمّا بلغ ابنها رشده أرسلته لتحقيق هذا الهدف، فذهب إلى نواحي مدينة «المسيّب» القريبة من كربلاء المقدّسة، وطفق ينتظر قدوم الزوّار.
1) ذكر العلاّمة الأميني في كتاب «الغدير» ٦: ١٣ قصّة استبصاره نقلاً عن كتاب مجالس المؤمنين للتستري ورياض الجنّة للزنوزي، كما ذكر العديد من أشعاره في مدح أهل البيت(عليهم السلام) ورثائهم.
رؤيا هادية:
بينما كان «جمال الدين» ينتظر قدوم الزوّار إذ هوّمت عيناه واستولى عليه النوم، فاجتازت عليه قوافل الزوّار فلاح جسده غبار سيرهم، فرأى في عالم الرؤيا أنّ القيامة قد قامت، وقد أمر به إلى النار، لكنّ النار أبت إحراقه، وعرف في عالم الرؤيا أنّ سبب إباء النار من إحراقه هو تناثر غبار أقدام زوّار الحسين(عليه السلام)على جسده.
وكانت هذه الرؤيا هي السبب في استبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وذُكر أنّه نظم بعد مشاهدته الرؤيا بيتين من الشعر قال فيهما:
إذا شئت النجاة فزر حسسيناً لكي تلقى الإله قرير عينِ
فإنّ النار ليس تمسّ جسماً عليه غبار زوّار الحسين
فضل زيارة مرقد الإمام الحسين(عليه السلام):
إذا تتبّع الإنسان ما لزيارة الإمام الحسين سيّد الشهداء(عليه السلام) من الفضل عند الله يقف متعجّباً أمام هذا الكمّ الهائل من الروايات الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المجال:
فمنها ما ورد في دعاء الأئمّة(عليهم السلام) لزائري قبر الحسين(عليه السلام)(1).
فمنها ما ورد في أنّ من يدعو لزوّاره في السماء أكثر ممَّن يدعو لهم في
1) فقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه كان يدعو في مناجاته في السجود: «اللّهم... اغفر لي ولإخواني وزوّار قبر أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) الذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبة في برّنا... وإجابة منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدوّنا، أرادوا بذلك رضوانك فكافهم عنّا بالرضوان... واكفهم شرّ كلّ جبّار عنيد... وأعطهم أفضل ما أمّلوا منك في غربتهم عن أوطانهم»، كامل الزيارات٢٢٨.
الأرض(1).
فمنها ما ورد في غفران ذنوب الزائر(2).
ومنها ما ورد في استغفار الزهراء(عليها السلام) لزوّاره(3).
ومنها ما ورد في فضل صلاة الملائكة لزوّاره(عليه السلام)(4).
ومنها ما جاء في إكرام الله سبحانه وتعالى لزوّاره(5)، ومنع النار أن تنال منهم شيئاً(6).
ومنها ما ورد في أنّ زائره يكون في جوار أهل البيت(عليهم السلام) يوم القيامة(7).
ومنها ما ورد في أنّ من زاره كان كمن زار الله في عرشه وكُتب في أعلى عليّين(8).
ومنها ما ورد في أنّ زيارة الحسين(عليه السلام) تعدل الحجّ(9)والعمرة(10).
1) كامل الزيارات: ٢٢٩.
2) كامل الزيارات: ٢٣٠، ٢٥٣، ٢٥٧، ٢٦٢ إلى ٢٦٧ و٢٧٣، ٢٧٥، ٢٨٩.
3) فقد روي عن الصادق(عليه السلام): أنّ فاطمة بنت محمّد (عليها السلام) تحضر لزوّار قبر ابنها الحسين(عليه السلام)فتستغفر لهم. كامل الزيارات: ٢٣١.
4) فقد جاء عن الصادق عليه السلام: أنّ الله وكّل بقبر الحسين(عليه السلام) سبعين ألف ملك شعثاً غبراً يبكونه إلى يوم القيامة، يصلّون عنده، الصلاة الواحدة من صلاة أحدهم تعدل ألف صلاة من صلاة الآدميّين، يكون ثواب صلاتهم وأجر ذلك لمن زار قبره. كامل الزيارات: ٢٣٥.
5) كامل الزيارات: ٢٣٨، وقد جاء في الصفحة ٢٦٣ عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: ]زوّار الحسين(عليه السلام)[ يدخلون الجنّة قبل الناس بأربعين عاماً وسائر الناس في الحساب والموقف.
6) كامل الزيارات: ٢٣٨ و٢٤٥.
7) كامل الزيارات: ٢٦٠، ٢٦١.
8) كامل الزيارات: ٢٧٨، ٢٧٩، ٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٢.
9) كامل الزيارات: ٢٩٣ إلى ٣٠٧.
10) كامل الزيارات: ٢٩٠ إلى ٢٩٣.
ومنها ما ورد في أنّ زوّار الحسين(عليه السلام) مشفّعون(1).
ومنها ما ورد من الثواب العظيم لمن زاره ماشياً(2).
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الثواب العظيم لزيارة قبر سيّد الشهداء(عليه السلام).
إشكال وجواب:
أشكل البعض من السلفيّة على هذه الروايات، وادّعوا بأنّها وأمثالها التي تبيّن فضل البكاء على سيّد الشهداء(عليه السلام)(3)موضوعة على لسان الأئمّة(عليهم السلام).
وفي مقام الإجابة على هذا الإشكال، ينبغي الإشارة إلى أنّ هذه الروايات صحّحت سنداً ومتناً وفق مباني الشيعة في علمي الرجال والدراية، فإنّها حجّة علينا وإنْ لم تكن حجّة عليهم ; لعدم اتّّباعهم العترة الطاهرة(عليهم السلام) وادّعاء وضعها وجعلها على الأئمّة(عليهم السلام) مع عددها وكمّها الكبير واختلاف رواتها إضافة إلى اتّصال سندها بالأئمّة(عليهم السلام) غير وارد اطلاقاً.
كما أشكل هؤلاء بأنّ هذه الروايات من مصاديق الغلو بشأن الإمام الحسين(عليه السلام). وللإجابة على هذا الإشكال ينبغي تعريف الغلوّ أوّلاً:
الغلوّ لغة: الارتفاع ومجاوزة القدر في كلّ شيء(4).
1) كامل الزيارات: ٣٠٩ إلى ٣١١.
2) فقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): «... مَن أتى قبر الحسين(عليه السلام) ما شياً كتب الله له بكلّ خطوة ألف حسنة، ومحى عنه ألف سيّئة ورفع له ألف درجة». كامل الزيارات: ٢٥٥، كما روى عنه أيضاً: «أنّ الرجل ليخرج إلى قبر الحسين(عليه السلام)، فله إذا خرج من أهله بأوّل خطوة مغفرة ذنوبه...». كامل الزيارات: ٢٥٣.
3) راجع كتاب بحار الأنوار ٤٤: ٢٧٨ الباب ٣٤ الذي عُقد لبيان ثواب البكاء على مصيبة سيّد الشهداء(عليه السلام) وفيه الكثير من الروايات التي نقلها العلاّمة المجلسي(رحمه الله) عن الكتب المعتبرة، كما ذُكرت عدّة روايات في هذا المجال في كامل الزيارات: ٢٠١ إلى ٢١١.
4) لسان العرب ١٠: ١١٢.
واصطلاحاً: مجاوزة الحدّ المعقول والمفروض في العقائد الدينيّة والواجبات الشرعيّة(1).
وأمّا ثواب زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) والبكاء عليه، فليس لهذا الكمّ الهائل من الثواب صلة بالغلوّ ; لأنّه إذا تتبّع الإنسان كتب الحديث عند الفريقين واستقصى فضل وثواب بعض الحسنات حتّى الجزئيّة منها يجد العديد من نماذج الأعمال التي قد عيّن الله لها الكمّيات الهائلة من الثواب، كثواب الجماعة في المسجد حيث روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة فهي كحجّة، ومَن مشى إلى صلاة تطوّع فهي كعمرة تامّة»(2).
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في فضل التسبيح: «مَن سبّح الله مائة بالغداء ومائة بالعشى كان كمن حجّ مائة حجّة»(3).
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يسبغ عبدٌ الوضوء إلاّ غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر»(4).
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «من علّم ابنه القرآن نظراً غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر»(5).
كما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في فضل قراءة سورة التوحيد: «(من قرأ قل هو الله أحد) خمسين مرّة غفر له ذنوب خمسين سنة»(6).
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): من قال حين يأوي إلى فراشه «استغفر الله الذي لا إلاّ هو
الحيّ القيّوم وأتوب إليه» ثلاث مرّات غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر(1).
وقد أشكل البعض بأنّ الشخص المزار أو الذي يُبكى عليه كيف يكون له هذا المقام السامي عند الله عزّ وجلّ بحيث تُغفر لأجله جميع ذنوب زوّاره، أو يكون السبب في دخولهم الجنّة؟! أوليس هذا نوع من الغلوّ في حقّه؟
والجواب على هذا الإشكال أيضاً واضح، فإنّ أثر العمل الصالح الذي يعمله الإنسان هو الأجر عند الله عزّ وجلّ، وهذا الأجر مبنيٌّ على النيّة، فإن أخلص الإنسان نيّته في عمله - وإن كان قليلاً - فإنّ الله يرفع ذلك العمل ويتقبّله ويجازى صاحبه عليه(2).
فإنّ التصدُّق بالخاتم أثناء الصلاة ليس عملاً شاقّاً، ولعلّ بعض المسلمين قام بهذا العمل بعد أمير المؤمنين(عليه السلام) مراراً لكي ينزل في حقّه شيء من القرآن الكريم!! لكنّ الله عزّ وجلّ خصّ أمير المؤمنين(عليه السلام) بهذه الفضيلة ولم يشرك فيها أحداً منهم.
كما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر أنّ ضربة الإمام علي(عليه السلام) يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين(3).
وليس ذلك إلاّ أنّها كانت خالصةً لوجه الله تعالى ; لأنّه لم يفعلها إلاّ امتثالاً لأمر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك الحال في نهضة سيّد الشهداء(عليه السلام)، فإنّ قدسيّة هدفه ونيّته
1) سنن الترمذي ٥: ١٣٧.
2) روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: أخلصوا أعمالكم لله، فإنّ الله لا يقبل إلاّ ما خلص له. مجمع الزوائد ١٠: ٢٢١، كما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام): العمل كلّه هباء إلاّ ما أخلص فيه. ميزان الحكمة ١: ٧٥٧ نقلاً عن غرر الحكم.
3) نقل الحلبي في السيرة الحلبية ٢: ٦٤٢، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: قتل علي لعمرو ابن عبد ود أفضل من عبادة الثقلين، كما ذكر الخبر الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣: ٣٢، باختلاف. وقال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة.
الخالصة هما السرّ الحقيقيّ وراء نيله هذا المقام السامي وخلود ذكره واسمه على مرّ العصور.
فإنّه أخلص نفسه لله عزّ وجلّ، وقدّم كلّ نفيس وغالي لا لشيء إلاّ لإعلاء كلمة الحقّ.
فلم يبحث الحسين(عليه السلام) في نهضته عن موقع سياسي، أو جاه معيّن، أو منافع مادّية ودنيويّة، فالأمر الوحيد الذي كان يفكّر به في ثورته هو إخراج الضالّين من الضلالة إلى صراط الهداية.
وإزاء هذا الإخلاص ومقابلة له بالجميل أعطاه الله مزايا وخصائص لم يُشرِك فيها أحداً.
فهل من الغلوّ أن يثمّن موقف الإمام الحسين(عليه السلام) يوم الطفّ والذي قدّم فيه نفسه وأهل بيته وخُلّص أصحابه قرابين لوجه الله؟! هل من الغلوّ أن يثمّن موقفه هذا بجعل الفضل والأجر لزيارته أو البكاء عليه؟!
نعم، إنّ الحسين(عليه السلام) استحقّ هذا الفضل العظيم ; لأنّ تضحيته هذه كانت العامل الأساسي في بقاء الإسلام المحمّدي الأصيل.
سبب تسمية «جمال الدين» بالخليعي:
أخلص علي - جمال الدين - في ولائه لأهل البيت(عليهم السلام) وأنشد قصائد كثيرة في العترة الطاهرة مدحاً ورثاءً، لو تُجمع لأصبحت ديواناً ضخماً، وقد ذكر العلاّمة الأميني فهارسها في كتاب الغدير(1).
وجاء في الكتاب المذكور(2)أنّه لمّا دخل الحرم الحسيني المقدّس يوماً،
وأنشأ قصيدته في سيّد الشهداء(عليه السلام) وقع عليه ستار من الباب الشريف في أثناء إلقائها فسُمّي بالخليعي أو الخلعي وهو يتخلّص بهما في شعره.
وله قصيدة معروفة في رثاء سيّد الشهداء(عليه السلام) جاء فيها:
أيُّ عذر لمهجة لا تذوبُ وحشاً لا يشبُّ فيها لهيبُ
ولقلب يضيق من ألمِ الحز ن وعين دموعها لا تصوبُ
وابن بنت النبيّ بالطفّ مطرو حٌ لقىً والجبين منه تريبُ
حوله من بني أبيه شبابٌ صرعتهم أيدي المنايا وشيبُ
وحريمُ النبيّ عبرى من الثكـ ـلِ وحسرى خمارُها منهوبُ
تلك تدعو اخي وتلك تنادي يا أبي وهو شاخصٌ لا يُجيبُ
لهفَ قلبي وطفله في يديهِ يتلظّى والنحرُ منه خضيبُ
لهفَ قلبي لأُخته زينبَ تأ وي اليتامى ودمعُها مسكوبُ
لهفَ قلبي لفاطم خيفةَ السبـ ـي تخفَّتْ وقلبُها مرعوبُ
لهفَ قلبي لأُم كلثومَ والخدّ ان منها قد خدّدتها الندوبُ
وهي تدعو يا واحدي يا شقيقي يا مغيثي قد برّحتني الخطوبُ
ثمّ تشكو إلى النبيّ ودمعُ الـ ـعين في خدِّها الأسيلِ صبيبُ
جدُّ يا جدُّ لو ترانا سبايا قد عرتنا بكربلاءَ الكروبُ
جدُّ يا جدُّ لم يفد ذلك النصـ ـح وذاك الترهيبُ والترغيبُ
جدُّ لم تقبل الوصيّةُ في الأهـ ـلِ ولم يُرحَمِ الوحيدُ الغريبُ
أين عيناكَ والحسينُ قتيلٌ وعليٌّ مغلّلٌ مضروبُ
لا ترى سبطَكَ المفدّى طريحاً عارياً والرداءً منه سليبُ
ولدت عام ١٣٩١هـ (١٩٧٢م) في «كلار» بالعراق، واصلت دراستها الأكاديمية حتّى تخرّجت من كليّة الآداب، ثمّ دفعتها الرغبة في البحث عن الحقيقة إلى دراسة مقارنة بين المذاهب الإسلاميّة، فاهتمّت بمطالعة الكتب الدينيّة ثمّ لفت نظرها عمق الأدلّة والبراهين التي يعتمد عليها مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فتوجّهت إلى قراءة الكتب الشيعيّة حتّى انتهى بها البحث إلى الاقتناع الكامل بأحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فأعلنت استبصارها.
العصمة عند المسلمين:
وجدت «جوان» خلال بحثها عن الحقيقة أنّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) يمتاز عن باقي المذاهب الإسلاميّة في اعتقاده بالعصمة، وهذا ما يجعل الإنسان أكثر وثوقاً في تمسّكه بالتعاليم الدينيّة التي يتلقّاها من هذا المصدر المعصوم، والملفت للنظر أنّ اعتقاد الشيعة بعصمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يختلف عن اعتقاد أهل السنّة بها.
قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(1).
وقال تعالى أيضاً في حقّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا
1) الحشر (٥٩): ٧.
وَحْيٌ يُوحَى(1). وقال تعالى: وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(2).
وتكشف هذه الآيات - بوضوح - العصمة المطلقة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ شيء، ولكنّ الواقع العملي لأهل السنّة يكشف عدم اعتقادهم بها، حيث أنّهم يدافعون عن قول عمر بن الخطاب عندما اتّهم الرسول بالهجر كما أقرّ ابن تيميّة بذلك(3)، وذلك عندما أراد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبيّن للأُمّة أمراً يعصمهم من الضلال، ولكن وقف عمر بن الخطاب بوجه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنعه من بيان ذلك، واتّهمه بالهجر بحيث دفع هذا الأمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيان ذلك في الأيّام الأخيرة من عمره الشريف، وعندما يدافع أهل السنّة عن موقف عمر فكيف يسعهم بعد ذلك التفوّه بعصمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في تبليغ الرسالة.
وإنّ أهل السنّة يقولون بأنّنا نعتقد أنّ الرسول معصوم فقط في تبليغ القرآن والسنّة وأمّا في سائر الموارد فهو كسائر البشر يخطئ ويصيب، وكتبهم الروائيّة مليئة بذكر الأحاديث المدسوسة والاسرائيليّة المخّلة بعصمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته الشخصيّة.
وقد بيّنا بأنّ الواقع العملي لأهل السنّة يكشف خلاف ما يقولون بالحدّ الأدنى من العصمة التي يذهبون إليها.
وينقل التيجاني حواراً جرى بينه ويبن شخص سنّي حيث قال له: لقد خالف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن في كثير من الأحكام حسب ما تقتضية المصلحة.
يقول التيجاني: قلت متعّجباً: أعطني مثلاً واحداً على مخالفته.
أجاب: يقول القرآن: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَة(1)بينما حكم الرسول على الزاني والزانية بالرجم وهو غير موجود في القرآن.
قلت: إنّما الرجم على المحصن إذا زنى، ذكراً كان أم أنثى، والجلد على الأعزب إذا زنى، ذكراً كان أم أنثى.
قال: في القرآن ليس هناك أعزب أو محصن، لأنّ الله لم يخصّص بل أطلق لفظ الزانية والزاني بدون تخصيص.
قلت: إذن على هذا الأساس فكلّ حكم مطلق في القرآن خصّه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فهو مخالف للقرآن؟
فأنت تقول بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) خالف القرآن في أكثر أحكامه؟
أجاب متحرّجاً: القرآن وحده معصوم ; لأنّ الله تكفّل بحفظه، أمّا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فهو بشر يخطئ ويصيب، كما قال القرآن في حقّه: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ(2).
قلتُ: فلماذا تصلّي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقد أطلق القرآن لفظ الصلاة بدون تخصيص لأوقاتها؟
أجاب: القرآن فيه إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا(3)والرسول هو الذي بيّن أوقات الصلاة.
قلت: فلماذا تصدّقه في أوقات الصلاة، وتردّ عليه في حكم رجم الزاني؟
فحاول أن يقنعني بفلسات عميقة متناقضة لا تقوم على دليل عقلي ولا منطقي كقوله: بأنّ الصلاة لا يمكن الشكّ فيها ; لأن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فعلها طيلة
حياته، وفي كلّ يوم خمس مرّات، أمّا الرجم فلا يمكن الاطمئنان إليه لأنّه لم يفعله في حياته غير مرّة أو مرّتين.
ثمّ يضيف التيجاني: حاولت بدوري إقناعه ولكن دون جدوى، لأنّ علماء أهل السنّة والجماعة متّفقون على ذلك، وصحاحهم مشحونة بمثل هذه الروايات التي تخدش في عصمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وتجعل منه شخصاً أقلّ مستوى من الرجل الذكي، أو القائد العسكري أو حتّى شيخ الطريقة عند الصوفيّة.
ولست مبالغاً إذا قلت: أقلّ مستوى حتّى من الرجل العادي، فإذا ما قرأنا بعض الروايات في صحاح أهل السنّة والجماعة يتبيّن لنا بوضوح إلى أيّ مدى وصل التأثير الأُموي في عقول المسلمين من عهدهم وبقيت آثاره حتّى يومنا هذا.
وإذا ما بحثنا الغرض أو الهدف من ذلك فسوف نخرج بنتيجة حتميّة ومُرّة ألا وهي: إنّ أُولئك الذين حكموا المسلمين في عهد الدولة الأُمويّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان لم يعتقدوا يوماً من الأيّام بأنّ محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو مبعوث برسالة من عند الله أو هو نبيّ الله حقاً.
وأغلب الظنّ أنّهم كانوا يعتقدون بأنّه كان ساحراً، وقد تغلّب على الناس وشيّد مُلكه على حساب المستضعفين منهم وبالخصوص العبيد الذين أيّدوا دعوته وناصروه.
وليس هذا مجرّد ظنّ فإنّ بعض الظنّ إثمّ، ولكن عندما نقرأ في كتب التاريخ لنتعرّف على شخصيّة معاوية وأحواله وما فعله طيلة حياته خصوصاً مدّة حكمه فالظنّ يصبح حقيقة لا مفرّ منها»(1).
1) فاسألوا أهل الذكر، الدكتور التيجاني السماوي: ٣٥ - ٤١.
وعموماً فالرغبة في اكتشاف عقائد أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، والرغبة في البحث عن الحقيقة هي التي دفعت «جوان فايق» إلى البحث الذي أدّى بها في نهاية المطاف إلى ترك معتقداتها السابقة التي كانت من جملتها التنقيص من شخصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام). الذي يثبت ا لعصمة للرسول وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
الصورة
ولد «جوزيف» في «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أُسرة مسيحيّة كاثوليكيّة، أسلم عام ١٣٨٢هـ (١٩٦٣م) بعد أن فرضت عليه الأدلّة والبراهين الساطعة أحقّيّة الإسلام وأحقّيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
يقول «جوزيف»: كان لي - قبل إسلامي بسنتين - اتصال مع الشيعة الإمامية، وكانت تدور بيننا مجادلات وبحوث عقائديّة، وكما كانت لي حوارات مع أتباع باقي المذاهب، وكنت أتأمل في الأدلّة التي يبيّنها اتباع هذه المذاهب وبعد إجراء دراسة مقارنة بين هذه الأدلّة والبراهين اخترت مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
يضيف «جوزيف» قائلاً: بعد مطالعاتي المكثّفة التي بدأتها بكتاب «نهج البلاغة»، وغيره من الكتب تجلّت لي أحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فلم أجد سوى اعتناق هذا المذهب والالتحاق بركب أهل البيت(عليهم السلام).
نهج البلاغة وبيان عقيدة التوحيد:
السبيل لمعرفة التوحيد هو معرفة صفات الله تعالى، فمن عرف صفاته تعالى وتمعّن فيها وأدركها بحقيقتها فقد عرف الله ووحّده، والمنبع لمعرفة هذه الصفات
هو الكتاب والسنّة، وبما أنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم عدل القرآن والأمناء على الشريعة والحافظون لها، فلابدّ من الأخذ منهم في هذا المجال فحسب ; لأنّهم هم اللذين اصطفاهم الله ليكونوا حججه على بريّته، والصلة بينه وبين عباده، ولا يمكن التعرّف على الأُمور المرتبطة به تعالى إلاّ من خلال هذه الصفوة، وإلى هذا أشار الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «بنا عُرف الله، وبنا عبد الله، نحن الأدلاّء على الله ولولانا ما عبد الله»(1).
انجذب «جوزيف» إلى أهل البيت(عليهم السلام) ولاسيّما الإمام علي(عليه السلام) عندما قرأ معارف التوحيد في النهج الشريف، منها خطبة للإمام علي(عليه السلام) يبيّن فيها حقيقة التوحيد وما تحتويه هذه العقيدة من مفاهيم عالية، وقيم سامية، تجذب الإنسان إلى التأنّي فيها، والإقرار بثبوتها، وجاء في هذه الخطبة:
«ما وحّده من كيّفه، ولا حقيقتهُ أصاب من مثّله، ولا إياه عنى من شبّهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهّمه.
كلّ معروف بنفسه مصنوع، وكلّ قائم في سواه معلول، فاعل لا باضطراب آلة، مقدّر لا بجول فكرة، غنيّ لا باستفادة.
لا تصحبُهُ الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله.
بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبمضادته بين الأُمور عرف أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له.
ضادّ النور بالظلمة، والوضوح بالبُهمة، والجمود بالبَلَل، والحرُور بالصرد.
مؤلّف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرّب بين متباعداتها، مفرّق بين متدانياتها.
1) بحار الأنوار ٢٦: ٢٦٠.
لا يُشمل بحدّ، ولا يحسب بعدّ، وإنّما تحدُّ الأدوات أنفسها، وتشير الآلات إلى نظائرها، منعتها «منذ» القدمَةُ، وحمتها «قد» الأزليّة، وجنّبتها «لولا» التكملة، بها تجلّى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون.
لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه؟ ويعود فيه ما هو أبداه؟ ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزّأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذ وجد له أمام، ولا لتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذاً لقامت آية المصنوع فيه، ولتحوّل دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثّر فيه ما يؤثّر في غيره، الذي لا يحول ولا يزول، ولا يجوز عليه الأُفُول.
ولم يلد فيكون مولوداً، ولم يولد فيصير محدوداً، جلّ عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء.
لا تناله الأوهام فتقدّره، ولا تتوهّمه الفطن فتصوّره، ولا تدركه الحواس فتحسّه، ولا تلمسه الأيدي فتمسّه، ولا يتغيّر بحال، ولا يتبدّل بالأحوال، ولا تبليه الليالي والأيّام، ولا يغيّره الضياء والظلام، ولا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية والأبعاض.
ولا يقال له حدٌّ ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أنّ الأشياء تحويه فتُقلّه أو تهويه، أو أنّ شيئاً يحمله فيميله أو يعدّله.
ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع لا بخُروق وأدوات، يقول ولا يَلفظ، ويحفظ ولا يتحفّظ، ويريد ولا يضمر.
يحبّ ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة.
يقول لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّلهُ، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً
لكان إلها ثانياً.
لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل، ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدئ والبديع . . . »(1).
توقّف «جوزيف» عند هذه الكلمات والمضامين الرفيعة، وتأنّى في حقيقة هذه العقيدة الحقّة بما يصفها أمير المؤمنين(عليه السلام) بهذه الأوصاف الدقيقة، والعقائد السليمة، ورأى الخلاف الشاسع بين ما كان يعتقده هو وجميع أتباع الديانة المسيحيّة، وبين التوحيد المستفاد من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام).
عقيدة أتباع الديانة المسيحيّة في التوحيد:
يعاني أتباع الديانة المسيحيّة من تناقضات واضحة في عقيدة التوحيد، فتراهم يقولون بالأقانيم الثلاثة، وهذه العقيدة في نفسها غير واضحة لاتباع هذه الديانة أنفسهم.
يقول أحد المسيحيين المهتدين إلى الدين الإسلامي الحنيف - وهو الأستاذ علي الشيخ - في وصفه لاعتقاد أتباع الديانة المسيحيّة في التوحيد: «إنّ عقيدة الثالوث الأقدس تعتبر السرّ الأوّل في العقيدة المسيحيّة، فهي الأساس الذي بنيت عليه المسيحيّة، كما أنّ التوحيد هو الأساس في الإسلام، فنحن في كلّ عمل كنّا نقوم به نبدأ (باسم الأب والابن والروح القدس)، وهو أوّل شيء تعلّمته منذ نعومة أظافري، فعند الأكلّ نبتدئ به، وعند الدخول إلى الكنيسة، وعند الصلاة، ولهذا لا أعتقد أنّ هناك عقيدة مترسّخة في نفس كلّ مسيحي كعقيدة التثليث.
ولكن بالرغم من هذا ففهمها مشكل جدّاً، بل مستحيل! فنحن نعتقد أنّ
1) نهج البلاغة ٢: ١٢٣، الخطبة ١٨٦.
التثليث ولأنّه يرتبط بحقائق إلهيّة فائقة الوصف، فهو بعيد عن متناول عقل الإنسان، ولذا فهو يبقى سراً غامضاً لا يفهم، فهو فوق الإدراك البشري.
وقبل الدخول في البحث عن هذه العقيدة، لا يفوتني أن أذكر من أنّ المسيحيين لا يعتقدون بثلاثة آلهة كما يتصوّر البعض، بل هم يؤمنون بإله واحد له ثلاثة أقانيم وهي (الأب والابن والروح القدس).
وفي الواقع أنّ كلمة (التثليث أو الثالوث) لم ترد في الكتاب المقدّس، ويظنّ أنّ أوّل من صاغها واستعملها هوترتوليان في القرن الثاني للميلاد.
ثُمّ ظهر سبيليوس في منتصف القرن الثالث وحاول أن يفسّر العقيدة بالقول:إنّ التثليث ليس أمراً حقيقياً في الله، لكنّه مجرد إعلان خارجي، فهو حادث مؤقّت وليس أبدياً.
ثُمّ ظهر أريوس الذي نادى بأنّ الأب وحده هو الأزلي بينما الابن والروح القدس مخلوقان متميّزان عن سائر الخليقة.
وأخيراً ظهر أثناسيوس الذي وضع أساس العقيدة (الثالوث الأقدس).
وبعد مناقشات وتشاجرات بين علماء المسيحيّة وكبار قادة الكنيسة الذين افترقوا بين مؤيّد لأريوس، ومؤيّد لأثناسيوس، دفعت بالامبراطور قسطنطين إلى الدعوة لعقد أوّل مجمع مسكوني في عام ٣٢٠ ميلادي في «نيقية»، وحضر هذا الاجتماع أكابر العلماء والأساقفة، وبعد شهر أو أكثر من النقاش والجدال، انتصرت عقيدة أثناسيوس وكسبت أكثر الآراء، وتمّ تشكيل عقيدة التثليث والتي نصّت على ما يلي:
نحن نعبد إلهاً واحداً في الثالوث، والثالوث في التوحيد لأنّ هناك شخصاً للأب وآخر للابن وآخر لروح القدس، أنّهم ليسوا ثلاثة آلهة ولكن إله واحد! فكلّ الأشخاص الثلاثة هم أزليون معاً ومتساوون معاً، وهكذا فإنّ الإنسان الناجي هو
ذلك الذي يعتقد بالثالوث.
فالمسيحيون يلخّصون عقيدة التثليث في النقاط الستة التالية:
١ - الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله.
٢ - هؤلاء الثلاثة يصفهم الكتاب بطريقة تجعلهم شخصيّات متميّزة الواحدة عن الأخرى.
٣ - هذا التثليث في طبيعة الله ليس مؤقّتاً أو ظاهراً بل أبدي وحقيقي.
٤ - هذا التثليث لا يعني ثلاثة آلهة بل أنّ هذه الشخصيات جوهر واحد!
٥ - الشخصيات الثلاث الأب والابن والروح القدس متساوون!
٦ - لا يوجد تناقض في هذه العقيدة!
فالمسيحيون يؤكّدون على التوحيد، وأنّ خالق هذا العالم والذي يدير شؤونه هو واحد لا أكثر، ولكن في تعريفهم لحقيقة هذا الواحد يقولون أنّه يتألّف من ثلاثة أقانيم أو أشخاص وهم (الأب والابن والروح القدس)، وهم متساوون في القدرة والمجد، ويؤكّدون أنّ هذه المعرفة كانت تدريجيّة، فالله سبحانه لم يكشف عن نفسه مرّة واحدة، لشدّة نوره الذي يبهر العيون، بل تمّت معرفته في يسوع المسيح(عليه السلام)، فالخالق العظيم كانت حقيقته مجهولة للإنسانيّة، ولم يستطع أحد التعرّف على كنهه، وبمجيء المسيح(عليه السلام) كشف ربّنا عن كنهه وحقيقته بتجسّده في عيسى المسيح(عليه السلام)»(1)!
والإشكالات الواردة على هذه النظرية كثيرة جدّاً نشير إلى جملة منها:
أوّل: إشكال يواجه هذه العقيدة: أنّها مخالفة للعقل، لأنّ العقل يحكم ببطلان اجتماع النقيضين، وقوام هذه العقيدة على اجتماع النقيضين، فيرون أنّ هؤلاء الثلاثة مع كونهم ثلاثة أشخاص إلاّ أنّهم شخص واحد، ومن الواضح أنّ الواحد
1) هبة السماء: ٩٧.
الحقيقي لا يمكن أن يصير ثلاث حقائق، وإلاّ فهو ليس واحداً حقيقة، ولأجل هذا المحذور الواضح والجلي التجأ أساقفتهم إلى تعجيز العقل عن فهم هذه العقيدة وجعلوها من الأسرار الغامضة التي تفوق الإدراك البشري!
وثانياً: لازم هذا الاعتقاد كون الله سبحانه وتعالى مركّباً من أجزاء ثلاثة، والمركّب محتاج إلى أجزائه، فيكون الله تعالى محتاجاً ولكنّه تعالى منزّهاً عن ذلك.
وثالثاً: يعترف المسيحيّون بأنّ عيسى(عليه السلام) كان كثير العبادة، وكان قائماً ليله وصائماً نهاره، فإذا كان عيسى هو الله بأيّ معنى يقصده المسيحيّون فما الجدوى من هذه العبادة الكثيرة التي يتّصف بها المسيح(عليه السلام)؟! وهل يعقل أن يعبد اللهُ نفسه ويصلي ويصوم لنفسه؟!
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حيث يقول تعالى: وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْ شَهِيدٌ(1).
النهاية المشرقة:
عندما رأى «جوزيف» التناقضات الواضحة في معتقده حول التوحيد، وتعرّف على العقيدة الصحيحة المتمثّلة في كلام الإمام علي(عليه السلام)، أذعن للحقّ، لأنّه كان ممّن يتطّلع نحو الحقّ ويقفوا أثره، وكان متذّمراً من التقليد الأعمى للآباء والسلف، وكان لا يرغب في غضّ طرفه عن الحقائق التي تنكشف أمام ناظريه،
1) المائدة (٥) : ١١٦ ـ ١١٧.
فأذعن للحقّ بعدما تجلّى له واهتدى إلى الإسلام الصحيح الذي ينبع من بيت الوحي والنبوّة، واهتدى إلى دقيق كلام هذه العترة الطاهرة فاستنار به.
يقول «جوزيف»: لقد حدث تغيير كامل في نفسي، تغيير في وجداني وإنسانيتي وأخلاقي بفضل الإسلام الصحيح وولاية أهل البيت(عليهم السلام) والعمل بنصائحهم، والحمد لله على نور الهداية.
ورد في كتاب «أعيان الشيعة»:
قال العلاّمة في الخلاصة: «الحارث ابن أبي رسن الأوديّ الكوفي»، قال ابن عقدة: إنّه أوّل من ألقى التشيّع في بني أود.
وفي منهج المقال نقلاً عن الخلاصة: «الحارث بن أبي رسن الأودي»، قال ابن عقدة: أنّه أوّل من ألقى التشيّع في بني أود.
وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق(عليه السلام) فقال: «الحارث ابن أبي رسن الأزديّ الكوفي» وفي رجال ابن داود: «الحارث ابن أبي رسن الأوديّ الكوفي» قال ابن عقدة: أوّل من ألقى التشيّع في بني أود.
وفي منهج المقال: أنّه وافق الشيخ في الأوّل دون الثاني، وكأنّه الصواب أي وافقه في رسن فجعله بالراء، وخالفه في الأوديّ فجعله بالواو دون الزاي، فالخلاصة ورجال ابن داود متوافقان، وما يوجد في نسخة مخطوطة مصحّحة من جعل الأوّل بالواو والثاني بالزاي خطأ قطعاً كالذي في نسخة منهج المقال المطبوعة من أنّه أوّل من تشيع في بني أود(1).
1) أعيان الشيعة ٤: ٣٠١.
جاء في كتاب «بحار الأنوار»:
ورد عن أنس بن مالك -وكان خادم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)- قال: لمّا رجع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) من قتال أهل النهروان نزل براثا، وكان بها راهب في قلايته وكان اسمه «الحباب»، فلمّا سمع الرّاهب الصيحة والعسكر أشرف من قلايته إلى الأرض فنظر إلى عسكر أمير المؤمنين(عليه السلام) فاستفظع ذلك، ونزل مبادراً فقال: من هذا؟ ومن رئيس هذا العسكر؟
فقيل له: هذا أمير المؤمنين وقد رجع من قتال أهل النهروان.
فجاء «الحباب» مبادراً يتخطّى الناس حتّى وقف على أمير المؤمنين(عليه السلام)فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين حقّاً حقّا.
فقال له: وما علمك بأنّي أمير المؤمنين حقّاً حقّا؟
قال له: بذلك أخبرنا علماؤنا وأحبارنا.
فقال له: يا «حباب»! فقال له الرّاهب: وما علمك باسمي؟
فقال: أعلمني بذلك حبيبي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
فقال له «الحباب»: مُدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمّداً رسول الله
وأنّك علي بن أبي طالب وصيّه.
فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): وأين تأوي؟
فقال: أكون في قلاية لي هاهنا.
فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): بعد يومك هذا لا تسكن فيها، ولكن ابن هنا مسجداً وسمّه باسم بانيه، فبناه رجل اسمه براثا فسمّي المسجد ببراثا باسم الباني له.
ثُمّ قال: ومن أين تشرب يا «حباب»!
فقال: يا أمير المؤمنين من دجلة هاهنا.
قال: فلِمَ لا تحفر هاهنا عيناً أو بئراً، فقال له: يا أمير المؤمنين كلّما حفرنا بئراً وجدناها مالحة غير عذبة.
فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): احفر هاهنا بئراً فحفر فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها، فقلعها أمير المؤمنين(عليه السلام) فانقلعت عن عين أحلى من الشهد وألذّ من الزبد(1)
1) بحار الأنوار ٥٢: ٢١٧، الحديث ٨٠.
«الحرّ» بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي اليربوعي الرياحي. هكذا ذكر نسبه في إبصار العين، وفي رجال الشيخ: الحرّ بن يزيد بن ناجية بن سعد من بني رياح بن يربوع.
استشهد الحرّ مع الحسين(عليه السلام) بكربلاء سنة٦١هـ .
ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الحسين(عليه السلام)، كان الحرّ من رؤساء أهل الكوفة. أرسله ابن زياد من القادسية أميراً على ألف فارس يستقبل بهم الحسين لئلاّ يدخل الكوفة. وجعله ابن سعد يوم عاشوراء على ربع تميم وهمدان، وقال يوسف قزاوغلي المعروف بسبط بن الجوزي في تذكرة الخواص: كان الحرّ بن يزيد اليربوعي من سادات أهل الكوفة. وفي إبصار العين: كان الحرّ شريفاً في قومه جاهلية وإسلاماً، فإنّ جدّه عتاباً كان رديف النعمان، وقد ولد عتاب قيساً وقعنباً ومات، فردف قيس للنعمان ونازعه الشيبانيون. فقامت بسبب ذلك حرب يوم الطخفة، والحرّ هو ابن عمّ الصحابي الشاعر، وهو زيد بن عمرو بن قيس بن عتاب.
وقال صاحب الإصابة: زيد بن عمرو بن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح
قالا: فقلنا: إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلة قط.
قال: «فما تريانه رأى»؟
قلنا: رأى هوادي الخيل، وفي الملهوف: «فما ترونه»؟
قالوا: نراه والله أسنّة الرماح وآذان الخيل!
قال: وأنا والله أرى ذلك.
ثُمّ قال الحسين: «أمّا لنا ملجأ نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد»؟
قالوا: بلى! هذا ذو حسم -وهو اسم موضع- عن يسارك تميل إليه فإن سبقت القوم فهو كما تريد، فأخذ ذات اليسار، فما كان بأسرع من أن طلعت هوادي الخيل، فتبيّناها فعدلنا عنهم، فلمّا رأونا عدلنا عدلوا معنا كأنّ أسنّتهم اليعاسيب وكأنّ راياتهم أجنحة الطير، فاستبقنا إلى ذي حسم، وأمر الحسين بأبنيته فضربت.
وجاء القوم زهاء ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي حتّى وقف هو وخيله في حَرّ الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلّدو أسيافهم، فقال الحسين لفتيانه: «اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً»، فأقبلوا يملأون القصاع والطساس من الماء، ثُمّ يدنونها من الفرس فإذا عب فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقوا آخر حتّى سقوها عن آخرها. وكانت ملاقاة الحرّ للحسين على مرحلتين من الكوفة. ولمّا التقى الحرّ مع الحسين(عليه السلام).
قال له الحسين(عليه السلام): «ألنا أم علينا»؟
فقال: بل عليك يا أبا عبد الله!
فقال الحسين: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم».
فلم يزل الحرّ موافقاً للحسين(عليه السلام) حتّى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي وكان معه أن يؤذّن، فأذّن فلمّا حضرت الإقامة خرج
الحسين(عليه السلام) في إزار ورداء ونعلين، فخطبهم وقال من جملة خطبته «إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم أن أقدم علينا لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، وإن كنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه»، فسكتوا، فقال للمؤذّن: «أقم» فأقام الصلاة.
فقال للحرّ: أتريد أن تصلي بأصحابك؟
قال: لا بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك، فصلّي بهم الحسين(عليه السلام)، ثُمّ دخل مضربه واجتمع إليه أصحابه، ودخل الحرّ خيمة نصبت له واجتمع عليه جماعة من أصحابه، وعاد الباقون إلى صفّهم الذي كانوا فيه فأعادوه، ثُمّ أخذ كلّ رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلّها، فلمّا كان وقت العصر أمر الحسين(عليه السلام) أن يتهيّاؤا للرحيل ففعلوا، ثُمّ أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين(عليه السلام) وقام فصلّى، ثُمّ سلّم وانصرف إليهم بوجهه وخطبهم وقال في جملة كلامه:
«ونحن أهل بيت محمّد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أبيتم إلاّ الكراهيّة لنا، والجهل بحقّنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم ; انصرفت عنكم».
فقال له الحرّ: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر.
فقال الحسين(عليه السلام) لبعض أصحابه: «يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ»، فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنثرت بين يديه.
فقال له الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله.
فقال له الحسين(عليه السلام): «الموت أدنى إليك من ذلك»، ثُمّ قال لأصحابه: «قوموا فاركبوا» فركبوا وانتظر هو حتّى ركبت نساؤه، فقال لأصحابه: «انصرفوا» فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف.
فقال الحسين(عليه السلام) للحرّ: «ثكلتك أُمّك ما تريد»؟
فقال له الحرّ: أمّا لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذه الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أُمّه بالثكل كائناً من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما يقدر عليه.
فقال له الحسين(عليه السلام): «فما تريد»؟
قال: أُريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد.
فقال: «إذن والله لا أتّبعك».
فقال إذن والله لا أدعك.
فترادّا القول ثلاث مرّات، فلمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ: إنّي لم أؤمر بقتالك إنّما أمرت أن لا أفارقك حتّى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة، يكون بيني وبينك نصفاً حتّى أكتب إلى ابن زياد وتكتب إلى يزيد أن شئت أو إلى ابن زياد إن شئت، فلعلّ الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتليّ بشي من أمرك، فخذها هنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، فتياسر الحسين(عليه السلام) وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلاً وسار والحرّ يسايره.
فقال له الحرّ: إنّي أذكرك الله في نفسك فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ، ولئن قوتلت لتهلكنّ فيما أرى.
فقال له الحسين(عليه السلام): «أفبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ ما أقول لك! ولكنّي أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه حين لقيه وهو يريد نصرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فخوّفه ابن عمّه وقال: اين تذهب فإنّك مقتول؟ فقال:
سامضي وما بالموت عار على الفتى إذا نوى حقّاً وجاهد مسلماً
(وآسى) وواسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبوراً وودّع مجرماً
أقدّم نفسي لا أُريد بقاءها لتلقى خميساً في الوغى وعرمرما
فإن عشت لم أندم وإن مت لم أُلم كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما
فلمّا سمع ذلك الحرّ تنحّى عنه وجعل يسير ناحية عن الحسين(عليه السلام) حتّى انتهوا إلى عذيب الهجانات، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة لنصرة الحسين ومعهم دليلهم الطرماح، فأتوا إلى الحسين وسلّموا عليه.
فأقبل الحرّ وقال: إنّ هؤلاء النفر الذين جاؤوا من أهل الكوفة ليسوا ممّن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادّهم.
فقال الحسين(عليه السلام): «لأمنعهم ممّا أمنع منه نفسي! إنّما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتني أن لا تعرض لي بشيء حتّى يأتيك جواب عبيد الله».
فقال: أجل لكن لم يأتوا معك.
قال: «هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معي فإن بقيت على ما كان بيني وبينك وإلاّ ناجزتك».
فكفّ عنهم الحرّ. ولم يزل الحسين(عليه السلام) سائراً حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل، ثمّ ارتحل من قصر بني مقاتل، فأخذ يتياسر بأصحابه فيأتيه الحرّ فيردّه وأصحابه، فجعل إذا ردّهم نحو الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه وارتفعوا، فلم يزالوا يتياسرون كذلك حتّى انتهوا إلى نينوى، فإذا راكب على نجيب له عليه السلاح متنكب قوساً مقبل من الكوفة، فوقفوا ينتظرونه جميعاً، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ وأصحابه، ولم يسلّم على الحسين(عليه السلام) وأصحابه، فإذا هو مالك بن النسر
الكندي، فدفع إلى الحرّ كتاباً من عبيد الله فإذا فيه:
أمّا بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، فلا تنزلنّه إلاّ بالعراء في غير حصنّ وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري والسلام. فلمّا قرأ الكتاب جاء به إلى الحسين(عليه السلام) ومعه الرسول فقال: هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وهذا رسوله قد أمره أن لا يفارقني حتّى أنفّذ رأيه وأمره وأخذهم بالنزول في ذلك المكان.
فقال له الحسين(عليه السلام): «دعنّا ويحك ننزل في هذه القرية أو هذه -يعني نينوى- ، والغاضرية أو هذه -يعني شقية- .
قال: لا والله لا أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث عليّ عيناً.
ثُمّ إنّ الحسين(عليه السلام)قام وركب وكلّما أراد المسير يمنعونه تارة ويسايرونه تارة أُخرى حتّى بلغ كربلاء.
قال أبو مخنف: لمّا اجتمعت الجيوش بكربلاء لقتال الحسين(عليه السلام)، جعل ابن سعد على كلّ ربع من الأرباع أميراً، فكان على تميم وهمدان الحرّ بن يزيد، فشهد هؤلاء الأمراء الذين جعلهم كلّهم قتال الحسين(عليه السلام) إلاّ الحرّ فإنّه عدل إليه وقُتل معه.
مقتل الحرّ رضوان الله عليه:
ثُمّ إنّ ابن سعد جاء لقتال الحسين(عليه السلام) بأربعة آلاف، وانضمّ إليه الحرّ وأصحابه فصار في خمسة آلاف قال أبو مخنف وغيره: ثُمّ إنّ الحرّ لمّا زحف عمر ابن سعد بالجيوش قال: أصلحك الله! أمقاتل أنت هذا الرجل؟
قال عمر: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.
قال الحرّ: أفما لك في واحدة من الخصال التي عرض عليك رضاً؟ فقال:
أمّا والله لو كان الأمر إليّ لفعلت، ولكن أميرك قد أبى.
فأقبل الحرّ حتّى وقف عن الناس موقفاً ومعه رجل من قومه يقال: له قرة بن قيس الرياحي، فقال له: يا قرة هل سقيت فرسك اليوم؟ قال لا! قال: فما تريد أن تسقيه؟ قال: فظننت والله أنّه يريد أن يتنحّى فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن أرفعه عليه، فقلت: أنا منطلق فأسقيه، فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه، فوالله لو أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين(عليه السلام).
فأخذ الحرّ يدنو من الحسين قليلاً قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد أتريد أن تحمل؟ فلم يجبه وأخذه مثل العرواء، وفي رواية مثل الأفكل، فقال له المهاجر: إنّ أمرك لمريب! وما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن؟ ولو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟ فقال الحرّ: إنّي والله أخيّر نفسي بين الجنّة والنار، ووالله لا اختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحرّقت، ثُمّ ضرب فرسه قاصدا إلى الحسين(عليه السلام) ويده على راسه وهو يقول: اللّهم إليك أنيب فتب عليّ فقد أرعبت قلوب اؤليائك وأولاد بنت نبيك، فلمّا دنا منهم قلب ترسه فقالوا: مستأمن، حتّى إذا عرفوه سلّم على الحسين وقال:جعلني الله فداك يا ابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان! والله الذي لا إله إلاّ هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي: لا أبالي أن أصانع القوم في بعض أمرهم ولا يظنّون أنّي خرجت من طاعتهم وأمّا هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم، والله لو ظننتهم لا يقبلونها منك ركبتها منك، وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي، ومواسياً لك وبنفسي حتّى أموت بين يديك، فهل ترى لي من توبة؟
قال: «نعم! يتوب الله عليك ويغفر لك فانزل».
قال: أنا لك فارساً خير منّي راجلاً أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري.
قال: «فاصننع يرحمك الله ما بدا لك».
فتقدم الحرّ أمام أصحابه، ثُمّ قال: أيّها القوم! ألا تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟ فقال عمر: لقد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلاً. فقال: يا أهل الكوفة لامكم الهبل والعبر! دعوتم ابن رسول الله وفي رواية: أدعوتم هذا العبد الصالح حتّى إذا جاءكم أسلمتموه وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثُمّ عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كلّ جانب لتمنعوه التوجّه في بلاد الله العريضة حتّى يأمن ويأمن أهل بيته، فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وحلاتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري، فها هم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّداً في دينه، لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عمّا أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه.
فحملت عليه الرجال ترميه بالنبل، فرجع حتّى وقف أمام الحسين(عليه السلام) وقال الحرّ للحسين(عليه السلام): فإذا كنت أوّل من خرج عليك فائذن لي أن أكون أوّل قتيل يقتل بين يديك لعلّي أكون ممّن يصافح جدّك محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) غداً في القيامة. هكذا في بعض الروايات.
ولا يخفى أنّ مقتضى بعض الروايات أنّه قتل جماعة قبل الحرّ، وهو المستفاد من تاريخ ابن الأثير، فلذلك حمل قوله: أوّل قتيل بين يديك، على أنّ المراد أوّل قتيل من المبارزين، ويمكن كون الحرّ أوّل المقتولين. وعدم صحة ما دلّ على خلاف ذلك، كما لعلّه يفهم من إرشاد المفيد فإنه لم يذكر أنّ أحداً تقدّم الحرّ في القتل سوى ابن عوسجة صرع قبله. قال ابن الأثير: وقاتل الحرّ بن يزيد مع الحسين قتالاً شديداً، وبرز إليه يزيد بن سفيان فقتله الحرّ وقال غيره: فحمل
الحرّ على أصحاب عمر بن سعد وجعل يرتجز ويقول كما في مناقب ابن شهر آشوب وغيره:
إنّي أنا الحرّ ومأوى الضيف أضرب في أعراضكم بالسيف
عن خير من حلّ بلاد الخيف أضربكم ولا أرى من حيف
وروى أبو مخنف أنّ يزيد بن سفيان الثغري من بني الحارث بن تميم كان قال: أما والله لو رأيت الحرّ حين خرج لاتبعتّه السنان.
فبينما الناس يتجاولون ويقتتلون، والحرّ بن يزيد يحمل على القوم مقدماً ويتمثل بقول عنترة:
ما زلت أرميهم بثغرة نحره ولبانه حتّى تسربل بالدم
وأنّ فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبيه وأنّ دماءه لتسيل إذ قال الحصين ابن تميم التميمي ليزيد بن سفيان: هذا الحرّ الذي كنت تتمنّاه، قال: نعم! وخرج إليه فقال له: هل لك يا حرّ بالمبارزة؟ قال: نعم إن شئت، فبرز له، قال الحصين: وكنت أنظر إليه فوالله لكان نفسه كانت في يد الحرّ، فخرج إليه فما لبث الحرّ أن قتله. وروى أبو مخنف عن أيوب بن مشرح الخيواني أنّه كان يقول: جال الحرّ على فرسه فرميته بسهم فحشأت فرسه، فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا، فوثب عنه الحرّ وكأنّه ليث والسيف في يده وهو يقول:
إن تعقروا بي فأنا ابن الحرّ أشجع من ذي لبد هزبر
قال: فما رأيت احداً يفري فرية، وأخذ يقاتل راجلاً وهو يقول:
آليت لا أقتل حتّى أقتلا ولن أصاب اليوم إلاّ مقبلا
أضربهم بالسيف ضرباً معضلا (مفصلا) لا ناكلاً عنهم ولا مهلّلا
لا عاجزاً عنهم ولا مبدّلا أحمي الحسين الماجد المؤمّلا
وقال ابن الأثير: قاتل الحرّ راجلاً قتالاً شديداً، وفي رواية: أنّه كان يرتجز ويقول:
إنّي أنا الحرّ ونجل الحرّ أشجع من ذي لبد هزبر
ولست بالجبان عند الكرّ لكنّني الوقاف عند الفرّ
وجعل يضربهم بسيفه حتّى قتل نيّفاً وأربعين رجلاً -على بعض الروايات-، وعلى بعضها ثمانية عشر رجلاً، وقال ابن الأثير: وحمل الحرّ وزهير ابن القين فقاتلا قتالاً شديداً، فإذا حمل أحدهما وغاص فيهم حمل الآخر حتّى يخلّصه، ففعلا ذلك ساعة، وفي ذلك يقول عبيد الله بن عمرو البدائي من بني البداء وهم من كندة:
سعيد بن عبد الله لا تنسينه ولا الحر إذا آسى على قسر
ثُمّ حملت الرجّالة على الحرّ وتكاثروا عليه، فاشترك في قتله أيّوب بن مسرح ورجل آخر من فرسان أهل الكوفة، فاحتمله أصحاب الحسين حتّى وضعوه بين يدي الحسين وبه رمق، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: أنت الحرّ كما سمّتك أمّك حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة، وفي رواية أنّه أتاه الحسين ودمه يشخب فقال: بخ بخ لك يا حرّ! أنت حرّ كما سميت في الدنيا والآخرة.
وقبر الحرّ على فرسخ من مدينة كربلاء في مشهد مزور معظّم، ولا يدري ما سبب دفنه هناك، ويدور على الألسن أن قومه أو غيرهم نقلوه من موضع المعركة فدفنوه هناك(1).
1) أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين ٤: ٦١١ـ ٦١٤.
قوام الدين الحسن بن محمّد بن جعفر بن عبد الكريم بن أبي سعد بن الطراح الشيباني الصاحب ولد في ربيع الأوّل ٦٥٥هـ ، وتوفي في محرم٧٢٠هـ أو ٧٣٥هـ .
في الدرر الكامنة: كان له أخ اسمه فخر الدين المظفر، له وجاهة عند التتار وكان ]أي الحسن[ ينوب عن السلطنة في بعض العراق، وراسله الأشرف خليل وأرسل له توقيعاً وخاتماً وعلماً وتقرر الحال أنّه إذا دخل السلطان أرض العراق يقدم عليه لحينه فلم يتّفق للأشرف دخول العراق، ثُمّ قدم قوام الدين في أيّام سلار والجاشنكير وحضر معه التوقيع والعلم والخاتم، فأكرم مورده وقرّر له على دمشق راتب، ثُمّ قدم القاهرة فذكر أبو حيّان أنّه اجتمع به وأخبره أنّه أوّل من تشيع من أهل بيتهم، قال: ولم يكن غالياً في ذلك، وكان ظريفاً كريم العشرة، وله معرفة بالنّحو واللغة والنّجوم والحساب والأدب «وله اغفال الإصلاح على ابن السكيت، وفات المعاصر ذكره في مصنفات الشيعة» ومن نظمه:
غدير دمعي في الخد يطرد ونار وجهه في القلب تتّقد
ولما طرق غازان الشام رجع معه إلى العراق وكانت وفاته بها سنة٧٢٠هـ (1).
وفي فوات الوفيات للكتبي: الحسن بن محمّد بن جعفر بن عبد الكريم بن أبي سعد الصاحب، قوام الدين بن الطّراح، قال أثير الدين: هو من بيت رياسة وحشمة وعلم وحديث، وله معرفة بالنّحو واللغة والنجوم والحساب والأدب وغير ذلك، وكان فيه تشيع يسير، وكان حسن الصحبة والمجاورة، وكان لأخيه فخر الدين المظفر بن محمّد تقدم عند التتار، قدم علينا قوام الدين إلى القاهرة، ثُمّ سافر إلى الشام، ثُمّ كرّ منها راجعاً إلى العراق مع غازان، وكنت سألته أن يوجّه لي شيئاً من أخباره وشيئاً من شعره، فوجّه إليّ بذلك وكتب لي من شعره بخطّه «غدير دمعي في الخد يطرد» الأبيات السابقة، قال: ومنه أيضاً:
لقد جمعت في وجهه لمحبه بدائع لم يجمعن في الشمس والبدر
قال: وكتب إليّ أخي أبو محمّد المظفّر يعاتبني على امتناعي عنه وهو الذي ربّاني وكفلني بعد الوالد فقال:
ما كان ظنّي أن تحاول هجرتي أو أن يكون البعد منك جزائي
فكتب إليه الجواب:
إن غبت عنك فإنّ ودّي حاضر رهن بمحض محبّتي وولائي(2)
جاء في كتاب «بحار الأنوار»:
إبراهيم بن إسحاق، عن محمّد بن فلان الرافعي، قال: كان لي ابن عمّ، يقال له، «الحسن بن عبد الله»، وكان زاهداً، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان يلقاه السلطان، وربّما استقبل السلطان بالكلام الصعب، يعظه ويأمر بالمعروف، وكان السلطان يحتمل له ذلك لصلاحه، فلم يزل هذه حاله، حتّى كان يوماً دخل أبو الحسن موسى(عليه السلام) المسجد فرآه فأدنى إليه.
ثُمّ قال له: يا أبا علي ما أحبّ إليّ ما أنت فيه، وأسرّني بك إلاّ أنّه ليست لك معرفة فاذهب فاطلب المعرفة.
قال: جعلت فداك وما المعرفة؟
قال له: اذهب وتفقّه واطلب الحديث.
قال: عمّن؟
قال: عن أنس بن مالك، وعن فقهاء أهل المدينة، ثُمّ اعرض الحديث عليّ.
قال: فذهب فتكلّم معهم، ثُمّ جاءه فقرأه عليه فأسقطه كلّه، ثُمّ قال له: اذهب واطلب المعرفة، وكان الرجل معنيّاً بدينه، فلم يزل يترصّد أبا الحسن حتّى خرج
إلى ضيعة له فتبعه ولحقه في الطريق.
فقال له: جعلت فداك إنّي احتجّ عليك بين يدي الله، فدلّني على المعرفة.
قال: فأخبره بأمير المؤمنين(عليه السلام)، وقال له: كان أمير المؤمنين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخبره بأمر أبي بكر وعمر، فقبل منه.
ثُمّ قال: فمن كان بعد أمير المؤمنين(عليه السلام)؟ قال: الحسن، ثُمّ الحسين(عليه السلام) حتّى انتهى إلى نفسه(عليه السلام)، ثُمّ سكت.
قال: جعلت فداك فمن هو اليوم؟
قال: إن أخبرتك تقبل؟
قال: بلى جعلت فداك؟
فقال: أنا هو.
قال: جعلت فداك فشيء استدلّ به.
قال: اذهب إلى تلك الشجرة وأشار إلى أُمّ غيلان، فقل لها: يقول لك موسى ابن جعفر أقبلي.
قال: فأتيتها قال: فرأيتها والله تجبُّ الأرض جبوباً حتّى وقفت بين يديه، ثُمّ أشار إليها فرجعت.
قال: فأقرّ به ثُمّ لزم السكوت، فكان لا يراه أحد يتكلّم بعد ذلك(1).
1) بحار الأنوار ٤٨: ٥٢، الحديث٤٨.
الصورة
ولد عام ١٣٦٥هـ (١٩٤٦م) في مدينة بغداد، ونشأ في بيئة تنتمي إلى المذهب الشافعي، ومن أهمّ الأسباب التي شجّعته على الاستبصار رحلته إلى إيران، وتعرّفه على المذهب الشيعي فيها، فلمّا أملت عليه الأدلّة أحقيّة هذا المذهب استبصر عام ١٤١١هـ (١٩٩١م) في مدينة «سنقد».
السبيل الصحيح لمعرفة الله:
حينما يبتغي الإنسان معرفة الله تعالى ويهتمّ بهذا الأمر في الصعيد العملي من أجل نيل هذه المعرفة يصل إلى هذه النتيجة بأنّ معرفة الله تعالى لا تحصل إلاّ عن طريق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الذين أمر الله الناس باتّباعهم، وأوصى بمحبّتّهم، وأكّد على رضايتهم، فجعل رضايتهم رضايته.
«من أطاعكم فقد أطاع الله، ومن عصاكم فقد عصى الله، ومن أحبّكم فقد أحبّ الله، ومن أبغضكم فقد أبغض الله»(1); لذلك أيّ شخص يجتاز طرق معرفة الله تعالى عن طريق أهل البيت(عليهم السلام) فإنّه سيكون ممّن قد عرف الله حقّ معرفته، وبهذا سيكون سعيداً وموفّقاً ومحبوباً عند الله، وسيكون ممّن له المكانة العالية في يوم
1) مفاتيح الجنان، الزيارة الجامعة.
القيامة حيث بغبطه الناس إزاء اتّباعه السبيل الصحيح، وأيّ شخص يطلب معرفة الله من غير الطريق الذي بيّنه الله فلن يصل إلى معرفة الله الحقيقيّة ; وبهذا سيكون مبغوضاً عند الله وسيحاسبه الله في الآخرة أشدّ الحساب ; ولهذا جاء في الزيارة الجامعة: «سعد من والاكم، وهلك من عاداكم، وخاب من جحدكم، وضلّ من فارقكم، وفاز من تمسّك بكم، وأمن من لجأ إليكم، وسلم من صدّقكم، وهدي من اعتصم بكم...»(1).
فلذا تعدّ معرفة أهل البيت(عليهم السلام) من أهمّ وظائف الإنسان في الحياة ; وينبغي على الإنسان أن يجعل هذه المهمّة في طليعة حياته ليسعه التقدّم نحو الكمال.
ومن هذا المنطلق اهتمّ «حسن عكيدي» بدراسة حياة وسيرة أهل البيت(عليهم السلام).
علم الإمام علي(عليه السلام):
وجد «حسن عكيدي» عند مراجعته لكتب الحديث والتاريخ حول شخصيّة أمير المؤمنين(عليه السلام) بأنّ شخصيّة أمير المؤمنين(عليه السلام) شخصيّة مميّزة عن سائر الصحابة، ومن أبرز ا لصفات التي ميّزته عن الآخرين هي علمه.
وقد وردت أحاديث وروايات مختلفة تثبت هذه الحقيقة منها:
قول الإمام علي(عليه السلام): «علّمني رسول الله ألف باب من العلم، استنبطت من كلّ باب ألف باب»(2).
وقال(عليه السلام) «لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً»(3).
وقال(عليه السلام) أيضاً: «ها إنّ هاهنا - وأشار إلى صدره - لعلماً جمّاً لو أصبت له
حملة»(1).
وعن أبي الطفيل قال: شهدت عليّاً يقول: «سلوني، والله لا تسألوني عن شيء يكون يوم القيامة إلاحدثتكم وسلوني من كتاب الله، فوالله ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل»(2).
وعن سعيد بن المسيّب قال: لم يكن أحد من صحابة رسول الله يقول: «سلوني» إلاّ عليّاً»(3).
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة الزهراء(عليها السلام): «أما ترضين أن أزوّجك أقدم أمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً»(4).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أعلم أمّتي من بعدي علي بن أبي طالب»(5).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «علي وعاء علمي ووصييّ، وبابي الذي أؤتى منه»(6).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «علي باب علمي، ومبيّن لأمّتي ما أرسلتُ به من بعدي»(7).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أعلم أمّتي بالسنّة والقضاء بعدي علي بن أبي طالب»(8).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت تبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه بعدي»(9).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً»(10)
1) نهج البلاغة، خطب الإمام علي ٤: ٣٦.
2) فتح الباري ٨: ٤٥٩.
3) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ٨٣ .
4) مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ١٠١.
5) المناقب لابن شهر آشوب ١: ٣١٢.
6) الغدير للأميني ٣: ٩٦.
7) كنز العمّال ١١: ٦١٤، ح٣٢٩٨١.
8) الغدير للأميني ٢: ٤٤.
9) المستدرك ٣: ١٢٢.
10) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ٧٨.
عبادة الإمام علي(عليه السلام):
وصفت الكتب الروائيّة والتأريخيّة عبادة أمير المؤمنين باروع الصفات، وأكدّت على إخلاص أمير المؤمنين في عبادته، ورسمت صورة من مناجاة أمير المؤمنين مع الله تعالى، وهي مناجاة تدهش العقول، وتفتح آفاق الإنسان نحو مراتبه وكماله وتدفعه إلى القناعة التامّة، بأنّ أمير المؤمنين أولى بالإمامة والولاية من سائر الصحابة.
والإنسان حينما يرى كلّ هذه الكمالات في أمير المؤمنين فإنّه سيتقرّب إليه حسب فطرته الكماليّة.
ومن الأحاديث المهمّة التي أشارت إلى عبادة أمير المؤمنين:
قول الإمام علي(عليه السلام): «صلّيت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الناس سبع سنين»(1).
وقوله(عليه السلام): «ما أعرف أحداً من هذه الأُمّة عبد الله بعد نبيّنا غيري...»(2).
وقوله(عليه السلام): «أسلمت قبل إسلام الناس، وصلّيت قبل صلاتهم»(3).
فكان علي(عليه السلام) أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبُسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير، فيصلّي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته؟ وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده»(4)؟
وقد روي عن أبي ذر، حيث قال: «دخلنا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: من
أحبّ أصحابك إليك، فإن كان أمر كنّا معه، وإن كانت نائبة كنّا من دونه؟
قال: علي، أقدمكم سلماً وإسلاماً(1).
جهاد الإمام علي(عليه السلام):
من أبرز الصفات الأخرى التي اشتهر بها أمير المؤمنين وميّزته عن الآخرين هو جهاده في الإسلام، فيعدّ جهاده وشجاعته في القتال بحيث أصبح هذا الأمر من المسائل المتواترة عند عموم المسلمين، وبمجرّد أن يطرق الإنسان سمعه شخصيّة الإمام علي(عليه السلام) فسينطلق إلى شجاعة أمير المؤمنين(عليه السلام)، في الغزوات، ويشهد التاريخ بانتصار الإسلام بسبب جهاده في حرب بدر والأحزاب وخيبر وحنين وغيرها من الحروب والغزوات.
ومن الأحاديث المرتبطة لهذا الموضوع:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله يوم خيبر: «لأدفعنّ الراية إلى رجل يحبّ الله ورسوله، ويفتح الله عليه».
قال عمر: فما أحببت الإمارة قبل يومئذ... فدفعها إلى علي(عليه السلام) قال: قال: ولا تلتفت، حتّى يفتح عليك فسار قريباً، قال: يار سول الله أعلام أُقاتل؟
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): حتّى أن يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله تعالى»(2).
كما أنّه(عليه السلام) حينما جاء عمرو بن عبد ودّ العامري في غزوة الخندق، وقد عجز عنه المسلمون، وبرز له علي(عليه السلام) فعندها قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه.
ونقل أحمد بن حنبل في مسنده، قال: خطب الحسن(عليه السلام) بعد استشهاد أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال: «لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأوّلون بعلم ولا يدركه الآخرون، كان رسول الله يبعثه بالراية، جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله لا ينصرف حتّى يفتح له(1).
وقد ورد عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول يوم الحديبية - وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب - يقول: هذا أمير البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ثمّ مدّ بها صوته وقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد الدار ; فليأت الباب»(2).
وعن ابن عبّاس قال: «إنّ راية المهاجرين كانت مع علي(عليه السلام) في المواقف كلّها، يوم بدر ويوم أحد ويوم خيبر ويوم الأحزاب ويوم فتح مكّة، ولم تذل معه في المواقف كلّها»(3).
وكلّ من يتعرّف على شخصيّة الإمام علي(عليه السلام) ويكون لديه إلمام بفضائله(عليه السلام)فإنّه سيندفع من دون إرادة إلى اتّباعة وهكذا كان شأن «حسن عكيدي» فإنّه درس سيرة أهل البيت(عليهم السلام)، فعشق سيرتهم، وأحبّ منهجهم، واتّبع خطاهم، ولم تمض فترة قصيرة إلاّ ووجد نفسه من أتباع أهل البيت(عليهم السلام).
اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
يقول «حسن»: قبل هجرتي إلى إيران كنت أعتقد بأنّ مذهبي على الحقّ وهو المذهب الوحيد القائم على البراهين والأدلّة الرصينة والمحكمة والمنطقيّة،
ولكن حينما ذهبت إلى إيران رأيت الكثير من أصدقائي اعتنقوا المذهب الشيعي فأحببت التعرّف على مذهبهم ; فلهذا انطلقت بالبحث والمطالعة، فرأيت خلال البحث والدراسة براهين قويّة لدى الشيعة أقنعتني، وكلّما كنت أطالع أكثر، يزداد اعتقادي بحقّانيّة المذهب الشيعي.
كما كنت أشعر برغبة شديدة لمتابعة المزيد من البحث بدقّة وإمعان، وبعد فترة أيقنت بأنّ المذهب الشعي هو المذهب الحقّ، وهو المذهب القائم على البراهين والأدلّة الرصينة فحرّرت نفسي من التقليد الأعمى وبدأت اغترف من معين معارف أهل البيت. وكان استبصاري عام ١٤١١هـ (١٩٩١م).
ولد عام ١٣٨١هـ (١٩٦٢م) في بغداد، استبصر عام ١٤٠٦هـ (١٩٨٦م) نتيجة قراءته لكتاب (ثمّ اهتديت) للدكتور التيجاني السماوي، كما أنّه كان معجباً جدّاً بشخصيّة الشهيد محمّد باقر الصدر(رحمه الله).
وعندما فرضت عليه الأدلّة والبراهين خطأ المعتقدات التي كان عليها سابقاً تركها من غير رجعة، وسلك سبيل الهدى المتمثّل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام).
مميزات المذهب الشيعي:
من مميزات المذهب الشيعي أنّه يتلقّى علومه ومعارفه من منبع يعتمد عليه كلّ الاعتماد ; لأنّه منبع معصوم. ومن الأدلّة على ذلك آية التطهير حيث قال تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(1).
وتبيّن كتب الحديث والتفسير عند الفريقين بأنّ المقصود من أهل البيت في هذه الآية هم علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)(2).
وقد اشتمل لفظ حديث الكساء المرتبط بآية التطهير في أكثر طرقه على أنّ أُم سلمة أرادت الدخول معهم تحت الكساء، فلم يأذن لها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك وقال لها: «وإنّك على خير» أو «إلى خير»(1).
ولقد ورد هذا الحديث عن عائشة أيضاً(2).
وورد في بعض نصوص هذا الحديث بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل إلى فاطمة وأمرها بأنّ تدعو الإمام علي(عليه السلام) والحسنين(عليهما السلام)، وأن تأتي بهم إليه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا ما يكشف وجود عناية خاصّة من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه القضيّة وعندما أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فاطمة بأنّ تأتي هي وزوجها وولداها لم يأمرها بأنّ تدعوا أحداً غير هؤلاء، وكان للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أقرباء كثيرون وأزواجه في البيت عنده، وهذا ما يكشف عن وجود خصوصيّة في من دعي دون غيرهم.
وما ينقل عن عكرمة مولى عبد الله بن عبّاس أنّه كان يصرّ بأنّ الآية نازلة في خصوص أزواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى أنّه كان يمشي في الأسواق ويعلن عن هذا الرأي، ويخطّئ الناس باعتقادهم باختصاص الآية المباركة بأهل البيت(عليه السلام)، وهذا ما يدلّ على أن الرأي السائد عند المسلمين آنذاك هو القول باختصاص أهل البيت(عليهم السلام) بأصحاب الكساء دون زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى أنّ عكرمة كان يقول: من شاء باهلته في أنّ الآية نازلة في أزواج النبيّ خاصّة.
وجاء في تفسير الطبري أنّه كان ينادي في الأسواق بذلك(3).
وورد في الدرّ المنثور أنّه كان يقول: ليس بالذي تذهبون إليه، إنّما هو نساء النبيّ(4).
وقول عكرمة يبطله أنّه قول غير منقول عن أحد من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّه قول تردّه الأحاديث الصحيحة المعتبرة المعتمدة المتّفق عليها بين المسلمين.
وكان عكرمة معروفاً في عدائه لأهل البيت(عليهم السلام) وأنّه كان من دعاة الخوارج(1).
إراد الله إذهاب الرجس عن أهل البيت(عليهم السلام):
الإرادة في هذا المقام هي إرادة تكوينّية، ولا يمكن أن تكون إراده تشريعيّة ; لأنّ الإرادة التشريعيّة هي توجيه التكاليف إلى المكلّفين فلا تختصّ بأهل البيت(عليهم السلام)، وأمّا «الرجس» فهو كما ورد في اللغة يعمّ الرجس ما يستقذر منه ويستقبح منه وهي الذنوب ويكون المراد من الآية بأنّ الله أراد - بإرادته التكوينيّة - أن يذهب عن أهل البيت(عليهم السلام) كلّ ما يستقذر ويستقبح منه ويطهّرهم من الذنوب تطهيراً.
وبما أنّ إرادة الله التكوينيّة لا تتخلّف بتاتاً حيث أنّ الله: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(2)، نستنتج لزوم عصمة أهل البيت(عليهم السلام).
ولا يخفى بأنّ هذا اللزوم لا يعني الجبر، بل إنّ الله لمّا علم أنّ هؤلاء لا يفعلون إلاّ ما يؤمرون جاز له أن ينسب إلى نفسه إرادة إذهاب الرجس عنهم.
والجدير بالذكر أنّ من جملة الأحاديث الورادة في مسألة آية التطهير ونزولها في أهل البيت(عليهم السلام) حديث سعد بن أبي وقّاص بسند صحيح جاء فيه: أمر معاوية سعداً فقال: ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب (يعني عليّاً).
فقال سعد: أمّا إن ذكرت ثلاثاً قالهنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبّه... سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وخلّفه في بعض مغازيه: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى...» وسمعته يقول يوم خيبر: «سأعطي الراية غداً رجلاً...» ولمّا نزلت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فقال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي».
لم أستوحش طريق الحقّ لقلّة سالكيه:
وجد «حسن» وهو على أعتاب الاستبصار بأنّه سيلتحق بأمّة تعاضد الشرق والغرب على الإطاحة بها وإسقاط ثوراتها في كلّ مكان وزمان واجتثاث جذورها من بقاع الأرض، لكنّه لم يستوحش طريق الحقّ لقلّة سالكيه - كما قال الإمام علي(عليه السلام) - فأعلن استبصاره بعزم وهيّء نفسه للاستقامة والثبات على الصراط المستقيم الذي هداه الله إليه.
وعندما استبصر «حسن» فقد الكثير من أصدقائه حيث هجروه وحاربوه وأعلنوا العداء له وأظهروا براءتهم منه، لكنّه لم يتزلزل قيد أنملة، بل توكّل على الله ومن يتوكّل على الله فهو حسبه.
وبدأ «حسن» يبذل الجهد لتوعية الآخرين وتعريفهم بفضائل أهل البيت(عليهم السلام)، وكان ينتهز الفرص التي تتاح له من أجل نشر الحقّ والحقيقة.
وكان «حسن» يعلم بأنّ مسألة تغيير الانتماء المذهبي ليس مسألة بسيطة أو سهلة وإنّما تحتاج إلى إرادة من صاحبها وعزم وثبات ومثابرة واندفاع نحو اكتشاف الحقيقة وجهاد مع النفس للتخلّص من الرذائل النفسيّة التي تمنع صاحبها من الاستبصار كالتعصّب والعناد والانانيّة، وعموماً فالمسألة تتطلّب من صاحبها جهاداً لا يقلّ صعوبة عن الجهاد في ساحات القتال ومن يوطّن نفسه في
الساحات الجهاديّة على الشهادة ويكون مستعداً للتضحية بنفسه وماله وممتلكاته في سبيل العقيدة فهو من المفلحين حقّاً.
وأمّا الإنسان الذي لا يكون مستعدّاً للتضحية بشيء من أجل العقيدة فإنّه لا يصل إلى الحقّ وإنّما يكتفى بالتقليد الأعمى وتكون عاقبته جهنّم وبئس المصير. أعاذنا الله وجميع إخواننا المؤمنين من عاقبة السوء.
الصورة
ولد في «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أُسرة سنّية حنفية المذهب، أكمل الدراسة المتوسطة، والتحق بصفوف الجيش العراقي أيّام الحرب مع إيران في الثمانينات من القرن الماضي، اعتنق مذهب آل البيت(عليهم السلام) سنة ١٤٠٧هـ (١٩٨٧م) في معسكر طريق القدس للأسرى في العاصمة الإيرانية طهران.
ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده:
يقول «حسن»: «شملتني الألطاف الإلهية فهدى الله قلبي للإيمان، وسبّب أسباب تلك الهداية، من دعاء الصالحين، وهداية العلماء الداعين إليه وقراءة الكتب الهادية إلى سبيل الرشاد على سعة من الوقت، وفراغة من البال.
لقد هداني الله إلى الصراط المستقيم، الذي يتمثّل بالتمسّك بولاية أهل البيت(عليهم السلام) القادة الهداة، والسادة الحماة، الذين أوصى الله ورسوله باتّباعهم ومودّتهم.
إنّ الهداية من الله سبحانه فهو يهدي من يشاء، ويضلّ من يشاء، فالهداية من مختصّات شأنه، ومن أسرار أمره، ونحن لا نعرف خفايا قوانينها، ولا ندرك كثيراً من مقدّماتها.
قال الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(1).
وهذا لا يعني أنّ الهداية الإلهية أمرٌ مبهمٌ مغلقٌ لا يمكن تسليط الضوء عليه،بل على العكس فقد بيّن القرآن الكريم في آيات عديدة بعض قوانين الهداية، وذكر بعض مقدّماتها.
ثُمّ إنّ الهداية الإلهية أمر عظيم يستحقّ الشكر من العباد المهتدين بهداية الله قال تعالى: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلاِْيمَانِ(2).
وقال سبحانه: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ(3).
وقال تعالى شأنه: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ(4).
إن الله سبحانه وتعالى يهدي إلى الصراط المستقيم وهو الدين الإسلامي العظيم الذي أنذر به الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) البشريّة، وواصل الأئمّة(عليهم السلام) هذا الأمر من بعده، قال تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم دِينًا قِيَمًا(5).
وقال سبحانه: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(6).
وقال تبارك وتعالى: وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا(7).
إنّ الله سبحانه يهدي الناس بأوليائه المرشدين إلى سواء السبيل، أمّا الضالين فلا وليّ لهم إلاّ من يجرّهم إلى الغيّ والفساد من الشيطان وأتباعه وجنوده، وهو مصير جرّوه إلى أنفسهم بسوء الاختيار، والإعراض عن طاعة الأخيار.
الصورة
ولد عام (١٣٩١هـ) ١٩٧١م في مدينة (بغداد) في العراق، درس في المدارس الأكاديميّة المراحل المتوسّط والإعدادية حتّى أكمل شهادة الدبلوم في قسم الكهرباء. وبعد استبصاره دخل كلية الإمام الكاظم(عليه السلام) للعلوم الإسلاميّة.
وقد أجرى بعض المناقشات مع بعض أقاربه حول كلام من أحد كبار الصحابة يسئ إلى مقام النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا جعله يبحث عن الحقيقة، ويتشرّف بالانتساب إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) سنة (١٤١٥هـ) ١٩٩٤م.
الدافع نحو البحث:
يقول «حسن هادي»: في أحد الأيّام من سنة (١٤٠٩هـ) ١٩٨٩م حينما كان لي نقاش مع ابن عمّي السنّي واسمه «حميد»، والذي فاجأني بأنّه حينما كان يتردّد على أحد بيوت أصدقائنا من الشيعة في المنطقة التي ولدت فيها، وهي قرية «السيّافية» في الدورة جنوب بغداد، الواقعة على ضفاف نهر دجلة، قال: بأنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب يقول «إنّ النبيّ يهجر» وذلك في حادثة رزية الخميس.
فقلت له: أأنت متأكّد من هذه المعلومة؟ لأنّ هذا الكلام باطل، ولا يمكن أن
وورد في لفظ آخر: «غلب عليه الوجع»(1).
وفي لفظ ثالث: فقال عمر كلمة معناها أنّ الوجع قد غلب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(2).
هذا الحديث قد خرّجه الشيخان محمّد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري في صحيحيهما، واتّفق المحدّثون كافّة على روايته(3).
٢ - ما روي بلفظ: «هجر رسول الله»، أو «يهجر»:
أخرج البخاري عن ابن عبّاس أنّه قال: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟! ثمّ بكى حتّى خضب دمعه الحصباء. فقال اشتدّ برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس.
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً».
فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع. فقالوا: هجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال:(صلى الله عليه وآله وسلم) «دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه».
وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة(4).
ليست الثالثة إلاّ الأمر الذي أراد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتبه حفظاً لهم من الضلال، لكن السياسة اضطرّت المحدّثين إلى ادّعاء نسيانه(5).
روى مسلم وأحمد بإسنادهما والطبري في تاريخه عن عمر أنّه قال: «إنّ رسول الله يهجر»(1).
وفي بعض المصادر روي بألفاظ قريبة منه: «هجر»(2)، أو «إنّ النبيّ يهجر»(3)، «إنّ نبي الله ليهجر»(4)، أو «إنّ محمّداً ليهجر»(5)، أو «إنّ الرجل ليهجر»(6)، أو «إنّه ليهجر»(7)، أو «دعوا الرجل فإنّه ليهجر»(8)، أو «إنّ الرجل ليهذر»(9).
وقد ورد في بعض المصادر على نحو التساؤل والاستفهام: «أهجر»(10)؟ أو «أهجرا»(11)؟ أو «أهجر رسول الله»(12)؟ أو «ماله أهجر»(13)؟ أو «ما شأنه
1) صحيح مسلم ٥: ٧٦، مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٥٥، تاريخ الطبري ٢: ٤٣٦، كتاب سليم ابن قيس الهلالي: ٢٣٤. الغيبة: ٨٤، مناقب آل أبي طالب ١: ٢٠٢ بحار الأنوار ٢٢: ٤٧٢، ٤٩٨، غاية المرام ٦: ٩٩، الأربعين في إمامة الأئمّة الطاهرين: ٥٣٤.
2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢: ١٩٢، بحار الأنوار ٣٠: ٥٣٨.
3) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢: ١٩٢.
4) فتح الباري ٨: ١٠١، الطبقات الكبرى ٢: ٢٤٢.
5) غاية المرام ٦: ١٠٠ و١١٥.
6) أوائل المقالات: ٤٠٦، الرسالة السعدية: ٧٩، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: ٤٣٢، غاية المرام ٦: ٩٧، حلية الأبرار ٢: ٣٢١، بحار الأنوار ٣٠: ٤٦٦، ٥١٣، ٥٣٥، شرح أصول الكافي ٧: ٢٤١، الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة: ٢٢٤، كشف الغمّة ٢: ٤٧، كشف اليقين: ٤٧٢، الأربعين في إمامة الأئمّة الطاهرين: ٥٣٤، إحقاق الحقّ: ٢٣٦، ٢٦٤، ٢٨٠، ٢٨٤، مستدرك سفينة البحار ٩: ٣٠.
7) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ٣: ١٠٠.
8) الأربعين في إمامة الأئمّة الطاهرين: ٢٨٤.
9) شرح أصول الكافي ١٢: ٤١٣، الأربعين في إمامة الأئمّة الطاهرين: ٢٨٤.
10) تاريخ ابن خلدون ٢: ق٢، ٦٢، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢: ١٩٢، بحار الأنوار ٣٠: ٥٣٨.
11) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢: ١٩٢.
12) عمدة القاري ١٤: ٢٩٨.
13) صحيح البخاري ٤: ٦٦، عمدة القاري ١٥: ٩٠، إمتاع الاسماع ٢: ١٣٢، ج١٤، ص٤٤٩، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢: ١٩٢.
أهجر»(1)؟ أو «ما شأنه يهجر»(2)؟
٣ - ما روي بلفظ: «فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة»:
روى الطبراني في معجمه عن عمر بن الخطاب قال: لمّا مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). قال: «ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً».
فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة، ثمّ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً».
فقال النسوة من وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
فقلت: إنكنّ صواحبات يوسف، إذا مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عصرتنّ أعينكنّ، وإذا صحّ ركبتنّ عنفه.
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أحزنتني فإنّهنّ خير منكم»(3).
وفي مجمع الزوائد: فقال بعض القوم: اسكتي، فإنّه لا عقل لك.
فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنتم لا أحلام لكم»(4).
٤ - ما روي المعارضة بالمعنى:
عن ابن عبّاس أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في مرضه الذي مات فيه: «أئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً».
فقال عمر بن الخطاب: من لفلانة وفلانة مدائن الروم، إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
1) صحيح البخاري ٥: ١٣٧، صحيح مسلم ٥: ٧٥، مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٢٢، السنن الكبرى ٣: ٤٣٤، ح٥٨٥٤، عمدة القاري ١٨: ٦١، المصنف ٦: ٥٧، ح٩٩٩٢، و ج١٠، ص٣٦١، ح١٩٣٧١، مسند الحميدي ١: ٢٤١، ح٥٢٥، الطبقات الكبرى ٢: ٢٤٢، تاريخ الطبري ٢: ٤٣٦، البداية والنهاية ٥: ٢٤٧، الفائق في غريب الحديث ٣: ٣٩١ مادة (هجر)، شرح نهج البلاغة ٢: ٥٥ و ج١٣، ص٣١، نصب الراية ٤: ٣٤٣، إمتاع الأسماع ١٤: ٤٤٧، السيرة النبوّية لابن كثير ٤: ٤٥٠، سبل الهدى والرشاد ١٢: ٢٤٧.
2) الأربعين في إمامة الأئمّة الطاهرين: ٥٣٤.
3) المعجم الأوسط ٥: ٢٨٧ - ٢٨٨، كنز العمّال ٥: ٦٤٤، ح١٤١٣٣.
4) مجمع الزوائد ٤: ٢١٥.
ليس بميت حتّى نفتتحها، ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى.
فقالت زينب زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ألا تسمعون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يعهد إليكم؟!
فلغطوا.
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «قوموا».
فلمّا قاموا، قبض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مكانه(1).
وعن ابن عبّاس أنّه قال: لمّا حضر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الوفاة. قال: «إئتوني بكتف أكتب لكم فيه كتاباً لا يختلف منكم رجلان بعدي».
قال: فأقبل القوم في لغطهم.
فقالت المرأة: ويحكم عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(2).
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لمّا كان في مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي توفّي فيه، دعا بصحيفة ليكتب فيها لأُمّته كتاباً لا يضلّون ولا يضلّون.
قال: فكان في البيت لغط وكلام، وتكلّم عمر بن الخطاب. قال: فرفضه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(3).
وأيضاً عن جابر قال: دعا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لأمّته لا يضلّوا ولا يضلّوا، فلغطوا عنده حتّى رفضها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(4).
الاختلاف في النقل:
وهذا الحديث ممّا لا كلام في صحّته ولا شكّ في صدوره، واتّفق المحدّثون كافّة على روايته، فقد أورده البخاري في عدّة مواضع من صحيحه، ومسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، وغيرهم من أصحاب السنن والمسانيد، إلاّ أنّ هناك
تصرّفاً فيه ; إذ نقلوه في بعض الموارد بالمعنى لا بلفظه ; لأنّ لفظه الثابت إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يهجر، لكنّهم ذكروا تارة بلفظ: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع تهذيباً للعبارة، وتقليلاً لمن يستهجن منها، والشاهد على ذلك ما رواه ابن أبي الحديد المعتزلي بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: «لمّا حضرت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده».
فقال عمر كلمة معناها أنّ الوجع قد غلب على رسول(صلى الله عليه وآله وسلم)...(1)، وتراه صريحاً بأنّهم إنّما نقلوا معارضة عمر بالمعنى لا بعين لفظه.
إساءات للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم):
١ - عدم إطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله تعالى فرض طاعة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بنصّ الكتاب العزيز تارة مقرونة بطاعته وأخرى منفردة وذلك في عدّة آيات بنحو الإطلاق وعدم اختصاصها بحال من الأحوال.
كقوله تعالى: أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فاِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(2).
وقوله تعالى: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(3).
وغيرها من الآيات المقرونة بطاعته تعالى(4).
وأخرى أفرد طاعة نبيّه كقوله تعالى: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(5).
فإنّ الله أراد من المسلمين إطاعة أوأمر نبيّه والتجنّب عن نواهيه والعمل
على طبقهما وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(1)، وهو المسدّد من شديد القوى في جميع حالاته لحصره النطق عن الوحي: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(2)، ولم يجعل لهم الخيرة من أمرهم: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ(3)، وما يختاره الرسول هو مختار الله سبحانه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلَا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(4).
هذه من جهة، ومن جهة أخرى جعل إطاعة رسوله إطاعة لله سبحانه وتعالى حيث يقول: مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ(5)، ومن لم يطع الرسول فقد خرج عن طاعة الله، وصار ممّن يعص الله وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(6)، ووَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(7).
٢ - إيذاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ هذه العبارة: «إنّ النبيّ يهجر»، أو «إنّ الرجل ليهجر» إيذاء للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويكشف عن تألّمه عدم تحّمل جلوسهم عنده، وقد ظهر شدّة تأذيه وتأثّره من ذلك، حيث طردهم من بيته فقال لهم: «قوموا عنّي»، مع أنّه ليس من دأبه وخلقه التعامل مع الآخرين بهذا الإسلوب وفي أصعب الحالات حيث مدحه الله تعالى بقول: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم(8)، وأنّه كان يقسّم لحظاته بين أصحابه، فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية، ولم يبسط رجليه بين أصحابه
قط، وإن كان ليصافحه الرجل فما يترك يده حتّى يكون هو التارك(1)، وإذا غضب أعرض وأشاح(2)، فقوله: «قوموا عنّي» يكشف عن شدّة تأذّيه، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(3)، وإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا(4).
٣ - رفع الصوت بمحضر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ومن جملة إساءاتهم لمقام النبوّة أنّهم رفعوا أصواتهم ولغطوا في محضره إذ جاء في الخبر: كان في البيت لغط وكلام(5)، وقد نهى الله أن يرفعوا صوتهم فوق صوت النبيّ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ(6).
٤ - التنازع بمحضر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): كما أنّهم تنازعوا بمحضره(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونهى الله عن ذلك قال تعالى: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ(7)، وعلى تقدير حصوله لابدّ لهم من الرجوع إلى الله ورسوله: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ(8)، ولم يردّوا الأمر إليه حتّى طردهم من بيته.
«حسبنا كتاب الله» تخالف الشريعة:
إنّ مقولة «حسبنا كتاب الله» تخالف الكتاب والسنّة والإجماع والعقل.
أوّلاً: مخالفتها للكتاب الذي يأمرنا بطاعة رسوله إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ(1).
ثانياً: مخالفتها للأخبار القطعيّة على وجوب اتّباع السنّة في حديث الثقلين وغيره، وإلاّ فلو كان الكتاب كافياً لكان ما في الصحاح الست وغيرها فضولاً.
ثالثاً: مخالفتها للإجماع القطعي بين الفريقين من الرجوع إلى السنّة في كثير من جزئيات الأحكام الشرعيّة بل حتّى في الأمور الكلّية من الأحكام الفقهيّة والاعتقاديّة.
رابعاً: مخالفتها للعقل الذي يقضي من أنّه لا يمكن استفادة تفاصيل الأحكام في العبادات والمعاملات من الكتاب العزيز ; لأنّه وإن كان تبياناً لكلّ شيء، وما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرجال(2)، وإنّما يعرف القرآن من خوطب به(3).
فالقول: «حسبنا كتاب الله» استبعاد للسنّة الشريفة التي أمرنا الله ورسوله باتباعها.
ماذا أراد أن يكتب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
يتّضح لكلّ متدبّر في هذه الواقعة، والمتمعّن فيها من أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)أراد أن يكتب أمراً مهماً ونبأً عظيماً، بل كان شغله الشاغل وفكره في هذه الواقعة، وأنّه الحافظ عن الضلال أبداً إلى يوم القيامة كما صرّح به «لن تضلّوا بعده أبداً»،
فيعلم من ذلك الاهتمام إيّاه، وأنّه قطب رحى الإسلام، وهي الإمامة كما اعترف بذلك عمر في موارد من كلامه، نذكر بعضها هنا:
١ - عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: دخلت على عمر في أوّل خلافته وقد أُلقي له صاع من تمر على خصفة فدعاني إلى الأكلّ، فأكلت تمرة واحدة وأقبل يأكل حتّى أتى عليه، ثمّ شرب من جرّ كان عنده، واستلقى على مرفقة له، وطفق يحمد الله يكرر ذلك، ثمّ قال: من أين جئت يا عبد الله؟
قلت: من المسجد.
قال: كيف خلّفت ابن عمّك؟
فضننته يعني عبد الله بن جعفر.
قلت: خلفته يلعب مع أترابه، قال: لم أعن ذلك، إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت.
قلت: خلفته يمتح بالغرب على نخيلات من فلان، وهو يقرأ القرآن.
قال: يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنيها! هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟
قلت: نعم.
قال: أيزعم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نصّ عليه؟
قلت: نعم، وأزيدك سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق.
فقال عمر: لقد كان من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمره ذرو من قول لا يثبت حجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا وربّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
إنّي علمت ما في نفسه، فأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم(1).
وقال ابن أبي الحديد بعد نقله لهذا الخبر: ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسنداً.
٢ - عن ابن عبّاس، قال: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته، فانفرد يوماً يسير على بعيره فاتّبعته، فقال لي: يا بن عبّاس، أشكو إليك ابن عمّك، سألته أن يخرج معي فلم يفعل ولم أزل أراه واجداً، فيم تظّن موجدته؟
قلت: يا أمير المؤمنين إنّك لتعلم، قال: أظّنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة.
قلت: هو ذاك، إنّه يزعم أنّ رسول الله أراد الأمر له.
فقال: يا ابن عبّاس، وأراد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الأمر له، فكان ما ذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك! إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أمراً، وأراد الله غيره فنفذ مراد الله تعالى، ولم ينفذ مراد رسوله، أو كلّما أراد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان! إنّه أراد إسلام عمّه ولم يرده الله فلم يسلم!
وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، وهو قوله: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يذكره للأمر في مرضه، فصددته عنه خوفاً من الفتنة وانتشار أمر الإسلام، فعلم رسول الله ما في نفسي وأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم(2).
وقد اعترف جماعة من أعلام السنّة من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن ينصّ على الإمامة والخلافة من بعده من دون أن يصرّحوا باسم الإمام علي(عليه السلام) كما ذكره الخفاجي(3)، واحتمله الخطابي(4).
تبرير غير مقبول:
أرادا بعض أعلام أهل السنّة التخفيف على عمر في تصرّفاته الخشنة مع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال ابن أبي الحديد: وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة، يحسبه السامع لها أنّه أراد بها مالم يكن قد أراد، ويتوهّم من تُحكى له أنّه قصد بها ظاهراً مالم يقصده، فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها! ولكنّه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته، ولم يتحفّظ منها. وكان الأحسن أن يقول: «مغمور» أو «مغلوب بالمرض»، وحاشاه أن يعني بها غير ذلك(1)!
وقال ابن أبي الحديد أيضاً في موضع آخر من كتابه: واعلم أنّ هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة، ولا حيلة له فيها ; لأنّه مجبول فيها لا يستطيع تغييرها، ولا ريب عندنا أنّه كان يتعاطى أن يتلطّف، وأن يخرج الفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي، والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات، ولا يقصد بها سوءاً، ولا يريد بها ذمّاً ولا تخطئة، كما قدّمنا من قبل في اللفظة التي قالها في مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكاللفظات التي قالها عام الحديبيّة وغير ذلك، والله تعالى لا يجازي المكلّف إلاّ بما نواه، ولقد كانت نيّته من أطهر النيّات وأخلصها لله سبحانه وللمسلمين(2).
وهذا الكلام فارغ لا أساس له ; فإنّ الخشونة الغريزيّة لا تبرّر عصيان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) المعصوم عن الخطأ.
أضف إلى أنّه كان يدأب في مخالفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في كثير من الموارد كما يذكرها التاريخ لنا.
قال أبو جعفر النقيب(1): وممّا جرّأ عمر على بيعة أبي بكر والعدول عن علي - مع ما كان يسمعه من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمره - أنّه أنكر مراراً على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أموراً اعتمدها، فلم ينكر عليه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إنكاره بل رجع في كثير منها إليه وأشار عليه بأمور كثيرة نزل القرآن فيها بموافقته، فأطمعه ذلك في الإقدام على اعتماد كثير من الأمور التي كان يرى فيها المصلحة، ممّا هي خلاف النص، وذلك نحو إنكاره عليه في الصلاة على عبد الله بن أبي المنافق، وإنكاره فداء أسارى بدر، وإنكاره عليه تبرّج نسائه للناس، وإنكاره قضيّة الحديبيّة، وإنكاره أمان العبّاس لأبي سفيان ابن حرب، وإنكاره واقعة أبي حذيفة بن عتبة، وإنكاره أمره بالنداء: (من قال لا إله إلاّ الله دخل الجنّة)، وإنكاره أمره بذبح النواضح، وإنكاره على النساء بحضرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهيبتهنّ له دون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)... إلى غير ذلك من أمور كثيرة تشتمل عليها كتب الحديث، ولولم يكن إلاّ إنكاره قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه: (ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم ما لا تضلّون بعدي)، وقوله ما قال، وسكوت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنه(2).
وأعجب الأشياء أنّه قال ذلك اليوم: حسبنا كتاب الله، فافترق الحاضرون من المسلمين في الدار فبعضهم، يقول القول ما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعضهم يقول: القول ما قال عمر، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كثر اللغط، وعلت الأصوات: (قوموا
1) وهو أستاد ابن أبي الحديد المعتزلي قال عنه: «ولم يكن إمامي المذهب، ولا كان يبرأ من السلف، ولا يرتضي قول المسرفين من الشيعة، ولكنّه كلام أجراه على لسانه البحث والجدل بيني وبينه على أن العلوي لو كان كرامياً لابدّ أن يكون عنده نوع من تعصّب وميل على الصحابة وإن قل»، شرح نهج البلاغة ١٢: ٩٠.
2) شرح نهج البلاغة ١٢: ٨٧.
عنّي فما ينبغي لنبيّ أن يكون عنده هذا التنازع).
فهل بقي للنبوّة مزّية أو فضل إذا كان الاختلاف قد وقع بين القولين، وميل المسلمون بينهما، فرجّح قوم هذا، فليس ذلك دالاًّ على أنّ القوم سووا بينه وبين عمر، وجعلوا القولين مسألة خلاف، ذهب كلّ فريق إلى نصرة واحد منهما، كما يختلف اثنان من عرض المسلمين في بعض الأحكام، فينصر قوم هذا، وينصر ذاك آخرون، فمن بلغت قوّته وهمّته إلى هذا كيف ينكر منه أنّه يبايع أبا بكر لمصلحة رآها، ويعدل عن النص؟! ومن الذي كان ينكر عليه ذلك، وفي القول الذي قاله للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في وجهه غير خائف من الأنصار، ولا ينكر عليه أحد، لا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا غيره، وهو أشدّ من مخالفة النصّ في الخلافة وأفظع وأشنع(1).
فهذه الحادثة وغيرها جعلت الأخ «حسن عليوي» يبحث عن الحقيقة، ويطالع كتب التاريخ عن كثب حتّى يصل إلى الحقّ والحقيقة، وكان دائماً يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يهديه إلى طريق الصواب، وبدأ بقراءة بعض الكتب العقائدية ككتاب «المراجعات»، و«النصّ والاجتهاد» للسيّد شرف الدين، و«الفصول المهمّة في أصول الأئمّة» للحر العاملي وكتب التيجاني وغيرها.
وبعد صراع بين الحقائق والأوهام بفضل الله تعالى اهتدى إلى نور مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا(2).
والحمدُ لله ربّ العالمين
ولد عام ١٣٧٨هـ (١٩٥٩م) بمدينة «السليمانية» في شمال العراق، ونشأ في أُسرة حنفيّة المذهب، وهو خريج معهد التكنولوجيا، قسم المدرسين الصناعيّين.
مع صديقي الشيعي:
في الفترة التي كان فيها «حسين شريف» مديراً لمعهد التكنولوجيا في مدينة «أربيل»، كان معه أحد الإخوة الأكراد الشيعة -القاطنين في منطقة «خانقين» ويسمّى قسم منهم بالأكراد الفيلية- وكانت بينهما علاقة صداقة حميمة ووطيدة، وقد فتحت هذه العلاقة أمامهما أبواب الصراحة والتحدّث في مختلف المواضيع، لاسيّما الدينية.
يقول «حسين شريف»: كان صديقي مدرساً في المعهد وملتزماً بدينه، وكنّا نجلس في بيتي أو بيته ونتباحث حول المذاهب الإسلاميّة، وكنت في وقتها من الذين يروجون للسلفيّة، وكان صديقي يحرجني في كثير من الأحيان بأسئلته وانتقاداته!
الاستعانة بالعلماء:
يقول «حسين شريف رستم»: كنت أنقل ما يجري بيني وبين صديقي الشيعي الكردي إلى بعض مشايخ وعلماء أهل السنّة، لكي أردّ على صاحبي، ولكي أجد منفذاً يخلّصني من الإحراجات التي يوقعني فيها خلال أسئلته العقائدية، لكنّني لم أجد الإجابة المقنعة، بل لم أجد الإجابة أصلاً في الكثير من الأحيان، فتراكمت أسئلة صديقي بمرور الزمان، ودفعتني للبحث بنفسي للحصول على الإجابات من خلال قراءة الكتب.
وفي إحدى المرّات التي كنت أطالع فيها عثرت على فتوى شيخ الأزهر محمود شلتوت التي قال فيها: «إنّ مذهب الجعفريّة المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشريّة مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة».
فتفاجأت من هذه الفتوى، لأنّني كنت أحسب الشيعة مشركين وفق ما أملى علينا التيّار الوهّابي!
فعندما اطّلعت على هذه الفتوى قلّ عدائي وخصومتي مع هذا المذهب، وهذا ما جعل بحثي يتّصف بالموضوعيّة وعدم التعصّب.
وشعرت عند زوال عدائي وتعصّبي بأنّ هذا المذهب يتسرّب في وجودي، ويجد لنفسه مكاناً في عقلي وقلبي نتيجة أدلّته الرصينة والمستحكمة.
وبدأت أقرأ الكتب الشيعيّة برغبة وشوق ولمجرّد الاطلاع، كما أعطاني صديقي اشرطة محاضرات الشيخ الوائلي، فكنت أسمعها وأصغي إلى ما يقوله الشيخ الوائلي، وبمرور الزمان فرضت عليّ الأدلّة والبراهين التي وجدتها أن اتّبع مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
نشأة التشيّع:
كان يظن «حسين شريف» بأنّ التشيّع مذهب متأخّر وشاذ، ولكنّه اطلّع عن طريق بحثه بأنّ التشيّع تكوّن أيّام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد ذكر الشيخ الوائلي العديد من الأدلّة على تكوّن التشيّع أيّام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)منها:
١ - النصوص التاريخيّة على وصف جماعة بالتشيع أيّام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) -ثُمّ عدّد جماعة منهم وقال: -وهم أوّل من سمّي باسم التشيّع لأنّ اسم التشيّع كان قديماً لشيعة إبراهيم(1).
٢ - ما عليه جمهور الباحثين والمؤرّخين الذين ذهبوا إلى أنّ التشيّع ظهر يوم السقيفة فإنّ ذلك ينهض دليلاً على وجوده أيّام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه من غير المعقول أن يتبلور التشيّع بأسبوع واحد- أيّ المدّة بين وجود الرسول ووفاته بحيث يتخذ جماعة من الناس مواقف معيّنة، ويتضح لهم اتّجاه له ميزاته وخواصه، فإنّ مثل هذه الآراء تحتاج في تكوينها وتبلورها إلى وقت ليس بالقليل، وكلّ من له إلمام بحوادث السقيفة وموقف الممتنعين عن بيعة أبي بكر وحججهم في ذلك الموضوع يجزم بأنّ تلك المواقف لم تتكوّن بوقت قصير وبسرعة كهذه السرعة، وذلك لوجود اتّجاهات متبلورة، وتأصّل في طرح نظريات معيّنة.
٣ - إنّ من غير المعقول أن ترد على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث في تفضيل الإمام علي(عليه السلام) والإشارة إلى مؤهلاته، ثُمّ يقف المسلمون من ذلك موقف غير المبالي، وهم من هم في إيمانهم وطاعتهم للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولاسيّما المواقف في ذلك قد تعدّدت، منها:
1) أعيان الشيعة: ١٨.
الموقف الأوّل:
عندما نزل قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ(1)قال المؤرخون: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا عليّاً(عليه السلام) وأمره أن يصنع طعاماً ويدعو آل عبد المطلب وعددهم يومئذ أربعون رجلاً، وبعد أن أكلوا وشربوا من لبن أعدّ لهم، قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:
«يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فايّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم»، فأحجم القوم عنها جميعاً.
-يقول علي- وقلت وإنّي لأحدثهم سنّاً . . . : «أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثُمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(2).
الموقف الثاني:
يقول أبو رافع القبطي مولى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): دخلت على النبيّ وهو يوحى إليه، فرأيت حيّة، فنمت بينها وبين النبيّ لئلا يصل إليه أذىً منها حتّى انتهى عنه الوحي، فأمرني بقتلها وسمعته يقول: الحمد لله الذي أكمل لعلي منيته، وهنيئاً لعليّ بتفضيل الله إيّاه.. بعد أن قرأ قوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(3).
وقد أجمع أعلام أهل السنّة والشيعة على نزول هذه الآية في علي(عليه السلام).
الموقف الثالث:
موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم غدير خم وذلك عند نزول الآية: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(1).
وعندما أوقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الركب وصنعوا له منبراً من أحداج الإبل خطب عليه خطبته المعروفة، ثُمّ أخذ بيد علي وقال: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»؟
قالوا: بلى.
فكرّرها ثلاثاً ثُمّ قال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».
فلقيه الخليفة الثاني فقال: هنيئاً لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولاى كلّ مؤمن ومؤمنة.
وقد ذكر الرازي في سبب نزول الآية عشرة وجوه، منها أنّها نزلت في علي(عليه السلام)، ثُمّ عقّب بعد ذلك بقوله: وهو قول ابن عبّاس، والبرّاء بن عازب، ومحمّد ابن علي -يريد الباقر-(2).
ويضيف الدكتور الوائلي: وقد ألّف في موضوع الغدير من السنّة والشيعة ست وعشرون مؤلّفاً، ولا أُريد التحدّث بصراحة حديث الغدير في أولويّة الإمام علي(عليه السلام) وتقديمه على كافّة الصحابة، فإنّ الأمر قد أشبع من قبل الباحثين، ولكنّي
أريد أن أسأل الدكتور أحمد شلبي الذي يقول: حديث الغدير لم يرد له ذكر إلاّ في كتب الشيعة!
فأقول له: هل هناك شيء من الشعور بالمسؤوليّة عندك وعند أمثالك ممّن يرمون الكلام على عواهنه؟ فأنت تحمل أمانة للأجيال، فمن الأمانة هذا القول؟!
إنّ كتب أهل نحلتك وحفّاظ قومك أوردت الحديث بمصادره الموثوقة، فإذا كنت لا تقرأ ولا تريد أن تعرف فاسكت يرحمك الله فهو خير لك من التعرّض أمّا لنسبة الجهل أو العصبيّة.
ولا يقل عن الدكتور شلبي من يذهب إلى أنّ لفظ المولى هنا إنّما يراد منه ابن العمّ، فهو أحد معاني هذه اللفظة المشتركة، ولا ردّ لي على هذا إلاّ أن أقول: اللّهم ارحم عقولنا من المسخ.
إنّ هذه مجرّد أمثلة من مواقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في التنويه بفضل علي(عليه السلام)، ولا يمكن أن تمرّ هذه المواقف والكثير الكثير من أمثالها دون أن تشدّ الناس لعلي، ودون أن تدفعهم للتعرّف على هذا الإنسان الذي هو وصيّ النبيّ، الذي يشركه القرآن بالولاية العامّة مع الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثُمّ لابدّ للمسلمين من إطاعة هذه الأوامر التي وردت بالنصوص، والالتفاف حول من وردت فيه ذلك هو معنى التشيّع الذي نقول: أن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي بذر بذرته، وقد اينعت في حياته، وعرف جماعة بالتشيع لعلي والالتفاف حوله.
ثُمّ ذكر الشيخ الوائلي أسماء الرعيل الأوّل من الصحابة الذين عرفوا بتشيّعهم وولائهم للإمام علي(عليه السلام)(1).
1) هوية التشيّع، الدكتور الشيخ أحمد الوائلي: ٢٩ ـ ٣٢ (بتصرف).
ويضيف «حسين شريف»: وهكذا بدت لي الحقائق الضائعة، فتوجّهت نحوها حتّى وصلت إلى شاطيء الأمان من خلال ركوبي لسفينة أهل البيت(عليهم السلام)، وأعلنت استبصاري بقوّة ومن دون خشية أو خوف من أحد، ثُمّ شرعت بنشر علوم ومعارف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بكلّ ما أوتيت من قوّة.
الصورة
ولد عام ١٣٩٠هـ (١٩٧١م) في «قضاء رانية» التابع لمحافظة «السليمانية» في العراق، ونشأ في عائلة كردية شافعية المذهب، واصل دراسته إلى المرحلة المتوسطة، وله دراسة دينية في المذهب الشافعي عند العلماء في المساجد.
استبصر سنة (١٩٩٤م)، ودرس في الحوزة العلمية في قم، ومارس التبليغ الديني، وتدريس الأحكام الشرعيّة، وتعليم القرآن في كردستان العراق، ساهم في تأليف بعض الكراسات الدينية، وترجم بعض الكتب إلى اللّغة الكرديّة.
بذرة تشيّعي غُرست في كردستان العراق:
يقول «حسين»: «استبصر أحد الشيوخ في منطقتنا، وكان يحدّثنا عن التشيّع وسماته، وخاصة في الجانب العلمي، وكان من أخلاقه وأسلوبه في التبليغ أنّه لا يطلب منّا التشيّع مباشرة، بل يقول إذهبوا بأنفسكم، ولا حظوا ما لدى الجانبين من أدلّة، وبعدها يكون أمركم بيدكم إن شئتم تشيّعتم وإلاّ فلا ; لأنّ القضيّة قضيّة دين، والدين أعزّ ما عند الإنسان المسلم فيجب أن يهتمّ به، ولكن لا يؤمن بشي إلاّ عن اقتناع كامل، وبرهان جليّ، وإمارات صادقة.
هذا، وقد أعجبتني هذه الفكرة بشكل ممتاز لما فيها من انفتاح على
المذاهب الأُخرى، وعدم إكراه في الاقتناع بمذهب معيّن، وبالفعل هاجرت إلى الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة بإيران لطلب العلم، وأنا ناو للبقاء على مذهبي الذي أعتزّ به كثيراً، فطلب العلم فضيلة، والاهتمام بالدين أمر واجب.
بدأتّ بالدراسة بشكل جدّي، وأفرحني أنّني وجدت الشيخ السابق ذكره قد سبقني في المجيّ إلى قم، وحصلت بيننا علاقة متينة تخلّلتها الحوارات الدينية الشيعيّة، والمناقشات العلميّة المفيدة التي كانت تطال المناهج الدراسية وما فيها من مضامين عقائدية وفقهية وتاريخية، ولم تقتصر مناقشاتي مع أستاذي السابق فقط، بل شاركت في مناقشات وديّة ومهمّة تطال أمّهات المسائل الدينية الخلافية بين مذاهب المسلمين كان طرفها الآخر أساتذتي في الحوزة، وزملائي الطلبة الذين يشاركوني مقاعد الدراسة.
الإمام علي(عليه السلام) أمير المؤمنين ووصي رسول ربّ العالمين:
يواصل «حسين» حديثه قائلاً: «كان الشي المهم الذي استفدته من مناقشاتي هو أنّي عرفت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، حيث جذبتني مناقبه، وهزّتني كراماته، وهام قلبي بحبّه، وتركزّت معاني ولايته في نفسي فأنا عندما كنت سنّياً كنت أسمع مشايخنا يقولون: علي كرّم الله وجهه، وعندما سألت عن معنى ذلك قالوا: إنّ علي لم يسجد لصنم قط(1)، بينما سجد كبار الصحابة للأصنام أيّام الجاهلية.
فكانت هذه أوّل المناقب العالقة في قلبي، ولكنّها كانت قطرة في أرض يابسة قاحلة، كثر فيها الشوك الذي زرعه الآخرون. والحقيقة أنّ مناقب علي بن أبي طالب(عليه السلام) لا تعدّ ولا تحصى، فبسيفه قام الإسلام، وبجهاده ثبت عموده، وبعلمه أزيحت الشبهات، وما أحسن ما قاله ابن أبي الحديد المعتزلي في إحدى
1) شواهد التنزيل ١: ٤١٢.
قصائده العلوية:
ألا إنّما الإسلام لولا حسامه كعفطة عنز أو قلامة حافرِ
ألا إنّما التوحيد لولا علومه كعرضة خليل أو كنهبة كافرِ
هو الآية العظمى ومستنبّط الهدى وحيرة أرباب النهى والبصائرِ(1)
هذا ومن خصاله -التي أعتقد أنّها ساهمت في إعطائه تاج الولاية، وشرف الوصيّة- أني وجدته لم يخالف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبداً، فكانت آثار تربية الرسول عليه واضحة وثمراتها بادية على خلاف الآخرين الذين خالفوا واجتهدوا بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهم لا يملكون العلم، وليست لهم السوابق.
نظرة في المذاهب:
يسجّل «حسين» بعض الملاحظات، ويعرض بعض نتائج تجربته، فيقول: يتميّز المذهب الشيعي الإمامي الاثنى عشري عن بقية المذاهب بالعمق العلمي حيث ربّى علماءً كباراً، وهذّب علوماً نقيّة تعتمد على الدليل وتستند على البرهان، وهذه نتيجة طبيعية لتمسكه بالعترة النبويّة الطاهرة، فكما أنّ آل البيت(عليهم السلام) لا يقاس بهم أحد، فكذلك مذهبهم يتميّز عن غيره رغم الظروف الصعبة التي عاشها أتباعه والقمع المستمر لعلمائه من سلاطين الجور وعلماء السوء من بطانتهم.
فخذ مثلاً علم الحديث لدى الشيعة، وقادته بما يفتخر به المذهب السنّي الذي يدّعي أنّ قيامه كان لحماية السنّة النبويّة الشريفة أمام المبتدعين والضالين، فرغم أن رجال الشيعة كانوا مطاردين على مرّ العصور. ممّا أدّى إلى ضياع الكثير من كتبهم، وتراثهم الحديثي، إلاّ أنّا نراهم يعتنون بالسند كما يهتمّون بالمتن، وتطول لديهم المناقشات السندية تحرّياً للصدق والضبط، ويخضع لديهم الحديث
1) التنبيهات على معاني السبع العلويات: ٨٩ ـ ٩٠.
لموازين موحدة صارمة.
أمّا إذا لاحظت الجانب الآخر، فرغم ادّعائه العريض واتّهامه للآخرين بعدم الاهتمام بالإسناد كما يهتم هو، ورغم الظروف المساعدة التي مرّ بها رجاله لحماية السلطات لهم على مرّ التاريخ الإسلامي، تجدهم يروون لكلّ من هبّ ودبّ، ولا تحكم قواعد الجرح والتعديل عندهم موازين ثابتة تسير على الكلّ، بل يخضع السند لاجتهادات متقلّبة، وأقوال مختلفة تجمع بين المتناقضات ونجد هذا منهم في الكتب المعتبرة لديهم فضلاً عن غيرها.
الصورة
ولد عام ١٣٧٠هـ (١٩٥١م) في «كفري» بمحافظة «ديالى» في العراق، ونشأ في أُسرة سنّية حنفية المذهب، عمل موظّفاً في دائرة المقاولات الإنشائية في بغداد، غادر العراق سنة ١٤١١هـ (١٩٩١م) في أحداث الانتفاضة الشعبانيّة بعد أن دمّر الجيش العراقي قرية «نارين» التي كان يسكن فيها قرب «كلار» في محافظة ديالى، وهاجر إلى إيران حيث سنحت له الفرصة في الالتحاق بمذهب آل البيت(عليهم السلام).
مظلوميّة آل البيت(عليهم السلام) عرّفتني حقّهم:
يقول «حسين»: لا حظت أنّ البعثيّين الحاكمين في العراق كانوا يظلمون مذهب آل البيت(عليهم السلام)، ولا يسمحون للشيعة بإقامة شعائرهم، بل كانت الإعدامات والقتل غير المبرّر يقع ليلاً ونهاراً لمجرّد إعلان الولاء لأهل البيت(عليهم السلام).
فعرفت أنّ هناك أسراراً في هذا الأمر، فما الذي يدفع حكومة تدّعي التقدميّة والاشتراكيّة والقوميّة . . . الخ إلى قتل الناس وسفك الدّماء لمجرد إعلان المحبّة لأبناء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين عاش معظمهم في القرون السالفة؟ فهل هذه هي التقدميّة؟! وهل هذه هي الحريّة؟! وهل هذه هي القوميّة العربيّة؟
فقد ألمتني أوضاع العراق وأنا أتابعها عن كثب ككلّ مواطن يهتمّ بأمور بلده وبشؤون أبناء البلد، تابعتُ هذا الموضوع، واستفسرت من بعض العلماء، فعرفت أنّ هؤلاء البعثيّين الجبناء ليسوا وحدهم في الميدان، بل لهم أنصار وأسلاف سبقوهم في محاربة الشيعة وسفك دمائهم، والاعتداء على حرمات أهل البيت(عليهم السلام)وتشويه سمعتهم، فهنا عرفت أنّ الأمر ليس ابن يومِه، بل هو يعود إلى أيّام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عندما حسدت قريش آل البيت(عليهم السلام) على نعمة الدين الذي حباهم بها الله لأهلّيتهم وشرفهم.
مظلوميّة آل البيت(عليهم السلام) فضحت الظالمين:
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ . . .(1).
ومن المعلوم جدّاً وقوع الظلم على آل البيت(عليهم السلام) بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل حتّى قبيل وفاته.
هذا وقد دافع القرآن الكريم بشكل قاطع عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وآل بيته(عليهم السلام)الذين كانوا هم عمدة أنصاره -وخاصّة في المواطن الصعبة ضد الكفّار والمشركين والمنافقين من قريش وغيرها- ممّن حسدوه وحسدوا بني هاشم كما دافع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه عن أهل بيته(عليهم السلام) وخصوصاً الإمام علي(عليه السلام)الذي حسده الظالمون على بطولته وعلمه وشرفه، ورأوا فيه سدّاً منيعاً أمام بروزهم على الساحة كمدّعين للخير والفضل، والفاضل دائماً محسود لفضله الذي يفضح المفضول لو أراد التقدّم على حساب الآخرين.
هذا وقدمرّ آل البيت(عليهم السلام) مرور الكرام أمام الظلم الذي وجّهه الآخرون لهم خاصة، ولكن إذا كانت القضية ترتبط بالدين فانّهم يقفون بوجه الظالمين، لأنّهم
1) النساء (٤) : ١٤٨.
الأمناء عليه، فيتصرّفون بما يكون فيه حفظ الدين وقوامه فإنّ تطلبت الظروف العمل بالتقيّة وخاصة المداراتيّة التي تستخدم للحفاظ على شيء مهم عملوا بها.
فنرى أن الإمام علي(عليه السلام) اختار السكوت لمدّة خمس وعشرين سنة أيّام الخلفاء الثلاثة، إلاّ في بعض المواقف التي قدّم فيها مصلحة حفظ الدين على مصلحة التقية، نعم هكذا كان أهل البيت(عليهم السلام) مع خصومهم لا يتخاصمون معهم على دنياً أوحطام، وإنّما يتدخّلون فقط عندما يكون الإسلام نفسه في خطر الزوال.
لقد فضحت فاطمة(عليها السلام) -وهي معصومة أيضاً، وهي بضعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي سيّدة نساء العالمين- غصب الخلافة من علي(عليه السلام) في قضيّة غصب فدك، كما حارب الإمام علي(عليه السلام) المارقين، لأنّهم بغاة خارجون عن الدين وقَتَلَ منهم من قد قتل ممّا سبّب له ولأهل بيته الكرام عداوات استمرّت قروناً.
وهكذا خرج الإمام الحسين(عليه السلام) على يزيد الحاكم الأموي الظالم الذي أراد محو الإسلام من الأساس، فحصلت ملحمة كربلاء حيث قد قتل الإمام الحسين مظلوماً شهيداً، وقد قال تعالى: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا(1).
هذا وقد اختار الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) وهم أولياء دم الإمام الحسين التقيّة وعدم الأخذ بثار الإمام الحسين(عليه السلام) وهم لما رأوه من المصلحة وثأر الإمام الحسين(عليه السلام) هو في الواقع ثار الله الذي سيأخذه على يد وليّ منصور معصوم يخرج في آخر الزمان وهو المهدي المنتظر عجل الله فرجه حيث ينتقم من الظالمين وذريّاتهم التابعين لهم على نفس الخط، فلن يذهب دم الحسين(عليه السلام) هدراً أبداً، وإنّما تُرك الظالمون يعيشون حالة الخوف والصلح من ظهور المنتقم منهم في أيّة لحظة.
1) الإسراء (١٧) : ٣٣.
ولد عام ١٣٧٩هـ (١٩٦٠م) في مدينة «خانقين» في العراق، ونشأ في أسرة تنتمي إلى فرقة «العلي اللهيّة» وهم قسم من الغلاة الذين يعتقدون بالباطن، ويؤمنون بالدعاء وطلب الحاجة كبديل عن الصلاة والصيام.
ويعتقد قسم من هؤلاء أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) هو الله، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
استمرّ «حمدان» على عقيدته الموروثة هذه كبقيّة المنتسبين إلى هذه الفرقة بضعة أعوام، حتّى توصّل إلى نتائج لم تكن في الحسبان حيث أخذت بيده تدريجيّاً إلى منحى آخر، وقد حصل «حمدان» على تلك النتائج إثر قراءته لبعض الكتب العقائديّة للشيعة الاثني عشريّة، واستماعه لمحاضرات بعض الأفاضل.
الإمام الصادق(عليه السلام) والمذاهب الأربعة:
من الكتب التي تأثّر بها «حمدان» هو كتاب «الإمام الصادق(عليه السلام) والمذاهب الأربعة». للأستاذ «أسد حيدر»، حيث فتح له الكتاب آفاقاً واسعة غير ما كان يتصوّرها في معتقده.
ويبحث المؤلّف في هذا الكتاب شخصيّة الإمام الصادق(عليه السلام)، والمدرسة
الإسلاميّة التي أسّسها، والجيل الذي قام بتربيته(عليه السلام)، ويبيّن أقوال العلماء فيه(عليه السلام).
كما يسلّط الضوء على المذاهب الإسلاميّة التي نشأت في الوسط السنّي، وحركة التنازع بين هذه المذاهب، والاختلافات الموجودة فيما بينهم.
موقف أهل البيت(عليهم السلام) من الغلاة:
يبيّن الأستاذ «أسد حيدر» في الفصل الأوّل من كتابه موقف أهل البيت(عليهم السلام)اتّجاه الغلاة، ويذكر السبب الذي قام من أجله هؤلاء بالالتحاق بالشيعة، وادّعاء موالاة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، حيث يرى أنّها حركة سياسيّة أوجدتها عدّة عوامل وأنّهم دخلوا في صفوف الشيعة ليصلوا إلى غايات في أنفسهم من الوقيعة في الشيعة والحطّ من كرامة أهل البيت(عليهم السلام)، إذ كانوا لا يستطيعون أن ينالوا من عقائد الشيعة بشيء.
وأمّا عن طريقة علاج هذه الظاهرة الخطيرة يقول المؤلّف:
«وقد عالج أهل البيت هذه المشكلة الخطرة، وعرفوا الدوافع التي دعت هؤلاء الكفرة إلى الالتحاق بصفوف الشيعة، واتّضح لهم غايات خصومهم الذين يريدون أن يوقعوا بهم، فكان أهل البيت(عليهم السلام) يعلنون للملأ البراءة من الغلاة وجاهروا بلعنهم، وأمروا شيعتهم بالتبرّؤ منهم والابتعاد عنهم، وتلقّى الشيعة تلك الأوامر الشريفة بالقبول والامتثال، فأعلنوا البراءة وملأوا كتبهم من التبرّيء منهم، وأفتوا بحرمة مخالطتهم، وأجمعوا على نجاستهم وعدم جواز غسل ودفن موتاهم، وتحريم اعطائهم الزكاة، ولم يجوّزوا للغالي أن يتزّوج المسلمة، ولا المسلم أن يتزوّج الغالية، ولم يورثوهم من المسلمين وهم لا يرثون منهم»(1).
بعض ما ورد في الغلاة:
لقد أبدى أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) اهتمامهم بتربية الشيعة، وأنذروهم بالابتعاد
1) الإمام الصادق(عليه السلام) والمذاهب الأربعة ١: ٢٣٤.
وقد لعنهم الإمام الرضا(عليه السلام) في حديث جاء فيه: لا تقاعدوهم، ولا تصادقوهم وابرأوا منهم، برىء الله منهم(1).
كما نَسبَ الإمام(عليه السلام) وضع الأخبار عن أهل البيت(عليهم السلام) في التشبيه والجبر إليهم، وقال لأحد أصحابه:
يا ابن خالد، إنّما وضع الأخبار عنّا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغّروا عظمة الله تعالى، فمن أحبّهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبّنا، ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برّنا، ومن برّهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردّنا، ومن ردّهم فقد قبلنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدّقهم فقد كذّبنا، ومن كذّبهم فقد صدّقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا. يا ابن خالد من كان من شيعتنا فلا يتّخذنّ منهم وليّاً ولا نصيراً(2).
الالتحاق بالركب الشيعي:
البحث والتحقيق في كتب الشيعة الإماميّة واستماع بعض المحاضرات، إضافة إلى الحبّ الذي كان يكنّه «حمدان» لأهل البيت(عليهم السلام) كان السبب في استبصاره والتحاقه بركب الشيعة الاثني عشريّة، وكان ذلك عام ١٤١٤هـ (١٩٩٤م) في مدينة «كلار» شمال العراق.
الصورة
ولد عام ١٣٨١هـ (١٩٦٢م) في مدينة «الرمادي» غربي العراق، ونشأ في عائلة سنيّة المذهب، أكمل الدراسة المتوسطة وعمل موظّفاً صحّيّاً، اعتنق مذهب آل البيت(عليهم السلام) سنة ١٤٠٥هـ (١٩٨٥م) في إيران.
فرصة العمر الذهبيّة:
يقول «حمدان»: «وقعت في أسر القوّات الإيرانيّة في الحرب التي دارت بين العراق وإيران في الثمانينات من القرن الماضي، وكانت فترة الأسر -رغم صعوبتها- فرصة ذهبيّة من أيّام عمري، حيث واجهت المفاهيم الدينيّة الشريفة التي بلّغها الأنبياء والأولياء والصالحون على طول التاريخ في متناول يدي، فكانت هناك المحاضرات الدينيّة المستمرّة، والكتب على مختلف أنواعها دينية وثقافيّة واجتماعيّة وسياسيّة حاضرة في مكتبات منظمة.
كما التقيت بناس كثيرين من أبناء بلدي يشاركونني الأسر من مختلف المذاهب والمشارب الثقافية والقومية، وكان من طبيعة الحال أن يحصل بيننا النقاش، ويجري الكلام في مختلف المواضيع التي تخصّنا، وكان من أوّلها البحث في أمور الدين، ومناقشة صحّة العقائد، ومحاولة فهم تاريخ المسلمين وما جرى عليهم من حوادث جرّتهم إلى الحروب والنزاعات الداخلية».
محبّة أهل البيت(عليهم السلام) دليل طيب الولادة:
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحبّنا آل البيت، فليحمد الله على أوّل النعم، قيل يا رسول الله وما أوّل النعم، قال: «طيب الولادة(1)، ولا يحبّنا إلاّ من طابت ولادته».
وهنا يقول «حمدان»: لمّا سمعت بهذا الحديث لأوّل مرّة حمدت الله على أنّ محبّة أهل البيت(عليهم السلام) وقعت في قلبي في الأيّام الأولى، عندما تعرّفت على عظمتهم، وقدسيّة شأنهم، وشكرت الله أيضاً أنّي لم أحسّ في قلبي يوماً ما بغضاً لهم، ولكنّي تأسفت على ما فات من العمر وأنا لا أعرفهم حقّ المعرفة».
والواقع أن معظّم المسلمين يحبّون أهل البيت ويودّونهم، ولا يبغضهم إلاّ القليل من الذين شقوا ببغضهم، أمّا الذي لا يعرفهم، والذي لم يسمع كلامهم فهو ليس من المبغضين، وكثير من المسلمين لا يعرفون عن أهل البيت(عليهم السلام) الكثير، ولا يعادونهم، أمّا الذي يبغضهم عن معرفة بهم، فهذا هو الناصبي الملعون المعادي لله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).
إنّ طيب الولادة يكون سبباً لعدم انسياق الإنسان لنصب العداء لأهل البيت(عليهم السلام).
عن أبي القاسم عثمان بن عبد الله مولى شريح القاضي الكندي، قال: كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام) وعنده نصر القاضي ورجل من بني كعب من أحمس، فتحدّث بأحاديث، فلمّا خرجا قلت: جعلت فداك ما خلّفت في الكوفة عربيين ولا عجميين أنصب منهما، فقال: «إنّ هذين صحيح نسبهما، ومن صحّ نسبه لم يدّعِ على مثلي ما يريد عيبه».
قال: فخرجت إلى الكوفة فلقيتهما فقلت للنصر أوّلاً: سمعت ما كنّا فيه من
1) علل الشرائع ١: ١٤١، معاني الأخبار: ١٦١، أمالي الصدوق: ٥٦٢.
الأحاديث مع جعفر؟ فقال: والله ما كنّا إلاّ في ذكر ومواعظ حسنة، قال: ثُمّ لقيت الآخر فقلت له: مثل ذلك، فقال: ما أحفظهُ ولا أذكر أنّي سمعت شيئاً، قال: فذكّرته حديثاً من الأحاديث، قال لي: ويلك سمعت هذا من جعفر وتعيده، والله لو كان رأس عبد من ذهب لكانت رجلاه من خشب، إذهب قبحّك الله»(1).
فهذا الخبر يذكر رجلين جرّهما صحة نسبهما إلى الاعتراف بعظمة الإمام الصادق(عليه السلام) ولم يدّعيا عليه كذباً، كما يفعل النواصب عادة.
أمّا أن يأتي شخص ناصبي مثل محمّد مال الله، ويطلق الكلام ويتّهم الشيعة بما لم يعتقدوه، فهذا هو ادّعاء الناصبة الذين خبثت ولادتهم!! والذين يسعون في الأرض فساداً، والذين هم يأججّون نار الفتنة بين المسلمين.
يقول هذا الدعي: «من الأُمور الغريبة عند العقلاء أن يعتقد منتسبوا الديانة الشيعية ]!![ أنّهم دون خلقِ الله تعالى من نكاح، وأمّا غيرهم من سفاح، أو بمعنى آخر أنّ غيرهم ممّن لا يعتقد عقائدهم الفاسدة هم أبناء زنا!»(2).
وهو بهذا القول يدلّ على أصله، ويحرّف الكلام ويتقوّل على الشيعة مالم يقولوا، والواقع أنّ الشيعة لم يتّهموا المسلمين بذلك لأنّا قلنا: أنّ معظم المسلمين يحبّون أهل البيت(عليهم السلام). نعم إنّ الناصبي المبغض لهم تشمله الرواية، وإنّ ما قاله الشيعة لم يأتوا به من عندهم، بل هو قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه وآل بيته الكرام شاء من شاء وأبى من أبى وهم قد قالوا: إنّ من يبغض آل البيت(عليهم السلام) فهو مشكوك الولادة، ولم يقولوا: إنّ غير الشيعة أولاد زنا كما يدّعي هذا المتقوّل عليهم كذباً وزوراً.
ثُمّ إنّ الدعوة إلى حبّ أهل البيت(عليهم السلام) وترك بغضهم لم ينقلها الشيعة وحدهم
في كتبهم، بل نقلها المسلمون جميعاً في كتبهم المعتبرة، ونحن نرى أنّ علماء المسلمين ٠غير الوهابيّة- يتبرّؤون من النصب لأهل البيت(عليهم السلام) ويروون أحاديث كثيرة في ذمّ نصب العداء لأهل البيت(عليهم السلام)، رغم أنّ دينهم قائم على ذلك.
كان «حمران بن أعين» والمكنّى «بأبي الحسن» يتّخذ من مدينة الكوفة بالعراق سكناً له، وحسب ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) فإنّه استبصر على يد «أبي خالد الكابلي» أحد أصحاب الإمام زين العابدين(عليه السلام) وخواصّه(1).
وبعد استبصاره التحق بركب الإمام الباقر(عليه السلام) وكان من حواري(2)الصادقين(عليه السلام) بقيّة عمره.
وأمّا عن فضله وجلالة قدره فقد قال فيه أبو غالب الزراري في رسالته:... وكان حمران من أكابر مشايخ الشيعة المفضّلين الذين لا يشكّ فيهم، وكان أحد حملة القرآن(3)ومن يُعدُّ ويُذكر اسمه في القراءات وكان علاماً بالنحو واللغة(4).
1) فقد روي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «.. ثمّ عرفه ]أي التشيّع[ حمران عن أبي خالد الكابلي رحمهم الله»، رسالة في آل أعين: ٢٧.
2) فقد روي عن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) في أحوال يوم القيامة: «.. ثمّ ينادي المنادي: أين حواري محمّد بن علي وحواري جعفر بن محمّد؟ فيقوم عبد الله بن شريك العامري و... وحمران بن أعين»، اختيار معرفة الرجال ١: ٤٣.
3) فقد جاء في اختيار معرفة الرجال ٢: ٥٥٤، أنّ رجلا دخل على الإمام الصادق(عليه السلام) قائلاً: بلغني أنّك عالم بكلّ ما تُسئل عنه، فصرت إليك لأناظرك! فقال أبو عبد الله(عليه السلام): في ماذا؟ قال: في القرآن وقطعه وإسكانه وخفضه ونصبه ورفعه، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): يا حمران دونك الرجل، فقال الرجل، إنّما أريدك أنت لا حمران، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): إن غلبت حمران فقد غلبتني، فأقبل الشامي يسأل حمران حتّى غرض وحمران يجيبه، فقال أبو عبد الله(عليه السلام)، كيف رأيت يا شامي؟ قال: رأيته حاذقاً ما سألته عن شيء إلاّ أجابني فيه...».
4) تنقيح المقال ٢٤: ١٧١.
ويكفي في جلالة قدره أن يصفه الإمام الصادق(عليه السلام) بالميزان والحدّ الفاصل بين الهداية والضلال(1).
وكان «حمران» قد ضمن له المعصوم ثباته على العقائد الحقّة ودخوله الجنّة، فقد روي أنّه أقبل على الإمام الباقر(عليه السلام) قائلاً: جعلت فداك، إنّي حلفت أن لا أبرح المدينة حتّى أعلم ما أنا، فقال أبو جعفر(عليه السلام): فتريد ما ذا يا حمران؟ قال: تخبرني ما أنا؟ فقال أبو جعفر(عليه السلام): أنت لنا شيعة في الدنيا والآخرة(2).
كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «حمران بن أعين مؤمن لا يرتدّ
1) فقد روي أنّ جماعة من أجلّة أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) كانوا يناظرون بعضهم البعض وكان حمران جالساً معهم لكنّه لم يتكلّم، فطلب منه الإمام(عليه السلام) أن يتكلّم، فقال آليت على نفسي أنّي لا أتكلّم في مجلس تكون فيه، فأذن له الإمام الصادق(عليه السلام) بالكلام، فقال حمران: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً، خارج من الحدّين حدّ التعطيل وحدّ التشبيه... وانّ محمّداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، وأشهد أنّ الجنّة حقّ والنار حقّ وأنّ البعث بعد الموت حقّ، وأشهد أنّ علياً حجّة الله على خلقه لا يسع الناس جهله، وأنّ حسناً بعده وأنّ الحسين بعده ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمّد بن علي، ثمّ أنت يا سيّدي من بعدهم، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «التُرتُر حمران» ]في قاموس المحيط ١: ٣٧٩، بالضم الأصل والخيط يُقدّر به البناء[ ثمّ قال(عليه السلام): «يا حمران مُدّ المطمر بينك وبين العالم» فقال سيّدي وما المطمر؟ فقال(عليه السلام) أنتم تسمّونه خيط البناء، فمن خالفك على هذا الأمر فهو زنديق، فقال حمران، وإن كان علويّاً فاطميّاً؟ قال(عليه السلام) «وإن كان محمّدياً علويّاً فاطميّاً»، معاني الأخبار: ٢١٢، ويقصد الإمام(عليه السلام) أنّ الأصل والميزان ما قاله حمران وهو الحدّ الفاصل بين المتديّن والضال.
2) اختيار معرفة الرجال ١: ٤١٤.
وقال فيه: إنّه رجل من أهل الجنّة(2).
ومن خصائصه أنّه كان يقوم من المجلس الذي لا يذكر فيه أهل البيت(عليهم السلام)، فقد روي أنّه كان يجلس مع أصحابه فلا يزال معهم في الرواية في آل محمّد(عليهم السلام)، فإن خلطوا ذلك بغيره ردّهم إليه، وإن صنعوا ذلك عدل ثلاث مرّات، ثمّ قام عنهم وتركهم(3).
وتذكر كتب التاريخ أنّ «حمران بن أعين» أنشد شعراً رثى فيه الإمام الصادق(عليه السلام) بعد استشهاده وجاء فيه:
بكيت على خيرما لاحق بسابعة صفوة الخالق
بكيت على ابن نبيّ الهدى بدمع على وجنتي سابق
ربيع البلاد وغيث العباد لسارب صبح وللطارق
ووارث علم نبيّ الهدى وميزان حقّ به ناطق
فصلّى الإلهُ على روحه وأكرم مثواه من صادق(4)
الصورة
ولد عام ١٣٨٧هـ (١٩٦٨م) في محافظة «ميسان»، شبّ صابئي المذهب متأثّراً بالبيئة التي ترعرع فيها.
صابئي حاول الوصول إلى معرفة الحقيقة، فأعرض عن عقائد طالما قدّسها آباؤه وأسلافه، وعلى رأس هذه العقائد هو الإيمان بأنّ الكواكب وسائط بين الخالق والمخلوق.
سعى «حنون» في دراسة العقيدة الصابئية بصورة نقدية، ولكن واجهه تيّار متعصّب ينهاه عن الخوض في هذه المسائل، وأملى عليه بأنّ هذه المهمّة مهمّة رموز الدين فقط، فلم يقتنع «حنون» باحتكار البعض للعلم، فقام بعملية البحث والتحقيق حول الأديان الأخرى.
يقول «حنون»: ترعرعت في بيئة متمسّكة بتقاليد الصابئة، فقمت بممارسة هذه التقاليد مدّة من الزمن، فللصابئة طقوس غريبة من قبيل التعميد، ولهم عقائد عجيبة كالاعتقاد بأنّ الكواكب وسائط بين الخالق والمخلوق.
والجدير بالذكر أنّهم لا يفصحون عن جوهر معتقداتهم، فهناك الكثير منها لا يعلمها إلاّ علماؤهم الذين يعبّرون عنهم بـ: البيسق، الحلالي، الترميذا، الكنزفرا،
الرشمة (ويعبّر عنه بريشة إمه) وهو أعلى مرتبة علمية عندهم.
ويضيف حنون قائلاً: كنت أعاني من الفراغ العقائدي الذي أعيشه، فكلّما حاولت البحث حول معتقداتي واجهني تيّار مخالف يمنعني من البحث والتحقيق.
وذات يوم ذهبت إلى عالم صابئي لأسأله عن مسائل كانت تختلج في صدري، فقلت له: ما هي الأُسس والمبادئ التي تجعلنا معتقدين بهذا الدين؟ ولماذا لا نتّبع الإسلام مثلاً؟ فقامت القيامة عنده وأخذ يتهجّم على الإسلام ويقول بأنّه دين البدع والضلال والخرافات، وقام يثني على الدين الصابئي واصفاً له بأنّه الدين الحقّ حيث يسمّى أتباعه بـ«المندائيون» بمعنى الطاهرون.
وهناك كتاب يسمّى «السيدرا» لا يسمح لأحد بقراءته والاطّلاع عليه سوى صنف من العلماء.
وكنت أردّد هذا السؤال دائماً في نفسي - هل الدين هو حكر لهؤلاء الأشخاص، حيث لا يسمح لأحد البحث حوله؟
كانت هذه الواقعة بمثابة الزلزال حيث زلزل أركان عقيدتي الموروثة، فقمت بدراسة شاملة حول الأديان وبالخصوص الدين الإسلامي أدّت في نهاية المطاف إلى الإعراض عن معتقداتي الموروثة.
عقائد الصابئة:
يقول الشهرستاني حول الصابئة: «ومذهب هؤلاء أنّ للعالم صانعاً فاطراً حكيماً مقدّساً عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله وإنّما يتقرّب إليه بالمتوسّطات المقربين لديه...»(1).
ويعبّرون عن الوسائط بأنّها «إذا كان لابدّ من متوسّط يتوسّل به، وشفيع يتشفّع إليه.
1) الملل والنحل ٢: ٦.
والروحانيات - وإن كانت هي الوسائل - لكنّا إذا لم نرها بالأبصار ولم نخاطبها بالألسن لم يتحقّق التقرّب إليها إلاّ بهياكلها، ولكن الهياكلّ قد ترى في وقت ولا ترى في وقت لأنّ لها طلوعاً وأفولاً وظهوراً بالليل وخفاءً بالنهار فلم يصف لنا التقرّب بها والتوجّه إليها.
فلابدّ لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا نعكف عليها ونتوسّل بها إلى الهياكل فنتقرّب بها إلى الروحانيات، ونتقرّب بالروحانيات إلى الله سبحانه وتعالى فنعبدهم ليقرّبونا إلى الله زلفى.
فاتخذوا أصناماً أشخاصاً على مثال الهياكل السبعة: كلّ شخص في مقابلة هيكل، وراعوا في ذلك جوهر الهيكل (أعني الجوهر الخاص به من الحديد وغيره) وصوّروه بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه، وراعوا في ذلك الزمان والوقت والساعة والدرجة والدقيقة وجميع الإضافات النجومية من اتّصال محمود يؤثّر في نجاح المطالب التي تستدعي منه.
فتقرّبوا إليه في يومه وساعته، وتبخّروا بالبخور الخاصّ به، وتختّموا بخاتمه، ولبسوا لباسه، وتضرّعوا بدعائه، وعزموا بعزائمه، وسألوا حاجتهم منه، فيقولون: إنّه كان يقضي حوائجهم بعد رعاية الإضافات كلّها»(1).
وقال بعضهم حول الخالق: «إنّ الصانع المعبود واحد وكثير: أمّا واحد ففي الذات والأوّل والأصل والأزل، وأمّا كثير فلأنّه يتكثّر بالأشخاص في رأي العين، وهي المدبّرات السبعة والأشخاص الأرضية الخيّرة العالمة الفاضلة، فإنّه يظهر بها ويتشخّص بأشخاصها ولا تبطل وحدته في ذاته»(2).
وقالوا في الوسائط بأنّها المدبّرة لهذا العالم: «هو أبدع الفلك وجميع ما فيه
من الأجرام والكواكب وجعلها مدبّرات هذا العالم وهم الآباء، والعناصر أمّهات، والمركّبات مواليد...»(1).
بطلان عقائد الصابئة:
إنّ عقائد الصابئة عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، فيا ترى كيف ثبت لهم بأنّ الكواكب والأجرام مدبّرة للكون، ولو سلّمنا بأنّها تدبّر الكون فإنّها لاشكّ تقوم بذلك بإذن الله، فمن سمح لهم بعبادتها وجعل التماثيل لها والتقرّب إلى الله بها؟
ويمكن تلخيص عقيدة الصابئة بأنّها عقيدة متأثّرة من التعاليم الوثنية، فليس هناك ما يكشف عن وجود أُسس ومبادئ تركن إليها هذه الفرقة.
ويكمن السرّ في عدم التعرّف الدقيق على معتقدات هذه الفرقة لإخفاء المعتقدات من قبل علماء هذه الفرقة، ممّا أدّى إلى وجود الفراغ الواضح في مجال أسس ومبادئ هذه العقيدة عند أتباعها.
أنوار الحقيقة:
يقول «حنون»: بعد مدّة من التحقيق والبحث حول أُسس ومبادئ الإسلام، تجلّت لي حقائق غيّرت مجرى حياتي، وتبيّن لي مدى زيف وبطلان العقيدة الصابئية، فأعلنت إسلامي والحمد لله.
1) المصدر السابق.
الصورة
ولد عام ١٣٧٢هـ (١٩٥٤م) في مدينة الرمادي بالعراق ونشأ وتربّى في أسرة شافعية المذهب، واصل دراسته الأكاديمية حتّى أنهى المرحلة المتوسطة.
عاش «خالد» ظروفاً محرجة دفعته لينتقل إلى الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية ويستقرّ فيها، ومن هنا توفّرت له فرصة التعرّف على أهل البيت(عليهم السلام) وما بيّنوه من علوم ومعارف، وذلك بعيداً عن الأجواء التي كان يعيشها في مدينته.
يعتبر «خالد» بأنّ دراستهُ لمواقف أهل البيت(عليهم السلام) إضافة إلى محبّته الخاصّة لهم كانت هي السبب الأساسي في استبصاره، ويقول: «بعد الدراسة والمطالعة... أخذت أميل إليهم(عليهم السلام) يوماً بعد يوم حتّى ملكوا كلّ كياني ووجداني، ومنذ ذلك اليوم أنا سائر على نهجهم وخطاهم وحتّى آخر يوم من حياتي».
نهج البلاغة:
كان كتاب «نهج البلاغة» من الكتب التي تأثّر «خالد» بها بعد قراءتها، حيث أوضح له هذا الكتاب مسير الرؤية الدينية الصحيحة، وكوّن له أرضيّة صالحة لدراسة مواقف أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد جمع فيه «الشريف الرضي(رحمه الله)» الكثير من الخطب والكتب والمواعظ التي ألقاها أمير المؤمنين(عليه السلام) في مختلف المواقف.
تعاليمه(عليه السلام) للولاة:
من أسمى رسائل أمير المؤمنين والتي ينبغي أن تُجعل نصب أعين الحكّام وأن تكون قانوناً لإدارة البلاد، تعاليمه(عليه السلام) للولاة وأساليبه في التعامل معهم، فإنّهم أيدي الحاكم التي تمتدّ في أطراف بلاده والأداة التي يستعين بها على تنفيذ أهدافه، ومن جهة أخرى فالولاة هم ا لمرآة التي ينظر بها الرعية إلى الحاكم، وأعمالهم تنسب إليه وتحمل عليه ويناله خيرها وشرّها.
ومن تعاليمه(عليه السلام) الفذّة أنّه دعى الولاة إلى اتّخاذ التواضع واللين مع الناس منهجاً، فقد كتب(عليه السلام) فيما كتبه لمحمّد بن أبي بكر حين قلّده على مصر: «فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك، وأبسط لهم وجهك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة»(1).
كما دعى الإمام(عليه السلام) في عهده المعروف لمالك الأشتر إلى هذا الأمر: «... وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم وألطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم...»(2).
هذا وكان(عليه السلام) يحذّرهم دائماً من التعدي على حقوق الرعية وظلمهم والمنّ عليهم، فقد جاء في كتابه إلى أحد عمّاله: «... من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض(3)حجّته، وكان لله حرباً(4)حتّى ينزع(5)أو يتوب»(6).
وكتب إليه أيضاً: «إياك والمنّ على رعيّتك بإحسناك أو التزيّد(1)فيما كان من فعلك... إنّ المنّ يبطل الإحسان، والتزيّد يُذهب بنور الحقّ»(2).
وكان(عليه السلام) شديداً بالنسبة للمسؤولين الذين بلغه عنهم التصرّف بالأموال التي بين أيديهم بما لا يصبّ لصالح المسلمين، فقد كتب لزياد بن أبيه خليفة عامله على البصرة عبد الله بن عبّاس: «إنّي أقسم بالله قسماً صادقاً لئن بلغني أنّك خُنت في فيء المسلمين(3)شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأمتدّنّ عليك شدّة تدعّك قليل الوفر(4)ثقيل الظهر(5)، ضئيل الأمر(6)»(7).
كما توعّد(عليه السلام) عامله على أردشير خرّة(8)مصقلة بين هبيرة الشيباني كاتباً إليه: «بلغني عنك... أنّك تقسم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم، وأريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك(9)من أعراب قومك، فو الذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لئن كان ذلك حقّاً لتجدنّ لك عليّ هواناً، ولتخفّنّ عندي ميزاناً...»(10).
المطالعة سبيل الهداية:
بعد تأثّر «خالد» بنهج البلاغة وكتاب «المراجعات» إلى جانب مطالعته للكتب الدينية الأخرى أعلن استبصاره وإبصاره لنور هدى العترة الطاهرة(عليهم السلام)، وكان ذلك عام ١٤٠٥هـ (١٩٨٥م) في مدينة «أراك» الإيرانية.
1) التزيد: إظهار الزيادة في الأعمال عن الواقع منها في معرض الافتخار.
2) نهج البلاغة ٣: ١٠٩.
3) مالهم من غنيمة أو خراج.
4) المال.
5) أي: مسكين لا تقدر على مؤونة عيالك.
6) ضئيل الأمر: الحقير.
7) نهج البلاغة ٣: ١٩.
8) بلدة من بلاد العجم.
9) اختارك، وأصله أخذ العيمة وهي خيار المال.
10) نهج البلاغة ٣: ٦٨.
ولد عام ١٣٨٥هـ (١٩٦٦م) في مدينة بغداد، ونشأ في أُسرة تعتنق مذهب أهل السنّة، ثمّ واصل دراسته حتّى نال شهادة البكالوريوس في العلوم الزراعيّة، وكان السبب الذي شجّعه على الاستبصار حبّ الاستطلاع في الأمور الدينيّة، وكان استبصاره عام ١٤٠٧هـ (١٩٨٧م) في مدينة بغداد.
إيقاظ الفطرة:
يقول «خالد صبّار سرحان»: كانت أسرتي ملتزمة بدينها، فنشأتُ في أجواء تربويّة دينيّة رائعة، وكنت أتميّز عن باقي أسرتي بحبّي الكثير للإمام علي(عليه السلام)، وعندما أكملت مرحلتي الثانويّة والإعداديّة قرّرت مواصلة الدراسة، فدخلت الجامعة، وواصلت دراستي في أجواء جديدة ومختلفة عن أجواء الثانويّة والاعداديّة بحيث واجهت ظاهرة كثرة المناقشات الدينيّة المفتوحة والحرّة، وكان العديد من الطلبة شيعة، وكان هذا الأمر يزيد في رغبة الحوار الديني نتيجة كثرة الاختلافات، فانجذبت إلى طاولة البحث بصورة غير إراديّة، وحفزني هذا الأمر على المزيد من البحث في الصعيد العقائدي، والأمر الذي كان يدفعني للتقّرب إلى الشيعة هو اشتراكي معهم في محبّتي الشديدة للإمام علي(عليه السلام).
وعندما بدأت البحث بصورة جادّة، وقمت بقراءة مختلف الكتب المعتبرة
عندنا، أخذني الاندهاش والحيرة من بعض الوقائع التاريخيّة المؤلمة التي جرت على آل النبيّ ونحن غافلون عنها، من قبيل الأحداث التي وقعت بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)على أهل البيت(عليهم السلام) من ظلم واضطهاد وتشريد و...
فالإطّلاع على الكثير من الحقائق التاريخيّة أغرس الوعي في نفسي ومنحني القوّة الحاسمة لاتباع الطريق الصحيح والتمسّك بالعقيدة النقيّة من الشوائب، فأعرضت عن عقيدتي السابقة التي كانت قائمة على التقليد الأعمى، ودخلت في دائرة التشيّع دائرة النور والطمأنينة.
مواقفي بعد الاستبصار:
كانت أسرتي لا تعلم بتحوّلي واستبصاري ; فلهذا أصبحت متحيّراً كيف أخبرهم بالحقيقة وكنت أعلم بأنّ اطلاعهم يسبّب لي الكثير من المشاكلّ، أو قد يجبروني على ترك العقيدة الجديدة أو ترك البيت، فقرّرت أن أكتم استبصاري وأنتظر الفرصة المناسبة كي أخرج من العراق وأهاجر إلى بلد آخر. وعندما وقعت أحداث الانتفاضة الشعبانيّة عام ١٤١١هـ (١٩٩١م) وجدت الفرصة الثمينة فهاجرت إلى إيران، وقضيت فترة قصيرة في إحدى مخيمات اللاجئين، ثمّ توجّهت بعدها إلى مدينة قم المقدّسة ; لأنّها من المدن المباركة ; لكونها تضمّ مرقد السيّدة فاطمة المعصومة أخت الإمام الرضا(عليه السلام)، وفيها المدارس والمراكز الدينيّة التي تهتمّ بنشر المعارف الشيعيّة، وفيها الأجواء المناسبة لطلب العلوم الإسلاميّة ويعيش فيها الكثير من العلماء البارزين والشخصيّات العلميّة المهتمة بنشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام).
وعندما أقمت الرحال في مدينة قم دخلت دورة لطلب العلوم الإسلاميّة تحت إشراف أحد الأساتذة البارزين في الحوزة العلميّة، وواصلت الدراسة في هذه الدورة بمدّة ثلاث سنوات ; لأنّه من المحتّم على من يبتغي طلب العلوم الحوزويّة أن يدخل دورة مكثّفة لتقوية أساسه العلمي.
ومن المواد الدراسيّة التي كانت تعجبني والتي كنت أقرأها بشوق ولهفة هو درس العقائد ودرس التأريخ، وكانت هذه الدروس تفتح أفقي نحو الحقائق، وتشرح قلبي لاستيعاب العلوم الدينيّة، وتمنحني اليقظة.
ومن خلال قراءتي لعلوم أهل البيت(عليهم السلام) توصّلت إلى الحقيقة الضائعة، وتابعت مطالعة القضايا التاريخيّة، فكشفت الكثير من الحقائق التي كنت سابقاً لا أؤمن بها، وبدأت أتساءل من نفسي:
لماذا سلكت الأُمّة السبيل الخاطئ مع أهل البيت(عليهم السلام)؟
لماذا أعرضت الأُمّة عن أهل البيت(عليهم السلام) وخالفت وصيّة نبيّها(صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم؟
وكيف انحرفت الأمور ليكون الطليق ابن أبي سفيان حاكماً على المسلمين؟
وكيف أصبح الفاسق وشارب الخمر الذي يلعب مع الكلاب وليّ عهده، وحاكماً بعده؟
وكيف يُسبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) على المنابر، وهو الذي قام الإسلام بسيفه؟!
كما أفجعتني مأساة كربلاء. وكلّ هذه المسائل جعلتني أن أصل إلى يقين كامل بأنّ هناك مدرستين في الأُمّة:
المدرسة الأولى تمثّل الحقّ، والمدرسة الأخرى تمثّل الباطل؟
وواجهت الأُمّة اختباراً إلهيّاً ولكنّها - مع الأسف - فشلت في هذا الاختبار، وكان السواد الأعظم منها مع الباطل نتيجة حبّهم للدنيا التي هي - كما قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) - رأس كلّ خطيئة.
العودة إلى الوطن:
يضيف «خالد»: عندما رجعت إلى العراق بعد سقوط حكومة البعث، تحسّنت الأجواء الدينيّة ومال الكثير من الناس إلى تعلّم المعارف الدينيّة والدفاع
عنها دفاعاً رصيناً ودعمه بأحسن ما يكون ; وبما أن الخوف والقلق والرعب كان مهيمناً على الناس في العراق زمن حكومة البعث، فما كان يتجرّأ أحد على القيام بتبليغ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) والدفاع عنه. فلمّا عدت إلى العراق وأطّلعت أسرتي على استبصاري ساءهم ذلك جدّاً واتّهموني وبالارتداد والانحراف، فتعاملوا معي بأسوء التعامل، بحيث همّوا بقتلي، فخشيت على نفسي وقرّرت الهجرة إلى مكان يحفظني، ويهيّء لي مواصلة الطريق الذي اخترته.
الإمام علي(عليه السلام) مدينة علم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):
من الخطوات الرفيعة والسامية والمؤثّرة التي اتّخذها «خالد» واتّبعها حتّى امتلأ قلبه من النور والطمأنينة هو البحث حول حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) «أنا مدينة العلم وعليّ بابها».
وعندما بحث «خالد» هذا الموضوع، وتأملّ في الأحاديث المرويّة من كتب أهل السنّة تجلّت له الحقائق الغامضة والكامنة التي حاولت السلطات الجائرة على مرّ العصور كتمانها وإخفاءها عن الناس، منها أعلميّة الإمام علي(عليه السلام)حيث يقول عمر عنه: «لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن»(1).
كما يقول: «لولا علي لهلك عمر»(2).
وهذا ابن عبّاس يقول: ما علمي وعلم الصحابة في علم علي إلاّ كقطرة في سبعة ابحر(3).
وهذا الإمام علي نفسه يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني، والله لا تسألوني عن شيء ويكون إلى يوم ا لقيامة إلاّ أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله
مامن آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل»(1).
بينما يقول أبو بكر عندما سئل عن معنى «الأب» في قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(2)، قال أبو بكر: «أي سماء تظلّني وأي أرض تقلّني أن أقول في كتاب الله بغير علم»(3).
وهذا عمر بن الخطاب يقول: «كلّ الناس أفقه من عمر»(4).
وكلّ هذه الأحاديث تفتح آفاق الإنسان نحو الحقائق، وتدفعه إلى اعتناق العقيدة الحقّة، ولو يخُيّر العقل ويسئل منه: من هو الأحقّ بالخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه بلاشك سيختار الأعلم والأورع والأفضل، وليس هو إلاّ علي بن أبي طالب(عليه السلام).
ويا ليت القوم اكتفوا بالإعراض عن الإمام علي(عليه السلام) فحسب، ولكنّهم لم يكتفوا بذلك بل هجموا على داره، وآذوا زوجته سيّدة نساء العالمين، وفعل أتباعهم ما فعلوا بذرّيته والتاريخ يشهد بذلك.
ولد في شمال العراق (كردستان)، ونشأ في أجواء فرضت عليه الانتماء إلى المذهب السنّي.
تعاليم تلقّاها عبر تراث طال ما حاول إضفاء القداسة عليها، مستعيناً بتقاليد تجعل الإنسان أكثر تعصّباً اتّجاه هذه التعاليم، وتحاول سلب العقليّة في هذا المجال، وتبرهن على صحّة ما تلقّاه الإنسان من أسلافه بشتّى الطرق.
حقيقة يحاول البعض إخفاءها مستعيناً بالركون إلى التقليد الأعمى للآباء والأسلاف، تاركاً خلفه الأدلّة والبراهين العقليّة التي تشير إلى افتقار التراث إليها.
ويبقى الطريق شائكاً لمن يبغي الوصول إلى الحقيقة.
لم يكن «خالد» ممّن يركنون إلى راحة التقليد وعدم تحمّل العناء للوصول إلى الحقيقة، فقام بدراسة شاملة لكتب التاريخ والسير ليكون على يقين من معتقده الموروث، وسرعان ما كشفت الحقيقة عن وجهها وتبيّن له بطلان ما شبّ عليه شطراً من عمره معتقداً صحّة تعاليم تلقّاها من أسلافه.
يقول «خالد»: ليس من السهل على الإنسان التخلّي عن معتقده الذي كان يقدّسه ويعتقد به مدّة من الزمن، ولكن على الباحث أن يكون منصفاً في بحثه بعيداً
عن الأجواء العاطفيّة التي تعرقل حركته وتجعله يحنّ إلى معتقد لا يستند إلى الأدلّة والبراهين، بل يحاول أن يستمدّ قدرته من خلال ما يحمله أتباعه من التعصّب اتّجاه هذه المعتقدات لتحول دون الوصول إلى الحقيقة.
فضائل أهل البيت(عليهم السلام):
فضائل طالما أُريد طمسّها بشتّى الطرق ; وذلك لتأثيرها الواضح في الواقع الإسلامي الذي شهد الصراعات والنزاعات نتيجة لما دسّ أصحاب الأقلام المأجورة من أكاذيب حاولوا من خلالها إخفاء تلك الفضائل، ممّا جعل أمواجاً متلاطمة من الحقّ والباطل تسير في طيّات التاريخ الإسلامي، وأخذت الصراعات تسير باتّجاه أكثر تمزّقاً في صفوف المسلمين، ومن أبرز الحقائق التي حاولوا دفنها في غياهب الكتمان هي الفضائل التي حظى بها أهل البيت(عليهم السلام)، فحيكت ضدّهم المؤامرات والدسائس تمهيداً لفصلهم عن المجتمع الإسلامي.
أخذت الأقلام المأجورة في طمس الحقائق وذلك من خلال سرد الفضائل الثابتة لهم إلى أعدائهم، ممّا أدّى إلى تغيّب واضح لتلك الفضائل في صميم المجتمع الإسلامي، ونتيجة لهذا التغييب ابتعد المسلمون عن الخطّ الرسالي الأصيل.
وعاش المجتمع الإسلامي حالة من الغيبوبة إلى يومنا هذا متأثّراً بالتيّار المنحرف الذي بذل ما بوسعه لتمزيق صفوف الأُمّة الإسلاميّة.
وفي خضمّ هذا الصراع الفكري والهجمة العشوائيّة التي واجهها أهل البيت(عليهم السلام)سجّل لهم المحدّثون والمؤرّخون العديد من الفضائل في كتبهم الحديثيّة فضلاً عن الآيات التي صرّح كبار مفسّريهم بنزولها في حقّهم، وسنذكر مقتطفات من هذه الروايات التي توضّح جلالة وعظمة أهل البيت(عليهم السلام).
حديث السفينة:
أخرج أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة عن العبّاس بن إبراهيم... عن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة: من عرفني فأنا من قد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك»(1).
ورواه عدّة من الصحابة من طرق كثيرة ممّا ترفع الحديث إلى درجة الصحّة من دون حاجة إلى ملاحظة الرواة والأسانيد للحديث.
يقول ابن حجر في الصواعق المحرقة: «وجاء من طرق كثيرة يقوّي بعضها بعضاً مثل أهل بيتي، وفي رواية إنّما مثل أهل بيتي، وفي أخرى إنّ مثل أهل بيتي، وفي رواية ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق.
وفي رواية من ركبها سلم ومن لم يركبها غرق. وإنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غُفر له...»(2).
فالحديث يحثّ المسلمين على وجوب اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)، ويحذّر من مغبّة التخلّف عنهم وأنّه يوجب الوقوع في الهلاك والضلالة.
فيا ترى هل التزم المسلمون بهذه التعاليم القيّمة التي أكّد عليها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في شتّى المواقف؟
سؤال أجاب عنه التاريخ في سرده للوقائع التي تكشف عن الظلم والاضطهاد الذي مورس ضدّ أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأتباعهم من قبل السلطات الجائرة والتي تربّعت على مسند الحكم بالترهيب والتخويف وقتل كلّ من يقف
ضدّهم.
حديث الاثني عشر خليفة:
لم يكن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يترك الأُمّة من دون أن يبيّن لهم الخطّ الذي يوصلهم إلى الهداية، فقد صرّح في العديد من المواقف على وجود الخلفاء من بعده وهم اثنا عشر خليفة، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن سلمة أنّه قال: «عن جابر ابن سمرة قال: «دخلت مع أبي على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي - فيهم اثنا عشر خليفة» قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ، قال فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش»(1).
وأخرج أحمد في مسنده عن مسروق قال: كنّا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كم تملك هذه الأُمّة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثمّ قال: نعم ولقد سألنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: اثنا عشر، كعدّة نقباء بني إسرائيل»(2).
وقد أخرج هذا الحديث الكثير من المحدّثين منهم البخاري ومسلم وغيرهم ممّا يجعل النقاش في صحّة سنده على وفق كلام البخاري ومسلم بإخراجهم الأحاديث المجمع عليها، فقد ذكر السيوطي في تدريب الراوي عن مسلم والبخاري أنّهم قالوا: «... فقد قال البخاري ما أدخلت في كتاب الجامع إلاّ ما صحّ، وتركت من الصحاح مخافة الطول.
وقال مسلم: ليس كلّ شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنّما وضعت ما
أجمعوا عليه...»(1).
فالحديث صحيح على وفق المباني التي اعتمد عليها أهل السنّة، فيبقى الكلام في مصداق هذا الحديث وهو ينسجم مع ما ذهبت إليه الشيعة باعتقادهم بالأئمّة الاثني عشر، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وأخرهم المهدي المنتظر عجل الله فرجه.
وأمّا أهل السنّة فتخبّطوا في تعريف المصاديق لهذا الحديث، فإن قالوا أنّهم الخلفاء الأربع نقص العدد، وإن أدخلوا الخلفاء من الأمويّين والعباسيين زاد عددهم بكثير، حتّى أنّ بعضهم ولتعديل العدد أدخل معاوية وولده في زمرة الخلفاء، مع أنّ معاوية كان يحمل في قلبه بغض أمير المؤمنين(عليه السلام) ظهر هذا البغض في محاربته إمام زمانه علي بن أبي طالب(عليه السلام) وتسبّب في قتل المئات من المسلمين بما فيهم عمّار بن ياسر الصحابي الجليل الذي قال في حقّه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)«ويح عمّار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار»(2).
فكيف يكون معاوية من الخلفاء الذين أشار إليهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديثه؟!
بل دعنا عن هذا الحديث، فهل يقبل العقل السليم بأنّ مثل هذا الشخص يكون خليفة المسلمين؟!
نور الهداية:
يقول «خالد»: تبيّنت لي الحقائق التي حاولت الأيادي المأجورة دفنها في غياهب الكتمان من أجل مآربها الدنيويّة، فمضيت فيما تملي عليّ الأدلّة والبراهين الواضحة في اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)، امتثالاً لأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحثّ على المضيّ في سفينتهم التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى.
ورد في كتاب «دار السلام»:
اشتهر أنّه كان في بلد «الموصل» رجل ناصبيّ لم يكن له ولد، فعاهد الله تعالى إن رزقه ولد أن يجعله على طريق زوّار أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) لسلبهم وأخذ أموالهم، فرزقه الله ولداً ذكراً، فلمّا بلغ وأنس منه الرشد والكمال قال له يوماً: إنّ لي مع الله تعالى عهداً فيك.
فقال: وما هو؟
قال: إن تسكن مكاناً تسلب فيه دائماً زوّار الحسين(عليه السلام).
فأخذ الولد بأمر والده أسلحته وأتى إلى أطراف كربلاء واستقرّ في قرب تلّ السلام للعمل المعهود، وكان اسمه «خليل»، فرأى يوماً في المنام أنّ القيامة قد قامت وأقبلت إليه ملائكة ليلقوه في الجحيم، فأخذوه وأتوا به إليها وألقوه فيها فلم يحرقه نارها.
فقالت الملائكة للنار: لم لم تحرقيه؟
فقالت النار: كيف أحرقه وقد لطّخ بدنه بتراب كربلاء.
فأخرجته الملائكة من النار وغسلوه في الماء ثُمّ ألقوه في الجحيم فلم
تحرقه النار أيضاً.
فقالت الملائكة: لم لا تحرقيه الآن؟
قالت: أنتم غسلتم ظاهره وقد ملأ ثقب أنفه من تراب كربلاء، ودخل غباره في صماخ أُذنه.
فنتبه الرجل وتشيّع واختار كربلاء للمجاورة(1).
1) دار السلام فيما يتعلّق بالرؤيا والمنام ٢: ١٤٩، بتصرّف يسير.
ولد عام ١٣٧٢هـ (١٩٥٣م) في خانقين، وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب، وكان استبصاره عام ١٤٠٥هـ (١٩٨٥م) في «كلار».
يقول «خورشيد»: كانت أهمّ أسباب استبصاري هي قراءة الكتب الدينيّة، وكان أكثرها تأثيراً عليّ هو كتاب «نهج البلاغة» وهو مجموع ما اختاره الشريف أبو الحسن محمّد الرضي بن الحسن الموسوي من كلام أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب(عليه السلام).
ومن خلال مطالعة هذا الكتاب يكتشف القارئ بأنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) شخصيّة تفوق الشخصيّة البشريّة، وأنّ كلامه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق.
وتمنح معارف هذا الكتاب للقارئ كميّة هائلة من الحقائق الدينيّة التي توسّع آفاقه المعرفيّة وتغنيه في الصعيد الإيماني، وتبيّن له الكثير من الحقائق المرتبطة بالله والأنبياء والإيمان والدين.
ومن هذه المعارف قوله(عليه السلام):
«الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادّون، ولا يؤدّي حقّه المجتهدون، الذي لا يُدركه بُعد الهمم، ولا يناله غوصُ الفطن، الذي
ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه.
أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه ومن أشار إليه فقد حدّه...»(1).
وقال(عليه السلام) حول اختيار الله الأنبياء:
«واصطفى سبحانه من ولده ]آدم[ أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدّل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقّه، واتّخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسى نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة...»(2).
وقال(عليه السلام) حول مبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):
«... إلى أن بعث الله سبحانه محمّداً رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لإنجاز عدّته، وإتمام نبوّته، مأخوذاً على النبيّين ميثاقه، مشهورة سماته، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرّقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتّة، بين مشبّه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة، ثمّ اختار سبحانه لمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) لقاءه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريماً صلّى الله عليه وآله، وخلف فيكم ما
٣ - كان أبو بكر عارفاً بمنزلة الإمام علي(عليه السلام) من الإمامة والخلافة، ولم يكن موقفه عن جهل، بل كان عن عناد وإصرار على ارتكاب هذا الغصب.
٤ - لم يكن الإمام علي(عليه السلام) مؤيّداً بل ولا راضياً بخلافة أبي بكر، بل تجرّع مرارتها لعجزه عن مواجهتها والوقوف بوجهها.
٥ - كانت خلافة أبي بكر ظلمة عمياء ولم يكن لأهل الحقّ فيها سوى التقيّة والالتزام بالصمت والصبر على مرارة الباطل.
٦ - وصف الإمام علي(عليه السلام) الخلافة بانّها تراثه وذلك بقوله: «أرى تراثي نهباً»، وهذا ما يكشف بأنّ عقيدة الإمام علي(عليه السلام) أنّه كان يرى نفسه وارثاً للخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ قال(عليه السلام) بعد ذلك:
«فيا عجباً! بينا هو (أي أبو بكر) يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر (يقصد عمر بن الخطاب) بعد وفاته لشدّ ما تشطّرا ضرعيها»(1).
وهذا ما يكشف بوضوح تناقض موقف أبي بكر من خلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ الملفت للنظر بأنّ أبا بكر لم يتّبع مبدأ أهل السنّة في الحكومة حيث قالوا بمبدأ الشورى، بل بادر إلى تنصيب عمر من بعده، ويبيّن الإمام علي(عليه السلام) تواطئ أبي بكر وعمر على استلام دفّة الحكم بقوله «لشدّ ما تشطّرا ضرعيها» أي اقتسما الخلافة، فأخذ كلّ منهما شطراً.
عمر بن الخطاب كما يصفه الإمام علي(عليه السلام):
قال الإمام علي(عليه السلام) في خطبة الشقشقيّة حول عمر بن الخطاب:
1) المصدر السابق: ٢٧.
«فصيّرها (أي: صيّر أبو بكر الخلافة) في حوزة خشناء، يغلظ كلمها (أي: جرحها، كأنّه يقول: خشونتها تجرح جرحاً غليظاً)، ويخشن مسّها، وبكثر العثار (أي: السقوط والكبوة) فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة(من الإبل وهي ماليست بذلول) إن أشنق لها خَرَم (أي: قطع)، وإن أسلس لها تقحّم (أي أرخى لها رمى بنفسه في القحمة أي الهلكة)، فمني الناس - لعمر الله - بخبط (أي سير على غير هدى) وشماس (أي: إباء ظهر الفرس عن الركوب)، وتلوّن واعتراض (أي: السير على غير خط مستقيم، كأنّه يسير عرضاً في حال سيره طولاً)، فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة»(1).
وأدركت الحقيقة:
تعرّف «خورشيد» من خلال تعرّفه على موقف أمير المؤمنين من خلافة أبي بكر وعمر بأنّ خلافتهما لم تكن سليمة، فواصل البحث حتّى تجلّت له الحقيقة التي دفعته في نهاية مطاف بحثه إلى الاستبصار.
وبدأ «خورشيد» بعد الاستبصار بعقد جلسات علميّة مع أصدقائه ليبيّن لهم الحقائق التي توصّل إليها، فبدأ يشرح لهم فضائل أهل البيت(عليهم السلام) ويقدّم لهم أدلّة الشيعة ويبيّن لهم موقف الإمام علي(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) من مدرسة الخلفاء.
وقد تمكّن «خورشيد» بهذه الطريقة أن يؤثّر على الكثير من أبناء منطقته ولاسيّما أصدقاءه وأقرباءه، ثمّ شارك في لجنة إحياء مراسيم الإمام الحسين(عليه السلام)في مسجد وحسينيّة الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) في كلار.
كما سعى «خورشيد» أن يجمع الكتب ليؤسّس مكتبة عامّة ينتفع منها أهالي منطقته، من أجل رفع مستواهم العلمي والاهتمام بتثقيفهم الديني.
1) المصدر السابق: ص٢٧ - ٢٨.
ولد «ذنون» عام ١٣٨٧هـ (١٩٦٨م) في «الموصل» إحدى محافظات العراق، وترعرع في أحضان أسرة سنيّة تعتنق المذهب الشافعي، سار على نهج أسرته في معتقدها وفق التقليد الأعمى للآباء والأجداد، فقاده هذا التقليد الأعمى إلى تقديس الموروث، وترسيخ معتقدات المذهب الشافعي في قلبه وعقله، بل في كيانه ووجوده.
سار «ذنون» على هذا المعتقد حتّى صادف ذات يوم أن التقى بأحد اصدقائه المستبصرين، فجرى بينهما حوار انكشفت له من خلاله أُمور لم يسمعها من قبل، حيث قدّم له صديقه أدلّة وبراهين صارمة بيّنت له بطلان معتقده الذي ورثه من أبائه وأسلافه، وأثبتت له أحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
وقف «ذنون» حائراً متردّداً، كيف يصدّق بطلان معتقداته التي كان متمسّكاً بها طيلة هذه الفترة الطويلة من حياته، والتي أمضى فيها عمراً يقدّسها ويدافع عنها بماله ونفسه؟
حاول «ذنون» التحلّي بحالة الانفتاح على الأفكار والرؤى المخالفة، وترويض نفسه على نبذ التعصّب والعناد، وهذا ما ساعده على تقبّل الحقّ والحقيقة
بسهولة، ومن هذا المنطلق توجّه «ذنون» نحو البحث والتنقيب عن العقائد الحقّة بموضوعيّة وحياديّة تامّة، وفرض على نفسه تناسي التعصّب لانتمائه المذهبي ليتمكّن من الوصول إلى فكر موضوعي لا تحكمه العواطف المتحيّزة، والنزعات المتعصّبة، والتصوّرات السابقة، متحدياً جميع الموانع المعرقلة لمسيرة بحثه الذي عزم على اجتيازه لمعرفة الحقيقة.
الموانع الكامنة في طريق المستبصر:
أهمّ الموانع والعراقيل الكامنة في طريق الباحث على الحقّ والحقيقة يمكن تلخيصها في خمسة حواجز:
الحاجز الأوّل: التقليد الأعمى: فالكثير من الناس يصعب عليهم مخالفة الموروث العقائدي من الآباء والأسلاف نتيجة وقوعهم في أسر التقليد الأعمى لانتمائهم المذهبي، فإنّ التقليد في العقيدة يوجب رسوخ تلك المفاهيم في قلب الإنسان، وبالتالي يدفعه هذا الأمر إلى تقديس تلك العقيدة والذبّ عنها من دون الالتفات إلى صحّتها أو فسادها، وقد ذمّ الله تعالى المتشبّثين بالعقائد الموروثة رغم تجلّي الحقائق لهم حيث قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ(1)، وقال عزّ وجلّ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ(2).
الحاجز الثاني: معرفة الحقّ بالرجال: وهذا العائق هامّ جدّاً، ولا يتخطّاه الباحث إلاّ بعد امتلاكه الجرأة على ردّ الآراء الباطلة التي أضفى عليها المجتمع هالة من العظمة والقداسة، وما يحتاجه الباحث في هذا المقام هو عدم غضّ
الطرف عن البراهين الساطعة القاطعة بذريعة أنّ فلان وفلان الذين هم من الشخصيّات البارزة في المجتمع لم يذعن لها، وهنا يتحتم على الباحث اتّباع منهجيّة معرفة الرجال بالحقّ لا معرفة الحقّ بالرجال.
الحاجز الثالث: التعصّب الأعمى: فالتعصّب يدفع صاحبه إلى الجمود على فكرة معيّنة بحيث لا يسمح لنفسه التخلّي عنها أبداً، فيجد هذا الشخص صعوبة كبيرة في تقبّل الأفكار والآراء المخالفة لأفكاره وآرائه، فيكون متشبّثاً بعقيدته مهما تجلّت أمامه براهين باهرة أو أدلّة قاطعة أو حجج ناصعة، وبالتالي يكون المتعصّب محروماً عن معرفة الحقّ حتّى يزوي عن تعصّباته.
الحاجز الرابع: الهوى: فإنّه يسوق النفس إلى اتّباع الشهوات والانغماس في الملذّات ونيل الرغد والراحة والهناء بأيّ شكل من الأشكال، فإنّ من اتّبع هواه انشغل عن دينه، وباع آخرته بدنياه، معرضاً عن جميع القيم والمبادئ وضاربها عرض الجدار، فلا يسير وفق منهجيّة الحقّ، ولا يبتعد عن التخبّط في الباطل.
الحاجز الخامس: التهيّب: فمن جملة الموانع والعراقيل الكامنة في طريق الباحث هي التهيّب والشعور بالخوف من التخلّي عن معتقداته السابقة التي ألفها فترة طويلة من الزمن، يقول الدكتور التيجاني حول تجربته في تخطّي مانع التهيّب: «خشيت على نفسي واستغفرت ربّي مرّات عديدة أردت فيها الانقطاع عن البحث في مثل هذه الأمور التي تشكّكني في صحابة رسول الله وبالتالي تشكّكني في ديني، ولكنّي وجدت من خلال الحديث مع بعض العلماء طيلة تلك المدّة تناقضات لا يقبلها العقل، وبدأوا يحذّرونني من أنّني إن واصلت البحث في أحوال الصحابة فسوف يسلب الله نعمته عنّي ويهلكني، ومن كثرة معاندتهم وتكذيبهم كلّ ما أقول دفعني فضولي العلمي وحرصي على بلوغ الحقيقة إلى أن
أقحم نفسي من جديد في البحث ووجدت قوة داخلية تدفعني دفعاً»(1)(2).
استطاع «ذنون» أن يتخطّى هذه المراحل بهمّة عالية ونجاح باهر، وتأمّل في براهين وحجج الشيعة، وتدبّرها بعقله وقلبه، فوجدها تتّسم بإتقان لا يتخلّله شكّ ولا ريب، ووجدها قائمة على أُسس ثابتة وأركان رصينة تفرض بنفسها على الباحث القبول والإذعان بها.
أمّا النصوص القرآنيّة الدالّة على حقّانية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فهي كثيرة وواضحة، منها: آية الإبلاغ، وآية التطهير، وآية المباهلة، وآية المودّة، وآية الولاية، وآية الإكمال، وآية هل أتى على الإنسان، وآية الوسيلة، وآية أخذ الميثاق، وآية وصالح المؤمنين، و...(3).
وأمّا ا لأحاديث النبويّة فهي أكثر من أنّ تحصى، منها: حديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث الخلفاء الاثني عشر، وحديث المنزلة، وحديث الدار، وحديث السفينة، وحديث الأمان، وحديث مدينة العلم، و...(4).
1) ثمّ اهتديت ١٤٨.
2) للمزيد راجع التحوّل المذهبي للشيخ علاء الحسّون: ١٩٥ - ٢٤١.
3) آية الإبلاغ: المائدة (٥): ٦٧، آية التطهير: الأحزاب (٣٣): ٣٣، آية المباهلة: آل عمران (٣): ٦١، آية المودّة: الشورى (٤٢): ٢٣، آية الولاية: المائدة (٥): ٥٥، آية الإكمال: المائدة (٥):٣، آية هل أتى: الإنسان (٧٦): ٨، آية الوسيلة: المائدة (٥): ٣٥، آية أخذ الميثاق: الأعراف (٧): ١٧٢، آية وصالح المؤمنين: التحريم (٦٦): ٤، و...
4) حديث الغدير: مستدرك الحاكم ٣: ١٠٩، صحيح الترمذي ٥: ٢٩٧، البداية والنهاية ٥: ٢٢٨، حديث الثقلين: صحيح مسلم ٧: ١٢٣، صحيح الترمذي ٥: ٣٢٩، حديث الخلفاء الاثني عشر صحيح البخاري ٨: ١٢٧، صحيح مسلم ٦: ٣، سنن أبي داود ٢: ٣٠٩، حديث المنزلة: صحيح البخاري ٥: ١٢٩، سنن ابن ماجه ١: ٤٣، سنن الترمذي ٥: ٣٠٢، حديث الدار: تاريخ الطبري ٢: ٦٣، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٣، الكامل في التاريخ ٢: ٦٣، حديث السفينة، المعجم الكبير ٣: ٤٥، المستدرك ٢: ٣٤٣، حديث الأمان، المعجم الكبير ٧: ٢٢، المستدرك على الصحيحين ٢: ٤٤٨، حديث مدينة العلم، شواهد التنزيل، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٦، المعجم الكبير ١١: ٥٥.
وقفة مع حديث الغدير:
يتّسم حديث الغدير بالأهميّة القصوى في الدلالة على تنصيب الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي(عليه السلام) بأمر من الله خليفة على المسلمين وإماماً لهم، وهذا الحديث معروف مشهور متواتر، وقد ذكره جمع غفير من أصحاب الكتب المعتبرة عند الفريقين.
فرواه النسائي في خصائصه بقوله: «لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ، أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: «كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»، ثمّ قال: إنّ الله مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن»، ثمّ إنّه أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: «من كنت وليه فهذا وليه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه»، فقلت لزيد: سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ فقال: وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينه وسمعه بأذنيه(1).
وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: «لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وآله من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ أمر بدوحات فقممن، فقال: «كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض»، ثمّ قال: «إنّ الله عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن»، ثمّ أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: «من كنت مولاه فهذا وليّه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» وذكر الحديث بطوله ثمّ قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه(2).
وأخرجه أحمد في مسنده(1)، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية(2)، والهيثمي في مجمع الزوائد(3)، والألباني في السلسلة(4)، والزهوي في تحقيقه على الخصائص(5)، والترمذي في صحيحه(6)، إلى غيرهم من كبار علماء أهل السنّة، وقد أجاد المحقق الكبير العلاّمة النحرير الشيخ عبد الحسين الأميني(رحمه الله) حيث ألّف موسوعة سمّاها بالغدير، وقد بحث فيها هذا الحديث الشريف من جميع جوانبه القرآنية والروائيّة والأدبية، وذكر تراجم جمع غفير ممّن روى هذه الواقعة من رجالات العلم والدين والأدب، وهي موسوعة ثمينة قيّمة خالدة.
دلالة الحديث:
لا يستطيع من له أدنى إلمام باللغة العربية إنكار وضوح دلالة الحديث بنفسه على تنصيب النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي(عليه السلام) بولايته وأولويته في التصرّف في شؤون الأُمّة من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا مع غضّ النظر عن الشواهد والقرائن الحافّة بالحديث والواقعة منها:
أولاً: مطلع الحديث الشريف، حيث قرن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بين التمسّك بالثقلين (القرآن والعترة) وجعل الولاية للإمام علي(عليه السلام)، فهذه إشارة واضحة إلى وجوب التمسّك بأوّل شخص من هذه العترة الطاهرة وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام).
ثانياً: تأكيد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على أولويته بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ إثبات هذه
الولاية للإمام علي(عليه السلام)، ولا يخفى بأنّ هذا التأكيد يراد منه نقل هذه الولاية إلى الإمام(عليه السلام).
ثالثاً: ذيل الحديث الذي ذكره بعض وعتّم عليه آخرون وهو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله»(1)، فإن لم يكن المراد من الولاية على المؤمنين هي الأولويّة التي كانت للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فما معنى دعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بنصرة من نصر الإمام علي(عليه السلام) وخذل من خذله، والنصرة تحصل بإطاعة الإمام وتسليم الأمر إليه؟!
رابعاً: إخباره - روحي فداه - بأنّه أوشك أن يدعى فيجيب، وهذه الفقرة قرينة جليّة واضحة على أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد بيان أمر في غاية الأهمّية ألا وهو تعيين من يخلفّه بعد إجابته لدعوة الله تعالى.
خامساً: الوقت الذي حشد فيه الناس لسماع هذه الخطبة من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد نقل أنّه كان يوم شديد الحرّ يضع الرجل بعض ردائه تحت قدميه والآخر فوق رأسه وقاية من حرّ الشمس الشديد، وفي تلك الأجواء قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خاطباً فيهم، يقول: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، فلا يفهم من هذا الموقف إلاّ إرادة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إبلاغ المسلمين بأمر هامّ جدّاً.
حاشا لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يهمل مشاعر المسلمين، ويوقفهم في ذلك الحرّ الشديد ليدعوهم إلى محبّة الإمام علي(عليه السلام) أو...، بل أراد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً واضحاً جليّاً ساطعاً، وهو تعيين الإمام علي(عليه السلام) خليفة من بعده بأمر من الله سبحانه وتعالى.
الإذعان للحقّ:
بعد سطوع البراهين وانكشاف الحقائق، أبصر «ذنون» ما أخفي عليه طيلة
1) مسند أحمد ١: ١١٩.
هذه الفترة من عمره، فكان ولا زال أصحاب الأهواء في مختلف المناصب والمواقع الاجتماعيّة تبعاً لأسلافهم يحجبون الحقائق عن أبناء مجتمعاتهم، فكم من وقائع غيّروها، وكم من حقائق غيّبوها، وكم من نصوص حرّفوها، حفاظاً على سلطتهم الغاصبة وكراسيهم الدنيويّة وتعصّباتهم المقيتة.
لكن من كان يقفوا وراء الحقيقة ويتعطّش لها فإنّه سيجد ضالته ويهتدي إلى معين معارف الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) ويهتدي إلى نورهم، وهذا ما فعله «ذنون» حيث أدّى به الجهاد في سبيل معرفة الحقّ إلى الالتحاق بسفينة أهل البيت(عليهم السلام) التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى.
الصورة
مرّت ترجمته في ١: ٢٣١ من هذه الموسوعة، ونشير في هذا المقام إلى معلومات لم تذكر في ترجمته.
رأى الأستاذ «رامي» بعد تخطّي مراحل الاستبصار بأنّ الوظيفة الدينيّة تحتّم عليه إبلاغ الحقائق التي تبيّنت له إلى الآخرين وذلك من خلال البحث والتحقيق مع بيان الأمور التي تعرقل حركة الباحث عن الحقيقة.
ومن هذا المنطلق قام الأستاذ «رامي» بتأليف وتحقيق الكتب في هذا المجال، فقد صدر عنه كتاب «الوضّاعون وأحاديثهم الموضوعة» سنة ١٣٢٠هـ (١٩٩٩م) عن طريق مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة.
وقفة مع كتاب «الوضّاعون»:
يتطرّق الكاتب إلى بيان مسألة الوضع في الأحاديث، ويحاول الباحث إماطة الستر عن وجود الكثير من الأحاديث الموضوعة المدسوسة في السنّة النبويّة الشريفة، والتي تناولتها الأيادي المأجورة ابتغاءً لمتطلّبات الحكّام والسلاطين، وتلبيةً لرغباتهم، حيث يقول: «ونقدّم بين يدي الباحث نبذة من الموضوعات التي لم توضع إلاّ طمعاً في الدنيا، وازدلافاً إلى أهلها، أو انتصاراً للأهواء والعقائد المدخولة الباطلة، وتلمسه باليد حساب ما وضعته تلكم الأيادي
الأثيمة الخائنة على قدس صاحب الرسالة وسنّته...»(1).
يضيف الأستاذ «رامي» إلى الفترة الزمنيّة التي نشأ فيها وضع الحديث يأخذ حيّزاً مهمّاً في ا لمجتمع الإسلامي فيقول: «بقيت السنّة النبويّة مصونة من التحريف والتزوير طيلة حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ظلّت هكذا في منأى عن كذب الكذّابين، وافتراء المفترين حتّى ارتحاله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى ; ولعلّ السبب في هذا الأمر يرجع إلى أُمور:
أوّلاً: احترام الصحابة لسنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقوّة تأثير الروح الدينّية في نفس المؤمنين في تلك الفترة.
ثانياً: وجود رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين ظهرانيّهم والخشية من أن يؤدّي الكذب عليه إلى فضح المفتري أمام الملأ، أمّا لكلام مباشر من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو بإخبار الوحي إيّاه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما حصل في كثير من الموارد التي تدخّل الوحي لإطلاع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليها.
وبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) اتّجهت سياسة الخلفاء إلى المنع من رواية الحديث والتشديد على تدوينه، وقد كانت حجّتهم في هذا المنع هو الخشية من انصراف المسلمين عن القرآن الكريم وانشغالهم بالحديث وحده، ممّا أوجد فترة من السبات والانقطاع عن رواية الحديث وتناقله، فهذه الفترة كانت كافية لأن تختمر فيها بذور الوضع وتتهيّأ الأرضيّة لعوامل الانحراف عن الرواية.
وقد بقي هذا الوضع إلى زمن أمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث شجّع المسلمين على كتابة الحديث وتدوينه، وكان يستحلف كلّ من يروي حديثاً أنّه سمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، غير أنّ هذا الأمر لم يدم طويلاً، فما أن قُتل أمير المؤمنين(عليه السلام) وانتقلت السلطة إلى بني أميّة حتّى بدأت حركة وضع منظّمة للحديث النبوي.
1) الوضّاعون واحاديثهم الموضوعة: ١١٥.
وكان معاوية بن أبي سفيان هو أوّل الحكّام الذين فتحوا الأبواب أمام حركة الوضع الواسعة هذه، إذ بادر إلى إغداق الأموال بلا حساب على الرواة والمحدّثين الذين كانوا يضعون ما يشاء من الأحاديث والروايات التي يعتقد أنّها تؤدّي إلى تعزيز «الحقّ» الأموي في السلطان من جهة، وإخفاء فضائل أهل البيت(عليهم السلام) واجتثاث الولاء من نفوس محبّيهم من جهة أخرى.
ولسنا بحاجة إلى ذكر الأمثلة في هذا الصدد، فإنّ تاريخ تلك الحقبة مليء بأسماء الرواة الذين كانوا على استعداد لبيع حديثهم (ودينهم طبعاً) مقابل ثمن يحدّده الخليفة نفسه تبعاً لأهميّة الشخص ووضعه الاجتماعي من ناحية، وأهميّة المروي وحاجة الخليفة إليه من ناحية ثانية.
أسباب الوضع:
وإزاء هذا الاضطراب في وقائع التاريخ وأحداثه لا يسع للباحث والمحقّق سوى الحذر في التعامل مع هذه المعطيات، وتوخّي الدقّة في معالجتها...، فحين نلقي نظرة فاحصة على مظاهر الاضطراب والتشويش في مفردات تاريخنا ووقائعه سنجد أنّ الأسباب التي أدّت إلى هذا التضارب والتناقض في تسجيلها ورصدها لا تختلف في مجملها عن الأسباب التي يمكن أن تعزى لمظاهر التضارب والتشويش في أحداث حاضرنا ووقائعه.
فلمسجّلي الأحداث جميعاً - قديمهم ومعاصرهم - دوافعهم البشريّة لهذا التحريف وأسبابهم الخاصّة التي تدعوهم لهذا التشويه مع الاحتفاظ - طبعاً - بالفارق التاريخي والزمني بين الحالين، وسوف نستعرض جانباً من الأسباب التي أدّت إلى هذا الاضطراب وهي:
١ - عامل الإغراء بالمال والنفوذ وغيرهما: وهو عامل شديد التأثير في توجيه التاريخ وصياغته بالشكل الذي يرتضيه ويريده أولو القوّة من الحكّام
وأصحاب النفوذ، ففي كلّ عصر وزمان تجد صنفين من الناس، صنفاً يمتلك عناصر القوّة وأسباب النفوذ من المال والسلطان والجاه، ومستعدّاً للعطاء بلا حدود من أجل الحفاظ على عناصر القوّة هذه. وصنفاً يعيش في ظلّ هؤلاء وعلى فتات موائدهم، وهو على استعداد للتخلّي عن كلّ القيم والمبادئ، وتزييف كلّ الحقائق والوقائع، من أجل أن يبقى محتفظاً بما يلقيه إليه الأقوياء من المال الحرام أو المتع الرخيصة.
ولعلّ ما نشاهده في زماننا هذا من مظاهر الكذب والتزييف والتضليل التي تطلقها وسائل الإعلام، وتتبنّى نشرها وبثّها بين صفوف المتلقّين، يقرّب إلى أذهاننا جانباً من دوافع الوضع المتعمّد للحديث النبويّ وانتحاله على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)...
٢ - العامل العقائدي: فإنّ كثيراً من أتباع المذاهب والفرق العقائدية لجئوا إلى وضع الحديث وافترائه دعماً منهم لمذاهبهم، وتعزيزاً لأفكارهم وعقائدهم، فكثيراً ما يعاني هذا المذهب أو ذاك نقصاً في جانب معيّن من جوانب العقيدة أو غيرها، فيلجأ أتباع هذه المذاهب إلى وضع الحديث سدّاً لهذا الخلل، وقطعاً للطريق على الخصوم والمتربّصين.
ولهذا السبب اتّخذ وضع ا لحديث صوراً مختلفة وطرائق متباينة باختلاف الأغراض لدى هؤلاء وتباينها، فقد يكون الغرض دفاعيّاً يقتصر على الدفاع عن المذهب بعقائده ورموزه، فيتكفّل الحديث الموضوع بيان هذه الناحية وإيضاحها للآخرين، وقد يكون الغرض هجوميّاً يسفّه عقائد الآخرين ويسخّف أفكارهم ورموزهم، فيؤدّي الحديث المفترى هذه الغاية المطلوبة.
ولابدّ أن نشير في هذا السياق إلى حالات التآمر الكثيرة التي امتلأ بها تاريخنا الإسلامي، والتي مارسها أعداء هذا الدين منذ صدره الأوّل وطيلة عصور التدوين التالية، فقد لجأ هؤلاء - وبنوايا مسبقة دافعها الكيد لهذا الدين وأهله –
إلى وضع الكثير من الأحاديث المكذوبة، ودسّ العديد من الأخبار الباطلة، سواء ما يتعلّق منها بالرسالة الإسلاميّة وصاحبها(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو ما يتعلّق منها بأخبار الأمم والنبوّات السابقة.
ويمكن الاستشهاد في هذا الصدد بما فعله بعض من أسلم (أو تظاهر بالإسلام) من أتباع الديانات السماويّة الأخرى - اليهود والنصارى - فقد أسلم هؤلاء لا حبّاً بالإسلام أو اقتناعاً بما فيه وبما يدعوا إليه، بل تظاهروا بالإيمان به كيداً ورغبة في هدمه ونقض عراه من الداخل، فتراهم يغرقون كتب المسلمين الحديثيّة بأعداد كبيرة من الخرافات والأوهام والأساطير، فينسبون لأنبياء الله ورسله ما نسبته أممهم إليهم، ونزّههم عنه القرآن الكريم ممّا يتنافى كلّه مع عقائدنا كمسلمين...»(1).
«... إنّ ما ذكرناه من الأسباب والدوافع لا يعدو أن يكون جانباً محدوداً من العوامل التي حدت بالوضّاعين إلى افتراء الحديث، وأدّت إلى شيوع ظاهرة الوضع على نطاق واسع، فإنّ الدوافع والأسباب تختلف باختلاف المعنيين بهذا الوضع والمقدمين عليه، سواء كان المعنيون هؤلاء هم الوضاعين أنفسهم أو أولئك المستفيدين من الوضع. وانتحال الأحاديث.
ولا يمكننا في هذا السياق أن نخلّي حتّى الدوافع الأدبيّة والفنيّة المحضة من المسؤوليّة اتّجاه حصول هذه الظاهرة، فإنّ الاتّجاه الأدبي لدى الكثيرين من الوضّاعين وسعة ا لخيال التي يتملكونها ساهمت في إضفاء الطابع القصصي على هذه الروايات، وإن شئت فقل العكس: أيّ أنّ هؤلاء القصّاصين حاولوا إضفاء الطابع الديني على قصصهم من خلال ربط مضامينها ومجرياتها بالسنّة النبويّة الشريفة.
ولا يمكننا هنا تجنّب الإشارة إلى النتائج المخرّبة، والآثار السيّئة
1) الوضّاعون وأحاديثهم الموضوعة: ١٧.
للأحاديث التي أحدثها وأدّى إليها وضع الحديث على عقائد الناس وأفكارهم، وكذا نظرتهم إلى الحاكم والعلاقة به، ويمكن القول هنا: إنّ الدوافع السياسيّة تأتي في طليعة العوامل التي أدّت إلى بروز هذه الظاهرة وانتشارها...
إنّ دافع الأمويّين الرئيسي من وراء ذلك كان اضفاء صفة الشرعيّة على نظام حكمهم، وتقديمه للمسلمين بصورة مقبولة دينيّاً، فقد كان الأمويّون يعلمون - كغيرهم - بافتقاد نظامهم لمثل هذه الشرعيّة، وضعف الأساس الديني الذي يرتكز عليه حكمهم ; لهذا لجئوا إلى الحديث المكذوب على الرسول، يستمدّون منه الغطاء الشرعي، ويدعمون به الأساس الواهي لحكمهم.
وقد وجدوا الكثير من الصحابة مّمن هم على استعداد للقيام بهذه المهمّة ووضع الأحاديث التي تعزّز شرعيّة هذا الحكم، وتمنع الناس من التعرّض له أو حتّى انتقاده.
والملاحظ أنّ الأمويّين مارسوا - في مسعاهم لتحقيق الشرعيّة المطلوبة - التعاطي مع الحديث النبويّ على عدّة مستويات، وكنّا قد أشرنا في حديث سابق لما يمكن أن ندعوه هنا «بالمستوى النظري» لهذا التعاطي، وذلك من خلال التشجيع على وضع الأحاديث التي تثني على الأمويّين - وغيرهم - وتبجّل رموزهم وشخصيّاتهم، وكذا التشجيع على افتراء الأحاديث التي أرادوها أن تحطّ من قدر أهل البيت(عليهم السلام) وتنزلهم من مرتبتهم الشامخة وفي مقدّمتهم سيّد العترة أمير المؤمنين(عليه السلام).
والمستوى الثاني من التعاطي مع الحديث النبوي يمكننا أن نسمّيه «بالمستوى التطبيقي»، وهو التعامل الذي كان يتّجه إلى تبرير السياسة الأمويّة على صعيد الممارسة والسلوك، وإشاعة نوع من الفهم للعلاقة مع الحاكم، يرتكز على إضفاء الشرعيّة والقداسة على أعمال الحاكم وسياساته، وعدم جواز التعرّض لهذه السياسة بأيّ شكل من الأشكال مهما يكن بُعد هذه الأعمال
والسياسة أو قربها عن تعاليم الإسلام وقيمه...»(1).
«ليست هذه الروايات إلاّ جلبة وصخباً اتّجاه الحقيقة الراهنة، واتّجاه الخلافة الحقّة الثابتة بالنصوص الصريحة الصحيحة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، قد صدع بها النبيّ الأمين وحياً من الله العزيز من يوم بدء الدعوة إلى آخر نفس لفظه.
إن هي إلاّ اللغط والشغب دون أمر ليس لخلق الله فيه أيّ خيرة، وقد نصّ النبيّ الأعظم في بدء دعوته على أنّ الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، وذلك يوم عرض نفسه(صلى الله عليه وآله وسلم) على بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى الله، فقال له قائلهم:
أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثمّ أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟
قال: «إنّ الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء»(2).
إن هي إلاّ سلسلة بلاء وحلقة شقاء تجرّ الأُمّة إلى الضلال، وتسف بها إلى حضيض التعاسة، وتديمها في الجهل المبير، ومهاوي الدمار.
إن هي إلاّ ولائد النزعات الباطلة، والأهواء المضلّة، لا مقيل لها في مستوى الحقّ والصدق، ولا قيمة لها في سوق الاعتبار.
إن هي إلاّ نسيجة يد الإفك والزور، حبكها التزحزح عن قانون العدل، والتنحّي عن شرعة الحقّ، والبعد عن حكم الأمانة.
إن هي إلاّ صبغة الهثّ والدجل، شوّهت بها صفحات التاريخ، لا يرتضيها أيّ ديني من رجالات المذاهب، ولا يعوّل عليها المثقّف النابه، ولا يتّخذها السالك إلى الله سبيلاً، ولا يجد الباحث عن الحقّ فيها أمنيته.
إن هي إلاّ نبرات فيها نترات لفّقتها المطامع في لماظة العيش، وزخارف الدنيا القاضية على سعادة البشر.
إن هي إلاّ قبسات الفتن المضلّة، وجذوات مقباس العطفة والهوى، تفتن الجاهل المسكين، وتحيده عن رشده، وتجعله في بهيته من أمر دينه، فتحترق بها أصول سعادته في الحياة الدنيا.
إن هي إلاّ مدرّسات الأُمّة فاحش التقوّل، وسيّئ الإفك والافتعال، تعلّمها الحياد عن مناهج الصدق والأمانة، وتحثّها على الكذب على الله وعلى قدس صاحب الرسالة، وعلى أُمنائه وثقات أُمّته.
هل يجد الباحث سبيلاً لنجاته عن هذه الورطات المدلهمّة؟
وهل يرجى له الفوز من تلكم السلاسل وقد صفدته من حيث لا يشعر؟
أيّ مصدر وثيق يحقّ أن يثق به الرجل؟ وعلى أيّ كتاب أو على أي سنّة حريّ بأن يحيل أمره؟
أليست الكتب مشحونة بتلكم الأكاذيب المفتعلة المنصوص على وضعها؟!
أليست تلكم المئات من ألوف الأحاديث المكذوبة مبثوثة في طيّات التأليف والصحف؟!
ما حيلة الرجل وهو يرى المؤلّفين بين من يذكرها مرسلاً إيّاها إرسال المسلّم، وبين من يخرّجها بالإسناد ويردفها بما يموّه على الحقّ ممّا يعرب عن قوّتها؟
أو يرويها غير مشفع بما فيها من الغميزة متناً أو إسناداً؟
كلّ ذلك في مقام سرد الفضائل، أو إثبات الدعاوي الفارغة في المذاهب...»(1).
1) الوضّاعون وأحاديثهم الموضوعة ٥٠١ - ٥٠٤.
ولد عام ١٣٩٢هـ (١٩٧٣م) في مدينة السليمانيّة، وترعرع في أوساط عائلة شافعيّة المذهب، فشبّ على مذهب عائلته متأثراً بأجواء المحيط الذي كان يعيش فيه.
الحسين(عليه السلام) سفينة النجاة:
شاءت الأقدار الإلهيّة أن يزور «محمّد ظاهر» مدينة قم المقدّسة بوصفه رجل أعمال في المجال التجاري، وصادفت رحلته التجاريّة في شهر محرّم الحرام حيث يقيم الشيعة مراسم العزاء والمآتم في هذا الشهر بمناسبة استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام).
يقول «محمّد ظاهر»: كنت لا أعرف شيئاً عن الإمام الحسين(عليه السلام) وعن نهضته، وعند رحلتي إلى مدينة قم، تعرّفت على حياة الإمام الحسين(عليه السلام) وواقعة الطفّ الأليمة، فتأثّرت كثيراً، وأحسست بحرقة في أعماق قلبي، مستنكراً قتل ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الصورة البشعة، وبعد رجوعي إلى بلدي قمت بالاستفسار من علمائنا حول هذه الواقعة، ولكن لم أجد ما يشفي غليلي وتعطّشي لمعرفة الحقائق في أجوبتهم.
دفعني حبّ الاستطلاع ومعرفة الحقائق إلى السفر مرّة أخرى إلى مدينة قم ; علّني أجد ما يروي تعطّشي لمعرفة الإجابة عن الكثير من التساؤلات، وبالفعل تحقّقت أمنيتي، حيث تبيّن لي من خلال البحث والتحقيق الكثير من الحقائق التي أدّت في نهاية المطاف إلى تغيير انتمائي المذهبي.
خلط الأوراق:
كان الملفت للنظر عند مبادرتي إلى السؤال من علمائنا هو إخفاء هذه الحقائق، ومحاولتهم خلط الأوراق ومزج الباطل بالحقّ والحقّ بالباطل، وهذا الخلط كان قديماً وهو الذي مهّد ليتسلّط معاوية وابنه يزيد على رقاب المسلمين وهي من شأن الإمام الذي عيّنه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده، إمّا أن يكون الشخص أميراً ببيعة تؤخذ زوراً أو انتخاباً يؤخذ قهراً وتزويراً، فهذا ليس أميراً لأحد إنّما هو عبد نفسه وهواه وشهواته، فهذا يزيد هو الشخص الذي شهد أصحاب السير والتاريخ بشربه الخمر ولعبه الشطرنج وملاعبته للقردة و...
شخصيّة يزيد:
لا تخفى شخصيّة يزيد المستهترة لمن له أدنى اطّلاع في كتب التاريخ، حيث عرّفه المؤّرخ المسعودي في «مروج الذهب» بأنّه:
«صاحب طرب وجوارح وكلاب وقُرُود وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه فقال:
اسقني شربة تروي مشاشي ثمّ مل فاسق مثلها ابن زياد
صاحب السرّ والأمانة عندي ولتسديد مغنمي وجهادي
وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيّامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وكان له
قرد يكنّى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، ويطرح له متّكأ، وكان قرداً خبيثاً وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذللت لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل يوم الحلبة...»(1).
وجاء في تاريخ الطبري عن مسلمة قال:
«لمّا أراد معاوية أن يبايع ليزيد، كتب إلى زياد يستشيره، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري فقال: إنّ لكلّ مستشير ثقة ولكلّ سرّ مستودع... وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف، إنّ أمير المؤمنين كتب إلي يزعم أنّه قد عزم على بيعة يزيد، وهو يتخوف نفرة الناس ويرجو مطابقتهم، ويستشيرني وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير المؤمنين مؤدّياً عنّي فأخبره عن فعلات يزيد...»(2).
«وكتب معاوية إلى زياد - وهو بالبصرة - إنّ المغيرة قد دعا أهل الكوفة إلى البيعة ليزيد بولاية العهد بعدي، وليس المغيرة بأحقّ بابن أخيك منك، فإذا وصل إليك كتابي فادع الناس قبلك إلى مثل ما دعاهم إليه المغيرة، وخذ عليهم البيعة ليزيد. فلمّا بلغ زياداً وقرأ الكتاب دعا برجل من أصحابه يثق بفضله وفهمه، فقال: إنّي أريد أن آتمنك على ما لم آتمن عليه بطون الصحائف إئت معاوية فقل له: يا أمير المؤمنين إنّ كتابك ورد عليّ بكذا، فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبغ، ويدمن الشراب، ويمشي على الدفوف... فلمّا صار الرسول إلى معاوية وأدّى إليه الرسالة قال: ويلي على ابن عبيد»!(3).
الأجواء التي تربّى فيها يزيد بن معاوية:
تعتبر الأجواء التربويّة التي ترعرع يزيد بن معاوية في ظلّها هي العامل الأساسي في ضعف صلته بالدين، فقد ذكر المؤرّخون أنّه نشأ في أجواء فاسدة ممّا جعلته غير متمسّك بالتعاليم الدينيّة، وكان لأبيه معاوية الدور الكبير في تمهيد هذه الأرضيّة، حيث زرع في قلبه الحقد على أهل بيت النبوّة، وسنّ لعن أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجلّين الذي قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه: «حبّ علي إيمان، وبغضه نفاق»(1). فجعل معاوية اللعن بمنزلة الدعاء في خطب الجمعة؟ وبقي هذا اللعن على منابر مساجد المسلمين طيلة سبعين سنة؟ ولم يكن معاوية يستمع إلى نصائح كبار الصحابة كابن عبّاس حَبر الأمّة حيث قال له: «ألا تكفّ عن شتم هذا الرجل»؟
قال: ما كنت لأفعل حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم فيه الكبير.
فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز كفّ عن شتمه فقال الناس: ترك السنّة(2)؟
وهذه الأجواء الفاسدة التي وفرها معاوية تركت أثراً عميقاً في شخصيّة ولده يزيد بن معاوية، فكان يزيد عصارة هذه الأجواء المنحطّة عن القيّم الإنسانيّة فضلاً عن القيم الإسلاميّة، ولم يكتفي يزيد بهذا فقط، بل جعل له أعوناً كعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وغيرهم من المسوخ البشريّة وذوي العاهات النفسيّة، الذين امتلأت قلوبهم حقداً على آل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ممّا جعلهم يرتكبون أفجع الصور الممكنة في سفك دماء سيّد شباب أهل الجنّة وأهل بيته،
ويحتفلون بيوم استشهاده(عليه السلام).
الحسين مصباح الهدى:
يقول «محمّد ظاهر»: بعد ما أزيلت الغشاوة عن بصيرتي، وتجلّت لي الحقائق التي أثبتت بطلان تراث طالما كنت أعتقد بقداسته، وجاهدت نفسي لإزالة الحواجز النفسيّة الموجودة فأعلنت استبصاري ; وليس من السهل أن يعلم الإنسان فساد معتقده الذي ضحّى من أجله الكثير من نفسه وماله وعواطفه ثمّ يعرض عنه بسهولة.
ويضيف «محمّد ظاهر»: كان الصراع النفسي الذي عشته طيلة فترة البحث والتحقيق هو الهاجس الكبير أمامي، وهو الذي شكّل الكثير من العراقيل أمام استبصاري، وبفضل الله وعنايته الخاصّة التي شملتني تمكّنت من الاهتداء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) الذي من سلكه نجا ومن تخلّف عنه هلك وهوى.
جاء في كتاب «أعيان الشيعة» حول زرارة بن أعين:
«توفى سنة ١٥٠، وقيل ١٤٨هـ وفي رسالة أبي غالب الزراري يُقال: إنّه عاش سبعين سنة، وفي رواية للكشي قال: أصحاب زرارة فكلّ من أدرك «زرارة ابن أعين» فقد أدرك أبا عبد الله(عليه السلام)، فإنّه مات بعد أبي عبد الله بشهرين أو أقل، وتوفى أبو عبد الله(عليه السلام) «وزرارة» مريض مات في مرضه ذلك، والصادق(عليه السلام) توفي سنة ١٤٨هـ .
«زرارة» بضم الزاي وفتح الرائين «وأعين» بوزن أحمر الواسع العين والانثى عيناء، «وسنسن» في الخلاصة بضم السين المهملة وإسكان النون بعدها سين مهملة ونون، وهكذا رسم في جميع كتب الرجال لأصحابنا، ولكن في فهرست ابن النديم رسم سبنس بسين مهملة مكسورة ونون ساكنة وباء موحدة مكسورة وسين مهملة.
اسمه: عبد ربّه، وزرارة لقب، وإنّما ذكرناه بلقبه لاشتهاره به.
كنيته: يكنّى أبا الحسن وأبا علي.
صفته: في رسالة أبي غالب الزراري: روى أنّ زرارة كان وسيماً جسيماً أبيض وكان يخرج إلى الجمعة وعلى رأسه برنس أسود وبين عينيه سجادة وفي يده عصى فيقوم له الناس سماطين ينظرون إليه لحسن هيئته فربّما رجع عن طريقه.
أبوه وجدّه: في الفهرست: كان «أعين» بن سنسن عبداً رومياً لرجل من بني شيبان تعلّم القرآن، ثُمّ اعتقه وعرض عليه أن يدخله في نسبه فأبى أعين ذلك وقال أقرّني على ولائي، وكان سنسن راهباً في بلاد الروم. ومثله في فهرست ابن النديم إلاّ إنّه قال: سنبس بدل سنسن وكأن الشيخ أخذ منه.
أولاده: في الفهرست له عدّة أولاد منهم الحسين والحسن ورومي وعبيد الله -وكان أحول- وعبد الله ويحيى بنو زرارة، وفي فهرست ابن النديم: من ولده الحسين بن زرارة والحسن بن زرارة من أصحاب جعفر بن محمّد، وروى عن زرارة بن أعين عبيد بن زرارة وكان أحول.
إخوته وأولادهم:
في الفهرست: «لزرارة» إخوة جماعة، منهم حمران وكان نحوّياً قارئاً وله ابنان. حمزة وبكير بن أعين يكنّى أبا الجهم وابنه عبد الله بن بكير، وعبد الرحمن ابن أعين، وعبد الملك بن أعين وابنه ضريس بن عبد الملك، ومثله في فهرست ابن النديم وكأن الشيخ أخذ منه.
وفي الفهرست، «لزرارة» وإخوته وأولادهم روايات كثيرة، وأصول، وتصانيف نذكرها في أبوابها ولهم روايات عن علي بن الحسين ومحمّد بن علي وجعفر بن محمّد نذكرهم في كتاب الرجال إن شاء الله تعالى.
استبصاره:
كان الحكم بن عتيبة من فقهاء العامّة وكان أستاذ زرارة وحمران قبل أن يروا هذا الأمر.
أقوال العلماء فيه:
في فهرست ابن النديم «زرارة» أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً ومعرفة بالكلام والتشيّع، وقال الشيخ في رجاله في أصحاب الباقر(عليه السلام)، زرارة بن أعين الشيباني مولاهم. وزاد في رجال الصادق(عليه السلام)، كوفي يكنّى أبا الحسن، مات سنة ١٥٠ بعد أبي عبد الله(عليه السلام)، وفي رجال الكاظم(عليه السلام) «زرارة» بن أعين الشيباني ثقة روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليه السلام)، وفي الفهرست «زرارة» بن أعين واسمه عبد ربّه يكنّى أبا الحسن، وزرارة لقّب به، ويكنّى أبا علي أيضاً.
وقال النجاشي: «زرارة» بن أعين بن سنسن مولى لبني عبد الله بن عمر والسمين بن أسعد بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان أبو الحسن شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلّماً شاعراً أديباً قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقاً فيما يرويه، مات سنة ١٥٠، وفي رسالة أبي غالب الزراري: كان «زرارة» يكنى أبا علي، وكان خصماً جدلاً لا يقوم أحد لحجّته، صاحب إلزام وحجّة قاطعة، إلاّ إنّ العبادة أشغلته عن الكلام، والمتكلمون من الشيعة تلاميذه، وذكره الجاحظ في كتاب النساء، وذكر له بيتاً في كتاب العرجان الأشراف، ولا أدري صدق الجاحظ في ذلك أم لا، وقال في كتاب الحيوان زرارة ابن أعين مولى بني سعد بن همام وكان رئيس الشيعة، وعدّه الكشّي في أصحاب الإجماع الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، وشهدوا لهم بالفقه وبأنّه أفقههم، وقال الشيخ عبد النبيّ الكاظمي نزيل جبل عامل في تكملة نقد الرجال: اتفق الأصحاب على أنّ «زرارة» بلغ من الجلالة والعظمة ورفعة الشأن إلى ما فوق الوثاقة المطلوبة للقبول والاعتماد، وتضافرت الروايات بذلك، والجملة فوثاقة زرارة وجلالة قدره أوضح من أن تبيّن.
وفي ميزان الذهبي: «زرارة» بن أعين الكوفي أخو حمران يترفّض، قال العقيلي في الضعفاء: حدّثني يحيى بن إسماعيل وساق السند عن زرارة بن أعين
عن محمّد بن علي عن ابن عبّاس، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا علي لا يغسّلني أحد غيرك»، ثُمّ روى بسنده عن ابن السماك حججت فلقيني زرارة بالقادسية فقال لي: إليك حاجة وعظمها، قلت: ما هي؟ قال: إذا لقيت جعفر بن محمّد فاقرأه منّي السلام، وسله أن يخبرني أنا من أهل النار أم من أهل الجنّة، فأنكرت ذلك عليه، فقال لي: إنّه يعلم ذلك ولم يزل بي حتّى أجبته، فلمّا لقيت جعفر بن محمّد أخبرته بالذي كان منه، فقال: «هو من أهل النار»، فوقع في نفسي ما قال جعفر، فقلت: ومن أين علمت ذاك، فقال: «من ادعى عليّ علم هذا فهو من أهل النار»، فلمّا رجعت لقيني زرارة فاخبرته أنّه قال لي: إنّه من أهل النار، فقال: كلّ ذلك من جراب النورة، أي عمل معك بالتقيّة، قال الذهبي: قلت: «زرارة» قلّ ما روي لم يذكر ابن أبي حاتم في ترجمته سوى أن قال: روى عن أبي جعفر يعني الباقر، وقال سفيان الثوري: ما رأى أبا جعفر ومعرفته من هو من أهل النار بما ورثه عن آبائه عن جدّهم عن جبرائيل عن الله تعالى إن صحت روايته ليست بأعظم ممّا فعله آصف بن برخيا في أمر قصر بلقيس ولا بأعظم من أمر يا سارية الجبل، وشيعته ومواليه وأصحابه أعرف بروايته عن الباقر عن سفيان الثوري وغيره.
مؤلّفاته:
قال الشيخ في الفهرست: «لزرارة» تصنيفات منها كتاب الاستطاعة والجبر، أخبرنا ابن أبي جيد عن محمّد بن الحسن بن الوليد عن سعد بن عبد الله والحميري عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن «زرارة» وقال النجاشي: قال أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه رحمه الله: رأيت «لزرارة» كتاباً في الاستطاعة والجبر أخبرني أبي ومحمّد بن الحسن عن سعد وعبد الله بن جعفر عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن أبن أبي عمير عن بعض أصحابه عن «زرارة».
شعر ينسب إليه في علامات ظهور المهدي عجل الله فرجه:
فتلك علامات تجيء لوقتها وما لك عمّا قدّر الله مذهب
ولولا البدا سمّيته غير فائت ونعت البدا نعت لمن يتقلّب
ولولا البداء ما كان ثُمّ تصرف وكان كنار حرّها يتلّهب
وكان كنور مشرق في طبيعة وبالله عن ذكر الطبائع مرغّب
وأورد الجاحظ في ج٧ ص٣٩ ـ ٤٠ من كتاب الحيوان له أبياتاً على وزن هذه الأبيات وقافيتها ويوشك أن يكون كلاهما من قصيدة واحدة، قال الجاحظ بعد ما ذكر قصّة صبي تكفله العنقاء ما لفظه: وقال «زرارة بن أعين» مولى بني أسد ابن همام وهو رئيس الشيعة وذكر هذا الصبي الذي تكفله العنقاء فقال: ويمكن وقوع تحريف فيها:
وأوّل ما يحيا نعاج وأكبش ولو شاء أحيا قرنها وهو مذنب
ولكنّه ساع بأمّ وجدّة وقال سيكفيني الشقيق المقرب
وآخر برهاناته قلب يومكم والجامه العنقاء في العين أعجب
يصيف بساباط ويشتو بآمد وذلك سرّ ما علمنا مغيّب
أساغ له الكبريت والبحر جامد وملكه الأبراج والشمس تجنب
فيومئذ قامت سماط بقدرها وقام عسيب القفر يثني ويخطب
وقام صبي موثق في قماطه عليهم بأصناف البساتين يغرب
ومرّ عن الجاحظ أنّه ذكر له شعراً في كتاب النساء، وبيتاً في كتاب العرجان الأشراف»(1).
1) أعيان الشيعة ٧: ٤٦ ـ ٤٧.
اعتنق مذهب الشيعة الإمامية على يد الإمام علي الهادي(عليه السلام) الإمام العاشر من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لإخباره(عليه السلام) بهلاك المتوكّل بعد ثلاثة أيّام، فكان كما أخبر(عليه السلام).
روى أبو القاسم البغدادي عن زرافة قال: أراد المتوكّل أن يمشي علي بن محمّد بن الرضا(عليه السلام) يوم السلام، فقال له وزيره: إنّ في هذا شناعة عليك وسوء مقالة فلا تفعل.
قال: لابدّ من هذا، قال: فإن لم يكن بدّ من هذا، فتقدّم بأن يمشي القوّاد والأشراف كلّهم، حتّى لا يظنّ الناس أنّك قصدته بهذا دون غيره، ففعل.
ومشى(عليه السلام) وكان وقت الصيف، فوافى الدهليز، وقد عرق. قال: فلقيته فأجلسته في الدهليز ومسحت وجهه بمنديل، وقلت: إنّ ابن عمّك لم يقصدك بهذا دون غيرك، فلا تجد عليه في قلبك.
فقال: «إيهاً عنك(1)تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب(2).
ولد عام ١٣٨٥هـ (١٩٦٦م) في مدينة كلار بالعراق، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، ثمّ تشّرف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام ١٤١٥هـ (١٩٩٥م).
يقول «زركار عبد الله»: من أهمّ الأسباب التي شجّعتني على اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هي قراءة الكتب المتنوّعة، ولاسيّما كتب الدكتور التيجاني وكتب إدريس الحسيني والسيّد مرتضى العسكري، كما كان لاستماع محاضرات الدكتور الشيخ أحمد الوائلي الأثر الكبير في تغيير انتمائي المذهبي.
البحث عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام):
يعدّ موضوع الجمع بين الصلاتين أو عدم الجمع بينهما عند المسلمين من المواضيع التي وقع فيها الاختلاف بينهم، فتشتّت آراؤهم في هذا المجال، ودفعهم هذا الاختلاف إلى مناقشة الموضوع علميّاً، فأتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) يعتقدون جواز الجمع بين الصلاتين في كلّ الأحوال، بينما أتباع مذهب أهل السنّة يرون عدم الجواز إلاّ في حالات معيّنة.
وعندما أطلّع «زركار عبد الله» على رأي الشيعة في هذا الموضوع، وقرأ
أدلّتهم في هذا المجال، وجدها عقيدة حقّة تعتمد على الأحاديث المرويّة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكما أنّه تأثّر في هذا الموضوع بكتابات الدكتور التيجاني، منها ما جاء في كتابه «لأكون مع الصادقين» حيث قال:
«وممّا يشنّع به على الشيعة أيضاً جمعهم بين صلاة الظهر والعصر، وبين صلاة المغرب والعشاء... والخلاف بين الشيعة وأهل السنّة هو في جواز الجمع بين الفريضتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في كلّ أيام السنّة بدون عذر السفر.
وأمّا الشيعة الإماميّة فمتّفقون على جوازه مطلقاً في غير سفر ولا مطر ولا مرض ولا خوف، وذلك اقتداءً بما رواه عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من العترة الطاهرة.
وأنا أتذكّر بأنّ أوّل صلاة جمعت فيها بين الظهر والعصر كانت بإمامة الشهيد محمّد باقر الصدر عليه رضوان الله، إذ كنت وأنا في النجف أفرّق بين الظهر والعصر حتّى كان ذلك اليوم السعيد الذي خرجت فيه مع السيّد محمّد باقر الصدر من بيته إلى المسجد الذي يؤمّ فيه مقلّديه الذين أحترموني وتركوا لي مكاناً خلفه بالضبط.
ولمّا انتهت صلاة الظهر وأقيمت صلاة العصر حدّثتني نفسي بالانسحاب، ولكن بقيت لسببين: أوّلهما: هيبة السيّد الصدر وخشوعه في الصلاة حتّى تمنّيت أن تطول، وثانيهما: وجودي في ذلك المكان وأنا أقرب المصلّين إليه، وأحسست بقوّة قاهرة تشدّني إليه ولمّا فرغنا من أداء فريضة العصر، وانهال عليه الناس يسألونه، بقيت خلفه أسمع الأسئلة والإجابة عليها إلاّ ما كان خفياً، ثمّ أخذني معه إلى بيته للغداء، وهناك وجدت نفسي ضيف الشرف، وأغتنمت فرصة ذلك المجلس وسألته عن الجمع بين الصلاتين.
]فقلت[: سيّدي! أيمكن للمسلم أن يجمع بين الفريضتين في حالة الضرورة؟
قال: يمكن له أن يجمع بين الفريضتين في جميع الحالات وبدون ضرورة.
قلت: وما هي حجّتكم؟
قال: لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الفريضتين في المدينة في غير سفر ولا خوف ولا مطر ولا ضرورة، وإنّها فقط لدفع الحرج عنّا، وهذا بحمد الله ثابت عندنا من طريق الأئمّة الأطهار، وثابت أيضاً عندكم.
استغربت كيف يكون ثابتاً عندنا، ولم أسمع به قبل ذلك اليوم، ولا رأيت أحداً من أهل السنّة والجماعة يعمل به، بل بالعكس يقولون ببطلان الصلاة إذا وقعت حتّى دقيقة قبل الأذان، فكيف بمن يصلّيهما قبل ساعات مع الظهر، أو يصلّي صلاة العشاء مع المغرب، فهذا يبدوا عندنا منكراً وباطلاً.
وفهم السيّد محمّد باقر الصدر حيرتي واستغرابي، وهمس إلى بعض الحاضرين، فقام مسرعاً وجاءه بكتابين عرفت بأنّهما صحيح البخاري وصحيح مسلم، وكلّف السيّد ذلك الطالب بأن يطلعني على الأحاديث التي تتعلّق بالجمع بين الفريضتين.
وقرأت بنفسي في صحيح البخاري كيف جمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فريضة الظهر والعصر، وكذلك فريضة المغرب والعشاء، كما قرأت في صحيح مسلم باباً كاملاً في الجمع بين الصلاتين في الحضر في غير خوف ولا مطر ولا سفر.
ولم أخف تعجّبي ودهشتي وإن كان الشكّ داخلني بأنّ البخاري ومسلم اللذين عندهم قد يكونان محرّفين، وأخفيت في نفسي أن أراجع هذين الكتابين في تونس وسألني السيّد محمّد باقر الصدر عن رأيي بعد هذا الدليل.
قلت: أنتم على حقّ وأنتم صادقون فيما تقولون...
هذه قصّتي مع الشهيد الصدر رحمه الله في خصوص الجمع بين الفريضتين... كيف نجهل ما في صحاحنا، ونشنّع على غيرنا بأمور نعتقد نحن
بصحّتها وقد وردت في صحاحنا.
فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عبّاس قال: صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً(1).
وأخرج الإمام مالك في الموطأ عن ابن عبّاس قال: صلّى رسول الله الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر(2).
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر قال: عن ابن عبّاس قال: صلّى رسول الله الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر(3).
كما أخرج عن ابن عبّاس أيضاً قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، قال: قلت لابن عبّاس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمّتهُ(4).
وممّا يدلّك أخي القارئ أنّ هذه السنّة النبويّة كانت مشهورة لدى الصحابة ويعملون بها، ما رواه مسلم أيضاً في صحيحه في نفس الباب قال: خطبنا ابن عبّاس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عبّاس: أتعلّمني بالسنّة، لا أمّ لك، ثمّ قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه في باب وقت العصر: قال سمعت أبا أمامة يقول: صلّينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثمّ خرجنا حتّى دخلنا على أنس
ابن مالك فوجدناه يصلّي العصر، فقلت: يا عمّ ما هذه الصلاة التي صلّيت؟ قال العصر، وهذه صلاة رسول الله التي كنّا نصلّي معه(1)(2).
الاهتداء بنور أهل البيت(عليهم السلام):
يقول «زركار عبد الله إبراهيم»: كنت أظنّ قبل البحث بأنّ الجمع بين الصلاتين عند الشيعة بدعة، ولكن وجدت بعد البحث بأنّ للشيعة براهين رصينة، فأدهشني هذا الأمر ودفعني للمزيد من البحث، فواصلت البحث بدقّة وإمعان حتّى اطّلعت على أدلّة الشيعة في الكثير من المسائل العقائدية، فكان نتيجة هذا الجهد الذي بذلته أن هداني الله وأخرجني من الظلمات إلى النور فتشرّفت باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام ١٤١٥هـ .
جاء في كتاب «بحار الأنوار»:
العدّة، عن البرقي، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب عن «زكريّا بن إبراهيم» قال: كنت نصرانياً فأسلمت وحججت فدخلت على أبي عبد الله(عليه السلام)فقلت: إنّي كنت على النصرانية، وإنّي أسلمت فقال: «وأيّ شيء رأيت في الإسلام»؟
قلت: قول الله عزّ وجلّ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِْيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء(1).
فقال: «لقد هداك الله»، ثُمّ قال: «اللّهم اهده ثلاثاً، سل عمّا شئت يا بني»؟
فقلت: إنّ أبي وأمّي على النصرانية، وأهل بيتي وأمّي مكفوفة البصر، فأكون معهم، وآكلّ في آنيتهم؟
فقال: يأكلون لحم الخنزير؟
فقلت: لا ولا يمسّونه.
فقال: لا بأس، فانظر أمّك فبرها، فإذا ماتت، فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت
1) الشورى (٤٢) : ٥٢.
الذي تقوم بشأنها، ولا تخبرّن أحداً أنّك أتيتني، حتّى تأتيني بمنى إن شاء الله.
قال: فأتيته بمنى والناس حوله، كأنّه معلّم صبيان، هذا يسأله، وهذا يسأله، فلمّا قدمت الكوفة، ألطفت لأمّي، وكنت أُطعمها وأفلي ثوبها ورأسها وأخدمها.
فقالت لي: يا بني ما كنت تصنع بي هذا، وأنت على ديني، فما الذي أرى منك منذ هاجرت، فدخلت، في الحنيفية؟
فقلت: رجل من ولد نبيّنا أمرني بهذا.
فقالت: هذا الرجل هو نبي؟
فقلت: لا ولكنّه ابن نبيّ.
فقالت: يا بنيّ هذا نبيّ إنّ هذه وصايا الأنبياء.
فقلت: يا أمّ إنّه ليس يكون بعد نبيّنا نبيّ ولكنّه ابنه.
فقالت: يا بنيّ دينك خير دين، أعرضه عليّ، فعرضته عليها فدخلت في الإسلام، وعلّمتها فصلّت الظهر والعصر، والمغرب والعشاء الآخرة، ثُمّ عرض بها عارض في الليل، فقالت: يا بني أعد عليّ ما علّمتني، فأعدته عليها فأقرّت به وماتت، فلمّا أصبحت كان المسلمون الذين غسّلوها، وكنت أنا الذي صلّيت عليها ونزلت في قبرها(1).
1) بحار الأنوار ٤٧: ٣٧٤ الحديث ٩٧.
الصورة
ولد عام ١٣٨١هـ (١٩٦٢م) في العاصمة العراقية «بغداد»، فرضت عليه الأجواء التي عاشها الانتماء إلى المذهب الشافعي.
تعاليم منحها التراث قداسة حتّى أصبح المساس بها تخطّياً للخطوط الحمراء، ولكن الحقائق المتدفّقة من ثنايا التاريخ، أثبتت زيف وبطلان هذه القداسة، ويبقى الطريق شائكاً يتحمّل عناءه الباحث عن الحقّ.
تخطّى «زهير» عقبات التراث والتقليد الأعمى للآباء والأسلاف، وذلك من خلال التتبّع في كتب التاريخ والسير، حيث كشف له البحث عن وجه الحقيقة.
يقول «زهير»: كنت شغوفاً بمعالم التاريخ، وكان يمثّل لي هذا العلم الأصالة والهويّة الدينية، فالتاريخ ليس مجرّد حوادث ترتبط بالماضي فحسب، بل هو المخزن للحقائق التي طال ما حاول البعض إنكار مالا ينسجم مع معتقداته. ولكن حتّى متى يمكن إخفاء الحقيقة؟
وهناك الكثير من الوقائع التاريخية أحاطتها حالة من الغموض، ولا يزال البعض يعتبرها حوادث لا تمسّ الحقيقة بشيء، ويعتبر العامل الأساسي لهذا الإنكار هو التقليد الأعمى للآباء والأسلاف في كلّ صغيرة وكبيرة، وترويج عامل
تقبّل التراث بصورة مطلقة حتّى لو كانت معطياته مخالفةً للدليل والبرهان، وحصيلة هذا التقليد مواجهة الفراغ الواسع في شتّى المجالات، ولاسيّما في مجال العقيدة، ولا يمكن للتعاليم الموروثة سدّ الثغرات الناتجة من هذا الفراغ، وهنا تطرأ الشكوك على أتباع هذا المذهب، وتعصف الشبهات بأذهان الكثير منهم.
وبعد البحث الحثيث الذي أجراه «زهير» حول الحوادث التي أعقبت عروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى، واجه حقائق جعلته يعيد النظر في التراث الذي طالما حاول كتمان الحقائق.
مظلومية الزهراء(عليها السلام):
يكشف لنا التاريخ عن وقائع يندى لها الجبين حياءً، فأصحاب الأمس هم أعداء اليوم، هكذا كان حال البعض بعد وفاة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فبعد غصب الخلافة وتعكير الأجواء على المسلمين، قام التيّار المخالف لخطوط الرسالة بتحرّكات عنيفة ضدّ آل بيت الرسول(عليهم السلام) وذلك بمرأى ومسمع من المسلمين !
ولا عجب مّمن انحرف عن الخط الرسالي أن يرتكب أبشع ما يمكن فعله من أجل نيل مصالحه الدنيوية المزيّفة.
ومن تلك الوقائع التي لا يزال التاريخ يضع العديد من التساؤلات اتّجاهها هي ظلامة بضعة المصطفى وحبيبته فاطمة الزهراء(عليها السلام)، فقد سجّل التاريخ لنا هذه الظلامة ابتداءً من هجوم القوم على بيتها، وعصرها بين الباب والحائط، وإسقاط جنينها المسمّى بالمحسن، وقد اعترف أبو بكر بهذه الوقائع، فقد ذكر المؤرّخ الكبير الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن عوف... أنّ أبا بكر عندما حضرته المنيّة قال: «أمّا إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث فعلتهنّ، وددت أنّي لم أفعلهنّ... فأمّا الثلاث التي فعلتهنّ، ووددت أنّي لم أكن فعلتها، فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة
عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب...»(1).
هكذا يفصح أبو بكر عن ظلامة الزهراء (عليها السلام)، وما أدري بأيّ عذر يعتذر؟
ولم تنتهي الأحداث المرّة إلى هذا الحدّ، بل قامت السلطة الحاكمة آنذاك بغصب الأملاك الشخصيّة للزهراء (عليها السلام)، فكشف القوم عن سريرتهم، وذلك بغصبهم «فدك» التي أعطاها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ابنته فاطمة الزهراء(عليها السلام) .
فدك في التاريخ:
ينقل لنا ياقوت الحموي في معجم البلدان عن فدك فيقول:
فدكُ: قرية بالحجاز، بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في سنة سبع صلحاً وذلك: أنّ النبيّ صلّى ا لله عليه وسلم لمّا نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلاّ ثلث واشتدّ بينهم الحصار راسلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم يسألونه أن يُنزلهم على الجلاء، وفعل وبلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك.
فهي ممّا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله صلّى الله عليه وسلم وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة وهي التي قالت فاطمة رضي الله عنها: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم نحلنيها، - ثمّ انظر ماذا كان جواب أبو بكر لبضعة المصطفى الذي قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عنها: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»(2)، وفاطمة من أهل البيت الذي أنزل الله فيهم قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(3)- .
فقال أبو بكر: أريد لذلك شهوداً..؟
فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدَكَ إلى ولد فاطمة رضي الله عنها، فكانت في أيديهم في أيّام عمر بن عبد العزيز.
فلمّا ولي يزيد بن عبد الملك قبضها، فلم يزل في أيدي بني أميّة حتّى ولي أبو العبّاس السفّاح الخلافة فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكان هو القيّم عليها يفرّقها في بني علي بن أبي طالب.
فلمّا ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم، فلمّا ولي المهدي ابن المنصور الخلافة أعادها عليهم، ثمّ قبضها موسى الهادي ومن بعده إلى أيّام المأمون، فجاءه رسول بني علي بن أبي طالب فطالب بها، فأمر أن يسجّل لهم بها، فكُتب السجل وقُرأ على المأمون، فقام دعبل الشاعر وأنشد:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا بردّ مأمون هاشم فدكا(1)
هذه نبذة مختصرة عن تداول فدك في أيدي السلطات الحاكمة، ولكن يا ترى كيف نجمع بين هذه الأحداث، لاسيّما بين التناقض الموجود فيها.
فأبو بكر يدّعي أنّها لبيت المال، وعمر يعطيها إلى ورثة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعاوية يهبها إلى مروان، وهكذا تتداول بين هذا وذاك، فما هي الوقائع التي خلف الكواليس؟
فدك والحقيقة:
ليست فدك إلاّ رسالة على مدى الأجيال تصرخ بوجه التيّار المنحرف الذي شُيّدت أُسسه في سقيفة بني ساعدة، وهي الصرخة في وجه اللذين ارتدّوا على أعقابهم القهقرى، وتبقى خطبة الزهراء(عليها السلام) هي المبيّنة لهذا الأمر.
1) معجم البلدان ٤: ٢٣٩.
«... فلمّا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، ووردتم غير مشربكم... فهيهات منكم! وكيف بكم؟ وأنّى تؤفكون؟ وكتاب الله بين أظهركم... وقد خلّفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلاً وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(1)...»
حاولت الزهراء(عليها السلام) تبيين الانحراف الذي وقع المسلمون فيه، وذلك لابتعادهم عن الخطّ الرسالي القيّم، وحذّرتهم من مغبّة عملهم هذا، ثمّ بيّنت الجانب الأكثر خطورة فقالت لهم:
«... سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا إهالة... كتاب الله جل ثناؤه في أفنيتكم، وفي ممساكم ومصبحكم، يهتف في أفنيتكم هتافاً وصراخاً وتلاوة وألحانا، ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ(2)...».
بؤساً لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم... وقد قلت ما قلت هذا على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم... فبعين الله ما تفعلون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي
عذاب شديد، فاعملوا إنّا عاملون، وانتظروا إنّا منتظرون...»(1).
وفي خطبتها لنساء المهاجرين والأنصار عندما عادوها في مرضها فقلن لها: كيف أصبحت من علتك يا ابنة رسول الله؟ فحمدت الله وصلّت على أبيها، ثمّ قالت:
«أصبحت والله عائفة لدنياكنّ... بعداً للقوم الظالمين، ويحهم أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوّة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطيبين بأُمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين... وما عشت أراك الدهر عجباً، وإن تعجب فعجب قولهم، ليت شعري إلى أي سناد استندوا، وإلى أي عماد اعتمدوا، وبأية عروة تمسّكوا، وعلى أيّة ذريّة أقدموا واحتنكوا؟ لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلاً استبدلوا والله الذنابي بالقوادم... ويحهم أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(2).
نرى بوضوح أنّ الزهراء(عليها السلام) بيّنت للقوم خطورة الانحراف الذي وقعوا فيه، فقد استبدلوا والله الذنابي بالقوادم، وأنّى زحزحوها عن أبي الحسن، هذا هو الموقف الذي جعل تاريخ فدك رمزاً يرمز إلى تثبيت بذور الثورة في قبال التيّار المنحرف الذي بدت بوادره تأخذ حيّزاً واسعاً في الساحة الإسلاميّة.
وتبقى الحقيقة:
تبقى الحقيقة مهما حاول البعض كتمانها، وتبقى صرخة المظلوم على مدى الأجيال تدوي لتتمّ الحجّة على الناس، ويسمعها الجميع، لكنّها تؤثّر على من تخلّى عن العصبية العمياء، وحاول أن يتبنّى البحث بروح خالصة من المتكدسات
الموروثة التي لا يزال البعض يضع لها أجنحة الذلّ والتسليم.
ولم يكن «زهير» من زمرة هؤلاء الناس، فبعدما تبيّنت له الحقائق أعرض عن تراث طالما كان حديثه عن الحقيقة وهماً وخيالاً، فالتحق بركب سفينة النجاة وعترة المصطفى التي قال عنها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى.
الصورة
ولد سنة ١٣٨١هـ (١٩٦٢م) في مدينة «الرمادي» غرب العراق، ونشأ في عائلة سنّية حنفيّة المذهب، نال شهادة الثانوية (الفرع الأدبي)، درس في الحوزة العلمية في مدينة قم لفترة قصيرة بعد استبصاره سنة ١٤٠٧هـ (١٩٨٧م).
خدمة العَلم الاجبارية تفتح أمامي نوافذ النور:
يقول «ستّار»: «بعد إكمالي الدراسة دعيت إلى خدمة العَلم في الجيش العراقي وكانت أيّام خدمتي العسكريّة في زمن الحرب العراقيّة -الإيرانية التي دامت ثماني سنوات في الثمانينات من القرن الماضي.
كنّا مجموعة من الشباب في وحدة عسكريّة على الحدود العراقيّة الإيرانية، وكانت هذه المجموعة خليطاً من جميع المحافظات العراقية، ففينا ابن الشمال الكردي أو التركماني وفينا ابن الجنوب العربي، وفينا المسلم الشيعي وفينا السنّي وفينا المسيحي وفينا ابن العشائر وفينا ابن الريف وفينا ابن المدينة، وفينا الشخص المتعلّم الذي قطع شوطاً من حياته في مدارس العلم، وفينا الأمّي الذي لم يدرس شيئاً.
في إحدى الليالي الحالكة الظلام، كنت مع صديق لي في ملجأ مظلم لم
يصله الكهرباء على الحدود، ودار الحديث بيني وبين صديقي واسمه عبّاس - من أهالي الشعلة في بغداد- في موارد شتّى إلى أن فاجئني بهذا السؤال: لو حصل القصف الشديد الآن ونحن في ساحة حرب فمن تدعوه وبمن تتوسّل للخلاص والنجاة؟
فقلت: أدعو الله، وأتوسّل ببعض المشايخ كالشيخ خليفة والشيخ مسعود فقال لي: ونعم بالله، ولكن ما قيمة الشيخ خليفة والشيخ مسعود المتصوّفة أمام أمير المؤمنين(عليه السلام)؟
فقلت له: ومن هو أمير المؤمنين؟! قال ببساطة وطلاقة: زوج البتول وابن عمّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
قلت له: ومن هي البتول؟!
قال: فاطمة الزهرا(عليها السلام).
قلت: نعم، فاطمة معروفة لدينا، أمّا من أين أتيت بهذه الألقاب.
فقال: لاتهمّ الألقاب إذا واجهت الموت، وحصلت لك الشدائد، أنصحك يا أخي بالتوسّل بهؤلاء، فهم حبل النجاة في الدنيا والآخرة، وصادف دخول أحد الأشخاص الغرباء ملجئنا فانقطع الكلام بيننا.
بعد سنة تقريباً في المنطقة الشماليّة من العراق قرب الحدود، وفي أحد السفوح الجبليّة شرع القصف علينا بشدّة، وأخذنا بحفر الشقوق للاختباء ولو إلى نصف الجسم، وقد قتل وجرح الكثيرون، وبقيت لوحدي في أحد الشقوق، وسيطر عليّ الخوف بشدّة، فتذكّرت حديث صديقي عبّاس الذي ذكر التوسّل بأمير المؤمنين علي(عليه السلام) في حالات الضيق والشدّة والخوف، فبدأت بالتوسّل بحضرة الإمام علي(عليه السلام) إلى الله سبحانه في النجاة والسلامة من هذا القصف الشديد، ونذرت بذبح الذبائح في مرقده الشريف إن نجوت من هذه المهلكة.
وبالفعل توقّف القصف، وجاء الأمر العسكري بالانسحاب من هذا الجبل والعودة إلى المقرّ الخلفي، وهناك -وكانت إجازاتنا الدورية قد تأخّرت كثيراً صدر الأمر العسكري بعمل القرعة لإرسال ثمان جنود فقط من كلّ فوج إلى أهاليهم لقضاء فترة الإجازة، وعند إجراء القرعة ظهر اسمي ضمن المجازين، فتعجّبت من ذلك وعرفت أنّ عليّ أداء النّذر في هذه الإجازة، فعرضت على صديقي عبّاس الذهاب إلى أهله بدلاً منّي، ورجوت منه أداء نذري عند حضرة الإمام علي(عليه السلام) فرفض صديقي عبّاس قائلاً: الإجازة هي حقّك والنذر نذرك فعليك أداؤه بنفسك.
وفعلاً ذهبت إلى مدينة الرمادي لقضاء فترة الإجازة، ولم أحسّ بالطريق الذي قطعته بالسيّارة لانشغال فكري بما جرى عليّ في الأيّام السابقة، وبضرورة أداء النذر الذي أراه صعب التنفيذ، فأنا يجب عليّ السفر إلى مدينة غريبة لم أزرها من قبل، ولا أعرف ناسها وطباعهم، ولا مذهبهم الديني.
وصلت إلى البيت عند الغروب، وفرح أهلي واصدقائي بعودتي، لكنّهم لاحظوا عليّ الصمت والتفكير وعدم مشاركتهم فيما يتكلّمون عنه، فأنا مشغول بالتفكير بأمير المؤمنين(عليه السلام) الذي نجاني من الموت المحتّم، وكيفيّة أداء النذر له، لكنّ الصعوبة التي كنت أواجهها هي أنّه كيف أفاتح أهلي بالموضوع، وكيف أطرحه عليهم، فبقيت اللّيلة الأولى متحيّراً متقلّباً على فراشي.
وفي الصباح طلبت من أخي الكبير عدم الذهاب إلى محلّ عمله، والذّهاب معي بدلاً من ذلك لأداء النذر، فرفض أخي قائلاً: ولماذا توسّلت بعليّ؟ ولماذا لم تتوسّل بالشيخ خليفة والشيخ مسعود اللذين نتوسّل بهم عادة؟
فقلت له: يا أخي أنا في تلك الشدّة لم يحضر في خاطري سوى علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ولم يكن هذا الجواب منّي مقنعاً لأخي في الذهاب معي، فبقيت متحيّراً في أمري ولكنّي صمّمت على الذهاب في اليوم التالي، أتى معي أخي أم لم يأت.
وفي المساء عاد أخي إلى البيت، وقال لي: سآتي معك لأداء النذر، فقلت: خيراً ماذا حصل، فقال لي على بساطته: لقد قضيت يوماً غير موفّق في العمل، فكلّ أعمالي لم تسر على ما يرام، وأنا أخشى أنّ الإمام علي(عليه السلام) غير راض عنّي.
وفي اليوم التالي غادرنا الرمادي إلى مدينة كربلاء لزيارة الإمام علي(عليه السلام)وكنت أتصوّر أنّ الإمام علي(عليه السلام) هو في مدينة كربلاء، ولم أعرف أنّي ذهبت إلى زيارة قبر الإمام الحسين(عليه السلام) إلاّ بعد عودتي إلى وحدتي العسكريّة عند صديقي عبّاس، والمهمّ أدّيت نذري وارتاحت نفسي بأنّي أدّيت النذر قربة إلى الله تعالى ولو في مكان آخر.
وهناك حيث كانت الجبهة العسكريّة مشتعلة تكررّت معي الحالة السابقة، حيث خرجت من الموت مرّة أُخرى بأعجوبة، فناديت عليّاً مظهر العجائب، ووجدّته عوناً لي في النوائب، وذهبت في الإجازة إلى النجف الأشرف هذه المرّة وأدّيت نذري في حضرته المباركة(1).
الأسر، ومعاناة الاستبصار:
يواصل «ستار» حديثه، فيقول: «وقعت في أسر الجيش الإيراني في إحدى المعارك قرب الحدود، وجيء بي إلى معسكر تختي قرب طهران، وهناك عشت مرحلة مهمّة من حياتي، حيث بدأت بالتأمّل فيما مرّ بي في حياتي السابقة حتّى انتهيت إلى هذا المكان الذي لا يرغب أحدٌ في المجيء إليه، وهل يرغب عاقل في أن يقضي فترة من شبابه في معسكر اعتقال؟!
لقد عرفت أنّ المذهب الذي حمله آبائي وأجدادي هو المذهب الحنفي السنّي الذي يُعظّم الخلفاء الراشدين، وأنا أيضاً لابدّ لي من احترامهم ولا أقبل
1) انظر كتاب التوسّل للشيخ جعفر السبحاني، وكذلك الزيارة والتوسّل لصائب عبد الحميد.
التعدّي عليهم من الآخرين، بل أطالبهم بالاحترام المتبادل لأنّي أحبّ أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي يحترمه الطرفان الشيعة والسنّة لحسن الحظ، وإذا أردت أن اعتقد بعقائد الشيعة في تفضيله على الكلّ فلابدّ أن يكون ذلك وفق الدليل العلمي المقنع الشافي الذي لاريب فيه.
وهكذا بدأ الحوار والنقاش، وكنت أنا طبعاً في الجانب السنّي مع مجموعة من الأصدقاء الذين أحبّوني ورأوا فيّ صديقاً عزيزاً يدافع عن مذهبهم، ولكن عواطفي كانت موزّعة بين هؤلاء وأولئك الذين هم في الطرف الآخر كنت أُحبّهم أيضاً.
وتطلّب الحوار منّي قراءة الكتب، وخاصة كتب الشيعة التي لم أطّلع عليها ولم أسمع حتّى بأسمائها من قبل، كما حضرت بعض المجالس الحسينيّة والمحاضرات التثقيفية التي كانت تقام في المعسكر، وقد سبّبت لي هذه الحالة شكاً شديداً في كلا المذهبين، حتّى أنّي فكرّت في ترك الصلاة التي هي مظهر الدين جانباً، ولكنّ أصدقائي من كلا الطرفين قالوا: ابق على مذهبك الحنفي فهو أفضل لك من ترك الصلاة!!
اقترح علينا أحد مدرّسي العقيدة في المعتقل يوماً أن نتباحث في موضوع المسائل الخلافية بين السنّة والشيعة بهدوء، مع ذكر الدليل العلمي في كلّ مسألة من كلا الطرفين، وقد استحسن هذا الاقتراح معظم الحاضرين وكنت أنا منهم، وبعد سلسلة من حلقات البحث بدأت أشكّ في مذهبي السنّي، وشرعت بالوضوء وفق المذهب الشيعي في أحدى الليالي قبل المنام، لأنّي عرفت أنّه أصح وأفضل.
ولكن مع ذلك لم أجزم في الأمر ولم يَزُل الشكّ عن قلبي تماماً فطلبت من الله سبحانه وتعالى أن يقطع حيرتي وأن يريني علامات تهديني إلى الطريق المستقيم ولو عن طريق الرؤيا، وعاهدت الله أن أتبع ما يهديني إليه ولا أتراجع
عنه.
وفعلاً رأيت في المنام أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) يخلّصني من شدّة وقعت فيها، فتأولّت ذلك على صحّة مذهب الشيعة، وفي الصباح عند صلاة الفجر أصبحت شيعيّاً موالياً لأمير المؤمنين(عليه السلام).
بعد ذلك لم تتركني الوساوس، وتذكرت أهلي وأصدقائي، هل هم جميعاً من أهل النار يا تُرى؟
وأنا الوحيد أسير على الطريق الصحيح ومن أهل الجنّة؟!
وعلى فرض قبول ذلك فلماذا يعاقبهم الله، وهو الذي خلقهم، وهم قد اشتبهوا، أو لم يعرفوا الحقّ، فماذنبهم؟
كما أنّ محاجاتي مع أصدقائي من أهل السنّة قد أدخلت بعض الشكوك في قلبي، وأنا لازلت في أوّل طريق الاستبصار، ولكنّي لم أكن ممّن يستسلمون بسهولة، فقد توسّلت بالزهراء(عليها السلام) طالباً من الله سبحانه أن يسدّدني في جوابهم، واتباع الدليل الصحيح في التمسّك بعرى الدين البيّن، وبفضل الله تعالى وفقّت، وأخذ أصدقائي بالتراجع أمام استدلالاتي، واتخذوا السكوت مسلكاً يخلّصهم من إفحام حجج مذهب الشيعة التي لا يجدون عندهم شيئاً يردّها أو يوقفها عند حدّ معيّن، ولكنّ الذي ألمني بعد ذلك أنّهم قاطعوني فلم يعودوا يسلّمون عليّ، أو يلبّون لي حاجة، ومع ذلك فلم أتركهم ولم أرفضهم، بل واصلت التعامل معهم بالتي هي أحسن أملاً في بقاء المودّة، وتطبيقاً لتعاليم الدين الحنيف.
في هذه الأثناء طلبت المعونة الإلهيّة مرّة أُخرى في تقوية إيماني، وتذكّرت قصّة إبراهيم(عليه السلام) مع الطيور(1)، وقلت مخاطباً ربّي سبحانه: يا ربّ، أبو الأنبياء
1) البقرة (٢) : ٢٦٠.
يطلب منك المعجزة لكي يطمئنّ قلبه، فكيف بي وأنا عبدك الضعيف المسكين.
وفعلاً رأيت في عالم الرؤيا كأنّي في غابة ورأيت أصدقائي وأنا أهرب منهم إلى أن صعدت نخلة طويلة، ورأيت يد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أمامي، والتفت بعدها إلى الخلف فلم أجدهم فعبرت الرؤيا على صحة مذهبي الموالي للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)، وصممّت على البقاء فيه مهما كانت التضحيات.
فهو طريق ذات الشوكة الذي يبتلي سالكيه بأنواع المحن ليزدادوا صلابة في الدين، وقوّة في العقيدة، والحمد لله على نعمة الهداية الربانيّة، والصلوات الدائمة المباركة على أولياء الله أسباب الهداية، وأئمّة الحقّ، ومنقذي البشر من الضلالة والعمى واتّباع الشيطان.
ولد عام ١٣٨٧هـ (١٩٦٨م) في مدينة «خانقين» بالعراق، ونشأ في أحضان أسرة تتّبع المذهب السنّي، فسار على نهج أسرته في هذه العقيدة الموروثة، وواصل «ستار» دراساته الأكاديميّة حتّى تخرّج من المعهد الطبيّ.
الموانع والاستمرار في البحث:
غالباً ما يواجه الباحث ضمن بحثه صعوبات وحواجز تقطع أو تضيّق عليه نطاق البحث، وقد يصل إلى مرحلة تفقده العزم على الاستمرار في البحث والتحقيق، كأن يشاهد رأيه - مثلاً - مخالفاً للرأي العام السائد عند أصدقائه وأقاربه، أو مخالفاً لمعتقده الموروث، فإنّه عندئذ يتزلزل وغالباً ما يقف عند حدّه، ولا يحبّذ الاستمرار في التحقيق. وهذا ما يوجد في أغلب المستبصرين خاصّة إذا كان المستبصر متديّناً ومتشرّعاً في دينه أو مذهبه السابق، فإنّه - وعند الغوص في الأدلّة والبراهين - يجد بعض الاستدلالات التي تذهب به إلى سبيل الحقّ، ولكنّه يغضي طرفه عنها إلى أن تكثر عنده الاستدلالات ويشدّ بعضها بعضاً، فإنّه لا يجد أمامه سبيلاً إلاّ الإذعان لها والالتزام بها، أو أن يترك عقله وشأنه ويعود إلى ما كان يعتقده سابقاً.
ولكي لا يواجه الرأي الآخر في المجتمع، ولا يعرض نفسه أمام التيّارات التي كانت تحتضنه، غالباً ما توسوس له نفسه وتدعوه إلى اتّباع الطريق الثاني، إلاّ أن يكون ممّن شاء الله هدايته وإنقاذه فإنّ الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
صلاة التراويح بين المشروعية والبدعة:
إحدى الأمور السائدة والمتسالم عليها عند أكثر أهل السنّة هي مشروعيّة صلاة التراويح التي تقام في ليالي شهر رمضان المبارك، حيث يجتمع الناس ويقيمون هذه الصلاة جماعة في المساجد.
ولكن لنرى ما مدى صحّة هذه الصلاة، وهل هي مشرّعة من قبل الله سبحانه وتعالى؟ أم افتعلها الآخرون؟
في مقام الإجابة ينبغي الإشارة أوّلاً إلى أنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى كراراً عن إقامة الصلوات المستحبّة في المساجد، فقد روي عن عبد الله بن سعد أنّه قال: سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أيّهما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): ألا ترى إلى بيتي ما أقربه إلى المسجد، فلإن أصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلّي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة(1).
وسُئل عمر بن الخطاب عن الصلاة في المسجد، فقال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): الفريضة في المسجد، والتطوّع في البيت(2).
ولذا يستنتج ابن قدامة في المغني قائلاً:
«التطوّع في البيت أفضل ; لقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): عليكم بالصلاة في بيوتكم فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة. رواه مسلم.
وعن زيد بن ثابت أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلاّ المكتوبة». رواه أبو داود(1).
ومن جهة أخرى فقد نهى(صلى الله عليه وآله وسلم) عن إقامة الصلاة المستحبّة جماعة، فروي بعدّة أسانيد من طرق مدرسة الصحابة أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) غضب لالتحاق البعض به في النافلة خلسة، قائلاً لهم: عليكم بالصلاة في بيوتكم(2).
وإليك القصّة كاملة:
فقد ورد في صحيح مسلم عن زيد بن ثابت أنّه قال: احتجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حجيرة بخصفة أو حصير، ففرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها، فتتبّع إليه رجال، وجاؤوا يصلّون بصلاته، قال: ثمّ جاؤوا ليلةً فحضروا، وأبطأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم، فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مغضباً فقال: ما زال بكم صنيعكم حتّى ظننت أنّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة(3).
وفي هذا الحديث إشارة إلى عدّة أمور:
١ - أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتّخذ زاوية من زوايا المسجد لصلاة النافلة، ويحوّطها بحصير ويحجّرها ليكون بعيداً عن الأنظار.
٢ - أنّ الظاهر من الرواية هو أنّ المصلّين التحقوا به(صلى الله عليه وآله وسلم) بدون إذنه، وهذا الائتمام - كما في الرواية - لم يحصل إلاّ ليلة واحدة، وفي الليلة الثانية تدارك الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الموقف وعالجهُ بلا فصل وما فعل ذلك إلاّ لفداحة الأمر وخطورته.
إذن، بالنظر إلى تلك الروايات نفهم أنّ النوافل لا ينبغي تأديتها جماعةً في المساجد.
وهنا تدور عدّة أسئلة في ذهن الباحث: متى نشأت ظاهرة تأدية صلاة التراويح جماعة؟ ومن الذي سننّها؟
ألم ينه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن صلاة النافلة جماعة؟
وأليس حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة(1)؟
للإجابة على هذه الأسئلة ينبغي النظر والتأمّل في التاريخ الإسلامي، حيث يُفهم من النصوص أنّ أوّل من سنّ الجماعة في نوافل رمضان هو عمر بن الخطاب ولم تكن هذه السنّة موجودة في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
فقد جاء في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال: خرجت مع عمر بن الخطّاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط، فقال مر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه(2).
وقال العيني في تفسير قول عمر هذا: «إنّما دعاها بدعة ; لأنّ رسول الله لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر...(3).
ثمّ البدعة على نوعين: إن كانت ممّا يندرج تحت مستحسن في الشرع فهي
بدعة حسنة، وإن كانت ممّا يندرج تحت مستقبح في الشرع، فهي بدعة مستقبحة»(1).
عجباً!! وهل البدعة تنقسم إلى أقسام؟ أم أنّها وبأنواعها تساوي الضلالة والنار، وقد قال رسول الله فيها: كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار(2).
كما ورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: من غشّ من أمّتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، قالوا: يا رسول الله، وما الغش؟ فقال: أن يبتدع لهم بدعة فيفعلوا بها(3).
ويؤيّد كون صلاة التراويح بدعة وأنّها أحدثت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وليست هي من السنّة.
وثبت تاريخيّاً أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) نهى عن أداء هذه الصلاة جماعة في المساجد، حيث روي أنّه لما اجتمع الناس على أمير المؤمنين(عليه السلام) بالكوفة سألوه ان ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، فزجرهم وعرّفهم أنّ ذلك خلاف السنّة، فتركوه، واجتمعوا، وقدّموا بعضهم فبعث إليهم الحسن(عليه السلام)، فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة، فلمّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: واعمراه(4)!
مواجهة الصعوبات:
بعد البحث والتحقيق، وبعد اتضاح المسير، ومواجهة المصاعب التي تكتنف الشخص الذي يريد تغيير مسيره العقائدي أعلن «ستّار» عن استبصاره والتحاقه بركب شيعة أهل البيت(عليهم السلام) وكان ذلك عام ١٣٨٧هـ (١٩٦٨م) في مدينة كلار.
جاء في كتاب «تنقيح المقال»:
«كان رأيه رأي الخوارج، خرج مع «ابن سعد» إلى حرب الحسين(عليه السلام)، فلمّا سمع استنصار ]الإمام الحسين(عليه السلام)[ وصراخ النّساء والأطفال لسماع استنصاره نالته الهداية الأبديّة وتوفيق السعادة.
فقال هو وأخوه أبو الحتوف: إنّا نقول لا حكم إلاّ لله، ولا طاعة لمن عصاه، وهذا الحسين بن بنت نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن نرجو شفاعة جدّه يوم القيامة، فكيف نقاتله وهو بهذه الحال؟ نراه لا ناصر له ولا معين.
فمال هو وأخوه أبو الحتوف بسيفهما بين يديّ الحسين(عليه السلام) على أعدائه، وجعلا يقاتلان قريباً منه حتّى قتلا جميعاً، وجرح آخرين، ثُمّ قُتلا معاً في مكان واحد رضوان الله عليهما»(1).
1) تنقيح المقال ٢: ١٢.
مرّت ترجمته في ٢: ٣٥٩ من هذه الموسوعة، ونشير في هذا المقام إلى معلومات لم تذكر من قبل.
الطريق إلى الحقيقة:
أخذ الأستاذ «سعيد» على عاتقه مهمّة تبليغ الحقائق التي تبيّنت له من خلال البحث والتحقيق الحثيث في منعطفات التاريخ، فقام بهذه المهمّة من خلال تأليفه العديد من الكتب، ليتسنّى لطالب الحقّ معرفة المنعطفات التي تعرقل حركة الباحث عن الوصول إلى الحقيقة، ومن جملة تأليفاته كتاب «حجج النهج، المختار من نهج البلاغة» صدر سنة ١٤٠٧هـ (١٩٨٧م) عن مؤسسة الفجر، بيروت.
وقفه مع الكتاب:
يرى الأستاذ «سعيد» أنّ الطريق الصحيح لمعرفة الحقّ هو أحد أمرين فيقول:
إن هناك عزيزي القاري الكريم طريقان لمعرفة الحقّ، أولاهما يوصل إليه والآخر قد يوهم بذلك، أمّا الأوّل فهو معرفته بعد إعمال الفكر وتدقيق النظر، وأمّا الثاني فهو بتقليد من تعتقد بعدالتهم، وهذا الثاني قد يوصلك إلى الحقّ إن كان من
تتّبع آراءهم وأحوالهم وأفعالهم على الحقّ، وقد يضلّك أن كانوا غير ذلك، إنّك ستظل على اعتقادك بأنّك على الحقّ وهو التوهم، ويكون وصفك إذ ذاك على ما جاء به التنزيل: يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(1)، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لا يَشْعُرُونَ(2).
أمّا الأوّل: فهو الذي وصفه علي أمير المؤمنين عندما أجاب السائل عن الطائفة المحقّة يوم الجمل، فلم يقل الإمام: «أنا على الحقّ»، ولو قالها لكان صادقاً، بل قال: «اعرف الحقّ تعرف أهله».
فإن كنت أخي القاري من النوع الأوّل فإنّ هذا الكتاب سيكون ذا فائدة إن شاء الله تعالى، وإمّا إن كنت من النوع الثاني وكنت قبلُ من غير المؤمنين بما جاء به، فستجد نفسك مكتئبة وصدرك ضيّقاً حرجاً ممّا تقرأ، لأنّه عبارة عن حقائق لا تُدفع، ونصوص جليّة واضحة تلوي الأعناق، فإمّا أن تفزع إلى تكذيبها وهذا ديدن الضعيف الذي بهت أمام الحقّ فلا يدري جواباً فيلوذ بالأوهام، وإمّا أن يأخذ الله بيديك فتمرّ بحالة الطفرة فتغيّر منهجك وتتغلّب على نفسك. وقد تقرأ الكتاب مرّة أخرى، وأخرى، لتستوعب هذا الجديد وليس في ذلك من غضاضة، بل قيل إنّ الشكّ يقود إلى أقوى الإيمان.
واعلم أخي القاري - وليتسع لي صدرك - بأنّ التعصّب للرأي لا يخلو من الشرك إلاّ ما رحم ربّي، لأنّه ليس إلاّ عدم الرغبة في تغيير المعتقد حتّى لو كان خطأ، وهو أحد الأُمور العسيرة حقّاً.
وربّ سائل يسأل، وما يدريك إنّك على الحقّ؟ فأقول له، هذا المنهاج قد التزمت به، وفي الوقت الذي يتبيّن لي فيه أنّ معتقدي باطل فسوف ألقي به جانباً
الطريق، ضلالاً وقلة معرفة بأساليب الكلام، وأنا أوضّح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط فأقول:
لا يخلوا إمّا أن يكون كلّ «نهج البلاغة» مصنوعاً منحولاً، أو بعضه. والأوّل باطل بالضّرورة لأنّا نعلم بالتواتر صحّة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد نقل المحدّثون كلّهم أو جلّهم، والمؤرّخون كثيراً منه، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك. والثاني يدلّ على ما قلناه ; لأن من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفاً من علم البيان، وصار له ذوقٌ في هذا الباب لابدّ أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولّد، وإذا وقف على كرّاس واحد يتضمن كلاماً لجماعة من الخطباء، أو لاثنين منهم فقط ; فلابدّ أن يفرّق بين الكلامين، ويميّز بين الطريقتين. ألا ترى أنّا مع معرفتنا بالشعر ونقده، لو تصفّحنا ديوان أبي تمام ; فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام نفسه، وطريقته ومذهبه في القريض،ألا ترى أنّ العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه ; لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئاً كثيراً ; لما ظهر لهم أنّه ليس من ألفاظه، ولا من شعره، وكذلك غيرُهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك إلاّ على الذوق خاصّة.
وأنت إذا تأمّلت «نهج البلاغة» وجدته كلّه ماءً واحداً، ونفساً واحداً، وأسلوباً واحداً، كالجسم البسيط الذي ليس بعضٌ من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهيّة، وكالقرآن العزيز، أوّله كأوسطه، وأوسطه كآخره، وكلّ سورة منه، وكلّ آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسور ; ولو كان بعض «نهج البلاغة» منحولاً وبعضه صحيحاً، لم يكن ذلك كذلك ; فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلالُ من زعم أنّ هذا الكتاب أو بعضه
منحولٌ إلى أمير المؤمنين(عليه السلام).
واعلم أنّ قائل هذا القول يطرٌق على نفسه مالا قبل له به، لأنّا متى فتحنا هذا الباب، وسلّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو، لم نثق بصحّة كلام منقول عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبداً، وساغ لطاعن أن يطعن ويقول: هذا الخبر منحول ; وهذا الكلام مصنوع، وكذلك ما نقل عن أبي بكر وعمر من الكلام والخُطب وغير ذلك، وكلّ أمر جعله هذا الطاعن مستنداً له فيما يرويه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والأئمّة الراشدين، والصحابة والتابعين، والشعراء والمترسّلين، والخطباء ; فلناصري أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يستندوا إلى مثله فيما يروونه عنه من «نهج البلاغة» وغيره، وهذا واضح.
ثُمّ يتطرّق الأستاذ «سعيد» إلى بيان الخطب التي تؤكّد على أحقيّة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بالخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن جملتها:
خطبته(عليه السلام) في معرفة أئمّة الدين:
«قد طلع طالع ولمع لامع، ولاح لائح واعتدل مائل. واستبدل الله بقوم قوماً، وبيوم يوماً. وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر وإنّما الأئمّة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه، إنّ الله تعالى خصّكم بالإسلام واستخصّكم به، وذلك لأنّه اسم سلامة، وجماع كرامة، اصطفى الله تعالى منهجه، وبين حججه، من ظاهر علم، وباطن حكم، لا تفنى غرائبه، ولا تنقضي عجائبه، فيه مرابيع النعم، ومصابيح الظلم، لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه، قد أحمى حماه وأرعى مرعاه، فيه شفاء المشتفي، وكفاية المكتفي»(1).
1) نهج البلاغة ٢: ٤٠.
وهذا ما يؤكّد على وجوب معرفة الإمام والاقتداء بنهجه الشريف، لأنّ الأئمّة حماة الدين، والصراط المستقيم، والنهج السليم، وسفينة النجاة، من اتبعهم نجا ومن تخلّف عنهم غرق وهوى، كما ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحب أن يركب سفينة النجاة، ويستمسك بالعروة الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين، فليوال عليّاً وليعاد عدوه، وليأتمّ بالأئمة الهداة من ولده، فإنّهم خلفائي وأوصيائي، وحجج الله على خلقه من بعدي، وسادات أمّتي، وقوّاد الأتقياء إلى الجنّة، حزبهم حزبي، وحزبي حزب الله، وحزب أعدائهم حزب الشيطان»(1).
ومن خطبه(عليه السلام) إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاه إمارتها:
أمّا بعد فإنّ الله سبحانه بعث محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) نذيراً للعالمين، ومهيمناً على المرسلين، فلمّا مضى(صلى الله عليه وآله وسلم) تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أهل بيته، ولا أنّهم منحّوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه.
إنّي والله لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلّها ما باليت ولا استوحشت، وإنّي من ضلالهم الذي هم فيه، والهدى الذي أنا عليه، لعلى بصيرة من نفسي ويقين
1) ينابيع المودّة ٢: ٣١٦.
من ربّي. وإنّي إلى لقاء الله وحسن ثوابه لمنتظر راج.
ولكنّني آسى أن يلي أمر هذه الأمّة سفهاؤها وفجّارها، فيتخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً، فإنّ منهم الذي قد شرب فيكم الحرام، وجلد حداً في الإسلام، وإنّ منهم من لم يسلم حتّى رضخت له على الإسلام الرضائخ، فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم، وجمعكم وتحريضكم، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى أمصاركم قد افتتحت، وإلى ممالككم تزوى، وإلى بلادكم تغزى . . . »(1).
يؤكّد الإمام في هذه الخطبة أن دعمه للإسلام وما قدمه للدين في فترة خلافة من تقدّم عليه من الغاصبين لم يكن أبداً ناظراً إلى تثبّت دعائم حكمهم الجائر أو تثبيته ولو بإشارة إلى مشروعيتها، بل كانت فقط بداعي نصرة الإسلام والدين، كما فعل نبيّنا يوسف(عليه السلام) مع عزيز مصر الحاكم الكافر آنذاك، بل هو دين الأئمّة(عليهم السلام) مع الحكّام الطغاة والظلمة في عصورهم.
كما نرى إنّ الإمام يؤكّد على تبين العامل المهم في تزلزل القوم عن المبادي التي عرّفها لهم الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في اتّباع المنهج من بعده فيقول(عليه السلام)لبعض أصحابه وقد سأله:
كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به؟ فقال:
«يا أخا بني أسد إنّك قلق الوضين ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامه الصهر وحقّ المسألة، وقد استعلمت فاعلم.
أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا، والأشدون برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نوطا، فإنّها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس
1) نهج البلاغة ٣: ١١٨ ـ ١٢١.
آخرين. والحكم الله، والمعود إليه القيامة ودع عنك نهباً صيح في حجراته وهلم الخطب في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه. ولا غرو والله فيا له خطباً يستفرغ العجب، ويكثر الأود حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه، وسدّ فواره من ينبوعه، وجدحوا بيني وبينهم شرباً وبيئاً! فإن ترتفع عنّا وعنهم محن البلوى أحملهم من الحقّ على محضه، وإن تكن الأخرى فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(1).
1) فاطر (٣٥) : ٨ ، نهج البلاغة ٢: ٦٣.
ولد عام ١٣٨٨هـ (١٩٦٩م) في «خانقين» بالعراق، ونشأ في أُسرة شافعية المذهب، استبصر عام ١٤١٩هـ (١٩٩٩م) في «كلار» بالعراق، وتعود أسباب استبصاره إلى مشاركته في المجالس الحسينيّة واستماعه إلى محاضرات علماء الشيعة وقراءته الكتب الشيعية وكتب المستبصرين لاسيّما كتب الدكتور التيجاني السماوي.
أهل السنّة والعدل الإلهي:
قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ(1).
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ(2). فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ(3). قرأ «سهام» هذه الآيات في كتاب «فاسألوا أهل الذكر» للتيجاني السماوي، وكانت تعليقة المؤلّف مخاطباً أهل السنّة:
«كيف تقبلون بالأحاديث المروية في «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» بأنّ الله سبحانه قدّر على عباده أفعالهم قبل أن يخلقهم؟ فقد روى البخاري في صحيحه قال: احتجّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنّة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحجّ آدم موسى ثلاثاً...»(1).
وروى مسلم في صحيحه قال: إنّ أحدكم في بطن أمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يُرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها»(2).
كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: دُعي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جنازة صبيّ من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنّة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: «أو غير ذلك يا عائشة، إنّ الله خلق للجنّة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم»(3).
1) صحيح البخاري ٧: ٢١٤، كتاب القدر، باب تحاجّ آدم وموسى(عليهما السلام). صحيح مسلم ٨: ٤٩، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى(عليهما السلام).
2) صحيح مسلم ٨: ٤٤، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمّه. صحيح البخاري ٧: ٢١٠، كتاب القدر باب في القدر.
3) صحيح مسلم ٨: ٥٥، كتاب القدر، باب كلّ مولود يولد على الفطرة.
وروى البخاري في صحيحه قال رجل: يا رسول الله أيُعرف أهل الجنّة من أهل النار؟
قال: نعم، قال: فلم يعمل العاملون؟
قال: «كلّ يعمل لما خلق له أو لما يُسّر له»(1).
وكلّ من يتأمّل في هذه الروايات يجدها مناقضة للقرآن الكريم الذي جاء فيه: إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(2).
إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة(3). وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(4). وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(5). فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(6). وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ(7). ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِّلْعَبِيدِ(8) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّام لِّلْعَبِيدِ(9). ويقول الدكتور التيجاني: «كيف يصدّق مسلم آمن بالله وبعدالته ورحمته أنّ الله سبحانه خلق الخلق، وحكم على بعضهم بالجنّة وعلى الآخرين بالنار حسب
اختياره هو ]تعالى[، وقدّر لهم أعمالهم، فكلّ ميّسر لما خُلق له، على حسب هذه الروايات المعارضة للقرآن الكريم وللفطرة التي فطر الله الناس عليها وللعقل والوجدان ولأبسط حقوق الإنسان؟
كيف نؤمن بهذا الدين الذي يحجّر العقول، على أنّ هذا الإنسان هو دمية تحرّكها أيدي القدر كيف شاءت، لتلقي بها بعد ذلك في التنّور؟
هذا الاعتقاد الذي يمنع العقول من الخلق والابتكار والابداع والتطوّر والمنافسة التي تأتي بالأعاجيب.
كيف نقبل هذه الروايات التي تصادم العقول السليمة، وتصوّر لنا بأنّ الله سبحانه له أن يخلق عباده الضعفاء ليزجّ بهم في نار جهنّم لا لشيء إلاّ لأنّه يفعل ما يشاء، وهل يسمّى العقلاء هذا الإله حكيماً أو رحيماً أو عادلاً؟
سبحانك إنّ هذا زور من القول ركّزه الأمويون، وروّجوا له لحاجة في نفوسهم، والباحث يعرف سرّ ذلك، وهو زور من القول لأنّه يعارض كلامك وحاش رسولك أن يتقوّل عليك بما يناقض وحيك الذي أوحيت إليه، وقد ثبت أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا جاءكم الحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق الكتاب فخذوه، وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار»(1).
وكلّ هذه الأحاديث وأمثالها كثيرة تعارض كتاب الله وتعارض العقل، فليضرب بها عرض الجدار، ولا يلتفت إليها وإن كان أخرجها البخاري ومسلم، فما كانا معصومين عن الخطأ»(2).
تأمّل «سهام» فيما طالع وقرأ من كتب الشيعة والمستبصرين، فوجدها تنطق بالحقّ، كما تأمّل في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) حول القضاء والقدر فوجدها
منسجمة تمام الانسجام مع العدل الإلهي، منها:
سئل الإمام علي(عليه السلام): أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره؟
فأجابه الإمام علي(عليه السلام): «ويحك، لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حاتماً، ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يُطع مكرها، ولم يرسل الأنبياء لَعباً، ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار»(1).
واصل «سهام» بحثه حتّى أيقن بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فأعلن استبصاره وواصل مشاركته في المجالس الحسينيّة، وكانت مشاركته هذه المرّة تختلف عن المرّات السابقة، وبدأ يتفاعل مع مأساة عاشوراء وبدأ يدرك عمق فاجعتها، وأصبح ممّن يصغي إلى كلام المحاضر لينتهل من معين أهل البيت(عليهم السلام).
بدأ «سهام» ينظر إلى الحياة نظرة تختلف عن نظرته السابقة. بدأ يشعر بالنور الذي يحيطه ويهديه ويأخذ بيده إلى الحقّ والرشاد.
وبهذا فتح «سهام» صفحة جديدة في حياته ملؤها الطمأنينة والسكينة والانتعاش المعنوي، وبدأ بإيصال نداء أهل البيت(عليهم السلام) إلى طالبي الحقّ.
وعندما وجد الذين كانوا يعرفون «سهام» بالتغيير الذي حدث في سلوكه أصبح الأمر ملفتاً لأنظارهم، واستفاد «سهام» من هذه الحالة لخدمة مذهب التشيّع ونشر علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)، بل اغتنم «سهام» جميع الفرص للعمل التبليغي والدعوة إلى الحقّ.
1) نهج البلاغة شرح محمّد عبده ٤: ١٧، الخطبة ٧٨.
الصورة
ولدت «شادية علي خليفة» بمدينة «كركوك» عام ١٣٩٥هـ (١٩٧٦م) في شمال العراق. ويقطن هذه المنطقة غالبيّة من الأكراد، نشأت «شادية» في وسط عائلة كرديّة تعتنق المذهب الحنفي، الذي يكثر أتباعه في وسط العراق.
الإسلام والمرأة:
لا يخفى على أحد من المسلمين مدى عناية الإسلام بالإنسان عموماً، فالميزان فيه التقوى، إذ كلّما كانت كفّة التقوى أرجح كان الإنسان أكرم، وقد قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(1)، فلا الجنس ولا القوميّة ولا اللون يؤثّر في هذا الميزان.
لكن مع الأسف الشديد عدم تطبيق تعاليم الإسلام أدّى إلى ضياع كثير من الحقوق، ومنها حقوق المرأة، التي هي المدرسة الأولى التي يترعرع فيها الإنسان.
ورغم ما مرّت به المرأة، إلاّ أنّها كانت وما تزال - في نظر الإسلام - عنصراً يشاطر الرجل في أداء دوره وتأثيره في المجتمع، ومواقف سيّدة النساء فاطمة الزهراء(عليها السلام)، والعقيلة زينب(عليها السلام)، مواقف خالدة ومشرقة تستلهم الأجيال منها
1) الحجرات (٤٩) : ١٣.
الدروس والعبر.
نقطة التحوّل:
اطّلعت «شادية» على حقوق المرأة من خلال زوجها -الذي يبدو أنّه- استبصر قبلها كما أنّه وفّر لها بعض الكتب فرأت نظرة مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)للمرأة، ورأت أنّهم قد بيّنوا معالم الطريق لكلّ سالك، فوجدت أنّ ما دوّن في هذا الصدد لا يأباه عقل ولا فطرة، وأخذت من خلال هذا المجال - حقوق المرأة - تتعرّف أكثر على مبادي التشيّع، فرأت العقائد والفقه والسيرة، كلّها تتلاءم مع القرآن، وكيف لا يكون كذلك وأئمّة هذا المذهب عدل القرآن، وفي بيوتهم نزل الكتاب، فقرّرت اتّباع مدرستهم والتعبّد بالشريعة وفق مذهبهم(عليهم السلام).
الثبات على العقيدة:
عندما علم المقرّبون من «شادية علي خليفة» باتّباعها لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، أخذوا يعاملونها وزوجها بجفاء وخشونة، وهذه مشكلة - مع شديد الأسف - متكرّرة، ومنشؤها ضيق الأفق وتلقّي الموروث بدون دراسة ومقارنة وتحليل، إلاّ أنّها ثبتت على المبدأ الصحيح مستلهمة هذا الثبات من مواقف الزهراء(عليها السلام)، وسليلتها زينب(عليها السلام).
ولد عام ١٣٨٢هـ (١٩٦٣م) في العراق بمدينة خانقين، نشأ شافعي المذهب متأثّراً بالبيئة التي ترعرع فيها تبعاً لآبائه وأسلافه.
هناك تقاليد تفضي على التراث قداسة تبدو أنّ لها الأثر البالغ في عرقلة مسار الباحث عن الحقيقة، وحقائق تبرهن على بطلان هذه القداسة الموروثة، ويبقى الطريق شائكاً يتحمّل عناءه الباحث عن الحقّ، وتفرض عليه اجتياح العقبات مهما كان الثمن.
تخطّى «شاكر» عقبة التقليد الأعمى لآبائه وأسلافه، وذلك من خلال دراسته للتاريخ الإسلامي، حيث بيّنت له نتائج البحث بطلان ما كان يتّبعه من تقاليد الماضي.
بذور البحث:
يقول «شاكر»: كنت منذ صغري شغوفاً بمطالعة الكتب الدينيّة، وتوسيع آفاق رؤيتي المذهبّية والإلمام بمعتقدات المذاهب الأخرى، ولم تكن لي أيّة معرفة عن الشيعة آنذاك، فدفعني حبّ الاستطلاع للتعرّف على هذه الطائفة.
قمت بدراسة شاملة حول معتقدات الشيعة، وكانت نتائج البحث غير متوقّعة
لي في بادئ الأمر، ممّا جعلني أعيش حالة من الشكّ والترديد حول هذه النتائج، فسلّطتُ الأضواء على هذا المذهب أكثر فأكثر، وجعلت الآيات القرآنيّة مدار البحث والتحقيق، لتكون الحكم بين كلّ الطوائف الإسلاميّة.
لفت انتباهي أثناء البحث آية المودّة، حيث جعل الله فيها أجر رسالة نبيّه المودّة لذوي القربى، فيا ترى من هم «ذوي القربى» الذين جعل الله مودّتهم أجراً لرسالة البني محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
آية المودّة:
ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ(1). صرّح العديد من علماء أهل السنّة بوجوب مودّة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره القول بأنّ المراد من القربى هم أهل البيت(عليهم السلام)، مستنداً إلى ما ذكره السّدّي في قضيّة الأُسارى بواقعة الطف فقال:
«وقال السدي، عن أبي الديلم قال: لما جيء بعليّ بن الحسين(عليه السلام) أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قرني الفتنة.
فقال له علي بن الحسين(عليه السلام): أقرأت القرآن؟
قال: نعم.
قال: أقرأت آل حم؟
قال: قرأت القرآن، ولم أقرأ آل حم،.
قال: ما قرأت: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى؟
قال: وإنكم أنتم هم.
1) الشورى (٤٢): ٢٣.
قال: نعم.»(1).
...ولا تنكر الوصية بأهل البيت(عليهم السلام)، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنّهم من ذريّة طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخراً وحسباً ونسباً...
وقد ثبت في الصحيح: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في خطبته بغدير خمّ: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(2). وقال الآلوسي: «وهم أقاربه صلّى الله عليه وسلّم الذي خلقوا من عنصره الشريف وتحلّوا بحلاه المنيف كأئمّة أهل البيت(عليهم السلام). ومودّتهم يعود نفعها إلى من يودّهم لأنّها سبب للفيض وهم - رضي الله تعالى عنهم - أبوابه. وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» رمز إلى ذلك فافهم الإشارة»(3).
ويضيف الآلوسي قائلاً: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق ابن جبير عن ابن عبّاس قال: «لمّا نزلت هذه الآية قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ الخ قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودّتهم؟ قال: علي، وفاطمة، وولدها صلّى الله وسلّم على النبيّ وعليهم».
ثمّ يعلّق الآلوسي على من ضعّف سند هذا الحديث فيقول: إلاّ أنّه روى عن جماعة من أهل البيت ما يؤيّد ذلك، أخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال: لمّا جيء بعلي بن الحسين - رضي الله تعالى عنهما - أسيراً فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم. فقال له علي رضي الله تعالى عنه: أقرأت القرآن؟
قال: نعم.
قال: أقرأت آل حم؟
قال: نعم.
قال: ما قرأت قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
قال: فإنّكم لأنتم هم؟
قال: نعم.
وروى ذاذان عن علي كرّم الله تعالى وجهه قال: فينافي آل حم آية لا يحفظ مودّتنا إلاّ مؤمن، ثمّ قرأ هذه الآية، وإلى هذا أشار الكميت في قوله:
وجدنا لكم في آل حم آية تأولها منّا تقيّ ومعرب
... وأخرج مسلم، والترمذي، والنسائي عن زيد بن أرقم: «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اذكّركم الله تعالى في أهل بيتي».
وأخرج الترمذي، وحسّنه والطبراني والحاكم والبيهقي في «الشعب» عن ابن عبّاس قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أحبّوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمه، وأحبّوني لحبّ الله تعالى وأحبّوا أهل بيتي لحبّي».
وأخرج ابن حبان والحاكم عن أبي سعيد قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: والذي نفسي بيده لا يبغضنا (أهل البيت) رجل إلاّ أدخله الله تعالى النار» إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة من الأخبار، وفي بعضها ما يدلّ على عموم القربى وشمولها لبني عبد المطّلب و...
ثمّ يعلّق الآلوسي قائلاً: وقد تهاون كثير من الناس بذلك حتّى عدّوا من الرفض السلوك في هاتيك المسالك، وأنا أقول قول الشافعي:
يا راكباً قف بالمحصّب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد فليشهد الثقلان إنّي رافضي(1)
1) تفسير الآلوسي ٢٥: ٣٢.
ونقل الزمخشري صاحب «الكشاف»: عن النبيّ صلّى ا لله عليه وسلّم أنّه قال: «من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يُزفّ إلى الجنّة كما تُزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فُتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة».
وروى صاحب «الكشاف» أنّه لما نزلت هذه الآية، قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما(1)، فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدلّ عليه وجوه:
الأوّل: قوله تعالى إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ووجه الاستدلال به ما سبق.
الثاني: لا شكّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يحبّ فاطمة عليها السلام، قال صلّى الله عليه وسلّم: «فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما يؤذيها».
وثبت بالنقل ا لمتواتر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يحبّ علياً والحسن والحسين. وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأُمّة مثله، لقوله تعالى:
1) تفسير الكشاف ٣: ٤٦٧.
وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(1). ولقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ(2). ولقوله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ(3). ولقوله سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(4).
الثالث: أنّ الدعاء للآل منصب عظيم ; ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة، وهو قوله: اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد وارحم محمّداً وآل محمّد. وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب...».
تبلور الحقيقة:
يقول «شاكر»: صفح لي البحث عن المكانة التي حظي بها أهل البيت(عليهم السلام)، فهم المنار والسراج الذي جعله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للأُمّة ليستلهموا منهم مضامين الرسالة، وهم عماد الدين، والثقل الآخر للقرآن، ومن تمسّك بهم نجى، ومن تخلّف عنهم غرق وهوى.
ولكنّ المسلمين لم يحفظوا الوصيّة فيهم، وأزالوهم عن المراتب التي جعلهم الله فيها، وحاولوا كتمان الفضائل التي نزلت في حقّهم، مستعينين بأقلام أُناس اشتروا الدنيا بالآخرة، وحاولوا طمس الحقائق تلبية لمتطلّبات السلاطين والحكّام وذلك لطموحاتهم الدنيويّة الزائفة، ولكنّ الله متمّم نوره ولو كره الكافرون، فتمسكتُ بهديهم مستعيناً بنورهم لانقاذ نفسي من التيه والضلال.
جاء في كتاب «بحار الأنوار»:
ورد في كتاب سليم بن قيس عن أبان بن أبي عيّاش عنه قال: أقبلنا من صفّين مع أمير المؤمنين(عليه السلام)، فنزل العسكر قريباً من دير نصراني، إذ خرج علينا من الدير شيخ جميل حسن الوجه، حسن الهيئة والسمت، معه كتاب في يده حتّى أتى أمير المؤمنين(عليه السلام) فسلّم عليه بالخلافة، فقال له علي(عليه السلام) مرحباً يا أخي «شمعون بن حمون».
]فقال النصراني[: يا أمير المؤمنين ابسط يدك أبايعك بأنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، وأشهد أنّك خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمّته، ووصيّه وشاهده على خلقه، وحجّته في أرضه، وأنّ الإسلام دين الله، وأنّي أبرء من كلّ دين خالف دين الإسلام، فإنّه دين الله الذي اصطفاه لنفسه، ورضيه لأوليائه، وإنّه دين عيسى بن مريم(عليه السلام) ومن كان قبله من أنبياء الله ورسله، وهو الذي دان به من مضى من آبائي، وإنّي أتولاك وأتولّى أوليائك، وأبرء من عدوك، وأتولّى الأئمّة من ولدك، وأبرء من عدوهم وممّن خالفهم وبرئ منهم، وادّعى حقّهم، وظلمهم من الأولين والآخرين، ثُمّ تناول يده فبايعه . . . (1).
1) بحار الأنوار ١٥: ٢٣٩ الحديث ٥٧.
ولد عام ١٣٨٤هـ (١٩٦٥م) في مدينة «كلار» بالعراق ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، ثمّ استبصر عام ١٤١٦هـ (١٩٩٦م).
يذكر «شهاب أحمد عزيز» أنّ أهمّ الأسباب التي دفعته إلى الاستبصار هي قراءة كتب الدكتور التيجاني السماوي «ثمّ اهتديت» و«لأكون مع الصادقين» واستماعه محاضرات المنبر الحسيني.
ومن أهمّ المسائل الحسّاسة والخلافيّة بين أهل السنّة في خصوص توحيد الله هي مسألة صفات الله الخبريّة، حيث يعتقد أتباع مذهب أهل السنّة أنّ الآيات القرآنيّة التي ورد فيها ذكر يد الله وعين الله و... تشير إلى صفات الله على نحو الحقيقة لا على المجاز ; ولهذا فأنّهم يثبتون لله يد ووجه وعين و...، بينما الشيعة يعتقدون أنّ هذه الصفات الخبريّة ليست حقيقيّة بل مجازيّة ; لأنّ الله تعالى منزه عنها.
ويعتبر المجاز من ثوابت اللّغة العربيّة، وقد نزل القرآن بهذه اللّغة، وتذكر من المجاز القرآني قوله تعالى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، فهل يمكننا حمل هذه الآية بمعناها الحقيقي، والقول بأنّ المقصود من العمى هو فقدان البصر والرؤية في الدنيا والآخرة؟!
وعندما تعرّف «شهاب أحمد عزيز» على عقيدة الشيعة في التوحيد وجدها عقيدة حقّة، تنزّه الله من كلّ نقص، ومن كلّ شيء لا يليق بشأنه، كما أنّه تأثّر بموضوع «رؤية الله» التي أشار إليها التيجاني السماوي في كتابه «لأكون مع الصادقين» بقوله:
«وأذكر أنّني مررت بمدينة (لامبو) في كينيا بشرق أفريقيا، ووجدت إماماً من الوهّابيّة يحاضر المصلّين داخل المسجد، ويقول لهم: بأنّ لله يدين ورجلين وعينين ووجهاً. ولمّا استنكرتُ عليه ذلك، قام يستدلّ بآيات من القرآن قائلاً: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ(1)، وقال أيضاً: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا(2)، وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ...(3).
قلتُ: يا أخي، كلّ هذه الآيات التي أدليت بها وغيرها إنّما هي مجاز وليست حقيقة، أجاب قائلاً: كلّ القرآن حقيقة وليس فيه مجازاً!
قلت: إذن ما هو تفسيركم للآية التي تقول: وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى(4)فهل تحملون هذه الآيات على المعنى الحقيقي، فكلّ أعمى في الدنيا يكون أعمى في الآخرة أجاب الشيخ: نحن نتكلّم عن يد الله وعين الله ووجه الله، ولا دخل لنا في العميان!
قلتُ: دعنا من العميان، فما هو تفسيركم في الآية التي ذكرتها: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ...(5)؟
التفت إلى الحاضرين وقال لهم: هل فيكم من لم يفهم هذه الآية؟ أنّها واضحة جليّة كقوله سبحانه كُلُّ شَيْ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ(1).
قلتُ: أنت زدت الطين بلّة، يا أخي نحن إنّما اختلفنا في القرآن: ادّعيت أنت بأنّ القرآن ليس فيه مجاز وكلّه حقيقة! وأدّعيتُ أنا بأنّ في القرآن مجازاً، وبالخصوص الآيات التي فيها تجسيم لله تعالى أو تشبيهه، وإذا أصررت على رأيك فيلزمك أن تقول: بأنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجهه معناه: يداه ورجلاه وكلّ جسمه يفنى ويهلك ولا يبقى منه إلاّ الوجه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً! ثمّ التفتُ إلى الحاضرين قائلاً: فهل ترضون بهذا التفسير؟
سكت الجميع ولم يتكلّم شيخهم المحاضر بكلمة، فودّعتهم وخرجتُ داعياً لهم بالهداية والتوفيق نعم هذه عقيدتهم في الله في صحاحهم وفي محاضراتهم، ولا أقول: إنّ بعض علمائنا ينكر ذلك ولكنّ الأغلبيّة يؤمنون برؤية الله سبحانه في الآخرة، وإنهم سوف يرونه كما يرون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، ويستدلّون بالآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(2).
وبمجرّد اطّلاعك على عقيدة الشيعة الإمامية في هذا الصدد يرتاح ضميرك، ويُسلم عقلك بقبول تأويل الآيات القرانيّة التي فيها تشبيه لله تعالى، وحملها على المجاز والاستعارة، لا على الحقيقة ولا على ظواهر الألفاظ، كما توهّمه البعض.
يقول الإمام علي(عليه السلام) في هذا الصدد: «لا يدركه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود ولا نعتٌ موجودُ، ولا وقتُ محدودٌ، ولا أجل ممدودٌ...»(3).
ويقول الإمام محمّد الباقر(عليه السلام) في الردّ على المشبّهة: «بل كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم مردود عليكم...»(1).
ويكفينا في هذا ردّ الله سبحانه في محكم كتابه قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيٌْ(2)، وقوله: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ(3)، وقوله لرسوله وكليمه موسى(عليه السلام) لمّا طلب رؤيته: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي(4)، ولن «الزمخشريّة» تفيد التأبيد كما يقول النحاة.
كلّ ذلك دليل قاطع على صحّة أقوال الشيعة الذين يعتمدون على أقوال الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام)، ومعدن العلم وموضع الرسالة، ومن أورثهم الله علم الكتاب»(5).
كشف الحقيقة:
يقول «شهاب أحمد عزيز» عرفت من خلال قراءة مختلف الكتب بأنّ عقيدة التشيّع عقيدة رصينة منطقيّة ونقيّة من الشوائب، فواصلت البحث حتّى أحسست بخروجي من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الحقّ، وهذا ما دفعني في نهاية مطاف البحث إلى الاستبصار ذلك عام ١٤١٦هـ (١٩٩٦م).
ولد عام ١٣٩٨هـ (١٩٧٨م) في مدينة «خانقين» الكرديّة شرقيّ العراق، ونشأ في أُسرة شافعيّة المذهب، واصل دراسته حتّى انتمى لمعهد المعلّمين في مدينة «كلار»، استبصر سنة ١٤١٤هـ (١٩٩٤م) في مدينة «كلار» بإقليم «كردستان» في شمال العراق.
صديق مثقّف يهديني إلى طريق الحقّ:
يقول «شيركوه»: تهيّأ لي في أوائل شبابي - وأنا لازلت تلميذاً على مقاعد الدراسة - صديق شيعيّ مثقف غزير المعلومات، على إطلاع في أُمور الدين، وشؤون المسلمين.
وقد حصلت بيننا مناقشات دينيّة عديدة، تهدف إلى معرفة الحقّ، والكشف عن جوانب الواقع.
وقد جرّتني هذه المناقشات إلى القيام بدراسة عامّة في مصادر الحديث للشيعة والسنّة، فضلاً عن دراسة تاريخ المسلمين شيعة وسنّة وعملت مقارنة قدر الإمكان، وفي حدود فهمي القاصر، ومعلوماتي القليلة بأدلّة كلّ من الطرفين في القضايا الخلافيّة بينهم.
كما أستمعت لبعض الأشرطة التي تحتوي على محاضرات قيّمة لبعض خطباء المنبر الحسيني المعروفين، وقد أدّت هذه الأسباب جميعاً إلى اقتناعي شيئاً فشيئاً بصحّة مذهب شيعة أهل البيت(عليهم السلام) والحمد لله الهادي إلى سواء السبيل.
تكامل مستمر، وحركة دؤوبة بعد الاستبصار:
يضيف «شيركوه» قائلاً: «كان لاستبصاري بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) قوّة دافعة لمعرفة علوم الدين، والسعي في نشرها بين الناس، ليعرفوا كلمات أهل البيت(عليهم السلام)النورانيّة، لتكون سبباً في هداية الناس إلى سلوك الصراط المستقيم.
فقمت بتشكيل مكتبة مناسبة في بيتي تضمّ الكتب القيّمة، والكراسات الدينيّة وسعيت في إضافة المصادر المعتبرة للاستفادة منها عند الحاجة.
وقد افادتني هذه الكتب في المناقشات التي أجريتها مع زملائي من أهل السنّة، بل وحتّى من السلفيّة والوهابيّة، وقد سعيت أن تكون هذه المناقشات، مناقشات هادفة، تبتغي الوصول إلى الحقّ دون اللف والدوران، والمماراة والمجادلة العقيمة.
فكانت والحمد لله - باعتراف الآخرين - بيانات مستندة إلى الأدلّة، وردود لشبهات طالما أُتّهم بها التشيّع.
كما شاركت في فعاليّات الحسينيّة التي أقيمت في «كلار»، فكنت - والحمد لله - نشطاً في إقامة مراسيم عزاء الإمام الحسين(عليه السلام)، وردّ الشبهات عنها، والدفاع عن حريمها.
كما شاركت في معظّم الأعمال الخيريّة التي تقوم بها الحسينيّة، بالإضافة إلى توزيع الكتب الدينيّة الهادفة، والنشرات الإسلاميّة الجذّابة، وإعارة الكتب الموجودة في مكتبة الحسينيّة للاستفادة منها قدر الإمكان.
عزاء الإمام الحسين(عليه السلام) شعلة مضيئة في ظلام كردستان:
كان لإقامة مراسيم عزاء الإمام الحسين(عليه السلام) - بعد تحرّر العراق من سلطات البعث الجائرة في التسعينات من القرن الماضي - آثار عميقة في المجتمع الكردي في شمال العراق.
فقد انجذب الإخوة الأكراد بشكل عجيب للعزاء الحسيني، وكانت دموعهم تنهمر عند سماع مصيبته، وآهاتهم تتصاعد عندما تذكر سيرته، ومواقفة الأبية اتّجاه الظالمين الذين لم يرحموا صغيراً ولا كبيراً، ولم يراعوا حريم قرابة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من النساء والشيوخ والمرضى، فضلاً عن احترام ساداتهم وكبرائهم خصوصاً الإمام الحسين(عليه السلام) سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وريحانته، وإمام المسلمين، الرافض لبيعة الظالمين الذين أرادوا هدم الإسلام، وأذاقوا المسلمين الويلات والصدمات.
إنّ قضيّة الإمام الحسين(عليه السلام) هي مصباح الهدى وسفينة النجاة(1)لكلّ الناس تنير لهم الطريق وتبيّن لهم معالمه، كما أنّ حرارة هذه القضيّة تبثّ الدف في المشاعر، في منطقة ساد فيها الجفاف الروحي للظلم المتواصل الذي أدّى إلى ابتعاد الناس عن واقع المحبّة الدينيّة التي يريدها لهم الإسلام.
1) مدينة المعاجز ٤: ٥١، الحديث ١٠٨٠.
مرّت ترجمته في ٢: ٤٤١ من هذه الموسوعة، ونشير في هذا المقام إلى معلومات لم تذكر في ترجمته.
يعتبر الدكتور «صائب عبد الحميد» أنّ التاريخ الإسلامي زاخر بعلامات الاستفهام، وأنّ الماضي يحمل الكثير من الحقائق التي اندرست تحت أعباء الأقلام المأجورة التي حاولت على مرّ العصور كتمان الحقيقة مهما كان الثمن، وحوّلت الصحيح إلى السقيم، وشوّهت الأحداث من أجل مصالحها ومآربها الشخصيّة.
ويبقى الطريق الوحيد للخروج من أسر التبعيّة العمياء هو البحث في التاريخ، وكشف الحقائق التي طال ما حاول أصحاب الميول الدنيويّة طمسها، وبناء تراث يحول دون الوصول إلى الحقيقة.
ومن هذا المنطلق قام الدكتور «صائب عبد الحميد» بالبحث والتحقيق في التاريخ، واستطاع الوصول إلى ساحل الحقيقة، متجاوزاً كلّ الموانع التي تحول الباحث عن الوصول إلى الحقيقة، ومخلّفاً تراثاً ورثه من آبائه وأسلافه بدا له زيفه وبطلانه.
ولم يكتفي الدكتور «صائب عبد الحميد» بعد إلمامه بالحقائق أن يحتكرها لنفسه، فبادر بنشرها وبيان العقبات التي تحول عن الوصول إلى الحقيقة، فقام بدوره هذا من خلال تأليف الكتب، فقد صدر له العديد من المؤلّفات، يحاول من خلالها تبيين الحقائق لمن يهمّه ذلك.
مؤلّفاته:
يتطرّق الباحث إلى بيان المشكلة المهمّة التي تعتبر أساس الاختلاف بين الفرق الإسلاميّة، حيث تركت أثرها البالغ حتّى يومنا هذا، وهي مسألة الخلافة للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحاول الدكتور «صائب عبد الحميد» إماطة اللثام عن حقيقة الأمر فيقول:
«لا تزال مشكلة (أساس نظام الحكم في الإسلام) تُعدّ من اُمّهات المشاكل التي لم يُحسم فيها القول بين المسلمين بعد...
إنّها واحدة من المشاكل الكبرى التي تعرّضت دائماً لإشكالات الرُؤى المذهبيّة، شأنها شأن أخواتها من المشكلات التاريخيّة والعقيديّة.
ليس النزاع في أصل النظام، فإنّ أحداً لا يستطيع أن يتصوّر أُمّة تحيا بلا نظام، ونظاماً يسود بلا قيادة...
وقديماً تحدّث الفقهاء وفلاسفة السياسة المدنيّة عن هذا الأصل:
فأحمد بن حنبل يُعرّف الفتنة بأنّها حال الأُمّة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس.
وتحدّث المسعودي عن حاجة الدين إلى الملك، وحاجة الملك إلى الدين، ورأى أنّه لا غنى لأحدهما عن الآخر...
ورأى ابن حزم أنّ ذلك معلوم بضرورة العقل وبديهته، وأنّ قيام الدين ممتنع
غير ممكن إلاّ بالإسناد إلى واحد يكون على رأس هذا النظام.
وعبّر ابن خلدون عن هذا النظام بأنّه قوانين سياسيّة مفروضة يسلّمها الكافة، وينقادون إلى أحكامها، فإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتبّ أمرها ولم يتمّ استيلاؤها سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ(1).
وقبل هذا كلّه قد تعامل المسلمون مع هذا الاصل كضرورة واقعيّة إثر وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا النزاع الدائر فهو في أساس ذلك النظام... في الأُسلوب الذي يقود رأس النظام إلى موقع الرئاسة...
لقد حاول البعض على امتداد تاريخنا السياسي التركيز على نظريّة الشورى أصلاً في النظام، مستنداً على أمثلة تاريخيّة معدودة، صاغ منها اُنموذجاً الشورى في الإسلام.
وتناولت ذلك كتب العقائد والأحكام السلطانيّة ثمّ تقدّمت به خطوة أُخرى إلى أمام لتنتزع لهذه النظريّة أصالتها من مصادر التشريع الإسلامي ; القرآن والسنّة... لتكتسب نظريّة الشورى، بعد ذلك أصالة دينيّة متقدمّة على شهودها التاريخي، بل ومبرّرة له.
وكلّ ذلك يدور حول الخلافة الاُولى للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)... فشكّل الاتّجاهان - دراسات التاريخ السياسي، والدراسات العقيديّة - وحدة موضوعيّة كافحت على امتداد هذا الزمن الطويل من أجل تدعيم تلك النظريّة وتأصيلها...
لكن هل استطاعت هذه المسيرة المتوحّدة أن تُقدّم الكلمة الأخيرة في الموضوع، وتضع الحلّ الحاسم للأسئلة التي تثار حوله؟
هل استطاعت أن تثبت أصالة الشورى طريقاً إلى خلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
هل استطاعت أن تثبت - ما هو أوسع من ذلك - أصالة الشورى في حل
1) الأحزاب (٣٣) : ٣٨.
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمَن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه(1).
استمرّ هذا المنع من الحديث زمن عمر كلّه، ولم يقتصر حكمه على أبي هريرة وكعب الأحبار اللذين اتّهمهما في الحديث، وتوعّدهما بالطرد إلى ديارهما الأولى إن هما لم يكفّا عن الحديث.
بل سرى إلى رجال من كبار الصحابة، منهم: عبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو مسعود الأنصاري، فقال لهم: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله! فحبسهم في المدينة(2).
وسرى أيضاً إلى أُمرائه، فقد كان يأخذ عليهم العهد باجتناب الرواية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وربّما بالغ في هذا فمشى مع عمّاله بعض الطريق يودّعهم، ثمّ يذكر لهم أنّه إنّما خرج معهم لأجل هذه الوصيّة: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول الله، وأنا شريككم! فلمّا قدم بعضهم العراق، قالوا له: حدّثنا. قال: نهانا عمر(3). حتّى توفّي عمر على هذه السيرة سنة٢٤هـ .
وفي عهد عثمان: خطب الناس، فقال: لا يحلّ لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر، فإنّه لم يمنعني أن أحدّث عن رسول الله أن لا أكون من أوعى أصحابه، إلاّ أنّي سمعته يقول: مَن قال عليَّ ما لم أقل فقد تبوّأ مقعده من النار(4).
لكن عثمان لم يتّبع شدّة عمر وسيرته في هذا الأمر، فأطلق الصحابة الذين حبسهم عمر في المدينة...
نعرف من ذلك أنّ قرار المنع لم يكن إجماعاً، وإنّما كان رأياً يراه الخليفة فيحمل الصحابة عليه، ثمّ لم يكن جميعهم ممَّن استجاب لهذا الأمر وتقيّد به، فكان تمرّدهم هذا سبباً في حفظ الكثير من السنن التي قد يطالها النسيان حين تأتي عليها السنون وهي في طيّ الكتمان.
حديث المنع والنبوءة الصادقة:
وآخر المشكلات، وربّما أخطرها دلالة، أنّنا نجد في هذا النصّ المنقول عن أبي بكر، أول ظهور لتلك النبوءة الصادقة التي أخبر النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) في تحذيره الخطير وقوله الشهير: «يوشك الرجل متّكئاً على أريكته، يحدّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عزّ وجلّ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه! ألا وإنّ ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله»(1).
انظر ثانية في نصّ حديث أبي بكر: فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه! إنّه ظهور مبكّر جدّاً لتلك النبوءة، ولقد كان حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يشعر بقرب ظهورها، إذ استهلّ الحديث بقوله: (يوشك) ولم يقل: (يأتي على الناس زمان) كما في إخباره عن الغيب البعيد...»(2).
يتطرّق الكاتب إلى بيان مسألة مشروعيّة زيارة قبور الأئمّة الطاهرين(عليه السلام)،
ويؤكّد على حثّ الشريعة على التمسّك بهذا المنهاج.
يقول الدكتور «صائب عبد الحميد»:
«.. ولمّا كان للشريعة مسارها، فهي كلمّا شرّعت فعلاً، أو أقرّته، رسمت له حدوداً، ووضعت له آداباً، بها فقط ينضبط هذا الفعل في مسارها، وسيخرج عن هذا المسار بقدر خروجه عن تلك الحدود والآداب... كما ستنتزع من الفعل شرعيّته إذ ما استبطن غايات أخرى خارجة عن أهداف الشريعة ومقاصدها. وقليل من الناس هم الذين يستحضرون غايات العبادات وأهدافها الكبرى التي تتجاوز حدود الطاعة المتمثّلة بالأداء الصحيح لها الملتزم بأحكامها وآدابها، فكم من بين مئات الألوف من الحجيج الذين يؤدّون كلّ عام فريضة الحجّ، يستحضر وهو يؤدّي مناسكه ما في كلّ واحدة من هذه المناسك من دروس تربويّة وأهداف دينيّة واجتماعيّة كبيرة؟
بل كم من هؤلاء من ينظر إلى الوراء، إذا غاب عنه النظر إلى الأمام، ليستحضر المواقف التاريخيّة الكبيرة التي امتزجت بهذه المناسك منذ تشريعها؟
والظاهرة ذاتها قريبة جدّاً في شأن زيارة القبور، قبور الأنبياء والأئمّة الأطهار وكبار الصالحين كانت، أم عموم المقابر، فالزيارة وإن كانت بذاتها ذات أثر شرعي، وأنّ قصدها لوحدها لا يحبط العمل، بل لا يحرم صاحبه الأجر والثواب، فإنّ الصحيح أنّ الشريعة لم تشرّع الزيارة لذاتها، بل لعوائد كثيرة تعود على الميّت، كما تعود على الحي، وأنّ من يفقه هذا لهو أفضل بكثير من الطراز الأول، مع فرض تساويهما في صدق النيّة وحسن الالتزام بأحكام الشريعة وآدابها.
فكم هو شاسع الفرق بين أن يقف المرء عند قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بسكون وهيبة وخشوع، يصلّي ويسلّم عليه وعلى آله بأكمل الصلوات والتحيّات، ويرتّل
المشروع من الدعاء، عارفاً بمقام النبيّ الكريم، مستحضراً عظمته وعظمة ما أدّاه من أثر في إحياء بني الإنسان، مجدّداً معه عهد الاقتداء بسلوكه العظيم.. وبين أن تغيب عنه كلّ هذه المعاني الجليلة.
فلابدّ إذن من فقه بالعبادات، فقه بأحكام الشريعة كلّها، الفقه الكافي في المحافظة على صورتها، كأقرب ما تكون إلى الكمال.. ولابدّ إلى جانب هذا الفقه من وعي بأبعاد هذه الأحكام وأهدافها ومقاصدها العامّة التي لأجلها بالدرجة الأولى شرّعت، أو التي ستنعكس عنها. ومن بين هذه الأهداف المقصودة من وراء الزيارة تركيز ضرورة الاقتداء بهؤلاء العظماء، وتجديد العهد معهم، وتعضيد المعرفة بحقوقهم، ولا شك في أنّ هذا الهدف مقصود لوحده في الشريعة، وقد أمرت به وحثّت عليه، وجعلت له أبواباً ومداخل كثيرة، وهذه واحدة من تلك الأبواب والمداخل، بل لعلّها من أهمّها، لما تزرعه في الزائر من شعور بالقرب الأكيد من النبيّ أو الإمام المزور.
والأُمّة إنّما تحيا بأسباب، ومن أهمّ أسباب حياتها هو تمجيدها عظمائها، وإحيائها ذكرهم، الأمر الذي سيجعلهم أحياء فيها على الدوام، وإن بعدت بهم القرون.
وبهذا الفقه والوعي يندفع الضجيج الذي يثيره البعض حول مشروعيّة الزيارة بحجّة ما يصدر من كثير من الزائرين من أخطاء تمتزج بأعمالهم في الزيارة، فإذا كانت هذه الأخطاء يجب تجنّبها، وهو كذلك، فإنّها أيضاً لا تكون بحال من الأحوال ذريعة إلى تحريم عمل مشروع، كلّلته الشريعة بأغراض سامية، ووعدت أصحابه بجزيل الثواب إذا ما حفظوا حدوده وآدابه..
وما يقال في الزيارة يقال في التوسّل والاستشفاع. ومن هنا تأتي أهميّة الكتابة في موضوع كهذا.
فهو موضوع تتعدّد فهي أطراف الحوار والجدل، بين الفعل ومشروعيّته، وبين فضائله وأهدافه وعوائده، وبين حدود وآداب عرّفتها الشريعة ينبغي تجديد الإرشاد إليها والتذكير بها، وبين شبهات علقت بأذهان البعض، لسبب أو لآخر، فحاولوا قطع السبيل إلى عمل مشروع، وتشويه صورته، عن خطأ في الفهم أحياناً، وعن تقليد وإصرار واتّباع للهوى أحياناً أخرى(1).
يتطرّق الكاتب إلى بيان زيف معتقدات محمّد بن عبد الوهّاب، وكيفيّة نشوء هذه الأباطيل، وانخداع العوام بهذه الأفكار المسمومة.
يقول الدكتور «صائب عبد الحميد»:
«تنسب الفرقة الوهّابيّة إلى محمّد بن عبد الوهّاب بن سليمان النجدي، المولود سنة ١١١١، والمتوفّى سنة ١٢٠٦هـ .
وكان هذا قد أخذ شيئاً من العلوم الدينيّة، كما كان مولعاً بمطالعة أخبار مدّعيّ النبوّة كمسيلمة الكذّاب وسجاح والأسود العنسي وطليحة الأسدي، فظهر منه أيّام دراسته زيغ وانحراف كبير، ممّا دعا والده وسائر مشايخه إلى تحذير الناس منه، فقالوا فيه: سيضلّ هذا، ويضلّ الله به من أبعده وأشقاه!
وفي سنة ١١٤٣هـ أظهر محمّد بن عبد الوهّاب الدعوة إلى مذهبه الجديد، ولكن وقف بوجهه والده ومشايخه، فأبطلوا أقواله، فلم تلق رواجاً حتّى توفّي والده سنة ١١٥٣هـ فجدّد دعوته بين البسطاء والعوام، فتابعه حثالة من الناس، فثار عليه أهل بلده وهمّوا بقتله، ففرّ إلى (العيينة) وهناك تقرّب إلى أمير العيينة، وتزوّج أخت الأمير، ومكث عنده يدعو إلى نفسه وإلى بدعته، فضاق أهل العيينة منه ذرعاً فطردوه من بلدتهم، فخرج إلى (الدرعية) شرقي نجد، وهذه البلاد كانت من قبل
1) الزيارة والتوسل: ١٠.
بلاد مسيلمة الكذّاب التي انطلقت منها أحزاب الردّة. فراجت أفكار محمّد بن عبد الوهّاب في هذه البلاد واتّبعه أميرها محمّد بن سعود، وعامّة أهلها.
وكان في ذلك كلّه يتصرّف وكأنّه صاحب الاجتهاد المطلق، فهو لا يعبأ بقول أحد من أئمّة الاجتهاد لا من السلف ولا من المعاصرين له، هذا ولم يكن هو على الحقيقة ممّن يمت إلى الاجتهاد بصلة!!
هكذا وصفه أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهّاب، وهو أعرف الناس به، وقد ألّف كتاباً في إبطال دعوة أخيه وإثبات زيفها، وممّا جاء فيه عبارة موجزة وجامعة في التعريف بالوهّابيّة وموسّسها، قال فيها:
«اليوم ابتلى الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنّة ويستنبط من علومهما ولا يبالي من خالفه، ومن خالفه فهو عنده كافر، هذا وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال أهل الاجتهاد، ولا والله ولا عشر واحدة، ومع هذا راج كلامه على كثير من الجهّال، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون»(1)(2).
بيّن الأستاذ «صائب عبد الحميد» المنعطف الخطير الذي واجهته الأُمّة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث انحرف الكثير من المسلمين آنذك جرّاء الأحداث المظلمة التي ابتلت الأُمّة الإسلاميّة بها، ويدلي الأستاذ أنّ التعرّف على الحقائق التاريخيّة هو المنهج الذي لابدّ من اتّباعه في معرفة الحقّ، يقول الأستاذ:
إنّ صلتنا بتاريخنا الإسلامي أبعد من مجرّد التعرّف على أحداث الزمن الماضي، وأبعد أيضاً من اقتناص التجارب وإضافتها إلى المخزون الثقافي.. ذلك أنّ تاريخنا الإسلامي - بحكم أصالته، وبفعل العوامل الخاصّة التي ساهمت في
تكوينه - قد أصبح شريكاً للقرآن والسنّة في تكوين الرؤى والمواقف، وصياغة الكثير من المعتقدات والمعارف، وهو لدى السواد الأعظم من الناس، ممّن ليس لديهم صلة واعية بالقرآن الكريم والسنّة المطهّرة وفقههما، أكثر ثقلاً وأعظم أثراً..
من هنا أصبح الوعي التاريخي جزءاً لا يتجزّأ من الوعي العقيدي..
وأصبح تصحيح المخزون التاريخي شرطاً أساساً في تصحيح الاعتقاد.
إنّنا بلا شكّ أُمّة ذات تاريخ عريق جدير أن تفخر به وتعتزّ ; فلم تكن نقلة التوحيد الكبرى التي أحدثها الإسلام فغيّر بها صورة الحياة على الأرض بالأمر اليسير أو الهيّن.. ولا كانت رسالة القرآن الشاملة الخالدة بالأمر الذي يُطوى أو يقلّل من أهمّيته شيء على الإطلاق.. ولا كان المدّ الحضاري الذي صنعه المسلمون طوال ثلاثة عشر قرناً ملكوا فيها بالشيء الذي يغيب أثره.. إنّه جدير بنا أن نفخر بذلك كلّه، وأن نربّي أجيالنا على الفخر به، فنبرّز دوماً دواعي الفخر ونحفّها بالإطراء والتبجيل والتقديس..
لكنّنا في الوقت ذاته بحاجة أكيدة إلى الاعتراف بوقوع الخطأ والانحراف في المسار التاريخي، ثمّ تشخيص ذلك وتحديده وتتبّع أُصوله وجذوره لملاحظة مدى الأثر الذي تركه في الأُمّة فكريّاً واجتماعيّاً، ذلك لما احتلّه التاريخ الإسلامي من دور معرفي خطير.. «فمّما لا شكّ فيه أنّه قد وقعت انحرافات كثيرة في المجال السياسي عن الخطّ الإسلامي الأصيل، وأنّ هذه الانحرافات قد وقعت في وقت مبكّر من تاريخ الإسلام لم يكن ينبغي أن تقع فيه.
إذن فالذي ننظر إليه نظرة التبجيل والتقديس ونكرّس في إظهاره والدفاع عنه كلّ الطاقات والإمكانات ليس هو الواقع التاريخي الناجز بكلّ ما يحويه من حلو ومرّ، بل هو الأطروحة والموقف والإنجاز الذي يتحرّك مع أهداف الشريعة ومقاصدها بغضّ النظر عن مصدره ; أهو السلطان والنظام السياسي القائم، أم
الخطوط الإسلاميّة المعارضة للسلطان ونظامه..
فليس من الموضوعيّة في شيء أن نجعل الواقع التاريخي الناجز هو المقوّم للحقيقة وللتاريخ نفسه، بل الشريعة بنصوصها ومعالمها ومفاهيمها ومقاصدها هي المرجع في تقويم ذلك كلّه.
لابدّ أن نتنبّه وننبّه دوماً إلى الفصل بين سيادة الإسلام وانتشاره كقيمة حضاريّة وإنسانيّة وبين الدولة السلطانيّة التي قد تلتقي معه فتكون جزءاً منه حيّاً فعّالاً دافعاً لحركته باتّجاهها الصحيح، وقد تفترق عنه فتكون أهمّ ما يعيق حركته من الداخل! «ألا إنّ رحا الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إنّ الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنّه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم فإذا عصيتموهم قتلوكم وإذا أطعتموهم أضلّوكم»! فالمسيرة مع الكتاب، التي قد يفارقها السلطان، هي التي تمثّل تاريخ الإسلام الحقّ الذي ينبغي أن نبرزه ونقدّمه للأجيال منار هدى وراية فخر.. هذه الرؤية تشكّل المقدّمة الأولى لقراءة واعية في التاريخ يكون النقد الموضوعي البنّاء أهمّ لوازمها..
يقول الأستاذ «صائب عبد الحميد» في مقدّمة الكتاب حول دوافع تأليف هذا الكتاب:
ليست قليلة الكتابات والبحوث التي كُتبت في تاريخ الفرق والمذاهب الإسلاميّة، منذ أوائل القرن الرابع، حيث ظهرت أول التصانيف في هذا الموضوع، وحتّى يومنا هذا. غير أنّ القليل منها بل النادر هو الذي احتوى جهداً تحقيقيّاً جادّاً، يُخضع للتحقيق العلمي حتّى القضايا المشهورة والتي أخذت طريقها إلى سائر ما كُتب في هذا الباب وكأنّها ثوابت تاريخيّة لا نقاش فيها. إذ درجت سائر
الكتابات على اعتماد أقوال الكثير من المتقدّمين، من مؤرّخين ومتكلّمين على أنّها الحقائق النهائيّة في موضوع البحث، بحجّة قول المؤرّخ أو المتكلّم الموثّق في قضايا اُخرى دخلت في إطار تخصّصه. لكن كم من أمر مشهور وقضيّة استمرّ التعامل معها على أنّها مسلّمة قد أثبت التحقيق في أصلها وعرضها على الأسئلة الجادّة أنّها قضية لا أصل لها، وأنّ الحقيقة في الأمر شيء آخر لم يأخذ نصيبه من الشهرة ولا حظّه في التداول؟
وفي تاريخ نشأة المذاهب العقيديّة الإسلاميّة تواجهنا هذه الحقيقة في مواضع متعدّدة، وجدير بنا أن نتوقّع ذلك منذ الوهلة الأولى، فالتاريخ تاريخ مذاهب وفرق عاشت في ما بينها فترات طويلة، وربّما متّصلة من النزاعات والخلافات التي تبلغ ذروتها أحياناً في حروب طاحنة، وتقف أحياناً أخرى عند مستوى التكفير والتفسيق والقذف بشتّى ألوان التهم والطعون. ومن ناحية اُخرى فإنّ الكتّاب الذين كتبوا في تواريخها هم كتّاب ينتمون سلفاً إلى إحداها، ويتعصّبون لها، ويذبُّون عنها، ويصوّبون مقولاتها، ويقفون موقفاً سلبيّاً إزاء سائر الفرق الأخرى التي تختلف معها في مقولاتها، أو في تاريخها السياسي، أو في الاثنين معاً. فكيف لا نتوقّع غياب الروح الموضوعيّة والإنصاف في أحوال كهذه؟
إنّ السبيل الوحيد للخروج من هذه الإشكاليّة هو اعتماد التجرّد والموضوعيّة والحياد في قراءة التاريخ، لوضع كلّ شيء في محلّه، وإعطاء كلّ نصيبه، ووضع كلّ قضيّة في إطارها الموضوعي الصحيح، دون مزايدة أو تنقيص.
إنّ السجال والصراع العقائديّين اللذين اتّسما بالعنف والخشونة غالباً في القرن الأوّل والثاني من الهجرة قد أفرزا الشيء الكثير ممّا ينبغي إعادة النظر فيه بروح موضوعيّة متجرّدة من دواعي ذلك النزاع، لاسيّما مع ما ينبغي أن يكون تأثّره بتلك الأجزاء شديد الوضوح إلى حدّ لا ينبغي التغافل عنه، بل لا يتمّ التغافل
عنه إلاّ مع الخضوع لأدوات النزاع السالفة نفسها والتحزّب لها.
ففي تلك المرحلة أفرزت هذه النزاعات العديد من الأحاديث الموضوعة لرمي طائفة من الناس بسمة ما، تنفّر الآخرين منها، وتقصيها عن دائرة الإسلام والتوحيد. ولئن وضع الكثير من المحققين القدماء والمحدّثين الأصابع على طائفة من هذه الأحاديث، إلاّ أنّها ما زالت هي الأكثر رواجاً في تصنيف عدد غير قليل من الطوائف الإسلاميّة، الأمر الذي يستدعي المزيد من التحقيق في إرجاع كلّ شيء إلى أصله.
ولعلّ من أكثر القضايا وضوحاً ما نشهده من تسميات منفّرة للعديد من الفرق، نقطع منذ اللحظة الأولى أنّها تسميات أطلقت من الخارج، ولم تكن منتخبة من أصحابها على الإطلاق.
فلا نستطيع أن نقبل أنّ طائفة تنتسب إلى الإسلام تطلق على نفسها اسم «الشيطانيّة» مثلاً، بل حتّى تسميات مثل: «المجسّمة» و«المعطّلة» و«الرافضة» و«الخشبيّة» هي تسميات لا يمكن أن تكون مختارة، بل لا يمكن إلاّ أن تكون من وضع فئة قويّة لها كلمة نافذة، استطاعت تعميم هذه التسميات لتكون مفروضة على أصحابها. بل لنا أن نتوقّع أنّه لو ترك الأمر لفرقة «المعتزلة» لما أختاروا لأنفسهم هذه التسمية وهم يعتقدون - كسائر الفرق - أنّهم على الحقّ، دون سواهم، أو أنّهم على ا لأقل أقرب إلى الحقّ من سواهم، فإذا علمنا من ناحية أخرى أنّ المؤرّخين يضعون ستّة أسباب لنشأة «المعتزلة» وحدها، علمنا كم دخلت في هذا الموضوع من آراء واتّجاهات جديرة بالبحث والتحقيق.
وهذه الدراسة التي نقدّمها في هذا الكتاب، بتقسيم جديد، بعد أن كانت قد توزّعت على مباحث في كتابنا «تاريخ الإسلام السياسي والثقافي - مسار الإسلام بعد الرسول ونشأة المذاهب»، تأخذ على عاتقها هذه المهّمة، على أمل أن
تكون قد قدّمت للقاريء أقرب الصور إلى الحقيقة في موضوع نشأة المذاهب والفرق وفي معالمها الأساسيّة.
وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكلت وإليه أُنيب
بيّن الأستاذ «صائب عبد الحميد» في مقدّمة الكتاب أن دراسة الأديان والتعرف علمياً هو الدافع لتأليف هذا الكتاب:
يحتلّ علم مقارنة الأديان أهمّية كبيرة في بُعديه التاريخي والعقائدي، إذ يندرج في إطار العلمين ; علم التاريخ، وعلم الكلام (العقائد)، وعلى الصعيدين يحظى بأهمّيته الخاصّة. فإذا كان اندراجه في علوم الكلام واضحاً، كون الأديان تتألف أساساً من جملة من العقائد التي تدور حولها المباحث المعروفة بعلم الكلام، فإنّ البُعد التاريخي فيه سيبقى أساسيّاً هو الآخر ; لما تحتلّه المعرفة بتاريخ كلّ دين من الأديان من أهميّة كبيرة في معرفة الدين نفسه، بدونها لا تتجاوز المعرفة بالدين نفسه حدود المعارف الساذجة التي تحصل بالتلقين والمتابعة والتقليد، ولا تسمّى معارف إلاّ تجوّزاً، وإن دخلت تحت عنوان ثقافة الشعوب والأُمم، والتاريخ وحده هو الذي يمنح هذه الثقافة، أو التعاليم المتلقّاة، عمقاً وقيمة تستحقّ بهما أن تدخل في دائرة المعارف.
والأديان السماويّة الثلاثة: اليهودية والمسيحيّة، والإسلام، بحسب ترتيبها التاريخي، هي الأديان الكبرى التي تعزّزت بكتب سماويّة شملت كلّ ما تستوعبه هذه الأديان من عقائد وشرائع وأخلاق، إضافة إلى هذا فهي الأديان التي يدين بها أكثر من ثلاثة أرباع البشر، عبر قرون عديدة، مع ملاحظة القلّة النسبيّة لأتباع الديانة اليهوديّة قياساً بأتباع الديانتين الأخريين ; المسيحيّة والإسلام.
وقد بقيت الكتب السماويّة الثلاثة لهذه الديانات الثلاثة: التوراة، والانجيل،
والقرآن، على الترتيب التاريخي نفسه، كتباً مقدّسة لا يرقى إلى قداستها شيء عند أتباعها، فهي دستور الديانة الكامل، ورمزها الأوّل، ومحور تكوّنها الأساس. وعلى مدى القرون حظي كلّ واحد من هذه الكتب الثلاثة باهتمام بالغ، بالدرجة الأولى من أتباعه المتديّنين برسالته، تفسيراً وشرحاً وتحليلاً وترجمة، حتّى أصبحت مكتبة القرآن الكريم وحده، نموذجاً، تضمّ عشرات الآلاف من المجلّدات في مجالات الدراسات القرآنيّة المتعدّدة، إلى جانب هذا فإنّ دراسات اُخرى نقديّة ومقارنة قد عُنيت بهذه الكتب الكبرى، لاسيّما في القرن الأخير المنصرم، حيث اشتدّ الاحتكاك بين أصحاب الأديان مع رسوخ القناعة بثبات هذه الأديان وعمق تأثيرها في نفوس أتباعها، ثمّ ساعد على ذلك تطوّر مناهج البحث، فتجاوزت الدراسات النقديّة والمقارنة الحديثة مجموع المواقف المجزّءة والمفرّقة، التي تناثرت في كتب الكثير من المتقدّمين، لتنحى منحاً شموليّاً في القراءة والنقد، وإن جانب كثير منها الموضوعيّة تحت ضغط الميول الشخصيّة والدوافع المسبقة التي تحول دون الحياديّة الإيجابيّة، ودون الروح العلميّة في القراءة والنقد.
وكتابنا الصغير هذا ليس هو جهد جديد في مشروع دراسة مقارنة للكتب السماويّة الثلاثة، بل هو حصيلة لبعض من تلك الدراسات المقارنة التي توفّرت على شروط الموضوعيّة، وتناولها مختصّون توفّروا على إحاطة حقيقية بها، تاريخاً وعقائداً، فقدّموا مواد تميّزت بالجدّة والعمق والدقّة في سائر مباحثها.
ونظراً لأهميّة هذا الموضوع، والحاجة الجادّة لنشر ثقافة هذا النوع من الدراسات المقارنة بين الناس، ولتنوّع هذه المصادر في مباحثها، واتجاهات أصحابها، اخترنا أن نضع بين يدي القاري خلاصة الخلاصة ممّا توصّل إليه هؤلاء الباحثون، بعد إعادة تنظيم وتنسيق المباحث لكي تنتظم في كتاب صغير كهذا، تضمّن ثلاثة فصول، اختصّ كلٌّ منها بواحد من الكتب الثلاثة، واستوعب الأخير
منها بعض أوجه المقارنة، إضافة إلى ما شكّلته مباحثه من مادّة مقارنة وافية.
وقد اعتمدنا في الفصل الأول دراسة الشيخ محمّد جواد البلاغي والتي أعدّها بأُسلوب حواري في كتابه المفصّل «الرحلة المدرسيّة»، وفي الفصل الثاني، مع الانجيل، اعتمدنا دراستين، إحداهما، وهي الأوسع، دراسة محقق وباحث وعالم بالأديان، مسيحيّ الديانة، هو الدكتور موريس بوكاي، في كتابه القيّم «القرآن والتوراة والانجيل والعلم - دراسة في الكتب المقدّسة في ضوء المعارف الحديثة». والثاني لباحثة من أصل مسيحي قرأت الأناجيل، وقرأت القرآن فانتقلت إلى الإسلام وكتبت حصيلة ملاحظاتها في كتاب بعنوان «نظرة عن قرب في المسيحيّة». وفي الفصل الثالث احتجنا إلى كتابة المبحث الأول لعدم استيفائه جيّداً في هذه المصادر الثلاثة، ثمّ عدنا إلى موريس بوكاي بالدرجة الأولى في المبحث الثاني وبعض الثالث.
راجين أن نكون قد وفّقنا في هذا العمل، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
يتصدى الاُستاذ «صائب عبد الحميد» إلى بيان بطلان عقائد ابن تيميّة، إذ يقول في تعريف كتابه هذا:
إنّك لتعشق الحقّ مثلما تعشق الجمال..
وإنّه ليؤلمك أن ترى الحقّ مذ كان قديماً ولم يزل صعب المنال..
إنّ الأحرار يئنّون معك وهم يرون هذا جارياً حواليهم في شتّى الأحداث والأشياء..
لقد عزّ عليك قديماً أن ترى حقل أُقحوان لم تنبثّ فيه إبرُ الشوك اليابسة والخضراء..
ويحزّ في قلبك أنّ هذا المعنى الأليم هو من أوّل ما يدركُهُ أخوك الإنسان!
وكذا هي حالك مع الكاتبين..
فكم تشوّقت لأن يأخذوك إلى بطون الحقيقة، فتقضي مع بعضهم الشوط الطويل وهو يُدحرج بين يديك كرةً سوداء صمّاء على مسار ملتو، وأنت تتبعها لا تدري إلى أين، ولا متى سيشقّ لك عن تلك القشرة الصمّاء فيُريك ما تُخفيه!
وتمضي جاهداً تنتظر نهاية المطاف فلا تشعر إلاّ وقد ارتطمت تلك الكرة السوداء بجدار صلب سميك، فارتطمت أنت معها، أو رجعت القهقرى مُنهك القوى متعب الأعصاب، تتقطّر وجنتاك بالسخط واليأس والقنوط!
سطحيّون ما زلنا نتلهّى بالقُشور!
فكم تمنّيتُ مثلك أن أجني ثمار وقت ثمين أنفقتّه مع هذا وذاك فيذهب سدىً على دوائر مفرغة وحافّات ضياع، فأعود أرقاً متعب العينين، فأُعزّي نفسي بأمواج تُدافع السواحل مذ خلق الله أرضنا، وهذا ديدنُها حتّى تُبدلّ الأرض غير الأرض، لا تكلّ ولا تملّ! ثمّ اُحلّق بخيالي إلى عظماء بنو لبني الإنسان مجداً وحضارةً وتراثاً لا ينضبّ معينُهُ، فيتّسع الأملُ في عيني من جديد.
قرأتُ التاريخ فوجدتُه منكوساً على رأسه في أكثر فصوله، ولسبب بسيط، هو أنّ ما كُتب إنّما كُتب تحت رايات السلطان على مرّ الزمان، فما أزعج منه السلطان ضاع واندرس فلا تجد له أثراً إلاّ في فهارس المؤلّفات، وإن نجا منه شيء تصدّى له الأقوياء بالسلطان على الدوام بسهام الطعن والتكذيب، فمن هنا تفجّرت بين جنبيّ عزمةُ ثائر على أن أُساهم في إخراج الصورة الحقّة لأوّل أُسٍّ في هذا البناء التاريخيّ الشامخ، ذاك أملٌ سأفرغ له بإذن الله..
أمّا هنا في هذا الكتاب فقد قرأتُ رجلاً في عقيدة، وعقيدةً في رجل.. هو ابن تيميّة.
قرأت شيئاً ممّا كتبوه فيه وفي عقيدته فلم أجد غير تلك الكرة السوداء يدحرجونها أمامي هنا وهناك.. فألقيتُها جانباً وتناولت ما بلغته يدي ممّا كتبه
الرجل عن نفسه وعن عقيدته، فوقفتُ على البون الشاسع والزيف المريع.
سطحيّون أو بسطاء غلبتهم سلامة الصدور فدهش ناظرهم للمنطاد المنفوخ الطائر، يحسبُ سرّاً عجيباً في جوفه رفعه إلى قُبّة السماء.. لكنّه هواء!!
هكذا تعاملوا مع الرجل.. طفقوا يكتبون عنه، وله، وفيه، فوضعوا أكفّهم على فيه، فألجموه ونطقوا، بأيّ شيء نطقوا؟ بتلك الكرة الحائرة!
ارفعوا أيديكم عن فيه.. دعوه ينطق، دعوه يُفصح عمّا يريد، دعوه يكشف عن لباب قلبه، دعوه، يقل ما يريد كما يريد لا كما تريدون.
فحملتُ على تلك الأكفّ فكففتّها عن فيه، فنطق بلسانه لا بألسنتهم.. ورفعتُ الأغلال عن يديه فرسم جوهر عقيدته بريشته هو، لا بريشة عشاقه، ولا بريشة حسّاده.
ولكن ما أصعب الحديث في بطون الحقيقة، وما أقسى ردود الفعل التي سيحدثها.. وعجباً له كيف سيشقّ طريقه بعكس اتّجاه ذاك التيّار الهادر، ومن سيرتضيه إلاّ المتعطّش للُّبِّ!
لقد دعونا ابن تيميّة، فعرّفناه لمن لم يعرفه، وعرّفنا بأجوائه كلّها من حيث الزمان والمكان، ثمّ تكلّم هو عن نفسه شيئاً ليعرف القاريُ صوته ونبراته، ثمّ انتقلنا معه إلى لباب عقائده ولم نقف عند القشور، ذهبنا إلى الصورة الكاملة ولم نقف عند الإطار نعظّمه ونمجّده، أو نعيبه ونبخسه نضارته، وأعرضنا عن كثير من التفصيل الذي يتشابه في معناه ويتّفق في مغزاه، حرصاً على لمّ أطراف تلك الصورة الممتدّة الواسعة بما لا يُضيع شيئاً من معالمها.
وأهمّ ما في الكتاب أن الرجل هو الذي تكلّم عن نفسه وعن لباب عقائده، لا عشّاقه ولا حسّاده..
فجاء هذا الكتاب ليمثّل الفصل الأخير في ما كُتب في موضوعه..
إنّه الحلقة المفقودة في تاريخ عقيدة، وفي حقيقة رجل.
الصورة
ولد عام ١٣٧٩هـ (١٩٦٠م) في مدينة «العمارة» جنوب العراق، ونشأ في أُسرة من الصابئة، واصل الدراسة إلى نهاية المرحلة المتوسطة. استبصر سنة ١٤٠٥هـ (١٩٨٥م) في أحد معسكرات الأسر في إيران أثناء الحرب العراقيّة الإيرانية.
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ(1):
يقول «صباح»: «القرآن الكريم كتاب سماويّ عظيم لا يناله الريب من أيّ جانب، أنزله الله رحمة وهدى للعالمين، وهو الكتاب الذي تحدّى به الرسول الكريم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) العرب والبشريّة جمعاء أن تأتي بمثله، فلم يستطع أحدٌ أن يتحدّاه، ولا تستطيع البشريّة كلّها أن تأتي بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
مثل هذا الكتاب العظيم يصرّح إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ(2)، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ، فكيف يجوز لي - وأنا العبد الضعيف الذي ورث تعاليم دين مغلق لا أعرف منها إلاّ بعض الطقوس التي لا أفهم لماذا يجب عليّ اتّباعها - أنا لا أؤمن بالقرآن العظيم، أو لا أقبل بأوامره وتعاليمه، عندما سمعت
تلاوته، وعرفت شيئاً من معاني آياته.
إنّ الله الذي أرسل الأنبياء صلوات الله عليهم، وأنزل الكتب المقدّسة، قد جعل الإسلام ديناً لا ينبغي تجاوزه بابتغاء دين آخر غيره.
فلا يجوز لأتباع الديانات الأخُرى حتّى السماويّة منها إلاّ اتّباع هذا الدين، ولو بعث الأنبياء في زمان النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) لما جاز لهم إلاّ اتّباعه، حتّى نبيّ الله يحيى الذي ينسب بعض الصابئة دينهم إليه، ويدّعون أنّهم يتّبعون تعاليمه.
ثُمّ إنّ الإسلام الذي آمنت به، هو الإسلام الحقيقي، - والحمدُ لله أولاً وآخراً الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتديّ لولا أن هدانا الله - وأعني به إسلام أهل البيت(عليهم السلام)، فهم أدرى بالذي في هذا البيت، وهم الذين أوصى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالتمسّك بهم دون غيرهم، فهم أهل الولاية وخصوصاً أمير المؤمنين علي وليّ المؤمنين وقائد الغُرّ المحجّلين صاحب الفضائل الكبرى، والمناقب العظمى.
ان أهل البيت(عليهم السلام) لا يقاس بهم أحد، ينحدر عنهم السيل، ولا يرقى إليهم الطير، فهم في المقام الأسمى، والمنصب الأعلى، فهم صنائع الله والناس بعد ذلك صنائعهم، وهذا هو الواقع الذي تسنده الأدلّة والبراهين، ومن لم يقبله فقد خسر نفسه، وحبط عمله.
إنّ ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) شيء عظيم، لا يناله إلاّ من اختاره الله فجعله شيعة ومحبّاً لهم، وأسأل الله أن يحسبني من شيعتهم، وأن يميتني على ولايتهم، فهذه هي العاقبة الحسنى لكلّ مؤمن موحّد آمن بالله ورُسُله وكُتُبه وملائكته.
من هم الصابئة، وما هو دينهم؟
«الصابئون: قوم من أصحاب الديانات القديمة، غلب عليهم الحياء والكتمان، فكان ذلك مدّعاة لاختلاف العلماء والمؤرّخين في حقيقة أمرهم.
ففريق منهم ردّهم إلى ديانة بابل وآشور، وهي من أقدم الديانات الوثنيّة
لأنّ أساسها عبادة النجوم، وفيها من الشعائر ما يتّصل بديانة بابل القديمة.
وفريق آخر قال: إنّهم فرقة من المجوس والنصارى ولم يزد على ذلك.
والحقّ أنّهم ليسوا من المسيحيّة في شيء، لأنّ المسيحيّ من آمن بأُلوهيّة السيّد المسيح(عليه السلام)، والصابئي لا يؤمن بذلك.
أمّا «الزمخشري» فقد ذهب ]في[ تفسيره «الكشّاف» إلى أنّهم قوم عدلوا عن دين النصارى واليهود وعبدوا الملائكة، وهكذا تباينت الآراء واختلفت الروايات»(1).
«وهم يكتمون ديانتهم كلّ الكتمان، ويضنون بأسرارها حتّى عن أهلها وأتباعها، فالصابئي لا يكاد يعرف من أسرار دينه شيئاً، ولا يتّقن لغة أجداده، أو يحسن قراءتها أو كتابتها، ولا يُمكّن من السؤال عن العلّة فيما يؤدّيه من طقوس وفروض ; لأنّ هذه الأسرار محفوظة في صدور المؤمنين وهم قلّة قليلة لا ترى البوح بها لأحد»(2).
ويرى المؤرّخ السيّد عبد الرزّاق الحسني أنّهم مرّوا بأدوار أربعة، ننقل موجزاً منها:
١ - الصابئة في الدور الأوّل:
. . . إذا اعتبرنا أنّ ديانة الصابئة هي عبادة الكواكب والنجوم، فلا شكّ في أنّها أقدم ديانة عرفها البشر في عصر التاريخ. أمّا أُصول هذه الديانة فهي الاعتقاد بتعدّد القوى المدبّرة لهذا الكون، وبوجود قوّة أعلى تهيمن على هذه القوى وتدبّرها . . .
]و[ يوجد في عبادة الصابئة الحاليّين، تعظيمهم للكواكب، وتكريمهم
للنجوم، ولاسيّما الكواكب السيّارة السبع. أمّا النجم القطبي، فله مقام ممتاز عندهم. فهو القبلة التي يتّجه إليها في كلّ فرض وطقس يقوم به المتديّن . . .
٢ - الصائبة في الدور الثاني:
. . . لا يستطيع الباحث المنقّب - مهما ساعدته المصادر - أن يقف على حلقات الانتقال من الدور الأوّل «في عبادة الأجرام» إلى الدور الثاني «في عبادتها على هيئة الأصنام والرموز والأوابد» وكلّ ما يعرفه التاريخ أنّ الصابئة - بعد مرور عهود طويلة - أصبحت تبني الهياكل وتسمّيها بأسماء الكواكب وتقيم في أوساطها التماثيل، وتبني على المرتفعات العاليّة الأوابد والرموز . . .
ولا يزال الصابئون الماليّون يقدّسون مظاهر الطبيعة، ويرون في النار والشهب، والرعد، والبرق، وسائر الظواهر الجويّة، رمزاً يعبر عن أحد تلك الكواكب . . .
٣ - الصابئة في الدور الثالث:
. . . بدأ هذا الدور باستقرار ديانة الصابئة، ودخولها ضمن الكتب والأسفار، واعتناء الكهنة بدراستها وتدريسها، فكانت وكان فيها مجال واسع للنّظر، والبحث، والفلسفة، والتعليل شأن كلّ ديانة تستقرّ . . .
فتعاليم الصابئة في هذا الدور تأثّرت نوعاً ما بهذا النوع من الفلسفة، وكانت الأبحاث تدور عن حقيقة التمثيل والقوّة، وعن قابليّة الكواكب واستعدادها، وعن التأثيرات الكونيّة وعلاقتها بهذه الكواكب، وعن خواص الأسماء والحروف، وعن مبدأ العالم ومنتهاه . . .
٤ - الصابئة في الدور الرابع:
كان للانقلاب الذي حدث قبل المسيح(عليه السلام) وما جاء بعده من تطوّرات دينيّة، أثر بيّن في سائر الديانات الأُخرى، وكانت فكرة ظهور مجدّد للديانة متغلغلة في
نفوس أصحاب كلّ دين. فقد مال الصابئة إلى الاعتقاد بأنّ نبيّ الله يحيى «يوحنا المعمّدان» هو الرجل المجدّد المنتظر فاعتقدوا به وعظّموه، وما زال الصابئة حتّى الآن يذكرون له بعض التعاليم، ويعتقدون به نبيّاً مجدّداً أُرسل إليهم دون غيرهم من البشر»(1).
كما أنّ للديانة الصابئة كُتباً مقدّسة مثل: «الكنزاريا» بمعنى الكتاب العظيم، و«دراشه إديهيا» بمعنى تعاليم يحيى، و«القلسنا» بمعنى عقد الزواج، و«سدده إديشماتا» بمعنى كتاب التعميد، وغيرها.
وهم يفترقون على عدّة فرق كالمندائيّة والحرّانيّة، ولم يبق إلاّ القليل منهم يعيشون في جنوب العراق وإيران حيث الأنهار والأهوار، وعلّت قربهم من الماء لأنّ أكثر عباداتهم هي طقوس تحتاج إلى الماء أو تجري داخله.
كما ورد ذكر الصابئة في القرآن في ثلاثة مواضع(2)، واختلف فقهاء المسلمين في أنّهم يحسبون من أهل الكتاب أم لا.
الصورة
مرّت ترجمته في ٣: ٥٠٥ من هذه الموسوعة، ونشير في هذا المقام إلى معلومات لم تذكر من قبل.
خاض الأستاذ «صباح» العديد من البحوث العلميّة والمنعطفات التاريخيّة نحو الوصول إلى الحقيقة، وكانت النتيجة باهرة ومقنعة بالنسبة له.
ومن هذا المنطلق قام بنشر ما يتسنّى له من الحقائق في إطار تأليف الكتب،فألّف العديد من الكتب منها:
١ - لا تخونوا الله ورسوله.
٢ - الصحوة «رحلتي إلى الثقلين».
٣ - التبرّك.
٤ - حقيقة التشيّع.
٥ - أهل الحديث.
وقفة مع كتاب: «الصحوة رحلتي إلى الثقلين»:
بيّن الأستاذ «صباح» الحوادث التاريخية التي شكلّت منعطفاً حساساً في التاريخ الإسلامي، ممّا أدّى إلى وقوع العديد من التحريفات، التي دسّتها الأيادي
المأجورة، ما يجعل الوصول إلى الحقيقة أمراً مشكلاً، وهذا ما يؤكّد على الباحث عن الحقيقة التعمّق في دراسة التاريخ، والكشف عن الحقيقة التي اندرست في مجاهيل التاريخ، يكسوها غبار التدليس والخيانة.
أهميّة التاريخ:
التاريخ لدى المسلمين يمثّل الجزء الذي لا يتجزّأ من عقيدتهم الدينيّة، فعندما يخوض الباحث عن الحقيقة في هذا المجال، يواجه العقبة الكبرى التي تكمن في مخالفة أُسس عقيدته التي ورثها من أسلافه مع تراث ينبي عن وجود حقائق تتباين مع موروثه العقائدي، ويمكن حصر السبب في أنّ الباحث عندما يدخل في منعطفات التاريخ برؤية وقناعة تامّة، يواجه الحقائق التي تخالف قناعته الموروثة فيكون تحرّره من هذه المواجهة صعباً جدّاً، فيخوض الصراع بين موروث عقائدي يحنّ إليه بين الحين والأخر، وحقائق تكشف له سراب معتقداته.
وتعتبر الحوادث التاريخيّة التي أعقبت التحاق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى في طليعة الأُمور التي تساهم في بلورة التعرّف على الحقيقة.
ومن هذا المنطلق يقول «صباح»:
« . . . فإنّ الخلاف قد ذرّ قرنه بين المسلمين، ولم تمض أيّام قليلة على فراق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّته، حتّى خرج المسلمون حاملين سيوفهم على عواتقهم، يضرب بعضهم وجوه بعض، ثُمّ تطوّر الأمر أكثر فأكثر، فراحت تظهر فرق وطوائف تحمل أسماءً شتّى، تتّخذ من الجدل والسفسطة ديدناً . . . ، وتتطوّر الأُمور إلى الأسوأ فالأسوأ، فتتجرّد السيوف مرّة أُخرى لتحزّ أعناق المخالفين، وإذا كان المسلمون في بداية أمرهم قد اقتتلوا وهم يظنّون أنّهم جميعاً على دين الإسلام، فإنّ ما حدث بعد ذلك، إنّ الفرق الإسلاميّة بدأت تتناحر فيما بينها مستحلّة دماءها وأموالها وأعراضها، وكأنّ المخالف لها خارج عن الملّة، حلال
الدم والمال.
ويشير المؤلّف إلى وجوب إعادة النظر في التراث فيقول:
. . . وإعادة النظر لتقييم التراث الديني من أجل التوصّل إلى الحقيقة حتّى وإن كانت صعبة ومرّة فإنّها أفضل من دفن الرؤوس في الرمال، وبقاء المشكلة قائمة إلى الأبد، وليس ثّمة ما يخدم أعداء الإسلام أكثر من ذلك.
وهذا الكتاب ليس إلاّ محاولة متواضعة لتشخيص مواطن الداء، وتعيين أنجح السبل لإيقافه، ليكون ذلك فاتحة لأصحاب النوايا الحسنة ممّن يهمّهم مصلحة الإسلام والمسلمين لإعادة النظر في كلّ ما سبق، من أجل بناء نظريّة إسلامية متينة تستطيع الثبات بوجه الأعاصير العاتية التي تهبّ عليها من كلّ مكان.
يتطرّق المؤلّف إلى بيان المنعطف الذي أدّى به إلى نبذ العقيدة الموروثة فيقول:
. . . كنت طيلة سنيّ شبابي الأُولى، أتردّد على المسجد القريب من البيت للمواظبة على الصلوات طلباً لثواب الجماعة.
كان إمام المسجد هو مرجعنا الديني، وقد بدأت علاقتي معه تتوثّق مع مرور الأيّام، فكنت آتي المسجد في وقت مبكّر، حيث أجلس إليه، يشاركني في ذلك بعض الشبان المتديّنين، وكانت الحلقة تضمّ كهولاً من أبناء الحيّ أيضاً، فنجلس ونتداول بعض الأُمور الدينيّة، ونتبادل الآراء.
مضت بضع سنوات على تلك الحال لم تصادفني فيها مشكلة في العقيدة . . . ، بقي الأمر على تلك الحال، حتّى في أحد الأيّام . . .
عندما دخلت حجرة إمام المسجد، وجدته يحدّث رجلاً كهلاً يجلس بين يديه مستمعاً إلى نصائح الشيخ الذي كان يحدّثه عمّا يجب فعله لأداء فريضة
الحجّ، فجلست أستمع للمحاورة، حتّى أثار انتباهي ملاحظة أبداها الشيخ، وفيها يوصي الرجل بأن يتحوّل من المذهب الشافعي إلى المذهب الحنفي قبل الانطلاق.
أثارت هذه الملاحظة دهشتي، إذ أنّني لم أكن قد سمعت بمثلها من قبل، ولم أفهم السبب الموجب لتغيير المذهب، لذا فإنّني انتظرت بفارغ الصبر انصراف الرجل لأبادر الشيخ إمام المسجد بالسؤال عن سبب ضرورة تغيير هذا الرجل مذهبه.
أجاب الشيخ مبتسماً: حتّى يجوز له ملامسة النساء أثناء الطواف، لأنّ ذلك وفق مذهبنا ينقض الوضوء كما تعلم.
أطرقت مفكّراً، فقد كانت المرّة الأولى التي أتنبّه فيها إلى هذه المسألة، نعم، كنت أعرف أنّ أتباع المذاهب الأُخرى - من غير الشافعية - لا يتوضّؤون من الملامسة، ولكنّني لم أكن قد أعرت الأمر شيئاً من الأهميّة، ولكن هذه المرّة بدأت أُفكّر في الأمر بشكل جاد.
سألت الشيخ: إذا لامس الرجل الحنفي المذهب امرأة من غير المحارم، ثُمّ صلّى دون أن يعيد الوضوء، فهل صلاته صحيحة؟ قال: نعم.
قلت: لكن الشافعي المذهب تكون صلاته باطلة، وعليه إعادة الوضوء والصلاة؟ قال: نعم.
قلت بدهشة: كنت أعتقد أنّ صلاة الأحناف وغيرهم غير صحيحة تبعاً لذلك.
قال: ليس الأمر كذلك، الجميع صلاتهم صحيحة إذا اجتمعت شروطها الأُخرى.
فكّرت في الأمر مليّاً، ثُمّ سألت الشيخ قائلاً:
أيّ المذاهب الأربعة صحيح وجدير بالاتّباع أكثر من غيره؟
قال: كلّها صحيحة وجديرة بالاتّباع.
قلت متسائلاً: كيف حكم الشافعي ببطلان الوضوء من الملامسة وخالفه الآخرون في ذلك؟
قال: تبعاً للاجتهادات، فالشافعي اجتهد في تأويل آية الملامسة بأنّها تعني تلامس البشرة، وتأوّل غيره بأنّها تعني الجماع، كلّ حسب اجتهاده.
قلت: فالإمام الشافعي قد انفرد بهذا التأويل، ألا يمكن أن يكون مخطئاً؟
قال الشيخ بغضب: كيف تجرؤ على تخطئة الإمام الشافعي، وماذا نكون نحن بالنسبة إلى هذا الإمام المجتهد، حتّى نخطّئه؟!
أُخذتُ بسورة الغضب، فأطرقت ساكتاً.
قال الشيخ متكلّفاً الهدوء: يا بني، لا تردّد مقالات أعداء الإسلام الذين يريدون التشكيك في معتقداتنا وفي أئمّتنا.
قلت: إنّني لم أُردّد مقالة أحد، لكنّه كان سؤالا خطر ببالي.
قال الشيخ ملاطفاً: أعلم أنّ نيّتك سليمة فلا تؤاخذني، سلّ عمّا شئت.
قلت: أخشى أن يغضبك سؤالي.
قال: كلاّ، لن أغضب فسل عمّا شئت.
قلت: ما هو سبب الاختلاف بين المذاهب؟
قال: تبعاً لاجتهادات الأئمّة، لقد بذل كلّ منهم جهده في استنباط الأحكام من الأدلّة المتوفّرة لديه، وكان كلّ منهم رأيه الخاص في تلك الأدلّة، ولكنّهم جميعاً مجتهدون، وهم مأجورون حتّى لو أخطأوا كما أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك.
قلت: إذا كانت جميع المذاهب صحيحة، فهل يجوز الانتقاء، كتقليد أحد الأئمّة في بعض المسائل، وتقليد غيره في مسائل أُخرى؟
قال بحزم: كلاّ، لا يجوز ذلك، إنّ ذلك تحايل على الشريعة . . . !
حان وقت الصلاة فافترقنا.
. . . كانت القضية بالنسبة لي تتطّلب جواباً على تساؤلات منها: إذا كان أحد الأئمّة قد أخطأ في اجتهاده، وتبيّن للمكلّف خطؤه، فلماذا لا يجوز مخالفته في تلك المسألة والأخذ برأي مجتهد آخر؟
وإذا كان الشافعي قد أخطأ في تأويل آية الملامسة، فما يدريني كم أخطأ هو وغيره في مسائل أُخرى؟
يضيف المؤلّف قائلاً:
إنّ التشريع الإسلامي قد مرّ بأدوار متعدّدة، دور الرسالة النبويّة، ودور عصر كبار الصحابة، ثُمّ صغار الصحابة، ثُمّ التابعين وتابعي التابعين . . .
وفي عصر تابعي التابعين ظهر بعض أئمّة الفقه كأبي حنيفة الذي أخذ عن إبراهيم النخعي والشعبي، وحماد بن سليمان، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم من التابعين.
. . . ومن الأُمور المهمّة التي أثارت انتباهي، هي أنّ الفقهاء الكبار لم يكونوا يرون لأقوالهم هذه القدسيّة التي نراها نحن لهم اليوم من أتباعهم، فأبو حنيفة يقول: «هذا أحسن ما وصلنا إليه، فمن رأى خيراً منه فليتّبعه».
وقد سأله البعض: أهذا الذي انتهيت إليه هو الحقّ الذي لا شكّ فيه؟
فقال: لا أدري، لعلّه الباطل الذي لا شكّ فيه(1).
. . . فهؤلاء الأئمّة الكبار قد اجتهدوا على قدر طاقاتهم، ولم يلزموا أحداً بالجمود إلى آرائهم، ولكن الناس جمدوا بعد ذلك على آرائهم، وهكذا أخذ الاتّباع يسود التفكير الفقهي. ومن وراء الاتّباع كان التقليد، فالتقليد سار من القرن الرابع الهجري . . .
1) تاريخ بغداد ١٣: ٤٠٢.
بعد أنّ توصّلت إلى هذه النتائج، وقفت حائراً فيما يجب عمله، فلم أجد أمامي سبيلا إلاّ أن أخلع ربقة المذاهب كلّها من عنقي، وأن أنتقي ما أعتقد صوابه دون الالتزام بمذهب معيّن.
وكانت أُولى الأُمور التي فعلتها بهذه الشأن، أنّني خالفت الإمام الشافعي في الوضوء . . .
وبدأت فعلاً عمليّة البحث التي قادتني في رحلة طويلة بين طيّات كتب التراث . . . »(1).
وقفه مع كتاب «التبّرك»:
يقول «صباح» خلال بيانه أهميّة مسألة التبرك: «من الأُمور التي يتجدّد فيها البحث على مستويات مختلفة وبأساليب متعدّدة مسألة التبرّك بالصالحين والأخيار من الأمّة وبالأماكن والمشاهد المقدّسة عند المسلمين، لما يتجدّد حولها أو يتكرّر من إثارات أو شبهات تصل في أحيان كثيرة إلى درجات ساخنة حتّى تكون مدّعاة أحياناً لتمزيق المجتمع المتماسك وبثّ الفرقة بين أبنائه.
فهل التبرّك مسنون، أم مبتدع؟
هل له في القرآن والسنّة ذكر؟
هل له تاريخ بين المسلمين لاسيّما في القرون الأُولى؟
هل له فقه وضوابط.
كلّ ذلك سيتناوله هذا البحث بإيجاز.
التبرّك في التاريخ:
هل للتبرّك بمفهومه الاصطلاحي واقع تاريخيّ بين الأمم المتشرّعة، بحيث نكتشف في سيرهم وأخبارهم هذا النوع من السلوك يتعارفونه ويتداولونه على
1) الصحوة: ٨ - ٢٨.
أنّه سلوك مشروع؟
نتابع الإجابة عن هذا التساؤل في مرحلتين رئيسيتين، تختصّ الأُولى بتاريخ الأمم السالفة، وتتناول الثانية - وهي أكثر تفصيلاً - التبرّك في سلوك المسلمين منذ عهد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتباعاً في العهود القريبة منه.
١ - التبرّك عند الأمم السالفة:
إنّ ظاهرة التبرّك بآثار الأنبياء معروفة حتّى عند الأمم التي سبقت الإسلام والتي تتضمّن التبرّك بثياب أُولئك الأنبياء وبقاياهم، فمن أمثلة التبرّك عند الأمم السابقة.
تبرّك النبيّ يعقوب(عليه السلام) بقميص ابنه النبيّ يوسف(عليه السلام)، قال تعالى: اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا(1).
وقد امتثل إخوة يوسف لأمره، فجاؤوا بقميصه وألقوه على وجه أبيه الذي كان قد فقد بصره حزناً على فراق ولده يوسف، فجعل الله تعالى قميص يوسف سبباً لارتداد بصر أبيه يعقوب(عليه السلام)، فكان ذلك من قدرة الله تعالى وبركة ذلك القميص.
ومعلوم أنّ الله تعالى يقدر أن يردّ بصر يعقوب(عليه السلام) دون حاجة إلى إلقاء ذلك القميص على وجهه، ولكنّ لله تعالى حكمة في جعل بعض الأشياء المباركة سبباً لتحقّق الغاية، ولاشكّ أنّ ذلك مردّه إلى أن يجعل ذلك سنّة يقتدي بها الأنام فيعرفوا أنّ هنالك أشياء وأمكنة وأزمنة وأشخاصاً لها مقامات عند الله تعالى، فجعل فيها بركة تتيح لها شفاء المرضى، أو استجابة الدعاء، أو الشفاعة لغفران الذنوب، ونحو ذلك و . . .
تبرّك بني إسرائيل بالتابوت الذي فيه آثار آل موسى وآل هارون، وهو
1) يوسف (١٢) : ٩٣.
الذي ذكره الله تعالى في قوله حكايةً عن نبيّ بني إسرائيل الذي بشّرهم بطالوت ملكاً: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ(1)، وكان هو التابوت الذي أنزله الله على موسى فوضعته فيه أُمّه وألقته في اليمّ، وكان في بني إسرائيل معظّماً يتبرّكون به، فلمّا حضرت موسى الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوّة وأودعه يوشع وصيّه، فلم يزل التابوت بينهم حتّى استخفّوا به، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات، فلم يزل بنو إسرائيل في عزّ وترف مادام التابوت عندهم، فلمّا عملوا بالمعاصي واستخفّوا بالتابوت رفعه الله عنهم، فلمّا سألوا نبيّهم، بعث الله طالوت عليهم ملكاً يقاتل معهم فردّ الله عليهم التابوت.
قال الزمخشري: التابوت صندوق التوراة، وكان موسى إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرّون . . . (2).
فنجد بني إسرائيل بأمر من نبيّهم يحتفظون بما ترك موسى وهارون، وتسكن إليه نفوسهم لما أخبرهم به من البركة التي اختصّها الله به لكونها من آثار أنبيائهم، حتّى إذا استخفوا بهذه الآثار المباركة عاقبهم الله وحرمهم من بركتها، ممّا يدلّ على قدسيّة هذه الآثار وحلول البركة فيها بإذن الله.
٢ - سيرة المسلمين في التبرّك:
أوّلاً: سيرة الصحابة في التبرّك بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) . . . ، فكان الصحابة يتبرّكون بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بمسّ جسده الشريف وتقبيل يده، وشرب فضل إنائه، وبماء وضوئه، ونخامته، وشعره وغير ذلك في حياته، ويأتون بأولادهم حال ولادتهم لكيما يحنّكهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ويبارك عليهم ويدعو لهم، ومن ذلك ما أخرج مسلم في
٢ - . . . كما أخرج المحدّثون والحفّاظ قصّة مجيء عروة بن مسعود الثقفي إلى قريش قبل صلح الحديبية، حيث أدهشه عمل الصحابة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال - وهو يحكي ما شاهده من ذلك -: لا يتوضأ وضوءاً إلاّ ابتدروه، ولا يبصق بصاقاً إلاّ ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه - وفي رواية - فوالله ما تنخم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه(1).
. . . هذه أخبار أخرجها الأئمّة والحفّاظ للتدليل على سيرة الصحابة الكرام في التبرّك بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته، وقد استمرت هذه السيرة عندهم بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث كان الصحابة يتبرّكون بآثاره فيشربون في الآبار التي شرب منها أومجّ فيها، ويتبرّكون ببقايا شعره ومنبره وخاتمه وعصاه وقدحه وبقبره الشريف وملابسه ونعاله وكلّ ما خلّفه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده، وقد تابعهم التابعون على ذلك واستمرت سيرة المسلمين في التبرّك بآثار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا، والأخبار في ذلك كثيرة جداً، نكتفي بذكر بعضها:
تبرّكهم بقبره الشريف(صلى الله عليه وآله وسلم):
كان دأب المسلمين منذ وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على مرّ العصور وإلى يومنا هذا، هو التبرّك بقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والاستسقاء به والاستشفاء بتربته، على ذلك تصافق المسلمون بكافّة طوائفهم جيلاً بعد جيل، ولم يشذّ عن ذلك إلاّ دعاة السلفيّة، وفي طليعتهم ابن تيميّة الحراني الذي ادّعى بأنّ السلف الصالح لم يعرفوا ذلك ولم يقرّوه!
إلاّ أنّ عمل المسلمين - وفيهم كبار الصحابة والتابعين وعدد لا يستهان به من علمائهم الأفذاذ ومحدّثيهم - ينفي تلك الادعاءات ويبطلها، فمن الشواهد
1) مسند أحمد ٤: ٣٢٩.
على دأب المسلمين - وفي مقدّمتهم الصحابة الكرام - على التبرّك بقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):
١ - عن داود بن صالح، قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيّوب! فقال: نعم، جئت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم آت الحجر، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله»(1).
٢ - عن الإمام علي(عليه السلام) قال: «قدم علينا أعرابي بعدما دفنّا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بثلاثة أيّام، فرمى بنفسه على قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه فوعينا عنك، وكان فيما أنزل عليك: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ(2)، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر «قد غفر الله لك»(3).
ولد عام ١٣٨٤هـ (١٩٦٥م) في «خانقين» بالعراق، واستبصر عام ١٤١٦هـ (١٩٩٦م) في «كلار» على أثر قراءته للكتب الشيعية والاستماع إلى المحاضرات الإسلاميّة والحضور في المجالس الحسينيّة.
القناعة والعاطفة:
حضور «صباح» في المجالس الحسينيّة منحه رقّة قلبية خاصّة نتيجة تفاعله مع مظلومية أهل البيت(عليهم السلام)، وهذا الأمر هو الذي دفعه للبحث من أجل نيل المزيد من المعرفة حول أهل البيت(عليهم السلام).
وجد «صباح» بأنّ القرآن والسنّة توكّد كثيراً على أهل البيت(عليهم السلام)، وقد بلغ هذا التأكيد رتبة يدفع كلّ باحث إلى التأمّل في سبب هذا التأكيد، كما يلحظ الباحث بأنّ المنزلة التي أعطاها الله لأهل البيت(عليهم السلام) ليست مجرّد منزلة بسيطة نتيجة صلة هؤلاء بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما تبيّن الآيات والأحاديث بأنّ لأهل البيت دوراً في صيانة الأُمّة من الضلال وأنّ لمحبّتهم دوراً كبيراً في تعميق الإيمان في النفوس.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى يجد الباحث بأنّ أهل البيت(عليهم السلام) ظلموا
واضطهدوا وشرّدوا وحوربوا بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ما يبعثه على الاستغراب ويدفعه إلى التشكيك بصدق نوايا الحكومات التي جاءت بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والإذعان بأنّ هؤلاء الحكّام لم يكن همّهم الدين والإسلام، وإنّما همّهم مصالحهم ومآربهم فحسب، وإلاّ فلماذا عزل هؤلاء أهل البيت(عليهم السلام) من الساحة السياسية والاجتماعية؟ وكيف يمكن لنا تبرير موقف الحكّام العدائي من أهل البيت(عليهم السلام) على الرغم من وجود الكمّ الهائل من الآيات والأحاديث الشريفة التي وصّت الأُمّة بالتمسّك بأهل البيت والاعتصام بحبلهم وباتّباعهم والسير بهديهم؟!
أوائل اهتمام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل البيت(عليهم السلام):
تعدّ حادثة المباهلة التي أشار القرآن إليها من أوائل المواقف التي أراد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلفت فيها الأنظار إلى دور ومكانة أهل البيت(عليهم السلام).
قال تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(1).
والمباهلة في اللغة تعني تخلية الشيء وتركه غير مراعى(2)، كأن تترك الحيوان مثلاً من غير أن تشدّه وتربطه بمكان تتركه غير مراعى، تخلّيه وحاله. وهذا المعنى بالنسبة إلى الإنسان من قبيل القول: «أوكله الله إلى نفسه».
وإذا ترك الله شخصاً إلى نفسه وحرمه من لطفه ورحمته فسيكون مصير هذا الشخص السقوط في أودية الهلاك، وهذا ما يحتّم علينا الدعاء من الله بأنّ لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبداً.
قال الإمام علي(عليه السلام): «إن أبغض الخلاّئق إلى الله رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدي من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمّال لخطايا غيره، رهن بخطيئته»(1).
إذن المباهلة هي الدعاء من الله من أن يترك الإنسان بحاله ويوكله إلى نفسه، وهذا المعنى مرادف للّعن لأنّ اللعن أيضاً يعني الطرد بسخط والحرمان من الرحمة، وعندما نلعن شخصاً فإنّنا - في الواقع - نطلب من الله أن يطرده من رحمته وأن يجعله من أبغض الخلائق إليه.
والملفت للنظر في مباهلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه جاء معه أناس قال عنهم أسقف النصارى.
«إنّي لأرى وجوهاً لو طلبوا من الله سبحانه وتعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله»(2).
فالبحث يدور حول الحكمة من إتيان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لهؤلاء؟ ومن هم هؤلاء، ولماذا جاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بهم دون غيرهم؟
تكشف الكتب المعتبرة عند أهل السنّة بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج للمباهلة ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) وليس معه أحد غير هؤلاء(3).
من دلالات آية المباهلة:
أوّل من استدلّ بآية المباهلة هو الإمام علي(عليه السلام) نفسه، عندما احتجّ في
الشورى على الحاضرين ببعض فضائله، فذكر آية المباهلة.
كما استدلّ الإمام الرضا(عليه السلام) بهذه الآية عندما سأله المأمون العباسي: هل لك من دليل من القرآن الكريم على إمامة علي أو أفضلية علي، فذكر له الإمام(عليه السلام) آية المباهلة واستدلّ بكلمة وأنفسنا ; لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أمر أن يخرج معه نساءه أخرج فاطمة فقط، وأبناءه فأخرج الحسن والحسين فقط، وعندما أمر بأن يخرج نفسه لم يخرج إلاّ علياً(عليه السلام)، وهذا ما يكشف بوضوح بأنّ الإمام علي(عليه السلام) هو نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا شكّ أن المقصود من النفس هنا هو المعنى المجازي وأقرب المجازات هنا أن يكون الإمام علي(عليه السلام) مساوياً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ ما خرج بالدليل من قبيل النبوّة.
ومن خصوصيات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) العصمة، فنكتشف من هذه الآية دليلاً على عصمة الإمام علي(عليه السلام)، ومن خصوصيات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فتثبت هذه الآية هذه الخصوصية للإمام علي(عليه السلام) وقد أشار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في العديد من الأحاديث الشريفة ما عنده من خصائص بأنّه أورثها للإمام علي(عليه السلام) وأبرزها الولاية والعلم، كما يثبت ذلك في حديث الغدير حيث قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه».
وقد حاول ابن تيميّة التقليل من هذه الفضيلة للإمام علي(عليه السلام) فقال بأن عادة العرب في المباهلة أنّهم كانوا يخرجون أقرب الناس إليهم وإن لم يكونوا ذا فضيلة.
ثمّ يعترض ابن تيميّة على نفسه ويقول: لماذا لم يخرج النبيّ العبّاس معه؟ ثمّ يعترف بأنّ العبّاس لم يكن له الصلاحية لأن يحضر مثل هذا الموقف، فيعترف ابن تيميّة أن يكون للإمام علي في هذه القضية نوع فضيلة.
ويكفي لابن تيميّة هذا المقدار من الاعتراف بالفضل للإمام علي(عليه السلام)،
والملفت للنظر أنّ ابن تيميّة يحاول بعدها تقليل هذه الفضيلة للإمام علي(عليه السلام)، فيبيّن بأنّ هذه الفضيلة لم تكن من الأمور التي اختصّ بها الإمام علي(عليه السلام)، بل شاركه فيها فاطمة الزهراء والحسن والحسين(عليهم السلام)، ويتغافل ابن تيميّة عن أصل موضوع البحث وهو البحث في تفضيل الإمام علي(عليه السلام) على أبي بكر وقبح تقديم المفضول على الفاضل، ولم يكن البحث حول تفضيل الإمام علي على فاطمة والحسنين(عليهم السلام)(1).
وعموماً ما نستنتجه من آية المباهلة مع مقارنتها بالآيات والأحاديث الشريفة الأخرى هو: أنّ الإمام علي(عليه السلام) كان من رسول الله بمنزلة هارون من موسى ما عدا النبوّة، وأنّ أمير المؤمنين نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولهذا كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يؤكّد على هذا المعنى عندما هدّد إحدى القبائل وقال لهم: «لتنتهن أو لأرسل إليكم رجلاً كنفسي».
1) راجع منهاج السنّة ٧: ١٢٢ - ١٣٠.
الصورة
ولد عام ١٣٨٥هـ (١٩٦٦م) في بغداد، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب، ولم يكن التشيّع عليه أمراً غريباً ; لأنّه كان يلتقي بالشيعة كثيراً، ولديه إلمام إجمالي بمعتقداتهم غير المحرّفة، ولكنّه لم يكن جادّاً في البحث عن الحقيقة طيلة فترة بقائه على انتمائه الموروث، وعندما قرّر الاهتمام بالبحث العقائدي، وتوجّه نحو قراءة الكتب الدينيّة، خصّص جزءاً من وقته لقراءة الكتب الشيعيّة، فتعرّف على حياة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فانجذب نحوهم، وهذا ما أدّى به في نهاية المطاف إلى اعتناق مذهبهم.
منزلة أهل البيت(عليهم السلام):
كانت معرفة «صفاء» بأهل البيت(عليه السلام) معرفة اجماليّة، وكان يرى بأنّ ما يميّزهم عن الآخرين هو كثرة الإيمان والورع والتقوى والزهد والعلم فحسب، ولكنّه عندما توجّه نحو قراءة الكتب عرف بأنّ الأمر يتجاوز الحدّ المألوف، والمسألة إنّما هي مسألة اصطفاء إلهي لذريّة بعضها من بعض، لتكون حجّة الله في أرضه، وأمناؤه في بلاده، والسبب المتّصل بين الأرض والسماء ; ولهذا قال الإمام علي(عليه السلام) حول أهل البيت(عليهم السلام):
«أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى، إنّ الأئمّة من قريش غرسها في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم»(1).
وقال(عليه السلام) في خطبة أخرى حول فضائل أهل البيت(عليهم السلام):
«وناظر قلب اللبيب به يبصر أمره، ويعرف غوره ونجده داع دعا، وراع رعى، فاستجيبوا للداعي، واتّبعوا الراعي. قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن، وأرز المؤمنون، ونطق الضالّون المكذّبون، نحن الشعار والأصحاب، والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقاً.
وأضاف(عليه السلام): فيهم كرائم القرآن، وهم كنوز الرحمن، وإن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا، فليصدق رائد أهله، وليحضر عقله، وليكن من أبناء الآخرة، فإنّ منها قدم وإليها ينقلب»(2).
اهمّية وجود الإمامة الإلهيّة:
كان هشام بن الحكم عند الإمام الصادق(عليه السلام) فأمره الإمام أن يخبره عن الحوار الذي أجراه مع أحد علماء أهل السنّة حول الإمامة فقال هشام:
بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليّ، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد، وعليه شملة سوداء متّزر بها من صوف وشملة مرتد بها، والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثمّ قعدت في آخر
القوم على ركبتي ثمّ قلت:
أيّها العالم إنّي رجل غريب، تأذن لي في مسألة؟
فقال لي: نعم.
فقلت له: ألك عين؟
فقال: يا بني أيّ شيء هذا من السؤال؟! وشيء تراه كيف تسأل عنه؟!
فقلت: هكذا مسألتي.
فقال: يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء!
قلت: أجبني فيها.
قال لي: سل.
قلت: ألك عين؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع بها؟
قال: أرى بها الألوان والأشخاص.
قلت: فلك أنف؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع به؟
قال: أشمّ به الرائحة.
قلت: ألك فم؟
قال نعم.
قلت: فما تصنع به؟
قال: أذوق به الطعم.
قلت: فلك أذن؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع بها؟
قال: أسمع بها الصوت.
قلت: ألك قلب؟
قال نعم.
قلت: فما تصنع به؟ قال: أميّز به كلّما ورد على هذه الجوارح والحواس.
قلت: أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟
قال: لا.
قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟
قال: يا بني إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته،ردّته إلى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشكّ.
قال هشام: فقلت له: فإنّما أقام الله القلب لشكّ الجوارح؟
قال: نعم.
قلت: لابدّ القلب وإلاّلم تستيقن الجوارح؟
قال: نعم.
فقلت له: يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح، ويتيقّن به ما شكّ فيه، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم لا يقيم لها إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك تردُّ إليه حيرتك وشكّك؟!
قال: فسكت ولم يقل لي شيئاً.
ثمّ التفت إليّ فقال لي: أنت هشام بن الحكم...
...فضحك أبو عبد الله(عليه السلام) وقال: يا هشام من علّمك هذا؟
قلت: شيء أخذته منك وألّفته.
فقال: هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى(1).
مقام الإمامة:
قال الإمام الصادق(عليه السلام): «إنّكم لا تكونوا صالحين حتّى تعرفوا، ولا تعرفوا حتّى تصدّقوا، ولا تصدّقوا حتّى تسلّموا أبواباً أربعة لا يصلح أوّلها إلاّ بآخرها، ضلّ أصحاب الثلاثة وتاهوا تيهاً بعيداً.
إنّ الله تبارك وتعالى لا يقبل إلاّ العمل الصالح، ولا يقبل الله إلاّ الوفاء بالشروط والعهود، فمن وفي لله عزّ وجلّ بشرطه، واستعمل ما وصف في عهده نال ما عنده، واستكمل ما وعده.
إنّ الله تبارك وتعالى أخبر العباد بطرق الهدى، وشرع لهم فيها المنار، وأخبرهم كيف يسلكون، فقال:
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى(2). وقال: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(3).
فمن اتّقى الله فيما أمره لقي الله مؤمناً بما جاء به محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، هيهات هيهات فات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا، وظنّوا أنّهم آمنوا وأشركوا من حيث لا يعلمون.
إنّه من أتى البيوت من أبوابها اهتدى. ومن أخذ في غيرها سلك طريق الردى. وصل الله طاعة وليّ أمره بطاعة رسوله، وطاعة رسوله بطاعته، فمن ترك
طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ولا رسوله، وهو الإقرار بما أنزل من عند الله عزّ وجلّ، خذوا زينتكم عند كلّ مسجد، والتمسوا البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فإنّه أخبركم أنّهم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإتياء الزكاة يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب والأبصار، إنّ الله قد استخلص الرسل لأمره، ثمّ استخلصهم مصدّقين بذلك في نُذُره، فقال: وَإِن مِّنْ أُمَّة إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ(1).
تاه من جهل، واهتدى من أبصر وعقل، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَْبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(2).
وكيف يهتدي من لم يبصر وكيف يبصر من لم يتدبّر؟!
اتبعوا رسول الله وأهل بيته، وأقرّوا بما نزل من عند الله، واتّبعوا آثار الهدى، فإنّهم علامات الأمانة والتقى، واعلموا أنّه لو أنكر رجل عيسى بن مريم(عليه السلام)، وأقرّ بمن سواه من الرسل لم يؤمن، اقتصّوا الطريق بالتماس المنار، والتمسوا من وراء الحجب الآثار، تستكملوا أمر دينكم، وتؤمنوا بالله ربّكم»(3).
إنّ الكتب الشيعيّة التي قرأها «صفاء»، والأحاديث الشريفة التي تأمّل فيها دفعته إلى المزيد من البحث، وأملت عليه النتيجة وهي اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)،فأعلن استبصاره عام ١٤٠٨هـ (١٩٨٨م).
الصورة
ولد عام ١٣٧٩هـ (١٩٦٠م) في مدينة «الخالص» شمال «بغداد»، ونشأ في عائلة سنية شافعيّة المذهب، اعتنق مذهب آل البيت(عليهم السلام) سنة ١٤٠٨هـ (١٩٨٨م) في إيران.
معرفة أهل البيت(عليهم السلام) وسيلة النجاة:
يقول «صلاح»: يواجه الإنسان في حياته مواقف مصيريّة، تدفعه لاتّخاذ قرارات حاسمة في فترة قصيرة من الوقت، وتجعله يراجع هويّته الثقافيّة والدينيّة عندما يجدها لا تقدّم العون اللازم والمطلوب.
ويتابع «صلاح» قائلاً: هكذا كان الأمر معي حيث كنت أعيش حياة عاديّة في عمر الشباب، وشاءت الظروف والأقدار أن أخوض غمار الحرب التي جرت بين العراق وإيران في الثمانينات من القرن الماضي بدون رغبة فيها، وعدم اقتناع بأسباب نشوبها واستمرارها.
وفي ظروف قاهرة كان عليّ أن أشارك بهجوم عسكريّ شرس على الطرف المقابل في جبهة مستعرة تصبّ بالقذائف والحمم، وهنا يتساءل الإنسان مع نفسه ماذا يجب أن يفعل؟ فالموت محيط به من كلّ جهة، وهو لا يجد في نفسه ما يقنعها
على المشاركة في هذه الحرب المجنونة.
هنا لم أجد في نفسي سوى الطلب من الله سبحانه وتعالى أن يخلّصني من هذه الورطة، والإلحاح في الدعاء عليه، ثُمّ التوسّل بالمقرّبين عنده الذين ضاعت أسماؤهم عليّ ولم أجدّ في نفسي العقيدة الصادقة في مثل هذا الموقف العصيب سوى حضرة الإمام علي(عليه السلام) فتوسّلت بأبي الحسن(عليه السلام) عند الله سبحانه للنجاة والخلاص.
وفعلاً نجوت من الموت المحقّق ووقعت في الأسر الذي قد يكون أسوأ من الموت في بعض الحروب، ولكن لم يكن الأمر معي هكذا، حيث كانت فترة الأسر بالنسبة لي فترة ذهبيّة من أيّام العمر، سنحت لي فيها لفرصة للتعرّف على أسباب الوجود البشري في الكون بمعرفة المعصومين من أهل البيت(عليهم السلام) الذين هم صفوة الله وخيرته، وقادة دينه، والذين لولاهم لما خلق الله الأفلاك، فلو فاز المرء بولايتهم عن معرفة صحيحة لما ساوت الدنيا وما فيها عنده عفطة عنز.
نعم، لقد وقعت في يدي كتباً تتحدّث عن سيرتهم، واستمعت إلى محاضرات تبيّن لي مواقفهم، بل مناقبهم التي لا نظير لها عند غيرهم، كما رأيت بأُمّ عيني مراسيم عزائهم عموماً، وعزاء الإمام الحسين(عليه السلام) خصوصاً الذي لم تشهد الدنيا على طول تاريخها شخصاً مثله، ضحّى بنفسه وعياله وأطفاله من أجل أن ينتصر الإسلام، ويقوم عمود الدين.
لقد قدّم أهل البيت(عليهم السلام) أمثلة رائعة في الفداء والتضحية، لا تجد لها مثيلاً ولو أتعبت نفسك، فقد نشأ الإمام الحسين في بيت النبوّة، ورضع من حليب الطهر والقداسة، فمن أبوه ومن أُمّه فضلاً عن جدّه سيّد الكونين، فلو لاحظت مثلاً سيرة أمير المؤمنين علي(عليه السلام) تجدها مليئة بالتضحية من اليوم الأوّل، فلقد دافع عن
الرسول في المواقف الصعبة حتّى غبطته الملائكة على مثل مواساته(1)، وبات على فراش الرسول والأعداء محيطين به، فلم يرهبهم ولم يفكّر بنفسه، بل كان المهمّ عنده نجاة الرسول ولو ذهبت نفسه فداءً له.
نعم هؤلاء هم المعصومون، فمن آمن بهم نجى ووجد الوسيلة، وأمّا من جهلهم فقد ضلّ سبيله في الحياة، ومن عاداهم فقد اختار لنفسه الدرك الأسفل من النار، ولو عبد الليل والنهار، وقال: إنّي من المؤمنين الأخيار، فهو من أتباع الشيطان الذي سبقه في العبادة وادّعاء الخير ولكن العاقبة أنّه كان رجيماً كفوراً عصياً مريداً والعياذ بالله، قال تعالى: وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً(2).
إنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم وسيلة النجاة شاء من شاء وأبى من أبى، فمن يريد النجاة فليتّبعهم وإلاّ كان من أهل النار، وهو مخزيٌ في الدنيا والآخرة، مدحوضةٌ حجّته، مقموعٌ دليله، ضنكةٌ معيشته، فالتمسّك بهم دون غيرهم يؤدّي إلى الصراط المستقم.
فأتباع أهل البيت(عليهم السلام) هم أهل الجنّة، ولو عاداهم كلّ الناس، وأشاعوا عليهم الإشاعات، ثُمّ صدّقوا إشاعاتهم وأقسموا أنّ شيعة أهل البيت ليسوا على الحقّ، ولكن الله سبحانه يقول أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَة ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ(3).
الصورة
ولد سنة ١٣٨٤هـ (١٩٦٥م) في «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أُسرة سنّية شافعيّة المذهب، واصل الدراسة إلى مرحلة المتوسطة، اعتنق مذهب آل البيت(عليهم السلام) سنة ١٤٠٣هـ (١٩٨٣م) في إيران.
أهل البيت(عليهم السلام) في القرآن الكريم:
يقول «ضياء»: عندما توجّه فكري إلى معرفة أهل البيت(عليهم السلام) وجدت أنّهم ليسوا من الغرباء على الدين الإسلامي، بل هم في الصميم من جميع النواحي، فقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم، قال تعالى في آية التطهير: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(1).
وقال سبحانه في آية المباهلة: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(2).
وقال عزّ من قائل في آية المودّة: قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي
الْقُرْبَى(1). وقال تعالى في آية الولاية: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(2).
فهذه الآيات القرآنيّة المباركة، وغيرها كثير تذكرهم باحترام جمّ، وعناية خاصّة، فهم المطهّرون دون غيرهم، وهم الذين أخرجهم النبيّ إلى ساحة المباهلة مع النصارى، فهل بعد هذا من شرف؟
فبهم الإسلام يتحرك على الأرض، وبدونهم لم يكن إسلام في الوجود، وهم من القربى التي طلب الله مودّتها، وجعلها أجر الرسالة التي أدّاها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
فقوم هذه صفاتهم، وقوم هكذا يتكلّم القرآن الكريم - الذي لا يأتيه الباطل أبداً - عنهم، كيف يمكن للمسلم أن لا يواليهم؟ وكيف يصحّ منه أن يوالي غيرهم بدلاً منهم؟ والعجب كلّ العجب من علمائنا الذين لا يذكرونهم لنا، أو يذكرونهم مع غيرهم دون ذكر فضائلهم وخصائصهم ،على عكس ما فعل القرآن الكريم في هذه الآيات الشريفة.
وبدلاً من ذكرهم تراهم يلهجون بذكر الصحابة، وهو مصطلح يشمل المؤمن والكافر، فليس كلّ من صاحَبَ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان مؤمناً، بل منهم المؤمن والمنافق والكافر، وهذا المصطلح (الصحابة) لم يرد في القرآن الكريم أبداً، فهكذا تراهم يتركون المذكور في القرآن، ويلهجون بذكر المتروك في القرآن، وكفى بهذا باطلاً وكفى به زيفاً، وكفى به ضلالاً.
الصورة
ولد عام ١٣٨٧هـ (١٩٦٨م) في محافظة «الرمادي» الواقعة غربي العراق، ونشأ في عائلة سنية حنفية المذهب، أكمل الدراسة المتوسطة، ولم تمهله الظروف حتّى سيق للحرب بين العراق وإيران في الثمانينات من القرن الماضي، اعتنق مذهب آل البيت(عليهم السلام) سنة ١٤٠٩هـ (١٩٨٩م) في أحد معسكرات الأسر في إيران.
أهل البيت(عليهم السلام) منارُ الهداية:
يقول «طارق»: «واجهت ظروفاً مختلفة في حياتي، فمن أيّام آمنة جميلة في الطفولة وأوائل الشباب، زُّج بي في الحرب مُكرها، وأنا لا أعرف عن سببها شيئاً فذقت ويلاتها، وتجرّعت غصصها، وتغرّبت عن أهلي إلى حيث البقاع المقفرة والديار الموحشة.
ثُمّ إنّي وقعت في الأسر، فواجهت تجربة جديدة، وعالماً آخر غريباً عليّ كلّ الغرابة، ولاقيتُ أناساً جدّداً، واطّلعت على أفكار لم تخطر على بالي.
والحمد لله لم تكن هذه التجربة مريرة كلّها، فقد اهتديت من خلالها إلى معرفة أئمّة الهدى من أهل البيت(عليهم السلام)، وخاصة الإمام علي(عليه السلام) فقد سحرني كلامه في «نهج البلاغة» الذي قرأته في هذه الفترة من أوّله إلى آخره، وأعجبني صبره وصبر ابنه الإمام الحسين(عليهما السلام) في مواجهة الظلم بكافّة أشكاله من أجل حفظ
الإسلام، ولولا هذه المعرفة بهم، لأصابني من الألام الروحيّة ما أصابني، ولذهبت إلى مصير مجهول تحوطه الآهات والزفرات.
إنّ ولائي لأهل البيت(عليهم السلام)، كان حظاً أصبته لنفسي، وإنّ مودّتي الشديدة لهم قد علقت بقلبي لأنّي وجدت فيهم ضالّتي وعرفت فيهم هداي، فمن يوالي أهل البيت(عليهم السلام) يجد فيهم الأولياء المرشدين له المشفقين عليه، ومن يعرض عنهم - لا سامح الله - يتيه في الضلال، ويعيش في النّكدو الضنك».
سيرة أهل البيت(عليهم السلام) مع الظالمين:
قال الإمام علي(عليه السلام) في كلام له مع أحد عماله نهاه فيه عن تقديم الخراج: «استعمل العدل، واحذر العسف والحيف، فانّ العسف يعود بالجلاء، والحيف يدعو إلى السّيف»(1).
وأنت تجد في هذا النص الأمر بالعدل، وبيان عواقب الظلم من العسف بالناس، وهو الأخذ على غير الطريق الصحيح، فتكون النتيجة جلاء الرعيّة عن أماكنهم والمغادرات من أريافهم ومزارعهم، أو الجور عليهم الذي يؤدّي إلى الاحتكام إلى السيف ممّا يؤدّي إلى اختلال النظام، وشيوع الفوضى وتفشّي الخراب، واسمع هذا الكلام من الإمام علي(عليه السلام)، واعرضه على قلبك ليعيه ويتّعظ منه، قال(عليه السلام) في وصف زمانه: «وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلاّ إدباراً، والشر إلاّ إقبالاً، والشيطان في هلاك الناس إلاّ طمعاً، فهذا أوانٌ قويت عدّته وعمّت مكيدته وأمكنت فريسته، اضرب بطرفك حيث شئت من الناس، فهل تبصر إلاّ فقيراً يكابد فقراً، أو غنيّاً بدّل نعمة الله كفراً، أو بخيلاً أتّخذ البخل بحقّ الله وفراً، أو مُتمرّداً كأنّ بأذنه عن سمع المواعظ وقراً»(2).
فهل لاحظت تألّم الإمام للفقراء، وانزجاره من الأغنياء الكافرين بنعم الله،
واشمئزازه من البخلاء الذين يجمعون المال ولو مع عدم أداء حقوق الله؟
وهل تجد مثل هذه العواطف عند من يدّعي نصرة الفقراء أيّاً كان؟
وخاصة أولئك الشيوعيّين والاشتراكيّين الذي ملأوا الدنيا زعيقاً باسم الطبقات الكادحة الفقيرة، ثُمّ لم يزيدوهم إلاّ فقراً وحروباً وظلماً.
وهذا هو الإمام الحسين(عليه السلام) يخطب، فيقول: «ألا ترون الحقّ لا يعمل به، وإنّ الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقّاً فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برماً»(1).
فالموت في سبيل الله الذي يكرهه الناس عادة هو الشهادة التي عظّمها الإسلام، وأجزل ثوابها، وأمّا الحياة التي يحبّها الناس كيفما كانت، فيراها الإمام الحسين(عليه السلام) كآبةً وضجراً وملالة مع وجود الظالمين وتسلّطهم على رقاب الناس.
وخطب الإمام الحسين(عليه السلام) الناس أيضاً، فقال: «أيّها الناس، إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسوله، يعمل في عباده بالإثُمّ والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول ; كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله».
فهذا هو الحسين(عليه السلام) بأنصاره القلائل يجاهد السلطان الظالم يزيد، الذي خضعت له الرقاب، وخنعت له الأحزاب، وهو(عليه السلام) يعلم أنّه سيدفع ثمناً غالياً بسفك دمه، وهتك حرمته، وسبي عياله، وما ذلك إلاّ من أجل الحفاظ على دين الله واستقامة دين جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فوقف في وجه الظالمين ليمنعهم من ظلمهم وتعسّفهم وطغيانهم.
فهل تجد في الدنيا كلّها من يومها الأوّل وإلى يومنا هذا، بل إلى يوم يبعثون من حارب الظالم كما حاربه الإمام الحسين(عليه السلام)؟
1) تاريخ الطبري ٤: ٣٠٥.
الصورة
ولد في «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أُسرة سنّية حنفيّة المذهب، درس إلى المرحلة المتوسّطة، كان استبصاره سنة ١٤٠٤هـ (١٩٨٤م) في «طهران» عاصمة إيران.
إكمال الدين بولاية علي(عليه السلام):
يقول «طلال»: تعرّفت على الشيعة وعاشرتهم عن قرب، فوجّدتُ العقائد السالمة لديهم، لا تشوبها شائبة، ولا يعوزها دليل، ورأيتهم يطلبون الحقّ ولا يخضعون إلاّ له، وإن كلّفهم ذلك التضحية بالنفس والنّفيس، ومن هنا لم يتركهم الظالمون وشأنهم، بل حاربوهم وشرّدوهم وضيّقوا عليهم كلّما سنحت الفرصة لهم.
والشيعة قد اختاروا ولاية الإمام علي(عليه السلام) من حيث أرادها الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فسعدوا بها، وشقي غيرهم بدونها ; لأنّهم اضطروا إلى ولاية غير الإمام علي(عليه السلام) فهووا بهم إلى قعر جهنّم، وساءت مصيراً.
والله سبحانه كان قد أكمل الدين بولاية أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، فكرهها قوم أرادوا لرّئاسة لأنفسهم، فجحدوها واستيقنتها أنفسهم، وجرّوا أتباعهم إلى الضلالة، وإن كان كثيراً من الأتباع لا يعلمون، ويظنّون أنّهم على الإسلام كما تركه
الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(1).
وقال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(2).
ولاية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وآله(عليهم السلام) ولاية الله:
من الأُمور المهمّة التي يواجهها المرء في حياته، وتواجهها المجتمعات في مسيرتها، هي تحديد الصديق وتمييز العدو.
وقد اهتمّ الإسلام كثيراً في تحديد الأولياء والأعداء، فالقرآن الكريم يبيّن للإنسان المسلم كفرد، وللمؤمنين كجماعة من يوالون، ومن يعادون، ومن هو الذي يريد الخير للإنسان ومن الذي يريد له الشر.
قال تعالى: وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(3).
وقال تعالى: اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ(4).
وقال سبحانه: وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ(5).
وقال عزّ من قائل: وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا(6).
فمن الواضح في هذه الآيات أنّ الولاية لابدّ أن تكون لله ورسوله والذين آمنوا، ولا تكون للشيطان والظالمين والضالين.
كما نهى القرآن صريحاً عن ولاية الكافرين بأصنافهم:
قال تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ(1).
وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء(2).
وقال عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء(3).
وقال تعالى: لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ(4).
وقال سبحانه: فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً(5).
ثُمّ إنّ العلاقة بين الله والمؤمنين من أوليائه قائمة على المودّة والمحبّة والصداقة كما تبيّن من الآيات السابقة، أمّا العلاقة بين الشيطان وأتباعه فقائمة على الخوف، والخداع، والجدال، والضرر قال تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ(6).
وقال سبحانه: وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْض(7).
وقال تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(1).
وقال سبحانه: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ(2).
وقال سبحانه في عاقبة المنافقين والكفّار: مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (3).
كما حدّد القرآن العزيز الأعداء الذين يجب الحذر منهم.
قال سبحانه إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (4).
وقال سبحانه عن المنافقين: الاَْخِلَّاء يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (5).
وقال سبحانه عن المنافقين: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ (6).
وقال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ (7).
وقال سبحانه: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ (8).
وقال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ (9).
وما أحسن ما قاله القرآن العزيز بشأن الأعداء: وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا (1).
فعلى الإنسان المؤمن أن يعرف أولياءه الذين شخّصهم له القرآن الكريم، وهكذا أعداءه الذين شخّصهم القرآن أيضاً.
وهل هناك ولي بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خير من علي(عليه السلام) وأولاده المعصومين(عليهم السلام)، فعلي(عليه السلام) قد عيّنه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مولاً لكلّ من كان الرسول نفسه مولاً له فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه»(2).
وأمّا أهل البيت(عليهم السلام) فهم المطهّرون في آية التطهير(3).
وهم من باهل بهم النبيّ في آية المباهلة(4)، وهم القربى في آية المودّة(5)، وهم أحد الثقلين في حديث الثقلين(6)، وهم السفينة في حديث السفينة(7)، وهم الأئمّة الاثنا عشر في حديث الاثني عشر(8)، فهل بعد ذلك كلام في موالاتهم، واتخاذهم الوسيلة إلى الله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ (9).
إذاً الأولياء معروفون والأعداء مشخصون، فليختر المرءُ ما شاء، فإن اختار
من حيث اختار الله له، فقد فاز، وإن اختار من حيث لم يختر له الله، فقد خاب باتّباع الشيطان، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ (1).
وقال تعالى: ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (2).
ورد في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي:
أخبرني محمّد بن محمّد بن النعمان والحسين بن عبيد الله، عن محمّد بن أحمد الصفواني، قال: رأيت القاسم بن العلاء وقد عمّر مائة سنة وسبع عشرة سنة منها ثمانون سنة صحيح العينين، لقي مولانا أبا الحسن وأبا محمّد العسكريّين(عليهما السلام)وحجب بعد الثمانين، وردّت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيّام.
وذلك أنّي كنت مقيماً عنده بمدينة الران من أرض آذربايجان، وكان لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه على يد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري، وبعده على ]يد[ أبي القاسم بن روح، فانقطعت عنه المكاتبة نحواً من شهرين، فقلق لذلك.
فبيننا نحن عنده نأكلّ إذ دخل البوّاب مستبشراً، فقال له: فيج العراق لا يسمّى بغيره، فاستبشر القاسم وحوّل وجهه إلى القبلة فسجد ودخل كهل قصير يرى أثر الفيوج عليه، وعليه جبّة مصريّة، وفي رجله نعل محامليّ، وعلى كتفه مخلاة.
فقام القاسم فعانقه ووضع المخلاة عن عنقه، ودعا بطشت وماء فغسّل يده
وأجلسه إلى جانبه، فأكلنا وغسلنا أيدينا، فقام الرجل فأخرج كتاباً أفضل من النصف المدرج فناوله القاسم فأخذه وقبّله ودفعه إلى كاتب له يقال له ابن أبي سلمة فأخذه أبو عبد الله ففضّه وقرأه حتّى أحسّ القاسم بنكاية.
فقال: يا أبا عبد الله خير.
فقال: ويحك خرج في شيء.
فقال: أبو عبد الله: ما تكره فلا.
قال: القاسم: فما هو؟
قال: نعي الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوماً، وقد حمل إليه سبعة أثواب.
فقال: القاسم: في سلامة من ديني؟
فقال: في سلامة من دينك، فضحك رحمه الله.
فقال: ما أُؤمّل بعد هذا العمر.
فقام الرجل الوارد فأخرج من مخلاته ثلاثة أُزُر وحبرة يمانيّة حمراء وعمامة وثوبين ومنديلاً فأخذه القاسم، وكان عنده قميص خلعه عليه مولانا الرضا أبو الحسن(عليه السلام)، وكان له صديق يقال له عبد الرحمن بن محمّد البدري، وكان شديد النصب، وكان بينه وبين القاسم مودّة في أُمور الدنيا شديدة وكان القاسم يودّه، وقد كان عبد الرحمن وافى إلى الدار لإصلاح بين أبي جعفر بن حمدون الهمدانيّ وبين ختنة ابن القاسم.
فقال لشيخين من مشايخنا المقيمين معه أحدهما يقال له أبو حامد بن عمران المفلس والآخر أبو علي بن جحدر: أن أقرأ هذا الكتاب عبد الرحمن بن محمّد فإنّي أحبّ هدايته وأرجو أن يهديه الله بقراءة هذا الكتاب، فقالا له: الله الله الله فإنّ هذا الكتاب لا يحتمل ما فيه خلق من الشيعة فكيف «عبد الرحمن بن
ولد عام ١٣٨٩هـ (١٩٧٠م) في مدينة «كلار» بالعراق، ونشأ في أُسرة شافعيّة المذهب، تخرّج من المعهد التكنولوجي، استبصر عام ١٤١٢هـ (١٩٩٢م) على أثر استماعه للمحاضرات الدينيّة التي تبثّها إذاعة طهران العربيّة وقراءته لكتاب «المراجعات».
وكان لهذين الأمرين الأثر البالغ في تفنيد الأثر السلبي الذي تركه الإعلام ضدّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) على نفسه، وقد أثبتت التجربة بأنّ البحث العلمي هو السبيل الوحيد الذي يمنح الإنسان قدرة التحرّر من الإعلام المضاد المحيط به ويزيل عنه الغشاوة والحجب ويتيح له الرؤية الصحيحة للأمور، والتوصّل إلى معرفة الحقائق.
زواج المتعة:
من جملة الأمور التي كانت سبباً لشنّ المخالفين هجماتهم الإعلاميّة ضدّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو موضوع «المتعة».
ولكن إذا توجّه الباحث إلى دراسة هذه المسألة بموضوعيّة فإنّه سيصل إلى نتائج تدفعه إلى الإذعان بمشروعيّة هذا النوع من الزواج، وقد نزلت آية في
القرآن الكريم لتشريعه وإباحته تسمّى بآية «المتعة»(1)ولكن عمر بن الخطاب خالف هذه الآية وأمر بحرمة هذا الزواج، فمنعه وعاقب عليه.
ودافع أتباع مدرسة الخلفاء عن رأي خليفتهم وبرّروا عمله، فقال البعض بنسخ آية المتعة، وذهب البعض الآخر إلى أنّ المقصود من هذه الآية هو الزواج الدائم، والحال فإنّ الكثير من المفسّرين صرّحوا بأنّ سياق هذه الآية لا ينسجم إلاّ مع الزواج المؤقّت.
والذين ادّعوا نسخ آية المتعة استدلّوا بقوله تعالى: إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(2).
فالجواب: إنّ هذه الآية نزلت في مكّة، وآية المتعة نزلت في المدينة، فهذه الآية لا تستطيع أن تنسخ آية المتعة، لأنّ الناسخ لابدّ أن يكون متأخّراً عن المنسوخ، والحال تقدّمت هذه الآية على آية المتعة والآية المتقدّمة لا تنسخ الآية المتأخّرة.
ويوجد قول آخر بأنّ الناسخ هي آية العدّة في القرآن فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ(3). والبعض يقول: إنّ هذه الآية تشيد وتوكّد على الطلاق والعدّة، في حين الزواج الموقّت لا يتضمّن الطلاق والعدّة.
فالجواب: الزواج المؤقّت متضمّن للعدّة وإنّما المنتفي عنه هو الطلاق، فإذا اثبتنا وجود زواجين في الإسلام وهما: الزواج المؤقّت والزواج الدائم، فإنّنا نستنتج بأنّ الآية التي تشير إلى الطلاق خاصّة بالزواج الدائم فقط.
أدعاء الصحابة بنسخ آية المتعة مخالف لرأي خليفتهم عمر:
روى الطبري في تاريخه في حوادث سنة٢٣هـ : أنّ عمران بن سوادة دخل على عمر بن الخطاب وذكر له ما يتحدّث به الناس من الأمور التي أحدثها فيهم ولم يرضوها منه، منها تحريم المتعة، قال: «ذكروا إنّك حرّمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث! قال عمر في جوابه: إنّ رسول الله أحلّها في زمان ضرورة، ثمّ رجع الناس إلى سعة، ثمّ لم أعلم أحداً من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق وقد أصبت»(1).
يكشف قول عمر بأنّ الزواج المؤقّت ليس من الأحكام الشرعيّة، فحسب بل هو من ا لأحكام الثابتة، من طريق الكتاب والسنّة مع هذا كلّه ولكنّه خالف هذا الحكم الشرعي الثابت بذريعة المصلحة، وإنّ هذا الزواج إنّما شرّع للضرورة فمع انتفاء الضرورة ينتقي الحكم.
ومسألة تشريع هذا الحكم للضرورة أوّل الكلام، ومسألة انتفائها ادعاء في غير محلّه.
وهذا النمط من التعامل مع الشريعة يفتح الباب على مصراعيه لتحريف الشريعة، وإنّما هو اجتهاد في مقابل النصّ وسبب لهدم الدين وتحطيم الشريعة.
ولو أراد علماء أهل السنّة السير وفق منهج عمر بن الخطاب لغيّروا الكثير من الأحكام الشرعيّة.
الزواج المؤقّت في الأحاديث الشريفة:
ومن الأحاديث المتواترة والمشهورة المؤيّدة للزواج المؤقّت:
1) تاريخ الطبري ٣: ٢٩٠.
١ - قال جابر: كنّا نستمتع... على عهد رسول الله وأبي بكر.. حتّى نهى عنه عمر(1)!
٢ - قال ابن عبّاس: إنّ آية المتعة محكمة يعني لم تُنسخ(2)!!
٣ - قال أحد الصحابة: تمتّعنا على عهد رسول الله وأبي بكر ونصفاً من خلافة عمر، ثمّ نهى عنها عمر الناس(3).
٤ - قال علي(عليه السلام): لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي(4).
٥ - قال عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله، وتمتّعنا مع رسول الله ]أي: في زمان حياته[ ومات ولم ينهنا عنها، ثمّ قال رجل برأية ما شاء(5).
فكلّ هذه الأحاديث تكشف بوضوح حلّية الزواج المؤقّت وثبات مشروعيّته وعدم نسخه وتدفعنا إلى الاعتقاد بأنّ عمر بن الخطاب اجتهد برأيه مقابل النص واتّبع هواه وفرض رأيه على المسلمين ولازال الغموض يلف الأسباب التي دعت عمر بن الخطاب إلى هذا القول المخالف للشريعة.
صلة آية المتعة بالزواج الدائم:
يعتقد البعض بأنّ آية المتعة تشير إلى الزواج الدائم وليس لها أيّة صلة بالزواج المؤقّت.
فالجواب: إنّ الذين يعتقدون بأنّ المقصود من آية المتعة هو الزواج الدائم
ما هو جوابهم إزاء المئات من الأحاديث الشريفة والأخبار الواردة المصرّحة بأنّ آية المتعة خاصّة بالزواج المؤقّت، ولو سلّمنا فما هو مراد هؤلاء المنكرون من النسخ الذي ادّعوه من جهة أخرى، فهل معنى ذلك بأنّ الزواج الدائم منسوخ بزواج دائم آخر!
آية المتعة في الأحاديث الشريفة:
توجد أحاديث كثيرة تبيّن صلة آية المتعة بالزواج المؤقّت منها ; قال ابن عبّاس: «كانت المتعة في أوّل ا لاسلام، وكانوا يقرأون هذه الآية فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزّوج... الخ»(1).
قال القرطبي وغيره: «قال الجمهور: المراد نكاح المتعة، الذي كان في صدر الإسلام»(2).
قال عمران القصير: نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبيّ حتّى مات»(3).
عن داود عن أبي نصيرة قال: «سألت ابن عبّاس عن متعة النساء قال: أمّا تقرأ سورة النساء؟
قال قلت: بلى.
قال: فما تقرأ فيها فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ؟
قلت: لا، لو قرأتها هكذا ما سألتك.
قال: فإنّها كذا(1).
قال الإمام الصادق(عليه السلام): ليس منّا من لم يؤمن بكرّتنا و]لم[ يستحلّ متعتنا»(2).
بعد الاستبصار:
توصّل «عبد الرحمن» بعد البحوث والدراسات العلميّة التي أجراها في الصعيد العقائدي إلى أحقّية مذهب التشيّع، وبدأ بعد الاستبصار بتبيين الحقائق إلى من وجده طالباً للحقيقة وبدأ يظهر لهم نقاط ضعف المذهب السنّي والأدلّة والبراهين التي دفعته إلى اعتناق التشيّع.
جاء في أصول الكافي للشيخ الكليني:
عن محمّد بن إسحاق قال: إنّ «عبد الله الدّيصاني» سأل هشام بن الحكم فقال له: ألك ربّ؟
فقال: بلى.
قال: أقادر هو؟
قال: نعم قادر قاهر.
قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة، لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا؟
قال هشام: النظرة.
فقال له: قد أنظرتك حولاً، ثُمّ خرج عنه.
فركب هشام إلى أبي عبد الله(عليه السلام) فاستأذن عليه فأذن له، فقال له: يابن رسول الله أتاني عبد الله الدّيصاني بمسألة ليس المعوّل فيها إلاّ على الله وعليك.
فقال له أبو عبد الله(عليه السلام): عمّاذا سألك؟
فقال لي: كيت وكيت.
فقال أبو عبد الله(عليه السلام): يا هشام! كم حواسّك؟
قال: خمس.
قال: أيّها أصغر؟
قال الناظر.
قال: وكم قدر الناظر؟
قال: مثل العدسة أو أقلّ منها.
فقال له: يا هشام! فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى.
فقال: أرى سماء، وأرضاً، ودوراً، وقصوراً، وبراريّ، وجبالاً، وأنهاراً.
فقال له أبو عبد الله(عليه السلام): إنّ الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقلّ منها قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة، لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة(1).
فأكبّ هشام عليه وقبّل يديه ورأسه ورجليه وقال: حسبي يابن رسول الله وانصرف إلى منزله.
وغدا عليه «الدّيصاني» فقال له: يا هشام: إنّي جئتك مسلّماً ولم أجئك متقاضياً للجواب.
فقال له هشام: إن كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب، فخرج «الدّيصاني» عنه حتّى أتى باب أبي عبد الله(عليه السلام) فاستأذن عليه فأذن له، فلمّا قعد قال له: يا جعفر ابن محمّد! دُلّني على معبودي.
فقال له أبو عبد الله(عليه السلام) ما اسمك؟ فخرج عنه ولم يخبره باسمه.
فقال له أصحابه: كيف لم تخبره باسمك؟
1) من الواضح أنّ هذا الجواب من الإمام(عليه السلام) جواب إسكاتي إفحامي، من باب كلّم الناس على قدر عقولهم.
قال: لو كنت قلت له عبد الله، كان يقول: من هذا الذي أنت له عبد.
فقالوا له: عد إليه وقل له يدلّك على معبودك ولا يسألك عن اسمك، فرجع إليه فقال له: يا جعفر بن محمّد! دُلّني على معبودي ولا تسألني عن اسمي.
فقال له أبو عبد الله(عليه السلام): اجلس، وإذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال له أبو عبد الله(عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة، فناوله إيّاها.
فقال له أبو عبد الله(عليه السلام): يا ديصاني، هذا حصن حصين مكنون، له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضّة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة ولا الفضّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدري للذكر خلقت أم للأُنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس أترى لها مدبّراً؟
قال: فأطرق مليّاً ثُمّ قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّك إمام وحجّة من الله على خلقه، وأنا تائب ممّا كنت فيه(1).
1) أصول الكافي ١: ٧٩.
اعتنق مذهب الشيعة الإمامية على يد الإمام الصادق(عليه السلام) بعد أن أخبره الإمام(عليه السلام) بما غاب عنه.
عن عمّار السجستاني قال: دخل «عبد الله النجاشي» على الصادق(عليه السلام)وكان زيديّاً منقطعاً إلى عبد الله بن الحسن.
فقال له أبو عبد الله(عليه السلام) ما دعاك إلى ما صنعت؟ أتذكر يوماً مررت على باب قوم فسال عليك ميزاب من الدّار فقلت: إنّه قذر فطرحت نفسك في النّهر بثيابك وعليك منشفة، فاجتمع عليك الصبيان يضحكون منك ويصيحون عليك؟
قال: فلمّا خرجنا قال: يا عمّار هذا صاحبي لا غيره(1).
1) مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب ٣: ٣٤٨.
الصورة
ولد سنة ١٣٨١هـ (١٩٦٢م) في «ديالى» بالعراق، ونشأ في أُسرة سنية المذهب، واصل الدراسة إلى المرحلة المتوسطة، استبصر سنة ١٤٠٣هـ (١٩٨٣م) في مدينة مشهد الإيرانية.
عطر الولاية يوقظ الفطرة السليمة:
يقول «عدنان»: «عندما أُتيحت ليّ الفرصة في استنشاق عطر مذهب آل البيت(عليهم السلام) في مجتمع شيعيّ تسوده مفاهيم الدين، ويسعى أغلب أفراده في أن لا يخالفوا شعائر الإسلام، استجابت كلّ حواسّي لهذا العطر الفوّاح الذي نفذ إلى أعماق الروح، بعد عبور مشام الجسد، وكيف لا تستروح الروح شذى عرف الولاية؟!، وهل يوجد إنسان سليم الفطرة لا يتأثّر بسيرة أهل البيت(عليهم السلام)؟ إنّ الناس لم يعرفوا أهل البيت، ولم يسمعوا كلامهم الحسن فحادوا عنهم، وضاع عليهم الصراط المستقيم(1).
لقد اتيحت ليّ الفرصة في قراءة سيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وآل بيته(عليهم السلام)، فعرفت مدى الحرمان الذي كنت أعاني منه، وفهمت معنى الحياة بعد أن كنت أعاني سكرات
1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام): ٢٧٥ رقم٦٩.
الممات، إنّ سيرتهم حياة، ووجودهم أصل الوجود، فاز من والاهم وهلك من عاداهم، وسَعُد من زار قبورهم التي هي من رياض الجنّة، شاء الوهابي أم أبى.
ولقد أُتيحت ليّ الفرصة أيضاً في زيارة العلماء، والاستفادة من فيض علومهم المتّصلة ببحار أنوار أهل البيت(عليهم السلام)، فأهل البيت ألقوا الأصول وفرّع عليها علماء الشيعة الفروع الكثيرة التي أفادت البشريّة، ومهّدت لهم المسالك الوعرة، وعبّدت لهم السبل الموصلة إلى معين الحقّ، وشراب الجنّة.
الفطرة السليمة تقود إلى التشيّع:
إنّ الفطرة الإنسانية السليمة مجبولة على حبّ الخير، وهي عندما توالي بعض الرموز من غير أهل البيت(عليهم السلام)، نظنّ أنّ هذه الرموز هي رموز الخير، وعناوين الصلاح، وذلك لأنّ هذه الرموز تقدّم أنفسها، أو يقدّمها أتباعها المستفيدون منها على أنّها هي الخير المطلق الذي ما بعده خير، ممّا يؤدّي إلى انخداع الناس ولو لفترة من الزمن، وهذا في الواقع نوع من القرصنة يرتكبه هؤلاء الذين يشبه عملهم عمل قطّاع الطرق الذين يمنعون الناس من الوصول إلى أهدافهم.
إنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم الغاية النهائية، والمقصد الأخير، فهم أفضل البشر، وهم عنوان كلّ خير، وهم الأُسوة، وهم القادة الذين يقع على عاتقهم هداية البشر إلى سبيل الله.
وأمّا الآخرين الذين زاحموهم، أو نصّبوا أنفسهم غصباً في مناصبهم، فهم أئمّة النار، وقادة الضلال الذين انقلبوا على الأعقاب نفاقاً ليكتسبوا وجاهة عند الخلق، واحتراماً بين الناس.
إنّ عودة أبناء البشريّة إلى أُصول الفطرة السليمة التي خلق الله الناس عليها تحميهم من الأشرار وتدفع عنهم غوائلهم وحبائلهم، ومن ثُمّ تهديهم إلى اتّباع
الإنسان الكامل المعصوم الذي اختاره الله دون غيره، واصطفاه عن حكمة بالغة لا يعلمها إلاّ هو، ليقود هذا المعصوم الناس إلى شاطي الأمان، وبرّ السلامة ويدفع عنهم التغييرات التي تحدثها الشياطين في الأنفس طلباً لتغيير خلق الله. وصرفهم عن الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى الفلاح.
الصورة
ولد في مدينة «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أُسرة سنّية مالكيّة المذهب،واصل الدراسة إلى المرحلة المتوسطة، استبصر سنة ١٤٠٣هـ (١٩٨٣م) في معسكر الحشمتية للأسرى في طهران.
ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) حصن الله:
يقول «عذاب»: «حصلت لي الفرصة والوقت الكافي لمطالعة الكتب الدينية وقد استفدت من هذه الفرصة على أفضل وجه، وخرجت بمحصّلة مفادها: أنّ ولاية أهل البيت(عليهم السلام) أمر مهمّ من أُمور الدين، فهم(عليهم السلام) أئمّة المسلمين الذين اختارهم الله سبحانه، ولهم حقّ الولاية على جميع المسلمين.
ومن هنا كان لابدّ لي من قبول ولايتهم، لكي لا أكون من الخاسرين الذين تذهب أعمالهم هباءً منثوراً، والحمد لله الذي وفّقني لهذا الاختيار الذي أرجو أن يكون الدرجة الأولى في سلّم التكامل، الذي يجب على البشريّة جمعاء أن ترقاه لو أرادت الفلاح والنجاة».
إنّ ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) حصن الله(1)الذي يحفظ
1) أمالي الصدوق: ٣٠٦، رقم ٣٥٠.
الموالي من عذاب الله، فإنّ الموالي لأمير المؤمنين(عليه السلام) - الذي يدور الحقّ معه حيثما دار(1)، يعرف الظالمين الذين ناهضهم الإمام علي(عليه السلام) بسيفه ولسانه، فيبتعد عنهم، ويسأل الله النجاة من دسائسهم الشيطانيّة، فينجيّه الله منهم بهذه الولاية المباركة التي تُنجي من النار وتُدخل المؤمن الجنّة.
إنّ ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) تشبه التوحيد(2)- الذي هو حصن يبعّد الإنسان عن الشرك بالله، وعبادة الأصنام - في أنّها تبعده عن موالاة الظالمين والمغتصبين وعاظ السلاطين الذين يمكرون بالناس ويخدعوهم عن دينهم ودنياهم.
إنّ المتأمّل في مسيرة البشريّة عبر تاريخها الطويل، يكتشف بتأمّل بسيط أنّ أفضع أنواع الظلم الذي واجهته البشريّة، كان من القوى التي ترفع شعار الدين باطلاً، وتجعله وسيلة للوصول إلى مآربها الدنيويّة.
فهي من أجل الوصول إلى أغراضها الدنية تستخدم أخسّ الوسائل الماكرة، وأبشع الحيل الخبيثة، ولا يهمّها بعد ذلك أن يهلك الحرث والنسل، أو تُهدم الدول التي تحمل في صميمها بعض مظاهر الحقّ، أو تباد الحضارات التي تؤدّي إلى سلوك بعض سبل الخير.
إنّ الإنسانيّة المعذّبة إذا أرادت الخلاص من واقعها المملوء ظلماً، عليها التوجّه إلى الله سبحانه عبر معرفة الذين اختارهم لهدايتها، والتمسّك بهم والبراءة من أعدائهم، أعداء الله.
وإلاّ فإنّها ستواجه المزيد من الظلم، وتتحمّل المآسي المستمرة، والنكبات المتكرّرة بواسطة المكر الشيطاني المستمر منذ إخراج آدم(عليه السلام) من الجنّة إلى قيام الساعة.
كيف وقد حلف الشيطان بإغواء أبناء آدم جميعاً إلاّ عباد الله المخلصين(1)، فهل آن لهذه البشريّة المعذّبة أن تتّجه نحو طريق الخلاص.
إنّ «عذاب» وأمثاله ممّن عرفوا أولياء الله، وتمسّكوا بهم، أمنوا من العذاب، ودخلوا حصن الله الحصين الذي يدفع أذى المتمرّدين، وكيد الشياطين من أن يصل إلى أعماق قلوبهم التي صارت عرشاً لله، يسود فيها توحيده العظيم، وتجول فيها ولاية أولياء الله التي تقطر لطفاً ورحمة، لتجعل لهم دار الدنيا - قبل الآخرة - داراً طيّبة تفوح في أركانها روائح الجنّة، وتخيّم على ساكنيها السكينة والمودّة رغم مزاحمة أتباع الشيطان.
1) الحجر (١٥) : ٣٩ - ٤٠، ص (٣٨) : ٨٢ - ٨٣.
الصورة
ولد سنة ١٣٧٥هـ (١٩٥٦م) في مدينة «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أحضان أُسرة مسيحيّة كلدانيّة، واصل دراسته إلى نهاية المرحلة الاعداديّة، استبصر سنة ١٤٠٤هـ (١٩٨٤م) في معسكر جرجان للأسرى في إيران أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية.
بين المسيحيّة والإسلام قلبٌ مهموم:
يقول «عصام»: «كانت فترة وقوعي في الأسر في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية فرصةً أتاحت لي قراءة كتب المسلمين، والإطّلاع على معالم دينهم، بعد أن لم أكن أعرف عنهم إلاّ الشيء القليل، كما أخذت بالمقارنة بين ديانتي المسيحية - التي ورثتها عن أهلي - والإسلاميّة - التي أطلّت عليّ بقوّة، بعد أن لم يكن يعنيني أمرها لا من قريب ولا من بعيد - .
إنّ الإطّلاع على القرآن الكريم هزّ مشاعري، وسما بروحي إلى العوالم العليا، فما هذا الكلام من كلام البشر أبداً، وقد سبق لي الاطّلاع على الإنجيل والتعبّد به، لكنّ القرآن شيء آخر لا يمكن وصفه أو مقارنته بالإنجيل.
نعم هناك قصص متشابهة، وهناك ذكر للإنجيل وعيسى وأمّه مريم في
القرآن، وهي آيات كثيرة تذكرهم باحترام، وتعترف بأنّ المسيح(عليه السلام) نبيّ الله، بل من أنبياء أُولي العزم، كما تعترف بكتابه الإنجيل وتقول: إنّه وحي الله.
كما تذكر أنّ مريم اصطفاها الله على نساء العالمين، ونفخ فيها من روحه، فولدت عيسى(عليه السلام) من دون أب، وكان مثله كمثل آدم(عليه السلام) خلقه الله من دون أب وأمّ.
وتذكر أن المسيح هو عبد الله وروحه وكلمته، وليس فيها ذكر لربوبيّته أبداً، فلا أدري إنّ أناجيلنا من أين أتت بأنّ المسيح الإنسان ابن الربّ؟ سبحانه وتعالى عن ذلك.
إنّ قصّة التثليث المسيحي، قصّة تخاطب عاطفة الإنسان بأُمور مؤلمة، وهذا لا يقبله العقل ولا يهضمه، فالثلانة لا يكونون واحداً رغم إدّعاء آباء الكنيسة للتوحيد، كما أنّ إرسال الربّ لابنه فداء للبشريّة من خطيئة آدم الذي أُخرج من الجنّة أمر يحرّك الإحساسات الإنسانيّة ويدفعها نحو التعلّق بالمسيح وحبّه، لكنّه دفع قسريّ يفترض أنّ الخطيئة الأُولى المُدّعاة لآدم(عليه السلام) أمر جبريّ يسري على كافة أبنائه، شاؤوا أم أبوا، عقلوا هذا الأمر أم لم يعقلوه، كباراً كانوا أو صغاراً لا يدرون ما آدم(عليه السلام) وما خطيئته.
إنّ هذا السحق المبرم لإرادة الإنسان الذي خُلق مخيّراً، يؤدّي إلى الرفض من قبل أيّ إنسان عاقل، لكنّ معظّم الناس لا يستطيعون التعبير عن رفضهم هذا لاختلاط هذا الموضوع بالأُمور المقدّسة التي ظاهرها السعي في خلاص الإنسان، لكنّها في الواقع تستبطن إضلاله ودفعه قسراً إلى الدين.
إنّ انعتاق اوروبا والغرب بصورة عامّة من تعاليم الكنيسة في عصر النهضة، دفع بأبناء الغرب إلى الفرار من الدين والتمسّك بالعلمانيّة الكافرة نتيجة هذا القسر الخفي في العقيدة المسيحيّة.
إنّ عقلي كان يؤمن بهذا التفكّر، ولكنّ قلبي كان يعتصر ألماً، فهو موزّع بين عقائده الأُولى التي تلقّاها أيّام الطفولة فلازال لقداس يوم الأحد صدىً في أعماق الروح، ولازال جرس الكنيسة له رنيناً خاصاً في حنايا القلب، وبين عقائده الجديدة التي يأمر بها العقل، ولا تأباها العاطفة الإنسانيّة الصادقة، فمن يستطيع أن يرفض آيات القرآن. وأيّ قلب قاس هذا الذي يريد أن لا يؤمن بها؟
رؤيا صالحة تفصل الحقّ عن الباطل:
يواصل «عصام» قائلاً: «كانت أيّاماً صعبة، أُصبح فيها مهموماً، فاستغرق في التفكير، ويدخل عليّ اللّيل بهمّ مضاعف يمتدّ بي إلى ساعات اللّيل المتأخرة أتقلّب على فراشي، ولا أحد هناك يعينني على مواجهة هذه المحنة، فتوجّهت إلى الله ربّ العالمين، وطلبت منه بحرارة وإيمان صادق بعظمته وإُلوهيّته أن ينقذني من هذه الورطة.
وهناك في إحدى الليالي غمضت عيناي ورأيت رؤياً صالحة هدتني إلى الطريق المستقيم، حيث رأيت أحد السادة المسلمين وهو يحتضنني ويقول لي بهدوء: سوف تكون من المخلصين إن شاء الله، وانتبهت من حلمي، وقصصته على أصدقائي ولم يطل بي الوقت حتّى قرّرت أن أُسلم لله ربّ العالمين فذهبت مع أحد أصدقائي إلى الشيخ الموجود في المعسكر ونطقت بالشهادتين وأصبحت مسلماً.
إنّ إيماني بالإسلام كان إيماناً بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الكرام الذين أوحى بهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، وذكرهم القرآن بصور شتّى، كما بشّرت بهم الكُتب المقدّسة السابقة.
إنّ التأمّل في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) يحكي لك البطولة والفدائيّة والأهليّة لخلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من جميع النواحي.
فهو ربيب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لم يسجد في حياته لصنم(1)، وهو المدافع عنه في كلّ الملمّات، وهو الفدائي الذي بات على فراش رسول الله ليلة الهجرة ليخلص معلّمه ورسوله من طغاة قريش الذين لا يرحمون أحداً، وهو الذي قام الإسلام بسيفه، فبينما كان كبار الصحابة يفرّون من الحروب كان هو الكرّار الذي تشهد له بدر وأُحد والخندق وخيبر وحنين و . . .
إنّ ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) هي حصن الله(2)الذي يأمن من دخله من العذاب، فالحمد لله على نعمة الولاية لآل البيت(عليهم السلام) التي هي جنّة المأوى والتي لا ينالها إلاّ المخلصون المحبّون، وأمّا غيرهم فهم المحرومون دنيا وآخرة، والعياذ بالله من سوء العاقبة.
الصورة
ولد عام ١٣٧٦هـ (١٩٥٧م) في بغداد، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب، واصل دراسته حتّى تخرّج من كليّة العلوم قسم الجيولوجيا، استبصر عام ١٤٠٨هـ (١٩٨٨م) نتيجة مطالعته للعديد من الكتب والمصادر الدينيّة، ولاسيّما نتيجة قراءته كتاب «ثمّ اهتديت» للدكتور التيجاني السماوي.
التاريخ أسود مظلم:
قرأ «عصام» في كتاب التيجاني: قال عبد المنعم: أنتم إخواننا أهل السنّة والجماعة تركتم اللبّ وتمسّكتم بالقشور.
فقال التيجاني غاضباً منقبضاً ]قبل استبصاره[: كيف تمسّكنا بالقشور وتركنا اللبّ؟
فهدّأني وقال:... يا أخ السماوي، هل تعرف التاريخ الإسلامي؟
وأجبت في غير ترّدد بنعم، وفي الحقيقة ما عرفت من التاريخ الإسلامي قليلاً ولا كثيراً ; لأنّ أساتذتنا ومعلّمينا كانوا يمنعوننا من ذلك، مدّعين بأنّه تاريخ أسود مظلم لا فائدة من قراءته(1).
1) ثمّ اهتديت، الدكتور التيجاني السماوي، تحقيق مركز الأبحاث العقائديّة: ٣٧.
وهذه العبارة الأخيرة ملفتة للنظر، ولا توجد أيّة شبهة بأنّ الدين الإسلامي دين إلهي متكامل من جميع الجهات، وهو قادر على تلبية متطلّبات الناس، وجاء ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، وجاء ليأخذ بيد البشريّة إلى أسمى درجات الكمال.
وأمّا التاريخ الإسلامي أو بعبارة أصحّ تجسيد الدين الإسلامي علماً من الواقع فإنّه لا شكّ يتضمّن صفحات سوداء كثيرة، وبمجرّد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)نجد بأنّ أمر الأُمّة تغيّر تغيّراً جذرّياً، وأخذت الأُمّة بالانحسار، وهيمنت الظلمة عليها، وبعد تنحية أهل البيت(عليهم السلام) عن قيادة الأُمّة ازداد الظلم، وهتك الحرمات، ونهب الأموال، وابتزاز الحقوق، وتعامل أهل البيت(عليهم السلام) مع الوضع الحاكم معاملة المعارض، وهذا ما دعى الحكام إلى محاولة القضاء على كلّ ماله صلة بأهل البيت(عليهم السلام).
واستمرّ الأمر حتّى وقعت فاجعة كربلاء وقُتل الإمام الحسين(عليه السلام) بأبشع صورة، واستمرّ القتل والتشريد والتهجير والتعذيب لأهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم من قِبَل حكّام بني أُميّة، ثمّ جاء بعدهم بنو العبّاس فأسرفوا في ابتزاز حقّ أهل البيت(عليهم السلام)وإقصائهم عن مكانتهم، بل أولعوا فيهم سجناً وقتلاً وتشريداً، وهكذا استمرّ تاريخ المسلمين إلى يومنا هذا الذي لم يبق فيه من الإسلام إلاّ اسمه ومن معالمه إلاّ رسمه.
ولهذا عندما يمعن الباحث النظر في تاريخ المسلمين وأحداثه فإنّه يجد فيه ما يُدمي القلب.
ونجد أنّ الوهّابيّة حاولت إخفاء حقائق التاريخ وإظهاره بالمظهر الحسن..
والجدير بالذكر أنّ أول نقطة سوّدت صفحات التاريخ هي أفعال بعض الصحابة، وإذا عرف المسلم ذلك فإنّه سيتبيّن له لماذا أكّد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث
الثقلين على القرآن وأهل البيت(عليهم السلام) ; لأنّ الطريق الصحيح بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو طريق أهل البيت(عليهم السلام).
وقد حاول بعض أهل السنّة إبراز صفحات التاريخ مشرقة، منهم عثمان الخميس في كتابه كشف الجاني(1)فقد حاول المؤلّف أن ينسب تشويه التاريخ إلى الشيعة حسب زعمه، والذي يدلّ على أنّ التاريخ الإسلامي فيه صفحات سوداء كثيرة، أنّ أوّل ما فوجئ به المسلمون بعد مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أدّى إلى ارتحاله أنّه وجّه بالافتراء عليه والقول بأنّه يهجر، والقائل هو عمر بن الخطاب(2)، وهذه الكلمة أوجدت الاختلاف بين المسلمين.
ثمّ بعد وفاة النبيّ وقع الاختلاف على خلافته(صلى الله عليه وآله وسلم) وكاد المسلمون أن يتقاتلوا، وأوقعت الفرقة بين المهاجرين والأنصار، وبرزت الأحقاد والنزعات القوميّة، حتّى كاد أن ينسى الإسلام بتاتاً، ووقف بنو هاشم وعلى رأسهم الإمام علي(عليه السلام) بوجه السقيفة متمسّكين بوصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)(3).
وقام أصحاب السقيفة بالهجوم العنيف على معارضيهم ومخالفيهم وبلغ بهم الأمر أن هجموا على دار الإمام علي(عليه السلام) وكانت الزهراء في الدار، وهدّدوا فاطمة بأنواع التهديدات، ثمّ شعلوا النار حول الدار(4).
وقام أصحاب السقيفة بعد ذلك باغتيال سعد بن عبادة المعارض الأوّل لخلافة أبي بكر(5).
وقام أبو بكر بالأمر وقال: «وليتكم ولست بخيركم... إنّ لي شيطاناً يعتريني
فإذا غضبت فاجتنبوني»(1).
ثمّ ولّى الخلافة عمر بن الخطاب، وكان كما يصفه ابن أبي الحديد بقوله: «كان عمر شديد الغلظة، وعر الجانب، خشن الملمس، دائم العبوس»(2).
وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر حول عمر بن الخطاب: «كان سريعاً إلى المساءة، كثير الجبة والشتم والسبّ لكلّ أحد، وقلّ أن يكون في الصحابة مَن سلم من معرّة لسانه أو يده، ولذلك أبغضوه وملّوا أيّامه»(3).
واستخدم عمر بن الخطاب العنف في حياته مع الصحابة فضلاً عن غيرهم، وقام بمنع تدوين الحديث النبوي الشريف، فقضى المسلمون في خلافته بحيث رآه الإمام علي(عليه السلام) كاذباً آثماً غادراً خائناً(4).
وأمّا عثمان فقام بعد خلافته بمخالفة السنن، وأصدر مرسوماً بمنع الحديث،وضرب الصحابة كعمّار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وغيرهم، وحمل بني أُميّة على رقاب الناس، وقرّب الحكم بن أبي العاص وأغدق عليه بالأموال بعدما أرجعه إلى المدينة، والحكم هذا كان قد طرده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة، ولعنه ومن في صلبه، وسمّاه وزغاً(5).
ووّلى عثمان الأمصار الفسّاق الفجّار، فولّى عبد الله بن أبي سرح أخاه لأمّه من الرضاعة وأعطاه ولاية مصر، وعبد الله بن أبي سرح أسلم ثمّ ارتدّ وأباح النبيّ دمه لكن عثمان استأمنه، ولمّا استخلف ولاّه مصر(6).
واستعمل عثمان الوليد بن عقبة على الكوفة، وكان يشرب الخمر وهو الذي نزل قرآن بفسقه حيث قال تعالى: (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ) فإنّها نزلت في الوليد(1).
وولى عثمان أموره إلى مروان بن الحكم حتّى أوقعه في الهاوية(2).
ثمّ ثار الصحابة ثورتهم المعروفة بقيادة عبد الرحمن بن عديس البلوي الصحابي الرضواني والجهجا الغفاري الصحابي الرضواني، وطلحة بن عبيد من العشرة المبشّرين بالجنّة وغيرهم من الصحابة الأجلاّء ضدّ عثمان وقتلوه في داره.
وبعد قتله قام باغية آل بني سفيان رافعاً قميص عثمان، ومطالباً بالخلافة، وهيّج أهل الشام، فخرج على إمام زمانه علي بن أبي طالب(عليه السلام) وحاربه، وفي هذه الحرب قتل أصحاب معاوية عمّار الذي قال فيه رسول الله: ويح عمّار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار»(3).
وبعد أن استولى معاوية على الحكم وذلك بعد استشهاد الإمام علي(عليه السلام) أخذ بسفك دم الأبرياء وسبي النساء، وقد ورد:
«أنّ معاوية بن أبي سفيان أرسل بسر بن أبي أرطاة القرشي ثمّ العامري في جيش من الشام حتّى قدم المدينة وعليهم يومئذ أبو أيّوب خالد بن زيد الأنصاري صاحب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهرب منه أبو أيّوب إلى علي(عليه السلام) بالكوفة، فصعد بسر منبر المدينة ولم يقاتله بها أحد، فجعل ينادي: يا زريق، يا نجار، شيخ سمح عهدته هاهنا بالأمس - يعني عثمان -.. وجعل يقول يا أهل المدينة، والله لولا ما عهد إليّ أمير المؤمنين - يقصد معاوية - ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته...، وهدم بسر دوراً بالمدينة.. ثمّ مضى إلى اليمن وعليها يومئذ عبيد الله بن العبّاس بن عبد
المطلب، عاملاً لعليّ بن أبي طالب.. وكانت عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان قد ولدت من عبيد الله غلامين من أحسن صبيان الناس أوضئه وانظفه فذبحهما ذبحاً»(1).
وورد أيضاً: «أغار بسر بن أرطاة على همدان وسبى نساءهم، فكنّ أوّل مسلمات سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بني سعد».
حدّث أبو سلامة عن أبي الرباب وصاحب له أنّهما سمعا أبا ذر يدعو ويتعوّذ في الصلاة صلاّها أطال قيامها وركوعها وسجودها.
قال: فسألناه، ممّ تعوّذت وفيم دعوت؟
فقال: تعوّذت بالله من يوم البلاء ويوم العورة.
فقلنا: وما ذاك؟
قال: أمّا يوم البلاء فتلتقي فتيان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضاً.
وأمّا يوم العورة فإنّ نساء من المسلمات ليسبين فيكشف عن سوقهن، فأيّتهنّ كانت أعظم ساقاً اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله ألاّ يدركني هذا الزمان ولعلّكما تدركانه.
قال: فقتل عثمان، ثمّ أرسل معاوية بسر بن أحمد بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق»(2).
وأمّا معاوية، فإنّه قتل عبد الرحمن ابن عديس البلوي الرضواني الذي تزعّم الحملة العسكريّة ضد عثمان، وبعدما استولى معاوية على الأمور هرب إلى فلسطين، فقتلوه هناك(3).
وقتل معاوية عمرو بن الحمق الخزاعي الذي شارك في الهجوم على عثمان وهو صحابي معروف وقطع رأسه ليكون أوّل رأس يحمل في الإسلام(1).
كما قام معاوية بمحاصرة الأنصار اقتصاديّاً وسياسيّاً، ويبدو أنّ هذه المحاصرة كانت منه انتقاماً منهم إزاء حرب بدر وأحد.
ولمّا قرب هلاك معاوية أدلى بالأمر إلى ابنه يزيد الذي كان «ناصبيّاً، فظّاً غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين(عليه السلام)، واختتمها بواقعة الحرّة، فمقته الناس ولم يُبارك في عمره»(2).
وورد: «كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويكنّيه أبا قيس ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصحاب خطيئة فمسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك ممّا يصنع، وكان يحمله على إتان وحشيّة ويرسلها مع الخيل»(3).
السبيل للتخلّص من الفتن:
يقول «عصام»: اطّلعت على التاريخ الإسلامي، فعرفت أنّ التمسّك بأهل البيت(عليهم السلام) هو الطريق الوحيد للتخلّص من الفتن التي حلّت بالأمّة الإسلاميّة.
وكلّ من يطالع التاريخ الإسلامي يجد بوضوح بأنّ مذهب أهل السنّة مذهب حكومي، ترعرع في أحضان الحكومات الجائرة، واستمدّ منها وجوده، وقد غيّرت هذه الحكومات الكثير من الدين من أجل تحقّق مآربها ومصالحها السياسيّة الدنيويّة.
وبقى أهل البيت(عليهم السلام) المعارضة الوحيدة التي حفظت معالم الدين وصانته من التحريف ; ولهذا يجدر بكلّ مسلم أن يتأمّل في تراث أهل البيت(عليهم السلام) ويجعله المعتمد الوحيد في معرفة ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
الصورة
ولد السيّد «علي البدري» سنة ١٣٤٦هـ (١٩٢٨م) في الكرّادة الشرقيّة في بغداد.
تنتمي أسرته إلى المذهب الشافعي، وفي ذلك يقول السيّد سامي البدري كبير الأسرة في الوقت الحالي - وذلك في ترجمته للسيّد علي البدري -: تدين عشائر البوبدري بالمذهب الشافعي(1).
ويقول السيّد سامي البدري أيضاً: إنّ إبراهيم بن جاسم - جدّ السيّد علي لأبيه - كان سنّياً من سكنة الكرّادة الشرقيّة، وتوفّي على المذهب السنّي، ونشأ ولده عبّاس (والد السيّد علي) في كنف والدته التي كانت سنيّة أيضاً(2).
وأمّا «السيّد علي» نفسه يتحدّث عن مذهبه السابق ويقول: أنا من منطقة الكرّادة الشرقيّة في بغداد، كنتُ سنّياً، وعائلة البدري معروفة في العراق سنّية، فهناك عالم مهم وباحث كبير هو الدكتور عبد العزيز البدري الذي اغتاله صدام ; لأنّه كان معارضاً له(3). وعبد العزيز البدري من كبار علماء السنّة في العراق.
تعرّفه على المذهب الجعفري:
لم يكن تعرّفه على المذهب الجعفري بالأمر الصعب ; حيث إنّه من أهل العراق الذي أكثر من ٦٥ من سكّانه ينتمون إلى هذا المذهب، فإخواننا أتباع المذاهب السنّية وسائر الديانات في العراق لابدّ ولهم علاقة بشخص جعفري، تربطه علاقة صداقة، أو زمالة أو جيرة. فهناك تعايش سلمي بين ا لمذاهب الإسلاميّة في العراق ووصل هذا الاحتكاك الاجتماعي إلى التزاوج الأسري، فكثيراً ما نجد أنّ شخصاً شيعياً يتزوّج من امرأة سنّية، وبالعكس.
يقول «السيّد علي البدري»: التقيتُ بكثير من الشيعة وخصوصاً مع علمائهم، وكنت أناقشهم بالمسائل الخلافيّة، وأُحرج أمامهم بالنقاش، بيد أنّي خرّيج كلّية الشريعة(1).
البحث عن الحقيقة:
بعد المناقشات التي أجراها علماء الشيعة، والإحراجات التي وقع فيها، أخذ الشكّ يراوده في ما يحمله من عقائد موروثة، فأخذ يراجع مصادر الحديث السنّية التي كان علماء الشيعة يستشهدون بها، فقرأها بإمعان وتدقيق ومقارنة، وإن كان قد قرأها سابقاً مراراً وتكراراً، ولكن هذه القراءة تختلف عن قراءاته السابقة ; إذ كان يقرأها بدون التوجّه إلى المفارقات والمناقضات التي فيها ; والسبب في ذلك يرجع إلى العقائد الموروثة التي كانت تهيمن على عقليّته.
فالخلفيات الذهنيّة - عقائد وغيرها - لها دور في فهم المسائل، فتارة يقرأ الإنسان عبارة بديهيّة البطلان ولكن يقبلها ويبرّرها ; لأنّها صادرة من شخصيّة يقدّسها، فقداسة الأفراد تبرّر مساوىء أفعالهم. وهذه المسألة في غاية الأهمّية والخطورة. فيجب على الباحث الذي يريد الوصول إلى النتيجة المطلوبة أن يزيح
1) المصدر السابق.
ومن جملة أهدافهم في وضع الحديث هو رفع مستوى الصحابة لتكون موازية لمقام أهل البيت(عليهم السلام)، فما من رواية في فضل أهل البيت(عليهم السلام) إلاّ وقد جُعلت مقابلها روايات في فضل غيرهم.
فهنا يأتي دور الدراية لمعرفة الصحيح من السقيم، لكن بشرط أن يكون هناك حكماً خالياً من الخلفيّات الذهنيّة، وتكون الدراسة محايدة كي نصل إلى النتيجة المطلوبة والحقيقة المنشودة.
ونذكر هنا بعض الروايات من هذا القبيل.
المثال الأوّل: «أهل بيتي أمان لامّتي»:
جاء عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس»(1).
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت أتاها ما يوعدون، وأنا أمان لأصحابي ما كنتُ فيهم، فإذا ذهبتُ أتاهم ما يوعدون، وأهل بيتي أمان لأمّتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون»(2).
وكما يظهر من هذه الروايات الصحيحة وأمثالها أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نصّ على أفضليّة أهل البيت(عليهم السلام).
ففي المقابل قام أنصار مدرسة الخلفاء ووضعوا روايات في فضل الصحابة،وهي بيّنة الضعف.
منها ما نُسب للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): «النجوم أمان لأهل السماء، وأصحابي أمان
لأمّتي»(1).
ونُسب إليه أيضاً: «النجوم أمان للسماء، فإذا ذهبت أتاها ما يوعدون، وأنا أمان لأصحابي ما كنتُ فيهم، فإذا ذهبتُ أتاهم ما يوعدون، وأصحابي أمان لأمّتي، فإذا ذهبوا أتاهم ما يوعدون»(2).
وهذه الأحاديث التي ذكروها في فضل الصحابة مع كونها ضعيفة، فيها أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر بأنّ أصحابه سيأتيهم ما يوعدون من بعده، وفي نفس الوقت يقول: إنّهم أمان لأمّته وهذا تناقض.
فلابدّ هناك من أحد يكون مستثناً من ا لوعيد، كي يكون أماناً للآخرين.
المثال الثاني: «أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح»:
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق»(3).
وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قلتُ: يا رسول الله أرشدني إلى النجاة، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا بن سمرة إذا اختلفت الأهواء والآراء، فعليك بعلي بن أبي طالب فإنّه إمام أمّتي وخليفتي عليهم من بعدي، وهو الفاروق الذي يميّز بين الحقّ والباطل»(4).
ولمّا كانت هذه الأحاديث وأمثالها بيّنة الدلالة على أنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم القادة إلى النجاة، وهم الذين فرض الله طاعتهم من بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قام أتباع مدرسة الصحابة بتزوير كلام عن لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يفضّل به الصحابة جميعاً.
فقالوا: إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم».
وفيه - مع ضعف سنده الذي أقرّ به كبار علماء أهل السنّة - أنّه أولاً: هذا الكلام غير مقبول إذ لا يقول به أعرابي بسيط يرعى الغنم في الصحراء، فكيف بسيّد العقلاء وأمير الحكماء الرسول المؤيّد من السماء.
فكيف غاب عن المزوّر أنّ النجوم في السماء لا تهدي جميعاً، بل هناك نجم واحد فقط يُهتدى به، وإذا فتّشنا في الصحابة نرى أنّ هناك شخصاً واحداً يدلّنا على الطريق، وهو الذي عرّفه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعبد الرحمن بن سمرة في الحديث المتقدّم، وهو ليس إلاّ النجم الثاقب أسد الله الغالب علي بن أبي طالب(عليه السلام).
ثانياً: لو تتبّعنا سيرة أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نرى الكثير من المتناقضات، فمنهم من كان يشرب الخمر، ومنهم من زنى، ومنهم من قتل النفس المحترمة، ومنهم من تسبّب بالفتن التي راح ضحيّتها عشرات الآلاف من ا لمسلمين، فكيف يصحّ الاقتداء بكلّ الأطراف المتضادّة؟!
وهناك آيات وروايات في ذمّ الصحابة، فهل يجوز الاقتداء بمن وصفه القرآن والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالفسق والضلالة؟!
المثال الثالث: «عليّ باب علمي»:
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا دار الحكمة وعليٌ بابها»(1).
وفي رواية أخرى قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وعليٌ بابها، فمن أراد المدينة فليأتي الباب»(2).
فهذا الحديث الشريف وأشباهه صريح في فضل علي بن أبي طالب(عليه السلام)،
وبيان أعلميّته سلام الله عليه.
ولكن عبست وجوه القوم من ذلك، فأخذوا يسطّرون الكلمات، وقسّموا المدينة لسائر عظمائهم.
نذكر هنا بعض هذه الترهات المضحكة:
نسبوا للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، وأبو بكر وعمر وعثمان حيطانها وأركانها».
وأيضاً عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها وأبو بكر محرابها».
وأيضاً عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وأبو بكر وعمر وعثمان سورها وعلي بابها».
وأيضاً عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقتها».
وأيضاً عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم، وأساسها أبو بكر، وجدرانها عمر، وسقفها عثمان، وبابها علي».
وأيضاً عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة الصدق وأبو بكر بابها، وأنا مدينة العدل وعمر بابها، وأنا مدينة الحياء وعثمان بابها، وأنا مدينة العلم وعلي بابها»(1).
أمّا لو راجعنا كلامهم في تفسير هذا الحديث نراهم كيف يتخبّطون لتحريف الكلم عن مواضعه ويظهرون الحقّ باطلاً.
ونكتفي بكلام ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة حول هذا الحديث. وهذا نصّه:
قال ابن حجر: لا يقال: بل علي أعلم منه (أيّ: أبي بكر)، للخبر في فضائله:
1) راجع كتاب (فتح الملك العلي بصحّة حديث باب مدينة العلم علي) للإمام المحدّث أحمد ابن محمّد المغربي.
«أنا مدينة العلم وعلي بابها» ; لأنّا نقول: أنّ الحديث مطعون فيه، وعلى تسليم صحّته أو حسنه ; فأبو بكر محرابها، ورواية: «فمن أراد العلم، فليأت الباب». لا تقتضي الأعلميّة، فقد يكون غير الأعلم يقصد، لما عنده من زيادة الإيضاح والبيان، والتفرّغ للناس، بخلاف الأعلم، على أنّ تلك الرواية معارضة بخبر الفردوس: «أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها».
فهذه صريحة في أنّ أبا بكر أعلمهم، وحينئذ فالأمر بقصد الباب إنّما هو لنحو ما قلناه، لا زيادة شرفه على ما قبله، لما هو معلوم ضرورة، أنّ كلاّ من الأساس والحيطان والسقف أعلى من الباب.
وشذّ بعضهم، فأجاب: بأنّ معنى «وعليٌ بابها» أي: من العلو على حدّ قراءة: هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(1)برفع علي، كما قرأ به يعقوب(2). انتهى كلام ابن حجر في الصواعق.
أقول: لو كان الحديث في بيان مناقب أحد أوليائهم لما تكلّموا فيه كلّ هذا الكلام المضحك المبكي.
ومع وضوح سخافة قول ابن حجر وركاكته، ولكن لا بأس أن نأتي ببعض أقوال العلماء في الردّ عليه.
إنّ العلماء تطرّقوا إلى هذا الحديث وأشبعوه بحثاً، ونكتفي بأقوال العلاّمة السيّد علي الميلاني الذي خصّص لهذا الحديث ثلاثة مجلّدات من كتابه القيّم «نفحات الأزهار».
جاء في الجزء الثاني عشر من كتاب «نفحات الأزهار» في الردّ على ابن حجر: أمّا قوله: لا يقال: بل علي أعلم منه للخبر في فضائله، إلى آخره، ويريد بذلك أن ينفي أعلميّة الإمام علي(عليه السلام) من أبي بكر.
نقول: إنّ حديث «أنا مدينة العلم» أحد الأدلّة على أعلميّته، وليس هو الدليل الأوحد في ذلك.
وقد شهدت بذلك كلمات كثير من أعلام أهل السنّة، وكان منها عبارات ابن حجر المكّي نفسه في كتابه «المنح المكّية». فمن الغريب بعدئذ دعواه في الصواعق أعلميّة من جهل حتّى معنى «الأبّ» و«الكلالة»(1)استناداً إلى دعاوي فارغة وأكاذيب واضحة(2).
وأمّا قوله: إنّ الحديث مطعون...
فيرد عليه: أنّ هذا الحديث صحّحه أكابر الأعلام والمحقّقين من أهل السنّة ; فهو حديث صحيح بل متواتر وقطعيّ الصدور.
ويكفي عبارة ابن حجر نفسه في الفصل الثاني من الباب التاسع من الصواعق، الذي نقتطف منها بعض العبارات:
منها قوله: اقتصرتُ هنا على أربعين حديثاً ; لأنّها من غرر فضائله.
وكذلك قوله: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، وفي رواية: «فمن أراد العلم فليأت الباب»، وفي أخرى: «أنا دار الحكمة وعلي بابها»، وفي أخرى عند ابن عدي: «علي باب علمي».
وأيضاً قوله: وقد اضطرب الناس في هذا الحديث، فجماعة على أنّه موضوع... وبالغ الحاكم على عادته فقال: إنّ الحديث صحيح، وصوّب بعض محقّقي المتأخّرين المطّلعين على الحديث أنّه حديث حسن.
بعد سرد هذه المقتطفات نقول:
أولاً: إنّ ابن حجر عدّ هذا الحديث من فضائل الإمام(عليه السلام) بل وغرر فضائله، ومن الأربعين حديثاً التي رجّحها في الذكر على سائر فضائله.
ثانياً: أنّ ابن حجر جاء بمؤيّدات لهذا الحديث التي تظهر أنّ هذا اللفظ صدر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثالثاً: أنّه ينصّ على تصحيح الحاكم للحديث، ويعترف أنّ بعض المحقّقين المتأخّرين المطّلعين صوّبوا الحديث أنّه حسن.
رابعاً: قوله: «وقد اضطرب الناس» ففيه: إنّ المنصفين لم يضطربوا في هذا الحديث، وأمّا المتعصّبون فلا يلتفت إليهم البتّة(1).
علاوة على ذلك فإنّ ابن حجر نسى أنّه قد حسّن الحديث في كتابه الآخر الموسوم (المنح المكّية) حيث قال فيه: ورث عنه (أي: ورث علم الرسول) معظّم أعلام الصحابة... كعلي كرّم الله وجهه لقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الحسن خلافاً لمن زعم وضعّفه: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، فبطل قوله: (إنّ الحديث مطعون) بكلام نفسه(2).
وقال ابن حجر أيضاً في كتابه «تطهير الجنان» في مطاعن معاوية: خروجه على علي كرّم الله وجهه ومحاربته له مع أنّه الإمام الحقّ بإجماع أهل الحلّ والعقد، والأفضل والأعدل والأعلم بنصّ الحديث الحسن لكثرة طرقه خلافاً لمن زعم
وضعه ولمن زعم صحّته ولمن أطلق حسنه: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»(1).
ومنها ما جاء في فتاويه: سئل رضي الله عنه: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها».
هل هذا الحديث صحيح، أم لا؟
فأجاب ابن حجر: الحديث رواه صاحب مسند الفردوس، وتبعه ابنه بلا إسناد، عن ابن مسعود(رضي الله عنه) مرفوعاً، وهو حديث ضعيف، كحديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقتها» فهو ضعيف أيضاً.
أمّا حديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» فهو حديث حسن، بل قال الحاكم: صحيح(2).
وقال السخاوي بعد تضعيفه الحديث: وبالجملة فكلّها ضعيفة وألفاظ أكثرها ركيكة(3).
وقال العلاّمة البدخشاني: حديث «أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها... إلى آخر قوله: لا تقولوا في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلاّ خيراً» بلا إسناد عن ابن مسعود، وهو منكر جدّاً، وأظنّه موضوعاً، وإنّما وضعه من وضعه ليقابل به حديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها»(4).
وقال اللكهنوي بعد ذكر حديث (مدينة العلم): «إنّ ما أُلحق بهذا الحديث في بعض ألفاظه في حقّ الأصحاب موضوع ومفترى على ما في الصواعق»(5).
وأمّا بالنسبة إلى فقرة (وعمر حيطانها) أو (سورها) أو (أحد أسورتها
بمشاركة صاحبيه أبي بكر وعثمان).
نقول: أولاً: إنّ هذا التخبّط بالعبارات الركيكة - كما عبّر، عنها السخاوي - تدلّ على حقيقة اختلاقها.
ثانياً: كيف يكون عمر حيطانها ويشهد على نفسه بأنّ الكلّ أعلم منه، ونذكر بعض أقواله في ذلك:
قال عمر: كلّ أحد أفقه من عمر(1).
وقال: كلّ الناس أفقه من عمر.
وقال: كلّ الناس أفقه من عمر حتّى المخدّرات في الحجال.
وقال: كلّ الناس أفقه من عمر حتّى النساء.
وقال: كلّ الناس أفقه من عمر حتّى العجائز.
وأمّا بالنسبة إلى فقرة (عثمان سقفها).
نقول وباختصار: إنّ المدينة لا يكون لها سقف.
المثال الرابع: (حديث الثقلين):
وردت أحاديث كثيرة وبعبارات متشابهة عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».
يسمّى الحديث هذا بحديث الثقلين، وهو متّفق عليه بين المسلمين، ومقطوع بصدروه عن رسول ربّ العالمين، الذي قاله في غيرما موقف ومن أشهرها حجّة الوداع، وذلك في خطبته المعروفة. حيث أوصى الأُمّة بالكتاب (القرآن) وعترته، وأمر باتّباعهما، وحذّر من مخالفتهما.
وقد روى هذا الحديث كبار علماء أهل السنّة، منهم: مسلم بن الحجّاج،
1) السنن الكبرى ٧: ٢٣٣.
أحمد بن حنبل، الترمذي، أبو داود، ابن ماجة، النسائي، الحاكم، الطبري، والطبراني ومئات من الأئمّة والحفّاظ في القرون المختلفة. وروي عن أكثر من ثلاثين صحابي وصحابيّة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبطرق كثيرة وأفرد بعض الأكابر كتباً لجمع طرقه.
ويدلّ هذا الحديث بكلّ وضوح على وجوب اتّباع الأُمّة أئمّة العترة من أهل البيت(عليهم السلام) في جميع شؤونهم الدينيّة والدنيويّة.
ولثبوت هذا الحديث سنداً ووضوح دلالته على إمامة أهل البيت(عليهم السلام)، التجأ المتعصّبون إلى وضع خبر الوصيّة بالكتاب والسنّة بعنوان الثقلين، ونسبوا للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «إنّي قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً كتاب الله وسنّة نبيّه».
نقول: إنّ خبر الثقلين بلفظ (كتاب الله وسنّتي)، غير وارد إلاّ في كتب معدودة من كتب الحديث والسيرة، وإنّه ممّا أعرض عنه البخاري ومسلم ولم يخرّجاه في كتابيهما المعروفين بالصحيحين وكذلك لم يخرّج في سائر الكتب المعروفة بالصحاح، فقد اتفق أرباب الصحاح الستّة على تركه، وكذلك لم يخرّج في شيء من المسانيد كمسند أحمد بن حنبل. وكذلك صرّح غير واحد من رواته بغرابته(1).
مع هذا كلّه يتمسّك به البعض ليس إلاّ معارضة للحديث الصريح والصحيح من أهل بيت الرسول(عليهم السلام).
المثال الخامس: (حديث سد الأبواب):
جاء عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) انه أمر بسدّ أبواب بيوت الأصحاب التي كانت تفتح على المسجد إلاّ باب الإمام علي(عليه السلام)، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي».
1) رسالة في حديث الوصيّة بالكتاب والسنّة: ١١ - ٢٠.
وروى هذا الخبر كثير من أكابر الأئمّة مثل أحمد بن حنبل، والنسائي، والحاكم، والضياء المقدسي وغيرهم، وهو دليل واضح على علوّ مرتبة الإمام على كلّ الصحابة ولكنّ المخالفين والمعاندين الذين قدّسوا الصحابة دون أن تكون لهم أيّ ميزة تؤهلهم للقداسة، فاضطرّوا أن يتركوا نافذة صغيرة لبيت أبي بكر ; وذلك ليجعلوه في مصاف الإمام(عليه السلام) ; فجاؤوا بحديث الخوخة المختلق ونسبوه زوراً للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وزعموا أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: سدّوا كلّ خوخة إلاّ خوخة أبي بكر.
وتمسّكوا بهذا الخبر الضعيف وجعلوه منقبة لصاحبهم أبي بكر الذي أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بسد بابه، فلو أراد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكرّم أبا بكر لفتح له باباً وليس خوخة، فأين الخوخة من الباب؟! وأين أبي بكر من علي(عليه السلام) !
ثمّ إنّ بعض المتضلّعين في الاختلاق والتزوير لم يكتفوا بالخوخة فأبدلوها بالباب، لتتمّ بزعمهم المعارضة للحديث الصحيح في فضل الإمام(عليه السلام).
فالبخاري مثلاً بعد أن روى حديث الخوخة تحت عنوان «باب الخوخة والممر في المسجد» من كتاب الصلاة عن ابن عبّاس، قال في كتاب المناقب: باب قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «سدّوا الأبواب إلاّ باب أبي بكر» قاله ابن عبّاس عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد تنبّه شرّاحه إلى هذا التحريف فحاولوا إصلاحه فقالوا: بأنّه نقل بالمعنى.
قال ابن حجر: «وصله المصنّف في الصلاة بلفظ، سدّوا عنّي كلّ خوخة، وكأنّه ذكره بالمعنى.
وقال العيني: هذا وصله البخاري في الصلاة بلفظ: سدّوا عنّي كلّ خوخة في المسجد. وهذا هنا نقل بالمعنى، ولفظه في الصلاة في باب الخوخة والممر في المسجد.
ويرد على هذه التأويلات:
أولاً: أنّه ينافي تلك المبالغات والإغراقات التي يذكرها أولياء البخاري له
في احتياطه في النقل، والتزامه بنقل ألفاظ الأحاديث كما هي، من غير تصرّف.
ثانياً: أنّه ليس تصرّف البخاري هذا من النقل بالمعنى لوضوح الفرق بين الخوخة والباب (حتّى الطفل الذي لم ينطق بعدُ يميّز بينهما) إلاّ إذا كان البخاري يخرج من خوخة منزله ويترك الباب.
وقد أتعب البخاري شرّاحه في ذلك، فبذلوا قصارى سعيهم في سبيل عزو هذا التحريف الشنيع إلى رواة الحديث ; وذلك لتبرئة البخاري من ذلك.
لكن حقيقة الحال لا تخفى على أهل التحقيق الذين يقرأون الكتب بدون نظر إلى قداسة مصطنعة لمؤلّفيها.
وأخيراً ركب السفينة:
أخذ السيّد «علي البدري» يطالع الكتب بهذه الطريقة، وهي طريقة علميّة تحليليّة، وهدفه الأول والأخير هو الوصول للحقيقة.
واستمرّ بالبحث والتنقيب حتّى رأى نفسه في بحر لجّي، يتقاذفه الموج من كلّ مكان وكاد أن يغرق لولا هداية ربّه الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وبينما هو كذلك إذ يرى سفينة كبيرة تشقّ الأمواج وكأنّها تسير على الرياح، لا تعبأ بالأمواج المتلاطمة، فجمع «السيّد علي» كلّ قواه للوصول إليها فركبها ونجى من الهلاك.
وأخذ يعمل جاهداً على أن ينجي أكبر عدد ممكن من الذين يسبحون في البحر، وأخذ يعرّفهم بسفن النجاة.
فأوقف ما تبقّى من عمره في العمل التبليغي خصوصاً بعدما رأى في المنام الإمام عليّاً يأمره بالتبليغ للمذهب الحقّ، فبدأ من أقربائه وأصدقائه حتّى توسّع عمله فتجاوز الحدود الجغرافية فشمل إيران وسوريا والسودان.
أمّا العراق فكان انطلاق عمله منه، ولكن واجه مضايقات وتهديدات من الحكومة البعثيّة. فلمّا توسّع عمله الرسالي وكذلك عمل ابن أخيه سماحة السيّد
سامي البدري قامت حكومة البعث باعتقال مجموعة كبيرة من أسرته فاستشهد من استشهد في السجون إثر التعذيب، وهُجّر من هُجّر إلى الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.
وكان من المستشهدين أخوه السيّد حميد(رحمه الله)، ومن المهجّرين والده وأخوه الأكبر وسائر أفراد الأسرة.
وفاته رحمه الله:
أصيب السيّد «علي البدري» بمرض السكّر والفقرات، وكذلك كان يعاني من التضخّم في القلب وتصلّب الشرايين، حتّى توفّي إثر سكتة قلبيّة مساء يوم الأحد السادس من جمادي الثاني ١٤١٩، ودفن في مقبرة البقيع في مدينة قم. فرحمه الله برحمته الواسعة وحشره مع أجداده وأوليائه الطاهرين.
مرّت ترجمته في ٢: ٢٩١ من هذه الموسوعة ن ونشير في هذا المقام إلى معلومات لم تذكر في ترجمته.
يعتقد معظّم أصحاب الديانات السماويّة أنّ الدين الذي يتلقّونه من آبائهم هو الدين الحقّ، فتراهم يقدّسون هذه التعاليم من دون تفحّص.
وهذا الأمر يصوّر لهم أنّهم على الحقّ، فيسلبهم المحفّز لمعرفة الكثير من الحقائق.
اجتياز عقبة التقليد الأعمى:
لم يكن الدكتور «علي الشيخ» من الذين يتّبعون التعاليم التي يتلقّونها من دون تفحّص ; فلهذا أجرى العديد من الحوارات حول الدين المسيحي الذي ورثه من آبائه، فكان يجد نفسه في بعض الأحيان عاجزاً عن الدفاع عن موروثاته العقائديّة، وكان هذا الأمر - مع تعطّشه لمعرفة الحقائق - هو المحفّز للبحث والتحقيق، فعكف على مطالعة الدين الإسلامي، وأخذ يقارن بين تعاليم الديانة المسيحية وتعاليم الإسلام وكانت النتيجة أن تبلورت لديه القناعة بأحقية تعاليم الإسلام، وأنّه الدين الحقّ الذي يستند إلى أدلّة وبراهين تحتّم على الباحث الاقتداء به.
وبعد الاستبصار وجد الدكتور «علي الشيخ» في نفسه الدافع في إبلاغ الحقائق - التي تبيّنت له من خلال البحث والتحقيق - إلى الآخرين، فقام بتأليف الكتب في هذا المجال، فقد صدر له كتاب «الصحيح من إنجيل المسيح في أناجيل العهد الجديد» عن مؤسّسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة عام ١٤٢٥هـ ، وكتاب «لاهوت المسيح في المسيحيّة والإسلام» عن مركز الابحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين(1)رقم ٢٩، وذلك سنة١٤٣٠هـ .
وقفة مع كتاب لاهوت المسيح في المسيحيّة والإسلام:
يتناول هذا الكتاب مسألة أُلوهيّة المسيح(عليه السلام) والأدلّة التي تنفي تلك العقيدة على ضوء التعاليم القرآنيّة، ويستمدّ المؤلّف من الأدلّة العقليّة على بطلان هذه النظريّة فيقول:
«فإنّي في هذا البحث سأسعى إلى استعراض أدلّة المسيحيّين التي يثبتون بها أُلوهيّة المسيح(عليه السلام) وأنّه إله أو ابن إله، وكذلك السير التاريخي لهذه العقيدة وتطوّرها، وبعد ذلك نضع تلك الأدلّة تحت مجهر النقد العلمي، ونجعل العقل هو الحاكم والقاضي على صحّة أو سقم تلك الأدلّة، ومن ثمّ نستعرض رأي القرآن الكريم حول شخصيّة المسيح(عليه السلام)، وكذلك نستعين بالسنّة الشريفة وآراء بعض العلماء والمفسّرين في بيان النظرة الإسلاميّة للمسيح(عليه السلام)...
وسوف أتطرّق في هذه الدراسة وفي القسم الأوّل حول المسيحيّة ونظرتها لحقيقة المسيح، وأبدأ بالبحث أوّلاً في المصدر الأساسي للعقيدة المسيحيّة ألا وهو ا لكتاب المقدّس ولاسيّما العهد الجديد، ولابدّ قبل الخوض فيه أن أُشير إلى مفهوم الوحي والإلهام لدى المسيحيّين، والفرق بينهم وبين المسلمين حول هذين المفهومين، ومن ثمّ أستعرض أسفار العهد الجديد، وفترة كتابتها وقبولها بشكل
1) تهتم هذه السلسلة بطباعة كتب المستبصرين.
رسمي وقانوني من قبل الكنيسة على أنّها الأسفار الملهمة والمقدّسة، وأذكر رأي القرآن الكريم فيه.
وفي الفصل الثاني سنبحث فيه عن شخصيّة المسيح(عليه السلام) وحياته وأوصافه وتعاليمه وأقواله كما نقلتها أسفار العهد الجديد.
وخصّصت الفصل الثالث في أدلّة المسيحيّين حول أُلوهيّة المسبح(عليه السلام)، وكيفيّة الإجابة على الإشكالات والشبهات المطروحة، وبالخصوص بعض آيات العهد الجديد التي تنفي أُلوهيّة المسيح.
وسأستعرض في الفصل الرابع السير التاريخي لتطوّر الفكر المسيحي، ولاسيّما حول مسألة لاهوت المسيح(عليه السلام) والمذاهب والآراء التي ذكرت لعلماء المسيحيّة من القرن الأوّل الميلادي وحتّى نهاية القرن السابع الميلادي، وسأشير باختصار إلى المذاهب المسيحيّة المختلفة التي ظهرت في هذه الفترة حول حقيقة المسيح.
وفي القسم الثاني من البحث سأتناول حياة المسيح في الإسلام كما ذكرها القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وكذلك مسألة أخيرة مهمّة وهي: أنّي عنيتُ في هذه الدراسة عناية خاصّة بالمراجع المهمّة والمقبولة التي كتبها المسيحيّون أنفسهم ومن مختلف المذاهب والطوائف المسيحيّة، وكذلك اعتمدت في المصادر الإسلاميّة على كتاب الله العزيز أي القرآن الكريم، وكذلك على الأحاديث النبويّة من الكتب المعتبرة، والتفاسير المشهورة في العالم الإسلامي»(1).
ثمّ يتطرّق الكاتب إلى بيان مسألة كتابة الإنجيل بعد زمن عيسى المسيح وأنّه لم يكن في زمانه كتاب بهذا النحو ولم يأمر بكتابته، فيقول:
1) لاهوت المسيح: ٧.
«وهنا أيضاً نكتة يجب الالتفات إليها وهي: أنّ أسفار العهد الجديد وحتّى نهاية القرن الثاني لم يكن أحد يتكلّم بجلاء وصراحة عن الإلهام فيها، حتّى آباء الكنيسة، بل الكنيسة كانت في القرن الثاني تعتبر العهد القديم فقط كتاباً مقدّساً بالدرجة الأولى، وكانت تسمية العهد الجديد ذاتها لم يكن قد ولدت بعد، بل كان لابدّ من انتظار عدّة قرون قبل أن نسمع عبارة «الكتاب المقدّس الملهم» التي نُعت بها العهد الجديد.
وأمّا لماذا اختارت الكنيسة هذه الكتب دون غيرها؟
فالجواب هو: أنّ هذه الكتب تعطينا بشكل أفضل ما كانت تؤمن به الكنيسة الأُولى، فإنّها توضّح الإيمان الرسولي، أي أنّ اعتقاد الكنيسة هو أنّ هذه الكتب تمثّل العصر الرسولي، فالواضح أنّ الكنيسة في القرن الرابع هي التي فتحت ميزة الإلهام لهذه الكتب، ولكنّ علماء المسيحيّة يرفضون هذا القول ويؤكّدون أنّ الكنيسة لم تمنح صفة الإلهام لهذه الأسفار (العهد الجديد)، بل أنّ محتوى هذه الأسفار ذاته هو الذي دفع بالكنيسة لتمييزها عن الكتب الأخرى»(1).
«وقبل الخوض في البحث عن أسفار العهد الجديد أودّ الإشارة إلى مسألة أخرى وهي: أنّ المسيح(عليه السلام) لم يكتب شيئاً أبداً حسب ما تدّعيه الكنيسة، بل ولم يأمر أحداً من تلاميذه بتدوين أقواله وأعماله، ولكن بعد رفعه إلى السماء - ولأسباب عديدة تذكرها الكنيسة - بدء المسيحيّون الأوائل بكتابة مستندات وكتب ورسائل تشير إلى حياة المسيح وتعاليمه، وكان ذلك بعد منتصف القرن الأوّل للميلاد.
وهي بهذا الادّعاء تريد التأكيد على أنّه لم يكن هناك في زمن المسيح(عليه السلام)
1) لاهوت المسيح: ١٣.
أو حتّى بعد رفعه كتاب خاصّ به يسمّى بالإنجيل، بل كانت تعاليمه(عليه السلام) كلّها شفاهيّة ولم تدوّن أبداً، خلاف ما يدّعيه الإسلام والقرآن، وسوف أتعرّض إلى هذه المسألة عند مناقشة العهد الجديد إن شاء الله.
وهناك مقولة للمسيحيّين تقول أنّ الإنجيل موجود في الأناجيل، أيّ أنّ إنجيل يسوع له أربع روايات، وسمّي كلّ واحد من كتّاب هذه الروايات إنجيليّاً، وبالعربيّة البشير أي مدوّن الإنجيل أو البشارة.
وأمّا كلمة (إنجيل) فقد استعملها المسيحيّون منذ ظهور الدين المسيحي، وهي كلمة يونانيّة تلفظ «ايوانجيليون» وهي اسم جنس، واستعملت بمعنى البشرى أو البشارة أي الخبر السارّ المفرح، وأمّا استعمالها في المسيحيّة والعهد الجديد فتعني بشارة الخلاص التي حملها يسوع المسيح إلى الناس أجمعين»(1).
ثمّ يطرح المؤلّف إشكاليّة صحّة نسبة الإنجيل إلى الوحي الإلهي فيقول:
«وهذه الأناجيل هي: (متّى - لوقا - مرقس - يوحنّا)، والثلاث الأُولى كما ذكرنا تسمّى «بالأناجيل المتشابهة»، بينما الإنجيل الرابع يختلف كلّياً عن هذه الأناجيل الثلاثة الأولى، والسؤال المطروح حول الأناجيل هو: من أيّ منبع استقى هؤلاء الكتّاب معلوماتهم عن المسيح(عليه السلام) وتعاليمه؟
والجواب هو: أنّهم اعتمدوا على التقليد الشفهي الذي أخذوه عن الرسل، وهي تعاليم وروايات كانت تنقل شفاهاً طيلة عشرات السنين، من فم إلى فم حتّى دوّنها كتّاب الأناجيل، فإذا قلنا أنّهم كتبوا أناجيلهم نقلاً عن شهود عيان كانوا مع المسيح(عليه السلام) والتلاميذ الاثني عشر، فأين الوحي والإلهام الإلهي، إذ كانوا قد اعتمدوا في نقلهم على أفواه الناس؟! وهذا ما يؤكّده لوقا في بداية إنجيله حيث
1) لاهوت المسيح: ١٥.
يقول:
«إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصّة في الأمور المتيقّنة عندنا كما سلّمها إلينا الذي كانوا منذ البدء معاينين وخدّاماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذا قد تتبّعت كلّ شيء من الأوّل بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيّها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحّة الكلام الذي عُلّمت به»(1).
وإذا كان الكتّاب أنفسهم يؤكّدون أنّهم يكتبون ما وصل إليهم من التعاليم عن طريق الناس، فما هذا الإصرار من قِبَل الكنيسة على أنّ هذه الكتب هي وحي إلهي سماوي؟! فهذا لوقا في إنجيله وغيره في رسائله يؤكّدون أنّه يكتب بدافع شخصيّ بحت إلى صديقه ثاوفيلس، ولا يدّعي أنّه يكتبها بإلهام أو عن طريق روح القدس، والكنيسة تعترف أنّه لم يكن يعلم وقت كتابتها بأنّه كان ملهماً، وأنّ الروح القدس هو الذي أوحى بها إليه، ولكنّها تؤكّد أنّ الروح القدس هو الذي أوحى إليه المعنى الذي أراده الله أن يثبّته في كتابه من دون أن يخبر لوقا والكتّاب الآخرين بذلك!
ونتساءل ونقول: إذا كان الأمر كذلك وأنّ هذه الكتب هي من وحي سماويّ فلماذا هذا التأخير في كتابة هذه الأناجيل المقدّسة إلى المؤمنين المسيحيّين مع شدّة احتياجهم إليها، وخصوصاً مع انتشار العشرات من الكتب والرسائل والتأليفات وكلّها تدّعي أنّها تنقل تعاليم المسيح(عليه السلام) الحقّة وهي كاذبة ومحرّفة»(2)!
ثمّ يتطرّق المؤلّف إلى بيان العوامل التي أدّت إلى التأخير في كتابة الأناجيل فيقول:
«نرى علماء الكتاب المقدّس أنفسهم يوعزون ذلك إلى أسباب وعوامل
عديدة هي التي أدّت إلى التأخير في كتابة الأناجيل ومنها:
١)- أنّ المسيحيّين الأوائل لم يكونوا - أو الغالبيّة العظمى منهم - طائفة مثقّفة أو متعلّمة، بل كانوا من السذّج والفقراء والأميّين.
٢)- العادة السائدة في فلسطين في زمان ظهور دعوة المسيح(عليه السلام) هي: أنّ التعاليم الدينيّة تنقل شفاهاً.
٣)- ثمن التأليف والمواد اللازمة للكتابة كان عائقاً بالنسبة للمسيحيّين، الذين كانوا من الطبقات الفقيرة والمعدومة (الأكثريّة الساحقة على الأقل).
٤)- تفشّي فكرة المجيء الثاني للمسيح(عليه السلام) بين أتباعه، أي عودته إلى الأرض، وهذا عامل نفسيّ مهمّ ومؤثّر في عدم الاهتمام بالكتابة.
٥)- الصعوبة في جميع البيانات والمعلومات اللازمة للكتابة، ولاسيّما في فترة المسيحيّة الأولى التي عانت من الاضطهاد الشديد من قِبَل اليهود وغيرهم.
وهذا يدلّ على أنّ التأخير في فترة الكتابة لم يكن لحكمة ومشيئة إلهيّة كلّياً، بل هناك عوامل وظروف مادّية قاهرة هي التي أدّت إلى التأخير في كتابة هذه الأسفار إلى فترة تتجاوز ما لا يقلّ عن نصف قرن بعد رفع المسيح(عليه السلام).
وأمّا إذا ألقينا نظرة إلى محتويات هذه الأناجيل فسوف نصل إلى حقيقة لا تقبل الشكّ، وهي أنّ هذه الكتب ليست وحياً إلهيّاً، ولا ترجع إلى مصدر واحد ; للاختلافات والتناقضات الكثيرة التي توجد فيها، التي يعترف بها علماء الكتاب المقدّس أنفسهم، ولكنّهم يحاولون قدر المستطاع الإجابة على هذه التناقضات ولكن دون طائل، وأيضاً هي لم تنقل إلينا الكثير من الأُمور عن شخصيّة المسيح(عليه السلام)وحياته، وهذا ما دفع البعض من العلماء إلى القول: «أنّ الأناجيل لم تكن سيرة للمسيح أو مذكّرات عن حياته، أو حتّى حوادث تستحقّ التدوين سطّرها أشخاص لتمكين تعاليمه، إنّما الأناجيل عبارة عن تجميع لموضوعات
متواترة تناقلتها الكنيسة شفاهاً في أوّل الأمر، ثمّ كتبت فيما بعد وصنّفت لتحقيق مطالب الكنيسة في التهذيب والعبادة والدفاع عن معتقداتها»(1).
وأخيراً فإن قبلنا بأنّ هذه الأسفار (على ما فيها) هي أسفار إلهيّة موحاة من قِبَل الله تعالى، فإنّه تبقى هناك مشكلة أيضاً، وهي ; أنّ العهد الجديد الذي بين أيدينا اليوم يختلف كثيراً عن النصوص الأصليّة له، إذ تعتبر (مخطوطات سيناء) أقدم كتاب مقدّس في العالم، وتتضمّن الأجزاء الكاملة للعهد الجديد، وبعد أن فحص علماء الكتاب المقدّس هذه المخطوطات التي اكتشفت في جبل سيناء ظهر أنّ هناك فرقاً شاسعاً بينها وبين العهد الجديد الذي بين أيدينا، يقول جيمس بنتلي بهذا الصدد: «الفرق بين المخطوطة السينائيّة والعهد الجديد كما يراها المسيحيّون في يومنا هذا أمر يدعو للدهشة، ومع أنّ العلماء قد فحصوا ودرسوا المخطوطة، إلاّ أنّ قلّة من المسيحيّين يدركون الاختلاف، وقلّة أخرى تقبل الاعتراف بتلك النصوص»(2).
ويقول جي. اج. سي برنستن: «ليدرك علماء الكتاب المقدّس جيّداً أنّنا بعيدون اليوم كلّ البعد عن امتلاك المخطوطات الأصليّة التي كتبها مؤلّفو العهد الجديد». ويضيف قائلاً: «ومن الجدير بالذكر أنّ جميع المخطوطات الإنجيليّة التي بحوزتنا تحتوي أخطاء، قد يكون السبب وراءها ضعف في سمع الخطّاط أو بصر أو ضعف في التهجئة أو عدم الانتباه، وهناك أخطاء أخرى متعمّدة لتغيير النصّ وفقاً للتغييرات في المعتقدات اللاهوتيّة والعقائديّة»(3).
فالأمر المسلّم به هو أنّ هذه النصوص التي بين أيدينا من أسفار العهد
الجديد قد شهدت تغييرات كثيرة جدّاً، سواءً كانت تلك التغييرات متعمّدة أو غير متعمّدة، والظاهر أنّ للكنيسة المسيحيّة اليد الطولى في هذه التغييرات التي طرأت على أسفار العهد الجديد لتجعلها تتلاءم مع معتقداتها وأفكارها»(1).
ثمّ يضيف المؤلّف قائلاً:
«يمكننا القول: أنّ المسيحيّة بالحقيقة تدور حول محوريّة شخصيّة المسيح(عليه السلام)، فهي ليست مجموعة من التعاليم والوصايا والمؤسّسات، بل هي قبل ذلك يسوع المسيح(عليه السلام) والشركة معه، فالمسيحي هو الذي يؤمن بيسوع المسيح(عليه السلام)ويحيا به وله، ويؤمن أنّ ملأ الزمان قد ظهر في يسوع المسيح(عليه السلام)، وأنّه ابن الله الوحيد الذي جاء ليخلّص البشريّة، ويعقد المصالحة بين الله الخالق والإنسان الخاطئ.
ولهذا فإنّ البحث عن شخصيّة المسيح(عليه السلام) وحقيقته يعتبر من المسائل المهمّة جدّاً في الديانة المسيحيّة، فهو الإنسان والإله في آن واحد، وإنكار أيّ طبيعة وشخصيّة له (الإنسانيّة أو الإلهيّة) يعتبر خروجاً عن تعاليم الكنيسة والإيمان المسيحي الموجب للخلاص، فالمسيح(عليه السلام) إنسان ولد من أمّ بشريّة، ونما وكبر وتعلّم صنعة، وهو يجوع ويعطش ويتعب ويفرح ويتألّم، فهو إنسان شبيهٌ لنا في كلّ شيء ما خلا الخطيئة، وهو بالإضافة إلى هذه الجنبة الإنسانيّة له جنبة إلهيّة، فهو إله حقيقي كما هو إنسان حقيقي، وهو ابن الله الحبيب الذي أرسله الله إلى البشريّة لخلاصها.
ولابدّ هنا أوّلاً الإشارة إلى كيفيّة نشوء الآراء في شخصيّة المسيح(عليه السلام)وتطوّرها خلال السنين المتمادية حتّى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، أي معرفة
1) لاهوت المسيح: ٣٠.
السير التاريخي للعقيدة المسيحيّة في المسيح(عليه السلام)، والتطوّرات التي مرّت بها، لتّتضح لنا الحقيقة في شخصيّة هذا النبيّ العظيم»(1).
ثمّ يسرد المؤلّف الأدلّة على بطلان عقيدة أُلوهيّة المسيح(عليه السلام) على ضوء الأدلّة العقليّة، ويستمدّ من التوراة أيضاً على بطلانها، مشيراً إلى الآيات التي تنفي هذه الصفة عن المسيح(عليه السلام).
ويتطرّق إلى بطلان عقيدة التثليث قائلاً:
«ففي المسيحيّة هناك إله واحد ولكنّه مثلّث الأقانيم، وهذه الأقانيم متساوية في الجوهر والطبيعة، وفي الإسلام فإنّ الله واحد أحد قائم بذاته وله صفات هي عين ذاته.
فالفارق بين التصوّرين الإسلامي والمسيحي لله كبير وكبير جداً، فالله في الإسلام واحد، أحد فرد صمد، فيما هو في المسيحيّة مثلّث الأقانيم، متعدّد في الذات، وهنا تكمن المعضلة.
وأعتقد أنّ أدلّة التوحيد الذاتي لواجب الوجود ترفض كلّ تعدّد في ذات الواجب، وهو ما أشرنا إليه عند بحثنا في عقيدة التثليث عقلاً، إضافة إلى ذلك فإنّ الأدلّة النقليّة على التثليث هي الأخرى موضع ترديد وشكّ كبير، إذن لابدّ من القول إنّ ذات الباري عزّ وجلّ بسيطة خالية من كلّ تعدّد وتركيب»(2).
ثمّ يتطرّق الكاتب إلى بيان العديد من الخرافات التي أصبحت بمرور الزمن جزءاً من عقائد الكنيسة، ويستمدّ من الأدلّة على بطلانها و...
الصورة
ولد سنة ١٣٨٣هـ (١٩٦٤م) في مدينة «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أُسرة سنّية حنفيّة المذهب استبصر يوم عيد الغدير سنة ١٤٠٧هـ (١٩٨٧م) في أراك بإيران.
نادِ عليّاً مُظهر العجائب:
يقول «علي»: «قضيت في السجن مدّة ست سنوات، فأصابني مرض «عضال» هو انسداد الأمعاء، وبقيت مريضاً مدّة ثلاثة أشهر كانت ظروفي صعبة جدّاً، ولم يكن أمامي إلاّ التوسّل بأهل البيت(عليهم السلام) للشفاء من المرض، وتوجّه فكري للتوسّل بالإمام علي(عليه السلام) بفضل رؤيا رأيتها في المنام.
بدأت بقراءة دعاء: «ناد عليّاً مظهر العجائب، تجده عوناً لك في النوائب» . . . الخ في كلّ ليلة، واستمرّيت لمدّة سبع ليال، كنت أدعو فيها بإخلاص عجيب، وحضور قلب لا مثيل له، وشفيت بعدها تماماً.
وقد تعجّب من كان حولي من شفائي، لوجود حالات سابقة انتهت إلى الموت، وهكذا نجّاني الله بفضل توسّلي بالإمام علي(عليه السلام) الذي واليته من أعماق روحي امتثالاً لأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بموالاته، والتي تجسدت آثارها التكوينيّة معي في
الشفاء من محنة المرض.
شفاء الأمراض بواسطة كرامات أهل البيت(عليهم السلام):
أكرم الله أهل بيت النبوّة بكرامات خارجة عن حدّ الإحصاء، ووهبهم مناقب لم يعطها لغيرهم، ومن هذه الكرامات شفاء المرضى، وعلاج الزمنى، ولم يختصّ هذا الأمر بالمعصومين فقط، بل شمل الكثير من ذرّيتهم الصالحين، وهذا أمرٌ مسلّم، وشيء واضح لدى كلّ من رأى الكرامات الكثيرة منهم والتي لا يمكن إحصاؤها فضلاً عن ذكرها.
وقد أُلّفت الكثير من المؤلّفات في مناقب وفضائل أهل البيت(عليهم السلام) ذكروا فيها شفاء المرضى بفضل دعائهم أو التوسّل الذي يحصل بهم.
واختص الإمام علي(عليه السلام) بمناقب عديدة شافى فيها مرضى بعد أن يئسوا من الحياة، وقد ذكر ابن بطّوطة في وصف زيارته لمرقده، تجمّع الناس في ليلة مخصوصة في حرمه طلباً للشفاء، يسمّونها ليلة المحيا(1).
ونورد هنا حالة واحدة مثالاً وتبركاً:
عن عبد الواحد بن زيد: كنت في الطّواف إذ رأيت جارية تقول لأختها: لا وحقّ المنتجب بالوصيّة، الحاكم بالسويّة، العادل في القضيّة، العالي البنيّة، زوج فاطمة المرضيّة ما كان كذا.
فقلت: أتعرفين عليّاً؟
قالت: وكيف لا أعرف من قُتل أبي بين يديه في يوم صفّين، وإنّه دخل على أُمّي ذات يوم فقال لها: كيف أنت يا أُمّ الأيتام؟
فقالت: بخير، ثُمّ أخرجتني أنا وأختي هذه إليه، وكان قد ركبني من الجدري ما ذهب له بصري، فلمّا رآني تأوّه ثُمّ قال:
1) تحفة النظّار: ١٩٥.
ما إن تأوّهتُ من شيء رُزيتُ بهِ كما تأوّهتُ للأطفالِ في الصغرِ
قد ماتَ والدُهم من كان يكفلهم في النائباتِ وفي الأسفار والحضرِ
ثُمّ أمرَّ يده على وجهي فانفتحت عينيّ لوقتي، وإنّي لأنظر إلى الجمل الشارد في الليل الظلماء(1).
1) مناقب آل أبي طالب ٢: ١٥٩.
الصورة
ولد سنة ١٣٧٣هـ (١٩٥٤م) في قرية «بامرني» ناحية سرسنك بمحافظة «دهوك» في العراق، ونشأ في عائلة دينية بارزة، لها طريقة صوفيّة معروفة في أنحاء العراق والعالم الإسلامي، خرّجت الكثير من شيوخ الصوفيّة.
أمّا من ناحية المذهب فهم من أبناء العامّة على المذهب الشافعي، شأنهم شأن أكثر الأكراد في شمال العراق.
واصل دراسته حتّى نال شهادة البكالوريوس في العلوم الزراعية (قسم تربية وتحسين الحيوان)، كما نال شهادة الدبلوم من معهد كارل ماركس في «صوفيا» عاصمة بلغاريا في مجال الاقتصاد وتكنولوجيا تربية الأغنام، عمل صحفيّاً في بعض الجرائد العراقية.
بين التصوّف التقليدي والفكر الاشتراكي الماركسي:
يقول «علي»: «كنت أُؤدّي واجباتي التقليديّة من صوم وصلاة حتّى سن الثامنة عشرة من العمر على قاعدة إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ(1)، ونحن بالأصل عائلة دينيّة لها وزنها في العراق، حيث إنّ جدي
1) الزخرف (٤٣) : ٢٣.
الكبير هو الشيخ محمّد طاهر النقشبندي مرشد الطريقة النقشبندية في منطقة «بهدينان» في كردستان العراق، وابنه الشيخ بهاء الدين (عمّ أبي) ورث الطريقة من أبيه، ولهما مرقد متروك في قرية «بامرني»، ولازالت الطريقة في العائلة وهي الآن - في حين كتابة هذه السطور - بيد الشيخ مسعود بهاء الدين النقشبندي.
بعد ذلك دخلت كليّة الزراعة في جامعة الموصل، وهناك اطّلعت على الثقافات المتنوّعة المستوردة، فتولّدت لديّ شكوك لم تصمد أمامها معتقداتي الصوفية التقليديّة المتوارثة، وتركت على أثرها واجباتي الدينيّة، ثُمّ تخرّجت من الكلّية ودخلت الجيش لأداء الخدمة العسكرية الإجباريّة سنحت لي بعد ذلك الفرصة لمواصلة الدراسة في بلغاريا حيث رأيت النظام الاجتماعي والاقتصادي للماركسية اللينينية، كما اطّلعت على كتب الفلسفة الشرقيّة والغربيّة كقصة الفلسفة «لول ديورانت»، ودرست كتاباً فلسفيّاً أكاديميّاً بعنوان (أُسس الفلسفة) كما قرأت كتب معظّم فلاسفة عصر النهضة، وطالعت المذاهب الاقتصاديّة الاشتراكية والرأسمالية ثُمّ عدت إلى العراق وبدأت الحرب العراقيّة الإيرانية التي استمرت لمدّة ثماني سنوات.
أوقعت نفسي في الأسر للخلاص من الجحيم:
يواصل «علي» حديثه بالقول: «تهتمّ الأُمم المتحضّرة بابنائها الدارسين، وتعتني الدول المتقدّمة بالكفاءات، وتهيّء لهم مجالات العمل الشريف للاستفادة من طاقاتهم في تعمير بلدانهم، وبناء حضارتهم، أمّا نحن في العراق وفي زمان حكومة البعث الظالمة، فكان أبناء البلد يساقون إلى الموت في حروب لا يريدونها، ويُجبرون على الدفاع عن حكومة تضطدهم قوميّاً ودينيّاً.
إنّ معظّم أبناء الشعب المتمسّك بدينه الإسلامي مضطهدون لمجرّد أنّهم لا ينتمون إلى طائفة الحزب الحاكم الذي لا يؤمن بالدين، ولكنّه اتّخذ الطائفيّة سلاحاً يدافع بها عن كيانه الفاسد، وفي مثل هذه الظروف ماذا يفعل الإنسان
العاقل عندما يجد نفسه مُساقاً إلى حرب البلد المجاور الذي تربطنا معه عرى الدين، ووشائج التاريخ والمصير المشترك؟
خاصة بعد حصول نهضة عظيمة في ذلك البلد، قامت بوجه الاستعمار، وطردت الشاه الفاسد، وأسقطت نظامه العميل، حيث كنّا نرى أنفسنا جنوداً ينفذون مخططات المستعمرين لضرب البلاد التي تريد أن تتحرّر من استغلاله.
كنت أحسّ أنّ من واجبي أن لا أُشارك في هذه الحرب القذرة، ولكنّي كنت - كما كان الشعب العراقي بأجمعه كذلك - بين أُمور: إمّا الموت والإبادة الجماعية التي لا ترحم أحداً، أو المشاركة في الحرب التي هي موت آخر، أو الهرب إلى خارج البلد في وقت أحكمت العصابة البعثيّة سيطرتها على العراق وعلى حدوده وزرعت الجواسيس في كلّ مكان، حيث ربّت الكوادر الحزبيّة البعثيّة على مراقبة أهاليهم وعشائرهم، وتقديم التقارير للحكومة عن كلّ حركة يراها النظام ضدّه ولو كانت كلمة بسيطة تنتقد النظام، وقد أدّت هذه الحالة إلى ذهاب مئات الآلاف إلى الموت لانتقام النظام الحاكم منهم بدون رحمة، فضلاً عن الذين يقتلون في جبهات الحرب القاسية.
في مثل هذه الظروف سنحت لي الفرصة أن أُوقع نفسي في أسر القوات الإيرانية للخلاص من محنة لا يعلم إلاّ الله وأبناء الشعب العراقي مدى شدّتها، وقد لا يفهم الآخرين كيف يُقدم الإنسان على إيقاع نفسه في أسر القوات المعادية، ولكنّها محنة مرّ بها الشعب العراقي، كان لأبنائه فيها مواقف كثيرة مضحكة مبكية تسود فيها العواطف، ولا يقبلها العقل المنطقي الظاهري.
محنة الأسر فرصه ذهبيّة:
يضيف «علي» على ما سبق قائلاً: «هل يصدّق المرء إذ قلت له: إنّي كنت أُدافع عن الثورة في إيران، وقائدها رجل الدين، وأنا الرجل الكردي المشبّع
هو الهدف، ولعظمة الحقّ كان هو الساحة القدسيّة للمعبود المطلق، قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ(1).
هذا وقد اتخذت التحقيق في أُمور الدين، وسيلة لمعرفة الحقّ وأهله، وهم أهل البيت(عليهم السلام) الذين أرجو بشفاعتهم النجاة من الذنوب التي اثقلت كاهلي، وقصمت ظهري.
الجهاد في سبيل الله لخلاص العراق من المجرمين:
وهل يصدّق المرء العاقل إذ قلت له: أنّي عدت للحرب مرة أخرى بعد إطلاق سراحي من الأسر، ولكن عن عقيدة صلبة هذه المرة لمحاربة نظام البعث المجرم، وقد أُصبت بالعوامل الكيمياويّة التي استخدمها الجيش العراقي دون رادع من قانون دولي، حيث تتبجح حضارة الغرب من تحريم الأسلحة الكيمياويّة في المحافل الدوليّة، ولكنّ الواقع المُرّ المُضحك المُبكي أنّ دول الغرب هي التي زوّدت نظام صدّام بالأسلحة الكيمياويّة المدمّرة.
لقد دفعت الثمن غالياً - كما دفع ذلك معظّم أبناء بلدي - لهذه الحرب المدمّرة فضلاً عن إعاقتي بالسلاح الكيمياوي، إذ أُصيبت زوجتي بالكآبة لكثرة بعدي عنها في جبهات القتال وهي وحيدة في بلاد الغُربة، ولكنّ الذي يُهوّن الخطب أنّي أرجو أن يكون جهادي في سبيل الله أُسوة بالإمام الحسين(عليه السلام) الذي حارب الظالمين بنفسه وعياله.
1) الحجّ (٢٢) : ٦٢.
من أهل العراق عاش في القرن الثالث، وكان زيدياً، ثمّ استبصر.
حقائق حاول البعض التعتيم عليها ودفنها في غياهب الكتمان، وفرضوا على أتباعهم الركون إلى التقليد الأعمى للآباء والأسلاف، وجعلوا للتراث قداسة يصعب المساس بها مهما كانت الدواعي، محاولة هي الأخرى من نوعها تهدف إلى عرقلة مسار الباحث عن الحقّ، وتفرض عليه تقديس تراث طالما أفصح عن تناقضات يحملها في طياته.
تأثّر «علي بن خالد» بوقائع كثيرة ممّا دفعته ليعيد النظر في العقيدة الزيدية، وذلك من خلال تحكيم عقله في الأدلّة التي بنى عليها أُسسه العقائدية.
الزيدية:
من الفرق الشيعية، توقّفت إلى إمامة الإمام الحسين(عليه السلام) وقالت بإمامة كلّ علوي من أهل البيت(عليهم السلام) ينهض بالسيف اتّجاه الظلم.
وبما أنّ زيد بن علي الشهيد المظلوم هو الثائر بعد الإمام الحسين(عليه السلام) فهو الإمام من بعده.
زيد بن علي وثورته:
اسمه ونسبه:
هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام) أُمه أُم ولد، اشتراها المختار الثقفي، وأهداها إلى الإمام السجاد(عليه السلام) واسمها حوريّة أو حوراء، وأنجبت للإمام(عليه السلام) زيداً وعمراً وعلياً وخديجة.
نشأته:
نشأ زيد بن علي وتربّى في بيت أبيه زين العابدين(عليه السلام)، تعلّم في مدرسة أخيه الباقر(عليه السلام) باقر علوم الأوّلين والآخرين، ومن بعده أخذ وتخرّج من مدرسة ابن أخيه الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام).
ثورته:
يتبيّن لنا من خلال نشأة زيد الثائر أنّ ثورته لم تكن إلاّ طلباً لحقّ آل محمّد، والدفاع عن حقّهم المغصوب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول الشيخ المفيد في «الإرشاد» حول ثورة زيد بن علي(عليه السلام):
«وكان زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه عين إخوته بعد أبي جعفر(عليه السلام)وأفضلهم، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخيّاً شجاعاً، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويطالب بثارات الحسين(عليه السلام)»(1).
ويفصح زيد بن علي(عليه السلام) عن سبب قيامه جرّاء ظلم آل محمّد فيقول في بيعته لأصحابه: «إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسمة هذا الفي بين أهله بالسواء وردّ الظالمين وإقفال المجمر ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقّنا، أتبايعون على
1) الإرشاد ٢: ١٧١.
ذلك؟ فإذا قالوا: نعم، وضع يده على يده ثمّ يقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله لتفينّ ببيعتي ولتقاتلنّ عدوى ولتنصحنّ لي في السرّ والعلانية، فإذا قال: نعم، مسح يده على يده ثمّ قال: اللّهم اشهد»(1).
وفي رواية أخرى: «وكان سبب خروج أبي الحسين زيد رضي الله عنه بعد الذي ذكرناه من غرضه في الطلب بدم الحسين(عليه السلام) أنّه دخل على هشام بن عبد الملك، وقد جمع له هشام أهل الشام، وأمر أن يتضايقوا في المجلس حتّى لا يتمكّن من الوصول إلى قربه، فقال له زيد: إنّه ليس من عباد الله فوق أن يوصي بتقوى الله، ولا من عباده أحد دون أن يوصي بتقوى الله، وأنا أوصيك بتقوى الله يا أمير المؤمنين فاتّقه.
فقال له هشام: أنت المؤهّل نفسك للخلافة الراجي لها؟ وما أنت وذاك - لا أمّ لك - وأنت ابن أمة.
فقال له زيد: إنّي لا أعلم أحداً أعظم منزلة عند الله من نبيّ بعثه، وهو ابن أمة، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث، وهو إسماعيل بن إبراهيم(عليه السلام).
فالنبوّة أعظم منزلة عند الله أم الخلافة(2)يا هشام؟
وبعد: فما يقصر برجل أبوه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ابن علي بن أبي طالب(عليه السلام).
فوثب هشام عن مجلسه ودعا قهرمانه، وقال: لا يبيتنّ هذا في عسكري.
فخرج زيد رحمة الله عليه وهو يقول: إنّه لم يُكرَه قوم قطّ حرّ السيوف إلاّ ذلّوا»(3).
التمهيد للقيام:
دخل زيد الكوفة في شهر شوّال سنة ١٢٠هـ فأخذت الشيعة وغيرهم يختلفون إليه يبايعونه، فبلغ ديوانه خمسة وعشرين ألفاً، وقيل أكثر، من أهل الكوفة والمدائن والبصرة وواسط وغيرها، فيهم الشخصيّات من الفقهاء والقرّاء والعلماء.
كانت بيعته التي أخذها من الناس الدعوة إلى كتاب الله، وسنّة نبيّنه(صلى الله عليه وآله وسلم)وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسمة الفيء بين المسلمين بالسويّة، وردّ المظالم، ونصرة أهل البيت(عليهم السلام).
وكان متنقلاً في الكوفة من دار إلى دار، ومن حيّ إلى حيّ، وكأنّه يبلّغ للثورة والجهاد.
وقد عرف والي الكوفة ذلك، وأنّ زيداً قام بتحرّكات في المدينة، وهو يجمع قواه، ويعدّ العدّة للقيام والثورة، فطلبه وراح يبحث عنه.
فلمّا عرف زيد هذا، خشي أن يؤخذ غيلة وغدراً، فلهذا تعجّل في الخروج قبل أوانه، وقبل الوقت الذي عيّنه مع بقيّة أنصاره في أطراف الكوفة وخارجها في الأمصار المجاورة.
وكان ظهوره بالكوفة ليلة الأربعاء ١٢١هـ .
وفي يوم الثلاثاء قبل خروج زيد أمر الحكم بن الصلت بدروب السوق فغلقت، وأغلقت أبواب المسجد على الناس، وبعث إلى يوسف بن عمر وهو بالحيرة يعلمه الحال.
وفي صباح يوم الأربعاء لم يحضر مع زيد ممّن بايعه غير (٢١٨) رجلاً.
فقال زيد: سبحان الله، أين الناس؟
قيل: إنّهم محصورون في المسجد.
قال: واخ، ما هذا لمن بايعنا بعذر.
وسمع نصر بن خزيمة النداء فأقبل إليه، فالتقى مع زيد في «جبانة العائدين» وفيها (٥٠٠) رجلاً من أهل الشام، فحمل عليهم زيد فهزمهم.
ولمّا دخل زيد الكوفة أشار عليه نصر بن خزيمة بالتوجّه نحو المسجد ; لاجتماع الناس فيه، فقال له زيد: إنّهم فعلوها حسينيّة، فقال نصر: أمّا أنا فأضربن معك بسيفي هذا حتّى أقتل.
واستمرّ القتال يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة، صباحاً ومساءً، وقد قتل منهم زيد مقتلة عظيمة، وكان له النصر في أكثر الوقعات.
وبينما زيد يقاتلهم إذ اقترب منه رجل منهم من كلاب، فشتم فاطمة(عليها السلام)! فغضب زيد، وبكى حتّى ابتلّت لحيته، والتفت إلى من معه، وقال: أمّا أحد يغضب لفاطمة؟ أمّا أحد يغضب لرسول الله؟ أمّا أحد يغضب لله؟
واستمرّ القتال، ولكنّ الأعداء لكثرتهم لم يضرّهم القتل، وراح أصحاب زيد ينقصون شيئاً فشيئاً، ويستشهد الواحد تلو الآخر، حتّى قتل نصر بن خزيمة، وكان خسارة جسيمة لزيد وأنصاره، وكذا مقتل معاوية بن إسحاق، فبدأ زيد وأصحابه يدركون أنّهم مغلوبون، ولكن مع ذلك أصرّوا على المقاومة والجهاد مهما كلّفهم الأمر.
ولمّا صار ليل الجمعة كانت الفاجعة، والنهاية الأليمة لحركة زيد وجهاده، فإنّه في هذه الليلة رمي بسهم، فأصاب جبهته ووصل إلى دماغه، فرجع ورجع أصحابه، وجاء أصحابه به فأدخلوه في بيت حرّان بن كريمة مولى لبعض العرب في سكّة البريد، وجاؤوا بطبيب يقال له: شقير اسمه سفيان، فقال الطبيب لزيد: إن
نزعته من رأسك متّ.
فقال: الموت أهون عليّ ممّا أنا فيه، فانتزعه منه، فمات رحمه الله.
ودفنه أصحابه ومعهم ابنه يحيى قرب ساقية، وأجروا عليه الماء حتّى لا يعرف قبره.
وكان معهم غلام سنديّ أفشى ذلك إلى والي الكوفة، فجاؤوا في اليوم الثاني، فنبشوا قبره، وأخرجوه، واحتزّوا رأسه، ثمّ صلبوه في كناسة بني أسد أربع سنوات، ثمّ أنزلوه وأحرقوه وذرّوه في الماء(1).
هل كان لزيد معتقد خاص:
يتبيّن من خلال مواقف زيد بن علي إنّه لم يكن مؤسساً لمذهب خاص، ولم يكن له سوى الأصول والمبادي التي جاء بها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والعترة الطاهرة.
فزيد بن علي بري من اللذين يدعون بالزيدية بتمايزات في الأصول والعقائد، وجعلوا لأتباعهم عقائد وأصول لم يتبنّاها زيد بن علي(عليه السلام).
وهذا الأمر جعل «علي بن خالد» يعيد دراسة ما ورثه من أسلافه، وأشارت النتيجة إلى بطلان ما ورثه من عقائد تنافي الأدلّة العقلية، فالتحق بركب الأئمّة الاثني عشر وسفينة النجاة.
1) وللمزيد راجع كتاب زيد بن علي للشيخ رافد التميمي.
الصورة
ولد عام ١٣٨١هـ (١٩٦٢م) في محافظة «الأنبار» قضاء الفلّوجة بالعراق، ونشأ في أسرة شافعية المذهب، اهتمّ منذ صغره بقراءة القرآن وإتقان علوم التجويد، ثمّ شاءت الأقدار أن ينتقل إلى إيران، فتعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام)من خلال لقائه بالشيعة، ويقول «عماد»:
تأثّرت بأحد الإخوة الحرس الإيرانيّين، فشرح لي الكثير من عقائد الشيعة، ومن هذا المنطلق بدأت رحلتي العقائديّة، كما تعرّفت على بعض الشيعة وتحاورت معهم في المجال الديني، ثمّ توجّهت إلى قراءة الكتب الدينيّة، فقرأت الكثير من الكتب ولاسيّما كتب المستبصرين وقرأت أيضاً الكتب الشيعيّة المهمّة فتأثّرت بكتاب «فضائل الخمسة من الصحاح الستّة» لمؤلّفه السيّد مرتضى الحسيني الفيروز آبادي، وكتاب «لماذا أنا شيعي» تأليف الشيخ محمّد حسين الفقيه، وكتاب «مؤتمر علماء بغداد» وغيرها من الكتب القيّمة.
لماذا أنا شيعي؟:
قرأ «عماد» في كتاب «لماذا أنا شيعي»؟:... «اعطى القرآن الكريم أتباعه منهجيّة حيّة دلّت على أمرين:
أولاً: حبّه التفتح والتحرّر الفكريين، ورفضه قيام العقيدة على أساس هار.
ثانياً: اطمئنانه لكيانه الفكري ومنهجه العلمي.
إنّ المنهجيّة التي أعطاها القرآن لأتباعه هي منهجيّة عامّة يمكن لكلّ إنسان الإفادة منها في طريق الوصول إلى الواقع.
فنحن - والحمد لله - استناداً إلى العقل والقرآن أبناء العقيدة العلميّة، ندرك جيّداً أنّ من لا يتّبع العلم في عقائده هو أشبه بالبهيمة منه بالإنسان، وإنّ حياته هي الجحيم بعينها.
فأنا - والحمد لله - مسلم شيعي اثنا عشري وكفاني بذلك فخراً.
ولسائل أن يسألني عن المبرّرات التي الزمتني السير حسب المعتقد الشيعي بل والإصرار عليه إلى حدّ الاستعداد للتضحية وتحمّل الآلام من أجله، هل هي مبرّرات وهميّة؟
هل هي عواطف الآباء والأجداد؟ هل هو المحيط؟ هل هي العادة والألفة؟
هل هي المصالح الخاصّة التي أخشى عليها الضياع حين أتخلّى عن مذهبي الشيعي؟
... أنت مسلم - جيّد ممتاز - لكن لماذا أنت شيعي؟
الأكثريّة في منطق القرآن:
لماذا تركت مذاهب جمهور المسلمين، وقفزت مع رفاقك في اتّباع مذهب معيّن؟
لماذا لم تتّبع الأكثريّة من المسلمين؟
وأُجيب بين يدي الحضرة الربوبّية: لم أتّبع الأكثريّة ; لأنّها ليست مقياس الحقّ والباطل في منطق القرآن، حيث قال تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ
يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ(1). ولا في منطق العقل ; لأنّ الناس ليسوا معصومين، فلا أكاد أفهم أنّ اجتماع غير المعصومين على شيء يجعل منهم معصومين.
ولا في منطق الأحداث ; لأنّ الأكثريّة من هذه الأُمّة هي التي اجتمعت على قتال سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وسيّد شباب أهل الجنّة في كربلاء.
واصل «عماد» مطالعته لكتاب «لماذا أنا شيعي»؟ وقرأ ما ذكره المؤلّف حول آية «أُولئك هم خير البريّة»(2)، وآية المودّة في القربى(3)، ثمّ قرأ ما ذكره المؤلّف حول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والخلافة.
هل ترك الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أمّته سدى؟
أعود لأقول: أنا شيعي ; لأنّ التشيّع يستند إلى المنطق العقلائي حين يرفض قبول نظريّة موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) السلبي من مستقبل الأُمّة ومن مستقبل الإسلام، وهو الذي بعث رحمة للعالمين، وهو الذي كان يعلم بما يقع بعده من فتن واختلافات وأخطار يمكن أن تعصف بالإسلام، كان يعلم ذلك عن طريق غيبي أو عن طريق حنكته وبصيرته النافذة لأحوال الناس في زمانه... وهو الذي كان لا يغيب عن المدينة في غزوة إلاّ ويستخلف عليها؟
...وأنا شيعي لأنّي لست مقتنعاً بما يقال من اعتماد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منطق الشورى في انتخاب الخليفة من بعده ; ذلك لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يثقّف الأُمّة على مبدأ الشورى، ولم يذكر تفاصيله فيما بين أيدينا من سنّة، فلو كانت الخلافة يجب أن تعتمد على الشورى لكان على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تركيز هذا المبدأ في أذهان المسلمين وبيان فروعه وتفاصيله لهم ; لأنّ أساس الحكم الإسلامي الذي أريد له
الخلود ولم نجد أيّة إشارة بل ولا معلم على الطريق عن مسألة الشورى في السنّة المطهّرة، هذا أوّلاً.
وثانياً: لم أجد الصحابة يعتمدون هذا المبدأ في اجتماعهم يوم السقيفة، ولم يرد للشورى ذكرى أبداً في تضاعيف كلمات أبطال السقيفة؟
وإنّما اعتمدوا على أساس قرابتهم من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ونصرتهم له و... تلك الخصائص التي تمثّلت في عليّ قبل أن تتمثّل فيهم.
ولذلك نجد علي بن أبي طالب ينسف أساسهم الذي اعتمدوه في انتخاب الخليفة حين يقول: «اجتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»(1).
ثمّ أين الشورى المزعومة؟ والمشيرون الكبار لم يدخلوا في الطاعة إلاّ بمنطق القوّة؟!
ثمّ لم يعمل الخليفة الأوّل بالشورى وهو ينصب الخليفة الثاني نصباً...
أجل ورد في القرآن: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ(2).
لكن أيّ أمر هذا؟ هل هو أمر الدين؟ أم أمر الدنيا؟
وإذا كان الدين قد حدّد تكليفنا في موقف معيّن، فماذا تعني الشورى؟
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(3). إنّ الشيعة يعتقدون بأنّ الله ورسوله قضيا في أمر الخلافة والإمامة، فلا تخضع للشورى، فماذا نقول للشيعي حين يرى هذا الرأي، والحوادث التاريخيّة الواقعة في بداية الدعوة الإسلاميّة تدعم نظريّة الشيعة هذه...
إذن: أنا شيعي لأنّي أرفض ما يدّعى من سلبيّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) اتّجاه مستقبل الدين والأُمّة.
وأنا شيعي لأنّي لم أجد مبرّراً نظريّاً ولا عمليّاً في تاريخ الشريعة يبرّر ما يسمّونه (الشورى).
موقف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الإيجابي من مستقبل الأُمّة:
يضيف مؤلّف كتاب «لماذا أنا شيعي؟»: وأنا شيعي، لأنّ الشيعة لا يؤمنون إلاّ بالمنطق المعقول على هدى الإسلام رسالة الله الخالدة، فهم يؤمنون بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقف مكتوف اليدين اتّجاه الأُمّة والإسلام، بل وقف موقفاً إيجابيّاً فخطّط لمستقبل الأُمّة وعيّن القائد السياسي والزعيم الديني والمرجع العلمي من بعده.
وهذا هو المنطق المعقول الذي يجب قبوله وصدوره من صاحب الرسالة، والإسلام دين العقل، يأمرنا بالتبصّر في الأحداث، والاعتبار بالتاريخ، ويندّد بالذين لا يستثمرون عقولهم في الحياة وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ(1).
أنا أدري أنّ الكثيرين لا يسيغهم قولي وطريقة تفكيري، ولكنّي ماذا أصنع والإسلام هو الذي أمرني بالتعقّل والتفكير، والعقل هداني إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سيّد العقلاء لابدّ أن يكون خطّط لمستقبل أمّته والدين بتعيين القائد الكفؤ الذي يقي الأُمّة والدين خطر الفناء والهلاك والتشويه والاختلاف، والصدع على أيدي الكفّار والمنافقين(2).
مواصلة البحث:
واصل «عماد» بحثه العقائدي، وتعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من
مختلف الطرق المقروءة والمسموعة، واستمع إلى محاضرات المنبر الحسيني وبدأ بتجميع الأدلّة والبراهين حتّى اكتملت عنده الصورة، فأعلن استبصاره عام ١٤٠٣هـ (١٩٨٣م).
وشعر «عماد» بعد الاستبصار بأنّه يمتلك قدرة بيان الأدلّة والبراهين لكلّ متعطّش لمعرفة الحقيقة، وقادر على إقناع من يعرفهم من أتباع أهل السنّة وبدأ يبيّن العقائد الحقّة لهم وعموماً تحوّلت حياة «عماد» بعد استبصاره إلى حياة علميّة وممزوجة بالأدلّة والبراهين العقليّة والنقليّة وكانت هذه المعارف الدينيّة بمثابة نور هدته إلى طريق الحقّ، وأرشدته إلى سبيل الرشاد، ومنحته الاستقامة على الصراط المستقيم.
ويقول «عماد» حول الموانع التي واجهها في طريق استبصاره بأنّه لم يواجه موانع خارجيّة ; لأنّ الأجواء المحيطة به كانت تساعده على الاستبصار، ولكنه واجه موانع داخليّة فاجتازها عن طريق التوكّل على الله سبحانه وتعالى.
الصورة
ولد في «الموصل»، إحدى المدن العراقية، ونشأ في أجواء فرضت عليه الانتماء إلى المذهب الحنفي.
الحقيقة وهيمنة التراث:
مبادئ ومذاهب يرى أتباعها على الحقّ، ويحاول كلّ منهم إملاء تعاليمه على أتباعه من خلال ترسيخ مبدأ تقليد التراث، ويحاول كسب المشروعية له من السلف الذي تقبّل تلك المعطيات، عملية ظهرت بوادر الفشل عليها في الآونة الأخيرة، فلم يعد التراث قادراً على ترسيخ الأُسس العقائدية وإملائها على أتباعه، ظاهرة تبلورت في عدم قناعة أتباعها بهذه التعاليم، بل انكشف لهم من خلال البحث والتحقيق في شتّى المجالات بطلان هذه المبادئ وافتقارها إلى الدليل والبرهان.
ويعدّ «عماد» من جملة الذين رفضوا هيمنة التراث على أُسسه الفكرية والعقائدية، وحاول من خلال البحث والتحقيق الوصول إلى الحقيقة.
يقول «عماد»: كنت أعتقد أنّ الشيعة ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي، تكوّنت نتيجة لأحداث وظروف اجتماعية معيّنة، وكثر أتباعها على مرّ الزمن،
وتمكّنوا من تكوين أُسس ومبادئ لا تمت للإسلام بصلة.
ويرى البعض أنّ ابن سبأ هو المؤسّس لهذا التكتّل، ويزعم آخرون بنشوء هذه الظاهرة زمن الإمام علي(عليه السلام) ومنهم يرى أنّه مذهب نشأ في ظروف معيّنة نتيجة لأحداث مهّدت له الأرضية المناسبة.
رسمت هذه الصورة لي حاجزاً كبيراً عن الاختلاط بأتباع هذا المذهب، مضافاً إلى الأجواء التربوية التي عشتها فترة من الزمن.
شاءت الأقدار الإلهيّة أن اطّلع على كتاب «نشأة التشيّع والشيعة» لـ«محمّد باقر الصدر»، حيث شدّني الكتاب الذي تطرّق إلى بيان حقيقة التشيّع ونشأته، وأجاب مؤلّفه على الكثير من الاتهامات ألتي ترمى بها هذه الطائفة.
كان الملفت للنظر فيما ذكره المؤلّف هو حقيقة وجود الشيعة في زمن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) الأمر الذي جعلني في موقف حرج إزاء التعريف الشائع عن أتباع هذا المذهب، ولم أكتفي بما ذكره المؤلّف، فقمت بعملية البحث والتحقيق حول هذا الموضوع.
وبعد البحث والتحقيق حول هذا الأمر تعرّفت على الكثير من التحريفات التي تكاثرت على مرّ العصور، وأصبح أصحاب الحقّ هم المتّهمون، وتمّ تبرئت من تلوثّت يداه بالخيانة ودسّ الأكاذيب في الشريعة المقدّسة.
أنت وشيعتك في الجنّة:
أخرج الحمويني في «فرائد السمطين»، وموفق بن أحمد الخوارزمي... عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا الحسن كلّم الشمس فإنّها تكلّمك.
قلت: السلام عليك أيّها العبد المطيع لله عزّ وجلّ.
فقالت الشمس: وعليك السلام يا أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغرّ
المحجّلين، يا علي أنت وشيعتك في الجنّة، يا علي أوّل من تنشق الأرض عنه محمّد ثمّ أنت، وأوّل من يحيا محمّد ثمّ أنت، وأوّل من يكسى محمّد ثمّ أنت.
قال: فانكببت لله ساجداً شكراً له.
فقال لي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): قم يا أخي ويا حبيبي باهى الله بك أهل سماواته(1).
ويذكر المفسر الكبير الآلوسي في تفسيره روح المعاني:
«عن ابن مردويه عن علي كرّم الله تعالى وجهه قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ألم تسمع قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(2)، هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأُمم للحساب يدعون غرّاً محجّلين»(3).
ويذكر الشوكاني عن ابن عبّاس قال: «لما نزلت هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين»(4).
وهناك الكثير من الروايات تدلّ على وجود هذا المذهب الموالي للخط الرسالي، والذي لم ينحرف جراء الأحداث التي شهدتها الأُمّة عقيب وفاة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
وبعد فترة من البحث والتحقيق حول الشيعة حصل لي الاقتناع الكامل بحقانية هذا المذهب، فقمت بغربلة موروثي العقائدي، وأعلنت تشيعي.
ولد سنة ١٣٨٥هـ (١٩٦٦م) في مدينة «الموصل» شمال العراق، ونشأ في أُسرة سنية حنفية المذهب، واصل دراسته إلى المرحلة المتوسطة، استبصر سنة ١٤٠٨هـ (١٩٨٨م) في مدينة «طهران» العاصمة الإيرانية.
توفّر الفرصة لمعرفة الحقائق:
يقول «عمّار»: قد يتعجّب المرء إذا قلت له: إنّ وقوعي في الأسر في إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية - المسمّاة بحرب الخليج الأولى - كانت نعمة لي بدلاً أن تكون عليّ نقمة.
ففي الأسر معاناة ولا شكّ، ولكنّ هذه التجربة بالخصوص قد منحتني فرصة لمراجعة سيرة حياتي، وكانت محطّة للانطلاق لمستقبل يسوده الإيمان، وتعمره المحبّة.
عندما وقعت في الأسر كان لديّ الوقت الكافي لمطالعة الكتب، واستماع المحاضرات، والأهمّ من ذلك وجود الفرصة للتفكير بما أقرأ وبما أسمع ومقارنة ذلك مع معلوماتي السابقة، أو مقايستة مع العبر التي استفدتها من تجاربي السابقة في الحياة رغم قلّتها وضعفها لوقوعي في الأسر وأنا لازلت شاباً في مقتبل العمر.
لقد فتحت قلبي لمعرفة حقيقة الأُمور، ولم يأخذني العناد المذهبي، أو يكون غرور الشباب سدّاً يمنع القلب من تقبّل الحقّ، أو يصرف النفس عن الاستسلام للواقع الذي قد لا يروق لها.
وقد رأيت في المجتمع الجديد الذي أعيش فيه نماذج كثيرة تدلّ على السعي لتطبيق الإسلام، كمراعاة الحجاب من قبل النساء التي كنت أراهنّ على شاشة التلفاز، وغير ذلك من الأُمور التي تجذب الإنسان المسلم إلى الاعتزاز بالدين.
ولكنّ كلّ هذه الأُمور لم تكن لتدفعني لتغيير عقيدتي المذهبيّة التي نشأت عليها لولا تعرفّي على أهل البيت(عليهم السلام).
أهل البيت(عليهم السلام) الضالّة المنشودة:
يحسّ المرءُ عندما يتعرّف على أهل بيت الرسالة(عليهم السلام) بأنّه وجد ما كان يبحت عنه ضميره من حقائق مجسّمة تنبض بالحياة، وتنزل إلى أرض الواقع لتدافع عن الحقّ، وتحارب الظالمين.
ويجد المرء أيضاً أنّه قد ملئت فراغات شاسعة في أعماق نفسه كان يسودها الباطل والزيف والخداع، فالمرء المسلم عندما يتمعّن في سيرة غيرهم ممّن يفارقونهم ولا يلتقون معهم على نفس السبيل، يجد الأخطاء والنقص والضعف الذي لا يمكن ستره أمام أهل البيت(عليهم السلام).
وأهل البيت وما أدراك ما أهل البيت(عليهم السلام)! قوم معصومون لا يقاس بهم أحد(1).
فهم معدن الرسالة، وأصل كلّ خير، فهم العلماء وهم الحلماء، وهم الحكماء، وهم أرقى من في هذا الوجود البشري من بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
1) علل الشرائع ١: ١٧٧، الباب ١٤١، رقم ٢.
انظر إلى سيرة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله وقد شوّهها المبطلون ليرفعوا من شأن قادتهم المزيّفين، فقد نسبوا له(صلى الله عليه وآله وسلم) الخطأ والخطيئة لكي يبرّروا أخطاء وخطيئات من حكم المسلمين بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن أدّعى خلافته ظلماً، وهو يختلف عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) سنخاً وطينة.
ثُمّ انظر إلى سيرة علي(عليه السلام) في جهاده البطولي أيّام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثُمّ سكوته أيّام من سبقه بغصب حقه(عليه السلام)، حفاظاً على وحدة المسلمين.
ثُمّ حروبه على الناكثين والقاسطين والمارقين أيّام خلافته(عليه السلام) كان في كلّ ذلك يُراعي الحقّ، بل كان الحقّ يدور معه حيثما دار(1).
ولم يكن(عليه السلام) يُراعي المصالح الظاهريّة على حساب الدين أبداً كما فعل ويفعل غيره من حكّام المسلمين.
وهكذا هي سيرة فاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) كان لكلّ منهم دور في حفظ الإسلام من دسائس أعدائه الكفّار أو المنافقين.
وهكذا كان دور بقيّة المعصومين من أولاد الحسين(عليهم السلام). إنّ أهل البيت(عليهم السلام)عمود الإسلام الذي تدور عليه رحاه.
وهم على اختلاف أدوارهم - لاختلاف الزمان والمكان - كانوا يدافعون عن بيضة الإسلام بكلّ ما أُوتوا من قوّة.
فهم خلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالحقّ، يقومون مقامه في كلّ عصر، حيث لم ينته دورهم، فما زال الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه حيّاً يُدير الأُمور ولو من خلف الستار، ويدافع عن الإسلام ولو أنّ دوره غير ظاهر للعيان، لغلبة أهل الظلم، وسيطرة أهل الباطل.
وسيأتي اليوم الذي يظهر فيه فيملأ الدنيا عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً
1) شرح نهج البلاغة ٢: ٢٩٧.
وجورا(1).
وقد قال الله سبحانه في محكم كتابه: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(2).
فمن أراد الهداية فليؤمن بأهل البيت(عليهم السلام) من قبل أن يأتي يوم لا ينفع نفس إيمانها، لأنّها لم تؤمن من قبل، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ¯ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ(3).
فأهل البيت هم أهل الإيمان والولاية، وهم عنوان الوحدة، وأمانٌ من الفرقة، وهم الضالّة المنشودة التي من ضيّعها جنى على نفسه.
ولد في «ديالى» بالعراق، ونشأ في أُسرة سنية المذهب، استبصر سنة ١٣٥٤هـ (١٩٣٦م) إثر كرامة رآها من حضرة أبي الفضل العباس بن علي(عليهما السلام).
كرامة أبي الفضل العباس(عليه السلام):
ينقل ابنه فاضل عن أبيه قائلاً: «باع أبي حوالي مائة طنّ من التمر إلى شخص ولم يدفع المشتري له الثمن، فذهب أبي شاكياً إلى أبي الفضل العباس(عليه السلام)، وأراد المبيت في حرمه(عليه السلام)، فمنع أوّلاً، وبعد إصراره سمح له في المبيت.
وبعد أن أطفئوا المصابيح، وأغلقوا الأبواب، غلبه النوم، وبعد ذلك سمع صوتاً، وشاهد نوراً لا يمكن وصفه، وإذا بصوت (استيقظ ياملّه عمران)، فاستيقظ، وأخبره الصوت: «إنّ ثمن بضاعته التي باعها إلى المشتري الخائن في كيس التمر، وهو مخيط، وكان قصد المشتري نقل الكيس والبضاعة إلى محلّ آخر، فلم يتمكن من القرب منهما، فضلاً عن الهرب بهما».
فخاطب «عمر» جهة الصوت قائلاً: يا سيّدي العباس إنّني حنفي المذهب، وإذا ذهبت إلى الجعفرية وأخبرتهم بقصّتي معك يا سيّدي لا يصدّقون بذاك، لأنّ مذهبي يختلف عن مذهبهم».
ويتابع ابنه فاضل رواية ما حدث بالقول: «بعد ذلك شاهد والدي اصبعين خرجا من القبر الشريف، يمسكان قطعة من ورق أبيض مكتوب فيها بخط سيّدنا العباس بن علي(عليهما السلام)، فلم يتمكن والدي من قراءة ذلك الخط، فأخذ الورقة من أبي الفضل العباس(عليه السلام)، وذهب بها هو وجماعة من أشراف الكاظميّة إلى المرحوم سماحة آية الله العظمى السيّد حسن الصدر، فقرأ المرحوم الورقة وقال له: إذهب واستلم بضاعتك.
ولكنّ والدي امتنع من استلامها، فقال للذي أراد أن يأكلّ عليه ماله: إذهب بالبضاعة هي حلالٌ لك، وهكذا وهبها له ; لما نال أبي من شرف الحديث من العباس(عليه السلام) الذي أظهر حقّه على ذلك المشتري».
وينقل هنا الابن فاضل عن أبيه كيفيّة استبصاره يقول الأب: «عرفت الحقّ، وعرفت أنّ هذا المذهب العظيم، المذهب الجعفري (نسبة إلى الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) أحد الأئمّة الاثنا عشر وأستاذ أبي حنيفة) يستند إلى أهل بيت الرحمة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فأصبحت جعفريّاً، واعتنقت مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وبدّلت اسمي من «عمر» إلى عمران، كما سمّاني سيّدي أبو الفضل العباس(عليه السلام) ثُمّ قصصت ما جرى معي على أخويّ فصدّقاني، وأبدلا أسميهما أيضاً من عثمان إلى سلمان، ومن بكر إلى محمّد».
كرامات أهل البيت(عليهم السلام) لا تعدّ ولا تحصى:
يتّفق جميع علماء المسلمين على أنّ لأولياء الله كرامات تقوّي عقائد الناس بالدين الحنيف، ولم يشذّ عن هذا الإجماع حتّى ابن تيميّة(1)رائد التيار السلفي.
وأمّا أهل البيت(عليهم السلام) فكراماتهم ومعجزاتهم فحدّث عنها ولا حرج، فهي
1) دقائق التفسير ٢: ١٤١.
كثيرة جدّاً، ويكاد لا يوجد بيت شيعي واحد لم ير منهم المعجزات، فضلاً عن أتباع المذاهب الأُخرى من المسلمين، بل وحتّى أتباع الديانات الأُخرى رأوا منهم كرامات هدت الكثير منهم إلى معرفة أهل البيت(عليهم السلام) واتباعهم.
ولد عام ١٣٧٥هـ (١٩٥٦م) في خانقين بالعراق، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب، وكان استبصاره عام ١٣٩١هـ (١٩٨٢م).
الأرضيّة التي دفعته للاستبصار:
إنّ الاستبصار لا ينشأ من فراغ، وإنّما هو بحاجة إلى أرضيّة يوفّرها الإنسان لنفسه لتهديه إلى الصراط المستقيم.
ويرى «فؤاد» بأنّ من أهمّ أسباب استبصاره هو تعميق إيمانه بالله تعالى، وهذا الأمر هو الذي دفعه ليهتمّ بدينه، وأن لا يكون دينه مجرّد تقاليد يتلقّاها من الآخرين بصورة عمياء ويكتفي بأدائها الظاهري، ويكون جلّ اهتمامه بأمور معاشه.
وعندما قرّر «فؤاد» تعميق صلته بالله سبحانه وتعالى أخذ بالبحث لتشييد معتقداته وفق الأسس الصحيحة، وكان استعداد «فؤاد» للتضحية في هذا الصعيد هو السبب ا لذي أدّى إلى زوال جميع العقبات أمامه ; لأنّ الدين الصحيح لا يحصل عليه الإنسان إلاّ بالجدّ والاجتهاد والمثابرة.
ومن هذا المنطلق بدأ «فؤاد» رحلته العقائديّة، فاكتشف من خلال المطالعة
بأنّ العلماء الذين كانوا محيطين به يخفون عنه الكثير من الحقائق ; ولذا لا يمكن الاعتماد عليهم.
ومن هنا بدأ «فؤاد» رحلته العلميّة بنفسه لعلّه يكتشف الحقيقة الضائعة. وبمرور الزمان تعرّف «فؤاد» على مقام ومنزلة أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك من خلال مطالعته كتب أهل السنّة التراثيّة، ولكنّة وجد بأنّ أهل السنّة لديهم حسّاسيّة من أهل البيت(عليهم السلام) وإنّما يهتمّون أشدّ الاهتمام بالصحابة، بحيث دفعهم هذا الأمر إلى الإفراط والقول بعدالة الصحابة جميعاً، ولكنّ الواقع يكشف خلاف ذلك، ويكفي للباحث أن يتصفّح كتب التاريخ وكتب الحديث ليرى مدى ارتكاب بعض الصحابة للمجازر والموبقات والمعاصي، بل بلغ بهم الأمر أن قتل بعضهم بعضاً، وهذا ما يكشف مدى قسوة هؤلاء في التعامل فيما بينهم.
وفي المقابل فإنّ كتب أهل السنّة مليئة بالأحاديث المرويّة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في التأكيد على محبّة أهل البيت(عليهم السلام) ومودّتهم، والاعتصام بحبلهم، والتمسّك بهديهم،والالتحاق بركبهم، والركوب في سفينتهم سفينة النجاة، ولكنّ واقع أهل السنّة يسير خلاف هذا الأمر.
وليس سبب ذلك إلاّ أنّ مذهب أهل السنّة مذهب حكومي، عاش في أحضان الحكومات واستمدّ شرعيّته منها، وكانت هذه الحكومات هي التي تسيّره أين ما شاءت.
وعلى رأس هذه الحكومات حكومة بني أُميّة، وعداء هذه الحكومة لأهل البيت(عليهم السلام) واضح.
وثاني هذه الحكومات حكومة بني العبّاس وخصومة هذه الحكومة لأهل البيت(عليهم السلام) أيضاً ممّا لا يخفى على أحد.
وهذا ما ترك الأثر البليغ في موقف أهل السنّة من أهل البيت(عليهم السلام)، فإذا تحرّر الإنسان من أسر التقليد الأعمى فإنّه سيجد نفسه مندفعاً نحو التمسّك بهدي أهل البيت(عليهم السلام) بصورة غير إراديّة.
دور الإيمان والعلم في الاستبصار:
عندما عمّق «فؤاد» صلته بالله اكتسب القوّة لتخطِّي جميع الموانع التي تقف بوجهه نحو معرفة الحقّ، لكنّه وجد نفسه بحاجة إلى طلب العلم ليرفع مستواه، وهذا ما أملى عليه إيمانه، فتوجّه إلى مطالعة الكتب فمن الكتب التي لفتت نظره هي كتب المستبصرين.
ووجد «فؤاد» بأنّ هذه الكتب جديرة بالاهتمام ; لأنّها كتب أبناء مذهبه الذين أعرضوا عن مذهبهم وانتقلوا إلى مذهب التشيّع، فلا شكّ لهؤلاء أدلّة وبراهين دفعتهم إلى هذا التحوّل المذهبي وهو تحوّل يتطلّب التضحية وتقبّل العناء والحرمان، فلا شكّ أنّ هذه الأدلّة تستحقّ القراءة بتأمّل وتدبّر.
وكان من أبرز الكتب التي تأثّر بها «فؤاد» كتاب «ثمّ اهتديت» للدكتور التيجاني وكتاب «المراجعات» للعلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين.
من أولى بالاتّباع:
عرف «فؤاد» من خلال مطالعاته المكثّفة ولاسيّما مطالعته للكتب التي تأثّر بها بأنّ الأدلّة العقليّة والنقليّة كلّها تكشف بأنّ الإمام علي(عليه السلام) أولى بالاتّباع.
وعندما بحث «فؤاد» في الكتب لم يجد إجماعاً بين الفريقين إلاّ على الإمام علي(عليه السلام)، وكتب الفريقين مليئة بفضائل لأمير المؤمنين لم تذكر لأيّ شخص آخر من الصحابة، بحيث صرّح أبو علي النيسابوري بذلك وقال:
«لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء في علي»(1).
1) مستدرك الحاكم ٣: ١٠٨.
والجدير بالانتباه أنّ بني أميّة بذلوا غاية جهدهم لإخفاء فضائل الإمام علي(عليه السلام)، بل حتّى منعوا أن يتسمّى أحد باسمه، وعلى الرغم من ذلك كلّه ظهرت من فضائل ومناقب أمير المؤمنين الكثير بحيث قال الشافعي:
«عجبتُ لرجل كتم أعتدائه فضائله حسداً، وكتمها محبّوه خوفاً، وخرج ما بين ذين ما طبق الخافقين»(1).
وأمّا إذا دقّق الباحث النظر فيما نُسب لأبي بكر من فضائل فإنّها في كتب أهل السنّة إمّا عن ابنته عائشة، وعداء عائشة لأمير المؤمنين علي(عليه السلام) ممّا لا يخفى على أحد، فالتي تكون مستعّدة لسفك دماء المسلمين في حرب الجمل لن يكون لديها أيّ مانع لتقديم أبيها على الإمام علي(عليه السلام) ولو بأحاديث موضوعة. أو عن عبد الله بن عمر وهو أيضاً ممّن لا يحبّ الإمام علي(عليه السلام) بل رفض مبايعته بعد اجتماع الناس على ذلك.
وكان يحدّث عبد الله بن عمر أنّ أفضل الناس بعد النبيّ أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ لا تفاضل(2)، والناس بعد ذلك سواسية، ومعنى هذا الحديث أنّ عبد الله ابن عمر جعل الإمام علي من سوقة الناس، كأيّ شخص آخر ليس له فضل ولا فضيلة.
وأصبح بعد ذلك كلام ابن عمر سنداً لمَن بعده في حذف الإمام علي(عليه السلام)، حتّى قال أحمد بن حنبل قبل ظهور مصطلح الخلفاء الأربعة: «السنّة عندنا في التفضيل ما قال ابن عمر...»(3).
وفي لفظ: «نحن نقول: أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت، على حديث ابن
عمر»(1).
ويعلّق التيجاني السماوي على موقف ابن عمر هذا:
«أين عبد الله بن عمر من الحقائق التي ذكرها أعلام الأُمّة وأئمّتها بأنّه لم يرد في أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء في علي بن أبي طالب(عليه السلام)؟!
هل أنّ عبد الله بن عمر لم يسمع بفضيلة واحدة لعلي؟
بلى والله لقد سمع ووعى، ولكنّ السياسة - وما أدراك ما السياسة - فهي تقلّب الحقائق وتصنع الأعاجيب»(2).
كذلك يروي فضائل أبي بكر كلٍّ من عمر بن العاص وأبو هريرة وعروة وعكرمة، ويكشف التاريخ أنّ هؤلاء كانوا متحاملين على الإمام علي(عليه السلام)، وحاربوه بشتّى الطرق إمّا بالسلاح وإمّا بالدس واختلاق الفضائل لأعدائه وخصومه.
وقال ابن أبي الحديد: «ذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي - رحمه الله تعالى- : أنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي(عليه السلام) وتقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة ابن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير.
روى الزهري أنّ عروة بن الزبير حدّثه قال: حدّثتني عائشة قالت: كنت عند رسول الله إذ اقبل العبّاس وعلي فقال: يا عائشة إنّ هذين يموتان على غير ملّتي أو قال ديني».
وروى عبد الرزّاق عن معمّر قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة عن
عائشة في علي(عليه السلام) فسألته عنهما يوماً، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما الله أعلم بهما، إنّي لأتّهمهمافي بني هاشم»(1).
وقال الإمام أحمد بن حنبل: «إنّ عليّاً كان كثير الأعداء، ففتّش أعداؤه عيباً فلم يجدوا، فعمدوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيداً منهم لعلي»(2).
وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(3).
وكما لا يخفى بأنّ بغض وحسد العبّاسيّين لأهل البيت(عليهم السلام) لم يكن أقلّ من أسلافهم الأُمويّين، ومع ذلك ظهرت فضائل الإمام علي(عليه السلام) بعد ستّة قرون من الحكم الجائر والظالم له ولأهل بيته.
أعلن استبصاره:
لم يجد «فؤاد» أيّ سبيل بعد تعميق صلته بالله سبحانه وتعالى، والبحث واكتشاف الحقيقة سوى الالتحاق بركب أهل البيت(عليهم السلام)، فأعلن استبصاره في منطقته، ولم يكن الأمر لأهالي تلك المنطقة غريباً جدّاً ; لأنّ حركة الاستبصار كانت قد ظهرت من قبل، وكانت تمتدّ ويسمع أهالي تلك المنطقة بين الحين والآخر باستبصار أحد أبنائهم، وكان «فؤاد» أحد هؤلاء، وكان استبصار كلّ واحد يمنح هذه الحركة القوّة، ويدفع الآخرين إلى المزيد من التأمّل في موروثاتهم العقائديّة.
الصورة
فتوجّهت نحو هذه العقيدة السلسة وهذا الدين السمح حيث وجدّته دين العقل والوجدان، ووجدت بأنّ تعاليمه لا تنافي العقل كتعاليم الكنيسة، حيث تجعل من ثلاثة واحد ومن الواحد ثلاثة، فتوكّلت على الله أن يهديني لصراطه المستقيم، فركبت سفينة النجاة باتّباع دين المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) ومذهب أهل بيت النبوّة(عليهم السلام)، وأسأل من الله حسن العاقبة.
يضيف «فؤاد يوسف»: ومن أبرز الأُمور التي تأثّرت بها في استبصاري هي مقتل الإمام الحسين(عليه السلام)، وعندما اطلعت على مأساة كربلاء اهتزّ لها وجداني وضميري، وتوهّجت أحاسيسي، وأدمت قلبي، وجرحت مشاعري، وأسالت دموعي المتدفقة بغزارة وحرقة، فوجدت بأنّ هذه الواقعة المأساوية أحدثت جروحاً في نفسي، وعندما بحثت عن تأثير هذه الواقعة في الواقع الاجتماعي رأيت بأنّه كلّما تجدّد الزمن فقد ازدادت مساحة هذه المأساة أسى ولوعة.
وقد ذكر الخطيب الحسيني الدكتور الشيخ محمّد باقر المقدسي في كتابه «دور المنبر الحسيني في التوعية الإسلاميّة»:
مأساة الإمام الحسين(عليه السلام) والتعاطف معه:
إنّ كلّ من يقرأ قصّة «كربلاء» وما جرى فيها من مآسي لابدّ أن يحزن بعمق ويتأثّر لما جرى على سيّد الشهداء وعلى أهل بيته وأصحابه، ومن ثُمّ ينشدّ إلى الإمام وينجذب إليه ويتعاطف معه، وهذا ما جرى لكثيرين بعدما قرأوا أو سمعوا فاجعة عاشوراء:
١ - الكاتبة الإنجليزية القديرة (فرايا ستارك):
كانت قد كتبت فصلاً صغيراً عن عاشوراء في كتابها المعروف باسم «صور بغداديّة» وتبدأ هذا الفصل بقولها: «إنّ الشيعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي يحيون ذكرى الحسين ومقتله، ويعلنون الحداد عليه في عشرة محرم الأولى كلّها،
حتّى يصل بهم مدّ الأحزان البطيء الذي يستولي على أنفسهم إلى أوجه بمواكب العزاء التي تخرج في اليوم الأخير.
ثُمّ تشير إلى مواكب العزاء و(السبايا) التي تمثل فيها وقائع معركة «كربلاء» كلها. وهي تقول: «إنّ هذه المواكب التي تُقام في «بغداد» والمدن المقدّسة يعرف مجيئها من بعيد بصوت اللدم على الصدور العارية». ثُمّ تصف مجلس تعزية للنساء في «الكويت» أُخذت إليه وهي متنكّرة . . . (1).
وفي فصلها الكبير عن «النجف» الذي كتبته في هذا الكتاب تأتي «فرايا ستارك» إلى ذكر «كربلاء» والحسين كذلك فتقول: « . . . وعلى مسافة غير بعيدة من هذه البقعة جُعجع ابنه الحسين إلى جهة البادية، وظلّ يتجوّل حتّى نزل في «كربلاء» وهناك نصب مخيّمه، بينما أحاط به أعداؤه ومنعوا موارد الماء عنه .
وما تزال تفصيلات تلك الوقائع واضحة جليّة في أفكار الناس في يومنا هذا كما كانت قبل (١٢٥٧) سنة. وليس من الممكن لمن يزور هذه المدن المقدّسة أن يستفيد كثيراً من زيارته مالم يقف على شيء من هذه القصّة ; لأنّ مأساة الحسين تتغلغل في كلّ شيء حتّى تصل إلى الأُسس وهي من القصّص القليلة التي لا أستطيع قراءتها قط من دون أن ينتابني البكاء».
ثُمّ تقول: «إنّ التاريخ قد توقّف في «كربلاء» و«النجف» منذ أن وقعت تلك الفاجعة ; لأنّ الناس أخذوا يعيشون فيهما على ذكرى الكراهيّة لأعداء الحسين المظلوم»(2).
٢ - المستشرق المعروف (البروفسور براون):
كتب عن مأساة الإمام الحسين(عليه السلام) قائلاً: «ذكرى «كربلاء» التي استشهد فيها سبط الرسول بعد تحمّل الأذى والعطش، كافية أن تُحدث في قلب أبرد الناس وأكثرهم تهاوناً وعدم اعتناء بالأُمور حماسة وحزناً وهيجاناً شديداً، وأن تتعالى بالروح إلى معارج الكمال، بحيث تستهين بالالم والموت»(1).
٣ - الأستاذ المصري أبو شريف معروف عبد المجيد:
بعث إليّ رسالة يقول فيها: «ذات يوم كنت أبحث عن إذاعة القاهرة وفي يدي مذياع صغير، وأنا جالس وحدي في غرفتي. كنت أعيش حينها خارج «مصر»، وكان الشوق إليها يغمر قلبي ويستولي على مشاعري، ولم تكن الفضائيات قد ظهرت بعد.
وفجأة، تناهى إلى أذني صوت رخيم عذب، فأوقفت مؤشّر المذياع، كان الأداء مختلفاً تماماً عن كلّ أداء سمعته من قبل، فازدادت دهشتي، كان الرجل يتحدّث عن الإمام الحسين(عليه السلام) وعن الكارثة المريعة التي وقعت في «كربلاء» لا أدري في أيّ شهر من الشهور كنّا، وربّما في شهر محرم.
في تلك الأيّام لم أكن قد عرفت بعدُ البكاء على الحسين(عليه السلام) ومعنى هذا البكاء، ولكنّني وجدت نفسي قد غمرها حزن شديد، فأجهشت بالبكاء، وفاضت الدموع من عيوني بغزارة وحرارة دون إرادة، ورحت أبكي بمرارة وحرقة لم أعهدها من قبل، إلى أن انتهى الحديث الذي استولى على جوانحي قادماً عبر الأثير، وقد تجسّدت أمامي مصيبة أهل البيت الأطهار(عليهم السلام). أعلن المذيع بأنّ الإذاعة هي إذاعة طهران، ولكنّه لم يذكر اسم المتحدّث، ولعله بالطبع كان قد ذكره في البداية، فشعرت بالأسف الشديد لأنّني كنت في شدّة الشوق لمعرفة صاحب هذا الصوت القادم من خلف الحجب والأستار.
1) المصدر السابق: ١١٢، نقلا عن آداب الكلام لعلي باشا صالح.
ومضت أيّام وشهور وسنوات إلى أن فاجأني الصوت نفسه قادماً من نفس الإذاعة، ولكنّني كنت هذه المرّة في «طهران»..!
قرّرت أن أكشف هذا اللغز العجيب، وأن أعرف صاحب الصوت الحسيني. لم يطل بي البحث، وما لبثت أن علمت أنّه عميد المنبر الحسيني الخطيب البارع والشاعر الأديب الشيخ الدكتور أحمد الوائلي(قدس سره) وكان أن انفتحت أمام بصيرتي آفاق جديدة واسعة على قتيل العبرات الإمام الحسين(عليه السلام)(1).
٤ - كثير من مسلمي شمال إفريقية:
حدّثني الخطيب السيّد مسلم الجابري قائلاً: «لمّا كنتُ أواصل دراساتي العليا في «باريس» سنة ١٩٨١ وافقت أيّام العشرة الأولى من محرّم، فدعونا المسلمين من شمال إفريقية المتواجدين في «باريس» للحضور ليلة تاسوعاء وعاشوراء في المركز الإسلامي الإيراني، فحضر جمعٌ كبيرٌ منهم، فأسمعناهم مقتل الحسين(عليه السلام) بصوت المرحوم الشيخ عبد الزهراء الكعبي، فكان الجميع ينصتون ويبكون تفاعلاً مع المأساة الحسينيّة، وكانوا يقولون: إنّ هذا الأمر لم نعلم به، وأظهروا تعاطفهم مع الإمام الحسين(عليه السلام) واشمئزازهم من القتلة المجرمين».
مأساة الحسين(عليه السلام) وانتشار التشيّع:
قال الدكتور جوزيف الفرنسي في تحقيق له تحت عنوان (الشيعة وترقّياتها المحيّرة للعقول): « . . . ومن جملة الأُمور الطبيعيّة التي صارت مؤيّدة لفرقة الشيعة في التأثير في قلوب سائر الفرق هو إظهار مظلوميّة أكابر دينهم، وهذه المسألة من الأُمور الطبيعيّة ; لأنّ كلّ أحد بالطبع ينتصر للمظلوم ويحبّ غلبة الضعيف على القوي، والطبايع البشريّة أميل إلى الضعيف . . . وهؤلاء مصنّفو أوروبّا الذين ذكروا في كتبهم تفصيل مقاتلة الحسين وأصحابه وقتلهم، مع أنّهم لا
1) نفس المصدر: ١١٢.
يعتقدون بهم، أذعنوا بظلم قاتليهم وتعدّيهم وعدم رحمتهم، ويذكرون أسماء قاتليهم بالاشمئزاز.
وهذه الأُمور طبيعيّة لا يقف أمامها شيء، وهذه النكتة من المؤيّدات الطبيعيّة لفرقة الشيعة»(1).
وكان «فؤاد» أيضاً من جملة الذين تأثّروا بالإمام الحسين(عليه السلام)، وكانت إحدى عوامل استبصاره التأثّر من خلال قراءة مقتل الإمام الحسين، بحيث أدّى به ذلك إلى الاستبصار والالتحاق بركب أهل البيت(عليهم السلام).
1) المصدر السابق، نقلاً عن اقناع اللائم للسيّد الأمين: ٣٥٦.
ولد سنة ١٣٣٤هـ (١٩١٦م) في قضاء «السنوجة» التابع لمحافظة «ديالى» في العراق، ثُمّ انتقل إلى الأعظميّة ببغداد، وعمل فيها موظفاً في دائرة الاستهلاك، ونشأ على المذهب الحنفي مذهب أسرته حتّى سنة ١٣٥٤هـ حيث استبصر واعتنق مذهب آل البيت(عليهم السلام) أثر كرامة حصلت لأبيه في مرقد حضرة أبي الفضل العباس(عليه السلام)، فانتقل إثر ذلك من الأعظميّة إلى الكاظميّة واتخذها مقراً لسكناه، واختار عملاً حراً حيث أخذ يبيع الأصباغ، وباشر بنفسه في صبغ الجوامع والحسينيّات، وخاصة صحن الكاظميّة(1)الشريف.
كرامة في صحن الكاظميّة:
يقول «فاضل»: «كان تشيّعي إثر كرامة(2)حصلت لأبي في حضرة أبي الفضل العباس(عليه السلام)، حيث ظهر لي ما كان خافياً عليّ من فضل أهل البيت(عليهم السلام)فواليتهم وتمسّكت بهم كما أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(3).
ومرّت معي الأيّام وأنا أعيش في نعيم الولاية الوارف، وفي أحد الأيّام عندما كنت في صحن الكاظميّة الشريف أمارس عمليّة الصبغ هناك مع جماعة آخرين كانوا من أهل السنّة المتعصّبين الذين لم يخل كلامهم من بعض الألفاظ التي تدلّ على تعصبهم وحقدهم، فحدث نزاع بيني وبينهم بسبب ذلك فما كان منهم إلاّ أن تآمروا عليّ ورموني من أعلى الطارمة إلى الأسفل.
ولكن الذي حصل أنّي وجدتُ نفسي معلّقاً لفترة في الهواء ثُمّ وقعت بهدوء على الأرض، وهكذا نجوت من كيدهم بفضل من غضبت لهم».
حماية أهل البيت(عليهم السلام) لشيعتهم:
ورد عن الإمام المهدي عجل الله فرجه في توقيع له وجّهه إلى الشيخ المفيد(1)(رحمهم الله) ما نصه: «إنّا غيرُ مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء(2)واصطلمكم الأعداء»(3).
إنّ وجود أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هو أمان لأهل الأرض جميعاً، وقد وردت أحاديث(4)كثيرة تفيد أنّ عدم وجود الحجّة يؤدّي إلى أن تسوخ الأرض بأهلها كما ورد عن الإمام المهدي نفسه حديث يقول فيه: «إنّي الأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء»(5).
وفضلاً عن ذلك، فهم يراعون شيعتهم ويحفظونهم من أعدائهم - كما وردت الإشارة إليه في الحديث أعلاه - وهذا مما يبيّن قوة العلاقة بين الأئمّة وشيعتهم حتّى في زمان غيبة الإمام المعصوم(عليه السلام)، وهو أمر طبيعي أن يدفع الله البلاء عن
1) من علماء الشيعة الأجلاء الذي عاش في القرنين الرابع والخامس الهجريين في مدينة بغداد له كتب كثيرة يدافع فيها عن عقائد الشيعة.
2) الأواء - الشدّة وضيق المعيشة لسان العرب ١٥: ٢٣٨. «لأي».
3) الاحتجاج ٢: ٣٢٣.
4) بحار الأنوار ٢٣: ١ - ٥٦، باب الاضطرار إلى الحجّة.
5) كمال الدين: ٤٨٥، الحديث ٤، الغيبة: ٢٩٢، الحديث ٢٤٧، الاحتجاج ٢: ٢٨٤.
الشيعة بواسطة أئمّتهم في الظاهر، وإلاّ فهم أحياء عند ربهم يرزقون، بل هم واسطة الفيض الإلهي للبشريّة، فقد قال الإمام المهديّ أيضاً: «نحن صنائع ربّنا، والخلق بعدُ صنائعنا»(1).
ويشهد التاريخ أنّ الشيعة مرّوا بظروف عصيبة حاول فيها الطغاة إبادتهم واستئصالهم وكان ذلك في مقدورهم حسب القوانين الطبيعيّة الظاهرية، ولكنّ الله سبحانه حمى الشيعة في كثير من المواقف، وذهب الطغاة إلى مزبلة التاريخ، فهنيئاً للمؤمنين دينهم وهنيئاً لهم ولايتهم لأئمّتهم التي هي ولاية نابضة بالحياة تدفع عن الشيعة غوائل أعدائهم أعداء الله.
1) الغيبة: ٢٨٥، الحديث ٢٤٥، الاحتجاج ٢: ٢٧٨.
ولد في محافظة الأنبار بالعراق، ونشأ في أسرة حنفيّة المذهب، وعاش في ظروف بعيدة عن الثقافة الدينيّة، حتّى توفّرت له ظروف دفعته للهجرة إلى إيران، فتهيّأت له أجواء دفعته للاهتمام بمبادئه الدينيّة، ومنها قراءة العديد من الكتب الإسلاميّة، والتعرّف على علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)، وكانت ثمرة بحثه الاستبصار عام ١٤٠٧هـ (١٩٨٧م).
إرشاد القلوب:
يبيّن «قاسم الدليمي» بأنّ من الكتب المهمّة التي قرّبته إلى أهل البيت(عليهم السلام)هو كتاب «إرشاد القلوب إلى الصواب المنجي من عمل به من أليم العقاب» تأليف الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلمي، وهو من أعلام القرن الثامن، وهو كتاب أخلاقي فيه الكثير من المعارف الأخلاقيّة الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام).
ومن أهمّ المواضيع الواردة في هذا الكتاب: «الموعظة، الزهد في الدنيا، ذمّ الدنيا، التخويف والترهيب من كتاب الله جلّ جلاله، قصر الأمل، المرض ومصلحته، التوبة، ذكر الموت، أشراط الساعة، الذكر، صلاة الليل، البكاء من خشية الله، الجهاد في سبيل الله، الصمت، الخوف من الله، الرجاء لله، الخشوع لله، ذمّ الغيبة، القناعة، التوكّل على الله، الشكر لله، مدح الموقنين، الصبر، الحسد، فراسة
المؤمن، حُسن الخُلق، السخاء، الولاية لله، الدعاء، الأدب مع الله، توحيد الله العقل، فضائل أمير المؤمنين علي(عليه السلام)».
ومن الأمور الملفتة للنظر الواردة في مجال فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)، مناشدته(عليه السلام) يوم الشورى مع أهل الشورى في الدفاع عن حقّه.
وروي عن أبي المفضل بإسناده عن أبي ذرّ رضي الله عنه: أنّ عليّاً عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص أمرهم عمر بن الخطاب أن يدخلو بيتاً، ويغلقوا عليهم بابه، ويتشاوروا في أمرهم،وأجّلهم ثلاثة أيّام، فإن توافق خمسة على قول واحد وأبى رجل منهم قُتل ذلك الرجل، وإن توافق أربعة وأبى اثنان قُتل الاثنان.
فلمّا توافقوا جميعاً على رأي واحد قال لهم علي بن أبي طالب عليه السلام: إنّي اُحبّ أن تسمعوا منّي ما أقول لكم، فإن يكن حقّاً فاقبلوه، وإن يكن باطلاً فانكروه، قالوا: قل.
قال: أنشدكم بالله - أو قال: أسألكم بالله - الذي يعلم سرائركم ويعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذّبتم، هل فيكم أحد آمن قبلي بالله ورسوله، وصلّى القبلتين قبلي؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: هل فيكم أحد من يقول الله عزّ وجلّ فيه: أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(1)سواي؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد نصر أبوه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكفله غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
1) النساء (٤): ٥٩.
قال: فهل فيكم أحد أخوه ذي الجناحين في الجنّة، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد وحدّ الله قبلي ولم يشرك بالله شيئاً؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد عمّه حمزة سيّد الشهداء، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد زوجته سيّدة نساء أهل الجنّة، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد ابناه سيّدا شباب أهل الجنّة، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد أعلم بناسخ القرآن ومنسوخه والسنّة منّي؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد سمّاه الله عزّ وجلّ في عشر آيات من القرآن مؤمناً، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد ناجى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عشر مرّات يقدّم بين يدي نجواه صدقة، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، فليبلغ الشاهد الغائب ذلك، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم رجل قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار، لا يوليّ الدبر، يفتح الله على يديه، وذلك حيث رجع أبو بكر وعمر منهزمين، فدعاني وأنا أرمد، فتفل في عيني وقال: اللّهم أذهب عنه الحرّ والبرد، فما وجدت بعدها حرّاً ولا برداً يؤذياني، ثمّ أعطاني الراية فخرجت بها ففتح الله على يدي خيبر، فقتلت مقاتلهم وفيهم مرحب، وسبيت ذراريهم، فهل كان ذلك غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اللّهم ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ وأشدّهم لي ولك حباً، يأكل معي من هذا الطائر، فأتيت فأكلت معه، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد قال فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لتنتهيّنّ يا بني وليعة أو لأبعثنّ عليكم رجلاً نفسه كنفسي وطاعته كطاعتي ومعصيته كمعصيتي، يعصاكم أو يقطعكم بالسيف، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم أحد قال فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): كذب من زعم أنّه يحبّني ويبغض عليّاً، غيري؟
قالوا: اللّهم لا.
قال: فهل فيكم من سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة وفيهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ليلة القليب لمّا جئت بالماء إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له جبرئيل: هذه هي المواساة، وذلك يوم أحد،
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ]وما يمنعه من ذلك[ إنّه منّي وأنا منه، فقال جبرئيل(عليه السلام): وأنا منكما، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد نودي به من السماء «لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي» غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم من يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي قاتلت على تنزيل القرآن وستقاتل أنت يا علي على تأويله، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد غسّل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع الملائكة المقرّبين بالروح والريحان تقلّبه لي الملائكة وأنا أسمع قولهم وهم يقولون: استروا عورة نبيّكم ستركم الله، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم من كفّن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ووضعه في حفرته، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد بعث الله عزّ وجلّ إليه بالتعزية حيث قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفاطمة عليها السلام تبكيه إذ سمعنا حسّاً على الباب وقائلاً يقول نسمع صوته ولا نرى شخصه وهو يقول: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته،ربّكم عزّ وجلّ يقرئكم السلام ويقول لكم: إنّ في الله خلفاً من كلّ مصيبة،
وعزاء من كلّ هالك، ودركاً من كلّ فوت، فتعزّوا بعزاء الله واعلموا انّ أهل الأرض يموتون، وأنّ أهل السماء لا يبقون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» وأنا في البيت وفاطمة والحسن والحسين أربعة لا خامس لنا سوى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مسجّى بيننا، غيرنا؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد ردّت له الشمس بعدما غربت أو كادت تغيب حتّى صلّى العصر في وقتها، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد أمره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ براءة من أبي بكر بعدما انطلق أبو بكر بها، فقبضتها منه فقال أبو بكر بعدما رجع: يا رسول الله أنزل فيّ شيء؟ فقال: إنّه لا يؤدّي عنّي إلاّ علي، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم من قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، ولو كان بعدي نبيّ لكنته يا علي، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ كافر، غيري؟
قالوا: لا.
قال: أتعلمون انّه أمر بسدّ أبوابكم وفتح بابي، فقلتم في ذلك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت بابه بل الله سدّ أبوابكم وفتح بابه؟
قالوا: نعم.
قال: أتعلمون انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ناجاني يوم الطائف دون الناس فأطال
ذلك، فقال بعضكم: يا رسول الله انتجيت عليّاً دوننا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما أنا انتجيته بل الله عزّ وجلّ انتجاه؟
قالوا: نعم.
قال: أتعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قال: الحقّ بعدي مع علي وعلي مع الحقّ يدور الحقّ معه حيث ما دار؟
قالوا: نعم.
قال: فهل تعلمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، وإنّكم لن تضلّوا ما اتّبعتموهما واستمسكتم بهما؟
قالوا: نعم.
قال: فهل فيكم أحد وقى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه، وردّ به مكر المشركين، واضطجع في مضجعه، وشرى بذلك من الله نفسه، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد حيث آخى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه وكان له أخ، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد ذكره الله عزّ وجلّ بما ذكرني، إذ قال: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(1)، غيري؟ فهل سبقني أحد إلى الله ورسوله؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد آتى الزكاة وهو راكع، فنزلت فيه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ
1) الواقعة (٥٦): ١٠ - ١١.
وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1)غيري؟ قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد برز لعمرو بن عبدود حيث عبر خندقكم ودعا جميعكم إلى البراز فنكصتم عنه، وخرجت إليه فقتلته، وفتّ(2)الله بذلك في أعضاد المشركين والأحزاب، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد ترك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بابه مفتوحاً في المسجد يحلّ له ما يحلّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحرم عليه ما يحرم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير حيث يقول تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(3)غيري وغير زوجتي وابنيّ؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنا سيّد ولد آدم وعليّ سيّد العرب، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما سألت الله عزّ وجلّ شيئاً إلاّ سألت لك مثله، غيري؟ قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد ناول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبضه من تراب من تحت قدميه
فرمى به وجه الكفّار فانهزموا، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قضى دَين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنجز عداته، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد اشتاقت الملائكة إلى رؤيته فاستأذنت الله في زيارته، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ودوابه، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد استخلفه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل أمر أزواجه إليه من بعده، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد حمله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على كتفه حتّى كسر الأصنام التي كانت على الكعبة، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد اضطجع هو ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في لحاف واحد إذ كفلني، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد كان صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المواطن كلّها، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت صاحب رايتي ولوائي في الدنيا والآخرة، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد كان أوّل وارد على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وآخر خارج من عنده ولا يحجب عنه، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه وفي زوجته وولديه: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيًما وَأَسِيرًا(1)إلى سائر ما اقتص الله تعالى من ذكرنا في هذه السورة، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد أنزل الله تعالى فيه:أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ(2)إلى آخر ما قصّ الله تعالى به من خبر المؤمنين، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد أنزل الله فيه وفي زوجته وولديه آية المباهلة، وجعل الله عزّ وجلّ نفسه نفس رسوله، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ(3)لمّا وقيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الفراش، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد سقى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من المهراس لمّا اشتدّ ظمأه واحجم عن ذلك أصحابه، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اللّهم إنّي أقول كما قال عبدك موسى: «ربّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري» إلى آخر دعوة موسى عليه السلام إلاّ النبوّة، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد أدنى الخلائق برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة وأقرب إليه منّي، كما أخبركم بذلك صلوات الله عليه وآله، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): انّ من شيعتك رجلاً يدخل في شفاعته الجنّة مثل ربيعة ومضر، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت وشيعتك الفائزون، تردون يوم القيامة روّآء مرويّين، ويرد أعداءكم ظماء مقمحين، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من أحبّ هذه الشعرات فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّ الله تعالى، ومن أبغضها وآذاها فقد آذاني وأبغضني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله تعالى لعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً، فقال أصحابه: وما شعراتك هذه يا رسول الله؟ قال: علي وفاطمة والحسن
والحسين، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت يعسوب الدين، والمال يعسوب الظالمين، وأنت الصدّيق الأكبر، وأنت الفاروق الأعظم الذي يفرّق بين الحقّ والباطل، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد طرح عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثوبه وأنا تحت الثوب وفاطمة والحسن والحسين ثمّ قال: اللّهم أنا وأهل بيتي هؤلاء إليك لا إلى النار، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالجحفة بالشجيرات من خم: من أطاعك فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاك فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله تعالى، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بينه وبين زوجته، وجلس بين رسول الله وزوجته، وقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا ستر دونك يا علي، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد احتمل باب خيبر يوم فتحت حصنها ثمّ مشى به ساعة ثمّ ألقاه، فعالجه بعد ذلك أربعون رجلاً فلم ينقلوه من الأرض، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت معي في قصري ومنزلك اتّجاه منزلي في الجنّة، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت أولى الناس باُمّتي من بعدي، والى الله من والاك، وعادى الله من عاداك، وقاتل من قاتلك بعدي، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد صلّى مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الناس سنين وأشهر، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك عن يمين العرش يكسوك الله عزّ وجلّ بردين أحدهما أحمر والآخر أخضر، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد أطعمه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من فاكهة الجنّة لمّا هبط بها جبرئيل عليه السلام وقال: لا ينبغي أن يأكله في الدنيا إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت أقومهم بأمر الله، وأوفاهم بعهد الله، وأعلمهم بالقضيّة، وأقسمهم بالسويّة، وأرأفهم بالرعيّة، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنت قسيم النار تُخرج منها من آمن وأقرّ، وتدَع فيها من كفر، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد قال للعين - وقد غاضت -: انفجري، فانفجرت فشرب منها القوم، وأقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون معه فشرب وشربوا، وشربت خيلهم
وملؤوا رواياهم، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فهل فيكم أحد أعطاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حنوطاً من حنوط الجنّة فقال: اقسم هذا ثلاثاً، ثلثاً حنّطني به، وثلثاً لابنتي، وثلثاً لك، غيري؟
قالوا: لا.
قال: فما زال يناشدهم ويذكرّهم ما أكرمه الله تعالى وأنعم عليه به حتّى قام قائم الظهيرة ودنت الصلاة، ثمّ أقبل عليهم وقال: أمّا إذا أقررتم على أنفسكم، وبأنّ لكم من سببي الذي ذكرت فعليكم بتقوى الله وحده، وأنهاكم عن سخط الله فلا تعرضوا له وتضيّعوا أمري، وردّوا الحقّ إلى أهله، واتّبعوا سنّة نبيّكم صلّى الله عليه وآله وسنّتي من بعده.
فإنّكم إن خالفتموني خالفتم نبيّكم، فقد سمع الله ذلك من جميعكم، وسلّموها إلى من هو لها وهي له أهل، أمّا والله ما أنا بالراغب في دنياكم ولا قلت ما قلت لكم افتخاراً ولا تزكية لنفسي، ولكن حدّثت بنعمة ربّي، وأخذت عليكم بالحجّة، ثمّ نهض إلى ا لصلاة.
قال: فتآمر القوم بينهم وتشاوروا فقالوا: قد فضّل الله علي بن أبي طالب بما ذكر لكم، ولكنّه رجل لا يفضّل أحداً على أحد، ويجعلكم ومواليكم سواء، وإن ولّيتموه إيّاها ساوى بين أسودكم وأبيضكم ووضع السيف على عاتقه، ولكن ولّوها عثمان فهو أقدمكم ميلاداً، وألينكم عريكة، وأجدر أن يتّبع مسرّتكم، والله رؤوف رحيم(1).
الاهتمام بدراسة عقائد الشيعة:
إنّ الأدلّة النقليّة التي قرأها «قاسم الدليمي» في كتب الشيعة لم تكن العلّة
1) إرشاد القلوب ٢: ٨٥ - ٩٤.
التامّة لتغيير انتمائه المذهبي ولكنّها شكّلت دافعاً في نفسه للبحث بجدّ من أجل التثبّت من أمر عقيدته.
أضف إلى ذلك أنّ المعارف السامية التي وجدها «قاسم» في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) فتحت قلبه لأهل البيت(عليهم السلام) ودفعته إلى محبّتهم والانجذاب نحوهم.
وواصل «قاسم» بحثه العقائدي، وقرأ كتاب «الغدير» للعلاّمة الأميني وكتاب «ثمّ اهتديت» للتيجاني السماوي، ومن هنا بدأ الشكّ بموروثاته العقائديّة يدبّ في قلبه، ويقول «قاسم» بدأت أشكّ في نفسي بأنّي من أهل النار أم من أهل الجنّة، فدفعني الخوف نحو التثبّت في العقيدة، وواصلت البحث حتّى بلغت مرحلة اليقين بأحقّيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فأعلنت استبصاري، ولم أبالي بردود فعل أصدقائي، وبمرور الزمان تقبّل أصدقائي الأمر، واستمرّت العلاقة فيما بيننا، وأصبحت اجتماعاتنا وفق المشتركات الكثيرة التي تجمعني وإيّاهم في العقيدة والفكر والثقافة.
من مواليد المائة الثالثة بعد الهجرة النبويّة الشريفة.
كان يعتقد «قاسم» أنّ مذهب الزيديّة هو المذهب الحقّ الذي ينبغي أن يتّبع، وكان يقول - كباقي المعتقدين بهذا المذهب - أنّ الإمامة بعد الإمام الحسين(عليه السلام)مضت في ولده وولد الحسن(عليهما السلام) على غير تعيين بشرط أن يقوم بالسيف ويدعو الناس إلى دعوته فذلك هو الإمام من قبل الله تعالى على الخلق.
وحيث أنّ زيد بن علي بن الحسين(عليهما السلام) خرج بالسيف وثار ضدّ الأمويّين أيّام حكم هاشم بن عبد الملك فإنّه الإمام المفترض الطاعة، وبعده تسري الإمامة في أيي من ولد الحسنين(عليهما السلام) الذي يقوم بالسيف.
معاجز أهل البيت(عليهم السلام):
المعجزة: الفعل الناقض للعادة، يتحدّى به الظاهر، في زمان التكليف، لتصديق مدّع دعواه.
وقيل: ]أنّها[ أمر خارق للعادة مقرون بالتحدّي(1).
وقد ذكرت كتب التاريخ الكمّ الهائل من الروايات التي تذكر معاجز الأنبياء
1) رسائل المرتضى ٢: ٢٨٣.
والأوصياء(عليهم السلام) ولعلّ أكمل موسوعة جمعت معاجز أهل البيت(عليهم السلام) هو كتاب «مدينة معاجز أهل البيت(عليهم السلام)» للمحدّث الكبير السيّد هاشم البحراني(قدس سره)، فقد ذكر فيه الكثير من المعاجز والكرامات التي ظهرت على يد الأئمّة الطاهرين(عليهم السلام).
ومن الأمور التي لها صلة بالمعجزة هو علم الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)، ومنه علمهم بما في النفوس. ومنها ما حدث للقاسم بن عبد الرحمن فجعله يتّبع سبيل الحقّ.
يقول «قاسم»: بينما أنا ببغداد إذ رأيت الناس يتعادون، يتشرّفون ويقفون، فقلت: ما هذا؟
قالوا: ابن الرضا ابن الرضا - وكانوا يقصدون الإمام محمّد الجواد(عليه السلام) - فقلت: والله لأنظرنّ إليه، فطلع على بغل، فقلت: لعن الله أصحاب الإمامة حيث يقولون إنّ الله افترض طاعة هذا، فعدل(عليه السلام) إليّ وقال: أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَال وَسُعُر(1)- وقد أشار بذلك إلى ما قاله أصاحب النبيّ صالح(عليه السلام) عندما جاءهم بالرسالة، فإنّهم لم يتّبعوه وظنّوا أنّ اتّباعه ضلال عن الصواب ودخول في العذاب أو الجنون - فقلت في نفسي: ساحر والله، فعدل إليّ ثانية، وقال: أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ(2)- وهو قول أصحاب صالح(عليه السلام) الذين استهزءوا به وأنكروا رسالته لاعتقادهم بأنّهم وصالح(عليه السلام) في حالة مساوية ظاهراً، فهو ليس أحقّ منهم بالرسالة -، فعندما سمعت منه هذا الكلام تأثّرت به، وانصرفت وقلت بالإمامة، وشهدت أنّه حجّة الله على خلفه(3).
ولد عام ١٣٩١هـ (١٩٧٢م) بمدينة «السليمانية» في العراق، وهو كردي حنفي. وهو خرّيج إعداديّة الصناعة قسم الكهرباء.
حادث سيارة!
يقول «كامران» في أحدى الأيّام كنت أسوق سيارتي، وأثناء السياقة صدمت أحد الرجال فسقط على الأرض والحقيقة كان التقصير منّي والسبب في ذلك أنّ بالي كان مشغولاً بشجار نشب بيني وبين أحد إخواني وهو وهّابي المذهب.
فكّرت بالهروب لئلاّ أتورّط بالجناية، لكن ما جذبني إليه وجعلني أحمله إلى المستشفى هو ترديده لكلمات: يا علي يا علي يا علي فكّرت في نفسي: لماذا يقول هذه الكلمات، بالرغم من أنّ حالته خطرة!
وبالفعل أخذته إلى المستشفى وكان في غيبوبة، فعالجه الأطباء وأجروا له اللازم من الإسعافات حتّى أفاق.
يضيف «كامران»: سألته من أين أنت؟
فقال: أنا من النجف.
فسألته: هل لديك أقارب أو أهل هنا؟
فقال: عندي صديق هنا.
فأخذت عنوانه وذهبت إلى صديقه الذي أتى بدوره ليرى ما حلّ بصاحبه، ثُمّ حدّثتهم بشأن التعويض للخسائر، فوجدت أن الرجل الشيعي المصاب يرفض هذه الفكرة جملة وتفصيلاً، ويطلب العوض من الله تعالى فإنّه حسبه ونعم الوكيل.
نقطة التحوّل:
أثّر هذا الموقف النبيل كثيراً على نفسيّة «كامران»، ممّا جعله يصطحبهم معه إلى البيت ليضيّفهم عنده.
يقول «كامران»: عندما حان وقت الصلاة سألوني عن القبلة من أين؟ خجلت جداً لأنّي لم أكن أعرف اتّجاه القبلة - لم أكن أصلي حتّى أعرف القبلة - فسألت أحد إخواني فدلّنا عليها. فذهب الرجل المصاب وصاحبه وتوضّئا وصلاّ.
وفي اليوم الثاني ذهب الرجلان إلى الفندق الذي كانا ينزلان فيه. وبمرور الأيّام توثّقت العلاقة بيننا فأصبحنا نتزاور بين فترة وأخرى. وفي مرّة من المرات، فتحت الموضوع معهم، وهو أنّهم لماذا يصلّون هكذا؟
فقالوا: نحن شيعة - وكان صديق الرجل سنّياً من قبل، وقد أصبح الآن شيعياً - .
وهكذا بدأ الحوار والنقاش الذي استمر قرابة أربعة أشهر، فتعرّف «كامران» فيه على الكثير من الحقائق، كما اطلّع فيها على عدد من الكتب التي لها صلة بالموضوع.
يضيف «كامران» وجدت أنّ مذهب الشيعة هو المذهب الذي كان يأمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) باتباعه، وأنّ شيعة علي(عليه السلام) هم الفائزون، فأعلنت تشيّعي والحمد لله.
ولد عام ١٣٨٧هـ (١٩٦٨م) في مدينة «السليمانية»، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى تخرّج من معهد المعلّمين.
البداية مع أبي هريرة:
يقول «كامل حمّة»: كنت منذ الصغر أحبّ مطالعة الكتب، وكنت أقرأ كلّ كتاب يقع في يدي، وذات يوم وقع في يدي كتاب تحت عنوان «أبو هريرة» تأليف محمود أبوريّة وكنت أعلم بأنّ أبا هريرة صحابيّ جليل نحترمه ونقدّسه لأنّه خدم الإسلام عن طريق نقله للأحاديث الكثيرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأحببت أن أرفع مستوى علمي بالنسبة لهذا الصحابي، فشرعت بقراءة هذا الكتاب وقد جاء فيه:
إنّ الثابت الصحيح الذي لا ريب فيه ومن قوله هو نفسه في ذلك: أتيت رسول الله وهو بخيبر بعدما افتتحها، فقلت: يا رسول الله أسهم لي! فكلّم المسلمين فأشركونا من سهامهم.
لماذا تأخّر قدوم أبي هريرة إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
هنا تقف وقفة قصيرة مع أبي هريرة ننظر: لماذا تأخّر قدومه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)
عشرين سنة كاملة، من مبدأ البعثة إلى وقعة خيبر التي كانت في السنة السابعة من الهجرة! على حين أنّ بلاده دانية من بلاد الحجاز؟
لمَ تأخّر هذا الزمن الطويل إذا كانت له رغبة صادقة، ونيّة خالصة في أن يتّبع هذا الدين، ويكون مسلماً مجاهداً مع المجاهدين؟
وكان أبو هريرة فقيراً، فإذا ما انتهى إلى مسمعه أنّ نبيّاً ظهر بمكّة بدين يدعو إلى مساعدة البائسين وسدّ عوز المحتاجين، فإنّه ولا ريب يغتبط بذلك ويشرق قلبه فرحاً.
وإذا ما بلغه كذلك أنّه](صلى الله عليه وآله وسلم)[ بعد أن هاجر إلى المدينة قد أصبح مأوى المجاويع، وأنّه ](صلى الله عليه وآله وسلم)[ قد جعل للفقراء الذين يقصدون المدينة مكاناً خاصّاً يؤوون إليه، يطعمهم فيه ويسقيهم، فإنّ نفسه تشرئبّ ولا جرم إلى ذلك، ويتمنّى لو يضمّه هذا المأوى ليُطعم فيه، ويُكفى مشقّة خدمة الناس، وما يلقي في سبيل ذلك من نصب؟
وإذا علم غير هذا وذاك، أنّه قد جُعل للفقراء والمساكين نصيباً في مغانم الحرب، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اتّخذ له موالي وخدماً؟
إذا ما انتهى إليه كلّ ذلك وغيره، فترى ماذا يكون أمره؟
إنّه ولا شكّ يطير فرحاً، ويهيم سروراً، وتشتدّ به الرغبة، ويستبدّ به الطمع، وتلحّ عليه الحاجة، في أن يهرع إلى صاحب هذا الدين ليعيش في كنفه، ويستظلّ بظلّه.
هذا أمر لا شكّ فيه، والجبلّة الإنسانيّة تميل إليه وتبعث عليه، ولكن أنّى له بلوغ ذلك، وكيف السبيل إليه؟ وهو يسمع فيما يسمع كذلك أنّ الناس يحاربون هذا النبيّ وأصحابه، وأنّ النضال المسلّح متصل بينهم وبينه لا ينقطع، وهو بطبعه يريدها سهلة غير ذات شوكة، لأنّه ليس من أبطال الحروب، ولا عهد له بميادين
مفتاح شخصيّة أبي هريرة:
إنّ ما بدا من أبي هريرة في خيبر، وكشف به - من أوّل يوم - عن مكنون مطامعه، وخفيّ مآربه، وحقيقة نفسه، ثُمّ ما وقع منه وهو في الصفّة، لمّا يصحّ أن يجعله المؤرّخ مفتاحاً لشخصيته.
وعموماً كان أبو هريرة صريحاً في الإبانة عن سبب صحبته للنبيّ، فلم يقل إنّه قد صاحبه للمحبّة، أو للهداية، كغيره من الذين كانوا يسلمون، وإنّما قال: إنّه صاحبه على «ملء بطنه»(1).
حياة أبي هريرة في الصفّة:
أمّا حياته في الصفّة، فيصف أبو هريرة ذلك بلسانه، فندع له ما وصف به نفسه، ولا نزيد شيئاً من عندنا عليها حتّى لا نُرمى بالطعن فيه بالتحامل عليه.
قال أبو هريرة فيما أخرجه أبو نعيم في الحلية:
كنت من أهل الصُفّة، فظلت صائماً، فأمسيت وأنا أشتكي بطني، فانطلقت لأقضي حاجتي، فجئت وقد أكُل الطعام، وكان أغنياء قريش يبعثون بالطعام لأهل الصفّة.
وقلت: إلى من أذهب؟
فقيل لي: اذهب إلى عمر بن الخطّاب.
فأتيته وهو يسبّح بعد الصلاة، فانتظرته، فلمّا انصرف دنوت منه، فقلت: أقرئني: وما أريد إلاّ الطعام!
قال: فأقرأني آيات من سورة آل عمران، فلمّا بلغ أهله دخل وتركني على الباب، فابطأ، فقلت: ينزع ثيابه! ثُمّ يأمر لي بالطعام! فلم أر شيئاً!(2).
إقصاء أبي هريرة إلى البحرين:
لبث أبو هريرة في الصفّة يعاني فيها ما يعاني كما وصف ذلك بلسانه زمناً يبتدي من شهر صفر سنة ٧هـ ، وهو الشهر الذي وقعت فيه غزوة خيبر، وينتهي إلى شهر ذي القعدة سنة ٨ هـ ، ثُمّ انتقل بعد ذلك إلى البحرين، وبذلك يكون قد قضى بالمدينة سنة واحدة وتسعة أشهر.
وقصّة ذهاب أبي هريرة إلى البحرين بإجمال هي أنّ رسول الله بعث «منصرفه من الجعرانة - بعد أن قسّم غنائم حنين - العلاء بن الحضرمي إلى المنذر ابن ساوى العبدي عامل الفرس في البحرين، وكتب له كتاباً فيه فرائض الصدقة في الإبل والبقر والغنم والثمار يصدّقهم على ذلك، وأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم، وبعث معه نفراً كان فيهم «أبو هريرة» وقال له: استوص به خيراً..
فقال له العلاء: إنّ رسول الله قد أوصاني بك خيراً، فانظر ماذا تحبّ؟
فقال: تجعلني أؤذن لك، ولا تسبقني بآمّين. فاعطاه ذلك(1)(2).
سبب إقصاء أبي هريرة عن المدينة:
لم يبيّن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) السبب الذي من أجله أبعد أبا هريرة عن المدينة إلى البحرين، ولم يعرف الناس ما هي العلّة في أن ينتهي أمر هذا الرجل الذي قدم من بلاده ليخدم النبيّ على ملء بطنه إلى هذا المصير الذي لم ينته إليه أحد غيره من الصحابة جميعاً، وممّا لا خلاف عليه أنّ النبيّ لا يصدر منه شيء عبثاً، بل كلّ أعماله إنّما يأتيها لحكمة بالغة، ظاهرة كانت أو باطنة.
ولو نحن أردنا أن نتوسّل بالقرائن التي تعدّ من الأدلّة القويّة في القضايا، ونستعرض الأُمور بملابساتها، ونظرنا فيما يقضي به العقل والاستنتاج المنطقي،
ثُمّ رجعنا - بعد ذلك كلّه - إلى مفتاح شخصيّة «أبي هريرة» الذي حدّثناك عنه من قبل والذي نستطيع أن تفتح به كلّ مغلق من نزعاته النفسيّة، لعلّنا نصل إلى معرفة سبب إقصائه عن المدينة.
فإنّا بذلك كلّه يمكننا أن نردّ هذا السبب - ونحن مطمئنّون - إلى ما بدا من شرهه للطعام، وإيغاله في التطفّل على الناس بغير وازع من أدب، ولا رادع من عفّة، وأنّه لإشباع نهمه كان يقتحم كلّ سبيل ويركب كلّ صعب.
وما ظنّك برجل يتصدّى للصحابة في طرقهم أنّى ساروا، ملحّاً عليهم أن يطعموه، ويلاحقهم في سبيلهم حتّى تضيق منه صدورهم، فيضجرون منه، ويزرون عنه ويفرّون!
ولم يقف الأمر عند ضجر كبار الصحابة ونفورهم، بل كان يذهب إلى مكان عزيز من النبيّ «بين منبره وحجرة عائشة» فيتماوت ويمثّل مشهداً تشمئزّ منه النفوس الأبيّة، وتنفر منه الطباع الكريمة.
وهذا المشهد كان لا يفتأ يأتيه في هذا المكان العزيز من النبيّ - إنّما كان ولا جرم ممّا يؤذي النبيّ، ويبعث في نفسه الأسى - أن يكون بين من ينتمون إليه، ويُحسبون عليه، من يبدو أمام الناس كلّ يوم في هذه الصورة المزرية المشينة!
وما نذكره هنا ليس من عندنا، ولا نفتري عليه به، وإنّما هو أمر ثابت لا ريب فيه، وذلك باعتراف أبي هريرة نفسه، فقد روى البخاري عنه هذا الحديث: «لقد رأيتني وإنّي لأخرّ فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيّاً عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أنّي مجنون! وما بي من جنون، ما بي إلاّ الجوع»(1).
ولا ريب في أنّهم ما كانوا ليفعلو ذلك معه إلاّ استهانة به، وازدراء له، إذ لو
1) صحيح البخاري ٨: ١٥٢.
كان له حرمة عندهم، أو مكانة لديهم، لأشفقوا عليه وأعانوه ولم يطأوا عنقه(1)!
ولاية أبي هريرة على البحرين:
إنّ أبا هريرة بعد أن قضى في الصفّة ما قضى بعثه فيمن بعثهم مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.
ونذكر هنا أنّ عمر قد ولاّه على البحرين سنة ٢٠هـ ، وبعد ذلك بلغ عمر عنه أشياء تخلّ بأمانة الوالي فعزله، ولمّا عاد أبو هريرة وجد عمر معه لبيت المال أربعمائة ألف.
فقال له: أظلمت أحداً؟
فقال: لا.
قال: فما جئت لنفسك؟
قال: عشرين الفاً.
قال: من أين أصبتها؟
قال: كنت أتجر!
قال: انظر رأس مالك ورزقك فخذه واجعل الآخر في بيت المال.
ثُمّ أمر عمر بأن يقبض منه عشرة آلاف وفي رواية اثني عشر الفاً(2).
وفي رواية قال عمر لأبي هريرة:
هل علمت من حين أنّي استعملتك على البحرين، وأنت بلا نعلين، ثُمّ بلغني أنّك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة دينار؟
قال: كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت.
قال: قد حسبت لك رزقك ومؤونتك، وهذا فضل فأدّه.
قال: ليس لك ذلك!
قال له عمر: بلى والله، وأوجع ظهرك.
ثُمّ قام إليه بالدرة فضربه حتّى أدماه!
ثُمّ قال له: إيت بها.
قال: احتسبتها عند الله.
قال: ذلك لو أخذتها من حلال(1)!!
سنّة عمر في استعمال الولاة:
كان عمر لا يستعمل كبار الصحابة، ويستعمل من دونهم ممّن لا شأن لهم ولا قدر من أصحاب رسول الله مثل عمرو بن العاص ومعاوية والمغيرة وابن شعبة حتّى من الموالي مثل عمّار بن ياسر، فقد ولاّه على الكوفة وسلمان الفارسي على المدائن وهما من الموالي، وكانت العرب عامّة وقريش خاصّة تحتقر الموالي - وكان يدع من هم أفضل منهم مثل علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ونظرائهم.
وقيل له: مالك لا تولّي الأكابر من أصحاب رسول الله؟ فقال: أكره أن أدنّسهم بالعمل، ولم يقف الأمر عند ذلك، فقد حبس هؤلاء الأكابر في المدينة معه.
وكان عمر قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين والأنصار الخروج من المدينة، لأنّه كان يخش أن يؤدّي انتشارهم في البلدان إلى استثمار كلّ واحد منهم بولايته عندما يولى عليها، ويقطع صلته بالمدينة كما فعل معاوية عندما استأثر بحكم الشام.
هذه هي سنّة عمر من توليّة الولاة! فليس غريباً إذن أن يولّي عمر أبا هريرة
1) انظر: شرح نهج البلاغة ١٢: ٤٢.
ولاية البحرين. على أنّ هذه الولاية كشفت عن حقيقة أمانة ونزاهة أبي هريرة(1).
اتّصال أبي هريرة بكعب الأحبار:
روى ابن سعد في طبقاته الكبرى عن عبد الله بن شقيق، أنّ أبا هريرة جاء إلى كعب يسأل عنه، وكعب في القوم.
فقال كعب: ما تريد منه؟
فقال: إمّا إنّي لا أعرف أحداً من أصحاب رسول الله أن يكون أحفظ لحديث رسول الله منّي!
فقال كعب: إمّا إنّك لم تجد طالب شيء إلاّ سيشبع منه يوماً من الدهر إلاّ طالب علم، أو طالب دنيا!
فقال أبو هريرة: أنت كعب؟
فقال: نعم.
فقال: لمثل هذا جئتك(2).
ومعنى ذلك: أنّني جئتك لأطلب عندك العلم، وأستقي من معينك الغزير، وقد وجد كعب بغيته في أبي هريرة لنشر الإسرائيليات، وعلم كعب بأنّ أبا هريرة نعم التلميذ النجيب الذي يحمل عنه ما يريد بثّه ممّا يفسد عقائد المسلمين(3).
أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث:
أجمع رجال الحديث على أنّ أبا هريرة كان أكثر الصحابة تحديثاً عن رسول الله على حين أنّه لم يصاحب النبيّ إلاّ عاماً واحداً وبضعة أشهر فحسب.
وزاد أبو هريرة في بيان الحديث بعد وفاة كبار الصحابة، فخلا له الجوّ ولاسيّما في عهد معاوية الذي حمى ظهره، وأعلى قدره، وجعله محدّث دولته.
وقال الإمام علي(عليه السلام) عن أبي هريرة: «ألا إنّ أكذب الناس - أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله لأبو هريرة الدوسي»(1).
استغراب وإعادة نظر في المعتقدات الموروثة:
يقول «كامل حمّة»: استغربت بعد قراءتي لكتاب «أبو هريرة»، وبدأت أشكّك بكلّ معتقداتي الموروثة، وفي سنة ١٤١٥هـ (١٩٩٦م) التقيت بأحد الإخوة الشيعة وكان يتحاور مع أحد أصدقائي حول أبي هريرة، وكان صديقي يدافع عن أبي هريرة ويمدحه ويصفه بالصحابي الجليل.
قال لي صديقي: ما رأيك بما أقول؟
قلت له: قرأت كتاباً في هذا المجال، ويكشف هذا الكتاب صحة ما يقوله الشيعي! ثُمّ بيّنت له الحقائق التي توصلت لها، فغضب صديقي، واستاء منّي فلمّا ذهب الشيعي، قلت له: ينبغي أن يكون بحثنا عن الحقائق متّصفاً بالموضوعيّة وعدم التعصّب وليس الهدف من الحوار التغلّب على هذا وذاك، أو التعصّب لما تلقيناه من آبائنا وأسلافنا.
وأما أنا فواصلت لقائي بالشيعي، فأهداني بعض الكتب الشيعية من قبيل «المراجعات» للسيّد عبد الحسين شرف الدين،، وكتاب «ثُمّ اهتديت» للدكتور التيجاني السماوي، كما أعطاني محاضرات إسلامية مسجّلة لفضيلة الدكتور الشيخ أحمد الوائلي . . .
فكنت أقصده دائماً وأتحاور معه في الأُمور العقائدية حتّى وصلت إلى
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٤: ٦٨.
النتيجة القاطعة بأحقيّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فأعلنت استبصاري.
واستهزأ بي البعض وقالوا لي: إنّ صديقك الشيعي خدعك! فلم أستاء من كلامهم وقلت لهم: المخدوع من يتّبع الآخرين فيتلقّى منهم عقائد مزيّفة وهو غير ملتفت إلى بطلانها لأنّه لا يمتلك الدليل عليها.
وأمّا الذي يترك عقائد أسلافه ويتّبع عقائد جديدة أملتها عليه الأدلّة والبراهين فإنّه غير مخدوع، بل هو السائر على السبيل الصحيح، وينبغي علينا جميعاً البحث للتثبّت من صحة عقائدنا.
وكنت أدعو الآخرين إلى البحث، ولكنّهم يتثاقلون عن ذلك لصعوبة الطريق ومشقّته وكانوا يكتفون بتقليد أسلافهم ويتذرّعون بالأكثرية، وكأنّ الأكثريّه هي المعيار لمعرفة الحقّ؟!
وعندما كنت أبيّن لهم بأنّ الأكثريّة ليست معياراً للحقّ، لا يستسيغون منّي ذلك، ويعتبروني خارجاً عن الملّة، ومفرّقاً للجماعة، وشاذاً عنهم.
ولكنّني واصلت طريقي، وكنت استمدّ الاستقامة من الله تعالى وأدعوه دائماً ليثبتني على الصراط المستقيم.
ولد عام (١٩٦٥م) في «كلار» بالعراق، وكان أبوه شافعيّ المذهب، فبقي على انتماء أبيه حتّى بلغ سنّ الرشد وازداد وعيه، ثمّ توفرّت له أجواء تعرّف فيها على عقائد أهل البيت(عليهم السلام)، وكانت أبرز هذه الأجواء المجالس الحسينيّة في شهر محرّم الحرام، فكانت هذه المجالس الانطلاقة لاستبصاره الذي بلغ غايته عام (١٩٩٥م).
تقييم الصحابة:
كان يظنّ «كريم» بأنّ لأبي بكر منزلة من خلال كونه والد زوجة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه عرف بعد البحث بأنّ الفضل يكون بالتقوى لقول الله عزّ وجلّ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، وأمّا كون أبي بكر والد زوجة الرسول فليس له أي قيمة ذاتيّة.
وقد قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوح وَاِمْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ(1).
1) التحريم (٦٦): ١٠.
فإذا لم يكن لنفس زوجة النبيّ قيمة ذاتيّة كما أخبرنا القرآن عن بعض زوجات الأنبياء التي كان مصيرهن النار فمن باب أولى أن لا تكون قيمة ذاتيّة لأبيها، وإنّما القيمة الحقيقيّة بالتقوى.
وكلّ من يتصفّح حياة أبي بكر فإنّه سيجدها مليئة بمواقف تدعو كلّ باحث إلى التأمّل، منها أنّه أغضب فاطمة الزهراء(عليها السلام) فهجرته حتّى توفّيت(1)، بل دفنت الزهراء(عليها السلام) ليلاً وصلّى عليها الإمام علي(عليه السلام)، ولم يؤذن بها أبو بكر(2).
صحبة أبي بكر للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم):
إذا قيل: إنّ فضل أبي بكر ناتج عن صحبته للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فنقول: إنّ الصحبة لا تمتلك قيمة ذاتيّة بنفسها ; لأنّها تشمل الكافر والمؤمن والحيوان والجماد.
وأمّا صحبة أبي بكر للنبي عند هجرته من مكّة وذكرها في القرآن حيث قال تعالى: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ... إلى آخر الآية.
أولاً: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يصحب أبا بكر، بل أبو بكر فرض نفسه في هذه الصحبة.
وقد ورد في الحديث: «إنّ أبا بكر لحق بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن أخبره أمير المؤمنين(عليه السلام) بأنّ رسول الله قد انطلق إلى بئر ميمون فأدركه».
ثانياً: إن قيل إنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر أبا بكر وجعله ثانيه في قوله: ثَانِيَ اثْنَيْنِ.
نقول: إنّ هذا إخبار عن العدد، ولعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟!
فنحن نعلم ضرورة أنّ مؤمناً ومؤمناً، أو كافراً، اثنان. فالاثنينيّة لا تنقص
من فضل المؤمن شيئاً ولا تزيد للكافر كرامةً.
ثالثاً: إن قيل: إنّ الله سبحانه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد لتأليفه بينهما، وذلك قوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ.
نقول: هذا القول كالأوّل، فالمكان يجمع الكافر والمؤمن، كما يجمع العدد بينهما، علاوة على ذلك فإنّ مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أشرف من الغار وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفّار، فالمكان لا يدلّ على الفضيلة.
رابعاً: إن قيل: إنّه سبحانه أضاف أبا بكر إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بذكر الصحبة، فهذا الجمع يقتضي الرتبة. في قوله: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ.
نقول: إنّ هذا القول أضعف من الفضلين السابقين ; لأنّ اسم الصحبة تجمع المؤمن والكافر، والدليل عليه قوله تعالى: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ....
وأيضاً فإنّ اسم الصحبة يطلق على العاقل والبهيمة، وذلك في قول الشاعر:
إنّ الحمار مع الحمير مطيّة فإذا خلوت به فبئس الصاحب
وكذلك العرب سمّوا الجماد مع الحيّ صاحباً، وهو قولهم في السيف:
زرتُ هنداً وكان غير اختيان ومعي صاحب كتوم اللسان
خامساً: إن قيل: إنّ الله سبحانه أخبر عن شفقة النبيّ ورفقه بأبي بكر لموضعه عنده فقال: لاَ تَحْزَنْ.
نقول: إنّ هذا وبال على أبي كبر ومنقصة له، فهو دليل على خطئه ; لأنّ قوله: لاَ تَحْزَنْ نهي، فلا يخلو أن يكون الحزن قد وقع من أبي بكر طاعة أو معصية فإن كان طاعة فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينهى عن ذلك، بل يأمر بها ويدعو إليها فيثبت الأمر الآخر وهو كونه معصية، والدليل على ذلك هو نهي الرسول إيّاه عن تلك المعصية، فشهدت الآية على عصيانه.
سادساً: إن قيل: إنّ الله أخبر أنّه سبحانه معهما على حدّ سواء، ناصراً لهما ودافعاً عنهما فقال: إِنَّ اللّهَ مَعَنَا.
نقول: إنّ هذا القول هو عن لسان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يخبر أنّ الله معه وقد عبّر عن نفسه بلفظ الجمع، ومثله في الكتاب العزيز كثير منها قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(1).
وقيل: إنّ أبا بكر قال: يا رسول الله حزني على علي بن أبي طالب ما كان منه، فقال له النبيّ: «إنّ الله معنا»، أي معي ومع أخي علي بن أبي طالب.
سابعاً: إن قيل: إنّه سبحانه وتعالى أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر ; لأنّ رسول الله لم تفارقه سكينته قط، وذلك في قوله: فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ.
نقول: إنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيّده الله بالجنود، حيث جاء في القرآن: فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَّمْ تَرَوْهَا(2).
فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة، فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من النبوّة.
علاوة على ذلك إنّ هذه الآية بضرر أبي بكر وليس بصالحه، حيث أنّ الله تعالى أنزل السكينة على رسوله في موضعين كان معه مؤمنون فشركهم فيها فقال: فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى(3).
وقال في الموضع الآخر: فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَّمْ تَرَوْهَا.
ولكن في آية الغار خصّه وحده بالسكينة، فقال: فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة، فدلّ إخراجه من السكينة على خروجه
من الإيمان(1).
معرفة الحقّ:
إنّ الأجواء العلميّة التي عاشها «كريم» دفعته إلى تصحيح الكثير من عقائده التي كان يعتقد بها نتيجة إملاء المجتمع عليه، أمّا الآن فقد بلغ من العلم درجة أصبح قادراً على معرفة الحقّ بنفسه ومن دون تقليد.
ويرى «كريم» بأنّ لمجالس عاشوراء التي حضرها في المآتم الحسينيّة الدور الكبير في تحوّله المذهبي ; لأنّه تعلّم منها الكثير من المعارف التي غيّرت رؤيته الدينيّة وبيّنت له ما دعاه إلى هجران معتقداته السابقة على الرغم من الأُلفة والأُنس والقرابة التي كانت بينه وبينها، ولكنّه بمجرّد التحررّ من التعصّب مال مع الأدلّة واتّبعها حتّى أدّت به إلى غربلة موروثاته.
وتوجّه «كريم» بعد الاستبصار إلى الخدمة في المجالس الحسينيّة، وتقويتها، ومحاولة عقدها بأفضل صورة ممكنة ; لأنّه كان يرى لهذه المجالس فضلاً كبيراً عليه.
1) الاحتجاج ٢: ٣٢٨. بتصرّف.
ولد عام (١٩٧٢م) في خانقين بالعراق، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب، خرّيج إعداديّة التمريض، كان استبصاره عام (١٩٩٨م) في مدينة كلار.
يقول «كلاريز»: بأنّ من أهمّ أسباب استبصاره هو ا ستماعه إلى محاضرات الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، حيث كان لهذه المحاضرات دور أساسي في نشوء ميول في نفسه نحو التشيّع، ومن هذا المنطلق اندفع «كلاريز» إلى قراءة كتب الشيعة ليكتسب المزيد من المعلومات حول مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
عائشة بنت أبي بكر:
من أهمّ الأمور التي يصطدم بها الباحث الإسلامي عندما يحاول أن يتحرّر من التقليد الأعمى للسلف أنّه تتّضح له حقائق يشعر بأنّ السلف حاول إخفاءها أو التعتيم عليها.
ومن جملة هذه الأمور ما يتعلّق بأحوال الصحابة ومواقفهم من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته وبعد مماته ومن أبرز الشخصيّات المقدّسة عند أهل السنّة هي عائشة حيث يعتمد عليها هؤلاء في أخذ ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن عندما يتأمّل الباحث في سيرة عائشة يجدها سيرة تدعو إلى التأمّل في الوثوق بما نقلته
عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولو نتأمّل في حياة عائشة زمن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نجد أنّها كثيراً ما كانت تتآمر مع حفصة بنت عمر على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى اضطرّته إلى تحريم ما أحلّ الله(1).
كما أنّهما تظاهرتا عليه وقد أثبت ذلك كلّ الصحاح، وقد ذكر الله الحادثتين في كتابه العزيز وكانت الغيرة أيضاً مسيطرة على قلب وعقل عائشة، وكان هذا ما يدعوها إلى التصرّف في محضر النبيّ بغير احترام ولا أدب.
وقالت عائشة ذات مرّة لرسول الله عندما ذكر عندها خديجة: مالي ولخديجة إنّها عجوز حمراء الشدقين أبدلك الله خيراً منها.
فغضب لذلك الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى اهتزّ شعره(2).
وذات مرّة بعثت إحدى إمّهات المؤمنين للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في بيت عائشة بصحفة فيها طعام كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يشتهيه، فكسرت الصحفة أمامه بطعامها(3).
والأنكى من جميع هذا أنّ عائشة قالت ذات يوم للرسول: «أنت الذي تزعم أنّك نبي الله»(4).
ومرّة غضبت عنده فقالت له: «اعدل»، وكان أبوها أبو بكر حاضراً فضربها حتّى سال دمها(5).
1) انظر صحيح البخاري ٦: ٦٨، ١٦٧ كتاب التفسير باب قوله تعالى: (يا أيّها النبيّ لم تحرم)، وانظر صحيح مسلم ٤: ١٨٤.
2) انظر: صحيح البخاري ٤: ٢٣١ باب تزويج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خديجة، وانظر: صحيح مسلم ٧: ١٣٤.
3) انظر: صحيح البخاري ٦: ١٥٧ في باب الغيرة.
4) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ٢: ٦٥، كتاب أدب النكاح، الأدب الثاني، السمط الثمين في مناقب أمّهات المؤمنين لمحبّ الدين الطبري: ٥٤ وقال: أخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي.
5) المصدر نفسه.
وبلغ بعائشة الأمر من كثرة الغيرة أنّها تجاوزت حدود الله وكذبت على أسماء بنت النعمان عندما زفّت عروساً للنبي، فقالت لها: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له: أعوذ بالله منك، وكان غرض عائشة من هذا الأمر هو تطليق تلك المرأة البريئة والتي طلّقها النبيّ بسبب هذه المقالة(1).
وبلغ سوء أدب عائشة مع حضرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يصلّي وهي باسطة رجليها في قبلته، فإذا سجد غمزها فقبضت رجليها، وإذا قام أعادت بسطتها في قبلته(2).
وتآمرت عائشة مع حفصة مرّة أخرى على رسول الله حتّى أدّى هذا الأمر أن يعتزل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه بسببهما لمدّة شهر كامل ينام على حصير، ولمّا نزل قول الله تعالى: تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء...(3).
قالت عائشة للنبي في غير حياء: «ما أرى ربّك إلاّ يسارع في هواكَ»(4).
وكانت عائشة إذا غضبت - وكثيراً ما كانت تغضب - تهجر اسم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فلا تذكر اسم محمّد وانّما تقول: ورب إبراهيم(5).
وجرّعت عائشة الرسول الغصص ولكن كانت أخلاق الرسول عالية، وصبره عميق، فكان كثيراً ما يقول لها: «ألبسك شيطانك يا عائشة»(6).
وكان الرسول دائماً يأس لتهديد الله لعائشة ولحفصة بنت عمر.
قال تعالى لعائشة ولحفصة: اِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا(7).
1) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨: ١٤٤، سير أعلام النبلاء ٢: ٢٥٩.
2) انظر: صحيح البخاري ١: ١٠١، باب الصلاة على الفراش.
3) الأحزاب (٣٣) : ٥١.
4) صحيح البخاري ٦: ٢٤ و١٢٨ باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد.
5) انظر: صحيح البخاري ٦: ١٥٨، باب غيرة النساء ووجدهن.
6) المعجم الصغير للطبراني ١: ١٧١.
7) التحريم (٦٦): ٤.
أي: إنّ قلوبكما زاغت وانحرفت عن الحقّ.
وقال تعالى: وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(1).
وهذا تهديد صريح من الله لعائشة وحفصة.
وقال تعالى: عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَات مُّؤْمِنَات(2).
وهذه الآيات نزلت في عائشة وحفصة بشهادة عمر بن الخطاب(3).
ويقول الدكتور التيجاني السماوي:
«كلّ ما فعلته عائشة مع حضرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من مؤامرات كانت في أغلب الأحيان تجرّ معها حفصة بنت عمر، والغريب أنّنا نجد تفاهماً وانسجاماً تامّاً بين المرأتين عائشة وحفصة كالانسجام والتفاهم بين أبويهما أبو بكر وعمر، وغير أنّه في النساء كانت عائشة دائماً هي الجريئة والقويّة وصاحبة المبادرة، وهي التي كانت تجرّ حفصة بنت عمر وراءها في كلّ شيء، بينما كان أبوها أبو بكر ضعيفاً أمام عمر الذي كان هو الجرئ والقوي وصاحب المبادرة في كلّ شيء»(4).
وما ارتكبته عائشة بعد وفاة رسول الله فهو الطامّة الكبرى، فكانت هي في صدر من خرج لمحاربة الإمام علي(عليه السلام) في حرب الجمل.
وبعثت عائشة إلى زوجات النبيّ تسألهن الخروج معها، فلم يستجب لها منهن إلاّ حفصة بنت عمر التي تجهّزت وهمّت بالخروج معها، لكن أخاها عبد الله
ابن عمر هو الذي منعها، فحطّت رحلها(1).
وبهذا خالفت عائشة قول الله: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ.
وقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لها: «أيتكن صاحبة الجمل الأدأب، تنبحها كلاب الحوأب، يُقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثير»(2).
وبينما الرسول يقول - كما ينقل أهل السنّة -: «من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهليّة»(3).
وتعترف عائشة بما فعلت وتقول: «إنّي أحدثت بعد الرسول حدثاً، ادفنوني مع أزواجه».
بينما كانت تريد أن تدفن إلى جواره(4).
فيا ترى على عاتق من كلّ هذه الدماء التي سُفكت في حرب الجمل؟!
عائشة تصف نفسها:
وقد يقول الباحث بأنّ عائشة كانت ما تجد لنفسها ما يبرّر ما قامت به من إساءة الرسول وسفك الدماء.
ولكنّ الواقع يكشف خلاف ذلك، وقد شهدت عائشة على نفسها كثيراً منها ما قالته حول كيفيّة فقدانها صوابها على أثر الغيرة، وقالت:
«بعثت صفيّة زوج النبيّ إلى رسول الله بطعام قد صنعته له وهو عندي، فلمّا رأيت الجارية أخذتني رعدة حتّى استقلني أفكل، فضربت القصعة ورميت بها.
قالت: فنظر إليّ رسول الله فعرفت الغضب في وجهه.
فقلت: أعوذ برسول الله أن يلعنني اليوم...»(1).
وتروي أيضاً عن نفسها قالت: قلت للنبي: حسبك من صفيّة كذا وكذا، فقال لي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته»(2).
ومرّة أخرى قالت: فقدت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فظننت أنّه أتى بعض جواريه، فطلبته فإذا هو ساجد يقول: «ربّ اغفر لي»(3).
وأخرى قالت: إنّ رسول الله خرج من عندي ليلاً، قالت: فغرت عليه، قالت: فجاء فرأى ما أصنع، فقال: «مالك يا عائشة، أغرتِ»؟
فقلت: ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك!
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «افأخذك شيطانك؟!
ويقول الدكتور التيجاني معلّقاً على هذا الحديث:
«وهذه الرواية الأخيرة تدلّ دلالة واضحة على أنّها عندما تغار تخرج عن أطوارها وتفعل أشياء غريبة كأن تكسر الأواني، أو تمزّق الملابس مثلاً ; ولذلك تقول في هذه الرواية، فلمّا جاء ورأى ما أصنع قال: أفأخذك شيطانك»؟!
ولا شكّ أنّ شيطان عائشة كان كثيراً ما يأخذها أو يلبسها، وقد وجد لقلبها سبيلاً من طريق الغيرة.
وقد روى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:
«الغيرة للرجل إيمان وللمرأة كفر»، باعتبار أنّ الرجل يغار على زوجته ; لأنّه لا يجوز شرعاً أن يشاركه فيها أحد، أمّا المرأة فليس من حقّها أن تغار على
زوجها ; لأنّ الله سبحانه أباح له الزواج بأكثر من واحدة(1).
وقد مدحت كتب السير عائشة وبيّنت أنّها حبيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المدلّلة.
ويقول التيجاني: أعتقد بأنّ كلّ ذلك من الأمويّين الذين أحبّوا عائشة، وفضّلوها ; لما خدمت مصالحهم وروت لهم ما أحبّوا، وحاربت عدوّهم علي بن أبي طالب.
وكما اعتقد بأنّ رسول الله لم يكن يحبّها ; لما فعلته معه.
وكيف يحبّ رسول الله من تكذب، وتغتاب، وتمشي بالنميمة، وتشكّ في الله ورسوله، وتظن منهما الحيف؟!
كيف يحبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من تتجسّس عليه، وتخرج من بيتها بدون إذنه لتعلم أين يذهب؟!
كيف يحبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من تشتم زوجاته بحضرته ولو كنّ أمواتاً؟!
كيف يحبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من تبغض ابنه إبراهيم وترمي أمّه مارية بالإفك؟!
كيف يحبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من تتدخّل بينه وبين زوجاته بالكذب مرّة وبإثارة الأحقاد أخرى وتتسبّب في طلاقهن؟!
كيف يحبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من تبغض ابنته الزهراء وتبغض أخاه وابن عمّه علي بن أبي طالب إلى درجة أنّها لا تذكر اسمه ولا تطيب لها نفساً بخير؟!
كلّ هذا وأكثر في حياته(صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا بعد وفاته فحدّث ولا حرج.
وكلّ هذه الأفعال يمقتها الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يحبّان فاعلها ; لأنّ الله هو الحقّ ورسوله يمثّل الحقّ، فلا يمكن له أن يحبّ من كان على غير الحقّ.
1) فاسألوا أهل الذكر، الدكتور التيجاني السماوي ٧٨ - ٨١ .
وكلّ باحث يعرف من خلال البحث بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يحبُّها، بل أنّه حذّر الأُمّة من فتنتها.
وروى ابن سعد(1)أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تزوّج مليكة بنت كعب، وكانت تُعرف بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت لها: أمّا تستحين أن تنكحي قاتل أبيك؟! فاستعاذت من رسول الله فطلّقها.
فجاء قومها إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله إنّها صغيرة وإنّها لا رأي لها، وإنّها خدعت فارتجعها، فأبى رسول الله، وكان أبوها قد قُتل في يوم فتح مكّة، قتله خالد بن الوليد بالخندمة.
وهذه الرواية تدلّنا بوضوح بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان همّه من الزواج الصغر والجمال، وإلاّ لما طلّق مليكة بنت كعب.
وقد سبق لعائشة أن طلّقت أسماء بنت النعمان لمّا غارت من جمالها.
ويحقّ لنا أن نتساءل: لماذا يطلّق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هاتين المرأتين البريئتين واللتين ذهبتا ضحيّة مكر وخداع عائشة لهن؟
وقبل كلّ شيء لابدّ لنا أن نضع في حسابنا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) معصوم ولا يظلم أحداً ولا يفعل إلاّ الحقّ، فلابدّ أن يكون في تطليقهن حكمة يعلمها الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ عدم تطليق عائشة رغم أفعالها فيه أيضاً حكمة.
وروى مسلم في صحيحه وغيره من صحاح أهل السنّة أنّ عمر بن الخطاب قال: لمّا اعتزل نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه ; قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب.
فقال عمر: فقلت: لاعلمن ذلك اليوم.
1) الطبقات ٨: ١٤٨.
قال: فدخلت على عائشة فقلت: يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شانك أن تؤذي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!
فقالت: مالي ومالك يابن الخطاب، عليك بعيبتك!
قال: فدخلت على حفصه فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! والله لقد علمت أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يحبّك، ولولا أنا لطلّقك رسول الله،فبكت أشدّ البكاء...(1).
إذن عمر يقسم بأنّ رسول الله لا يحبّ حفصه، فلا يبقى لنا أدنى شكّ في أنّ الزواج منها كان لمصلحة سياسيّة عندما قال: ولولا أنا لطلّقك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأخرج البخاري: قالت عائشة: وا رأساه!
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ذلك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك.
فقالت عائشة: واثكلياه، والله إنّي لأظنّك تحبّ موتي، ولو كان ذاك لظلت آخر يومك معرساً ببعض أزواجك(2).
فهل تبيّن هذه الرواية حبّ النبيّ لعائشة؟
وخلاصة القول أنّ بني أُميّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان كانوا يبغضون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنذ أن آلت إليهم الخلافة عملوا على تقليب الحقائق ظهراً على عقب، فرفعوا أقواماً إلى القمّة من المجد والعظمة بينما كانوا في حياة النبيّ أناساً عاديّين وليس لهم شأن كبير، ووصفوا آخرين كانوا في قمّة الشرف والعزّ أيّام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
وكان ميزانهم الوحيد في الرفع والوضع هو فقط عداؤهم الشديد وبغضهم اللامحدود لمحمّد وآل محمّد.
وهكذا أصبح عمر بن الخطاب الذي كان يعارض الرسول في كلّ أوامره حتّى رماه بالهجر في أواخر أيّام حياته أصبح هذا الرجل هو قمّة الإسلام عند المسلمين زمن الدولة الأمويّة!
أمّا علي بن أبي طالب الذي كان من الرسول بمنزلة هارون من موسى، والذي يحبّ الله ورسوله، ويحبّه اللهُ ورسولُه والذي هو وليّ كلّ مؤمن أصبح يُلعن على منابر المسلمين ثمانين عاماً.
وهكذا أصبحت عائشة التي جرّعت رسول الله الغصص، وعصت أوامره كما عصت أمر ربّها وحاربت وصيّ رسول الله وتسبّبت في أكبر فتنة عرفها المسلمون والتي قتل فيها الآلاف أصبحت هذه المرأة هي أشهر نساء الإسلام وعنها تؤخذ الأحكام.
أمّا فاطمة سيّدة نساء العالمين التي يغضب ربّ العزة لغضبها ويرضى لرضاها أصبحت نسياً منسيّاً، ودفنت في الليل سرّاً بعدما هدّدوها بالحرق، وعصروا على بطنها بالباب حتّى أسقطت جنينها، ولا أحد من المسلمين من أهل السنّة يعرف رواية واحدة تنقلها عن أبيها!
وهكذا أصبح أبو سفيان المنافق الذي ما وقعت حرب ضدّ الرسول إلاّ وكان هو قائدها أصبح محموداً مشكوراً.
أمّا أبو طالب حامي النبيّ وكفيله والمدافع عنه بكلّ ما يملك والذي قضى حياته مناوئاً لقومه وعشيرته من أجل دعوة ابن أخيه حتّى قضى ثلاث سنوات في الحصار مع النبيّ في شعب مكّة، وكتم إيمانه لمصلحة الإسلام، أي لإبقاء بعض
الجسور مفتوحة مع قريش فلا يؤذون المسلمين كما يريدون، وذلك كمؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه، أمّا هذا فكان جزاؤه ضحضاح من نار يضع فيها رجله فيغلي منها دماعه(1).
كيف ازداد حبّي لأهل البيت(عليهم السلام):
يقول «كلاريز»: كلّما ازداد بحثي حول المسائل العقائديّة ازدادت معرفتي بسلبية من يعتمد عليهم أهل السنّة في معرفة ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعرفة نور الثقلين القرآن والعترة، كما تعرفت بمرور الزمان على فضائل أهل البيت(عليهم السلام)فازداد حبي لهم.
فجذبني هذا الحبّ إلى تغيير انتمائي المذهبي، فاستبصرت تحت منبر الإمام الحسين(عليه السلام) الذي كان مشيداً لعقد المجالس الحسينيّة في منطقة «كلار».
1) للمزيد من معرفة هذه الفروق راجع فاسألوا أهل الذكر، الدكتور التيجاني السماوي: ٨١ - ٨٩.
جاء في بحار الأنوار:
عن الحسين بن محمّد، عن المعلّى، عن محمّد بن علي بن سماعة، عن «الكلبيّ النسّابة» قال: دخلت المدينة، ولست أعرف شيئاً من هذا الأمر . . . ، فقال: أئت جعفر بن محمّد(عليه السلام) فهو عالم أهل هذا البيت . . .
فقلت له: أخبرني عن رجل قال لامرأته أنت طالق عدد النّجوم؟
فقال: ويحك أمّا تقرأ سورة الطلاق؟
قلت: بلى.
قال: فاقرأ، فقرأت فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ(1).
قال: أترى ههنا نجوم السّماء؟
قلت: لا.
قلت: فرجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً؟
قال: تردّ إلى كتاب الله وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثُمّ قال: لا طلاق إلاّ على طهر من
1) الطلاق (٦٥) : ١.
غير جماع، بشاهدين مقبولين.
فقلت في نفسي: واحدة.
ثُمّ قال: سل.
فقلت: ما تقول في المسح على الخفّين؟
فتبّسم، ثُمّ قال: إذا كان يوم القيامة، وردّ الله كلّ شيء إلى شيئه، وردّ الجلد إلى الغنم، فترى أصحاب المسح أن يذهب وضوؤهم؟
فقلت في نفسي: ثنتان.
ثُمّ التفت إليّ فقال: سل.
فقلت: أخبرني عن أكلّ الجريّ.
فقال: إنّ الله عزّ وجلّ مسخ طائفة من بني إسرائيل فما أخذ منهم بحراً فهو الجريّ، والزمار، والمارماهي، وما سوى ذلك، وما أخذ منهم برّاً فالقردة، والخنازير، والوبر، والورل وما سوى ذلك.
فقلت في نفسي: ثلاث.
ثُمّ التفت إليّ، وقال: سل وقّم.
فقلت: ما تقول في النبيذ؟
فقال(عليه السلام): حلال.
فقلت: إنا ننبذ فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك ونشربه.
فقال: شُه شُه، تلك الخمرة المنتنة.
فقلت: جعلت فداك فأيّ نبيذ تعني؟
فقال: إنّ أهل المدينة شكوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تغيّر الماء، وفساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كفّ من التّمر
فيقذف به في الشنّ فمنه شربه ومنه طهوره.
فقلت: وكم كان عدد التّمر الذي في الكفّ؟
فقال: حمل الكفّ.
فقلت: واحدة وثنتان؟
فقال: ربّما كانت واحدة، وربّما كانت ثنتين.
فقلت: وكم كان وسع الشنّ؟
فقال: مابين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك.
فقلت: بالأرطال؟
فقال: نعم أرطال بمكيال العراق.
قال سماعة: قال «الكلبي»: ثُمّ نهض(عليه السلام) فقمت فخرجت وأنا أضرب بيدي على الأُخرى، وأنا أقول: إن كان شيء فهذا فلم يزل «الكلبيّ» يدين الله بحبّ أهل هذا البيت حتّى مات(1).
1) بحار الأنوار ٤٧: ٢٢٨ الحديث ١٩.
١ - إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، أبو الحسن علي بن الحسين الهذلي المسعودي (ت٣٤٦هـ)، مطبعة الصدر قم - إيران، سنة الطبع ١٤١٧هـ .
٢ - إحقاق الحقّ، الشهيد نور الله التستري (ت١٠١٩هـ).
٣ - إحياء علوم الدين، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت٥٠٥هـ)، دار المعرفة، بيروت.
٤ - اختلاف الحديث، محمّد بن إدريس الشافعي (ت٢٠٤هـ).
٥ - اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تصحيح وتعليق: ميرداماد الإسترآبادي، تحقيق السيّد مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
٦ - إرشاد الساري، لابن العبّاس شهاب الدين أحمد القسطلاني، دار الفكر١٤٢١هـ .
٧ - إرشاد القلوب، الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلمي، من أعلام القرن الثامن، تحقيق: السيّد هاشم الميلاني، دار الأسوة، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
٨ - أصول الحديث عبد الهادي الفضلي، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، بيروت - لبنان الطبعة الثالثة ١٤٢١هـ .
٩ - اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين، فخر الدين محمّد بن عمر الرازي، ضبط، تقديم، وتعليق: محمّد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ .
١٠ - إقبال الأعمال، رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت٦٦٤هـ)، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، المطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .
١١ - الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي (ت٩١١هـ)، تحقيق: سعيد المندوب، دار الفكر لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ .
١٢ - الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي (ت٥٤٨هـ)، تحقيق: السيّد محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، النجف الأشرف١٣٨٦هـ .
١٣ - الإحكام لابن حزم (ت٤٥٦هـ)، مطبعة العصمة - القاهرة.
١٤ - الأربعين في إمامة الأئمّة الطاهرين، محمّد طاهر محمّد حسين الشيرازي القمي (ت١٠٩٨هـ)، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، مطبعة الأمير، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .
٢٢ - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر، مكتبة الصدر - طهران الطبعة الرابعة ١٤١٣هـ .
٢٣ - الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري (ت٢٧٦هـ)، تحقيق: علي شيري، منشورات الشريف الرضي - قم الطبعة الأولى ١٤١٣هـ .
٢٤ - الانتصار، الشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي البغدادي (ت٣٥٥هـ)، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدّسة، سنة الطبع ١٤١٥هـ ، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي.
٢٥ - الانتصار، العاملي الكوراني، دار السيّدة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ .
٢٦ - الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة الفقهاء، ابن عبد البر (ت٤٦٣هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.
٢٧ - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، الشيخ زين الدين العاملي البناطي البياضي (ت٨٧٧هـ)، تصحيح: محمّد باقر البهبودي مطبعة الحيدري.
٢٨ - إمتاع الأسماع بما للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت٨٤٥هـ)، تحقيق وتعليق: عبد الحميد النميسي، دار الكتب العلمية - بيروت.
٢٩ - أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في كتب أهل السنّة، الشيخ حكمت الرحمة، تحت إشراف: مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة، الناشر مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة، الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ .
٣٠ - أبو بكر جابر الجزائري، المكتبة العصرية - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .
٣١ - أسباب نزول الآيات أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت٤٦٨هـ)، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع - القاهرة، سنة الطبع: ١٣٨٨هـ .
٣٢ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير (ت٦٣٠هـ)، دار الكتاب العربي - بيروت.
٣٣ - أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين (ت١٣٧١هـ)، تحقيق: حسن الأمين، دار المعارف للمطبوعات - بيروت.
٣٤ - أمل الآمل، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت١١٠٤هـ)، تحقيق: أحمد الحسيني، مطبعة الآداب - النجف الأشرف.
٣٥ - أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى البلاذري (ت٢٧٩هـ)، تحقيق وتعليق: محمّد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي - بيروت الطبعة الأولى ١٣٩٤هـ .
٣٦ - أوائل المقالات، الشيخ المفيد (ت٤١٣هـ)، تحقيق: إبراهيم الأنصاري، دار المفيد، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .
٣٧ - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، محمّد باقر المجلسي (ت١١١١هـ)، تحقيق: محمّد باقر البهبودي الطبعة الثالثة المصحّحة ١٤٠٣هـ دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٣٨ - بدائع الصنائع، أبو بكر الكاشاني (ت٥٨٧هـ)، الطبعة الأولى، المكتبة الحيدرية - باكستان.
٣٩ - بداية الفِرَق نهاية الملوك، محمّد رضا الحكيمي، توثيق وتعليق: شاكر الإبراهيمي، دار الفردوس، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ .
٤٠ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، محمّد بن أحمد بن رشد الأندلسي الشهير (بابن رشد الحفيد) (ت٥٩٥هـ)، تنقيح وتصحيح خالد العطّار، دار الفكر - بيروت ١٤١٥هـ .
٤١ - بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإماميّة، السيّد محسن الخرازي، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الخامسة ١٤١٨هـ .
٤٢ - البداية والنهاية، إسماعيل بن كثير (ت٧٧٤هـ)، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ .
٤٣ - البرهان في تفسير القرآن، المحدّث السيّد هاشم البحراني (ت١١٠٧هـ)، حقّقها قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .
٤٤ - بلاغات النساء، أبو الفضل بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور (ت٣٨٠هـ)، مكتبة بصيرتي - قم.
٤٥ - تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد مرتضى الزبيدي (ت١٢٠٥هـ)، تحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت ١٤١٤هـ .
٤٦ - تاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون (ت٨٠٨هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الرابعة.
٤٧ - تاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون (ت٨٠٨هـ)، مؤسسة الاعلى للمطبوعات، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٣٩١هـ .
٤٨ - تاريخ الإسلام، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨هـ)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٧هـ .
٤٩ - تاريخ الخلفاء، لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت٩١١هـ)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد الطبعة الثالثة ١٣٨٣هـ مطبعة المدني - القاهرة.
٥٠ - تاريخ السنّة النبوية، ثلاثون عاماً بعد النبيّ، صائب عبد الحميد.
٥١ - تاريخ الطبري، محمّد بن جرير الطبري (ت٣١٠هـ)، تحقيق: نخبة من العلماء الأجلاء، مؤسسة الأعلمي - بيروت الطبعة الرابعة ١٤٠٣.
٥٢ - التاريخ الكبير، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ)، المكتبة الإسلاميّة، ديار بكر - تركية.
٥٣ - تاريخ اليعقوبي، أحمد بن إسحاق اليعقوبي (ت٢٨٤هـ)، دار صادر، بيروت - لبنان.
٥٤ - تاريخ أبي الفداء المسمّى بالمختصر في أخبار البشر، عماد الدين أبي الفداء
إسماعيل بن علي بن محمود (ت٧٣٢هـ)، المعلق والمحشي: محمود ديّوب، دار الكتب العلمية - بيروت المطبعة الأولى ١٤١٧هـ منشورات محمّد علي بيضون.
٥٥ - تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الثانية ١٤٢٥ هـ .
٥٦ - تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر (ت٥٧١هـ)، تحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت ١٤٢١هـ .
٥٧ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (ت١٣٥٣هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٠هـ .
٥٨ - تحف العقول، ابن شعبة الحراني (ت٤هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ .
٥٩ - تحفة النظار في غرائب الأمصار (رحلة ابن بطوطة)، ابن بطوطة، أبو عبد الله محمّد بن عبد الله (ت٧٧٩هـ)، شرح: طلال حرب، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الثانية ١٤٢٣هـ .
٦٠ - التحول المذهبي، الشيخ علاء الحسّون، قلم الشرق الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ .
٦١ - تخريج الأحاديث والآثار، جمال الدين الزيلعي (ت٧٦٢هـ)، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، دار ابن خزيمة - الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .
٦٢ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عرفات العشاء حسونة، دار الفكر - بيروت ١٤٢٠هـ .
٦٣ - تذكرة الحفاظ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.
٦٤ - تذكرة الخواص من الأُمّة بذكر خصائص الأئمّة، يوسف بن قزاوغلي بن عبد الله التركي المعروف بسبط ابن الجوزي (ت٦٥٤هـ)، تحقيق: حسين تقي زاده، نشر المجمع العالمي لأهل البيت - قم الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ .
٦٥ - تذكرة الفقهاء، الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي (ت٧٢٦هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، مطبعة مهد - قم الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .
٦٦ - تصحيح اعتقادات الإماميّة، محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت٤١٣هـ)، تحقيق: حسين درگاهي، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .
٦٧ - تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد، الشيخ محمّد بخيت الحنفي (ت١٣٥٠هـ)، مكتبة أيشيق، اسطنبول - تركية سنة الطبعة ١٣٩٦هـ .
٦٨ - التعديل والتجريح، سليمان بن خلف الباجي (ت٤٧٤هـ)، تحقيق: أحمد البزّار، المطبعة والناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة - مراكش.
٦٩ - تفسير ابن أبي حاتم، ابن أبي حاتم الرازي (ت٣٢٧هـ)، تحقيق: أسعد محمّد الطيّب، المكتبة العصرية - صيدا.
٧٠ - تفسير الآلوسي (روح المعاني)، الآلوسي.
٧١ - تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمّد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م.
٧٢ - تفسير البغوي المعروف بمعالم التنزيل، أبو محمّد الحسين بن مسعود أبو الفداء البغوي الشافعي (ت٥١٦هـ)، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك، مروان سوار، دار المعرفة - بيروت الطبعة الخامسة ١٤٢٣هـ .
٧٣ - تفسير الثعلبي، الثعلبي (ت٤٢٧هـ)، تحقيق: أبي محمّد بن عاشور، مراجعة: نظير الساعدي دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ .
٧٤ - تفسير السمعاني، للسمعاني (ت٤٨٩هـ)، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عبّاس، دار الوطن الرياض - السعودية الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .
٧٥ - تفسير الصافي، الفيض الكاشاني (ت١٠٩١هـ)، صححه وقدم له وعلق عليه: الشيخ حسين الأعلمي، مطبعة مؤسسة الهادي - قم المقدّسة، الناشر: مكتبة الصدر - طهران الطبعة الثانية ١٤١٦هـ .
٧٦ - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير الدمشقي (ت٧٧٤هـ)، تقديم: يوسف عبد الرحمن المرعشلي دار المعرفة - بيروت ١٤١٢هـ .
٧٧ - تفسير القرطبي المسمى بالجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.
٧٨ - تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي (من أعلام القرن الثالث والرابع)، تصحيح وتعليق وتقديم: السيّد طيّب الموسوي الجزائري، الناشر: مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم - إيران الطبعة الثالثة ١٤٠٤هـ .
٧٩ - التفسير الكبير، الفخر الرازي (ت٦٠٦هـ)، الطبعة الثالثة.
٨٠ - تفسير زاد المسير، ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، تحقيق: محمّد بن عبد الرحمن عبد الله، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ .
٨١ - تفسير مجمع البيان، الفضل بن الحسن الطبرسي (ت٥٤٨هـ)، مؤسسة الأعلمي - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .
٨٢ - تفسير مقاتل بن سليمان، مقاتل بن سليمان (ت١٥٠هـ)، تحقيق: أحمد فريد، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ .
٨٣ - تقريب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٥هـ .
٨٤ - تلخيص الشافي، محمّد بن الحسن بن علي بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تعليق: السيّد حسن بحر العلوم، مؤسسة انتشارات المحبّين - قم الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ .
٨٥ - التنبيهات على معاني السبع العلويات، ابن أبي الحديد المعتزلي (ت٦٥٦هـ)، شرح: ابن أبي الرضا العلوي البغدادي (من أعلام القرن الثامن)، تصحيح: طالب السنجري، مكتبة آية الله العظمى الشيرازي العامّة - مشهد المقدّسة الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ .
٨٦ - تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، أبو الحسين ورّام بن أبي فراس المالكي الأشتري (ت٦٠٥هـ)، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت - لبنان.
٨٧ - تنقيح المقال في علم الرجال، الشيخ عبد الله المامقاني (ت١٣٥١هـ)، تحقيق واستدراك: محيي الدين المامقاني، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم الطبعة الأولى ١٤٢٧هـ .
٨٨ - تنوير الحوالك شرح على موطّأ مالك، جلال الدين السيوطي (ت٩١١هـ)، ضبط وتصحيح: محمّد عبد العزيز الخالدي، منشورات محمّد علي بيضون، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .
٨٩ - التوحيد، الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تحقيق: السيّد هاشم الحسيني الطهراني، مؤسسة النشر الإسلامي - قم الطبعة السابعة ١٤٢٢هـ .
٩٠ - التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وجهلة الوهابيّين، أبو حامد بن مرزوق، الناشر: مكتبة أيشيق، اسطنبول - تركية سنة الطبع ١٣٩٦هـ .
٩١ - تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تحقيق وتعليق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، مطبعة خورشيد الطبعة الثالثة ١٣٦٤ش.
٩٢ - تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ .
٩٣ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج يوسف المزّي (ت٧٤٢هـ)، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٣هـ .
٩٤ - ثمّ اهتديت، محمّد التيجاني، مؤسسة الفجر - لندن.
٩٥ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمّد بن جرير الطبري (ت٣١٠هـ)، ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطار، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .
٩٦ - الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، ضبطه وخرج أحاديثه: محمّد إدريس، راجعه وقدم له: عاشور بن يوسف، دار الحكمة، بيروت - دمشق الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .
٩٧ - الجامع الصغير، عبد الرحمن السيوطي (ت٩١١هـ)، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠١هـ .
٩٨ - الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي
(ت٢٧٩هـ)، تحقيق: عبد الرحمن محمّد عثمان، دار الفكر - بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ .
٩٩ - جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر (ت٤٦٣هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت سنة الطبع ١٣٩٨هـ .
١٠٠ - الجرح والتعديل، أبو محمّد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت٣٢٧هـ)، المطبعة: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الهند، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٣٧١هـ .
١٠١ - جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، محمّد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي (ت٨٧١هـ)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، المطبعة: دانش، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة، قم - إيران الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .
١٠٢ - الحقائق الإسلاميّة في الرد على المزاعم الوهّابية بأدلّة الكتاب والسنّة النبوية ، حاج مالك بن الشيخ داود، مكتبة الحقيقة، اسطنبول - تركية سنة الطبع ١٤٠٧هـ .
١٠٣ - حلية الأبرار في أحوال محمّد وآله الأطهار، السيّد هاشم البحراني، تحقيق: الشيخ غلام رضا مولانا البروجردي مطبعة بهمن - قم الطبعة الأولى ١٤١١هـ .
١٠٤ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصفهاني (ت٤٣٠هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الثانية ١٤٢٣هـ .
١٠٥ - الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي (ت٥٧٣هـ)، تحقيق: مؤسسة الإمام المهدي، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ ، المطبعة العلمية، مؤسسة الإمام المهدي.
١٠٦ - خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ)، تحقيق: وتصحيح الأسانيد: محمّد هادي الأميني، مكتبة نينوى الحديثة - طهران.
١٠٧ - خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، للحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ)، تحقيق: ابن منير آل زهوي، سنة الطبع ١٤٢٦هـ ، المكتبة العصرية، بيروت - لبنان.
١٠٨ - الخصال، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق (ت٣٨١هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، جماعة المدرسين - قم ١٤٠٣هـ .
١٠٩ - خلافة الرسول بين الشورى والنص، مركز الرسالة، المطبعة مهر - قم الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
١١٠ - الخلاف، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تحقيق: جمع من المحققين، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المشرفة سنة الطبع ١٤٠٧هـ .
١١١ - الخلافة المغتصبة، إدريس الحسيني المغربي.
١١٢ - خلق أفعال العباد، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ)، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ .
دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٣٧١هـ .
١١٣ - دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام.
١١٤ - داعية أهل البيت(عليهم السلام)، الراحل السيّد علي البدري (ترجمة السيّد علي البدري)، السيّد سامي البدري.
١١٥ - الدر المنثور في التفسير المأثور، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت٩١١هـ)، دار المعرفة - بيروت.
١١٦ - الدرر السنية في الرد على الوهّابية، أحمد بن زيني دحلان (ت١٣٠٤هـ)، الناشر: مكتبة ايشيق، اسطنبول - تركية سنة الطبعة ١٣٩٦هـ .
١١٧ - دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي
(ت٥٩٧هـ)، تحقيق وتقديم حسن السقاف، دار الإمام النووي، عمان الأردن الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة ١٤١٣هـ .
١١٨ - دقائق التفسير، ابن تيميّة محمّد بن عبد الحليم (ت٧٢٨هـ)، تحقيق: محمّد السيّد الجليذ، مؤسسة علوم القرآن - دمشق الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ .
١١٩ - دور المنبر الحسيني في التوعية الإسلاميّة، الشيخ باقر المقدسي، المطبعة: سليمان زادة ١٤٢٤هـ .
١٢٠ - ديوان السيّد حيدر الحلّي، السيّد حيدر الحلّي (ت١٣٠٤هـ)، تحقيق: علي الخاقاني.
١٢١ - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري (ت٦٩٤هـ)، سنة الطبع ١٣٥٦هـ ، مكتبة القدسي - القاهرة.
١٢٢ - الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الشيخ آقا بزرك الطهراني (ت١٣٨٩هـ)، دار الأضواء - بيروت الطبعة الثالثة ١٤٠٣هـ .
١٢٣ - راس الحسين(عليه السلام)، ابن تيميّة الحراني (ت٧٢٨هـ)، تحقيق: الدكتور السيّد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ .
١٢٤ - الرافضة وطهارة المولد، محمّد مال الله، مكتبة ابن تيميّة، الطبعة الأولى ١٤١١هـ .
١٢٥ - الرد على الوهّابية، الشيخ محمّد جواد البلاغي (ت١٣٢٨هـ)، تحقيق: السيّد محمّد علي الحكيم، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث.
١٢٦ - رسائل الشريف المرتضى، علي بن الحسين بن موسى المعروف بالشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ)، أعداد: السيّد مهدي الرجائي - قم دار القرآن الكريم ١٤٠٥هـ .
١٢٧ - رسائل ومقالات، الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق، قم - إيران.
١٢٨ - الرسالة السعدية، العلاّمة الحلي (ت٧٢٦هـ)، تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقال، الطبعة الأولى محققة سنة ١٤١٠هـ المطبعة بهمن - قم.
١٢٩ - رسالة طرق حديث من كنت مولاه فعلي مولاه، شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي (ت٧٤٨هـ)، تحقيق وتعليق: السيّد عبد العزيز الطباطبائي إعداد مكتبة المحقق الطباطبائي، الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .
١٣٠ - رسالة في آل أعين، أبو غالب الزراري (ت٣٦٨هـ)، شرح: السيّد محمّد علي الموسوي الموحد الأصفهاني، مطبعة رباني، سنة الطبع ١٣٩٩هـ .
١٣١ - رسالة في حديث الوصية بالثقلين، السيّد علي الميلاني، مطبعة ياران - قم الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .
١٣٢ - الروضة في فضائل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(عليه السلام)، سديد الدين شاذان بن جبرائيل القمي المعروف بابن شاذان (ت٦٦٠هـ)، تحقيق: علي الشكرجي، مكتبة الأمين - قم الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ .
١٣٣ - الرياض النضرة في مناقب العشرة، محب الدين الطبري (ت٦٩٤هـ)، المحقق: عيسى بن عبد الله الحميدي، دار الغرب الإسلامي - بيروت الطبعة الأولى ١٩٩٦م.
١٣٤ - زاد المسير في علم التفسير، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، تحقيق: محمّد عبد الرحمن عبد الله، دار الفكر، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ .
١٣٥ - زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، تحقيق وتخريج وتعليق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية ١٤٢١هـ .
١٣٦ - الزهرة العطرة في حديث العترة، أبو منذر سامي بن أنور المصري الشافعي، دار الفقيه - القاهرة.
١٣٧ - الزيارة والتوسل، صائب عبد الحميد، المطبعة: ستارة - قم الطبعة الأولى ١٤٢١هـ ، الناشر: مركز الرسالة.
١٣٨ - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، محمّد بن يوسف الصالحي الشامي (ت٩٤٢هـ)، تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمّد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .
١٣٩ - السعوديون والحل الإسلامي، محمّد جلال كشك، المطبعة الفنية - القاهرة الطبعة الرابعة ١٤٠٤هـ .
١٤٠ - السقيفة، الشيخ محمّد رضا المظفر (ت١٣٨١هـ)، تقديم: الدكتور محمود المظفر، الناشر مؤسسة أنصاريان المطبعة: بهمن الطبعة الثانية ١٤١٥هـ .
١٤١ - السقيفة وفدك، أحمد بن عبد العزيز الجوهري (ت٣٢٣هـ)، تحقيق: محمّد هادي الأميني، شركة الكتبي - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٣هـ .
١٤٢ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمّد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض ١٤١٥هـ .
١٤٣ - السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين، محبّ الدين الطبري، علق عليه: عبد المجيد طعمة حلبي، دار المعرفة - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .
١٤٤ - سنن ابن ماجة، محمّد بن يزيد القزويني (ت٢٧٥هـ)، تحقيق وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي دار الفكر للطباعة والنشر.
١٤٥ - سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني (ت٣٨٥هـ)، تحقيق: مجدي بن منصور سيّد الشوري، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
١٤٦ - سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي (ت٢٥٥هـ)، مطبعة الاعتدال - دمشق ١٣٤٩هـ .
١٤٧ - السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت٤٥٨هـ)، دار الفكر، بيروت - لبنان.
١٤٨ - السنن الكبرى، أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ)، تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري وسيّد كسروي حسن، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١١هـ .
١٤٩ - سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ت٢٧٥هـ)، تحقيق وتعليق: سعيد محمّد اللحّام، دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٠هـ .
١٥٠ - سير أعلام النبلاء، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨هـ)، تحقيق: إبراهيم الزيبق، اشراف وتخريج: شعيب الأرنؤوط، الطبعة التاسعة ١٤١٣هـ ، مؤسسة الرسالة - بيروت.
١٥١ - السيرة الحلبية في سيرة الأمين والمأمون، نور الدين الحلبي الشافعي (ت١٠٤٤هـ)، دار المعرفة - بيروت ١٤٠٠هـ .
١٥٢ - السيرة النبويّة، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري (ت٢١٨هـ)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة محمّد علي صبيح - القاهرة ١٣٨٣هـ .
١٥٣ - الشافي في الإمامة، الشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ)، مؤسسة: إسماعيليان - قم الطبعة الثانية ١٤١٠هـ .
١٥٤ - شبهة الغلو عند الشيعة، عبد الرسول الغفار، الطبعة الأولى دار المحجّة البيضاء، بيروت - لبنان.
١٥٥ - شجرة طوبى، الشيخ محمّد مهدي الحائري (ت١٣٦٩هـ)، منشورات المكتبة الحيدرية، الطبعة الخامسة ١٣٨٥هـ .
١٥٦ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد الحنبلي (ت١٠٨٩هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٩هـ .
١٥٧ - شرح أصول الكافي، محمّد صالح المازندراني (ت١٠٨١هـ)، تعليق: الميرزا أبو الحسن الشعراني، تصحيح السيّد علي عاشور، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .
١٥٨ - شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار، القاضي النعمان بن محمّد المغربي (ت٣٦٣هـ)، المحقق: السيّد محمّد الحسيني الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .
١٥٩ - شرح الزرقاني على موطّا مالك، محمّد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المالكي (ت١١٢٢هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ١٤١١هـ .
١٦٠ - شرح المقاصد في علم الكلام، سعد الدين التفتازاني (ت٧٩٣هـ)، دار المعارف النعمانية - باكستان الطبعة الأولى ١٤٠١هـ .
١٦١ - شرح المنام، الشيخ المفيد، تحقيق: الشيخ مهدي نجف، دار المفيد للطباعة والنشر - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م.
١٦٢ - شرح المواقف، علي بن محمّد الجرجاني (ت٨١٦هـ)، مطبعة السعادة - مصر الطبعة الأولى ١٣٢٥هـ - ١٩٠٧٠م.
١٦٣ - شرح تجريد الاعتقاد، تأليف: علاء الدين محمّد القوشجي (ت٨٧٩هـ)، منشورات رضي - بيدار - عزيزي.
١٦٤ - شرح سنن النسائي، جلال الدين السيوطي (ت٩١١هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
١٦٥ - شرح مسلم المسمى بالمنهاج لمحيي الدين النووي (ت٦٧٦هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.
١٦٦ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد (ت٦٥٦هـ)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الثانية ١٣٨٥هـ .
١٦٧ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض (ت٥٤٤هـ)، دار الفكر، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٤٠٩هـ .
١٦٨ - شفاء السقام في زيارة خير الأنام، تقي الدين السبكي (ت٧٥٦هـ)، الطبعة الرابعة ١٤١٩هـ .
١٦٩ - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت(عليهم السلام)، عبيد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني من أعلام القرن الخامس، تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي، الطبعة الأولى عام ١٤١١هـ - ١٩٩٠م، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة - قم المقدّسة.
١٧٠ - شواهد الحقّ في الاستغاثة بسيّد الخلق(صلى الله عليه وآله وسلم)، يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت١٣٥٠هـ)، اعتنى بطبعه طبعة جديدة بالأوفست، حسين حلمي بن سعيد الاسطنبولي.
١٧١ - شيخ المضيرة أبو هريرة، المؤلف: محمود أبو ريّة (ت١٣٨٥هـ)، منشورات الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان.
١٧٢ - الصابئون في حاضرهم وماضيهم، سيّد عبد الرزاق الحسني، المكتب العربي - بغداد الطبعة الثامنة ١٤٠٣هـ .
١٧٣ - الصابئة المندائيون، سليم برنجي، ترجمة: جابر أحمد، دار الكنوز الأدبية - بيروت الطبعة الأولى ١٩٩٧م.
١٧٤ - الصحاح، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين بيروت - لبنان الطبعة الرابعة ١٤٠٧هـ .
١٧٥ - الصحوة «رحلتي إلى الثقلين»، صباح علي البياتي، المطبعة: ليلى، الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ ، مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام).
١٧٦ - صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت٧٣٩هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .
١٧٧ - صحيح ابن خزيمة، أبو بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (ت٣١١هـ)، تحقيق وتعليق وتخريج وتقديم: محمّد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي سنة الطبع ١٤١٢هـ .
١٧٨ - صحيح البخاري، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ)، دار الفكر، سنة الطبع ١٤٠١هـ - ١٩٨١م.
١٧٩ - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت٢٦١هـ)، دار الفكر - بيروت.
١٨٠ - الصحيفة السجادية الإمام زين العابدين(عليه السلام) تحقيق: محمّد باقر الموحد الأبطحي، المطبعة نمونة - قم الناشر: مؤسسة الإمام المهدي، مؤسسة أنصاريان - قم الطبعة الأولى ١٤١١هـ .
١٨١ - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، الشيخ زين الدين العاملي النباطي البياضي (ت٨٧٧هـ)، تصحيح: محمّد باقر البهبودي مطبعة الحيدري.
١٨٢ - صفوة الصفوة، جمال الدين ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، ضبطه وخرّج آياته وأحاديثه وعلّق عليه: عبد الرحمن اللادقي، وحياة شيحا اللادقي، دار المعرفة، بيروت - لبنان الطبعة الرابعة ١٤٢٢هـ .
١٨٣ - الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة، السيّد القاضي نور الله التستري الشهيد في سنة ١٠١٩هـ تصحيح: السيّد جلال الدين المحدّث، مطبعة: نهضت - طهران.
١٨٤ - الصواعق الإلهية في الرد على الوهّابية، سليمان أخ محمّد بن عبد الوهاب (ت١٢١٠هـ)، مكتبة أيشيق، اسطنبول - تركية الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ .
١٨٥ - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، ابن حجر الهيتمي (ت٩٧٣هـ)، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي وكامل محمّد الخرّاط مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
١٨٦ - ضعفاء العقيلي، أبي جعفر محمّد بن عمرو العقيلي الملكي، تحقيق وتوثيق: عبد المعطى أمين قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٨هـ .
١٨٧ - الطبقات الكبرى، محمّد بن سعد (ت٢٣٠هـ)، دار صادر - بيروت.
١٨٨ - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، علي بن موسى بن طاووس (ت٦٦٤هـ)، مطبعة الخيام - قم الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ .
١٨٩ - العثمانية، للجاحظ (ت٢٥٥هـ)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمّد هارون، دار الكتاب العربي - مصر.
١٩٠ - عقائد الإماميّة، الشيخ محمّد رضا المظفر (ت١٣٨١هـ)، تقديم: حامد حفني داود، انتشارات أنصاريان، قم - إيران.
١٩١ - العقد الفريد، أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي (ت٣٢٨هـ)، تحقيق: عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
١٩٢ - العقيدة الإسلاميّة على ضوء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، الشيخ جعفر السبحاني، نقله إلى العربية: جعفر الهادي، مطبعة: اعتماد، قم - إيران الطبعة الأولى ١٤١٩هـ .
١٩٣ - عقيدة المؤمن، أبو بكر الجزائري المكتبة العصرية - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .
١٩٤ - علل الدارقطني، الدارقطني (ت٣٨٥هـ)، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله السلفي دار طيبة - الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ .
١٩٥ - علل الشرائع، الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تقديم: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدريّة - النجف الأشرف ١٣٨٥هـ .
١٩٦ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق: خليل الميس، الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ .
١٩٧ - العلل ومعرفة الرجال، أحمد بن محمّد بن حنبل (ت٢٤١هـ)، تحقيق: وصي الله بن محمود عبّاس، المكتب الإسلامي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ
١٩٨ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني (ت٨٥٥هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
١٩٩ - عنوان المجد في تاريخ نجد، عثمان بن بشير النجدي الحنبلي، تحقيق وتعليق: د. محمّد بن ناصر الشتري، دار الحبيب - الرياض الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .
٢٠٠ - عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تصحيح وتعليق: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت ١٤٠٤هـ .
٢٠١ - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، عبد الحسين الأميني (ت١٣٩٢هـ)، دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة الثالثة ١٣٨٧هـ .
٢٠٢ - الغيبة، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تحقيق: عبد الله الطهراني، مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم الطبعة الأولى ١٤١١هـ .
٢٠٣ - الغيبة، أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم المعروف بالنعماني (ت٣٦٠هـ)، تحقيق: فارس حسون كريم، أنوار الهدى، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ .
٢٠٤ - الفائق في غريب الحديث، العلاّمة جار الله الزمخشري (ت٥٨٣هـ)، وضع حواشيه: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
٢٠٥ - فاسألوا أهل الذكر، الدكتور محمّد التيجاني السماوي، مؤسسة الفجر - لندن.
٢٠٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت الطبعة الثانية.
٢٠٧ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمّد بن علي ابن محمّد الشوكاني (ت١٢٥٠هـ).
٢٠٨ - فتنة الوهّابية، أحمد زيني دحلان (ت١٣٠٤هـ)، حسين حلمي بن سعيد اسطنبولي، الناشر: مكتبة الحقيقة، اسطنبول - تركية الطبعة الأولى.
٢٠٩ - الفجر الصادق في الرد على منكري التوسل والكرامات والخوارق، جميل صدقي الزهاوي (ت١٣٥٤هـ)، الناشر: مكتبة ايشيق، اسطنبول - تركية سنة الطبع ١٩٨٤م.
٢١٠ - الفَرق بين الفِرَق، عبد القاهر بن طاهر البغدادي الإسفرائيني، تحقيق: محمّد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية بيروت سنة الطبع ١٤١٩هـ .
٢١١ - فصل الخطاب، سليمان أخ محمّد بن عبد الوهاب (ت١٢١٠هـ)، الطبعة
الرابعة محققة ومخرّجة ومفهرسة تحقيق: لجنة من العلماء.
٢١٢ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، أبو علي محمّد علي بن أحمد بن حزم.
٢١٣ - الفصول المختارة، الشريف المرتضى (ت٤١٣هـ)، تحقيق: السيّد نور الدين جعفريان الأصفهاني، الشيخ يعقوب الجعفري، الشيخ محسن الأحمدي، دار المفيد، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .
٢١٤ - فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ)، تحقيق: وصي الله محمّد عبّاس، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ .
٢١٥ - فضائل الصحابة، أحمد بن شعيب المعروف بالنسائي (ت٣٠٣هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.
٢١٦ - الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن الجذيري (ت١٣٨٤هـ)، مكتبة الحقيقة، اسطنبول - تركية ١٤١٤هـ .
٢١٧ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمّد عبد الرؤوف المناوي (ت١٠٣١هـ)، تصحيح: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .
٢١٨ - قاموس الرجال، الشيخ محمّد تقي التستري (ت١٤١٥هـ)، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، المطبعة مؤسسة النشر الإسلامي الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ .
٢١٩ - القاموس المحيط، محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت٨١٧هـ)، مؤسسة الرسالة - بيروت.
٢٢٠ - الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ)، تحقيق: أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ .
٢٢١ - الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني (ت٣٢٩هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دارا لكتب الإسلاميّة - طهران الطبعة الخامسة ١٣٦٣ش.
٢٢٢ - كامل الزيارات، أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي، تحقيق: نشر الفقاهة، ناشر: دار السرور، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .
٢٢٣ - الكامل في التاريخ، علي بن محمّد بن الأثير (ت٦٣٠هـ)، دار صادر - بيروت ١٣٨٥هـ .
٢٢٤ - الكامل في ضعفاء الرجال، أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت٣٦٥هـ)، تحقيق: سهيل زكار، قراءة وتدقيق: يحيى مختار عزاوي، دار الفكر، بيروت - لبنان الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ .
٢٢٥ - كتاب الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني (ت٣٥٦هـ)، اعداد مكتب تحقيق دار إحياء التراث العربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان الطبعة الثانية.
٢٢٦ - كتاب الأم محمّد بن إدريس الشافعي (ت٢٠٤هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ .
٢٢٧ - كتاب الثقات، محمّد بن حبّان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي (ت٣٥٤هـ)، المطبعة: مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الهند الطبعة الأولى ١٣٩٣هـ .
٢٢٨ - كتاب الضعفاء والمتروكين، أحمد بن علي بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة - بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ .
٢٢٩ - كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت١٧٥هـ)، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، مطبعة الصدر الطبعة الثانية ١٤١٠هـ .
٢٣٠ - كتاب الفتوح، أبو محمّد أحمد بن أعثم الكوفي (ت٣١٤هـ)، تحقيق: علي سيّدي، دار الأضواء الطبعة الأولى ١٤١١هـ .
٢٣١ - كتاب المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين، محمّد بن حبّان
التميمي البستي (ت٣٥٤هـ)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد.
٢٣٢ - الكتاب المقدّس (العهد الجديد)، الكنيسة، الناشر: دار الكتاب المقدّس سنة الطبع١٩٨٠م.
٢٣٣ - كتاب سليم بن قيس الهلالي، سليم بن قيس الهلالي (ت٧٦هـ)، تحقيق: محمّد باقر الأنصاري الزنجاني.
٢٣٤ - كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس البهوتي الحنبلي (ت١٠٥١هـ)، تحقيق: أبو عبد الله محمّد حسن محمّد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .
٢٣٥ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، جار الله الزمخشري (ت٥٣٨هـ)، سنة الطبعة ١٣٨٥هـ ، الناشر: شركة ومكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده - مصر.
٢٣٦ - كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهاب، السيّد محسن الأمين، تحقيق وتخريج: حسن الأمين، الناشر: مكتبة الحرمين - قم الطبعة الثانية ١٣٨٢هـ .
٢٣٧ - كشف الجاني محمّد التيجاني في كتبه الأربعة، عثمان بن محمّد الخميس، دار الأمل - القاهرة الطبعة الثالثة مزيدة ومنقّحة.
٢٣٨ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، حاجي خليفة (ت١٠٦٧هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٢٣٩ - كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي (ت٦٩٣هـ)، دار الأضواء - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .
٢٤٠ - كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد، المحقق الطوسي والعلاّمة الحلّي،
تحقيق وتعليق: الشيخ حسن مكّي العاملي، دار الصفوة، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٣هـ .
٢٤١ - كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (ت٧٢٦هـ)، تحقيق: حسين الدرگاهي، طهران - إيران الطبعة الأولى ١٤١١هـ .
٢٤٢ - كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ)، تصحيح: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم ١٤٠٥هـ .
٢٤٣ - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت٩٧٥هـ)، ضبط وتفسير: الشيخ بكري حياني، تصحيح: الشيخ صفوة السقا، سنة١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م، مؤسسة الرسالة - بيروت.
٢٤٤ - الكنى والألقاب، الشيخ عبّاس القمي (ت١٣٥٩هـ)، تقديم: محمّد هادي الأميني، مكتبة الصدر - طهران.
٢٤٥ - لا تضيّعوا السنّة، مصطفى خميس، مطبعة الغدير، بيروت - لبنان الطبعة الأولى.
٢٤٦ - لأكون مع الصادقين، الدكتور محمّد التيجاني السماوي، الناشر: المؤسسة الجامعيّة للدراسات الإسلاميّة، تاريخ الطبع ١٩٩٣م.
٢٤٧ - لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام، علي الشيخ، الطبعة الأولى.
٢٤٨ - لباب النقول في أسباب النزول، جلال الدين السيوطي (ت٩١١هـ)، ضبط وتصحيح: أحمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
٢٤٩ - لسان العرب، ابن منظور الأفريقي المصري (ت٧١١هـ)، نشر: أدب الحوزة، قم - إيران سنة الطبع ١٤٠٥هـ .
٢٥٠ - لسان الميزان، شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٣٩٠هـ .
٢٥١ - لقد شيّعني الحسين، إدريس الحسيني، الاعتصام الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .
٢٥٢ - لماذا أنا شيعي، الشيخ محمّد حسين الفقيه الناشر: الغدير للدراسات والنشر - بيروت ١٤١٦هـ .
٢٥٣ - اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس (ت٦٦٤هـ)، أنوار الهدى - قم الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
٢٥٤ - ما رواه الأكابر عن مالك، محمّد بن مخلّد المروزي (ت٣٣١هـ)، تحقيق، عواد الخلف، مؤسسة الريان - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٦هـ .
٢٥٥ - المبسوط، شمس الدين السرخسي (ت٤٨٣هـ)، دار المعرفة، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٤٠٦هـ .
٢٥٦ - مجلة الكوثر، نصف سنويّة تصدر عن المؤسسة الإسلاميّة العامّة للتبليغ والإرشاد، قم - إيران.
٢٥٧ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت٨٠٧هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠٨هـ .
٢٥٨ - المجموع شرح المهذب، أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت٦٧٦هـ)، دار الفكر - بيروت.
٢٥٩ - مجموع فتاوى ابن تيميّة، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمّد النجدي الحنبلي وابنه محمّد الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ .
٢٦٠ - مجموعة الفتاوى، تقي الدين أحمد بن تيميّة الحراني، اعتنى بها وخرج أحاديثها: عامر الجزار وأنور الباز، دار الجيل الطبعة الأولى ١٤١٨هـ .
٢٦١ - المحاسن، أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (ت٢٧٤هـ)، تحقيق: جلال الدين الحسيني دار الكتب الإسلاميّة - طهران الطبعة الأولى ١٣٧٠هـ .
٢٦٢ - المحاسن والمساوئ، لإبراهيم بن محمّد البيهقي (ت بعد سنة٣٢٠هـ)، وضع
حواشيه: عدنان علي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .
٢٦٣ - المحلّى في شرح المجلّى، أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت٤٥٦هـ)، دار الفكر.
٢٦٤ - مخالفة الوهّابية للقرآن والسنّة، عمر عبد السلام، دار الهداية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٦هـ .
٢٦٥ - مختصر التحفة الاثنى عشرية، عبد العزيز غلام حكيم الدهلوي، تعريب: الحافظ غلام محمّد بن محيي الدين الأسلمي، اختصره: السيّد محمود شكري الألوسي، مكتبة ايشيق، اسطنبول - تركية ١٣٩٩هـ .
٢٦٦ - مدينة المعاجز، السيّد هاشم البحراني (ت١١٠٧هـ)، مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .
٢٦٧ - مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت٣٤٦هـ)، الطبعة الأولى، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ١٤٢١هـ .
٢٦٨ - مستدرك سفينة البحار، الشيخ علي النمازي الشاهرودي (ت١٤٠٥هـ)، تحقيق وتصحيح: الشيخ حسن بن علي النمازي، سنة الطبع ١٤١٩هـ ، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة.
٢٦٩ - المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ)، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
٢٧٠ - المستصفى للغزالي (ت٥٠٥هـ)، تصحيح: محمّد عبد السلام عبد الشافي، سنة الطبع: ١٤١٧ - ١٩٩٦م، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
٢٨٠ - معالم العلماء في فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنفين منهم قديماً وحديثاً (تتمة كتاب الفهرست للشيخ الطوسي)، الحافظ محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (ت٥٨٨هـ)، طبع على نفقة محمّد كاظم الكتبي،
منشورات المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف.
٢٨١ - معاني الأخبار، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق (ت٣٨١هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم الطبعة الرابعة ١٤١٨هـ .
٢٨٢ - معاني القرآن الكريم، أبو جعفر النحاس (ت٣٣٨هـ)، تحقيق: محمّد علي الصابوني، الناشر جامعة أم القرى - مكّة المكرمة الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ .
٢٨٣ - المعتبر، المحقق الحلّي (ت٦٧٦هـ)، تحقيق: عدّة من الأفاضل تحت إشراف ناصر مكارم الشيرازي، سنة الطبع ١٣٦٤ش، مؤسسة سيّد الشهداء(عليه السلام).
٢٨٤ - المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد الطبراني (ت٣٦٠هـ)، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين سنة ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م، الناشر: دار الحرمين للطباعة والنشر.
٢٨٥ - معجم البلدان، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (ت٦٢٦هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٣٩٩هـ .
٢٨٦ - المعجم الصغير، سليمان بن أحمد الطبراني (ت٣٦٠هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.
٢٨٧ - المعجم الكبير، سليمان بن أحمد الطبراني (ت٣٦٠هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الثانية.
٢٨٨ - معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت٣٩٥هـ)، تحقيق: عبد السلام محمّد هارون، مكتبة الإعلام الإسلامي سنة الطبع ١٤٠٤هـ .
٢٨٩ - مع رجال الفكر في القاهرة، السيّد مرتضى الرضوي، الناشر: الإرشاد للطباعة والنشر - بيروت الطبعة الرابعة موسعة ومنقحة ١٤١٨هـ .
٢٩٠ - معرفة السنن والآثار، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت٤٥٨هـ)، تحقيق: سيّد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
٢٩١ - معرفة علوم الحديث، محمّد بن عبد الله الحافظ المعروف بن الحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ)، دار الآفاق - بيروت الطبعة الرابعة ١٤٠٠هـ .
٢٩٢ - مغني اللبيب، ابن هشام الأنصاري، تحقيق وفصل وضبط: محمّد محيي الدين عبد الحميد سنة الطبع ١٤٠٤، الناشر: منشورات مكتبة آية الله المرعشى النجفي، قم - إيران.
٢٩٣ - مغني المحتاج إلى معرفة معاني الفّاظ المنهاج محمّد بن أحمد الشربيني (ت٩٧٧هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٣٧٧هـ .
٢٩٤ - المغني، عبد الله بن قدامة (ت٦٢٠هـ)، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.
٢٩٥ - المغني في الضعفاء، للحافظ شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٤٧٨هـ)، تحقيق أبي الزهراء حازم القاضي، دار الكتب العلمية - بيروت ١٤١٨هـ .
٢٩٦ - مفاهيم القرآن (العدل والإمامة)، الشيخ جعفر السبحاني.
٢٩٧ - المفردات في غريب القرآن، الحسن بن محمّد المعروف بالراغب الأصفهاني (ت٥٠٢هـ)، دفتر نشر الكتاب الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ .
٢٩٨ - مقالات الإسلاميين، علي بن إسماعيل الأشعري (ت٣٢٤هـ)، تصحيح: هلموت ريتر، إصدار: جمعية المستشرقين الألمانية الطبعة الثالثة ١٤٠٠هـ .
٢٩٩ - مقتل الحسين(عليه السلام)، أبو مخنف الازدي (ت١٥٧هـ)، تعليق: حسين الغفاري المطبعة العلمية - قم.
٣٠٠ - الملل والنحل، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت٥٤٨هـ)، تحقيق: محمّد
سيّد گيلاني، دار المعرفة - بيروت.
٣٠١ - ممتن العقيدة النونية، العلاّمة ابن القيم، الناشر: مكتبة ابن تيميّة - القاهرة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .
٣٠٢ - مناقب آل أبي طالب، محمّد بن علي بن شهرآشوب (ت٥٨٨هـ)، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف ١٣٧٦هـ .
٣٠٣ - مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، محمّد بن سليمان الكوفي (ت٣٠٠هـ)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، مجمع ضياء الثقافة الإسلاميّة - قم الطبعة الأولى ١٤١٢هـ .
٣٠٤ - المناقب، الموفق بن أحمد الخوارزمي (ت٥٦٨هـ)، تحقيق: مالك المحمودي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم الطبعة الثانية ١٤١١هـ .
٣٠٥ - من أقطاب الكذابين أحمد بن تيميّة الحراني، محمّد الرضي الرضوي.
٣٠٦ - المنتظم في تواريخ الملوك والأمم، تأليف: جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، تحقيق: الاُستاذ الدكتور سهيل زكار، دار الفكر - بيروت ١٤٢٠هـ .
٣٠٧ - المنجد في اللغة، دار المشرق، بيروت - لبنان طبع ١٩٦٦م الطبعة الخامسة والثلاثون.
٣٠٨ - المنخول من تعليقات الأصول، أبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت٥٠٥هـ)، تحقيق محمّد حسن هيتو، دار الفكر - بيروت الطبعة الثالثة ١٤١٩هـ .
٣٠٩ - من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدّسة الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ .
٣١٠ - منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، لأبي العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحراني الدمشقي (ت٧٢٨هـ)، وضع حواشية وخرجه: عبد الله محمود محمّد عمد، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .
٣١١ - منهاج الصالحين، السيّد أبو القاسم الخوئي (ت١٤١٣هـ)، مهد - قم الطبعة الثامنة والعشرون ١٤١٠هـ .
٣١٢ - المواقف، الأيجي (ت٧٥٦هـ)، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
٣١٣ - موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن، السيّد محمّد مهدي الموسوي الخرسان، المطبعة: ستارة، الطبعة الأولى ١٤٢٨هـ .
٣١٤ - الموطّأ، مالك بن أنس (ت١٧٩هـ)، تصحيح وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي، سنة ١٤٠٦، دار إحياء التراث الإسلامي.
٣١٥ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨هـ)، تحقيق: علي محمّد البجاوي الطبعة الأولى ١٣٨٢هـ ، دار المحرق - بيروت.
٣١٦ - ميزان الحكمة، محمّد الريشهري، تحقيق: دار الحديث، المطبعة: دار الحديث الطبعة الأولى.
٣١٧ - الميزان في تفسير القرآن، السيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت١٤٠٢هـ)، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية - قم المقدّسة.
٣١٨ - النزاع والتخاصم، المقريزي (ت٨٤٥هـ)، تحقيق: السيّد علي عاشور.
٣١٩ - نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض، أحمد شهاب الدين الخفاجي، دار الفكر.
٣٢٠ - نشأة التشيّع، السيّد طالب الخرسان، انتشارات الشريف الرضي الطبعة الأولى ١٤١٢هـ .
٣٢١ - نصب الراية، الزيلعي (ت٧٦٢هـ)، اعتنى به: أيمن صالح شعبان مطبعة الوفاء - المنصورة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .
٣٢٢ - النص والاجتهاد، السيّد شرف الدين (ت١٣٧٧هـ)، تحقيق وتعليق: أبو مجتبى، مطبعة سيّد الشهداء(عليه السلام) - قم الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ .
٣٢٣ - نظرة حول دروس في العقيدة الإسلاميّة، عبد الجواد الإبراهيمي، مؤسسة أنصاريان - قم الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
٣٢٤ - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين، جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي الحنفي المدني (ت٧٥٠هـ)، الطبعة الأولى ١٣٧٧هـ .
٣٢٥ - نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار، السيّد علي الميلاني، مطبعة مهر الطبعة الأولى ١٤١٤هـ .
٣٢٦ - النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد (ت٤١٣هـ)، تحقيق: رضا المختاري، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت - لبنان الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .
٣٢٧ - النكت والعيون تفسير المارودي، أبو الحسن علي بن محمّد بن حبيب المارودي البصري مراجعة وتعليق: بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
٣٢٨ - النهاية في غريب الحديث والأثر ابن الأثير الجزري (ت٦٠٦هـ).
٣٢٩ - نهج البلاغة، ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، تحقيق: محمّد عبده، دار الذخائر - قم المصورة على طبعة دار المعرفة - بيروت الطبعة الأولى ١٤١٢هـ .
٣٣٠ - نيل الأوطار من أحاديث سيّد الأخيار شرح منتقى الأخبار، محمّد بن علي ابن محمّد الشوكاني (ت١٢٥٥هـ)، دار الجيل، بيروت - لبنان سنة الطبع ١٩٧٣م.
٣٣١ - الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت٧٦٤هـ)، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ .
٣٣٢ - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت١١٠٤هـ)، تحقيق: ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .
٣٣٣ - الوسيلة إلى نيل الفضيلة، عماد الدين محمّد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة (ت٥٦٠هـ)، تحقيق: الشيخ محمّد الحسون، طبع: مطبعة الخيام - قم الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ .
٣٣٤ - الوضّاعون وأحاديثهم الموضوعة، الشيخ الأميني (ت١٣٩٢هـ)، إعداد وتقديم: السيّد رامي يوزبكي المطبعة: محمّد الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة.
٣٣٥ - وضوء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، السيّد علي الشهرستاني، المطبعة: ستارة - قم الطبعة الأولى ١٤١٥هـ .
٣٣٦ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أحمد بن محمّد بن خلكان (ت٦١٨هـ)، تحقيق: إحسان عبّاس، دار الثقافة - بيروت.
٣٣٧ - ومن الحوار اكتشفت الحقيقة، هشام آل قطيط، دار المنتظر - بيروت الطبعة الأولى ١٤٢١هـ .
٣٣٨ - الوهّابيون والبيوت المرفوعة، الشيخ محمّد علي الهمداني السنقري (ت١٣٧٨هـ)، تحقيق: لجنة من العلماء، الطبعة الثانية محقّقة ومفهرسة ١٤١٨هـ .
٣٣٩ - الوهّابية في الميزان، الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الفكر الإسلامي الطبعة الأولى ١٤١٧هـ .
٣٤٠ - الوهّابية في صورتها الحقيقية، مركز الغدير، المطبعة: باقري الطبعة الأولى ١٤١٥هـ ، الناشر مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة.
٣٤١ - الوهّابية والتوحيد، الشيخ علي الكوراني العاملي، دار السيّدة - بيروت الطبعة الثانية ١٤١٩هـ .
٣٤٢ - هبة السماء رحلتي من المسيحية إلى الإسلام، علي الشيخ، الطبعة الأولى ١٤٢٠ - ٢٠٠٠م، دار الصادقين للطباعة والنشر - قم.
٣٤٣ - هذه هي الوهّابية، محمّد جواد مغنيه (ت١٤٠٠هـ).
٣٤٤ - هويّة التشيّع، الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، دارا لصفوة، بيروت - لبنان الطبعة ا لثالثة ١٤١٤هـ .
٣٤٥ - اليقين باختصاص مولانا علي(عليه السلام) بإمرة المؤمنين، السيّد رضي الدين علي ابن طاووس الحلي (ت٦٦٤هـ)، تحقيق: الأنصاري، المطبعة: نمونة الطبعة الأولى ١٤١٣ الناشر: مؤسسة دار الكتاب.
٣٤٦ - ينابع المودّة لذوي القربى، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت١٢٩٤هـ)، تحقيق: سيّد علي جمال أشرف الحسيني دار الأسوة - قم الطبعة الأولى ١٤١٦هـ .